######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006319 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري المعتزلي (المتوفى: 436هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 436 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المعتمد في أصول الفقه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006319 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6319 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6319 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: خليل الميس #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1403 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [المعتمد في أصول الفقه] # المؤلف: محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري المعتزلي (المتوفى: 436ه) # المحقق: خليل الميس # الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت # الطبعة: الأولى، 1403 # عدد الأجزاء: 2 # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] # PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الجليل الامام أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري رحمه ~~الله # أحمده على آلائه وأشكره على نعمائه وأستعين به وأتوكل عليه وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله الأبرار وسلم # ثم الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أصول الفقه بعد شرحي كتاب العمد ~~واستقصاء القول فيه أني سلكت في الشرح مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه وتكرار ~~كثير من مسائله وشرح أبواب لا تليق بأصول الفقه من دقيق الكلام نحو القول ~~في أقسام العلوم وحد الضروري منها والمكتسب وتولد النظر العلم ونفي توليده ~~النظر إلى غير ذلك فطال الكتاب بذلك وبذكر ألفاظ العمد على وجهها وتأويل ~~كثير منها فأحببت أن أؤلف كتابا مرتبة ابوابه غير مكررة وأعدل فيه عن ذكر ~~ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام إذ كان ذلك من علم آخر لا يجوز خلطه ~~بهذا العلم وإن يعلق به من وجه بعيد فإنه إذا لم يجز أن يذكر في كتب الفقه ~~التوحيد والعدل وأصول الفقه مع كون الفقه مبنيا على ذلك مع شدة اتصاله به ~~فبأن لا يجوز ذكر هذه الأبواب في أصول الفقه على بعد تعلقها بها ومع أنه لا ~~يقف عليها فهم الغرض بالكتاب أولى وأيضا فإن القارىء لهذه الأبواب في أصول ~~الفقه إن كان عارفا بالكلام فقد عرفها على أتم استقصاء وليس يستفيد من هذه ~~الأبواب شيئا وإن كان غير عارف بالكلام صعب عليه فهمها وإن شرحت له فيعظم ~~ضجره وملله إذ كان قد صرف عنايته وشغل زمانه بما يصعب عليه فهمه وليس بمدرك ~~منه غرضه فكان الأولى حذف هذه الأبواب من أصول الفقه # PageV01P003 # فحذاني إلى تأليف هذا الكتاب ما ذكرته وأن ms001 يقدم هذا الكتاب أيضا زيادات ~~لا توجد في الشرح وأنا إن شاء الله أذكر الغرض بهذا الكتاب ثم أذكر أقسامه ~~وعدد أبوابه وترتيبها ثم أشرع في الكلام فيها بمعونة الله وحسن توفيقه - ~~صلى الله عليه وسلم - باب ذكر الغرض من هذا الكتاب - صلى الله عليه وسلم - # أعلم أن الغرض بهذا هو النظر في أصول الفقه فإن قيل قولكم أصول الفقه ~~يشتمل على الأصول وعلى الفقه فما الفقه وما الأصول ثم ما أصول الفقه فيل ~~أما قولنا فقه فإنه يستعمل في اللغة وفي عرف الفقهاء أما في اللغة فهو ~~المعرفة بقصد المتكلم يقول فقهت كلامك أي عرفت قصدك به وأما في عرف الفقهاء ~~فهو جملة من العلوم بأحكام شرعية فإن قيل فما الأحكام ها هنا قيل هي ~~المنقسمة إلى كون الفعل حسنا مباحا ومندوبا إليه وواجبا وقبيحا محرما ~~محظورا ومكروها وليست الأحكام هي الأفعال لأن الأحكام مضافة إلى الأفعال ~~لقول أحكام الأفعال والشيء لا يضاف إلى نفسه فإن قيل ما الحسن وما المندوب ~~إليه والواجب والمحرم والمحظور والقبيح والمكروه لأنكم إن لم تبينوا ذلك لم ~~تكونوا قد بينتم الأحكام فلا تكونوا قد بينتم الفقه ولا يمكن أيضا أن ~~تستدلوا على ان الأمر على الوجوب أو الندب إلا بعد أن تعقلوا ذلك قيل له ~~أما الحسن فهو فعل إذا فعله القادر عليه لم يستحق الذم على وجه وأما ~~المندوب إليه في عرف الفقهاء فهو فعل بعث المكلف من غير إيجاب وإذا أطلق ~~أفاد لأن الله عز وجل ندب إليه وأما الواجب فهو فعل للإخلال به مدخل في ~~استحقاق الذم أو للإخلال به تأثير في استحقاق الذم وأما القبيح فهو فعل له ~~تأثير في استحقاق الذم واما المحرم والمحظور فهو ما منع من فعله بالزجر ~~وإذا أطلق أفاد أن الله سبحانه حرمه وحظره ولك أن تقول إنه ما حرم فعله ~~وحظر ومعنى تحريم الله إياه # PageV01P004 # وحظره أنه دل المكلف على قبحه أو أعلمه ذلك واما المكروه في عرف الفقهاء ~~ما الأولى أن لا ms002 يفعل وسيجيء شرح ذلك في موضع آخر وإنما ذكرنا من الآن ما ~~تمس الحاجة إليه فإن قيل فما معنى قولكم في الأحكام إنها شرعية قيل معنى ~~ذلك أنها مستفادة إما بنقل الشريعة لها عن حكم الأصل وإما بامساك الشريعة ~~عن نقلها عن حكم الأصل وهذا الأخير إنما يتم لنا بأن يعرف الحظر والاباحة ~~في الأصل ويعرف إمساك الشريعة عن نقلهما وذلك يقتضي أن يذكر الحظر والاباحة ~~في طرق الفقه لأنه لا بد منهما وإن شرطنا فيهما إمساك الشريعة عن نقلهما # فأما قولنا أصول فإنه يفيد في اللغة ما يبتني عليه غيره ويتفرع عليه وأما ~~قولنا أصول الفقه فإنه يفيد على موجب اللغة ما يتفرع عليه الفقه كالتوحيد ~~والعدل وأدلة الفقه ويفيد في عرف الفقهاء النظر في طرق الفقه على طريق ~~الاجمال وكيفية الاستدلال بها وما يتبع كيفية الاستدلال بها فإن قيل ولم ~~قلتم إنه يفيد في عرفهم ما ذكرتموه فقط دون غيره مما ينبني عليه الفقه قيل ~~أما أنه يفيد في عرفهم ما ذكرناه من الطرق المجملة وكيفية الاستدلال بها ~~فلا شك فيه وأما أنه لا يفيد غيره مما يبتني الفقه عليه فلأنهم لا يسمون ~~غيره أصولا للفقه وإن يفرع عليه كالتوحيد والعدل والنبوات وأدلة الفقه ~~المفصلة ألا ترى أنهم لا يسمون الكتب المصنفة في هذه الأدلة كتبا في أصول ~~الفقه فإن قيل فما طرق الفقه قيل هي ما النظر الصحيح فيها يفضي إلى الفقه ~~فإن قيل وإلى كم ينقسم قيل إلى قسمين دلالة وأمارة والدلالة هي ما النظر ~~الصحيح فيها يفضي إلى العلم والإمارة هي ما النظر الصحيح فيها يفضي إلى ~~غالب الظن فإن قيل بينوا ما العلم وما الظن الصحيح كما بينتم ما الدلالة ~~وما الأمارة لأن جميع ذلك قد دخل في تفسير طرق الفقه ولأن معرفة الفرق بين ~~الدلالة والأمارة مفتقر إليها في أصول الفقه لأن بعضها أدلة وبعضها أمارة ~~قيل أما العلم فهو الاعتقاد المقتضي لسكون النفس إلى أن معتقده على ما ~~اعتقده عليه # PageV01P005 # وأما الظن ms003 فهو تغليب بالقلب لأحد مجوزين ظاهري التجويز وأما النظر فهو ~~الفكر ولك أن تقول هو الاستدلال والاستدلال هو ترتيب اعتقادات أو ظنون ~~ليتوصل بها إلى الوقوف على الشيء باعتقاد أو ظن واما النظر الصحيح فهو ~~ترتيب للعلوم أو للظنون بحسب العقل ليتوصل بها إلى علم أو ظن والفرق بين ~~كامل العقل ومن ليس بكامل العقل ظاهر في الجملة وليس هذا موضع تفصيله فإن ~~قيل فما معنى وصفكم أصول الفقه بأنها طرق الفقه على جهة الاجمال قيل معنى ~~ذلك أنها غير معينة ألا ترى أنا إذا تكلمنا في أن الأمر على الوجوب لم نشر ~~إلى أمر معين وكذلك النهي والاجماع والقياس وليس كذلك أدلة الفقه لأنها ~~معينة نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات ولهذا كان القول ~~بأن أصول الفقه كلام في أدلة الفقه يلزم عليه أن يكون كلام الفقهاء في أدلة ~~الفقه المعينة كلاما في أصول الفقه فإن قيل فماذا عنيتم بقولكم كيفية ~~الاستدلال ها هنا قيل الشروط والمقدمات وترتيبها الذي معه يستدل بالطرق على ~~الفقه فإن قيل فما مرادكم بقولكم وما يتبع كيفية الاستدلال ها هنا قيل هو ~~القول في إصابة المجتهدين لأنه يتبع كيفية استدلالهم أن يقال هل أصابوا أم ~~لا - صلى الله عليه وسلم - باب في قسمة أصول الفقه - صلى الله عليه وسلم - # أعلم أنه لما كانت أصول الفقه طرقا إلى الأحكام الشرعية وكيفية الاستدلال ~~بها وما يتبع ذلك وكانت الأحكام الشرعية تلزم المجتهد وغير المجتهد وجب أن ~~يكون لهذا طريق ولذاك طريق وطريق الذي ليس بمجتهد فتوى المجتهد وطريق ~~المجتهد ضربان # احدهما البقاء على حكم العقل إذا لم ينقل عنه شرع وذلك يقتضي ذكر الحظر ~~والاباحة ليعلم ما يجوز أن ينتقل بالشرع عن حكم العقل وما لا يجوز أن ينتقل # PageV01P006 # والآخر ما يرد من حكيم أو ما هو طريق إلى ورود ذلك من حكيم كالاجتهاد وما ~~يرد من حكيم ضربان أحدهما مستنبط كالقياس والآخر غير مستنبط وما ليس ~~بمستنبط ضربان أحدهما أقوال والآخر أفعال ms004 والحكيم الصادر عنه الأقوال إما ~~أن يكون حكيما لذاته وهو الله سبحانه وإما أن يكون حكيما لأنه معصوم من ~~الخطأ وهو ضربان أحدهما آحاد الأنبياء والآخر جماعة الأمة والأقوال إما أن ~~تكون أصلا في الافادة وإما أن تكون تابعة لغيرها في الافادة كالحروف التي ~~إنما تغير فوائد الأسماء والأفعال فتحصل فوائدها متراخية أو متعقبة وما ~~يكون أصلا في الافادة إما أن يفيد معنى مقترنا بزمان وهو الأفعال وإما أن ~~يفيد معنى غير مقترن بزمان وهو الأسماء ويدخل في الأفعال الأمر والنهي ~~والأسماء إما أن تكون شاملة وإما أن تكون خاصة وإما أن تدل على طريق ~~الإجمال أو لا على طريق الإجمال وهو المجمل والمبين ولا يخلو الكلام إما أن ~~لا يفيد رفع حكم دليل شرعي أو يفيد ذلك وهو الناسخ وهذه الأفعال والأقوال ~~نتكلم فيها على وجهين أحدهما كلام في غاية الاجمال من غير تعيين أصلا نحو ~~أن نبين فوائدها وما ضعت له والآخر كلام أقل إجمالا من ذلك نحو أن ننظر هل ~~الأقوال التي عرفنا فوائدها هي التي في القرآن والسنة فقط أو يضم إلى ذلك ~~ما في كتب المتقدمين من الأنبياء ويدخل في ذلك أبواب سنذكرها # وأما كيفية الاستدلال بالأدلة على الأحكام فالمرجع به إلى كيفية ترتيب ~~الشروط والمقدمات التي معها يستدل بالأدلة على الاحكام الشرعية ويصح أن ~~يحمل معها خطاب الحكيم إذا تجرد على حقيقته دون مجازه وعلى مجازه مع ~~القرينة وذلك يوجب أن نتكلم في الحقيقة والمجاز ليصح أن نعلم ما حقيقة ~~الأمر والنهي والعموم فيصح حمل ذلك على حقائقه وذلك يقتضي أن نقسم الكلام ~~قسمة تنتهي إلى الحقيقة والمجاز ونتكلم في إثباتهما وحدهما ونذكر ما يفصل ~~به بينهما ونذكر أحكامهما ونتبع الكلام في كيفية الاستدلال على الأحكام ~~النظر في المستدلين على الأحكام هل هم مصيبون على اختلافهم أم # PageV01P007 # لا فحصلت أبواب أصول الفقه هذه أقسام الكلام وذكر الحقيقة والمجاز وفوائد ~~الحروف والأمر والنهي والعموم والخصوص والمجمل والمبين والأفعال والناسخ ~~والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة ms005 وطرق الأحكام وكيفية ~~الاستدلال بالأدلة وصفة المفتي والمستفتي وإصابة المجتهدين - صلى الله عليه ~~وسلم - باب ترتيب أبواب أصول الفقه - صلى الله عليه وسلم - # أعلم أنه لما كانت أصول الفقه هي طرق الفقه وكيفية الاستدلال بها وما ~~يتبع كيفية الاستدلال بها وكان الأمر والنهي والعموم من طرق الفقه وكان ~~الفصل بين الحقيقة والمجاز تفتقر إليه معرفتنا بأن الأمر والنهي والعموم ما ~~الذي يفيد على الحقيقة وعلى المجاز وجب تقديم أقسام الكلام وذكر الحقيقة ~~منه والمجاز وأحكامهما وما يفصل به بينهما على الأوامر والنواهي ليصح أن ~~نتكلم في أن الأمر إذا استعمل في الوجوب كان حقيقة ثم الحروف لأنه قد يجري ~~ذكر بعضها في أبواب الأمر فلذلك قدمت عليها ثم نقدم الأوامر والنواهي على ~~باقي الخطاب لأنه ينبغي أن يعرف فائدة الخطاب في نفسه ثم نتكلم في شمول تلك ~~الفائدة وخصوصها وفي إجمالها وتفصيلها ونقدم الأمر على النهي لتقديم ~~الإثبات على النفي ثم نقدم الخصوص والعموم على المجمل والمبين لأن الكلام ~~في الظاهر اولى بالتقديم من الخفي ثم نقدم المجمل والمبين على الأفعال ~~لأنهما من قبيل الخطاب ولأن المجمل كالعموم في أنه يدل على ضرب من الإجمال ~~فجعل معه وتقدم الأفعال على الناسخ والمنسوخ لأن النسخ يدخل الأفعال ويقع ~~بها كما يدخل الخطاب ونقدم النسخ على الإجماع لأن النسخ يدخل في خطاب الله ~~سبحانه وخطاب رسوله صلى الله عليه دون الاجماع ونقدم الأفعال على الاجماع ~~لأنها متقدمة على النسخ والنسخ متقدم على الاجماع ولأن الأفعال كالأقوال في ~~انها صادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما # PageV01P008 # قدمنا جملة أبواب الخطاب على الاجماع لأن الخطاب طريقنا الى صحته ولأن ~~تقديم كلام الله سبحانه وكلام نبيه أولى ثم نقدم الإجماع على الأخبار لأن ~~الأخبار منها آحاد ومنها تواتر أما الآحاد فالإجماع أحد ما يعلم به وجوب ~~قبولها وهي أيضا أمارات فجاورنا بينها وبين القياس وأما المتواتر فإنها وإن ~~كانت طريقا إلى معرفة الإجماع فانه يجب تأخيرها عنه كما أخرناها عن الخطاب ~~لما وجب أن ms006 نعرف الأدلة ثم نتكلم في طريق ثبوتها وإنما اخرنا القياس عن ~~الإجماع لأن الإجماع طريق إلى صحة القياس وأما الحظر والاباحة فلتقدمه على ~~الخطاب وجه غير أنه لما كان أكثر الغرض بهذا الكتاب الأدلة الشرعية المحضة ~~قدمت على الحظر والاباحة على الكلام في طريق الأحكام الذي هو أقل إجمالا ~~لأنا تكلمنا قي الحظر والاباحة على ضرب من الاجمال كما تكلمنا في الأمر ~~والنهي فجعلنا الحظر والاباحة في هذه الجملة ثم انتقلنا إلى الكلام في ~~الطرق التي هي اقل إجمالا وقدمناه على كيفية الاستدلال بها لأن كيفية ~~الاستدلال بها فرع عليها ثم تكلمنا في كيفية الاستدلال بطرق الأحكام وقدمنا ~~جملة هذه الأبواب على صفة المفتي والمستفتي لأن المفتي إنما يجوز له أن ~~يفتي إذا عرف جميع ما ذكرناه من الأدلة وكيفية الاستدلال بها والمستفتي ~~إنما يجوز له أن يستفتي إذا لم يعرف ذلك فصار الكلام في المفتي والمستفتي ~~فرعا عى المعرفة بجملة ما تقدم وبعد ذلك ننظر في إصابة المجتهد إذا اجتهد ~~لنفسه أو ليفتي غيره # فقد أتينا على ذكر الغرض بالكتاب وقسمة أبوابه وترتيبها ونحن نشرع في ~~أبواب الكتاب ونذكر كل باب في موضعه الذي يليق به إن شاء الله عز وجل - صلى ~~الله عليه وسلم - باب في حقيقة الكلام وقسمته - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الكلام هو ما انتظم من الحروف المسموعة المتميزة وقد دخل في # PageV01P009 # ذلك كل ما هو كلام كالحرفين فصاعدا لأن الحرفين موصوفان بأنهما من الحروف ~~وبهذا الحد ينفصل الكلام مما ليس بكلام لأنه ينفصل مما ليس بحروف ومن حروف ~~الكتابة لأنها غير مسموعة ومن أصوات كثيرة من البهائم لأنها ليست بحروف ~~متميزة ومن الحروف الواحد نحو الزاي من زيد لأنه ليس يوجد في الحرف الواحد ~~انتظام ومن حد الكلام بانه المفيد يلزمه أن تكون الاشارة والعقد كلامين ومن ~~شرط في كونه كلاما وقوع المواضعة عليه يلزمه أن لا يكون الحروف المؤلفة ~~كلاما إذا لم يقع عليها الاصطلاح مع أن أهل اللغة قسموا الكلام إلى ms007 المهمل ~~والمستعمل فوصفوا المهمل بأنه كلام وإن لم يوضع لشيء وليس يبعد أن يشترط في ~~كون الحروف كلاما وقوع الاصطلاح عليها وأن يوصف المهمل بأنه كلام على سبيل ~~المجاز لأن ما سمعناه يصل بين حرفين نحو التاء مع التاء والألف مع الألف لا ~~يوصف بأنه متكلم فإن علم أن ذلك مصطلح عليه وصف بأنه متكلم فإذا ثبت ذلك ~~قلنا الكلام هو ما انتظم من الحروف المسموعة المتميزة المتواضع على ~~استعمالها في المعاني وإذا حددنا الكلام بهذا كان الكلام كله مستعملا ~~وقسمناه هكذا الكلام منه ما يفيد صفة فيما استعمل فيه ومنه ما لا يفيد صفة ~~فيما استعمل فيه وإن حددناه بالحد الأول قلنا في قسمته الكلام ضربان مهمل ~~ومستعمل فالمهمل لم يوضع في اللغة لشيء والمستعمل هو ما وضع ليستعمل في ~~المعاني وهو ضربان أحدهما يفيد صفة فيما استعمل فيه والاخر لا يفيد صفة ~~فيما استعمل فالأول كقولنا أسود وطويل والثاني ضربان أحدهما فيه معنى ~~الشمول والآخر ليس فيه معنى الشمول أما الأول فكقولنا شيء فإنه وضع لكل ما ~~يصح أن يعلم والآخر أسماء الأعلام كقولنا زيد وذلك أن من سمى ابنه زيدا ~~فإنه لا يجب أن يشارك بينه وبين غيره في الاسم والألقاب تجري مجرى الاشارة ~~لأن اللقب لا يفيد فيه صفة مخصوصة ولا مجموع صفاته ألا ترى أنه ينقص بعض ~~صفاته وأعضائه ويزيد له صفة أخرى من طول وسمن ولا يتغير اسمه ويجوز أن ~~تتغير الألقاب على الشخص مع أن # PageV01P010 # اللغة باقية وإنما جاز ذلك لأن تسمية هذا الشخص زيدا لم تكن توضع من ~~واضعي اللغة حتى إذا سلبناه عنه كنا قد خالفنا لغتهم وليس كذلك إذا سلبنا ~~اسم الطويل عن الطويل وعوضناه منه اسم القصير لأن ذلك تغيير لوضعهم فلم يجز ~~ذلك مع أننا متكلمون بلغتهم # فصار الكلام على ضربين أحدهما مستعمل بوضع اهل اللغة وليس بلقب والآخر ~~لقب فاللقب لا يدخله الحقيقة والمجازعلى ما سنذكره وما ليس بلقب يدخله ~~الحقيقة والمجاز # فقد أتينا على حد الكلام ms008 وقسمته حتى انتهينا إلى ذكر الحقيقة والمجاز ~~ونحن نذكر معنى الحقيقة والمجاز وتقسيمهما ونذكر احكامهما وما ينفصل به ~~أحدهما من الآخر إن شاء الله - صلى الله عليه وسلم - باب في إثبات الحقيقة ~~والمجاز وفي حدها - صلى الله عليه وسلم - # أما إثباتهما في اللغة فظاهر في الجملة لقول أهل اللغة هذا الاسم حقيقة ~~وهذا الاسم مجاز وإذا عرفنا ماهيتهما تكلمنا في إثباتهما على التفصيل فأما ~~حدهما فهو أن الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع ~~التخاطب به وقد دخل في هذا الحد الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية والمجاز ~~هو ما أفيد به معنى مصطلحا عليه غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة ~~التي وقع التخاطب فيها # فان قيل فيجب إذا قال الواضع سموا هذا حائطا أو قال قد سميت هذا حائطا أن ~~لا يكون قوله حائط في تلك الحال حقيقة للحائط قيل كذلك نقول لأنه لم يتقدم ~~ذلك مواضعة فيكون قد أفاد بقوله حائط ما اقتضته تلك المواضعة ولا يكون أيضا ~~مجازا لأنه لم يتقدمه # PageV01P011 # مواضعة بخلاف ما أفاد به الآن فيكون مجازا فا قيل فيجب إذا أفاد المتكلم ~~بكلامه معناه العرفي أو الشرعي أن يكون مجازا لأنه غير المواضعة الأصلية ~~قيل هو مجاز بالاضافة إلى المواضعة ألأصلية وليس بمجاز بالاضافة إلى ~~المواضعة العرفية لأنه لم يفد به في الاصطلاح معنى غير ما وضع له وكذلك ~~القول في الاسم الشرعي # وقد حد الشيخ أبو عبد الله أخيرا الحقيقة بأنها ما أفيد بها ما وضعت له ~~وحد المجاز بأ نه ما أفيد به غير ما وضع له وهذا يلزم عليه أن يكون من ~~استعمل اسم السماء في الأرض قد يجوز به لأنه قد أفاد به غير ما وضع له فان ~~قيل من استعمل اسم السماء في الأرض لا يكون قد أفاد به الأرض لأنها لا تعقل ~~منه قيل وكذلك من استعمل اسم الأسد في الشجاع لا يفهم منه الرجل الشجاع فان ~~قلتم يفهم ذلك إذا دلنا على ms009 أنه أراد به الرجل الشجاع قيل لهم وكذلك يفهم ~~من قوله السماء الأرض إذا دلنا على أنه أراد ذلك فان قال إنما أردنا بقولنا ~~ما أفيد به غير ما وضع له أنه إذا أطلق المتكلم الاسم جوز السامع أن يكون ~~المتكلم قد استعمله في المجاز وهذا غير قائم فيمن استعمل السماء في الأرض ~~قيل هذا يلزمكم عليه أن يكون الاسم مجازا وإن استعمله المتكلم في حقيقته ~~لأن السامع له يجوز أن يكون عني به مجازا وفي ذلك كون الأسماء كلها مجازا ~~وأيضا فما يجوز من قصد المتكلم باللفظة لا يقال إنه مستفاد منها فان قيل ~~أردنا بقولنا ما أفيد به غير ما وضع له أنه إذا دل المتكلم على أنه ما أراد ~~بكلامه الحقيقة علم أنه أراد المجاز ولا يلزم على ذلك أن يكون اسم السماء ~~مجازا في الأرض وإن عناها المتكلم بقوله سماء لأن المتكلم إذا دل على أنه ~~لم يرد الحقيقة ولم يستفد منه أنه أراد الأرض قيل أليس لو دل على أنه أراد ~~الأرض عقل منه الأرض كما لو دل على أنه أراد به المجاز عقل منه المجاز ~~وإنما لم يعقل الأرض من كلامه إذا قرن بكلامه دلالة مخصوصة وأنتم # PageV01P012 # لم تذكروا في حد المجاز ما أفيد به غير ما وضع له بدلالة مخصوصة حتى لا ~~يبطل بما ذكرناه # وقد حد الشيخ أبو عبد الله رحمه الله أولا الحقيقة بأنه ما انتظم لفظها ~~معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل وحد المجاز بأنه ما لا ينتظم لفظه ~~معناه إما لزيادة أو لنقصان أو لنقل عن موضعه فالذي لا ينتظم لفظه مناه ~~لأجل زيادة هو الذي ينتظم المعنى إذا أسقطت الزيادة نحو قوله سبحانه {ليس ~~كمثله شيء} فان الكاف زائدة فمتى أسقطناها صار ليس مثله شيء وأما الذي لا ~~ينتظم المعنى لأجل النقصان فهو الذي ينتظمه إذا زدنا في الكلام ما نقص منه ~~نحو قوله عز وجل {واسأل القرية} لأنه قد اسقط من الكلام أهل القرية ومثال ms010 ~~نقل من موضعه قول القائل رأيت الأسد وهو يعني الرجل الشجاع # ولقائل أن يقول إن المجاز لأجل الزيادة والنقصان قد نقل عن موضعه إلى ~~موضع آخر فلا معنى لجعله قسمين آخرين لأن المجاز لأجل الزيادة ليس ينتظم ~~لفظه ومعناه لأجل النقل أيضا لأن قوله {ليس كمثله شيء} يفيد أن لا شيء مثل ~~مثله وقد نقل عن هذا المعنى إلى نفي المثل عن الله سبحانه وكذلك قوله الله ~~سبحانه {واسأل القرية} موضع لسؤال القرية وقد نقل إلى أهلها # وقاضي القضاة رحمه الله يذهب إلى تصحيح الحد الذي ذكره أبو عبد الله ~~أخيرا ويقول إن ما ذكره أولا هو صفة الحقيقة والمجاز وليس بحد قال لأن ~~الاسم إذا كان تارة حقيقة أو أفيد به غير ما وضع له فيكون مجازا ولقائل أن ~~يقول بل الغير الذي به يكون حقيقة هو أن ينتظم لفظه معناه من # PageV01P013 # غير زيادة ولا نقصان ولا نقل والذي به يكون مجازا ضد ذلك والذي ينصر به ~~الحد هو أن المجاز مقابل للحقيقة فحد أحدهما يجب كونه مقابلا لو الآخر ~~والمفهوم من قولنا مجاز هو أنه قد يجوز به ونقل عن موضعه الذي هو ألحق به ~~وهذا هو معنى ما حددنا به المجاز فيجب أن يكون حد الحقيقة ما لم ينقل عن ~~موضعه وهذا معنى ما حددنا به الحقيقة - صلى الله عليه وسلم - باب قسمة ~~الحقيقة والمجاز - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الحقيقة تنقسم بحسب المواضع التي تكون حقيقة فيها وبحسب إطلاق ~~فائدتها وكونها مشروطة وبحسب كيفية دلالتها فأما الأول فهو أن الحقيقة إما ~~أن تكون لغوية وإما عرفية وإما شرعية لأن اللفظ إذا أفاد المعنى على سبيل ~~الحقيقة فإما أن يفيده بمواضعة شرعية أو غير شرعية بل لغوية واللغوية ضربان ~~إما اصلية أو طارئة وهي العرفية والمجاز أيضا قد يكون مجازا في اللغة أو في ~~العرف أو في الشرع # وأما القسمة الثانية فهي أن اللفظة إذا أفادت فائدة على الحقيقة فإما أن ~~تفيدها على الإطلاق وإما بشرط ms011 فالأول كقولنا طويل يفيد ما اختص بالطول في ~~أي جسم كان وهذا ضربان أحدهما يفيد فائدة واحدة والآخر يفيد أكثر من فائدة ~~واحدة والثاني نحو قولنا أبلق يفيد اجتماع البياض والسواد بشرط أن يكون في ~~الخيل # وأما القسمة الثالثة فهي أن الحقيقة إما أن تكون اسما أو فعلا أو حرفا # وذلك أنها إما أن تستقل إفادتها بنفسها ولا تفيد على طريق التبع وإما أن ~~تفيد على طريق التبع ولا تستقل بنفسها كالحرف فانه يفيد فائدة ما دخل عليه ~~نحو الفاء المفيدة للتعقيب بين شيئين والواو المفيدة للجمع والأول ضربان ~~أحدهما يفيد ما يفيده مع زمان وهو الفعل والآخر يفيد بلا زمان # PageV01P014 # وهو الاسم واعلم أنا قد نصف الكلام بأنه مفيد ونعني أنه موضوع لفائدة ~~وانه مستعمل فيها وهذا حاصل في اللفظ المفرد وقد نعني بذلك أنه يفيد اتصال ~~المعاني بعضها ببعض وهذا لا يكون في اللفظ المفرد لأنه لا يفيد اتصال بعض ~~المعاني ببعض ولا يفيد تصوره معناه لأن معناه متصور لنا قبل اللفظ والكلام ~~المفيد إيصال بعض المعاني ببعض وتعلق بعضها ببعض إما أن يكون اسما مع اسم ~~وإما أن يكون إسما مع فعل أما الأسماء فانه لا يمتنع أن يكون فوائد بعضها ~~صفاتا لبعض فيفهم من اتصالها فوائدها بعضها ببعض كقولنا زيد أحول وزيد طويل ~~وأما الفعل مع الاسم فانه لا يمتنع أن يكون فائدة الفعل مستندة إلى فائدة ~~الاسم فيستفاد من اتصال الفعل الاسم إسناد الفعل المسمى بذلك الاسم تقدم ~~الاسم أم تأخر كقولك زيد يضرب أو يضرب زيد وليس الفعل يلتئم مع الحرف ~~بفائدة ولا به بالاسم لأن الحرف إنما ينبىء عن كيفية إيصال فائدة بفائدة ~~نحو الواو المفيدة للاشراك والفاء المفيدة للتعقيب وليس يدخل تحت الاسم ~~الواحد ولا تحت الفعل الواحد فائدتان فيكون الحرف مفيدا لكيفية إيصال ~~أحدهما بالأخرى فأما قولنا يا زيد ففيه إضمار أمره بشيء أو نهيه عن شيء أو ~~إخباره عن شيء معناه يا زيد أقبل او لا تفعل أو هل في ms012 الدار عمرو والمنادى ~~يجد من نفسه أنه يضمر ذلك وربما أظهره ولهذا إذا سمعه المنادي قال ما الذي ~~تريد فدل على أنه قد عقل منه إضمار ما ذكرناه وقد قيل إن قول القائل يا زيد ~~معناه انادي زيدا ولو كان هذا كما قالوا لكان قد أفاد الاسم مع الحرف هذه ~~الفائدة وفي ذلك نقض قولهم وأما الفعل فانه لما كان حدثا لم يصح أن يسند ~~إليه حدث آخر ولا أن ينعت وإنما يجوز أن ينعت من حيث كان صورة ولهذا كان ~~قولنا لزيد انظر حسنا معناه انظر نظرا حسنا والاسم إذا نعت بالاسم فانعقدت ~~به الفائدة كان خبرا والفعل إذا قرن بالاسم فإما أن يقرن به على سبيل النعت ~~فيكون خبرا وما في معناه كقولك زيد يضرب وإما أن يقرن به على سبيل الحدث ~~إما على الفعل فيكون أمرا وإما # PageV01P015 # على تركه فيكون نهيا فبان أن الخطاب المفيد إما أن يكون أمرا وما في ~~معناه أو خبرا أو ما في معناه وأيضا فان من خاطب غيره فإما أن يكون في حكم ~~من يعطيه شيئا أو يأخذ منه شيئا فالأول هو الباعث إما على الفعل أو على ~~الترك وأما المعطي فهو المخبر وما في معناه كالمتمني فأما الاستفهام ~~والاستخبار فهما طلب الفهم والخبر فهما في معنى الأمر والباعث على الفعل أو ~~على الترك إما أن يكون أعلى رتبة من المبعوث فيكون بعثه أمرا وإما أن يكون ~~دونه فيكون سؤالا وإما أن يكون مساويا فيكون طلبا ويبعد أن يكون سؤالا لما ~~في السؤال من انخفاض الرتبة ويبعد أن يكون أمرا لما في الأمر من علو الرتبة ~~وقد ذكر أكثر هذه القسمة الأخيرة من تقدم # فأما قاضي القضاة رحمه الله فانه قسم الكلام المفيد إلى الأمر والنهي وما ~~في معناهما وإلى الخبر فقال المخاطب لغيره إما أن يفيد حال نفسه فيدخل فيه ~~الأمر والنهي لأن الأمر ينبىءعن إرادة الآمر والنهي ينبىء عن كراهته واما ~~أن ينبىء عن حال غيره فيكون الخبر وإذا علم ms013 أن كل واحد منهما قد يدخل في ~~الآخر لأن الانسان قد ينبىء عن حال نفسه بالخبر وينبىء عن حال غيره بالأمر ~~والنهي لأنهما يدلان على وجوب الفعل وقبحه وإذا كان كذلك لم يكن ما ذكره ~~قسمة متقابلة لأن الأقسام المتقابلة يجب أن يكون بعضها غير بعض وذلك يمنع ~~من دخول بعضها في بعض # فقد أتينا على أقسام الحقيقة ونحن نبين أن في اللغة الحقيقة المفردة ~~والمشتركة ليصح أن ننظر هل الأمر من الألفاظ المشتركة كما قاله قوم أم لا ~~ونبين أن في اللغة المجاز ليصح أن ننظر في الأمر هل هو حقيقة في الوجوب أو ~~مجاز ونبين أنه يحسن أن يكون في القرآن مجاز ليصح أن نحمل كثيرا من الآيات ~~التي يستدل بها خصومنا في كثير من مسائل هذا الكتاب على المجاز ونبين ثبوت ~~الحقائق الشرعية والعرفية لدخولهما في القسمة التي ذكرناها وليصح أن ننظر ~~هل الأمر وغيره منقولان إلى الواجب بالشرع أم لا ثم نذكر ما ينفصل به # PageV01P016 # الحقيقة من المجاز ونذكر أحكام الحقيقة وأحكام المجاز ونؤخر الكلام في هل ~~يصح أن يراد بالعبارة الواحدة الحقيقتان إلى المجمل لأن ذلك لم يصح فاللفظ ~~المفيد لهما مجمل محتاج إلى بيان ولو صح أن يراد بها كان ذلك من قبيل ~~العموم فأما ما يريده الحكيم بخطابه إذا أفاد في اللغة والعرف والشرع فوائد ~~مختلفة فنذكره عند كيفية الاستدلال بخطاب الحكيم لأن هناك نذكر الشروط التي ~~معها يجب أن يريد المتكلم ما يريد الحكيم وهناك نذكر ما يريد الحكيم من هذه ~~الوجوه - صلى الله عليه وسلم - باب إثبات الحقائق المفردة والمشتركه - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن في اللغة الفاظا مفيدة للشيء الواحد على الحقيقة وألفاظا مفيدة ~~للشيء ولخلافه وضده حقيقة على طريق الاشتراك أما الأول فلا شبهة فيه ولو لم ~~يكن في اللغة حقيقة لم يكن فيها مجاز لأن المجاز هو ما أفيد به غير ما وضع ~~له وفي ذلك كونه موضوعا لشيء لو عبر به عنه لكان حقيقة فيه ولو ms014 لم يكن في ~~اللغة حقيقة ولا مجاز لكان الكلام قد خلا منهما وذلك محال وأما الثاني فقد ~~ذهب إليه أكثر الناس ومنع منه قوم قالوا لأن الغرض بالمواضعة تمييز المعاني ~~بالأسماء ليقع به الإفهام فلو وضعوا لفظة واحدة لشيء ولخلافه على البدل لم ~~يفهم بها أحدهما وفي ذلك نقض الغرض بالمواضعة ودليل جواز ذلك أنه لا يمتنع ~~أن تضع قبيلة اسم القرء للحيض وتضعه أخرى للطهر ويشيع ذلك ويخفي كون الاسم ~~موضوعا لهما من جهة قبيلتين فيفهم من إطلاقه الحيض والطهر على البدل وأيضا ~~فإن المواضعة تابعة للأغراض وقد يكون للانسان غرض في تعريف غيره شيئا مفصلا ~~وقد يكون غرضه بأنه يعرفه مجملا مثال الاول أن يشاهد زيدا سوادا ويريد أن ~~يعرف عمرا أنه شاهد # PageV01P017 # سوادا ومثال الثاني أنه يريد تعريفه أنه شاهد لونا ولا يفصله له فجاز أن ~~يضعوا اسما تطابق كل واحد من الغرضين وهذا الوجه والذي قبله جواب عما تعلق ~~به المخالف وقول أهل اللغة شفق وقرء من أسماء الأضداد وأنه مشترك يدل على ~~ثبوت الأسماء المشتركة في اللغة وليس لأحد أن يتعسف التأويل فيجعل قولنا ~~قرء مفيدا للطهر والحيض فائدة واحدة لأن ذلك إنما يسوغ لو امتنع كون ذلك في ~~اللغة - صلى الله عليه وسلم - باب الحقائق الشرعية - صلى الله عليه وسلم - # ذهب شيوخنا والفقهاء إلى أن الاسم اللغوي يجوز أن ينقله الشرع إلى معنى ~~آخر ونفى قوم من المرجئة ذلك وبعض عللهم تدل على أنهم أحالوا ذلك وبعضها ~~تدل على أنهم قبحوه ونحن نذكر ما الاسم الشرعي ثم نبين إمكان نقل الاسم ~~بالشرع عن معناه اللغوي ثم نبين حسن ذلك ثم نبين أن من الأسماء ما قد انتقل ~~بالشرع # أما الاسم الشرعي فذكر قاضي القضاة أنه ينبغي أن يجمع شرطين أحدهما أن ~~يكون معناه ثابتا بالشرع والآخر أن يكون الاسم موضوعا له بالشرع وينبغي أن ~~يقال الاسم الشرعي هو ما استفيد بالشرع وضعه للمعنى وقد دخل تحت ذلك أن ~~يكون المعنى والاسم لا يعرفهما أهل ms015 اللغة وأن يكونوا يعرفونهما غير أنهم لم ~~يضعوا الاسم لذلك المعنى وأن يكونوا عرفوا المعنى ولم يعرفوا الاسم كل هذه ~~الأقسام داخل فيما ذكرناه # فأما الدلالة على إمكان نقل الأسماء فهي أن كون الاسم اسما للمعنى غير ~~واجب له وإنما هو تابع للاختيار بدلالة انتفاء الاسم عن المعنى قبل ~~المواضعة وأنه كان يجوز أن يسمى المعنى بغير ما سمي به نحو أن يسمى البياض ~~سوادا إلى غير ذلك فاذا كان كذلك جاز أن يختار مختار سلب الاسم عن معناه # PageV01P018 # ونقله إلى غيره إذ كان ذلك تابعا للاختيار فان قالوا لو سلب الاسم عن ~~المعنى وعوض غيره انقلبت الحقائق قيل إنما يلزم ذلك لو استحال انفكاك الاسم ~~عن المعنى وقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك # فأما الدلالة على حسن نقل الاسم عن معناه إلى معنى آخر بالشرع فهي أنه لا ~~يمتنع تعلق مصلحة بذلك كما لا يمتنع ثبوتها في جميع العبادات ولا يكون فيه ~~وجه قبح وإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع حسنه إذ المصلحة وجه حسن وأيضا فقد ~~جاءت الشريعة بعبادات لم تكن معروفة في اللغة فلم يكن بد من وضع اسم لها ~~لتتميز به من غيرها كما يجب ذلك في مولود يولد للإنسان وفي آله يستحدثها ~~بعض الصناع ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسما مبتدأوبين أن ينقل ~~إليهما اسم من أسماء اللغة مستعمل في معنى له شبه بالمعنى الشرعي بل نقل ~~اسم لغوي إليه أولى لأنه أدخل في أن يكون الخطاب لغويا فان قالوا إنما قبح ~~نقل الاسم عن معناه إلى معنى آخر لأنه يقتضي بغير الأحكام المتعلقة به نحو ~~أن يأمرنا الله سبحانه بالصلاة ونعني به الدعاء فإذا نقل الاسم إلى هذه ~~الأركان بغير الغرض قيل هذا يمنع من نقل اسم عن معناه إذا كان قد تعلق به ~~فرض ولا يمنع من نقل اسم لم يتعلق به فرض وأيضا فلو نقل الله سبحانه اسم ~~الصلاة عن الدعاء لم يسقط فرض الدعاء عن المكلفين ولو أوجب ذلك ms016 سقوط الدعاء ~~عنهم لأمكن أن يدلنا الله على بقاء الفرض بأن يقول ما كنت أوجبته عليكم ~~فوجوبه باق عليكم # فأما الدلالة على أن الشرع قد نقل بعض الأسماء فهي أن قولنا صلاة لم يكن ~~مستعملا في اللفة لمجموع هذه الأفعال الشرعية ثم صار اسما لمجموعها حتى لا ~~يعقل من إطلاقه سواها إن قيل قولنا صلاة موضوع في اللغة للاتباع ألا تراهم ~~يسمون الطائر مصلياإذا اتبع السابق وهو واقع على الصلاة لأنها اتباع للإمام ~~فقد افاد في اللغة ما أفاده في الشرع قيل هذا يقتضي أن لا تسمى صلاة الإمام ~~والمنفرد صلاة وأن يكون من أطلق اسم # PageV01P019 # الصلاة في الشريعة فإنما نعني به ونفهم منه الاتباع ومعلوم أنه لا يخطر ~~ببال السامع والمتكلم إلا جملة هذه الأفعال دون الاتباع فان قالوا اسم ~~الصلاة كان في اللغة للدعاء وسميت الصلاة الشرعية بذلك لأن فيها دعاء فلم ~~تختلف فائدته قيل إن عنيتم أن اسم الصلاة واقع على جملة هذه الأفعال لأن ~~فيها دعاء فقد سلمتم ما نريده من إفاده الاسم لما لم يكن يفيده في اللغة ~~ولا يضرنا أن تعللوا وقوع الاسم على هذه الأفعال بما ذكرتم وإن أردتم أن ~~اسم الصلاة واقع على الدعاء من جملة هذه الأفعال دون مجموعها فذلك باطل لأن ~~المفهوم من قولنا صلاة جملة الأفعال والمفهوم من قولنا فلان في الصلاة أنه ~~في جزء من هذه الأفعال دعاء كان أو غيره والمفهوم من قولنا فلان قد خرج من ~~الصلاة أنه قد فارق جملة الأفعال ولو كان الأمر كما ذكروه لوجب إذا قلنا ~~إنه قد خرج من الصلاة أفاد أنه قد خرج من الدعاء وإذا عاد إلى الدعاء جاز ~~أن يقال قد عاد الآن إلى الصلاة # دليل آخر هو أن قولنا صوم كان يفيد في اللغة الامساك وهو مفيد في الشريعة ~~إمساكا مخصوصا وقولنا زكاة يفيد الطهرة والنماء ويفيد في الشرع طهرة مخصوصة ~~وما يؤدي إلى النماء إن قالوا لو كان قولنا صلاة منقولا إلى معنى شرعي لوجب ~~كونه ms017 محصلا مفهوما وليس الأمر كذلك وليس لكم أن تقولوا إنه يفيد التحريم ~~والقراءة والركوع والسجود لأن صلاة الأخرس لا قراءة فيها وصلاة الجنازة ~~وصلاة المريض المومىء لا ركوع فيها ولا سجود وإذا لم يكن ذلك معقولا علمنا ~~أن الاسم ما انتقل والجواب أنه يبطل بما ذكروه أن يكون قولنا صلاة نقل إلى ~~معان مختلفة وليس يمتنع ذلك كما لا يمتنع كون الاسم اللغوي مشتركا بين ~~اشياء مختلفة وإنما يتخصص ما وضع له قولنا صلاة بالاضافة إما إلى الوقت ~~وإما إلى أحوال المصلي وأحواله إما إغراضه وإما غير ذلك أما الوقت فنحو ~~قولنا صلاة عيد وصلاة جمعة وصلاة كسوف وصلاة ظهر وعصر وغير ذلك فإن كل واحد ~~من ذلك يفيد غير ما يفيده الآخر إما بزيادة وإما بنقصان وأما أغراض المصلي # PageV01P020 # فنحو صلاة الجنازة فان غرض المصلي أن يفعلها لأجل الميت وأما أحواله التي ~~هي الأعراض فضربان أحدهما حال عذر والآخر حال سلامة أما حال السلامة فصلاة ~~الصحيح المقيم الآمن وأما حال العذر فضربان أحدهما حال تعذر كصلاة الأخرس ~~والمريض والمومىء والآخر حال مشقة كصلاة المسافر والخائف والله أعلم - صلى ~~الله عليه وسلم - باب في الحقائق العرفية - صلى الله عليه وسلم - # ينبغي أن نذكر ما الاسم العرفي ثم نبين إمكان نقل الاسم بالعرف ثم نبين ~~حسنه ثم نبين ثوبته ثم كيفية الانتقال ثم أمارة الانتقال ثم نقسم الأسماء ~~العرفية # أما الاسم العرفي فهو ما انتقل عن بابه بعرف الاستعمال وغلبته عليه لا من ~~جهة الشرع أو نقول ما أفاد ظاهره لاستعمال طارىء من أهل اللغة ما لم يكن ~~يفيده من قبل إن قيل أليس قولنا دابة يفيد في العرف الفرس وهو يفيد في ~~اللغة أيضا لأنه يفيد في اللغة ما يدب والفرس مما يدب فلم يفد في العرف ما ~~لم يكن يفيده في اللغة وهو من الأسماء العرفية والجواب أنه إن كان يفيد في ~~اللغة الاشتقاق من الدبيب وكان يقع على كل شخص يدب على البدل وهو مفيد في ~~العرف شخصا ms018 مخصوصا من الحيوان فلم يفد ما كان يفيده في اللغة من الاشتقاق ~~من الدبيب والوقوع على الفرس وعلى غيره # وأما إمكان نقل الاسم بالعرف فقد بان بما بان به إمكان نقله بالشرع # وأما حسن ذلك فالذي يبينه أنه قد يحصل في انتقال الاسم غرض صحيح وما يحصل ~~فيه ذلك فهو حسن لأنه لو قبح ما قبح إلا لأنه لا غرض فيه ومعلوم أنه قد ~~تنفر الطباع عن بعض المعاني وتتجافى النس التصريح بذلك # PageV01P021 # فيكنون عنه باسم ما انتقل عنه وذلك كقضاء الحاجة المكنى عنه باسم المكان ~~المطمئن من الأرض الذي تقضى فيه الحاجة وقد سموا ما يدب دابة فلما كان ~~الدبيب في بعض الحيوان أشد واسرع أو كانوا له أكثر مشاهدة وكان اهتمامهم به ~~لشرفه عندهم أشد كثر استعمال قولهم دابة فيه فيصير هو المفهوم عندإطلاقه ~~لكثرة استعمالهم الاسم فيه وذلك هو الفرس # وأما انتقال الاسم بالعرف فبيانه هو أن قولنا دابة كان يفيد كل ما دب ثم ~~خص بالعرف بالفرس وقولنا راوية كان للجمل ثم صار بالعرف للمزادة وقولنا ~~غائط كان للمكان المطمئن من الأرض ثم صار لقضاء الحاجة # وأما كيفية انتقال الاسم بالعرف فهو أنه يتعذر مع كثرة أهل اللغة أن ~~بتواطئوا على ذلك ولكنه لا يمتنع أن ينقل الاسم طائفة من الطوائف ويستفيض ~~فيها ويتعدى إلى غيرها فيشيع في الكل على طول الزمان ثم ينشأ القرن الثاني ~~فلا يعرفون من إطلاق ذلك الاسم إلا ذلك المعنى الذي نقل إليه # فأما أمارة انتقال الاسم فهو أن يسبق إلى الأفهام عند سماعه معنى غير ما ~~وضع له في الأصل فإن كان السامع للاسم يتردد في فهمه المعنى العرفي واللغوي ~~معا كان الاسم مشتركا فيهما على سبيل الحقيقة # فأما قسمة الأسماء العرفية فهي أن العرف إما أن يجعل الاسم مستعملا في ~~غير ما كان مستعملا فيه في اللغة وإما أن لا يجعله مستعملا في غيره وهذا ~~الأخير لا يكون إلا بأن يستعمله في بعض ما كان يفيده في اللغة كقولنا ms019 دابة ~~وأما ما استعمل في غير ما كان يفيده في اللغة فضربان أحدهما أن يكون الاسم ~~قد صار مجازا فيما كان حقيقة فيه في اللغة والآخر أن تبقى حقيقته فيه حتى ~~يكون مشتركا بين المعنى اللغوي والعرفي فالأول كاسم الغائط والثاني كقولنا ~~كلام زيد فانه حقيقة في كلامه الذي هو فعله وفيما هو حكاية عن كلامه والله ~~أعلم # PageV01P022 # - صلى الله عليه وسلم - باب إثبات المجاز في اللغة - صلى الله عليه وسلم ~~- # وذهب أكثر الناس إلى ذلك وحكي عن قوم المنع منه وليس يخلو خلافهم في ذلك ~~إما أن يكون خلافا في معنى أو في عبارة والخلاف في المعنى ضربان احدهما أن ~~يقولوا إن اهل اللغة لم يستعملوا الأسماء فيما تقول إنها مجاز فيه نحو اسم ~~الحمار في البليد وهذا مكابرة لا يرتكبها أحد والآخر أن يقولوا إن أهل ~~اللغة وضعوا في الأصل اسم الحمار للرجل البليد كما وضعوه للبهيمة وهذا باطل ~~لأ نا كما نعلم باضطرار أنهم يستعملون ذلك في البليد فإنا نعلم أنهم ~~استعملوا ذلك على طريق التبع والتشبيه للبهيمة وأن استحقاق البليد لذلك ليس ~~كاستحقاق البهيمة ولذلك يسبق إلى الأفهام من قول القائل رأيت الحمار ~~البهيمة دون البليد ولو كان موضوعا لهما على سواء لم يسبق إلى الأفهام ~~أحدهما فإن قيل فإذا كان الحقائق تعم المسميات فلماذا تجوز بالأسماء عن ما ~~وضعت له قيل لأن في المجاز من المبالغة والحذف ما ليس في الحقيقة ولهذا إذا ~~وصفنا البليد بانه حمار كان أبلغ في الإبانة عن بلادته من قولنا بليد وقد ~~يحصل الكلام مجازا بضرب من الحذف فيستعمل ذلك طلبا للتخفيف # وأما الخلاف في الاسم فبأن يسلم المخالف أن استعمال اسم الحمار في البليد ~~ليس بموضوع له في الأصل وأنه بالبهيمة أخص لكنه يقول لا أسميه مجازا إذا ~~عني به البليد لأن أهل اللغة لم يسموه بذلك بل أسميه مع قرينته حقيقة فيقال ~~له إن أردت أن العرب لم تسمه بذلك فصحيحي وإن أردت أن الناقلين عنهم لم ~~يسموه ms020 بذلك فباطل بتلقيبهم كتبهم بالمجاز وبأنهم يقولون في كتبهم هذا الاسم ~~مجاز وهذا الاسم حقيقة وليس إذا لم تسمه العرب بذلك يمتنع أن يضع الناقلون ~~عنهم له هذا الاسم ليكون آلة وأداة في صنائعهم لأن أهل الصنائع يفعلون ذلك ~~ولهذا سمى النحاة الضمة المخصوصة # PageV01P023 # رفعا والفتحة نصبا ولم يلحقهم بذلك عيب وأما تسمية الخصم مجموع الاسم ~~والقرينة حقيقة فانه لو صح ذلك لم يقدح في تسمية أهل اللغة الاسم بانفراد ~~مجازا على ما حكيناه عنهم على أن الوصف بالمجاز وبالحقيقة يرجح إلى اللفاظ ~~لأنها هي المستعملة في المعاني دون القرائن لأن القرائن قد تكون شاهد حال ~~وغير ذلك مما ليس من فعل المتكلم - صلى الله عليه وسلم - باب في حسن دخول ~~المجاز في خطاب الله وفي أنه قد خاطب به - صلى الله عليه وسلم - # ذهب الجمهور إلى أن الله سبحانه فد خاطبنا في القرآن بالمجاز ونفى بعض ~~أهل الظاهر ذلك والدليل على حسن ذلك أن إنزال الله عز وجل القرآن بلغة ~~العرب يقتضي حسن خطابة إياها فيه بلغتها ما لم يكن فيه تنفير كالكلام ~~السخيف المنسوب قائله إلى العي وليس هذه سبيل المجاز لأن أكثر الفصاحة إنما ~~تظهر بالمجاز والاستعارة وأما الدلالة على ان في القرآن مجازا فقول الله عز ~~وجل {جدارا يريد أن ينقض فأقامه} وقوله {وجاء ربك} وقوله {إلى ربها ناظرة} ~~وليس يخلو المخالف إما أن يقول إن هذه الألفاظ وضعت في الأصل للمعاني التي ~~أرادها الله وهذا قد أفسدناه من قبل وإما أن يقول إن هذا الكلام كان مجازا ~~في اللغة لهذه المعاني ثم نقل إليها بالشرع فصار من الحقائق الشرعية وهذا ~~باطل لأنه لو كان كذلك لسبق إلى أفهام أهل الشرع معانيها التي أرادها الله ~~كما سبق إلى أفهامهم الصلاة الشرعية عند سماعهم اسم الصلاة ومعلوم أنه لا ~~يسبق إلى الأفهام عند سماع قول الله عز وجل {إلى ربها ناظرة} إلى ثواب ربها ~~ناظرة # احتج المخالف بأشياء # PageV01P024 # منها أن المجاز لا ينبىء عن معناه بنفسه فورود ms021 القرآن به يقتضي الإلباس ~~والجواب أنه لا إلباس مع القرينة الدالة على المراد # ومنها قولهم إن العدول إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة وذلك مستحيل ~~على الله والجواب أن ذلك إنما يقتضي العجز عن الحقيقة لو لم يحسن العدول ~~إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة ومعلوم أن العدول إلى المجاز يحسن لما فيه ~~من زيادة فصاحة واختصار ومبالغة في التشبيه ولو لم تكن في المجاز هذه ~~الوجوه لجاز ان يكون فيه مصلحة لا نعلمها ولجاز أن يكون المجاز مع قرينته ~~يساوي في الطول كثرة ألفاظ فيجري العدول إليه مجرى العدول من حقيقة إلى ~~حقيقة # ومنها قولهم لو خاطب الله بالمجاز والاستعارة لصح وصفه بأنه متجوز في ~~خطابه وبأنه مستعيرا والجواب أن إطلاق وصفه بالتجويز يوهم التسمح بالقبيح ~~ولهذا إذا قيل فلان متجوز في أفعاله أفاد أنه متسمح بالقبيح فيها وأما ~~قولنا مستعير فإنه يفهم من إطلاقه أنه استأذن غيره في التصرف في ملكه ~~لينتفع به وكل ذلك يستحيل على الله عز وجل - صلى الله عليه وسلم - باب ذكر ~~ما يفصل به بين الحقيقة والمجاز - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الفصل بينهما إنما يكون من جهة اللغة إما بنص من اهل اللغة وإما ~~باستدلال بعاداتهم والأسبق إلى أفهامهم وبما يجب للحقيقة والمجاز # أما الأول فنحو أن يقولوا هذه حقيقة وهذا مجاز أو يقولوا هذا الكلام إذا ~~عني به كذا فقد عني به ما وضع له وإذا عني به كذا لم يكن قد عني به ما وضع ~~له أو يقولوا إذا عني به كذا لم ينتظم لفظه معناه إما بزيادة او نقصان أو ~~بنقل وإذا عني به كذا ينتظم لفظه معناه من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل # PageV01P025 # وأما الاستدلال فبأن يسبق إلى إفهام أهل اللغة عند سماع اللفظة من دون ~~قرينة معنى من المعاني دون آخر فيعلموا أنها حقيقة فيما سبق إلى الفهم لأنه ~~لولا أنه قد اضطر السامع من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظة لذلك ~~المعنى ما سبق ms022 إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره ووجه آخر أن يكون أهل اللغة ~~إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى من المعاني اقتصروا على عبارة مخصوصة وإذا ~~عبروا عنه بغيرها لم يقتصروا عليها فيعلموا أن العبارة التي اقتصروا عليها ~~هي حقيقة في ذلك المعنى لأنه لولا ما استقر في أنفسهم من استحقاق ذلك ~~المعنى لتلك اللفظة وانها تفيده وحده ما اقتصروا عليها # وقد فرق بينهما بالاطراد ونفيه فمتى اطرد الاسم في معنى على الحد الذي ~~استعمل فيه من غير منع شرعي كان حقيقة فيه ومتى لم يطرد فيه من غير منع كان ~~مجازا لأن المجاز لا يطرد ألا ترى أن وصفنا للرجل الطويل بأنه نخلة لما كان ~~مجازا لم يطرد في كل طويل والصحيح أن نفي الاطراد من غير منع دليل على أن ~~الاسم مجاز لأنه قد ثبت وجوب اطراد الاسم في حقيقته واطراده لأنه يدل على ~~أنه حقيقة لأن المجاز وإن لم يجب اطراده فلا مانع يمنع من اطراد بعضه وما ~~ذكروه من التمثيل بالنخلة فهو مثال واحد ولا يمكن أن يدعى انه قد استقرئت ~~الألفاظ كلها فلم يوجد فيها مجاز مطرد ولو كان ذلك قد علم لكان قد علمت ~~ألفاظ المجاز وعلم أن ما عداها حقيقة قبل العلم بنفي اطرادها وذلك يقتضي أن ~~يكون الفصل بينهما قد علم قبله # وقد فرق بينهما بأن اللفظة إذا افادت الشيء على الحقيقة يصرف فيها بجمع ~~وتثنية واشتقاق وتعلق بالغير نحو اسم الأمر إذا وقع على القول فإنه يتعلق ~~بالمأمور به فيقال هو أمر بكذا وإذا لم يجمع الاسم ولم يثن ولم يشتق منه لم ~~يكن حقيقة ولهذا لم يكن استعمال اسم الأمر في الفعل حقيقة لأنه لا يقال فيه ~~إنه أمر بكذا وذلك أنه إذا تصرف في اللفظة علم أنها متمكنة في معناها وهذا ~~تقريب لأن اسم الحمار إذا وقع على البليد ثني وجمع فقيل في جماعة # PageV01P026 # البلد حمير وقولنا رائحة تقع على الرائحة حقيقة ولا يشتق منه وقيل أيضا ~~إذا علمنا استعمال أهل ms023 اللغة اللفظة في شيء ولم يدل دلالة على أنها مجاز ~~فيه كانت حقيقة فيه ولقائل أن يقول إنما علمنا أنها حقيقة لعلمنا أنها غير ~~مجاز وإنما علمنا أنها غير مجاز لنفي ادلة المجاز عنها وعن تلك الأدلة ~~يسئلون فما هي وقيل أيضا إن الشيء إذا سمي باسم ما هو جزاء عنه كقول الله ~~عز وجل {وجزاء سيئة سيئة مثلها} أو باسم ما يؤدي إليه كالنكاح أو باسم ما ~~يشبهه كتسمية البليد حمارا كان مجازا ولقائل أن يقول إن للتشبيه والجزاء ~~وغير ذلك وجوها لأجلها تجوزوا وليست أمارات للمجاز لأنه لا يمتنع أن ~~يستعملوا الاسم في الشيء وفيما يشبهه وفيما هو جزاء عنه وفيما يؤدي إليه ~~أصل الوضع فينبغي أن يعلم أن الاسم مجاز فيها هو جزاء عنه ثم يعلم أنهم ~~إنما تجوزوا فيه لأجل ذلك وقيل إذا علقت الكلمة بما يستحيل تعلقها به علم ~~أنها مجاز فيه نحو قول الله عز وجل {واسأل القرية} وهذا الوجه لا يصح لأنا ~~إنما علمنا بالعقول أن القرية لم ترد فأما أن اسم القرية مجاز في أهلها ~~فيحتاج إلى دلالة لأنه لا يجب إذا لم يرد المتكلم معنى من المعاني بكلامه ~~وأراد غيره أن يكون الكلام مجازا في ذلك الغير ألا ترى أن الكلمة لو كانت ~~مشتركة بين حقيقتين وعلمنا استحالة إرادة الحكيم لأحدهما وأنه قد أراد ~~الأخرى لم تكن الكلمة مجازا فيه - صلى الله عليه وسلم - باب ذكر أحكام ~~الحقيقة والمجاز - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن من أحكام الحقيقة والمجاز أنهما لا يدخلان أسماء الألقاب لأن ~~الحقيقة هي ما أفيد بها ما وضعت له والمجاز هو ما أفيد به معنى غير ما وضع ~~له على ما تقدم ونعني بقولنا ما وضعت له وضع أهل اللغة وكون اللفظ # PageV01P027 # حقيقة ومجازا تبعا لكونها موضوعة لشيء قبل استعمال المستعمل حتى إن ~~استعملها المستعمل فيما وضعت له كانت حقيقة وإن استعملها في معنى آخر كانت ~~مجازا وأسماء الألقاب لم تقع على مسمياتها المعينة بوضع من اهل ms024 اللغة ولا ~~من الشرع حتى يكون من اتبعهم فيها في اصل موضوعهم كان قد استعملها على ~~الحقيقة ومن استعملها فيه على طريق التبع كان متجوزا بها # ومن احكام الحقيقة والمجاز أن لا يخلو منهما كلام وضعه أهل اللغة لشيء ~~واستعمله المستعمل فيما استعملوه لأن المتكلم به إذا عني به ما عناه اهل ~~اللغة فإما أن يعني به ما عنوه في الأصل فيكون حقيقة أو على سبيل التبع ~~فيكون مجازا # ومن احكام الحقيقة والمجاز أنه لا يجوز أن يكون اللفظ مجازا في شيء ولا ~~يكون حقيقة في غيره ويجوز أن يكون حقيقة في شيء ولا يكون مجازا في غيره أما ~~الأول فلأن المجاز هو ما أفيد به معنى في المواضعة غير ما وضع في أصلها ~~وهذا تصريح بأنه قد وضع في الأصل لشيء آهر فاللفظة متى استعملت فيه كانت ~~حقيقة وأما الثاني فلأن الحقيقة هي ما افيد بها ما وضعت له وليس يوجب كونها ~~موضوعة لشيء أن تكون مستعملة في غيره على طريق التبع # ومن حكم اللفظ أن يحمل على حقيقتة إذا تجرد ولا يحمل على مجازه إلا ~~لدلالة لأن واضع الكلام للمعنى إنما يضعه ليكتفي به في الدلالة عليه ~~وليستعمله فيه فكأنه قال إذا سمعمتوني أتكلم بهذا الكلام فاعلموا أنني أعني ~~به هذا المعنى وإذا تكلم به متكلم بلغتي فليعن به هذا فكل من تكلم بلغته ~~فيجب أن يعني به ذلك المعنى ولهذا يسبق إلى أفهام السامعين ذلك المعنى دون ~~ما هو مجاز فيه ولو قالوا لنا في المجاز مثل ذلك لكان حقيقة ولم يكن مجازا # والحقيقة قد يجوز أن تصير بالشرع او بالعرف مجازا فيما كانت حقيقة فيه ~~ويجوز أن يصير بهما المجاز حقيقة فيما كان مجازا فيه # PageV01P028 # ومن حكم الحقيقة أن تطرد في فائدتها على الحد الذي يفيدها إما مشروطة أو ~~مطلقة إلا أن يمنع من ذلك مانع مثال المطلقة قولنا طويل يفيد ما اختص ~~بالطول فإذا علمنا أن أهل اللغة سموا الجسم طويلا عند اختصاصه بالطول ولولا ms025 ~~ذلك ما سموه طويلا علمنا أنهم سموه بذلك لأجل طوله فسمينا كا جسم فيه طول ~~بأنه طويل ومثال المشروطة تسميتهم ما وجد فيه السواد والبياض من الخيل بانه ~~ابلق فانا نطرد ذلك في كل فرس وجدا فيه دون سائر الأجسام وهذا هو معنى ~~قولنا إن القياس مستعمل في الحقائق # والمخالف في ذلك إما أن يخالف في الاسم أو في المعنى فإن وافق في المعنى ~~وخالف في الاسم فقوله من جهة العبارة باطل لأنه قد أعطى معنى القياس وهو ~~إثبات حكم الشيء في غيره بالرد إليه لعلة من العلل وإن خالف في المعنى فمن ~~وجهين أحدهما أن يمنع من تعدى الاسم إلى غير ما شاهده أهل اللغة وإن وقعت ~~المساواة في فائدة الاسم وهذا إن قاله ففيه انقطاع اللغة وليس كذلك إذا لم ~~يطرد المجاز لأن الحقائق مستوعبة للمسميات وليس يمنع من اطراد الحقائق قول ~~الله سبحانه {وعلم آدم الأسماء كلها} لأن ذلك إنما يقتضي تعليمه أسماء ما ~~حضره دون ما يحدث ولأن نص الله سبحانه له على الأسماء لا يمنع من لم ينص له ~~أن يقيس على أنه إذا لم يجز أن تكون الأسماء كلها توقيفا وجب تخصيص قول ~~الله عز وجل {وعلم آدم الأسماء كلها} # والوجه الآخر أن يطرد المخالف الاسم في معناه إلا أن يقول إنما فعلت ذلك ~~لعلمي باضطرار من قصد واضعي اللغة أنهم سموا بقولهم طويل كل ما اختص بالطول ~~مما حدث ومما سيحدث ويمكن أن يقال اه في ذلك إنما علمت ذلك لعلمك أنهم سموا ~~الطويل طويلا لاختصاصه بالطول وأنه إذا # PageV01P029 # كان هذا غرضهم وجب طرده ويقال له فهب أنك علمت ذلك ضرورة أليس لو لم تعلم ~~ذلك ضرورة وعلمت أنهم سموا الطويل طويلا لاختصاصه بالطول لا غير لكنت تعلم ~~أن كل ما حصل ذلك فيه فيجب أن يسمى طويلا فلا بد من يلي فيقال له فقد تم ~~غرضنا من وجوب اطراد الحقائق # فأما المانع من اطراد الحقيقة فضربان # أحدهما أن يكثر استعمالها في المجاز ms026 كثرة توهم المجاز ولا يجوز إطلاقها ~~في موضع لا يحسن إيهام ذلك المجاز فيه نحو وصف الله عز وجل بأنه دليل عند ~~من يقول إن قولنا الدليل حقيقة في فاعل الدلالة لأنه قد كثر استعماله في ~~الدلالة فصار إطلاق ذلك يوهم # والضرب الاخر السمع فإنه منع من تسمية الله بأنه فاضل وإن أفاد المدح # وأما المجاز فينبغي أن يقر في كل نوع ما استعمل فيه ولا يعدى عنه إلى ~~غيره نحو تسميتهم الرجل الطويل بأنه نخلة فإنه يجوز أن يسمى كل رجل طويل ~~بذلك ولا يجب أن يسمى غير الرجال بذلك والحقيقة تتعدى النوع ولهذا لما سموا ~~الرجل الأسود بأنه أسود جرى ذلك على غيره من الأجسام السود ولو اطرد المجاز ~~كاطراد الحقيقة لما كان بينهما فصل فإن قيل الفصل بينهما أن الحقيقة أصلية ~~والمجاز طارىء قيل قد أجيب عن ذلك بأن الحقيقة قد تطرأ أيضا على الحقيقة ~~فإن قيل الفصل بينهما أن المجاز يحتاج في حمله على ما هو مجاز فيه إلى ~~دلالة وليس كذلك الحقيقة قيل بل قد تحتاج الحقيقة إلى دليل إذا كان اللفظ ~~مشتركا بين حقيقتين ولقائل أن يقول الفصل بينهما أن المجاز لا يسبق إلى ~~الفهم ما هو مجاز فيه ويسبق إلى الفهم ما اللفظ حقيقة فيه سواء كان حقيقة ~~في معنى واحد أو اكثر # ويمكن أن يحتج لنفي اطراد المجاز بأن المتجوز بالاسم في غير ما وضع له ~~إنما يرخص فيه لغرض لا يجب أن يوجد في غيره نحو أن يكون قد اهتم بذلك # PageV01P030 # الشيء فدعاه بشدة اهتمامه به إلى أن يبالغ في وصفه فيشبهه بغيره نحو ~~تسميتهم الرجل الطويل بأنه نخلة ولا يجب حصول هذا الغرض في غير الناس ولكنه ~~قائم في كل رجل وقع الاهتمام به فإن قيل فقد طردتم المجاز في نوعه قيل إن ~~أريد باطراده هذا فذلك لا نأباه فإن قيل فلعلهم تجوزوا بالنخلة في الطويل ~~بشرط كونه من الرجال فيطرد الاسم فيما وجد فيه شرطه دون ما عدم فيه ms027 شرطه ~~فيتساوى الحقيقة والمجاز في ذلك قيل هذا تسليم لما نريده من أن المجاز لا ~~يتعدى نوعه وإن عللتموه بما ذكرتم ولقائل أن يقول إذا كانوا قد تجوزوا باسم ~~النخلة في الرجل الطويل على طريق المبالغة في وصفه بالطول لاهتمامهم فيجب ~~إذا حصل هذا الغرض في غيره من الأجسام أن يتجوزوا بهذا الاسم فيه وفي ذلك ~~اطراد الاسم والجواب أنه إذا كان الغرض قد لا يحصل في كل موضع # فقد تم ما أردناه من نفي وجوب اطراد المجاز - صلى الله عليه وسلم - باب ~~القول في الحروف - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الكلام لما انقسم إلى الاسم والفعل والحرف وكان الخطاب تتغير ~~فوائده بالحروف الداخلة عليه وكان أكثر الغرض بهذا الكتاب ذكر الخطاب الذي ~~يستدل به على الأحكام وجب أن نذكر فيه الحروف أيضا # فنقول إن من الكلم ما يدخل في الكلام فيغير فائدته وينبىء عن حال بعضه ~~عند بعض وقد يكون ذلك اسما وقد يكون حرفا وذلك ينبىء عن تعلق بعض معاني ~~الكلام ببعض إما على سبيل المشاركة أو لا على سبيل المشاركة # فالاول إما أن ينبىء عن مشاركة على البدل أو على الجمع فالأول لفظ أو ~~تقول جالس زيدا أو عمرا فتكون قد شركت بينهما في الجلوس على البدل وقد يكون ~~أو بمعنى الشك تقول سلمت على زيد أو عمرو # PageV01P031 # وأما الثاني وهو الذي ينبىء عن المشاركة على الجمع فإنه إما أن ينبىء عن ~~المشاركة فقط وغما أن ينبىء عن وقت المشاركة فالمنبىء عن المشاركة فقط هو ~~الواو كقولك رأيت زيدا وعمرا فيفيد أنهما اشتركا في الرؤية وقد تكون الواو ~~بمعنى الاستئناف كقول الله سبحانه {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم} إذا وقع الابتداء بقوله والراسخون في العلم وقيل إنها بمعنى أو كقول ~~الله سبحانه {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} قيل إن المراد به أو ثلاث أو ~~رباع ويمكن أن يقال إنما وضعت جملة الملائكة بذلك فاقتضى أن بعضهم على ~~الصفة الأولى وبعضهم على الصفة الثانية ms028 وبعضهم على الصفة الثالثة فيكون ~~المراد بالواو الجمع أي أن ذلك اجتمع لجملة الملائكة وأما المنبىء عن وقت ~~المشاركة فإما أن يفيد أن المشاركة حصلت في وقت واحد كقولك رأيت زيدا مع ~~عمرو وإما أن يفيد التقديم كقولك قبل أو التاخر وهذا إما أن لا يفيد تقدير ~~التأخير بزمان أو يفيد ذلك فالأول نحو بعد والثاني إما أن لا يفيد تقدير ~~التأخر بزمان طويل وإما بزمان قصير فالأول ثم فإنها تفيد الترتيب والتراخي ~~وقيل إنها يتجوز بها فيستعمل بمعنى الواو كقول الله سبحانه {فإلينا مرجعهم ~~ثم الله شهيد} لأنه لا يجوز أن يكون شاهدا بعد أن لم يكن شاهدا والثاني ~~الفاء وذلك انها تفيد التعقيب الممكن بين الفعلين كقولك دخلت البصرة ~~فالكوفة يفيد أن دخولك الكوفة كان بعد دخولك البصرة بزمان يسير جرت العادة ~~بمثله وليس يجب أن يكون بينهما من الزمان اليسير مثل ما يكون بين لقاء زيد ~~وعمرو إذا قلت لقيت زيدا فعمرا لأنه يمكن في هذا من الزمان اليسير ما لا ~~يمكن في ذلك # وأما ما ينبيء عن تعلق بعض المعاني ببعض لا من جهة المشاركة فإنه إما أن # PageV01P032 # يكون ظرفا أو ابتداء من الظرف أو انتهاء إليه فالأول ضربان أحدهما أن ~~يفيد ذلك بلفظ الباء والآخر بلفظ في أما الأول فقول الله سبحانه {وامسحوا ~~برؤوسكم} قال قاضي القضاة إن اللغة تفيد تعميم الرأس لأن المسح معلق بما ~~يسمى رأسا وجملة الرأس تسمى رأسا دون أبعاضه والعرف يقتضي إلحاق المسح ~~بالرأس إما جميعه وإما بعضه لأن المعقول من قولنا مسحت يدي بالمنديل في ~~العرف ما ذكرناه وعند الشيخ أبي عبد الله أن قول الله {برؤوسكم} مجمل يحتاج ~~إلى بيان لأنه قد ترد هذه اللفظة ويراد بها الكل وقد ترد ويراد بها البعض ~~والأول ما ذكره قاضي القضاة وأما لفظه في فقولنا زيد في الدارفيكون الدار ~~ظرفا له وقد يقال زيد في الصلاة تشبيها بالظرف لأنه لما انقطع إلى الصلاة ~~عن غيرها جرى مجرى من انقطع إلى مكان ms029 دون غيره # وأما الابتداء فلفظه من تقول خرجت من البصرة إلى الكوفة وقد تكون صلة في ~~الكلام كقول الله سبحانه {يغفر لكم من ذنوبكم} المراد يغفر لكم ذنوبكم وقيل ~~إنها تكون للتبعيض كقول القائل أكلت من هذا الخبز وقولنا باب من حديد ~~والصحيح أن قولنا باب من حديد يفيد الجنس دون التبعيض لأنه لو لم يكن في ~~الوجود حديد إلا ذلك الباب لقيل باب من حديد # وأما الانتهاء فلفظه إلى تقول سرت من البصرة إلى بغداد والغاية والحد قد ~~يدخلان في الخطاب وقد لا يدخلان فيه وقال أبو عبد الله إن الغاية لما دخلت ~~مرة ولم تدخل أخرى كانت مجملة والصحيح أنها لا تفيد الدخول في الخطاب لأن ~~قول الله سبحانه {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} يفيد إيجاب غسل اليد ~~بكون نهايته المرافق ومن غسل يده إلى أول # PageV01P033 # المرافق صدق عليه القول بأن غسله ليديه كان نهايته المرافق فيكون بذلك ~~فاعلا لما اقتضاه الظاهر فسقط عنه الأمر وإنما يعلم وجوب غسل المرافق بدليل ~~زائد كما أن من قيل له ادخل الدار ففعل ما يقع عليه اسم دخول إلى الدار ~~يسقط عنه الأمر إذ الأمر يسقط بوجود أول الاسم وكذلك من خرج من البصرة إلى ~~بغداد يقال قد انتهى إلى بغداد فبان أنه ليس من شرط الغاية أن يدخل في ~~الخطاب # فأما الواو العاطفة فإنها لا تقتضي الترتيب وقال بعض الشافعية إنها تقتضي ~~الترتيب ودليلنا أن الإنسان إذا قال رأيت زيدا وعمرا لم يسبق إلى الفهم أنه ~~رأى زيدا قبل عمرو ولهذا لو قال رأيت زيدا وعمرا بعده أفاد فائدة محددة ~~وأيضا فانها لو أفادت الترتيب لكان قول القائل رأيت زيدا وعمرا معا أو قبله ~~إما مناقضة أو مجازاكما أن قول القائل رأيت زيدا ثم عمرا معا أو قال ثم ~~عمرا قبله مناقضة وأهل اللغة لم يجعلوا ما ذكرنا مناقضة ولا مجازا فان قيل ~~أليس لفظة ثم تفيد التراخي ويجوز أن يقول القائل جاءني زيد ثم جاءني عمرو ~~عقيبه ولا يجوز ms030 أن يقال تراخى مجيء عمرو عن مجيء زيد غير أنه جاء عقيبه ~~فهلا كانت الواو تجري مجرى ثم في الترتيب ويتجوز بها في الجمع ولا يتجوز ~~بلفظة ثم في ذلك قيل إنا لا نمنع أن تقوم لفظة مقام لفظة فيتجوز باحداهما ~~في شيء ولا يتجوز بالأخرى فيه وإنما الذي احتججنا به هو أن أهل اللغة لم ~~يجعلوا هذا الكلام مناقضة ولا مجازا على أنه لا يحسن أن يقال جاءني زيد ثم ~~عمرو عقيبه # دليل قال أهل اللغة إن واو العطف في الأسماء المختلفة تجري مجرى واو ~~الجمع وياء التثنية في الأسماء المتماثلة وإنهم لم يتمكنوا من جمع الأسماء ~~المختلفة بواو الجمع استعملوا فيها واو العطف ولما كان قول القائل رأيت ~~الزيدين وجاءني الزيدون يفيد اشتراكهم في المجيء والرؤية ولا يفيد الترتيب ~~فكذلك إذا قال جاءني زيد وعمرو وخالد فان قيل لا يمتنع أن تكون # PageV01P034 # واو العطف تقوم مقام واو الجمع في إفادة الاشتراك وتختص بافادة الترتيب ~~كما أن ثم والفاء تجمعان بين الشيئين في العطف وتجريان في ذلك مجرى واو ~~الجمع وتختصان بافادة الترتيب والجواب أن أهل اللغة لو أرادوا أن واو العطف ~~تجري مجرى واو الجمع في إفادة الاشتراك فقط وأفادت الترتيب لقالوا أيضا إن ~~لفظة ثم والفاء قد أجريتا مجرى واو الجمع وياء التثنية أيضا فلما لم يقولوا ~~ذلك في ثم والفاء وقالوا ذلك في الواو علمنا أن واو العطف تقوم مقام واو ~~الجمع في إفادة الجمع فقط # دليل قال أهل اللغة إن الواو لا تفيد الترتيب وقولهم بأجمعهم حجة في ~~اللغة فان قالوا قد حدكي عن الفراء أنه قال الواو لا تفيد الترتيب إلا حيث ~~يستحيل الجمع نحو قول الله سبحانه {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} ~~قيل هذا يدل على أنه جعلها للترتيب لأجل دلالة وهو تعذر الجمع وفي هذا ~~موافقة أهل اللغة وإذا ثبت أن ظاهرها لا يقتضي الترتيب لم يكن تعذر الجمع ~~دليلا على وجوب الترتيب لأنه يمكن أن يتقدم السجود على الركوع ولو ms031 أفادت ~~الترتيب بظاهرها إذا تعذر الجمع لأفادته إذا صح الجمع وصح الترتيب # وقد استدل على أن الواو لا تفيد الترتيب بأنها لو افادته لدخلت في جواب ~~الشرط كالفاء ومعلوم أنه لا يحسن أن يقول القائل إذا دخل زيد الدار وأعطه ~~درهما ولقائل أن ينقض ذلك بلفظة ثم ولفظة بعد وأيضا فإن الواو وإن اقتضت ~~عندهم الترتيب فانها تفيد العطف ولا يمكن العطف فيما ذكروه لأنه لم يتقدم ~~ما تكون الواو عاطفة عليه # واستدل على ذلك أيضا بأن الجمع من غير ترتيب معقول فلم يكن بد من لفظة ~~تفيده في اللغة وليس في الألفاظ ما تفيده إلا الواو وليس يجوز أن # PageV01P035 # تكون لفظة مع هي التي تفيد ذلك لأن لفظة مع تفيد الاشراك في زمان واحد ~~والذي يجب أن يكون في اللغة هو لفظة لا تفيد إلا الاشراك فقط ولقائل أن ~~يقول في اللغة ما يفيد ذلك غير الواو وهو قول القائل رأيت زيدا رأيت عمرا ~~وإن احتج الذاهبون إلى الترتيب بأن الانسان إذا قال رأيت زيدا وعمرا علمنا ~~أنه لولا أنه راى زيدا قبله لما بدأ به قيل له فاذا الترتيب استفيد من ~~البداية بزيد لا من أجل الواو ويلزم على ذلك أن يستفاد التنرتيب من قول ~~القائل رايت زيدا رأيت عمرا وعلى أنه يجوز أن يكون إنما بدأ بزيد لأنه أراد ~~الإخبار عنه فقط ثم بدا له في الإخبار عن عمرو ويجوز أن يكون بدأ به بمحبته ~~له أو لأن اهتمامه بالإخبار عنه أشد من الاهتمام بالاخبار عن عمرو أو لأن ~~غرضه في الإخبار عن كل واحد منهما على السواء فكان البداية بأحدهما ~~كالبداية بالآخر فبدأ بما اتفق منهما # PageV01P036 ### | الكلام في الأوامر # - صلى الله عليه وسلم - باب فصول الأمر - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن صيغة الأمر لما وضع لها اسم يفيدها ووضعت هي لفائدة ويجوز أن ~~تكون مطلقة ويجوز أن تكون مقيدة بشرط أو صفة ولها أمثال يجوز أن تتكرر وهي ~~أيضا من جملة الأفعال يجوز أن تحسن ms032 وتقبح وجب لذلك أن يقع الكلام في الأمر ~~من هذه الوجوه # أما الأول فبأن ننظر هل اسم الأمر يفيد على طريق الحقيقة صيغة الأمر فقط ~~أو يفيد غيرها أيضا على طريق الحقيقة ونبين أن اسم الأمر إذا وقع على ~~الصيغة ما الذي يفيد فيهما # وأما الوجه الثاني وهو فائدة الأمر فانه لما كان الأمر هو بعث من آمر ~~لمأمور على إيقاع فعل في زمان وجب أن ننظر في فائدته في هذه الأشياء كلها ~~فننظر في فائدته في الفعل الذي هو بعث عليه وفيما يتبع ذلك الفعل # أما نظرنا في فائدته من الفعل فمن وجوه منها أن ننظر هل فائدته في الفعل ~~واحدة أو أكثر وإن كانت واحدة فهل هي وجوب الفعل أم لا وإن أفاد وجوب الفعل ~~فهل يفيد وجوبه وإن تقدمه حظر الفعل ام لا ولما كان الأمر قد يتعلق بالفعل ~~وبالأفعال الكثيرة على التخيير نظرنا هل إذا تعلق بأفعال على البدل أفاد ~~الوجوب فيها على البدل أم لا وليس يليق هذا # PageV01P037 # الباب بأبواب العموم لأن أحدا لا يقول إن الأمر يقتضي وجوب جميع تلك ~~الأفعال على الجمع وننظر أيضا هل يقتضي الأمر إجراء الفعل أم لا # وأما النظر في فائدته فيما يتبع الفعل فبأن ننظر هل يقتضي وجوب ما لا يتم ~~المأمور به إلا معه أم لا وهل يقتضي قبح أضداد المأمور به أم لا # وأما النظر في فائدته في الوقت فان الأمر إما أن يكون مقيدا بوقت محدود ~~وإما أن لا يكون مقيدا بوقت فيجب أن ننظر فييما ليس بمقيد هل يقتضي التكرار ~~أم لا وفيما هو مشروط بشرط يتكرر هل يقتضي التكرار بتكرار الشرط أم لا وإن ~~لم يفد مطلقة التكرار هل يجب تقديم فعل المرة أم لا وهل إذا لم يقدمها ~~المكلف اقتضى الأمر فعلها فيما بعد أم لا وإن كان الأمر مقيدا بوقت محدود ~~له أول وآخر نظرنا هل يوجب الأمر الفعل في جميعه على البدل أو يوجب تقديمه ~~في أوله أو يوجب تأخيره ms033 إلى آخره وهل إذا عصى المكلف المأمور به اقتضى ~~الأمر فعله بعده أم لا # وأما النظر في فائدته الملتحقة بالآمر فبأن ننظر هل يدخل فاعل الأمر في ~~الأمر أم لا # وأما النظر في فائدته فيما يرجع إلى المأمور فبأن ننظر هل يدخل الكافر ~~والمرأة والعبد والصبي في مطلقه أم لا وإذا تناول جماعة وكان بعضهم يقوم ~~مقام بعض في ذلك الفعل هل يفيد الإيجاب على جميعهم على البدل أم لا غير أن ~~الكلام في دخول الكافر والمرأة والعبد والصبي يليق بأبواب العموم والخصوص ~~لأنه كلام في شمول الخطاب لهم ونفي شموله لهم ومن يقول إنهم يدخلون تحت ~~الخطاب يقول ذلك لأن لفظ العموم يشملهم ومن قال لا يدخلون فيه أو بعضهم ~~يقول إن فقد تمكنهم من الفعل يخرجهم عن الخطاب # وأما الكلام في الوجه الثالث وهو الأمر المفيد بشرط وصفة فننظر فيه هل # PageV01P038 # يجوز أن يؤمر الانسان بشرط زوال المنع وننظر أيضا هل إذا كان الايجاب ~~معلقا بشرط أو صفة أو غاية فما عدا ذلك ينتفى عنه الايجاب أم لا يلزم ذلك # وأما الكلام في الوجه الرابع وهو تكرار الأمر فبأن ننظر إذا تكرر بحرف ~~عطف أو بغير حرف عطف هل تتكرر فائدته أم لا # وأما الوجه الخامس فإنا ننظر في شرائط حسن الأمر # ونحن بمعونة الله نأتي على الكلام في هذه الأبواب على النسق إن شاء الله ~~عز وجل - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يقع عليه قولنا أمر على سبيل ~~الحقيقة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لا شبهة في أن قولنا أمر يقع على جهة الحقيقة على القول المخصوص ~~وذلك غير مفتقر إلى دلالة واختلفوا في وقوعه على الفعل فقال أكثر الناس إنه ~~يقع عليه على سبيل المجاز وقالت طائفة من أصحاب الشافعي إنه يقع عليه على ~~سبيل الحقيقة وقالت لذلك إن أفعال النبي عليه السلام على الوجوب لأنها ~~داخلة تحت قول الله سبحانه {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} وأنا أذهب إلى ~~أن قول القائل أمر مشترك ms034 بين الشيء والصفة وبين جملة الشأن والطرائق وبين ~~القول المخصوص يبين ذلك أن الانسان إذا قال هذا أمر لم يدر السامع أي هذه ~~الأمور أراد كما أنه إذا قال إدراك لم يدر ما الذي أراد من الرؤية واللحوق ~~فاذا قال هذا أمر بالفعل أو قال أمر فلان مستقيم أو قال قد تحرك هذا الجسم ~~لأمر من الأمور وجاءنا زيد لأمر من الامور عقل السامع من الأول القول # PageV01P039 # المخصوص ومن الثاني الشأن ومن الثالث أن الجسم تحرك لصفة من الصفات وشيء ~~من الأشياء وأن زيدا جاءنا لشيء من الأشياء أو غرض من الأغراض فبان أن ~~قبولنا أمر مشترك بين هذه الأشياء وأنه يتخصص بواحد واحد منها بحسب ما ~~يقترن به والدلالة على أن قولنا أمر ليس بحقيقة في الفعل أنه لو كان حقيقة ~~فيه والدلالة على أن قولنا أمر ليس بحقيقة في الفعل أنه لو كان حقيقة فيه ~~لاطرد فكان يسمى الأكل أمرا والشرب أمرا كما تقدم فو قولنا أسود # فان قالوا أليس قد يقال في الأكل الكثير هذا أمر عظيم قيل إنما يقال فيه ~~ذلك من حيث هو شيء ألا ترى أنه لا يقال في الفعل القليل إنه أمر ونعني به ~~الفعل وإنما نعني به أنه لا شيء من الأشياء ألا ترى أنه يقال فيه أمر من ~~الامور على حد ما يقال ذلك فيما ليس بفعل # فان قالوا إن اسم الامر يقع على جملة ما وجد من الأفعال ولا يلزمنا أن ~~يطرد في آحادها لأنا لم نجعله عبارة عن آحادها والجواب إنا وإنما تكلمنا ~~على من جعل اسم الأمر عبارة عن آحاد الأفعال وهو مذهبكم ولهذا استدللتم ~~بقول الله سبحانه {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} والمراد بذلك عندكم كل ~~فعل من أفعاله فأما من قال هو عبارة عن جملة الأفعال فقد أبعد أن اسم الأمر ~~يتناول جملة شأن الانسان أفعاله وغير أفعاله ولا طريق إلى العلم بان جملة ~~الافعال وحدها يقع عليها هذا الاسم ألا ترى أن قول القائل ms035 أمر فلان مستقيم ~~وهذا يدخل فيه شأنه وطرائقه أفعاله وغير أفعاله # ومما احتج به على أن اسم الأمر لا يتناول الفعل حقيقة هو أنه لو تناوله ~~على الحقيقة لوجب أن يشتق لفاعله منه اسم آمر وهذا لا يصح لأنه قد # PageV01P040 # بينا أنه لا يجب الاشتقاق من الحقائق ألا ترى أن قولنا رائحة يقع على ~~الرائحة حقيقة ولا يشتق منه وكذلك قولنا لون وكذلك طعم فانه ليس من أمارة ~~الحقيقة التثنية والجمع لأن اسم الحمار إذا وقع على البليد ثني وجمع مع أنه ~~مجاز فيه ولا يلزمنا نحن من وجه آخر لأنا إذا جعلناه عبارة عن شأن الانسان ~~وذلك يدخل فيه فعله وغير فعله لم يجز أن يشتق منه اسم آمر لأن ذلك ينبىء عن ~~الفعلية يعني الاشتقاق # ومنها أنه كان يجب أن يقال في فاعل الفعل أمر بكذا وأن يلزم الفعل الطاعة ~~والمعصية كالقول وهذا لا يصح لان للقوم أن يقولوا نحن نجعله مشتركا بين ~~القول الذي يتعدى فيقال فيه إنه أمر بكذا وبين الفعل الذي لا يتعلق بغيره ~~ويتعدى إليه ولا يقال فيه أمر بكذا ولا يلزمه الطاعة والمعصية وهكذا الجواب ~~إن استدل به علينا في وقوعه على الشأن # واحتج من جعله واقعا على الفعل حقيقة بوجوه # منها قول الله سبحانه {وما أمر فرعون برشيد} والجواب أنه لا يمتنع أن ~~يكون أراد قوله ولهذا قال {فاتبعوا أمر فرعون} والاتباع إنما يكون في القول # ومنها قوله سبحانه وتعالى {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} والجواب أنه ~~ليس المراد بذلك أن فعله كلمح بالبصر وإنما المراد بذلك أن من صنعته وشأنه ~~أنه إذا أراد شيئا وقع كلمح البصر في السرعة # ومنها قولهم قد خولف بين جمع الأمر إذا أفاد القول وبين جمعه إذا أفاد ~~الفعل فقيل في الأول أوامر وفي الثاني امور فدل على أنه حقيقة فيهما ~~والجواب أنه قد حكي عن أهل اللغة أن الأمر لا يجمع # PageV01P041 # أوامر لا في القول ولا في الفعل وأن أوامر جمع آمرة وأيضا فان ms036 أمر وامور ~~يقع كل واحد منهما موقع الآخر إن استعمل في الفعل على ما ذكروه وليس أحدهما ~~جمعا للآخر ألا ترى أنه يقال أمر مستقيم فيفهم منه ما يفهم من قولنا اموره ~~مستقيمة وعلى أن اختلاف جمعيهما ليس بأن يدل على أنه حقيقة فيهما بأولى من ~~أن يدل على أنه مجاز في أحدهما وحقيقة في الآخر فان قيل الجمع أحد أدلة ~~الحقيقة وقد جمع الأمر أمورا إذا استعمل في الفعل كان لمن يسلم لهم استعمال ~~اسم الأمر في الفعل أن يجيب بالوجهين الأولين فأما نحن فلا نسلم ذلك وإنما ~~نقول إنه مستعمل في جملة شأن الانسان وأحواله أفعاله وغير أفعاله # ومنها قولهم لو وقع قولنا أمر على الفعل على سبيل المجاز لكان لها مجازا ~~إما بالزيادة وإما بالنقصان وإما بالنقل والتشبيه وليس بين القول والفعل ~~شبه فعلمنا أنه ليس بمجاز فيه وجوابنا أن اسم الأمر ليس يقع على الفعل من ~~حيث هو فعل لا على سبيل المجاز ولا على سبيل الحقيقة وإنما يقع على جملة ~~الشأن حقيقة وهو المراد بقول الناس امور فلان مستقيمة فأما أصحابنا فانهم ~~سلموا وقوع ذلك على الفعل وقالوا إنه مجاز فيه بزيادة معنوية لأن جملة ~~أفعال الانسان لما دخل فيها القول سميت الجملة باسم جزئها وهذا لا يصح لأن ~~الانسان قد يقول أمر فلان في تجارته أو صحته مستقيم ولا يدخل في ذلك أمره ~~الذي هو القول وقيل ايضا إن الأفعال تشبه الأوامر في أن كل واحد منهما يدل ~~على سداد أغراض الانسان ولا يلزم أن يسموا النهي والخبر أمرين لأن المجاز ~~لا يجب اطراده وهذا لا يصح لأن القول المخصوص إنما وقع عليه اسم من حيث كان ~~نعتا مخصوصا على الفعل فكان يجب أن يقع الشبه بينه وبين الفعل من هذه الجهة ~~وإن لم يشتبها في فائدة الاسم من كل وجه يجب أن يكون المتلفظ باسم الأمر ~~إذا عنى به الفعل أن يعني به ما ذكروه من الشبه ومعلوم أن ذلك لا يخطر ~~بباله ms037 ألا ترى أن الرجل إنما يجوز اسم الأسد فيه من حيث أشبهه في الشجاعة ~~التي هي # PageV01P042 # معظم فائدة قولنا أسد ومن يسمي الشجاع أسدا فانه يعني شجاعته - صلى الله ~~عليه وسلم - باب في أن قولنا أمر إذا وقع على القول ما الذي يفيد - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أنه يفيد امورا ثلاثة أحدها يرجع إلى القول فقط وهو أن يكون على ~~صيغة الاستدعاء والطلب للفعل نحو قولك لغيرك افعل وليفعل والآخران يتعلقان ~~بفاعل الأمر أحدهما أن يكون قائلا لغيره افعل على طريق العلو لا على طريق ~~التذلل والخضوع والآخر أن يكون غرضه بقوله افعل أن يفعل المقول له ذلك ~~الفعل وذلك بأنه يريد منه الفعل أو بأن يكون الداعي له إلى قوله افعل أن ~~يفعل المقول له الفعل وليس يليق الفصل بين الموضعين باصول الفقه # أما الشرط الأول فلا شبهة في أن اسم الأمر يقع حقيقة على ما هو من القول ~~بصيغة افعل أو ليفعل فانه لا يقع على سبيل الحقيقة على الخبر والنهي ~~والتمني ولذلك لا يقال لفاعل ذلك آمر # وأما الشرط الثاني فبين أيضا وهو أولى من ذكر علو الرتبة لأن من قال ~~لغيره افعل على سبيل التضرع إليه والتذلل لا يقال إنه يأمره وإن كان أعلى ~~رتبة من المقول له ومن قال لغيره افعل على سبيل الاستعلاء عليه لا على سبيل ~~التذلل له يقال إنه أمر له وإن كان أدنى رتبة منه ولهذا يصفون من هذه سبيله ~~بالجهل والحمق من حيث أمر من هو أعلى رتبة منه # وأما الشرط الثالث وهو الارادة فمختلف فيه بالخبر به لا بشرطه لقولها إن ~~الله يأمر بالطاعة ولا يريدها ومن الفقهاء من يقول إن الأمر أمر لصيغته ~~وذلك يوهم أنهم يقولون إنه استحق الوصف بانه أمر لصيغته والبغداديون من ~~أصحابنا يقولون إن الأمر أمر لعينه والكلام في هذه المسئلة يكون من وجهين ~~أحدهما أن نفرض أن للأمر حكما لاختصاصه به # PageV01P043 # يكون امرا ونبين أن الوجه في اختصاصه بذلك الوجه هو الارادة ms038 على طريق ~~التعليل والوجه الآخر أن لا يثبت للصيغة حكما يرجع إليها وننظر هل المعقول ~~من قولنا أمر هو الصيغة وحدها أو الصيغة مع شرط آخر هو الارادة وإنما فصلنا ~~بين الوجهين لأن كثيرا من الناس ربما أدخل الكلام في أحدهما في الآخر ونحن ~~نجري الكلام على الوجه الثاني لفساد الوجه الأول فنقول إن المعقول من قولنا ~~إن اللفظة أمر هو أنها على صيغة مخصوصة مفعولة على وجه العلو وأنها طلب ~~للفعل وبعث عليه ولسنا نعقل من هذه اللفظة شيئا آخر وقد تقدم بيان القول في ~~الرتبة والصيغة فأما كون الصيغة طلبا فنحن نشرع في تفصيله فنقول ليس يخلو ~~إما أن تكفي صيغة الأمر في أن تكون طلبا للفعل من غير أن يشرط معها إثبات ~~شيء ولا نفي شيء أو لا تكفي في ذلك فان كفت في ذلك حتى تكون أمرا على أي ~~وجه وجدت عليه لزم أن يكون التهديد أمرا وكلام الساهي أمرا إذا كان على ~~صيغة افعل وإن وجب أن يشرط في كونها طلبا شرط زائدا على صيغتها ووجودها لم ~~يخل إما إن يرجع إلى المأمور أو المأمور به أو إلى الأمر أو إلى محل الصيغة ~~ولا تعلق لمن عداهم بها فيذكر ولا يجوز رجوعه إلى المأمور من كونه محدثا ~~وموجودا وقادرا وغير ذلك ولا إلى المأمور به من كونه حسنا وواجبا وندبا لأن ~~كل ذلك يحصل مع التهديد ألا ترى أن الانسان يهدد على فعل الواجب والحسن وإن ~~رجع ذلك الشرط إلى الآمر لم يخل إما أن يكون من قبيل النفي أو من قبيل ~~الإثبات وما هو من قبيل النفي أن يقال إن الصفة كانت أمرا لأنه لم يدلنا ~~على أنه غير أمر أو أنه لم يدلنا على أنه تهديد أو إباحة ولا ذم كقول الله ~~سبحانه {قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون} أو أنها وجدت منه وليس بكاره للفعل أو ~~أنه غير كاره للفعل ولا ساه عنه وأكثر هذه الأقسام يقولها الفقهاء # PageV01P044 # وأما قولهم إنه لم يدلنا ms039 على أنها غير أمر فانه يقال لهم ما معنى قولكم ~~أمر حتى نعقل الدلالة على إثباته أو على نفيه وهل مطلوبنا إلا أن نعقل معنى ~~الأمر ما هو وأما قولهم إذا لم يدلنا على أنها تهديد أو إباحة أو إرشاد ~~فانه يقال لهم قد يهدد من ليس بحكيم غيره ولا يدل على أن ما فعله تهديد ~~لضرب من ضروب السفه ولا تكون الصيغة التي فعلها أمرا ويقال لهم أيضا إذا لم ~~يدلنا على ذلك فانما نقضي بأنها أمر لو كان الأمر هو كلما كان على هذه ~~الصيغة ولم يكن إباحة ولا تهديدا ولا ذما وليس الأمر كذلك لأن كلام الساهي ~~قد خلا من هذه الأقسام وليس بأمر ولا طلب للفعل ولهذا لا يسمى أمرا ولا ~~طلبا وعلى أنه إنما يتم ما ذكروه إذا أعقلونا معنى التهديد حتى يعلم في ~~الصيغة إذا لم يكن تهديدا ولا إباحة أنها أمر فما التهديد فان قالوا هو ما ~~كان على صيغة افعل مع الكراهة للفعل قيل لهم ولم كانت الكراهة شرطا في كون ~~الصيغة تهديدا ونفيها شرطا في كونها أمرا بأولى من أن تكون الارادة شرطا في ~~كون الصيغة طلبا ونفيها أو ضدها شرطا في كونها تهديدا فان قالوا معنى ~~التهديد هو الصيغة بشرط انتفاء الدلالة على كونها أمرا كانوا قد علقوا ~~كونها أمرا بفقد الدلالة على أنها تهديد وعلقوا كونها تهديدا بفقد الدلالة ~~على كونها أمرا وهذا محال فأما الكلام بأن الصيغة إنما كانت طلبا وأمرا لأن ~~المتكلم بها ما كره الفعل فإنه يلزم عليه أن يكون كلام الساهي والعابث أمرا ~~وطلبا لأنه غير كاره للفعل فأما القول بأنها إنما يكون طلبا للفعل إذا كان ~~المتكلم بها غير ساه ولا كاره للفعل ولم يقصد بها الاباحة والذم والتحدي ~~وغير ذلك فانه يقال لهم إذا كان المتكلم غير ساه فلا بد من أن يكون غرضه ~~بإيرادها شيئا من الأشياء فاذا لم يكن غرضه ما ذكرتم فلا بد من أن يكون ~~غرضه إيقاع المأمور به ms040 وفي ذلك الرجوع إلى أنه لا بد من غرض وإرادة فقد تم ~~ما ذكرناه من إثبات غرض أو إرادة ويجب أن تكون الصيغة إنما كانت طلبا من ~~حيث طابقت هذا الغرض لا من حيث أن المتكلم بها ليس بساه لأن فقد السهو ليس ~~باثبات للفعل فيكون القول به # PageV01P045 # طلبا فان قالوا إنما نعني بقولنا إن الامر كان أمرا لصيغته إذا تجردت أي ~~أنها إذا جاءت متجردة من حكيم اكتفينا بذلك في الحكم عليها بأنها أمر وإنما ~~يحتاج في أن المتكلم استعملها في غير الأمر إلى دلالة قيل لهم فهذا موضع ~~وفاق وليس هو مطلوبنا وإنما مطلوبنا ما الذي يفيده قولنا أمر فيها فأحدها ~~مفارق للآخر # فأما ما يرجع إلى الآمر فما هو إثبات فالذي يجوز أن يكون شرطا في ذلك ~~علوه وقدرته وإرادته وكراهاته وليس يجوز أن تكون الشروط في كون الصيغة طلبا ~~للفعل قدرة فاعلها عليها أو علمه بها وبحسنها أم بحسن الفعل أو وجوبه لأنه ~~مع ذلك قد تكون الصيغة تهديدا ولا يجوز أن تكون إنما كانت الصيغة أمرا ~~وطلبا لأن الفاعل لها جعلها بقدرته أمرا وطلبا لأنه تكلمنا مع بطلان القول ~~بأن للأمر حكما وصفة فلا يمكن أن يقال إن القادر جعل الأمر على ذلك الحكم ~~ولأنه ينبغي أن يعرفنا ما معنى كونها أمرا فانا عنه نبحث وبهذا يبطل القول ~~بأنها صارت أمرا لأنه علمها أمرا ولأن الشيء لا يكون على ما هو عليه بالعلم ~~بل ينبغي أن يكون على ما هو عليه حتى يصح أن يتناوله العلم على أن المهدد ~~قد علم كون الأمر أمرا ولا يكون ما يفعله من صيغة التهديد أمرا وليس يجوز ~~أن تكون الصيغة طلبا وأمرا لأن فاعلها كره الفعل لأنه كان يجب كون المهدد ~~آمرا ولا يجوز أن يكون شرط كونها أمرا ما يرجع إلى المحل لأنا نعلقها طلبا ~~وأمرا من غير أن يخطر ببالنا لون المحل وطعمه وغير ذلك لأن ما يرجع إلى ~~المحل قد يثبت والصيغة تارة أمرا وتارة ms041 تهديدا فيثبت أنه إنما كان طلبا ~~وأمرا لإرادته ولا تخلو إرادته إما أن تتعلق بالمأمور به وهو قول اصحابنا ~~ولا يجوز أن يكون شرط كونها طلبا إرادة إحداثها لأن هذا حاصل في التهديد ~~ولا يمكن أن يقال إرادة إحداثها أمرا لأنا عن ماهية كونها أمرا نبحث فيجب ~~أن نعقله حتى نعقل تعلق الإرادة به فان قالوا أليس يقول شيوخكم إن الخبر ~~إنما يكون خبرا لارادة كونه خبرا فما أنكرتم من مثله في الأمر قيل إن إرادة ~~كونه خبرا معقولة وهو أن يريد # PageV01P046 # المتكلم به إخبار زيد وإعلامه ما تضمنه الخبر فقد أعقلنا معنى إرادته ~~لكونه خبرا فينبغي أن يعقلوا بالارادة لكون الصيغة أمرا وقد أفسد ذلك أيضا ~~بأنه كان يجب أن تكون الصيغة أمرا إذا أراد فاعلها أن يكون أمرا وإن كره ~~المأمور به وذلك باطل بالتهديد ولقائل أن يقول إنما لم يكن التهديد أمرا ~~لأن المتكلم به ما أراد كونه أمرا أو يستحيل من جهة الداعي أن يريد كونه ~~أمرا ويكره المأمور به وقيل أيضا كان ينبغي جواز تعلق الأمر بالماضي كالخبر ~~إذا كان إرادة إحداث المأمور به ليس من شرطه ولقائل أن يقول إن الأمر تكليف ~~ولا يجوز تكليف الماضي والجواب أنه إن لم يجب أن يكون الغرض به إيقاع الفعل ~~فليس بواجب أن يكون تكليفا وكان ينبغي صحة تعلقه بالإحداث وبغير الإحداث ~~كالخبر ويكون ما تعلق منه بغير الاحداث قبيحا فصح أن صيغة الأمر إنما تكون ~~طلبا بشرط أن يكون الغرض بها وقوع المأمور به # واحتج المخالف بأشياء # منها أنه لو كان الأمر إنما يكون أمرا إذا أراد الآمر الفعل لما جاز أن ~~يستدل بالأمر على الارادة لأنه لا يعلم أمرا قبل الارادة والجواب أنا لا ~~نستدل على الارادة بالأمر من حيث كان أمرا بل من حيث إنه على صيغة افعل وقد ~~تجرد لأن عند أصحابنا أن هذه الصيغة موضوعة للإرادة وكلام الحكيم يجب حمله ~~على موضوعه إذا تجرد وعندنا أن هذه الصيغة جعلت في اللغة طلبا ms042 للفعل فإذا ~~بان لنا أنه لا معنى لكونها طلبا للفعل إلا أن المتكلم بها قد أراد الفعل ~~وأنه هو غرضه علمنا بذلك الارادة عند علمنا بالصيغة # ومنها قولهم إن اهل اللغة قالوا إن الأمر هو قول القائل افعل مع الرتبة ~~ولم يشرطوا الارادة مع انهم شرطوا الرتبة فلو كانت الارادة شرطا لذكروها ~~أيضا فجرى ذلك مجرى كون الأسد مسمى بأنه أسد في أنه لا يشرط فيه الارادة ~~والجواب أنه يجوز أن يكونوا لم يشرطوا الارادة لظهورها # PageV01P047 # وأيضا فانهم لم يشرطوا انتفاء القرائن والمخالف يشرط انتفائها وأيضا ~~فانهم لم يشرطوا انتفاء القرائن والمخالف يشرط انتفائها وأيضا فانهم لا ~~يختلفون في أن الأمر هو طلب الفعل والقول من بعد في أن الطلب لا يكون إلا ~~مع الارادة وهو تفصيل بحمله وطريقة العقل لأنه كلام في المعقول من معنى ~~الطلب وليس يرجع إلى اللغة في المعقول من الأمور وأما قولهم إن اسم الأسد ~~لا يعتبر في كونه اسما للإرادة فان أرادوا به أن الواضع لهذا الاسم وضعه ~~للاسد فصار اسما له من دون أن يريد أن نسميه بذلك فذلك باطل بل نعلم انه قد ~~أراد ذلك وإن أرادوا أنا نحن نكون مستعملين لاسم الأسد في الأسد من دون أن ~~نريد ذلك فباطل أيضا لأنه لا بد من أن نريد ذلك وإن أرادوا أنه لا يكون ~~اسما له في أصل الوضع بأن نريد نحن بأن يكون موضوعا له فصحيح لأن وضع ~~الواضع الأسماء للمعاني لا يقف على إرادتنا ولذلك لا يكون الأمر واقعا على ~~الصيغة في أصل الوضع بارادتنا على ان ذلك خارج عما نحن بسبيله لأن الذي نحن ~~بسبيله هو هل صيغة الأمر تستحق الوصف بأنها أمر وإن لم يكن قد أراد بها ~~الفعل أم لا فبوزن هذا أن يقال إن جسم الأسد يستحق أن يوصف بأنه أسد وإن لم ~~تقصد بجسمه كثيرا من الأشياء # ومنها قولهم إن الانسان قد يأمر عبده بالفعل وهو يكرهه منه إذا كان قصده ~~أن يعرف أصدقاءه عصيانه ms043 فبان أن الصيغة تكون امرا من دون إرادة والجواب أنا ~~لا نسلم أنه أمر كما لا نسلم أنه طالب منه الفعل في نفسه وإنما يقال إنه ~~موهم للغلام أنه طالب منه الفعل وآمر له به # ومنها قولهم إن الله سبحانه قد أمر أهل الجنة بقوله {كلوا واشربوا} ولم ~~يرد ذلك منهم والجواب أن أصحابنا يقولون قد أراد ذلك منهم لأن في علمهم ~~بارادته ذلك منهم زيادة مسرة ولا يمتنع أن يكون ذلك # PageV01P048 # إطلاقا وليس بأمر كما أن قوله لأهل النار {اخسؤوا} وليس بأمر كما نقول ~~لمن نذمه اخسأ # ومنها قولهم إن الله أمر إبراهيم بذبح إسماعيل وما أراد من الذبح فقد ~~وصفت صيغة الأمر بأنها أمر مع أن فاعلها لم يرد الفعل والجواب أن ما أمر به ~~قد أراده والذي أمر به هو مقدمات الذبح كالاضجاع وأخذ المدية أو أمره ~~بالذبح نفسه وقد فعله إبراهيم عليه السلام لكن الله سبحانه كان يلحم ما ~~يفريه إبراهيم شيئا فشيئا هذا إن ثبت أن إبراهيم كان قد رأى في المنام صيغة ~~الأمر وقول إسماعيل {افعل ما تؤمر} يحتمل ما يؤمر في المستقبل # فإد ثبت ذلك حددنا الأمر بأنه قول يقتضي استدعاء الفعل بنفسه لا على حجة ~~التذلل وقد دخل في ذلك قولنا افعل وقولنا ليفعل ولا يلزم عليه أن يكون ~~الخبر عن الوجوب أمرا لأنه ليس يستدعي الفعل بنفسه لكن بواسطة تصريحه ~~بالايجاب وكذلك قول القائل أريد منك أن تفعل هو يقتضي بنفسه إثبات إرادته ~~للفعل وبتوسطها يقتضي البعث على الفعل وكذلك النهي عن جميع أضداد الشيء ليس ~~يستدعي فعل ذلك الشيء بنفسه وإنما يقتضي ذلك بتوسط اقتضائه قبح تلك الأضداد ~~واستحالة انفكاك المكلف منها إلا إلى ذلك الشيء وقد دخل في قولنا يقتضي ~~استدعاء الفعل الارادة والغرض لأنا قد بينا أنهما داخلان في الاستدعاء ~~والطلب والله أعلم - صلى الله عليه وسلم - باب في أن قولنا افعل ليس بمشترك ~~على سبيل الحقيقة بين فائدتين - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن من الذاهبين إلى ms044 أن لفظ العموم مشترك بين الاستغراق والبعض من ~~جعل لفظة افعل مشتركة بين استدعاء الفعل وبين التهديد الذي هو # PageV01P049 # استدعاء لترك الفعل وبين الاباحة وبين اقتضاء الايجاب وبين اقتضاء الندب ~~جعلوها حقيقة في كل ذلك وكذلك قالوا في قول القائل لا تفعل إنه مشترك بين ~~النهي وبين التهديد على الترك وعند جمهور الناس أن لفظة افعل حقيقتها في ~~الطلب والأمر ومجازها في غيره وأن لفظة لا تفعل حقيقة في النهي مجاز في ~~غيره والدليل على ذلك أنه لو كان قول القائل لغيره افعل حقيقة في أن يفعل ~~وحقيقة في التهديد المقتضي أن لا يفعل لكان اقتضاؤه لكل واحد من هذين على ~~سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر ولو كان كذلك لما سبق إلى أفها منا عند ~~سماعها من دون قرينة أن المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه كما أنه لما كان ~~اسم اللون مشتركا بين السواد والبياض لم يسبق عند سماع هذه اللفظة من دون ~~قرينة السواد دون البياض ومعلوم أنا إذا سمعنا قائلا يقول لغيره افعل ~~وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة فان الأسبق إلى أفهامنا أنه طالب للفعل ~~لا مانع منه كما أنا إذا سمعناه يقول رأيت حمارا فانه يسبق إلى أفهامنا ~~البهيمة دون الأبله وأيضا فان قولنا افعل في أنه في معنى الاثبات جار مجرى ~~قولنا زيد فاعل فكما أن قولنا زيد فاعل حقيقة في كونه فاعلا وإن جاز ان ~~يستعمل على انه غير فاعل لأن الانسان قد يقول زيد فاعل على طريق الاستهزاء ~~أي أنه على الضد من هذه الحال فكذلك قولنا افعل يجب كونه حقيقة إذا طلب به ~~الفعل ولا يكون حقيقة في نفي الفعل كما لم يكن قولنا زيد فاعل حقيقة في نفي ~~كونه فاعلا إذ كل واحد منهما إثبات ونحن نستوفي الكلام في شبههم عند الكلام ~~في العموم - صلى الله عليه وسلم - باب في أن لفظة افعل تقتضي الوجوب - صلى ~~الله عليه وسلم - # اختلف الناس في ذلك فذهب الفقهاء وجماعة من المتكلمين ms045 وأحد قولي أبي علي ~~إلى أنها حقيقة في الوجوب وقال قوم إنها حقيقة في الندب وقال # PageV01P050 # آخرون إنها حقيقة في الاباحة وقال أبو هاشم إنها تقتضي الارادة فإذا قال ~~القائل لغيره افعل أفاد ذلك أنه مريد منه الفعل فان كان القائل لغيره افعل ~~حكيما وجب كون الفعل على صفة زائدة على حسنة يستحق لأجلها المدح إذا كان ~~المقول له في دار التكليف وجاز أن يكون واجبا وجاز أن لا يكون واجبا بل ~~يكون ندبا فإذا لم يدل الدلالة على وجوب الفعل وجب نفيه والاقتصار على ~~المتحقق وهو كون الفعل ندبا يستحق فاعله المدح # والدليل على أن لفظة افعل حقيقة في الوجوب أنها تقتضي أن يفعل المأمور ~~الفعل لا محالة وهذا هو معنى الوجوب فان قيل لم زعمتم أولا ان قول القائل ~~افعل يقتضي أن يفعل وما أنكرتم أنه يقتضي الارادة قيل ليس يخلو من قال إنه ~~يفيد الارادة إما أن يريد بذلك أنه يقتضي أن يفعل المأمور الفعل ومن حيث ~~كان طلبا له وبعثا عليه يدل على الارادة من حيث كان الحكيم لا يبعث على ما ~~لا يريده بل يكرهه وإما أن يريد أنه موضوع للإرادة كما أن قول القائل لغيره ~~أريد منك أن تفعل موضوع للارادة ابتداء فان قال بالأول فهو قولنا لأنه قد ~~سلم أنه موضوع لأن يفعل المأمور الفعل وقال إنه يقتضي الارادة تبعا لذلك ~~وهذا مذهبنا وإن أراد الثاني بطل من وجوه # منها أن في صريح قولنا افعل ذكر للفعلية وليس في صريحه ذكر للارادة فلم ~~يجز كونه موضوعا للارادة غير موضوع لأن يفعل كما أن قولنا زيد فاعل موضوع ~~لكونه فاعلا وليس بموضوع لإرادة الاخبار عن ذلك وقد قيل إنه موضوع لارادة ~~الاخبار عن ذلك وهذا باطل لأنه إن كان موضوعا لارادة الاخبار عنه فما ~~الاخبار عن ذلك إن لم يكن قولنا زيد فاعل إخبارا عنه # ومنها أنه إن كان قولنا افعل موضوعا ابتداء للإرادة وجب أن يكون خبرا ~~عنها وفي ذلك دخول الصدق والكذب ms046 فيه حتى يحسن أن يصدق من قال # PageV01P051 # ذلك أو يكذبه كما يحسن أن يقال ذلك لمن قال لغيره أريد أن تفعل إذا كانت ~~اللفظة قد وضعت ابتداء لحصول هذه الصفة ولا يلزمنا دخول الصدق والكذب على ~~التمني والنداء أما التمني فلانه ليس بخبر على الحقيقة لأنه غير موضوع لكون ~~التمني متحسرا كما وضع له قول القائل أنا متحسر ومتأسف على كذا وكذا وإنما ~~يفيد ذلك من حيث علمنا أن الداعي للانسان إلى ان يقول ليت كان زيد عندنا هو ~~كونه متأسفا على فوات كونه عنده وأما النداء فهو أن قولنا يا زيد إنما يفيد ~~إذا أضمر فيه معنى الأمر على ما تقدم والصدق والكذب لا يدخلان الأمر ول كان ~~معناه انادي زيدا لما دخله الصدق والكذب لأن ذلك مضمر غير مظهر # ومنهاأنه لو كان قولنا إفعل موضوعا للارادة لاحتجنا إلى أن نريد تعليق ~~ذلك بالارادة كما أن قولنا أريد منك أن تفعل لا يتعلق عند أصحابنا بكونه ~~مريدا إلا أن نريد ذلك # فان قالوا إن قولكم إن لفظة افعل تقتضي أن يفعل لا يتصور إلا على ان يكون ~~إخبارا عن أنه سيفعل أو يفيد إرادة الفعل قيل لهم هذا كلام من لا يتصور في ~~أقسام الكلام إلا الخبر ونحن قد بينا أن الأمر قسم من أقسام الكلام غير ~~الخبر لا يدخله الصدق والكذب وقد بين أهل اللغة ذلك وإذا رجعنا إلى أنفسنا ~~عقلنا فرق ما بين طلب الشيء والإعلام عنه والإخبار وأنه قد يكون لنا غرض في ~~طلب الشيء من الغير ويكون لنا غرض في أن نعلم الغير به فلم يمتنع أن يضع ~~أهل اللغة لفظتين بحسب هذين الغرضين ويكون كل واحدة من اللفظتين وصلة إلى ~~ذلك الغرض ولا يكون إخبارا عنه ألا ترى أن الخبر وهو قولنا زيد في الدار ~~ليس هو إخبارا عن إرادتنا الإخبار عن كونه في الدار بل هو وصلة إلى بلوغ ~~غرضنا من إعلام غيرنا كون زيد في الدار فكذلك قولنا افعل هو وصلة إلى ms047 غرضنا ~~من طلب الفعل من غيرنا وليس هو إخبار عن غرضنا وأيضا فكيف عقلتم تعلق ~~الارادة بالفعل أن # PageV01P052 # يحدث فقلتم إن لفظة افعل موضوعة لارادة أن يفعل ولم يعقلوا قولنا إنها ~~موضوعة لأن نفعل اعقلوا عنا في الصيغة ما عقلتموه عن أنفسكم في الارادة فان ~~قالوا إرادة أن يفعل معناه أنها إرادة للحدوث فقولوا إن الأمر متعلق ~~بالحدوث قيل كذلك نقول إن الأمر طلب للحدوث وليس من مذهبكم أن الارادة ~~متعلقة بالحدوث كما ليس من مذهبكم أن العلم متعلق بالحدوث وإنما تقولون إن ~~الارادة متعلقة بالفعل على وجه الحدوث وهو معنى قولكم إرادة للفعل أن يحدث ~~فان قالوا فلم إذا كانت لفظة افعل تقتضي أن يفعل المأمور الفعل كانت تقتضي ~~أن يفعله لا محالة قيل لأن لا يفعل المأمور الفعل هو نقيض أن يفعل واللفظة ~~إذا وضعت لشيء فانها تمنع من نقيضه ألا ترى أن قول القائل زيد في الدار لما ~~أفاد حصوله فيها منع من نقيضه وهو أن لا يكون فيها ولم يجز أن يكون قوله ~~زيد في الدار ومعناه الأولى أن يكون فيها فكذلك لفظة افعل وهذا هو الوجوب # ويدل على أن لفظة افعل تمنع من الإخلال بالفعل أن اهل اللغة يقولون أمرتك ~~فعصيتني وقلت لك افعل فعصيتني وقال الله عز وجل {أفعصيت أمري} وقال الشاعر # ... أمرتك امرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فعقب ~~المعصية ... على الأمر بلفظ الفاء فدل على أن المعصية إنما لزمت المامور ~~لأجل إخلاله بما أمر به وأن لتقدم الأمر في استحقاق هذا الاسم تأثيرا كما ~~أن قولهم إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما يفيد أن لتقدم الدخول تأثيرا في ~~استحقاق العطية ومعلوم أن الانسان إنما يكون عاصيا للآمر والأمر إذا أقدم ~~على ما يحظره الآمر ويمنع منه ألا ترى أن الله لو أوجب علينا فعلا فلم ~~نفعله لكنا عصاة ولو ندبنا إليه فقال الأولى أن تفعلوه ولكم أن لا # PageV01P053 # تفعلوه فلم نفعله لم نكن عصاة ولهذا يوصف تارك الواجب بأنه عاصي لله ms048 ولا ~~يوصف تارك النوافل بذلك ولا فصل بينهما إلا لأن إيجابه الفعل علينا يحظر ~~الاخلال به وترغيبه إيانا فيه من غير إيجاب لا يحظر علينا تركه فلذلك لم ~~نكن بتركه عاصين وأيضا فان العاصي للقول مقدم على مخالفته وترك موافقته ~~وليس تخلو مخالفته إما أن تكون بالاقدام على ما يمنع منه الآمر فقط أو قد ~~يثبت بالاقدام على ما لا يتعرض له الآمر بمنع ولا إيجاب وليس يجوز هذا ~~الأخير لأنا لو كنا عصاة للامر بفعل ما لم يمنع منه لوجب إذا أمرنا الله ~~سبحانه بالصلاة غدا فتصدقنا اليوم أن نكون عصاة لذلك الأمر بصدقتنا اليوم ~~فبان أن مخالفة الآمر إنما تثبت بالاقدام على ما يمنع منه فاذا كان تارك ما ~~أمر به عاصيا للامر والعاصي للامر هو المقدم على مخالفة مقتضاه والمقدم على ~~مخالفة مقتضاه مقدم على ما يحظره الآمر ويمنع منه ثبت أن ترك المأمور به ~~يمنع منه الآمر ويحظره وهذا هو معنى الوجوب # إن قيل أليس المشير قد يقول لمن أشار عليه قد أشرت عليك فعصيتني ولم يدل ~~ذلك على الإيجاب قيل إنا نقول في لفظة افعل إنها دعاء إلى الفعل ومنع من ~~الاخلال به وأن ظاهرها يقتضي أن المستعمل لها استعملها في هذا المعنى وهذه ~~حالة المشير إذا قال لغيره افعل كيت وكيت فهو الرأي والحزم لأنه إنما يدعوه ~~الى فعل الحزم وترك الإخلال به والمستشير ايضا إنما يطلب منه أن يشير عليه ~~بالرأي الذي لا معدل عنه يبين ما قلناه أن المشير لو قال له الأولى أن تفعل ~~كذا وإن تركته لم يكن به بأس فتركه لا يقال إنه قد عصاه كيف يكون قد عصاه ~~وقد رخص له في الترك وإنما يكون عاصيا له إذا قال له الرأي أن تفعل كذا وهو ~~الأولى وافعل لأن الأولى في الرأي هو الأحزم والأحوط وما هذه سبيله فالمشير ~~يوجبه ولا يرخص في تركه وان لم يلزم المستشير قبول إيجابه ويلزمنا قبول ~~إيجاب الله ورسوله ص = # PageV01P054 # فان قيل إن ms049 الذي ذكرتموه يدل على أن الأمر يمنع من الإخلال بالمأمور به ~~وليس هذا من قولكم لأن الأمر هو قول القائل لغيره مع الإرادة والإرادة لا ~~تقتضي الوجوب والجواب أنا فرضنا الكلام في لفظة افعل لأنهم قد يقولون قلت ~~لك أقسم في هذا البلد فعصيتني وظاهر لفظة افعل للوجوب عندنا ولو فرضنا ~~الكلام في قولهم أمرتك لم يضرنا لأن الأمر هو قول القائل افعل مع الارادة ~~والرتبة وليس يجب إذا كانت الارادة لا تقتضي الوجوب أن لا تقتضيه الصيغة ~~التي هي افعل # ومما يدل على أن الأمر على الوجوب أن العبد إذا لم يفعل ما أمره به سيده ~~اقتصر العقلاء من أهل اللغة في تعليل حسن ذمه على أن يقولوا أمره سيده بكذا ~~فلم يفعله فدل كون ذلك علة في حسن ذمه على أن تركه لما أمره به ترك لواجب ~~إن قيل إنما ذموه لأنهم علموا من سيده أنه كاره من عبده ترك ما أمره به قيل ~~اقتصارهم على التعليل الذي ذكرناه دليل على أنه استحق الذم لما ذكروه من ~~العلة لا غير فان قيل إن هذا التعليل مشروط بأن يكون السيد كارها للترك كما ~~يشرطونه بكون ما أمر به سيده حسنا غير قبيح قيل ليس يجب إذا شرطنا هذا ~~التعليل حسن المأمور به إن شرط شرطا آخر لم يدل على اشتراطه دلالة على أن ~~العقلاء يفضلون ما أمره به فيقولون أمره بكذا فلم يفعل ولو كان ما فضلوه ~~قبيحا لما ذموه ولو أنهم قالوا أمره فلم يفعل لقال العقلاء بماذا أمره لعله ~~أمره بظلم غيره وإنا يمسكون عن ذلك إذا فضلوا ما أمره به فان قيل أليس لو ~~قال له أريد منك أن تفعل كذا فلم يفعله لامه العقلاء قيل لا نسلم ذلك ولو ~~ثبت لكان عندنا وعندكم مشروطا بكراهية السيد الترك وعلمهم بذلك من حاله ~~وليس يجب إذا شرطنا ذلك أن يشرط غيره إلا لدلالة إن قيل إنما ذموه لأجل ~~إخلاله بما أمره به سيده لأن الشريعة جاءت بوجوب ms050 طاعة العبد لسيده وامتثال ~~أوامره أو لأنه لا يأمره إلا بما فيه منفعته ودفع مضرة عنه والعبد يلزمه ~~إيصال المنافع إلى سيده ودفع المضار عنه ولأن ذلك دلالة على أن السيد قد ~~كره منه ترك ما # PageV01P055 # أمره به ولهذا لو أمره السيد بفعل يخص العبد لما وجب عليه والجواب أن ~~الشريعة إنما ألزمت العبد طاعة سيده إذا أوجب السيد عليه طاعته ولم تلزمه ~~لأجل سيده فعلا لم يلزمه إياه سيده ألا ترى أن سيده لو قال له الأولى أن ~~تفعل كذا ولك أن لا تفعله لما ألزمته الشريعة فعله والأمر عند المخالف يجري ~~مجرى هذا القول فينبغي أن لا يجب به على العبد شيء ولا يجب على العبد إيصال ~~النفع إلى سيده ولا دفع المضار عنه إلا إذا أوجبه عليه سيده ولم يرخص له في ~~تركه ألا ترى أنه لو قال له الأولى أن تفعل ذلك ويجوز أن لا تفعله لجاز له ~~أن لا يفعله وكذلك لو علم أن غيره يقوم مقامه في دفع المضرة عنه وأما قول ~~السائل إن كون السيد منتفعا بما أمره به دلالة على أنه قد كره تركه فلا يصح ~~لأنه ليس يجب إذا انتفع بشيء أن يكره من عبده تركه لجواز أن يكون إنما يكره ~~من غير ذلك العبد تركه وإنما يعلم أنه قد كره من ذلك العبد تركه إذا دله ~~على ذلك والأمر عند السائل ليس بدليل على الإيجاب ولا على هذه الكراهة فلم ~~يلزم العبد ذلك الفعل فأما قول السائل إن السيد لو أمر العبد بفعل يخص ~~العبد لم يجب عليه لما لم ينتفع السيد به فغير مسلم أنه لا يجب عليه وغير ~~مسلم أنه لا ينتفع السيد بذلك لأنه إذا أمر العبد بمنفعة أو بدفع مضرة عن ~~نفسه فان ذلك يعود بصلاح ماله فمن هذه الجهة يكون للسيد فيه منفعة أو دفع ~~مضرة # دليل آخر قول القائل افعل يقتضي إيقاع الفعل وليس لجواز تركه لفظة فيجب ~~المنع من تركه وإذا لم يجز ms051 تركه فقد وجب ولمعترض أن يعترض ذلك فيقول إن ~~لفظة افعل تقتضي إيقاع الفعل غير أنا لا نسلم أنه يقتضيه على سبيل الإيجاب ~~وإذا لم نسلم لكم ذلك لم يثبت الوجوب إذا لم يدل دليل على جواز الإخلال ~~بالفعل لأنه إنما يثبت الوجود إذا فقدنا دليل جواز الترك إذ أثبتت أن لفظة ~~افعل تقتضي وجوب الفعل وفي هذا وقع الخلاف ولو ثبت ذلك ما احتاج المستدل أن ~~يقول إنه ليس لجواز الترك لفظ ألا ترى أن فقد دليل التخصيص لا يكفي في ~~العلم شمول العموم إلا بعد # PageV01P056 # أن يبين أن لفظ العموم يقتضي الشمول # دليل آخر لفظة افعل تقتضي قصر المأمور على الفعل وحصره عليه وذلك يمنع من ~~جواز الإخلال به ولقائل أن يقول إن أردتم بقولكم إنه يقتضي قصر المأمور على ~~الفعل أنه يقتضي إيجابه ففيه النزاع وإن أردتم أنه بعث عليه وليس فيه إباحة ~~الإخلال به فهو الدليل المتقدم # دليل آخر لو اقتضى الأمر الندب كان معناه افعل إن شئت وليس في الأمر ذكر ~~هذا الشرط ولقائل أن يقول والإيجاب غير مذكور في اللفظ فلا يجوز أن يقتضيه ~~فان قيل إن معنى الإيجاب في لفظ الأمر قيل لكم سوى ذلك وقد تم غرضكم وأيضا ~~فالقائلون بالندب لا يقولون إن المكلف قد قيل له افعل إن شئت لأن هذا يقتضي ~~التخير وليست هذه حالة الندب لأن الندب الأولى أن يفعل فالمكلف قد ندب إلى ~~الفعل وندب إلى أن يشاءه ويريده # دليل آخر قول القائل افعل إما أن يقتضي إرادة الفعل وإما أن يقتضي المنع ~~من الفعل أو التوقف عنه أو التخيير بينه وبين الإخلال به على سواء أو على ~~أن يكون الأولى أن يفعل فان خير بينه وبين الإخلال به أو يقتضي أن يفعل لا ~~محالة وقد تقدم بطلان القول بأنه يقتضي الإرادة ومن المحال أن يكون قوله ~~افعل معناه لا تفعل لأنه نقيض فائدة اللفظ أو أن يكون معناه توقف لأن قوله ~~افعل بعث على الفعل فهو نقيض ms052 التوقف ولا يجوز أن يقتضي التخيير بين الفعل ~~وتركه على سواء وعلى أن يكون الأولى أن يفعل لأنه ليس للتخيير ذكر في اللفظ ~~ولا للإخلال بالفعل ذكر وإنما اللفظ يتعلق بالفعل دون تركه ولقائل أن يقول ~~قد أخللتم بقسم آخر وهو أن يكون قولنا افعل يفيد استدعاء الفعل والبعث عليه ~~ولا يتعرض للإخلال به بمنع ولا إباحة وليس لكم أن تقولوا لما لم يكن في ~~اللفظ ذكر للتخيير ولا للترك وجب نفي التخيير وإثبات الوجوب بأولى من أن ~~تقولوا إنه لما لم # PageV01P057 # يكن في اللفظ ذكر للمنع من الإخلال بالفعل وجب نفي الوجوب وفي نفيه إثبات ~~الندب فان قلتم لفظة افعل يمنع من الإخلال بالفعل قيل لكم بينوا ذلك وقد تم ~~غرضكم من غيرحاجة منكم إلى هذه القسمة # دليل آخر أجمع المسلمون على أن الله عز وجل أوجب علينا الصلاة بقوله ~~{أقيموا الصلاة} وأجمعوا على أن ذلك ليس بمجاز فلو لم يكن الأمر للوجوب بل ~~كان للإدارة أو الندب لكان المستعمل له في الوجوب قد أراد به الفعل وكره به ~~تركه وفي ذلك استعماله فيما لم يوضع له لأن معنى استعمال الأمر في الوجوب ~~هو أنه كره تركه ولو أن أهل اللغة اضطروا من القائل لغيره افعل إلى أنه قد ~~كره منه ترك الفعل لما سبق إلى أنه يجوز بالأمر ولقائل أن يقول أنا من ~~المسلمين ولا أقول إن الله أوجب الصلاة بقوله أقيموا الصلاة وإنما استعمل ~~ذلك فيما وضع له وهو إرادة الصلاة وإنما كره تركها بدليل الوجوب من وعيد ~~وغيره فكيف يمكنكم ادعاء الاجماع مع خلافي لكم مع طائفتي في ذلك ولا أسلم ~~قولكم إن أهل اللغة لو علموا أن القائل لغيره افعل قد كره منه ترك الفعل ~~بالأمر ما نسبوه إلى أنه مستعمل في غير ما وضعت له # دليل آخر قول القائل لا تفعل يقتضي الامتناع من الفعل لا محالة ويمنع من ~~فعله فكان قوله افعل يقتضي أن يفعل ولا يرخص له في تركه والمخالف يقول إني ms053 ~~لا أستفيد تحريم المنهي عنه من لفظ النهي إلا بتوسط الكراهة إما لأن لفظ ~~النهي موضوع لها وإما لأن الناهي لا ينهي إلا عما يكره والحكيم لا يكره من ~~غيره إلا القبيح فان ثبت أن الناهي ينهي عما لا يكره لم يدل مجرد النهي على ~~تحريم المنهي عنه # دليل آخر الإيجاب معقول لأهل اللغة وتمسهم الحاجة إلى العبارة عنه فلو # PageV01P058 # لم يفده الأمر لم يكن له لفظ ولقائل أن يقول وكون الفعل على صفة زائدة ~~على حسنه أو كون الفعل مرارا معقول لهم والحاجة تمس إلى العبارة عنه فلو لم ~~يكن الأمر موضوعا له لم يكن له لفظ فان قالوا الأمر موضوع لذلك قيل وغير ~~الأمر موضوع للإيجاب وهو قول القائل ألزمت وأوجبت وحتمت # دليل آخر الأمر بالشيء نهي عن صده والإخلال به والنهي يقتضي حظر المنهي ~~عنه فوجب حظر الإخلال بالمأمور به وفي ذلك وجوب المأمور به ولقائل أن يقول ~~ما تريدون بقولكم إن الأمر بالشيء نهي عن الإخلال به فان قالوا إن صورته ~~صورة المنهي كان الحس يشهد بخلاف ذلك وإن قالوا إنه نهي في المعنى قيل لهم ~~ما ذلك المعنى فان قالوا هو أن الأمر يقتضي أن يفعل المأمور به لا محالة ~~قيل لهم بينوا ذلك وهو الدليل الأول وإن قالوا هو أن الأمر بالشيء يقتضي ~~الإرادة والإرادة للشيء كراهة ضده أو لا بد من أن تقترن بها كراهة الضد إما ~~من جهة الصحة أو من جهة الحكمة ومن كره أضداد الشيء فقد ألزم ذلك الشيء قيل ~~لكم هذا باطل بالنوافل لأن الله سبحانه قد أرادها منا ولذلك نكون مطيعين له ~~بفعلها وليس بكاره لتركها واضدادها فان قالوا معنى ذلك أن الأمر يقتضي ~~إرادة فعل المأمور به على جهة الإيجاب قيل لا معنى لكون الحي مريدا للفعل ~~على جهة الإيجاب إلا أنه أراده وكره تركه وقد تقدم إبطال ذلك ولو كانت ~~الإرادة تتناول الشيء على جهة الإيجاب لوجب عليكم أن تدلوا على أن الأمر ~~يقتضي هذه الإرادة ms054 حتى يتم دليلكم ومتى دللتم على ذلك تم غرضكم قيل القول ~~إن النهي إذا اقتضى قبح أضداد الشيء فقد وجب ذلك الشيء وإن قالوا معنى ذلك ~~أن لفظة الأمر تدعو إلى فعل المأمور به وتحظر الإخلال به قيل لهم بينوا ذلك ~~وقد تم غرضكم ونحن قد بينا ذلك من قبل # دليل آخر الأمر إذا حمل على الوجوب كان أحوط والأخذ بالأحوط # PageV01P059 # واجب ألا ترى أنا إذا حملناه على الوجوب لم يخل المأمور به إما أن يكون ~~واجبا أو ندبا فان كان ندبا لم يضرنا فعله بل ينفعنا وإن كان واجبا أمنا ~~الضرر بفعله وإذا حملناه على الندب لم نأمن أن يكون واجبا فنستضر تركه ~~ولقائل أن يقول أنا قد علمت بدلالة لغوية أن الأمر ما وضع للوجوب وعلمت أن ~~الحكيم لا يجوز أن يجرده عن قرينة إلا والمأمور به غير واجب فأنا إذا حملته ~~على الندب أمنت الضرر ويقول أيضا ليس يخلو المستدل إما أن يكون عالما بأن ~~الأمر وضع للوجوب أو عالما بأنه وضع للندب والإرادة أو عالما بأنه مشترك ~~بينهما أو شاكا في موضوعه فان كان عالما بالوجوب فقد وجب عليه حمله على ~~الوجوب لعلمه بأنه موضوع له لا لأنه لا يأمن أن يكون قد عني به الوجوب ~~وينبغي أن يدلنا على أنه موضوع للوجوب وإن كان عالما بانه للندب فهو آمن ~~إذا تجرد أن يكون الحكيم قد عني به الوجوب وإن كان عالما بأنه مشترك بين ~~الوجوب والندب فليس ذلك من قولهم ويلزمهم إن كان كذلك أن يجعلوا المكلف ~~مخيرا بين حمله إياه على الوجوب أو على الندب كما يقوله بعض الناس في الاسم ~~المشترك أو يقول إن الحكيم للخلية من قرينة كما يقوله آخرون في الاسم ~~المشترك وأن كان شاكا في موضوع الأمر فالاحتياط يقتضيه أن يفحص عن موضوعه ~~حتى إذا عرفه حمل خطاب الحكيم عليه ويكون آمنا من الضرر على أن كلا منا ~~إنما هو في موضوع الأمر ما هو في اللغة وإيجاب حمله على ms055 الوجوب لأجل ~~الاحتياط لا يدل على أنه موضوع له في اللغة على أن من حمل المأمور به على ~~الوجوب عدولا عن الاحتياط من وجوه لأنه لا يأمن إذا اعتقد وجوبه أن يكون ~~ندبا فيكون اعتقاد وجوبه جهلا وتكون نية الوجوب قبيحة وكراهته لأضداده ~~قبيحة وأما وجوب إعادة الصلوات الخمس إذا ترك الإنسان واحدة منها لا يدري ~~ما هي فلان الواجب غير متميز من غيره وليس كذلك موضوع الأمر لأنه يمكن أن ~~يعرف ما موضوعه ويعلم أن الحكيم يجب في حكمته أن يعينه دون غيره وعلى أن ~~العلم على اليقين غير مستمر وجوبه ألا # PageV01P060 # ترى أن من يعتاد السهو في صلاته إذا سها فاليقين أن يعيد صلاته وليس ~~اليقين أن يبني على الأقل ولا أن يتحرى ومع ذلك لم تجب عليه الإعادة وربما ~~حققوا شبهتهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال دع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك والجواب أن المخالف يقول إذا حملت الأمر على الندب فقد عدلت ~~عما يريبني إلى الثقة واليقين ولا ريب في ذلك # دليل آخر الوجوب أعم فوائد الأمر لأنه يدخل تحته الحسن والمندوب إليه ~~واللفظ يجب حمله على أتم فوائده ولقائل أن يقول ولم يجب حمله على أتم ~~فوائده فان قالوا لمكان الاحتياط كان الكلام عليهم ما تقدم وإن قالوا ذلك ~~قياسا على العموم قيل لهم وما العلة الجامعة بينهما ويقال لهم إن العموم ~~إنما حمل على الاستغراق ليس لأنه أعم فوائده لكن لعلمنا بأنه موضوع ~~للاستغراق فقط فينبغي أن تبينوا أن موضوع الأمر للوجوب حتى يتم لكم غرضكم ~~على أن الندب على التحقيق ليس بداخل تحت الوجوب لأن المندوب إليه هو الذي ~~يستحق المدح بفعله ولا يستحق الذم بالاخلال به وليس يجمع كلا الأمرين ~~للواجب # وقد استدل من جهة الشرع على أن أوامر الله سبحانه وأوامر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم على الوجوب بوجوه منها قول الله سبحانه {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره} الأية فحذر من مخالفة أمر نبيه صلى ms056 الله عليه وسلم وتوعد عليه ~~ومخالفة أمره هو الإخلال بما أمر به فوجب كون الإخلال بما أمر به محظورا ~~وهذا هو وجوب فعل ما أمر به فاذا ثبت ذلك في أوامر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجب مثله في أوامر الله سبحانه لأن كل من قال إن الشرع قد دل على أن ~~أوامر النبي صلى الله عليه على الوجوب قال إن أوامر الله سبحانه على الوجوب ~~وإنما قلنا إنه عز وجل حذر من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~قال {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} فحث # PageV01P061 # بذلك على الرجوع إلى أقواله ثم عقب ذلك بقوله {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره} فعلمنا أنه بعث بذلك على التزام ما كان دعا إليه من الرجوع إلى أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلو ثبت أن الهاء في أمره راجعة إلى اسم الله لدل ~~على وجوب الرجوع إلى أوامر الله سبحانه وفي ذلك وجوب مأمورها وثبت مثله في ~~أوامر النبي صلى الله عليه وسلم لأن أحدا ما فرق بينهما وإنما قلنا إن ~~مخالفة أمره هو الإخلال بمأموره لأن المخالفة ضد الموافقة وموافقة القول هو ~~فعل ما يطابقه ومعلوم أن موافقة قول القائل لغيره افعل هو أن يفعل فيجب أن ~~تكون مخالفته هو أن لا يفعل إن قيل مخالفة القول هو الإقدام على ما يحظره ~~القول ويمنع منه فيجب أن تبينوا أن الإخلال بالمأمور به يحظره القول حتى ~~يدخل في الاية وإذا بينتم ذلك فقد تم غرضكم من أن الأمر يقتضي الوجوب قيل ~~ليس نحتاج في أن نعلم أن الإخلال بالمأمور به مخالفة الأمر إلى ما ذكرتم بل ~~يمكننا أن نعلم ذلك بما قلناه من أن المخالفة ضد الموافقة وموافقة الأمر هو ~~فعل المأمور به وإذا كان كذلك لم نكن قد بينا الدلالة على موضع الخلاف إن ~~قيل مخالفة الأمر هو الرد على فاعله واتهامه في القول وموافقته هو الثقة به ~~وترك الرد عليه قيل موافقة القول هو الإقدام على ms057 مطابقته ومخالفته هو ترك ~~مطابقته والرد على النبي صلى الله عليه وسلم وأله وترك الثقة به هو مخالفة ~~للدليل الموجب لاعتقاد الثقة به وليس هو مخالفة للأمر لأن الأمر لا يدل على ~~أنه غير متهم في أقواله بل العلم بذلك يسبق الاستدلال بأمره وكذلك الثقة به ~~هو موافقة دليل الثقة به لا الأمر بالفعل إن قيل لو كان الإخلال بالمأمور ~~به مخالفة للأمر لكنا إذا لم نفعل النوافل المأمور بها مخالفين لأمر الله ~~وفي ذلك كوننا مخالفين لله سبحانه إذا أخللنا بالنافلة قيل إنما لم نكن ~~مخالفين للامر بالنافلة لأن الأمر بالنافلة في تعذر قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأولى أن تفعلوا كذا وكذا # PageV01P062 # ويجوز أن لا تفعلوه وهذه زيادات لا ينبيء عنها قوله افعل وهو صريح الأمر ~~وإذا كان كذلك لم نكن مخالفين للامر بالنوافل لأن في مضمونها جواز الترك ~~فان قيل فيجب أن تعلموا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ليس في هذا ~~التقدير حتى تعلموا أن الإخلال بالمأمور به مخالفة له وإذا علمتم ذلك فقد ~~علمتم أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب قبل الاستدلال بهذه الآية قيل نحن نعلم ~~ذلك لعلمنا أن قول القائل افعل يقتضي إيقاع الفعل وأنه لا دليل في صريحه ~~يدل على أنه في تقدير قول القائل الأولى أن تفعل ويجوز أن لا تفعل وليس يجب ~~إذا علمنا ذلك أن نعلم أنه على الوجوب لأنه لا يجب أن يكون على الوجوب إذا ~~لم يكن في صريحه ما يدل على التخيير ونفي الوجوب إلا بعد أن يثبت أن صريحه ~~يدل على الوجوب على ما ذكرناه من قبل فان قيل قد علمنا أن من قال إن ظاهر ~~الأمر للندب لا يلزمه الوعيد فعلمنا أن قوله {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره} المراد به الرد على النبي صلى الله عليه وسلم والجواب أن الله سبحانه ~~إنما حذر من لحوق العذاب ممن خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم وليس في ~~ذلك تحقق لنزول العذاب وإذا كان كذلك ms058 كان من حمل أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الندب مخطئا بلأن ذلك ليس من مسائل الاجتهاد وكل ما كان خطأ فانه ~~يجوز أن يكون كثيرا وكلما جاز أن يكون كثيرا لم يؤمن لحوق العذاب بفاعله ~~فثبت التحذير في ترك المأمور به ولو كان ذلك من مسائل الاجتهاد للحق ذلك ~~الوعيد من خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يعتقد أنه على الندب ~~وفي ذلك بوجه الوعيد # دليل آخر وهو قول الله عز وجل {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} فذمهم على ~~أنهم تركوا ما قيل لهم افعلوه ولو كان الأمر يفيد الندب لم يذمهم على ترك ~~المأمور به كما أنه لا يجوز أن نقول إذا قيل لهم الأولى أن تفعلوه ومرخص ~~لكم في تركه لم تذمهم على الترك وقوله عز # PageV01P063 # وجل {ويل يومئذ للمكذبين} كلام مبتدأ لا يمنع من كونه عز وجل ذاما لهم ~~لأجل تركهم فعل ما قال لهم افعلوه # دليل آخر قول الله سبحانه لإبليس {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} ليس ~~باستفهام لكنه خارج مخرج الذم والاستبطاء لإبليس وأنه لا عذر له ولا رخصة ~~في إخلاله بالسجود مع أمره به هذا هو المفهوم من قول السيد لعبده ما منعك ~~من دخول الدار إذا أمرتك متى لم يكن السيد مستفهما فلو لم يكن الأمر على ~~الوجوب لم يذمه ولا استبطأه ولكان لإبليس أن يقول الذي سوغ لي ترك السجود ~~إنك لم تلزمينه بل رخصت لي في تركه إن قيل لعله أمره بلغة أخرى والأمر فيها ~~موضوع للوجوب لا في لغة العرب قيل الظاهر يقتضي أنه ذمه لأنه أمره أمرا ~~مطلقا فلم يفعل لا لأنه أمره أمرا مخصوصا في لغة مخصوصة على أن طريقة من ~~قال أن الأمر على الندب هو أنه يفيد الإرادة لا غير والإرادة لا تفيد ~~الوجوب وهذه الطريقة لا تختلف فيها اللغات # دليل آخر وهو قوله سبحانه {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة ms059 من أمرهم} والقضاء قد يكون بمعنى الفعل وحقيقة ~~الأمر للقول فكأنه قال إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرا فليس لأحد أن ~~يتخير فيه وفي ذلك وجوب المصير إليه وقد قيل إن سبب نزول هذه الآية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر قوما أن يزوجوا زيد بن حارثة فأبوا فأنزل ~~الله سبحانه هذه الآية ولقائل أن يقول إن حقيقة الأمر وإن كان في القول ~~فإنه إذا قرن بالقضاء فقيل قضى فلان أمرا جرى مجرى أن يقول فعل فلان شيئا ~~سيما وقد قلنا فيما تقدم إن الأمر إذا أطلق كان حقيقة في الشيء وفي القول ~~وفي الشأن وإنما يتخصص بحسب القرائن وهذه # PageV01P064 # القرينة تدل على أن المراد به الشيء فيكون المراد بذلك إذا الزم شيئا لأن ~~القضاء يكون بمعنى الإلزام ولا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~كان ألزم أن يزوج زيد بن حارثة بلفظ من ألفاظ الإلزام إن ثبت أن قصة زيد هي ~~سبب نزول الآية # دليل آخر قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} الآية فأوجب التسليم لما قضاه والقضاء ~~هو الأمر ولقائل أن يقول إن القضاء هو الإلزام ها هنا وعلى أن المراد بقوله ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت المراد به السخط وترك الرضا ولهذا قال ~~{ويسلموا تسليما} فان قالوا لو كان القضاء بمعنى الإلزام لما قيل إن الله ~~سبحانه قد قضى الطاعات كلها لأن النوافل ما ألزمها قيل ولو كان القضاء ~~بمعنى الأمر والأمر على الوجوب لما قيل إن الله قد قضى الطاعات كلها على أن ~~المراد بقولنا إن الله قضى النوافل أنه أخبر عنها وذلك يعم الطاعات كلها ~~النوافل وغيرها # دليل آخر وهو قوله سبحانه {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} وهذا لا يدل لأنه ~~أمر وفيه الخلاف وادعاؤهم الإجماع بأن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة ~~لا يسلمها الخصم لأن النوافل طاعة للنبي صلى الله عليه ms060 وسلم وليست بواجبة ~~وقوله تعالى {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} لو رجع إلى صدر ~~الكلام لم يصح التعلق به لأن التولي ليس هو ترك المأمور به لأنه لا يوصف ~~بذلك تارك النوافل وقوله من بعد {وإن تطيعوه تهتدوا} لا يدل على وجوب ~~الطاعة لأن الاهتداء قد # PageV01P065 # يكون بفعل النافلة إذ فاعلها مهتد إلى رشده وصلاحه وقوله {ومن يعص الله ~~ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} إنما يصح التعلق به في وجوب أوامر النبي صلى ~~الله عليه وسلم لو ثبت أن من لم يفعل مأمورها عاص للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وقوله تعالى {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون} الآية لا يدل لأن وجوب الاستجابة إلى الجهاد معلوم ~~بما تقدم وقوله تعالى {وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم} يدل على أن ~~المراد بالتوالي ها هنا العدول عن الطاعة على وجه العناد لأنهم هكذا تولوا ~~من قبل # دليل آخر وهو ما روي أن رجلا قال يا رسول الله أحجتنا هذه لعامنا أم ~~للأبد فقال بل لعامكم فقط ولو قلت نعم لوجبت فأخبرها أن وجوبها متعلق بقوله ~~ولقائل أن يقول إن قوله نعم ليس بأمر فيدل على ما ذكرتم والمراد بذلك لو ~~قلت نعم هي للأبد لوجبت عليكم في كل عام ويكون الموجب لذلك إخبار الله ~~تعالى عن وجوبها لقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} وذلك أن وجوب الحج ~~قد كان استقر ولم يعلم السائل أن تلك الحجة مسقطة للوجوب الثابت بالآية بل ~~جوز أن لا يسقطه إلا في تلك السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم لو قلت ~~نعم معناه لو قلت انه يسقط الفرض في تلك السنة فقط لوجبت لأنه كان يكون ذلك ~~بيانا لكون الواجب الثابت بالآية ثابتا في كل سنة # دليل آخر وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لولا أن أشق ~~على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولو كان الأمر بالشيء ms061 لا # PageV01P066 # يقتضي إلا كونه ندبا لم يكن في هذا الكلام فائدة لأن السواك قد كان ندبا ~~قبل هذا الكلام ولقائل أن يقول إن هذا الوجه أمارة على انه أراد لأمرتهم ~~على وجه يقتضي الوجوب وليس يمتنع أن يقتضي الأمر الوجوب بدلالة # دليل آخر روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا سعيد الخدري فلم يجبه ~~لأنه كان في الصلاة فقال ما منعك ان تستجيب وقد سمعت قول الله سبحانه {يا ~~أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} الآية فلامه على ترك الاستجابة مع ~~أن الله سبحانه أمر بها فدل على أن الأمر على الوجوب فان قيل إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يلمه ولكنه أراد أن يبين أنه لا يقبح الاستجابة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا دعاه وهو يصلي وأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~مخالف لدعاء غيره والجواب أن ظاهر الكلام يقتضي اللوم وهو في معنى الإخبار ~~عن نفي العذر وذلك لا يكون إلا والأمر على الوجوب # دليل آخر وقد استدل على ذلك بالإجماع من وجوه # منها أن الأمة اتفقت على وجوب طاعة الله ورسوله وامتثال أوامرهما طاعة ~~لهما فكان واجبا ولقائل أن يقول المراد بطاعة الله وطاعة رسوله التصديق ~~لهما وامتثال ما أوجبا دون ما لم يوجباه من النوافل وما ثبت من كون النوافل ~~مأمور بها وفاعلها يكون مطيعا ولا يجب عليه لا يدل على أن المراد بوجوب ~~طاعة الله ورسوله ما ذكرناه # ومنها أن المسلمين كانوا يرجعون إلى كتاب الله وسنة رسوله في الأحكام ولم ~~يسئلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أوامره ما الذي عناه به وقد أجيب ~~عن ذلك بأنهم إنما رجعوا إليهما لأن الأحكام تثبت بالإيجاب وبالندب والوجوب ~~يثبت بغير الأمر مما هو في الكتاب والسنة نحو الزجر والتهديد # PageV01P067 # والوعيد والخبر عن الوجوب ولهذا فهموا وجوب الصلاة من قول الله سبحانه ~~{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} فلفظة على تقتضي الوجوب وقوله ~~{ولله على الناس حج البيت من استطاع ms062 إليه سبيلا} يدل على وجوب الحج وقوله ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها} الآية يدل على وجوب الزكاة # ومنها أن أبا بكر الصديق رضوان الله عليه استدل على وجوب الزكاة على أهل ~~الردة بقوله {وآتوا الزكاة} ولم ينكر عليه أحد في هذا الاستدلال وقد أجيب ~~عن ذلك بأن القوم لم ينكروا وجوبها وإنما أنكروا استدامة وجوبها عليهم ~~والأمر بالزكاة لا يدل على الاستمرار فعلمنا أنه لم يتعلق بالأمر وإنه إنما ~~احتج باقتران الزكاة إلى الصلاة وكون الصلاة مستمرا وجوبها # ومنها أن الصحابة كانت حين تسمع الأمر من الكتاب والسنة تحمله على الوجوب ~~فدل على أنها كانت تحمل الأوامر على الوجوب كما دل رجوعها إلى أخبار الآحاد ~~في الأحكام على أنها اعتقدت كونها حجة ألا ترى إلى إيجابها أخذ الجزية من ~~المجوس برواية عبد الرحمان سنوا بهم سنة أهل الكتاب وإيجابهم غسل الإناء من ~~ولوغ الكلب بقول النبي صلى الله عليه وسلم فليغسله سبعا وأوجبوا إعادة ~~الصلاة عند ذكرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم فليصلها إذا ذكرها إلى غير ~~ذلك وقد أجيبوا عن ذلك بأنهم إنما صاروا إلى شيء سوى الأمر في وجوب هذه ~~العبادات لأنهم كما اعتقدوا الوجوب عند هذه الأوامر فإنهم لم يعتقدوه عند ~~غيرها نحو قول الله سبحانه {وأشهدوا إذا تبايعتم} {فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا} # PageV01P068 # {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} {وإذا حللتم فاصطادوا} إلى غير ذلك وليس ~~لأحد أن يقول إنما لم يعتقدوا الوجوب عند هذه الأوامر لدليل بأولى من أن ~~تقولوا إنما قالوا بالوجوب عند تلك الأوامر لدليل لا لظاهر الأمر # واحتج أصحابنا القائلون بأن الأمر لا يقتضي الوجوب بما هذا معناه لو ~~اقتضي الأمر الوجوب لاقتضائه إما بلفظه أو بفائدته التي هي الإرادة أو ~~بشرطه الذي هو الرتبة وليس شيء من ذلك يقتضي الوجوب فالأمر إذا لا يقتضي ~~الوجوب لكن الإرادة تقتضي الندب على بعض الوجوه فصح أن الأمر يقتضي الندب # واستدلوا على أن صيغة الأمر لا تقتضي الوجوب بأن الوجوب ليس في ms063 لفظها ~~وبأن صيغتها إنما تفيد الإرادة فقط واستدلوا على ذلك بوجوه # منها أنه لا فرق بين قول القائل افعل وبين قوله أريد منك أن تفعل يفهم ~~أهل اللغة من أحدهما ما يفهمونه من الآخر ويستعمل أحدهما مكان الآخر فجرى ~~مجرى إدراك البصر ورؤية البصر في أن المفهوم من أحدهما هو المفهوم الآخر ~~فلما أفاد قولنا أريد منك أن تفعل الإرادة فقط دون كراهة ضد الفعل ودون ~~إيجاب الفعل وجب مثله في قولنا أفعل # ومنها أن أهل اللغة قالوا إن قول القائل لغيره افعل يكون أمرا إذا كان ~~فوق المقول له في الرتبة وسؤالا إذا كان دونه في الرتبة فلم يفرقوا بينهما ~~إلا بالرتبة ومعلوم أن السؤال لا يقتضي إيجاب الفعل على المسؤول ولا كراهة ~~ضد ما سأله فعله وإنما يقتضي الإرادة فقط فوجب في الأمر مثل # PageV01P069 # ذلك إذ لو اقتضى الوجوب أو كراهة ضد المأمور لا نفصل من السؤال بشيء زائد ~~على الرتبة # ومنها أن الأمر ضد النهي ولا معنى لكونه ضدا له إلا أن فائدته ضد فائدته ~~وفائدة النهي كراهة الناهي المنهي عنه لا غير فكان فائدة الأمر إرادة ~~المأمور به لا غير لأنها ضد الكراهة # ومنها أن الأمر يفيد أن الآمر مريد للفعل وما زاد على الإرادة لا دليل ~~يدل على اقتضاء الأمر له فلم يجز أن يقتضيه فصح أنه يقتضي الإرادة فقط # ومنها أن صيغة الأمر يجوز استعمالها في التهديد والإباحة وإنما يتميز ~~منهما بالإرادة فهي كافية في ثبوت حقيقة الأمر فلا افتقار بها إلى شيء من ~~كراهة ضد المأمور به ومن غيرها ولو لم يتميز الأمر من غيره إلا بالكراهة ~~لضد المأمور به لكان الأمر بالنوافل ليس بأمر على الحقيقة لأن الله تعالى ~~ما كره أضدادها وقد أجمع المسلمون على أن الله سبحانه قد أمر بالنوافل ~~وإنما مطيعون له بفعلها # ومنها أن قول القائل لغيره افعل هو طلب للفعل واستدعاء له فيجب أن يثبت ~~معه من أحوال القائل ما يطابقه ليكون مستعملا في موضوعه والذي يطابق ms064 طلب ~~الفعل بالقول إرادته وما عدا ذلك لا حاجة بالمأمور إليه من كراهة وغيرها # قالوا فثبت أن صيغة الأمر لا تفيد إلا الإرادة وليس يخلو إما أن تفيد ~~إرادة مطلقة متعلقة بحدوث الفعل المأمور به أو إرادة على طريق الوجوب أو ~~إرادة فعله لا محالة وليس يجوز أن تفيد إرادة فعله لا محالة لأن المعقول من ~~قولنا إن الإنسان يريد أن يفعل غيره الفعل لا محالة هو أنه يريد فعله ويكره ~~تركه وقد بينا أن الأمر لا يقتضي كراهة الترك ولو عقل من إرادة الفعل لا ~~محالة غير ما ذكرناه لم يكن الأمر يقتضيها لما ذكرناه من الأدلة # PageV01P070 # وأما إرادة الفعل على طريق الوجوب فإن عني بها أنها إرادة الفعل لا محالة ~~فقد أفسدناه وإن عني بها إرادة فعل المأمور به وإرادة أن ينوي المأمور ~~الوجوب فذلك باطل لأنه لا دليل في الأمر على فعل هذه البتة # واستدلوا على أن الإرادة المطلقة لا تقتضي الوجوب بأن الإنسان قد يريد ~~الواجب والندب والمباح والقبيح والله عز وجل إنما يريد من المكلفين في دار ~~التكليف ما كان له صفة زائدة على حسنه لأن إرادة القبيح يستحيل عليه لأنها ~~قبيحة وإرادة المباح من المكلفين لا فائدة فيها لأنه لا يترجح وجود المباح ~~على عدمه في استحقاق ثواب ومدح فلم يكن في إرادته فائدة في دار التكليف ~~وأما إرادة ما له صفة زائدة على حسنه فيحسن من الحكيم لأن ماله صفة زائده ~~على حسنه إما أن يكون ندبا أو واجبا وإرادة كل واحد منهما يحسن من الحكيم ~~فاذا حسن ذلك كان الواجب ينفصل من الندب باستحقاق الذم على الإخلال به وهذه ~~زيادة لا يقتضيها حكم الأصل في كثير من الأفعال لم يجز إثباتها إلا لدليل ~~زائد فمتى لم يحصل دليل زائد وجب نفيها كما أنه لما يثبت دليل يقتضي وجوب ~~صلاة زائدة وجب نفيها # قالوا والرتبة أيضا لا تقتضي الوجوب لأن العالي الرتبة قد يأمر بالندب ~~كما أنه قد يأمر بالواجب فلم تكن الرتبة ms065 مقتضية للوجوب والجواب أما قولهم ~~أولا إنه ليس في صيغة الأمر ذكر للوجوب فانه يقال لهم وليس في صيغة الأمر ~~ذكر للإرادة ولا لكون الفعل مندوبا وأيضا فانه لا يمتنع أن لا يكون ذكر ~~الوجوب الذي هو قولك أوجبت في صريحة ويكون هو لفظ آخر من ألفاظ الوجوب وذلك ~~أنه يقتضي إيجاب الفعل لا محالة على ما بيناه كما أن قول القائل لغيره افعل ~~لا محالة وقوله ألزمتك الفعل يقتضي الوجوب وإن لم يكن ذكر الوجوب في صريحها ~~وأما قولهم إنه لا فرق بين قول القائل لغيره افعل وبين قوله لغيره أريد منك ~~أن تفعل فانه يقال لهم أتعنون أنه لا فرق بينهما في أن كل واحد منهما موضوع ~~للإرادة كما وضع قولنا سواد للسواد أو تعنون أنه وضع لشيء آخر والإرادة ~~تفهم تبعا له # PageV01P071 # فان قالوا بهذا الثاني وربما فسروا كلامهم به قيل لهم فقد أقررتم أن ~~قولنا افعل موضوع لشيء غير الإرادة فبينوا انه غير الواجب حتى يتم دليلكم ~~وإن أردتم الأول لم نسلمه لكم فان استدللتم عليه بما ذكرتموه قيل لكم لا ~~نسلم أنه لا فرق بين قول القائل لغيره افعل وبين قوله أريد منك أن تفعل بل ~~بينهما فرق وهو أن قوله افعل يفيد أن يفعل لا محالة ويفيد الإرادة من حيث ~~كان المتكلم بهذا الكلام باعثا على الفعل ولا يجوز أن يبعث إلا على فعل ما ~~له فيه غرض ولو عزلنا هذا عن أنفسنا لم نعلم أنه مريد للفعل وليس كذلك قوله ~~أريد منك أن تفعل لأن ذلك صريح في الإخبار عن كونه مريدا وليس بصريح في ~~استدعاء الفعل فضلا عن أن يكون مستدعيا لا محالة وأما قولهم إنه لافرق بين ~~السؤال وبين الأمر إلا بالرتبة فالجواب عنه أنه لا فرق بين الأمر والسؤال ~~في اقتضائهما للفعل لا محالة ألا ترى أن الواحد منا إذا قال اللهم اغفر لي ~~أو قال للامير اخلع علي فإنه يجد من نفسه أن يطلب وقوع ذلك لا محالة وأن ms066 لا ~~يقع الإخلال به وإن أورد ذلك على طريق التضرع وعلم أن إيصال الخلعة إليه ~~تفضل لا يستحق بالاخلال به الذم فكأنه يقول أنا أعلم أن ذلك تفضل ولكني ~~أطلب أن يفعل بي لا محالة ألا ترى أن السائل قد يصرح بذلك فيقول اخلع علي ~~أيها الأمير ولا تخل بالتفضل علي بالخلعة # فان قيل فاذا كان قول السائل للمسؤول افعل هو طلب للفعل لا محالة وكان ~~السائل بذلك طالبا للفعل لا محالة فقد أراد الفعل لا محالة وإلا لم يكن ~~مستعملا للفظة فيما وضعت له وقولنا أراد الفعل لا محالة يفيد أنه أراده ~~وكره ضده وتركه وفي ذلك كونه كارها للحسن لأنه قد يكون ضد ما سأله حسنا ~~وكراهة الحسن قبيحة قيل قد بينا أن الإنسان إذا سأل غيره شيئا فقد طلب أن ~~يفعله لا محالة ويجري مجرى أن يقول أعطني مالا ولا تخل بذلك وقد يصرح ~~السائل بذلك ولا شبهة في أن ذلك طلب للفعل لا محالة والسائل بهذا الكلام ~~طالب للفعل لا محالة أفتقولون إن من قال ذلك يكره ضد # PageV01P072 # ما سأل فان قالوا لا مع أنه طالب أن يفعل المسؤول الفعل لا محالة قلنا ~~مثله في السؤال إذا تجرد عن نهي وإن قالوا هو كاره لضد ما سأله وكراهة ~~الحسن قبيحة كانوا قد التزموا ما عابوه وإن قالوا لا يمتنع حسن كراهة الحسن ~~قلنا مثله في السؤال ويقال لهم كراهة الحسن قبيحة إذا كانت كراهة له لأنه ~~حسن فأما إذا كانت كراهة له لأن فيه مضرة أو فوت منفعة فلا ألا ترى أن ~~الإنسان يقول خرج زيد من عندي آخر النهار وإني لكاره لذلك لما لي في كونه ~~عندي من الأنس ولا يلومه أحد على ذلك ولو قال أردت أن يقتل زيد عمرا لأنني ~~أحسده واستضر بجسدي إياه لامه العقلاء فليس يلزم حسن إرادة القبيح على حسن ~~كراهة الحسن لا لحسنه وما نذكره في الكتاب من إطلاق قبح كراهة الحسن إنما ~~جرينا فيه على طريقة أصحابنا # فان ms067 قالوا لو كان السائل قد طلب الفعل لا محالة لكان قد أوجب على المسؤول ~~فعل ما ليس بلازم قيل الملزم غيره الفعل والموجب عليه هو الذي يلحقه الذم ~~واللوم بالإخلال به إما بحق وإما بغير حق وذلك مرتفع عن السائل فلم يكن ~~موجبا ولا ملزما للفعل # فان قالوا فإذا كان السؤال يقتضي الفعل لا محالة ولا يوجبه فما أنكرتم أن ~~يكون الأمر يقتضي الفعل لا محالة ولا يوجبه قيل إنا نقول إن لفظة افعل ~~تقتضي استدعاء الفعل لا محالة وقد يستدعي بها الإنسان القبيح والمباح ~~لمنافعه وإنما نعلم أنها استدعاء وطلب لما ليس بقبيح ولا مباح إذا صدرت من ~~حكيم ولا تجوز عليه المنافع والمضار أو ناقل عمن لا يجوز عليه المنافع ~~والمضار وذلك يمنع أيضا أن يكون استدعاء أن يفعل المأمور الفعل لا محالة ~~وليس هو بواجب فعله لأنه لا يحسن أن يقال للمكلف افعل هذا الفعل لا محالة ~~وهو بصفة الندب إلا وبين له أنه بصفة الندب الذي يجوز له الإخلال به لأن ~~الله إنما يأمرنا بمصالحنا ويستحيل عليه المنافع والمضار ولا # PageV01P073 # يجوز أن يقول الحكيم لغيره افعل هذا الفعل لا محالة وهو يعلم أنه ينتفع ~~به ولا يستضر بتركه بل لا بد أن يبين له جواز تركه فاذا لم يبينه ثبت ~~الوجوب لأن تقدير الأمر بالنوافل الأولى أن تفعل ولك أن لا تفعل وهذه زيادة ~~فافتقر إثباتها إلى دليل فمتى فقد الدليل فلا بد من الوجوب # وأما الجواب عن قولهم إن النهي لا يقتضي إلا كراهة الناهي للمنهي عنه فهو ~~أنا لا نسلم ذلك في النهي بل قول القائل لا تفعل هو طلب للإخلال بالفعل لا ~~محالة كما أن قوله افعل هو طلب للفعل لا محالة وإنما تعقل الكراهة على طريق ~~التبع من حيث لم يجز أن يمنع المتكلم إلا مما هو كاره له وأيضا إن قولنا لا ~~تفعل كالنفي لقولنا افعل فان اقتضى النهي الكراهة فيجب أن يقتضي الأمر نفي ~~الكراهة فقط # وأما الجواب عن قولهم ms068 إن لفظة افعل تدخل في أن يكون أمرا بالإرادة لا غير ~~والإرادة لا تقتضي الوجوب فهو أن هذا إنما يدل على أن ما به يكون الأمر ~~أمرا وهو الإرادة لا يفيد الوجوب ولا يدل على أن الصيغة ما وضعت للوجوب ~~وأحد الأمرين مباين للآخر ألا ترى أنه لا يمتنع أن يقول أهل اللغة قد وضعنا ~~قولنا افعل للوجوب وسمينا قولنا افعل أمرا إذا أراد المتكلم بها الفعل سواء ~~استعملت في الوجوب أو في الندب ألا ترى أن المخالف يقول قد وضعت لفظة افعل ~~للإرادة ووضعت بأنها صيغة افعل سواء استعملت في الإرادة أو في الكراهة # وأما الجواب عن قولهم إن لفظة افعل تفيد الإرادة وما زاد عليها لا دليل ~~على إفادتها له فهو أنهم إن أرادوا أنها موضوعة للإرادة فغير مسلم وقد ~~أفسدناه من قبل وإن أرادوا أنها موضوعة لغير الإرادة والإرادة مفهومة منها ~~على طريق التبع قيل لهم فقد بطل قولكم لا دليل يدل على اقتضائها على ما زاد ~~على الإرادة # وأما الجواب عن قولهم إنه ينبغي أن يثبت من أحوال الآمر ما يطابق # PageV01P074 # قوله افعل فهو أن ذلك صواب غير أن قوله افعل يقتضي ظاهره أن يفعل لا ~~محالة والذي يطابق ذلك هو الإرادة والكراهة لضد الفعل فعليهم إفساد ذلك حتى ~~يتم دليلهم # وربما استدلوا على أن الأمر ليس على الوجوب بأن السلطان قد يأمر بالحسن ~~وبالقبيح ويوصفان بأنهما مأمور بهما على الحقيقة ويوصف السلطان بأنه أمر ~~على الحقيقة فلو كان الأمر يفيد الوجوب لما وصف هذين بأنهما مأمور بهما ~~والجواب أن هذا إنما يدل على أن لفظة افعل متى صدرت من مريد للفعل كانت ~~أمرا على الحقيقة ولا تدل على أن صيغها التي هي قول القائل افعل ما وضعت ~~للوجوب وقد بينا فرق ما بين الموضعين وربما قالوا لو اقتضت الوجوب لكانت ~~إذا تناولت القبيح جعلته واجبا وهذا إنما يفسد بكونها جاعلة للفعل واجبا ~~ولسنا نقول ذلك بل نقول إنها موضوعة لاقتضاء الفعل لا محالة والمتكلم بهما ms069 ~~قد طلب الفعل لا محالة فاذا كان حكيما يستحيل عليه المنافع والمضار علمنا ~~أن الفعل مما يجب أن يفعل لا محالة ولا يلزم إذا استعملت في غير الإيجاب أن ~~لا تكون موضوعة له لأنها مستعملة في غير الإرادة ولا يمنع ذلك عندهم من ~~وضعها لها وصيغة العموم قد تستعمل فيما دون الاستغراق ولا تدل على أنها ما ~~وضعت للاستغراق - صلى الله عليه وسلم - باب في صيغة الأمر الواردة بعد حظر ~~- صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنها إذا وردت بعد حظر عقلي أو شرعي أفادت ما تفيده لو لم يتقدمها ~~حظر من وجوب أو ندب وقال جل الفقهاء إنها تفيد بعد الحظر الشرعي الإباحة ~~والإطلاق # ودليلنا أن صيغة الأمر إنما وجب أن تحمل على الوجوب لأنها موضوعة له وقد ~~صدرت من حكيم وتجردت عن دلالة تدل على أنها مستعملة في غيره # PageV01P075 # وهذه الأمور قائمة بعد الحظر فدلت على الوجوب # ويمكن المخالف أن يقول إنها بعد النهي موضوعة للإباحة في أصل اللغة أو في ~~العرف وأن يقول إنها موضوعة للإيجاب في الأحوال كلها غير أن تقدم النهي من ~~الآمر دلالة على أنه استعملها في الإباحة والأول باطل لأن المعقول من لفظة ~~افعل البعث على الفعل واستدعاؤه دون التخيير بين الفعل وتركه والإباحة هي ~~تخيير بين الفعل وتركه فلم تكن مستفادة من صيغة الأمر ولأن هذا القول لا ~~يشهد له أهل اللغة فهو جار مجرى أن يقال إن الأمر يقتضي الوجوب في مكان دون ~~مكان ولأنا لو عزلنا عن أوهامنا أن الشيء المأمور به مما تجب إباحته لولا ~~النهي لما سبق إلى أفهامنا من الأمر الإباحة ولهذا إذا قال الأب لابنه اخرج ~~من الحبس إلى المكتب لا يسبق إلى الأفهام إباحة الخروج # فان قالوا لو لم يفد الإباحة لم يكن لها لفظ بعد الحظر قيل بلى لها ألفاظ ~~وهو قوله أبحت وأطلقت وافعل إن شئت وأنت مخير بين الفعل وتركه فأما إن قيل ~~إن تقدم الحظر دلالة على أن المتكلم استعمل صيغة الأمر ms070 في الإباحة كما أن ~~العجز دلالة على أن المتكلم لم يعن بالأمر العجز فالذي يبطله هو أن ذلك ~~إنما يكون دلالة على ما ذكروه لو لم يجز انتقال المحظور من كونه محظور إلى ~~كونه واجبا فأما وذلك جائز فلا دلالة فيه على العدول عن ظاهر الأمر ولهذا ~~كان الأمر الوارد بعد حظر عقلي يفيد الوجوب # فان قيل الظاهر من الشيء المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب قيل لا ~~نسلم ذلك ولو كان كذلك لكان معنى قولكم أن الظاهر ما ذكرتم أنه الأكثر ~~والأغلب وذلك يقتضي غالب الظن فان المحظور بالنهي لا ينتقل إلى الوجوب ~~والأمارة الدالة على الظن لا تنتقل عن موجب الدلالة الدالة على العلم ~~والأمر الصادر عن الله سبحانه دلالة على العلم وليس وجداننا أوامر واردة ~~بعد الحظر وهي مستعملة في الإباحة مما يقتضي أن ذلك هو ظاهرها كما أن # PageV01P076 # وجداننا ألفاظ عموم لم يرد بها الإستغراق لا تدل على أنها ما وضعت لذلك ~~وقد قال قاضي القضاة إن الأمة إنما حملت قول الله سبحانه {وإذا حللتم ~~فاصطادوا} وقوله سبحانه {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} على الإباحة ~~لأنها علمت من قصد النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة أن هذه الأشياء مباحة ~~لولا ما عرض فيها من إحرام أو تشاغل بالصلاة وما أشبه ذلك وقد يعلم الإنسان ~~أن زيدا لا يوجب على عبده الخروج من الحبس بل يبيحه له إلا عندما يريد حبسه ~~فيه فلهذا نعلم أنه إذا قال له اخرج من الحبس أنه قد أباحه الخروج وربما ~~كان موجبا بذلك عليه الخروج وهو الأكثر في العبيد لما يعرض من كونهم في ~~الحبس من مضرة المولى بانقطاعهم عن خدمته - صلى الله عليه وسلم - باب في ~~الأمر بالأشياء على طريق التخيير هل يفيد وجوب جميعها على البدل أم يفيد ~~وجوب واحد منها لا بعينه - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه ينبغي أن نبين معنى قولنا إن الأشياء واجبة على البدل ومعنى ~~إيجاب الله سبحانه إياها على البدل ونبين ms071 الشرط في إيجابها على البدل ونبين ~~جواز ورود التعبد بها على البدل ونبين الطريق إلى ثبوت التعبد بالأشياء على ~~البدل وأن الله سبحانه قد تعبدنا بالأشياء على البدل ونبين كيفية التعبد ~~بها # فأما معنى قولنا إن الأشياء واجبة على البدل فهو أنه لا يجوز للمكلف ~~الإخلال بجميعها ولا يلزمه الجمع بينها ويكون فعل كل واحد منها موكولا إلى ~~اختياره لتساويها في وجه الوجوب ومعنى إيجاب الله سبحانه لها هو أنه كره ~~ترك جميعها وأراد كل واحد منها ولم يكره ترك كل واحد منها إذا فعل المكلف ~~الآخر وفوض إلى المكلف فعل أيها شاء وعرفه جميع ذلك وقد # PageV01P077 # يجوز أن يريد جميعها على البدل وعلى الجمع ويفارق ذلك الواجبات المرتبة ~~نحو التيمم مع تعذر الوضوء لأن فعل التيمم والوضوء ليس بموكول إلى اختيار ~~المكلف وقد دخل في ذلك تخيير اللابس للخفين بين أن يمسح عليهما أن يغسل ~~رجليه وإن تعين عليه غسلهما عند ظهورهما لأن تبقية الخف ونزعه موكول إلى ~~اختياره # فأما شروط إيجاب الأشياء على التخيير فضربان أحدهما أن يتمكن المكلف من ~~الفعلين بأن يقدر عليهما ويتميزان له والآخر أن يتساوى الفعلان في الصفة ~~التي تناولها التعبد نحو أن يكونا واجبين أو ندبين لأنه لو خير الله سبحانه ~~بين قبيح ومباح لكان قد فسح في فعل القبيح تعالى الله عن ذلك ولو خير بين ~~ندب ومباح لكان قد جعل للمكلف أن يفعله وأن لا يفعله من غير أن يترجح فعله ~~على تركه وذلك يدخله في كونه مباحا ولو خير بين واجب وندب لكان قد فسح في ~~ترك الواجب لأنه قد اباحه تركه إلى غيره # وقد قيل إن الله سبحانه لما خير بين تقديم الزكاة وتأخيرها لم يخير بين ~~واجب ونفل وإنما خير الإنسان بين أن يجعل نفسه عند حؤول الحول على الصفة ~~التي تلزم معها الزكاة بأن لا يقدم الزكاة وبين أن يخرج نفسه عن هذه الصفة ~~بأن يقدمها وعندنا أنه إنما خير بين التقديم والتأخير لأن كل واحد منهما ms072 ~~يسد مسد صاحبه في المصلحة ولا يجوز أن يخير الإنسان بين أن يفعل الفعل ولا ~~يفعله إلا إذا كان مباحا لهذا قال شيوخنا إن الإنسان إنما خير بين الصوم في ~~السفر وبين العزم عليه في الحضر وعند قوم أنه خير بين الصوم في السفر وبين ~~الصوم في الحضر فلم يحصل التخيير بين الفعل وتركه # فأما الدلالة على جواز التعبد بالأشياء على التخيير فهي أنه لا يمتنع في ~~العقل أن يصلح زيد عند كل واحد من فعلين كما لا يمتنع ان يصلح عند فعل واحد ~~معين وكما جاز أن يكون الفعل صلاحا لشخص واحد جاز أن يكون الفعلان صلاحا في ~~واجب واحد ألا ترى أن الإنسان قد يظن أن ولده لا يمضي إلى # PageV01P078 # المكتب إلا إذا أمر يده على رأسه وقد يظن أن يمضي عند ذلك وعندما يهب له ~~درهما وإذا لم يمتنع ذلك في الأفعال لم يحسن أن لا يكلف ولا واحدا منها لأن ~~فيه تفويت مصلحتنا ولا ان يوجب مجموعهما لأن المصلحة تحصل من دون مجموعهما ~~فلا وجه لوجوبهما على الجمع ولا أن يوجب أحدهما بعينه لأنه يكون المكلف قد ~~فصل بينهما في الوجوب مع اشتراكهما في وجه الوجوب # وأما الكلام في طريق ورود التعبد بالأشياء على البدل فضربان أحدهما عقلي ~~والآخر سمعي أما العقلي فيجوز أن يعلم بالعقل تساوي شيئين أو أكثر في وجه ~~الوجوب كرد الوديعة بكل واحدة من اليدين وأما الشرعي فضربان أحدهما مشروط ~~بطريقة عقلية والآخر غير مشروط بطريقة عقلية أما ألأول فنحو أن يأمرنا الله ~~سبحانه بأشياء في وقت واحد ويستحيل الجمع بينهما فنعلم أنها على التخيير ~~وأما الثاني فضربان أحدهما أن يرد السمع بتساوي أشياء في وجه الوجوب والآخر ~~أن يرد بايجاب أشياء على طريق التخيير وذلك نحو الكفارات الثلاث # وقد ذهب الفقهاء إلى أن الواجب منها واحد لا بعينه وقال بعضهم إن الواجب ~~منها واحدة وأنها تتعين بالفعل وذهب شيخانا أبو علي وأبو هاشم إلى إن الكل ~~واجبة على التخيير ومعنى ذلك ms073 أنه لا يجوز الإخلال بأجمعها ولا يجب الجمع ~~بين اثنين منهما لتساويهما في وجه الوجوب ومعنى إيجاب الله إياها هو أنه ~~أراد كل واحدة منها وكره ترك أجمعها ولم يكره ترك واحدة منها إلى الأخرى ~~وعرفنا ذلك فان كان الفقهاء هذا أرادوا وهو الأشبه بكلامهم فالمسألة وفاق ~~وكل سؤال يتوجه علينا فهو يتوجه عليهم يلزمنا وإياهم الانفصال عنه وإن ~~قالوا بل الواجب واحد معين عند الله غير معين عندنا إلا أن الله سبحانه قد ~~علم أن المكلف لا يختار إلا ما هو الواجب عليه فالخلاف بيننا وبينهم في ~~المعنى # والدليل على ما قلناه قوله تعالى {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} # PageV01P079 # الآية وقوله {فكفارته إطعام} إيجاب للإطعام وقوله {أو كسوتهم} عطف على ~~الاطعام تقديره أو كفارته كسوتهم فشرك بينهما في الإيجاب لا على الجمع ~~فكانا واجبين على التخيير فصح أن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر في الوجوب ~~فان قيل قوله {فكفارته إطعام} يجوز أن يكون إخبارا عما يحصل من الكفارة ~~فكأنه قال فما يوجد من الكفارة هو إطعام أو كسوة من حانث آخر أو عتق قيل ~~هذا الكلام من الله هو إيجاب لرجوع الأمة إلى الآية في إيجاب الكفارة وايضا ~~لو كان كما ذكرتم لما كان الخطاب راجعا إلى كل من حلف وإنما كان يرجع أوله ~~إلى بعض من حلف وثانيه إلى بعض آخر وثالثه إلى بعض ثالث لأنه ليس كل من حلف ~~فقد كفر ولا كل من كفر فقد كفر بالإطعام فان قيل إنما قال عز وجل {فكفارته ~~إطعام} ثم قال {أو كسوتهم أو تحرير رقبة} لأن بعض المكلفين يلزمه الإطعام ~~وبعضهم يلزمه الكسوة وبعضهم يلزمه العتق فكأنه قال فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين لبعضهم أو الكسوة لبعض آخر قيل إن قوله {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم} خطاب للكافة والمراد به كل واحد منهم لاتفاق المسلمين على أن كل ~~حانث قد قيل له كفر بالإطعام أو الكسوة أو بالعتق ولم ms074 يقل أحد إن الله ~~سبحانه قال لواحد كفر بالإطعام وقال لآخر كفر بالكسوة يبين ذلك أن حمل ~~الآية على ذلك يحوج إلى إضمار حتى يكون تقديره فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~لبعضكم أو كسوتهم لبعضكم وليس يجوز إضمار لا دليل عليه وأيضا فلو كان قوله ~~فكفارته خطابا للكافة لا لكل واحد منهم لقال فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~وكسوتهم وتحرير رقبة لأن الثلاثة واجبة على الجمع عليهم ألا ترى أنه يجب ~~على # PageV01P080 # بعضهم الكسوة فقط في حال ما يجب الإطعام فقط على آخرين في حال ما يجب ~~العتق فقط على أخرين # دليل آخر لو كانت الواحدة من الكفارات واجبة بعينها على المكلف لعينها ~~الله عز وجل له وإلا كان قد كلفه ما لا طريق له إليه وذلك لا يجوز وليس في ~~شيء من الأدلة تعيين لكفارة من الكفارات # دليل آخر قد خير الله سبحانه والمسلمون كل مكلف بين الكفارات الثلاث فلو ~~وجب واحدة منها على المكلف لا غير لكان الله سبحانه قد خيره بين الواجب ~~وبين ما ليس بواجب وفي ذلك إباحة الإخلال بالواجب إن قيل إنما خير الله بين ~~الكفارات وإن كان الواجب منها واحدا لأنه قد علم أن المكلف لا يختار إلا ~~الواجب قيل له ليس يخلو اختياره للواحدة منها إما أن يكون له تأثير في ~~كونها مصلحة واقعة على وجه الوجوب أو ليس له تأثير في ذلك فان لم يكن له ~~تأثير في ذلك أدى إلى أن يتفق وقوع المكلفين مع كثرتهم وطول أزمانهم على ~~المصلحة دون المفسدة وذلك في التعذر كتعذر اتفاق الفعل المحكم ممن ليس ~~بعالم به وفي ذلك جواز اتفاق تصديق أنبياء من جملة كذابين ممن لا يعلم ~~الفرق بينهم وأيضا فلو صح وقوع الواجب اتفاقا لم يخرج الباري سبحانه من ~~كونه مخيرا لنا بين الواجب وبين ما ليس بواجب ومبيحا لنا الإخلال بالواجب ~~وإن علم أنا لا نخل به وأيضا فالأمة مجمعة على أن من كفر بواحدة من ~~الكفارات لو كفر بغيرها أجزأه وكان مكفرا ms075 بما تعبد به فلو لم يكن ما كفر به ~~واجبا لم يكن مجزئا فان قالوا لاختيار المكلف تأثير في كون الفعل المختار ~~مصلحة قيل لهم ليس يخلو إما أن تكون مصادفة الاختيار لأي فعل أشير إليه ~~تجعله مصلحة حتى يكون الاختيار وحده هو المؤثر في كون الفعل المختار صلاحا ~~أو تكون مصادفته لواحدة من الكفارات الثلاث هو المصلحة فان قالوا بالأول ~~لزمهم أن يكون للمكلف أن يختار أن يكفر بغير الإطعام والكسوة والعتق وإن ~~قالوا بالثاني قيل لهم اشترك الكفارات الثلاث في الوجه الذي به فارقت ما ~~ليس منها وهو الذي # PageV01P081 # صار له الفعل مصلحة إذا قارنه الاختيارأو لا تشترك في ذلك بل الواحد منها ~~هو مختص بهذا الوجه فقط فان قالوا بالثاني قيل لهم فاذا الذي يكون مصلحة ~~إذا اخترناه هو واحد منها فقط وهذا يمنع منه تخيير الله سبحانه المكلف بين ~~أن يفعله وبين أن يتركه ويفعل غيره ويجب أن لو فعلنا غيره أن لا يجزئنا ~~والأمة مجمعة على أنه يجزئنا فان قالوا لا يمتنع أن يكون ما عدا تلك ~~الكفارة مباحا ويسقط به الفرض كا تقولون إن القبيح يسقط به الفرض قيل إن ~~الأمة كما اجتمعت على أن المكفر بواحدة من الكفارات لو كفر بغيرها اجزأه ~~فقد أجمعت أيضا على أنه لو كفر بغيرها لكان قد فعل الواجب وما تعبد به ~~وأيضا فاني إنما أجوز في القبيح أن يسقط به الفرض إذا كان سادا لمسد الواجب ~~في وجه المصلحة وإنما قبح ولم يدخل تحت التكليف لأن فيه وجها من وجوه القبح ~~أو لأنه إذا فعله المكلف صار لو فعل ذلك الواجب لم يكن على صفة المصلجة ~~فيسقط وجوبه لهذا وأما المباح فلو سقط به الواجب لكان إما أن يسقط به لأنه ~~إما قد ساواه في وجه الوجوب وفي ذلك كونه واجبا لأنه ليس فيه وجه قبح يمنع ~~من وجوبه وإما أن يسقط الواجب لأنه يصير معه غير مصلحة فذلك يجعله مفسدة ~~لأن عنده يبطل لطف المكلف ويصير ms076 فاعلا لقبيح ولولاه لكان له لطف يصرفه عن ~~ذلك القبيح وإن قالوا الكفارات الثلاث تشترك في الوجه الذي تتميز به مما ~~ليس بكفارة وهو الذي لمكانه صار كل واحد منها إذا ضامه الاختيار مصلحة قيل ~~لهم فقد وجب أن تكون كل واحدة منها لو فعلت سدت مسد الأخرى في المصلحة وهذا ~~هو قولنا والذي يبقى بيننا وبينكم ما قلتموه من أن يكون للآختيار تأثير في ~~كون الفعل مصلحة مع ما عليه الفعل من الوجه وهذا لا معنى له لأن المكفر ~~عالم بما يفعله ومن هذه سبيله منا لا بد من أن يقصد ويريد ما يفعله وما لا ~~بد منه في الفعل لا معنى لاشتراطه في المصلحة لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يجعل ~~اختيار كل فعل واجب شرطا في كونه واجبا # فأما من ذهب إلى أن الواجب من الكفارات واحدة وأنها تتعين بالفعل # PageV01P082 # فيقال لهم ما معنى قولكم إنها تتعين بالفعل فان قالوا إذا فعلت لزم فعلها ~~مرة ثانية قيل لهم إن أردتم تكرير مثلها فذلك غير واجب باتفاق وإن أردتم ~~فعل نفس ما فعله فذلك غير ممكن ولو أمكن لم يجب فان قالوا نريد بذلك أنه ~~إذا فعلها علمنا أنها هي التي كانت واجبة عليه دون غيرها قيل فكان يجب أن ~~يدلنا الله عز وجل على وجوبها بعينها ولا يخيرنا بينها وبين غيرها ولا تجمع ~~الأمة على أنه لو كرر بغيرها أجزأه فإن قالوا معنى ذلك أنه إذا فعلها أجزأه ~~في إسقاط الفرض قيل وكذلك ما لم يفعله لو فعله أجزأه # والذي والذي ذكروه نسلمه وليس هو موضع الخلاف فهذه القسمة تبطل قول ~~المخالف ويزول معها اعتراضات وقد أفسد أصحابنا قول المخالف بهذه على الوجوه ~~غير هذه القسمة فقالوا لو كان الواجب واحدة من الكفارات لعينها الله سبحانه ~~بالوجوب ولما وكل فعلها إلى اختيارنا لأن الإنسان قد يختار المصلحة ~~والمفسدة كما لم يجز أن يكل إلينا اختيار نبي من غير أن يدلنا عليه بمعجزة ~~ولقائل أن يقول إنما يتم ms077 هذا الكلام لو كانت الكفارة مصلحة من دون الاختيار ~~فيقال يجوز أن يختار المكلف المصلحة ويجوز أن يختار ما ليس بمصلحة كما أن ~~النبي يكون نبيا من دون اختيارنا اعتقاد نبوته فأما إذا قلنا إن تأخيرنا ~~مكمل كون ما يفعله مصلحة فإنا نعلم أن ما نختاره هو المصلحة لأجل اختيارنا ~~لا لأنه صادف اختيارنا ما هو مصلحة فيقال فاذا جاز أن يصادف اختياركم ~~المصلحة جاز أيضا أن يصادف أيضا ما ليس بمصلحة # وقالوا أيضا لو كانت الواحدة من الثلاث واجبة فقط وهو الذي يختاره المكلف ~~لكان لو كفر بغيرها لم تجزئه والإجماع واقع على انه يجزئه ولقائل أن يقول ~~إذا جعلت المصلحة أن أفعل الكفارة وأنا مختارها وجب لو لم يفعل المكلف ما ~~فعله وفعل غيره أن تكون مصلحة أيضا لنه قد فعله وهو مختار له # PageV01P083 # وقالوا أيضا كان يجب لو اخل بالثلاث أجمع أن لا يستحق ذما لأنه إنما يجب ~~عليه واحدة منها إذا اختاره فاذا لم يختره لم يحصل الشرط ولقائل أن يقول ~~المصلحة إنما تحصل باحدى الكفارات مع الاختيار فان لم توجد فاتت المصلحة ~~فجرى مجرى لطف يحصل بمجموع فعلين وجرى مجرى قولكم إن بيع الأرز متفاضلا ~~إنما يكون مفسدة إذا غلب على ظن المجتهد شبه بالبر ولا يجوز مع ذلك إقدام ~~المجتهد على بيعه متفاضلا إذا لم يجتهد في تحريمه بل يلزمه أن يجتهد حتى ~~إذا أداه اجتهاده إلى تحريمه اجتنبه # وقالوا أيضا لو كانت الواحدة من الكفارات واجبة فقط لكان قد خير الله ~~سبحانه بين الواجب وبين ما ليس بواجب ولقائل أن يقول إنما تصير مصلحة ~~باختيار المكلف وأيها فعل وهو مختار له فقد فعل المصلحة فلم يخير بين ~~المصلحة وبين ما ليس بمصلحة # واحتج المخالف بأشياء # منها أنه لو كان كل واحدة من الكفارات واجبة لوجب الجمع بينها إذ كل ~~واحدة منها على وجه الوجوب وإذا وجدت واحدة منها لم تخرج الأخرى من أن تكون ~~لو فعلت لوقعت على وجه الوجوب والجواب أن كل ms078 واحدة منها تختص بوجه وجوب ~~يقوم فيه مقام الأخرى فتسقط المصلحة الاولى فلم يجز أن تجب الأخرى مع أن ~~الحانث قد استوفى المصلحة بالاولى يبين ذلك أن الإطعام إذا كان مصلحة في رد ~~وديعة وكانت الكسوة تسد مسده في ذلك فانه إذا أطعم الحانث فرد الوديعة قام ~~الإطعام مقام الكسوة ولم يبق شيء تكون الكسوة مصلحة فيه فلم يجز أن يجب # ومنها قولهم كان يجب لو كفر الحانث بها معا أن تكون كلها واجبة إذ ليس ~~بعضها بذلك أولى من بعض وأجاب قاضي القضاة بأنا لا نقول بهد إيجادها بأنها ~~واجبة عليه لأن ذلك يفيد لزوم فعلها وذلك مستحيل بعد # PageV01P084 # إيجادها وإنما يقال في الموجود إنه واجب ولا يقال إنه واجب على أحد ولا ~~يقال في الكفارات الموجودة معا إنها واجبة لا على الجمع ولا على البدل ~~والتخيير لأن التخيير والبدل إنما يصحان على المعدوم دون الموجود قال فلو ~~قلنا إنها واجبة لكانت واجبة على الجمع وذلك باطل ولقائل أن يقول إذا لم ~~تكن بعد إيجادها موصوفة بالوجوب لا على التخيير ولا على الجمع ولا كل واحد ~~منها على وجه وجوب لأنكم لا تصفون كل واحدة بأنها واجبة فانه يلزمكم أن ~~تقولوا إن واحد منها واجب لا يتعين عندنا وإذا قلتم ذلك لزمكم أن يكون ذلك ~~الواحد هو الواجب قبل وجوده لأنه إنما كان كل واحد منها واجبا قبل وجوده ~~على البدل لأن كل واحد منها لو وجد لكان على وجه الوجوب فان كانت إذا وجدت ~~فواحد منها فقط على وجه الوجوب فذاك إذا هو الواجب على المكلف قبل وجوده ما ~~لم يوجد الآخر فأما إذا وجد الآخر فلا قيل له فاذا وجدت معا لم يكن بعضها ~~بأن يخرج من أن يكون على وجه الوجوب لأجل وجود الآخر بأولى من العكس فيلزم ~~أن يخرج كلها عن صفة الوجوب ونحن نجيب عن الشبهة فنقول للسائل إن أردت ~~بقولك هل هي واجبة كلها انه يلزم فعلها مع أنها مفعولة فذلك مستحيل ولا ms079 ~~يبقى بعد ذلك إلا أن تقول هل هي على صفات كان يلزم لمكانها إيجادها إما على ~~الجمع وإما على البدل فجوابنا أما أن تكون واجبة على الجمع فلا وأما على ~~البدل فنعم هي بعد وجودها واجبة على معنى أن كل واحد منها على صفة متساوية ~~للصفة الأخرى ولمكان تلك الصفة يلزم إيجادها على التخيير وهو قولنا # ومنها ومنها قولهم لو كانت واجبة على البدل لم يخل إذا أطعم المكفر في ~~حال ما كسا إما أن يسقط الغرض بكل واحد منهما وإما أن يسقط لمجموعهما أو ~~بواحد منهما فلو سقط لمجموعهما لكانا واجبين على الجمع ولو سقط بكل واحد ~~منهما لكان قد حصل حكم واحد عن مؤثرين وإن سقط بواحد منهما فذلك هو الفرض ~~دون غيره والجواب أن الفرض يسقط بكل واحد منهما # PageV01P085 # لأن كل واحد منهما ساد مسد الآخر في وجه الوجوب فليس بأن يسقط بأحدهما ~~أولى من أن يسقط بالآخر وذلك غير ممتنع ألا ترى أن المكلف لو قتل أحدا في ~~حال ما ارتد لا يستحق قتله وهو حكم واحد بكل واحد من الردة والقتل ولو ~~انكشفت عورة المصلي في حال ما وطيء على نجاسة وفي حال ما أحدث يخرج من ~~الصلاة بكل واحد منها لأنه ليس بعضها بأن يؤثر في ذلك أولى من بعض وعلى أن ~~هذه الشبهة التي قبلها تلزم المخالف إذا قال إن الواجب هو ما يختاره المكلف ~~لأنه إذا كفر بالكسوة والعتق والإطعام معا فقد اختار كل واحد منها فوجب أن ~~يكون كل واحد منها هو الواجب وبكل واحد منها يسقط الفرض وكذلك من قال يتعين ~~الواجب بالفعل # ومنها ومنها قولهم لو قال الحانث للفقير ملكتك هذه الكسوة وهذا الطعام ~~وقال مثل ذلك لباقي الفقراء يكون ذلك واجبا أو ندبا فان قلتم واجب لزمكم أن ~~يكون الجمع بين الإطعام والكسوة واجبا وإن قلتم ندب لزمكم أن يكون هذا ~~المكفر ما فعل الواجب وإن قلتم هو واجب وندب لم يكن بعضه بالوجوب أولى من ~~بعض وكنتم ms080 قد صرتم إلى قول مخالفكم من أن الواجب أحدهما والجواب أنا نقول ~~إنه واجب على معنى أنه يتضمن إفعالا لو انفرد كل واحد منها لأسقط الفرض ~~ونقول إنه ندب على معنى أنه لا يلزمه أن يجمع بينهما ولا تناقض بين ذلك على ~~هذا التفسير # ومنها قولهم لو كانت واجبة كلها لوجب إذا أطعم وكسا معا أن ينوي بكل واحد ~~منها الوجوب لأنه ليس بأن يكون أحدهما هو الواجب أولى من الآخر والجواب ~~يقال لهم إن أردتم بذلك أنه ينوي أنه يفعل ما يقوم مقام غيره في وجه ~~المصلحة وإسقاط الفرض فنعم وهو مطابق لما فسرناه وإن أردتم به أنه ينوي بكل ~~واحدة منهما أنه يلزمه فعله وإن فعل الآخر فلا ثم إن الشبهة لازمة لهم إذا ~~قالوا إن بالاختيار أو بالفعل يتميز الوجوب لأن الاختيار قد حصل في كل واحد ~~منهما # PageV01P086 # ومنها قولهم كان يجب لو أخل بكل واحدة من الكفارات أن يستحق الذم على ~~الإخلال بكل واحدة منها لأن كلها واجبة فليس بأن يذم على ترك البعض أولى من ~~البعض والجواب أنا لم نقل إنه يلزمه الجمع بينهما حتى يعاقب على كل واحدة ~~منها ونقول يستحق قدرا من العقاب على الإخلال بالكل كما يذم على الإخلال ~~بالكل ولا بقدر العقاب ويسقط كل شبهة وقد أجاب شيوخنا عنه بأنه يستحق الذم ~~والعقاب على أدونها عقابا لأنه لو فعله ما استحق شيئا من العقاب فان قيل لو ~~فعل أعظمها عقابا لما استحق الذم فيجب إذا أخل بالكل أن يستحق ذلك العقاب ~~والجواب أنه إذا كان لو فعل أقلها عقابا سقط عنه العقاب فيجب إذا أخل ~~بأجمعها ثم عوقب في كل وقت عقاب أقلها عقابا ان يجري بعد استيفاء هذا ~~العقاب مجرى من فعل الكفارة التي هذا العقاب يستحق على تركها ولو فعلها لم ~~يستحق عقابا فكذلك إذا استوفى عقابها والأولى أن يقال يستحق عقاب أدونها ~~عقابا لما ذكرناه الآن لكنه يستحق ذلك على الإخلال بأجمعها لا بواحدة منها ~~لأنها إذا كانت ms081 واجبة على البدل لم يجز أن يعاقب على الإخلال بواحد منها ~~لأن في ذلك كونها هي الواجبة وإنما يعاقب كما يذم ومعلوم أنا لا نذمه لم ~~أخل بواحدة وإنما نذمه لم أخل بالكفارات الثلاث فكذلك يعاقب ألا ترى أنا ~~نلومه ونعنفه فنقول لم أخللت بجميعها ولا نقول لم أخللت بواحدة منها فان ~~قالوا فاذا كان يستحق العقاب على الإخلال بأجمعها فكيف يتصور أن بعضها أقل ~~عقابا وبعضها أزيد قيل بأن يكون بعضها أشق من بعض نحو العتق ويتصور أن لو ~~وجب وحده لكان عقاب الإخلال به أقل من عقاب ترك الكسوة لو وجبت وحدها # ومنها قولهم لو كانت كلها واجبة لا يستحق فاعلها معا على كل واحد منها ~~ثواب الواجب وأجاب أصحابنا عن ذلك بأنه إنما يستحق عليه ذلك الثواب ولقائل ~~أن يقول ولو أفرد فعل أدونها ثوابا لكان واجبا ولا يستحق عليه ثوابه ~~فيلزمكم على تعليلكم أن يستحق على ذلك ثواب الواجب ويستحق # PageV01P087 # ثواب الأعظم لا على أنه ثواب الواجب ثم يقال لهم أبزيادة الثواب صار ~~واجبا أم لا فان قالوا نعم قيل فيجب أن يكون هذا الواجب قبل ايجاده وإن ~~قالوا لا قيل لهم فما به صارت واجبة قد اشتركت فيه فلم صار الثواب الأزيد ~~هو ثواب الواجب دون غيره ثم يقال لهم إنكم بقولكم أزيدها ثوابا هو الذي ~~يستحق عليه ثواب الواجب دون غيره تسليم منكم أن ذلك هو الواجب دون غيره لأن ~~ما لم يوجد إنما يوصف بالوجوب وحده لأنه إذا وجد اختص بوجه الوجوب دون غيره ~~وهذا قد قلتموه في هذه الكفارة ونحن نجيب عن الشبهة فنقول للمستدلين قولكم ~~على أنها تستحق ثوب الواجب تسليم منكم أن فيها واحد واجب يستحق عليه الثواب ~~وأنكم تطلبون أيها هو ونحن قد بينا أن كل واحد منها واجب إذا وجدت معا على ~~التفسير الذي ذكرناه فكل واحد منها يستحق عليه ثواب الواجب على معنى أنه ~~يستحق عليه ثواب ما هو على صفة لو فعل وحده لأسقط الفرض ونقول ms082 إن كل واحد ~~منها لا يستحق عليه ثواب الواجب إذا أريد بالواجب لزومه بعينه لأنه ليس ~~فيها ما يلزم بعينه # واستدلوا على جواز ورود التعبد بواحد من الأشياء لا بعينه ويجعل ذلك ~~موكولا إلى اختيارنا بأنه لا يمتنع أن يقول الله سبحانه أوجبت عليكم واحدة ~~من الكفارات لا بعينها فافعلوا أيها شئتم ولو قال ذلك لوجبت واحدة منها لا ~~بعينها والجواب أنه إن عني بقوله أوجبت عليكم واحدة منها لا بعينها أنه لا ~~يلزمنا ضم واحدة إلى واحدة وأنه يلزمنا أيها شئنا لأن كل واحدة تقوم مقام ~~الأخرى فصحيح وهو مذهبنا وإن عني أن الواجب والمصلحة واحد لم يعينه لنا وهو ~~في نفسه متعين عند الله فذلك لا يجوز أن يقوله وهو موضع الخلاف # واستدلوا على أن التعبد بذلك قد ورد بأشياء # منها أن الحانث لا يلزمه عتق كل رقاب الدنيا وإنما يلزمه عتق واحدة # PageV01P088 # منها لا بعينها وذلك موكول إلى اختياره وكذلك العمي إذا أفتاه فقيهان ~~بفتويين مختلفين أنه يلزمه أحدهما لا بعينه وكذلك إذا اعتدلت عند المجتهد ~~أمارتان أنه يلزمه المصير إلى أحداهما لا بعينها وقد أجاب قاضي القضاة بأنه ~~يلزمه عتق كل رقبة تمكن من عتقها على البدل وهذا هو مذهبنا وليس ذلك ~~بمستحيل على التفسير الذي ذكرناه وكذلك يلزم العامي الأخذ بكل واحد من ~~الفتويين على البدل وكذلك المجتهد إذا اعتدلت عنده الأمارتان # ومنها أن الإنسان لو عقد على قفيز من صبرة لكان المعقود عليه قفيزا منها ~~لا بعينه وإنما يتعين باختيار والجواب أنه إذا عقد على قفيز من صبره فليس ~~العقد بأن يتناول قفيزا منها أولى من قفيز لعقد الإختصاص فوجب أن يكون كل ~~قفيز منها قد يتناوله العقد على سبيل البدل على معنى أن كل واحد منها لا ~~اختصاص للعقد به دون صاحبه وللمشتري أن يختاره وإذا اختاره تعين ملكه فيه ~~فتعين الملك في القفيز كسقوط الفرض بالكفارة وكذلك إذا طلق زوجة من زوجاته ~~لا بعينها أو أعتق عبدا من عبيده لا بعينه أن ms083 كل واحد منهم معتق على البدل ~~وكل واحدة منهن طالق على البدل على معنى أنه لا اختصاص للطلاق والعتق بواحد ~~دون صاحبه وأنه أي نسائه اختار مفارقتها حلت له الأخرى وتعينت الفرقة عليها ~~وأي عبيده اختار عتقه تعينت فيه الحرية وكان له استخدام الباقين وقد أجاب ~~الشيخ أبو عبد الله وقاضي القضاة عن الشبهة فقالا إنه لما جاز أن يقف العقد ~~على القفيز على الاختيار جاز أن يقف فرع من فروعه على الاختيار وظاهر ذلك ~~يقتضي تسليم ما قاله المخالف من أن المبيع من الصبرة والمعقود منها قفيز ~~يعلم الله عينه ولا نعلمه نحن وما عداه غير معقود عليه وكذلك المطلقة من ~~النساء واحدة يعلم الله عينها ولو كان كذلك لوجب أن يعين الله سبحانه لنا ~~المطلقة والقفيز المبيع وإلا كان قد خيرنا بين أن نقبض ما نملكه وما لا ~~نملكه وبين المقام على المطلقة والتي ليست بمطلقة وبين ملك الحر والعبد ~~فهذا هو الكلام في إيجاب الأشياء على جهة التخيير # PageV01P089 # فأما كيفية إرادة الله الأشياء التي أوجبها فنحن آخذون فيها فنقول إن ~~الأشياء التي أوجبها الله سبحانه لا على الجمع ضربان أحدهما أوجبها على ~~الترتيب والآخر أوجبها على البدل # أما الأول فهي التي تعبد ببعضها عند تعذر البعض كالتيمم عند عدم الماء ~~وأكل الميتة عند تعذر الطعام والخوف على النفس أو عند وجود المشقة نحو ~~التيمم عند وجود ماء بأكثر من ثمن مثله وما تعبد الله سبحانه به على ~~الترتيب منه ما قد أراد جميعه وإن لم يجب جميعه نحو الصيام والعتق في كفارة ~~اليمين وإن كان إذا فعل الصيام لا تكون كفارة منه ومنه ما لم يرد الجمع نحو ~~أكل الميتة وأكل المباح من الطعام والأشياء المرتبة قد يكون منها ما يوصف ~~بأنه رخصة وهو أن يكون أسهل والأصل غيره ولذلك المسح على الخفين رخصة وأكل ~~الميتة رخصة # وأما الأشياء المتعبد بها على البدل فضربان أحدهما أرادها الله بأجمعها ~~وإن لم يجب الجمع والآخر لم يرد الجمع فالأول ms084 نحو الكفارات الثلاث وأما ~~الذي لم يرده أجمع فضربان أحدهما كره الجمع بينه نحو تزويج المرأتين كفوين ~~والآخر لم يرد الجمع ولا كرهه نحو ستر العورة وكل ما يستحب ستره في الصلاة ~~بثوب بعد ثوب لأن الثوب الثاني مباح ما أراده الله ولا كرهه وقد أراد الستر ~~بكل واحد منها على البدل - صلى الله عليه وسلم - باب في الأمر هل يدل على ~~إجزاء المأمور به أم لا - صلى الله عليه وسلم - # ذهب الفقهاء بأسرهم إلى أنه يدل على ذلك وقال قاضي القضاة إنه لا يدل ~~عليه وينبغي أن نذكر معنى وصفنا للعبادة بأنها مجزئة وغير مجزئة ثم نبني ~~الكلام عليه فنقول إن وصف العبادة بأنها مجزئة معناه أنها تكفي وتجزيء في ~~إسقاط التعبد بها وإنما يكون كذلك إذا استوفينا شروطها التي تعبدنا أن # PageV01P090 # نفعلها عليها وذلك أنه لا فرق بين قولنا هذا الشيء يجزئني وبين قولنا إنه ~~يكفيني والمعقول من قولنا إنه يكفيني أنه يكفي في غرض من الأغراض وكذلك ~~المعقول من قولنا في العبادة إنها تجزيء هو أنها تكفي وتجزيء في إسقاط ~~التعبد وإذا قلنا إن العبادة لا تجزيء فالمعقول منه أنها لا تجزىء في إسقاط ~~التعبد بها وإنما لا تجزيء في ذلك لأنها لم تستوف شرايطها التي أخذ علينا ~~إيقاعها عليها وتبع ذلك أن يجب قضاؤها بذلك التعبد إن لم تكن موقتة أو كان ~~وقتها باقيا وأن يجوز أن يجب قضاؤها إن كان قد خرج وقتها وقد دخل تحت هذا ~~الكلام العبادات الواجبة وغير الواجبة وليس معنى قولنا إن العبادة تجزىء ~~أنها حسنة لأن المباح حسن ولا يوصف بأنه يجزىء وإنما يوصف المباح بأنه جائز ~~على معنى أنه حسن غير قبيح وذكر قاضي القضاة أن معنى وصف العبادة بأنها ~~مجزئة هو أنه لا يجب قضاؤها ومعنى وصفها بأنها لا تجزيء هو أنه يلزم قضاؤها ~~وهذا غير مستمر لأن الله سبحانه لو أمرنا بالصلاة على طهارة فصلى الإنسان ~~على غير طهارة ومات عقيب الصلاة أو بقي حتى خرج وقت ms085 الصلاة ولم يرد التعبد ~~بالقضاء لوجب أن تكون الصلاة مجزئة إذ كان القضاء لم يجب وهو معنى كونها ~~مجزئة عنده فإن قال العبادة التي هي غير المجزئة هي التي يجوز أن يجب ~~قضاؤها أو كان يجوز أن يجب قضاؤها وما فرضتموه كان يجوز أن يجب عليه القضاء ~~قيل فقد صارت العبادة المجزئة هي التي تكون على صفة لأجلها لا يجوز أن يجب ~~قضاؤها والتي لا تجزيء تكون على صفة يجوز معها أن يجب قضاؤها فما تلك الصفة ~~إذ هي معنى الإجزاء فلا بد عند ذلك من الرجوع إلى ما قلناه فيظهر أن ~~المأمور به إذا فعل على حد ما أمر به لم يجز أن يجب قضاؤه # فاذا ثبت ذلك فلنتكلم في المسألة على كلا القولين فنقول إن كان معنى وصف ~~العبادة بأنها مجزئة أنه قد سقط بها التعبد فمعلوم أن الأمر يدل على أن ما ~~تناوله إذا فعل على حد ما تناوله مع تكامل الشرائط فهو يجزيء لأن # PageV01P091 # المكلف بهذا الفعل ممتثل للامر فلو قلنا إن التعبد بذلك الفعل باق عليه ~~انتقض القول بأنه ممتثل للأمر لأن الأمر تعبد ولهذا نقول إن المضي في الحجة ~~الفاسدة يجزيء في إسقاط التعبد بالمضي فيها وإنما لا يجزيء فيها إسقاط ~~التعبد بحجة صحيحة لأن ذلك التعبد ما امتثل وكذلك الصلاة في آخر الوقت على ~~ظن الطهارة تجزيء في إسقاط التعبد المتوجه إلى الظان في ذلك الوقت وإذا ذكر ~~من بعد أنه كان محدثا توجه إليه أمر آخر لأنه إنما كلف الصلاة على طهارة ~~إذا ذكر أمه كان محدثا حين صلى فأما كون العباد جائزة على معنى أنها حسنة ~~فلا شبهة في أن الأمر يدل عليه لأن الأمر يدل على الوجوب أو على الندب ~~والحسن داخل تحت كل واحد منهما # فأما القول بأن الأمر يدل على إجزاء المأمور به على معنى أنه يمنع من لزم ~~القضاء فصحيح أيضا لأن قضاء العبادة الموقتة هو فعل واقع بعد خروج وقتها ~~بدلا من فعلها في وقتها على ms086 الوجه المأمور به وذلك يكون إما لأن العبادة ما ~~فعلت أصلا أو فعلت على وجه الفساد وذلك غير حاصل إذا فعلها الإنسان على وجه ~~الصحة فلم يتصور القضاء اللهم إلا أن يقال يجب عليه بعد خروج الوقت فعل مثل ~~ما فعله في الوقت ولا يكون قضاء لما فعله فذلك غير منكر والأمر لا يدل على ~~نفي وجوب ذلك ألا ترى أن الأمر بصلاة الظهر لا يمنع من وجوب مثلها في العصر ~~غير أنه لا يكون قضاء لها فان قيل أليس الماضي في الحجة الفاسدة قد امتثل ~~الأمر في المضي فيها ويلزمه القضاء وكذلك المصلي في آخر الوقت على ظن ~~الطهارة قيل الحجة الصحيحة لا تكون قضاء لمقتضى الأمر بالمضي في الحجة ~~الفاسدة وإنما هي مفعولة لأجل أن الأمر بالحج الصحيح باق والصلاة المفعولة ~~بعد خروج الوقت إذا ذكر المكلف أنه كان صلى على غير طهارة ليس بقضاء لمقتضى ~~الأمر بالصلاة مع ظن الطهارة وإنما هو قضاء لمقتضى الأمر بصلاة على طهارة # PageV01P092 # - صلى الله عليه وسلم - باب في الأمر بالشيء هل يدل على وجوب ما لا يتم ~~الشيء إلا به أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه ينبغي أن نذكر الأشياء التي لا تتم العبادة إلا معها ثم نذكر ~~متى يدل الأمر على وجوب ما لا يتم المأمور به إلا معه ومتى لا يدل ويدل على ~~كلا القسمين # ونبدأ بالأول فنقول إن ما لا تتم العبادة إلا به ضربان أحدهما هو كالوصلة ~~والطريق المتقدم على العبادة والآخر ليس كالوصلة المتقدمة فالأول ضربان ~~أحدهما يجب بحصوله حصول ما هو طريق إليه والآخر لا يجب ذلك فيه فالأول ~~ضربان أحدهما يجب بحصوله حصول ما هو طريق إليه والآخر لا يجب ذلك فيه ~~فالأول نحو أن يأمرنا الله سبحانه بإيلام زيد فإن وصلتنا إلى ذلك هو ضربة ~~ومحال وجود الضرب الشديد في بدنه مع احتماله الألم ولا يألم والثاني ضربان ~~أحدهما تحتاج إليه العبادة بالشرع والآخر تحتاج إليه في نفسها لا بالشرع ~~أما ms087 الأول فكحاجة الصلاة إلى تقديم الطهارة وأما الثاني فكالتمكن على ~~اختلاف أقسامه كالقدرة والآلات وقطع المسافة إلى أقرب الأماكن من عرفة ~~والتمكن منه ما يصح من المكلف تحصيله كقطع المسافة وإحضار بعض الآلات ومنه ~~ما لا يصح من المكلف كالقدرة # فأما ما ليس كالوصلة مما تحتاج إليه العبادة فان العبادة المفتقرة إليه ~~ضربان أحدهما إقدام على الفعل والآخر إخلال بفعل أما الأول فضربان أحدهما ~~أن يكون إنما لم يتم من دون غيره لأجل الالتباس نحو أن يترك الإنسان صلاة ~~من جملة الخمس لا يعرفها بعينها فيلزمه فعل الخمس لأنه لا يتمكن مع ~~الالتباس أن يتيقن إتيانه بالمنسية إلا بفعله الكل والآخران أن لا يمكن ~~استيفاء العبادة إلا بفعل آخر لأجل التقارب نحو ستر جميع الفخذ لأنه لا ~~يمكن إلا مع ستر بعض الركبة وغسل جميع الوجه لا يمكن إلا مع غسل يسير من ~~الرأس وأما إذا كانت العبادة إخلالا بفعل ولا يمكن إلا بغيره فهو أن يكون ~~ما يلزم # PageV01P093 # الإخلال به ملتبسا بغيره وهو ضربان أحدهما أن يكون قد تغير في نفسه ~~والآخر لا يكون قد تغير في نفسه فالأول نحو اختلاط النجاسة بالماء الطاهر ~~وقد اختلف الناس في ذلك فمنهم من حرم استعمال الماء المتيقن حصول النجاسة ~~فيه على كل حال ولم يجعلها مستهلكة ومنهم من جعلها مستهلكة واختلفوا في ~~الأمارة الدالة على استهلاكها فمنهم من قال هي تغير الماء ومنهم من قال هي ~~كثرة الماء واختلف هؤلاء فمنهم من قدر الكثرة بالقلتين ومنهم من قدرها بكر ~~وغير ذلك فأما ما لا يتغير مع الالتباس فإنه يشتمل على مسائل # منها أن يلتبس الإناء النجس بالإناء الطاهر وقد اختلف في ذلك فمنع قوم من ~~استعمالها تغليبا للحظر لأجل مساواة الطاهر النجس في العدد وقال قوم ~~بالتحري والعمل على غلبة الظن فإذا غلب على الظن نجاسة أحدهما جرى ذلك مجرى ~~العلم في أن أحدهما قد أمكن استعماله من دون المحرم # ومنها أن يوقع الإنسان الطلاق على امرأة من نسائه بعينها ثم ms088 تذهب عليه ~~عينها قال قاضي القضاة الأقوى عندي أن تحرم الكل لأن التحريم قد كان تعين ~~فلا يؤمن إذا استمتع بواحدة منهن أن تكون هي المطلقة # فهذه جملة الأقسام وقد ذكرت في الشرح الأشياء التي يتبع بعضها أحكام بعض ~~وقد ذكرها قاضي القضاة في شرحه وعدلت عن ذكرها ها هنا لأنها بالكلام أشبه # فأما الكلام في الفصل الثاني فهو أن ما لا يتم العبادة إلا معه ضربان ~~أحدهما لا يمكن المكلف تحصيله كالقدرة والآخر يمكن تحصيله فالأول لا يدل ~~الأمر بالعبادة على وجوبه لأنه غير ممكن فعله والأمر من الحكيم لا يتوجه ~~بما لا يمكن ولا يتوجه إلى العبادة إلا بشرط حصول القدرة لأنه إن كان يوجد ~~مع فقدها كان أمرا بما لا يطاق والثاني على ضربين أحدهما أن يكون الأمر ~~بالعبادة ورد مشروطا بحصول ما يفتقر إليه العبادة نحو أن يقال # PageV01P094 # للمكلف اصعد السطح إن كان السلم منصوبا وهذا يقتضي وجوب الصعود إن كان ~~السلم منصوبا لأن الأمر تناول المكلف بهذا الشرط وقد حصل الشرط ولا يتناول ~~المكلف مع فقد الشرط فلم يوجب عليه صعودا كساير ما لا يتناوله الأمر وإذا ~~لم يوجب عليه الصعود لم يوجب عليه نصب السلم والضرب الآخر أن يرد الأمر ~~مطلقا نحو أن يقال للمكلف اصعد السطح فان هذا الأمر يوجب عليه الصعود ~~وتقديم نصب السلم يدل على ذلك أن الأمر المطلق يقتضي إيقاع الفعل لا محالة ~~متى أمكن إيقاعه وإذا اقتضى ذلك اقتضى إيقاع ما يحتاج إليه الفعل وإنما ~~قلنا إن المطلق يقتضي إيقاع الفعل على كل حال لأنه لو كان مقيدا بوقت نحو ~~أن يقال اصعد السطح في هذا الوقت فانه يجري مجرى أن نقول له لا يخرج هذا ~~الوقت إلا وقد صعدت السطح على كل حال متى تمكنت الصعود إذ ليس في لفظ الأمر ~~ذكر الشرط ولو قيل له ذلك لزمه الصعود على كل حال وإنما قلنا إن هذا يقتضي ~~وجوب نصب السلم لأنه لو لم يجب نصب السلم بل كان ms089 مباحا أن لا ينصبه لكان ~~الأمر كأنه قال له مباح أن لا تنصب السلم وواجب عليك مع فقد السلم وغيره أن ~~تصعد وذلك تكليف ما لا يطاق # فإن قيل ليس يخلو الأمر بالصعود إما أن يكون مشروطا بنصب السلم أو غير ~~مشروط به فإن كان مشروطا به فهو قولنا ويجب إذا لم يكن السلم منصوبا أن لا ~~يكون متوجها إلى المكلف ولا يلزمه نصبه وإن كان غير مشروط بوجود السلم فذلك ~~تكليف ما لا يطاق والجواب أنا لا نعقل من قولهم إن الأمر بالصعود مشروط ~~بنصب السلم إلا أنه يتناول المأمور عند نصب السلم ولا يتناوله إذا لم يكن ~~السلم منصوبا وهذا موضع الخلاف لأنا نقول إن الأمر يتناول المأمور سواء كان ~~السلم منصوبا أو غير منصوب وليس في ذلك تكليف ما لا يطاق لأنا نقول إن ~~الأمر اقتضى وجوب نصب السلم وهو ممكن للمكلف ولولا صحة ما ذكرناه لكان كل ~~من أمر غلامه بحاجة في السوق وهو في البيت أن يكون إنما أمره بذلك إن حصل ~~في أقرب # PageV01P095 # الأماكن من مكان تلك الحاجة إن كانت القسمة لا تخلو مما ذكروه # فإن قالوا ليس في لفظ الأمر ذكر الإيجاب غير المأمور به فلم أوجبتموه قيل ~~لأن وجوب المأمور به اقتضى وجوبه كما أوجبنا التسبب وإن كان الأمر بالمسبب ~~لا ذكر للسبب فيه وكما أوجبنا ستر بعض الركبة وإن لم يكن له ذكر في الأمر ~~بستر الفخذ # فإن قيل هلا شرطتم الأمر بحصول الصفة التي يحتاج إليها الفعل حتى لا يلزم ~~وجوب تحصيل تلك الصفة قيل لأن اشتراط ما ذكرتم يمنع من ثبوت وجوب المأمور ~~به في بعض الحالات وعلى بعض الوجوه بأن لا تكون الصفة حاصلة ول يلزم ~~تحصيلها ونحن قد بينا أن ظاهر الأمر يقتضي وجوب المأمور على كل حال فاشتراط ~~ما ذكرتم فيه ترك للظاهر # فإن قالوا لستم بأن تتمسكوا بظاهر الأمر في إيجاب المأمور به على كل حال ~~وتتركوا ظاهره في إيجاب ما لا ذكر له في ms090 الأمر بأولى من أن تتمسكوا بظاهره ~~في نفي وجوب ما لا ذكر لإيجابه فيه وهو ترك ظاهر الأمر في نفي اشتراط شرط ~~يمنع من وجوب المأمور به في بعض الحالات قيل قد سلمتم وبينا نحن أن ما ~~تفعلونه أنتم ترك لظاهر الأمر فأما إيجابنا لما لا ذكر له في الأمر فليس ~~بترك لظاهر الأمر فيقع بيننا وبينكم المساواة في ترك إحدى الظاهرين ~~واستعمال الآخر لأن ما لا يتم المأمور به إلا معه كما أنه لا ذكر لإيجابه ~~في الأمر فإنه لا ذكر لنفي وجوبه فيه ومن أوجب ما لا يمنع اللفظ من وجوبه ~~ولا يقتضي صريحه وجوبه لم يكن تاركا لظاهر اللفظ ألا ترى أن إثبات الربا ~~ليس بترك لآية الدين لما لم ينفه ولم يتعرض له أصلا فأما ظاهر قوله افعل في ~~هذا الوقت فانه يقتضي أن يفعل فيه على كل حال متى أمكنه فعله فيه على كل ~~حال فالقول بأنه مشروط شرطا إن لم يكن حاصلا فإنه لا يلزمه الفعل إسقاط ~~الوجوب في كل حال مع أن ظاهر القول اقتضاه # PageV01P096 # - صلى الله عليه وسلم - باب في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده دال على ~~قبحه أم لا - صلى الله عليه وسلم - # ذهب قوم إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وخالفهم أخرون على ذلك وإليه ذهب ~~قاضي القاضة واصحابنا والخلاف في ذلك إما في الاسم وإما في المعنى # فالخلاف في الاسم أن يسموا الأمر نهيا على الحقيقة وهذا باطل لأن أهل ~~اللغة فصلوا بين الأمر والنهي في الاسم وسموا هذا أمرا وسموا هذا نهيا ولم ~~يستعملوا اسم النهي في الأمر فإن استعملوه فيه فقليل نادر # والخلاف في المعنى من وجهين أحدهما أن يقال إن صيغة لا تفعل وهو النهي ~~موجودة في الأمر وهذا لا يقولونه لأن الحس يدفعه والآخر أن يقال إن الأمر ~~نهي عن ضده في المعنى من جهة أن يحرم ضده وهذا يكون من وجوه # منها أن يقال إن صيغة الأمر تقتضي إيقاع الفعل ونمنع ms091 من الإخلال به ومن ~~كل فعل يمنع من فعل المأمور به فمن هذه الجهة يكون محرما لضد المأمور به ~~وهذا قد بينا صحته من قبل # ومنها أن يقال إن الأمر يقتضي الوجوب لدليل سوى هذا الدليل فاذا تجرد ~~الأمر عن دلالة تدل على أن أحد أضداد المأمور به يقوم مقامه في الوجوب ~~اقتضى قبح أضداده إذ كل واحد منها يمنع من فعل المأمور به وما منع من فعل ~~الواجب فهو قبيح وهذا الوجه أيضا فهو صحيح إذا ثبت أن الأمر يدل على الوجوب # ومنها أن يقال إن الأمر يدل على كون المأمور به ندبا فيقتضي أن الأولى أن ~~لا يفعل ضده كما أن النهي على طريق التنزيه يقتضي أن الأولى أن لا يفعل # PageV01P097 # المنهي عنه وهذا لا يأباه القائلون بأن الأمر على الندب غير أنه لو سمي ~~الأمر بالندب نهيا عن ضد المأمور به لكنا منهيين عن البيع وسائر المباحات ~~لأنا مأمورون بأضدادها من الندب # ومنها أن يقال إن الأمر بالشيء يقتضي حسنه أو كونه ندبا وحسن الشيء يقتضي ~~قبح ضده وأن الأمر يدل على إرادة الآمر للمأمور به وإرادة الشيء كراهة ضده ~~أو تتبعها لا محالة كراهة ضده إما من جهة الحكمة أو الصحة والحكيم لا يكره ~~إلا القبيح وهذا كله باطل بالنوافل لأنها حسنة ومراده ليست اضدادها قبيحة ~~ولا مكروهة # فإن قالوا صيغة افعل إذا تعلقت بالنوافل لم تكن أمرا على الحقيقة فلهذا ~~لم تكن نهيا عن أضدادها قيل إنما كلامنا على قولكم إن حسن الشيء وتعلق ~~الإرادة به يقتضي قبح ضده وكونه مكروها وهذا منتقض بالنوافل سواء سميتم ما ~~تعلق به أمرا أم لا ثم يقال لهم فاذا كان ما تعلق بالنوافل ليس بالأمر فما ~~الأمر فان قالوا ما دل على الوجوب كانوا قد تركوا هذا القسم وعدلوا إلى ما ~~تقدم فأما النهي عن الشيء فانه دعاء إلى الإخلال به فيجب كونه في معنى ~~الأمر بما لا يصح الإخلال بالمنهي عنه إلا معه فإن كان للمنهي عنه ms092 ضد واحد ~~ولا يمكن الانصراف عنه إلا إليه كان النهي دليلا على وجوبه بعينه وإن كان ~~له اضداد كثيرة ولا يمكن الانصراف عنه إلا إلى واحد منها كان النهي في حكم ~~الأمر بها أجمع على البدل - صلى الله عليه وسلم - باب في الأمر المطلق هل ~~يقتضي الفعل مرة واحدة أو يقتضي التكرار - صلى الله عليه وسلم - # ذهب بعض الناس إلى أن ظاهره يفيد التكرار وقال الأكثرون إنه لا يفيده ~~وإنما يفيد إيقاع الفعل فقط وبالمرة الواحدة يحصل ذلك والدليل على # PageV01P098 # ذلك أن السيد إذا أمر غلامه بالدخول إلى الدار أو يشترى اللحم لم يعقل ~~منه التكرار ولو ذمه على تركه تكرار الدخول لامه العقلاء ولو كرر الدخول ~~اليها جاز أن يلومه ويقول له إني لم آمرك بتكرار الدخول إليها # فان قيل أليس الرجل إذا قال لغيره أكرم فلانا أو أحسن عشرته عقل منه ~~التكرار قيل له المعقول من قول القائل لغيره أحسن عشرة فلان لا تسيء عشرته ~~ولهذا يقال لمن لا يسيء عشرته على غيره إنه يحسن عشرته والنهي يفيد ~~الاستدامة وأيضا فإن هذا الكلام يعقل منه فعل الإكرام والتعظيم ومعلوم أنه ~~لم يأمره باكرامه وتعظيمه إلا لأنه عنده يستحق ذلك فمتى لم يعلم زوال العلة ~~الموجبة لاستحقاقه وجب دوام ذلك فبهذه القرينة يعلم دوام الإكرام لا لمجرد ~~الأمر وايضا فان قولنا عشرة يفيد جملة من الأفعال لا فعلا واحدا ألا ترى أن ~~من رأيناه يعامل غيره بعمل واحد جميل لا يوصف بأنه حسن العشرة وإنما يوصف ~~بذلك إذا عرفنا أن ذلك من عادته وأنه يكرر هذا الفعل وإذا كان اسم العشرة ~~يفيد جملة من الأفعال والأمر بحسن العشرة أمر بجملة من الأفعال حسنة وليس ~~أسم العشرة يتناول فعلا واحدا حتى إذا استفيد من قولنا أحسن عشرة فلان ~~أفعال كثيرة وجب أن يكون قد دل على تكرار فائدته # دليل آخر قول القائل لغيره ادخل الدار معناه كن داخلا لأن من دخل الدار ~~يوصف بأنه داخل وبدخلة واحدة يوصف بانه داخل ms093 فكان ممتثلا للامر وكان الأمر ~~عنه ساقطا كما أن قوله اضرب رجلا يسقط عنه إذا ضرب رجلا واحدا لأنه بذلك ~~يوصف بأنه ضارب لرجل فإن قيل وهو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل أيضا فهلا ~~دخلت تحت الأمر أو توقفتم في دخولها فيه قيل بالدخلة الأولى يكون داخلا على ~~الكمال لأنه يكون داخلا على الإطلاق فكمل بها فائدة الأمر وإنما الدخلة ~~الثانية تكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها وإن وقع عليه اسم دخول فلم يدخل ~~تحت الأمر إلا بلفظ # PageV01P099 # تكرار أو عموم كما أنه إذا قال له اضرب رجلا فضرب فإنه بضرب واحد يكون ~~مستكملا لفائدة الأمر وإنما ضرب رجل آخر تكرار لفائدة الأمر بعد استكماله ~~فلم يلزم بالأمر المطلق وإنما يلزم بلفظ عموم ولا لفظ للعموم ها هنا # فان قيل ما أنكرتم أن يكون قوله اضرب معناه افعل الضرب ولو قال ذلك لوجب ~~أن يفعل جنس الضرب لأن لام الجنس تقتضي استغراق الجنس قيل إنما أنكرنا ذلك ~~لأن قوله اضرب تصريف من ضرب لا من الضرب لأنه ليس فيه ذكر الألف واللام ~~يبين ذلك أنه لو كان قوله اضرب معناه افعل الضرب لكان قوله زيد ضرب معناه ~~افعل الضرب فكان يجب أن يفهم منه تكرار الضرب واستغراق الجنس ومعلوم أن ~~المفهوم من ذلك ضرب مرة ولا نعلم به ماذا عليها فيجب أن نعلم بالأمر وجوب ~~المرة ولا نعلم به وجوب ما زاد عليها فإن قيل فيجب أن يشكوا فيما زاد عليها ~~قيل لا يجب ذلك لأن الأمر إن لم يفده كفى في نفيه أن لا يدل دليل آخر عليه ~~ولو دل دليل آخر عليه لكنا إنما استفدناه بغير الأمر # احتج المخالف بأشياء # منها وجود أوامر في القرآن على التكرار والجواب أن ذلك لا يدل على أنه ~~عقل التكرار من ظاهرها كما لم يدل وجود الفاظ عامة في القرآن لم يرد بها ~~العموم على أنها ما وضعت له على أن في القرآن إيجاب الحج وليس وجوبه متكررا # ومنها قولهم لو لم يفد ms094 الأمر التكرار لما اشتبه على سراقة ذلك مع أنه ~~عربي حين قال للنبي عليه السلام أحجتنا هذه لعامنا أو للأبد والجواب أنه ~~ليس في الخبر دليل على أن سبب سؤاله اشتباه ذلك عليه وأيضا فلو كان الإيجاب ~~يفيد التكرار لما اشتبه على سراقة فكان لا يسأل عن ذلك وليس # PageV01P100 # يمتنع أن يكون إنما سأل لأن الأمر في اقتضائه المرة والتكرار مشتبه بل ~~لأنه ظن أن الحج مقيس على الصلوات والصيام والزكاة فأراد إزالة هذا ~~الاشتباه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت دليل على أن وجوب ~~التكرار لم يستفد من الإيجاب بل من قوله صلى الله عليه وسلم وجوابه # ومنها قولهم إن الأمر لا اختصاص له بزمان دون زمان فاقتضى إيقاع الفعل في ~~جميعه والجواب أن القائلين بالفور يجعلون الأمر بأقرب الأوقات إليه أخص ~~فمنهم من يقول إذا لم يفعل المكلف في أقرب الأوقات إليه لم يلزمه الفعل إلا ~~بدليل آخر ومنهم من يقول يلزمه الفعل بالأمر لا لأن الأمر نعقله بالأوقات ~~على سواء بل لأنه يجري مجرى قول القائل افعل في الوقت الأول فان لم تفعل ~~ففي الثاني فان لم تفعل ففي الثالث والأمر عندهم يتعلق بالأوقات على سواء ~~بل لأنه يجرى مجرى قول القائل افعل في الوقت الأول فأن لم تفعل ففي الثاني ~~فأن لم تفعل ففي الثالث والأمر عندهم يتعلق بالأوقات كلها على هذا الترتيب ~~وأما النافون للفور فانهم يقولون لا اختصاص للامر بالأوقات وإذا لم يكن له ~~بها اختصاص صح إيجاب الفعل في جميعها على البدل وعلى الجمع لأن الاختصاص ~~زائل في الحالين فلم يكن فقد الاختصاص طريقا إلى أحدهما # ومنها قولهم لو لم يفد الأمر التكرار لما صح ورود النسخ عليه ولا ~~الاستثناء لأن ورود النسخ على المرة الواحدة يدل على البداء وورود ~~الاستثناء عليها يكون نقضا والجواب أن النسخ لا يجوز وروده عليه إلا أن يدل ~~الدليل على أن المراد بالأمر التكرار فيبين النسخ أن بعض المرات لم يرد ~~وكذلك الاستثناء ms095 لا يجوز وروده على الأمر على قول من قال بالفور وأما من لم ~~يقل بالفور فانه يجوز أن يرفع الاستثناء الفعل في بعض الأوقات التي المأمور ~~مخير بين إيقاع المرة فيها وقد قال الشيخ أبو عبد الله رحمه الله إن ورود ~~النسخ والاستثناء على الأمر يدلان على أنه قد أريد به التكرار # PageV01P101 # ومنها قولهم لو لم يفد الأمر إلا مرة واحدة لم يكن لقول القائل لغيره ~~افعل مرة معنى إذ ذلك معقول من الأمر من غير تقييد والجواب أن المقتضى لذلك ~~هو المقتضى لحسن التأكيد في الكلام وهو ما يفيد من قوة العلم أو الظن وأيضا ~~لو اقتضى التكرار لم يحسن أن يقول افعل متكررا # ومنها قولهم لو أفاد الأمر فعل مرة لما حسن استفهام الآمر فيقال له اردت ~~بأمرك فعل مرة أو أكثر لأن الأمر قد دل على المرة بالأمر والجواب أنه يحسن ~~ذلك طلبا لتأكيد العلم أو الظن أو لأن المأمور عارضه شبهة جوز لأجلها ~~التكرار وسنشبع الكلام في ذلك عند الكلام في العموم إن شاء الله # ومنها قولهم لو أفاد الأمر مرة فلم يفعل المكلف الفعل في الأول لاحتاج في ~~فعله في الثاني إلى دليل والجواب أن ذلك إنما يلزم من قال إن الأمر يقتضي ~~فعل مرة واحدة على الفور وهذا كلام على القائلين بالفور وسيجيء في موضعه ~~ومن لم يقل بالفور لا يلزمه ذلك # ومنها قولهم إن الاحتياط يقتضي تكرار المأمور به لأنه لا ضرر على المكلف ~~فيه ولا نأمن الضرر في ترك التكرار لتجويزه أن يكون الأمر على التكرار ~~والجواب أن المتكلم إذا علم أن الأمر ليس على التكرار أمن الضرر لفقد ~~التكرار ومتى أهمل النظر في ذلك لم يأمن الضرر في اعتقاد وجوب التكرار ~~وإيقاع التكرار بنية الوجوب # ومنها أن الأمر ضد النهي وكالنقيض له فلو كان الأمر يفيد إيقاع الفعل مرة ~~واحدة لكان النهي يفيد الإخلال بالفعل مرة واحدة ولما كان النهي يفيد ~~الانتهاء عن الفعل ابدا كان الأمر يفيد إيقاع الفعل ابدا ms096 والجواب أن النهي ~~كالنقيض للامر على ما ذكروه لأن قول القائل لغيره كن فاعلا موجود في قوله ~~لا تكن فاعلا وإنما زاد عليه لفظة النفي وهو لا وزاد عليه # PageV01P102 # التاء فجرى مجرى قوله زيد في الدار وليس زيد في الدار وكون النهي كالنقيض ~~للامر يوجب أن يفيد في الفعل نقيض فائدة الأمر في الفعل فاذا كان قولنا ~~افعل يقتضي أن نفعل في زمان ما أي زمان كان فنفي هذا ونقيضه هو أن لا نفعل ~~في شيء من الأزمان لأنه إن لم يفعل اليوم وفعل غدا كان ممتثلا للامر ولا ~~يجوز أن يكون ممتثلا للامر والنهي معا مع أنهما نقيضان فصح أن كون الأمر ~~مفيدا لمرة غير معينة يقتضي أن يكون نقيضه يرفع المرة في كل الأزمان ألا ~~ترى أن قول القائل في الدار رجل يقتضي أن فيها رجل غير معين فاذا قال ليس ~~في الدار رجل كان نقيضا له ولا يكون نقيضا له إلا بأن يرفع كل الرجال لأنه ~~إن رفع بعض الرجال دون بعض كان مقتضى قوله في الدار رجل ألا ترى أنه يصدق ~~القائل في الدار رجل إذا كان فيها هذا الرجل فكذلك النهي مع الأمر وأما كون ~~النهي مفيدا لإخلال بالفعل أبدا فهو حجتنا في اقتضاء الأمر للفعل مرة واحدة ~~لأن النهي إذا أفاد الانتهاء على العموم فنقيضه من الإثبات يقتضي مرة واحدة ~~غير معينة كما إن قولنا ليس في الدار رجل لما أفاد نفي كل الرجال كان قولنا ~~في الدار رجل يفيد إثبات رجل غير معين لأنه بذلك يكون مناقضا للنفي فكذلك ~~إذا كان قولنا لا تدخل الدار يفيد لا تدخلها أبدا فنقيض ذلك أن يدخلها ولو ~~مرة واحدة لأنه بذلك يخرج من كونه غير داخل إليها أبدا وإذا كان كذلك وكان ~~الأمر يقتضي النهي اقتضى الفعل مرة واحدة # وقال قاضي القضاة العادة فرقت بينهما لأن الإنسان إذا قال لعبده ادخل ~~الدار عقل من ذلك مرة واحدة وإذا قال له لا تدخل الدار عقل منه التأبيد ms097 ~~وهذا فرق ليس فيه ذكر العلة المفرقة بينهما وقال أيضا إن الأمر بالضرب يفيد ~~أن يكون المأمور ضاربا بالمرة الواحدة يتم ذلك والنهي عن الضرب يفيد أن لا ~~يكون ضاربا ولا يتم ذلك إلا مع التأييد # PageV01P103 # ولقائل أن يقول ثبتوا أن المرة الواحدة تتم فائدة الأمر ولا تتم فائدة ~~النهي حتى يصح ما ذكرتم وعلى أن هذا الكلام هو ابتداء دلالة وليس فيه بيان ~~أن ما ذكروه من أن النهي يقتضي الأمر ولا يقتضي تكرار المأمور به وفرق ~~بينهما أيضا بأن النهي يقتضي قبح المنهي عنه والقبيح يجب الانتهاء عنه أبدا ~~والأمر يقتضي المأمور به والحس يجوز تركه وأجاب عن ذلك بأن القبيح في وقت ~~لا يجب كونه قبيحا في غيره فإن كان ظاهر النهي لا يقتضي الانتهاء أبدا ~~وإنما يقتضي الانتهاء في وقت ما فإنا لا نعلم قبحه في كل وقت ولو كان ما ~~قبح في وقت قبح في كل الأوقات لزم أن يكون النهي على التأبيد بهذه الدلالة ~~لا بظاهره وأيضا فان الأمر إذا اقترن به الوعيد كان على الوجوب فان كان ~~القبيح يلزم الامتناع منه أبدا فالواجب لا يجوز الإخلال به أبدا # وقد فرق بينهما بأن الأمر يقتضي الإقدام على الفعل وتكرار الإقدام عليه ~~أبدا لا يمكن لأنه يقطع عن الأغراض والنهي يقتضي الكف عن الفعل والكف أبدا ~~عنه ممكن وهذا ليس بفرق من جهة المواضعة وليس يمتنع أن يضعوا لما لا يمكن ~~لفظه ألا ترى أن قولهم افعل أبدا ولا تخل به ولا تتشاغل بغيرها أمر يكر به ~~موضوع للتأبيد الذي لا يمكن وعلى أنه لا يمتنع أن يكون الأمر يفيد من ~~التكرار ما يمكن # وقد فصل بينهما بأنه يكفي في مخالفة النهي فعل مرة واحدة ولا يكفي في ~~امتثاله إلا الكف أبدا ويكفي في امتثال الأمر فعل مرة ولهذا يوصف المأمور ~~بأنه ممتثل الأمر إذا فعل المأمور به مرة واحدة والجواب أنه إن أمكن أن ~~يبين ذلك قبل العلم بأن الأمر ليس على التكرار والنهي ms098 على التكرار فالكلام ~~صحيح ويجب بيان ذلك ليصح الفرق وإلا فللسائل أن ينازع في وصف المكلف بأنه ~~ممتثل للأمر إذا فعل مرة واحدة # وفرق بينهما بأن المأمور لا يقال له ائتمر بالمرة الثانية ويقال للمنهي ~~وقد انتهى بالانتهاء عن الفعل مرة وثانية فعلمنا أن الأمر ليس على # PageV01P104 # التكرار وأن النهي يفيده وللمخالف أن يقول إني أصف المأمور بالائتمار ~~كلما كرر الفعل كما قلتموه في النهي # وفرق بينهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا ~~وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم قالوا وذلك يدل على أن الأمر ليس ~~على التكرار والجواب أن هذا يدل على ان الأمر خلاف النهي في شرط الاستطاعة ~~وليس بدليل على ان ظاهر أحدهما التكرار دون الآخر بل لو قيل إنه يدل على أن ~~ظاهرهما التكرار وأن التكرار يسقط عن المأمور لفقد الاستطاعة ولا يسقط عن ~~المنهي لكان أولى والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم عني بالاستطاعة ~~المشقة دون القدرة لأن القدرة شرط في امتثال الأمر والنهي وإنما خص الأمر ~~باشتراط هذه الاستطاعة لأن الأفعال يظهر فيها من المشقة ما لا يظهر في كثير ~~من التروك - صلى الله عليه وسلم - باب في أن الأمر المعلق بصفة أو بشرط هل ~~يقتضي تكرار المأمور به بتكرار كل واحد منهما أم لا - صلى الله عليه وسلم - # أعلم أنه ينبغي أن نذكر أولا الشرط والصفة وأحكامهما ثم نذكر ما فائدة ~~الأمر المعلق بهما فنقول إنا قد نصف الشيء بأنه شرط ونعني أن عليه يقف ~~تأثير المؤثر سواء ورد بلفظ الشرط أو لم يرد بلفظ الشرط وذلك نحو الإحصان ~~الذي يقف عليه تأثير الزنا في وجوب الرجم وقد نعني أنه وارد بلفظ الشرط ~~سواء كان شرطا في الحقيقة أو علة مؤثرة فالأول نحو أن يقول سبحانه ارجموا ~~الزاني إن كان محصنا والثاني أن يقول ارجموا زيدا إن كان زانيا وذكر قاضي ~~القضاة أن الشرط هو المعقول الذي يتعلق به المشروط وإذا لم يكن يتعلق به ms099 ~~المشروط وهذا يلزم عليه أن تكون العلة شرطا وأيضا إن من لا يعرف الشرط لا ~~يعرف المشروط # PageV01P105 # فأما الصفة التي يتعلق الحكم بها فهي في هذا الموضع ما علق به الحكم من ~~غير أن يتناوله لفظ تعليل ولا لفظ شرط نحو قول الله سبحانه {فتحرير رقبة ~~مؤمنة} ونحو قوله سبحانه {والسارق والسارقة} # وذكر قاضي القضاة أن الشرط يجب اختصاصه بأمور ثلاثة # أحدها أن يكون متميزا من غيره وهذا لا بد منه ليتمكن المكلف من إيقاع ~~الفعل عنده # والثاني أن يكون مستقبلا لأن العبادة المعلقة بالشرط مستقبلة فان قيل ~~أليس قد يقول الإنسان لغيره ادخل الدار إن كان زيد قد دخلها بالأمس قيل إذا ~~قال ذلك كان شرط دخوله علمه بعد الأمر بأن زيدا قد كان دخلها # وأحدها أن يكون الشرط ممكنا وهذا لا بد منه لأنه إن لم يكن ممكنا وكلف ~~المأمور الفعل المشروط على كل حال كان قد كلف ما لا يطيقه وبطل فائدة الشرط ~~وإن كلف عند الشرط ولم يكلف عند فقده كان قد علق المأمور به على شرط يعلم ~~الآمر أنه لا يحصل وهذا عبث # وأما الكلام في المسألة فنقول قد اختلف الناس فيها فكل من جعل الأمر ~~المطلق مفيدا للتكرار قال إن الأمر المقيد بصفة أو شرط يفيده أيضا إذا تكرر ~~الشرط والصفة ومن نفي اقتضاء مطلق الأمر لذلك اختلفوا فمنهم من جعله مفيدا ~~للتكرار إذا تكرر الشرط والصفة وعند أكثر الفقهاء أنه لا يفيد ذلك وعندنا ~~ان الشرط الذي يقف عليه تأثير المؤثر لا يجب بتكراره تكرار المشروط فأما ما ~~جاء على لفظ الشرط فانه لا يتكرر المأمور به بتكراره أيضا إلا أن يكون علة ~~وكذلك المعلق بصفة # PageV01P106 # ودليلنا أنه لو وجب التكرار لم يخل إما أن يكون المفيد لوجوبه هو الأمر ~~أو الشرط والصفة وقد بان في الباب المتقدم أن الأمر لا يفيد ذلك ولو أفاده ~~الشرط لم يخل إما أن يفيده لفظا أو معنى ومعلوم أنه ليس في قولنا إن وإذا ~~لفظ التكرار ms100 ولو أفاده من جهة المعنى لكان إنما يفيده من حيث كان الشرط علة ~~وهذا باطل لأن الشرط عليه يقف تأثير المؤثر فلا يمتنع أن يتكرر الشرط ولا ~~يتكرر المؤثر فلا يتكرر الحكم وإذا ثبت أن الأمر لا يقتضي إلا مرة واحدة ~~والشرط لا يقتضي تكرارها لم يستفد من مجموعهما إلا تخصيص تلك المرة بالشرط # ويمكن أن نبتدىء الدلالة فنقول إن الشرط عليه يقف تأثير المؤثر وليس ~~يمتنع أن يتكرر الشرط ولا يتكرر المؤثر فلا يتكرر الحكم فان قيل فإذا جوزتم ~~أن يكون ما ذكر بلفظ الشرط مؤثرا في الحكم فجوزوا التكرار وقفوا فيه ولا ~~تقطعوا على نفيه قيل إن لفظ الشرط لا يدل على أن ما دخل عليه علة فلو كان ~~علة لدل الله عليها فاذا لم يدل عليها قطعنا على أنه ليس بعلة # دليل آخر الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي تكرار المخبر عنه بتكرار الشرط ~~فكذلك الأمر المعلق بشرط وقد بينا الجمع بينهما في الباب الأول ومعلوم أن ~~الإنسان إذا قال زيد سيدخل الدار إن دخلها عمرو وقد دخلها عمرو فدخلها زيد ~~يعد صادقا وإن تكرر دخول عمرو ولم يتكرر دخول زيد # دليل آخر المعقول في الشاهد من تعلق الأمر بالشرط فعل مرة وإن تكرر الشرط ~~ألا ترى أن الإنسان لو قال لعبده اشتر لحما إن دخلت السوق لم يعقل منه ~~التكرار وإن تكرر منه الدخول ولذلك قال الفقهاء إن الرجل إذا طلق امرأته ~~بقوله إن دخلت الدار أو أمر وكيله أن يطلقها إن دخلت الدار لم يتكرر الطلاق ~~بتكرار الدخول # احتج المخالف بأشياء # PageV01P107 # منها أنه وجد في كتاب الله سبحانه أوامر متعلقة بشروط وصفات وتكرر ~~مأمورها بتكرر الصفات نحو قول الله {إذا قمتم إلى الصلاة} ونحو قوله ~~{والسارق والسارقة} {الزانية والزاني} والجواب أنه إنما عقل التكرار بدليل ~~لا بهذه الآيات وأيضا فإنما علم تكرار الحد بتكرار الزنى لأن الزنى والسرقة ~~علتان في الحد والعلة يتبعها حكمهما كلما حصلت وأيضا فمعلوم باضطرار من ~~الدين تكرر الحد بتكرار ذلك # ومنها ms101 تشبيههم الشرط بالعلة في وجوب تكرار الحكم بتكرارها ويقوون ذلك بأن ~~الشرط آكد من العلة لأن الشرط ينتفي الحكم بانتفائه ولا ينتفي معلول العلة ~~بانتفائها والجواب أن الشرط عليه يقف تأثير المؤثر وليس يلزم أن يتكرر معه ~~المؤثر حتى يتكرر المشروط بتكراره فأما إذا قال الله سبحانه هذا واجب لعلة ~~كذا أو لأجل كذا فإن الظاهر أن ذلك هو المؤثر في الوجوب لا غير ولا يجوز أن ~~يشرط فيه شرطا إلا بدلالة فإذا لم تدل دلالة على اشتراطه لم يشرطه فوجب ~~تكرار الحكم بتكرار العلة لأنها تحصل بيانا على الحد الذي حصل اولا وإنما ~~جاز وجود الحكم مع فقدها لأنه يجوز أن يخلفها علة أخرى والشرط أيضا يجوز أن ~~يخلفه شرط آخر فاستويا في هذه الجهة وقد فصل قاضي القضاة بين الشرط والعلة ~~بأن العلة دلالة على الحكم والدليل يتبعه الحكم متى وجد وأما الشرط فقد ~~يجوز وجود مثله وليس بشرط ألا ترى أن من طلق امرأته بشرط دخول الدار لم تكن ~~دخلتها الثانية شرطا في الطلاق # ومنها قولهم إن الأمر المعلق بالشرط لا اختصاص له بالشرط الأول من دون ~~أمثاله من الشروط فلزم الفعل عندها كلها لفقد الاختصاص وفي ذلك تكرار ~~المأمور به والجواب أن من قال بالفور يجعل الأمر بالشرط الأول من # PageV01P108 # الاختصاص ما ليس له بغيره فلا يلزمه الكلام وأما من لم يقل بالفور فيه ~~فينبغي أن يرتب الجواب على مذهبه هكذا ليس يخلو الشرط إما أن لا يغلب على ~~الظن تجدد أمثاله والمأمور متمكن أو يغلب على الظن تجدده والمأمور متمكن ~~فالأول نحو أن يقول القائل لغيره أعط زيدا درهما إذا دخل الدار ولا يغلب ~~على الظن إذا دخل الدار أنه يدخلها مرة ثانية فمتى كان كذلك لزمه دفع ~~الدرهم إليه عند الدخلة الأولى لأنها متحققة حصولها ويجوز أن لا تحصل ~~الدخلة الأخرى ومثال الثاني أن يقول له أعط زيدا درهما إذا طلعت الشمس ~~ومعلوم أنه إذا كان المأمور سالما فان الظن يقوم بسلامته مع طلوع ms102 الشمس في ~~غد وفي بعد غد وإذا كان كذلك كان مأمورا بالعطية عند طلوع الشمس في غد وفي ~~بعد غد وفي كل يوم يغلب على الظن تمكنه فيه من العطية على البدل ويكون فقد ~~الاختصاص قد اقتضى تعلق المأمور به بالشروط كلها على البدل ويمكن أيضا أن ~~يقال إن العطية تجب بالشرط الأول فقط لأن قولنا أعط زيدا درهما إذا طلعت ~~الشمس المراد به تعليق العطية بطلوع يزول معه غروبها ومعلوم أن غروبها عند ~~هذا الكلام ليس هو غروبها من الليلة الثانية والثالثة وإذا كان كذلك ~~فطلوعها الذي يزول معه غروبها عنا في هذه الليلة هو طلوعها من الغد فقط ~~وهذا هو الذي يفقده الناس فوجب انصراف ذلك إليه وكذلك القول في جمع الشروط ~~المتجددة وعلى هذا يستوي الجواب على قول أصحاب الفور والتراخي # ومنها قولهم لو لم يقتض الأمر تعليق الوجوب بجميع الشروط لاقتضى تعليقه ~~بأولها وذلك يقتضي أن تكون العبادة إذا فعلت مع الشرط الثاني دون الأول ~~قضاء لا أداء وذلك يحوجها إلى دليل آخر والجواب أن القائلين بأن الأمر يفيد ~~تعليق المأمور به على الشروط كلها على البدل لا يلزمهم ذلك وأما القائلون ~~بأنه يتعلق بالشرط الأول سيجيء القول فيه إن شاء الله وأما قاضي القضاة ~~فانه التزم حاجة العبادة إلى دليل ناتيء في إيقاعها عند الشرط الثاني إذا ~~لم يفعل في الأول وامتنع من تسميتها قضاء وذكر في الشرح أن # PageV01P109 # الأمر يتعلق بأول الشرط على قول أصحاب الفور ويتعلق بجميعها على قول ~~أصحاب التراخي # ومنها قولهم لو لم يفد الأمر المعلق بالشرط تكرار المأمور إذا تكرر الشرط ~~لما أفاد النهي المعلق بالشرط التكرار يقال لهم ولم زعمتم ذلك فإن قالوا ~~لأن النهي كالنقيض للامر فاقتضى نقيض ما اقتضاه نقيض الأمر في الحال الذي ~~اقتضاه قيل ليس يجب ذلك لأن كونه كالنقيض له يقتضي أن ينفي ما أثبته الأمر ~~في جميع الأحوال كما ذكرناه في النهي المطلق ثم يقال لهم أما القائلون ~~بالفور فقد قلنا إنهم يجهلون ms103 الأمر المعلق بشرط يفيد إيقاع المأمور به مع ~~الشرط الأول ويمكن أن يجيء ذلك أيضا على قول أصحاب التراخي على ما ذكرناه ~~فالنهي يقتضي المنع من إيقاعه مع الشرط الأول على التأبيد سواء تجدد شرط ~~ناتيء أو لم يتجدد مثال ذلك أن يقول القائل لا تعط زيدا درهما إن دخل الدار ~~أو إن دخل الدار فلا تعطه درهما فإنه يفيد نفي العطية عند أول دخلة إلى ~~الأبد لأن من نهي غيره عن أن يعطي زيدا درهما إن دخل الدار فليس غرضه المنع ~~من أن يعقب العطية الدخول فقط بل غرضه استدامة نفي العطية إلا أن يتداوله ~~في ذلك فأما من قال بالتراخي فإن الأمر المعلق بالشرط يتعلق بجميع الشروط ~~على البدل على التفصيل المتقدم فان الأمر على قولهم في تقدير أن يقول ~~القائل اعط زيدا درهما إذا طلعت الشمس أما اليوم أو غدا أو بعد غد فيجب أن ~~يفيد النهي المنع من العطية عند هذه الشروط كلها لأنه لما كان نقيض الأمر ~~وجب أن يمنع من العطية عند جميعها لأنه لو لو يمنع من العطية عند الشرط ~~الأول ومنع منها عند الشرط الثاني ما كان مانعا من فائدة الأمر لأن المأمور ~~قد يجوز أن يمتثل الأمر بفعل العطية عند الشرط الأول وفي ذلك اجتماع فائدة ~~الأمر والنهي مع كونهما كالنقيضين وهذا محال # وحكي قاضي القضاة عن الشيخ أبي عبد الله أنه أجاب عن شبهتهم في النهي # PageV01P110 # بأن العادة تقتضي في النهي المقيد بالشرط أنه يفيد شرطا واحدا وإذا كان ~~مطلقا اقتضى التكرار فسواء بين النهي المقيد بالشرط وبين الأمر قال لأن ~~السيد إذا قال لعبده لا تخرج من بغداد إذا جاء زيد أفاد مرة واحدة وإذا قال ~~لا تخرج من بغداد وأطلق القول أفاد المنع من الخروج على التأبيد فإن قالوا ~~فإذا كان مطلق النهي يفيد التأبيد فيجب أن يكون تقييده بالشرط يفيد قصر ~~المنهي عنه عليه كما قلتموه في الأمر المقيد بالشرط أنه يفيد قصر مقتضى ~~الأمر من المرة ms104 عليه وأجاب بأن المطلق من النهي أفاد التكرار في العرف لا ~~في اللغة فلا يمتنع أن يبقى المقيد بالشرط على مقتضى اللغة - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في الأمر هل يقتضي تعجيل المأمور به أم لا - صلى الله عليه وسلم ~~- # ذهب الشيخان أبو علي وأبو هاشم إلى أنه لا يقتضي وجوب تعجيل المأمور به ~~في أقرب الأوقات وجوزا تأخير المأمور به عن أول اوقات الإمكان وإلى ذلك ذهب ~~أصحاب الشافعي وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يقتضي تعجيل المأمور به ويحرم ~~تأخيره عن أول أوقات الإمكان # وحجة الأولين هي أن الأمر لو اقتضى التعجيل لكان إما أن يقتضيه بلفظة أو ~~بفائدته ومعناه وليس يقتضيه لا بلفظة ولا بفائدته فلم يقتضي الفور # أما الدلالة على أنه لا يقتضيه بلفظه فهي أن قول القائل افعل ليس فيه ذكر ~~وقت متقدم ولا متأخر وإنما يفيد إيقاع الفعل فقط والفعل إذا وجد في الوقت ~~الأول أو الثاني أو الثالث كان موقعا وذلك يقتضي كون المأمور ممتثلا للامر ~~وليس يجوز أن يكون ممتثلا للامر بفعل ما يمنع الآمر منه فجرى مجرى أن يقول ~~الإنسان لغيره افعل في أي وقت شئت في أنه لا يوجب إيقاع الفعل في وقت متقدم ~~وأيضا فإن الإنسان إذا قال لغيره ادفع درهما إلى رجل جاز لذلك الغير أن ~~يدفع أي درهم شاء إلى أي رجل شاء لما لم # PageV01P111 # يختص الأمر برجل دون رجل ولا بدرهم دون درهم وكذلك يجب أن لا يلزم إيقاعه ~~في وقت معين لأنه لا يختص بوقت دون وقت وأيضا فإن قول القائل لغيره افعل هو ~~طلب للفعل في المستقبل كما ان قوله زيد سيفعل إخبار عن إيقاع الفعل في ~~المستقبل فكما لا يمتنع هذا الخبر من وجود الدخول بعد مدة من الخبر فكذلك ~~الأمر # وأما الدلالة على أنه لا يقتضيه بفائدة فهي أنه لا يمكن أن يقال إنه ~~يقتضيه بفائدته إلا أن يقال إن الأمر يفيد الوجوب ولا يتم الوجوب مع جواز ~~التأخير وهذا لا يصح ms105 لأن الفعل قد يجب وإن كان المكلف مخيرا بين إيقاعه في ~~أول الأوقات وفيما بعده ما لم يغلب على ظنه فواته إن لم يفعله فمتى غلب على ~~ظنه ذلك لم يجز له الإخلال وبذلك يفارق النوافل # دليل آخر السيد أذا أمر عبده بشيء ولم يعلم حاجته إليه في الحال ولم يعلم ~~إلا الأمر فقط فانه لا يفهم منه التعجيل وهذه الحجة لا يسلمها الخصم لأنه ~~يقول متى لم يعلم العبد من قصد السيد أنه يبيحه التأخير فانه يعقل من الأمر ~~التعجيل ويستحق العبد الذم إذا لم يعجل المأمور به # واستدل القائلون بالفور بأشياء منها ما يدل على اقتضاء لفظ الأمر لذلك ~~ومنها ما يدل على أن الوجوب المستفاد من لفظ الأمر يقتضي ذلك ومنها أدلة ~~سمعية # أما ما يدل على أن لفظ الأمر يقتضي ذلك فوجهان # أحدهما أن السيد إذا أمر عبده أن يسقيه الماء فهم منه تعجيل سقيه الماء ~~واستحسن العقلاء ذمه على تأخير ذلك من غير عذر فعلمنا أن الأمر يفيد ذلك ~~والمخالف يقول إنما عقل بقرينة وهو علم العبد بأن السيد لا يستدعي ماء ~~ليشرب إلا وهو محتاج إليه في الحال هذا هو الأغلب ولو لم يعلم إلا نفس ~~الأمر لم يفهم ذلك كما أن أصحاب التراخي إذا رجعوا إلى الشاهد في أن # PageV01P112 # الأمر لا يفيد وجوب التعجيل لم يسلم لهم خصمهم ما يذكرونه من الشاهد وكل ~~منهم يدعي أن ما يقوله خصمه إنما يفهم بقرينة لا بمجرد الأمر فان قال أصحاب ~~الفور إن السيد يعلل ذمه لعبده بأن يقول أمرته بشيء فأخره فلو لم يفد الأمر ~~التعجيل لم يجعل ذلك علة قيل لهم وقد يتعذر البعد أيضا فيقول أمرتني بأن ~~أفعل ففعلت ولم تأمرني بالتعجيل ولا علمت أن عليه في التأخير مضرة # وأما الوجه الآخر فقولهم إن الوقت وإن لم يكن مذكورا في لفظ الأمر فان ~~الفعل لما كان إنما يقع في وقت وجب أن يفيد إيقاعه في أقرب الأوقات إليه ~~كما أن الفاظ العتاق والطلاق ms106 والبيع تفيد وقوع أحكامها في أقرب الأوقات ~~إليها والجواب أنه ليس العلة في البيع والإيقاعات ما ذكروه بل العلة في ذلك ~~أن قول القائل بعت وقول المشتري اشتريت إخبار عن الحال برضاهما بانتقال ملك ~~كل واحد منهما عن صاحبه إلى الآخر فجرى مجرى قول القائل تحركت في أنه إخبار ~~عن الحال فوجب أن يحكم في ثاني القبول بانتقال الملك لأن علمنا برضاهما لا ~~يتكامل إلا عند انقطاع القبول ويمكن ان يقال إن الملك ينتقل عند آخر جزء من ~~أجزاء القبول غير أنا لا نضبطه فاذا صح ذلك صار محصول كلامهم انه لما كان ~~الخبر عن الحال يقتضي المأمور به في الثاني في أنه جمع بين شيئين لا ~~يشتبهان وليسوا بذلك أولى ممن حمل الأمر على الخبر عن المستقبل وهو أولى ~~لأن الأمر هو استدعاء الفعل في المستقبل ومعلوم أن الخبر عن المستقبل لا ~~يختص بالثاني فكذلك الأمر فأما قول القائل لامرأته أنت طالق وقوله لعبده ~~أنت حر فهو جار مجرى قوله للمرأة أنت بيضاء أو طويلة في أنه خبر عن الحال ~~ومع أنهما خبران عن الحال فأحكامهما تثبت بالشرع فالواحب اتباع الشرع في ~~كيفية ثبوتهما وقد أثبتهما الشرع من غير تراخ وليس إذا جاء الشرع بذلك وجب ~~أن يكون موضوع الأمر في اللغة الفور وليس يصح الجواب بأن يقال إن حمل الأمر ~~على الإطلاق قياس ولو صح لكان الدال على وجوب التعجيل غير # PageV01P113 # الأمر لأن المستدل بهذه الدلالة إنما يبين بها أن لفظ الأمر موضوع ~~للتعجيل كما أن الإ يقاع موضوع لإفادة ذلك كما بين اصحاب التراخي قولهم ~~بقياس الأمر على الخبر عن المستقبل ولا يصح أن يفرق أيضا بين الأمر ~~والإيقاعات بأن يقال إن الأمر هو طلب للفعل والفعل إنما يقع في وقت فوجب أن ~~يطلب وقته ما هو وأما الطلاق والعتاق فانهما يفيدان أحكاما لا أفعالا وذلك ~~لأن الأمر كاطلاق في إفادة الألحكام لأن الأمر يفيد وجوب الفعل فصح أن ينظر ~~في وقت الوجوب ما هو والطلاق يفيد ms107 تحريم الاستمتاع فصح أن ينظر في وقته هذا ~~التحريم ما هو وكذلك العتاق وقد قيل أيضا لو لم تفد الإيقاعات أحكامها في ~~الثاني لكان وجودها كعدمها وليس كذلك الأمر إذا جعل على التراخي ولقائل أن ~~يقول والأمر لو لم يفد الفور لكان وجوده كعدمه فان قلتم إن وجوده ينفصل من ~~عدمه وإن أفاد التراخي لأنه يفيد وجوب إيقاع الفعل ويكون إيقاعه وإيقاع ~~بدله وهو العزم موقوفا على اختياره قيل لكم فكذلك يفيد نقل الملك في وقت ما ~~ويكون نقله في الثاني أو العزم على نقله وتسليم البيع في الثاني موقوفا على ~~اختياره فان قلتم فبماذا ينقلانه إن كان لفظ البيع نقله في الحال قيل لكم ~~ينقلانه بالتسليم أو بأن يقول كل واحد منهما لصاحبه قد انتقل ملكي إليك في ~~هذه الساعة فإن قلتم أجمعت الأمة على بطلان ذلك في البيع قيل لكم ثبوت هذا ~~الإجماع يقتضي صحة الأصل الذي قسنا عليه وذلك يؤكد صحة القياس وقد قيل أيضا ~~إن الأمر دلالة على وجوب إيقاع الفعل وليس يجب تعجيل مدلول الدلالة وليس ~~كذلك الطلاق والعتاق لأنهما سببان لأحكامهما والسبب إذا تكاملت شرائطه وجب ~~حصول سببه في الحال والجواب أنهما سواء لأن الدلالة قد تدل على حصول ~~مدلولها في الحال وقد تدل على حصوله في المستقبل والسبب قد يكون سببا للحكم ~~في الحال وقد يكون سببا لثبوت الحكم في المستقبل ألا ترى أن البيع المؤجل ~~يكون سببا لانتقال الملك في الثمن في المستقبل فإن قلتم إنما كان البيع ~~المؤجل كذلك لأنه قد ذكر فيه التأجيل وليس كذلك البيع # PageV01P114 # المطلق قيل لهم فقولوا إن الأمر المقيد بوقت مؤجل يفيد التراخي والمطلق ~~يفيد الحال وعلى أن البيع أيضا دلالة على الرضا والرضا هو السبب في انتقال ~~الملك فقولوا إن الرضا لا يجب أن يتعقب عقد البيع وأيضا فان تكامل شرائط ~~وجوب الحج سبب لوجوبه وهو عندكم على التراخي فان قلتم الوجوب حاصل وإن لم ~~يتضيق قيل لكم فقد بطل قولكم إن المسبب لا يتراخى ms108 عن السبب وقد قيل ايضا إن ~~البدل يجب أن يكون بازاء المبدل فاذا وجب انتقال الملك في البدل وجب انتقال ~~الملك في المبدل ولقائل أن يقول ومن أين لكم أن الملك قد انتقل في المبدل ~~حتى تبنوا عليه انتقال البدل وقد قيل إن البيع والإيقاعات تقتضي أحكامها ~~على وجه التأبيد فجرى مجرى النهي في اقتضاء المنع من الفعل على التأبيد ~~وأما الأمر فانه يقتضي فعلا واحدا والجواب أن كون الحكم مما إذا وقع دام لا ~~يمنع من أن ننظر في ابتداء وقوعه هل هو معجل أو متأخر ألا ترى أن البيع ~~المؤجل يقتضي نقل الملك في الثمن في المستقبل وإذا انتقل فيه دام ولا يقتضي ~~البيع انتقال الملك فيه إلى حد وغاية وكون الفعل المستفاد بالأمر واحدا لا ~~يمنع من أن ننظر في وقت لزومه وأن يكون وقت لزومه هو أول الأوقات # واما استدلالهم على الفور بفائدة الأمر فمن وجوه # ومنها أن الأمر قد اقتضى وجوب الفعل في أول أوقات الإمكان بدلالة أنه لو ~~أوقعه المكلف فيه لأسقط الفرض بذلك على نفسه فجواز تأخيره عنه نقض لوجوبه ~~فيه وإيجاب لحوقه بالنافلة فيه والجواب يقال لهم ما معنى قولكم إن الأمر ~~اقتضى وجوب الفعل في أول أوقات الإمكان فان قالوا معناه أنه ألزم فعله فيه ~~ومنع من تأخيره عنه قيل وهل نوزعتم إلا في ذلك وإن قالوا معناه أن المكلف ~~لو فعل المأمور به في ذلك الوقت كان قد اسقط الفرض عن نفسه قيل ولم إذا كان ~~كذلك لا يجوز تأخير الفعل عنه فان قالوا لو جاز تأخيره عنه نقض القول بسقوط ~~الفرض بالفعل في ذلك الوقت # PageV01P115 # قيل لهم ولم زعمتم ذلك وما انكرتم أن الفرض إنما سقط بايقاع الفعل في ~~الأول لأن الأمر اقتضى إيقاع الفعل فقط وهذا حاصل إذا فعله في الأول وإذا ~~فعله في الثاني فالأمر اقتضى إسقاط الفرض بالفعل في الثاني والثالث من حيث ~~اقتضى إسقاطه بإيقاع الفعل في الأول ويبطل بالكفارات الثلاث لأنه إذا فعل ~~كل ms109 واحدة منها سقط الفرض ومع هذا يجوز تأخيرها عنه وقد أجيب عن ذلك بأن ~~جواز تأخير الفعل عن ألأول لا ينقض وجوب الفعل ولا يلحقه بالنافلة لأنه ~~ينفصل عن النافلة بأن النافلة يجوز الإخلال بها اصلا وليس كذلك الفرض لأنه ~~لا يجوز الإخلال به أصلا وهذا غير صحيح لأن المستدل ألزم على جواز التأخير ~~عن الأول بأن يلحق بما هو فعل في ذلك الوقت ولم يلزم أن يلحق بالنوافل على ~~الإطلاق فيفصل بينه وبين النافلة المطلقة وأجاب شيوخنا فقالوا إن الواجب ~~إذا أخر إلى بدل لام ينتقص وجوبه ولم يلحق بالنوافل والفعل إنما يجوز ~~تأخيره عن ثاني الأمر إلى بدل هو العزم على أدائه واستدلوا على كون العزم ~~بدلا بأن الأمر اقتضى إيجاب الفعل ولم يعين الوقت فاذا وجب الفعل في الثاني ~~وجاز مع ذلك تأخيره عنه لم يمكن ذلك إلا مع البدل وقد أجمعوا على أن ~~المأمور يلزمه إذا لم يفعل المأمور به في الثاني أن يعزم على ادائه فيما ~~بعد فقد دل الدليل على وجوب العزم ولم يدل الدليل على وجوب غيره فأثبتناه ~~دون غيره وسنتكلم على هذا الجواب فيما بعد إن شاء الله # ومنها قولهم إن الأمة قد أجمعت على أن الفرض يسقط عن المأمور بايقاع ~~الفعل في ثاني حال الأمر ولم تجمع على إسقاطه إذا فعله بعده فلم يجز تأخيره ~~والجواب يقال لهم ولم إذا لم تجمع على ذلك لم يجز التأخير وما أنكرتم أنه ~~ليس كل ما لم تجمع الأمة عليه فهو باطل لأنه لا يمنع على وجوب صحته دليل ~~غير الإجماع كما أن تحريم التأخير لم تجمع الأمة عليه ولم يمنع من ذلك صحة ~~القول به # PageV01P116 # ومنها قولهم إن المكلف إذا فعل المأمور به في الثاني سقط عنه الفرض وفعل ~~ما وجب عليه فعلمنا أن الأمر قد تناول ذلك وهذا يمنع من الإخلال به لأنه ~~بالإخلال به يفوت إذ كان ما يقع فيما بعد ليس هو ذلك المأمور به بعينه ~~وإنما هو مثله لأن ms110 أفعال العباد تحتص بالأوقات فما يصح أن يوجدوه في وقت لا ~~يصح إيجاده في غيره فلم يجز أن يفوت المكلف ما علم أن التكليف قد تناوله ~~والجواب أن الآمر إنما أوجب ما له صورة مخصوصة من الأفعال ولم يوجب فعلا ~~معينا لأن المكلف لا يميز ذلك فاذا كان كذلك وكان ما يفعله في الوقت الأول ~~وفيما بعده قد اختص بتلك الصورة كان فاعل كل واحد منهما ممتثلا للامر وأيصا ~~فان المخالف يقول لو تناول الأمر الأفعال المختصة بالأوقات لم يمتنع أن ~~يتناول أعيان ما يختص بكل وقت فيجوز ترك ما اختص بالوقت الأول إلى ما يختص ~~بالثاني والثالث لأن كل واحد من ذلك بدل من صاحيه والكلام في أن أفعال ~~المكلف تختص بالأوقات ليس هذا موضعه # ومنها قولهم إن الأمر قد اقتضى الوجوب فحمله على وجوب الفعل في ثاني ~~الأوقات أحوط والجواب أن النافين للفور يقطعون على نفي وجوبه فهم آمنون من ~~المضرة إن أخروا الفعل غير خائفين من ذلك ويقولون طريق الاحتياط أن ننظر هل ~~يقتضي الفور أم لا فان علمنا أنه يقتضيه حملناه عليه وإن لم يقتضه لم نحمله ~~عليه والاحتياط ثابت في كلا القسمين وليس الاحتياط أن نعتقد وجوب التعجيل ~~ونحن لا نأمن أن لا يكون واجبا فنكون قد فعلنا اعتقادا لا نأمن كونه جهلا # ومنها قولهم إن الأمر يتناول الفعل فيقتضي وجوبه ولا يتناول اعتقاد وجوب ~~المأمور به فاذا وجب تعجيل اعتقاد وجوب المأمور به مع أن الأمر ما تناوله ~~فبأن يقضي وجوب تعجيل المأمور به أولى والجواب يقال لهم لم زعمتم أنه إن ~~وجب تعجيل اعتقاد وجوب المأمور به وجب تعجيل المأمور به وما # PageV01P117 # أنكرتم أن تعجيل الاعتقاد يجب لدليل يخصه لا للأمر وإنما كان يلزم ما ~~ذكرتموه لو وجب ذلك لأجل الأمر فان قالوا الاعتقاد تابع للمعتقد فاذا تعجل ~~الاعتقاد تعجل المعتقد قيل لهم أتعنون أن وجوب تعجيل الاعتقاد تابع لوجوب ~~تعجيل المعتقد فان قالوا نعم قيل لهم لا نسلم ذلك وإن قالوا نعني ms111 أن وجوب ~~الاعتقاد تابع لوجوب المعتقد قيل لهم ولم إذا كان كذلك وجب إذا الزم تعجيل ~~الاعتقاد أن يلزم تعجيل المعتقد ثم يقال لهم إن المكلف إذا سمع الأمر ~~بالفعل فلا يخلو إما أن يكون قد سبق له العلم بأن الأمر على الوجوب وأن ~~خطاب الحكيم يجب حمله على موضعه أو لم يسبق له ذلك فإن كان قد سبق له ذلك ~~فهو يعلم وجوب المأمور به في ثاني سماعه الأمر الذي يعلمه صادرا من حكيم ~~ولا يمكنه أن لا يعلم ذلك فلا يصح أن يجب والحال هذه وإن لم يعلم أن الأمر ~~على الوجوب فلا يخلو إما أن يكون قد علم أن ألفاظ الوجوب المطلقة لا تفيد ~~الفور أو لا يعلم ذلك فان علم ذلك فان لم يثبت العزم بدلا يقول إنه لا ~~يلزمه أن يعجل اعتقاد المأمور به ولا النظر فيه لأنه يقول إن لم يكن الأمر ~~على الوجوب فليس يلزمني في الثاني ولا فيما بعده أن أفعل شيئا فلا يلزمني ~~اعتقاد وجوب ذلك الشيء وإن كان الأمر على الوجوب فليس يلزمني أيضا فعل ~~الواجب في الثالث ولا في الرابع فلم يلزمني اعتقاد الوجوب في الثاني لأن ~~فعل المأمور به في الثالث غير متعين وجوبه وإنما يلزمني أن انظر في الأمر ~~هل يفيد الوجوب إذا غلب على ظني أنني إن لم أنظر في ذلك فأعلم الوجوب وأفعل ~~عقيبة فاتني الفعل فيلزمني حينئذ أن أنظر لأنني لا آمن كون الأمر على ~~الوجوب فان قيل إن من لا يثبت العزم بدلا يوجبه ويقول إنه ليس ببدل فهذا ~~لزمه النظر ليعلم وجوب المأمور به لأنه إن كان المأمور به واجبا لزمه أن ~~يفعله أو يعزم على أدائه قيل إن كثيرا منهم لا يقول بوجوب العزم ومن يقول ~~منهم بوجوبه يقول إنما يجب إذا علم المكلف وجوب الفعل وقبل أن يعلم ذلك لا ~~يلزمه العزم وأما من أثبت العزم بدلا فانه يقول يلزم هذا المكلف في الثاني ~~أن # PageV01P118 # ينظر في الأمر هل يقتضي ms112 الوجوب لأنه يلزمه معجلا أن يفعل إما المامور به ~~أو العزم على أدائه وإنما يلزمه العزم إذا كان المعزوم عليه واجبا فلا يأمن ~~المكلف أن يكون الأمر على الوجوب وإن لم ينظر في ذلك معجلا فاته أحد ~~الواجبين وأما إن كان لا يعلم أن ألفاظ الإيجاب المطلقة ليست على الفور ولم ~~يعلم أن الأمر على الوجوب فان له أن يقدم النظر في أن الأمر لو كان على ~~الوجوب لما اقتضى الفور فاذا علم ذلك سقط عنه تقديم النظر في وجوب الفعل ~~إلا على قول من يثبت العزم بدلا على ما بينا # ومنها أن يقال لو جاز تأخير المأمور به عن الوقت الثاني أدى إلى أقسام ~~كلها باطلة وما أدى إلى الباطل باطل وبيان ذلك أنه لو جاز تاخيره عن الثاني ~~لم يخل من أن يجوز تأخيره لا إلى غاية أو إلى غاية لا يجوز أن يؤخر عنها ~~فإن جاز لا إلى غاية لم يخل من أن يجوز ذلك لا إلى بدل أو إلى بدل وهذا ~~الثاني ينقسم إلى أن يكون البدل هو العزم على ادائه في المستقبل أو الوصية ~~كالحج وإن جاز تأخيره إلى غاية لم تخل تلك الغاية إما أن تكون موصوفة أو ~~معينة أما المعينة فيجوز أن يقال له أخره إلى الوقت العاشر أو اليوم ~~الفلاني ولا تؤخره عنه وأما الموصوفة فنحو أن يقال إذا غلب على ظنه أنه إن ~~لم يشرع في أداء المأمور به فاته وهذا ضربان أحدهما أن يغلب على ظنه ذلك ~~بأمارة أو لا بأمارة والأمارة نحو المرض وعلو السن وكل هذه الأقسام باطلة # أما القول بجواز تأخير المأمور به لا إلى غاية من غير بدل فانه ينقض ~~وجوبه ويلحقه بالنوافل وأما القول بأنه يجوز تأخيره إلى بدل هو الوصية ~~فباطل أيضا لأن ذلك ليس بعام في كل العبادات لأنه ليس كل العبادات تثبت ~~بالوصية وعلى أنه إن جاز أن يكون أمر الله سبحانه لنا أن نفعل العبادة لا ~~يمنع من أن نعزم على ms113 الإخلال بها ونوصي غيرنا بها لم يمنع أمرنا للوصي من ~~أن يوصي بما وصينا به وكذلك القول في الوصي الثاني والثالث الى غير غاية # PageV01P119 # وأما كون العزم بدلا فقد أفسدنا بدلا لا دليل على كونه بدلا وليس يجوز ~~إثبات بدل لا دليل عليه وإذا لم يجز كونه بدلا لم يجز تاخير العبادة لأن ~~تأخيرها موقوف على إثبات بدل لا دليل عليه وليس لأحد أن يقول قد أجمعت ~~الأمة على وجوب العزم لأن قيام الدلالة على وجوب الشيء لا يقتضي كونه بدلا ~~من غيره والجواب يقال لهم لم زعمتم أنه لا دليل يدل على كون العزم بدلا فان ~~قالوا لأنه لا ذكر للعزم في الأمر قيل لهم ولا ذكر للوقت الثاني في الأمر ~~ولستم بأن تنفوا كون العزم بدلا لأنه غير مذكور في الأمر وتتوصلون بذلك إلى ~~تعيين الوقت الثاني بأولى من أن ننفي تعيين الوجوب بالوقت الثاني ونتوصل ~~بذلك إلى اثبات بدل لأنه لا يمكن بعد ذلك إلا إثبات بدله وقد أفسد كون ~~العزم بدلا فقيل إن العزم على أداء العبادة واجب لا على سبيل البدل عنها ~~لأنه يجب على المكلف أن يعزم على أدائها قبل دخول وقتها مع علمنا بأن ~~الوجوب لم يحصل قبل وقتها وأجيب عن ذلك بأنه لا يلزم العزم على فعلها قبل ~~أن يجب وإنما يقبح كراهة فعلها فأما أن يعزم الإنسان ويريد فعلها فلا يجب ~~ويمكن أن يعترض هذا الجواب فيقال له إنه إذا وجبت العبادة وجاز تأخيرها ~~فليس يجب عليه إلا ما يجب عليه قبل دخول وقتها فان كان يجب عليه في أحدهما ~~العزم وجب أيضا في الآخر وإن وجب عليه ألا يكره العبادة وجب عليه ذلك ها ~~هنا وليس يمكن أن يدعي أن الأمة فصلت بين العزم على الأداء وبين نفي ~~الكراهة فأوجبت أحدهما قبل الوجوب وأوجبت الآخر بعد توجه الوجوب ويمكن أن ~~يجاب عن ذلك بأن نسلم أن الواجب قبل دخول الوقت وتوجه الوجوب مثل ما يجب ~~بعد توجه الوجوب إما عزم ms114 أو فقد كراهة ثم يقال إنه لا يمتنع أن لا يكون ذلك ~~بدلا قبل توجه الوجوب ويكون بدلا وقائما مقام المبدل في المصلحة كلها أو ~~بعضها بعد توجه الوجوب لأنه لا يمتنع أن يكون الفعل أو الإخلال بالفعل في ~~بعض الأوقات بدلا من شيء وفي وقت آخر لا يكون بدلا منه فلا يجوز أن يمنع من ~~كون العزم بعد دخول الوقت بدلا من العبادة لأجل أنه يجب فعله قبل الوقت ولا ~~يكون بدلا # PageV01P120 # طريقة أخرى في العزم لو كان العزم بدلا من العبادة لم يخل إما أن يجب في ~~الوقت الثاني بدلا من العبادة أو يجوز تأخيره وتأخير العبادة عن الثاني فان ~~جاز تأخيرهما كان القول في العزم كالقول في العبادة المأمور بها ولم يقف ~~ذلك على غاية ولحقا جميعا بالنوافل وإن وجب العزم في الثاني إن لم يفعل ~~المأمور به فيه لم يجز ذلك لأن بدل العبادة إنما يجب على حد وجوبها ليكون ~~فعله جاريا مجرى فعلها ومعلوم أن الآمر عندهم إنما أوجب أن نفعل العبادة في ~~وقت غير معين ولم يعين وجوبها في الثاني فينبغي أن يكون بدلها يجب في وقت ~~غير معين وفي ذلك بطلان تعيينه بالثاني فان قالوا إن الأمر قد اقتضى وجوب ~~الفعل في الثاني قيل لهم إن أردتم بذلك أنه عين وجوبها فيه ولم يرخص في ~~تأخيرها عنه فذلك هو القول بالفور وذلك يمنع من تأخيرها ويغني عن البدل إلا ~~أن يدل دلالة مبتدأة عليه وإن أردتم أن الأمر قد اقتضى كون الفعل في الثاني ~~مرادا ومسقطا للفرض قيل لكم وقد اقتضى أن يكون في فعله في الثاني والثالث ~~كذلك فقد صار موجبا له في وقت غير معين فيجب أن يكون بدله الساد مسده هذه ~~حالة ويقال لهم إذا كان الأمر قد اقتضى أن فعل العبادة في الثاني كفعلها في ~~الثالث والرابع فلم منعتم المكلف من تأخيرها عن الثاني إلا ببدل وهو يقول ~~إني إنما أؤخرها لأن المصلحة تحصل لي في الثالث كما تحصل ms115 لي في الثاني فأن ~~قالوا لأن الأمر اقتضى الوجوب في الثاني والثالث على وجه لا يمنع من ~~التأخير ولا يتم ذلك إلا مع البدل فجرى مجرى أن يقول المكلف هذا الفعل واجب ~~في الثاني ويجوز تأخيره إلى الثالث في أنه لا يجوز تأخيره إلا ببدل إلا ~~انتقض وجوبه فيه قيل إن كان المكلف قد قال إنه واجب في الثاني لا يجوز ~~تأخيره عنه ويجوز مع ذلك تأخيره الى الثالث فذلك متناقض وإن قال إنه واجب ~~في الثاني والثالث على معنى أن الفرض يسقط بالفعل في كل واحد منهما فلو صرح ~~بذلك لما احتجنا إلى بدل في الثاني # طريقة أخرى لو كان العزم في الثاني بدلا من أداء العبادة فيه لم تخل # PageV01P121 # العبادة من أن يتضيق أداؤها في وقت من الأوقات أو لا يتضيق فان لم يتضيق ~~فحكم العبادة في كل الأوقات حكم الثاني فكما جاز للمكلف تأخيرها عن الثاني ~~جاز له تأخيرها عن سائر الأوقات وإذا جاز له تركها في جميع الأوقات لم يجز ~~أن يجب عليه العزم على أدائها لأنه لا يجوز أن يجب على الإنسان أن يعزم ~~ويقصد أن يفعل ما يجوز له تركه لأن في ضمن قولنا يجب عليك أن تعزم على ~~الفعل في الثاني إيجابا للفعل في الثاني فكون العزم بدلا من واجب يقتضي ~~وجوبه وكونه عزما على ما يجوز تركه يقتضي جواز تركه فان قالوا إن المأمور ~~به يتضيق أداؤه في بعض الأوقات وهو الوقت الذي يغلب على ظن المكلف أنه إن ~~لم يفعله فيه فاته فعله قيل لهم فكأن المكلف خير في فعله وتركه قبل هذا ~~الوقت وضيق وجوبه عليه فيه فجرى مجرى أن يقول المكلف صريحا للمكلف أنت مخير ~~في فعل هذه العبادة إلى أن يغلب على ظنك أنها تفوت إن لم تؤدها فحينئذ ~~يتضيق وجوبها ولو قال ذلك لما كان للمنع من تأخيرها قبل هذا الوقت لا إلى ~~بدل وجه مع أن المكلف قد رخص في تأخيرها ولم يذكر بدلا لأن البدل ms116 إنما يجب ~~بعد أن يكون المبدل قد تضيق وجوبه في نفسه فيستحيل أن يجوز تركه لا إلى بدل ~~فان قالوا لو لم يثبت البدل انتقض وجوبها فيما قبل قيل إنه لا ينتقض الوجوب ~~الذي هو بمعنى أن الفوض يسقط بالفعل لأنه لا يمتنع أن يكون الفعل مصلحة في ~~هذا الوقت وفيما قبله على سواء فيخير الله سبحانه بينهما ولا وجه لإيجاب ~~البدل والحال هذه فان قالوا إنما ألزمناه العزم وجعلناه بدلا لأننا لا نأمن ~~أن يموت من غير أن يغلب على ظنه أنه يموت فتفوته العبادة فألزمناه ما يقوم ~~مقامها في الوقت الثاني والثالث قيل لهم إن المكلف إذا مات في زمان التخيير ~~وقبل زمان التضييق ولم يفعل الفعل لم يكن عليه تبعة وإذا لم تكن عليه تبعة ~~لم يلزمه البدل # طريقة أخرى في العزم لو كان العزم في الثاني بدلا من فعل العبادة فيه لم ~~يخل إما أن يقوم مقام فعلها في ثبوت المصلحة فيه أو لا يقوم مقامها فيه فان # PageV01P122 # لم يقم مقامها فيه لم يكن بدلا منها ولم يجز العدول عنها إليه إذ في ذلك ~~تفويت بعض المصلحة وإن قام مقامها فيه فقد استوفيت المصلحة بفعله فلا وجه ~~لوجوب العبادة بعد ذلك وفي ذلك سقوط الفرض بالعزم فان قالوا إنه يقوم مقام ~~العبادة في ذلك الوقت ويبقى فعلها واجبا في الأوقات الأخر قيل إن الأمر لم ~~يفد وجوب العبادة في الأوقات على الجمع حتى إذا سقط الفرض في الوقت الثاني ~~بقي ما بعده وإنما أوجب فعلا واحدا ولهذا لو فعله في الثاني لم يلزمه فعله ~~فيما بعد ذلك الأمر فاذا فعل ما يجري مجرى فعله العبادة في الثاني وجب أن ~~يسقط الفرض الثابت بذلك الأمر كما يسقط لو فعل العبادة المأمور بها وإنما ~~يجوز أن يثبت مثله في الثالث والرابع بأمر آخر كما يجوز ذلك لو فعل نفس ~~المأمور به فان قالوا ما تنكرون أن تكون العبادة لو فعلت في الثاني لكانت ~~مصلحة في الثالث والرابع وسائر ms117 الأوقات إلى حال الموت فاذا فعل بدلها وهو ~~العزم سد مسدها في حصول المصلحة في الثالث وتبقى المصلحة في الأوقات الأخر ~~لا تحصل إلا بالمعزوم عليه أو بعزم يحصل في كل وقت فيقوم مقام المعزوم عليه ~~في ثبوت المصلحة في الوقت الذي يليه قيل هذا يقتضي أن يكون المكلف إذا مات ~~وهو موال للعزم فانه يكون قد استوفى مصلحة الحج وفي ذلك سقوط فرضه وفرض ~~العزم لو عاش وقد أجمعت الأمة في كل من مات ولم يحج أنه لو بقي وهو صحيح ~~موسر للزمه الحج فان قالوا إن الحج هو مصلحة في أفعال تقع في كل الأوقات ~~إلى أبعد عمر يجوز أن يحيي فيه المكلف في العادة فاذا مات المكلف قبل ذلك ~~ولم يحج وجب أن يقال لو عاش لزمه الحج لأنه لو عاش لكان الحج أو العزم على ~~أدائه مصلحة في أفعال تحصل في تلك الأوقات فاما ما بعد أطول الأعمار بزمان ~~طويل فلا يمكنكم أن تدعوا فيه إجماعا قيل هذا يقتضي أن الإنسان لو حج عند ~~بلوغه فانه يكون ذلك مصلحة في فعل يقع منه بعد مائة سنة وأكثر وهذا يبعد ~~لأن اللطف إذا تراخى صار في حكم المنسي # فأما القول بأن العبادة تتضيق في وقت معين فلم يقل به أحد ولا دليل يدل # PageV01P123 # عليه وليس بعض الأوقات المعينة بذلك أولى من وقت فالقول بأنها تتضيق عند ~~ما يغلب على الظن أنها تفوت إن لم تفعل ولا يحصل ذلك الظن عن أمارة لا يصح ~~لأنه لا ينفصل من ظن السوداوي والقول بأنها تتضيق عند ظن يحصل على أمارة ~~كمرض وعلو سن باطل لأن كثيرا من الناس يموت فجأة وذلك يقتضي أنه ما كان يجب ~~عليهم أن يفعلوا العبادة لا محالة مع أن ظاهر الأمر اقتضى أن يفعلوها لا ~~محالة لأن صيغة افعل تقتضي أن يفعل المقول له لا محالة والجواب أن قول ~~القائل لغيره افعل وإن اقتضى أن يفعل لا محالة فانه يقتضي أن يفعل لا محالة ~~في ms118 غير وقت معين لأنه يقتضي أنه متى فعل فقد قضي عهدة الأمر فصار مفيدا لأن ~~يفعل لا محالة في غير وقت معين وذلك يقتضي أن يخيره في الأوقات ولا يدخل في ~~كونه واجبا إلا بأن يضيقه في بعض الأوقات ولا وقت يمكن ذلك فيه إلا إذا خشي ~~الفوات إن أخره عنه وذلك يقتضي أن من لم يغلب على ظنه أن الفعل يفوته إن لم ~~يفعله في الوقت الذي قه انتهى إليه لم يجب عليه أن يفعل لا محالة - صلى ~~الله عليه وسلم - باب القول في الامر إذا كان مؤقتا بوقت محدود بأول وآخر - ~~صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الوقت المضروب للفعل إما أن يتسع للفعل أو لا يتسع له فان لم ~~يتسع له لم يجب أن يكلف الإنسان إيقاع الفعل فيه لأنه تكليف لما يطاق ويجوز ~~أن يكون وجود ذلك الوقت على بعض الوجوه سببا لوجوب القضاء نحو أن تطهر ~~الحائض أو يبلغ الغلام وقد بقي من الصلاة مقدار ركعة ونحو أن يحرم الإنسان ~~بحجتين لأن ذلك سببا لقضاء إحداهما عند أصحابنا ونحو أن ينذر الإنسان أن ~~يصوم في يوم يقدم فيه فلان فيقدم وقد مضى من النهار بعضه # وأما إن اتسع الوقت للفعل فذلك ضربان أحدهما ألا يزيد الوقت على # PageV01P124 # مقدار الفعل نحو صوم يوم ولا إشكال في أن جميعه وقت للوجوب والآخر أن ~~يزيد الوقت على مقدار الفعل كوقت صلاة الظهر # وقد اختلف الناس في وقت الوجوب من ذلك فقال محمد بن شجاع الثلجي وأصحاب ~~الشافعي وشيخانا أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما إن أول الوقت ووسطه وآخره وما ~~بين ذلك من حالاته وقت للوجوب واختلف هؤلاء فمنهم من لم يثبت للصلاة في أول ~~الوقت ووسطه بدلا فيه ومنهم من أثبت للصلاة في كل وقت من هذين الوقتين بدلا ~~واختلفوا فقال أبو علي وأبو هاشم إن بدل الصلاة في أول الوقت ووسطه هو ~~العزم على أدائها في المستقبل وقال بعض أصحابنا إن لها في أول الوقت ووسطه ~~بدلا ms119 يفعله الله سبحانه وقال قوم إن أول الوقت هو وقت الوجوب وإنما ضرب ~~آخره للقضاء وقال أكثر اصحابنا إن آخر الوقت هو وقت الوجوب واختلفوا في ~~إيقاع الفعل فيما قبل ذلك فقال بعضهم هو نفل يسقط به الفرض وحكي عن الشيخ ~~ابي الحسن أن الفعل يقع في أول الوقت مراعى فإن أدرك المصلي آخر الوقت وليس ~~هو على صفة المكلفين كان ما فعله نفلا وإن أدركه على صفة المكلفين كان ما ~~فعله واجبا وحكي عنه الشيخ أبو عبد الله أنه قال إن أدرك المصلي آخر الوقت ~~وهو على صفة المكلفين كان ما فعله مسقطا المفرض وهذا أشبه من الحكاية ~~الأولى وحكي أبو بكر الرازي عن أبي الحسن أن الصلاة يتعين وجوبها بأحد ~~شيئين إما بأن تفعل وإما بأن يضيق وقتها ويمكن أن يفسر أكثر هذه الأقاويل ~~تفسيرا صحيحا لا يقع فيه نزاع ويمكن أن يفسر تفسيرا يقع فيه النزاع على ما ~~نبينه عند الكلام فيها وينبغي أن نبين معنى قولنا إن الصلاة واجبة في أول ~~الوقت ووسطه وآخره ثم نبين جواز كونها واجبا فيها ثم نبين ورود التعبد به # أما معنى قولنا إن الصلاة واجبة في جميع الوقت فهو أنه إذا فعلها في أوله ~~كانت كما لو فعلها في وسطه وآخره في سقوط الفرض وحصول المصلحة المقتضية ~~للوجوب # PageV01P125 # فأما جواز ورود التعبد بذلك فهو أنه لا يمتنع في العقل أن تكون الصلاة في ~~أول الوقت ووسطه وآخره تتساوى في كونها لطفا داعيا إلى طاعة واجبة بعد خروج ~~الوقت وداعيا إلى طاعة مندوب إليها قبل خروج الوقت ولا يمتنع أن يكون داعيا ~~إلى طاعة واجبة بعد خروج الوقت فقط ولا يكون فعلها بعد خروج الوقت مصلحة ~~فيما كانت مصلحة فيه قبل خروج الوقت لكن إذا فرط المكلف في فعلها لزمه ~~قضاؤها لأن قضاءها يكون مصلحة في دون ما كان الأداء مصلحة فيه فاذا كان ~~كذلك لم يجز أن يضيق الله سبحانه فعلها في أول الوقت مع أن الغرض بايجابها ~~وهو المصلحة ms120 يحصل بفعلها في آخر الوقت ولا يجوز أن لا يضيق الله سبحانه ~~فعلها في آخره مع أن المصلحة لا تحصل إذا أخرت عنه ولا يمتنع أيضا أن تكون ~~الصلاة في كل وقت قبل آخر الوقت مصلحة في طاعة تليها وفي طاعة بعد خروج ~~الوقت فإن لم يفعلها فيه فعل الله سبحانه ما يقوم مقامها في الطاعة التي ~~تليها وبقي على المكلف فرضها لما يدعو إليه من الطاعة بعد خروج الوقت ولا ~~يمتنع أيضا أن يكون العزم في كل وقت على أدائها في الثاني أو في غيره من ~~أفعال المكلف يقوم مقامها في المصلحة التي تليها دون المصلحة التي تدعو ~~إليها بعد خروج الوقت وإذا لم تمتنع كل هذه الوجوه لم يمتنع ورود التعبد ~~عليها والذي نذهب إليه أن الصلاة في أول الوقت ووسطه مصلحة في طاعة واجبة ~~بعد خروج الوقت وفي طاعة مندوب إليها قبل خروج الوقت إذا كان المعلوم من ~~حال المكلف انه لا يدرك ما بعد الوقت وهو حي # فاما الكلام في ورود التعبد بذلك فيقع في وجوه منها الكلام على من خص ~~الوجوب بأول الوقت ومنها الكلام على من خصه بآخره ومنها الكلام على من جعل ~~الفعل في أول الوقت مراعي ومنها الكلام على من عين الوجوب بأحد شيئين ثم ~~يقع الكلام بعد ذلك في إثبات البدل هل هو من فعل الله سبحانه أو من فعلنا # PageV01P126 # أما الكلام على من خص الوجوب بأوله فهو أن يقال له أتزعم أن تأخير الصلاة ~~عن أول الوقت لا يجوز كما لا يجوز تأخيرها عن آخره ويستحق الذم على أحدهما ~~كما يستحق على الآخر فان قال نعم دفع قوله الإجماع وإن قال لا قيل له فقد ~~نقضت قولك باختصاص الوجوب بأول الوقت ويقال له لماذا ضرب الوقت فان قال ~~ليكون ما يفعل بعد أول الوقت قضاء قيل له الأمة مجمعة على أنه ليس بقضاء ~~ولا يجوز أن تؤدي الصلاة بعد أول الوقت بنية القضاء وأيضا فلا فائدة لضرب ~~الوقت في ذلك ms121 لأن ما يفعل بعده يكو قضاء أيضا وايضا فالوجوب مستفاد من ~~الأمر وهو متعلق بأول الوقت وآخره ووسطه فيجب أن يفيد الوجوب في الكل ~~ويتضيق بآخره لأنه جعل غاية وقت الوجوب # فأما من خص الوجوب بآخره فانا نفرض عليه ما يعنيه بقولنا إن الوجوب شائع ~~في جميع الوقت فان أقر به وإلا دللنا عليه فنقول إنا نعني بذلك أن الصلاة ~~في أول الوقت كهي في وسطه وآخره في حصول المصلحة بها المقتضية للوجوب وفي ~~سقوط الفرض فان أجاب إلى ذلك فقد وافق في المعنى وإن منع عن ذلك قيل له إن ~~لم تكن الصلاة قائمة مقام فعلها في آخره في حصول المصلحة وجب أحد أمرين إما ~~أن تكون المصلحة باقية فيلزم فعل الصلاة في آخر الوقت مع أنها مفعولة في ~~أوله وإما أن تكون المصلحة قد فاتت فان كانت قد فاتت فقد صارت الصلاة في ~~اول الوقت مفسدة وفي ذلك قبحها والإجماع يمنع من قبحها ويقتضي الإجماع ايضا ~~أن فعل بعض الصلوات في أول وقتها افضل يبين كونها مفسدة أنه إذا كان المكلف ~~لو صلى في آخر الوقت حصلت له المصلحة واللطف وإذا صلى في أوله ولم تحصل له ~~تلك المصلحة وخرجت الصلاة في آخر الوقت من أن تكون مصلحة وحصلت المعصية ~~التي كانت الصلاة في آخر الوقت لطفا في الإخلال بها فقد حصلت الصلاة في أول ~~الوقت داعية إلى هذه المعصية ومفوتا لما يدعو إلى الطاعة فان قيل أليس ~~تقديم الزكاة على الحول يسقط الفرض وليس بمفسدة قيل إنما # PageV01P127 # يسقط الفرض لأنه يقوم مقامه في المصلحة ولهذا لم يطلق أحد من الأمة القول ~~بانه صدقة تطوع ونافلة مع أنها مسقطة للفرض فان قيل وإذا كانت قائمة مقام ~~الزكاة بعد الحول في المصلحة فما معنى تعليق الوجوب بحؤول الحول قيل ~~الفائدة في ذلك أن يكون للإمام إلزام رب المال الزكاة بعد حؤول الحول ولا ~~يكون له إلزامه اخراج الزكاة قبله لأن الوجوب موسع عليه ويدل على شمول ~~الوجوب لأوقات الصلوات ms122 أن الوجوب مستفاد من الأمر والأمر نتعلق بأول الوقت ~~وآخره وما بينهما فشمل الوجوب هذه الأوقات # وقد استدل في المسألة بأشياء # منها أنه لو كانت الصلاة نافلة في أول الوقت لصح إيقاعها بنية النفل ~~لمطابقتها لما عليه الصلاة في نفسها وقد اعترض ذلك بأنه يجوز إيقاعها بنية ~~كونها ظهرا نفلا وأجيب عن ذلك بأن كونها ظهرا نفلا يتناقض وهذا إنما يتناقض ~~إذا ثبت أن صلاة الظهر لا تكون إلا واجبة وفيه النزاع وقد أجيب عن الدليل ~~فقيل أليس تقديم الزكاة يكون نفلا ولا يجوز إيقاعها بنية النفل فان قلتم ~~يجوز إيقاعها بنية كونها زكاة نفلا قيل يجوز إيقاع صلاة الظهر في أول الوقت ~~بنية كونها ظهرا نفلا وليست الشناعة في ذلك إلا كالشناعة في كون الزكاة ~~نفلا ويمكن أيضا أن يجاب عن الدليل فيقال إن أردتم بنية النفل أن ينوي أن ~~يفعل ما يجوز تركه في أول الوقت لا إلى بدل فيه فهو قولنا وإن أردتم أن ~~ينوي أن يفعل ما يجوز تركه وترك أمثاله في كل الأوقات مع السلامة فليس هذا ~~قولنا فلم يلزمنا حوار أن ينويه # ومنها قولهم إن الصلاة في أول الوقت يراعي فيها أذان وإقامة وعدد مخصوص ~~وليس هذا حال النوافل وللمخالف أن يقول إن النوافل التي تسقط الفرض وتفعل ~~في الوقت المضروب هذه سبيلها # ومنها أنه كان يجب أن يكون من لم يؤد الصلاة إلا في وقتها الأول غير مؤد ~~للفرض من الصلوات ولا قائما بالواجب منها وللمخالف أن يقول إن # PageV01P128 # إطلاق ذلك يوهم أن الصلاة وجبت عليه فلم يقم بها وليس الأمر كذلك ولهذا ~~لا يقال فيمن يقدم زكاته في كل عام إنه لم يقم بالواجب من الزكاة لأن ذلك ~~صفة ذم والذم لا يلحق من قدم الواجب قبل وقت وجوبه إذا أذن في ذلك # ومنها قولهم إن تقديم صلاة المغرب أفضل من تأخيرها والنفل لا يكون أفضل ~~من الواجب وللمخالف أن يقول بل يجوز أن يكون أفضل منه إذا كان متقدما على ~~الواجب ms123 ومسقطا له ولهذا يقال إن تقديم الزكاة على الحول مع شدة حاجة ~~الفقراء أفضل من تأخيرها إلى حؤول الحول # واحتج القائلون إن الصلاة نافلة في أول الوقت بأن الواجب في الوقت هو ما ~~لا يجوز تأخيره عن الوقت إلا إلى بدل فيه والصلاة في أول الوقت يجوز ~~تأخيرها عنه لا إلى بدل فيه لأنه لا دليل عليه ولم تكن واجبة فيه وإذا لم ~~تكن واجبة فيه وكانت مأمورا بها ثبت كونها نفلا فيه وقالوا وليس لكم أن ~~تقولوا إنها تفارق النافلة وتدخل في جملة الواجبات من حيث لم يجز تركها ~~أصلا لأنا إنما استدللنا على كونها نافلة في الأول من حيث جاز تأخيرها عنه ~~ولم نستدل على أن أمثالها نافلة في كل الأوقات والجواب أن وصفنا للفعل بأنه ~~واجب في الوقت يستعمل على وجهين أحدهما أنه لا يجوز الإخلال به في ذلك ~~الوقت إلا إلى بدل فيه وهذا لا نعينه في الصلاة في الوقت الأول والآخر أنه ~~يقوم مقام غيره من الواجبات المضيقة في وجه الوجوب وهذا هو الذي نعنيه ~~بقولنا إن الصلاة واجبة في أول الوقت وقد بينا أنه لا بد للمخالف من أن ~~يقوله فما يلزمنا عليه فهو لازم له ايضا وليس يلزمنا على هذا القول أن لا ~~نجيز تأخير الصلاة عن أول الوقت لا إلى بدل لأنه إذا كانت الصلاة في الوقت ~~الثاني تسد مسد وقوعها في الوقت الأول في الفرض والمصلحة لم يجز أن يلزم في ~~الوقت بدلها هو إذا تركها فيه صار إلى ما يجري مجراها فاذا كان كذلك فأي ~~فائدة في إلزام البدل # PageV01P129 # فأما القول بأن الفرض يتعين بإيقاع الفعل فان أريد بذلك أنه إذا فعل ~~الفعل يجب أن يفعل مرة ثانية وجوبا معينا مضيقا فباطل لأن فعل المفعول غير ~~ممكن فايجابه قبيح وإن أريد أنه يلزم بالشروع فيه إتمامه فهذه حالة النوافل ~~عند أصحابنا وقد تكلمنا على من قال إن الفعل نافلة في أول الوقت وإن أريد ~~أنه إذا فعل الفعل علمنا أنه ms124 قد تعين سقوط الفرض به وأنه لا فرض بعده في ~~ذلك الوقت إلى آخره فذلك صحيح وقد كنا نحكم قبل الفعل أيضا بأنه إن وجد ~~فهذه سبيله # فأما القول بأن المكلف إذا صلى في أول الوقت وأدرك آخره على صفة المكلفين ~~كان ما يفعله واجبا فان أريد به أنه يبين لنا أنه قد كان ألزم الفعل في ~~الأول ومنع من تأخيره عنه فذلك يؤدي إلى أنه حظر عليه في الأول التاخير ولم ~~يعرف في ذلك الوقت أنه قد منع من التأخير وذلك تكليف ما لا يطاق وإن أريد ~~به أنه يبين لنا أن ذلك الفعل قد أسقط عن المكلف أن يفعل في آخر الوقت مثله ~~وأنه قائم مقام الفعل في آخر الوقت في المصلحة التي تحصل بعده فصحيح وإن ~~أراد الشيخ أبو الحسن بقوله إن المكلف إذا لم يدرك آخر الوقت على صفة ~~المكلفين كان ما فعله في أول الوقت نافلة أنه يبين لنا في آخر الوقت أنه ما ~~كان قد ألزم المكلف الفعل في أوله فليس بصحيح لأنه يجب أن يعرف ذلك قبل أول ~~الوقت وإن أراد أنه يبين لنا أن ما فعله لم يكن لطفا في واجب وأنه لطف في ~~نافلة فصحيح وهو الذي ينصره لأنه لو كان لطفا في واجب يوقعه قبل حال موته ~~لكان الله سبحانه قد ضيق عليه الوجوب في أول الوقت والدلالة على أن الصلاة ~~في أول الوقت مصلحة في طاعة نافلة قبل خروج الوقت إذا كان المصلي يموت قبل ~~خروج الوقت فهي أنها لو لم تكن كذلك لما حسن تكليفها لمن المعلوم أنه يموت ~~قبل خروج الوقت لأن وجه وجوبها غير حاصل فيه وهو كونها داعية إلى طاعة ~~واجبة بعد الوقت إذ المكلف ليس يدرك هذا الوقت حيا وفي إجماع الأمة على أن ~~من مات قبل # PageV01P130 # خروج الوقت لا يكون ما فعله من الصلاة في أول الوقت مباحا بل طاعة مأمور ~~بها دليل على ما قلناه لأنها لا تكون طاعة إلا وهي مصلحة ms125 في طاعة قبل موته ~~وليس يجوز أن تكون تلك الطاعة واجبه لأنها لو كانت واجبة لضيق الله سبحانه ~~وجوب الصلاة عليه فثبت أنها مصلحة في طاعة مندوب إليها فان قالوا فيجب أن ~~تكون صلاة هذا المكلف نافلة قيل إن أردتم بكونها نافلة ما ذكرتم وأنه لو لم ~~يفعلها حتى مات لم يستحق الذم فصحيح وهو الذي نصرناه وإن أردتم أنه لو بقي ~~المصلي إلى بعد الوقت لم تكن صلاته لطفا في واجب فلا # فأما القول بأن العزم بدل من الصلاة في الوقت الأول فانه إن جعل هذا ~~القائل العزم جاريا مجرى الصلاة في أول الوقت من كل وجه لزم أن يكون ما ~~فعله مسقطا لفرض الصلاة كما أن الصلاة في أول الوقت مسقطة للفرض إذ قد سد ~~العزم مسد فعل الصلاة وإن أريد أن العزم يقوم مقام فعلها من وجه دون وجه ~~نحو أن تكون الصلاة مصلحة في طاعة تليها وفي طاعة بعد خروج الوقت فيقوم ~~العزم مقام فعلها في أول الوقت في حصول المصلحة التي تليها وتبقى المصلحة ~~الأخرى بكون الصلاة في الوقت الثاني مصلحة فيها ومصلحة في الوقت الثالث ~~هكذا في كل الأوقات إلى أن يتضيق الوقت فلا يكون العزم قائما مقام الصلاة ~~في المصلحة التي تكون بعد الوقت والذي يبطله هو أنهم إذا توصلوا إلى إثبات ~~البدل فيجب أن يثبتوه على حد ثبوت المبدل ومعلوم أن ظاهر الأمر اقتضى إيجاب ~~الفعل في الأوقات من زوال الشمس إلى آخر الوقت على البدل فكان الواجب أن ~~يفعل المكلف الصلاة في وقت من هذه الأوقات أي وقت شاء هكذا ظاهر الأمر فيجب ~~أن يكون بدل ذلك يلزم فعله في وقت غير معين من هذه الأوقات ولا يتعين في ~~الأول كما لم يتعين المبدل ويجب إذا فعل البدل في وقت من هذه الأوقات أن ~~يسقط الفرض كالمبدل وأيضا فلو لزم المكلف ان يفعل الصلاة في أول الوقت أو ~~العزم لكان قد أخذ عليه أن يتحفظ من السهو وأن يجب علينا أن ms126 نوقظه من نومه ~~في # PageV01P131 # هذا الوقت لأنه قد أخذ عليه في هذا الوقت فعل يمنع منه النوم كما يلزم أن ~~نوقظه عن نومه في آخر الوقت وأيضا فان الأمر اقتضى إيجاب الصلاة علينا في ~~الأوقات كلها على البدل ولا دليل يدل على إثبات بدل للصلاة لأنا قد بينا ~~حسن تكليفها من غير بدل ولا يجوز إثبات ما لا دليل عليه وبأكثر هذه الوجه ~~يبطل قول من قال إن بدل الصلاة هو فعل يفعله الله سبحانه يقوم مقام الصلاة ~~كونها مصلحة في طاعة تختص بالوقت الثاني على ما ذكرناه في العزم وتختص ذلك ~~بوجه آخر وهو أنه كان يجب أن لا يحسن تكليف الصلاة من يعلم الله أنه يخترم ~~في الوقت لأنه يقوم فعل الله سبحانه مقام فعله في المصلحة الحاصلة قبل خروج ~~الوقت فلو كلفه الله تعالى الصلاة لكان إنما كلفه لمجرد الثواب فقط # وقد استدل أصحاب العزم على إثبات البدل فقالوا الصلاة واجبة في أول الوقت ~~فلا يجوز كونها واجبة فيه مع جواز تأخيرها عنه إلا إلى بدل ولا بدل إلا ~~العزم والجواب يقال لهم أتعنون بوجوبها في الأول أنه محظور تأخيرها عنه فان ~~قالوا نعم قيل لهم من سلم لكم ذلك أو ليس الأمر دل على إيقاعها في الأول ~~والثاني والثالث على البدل فكيف حظر تأخيرها حتى يطلب لجوازه فعل بدل وعلى ~~أن حظر تأخيرها مع إباحة تأخيرها متناقض ولم يصح ثبوته حتى يتبعه إثبات بدل ~~فان قالوا نعني بوجوبها في الأول أنها على صفة المصلحة الحاصلة بالصلاة في ~~آخر الوقت قيل لهم ولم إذا كان كذلك لا يجوز تأخيرها إلا إلى بدل مع أنه ~~يؤخرها إلى ما يساويها في وجه الوجوب ثم يقال لهم ولم زعمتم أنه لا بدل إلا ~~العزم فان قالوا لإجماع الأمة على وجوبه على من أخر الصلاة عن الأول قيل ~~إجماع الأمة على ذلك كإجماعها على وجوبه قبل دخول الوقت وليس يظهر أن الأمة ~~فصلت بين الأمرين فأوجبت بعد دخول الوقت فعل العزم ms127 ولم توجبه قبل الوقت ~~وإنما حضرت قبل الوقت كراهة فعل الصلاة وقد تقدم ذلك في الباب الأول فما ~~يؤمنهم أن يكون البدل هو الإخلال بالكراهة ويكون ذلك سادا في هذا الوقت مسد ~~الصلاة في # PageV01P132 # المصلحة ويمكن أن يستدلوا على إثبات بدل فيقولوا إن الصلاة لطف في واجب ~~بعد خروج الوقت ولطف في واجب قبل خروج الوقت أما كونها لطفا بعد خروج الوقت ~~فالدلالة عليه أنه قد أتيح له تأخيرها إلى آخر الوقت فلو لم يكن إلا لطفا ~~في طاعة في الوقت لما أتيح تأخيرها عن وقت تلك الطاعة فأما الدلالة على ~~أنها لطف في واجب في الوقت ايضا فهي أنها لو لم تكن لطفا إلا في واجب بعد ~~الوقت لما حسن تكليفها من المعلوم أنه يموت قبل خروج الوقت وإذا كانت لطفا ~~في واجب قبل خروج الوقت لم يجز تأخيرها عن ذلك الوقت إلا إلى بدل ولا بدل ~~إلا العزم لأن الأمة أجمعت على وجوبه دون وجوب غيره والجواب أنه يكفي في ~~حسن تكليف الصلاة من المعلوم أنه يكون قبل خروج الوقت أن يكون فيها لطفا في ~~طاعة مندوب إليها بفعل عقيب فعل الصلاة أو أن يكون كل جزء من الصلاة لطفا ~~في مندوب وإذا جاز ذلك لم يجب أن يكون لها بدل من حيث هي لطف في ندب فان ~~قيل فلم كان قولكم أولى من قولنا مع جواز ورود التعبد عليهما جميعا قيل ~~أنتم الذي يلزمكم الترجيح لأنكم المستدلون وأيضا فان قولنا أولى من قولكم ~~لأن التعبد بالصلاة في الوقت كله ورد مطلقا من غير بدل وإنما يثبت البدل ~~للضرورة فاذا بينا إمكان قولنا وحسن ورود التعبد به لم يكن إلى البدل ضرورة ~~فان قيل فيجب على ما قلتم أن يكون تقديم الصلاة في أول أوقاتها أولى لأنها ~~تكون مصلحة في مندوب إليه وفي واجب والصلاة في آخر الوقت لا تكون مصلحة إلا ~~في واجب فقط والجواب أنه لا يمتنع أن تكون الصلاة التي يستحب تأخيرها إذا ~~فعلت في ms128 أول الوقت كانت لطفا في مندوب إليه يليها وفي طاعة واجبة بعد خروج ~~الوقت وإذا فعلت في آخر الوقت كانت لطفا في طاعة واجبة وفي طاعات مندوب ~~إليها بعد خروج الوقت ايضا أكثر مما تكون الصلاة في أول الوقت لطفا فيه من ~~الطاعات المندوب إليها فلذلك كان تأخير الصلاة أفضل # PageV01P133 # - صلى الله عليه وسلم - باب في الامر المؤقت هل يقتضي الفعل فيما بعد ~~الوقت إذا عصى المكلف في الوقت أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لا يقتضي الفعل فيما بعد الوقت أطاع المكلف في الوقت أم عصى فيه ~~ويحتاج فعله فيما بعد الوقت إلى دلالة أخرى لأن قول القائل لغيره افعل هذا ~~الفعل في يوم الجمعة لا يتناول ما عدا الجمعة وما لم يتناوله الأمر لا يدل ~~فيه على إثبات ولا نفي ولهذا لم يدل الأمر على استدعاء الفعل قبل الوقت ولو ~~كان الأمر مقيدا بصفة لم يدل على وجوب ما لم يختص بها لما لم يتناول ما عدا ~~تلك الصفة ولذلك لو قال الإنسان لغيره اضرب من كان في الدار لم يتناول من ~~لم يكن فيها ولو أمرنا الله سبحانه أن نتصدق بأيماننا ثم تعذر ذلك علينا ~~لما علمنا بذلك الأمر وجوب الصدقة باليسرى لكن علمنا أن الصدقة باليمنى ~~الغرض منها إيصال النفع إلى الفقير فقط فانا نعلم وجوب الصدقة باليسرى لهذا ~~الاعتبار والوقت وإن لم يكن في مقدورنا ولا هو وجه يوقع الفعل عليه فانه لا ~~يمتنع أن يكون الفعل فيه مصلحة دون غيره ولهذا كانت الصلوات واجبة في أوقات ~~مخصوصة وكان الصوم واجبا في شهر مخصوص ودفع الضرر عن النفس واجب في الوقت ~~الذي يختص فيه الضرر دون غيره وإذا صح ما ذكرناه لم يجز ورود النسخ على ~~الأمر المفيد للفعل الواحد المؤقت وإنما يرد على الأمر المفيد ظاهره أفعالا ~~كثيرة فيدلنا النسخ على أنه ما أريد بعض تلك المرات فان قيل فاذادل الدليل ~~على أن من عصى في الوقت يلزمه مثله أكان يكون ذلك ms129 قضاء قيل نعم إذا اختص ~~بشروط القضاء وهي أشياء # منها أن يكون مثل المقضي ولهذا لم تكن الصلاة قضاء للصوم # ومنها أن يكون المقضي متعبد به في وقت مخصوص إما على الوجوب أو # PageV01P134 # على الندب ولهذا لو لم نتعبد بالفعل ثم أمرنا بمثله لم يكن قضاء # ومنها أن يكون سبب القضاء غير سبب المقضي ولهذا لو لم يقض الإنسان يوما ~~فات من شهر رمضان ثم قضاه بعد ذلك لم يكن ذلك قضاء للقضاء لأن سببهما غير ~~مختلف # ومنها أن يرد التعبد بالقضاء لأنه لو لم يتعبد به لم يسهم إذا فعل قضاء ~~والله أعلم - صلى الله عليه وسلم - باب في الامر المطلق إذا لم يفعل المكلف ~~مأموره في أول أوقات الإمكان هل يقتضي فعله فيما بعد أم يحتاج إلى دليل - ~~صلى الله عليه وسلم - # أما القائلون بنفي الفور فانهم يقولون إن الأمر يقتضي الفعل فيما بعد ولا ~~يحتاج المكلف إلى دليل وأما القائلون بالفور فيختلفون فمنهم من قال إنه ~~يقتضي الفعل فيما بعد ومنهم من قال لا يقتضيه بل يحتاج المكلف إلى دليل وهو ~~مذهب أبي عبد الله وحكاه عن الشيخ أبي الحسن ولم يفصل المؤقت من غيره ويقول ~~قاضي القضاة بذلك لو ثبت القول بالفور # واحتج الأولون بأن قالوا قول القائل لغيره افعل معناه افعل في الثاني فان ~~عصيت ففي الثالث فان عصيت ففي الرابع هكذا ابدا فان قال قائل ولم زعموا أن ~~الأمر يتنزل هذه المنزلة قيل لأن ظاهر قوله افعل لا يتخصص بالوقت الثاني ~~دون الثالث والرابع وإنما قالوا إنه يجب فعله في الثاني لأنه لو مل يجب فيه ~~انتقض الوجوب المستفاد بالأمر فاجتمع في الأمر شيئان أحدهما الوجوب المقتضي ~~للفور والثاني نفي تخصيص الأمر بالأوقات المقتضي لشياع الفعل في الأوقات ~~فوجب الفور مع نفي تخصيص الأمر بالأوقات وشياع الفعل فيها ولا يمكن ذلك إلا ~~إذا عصى المكلف في الوقت # PageV01P135 # الأول فصح أن مطلق الأمر من حيث اجتمع فيه ما يدل على ما ذكرناه يجري ~~مجرى قول ms130 القائل افعل في الأول فان عصيت فافعل في الثاني فان قالوا الأمر ~~وإن لم يختص بوقت معين فان الوجوب المستفاد من الأمر لما دل على الفور جعل ~~الأمر مختصا بالوقت الأول قيل لهم إنما جعله مختصا بالأول ما لم تقع ~~المعصية فاذا وقع بقي مطلق الأمر فان قالوا قد ثبت أن مطلق الأمر يقتضي ~~وجوب الفعل في الثاني فجرى مجرى أن يكون الأمر مقيدا بالثاني قيل الفرق ~~بينهما أنه إذا كان مقيدا بالثاني لم يكن غير مختص بالأوقات بل يكون مختصا ~~بالوقت الثاني فلا يتنزل منزلة قول القائل افعل في الثاني فان عصيت فافعل ~~في الثالث لأنه يتناول فعلا واحدا وليس كذلك إذا كان الأمر مطلقا # واحتج أبو عبد الله فقال قد ثبت أن مطلق الأمر يفيد إيقاع الفعل في ~~الثاني فلم يتناول إيقاعه في الثالث لأنه يتناول فعلا واحدا والفعل المختص ~~بالثاني غير المختص بالثالث لأن أفعال العباد لا يجوز عليها التقديم ~~والتأخير والجواب أنه إن ثبت أن أفعال العباد هذه سبيلها فان الأمر لم ~~يتناول تلك الأعيان وإنما يتناول ما له صورة يميزها المكلف فاذا أمرنا الله ~~سبحانه بالحج فانما أمرنا بأفعال لها صفة مخصوصة سواء كانت واقعة في هذا ~~الوقت أو في هذا الوقت واذا كان كذلك وكان الأمر لا يتخصص بالأوقات علمنا ~~أنه يتناول ما اختص بتلك الصورة من الأفعال المختصة بتلك الأوقات فاذا بان ~~أن الوجوب يفيد التعجيل بان أنه قد اختص بالأمر ما يقتضي التعجيل وما يقتضي ~~التأخير ولا يمكن الجمع بينهما إلا على شرط المعصية - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في الآمر هل يدخل تحت الأمر ام لا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن هذا الباب يتضمن مسائل # منها أن يقال هل يمكن أن يامر الإنسان نفسه في المعنى أم لا وليس في # PageV01P136 # إمكان ذلك شبهة لأنه يمكن الإنسان أن يقول لنفسه افعل ويريد منها الفعل # ومنها أن يقال هل يكون هذا القول مسمى بأنه أمر على الحقيقة أم لا ~~والجواب أنه لا ms131 يكون أمرا على الحقيقة لأن من شرط كونه أمرا الرتبة وما ~~يجري مجراها وذلك لا يتأتى إلا بين ذاتي لتكون إحداهما مستعلية ومرتبة على ~~الأخرى # ومنها أن يقال هل يحسن أن يأمر الإنسان نفسه أم لا والجواب أنه لا يحسن ~~ذلك لأن الفائدة بالأمر أن يكون دليلا على حال المأمور به أو يؤكد الدلالة ~~أو يدل على إرادة فاعله الفعل ويكون ممن يتقرب إليه بالمصير إلى إرادته ~~فيدعو علم المأمور بإرادته إلى أن يوقع مرادها وهذه الأمور منتفية في أمر ~~الإنسان نفسه لأن الانسان يعلم إرادته وكون المأمور به طاعة قبل أمره من ~~غير أن يراد علما من جهة الآمر إذ كان إنما يأمر لتقدم علمه بما له في ~~الفعل المأمور به من الغرض # ومنها أن يقال هل إذا خاطب الإنسان غيره بالأمر يكون داخلا في جملة ~~المأمورين وهذه المسألة وإن دخلت في مسائل العموم فذكرها ها هنا يجوز ~~لتعلقها بهذه المسائل والجواب أنه إن كان المخاطب نالا للأمر من غيره نظر ~~في خطابه فان كان يتناوله دخل فيهم والا لم يدخل فيهم مثال الأول أن يقول ~~الإنسان لجماعة إن فلانا يأمرنا بكذا وكذا ومثال الثاني أن يقول إن فلانا ~~يأمركم بكذا وكذا وإن نقل كلامهم غيره ولم يذكر عن نفسه شيئا نحو قوله ~~سبحانه {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} فان هذا يتناول ~~الكل لأن الخطاب من الله سبحانه يرد إلى كل # PageV01P137 # مكلف وإلا من استثناه الدليل وإن كان المخاطب بالأمر هو الآمر فانه لا ~~يدخل تحت الأمر لما بيناه أنه لا فائدة فيه وذلك نحو أن يقول افعلوا كذا ~~وكذا فان قيل فهل يدخل المخبر تحت الخبر قيل إن أردت أنه يدخل في أن يكون ~~مخبرا لنفسه فلا لأنه لا فائدة في أن يخبر نفسه إذ ليس يخفى عليه حال ~~المخبر عنه فيستدل عليه بخبره وإن أردت أنه يدخل في أنه يكون مخبرا عن نفسه ~~فذلك جائزلأن الإنسان له غرض في أن يخبر عن حال نفسه ms132 كما أن له غرضا في أن ~~يخبر عن غيره - صلى الله عليه وسلم - باب في كيفية إيجاب الامر لفروض ~~الكفايات - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأمر بالفعل إذا تناول جماعة على الجمع فذلك من فروض الأعيان ~~والكلام في ذلك من باب العموم وقد يكون فعل بعضهم شرطا في فعل بعض كصلاة ~~الجمعة وقد لا يكون فعل بعضهم شرطا في فعل بعض وإذا تناول جماعتهم لا على ~~الجمع فذلك من فروض الكفايات نحو أن يكون الغرض بتلك العبادة يحصل بفعل ~~البعض كالجهاد الذي الغرض به حراسة المسلمين وإذلال العدو وقهره فمتى حصل ~~ذلك بالبعض لم يلزم الباقين والفرض في ذلك موقوف على غالب الظن فان غلب على ~~ظن الجماعة أن غيرها يقوم بذلك سقط عنها وحد الواجب لا يحصل في فعلها وإن ~~غلب على ظنها أن غيرها لا يقوم به وجب عليها وحد الواجب حاصل في فعلها وإن ~~غلب على ظن كل طائفة أن غيرها لا يقوم به وجب على كل واحدة منها القيام به ~~وكان حد الواجب قائما في فعل كل واحدة منها وإن غلب على ظن كل طائفة أن ~~غيرها يقوم به سقط الفرض عن كل واحدة منها وإن أدى إلى أن لا يقوم به أحد ~~ولم يكن حد الواجب حاصلا في فعل كل واحدة منها فبان بما ذكرنا أن ما تقدم ~~من حد الواجب ليس ينتقص بشيء من هذه الأقسام # PageV01P138 # - صلى الله عليه وسلم - باب في الامر الوارد بالشيء على شرط زوال المنع - ~~صلى الله عليه وسلم - # ذهب شيوخنا رحمهم الله إلى أن الله عز وجل لم يعن بالأمر من يعلم أنه ~~يمنع من الفعل وقال قوم إذا أمر الله قوما بالفعل وعلم أن فيهم من يمنع منه ~~فانه قد عناه بالأمر بشرط زوال المنع ولم يختلفوا في جواز أمر الواحد منا ~~غيره بالفعل بشرط قدرته على الفعل وانتفاء المنع منه وقال قاضي القضاة لم ~~يختلفوا في أنه لا يجوز أن يفرد الله سبحانه المكلف الواحد بالأمر ms133 بالفعل ~~وهو يعلم أنه يمنع منه قال ولم يختلفوا في أنه لا يجوز أن يأمر من يعلم أنه ~~يموت أو يعجز أو لا يكون المأمور به مصلحة بشرط أن يبقى ويقدر ويكون الفعل ~~مصلحة # دليلنا هو أن معنى قولنا إن الله سبحانه قد أمر بالفعل بشرط زوال المنع ~~هو أنه قال لنا افعلوه وأراده منا أو كان لنا فيه غرض مع فقد المنع ولم ~~يرده مع وجوده لأنه لو أراده في الحالين لكان قد كلف إيقاع الفعل مع وجود ~~المنع ولما كان قد أراده بشرط زوال المنع فاذا علم الله سبحانه أن المنع ~~يحصل لا محالة فقد علم الحالة التي لا غرض له في إيقاع الفعل فيها فلم يجز ~~أن يريده فيها يبين ذلك أن الواحد منا لو أراد دخول زيد الدار إن دخلها ~~عمرو ولم يرد دخلوه فيها إن لم يدخلها عمرو ثم علم بخبر نبي أن عمرا لا ~~يدخلها فان هذا العلم يصرفه عن إرادة دخول زيد إليها وإنما يريد دخوله ~~إليها لو دخلها عمرو وهذه إرادة مقدرة غير حاصلة وأيضا فلو أراد الله ~~سبحانه الفعل بشرط زوال المنع لكان قد اراد من المكلف إيقاعه إن لم يحصل ~~المنع والمفهوم من هذه اللفظة الشك ألا ترى أن من علم بالمشاهدة أن الشمس ~~قد طلعت لا يقول إن كانت الشمس قد طلعت دخلت الدار وإنما يحسن أن يقول ذلك ~~إذا كان شاكا في طلوعها والبارىء # PageV01P139 # سبحانه عالم بأن المنع سيوجد فلم يجز أن يريد الفعل إن لم يحصل المنع ~~وهذا الذي ذكرناه يمنع من تكليف الله سبحانه من يعلم أنه يتعذر عليه الفعل ~~بجميع ضروب التعذر # وحجة المخالف أشياء # منها أن يقول قد أجمعنا على أن الله عز وجل قد كلف المعدوم والعاجز بشرط ~~أن يقدر في حال الحاجة إلى القدرة والجواب أنا نقول إن الله سبحانه كلف ~~بشرط أن يقدر ومعنى ذلك أن حكمنا بأن الله تعالى قد كلف الفعل مشروط بأن ~~يكون ممن يقدر في وقت الحاجة ms134 فالشرط داخل على حكمنا لا على تكليف الله ~~سبحانه ويشبه أن يكون المخالف هذا يعني بقوله إن الله سبحانه يكلف بشرط ~~زوال المنع فان عني ذلك فلا حاجة فيه وجواب آخر وهو أن الذي ذكروه ليس يشبه ~~موضع الخلاف وذلك أن كلامنا في أن يأمر الله تعالى بشرط يعلم أنه لا يوجد ~~فأوردوا أن يأمر الله تعالى بشرط يعلم وجوده على أنا نقول إن الله يأمر ~~المعدوم بشرط أن يوجد ونعني به أن الأمر الذي صدر من الله تعالى أمر له عند ~~وجوده أو إذا وجد هذا ليس بمحال فيبطل ما قالوا # ومنها أن يقول إن الله سبحانه قد كلف الكافر بالصلاة بشرط أن يؤمن مع أنه ~~علم بأنه لا يؤمن ولهذا يعاقبه على ترك الصلاة كما يعاقبه على الكفر ~~والجواب أنا نقول كلف الإيمان والصلاة جميعا ولم يكلفه فعل الصلاة مضامة ~~للكفر فلم يدخل الشرط في التكليف وإنما دخل الشرط في فعله لأنه قيل له ~~افعلهما فاذا لم يفعلهما فقد أخل بمصلحتين فاستحق العقاب على الإخلال بها # ومنها قياسهم تكليف الله سبحانه الفعل بشرط زوال المنع على تكليف الواحد ~~منا غيره بشرط زوال المنع وهو قياس بغير علة والفرق بينهما أن # PageV01P140 # الواحد منا غير عالم بأن للمكلف حالة منع لا غرض له في إيقاع الفعل فيها ~~والباريء عز وجل عالم بذلك يبين ما ذكرناه أنه يجوز أن يكلف الواحد منا ~~غيره بشرط أن يبقى وأن يكون الفعل مصلحة ولا يجوز ذلك من الله سبحانه # ومنها قولهم لو رفع منع التكليف لكان من منع غيره من الصلاة فقد أحسن ~~إليه لأنه قد أسقط عنه كلفة من غير توجه ذم إليه الجواب يقال لهم أليس ~~عندكم أنه لا يلزمه الفعل مضافا للمنع وأنه يسقط الفعل عنه من غير لوم ~~فالسؤال يلزمكم كما يلزمنا وعلى أنه لا يكون محسنا إليه بالمنع مما يستحق ~~به الثواب الجزيل # ومنها قولهم لو أسقط المنع التكليف على كل حال لما علم الواحد منا أنه ~~مكلف للصلاة ms135 قبل تشاغله بها وذلك يسقط عنه وجوب أخذ الأهبة لها الجواب يقال ~~لهم هذا يلزمكم أيضا لأن عندكم أن مع المنع لا تلزم الصلاة ولا أريدت من ~~المكلف في تلك الحال وإنما أريدت منه بشرط زوال المنع وهو لا يعلم أن المنع ~~يزول فاذا لا يعلم الوجوب فان لزمنا سقوط أخذ الأهبة فقد لزمكم وقد قال ~~أصحابنا إنما يجب أخذ الأهبة للصلاة لثبوت أمارة بقائه سالما إلى وقتها ~~فوجب عليه لهذه الأمارة التحرز من ترك ما لا يأمن وجوبه - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في الامر المقيد بشرط هل يعلم أن الحكم فيما عدا الشرط بخلاف ~~الشرط أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن حكم الأمر وغيره إذا علق بشرط فإن الشرط يدل على أن الحكم لا ~~يثبت فيما عداه على كل حال ولا يمنع الشرط من قيام الدلالة على شرط آخر ~~يقوم مقامه ومتى فقدنا دلالة تدل على شرط ثان قضينا بأنه لا شرط إلا # PageV01P141 # الأول فنعلم أنه إذا انتفى الشرط انتفى الحكم على كل حال وإن دل دليل على ~~شرط آخر علمنا انتفاء الحكم إذا انتفى الشرطان وإن علمنا ثبوت الحكم مع ~~انتفاء الشرط على كل حال علمنا أن ذلك ليس بشرط وأنه قد يجوز به وقال قاضي ~~القضاة إن تعليق الحكم بالشرط لا يدل على أن ما عداه بخلافه وأنه يجوز أن ~~يقوم شرط آخر مقام ذلك الشرط وحكاه عن أبي عبد الله وحكى عن الشيخ أبي ~~الحسن أنه يدل على أن ما عداه بخلافه ومنع لذلك من الحكم بالشاهد واليمين ~~لأن الله سبحانه شرط في الحكم الشاهد الثاني لأنه قصر الحكم على الشاهدين ~~فلو لم يكن الثاني شرطا لم يكن لذكره معنى قال وإذا كان شرطا لم يجز الحكم ~~مع فقده # والدليل على أن الشرط يمنع من ثبوت الحكم مع عدمه على كل حال أن قول ~~القائل لغيره ادخل الدار إن دخلها عمرو معناه أن الشرط في دخولك هو دخول ~~عمرو لأن لفظة إن موضوعة ms136 للشرط ولو قال له شرط دخولك الدار دخول عمرو علمنا ~~أنه لم يوجب عليه دخول الدار مع فقد دخول عمرو على كل حال فكذلك في مسالتنا ~~يبين ما قلناه أن الشرط هو الذي يقف عليه الحكم وعلى ما يقوم مقامه فلو ثبت ~~الحكم مع عدمه على كل حال لكان كل شيء شرطا في كل شيء حتى يكون دخول زيد ~~الدار شرطا في كون السماء فوق الإرض وإن وجد ذلك مع عدم الدخول ويدل على أن ~~المعقول من الشرط ما ذكرناه ما روى أن يعلى بن منية سأل عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه فقال ما بالنا نقصر وقد أمنا فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته 6 ~~فلو لم يعقل من الشرط نفى الحكم عما عداه لم يكن لتعجبهما معنى وأجاب عن ~~ذلك قاضي القضاة فقال لا يمتنع أن يكونا إنما تعجبا من ذلك لأنها عقلا من ~~الآيات الواردة في وجوب الصلاة وجوب الإتمام وأن حال # PageV01P142 # الخوف مستثناة من ذلك والباقي ثابت على أصله في الإتمام فلذلك تعجبا من ~~ثبوت القصر مع الأمن ولقائل أن يقول الآيات لا تنطق بالإتمام ولا كان الأصل ~~في الصلاة الإتمام فنتم ما ذكر بل المروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ~~كانت صلاة السفر والحضر ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وإذا ~~كان كذلك لم يكن لتعجب عمر ويعلى بن منية سبب إلا الشرط وبطل القول بأن ~~الأصل كان الإتمام فان قيل لو منع الشرط من ثبوت الحكم مع عدمه لما ثبت ~~القصر مع عدم الخوف قيل إن ظاهر الشرط يمنع من ذلك وليس يمتنع أن تدل دلالة ~~على خلاف الظاهر كما تدل دلالة على خلاف ظاهر العموم ولا يمتنع أن يكون ~~الشرط قد ورد ليؤكد حال المشروط ولأن السبب في نزول إباحة القصر هو حال ~~الخوف فشرط لأن الحال اقتضته # فان قيل ليس يمتنع أن تكون الفائدة ms137 في ورود الشرط تأكيد حال المشروط بأن ~~يكون الحكم لو ورد مطلقا لظن المكلف أن المشروط لم يرد فيشرط لإزالة هذا ~~الظن لا لأن الحكم لا يثبت مع فقده نحو أن يقول الله تعالى ضحوا بالشاة إن ~~كانت عوراء لأنه لو قال ضحوا بالشاة لجاز أن يتوهم متوهم أنه لم يرد ~~العوراء قيل إنا لم نقل إن الشرط يمنع من ثبوت الحكم مع فقده لأنه لا فائدة ~~فيه إلا ذلك فيبطل قولنا بإيراد فائدة سواه وإنما قلنا ذلك من جهة أن لفظة ~~إن وضعت موضع قولنا الشرط في هذا الحكم كذا وكذا وهذا اللفظ يفيد ما ذكرناه ~~لأن معنى الشرط الحكم أن يقف عليه على ما يقوم مقامه وعلى أن العادة جرت أن ~~يقول الإنسان لغيره ضح بالشاة وإن كانت عوراء ولا يقول إن كانت عوراء وإذا ~~قال وإن كانت عوراء فهم من ذلك عطفها على الصحيحة كأنه أضمر جواز الأضحية ~~بالصحيحة ثم عطف عليها العوراء # إن قيل لو منع الشرط من ثبوت الحكم مع فقده لكان قول الله # PageV01P143 # سبحانه {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} يدل على أنه حظر ~~الإكراه على البغاء إذا لم يردن التحصن قيل ليس كذلك لأنه إنما شرط إرادة ~~التحصن لأن الإكراه على البغاء لا يحصل إلا وهن مريدات للتحصن فلهذا شرط لا ~~لأن الحكم لا يثبت إلا مع إرادة التحصن وإنما قلنا إن الشرط لا يمنع من ~~قيام دلالة على ثبوت شرط آخر لأن قول القائل لغيره أعط زيدا درهما إن دخل ~~الدار ليس يتعرض لشرط آخر بنفي ولا إثبات ألا ترى أنه ليس فيه ذكر له فلم ~~يمنع منه ولم يوجبه إن قيل قوله إن دخل الدار معناه الشرط في عطيتك دخوله ~~الدار وهذا يقتضي أن كمال الشرط هو دخول الدار لأن لام الجنس تقتضي الشمول ~~قيل بل قوله إن دخل الدار يفيد أن دخوله الدار شرط وذلك لا يمنع من ثبوت ~~شرط آخر وليس له أن يقدر ذلك بزيادة ألف ms138 ولام لأن ذلك زيادة لا دليل عليها ~~إن قيل ألستم قد قلتم إن قوله أعط زيدا درهما إن دخل الدار يمنع من العطية ~~مع فقد الدخول أفليس إذا حصل شرط آخر فقد أعطاه مع عدم الدخول فهلا قلتم إن ~~ظاهر الشرط يمنع من ثبوت شرط آخر وأنه لا يجوز إثباته إلا لدليل يدل عليه ~~خلاف ظاهر الشرط الأول قيل إنا نقول إن قوله أعطه إن دخل الدار يفيد أن ~~العطية مع فقد هذا الدخول على كل حال غير مباحة بل لا بد من حالة من ~~الحالات تكون فيها العطية غير مباحة إذا فقد الدخول وليس يدخل تحت ذلك إذا ~~قام شرط آخر مقام هذا الشرط لأنه إذا قام مقامه شرط لم تجز العطية إلا مع ~~كل واحد منهما فلا تكون العطية مباحة مع فقد الشرط الأول على كل حال وقلنا ~~إن الشرط لا يمنع ظاهرة من ثبوت شرط آخر لأنه ليس فيه ذكر لنفي شرط آخر ولا ~~إثباته فلا تناقض بينهما # وأما الدلالة على أنه إذا لم تدل دلالة على شرط ثان لم نثبته فهي أنه لو ~~كان # PageV01P144 # للحكم شرط آخر لدل الله سبحانه عليه فاذا لم يدل عليه علمنا نفيه كما ~~نقول في صلاة سادسة # وأما قول الشيخ ابي الحسن إن الشاهد الثاني شرط في الحكم فان أراد به أنه ~~ذكر بلفظ الشرط فمعلوم أنه ليس في الآية لفظ شرط وإن أراد أن الحكم لا يجوز ~~مع فقده على كل حال فذلك صحيح وإن اراد أنه لا يجوز في حال ويجوز في حال ~~فهكذا يقول من يذهب إلى الشاهد واليمين فانه لا يجوز الحكم بالشاهد الواحد ~~ويجوز الحكم بالشاهد واليمين كما يجوز برجل وامرأتين وإن منع من الحكم ~~بالشاهد واليمين لأنه زيادة على النص والزيادة على النص نسخ فلم يجز نسخ ~~القرآن بخبر الواحد فذلك كلام في الزيادة على النص وسيأتي في موضعه إن شاء ~~الله - صلى الله عليه وسلم - باب في الأمر إذا قيد بغاية وحد - صلى الله ms139 ~~عليه وسلم - # اعلم أن الحكم إذا علق بغاية وحد منع ظاهرهما من ثبوت الحكم بعدهما لأن ~~قوله سبحانه {ثم أتموا الصيام إلى الليل} يجري مجرى أن يقول صوموا صوما ~~غايته ونهايته وآخره وطرفه الليل لأن إلى موضوع للغاية والحد ولو قال ذلك ~~لمنع من وجوب الصوم بعد مجيء الليل لأنه لو وجب أن يصوم بعد ذلك خرج الليل ~~من أن يكون آخرا للصوم ودخل في أن يكون وسطا للصوم ولا يمتنع مع ذلك أن تدل ~~دلالة على خلاف ظاهر الغاية فتوجب علينا صيام قطعة من الليل وتدل على أنه ~~إنما سمي أول النهار طرفا للصوم مجازا من حيث كان قريبا من آخره فأما قاضي ~~القضاة فانه قال إن الغاية تدل على أن ما بعدها بخلافها قال لأن الفائدة في ~~ضرب الغاية زوال الحكم بعدها وهذا دعوى لا فرق بينه وبين قول القائل ~~الفائدة في # PageV01P145 # ذكر الصفة انتفاء الحكم مع انتفائها فأما نحن فقد بينا أن لفظة الغاية ~~تفيد ما ذكرناه لا الفائدة - صلى الله عليه وسلم - باب في الامر إذا قيد ~~بعدد كيف القول فيه - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن من الناس من قال إن الحكم إذا علق بعدد دل على أن ما عداه بخلافه ~~ومنهم من قال لا يدل على ذلك كتعليق الحد بالثمانين ونحن نقول إنه ينبغي أن ~~ينظر هل يدل تعليق الحكم بالعدد على حكم ما زاد عليه أم لا وهل يدل على حكم ~~ما نقص منه أم لا فنقول إنه لا يدل على نفي الحكم عما زاد على العدد لأنه ~~يجوز أن يكون في تعليقه بذلك العدد فائدة سوى نفيه عن الزيادة على ما ~~سنذكره في دليل الخطاب # وقد يدل على ثبوت الحكم في الزيادة من جهة الأولى فان قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا نعلم منه أن ما زاد عليها أولى ~~بأن لا يحمل الخبث لأن القلتين موجودتان في الثلاث وزيادة ولو حظر الله ~~علينا جلد الزاني ms140 مائة لكان حظر ما زاد على المائة أولى لأن المائة موجودة ~~في المائتين وزيادة فأما إذا أباحنا جلد الزاني مائة أو أوجبه علينا فانه ~~لا يدل على حكم ما زاد على ذلك لأنه ليس في اللفظ ذكر للزيادة ولا يقتضيه ~~من جهة الأولى والفائدة # فأما تعليق الحكم بالعدد هل يدل على حكم ما نقص منه فانه ينظر فيه فان ~~كان الحكم إيجابا فانه يدل على وجوب ما نقص عنه لأنه داخل تحته ويمنع من ~~الاقتصار على ما دونه لأن الأمر قد أوجب استكمال العدد نحو أن يوجب الله ~~سبحانه علينا جلد الزاني مائة فنعلم وجوب جلد خمسين وحظر # PageV01P146 # الاقتصار على ذلك وإن كان الحكم المعلق على العدد إباحة فانه يدل على ~~إباحة ما دونه مما دخل تحته ولا يدل على إباحة ما دونه مما لم يدخل تحته ~~مثال الأول يبيحنا جلد الزاني مائة فنعلم إباحة جلده خمسين وإذا علمنا أن ~~الإباحة غير مقصورة على الخمسين لأن الخمسين داخلة تحت المائة وإذا أباحنا ~~استعمال القلتين إذا وقعت فيها نجاسة علمنا إباحة استعمال قلة منها ومثال ~~الثاني أن يبيحنا استعمال القلتين فلا يدل ذلك على استعمال قلة واحدة وقعت ~~فيها نجاسة ليست من جملة القلتين وكذلك إذا أباحنا الحكم بشهادة شاهدين ~~فانه لا يدل على الحكم بشهادة شاهد واحد # فأما تعليق الحظر بالعدد فانه لا يدل على حكم ما دونه إلا من جهة الأولى ~~فان الله سبحانه لو حظر علينا استعمال قلتين وقعت فيهما نجاسة لكان حظر قلة ~~واحدة وقعت فيها نجاسة أولى ولو حظر علينا جلد الزاني مائة لم يدل على حظر ~~ما دونه ولا على إباحته بل ذلك موقوف على الدليل لما سنذكره في دليل الخطاب ~~فبان أن تعليق الحكم على العدد لا يدل على نفي ما زاد عليه أو نقص عنه ولا ~~على إثبات ما زاد عليه أو نقص إلا باعتبار زائد # واحتج المخالف بأن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد المذكور لم يكن لذكر ~~العدد فائدة والجواب ms141 عن ذلك ما سنذكره في دليل الخطاب وقالوا قد عقل النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قول الله سبحانه {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم} أن ما زاد السبعين بخلاف السبعين فقال صلى الله عليه وسلم لأزيدن ~~على السبعين وعقلت الأمة من جعل الجلد ثمانين حظر ما زاد عليه والجواب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما علم ذلك بالبقاء على حكم الأصل لأن الأصل ~~جواز العفو فلما علق الله سبحانه المنع من ذلك على السبعين بقي ما زاد على ~~السبعين على حكم الأصل والأصل أيضا حظر الجلد فلما أوجب # PageV01P147 # الله سبحانه جلد القاذف ثمانين بقي ما زاد عليه على حكم الأصل فلهذا حظرت ~~الأمة ما زاد على الثمانين - صلى الله عليه وسلم - باب في الامر المقيد ~~بالاسم - صلى الله عليه وسلم - # ذهب الجمهور إلى أن الإيجاب والأخبار المقيدة بالأسامي لا تدل على حكم ما ~~عداها نحو قول القائل زيد في الدار لا يدل على أن عمرا في الدار ولا على ~~أنه ليس في الدار وكذلك إذا أمر بشيء فانه لا يدل على ان غيره ليس بواجب ~~وقال بعضهم إن تعليق الحكم بالاسم يدل على أن ما عداه بخلافه # ودلينا أن قول القائل زيد آكل لا يفهم منه أن عمرا ليس بآكل وأيضا لو دل ~~على ذلك لما حسن من الإنسان أن يخبر به إلا بعد أن يعلم أن غير زيد ليس ~~بآكل لأنه إن لم يعلم ذلك كان قد أخبر بما يعلم أنه كاذب فيه أو بما لا ~~يأمن أن يكون فيه كاذبا وفي علمنا باستحسان العقلاء الإخبار بأن زيدا آكل ~~مع شك المخبر في كون غيره آكلا بل مع علمه بأن غير زيد آكل دليل على ما ~~قلناه وأيضا فلو دل قولنا زيد آكل على أن غيره ليس بآكل لم يخل إما أن يدل ~~عليه لفظا أو من حيث خصه بالذكر فالأول باطل لأنه ليس في اللفظة ذكر لعمرو ~~ولا لغيره والثاني أيضا باطل لأن ms142 الإنسان قد يعلم أن زيدا وعمرا قد اشتركا ~~في فعل ويكون له غرض في الإخبار عن أحدهما ولا يكون له غرض في الإخبار عن ~~الآخر وقد يعلم أن الفعل يجب عليهما فيخص أحدهما بالأمر به ويدل الأخر على ~~وجوب الفعل بلفظ آخر وبدليل آخر فإذا أمكن ذلك لم يدل الاختصاص على ما ~~ذكروه # فان قالوا إذا أمر احدهما ولم يدل الاخر على وجوب الفعل علمنا أنه # PageV01P148 # غير واجب عليه إذ لو كان واجبا عليه لدل على وجوبه قيل فاذا الدال على ~~سقوط الوجوب فقد دلالة الوجوب لا تعلق الأمر بزيد ألا ترى أن الأمر لو لم ~~يتوجه إلى زيد لعلمنا نفي الوجوب عن عمرو بفقد دلالة الوجوب فعلمنا أن هذا ~~هو الدليل لا ما ذكرتم # فإن قالوا إذا علق الله سبحانه الحكم على الاسم الخاص ولم يعلقه على ~~الاسم العام علمنا أنه غير متعلق عليه إذ لو تعلق عليه لعلقه الله سبحانه ~~عليه وذلك نحو أن يقول في الغنم الزكاة فنعلم أنه لو كانت الزكاة في النعم ~~لعلق الزكاة عليها والجواب أن هذا يقتضي أن نعلم نفي الزكاة عما سوى الغنم ~~لفقد دلالة تدل على وجوب الزكاة فيها لا لتعلق الحكم على الغنم وعلى أنه لا ~~يمتنع أن تكون المصلحة أن يبين لنا حكم الغنم في ذلك الوقت بذلك الكلام ~~ويبين لنا حكم غيرها بكلام آخر في وقت آخر - صلى الله عليه وسلم - باب في ~~الامر المقيد بصفة - صلى الله عليه وسلم - # اختلف الناس في ذلك فقال معظم أصحاب الشافعي لو قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم زكوا عن الغنم السائمة لدل على أنه لا زكاة في غير السائمة واختلف ~~هؤلاء في الخطاب المعلق بالاسم نحو قوله زكوا عن الغنم فقال معظمهم لا يدل ~~على أن لا زكاة في غيرها وقال الأقلون يدل على ذلك وقال قوم إن الأمر وغيره ~~إذا قيد بصفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه وهو معظم المتكلمين ومعظم أصحاب ~~أبي حنيفة واختلف هؤلاء في ms143 الخطاب المقيد بلفظة إنما فقال قوم لا يدل على ~~أن ما عداه بخلافة وقال قوم منهم بل يدل على ذلك نحو قول الله سبحانه {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} # PageV01P149 # واختلفوا أيضا في الخطاب المعلق بشرط والخطاب المعلق بعدد فمنهم من أجراه ~~مجرى الخطاب المعلق بصفة في أنه لا يدل على أن ما عداه بخلافة ومنهم من قال ~~يدل على حكم ما عداه وخالف بينه وبين المعلق بصفة # وأما الخطاب المعلق بغاية فإنهم اتفقوا على أنه يعلم أن ما عدا الغاية ~~بخلافها وقال الشيخ أبو عبد الله إن الخطاب المعلق بالصفة يدل على نفي ~~الحكم عما عداها في حال ولا يدل عليه في حال فالحالة التي يدل فيها على ذلك ~~أحد أمور ثلاثة إما أن يكون الخطاب واردا مورد البيان نحو قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في سائمة الغنم الزكاة وإما أن يكون واردا مورد التعليم نحو ~~خبر التحالف والسلعة قائمة وإما ان يكون ما عدا الصفة داخلا تحت الصفة نحو ~~الحكم بالشاهدين يدل على نفيه عن الشاهد الواحد لأنه داخل تحت الشاهدين # والدليل على أن الخطاب المقيد بالصفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه هو ~~أنه لو دل عليه لدل عليه إما بصريحه ولفظه وإما بفائدته ومعناه وليس يدل ~~عليه من كلا الوجهين فأذا ليس يدل عليه # فأما صريحه فإنه ليس فيه ذكر لما عدا الصفة ألا ترى أن قول القائل أدوا ~~الزكاة عن الغنم السائمة ليس فيه ذكر المعلوفة فإن قيل أليس قول الله ~~سبحانه {فلا تقل لهما أف} يدل بصريحه على المنع من ضربهما وليس في لفظه ذكر ~~الضرب قيل الصحيح أنه إنما يدل من جهة الفحوى والأولى لأنه لما نهى عن ~~القليل من الأذى كان بأن يمنع من الكثير من الأذى أولى على ما سنبينه فأما ~~أن الخطاب المعلق بالصفة لا يدل على أن الحكم مع نفيها من جهة المعنى فهو ~~أنه لو دل على ذلك لكان إنما يدل عليه بأن يقال ms144 إذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة علمنا أنه لو # PageV01P150 # كانت الزكاة في غير السائمة كما هي في السائمة لما تكلف ذكر السوم ولعلق ~~الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة على مطلق اسم الغنم ~~تكلف لما لا فائدة فيه وهذا باطل لأن في تكلف ذكر السوم فوائد أخر سوى نفي ~~الزكاة عن المعلوفة وإذا أمكن ذلك بطل القول بأنه لا فائدة في ذكر السوم ~~إلا انتفاء الزكاة عن المعلوفة يبين ما قلناه أنه قد يكون اللفظ لو أطلق في ~~بعض المواضع لتوهم متوهم أن الصفة خارجة منه فيذكر الصفة لإزالة هذا ~~الإيهام ويستدل من الجهة الأولى على ثبوت الحكم مع فقدها نحو أن يعلم الله ~~سبحانه أنه لو قال ضحوا بشاة لتوهم متوهم أنه لم يرد العوراء فيقول ضحوا ~~بشاة عوراء فيعلم جواز الأضحية بها وينبه بذلك على أن جواز الأضحية ~~بالصحيحة أولى ولو قال الله سبحانه {ولا تقتلوا أولادكم} لتوهم متوهم أنه ~~لم يرد قتلهم بخشية الإملاق فيقول الله سبحانه {ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق} لهذا الغرض # ومنها أن تكون البلوى قد وقعت بالصفة المذكورة وما عداها لم يشتبه على ~~الناس فيقيد الله سبحانه الخطاب بالصفة نحو قوله سبحانه {ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق} # ومنها أن تكون المصلحة أن نعلم حكم الصفة بالنص ونعلم حكم ما عداها ~~بالقياس عليها وليس يمتنع ذلك كما لم يمتنع أن تكون المصلحة أن نعرف حكم ~~الستة أجناس بالنص ونعرف حكم ما عداها بالقياس عليها وإذا لم يمتنع ذلك جاز ~~أن يدلنا الله سبحانه على حكم الصفة نصا وينبهنا على ثبوت الحكم مع نفيها ~~من جهة القياس # ومنها أن تكون المصلحة أن نعرف حكم الصفة بنص ونعرف ثبوت ذلك الحكم فيما ~~عداها بنص آخر ألا ترى أنه قد تكون المصلحة أن نعرف الحكم # PageV01P151 # تارة بخطاب وجيز وتارة بخطاب طويل وتارة بأن يقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الغنم زكاة وتارة بأن يقول في الغنم السائمة ms145 وفي المعلوفة زكاة ~~وإذا جاز أن يقرن ذلك إلى قوله في الغنم السائمة فلم لا يجوز أن يفصل ~~بينهما بأن يقدم ذكر المعلوفة على ذكر السائمة # ومنها أن تكون المصلحة أن نعرف حصول الحكم فيما عدا الصفة بحكم العقل نحو ~~أن يكون الحكم المعلق بصفة حكم العقل مثاله أن يقول النبي صلى الله عليه لا ~~تذبحوا الغنم السائمة أو لا زكاة فيها فيبقى على نفي الزكاة عن المعلوفة ~~وعلى تحريم ذبحها لأن ذلك هو حكم العقل # ومنها أن تكون المصلحة أن يبقى الحكم مع نفي الصفة بقاء على حكم العقل لا ~~لثبوت الحكم مع الصفة نحو أن يقول النبي صلى الله عليه في الغنم السائمة ~~زكاة ولا نجد دليلا شرعيا يدلنا على ثبوتها في المعلوفة فتنفي الزكاة عن ~~المعلوفة بقاء على حكم العقل وتكون مصلحتنا أن نعلم ذلك بالعقل # فأن قيل فاذا عرفتم بطلان هذه الأقسام كلها لم تجدوا دليلا يدل على ثبوت ~~الزكاة في المعلوفة فنفيتم الزكاة فقد صرتم إلى مذهبنا قيل ليس الأمر كذلك ~~لأنكم أنتم تنفون الزكاة عن المعلوفة لأجل تعليقها على السائمة ونحن ننفيها ~~عن المعلوفة لأنه حكم العقل ولم ينقلنا عنه دليل شرعي وبين الأمرين فرقان ~~يبين ذلك أن استدلالنا نحن لا يقف على تعليق الزكاة على السوم بل سواء علقت ~~عليه أو لم تعلق واستدلالكم يقف على تعليق الزكاة على السوم ونحن إنما نطلب ~~هل في الشرع ما يدل على ثبوت الزكاة في المعلوفة أم لا لنعلم هل في الشرع ~~ما يمنع من حكم العقل وإطلاقه أم لا وأنتم تطلبون هل في الشرع ما يدل على ~~ثبوت الزكاة في المعلوفة لتنظروا هل في الشرع ما يمنع من دلالة تعلق الحكم ~~على الصفة على نفيه عما عداها أم لا ويبين الفرق بيننا أنه لو كان المعلق ~~بالصفة هو حكم العقل بأن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تذبحوا السائمة ~~لحرمنا ذبح المعلوفة بقاء على حكم الأصل إذا لم ينقلنا على # PageV01P152 # ذلك دليل شرعي وأنتم ms146 تبيحون ذبح المعلوفة لأجل حظر ذبح السائمة فقد بان ~~الفرق بين الطريقتين فان قيل أيجوز ان يكون الحكم إنما علق بالسوم لأنه ~~منتف عما عداه قيل يجوز ذلك ويجوز ما ذكرناه فلذلك توقفنا فيه فان قالوا ~~إنه وإن جاز ما ذكرتموه من الفوائد فالظاهر أنه إنما علق الحكم بالسوم لأجل ~~انتفائه عما عداه لا لما ذكرتم قيل ليس ها هنا لفظ متناول للفوائد فيقال إن ~~الظاهر منه وقوعه على بعضها دون بعض فان قالوا معنى قولنا الظاهر يقتضي ما ~~قلناه أن الأكثر من الحكم إذا علق على صفة أنه لا فائدة فيه إلا لأجل ~~انتفائه عما عداه قيل لهم لم زعمتم أن الأكثر والأغلب ما قلتم وعلى أنه لو ~~كان الأكثر من الفائدة والأغلب ما قلتم لأدى ذلك إلى غالب الظن بأنه إنما ~~علق الحكم بالصفة لانتفائها عما عداها ولا يؤدي إلى القطع ألا ترى أنه يجوز ~~ما قلناه من الفوائد وإن كان قليلا نادرا # دليل قد استدل بعضهم على أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عما عدا ~~الصفة من جهة الفائدة فقال لو لم يكن في ذلك فائدة إلا إذا كان الحكم ~~منتفيا عما عدا الصفة لما جاز أن يدل دلالة منفصلة على ثبوت الحكم فيما ~~عداها لأن الدلالة إذا دلت على ذلك فقد دلت على إبطال فائدة الخطاب وذلك لا ~~يجوز في خطاب الحكيم فان قالوا إنما نقول إن الحكم لو ثبت فيما عدا الصفة ~~لما كان لذكر الصفة فائدة إذا كان المتكلم قد خص الصفة بالحكم وإنما يكون ~~قد خصها بالحكم إذا لم يدل دلالة على ثبوت الحكم مع عدمها قيل لهم فيجب ~~استدلالكم على انتفاء الحكم فيما عدا الصفة على أن تفحصوا عن الأدلة فلا ~~يجدوا دليلا عقليا ولا سمعيا يدل على ثبوت الحكم مع انتفاء الصفة وليس هذا ~~من مذهبكم بل من مذهبكم أن نفس تعلق الحكم بالصفة يدل على انتفائه عما ~~عداها وإنما تفتشون عن الأدلة لتعلموا هل فيها ما يعارض هذا ms147 الدليل أم لا ~~فلا تفتشون عنها لأن استدلالكم بدليل الخطاب موقوف على ذلك كما يفتش أصحاب ~~العموم عن الأدلة ليعلموا هل فيها ما يخص العموم أم لا ولا يفتشون عنها لأن ~~استدلالهم بالعموم موقوف عليه فان # PageV01P153 # قالوا إنما يجوز قيام الدلالة على ثبوت الحكم فيما عدا الصفة ولا يكون ~~ذلك مبطلا لفائدة تعليق الحكم بالصفة لأن الظاهر من تعليق الحكم بالصفة ~~انتفاؤه عما عداها وليس يمتنع قيام الدلالة على خلاف الظاهر كما نقوله في ~~تخصيص العموم قيل قد بينا أنه لا يمكن أن يقال فيما ليس بلفظ أن الظاهر منه ~~كيت وكيت إلا على معنى الأكثر والأغلب وإن ذلك إنما يفيد غالب الظن لا ~~العلم # دليل آخر في المسألة لو دل الخطاب المتعلق بالصفة على حكم ما عداها لدل ~~الخبر على ذلك ومعلوم أن الإنسان إذا قال زيد الطويل في الدار لم يدل على ~~أن القصير ليس في الدار ولا على أنه فيها فكذلك الخطاب إذا كان أمرا فان ~~قيل الفرق بين الأمر والخبر أن المخبر قد يكون له غرض في الإخبار عن زيد ~~ولا يكون له غرض في الإخبار عن عمرو وأما المكلف فان غرضه أن يبين جميع ما ~~يجب على المكلف فاذا قال زكوا عن الغنم السائمة علمنا أنه لو كانت الزكاة ~~في جميع الغنم لعلق الزكاة بمطلق الاسم قيل إنه كما يجوز أن يكون غرض ~~المخبر ما ذكرتم فقد يكون غرض المكلف أن يعرفنا حكم السوم بلفظ ويعرفنا حكم ~~ما عدا السوم بلفظ آخر وبدليل ليس بلفظ وإذا جاز ذلك لم يفترقا # دليل آخر استدل الشيخ أبو عبد الله وقاضي القضاة فقالا إن تعليق الحكم ~~بالصفة يجري مجرى تعليقه بالاسم وتعليقه بالاسم لا يدل على انتفائه عما ~~عداه وأما تعليق الحكم بالاسم فقد بينا أنه لا يدل على انتفائه عما عداه ~~وأما تعليق الحكم بالاسم فقد بينا أنه لا يدل على انتفائه عما عداه وأما أن ~~تعليقه بالصفة يجري مجرى تعليقه بالاسم فبيان ذلك أن الاسم وضع ms148 ليتميز به ~~بين المسمى من غيره وكذلك الصفة أضيفت إلى الاسم عند وقوع الاشتراك فيه ~~ليتميز أحد المسمين من الآخر مثال ذلك وقوع اسم زيد على البصري والكوفي ~~فنضيف البصري إلى زيد ليتميز به كما يتميز منه باسم يخصه لا # PageV01P154 # يشاركه فيه الكوفي وكما أن تعليق الحكم بذلك لا يدل على انتفائه عن ~~الكوفي فكذلك تعليقه بالصفة ولمعترض أن ينقض ذلك بالغاية لأنها تخص الزمام ~~وتجري مجرى اسم يختص بذلك الزمان ومع ذلك فان تعليق الحكم بها يدل على ~~انتفائه عما عداها بخلاف الأسماء وينتقص بالشرط عند من قال إنه يدل على ~~انتفائه عما عداه لأنه قد خص ما دخل عليه ألا ترى أنك إذا قلت اعط زيدا ~~درهما إن دخل الدار فقد خصصت هذه الحالة بالعطية وميزتها كما تميزها باسم ~~لو كان لها وقد دل على انتفاء الحكم عما عدا الشرط ولقائل أن يقول ولم إذا ~~جرت الصفة مجرى الاسم في التمييز كان حكمها في كل شيء حكمه وما أنكرتم أنه ~~ليس العلة في أن تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه كما ذكرتم ~~فان قيل إنما لم يدل على ذلك لأنه ليس في اللفظ ذكر لما عدا الاسم وذلك ~~قائم في الصفة قيل هذا عدول إلى دليل آخر يمكن الاعتماد عليه بنفسه ~~وللمخالف أن يقول هذا إنما يدل على أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل من جهة ~~اللفظ على نفيه عما عدا الصفة ولا يدل على انه لا يقتضي ذلك من جهة الفائدة # دليل آخر وقد استدل على ذلك فقيل قد فرق أهل اللغة بين المعطف وبين النقض ~~فقالوا إن قول القائل اضرب الرجال الطوال والقصار عطف وليس بنقض فلو كان ~~قوله اضرب الرجال الطوال يدل على نفي ضرب القصار لكان قوله والقصار نقضا لا ~~عطفا ولقائل أن يقول إنما يدل على نفي ضرب القصار تخصيص الطوال بالذكر في ~~الحال وإذا عطف عليهم القصار لم يكن قد خصهم في الخطاب بالذكر فلم يوجد ~~الدلالة على نفي ms149 ضرب القصار على الحد الذي يدل معه وأتى بعدها ما ينقضها ~~فيكون نقضا وليس كذلك إذا قال القائل لغيره ضربت زيدا الآن في هذا المكان ~~لم أضربه الآن في هذا المكان لأن الكلام الأول يدل تصريحه على ضربه والآخر ~~يدل تصريحه على نفي ضربه فكل واحد منهما قد وجد على الوجه الذي لكونه عليه ~~يكون دليلا على ما يدل عليه اللهم إلا أن يكون المتكلم ما عني بهما شيئا # PageV01P155 # أو لم يعن بأحدهما شيئا فيكون قد لغا بهما أو بأحدهما وعلى أنه باطل ~~بالغاية والشرط لأن الإنسان إذا قال لغيره صم إلى غروب الشمس أفاد ذلك نفي ~~الصوم بعد غروبها ولو قال صم إلى غروب الشمس وإلى طلوع القمر لم يكن ذلك ~~نقضا ولو قال أعط زيدا درهما إن دخل الدار ولم يدل دليل على ثبوت شرط آخر ~~لم تثبت العطية إذا لم يدخل الدار ولو قال له أعطه درهما إن دخل الدار وإن ~~دخل السوق أفاد وجوب العطية إن دخل السوق ولم يكن ذلك نقضا # وأما القول بأن تعليق الحكم بالصفة إذا خرج مخرج البيان دل على أن ما ~~عداها بخلافه فلا يصح لأن اللفظ إنما يكون بيانا لمجمل إذا كان دالا إما ~~بموضوعه أو بمعناه على المراد بالمجمل ومعلوم أن تعليق الحكم بالصفة ليس ~~فيه ذكر ما عدا الصفة ولا يدل من جهة المعنى على ما عدا الصفة فلم يجز أن ~~يقصد به البيان كما عدا الصفة إذا كان هناك آية مجملة فان قيل إذا كان هناك ~~آية مجملة وورد بيان له يعلق بالصفة علمنا انتفاء الحكم عما عدا الصفة ~~لعلمنا أن ما عدا الصفة لو أريد بالمجمل لبين لأن البيان لا يتأخر قيل إذا ~~الدال على انتفاء الحكم عما عدا الصفة هو فقد البيان لا تعليق الحكم بالصفة ~~ألا ترى أن الحكم لو لم يتعلق بالصفة لعلمنا انتفاؤه عما عداها إذا لم يجد ~~بيان حكمهما لعلمنا أن البيان لا يتأخر # وأما القول بأن تعليق الحكم بالصفة يدل ms150 على حكم ما عداها إذا خرج مخرج ~~التعليم فلقائل أن يقول إن كل خطاب النبي صلى الله عليه وسلم يتضمن حكما ~~فهو خارج مخرج التعليم فلا معنى لهذه القسمة إلا أن يراد بذلك أن يعلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قصد بذكر الصفة أن يعلق عليها جميع الحكم ومتى ~~أريد ذلك فان الدال على انتفاء الحكم مع عدم الصفة هو علمنا من قصد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قصر الحكم كله على الصفة # وأما القول بأن الحكم المعلق بالصفة يدل على أن ما عداها بخلافه إذا دخل # PageV01P156 # ما عداها تحتها نحو الشاهد الواحد لأنه داخل في جملة الشاهدين فقد تقدم ~~القول فيه في تعليق الحكم بالعدد # فأما الصفة إذا علق عليها لفظة إنما وعلق عليها الحكم نحو قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات فقد ذهب بعض الناس إلى أن لفظة إنما ~~تقطع الحكم عما عدا المذكور قالوا لأن المفهوم من قول القائل إنما في الدار ~~زيد أنه ليس فيها سواه ألا ترى أنك إذا قلت هل في الدار غير زيد فقيل لك في ~~الجواب إنما في الدار زيد عقلت من ذلك أنه ليس فيها سواه وقال قوم إن ذلك ~~لا يدل على نفي الحكم عما عدا الصفة لأن لفظة إنما مركبة من إن وما ولو أن ~~قائلا قال إن زيدا في الدار لم يدل ذلك على أن غيره ليس في الدار فكذلك إذا ~~قال إنما في الدار زيد لأن لفظة ما دخلت في الكلام للتأكيد لا غير هذا هو ~~المحكي عن أهل اللغة # واحتج القائلون بدليل الخطاب بأشياء # منها أن أهل اللغة فرقوا بين الخطاب المطلق والمقيد بصفة كما فرقوا بين ~~الخطاب المرسل وبين الخطاب المقيد بالإستثناء فكما دل الاستثناء على أن حكم ~~المستثنى غير حكم المستثنى منه كذلك تدل الصفة على أن حكم ما عداها بخلاف ~~حكمها والجواب أنا نحن نفرق بين مطلق الخطاب وبين المقيد بالصفة فنقطع على ~~ثبوت الحكم في مطلق الخطاب ms151 اختص بصفات أو لم يختص بها ولا نقطع على ثبوت ~~الحكم في الخطاب المقيد بالصفة إلا مع وجود الصفة ونشك في ثبوته مع فقدها ~~وفي مطلق الخطاب لا نشك في ثبوته مع فقدها وقولهم كما فرقوا بين الخطاب ~~المرسل والمقيد بالاستثناء إن عنوا به أنهم فرقوا بين المطلق والمقيد او ~~بين المرسل والمستثنى منه من كل وجه فلا نسلمه وإن أرادوا أنهم فرقوا بين ~~المطلق والمقيد كما فرقوا بين المرسل والمستثنى منه من وجه دون وجه فذلك ~~مسلم ولا يجيء منه ما يريدونه لأن # PageV01P157 # الخطاب المقيد بالصفة يقتضي ثبوت الحكم مع الصفة ولا يقتضي عما عداها ~~والخطاب المستثنى منه يقتضي ثبوت الحكم فيما لم يتناوله الاستثناء فقد ~~اشتركا من هذه الجهة وإن اختص الخطاب المستثنى منه بوجه زائد وهو الدلالة ~~على انتفاء الحكم عن المستثنى وإنما انفرد بذلك لأن الاستثناء يخرج من ~~الكلام شيئا ويقتضي نفي جكم الكلام عنه والصفة لا تنفي شيئا # ومنها قولهم يجب أن تدل الصفة على انتفاء الحكم عما عداها لتكون أعم ~~لدلالتها والجواب أنه ليس يجب أن يجعل الحكم من مدلول اللفظة لتكثر فوائدها ~~وتعم وإنما يجعل من مدلولنا إذا وضعت له أو وضعت لما يدل عليه مثل فحوى ~~القول ألا ترى أنه لا يجوز أن يجعل قول الله سبحانه {فاقتلوا المشركين} ~~دليلا على قتل غيرهم لتكثر فوائده لما لم يكن ذلك موضوعا لغير المشركين # ومنها قولهم إن الحكيم إذا أتى بكلام عام لأنواع فلم يعلق به الحكم إلا ~~بعد أن قيده بصفة تتناول بعض تلك الأنواع علمنا أن ذلك الحكم لا يعم تلك ~~الأنواع إذا لو عمها لم يكن لتكلف ذكر الصفة فائدة والجواب أنه قد يكون في ~~ذكرها فائدة غير انتفاء الحكم مع عدمها لما ذكرناه فيما تقدم # ومنها قولهم إن المقيد بالصفة يجري مجرى فحوى القول في الدلالة على غير ~~ما تناوله اللفظ فكما دل قوله {فلا تقل لهما أف} على المنع من ضربهما إن لم ~~يتناوله فكذلك يدل التقييد بالصفة على ms152 نفي الحكم مع عدمها والجواب أن هذا ~~قياس بغير علة وأصحابنا يقولون إن قول الله سبحانه {فلا تقل لهما أف} موضوع ~~للمنع من ضربهما ولا يسلمون أن الخطاب المقيد بالصفة موضوع لنفي الحكم عما ~~عداها ومن قال إن قوله # PageV01P158 # ولا تقل لهما اف يمنع من ضربهما من جهة قياس الأولى يقول إنه إذا منع من ~~اليسير فالأولى أن يمنع من الكثير وهذا غير قائم في دليل الخطاب لأنه ليس ~~هو استدلال باليسير على الكثير # ومنها قولهم إن الأمة قد فهمت الأحكام من دليل الخطاب لأنها عقلت من قول ~~الله سبحانه {فلا تقل لهما أف} إيجاب إكرامهما وقالت الصحابة إن قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم الماء من الماء منسوخ بقوله إذا التقى الختانان وجب ~~الغسل فلو لم يدل عندها قوله الماء من الماء على نفي الغسل مما سوى الماء ~~لم يجعل ذلك ناسخا لهذا لأنه لا تنافي بينهما وكذلك استدلال أبي بكر رضي ~~الله عنه عن اختصاص قريش بالإمامة لقول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من ~~قريش واستدلال ابن عباس على أنه لا ربا في النقد لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما الربا في النسيئة والجواب إن وجوب إكرام الأبوين إنما فهم من قول ~~الله سبحانه {وقل لهما قولا كريما} ولو فهم من قوله {فلا تقل لهما أف} لم ~~يكن ذلك من قبيل دليل الخطاب لكنه من قبيل دلالة النهي عن الشيء على وجوب ~~ضده وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم الماء من الماء فانه يقتضي ثبوت حسن ~~الغسل وجمعه في الإنزال لأن لام الجنس تستغرق فلا يبقى غسل لغير الإنزال ~~فاذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقى الختانان وجب الغسل كان قد ~~أثبت الغسل فيما نفاه الخطاب الأول وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله الأئمة من قريش يقتضي جعل جملة الأئمة وجميعهم من قريش فلا ~~يبقى إمام من غيرهم فلهذا استدل أبو بكر رضي الله عنه على نفي الإمامة ms153 عن ~~الأنصار وكذلك استدل ابن عباس بقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الربا في ~~النسيئة على أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ماء إلا من ~~الماء وهذا ينافيه قوله صلى الله عليه وسلم إذا التقى الختانان وجب الغسل ~~فلذلك كان ناسخا # PageV01P159 # له وروي أيضا لا ربا إلا في النسيئة فلعله إنما نفي الربا في النقد لهذا ~~الخبر # ومنها قولهم إن أبا عبيد القاسم بن سلام قال إن قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لي الواجد يحل عرضه وعقوبته يدل على أن لي غير الواجد لا يحل عرضه ولا ~~عقوبته وهذا دليل الخطاب والجواب أن قوله وحده ليس بحجة ولعله إنما أراد ~~أنا نعلم أن غير الواجد لا يحل عرضه وهذا صحيح لأن غير الواجد معذور ولا ~~يحل عقوبة من لا يجد ولأن الأصل حظر العرض والعقوبة فلا تحل إلا لدلالة ~~قالوا وقد روي عن أبي عبيد أنه قال إن قول النبي صلى الله عليه وسلم لأن ~~يمتليء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا يدل على أنه إذا لم يمتلىء ~~بالشعر وكان فيه القليل كان مباحا قال ولا ينصرف ذلك إلى هجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأن قليل ذلك وكثيره محظور والجواب أن قوله وحده ليس بحجة ~~كما أن قول محمد بن الحسن والشافعي ليس بحجة وإنما عنى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بامتلاء القلب من الشعر أن يوجد فيه وحده كما يمتلىء الإناء بالماء ~~إذا وجد الماء وحده في جميعه فيشغله الشعر عن قراءة القرآن والعبادة وهذا ~~تناول هجاء النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فأما إذا لم يمتلىء من الشعر ~~فأمره موقوف يجوز أن يكون فيه وجه آخر يقتضي حظره ويجوز أن يقتضي إباحته ~~فهجاء النبي صلى الله عليه وسلم نعلم حظر قليله وكثيره - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في الأمر الوارد عقيب الامر بحرف عطف وبغير حرف عطف - صلى الله ~~عليه وسلم - # اعلم أن القائل إذا قال ms154 لغيره افعل ثم قال له افعل لم يخل الأمر الثاني ~~إما أن يتناول مثل ما تناوله الأمر الأول أو يتناول ما يخالف ما تناوله ~~الأمر الأول فان تناول ما يخالفه لم يكن شبهة في اقتضائه مأمورا به آخر وهو ~~ضربان أحدهما يصح اجتماعه معه يجب على المأمور فعلهما إما مجتمعين وإما # PageV01P160 # متفرقين إلا أن يدل دلالة على وجوب الجمع أو وجوب التفريق مثال ذلك قول ~~القائل لغيره صل صم أو صل وصم وأما ما لايصح أن يجتمع مع الأول فضربان ~~أحدهما لا يصح أن يجتمع معه في نفسه نحو الصلاة في مكانين والآخر لا يصح ~~ذلك فيهما من جهة الشريعة نحو الصلاة والصدقة وكلا الضربين لا يصح الأمر ~~بفعلهما مجتمعين ويصح مفترقين # فأما إن تناول الأمر الثاني مثل ما تناول الأول فلا يخلو إما أن يكون ذلك ~~المأمور يصح التزايد فيه أو لا يصح التزايد فيه فان صح التزايد فيه فلا ~~يخلو الأمر الثاني إما أن يكون غير معطوف على الأول أو معطوفا عليه فان لم ~~يكن معطوفا عليه فعند قاضي القضاة أنه يفيد غير ما يفيده الأول إلا أن تمنع ~~العادة من ذلك أو يرد الأمر الثاني معرفا مثال ما تمنع منه العادة قول ~~القائل لغيره اسقني ماء اسقني ماء فالعادة تمنع من تكرار سقيه في حالة ~~واحدة في الأكثر ومثال ما يمنع منه التعريف الحاصل بالأمر الثاني قول ~~القائل لغيره صل ركعتين فإنه إذا قال له صل الركعتين انصرف إلى تلك ~~الركعتين لأن لام الجنس تنصرف إلى العهد المذكور ولهذا حمل ابن عباس قول ~~الله سبحانه {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} على أن العسر الثاني هو ~~الأول لما ورد معرفا ومثال ما يجري من كلا القسمين قول القائل لغيره صل غدا ~~ركعتين صل غدا ركعتين ادفع إلى زيد درهما ادفع إلى زيد درهما فاستدل قاضي ~~القضاة على أن الأمر الثاني يفيد غير ما يفيده الأول بأن الأمر يفيد الوجوب ~~أو الندب فيجب أن يفيده وإن ms155 تقدمه أمر آخر لأنه ليس يتغير صيغة بتقدم أمر ~~آخر # ولقائل أن يقول يفيد وجوب الفعل أو كونه ندبا وخلافنا في هل يفيد وجوب ~~فعل آخر أم لا وليس في ظاهره أنه يفيد غير ما افاده الأول فان قيل الأمر ~~الثاني لو انفرد لوجب الفعل لأجله فيجب ذلك وإن تقدمه أمر # PageV01P161 # آخر وإذا وجب الفعل لأجله لم يكن ذلك الفعل هو الذي تناوله الأمر الأول ~~لأنه لو تناوله الأول لوجب لأجل الأول # ولقائل أن يقول إذا أردتم بقولكم يجب الفعل لأجله أنه دليل على وجوب ~~الفعل فكذلك نقول وذلك لا يمنع من أن يجب لأجل دليل آخر وإن أردتم أنه لو ~~انفرد الأمر لوجب الفعل لأجله لا لأجل الأمر الأول فصحيح غير أن يكون الفعل ~~واجبا لا لأجل أمر آخر ليس هو من فائدة الأمر حتى يلزم أن يقتضيه وإن تقدمه ~~أمر آخر لكن إنما يلزم ذلك لفقد أمر سواه وهذا قائم في مسألتنا # واستدل أيضا بأن المعقول من الأمر الثاني في الشاهد مأمور ثان وهذه دعوى ~~لا يسلمها الخصم واستدل أيضا بأن الظاهر من تغاير الألفاظ تغاير المعنى ~~وللخصم أن يمنع من ذلك فان قالوا إنما كان هذا هو الظاهر ليكون للكلام ~~الثاني فائدة قيل فذلك رجوع إلى دليل آخر سنذكره # ويمكن أن يستدل في المسألة فيقال إن الغرض بالأمر هو استدعاء الفعل لأنه ~~هو المطابق لصيغته فلا يخلو الأمر الثاني إما أن يكون فعل لاستدعاء الفعل ~~الأول أو لغيره فان فعل للاستدعاء الأول فقد فعل الغرض ما قد حصل بالأول ~~وذلك عبث فوجب حمله على فعل آخر فان قيل ما أنكرتم أن يكون الغرض تأكيد ~~الحث على الفعل واستدعائه قيل ليس في ظاهره التأكيد وإنما في ظاهره الفعل ~~فحمله على التأكيد حمل على غير ظاهره فان قالوا وليس في ظاهره فعل ثان كما ~~ليس في ظاهره التأكيد قيل نحن إذا حملناه على فعل ثان فقد حملناه على الفعل ~~وذلك في ظاهره ولقائل أن يقول ونحن إذا حملناه على ms156 التأكيد فانا نحمله على ~~فعل ايضا وبالجملة كل منا يحمله على فعل فأنتم تريدون فيه أن يكون الفعل ~~ثانيا ونحن نريد فيه التأكيد وليس واحد منهما في ظاهر الأمر والأشبه أن ~~يقال في ذلك بالوقف # وأما إن كان الأمر الثاني معطوفا على الأول فأنه إن لم يكن معرفا فانه # PageV01P162 # يفيد غير ما يفيده الأول لأن الشيء لا يعطف على نفسه ولا يجمع بينه وبين ~~نفسه مثاله أن يقول القائل لغيره صل ركعتين صل ركعتين وقوله اسقني ماء ~~واسقني ماء لأن الإنسان قد يقول ذلك إذا كان الإناء الذي يشرب فيه لا يكفيه ~~دفعة واحدة ويخالف ذلك إذا لم يعطف الأمر الثاني على الأول لما ذكرناه من ~~حرف العطف فأما إن كان الأمر الثاني معطوفا على الأول ومعرفا نحو قول ~~القائل لغيره صل ركعتين وصل الصلاة فلقائل أن يقول يجب حمله على تلك الصلاة ~~لأجل لام التعريف ولقائل أن يقول يجب حمله على صلاة أخرى لأجل العطف لأنا ~~إن حملناه على التأكيد أخرجناه من كونه عطفا أصلا وإذا نفينا حكم العطف ~~فانا لا نخرج اللام من أن يكون للتعريف وإن جعلناها لتعريف الجنس والأشبه ~~أن يكون ذلك على الوقف لأنه ليس بأن يترك ظاهر العطف ويستعمل اللام على ~~حقيقتها في تعريف العهد بأولى من أن يتمسك بظاهر العطف ويترك ظاهر اللام ~~فأما إذا كان الأمر الثاني أمرا بمثل ما تناوله الأمر الأول وكان ذلك مما ~~لا يصح فيه التزايد فلا يخلو إما أن لا يصح ذلك فيه في نفسه نحو قتل زيد أو ~~صوم يوم وإما أن لا يصح فيه من جهة الحكم نحو عتق زيد فانه قد كان يجوز أن ~~يتزايد عتقه ويقف تمام حريته على عدد كالطلاق وإذا لم يصح التزايد في ~~المأمور به لم يخل الأمر إما أن يكونا عامين أو خاصين أو أحدهما عاما ~~والآخر خاصا فان كانا عامين أو خاصين وجب كون مأمورهما واحدا ويكون الأمر ~~الثاني تأكيدا للأول سواء ورد بحرف عطف أو بغير حرف ms157 عطف مثال العامين بحرف ~~عطف قول القائل لغيره اقتل كل إنسان واقتل كل إنسان ومثاله بلا حرف عطف أن ~~يسقط من الأمر الثاني حرف العطف ومثال الخاصين بحرف عطف وبغير حرف عطف قوله ~~اقتل زيدا اقتل زيدا أو واقتل زيدا وأما إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا ~~سواء تقدم العام أو الخاص فلا يخلو الأمر الثاني إما أن يكون معطوفا على ~~الأول أو غير معطوف عليه فان كان معطوفا عليه فمثاله قول القائل صم كل يوم ~~وصم يوم # PageV01P163 # الجمعة قال قاضي القضاة إن يوم الجمعة لا يكون داخلا تحت الكلام الأول ~~ليصح حكم العطف والأشبه أن يكون الوقف لأنه ليس بأن يترك ظاهر العموم بأولى ~~من أن يترك ظاهر العطف ويحمل على التاكيد # فأما إذا كان الأمر الثاني غير معطوف فمثاله قول القائل لغيره صم كل يوم ~~صم يوم الجمعة فانا إذا قلنا في الأمرين بشيئين يصح فيهما التزايد أنهما ~~على الوقف في اقتضاء الثاني للزيادة فانا لا نقف ها هنا لأن عموم أحد ~~الأمرين دلالة على أن الآخر ورد تأكيدا لأنه لم يبق من ذلك الجنس شيء لم ~~يدخل تحت العام ومن لم يقف فيما يصح الزائد فيه فانه يمكنه أن يقف ها هنا ~~لأن ظاهر الأمر الثاني يفيد غير ما يفيده الأول على قوله وظاهر العموم في ~~الأمر الأول يفيد الاستغراق فليس استعمال احد الظاهرين أولى من استعمال ~~الآخر - صلى الله عليه وسلم - باب في في شروط حسن الامر - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أن الأمر لما كان صادرا من آمر إلى مأمور بمأمور به في زمان لم يمنع ~~أن يرجع شروط حسنه إليه وإلى الآمر والمأمور والمأمور به والزمان # فالشروط الراجعة إلى المأمور به ضربان # أحدهما أن يكون صحيحا غير مستحيل في نفسه كالجمع بين الضدين وكنحو فعل ~~الشيء في زمان متقدم أو فعله في حال هو فيها معدوم أو إيجاد الموجود أو فعل ~~الأفعال الكثيرة في زمان لا يتسع لها وهذه الأقسام أيضا الداخلة في الشرائط ms158 ~~الراجعة إلى الزمان وأما الضرب الآخر فان يكون للفعل صفة زائدة على حسنه ~~إما أن يكون على صفة الندب أو الوجوب او يتعلق به نفع ودفع الضرر في الدنيا # PageV01P164 # وأما الشروط الراجعة إلى المأمور فضربان أحدهما يرجع إلى تمكنه والآخر ~~يرجع إلى دواعيه أما الراجع إلى تمكنه فأن يكون متمكنا من الفعل بحصول جميع ~~ما يحتاج الفعل إليه في الوقت الذي يحتاج الفعل أن يوجد فيه كان الشيء ~~يجتاج الفعل إليه في وقت وجوده وجب وجوده في ذلك الوقت وإن احتاج إليه قبل ~~وجوده أو في حال وجوده وقبل وجوده معا وجب وجوده كذلك وهذه الأشياء ضربان ~~أحدهما يحتاج إليها جميع الأفعال كالقدر وفقد المنع والآخر يحتاج إليه فعل ~~دون فعل فالفعل المحكم يحتاج إلى العلم فقد يحتاج وقوعه منا إلى إله والفعل ~~الواقع على وجه دون وجه يجتاج عند أصحابنا إلى إرادة والمسبب يحتاج إلى ~~السبب والعلم يحتاج في إيقاعه إلى دلالة ويحتاج الظن إلى أمارة ويجب أن ~~يتقدم الدلالة قدرا من التمكن يمكن معه أن ينظر فيها الانسان فيعلم وجوب ~~الفعل أو كونه ندبا او معربا لما وجب بالفعل ثم يفعل الفعل في الوقت الذي ~~وجب إيقاعه فيه ولا فرق بين أن تكون الدلالة على ذلك أمرا أو غيره وكذلك ~~القول في الأمارة # فأما الكلام في تقدم العلم والقدرة والإرادة وأقسام الآلات المتقدمة ~~والمقارنة فليس مما يحتاج إليه في أصول الفقه وهذه الأشياء ضربان أحدهما لا ~~يمكن الإنسان تحصيله لنفسه كالقدرة وكثير من الآلات فلا يجوز أن يفوض إلى ~~الإنسان تحصيله والآخر يمكن الإنسان تحصيله كالعلم وكثير من الآلات فيجوز ~~تكليف تحصيله إذا كان في ذلك مصلحة # وأما الراجع إلى دواعيه فأن يكون متردد الداعي بالألطاف وغيرها غير ملجأ ~~ولا مستغنى # وأما الشرائط الراجعة إلى الأمر فأشياء # أحدها أن لا يكون ابتداء وجوده مقارنا لحال الفعل وذلك قد دخل فيما تقدم ~~من الفعل الذي لا يمكن في نفسه # PageV01P165 # وأحدها أن يكون متقدما قدرا من التقدم ويحتاج إليه في ms159 الفعل وذلك داخل في ~~تمكين المكلف # وأحدها أن لا يكون واردا على وجه يكون مفسدة # وأما الشرائط الراجعة إلى الآمر فتختلف بحسب الآمرين فان كان الآمر هو ~~الله عز وجل وجب أن يعلم من حال المكلف والمأمور به والأمر ما ذكرناه وأن ~~يكون غرضه تعريض المكلف للثواب وأن يكون عالما بأنه سيشيبه إن أطاع ولم ~~تحبط طاعته وإن كان الآمر لا يعلم الغيب وجب أن يعلم حسن ما أمر به وثبوت ~~غرض فيه إما له أو لغيره وأن يظن أن المكلف سيتمكن من فعل التمكن الذي ~~ذكرناه والدلالة على اشتراط ما ذكرناه هو أن الله سبحانه مع حكمته لا يجوز ~~أن يلزمنا المشاق مع إمكان إلزامه إيانا غير شاق إلا ليجعل في مقابلته ~~الثواب وإلا جرى إلزامه الشاق مجرى ابتداء المضار من غير نفع ولا يكون غرضه ~~ما ذكرناه إلا وهو سيثيب المطيع فاذا كان عالما بما يكون فهو عالم أنه يفعل ~~ذلك ولا يكون غرضه ما ذكرناه إلا وقد أزاح علل المكلف بالتمكن وتردد ~~الدواعي التي يزول معها الإلجاء ويدخل في ذلك الألطاف ورفع المفاسد فلذلك ~~لم يرد الأمر منه تعالى على وجه المفسدة ولأنه إن لم يكن المكلف متمكنا من ~~الأمور التي ذكرناها في الوقت الذي يحتاج إليه الفعل كان قد كلفه ما لا ~~يطيقه وقد دخل في ذلك ما يجب أن يتقدم من التمكين والأدلة والأمارات وقد ~~دخل تحت تمكن المكلف من الفعل أن يكون الفعل غير مستحيل في نفسه لأنه لا ~~يجوز أن يتمكن القادر من فعل ما يستحيل في نفسه فقد دخلت الشرائط المذكورة ~~تحت ما ذكرناه # وقد ذهب قوم إلى أن الأمر بالفعل مقارن لحال الفعل وأن ما تقدمه يكون ~~إعلاما وعندنا أن الأمر لا يجوز أن يبتدىء به في حال الفعل بل لا بد من ~~تقدمه قدرا من الزمن يمكن من الاستدلال به على وجوب المأمور به أو كونه ~~مرعيا فيه ويفعل الفعل في حال وجوبه فيه ولا يجوز تقدمه على ذلك إلا ms160 # PageV01P166 # لغرض ويجوز أن يتقدم على ذلك الغرض مصلحة ولا فرق بين أن يكون المأمور ~~متمكنا من الفعل من حين الأمر إلى وقت الفعل أو غير متمكن من حين الأمر # والدليل على وجوب تقدمه القدر الذي ذكرناه أنه لو لم يتقدمه هذا القدر لم ~~يتمكن المكلف أن يعلم وجوب الفعل قبل وقته فيدعوه إلى فعله على نية الوجوب ~~في الوقت الذي وجب عليه إيقاعه فيه وذلك تكليف ما لا يطاق وقولهم إن ما ~~تقدم الفعل يكون إعلاما إن أرادوا أنه إعلام بحال الفعل فكذلك نقول وذلك لا ~~يمنع من كونه أمرا ألا ترى أن أمر القرآن متقدم لأفعالنا وهو أمر لنا ~~باتفاق والواحد منا يأمر غيره قبل حال الفعل فيسمى ذلك أمرا وإن أرادوا أنه ~~إعلام بورود أمر آخر في حال الفعل فليس في ظاهر الأمر ذلك على أن ورود ~~الأمر في حال الفعل عبث لأنه لا يتمكن أن يستدل به على وجوب الفعل ولا على ~~أنه مرغب فيه ويشبه أن يكونوا أرادوا أن الأمر إذا تقدم حال الفعل لم يسم ~~أمرا فاذا حضر زمان الفعل فحينئذ يسمى ما تقدم من الأمر أمرا وهذا باطل ~~لإجماع المسلمين على أن الواحد منا مأمور بالصلاة قبل وجود وقتها والدلالة ~~على قبح تقدم الأمر على القدر الذي ذكرناه لا لغرض وفائدة أن ما لا غرض فيه ~~عبث والعبث قبيح لا يفعله الحكيم والدلالة على جواز تقدمه على هذا القدر ~~الغرض أنه بذلك يخرج عن كونه عبثا ولهذا حسن تقديم الله سبحانه أمره إيانا ~~بالصلاة والدلالة على حسن تقدمه وإن كان المكلف عاجزا في الحال إذا كان ~~يتمكن وقت الحاجة أن تمكن المكلف في ذلك الوقت لا يحتاج إليه الفعل وكان ~~وجوده وعدمه فيما يرجع إلى الفعل بمنزلة فحسن الأمر مع فقد التمكن كما يسحن ~~مع وجوده إذا كان في ذلك مصلحة من وجه من الوجوه # PageV01P167 ### | الكلام في النواهي # اعلم أن النهي لما كان بعثا على الإخلال بالفعل كما كان الأمر بعثا على ~~الفعل كان ms161 أكثر الكلام في الأمر يليق بالنهي غير أنا نفرد في النهي أبوابا ~~منها ماهية النهي وما يشارك الأمر فيه النهي وما يخالفه فيه ومنها النهي عن ~~الأشياء على وجه التخيير ومنها هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه أم لا وما ~~يتبع ذلك - صلى الله عليه وسلم - باب في ماهية النهي وما يشارك الامر فيه ~~وما يخالفه - صلى الله عليه وسلم - # أما النهي فهو قول القائل لغيره لا تفعل على جهة الاستعلاء إذا كان كارها ~~للفعل وغرضه أن لا يفعل والدلالة على ذلك ما تقدم في الأمر # وأما ما يشارك الأمر فيه النهي فأمور منها أنه يجوز استعمال كل واحد ~~منهما في خلاف ما تقتضيه صيغته فصيغة الأمر يجوز وجودها غير أمر وصيغة ~~النهي يجوز وجودها غير نهي ومنها أن يكون كل واحد منهما إنما يوصف بما يوصف ~~به بحال فاعله ومنها اعتبار الاستعلاء في كل واحد منهما ومنها أن كل واحد ~~منهما إذا كان مقيدا بشرط وصفة كان مقصورا عليها ومنها اعتبار كثير من ~~الشرائط في جنسهما نحو أن يكون غرض المكلف التعريض للثواب ويكون عالما ~~باثابة المطيع وغير ذلك # فأما ما يفترقان فيه فأمور منها الصيغة ومنها ما يكون به كل واحد # PageV01P168 # منهما موصوفا بما يوصف به ومنها أن مطلق الأمر لا يقتضي التأبيد ومطلق ~~النهي يقتضي ذلك ولهذا صح النظر في الأمر هل يقتضي التعجيل ولم يصح ذلك في ~~النهي ومنها أن من شرط حسن النهي أن يكون المنهي عنه قبيحا ومن شرط حسن ~~الأمر أن لا يكون المأمور به قبيحا - صلى الله عليه وسلم - باب في النهي عن ~~اشياء على جهة التخيير - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن النهي عن الأشياء إما أن يكون نهيا عنها على الجمع أو عن الجمع ~~بينها أو نهيا عنها على البدل أو نهيا عن البدل # أما النهي عنها على الجمع فهو أن يعمد الناهي إلى اشياء فينهي عن جميعها ~~فيقول الإنسان لا تفعل هذا ولا هذا ولا هذا فيكون موجبا للخلو ms162 منها أجمع # والأشياء التي نهي عن جميعها ضربان # أحدهما يمكن الإنسان الخلو منها والآخر لا يمكنه الخلو منها فالذي لا ~~يمكنه الخلو منها لا يحسن النهي عن جميعها إيجاب للخلو منها وإيجاب ما لا ~~يمكن قبيح ولا فرق بين أن يكون النهي إيجابا للخلو من الشيء ونفيه أو ~~إيجابا للخلو من الشيء وضده مثال الأول أن يقول الإنسان لغيره لا تكن قائما ~~ولا غير قائم ومثال الثاني أن يقول للقائم لا تفعل قياما ولا قعودا ولا ~~حالة من حالات الإنسان وما يمكن الخلو منه ضربان # أحدهما يميز كونه فاعلا والثاني لا يميز كونه فاعلا فالذي لا يميزه نحو ~~المضطجع لا يميز كونه فاعلا للسكون من نفسه ويجوز أن يخلو من فعله ومن فعل ~~الحركة ولا يجوز أن ينهي عن الخلو منهما معا لفقد التمييز هذا على قول من ~~جوز أن يفعل هذا المضطجع في جسمه سكونا فأما إذا ميز كونه # PageV01P169 # فاعلا فانه يجوز أن ينهي عنهما معا نحو ضرب زيد وعمرو وأما ما هو ملجأ ~~إلى الجمع بينهما فانه لا يجوز النهي عن جميعه لأن في ذلك إيجاب الخلو منه ~~مع أنه ملجأ إلى خلافه # وأما النهي عن الجمع بين أشياء فهو أن يقال للإنسان لا تجمع بين كذا وكذا ~~وهما ضربان # أحدهما يمكن الجمع بينهما والآخر لا يمكن الجمع بينهما فما لا يمكن الجمع ~~بينهما فالنهي عن الجمع بينهما قبيح لأنه عبث يجري مجرى نهي الهاوي من شاهق ~~عن الاستقرار في الهواء وذلك أن ينهي الإنسان عن القيام والإخلال به أو أن ~~يجمع بين القيام والقعود وإن أمكن الجمع بينهما فإما أن يمكن أن لا يجمع ~~بينهما نحو الأكل والصلاة وإما أن لا يمكن ذلك بأن يكون ملجأ إلى الجمع ~~بينهما فالأول يحسن النهي عن الجمع بينهما والثاني لا يحسن النهي عنهما ~~لأنه كالنهي عما لا يطاق # فأما النهي عن الأشياء على البدل فهو أن يقال للإنسان لا تفعل هذا إن ~~فعلت ذلك أو لا تفعل ذلك إن فعلت ms163 هذا وذلك بأن يكون كل واحد منهما مفسدة ~~عند الآخر وهذا يرجع إلى النهي عن الجمع بينهما # وأما النهي عن البدل فانه يفهم منه شيئان # أحدهما أن ينهي الإنسان عن أن لا يفعل شيئا ويجعله بدلا من غيره وذلك ~~يرجع إلى النهي عن أن يقصد به البدل وذلك غير ممتنع والآخر أن ينهي عن أن ~~يفعل أحدهما دون الآخر لكن يجمع بينهما وهذا قبيح إن تعذر الجمع ويجوز أن ~~يحسن مع إمكانه وإمكان الإخلال به - صلى الله عليه وسلم - باب في النهي هل ~~يقتضي فساد المنهي عنه أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اختلف الناس في ذلك فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب # PageV01P170 # الشافعي إلى أنه يقتضي فساده وقال غيرهم من الفقهاء لا يقتضيه وهو مذهب ~~الشيخ ابي الحسن وابي عبد الله وقاضي القضاة وذكر أن ظاهر مذهب شيوخنا ~~المتكلمين وأنا أذهب إلى أنه يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات دون العقود ~~والإيقاعات # وينبغي أن نذكر معنى وصفنا للشيء بأنه صحيح وجائز وفاسد وباطل وغير جائز ~~فنقول إن معنى قولنا إن الفعل صحيح هو أنه قد حصل به الغرض المقصود به ~~وإنما يكون كذلك إذا استوفيت شرائطه التي معها يحصل الغرض المقصود بالفعل ~~وقولنا فاسد وباطل يفيد نفي ذلك وهو أنه لم يستوف شرائطه التي عليها يقف ~~حصول الغرض بالفعل وقولنا إن الفعل مجزىء معناه أنه يكفي في تحصيل الغرض ~~بالفعل ولا يكون كذلك إلا وقد استوفيت الشرائط التي يقف عليها حصول هذا ~~الغرض وقولنا جائز في هذا الموضع يفيد ذلك أيضا وقوله إنه غير جائز ولا ~~مجزىء يفيد نفي ذلك والأغراض الحاصلة بالفعل تختلف بحسب اختلاف الأفعال ~~فالعبادات الغرض بفعلها إسقاط التكليف وتحصيل الثواب وإذا قلنا في العبادات ~~إن الفعل غير مجزىء فمعناه أنه لم يسقط التكليف المتعلق به لأنه لم يستوف ~~شرائطه التي معها يسقط التكليف فان كانت العبادة غير مؤقته لزم فعلها على ~~الصحة وإن كانت موقتة والوقت باقيا لزم فعلها فيه وإن خرج الوقت جاز ms164 أن تدل ~~دلالة على لزوم قضائها وأما البيع فالغرض به تحصيل الملك وكمال التصرف ~~والغرض بالشهادة وجوب القضاء على الحاكم والغرض بالطلاق إيقاع الفرقة ~~وتشعيث الوصلة والغرض بالعتق إيقاع الحرية فجواز هذه الأفعال وصحتها يفيد ~~حصول هذه الأحكام وفسادها يفيد نفي هذه الأحكام # وذهب قاضي القضاة إلى أن معنى قولنا إن الصلاة فاسدة أنه يلزم قضاؤها ~~ومعنى أنها صحيحة أنه لا يلزم قضاؤها ولقائل أن يقول وإن أراد لزوم القضاء ~~في وقتها فذلك تابع لكون الصلاة فاسدة وأنه ما سقط عن # PageV01P171 # المكلف التعبد بها ونفي سقوط التعبد بها تابع لكون الشرائط غير مستوفاه ~~ألا ترى أنا نقول إنما يجب على المصلي إعادة الصلاة في وقتها لأن ما فعله ~~فاسد لم يستوف شرائطه فكان تفسير الفساد بما ذكرناه أولى وإن أراد لزوم ~~القضاء ونفيه بعد خروج الوقت لزم إذا أمر الله سبحانه بصلاة بطهارة ~~فصليناها بغير طهارة وخرج الوقت ولم تدل دلالة على وجوب قضائها فلم يلزمنا ~~القضاء إذ القضاء فرض ثان أن تكون الصلاة صحيحة لأنه لم يلزم قضاؤها فلما ~~ثبت الفساد مع نفي القضاء علمنا أن أحدهما ليس هو الآخر # فاذا ثبت ما ذكرناه فمتى اردنا أن ندل على أن النهي يدل على فساد المنهي ~~عنه إذا كان من العبادات فانما نريد أن ندل على النهي إذا تجرد فالتكليف لا ~~يسقط بفعل المنهي عنه والدلالة على ذلك هي أن المنهي عنه لم يتناوله التعبد ~~وما لم يتناوله التعبد لا يسقط التعبد أما أن المنهي عنه لا يتناوله التعبد ~~فلأن التعبد يتناول ما له صفة زائدة على حسنه والنهي يتناول ما ليس بحسن ~~يبين ذلك أن الله سبحانه إذا قال لنا صلوا الظهر ثم قال لا تصلوها بغير ~~طهارة فان هذا النهي يدل على أن الصلاة بغير طهارة قبيحة غير حسنة وغير ~~مرادة والأمر يدل على أن الصلاة المأمور بها حسنة مرادة فأحدهما غير الآخر ~~فصح أن المنهي عنه لم يتناوله التعبد وأما أن ما لم يتناوله التعبد ~~فالتكليف لم ms165 يسقط به إذا تجرد النهي عن دلالة فلأن فاعله لم يفعل ما تعبد ~~به فجرى مجرى أن يقول الله سبحانه لنا صلوا بطهارة في أنا إذا صلينا بغير ~~طهارة لم يسقط التعبد عنا ويلزمنا أن نصلي ما بقي الوقت وجرى مجرى أن يأمر ~~الله سبحانه بالصلاة فنتصدق في أن التعبد يكون باقيا لما كنا فاعلين لما لم ~~يتناوله التعبد # فان قيل أليس يجوز أن يكون الفعل المنهي عنه مع قبحه يقوم مقام الواجب في ~~وجه المصلحة وإنما لم يتناوله الإيجاب لاختصاصه بوجه من وجوه القبح ويجوز ~~أن يخرج الواجب من كونه مصلحة عند فعل المنهي عنه نحو أن # PageV01P172 # تكون الصلاة مصلحة في رد وديعة فاذا فعلها في الدار المغصوبة خرجت الصلاة ~~في الدار المملوكة من أن تكون لطفا في رد الوديعة ولهذا جاز أن يقول الله ~~سبحانه لا تصلوا في الدار المغصوبة فان صليتم فيها فالفرض قد سقط عنكم قيل ~~الذي ذكرته إن جاز فانا لا نتنبه إلا بدلالة زائدة ومتى لم يدل عليه دليل ~~زائد وجب نفيه لأن الأمور الثابتة متى لم يدل عليها دليل وجب نفيها ألا ترى ~~أن الصلاة السادسة يجب نفيها لما لم يدل على إثباتها دليل زائد فلو قال ~~الله عز وجل إن صليتم في الدار المغصوبة أجزأتكم كان ذلك دليلا على سقوط ~~الفرض ولا يجب لأجل ذلك تجويز سقوط الفرض بهذه الصلاة إذا لم يدلنا الله ~~سبحانه على ذلك ألا ترى أنه كان يجوز أن يقول صلوا بطهارة فان صليتم بغير ~~طهارة أجزأتكم ولا يدل ذلك على أنه لو لم يقل فان صليتم بغير طهارة أجزأتكم ~~على أنها إن صلى الإنسان بغير طهارة أجزأه أو لا ترى أنه كان يجوز أن يقول ~~صلوا فان تصدقتم قام ذلك مقام الصلاة ولم يلزم من ذلك تجويز قيام الصدقة ~~مقام الصلاة إذا لم يقل الله ذلك فكذلك في مسألتنا # فان قيل فيجب على ما ذكرتم أن يكون الدال على فساد العبادة هو فقد دليل ~~يدل على أن ms166 المنهي عنه مقام العبادة المأمور بها قيل إنه لا يصحل العلم ~~بفساد الفعل إلا مع العلم بورود التعبد بالفعل وبالنهي عن إيقاعه على بعض ~~الوجوه وبفقده دلالة تدل على أن المنهي عنه يقوم مقام العبادة ألا ترى أنه ~~متى اختل واحد من ذلك اختل علمنا بالفساد وأما أن الدليل هو فقد دلالة تدل ~~على أن المنهي عنه لا يقوم مقام العبادة أو أن الدليل على ذلك هو النهي ~~فذلك كلام في عبارة ومرادنا بقولنا إن النهي يدل على فساد هو ما ذكرناه لا ~~غير فأما إن فسر فساد الفعل بوجوب قضائه وأريد بذلك وجوب القضاء قبل انقضاء ~~وقت العبادة فقد بينا أنا نعلم ذلك تبعا لعلمنا بفساد العبادة وإن أريد ~~بذلك وجوب القضاء بعد خروج الوقت فالنهي لا يدل على ذلك لأن القضاء فرض ثان ~~فليس فاعل العبادة على الوجه المنهي عنه بأسوأ حالا من # PageV01P173 # تاركها أصلا فاذا كان تاركها لا يلزمه إلا بدليل مستأنف ففاعلها على ~~الوجه المنهي عنه أولى بذلك ولأن المنهي عنه كما أنه لم يدخل تحت الإيجاب ~~فالقضاء أيضا لم يدخل تحت الإيجاب فلم يدل عليه # ومما احتج به في أن النهي يدل على فساد المنهي عنه أن النهي ضد الأمر ~~ونقيضه والأمر يدل على إجزاء المأمور به فيجب أن يدل النهي على نفي إجزائه ~~وإلا لم يكن ضده ونقيضه ولقائل أن يقول إن الأمر إذا دل على إجزاء المأمور ~~به فيجب أن لا يدل النهي على إجزاء المنهي عنه فكذلك نقول لأنا وإن حكمنا ~~بإجزائه فلسنا نحكم بإجزائه لمكان النهي # واحتجوا أيضا بأن المنهي عنه لو كان مجزئا لكان طريق إجزائه الشرع إما ~~أمر أو إيجاب أو إباحة وكل ذلك يمنع منه النهي والجواب أنه قد يدل على ~~الإجزاء غير ذلك نحو أن نقول إذا فعلتم ما نهيتكم عنه أجزأكم عن الفرض أو ~~نقول إذا بعتم هذا على هذا الوجه فقد ملكتم به أو يكون إجزاء ذلك الفعل ~~معلوما بالعقل وذلك كله لا يمنع منه ms167 النهي # واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدخل في ديننا ما ليس منه ~~فهو رد قالوا والمنهي عنه ليس من الدين فيجب كونه مردودا ولو كان مجزئا ~~ثبتت أحكامه لما كان مردودا والجواب أن الإنسان إنما يكون مدخلا للفعل في ~~الدين إذا اعتقد أنه من الدين ألا ترى أن الزاني وفاعل المباح لا يكون ~~مدخلا للزنا والفعل المباح في الدين فليس يخلو إما أن يعنوا أن الفاعل لما ~~نهي عنه مدخل للفعل في الدين أو مدخل لأحكامه في الدين فان أرادوا الأول لم ~~يثبت لأن المصلي في الدار المغصوبة لا يعتقد أن ذلك في الدين وإنما يقول ~~إنه يسقط به الفرض وكذلك المطلق في حال الحيض لا يعتقد أن ذلك من الدين إذا ~~اعتقد أن ذلك بدعة وإن أرادوا الوجه الثاني لم يسلم الخصم أن ذلك من الدين # فان قالوا فيجب إذا فعل ذلك الإنسان معتقدا بأنه من الدين أن يكون # PageV01P174 # مردودا عليه فلا يثبت أحكامه قيل إنما يجب أن يكون ردا من الدين لا غير ~~وإنما يكون كذلك إذا جعلناه بخلاف ما اعتقده ألا ترى أن من قال من رام ~~الدخول إلى داري فهو مردود أفاد أنه مردود من الدار وأجاب قاضي القضاة بأن ~~لفظ الرد يفيد نفي استحقاق الثواب لأن الرد ضد القبول والقبول يفيد استحقاق ~~الثواب قال فلفظه الرد كالنهي في اقتضائه القبح ونفي استحقاق الثواب قال ~~ونحن نقول إن المنهي عنه لا يستحق عليه الثواب وأجاب أيضا بأن قال يجب أن ~~نبين أن الحكم باجزاء الفعل ليس من الدين ثم نحكم برده وهذا إنما يتوجه إلى ~~من قال في استدلاله إن الإجزاء ليس من الدين لا إلى من قال إن الفعل نفسه ~~ليس من الدين ثم استدل بذلك على انتفاء حكمه وقال ايضا إن النهي أبلغ من ~~لفظ الرد لأن طاعات الكافر مردودة وليست بمنهي عنها فاذا لم تظهر دلالة ~~النهي على الفساد فلفظ الرد أولى بذلك وعلى أن هذا الخبر من أخبار ms168 الآحاد ~~فلا يصح التعلق به في ذلك # واحتج الذاهبون إلى أن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه بأشياء # منها أن فساد العبادة هو وجوب قضائها والنهي إنما يدل على قبحها وعلى ~~كراهة الناهي لها وقبحها لا يقتضي وجوب قضائها لعلمنا بقبح أفعال كثيرة لا ~~يلزم قضاؤها والجواب ما تقدم من أنه إن أرادوا وجوب القضاء مع بقاء الوقت ~~أو وجوب القضاء إن لم تكن العبادة موقتة فقبح الفعل مع تقدم الأمر بالعبادة ~~وفقد دليل يدل على أن الفعل المنهي عنه قائم مقام الواجب يدل على وجوب ~~القضاء بعد خروج الوقت فلعمري لا يدل النهي عليه غير أنه ليس هو معنى ~~الفساد # ومنها قولهم لو أفاد النهي الفساد لكان ما لم يفسد من الأفعال القبيحة ~~نحو الوضوء بالمساء المغصوب غير منهي عنه على التحقيق لأنه لم يتعلق به ما ~~هو نهي على التحقيق فيوصف بأنه منهي منه والجواب إنا لا نقول إن النهي ~~موضوع في اللغة للفساد كما وضع لفظ العموم للاستغرق فيلزم ما ذكروه وإنما ~~وضع عندنا لإيجاب الامتناع من الفعل والإخلال به أو على الكراهة له # PageV01P175 # وإنما يعلم فساد العبادة بالتدريج الذي ذكرناه ألا ترى أن اصحابنا لما ~~قالوا ان الأمر وضع للإرادة وأنه يفيد الندب على ضرب من التدريج لم يالزمهم ~~أن يكون الواحد منا إذا قال لغيره أظلم وأراد ذلك منه أن يكون الظلم ليس ~~بمأمور به على الحقيقة ولا أن يكون قوله اظلم ليس بأمر على الحقيقة لأجل أن ~~الظلم قبيح ليس بحسن # ومنها أن لفظ النهي لغوي وفساد العبادة شرعي فلا يجوز أن يكون موضوعا له ~~والجواب انا لا نقول إنه وضع للفساد فيلزم ما ذكروه وإن علمنا عنده على ~~التدريج المذكور كما يقولون إن الأمر وضع للندب على التدريج ولو قلنا إنه ~~موضوع للفساد لم يبطل بما ذكروه لأن فساد الفعل هو انتفاء الأغراض المقصودة ~~بالفعل عن الفعل أو وجوب إعادته على قول قاضي القضاة وذلك معقول قبل الشرع ~~فلا يمتنع أن يوضع ms169 النهي له كما وضعوا له أن هذا الفعل يجب إعادته فان ~~الأغراض لا تتعلق به مع أن هذه ألفاظ لغوية # فأما الأفعال التي يرجع فسادها إلى نفي أحكامها نحو البيع والطلاق ~~والعتاق والشهادة فالنهي عنها لا يدل على فسادها لا بنفسه ولا بواسطة أما ~~بنفسه فانه إنما يدل إذا صدر من حكيم فيدل على قبح الفعل ووجوب الإخلال به ~~أو على كراهته له فقط وأما أنه لا يدل على ذلك بواسطة فهو أن الواسطة هي ~~قبح وكونه مكروها والفعل قد يكون مكروها وحكمه ثابت نحو البيع في حال صلاة ~~الجمعة والطلاق في حال الحيض ولأن قبح البيع لا ينافي ثبوت الملك به لا ~~محالة لأنه قد ينهي الحكيم عن البيع لأن الملك لا يقع به ولأنه مفسدة في ~~نفسه وإن وقع الملك به ولأنه يتشاغل به عن واجب نحو البيع مع تعين وجوب ~~التحريمة وإذا أمكن كل ذلك لم نأمن أن يكون النهي عن البيع أو عن الطلاق ~~وغيرهما كان لغرض سوى أن أحكامها لا تثبت ويفارق ذلك النهي عن العبادات ~~لأنا قد بينا أن فسادها مفارق لفساد هذه الأفعال وإذا اختلف معناهما لم يجب ~~أن يكون ما دل على أحدهما يدل على الآخر فاذا اثبت ذلك ونهي الله سبحانه عن ~~أمثال هذه الأفعال فلا يخلو إما أن يكون الأصل # PageV01P176 # في العقل يفيد تعلق حكمه به كالبيع الذي يقتضي انتقال الملك به في العقل ~~أو يكون العقل يمنع من تعلق الحكم به فالأول يحكم فيه بما يقتضيه العقل لأن ~~النهي عنه لا يمنع من ذلك وأما الثاني فمثاله الحد إذا شهد بما يوجبه ~~الشاهدان على وجه نهي الشاهدان عنه فانه ينظر فيه فان كان في الشرع دليل ~~يدل في الجملة على تعلق الأحكام بتلك الأفعال حكم به والا لم يحكم به لأن ~~الأصل نفيها وليس في الشرع ما يدل على ثبوتها إلا لأجل النهي # واحتج المخالف بأن الصحابة رضي الله عنها كانت إذا سمعت نهيا عن شيء قضت ~~بفساده عند ms170 سماعها النهي فدل على أنها حكمت بالفساد لأجل النهي كما أنها ~~لما حكمت بالأحكام عند خبر الواحد والقياس دل ذلك على أنها حكمت به لأجل ~~خبر الواحد والقياس من ذلك حكمها بفساد بيع درهم بدرهمين ونكاح المحرم ~~والشغار والمتعة والربا والجواب أنهم لما حكموا بذلك فانهم لم يحكموا ~~بالفساد عند سماعهم أخبارا كثيرة في النهي كالنهي عن بيع حاضر لباد وتلقى ~~الركبان وغير ذلك وليس لقائل أن يقول إنما لم يحكموا بالفساد لقرينة بأولى ~~من أن نقول بل إنما حكموا بالفساد لقرينة فان قالوا لو حكموا بالفساد ~~لقرينة لطلبها بعضهم من بعض ولاحتج بها بعضهم قيل لهم ولو كانوا إنما لم ~~يحكموا بالفساد لأجل قرينة لاحتج بها بعضهم على بعض وأما فساد عقد الربا ~~فيجوز أن يكون إنما عرفوه من قول الله سبحانه {وحرم الربا} ومن إيجابه ~~الاقتصار على رأس المال لأنه لو كان العقد صحيحا لما ساغ ذلك وأما خبر ~~الواحد والقياس فان الصحابة عملت بها لمكانها على ما سنبينه في موضعه # ويمكن المخالف أن يحتج فيقول إنكم بفصلكم بين العبادات وبين العقود ~~والإيقاعات قد قلتم ما لم يقله احد لأن الأمة مجمعة على التسوية بين ~~الموضعين فمنهم من سوى بينهما في دلالة النهي على فسادهما ومنهم من جمع ~~بينهما في دلالة النهي على نفي فسادهما والجواب أن الذين جمعوا بينهما في ~~نفي دلالة النهي على فسادهما لم يعنوا بالفساد ما عنيناه وإنما أرادوا ~~بالفساد وجوب # PageV01P177 # القضاء بعد خروج الوقت ولو فصل لهم ما فصلناه لما اختلفوا فيه ولو خالفوا ~~لم يكن ما قلناه مخالفا للإجماع لأنه إنما يكون تفرقنا بين الموضعين مخالفة ~~للإجماع إذا نظمت الموضعين طريقة واحدة وقد بينا أن ليس ينظمهما طريقة ~~واحدة # فأما ما يدل على صحة ما أخبرناه هو أن الشرع اقتضى حمل ما تناوله النهي ~~على الفساد ما لم تكن هناك دلالة تصرف عنه وهو حصول الإجماع المتقدم عليه ~~لأن المعلوم من حال الصحابة والتابعين أنهم كانوا يحكمون بفساد العقود ~~وغيرها لتناول النهي ms171 لها ويرجحون في الدلالة على فسادها إلى مجرد النهي ~~الوارد عن الله تعالى وعن الرسول صلى الله عليه وسلم كرجوعهم إلى قوله صلى ~~الله عليه وسلم لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا الخالة والعمة ~~عليها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى في فساد هذا العقد من ~~غير اعتبار أمر سواه وكرجوعهم إلى نهيه عن بيع الغرر وبيع ما لم يقبض وبيع ~~ما ليس عنده في فساد هذه العقود من غير اعتبار معنى سوى ذلك وكرجوعهم عند ~~الاختلاف في حكم الربا نقدا ونسيئة إلى خبر أبي سعيد الخدري وعبادة بن ~~الصامت في النهي عنه نقدا ولما روي من رجوع ابن عباس عن مذهبه في ذلك حين ~~روى له هذا النهي وهكذا رجع كثير منهم إلى نهيه صلى الله عليه وسلم عن نكاح ~~المحرمة ونكاح الشغار في فساد هذين العقدين ولم يحك عمن خالف في هاتين ~~المسألتين أنهم أنكروا على مخالفيهم الرجوع إلى النهي في ذلك والاستدلال به ~~وإنما نازعوهم في ذلك واعترضوا استدلالهم بالنهي من وجوه أخر فصار هذا ~~إجماعا منهم على أن النهي المتناول للافعال الشرعية من حقه أن يكون مقتضيا ~~لفسادها ما لم تدل دلالة على خلاف ذلك # وفيه فان قيل إذا وجدناهم قد حكموا بفساد ما تناوله النهي في بعض المواضع ~~وحكموا بصحته في موضع آخر فلم صار حكمهم بالفساد دلالة على أن من حق النهي ~~أن يقتضيه أن يحمل عليه أولى من أن يحكم بأن النهي بمجرده لا يقتضي الفساد ~~استدلالا بفعلهم في المواضع الأخر الجواب أنه إذا ثبت أن الحكم بفساد ~~المنهي عنه علقوه بالنهي فقط في الموضع الذي حكموا # PageV01P178 # به من دون اعتبار أمر آخر على ما بيناه وأوضحنا الحال فيه صار هذا أصلا ~~فيما ذهبنا إليه ودلالة عليه فاذا وجدناهم في مواضع لم يحكموا بفساد المنهي ~~عنه وجب أن يحمل ذلك على أنهم عدلوا عن هذا الأصل ولم يحكموا فيه بالفساد ~~لدلالة دلت عليه كما يعدل عن مقتضى صيغة ms172 العموم إلى الحكم بالخصوص وعما ~~تقتضيه حقيقة اللفظ إلى مجازها إذا دلت الدلالة عليه - صلى الله عليه وسلم ~~- باب في ما يفسد من الأشياء المنهي عنها وما لا يفسد - صلى الله عليه وسلم ~~- # اعلم أنه ذكر في ذلك أشياء # منها قول الشيخ أبي عبد الله أن المنهي عنه إذا كان متى فعل على الوجه ~~المنهي عنه انتفى عنه شرط من شرائطه الشرعية فانه يجب أن يفسد كبيع الغرر ~~ومتى لم ينتف عنه شرط من شرائطه الشرعية لم يفسده ولقائل أن يقول إنما يجب ~~أن يفسد ما انتفى عنه شرط شرعي متى كان ذلك شرطا في صحته لأنه لو لم يكن ~~شرطا في صحته لم يجب أن يفسد وما هو شرط تقف عليه صحة الشيء فانه يجب ~~بانتفائه فساد الشيء إذا لم يخلفه شرط آخر سواء كان ذلك الشرط شرعيا أو غير ~~شرعي ولا معنى للتقييد بكونه شرعيا وايضا فاذا فسد لانتفائه شرطه الشرعي ~~فأخبرونا أبالنهي علمتم أن ذلك الشرط الشرعي شرط في الصحة أم لا فان قلتم ~~بالنهي قيل لكم ابظاهره علمتم ذلك أم بقرينة فان قلتم بظاهره فقد سلمتم أن ~~ظاهر النهي يدل على ذلك الفساد وإن قلتم بل بنهي اقترفت به قرينة قيل لكم ~~أخبرونا عن تلك القرينة حتى تكونوا قد أشرتم إلى الفرق بين ما يدل على ~~الفساد من النهي وبين ما لا يدل على الفساد وإن قالوا علمنا أن ذلك شرط في ~~الصحة بدليل غير النهي نحو أن نعلم أن الوضوء شرط في الصلاة ثم نهي النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بغير وضوء فتعلم أنها فاسدة بغير وضوء وقد ~~أشار قاضي القضاة إلى ذلك في الشرح قيل لهم فنحن إنما نعلم الفساد بما دل ~~على أن الوضوء شرط في صحة الصلاة ألا ترى أنا إذا علمنا ذلك علمنا فساد ~~الصلاة إذا لم يكن # PageV01P179 # الوضوء سواء نهينا عن الصلاة بغير وضوء أو لم ننه عن ذلك فإن قالوا إنه ~~لم يكن غرضنا أن نبين الفرق ms173 بين النهي الدال على الفساد وبين النهي الذي لا ~~يدل على الفساد حتى يلزم ما ذكرتم وإنما غرضنا أن نفرق بين المنهي عنه ~~الفاسد والمنهي عنه الذي ليس بفاسد قيل لهم فكأنكم قلتم المنهي عنه منه ~~فاسد ومنه غير فاسد وأن الفاسد هو ما دل دليل على فساده نحو أن يدل دلالة ~~على أنه قد أخل فيه بشرط من شرائط صحته وهذا قليل الفائدة لا يجوز أن يجعل ~~أصلا في هذا الموضع # ومنها أن المنهي عنه الفاسد هو ما يوصل به إلى تحليل محرم في الأصل نحو ~~أكل الميتة واستحلال الفروج والذي ليس فاسد هو ما لم يكن وصلة إلى محرم في ~~الأصل وهذا باطل لأنهم إن أرادوا بقولهم إنه يوصل به إلى تحليل محرم أي صار ~~الحرام به حلالا على التحقيق فذلك مناقضة لأنه إذا صار به حلالا فهو صحيح ~~غير فاسد لأنه ليس معنى كون الوصلة صحيحة إلا أنها وصلة إلى تحليل هذا ~~المحرم من الفروج وعلى أنا نريهم أمورا نهي عنها وهي وصلة إلى تحليل ما كان ~~حراما وهي غير فاسدة نحو بيع حاضر لباد هو منهي عنه وقد صار به ملك الغير ~~حلالا للمشتري وإن ارادوا بذلك أنه إذا توصل بالمنهي عنه إلى تحليل ما هو ~~حرام في نفسه لا يجوز أن يصير حلالا كانوا قد عللوا للشيء بنفسه لأن معنى ~~كون هذه الوصلة المنهي عنها فاسدة هو أنها لا توصل إلى تحليل هذا المحرم ~~فكأنهم قالوا إنما لم يوصل إلى إباحة هذا المحرم لأنه لا يوصل إلى إباحته ~~ثم يقال لهم بماذا علمتم أن ذلك الحرام لا يصير حلالا أبالنهي علمتم ذلك أم ~~بغيره ويعود الكلام عليهم # ومنها أن النهي عن الفعل إذا كان لمعنى يختصه اقتضى فساده وإذا لم يكن ~~لمعنى يحتصه لم يقتض فساده والأول بيع الغرر والثاني البيع في حال صلاة ~~الجمعة ولقائل أن يقول إن المقتضي للفساد هو فقد شرط من شرائط الصحة وليس ~~يمتنع أن يرجع ذلك تارة إلى الشيء ms174 المنهي عنه كما لا يمتنع أن يرجع إلى ~~غيره ألا ترى أن بيع المحجور عليه منهي عنه لمعنى في العاقد لا في العقد ~~وهو مع ذلك فاسد فان قالوا ما يختص بالعاقد والمعقود عليه يتعلق بالعقد # PageV01P180 # ويرجع عليه قيل فيجب أن يفسد بيع حاضر لباد لأن النهي عن ذلك إنما كان ~~لمعنى في المتعاقدين # ومنها قول بعضهم ما نهي عنه لحق الغير فانه لا يفسد وما نهي عنه لشرط ~~شرعي فانه يفسد وهذا باطل لأن الإنسان قد نهي عن بيع ملك غيره لحق ذلك ~~الغير ألا ترى أنه لو أذن له في بيعه جاز ومع ذلك يفسد العقد إذا لم يأذن ~~في المالك # ويدخل في هذا العقد اختلاف الناس في الصلاة في الدار المغصوبة فقال جل ~~الفقهاء وأبو إسحاق النظام إن الصلاة في الدار المغصوبة مجزئة مسقطة للفرض ~~وقال أبو علي وأبو هاشم وأبو شمر وأهل الظاهر والزيدية إنها غير مجزئة ~~واستدل شيوخنا على أنها غير مجزئة بان الصلاة من حقها أن تكون طاعة لإجماع ~~المسلمين على ذلك والصلاة في الدار المغصوبة غير طاعة بل معصية لأن الصلاة ~~تشتمل على القيام والركوع والسجود والجلوس وهذه الأشياء تصرف في الدار ~~المغصوبة وشغل لأماكنها وأهويتها ومنع لرب الدار لو حضر من التصرف فيها ~~فجرى مجرى وضع متاع في ذلك المكان في أنه قبيح وأيضا فأجمعوا على أن من شرط ~~الصلوات الخمس أن ينوي بها المصلي أداء الواجب أو ما يدخل فيه أداء الواجب ~~نحو أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا والصلاة في الدار المغصوبة لا يتأتى فيها ~~ذلك لأنه لا يصح أن ينوي الإنسان أداء الواجب بما يعلم أنه ليس بواجب وذلك ~~محال في الداعي إن قيل إن أفعال الصلاة هو ما يفعله المصلي في نفسه من ~~القيام والركوع والجلوس وليس هذا شغل للدار وإنما هو شغل للهواء وإنما يشغل ~~الأرض باستقرار قدميه في الدار وليس ذلك من الصلاة لأنه لو أمكنه أن يصلي ~~من غير أن تستقر قدماه في الدار جازت ms175 صلاته قيل إن السكون الذي يفعله في ~~قدميه من جملة صلاته لأن القيام من جملة الصلاة وقوله لو أمكنه أن يصلي في ~~الهواء جازت صلاته لا يمنع من كون ذلك الآن من الصلاة وعلى أن شغله لهواء ~~الدار هو غصب لأن مالك الدار أحق به ألا ترى انه ليس للإنسان أن يشرع جناحا ~~من داره إلى دار غيره لما كان شاغلا لهواء دار غيره # PageV01P181 # فان فأن قالوا إن قراءة الإنسان واعتقاده هما من جملة صلاته ولا تعلق ~~لهما بالغصب فالنية تنصرف إليهما قيل كون القراءة من جملة الصلاة لا يمنع ~~من كون الركوع والسجود والقيام من جملة الصلاة لأن اسم الصلاة يفيد محموع ~~ذلك وإذا كان كذلك لم يكن أن يكون من جملة الصلاة طاعة حتى ينصرف إليه ~~النهي إن قالوا إنما منع الغاصب من الصلاة في الدار المغصوبة لحق الغير ~~والا فقد استوفى شرائطها الشرعية فوجب إجزاؤها لأن النية تنصرف إلى ما ~~استوفى شروطه الشرعية ويجري ما عدا ذلك مجرى فعل منفصل قيل إن من شروطها ~~الشرعية أن تكون طاعة وأن ينوي بها أداء الواجب وليس هذان بحاصلين وأيضا ~~فاذا كان من جملة الصلاة ما هو معصية لم يجز أن يكون واجبا من جهة أخرى فان ~~قالوا إذا غصبها المصلي بأعوانه لا تكون صلاته فيها غصبا فيجب جوازها قيل ~~فيجب لو غصبها هو بنفسه أن لا تجزيه صلاته على موجب دليلنا وعلى أن ~~استعانته بأعوانه في غصبها لا يخرج تصرفه فيها من أن يكون قبيحا غير طاعة # ولما ذكرنا لم يجز أصحابنا صلاة من ستر عورته بثوب مغصوب واختلفوا فيمن ~~سترها بثوب مملوك ولبس فوقه ثوبا مغصوبا فأجازوها قوم قالوا إن فعله في ~~الثوب الأعلى ليس من الصلاة ولم يجزها آخرون لأن قيامه وقعوده تصرف في كلا ~~الثوبين وقالوا ايضا إن المودع أو الغاصب إذا طولب برد الوديعة والمغصوب ~~فتشاغل بالصلاة مع اتساع الوقت لم تجزئه صلاته وإن كان الوقت ضيقا يخشى إن ~~تشاغل بالرد فاتته الصلاة لم تبطل ms176 إن لم يستضر صاحبها بالتأخير ضررا شديدا ~~وتبطل إن استضر بالتأخير ضررا شديدا وقالوا إن صلى وهو يرى من يغرق أو يهلك ~~بنار وهو يرجو أن يخلصه فسدت صلاته والوجه في ذلك أجمع أن صلاته تكون في ~~هذه المواضع قبيحة # ولا يلزم على ما ذكرناه أن لا يجزي الغاصب اعتقاده الإيمان في الدار ~~المغصوبة لأن ذلك ليس بتصرف فيها فيكون غصبا لها فلم يلزم أن يكون قبيح غير ~~طاعة ولا يلزم أن تبطل صلاة الغاصب للدار إذا منع من الخروج # PageV01P182 # منها لأنه إذا منع من ذلك لم يحرم عليه القعود فيها ومن جاز له القعود ~~فيها جاز له أن يصلي فيها فجاز أن يكون فعله طاعة ولا يلزم عليه إذا صلى في ~~ملكه وقبض بيده على رجل فمنعه من التصرف لأن ذلك وإن كان قبيحا فليس من ~~الصلاة ولا يلزم عليه إذا صلى في براح غيره بغير إذنه لأن العادة جارية بأن ~~مالك البراح لا يكره أن يصلي المارة فيه والعادة جارية أيضا بأن من أذن ~~لغيره في دخول داره لا يكره منه الصلاة فيها فصار ذلك كالصريح بالإذن ~~بالصلاة قال اصحابنا ولا يلزم على ما ذكرناه أن لا تجزيء إزالة النجاسة ~~بماء مغصوب والذبح والختان بسكين مغصوب أجابوا عن الذبح بسكين مغصوب أنه ~~إنما جاز لأنه من شرطه النية ولا من حقه أن يكون قربة وليس كذلك الصلاة ~~وسيأتي الكلام على مثل هذا الجواب والجواب الصحيح أن يقال إن الذبح بسكين ~~مغصوبة منهي عنه وقبيح إلا أنه لما كان وصلة إلى إباحة اللحم كان كالبيع ~~الذي هو وصلة إلى إباحة التصرف والنهي لا يدل على فساد ما هذه سبيله لأنه ~~إنما نهي عنه لقبحه في نفسه لا لأنه ليس بوصلة إلى إباحة اللحم وكذلك البيع ~~في وقت صلاة الجمعة إنما نهي عنه لأنه قبيح أن يتشاغل به عن الغرض لا لأنه ~~غير موصل إلى نقل الملك يبين ذلك أن ما دل على البياعات تنتقل بها الأملاك ~~يدخل تحته هذا ms177 البيع وغيره فان قيل فان كان الذبح مما يتعبد به الأنسان هل ~~يكون فعله بسكين مغصوبة غير مجزي قيل إذا علمنا أن الغرض بالذبح التصدق ~~باللحم وعلمنا أن اللحم يصير مباحا بالذبح بسكين مغصوبة جاز التصدق به وإن ~~كانت السكين مغصوبة وأما السكين المغصوبة إذا وقع الختان بها فهي كالمملوكة ~~في إزالة ذلك القدر من اللحم والماء المغصوب كالمملوك في إزالة النجاسة فلم ~~يبق بعد إزالتها وبعد قطع ما يجب قطعه في الختان شيء كان الأمر متوجها إليه ~~فيمتثل # فان قيل أما كان يجوز أن يجب على الإنسان أن يغسل موضع النجاسة وأن يقطع ~~جزءا آخر قيل يجوز أن يجب ذلك بأمر مستأنق فأما إذا لم # PageV01P183 # يتجدد أمر آخر فلا لأن الأمر الأول إذا كان أمرا بازالة تلك النجاسة ~~وبقطع ذلك الجزء من الذكر فانه لا يمكن بعد إزالتهما إن زالا لأن إزالة ~~الزائل مستحيلة قال أصحابنا ولا يلزم عليه أن يكون الصوم في شهر رمضان مع ~~الخوف على النفس لا يسقط به الفرض لأنه لم يوجد عليه في الصوم أفعال وإنما ~~أخذ عليه الكف عن الأكل والشرب والجماع ولقائل أن يقول وقد أخذ عليه فعل ~~نية الصوم ومن حقها أن تكون طاعة وأخذ عليه الكف عن هذه الأفعال ومن حق ~~الكف عنها أن يكون طاعة حتى يكون صوما والكف عنها مع الخوف على النفس معصية ~~وأخذ عليه أن ينوي الصوم وفي ضمن كونه صوما كونه طاعة فاذا كان الصوم معصية ~~لم يكن أن ينوي به الطاعة # وإن قلتم إن نية الصوم لا يدخل في ضمنها نية الطاعة ولا من حق الصوم أن ~~يكون طاعة قيل لكم مثله في الصلاة وادعاء الإجماع في أحدهما كادعائه في ~~الآخر ويسأل أيضا على ذلك الوقوف على جمل مغصوب والطواف عليه والوضوء بماء ~~مغصوب وقد أجيب عن ذلك بأنه ما أخذ على الإنسان في ذلك فعل فيقال من شرطه ~~أن يكون طاعة أو واجبا لأن الإنسان لا يكون مطيعا بفعل غيره ألا ترى أن ms178 ~~الإنسان لو طاف به غيره وهو نائم أو وضأه غيره أجزأه وشبيه بذلك يقال في ~~الصائم لأنه لو نام طول نهاره وقد قدم النية أجزأه ولقائل أن يقول إن ذلك ~~لا يمنع من أن يكون لو صام وهو عالم بصومه أو وضأ نفسه كان لا بد من أن ~~يكون قربة وطاعة كما قلتموه في الصلاة فمن هذه الجهة ينتقض دليلكم # فان قلتم إذا أجزأه الصوم والوضوء مع أنه لم يفعل شيئا فبأن يجزئه إذا ~~فعل أولى قيل هذا لا ينجيكم من انتقاض دليلكم لأنا أوجدناكم ما من حقه أن ~~يكون طاعة وقد وقع قبيحا ومع ذلك قد أجزأه # وقيل في الوضوء إنه لا يجب فيه النية فلم يجز أن يقال من حقه أن ينوي # PageV01P184 # به أداء الواجب والجواب أن هذا لا يتم على قول من جعل النية من شرطه ومن ~~قال ليس النية من شرطه يقول الأولى أن ينوي الإنسان في الوضوء فصار من حق ~~الوضوء أن يكون طاعة وأن يصح أن ينوي به القربة أو الطهارة التي يدخل في ~~ضمنها القربة كما قلتموه في الصلاة ومعلوم أن الوضوء بالماء المغصوب ليس ~~بقربة بل هو معصية فلم يتأت فيه هذه النية فانتقض به كلا الدليلين وقد أجيب ~~عن الوضوء أيضا بأن نفله يقوم مقام فرضه وذلك لا يمنع من انتقاض الدليل من ~~الوجه الذي ذكرناه وقد سأل أصحابنا أنفسهم هلا قامت الصلاة في الدار ~~المغصوبة وإن كانت قبيحة مقام الصلاة الواجبة في المصلحة فلم يبق بعدها ~~مصلحة كما قلتم لم يبق بعد إزالة النجاسة بالماء المغصوب نجاسة تزال ولم ~~يبق بعد الوضوء بالماء المغصوب مصلحة ستدرك بالماء المملوك # وأجاب قاضي القضاة عن ذلك بأن الأمة أجمعت بأن الذي يسقط فرض الصلاة هو ~~ما دخل تحت التكليف ألا ترى أن الصلاة بغير طهارة لما لم تدخل تحت التكليف ~~لم تقم مقام الواجب والصلاة في الدار المغصوبة لم تدخل تحت التكليف ولقائل ~~أن يقول ان ادعاء الإجماع في ذلك هو كدعائه في ms179 أن الوضوء لا يقوم مقام ~~الواجب إلا أن يكون داخلا تحت التكليف لأنه لوقع بماء نجس لم يسقط الفرض ~~لما لم يدخل تحت التكليف # فهذا هو الكلام فيما استدل به شيوخنا وما يرد عليه من الاعتراضات ونحن ~~نستدل على المسألة فنقول إن صحة الصلاة في الدار المغصوبة إما أن يراد بها ~~أنها داخلة تحت التعبد أو يراد بها أنها تقوم مقام ما دخل تحت التعبد الأول ~~باطل لأن التعبد لا يتناول القبيح المكروه والثاني يكفي في نفيه أن لا يدل ~~دليل على أنها تقوم مقام ما دخل تحت التكليف وإذا لم يدل دليل على ذلك ولا ~~هي داخلة تحت التكليف وكان الوقت باقيا لزم إعادتها لبقاء التعبد ولزم ~~إعادتها إن خرج الوقت لأن كل من أوجب إعادتها مع بقاء الوقت أوجبها # PageV01P185 # مع خروجه وأما المسائل المتقدم ذكرها فجميعها غير داخل تحت التعبد ويجب ~~تأملها فان دل دليل على أنها تقوم مقام الواجب قيل به وإلا قيل ببقاء ~~الواجب ولزوم التعبد # PageV01P186 # - صلى الله عليه وسلم - أبواب العموم والخصوص - صلى الله عليه وسلم - # أما الكلام في العموم فانه يقع في الألفاظ العامة التي هي عامة على ~~الحقيقة والتي يظن قوم أنها عامة فأما الألفاظ العامة على الحقيقة فنتكلم ~~فيهامن وجوه منها اسم العموم هل يتناول المعاني على الحقيقة أم لا ومنها ~~اسم العموم إذا وقع على القول ما الذي يفيد فيه ومنها قسمة الأدلة الشرعية ~~قسمة الألفاظ العامة والفصل بينها وبين التي ليست عامة ومنها إقامة الدلالة ~~على إثبات العموم في اللغة ومنها إدخال ما خرج من العموم كالجمع المعرف # فأما ما ظن أنه من جملة العموم وليس منه فيشتمل أيضا على ابواب منها ~~الاسم المفرد المعرف ومنها الجمع المنكر ويتبع ذلك أقل الجمع ومنها نفي ~~مساواة الشيء للشيء هل يفيد نفي اشتراكهما في كل صفاتهما أم لا ومنها اسم ~~المذكر لا يشتمل المؤنث وإنما لم نذكر العمومين إذا تعارضا لأن ذلك يشتمل ~~على أقسام أكثرها يكون بعضها ناسخا للبعض فأرجئنا ذلك ms180 إلى الناسخ والمنسوخ # وأما الكلام في الخصوص فمن وجوه منها ما الخصوص وما العموم المخصوص وما ~~الخاص وما التخصيص ومنها ما الذي يجوز تخصيصه وما الذي لا يجوز تخصيصه ~~ومنها أن ما يجوز تخصيصه إلى أي غاية يجوز تخصيصه ومنها جواز استعمال الله ~~سبحانه العام في الخاص ومنها ما به يصير العام خاصا ومنها ذكر الأدلة ~~الدالة على التخصيص أو ما يظنه قوم دليلا أما الأول فضربان أدلة متصلة ~~وأدلة منفصلة أما المتصلة فالصفة والغاية والاستثناء والشرط ويدخل في ~~الاستثناء أبواب سنذكرها وأما المنفصلة # PageV01P187 # فالعقل والكتاب والسنة ويدخل في التخصيص بالعقل خروج الصبي من الخطاب ~~وإذا بينا جواز التخصيص بالكتاب والسنة ذكرنا في أي حال يقع التخصيص وفي أي ~~حال لا يقع ويدخل في ذلك بناء العام على الخاص ويتبع الكلام في التخصيص أن ~~نتكلم في العموم هل يصير مجازا بالتخصيص أم لا وهل تخصيصه يمنع من التعلق ~~به أم لا ولم نذكر تخصيص قول النبي بفعله لأنه من باب الأفعال إذ ذلك مبني ~~على أن فعله حجة وتخصيص قول النبي صلى الله عليه وسلم بأقاويل الصحابة رضي ~~الله عنهم مبني على أن أقاويلهم حجة وذلك إما أن يرجع إلى الإجماع أو إلى ~~التقليد ولم نذكر تخصيص الإجماع لأنه مبني على كونه حجة وذلك داخل في أبواب ~~الإجماع ولم نذكر التخصيص بأخبار الآحاد ولا بالقياس لأن ذلك مبني على ~~كونهما حجتين فذكرنا ذلك في الأخبار وهذا في ابواب القياس # فأما ما يظن كونه مخصصا فضربان أحدهما معنوي والآخر لفظي أما الأول فكقول ~~بعضهم إن كون المكلف كافرا أو عبدا يخرجه من الخطاب بالعبادات وإن كان لفظ ~~الخطاب يتناولهم وكتخصيص بعضهم العموم بالعادات وكالتخصيص بقصد المتكلم ~~بالعموم إلى الذم وأما الثاني فيشتمل على أبواب منها الخطاب الوارد على سبب ~~وسؤال ومنها العموم إذا تعقبه شرط أو استثناء أو صفة وحكم لا يتأتى إلا في ~~بعض ما يتناوله العموم هل يجب أن يكون المراد بذلك ذلك البعض فقط أم لا ~~ومنها هل ms181 يجب أن يضمر في المعطوف جميع ما يظهر في المعطوف عليه وإذا كان ~~أحدهما خاصا كان الآخر خاصا أم لا ومنها تخصيص العموم بذكر بعض ما شمله ~~ومنها تقييد المطلق وتخصيصه لأجل المقيد فأما تخصيص العموم بمذهب الراوي ~~فهو أن يجعل مذهبه كالرواية لنص سمعه والكلام في ذلك يختص بالأخبار # PageV01P188 # - صلى الله عليه وسلم - باب في أن قولنا عام وعموم لا يتناول على سبيل ~~الحقيقة إلا القول دون غيره - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لا شبهة في وصف الكلام الشامل بأنه عام وعموم على الحقيقة لأنه ~~لا وجه نعلم به كون الاسم حقيقة من اطراد وغيره إلا وهو حاصل فيه فأما وصف ~~ما ليس بلفظ بأنه عام نحو قولهم عمهم المطر والخصب فمجاز لأن حقيقة عموم ~~المطر للناس أن يكون بجملته حاصلا لكل واحد منهم وذلك مستحيل لأن جملة ~~المطر تحصل لجملة الناس وأجزاؤه لأجزائهم فأما ألفاظ العام نحو قولنا ~~المشركين فان تناوله لهذا الشخص ولهذا الشخص على حد سواء وليس يتناول جزء ~~منه لشخص وجزء منه لشخص آخر كما ذكرناه في المطر وقد قيل إن وصف المعاني ~~بأنها عامة لا يطرد ألا ترى أنه لا يوصف الأكل بأنه عموم فان وصف بذلك ~~فبتقييد لا على طريق الإطلاق نحو أن نقولة الأكل عموم في الناس فأما أن ~~نطلق القول بأن الأكل عموم كما نقول هذا اللفظ عموم فلا - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في حقيقة الكلام العام - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الكلام العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له هذا هو المعقول من ~~كون الكلام عاما ألا ترى أن قولنا الرجال مستغرق لجميع ما يصلح له لأنه ~~استغرق الرجال دون غيرهم إذ كان لا يصلح لغيرهم وكذلك لفظ من في الاستفهام ~~نحو قولك من عندك لأنها تستغرق كل عاقل عنده ولا تتعرض لغير العقلاء ولا ~~لعقلاء ليسوا عنده لأنها لا تصلح في هذا الموضع لهم وقولنا كل يستغرق كل ~~جنس يدخل عليه دون ما لا يدخل ms182 عليه ولا يلزم عليه لفظ التثنية كقولك رجلان ~~ولفظ العدد كقولك ثلاثة # PageV01P189 # رجال وعشرة لأن ذلك لا يستغرق كل ما يصلح له ألا تراه يصلح لهذين الرجلين ~~ولهذين ولهذين وليس يستغرق كل ذلك وقولنا عشرة يصلح لكل عشرة من الرجال ~~وليس يستغرقها كلها # فأما ألفاظ النكرات نحو قولك رجل فانه عام على البدل غير عام على الجمع ~~والحد لا يتناوله من حيث الجمع لأنه لا يصلح لهذا الرجل ولهذا ولهذا ولا ~~يستغرقهم وهو داخل في الحد من حيث البدل لأنه يتناول كل رجل على البدل ولا ~~يجوز أن يقف على بعض الرجال ولا يتعداهم إلى غيرهم على البدل وقد زاد قاضي ~~القضاة في الشرح زيادة احترز بها من التثنية والجمع فقال العموم لفظ مستغرق ~~لجميع ما يصلح له في أهل اللغة من غير زيادة وذلك لأن التثنية والجمع إنما ~~يكونان بزيادة تدخل على الواحد ولا يمنع من إنتقاصه بلفظ العدد لأنه ليس ~~يستغرق قولنا عشرة لآحاد العشرة بزيادة دخلت على الاسم لأن الاسم الواحد ~~ليس هو حاصل لهما مع الزيادة ويلزم أن لا يكون اسم الجنس إذا دخله لام ~~الجنس عاما نحو قولك الرجل والرجال لأن لام الجنس زيادة دخلت على الإسم - ~~صلى الله عليه وسلم - باب في ذكر الأدلة الشرعية - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأدلة الشرعية ضربان دليل مستنبط وليس هو غرضنا ها هنا ودليل ~~غير مستنبط وهو إما قول وإما فعل فالفعل لا يمكن ادعاء العموم على الوجوه ~~التي يقع عليها لأنها إن كانت متنافية لم يصح أن يجتمع للفعل نحو جمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين يستحيل أن يجمع بين صلاتين في وقت إحداهما ~~وفي وقتيهما بأن يصلي الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها وإن لم ~~يكن الوجوه متنافية نحو أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فانه يحتمل ~~أن يكون قتله لأنه ارتد ولأنه قتل غير أنه لا يمكن أن يعلم بمجرد الفعل أنه ~~قتله لكلا # PageV01P190 # الوجهين لأنه كما ms183 يجوز أن يجتمعا للفعل فانه يجوز أن ينفرد أحدهما وليس ~~الفعل لفظا فيقال إنه وضع ليشملهما وأما القول فمنه ما لفظه يفيد العموم ~~ومنه ما لفظه لا يفيد العموم والذي يفيد لفظه العموم منه ما يفيده في اللغة ~~ومنه ما يفيده في العرف ويقسم ما يفيد لفظة العموم من وجه آخر فيقال منه ما ~~يفيد العموم من جهة اللفظ فقط ومنه ما يفيده من جهة المعنى واللفظ وأما ما ~~لا يفيد لفظة العموم فمنه ما يفيد عن جهة المعنى ومنه ما لا يفيده لا من ~~جهة اللفظ ولا من جهة المعنى ونحن نذكر ابواب ذلك إن شاء الله عز وجل - صلى ~~الله عليه وسلم - باب فيما يفيد لفظة العموم في اللغة وفي العرف وفيما ~~يفيده من جهة اللفظ ومن جهة المعنى - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن ما لفظه عام في اللغة ضربان أحدهما عام على الجمع والآخر عام على ~~البدل والأول ضربان أحدهما يكون عاما لأن فيه اسما موضوعا للعموم والآخر ~~يكون عاما لأنه اقترن بالاسم ما أوجب عمومه والاسم العام ضربان أحدهما لا ~~يختص ما يعقل ولا ما لا يعقل بل يقع عليهما على الجمع وعلى الانفراد والآخر ~~يختص أحدهما فالأول لفظ أي يقول أي إنسان لقيته فسلم عليه فيعم الكل ويقول ~~أي نبات رأيته فخذه وأي جسم رأيته فخذه فيعم ما يعقل من الأجسام وما لا ~~يعقل وكذلك لفظة كل وجميع فانهما اسمان يدخلان على ما يعقل وعلى ما لا يعقل ~~وأما الذي يختص أحدهما فضربان أحدهما يختص ما يعقل وما يجري مجراه وهي لفظة ~~من في الاسفهام والمجازاة يقول من عندك ومن دخل داري أكرمته والآخر يختص ما ~~لا يعقل وهو ضربان أحدهما لا يختص جنسا مما لا يعقل دون جنس كقولك ما في ~~المجازاة والاستفهام والآخر يختص جنسا مما لا يعقل نحو متى في الزمان واين ~~في المكان وغير ذلك أما متى فانها قد تكون استفهاما عن كل زمان دخلت عليه ~~يقول متى جاءك بنو ms184 تميم # PageV01P191 # فيكون مستفهما عن كل الزمان الذي جاؤوك فيه حتى لو جاؤوك في كل الزمان ~~لكان استفهاما عنه وإذا قلت متى جاءك زيد أفاد أيضا استفهاما عن زمان مجيئه ~~ولفظة متى لا بد أن يقرن بها شيء وقع في الزمان فيكون استفهاما عن كل ~~الزمان الذي وقع فيه وكذلك قولك أين زيد وأين الناس # وأما الخطاب الشامل لأن فيه اسما قد دخل عليه ما أوجب استغراقه فضربان ~~أحدهما يكون الموجب لشموله متصلا به والآخر منفصلا عنه أما المتصل به فنحو ~~لام الجنس الداخل على الاسم المنفرد كقولك أهلك الناس الدينار والدرهم أو ~~الداخل على الجمع كقولك الرجال هذا على قول الشيخ ابي على رحمه الله وأما ~~المنفصل فضربان أحدهما الإضافة والآخر حرف النفي الداخل على النكرة أما ~~الإضافة فكقولك ضربت عبيدي وأما حرف النفي الداخل على النكرة كقولك ما ~~جاءني من أحد # وأما الألفاظ العامة على البدل فأسماء النكرات وهي ضربان أحدهما في غاية ~~التنكير نحو قولك شيء ومعلوم والآخر دون ذلك في التنكير وذلك ضربان أحدهما ~~نهاية في نقصان التنكير نحو قولك رجل وغير ذلك مما يختص نوعا واحدا والآخر ~~متوسط في التنكير نحو قولك حيوان وجسم وما اشبه ذلك فهذا ما هو عام في ~~اللغة # فأما ما يفيد العموم في العرف فكقول الله سبحانه {حرمت عليكم الميتة} ~~وقوله سبحانه {حرمت عليكم أمهاتكم} هما من جهة العرف عامان في تحريم سائر ~~وجوه الاستمتاع بالأمهات وسائر وجوه الانتفاع بالميتة ومن ذلك قول الراوي ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الصلاتين في السفر ذكر قاضي ~~القضاة أن ذلك لا يفيد في اللغة أنه كرر # PageV01P192 # الجمع وإنما يفيد أنه فعل ذلك فيما مضى لأن لفظة كان تفيد تقدم الفعل ~~وقال في الدرس إن ذلك يفيد تكرار الجمع من جهة العرف لأنه لا يقال فلان كان ~~يتهجد بالليل إذا تهجد مرة واحدة في عمره # وأما ما يفيد العموم من جهة اللفظ ومن جهة المعنى فقول الله سبحانه ~~{والسارق والسارقة} على ms185 قول الشيخ أبي علي رحمه الله لأن صريح الآية يفيد ~~الاستغراق وخروجه مخرج الزجر يفيد ذلك على ما ذكره الشيخ ابو هاشم وكذلك كل ~~لفظ عموم خرج مخرج الزجر - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يفيد العموم من ~~جهة المعنى دون اللفظ وفيما لا يفيده من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى مما ~~ظنه قوم عاما - صلى الله عليه وسلم - # أما الذي يفيد العموم من جهة المعنى فهو أن يدل على العموم دليل يقترن ~~باللفظ وذلك ضروب فمنها أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ومفيدا لعلنه فيقتضي ~~شياع الحكم في كل ما شاعت فيه العلة ومنها أن يكون اللفظ المفيد لعموم ~~اللفظ ما يرجع إلى سؤال سائل ومنها دليل خطاب عام على قول من جعله حجة أما ~~ألأول فضربان أحدهما تعليل من جهة الأولى كفحوى القول على ما سيجيء بيانه ~~والآخر تعليل لا من جهة الأولى والدل على ذلك ضروب كثيرة نذكر في باب ~~القياس إن شاء الله عز وجل فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الهر ~~إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات فاقتضى عموم طهارة كل ما ~~كان من الطوافين علينا ومن ذلك قول الراوي سها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسجد فنعلم أن العلة في ذلك سهوه إلى غير ذلك من ضروب التعليل # وأما المقتضى للعموم مما يرجع إلى السؤال فيجوز أن يسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عمن # PageV01P193 # أفطر فيقول عليه الكفارة فنلعم أن ذلك يعم كل فطر سواء علم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما وقع الفطر به أو لم يعلم لأنه انما أجاب عن السؤال انما ~~كان عن مطلق الفطر فإن لم يكن جوابه عن مطلق الفطر لم يكن جوابا عن السؤال ~~ولأنه صلى الله عليه وسلم لو كان قد أجاب عن الفطر الذي علمه لكان قد بين ~~ذلك لئلا يظن سامع أن الكفارة تلحق مطلق الفطر # وأما دليل الخطاب فنحو قول النبي صلى الله عليه وسلم في سائمة الغنم ms186 زكاة ~~دليل ذلك أن لا زكاة في كل ما ليس بسائمة على قول بعضهم # فأما ما لا يفيد العموم لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى مما ظنه قوم ~~عاما فنحو الجمع المنكور ونحو جمع المذكر لا يدخل تحته المؤنث وقد دخل في ~~هذا الباب وفي الذي قبله فصول يجب إقامة الدلالة عليها منها إثبات العموم ~~في اللغة ومنها الجمع الذي دخله الألف واللام ومنا اسم المفرد إذا دخله ~~الألف واللام ومنها الجمع المنكر ومنها لفظ المذكر هل يدخل تحته المؤنث أم ~~لا ونحن نذكر جميع ذلك إن شاء الله - صلى الله عليه وسلم - باب الدلالة على ~~أن في اللغة ألفاظا للعموم - صلى الله عليه وسلم - # اختلف الناس في ذلك فقال بعض المرجئة إنه ليس في اللغة موضوع للاستغراق ~~وحده بل ما وضع للاستغراق وهو موضوع لما دونه من الجموع وزعموا أن قولنا كل ~~وجميع حقيقة في الاستغراق وفي كل جمع دون الاستغراق وكذلك قالوا في لفظة من ~~في المجازاة والاستفهام وحكي عن بعض المرجئة أنه قال ليس في اللغة لفظ ~~العموم وإنما يكون اللفظ عاما بالقصد وزعموا أن الألفاظ التي يقول خصومهما ~~إنها عامة هي مجاز في الاستغراق حقيقة في الخصوص ويشبه أن يكونوا جعلوا ~~لفظة من حقيقة في الواحد مجازا في الكل أو يكونوا جعلوا بقية ألفاظ العموم ~~حقيقة في جمع # PageV01P194 # غير مستغرق لأنه يبعد أن يجعلوا ألفاظ الجمع المعرفة باللام كقولنا ~~المسلمون حقيقة في الواحد مجازا في الجمع ولفظ كل وجميع في ذلك أبعد وذهب ~~شيوخنا المتكلمون والفقهاء إلى أن في اللغة ألفاظا وضعت للاستغراق فقط فهي ~~حقيقة فيه مجاز فيما دونه والدليل على ذلك أن الاستغراق ظاهر لكل أحد ~~والحاجة تمس إلى العبارة عنه ليفهم السامع أن المتكلم أراده فجرى مجرى ~~السماء والأرض وغيرهما في ظهورهما وشدة الحاجة إلى العبارة عنهما فكما لم ~~يجز مع هذا الداعي الذي هو داعي الحاجة أن تتوالى الأعصار بأهل اللغة ولا ~~يضعوا للسماء والأرض كلاما يختص كل واحد منهما ms187 مع أنهم قد وضعوا الأسماء ~~للمعاني الغامضة ووضعوا للمعنى الواحد أسماء كثيرة كذلك لا يجوز ألا يضعوا ~~للاستغراق كلاما يخصه وليس يجوز من أمة عظيمة في أعصار مترادفة أن يضعوا ~~الأسماء الكثيرة للمعنى الواحد ويعدلوا عن وضع كلام يحتص بمعنى ظاهر وهذه ~~الدلالة تفسد قول الفريقين # فان قالوا ليس يمتنع أن يتفق ذلك من الأمم العظيمة أليس العرب مع كثرتها ~~لم يضعوا الفعل الحال عبارة تختصه دون الفعل المستقبل ولا وضعوا عبارة ~~للاعتماد سفلا ولا للاعتماد علوا ولا للكون الذي هو يمنة أو يسرة ولا وضعوا ~~عبارة لرائحة الكافور يختصها والحاجة إلى ذلك شديدة والأمر فيها ظاهر وقد ~~أجاب قاضي القضاة فقال هذه الأشياء غير ظاهرة فلذلك لم يضعوا لها عبارات ~~ولقائل أن يقول لا شيء أظهر من رائحة الكافور ومفارقتها لرائحة المسك ~~والاعتماد والمدافعة للشيء سفلا ومفارقتها للمدافعة علوا ونحن نجيب عن ~~السؤال بأن الذي أوجبناه لظهور المسمى وشدة الحاجة إلى العبارة عنه هو أن ~~يوضع له في اللغة كلام ينبيء عنه سواء كان مفردا أو مركبا وعند خصومنا أنه ~~ليس في اللغة كلام منفرد ولا مركب ينبيء عن الاستغراق وحده فلزمتهم الحجة ~~فأما هذه الأشياء كلها فلها بأجمعها عبارات تعرف بها وهي أسماء مضافة لأنا ~~إذا قلنا رائحة كافور و # PageV01P195 # اعتماد سفلا أو علوا وقلنا يضرب زيدا الآن تميزت من غيرها بهذه العبارات ~~وكذلك إذا قال السائل الاشتراك بين الاستغراق وبين البعض معقول وقد تمس ~~الحاجة إلى أن يجعل المتكلم غيره في شك من استغراق كلامه أو قصره على البعض ~~فينبغي أن يكون في اللغة خطاب ينبيء عن الاشتراك لأنا نقول إن في اللغة ~~خطابا ينبيء عن الاشتراك يفيد ذلك وهو أن يدخل الألف واللام على اسم الجمع ~~على قول أبي هاشم فنقول جاءني الناس أو جاءني القوم ولو قال جاءني ناس أو ~~جاءني قوم فأنى بلفظ جمع من غير ألف ولام لأفاد ذلك التردد بين الاستغراق ~~وما دونه من الجموع ولو قال ايضا جاءني إما كل الناس ms188 وإما بعضهم يحصل له ~~هذا الغرض # فان قالوا فنحن أيضا نقول إن في اللغة كلاما يفيد الاستغراق وهو قولنا ~~استغراق قيل الذي نعرفه من قولكم خلاف ذلك ومن مذهبكم أن حسن الاستثناء ~~والاستفهام والتأكيد يدل على أن اللفظة غير مستغرقة ومعلوم أنه يحسن أن ~~نقول استغرقت أكل الخبز إلا هذا الرغيف ويحسن أن يستفهم المتكلم بذلك ويحسن ~~أن يؤكده فيقول استغرقت أكل الخبز كله فان قالوا لا حاجة بهم إلى وضع لفظة ~~الاستغراق لأنه يمكن المتكلم أن يعدد الأشخاص الذين يريد أن يعمهم بالحكم ~~واحدا واحدا والجواب أنه قد يريد الإنسان أن يعبر عن جميع الناس ليدل على ~~حكم يشملهم فلا يمكنه أن يعددهم واحدا واحدا وقد يمكن ذلك في بعض الأشخاص ~~فيضق تعدادهم لكثرتهم فان قيل لا حاجة بهم إلى وضع اسم يختص الاستغراق ~~لأنهم قد وضعوا له ولما دونه من الجمع اسما إذا استعملوه مع إشارة أو شاهد ~~حال أنبأ عن الاستغراق فيجري ذلك مجرى اسم يختص الاستغراق قيل إنهم لا ~~يعلمون أنه يقترن بالاسم إشارة أو شاهد حال يحصل العلم عندهما بالاستغراق ~~ولا يجب أيضا وقوع العلم عند الإشارة على كل حال وعلى أن عدولهم إلى وضع ~~الأسماء للمعاني واستكثارهم من العبارات عن الشيء الواحد يدل على أنهم قد # PageV01P196 # عدلوا عن الدلالة بالإشارة إلى العبارة لضيق الإشارة واتساع العبارة ~~ووضوع دلالتها فلا يجوز مع هذا الفرض أن يتركوا ما يظهر في نفسه وتشد ~~الحاجة إليه فلا يضعوا له عبارة فان قالوا إنهم يمكنهم أن يدلوا على ~~الاستغراق بالتعليل فلا حاجة بهم إلى وضع عبارة له لأنهم إذا قالوا من دخل ~~داري ضربته لأنه دخل داري علمنا أنه يعم بذلك كل من دخل الدار الجواب أنه ~~ليس حكم يعرف علته فيعلل بها ألا ترى أن الإنسان إذا أراد أن يخبر بإن كل ~~من في الدار نائم أو آكل أو ضارب إلى غير ذلك مما لا يحصي كثره لم يعرف ~~لذلك علة فيعلل بها وقد تكون عللهم أيضا مختلفة ms189 فواحد أكل لعلة وآخر لعلة ~~أخرى فلا يمكن تعليل ذلك بعلة تشيع فيهم فان قالوا إنما كان يلزم ما ~~ذكرتموه لو كان أصل المواضعة من قبلهم إذا وضعوا الأسماء لعرض هو قائم في ~~الاستغراق وجب أن يضعوا له كلاما أيضا فأما والاسماء توقيف فلا يلزم ذلك ~~قيل لو كانت الأسماء توقيفا في الأصل لوجب إذا لم يوقفوا على وضع كلام ~~لمعنى واشتدت حاجتهم إلى وضع كلام له أن يضعوه له كما أن من استحدث له من ~~الصناع يلتجيء إلى وضع اسم لها وإن كان أصل المواضعة ليست لسبق إلى الفهم ~~البعض دون الاستغراق من قبله وكذلك من ولد له ولد وإذا وجب ذلك في الشخص ~~الواحد فللأمم الكثيرة في الأزمان المتصلة أولى بوجوب ذلك # دليل لو كان لفظ للعموم مشتركا بين الاستغراق وبين الجموع التي دونه لكان ~~الإنسان إذا قال رأيت القوم كلهم أجمعين قد أكد الاشتراك والالتباس وكلما ~~زاد في التأكيد زاد تأكيد الالتباس والإيهام ومعلوم باضطرار من مقاصد أهل ~~اللغة أنهم لا يؤكدون بذلك الاشتراك بل يقصدون تأكيد الإيضاح والبيان وأنهم ~~إذا أرادوا تأكيد الإيهام لم يعمدوا إلى هذا التأكيد وإنما قلنا إنه يلزم ~~المخالف تأكيد الاشتراك والالتباس لأن لفظة كل مشتركة على سبيل الحقيقة بين ~~الاستغراق وبين ما تحته من الجموع وكذلك لفظة أجمعين وكل من دل على شيء ~~بدلالة ثم تابع بين الأدلة عليه فانه يتأكد ذلك المدلول وجرى مجرى أن يقول ~~الإنسان رأيت جمعا # PageV01P197 # إما كل الناس وإما بعضهم ثم كرر هذا الكلام مرة أخرى في أنه يكون مؤكدا ~~للالتباس وكذلك لو قال رأيت سقفا ثم قال رأيت سقفا أو قال رأيت إما الحمرة ~~وإما البياض ولو جاز مع اشتراك اللفظتين بين الاشتراك وبين البعض أن تكون ~~لفظة كل مؤكدة للاستغراق لجاز أن تكون مؤكدة للبعض إذ كل واحدة من اللفظتين ~~حقيقة في الكل وحقيقة في البعض فلو جاز أن يتأكد باللفظة الثانية الكل جاز ~~أن يتأكد بها البعض وذلك محال إن قيل إنما يؤكد ms190 بلفظة كل ولفظة أجمعين لأن ~~لفظة كل أو لفظة أجمعين أكثر استعمالا في الاستغراق من غيرها من الألفاظ ~~ولفظة أجمعين أكثر إستعمالا في الاستغراق من لفظة كل قيل أما لفظة أجمعين ~~أكثر فأنه ليس يظهر أنها اسم لها وإن كان أصل المواضعة ليست إستعمالا في ~~الاستغراق من لفظة كل ولو ظهر ذلك لكان لا يخلو إما أن تكون مع ذلك مشتركة ~~بين الاستغراق وبين ما دونه أو لا تكون مشتركة بل تكون بالاستغراق أخص فإن ~~كانت بالاستغراق أخص وهي مفيدة له على سبيل الحقيقة لا غير فهو قولنا دون ~~قولكم وإن كانت مشتركة بينهما واحتمالهما لهما على سواء فالالتباس قائم فان ~~قالوا إنما وقع التأكيد بلفظة أجمعين لأنها في العادة تستعمل في أكثر الجنس ~~لا في أقله وليس كذلك الناس والقوم قيل هذا لا يمنع من أن يكون بتأكيد ~~الاشتراك لأن استعمال لفظه كل وأجمعين في الأكثر لا يمنع من أن يكون مشتركة ~~بين البعض وبين الاستغراق وأن يلتبس على السامع مراد المتكلم للكل والبعض ~~وعلى أنه إن كانت هذه اللفظة أخص بالأكثر منها بالأقل فقد خرجت من أن تكون ~~مشتركة ووجب كونها حقيقة في الأكثر فقط با وإن لم تكن بالاكثر أخص منها ~~بالأقل بل احتمالها لهما على سواء فقد سقط السؤال وعلى أن هذا لا يتأتى في ~~لفظة كل ولفظة أجمعين لأنه لا يمكن أن يقال إن إحداهما تستعمل في شيء أكثر ~~مما تستعمل فيه الأخرى ألا ترى أنا إذا قلنا رأينا الذين في الدار كلهم أو ~~قلنا رأينا الذين في الدار أجمعين لم يجد السامع فصلا بين الكلامين في كثرة # PageV01P198 # ما يفهمه وقلته وأيضا فقد يقول الإنسان ضربت الناس الذين في الدار أجمع ~~فلو كانت إحدى اللفظتين لا تقع على سبيل الحقيقة إلا على أكثر مما تقع عليه ~~الأخرى لما جاز تأكيد الأكثر بالأقل إن قيل الأمر وإن كان كما ذكرتم في ~~لفظة كل ولفظة أجمعين إذا كانا مفردين فانهما إذا اجتمعا فقال القائل رأيت ~~الناس كلهم ms191 أجمعين علمنا أنه رأى أكثر مما رآه لو قال رأيت الناس أجمعين أو ~~قال رأيت الناس كلهم قيل إذا كانت كل واحدة من اللفظتين لا تفيد هذه الكثرة ~~دون ما نقص عنها فيجب مثله عند الاجتماع لأن المركب من الكلام إنما يفيد ~~تركيب معان مفردة فقط ولا يفيد فائدة زائدة # دليل متقرر أن أهل اللغة يلجأون في الإخبار عن الاستغراق إلى لفظة كل ~~وجميع ولا يلجأون إلى لفظ الجمع نحو مسلمين وإن كان ذلك مشتركا في كل جمع ~~فان قالوا إنما يلجأون إلى لفظ كل لما يقترن بها من شاهد الحال قيل فهلا ~~اقترن بلفظ الجمع ذلك مع أنه مشترك كلفظة كل # دليل آخر الإنسان إذا سمع غيره يقول ضربت كل من في الدار وعلم أن في ~~الدار عشرة ولم يعرف سوى هذا اللفظ أعني أنه لم يعرف أن في الدار أباه ~~وغيره ممن يغلب على الظن أنه لا يضربه بل جوز أن يضربهم كلهم فان الأسبق ~~إلى فهمه الاستغراق ولو كانت اللفظة مجازا في الاستغراق لسبق إلى الفهم ~~البعض دون الاستغراق ولو كانت اللفظة مشتركة بين الاستغراق وما دونه لتردد ~~في الفهم أنه أراد الكل أو البعض على سواء كما تترد معاني الأسماء المشتركة ~~فلا تترجح في النفس ومن أنصف من نفسه علم أن الأمر كما قلناه # دليل قول القائل ضربت كل من في الدار يناقضه وينافيه قول لم أضرب كل من ~~في الدار لأن الإنسان إذا أراد أن يناقض من قال ضربت # PageV01P199 # كل من في الدار قال له في الحال لم تضرب كل من في الدار فلو كانت لفظة كل ~~مشتركة بين البعض والكل لم تكن مناقضة لقوله لم أضرب كل من في الدار لأن ~~هذا القول يصدق إذا ضرب البعض دون البعض ولو كانت لفظة كل مجازا في ~~الاستغراق لكان ما ذكرناه من نفي المناقضة أظهر وأبين ومعلوم أيضا أن لفظة ~~كل مقابلة للفظة جزء وعلى كل حال وذلك يمنع من أن يكون قولنا كل مفيدا ~~للجزء ms192 على الحقيقة # دليل قول القائل اضرب رجلا يفيد ضرب رجل غير معين وقولنا لا تضرب رجلا ~~كالسلب له ولا يكون كالسلب له إلا بأن يفيد نفي ضرب كل الرجال لأنه لو نفي ~~ضرب بعضهم لاجتمع مع ضرب رجل وفي ذلك إبطال تنافيهما وكذلك قول القائل ضربت ~~رجلا وقوله لم أضرب رجلا # دليل اعلم أن لفظة من عامة إذا كانت نكرة في المجازاة والاستفهام وإذا ~~كانت معرفة خصت هكذا ذكره شيوخنا ونحن نقول إن لفظة من لا يستفهم بها إلا ~~أن يقرن بها صفة فاذا قرن بها صفة عمت كل عاقل له تلك الصفة سواء كانت ~~معرفة أو نكرة يقول في الاستفهام من في الدار فيكون استفهاما عن كل عاقل في ~~الدار ويقول في المجازاة من دخل داري ضربته فيعم كل عاقل دخل داره ويقول في ~~المعرفة ضربت من ضربت يا زيد فيعم كل عاقل ضربه زيد فهي كالنكرة في هذا ~~المعنى وإنما تفارق النكرة في أنها إذا كانت معرفة دخلت على من قد عرفة ~~المخاطب والمخاطب وليس كذلك إذا كانت نكرة نحو قوله من دخل داري ضربته ~~والدليل على أن لفظة من تعم في الاستفهام أنه لا شبهة في أنها حقيقة في ~~العقلاء لأنه لا وجه يقتضي كونها حقيقة في غيرهم إلا وما هو أقوى منه يقتضي ~~كونها حقيقة فيهم فلا يخلو إما أن تكون حقيقة في جميعهم فقط أو حقيقة في ~~بعضهم فقط أو حقيقة في الكل وفي البعض فلو كانت حقيقة في البعض حتى يكون ~~استفهاما عن صفة بعض العقلاء سواء كان معينا أو غير معين # PageV01P200 # لوجب إذا كان عند الإنسان بنو تميم كلهم فقال له قائل من عندك من بني ~~تميم فذكرهم له واحدا واحدا أن يكون قد أجابه عما سأله وعما لم يسأله وذلك ~~في القبح جار مجرى أن يجيبه بذكر العقلاء وبذكر الحمير ولو كانت حقيقة في ~~بعض معين لوجب إذا كان عند المسؤول غير ذلك البعض من العقلاء أن لا تكون من ~~استفهاما عنهم ms193 فكان لا يحسن أن يذكرهم في الجواب كما لو كان عنده البهائم ~~إذ السؤال ما تناولهم وأيضا فالمسؤول لا يعرف البعض الذي يكون لفظة من ~~سؤالا عنه لأنه ليس له ذكر في لفظة من وفي ذلك كون المسؤول غير عارف بما ~~سئل عنه ولا يقصد السائل بسؤاله بعضا دون بعض ولا عددا دون عدد وأيضا فليس ~~بأن تتناول لفظة من بعضا من العقلاء بأعيانهم بأولى من أن تتناول بعضا آخر ~~ولو كانت لفظة من مشتركة بين الكل والبعض لكان العبد إذا قال له سيده من ~~عندك وعنده جماعة من الناس له أن لا يجيب بذكر جميعهم ومعلوم أن العقلاء ~~يلومونه عى ذلك ويقولون له قد قال لك من عندك فلم أجبته بذكر البعض ولكان ~~له أن يقول ما أدري ما الذي تعنيه بكلامك إذ كلامك مشترك بين البعض وبين ~~الكل ولكان له أن يقول أعن خمسة تسألني أو عن ستة أو عن سبعة ولكان له أن ~~يقول عن العرب تسألني أم عن العجم فاذ قال له عن العرب قال أعن مضر أم عن ~~ربيعة فاذا قال عن مضر قال أعن بني سعد أم عن بني زيد ثم يتصل الاستفهام من ~~المسؤول هكذا لأنه لا وجه يقتضي كون لفظة من مشتركة بين الكل والبعض الاوهو ~~قائم في قولنا العرب وفي قولنا بني تميم ومن مذهب المخالف أيضا أن هذه ~~الألفاظ كلها مشتركة ومعلوم قبح هذا الاستفهام بل لا يتفق ذلك من العقلاء ~~ولا ما هو أقل منه فان قالوا إنما لم يحسن إيصال هذا الاستفهام لأن المسؤول ~~يضطر الى قصد السائل عن بعض هذه الاستفهامات قيل فكيف يضطر إلى قصده ابدا ~~مع أن جميع ما يأتيه من الألفاظ مشترك وهل هذا إلا كالقول بأن الإنسان إذا ~~سمع غيره يقول # PageV01P201 # رأيت شفقا علم على طريقة واحدة أن المتكلم قد أراد الحمرة في أن ذلك محال ~~وإنما يتفق ذلك في بعض الحالات أن يضطر إلى أنه أراد أحد المعنيين وإلا ~~فالأصل أن يلتبس ms194 عليه ولو جاز أن يضطر إلى قصده أبدا لكان الاسم المشترك ~~أظهر من الاسم الذي حقيقته معنى واحد لأن هذا الاسم لا يضطر السامع إلى ~~معناه على طريقة واحدة وإنما يظن أنه قصد ذلك المعنى أو يعلم علم استدلال ~~إذا كان المتكلم به حكيما # فان قالوا إنما يضطر السامع إلى قصد المتكلم لما يقترن بكلامه من ~~الإشارات قيل إنه لفظة من ليس يقترن بها إشارة ولو أقترن بها إشارة في بعض ~~الحالات لجاز أن لا يقترن بها في حالة أخرى وكان ينبغي أن يحسن هذا ~~الاستفهام الذي ذكرناه إذا لم تقترن الإشارة بكلامه وأيضا فليس بواجب حصول ~~العلم عند الإشارة على كل حال فكان ينبغي أن يحسن هذا الاستفهام في حال دون ~~حال إن قيل أليس قد يقول المتكلم لمن قاله من عندك أعن العرب تسألني أم عن ~~العجم فبطل قولكم إن ذلك لا يحسن الجواب أنه متى لم يعرف إلا مجرد اللفظة ~~لم يحسن منه هذا الإستفهام وإنما يحسن منه ذلك إذا علم من ضمير السائل أن ~~غرضه أن يسأله عن أحد القبيلتين إما العرب وإما العجم ولا يعرف أن غرضه ~~أحدهما بعينه فيقول له أعن العرب تسألني أم عن العجم ولو كان الأصل حسن ~~سؤاله عن أحد القبيلتين لكان ينبغي أن يكون حسن هذا الاستفهام هو الأكثر ~~وقبحه هو القل والأمر بخلاف ذلك ويحسن أن يتصل الاستفهام على ما ذكرناه ~~فعلمنا أنه إن حسن أن يقول المسؤول للسائل أعن العرب تسألني فلما ذكرناه ~~وقد يكون عند المسؤول عالم من الناس يعجز عن ذكر آحادهم فيقول عندي عالم من ~~الناس لا أستطيع ذكر آحادهم فيعتذر بذلك ويدل اعتذاره على أن المفهوم من ~~لفظة من السؤال عن كل عاقل عنده إن قيل إنما يجيبه بذكر كل عاقل عنده لأنه ~~إذا أجابه بذلك فقد صار إلى غرض السائل لأنه إن كان غرضه السؤال عن الكل ~~فقد أجابه وإن كان غرضه السؤال عن البعض # PageV01P202 # فقد دخل تحت جوابه عن الكل قيل يقتضي ms195 حسن جوابه عن الكل ولا يوجبه وفي ~~ذلك حسن استفهام المسؤول عن الحد الذي ذكرناه وأيضا فان كانت اللفظة مشتركة ~~فليس في جواب المسؤول بذكر الكل وصول إلى غرض السائل على كل حال لأنه قد ~~يجوز أن يكون غرضه السؤال عن البعض وهو أحد محتملي السؤال وأن لا يفحص عن ~~الباقي ولا يعرفه فان قالوا لو كان هذا غرضه لما أتى بلفظ مشترك قيل ولو ~~كان غرضه الكل لما أتى بلفظ مشترك بين الكل وبين البعض وعلى أن هذا يقتضي ~~أن يكون غرض المستفهم بلفظة من السؤال عن الكل أبدا وهذا يقتضي السامع ذلك ~~من غرضه وذلك يزيل كونها مشتركة فان قالوا إنا غير مشتركة من جهة العرف قيل ~~إذا ثبت لنا أنها غير مشتركة في اللغة في هذا الوقت فقد تم غرضنا ولا ضرر ~~علينا في أن لا نعرف لماذا وضعت من قبل على أنه لا طريق إلى أن نعلم أن ~~اللفظة موضوعة في أصل اللغة للشيء إلا أن نعلم أنها حقيقة فيه في هذا الوقت ~~ولا يدل دليل على أنها منقولة فلو جوزنا في لفظة من أن تكون منقولة لم يجوز ~~ذلك في كل لفظة # دليل القائل إذا قال من دخل داري ضربته حسن أن يستثنى منه كل عاقل ~~والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فاذا لولا الاستثناء ~~لوجب دخول كل عاقل تحت لفظة من فلو كانت لفظة من حقيقة في الخصوص مجازا في ~~العموم أو كانت حقيقة في الاستغراق وفيما دونه من الجموع لما وجب دخول كل ~~عاقل تحت الكلام على كل حال إن قال أصحاب الاشتراك ما أنكرتم أن يكون ~~الاستثناء إنما يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله تحته فجاز أن يستثنى ~~الإنسان من لفظة من أي عاقل شاء لصحه دخول كل عاقل تحتها قيل لو جاز ما ~~ذكرت لجاز أن يقول القائل لغيره اضرب رجالا إلا زيدا وهذا الكلام في الحسن ~~والإستقامة يجري مجرى قول قائل من دخل داري ضربته إلا ms196 زيدا لأن أي رجل أشرت ~~إليه يجوز أن يدخل تحت قوله اضرب رجلا على سبيل الجمع # PageV01P203 # والشمول ومعلوم أن أهل اللغة لا يتناولون قول القائل من دخل داري ضربته ~~إلا زيدا بل يجعلون ذلك استثناء حقيقة ويتأولون قوله اضرب رجالا إلا زيدا ~~ويقولون إن إلا ها هنا بمنزلة ليس كأنه قال اضرب رجالا ليس زيد منهم # وقد استدل أصحابنا على أن الاستثناء لا يخرج من الكلام ما لولاه لصح ~~دخوله تحته بأشياء # منها قولهم لو حسن ذلك لحسن أن يقول القائل ضربت رجلا إلا زيدا ورأيت ~~رجلا إلا زيدا لأن كل رجل يصح دخوله تحت قوله أضرب رجلا ولقائل أن يقول أما ~~قول القائل اضرب رجلا إلا زيدا فحسنه لازم لكم لأن قوله اضرب رجلا يتناول ~~كل رجل على البدل على سبيل الوجوب لا على سبيل الصحة فكان ينبغي أن يحسن أن ~~يستثنى منه زيدا ليخرج من وجوب تناول الخطاب له على البدل فان قلتم إنما لم ~~يحسن ذلك لأن قوله اضرب رجلا لا يتناول كل رجل على جهة الشمول والاستثناء ~~يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحته على جهة الشمول الجمع قبل لكم ما أنكرتم أن ~~يكون الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله تحته على جهة الشمول ~~أيضا وأما قوله رأيت رجلا إلا زيدا فانه لا يستعمل لأن قوله رأيت رجلا وإن ~~لم يفد رجلا بعينه فاذا نعلم أن رؤيته ما تناولت إلا شخصا معينا وإن لم يكن ~~معينا لنا والشيء الواحد المعين لا يجوز أن يستثنى منه لأنه لم يدخل معه ~~غيره لا على جهة الشمول ولا على جهة البدل # ومنها قولهم إن الاستثناء يدخل على ألفاظ العدد كقول القائل له على عشرة ~~إلا واحدا وإنما حسن دخوله على العشرة لأنه قد أخرج منها ما لولاه لدخل ~~فيها ألا ترى لا يحسن استثناؤها كلها ولا استثناء ما لم يدخل تحتها ولقائل ~~أن يقول إنما حسن استثناء الواحد من العشرة لأنه لولا الاستثناء لصح # PageV01P204 # دخوله في الخطاب لا ms197 لوجوب دخوله فيه لأن وجوب دخول الواحد في جملة العشرة ~~لا يمنع من كون دخوله صحيحا إن قيل كيف يكون دخوله صحيحا وواجبا قيل إن صحة ~~دخوله تحت لفظ العشرة نعني به أن اسم العشرة يتناوله مع غيره على سبيل ~~الحقيقة ووجوب دخوله تحته نعني به أنه لا يكون الخطاب حقيقة إلا إذا دخل ~~تحته ومعلوم أن القسم الأول داخل تحت القسم الثاني ويبين ذلك أن كلما وجب ~~له حكم من الأحكام فذلك الحكم صحيح عليه غير مستحيل وأيضا فلو كان يج دخوله ~~تحت الخطاب مباينا لما يصح دخوله تحته لم يصح الأستدلال بدخول الاستثناء ~~على لفظ العدد لأن ذلك يدل على أن الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحت ~~الخطاب وذلك لا يمنع من إخراجه ما يصح دخوله تحته لأن حسن أحدهما لا يمنع ~~من حسن الآخر # ومنها قولهم إن أهل اللغة قالوا إن الاستثناء هو إخراج جزء من كل والجزء ~~يجب كونه جزء لكله ولقائل أن يقول إن الشيء قد يكون جزء للشيء على طريق ~~الصحة وعلى طريق الوجوب أما الذي هو جزء على طريق الوجوب فالواحد من العشرة ~~وأما الذي هو جزء على طريق الصحة فانه يجوز أن يكون جزءه ويجوز أن لا يكون ~~جزءه نحو قول القائل اضرب رجالا فانه يجوز أن يكون زيد جزء منهم ويجوز أن ~~لا يكون منهم فاذا كان كذلك فليس في قول أهل اللغة إن الاستثناء يخرج جزء ~~من كل ما يدل على أنه يخرج ما يجب أن يكون جزء من الكل والمعتمد في الجواب ~~على الأول إن قيل لو كان الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله ~~تحته يحسن أن يستثني الإنسان من قوله من دخل داري ضربته الملائكة والجن ~~لأنه يجب دخولهم تحت لفظة من قيل ولو كان يخرج من الكلام ما لولاه لصح ~~دخوله تحته لحسن استثناء الملائكة والجن من قول القائل من دخل داري ضربته ~~لأن تناول الخطاب لم يصح وأيضا فإنا إنما قلنا إن الاستثناء ms198 لا يخرج من ~~الكلام إلا ما يجب دخوله تحته وهذا يقتضي أن يكون كل ما هذه سبيله فيجب # PageV01P205 # دخول الاستثناء عليه وأيضا فالاستثناء إنما يخرج من الكلام ما لولاه ~~لتناوله الكلام ولم يمنع مانع من دخوله تحته لولا الاستثناء لأنه والحال ~~هذه يجب دخول المستثنى منه تحت الخطاب والملائكة والجن قد منع مانع من ~~دخولهم تحت الخطاب وعلمنا أن المتكلم ما أرادهم قبل الاستثناء فلم يكن في ~~الاستثناء فائدة ولما لم يمتنع أن يدخلوا تحت خطاب الله سبحانه حسن أن ~~يتناولهم الاستثناء لأنه لو قال من عصاني عاقبته حسن أن يستثني الملائكة ~~والجن # دليل وقد استدل في المسألة بأن أهل اللغة فصلوا بين العموم وبين الخصوص ~~وجعلوا أحدهما في مقابلة الآخر فقالوا مخرج هذا اللفظ العموم ومخرج هذا ~~الخصوص كما فصلوا بين الأمر وبين النهي فكما وجب أن يكون لكل واحد منهما ~~لفظ يخصه فكذلك العموم والخصوص وهذه الدلالة إنما تفسد القول بأن لفظ ~~العموم يفيد ما يفيده لفظ الخصوص فقط وانه يستفاد منه العموم بالقصد لأن ~~القائل بهذا القول لا يجعل أحدهما منفصلا من الآخر وذلك يمنع من أن يكون ~~أحدهما في مقابلة الآخر لأن الشيء لا يكون في مقابلة نفسه غير أنه يبعد أن ~~يذهب إلى هذا القول أحد فأما قول الخصم بأن العموم مشترك بين أول المجموع ~~وبين الاستغراق وما بينهما من الجموع ولا يفيد ما نقص عن أقل الجمع على ~~سبيل الحقيقة والخصوص يفيد عينا واحدة فان هذا الدليل لا يفسده وكذلك لو ~~قال إن لفظ العموم يفيد أقل الجمع دون ما فوقه على سبيل الحقيقة والخصوص لا ~~يفيده على سبيل الحقيقة إلا عينا واحدة لأنه بهذا القول قد خالف بينهما في ~~الفائدة # وذكر قاضي القضاة في الشرح أن الذي يفسد قول الذاهبين إلى أن لفظ العموم ~~مشترك بين الإستغراق وبين ما دونه أن أهل اللغة فصلوا بين لفظ العموم وبين ~~النكرة في الإثبات نحو رجل وما أشبه ذلك ولن يتم ذلك إلا مع القول بأن ms199 في ~~العموم ضرب من الاستغراق ولقائل أن يقول إن ذلك يتم من دون ما ذكره لأني ~~أجعل النكرة في الإثبات تتناول واحدا غير معين ولفظ العموم يفيد الجمع ~~المستغرق وغير المستغرق على البدل # PageV01P206 # دليل ومما استدل به في المسألة هو أن أهل اللغة خالفوا بين تأكيد العموم ~~وبين تأكيد الخصوص فجعلوا تأكيد أحدهما مفارقا لتأكيد الآخر ألا ترى أنهم ~~قالوا رأيت زيدا نفسه ولم يقولوا رأيت زيدا أجمعين وقالوا رأيت القوم ~~أجمعين ولم يقولوا رأيت القوم نفسه قالوا فكما أن تأكيديهما مختلفان لا ~~بالقصد فكذلك هما يجب أن يختلفا لا بالقصد لأن من حق التأكيد أن يطابق ~~المؤكد ولا يلزم على ذلك الإشارة لأنها تورد للاستعانة بها والاستراحة ~~إليها لا للتأكيد ومع ذلك فان الاشارة إلى جماعة من الناس مخالفة للإشارة ~~إلى شخص واحد ولهذا إذا قال الإنسان جاءني هؤلاء القوم اشار إلى جماعتهم ~~وحرك إصبعه في جهتهم وإذا قال جاءني زيد وحده أشار إليه وحده وكذلك إذا ~~أشار وهم عنه غيب فقال جاءني القوم كلهم وقال جاءني زيد وحده وهذه الدلالة ~~إنما يبطل بها قول من قال إن لفظ العموم لا يفيد إلا ما يفيده الخصوص لأن ~~القول بذلك يلزم عليه أن يكون تأكيد العموم كتأكيد الخصوص فأما إذا قال إن ~~لفظ الخصوص يتناول الواحد ولفظ العموم يفيد الجمع وهو مشترك بين كل الجموع ~~ولا يقع على الواحد إلا مجازا فانه قد خالف بين فائدتيهما فلم يلزمه أن ~~يوافق بين تأكيديهما # شبهة لهم # قالوا لو كان لفظ العموم مستغرقا لكان ذلك معلوما إما بالبديهة أو باخبار ~~الواضعين لذلك لنا مشافهة أو بنقل عنه إما بالتواتر أو بالآحاد وأن يكون ~~طريق ذلك الشرع قالوا ليس خلافنا معكم في أن ذلك معلوم بالشرع لأنكم تدعون ~~العلم بالاستغراق من جهة اللغة قبل الشرع ومعلوم أن العلم بذلك ليس من ~~البديهة وما شاهدنا الواضعين فيشافهونا بذلك فلو تواتر النقل عنهم باستغراق ~~ألفاظ العموم لعلمنا من ذلك ما علمتم وأخبار الآحاد ليست طريقا إلى ms200 العلم ~~ولو كان الخبر عن استغراق العموم خبر واحد لم # PageV01P207 # ينفعكم فبان أنه لا طريق إلى العلم باستغراق ألفاظ العموم والجواب يقال ~~لهم أتجعلون هذه الشبهة دلالة على أن لفظ العموم ما وضع للاستغراق أو ~~تجعلونها دلالة على أنه وضع للاستغراق ولما دونه فان قالوا بالأول قيل لهم ~~نحن نعلم ضرورة بالنقل عنه وعند استعمالهم الكلام أن لفظة كل وجميع إذا ~~استعملت في الإستغراق لم تكن مجازا ولو لم نعلم ذلك ضرورة لجاز أن نعلم ~~بدليل وهو أن ينقل عنهم بالتواتر أنهم أضافوا إلى هذه الألفاظ أحكاما لا ~~تصح إلا إذا كانت الألفاظ عامة نحو الاستثناء والاستفهام وغير ذلك وعلى أن ~~ما ذكروه يقتضي أنه لا طريق لهم إلى العلم بأن لفظ العموم وضع للاستغراق ~~وهذا يقتضي أن يجوزوا كونه موضوعا له وهم يقطعون على أنه غير موضوع له ولا ~~يشكون فان قالوا مذهبنا أن لفظ العموم موضوع للاستغراق ولما دونه قيل لهم ~~فالشبهة عليكم لا لكم لأنكم قد سلمتم أن لفظ العموم موضوع للاستغراق وهو ~~حقيقة فيه فكأنكم إنما استدللتم على أنه موضوع لما دونه ونحن ننفي ذلك فلنا ~~أن نقول لو كان موضوعا لما دونه لكان ذلك معلوما بالبديهه أو بمشافهة ~~الواضعين أو بالتواتر عنهم أو بالآحاد ولا تواتر في ذلك ولا آحاد لأنه ليس ~~أحد من أهل اللغة قال إن لفظة كل حقيقة في البعض ولا نقل ذلك ناقل واحد ~~فالكلام لازم لأنه لو وضع لما دون الاستغراق لما جاز أن يضرب أهل النقل ~~بأجمعهم عن نقله # شبهة قالوا لو كان العموم موضوعا للاستغراق لفهم السامع له الاستغراق عند ~~إدراكه بأول وهلة كما علم الخصوص عند إدراكه الخصوص الجواب يقال لهم لم ~~زعمتم أنه كان يجب ذلك وأيضا فليس كل معلوم يعلم عند الإدراك بأول وهلة بل ~~كثير من المعلومات يعلم بتأمل ونظر ولا يمتنع أن العموم يعلم بالأدلة التي ~~ذكرناها وعلى أن كثيرا من ألفاظ العموم نحو كل وجميع # إذا تجردت علم من خالط أهل العربية ms201 من قصدهم استغراقها حتى إذا # PageV01P208 # سمعها متجردة عن قرينة سبق إلى فهمه الاستغراق نحو أن يقول القائل ضربت ~~كل من في الدار فهي كألفاظ الخصوص وإن جاز أن يكون العلم بفائدة لفظ الخصوص ~~أظهر ويقال لهم ولو كان لفظ العموم موضوعا للاستغراق أو ولما دونه فقط لعرف ~~ذلك من سمع العموم بأول وهلة # شبهة قالوا لفظ العموم يستعمل في الاستغراق وفيما دونه على سواء فكما وجب ~~أن يكون حقيقة في الاستغراق وجب كونه حقيقة فيما دونه الجواب يقال لهم لو ~~تعنون بقولكم إنها مستعملة في الاستغراق وفيما دونه على حد سواء أنها ~~مستعملة فيهما على حد الحقيقة فهو موضوع الخلاف وفي ذلك استدلالكم بالشيء ~~على نفسه وإن أردتم أنها تستعمل في كل واحد منها من غير قرينة بل يكتفي بها ~~في الدلالة على الاستغراق وعلى ما دونه لم نسلم لكم ذلك ولم يمكنكم أن ~~تقولوه مع القول بالاشتراك فان أردتم أنها لا تستعمل في الاستغراق ولا فيما ~~دونه إلا مع قرينة وأنها لا تدل على واحد منها إلا بقرينة لم نسلمه لكم ولا ~~يمكنكم أن تعلموا أنها لا تدل على الاستغراق بنفسها إلا بعد أن تصححوا ~~كونها مشتركة ويلزمون أن يكون قولنا حمار حقيقة البليد # فان قالوا ليس مستعمل فيه كاستعماله في البهيمة قلنا لهم وليس استعمال ~~لفظ العموم وفيما دون الاستغراق كاستعماله في الاستغراق وأي وجه فصلوا به ~~بين استعمال اسم الحمار في البهيمة وفي البليد أمكننا ذكره في مسألتنا # واستدلوا بالاستعمال على وجه آخر فقالوا إن لفظ العموم يستعمل في ~~الاستغراق وفيما دونه والظاهر من استعمال الاسم في الشيء أن يكون حقيقة فيه ~~إلا أن يمنع مانع من كونه حقيقة فيه نحو أن يعلم باضطرار من قصد أهل اللغة ~~أنهم يتجوزون بالاسم فيما استعملوه فيه والجواب يقال لهم لم زعمتم أن ~~الظاهر من استعمال الاسم في الشيء أنه حقيقة فيه وما أنكرتم أن استعماله ~~فيه يدل على # PageV01P209 # أنه مستعمل فيه في اللغة فأما أنه حقيقة فيه أو مجاز ms202 فيحتاج فيه إلى نظر ~~آخر # فان قالوا لو لم يكن الاستعمال طريقا إلى كونه الاسم حقيقة لم يكن لنا في ~~الفصل بين كون الاسم حقيقة أو مجازا طريق قيل هذا دعوى ونحن قد بينا وجوها ~~يفصل بها بين الحقيقة والمجاز إلا هذا ولو لم يكن هذا فصلا صحيحا فقد لزمنا ~~وإياكم أن لا يكون لنا طريق للفصل بينهما وليس يصير الشيء دليلا على الشيء ~~لأنه قد فسد أن يكون غيره دليلا وليس يجوز أن يكون ما ذكروه دليلا على ~~الحقيقة لأن غيره لا يكون دليلا عليها ويقال لهم إنما يجب أن يكون اللفظ ~~حقيقة في الشيء إذا لم يمنع مانع من كونه حقيقة فيه إذا كان ظاهر استعماله ~~فيه يقتضي أن يكون حقيقه فيه حتى إذا لم يمنع مانع مما يقتضيه حكم الظاهر ~~حكم به فما معنى قولكم إن ظاهر استعمال الاسم في الشيء يقتضي كونه حقيقة ~~فيه فان قالوا معنى ذلك أنه لا يستعمل الاسم في الشيء إلا وهو حقيقة فيه ~~انتقض عليهم بأسماء المجاز كلها وقيل لهم أيضا قولكم إلا أن يمنع من ذلك ~~مانع يوجب أنه قد يكون الاسم مجازا فيما استعمل فيه إذا منع مانع من كونه ~~حقيقة فيه فان قالوا معنى ذلك أن الاسم إذا استعمل في الشيء فالأكثر ~~والأغلب أنه حقيقة فيه قيل لهم بل الأكثر استعمال المجاز ولو صح ما ذكرتموه ~~لكان ذلك يفيد غالب الظن فان الاسم إذا استعمل في الشيء كان حقيقة فيه # فان قالوا معنى قولكم إن ظاهر العموم الاستغراق قيل معنى ذلك أنه موضوع ~~له وحقيقة فيه وأن المتكلم يجب أن يعني به موضوعه إذا جرده عن دلالة ولا ~~يمكنكم ذكر ذلك في الاستعمال لأن الاستعمال ليس بلفظ فيكون موضوعا للشيء ~~فيقال له إنه ظاهره والأسبق إلى الأفهام فلم يكن له معنى إلا الوجهين ~~اللذين ذكرناهما # يلزمون أن يكون اسم الأسد حقيقة في الشجاع لأنه مستعمل فيه فان قالوا قد ~~منع من ذلك مانع وهو علمنا باضطرار من قصد ms203 أهل اللغة أنه ليس # PageV01P210 # بحقيقة فيه قيل لهم فكذلك نحن نعلم باضطرار من قصد أهل اللغة أن قول ~~القائل ضربت كل من في الدار إذا استعمل في ثلاثة وفيها عشرة أنه مجاز فان ~~قالوا كيف نعلم ذلك باضطرار ونحن نخالفكم فيه قيل وكيف علمتم باضطرار أن ~~اسم الأسد واقع على الشجاع مجازا والنافون للمجاز في اللغة يمنعون من كون ~~هذا الاسم للشجاع مجازا ويقال لهم أليس قولنا أمر مستعمل في الشأن والفعل ~~وليس بحقيقة فيهما وليس يمكنكم القول بأنكم تعلمون باضطرار كون ذلك مجازا ~~فيهما لوجدنا خلقا من الناس يقولون إن ذلك حقيقة فيهما وكذلك وقوع اسم ~~الشفاعة على طلب المنافع مجاز عند المرجئة وليس بمعلوم كونه مجازا باضطرار ~~لأنا نذهب إلى أنه حقيقة فيه # وأيضا فليس يجوز أن يقتصر في كون اللفظ مجازا على أنا نعلم باضطرار من ~~قصد أهل اللغة أنه مجاز لأنه ليس كل ما لم نعلم باضطرار وجب نفيه لأن الحكم ~~قد يعلم بدليل وقد يعلم باضطرار فأن قالوا إن الظاهر من استعمال اللفظ في ~~الشيء أن يكون حقيقة فيه إلا أن يعلم باضطرار أو بدليل أنه مجاز فيه ولفظ ~~العموم مستعمل فيما دون الاستغراق ولا يعلم أنه مجاز فيه فوجب كونه حقيقة ~~فيه ولا يلزم على ذلك استعمال اسم الأسد في الشجاع واسم الشفاعة في طلب ~~المنافع لأنا قد علمنا أن اسم الأسد مجاز في الشجاع وعلمنا بالدليل أن اسم ~~الشفاعة مجاز في طلب المنافع قيل قد بينا أنه لا معنى لقولكم إن ظاهر ~~استعمال اللفظ في الشيء أن يكون حقيقة فيه وبينا أن استعمال الاسم في الشيء ~~إنما يدل على أنه يقيده في اللغة فلا يخلو أنه إذا لم نعلم أنه مجاز فيه ~~إما أن لا نعلم ذلك مع الفحص عن أدلة المجاز مع علمنا بانتفائها ذلك عن ~~اللفظ أو مع انتفاء الفحص عن أدلة المجاز فان كنا لم نفحص عن أدلة المجاز ~~فنعلم انتفائها فلا معتبر بفقد علمنا بأنه مجاز نحو أن يكون ms204 في اللغة ما ~~يدل على أنه مجاز وإن كنا لم نعلم أنه مجاز مع علمنا بانتفاء أدلة المجاز ~~عن اللفظ فقد صار الدليل على أن اللفظة حقيقة هو أنا لما رأيناها مستعملة ~~في الشيء علمنا أنها من اللغة ثم قلنا إما أن تكون حقيقة فيه أو مجازا ~~وليست # PageV01P211 # مجازا لأن للمجاز أدلة محصورة كلها منتفية عنه فصح كونها حقيقة وإذا كان ~~كذلك لم تصح هذه الدلالة إلا بأن يحضر أدلة المجاز وتبين زوالها عن اللفظ ~~إذا استعمل فيما دون الاستغراق فيجب أن تبينوا ذلك حتى يصح دليلكم فان ~~قالوا فما الفرق بين هذا الاستدلال وبين استدلالكم بظاهر العموم وقولكم إنه ~~على الاستغراق إلا أن يدل دليل على تخصيصه قبل إن لفظ العموم عندنا موضع ~~للاستغراق فصح أن نقول إنه يفيده إلا أن يمنع منه مانع وقد بينا بطلان ~~القول بأن ظاهر الاستعمال يفيد الحقيقة ومع ذلك فليس يصح أن يعلم استغراق ~~العموم إلا بأن يعلم أنه موضوع للاستغراق ويعلم انتفاء ما يخصه كما لا يعلم ~~أن اللفظ حقيقة فيما استعمل فيه إلا بعد أن يعلم انتفاء أدلة المجاز فهما ~~سيان من هذه الجهة غير أنه يجوز للمستدل بظاهر العموم أن يعول عليه ويكون ~~على المناظر له أن يورد عليه ما يخص العموم ولا يتكلف المستدل بيان فقد ما ~~يخص العموم لأنه قد ذكره ما يدل على الاستغراق إذا لم يكن في معارضة ما ~~يخصه فهو معول على دلالة المشروط فلو كلفناه تصحيح الشرط لطال ولم يتسع له ~~الزمان وليس كذلك من قال إن ظاهر الاستعمال الحقيقة إلا أن يمنع مانع لأنا ~~قد بينا أن محصول كلامه أن اللغة تجوز استعمال الاسم فيما دون الاستغراق ~~وإنما نعلم أنه حقيقة فيه لفقد دلالة المجاز فقوله إنني قد فقدت أدلة ~~المجاز اقتصار على دعوى فقط فان أمكن تصحيحها وإلا فهو مقتصر على دعوى # شبهة # قالوا لو كان لفظ العموم مستغرقا لكان الاستثناء منه نقضا ورجوعا ويقال ~~لهم ما معنى كونه نقصا فان قالوا ms205 معنى ذلك أنه يدلنا على أن لفظ العموم قد ~~أراد به المتكلم بعض ظاهره واستعمله فيه فقط قيل فهذا مذهبنا فان سميتموه ~~نقضا فلا يضرنا ثم يقال لهم أتريدون أن ظاهر العموم عندنا الاستغراق إذا ~~تجرد عن اسثناء وما يجري مجراه أو وإن لم يتجرد فان قالوا إذا تجرد قيل لهم ~~فما تجرد في مسئلتنا وإن قالوا وإن لم يتجرد قيل لهم لا # PageV01P212 # يسلم ذلك خصوصهم على أن لفظ العموم إنما يستغرق ما دخل عليه وإذا كان معه ~~استثناء فهو داخل على ما عدا المستثني وهو مستغرق له فلم يكن الاستثناء ~~نقضا من ذلك لفظة كل تقتضي استغراق ما دخلت عليه لأنك إذا قلت ضربت كل من ~~في الدار استغرقت لفظة كل جميع من في الدار لا غيرهم وإذا قلت ضربت كل رجل ~~طويل كان ذلك مستغرقا لكل طويل لا غير فكذلك قولك كل رجل في الدار إلا بني ~~تميم معناه كل من عدا بني تميم فلفظة كل دخلت على من عداهم فاستغرقتهم فاذا ~~استعملت لفظة كل في هذا الموضع في غير ظاهرها فيكون الاستثناء نقضا لها ~~وعلى أنه لو كان ظاهر العموم الاستغراق على كل حال والاستثناء قد صيرها ~~مجازا لم يلزم أن يكون نقضا لأن ما دل على أن الكلمة مجاز لا يكون نقضا لها ~~كالقرينة الدالة على أن قولنا أسد مستعمل في الرجل الشجاع فان قيل لو لم ~~يكن قول القائل ضربت كل من في الدار إلا بني تميم نقضا وقبيحا لكان قوله ~~ضربت كل من في الدار لم أضرب كل من في الدار غير مناقضة ولا قبيحا قيل هذا ~~لكم ألزم لأنكم تذهبون إلى أن لفظة كل حقيقة في الاستغراق وفي البعض أيضا ~~ويحسن عندكم الاستثناء منها لأنه يدل على أن لفظ العموم مستعمل في إحدى ~~حقيقتيه فيلزم أن يحسن أن يقول الإنسان ضربت كل من في الدار لم أضرب كل من ~~في الدار ليدل بذلك على أنه استعمل لفظة كل في إحدى حقيقتيها وهي البعض ms206 ~~والفرق عندنا بين الموضعين أن الاستثناء لما لم يستقل بنفسه وجب تعليقه بما ~~تقدم وذلك يدل على أن المتكلم بالمستثنى منه ما استوفى غرضه منه لأنه ما ~~عدل عنه ألا ترى أنه قد قيده بما لا يستقل إلا معه وإذا لم يكن عادلا عن ~~الكلام بالاستثناء صار الاستثناء جزء من الجملة وصار مجموع المستثنى ~~والمستثنى منه كالجملة الواحدة ودل مجموعها على استغراق ما عدا المستثنى ~~وليس كذلك قول القائل ضربت كل من في الدار لم أضرب كل من في الدار لأن كل ~~واحدة من الجملتين مستقلة بنفسها لا يجب أن تعلق الثانية بالأولى فعدول ~~المتكلم من # PageV01P213 # الجملة الأولى إلى جملة مستقلة بنفسها لا يجب تعليقها بالأولى يدل على ~~أنه قد استوفى غرضه من الاولى فلما أقر بالثانية كان قد نقض الاولى لأنها ~~تنافيها بعد استيفاء الغرض من الاولى وأيضا فان لفظ العموم إنما دخل على ما ~~عدا المستثنى على ما بيناه فهو مستغرق له دون غيره كما أن العموم المشروط ~~والمقيد بالصفة إنما دخل على ما عدا الشرط والصفة وليس يجب أن يقبح العموم ~~المشروط ولا العموم المقيد بالصفة كما يقبح قول القائل ضربت كل الناس لم ~~أضرب كل الناس لأن كل واحدة من اللفظتين قد دخلت على الناس يبين ما ذكرناه ~~أن الإنسان إذا قال ضربت كل من في الدار عم جميعهم وإذا قال لعبيده أكرم كل ~~الناس عم الجميع وإذا قال لعبيده أكرم كل الناس إن كانوا مؤمنين عم ~~المؤمنين دون غيرهم واقتضى ذلك التخصيص ولم يجز قياسا على ذلك أن يقول ضربت ~~كل من في الدار لم أضرب كل من في الدار فكذلك القول في العموم المستثنى منه ~~فهذا كلام في قولهم إن الاستثناء نقض # ثم يقال لهم ما معنى قولكم إن الاستثناء رجوع فان قالوا رجوع عن ظاهر ~~الكلام لأن ظاهر العموم الاستغراق عندكم والاستثناء قد منع منه فقد تقدم ~~الكلام على ذلك وقلنا إن العموم اقتضى استغراق ما دخل عليه وهو ما عدا ~~المستثنى وقلنا ms207 إنه لو اقتضى استغراق الكل والاستثناء يمنع من ذلك لكان قد ~~دل على أنه مجاز وذلك غير مستحيل وإن قالوا اردنا أنه رجوع عن الإرادة لأن ~~المتكلم أراد بلفظ العموم الاستغراق ثم عدل عن هذه الإرادة إلى إرادة البعض ~~فقط عند الاستثناء قيل لهم ولم زعمتم أنه أراد عند أول كلامه استغراق ~~الجميع وما أنكرتم أنه أراد استغراق ما دخل عليه لفظ كل وهو ما عدا ~~المستثنى فلا يكون قد أراد شيئا ثم عدل عنه فان قالوا لو كان المتكلم قد ~~أراد البعض بلفظ العموم لكان قد استثنى مما لم يرد وذلك محال قيل إنه أراد ~~الكل بلفظ العموم لكنه أراد كل ما دخل عليه اللفظ وهو ما عدا المستثنى فلا ~~نقول إنه أراد البعض ثم استثنى كما نقول لو أنه إذا # PageV01P214 # قال اضرب كل الرجال الطوال دون القصار على انه يلزمهم مثل ما ألزمونا ~~لأنا لا نقول لهم إذا كان لفظ العموم مشتركا بين الاستغراق وبين ما دونه ~~فأخبرونا هل أراد المتكلم الاستغراق ثم استثنى منه أو أراد البعض ثم استثنى ~~منه زيدا فان قالوا بالأول قيل لهم فقد رجع وإن قالوا بالثاني قيل لهم أفهل ~~استثنى منه زيدا من البعض الذى أردناه أو من البعض الذى لم نرده فان قالوا ~~بالأول قيل لهم هذا رجوع وإن قالوا بالثاني قيل لهم فقد أخرج بالاستثناء ما ~~لم يرده وهذا الذي أتيتموه # وربما تعلقوا بالاستثناء من وجه آخر فقالوا لو كان لفظ العموم مستغرقا ~~لجرى الاستثناء منه مجرى أن يعدد الإنسان أشخاص الجنس ثم يستثنى منه شخصا ~~نحو أن يقول رأيت زيدا رأيت عمرا رأيت خالدا هكذا إلى آخر الناس ثم يقول ~~إلا زيدا فلما قبح هذا قبح ذاك وفي حسن الاستثناء دليل على ان لفظ العموم ~~غير شامل يقال لهم لم زعمتم أنه إذا قبح أحدهما قبح الآخر وما أنكرتم أن ~~الفرق بينهما أن الاستثناء إخراج جزء من كل فيدل على أن المتكلم استعمل لفظ ~~الكل في جميع ما عدا ms208 الاستثناء فاذا قال الإنسان رأيت زيدا رأيت عمرا إلا ~~زيدا لم يخل قوله إلا زيدا إما أن يكون راجعا إلى زيد او إلى عمرو فان رجع ~~إلى زيد كان ذلك رجوعا ونقضا وإخراجا لجزء من كل واستعمالا للفظ كل فيما ~~عدا المستثنى وإن رجع إلى عمرو ولم يكن قد أخرج زيدا من شيء هو كله لأن ~~عمرا ليس بكل زيد وليس يجوز أن يرجع الاستثناء إلى زيد وإلى عمرو معا لأن ~~كل واحد منهما مستقل بنفسه وليس يشملهما لفظ واحد هو كل لهما فيكون ~~الاستثناء دالا على أن لفظ الكل مستعمل فيما عداه وليس كذلك قول القائل ~~ضربت كل من في الدار إلا زيدا لأن قولنا كل لفظ يشمل الأشخاص فصح أن يخرج ~~الاستثناء بعضها بأن يدل على أن لفظة كل مستعملة فيما عدا المستثنى ويجري ~~ذلك مجرى تعديد الأشخاص كلهم إلا زيدا ثم يقال لهم أنتم تقولون إن لفظ ~~العموم حقيقة للاستغراق كما أنه حقيقة للبعض فقد لزمكم # PageV01P215 # أن يكون العموم مع الاستثناء يجري مجرى أن يعدد المتكلم أشخاص الجنس ثم ~~يستثني واحدا منها فان قالوا لا يلزمنا ذلك لأنه إذا استثنى منها واحدا ~~علمنا أنه لفظ العموم فيما عداه واستعماله فيما عداه هو حقيقة عندنا قيل ~~لهم استعماله فيما عدا المستثنى حقيقة عندنا لأنه دخل عليه لا غير على ما ~~بيناه ولو كان استعماله فيه مجازا لكان الاستثناء قد دل على أن لفظ العموم ~~مستعمل على وجه المجاز وليس استعمال اللفظ فيما هو مجاز فيه يجري مجرى أن ~~يقول الانسان رأيت زيدا وعمرا إلا زيدا # وربما تعلقوا بالاستثناء على وجه آخر فقالوا لو كان لفظ العموم مستغرقا ~~لما جاز تخصيصه بدلالة متصلة ولا منفصلة كما لا يجوز تخصيص العلة بل العموم ~~أولى بذلك لأنه دلالة قاطعة والعلة الشرعية أمارة والجواب يقال لهم أما ~~التخصيص بالأدلة المتصلة بالشروط والاستثناء والتقييد بالصفة فقد قلنا إن ~~العموم يكون داخلا فيما عداه وأما الدلالة المنفصلة فانما جاز أن تخصص ~~العموم لأنه لفظ ms209 والألفاظ يجوز استعمالها في حقيقتها وفي مجازها ويجوز أن ~~تدل الدلالة على استعمالها في المجاز وهذه الطريقة مفقودة في العلل فكان ~~محصول هذه الشبهة أن قالوا لو كان حقيقة العموم الاستغراق لما جاز استعماله ~~في المجاز وهذا ينتقض بجميع الألفاظ وجميع هذه الشبهة تنتقض بالاستثناء من ~~ألفاظ العدد # شبهة # قالوا لو كان لفظ العموم مستغرقا لما حسن أن يستفهم المتكلم به لأن ~~الاستفهام هو طلب الفهم وطلبا فهم ما قد فهم بالخطاب عبث ومعلوم أن الإنسان ~~إذا سمع غيره يقول ضربت كل من في الدار فانه يحسن منه أن يقول أضربتهم ~~أجمعين وأن يقول ضربت زيدا فيهم والجواب يقال لهم إن الاستفهام قد يكون ~~طليا لمطلق الفهم وإزالة الإلباس وقد يكون طلبا لزيادة الفهم وزيادة الفهم ~~فهم وذلك أن الفهم للخطاب قد يكون علما # PageV01P216 # بمراد المتكلم وقد يكون ظنا فان كان ظنا فالظن تتزايد قوته إذا تزايدت ~~أماراته فالمستفهم يطلب أن تكثر الأمارات الدالة على قصد المتكلم ليقوي ظنه ~~فان كان الفهم علما فالعلم قد يكون ضروريا وقد يكون مكتسبا والضروري أجل من ~~المكتسب فالمستفهم قد يطلب أن يتكرر القول من المتكلم أو أن يؤكد كلامه ~~فربما اضطر إلى قصده وطلب ذلك غير عبث لأنه ليس بحاصل قبل الاستفهام واما ~~الاستفهام الذي هو طلب لإزالة الإلباس إذا اقترن بالعموم ما يقتضي اللبس ~~فيستفهم السامع إزالة ذلك اللبس # ونحن نذكر الوجوه التي يحسن لها الاستفهام في كلا القسمين فنقول إن # منها ما يظن السامع أن المتكلم غير متحفظ في خطابه أو هو كالساهي ~~فيستفهمه ويستثبته حتى إن كان ساهيا أزال سهوة فأخبره عن تيقظ وإن لم يكن ~~ساهيا علم ذلك من حاله ولذلك يستفهم الإنسان بتكرار العموم ويجيبه المتكلم ~~بتكراره نحو أن يقول ضربت كل من في الدار فيقول السامع أضربتهم كلهم فيقول ~~نعم ضربتهم كلهم ولو كان يطلب زيادة الفهم لأجابه بلفظ آخر فعلم أنه إنما ~~يستثبته وكذلك قد يقول الإنسان جاءني زيد فيقول نعم # ومنها أن يظن السامع لأمارة ms210 أن المتكلم قد أخبر كلامه العام عن جماعة ~~وأنه ليس يتحقق دخول بعضهم فيما أخبر به ويكون السامع شديد العناية بذلك ~~فتدعوه شدة عنايته إلى الاستفهام عنه لكي يعلم المتكلم اهتمام السامع فلأنه ~~خص في الأخبار ولهذا قد يقول القائل رأيت كل من في الدار فاذا قيل أرأيت ~~زيدا فيهم فقال نعم زالت الظنة لأن اللفظ الخاص أقل احتمالا وربما لم يتحقق ~~رؤيته له فيدعوه ما رآه من اهتمام المستفهم إلى أن يقول لست أتحقق رؤيته # ومنها أن تدعوه شدة الاهتمام إلى الاستفهام طمعا في أن يضطر إلى قصد ~~المتكلم # PageV01P217 # ومنها أن يقترن بكلام المتكلم من الأمارات ما يقتضي تخصيص كلامه نحو أن ~~يقول القائل ضربت كل من في الدار ويكون فيها من يعظمه كأخيه فيغلب على الظن ~~أنه لم يضربه ويكون كلامه أمارة تدل على ضربه فتتعارض الأمارتان فيستفهمه ~~ليقع الجواب عنه بلفظ خاص لا يحتمل التخصيص # فلهذه الوجوه وما اشبهها يحسن الاستفهام لأن فيها عدول عن الفاظ يقل ~~احتمالها ومتى انتفت وما أشبهها لم يحسن الاستفهام فاما قول القائل رأيت ~~نخلة فانه لا يكاد يستعمل إلا في النخلة فلذلك لم يستفهم عن ذلك إلا على ~~طريق الاستثبات لإزالة السهو ومتى استعمل ذلك في رؤية الرجل الطويل حسن ~~الاستفهام # فأما خطاب الله سبحانه وأنه لا يحسن ورود الاستفهام عليه إلا أن يأذن ~~تعالى في ذلك ليرد منه عز وجل خطاب يكون أقل احتمالا فيكون العمل بمراده ~~أجلى # ثم يعارضون بدخول الاستفهام على ألفاظ الخصوص ثم يلزمون من العتب مثل ما ~~ألزمونا فنقول لهم أليس إذا قال القائل ضربت كل من في الدار كان ذلك مشتركا ~~بين الاستغراق وبين ما دونه وكذلك إذا قال أجمعين فالمستفهم إذا قال ~~أضربنهم أجمعين فقد طلب أن يفهمه ما لم يفهمه بما هو كالأول في أن الفهم لا ~~يقع به فان قالوا إنما يستفهم طمعا في حصول العلم الضروري أو في قوة الظن ~~أجبناهم بمثله # شبهة # قالوا لو كان لفظ العموم مستغرقا وكذلك تأكيده ms211 لكان تاكيده عبثا لأنه ~~يفيد ما أفاد المؤكد والجواب يقال لهم ولم إذا أفاد ما يفيده المؤكد من ~~الاستغراق كان عبثا وما أنكرتم من حصول فوائد في التأكيد لا تحصل مع فقده ~~ثم يقال لهم ولو أفاد كل واحد منهما من الاشتراك ما يفيده الآخر لكان ذكر ~~التاكيد عقيب المؤكد عبثا لا فائدة فيه # PageV01P218 # وينقض شبهتهم بتأكيد الخصوص كقول القائل جاءني زيد نفسه وبتأكيد ألفاظ ~~العدد كقول الله تعالى {تلك عشرة كاملة} وكقول القائل ألف تامة لأن قوله ~~ألف قد انبأ عن تمامها وجب أن يكون قوله تامة عبثا وقولنا جاءني زيد يفيد ~~مجيء نفسه فوجب كون تأكيده عبثا والنقض بتأكيد العدد إنما يلزم من قال إن ~~قولنا عشرة ليس بحقيقة في التسعة فما دونها فاما من ارتكب كونه حقيقة في ~~ذلك فالنقض لا يلزمه وإن كان بطلان قوله معلوما من اللغة باضطرار وكان يلزم ~~إذا قلنا عشرة تامة أن يكون قولنا تامة بيانا لا تأكيدا بل بيانا وقد رأيت ~~من التزم القول بأن قول القائل جاءني زيد نفسه إنما حسن لأن قوله جاءني زيد ~~حقيقة في مجيء غلامه وجوابنا عن هذا القول السكوت # ونحن ذاكرون وجه الفائدة في التأكيد فنقول إن كان المتكلم بالعموم حكيما ~~استدل على إرادته بخطابه فأنه إذا أكلا خطابهه كان قد زاد بالأدلة على ~~دلالة فيقوى بذلك علمنا ويزداد جلاء وبيانا أو يكون في ذلك مصلحة وإن لم ~~نعلمها بعينها ولهذا كثرت الأدلة على المدلول والواحد وإن كان المتكلم غير ~~حكيم يجوز أن يعمي مراده وإنما يعلم إرادته ضرورة أو يظن إرادته استدلالا ~~بخطابه فانه قد يؤكد خطابه لأنه يجوز أن يضطر السامع عند التاكيد إلى ~~إرادته أو لأنه قد يجوز السامع من ابتداء الكلام كان ساهيا فيدله المتكلم ~~بإيصال كلامه إن كان ساهيا وقد يورد التأكيد ليزيد الأمارات الدالة على ~~الإرادة فيقوى الظن لها وقد يقول لإنسان ضربت من في الدار ويكون فيهم من ~~يغلب على الظن أنه لا يضربه لوكيد صداقة بينهما أو ms212 لقرابة فيكون ذلك أمارة ~~معارضة لظاهر العموم فيؤكد كلامه بذكر الكل والجميع ليصف موقع هذه الأمارة ~~وأيضا فلا يمتنع أن يكون بعض ألفاظ العموم أقل استعمالا فيما دون الاستغراق ~~من بعض والعلم بأنه تقتضي # PageV01P219 # الاستغراق أجلى وأبين فيؤكد اللفظة التي هي أكثر استعمالا في المجاز فاذا ~~اجتمع كعها تأكيدها تأكد العلم بقصد المتكلم أو الظن وحصل بهما من القوة ما ~~لا تحصل بأحدهما لأن الأمارة القوية معما هو دونها في القوة القوة تكون ~~منها لو انفردت فان قيل هلا أكدوا اللفظ بتكراره إن كان الأمر على ما زعمتم ~~حتى يقولوا جاءني القوم جاءني القوم قيل هذا لا يلزم على الجواب الأخير ~~وإنما يتوجه على الأجوبة المتقدمة والجواب عن ذلك أن العرب لم تقعل ذلك ~~فنفعله فان قالوا فكان يجب أن يفعلوه وليس يجب إذا كان للإنسان عذر في شيء ~~أن يفعل كلما ساواه في العذر ألا ترى أنهم إنما سموا الشيء الواحد بأسماء ~~كثيرة ايتسع نقلتهم فيتمكنون مع ذلك من النظم والنثر لأنه قد يمتنع وزن ~~البيت وقافيته مع بعض اسماء الشيء دون بعض وليس يجب لذلك أن يسموا كل شيء ~~بأسماء كثيرة على أنه لا يمتنع أن يكونوا لم يؤكدوا اللفظ بتكراره استثقالا ~~لتكرار اللفظ فعدلوا إلى لفظة أخرة لينقلوا غرضهم من التأكيد من دون ~~استثقال # فان قالوا لو حسن التأكيد لما فيه من ترادف الأمارات والأدلة وجواز حصول ~~العلم الضروري بقصد المتكلم لحسن أن يقول الإنسان استندت إلى الحائط المبني ~~من الآجر والطين لينفي أن يكون استند إلى إنسان بليد لأن اسم الحائط قد ~~يتجوز به إلى البليد ويتجوز باسم الحمار فيه أيضا فكان ينبغي أن يحسن أن ~~يقول ضربت الحمار النهاق والجواب أنه إنما حسن التأكيد اتباعا لفعل العرب ~~وحسن ذلك منهم للأغراض التي ذكرناها وقد ثبت أن تلك الأغراض لا توجب أن ~~يؤكدوا كل شيء فاذا كان كذلك لم يلزمنا أن نؤكد نحن ما ذكره السائل لأن ~~العرب لم يؤكدوا به ولا يلزم العرب ذلك لما ms213 ذكرناه وأيضا فانما يجوز ~~التأكيد لإزالة مجاز واحتمال مستعمل وليس أحد يقول استندت إلى الحائط فيخطر ~~ببال السامع أنه استند إلى إنسان بليد وكذلك إذا قال ضربت الحمار وإنما ~~يستعمل اسم الحائط أو الحمار في البليد عند وصفه بالبلادة فان كان جماعة في ~~وصف رجل # PageV01P220 # فقالوا هو حائط وهو حمار ثم قال واحد منهم ضربت الحمار واستندت إلى ~~الحائط وجوز أن يتوهم على السامع أنه يعني بذلك البليد جاز أن يفيد بكلامه ~~ما ذكروه فأما إن لم تكن الحال هذه فانه لا يخطر ببال السامع أنه استند إلى ~~بليد فلم يكن لتقييده بما ذكروه معنى وليس كذلك استعمال لفظ العموم فيما ~~دون الاستغراق لأن ذلك كثير مستعمل # شبهة # لو كانت لفظة من عامة في الاستفهام لكان قول القائل لغيره من عندك سؤالا ~~عن كل العقلاء وكانت تجري مجرى قوله أكل الناس عندك وذلك يقتضي أن يكون ~~جوابها لا أو نعم أجاب قاضي القضاة عن ذلك بأن لفظة من هي للعامة وهي من ~~كلام السائل دون المسئول لأن السائل ليس يعلم من عند المسئول فلهذا أدخل ~~اللفظة العامة في خطابه وأما المسئول فهو عالم بمن عنده فلم يجب أن يكون ~~جوابه عاما ولقائل أن يقول إن لفظة من وإن كانت في كلام السائل فهي عندكم ~~موضوعة للعموم فيجب كونها استفهاما عن العموم وذلك يقتضي مطابقة جوابها لها ~~إما بلا أو بنعم ونحن لم نلزمكم أن يكون جواب المسئول أبدا عاما وإنما ~~ألزمناكم أن يجيب العموم إما بأن يثبته أو ينفيه بقوله لا أو نعم وقال أيضا ~~إن لفظة من ليست بالكل أخص منها بالبعض ولا بالبعض أخص منها بالكل فاذ كانت ~~كذلك وجب حملها على الاستغراق # ولقائل أن يقول إن كانت ليست كذلك فيجب كونها مشتركة بين الكل وبين ~~الاستغراق إذا كانت ليست بأحدهما أخص من الآخر وإذا كانت مشتركة بطل قولكم ~~إنها حقيقة في أحدهما فقط وبطل قولكم بوجوب حملها على الاستغراق لأنه ليس ~~الاستغراق أولى بها من البعض وأيضا ms214 فلو كانت ليست بأحد الأمرين أولى منها ~~بالآخر وكانت مع ذلك محمولة على الشمول عن الكل لوجب أن يكون جوابها مطابقا ~~لها بلا أو بنعم فالشبهة متوجهة نحوكم # PageV01P221 # والجواب عن الشبهة أن قول القائل لغيره من عندك هو استفهام عن صفة كل ~~عاقل عنده فهو جار مجرى قوله أخبرني عن صفة كل عاقل عندك ولا تبق عاقلا ~~عندك إلا ذكرت لي صفته ولو قال ذلك لم يكن جوابه لا أو نعم وإنما يكون ~~جوابه بذكر نعوت من عنده من العقلاء وصفاتهم وكذلك إذا قال له من عندك ثم ~~يقال للمخالف أتزعم أن لفظة من حقيقة في البعض أو مشتركة بين البعض وبين ~~الاستغراق فان قال بالأول قيل فينبغي أن يكون جواب السؤال بلا أو نعم كما ~~قال له أبعض الناس عندك وإن قال إنها مشتركة بين الكل وبين البعض قيل فيجب ~~أن يكون جوابها بلا أو بنعم أيضا لأنه إن علم المسئول من قصد السائل أنه ~~استفهمه بها عن الكل فيجب أن يكون جوابها بلا أو بنعم وكذلك إن علم من قصده ~~أنه استفهمه بها عن البعض # شبهة # لو كانت لفظة من مستغرقة لاستحال جمعها لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده ~~المجموع وليس يعد لاستغراق كثرة فيفيدها الجمع قال الشاعر # ... أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما ... # الجواب إن قولهم منون وإن كانت صباحا لفظه لفظ الجمع وليس بجمع على ~~الحقيقة لأنه يستفاد منه ما استفاد من قولهم من عندنا وعند المخالف ألا ترى ~~أنه لو قال الشاعر من أنتم لكان استفهاما عن جماعتهم كما أن قوله منون ~~استفهاما عن جماعتهم وعند المخالف أن ألفاظ العموم كلها مشتركة وليس في ~~اللغة لفظ يختص بالاستغراق فلفظة منون مشتركة بين الاستغراق وبين البعض ~~كلفظة من فلم يفد أكثر مما أفادته لفظة من # وأما من قال إن لفظ العموم مستغرق في الأمر والنهي ولا يقطع على # PageV01P222 # استغراقه في الخبر فلا يخلو إما أن يقول ذلك من جهة اللغة أو من ms215 جهة أخرى ~~والأول باطل لأنا قد بينا أن لفظ العموم مستغرق وإذا كان مستغرقا لم يختلف ~~بحسب اختلاف الجمل التي يدخل عليها وإن قال بالثاني فهو أن يقول لو لم ~~يستغرق لفظ العموم في الأمر والنهي لم يكن المكلف مزاح العلة وليس كذلك ~~الوعيد لأن الغرض بهما الزجر عن القبيح والزجر يكون بالخوف والخوف يحصل ~~بغالب الظن الجواب أن لفظ العموم إن لم يكن مستغرقا لم يجب حمله على ~~الاستغراق لا في الأمر ولا في الوعيد ويجب إذا أراد الحكيم أن يزيح علة ~~المكلف أن لا يدله على استغراق الأمر بلفظ عموم لأنه لا يدل على الاستغراق ~~بل يجب أن يدله بدليل آخر وإن كان لفظ العموم مستغرقا وجب أن يستغرق في ~~الخبر لأن الخبر خطاب لنا والقصد به إفهامنا فلا يجوز أن يقصد به إفهامنا ~~وله ظاهر إلا وقد أريد ظاهره وإلا كان المتكلم به قصد أن يفهم بخطابه ما لا ~~يدل خطابه عليه - صلى الله عليه وسلم - باب في الألف واللام إذا دخلا على ~~اسم الجمع - صلى الله عليه وسلم - # اختلف الناس في اسم الجمع المشتق وغير المشتق إذا دخله الألف واللام نحو ~~قولك المشركون والناس فقال الشيخ أبو هاشم رحمه الله إن ذلك يفيد النجس ولا ~~يفيد الاستغراق وقال الشيخ أبو علي رحمه الله وجماعة من الفقهاء إنه موضوع ~~لاستغراق الجنس # والحجة لذلك وجوه # منها أنه لو كان قولنا الناس لا يفيد الاستغراق لا محالة لكن قد يعبر به ~~عنه ويعبر به عن البعض حقيقة لكان قوله كلهم بيانا لأحد المحتملين لا ~~تأكيدا ألا ترى أن اسم الشفق لما كان مشتركا على سبيل الحقيقة بين الحمرة ~~والبياض كان الإنسان إذا قال رايت الشفق ثم قال الذي هو # PageV01P223 # الحمرة كان قوله الذي هو الحمرة بيانا لا تأكيدا لأن المؤكد يبقي المؤكد ~~على حاله ويزيد قوة وليست هذه حال البيان لأن البيان يكشف عن أحد المحتملين ~~فان قيل ما تنكرون من أن يكون وصف أهل اللغة بأن قولنا كل ms216 تأكيد لقولنا ~~الناس مذهبا لهم بنوه على قولهم إن قولنا الناس مستغرق قيل إن كان كذلك ~~فقولهم إن ذلك مستغرق حجة لأنهم يقولون ذلك نقلا بحسب ما فهموه عن العرب ~~فان قيل فاستدلوا بقولهم إن لام الجنس تقتضي الاستغراق واطرحوا دليل ~~التأكيد قيل لو علمنا ذلك ابتداء من اعتقاد جميعهم لاستدللنا ولكن لما ~~علمنا ذلك بوصفهم لفظة كل بأنها تأكيد جعلنا وصفهم لذلك بأنه تأكيد دليلا ~~على اعتقادهم الاستغراق اسم الناس إن قيل فمن أين إن وصف ذلك بأنه تأكيد ~~قول لجميعهم قيل لأنه لو وصفه بعضهم بأنه بيان ومنع من وصفه بأنه تأكيد ~~لنقل ذلك وعرف إن قيل قول القائل الناس يصلح للاستغراق ويصلح لما دونه فاذا ~~أكده المتكلم فقال رأيت الناس كلهم علمنا أنه استعمل قوله الناس في ~~الاستغراق وأنه أكد استعماله فيه بقوله كلهم فقد صح وصف ذلك بأنه تأكيد على ~~قولنا قيل هذا يقتضي أن يكون ما دل على أن المراد بالاسم المشترك أحد ~~معنييه تأكيدا له بأن يقال إن المتكلم بالاسم أراد به أحد معنييه وأكده بأن ~~دل عليه ويلزم أن يكون من دل على الشيء فقد أكده # ومنها أنه يحسن أن يستثنى من قولك رأيت الناس أي إنسان أشرت إليه ~~والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه فإذن أي إنسان أشرت ~~إليه فهو داخل في قولك رأيت الناس وقد استوفينا الأدلة على ذلك في الباب ~~المتقدم # ومنها أن قول القائل رايت ناسا يفيد أنه رأى من هذا الجنس ولا يفيد ~~الاستغراق فلا بد من أن يفيد دخول الألف واللام فائدة ولا يجوز أن تكون تلك ~~الفائدة هي الجنس لأن ذلك قد كان حاصلا من دونهما فعلمنا أنهما أفادا ~~الاستغراق # PageV01P224 # ومنها ما استدل به من أن اللام إذا كانت تعريفا للعهد عمت فكذلك إذا كانت ~~تعريفا للجنس ألا ترى أن الإنسان إذا كان مع غيره في ذكر رجال ثم قال جاءني ~~الرجال عقل منه جميعهم لأن الذى جرى ذكره هو الجميع كذلك ايضا ms217 الجنس هو ~~المتعارف إذا لم يكن عهد فلم يكن انصراف الاسم إلى البعض أولى من البعض # واحتج الذاهبون إلى قول ابي هاشم بأشياء # منها أن الإنسان إذا قال جمع الأمير الصاغة لم يعقل منه أنه جمع صاغة ~~الدنيا وإنما يعقل منه أنه جمع هذا الجنس والجواب عنه أن المعقول منه أنه ~~جمع صاغة بلده ومن عداهم فانما يعلم أنه لم يجمعهم لتعذر جمعهم ويلزمهم أن ~~يجوزوا كونه جامعا لصاغة الدنيا لأن الاسم يحتمله فان قالوا نعلم أنه لم ~~يجمعهم وإن احتمله اللفظ لقرينة وهي تعذر جمعهم قلنا نحن إن اللفظ لا يصلح ~~إلا للاستغراق وإنما علمنا أنه لم يرد المتكلم الاستغراق لتعذره # ومنها قولهم لو كانت لام الجنس تقتضي الاستغراق لوجب إذا استعمل في العهد ~~أن يكون مجازا لأنه قد أريد به بعض الجنس والجواب أن لام الجنس تقتضي ~~التعريف فوجب انصراف الاسم إلى ما الإنسان به أعرف فإن كان هناك عهد انصرف ~~إليه لأن السامع به أعرف ولم يكن هناك مجازا إذا انصرف وإن لم يكن بين ~~المتكلم والسامع عهد انصرف إلى الجنس لأنها به أعرف فلم تختلف فائدتها في ~~الحالين وجرت مجرى قولك من عندك في أنه استفهام عن كل عاقل عنده فان كانوا ~~قلة فهي استفهام عنهم وإن كانوا كثرة فهي استفهام عنهم ولا يكون مجازا إذا ~~كانوا قلة ولو قيل إن حمل الاسم المعرف على العهد يحتاج فيه إلى قرينة وهي ~~تقدم العهد وأن ذلك يجعل الاسم مجازا لأنه عام مخصوص لم يكن بعيدا # ومنها أن يقولوا إن قولنا رجال يقتضي جمعا من الرجال غير مستغرق واللام ~~أفادت التعريف فمن أين جاء الاستغراق والجواب إن # PageV01P225 # إفادتها للتعريف لا تمنع من إفادتها الاستغراق سيما وقد بينا أنهما متى ~~حملا على بعض غير معين نقض ذلك التعريف لأن البعض الذي ليس بمعين مجهول ~~وأفاد الجنس قد كان حاصلا قبل دخول اللام # ومما يمكن أن يحتجوا به هو أن يقولوا لو كان قولنا فلان يلبس الثياب ~~حقيقة في أنه ms218 يلبس جميعها يجري مجرى قولهم فلان يلبس كل الثياب فكان يجب أن ~~يكون قولنا فلان لا يلبس الثياب يفيد ما يفيده قولنا فلان لا يلبس كل ~~الثياب وكان يحسن إطلاقه على كل أحد لا يلبس كل الثياب ومعلوم أن أهل اللغة ~~لا يستحسنون إطلاق ذلك إلا على من لا يلبس شيئا من الثياب فعلمنا أن قولنا ~~فلان يلبس الثياب يفيد الجنس فنفيه نفي الجنس أصلا فلذلك عم وكذلك ينبغي أن ~~يوصف كل أحد بأنه لا يباشر النساء ولا يأكل الطعام لأنه لا يباشر جميع ~~النساء ولا يأكل جميع الطعام الجواب أن ذلك باطل بلفظة من في المجازاة لأن ~~الانسان إذا قال من دخل داري أكرمته جرى مجرى قوله كل عاقل دخل داري أكرمته ~~ولو قال لا أكرم من دخل داري لم يجر مجرى قوله لا أكرم كل عاقل دخل داري ~~لأنه لو قال ذلك لم يلزم أن لا يكرم كل أحد منهم بل يجوز أن يكرم البعض دون ~~البعض ولو قال لا أكرم من دخل داري فهم منه أنه لا يكرم واحدا منهم وإن كان ~~قوله من دخل داري أكرمته عاما وكذلك لا يمتنع أن يكون قولنا الثياب وسيلة ~~عامين ولا يجري سلبه مجرى كل سلب فإن قالوا إنما وجب ذلك في لفظة من لأنها ~~ليست موضوعة للجميع وإنما تفيد العقلاء فاذا علق عليها الجزاء لم يكن بأن ~~يتناول بعضهم بأولى من بعض فانصرف إلى الجميع ولهذه العلة وجب في نفي ~~الجزاء ان ينصرف إلى الجميع قيل لهم ولام الجنس أيضا ما وضعت للجمع كلفظة ~~كل وإنما تفيد تعريف الجنس فلما لم يكن بعض الجنس بأن يعرفه أولى من بعض ~~انصرف إلى جميعه وهذه العلة قائمة إذا استعمل لام الجنس في النفي لأنه ليس ~~بأن ينصرف إلى بعض الجنس أولى من بعض # PageV01P226 # فاذ ثبت أن اسم الجمع إذا دخله لام الجنس استغرق فالواجب أن ننظر هل هناك ~~عهد أم لا فإن كان انصرف إليه وإلا انصرف إلى الجنس لأن انصرافه ms219 إلى العهد ~~تخصيص وليس أن تحمل اللفظة على الاستغراق إلا بعد أن يفحص فتفيد ما يدل على ~~أن المراد بها الخصوص # وأما الشيخ أبو هاشم فانه إذا لم يجعل الاسم مستغرقا حمله على الاستغراق ~~لوجه آخر وهو ما ذكروه في الوعيد من أن قوله {وإن الفجار لفي جحيم} يفيد ~~أنهم في الجحيم لأجل فجورهم لأنه خرج مخرج الزجر عن الفجور فوجب أن يكون كل ~~من وجد فيه الفجور في الجحيم وجرى مجرى قوله من فجر فهو في الجحيم # فأما لفظة الجمع المضاف مثل قولنا عبيد زيد فانه يستغرق لحسن توكيده ~~بلفظة كل وحسن استثناء أي عبد شئت ويمكن أن يذكر فيه من الشبه أكثر ما تقدم ~~في لام الجنس والجواب عنها نحو ما تقدم - صلى الله عليه وسلم - باب في ~~الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد المشتق وغيرالمشتق - صلى الله عليه ~~وسلم - # ذهب الشيخ أبو علي رحمه الله إلى أن قول الله تعالى {والسارق والسارقة} ~~يستغرق جميع السراق وقال الشيخ أبو هاشم رحمه الله إن ذلك يفيد الجنس دون ~~استغراقه والحجة لذلك أنه لو استغرق الجنس لجاز مع أنه لفظ واحد أن يؤكد ~~بكل وجميع كلفظة من نحو قولك كل من دخل داري أكرمته وليس يجوز أن يؤكد بذلك ~~لأنه يقبح أن يقول جاءني الرجل أجمعون ورأيت الإنسان كلهم وأيضا يقبح أن ~~يستثنى من ذلك فيقول رأيت الإنسان إلا المؤمنين ولو كان عاما لحسن ذلك # PageV01P227 # وهذا يدلنا على أن قول الله سبحانه {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ~~آمنوا} مجاز يجري مجرى الاستثناء من غير الجنس لأنه غير مطرد ولو كان حقيقة ~~لاطرد ويحتمل أيضا أن تكون الخسارة لما لزمت جميع الناس إلا المؤمنين جاز ~~هذا الاستثناء فان قيل فقد قالوا أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض ~~فعنوا كل واحد منها بالجمع فعلم أنهما يفيدان الاستغراق قيل هذا شاذ ولو ~~كان حقيقة لاطرد حتى يقال جاءني الرجل القصار والرجل المؤمنون على أنه ليس ~~المراد بذلك أن جميع الدنانير ms220 أهلك الناس وإنما المراد به هذا الجنس ولما ~~كان الهلاك بالدينار لأمر موجود في كل واحد من الدنانير جاز أن ينعتوه ~~بالجمع لأن المعنى يقتضي الجميع # فان قالوا لو لم يستغرق قولنا الإنسان لأفاد واحدا غير معين وفي ذلك ~~إخراجه من كونه معرفا فإن قلتم إن اللام تقتضي تعريف الجنس لا تعريف الآحاد ~~قيل لكم هذا كان مستفادا من الاسم قيل دخول اللام عليه لأنك لو قلت رأيت ~~إنسانا أفاد أنك رأيت واحدا من هذا الجنس كما لو قلت رايت الإنسان والجواب ~~أن قول القائل رأيت الإنسان لا يطلق إلا على إنسان قد عرفه المتكلم والسامع ~~وتقدم ذكره لهما فيفيد ذلك الشخص بعينه وقد تعلق على لفظ الإنسان حكم يعلم ~~شياعه في جميع الناس إما لأجل لفظ تعليل أو لأجل الزجر أو غير ذلك فلا ~~يستعمل في شخص بعينه ولكن يراد به الجنس واستغراقه لأجل ما اقترن به مما ~~يقتضي الاستغراق # فان قيل إنكم قد خالفتم الإجماع بفرقكم بين الاسم إذا دخله الألف واللام ~~وبين الاسم المفرد لأن الناس على قولين منهم من جعلهما مستغرقين ومنهم من ~~جعلهما غير مستغرقين قيل لسنا نعلم هذا الإجماع وإنما نعلم ما ذكرته من قول ~~الشيخين رحمهما الله ومن تبعهما فقط على أنه إنما لا يجوز الفرق بين ~~المسألتين إذا جمعهما طريق واحد وقد بينا أنه ليس يجمعهما طريق واحد # PageV01P228 # - صلى الله عليه وسلم - باب في لفظ الجمع العاري عن الألف واللام - صلى ~~الله عليه وسلم - # حكى قاضي القضاة رحمه الله في الشرح عن الشيخ أبي علي رحمه الله ان قول ~~القائل رأيت رجالا يحمل على الاستغراق من جهة الحكمة وعند الشيخ أبي هاشم ~~رحمه الله أنه لا يحمل على الاستغراق بل يحمل إذا تجرد على ثلاثة فصاعدا ~~وحجة ذلك أن قولنا رجال يفيد جمعا من الرجال لأنك ترتقي من التثنية إليه ~~فتقول رجلان وثلاثة رجال وأربعة رجال ولأنك تنعته بأي نعت شئت فتقول رجال ~~ثلاثة وأربعة وخمسة رجال وإذا كان يفيد جمعا من ms221 الرجال وكان معنى الجمع ~~قائما في الثلاثة فما زاد فمن قيل له اضرب رجالا فضرب ثلاثة رجال كان قد ~~فعل ما يوصف بأنه ضرب رجال فسقط عنه الغرض كما أنه لوقيل له ادخل الدار ~~فدخل أولها ولحقه اسم الداخل سقط عنه الأمر وقد احتج لذلك بأنه لو حمل ذلك ~~على الاستغراق لم يستقر لأنه لا عدد من الرجال إلا ويمكن أن يوجد أكثر منه ~~ولقائل أن يقول يحمل على الاستغراق لمن هو موجود من الرجال كلفظة من تحمل ~~على أنها استفهام عن كل عاقل في الدار دون من لم يوجد وهذا يوجب أن لا يكون ~~في اللغة لفظ يستغرق الرجال # وحجة أبي علي على وجوه # منها أن حمل هذه اللفظة على الاستغراق حمل لها على جميع حقائقها فكان ~~أولى من حملها على البعض ويفارق ذلك الاسم المشترك في أنه لا يحمل على كلا ~~معنييه لأنه ليس بحقيقة في مجموعهما وقولنا ناس ورجال يفيد كل جمع على سبيل ~~الحقيقة والجواب أنه إن أراد أن قولنا رجال حقيقة في الثلاثة وفي الأربعة ~~وفي كل عدد ابتداء فذلك غير مسلم لأنه لم يوضع للاعداد ابتداء وإن أراد أنه ~~حقيقة في الجمع والجمع موجود في الثلاثة فصاعدا # PageV01P229 # فصحيح وذلك يمنعه أن يقول إذا حملته على الاستغراق كنت قد حملته على جميع ~~حقائقه لأن الحقيقة واحدة وهي الجمع ثم يقال له ولم زعمت أنه ينبغي أن يحمل ~~هذا الاسم على كل ما وجدت فيه حقيقة وما أنكرت أنه يحمل على أقل ما يوجد ~~فيه معنى الجمع لأنه متحقق # ومنها قوله لو اراد المتكلم بلفظ الجمع المنكور البعض لبينه وإذا بطل ~~حمله على البعض ثبت الاستغراق والجواب يقال له ولو أراد الكل لبينه على أن ~~ما ذكرناه من وجوب حمله على الثلاثة وسقوط الأمر به بيانا بأن يكون البعض ~~مرادا ويقال له إنما يجب أن يبين ذلك لو يدل عليه مطلق الكلام فبين أنه لا ~~يدل على ذلك وقد تمت لك المسألة # ومنها قوله لو حمل ms222 على البعض لم يتميز البعض الذي يحمله عليه الجواب أنا ~~إذا قصرنا الحكم على الثلاثة فقد حملناه على أمر متميز وإن كانت الثلاثة ~~غير متعينة فان قال أفتجوزون لمن أمر بضرب رجال أن يضرب أكثر من ثلاثة قيل ~~نعم ولا يجب عليه أما سقوط الوجوب فلانه بضرب ثلاثة يوصف بأنه قد ضرب رجالا ~~وأما جواز الزيادة فلقيام معنى الجمع فيهم وهذا كمن قيل له ادخل الدار في ~~أنه إن دخل أولها سقط عنه الأمر وإن أمعن في الدخول لم يلزمه فهذا هو ~~الكلام في أسماء الجمع المنكر # فأما قول القائل افعلوا فذكر قاضي القضاة في الدرس أن أبا علي حمل ذلك ~~على الاستغراق قال ولم يحمله قوله رايت رجالا على الاستغراق وذكر في الشرح ~~ما حكيناه والأولى أن يقال إن قول القائل افعلوا لا بد من أن يتقدمه اسم ~~فان كان الاسم مستغرقا نحو قوله يأيها الناس انصرف قوله افعلوا إلى ~~الاستغراق وإن لم يكن مستغرقا نحو جمع منكر لم ينصرف ذلك إلى الاستغراق لأن ~~الإنسان لو قال قلت لرجل افعلوا كذا وكذا لم يستغرق جميع الرجال # PageV01P230 # - صلى الله عليه وسلم - باب في أقل الجمع ما هو - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن هذا الباب يشتمل على مسألتين إحداهما أن يقال قولنا جمع ما الذي ~~يفيده والثاني أن يقال الألفاظ الموضوعة بأنها جمع هل تفيد الاثنين حقيقة ~~أم لا نحو قولنا جماعة ورجال # أما قولنا جمع فانه يفيد من جهة الاشتقاق ضم الشيء إلى الشيء ويفيد في ~~عرف أهل اللغة الفاظا مخصوصة نحو قولهم هذا اللفظ جمع وهذا اللفظ تثنية ~~وأما قولنا جماعة وقولنا رجال فانه يفيد ثلاثة فصاعدا ولا يفيد الاثنين فقط ~~لأنه لا ينعت ذلك بالاثنين وينعت بالثلاثة لأنه يقال رأيت رجالا ثلاثة ~~وجماعة رجال ولا يقال رأيت رجالا اثنين وجماعة رجلين # وذهب قوم إلى أنه يفيد الاثنين حقيقة واحتجوا بأشياء # منها قوله تعالى {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} إلى قوله {وكنا ~~لحكمهم شاهدين} والجواب أن ما ms223 ذكرناه من الدلالة يقتضي أن ذلك مجازا لا ~~حقيقة # ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم الاثنان فما فوقها جماعة والجواب أنه ~~أراد أن حكمهما حكم الجماعة في انعقاد صلاة الجماعة بهما لما ذكرنا من ~~الدلالة لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على تعليم الحكم دون الاسم ~~اللغوي وليس لأحد أن يقول إن الاثنين تفيدهما ألفاظ الجمع من جهة الشرع ~~فيقال إن النبي صلى الله عليه وسلم عرفنا ذلك شرعا # PageV01P231 # ومنها أن اسم الجمع يفيد ضم الشيء إلى الشيء وهذا يصح في الإثنين كصجته ~~في الثلاثة وإذا كان معنى الجمع قائما في الاثنين صح أن يفيدهما ألفاظ ~~الجمع والجواب أن قولنا اسم الرجال موضوع للجمع ليس يقتضي أنه يفيد جمع شيء ~~إلى شيء فيلزم أن يقع ما حصل فيه هذا المعنى وإنما يفيد أنه موضوع للاجتماع ~~ثلاثة فصاعدا فلا يلزم أن يفيد اجتماع اثنين - صلى الله عليه وسلم - باب في ~~نفي مساواة الشيء للشيء هل يفيد نفي اشتراكهما في كل صفاتهما أم لا - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن من الشافعية من استدل بقول الله تعالى {لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} على المنع من قتل المسلم بالذمي ~~لأنه لو قتل به كما يقتل الذمي بالمسلم وكما يقتل المسلم بالمسلم كنا قد ~~سوينا بين المسلم والذمي مع أن أحدهما من اصحاب النار والآخر من أصحاب ~~الجنة والآية تمنع من استوائهما في كل الصفات وهذا لا يصح لأن استواء أهل ~~النار وأهل الجنة هو أن يشتركا في جميع الصفات كما أن تساوي الجنسين هو أن ~~يشتركا في جميع المقدار فنفي استوائهما هو نفي اشتراكهما في جميع الصفات ~~ومتى افترقا في بعضهما صدق القول عليهما بأنهما لم يستويا ونحن نوقع بين ~~الذمي والمسلم افترقا في كثير من الصفات سوى القصاص فبان أن قوله {لا يستوي ~~أصحاب النار وأصحاب الجنة} لا يعم جميع الصفات # إن قيل هلا كان المراد بذلك لا يستويان في صفة من الصفات قيل ms224 إن نفي ~~الاستواء علق بأصحاب الجنة وأصحاب النار ولم يعلق بصفاتهم فلا يلزم ما قلته ~~وإذا علق بالفريقين كفى في افتراقهما أن يتنافيا في بعض الصفات # PageV01P232 # وقد أجاب قاضي القضاة عن الاحتجاج بالآية بأنا قد علمنا استواءهم في صفات ~~الذات فعلمنا أنه أراد لا يستويان في بعض الصفات فاذا لم يذكر ذلك البعض ~~صارت الآية مجملة وقد ذكرنا في الآية الافتراق في الفوز فيجب حمل الآية ~~عليه ولقائل أن يقول إن سلم لهم أن الآية تفيد نفي اشتراكهم في كل الصفات ~~أجمع لم يضرهم اشتراكهم في كثير من الصفات لأن العموم إذا خرج بعضه لم يمنع ~~من التعلق بباقيه - صلى الله عليه وسلم - باب في خطاب المذكر هل يعم المذكر ~~والمؤنث أم يختص بالمذكر فقط - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الخطاب الشامل ضروب أحدهما يختص بالمذكر فقط نحو قولنا رجال ~~والآخر يختص بالمؤنث فقط كقولنا نساء والآخر يستعمل فيهما وهو ضربان أحدهما ~~لا يبين فيه تذكير ولا تأنيث كقولك من وذلك يدخل فيه الرجال والنساء إلا ~~لدلالة والآخر يبين فيه التذكير كقولك قاموا واختلف الناس في ذلك فقال ~~بعضهم لا يدخل النساء فيه إلا بدليل لأن المذكر جمعا ينفصل به من جمع ~~المؤنث ولأن الجمع هو تضعيف الواحد ومعلوم أن قولنا قام يفيد المذكر فقولنا ~~قاموا يفيد تضعيف هذه الفائدة وهو المذكر وقال قوم ظاهر ذلك يفيد الرجال ~~والنساء لأن أهل اللغة قالوا التذكير والتأنيث إذا اجتمعا غلب التذكير ~~والجواب أن مرادهم بذلك أن الإنسان إذا أراد أن يعبر عن المؤنث والمذكر ~~بلفظ وجب أن يعبر عنه بلفظ مذكر لا مؤنث وليس في هذا ما يدل على أن اللفظ ~~يفيد ظاهره المؤنث وإذا قد أتينا على أبواب العموم فلنذكر ابواب الخصوص - ~~صلى الله عليه وسلم - باب في معنى وصفنا للكلام بأنه خاص وخصوص وبانه مخصوص ~~ووصف المتكلم بأنه مخصص للخطاب والفصل بين التخصيص والنسخ - صلى الله عليه ~~وسلم - # أما وصف الكلام بأنه خاص وبأنه خصوص فمعناه أنه وضع # PageV01P233 # لشيء ms225 واحد نحو قولنا البصرة وبغداد # وأما الخطاب المخصوص فهو ما عرض المتكلم به بعض ما وضع له اللفظ فقط وذلك ~~أن المفهوم من قولنا إن الكلام مخصوص هو أنه قد قصر على بعض فائدته وإنما ~~يكون مقصورا عليها بأن يكون المتكلم قد عني ذلك البعض فقط بكلامه وليس ~~قولنا خصوص من قولنا مخصوص بسبيل لأن ما وضع لعين واحدة لا يوصف بأنه خطاب ~~مخصوص وإنما يوصف بأنه خاص وبأنه مخصوص ويقل استعمال قولهم خصوص في العموم ~~المخصوص وأما قولنا خاص فانه يستعمل فيما وضع لعين واحدة وفي العموم ~~المخصوص وأما قولنا قد خص فلان العموم فقد يستعمل على الحقيقة ويراد به أنه ~~جعله خاصا وإنما يجعله خاصا إذا استعمله في بعض ما تناوله ويستعمل على ~~المجاز ويراد به أنه دل على تخصيصه أو نبه على الدلالة عليه أو اعتقد ~~تخصيصه # فأما التخصيص فقد يستعمل على موجب اللغة وعلى موجب العرف واستعماله على ~~موجب اللغة يفيد إخراج بعض ما تناوله الخطاب فعلا كان المخرج أو فاعلا أو ~~زمانا على ما سيجيء بيانه وعلى هذا يكون النسخ داخلا تحت التخصيص لأن النسخ ~~هو إخراج لبعض ما تناوله الخطاب ايضا وأما التخصيص في العرف فانه لا يفارق ~~على موجب مذهب أصحابنا إلا بالمقارنة والتراخي لأن الله عز وجل لو قال لنا ~~صلوا كل يوم جمعة ثلاث صلوات وقال عقيب ذلك باستثناء أو بغيره لا يصل زيد ~~شيئا من هذه الصلوات كان ذلك مخصصا ولم يكن نسخا وكذلك لو قال لا تصلوا يوم ~~الجمعة الفلانية أو لو قال لا تصلوا الصلاة الثالثة في الجمعة فلو قال هذه ~~الأقاويل متراخيا عن قوله صلوا كل يوم جمعة لكان نسخا فبان أنه ليس يقع ~~الفرق بينهما فإن أحدهما يخرج الوقت أو الشخص أو الفعل بل إنما يفترقان ~~بالمقارنة والتراخي فاذا ثبت ذلك فالتخصيص على هذا هو إخراج # PageV01P234 # بعض ما تناوله الخطاب مع كونه مقارنا له ويدخل في ذلك إخراج واحد من ~~النكرات والنسخ هو إخراج بعض ما ms226 تناوله دليل شرعي بنفسه أو بقرينة بدليل ~~سمعي متراخ - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يجوز تخصيصه وفيما لا يجوز - ~~صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الكلام في ذلك يقع في موضعين أحدهما فيما يتصور تخصيصه ويمكن ~~والآخر فيما يجوز قيام الدلالة على تخصيصه أما الأول فهو أن الأدلة ضربان ~~أحدهما فيه معنى الشمول والآخر ليس فيه ذلك فالأخير لا يتصور دخول التخصيص ~~فيه لأن تخصيص الشيء هو إخراج جزئه فما لا جزء له لا يتصور فيه ذلك ولا ~~يمكن وذلك نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار يجزئك ولا ~~يجزىء أحدا بعدك لأنه لا يمكن أن يخرج من هذه الأجزاء شيء وأما ما فيه معنى ~~الشمول فضربان أحدهما لفظ عموم والآخر ليس بلفظ عموم نحو قضية في عين دل ~~الدليل على أنها تتعدى عنها أو فحوى القول أو دليل خطاب أو علة شاملة وكل ~~ذلك يتصور دخول التخصيص فيه إذ كل واحد من ذلك له جزء يتصور إخراجه # فأما ما يجوز قيام الدلالة على تخصيصه فنقول فيه إن ما لا يتصور تخصيصه ~~لا يجوز قيام الدلالة على تخصيصه وما يتصور تخصيصه وكان لفظ عموم فجائز ~~قيام الدلالة على تخصيصه وما عدا الألفاظ فضربان علة وغير علة وما ليس بعلة ~~فهو دليل خطاب على قول من جعله حجة والدلالة على تخصيصه يجوز أن ترد وأما ~~العلة فضربان أحدهما تعليل بطريق الأولى وهو فحوى القول والآخر لا بطريق ~~الأولى فالأول لا يجوز إخراج بعض الفحوى مع بقاء اللفظ فإن قول الله عز وجل ~~{فلا تقل لهما أف} لو خص # PageV01P235 # منه الضرب فأبيح مع إيمانهما وحظر التأفيف كان قد أبيح ما يشارك المحظور ~~في علة الحظر وزاد عليه فأما العلة التي لا يثبت فيها معنى الأولى فضربان ~~منصوصة ومستنبطة وفي تحصيص كل واحدة منهما اختلاف # وإذ وقد ذكرنا ما لا يجوز تخصيصه وما يجوز تخصيصه فلنذكر الغاية التي ~~اليها ينتهي تخصيص ما يجوز تخصيصه - صلى الله عليه وسلم ms227 - باب في الغاية ~~التي يجوز أن ينتهي التخصيص إليها - صلى الله عليه وسلم - # حكي عن أبي بكر القفال أنه أجاز تخصيص لفظة من إلى أن يبقى تحتها واحد ~~فقط ولم يجز ذلك في ألفاظ الجمع العامة وجعل نهاية تخصيصها أن يبقى تحتها ~~ثلاثة كقولك الناس والرجال وأجاز غيره تخصيص جميع الفاظ العموم على ~~اختلافها إلى أن يبقى تحتها واحد والأولى المنع من ذلك في جميع ألفاظ ~~العموم وإيجاب أن يراد بها كثرة وإن لم يعلم قدرها إلا أن تستعمل في الواحد ~~على سبيل التعظيم والإبانة بأن ذلك الواحد يجري مجرى الكبير فأما على غير ~~ذلك فليس بمستعمل يبين ذلك أن رجلا لو قال أكلت كل ما في الدار من الرمان ~~وكان قد أكل رمانة واحدة وفي الدار ألف رمانة عابه أهل اللغة وكذلك لو أكل ~~ثلاثة فانما يزول اللوم عنه إذا كان قد أكل جميعها أو كثيرا منها وإن لم ~~يحد ذلك بحد كذلك لو قال أكلت الرمان الذي في الدار وقد أكل ثلاثة وكذلك لو ~~قال أكلت الرمان إلا أن يريد بقوله أكلت الرمان الجنس دون الاستغراق لأن ~~المريض لو قال قد أكلت اللحم حسن ذلك وإن كان أكل اليسير منه لما كان مقصده ~~أنه قد شرع في هذا الجنس ولو قال قائل من دخل داري ضربته أو قال لغيره من ~~عندك وقال أردت زيدا وحده بالاستفهام والمجازاة عابه أهل اللغة # PageV01P236 # وحجة من أجاز أن ينتهي التخصيص إلى أن يبقى من العموم واحد هي أنه لو لم ~~يجز ذلك لكان إما أن لا يجوز لأنه يصير به الخطاب مجازا أو لأنه إذا استعمل ~~في الواحد لم يكن مستعملا في الجمع فلا يكون قد استعمل الخطاب في موضعه ~~أصلا والأول يمنع من دخول التخصيص فيه على كل حال والثاني يمنع أيضا من ذلك ~~لأن الاستغراق هو موضوع اللفظ العام لا غير والجمع تبع له وإن لم يجز أن ~~يستعمل اللفظ في غير موضوعه لم يجز استعماله فيما دون الاستغراق والجواب ms228 أن ~~الذي يمنع من ذلك أنه غير مستعمل في اللغة من الوجه الذي بيناه واحتجوا ~~بقول الله تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ومنزل الذكر هو ~~الله الواحد عز وجل وبقول الشاعر # إنا وما أعني سواي # ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد أنفذ إلى سعد بن أبي وقاص القعقاع ~~مع ألف فارس إني قد أنفذت إليك ألفي رجل وصفه بأنه ألف فاذا جاز ذلك في ~~ألفاظ العدد فجوازه في ألفاظ العموم أولى والجواب أن ذلك خرج على طريق ~~التعظيم أو الإخبار بقيام الواحد مقام الجماعة وذلك سائغ - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في جواز استعمال الله سبحانه الكلام العام في الخصوص أمرا كان ~~أو خبرا - صلى الله عليه وسلم - # حكي أن قوما منعوا من ذلك في الخبر دون الأمر والدليل على جواز ذلك فيهما ~~أن القرآن قد ورد بخطاب عام والمراد به الخصوص كقوله سبحانه {فاقتلوا ~~المشركين} وقوله سبحانه {وأوتيت من كل شيء} # PageV01P237 # وجاءت السنة بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيتا فيه تصاوير ~~وقال إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير ثم دخل بيتا فيه تصاوير بوطاء ~~فكان ذلك تخصيصا ولأن المانع من ذلك إما أن يكون من جهة الإمكان أو من جهة ~~اللغة أو من جهة الدواعي والحكمة ومعلوم أن ذلك ممكن من كل متكلم واللغة لا ~~تمنع من ذلك لأنهم يتكلمون بالعموم ويريددون به الخصوص والحكمة أيضا لا ~~تمنع من ذلك لأن أكثر ما فيه أنه يصير العموم باستعماله في الخصوص مجازا ~~والحكمة لا تمنع من التكلم بالمجاز # إن قيل إن جاز ذلك لتكلم أهل اللغة به ليجوزن أن يامر الله سبحانه بشرط ~~لأن أهل اللغة يأمرون بشروط قيل إنا لم نمنع من ذلك لأجل اللغة لكن لأن ~~الأمر بالشرط موقوف على فقد العلم بحصول الشرط أو زواله إن قيل فالحكمة ~~تمنع من أن يراد بالخبر العام بعضه لأنه يوهم الكذب قيل ليس يوهم ذلك إذا ~~اقترن به بيان التخصيص ms229 ويلزم عليه المنع من دخول التخصيص في الأمر لأنه ~~يوهم البداء فإن قالوا الخبر لا يجوز نسخه فلم يجز تخصيصه والجواب أنه يجوز ~~نسخه على ما سنبينه - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يصير به العام خاصا - ~~صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه يفهم من ذلك ما به يصير خاصا عندنا ويفهم منه ما به يصير خاصا ~~في نفسه فاذا أريد الوجه الأول فالجواب أنه يصير خاصا عندنا بالأدلة لأنا ~~بها اعتقدنا أن العام مخصوص وإذا أريد الوجه الثاني وهو الحقيقة لأن ~~المفهوم من ذلك أنه صار مخصوصا به في نفسه فالجواب أنه صار مخصوصا بأغراض ~~المتكلم وإرادته لا بالأدلة لأن معنى قولنا إن العموم مخصوص هو أن المتكلم ~~به استعمله في بعض ما تناوله ولا معنى لذلك إلا أنه قصد به بعض ما تناوله ~~أو ما يجري مجرى القصد ولأنه إذا جاز أن يرد # PageV01P238 # الخطاب خاصا وجاز أن يرد عاما لم يكن بأحدهما أولى من الآخر إلا لما يرجع ~~إلى أغراض المتكلم كما يذكره أصحابنا في الأمر والخبر ولهذا كان لفظ العموم ~~مستعملا في الاستغراق بارادة المتكلم وأغراضه ولأن الدلالة على تخصيص ~~العموم الذي تكلم به الواحد منا قد يكون متأخرا والمؤثر في الشيء لا يتأخر ~~عنه ولأنه قد يتكلم الواحد منا بالعموم ويدل غيره على تخصيصه والمخصص ~~للعموم هو المتكلم دون غيره وانصرف ذلك إلى أقوال المتكلم دون الدليل - صلى ~~الله عليه وسلم - باب فيما يعلم به تخصيص العام - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه يعلم تخصيص العم بما يتصل به وبما ينفصل عنه والمتصل به شرط ~~وصفة وغاية واستثناء والمنفصل ضربان عقلي وسمعي والسمعي ضربان دلالة وأمارة ~~فالدلالة هي الكتاب والسنة المقطوع بها والإجماع المقطوع به والأمارة خبر ~~واحد وقياس - صلى الله عليه وسلم - باب تخصيص الكلام بالصفة والغاية - صلى ~~الله عليه وسلم - # أما تخصيصه بالصفة فكقولك أكرم الناس الطوال فلو لم تقل الطوال لزوم ~~إكرامهم أجمع فلما قلت الطوال لزم إكرام الطوال فقط ولم يلزم بهذا ms230 الكلام ~~إكرام من عداهم فان تضمن الكلام شيئين عطف أحدهما على الآخر وقيد الثاني ~~منهما بصفة فانه يتقيد الأول بالصفة في حال ولا يتقيد في حال على ما سنذكره ~~في الاستثناء إذا تعقب جملا من الكلام # وأما تخصيصه بالغاية فكقولك أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار فلو ~~لم تقل إلى أن يدخلوا الدار جاز أن يكرمهم بالأمر دخلوا # PageV01P239 # الدار أو لم يدخلوا فلما ذكرت الغاية تخصص الوجوب بما قبلها لأنه لو لزم ~~الإكرام بعد الدخول خرج الدخول من كونه غاية ونهاية ودخل في أن يكون وسطا ~~وذلك ينقض فائدة قوله إلى لأن هذه اللفظة تفيد الغاية وقد يدخل على الحكم ~~الواحد غايتان إما على البدل وإنما على الجمع مثال الأول قولك اضرب زيدا ~~أبدا تى يدخل الدار أو حتى تسلم على زيد فأيهما فعل سقط وجوب الضرب والغاية ~~الثانية قد زادت في التخصيص لأنك لو اقتصرت على الغاية الأولى ما ارتفع ~~الضرب إلا مع دخول الدار فلما ذكرت الثانية ارتفع وجوب الضرب مع فقد دخول ~~الدار إذا وجد التسليم على زيد ومثال الثاني قولك اضرب بني تميم أبدا حتى ~~يدخلوا الدار وحتى يسلموا على زيد فيصير فعل الثاني منهما هو الغاية في ~~التحقيق والغاية الثانية قد رفعت بعض التخصيص لأنها لو لم تذكر سقط وجوب ~~الضرب بدخول الدار فقط فلما ذكرت لم يسقط وجوب الضرب إلا بوجود السلام مع ~~دخول الدار - صلى الله عليه وسلم - باب التخصيص بالشرط - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أن الشرط يخص الكلام وهو ضربان أحدهما يخرج من الكلام ما علمنا ~~خروجه منه بدليل آخر عقلي أو سمعي فيكون مؤكدا نحو قولك أكرم القوم أبدا إن ~~أستطعت والضرب الآخلار يخرج من الكلام ما لا نعلم خروجه منه لولاه كقولك ~~أكرم القوم ابدا إن دخلوا الدار فلو لم تذكر الشرط لزم إكرامهم وإن لم ~~يدخلوا الدار ومع ذكرك للشرط سقط وجوب الإكرام إن لم يدخلوا الدار لأن لفظة ~~إن للشرط والشرط يقف عليه المشروط وعلى ms231 بدله وإلا انتقض كونه شرطا على ما ~~تقدم بيانه # وقد يشترط الحكم الواحد بشروط كثيرة على البدل وعلى الجمع فالأول كقولك ~~أكرم القوم أبدا إن دخلوا الدار أو إن دخلوا السوق فأيهما # PageV01P240 # حصل استحق الإكرام والشرط الثاني قد رفع بعض التخصيص لأنك لما قلت إن ~~دخلوا الدار أسقطت الإكرام بفقد الدخول وأخرجت ذلك من الكلام فلما قلت أو ~~إن دخلوا السوق أوجبت إكرامهم بدخول السوق وإن لم يدخلوا الدار على حد ما ~~اقتضاه مطلق الكلام ومثال الثاني قولك أكرم القوم أبدا إن دخلوا الدار ~~ودخلوا السوق فلا يستحق الإكرام إلا بهما والشرط الثاني قد زاد في التخصيص ~~لأنك لو اقتصرت على الشرط الأول ما كان يخرج من الإكرام من دخل الدار ولما ~~ذكرت الشرط الثاني خرج من الإكرام من دخل الدار متى لم يدخل السوق # وقد يشرط للأحكام الكثيرة شرط واحد على البدل وعلى الجمع مثال الأول قولك ~~أعط زيدا درهما أو دينار إن دخل الدار ومثال الثاني قولك أعط زيدا درهما ~~واخلع عليه إن دخل الدار والشرط له صدر الكلام سواء تقدم أو تأخر لأن من ~~حقه أن يتقدم الجزاء فاذا قلت أعط زيدا درهما أن دخل الدار معناه إن دخل ~~الدار فأعطه درهما والشرط كالمشروط إن كان المشروط قد نقض فشرطه قد نقض ولا ~~يكون الشرط مستقبلا ألا ترى أن دخول زيد الدار إذا تقدم وكان شرطه دخول ~~عمرو فيجب أن يكون دخول عمرو قد تقدم وإن كان المشروط حاضرا فشرطه حاضر وإن ~~كان مستقبلا فشرطه مستقبل والأصل في ذلك أن الشرط عليه يقف الحكم فلا يجوز ~~أن يفارقه ولهذا إذا كان دخول زيد الدار شرطا في استحقاقه درهما وجب أن ~~يقارن استحقاق الدرهم لأول فعل سمي دخولا # إن قيل أليس لو علم الله سبحانه أن زيدا إن دخل الدار يوم الخميس دخلها ~~يوم الجمعة فيقول لنا زيد قد دخل الدار يوم الخميس إن دخلها يوم الجمعة ~~فيكون الشرط متأخرا والمشروط متقدما قيل إنه إذا كان كذلك لم ms232 يكن دخوله يوم ~~الجمعة شرطا في دخوله يوم الخميس وإنما يكون الدخول يوم الجمعة أو علمنا ~~بذلك شرطا في علمنا بدخوله يوم الخميس فان قيل # PageV01P241 # فلو كانت الحال هذه ثم قال عز وجل قبل مجيء يوم الجمعة زيد سيدخل الدار ~~يوم الجمعة ألسنا نعلم قبل مجيء يوم الجمعة أنه كان دخلها يوم الخميس قيل ~~إنه إذا كان كذلك علمنا قبل يوم الجمعة أن زيدا سيدخل الدار يوم الجمعة ~~وكان هذا العلم كالشرط في علمنا أنه قد دخلها يوم الخميس والشرط في هذين ~~العلمين لم يتأخر عن المشروط منهما - صلى الله عليه وسلم - باب في تخصيص ~~الكلام بالاستثناء - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الاستثناء المتصل بالكلام يخصه إذ قد بينا أنه يخرج من الكلام ما ~~لولاه لدخل تحته وذلك نحو قول القائل لزيد عندي عشرة دراهم إلا درهما وأكرم ~~الناس إلا الفاسقين ومن حقه أن يكون متصلا بما يخصه أو في حكم المتصل به ~~أما اتصاله بالكلام فنحو قولك له علي عشرة إلا درهما وكقولك أكرم العرب ~~الطوال البيض إلا الفاسقين لأن هذا الاستثناء يخرج الفاسقين من العرب البيض ~~الطوال فلم يتأخر عن المستثنى منه على الحقيقة وأما الذي هو حكم المتصل ~~فبأن يكون انفصاله وتأخره على وجه لا يدل على أن المتكلم قد استوفى غرضه من ~~الكلام نحو أن يسكت قبل الاستثناء لانقطاع نفس أو بلع ريق وحكي عن ابن عباس ~~أنه قال إن الاستثناء المنفصل يخص الكلام ويكون استثناء # واعلم أن القول بأنه يكون استثناء مع انفصاله إما أن يراد به أنه يكون ~~على صورة الاستثناء ومعلوم أنه يكون كذلك أو يراد به أنه يمكن أن يقصد به ~~المتكلم إخراج بعض المستثنى وهذا ايضا ممكن أو يراد به أن ذلك مستعمل في ~~عادة العرب ومعلوم أن ذلك غير مستعمل لأن الإنسان لا يقول رايت الناس ويقول ~~بعد شهر رأيت زيدا ولذلك استقرت العقود والإيقاعات كالعتاق والطلاق وغير ~~ذلك وإما أن يراد به أن السامع لهذا # PageV01P242 # الاستثناء يعلم رجوعه ms233 إلى الكلام المتقدم منذ شهر ومعلوم أن السامع لا ~~يعرف ذلك لأن الاستثناء غير مستقل بنفسه فهو كالخبر مع المبتدأ فكما أن ~~الخبر إذا تأخر عن المبتدأ شهرا لم يستفد به السامع شيئا فكذلك الاستثناء ~~المتأخر أو يراد بذلك أنه متعلق به حكم شرعي حتى إذا قال الرجل لامرأته أنت ~~طالق ثلاثا ثم قال بع شهر إلا أن تدخلي الدار فإنها لا تطلق إن دخلت الدار ~~ومعلوم أنه كان يجوز ورود الشريعة بذلك لجواز تعلق المصلحة به غير أنها لم ~~ترد به وإنما وردت بتعلق هذه الأحكام على المتعارف من خطاب العرب ولو تعلقت ~~هذه الأحكام بغير ما تعارفوه من الكلام لبينته الشريعة فاذا ثبت ذلك لم ~~يحسن الاستثناء المنفصل لأنه إن تجرد لم يفد والغرض بالكلام الإفادة فما لم ~~يحصل به هذا الغرض قبح وإن اقترن به بيان نحو أن يستثني المتكلم من كلامه ~~بعد شهر ثم يقول هذا راجع إلى كلامي الفلاني فانه يقبح لأنه استعمل ما لا ~~يستعمله أهل اللغة فلم يجز مع أنه متكلم بكلامهم كما لا يحسن أن يأتي ~~بالخبر بعد المبتدأ بشهر ويبين أنه خبر لذلك المبتدأ - صلى الله عليه وسلم ~~- باب في الاستثناء من غير الجنس - صلى الله عليه وسلم - # أما استعمال ذلك فظاهر قال الله سبحانه وتعالى {فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون إلا إبليس} فاستثنى منهم إبليس وليس منهم وقال الشاعر # وما بالربع من أحد إلا أواري # ولا يقال للأواري أحد إلا أن ذلك مجاز لأن من حق الاستثناء أن يخرج من ~~الكلام شيئا تناوله واسم الملائكة لم يتناوله إبليس فيكون قوله # PageV01P243 # {إلا إبليس} أخرجه من الكلام وكل استثناء من غير الجنس فإنه يخرج من معنى ~~الكلام ولا بد من إضمار إما فيه أو في المستثنى منه أما الإضمار في ~~الاستثناء فنحو قول القائل لزيد على عشرة أثواب إلا دينارا أي ما قيمته ~~قيمة دينار فالاستثناء قد دخل على معنى المستثنى منه وهو القيمة ووقع ~~الإضمار في الاستثناء وأما ما يقع الإضمار في ms234 المستثنى منه فنحو قول الله ~~سبحانه {فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} أي فسجد الملائكة ومن أمر ~~بالسجود إلا إبليس فلما وقعت الشركة بين الملائكة وبين إبليس في أنهم ~~مأمورون بالسجود صح الاستثناء ومنه قول الله تعالى {وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا} لما دل هذا الكلام على لحوق الإثم من قتل مؤمنا صار ذلك كالمضمر ~~وكان قوله {إلا خطأ} استثناء منه - صلى الله عليه وسلم - باب في استثناء ~~الأكثر من الأقل - صلى الله عليه وسلم - # أجازه قوم ومنع منه قوم آخرون وليس يخلو المانعون منه إما أن يمنعوا منه ~~لأنه لا يفهم منه المراد أو لأنه غير مستعمل في اللغة أو لأن الحكمة تمنع ~~من ذلك ومعلوم أن الإنسان إذا قال لزيد علي عشرة دراهم إلا تسعة فهم السامع ~~في الحال أنه أقر بدرهم واحد وكيف لا يفهم بهذا الكلام ومفرده هو من لغة ~~العرب وقد اتصل الاستثناء بالكلام ولم ينفرد عنه فبطل المنع من ذلك لأنه لا ~~يفهم به المراد ولا يجوز أن يقال إنه ليس بمستعمل في كلامهم لأن ذلك دعوى ~~بل لا يمتنع أن يكون لم يكثر في كلامهم لأن الحاجة لا تكاد تدعو إليه إلا ~~في النادر فلهذا ندر في كلامهم فلم ينقل أو نقل نادرا # PageV01P244 # وأما القول بأن الحكمة تمنع من ذلك فبأن يقال إن الاستثناء إنما يفعل ~~للاستدراك أو للاختصار فالاستدراك نحو أن يظن الإنسان أن لزيد عليه عشرة ~~دراهم فيقر بذلك ويذكر في الحال أن له عليه تسعة فيستثني درهما وأما ~~الاختصار فنحو أن يستطيل الإنسان أن يقر بتسعة دراهم وخمسة دوانيق فيقر ~~بعشرة دراهم إلا دانقا وليس من الاختصار أن يقول الإنسان لزيد علي ألف درهم ~~إلا تسع مائة وتسعة وتسعون ولم تجر العادة أن يكون على الإنسان درهم فيظن ~~عليه ألف درهم ثم يذكر في الحال أن عليه درهما فيستدرك ذلك بالاستثناء ~~والجواب أن الأكثر ما ذكرتم وقد يتفق خلافه فنحو أن يكون على الإنسان ألف ~~درهم وقد قضي منها ms235 تسع مائة وتسعة وتسعين وينسى أنه قضي ذلك فيقر بالألف ~~ويذكر في الحال القضاء ويستدرك بالاستثناء وقد يجوز أن يكون لزيد على عمرو ~~درهم ولخالد على عمرو ألف درهم فيروم عمرو أن يقر لخالد بالألف فيسبق لسانه ~~بالإقرار بالألف لزيد فلا يجد سبيلا إلى دفع ذلك عن نفسه إلا بالاستدراك ~~وإذا جاز ما ذكرناه لم تمنع منه الحكمة ولهذا لو صرح المستثنى للاكثر بما ~~ذكرناه لم يلمه العقلاء وإذا لم يمنع من هذا الاستثناء مانع صح حسنه ولا ~~يجوز أن يستدل على جوازه بأن من حق الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه ~~لوجب دخوله فيه وذلك قائم في استثناء الأكثر من الأقل لأن لقائل أن يقول من ~~أين لكم أنه ليس حقه إلا ما ذكرتم فاذا ثبت جواز هذا الاستثناء صح أن يتعلق ~~به حكم وأن يتعلق به الإقرار - صلى الله عليه وسلم - باب في الاستثناء ~~الوارد عقيب كلامين هل يرجع إليهما أو إلى الثاني منهما - صلى الله عليه ~~وسلم - # قال أصحاب الشافعي يرجع إليهما وقال أصحاب أبي حنيفة يرجع إلى الثاني ~~منهما وقالوا في الاستثناء بمشيئة الله وفي الشرط إنهما يرجعان إلى كلا ~~الكلامين وحكى الحوري عن أهل الظاهر مثل مذهب أبي حنيفة وسوى بين # PageV01P245 # المشيئة والشرط والاستثناء وذكر أنه مذهبهم وقال قاضي القضاة إذا لم يكن ~~الثاني منهما إضرابا عن الأول وخروجا عنه إلى قصة أخرى وصح رجوع الاستثناء ~~إليهما وجب رجوعه إليهما وإن كان إضرابا عن الأول وخروجا عنه إلى قصة أخرى ~~فانه يرجع إلى ما يليه # ويمكن أن نعتبر أيضا اعتبارا آخر وهو أن يضمر في الكلام الثاني شيء مما ~~في الأول أو لا يضمر فيه شيء مما في الأول ويدخل فيما يكون الثاني من ~~الكلام إضرابا عن الأول مسائل # منها أن يكون الكلام الثاني نوعا غير نوع الكلام الأول مع أنه خروج إلى ~~قصة أخرى كقولك اضرب بني تميم والفقهاء هم أصحاب أبي حنيفة إلا أهل البلد ~~الفلاني فالاستثناء يرجع إلى ما يليه لأن ms236 المتكلم لما عدل عن قصة وعن كلام ~~مستقل بنفسه إلى قصة أخرى وإلى كلام مستقل بنفسه علم أنه قد استوفى غرضه من ~~الأول لأنه لا شيء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى قصة ~~أخرى ونوع آخر وفي رجوع الاستثناء إليه نقض للقول بأن المتكلم قد استوفى ~~غرضه منه # ومنها أن يكون الكلام الثاني من نوع الكلام الأول غير أنه يباينه في ~~الاسم والحكم كقولك اضرب بني تميم وأكرم ربيعة إلا الطوال الاستثناء في ذلك ~~يرجع إلى ما يليه لاستقلال كل واحد من الكلامين بنفسه ومباينته له وعدول ~~المتكلم عن الكلام الأول إلى الثاني # ومنها أن يشترك الكلامان في حكم ظاهر فيهما فقط أو في اسم ظاهر فيهما فقط ~~ولا يكون قد أضمر في أحدهما شيء ما ليس في الآخر مثال الأول قولك سلم على ~~بني تميم وسلم على ربيعة إلا الطوال الأشبه رجوع الاستثناء إلى ما يليه وإن ~~لم يكن في الظهور كالذي تقدم وإنما رجع إلى ما يليه لعدول المتكلم عن ~~الكلام الأول ودلالته على استيفاء غرضه منه # PageV01P246 # وأما إذا اشتركا في اسم ظاهر فقط فضربان أحدهما أن لا يشترك الحكمان في ~~غرض من الأغراض والآخر أن يشتركا فر غرض مثال الأول قولك سلم على بني تميم ~~واستأجر بني تميم إلا الطوال الأشبه أيضا رجوع الاستثناء إلى ما يليه لما ~~ذكرناه # فأما إذا اشتركا في غرض من الأغراض فانه يدخل في القسم الذي سنذكره الآن ~~وهو أن لا يكون الكلام الثاني إضرابا عن الأول وذلك ضربان أحدهما أن لا ~~يكون إضرابا عن الأول من حيث اشترك الكلامان في حكمين يجمعهما غرض واحد ~~فيصير كالحكم الواحد فيرجع الاستثناء إليهما كقولك سلم على ربيعة وأكرم ~~ربيعة إلا الطوال لأن الحكمين قد اشتركا في الإعظام والثاني أن يكون قد ~~أضمر في الكلام الثاني شيئا مما في الأول إما الاسم أو الحكم مثال الأول ~~قولك أكرم ربيعة واستأجرهم إلا من قام ومثال الثاني قولك أكرم بني تميم ~~وربيعة إلا من ms237 قام الاستثناء يرجع إليهما فأما قول الله عز وجل {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا ~~لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا} فانه داخل في هذا ~~القسم من حيث أضمر فيه ما تقدم فلم يكن الكلام الثاني عدولا عن الأول لأن ~~القصة واحدة وهو داخل أيضا في القسم الذي قبل هذا القسم من حيث كان رد ~~الشهادة مع الجلد والحكم بالفسق يجمعهما أمر واحد وهو الانتقام والذم # واعلم أنه ليس في هذا الكلام نص من المتكلم يقتضي رجوع الاستثناء إلى كلا ~~الكلامين أو إلى الثاني منهما وإنما الذي يجب أن يدل عليه وجهان إما وجه ~~منفصل كآيات في القرآن وعمل الصحابة وإما وجه متعلق بالاستثناء وراجع إليه ~~وذلك ضروب منها اعتبار غرض المتكلم ومنها اعتبار حرف # PageV01P247 # العطف ومنها اعتبار فقد استقلال الاستثناء بنفسه ومنها قياس الاستثناء ~~على غيره أما اعتبار الغرض واعتبار حرف العطف فيحتج به من قال إن الاستثناء ~~يرجع إلى جميع ما تقدم وأما اعتبار فقد الاستقلال فيحتج به من قال إنه يرجع ~~إلى ما يليه وإما قياسه على غيره فضربان أحدهما يحتج به من قال إنه يرجع ~~إلى ما يليه والآخر يحتج به من قال إنه يرجع إلى الكلامين ونحن نورد ذلك ~~على نسق إن شاء الله فالدلالة على رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدم إذا لم ~~يكن بعضه إضرابا عن البعض أن القائل إذا قال لغيره سلم على بني تميم ~~واستأجرهم علمنا أن غرضه من الكلام الأول لم يتم وأنه لم يضرب عنه لأنه قد ~~أعلمه في الكلام الثاني ألا ترى أنه قد أضاف إلى الاسم حكما آخر وكذلك إذا ~~قال سلم على بني تميم وربيعة لأنه قد عدى ذلك الحكم إلى اسم آخر فيصير ~~الكلامان مع حرف العطف كالجملة الواحدة فرجع الاستثناء إليهما كرجوعه إلى ~~الجملة الواحدة ويفارق ذلك إذا تميز كل واحد من الكلامين من الآخر # فصل الاستثناء كالشرط وكالاستثناء بمشيئة الله تعالى في أنه ms238 لا يستقل ~~بنفسه فكما وجب رجوع الشرط والاستثناء بمشيئة الله إلى جميع ما تقدم فكذلك ~~لفظ الاستثناء ولا وجه لأجله يقال بوجوب رجوع لفظ الاستثناء إلى ما يليه ~~إلا وهو قائم في الشرط إن قيل إنما رجع الشرط الى جميع ما تقدم لأنه وإن ~~تأخر فهو في معنى المتقدم لوجوب تقدم الشرط على الجزاء فالإنسان إذا قال ~~اضربوا بني تميم وربيعة إن قاموا معناه إن قام بنو تميم وربيعة فاضربوهم ~~وليس كذلك الاستثناء لأنه لا يجب تقدمه والاستثناء بمشيئة الله فلفظة لفظ ~~الشرط ولقائل أن يقول هلا علقتم الشرط بما يليه وقدرتموه تقدير المتقدم ~~عليه حتى يكون تقدير الكلام اضربوا بني تميم وإن دخل ربيعة الدار فاضربوهم # دليل الكلامان يجريان مع حرف العطف مجرى الجملة الواحدة لأن واو # PageV01P248 # العطف في الأسماء المختلفة تقوم مقام واو الجمع في الاسماء المتماثلة ولو ~~قال الانسان أكرم العرب إلا بني تميم وربيعة رجع ذلك إلى بني تميم وربيعة ~~وكذلك إذا قال أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال ولقائل أن يقول إن واو ~~العطف تجري مجرى واو الجمع في اشتراك الاسمين في الحكم ولا تجريان مجرى ~~واحد في رجوع الاستثناء إليهما يبين ذلك أن الكلامين وإن عطف أحدهما على ~~الآخر فليس يخرجان من أن يكونا جملتين وينتقض ذلك بالجملتين المتباينتين ~~نحو قولك أكرم ربيعة واضرب بني تميم فالوجه أن يذكر واو العطف مع أن ~~المتكلم لم يعدل عن الكلام الأول ويحتج بمجموعهما # دليل وهو أن القائل لو قال بنو تميم وربيعة أكرموهم إلا الطوال رجع ~~الاستثناء إليهما فكذلك إذا قال أكرموا بني تميم وربيعة إلا الطوال لأنه لا ~~فرق بين تقديم الأمر وتأخيره ولقائل أن يقول إن في قولهم أكرموهم اسم ~~للفريقين ينصرف إليهما معا والاستثناء متصل به فوجب أن يخرج الطوال من ~~الاسم الذي هو اسم لهما كما لو قال أكرم العرب إلا الطوال وليس كذلك إذا ~~قال أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال لأنه لم يصل الاستثناء باسم يشملهما # دليل وهو قوله إلا ms239 من قام معناه إلا من قام منهما فلا تضربوه ولقائل أن ~~يقول ليس ذلك في لفظ الاستثناء فلستم بهذا التقدير أولى من أن نقدر قوله ~~إلا من قام من ربيعة فلا تضربوه # دليل لو رجع الاستثناء إلى ما يليه فقط لكان الإنسان إذا قال لزيد علي ~~خمسة دراهم وخمسة وخمسة إلا سبعة إن بلغوا لأن السبعة ليست بجزء الخمسة ~~ولقائل أن يقول الاستثناء يرجع إلى ما يليه إلا أن يمنع منه مانع كما ~~تقولون يرجع إلى جميع ما تقدم ما لم يمنع منه مانع والمانع من رجوع استثناء ~~السبعة إلى ما يليها أن الاستثناء يخرج جزء من كل والسبعة ليست بجزء الخمسة # PageV01P249 # واحتج من لم يرد الاستثناء إلى جميع ما تقدم بأشياء # منها أن الاستثناء لما لم يستقل بنفسه وجب تعليقه بغيره ليستقل ولو استقل ~~بنفسه لم يجب تعليقه بغيره ولا شبهة في وجوب تعليقه بما يليه وبهذا القدر ~~يستقل ويفيد فتعليقه بما زاد على ذلك يجري مجرى تعليق الكلام المستقل بغيره ~~لا من ضرورة والجواب أن هذا الكلام يمنع من رجوع الاستثناء إلى الكلام ~~المتقدم لكي يستقل بنفسه ولا يمنع من رجوعه إليه لسبب آخر وليس يمتنع أن ~~يكون للحكم الواحد أسباب فلا يمتنع أن يكون لرجوع الاستثناء إلى ما تقدم ~~سبب آخر غير ما ذكر وينتقض ما ذكروه بالشرط والاستثناء بمشيئة الله لأن ذلك ~~غير مستقل بنفسه ويدخل في الإفادة إذا علق بما يليه ومع ذلك فقد تعلق بجميع ~~ما تقدم وقول بعضهم إن الشرط وإن تأخر فهو في الحكم متقدم ولا يخرجه من أن ~~يكون نقضا لما ذكروه من العلة وقول بعضهم إن الاستثناء بمشيئة الله يقتضي ~~إيقاف الكلام ولا يخرج البعض دون البعض لا يمنع من أن تنتقض به هذه الشبهة ~~من حيث كان غير المستقل بنفسه وقد رجع إلى جميع ما تقدم ويقال لهم هلا رجع ~~إلى ما يليه فأوقفه ولم يرجع إلى جميع ما تقدم # ومنها قولهم إن الاستثناء من الجمل في أنه يستقل ms240 بنفسه كالاستثناء من ~~الاستثناء وإذا كان الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه ولا يفتقر في ~~استقلاله إلى أكثر من ذلك فكذلك الاستثناء من الجمل والجواب أن الإنسان إذا ~~قال لزيد علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما كان الدرهم مستثنى من الثلاثة ~~فقط لأنه لو رجع إلى الثلاثة وإلى العشرة لكان استثنى درهمين درهما من ~~الثلاثة ودرهما من العشرة وأيضا فالعشرة إثبات والاستثناء منها نفي ~~والثلاثة نفي والاستثناء منها إثبات فلو رجع استثناء الدرهم إليهما لكان ~~نفيا وإثباتا ولهذه العلة قلنا إنه لو قال له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة ~~درهمين أن الدرهمين يرجعان إلى الثلاثة ولا يرجع درهم إليهما ودرهم إلى ~~العشرة فان قيل فلم رجع الاستثناء الثاني إلى الاستثناء الأول # PageV01P250 # دون العشرة بأولى من أن يرجع إلى العشرة فقط مع أنه في الحالين لا يكون ~~الاستثناء نفيا وإثباتا معا قيل لأنه لو رجع إلى العشرة فقط كان الاستثناء ~~الأول في رجوعه إلى العشرة وفي ذلك عطفه عليه حتى يقول له علي عشرة إلا ~~ثلاثة درهما وأيضا فان الاستثناء الثاني متصل بالاستثناء الأول ولم يحصل ~~الاستثناء الأول مع ما تقدم كجملة واحدة بحرف عطف أو غيره وليس كذلك إذا ~~قال القائل أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال # ومنها قول بعضهم إن الكلام الأول عام فعلى من ادعى تحصيصه بالاستثناء ~~إقامة الدلالة دون من لم يدع تخصيصه والجواب أن القائل بأن الاستثناء يرجع ~~إلى ما تقدم فيخصه والقائل بأنه لا يرجع إليه ولا يخصه مدعيان إذ كل واحد ~~منهما يدعي للاستثناء دعوى لا يوافقه عليها خصمه فكان على كل واحد منهما ~~إقامة الدلالة # ومنها تعلقهم بآيات رجع الاستثناء فيها إلى ما يليه ومخالفهم يقول إن ذلك ~~إنما علم بدليل لا بالظاهر # ومنها تعلقهم بأن الصحابة لم تخص الكلام المتقدم بما بعده لأنها قالت في ~~قول الله تعالى {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن} إن ذلك راجع إلى الربيبة دون أمهات النساء وقالت في أمهات ms241 ~~النساء أبهموا ما أبهم الله فلم تشترط تحريم أمهات النساء بالدخول بالنساء ~~والجواب أن ذلك ليس باستثناء فلم يجب في الاستثناء ما يجب فيه لأنهم لم ~~يجمعوا بينهما بعلة وعلى أن قوله {اللاتي في حجوركم من نسائكم} نعت للربائب ~~دون أمهات النساء لأن أمهات نسائنا لسن في حجورنا ولا هن من نسائنا وقوله ~~{اللاتي دخلتم بهن} وإن رجع إلى # PageV01P251 # النساء فهو من تمام نعت الربائب فصح أن الكلام صريح في تقييد الربائب لا ~~ما تقدم فكان أمهات النساء على الإبهام الذي ابهمه الله عز وجل - صلى الله ~~عليه وسلم - باب في تخصيص العموم بالأدلة المنفصلة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأدلة المنفصلة هي أدلة العقل وكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم والإجماع # فالعقل يخص به عموم الكتاب والسنة وذلك أنا نخرج بالعقل الصبي والمجنون ~~من أن يكونا مرادين بخطاب الله سبحانه بالعبادات في الحال ولا نخرجهما من ~~أن يكونا مرادين بالخطاب إذا كملت عقولهما لأجماع المسلمين على أن الصبي ~~إذا بلغ فالصلاة واجبة عليه لقول الله سبحانه {أقيموا الصلاة} ولإجماعهم ~~على وجوب الصلاة عليه ولا دليل يدل على تجدد أمر له ولأنه لو لزمته الصلاة ~~لأمر مجدد لوجب أن يسمعه ويعلمه أو يعلمه العلماء فأما أنه خارج من الخطاب ~~في الحال لمكان دليل العقل فقد امتنع قوم من القول بأن أدلة العقل تخص ~~الكتاب وقالوا إن العموم مرتب عليها وقم أطلقوا المنع من ذلك إطلاقا فيقال ~~لهؤلاء أتعلمون بالعقل أن الله سبحانه لم يرد بقوله {يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم} المجانين والأطفال أم لا فان قالوا نعلم ذلك لكنا لا نسميه تخصيصا ~~خالفوا في الاسم ووافقوا في المعنى وقيل لهم ليس للتخصيص معنى إلا أن يخرج ~~من الخطاب بعض ما تناوله من الأشخاص وإن قالوا بالثاني فهو فاسد لأن الصبي ~~والمجنون لا يمكنهما فهم المراد لا على جملة ولا على تفصيل فارادة الفهم ~~مما لا يتمكن منه تكليف لما لا يطاق ويتعالى الله عن ذلك فان ms242 قالوا دليل ~~العقل متقدم والمخصص لا # PageV01P252 # يتقدم قيل بل يجوز أن يتقدم إن قيل فلم كنتم بالتمسك بدليل العقل أولى من ~~التمسك بعموم الكتاب وهلا شرطتم في دليل العقل أن لا يعارضه عموم الكتاب ~~قيل إن دليل العقل دل على قبح إرادة الفهم ممن لا يتمكن منه دلالة مطلقة ~~ولم يدل على قبحها في حال دون حال ألا ترى انا نعلم قبحها تناولهم لفظ كتاب ~~أو لم يتناولهم إذ العلة في قبحها كونهم غير متمكنين فوجب التمسك به على ~~الإطلاق وعموم الكتاب لما كان محتملا للتخصيص وكنا لا نعلم معه حسن إرادة ~~ما لا يطاق ثبت أنه لا يدل على حسنها فوجب تخصيصه # إن قيل إذا كان من لا يتمكن من فهم المراد بالخطاب على جملة أو تفصيل ليس ~~بمخاطب بالعبادات في الحال فما مراد الفقهاء بقولهم إن النائم في جميع وقت ~~الصلاة مخاطب بالصلاة قيل ليس هذا مرادهم بذلك أنه قد أريد منه أن يصلي وهو ~~نائم أو أن يزيل النوم عن نفسه لأنه لا يمكنه كلا الأمرين ولو فصل لهم ذلك ~~أبوه فعلمنا ان مرادهم غير ذلك # وقد ذكر قاضي القضاة أن مرادهم بقولهم إن الإنسان مخاطب وجوه # منها أنه مكلف لما تضمنه الخطاب # ومنها أن سبب الوجوب حاصل فيه كالنائم لأنه قد اختص بسبب وجوب قضاء ~~الصلاة بخلاف المجنون ولهذا يقولون إن الحائض مخاطبة بالصيام دون الصلاة # ومنها أن يكون المكلف إذا فعل ما تضمنه الخطاب صح منه وإن لم يكلف فعله ~~كقولهم إن الفقير مخاطب بالحج دون الصبي # ومنها أن لا يكون بينه وبين أن يكون مخاطبا بالفعل إلا أن يزول عنه شيء ~~قد عرض كالفقير متى زال عنه اسم الفقر صار مخاطبا بالحج # PageV01P253 # ومنها أن يلزمه حكم الخطاب نحو قولهم إن السكران مخاطب بأحكام الطلاق ~~ومعنى ذلك انه يلزمه الفرقة إن قيل أليس الصبي قد دخل تحت الخطاب في أروش ~~الجنايات قيل إنه لم يدخل في الخطاب باخراج الأرش وإنما الداخل تحت الخطاب ~~وليه بأن ms243 يخرج الأرش من مال الصبي # وذكر قاضي القضاة أن الحقوق الثابتة في المال إن تبعت عبادة كالنفقة في ~~الحج لم تجب في مال الصبي وإن لم تتبع عبادة ولم تفتقر إلى نية كأرش ~~الجنايات وجب من ماله وإن احتاجت إلى نية كالزكاة فقد اختلف الفقهاء في ~~وجوب ذلك في ماله # فان قيل وإذا لم يدخل الصبي في العبادات فلم فصل بين صلاته بلا طهارة ~~وبطهارة وحكموا بصحتها بطهارة قيل مرادهم بذلك أنها إذا كانت بطهارة فهي ~~على الصفة التي تسقط فرض البالغ وليس كذلك إذا كانت بلا طهارة أو لأنها إذا ~~كانت بطهارة فقد وقعت الموقع الذي أمرنا أن نأخذه بها وليس كذلك إذا كانت ~~بلا طهارة وليس مرادهم بذلك أنها إذا كانت على طهارة أسقطت الفرض عنه ~~لإجماعهم على أنه لا فرض عليه إن قيل أفليس قد اختلفوا في صحة إسلامه وكيف ~~لا يكون عندهم أهل التكليف قيل إن من يصحح إسلامه إنما يصححه إذا كان يعقل ~~الإسلام وعنده أنه إذا كان كذلك كان مكلفا للإسلام لصحة الاستدلال منه ~~وأيضا فلو لم يكن مكلفا في تلك الحال لم يمتنع ورود الشريعة بأنه إذ أظهر ~~الإسلام في هذه الحالة أخذناه إذا بلغ كما نأخذه به إذا وقد أسلم أبواه قبل ~~بلوغه - صلى الله عليه وسلم - باب في تخصيص الكتاب والسنة بالكتاب والسنة - ~~صلى الله عليه وسلم - # وأما تخصيص الكتاب بالكتاب فانه إذا جاز أن يبين الله سبحانه بخطابه ~~العام بعض ما تناوله فقط جاز أن يدلنا على ذلك بالكتاب كما جاز أن يدلنا # PageV01P254 # بالكتاب على غير ذلك من الأحكام وقد خص الله سبحانه قوله {والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} بقوله {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} وخص قوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ~~بقوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وليس يمتنع قول الله ~~سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم {لتبين للناس ما نزل إليهم} من أن يبين عز ~~وجل بكلامه ما أنزله إلينا ms244 مع أن الله قد وصف كتابه بان فيه {تبيانا لكل ~~شيء} فجاز كون بعضه بيانا لبعض # وأما تخصيص الكتاب بالسنة فجائز كما يجوز أن تدلنا السنة على غير ذلك من ~~الأحكام وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا يرث القاتل ولا يتوارث ~~أهل ملتين قول الله سبحانه {للذكر مثل حظ الأنثيين} # وأما تخصيص السنة بالسنة فأكثر من أن يحصى وقد أبى قوم ذلك لأنه نصب صلى ~~الله عليه وسلم مبينا فلم يجز أن تحتاج سنته إلى بيان والجواب أن كونه ~~مبينا لا يمنع من أن يبين سنته # والكلام في تخصيص العام بالخاص يختلف بحسب المقارنة والتراخي فاذا بينا ~~جواز وقوع تخصيص الكتاب والسنة بهما على الجملة فلنبين متى يقع التخصيص ~~بهما ونذكر في ذلك قسمة يدخل فيها بناء الخاص على العام ويجوز تخصيص قول ~~الله سبحانه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كقوله في الدلالة ولهذا ~~خصصنا قول الله سبحانه {الزانية والزاني} يرجم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ماعزا # PageV01P255 # ويجوز تخصيص الكتاب بالإجماع لأنه إذا ثبت كونه حجة جاز أن يدل على كون ~~الكتاب مخصوصا وقد خص إجماعهم على أن العبد كالأمة في تنصيف الحد لآية ~~الجلد - صلى الله عليه وسلم - باب في بناء العام على الخاص - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أنه إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران خاص وعام وهما ~~كالمتنافيين فلا يخلو إما أن نعلم بينهما التأريخ أو لا نعلم فان علمنا ذلك ~~فإما أن نعلم اقتران أحدهما بالآخر وإما أن نعلم تراخي أحدهما عن الآخر إما ~~الخاص وإما العام فان علمنا اقترانهما نحو أن يقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم أقتلوا الكفار ويقول عقيب ذلك لا تقتلوا اليهود أو يقول في الخيل زكاة ~~ويقول عقيبه ليس في الذكور من الخيل زكاة فالواجب أن يكون الخاص مخصصا ~~للعام لأن الخاص أقل احتمالا فيما يتناوله من العام واشد تصريحا به من ~~العام ولهذا لو قال الرجل لعبده اشتر لي كل ما في ms245 السوق من اللحم ثم قال ~~بعد ذلك لا تشتر لحم البقر فهم منه إخراج لحم البقر من كلامه الأول إما على ~~سبيل البداء وإما أنه لم يرده بالعموم ولأن إجراء العام على عمومه يلغي ~~الخاص واستعمال الخاص وإخراج ما تناوله من العام لا يلغي واحدا منهما فكان ~~هذا أولى # وإن قيل هلا حملتم قوله في الخيل زكاة على التطوع وحملتم قوله لا زكاة في ~~الذكور من الخيل على نفي الزكاة وهذا وإن كان استعمالا للعام على المجاز ~~فان تخصيصه أيضا استعمال له على المجاز فلستم بأحد الاستعمالين بأولى من ~~الآخر والجواب إن قوله في الخيل زكاة يقتضي وجوبها في الإناث كما يقتضيه ~~خبر لو اختص بالإناث فلو حملناه على التطوع لكنا قد عدلنا باللفظ عن ظاهره ~~في الإ ناث لدليل لا يتناوله الإناث وهو قوله لا زكاة في الذكور وليس كذلك ~~إذا أخرجنا الذكور عن قوله في الخيل زكاة # PageV01P256 # لأنا نكون قد أخرجنا من العام شيئا لدليل قد تناوله واقتضى إخراجه منه ~~وأيضا فما ذكره الخصم لا يتأتى في كل خبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو ~~قال اقتلوا الكفار وقال ليس ذلك باباحة ولا إطلاق وقال أيضا عقيبه لا ~~تقتلوا اليهود فحملنا ذلك على نهي التحريم أو التنزيه لوجب على كل حال ~~تخصيص قوله اقتلوا الكفار لأن هذا القول لو حمل على الوجوب أو على الندب ~~لكان النهي عن قتلهم وجوبا أو تنزيها مخصصا له # فأما إن علمنا تراخي الخاص عن العام فانه إن كان ورد الخاص قبل ما يحضر ~~وقت العمل بالعام فانه يكون بيانا للتخصيص ويجوز ذلك عند من يجيز تأخير ~~بيان العام ولا يجوز عند المانعين من تأخير بيان العام وإن ورد الخاص بعد ~~ما حضر وقت العمل بالعام فانه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم فيما بعد دون ~~ما قبل لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة وأما إن كان العام هو المتراخي ~~عن الخاص فعند أصحاب الشافعي أن العام يبني على الخاص فيكون المراد ms246 بالعام ~~ما لم يتناوله الخاص # ويمكن أن يحتجوا لذلك بأن الخبر الخاص نحو قول القائل لا تقتلوا اليهود ~~يمنع من قتلهم أبدا وقوله من بعد أقتلوا الكفار يفيد قتلهم في حالة من ~~الحالات والخبر الخاص يمنع من قتلهم في تلك الحالة وإذا تمانعا والخاص أخص ~~باليهود وأقل احتمالا وجب القضاء به ولو قال اقتلوا اليهود ثم قال لا ~~تقتلوا الكفار وقد بقيت بقية من اليهود لم يقتلوا فالأمر يقتضي قتلهم في ~~حال من الحالات والنهي يمنع من ذلك فإذا تمانعا في تلك الحال قضي بالخاص ~~وقد احتجوا لمذهبهم بأن الخاص معلوم دخول ما تناوله تحته ودخول ذلك تحت ~~العام مشكوك فيه والعام لا يترك للشك وهذا لا يصح لأنهم إن أرادوا أن العام ~~لو انفرد لم يعلم دخول ما تناوله تحته فذلك غير مسلم وإن ارادوا أنه لا ~~يعلم ذلك لأجل الخبر الخاص ففي ذلك ينازعزن وهو ترك قولهم أيضا لأنهم ~~يقطعون على خروج ذلك من العلوم ولا يشكون فيه وقالوا # PageV01P257 # أيضا تقدم الخاص على العام كالعهد بين المتكلم والمخاطب فانصرف الخطاب ~~العام إليه والجواب أنه لا معنى لقولهم إنه كالعهد إلا أن المتكلم قد دل ~~بالخاص المتقدم على أن مراده بالعام ما دون الخاص ولأنه لا يفهم السامع إلا ~~ذلك وفي ذلك ينازعون # وذهب أصحاب أبي حنيفة وقاضي القضاة إلى أن العام المتأخر ينسخ الخاص ~~المتقدم واحتجوا بأشياء # منها أن اللفظ العام في تناوله لآحاد ما وجد تحته يجري مجرى ألفاظ خاصة ~~كل واحد منها يتناول واحدا فقط من تلك الآحاد لأن قوله اقتلوا المشركين ~~يجري مجرى قوله اقتلوا زيدا المشرك أقتلوا عمرا أقتلوا خالدا ولو قال ذلك ~~بعد ما قال لا تقتلوا زيدا لكان الثاني ناسخا فكذلك ما ذكرناه والجواب أن ~~اللفظ العام يجري مجرى ألفاظ خاصة بآحاد ما تناوله في كونه متناولا لها فقط ~~ولا يجري مجراها في امتناع دخول التخصيص عليه لأن اللفظ الخاص لشيء واحد لم ~~يدخل تحته اشياء فيخرج بعضها والعام قد تناول أشياء ms247 يمكن أن يراد به بعضها ~~فصح قيام الدلالة على ذلك ولهذا كان الخاص المقارن للعام مخصصا له وما ~~ذكروه يمنع من تخصيصه له # ومنها أن الخاص المتقدم يتأتى نسخة والعام يمكن أن يرفعه فكان ناسخا له ~~والجواب يقال لهم ولم إذا أمكن أن يرفعه وجب ذلك فيه وأيضا فكما يمكن أن ~~يتصور فيه كونه رافعا للخاص المتقدم فيمكن أن يتصور فيه كونه مخصوصا بالخاص ~~المتقدم فان قالوا كونه متأخرا يقتضي كونه ناسخا قيل لهم وهل نوزعتم إلا في ~~ذلك وأيضا فإنما يمكن أن ينسخ المتقدم إذا لم يثبت كونه مخصوصا بالمتقدم ~~فبينوا ذلك وقد تمت لكم المسألة # ومنها أن يقال تردد الخاص المتقدم بين كونه منسوخا ومخصصا يمنع من كونه ~~مخصصا لأن البيان لا يكون ملبسا والجواب أن الخصم يقول ليس # PageV01P258 # يتردد عندي بين هذين بل قد صح كونه مخصصا وعلى أنه إن منع هذا التردد من ~~كونه بيانا للتخصيص ليمنعن التردد بين كون العام ناسخا للخاص ومبنيا عليه ~~من كونه بيانا للنسخ فصح أن العام يبني على الخاص المتقدم لما ذكرناه من ~~الدلالة الأولى # فأما إذا لم يعرف التأريخ بينهما فعند أصحاب الشافعي أن الخاص منهما يخص ~~العام وهذا سديد على أصولهم لأنه ليس للخاص مع العام إلا أن يقارنه أو ~~يتأخر عنه أو يتقدمه وقد بان وجوب خروج ما تناوله الخاص من العام في ~~الأحوال الثلاثة وأيضا فان فقهاء الأمصار في هذه الأعصار يخصون أعم الخبرين ~~بأخصهما مع فقد علمهم بالتاريخ وليس يعترض ذلك بأن ابن عمر رضي الله عنه لا ~~يخص قول الله سبحانه {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} يقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان لأنا إنما ادعينا إجماع أهل هذه الأعصار ~~ويحتمل أن يكون ابن عمر امتنع من ذلك لدليل # وقد احتجوا للمسألة بأشياء لا تدل # منها قولهم إذا لم يعرف التأريخ بين الخبرين وجب حملهما على أنهما وردا ~~معا كالغريقين اللذين لا يعرف اقتران غرقهما ولا يقدم أحدهما على الآخر ~~فحمل أمرهما ms248 على أنهما غرقا معا والجواب أن الأمة لم تجمع على ذلك بل قد ~~ورث بعض الصحابة رضي الله عنهم كل واحد منهما من الآخر ومنهم من جعل كل ~~واحد منهما كأنه لم يخلق أبدا ولم يورث أحدهما من الآخر وهذا يمكن أن يحتج ~~به مخالفهم لأنه لما اشتبه حالهما لم يورث أحدهما من الاخر فكذلك إذا اشتبه ~~حال الخبرين يجب أن لا يعترض بأحدهما على الآخر وأن يرجع إلى أمر آخر # ومنها قولهم وإذا وجب تخصيص العموم بالاستثناء فكذلك بالخبر # PageV01P259 # الخاص والجواب أن هذا قياس بغير علة والفرق بينهما أن الاستثناء لما لم ~~يستقل بنفسه علم أنه مقارن للعموم غير متقدم عليه ولا متراخ عنه فلم يمكن ~~فيه أن يكون منسوخا وليس كذلك الخاص المستقل بنفسه لأنه يمكن أن يكون ~~متقدما ونظير الاستثناء أن يقطع على مقارنة اللفظ الخاص فإن قالوا اللفظ ~~الخاص إذا تقدم لم يكون منسوخا بل يكون مخصصا للعام المتأخر رجعوا الى ما ~~ذكرناه أولا من بناء المسألة على ذلك # ومنها قولهم إن القياس يعترض به على العام فالخبر الخاص أولى بذلك ~~والجواب أن أصل القياس إن كان متقدما على الخبر العام وكان منافيا له فانه ~~لا يجوز القياس عليه عند الخصم لأنه منسوخ بالعام مثاله أن يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا تبيعوا البر ثم يقول بعد مدة أحللت لكم جميع البياعات ~~فان المخالف ينسخ تحريم البر ولا يجيز قياس الأرز عليه في التحريم وإن ~~اشتبه تقدمه لم يجز القياس عليه أيضا وإن كان اصل القياس غير متقدم للعام ~~على وجه ينافيه صح القياس عليه وخص به العام مثاله إن نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع البر ثم قال بعد مدة أبحت لكم بيع ما سوى البر فان ذلك لا ~~ينسخ النهي عن بيع البر فيجوز أن يقاس على البر المكيلات ويخص من جملة هذا ~~العموم ولا يشبه هذا مسألتنا لأن في مسألتنا يمكن أن يكون المتقدم منسوخا ~~بالعام # ومنها أنه لو لم ms249 يخص العام بالخاص كنا قد ألغيناه والجواب أن للخصم أن ~~يقول إن أردتم بالغاء الخاص أن لا يستعمل أصلا فالحكمة تمنع منه ونحن لا ~~نقول به وإن أردتم أنا لا نستعمله الآن وإن كان مستعملا في وقت فذلك جائز ~~عندنا وهذه حالة المنسوخ # ومنها أنا لو لم نخص العام منهما بالخاص لوجب إما نسخ الخاص بالعام أو ~~إلغاؤهما والنسخ لا يجوز مع فقد التأريخ وكلام الحكيم لا يجوز إلغاءه ~~والجواب أن الخصم يحوج التخصيص أيضا إلى تأريخ لأنه لا يخص العام بخبر ~~متقدم وأما إلغاؤهما فغن أريد به الرجوع إلى غيرهما أو إلى ترجيح وترك # PageV01P260 # استعمالهما بأنفسهما فذلك لا يأباه الخصم ويقول إنما لا يجوز ذلك إذا ~~أمكن استعمال الكلامين فأما مع فقد الإمكان فلا يمتنع وقد علمنا أنه ليس ~~حمل الحال فيهما على التخصيص أولى من النسخ ولا حمل الحال فيهما على النسخ ~~أولى من التخصيص # فأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم يقولون إنه إذا لم يعرف التأريخ بين الخبرين ~~العام والخاص توقف فيهما ورجع إلى غيرهما أو إلى ما يرجح به أحدهما على ~~الاخر وهذا سديد على أصولهم لأن عندهم أن الخبر العام المتأخر ينسخ الخاص ~~المتقدم ويخص بالخاص المقارن له والمتأخر وإذا لم يعرفوا التأريخ جوزوا أن ~~يكون الخاص متقدما فيكون منسوخا وجوزوا أن لا يكون متقدما فيخرج من العام ~~ما تناوله فوجب التوقف فيها إذ ليس الحكم بأحد الأمرين أولى من الآخر فكذلك ~~يلزم لو قيل بالوقف إذا علم تأخير الخبر العام لأنا إذا لم نعرف التأريخ لم ~~نأمن أن يكون الخاص متقدما فنكون مترددين بين أن يكون مخصوصا وبين أن يكون ~~منسوخا # وقد احتجوا بأشياء لا تدل # منها أن العام يجري تناوله للآحاد مجرى ألفاظ خاصة بالأعداد وهذه لا ~~يعترضها الخاص فكذلك العام وقد تقدم الجواب عن ذلك # ومنها أنه لو خص أحد الخبرين أعمهما يخص أحد العلتين أعمهما والجواب أن ~~ذلك قياس بغير علة ويلزم أن لا يخص العام بالخاص المقارن له وعلى أن تخصيص ms250 ~~العلة لا يجوز أصلا وليس كذلك تخصيص العام فجاز أن يخصه الخاص وإذا لم نعرف ~~بينهما التاريخ قالوا فاذا وجب التوقف في هذين الخبرين فالواجب الرجوع إلى ~~الترجيح # وقد ذكر عيسى بن أبان وجوها من الترجيح منها أن يكون أحدهما متفقا على ~~استعماله كخبر الأوساق ومنها أن يعمل معظم الأمة بأحدهما ويعيب على # PageV01P261 # من لم يعمل به كعيبهم على ابن عباس تركه العمل بخبر أبي سعيد في الربا ~~ومنها أن تكون الرواية لأحدهما أشهر # وزاد الشيخ أبو عبد الله أن يتضمن أحدهما حكما شرعيا وأن يكون أحدهما ~~بيانا للآخر باتفاق كاتفاقهم على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع ~~إلا في ثمن المجن بيان لآية السرقة فوجب لذلك بناؤها عليه # وهذه الأمور أمارة لتأخر أحد الخبرين لأنه لو كان الخبر متقدما منسوخا ما ~~اتفقت الأمة على استعماله ولا عابوا من ترك استعماله ولما كان النقل له ~~أشهر ولما أجمعوا على أنه بيان له قد نسخه وكون الحكم غير شرعي يقتضي كون ~~الخبر الذي يضمنه مصاحبا للعقل وأن الخبر المتضمن الحكم الشرعي متأخر وهذا ~~الوجه يضعف - صلى الله عليه وسلم - باب في العموم إذا خص هل يصير مجازا أم ~~لا - صلى الله عليه وسلم - # ذهبر قوم إلى أنه لا يصير مجازا بالتخصيص متصلا كان المخصص أو منفصلا ~~لفظا كان أو غير لفظ وقال آخرون يصير مجازا في كل هذه الحالات وقال آخرون ~~يصير مجازا في حال دون حال واختلفوا في تفصيل تلك الحال فقال بعضهم إن خص ~~بدليل لفظي لم يصر مجازا متصلا كان الدليل أو منفصلا وإن خص بدليل غير لفظي ~~كان مجازا وقال آخرون يكون مجازا إلا أن يخص بلفظ متصل وقال آخرون يكون ~~مجازا إلا أن يكون مخصصه شرطا أو استثناء وقاضي القضاة يقول يكون مجازا إلا ~~أن يكون مخصصه شرطا أو تقييدا بصفة وجعله مجازا بالاستثناء # واعلم أن القرينة المخصصة إما أن تستقل بنفسها في الدلالة أو لا تستقل # PageV01P262 # بنفسها فإن استقلت بنفسها فهي ضربان ms251 عقلية ولفظية أما العقلية فنحو ~~الدلالة الدالة على ان غير القادر غير مراد بالخطاب بالعبادات وأما اللفظية ~~فنحو أن يقول المتكلم بالعام أردت به البعض الفلاني فقط وفي هذين القسمين ~~يكون العموم مجازا لأن القرينة دلت على أن المتكلم استعمل العام لا فيما ~~وضع له وهذا معنى المجاز إن قيل هلا قلتم إن المتكلم أراد البعض فقط باللفظ ~~العام وبالقرينة معا فلا يكون اللفظ العام مجازا قيل مجازا قيل أن القرينة ~~قد تكون سابقة للفظ العام نحو خلق العلم فينا بأن العاجز لا يكلف أو نصب ~~الدلالة على ذلك وهذا أسبق من العموم فلا يجوز أن يريد بهما البعض وقد تكون ~~القرينة إشارة من المتكلم منا متأخرة عن كلامه بزمان يسير فلا يجوز أن يريد ~~البعض بها والكلام العام وقد تكون القرينة من فعل غير المتكلم نحو أن يتكلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالعام فيخصه الله سبحانه ويلزم أن يكون اللفظ ~~العام المقترن به القرينة لا حقيقة ولا مجازا لأنه ما أريد به ما وضع له ~~ولا غير ما وضع له وإن جعلوا الحقيقة مجموع اللفظ والقرينة لزم كون المعاني ~~من جملة الحقائق ويلزم أن لا يكون في الكلام مجازا بل يكون الكلام قد قصد ~~به مع قرينته وجه المجاز فان قيل هلا قلتم وضعوا العموم للاستغراق مع فقد ~~القرينة ووضعوا لما تقتضيه القرينة من التخصيص مع وجودها قيل إن القرائن ~~كثيرة لا تحصى فلا يمكن أن تحصروها حتى تضعوا العموم مع كل واحدة منها لما ~~تقتضيه وأيضا فيمكن أن يقال إن الألفاظ كلها وضعت مع وجود القرائن لما يدل ~~عليه القرائن وفي ذلك رفع المجاز من الكلام وأيضا فان القرينة تدل على أن ~~المتكلم استعمل لفظ العموم في البعض فان كانت إذا دلت ذلك فقد دلت على أن ~~المتكلم استعمل لفظ العموم في البعض فان كانت إذا دلت على ذلك فقد دلت على ~~أن المتكلم قد استعمله فيما وضع له فذلك رجوع إلى قول أصحاب الوقف وكان يجب ms252 ~~لو أراد المتكلم باللفظ العموم مع أن العقل يدل على تخصيصه أن يكون متجوزا ~~وغير مستعمل له على حقيقته # PageV01P263 # فان قالوا هلا قلتم إن القرينة كالعهد في وجوب انصراف العموم إلى ما ~~يقتضيه ولا يكون مجازا كما لو انصرف إلى العهد والجواب إن لام التعريف وضعت ~~لتقييد ما السامع به أعرف فان كان بينه وبين المتكلم عهد فهو به أعرف ~~فانصرف أليه الكلام وإن لم يكن بينهما عهد فليس يعرف إلا الجنس فانصرف إليه ~~وليس كذلك ما يدل عليه الأدلة العقلية لأنه إنما يعرف انصراف العموم إليه ~~إذا علم بدليل عقلي أن بعض العموم لا يجوز أن يراد وعلم أن المتكلم حكيم ~~وربما غمض الدليل على أنه لا يجوز أن يراد فجرى مجرى سائر الأدلة المخصصة ~~سيما وما يفيده اللفظ في المواضعة لا يقف على حكمة المتكلم وأيضا فاذا ثبت ~~أن الألف واللام تفيد الاستغراق فالأولى أن يقال إنهما ينصرفان إلى العهد ~~بقرينة وهو معرفة السامع بقصد المتكلم ويجري ذلك مجرى جميع ألفاظ العموم ~~التي تعلم من قصد المتكلم أنه استعملها في الخصوص ويكون مجازا # فأما إن كانت القرينة لا تستقل بنفسها نحو الاستثناء والشروط والتقييد ~~بالصفة كقول القائل جاءني بنو تميم الطوال فقد ذهب قاضي القضاة إلى أن ~~الاستثناء يجعل العموم مجازا ولم يقل ذلك في الشروط والصفة وعند الشيخ أبي ~~الحسن الكرخي رحمه الله أن العموم لا يصير مجازا بهذه الأمور الثلاثة ولعله ~~عني ما نذكره الآن وهو أن هذه الأمور الثلاثة تجعل لفظ العموم من جملة كلام ~~ولا يكون لفظ العموم بانفراده حقيقة ولا مجازا ويكون العموم مع الاستثناء ~~بمجموعها حقيقة وكذلك هو مع الشرط ومع الصفة والدليل على ذلك أن القائل إذا ~~قال اضرب بني تميم الطوال أو قال إن كانوا طوالا أو قال إلا من دخل الدار ~~فانه يرد بعضهم بلفظ العموم وحده لأنه لو كان كذلك ما كان قد أراد ~~بالاستثناء أو الشرط أو الصفة شيئا لأن هذه الأشياء توضع لشيء يستقل في ~~دلالتها ms253 عليه فيقال إن المتكلم قد أراد بها ذلك الشيء وأراد بالعموم وحده ~~البعض ولأنه إذا أراد البعض بلفظ العموم لم يبق شيء يريده بالاستثناء ~~والشرط والصفة فثبت أنه إنما # PageV01P264 # عنى البعض لمجموع الأمرين يبين ذلك أن النافين للعموم لما قالوا لو كان ~~لفظ العموم مستغرقا لكان استعماله في البعض نقضا قلنا لهم إن المتكلم قد ~~عنى البعض لمجموع العموم والاستثناء فاذا ثبت أن المتكلم لم يعن بلفظ ~~العموم وحده الاستغراق ولا البعض ثبت أنه إذا كان مع هذه الأمور لم يكن ~~بانفراده حقيقة ولا مجازا أو إذا ثبت أنه قد عني البعض بمجموع الأمرين وهما ~~لا يفيدان إلا ذلك البعض ثبت أن مجموعهما حقيقة فيه # وقد فصل قاضي القضاة في الشرح بين التخصيص بالاستثناء وبالشرط فقال إن ~~الشرط لا يخرج شيأ من آحاد العموم فلم يجعله مجازا وإنما يخرج حالا مم ~~الحالات لأنك إذا قلت أكرم بني تميم إن كانوا دخلوا الدار لم يتعرض ذلك ~~للاعيان وليس كذلك إذا استثنيت الآحاد والجواب أن يقال ولم كان ما تناول ~~الآحاد يجعل العموم مجازا وما تناول الأحوال لا يجعله مجازا على أن الشرط ~~إذا أخرج بعض الحالات فقد أخرج بعض الأعيان لأنك إذا قلت أكرم بني تميم إن ~~كانوا دخلوا الدار فقد أخرجت الأعيان الذين لم يدخلوا الدار وقد يتناول ~~الشرط الأعيان لأنك إذا قلت أكرم بني تميم إن كانوا من بني سعد فقد أخرج ~~غيرهم من الأشخاص - صلى الله عليه وسلم - باب في صحة الاستدلال بالعموم ~~المخصوص - صلى الله عليه وسلم - # اختلف الناس في العموم المخصوص هل يصح الاستدلال به فيما عدا المخصوص أم ~~لا فلم يجز عيسى بن أبان وأبو ثور الاستدلال به على ذلك على كل حال وأجاز ~~ذلك آخرون على كل حال وأجاز ذلك قوم في حال دون حال واختلفوا في تفصيل تلك ~~الحال فقال الشيخ أبو الحسن إن خص العموم بشرط أو استثناء صح التعلق به ~~فيما عدا المخصوص وإن خص بدليل منفصل لم يصح ذلك وقال ms254 الشيخ أبو عبد الله ~~إن كان المخصص والشرط قد منعا من تعلق الحكم بالاسم العام وأوجبا تعلقه ~~بشرط لا ينبىء عنه # PageV01P265 # الظاهر لم يجز التعلق به عنه وإن لم يمنعا من تعلقه بالاسم العام فانه ~~يصح التعلق به ومثل القسم الأول بقول الله سبحانه {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} وذلك لأن قيام الدلالة على اعتبار الحرز مقدار المسروق ~~يمنع من تعلق القطع بالسرقة ويقتضي وقوعه على الحرز الذي لا ينبىء اللفظ ~~عنه فلم يجز التعلق به ومثل للقسم الثاني بقول الله سبحانه {فاقتلوا ~~المشركين} لأن قيام الدلالة على المنع من قتل معطي الجزية لا يمنع من تعلق ~~القتل بالشرط فلم يمتنع التعلق به من قتل من لم يعط الجزية وقال قاضي ~~القضاة إن كان العموم المخصوص والمشروط لو تركنا وظاهره من دون الشرط ~~والتخصيص كنا نمتثل ما أريد منا ونضم إليه ما لم يرد منا احتجنا إلى بيان ~~ما لم يرد منا ولم نحتج إلى بيان ما أريد إذ كنا نصير إليه من دون البيان ~~ويصح التعليق بالظاهر فيه وإن كنا لو تركنا والظاهر من دون الشرط لم يمكننا ~~امتثال ما أريد احتجنا إلى بيان ما أريد منا إذ لسنا نكتفي بالظاهر فيه ~~وهذا الذي ذكره عقد مذهب ودلالة # وينبغي أن يزاد في القسم الأول أن لا يكون العموم قد خصص تخصيصا مجملا ~~وذلك لأن الله سبحانه لو قال اقتلوا المشركين ثم قال لنا لم أرد بعضهم لكنا ~~لو تركنا وقوله {فاقتلوا المشركين} أمكننا أن نفعل ما اريد منا وما لم يرد ~~منا ومع ذلك فانه لا يصح التعلق به فيما أريد منا وإن ما قلنا إنه يجوز أن ~~يستدل بالعموم فيما عدا المخصوص هو أن معنى ذلك أنه يمكن التوصل بالعموم ~~إلى العلم بحكم ما عدا المخصوص والدلالة على ذلك هو أن قول الله سبحانه ~~{فاقتلوا المشركين} إذا دل الدليل على أنه لا يقتل من أعطي الجزية من أهل ~~الكتاب فاللفظ يتناول ما عدا هؤلاء في أصل # PageV01P266 # الوضع مفصلا ولم ms255 يرد عليه تخصيص مجهول فكل ما هذه حالة فإن المتكلم به ~~إذا كان حكيما فلا بد من أن يعني ما تناوله اللفظ إلا أن يدلنا على أنه ما ~~عناه وإنما قلنا إن اللفظ يتناول ما عدا المخصوص في أصل الوضع لأن اسم ~~العموم يستغرق كل المشركين وليس كلهم سواء آحادهم فهو إذا عبارة عن كل واحد ~~منهم ولهذا لو تركنا وظاهرة أمكننا قتل من أريد منا قتله وإنما قلنا إنه لم ~~يرد عليه تخصيص مجهول لأن التخصيص المجهول هو إخراج بعض غير مفصل ونحن إنما ~~نتكلم في عموم قد خص تخصيصا مفصلا وإنما قلنا إن كل لفظ يتناول أشياء في ~~أصل الوضع ولم يخصص تخصيصا مجملا فلا بد من أن يريدها المتكلم الحكيم إلا ~~أن يدل على أنه ما أراد بعضها لأن الحكيم إذا خاطب قوما بلغتهم فلا بد من ~~أن يعني بخطابه ما عنوه وإلا كان ملتبسا عليهم وغير متكلم بلغتهم ولهذا وجب ~~أن يعني بالعموم ظاهرة إذا لم يرد عليه تخصيص وإنما قلنا إنه لم يدلنا على ~~أنه ما عناهم لأنه لو كان هناك دلالة لوجدها من استقصى الطلب ولأن المخالف ~~يمنع من التعلق بالعموم المخصوص لكونه مخصوصا لا لأنه يجوز أن يكون في ~~الأدلة ما يخصه تخصيصا ثانيا # يبين ما قلناه أن لفظ العموم متناول لما عدا المخصوص فلم لم يعلم أنه قد ~~عني بالعموم لم يخل إما أن لا يعلم ذلك بمخصص مفصل أو مجمل وذلك مفقود فجرى ~~مجرى سائر الألفاظ المتناولة من أهل الوضع لمعانيها إذا لم تدل دلالة على ~~أنها لم ترد بها فقد صح الاستدلال بالعموم المخصوص بدليل منفصل أو متصل ~~سواء سمي العموم مجملا أو غير مجمل أو سمي مجازا أو غير مجاز # ويدل عليه أيضا إجماع الصحابة لأن عليا رضي الله عنه تعلق في معنى الجمع ~~بين الأختين بقوله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم} وبقوله {وأن تجمعوا بين ~~الأختين} # PageV01P267 # وقال أحلتهما آية وحرمتهما آية # وكذلك قال عثمان رضي الله عنه ومعلوم ms256 أن قوله {أو ما ملكت أيمانكم} مخصوص ~~منه البنت والأخت واحتج ابن عباس بقوله تعالى {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} ~~وقال قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير وإن كان وقوع التحريم بالرضاع ~~يحتاج إلى شروط # واحتج عيسى بن أبان بأن العموم المخصوص قد صار مجازا بالتخصيص فخرج أن ~~يكون له ظاهر فلم يجز التعلق بظاهره ولأن العموم المخصوص يجري مجرى أن يقول ~~الله سبحانه اقتلوا المشركين ثم يقول لا تقتلوا بعض المشركين فكما يمنع ذلك ~~من التعلق بالظاهر فكذلك غيره من التخصيص والجواب عن الأول أنه إن أراد ~~العموم صار مجازا من حيث لم يرد به بعض ما تناوله فذلك صحيح ولا يمنع من ~~التعلق به فيما عدا المخصوص لأنه متناول له على وجه الحقيقة وإن أراد به ~~أنه مجاز فيما عدا المخصوص فليس بصحيح لأنه متناول لذلك في أصل الوضع على ~~أنا قد بينا أنه يصح التعلق به سمي مجازا أو لم يسم مجازا والجواب عن ~~الثاني هو أنهم جمعوا بين التخصيص المفصل والتخصيص المجمل بغير علة والفرق ~~بينهما هو أن الله إذا قال أقتلوا المشركين ثم قال لا تقتلوا بعضهم أو قال ~~لم أرد بعضهم ولم يبين ذلك البعض كان من يريد قتله من المشركين يتناوله ~~قوله اقتلوا المشركين فلم بأن يدخل تحت أحد الظاهرين أولى من أن يدخل تحت ~~الآخر ولو قال لا تقتلوا اليهود أمكننا أن نقتل بالآية من أريد منا لأن كل ~~مشرك إن علمنا يهوديا أدخلناه تحت المخصص وإن علمناه غير يهودي علمناه ~~خروجه من التخصيص وأنه مراد بالآية # PageV01P268 # والأصل في ذلك أن الأشياء المعلومة إذا أخرج منها أشياء معلومة كنا ~~عالمين بما عداها وإذا خرج منها أشياء مجهولة بقي الباقي مجهولا لا ينفصل ~~مما عداها فلا ندري ما الذي خرج مما لم يخرج ألا ترى أن العشرة معلومة فاذا ~~علمنا أنه قد خرج منها ثلاثة علمنا أنه قد بقي سبعة وإذا علمنا أنه قد خرج ~~منها عدد لا نعلمه لم ندر ما بقي منها ms257 # ونحن من بعد ذاكرون أعيان الأدلة فنقول أما قول الله عز وجل {فاقتلوا ~~المشركين} فقد مضى الكلام فيه حين جعلناه مثالا للجملة المتقدمة وأما قوله ~~{أقيموا الصلاة} فانه لا يصح التعلق به في وجوب الصلاة الشرعية لأن اسم ~~الصلاة في اللغة لا يتناول هذه الصلاة ولهذا لو خلينا وهذه الآية لم نعرف ~~وجوبها ولا أمكننا فعلها بعينها إن قيل هلا يصح التعلق بقوله أقيموا الصلاة ~~في وجوب الدعاء لأن اسم الصلاة يتناوله في اللغة فاذا دلت الدلالة على وجوب ~~أشياء مع الدعاء وسقوط وجوب الدعاء مع فقد تلك الأشياء كان تخصيصا قيل هذا ~~يقتضي أن يكون المراد بقوله {أقيموا الصلاة} الدعاء وهذا باطل لأنا قد بينا ~~أن اسم الصلاة يتناول في الشريعة جملة هذه الأفعال الشرعية وليس بأن يقال ~~إنه يتناول الدعاء وما عداه شرط في وقوع النص عليه بأولى من أن يقال إنه ~~يتناول في الشريعة ما عدا الدعاء والدعاء شرط في وقوع الاسم عليه وعلى أن ~~غرضنا أنه لا يصح الاستدلال بهذه الآية على وجوب جملة هذه الأفعال والسائل ~~لم ينازع في ذلك # وأما قول الله عز وجل {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فأنه عام في كل ~~سارق سرق قليلا أو كثيرا من حرز أو من غير حرز فقيام # PageV01P269 # الدلالة على اشتراط الحرز وقدر مخصوص لا يمنعنا من العلم بوجوب قطع من ~~سرق من حرز قدرا مخصوصا فان منع المخالف من التعلق بهذه الآية أصلا بعد ~~قيام الدلالة على هذين الشرطين فقد أفسدناه وإن منع من أن يعلم بهذه الآية ~~قطع أحد إلا بعد أن يعلم أنه سارق قدرا مخصوصا من حرز فذلك صحيح وسنتكلم ~~فيه من بعد وإن أراد إن قطع من اختص بهذين الشرطين فقد احتجنا فيه إلى أن ~~تقوم الدلالة على اشتراط هذين الشرطين فباطل لأنه لو لم يدل الدلالة على ~~ذلك لعلمنا قطع من اختص بهذين الشرطين وإنما نفتقر إلى هذه الدلالة في أن ~~لا يقطع من لم يختص بهما ونستطيع القول في هذه الأقسام ms258 عند ذكر أسألتهم إن ~~قيل أليس بعد قيام الدلالة على اشتراط الحرز ومقدار المسروق لا يمكن أن ~~يستدل بالآية على قطع من اختص بهذين الشرطين إلا بعد أن يضم إليهما ما دل ~~على اشتراطهما فقد صح أنه يجوز التعلق بظاهر الآية قيل ليس كذلك لأنه ~~يمكننا أن نستدل على قطع من علمناه مختصا بالشرطين بأن نقول إنه سارق ~~فتناولته آية السرقة من غير أن يمنع مانع من كونه مرادا بها وهذا كاف في ~~الدلالة على قطعة ألا ترى أنا لو لم نعلم هذين الشرطين لعلمنا مما ذكرناه ~~وجوب قطع من اختص بهما وإن كنا نقطع من لم يختص بهما فبان أنا نحتاج إلى ~~بيان الشرطين حتى لا نقطع بعض السراق لا لنقطع من يجب قطعه إلا أن البيان ~~لذلك قد يرد بلفظ النفي بأن يقال لا تقطعوا من سرق من غير حرز وقد يرد ~~بالإثبات بأن يقال الحرز شرط في القطع وكلا القولين إنما ينفي القطع من غير ~~حرز لأن إثباته مع الحرز معلوم بتناول الآية له إن قيل أليس بعد قيام ~~الدلالة على اشتراط المقدار والحرز لا يجوز لكم أن تقطعوا سارقا معينا ~~وأنتم لا تعلمون أنه سارق من حرز مقدارا مخصوصا وإذا علمتم ذلك علمتم وجوب ~~قطعة فقد بان أنه لا يكتفي بظاهر الآية قيل هذا صحيح غير أنه لا يمنع من ~~الاكتفاء بالآية في قطع سارق اختص بكلا الشرطين من حيث تناولته الآية من ~~غير مانع لأنا إنما نحتج بالآية في قطعة لا بما دل على أنه لا يقطع من # PageV01P270 # سرق من غير حرز وذلك لأن الآية تتناول هذا السارق ولا يتناوله ما دل على ~~المنع من قطع السارق من غير حرز وإنما وجب أن نعلم أنه سارق قدرا مخصوصا من ~~حرز لنعلم أنه لم يدخل تحت الدليل المخصص لا لنعلم أن الآية تناولته # والقول في ذلك كالقول في عموم مخصوص ولا وجه لتخصيص ذلك بأنه السرقة لأن ~~الله عز وجل لما قال {فاقتلوا المشركين} ثم دل ms259 الدليل على المنع من قتل ~~معطي الجزية فانا لا نقدم على قتل شخص مشرك إلا إذا علمنا أنه غير معط ~~للجزية ولو قالوا لا تقتلوا زيدا المشرك لم يجز أن نقتل مشركا إلا إذا ~~علمنا أنه غير زيد ومتى شككنا في ذلك لم يجز قتله وكذلك قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما سقت السماء العشر لا يمنع تخصيصه بأرض الخراج من التعلق به # إن قيل إن آية السرقة قد شرط فيها شرط لا ينبيء لفظه عنه فجرى مجرى أن ~~يكون القطع المذكور غير المعروف وليس كذلك قول الله تعالى {فاقتلوا ~~المشركين} لأن ما أخرج بعضهم هو دليل مخصص الجواب أن ذلك لو ثبت لم يمنع من ~~الاستدلال بأن السرقة على قطع من اختص بكلا الشرطين من الوجه الذي ذكرناه ~~على أنه لا فرق بين الاثنين لأن اشتراط الحرز والمقدار قد أخرج من الآية من ~~لم يختص بهما وهذا تأثيره دون قطع من اختص بكلا الشرطين لأن ذلك مستفاد من ~~الآية على ما بيناه كما أن ما دل على المنع من قتل معطي الجزية تاثيره ~~المنع من قتله لا إيجاب قتل من لم يعط الجزية لأن من لم يعط الجزية إنما ~~قتلناه بالآية من حيث اقتضت قتل كل مشرك ولا فرق بين أن يكون المخصص للآية ~~واردا بلفظ الإثبات أو بلفظ النفي في أنه يفيد إخراج بعض ما اقتضته الآية ~~على ما بيناه على أن ما # PageV01P271 # خص به آية السرقة قد ورد بلفظ النفي كقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~قطع إلا في ثمن المجن وقوله لا قطع في ثمر ولو كثر وقولهم إن هذه الأعيان ~~لا تخرج أعيان السراق وليس كذلك ما خص آية المشركين لأنه يخرج الأعيان لا ~~يمنع من الاستدلال على كل واحد منهما من الوجه الذي ذكرناه وأيضا فإن ما دل ~~على اشتراط الحرز والمقدار قد أخرج الأعيان لأنه قد دل على أن من لم يختص ~~بالشرطين لا يجوز قطعه وقولهم إن حد السرقة يدل ms260 على أن القطع يستحق لأجل ~~السرقة وشتراط الحرز يمنع من استحقاق القطع بمجرد السرقة فكان مجملا لا ~~يوجب الفصل بين الآيتين لأن قوله {فاقتلوا المشركين} بفيد استحقاق القتل ~~لأجل الشرك فقط فاشتراط الامتناع من إعطاء الجزية يمنع من استحقاقه بالشرك ~~وعلى أنهما لو انفصلا من هذا الوجه لم يمنع أن يتفقا في صحة الاستدلال بهما ~~من الوجه الذي ذكرناه فإن فصلوا بينهما بأن أحد الدليلين إثبات والآخر نفي ~~فهو فصل غير مؤثر وقد تكلمنا فيه وقد فصل الشيخ أبو عبد الله بين قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر وبين آية السرقة بأن ما دل على ~~أنه لا عشر في أرض الخراج هو بيان لصفة الخارج لا لصفة العشر المأخوذ وهذا ~~لا يمنع من انتقاض علته وهي أنه قد أخذ العشر بشرط لا ينبيء عنه الخبر ولا ~~يمنع ذلك من التعلق باللفظ وعلى أن اشتراط الحرز والمقدار ليس هو بيان لصفة ~~القطع وإنما هو بيان لمقدار المسروق وموضعه فلا فرق بينهما وقال أيضا إنما ~~صح التعلق بخبر الأوساق لأن الأمة قد تعلقت به فيقال له إجماع الأمة على ~~ذلك يدلنا على بطلان القول بأنه مجمل لا ينبيء عن المراد لأن الأمة لا تجمع ~~على الاستدلال بما ليس بدليل # PageV01P272 # إذا ؤقد ذكرنا التخصص وما به يقع وأحكام العموم فلنذكر ما عدة قوم مخصصا ~~وليس بمخصص - صلى الله عليه وسلم - باب في دخول الكافر في الخطاب في ~~الشرعيات - صلى الله عليه وسلم - # ذهبت طائفة من الفقهاء إلى أنه غير مراد به وعند الشيخين رحمهما الله ~~وأصحابهما وطائفة من الفقهاء أنه مراد به ومعنى ذلك أنه يلزمه الإقرار ~~بالتوحيد والنبوات وأن يفعل بعد ذلك الشرعيات ومتى فعلها كانت مصلحة له ~~ومتى لم يوحد الله سبحانه ويصدق الأنبياء عليهم السلام وأخل بالشرعيات كان ~~إخلاله بها تفويتا لتلك المصلحة فاستحق العقاب على إخلاله بالتوحيد وبتصديق ~~الأنبياء وبالشرعيات والخلاف إنما يظهر في استحقاق العقاب وفي ثبوته في ~~العقليات مع كفره لأجل إخلاله بالشرعيات ms261 أم لا والناس متفقون على أنه لا ~~يلزمه أن يفعل الشرعيات في حال كفره على أن يكون مضامة لكفره ومتفقون على ~~أنه لا يلزمه القضاء إذا أسلم ودليلنا على لزوم الشرعيات له هو أن قول الله ~~سبحانه {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} يتناول الكافر ~~والمسلم إذ كل واحد منهما من الناس ولا مانع من دليل سمعي أو عقلي من دخوله ~~تحته فكان مرادا به أما الدليل السمعي فإنه لو كان لظفرنا به عند الطلب ~~وأما العقلي فهو فقد التمكن والكافر يتمكن من الحج بأن يقدم عليه قبله ~~الإسلام وكان من تمكن من الفعل على بعض الوجوه فهو له مستطيع كما أن المحدث ~~يتمكن من أداء الصلاة على الوجه الشرعي بأن يقدم قبلها الوضوء والعراقي ~~يتمكن من الحج بأن يقدم قبله المشي ومما يدل على المسألة أن الأمة مجمعة ~~على أن الكافر يحد على زناه على وجه النكال فلو لم يكن مكلفا بترك الزنا لم ~~يكن الزنا معصية منه ولو لم # PageV01P273 # يكن معصية منه لم يعاقب على فعله فإن قيل إنما حد لأنه قد التزم أحكامنا ~~قيل فمن أحكامنا أن لا يحد على المباح فلو كان الزنا منه مباحا لما حد عليه ~~إن قيل قد كلف الكافر بترك الزنا لأنه مع كفره يمكنه تركه وليس كذلك الصلاة ~~والصيام لأنه لا يمكنه مع كفره فعلهما فلم يخاطب بفعلهما قيل إنه لا يكلف ~~بترك الزنا إلا وقد كلف أن يعلم قبحه ولا سبيل إلى العلم بقبحه إلا بشريعة ~~الإسلام لأن ما عداها من الشرائع قد منع المكلفون من الرجوع إليه ولا يمكنه ~~مع جحد الإسلام أن يعلم قبح شيء كما لا يمكنه فعل الصلاة في هذه الحال فلا ~~فرق بينهما قيل لكم مثله في الصلاة والحج # دليل قول الله عز وجل {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} ذم لهم على ~~كفرهم واختلالهم بالزكاة كما أن قول القائل ويل للسراق الذين لا يصلون ذم ~~على السرقة وترك الصلاة # دليل قول ms262 الله سبحانه {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} # ذم على كل ذلك # دليل قول الله سبحانه {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة} فإذا ضوعف عليه العذاب لمجموع ذلك وقد دخل فيه الزنا ~~فيثبت كونه محظورا عليه # دليل قول الله سبحانه {قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا ~~نخوض مع الخائضين} فذمهم على ذلك وإطعام الطعام يتعلق الذم بتركه هو الزكاة # إن قيل قوله {لم نك من المصلين} معناه لم نك من جملة المصلين يعني # PageV01P274 # المؤمنين والجواب أن ذلك لا يتأتى في قوله {ولم نك نطعم المسكين} لأنه ~~علق الذم على كونهم غير مطعمين على أن قوله {لم نك من المصلين} يفيد تعليق ~~الذم عليهم لأنهم لم يصلوا كما أن قول القائل إنما عاقبني فلان لأنني لم أك ~~من المطيعين يفيد أنه عاقبه لأنه لم يطعه إن قيل قوله {لم نك من المصلين} ~~يجوز أن يكون إخبارا عن قوم كانوا ارتدوا بعد إسلامهم ولم يكونوا قد صلوا ~~في حال إسلامهم لأن قوله تعالى {لم نك من المصلين} ليس يفيد أنهم لم يصلوا ~~في جميع الزمان الماضي ألا ترى أن من صلى مرة واحدة يقال إنه قد صلى فيما ~~مضى ولا يقال إنه ما صلى فيما مضى والجواب أن قوله سبحانه {لم نك من ~~المصلين} هو جواب المجرمين المذكورين في قوله عز وجل {يتساءلون عن ~~المجرمين} وذلك عام في المجرمين المرتدين وغير المرتدين على أن قوله {قالوا ~~لم نك من المصلين} إما أن يفيد أنهم لم يصلوا في جميع الزمان الماضي أو في ~~زمان غير معين ولا يفيد زمانا معينا كما أن قولنا فلان عوقب لأنه لم يحج ~~إنما يدل على وجوب الحج في زمان غير معين ومن يحمل الآية على المرتد يحملها ~~على وجوب الصلاة في زمان معين # دليل لو لم يلزم الكافر الشريعة لم يلزمه ms263 النظر في معجزة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه إنما يلزمه ذلك خوفا من أن يكون شرعه مصلحة له تفوته إن لم ~~ينظر في معجزته ولو كان الشرط في كون شرعه مصلحة له أن يعلم صدقه لما لزمه ~~بالعقل أن يجعل هذا الشرط ليلزمه شرعه إذ كان جميع ما يفعله المسلم من ~~الواجبات العقلية ويتركه من المقبحات العقلية لأجل فعله للشرعيات يفعله ~~الكافر ويتركه وإن لم يفعل الشرعيات فإن قالوا إن الكافر قد يترك # PageV01P275 # الواجبات العقلية التي يفعلها المسلم ولو أسلم وفعل الشرعيات فعل تلك ~~الواجبات قيل لهم قد سلمتم المسألة وقد وجب استحقاقه العقاب لأنه قد فوت ~~نفسه مصلحة يمكنه التوصل إليها وهذا الدليل إنا يصح على قول من قال لا يجوز ~~أن يكون علم المكلف بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم بانفراده مصلحة في ~~العقليات فأما من جوز ذلك فلا يمتنع ان يقول يلزمه ذلك لهذا الوجه فإذا علم ~~نبوته لزمته شريعته ويدل عليه قوله سبحانه {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين} الآية وهذا في الكافر # واحتج المخالف بأشياء # ومنها أنه لو كان الكافر مكلفا للشرعيات لكلف ما لا يطيقه لأنه يستحيل أن ~~يفعل الشرعيات عبادة وقربة مع كفره والجواب أن المستحيل هو أن يضم الشرعيات ~~إلى كفره ولم يكلف ذلك وإنما كلف الصلاة بأن يقدم الإسلام فإن قالوا كذلك ~~نقول قيل أنتم تجعلون الشرط في كونها مرادة منه تقديم إسلامه وإذا لم يسلم ~~لا يستحق العقاب على إخلاله بالصلاة ونحن نلحق به العقاب ونقول إن الله ~~سبحانه قد اراد منه الصلاة بأن يقدم الإسلام عليها فإن وافقتم في العقاب ~~فقد زال الخلاف في المسألة لأنه ليس للمسألة فائدة إلا في الاستحقاق للعقاب ~~وفوات المصلحة ونظير ذلك تكليف المحدث للصلاة بأن يزيل الحدث فإن لم يفعل ~~استحق العقاب على الإخلال بالوضوء والصلاة ويفارق تكليف الحائض الصلاة بأن ~~تزيل الحيض لأن ذلك غير ممكن لها وإزالة الحدث مقدورة ويمكن أن يحتجوا ~~ويقولوا لو كلف الكافر الشرعيات لم يخل إما ms264 أن يكلف إيقاعها مضامة للكفر ~~وذلك غير ممكن أو يكلف فعلها بشرط أن لا يكفر فيجب أن يكون الله سبحانه قد ~~كلف الشرعيات من يعلم أنه لا يؤمن بشرط يعلم أنه لا يحصل وذلك مستحيل عندكم # PageV01P276 # والجواب يقال لهم إنا لا نقول إنه كلف بشرط بل نقول إنه كلف الشرعيات ~~والإيمان بالأنبياء معا والإيمان بهم وصلة إلى الشرعيات وله سبيل إلى كلا ~~الأمرين فحمله هذا التكليف غير موقوف على شرط يعلم المكلف أنه لا يحصل ~~وإنما ننكر أن يكلف العالم بالغيب من يعلم أنه لا يتمكن من الفعل ولا سبيل ~~له إليه بوجه بشرط أن يتمكن وهذا غير قائم في مسألتنا # ومنها أنه لو كلف فعلهما ولم يحمل على أدائهما # ومنها قولهم لو كلف الشرعيات لوجب إذا أسلم أن يلزمه القضاء وهذا باطل ~~لأن القضاء فرض ثان فهو موقوف على الدلالة ألا ترى أن الجمعة واجبة ولا يجب ~~قضاؤها بعينها وصوم الحائض غير واجب ويجب قضاؤه # ومنها لو كلف الكافر أداء الزكاة لوجب إذا أسلم قبل حلول الحول بيوم أن ~~تلزمه الزكاة لأنه قد كان مكلفا بفعلها وقد حصل عند وجوب الأداء بصفة يصح ~~معها الأداء والجواب إنا لا نقول إنه إذا كان كافرا في ابتداء الحول فإنه ~~خوطب بأن يزكي إذا أسلم قبل حلول الحول وإنما نقول إنه قيل له قبل ابتداء ~~الحول أسلم واستمر إسلامك وإذا استمررت إلى آخره فزك فإن لم يفعل ذلك استحق ~~العقاب على ترك الإسلام وعلى ترك الزكاة ومخالفنا يقول يستحق العقوبة على ~~ترك الإسلام فقط فإن أسلم في تضاعيف الحول سقط ذمه المستحق على استدامة ~~كفره بهذه التوبة ولما كان باستدامة كفره إلى تضاعيف الحول فقد فوت على ~~نفسه بالزكاة يستحق الذم على ذلك إما في الحال وإما عند حضور وقت الأداء ~~وجب إذا سقط ذم الكفر بالتوبة أن يسقط ذم ما تبعه من تفويته المصلحة لأنه ~~ليس تفويته المصلحة بأكثر من أن لا يفعلها إذا حضر وقتها والتوبة تحبط ذم ~~تركها إذا ms265 حضر وقتها فكذلك الندم على الكفر يحبط الذم المستحق على تفويت ~~المصلحة # PageV01P277 # باستدامة الكفر إلى بعض الحول كما يقوله في التقدم على السبب قبل حدوث ~~المسبب - صلى الله عليه وسلم - باب في أن العبد لا يخرج من الخطاب ~~بالعبادات - صلى الله عليه وسلم - # إعلم أن الخطاب المشتمل على الحر والعبد يجب كونهما معنيين به إلا لمنع ~~عقلي أو سمعي فمن الموانع أن تكون العبادة تترتب على ملك المال لأن ذلك لا ~~يصح في العبد على قول بعض الفقهاء فأما ما عدا ذلك فليس مانع يمنع من كون ~~العبد معنيا بالخطاب إن قيل هلا كان المانع من كون العبد معنيا بالخطاب هو ~~ما ثبت من وجوب خدمته لسيده في الأوقات إذا استخدمه فيها وذلك يمنعه من ~~العبادات في هذه الأوقات قيل إنه يلزمه خدمة سيده إذا فرغ من العبادات إن ~~قيل لم كان الدليل الدال على وجوب خدمة سيده مخصوصا بما دل على وجوب خدمة ~~سيده قيل لأن ما دل على وجوب خدمة سيده في حكم العام وما دل على وجوب ~~العبادات في حكم الخاص لأن كل عبادة يتناولها لفظ مخصوص كآية الصلاة وآية ~~الصيام وغير ذلك والخاص من حقه أن يعترض به على العام - صلى الله عليه وسلم ~~- باب في تخصيص العموم بالعادات - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن العادة التي هي بخلاف العموم ضربان أحدهما عادة في الفعل والآخر ~~عادة في استعمال العموم أما الأول فبأن يعتاد الناس شرب بعض الدماء ثم يحرم ~~الله سبحانه الدماء بكلام يعمها فلا يجوز تخصيص هذا العموم بل يجب تحريم ما ~~جرت به العادة لأن العموم دلالة فلا يجوز تخصيصه إلا لدلالة فلو خصصناه عند ~~هذه العادة لم يخل إما أن يخص بالعادة أو لأن # PageV01P278 # الأصل إباحة شرب الدماء والعادة ليست بحجة لأن الناس يعتادون الحسن كما ~~يعتادون القبيح والعقل في الأصل وإن اقتضى إباحة شرب الدماء فانه يقتضيها ~~ما لم ينقلنا عنه شرع والعموم دليل شرعي فيجب أن ينتقل به وأما العادة ms266 في ~~استعمال العموم فيجوز أن يكون العموم مستغرقا في اللغة ويتعارف الناس ~~استعماله في بعض تلك الأشياء فقط نحو اسم الدابة فانه في اللغة لكل ما يدب ~~وقد تعورف استعماله في الخيل فقط فمتى أمرنا الله سبحانه في الدابة بشيء ~~حملناه على الخيل دون ما يدب من نحو الإبل والبقر لما بيناه من أن الاسم ~~بالعرف أحق وليس ذلك بتخصيص على الحقيقة لأن اسم الدابة لا يصير مستعملا في ~~العرف إلا في الخيل فيصير كأنه ما استعمل إلا فيه - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في أن قصد المتكلم بخطابه إلى الذم والمدح لا يمنع من كونه عاما - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن بعض الشافعية يمنع من عموم قول الله سبحانه {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة} وأحالوا التعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي قالوا لأن المقصد بذلك ~~إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة وليس القصد به العموم والجواب أن الذم ~~إنما كان مقصودا بالآية لأنه مذكور فيها وهذه العلة قائمة في العموم لأن ~~اللفظ عام فوجب كونه مقصودا وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من ~~القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما - صلى الله عليه وسلم - باب في الخطاب ~~الوارد على سبب - صلى الله عليه وسلم - # ينبغي أن نذكر ما السبب الذي يرد عليه الخطاب ونذكر قسمة الخطاب # PageV01P279 # الوارد على سبب ونقيم الدلالة على كل قسم من ذلك # فسبب الخطاب هو ما يدعو إلى الخطاب وهو ضربان أحدهما سؤال سائل وهو ~~مرادنا في هذا الموضع والآخر دنو وقت العبادة # فأما قسمة الخطاب الوارد على سؤال فهي أن الخطاب الذي هذا سبيله ضربان ~~أحدهما إحالة على بيان ما تضمنه السؤال صريح أو غير صريح نحو ما روي أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال ~~يكفيك آية الصيف والآخر هو نفسه بيان لما تضمنه السؤال من غير إحالة إلى ~~بيان وذلك ضربان أحدهما لا يستقل بنفسه والآخر مستقل بنفسه أما ms267 الذي لا ~~يستقل بنفسه فهو الذي لا يفهم به شيء إذا انفرد على كل حال نحو ما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال صلى الله عليه وسلم ~~أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذا ونحو أن يقول الإنسان لغيره تغد ~~عندي فيقول لا والله # وأما الخطاب المستقل بنفسه فضربان أحدهما مساو للسؤال والآخر غير مساو له ~~أما المساوي له فلا سبهة في كونه مقصورا عليه نحو أن يسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن المجامع في شهر رمضان فيقول على المجامع في شهر رمضان الكفارة ~~فلا يجوز خروج شيء من السؤال عن الجواب إلا أن تدل دلالة مقارنة أو متقدمة ~~على خروج بعضه من الجواب وأما الجواب الذي لا يساوي السؤال فضربان أحدهما ~~أعم من السؤال والآخر أخص منه # أما الأخص فيجوز من الحكيم في حال دون حال أما الحالة التي يجوز فيها ~~فبأن يكون السائل من أهل الاجتهاد وقد بقي إلى زمان العبادة وقت يتسع ~~للاجتهاد فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما سأله وينبهه بذلك على ~~جواب # PageV01P280 # البعض الآخر أو يدله بدلالة أخرى مبتدأة على بيان البعض الآخر لأنه قد ~~يكون من المصلحة أن يعلم بعض الأشياء بالصريح في الحال وفي بعضها أن يعلمه ~~بالتنبيه أو بالإشارة إلى دليل آخر وأما الحالة التي لا يجوز أن يجيب ~~المسؤول فيها عن البعض فهو أن لا يكون السائل من أهل الاجتهاد أو يكون من ~~أهله غير أن الحاجة قد حضرت حضورا لا يتمكن من الإجتهاد لأنه لو اقتصر على ~~الجواب عن بعض السؤال والحال هذه لكان قد أخل بما يجب بيانه # وأما إن كان الخطاب أعم من السؤال فهو ضربان أحدهما أن يكون أعم منه في ~~ذلك الحكم والآخر أن يكون أعم منه في حكم آخر مثال الأول أن يسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن رجل اشترى عبدا فيقول النبي صلى الله عليه وسلم الخراج ~~بالضمان فيكون ذلك ms268 عاما في كل عبد هذه سبيله ومثال الثاني سؤال النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن التوضىء بماء البحر وجوابه بقوله هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته # والجواب المستقل بنفسه لا يجب قصره على سببه إلا لوجه يقتضي ذلك وأحد ~~الوجوه العادات نحو أن يقول الرجل لغيره تغد عندي فيقول والله لا تغديت ~~وذكر الشيخ أبو عبد الله أن العادة تقتضي قصره على الغداء عنده وإن كان ~~الكلام في نفسه عاما ومستقلا # وأما الدلالة على قصر الخطاب الذي لا يستقل بنفسه على سببه فهي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لو سئل أيجوز بيع الرطب بالتمر فقال لا لكان قوله لا ~~نفي لأمر مذكور ولم يجز في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام السائل إلا ~~جواز بيع الرطب بالتمر فيجب كونه نفيا له إن قيل هلا كان قوله في الخبر ~~المشهور فلا إذا معناه فلا يجوز بيع ما ينقص إذا جف بما قد جف قيل إن أردت ~~أن ذلك معقول من جهة القياس فلا نأبى ذلك وإن أردت أن قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلا إذا نفي له فلا يصح لأن السائل لم يذكر بيع ما ينقص إذا # PageV01P281 # جف ببيع ما قد جف ولا جرت هذه الألفاظ بعينها في كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فينصرف النفي إليه # وأما الدلالة على أن الجواب المستقل بنفسه وهو أعم من السبب يجري على ~~عمومه فهو أن اللفظ العام الصادر عن حكيم يجب إجراؤه على عمومه إلا لمانع ~~ولا مانع إلا ما يحتج به المخالف وكلها باطلة # منها أن العادة تقتضي قصر على سببه كما ذكرناه وهذا باطل لأن العادة لا ~~تقتضي في قول النبي صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان أن المراد به ذلك ~~العبد الذي وقع السؤال عنه فعليهم أن يبينوا أن المفهوم من جواب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما ذكرناه فاذا ادعى ذلك فهو موضع الخلاف # ومنها أن يقال ثبوت الحكم فيما وقع السؤال عنه يمنع من ثبوته فيما ms269 عداه ~~إما لأنه ينافيه أو من جهة دليل الخطاب وهذان باطلان أما الأول فلأنه لا ~~تنافي بين ثبوت الحكم في شيء وبين ثبوته في شيء آخر وأما الثاني فمبني على ~~دليل الخطاب وليس بحجة عندنا على أن هذا ليس من دليل الخطاب في شيء لأن ~~دليل الخطاب هو أن يعلق الحكم على صفة الشيء فيدل على نفيه عما عداها وليس ~~في لفظ هذا الجواب تعليق الحكم على السبب فقط فيدل على نفيه عما عداه ولو ~~كان كذلك لكان في حيز تعليق الحكم على الإسم على أن من قصر الجواب على ~~السبب فإنما يقصره عليه لأجل السبب لا لدليل الخطاب لأن دليل الخطاب لو كان ~~عاما لكان جوابا وابتداء وقصد الجواب ينافي قصد الابتداء والجواب إن أرادوا ~~بقولهم جواب وابتداء أنه جواب عما وقع السؤال عنه وبيان لحكم ما لم يسأل ~~عنه فصحيح والقصد إليه لا يتنافى # ومنها أن يقال لو تعدى الحكم إلى غير ما سئل عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما أخر بيانه إلى تلك الحال والجواب أنه لا يمتنع أن يكون من المصلحة ~~أن يبين حكمه الآن كما كان ذلك فيما سئل عنه وفيما تعدى الجواب إليه مما ~~ليس من # PageV01P282 # جنس السؤال نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته على أنه لا يمتنع أن يكون قد بين حكم ما زاد على السؤال قبل ذلك ~~وبينه الآن أيضا ودل عليه # ومنها قولهم من حق الجواب أن يكون مطابقا للسؤال وذلك إنما يكون ~~بالمساواة قيل إن أردتم بالمطابقة مساواة الجواب للسؤال فغير مسلم أنه من ~~شرط الجواب وإن أردتم بالمطابقة انتظام الجواب بجميع السؤال فذلك يحصل ~~بالمساواة وحدها وبالمساواة مع المجاورة ويلزم أن لا يجوز مجاورة الخطاب ~~لما وقع السؤال عنه إلى حكم آخر - صلى الله عليه وسلم - باب في العموم إذا ~~تعقبه تقييد بشرط أو استثناء أو صفة أو حكم وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ~~ما تناوله العموم هل ms270 يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض فقط أم لا - ~~صلى الله عليه وسلم - # أعلم أن مذهب قاضي القضاة وكثير من الناس أنه لا يجب أن يكون المراد ~~بالعموم تلك الأشياء فقط والأولى عندنا التوقف في ذلك مثال الاستثناء قول ~~الله سبحانه {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ~~إلا أن يعفون} فاستثنى العفو وعلقه بكناية راجعة إلى النساء ومعلوم أن ~~العفو لا يصح إلا في المالكات لأمورهن دون الصغيرة والمجنونة ولا يوجب ذلك ~~عنده إلا أن لا يكون المراد بالنساء في أول الكلام الصغيرة والمجنونة # PageV01P283 # ومثال التقيد بالصفة قول الله سبحانه {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن} ثم قال {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} يعني الرغبة ~~في مراجعتهن ومعلوم أن ذلك يتأتى في البائنة # ومثال التقييد بحكم آخر قول الله عز وجل {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} ثم قال {وبعولتهن أحق بردهن} وهذا أيضا لا يتأتى في البائن # واحتج قاضي القضاة لمذهبه بأن اللفظ العام يجب إجراؤه على عمومه إلا أن ~~يضطر ناشيء إلى تخصيصه وكون آخر الكلام مخصوصا لا يضطر إلى تخصيص أوله ~~والجواب أن هذا التخصيص يقتضي تخصيص أول الكلام لأن الكناية رجعت إلى جميع ~~ما تقدم لأن قول الله تعالى {إلا أن يعفون} معناه إلا أن يعفو النساء ~~اللواتي طلقتموهن ولو أن الله سبحانه صرح بذلك لدل ذلك على أن النساء ~~المذكورات في أول الكلام هن اللواتي يصح منهن العفو والذي يبين أن الظاهر ~~يفيد رجوع ذلك إلى جميع النساء هو أن العفو معلق بكناية والكناية يجب ~~رجوعها إلى المذكور المتقدم والمذكور المتقدم هن المطلقات لا بعضهن فقط ~~يبين ذلك أن الإنسان إذا قال من دخل الدار من عبيدي ضربته إلا أن يتوبوا ~~انصرف ذلك إلى جميع العبيد وجرى ms271 مجرى أن يقول إلا أن يتوب عبيدي الداخلون ~~الدار # وأما الدلالة على التوقف فهو أن ظاهر العموم المتقدم يقتضي الاستغراق ~~وظاهر الكناية يقتضي الرجوع إلى كل ما تقدم وليس التمسك بظاهر العموم ~~والعدول عن ظاهر الكناية بأولى من التمسك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهر ~~العموم وإذا لم يكن أحدهما أولى من الآخر وجب التوقف فان قيل التمسك # PageV01P284 # بالعموم أولى لأنه اسم ظاهر قيل ليس هذا القول بأولى ممن قال بل التمسك ~~بالكناية أولى لأنها كناية - صلى الله عليه وسلم - باب في المعطوف هل يجب ~~أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره فيما في المعطوف عليه أم لا وهل إذا وجب ~~ذلك وكان المضمر في المعطوف عليه مخصوصا وجب أن يكون المعطوف عليه مخصوصا ~~أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اختلف الناس في ذلك فقال العراقيون بذلك كله ولم يقل به الشافعيون ومثاله ~~استدلال الشافعية بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل مؤمن بكافر على أن ~~المسلم لا يقتل بالذمي فقال العراقيون إن النبي صلى الله عليه وسلم عطف على ~~ذلك قوله ولا ذو عهد في عهده وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه فوجب أن يكون ~~معناه ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالكافر ~~الذمي ولا يقتل بالكافر الحربي فكان قوله لا يقتل مؤمن بكافر معناه بكافر ~~حربي لأن المضمر في المعطوف هو المظهر في المعطوف عليه فأضمروا في المعطوف ~~ما هو مظهر في المعطوف عليه من القتل والكافر ولما رأوا أن ذلك إن أضمر في ~~المعطوف كان مخصوصا في الحربي وأوجبوا تخصيص المعطوف عليه أيضا بالحربي وقد ~~أجيبوا عن ذلك بأن المعطوف قيد بصفة لم يجب أن يضمر فيه من المعطوف عليه ~~إلا ما يصير به مستقلا ألا ترى أن الإنسان لو قال لا تقتلوا اليهود بالحديد ~~ولا النصارى في الأشهر الحرم لم يجب أن يضمر فيه إلا القتل حتى يكون معناه ~~ولا تقتلوا النصارى في الأشهر الحرم ولا يكون معناه ولا تقتلوا النصارى ms272 ~~بالحديد في الأشهر الحرم وإنما لم يجب ذلك لأنه لما قيد المعطوف بزيادة ~~ليست في المعطوف عليه علمنا أنه أراد أن يخالف بينهما في كيفية القتل وأن ~~يشرك بينهما في القتل فقط لا في الزيادة التي في المعطوف عليه # PageV01P285 # فان قال العراقيون قوله في عهده كالتأكيد لقوله ولا ذو عهد وليس يفيد ~~حكما آخر يبين ذلك أنه لو لم يقل في عهده لعلمنا بقوله ولا ذو عهد أنه لا ~~ينبغي أن يقتل في عهده لأن زوال العهد يخرجه من أن يكون ذا عهد وإذا أفادت ~~هذه الزيادة فائدة قوله ولا ذو عهد في عهده وكان هذا يفيد ولا ذو عهد بكافر ~~فكذلك قوله ولا ذو عهد في عهده وليس لكم أن تقولوا إن قوله في عهده يفيد ~~فائدة متجددة وهي أن المانع من قتله هو العهد لأن ذلك لو استقل من قوله في ~~عهده لاستفيد من قوله ولا ذو عهد والجواب أن هذا السؤال يقتضي أنه لو قال ~~لا يقتل مؤمن بكافر ولا رجل في عهده لم يضمر فيه الكافر حتى يكون معناه ولا ~~يقتل رجل في عهده بكافر لأنه يكون قوله في عهده قد استفيد منه فائدة متجددة ~~فيجب أن يكون قوله ولا عهد يمنع من أن يضمر فيه بكافر لأنه ينزل منزلة قوله ~~ولا رجل بكافر في إفادة صفة قد منع من القتل معها فاذا كان قوله في عهده ~~كالتأكيد لم يضمر في المنع من هذا الإضمار فاذا أمتنا اضمار الكافر فيه ~~امتنع تخصيص ما تقدم # وقد أجاب قاضي القضاة عن اعتراض الحنفية على هذا الخبر بجوابين # أحدهما أن المعطوف إنما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يصير به مستقلا لأن ~~فقد استقلاله هو الذي أوجب الإضمار ومعلوم أن قوله ولا ذو عهد في عهده يصير ~~مستقلا باضمار القتل لأنه لو قال ولا يقتل ذو عهد في عهده لكان مستقلا ~~ولقائل أن يقول ليس يقف الإضمار على ما يستقل به الكلام لأن الإنسان لو قال ~~لا تقتلوا اليهود ms273 بالحديد ولا النصارى لكان معناه ولا تقتل النصارى بالحديد ~~ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط ولو قال الرجل لغيره لا يشترى اللحم ~~بالدراهم الصحاح ولا الخبز لأفاد ولا يشترى الخبز بالدراهم الصحاح وإنما ~~وجب ذلك لأن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في حكم المعطوف عليه ~~وحكم المعطوف عليه ها # PageV01P286 # هنا هو الشرى بالدراهم الصحاح دون المنع من الشرى بالدراهم على الإطلاق ~~لأن المنع من الشرى بالدراهم على الإطلاق ليس بمذكور وإذا كان كذلك فلو ~~قلنا إن قوله لا يشترى اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز معناه ولا يشترى ~~الخبز أصلا لم يكن قد اشتركا بينهما في الحكم المذكور # وأما الجواب الثاني فهو أنا لو أضمرنا الكافر في قوله ولا ذو عهد حتى ~~يكون معناه ولا يقتل ذو عهد بكافر ثم وجب أن يكون ذلك مخصوصا في الحربي لم ~~يجب أن يكون قوله لا يقتل مؤمن بكافر مخصوصا في الكافر الحربي ألا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لو قال ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ~~بكافر ثم علمنا بدلالة أن ذلك مخصوص في الحربى لم يجب أن يكون أول الكلام ~~كذلك # ولقائل أن يقول إن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في حكمه ~~وحكمه هو الذي عناه المتكلم وأراده دون ما لم يعنه فلو جعلنا الكافر ~~المذكور في المعطوف عليه عاما وجعلناه في المعطوف خاصا لم نجعل العطف مفيدا ~~لاشتراكهما فيما قصده المتكلم لأنه قصد بأول الكلام العموم وبآخره الخصوص ~~ولوجب أن يكون الكلام الثاني معطوفا على بعض الأول وظاهر العطف يمنع من ذلك ~~وليس لقائل أن يقول العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في لفظ الكافر ~~وذلك لأن اللفظ ليس بموجود في المعطوف وإنما حكم المعطوف عليه يوجد فيه ~~يبين ذلك أن المتكلم يقصد بالعطف اشتراكهما في معنى قصده دون اللفظ فصح أن ~~ظاهر العطف يقتضي أن لا يفترق المعطوف والمعطوف عليه في خصوص ما اشتركا فيه ~~وعمومه بل يجب إذا كان الكافر المضمر ms274 في المعطوف مخصوصا أن يكون الكافر ~~المذكور في أول الكلام مخصوصا ولقائل أن يقول إن وجب إضمار الكافر في ~~المعطوف فالأولى القول بالوقف لأنه ليس التمسك بظاهر العطف وترك ظاهر عموم ~~أول الكلام وحمله على الخصوص بأولى من التمسك بظاهر العموم # PageV01P287 # وترك ظاهر العطف في وجوب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في خصوص ما اتفقا ~~فيه - صلى الله عليه وسلم - باب في أن ذكربعض ما شمله العموم لا يخص به ~~العموم - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن العموم إذا علق حكما على أشياء وورد لفظ يفيد تعليق ذلك الحكم ~~على بعضها فانه لا يجب انتفاء الحكم عما عدا ذلك البعض وحكى أن أبا ثور ~~أوجب ذلك لأنه قال إن قول النبي صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة دباغها ~~طهورها يخص قول النبي صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر والذي يبطل ~~ذلك أن التخصيص موقوف على التنافي فلو خص قوله دباغها طهورها قوله أيما ~~إهاب دبغ فقد طهر لكان إنما يخصه من حيث كان تعليق الطهارة على تلك الشاة ~~يدل على نفيه عما سواها من جهة دليل الخطاب وهذا باطل لأنا قد بينا أن ~~تعليق الحكم بالاسم وبالصفة لا يدل على انتفائه عما عداهما ولو دل على ذلك ~~لكان صريح العموم أولى منه لأن الصريح أولى من دليل الصريح وقوله صلى الله ~~عليه وسلم دباغها طهورها من حيز دليل الاسم وتعليق الحكم على الاسم أضعف في ~~الدلالة على نفيه عما عداه من تعليقه بالصفة - صلى الله عليه وسلم - باب في ~~المطلق والمقيد - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الكلامين إذا قيد الثاني منهما بصفة فاما أن يكون أحدهما متعلقا ~~بالآخر أو لا يكون متعلقا به فان كان متعلقا به كان الكلام الأول مقيدا ~~بتلك الصفة على حسب ما ذكرناه في رجوع الاستثناء إلى جميع الكلام وإن لم ~~يكن أحد الكلامين متعلقا بالآخر سواء كان منه قريبا أو بعيدا فانه لا يخلو ~~حكماهما إما أن يكونا مختلفين أو غير ms275 مختلفين فان كانا مختلفين فمثاله أن ~~نؤمر بالصلوات مطلقا ونؤمر بالصيام متتابعا فلا شبهة في أنه لا يجب لذلك # PageV01P288 # تقييد الصلوات بالتتابع وإن كان الحكمان غير مختلفين نحو أن يكون الحكم ~~عتقا أو صياما فلا يخلو إما أن يكون سبباهما مختلفين أو غير مختلفين فان ~~كانا غير مختلفين فمثاله العتق في كفارة اليمين ولا يخلو التعبد بهما إما ~~أن يكونا أمرين أو نهيين فان كانا أمرين فمثاله أن يقال إذا حنثتم فاعتقوا ~~رقبة ويقال في موضع آخر إذا حنثتم فاعتقوا رقبة مؤمنة فمتى تركنا وظاهر ~~الأمرين وجب على الحانث عتق رقبتين إن كان الأمر المتكرر يفيد تكرار ~~المأمور به وإن علمنا ان العتق في الموضعين واحد غير متكرر وجب تقييده ~~بالإيمان أن العتق واحد والأمر المقيد بالإيمان قد اقتضى اشتراطه إن قيل لم ~~قيدتم المطلق لأجل المقيد ولم تحملوا الأمر بعتق المؤمنة على الندب لأجل ~~المطلق قيل لأن الأمر المقيد تصريح الإيمان وهو أشد اختصاصا به فكان ~~الاعتراض به على المطلق أولى لأن الخاص أولى من العام على أن هذا السؤال لا ~~يمكن إذا ورد التعبد بالمقيد بلفظ الإيجاب وإن كانا نهيين مثل أن يقول إذا ~~حنثتم فلا تكفروا بالعتق ويقال في موضع آخر إذا حنثتم للا تكفروا بعتق ~~كافره فمتى تركنا وهذين النهيين وجب إجراء المطلق على إطلاقه في المنع من ~~العتق أصلا على التأبيد لأن النهي يفيد التأبيد فلا يخصه النهي المقيد ~~بالإيمان لأنه بعض ما دخل تحته والعموم لا يصير مخصوصا بذكر بعض ما دخل ~~تحته وإن علمنا أن المنهي عنه بأحد النهيين هو المنهي عنه بالآخر لا افتراق ~~بينهما في خصوص ولا عموم وجب أن يقيد بالكفر فيصير المكلف منهيا في ~~الموضعين من الكفارة بالكافرة # وإن كان سببا التكفير مختلفين فمثاله إطلاق العبد في كفارة الظهار ~~وتقييده بالإيمان في كفارة القتل وقد ذهب قوم من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه ~~يقيد المطلق منهما بالإيمان أصلا وقال جل أصحاب الشافعي بل يقيد المطلق ~~منهما واختلف الأولون في ms276 سبب المنع من تقييد المطلق بالمقيد من جهة القياس ~~فقال قوم سبب ذلك أن تقييده بالإيمان زيادة على النص والزيادة على النص نسخ ~~والنسخ لا يجوز بالقياس ومنهم من قال تقييده بالإيمان زيادة على حكم # PageV01P289 # قد قصد استيفاؤه ومنهم من قال تقييده بالإيمان هو تخصيص لحكم قد قصد ~~استيفاؤه # واختلف من قال إن المطلق يقيد بالمقيد فقال قوم يقيد المطلق لأجل تقييد ~~المقيد وقال قوم بل إنما يقيد بالقياس عليه واختلفوا في الحكم المطلق في ~~موضع إذا قيد مثله في موضعين بتقييدين متنافيين نحو تقييد صوم الظهار ~~بالتتابع وتقييد صوم التمتع بالتفريق وإطلاق قضاء صوم رمضان فمن لا يرى ~~تقييد المطلق بالمقيد أصلا فإنه لا يقيد هذا المطلق بأحد التقييدين فلا ~~يجعل من شرط قضاء شهر رمضان التتابع ولا التفريق ومن يرى تقييد المطلق ~~بالمقيد لأجل التقييد لا يرى ذلك أيضا ها هنا لأنه ليس بأن يقيد بأحد ~~التقييدين أولى من أن يقيد بالآخر وأما من يرى تقييده بالقياس فانه يقيد ~~المطلق بأحد التقييدين إذا كان القياس عليه أولى من القياس على الآخر # والدليل على أن المطلق لا يقيد لأجل تقييد المقيد أن ظاهر المطلق يقتضي ~~أن يجري الحكم على إطلاقه فلو خص بالمقيد لوجب أن يكون بينهما وصلة وإلا لم ~~يكن بأن يقيد به أولى من أن لا يقيد به والوصلة إما أن ترجع إلى اللفظ أو ~~إلى الحكم أما اللفظ فبأن يكون بين الكلامين تعلق بحرف عطف إو إضمار كما ~~ذكرناه في صدر الباب وهذا غير حاصل في مسألتنا وأما الراجع إلى الحكم ~~فضربان أحدهما أن يتفق الحكمان في علة التقييد بالصفة وهذا تقييد في كفارة ~~وغير مقيد بهما في كفارة أخرى وليس هذا بممتنع كما يجوز أن تكون المصلحة ~~فيهما التقييد يجوز أن تكون المصلحة فيهما أن يختلفا في التقييد فاذا ثبت ~~ذلك فلو جاز مع فقد الوصلة أن يقيد أحدهما بما يقيد به الآخر جاز أن نثبت ~~لأحدهما بدلا لأن للآخر بدلا أو نخص أحد # PageV01P290 # العمومين ms277 لأن الآخر مخصوص وقولهم إن الشهادة لما قيدت بالعدالة في موضع ~~قيد بها الشهادة المطلقة في موضع آخر فالجواب عنه أنا لم نستفد تقييد ~~المطلقة لأن الشهادة الأخرى قيدت في موضع آخر بل استفيد ذلك بشيء آخر وقوله ~~إن القرآن كله كالكلمة الواحدة فيجب أن يقيد بعضه لما قيد به البعض الآخر ~~ولهذا كان قول الله عز وجل {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} معناه ~~والذاكرات الله والجواب أنهم إن أرادوا بقولهم إن القرآن كالكمة الواحدة في ~~وجوب تقييده بما قيد به البعض الآخر فلا نسلمه ولهذا لا يقيد بعضه بما يقيد ~~بعض له في الحكم فإن أرادوا أنه كالكلمة الواحدة في أنه لا تناقض فيه فصحيح ~~ويقال لهم وإذا لم يكن فيه تناقض وكان كله صحيحا قيد بعضه بما قيد به البعض ~~الآخر وأما قوله عز وجل {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} فانما كان المراد ~~والذاكرات الله لأن الكلام خرج مخرج المدح لهن والحث لهن على ذكر الله بما ~~ذكره من قوله أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما فلم يجز والحال هذه انصرافه ~~إلى جميع أنواع الذكر وانصرف إلى ذكر الله لأنه مذكور فيما تقدم والكلام ~~الثاني معطوف عليه وليس هذا حال مسئلتنا # فأما من أبى تقييد المطلق بالقياس فأما أن أبى ذلك لأن المطلق لا يتأتى ~~فيه التخصيص كما لا يتأتى في العين الواحدة وهذا باطل لأن المطلق يشتمل على ~~جميع صفات الشيء وأحواله أو لأن القياس غير دليل أو هو دليل لكنه لا يخص به ~~العام وإفساد ذلك في القياس وإما لأن تقييد المطلق زيادة في النص وهو نسخ ~~وسنبين في الناسخ والمنسوخ القول في ذلك وإما لأن الله عز وجل استوفى حكم ~~المطلق والخصم مخالف في ذلك ويقول قيام الدلالة على صحة علة القياس يدلني ~~على أن الله لم يستوف حكم المطلق بهذا الكلام كما نقوله في العموم # PageV01P291 ### | الكلام في المجمل والمبين # - صلى الله عليه وسلم - باب في ذكر فصول المجمل والمبين - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أن الكلام ms278 في المجمل والمبين يقع في موضعين أحدهما العبارة والآخر ~~المعنى أما العبارة فبأن نذكر ما معنى قولنا مجمل وبيان ومبين ومفسر وظاهر ~~ونص وأما المعنى فمنه ما يرجع إلى المجمل ومنه ما يرجع إلى البيان أما ~~الراجع إلى المجمل فيدخل فيه ذكر ما يحتاج إلى بيان وما لا يحتاج إليه ~~ويدخل في ذلك الوجود التي يحتاج فيها إلى بيان ويدخل فيه ما يحتاج من ~~الأفعال إلى بيان ويدخل فيه ما أخرج من المجمل وهو داخل فيه كالاسم المشترك ~~وما أدخل فيه وهو خارج عنه وأما الكلام في البيان فضربان أحدهما مختص ~~بالبيان والآخر يتعلق بالمبين له أما الأول فيدخل فيه ابواب منها الأمور ~~التي يقع بها البيان ويدخل في ذلك البيان بالأفعال ومنها ترجيح القول على ~~الفعل في وقوع البيان ومنها هل يجب أن يكون البيان كالمجمل في القوة أم لا ~~وأما ما يتعلق بالمبين له فوجوه منها تأخير التبليغ ومنها تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة ومنها تأخيره عن وقت الخطاب ومنها من الذي يجب أن يبين له ~~الخطاب ومنها هل يجوز أن يسمع المكلف لفهم الخطاب العام قبل أن يسمع بيانه ~~أم لا وأما دليل الخطاب فليس بداخل في أبواب المجمل والمبين لأن الناس لم ~~يختلفوا فيه هل هو دليل مجمل أو مبين وإنما اختلفوا فيه هل هو دليل أم لا # PageV01P292 # - صلى الله عليه وسلم - باب في ذكر ألفاظ تستعمل في الكلام في المجمل ~~والبيان - صلى الله عليه وسلم - # فمن ذلك المجمل والبيان والمبين والمفسر والمفصل والنص والظاهر # أما قولنا مجمل فقد يراد به ما أفاد جملة من الأشياء ومن ذلك قولهم أجملت ~~الحساب وعلى هذا يوصف العموم بأنه مجمل بمعنى أن المسميات قد أجملت تحته ~~وقد يراد به ما لا يمكن معرفة المراد به ويمكن أن يقال المجمل هو ما أفاد ~~شيئا من جملة أشياء هو متعين في نفسه واللفظ لا يعينه ولا يلزم عليه قولك ~~اضرب رجلا لأن هذا اللفظ أفاد ضرب رجل وليس هو بمتعين في ms279 نفسه بل أي رجل ~~ضربته جاز وليس كذلك اسم القرء لأنه يفيد إما الطهر وحده أو الحيض وحده ~~واللفظ لا يعينه وقول الله سبحانه {أقيموا الصلاة} يفيد وجوب فعل يتعين في ~~نفسه غير شائع # وأما البيان فانه يكون عاما ويكون خاصا أما العام فهو الدلالة تقول بين ~~لي فلان كذا وكذا بيانا حسنا وبيانا واضحا فتوصف دلالته وكشفه بأنه بيان ~~ويقال دللت فلانا على الطريق وبينته له فلما اطرد ذلك كان حقيقة # وأما الخاص فهو ما يتعارفه الفقهاء وهو كلام أو فعل دال على المراد بخطاب ~~لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد ويدخل في ذلك بيان العموم والمحكي عن ~~شيخينا أبي على وأبي هاشم رحمهما الله أن البيان هو الدلالة وأرادا بذلك ~~البيان العام وقال الشيخ أبو عبد الله إن البيان هو العلم الحادث # PageV01P293 # لأن البيان هو ما به يتبين الشيء والذي به يتبين هو العلم الحادث كما أن ~~ما به يتحرك الشيء هو الحركة ولهذا لا يوصف الله سبحانه متبين لما كان ~~عالما لذاته لا بعلم حادث والصحيح هو الأول لأن البيان العام هو الكشف ~~والإيضاح ألا ترى أنه يقال بين لي فلان كذا وكذا إذا دل عليه فهذا هو أظهر ~~في العرف من العلم لأنه لا يوصف العلم بأنه بيان وإنما يوصف بأنه تبين وقال ~~الشافعي البيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعبة الفروع وأقل ما فيه ~~أنه بيان لمن نزل القرآن بلسانه وهذا ليس بحد وإنما هو وصف للبيان بأنه ~~يجمعه أمر جامع وهو أنه يتبينه أهل اللغة وأنه يتشعب إلى أقسام كثيرة فإن ~~حده بأنه بيان لمن نزل القرآن بلغته كان قد حد البيان بأنه بيان وذلك حد ~~الشيء بنفسه وإن كان قد حد البيان العام فانه يخرج منه الأدلة العقلية وإن ~~حد البيان الخاص الذي يتعارفه الفقهاء فانه يدخل فيه الكلام المبتدأ إذا ~~عرف به المراد كالعموم والخصوص وغيرهما وهذا ليس هو العام والخاص وقال قوم ~~البيان هو الكلام والخط والإشارة وهذا ليس بحد ms280 وإنما هو تعديد وليس هو ~~بمستوف لجميع أعداده لأنه يخرج منه الأدلة العقلية وقال الصيرفي البيان هو ~~إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح وهذا قريب إذا كان حد ~~للبيان العام وإن كان حدا لما تعارفه الفقهاء فليس بصحيح لأنه يدخل فيه ~~الأدلة العقلية والأدلة السمعية المبتداة على أن إخراج الشيء من حيز ~~الإشكال إلى حيز التجلي هو حد للتبيين لا حد للبيان # فأما المبين فقد يراد به ما احتاج إلى بيان وقد ورد عليه بيانه وقد يراد ~~به الخطاب المبتدأ المستغني عن بيان # وقولنا مفسر قد يراد به ما احتاج إلى تفسير وقد ورد تفسيره ويراد به ~~الخطاب المبتدأ المستغني عن تفسير لوضوحه في نفسه # وأما النص فقد حده الشافعي بأنه خطاب يعلم ما أريد به من الحكم # PageV01P294 # سواء كان مستقلا بنفسه أو علم المراد به بغيره وكان يسمي المجمل نصا ~~وبهذا حده الشيخ أبو الحسن وذكر قاضي القضاة أن النص هو خطاب يمكن أن يعرف ~~المراد به واعلم أن النص يجب أن يشتمل على ثلاث شرائط أحدها أن يكون كلاما ~~والآخر أن لا يتناول إلا ما هو نص فيه وإن كان نصا في عين واحدة وجب أن لا ~~يتناول سواها وإن كان نصا في أشياء كثيرة وجب أن لا يتناول سواها والآخر أن ~~تكون إفادته لما يفيده ظاهرا غير مجمل وأما اشتراط كون النص عبارة فلأن ~~أدلة العقول والأفعال لا تسمي نصوصا وأما اشتراط ظهور دلالته فلأن المفهوم ~~من قولنا إن العبارة نص في هذا الحكم أنها تفيده على جهة الظهور ولأن النص ~~في اللغة مأخوذ من الظهور ومن ذلك قولهم منصة العروس لما ظهرت وارتفعت وأما ~~اشتراط إفادة ما هو نص فيه فقط فلأن الإنسان إذا قال لغيره اضرب عبيدي لم ~~يقل أحد إنه قد نص على ضرب زيد من عبيده لما أفاده وأفاد غيره ويقال إن ~~كلامه نص في ضرب جملة عبيده لما لم يفد سواهم فاذا ثبت أن هذا هو المعقول ~~من النص ms281 وجب بأن يحد بأنه كلام تظهر إفادته لمعناه لا يتناول أكثر مما قيل ~~إنه نص فيه فإن قيل أليس يقال إن الله قد نص على وجوب الصلاة وإن كان قوله ~~{أقيموا الصلاة} مجملا قيل إنه ليس بمجمل في إفادة الوجوب وإنما هو مجمل في ~~إفادة الصلاة ولا يجوز أن يسمى مع البيان نصا في إفادة الصلاة لأن قولنا نص ~~عبارة عن خطاب واحد دون ما يقترن به ولأن البيان قد يكون غير لفظ وقولنا نص ~~عبارة عن الأقوال # وأما الظاهر فهو ما لا يفتقر في إفادة ما هو ظاهر فيه إلى غيره وهو مفارق ~~للنص من هذه الجهة ويشاركه في وجوب كونه كلاما وفي اختصاصه بالكشف ونفي ~~العموم وقال قوم إن الظاهر هو ما ظهر المراد به وظهر فيه غير المراد إلا أن ~~المراد أظهر والأول أصح لأن الكلام متى وضح المراد به فقد ظهر سواء كان ~~محتملا لغيره أن لم يكن محتملا لغيره # PageV01P295 # - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يحتاج فيه إلى بيان وما لا يحتاج فيه ~~إلى بيان - صلى الله عليه وسلم - # قد ذكرنا أن البيان منه عام وهو الدلالة المطلقة ومنه خاص وهو الدلالة ~~الشرعية على المراد بأدلة الشرع فان كان في الأول فالذي نحتاج في العلم به ~~إلى الدلالة وهو ما صح العلم به ولم نعلمه باضطرار لأن ما لا يعلم باضطرار ~~لا سبيل إلى العلم به إلا بالدليل وما علمناه باضطرار فقد استغنينا عن ~~العلم به لأن الإنسان مستغن عن تحصيل ما هو حاصل له # وإن كان الكلام في النوع الثاني من البيان فانا نقول فيه إن الدلالة ~~الشرعية فيه ضربان مستنبطة وغير مستنبطة أما المستنبطة كالقياس فلا إجمال ~~فيها فيقال إنه يحتاج إلى بيان وأما الدلالة غير المستنبطة فهي أقوال ~~وأفعال والأفعال كلها لا تنبيء عن الوجوه التي وقعت عليها إلا أن منها ما ~~يقترن به دلالة تدل على الوجه الذي وقعت عليه فلا تحتاج مع ذلك إلى بيان ~~آخر ومنها ما لم يقترن ms282 به دليل فيحتاج إلى بيان أما الأول فنحو صلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأذان وإقامة فان ذلك قد تقرر في الشرع أنه أمارة لوجوب ~~الصلاة ويجوز أن يتعمد أفعالا كثيرة في الصلاة فيركع ركوعين قبل السجدة ~~فنعلم أن ذلك من أفعال الصلاة لأنه لا يجوز أن يتعمد في الصلاة أفعالا ~~كثيرة ليست منها فأما الثاني فنحو أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الركعة الثانية ولا يجلس قدر التشهد فإنه يجوز أن يكون قدسها في ذلك ويجوز ~~أن يكون قد تعمد ذلك ليدل على جواز ترك هذه الجلسة # وأما الأقوال فضربان أحدهما يكفي نفسه وصريحه في معرفة المراد به فلا ~~يحتاج إلى بيان لأنه لو احتاج إلى بيان لنقض قولنا إنه يكفي نفسه في معرفة ~~المراد وذلك نحو قول الله سبحانه {وكان الله بكل شيء عليما} # PageV01P296 # والآخر لا يكفي نفسه وصريحه في معرفة المراد وهو ضربان أحدهما لا يختل ~~بيانه على السامع والثاني قد يختل بيانه على السامع فالأول ضربان أحدهما أن ~~يكون بيانه بالتعليل والآخر لا بالتعليل أما التعليل فضربان أحدهما بطريق ~~الأولى والآخر لا بطريق الأولى أما الأول من هذين فقول الله عز وجل {فلا ~~تقل لهما أف} في دلالته على المنع من ضربهما لأن كل عاقل يعلم أن ذلك يخرج ~~مخرج التعظيم والإكرام فعلم أن المنع من التأفيف إنما كان لأنه أذى والضرب ~~قد شارك التأفيف في الأذى وزاد عليه ومقرر في العقل أن من منع من شيء لغرض ~~فإنه يمنع مما سواه وزاد عليه في معنى ذلك الغرض وهذه الأمور في النفس لا ~~تختل على عاقل والكلام يدل معها على المنع من الضرب وإن كان الكلام ما وضع ~~له وأما الثاني وهو التعليل لا بطريق الأولى فقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الهرة إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات نعلم بذلك أنه ~~علة في طهارتها ونعلم أن كل ما هذه سبيله فظاهر لأن العلة يتبعها حكمها # وأما البيان الذي لا يختل ms283 وليس هو بتعليل فضربان أحدهما أن يكون الخطاب ~~أمرا بشيء فيعلم وجوب ما لا يتم إلا به لما تقرر في العقل أن وجوب الشيء ~~يتبعه وجوب ما لا يتم إلا به وإلا كان إيجابا لما لا يطاق ولهذا يعلم كل ~~عاقل أن أمر السيد غلامه بشري اللحم من السوق يدل على وجوب مشيه إلى السوق ~~والآخر أن يظهر في العقل كون ظاهر الخطاب غير مراد ويعلم بالعادة أنه ~~مستعمل في وجه من وجوه المجاز فيعلم أنه مراد المتكلم نحو قول الله سبحانه ~~{واسأل القرية} ولو قيل إن ذلك حقيقة عرفية لجاز # فأما الخطاب الذي يحتاج إلى بيان وقد يختل بيانه على السامع فضربان ~~أحدهما يحتاج إلى بيان لوضع اللغة والآخر لا لوضع اللغة والأول ضربان # PageV01P297 # أحدهما أن يكون الكلام مفيدا لشيء ما لا تفيد صفته نحو قول الله سبحانه ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} فإن اسم الحق يفيد شيئا ما له صفة ولا يفيد تلك ~~الصفة بعينها فاحتجنا إلى بيانها والآخر أن يكون الكلام موضوعا لشيء على ~~صفة ولشيء آخر على صفة أخرى وليس بموضوع لهما معا بل يفيد كل واحد منهما ~~بانفراده وهو الاسم المشترك كاسم القرء وذلك أنه موضوع للطهر ويفيد فيه صفة ~~وهو كونه طهرا وهو موضوع للحيض ويفيد فيه أنه حيض فقد أفاد كل واحدة من ~~الصفتين غير أنه يفيدها على البدل فاحتجنا فيه إلى بيان ولو كان موضوعا ~~لهما معا ووجب إذا انفرد أن يحمل عليهما يجري مجرى العموم ولما احتجنا فيه ~~إلى بيان فأما الذي يحتاج إلى بيان لا لوضع اللغة فهو ما كان غير مجمل إلا ~~أنه قد استعمل لا لما وضع له وهو ضربان أحدهما أن يكون قد استعمل في بعض ما ~~وضع له والآخر أن يكون قد استعمل في غير ما وضع له أصلا أما الأول فكالعام ~~المخصوص والمطلق المنسوخ والعام المخصوص ضربان أحدهما أن يكون قد علمنا ما ~~خص منه بعينه والآخر أن لا نعلم ذلك بعينه فما علمناه بعينه فإنا ms284 قبل العلم ~~به نحتاج إلى بيان ما لم يرد منا دون ما أريد وإذا علمنا ما لم يرد منا ~~بعينه استغنينا عن البيان فأما ما لم نعلم ما خص بعينه فانا قبل بيان ~~تخصيصه نحتاج إلى بيان ما لم يرد منا فاذا خص هذا النوع من التخصيص احتجنا ~~إلى بيان ما أريد منا وما لم يرد أيضا وذلك إنما يكون باجمال المخصص وهو ~~ضربان أحدهما أن يكون المخصص متصلا بالخطاب والتقييد بالصفة المجهولة ~~فالتقييد بالصفة المجهولة كقول الله سبحانه {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم} لو اقتصر على ذلك لم يحتج فيه إلى بيان فلما قيده بقوله ~~{محصنين} ولم يدر ما الإحصان لم ندر ما أبيح # PageV01P298 # لنا فأما الاستثناء المجهول فقول الله سبحانه {أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم} لما كان الاستثناء مجهولا كان المستثنى منه كذلك ~~فاحتجنا فيه إلى بيان وأما ما كان تخصيصه منفصلا فنحو أن يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن قول الله سبحانه {فاقتلوا المشركين} مخصوص ليس المراد به ~~بعض المشركين ولا نعلم ما المراد به لأنه لا مشرك إلا وقد تناوله قوله ~~اقتلوا المشركين وتناوله قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس المراد بالآية ~~بعض المشركين فليس بأن يدخل تحت أحدهما بأولى من أن يدخل تحت الآخر ~~فافتقرنا فيه إلى بيان # وأما الخطاب المستعمل في غير ما وضع له أصلا فضربان أحدهما أن يكون الشرع ~~قد ورد باستعماله في ذلك الشيء والآخر لم يرد الشرع بذلك أما الأول ~~فالأسماء الشرعية كقولنا صلاة فمتى أمرنا بالصلاة ونحن لا نعلم بالشرع ~~انتقال هذا الاسم إلى هذه الأفعال احتجنا فيه إلى بيان وأما الثاني ~~فالأسماء المستعملة في مجازها وبيانها غير ظاهر نحو كثير من الآيات التي ~~ظاهرها التشبيه والجبر وصيغة الأمر المستعملة في التهديد إلى غير ذلك # وقد ذكر قاضي القضاة في العمد والشرح قسمة غير هذه القسمة وقد ذكرناها في ~~شرحنا لكتاب العمد # وقد دخل في هذه الجملة أنه لا يجوز أن ms285 يراد بالاسم المشترك كلا معنييه ~~وأنه مجمل يحتاج إلى بيان فيجب ذكر ذلك إذ كان من يقول إنه يجوز أن ينفرد ~~فيراد به كلا المعنيين قد أخرجه عن المجمل ودخل فيها أن فحوى القول قياس ~~والكلام في ذلك يأتي في باب القياس إن شاء الله # PageV01P299 # - صلى الله عليه وسلم - باب فيما أخرج من المجمل وهو منه كإرادة المعنيين ~~المختلفين بالاسم المشترك - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الاسم الواحد إذا كان اسما لأشياء فإما أن يفيد فيها فائدة واحدة ~~أو أكثر من فائدة واحدة فالأول لا خلاف في جوازها كلها في حالة واحدة ~~بالاسم واختلف الناس في الثاني فقال الشيوخ أبو هاشم وابو الحسن وأبو عبد ~~الله رحمهم الله بالمنع من ذلك سواء أفادت العبارة تلك الأشياء كلها على ~~الحقيقة أو أفادت بعضها على الحقيقة وبعضها على المجاز كالنكاح المفيد ~~للوطىء حقيقة وللعقد مجازا وكناية وشرط الشيخ أبو عبد الله في المنع من ذلك ~~شروطا أربعة أحدها أن يكون المتكلم واحدا والآخر أن تكون العبارة واحدة ~~والآخر أن يكون الوقت واحدا والآخر أن يكون أراد المعنيين المختلفين لا ~~تنظمهما فائدة واحدة فمتى انخرم شرط من هذه الشروط جاز أن يراد ولأجل ~~اشتراط كون المتكلم واحدا نحو أن يتكلم الإنسان بالقرء ويريد به الحيض ~~ويتكلم به آخر ويريد به الطهر ولأجل اشتراط الفائدتين جاز أن يريد الله عز ~~وجل بقوله {فلم تجدوا ماء فتيمموا} الماء القراح والنبيذ لأنه يحمعهما ~~فائدة واحدة عنده وهي المائية ولهذا الوجه لم يسم ماء ولأجل اشتراط الوقت ~~جوز أن يتكلم الله سبحانه بالقرء فيريد به الطهر ويتكلم به في وقت آخر ~~فيريد به الحيض ولأجل اشتراط كون ما يريده بالمعنيين المختلفين عبارة واحدة ~~جوز أن يريد النبي صلى الله عليه وسلم الفخذ وبعض الركبة عند قوله الفخذ ~~عورة لأنه إنما أراد الفخذ بهذه الكلمة وأراد بعض الركبة لما تعذر عند ~~العقل من أن ستر الفخذ لا يمكن إلا بستر بعض الركبة وأن الشيء يجب إذا لم ms286 ~~يتم الواجب إلا به وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره تحريم الأشياء ~~المقيسة على الستة بنصه على الستة بل أراد الستة بالنص وأراد ما يقاس عليها # PageV01P300 # بدليل القياس وقال الشيخ أبو علي وقاضي القضاة إن اللفظة الواحدة إذا ~~كانت موضوعة لكل واحد من شيئين حقيقة أو لأحدهما حقيقة وللآخر مجازا ولم ~~تفد فيهما فائدة واحدة فانه يجوز أن يريدهما المتكلم بها في حالة واحدة إلا ~~أن يتنافى ذلك نحو استعمال لفظة افعل في الأمر بالشيء والتهديد عنه وذلك أن ~~استعمالها في التهديد لا يكون إلا بكراهة ذلك الفعل واستعمالها في الأمر به ~~لا يكون إلا بارادته وإرادة الشيء وكراهته تتضادان وكذلك لا يجوز استعمال ~~اللفظة الواحدة في الاقتصار على الشيء ومجازته إلى غيره نحو استعمال قوله ~~{وأيديكم إلى المرافق} من الاقتصار على المرافق ومجاوزتها لأن ذلك إما أن ~~يفيد إرادة مجاوزتها أو يفيد إرادة مجاوزتها وكراهته ونحو الخبر عن وجوب ~~الشيء وكونه ندبا لأن الخبر عن وجوبه يفيد كراهة تركه والخبر عن كونه ندبا ~~يفيد ترك هذه الكراهة من البارىء عز وجل وكذلك الخبر عن إباحته وعن كونه ~~ندبا يدل أحدهما على إرادة الله سبحانه ويدل الآخر على نفي هذه الإرادة # وعندنا أن الاسم المشترك بين شيئين حقيقتين أو مجازين أو أحدهما حقيقة ~~والآخر مجازا يجوز في الإمكان أن يراد به ولا يجوز في اللغة والدليل على ~~إمكان ذلك أنه ليس بين إرادة اعتداد المرأة بالحيض وبين إرادة اعتدادها ~~بالطهر ما يمنه من اجتماعهما لو لم يكن المريد بذلك متكلما باسم القرء فيجب ~~أن لا يكون فيهما ما يمنع من اجتماعهما إذا تكلم المتكلم بهذا الاسم لأن ~~الكلام لا يجعل ما ليس بممتنع ممتنعا إذا كان لا يكسب الإرادات وغيرها ~~تنافيا ولا ما يجري مجراه وكذلك القول في استعمال لفظ النكاح في الوطء ~~والعقد # واحتج الشيخ أبو عبد الله بأن الإنسان يجد من نفسه تعذر استعمال اللفظة ~~في مجازها وحقيقتها معا قال وجرى ذلك مجرى تعظيم زيد ms287 والاستخفاف به في حالة ~~واحدة والجواب أن ما ذكره من تعذر ذلك دعوى بل المعلوم من # PageV01P301 # أنفسنا صحة ذلك وإجراؤه ذلك مجرى تعظيم زيد والاستخفاف به دعوى أيضا على ~~أن تعظيم زيد والاستخفاف به مفارقان لما نحن بسبيله لأنه يجيز أن يريد ~~المتكلم الحقيقة والمجاز بخطابين في وقت واحد ولا يجيز أن يعظم عمرا ويستخف ~~به بفعلين في وقت واحد وعلى أن الفرق بين الموضعين أن الاستخفاف ينبىء عن ~~إيضاع حال الغير والتعظيم ينبىء عن ارتفاع حاله ومحال أن يكون الإنسان في ~~حالة واحدة مرتفع الحال متضع الحال فيمتنع أن يحصل الداعي إليهما في حالة ~~واحدة مع العلم بتنافيهما وليس كذلك إرادة الاعتداد بالأطهار وإرادة ~~الاعتداد بالحيض # واحتج أيضا بأن المتكلم لو استعمل الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها ~~لكان قد أراد استعمالها فيما وضعت له وأراد العدول بها عما وضعت له وذلك ~~يتنافى كما يستحيل إرادة الاقتصار على الشيء والمجاوزة عنه إلى غيره ~~والجواب أن المتكلم إذا استعمل اسم النكاح في العقد وفي الوطىء فانه يكون ~~قد أراد به الوطىء وأراد به العقد فان عنى بقوله إنه قد أراد المتكلم ~~العدول بالكلمة عما وضعت له أنه أراد استعمالها في غير ما وضعت له كما أراد ~~استعمالها فيما وضعت له فذلك صحيح وإن أراد بذلك أنه قد أراد أن لا ~~يستعملها فيما وضعت له وهو المفهوم من كلامه فذلك لا نقول به فان قال ~~يلزمكم أن تقولوا به قيل ومن اين يلزمنا إذا قلنا قد اراد معنى الحقيقة ~~وأراد معنى المجاز أن يكون قد أراد أن يستعملها في الحقيقة وهل هذا إلا أنك ~~ألزمتنا على قولنا قد أراد شيئين أنه لم يرد أحدهما # واحتجوا بأن المستعمل للكلمة فيما هي مجاز فيه لا بد أن يضمر فيها كاف ~~التشبيه والمستعمل لها فيما هي حقيقة فيه فلا يضمر كاف التشبيه فيها ومحال ~~أن يضمر الشيء ولا يضمره والجواب أن الإنسان إذا قال رأيت السباع وأراد به ~~أنه رأى أسدا ورجالا شجعانا فانه لا ms288 يمتنع أن يضمر كاف التشبيه في بعضهم ~~دون بعض لأن معنى إضمار كاف التشبيه هو أن يقصد بإسم # PageV01P302 # الأسد إلى ما هو كالأسد فأما الكلام في أنه لا يجوز من جهة اللغة أن يريد ~~بالاسم الواحد المعنيين المختلفين فهو أن الاسم إما أن يكون مفردا أو ~~مجموعا فان كان مفردا فالدلالة على أن اللغة يحظر أن يراد به كلا معنييه أن ~~أهل اللغة وضعوا قولهم حمار للبهيمة المخصوصة وحدها ويجوزنه في البليد وحده ~~ولم يستعملوه فيها معا ألا ترى أن الإنسان إذا قال رأيت حمارا لم يفهم منه ~~أنه رأى البهيمة والبليد معا ولو قال رايت حمارين لم يعقل منه أنه رأى ~~أربعة أشخاص بهيمتين وبليدين وكذلك قولنا قرء وضعوه للحيض وحده وللطهر وحده ~~ولم يضعوه لهما لأنهم لو وضعوه لهما معا لكان المستعمل له في أحدهما متجوزا ~~لأنه لم يستعمله على ما وضع له على التحقيق وكان يجب أن نفهم من قول القائل ~~قرءان أربعة طهرين وحيضين ومن ثلاثة أقراء ستة والأمر بخلاف ذلك فصح أن ~~المتكلم إذا قال للمرأة اعتدي بقرء لا يكون مريدا منها أن تعتد بالطهر ~~والحيض معا وإنه إنما أراد أحدهما فلا يخلو إما أن يكون أراد منها أن تعتد ~~إما بالطهر أو بالحيض بحسب اختيارها وإما أن يكون أراد الحيض فقط أو أراد ~~الطهر فقط ويجري مجرى أن يقول لها قد أردت منك الاعتداد بالطهر وأردت منك ~~الاعتداد بالحيض والأول باطل ثم لأن لفظه القرء لم توضع للطهر والحيض وإنما ~~وضعت للطهر وحده وللحيض وحده ويفارق ذلك قول القائل لغيره اضرب رجلا لأنه ~~إذا قال ذلك كان مريدا منه أن يضرب أي رجل شاء إما هذا وإما هذا لأن قولنا ~~رجل لم يوضع لهذا الشخص وحده ولهذا وحده وإنما وضع لما اختص بمعنى الرجولية ~~وهو معنى واحد شائع في كل شخص من أشخاص الرجال فكأنه قال اضرب شخصا ممن ~~اختص بمعنى الرجولية ولو قال ذلك لدل على أنه قد أراد منه ضرب الرجال على ms289 ~~البدل وليس كذلك اسم القرء لأنه ليس يفيد في الطهر والحيض فائدة واحدة ~~فيكون دالا على أن المتكلم به قد أراد ما اختص بتلك الفائدة من الطهر ~~والحيض فان قيل أيجوز أن يقول الرجل لغيره اضرب # PageV01P303 # رجلا وهو يريد ضرب رجل معين قيل لا يجوز ذلك إلا أن يدل عليه دليل ويكون ~~قد عدل باللفظ إلى غير موضوعه في الأصل لأن قولنا رجل لم يوضع لرجل مخصوص ~~دون غيره فإن قيل أليس يجوز أن يقول الرجل لغيره رأيت رجلا وإن كان قد اراد ~~رجلا بعينه فكيف قلتم إن هذا الإسم لا يفيد شخصا معينا قيل هذا دليلنا على ~~أنه لا يفيد شخصا معينا ألا ترى أنه إذا قال ذلك لم يفهم منه الرجل الذي ~~رآه بعينه وإنما ساغ أن يقول رأيت رجلا وإن كان قد رأى رجلا بعينه لأن اسم ~~الرجل يفيد ما يختص بالمعنى الذي يتميز به الرجل مما ليس برجل ومن رأى رجلا ~~بعينه فقد رأى ما اختص بمعنى الرجولية وزيادة فصح أن يخبر عن ذلك المعنى ~~بقوله رايت رجلا ولا يخبر عن الزيادة التي اختص بها ذلك الرجل بعينه فأما ~~إذا قال المتكلم للمرأة لا تعتدي بقرء فانه يفيد أنه أراد أن لا تعتد بواحد ~~معين إما أن يكون أراد الطهر وإما أن يكون أراد الحيض لأنه لو أراد ~~مجموعهما كان قد أراد ما لم يوضع له اللفظ وإن أراد أن لا تعتد بما يقع ~~عليه اسم قرء بما فيه معنى من معاني القرء فان ذلك ليس في ظاهر الكلام لأنه ~~إنما علق الحكم بالقرء لا بما سمي قرء ولا بما فيه معنى من معاني القرء # فأما الاسم المشترك المجموع نحو قولنا أقراء فاما أن يكون قد علق عليه ~~إثبات أو نفي فالإثبات نحو قول القائل للمرأة اعتدي بالأقراء وذلك يفيد أنه ~~قد اراد منها إما ثلاث حيض أو ثلاثة أطهار أو أراد منها أن تعتد بثلاثة ~~بعضها أطهار وبعضها حيض والدليل على ذلك أن جمع الاسم ms290 يفيد جمع مقتضاه وإذا ~~كان قولنا قرء موضوعا للحيض وحده وللطهر وحده ويدل على أن المتكلم به إما ~~أن يكون قد اراد الحيض أو أراد الطهر فيجب أن يكون قولنا أقراء يفيد أنه قد ~~أراد إما جمعا من الحيض أو جمعا من الطهر أو جمعا منهما ويجري مجرى أن يقول ~~اعتدى بقرء وبقرء وبقرء في أنه يجوز أن يكون أراد بالكل الحيض أو أراد ~~بالكل الطهر أو أراد ببعضها الطهر وببعضها الحيض # PageV01P304 # ويفارق ذلك قول القائل لغيره اضرب رجالا في أنه يفيد ضرب أي ثلاثة من ~~الرجال شاء من العرب أو من العجم أو منهما ولا يكون مريدا لثلاثة من العجم ~~فقط أو ثلاثة من العرب فقط لأن قولنا رجال يفيد جمع فائدة قولنا رجل وقد ~~قلنا إن قولنا اضرب رجلا يفيد أن المتكلم به أراد ضرب ما اختص بمعنى ~~الرجولية أي رجل كان فيجب أن يكون جمعه يفيد جمعا من الأشخاص يختص كل واحد ~~منها بمعنى الرجولية أي جمع من ذلك كان وليس كذلك الاقراء لما بيناه من قبل ~~فان قيل أليس لو قال الرجل للمرأة اعتدي بما يسمى أقراء جاز أن تعتد بالحيض ~~وجاز أن تعتد بالطهر قيل أجل ويفارق مسألتنا لأنه قد علق الاعتداد بما يسمى ~~أقراء والطهر والحيض متفقان في فائدة وصفنا لهما بأنهما يسميان أقراء وغير ~~مختلفين في ذلك فجرى مجرى قوله اضرب رجلا في أنه أمر بضرب ما اختص بمعنى ~~الرجولية وليس كذلك قولنا اعتدى بالأقراء لأن معنى الأقراء في الطهر والحيض ~~مختلف وكذلك لو أمكنت الإشارة إلى الطهر والحيض فقال للمرأة اعتدي من هذا ~~بثلاثة لأن قوله من هذا واقع عليهما لا على سبيل الاشتراك ألا ترى أنه لا ~~يفيد فيهما فائدتين مختلفتين وليس كذلك اسم القرء # فأما إذا علق على الاسم المشترك المجموع حكما منفيا نحو أن يقول القائل ~~للمرأة لا تعتدي بالأقراء فانه يفيد أنه كره أن تعتد بجمع من الأقراء إما ~~حيض كله وإما طهر كله أو بعضه طهر وبعضه ms291 حيض لأن ذلك يجري مجرى أن يقول لها ~~لا تعتدي بقرء ولا بقرء ولا بقرء فكما أنه يجوز أن يعني بها أجمع الحيض ~~ويجوز أن يعنى بها أجمع الطهر ويجوز أن يعنى ببعضه الحيض وببعضه الطهر على ~~ما بيناه فكذلك جمعه في هذا القسم بعض الاشتباه وكذلك إذا قال لها لا تعتدي ~~بقرء لأنه يجوز أن يقال إن ذلك يفيد نفي الاعتداد بالحيض والطهر معا والأول ~~أشبه # واحتج المخالف بأشياء # PageV01P305 # منها أن سيبويه قال إن قول القائل لغيره الويل لك خبر ودعاء فجعله مفيدا ~~لكلا الأمرين والجواب أنه ليس في وضع اللغة ذلك في كلا الأمرين ما يدل على ~~أن اسم القرء موضوع للطهر والحيض معا وأيضا فليس ذلك دلالة على أنه مستعمل ~~في كلا الأمرين معا بل لا يمتنع أن يكون هذا الكلام موضوعا للخبر مستعملا ~~على سبيل المجاز في الدعاء ولم يقل سيبويه أن يجوز أن يستعمل فيهما # ومنها قولهم إن عمر رضي الله عنه قال إن قبلة الرجل امرأته تنقض الطهر ~~وقال إن الجنب يلزمه التيمم وهذا يدل على أنه عقل من قول الله عز وجل {أو ~~لامستم النساء} الوطىء والمباشرة باليد والجواب أن هذا لا يمتنع أن يكون ~~علم وجوب التيمم على الجنب من السنة لا من الآية # ومنها أن قول الله عز وجل {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} قد أريد ~~به الحيض والطهر لأن للمرأة تقليد من يرى الاعتداد بالأطهار وتقليد من يرى ~~الاعتداد بالحيض وأي ذلك فعلت فقد أراده الله منها فإذن قد أرادهما الله ~~سبحانه على البدل بشرط أن تختار أي المجتهدين شاءت وكذلك قد أراد منها ~~الاعتداد بكل واحد منهما إذا كانت من أهل الاجتهاد بشرط أن يؤديها اجتهادها ~~إلى هذا وإلى هذا والجواب أن الشيخ أبا هاشم رحمه الله يقول إن الله عز وجل ~~تكلم بالآية مرتين فأراد مرة الطهر ممن يؤديه اجتهاده إلى ذلك أو تقليد من ~~يرى ذلك واراد في الأخرى الاعتداد بالحيض ممن يؤديه اجتهاده إلى ذلك أو ms292 ~~يختار تقليد من يرى ذلك وكره في كل واحد من الدفعتين ترك الاعتداد بكل واحد ~~منهما وليس يجب إذا تكلم بها مرتين أن تثبت في المصحف مرتين على أنه لا ~~يمتنع أن يريد كلا المعنيين في وقت واحد بعبارتين مثلين يفعلهما في مكانين ~~على أنه لا يمتنع أن # PageV01P306 # يكون الله قد أراد به كلا الاثنين في دفعة واحدة ويكون قيام الدلالة على ~~ذلك دلالة على الشريعة قد جاءت بنقل هذا الاسم إلى مجموع الأمرين كما ينقل ~~الشرع الأسماء الشرعية إلى معان غير معانيها في اللغة فاذا صح أن الاسم ~~المشترك لم يوضع لكلا معنييه لم يجب أن يريدهما المتكلم بذلك الاسم واحتاج ~~إلى بيان إذ كان لا يدل على المراد ولا يجوز أن يقال تجرده عن دلالة يدل ~~على أنه قد أريد به كلا المعنيين على البدل أو على الجمع لأن اللفظ إذا لم ~~يكن موضوعا للجمع ولا للتخيير لم يجز تجرده عن قرينة وإنما يتجرد عن قرينة ~~إذا كان موضوعا لأمر يكفي ظاهره في الدلالة عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~باب فيما الحق بالمجمل وليس منه - صلى الله عليه وسلم - # من ذلك التحليل والتحريم المتعلقين بالأعيان كقول الله سبحانه {حرمت ~~عليكم أمهاتكم} ذكر الشيخ ابو الحسن رحمه الله وأبو عبد الله رحمه الله أن ~~ذلك مجمل لا يصح التعلق بظاهره لأن التحريم متعلق بنفس الأمهات وليس ذلك في ~~مقدورنا لو كان معدوما فكيف وهو موجود فلم يجز أن تحرم علينا ووجب أن يكون ~~المراد به فعل من أفعالنا يتعلق بالأمهات وإذا لم يكن ذلك الفعل مذكورا في ~~الآية لم يمكن أن يستدل بها على تحريم فعل دون فعل ولأن الآية لو اقتضت ~~تحريم فعل معين لكان المراد بتعليق التحريم بالأعيان تحريم ذلك الفعل بعينه ~~ولا يختلف ذلك الفعل بحسب اختلاف الأعيان وليس الأمر كذلك لأن المراد بقوله ~~تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} تحريم الاستمتاع والمراد بقوله تعالى {حرمت ~~عليكم الميتة} تحريم الأكل فأحد الفعلين مخالف للآخر # وقال أبو علي وابو ms293 هاشم وقاضي القضاة رحمهم الله إن ذلك ليس # PageV01P307 # بمجمل بل هو ظاهر من جهة العرف في تحريم الاستمتاع بالأمهات وتحريم أكل ~~الميتة لأن قوله {حرمت عليكم أمهاتكم} وإن كان التحريم فيه متعلقا بنفس ~~الأمهات فانه يفيد بالعرف تحريم الاستمتاع لأنا عند سماع هذه اللفظة نفهم ~~تحريم الاستمتاع وعند سماع قول القائل حرمت عليك طعامي وحرمت الميتة نفهم ~~أكلها وهذه أمارة كون الاسم منتقلا بالعرف ألا ترى أنا لما فهمنا الخيل عند ~~سماعنا اسم الدواب قلنا إنه يفيدها وحدها من جهة العرف وليس يمتنع أن يكون ~~العرف قد نقل التحريم المتعلق بالأعيان فجعله حقيقة في تحريم أفعال مختلفة ~~بحسب اختلاف الأسماء فيفهم بالعرف من قول القائل حرمت عليك فلانة الاستمتاع ~~بها ويفهم من قوله حرمت عليك طعامي أكله # ومن ذلك قول العراقيين إن قول الله سبحانه {وامسحوا برؤوسكم} مجمل لأنه ~~يحتمل مسح جميع الرأس ويحتمل مسح بعضه فاذا احتمل مسح كل واحد منهما بدلا ~~من الآخر افتقر إلى بيان فاذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ~~كان ذلك بيانا للآية ووجب مسح ذلك المقدار من الرأس وذكر قاضي القضاة أن ~~ظاهر الباء في اللغة للإلصاق وقوله {وامسحوا برؤوسكم} يفيد من جهة اللغة ~~مسح جميع الرأس لأن الباء المفيدة للإلصاق دخلت على المسح وقرنته بالرأس ~~والذي يسمى رأسا هو الجميع لا البعض لأنه لا توصف الناصية رأسا فكانت الآية ~~إيجابا لمسح جميع الرأس من جهة اللغة قال والعرف قال مسحت يدي بالمنديل عقل ~~منه أنه ألصق المسح بالمنديل ويجوز السامع أنه مسحه بجميعه ويجوز أنه مسحه ~~ببعضه وكذلك إذا قال الإنسان الغيره امسح يدك بالمنديل فانه يعقل منه أنه ~~قد أوجب عليه إلصاق يده بالمنديل إن شاء بجميعه وإن شاء # PageV01P308 # ببعضه وأيهما فعل سقط عنه الأمر وإذا أفادت هذه اللفظة في العرف ما ~~ذكرناه حملت الآية عليه # ومن ذلك حرف النفي إذا دخل على الفعل متى لم يكن الفعل على صفة من الصفات ~~وذلك ضربان أحدهما يمكن انتفاء الفعل ms294 متى لم تحصل تلك الصفة والآخر لا يمكن ~~انتفاء ذلك الفعل فمثال الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب فحرف النفي دخل على الصلاة الشرعية لأن كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم يحمل على معانيه الشرعية فظاهره إذا يقتضي نفي الصلاة الشرعية مع ~~انتفاء الفاتحة وذلك ممكن فوجب حمل الكلام عليه وذلك يقتضي كون قراءة ~~الفاتحة شرطا ويقتضي أن يكون قولنا صلاة فاسدة مجازا أعني وصفنا لها بأنها ~~صلاة ويكون المراد أنها على صورة الصلاة وكذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وقوله لا نكاح إلا بولي وكان ~~الشيخ أبو عبد الله يجعل هذه الألفاظ مجملة قال لأن المنفي موجود مع انتفاء ~~الشرط فعلمنا أنه أراد نفي أحكامه وليس بعض الأحكام بأن يكون هو المنفي ~~أولى من حكم آخر إذ اللفظ لا يتناول الأحكام على جهة العموم ولا على جهة ~~الخصوص ولأنه يتناقض حمل ذلك على نفي الكمال ونفي الإجزاء لأن في ضمن نفي ~~الكمال إثبات الإجزاء والذي ذكره إنما يصح لو لم يصح أن يكون المنفي هو ~~الذي دخل عليه حرف النفي وقد بينا ذلك وأما مثال القسم الثاني فقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات أعظم متأول هذا الكلام أن يجري مجرى ~~قوله لا عمل إلا بالنية ومعلوم أنه ليس يخرج العمل من كونه عملا إذا فقدت ~~النية فعلمنا أن المراد به أحكام العمل من الإجزاء أو الكمال وليس بأن يحمل ~~على أحدهما أولى من الآخر وليس لأحد أن يقول إن قوله الأعمال بالنيات يفيد ~~في العرف نفي كونه عملا مجزئا إذا لم يكن نية لأنا لا نعقل ذلك من جهة ~~العرف ألا ترى أنا قد حملنا كثيرا من هذا النفي على نفي الفضل والكمال وليس ~~لأحد أن يقول المعقول في العرف من قول القائل لا عمل إلا بنية هو لا عمل ~~مجزىء ولا كامل إلا بنية لأنه إذا لم يجزء لم # PageV01P309 # يكمل وذلك ms295 لأنه يكون قد عقل منه نفي الكمال تبعا لنفي الإجزاء فقد عاد ~~الكلام إلى الأول وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان لأن الخطأ واقع منهم فاذا المرفوع هو أحكام الخطأ فاحتاج إلى بيان ~~ذلك الحكم وقد علمنا أنه لم يرد الإثم لأنه لا مزية لأمته في ذلك على سائر ~~الأمم # ومن ذلك قول بعضهم إن قول الله سبحانه {فاقطعوا أيديهما} مجمل لأنه يحتمل ~~اليد من المنكب إذ جملتها تسمى يدا ويحتمل قطعها من الكوع لأنه يسمى هذا ~~القدر يدا ويحتمل قطعها من المرفق لأن هذا يسمى يدا ويمكن أن يحتجوا لذلك ~~ايضا بأنه قد يقال قطعت يد فلان ويراد بها إبانتها وقد يراد إيصال قطع بها ~~وإن لم تنفصل من البدن كما يقال برى فلان القلم فقطع يده وإنما يعلم إبانة ~~العضو إذا قيد القطع بالجملة فقيل قطعت يد فلان من جملته كما يقال قطعت ~~الغصن من الشجرة # والجواب عن الأول أن اسم اليد يتناول الجملة إلى المنكب فيجب حمل اليد ~~عليه لولا قيام الدلالة على خلافه فقبل قيام الدلالة على ذلك تكون الآية ~~مجملة إذ قد أريد بها غير ظاهرها لأن اسم اليد لا يتناول الكف وحده حقيقة ~~لأنه لا يقال قطعت يد فلان كلها وجميعها إذا قطع الكف فلو كان اسم الكف ~~يتناول هذا المقدار وحده حقيقة لصح أن يقال ذلك لأن الكف كل وجميع ولو ~~تناول الكف حقيقة وجميع اليد حقيقة لحمل على أقل ما يقع عليه الاسم كما أن ~~قول القائل لغيره اضرب رجلا يفيد ضرب ما يقع عليه اسم رجل ولمفرق أن يفرق ~~بينهما بأن معنى الرجولية قائم في كل شخص من الرجال فالاسم قد تناول جميعهم ~~على البدل وليس كذلك قولنا يد لأنه لو تناول الكف وتناول من أطراف الأصابع ~~إلى المفرق لكان قد أفاد في ذلك فوائد مختلفة ولكان اسما مشتركا # PageV01P310 # والجواب عن الثاني أن القطع هو الإبانة فاذا علق باليد أفاد إبانة ما ~~يسمى يدا والشق ms296 إذاحصل في الجلد لم يكن المسماة يدا قد أبينت فلم يدخل تحت ~~الظاهر وهذا يدلنا على أن قول القائل بريت القلم فقطعت يدي مجاز ويكون ~~اقتران ذلك ببري القلم قرينة تدل على المجاز لأن العادة ما جريت بابانة عند ~~بري القلم - صلى الله عليه وسلم - باب فيما تكون للاحكام الشرعية - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن بيانها يكون بكل ما يقع التبيين به وهو ضربان أحدهما يكون دلالة ~~بالمواضعة والآخر لا بالمواضعة أما الأول فالكلام والعقد والكناية والبيان ~~بالكلام فأكثر من أن يحصى وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بأن كتب إلى ~~عماله في الصدقات وبين الله تعالى لملائكته بما كتبه في اللوح المحفوظ وأما ~~الضرب الآخر فضربان أحدهما تتبعه المواضعة والآخر يتبع المواضعة فالأول هو ~~الإشارة لأن المواضعة على الكلام إنما تكون بالإشارة وقد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالإشارة حين قال الشهر هكذا وهكذا وأشار بيديه والثاني ~~ضربان أحدهما أمارة القياس والآخر الأفعال وأما أمارة القياس فهي كيفية ~~ثبوت الحكم من نحو ثبوته عند صفة ونفيه عن نفيها وهذا إنما يثبت بالخطاب ~~وأما الأفعال فانها تتعلق بما هي بيان له بالقول نحو أن يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذا الفعل بيان لهذه الآية ويقول صلوا كما رأيتموني أصلي # وقال بعض الناس إن الأفعال لا تكون بيانا وليس يخلو إما أن يريد أنه لا ~~يصح وقوع البيان بها أو أنه لا يحسن أن يبين بها المجمل من جهة الحكمة ~~والأول ضربان أحدهما أن يقال إن الفعل لا يؤثر في وقوع الشيء أصلا والآخر ~~أن يقال إنه لا يؤثر في ذلك إلا مع غيره نحو أن يقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا بيان لهذا الكلام أما إذا قيل لا يحسن أن يقع البيان بالأفعال ~~فبأن # PageV01P311 # يقال إنه لا يقع عقيب الكلام المجمل فان وقع عقيبه فانه يطول وفي كلا ~~الحالتين يتأخر البيان فان قالوا بالأول فقد أبطلوا لأن فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم للصلاة وللحج ms297 أدل على صفتها من وصفه لها لما في المشاهدة للشيء ~~من المزية على الخبر عن الشيء ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم الحج ~~بفعله وقال خذوا عني مناسككم وقال صلوا كما رأيتموني أصلي وبين أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم الوضوء بفعلهم وإن أرادوا أنه لا يقع به البيان إلا مع ~~غيره نحو أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا بيان للآية أو يضطر من ~~قصده إلى ذلك أو يتلو كلاما مجملا ثم يفعل فعلا يجوز أن يكون بيانا له ولا ~~تجد بيانا غيره فذلك مما لا خلاف فيه إلا أن البيان هو الفعل لأنه المتضمن ~~لصفة الفعل دون القول المعلق للفعل بالمبين وإن أرادوا الوجه الثالث من أن ~~ذلك يؤدي إلى تأخير البيان فباطل لأنه يمكن أن يتعقب الفعل القول كما ~~يتعقبه القول والفعل وإن طال فالقول قد يكون طويلا أيضا فصح وقوع البيان ~~بكل واحد منهما وأما المخالف فأنه يحتج بهذه الأقسام التي ذكرناها - صلى ~~الله عليه وسلم - باب في تقديم القول على الفعل في البيان - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أن هذا الباب يتضمن مسألتين إحداهما أن يقال إذا كان القول بيانا ~~والفعل بيانا فأيهما أكشف والجواب أن الفعل أكشف لأنه ينبىء عن صفة المبين ~~مشاهدة والقول إخبار عن صفته وليس الخبر كالعيان والأخرى أن يرد بعد الآية ~~المجملة فعل وقول يحتمل أن يكون كل واحد منهما بيانا لها فيقال أيهما قصد ~~به البيان والجواب أنه ليس يخلو إما أن يتنافى حكم البيانين أو لا يتنافى ~~فان لم يتنافى فضربان أحدهما علم تقدم أحدهما على الآخر فيكون المتقدم هو ~~الذي قصد به البيان المبتدأ لأن البيان لا يتأخر ويكون المتأخر تأكيدا ~~للبيان والآخر لا يعلم تقدم أحدهما على الآخر # PageV01P312 # فيجوز في كل واحد منهما أن يكون هو المتقدم وهو الذي قصد به البيان ~~ابتداء وإن يتنافى حكمهما فمثاله آية الحج وقوله صلى الله عليه وسلم من قرن ~~حجا إلى عمرته فليطف لهما طوافا واحدا ms298 وسعيا واحدا وروي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قرن فطاف طوافين وسعى سعيين فإن كان قوله هو البيان فالطواف الثاني ~~غير واجب وإن كان فعله هو البيان فالطواف الثاني واجب فمتى علمنا تقدم ~~أحدهما كان هو البيان لأن الخطاب المجمل إذا تعقبه ما يجوز أن يكون بيانا ~~له كان بيان له فان لم يجز تأخير البيان فالأمر في كون ذلك بيانا أكشف ~~وأظهر وإن لم نعلم تقدم أحدهما على الآخر جعلنا القول هو البيان لأنا لو ~~جعلنا الفعل هو البيان لأوجبنا إثبات ما تعلقه بالمبين من قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن هذا بيان لهذا وإن لم يعلم ذلك باضطرار من قصده ولا يجوز ~~إثبات ذلك إلا عن ضرورة ولا ضرورة إلى ذلك مع إثبات قول يمكن أن يكون بيانا ~~وليس لأحد أن يقول جوزوا أن يكون الفعل هو الذي قصد به البيان وإن لم ~~تقطعوا عليه لأنا لا نجوز ذلك إلا لضرورة ولا ضرورة وليس الغرض بما ذكرناه ~~من المثال إلا التمثيل دون تصحيح مسألة الطوافين لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد قال خذوا عني مناسككم فقد علق بهذا القول فعله على الآية - صلى ~~الله عليه وسلم - باب في أن البيان كالمبين - صلى الله عليه وسلم - # هذا الباب يشتمل على شيئين أحدهما هل البيان كالمبين في القوة والآخر هل ~~كالمبين في حكمه أم لا أما الأول فقال الشيخ أبو الحسن إن المبين إذا كان ~~لفظا معلوما وجب كون بيانه مثله وإلا لم يقبل ولهذا لم يقبل خبر الأوساق مع ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر والصحيح أنه يجوز أن ~~يكون البيان والمبين دليلين معلومين ويجوز أن يكونا أمارتين ويجوز أن يكون # PageV01P313 # المبين معلوما وبيانه مظنونا كما جاز تخصيص القرآن بخبر الواحد لأنه لا ~~يمتنع تعلق المصلحة بذلك وأما الآخر وهو هل إذا كان المبين واجبا كان بيانه ~~كذلك وقد قال قوم بذلك فإن أرادوا بذلك أنه إذا كان المبين واجبا فبيانه ~~بيان لصفة ms299 شيء واجب فصحيح وإن أرادوا أنه يدل على الوجوب كما يدل المبين ~~فغير صحيح لأن البيان إنما يتضمن صفة المبين وليس يتضمن لفظا يفيد الوجوب ~~وإن أرادوا به أنه إذا كان المبين واجبا كان بيانه واجبا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإذا لم يكن الفعل المبين واجبا لم يكن بيانه واجبا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فباطل لأن بيان المجمل واجب سواء تضمن فعلا واجبا ~~أو غير واجب - صلى الله عليه وسلم - باب في جواز تأخير التبليغ - صلى الله ~~عليه وسلم - # اعلم أنه يجوز أن يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم أداء العبادة إلى الوقت ~~الذي يحتاج المكلف أن يعرفها فيه ولا يجب تقديم أدائها عليه وأوجب ذلك قوم ~~وليس يخلو أن يوجبوا ذلك بالعقل أو بالسمع ولو وجب بالعقل لكان له وجه وجوب ~~يرجع إلى التكليف إما لأنه تمكين أو لأنه لطف فإن كان تمكينا لم يخل إما أن ~~يكون تمكينا من الفعل أو من فهم المراد بالخطاب ومعلوم أنه لم يتقدم خطاب ~~مجمل يكون هذا بيانه وليس يقف إمكان فعل العبادة على تقديم أدائها على ~~الوقت الذي إذا بلغت بالعبادة فيه أمكن المكلف أن يستدل بالخطاب على وجوبها ~~فيفعلها في وقتها وأما كون تقديمهم التبليغ لفظا فليس في العقل طريق إليه ~~كما أنه ليس في العقل طريق إلى كون تقديم تعريف الله إيانا العبادة التي ~~يريد أن يعبدنا بها بعد سنة لطفا ولهذا لم يعرف الله على لسان نبيه صلى ~~الله عليه وسلم جميع ما يريد أن يتعبد به الأمة في حالة واحدة # فان قالوا إنا نعلم وجوب ذلك بالسمع فليس في السمع ما يجوز أن # PageV01P314 # يدل على ذلك إلا قول الله تعالى {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} وأن الأمر على الفور وقد أجاب قاضي القضاة عن ~~ذلك بأن هذا الأمر إنما يفيد وجوب تبليغه على الحد الذي أمر أن يبلغ عليه ~~من تقديم أو تأخير ms300 ولقائل أن يقول الوجه الذي أمر أن يبلغ عليه هو التعجيل ~~بدلالة هذا الأمر وأجاب أيضا بأن المراد بذلك هوالقرآن لأنه هو الذي يطلق ~~عليه الوصف بأنه منزل من الله تعالى - صلى الله عليه وسلم - باب في تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لا يجوز تأخير بيان الخطاب عن الوقت الذي إن أخر البيان عنه لم ~~يتمكن المكلف من المعرفة بما تضمنه الخطاب ولا يتمكن من فعل ما تضمنه في ~~الوقت الذي كلف فعله فيه لأن في تأخير البيان عن هذا الوقت تكليف ما لا ~~يطاق إذ لا سبيل له والحال هذه إلى فعل ما كلف في الحال التي كلف أن يفعل ~~فيها - صلى الله عليه وسلم - باب في تأخير البيان عن وقت الخطاب - صلى الله ~~عليه وسلم - # ذهب بعض الحنفية وبعض الشافعية إلى جواز تأخير بيان المجمل والعموم عن ~~وقت الخطاب ومن الفقهاء من اختار بيان المجمل دون بيان العموم وإليه ذهب ~~الشيخ أبو الحسن رحمه الله ومنهم من اختار تأخير بيان الأمر دون الخبر ومنع ~~شيخانا أبو علي وأبو هاشم وقاضي القضاة من تأخير بيان المجمل والعموم عن ~~وقت الخطاب أمرا كان أو خبرا وأجازوا تأخير بيان النسخ # PageV01P315 # واعلم أن تأخير البيان ينقسم أقساما تختلف الأدلة عليها والشبه الواردة ~~فيها بحسب اختلاف أقسامه فوجب أن نقسم ونتكلم على كل قسم على انفراده فنقول ~~إن الخطاب الذي يحتاج إلى بيان ضربان أحدهما أنه ظاهر قد استعمل في خلافه ~~والثاني لا ظاهر له كالأسماء المشتركة والأول ينقسم أقساما منها تأخير بيان ~~التخصيص ومنها تأخير بيان النسخ ومنها تأخير بيان الأسماء المنقولة إلى ~~الشرع ومنها اسم النكرة إذا أريد به شيء معين وكل هذه الأقسام لا يجوز ~~تأخير بيانها بل لا بد من أن يبين الخطاب الوارد فيها إما بيانا مفصلا أو ~~مجملا وأما ما لا ظاهر له فيجوز تأخير بيانه عن وقت الخطاب والكلام يقع في ~~ثلاثة مواضع أحدها تأخير بيان ما له ظاهر وقد ms301 استعمل في خلافه والآخر في ~~جواز كون بيان ذلك مجملا والآخر في جواز تأخير بيان ما لا ظاهر له # والدلالة على المنع من تأخير بيان ما له ظاهر إذا استعمل في غيره أن ~~العموم خطاب لنا في الحال بالإجماع ولا يخلو المخاطب به إما أن يقصد إفهاما ~~في الحال أو لا يقصد ذلك به فان لم يقصد إفهامنا انتقض كونه مخاطبا لنا لأن ~~المعقول من قولنا أنه مخاطب لنا أنه قد وجه الخطاب نحونا ولا معنى لذلك إلا ~~أنه قصد إفهامنا ولأنه لو لم يقصد إفهامنا في الحال مع أن ظاهره يقتضي كونه ~~خطابا لنا في الحال لكان قد أغرانا بأن نعتقد أنه قد قصد إفهامنا في الحال ~~فيكون قد قصد أن نجهل لأن من خاطب قوما بلغتهم فقد أغراهم بأن يعتقدوا فيه ~~أنه قد عنى به ما عنوه به ولأنه لو لم يقصد إفهامنا لكان عبثا لأن الفائدة ~~في الخطاب إفهام المخاطب ولأنه لو جاز أن لا يقصد إفهامنا بالخطاب جاز ~~مخاطبة العرب بالزنجية وهو لا يحسنها إذ كان غير واجب إفهام المخاطب بل ذلك ~~أولى بالجواز لأن الزنجية ليس لها عند العربي ظاهر يدعوه إلى اعتقاد معناه ~~ولو جازت مخاطبة العربي بالزنجية ويبين له بعد مدة جازت مخاطبة النائم ~~ويبين له بعد مدة وأن يقصد الإنسان بالتصويت والتصفيق شيئا يبينه بعد مدة ~~فان قيل خطاب الزنج لا يفهم منه العربي شيئا # PageV01P316 # فلم يجز أن يخاطبوا به وليس كذلك خطاب العرب بالمجمل لأن العربي يفهم به ~~شيئا ما لأن قول الله سبحانه {أقيموا الصلاة} قد فهم به الأمر بشيء وإن لم ~~يعرف ما هو قيل إن جاز أن يكون اسم الصلاة واقعا على الدعاء ويريد الله ~~سبحانه غيره ولا يبين لنا جاز أن يكون ظاهره قوله {أقيموا} لأمر ولا ~~يستعمله في الأمر ولا يبين لنا ذلك وفي ذلك مساو إياه لخطاب الزنج لأنا لا ~~نفهم به شيئا أصلا وإن كان قد أراد إفهامنا في الحال فلا يخلو إما أن ms302 يريد ~~أن نفهم أن مراده ظاهره أو غير ظاهره فإن أراد الأول فقد أراد منا الجهل ~~وإن أراد الثاني فقد أراد ما لا سبيل لنا إليه وهذه الدلالة تتناول العام ~~المستعمل في الخصوص والمطلق المفيد للتكرار المنسوخ والأسماء المنقولة إلى ~~الشريعة والنكرة إذا أريد بها شيء معين لأن ذلك مستعمل في خلاف ظاهره ولا ~~يلزمنا إذا أشعرهم بالنسخ أو بالتخصيص أو بتعيين النكرة لأن الخطاب مع هذا ~~الإشعار يصير مفيدا للشيء على طريق الجملة فلا يعزى ذلك بفعل الجهل ولا ~~يكون تكليفا لما لا سبيل إليه بل إنما يفيد أنه قصد المتكلم إفهامه للجملة ~~إن قيل أليس مع أن العموم خطاب لنا في الحال لا يجوز الإقدام على اعتقاد ~~استغراقه عند سماعه بل لا بد من أن نقيس الأدلة السمعية والعقلية فننظر هل ~~فيها ما يخصه أم لا فان لم يوجد فلم نجده قضينا باستغراق العموم وليس فقد ~~الدليل هو لفظ فيقال لنا جوزوا أن يكون المراد غير ظاهره وإن وجدنا دليلا ~~على التخصيص وكان عقليا فهذا يمتنع فيه ايضا وإن كان سمعيا فاما أن لا نجد ~~في الأصول ما يعدل بنا عن ظاهره أو ننتهي إلى دليل سمعي لا يكون في الأصول ~~ما يعدل بنا عن ظاهره فلم يلزمنا ما ألزمناهم من التوقف وقتا بعد وقت إلى ~~غير غاية فهذا هو القول في المسألة الأولى # فأما إذا أراد بالخطاب غير ظاهره وأشعر بذلك بأن يقول المتكلم بالعموم ~~اعلموا أنه مخصوص ولا يبين ما الخارج منه أو يقول جوزوا # PageV01P317 # خصوصه حتى أبينه والدلالة على جواز ذلك أن العموم مع هذا الإشعار يصير ~~كلفظ موضوع للجملة والتردد بين الاستغراق وغيره واللفظ الموضوع للجملة يحسن ~~أن يورد ويقصد به الجملة فقط على ما سنبينه في الاسم المشترك ولا يلزمنا ~~على ذلك أن نتوقف في العبادة في وقت الفعل فيجوز أن يكون المراد بها غير ~~ظاهرها نحو أن يقول صلوا غدا فيريد به بعد غد ويتأخر بيانه مفصلا لأنا إنما ~~نجيز تأخير بيان ms303 العموم مع الأشعار ونظير ذلك أن يتأخر بيان الوقت مع ~~الإشعار وكذلك نقول وما لا إشعار معه نقطع على ظاهره ويدل على ذلك أن الله ~~عز وجل لما قال {أقيموا الصلاة} لم يعلم الناس في ذلك الوقت من هو معني ~~بالخطاب لتجويز كل واحد من المكلفين أنه يموت قبل وقت الصلاة وعلمهم أن ~~الله لا يأمر بشرط فهذا خطاب يعم كل مكلف وليس علم المخاطبون أنه قد عنى به ~~جميعهم ولأنه لم يعن به جميعهم بل يجوزون كلا الأمرين هذه صورة مسألتنا فان ~~قالوا إنما لم يقطعوا على عمومه لما أودع الله سبحانه في عقولهم من قبح ~~تكليف ما لا يطاق وأن في علمهم بحياة كلهم إغراء بالمعاصي فلذلك توقفوا قيل ~~وكذلك إذا أشعروا في التخصيص فقد علموا أنه إن كان العموم مخصوصا فلا يجوز ~~أن يراد بالعموم من تناوله التخصيص ففي الموضعين يجوز للمكلف التخصيص ويجوز ~~خلافه وكما لم يبين لهم أنهم يحيون أو يحيى بعضهم دون بعض لما في ذلك من ~~الإغراء فكذلك يجوز أن يشعروا بالتخصيص ولا يبين لهم تفصيله لجواز أن تكون ~~مصلحتهم أن يتفقوا على الجملة فقط في تلك الحال وهكذا القول في الخطاب ~~المفيد للتكرار إذا أشعرنا بنسخة والخطاب المنقول إلى معنى شرعي إذا أشعرنا ~~بذلك من حاله إن قيل إن جاز ما ذكرتم فهلا جازت مخاطبة العربي بالزنجية ~~ويقال له اعلم أننا أردنا بهذا الكلام شيئا ما قيل إن الزنجي إذا كان حكيما ~~فمعلوم أنه قد أراد بخطابه شيئا ما فلا معنى # PageV01P318 # لقوله قد أردت بخطابي شيئا ما وإن لم يكن حكيما فان السامح يظن أنه قد ~~اراد بخطابه شيئا ما فان قالوا جوزوا أن يخاطبه بالزنجية ولا يقول إنه قد ~~أردت بخطابي شيئا قيل سنتكلم على ذلك فيما بعد وعلى أن كلا الإلزامين متوجه ~~إلى المخالف لأنه يقول إن خطاب الله العام لا يقطع على عمومه خبر يرد ولا ~~على خصوصه لتجويزنا موت من توجه إليه الخطاب فأما الخطاب المتكرر إذا عنى ms304 ~~به واحدا معينا وأشعرنا به فانه يجوز أن يقول لغيره اضرب رجلا ويقول أردت ~~رجلا بعينه وسأبينه لكم والدليل على جوازه أن كلا الكلامين يجريان مجرى ~~كلام مشترك بين ضرب زيد وعمرو وغيرهما في أنه يفيد الجملة دون التفصيل ~~وسنبين ذلك في الاسم المشترك إن قيل فإن كان غرضه أن يعرفنا أنه أراد ضرب ~~رجل بعينه فهلا قال ذلك ولم يقل قبله اضربوا رجلا قيل وإذا كان غرضه أن ~~يعرفنا في الحال أن الرجل الذي يريد ضربه هو زيد فهلا قال ذلك ولم يقدم ~~عليه قوله اضربوا رجلا فان قلتم لعل في ذلك مصلحة قلنا نحن مثله # فأما الخطاب الذي لا ظاهر له وهو الاسم المشترك كالقرء المشترك بين الطهر ~~وبين الحيض فان له ظاهرا من وجه دون وجه أما الوجه الذي يكون ظاهرا فيه فهو ~~أنه يفيد أن المتكلم به لم يرد شيئا غير الطهر وغير الحيض وأنه أراد إما ~~هذا وإما هذا فمن هذا الوجه لا يحتاج إلى بيان ومتى أراد المتكلم بالقرء ~~شيئا سوى الطهر وسوى الحيض فقد أراد به غير ظاهره فلا بد من بيان إما مجمل ~~وإما مفصل على ما تقدم وأما الوجه الذي يكون فيه غير ظاهر وهو أنه لا يفيد ~~أي الأمرين أراده المتكلم الطهر أم الحيض ولا يجب أن يقترن به بيان في ~~الحال والدليل على جواز ذلك أن اللفظ ما وضع لواحد منهما بعينه دون الآخر ~~وإنه وضع لكل واحد منهما بانفراده فهو يفيد الإجمال فلو لزم المتكلم أن ~~يبين التفصيل قبل وقت الفعل لكان إما أن يلزمه ذلك لأنه لا يجوز أن يبين ~~الحكيم مراده لغيره على جهة سبيل الإجمال أو يجوز ذلك من الحكيم إلا أن ~~الاسم المشترك لا يفيد الإجمال ولذلك وجب أن يبين # PageV01P319 # مراده وهذا الثاني باطل لأنا قد بينا أن الاسم المشترك يفيد الإجمال ~~والقسم الأول باطل أيضا لأن الحكيم قد يجوز أن يفيد غير مراده على الجملة ~~كما يجوز أن يفيده إياه على التفصيل ألا ms305 ترى أم زيدا قد يعلم أن في الدار ~~عمرو بعينه فيكون له غرض في أن يعلم خالد أن في الدار عمرو وقد يكون له غرض ~~في أن يعرفه أن في الدار رجل ولا يستقبح ذلك منه أحد ويحسن ذلك حسن أن يكون ~~في اللغة الأسماء المشتركة ليتوصل بها المتكلم إلى غرضه في إفادة الجملة ~~دون التفصيل كما يحسن أن يكون فيها أسماء غير مشتركة ليتوصل بها المتكلم ~~إلى غرضه في إفادة التفصيل إن قيل الغرض بالتعبد هو الفعل والعلم والاعتقاد ~~تابعان فيجب مراعاته دونهما وأنتم راعيتموها في هذا الموضع الجواب أن الغرض ~~قبل الوقت هو العلم ولهذا أوجبتم التمكن منه مفصلا وأوجبناه نحن إما مفصلا ~~وإما مجملا # واحتج من أبى تأخير بيان المجمل بأن الله تعالى لما قال {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} إما أن يكون أراد منها الاعتداد بالطهر إن شاءت ~~أو بالحيض إن شاءت أو أراد منها الاعتداد بواحد منهما بعينه وأي الأمرين ~~أراده فقد أراد منها ما لا سبيل للمجتهد إلى فهمه لأن اللفظ لا ينبيء عن ~~التخيير عندكم ولا ينبيء عن واحد منهما بعينه الجواب أنه أراد منها واحدة ~~بعينه ولم يرد من المجتهدين أن يفهموه في الحال لأنه لم يدلهم عليه في ~~الحال بلفظ يخصه فيريد منهم فهمه وإنما دلهم على الجملة فهو يريد منهم فيهم ~~الجملة كما لو قال اعتدي بواحدة من أحد شيئين بعينه إما الطهر وإما الحيض ~~وسأبينه لك وكما لو قال القائل لغيره اضرب رجلا واعلم أنه رجل معين وسأبينه ~~لك في أنه لم يرد منه أن يعرفه بعينه في الحال إما أراد أن يفهم وكما لو ~~علم أن زيدا في الدار وأراد إعلام عمرو أن في الدار رجل ولم يرد إعلامه أن ~~زيد فقال في الدار رجل فانه قد عنى به زيدا ولم يرد # PageV01P320 # أن يعرفه أنه زيد # شبهة # لو حسنت المخاطبة بالاسم المشترك من غير بيان في الحال لحسنت مخاطبة ~~العربي بالزنجية مع القدرة على مخاطبته بالعربية ولا يبين ms306 له في الحال ~~والعلة الجامعة بينهما أن السماع لا يعرف مراد المتكلم بهما على حقيقة فان ~~قلتم إنه لم يحسن مخاطبته بالزنجية لأن العرب لا تعرف بكلام الزنج شيئا ~~وتعرف بالكلام المجمل شيئا ما وهو أن المتكلم أراد أحد معنيي الاسم المشترك ~~قيل لكم ليس يخلوا إما أن تعتبروا في حسن الخطاب المعرفة بكمال المراد أو ~~تعتبروا المعرفة ببعض المراد فان اعتبرتم الأول لزمكم أن لا يجوز تأخير ~~بيان المجمل لأنه لا يمكن مع فقده معرفة كمال المراد وإن اعتبرتم الثاني ~~لزمكم حسن مخاطبة العربي بالزنجية لأن العربي إذا عرف حكمه الزنجي المخاطب ~~له علم أنه قد اراد بخطابه شيئا ما إما الأمر وإما النهي وإما غيرهما ~~والجواب أن المعتبر في حسن الخطاب أن يتمكن السامع من أن يعرف به ما أفاده ~~الخطاب وهو يتمكن من معرفة ما وضع له الاسم المشترك لأنه إنما وضع لكل واحد ~~من معنييه على انفراده فالسامع له قد علم أن مراد المتكلم به إما هذا وإما ~~هذا وهذا هو التردد الذي تقتضيه اللفظة كما لو قال القائل للمرأة أريد منك ~~أن تعتدي بشيء معين من شيئين إما الطهر وإما الحيض أنها قد فهمت ما يفيد ~~هذا الخطاب من التردد بين الطهر والحيض ولو قال الرجل لغيره في الدار رجل ~~فهم منه السامع ما يقتضيه الخطاب من أن شخصا فيه معنى الرجولية في الدار ~~وإن علم أنه شخص معين وأما العربي فانه لا يتمكن من أن يعرف ما وضع له خطاب ~~الزنج فلم يحسن أن يخاطب به منفردا عن بيان لأن ذلك الخطاب إما أن يكون ~~أمرا أو نهيا أو خبرا أو استخبارا أو غير ذلك والسامع له من العرب لا يتمكن ~~من معرفة ذلك فان قيل فلو كان في كلام الزنج ما هو مشترك بين الأمر والنهي ~~وجميع أقسام # PageV01P321 # الكلام لكان يحسن من الزنجي أن يخاطب به العربي معتقد العربي أنه قد أراد ~~المتكلم واحدا من ذلك قيل لا يحسن ذلك لأنه كما يجوز ms307 أن يكون في كلام الزنج ~~ما هو مشترك من ذلك فانه يجوز خلافه فلا يكون معتقدا في ذلك الكلام ما ~~يفيده من التردد من هذه الأقسام فلو اعتقد ذلك لاعتقده بغير الكلام وإنما ~~اعتقده لاعتقاده حكمة المتكلم أو ظنه حكمته وإن الحكيم لا بد من أن يريد ~~بخطابه شيئا ما # واحتج من أجاز تأخير البيان من غير أن فصل التفصيل الذي ذكرناه بأشياء ~~عقلية واشياء سمعية والسمعية منها آيات تدل على جواز ذلك ومنها آيات وأخبار ~~تدل على أن البيان قد تأخر من الله سبحانه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~والصدر الأول # فأما الأشياء العقلية فأمور # منها أن البيان إنما يجب ليتمكن المكلف من أداء ما كلف والتمكين من ذلك ~~غير محتاج إليه عند الخطاب فانما يحتاج إليه قبل الفعل بلا فصل فلم يجب ~~تقديمه عند الخطاب كما لم يجب تقديم القدرة عند الخطاب الجواب أن مخالفهم ~~يقول يحتاج إلى البيان لما ذكروه وليخرج الخطاب من كونه عبثا أو معزيا ~~بالجهل وكان من حق المشتغل بذكر الدليل أن يذكر ذلك ويفسده يبين ذلك أنه لو ~~لم يفتقر إليه إلا للتمكن من الأداء لجاز أن يخاطبنا الله بما لا نفهم به ~~شيئا أصلا كخطاب الزنج والمستدل يأبى ذلك ويقول لا بد من أن يعرف السامع ~~بالخطاب شيئا ما فإن قالوا ليس في تأخير البيان إيجاب كون الخطاب عبثا لأنه ~~وإن لم يفهم جهة المراد في الخطاب فإنه يفيد وجوب العزم والاعتقاد قيل فيجب ~~أن يجوز خطاب العربي بالزنجية لأنه يفيد العزم والاعتقاد إذا كان المتكلم ~~سيدا لسامع أو علم السامع أو ظن حكمته وعلى أنه إنما يجب العزم والاعتقاد ~~لو علم أن ما خاطبه به أمر ومن يجيز تأخير بيان العموم وكل ما له ظاهر لا ~~يأمن أن تكون صيغة الآمر لم تستعمل في الأمر # PageV01P322 # وأنه يبين له ذلك فيما بعد # ومنها قولهم ليس في تأخير بيان المجمل إغراء بالجهل ففارق تأخير بيان ~~العموم ولمخالفهم أن يقول إنه وإن فارقه ms308 من هذه الجهة فإنه لا يمتنع أن ~~يختص بكونه عبثا إذا تأخر بيانه على حسب ما يذكرونه # ومنها قولهم لو قبح تأخير البيان لقبح تأخير الزمان القصير وإن عطف جملة ~~من الكلام على جملة أخرى ويبين الأولى عقيب الثانية ولقبح البيان بالكلام ~~الطويل ولمخالفهم أن يقول إنما يحسن تأخير مدة لا يخرج الكلام معها من أن ~~يكون مترقبا يرجو فيه السامع زيادة شرط وتقييد بصفة وهذا غير حاصل في ~~الزمان القصير ولهذا جاز أن يتكلم الإنسان بما لا يفهم ثم يبينه بعد زمان ~~قصير ولا يجوز قياسا على ذلك أن يبينه بعد زمان طويل والكلام وإذا عطف بعضه ~~على بعض جرى مجرى الجملة الواحدة فبيان الجملة الأولى عند آخر الكلام يجري ~~مجرى بيانها عقبيها وأما الفعل الطويل والكلام الطويل فانما يجوز وقوع ~~البيان بهما مع إمكان البيان بالكلام القصير إذا كان في ذلك زيادة مصلحة ~~ومعلوم أنه يحسن بيان ما لا يفهم به شيء أصلا بمثل ذلك ولا يجوز قياسا عليه ~~تأخير بيانه الزمان الطويل # ومنها قولهم لو قبح تأخير البيان لكان وجه قبحه فقد تبين المكلف وذلك ~~يقتضي قبح الخطاب إذا لم يتبينه المكلف وإن بين له وسواء أتى في ذلك من ~~قبيل نفسه أو من قبيل غيره ألا ترى أن الإنسان يسقط تكليفه إذا مات سواء ~~أماته الله أو قتل نفسه ولمخالفهم أن يقول إنما قبح تأخير البيان لأن فيه ~~فقد التمكين من التبين لا فقد التبين وهذا غير قائم إذا بين له فلم يتبين ~~لتقصير منه في النظر وأما الميت فإنما سقط عنه التكليف لفقد تمكنه من الفعل ~~سواء قتل نفسه أو أبطل الله سبحانه حياته وعلى أن ذلك منتقض بدنو حال الفعل ~~لأنه لا يجوز أن لا يبين له وإن كان لو بين له فلم يتبين لم يوجب ذلك قبح ~~التكليف ولا قبح البيان # ومنها قولهم لو قبح تأخير بيان المجمل لكان وجه قبحه أنه لا يمكن # PageV01P323 # السامع له أن يعرف به كمال المراد ولو قبح ms309 لذلك لقبح تأخير بيان النسخ ~~وبيان كون المكلف غير مراد بالخطاب إذا كان المعلوم أنه يعجز أو يموت وهذه ~~الدلالة صحيحة وقد أجاب قاضي القضاة عنها بأن تأخير النسخ وبيان كون المكلف ~~غير مراد بالخطاب لا يخل بالمعرفة بصفة ما كلفناه فلا يخل بالتمكن من الفعل ~~في وقته وليس كذلك تأخير بيان صفة العبادة لأن الجهل بصفتها لا يمكن معه ~~أداؤها في وقتها ولقائل أن يقول وكذلك تأخير بيان صفة العبادة عن وقت ~~الخطاب إلى وقت الحاجة لا يخل بأداء العبادة في وقتها # ومنها قولهم لو قبح تأخير بيان العموم لقبح تأخير بيان النسخ وتأخير بيان ~~المكلف للعبادة أو تأخير بيان التخصيص يخل العلم باستغراق العموم الأشخاص ~~كما أن تأخير بيان النسخ يخل بالعلم باستغراق الخطاب والأوقات والجواب أنه ~~لا يجوز بيان ذلك كله إلا مع الإشعار بالنسخ وتجويز كون المكلف ممن يموت ~~والإشعار بالتخصيص وقد تقدم بيان ذلك وقد فصل قاضي القضاة بين تأخير بيان ~~النسخ وبين بيان التخصيص بأن الخطاب المطلق معلوم أن حكمه مرتفع لعلمنا ~~بانقطاع التكليف وليس كذلك التخصيص ولقائل أن يقول إن الله عز وجل لو قال ~~صلوا كل يوم جمعة لكن ظاهره يقتضي الدوام ولوجب أن يخرج منه ما بعد الموت ~~لدلالة ويبقى الباقي على ظاهره فان جاز أن يكون حكم الخطاب مرتفعا مع ~~الحياة والتمكن ولا يدل الله سبحانه على ذلك وإن كان ظاهر الخطاب يتناوله ~~جاز مثله في العموم إن قيل إنما جاز تأخير بيان النسخ لأنه بيان ما لم يرد ~~بالخطاب قيل ولم إذا كان كذلك جاز تأخيره وعلى أن تأخير التخصيص هو تأخير ~~بيان ما لم يرف بالعموم فلا فرق بينهما فإن قيل إن التخصيص وإن كان بيان ما ~~لم يرده المتكلم بالعبادة فان تأخيره يقدح في العلم بمن أراده المتكلم ~~بالخطاب لأنا إذا جوزنا أن يكون قد أريد بالعموم بعض لم يبين لنا لم نأمن ~~في كل شخص أن يكون ما أريد بالخطاب وفي ذلك شكنا في الأشخاص الذين ms310 أرادهم ~~المتكلم قيل هذا قائم في النسخ لأن الخطاب إذا أفاد ظاهره إيجاب الصلاة في ~~كل يوم جمعة وجوز تأخير بيان النسخ قطعا على أن الصلاة في الجمعة الأولى ~~مراده # PageV01P324 # لأن النسخ لا يجوز أن يتناولها ويجوز فيما بعدها أن يكون غير مراده في ~~ذلك شكنا فيما أريد منا من الصلاة في الجمع المستانفة وعلى أنا نجوز أن ~~يأمر الله سبحانه المكلفين بالأفعال مع أن كل واحد منهم يجوز أن يموت قبل ~~وقت الفعل فلا يكون مراده بالخطاب وفي ذلك شكنا فيمن أريد بالخطاب وهذا هو ~~تخصيص لم يتقدمه بيان # وأما ما استدلوا به من جهة الكتاب جواز تأخير البيان فأشياء # منها قوله عز وجل {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن ~~علينا بيانه} ومعنى قرأناه أنزلناه عليك لأنه قال فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ~~ولا يمكن أن يعقب الإتباع إلا لإنزال القرآن وقال بعد ذلك {ثم إن علينا ~~بيانه} وثم للتراخي دل على أن البيان إنما يجب متراخيا عن الإنزال والجواب ~~أن قوله سبحانه ثم إن علينا بيانه يرجع إلى جميع المذكور وهو القرآن وجميعه ~~لا يحتاج إلى بيان ويجب صرف البيان ها هنا إلى غير ما اختلفنا فيه فليس هم ~~بأن يحملوا البيان ها هنا على بيان المجمل والعموم لأن الظاهر من إطلاق اسم ~~البيان بأولى من أن نتمسك بالظاهر من رجوع الكناية إلى جميع القرآن ويكون ~~البيان ها هنا إظهاره بالتنزيل أو نحمله على البيان المفصل لأنا نجيز ~~تأخيره على ما بيناه ويجوز أن يكون قوله ثم أن علينا بيانه يتراخى عن فائدة ~~قوله إن علينا جمعه وقرآنه فكأنه يجمعه في اللوح المحفوظ ثم ينزله ويبينه ~~وذلك متراخ عن الجميع # ومنها قوله عز وجل {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} والجواب ~~أن ظاهر ذلك يمنع من تعجيل نفس القرآن لا بيانه ومعنى ذلك لا تعجل بأداء ~~القرآن عقيب سماعه حتى لا يختلط عليه سماعه بأدائه # فأما ما استدلوا به على أن البيان ms311 قد تأخر لأشياء # PageV01P325 # منها أن الله سبحانه لما أنزل قوله {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون} قال ابن الزبعري فقد عبدت الملائكة وعبد المسيح ~~أفهؤلاء حصب جهنم فتأخر بيان ذلك حتى أنزل قوله {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى} الآية الجواب أن البيان قد كان حاضرا ولكن القوم لم يتبينوا ~~لعنادهم لأن الله سبحانه قال {إنكم وما تعبدون} وما لما لا يعقل فلم يدخل ~~فيه المسيح والملائكة # ومنها أن الله سبحانه لما أمر بني إسرائيل بذبح بقرة أراد بقرة موصوفة ~~غير منكورة ولم يبينها لهم حتى سألوا سؤالا بعد سؤال والدلالة على أنه لم ~~يرد بقرة مذكورة أن قولهم {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} و {ما لونها} وقول ~~الله تعالى {إنه يقول إنها بقرة لا فارض} و {إنها بقرة صفراء} و {إنها بقرة ~~لا ذلول} ينصرف إلى ما أمروا من قبل وهذا يمنع من كون هذه الأقاويل تكاليف ~~ممدودة قالوا وليس لكم أن تقولوا إن قوله {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ~~يفيد سقوط الفرض بذبح أي بقرة شاؤوا وذلك يقتضي أن يكون إيجاب كونها صفراء ~~إيجابا مجردا وكان ذلك مصلحة بشرط تقدم الأمر بالمذكور وعصيانهم فيها لأن ~~الظاهر وإن كان ما ذكرتم فالظاهر من هذه الكنايات رجوعها إلى ما أمروا من ~~قبل بذبحه والتمسك بظواهر هذه الكنايات مع كثرتها وترك ظاهر واحد وتأويله ~~أولى من التمسك بظاهر واحد وترك عدة ظواهر والجواب أن سؤالهم عنها يدل على ~~أن موسى كان قد أشعرهم بأن البقرة غير منكورة ولولا ذلك ما خفى عليهم أنها ~~مطلقة ولمخالفهم أيضا أن يقول لا يمتنع أن يكون البيان قد كان تقدم فلم ~~يتبينوا وأيضا فيمكن أن يقال إن خروج هذا الكلام مخرج الذم # PageV01P326 # لهم وقول ابن عباس رضي الله عنه بنو إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم يدل ~~على أن البقرة التي أمروا ابتداء بذبحها كانت مذكورة وأنهم كلفوا بعد ذلك ~~تكليفا مجردا ذبح بقرة صفراء # ومنها أن الله ms312 سبحانه قال {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى} وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن السلب للقاتل وأن ~~بني أمية لم يدخلوا في ذوي القربى فالجواب أنه لا يمتنع أن يكون البيان ~~المجمل أو المفصل قد كان تقدم # ومنها أن الملائكة قالت لإبراهيم عليه السلام {إنا مهلكو أهل هذه القرية ~~إن أهلها كانوا ظالمين} ولم يبينوا أنهم لم يريدوا لوطا والمؤمنين حتى ~~سألهم فقالوا {نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله} والجواب أنهم قد بينوا ذلك ~~بقولهم {إن أهلها كانوا ظالمين} لأن ذلك لا يدخل فيه من لم يظلم ولو لم يكن ~~ذلك بيانا لم يمنع أن يكونوا أرادوا في الحال بيان ذلك فبادرهم بالسؤال # ومنها ما روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم اقرأ ~~قال وما أقرأ يقولها ثلاث مرات ثم قال {اقرأ باسم ربك الذي خلق} قالوا فأخر ~~بيان ما أمره به والجواب أن هذه الرواية من أخبار الآحاد فلم يصح التعلق ~~بها ها هنا وأيضا فإن الأمر إن كان على الفور فقد اقتضى الفعل في الثاني ~~وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الفعل وإن لم يكن الأمر على الفور فإنه يفيد ~~جواز الفعل في الثاني وتأخير البيان عنه تأخير له عن وقت الحاجة فلا بد لنا ~~ولهم من ترك الظاهر # PageV01P327 # ومنها قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الصلاة لم يبينها في ~~الحال وانتظر مجيء الوقت حتى يبينها بالفعل ولم يبين آية الحج إلا حين حج ~~وقال خذوا عني مناسككم والجواب أنه لا يمتنع أن يكون قد أشعر بأن المراد ~~بالصلاة ليس هو الدعاء بل هو شيء آخر قد انتقل اسم الصلاة إليه ولولا هذا ~~الإشعار لما سأل السائل عن الصلاة بل كان يحمل الصلاة على الدعاء ولا يمتنع ~~أن يكون قد بينها من قبل بالقول وأخر بيانها بالفعل إلى وقتها ليتأكد ~~البيان وأما الحج فقد بينه قولا قبل أن يحج ولهذا حج أبو بكر رضي ms313 الله عنه ~~بالناس # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة فلما شكت الأنصار ~~إليه أرخص لهم في العرايا ضرب من المزاينة وهذا تأخير بيان والجواب أنه ~~يجوز أن يكون بين لهم ذلك بيانا مجملا أو مفصلا فلم يتبينوه على أن قوله ~~أرخص لهم في العرايا استثناء وشرع في إباحة العرايا وفي ذلك كون هذه ~~الإباحة نسخا متقدما فمنى أجاز تأخير بيان النسخ لم يلزمه هذا الكلام ومن ~~لم يجز ذلك إلا بالإشعار يقول قد كان أشعرهم بأنه سيعرض للحظر نسخ # ومنها أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال ~~يكفيك آية الصيف فكان عمر يقول اللهم مهما شئت فان عمر لم يتبين والجواب ~~أنه لا يمتنع أن يكون البيان لم يتأخر ولكنه لم يتبين ولا بد للمستدل من أن ~~يقول ذلك لأن الحاجة قد كانت حضرت # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ معاذا إلى اليمن ليعلمهم الزكاة ~~وغيرها فسألوه عن الوقص فقال ما سمعت فيه شيئا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أرجع إليه فأسأله فعلم أن بيان ذلك لم يكن تقدم والجواب أنه يجوز ~~أن يكون البيان قد كان تقدم ولم يتبينه معاذ على أن بيان ذلك هو بالبقاء ~~على حكم # PageV01P328 # العقل في أن لا زكاة في الوقص ولا في غيره إلا ما استثناه الشرع وقول ~~معاذ حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على سبيل الإظهار لأن ~~الإنسان قد يستظهر في السؤال عما يعمله سيما وقد كان يجوز معاذ أن يكون قد ~~تجدد في ذلك شرع لم يعلمه على أنه لو لم يكن الجواب في ذلك ما ذكرناه لدل ~~على أن البيان قد تأخر عن وقت الحاجة لأن معاذا بعث إلى اليمن ليأخذ منهم ~~الزكاة وليعلمهم ما يجب عليهم وكان يجب عليهم أن يعلموا منه فالحاجة قد ~~كانت حضرت # ومنها قولهم قد وردت أخبار مستفيضة في بيان آيات من القرآن وإنما تستفيض ~~بعد ms314 مدة وفي ذلك تأخير بيانها عنا إلى أن يستفيض الخبر والجواب أن بيان ~~القرآن منه ما لا يجوز نقله إلا مستفيضا وهو ما تعبدنا فيه بالعلم دون الظن ~~وليس يمتنع أن يستفيض ذلك في حالة استفاضة نقل القرآن وإن كان نقل القرآن ~~امتد استفاضة ومنه ما يجوز نقل بيانه بالآحاد وهو ما للظن فيه مدخل وليس ~~يجب أن يستفيض ذلك فيقال إنما يستفيض في مدة فيتأخر فيها البيان # ومنها أن الصحابة رضوان الله عليهم نقلت أخبارا عند نزول الحاجة إليها ~~وهي مخصصة للعموم كالخبر في أخذ الجزية من المجوس وغير ذلك فلو لم يجز ~~تأخير البيان لما نقلت ذلك والجواب أن من منع من تأخيرالبيان من يجوز أن لا ~~يستمع المكلف بالخبر الخاص ويقول يلزمه البحث والطلب إذا حوفه الخاطر يجوز ~~أن يكون في الأدلة ما يخصص العموم فلا سؤال عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~باب فيمن يجب أن يبين له المراد بالخطاب وفيمن لا يجب أن يبين له - صلى ~~الله عليه وسلم - # أعلم أن ظاهر الأمر إذا تناول أفعالا من جماعة فإنه يجوز أن يريد المتكلم ~~جميعهم ويجوز أن يريد بعضهم ويجوز أن يريد جميع تلك الأفعال ويجوز أن يريد ~~بعضها دون بعض فاذا صدر من الله سبحانه ما ظاهره الأمر بأفعال ولم # PageV01P329 # يدل الأمر على مراده من تلك الأفعال كان ذلك صربان أحدهما أن يكون الاسم ~~المتناول الأفعال مجملا كقوله تعالى {أقيموا الصلاة} والآخر يكون الاسم ~~ينبىء عن صفتها لكنه عام أريد بعضه كقوله تعالى {فاقتلوا المشركين} وهو لا ~~يريد بعضهم ويجب في كلا الضربين أن يبين الله تعالى مراده لمن أراد أن يفهم ~~الخطاب دون من لم يرد أن يفهمه أما من أراد أن يفهمه فانه لو لم يبين له ~~المراد مع أنه لا سبيل له إلى ما كلف من الفهم إلا بالبيان كان قد كلف ما ~~لا سبيل له إليه وأما من لم يرد أن يفهم الخطاب فانما لم يجب أن يبين له ~~المراد لأنه لا ms315 وجه لوجوب بيان المراد إلا كونه تمكينا مما أريد من فهم ~~المراد وهذا غير قائم لمن يرد الله سبحانه أن يفهم مراده بالخطاب وما ليس ~~له وجه وجوب فليس بواجب ولهذا لما لم يكن للأقدار وجه وجوب إلا كونه تمكينا ~~من الفعل لم يلزم أن يقدر الله سبحانه على الفعل من لم يكلفه فعله ولهذا لم ~~يجب في حكمة الله أن يبين لنا مراده بالكتب السالفة # فأذا ثبت ذلك فالذين أراد الله سبحانه منهم فهم خطابه ضربان أحدهما أراد ~~منهم فعل ما تضمنه الخطاب إن كان ما تضمنه الكتاب فعلا والآخر لم يرد منهم ~~فعل ما تضمنه والأولون هم العلماء وقد أراد الله سبحانه أن يفهموا مراده ~~بآية الصلاة وأن يفعلوها والآخرون هم العلماء في أحكام الحيض قد أريد منهم ~~الخطاب ولم يرد منهم فعل ما تضمنه الخطاب # والذين لم يرد الله سبحانه أن يفهموا مراده ولم يوجب ذلك عليهم ذلك ضربان ~~أحدهما لم يرد منهم أن يفعلوا ما تضمنه الخطاب والآخر أراد منهم الفعل ~~فالأولون هم أمتنا مع الكتب السالفة لأن الله سبحانه ما أراد أن يفهموا ~~مراده بها ولا أن يفعلوا مقتضاها والآخرون هم النساء في أحكام # PageV01P330 # الحيض لأن الله سبحانه أراد منهن التزام أحكام الحيض بشرط أن يفتيهن ~~المفتي وجعل لهن سبيلا إلى ذلك بما علمنه من دين النبي صلى الله عليه وسلم ~~من وجوب الرجوع إلى العلماء أو لم يرد منهن على سبيل الإيجاب فهم المراد ~~بالخطاب لأنه لم يوجب عليهن سماع أخبار الحيض فضلا عن الفحص عن بيان مجملها ~~وتخصيص عامها - صلى الله عليه وسلم - باب جواز إسماع المكلف العام دون ~~الخاص - صلى الله عليه وسلم - # منع أبو الهذيل وأبو علي رحمهما الله من ان يسمع الحكيم خطابه العام ~~المكلف من دون أن يسمعه ما يدل من جهة السمع على تخصيصه وما لا يشغله عن ~~سماع العام حتى يسمع الخاص معه وأجازا أن يسمعه العام المخصوص بأدلة العقل ~~وإن لم يعلم السامع أن في أداة ms316 العقل ما يدل على تخصيصه وأجاز أبو إسحق ~~النظام وأبو هاشم رحمهما الله أن يسمعه العام من دون أن يعرف الخاص سواء ~~كان ما يدل على تخصيصه دليلا عقليا أو سمعيا وهو ظاهر مذهب الفقهاء والدليل ~~على ذلك أن العموم المخصوص يمكن المكلف اعتقاد تخصيصه إذا سمع بالدليل ~~المخصص كما يمكنه ذلك إذا لم يسمع به فجاز غسماعه العام وإن تكلف اعتقاد ~~تخصيصه في الحالين لأنه فيهما متمكن مما كلف إن قبل ولم زعمتم أنه يمكنه ~~اعتقاد التخصيص إذا لم يسمع المخصص قيل لأن الله سبحانه يخطر بباله جواز ~~كون المخصص في الشرع فيشعره بذلك فيجوزه فاذا جوزه وجب عليه طلبه كما يلزمه ~~المعرفة عندما يخاف بالخاطر وإذا قلب المخصص ظفر به فاذا نظر فيه اعتقد ~~التخصيص وبمثل هذه الطريقة يعلم التخصيص إذا كان المخصص دليلا عقليا إن قيل ~~دلالة العقل حاضرة عند السامع للعموم فأمكنه العلم بالتخصيص وليس كذلك ~~المخصص السمعي إذا لم يسمعه قيل لا فرق بينهما لأن كثيرا من المذاهب لا ~~يشعر الإنسان بأن عليها دليلا عقليا بل ربما استبعد أن يكون عليها دليلا ~~عقليا كما لا يعلم أن # PageV01P331 # على كثير من المذاهب دلالة شرعية فكما جاز أن يكلف طلب أحدهما بالخاطر ~~جاز مثه في الآخر # واحتج الأولون بأشياء # منها أنه لو أسمع الحكيم غيره العام دون الخاص لكان قد أغراه بالجهل وهو ~~اعتقاد استغراقه وإباحة ذلك وهذا قبيح والجواب أنه يلزم عليه أن يكون قد ~~أغراه بالجهل إذا كان المخصص عقليا وعلى أن لا يكون مغريا له بالجهل إذا ~~أشعره بالمخصص وأخطر ذلك بباله وخوفه من ترك طلبه # ومنها أنه لو اسمعه من دون الخاص لجرى مجرى خطاب العربي بالزنجية والجواب ~~أن ذلك دعوى والفرق بينهما أن العربي لا يفهم الزنجية ولا يتمكن من فهمها ~~إذا لم يكن من يفسرها له وليس كذلك من خوطب بالعام ويجوز كون المخصص في ~~الشرع وما قالوه يلزمهم مثله إذا كان المخصص عقليا # ومنها أنه لو جاز أن يسمعه العام ms317 دون الخاص لجاز أن يسمعه المنسوخ دون ~~الناسخ والمجمل دون البيان والجواب أنه يجوز ذلك إذا أشعره بالناسخ والبيان ~~وكان أبو على ربما سوى بين إسماع العموم من دون المخصص وبين إسماع المنسوخ ~~من دون الناسخ وربما لم يجز ذلك في العموم وأجازه في الناسخ والأولى ~~التسوية بينهما في المنع والجواز # ومنها انه لو اسمعه العام دون الخاص للزم المكلف الوقف حتى يفحص عن ~~المخصص وفي ذلك دخول في قول أصحاب الوقف والجواب أنه يلزم مثله في المخصص ~~العقلي وأيضا فليس في ذلك دخول في قول أصحاب الوقف لأن أصحاب الوقف يقفون ~~في العموم مع علمهم بتجرده عن القرائن ونحن لا نقف فيه والحال هذه # ومنها قولهم إن الإنسان يلزمه العمل بما يعلمه من الأدلة الشرعية ولا ~~يلزمه طلبها ألا ترى أنه يلزمه أن يعمل على ما في عقله ولا يلزمه أن يتوقف # PageV01P332 # ويجوب البلاد ليعلم هل بعث نبي ينقله عما في عقله أم لا فكذلك ينبغي إذا ~~سمع أن يعتقد استغراقه ولا يلزمه طلب ما يخصصه صيغة العموم فلو جاز أن يسمع ~~العام دون الخاص لكان مباحا له أن يعتقد استغراقه وفي ذلك إباحة الجهل ~~والجواب أنه يلزمهم مثله في العموم إذا كان المخصص عقليا وأيضا فان هذا يدل ~~على جواز أن يسمع الله تعالى المكلف العام ولا يسمعه الخاص ويجوز له أن ~~يعمل على ذلك من غير أن طلب الخاص كما يجوز أن لا يعرفه الله سبحانه أنه قد ~~بعث نبيا فلا يلزمه طلبه بل يعمل على ما في عقله فشبهتهم قد دلت على ما ~~نتفق نحن وهم على فساده وهو جواز ألا يسمع الخاص ولا يلزمه الطلب له وأيضا ~~فان الذي ذكروه هو أنه لا يجب على الإنسان أن يطوف البلاد ويسأل هل بعث نبي ~~أم لا بل يفعل بحسب ما في عقله ونظير هذا إذا سمع المكلف العام أن لا يلزمه ~~أن يطوف البلاد بطلب المخصص وكذلك نقول فإنا نوجب عليه العمل على العام فإن ~~كان ms318 مخصوصا فإنما يلزمه تخصيصه بشرط أن يبلغه المخصص فأما إذا سمع بنبي في ~~بلد فإنه يلزمه أن يسأل عنه كما يلزمه أن يسأل عما يخصص العموم في بلده فإن ~~قيل فإن كان العموم ناقلا عما في العقل وكان العمل به قد حضر وضاق الوقت عن ~~طلب المخصص ما الذي يلزمه قيل الأشبه أن يلزمه العمل على العموم لأنه لو لم ~~يجز ذلك لم يسمعه الله سبحانه قبل تمكينه من المعرفة بالمخصص فيجب عليه ~~العمل على العموم ثم يطلب المخصص فيما بعد ويحتمل أن يقال يعمل على ما في ~~عقله لأن من شرط العمل على العموم أن يعلم فقد المخصص وهذا غير حاصل ويجوز ~~أن يكون له مصلحة في سماع العموم في ذلك الوقت # PageV01P333 ### | الكلام في الأفعال # - صلى الله عليه وسلم - باب في ذكر فصول الأفعال - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الغرض بالكلام في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أن ننظر هل تدل ~~على حكم من الأحكام وإن دلت فعلى أي حكم تدل وذلك يقتضي أن نقسم الأفعال في ~~الجملة بحسب أحكامها من الحسن والقبح وما يتفرع عليها ثم ننظر هل يشترك ~~القادرون في إيقاع تلك الأقسام أم لا ثم ننظر هل يدل الفعل أو السمع على ~~وجوب أفال مثل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم علينا وهل إن دل السمع على ~~ذلك فعلى أي وجه يدل ولما افتقرنا في ذلك إلى معرفة الناس والاتباع وغير ~~ذلك وجب ذكر ذلك قبل النظر في الطريق إلى أن أفعال النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الوجوب وبعد ذلك كله نقسم الوجوه التي تقع عليها أفعاله صلى الله ~~عليه وسلم ونذكر الطريق إليها ثم نذكر ما يدل عليه افعاله صلى الله عليه ~~وسلم المتعلقة بغيره ثم نتكلم في أفعاله صلى الله عليه وسلم إذا تعارضت أو ~~عارضت خطاب الله سبحانه أو خطابه ما حكمهما وهل يقع بينهما تخصيص ونسخ أم ~~لا وعند ذلك يأتي على غرضنا في دلالة أفعاله صلى الله عليه ms319 وسلم على ما يدل ~~عليه وعلى توابع هذا الغرض - صلى الله عليه وسلم - باب في قسمة افعال ~~المكلف إلى أحكامها - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنا نقسم الأفعال ها هنا ضروبا من القسمة أحدها تقسيمها بحسب # PageV01P334 # أحكامها في الحسن والقبح والآخر بحسب تعلق أحكامها على فاعليها وغير ~~فاعليها والآخر بحسب كونها شرعية وعقلية وكونها أسبابا في أحكام أفعال أخر # أما الأول فهو أن الإنسان إما أن يصدر عنه فعله وليس هو على حالة تكليف ~~وإما أن يكون على حالة تكليف فالأول نحو فعل الساهي والنائم والمجنون ~~والطفل وهذه الأفعال لا يتوجه نحو فاعليها ذم ولا مدح وإن كان قد تعلق بها ~~وجوب ضمان وأرش جنايه في مالهم ويجب إخراجه على وليهم والثاني ضربان أحدهما ~~أن يكون مما ليس للقادر عليه المتمكن من العلم به أن يفعله وإذا فعله كان ~~فعله له مؤثرا في استحقاق الذم فيكون قبيحا والضرب الآخر أن يكون لمن هذه ~~حاله فعله وإذا فعله لم يكن له تاثير في استحقاق الذم وهو الحسن والقبيح ~~ضربان أحدهما صغير والآخر كبير والصغير هو الذي لا يزيد عقابه وذمه على ~~ثواب فاعله ومدحه والكبير هو ما لا يكون لفاعله ثواب أكثر من عقابه ولا ~~مساو له والكبير ضربان أحدهما يستحق عليه عقاب عظيم وهو الكفر والآخر يستحق ~~عليه دون ذلك القدر من العقاب وهو الفسق وذكر الشيخ أبو عبد الله أن أهل ~~العراق يقسمون القبيح إلى المحرم والمكروه وإلى ما الأولى أن لا يفعل وإلى ~~ما لا بأس بفعله فالأول كأكل الميتة وشرب الدم وكل ما لم يكن طريق قبحه ~~مجتهدا فيه والمكروه نحو كثير من سؤر السباع وكل ما كان طريق قبحه مجتهدا ~~فيه وأما ما الأولى ألا يفعل فهو استعمال سؤر الهر عند أبي حنيفة وأما الذي ~~لا بأس به فهو ما فيه أدنى شبهة كاستعمال أسآر كثير مما يؤكل لحمه فأما ما ~~لا شبهة فيه كالماء فانه لا يقال لا بأس به وأما الشافعي فانه يصف الشيء ms320 ~~بأنه مكروه إذا كان طريق قبحه مقطوعا به وأما الحسن فضربان أحدهما إما أن ~~لا يكون له صفة زائدة على حسنه تؤثر في استحقاق المدح والثواب فيكون في ~~معنى المباح وإما أن يكون له صفة زائدة على حسنه لها مدخل في استحقاق المدح ~~وهذا القسم إما أن لا يكون للإخلال به مدخل في استحقاق الذم وإما # PageV01P335 # أن يكون له مدخل في استحقاق الذم والأول في معنى الندب الذي ليس بواجب ~~وهو ضربان أحدهما أن يكون نفعا موصلا إلى الغير على طريق الإحسان إليه ~~فيوصف بأنه فضل والآخر لا يكون نفعا موصلا إلى الغير على طريق الإحسان بل ~~يكون مقصورا على فاعله فيوصف بأنه مندوب إليه ومرغب فيه ولا يوصف بأنه ~~إحسان إلى الغير وأما الذي للإخلال به مدخل في استحقاق الذم فضربان أحدهما ~~الإخلال به بعينه مؤثر في استحقاق الذم وهو الواجب على التخيير كالكفارات ~~والقسم الأول ضربان أحدهما لا يراعى في استحقاق ذم المخل به ظنه لإخلال ~~الغير به والآخر يراعي ذلك فالأول هو الواجب على الأعيان والثاني الواجبات ~~على الكفاية كالجهاد وغيره ويقسم غير أصحابنا الواجب إلى الموسع والمضيق ~~فالموسع هو الواجب الجائز تأخيره عن الوقت إلى وقت كالصلاة في أول وقتها ~~والمضيق هو الذي لا يجوز تأخيره عن الوقت الذي هو مضيق فيه كالصلاة في آخر ~~وقتها # وكل قسم من هذه الأقسام يختص بحدود وأوصاف نحن نذكرها # أما القبيح فهو ما ليس للمتمكن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله ومعنى قولنا ~~ليس له أن يفعله معقول لا يحتاج إلى التفسير ويتبع ذلك أن يستحق الذم بفعله ~~ويحد أيضا بأنه الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذم وإنما لم نحد ~~القبيح بأنه الذي يستحق من فعله الذم لأن القبيح لو وقع ممن قد استحق فيما ~~تقدم من المدح أكثر مما يستحق على ذلك القبيح من الذم لكان ما يستحقه من ~~المدح مانعا من استحقاق الذم على ذلك القبيح والبهيمة أيضا قد يفعل القبيح ~~عند أصحابنا ولا يستحق ms321 الذم والقبيح قد يوصف بأوصاف كثيرة # منها قولنا معصية وإطلاق ذلك في العرف يفيد أنه فعل يكرهه الله سبحانه ~~ويفيد في اصل اللغة فعل يكرهه كاره ومن أصحابنا من شرط فيه كون الكاره أعلى ~~رتبة من العاصي # PageV01P336 # ومنها وصفه بأنه محظور والحظر يفيد المنع ويفيد في العرف أن الله قد منع ~~منه بالنهي والوعيد والزجر # ومنها وصفه بأنه محرم وذلك يفيد في العرف قبحه وأن الله منع منه بالوعيد ~~والنهي # ومنها وصفه بأنه ذنب ومعناه أن قبيح يتوقع المؤاخذة عليه والعقوبة ولذلك ~~لا توصف أفعال البهيمة والطفل بذلك وربما وصف فعل المراهق بذلك لما لحقه ~~الأدب على فعله # ومنها وصفه بأنه مكروه ويفيد في العرف أن الله سبحانه هو الكاره له # ومنها وصفه بأنه مزجور عنه ومتوعد عليه ويفيد في العرف أن الله سبحانه هو ~~المتوعد عليه والزاجر عنه # وأما الحسن فهو ما للقادر عليه المتمكن من العلم بحاله أن يفعله وأيضا ما ~~لم يكن على صفة يؤثر في استحقاق فاعله الذم أو ما ليس له مدخل في استحقاق ~~فاعله الذم وإذا لم يكن للحسن صفة زائدة على حسنه وصف بأنه مباح ويفيد أن ~~مبيحا اباحه ومعنى الإباحة هو إزالة الحظر والمنع بالزجر والوعد وغيرهما ~~ممن يتوقع منه المنع وإطلاق قولنا مباح يفيد أن الله تعالى أباحه بأن ~~أعلمنا أو دلنا على حسنه ولم يمنع منه ويوصف بأنه حلال وطلق ويفيد ما يفيد ~~وصفنا بأنه مباح ولذلك لم يوصف أفعال الله الحسنة بأنها مباحة وإن كانت ~~حسنة نحو تعذيب من استحق العقاب ومن حق المباح أن لا يستحق على فعله ثواب ~~لأنه لو استحق عليه ثواب كان فعله أولى من تركه ولكان على صفة يترجح بها ~~فعله على تركه ولرغب الله تعالى في فعله وما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبرنا بالرجل يثاب على وطيء أهله أرأيت لو وضعته في حرام فانما يدل ~~على أنه استحق الثواب لعدوله # PageV01P337 # عن الحرام وقصره نفسه على الحلال وأما استحقاق الإنسان الثواب ms322 على إحسانه ~~إلى ولده فلأن ذلك قد يختص بضرب من الكلفة باخراج بعض ماله ولو أنه أحسن ~~إليه ليسر نفسه فقط لم يستحق الثواب إن قيل أليس قد نهى النبي عليه السلام ~~عن صوم الوصال وذلك يقتضي استحقاق الثواب على الأكل مع أنه مباح الجواب أن ~~الأكل والشرب في وقت الإفطار واجبان على من رغب نفسه في الوصال وشق عليه أن ~~لا يفعله فان قيل كيف يكون واجبا وهو يدفع بالأكل مضرة الجوع قيل لأن دفع ~~المضار إذا قابله صوارف دخل في التكليف والوجوب فأما النكاح فإنما صح أن ~~يدخل تحت التكليف مع أنه وصلة إلى الله سبحانه لأنه يختص بالانصراف عن ~~المحظور فكأن الإنسان ندب إلى التزويج ليكون هذا غرضه وليس هذا الغرض لذة ~~بل تقترن بذلك مضرة من حيث يصرف نفسه عن الاسترسال في الحرام والنكاح أيضا ~~وصلة إلى مضرة هي ثلم المال بالإنفاق والزيادة في الكد والانتقال عن خلو ~~القلب إلى شغل القلب وكل هذه مشاق فجاز دخولها تحت التعبد وأما إذا اختص ~~الحسن بصفة زائدة على حسنه استحق لمكانها المدح فلا يستحق بالإخلال به الذم ~~فإنه إذا فعله المكلف وصف بأنه مندوب إليه بمعنى أنه قد بعث عليه وهذا ~~المعنى حاصل في الواجب أيضا إلا أن قولنا مندوب إليه في العرف أنه قد بعث ~~عليه من غير إيجاب وقولنا مرغب فيه أنه قد بعث المكلف على فعله بالثواب ~~ويفيد في العرف ما هذه سبيله مما ليس بواجب ويوصف أنه مستحب ومعناه في ~~العرف أن الله سبحانه قد أحبه وليس بواجب وقولنا نفل يفيد أنه طاعة غير ~~واجبة وأن للإنسان فعله من غير لزوم وحتم وكذلك وصفنا له بأنه تطوع يفيد أن ~~المكلف انقاد إليه مع قربة من غير لزوم وحتم ويوصف بأنه سنة ويفيد في العرف ~~أنه طاعة غير واجبة ولذلك نجعل ذلك في مقابلة الواجب لو قال أهذا الفعل سنة ~~أو واجب وذكر قاضي القضاة أن قولنا سنة لا يختص بالمندوب إليه دون الواجب ~~وإنما ms323 يتناول كل ما علم وجوبه أو كونه ندبا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~= # PageV01P338 # وبإدامة فعله لأن السنة مأخوذة من الإدامة ولذلك يقال إن الختان من السنة ~~ولا يراد أنه غير واجب وحكي عن بعض الفقهاء أن قولنا سنة يختص بالنفل دون ~~الواجب وهذا أشبهه من جهة العرف ويوصف بأنه إحسان إذا كان نفعا موصلا إلى ~~الغير قصدا إلى نفعه ويوصف بأنه مأمور به لأن أمر الله تعالى قد تناوله ~~فهذه هي الأوصاف التي تختص الندب ومن حق الندب أن يستحق الثواب والمدح ~~بفعله ولا يستحق الذم بالإخلال به ولا العقاب لأنهما لو استحقا على الإخلال ~~بالمندوب إليه لكان واجبا وإنما ذم الفقهاء من عدل عن جميع النوافل ~~لاستدلالهم بذلك على استهانته بالخبر وزهده فيه والنفوس تستنقص من هذه ~~سبيله وأما الواجب فهو ما ليس لمن قيل له واجب عليه الإخلال به على كل حال ~~ودخل في ذلك الواجب المعين والمخير فيه لأنه ليس لنا الإخلال بالواجب حتى ~~نخل به وبجميع ما يقوم مقامه ويحد أيضا بأنه الذي للإخلال به مدخل في ~~استحقاق الذم أو أنه فعل على صفة تؤثر في استحقاق الذم على الإخلال به أو ~~أنه الذي يستحق الذم بالإخلال به ما لم يمنع من ذمه مانع وإنما لم نحده ~~بأنه الذي يستحق من لم يفعله الذم لأن الفعل قد يكون واجبا فيخل به الإنسان ~~فلا يستحق ذما إذا فعل بدله أو إذا كان مستحقا من المدح أكثر مما يستحق على ~~الإخلال بذلك الواجب من الذم أنه لما كان للإخلال بهذا الواجب مدخلا في ~~استحقاق الذم وكان مؤثرا في استحقاقه دخل في الحدود التي ذكرناها ألا ترى ~~أنه لو لم يكن للمخل بالواجب ثواب زائد أو أنه أخل به وبكل ما يقوم مقامه ~~استحق الذم إن قيل أليس لو كان عقاب الإخلال بالإطعام في كفارة اليمين أزيد ~~من عقاب العتق والكسوة لأنه أقل مشقة منهما لكان لا يستحق من أخل بجميعها ~~مع التمكن عقاب ترك الإطعام وإنما يستحق ms324 عقاب أقلها عقابا ولو فعل واحدا ~~منهما # PageV01P339 # لم يستحق عقابا أصلا فقد صار ذم ترك الإطعام لا يستحق أصلا مع أن الإطعام ~~واجب قيل له وإن لم يستحق الذم على الإخلال بالطهام فإن للإخلال به مدخل في ~~استحقاق الذم وهو على صفة مؤثرة فيه لأن هذا القول يقتضي أنه يجوز على بعض ~~الوجوه أن يؤثر الإخلال به في استحقاق الذم وهذه صفة ما ذكرت لأنه لو زاد ~~ذم الإخلال بالعتق أو بالكسوة على ذم الإخلال بالإطعام لا يستحق ذم الإخلال ~~بالإطعام وأيضا فقد بينا فيما تقدم أن ذم أقل الكفارات ذما إذا استحقه ~~المخل بجميعها فإنه يستحقه على إخلاله بجميعها لأنه مخل بجميعها وكلها ~~متساوية في الوجوب وليس يجوز أن يلام على إخلاله ببعضها مع أنه لو أخل به ~~وفعل غيره لم يستحق ذم # فأما الواجب المعين فهو الذي للإخلال به بعينه مدخل في استحقاق الذم كره ~~الوديعة وما أشبهها وأما الواجب المخير فيه فهو الذي للإخلال به وبما يقوم ~~مقامه مدخل في استحقاق الذم أو الذي ليس لمن قيل انه واجب عليه أن يخل به ~~وبما يقوم مقامه أو الذي الإخلال به وبما يقوم مقامه مؤثر في استحقاق الذم ~~كالكفارات الثلاث وأما الواجب على الأعيان فهو الذي لا يقف استحقاق الذم ~~على الإخلال به على ظن لإخلال الغير به وأما الواجب على الكفاية فهو ما وقف ~~استحقاق الذم على الإخلال به على ظن إخلال الغير به وذلك أن من يتمكن من ~~الجهاد إن أخل به وهو يظن أن غيره يقوم به لم يستحق الذم وإن ظن أن غيره لا ~~يقوم به استحق الذم فأما الواجب الموسع والمضيق فقد تقدم ذكرهما ويوصف ~~الواجب بأنه فرض ومعناه أنه قد فرض وجوبه وقدر بأن أعلم وجوبه أو دل عليه ~~ولذلك لا توصف الواجبات من أفعال الله تعالى بأنها فرض وحكى الشيخ أبو عبد ~~الله عن أهل العراق أن الفرض هو الواجب الذي طريق وجوبه مقطوع به وأن ~~الواجب الذي ليس بفرض هو ms325 ما كان طريق وجوبه يدخله الأمارات والظنون ولما ~~تقدم من معنى الواجب والنفل لم يجز أن يكون الشيء الواحد واجبا على زيد ~~نفلا منه لأنه يمتنع أن يستحق # PageV01P340 # الذم على الإخلال به ولا يستحق والوقت واحد وإنما وصف الفقهاء الحجة ~~بأنها نفل ويجب المضي فيها لأنهم عنوا أن ابتدائها نفل والمضي فيها واجب ~~وذلك غير ممتنع # وقد ينفي الفقهاء الوجوب عن بعض أفعال العباد ويعنون بذلك كونه شرطا في ~~العبادة ولذلك قال بعض أصحاب أبي حنيفة إن الطمأنينة في الرطوع والسجود غير ~~واجبة في الصلاة يعنون أنها غير شرط وإلا فهي واجبة عندهم ولذلك يذمون ~~تاركها وقالوا من ترك قراءة فاتحة الكتاب مسيء دون من ترك قراءة سورة غيرها ~~وقد يقول بعض الشافعية إن الحلق في الحج مباح ويعنون أنه ليس بشرط في ~~التحليل ولا يعنون أنه غير مندوب إليه # فأما القسمة الثانية فهي أن الأفعال منها ما لا حكم له كالمباحات ومنها ~~ما له حكم وهو ضربان أحدهما يتعلق ذلك الحكم على فاعله كجناية المكلف على ~~مال غيره والآخر يتعلق ذلك الحكم على غير فاعله وهو ضربان أحدهما يتعلق على ~~غير الفاعل في ماله نحو لزوم الدية على العاقلة والآخر يتعلق على غير ~~الفاعل في مال الفاعل نحو أن يلزم ولي اليتيم إخراج أرش جناية اليتيم من ~~مال اليتيم # وأما القسمة الثالثة فهي أن الأفعال ضربان عقلية وسمعية فالعقلية هي ~~المعروفة أحكامها بالعقل وأما الشرعية فهي التي للشرع فيها مدخل وهو ضربان ~~أحدهما يكون الشرع وحده قد أثبت صورة ذلك الفعل وأثبت التعبد به كالصلاة ~~والآخر أن يكون قد غير شرطا من شرائطه إما بزيادة أو نقصان كالبيع الذي هو ~~معلوم حكمه بالعقل غير أن الشرع لما أثبت فيه شروطا نسبت جمله إلى أنه عمل ~~شرعي والأسباب الشرعية ضربان أحدهما يكون ثبوته وكونه سببا بالشرع نحو فساد ~~الصلاة فانه ثبت بالشرع ويكون سببا في وجوب القضاء بالشرع والآخر يكون ~~ثبوته معلوما بالعقل وكونه سببا لذلك الحكم معلوم بالشرع نحو ms326 حؤول الحول # PageV01P341 # - صلى الله عليه وسلم - باب في ذكر القادرين الذين يجوز منهم الأفعال ~~الحسنة والقبيحة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن كل قادر بما يعلمه العاقل أنه قادر مميز فانه يقدر على إيجاد ~~الأفعال على كل وجه من قبح وحسن ووجوب وغير ذلك وكل قادر فإنا نجوز منه فعل ~~الحسن إلا من أخبر الله ورسوله بأنه لا يفعله فأما القبيح فان الله تعالى ~~لا يفعله لحكمته ولا تفعله ملائكته لأنها معصومة منه وقد أخبر الله تعالى ~~ذلك بقوله {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} وجماعة الأمة أيضا ~~لا يجوز عليها الخطأ وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فانه لا يجوز عليهم ما ~~يؤثر في الأداء ولا ما يؤثر في التعليم ولا في القبول وهو التنفير ويدخل في ~~الأول أن لا يجوز عليهم الكذب فيما يؤدونه ولا الكتمان ولا السهو في حال ~~الأداء لأن تلك الحال حال تلقى الفروض فوقوع السهو فيها يغري باعتقاد كون ~~العبادة على ما أوردها ويجوز أن يسهو فيما تقدم بيانه ولا بد من إزالة ذلك ~~السهو في الحال ولهذا لما سهى النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته لم يعتقد ~~أصحابه رضي الله عنهم أن الصلاة تغيرت بل شكوا في ذلك حتى سأله ذو اليدين ~~ويدخل في الثاني أن يعرف من أمر الدين ما إذا سئل عنه كان عنده جوابه ويجوز ~~أن لا يعرف ما غمض من الشبه ولكن يجب أن يكون ممن إذا سئل عن شبهة أمكنه ~~حلها ويدخل في الثالث أن لا يجوز عليه الكابئر ولا الصغائر المسخفة قبل ~~النبوة وبعدها والكذب في عير ما يؤديه فهو إما كبيرة وإما صغيرة وكلاهما ~~ينفران ويدخل في ذلك أن لا يجوز عليه الفظاظة والغلظة وكثير من المباحات ~~القادحة في التعظيم الصارفة عن القبول ويدخل فيه قول الشعر والكتابة إذ كان ~~معجزة الفصاحة والإخبار عن الغيوب # PageV01P342 # - صلى الله عليه وسلم - باب في معنى التأسي والاتباع والموافقة والمخالفة ~~- صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لما تعبد ms327 بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم وباتباعه وكانت ~~الموافقة والمخالفة تذكران في الاحتجاج في هذه المسائل التي نحن بسبيلها ~~وجب ذكر معاني هذه الألفاظ لنعقلها # أما التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد يكون في فعله وفي تركه أما ~~التأسي به في الفعل فهو أن نفعل صورة ما فعل على الوجه الذي فعل لأجل أنه ~~فعل والتأسي به في الترك وهو أن نترك مثل ما ترك على الوجه الذي ترك لأجل ~~أنه ترك وإنما شرطنا أن تكون صورة الفعل واحدة لأنه صلى الله عليه وسلم لو ~~صام وصلينا لم نكن متأسين به وأما الوجه الذي وقع عليه الفعل فهو الأغراض ~~والنيات فكل ما عرفناه أن غرض في الفعل اعتبرناه ويدخل في ذلك نية الوجوب ~~والنفل ألا ترى أنه لو صام واجبا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به وكذلك لو ~~تطوع بالصوم فافترضنا به وإذا لم يكن له في الفعل غرض مخصوص لم يجب اعتباره ~~لأنه لوأزال النجاسة لا لأجل الصلاة لم يجب إذا تأسينا بها في إزالتها أن ~~ننوي به ذلك وقد يدخل المكان في مثل الزمان في الأغراض وقد لا يدخلان فيه ~~فمتى علمنا كونهما غرضين اعتبرناهما وإلا لم نعتبر أمثال ذلك الوقوف بعرفة ~~وصوم شهر رمضان وصلاة الجمعة والزمان والمكان غرضان في هذا الأفعال ~~فاعتبرناهما في التأسي ومثال الثاني أن يتفق من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يتصدق بيمناه في زمان مخصوص ومكان مخصوص فإنا نكون متأسين به إذا تصدقنا ~~في غير ذلك المكان والزمان وباليد اليسرى وإنما شرطنا أن نفعل الفعل لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لو صلى فصلى مثل صلاته رجلان من أمته لأجل أنه صلى لوصف ~~كل واحد منهما بأنه متأس به صلى الله عليه وسلم ولا يوصف كل واحد منهما ~~بأنه متأس بالآخر وإنما قلنا إن التأسي يكون في الترك لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لو # PageV01P343 # ترك الصلاة عند طلوع الشمس فتركناها في هذا الوقت لأجل تركه كنا متأسين ~~به وليس من ms328 شرط التأسي أن يستفيد المتأسي صورة الفعل ووجهه ممن يتأسى به ~~لأنا موصوفون بأنا نتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصبر على الشدائد ~~والشكر على النعم إذا فعلنا ذلك لأجل فعله وإن لم نستفد صورة ذلك منه ولا ~~وجهه وليس يمتنع أن نفعل ذلك لأجل أنه صلى الله عليه وسلم فعله ولعلمنا ~~بوجوبه أو حسنه من جهة العقل وذكر أبو علي بن خلاد رحمه الله أن الفعل الذي ~~وقع التأسي فيه يجوز كونه حسنا من الثاني قبيحا من الأول لأن نصرانيا لو ~~مشى إلى البيعة ليفعل فيها ما يفعله النصراني فتبعه مسلم ليرد وديعة كانت ~~عنده في البيعة كان متأسيا به والمشي حسن من المسلم قبيح من النصراني وهذا ~~لا يصح لأنه لا يكون متأسيا به مع اختلاف الغرضين # وذكر الشيخ أبو عبد الله رحمه الله أنه ينبغي أن يعتبر المكان الذي وقع ~~الفعل فيه إلا أن يدل دلالة على أنه لا اعتبار به وذكر قاضي القضاة أن ~~اعتبار الزمان والمكان يمنع من التاسي لفوات الزمان ولأنه لا يمكن اجتماع ~~شخصين في مكان واحد في زمان واحد وهذا إنما يمنع من اعتبار زمان معين ولا ~~يمنع من اعتبار مثل الزمان كما ذكرناه في وقت صلاة الجمعة ولا يمنع من ~~اعتبار ذلك المكان في زمان آخر ولا يمنع من اعتباره إذا كان المكان متسعا ~~كعرفة والواجب اعتبار الزمان والمكان بحسب الإمكان إذا علم دخولهما في ~~الأغراض # وذكر قاضي القضاة أنه لا اعتبار بطول الفعل وقصره لأن ذلك لا يمكن ضبطه ~~ولقائل أن يقول يجب اعتبار ذلك بحسب الإمكان إذا علم دخول ذلك في الأغراض # فأما اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فقد يكون في القول وقد يكون في ~~الفعل وقد يكون في الترك فالاتباع في القول هو المصير إلى مقتضاه من وجوب ~~أو ندب أو حظر لأجله والاتباع في الفعل أو في الترك هو إيقاع مثله في صورته ~~على وجهه لأجل أنه أوقعه ويمكن أن يقال اتباع النبي صلى الله ms329 عليه وسلم هو ~~المصير إلى ما # PageV01P344 # تعبدنا به على الوجه الذي تعبدنا به لأنه تعبدنا به ويدخل في ذلك القول ~~والفعل والترك وإنما شرطنا في الاتباع ما شرطنا في التأسي لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لو صام فصلينا أو صام واجبا فتنفلنا بالصوم أو صمنا لا لأنه صام ~~لو نكن متبعين له في هذه الأحوال كلها # فأما الموافقة فقد تكون في المذهب وقد تكون في الفعل فالموافقة في المذهب ~~هي المشاركة فيما قيل إن الموافقة حصلت فيه فاذا قيل قد وافق فلان فلانا في ~~أن الله يرى جاز أن يكون أحدهما قائلا إن الله يرى بهذه الحاسة والآخر ~~قائلا إنه يرى بحاسة سادسة وإذا قيل وافقه في أن الله يرى بهذه الحاسة أفاد ~~اشتراكهما في القول بالرؤية على هذا الحد وليس من شرط الموافقة في المذهب ~~أن يعتقده أحدهما لاعتقاد الآخر له لأنه قد يقال وافق زيد عمرا في القول ~~بالعدل وإن كان إنما قال بذلك لأجل الدلالة فقط لا لأنه قال به عمرو فأما ~~الموافقة في الفعل فهي المشاركة في صورته ووجهه لأن من صلى لا يكون موافقا ~~لمن صام ومن تنفل بالصلاة لا يكون موافقا لمن افترض بها فأما إذا قيدت ~~الموافقة فقيل قد وافق زيد عمرا في صورة الفعل فانه لا يفيد إيقاعهما على ~~الوجه وليس من شرط الموافقة في الفعل أن يفعل الثاني لأن الأول فعله لأن ~~الموافقة هي المصادفة والمشاركة وقد يكون ذلك إذا فعل الفاعل الفعل لأن ~~الأول فعله وإذا لم يفعله لذلك فانه قد يقال وافقه في الفعل وإن كان إنما ~~فعله للدليل لا لأنه فعله # فأما المخالفة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل فالمخالفة في القول ~~هي العدول عما اقتضاه القوم من إقدام أو إحجام فأما مخالفة الفعل فهي ~~العدول عن امتثال مثله إذا وجب امتثال مثله وإذا لم يجب ذلك لا يقال لمن لم ~~يفعله مثله قد خالفه ولهذا لم يكن إخلال بالصلاة مخالفة إن قيل فيجب أن ~~يكون ms330 ترك ذلك الفعل مخالفة للدليل الدال على وجوب المشاركة له # PageV01P345 # في الفعل ولا يكون مخالفة في الفعل قيل لا يجب ذلك لأن الدليل إذا دل على ~~وجوب مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في فعله فأي فعل فعله كان دليلا على ~~وجوب مثله علينا فصح أن يوصف من لم يفعله بأنه مخالف له # فأما الائتمام فهو الاتباع فاذا أطلق فقيل قد ائتم فلان بفلان في الصلاة ~~أفاد اتباعه فيها على الوجه الذي أوقعها عليه من وجوب أو نفل أو غير ذلك ~~فان اختلف النيتان فنوى أحدهما النفل والآخر الفرض على قول من أجاز ذلك كان ~~الائتمام واقعا في صورة الصلاة لا في الوجوب - صلى الله عليه وسلم - باب في ~~أنه لا يعلم بالعقل وجوب مثل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم علينا - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أنه لو علم بالعقل ذلك لعلم بالعقل وجه وجوبه لأنه لا يجوز أن يجب ~~ما لا يختص بوجه وجوب ولا يجوز أن يعلم بالعقل وجوب شيء دون شيء إلا وقد ~~علم بالعقل افتراقهما فيما اقتضي وجوب أحدهما وليس يعقل وجه وجوب اتباعه في ~~أفعاله إلا أن يقال إن ما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم لا بد من كونه ~~واجبا علينا ويقال إذا لم يتبعه في أفعاله نفر ذلك عنه والأول باطل لأنه ~~إنما تعبد بالفعل لأنه مصلحة له ولسنا نعلم وجه كونه مصلحة فنعلم شياعه في ~~جميع الناس ويفارق ذلك اشتراك المكلفين في وجوب المعرفة بالله لأن وجه وجة ~~وبها يشترك فيه المكلفون لأن كل مكلف يكون مع المعرفة باستحقاق العقاب على ~~الفعل أبعد من مواقعته وأيضا فانه ليس يجب اشتراك المكلفين في المصالح كلها ~~ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أبيح له ما لم يبح لنا وأوجب عليه ~~ما لم يوجب علينا والقسم الثاني باطل لأنه إما أن يقال إن التنفير هو ~~مفارقتنا له عليه السلام في جميع أفعاله أو في بعضهما دون بعض والأول يحصل ms331 ~~إذا فارقناه فيه من المناكح ووجوب صلاة الليل وغير ذلك والثاني لا يصح أيضا ~~لأنه عليه السلام لو قال لنا اعلموا أني متعبد بما في # PageV01P346 # العقل إذا ما أؤديه إليكم وما عدا ذلك هو مصلحة لكم دوني لم يكن في ذلك ~~تنفير فكذلك ما ذكرناه وعلى أنه لو ثبت ذلك لم يحصل منه كوننا متعبدين بمثل ~~ما فعله من جهة العقل لأن الذي يقبح هو مفارقته له في جميع أفعاله لا في ~~بعضها دون بعض فلا بد من دليل غير العقل يميز لنا بين ما تعبدنا بعض أفعاله ~~مما لم نتعبد به إن قيل لو لم يلزم الرجوع إلى أفعاله من جهة العقل لم يلزم ~~الرجوع إلى أقواله قيل قد بينا أنا لو كنا متعبدين بالرجوع إلى أفعاله لكان ~~الوجه في ذلك لا يخلو من الوجهين اللذين قد أفسدناهما وليس كذلك أقواله لأن ~~الأقوال موضوعة في اللغة لمعان فالأمر موضوع للوجوب أو للإرادة والنهي يفيد ~~تحريم المنهى عنه والخبر موضوع لما هو خبر عنه والحكمة تقتضي أن من خاطب ~~قوما بلغتهم يعني بالخطاب ما عنوه وهذه الطريقة غير حاصلة في الأفعال فان ~~قالوا لو لم نتبعه في أفعاله كنا قد خالفناه ولا يجوز مخالفته صلى الله ~~عليه وسلم قيل إن مخالفته هي أن لا نفعل ما يجب علينا فعله أو نفعل ما يحرم ~~علينا فعله فعليهم أن يدلوا على أن أفعاله على الوجوب حتى نكون مخالفين له ~~إذا لم نفعلها ألا ترى أنا لا نوصف بمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم مما ~~خص به من العبادات والمناكح لما لم يجب علينا اتباعه فيها - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في أن السمع على الإطلاق لا يقتضي وجوب مثل ما فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم علينا - صلى الله عليه وسلم - # لا خلاف بين الأمة غي الاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الأحكام واختلفوا فقال قوم هي أدلة بمجردها وقال قوم هي أدلة إذا عرف الوجه ~~الذي وقعت عليه واختلف ms332 الأولون فقال بعضهم هي أدلة بمجردها على الوجوب وقال ~~آخرون بل على الندب وقال آخرون بل على الإباحة فأما من قال إنها أدلة ~~باعتبار الوجه فانه إن علم الطريقة التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك # PageV01P347 # الفعل عقلية كانت أو سمعية فهو يرجع إليها في الاستدلال وإن لم يعرف ~~الطريقة فضربان أحدهما أن يكون فعله بيانا لمجمل والآخر لا يكون بيانا ~~لمجمل فان كان بيانا لمجمل فذلك المجمل هو دال على الوجوب أو الندب أو ~~الإباحة وإن لم يكن بيانا لمجمل فانه لا يدل على شيء حتى يعرف الوجه الذي ~~أوقعه عليه فان أوقعه على الوجوب دل على وجوب مثله علينا وإن أوقعه على ~~الندب دل على أن مثله ندب منا فان أوقعه مستبيحا له كان منا مباحا # والذاهبون إلى أن أفعاله دالة بمجردها على الوجوب يحتجون لذلك بالعقل ~~والسمع أما حجاجهم العقلي فأشياء # منها قولهم إن كونه نبيا يقتضي ذلك وإلا نفر عنه والجواب أنا قد بينا من ~~قبل أنه لا تنفير في نفي مشاركتنا له في الفعل ولو ثبت في ذلك تنفير لكان ~~إنما يحصل التنفير إذا لم يجب علينا مثل ما وجب عليه وإذا لم نعلم أن ما ~~فعله واجب عليه فلا تنفير في كونه غير واجب علينا # ومنها قولهم إن الفعل آكد في الدلالة من القول ولهذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يحقق أمره بفعله كما يفعله في الحج والصلاة فاذا أفاد الأمر ~~الوجوب كان الفعل أولى بذلك والجواب أن الفعل آكد في الإبانة عن صفة الفعل ~~من القول للمشاهدة من المزية على الوصف والفعل كالمشاهدة وليس الفعل وصفا ~~للوجوب حتى يكون أدل عليه من الأمر # ومنها قولهم إن الوجوب أعلى مراتب الفعل فوجب حمل فعله عليه والجواب يقال ~~لهم لم إذا كان الوجوب أعلى مراتب الفعل وجب حمله عليه فان قالوا لأنه ~~الاحتياط قيل بل الاحتياط أن يحمل الفعل على الوجوب إذا دلت الدلالة عليه ~~لا غير وإذا لم تدل الدلالة على ms333 وجوبه فنحن من ضرر تركه آمنون والخطر حاصل ~~في اعتقاد وجوبه لأنا لا نأمن أن يكون غير واجب فنكون معتقدين اعتقادا لا ~~نأمن كونه جهلا # PageV01P348 # فأما الاحتجاج السمعي فأشياء # منها احتجاجهم بقول الله عز وجل {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} والتحذير ~~يقتضي وجوب ترك المخالفة لأمره والأمر اسم الفعل والقول فكان عاما فيهما ~~والجواب أنا قد بينا أن قولنا امر لا يقع على الفعل إلا مجازا ولو وقع عليه ~~حقيقة لما تناوله ها هنا لتقدم ذكر الدعاء ولذكر المخالفة ألا ترى أن ~~الإنسان إذا قال لعبده لا تجعل دعائي كدعاء غيري واحذر مخالفة أمري فهم منه ~~أنه أراد بالأمر القول وأيضا مخالفة الأمر هو العدول عن مقتضاه فيجب أن ~~تثبت أن الفعل يسمى أمرا وأن تدلوا على أن الفعل يقتضي الوجوب حتى يحرم ~~تجنبه ويلزم فعله وأيضا فالمخالفة ضد الموافقة وموافقة الفعل إيقاع مثله ~~على الوجه الذي أوقع عليه ويجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوقع ~~الفعل على وجه الوجوب حتى يلزم موافقته فيه وقد قيل إن قوله سبحانه {فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره} قد أريد به الأمر الذي هو القول فلا يجوز أن يراد ~~به الفعل لأن اللفظة الواحدة لا يراد بها معنيان مختلفان وقد قيل إن الهاء ~~في قوله عن أمره عائدة إلى الله تعالى وذلك لأنه أقرب المذكورين فيمتنع أن ~~يدخل تحت الفعل لأنه لا يفعل مثل ما نفعله من العبادات ولقائل أن يقول إن ~~القصد هو الحث على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} فقوله {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} هو ~~من تمام الفرض فيجب صرفه إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم # ومنا قول الله عز وجل {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر} قالوا وقوله لمن كان يرجو الله واليوم # PageV01P349 # الآخر تهديد يدل على وجوب التأسيس به في فعله الجواب أن ذلك ليس بتهديد ~~لأن ms334 الإنسان قد يرجو المنافع كما يرجو دفع المضار ولو كان ذلك تهديدا لدل ~~على وجوب التأسي وقد بينا أن التأسي في الفعل هو إيقاعه على الوجه الذي ~~أوقعه عليه فالآية إذن تدل على ما نقوله وقد قيل إن قوله {لكم} ليس من ~~الفاظ الوجوب ولو دل على الوجوب لقال عليكم والجواب أنه لا يصح الاستدلال ~~بذلك على نفي الوجوب لأن معنى قولنا لنا أن نفعل كذلك هو أنه لا حظر علينا ~~في فعله والواجب ليس بمحظور فعله # ومنها قول الله سبحانه {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} قالوا فدخل فيه ~~طاعته في قوله وفعله والجواب أن طاعة الرسول هو فعل ما أراده وأمر به فيجب ~~أن تدلوا على أنه قد أراد بفعله أن نفعل مثله في الصورة وإن لم نعلم الوجه ~~الذي دخل تحت الظاهر # ومنها قول الله عز وجل {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ~~وقوله {ما آتاكم} يدخل فيه الفعل والجواب يقال لهم ما معنى قوله {ما آتاكم} ~~فان قالوا معناه ما أعطاكم أي ما تعدى إليكم بالأمر والإلزام قيل لهم ~~فالفعل ليس بأمر فان قلتم هو إلزام لنا أن نفعل مثله قيل دلوا على ذلك وهو ~~موضع الخلاف على أن قوله عز وجل {وما نهاكم عنه فانتهوا} يدل على أنه عنى ~~بقوله {ما آتاكم} ما أمركم على أن الإتيان إنما يتأتى في القول لأنا نحفظه ~~وامتثاله يصير كأننا أخذناه وكأنما عز وجل أعطاناه # PageV01P350 # ومنها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعله في الصلاة خلع من ~~كان خلفه نعله وهذا لا يدل لأنه لا يعلم أنهم فعلوا ذلك واجبا ولا يمتنع أن ~~يكونوا لما رأوه قد خلع نعله مع امره بأخذ الزينة بالصلاة علموا أن خلعها ~~متعبد به غير مباح لأنه لو كان مباحا ما ترك به المسنون في الصلاة على أنه ~~صلى الله عليه وسلم قد قال لهم لم خلعتم نعالكم فقالوا لآنك خلعت نعلك فقال ~~إن جبريل أخبرني أن فيها أذى فدل ms335 بذلك على أنه ينبغي أن يعرفوا الوجه الذي ~~أوقع عليه فعله ثم يتبعوه وهذا هو قولنا # واحتج القائلون بأن أفعاله ليست على الوجوب بأشياء # منها أنه لو وجب علينا مثل ما فعله لكان على وجوبه دليل وقد بينا أنه لا ~~دليل على ذلك عقلي أو سمعي فلم تكن واجبة علينا # ومنها أن ما دل على اتباعنا لأفعاله هو قول الله عز وجل {لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة} وقوله {فاتبعوه} وقد بينا أن التأسي هو إيقاع ما ~~أوقعه على الوجه الذي أوقعه عليه وكذلك اتباعه فيه فما دل على اتباعه دل ~~على اعتبار الوجه ولقائل أن يقول إن دليل التأسي والاتباع قد اقتضى إيقاع ~~ما أوقعه على الوجه الذي أوقعه فمن اين أن ما لا يعلم الوجه فيه لا يجب ~~علينا فعله فان قلتم إنه لا دليل على الاتباع والتأسي إلا هاتين الآيتين ~~قيل فإذن الدال على أنه لا يجب فعله علينا من غير اعتبار الوجه هو فقد ~~الدليل وهذا هو رجوع إلى الدليل الأول # ومنها أنه لا يخلو إما أن يجب مثل فعله علينا باعتبار الوجه الذي أوقعه ~~عليه أو من غير اعتبار الوجه فان وجب باعتبار الوجه فهو قولنا وإن وجب # PageV01P351 # من غير اعتبار الوجه لزم أن يجب علينا وإن علمنا أنه أوقع الفعل على وجه ~~الندب والإجماع وما وجب على التأسي به يمنعان من ذلك ولقائل أن يقول ما ~~تنكرون أن يكون مصلحتنا أن نفعل لا محالة مثل ما فعله إذا لم نعلم الوجه ~~الذي أوقوع الفعل عليه وإذا عرفنا أنه أوقعه لا على وجه الوجوب كان فعلنا ~~له واجبا مفسدة ألا ترى أن التصريح بالتعبد لو ورد بذلك لشاع وليس لأحد أن ~~يقول إذا كنا قد عرفنا أنه تنفل بالفعل كان فعلنا لمثله على وجه الوجوب ~~مفسدة فيجب إذا أوقعناه على وجه الوجوب ونحن لا نعلم الوجه الذي أوقعه عليه ~~أن نكون مقدمين على ما نأمن من كونه مفسدة لتجويزنا كون النبي صلى الله ms336 ~~عليه وسلم متنفلا به لأن للمخالف أن يقول إيقاعنا الفعل على الوجوب إذا لم ~~نعلم الوجه الذي أوقع النبي صلى الله عليه وسلم الفعل هو المصلحة وإن أوقعه ~~على وجه الندب وإذا علمنا ذلك من حاله فإيقاعنا له على وجه الوجوب مفسدة # ومنها أنه لودل فعله على وجوب مثله علينا لدل ذلك مطلقا من غير اعتبار ~~وقت لأنه لا يمكن أن يدل على وجوب مثله في ذلك الوقت بعينه لتعذر فعل مثله ~~علينا في ذلك الوقت ولا يمكن أن يدل على وجوب مثله في مثل ذلك الوقت لأنه ~~ليس بأن يدل على ذلك أولى من أن يدل على وجوب مثله في أقرب الأوقات إليه ~~فصح أن لو دل على وجوب مثله لدل عليه مطلقا فوجب إذا فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلا ثم تركه وفعل ضده أن يدل فعله وفعل ضده على وجوب الفعل وضده ~~علينا في حالة واحدة وذلك يستحيل ولا يلزم على ذلك أن يجب علينا الفعل وضده ~~إذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم به وأمسك عن الأمر به لأن إمساكه عن ~~الأمر به ليس بمشارك للأمر به في صيغته الموضوعة للوجوب وضد الفعل قد شارك ~~الفعل في كونه فعلا وقد شاركه في دلالته على الوجوب ولقائل أن يقول إن فعله ~~إما أن يدل على وجوب مثله في مثل وقته فيلزم أن لا يجب علينا أن نفعل مثل ~~ما فعل في وقته ونفعل ضده في مثل وقت فعل ضده وليس يستحيل وجوب الفعل وضده ~~علينا # PageV01P352 # في وقتين فأما أن يدل على وجوب مثله لا في وقت معين فيلزم إذا فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم الشيء وضده أن يلزمنا الفعل وضده في وقتين غير معينين ~~حتى نفعل كل واحد منهما في وقت أي وقت شئنا وذلك غير مستحيل ولقائل أن يقول ~~ايضا إنه لزم المستدل بهذه الدلالة ما ألزم خصومه إذا فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلا وقال إنه واجب ثم فعل ضده وقال إنه ms337 واجب لأنه يلزم على ~~موضوع الدلالة أن يكون الفعل وضده واجبين عى الإطلاق # ومنها أنه لو دل فعله على وجوب مثله علينا لدل على وجوب مثله عليه صلى ~~الله عليه وسلم ولخصم أن يقول هذه دعوى عارية عن دلالة وله أن يقول الدلالة ~~قد دلت عندي على مشاركتنا للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة الفعل ولم تدل ~~على وجوب تكرار الفعل علينا ولا على وجوب تكرار الفعل من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتكرار الفعل منه نظيره تكرار الوجوب علينا ونحن لا نوجب ذلك ~~ويلزم المستدل أن يدل فعل النبي صلى الله عليه وسلم على وجوب مثله على ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعله إنه واجب # ومنها أنه لو دل فعله على وجوب مثله علينا لدل على أنه كان واجبا عليه ~~فأولى أن لا يدل على أنه يجب علينا مثله ولقائل أن يقول إنما يجب أن تكون ~~دلالته على وجوب مثله علينا موقوفة على دلالته على أنه كان واجبا عليه لو ~~ثبت أنه لا يجوز أن يجب علينا مثل فعله إلا إذا كان قد أوقعه على وجه ~~الوجوب وهذا موضع الخلاف فلا يجوز أن يبتني عليه الدلالة فإن قلتم إنما كان ~~وجوبه علينا موقوفا على وجوبه عليه لأن قوله {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة} يدل على ذلك كان رجوعا إلى دلالة أخرى - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنا إذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلا على وجه الوجوب ~~فقد تعبدنا # PageV01P353 # أن نفعله على وجه الوجوب وإن علمنا أنه تنفل به كنا متعبدين بالتنفل به ~~فان علمنا أن فعله على وجه الإباحة كنا متعبدين باعتقاد إباحته لنا وجاز ~~لنا أن نفعله وقال أبو علي بن خلاد إنا متعبدون بالتأسي به في أفعاله ~~العبادات دون غيرها كالمناكح وما أشبهها # والدليل على ما ذكرناه أولا قول الله تعالى {لقد كان لكم ms338 في رسول الله ~~أسوة حسنة} والتأسي بالغير في أفعاله هو أن نفعل على الوجه الذي فعلها ذلك ~~الغير ولم يفرق الله عز وجل بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المباحة ~~وغيرها إن قيل الآية تفيد التأسي به مرة واحدة كما أن قول القائل لغيره لك ~~في الدار ثوب حسن يفيد ثوبا واحدا الجواب أن ذلك إن ثبت تم غرضنا من التعبد ~~بالتأسيس به صلى الله عليه وسلم في الجملة وأيضا فالآية تفيد إطلاق كون ~~النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا ولا يطلق وصف الإنسان بأنه أسوة لزيد ~~إذا كان إنما ينبغي لزيد أن يتبعه في فعل واحد وإنما يطلق ذلك إذا كان ذلك ~~الإنسان قدوة لزيد يهتدي في به أموره كلها إلا ما خصه الدليل # دليل قوله سبحانه {فاتبعوه} يتناول أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لأن ~~الاتباع يقع في الفعل ويتناول القول فكان على إطلاقه فإن قيل الاتباع يكون ~~في القول وفي الفعل وليس في قوله {فاتبعوه} لفظ عموم فيتناول القول والفعل ~~فما الأمان أن يكون المراد اتباعه في القول فقط الجواب أن إطلاق قوله ~~{فاتبعوه} وإن لم يفد العموم فانه يفيد أن لنا اتباعه في أفعاله لأن ذلك ~~اتباع له والخطاب مطلق # دليل أجمعت الأمة على الرجوع إلى أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ألا ترى ~~أن السلف رضي الله عنه رجعوا إلى أزواجه في قبلة الصائم وفي أن من اصبح # PageV01P354 # جنبا لم يفسد صومه وفي تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونه وهو حلال ~~أو حرام وغير ذلك فاذا ثبت ذلك فأفعاله صلى الله عليه وسلم لا بد من أن ~~يتمثل فيها طريقة فإما أن تكون معروفة لنا أو غير معروفة فان لم تكن معروفة ~~لنا فانا نكون متبعين له في أفعاله ومتاسين به فيها لا شبهة في ذلك وإن ~~امتثل فيها طريقة معروفة لنا إما عقلية وإما سمعية فإن ذلك لا يمنع من كون ~~فعله دلالة لنا أيضا على أنا متعبدون بمثله ولا يمتنع ms339 من كوننا فاعلين ~~لمثله لأجل أنه صلى الله عليه وسلم فعله ولأجل الدلالة العقلية أو السمعية ~~على حد لو انفرد كل واحد منهما لفعلنا الفعل لأجله وذلك لا يمنع من وقوع ~~التأسي به فيه - صلى الله عليه وسلم - باب في قسمة أفعال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذكر الطريق إليها - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن ما يسند إليه مما يتعلق به التكليف وليس بقول ضربان أحدهما فعل ~~والآخر ترك والفعل ضربان أحدهما يختصه كاصلاة والصيام والآخر يتعلق بغيره ~~كعقوبة الغير والترك ضربان أحدهما ترك يختصه كتركه الجلسة في الركعة ~~الثانية والآخر القضاء عليه والنكير عليه ولا يخلوا كل ذلك من أن يكون ~~مباحا أو ندبا أو واجبا وكل واحد من ذلك إما أن يكون قد امتثل فيه طريقة ~~معروفة لنا أو غير معروفة لنا فإن كانت معروفة لنا فإما أن تكون عقلية أو ~~سمعية وما امتثل فيه طريقة غير معروفة لنا فإما أن تكون مبتدأة لا تتعلق ~~بشيء من الأدلة أو تتعلق بشيء منها وهذا الأخير إما أن يتعلق بها على طريق ~~الموافقة وهو بيان صفة المجمل أو يتعلق بها لا على طريق الموافقة وهو ضربان ~~أحدهما بيان التخصيص والآخر بيان النسخ وبيان التخصيص إما أن يكون بيانا ~~لتخصيص قول أو لتخصيص فعل وبيان النسخ أيضا إما أن يكون بيانا لنسخ قول أو ~~نسخ فعل وأما الفصل بين الفعل والترك فظاهر وقد ذكرنا في تضاعيف الكلام ~~الفصل بين الفعل والترك اللذين يختصانه وبينهما إذا تعلقا بغيره # PageV01P355 # فأما الطريق إلى أن ما فعله مباح فأشياء # منها أن يقول إنه مباح ومنها أن نضطر من قصده إلى أنه مباح ومنها أن يدل ~~دلة حسنة على حسنه ولا يدل دلالة على أن له صفة زائدة على حسنه ومنها أن ~~يكون امتثالا لدلالة تدل على الإباحة ومنها أن يكون بيانا لخطاب يدل على ~~الإباحة # فأما الطريق إلى أن فعله مندوب إليه فأشياء # منها أن يقول إنه مندوب إليه ومنها أن يدل دلالة من ms340 قول وغيره على أن له ~~صفة زائدة على حسنه ولا تدل دلالة على وجوبه # ومنها أن يكون بيانا لخطاب يقتضي كون ذلك الفعل مندوبا إليه في الجملة # ومنها أن يكون امتثالا لدلالة تدل على كون الفعل مندوبا إليه # فأما الطريق إلى أن ما فعله مباح فأشياء منها أن يقول إنه مباح ومنها أن ~~نضطر من قصده إلى أنه مباح ومنها أن يدل دلالة على حسنه ولا يدل دلالة على ~~أن له صفة زائدة على حسنه ومنها أن يكون امتثالا لدلالة تدل على الإباحة ~~ومنها أن يكون بيانا لخطاب يدل على الإباحة # فأما الطريق إلى أن فعله مندوب إليه فأشياء منها أن يقول إنه مندوب إليه ~~ومنها أن يدل دلالة من قول وغيره على أن له صفة زائدة على حسنه ولا تدل ~~دلالة على وجوبه ومنها أن يكون بيانا لخطاب يقتضي كون ذلك الفعل مندوبا ~~إليه في االجملة ومنها أن يكون امتثالا لدلالة تدل على كون الفعل مندوبا ~~إليه # وأما الطريق إلى معرفة كون فعله واجبا فأشياء منها أن يقول هذا الفعل ~~واجب ومنها أن يكون امتثالا لدلالة تدل على وجوب ذلك الفعل ومنها أن يكون ~~بيانا لأمر يدل على الوجوب ومنها أن يضطر إلى قصده أنه أوقعه # PageV01P356 # واجبا ومنها أن يكون الفعل قبيحا لو لم يكن واجبا نحو أن يركع ركوعين في ~~ركعة واحدة لأنه قد تقرر في الشريعة قبح ذلك إلا أن يكون واجبا # فأما ما به يعلم أن فعله أو تركه امتثال لدلالة نعرفها فهو أن يكون ~~مطابقا لبعض الأدلة العقلية أو الشرعية التي نعرفها # وأما ما به يعلم أن فعله بيان فشيئان أحدهما أن يقول هذا بيان لهذا ~~والآخر أن يرد عن الله سبحانه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم خطاب مجمل ~~ويفعل صلى الله عليه وسلم فعلا يحتمل أن يكون بيانا له ولا يوجد بيان غيره ~~وتكون الحاجة إلى البيان حاضرة فعلم أنه بيان له لأنه لو لم يكن بيانا لكان ~~البيان قد تأخر عن وقت ms341 الحاجة وقد يكون تركه بيانا نحو أن يترك الجلسة في ~~الركعة الثانية فينسخ به ولا يرجع فنعلم أنها غير ركن في الصلاة # فأما ما به يعلم أن فعله أو تركه بيان لنسخ القول فهو أن يصدر منه صلى ~~الله عليه وسلم قول يقتضي تكرار الفعل منه ومن غيره ويدخل هو صلى الله عليه ~~وسلم عليه في الخطاب ويفعل موجبه ثم يفعل ضده أو يتركه فنعلم أن حكمه منسوخ ~~عنه صلى الله عليه وسلم # فأما ما به يعلم أن فعله أو تركه مخصص لقوله فهو أن يصدر منه قول يدل ~~ظاهره على وجوب فعل عليه وعلى غيره ثم يفعل ضده في الحال أو يتركه فنعلم ~~أنه مخصوص من ذلك الدليل ونعلم أن فعله أو تركه مخصص لفعله بأن يفعل فعلا ~~يقتضي الدليل إدامته عليه وعلى غيره لولا دليل مخصص ثم يفعل ضده في الحال ~~أو يتركه فنعلم انه مخصوص والأشبه أن يكون هذا الفعل مخصصا لما دل على وجوب ~~فعله في المستقبل عليه وعلى غيره والله أعلم - صلى الله عليه وسلم - باب ~~فيما يدل عليه أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتروكه المتعلقة بغيره - صلى ~~الله عليه وسلم - # أما أفعاله المتعلقة بغيره فهي الحدود والتعزيز والقضاء على الغير فاقامة # PageV01P357 # الحد والتعزيز على وجه النكال تدل على أن ذلك الغير قد اقدم على كبيرة ~~وإقامتها عليه على سبيل الامتحان لا تدل على أنه الآن مقيم على كبيرة ~~وقضاؤه على غيره وإن كان من قبيل ألأقوال فانه يقتضي لزوم ما قضى به لأن ~~القضاء هو الإلزام # وذكر قاضي القضاء أن الناس اختلفوا في حكمه صلى الله عليه وسلم بأن زيدا ~~فاضل أو أنه أفضل من غيره هل هو على الظاهر أو على سبيل القطع فمنهم من قال ~~بالأول ومنهم من قال بالثاني وكذلك اختلفوا في نسبته صلى الله عليه وسلم ~~زيدا إلى عمرو هل هو على سبيل القطع أو على الظاهر وذكر أنهم لم يختلفوا في ~~أنه إذا حكم على غيره بالدين لا ms342 يقطع به على الباطن في ذلك بل يكون حكما ~~بالظاهر قال فاما إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لغيره هذا الحق عليك ~~فانه يكون على الخلاف المتقدم وقال إنه إذا ملك غيره شيئا فانه يملكه في ~~الحقيقة لأن التمليك يقتضي إباحة تصرف مخصوص وقال إذا أباح الإنسان النبي ~~صلى الله عليه وسلم أكل طعامه فاستباح النبي صلى الله عليه وسلم أكله فانه ~~لا يدل على أنه ملكه لا محالة لأنه يكتفى في استباحة الأكل بظاهر اليد ~~والتصرف # فأما تركه النكير على الفعل فضربان أحدهما أن يكون صلى الله عليه وسلم قد ~~دل من قبل على قبحه وأقر فاعله عليه كاختلاف أهل الكتاب إلى كنائسهم ومتى ~~كان كذلك فانه لا يدل ترك النكير عليهم على حسنه ورضاه به والآخر أن لا ~~يكون قد علم من دينه الإقرار على ذلك الفعل وذلك يلزم إنكاره سواء تقدمت ~~الدلالة على قبحه أو لم تتقدم لأنه لم تتقدم الدلالة على ذلك فترك إنكاره ~~يقتضي حسنه إذ لو كان منكرا لبين قبحه وإن تقدمت الدلالة على ذلك فترك ~~إنكاره أيضا يقتضي حسنه لأنه لا يمكن أن يقال إنه قبيح وإنما لم ينكره لأنه ~~غلب على ظنه أن إنكاره غير مؤثر لأن إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لا بد ~~من أن يؤثر لأنه ليس كانكار غيره هكذا ذكر قاضي القضاة وهذا صحيح إذا كان ~~فاعل القبيح يعتقد نبوته فأما من ينطوي على تكذيبه # PageV01P358 # وإطراح أمره صلى الله عليه وسلم فلا يمكن أن يقال إن إنكاره عليه لا بد ~~من أن يؤثر على كل حال - صلى الله عليه وسلم - باب في أفعاله صلى الله عليه ~~وسلم إذا تعارضت - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأفعال المتعارضة يستحيل وجودها لأن التعارض والتمانع إنما يتم ~~مع التنافي والأفعال إنما تتنافى إذا كانت متضادة وكان محلها واحدا ووقتها ~~واحدا ويستحيل أن يوجد الفعل وضده في وقت واحد في محل واحد فاذا يستحيل ~~وجود أفعال متعارضة فأما الفعلان الضدان في ms343 وقتين فليسا متعارضين بأنفسهما ~~لأنه لا يتنافى وجودهما ولا يمتنع الاقتداء بهما فنكون متعبدين بالفعل في ~~وقت وبضده في وقت آخر وقد يكونا متعارضين بغيرهما نحو أن يفعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعلا ونعلم بالدليل أن غيره متعبد به ثم نراه عقيب ذلك قد ~~أقر بعض الناس على فعل ضده فنعلم أنه خارج منه وكذلك إذا علمنا أن ذلك ~~الفعل يلزم أمثاله النبي صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الأوقات ما لم يرد ~~دليل ناسخ ثم يفعل عليه السلام ضده في مثل ذلك الوقت فنعلم أنه قد نسخ عنه ~~غير أن النسخ والتخصيص إنما لحقا ما علمنا به أن ذلك الفعل يلزم النبي صلى ~~الله عليه وسلم في مستقبل الأوقات وأنه يلزم غيره وإنما يقال إن ذلك الفعل ~~قد لحقه النسخ على معنى أنه قد زال التعبد بمثله وأن التخصيص قد لحقه على ~~معنى أن بعض المكلفين لا يلزمه مثله - صلى الله عليه وسلم - باب في أقوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله إذا تعارضت - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن فعله وقوله إذا تعارضا لم يخل إما أن يتعارضا من كل وجه او من ~~وجه دون وجه فان تعارضا من كل وجه لم يخل إما أن نعلم تقدم أحدهما على # PageV01P359 # الآخر أو لا نعلم ذلك فان علمناه لم يخل إما أن نعلم تقدم الفعل أو تقدم ~~القول # فإن علمنا تقدم الفعل نحو أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت ~~المقدس ونعلم أن حكم غيره حكمه في ذلك ما لم يمنع مانع ويقول بعد ذلك ~~الصلاة إلى بيت المقدس غير جائزة فإن ورد القول عقيب الفعل كان هو صلى الله ~~عليه وسلم مخصوصا من ذلك القول ويجب أن يكون متناوله لغيره وإلا لم يكن ~~للقول فائدة ولا يجوز أن يكون قوله متناولا له صلى الله عليه وسلم ويكون ~~نسخا للفعل عنه لأنه إنما يكون نسخا للفعل إذا دل على وجوب استمرار مثله في ~~المستقبل عليه ولو ms344 كان كذلك لم يجز أن يدلنا عقيبه على أنه منسوخ عنه لأن ~~ذلك نسخ الشيء قبل وقت فعله وإن كان القول متراخيا بعد ما حضر وقت الفعل ~~مرة أخرى فإنه إن كان القول يتناولنا وإياه كان ناسخا للفعل عنا وعنه وإن ~~كان يتناوله وحده كان نسخا عنه وحده وإن كان يتناولنا فقد كان نسخا عنا فقط # وإن كان قوله متقدما على فعله فان كان الفعل عقيب القول وكان القول ~~يتناولنا وإياه كان فعله مخصصا له وحده دوننا لأنا لو خرجنا أيضا من الخطاب ~~بطلت فائدته وإن كان الفعل متراخيا عن الول كان ناسخا للقول عنه فقط إن كان ~~القول يتعلق به فقط وإن كان القول يتعلق بنا فقط كان فعله ناسخا عنا فقط ~~إذا علمنا أن حكمنا في الفعل حكمه وإن كان القول يتعلق بنا وبه كان الفعل ~~ناسخا للقول عنا وعنه إذا علمنا أن حكمنا فيه حكمه # فأما إن لم نعلم تقدم أحدهما على الآخر فالتعلق بالقول أولى لأنه يتعدى ~~إلينا بنفسه والفعل لا يتعدى إلينا ولا يتناولنا بنفسه ولأنا إذا جوزنا أن ~~يكون الفعل قد تقدم جوزنا أن لا يكون قد تعدى إلينا بنفسه ولا بغيره لأن ~~القول حينئذ يكون ناسخا له فنحن نشك إذا في تناوله لنا ونقطع على تناول ~~القول لنا من جهة صيغته فكان أولى # PageV01P360 # فأما إذا تعارض قوله وفعله من وجه دون وجه فمثاله نهيه صلى الله عليه ~~وسلم عن استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول وجلوسه لقضاء الحاجة في ~~البيوت مستقبل بيت المقدس وذلك يحتمل أن يكون مباحا في البيوت لكل أحد ~~ويحتمل أن تكون إباحته خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون نهيه ~~صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة واستدبارها عاما لأمته في البيوت ~~والصحارى ويحتمل أن يكون خاصا في الصحارى وقد اختلف الناس في ذلك من غير ~~تفصيل فعند الشافعي أنه مخصوص بفعله وعند الشيخ أبي الحسن أنه ينبغي أن ~~يجرى نهيه على إطلاقه ويخص فعله به صلى الله ms345 عليه وسلم وقاضي القضاة يتوقف ~~في المسألة واعلم أن قوله عز وجل {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~وقوله {فاتبعوه} مع استقباله بيت المقدس في البيوت معارض لنهيه عن استقبال ~~القبلة لغائط أو بول فلا ينبغي أن يعترض بأحدهما على الآخر إلا لوجه يترجح ~~به أحدهما على الآخر وليس يجوز أن يترجح نهيه على فعله من حيث كان قوله ~~يتعدى إلينا بنفسه وفعله لا يتعدى إلينا بنفسه لأن إن اعترض بنهيه عن ~~استقبال القبلة وجب أن يخص به قول الله عز وجل {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة} وهذا قول فيتعدى إلينا بنفسه والأولى أن يقال إن نهيه أخص من ~~قول الله عز وجل {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فكان وقوع التخصيص ~~به أولى فان قيل فعله أخص من هذا النهي لأن نهيه عام في البيوت والصحارى ~~وفعله يختص بالبيوت فكان الاعتراض به أحق قيل فعله لا يتعدى إلينا فهو وإن ~~كان أخص بالبيوت فليس يتعدى إلينا فان قيل فعله مع قول الله عز وجل {لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} أخص من هذا النهي فوجب # PageV01P361 # تخصيص النهي به والجواب أنا إذا جعلنا النهي هو المخصص كنا قد خصصنا به ~~وحده قول الله عز وجل {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وإن كان ~~المخصوص هو هذه الآية وهي أعم من النهي كان تخصيصها أولى ولهم أن يقولوا ~~ونحن إذا خصصنا هذا النهي فإنا نخصه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ما ~~ثبت من التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم ومجموع هذين أخص من النهي فيجب أن ~~يكون ذلك أولى أو يتعادل القولان فيلزم فيهما الوقف والرجوع إلى دليل آخر # PageV01P362 ### | الكلام في الناسخ والمنسوخ # - صلى الله عليه وسلم - باب في فصول الناسخ والمنسوخ - صلى الله عليه ~~وسلم - # إعلم أن الكلام في ذلك يقع في الاسم وفي المعنى أما في الاسم فبأن نتكلم ~~في فائدة اسم النسخ في اللغة وفي ms346 الشرع ويتبع ذلك الكلام في حده فأما في ~~المعنى فمن وجوه منها الفصل بين النسخ وبين البداء ومنها ذكر شروطه والفصل ~~بينهما وبين ما ليس من شروطه ومنها الدلالة على حسنه ولما كان النسخ لا يتم ~~إلا بشيئين ناسخ ومنسوخ وجب أن نذكرهما فنذكر ما يجوز نسخه وما لا يجوز وما ~~يجوز وقوع النسخ به وما لا يجوز ومما يدخل في أبواب النسخ ذكر ما أخرج من ~~النسخ وهو منه وما أدخل فيه وليس منه وذكر الطريق إلى معرفة كون الشيء ~~ناسخا أو منسوخا أما الكلام في فائدة الاسم فيجب تقديمها وتقديم الحد ليصح ~~أن نتكلم في شروطه وأحكامه ويتبع ذكر حده الكلام في المفصل بينه وبين غيره ~~ثم الكلام في شروطه وما ليس من شروطه ثم الدلالة على حسن النسخ إذا اختص ~~بشروطه ثم الدلالة على ما اشترطناه كنسخ الشيء بعد وقت فعله ثم ذكر ما ~~قلناه أنه ليس بشرط كنسخ عبادة لم يقيد الأمر بها بالتأييد وكنسخ العبادة ~~لا إلى بدل أو إلى بدل أخف ثم نذكر ما يجوز نسخه ويدخل فيه نسخ التلاوة ~~ونسخ الحكم ونسخ الأخبار ثم نذكر ما يقع النسخ به وما لا يقع وذلك فصول ~~منها نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة ومنها نسخ السنة بالكتاب والكتاب ~~بالسنة وذكرنا نسخة بأخبار الآحاد ولم نؤخره إلى الكلام في الأخبار لأنا لا ~~نمنع من نسخه # PageV01P363 # بأخبار الآحاد وليس يقف المنع من ذلك على قيام الدلالة على قبول خبر ~~الواحد وليس كذلك وقوع التخصيص بها لأن ذلك مرتب على كون أخبار الآحاد ~~طريقة يحتج بها فلذلك أخرنا القول في وقوع التخصيص بها إلى أبواب الأخبار ~~ثم نذكر ما لا يجوز نسخه ولا وقوع النسخ به كالإجماع والقياس وفحوى القول ~~ثم نذكر ما ألحق بالنسخ أو أخرج منه كالزيادة في النص والنقصان منه ثم نذكر ~~الطريق إلى كون الناسخ ناسخا ولما كان النسخ موقوفا على التنافي وعلى ذكر ~~التاريخ وكانت الأحكام تتنافى على الشخص الواحد وعلى الأشخاص الكثيرة دخل ms347 ~~في ذلك العمومان إذا تعارضا فوجب ذكر ذلك أجمع على الترتيب ونحن نأتي على ~~ذلك أجمع إن شاء الله - صلى الله عليه وسلم - باب في فائدة اسم النسخ في ~~اللغة وفي الشرع - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لما كان اسم النسخ مستعملا في أصول الفقه وجب ذكر فائدته ~~لنفهمها عند إطلاقه ولما كان مستعملا في اللغة وفي الشريعة نظرنا هل فائدته ~~فيهما واحدة أو مختلفة # فاسم النسخ مستعمل في اللغة في الإزالة وفي النقل أما في الإزالة فقولهم ~~نسخت الشمس الظل لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر فيظن أنه انتقل إليه ~~وقولهم نسخت الريح آثارهم وأما في النقل فقولهم نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه ~~إلى كتاب آخر والأشبه أن يكون مجازا في ذلك لأن ما في الكتاب لم ينتقل على ~~الحقيقة وإذا كان مجازا فيه كان حقيقة في الإزالة لأنه غير مستعمل في ~~سواهما فاذا بطل كونه حقيقة في أحدهما كان حقيقة في الآخر وإلا بطل أن يكون ~~الاسم حقيقة في اللغة إن قيل إذا كان ما في الكتاب لم ينتقل على الحقيقة ~~علمنا أنهم إنما وصفوه بأنه منسوخ لتسبهها بالمنقولة من حيث حصل مثله في ~~كتاب آخر فجرى حصول # PageV01P364 # مثله في مكان آخر مجرى حصوله وذلك يدلنا على أن اسم النسخ موضوع للنقل ~~فلهذا تجوزوا به فيما يشبه النقل ولو كان حقيقة للإزالة لم يسموا الكتاب ~~منسوخا لأنه غير مزال ولا شبه المزال والجواب أنه لا يمتنع أن يكون حقيقة ~~للإزالة فاستعمل في النقل من حيث كان النقل مزيلا للمنقول عن مكانه وإن حصل ~~في مكان آخر ثم استعمل في نسخ الكتاب من حيث شكل المنقول من الوجه الذي ذكر ~~السائل فيكون استعمال ذلك في الكتاب تشبيها بوجه المجاز واستعماله في ~~المجاز تشبيها بالحقيقة وهو المزال فان قيل وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار ~~والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز أيضا لأن الناسخ للآثار والظل هو الله سبحانه ~~فاعل الشمس والريح قيل لا يمتنع أن يكون الله ms348 سبحانه هو الناسخ لذلك من حيث ~~فعل سبب الإزالة وتكون الشمس والريح موصوفان على الحقيقة بأنهما ناسخان من ~~حيث اختصاصهما بسبب الإزالة على أن أهل اللغة لو كانوا اعتقدوا أن الشمس هي ~~الفاعلة للإزالة ثم اضافوا النسخ إليها لوجب اتباعهم في تسمية هذه الإزالة ~~نسخا ولا نتبعهم في اعتقادهم أن الشمس والريح فاعلان على أنه لا يمتنع أن ~~يكون وصف الشمس بأنها ناسخة مجازا وكون هذا الوصف مجازا لا يوجب كون وصفهم ~~الإزالة نسخا مجازا # فأما استعمال اسم النسخ في الشرع فعند الشيخ أبي عبد الله أنه منقول إلى ~~معنى في الشرع ولا ييجري عليه على سبيل التشبيه بالمعنى اللغوي لأنه يفيد ~~في الشرع معنى مميزا فجرى مجرى اسم الصلاة وعند الشيخ أبي هاشم أنه يفيد ~~معنى في الشرع على طريق التشبيه باللغة وذلك أنه يفيد إزالة مثل الحكم ~~المتقدم كما يفيد في اللغة الإزالة إلا أن الشرع قصره على إزالة مثل الحكم ~~الثابت بطريقة شرعية على وجه مخصوص فجرى مجرى قولنا دابة في أنه غير منقول ~~لكنه مخصوص ببعض ما يدب # PageV01P365 # - صلى الله عليه وسلم - باب في حقيقة الناسخ والمنسوخ والنسخ - صلى الله ~~عليه وسلم - # اعلم أن غرضنا أن نحد الطريق الناسخ ولما كان قولنا ناسخ يقع على الطريق ~~وعلى غيره وجب أن نذكر ما يقع عليه هذا الاسم ثم نعمد إلى الطريق الناسخ ~~فنحده فنقول # إن الناصب للدلالة الناسخة يوصف بأنه ناسخ فيقال إن الله عز وجل نسخ ~~التوجه إلى بيت المقدس فهو ناسخ ويوصف الحكم بأنه ناسخ فيقال إن وجوب صوم ~~شهر رمضان ناسخ صوم عاشوراء ويوصف المعتقد لنسخ الحكم أنه ناسخ فيقال فلان ~~ينسخ الكتاب بالسنة يعتقد ذلك ويوصف الطريق بأنه ناسخ فيقال إن القرآن ناسخ ~~للسنة وقد حد قاضي القضاة الطريق الناسخ بأنه ما دل على أن مثل الحكم ~~الثابت بالنص غير ثابت على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه وغرضه بهذا ~~الحد أن يتناول كل ما كان طريقا إلى النسخ سواء كان خبرا ms349 متواترا أو غير ~~متواتر وهذا الحد يخرج منه خبر الواحد إذا نسخ الحكم لأنه لا يوصف بأنه ~~دليل على الحقيقة ويخرج منه ما دل على نسخ الحكم الثابت بالعقل لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لو فعل فعلا وعلمنا من قصده أن وجوبه يتعدى إلينا لولا ~~دليل ناسخ فإن ما دل على إزالته يوصف بأنه ناسخ وإن لم يرفع ما ثبت بنص ~~ويلزم أن يكون العجز ناسخا لأنه يدل على أن مثل الحكم الثابت بالنص غير ~~ثابت ويلزم أن تكون الأمة إذا اختلفت على قولين وسوغت للعامي تقليد كل واحد ~~من الطائفتين ثم أجمعت على أحد القولين أن يكون ذذلك نسخا لأنها كانت نصت ~~على إباحة تقليد الطائفة الأخرى وينبغي أن نحد الطريق الناسخ بأنه قول صادر ~~عن الله عز وجل أو منقول عن رسول الله أو فعل منقول عن رسوله يفيد إزالة ~~مثل الحكم الثابت بنص صادر عن الله أو بنص أو فعل منقولين عن رسوله مع ~~تراخيه عنه على # PageV01P366 # وجه لولاه لكان ثابتا وقد تضمن هذا الحد أخبار الآحاد لأنها وإن كانت ~~أمارات فانها موصوفة بأنها تفيد إزالة مثل الحكم الثابت وأنها منقولة عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يلزم عليه اتفاق الأمة على أحد القولين لأن ~~قولها غير صادر عن الله وعن رسوله ولا يلزم عليه أن يكون الشرع ناسخا لحك ~~العقل لأن العقل ليس بقول ولا فعل منقول عن الرسول ولهذا لا يلزم عليه ~~العجز المزيل للحكم ولا أيضا تقييد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء لأن ذلك ~~غير متراخ ولا يلزم عليه البداء لأ البداء هو إزالة نفس الحكم الثابت بالنص ~~ولا يلزم إذا أمرنا الله سبحانه بفعل واحد ثم نهانا عن مثله أن يكون ذلك ~~نسخا وإن كان مزيلا لمثل حكم الأمر لأنه لو لم يكن هذا النهي لم يكن مثل ~~حكم الأمر ثابتا # فأما المنسوخ فهو الحكم المزال إذا اختص بالشرائط التي ذكرناها وقد دخل ~~في ذلك نسخ خطاب القرآن لأن نسخه ms350 هو نسخ كون تلاوته قربة وعبادة وذلك نسخ ~~للحكم # وأما النسخ فهو إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله أو رسوله أو ~~فعل منقول عن رسوله وتكون الإزالة بقول منقول عن الله أو عن رسوله أو بفعل ~~منقول عن رسوله مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وقد حد قوم النسخ ~~بأنه إزالة حكم بعد استقراره وهذا لا يصح لأن استقرار الحكم هو كونه مرادا ~~فازالته بعينه بداء وحد أيضا بأنه إزالة مثل الحكم بعد استقراره وهذا يلزم ~~عليه أن يكون متى زال الحكم بالعجز أن يكون زواله نسخا وحد أيضا بأنه نقل ~~الحكم إلى خلافه وهذا يلزم عليه أن يكون نقل الحكم إلى خلافه بالشرط ~~والغاية أو بالعجز نسخا وحد أيضا بأنه بيان مدة الحكم الذي في التقدير ~~والتوهم جواز بقائه وهذا يلزم عليه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لو ~~أخبر زيدا أنه يعجز عن الفعل وقت كذا أن يكون ذلك نسخا # PageV01P367 # - صلى الله عليه وسلم - باب الفصل بين البداء والنسخ - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أن البداء هو الظهور يقال بدا لنا سور المدينة إذا ظهر وإنما يكون ~~الشيء ظاهرا للإنسان إذا تجلى له وصار معه على وجه يعلمه أو يظنه فأما ~~الأمر والنهي فليسا من البداء بسبيل لكنهما قد يدلان عليه نحو أن ينهي ~~الآمر المأمور الواحد أن يفعل ما أمره بفعله في الوقت الذي أمره بفعله فيه ~~على الوجه الذي أمره أن يوقعه عليه نحو أن يقول زيد لعمرو صل ركعتين عند ~~زوال الشمس من هذا اليوم عبادة لله عز وجل لا تصلهما في هذا الوقت من هذا ~~اليوم عبادة لله عز وجل فالنهي تعلق بما تعلق الأمر به على الحد الذي تعلق ~~الأمر به من غير تغايربين متعلقيهما فيصح أن تثبت المصلحة مع أحدهما دون ~~الآخر وذلك يدل إما على أن الآمر قد خفى عنه من الصلاح ما كان ظاهرا أو ظهر ~~له من الفساد ما كان خافيا وهو البداء فلذلك ms351 نهى عما كان أمر به على الحد ~~الذي أمر به وإما أن يكون ما خفى عنه شيء ولا ظهر له شيء لكنه قصد أن يأمر ~~بالقبيح أو ينهي عن الحسن وكل ذلك لا يجوز على الله عز وجل فأما إذا لم ~~يتكامل الشرائط التي ذكرناها فانه لا يجب أن يدل على البداء ولا على تعبد ~~قبيح لأنه إن نهى عن صورة الفعل غير ذلك المأمور أو نهى المأمور عن غير ما ~~أمر به نحو أن يأمر بالصلاة وينهي عن الزنا أو ينهي عما أمر به على وجه آخر ~~نحو أن يأمر بالصلاة على طهارة وينهي عنها على غير طهارة فهناك تغاير بين ~~أمرين يمكن أن تحصل المصلحة في أحدهما والمفسدة في الآخر وكذلك لو نهاه عن ~~صورة الفعل في وقت آخر والنسخ من هذا القبيل وذلك لأنه لا يمتنع أن يعلم ~~الله عز وجل فيما لم يزل أن الفعل من زيد مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر ~~فيأمره بالمصلحة في وقتها وينهاه عن المفسدة في وقتها فلا يكون قد ظهر له ~~ما لم يكن ظاهرا أو لا خفي عنه ما كان ظاهرا ولا أمر بقبيح ولا نهى عن حسن ~~وإنما أمكن # PageV01P368 # ذلك لأنه قد حصل بين المأمور به والمنهى عنه تغاير وانفصال فصح أن تثبت ~~المصلحة مع أحدهما دون الآخر وإذا أمكن هذا القسم الذي ذكرناه بطل القول ~~بأنه لا بد من أن يدل إما على البداء وإما على تعبد قبيح والله أعلم - صلى ~~الله عليه وسلم - باب في شرائط النسخ - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن لوصف النسخ نسخا ولصحته وحسنه شروط وقد ألحق بها ما ليس منها أما ~~شروط الوصف فأن يكون الحكمان الناسخ والمنسوخ شرعيين لأن العجز يزيل التعبد ~~الشرعي ولا توصف إزالته بأنها نسخ والشرع يزيل حكم العقل ولا توصف إزالته ~~بأنها نسخ ومن شروطه أن يكون الناسخ منفصلا عن المنسوخ إما في الجملة أو في ~~التفصيل وذلك أن المتصل بالمنسوخ ضربان غاية وغير غاية ms352 فما ليس بغاية هو أن ~~يقول الله عز وجل صلوا أيام الجمعة لا تصلوا الجمعة الفلانية والغاية ضربان ~~أحدهما غاية مجملة والآخر مفصلة فاسم النسخ لا يثبت معها كقول الله عز وجل ~~{ثم أتموا الصيام إلى الليل} وأما المجملة فاسم النسخ يثبت معها إذا فصلت ~~نحو قول الله سبحانه {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت} الآية فلما دل ~~الدليل على تفصيل هذا السبيل ثبت اسم النسخ وليس من شرط اسم النسخ أن يكون ~~الكلام المنسوخ متناولا بلفظة للمنسوخ ألا ترى أن الأمر لا يفيد بلفظه ~~التكرار فلو أمر الله عز وجل بالفعل ثم دل الدليل على أن المراد به التكرار ~~ودل الدليل على رفع بعض المرات كان رفعه نسخا # وأما شرط صحة النسخ فهو أن يكون إزالة لحكم الفعل دون نفس الفعل # PageV01P369 # وصورته لأن صورة الصلاة إلى بيت المقدس لا تصح إزالتها بالأدلة الشرعية ~~وإنما الأدلة الشرعية دلت على زوال وجوبها وليس من شرط الصحة أن يكون ~~المنسوخ شائعا في جملة المكلفين بل يصح أن يكون الحكم المنسوخ لم يتوجه ~~جنسه إلا إلى مكلف واحد # وأما حسن النسخ فهو أن لا يكون إزالة لنفس ما تناوله التعبد على الحد ~~الذي تناوله بل لا بد من أن يزيل التعبد مثله في وقت آخر أو على وجه آخر ~~ولذلك لم يحسن نسخ الشيء قبل وقته ولا نسخ ما لا يجوز أن يتغير وجهه نحو ~~نسخ وجوب المعرفة بالله عز وجل لأن كون ذلك لطفا لا يتغير ولا نسخ قبح ~~الجهل لأن قبحه لا يتغير ويحسن نسخ قبح بعض الآلام أو حسن بعض المنافع لأنه ~~يجوز مع كون الألم ألما أن يحسن ومع كون النفع نفعا أن يقبح ومن شرائطه أن ~~يكون ما تناوله الناسخ متميزا للمكلف من المنسوخ وأن يكون مقدورا # فأما نسخ الحكم إلى بدل هو أخف منه أو مساو له أو نسخه إذا لم يقيد الأمر ~~به بالتأبيد فليس بشرط في وقوع الاسم ولا في الصحة ولا في الحسن - صلى ms353 الله ~~عليه وسلم - باب في الدلالة على حسن نسخ الشرائع - صلى الله عليه وسلم - # اتفق المسلمون على حسن نسخ الشرائع إلا حكاية شاذة عن بعض المسلمين أنه ~~لا يحسن ذلك واليهود على فرق ثلاث ففرقة منعت من ذلك عقلا وفرقة منعت منه ~~سمعا وإجازته عقلا وفرقة أجازته عقلا وسمعا # والدليل على حسنه من جهة العقل أن مثل ما تعبد الله سبحانه به يجوز أن ~~يقبح في المستقبل فاذا قبح حسن النهي عنه إذ النهي عن القبيح حسن وإنما ~~قلنا يجوز أن يكون مثل ما تعبدنا الله عز وجل به قبيحا في المستقبل لأنه # PageV01P370 # لو يجز ذلك لم يحسن أن يقول الله عز وجل تمسكوا بالسبت ما عشتم إلا السبت ~~الفلاني وأيضا فانه كما يجوز العقل أن يكون التمسك بالسبت مصلحة فانه يجوز ~~كونه مصلحة في وقت مفسدة في وقت آخر كما يجوز كون الرفق بالصبي مصلحة في ~~وقت مفسدة في وقت آخر وكما يجوز كونه مصلحة لزيد دون عمرو في وقت واحد يجوز ~~أن يكون مصلحة لزيد في وقت دون وقت وكما يجوز كون الصحة والمرض والغنى ~~والفقر مصلحة في وقت دون وقت يجوز كون التمسك بالسبت مصلحة في وقت دون وقت ~~لا فرق في العقل بين هذه الأقسام # وللمخالف أن يحتج بوجهين أحدهما لا ببينة على الأمور المقيد بالتأبيد بل ~~ببينة على النهي عن مثل ما تعبدنا به وهذا أشبه بأن يكون وجها عقليا والآخر ~~ببينة على أمر قيد بالتأبيد حتى يكون السمع قد منع من النسخ # أما الأول فهو أن يقال لو نهى الله عز وجل عن صورة ما تعبد به لكان إما ~~قد خفي عليه صلاح ما أمر به ما كان ظاهرا أو ظهر له من فساد ما كان خافيا ~~فيه وهو البداء أو يكون عالما بما كان عالما به إلا أنه قصد الأمر بالقبيح ~~والنهي عن الحسن والجواب أنه إنما يلزم ذلك لو لم يجز كون مثل الواجب قبيحا ~~في وقت آخر فأما إذا جاز ذلك ms354 فقد أمكن قسم آخر سوى ما ذكر وهو أن يعلم الله ~~سبحانه فيما لم يزل وجوب ما أمر به في الوقت الذي أمر به وقبحه في الوقت ~~الذي نهى عنه ولو كان مثل الفعل حكمه في جميع الحالات لكان حكم نكاح ~~الأخوات والختان في جميع الحالات حكما واحدا ومعلوم أن نكاح الأخوات قد كان ~~غير محظور من قبل ومحظور في شرع موسى عليه السلام # أما الوجه الثاني فتحريره أن يقال إن الأمر بالفعل أبدا يفيد وجوب فعله ~~في جميع الأوقات بشرط الإمكان فلو أمر الله سبحانه بالعبادة أبدا لم يخل ~~إما أن يكون قد أراد بالأمر فعل العبادة أبدا ما بقي الإمكان أو لم يرد # PageV01P371 # فعلها أبدا فان لم يرده أبدا مع اقتضاء الظاهر له كان ملبسا لأنه لم يدل ~~في الحال على خلاف الظاهر ولو جاز تأخير بيان ذلك جاز تأخير بيان المجمل ~~والعموم ولما كان في الإمكان تعريفنا تأبيد شريعة من الشرائع وأن كان قد ~~أراد فعلها أبدا اقتضى ذلك وجوب فعلها أبدا ووجوب العزم على أدائها أبدا ~~ووجوب اعتقاد وجوبها أبدا واستحقاق الثواب على فعلها أبدا فلو نهى الله ~~سبحانه عنها في المستقبل لدل نهيه على أنه قد خفي عليه ما كان ظاهرا من ~~وجوبها أو ظهر له ما كان خافيا من قبحها أو لأنه قصد النهي عما يعلمه حسنا ~~والأمر بما يعلمه قبيحا وكل هذه الأقسام فاسدة والجواب أن الأمر المطلق لا ~~يفيد التكرار وإنما المقيد بالتأبيد إذا أفاد التأبيد بشرط الإمكان لا يجوز ~~نسخه إلا أن يكون المكلف قد أشعر بالنسخ عند أمره وقيام الدلالة على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم يقتضي أن يكون قد اقترن بالأمر بالسبت الإشعار ~~بالنسخ نحو أن يخبرهم لمجيء نبي إلى غير ذلك من وجوه الإشعار فاذا أشعر ~~بالنسخ لم يكن قد أوهمنا الباطل لأنا مع الإشعار لا نقدم على اعتقاد ~~التأبيد ولا تمتنع القدرة على تعريفنا بتأبيد الشريعة لأن طريق إعلامنا ذلك ~~أن يخلى أمره المؤبد من بيان ms355 النسخ مفصلا ومن الإشعار به وقولنا في بيان ~~المجمل الذي لا يعرف المراد به أصلا وفي بيان التخصيص كقولنا في بيان النسخ ~~وقد تقدم شرح هذه الجملة عند الكلام في تأخير البيان فاذا أراد بالأمر ~~المؤبد بعض ما تناوله ونهانا عما لم يرده لم يكن قد أمر بقبيح ولا نهى عن ~~حسن ولا ظهر له ما كان خافيا ولا خفي عنه ما كان ظاهرا بل كان عالما فيما ~~لم يزل بوجوب ما أمر به في وقته وقبح مثله في وقت آخر ولا يلزم استحقاق ~~العقاب على ما استحق به الثواب وإنما يلزم استحقاق العقاب على مثل ما استحق ~~به الثواب # وأجاب قاضي القضاة عن قولهم إن الأمر بالفعل أبدا يقتضي الدوام فقال إنه ~~لا يفيد الدوام لعلمنا أن التكليف ينقطع ولذلك لا يفهم من قول القائل لغيره ~~لازم فلانا أبدا أو احبسه أبدا الدوام ولقائل أن يقول # PageV01P372 # إن التأبيد يفيد الدوام في الأوقات كلها وإنما يخرج ما بعد الوقت والعجز ~~من الخطاب لدلالة وما عداهما باق على الظاهر كما لو قال له افعل في كل وقت ~~إلا أن تعجز أو تموت حسب ما نقوله في ألفاظ العموم كلها وكذلك قول القائل ~~احبس فلانا أبدا حتى يعطى الحق ولازمه أبدا إلا أنا نعلم من قصد المتكلم ~~أنه يريد حبسه حتى يخرج من الحق ما دام حيا لعلمنا أنه لا غرض له في حبس ~~الموتى فان قيل فالأمر المقيد بالتأبيد يفيد دوام الفعل ما دام مصلحة ~~فالنهي يفيد زوال المصلحة قيل إنا بالأمر نعلم أنه مصلحة فاذا كان مقيدا ~~بالتأبيد أفاد كونه مصلحة أبدا كما لو قال هو مصلحة أبدا وأجاب عن قولهم ~~بأن ذلك يمنع من القدرة على تعريفنا دوام الشريعة بأن ذلك لا يمنع من ذلك ~~لأنه يجوز أن يضطر الأمة من قصد نبيها إلى أن شريعته لا تنسخ ويجوز أن ~~يعلموا ذلك بأن يقول لهم شريعتي مصلحة ما بقي التكليف وبأن ينقطع الوحي ~~ولقائل أن يقول إنه وإن جاز ms356 أن تعلم الأمة ذلك من قصد نبيها فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم لا بد من أن يعرف أن شريعته لا تنسخ بخطاب أو تنتهي إلى ~~خطاب فإن جاز أن يعترض الأمر المؤبد النسخ جاز مثله في ذلك الخطاب الذي عرف ~~به النبي صلى الله عليه وسلم أو جبريل أن الشريعة لا تنسخ وإنما نعلم أن ~~الوحي منقطع إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن شريعتي دائمة أو لا نبي ~~بعدي فان جاز تأخير بيان النسخ مع تناول الأمر لجميع الأوقات جاز أن يكون ~~مراده لا نبي بعدي إلا فلان أو فلان ويتأخر بيان هذا التخصيص وقوله شريعتي ~~مصلحة ما بقي التكليف يفيد ظاهره دوام المصلحة لشرعه كما يفيده الأمر بها ~~أبدا لأن أمر الحكيم بالفعل يدل على كونه مصلحة كما أن خبره عن كونه مصلحة ~~يدل على ذلك فإن جاز تأخير بيان نسخ أحدهما جاز مثله في الآخر وأجاب عن ~~قوله إن في تأخير بيان النسخ إلباس بأن الإلباس إنما يثبت إذا لم يبين ~~الحكيم ما يجب بيانه مما يحتاج المكلف إليه فأما ما لا يحتاج إليه فلا يجب ~~بيانه ولا إلباس في فقد بيانه وليس يحتاج المكلف في حال الخطاب إلى معرفة ~~وقت ارتفاع العبادة ولقائل أن يقول وليس يحتاج # PageV01P373 # أيضا في حال ورود العموم والخصوص والخطاب المجمل إلى تعرف صفة المجمل ومن ~~لم يدخل تحت العموم وإنما يحتاج إلى ذلك عند الفعل فان قال يحتاج في تلك ~~الحال إلى بيان صفة العبادة وتخصيص العام ليعلم أن من دخل تحت العام ممن لم ~~يدخل تحته ليعلم صفة ما كلف فعدم بيان ذلك مخل بعلمه قيل وكذلك تأخير بيان ~~النسخ يخل بعلمه أن العبادة دائمة # وأجاب بأن العبادة تنقطع بالعجز ولا يعلم متى يطرأ ولم يكن في ذلك إلباس ~~فكذلك في النسخ فان قال قائل إن الأمر بالفعل هو كونه مشروطا بالتمكن قيل ~~والأمر بالعبادة مشروط بكونها مصلحة فان قال إنما نعلم كونها مصلحة بالأمر ~~فاذا كان الأمر مؤبدا ms357 كانت المصلحة مؤبدة قيل إنما علمنا كون الفعل مصلحة ~~من حيث علمنا أن الحكيم لا يأمر بما ليس بمصلحة وكما علمنا ذلك فقد علمنا ~~أنه لا يأمر عما لا يقدر عليه فان دل الأمر المؤبد على دوام المصلحة ليدلن ~~أيضا على دوام التمكين ولقائل أن يقول إن الله عز وجل إذا أمرنا بفعل فقد ~~أشعرنا فيه بجواز انقطاع التعبد به بالموت لأنا قد علمنا انقطاع التكليف ~~فيه بالموت والعجز وجوزنا من جهة العادة وجود العجز ولو علمنا بالأمر ~~ارتفاع الموت عنا كنا مغرين بالمعاصي فاذا جوزنا ذلك فقد حصل الإشعار ~~بارتفاع العبادة في كل وقت ولو لزم على ذلك جواز تأخير بيان النسخ للزم ~~جواز تأخير بيان العموم لأن الله سبحانه لو أمر جماعة بصلاة الظهر جاز أن ~~يعجز بعضهم قبل الظهر فيعلم بذلك أنه سبحانه ما عناه بالخطاب وأنه عنى بعض ~~من تناوله الخطاب ولم يدلنا على ذلك عند الخطاب ولم يلزم من ذلك أن يخاطب ~~بالعام والفعل مصلحة لبعض من تناوله الخطاب دون بعض ولا يتبين ذلك عند ~~الخطاب # وأجاب أيضا بأن بيان تأخير بيان النسخ هو تأخير بيان ما لم يرد بالخطاب ~~مما لا يؤثر في تمكن المكلف من الأداء وليس كذلك تأخير بيان صفة العبادة ~~وقد تقدم القوم منا في ذلك # PageV01P374 # وأجاب أيضا بأن الشاهد قد فرق بينهما لأن من أمر عبده بأخذ وظيفة له في ~~كل يوم لا يلزمه أن يبين له في الحال متى انقطاع ذلك ولا يجوز أن لا يبين ~~له في الحال صفة الوظيفة ولقائل أن يقول لا نسلم حسن ذلك إذا كان يعلم وقت ~~انقطاع أخذ الوظيفة بل لا بد من بيان ذلك إما على جملة أو على تفصيل وأيضا ~~فان الإنسان قد يقول لوكيله خذ لي وظيفة وسأبين لك غدا صفتها فالعقلاء لا ~~يستحسنون ذلك فالوجه في ذلك عن الشبهة ما قدمنا من الإشعار # فأما من يمنع من أهل ملتنا من وقوع النسخ في شريعتنا فانه إن منع من حسن ms358 ~~ذلك على الإطلاق فما ذكرنا على اليهود وما وجدناه من النسخ يبطل قوله وإن ~~منع من النسخ إلا مع تقدم الإشعار ولم يسم ما تقدم من الإشعار بنسخة منسوخا ~~فهو قولنا إلا أنه مخالف في الاسم وإن منع من وجود النسخ في شريعتنا أريناه ~~ذلك نحو نسخ ثبات الواحد للعشرة ونسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى ~~الكعبة مع أن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما بشرع النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدا بشرع من تقدم ونسخ صوم عاشوراء ~~برمضان فان أقر بذلك وقال لا أسميه نسخا لزمه أن لا يسمي رفع شريعتنا لشرع ~~من تقدم نسخا - صلى الله عليه وسلم - باب في نسخ الشيء قبل فعله - صلى الله ~~عليه وسلم - # اعلم أن نسخ الشيء قبل فعله ضربان أحدهما نسخ له بعد أن يقضى وقته والآخر ~~نسخ له قبل أن يقضى وقته # أما القسم الأول فجائز لأن مثل الفعل يجوز أن يصير في مستقبل الأوقات # PageV01P375 # مفسدة ولا فرق في جواز ذلك في العقل بين أن يعصى المكلف أو يطيع فالقول ~~بأنه إذا عصى لا يجوز أن لا يصير مثل ما عصى فيه مفسدة فيما بعد كالقول ~~بأنه إذا أطاع لا يجوز أن يصير مثله مفسدة فاذا جاز أن يصير مفسدة فيما بعد ~~جاز النهي عنه وان يبين لنا أن الأمر لم يتناوله # وأما نسخ الشيء قبل وقته فغير جائز عند شيوخنا المتكلمين وبعض أصحاب أبي ~~حنيفة رحمه الله وبعض أصحاب الشافعي رحمه الله وذهب بعض الفقهاء إلى جواز ~~ذلك ودليلنا أن الله عز وجل لو قال لنا في صبيحة يومنا صلوا عند غروب الشمس ~~ركعتين بطهارة ثم قال عند الظهر لا تصلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة ~~لكان الأمر والنهي قد تناولا فعلا واحدا على وجه واحد في وقت واحد صدرا من ~~مكلف واحد إلى مكلف واحد وفي تناول النهي لما تناوله الأمر على الحد الذي ~~تناوله من غير انفصال دليل إما على ms359 البداء وإما على القصد إلى الأمر ~~بالقبيح والنهي عن الحسن إن قيل لم زعمتم أن هذا الأمر والنهي تعلقا بفعل ~~واحد على حد واحد قيل لأنهما لو لم يتناولا فعلا واحدا لم يخل إما أن يكون ~~الأمر تناول الفعل المذكور والنهي لم يتناوله أو تناول النهي والفعل ~~المذكور والأمر ما تناوله أو لم يتناوله واحد منهما فان لم يتناوله الأمر ~~لم يخل إما أن يكون قد عني بالأمر شيء أو لم يعن به شيء فان لم يعن به شيء ~~فهو عبث وإن عني به شيء انقسم إلى أن يكون قد عني به فعل واحد مثل الفعل ~~الذي تناوله النهي أو مضاد له أو مخالف له ولا يجوز أن يتناول مثله لأن ~~المكلف لا يميز بين فعليه المثلين في وقت واحد فتكليفه فعل أحدهما بعينه ~~وتجنب الآخر المنهى عنه بعينه مع أنهما لا يتميزان له تكليف لما لا يطاق ~~ولو تميزا له امتنع أن يكون أحدهما مصلحة والآخر مفسدة # وأيضا لو انصرف الأمر إلى شيء والنهي إلى غيره لوجب على المكلف فعل ~~المأمور به بعد وجود النهي وليس هذا هو المسألة المفروضة التي وقع فيها # PageV01P376 # الخلاف وكذلك لو قيل إن الأمر تعلق بضد ما تعلق به النهي على أن المسألة ~~مفروضة في نهي تعلق بالصلاة لا بنهي تعلق بضد الصلاة لأن النهي لو تعلق بضد ~~الصلاة لما كان ناسخا للصلاة ولا منافيا للتعبيد بها وإن كان الأمر تناول ~~فعلا مخالفا لما تناوله النهي نحو أن يقال إنه أمر بالعزم على الصلاة أو ~~باعتقاد وجوب الصلاة وكونها مأمورا بها أو أن المكلف سيفعلها لا محالة كان ~~الله سبحانه قد استعمل قوله صلوا مكان قوله اعزموا واعتقدوا وليس ذلك ~~بعبارة عن هذا النهي لا في اللغة ولا في الشرع لا حقيقة ولا مجازا ولو صار ~~ذلك عبارة عنه في الشرع لما تأخر بيانه عن وقت الخطاب وذلك يخرج عن مسألة ~~النسخ إلى مسألة تأخير البيان # وأيضا فانه لا بد من أن يكون في ms360 الأمر بالعزم والاعتقاد فائدة ولا فائدة ~~في ذلك إذا كان المعزوم عليه غير واجب فان قالوا الفائدة في ذلك أن يختبر ~~المكلف قيل حقيقة الاختبار إنما تجوز على من لا يعرف العاقبة دون من يعرف ~~العاقبة # وأيضا فايجاب العزم والاعتقاد على الإطلاق لا يحسن والمعزوم عليه غير ~~واجب لأنه لا يحسن اعتقاد وجوب ما ليس بواجب فان قالوا إنما أمر المكلف ~~بالعزم على الفعل بشرط كونه واجبا قيل قد كان يمكنكم أن تقولوا إنه أمر ~~بالفعل بشرط كونه واجبا ولا تضمروا في الأمر العزم الذي ليس بمذكور فان ~~قالوا ذلك فسنتكلم عليه من بعد # وأيضا فليسوا بأن يقولوا إنه إنما أمر بالعزم على الصلاة بشرط كونها ~~واجبة ويتوصلوا إلى ذلك بظاهر النهي أولى من أن يقولوا إنه إنما نهى عن ~~إرادة الفعل المأمور به بشرط كونه قبيحا لا يتجدد به أمر آخر ويجوزوا ورود ~~أمر آخر به ويتوصلوا إلى ذلك بظاهر الأمر ومما يفسد القول بأن الأمر دليل ~~على وجوب اعتقاد فعل المأمور به أن إيجاب ذلك يقتضي القطع على بقاء المكلف ~~وفي ذلك إغراء بالمعاصي # PageV01P377 # فأما القول بأن الأمر تناول الفعل المذكور وهو الصلاة وأن النهي تناول ~~غير ما تناوله الأمر إما مثله أو ضده أو مخالفا له فيبطل بما ذكرناه الآن ~~ويبطل أيضا أن يكون النهي تناول العزم على أداء الصلاة أو الاعتقاد لوجوبها ~~لأنه لا يجوز أن يقبح منا اعتقاد وجوب الصلاة والعزم عليها إلا وقد ارتفع ~~وجوبها وفي ذلك تناول النهي لما تناوله الأمر وهو الذي أردنا بيانه فاذا ~~فسد أن يكون الأمر وحده تناول الفعل أو النهي وحده ووجب أن يكونا قد ~~تناولاه فأحرى أن يفسد القول بأن كل واحد منهما لم يتناوله فان قالوا هذا ~~الأمر وهذا النهي وإن تناولاه فعلا فإنما تناولاه على وجهين قيل إن المسألة ~~مفروضة في أن يأمر الله سبحانه بالصلاة بطهارة ثم ينهى عنها بطهارة على ~~الوجه الذي أمر به فالوجه واحد فان قالوا بل الوجه مختلف لأنه أمرنا ms361 بالفعل ~~بشرط ألا ينهى عنه قيل البارىء سبحانه عالم بأن هذا الشرط لا يحصل والأمر ~~بالشرط إنما يحصل ممن لا يعرف العواقب وأيضا فان النهي ليس بوجه يقع عليه ~~الفعل وأيضا فليس بأن يقولوا أمرنا بالفعل بشرط أن لا ينهى عنه أو بشرط ~~كونه مصلحة أو يكون الغرض به توطين النفس على فعله بأولى من أن يقولوا بل ~~نهانا عنه بشرط أن لا يتجدد أمر آخر قبل فعله ويكون الغرض كراهة فعله إن لم ~~يتجدد أمر آخر به ويمكن أن تقرر الدلالة فيقال النهي عن الشيء قبل وقت فعله ~~هو نهي عما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله في الوقت والمكان والوجه على ~~حسب ما مثلناه وهذا يؤدي إلى الفساد المتقدم ذكره فإن قيل إن النهي لم ~~يتناول ما تناوله الأمر قيل إن المسألة مفروضة في أن يأمرنا الله سبحانه ~~بالصلاة عند غروب الشمس بطهارة ثم ينهى عنها في ذلك الوقت بعينه بطهارة ~~فمتعلقهما واحد فان قالوا الأمر إنما تناول العزم على الصلاة أو اعتقاد ~~وجوبها والنهي تناول نفس الصلاة أجبنا عنه بما تقدم # واحتج المخالف بأشياء # PageV01P378 # منها قول الله عز وجل {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} فدل على ~~أنه يمحو كل ما شاء محوه وفي ذلك جواز محو العبادة قبل وقتها والجواب أن ~~حقيقة المحو هو محو على كل وجه الكتابة وقد قيل المراد به ما يكتبه الملكان ~~من المباحات ويبقيه ما يشاء من الطاعات والمعاصي وقيل المراد به محو ~~النكبات والبلايا بالصدقة على معنى أنه لولاها لنزل ذلك وعلى أن الآية تدل ~~على أنه يمحو ما يشاء وليس في الآية أنه شاء محو العبادات قبل أوقاتها # ومنها أن إبراهيم قال لإسماعيل عليهما السلام {إني أرى في المنام أني ~~أذبحك} فقال له {افعل ما تؤمر} فأضجعه وأخذ المدية ليذبحه وذلك لا يكون إلا ~~وقد أمر بالذبح ثم إن الله عز وجل نهاه عن ذبحه قبل وقت الذبح وفداه بذبحه ~~والجواب أنه لم يفعل ما فعله إلا ms362 وقد أمر بشيء ومعناه أنه أمر بالذبح ولا ~~رؤية الذبح في المنام أمر له بالذبح فيحتمل أن يكون أمر بالذبح ويحتمل أن ~~يكون أمر بما فعله وامتثله ولهذا قال الله عز وجل {قد صدقت الرؤيا} ولو كان ~~قد فعل بعض ما أمر به لكان قد صدق بعض الرؤيا وقول إسماعيل {افعل ما تؤمر} ~~إنما يفيد الأمر في المستقبل وقوله {إن هذا لهو البلاء المبين} لا يمنع مما ~~ذكرناه لأن إضجاع ابنه وأخذ المدية مع غلبة الظن بأنه يؤمر بالقبح بلاء ~~عظيم وإنما فدى بالذبح ما كان يتوقعه من الأمر بالذبح وقد قيل إنه أمر ~~بصورة الذبح وهو القطع وأنه كان كلما قطع موضعا من الحق وتعداه إلى غيره ~~وصل الله سبحانه ما تقدم قطعه فإن قيل حقيقة الذبح هو قطع مكان مخصوص تبطل ~~معه الحياة # PageV01P379 # قيل ليس كذلك لأن الإنسان يقال إنه مذبوح قبل بطلان الحياة ولهذا يقال قد ~~ذبح هذا ولم يمت بعد ولو كان حقيقة الذبح ما ذكروه لم يمتنع حمل الآية على ~~المجاز بدليلنا المتقدم وقيل إنه أمره بالذبح والله سبحانه جعل على عنقه ~~صفيحة من حديد فكان إذا أمر إبراهيم السكين لم يقطع شيئا من الحلق وهذا ~~تأويل سائغ إذا قلنا إنه أمر بما يجرى مجرى الذبح من إمرار السكين فأما إذا ~~قيل إنه أمر بالذبح على الحقيقة فانه لا يسوغ لأنه تكليف ما لا يقال # ومنها أن الله عز وجل نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول قبل أن فعل ~~ذلك والجواب أنه نسخ ذلك إلا بعد أن حضر وقت الفعل ولهذا ناجى علي رضي الله ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم الصدقة فعلمنا أن وقت الفعل ~~قد كان حضر سواء ناجاه غيره أو لم يناجه # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشا يوم الحديبية على رد من ~~هاجر إليه ثم نسخ الله سبحانه ذلك قبل الرد بقوله عز وجل {فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} والجواب أنه ms363 لا يمتنع أن تكون الآية نزلت ~~بعد مضي وقت كان يجوز أن يهاجرن إليه فيردهن فيكون النسخ واقعا بعد وقت ~~الفعل وروى الواقدي أن أبا بصير لما رده النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش ~~انحاز مع جماعة ممن أسلم من قريش فكان يمنع من قدوم الميرة على أهل مكة ~~فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تقسم عليه بأرحامها إلا رد أبا ~~بصير والنفر الذين معه إليه وأن لا يرد عليهم أحداها هاجر إليه فاذا كان ~~العهد وقع على رد المهاجرين إليهم لأنهم آثروا ذلك وشرطوه فمتى كرهوه زال ~~الشرط فلم يجب ردهم لم يكن ذلك نسخا # ومنها قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء فرض الله ~~عز وجل عليه # PageV01P380 # وعلى امته خمسين صلاة فأشار عليه موسى عليه السلام بالرجوع وأن يشفع في ~~النقصان وأنه قبل ما أشار عليه فردت الصلاة إلى خمس بعد رجعات وذلك نسخ قبل ~~الوقت والجواب أن ذلك خبر واحد لا يجب قبوله فيما يجب أن نعلم وأيضا فان ~~الخبر يتضمن من أنواع التشبيه ما يدل على أن أكثره موضوع وأيضا فان ذلك ~~يقتضي نسخ الشيء قبل وقته وقبل تمكن المكلف من العلم وعلل المخالف تقتضي ~~المنع من ذلك لأنهم يجوزون هذا النسخ على ان يكون الغرض في التعبد بالمنسوخ ~~العزم على أدائه والاعتقاد لوجوبه وهذا لا يتم إلا مع علم المكلف بالتعبد ~~بالمنسوخ # ومنها قولهم لو أمرنا الله سبحانه بمواصلة الفعل سنة جاز أن ينسخه عنا ~~بعد أشهر وذلك نسخ قبل أوقاته التي هي بقية السنة والجواب أن نسخه له يدلنا ~~على أنه لم يعن بالسنة جمعها وأنه لم يكن أراد إلا الفعل في بعض السنة ~~فيكون النسخ بيانا للمراد بالخطاب على وجه يكون الأمر تناول غير ما تناوله ~~النهي وليس كذلك إذا ورد النسخ قبل حضور كل شيء من أوقات الفعل لأنه يكون ~~قد نسخ جميع ما تناوله الأمر فيكون النهي قد تناول نفس ما تناوله الأمر ms364 # ومنها أنه إذا جاز أن يأمر الله تعالى زيدا أن يفعل غدا فعلا ثم يمنعه ~~منه قبل مجيء غد فيكون مأمورا بالفعل بشرط زوال المنع جاز أن ينهاه عنه قبل ~~الغد فيكون مأمورا به بشرط زوال النهي والجواب أنه لا يجوز أن يأمر زيدا أن ~~يفعل في غد ويمنعه منه في غد لأنه أمره بالفعل مطلقا وأراده منه ثم منعه ~~كان قد كلفه ما لا يطيقه وإن أمره بشرط زوال المنع فالأمر بشرط لا يجوز ~~وقوعه من العالم بالعواقب فاذا أمر جماعة أن يفعلوا الفعل في غد فانه يجوز ~~أن يمنع بعضهم من الفعل ويدلنا المنع على أن الله عز وجل ما عنى بخطابه من ~~علم أنه يمنع ولا يجوز أن يمنع جميعهم بشيء أو أمر به جماعة ثم نهى عنه ~~جميعهم فقد تعلق الأمر بما تعلق النهي به على خد واحد وذلك يؤدي إلى ما # PageV01P381 # ذكرناه من الفساد وليس ذلك بموجود في منع بعض من أمر بالفعل # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مكة أحلت لي ساعة من نهار ومع ~~ذلك منع من القتال فيها وهذا نسخ قبل وقت الفعل والجواب أن إباحة القتال في ~~تلك الساعة لا تقتضي وقوع القتال فيها لأن المباح لا يجب وقوعه لا محالة ~~فلا يمتنع أن يكون نهي عن القتال بعد تلك الساعة وعلى أن إباحة القتال فيها ~~يفيد حسن اختياره له وحسن كفه عنه ومنعه منه فلا يمتنع أن يحتاج المنع منه ~~ولا يمتنع أن يكون أبيح أن يقتل فيها قوما معينين مثل ابن خطل وغيره ولم ~~يبح له القتال - صلى الله عليه وسلم - باب في أنه يحسن نسخ العبادة وإن كان ~~الأمر بها مقيدا بلفظ التأبيد - صلى الله عليه وسلم - # ذهب بعض الناس إلى أن الله عز وجل لو قال لنا افعلوا هذا الفعل أبدا لم ~~يجز نسخه والذي يفسد قولهم هو أن النسخ إنما يرد على عبادة قد أمرنا بها ~~بلفظ يفيد الاستمرار أو يدل الدليل على ms365 أن المراد به الاستمرار فلفظ ~~التأبيد كغيره من الأدلة والألفاظ المفيدة للاستمرار فكما جاز دخول النسخ ~~على هذه الألفاظ إما بمقارنة إشعار النسخ لها أو من غير مقارنة ذلك جاز ~~دخوله على لفظ التأبيد فلا معنى للفرقة بينهما وأيضا فقد قال شيوخنا إن ~~العادة في لفظ التأبيد المستعمل في الأمر المبالغة لا الدوام ألا تراه هو ~~المفهوم من قول القائل لغيره لازم فلانا أبدا أو احبسه أبدا أو امض إلى ~~السوق أبدا # واحتج المخالف بأشياء # منها أن لفظ التأبيد يفيد استمرار وجوب الفعل في كل أوقات الإمكان فجرى ~~مجرى أن ينص الله سبحانه على وجوب عبادة في كل وقت من تلك الأوقات فكما لا ~~يجوز ورود النسخ على هذا فكذلك ذاك والجواب أن # PageV01P382 # اللفظ إذا تناول جملة أشياء جاز إخراج بعضها منه وإذا تناول شيئا واحدا ~~لم يجز إخراج شيء منه ولهذا كان العموم في تناوله أشخاص الجنس يجري مجرى ~~ألفاظ تتناول كل واحد من تلك الألفاظ في امتناع دخول التخصيص فيه على أن ~~ذلك يمنع من النسخ كله لأن المنسوخ لا بد من كونه لفظا يفيد الاستدامة إما ~~بنفسه وإما بدلالة على أن عند أصحابنا أن لفظ التأبيد في التعبد ليس يفيد ~~من جهة العرف كل وقت من أوقات المستقبل # ومنها قولهم إنا لو أمرنا بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار لجاز دخول النسخ ~~عليه فلو جاز ذلك مع التقيد بالتأبيد لم يكن في التقييد به فائدة والجواب ~~أن التقييد بذلك يفيد تأكيد الاستمرار أو تأكيد المبالغة في الاستمرار فاذا ~~ورد النسخ عليه علمنا أن لفظ التأبيد كان الغرض به تأكيد المبالغة ولو منع ~~ذلك من النسخ لمنع تأكيد العموم من التخصيص # ومنها قولهم لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد لم يكن لنا طريق إلى العلم ~~بدوام العبادة في أزمان التكليف والجواب أن لنا طرقا إلى ذلك بأن لا يقترن ~~بالأمر بالعبادة ما يدل على ان المراد به بعض الأزمان إما دلالة مفصلة أو ~~مجملة وعند أصحابنا أن طريقنا إلى ms366 ذلك أن يقول الله عز وجل هذا العبادة ~~واجبة عليكم إلى آخر أوقات التكليف # ومنها قولهم إن لفظ التأبيد يفيد الدوام إذا وقع في الخبر فيجب في الأمر ~~مثله والجواب أن إفادة الدوام فيهما لا يمنع من قيام الدلالة على أن المراد ~~به غير ظاهر كما نقوله في جميع ألفاظ العموم ثم ننظر متى يجب أن يقوم ~~الدلالة على ذلك فان حسن أن يتأخر الدلالة على ذلك من غير إشعار جوزناه وإن ~~لم يحسن باشعار مقارن شرطناه وأصحابنا يمنعون من إفادة لفظ التأبيد الدوام ~~إذا وقع في التعبد # PageV01P383 # - صلى الله عليه وسلم - باب في أن إثبات بدل في العبادة ليس بشرط في ~~نسخها - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه يحسن نسخ العبادة إلى بدل ولا إلى بدل والبدل ضربان أحدهما ~~ينافي المبدل نحو نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة فالجمع ~~بينهما مستحيل في صلاة واحدة والآخر لا ينافي المبدل مثل نسخ صوم عاشوراء ~~برمضان وذهب بعض الناس إلى المنع من نسخ الشيء لا إلى بدل وليس يخلو إما أن ~~يكونوا منعوا من تسمية دفعة لا إلى بدل نسخا أو يكونوا منعوا من حسن ذلك أو ~~من وقوعه في الشريعة أو قالوا إن الشرع ورد بأن ذلك لم يقع # أما اشتراطه في الاسم فباطل لأن النسخ هو الإزالة في الأصل ولم يدل دلالة ~~على اشتراط البدل في الاسم فلم نشرطه فيه كما لم نشرط غيره فيه لأن الأمة ~~سمت رفع تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى بدل ~~نسخا # وأما حسن ذلك فلانه يجوز في العقل أن يكون مثل المصلحة مفسدة في وقت آخر ~~من غير أن يقوم مقامها فعل آخر كما يجوز ذلك وإن قام مقامها فعل آخر لا فرق ~~في العقل بينهما فجاز نسخها إلى بدل ولا إلى بدل # وأما الدلالة على وقوع ذلك في الشريعة فهي أن تقديم الصدقة بين يدي ~~مناجاة الرسول قد نسخ لا إلى بدل والاعتداد بالحول قد ms367 زال إلى أربعة أشهر ~~وعشرا فما زاد على هذه المدة قد ارتفع لا إلى بدل وهذا أيضا يدل على أن ~~الشريعة لم ترد بأن ذلك لم يقع وأيضا فلسنا نجد في الشريعة ما يدل على أن ~~ذلك لم يقع فان قالوا قول الله عز وجل {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها} يدل على ذلك لأنه أخبر أنه لا ينسخ إلا ويأتي # PageV01P384 # بخير ما نسخ أو مثله والجواب أن نسخ الآية يفيد نسخ لفظها ولهذا قال {نأت ~~بخير منها} فليس لنسخ الحكم ذكر في الآية ولو تناولت الآية الحكم لجاز أن ~~يقال إن نفي الحكم وإسقاط التعبد به خبر منه في الوقت الذي تصير العبادة ~~فيه مفسدة - صلى الله عليه وسلم - باب في أن رفع العبادة إلى ما هو أخف ~~منها ليس بشرط في نسخها - صلى الله عليه وسلم - # ذهب قوم من أهل الظاهر إلى المنع من نسخ عبادة إلى بدل هو أشق منها فان ~~كانوا منعوا من وقوع اسم النسخ إذا كانت العبادة الناسخة أشق فالذي يفسده ~~أن النسخ هو الإزالة ولا دليل على اشتراط ما ذكروه وقد سمى المسلمون إزالة ~~التخيير بين الصوم والفدية بنفس الصوم نسخا وهو أشق وكذلك إزالة الحبس في ~~اليوت إلى الجلد والرجم وقولهم إن نسخ العبادة إلى ما هو أخف منها أذهب في ~~الإزالة يقتضي إزالة نسخها لا إلى بدل ليكون أذهب في الإزالة على أن ~~العبادة المنسوخة زائل وجوبها سواء كان بدلها أشق أو أخف وليس يعقل في زوال ~~الوجوب تزايد وإن منعوا من حسن نسخ العبادة إلى بدل هو أشق فالذي يفسده هو ~~أن مثل العبادة إذا صار مفسدة جاز أن يكون المصلحة ما هو أشق منها وجاز أن ~~يكون ما هو أخف منها هو الصلاح لا فرق في العقل بينهما وإن كانوا منعوا من ~~وقوع ذلك في الشريعة فالذي يبطله نسخ إمساك الزانية في البيوت إلى الجلد ~~والرجم # PageV01P385 # ونسخ التخيير بين الصوم والفدية إلى نفس الصوم ms368 وهو أشق وإن قالوا قد جاءت ~~الشريعة بأن ذلك لم يقع فما ذكرناه الآن يبطله مع أنا لم نجد في ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وقالوا خير منها ما كان أخف منها ~~ومثلها ما جرى في السهولة مجراها قيل إن ظاهر الآية يتناول نسخ التلاوة على ~~أن خيرا من العبادة هو ما كان أنفع منها وأصلح في الدين وإن كان أشق وإن ~~احتجوا بقول الله عز وجل {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقالوا ~~إرادة ما هو أشق إرادة العسر قيل لهم هذا يمنع من التعبد بالمشاق وأيضا فإن ~~إرادة ما هو أشق مما هو أصلح وأبلغ في التحذر من المضار وأكثر ثوابا إرادة ~~لليسر لا للعسر وإن احتجوا بقول الله عز وجل {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا} قيل ليس في ذلك لفظ عموم حتى يقتضي أن يريد التخفيف في كل ~~شيء ومن كل وجه وعلى أن إرادة الأشق الذي يكون معه أبعد من المضار وأصلح في ~~الدين إرادة للتخفيف لأنه يؤول إلى التحفيف - صلى الله عليه وسلم - باب ~~جواز نسخ التلاوة دون الحكم ونسخ الحكم دون التلاوة - صلى الله عليه وسلم - # يدل على جواز ذلك أن التلاوة والحكم عبادتان وكل عبادتين فانه يجوز أن ~~يصير مثلاهما مفسدتين فيجب النهي عنهما ويجوز أن يصير كل واحدة منهما ~~بانفرادها مفسدة دون الأخرى فيلزم النهي عنها دون الأخرى وقد نسخ الله ~~سبحانه الحكم دون التلاوة في قوله تعالى {متاعا إلى الحول غير إخراج} بقوله ~~سبحانه {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} # PageV01P386 # ونسخت التلاوة دون الحكم فيما روي أنه كان مما أنزل الله عز وجل والشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ويحتمل أن يكون ذلك مما ~~أنزل وحيا ولم يكن ثابتا في المصحف وقد روي عن عمر أنه قال لولا أن يقال ~~زاد عمر في المصحف لأثبت في حاشيته الشيخ والشيخة وقد نسخت التلاوة والحكم ~~جميعا فيما روي عن عائشة أنها ms369 قالت كان مما أنزل الله سبحانه عشر رضعات ~~يحرمن فنسخن بخمس وليس يجب إذا ارتفعت التلاوة أن يرتفع الحكم لأن الدليل ~~إذا دل على شيء في أوقات جاز عدمه والحكم ثابت فان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لو قال زيد يعيش مائة سنة لم يجز بطلان حياة زيد عند عدم هذا القول من ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا جاز أن تتقدم الدلالة على مدلولها وليس يجب ~~إذا ارتفع الحكم أن ترتفع التلاوة من حيث كانت التلاوة دلالة على الحكم ~~ويستحيل بقاء الدلالة مع عدم مدلولها وذلك لأن التلاوة دلت على الحكم في ~~عموم الأوقات بشرط أن لا يعارضها ما يمنع من مدلولها كما نقوله في دلالة ~~العموم على الاستغراق وهذا الشرط غير قائم مع وجود النسخ إن قيل لو بقيت ~~الدلالة مع عدم حكمها لكان الغرض بالآية التعبد بالتلاوة فقط وأنتم تأبون ~~ذلك قيل إنما نأنبى التعبد بتلاوة ما لا يفهم فأما ما كان له حكم ثم زال ~~وهو مفهوم في نفسه أو لم يتضمن حكما أصلا كالأخبار عن الأمم السالفة فلا ~~يمنع من التعبد بتلاوته فقط - صلى الله عليه وسلم - باب جواز نسخ الأخبار - ~~صلى الله عليه وسلم - # منع أكثر الناس من نسخ الأخبار وأجازه الشيخ أبو عبد الله وقاضي القضاة ~~والكلام في ذلك يكون في الأخبار وفي فوائدها وفي توابع فوائدها # أما فوائد الأخبار فضربان أحدهما لا يجوز تغييره والآخر يجوز تغييره ~~فالأول كالأخبار عن قبح الظلم وكالأخبار عن صفات الله الذاتية ونسخ هذه # PageV01P387 # الفوائد لا يصح لأن الأخبار عن زوالها كذب وأما الفوائد التي يجوز ~~تغييرها فضربان احدهما أحكام والآخر غير أحكام والثاني ضربان أحدهما فوائد ~~مستقبلة والآخر ماضية كلاهما يدخلها معنى النسخ وإن لم يسم نسخا أما ~~المستقبلة فنحو أن يخبرنا الله سبحانه أن يعذب العصاة أبدا فانه يجوز أن ~~يدلنا في المستقبل بأنه أراد بالتأبيد ألف سنة وذلك إنما يجوز بأن يشعرنا ~~بهذا البيان عند الخطاب وقد منع شيوخنا رحمهم الله من دخول النسخ ms370 في الوعد ~~والوعيد والذي ذكرناه غير ممتنع وأما الماضي فيجوز أن يخبر الله عز وجل أنه ~~عمر زيدا ألف سنة ويشعرنا أنه أراد البعض ويدلنا في المستقبل أنه عمره ألفا ~~إلا خمسين وأما الفوائد التي هي الأحكام ويجوز تغيرها فكالأخبار عن وجوب ~~الحج ابدا كان يجوز نسخه في المستقبل لأن ما أجاز نسخه لو تعلق به أمر هو ~~جواز انتقال كون ذلك مصلحة إلى أن يكون مفسدة وجواز أن يدلنا على أن المراد ~~بالخطاب المفيد لاتصال العبادة انقطاعها وهذا قائم في الخبر والقول بأن من ~~شرط حسن النسخ كون المنسوخ أمرا أو نهيا مع أنه لا تأثير لذلك كالقول بأن ~~من شرطه كون المنسوخ خبرا # فان قيل لاشتراطنا كونه أمرا أو نهيا تأثير لأن دخول النسخ على الخبر ~~يؤذن بكونه كذبا قيل ودخوله على الأمر يؤذن بالبداء فان قالوا لا يؤذن ~~بالبداء لأن النهي إنما دل على أن الأمر ما تناول ما تناوله النهي قيل ~~والدليل الناسخ دل على أن الخبر المنسو ما تناول ما تناوله الدليل الناسخ ~~وإذا تغاير متعلقهما ارتفع الكذب كما يرتفع البداء في الأمر والنهي فإن قيل ~~إنما يجوز دخول النسخ على الخبر المتناول للأحكام لأنه في معنى الأمر ~~بالفعل قيل هذا إقرار بدخول معنى النسخ فيه وهو ما أردناه وقولكم إنما دخل ~~النسخ على الخبر لأنه ليس في معنى الأمر كقول من قال إنما دخل على الأمر ~~لأنه في معنى الخبر عن وجوب الفعل على أنهم إن أرادوا بقولهم الخبر في معنى ~~الأمر أنه على صيغته كان الحس يشهد بخلافه وإن أرادوا أنه يفيد فائدة الأمر ~~من الوجوب فلسنا نأبى ذلك # PageV01P388 # واحتج الشيخان أبو علي وأبو هاشم رحمهما الله للمنع من نسخ الخبر بأن ~~القائل لو قال أهلك الله عادا ثم قال ما أهلكهم كان كذبا والجواب إن ~~إملاكهم غير متكرر لأنهم لا يهلكون مرة بعد مرة بل إنما يهلك كل واحد منهم ~~مرة فاذا قال ما أهلكهم رفع تلك المرة وهذا كذب وإن أراد ms371 بقوله ما أهلكهم ~~ما أهلك بعضهم كان تخصيصا وليس بنسخ وذلك يجوز مع اقتران البيان وليس كذلك ~~الخبر عن تكرار الفعل وتواليه في الأزمان لأن قيام الدلالة على أنه ما أريد ~~تكرارها في بعض الزمان وهو النسخ الذي أجزناه في الأمر والنهي فهذا هو ~~الكلام في نسخ فوائد الأخبار # فأما ما يتبع فوائدها فهو الاستدلال بالخبر عن فوائدها ونسخ ذلك جائز ~~سواء بقيت الفوائد أو نسخت أما إذا نسخت فلا شبهة في ارتفاع الاستدلال لأنه ~~لا يجوز الاستدلال على إثبات ما ليس بثابت وأما إذا لم تنسخ فوائدها فانه ~~يجوز أن يكون الاستدلال بالخبر مفسدة كالاستدلال بأخبار التوراة على أحكام ~~هي الأن ثابتة # وأما نسخ الأخبار أنفسها فضربان أحدهما أن تنسخ عنا تلاوة الخبر والآخر ~~أن ينسخ عنا الابتداء بالخبر أما نسخ تلاوة الخبر فجائز كنسخ تلاوة أخبار ~~التوراة وغيرها وأما نسخ الابتداء بالخبر فنحو أن يأمر الله سبحانه أن نخبر ~~عن شيء فيجوز أن ينسخ عنا وجوب الإخبار عنه وكونه ندبا ويدلنا على قبحه ~~سواء كان فائدة الخبر مما يجوز أن تتغير ومما لا يجوز أن تتغير كالأخبار عن ~~صفات الله سبحانه لأنه لا يمتنع أن يكون في الإخبار عن ذلك مفسدة كما كان ~~في تلاوة الجنب والحائض للقرآن مفسدة ولا يجوز أن نؤمر بنقيض ما كنا نخبر ~~به إن كان ذلك مما لا يجوز تغيره نحو الأمر بالإخبار # PageV01P389 # بأن الله سبحانه عالم ثم الأمر بالإخبار بأنه غير عالم لأن ذلك كذب لا ~~يحسن الأمر به ويجوز أن نؤمر بالإخبار بنفي ما أمرنا أن نخبر به إن جاز ~~تغيره نحو أن نؤمر بالإخبار عن كفر زيد ثم نؤمر بالإخبار عن إيمانه فيما ~~بعد وقد ذكر قاضي القضاة في الشرح أنه يبعد أن يبقى وجوب الفعل ويحرم العزم ~~على أدائه قال إلا أن يجوز كون العزم عليه مفسدة ويستحيل أن يحرم علينا ~~إرادته المقارنة له لأن لا يكون الفعل واقعا على ما أمرنا أن نوقعه عليه ~~إلا مع مقارنتها - صلى ms372 الله عليه وسلم - باب نسخ الكتاب بالكتاب والسنة ~~بالسنة - صلى الله عليه وسلم - # أما الكتاب فمتساو في وقوع العلم به ووجوب العمل وكذلك السنن المقطوع بها ~~واما السنن المنقولة بالآحاد فهي متساوية في كونها أمارات يلزم العمل بكل ~~واحد منها فلو لم يجز مع تساوي الناسخ والمنسوخ في القوة ووقوع النسخ فيهما ~~بطل ما علمناه من جواز النسخ فإذا ثبت ذلك ووجدنا أحد الخبرين أو الآيتين ~~متأخرا عن الآخر وحكمهما متناف لم يمكن فيهما إلا النسخ وقد نسخ الله ~~الاعتداد بالحول باعتداد أربعة أشهر ونسخ الله سبحانه الصدقة بين يدي ~~مناجاة الرسول بقوله تعالى {أأشفقتم} الآية ونسخ ثبات الواحد للعشرة بقوله ~~{الآن خفف الله عنكم} الآية وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ~~زيارة القبور ثم قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وقال في شارب ~~الخمر فان شربها الرابعة # PageV01P390 # فاقتلوه فحمل إليه من شربها الرابعة فلم يقتله # فأما نسخ الخبر المتواتر بأخبار الآحاد فجائز في العقل والشرع قد منع منه ~~- صلى الله عليه وسلم - باب نسخ السنة بالكتاب - صلى الله عليه وسلم - # ذهب أكثر الناس إلى حسن ذلك ووقوعه ومنع الشافعي منه ودليلنا أنه لو ~~امتنع ذلك لم يخل إما أن يكون امتناعه من حيث القدرة والصحة أو من حيث ~~الحكمة أما من حيث القدرة والصحة فبأن يقال إن الله عز وجل لا يوصف بالقدرة ~~على كلام ناسخ لسنة نبيه أو لو أتى بكلام هذه سبيله لم يكن دالا على النسخ ~~والأول والثاني باطلان لأنه الله سبحانه قادر على جميع أقسام الكلام ولا ~~يجوز خروج كلامه من أن يكون دليلا على ما هو موضوع وأما الحكمة فبأن يقال ~~لو نسخ الله سبحانه كلام نبيه لنفر ذلك عنه وأوهم أنه لم يرض بما سنه وهذا ~~باطل لأن النسخ إنما يرفع الحكم بعد استقرار مثله وذلك يمنع من هذا التوهم ~~لأنه لو لم يرض بما سنه لم يقر عليه أصلا على أنه لو نفر عنه لنفر عنه ms373 أن ~~ينسخ سنته بسنة أخرى لأن السنة الناسخة إنما صدرت عنه لأجل الوحي فجرى مجرى ~~كلام ينزله الله عز وجل إن قيل إن الله عز وجل إذا أنزل آية ناسخة أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يسن سنة تكون هي الناسخة قيل لا وجه لوجوب ما ذكرتم ~~فلم قطعتم به ولأنه لو كان كذلك لم تكن السنة بأن تكون ناسخة أولى من الآية # واحتج المخالف بأشياء # منها قول الله عز وجل {لتبين للناس ما نزل إليهم} فدل على أن كلامه بيان ~~ولو نسخ لارتفع كونه بيانا وذلك لا يجوز قيل إنه ليس في # PageV01P391 # قوله {لتبين للناس ما نزل إليهم} دليل على أنه لا يتكلم إلا بالبيان كما ~~أنك إذا قلت دخلت الدار لأسلم على زيد ليس فيه أنك لا تفعل فعلا آخر على ~~أنه ليس في كون كلامه كله بيانا ما يمنع من نسخه بالكتاب كما لا يمنع من ~~نسخة بالسنة وكما لا يمنع كون بعض الكتاب بيانا من نسخه بالكتاب # ومنها قولهم من شرط الناسخ أن يكون من جنس المنسوخ ولهذا لم ينسخ الكتاب ~~العقل والجواب أنه يجوز نسخ حكم العقل بالكتاب وإنما لا يسمى ذلك نسخا فليس ~~كلامنا في الأسماء وإيجابهم كون الناسخ من قبيل المنسوخ دعوى لا دليل عليها # وأما الدلالة على أنه نسخت السنة بالقرآن فهي أنه كان يجب في الابتداء ~~التوجه إلى بيت المقدس بالسنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدا ~~بشريعة من قبله ثم نسخ ذلك بقول الله عز وجل {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره} ولم يكن وجوب التوجه إلى بيت المقدس معلوما بقول الله عز وجل {فأينما ~~تولوا فثم وجه الله} لأن هذا يقتضي التخيير بين الجهات وهذا دليل على أن ~~الآية وردت بعد إيجاب التوجه إلى الكعبة في المسافر إذا صلى باجتهاد إلى ~~بعض الجهات ثم بان له أن تلك الجهة ليست بجهة القبلة - صلى الله عليه وسلم ~~- باب نسخ القرآن بالسنة - صلى الله عليه وسلم - # السنة ms374 ضربان أحدهما متواتر والآخر آحاد أما المتواتر فقد منع الشافعي # PageV01P392 # وطائفة منع بالعقل من نسخ القرآن به وأجازه المتكلمون وأصحاب أبي حنيفة ~~من جهة العقل واختلف هؤلاء فمنهم من قال قد وقع ومنهم من قال لم يقع ولم ~~يرد المنع منه # والدليل على جوازه في العقل أنه لو لم يجز لكان إما أن لا يجوز في القدرة ~~والصحة أو في الحكمة ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقدر على أنواع ~~الكلام ولو أتى بكلام موضوع لرفع حكم من الأحكام لدل على ما هو موضوع له ~~ولو امتنع ذلك في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون منفرا عنه صلى الله عليه ~~وسلم وموهما أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بالأحكام من قبل نفسه فهذا ~~لو نفر عنه لنفر عنه من حيث أزال الحكم وادعى أنه أوحي إليه بازالته وهذا ~~قائم في نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة وكان يجب لو لم يكن القرآن معجزا ~~أن يكون نسخ بعضه ببعض منفرا وأن يكون نسخ الآية بما لا يظهر الإعجاز فيه ~~منفرا # فإن قالوا إنما جاز نسخ القرآن بالقرآن لأن اللقرآن معجز قيل إنا لا ~~نفتقر في دليلنا إلى تشبيه السنة الناسخة بالقرآن فتفرقوا بينهما بما ذكرتم ~~على أن النسخ هو رفع الحكم وإزالته وذلك هو موقوف على أن يدل دليل على رفعه ~~وليس من شرط الدليل أن يكون معجزا فان قيل إذا لم يكن كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم معجزا لم يتكلم بالنسخ قيل إنما لا يجوز أن يتكلم به لو كانت ~~دلالته موقوفة على كونه معجزا ومعلوم أن القرآن ينسخ القرآن وإن لم يظهر في ~~الناسخ الإعجاز وتنسخ السنة بالسنة ولا لإعجاز فيها فان قيل إذا نسخت السنة ~~القرآن كان الله قد أنزل آية تكون هي الناسخة قيل إنما يجب ذلك لو كان لذلك ~~وجه وجوب ولم تكف السنة في النسخ وقد بينا أنه لا وجه لوجوب ذلك إذ السنة ~~ممكنة وكافية في النسخ من غير تنفير على أنه ms375 إذا وردت السنة وجب أن يضاف ~~النسخ إلى كل واحد منهما لأنه ليس إحداهما أولى بذلك من الأخرى إن قيل إذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينسخ الآية عندكم إلا بوحي فيجب إضافة ~~النسخ إلى الوحي وإن لم يظهر لنا كما أنه إذا # PageV01P393 # أجمعت الأمة على نسخ الآية لم يضف النسخ إليها ولكن إلى ما دلها إلى ~~النسخ وإن لم يظهر لنا والجواب أن في ذلك تسليم لما نريده من المعنى وهو ~~نسخ آية بسنة من غير أن يظهر لنا الوحي وإنما نازعتم في وصف السنة بأنها ~~ناسخة وليس يمتنع أن يفارق السنة الإجماع لأن الأمة إذا أجمعت على حكم لم ~~نقل إنه شرعها ولذلك لا يقال إنها نسخت الكتاب بقولها والشرع يضاف إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فجاز أن يضاف النسخ إليه # واحتج المخالف بأشياء # منها قوله تعالى {لتبين للناس ما نزل إليهم} فوصفه بأنه يبين ونسخ ~~العبادة هو رفعها ورفعها ضد بيانها والجواب أن نسخها هو بيان ارتفاعها وذلك ~~بيان للمراد بالخطاب كالتخصيص هو بيان للعموم وإن أخرج بعض ما تناوله ولو ~~لم يكن النسخ بيانا لم يكن في وصف الله عز وجل نبيه بأنه مبين ما يمنع من ~~كونه على صفة أخرى غير البيان وهو كونه ناسخا والشيخ أبو هاشم رحمه الله ~~يحمل قوله تعالى {لتبين للناس} لتظهر لهم ذلك وتؤديه وإذا حملها على ذلك ~~استوعب جميع ما أنزل إلينا وإذا حمل على بيان المجمل لم يستوعبه فكان هذا ~~التأويل أولى لمطابقته العموم # ومنها قوله عز وجل {وإذا بدلنا آية مكان آية} قالوا فأخبر أنه إنما يبدل ~~الآية بالآية والجواب أنه أخبر بأنه إذا بدل آية مكان آية قال قائلون كيت ~~وكيت وليس في ذلك دليل على أنه لا يبدل الآية إلا بآية كما أنك إذا قلت إذا ~~قصدت زيدا راكبا تكلم فينا الأعداء لا يدل على أنك لا تقصده إلا راكبا على ~~أن ظاهر قوله عز وجل {وإذا بدلنا آية مكان آية} يتناول ms376 تبديل نص الآية لا ~~حكمها # PageV01P394 # ومنها أن الله عز وجل حكى عن المشركين أنهم قالوا عند تبديل الاية بالآية ~~{إنما أنت مفتر} وأنهم وهموا عند ذلك وأنه أزال هذا الإيهام بقوله {قل نزله ~~روح القدس من ربك بالحق} والجواب أن ذلك لا يمنع من نسخ القرآن بالسنة لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا ينسخ القرآن إلا إذا أوحي إليه بذلك فقد نزله ~~روح القدس # ومنها قوله عز وجل {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ~~قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} والجواب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا ينسخ أحكام القرآن إلا متبعا ما أوحي إليه من ~~ذلك على أن قولهم ائت بقرآن غير هذا أو بدله ينصرف إلى ألفاظ القرآن دون ~~أحكامها # ومنها قول الله عز وجل {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} # واحتجوا بالآية من وجوه # منها أنه أخبر أن ما ينسخه من الآي يأت بخير منه وذلك يفيد أنه يأتي من ~~جنسه وجنس القرآن قرآن ألا ترى أن الإنسان إذ قال ما آخذ منك من ثوب آتيك ~~بخير منه يفيد أنه يأتيه بثوب خير منه والجواب أن ذلك لا يفيد ما قالوه ألا ~~ترى أن الإنسان إذا قال ما آخذ منك من ثوب آتيك بما هو خير منه احتمل أن ~~يأتيه ببستان واحتمل غيره فلا يمتنع أن يكون المراد بذلك نأت بخير منها أي ~~أنفع منها أو مثلها في النفع من جنسها أو من غير جنسها إن قيل إذا قال ~~الإنسان لغيره ما آخذ منك من ثوب آتيك # PageV01P395 # بما هو خير منه إنما يفيد ما ذكرتم لأنه قد ذكر لفظه ما وهذه اللفظة تقع ~~على الثوب وعلى غيره مما لا يعقل وليس كذلك الآية لأن الله لم يقل نأت بما ~~هو خير منها وإنما قال نأت بخير منها فنظيره قول القائل ما آخذ منك من ثوب ~~آتيك ms377 خيرا منه في أنه يفيد ثوبا خيرا منه وذلك يقتضي أن يضمر في الكلام اسم ~~الثوب قيل لا نسلم أنه إذا قال آتيك بخير منه كان المراد ثوبا خيرا منه بل ~~يجوز أن يأتيه بشيء ليس بثوب يبين ذلك أنه لا بد في ذلك من إضمار فليس بأن ~~يضمر آتيك بثوب خير بأولى من أن يضمر آتيك بشيء هو خير منه وليس يجب إضمار ~~الثوب لأنه قد تقدم ذكره ولا يجب إذا رجع لام العهد إلى معهود قد تقدم ذكره ~~أن يجب مثله في الإضمار لأنهما متباينان # ومنها أن قول الله عز وجل {نأت بخير منها} يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان ~~بخير من الآية وذلك لا يكون إلا والناسخ قرآن والجواب أن السنة إذا دلت على ~~نسخ القرآن فالذي أتى بما هو أنفع مما كان هو الله عز وجل ألا ترى أنه عز ~~وجل هو الناسخ والموحي إلى نبيه بالنسخ # ومنها قولهم نأت بخير منها يفيد أن الذي يأتي به خير من الآية على ~~الإطلاق والسنة لا تكون خيرا من القرآن على الإطلاق لأجل اختصاص القرآن ~~بالإعجاز والجواب أن ما تضمنه السنه الناسخة خير وأنفع من المنسوخ وليس يجب ~~أن يكون خيرا من الآية من جميع الوجوه لأنه ليس في قوله نأت بخير منها لفظ ~~يعم جميع وجوه الخير # ومنها أن الله عز وجل قال {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} فدل على أن ~~الذي يأتي به هو المختص بالقدرة عليه وهذا هو القرآن دون غيره من الكلام ~~والجواب أن المتمكن من إزالة الحكم إلى ما هو خير منه # PageV01P396 # وأنفع هو الله عز وجل وحده لأنه المختص بالعلم بالمصالح وحده # وقد منع الشيخ أبو هاشم رحمه الله من التعلق بالاية بما هو جواب عن ~~الوجوه التي ذكروها وهو أن قوله نأت بخير منها أو مثلها ليس فيه أنه يأتي ~~بخير منها ناسخا بل لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها أنه في ~~حكم آخر ms378 بعد نسخ الآية ويكون الناسخ غير الآية إن قيل كل من أوجب عند نسخ ~~الآية الإتيان بآية أخرى قال إنها هي الناسخة وفي ذلك ما قلنا قيل إنا لا ~~نوجب ذلك من جهة الحكمة وإنما نحكم بذلك لأجل إخبار الله سبحانه في هذه ~~الآية ولم يجر هذا القول على هذا التفصيل بين الأمة قبل أبي هاشم فيدعى ~~إجماعها فيه وقد منع من التعلق بالآية بأن ظاهر قوله عز وجل {ما ننسخ من ~~آية} نسخ التلاوة دون الحكم فقط إلا أنه لا يطلق فيما نسخ حكمه وبقيت ~~تلاوته أنه قد نسخ ألا ترى أنه يقال ما نسخت الآية وإنما نسخ حكمها ولهم أن ~~يقولوا بل قد يطلق ذلك لأن الناس يقولون إن قول الله سبحانه {إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} منسوخ وإن كانت التلاوة باقية وقد ~~قالوا أيضا أنتم تجيزون نسخ تلاوة الآية بسنة بأن ينهي النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن تلاوتها فإن ثبت أنه لا يجوز نسخ تلاوتها بسنة وجب مثله في حكمها ~~لأن أحدا لم يفرق بينهما فان قلنا لا يمتنع أن لا تنسخ التلاوة إلا وتأتي ~~آية أخرى وإن لم تكن ناسخة ويكون الدليل على ذلك هذه الآية كان ذلك رجوعا ~~إلى الوجه المتقدم # فأما الدلالة على أن نسخ القرآن بالسنة قد وقع فهي أنه كان الواجب على ~~الزانية الحبس في البيوت بقول الله عز وجل {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} ثم نسخ الله عز وجل ذلك بقوله {الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} # PageV01P397 # وليس وإن كان الحبس موقوفا على غاية وكان قوله {الزانية والزاني} بيانا ~~لتلك الغاية ما يمنع أن يكون ذلك نسخا لأن بيان الغاية المجملة يسمى نسخا ~~وهذا كلام في الأسماء ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نسخ ذلك بالرجم فان ~~قيل بل نسخ ذلك بما كان قرآنا وهو قوله الشيخ والشيخة إذا زنيا قيل إن ذلك ~~لم يكن قرآنا يدل على ms379 ذلك أن عمر رضي الله عنه قال لولا أن يقول الناس زاد ~~عمر في المصحف لأثبت في حاشيته الشيخ والشيخة إذا زنيا فلو كان ذلك قرآنا ~~في الحال أو كان قد نسخ لم يكن ليقول ذلك فعلمنا أن ذلك سنة من النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأراد عمر أن يخبر بتأكيده # فأما نسخ القرآن والأخبار المتواترة بأخبار الآحاد فجائز في العقول وقال ~~بعض الناس بورود التعبد بالمنع منه وذكر عن بعض أهل الظاهر أن ذلك غير ~~ممنوع منه ودليلنا أن الصحابة رضي الله عنها كانت تترك أخبار الآحاد إذا ~~رفعت حكم الكتاب قال عمر رضي الله عنه لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول ~~امرأة لا ندري اصدقت أم كذبت # واحتج المخالف بأشياء # منها أن الحكم بأخبار الآحاد معلوم بدليل قاطع والحكم به كالحكم بالآية ~~فجاز نسخ الآية به كما جاز نسخ آية بآية والجواب أن ما ثبت من الإجماع يمنع ~~من كون الحكم بها معلوما إذا كانت رافعة لحكم الكتاب على أن الدليل القاطع ~~الدال على قبول الأخبار لم يتناول أخبار الآحاد إذا كانت ناسخة لدليل ~~الكتاب فلا يمكن أن يقال إن الحكم بها والحال هذه معلوم # ومنها أنه إذا جاز تخصيص القرآن بأخبار الآحاد مع أن التخصيص يفيد # PageV01P398 # أن ما تناوله ما كان أريد بالعام فبأن يجوز النسخ بها أولى إذ كان النسخ ~~إنما يرفع مثل الحكم بعد كون الحكم مرادا بالآية والجواب أن ما ذكروه يدل ~~على جواز النسخ به من جهة العقول ولا يدل على أنه ما منع منه في الشريعة ~~وقد بينا أن الإجماع قد منع منه # ومنها قولهم إن نسخ الكتاب قد وقع بأخبار الآحاد من وجوه منها ان قوله ~~{قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} الآية منسوخ بما روي ~~بالآحاد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ~~والجواب أن قوله {قل لا أجد فيما أوحي إلي} إنما يتناول ما اوحي إليه إلى ms380 ~~تلك الغاية ولا يتناول ما بعد ذلك فلم يكن النهي الوارد بعد ذلك نسخا وأيضا ~~فإن الآية تمنع من تحريم كل ما عدا الميتة من الدم ولحم الخنزير فنهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أكل كل ذي ناب من السباع ولا يمتنع أن يكون مقارنا ~~للآية فيكون مخصصا لا ناسخا # ومنها أن قول الله عز وجل {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين غير مسافحين} منسوخ بما روي بالآحاد أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لا تنكح امرأة على عمتها ولا على خالتها والجواب أن ذلك مما تلقى ~~بالقبول فهو لذلك معلوم يجري مجرى التواتر في جواز وقوع النسخ به ولا يمتنع ~~أن يكون هذا ومثله مقارنا للآية فيكون مخصصا # ومنها أن قول الله عز وجل {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ~~الوصية للوالدين والأقربين} منسوخ بما روي بالآحاد أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا وصية لوارث والجواب أن هذا متلقى بالقبول فجرى مجرى التواتر ~~وقد روى عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما انهما نسخا # PageV01P399 # ذلك بقول الله عز وجل {يوصيكم الله في أولادكم} وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا وصية لوارث بيان لوقوع النسخ بقول الله {يوصيكم الله في أولادكم} ~~ولا يمتنع أن يكون كان ذلك في صدر الإسلام جائزا ثم منع من ذلك كما قلناه ~~في نسخ القبلة عن أهل قباء بخبر واحد وذلك يدلنا على أن النسخ بأخبار ~~الآحاد كان جائزا في صدر الإسلام ثم منع منه # ومنها أن الجمع بين وضع الحمل والمدة منسوخ بأحد الأجلين والجواب أن من ~~الناس من قال ذلك غير منسوخ ومنهم من جعل آية الوضع ناسخة في الحامل خاصة ~~وهو قول ابن مسعود وغيره ومن الناس من جعل ذلك مخصصا لأنه يمكن فيه البناء ~~وفي هذه المسألة نظر لأن المعول فيها على خبر عمر وهو خبر واحد - صلى الله ~~عليه وسلم - باب في نسخ الإجماع وفي وقوع النسخ به ms381 - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لو نسخ الإجماع لكان ينسخ بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع ~~ومعلوم أن الإجماع إنما انعقد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد ~~كتاب أو سنة بنسخانه فان قيل هلا جوزتم أن تظفر الأمة بعد اتفاقها بنص كان ~~قد خفي عنها فتنسخ اتفاقها به قيل لو كان في الشريعة نص لما خفى عنها ~~بأجمعها لأنه لا يجوز أن تذهب بأجمعها عن الحق سيما وإجماعها الحق في واحد ~~منه وليس من مسائل الاجتهاد فيقال قد وجب عليها العمل بالنص بشرط أن تظفر ~~به كما قيل ذلك في مسائل الاجتهاد على أنها لو كلفت العمل بالنص بشرط أن ~~تظفر به فاذا لم تظفر به كانت مكلفة العمل باجتهادها لما كان # PageV01P400 # عدولها عما أجمعت عليه لأجل النص الذي ظفرت به نسخا لأن الحكم إذا ثبت ~~بشرط وعلم بالعقل زوال ذلك الشرط لم يسم رفع الحكم نسخا إن قيل ايجوز أن ~~ينسخ الله حكما أجمعت عليه الأمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل ~~يجوز ذلك وإنما منعنا أن تجمع الأمة بعد وفاة النبي لله حتى يكون إجماعها ~~هو المعتبر ثم ينسخ فأما اتفاقها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لأجل ~~توقيفه أو إقراره فالمعتبر فيه بتوقيفه وإقراره والنسخ يتوجه إلى ذلك # ولا يجوز نسخ الإجماع باجماع لأن الإجماع الثاني إن دل على أن الإجماع ~~الأول كان باطلا لم يجز ذلك وإن كان الإجماع الأول حين وقع وقع صحيحا لكن ~~الإجماع الثاني حرم القول به من بعد لم يجز ذلك إلا لدليل شرعي متجدد وقع ~~لأجله الإجماع الثاني من كتاب أو سنة أو لدليل كان موجودا وخفي عليهم من ~~قبل ثم ظهر لهم وكل ذلك قد أفسدناه إن قيل أليس إذا اختلفت الأمة على قولين ~~في المسئلة فقد سوغت بأجمعها للعامي أن يأخذ بكل واحد من القولين وسوغت ~~للمجتهد أن يأخذ بكل واحد منهما إذا أداه اجتهاده إليه فاذا اتفقت على ms382 أحد ~~القولين كانت قد حظرت بأجمعها على العامي والمجتهد المصير إلى القول الآخر ~~فهذا نسخ إجماع بإجماع قيل إنالا نأبى ذلك غير أنا لا نسميه نسخا لأن الأمة ~~حين اختلفت على القولين إنما سوغت للعامي وللمجتهد الأخذ بكل واحد منهما ~~بشرط بقاء الخلاف وكون المسألة من مسائل الاجتهاد وهذا الشرط معلوم زواله ~~بالعقل متى اتفقت الأمة على أحد القولين وما هذه سبيله لا يكون نسخا ألا ~~ترى أن الله عز وجل لما قال {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فعلق الصوم بغاية ~~يعلم حصولها بالحس وبالعقل لم يكن ارتفاع الصوم عند ذلك نسخا # ولا يجوز نسخ الإجماع بقياس لأن القياس إن كان قياسا على أصل مقتدم فذهاب ~~الأمة عنه ووقوع إجماعها على خلافه يدل على فساده لأن الأمة لا يجوز # PageV01P401 # ذهابها عن الحق وإن كان قياسا على اصل متجدد فليس يجوز أن يتجدد الحكم ~~فيه إلا عن كتاب أو سنة أو إجماع ولا يجوز تجدد كتاب أو سنة بعد وفاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان قياسا على إجماع فهو باطل لأنه لو كان القياس ~~عليه حقا لما ذهب عنه الأمة باجمعها # فأما وقوع النسخ بالإجماع فلو حصل دليلا شرعيا من كتاب أو سنة أو إجماع ~~إجماع أو قياس وقد بينا أن الإجماع لا ينسخ الإجماع وأما نص الكتاب والسنة ~~فلا يجوز أن ينسخه الإجماع لأن الإجماع لا يجوز أن ينعقد على خلافه إذ ~~الأمة لا تجمع على خطأ فلو اتفقوا على خلاف النص لدل ذلك على نص ناسخ لم ~~ينقلوه نحو إجماعها على أن لا غسل على من غسل ميتا وينبغي أن يضاف النسخ ~~إلى ذلك النص لأن الأمة كالناقلة له والمخبر بالنص الناسخ لا يكون هو ~~الناسخ # والقول في نسخ الإجماع بفحوى القول ونسخ فحوى القول به كالقول في النص مع ~~الإجماع وسيجيء نسخ القياس بالإجماع إن شاء الله عز وجل - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في نسخ القياس وفي وقوع النسخ به - صلى الله عليه وسلم - # اعلم ms383 أن قاضي القضاة رحمه الله منع من نسخ القياس لأنه تبع للأصول فلم ~~يجز مع ثبوتها رفعه ولأنه إنما يثبت بعد انقطاع الوحي وقال في الدرس إن ~~القياس إن كان معلوم العلة جاز نسخه قال لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو ~~نص على أن علة تحريم البر هو الكيل وأمرنا بالقياس لكان ذلك كالنص في تحريم ~~الأرز فكما جاز ان يحرم الأرز ثم ينسخه جاز أن يسنخ عنا تحريم الأرز ~~المستفاد بهذه العلة المنصوص عليها ويمنع من قياسه على البر والعلم أنه لو ~~نسخ القياس المتعلق بالأمارات لنسخه إما كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس ولا ~~يخلو القياس المنسوخ إما أن يكون ثابتا في حال حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو بعد وفاته # PageV01P402 # فان كان في حال حياته فليس يمتنع رفعه بالنص وبالقياس أما بالنص فنحو أن ~~ينص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم البر وينبه على أن علة تحريمه ~~الكيل ويتعبد بالقياس ونعمل بذلك ثم ينص على إباحة الأرز ويمنع من قياسه ~~على البر وأما نسخه بالقياس فبأن تكون المسألة بحالها إلا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نص على إباحة بعض المأكولات ونبه على أن علته كونه مأكولا ~~بأمارة هي أقوى من الأمارة الدالة على أن علة تحريم البر هي الكيل فيلزم من ~~ذلك قياس الأرز على ذلك المأكول فأما القياس المستفاد بعد وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه يمتنع نسخه بنص كتاب أو سنة متجددين لتعذر ذلك بعد ~~وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز نسخه في المعنى بنص متقدم وباجماع ~~وبقياس أما بالنص فنحو أن يجتهد بعض الناس فيحرم شيئا بقياس بعدما اجتهد في ~~طلب النصوص ثم يظفر بنص بخلاف قياسه أو يجمع الأمة على خلاف قياسه أو يظفر ~~هو بقياس أولى من قياسه فيلزم في كل الأحوال ترك قياسه الأول ولا يسمى ذلك ~~نسخا لأن القياس الأول إنما عمل به بشرط أن لا يعارضه قياس أولى منه ولا نص ~~ولا ms384 إجماع هذا إنما يتم على القول بأن كل مجتهد مصيب لأن القائل بذلك يقول ~~إن هذا القياس قد تعبد به ثم رفع فأما من لا يقول كل مجتهد مصيب فانه لا ~~يقول قد تعبد به فلا يمكن نسخ التعبد به # فأما وقوع النسخ بالقياس فلو حصل لكان إما أن ينسخ قياسا آخر وقد تكلمنا ~~في ذلك من قبل أو ينسخ إجماعا وذلك لا يجوز لاتفاق الأمة على أن الإجماع ~~أولى من القياس إلا أن يراد بذلك أن القياس على أحد القولين إذا وقع ~~الاتفاق عليه يرفع القياس على القول الآخر فيجوز ذلك ولا يسمى نسخا ولا ~~يجوز نسخ النص بقياس لأن الصحابة كانت تترك آراءها بالنصوص ولهذا صوب النبي ~~صلى الله عليه وسلم معاذا في رجوعه إلى الاجتهاد إذا لم يجد كتابا ولا سنة ~~وبهذا نجيب عن قياسهم نسخ النص بالقياس على تخصيص النص بالقياس وقياسهم ذلك ~~على نسخ خبر الواحد بخبر الواحد إن قيل أليس لما قال الله عز وجل {الآن خفف ~~الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن ~~يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} # PageV01P403 # علمنا أن ثبات الواحد للعشرة منسوخ وإن كان ذلك غير مصرح به وإنما هو نبه ~~عليه فصح أن القياس ينسخ النص والجواب أنه ليس في الآية المنسوخة ثبات ~~الواحد للعشرة فيكون هذا التنبيه قد نسخه فان كان ذلك معلوما من قوله {إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} من حيث كان ذلك يفيد أن يثبت كل واحد ~~بإزاء عشرة حتى يكون العشرون بإزاء مائتين فمفهوم ايضا من قوله {فإن يكن ~~منكم مائة صابرة} ثبات الواحد للاثنين لأنه لا يكون مائة بإزاء مائتين إلا ~~وكل واحد منهم بإزاء اثنين ويبين ذلك أنه ورد عقيب قوله {الآن خفف الله ~~عنكم} يفيد رفع ثبات العشرين للمائتين والا لم يكن التخفيف حاصلا وقد قيل ~~إن ثبات الواحد للعشرة مفهوم من الاية المنسوخة من فحوى القول - صلى الله ~~عليه وسلم - باب نسخ فحوى ms385 القول ووقوع النسخ به - صلى الله عليه وسلم - # أما وقوع النسخ به فجائز لأنه إن كان قول الله عز وجل {فلا تقل لهما أف} ~~يدل من جهة اللغة على المنع من الضرب فاللفظ المفيد للشيء من جهة اللغة ~~يجوز أن يقع النسخ به وإن كان يدل عليه من جهة الأولى فهو آكد من اللفظ ~~فجاز وقوع النسخ به أيضا ويجوز أن ينسخ الأصل والفحوى إن كانا مما يجوز ~~نسخهما وأما نسخ الأصل فانه يفيد نسخ الفحوى لأنه إنما يثبت تبعا له فاذا ~~ارتفع الأصل ارتفع ما يتبعه ويجوز أن تدل دلالة على ثبوت الفحوى فلا يحكم ~~بثبوته إذا ارتفع الأصل إلا لدليل مستأنف فأما # PageV01P404 # نسخ الفحوى مع ثبات الأصل فقد أجازه قاضي القضاة في كتاب العمد وقال في ~~شرحه يجوز ذلك إلا أن يكون فيه نقض الغرض ومنع منه في الدرس وهو الصحيح لأن ~~فحوى القول لا يرتفع مع بقاء الأصل إلا وقد انتقض الغرض لأنه إذا حرم علينا ~~التأفيف على سبيل الإعظام للابوين كان إباحة ضربهما نقضا للغرض - صلى الله ~~عليه وسلم - باب الزيادة على النص هل هي نسخ أم لا - صلى الله عليه وسلم - # ذهب شيخانا أبو علي وأبو هاشم رحمهما الله وأصحاب الشافعي إلى أنها ليست ~~بنسخ على كل حال وقال قوم إن النص إن أفاد من جهة دليل الخطاب أو الشرط ~~خلاف ما أفادته الزيادة كانت الزيادة نسخا نحو قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم في سائمة الغنم زكاة فانه يفيد دليله نفي الزكاة عن المعلوفة فمتى ~~زيدت الزكاة في المعلوفة كان ذلك نسخا وقال شيخانا أبو الحسن وأبو عبد الله ~~رحمهما الله إن كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخا ~~وإن لم تغير حكمه في المستقبل بل كانت مقارنة له لم تكن نسخا فزيادة ~~التغريب في المستقبل على الحد يكون نسخا وكذلك لو زيد في حد القاذف عشرون ~~وأما الزيادة التي لا تنفك من المزيد عليه فنحو أن يجب علينا ستر الفخذ ms386 ~~فيجب علينا ستر بعض الركبة ولا يكون وجوب ستر بعضها نسخا ولم يجعلوا ~~الزيادة عند التعذر نسخا نحو قطع رجل السارق بعد قطع يده وإحدى رجليه وقال ~~قاضي القضاة إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغييرا شرعيا حتى صار ~~المزيد عليه لو فعل الزيادة على حد ما كان يفعلها قبلها كان وجوده كعدمه ~~ووجب استئنافه فإنه يكون نسخا نحو زيادة ركعة على ركعتين وإن كان المزيد ~~عليه لو فعل على حد ما كان يفعل قبل الزيادة صح فعله فاعتد به ولم يلزم ~~استئناف فعله وإنما يلزم أن يضم إليه # PageV01P405 # غيره لم يكن نسخا نحو زيادة التغريب على الحد وزيادة عشرين على حد القاذف ~~وعنده أن زيادة شرط منفصل عن العبادة لا تكون نسخا نحو زيادة الوضوء في ~~شرائط الصلاة قال ولو خير الله سبحانه بين فعلين كان زيادة فعل ثالث ناسخا ~~لقبح تركهما ولم يختلف الناس في أن زيادة عبادة على العبادات لا يكون نسخا ~~للعبادات ولا زيادة صلاة على صلوات وإنما جعل أهل العراق زيادة صلاة على ~~الصلوات الخمس نسخا لقوله عز وجل {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} لأنه ~~يجعل ما كان وسطى غير وسطى وقد اعترضهم قاضي القضاة فقال ينبغي أن تكون ~~زيادة عبادة على آخر العبادات نسخا لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة ~~وإن كانت الفروض عشرا خرجت من أن تكون عشرا والخلاف واقع في زيادة ركعة على ~~ركعتين حتى تصير الصلاة ثلاث ركعات وفي زيادة التغريب على الحد فالأول ~~يخالف فيه أصحاب الشافعي والثاني يخالف فيه الشيخان أبو الحسن وأبو عبد ~~الله وأنا أتكلم على المذهبين وأذكر ما ينصر به كل واحد منهما ثم اذكر ما ~~أقوله أنا في ذلك إن شاء الله # أما حجة من قال زيادة التغريب على الجلد ليس بنسخ فهو أن النسخ هو ~~الإزالة للحكم ولم يزل بهذه الزيادة حكم عن الثمانين لأنها واجبة جائزة كما ~~كانت وإنما يلزم أن يضم إليها غيرها والمخالف يتوصل إلى ثبوت النسخ في ذكر ~~من ms387 وجوه # منها أن الجلد كان قبل هذه الزيادة كمال الحد فصار بعدها بعض الحد فقد ~~أزالت الزيادة كون الجلد كمال الحد الجواب أن قولنا أن يجلد جميع الحد ~~الواجب فعله معناه أنه لا يلزم أن يضم إليه غيره وقولهم قد صار بعض الحد ~~الواجب فعله معناه أنه وجب أن يضم إليه غيره فقولهم إن هذه # PageV01P406 # الزيادة نسخ لأنها صيرت الجلد بعض الحد الواجب فعله معناه إنما كانت ~~الزيادة نسخا لأنها زيادة فمعنى العبارتين واحد وقد أجيبوا فقيل بأن الكل ~~والبعض من أحكام العقل دون الشرع فلم يفد النسخ وللمخالف أن يقول إن الكل ~~والبعض في الجملة يعلمان بالعقل فأما كون الشيء كل الحكم الشرعي أو بعضه ~~فانما يعلم بالشرع # ومنها قولهم إن الجلد قد كان مجزئا وحده والجواب أن معنى قولنا إنه قد ~~صار غير مجيء وحده هو أنه يجب ضم شيء آخر إليه فعاد ذلك إلى تعليل الشيء ~~بنفسه وقيل لهم أيضا إن زيادة التغريب لو كان نسخا لجاز أن يقدر وجوده لا ~~إلى بدل وهذا غير ممكن ها هنا وهذا ليس بجواب عن كلامهم وإنما هو استئناف ~~دليل وهو مع ذلك غير صحيح لأن النسخ هو الإزالة ووللخصم أن يقول قد يجوز ~~إزالة أجزاء الثمانين لا إلى بدل أصلا وقد يجوز إزالته إلى بدل غير ~~الثمانين وقد يجوز إزالته بزيادة على الثمانين ولا يجوز إزالته بالزيادة ~~على الثمانين إلى بدل لأن قولنا زيادة على الثمانين إثبات للثمانين ~~فاسقاطها بدل والحال هذه متناقض كما بينا في القول بازالة العبادة لا إلى ~~بدل مع ثبوت المبدل # ومنها قولهم إن الجلد وحده كان يتعلق به رد الشهادة فلما زيد التغريب صار ~~لا يتعلق به وحده والجواب أن مخالفهم لا يعلق رد الشهادة بالجلد ولو تعلق ~~به لكان الأقرب أن يقال إن زيادة بالتغريب قد تنسخ تعلق رد الشهادة لا أنه ~~نسخ للجلد على أن هذا لا يلزم أيضا لأن رد الشهادة تعلق بما هو حد فتغير ~~الحد إلى زيادة أو نقصان ms388 لم يرفع تعليق رد الشهادة بما هو حد كما أن تغير ~~العدة بزيادة أو نقصان لا يرفع تعلق أحكامها بها ومعلوم أن الفروض لو كانت ~~خمسا لوقف على ادائها قبول الشهادة فلو زيد فيها # PageV01P407 # لوقف قبول الشهادة على فعل الفرض السادس ولم يوجب هذا نسخ وقوف قبول ~~الشهادة على أداء الفروض وللمخالف أن يقول إنه لو زيد في مدة العدة لكان ~~ذلك نسخا لتعلق أحكامها بالمدة المزيد عليها ولو زيد في الفرائض فرض آخر ~~نسخ ذلك تعلق قبول الشهادة بأداء تلك الفرائض وحدها لا أنه يكون ناسخا ~~للفرائض وله أن يقول إن كون الجلد لا يجزىء وحده إذا زيد عليه التغريب ليس ~~هو معنى قولنا قد زيد عليه غيره هو أنه قد تعبدنا معه بشيء آخر وذلك يرجع ~~إلى الأمر بالزيادة وكون الجلد وحده لا يجزىء معناه أنه لا يسقط به الغرض ~~وهذا يتبع نفي التعبد بالزيادة فاذا كانت الزيادة قد أزالت هذا الإجزاء فقد ~~وقع بها النسخ ألا ترى أن الله عز وجل لو نص فقال الثمانون وحدها مجزئة في ~~الحد وهي كمال الحد ثم زاد على الثمانين لكان ذلك نسخا فكذلك ما ذكرناه ~~ولقائل أن يقول إن الله عز وجل لو صرح بذلك لكان إجزاء الجلد وحده حكما ~~شرعيا فكانت إزالته نسخا فأما إذا لم ينص على ذلك بل أوجب الجلد فان إيجابه ~~لذلك لا يتعرض للتغريب بنفي ولا إثبات وإنما يعلم نفيه بقاء على حكم الأصل ~~وإزالة حكم الأصل ليس بنسخ وللمخالف أن يقول إن هذا لا يمنع مما أفسدنا به ~~قولكم إن رفع الإجزاء مع الجلد وحده هو معنى إثبات الزيادة وأن تعليل كون ~~الزيادة نسخا من حيث رفع تعلق الإجزاء بالجلد وحده هو تعليل الشيء بنفسه ~~وايضا فقد نقضتم هذا الاعتبار بمسألة وهو أن قاضي القضاة قال إن الله عز ~~وجل لو خير بين فعلين ثم زاد في التخيير ثالثا فصرنا مخيرين بين ثلاثة ~~أشياء لكان قد نسخ قبح تحريم ترك الشيئين الأولين ومعلوم أنه ms389 إذا خير بين ~~شيئين فإنه لا يتعرض تخييره بما عداهما بتحريم ولا إيجاب وإنما نعلم أن ~~الثالث ليس بواجب لأن الأصل أنه غير واجب ولم ينقلنا عنه شرع فصار نفي ~~وجوبه معلوما بالعقل ومع ذلك قد قال إن ما دل على وجوبه يكون ناسخا # فأما حجة من قال إن زيادة ركعة على ركعتين نسخ فهو أن هذه الزيادة جعلت ~~وجود الركعتين وحدهما كعدمهما وأوجبت الاستئناف وازالت # PageV01P408 # الإجزاء ومن قبل هذه الزيادة لم تكن الركعتان كذلك وهذا معنى النسخ وهذا ~~منتقض على قول قاضي القضاة بالزيادة المنفصلة فإن زيادة عضو في الطهارة أو ~~زيادة طهارة أخرى ليس بنسخ للصلاة عنده ومع ذلك فوجود الصلاة كعدمها إذا لم ~~يغسل ذلك العضو ويجب استئنافها وهي غير مجزئة وكون هذه الزيادة منفصلة ليس ~~يمنع من انتقاض ما اعتلوا به فان شرطوا ذلك في العلة قيل لهم أي تأثير ~~لانفصال الشرط واتصاله في ذلك فإن قالوا لأن الشرط المزيد إذا كان متصلا ~~كالركعة نسخ جملة العبادة قيل النسخ إنما هو إزالة الأحكام لا الأفعال ~~والإجزاء زائل سواء كان الشرط متصلا أو منفصلا فان قالوا إنما نعني بقولنا ~~إن زيادة الركعة نسخ أن الركعة نسخت وجوب الجلوس عقيب الركعة الثانية قيل ~~الجلوس موضعه آخر الصلاة وهذا لم يتغير وإنما تغير آخر الصلاة فلم ينسخ ~~موضع الجلوس كما قلتم إن الزيادة في العدة لا تنسخ تعلق الأحكام بها فان ~~قالوا الصلاة بعد زيادة عضو في الطهارة يجب فعلها كما يجب من قبل وإنما يجب ~~أن نقدم عليها فعلا آخر فجرى مجرى الجلد في أنه يلزم بعد زيادة التغريب كما ~~كان يلزم من قبل وإنما يجب أن نضم إليه فعلا آخر فالمسألتان سواء وإنما ~~تفترقان في الفعل الذي يجب في المسألة الأولى ينبغي أن يتقدم وفي المسألة ~~الثانية يتأخر والجواب أن هذا لا يمنع من انتقاض علتكم وهي أن وجود الصلاة ~~بعد زيادة ركعة كعدمها على أن هذا يقتضي أن لا تكون زيادة ركعة على ركعتين ~~نسخا لأن ms390 الركعتين يجب فعلهما على ما كانا عليه لكنه يلزم تأخير التشهد وأن ~~لا يتعلق بالركعتين وهذا إن كان نسخا فهو نسخ لموضع التشهد وقد بينا من قبل ~~أنه يجري مجرى زيادة العدة في أنه ليس بنسخ كتعلق الأحكام بالمدة الأولى ~~ويمكن من قال إن زيادة الركعة ليس بنسخ أن يقول لو كان نسخا لكان إما أن ~~يكون نسخا للركعتين ومعلوم أن النسخ لا يتعلق بالأفعال أو نسخا لموضع ~~التشهد وقد بينا أنه ليس بنسخ لذلك أو نسخا لإجزاء الركعتين وحدهما وهذا ~~يلزم عليه أن تكون زيادة غسل عضو في # PageV01P409 # الطهارة نسخا للصلاة وأن تكون زيادة التغريب نسخا للحد لأنه لا يجزىء ~~وحده فالكلام مترجح على ما ترى وأنا أذكر طريقة بينة يزول معها كل إشكال ~~فأقول إن الكلام في الزيادة على النص يقع في مواضع ثلاثة في معنى النسخ وفي ~~اسمه وفي حكمه ولا رابع لذلك # أما معنى النسخ فبأن يقال هل الزيادة على النص تفيد معنى النسخ أم لا ~~والجواب أنها تفيده لأن معنى النسخ هو الإزالة وكل زيادة هي مزيلة لحكم من ~~الأحكام لأنها إما أن تكون زيادة في الوجوب أو في الندب أو في الإباحة أو ~~في الحظر فإن كانت زيادة في الوجوب فقد رفعت نفي وجوب تلك الزيادة وإزالته ~~نحو زيادة التغريب في الحد لأنه لم يكن واجبا ثم صار واجبا وكذلك القول في ~~الزيادة على الندب وعلى الإباحة وعلى الحظر # وأما الكلام في الاسم فبأن يقال هل الزيادة على النص تسمى نسخا أم لا ~~والجواب أن الزيادة التي كلامنا فيها هي زيادة شرعية فان كانت قد ازالت ~~حكما ثابتا بدليل شرعي وكانت متراخية عنه سميت الزيادة نسخا ويسمى الدليل ~~المثبت للزيادة ناسخا وإن كان الحكم الذي رفعته الزيادة حكما ثابتا في ~~العقل لا في الشرع لم تسم الزيادة نسخا على ما تقدم بيانه # وأما الكلام في الحكم فبأن يقال هل يجوز إثبات الزيادة على النص بخبر ~~واحد وقياس أم لا والجواب أنه إن كان ما ms391 أزالته الزيادة حكما ثابتا بالعقل ~~لا بالشرع فانه يجوز إثباته بخبر واحد وقياس إلا أن يمنع من ذلك مانع نحو ~~أن يكون البلوى بما أثبتته الزيادة عاما فلا يقبل فيه خبر واحد على قول بعض ~~الناس أو يكون حدا أو كفارة أو تقديرا فلا يثبت بالقياس على قول بعضهم ولا ~~يقبل عند هؤلاء خبر الواحد والقياس في ذلك لا للنسخ لكن لأمور أخر وإن كان ~~الحكم الذي أزالت الزيادة مثله ثابتا بالشرع وكان دليل الزيادة متأخرا عن ~~ذلك الشرع فإنه لا يجوز إن كان دليل الزيادة قياسا لأن القياس المتأخر لا ~~يرفع حكم النص على ما مضى وإن كان دليل الزيادة خبر # PageV01P410 # واحد وكان الحكم الذي رفعته ثابتا بخبر واحد أيضا جاز أن يقبل في الزيادة ~~وإن كان ثابتا بقرآن أو بخبر متواتر لم تجز إزالته بخبر واحد متراخ لأن خبر ~~الواحد لا يزيل الحكم المتواتر بعد استقرار مثله ويجوز أن يزيله الخبر ~~المتواتر فإن أجمعت الأمة على قبول خبر الواحد في ذلك علمنا أنه كان مقارنا ~~وأنه مخصص # وعند هذا التفصيل تزول كل شبهة وأنا أنسق عليه المسائل لتظهر فائدته إن ~~شاء الله # أما زيادة التغريب أو زيادة عشرين على جلد ثمانين فليس بمزيل لوجوب ~~الثمانين وإنما يزيل نفي وجوب ما زاد على الثمانين من العشرين والتغريب فهو ~~من هذه الجهة نسخ في المعنى ولا يسمى نسخا لأن نفي وجوب ما زاد على ~~الثمانين لم يكن معلوما بدليل شرعي فلم تكن إزالته نسخا وذلك أن إيجاب ~~الثمانين لم يتعرض لما زاد عليها باثبات ولا نفي وإنما علمنا نفي ما زاد ~~عليها لأن العقل يقتضي نفي وجوبه ولم ينقلنا عنه دليل شرعي وإذا كان ذلك ~~حكما عقليا جاز قبول خبر الواحد والقياس فيه إلا أن يمنع منه مانع سوى ~~النسخ وأما كون الثمانين مجزئة وحدها وأنها وحدها كمال الحد وتعلق رد ~~الشهادة عليها وحدها فهو تابع لنفي وجوب الزيادة ألا ترى أنه لو وجب ما زاد ~~عليها بدليل مقارن لم ms392 تكن الثمانون وحدها مجزئة ولا تعلق بها وحدها رد ~~الشهادة ولا كانت كمال الحد فاذا كان كان ذلك تابعا لنفي وجوب الزيادة وكان ~~نفي وجوبها معلوما بالعقل جاز قبول خبر الواحد والقياس في الزيادة وفيما ~~يتبعها ولو أن الله عز وجل قال الثمانون كمال الحد وعليها وحدها يتعلق رد ~~الشهادة لما قبلنا في الزيادة خبر واحد ولا قياسا لأن نفي وجوب الزيادة قد ~~ثبت بدليل شرعي متواتر فلو كان إيجابه الثمانين يقتضي بدليل الخطاب نفي ~~وجوب ما زاد عليها لكان أثبات الزيادة يسمى نسخا # PageV01P411 # ولما قبلنا فيها خبر واحد ولا قياسا متأخرين فأما تقييد الرقبة بالإيمان ~~فهو في معنى التخصيص لأنه يخرج عتق الكافرة من الخطاب فان كان ما اقتضى هذا ~~التقييد خبر واحد أو قياس وكان متراخيا لم يقبل لأن عموم الكتاب أجاز عتق ~~الكافرة فتأخر حظر عتقها في الكفارة هو النسخ بعينه فلم يقبل فيه خبر واحد ~~ولا قياس وإن كان القياس أو خبر الواحد مقارنا فهو تخصيص والتخصيص يصح بخبر ~~الواحد والقياس فأما إذا قطعت يد السارق وإحدى رجليه ثم سرق فإن إباحة قطع ~~رجله الأخرى رفع حظر قطعهما وحظر قطعها إنما يثبت يالعقل فجاز رفعه بخبر ~~واحد وقياس ولم يسم نسخا فأما إذا أمرنا الله عز وجل بفعل أو قال هو واجب ~~عليكم ثم خيرنا بينه وبين فعل آخر فإن هذا التخيير يكون مزيلا لحظر ترك ~~أوجبه علينا إلا أن حظر تركه كان معلوما بالبقاء على حكم العقل وذلك لأن ~~قوله أوجبت هذا الفعل عليكم يقتضي أن للإخلال به تأثيرا في استحقاق الذم ~~وهذا لا يمنع من أن يقوم مقامه واجب آخر وإنما علم أن غيره لا يقوم مقامه ~~لأن الأصل أنه غير واجب ولو كان واجبا بالشرع لدل عليه دليل شرعي فصار ~~علمنا بنفي وجوبه موقوفا على أن يكون الأصل يقتضي نفي وجوبه مع نفي دليل ~~شرعي فالمثبت لوجوبه إنما رفع حكما عقليا فجاز أن نثبته بقياس أو خبر واحد ~~مثال ذلك أن يوجب الله ms393 علينا غسل الرجلين ثم يخيرنا بينه وبين المسح على ~~الخفين وكذلك إذا خيرنا الله عز وجل بين شيئين ثم أثبت معهما ثالثا فأما ~~إذا قال الله عز وجل هذا الفعل واجب وحده أو قال ليس يقوم غيره مقامه فإن ~~إثبات بدل له فيما بعد رافع لما علمنا بدليل شرعي لأن قوله هذا واجب وحده ~~هو صريح في نفي وجوب غيره فالمثبت لوجوب غيره رافع لحكم شرعي فلم يجز كونه ~~خبر واحد ولا قياسا فأما قول الله عز وجل {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن ~~لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} فهو تخيير بين # PageV01P412 # استشهاد رجلين أو رجل وامرأتين والحكم بالشهادة واليمين زيادة في التخيير ~~وقد بينا أن الزيادة في التخيير ليس بنسخ يمنع من قبول خبر الواحد والقياس ~~فيه ومن قال إن الحكم بالشاهد واليمين نسخ لهذه الآية يلزمه أن يكون الوضوء ~~بالنبيذ نسخا لقوله عز وجل {فلم تجدوا ماء فتيمموا} فأما إذا كانت الصلاة ~~ركعتين فقط فزيد فيها ركعة أخرى قبل التشهد فان ذلك يكون ناسخا لوجوب ~~التشهد عقيب الركعتين وذلك حكم شرعي معلوم بطريقة معلومة فلم يثبت بخبر ~~واحد ولا قياس وليس ذلك بنسخ للركعتين لأن النسخ لا يتناول الأفعال ولا هو ~~نسخ لوجوبهما لأن وجوبهما ثابت ولا نسخ لإجزائهما لأنهما مجزئتان وإنما ~~كانتا مجزئتين من دون ركعة أخرى والآن لا تجزءان إلا مع ركعة أخرى وذلك ~~تابع لوجوب ضم ركعة أخرى ووجوب ركعة أخرى ليس يرفع إلا نفي وجوبها ونفي ~~وجوبها إنما حصل بالعقل فلم يمتنع من هذه الجهة أن يقبل في ذلك خبر الواحد ~~والقياس فأما إذا زيدت الركعة بعد التشهد وقبل التحلل فانه يكون نسخا لوجوب ~~التحلل بالتسليم أو ناسخا لكونه ندبا وذلك حكم شرعي معلوم فلم يجز أن يقبل ~~فيه خبر الواحد والقياس فأما كونه ناسخا للركعتين أو لوجوبهما أو لإجزائهما ~~فالقول فيه ما ذكرناه الآن فأما زيادة غسل عضو في الطهارة فليس بنسخ ~~لإجزائها ولا لوجوبها وإنما هو رفع لنفي وجوب غسل ذلك العضو المعلوم ms394 نفي ~~وجوبه بالعقل وكذلك زيادة شرط آخر في الصلاة لا تقتضي نسخ وجوب الصلاة فأما ~~كون الصلاة غير مجزئة بعد زيادة الشرط فهو تابع لوجوب ذلك الشرط وإجزاؤها ~~تابع لنفي وجوبه ونفي وجوبه لم يعلم بالشرع وكذلك ما يتبعه فجاز قبول خبر ~~الواحد والقياس فيه هذا إن لم يكن قد علمنا نفي وجوب هذه الأشياء من دين ~~النبي صلى الله عليه وسلم باضطرار فأما إن علمناه باضطرار فقد صار ذلك ~~معلوما بشرع مقطوع به فلم يجز رفعه بخبر الواحد والقياس فأما قول الله عز ~~وجل {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فانه يفيد كون # PageV01P413 # أول الليل طرفا وغاية للصيام كما يفيده لو قال آخر الصيام وغايته الليل ~~لأن لفظه إلى موضوعة للغاية فايجاب صوم أول الليل يخرج أوله من أن يكون ~~طرفا مع أن الخطاب يفيده وفي ذلك كونه نسخا حقيقة لا يقبل فيه خبر واحد ولا ~~قياس لأن نفي وجوب صوم أول الليل معلوم بدليل قاطع فأما لو قال الله عز وجل ~~صلوا إن كنتم مطهرين فانه لا يمنع أن يقبل خبر الواحد والقياس في إثبات شرط ~~آخر الصلاة لأن إثبات بدل للشرط لا يخرجه من أن يكون شرطا إذ لا يمتنع أن ~~يكون للحكم الواحد شرطان وليس كذلك إثبات صوم جزء من الليل لأن ذلك يخرج ~~أول الليل من أن يكون غاية وأما نفي كون الشرط الآخر شرطا فلم نعلمه بالسمع ~~وإنما علمناه بالعقل فلم يكن رفعه رفعا لحكم شرعي - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في النقصان من شروط العبادة وأجزائها هل هو نسخ ما عداه أم لا - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أنه لما كان الغرض بهذا الباب ذكر النقصان من شروط العبادة وأجزائها ~~وجب أن نذكر أولا ما شرط العبادة وما جزؤها فشرط العبادة ما يقف صحتها عليه ~~وهو ضربان احدهما جزء منها والآخر ليس بجزء منها فالجزء منها هو واحد مما ~~هو مفهوم من العبادة كالركوع والسجود وما ليس بجزء فهو ما لم يكن واحدا مما ms395 ~~هو المفهوم من العبادة كالوضوء مع الصلاة ولا خلاف في أن النقصان من ~~العبادة هو نسخ لما أسقط منها # واختلفوا هل هو نسخ لغيره أم لا فقال الشيخ أبو الحسن إن نسخ شرط من شروط ~~العبادة أو جزء من أجزائها ليس بنسخ العبادة وقال إن نسخ التوجه إلى بيت ~~المقدس ليس بنسخ للصلاة ولا نسخ صوم عاشوراء نسخ للصوم أصلا وقال عند ذلك ~~إن ما كان من شروط الصوم وما لم يكن من شروطه لا يلحقه النسخ فلذلك لما جاز ~~صوم عاشوراء بنية غير مبيتة لم يكن ذلك منسوخا وثبت مثله في شهر رمضان # PageV01P414 # وعند قاضي القضاة أن نسخ شرط منفصل من شرائط العبادة لا يكون نسخا ~~للعبادة فنسخ الوضوء لا يكون نسخا للصلاة ونسخ جزء من أجزاء الصلاة يكون ~~نسخا للصلاة وقال إن نسخ التوجه إلى بيت المقدس هو نسخ للصلاة وعندنا أن ~~نسخ الشرط المنفصل كنسخ الة وضوء لو كان نسخا للصلاة لم يخل إما أن يكون ~~نسخا لصورة الصلاة وهذا محال لأن النسخ يرفع الأحكام دون صورة الأفعال وإما ~~أن يكون نسخا لحكم من احكام الصلاة إما وجوبها أو إجزائها وكونها عبادة أو ~~نفي إجزائها مع فقد الوضوء ومعلوم أن وجوب الصلاة وكونها مجزئة وعبادة لا ~~يزول وإن زال وجوب الوضوء وأما نفي الإجزاء مع فقد الطهارة فقد زال وذلك ~~لأن الصلاة ما كانت تجزىء بلا طهارة فلو نسخ وجوب الطهارة لصارت تجزىء ~~وارتفع نفي إجزائها وذلك تابع لسقوط وجوب الطهارة فان أراد الإنسان بقوله ~~إن نسخ الوضوء يقتضي نسخ الصلاة هذا المعنى فصحيح لكن الكلام موهم لأن ~~إطلاق القول بأن الصلاة منسوخة هو أنه قد خرجت عن الوجوب أو عن أن تكون ~~عبادة واحتج قاضي القضاة لقوله إن نسخ الشرط المنفصل لا يكون نسخا للعبادة ~~بأن الشرط تابع للمشروط ونسخخه لا يكون نسخا للمتبوع ولهذا لم يكن نسخ ~~طهارة بعض المياه نسخه للصلاة وأما نسخ جزء من العبادة كنسخ ركعة من الصلاة ~~فإنه ليس بنسخ لباقي ms396 الركعات لأن النسخ لا يتناول صورة الفعل ولا هو نسخ ~~لوجوب الركعات ولا لكونها شرعية مجزئة لأن ذلك باق لم يرتفع لكنه رفع لوجوب ~~تأخير التشهد ورفع لنفي إجزائها من دون الركعة لأن قبل النسخ ما كان يجوز ~~الصلاة من دون هذه الركعة وإن كانت الركعة لما نسخت وأوجبت علينا أن تخلى ~~الصلاة منها كان قد ارتفع إجزاء الصلاة إذا فعلناها مع الركعة المنسوخة ~~وإجزاء الصلاة مع الركعة قد كان حكما شرعيا فجاز أن يكون رفعه نسخا فأما ~~التوجه نحو القبلة في الصلاة فهو هيئة من هيئاتها لأن الواجب منه ما قارن ~~التكبيرة وما بعدها دون ما قبلها فنسخه لا يكون نسخا للصلاة وصفاتها ~~وشروطها لأن الصلاة # PageV01P415 # واجبة في كل مكان على البدل على ما كانت عليه وإنما حرم التوجه إلى بيت ~~المقدس فصار التوجه منسوخا وإجزاء الصلاة إلى بيت المقدس ووجوبها مرتفعا ~~دون ما سوى ذلك فأما نسخ صوم عاشوراء فهو نسخ للصوم لأنه لم يجب الصوم إلا ~~في ذلك اليوم نفسه ورفع وجوبه فيه رفع لوجوبه على الإطلاق لأنه لم يبق وقت ~~آخر كان الصوم واجبا فيه فيبقى وجوبه فيه ويجري مجرى أن يجب علينا صلاة في ~~مكان مخصوص ثم يقال لنا لا تصلوا فيه في أنه لا يبقى علينا صلاة واجبة ~~وكذلك لو قيل لنا لا تصلوا في هذا اليوم وصلوا في يوم آخر لكانت الصلاة ~~الأولى قد نسخت وإنما كوجه إلينا إيجاب عبادة أخرى بأمر آخر فكذلك نسخ صوم ~~عاشوراء برمضان وإذا كانت جملة الصوم قد سقطت لم تبق شروطه ولم يجب أن تكون ~~شروط الصوم الثاني هي شروط الصوم المنسوخ لأنه لا يمتنع اختلاف العبادات في ~~الشروط # واما قول الشيخ أبي الحسن إن النسخ يتناول الوقت فلا يصح ظاهره لأن النسخ ~~يرفع أحكام الأفعال دون الأوقات - صلى الله عليه وسلم - باب الطريق إلى ~~معرفة كون الحكم منسوخا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الطريق إلى ذلك شيئان احدهما لفظ النسخ والآخر التأريخ مع ~~التنافي أما ms397 لفظ النسخ فقد يتناول المنسوخ وقد يتناول الناسخ أما الأول ~~فنحو أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذه العبادة منسوخة وأما الثاني ~~فكما قيل إن صوم شهر رمضان نسخ صوم عاشوراء وأما التاريخ مع التنافي فهو أن ~~يتنافى الحكمان بان يكون أحدهما نفيا للآخر أو بأن يتضادا # مثال التنافي قول النبي صلى الله عليه وسلم كنت قد نهيتكم عن زيارة ~~القبور ألا فزوروها ونحو قوله لا وصية لوارث وقول الله عز وجل {الآن خفف ~~الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} # PageV01P416 # الآية فأما قوله تعالى {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم ~~تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة} فلا يدل على نسخ تقديم الصدقة على ~~مناجاة الرسول لأنه ليس في التوبة علينا ولا في الأمر بالصلاة والزكاة ما ~~يمنع من ذلك وإنما يعلم النسخ من قصد النبي صلى الله عليه وسلم # وأما الحكمان الضدان فنحو أن يوجب الله سبحانه علينا الصلاة في أوقات ~~مخصوصة في مكان مخصوص ثم يوجب علينا في بعض تلك الأوقات صلاة في مكان آخر ~~فيكون أحدهما ناسخا للآخر # والأحكام المتنافية إما أن ترجع إلى مكلف واحد أو إلى جماعة والراجعة إلى ~~جماعة إنما أن ترجع إليها بألفاظ العموم وإنما يتم ذلك بالعمومين إذا ~~تعارضا وعلم التأريخ فيهما فنعلم أيهما هو الناسخ وأيهما هو المنسوخ فيجب ~~بيان كلا الأمرين أما التأريخ فقد يعلم بقول ينبىء بنفسه عن التقدم وقد ~~يعلم باسناد أحدهما إلى شيء متقدم وهذا الثاني ضروب منها أن يسند أحدهما ~~إلى زمان متقدم فيقال كان في السنة الفلانية والآخر في السنة الفلانية ~~ومنها أن يسند كل واحد من الحديثين إلى غزاة سوى في الغزاة الأخرى ويعلم ~~تقدم أحدهما على الأخرى ومنها أن يسند أحدهما إلى فعل متقدم ومنها أن يروى ~~أحدهما رجل تقدمت رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم على رؤية راوي الخبر ~~الآخر وانقطعت رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم لما رواه الخبر الآخر فأما ~~إذا كانت رؤيته قد دامت إلى رؤية ms398 الراوي الآخر فليس يجب أن تكون روايته ~~متقدمة # وذكر قاضي القاضة أن أحد الخبرين إذا وافق حكم العقل علمنا أنه المتقدم ~~وليس كذلك لأنه لا يمتنع أن يكون ابتداء الشريعة جاءت بخلاف ما في الأصل ثم ~~نسخ ذلك بما يقتضيه العقل # PageV01P417 # وأما الذي يعلم به تقدم أحدهما لفظا فضربان أحدهما أن يصدر من النبي صلى ~~الله عليه وسلم لفظ يدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور ألا فزوروها والآخر أن يصدر ذلك من الصحابي وذلك ضروب منها أن ~~يقول الصحابي كان هذا الخبر متقدما على هذا الخبر وفي السنة الفلانية ولا ~~شبهة في قبول ذلك إذا كان المنسوخ غير منقول بالتواتر فان كان منقولا ~~بالتواتر قبل ايضا عند قاضي القضاة وإن كان خبر الواحد لا ينسخ به حكم ~~متواتر كما أن شهادة الشاهدين لا يثبت بها الزنا والحد ويثبت الإحصان ~~بشهادتهما وإن كان الحد يتعلق بالإحصان فلا يمتنع أن لا يتعلق الحكم بالشيء ~~ويتعلق بسبب من أسبابه ولقائل أن يقول ليس كل شيء لم يمتنع فهو ثابت لا ~~محالة بل يحتاج ثبوته إلى دليل زائد على كونه غير ممتنع فأما إذا قال ~~الصحابي كان هذا الحكم ثم نسخ نحو ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال في ~~التشهد التحيات الزاكيات كان ذلك مرة ثم نسخ ويجوز أن يقول هذا نسخ هذا ~~كقولهم إن خبر الماء نسخ بالتقاء الختانين فانه يجوز أن يكون قال ذلك ~~اجتهادا فلا يلزمنا وحكى الشيخ أبو عبد الله عن الشيخ أبي الحسن أن الراوي ~~إذا عين الناسخ فقال هذا نسخ هذا جاز أن يكون قاله اجتهادا فلا يجب الرجوع ~~إليه وإن لم يعين الناسخ بل قال هذا منسوخ قبل ذلك نحو قول عبد الله في ~~التشهد كان ذلك مرة ثم نسخ قال لأنه لولا ظهور ذلك ما أطلق النسخ إطلاقا ~~ولقائل أن يقول إنه يجوز أن يظهر ذلك عنده من جهة الاستدلال فلذلك أطلقه ~~اطلاقا ويلزمه أن يرجع ms399 إلى قوله وإن عين الناسخ لأنه لولا ظهور كون الخبر ~~ناسخا ما أطلق ذلك إطلاقا - صلى الله عليه وسلم - باب في العمومين إذا ~~تعارضا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن العمومين إذا تعارضا لم يخل إما أن يتعارضا من كل وجه أو من # PageV01P418 # وجه دون وجه فان تعارضا من كل وجه فمثاله أن يكون أحدهما بنفي الحكم عن ~~كل ما يثبت الآخر الحكم فيه على ذلك الحد في ذلك الوقت أو يثبت أحدهما ضد ~~ما يثبته الآخر من الحكم ولا يخلو العمومان المتعارضان من كل وجه إما أن ~~يكونا معلومين أو مظنونين أو يكون أحدهما معلوما والآخر مظنونا فان كانا ~~معلومين لم يخل إما أن يعلم تقدم أحدهما على الآخر أو يعلم اقتران أحدهما ~~بالآخر أو لا يعلم شيء من ذلك فان علم تقدم أحدهما الآخر نسخ المتأخر ~~المتقدم وإن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر ولا أنهما وردا معا فالوجه أن ~~يرجع إلى غيرهما لأنه يجوز أن يكون كل واحد منهما هو المتأخر فيكون ناسخا ~~وإن علم أنهما وردا معا وأمكن التعبد بالتخيير فيهما كان التعبد فيهما ~~بالتخيير فيكون المكلف مخيرا بين العمل وبهذا الخبر أو بهذا كالتخيير بين ~~الكفارات لأنه إذا تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير وسيجيء القول في جواز ~~التعبد بالتخيير عند تعارض الأدلة والأمارات ولا يجوز أن يرجح أحدهما على ~~الآخر بما يرجع إسناده أو طريق العلم كشهادة الأمة له بالصحة ولا بما يرجع ~~ما تضمنه أحدهما من كونه محظورا أو حكما شرعيا إلى غير ذلك لأن الترجيح ~~بكثرة الرواة وغيرها مما ذكرناه يؤثر في قوة الظن فاذا كان كل واحد من ~~الخبرين معلوما غير مظنون لم يكن هناك ظن يقويه الترجيح فان قيل هلا قلتم ~~إن المسألة من مسائل الاجتهاد عند تعارض العمومين المعلومين ثم رجحتم العمل ~~بأحدهما لأمر يرجع إلى كون ما تضمنه محظورا أو حكما شرعيا قيل إنا إن فعلنا ~~ذلك كنا قد أسقطنا الخبر الآخر مع مساواة الآخر له في وقوع ms400 العلم بصحته ~~ولولا ما ذكرنا لم يثبت النسخ بين كثير من الألفاظ لأن كل لفظين تضمنا ~~حكمين متنافيين فانه يمكن أن يرجح أحدهما على الآخر في أكثر الأمر وإن تأخر ~~أحدهما عن صاحبه فاما إذا كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا فانه إما أن ~~ينقل تقدم أحدهما على صاحبه أو # PageV01P419 # لا ينقل ذلك فان نقل ذلك وكان المعلوم منهما هو المتأخر كان ناسخا للآخر ~~وإن كان المظنون منهما هو المتأخر لم ينسخ المعلوم ووجب العمل بالمعلوم ~~منهما وإن لم ينقل تقدم أحدهما على صاحبه وجب العمل بالمعلوم منهما لإنه إن ~~كان المعلوم هو المتقدم للمظنون لم يجز أن ينسخه المظنون وإن كان المعلوم ~~متأخرا عن المظنون فالمعلوم هو الناسخ ففي كلا الحالين يجب العمل بالمعلوم ~~فان قيل فجوزوا أن يكونا وردا معا فيكون التعبد فيهما التخيير قيل هذا إن ~~جوزناه فانه لا يمنع من الرجوع إلى المعلوم وحده لأنا نرجحه بكونه معلوما ~~وأما إن كانا مظنونين فإنه إن نقل تقدم أحدهما فالأول منهما منسوخ بالثاني ~~وإن نقل أنهما وردا معا رجح بينهما وعمل على الأقوى منهما فإن تساويا ~~فالتعبد فيهما بالتخيير وكذلك إن لم ينقل تقدم أحدهما على الآخر ولا ~~مقارنته له أنه يرجح بينهما ويعمل على الأقوى منهما أو يكون الإنسان مخيرا ~~إن تساويا عند المجتهد فأما إذا كان كل واحد من العمومين عاما من وجه خاصا ~~من وجه فنحو قول النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها ونهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند قيام الظهيرة وبعد صلاة ~~العصر وعند طلوع الشمس لأن الخبر الأول عام في الأوقات خاص في القضاء ~~والخبر الثاني خاص في الأوقات عام في القضاة وفي غيره من الصلوات التي لا ~~أسباب لها وكل واحد منهما عام فيما الآخر خاص فيه وليس يخلو مثل هذين ~~العمومين إما أن يعلم تقدم أحدهما على الآخر أو لا يعلم ذلك فإن لم يعلم ~~ذلك لم يخل إما أن يكونا معلومين ms401 أو مظنونين أو أحدهما معلوما والآخر ~~مظنونا فان كانا معلومين لم يجز ترجيح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد ويجوز ~~ترجيح أحدهما على الآخر بذلك إن كانا مظنونين وإن كان أحدهما معلوما والآخر ~~مظنونا جاز ترجيح المعلوم منهما عند التعارض بكونه معلوما فأما الترجيح بما ~~تضمنه أحدهما من كونه محظورا أو حكما شرعيا فانه يجوز ذلك سواء كانا ~~معلومين أو مظنونين أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا لأن الحكم بأحدهما ~~طريقة الاجتهاد وليس في # PageV01P420 # ترجيح أحدهما على الآخر إطراح الآخر وليس كذلك إذا تعارضا من كل وجه فإن ~~لم يترجح أحدهما على الآخر فالتعبد فيهما بالتخيير وقد رجح بعضهم التعلق ~~بقول الله تعالى {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} على التعلق بقوله ~~عز وجل {أو ما ملكت أيمانكم} من حيث كان قوله وأن تجمعوا بين الأختين أخص ~~بموضع الخلاف وهو الجمع بين الأختين # ولقائل أن يقول إن موضع الخلاف هو الجمع بين أختين مملوكتين فان كانت ~~الآية الأولى أخص بالخلاف لأن فيها ذكر الجمع بين الأختين فيجب أن تكون ~~الآية الثانية أخص بالخلاف لأن فيها ذكر المماليك ويمكن أن يجاب عن ذلك ~~فيقال إن الآية الأولى فيها ذكر مسألة الخلاف أكثر مما في الآية الثانية ~~لأن فيها ذكر الجمع وذكر الأختين وفي الآية الثانية ذكر المملوكات فقط ~~فلهذا كانت الأولى أخص بموضع الخلاف وأشد تعلقا به # فأما إن علم تقدم أحدهما على صاحبه وكانا معلومين أو مظنونين أو كان ~~المتقدم منهما مظنونا والآخر معلوما فان المتأخر منهما يجب أن ينسخ المتقدم ~~على قول من قال إن العام ينسخ الخاص المتقدم وهكذا يجيء على قولهم لأنه إذا ~~كان عندهم أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم ما لم يثبت كونه أعم من ~~اللفظ المتقدم أولى بأن يكون ناسخا وإن كان المتقدم معلوما والمتأخر مظنونا ~~لم يجز عندهم أن ينسخ الثاني الأول ووجب الرجوع فيهما إلى الترجيح لأن ~~المظنون لا ينسخ المعلوم وإذا لم يجز أن يكون الثاني منهما ناسخا وأمكن ~~استعماله مع ms402 الترجيح وجب الرجوع إلى الترجيح فأما من يقول إن العام المتأخر ~~يبنى على الخاص المتأخر وأن الخاص المتأخر يخرج بعض ما دخل تحت العام ~~المتقدم فالذي يجيء على مذهبه أن لا يفرق بين أن يكونا معلومين أو # PageV01P421 # مظنونين أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا في استعمال الترجيح وترك النسخ ~~بأحدهما لأنه ليس يتخلص كون المتأخر أخص من المتقدم فيخرج من المتقدم ما ~~دخل تحت المتأخر وبالله التوفيق # PageV01P422 ### | الكلام في الإجماع # - صلى الله عليه وسلم - باب في فصول الإجماع - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الغرض بذلك هو القول في أن الإجماع حجة ولما كان الإجماع هو ~~اتفاق من جماعة على أمر من الأمور إما فعل أو ترك وجاز أن يلحق اتفاقهم ~~اشتباه فيخرج منه ما هو منه ويجعل منه ما ليس منه وجاز أن يكون الاتفاق حجة ~~بشرط وجاز أن يعارض قولهم حجة أخرى ووجب أن يكون لهم طريق إلى ما اتفقوا ~~عليه أو يكون لنا طريق إلى ما اتفقوا عليه وجب أن نتكلم في كل ذلك فندل على ~~أن الإجماع حجة ثم في الاتفاق بماذا يقع هل هذا بالقول أو بالفعل أو بالرضا ~~والاعتقاد ثم نتكلم في المتفقين فنبين من يعتبر قوله في الإجماع ومن لا ~~يعتبر فيه ويدخل في كلا القسمين أبواب وهي أنه لا يعتبر في الإجماع بكل من ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا بجميع المكلفين إلى حد التكليف ولا ~~بالعامة في مسائل الاجتهاد ويعتبر بأهل الأعصار والامصار وبالمجتهد وإن لم ~~يشتهر بالفتوى وبالتابعي الحدث المعاصر للصحابة وبالواحد من أهل العصر فلا ~~ينعقد الإجماع دونه ثم نتكلم فيما يتفقون عليه فنبين ما الذي يكون اتفاقهم ~~فيه حجة وما الذي لا يكون اتفاقهم فيه حجة ويشتمل ذلك على أبواب وهي أنه لا ~~يكون إجماعهم حجة فيما لا يعلم صحة الاجتماع إلا بعد العلم بصحته فيكون حجة ~~في إزالة الخلاف المتقدم وهل يكون حجة في أمور الدنيا وهل يكون حجة وإن كان ~~سبب اجتماعهم اجتهاد آرائهم فاذا عرفنا ms403 # PageV02P003 # بهذه الفصول الاتفاق والمتفقين وما يكون الاتفاق حجة فيه تكلمنا في شرط ~~كونه حجة ثم نتكلم فيما أخرج من الإجماع وفيما ألحق به ويدخل في ذلك فصول ~~وهي هل اختلاف الأمة في المسألة على قولين هو اتفاق على المنع مما عداهما ~~وهل اتفاقهم على الاستدلال بدليل أو اعتلال بتعليل أو تأويل هو اتفاق على ~~المنع مما عدا ذلك وهل اتفاقهم على أن لا فرق بين المسألتين اتفاق على ~~المنع بينهما وهل اختلافهم في المسألة على قولين هو اتفاق على جواز الأخذ ~~بكل واحد منهما على كل حال أم لا وبعد ذلك نتكلم فيما يعارض الإجماع ثم في ~~طريق المجتمعين إلى ما اتفقوا عليه ويشتمل ذلك على أنه لا بد من أن يتفقوا ~~على طريق وهل ذلك الطريق الاجتهاد أم لا وكيف الحال فيهم إذا اتفقوا على ~~موجب خبر الواحد ثم نتكلم في طريقنا إلى اتفاقهم ويدخل في ذلك انقراض أهل ~~العصر هل هو طريق إلى اتفاقهم وهل عدم المخالف للقول الذي لم ينتشر طريق ~~إلى الاتفاق عليه - صلى الله عليه وسلم - باب في الدلالة على أن الإجماع ~~حجة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن إجماع أهل كل عصر من الأمة صواب وحجة وقال النظام ليس ذلك حجة ~~وقالت الإمامية ذلك صواب لأن الإمام داخل فيهم وهو الحجة فقط ودليلنا قوله ~~تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} والوسط من كل شيء ~~خياره والحكيم لا يخبر بخيرية قوم ليشهدوا وهو عالم بأنهم كلهم يقدمون على ~~كبيرة في تلك الحال فيما يشهدون به بل لا يجوز ذلك إذا علم أنهم يقدمون ~~فيما يشهدون به على قبيح صغير أو كبير فصح أن ما شهدوا به أنه من الدين فهو ~~صواب # PageV02P004 # إن قيل المراد بذلك أن يشهدوا بذلك في الآخرة على الامم السالفة أن ~~أنبياءهم بلغت إليهم الرسالة وذلك يقتضي كونهم دولا في حال ما يشهدون دون ~~حال الدنيا والجواب أنه لو كان هذا هو المراد لقال سنجعلكم أمة وسطا وأيضا ~~فانهم ms404 إن شهدوا بتبليغ الرسل إلى الامم قبلهم والامم قد شاهدت ذلك فعلمهم ~~بذلك أقوى من علم هذه الأمة فلم يجز أن يستشهد الأنبياء بمن علمه أضعف ~~وأيضا فجميع الامم عدول في الآخرة على معنى أنهم لا يفعلون القبيح فلا معنى ~~لتخصيص هذه الأمة بالعدالة لو كان المراد به الآخرة # إن قيل قوله {ليشهدوا} ليس فيه لفظ عموم فيقضي أن يشهدوا بجميع أنواع ~~الشهادات فما يؤمنكم أن يكون المراد بذلك ليشهدوا على من بعدهم بإيجاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم العبادات عليهم قيل لو كان المراد ذلك لم يؤثر ~~فيما ذكرناه من أن وصفهم بالعدالة يمنع من كونهم مقدمين على كبيرة وعلى أنه ~~إن أريد بذلك إخبارهم من جهة التواتر فلا معنى لجعلهم عدولا لهذا الغرض لأن ~~بخبر مثلهم يقع العلم إذا نقلوا بأجمعهم وإن لم يكونوا عدولا وإن أريد بذلك ~~أنه جعلهم عدولا ليخبرونا بالآحاد فذلك غير موجود في كل واحد منهم لأنه ليس ~~كل واحد من الأمة عدلا إذا انفرد # فان قيل المراد أن أكثرهم عدل قيل الظاهر من قوله جعلناكم من وجه بالخطاب ~~إليهم وهم أهل العصر فيجب أن يكونوا بأجمعهم عدولا في تلك الحال وفي الشيء ~~الذي أجمعوا عليه ودانوا به ولو ثبت أن أكثرهم لا يواقعون كبيرة صح أن ~~الإجماع حجة لأنه إن كان كثير من الأمة لا يواقعون كبيرة أصلا فقد تحققنا ~~أنه إذا اتفقت الامة كلها أن ما اتفقوا عليه ليس بكبير لدخول أولئك في ~~الجملة # إن قيل المراد بذلك أنه جعل أكثرهم عدولا في الظاهر لا في الحقيقة # PageV02P005 # ليشهدوا من جهة الخبر قيل الظاهر من قوله {جعلناكم أمة وسطا} أنهم كذلك ~~على الحقيقة لأن الخبر يقتضي كون المخبر على ما تناوله كما لو أخبر أنه ~~جعلهم بيضا أو سودا # فان قيل إن كان المراد بالأمة جميع من صدق بالنبي إلى يوم القيامة لم ~~يثبت مع ذلك كون الإجماع حجة فان أريد من كان موجودا حين نزلت الآية لم يصح ~~أن يتعلقوا بالإجماع في ms405 شيء إلا أن يعلموا أن جميع من كان حاضرا حين نزلت ~~الآية قال بذلك القول قيل أما القسم الأول فلا يصح لأن جميع من صدق بالنبي ~~إلى قيام الساعة لا يجوز أن يشهدوا بلزوم العبادات على غيرهم لأنه ليس ~~غيرهم مكلف بعد تلك الحال ولا يجوز القسم الثاني لأنه لا سبيل لنا إلى ~~العلم به وقد أمرهم الله تعالى أن يشهدوا وذلك يقتضي وجوب القبول علينا ولا ~~يجوز أن يقف وجوب قبولنا منهم على ما لا سبيل لنا إلى العلم به وأيضا فان ~~الشهادة علينا إنما تكون بعد حدوثنا وموت النبي عليه السلام وهذا يقتضي أن ~~يكون المراد بالأمة عصر الصحابة بعد وفاة النبي عليه السلام # دليل آخر قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر} يدل على أنهم ينهون عن كل منكر لأن لام الجنس يستغرق الجنس فلو ~~أجمعوا على مذهب منكر لما نهوا عنه بل كانوا أمروا به # إن قيل قوله {كنتم خير أمة} يقتضي تقدم كونهم خير أمة وليس في الآية دليل ~~على أنهم يستديمون هذه الحال والجواب أنه قد قيل إنه يحتمل أن يكون كان ها ~~هنا هي الزمانية ويحتمل أن تكون زائدة وإن أفاد لفظها نصب قوله {كنتم خير ~~أمة} كقوله تعالى {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} ويحتمل أن تكون كان ها ~~هنا تامة بمعنى وجدتم ويكون # PageV02P006 # قوله خير أمة نصب على الحال وأي هذه الوجوه ثبت لم يضرنا لأن قوله {خير ~~أمة} إن أفاد تقدم كونهم كذلك فقوله {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ~~يقتضي كونهم كذلك في كل حال وما ينهون عن كل منكر لأنهم لو كانوا ينهون عن ~~بعض المنكرات ويأمرون ببعض وينهون عن ذلك في بعض حالاتهم دون بعض لما كانوا ~~خير أمة أخرجت للناس لأن الامم السالفة قد نهوا عن كثير من المنكر وأمروا ~~بكثير من المعروف في بعض الحالات دون بعض ألا ترى أنهم أمروا بالتوحيد ~~ونهوا عن الإلحاد وأمروا بنبوة أنبيائهم ونهوا عن ms406 تكذيبهم فوجب حمل الآية ~~على العموم في جميع الحالات # فأما الوجهان الآخران فالأمر في صحة الاستدلال معهما ظاهر دليل قوله ~~تعالى {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} فجمع بين مشاقة الرسول واتباع غير ~~سبيل المؤمنين في الوعيد فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع ~~بينه وبين المحظور في الوعيد ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول الحكيم لعبده إن ~~زنيت وشربت الماء عاقبتك وإذا قبح اتباع غير سبيلهم وجب تجنبه ولم يمكن ~~تجنبه إلا باتباع سبيلهم لأنه لا واسط بين اتباع سبيلهم واتباع غير سبيلهم # إن قيل إنما جمع الله بين مشاقة الرسول وبين اتباع غير سبيل المؤمنين في ~~الوعيد لأن اتباع غير سبيلهم قبيح بشرط مشاقة الرسول وغير قبيح إذا لم يوجد ~~مشاقة الرسول قيل له هذا يقتضي أن يكون من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل ~~المؤمنين مع مشاقته للرسول ومشاقة الرسول ليست معصية فقط وإنما هي معصية ~~على سبيل الرد عليه والمعاندة له لأن من صدق بالنبي وفعل بعض المعاصي لا ~~يقال إنه مشاق للرسول ومن كذب بالنبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه # PageV02P007 # لا يصح أن يعلم صحة الإجماع لأنه إنما يعلم صحته بالسمع ومن لا يصح أن ~~يعلم صحة الإجماع لا يصح أن يؤمر باتباعه في تلك الحال # فان قيل إن الله تعالى شرط في لحوق الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين ~~تبين الهدى واللام في الهدى للجنس فاقتضت استيعاب الهدى فكان معنى الآية من ~~تبين جميع الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين لحقه الوعيد فيدخل ما أجمعوا عليه ~~في جملة الهدى فيجب تقدم بيانه بدليل سوى قول الأمة ثم يتبعون فيه كما أن ~~الإنسان إذا قال لغيره إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه يقتضي تبين صدقه بشيء ~~سوى قوله وقد أجيبت عن ذلك بأن تبين الهدى شرط في لحوق هذا الوعيد المذكور ~~بمشاقة الرسول فقط لا في اتباع غير ms407 سبيل المؤمنين لأن الإنسان إنما يكون ~~مشاقا ومعاندا إذا تبين له الحق وعرفه فكان هذا الشرط مقصورا على المشاقة ~~فقط # ويجاب عن السؤال أيضا بأن الهدى الذي تبينه شرط في ثبوت مشاقة الرسول وفي ~~لحوق الوعيد هو التوحيد والعدل وصدق الرسول دون تبين الهدى الذي هو الفروع ~~ألا ترى أن من عرف التوحيد والعدل وصدق النبي صلى الله عليه وسلم وحاد عن ~~نبوته ورد عليه كان مشاقا له وإن لم يعرف أحكام الفروع وإذا أنكر لم تكن ~~المعرفة بأحكام الفروع وغيرها مما زاد على التوحيد والعدل والنبوات شرطا في ~~المشاقة وفي لحوق الوعيد بها لم تكن شرطا في لحوق الوعيد بمن اتبع غير سبيل ~~المؤمنين لأن الوعيد المعلق بهما واحد # وأيضا فان تأويل السائل يبطل فائدة تمييز المؤمنين بهذا الكلام مع علمنا ~~أنه خرج مخرج الإعظام لهم ألا ترى أن غير المؤمنين إذا عرفنا أن قولا من ~~أقاويلهم هذا فانه يلزمنا أن نقول مثل قولهم كما يلزمنا مثل ذلك في قول ~~المؤمنين عند السائل على أن اتباع المؤمنين هو الرجوع إلى قولهم لأنهم ~~قالوه # PageV02P008 # وليس اتباعهم هو مشاركتهم في قولهم لأن دليلا دل عليه ألا ترى أنا لا ~~نكون متبعين لليهود في إثبات الصانع جل ثناؤه وفي نبوة موسى وإن شاركناهم ~~في اعتقادهم ذلك لما لم نصر إلى ذلك لأجل قولهم # وأيضا فهذا السائل إن جعل سبيل المؤمنين على كل حال هذا فقد أوجب اتباعه ~~في كل حال وفي ذلك الرجوع إلى قولنا وإن لم يجعله هذا على كل حال لزمه أن ~~لا يكون اتباعه على كل حال واجبا والأمر يفيد وجوب اتباعهم على كل حال ~~فعلمنا أنه لم يرد تبين كل الهدى # فان قيل لستم بأن تتركوا الظاهر في استغراق الهدى بأولى من أن نترك نحن ~~ظاهر الآية في اتباع سبيل المؤمنين في كل حال ونتمسك بعموم الهدى قيل الفرق ~~بيننا وبينكم أنكم إذا حملتم الهدى على العموم لزمكم أن تحملوا الآية على ~~وجوه لا فائدة فيها على ما ms408 بيناه من قبل وهذا الجواب لا يقوم بنفسه إلا بما ~~تقدم من الأجوبة وفيها كفاية # إن قيل قوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} يحتمل أن يكون غير في هذا ~~الكلام بمعنى إلا فيكون معنى الآية ويتبع إلا سبيل المؤمنين فيكون ذلك ~~توعدا لمن لم يتبع سبيلهم ومن شك فيه توقف ولمن اتبع سبيلا غير سبيلهم ~~ويحتمل أن يكون صفة فيكون معنى الآية ويتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين فلا ~~يدخل في هذا الوعيد من لم يتبع سبيلهم ولا سبيل غيرهم بل توقف فما يؤمنكم ~~أن يكون غير ها هنا صفة فلا يكون لكم في الاية دلالة والجواب أن هذا السؤال ~~يقتضي أن تكون الآية قد حظرت على الإنسان إذا أجمعت الامة على إباحة شيء أن ~~يقول بحظره أو بوجوبه والمخالف لا يحظر ذلك وأيضا فالمتوقف في قولهم يتبع ~~سبيلا غير سبيلهم فقد دخل في الوعيد ألا ترى أن من شك في نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوصف أنه يتبع # PageV02P009 # غير سبيل المؤمنين وأيضا فالمفهوم في قول القائل لا تتبع غير سبيل ~~الصالحين اتبع سبيلهم # فان قالوا إنما فهم ذلك لأن اسم الصالحين مدح قيل لهم وكذلك اسم المؤمنين ~~فيجب أن يفهم من قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين إيجاب اتباع سبيل المؤمنين # إن قيل قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين معناه ويتبع سبيلا غير سبيلهم وهذا ~~يقتضي سبيلا واحدة قيل فيجب أن يحرم اتباع هذه السبيل لأنها غير سبيلهم ~~والمخالف لا يحرم ذلك على أن قوله غير سبيل المؤمنين إن أفاد اتباع غير ~~سبيلهم فهو عام في كل سبيل كان موصوفا بأنه غير سبيلهم كما أن الإنسان إذا ~~قال من دخل غير داري ضربته فهم منه كل دار غير داره # إن قيل السبيل هو الطريق دون القول والفتوى فيجب أن يدخل في ذلك ما ~~استطرقوه دون الفتوى قيل المعلوم أنه لم يرد ما استطرقوه من الطرق التي ~~يمشون فيها لأنه ليس يحرم على الإنسان أن يمشي في طريق لا يمشون فيه فان ms409 ~~كان المراد بذلك ما استطرقوه في الأدلة فيجب ما اعتقدوه دليلا أن يكون ~~دليلا والمخالف لا يوجب ذلك على أن ما اجتباه الإنسان لنفسه وتمسك به يقال ~~إنه سبيله سواء كان دليلا أو غيره لأنه يقال لمن حرم النبيذ إنه ليس يسلك ~~سبيل ابي حنيفة ويقال للإنسان اسلك سبيل التجار فيفهم من ذلك افعل فعلهم في ~~زيهم وأخلاقهم وعاداتهم فصح أن ذلك غير مقصور على الأدلة # فان قيل المجمعون صاروا إلى ما أجمعوا عليه باستدلال واجتهاد فالاجتهاد ~~في تلك المسألة سبيلهم كما أن الحكم الذي حكموا به سبيلهم فلم أوجبتم على ~~من بعدهم المصير إلى ما حكموا به وأسقطتم عنه الاجتهاد بأولى من أن # PageV02P010 # توجبوا عليه الاستدلال والاجتهاد وتسقطوا عنه المصير إلى حكمهم على كل ~~حال والجواب أنا إذا أوجبنا عليه المصير إلى حكمهم كنا قد أمرناه باتباع ~~سبيلهم في الحكم وفي الاستدلال لأن من يتبع الإجماع فقد استدل على الحكم ~~الذي أجمعوا عليه وإن كان دليله غير دليل المجمعين وليس يجب على الإنسان أن ~~يستدل بنفس ما استدل به غيره إذا ظفر بدليل آخر على أنه إن وجب على المكلف ~~الاستدلال بنفس ما استدل به الأولون على الحد الذي استدلوا به فذلك يؤديه ~~إلى الحكم الذي اتفقوا عليه لأنهم إنما اتفقوا عليه لأجل الاستدلال وفي هذا ~~أوجبوا مشاركتهم في الحكم # فان قيل إذا اتفق أهل العصر على استباحة شيء وفعلوه بأجمعهم أيلزم من ~~بعدهم فعله لأن فعلهم سبيلهم قيل إنما يجب عليه اعتقاد إباحته فأما فعله ~~فلو اوجبناه مع أنهم لم يوجبوه لكان ذلك خلاف سبيلهم # إن قيل قوله {ويتبع غير سبيل المؤمنين} لا يمنع من اجتماعهم على الكفر ~~والردة فمن أين أنه لا يجوز ذلك عليهم قيل الآية إن لم تمنع من ذلك فهي ~~مانعة من مخالفتهم فيما أجمعوا عليه إذا كانوا مؤمنين ولا يمتنع أن تدل على ~~أنهم لا يجمعون جميعا على الردة # دليل آخر وأيضا فاذا اجتمع أهل كل عصر على أنه لا يجوز أن يجتمعوا ms410 على ~~الردة كان ذلك من سبيلهم فلم يجز مخالفتهم فمتى ثبت هذا الإجماع صج ~~الاستدلال به وقد أجيب عن السؤال بأن إيجاب الله علينا اتباع سبيل المؤمنين ~~يقتضي أن لا يخلو عصر من الأعصار من مؤمنين حتى يصح منا امتثال الأمر ~~باتباعهم وفي ذلك أنهم لا يجمعون جميعا على الردة وهذا الجواب غير لازم لأن ~~إيجابه علينا اتباع سبيل المؤمنين يقتضي وجوب ذلك متى وجد مؤمنون كما يقتضي ~~وجوب ذلك متى أجمعوا فكما لا يلزم بهذا الإيجاب أن # PageV02P011 # يجتمعوا في كل عصر حتى يصح اتباعهم فكذلك لا يجب أن يوجدوا في كل عصر # إن قيل قوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} يقتضي دخول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيهم لأنه عليه السلام سيد المؤمنين فيجب إذا حدث حادثة في زمان ~~الصحابة فأجمعوا عليها أن لا تكون حجة لأنه ليس للنبي فيها قول وإنما ~~يمكنكم أن تعلموا أن قول النبي عليه السلام فيها هو ما أجمعوا عليه إذا ثبت ~~لكم أن الإجماع حجة قيل إن الله تعالى لم يعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله {ويتبع غير سبيل المؤمنين} وإن كان عليه السلام سيدهم لأنه لو عناه ~~مع كافة المؤمنين لم يكن لذكر من سواه من المؤمنين فائدة إذ الحجة ثابتة ~~بقوله والوعيد يتوجه إلى من خالف قوله دون ما عداه من المؤمنين فعلمنا أنه ~~أراد غيره من المؤمنين ليدلنا على أنهم حجة كما أن الرسول حجة # إن قيل فيجب أن لا يكون ما أجمع عليه الصحابة حجة في زمنهم لأنه ليس في ~~تلك الحادثة قول لمن حضر نزول هذه الآية من المؤمنين الذين ماتوا قبل وفاة ~~النبي عليه السلام والجواب أنا لو اعتبرنا قول من كان مؤمنا في ذلك الوقت ~~فقط للزم أن لا نعتبر قولهم لأن قول الامة في ذلك الوقت لا بد من أن يعرفه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيقر عليه فتكون الحجة هي إقرار النبي عليه ~~السلام وترك إنكاره عليه # إن قيل اسم المؤمنين يفيد أشخاصا ms411 يستحقون الثواب والمدح فيجب أن يكون ~~الحجة هو إجماع هؤلاء دون الفساق وإن خالفهم غيرهم قيل كذلك نقول إلا أنا ~~إذا اعتبرنا إجماع جميع أهل القبلة دخل المستحقون للثواب في جملتهم فان ~~علمنا فسق كثير من أهل القبلة فقد ذكر أبو علي أنه يعتبر إجماع من عداهم ~~ممن ظاهره أنه مستحق للثواب والمدح ولا اعتبار بالباطن لأن الله # PageV02P012 # تعالى لا يكلفنا اتباع سبيل المؤمنين إلا ولنا طريق إلى معرفة كونهم ~~مؤمنين وإذا كان قد جعل لنا سبيلا إلى معرفة الظاهر دون الباطن علمنا أنه ~~أراد اتباع سبيل من ظاهره استحقاق الثواب والمدح وأنه لم يكلفنا الباطن # إن قيل ليس يصح التعليق بالآية على قول شيوخكم ولا على قول غيرهم أما قول ~~شيوخكم فالمؤمنون عندهم المستحقون للثواب والمدح فما يؤمنكم إذا اتفقت ~~الامة على قول أن يكون ذلك خطأ يخرجون به من استحقاق الثواب والمدح فاذا لم ~~يأمنوا ذلك لم يأمنوا كونهم مؤمنين إلا بعد الاستدلال بغير قولهم على أن ~~ذلك القول حق وصواب وذلك يخرج قولهم من أن يكون دليلا على كونه صوابا وشرط ~~كون قولهم دليلا أن يكون قولا صادرا عن مؤمنين وأنتم إنما تعلمون هذا الشرط ~~بعد العلم بالمدلول وهو صحة قولهم # فان قلتم إنهم إذا اتفقوا على حكم هو من الفروع لم يستحقون به الذم لأن ~~كل مجتهد في الفروع مصيب ولأنه خطأ مغفور قيل لكم المعول في ذلك هو على ~~الإجماع فمتى لم يثبت أن الإجماع حجة لم يصح أن يعلم ذلك على أن ذلك يمنع ~~من الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع في غير مسائل الاجتهاد # فان قلتم إن الآية تدل على اتباع قول المؤمنين لأجل قولهم لا لدليل آخر ~~على ما تقدم بيانه وذلك يقتضي كونهم معينين غير موصوفين فيجب أن يكون ~~المراد بقوله {ويتبع غير سبيل المؤمنين} على موجب اللغة أو من كان ظاهره ~~قبل ما أجمعوا على أنه مستحق للثواب لأنا إن لم نحمل الآية على ذلك لم يصح ~~اتباع قولهم لأجل ms412 أنهم قالوه قيل لكم لستم بأن تعدلوا عن الظاهر فتحملوا ~~الآية على التصديق أو تحملوا المؤمنين على من كان قبل ذلك الإجماع يستحق ~~المدح في الظاهر وتمسكوا بالظاهر في وجوب اتباعهم لأجل قولهم بأولى من أن ~~تتمسكوا علينا اتباع سبيل المؤمنين الموصوفين سواء كانوا موجودين # PageV02P013 # أو غير موجودين كما نقول اتبع سبيل الصالحين وأنت تريد صالحين موصوفين أي ~~واتبع سبيلا من حقها أن تكون سبيل الصالحين وهي التي كانوا بها صالحين أو ~~يكون المراد اتبع سبيل المؤمنين في ترك مشاقة الرسول فاذا اعتدل التأويلان ~~سقط احتجاجكم بالآية # وأما غير شيوخكم فانهم وإن قالوا إن المؤمن في الشريعة هو المصدق بالله ~~وبرسوله فانه إنما لم يصح لهم الاحتجاج بالآية لأن ظاهر قوله تعالى {ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين} يدل على حظر مخالفة جماعة هم مصدقون بالله بقلوبهم وذلك ~~لا سبيل إليه # فان قالوا المراد بذلك المؤمنون في الظاهر دون الباطن لأنه لا يجوز أن ~~يكلف اتباع من لا سبيل لنا إلى العلم به قيل لهم قد تركتم الظاهر لأن من ~~يظهر الإيمان ولا يعتقده ليس بمؤمن على التحقيق والآية تفيد تعليق الوعيد ~~على من خالف من هو مؤمن على الحقيقة فان جاز لكم أن تعدلوا عن هذا الظاهر ~~جاز لنا أن نقول المراد بالآية سبيل المؤمنين الموصوفين على ما تقدم بيانه ~~وترك الظاهر في كون المؤمنين المذكورين في الآية معينين إن كان الظاهر يفيد ~~كونهم معينين فنترك ظاهرا في الاية ونتمسك بغيره كما تركتم ظاهرا في الاية ~~وتمسكتم بغيره # دليل قوله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقد قيل إنه ~~استدل بذلك بأن أمر بالاعتصام بحبل الله على أنهم قد اعتصموا به وهذا باطل ~~لأن الأمر لا يدل على وقوع امتثاله # ويمكن أن يستدل بالآية من وجوه أخر # منها أن يقال إذا أجمع أهل العصر على قول لم يجز لبعضهم أن يترك هذا # PageV02P014 # القول لأنهم إذا فعلوا ذلك كانوا قد تفرقوا والله تعالى قد نهى عن ذلك ~~والجواب أنه إن كان ms413 ما أجمعوا عليه حقا فقد حرم عليهم التفرق عنه وإن كان ~~خطأ وجب عليهم بأجمعهم العدل عنه والإجماع على الحق وأن لا يتفرقوا عنه فقد ~~قال المخالف إنه يحرم عليهم التفرق وإن لم يحصل الإجماع حقا # ومنها أن يقال إذا أجمع أهل العصر على قول لم يجز لأهل العصر الثاني أن ~~يخالفوهم لأنه إذا خالفهم أهل العصر الثاني كان أهل العصر الثاني قد تفرقوا ~~والجواب أنه لا يوصفون بأنهم متفرقون إذا أجمعوا على مخالفة أهل العصر ~~الأول فان افترقوا هم على قولين فقد نهوا عن ذلك لأنه يجب عليهم الاجتماع ~~على الحق # ومنها أن يقال إذا خالف أهل العصر الثاني لأهل العصر الأول فقد صار أهل ~~العصر الأول مع الثاني متفرقين والنهي يمنع من ذلك والجواب أن أهل العصر ~~الأول غير موجودين في هذه الحالة فيقال إنهم مع أهل العصر الثاني منهيون عن ~~التفرق وأيضا فان المفهوم من قوله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا} وقوله ~~{ولا تفرقوا} هو أن لا يتفرقوا في الاعتصام بحبل الله كما أن المفهوم من ~~قول الإنسان لعبيده ادخلوا الدار أجمعين أي لا تتفرقوا في دخول الدار فيجب ~~على المستدل أن يبين ما أجمع أهل العصر عليه اعتصام بحبل الله تعالى حتى ~~يعلم من بعدهم أنهم قد نهوا عن مفارقتهم وهذا غير ظاهر لأن قوله ولا تفرقوا ~~مطلق في النهي عن التفرق فيتناول كل شيء # دليل قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فشرط التنازع ~~في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة فدل أنهم إذا لم يتنازعوا لم يجب الرد لأن # PageV02P015 # تعليق الحكم بالشرط يدل على أن ما عداه بخلافه # ولقائل أن يقول أيسقط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة ويصير ترك ذلك مباحا ~~إذا اتفقوا على الحكم بالرد إلى الكتاب والسنة أو إذا اتفقوا على ذلك من ~~غير رد إليهما فان قلتم بالثاني جوزتم وقوع الإجماع من غير دليل وجواز ذلك ~~يمنع ms414 صحة الإجماع وإذا قلتم بالأول نسبتم إلى الله تعالى ما لا يجوز لأن ~~طلب الحكم من الكتاب والسنة بعد ما وجد منهما محال إذ طلب ما هو موجود عند ~~الطلب مستحيل فإباحة ترك المستحيل عبث لا يصدر عن حكيم # فان قيل فما المراد بالآية قيل المراد بها الحث على طاعة أولى الأمر وهم ~~الأمراء فما تدبروا به من أمر الدين والدنيا مما لا نعلم أنه خطأ فان ظننا ~~أنه خطأ ونازعناهم فيه رددناه إلى الله ورسوله وهذا كما لو قال الإنسان ~~لعبيده أطيعوا من أوليه عليكم فان تنازعتم وتخالفتم فردوه إلي لفهم منه ما ~~ذكرناه # دليل وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على خطأ فنفى جميع ~~الخطأ عن إجماعهم لأن ذلك نفي لنكرة تعم ومما أجمعوا عليه أنه لا يجوز ~~مخالفة ما أجمعوا عليه فيجب كون ذلك صوابا غير خطأ وينبغي أن يتشاغل بتثبت ~~الخبر ثم بالكلام في متنه وقد سلك الناس في تثبيته وجوها # منها أن الخبر وإن نقل بالآحاد فان معناه بالتواتر روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال أمتي لا تجتمع على ضلال وقال يد الله مع الجماعة وقال ~~الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين ابعد وقال ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند ~~الله حسن وقال من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه قالوا ~~فجرى ذلك مجرى ما تناقل بالآحاد من تفاصيل سخاء حاتم في أنه قد صار بإجماعه ~~متواترا ولقائل أن يقول إن هذه الأخبار تبلغ خمسة أو ستة ولو روى خمسة نفر ~~أو ستة خبرا لم يجب أن يكون معلوما # PageV02P016 # ولو وجب أن يكون بعض هذه الأخبار صحيحا لم يمنع أن يكون الصحيح منها قوله ~~الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين ابعد وذلك يدل على أن الأغلب فيما اجتمع ~~عليه كونه صحيحا وليس ذلك من الأخبار عن سخاء حاتم بسبيل لأنه لا يمكن لأحد ~~أن يخالف في سخاء حاتم ويمكن أن يخالف في هذه الأخبار ms415 # ومنها أن التابعين اعتقدوا بأجمعهم صحة الإجماع ولم يظهر فيما بينهم شيء ~~لأجله صاروا إلى هذا الرأي إلا هذا الخبر فعلمنا أنهم صاروا إليه لأجله ~~والعادة في أمتنا أنها لا تجتمع على موجب خبر إلا وقد قامت الحجة به ألا ~~ترى أنه ما نقل بالآحاد ولم تقم الحجة به لم يتفقوا على موجبه لما كان ~~حكمهم بموجبه موقوفا على الاجتهاد في حال الراوي ولقائل أن يقول إني لا ~~أعلم أن جماعة التابعين اعتقدوا كون الإجماع حجة كما لا أعلم ذلك في أهل ~~هذا العصر سيما وقد روي عن بعضهم أنه قال في قول القائل لامرأته أنت حرام ~~أنه ليس بشيء وهذا بخلاف إنما أفتت به الصحابة ولو ثبت أنهم أجمعوا على ذلك ~~لم نأمن أن يكون إنما اعتقدت صحة الإجماع لأجل الآيات فقط لا للخبر ولو ~~علمنا أنهم اعتقدوا صحة الإجماع لأجل الخبر لم نعلم أنه صحيح لأنهم إن ~~قالوا فإنه لا يجوز أن يعتقدوا صحة الإجماع بخبر لم يقم به الحجة لأن ذلك ~~خطأ والامة لا تجتمع على خطأ كانوا قد سلموا صحة الإجماع وبنوا عليه الدليل ~~فان أوجبوا ذلك لأن الحكم بخبر الواحد موقوف على الاجتهاد في حال الراوي ~~وذلك يمنع من اتفاق جماعتهم على موجبة قيل لهم أليس يجوز أن يجمعوا على ~~الحكم من جهة القياس والاجتهاد ويجوز من جهة العقل أن يجمعوا من جهة الشبه ~~وإن أوجبوا ذلك لأنهم استقرءوا الأخبار فوجدوا ما كان منها قد قامت الحجة ~~به قد اتفقوا على موجبه وما لم تقم الحجة به لم يجمعوا عليه ألا ترى أن ~~أخبار الآحاد في الفقه لم يجمعوا على موجبها قيل لهم ولم زعمتم أن عادتهم ~~مستمرة بذلك في كل ما لم تقم الحجة به من الأخبار وما أنكرتم أن يكون هذا ~~الخبر لم تقم الحجة به وأجمعوا على # PageV02P017 # موجبة وقد تركت الصحابة آرائهم بخبر حمل بن مالك وصاروا إلى خبر عبد ~~الرحمن في المجوس وأجمعوا على أنه لا تنكح المرأة على عمتها بخبر ms416 واحد # وإن قالوا لم يجمعوا على ذلك إلا لقيام الحجة به قيل تثبتوا ذلك حتى يصح ~~استدلالكم ولو كانوا أجمعوا على ذلك لقيام الحجة بهذه الأخبار لم يصح ~~الاستدلال بذلك على قبول الأخبار المظنونة # فان قالوا أليس بعض أخبار الآحاد لم يجمعوا على موجبها قيل إنا لم نوجب ~~أن يجمعوا على موجب خبر الواحد وإنما جوزنا ذلك وجوزنا خلافه فلم يلزمنا ما ~~ذكرتم # فان قيل لا يجوز على التابعين مع شدة تدينهم وإعظامهم للدين أن يقطعوا ~~على كون شيء حجة في الشرع بما لا يوجب القطع واليقين كما لا يجوز والحال ~~هذه أن يقبلوا خبر واحد في جواز نسخ الشرع بحسب شهوات بعضهم والجواب أنه ~~يجوز أنهم اعتقدوا ذلك لشبهة كما اعتقد كثير من أصحاب الحديث في الله تعالى ~~ما يستحيل عليه لأخبار آحاد بالتقليد ولا يمتنع أن يكونوا ظنوا صدق الراوي ~~ولم يقطعوا به فظنوا أن الإجماع حجة واعتقدوا وجوب ما أجمعوا عليه لأنهم قد ~~ظنوا صحته كما اعتقدوا وجوب قبول خبر الواحد في الأحكام إذا ظنوا صدق ~~الراوي وما ذكروه من اعتقادهم النسخ بحسب الشهوات فانه يجوز عليهم أن ~~يقبلوا خبرا مرويا في ذلك إلا أن يعلم أن إجماعهم حجة أو يعلم أنهم قد ~~استبعدوا تغير الشرع بحسب شهوات الناس فمنع هذا الاستبعاد من إجماعهم على ~~صحة الخبر وليس اتفاق الامة على الحق بمستبعد كاستبعاد تغير الشرع بالشهوات ~~بل الأغلب عند الناس أن الحق لا يخفى على الجمع الكثير والناس الشريفة ~~يعظمون الامة فالخبر الواحد ينفي الخطأ عنهم ويطابق هذا المستقر في أنفسهم ~~وورود الخبر بنسخ الشريعة بحسن الشهوات ينافي لما تكن في نفوس الامة # PageV02P018 # وليس يمتنع أن يستدل مستدل على وجوب المصير إلى الإجماع بأخبار الآحاد ~~لأن العقل عندنا يدل على وجوب قبول خبر الواحد من حيث التحرز عن المضار ~~فاذا روى الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته لا تجتمع على خطأ ~~ظننا أنهم كذلك ولزمنا العمل بما حكموا به كما أن المسافر لو ms417 أخبره من ~~ظاهره الصدق عن بعض من يثق به أنه يأمر بالرجوع في سفره إلى رثد في طريقه ~~فانه لا يغلط أو أنه قليل الغلط في السفر لزمه الرجوع إليه إذا غلب على ظنه ~~صدق الراوي وإصابته من أمره بالرجوع إلى رثد إلا أن هذه الأخبار لا تقتضي ~~القطع على إصابة المجتمعين وإنما يسوغ الاستدلال بالإجماع في الأعمال دون ~~العلوم # فأما الكلام في متن الخبر فقد تقدم طرف منه وهو كيفية الاستدلال به ويرد ~~عليه وجوه # منها أن يقال هلا كان الخطأ المنفي عنها هو السهو وليس هو خلاف الحق ~~والجواب أن الجماعة المعظمة لا تجتمع على السهو كما لا يجوز أن تجتمع على ~~مأكل واحد فلو كان المراد ما ذكروه لم يكن فيه فائدة كما لو قال أمتي لا ~~تجتمع على مأكل واحد وأيضا فجميع الامم لا يجوز أن يجتمعوا على السهو فمدح ~~هذه الأمة بذلك وتخصيصهم به لا فائدة فيه # ومنها أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لم يكن الله ليجمع ~~أمتي على الخطأ قالوا ونحن نقول بذلك لأن الله تعالى لا يحمل العباد على ~~الخطأ والجواب أنا نجمع بين الخبرين فنقول لا يجتمعون على الخطأ ولم يكن ~~الله ليجمعهم على الخطأ على أن الله تعالى لا يحمل أحدا على الخطأ فلو كان ~~المراد بالخبر هذا لم يكن في تخصيص الامة به معنى # ومنها أنه روي أنه قال أمتي لا تجتمع على ضلال والضلال هو الكفر دون غيره ~~والجواب أنا نجمع بين ذلك وبين الخبر النافي لأنواع الخطأ عنهم # PageV02P019 # وأيضا فكل معصية ضلال لأنه قد عدل بها عن الحق ومنه قوله تعالى {قال ~~فعلتها إذا وأنا من الضالين} # ومنها أن يقال ما المراد بأمة النبي صلى الله عليه وسلم فيقال اختلف ~~الناس في ذلك فقال قوم أمته كل من بعث إليه وقال آخرون بل هم كل من صدقه ~~وهو الصحيح لأنه المفهوم من إطلاق قولنا أمة النبي ولأن المسلمين يدعون ~~لأمة محمد ولا يدعون ms418 لكل من بعث النبي إليه فان قيل فيجب أن يقع قوله أمتي ~~على من صدقه إلى انقطاع التكليف لأنه ليس فيه بعد ذلك تكليف فيحتج فيه ~~بالإجماع والجواب أن قوله عليه السلام أمتي لا تجتمع على خطأ لا يتناول إلا ~~من كان في ذلك العصر دون من لم يوجد لأن من لم يوجد لا يكون مصدقا في تلك ~~الحال ولقائل أن يقول إن كان المراد بقوله أمتي لا تجتمع على خطأ كل من ~~صدقه إلى انقطاع التكليف لم يكن في الخبر دلالة على أن الإجماع حجة ووجب أن ~~يكون المراد بالخبر ما ذكرناه وإن كان المراد بالخبر من هو موجود بمن صدقه ~~وجب أن لا يدخل تحت الخبر إلا من كان موجودا من أمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم عند قوله أمتي لا تجتمع على خطأ فلا يمكن والحال هذه أن تستدلوا ~~باجماع الصحابة بعده مع علمهم أن كثيرا ممن كان حيا عند ورود هذا الخبر من ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي أو تجويزكم أنه توفى وما تنكرون أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنى بهذا الكلام أن من عاصر هذا القول فيه ~~لا يجتمع على خطأ ولم يكن قصده أن يجتمع بقولهم لأنهم إذا أجمعو على شيء ~~فأقره النبي صلى الله عليه وسلم فالحجة هي إقراره فان قلتم إن المصدقين به ~~بعد وفاته هم أمته فدخلوا تحت ظاهر الخبر قيل لكم إنما يدخلون تحته لو ~~كانوا جميع أمته وليسوا جميع أمته بل جميع أمته هم مع تقدمهم # ومنها قولهم ولم إذا كانوا ما أجمعوا عليه ليس بخطأ فيكون حجة فان قلتم ~~لأن الأمة أجمعت على أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه قيل لكم ومتى # PageV02P020 # أجمعوا على ذلك وفيهم من يقول يجوز أن يجتمعوا على خطأ فان أدعيتم أن ~~الصحابة والتابعين كلهم كانوا يعتقدون أن الامة لا تجتمع على خطأ لم يسلم ~~الخصم لكم ذلك قيل قد أجاب قاضي القضاة عن السؤال بأن المعتبر هو ms419 بإجماع من ~~يقول إن الأمة لا تجتمع على خطأ وإن جاز مخالفتهم لكان هذا القول الحق قد ~~أخرج عن أقاويل الامة لأنه ليس فيهم من جمع بين هذين القولين وفي ذلك ~~اتفاقهم على الخطأ في مسألتين وسيجيء القول في ذلك # دليل الجماعات الكثيرة على اختلاف هممهم وأغراضهم لا يجوز أن يتفقوا على ~~قول إلا لداع ولا يجوز أن يكون التقليد هو الذي دعاهم لأن كثيرا منهم يبطل ~~التقليد ولو دعتهم الشبهة لنقلت ونقل خوضهم فيها فاذا لم تنقل علمنا أنه ~~بحجة قاطعة ويجري مجرى اتفاقهم على رواية ما شاهدوه في أنه لا يجوز الخطأ ~~عليهم فيه والجواب أن العقل يجيز اتفاق الجماعات الكثيرة على الخطأ من جهة ~~الرأي ويلزمهم على ما قالوه أن لا يجوز اتفاق جميع الأمم على خطأ وكذلك كل ~~جماعة من الأمة يقع العلم بخبر مثلها ويلزم إذا نقلوا ما أجمعوا لأجله أن ~~يجوز وأن كونه شبهة لأنهم إنما أحالوا أن يجمعوا عن شبهة لا تنقل وعلى أنه ~~لا يمتنع أن يكون بعضهم صار إلى القول بشبهة ثم قلدهم الباقون لمحبتهم لهم ~~وانصراف أهوائهم إليهم أو لاستثقالهم النظر وتصويبهم التقليد وعلى أن كثيرا ~~من الناس يظهر القول بفساد التقليد ثم ينظر في الدليل فاذا شق عليه ~~استعماله قطع النظر وقلد ولا يمتنع أن يكونوا بأجمعهم صاروا إلى القول ~~بشبهة فظنوها حجة فأضربوا عن نقلها لظنهم أنها حجة كما يضربون عن نقل الحجة ~~إذا أجمعوا على موجبها # والفرق بين رواية الجماعة الكثيرة عما شاهدته وإن لم يقع اللبس فيه وبين ~~ما قالته من جهة الرأي أن الرأي يعترضه الشبهة والأهواء فتصير الأهواء مع ~~التقصير في النظر الشبهة بصورة الحجج فلا يؤمن أن يكونوا اتفقوا لذلك وهذا ~~صنف عما شاهدوه وزال اللبس فيه لأن كل واحد منهم عالم بما # PageV02P021 # شاهدوه ولا يجوز مع كثرتهم أن يخبروا بما يعلم كل واحد منهم أنه كان فيه ~~وأن غيره يعلم أنه كاذب فيه # دليل قد ثبت دوام شرعنا إلى انقضاء التكليف فوجب ms420 أن يكون قول الامة حجة ~~ليدوم قيام الدلالة على اتصال الشرع والجواب أن الحجة في ذلك القرآن ~~والاجتهاد والأخبار على أن شرعنا منقطع بانقطاع التكليف كانقطاع شرع من ~~قبلنا بالنسخ فدوام كل واحد من الشرعين كدوام الآخر أو تقارنه فكما لا يجب ~~أن يكون قول إحدى الامتين حجة لم يجب في الأخرى مثله # وأما من خالف في الإجماع فانه يسلك مسالك ثلاثة أحدها أن يحيل وقوع ~~الإجماع والآخر أن يحيل ثبوت الطريق إليه والآخر أن يقول ليس في العقل ولا ~~في السمع دليل عليه # أما إحالة الإجماع فمن وجهين # أحدهما أن يقول يستحيل أن يجوز على كل واحد من الأمة الخطأ ولا يجوز على ~~جماعتهم كما يستحيل أن يكون كل واحد منهم مصيبا وجماعتهم غير مصيبين وأن ~~يكون كل واحد منهم أسود وجماعتهم غير سود والجواب أن المستحيل هو أن يقال ~~إن كل واحد من الامة يجوز كونه مخطئا في القول الذي اتفقوا عليه وجماعتهم ~~غير مخطئين فيه ولم نقل ذلك وإنما نقول إن كل واحد منهم يجوز أن يكون قوله ~~خطأ إذا انفرد وإذا اجتمع مع جماعة الامة لم يكن قوله خطأ وليس يمتنع أن ~~يفارق الواحد الجماعة ألا ترى أن كل واحد منهم يجوز أن يأكل اليوم مأكلا ~~مخصوصا ولا يجوز أن يجتمعوا على أكله في ذلك اليوم ونظير ما ذكروه أن نقول ~~كل واحد منهم مخطىء والكل في ذلك القول غير مخطىء وهو نظير قول القائل الكل ~~ليسوا بسود وكل واحد منهم أسود ونظير قولنا في الإجماع أن نقول كل واحد من ~~الناس # PageV02P022 # يجوز أن يكون أسود في البلد الفلاني فان اجتمعوا في بلد آخر لم يكونوا ~~سودا بل بيضا # والوجه الآخر في إحالة الإجماع قولهم لو انعقد الإجماع لكان إن انعقد عن ~~نص وجب نقله والاستغناء به ولا يجوز انعقاده عن أمارة لأنهم على كثرتهم ~~واختلاف هممهم لا يجوز اتفاقهم عن الأمارات المظنونة والجواب أنه لا يمتنع ~~أن يتفقوا عن نص لا ينقلوه اكتفاء بالإجماع أو ms421 ينقل ويكون محتملا فيستغنى ~~بالإجماع عن النظر فيه ويجوز اتفاقهم عن أمارة كما جاز اتفاق الجماعات عن ~~شبهة # وأما من قال لا طريق إلى إثبات الإجماع فسيجيء في باب منفرد ومن قال لا ~~دليل على صحة الإجماع فقوله باطل لما تقدم من الدليل - صلى الله عليه وسلم ~~- باب في الاتفاق بماذا يكون - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الاتفاق يكون من الجماعة بالفعل نحو أن يفعلوا بأجمعهم فعلا ~~واحدا ويكون بالقول ويكون بالرضا نحو أن يخبروا عن أنفسهم بالرضا ونحو أن ~~يظهر القول فيهم ولا يظهرون كراهية مع زوال التقية وقد يجتمعون على الفعل ~~وعلى القول وعلى الإخبار عن الرضا في مسألة واحدة وكل هذه الأشياء أدلة على ~~الاعتقاد لحسن ما رضوا به ولوجوبه على أن اتفاقهم على الفعل يدل على حسنه ~~من حيث كان العقل دليلا على اعتقادهم لحسنه ومن حيث كانوا قد اتفقوا على ~~فعله لأنه لو كان خطأ ما اجتمعوا على فعله كما لا يجتمعون على اعتقاد حسنه ~~وقد يجتمعون على ترك القول في الشيء وعلى ترك فعله فيدل ذلك على أنه غير ~~واجب لأنه لو كان واجبا لكان تركه محظورا وفي ذلك إجماعهم على المحظور ~~ويجوز أن يكون ما تركوه مندوبا إليه # PageV02P023 # لأن تركه ليس بمحظور وذلك نحو أن يتركوا اعتقاد الأفضل من بعض أهل ~~الأعصار - صلى الله عليه وسلم - باب في أنه لا اعتبار في الاجماع بجميع من ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن جميع من بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم هم المكلفون إلى ~~انقضاء التكليف من مؤمن وكافر ومجتهد وغير مجتهد ولا اعتبار بالكافرين في ~~الإجماع لأنه لا يمكنهم معرفة الأحكام الشرعية فوقوف الإجماع عليهم يؤدي ~~إلى تعذر الإجماع لوقوفه على ما هو متعذر ولأن الإجماع لا تعلم صحته إلا ~~بالسمع وأدلة السمع لا تتناول الكافر كقوله تعالى {ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} وقوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء ms422 على الناس} الآية وقوله صلى الله عليه وسلم امتي لا تجتمع ~~على خطأ وهذا الاسم لا يفهم من إطلاقه الكافر ولا اعتبار في الإجماع بكل ~~المؤمنين إلى انقضاء التكليف لأن في أدلة الإجماع ما يقتضي أن أهل العصر ~~الواحد حجة ولأن الإجماع حجة فلو اعتبرنا في الإجماع جميع المكلفين إلى آخر ~~التكليف لم يكن حجة لأنه ليس بعدهم تكليف فيكون إجماعهم حجة فيه # فان قيل يكون حجة على من أجمع معهم ثم فارقهم قيل كيف يكون حجة عليه ولا ~~يؤمن أن يحدث بعدهم من يخالفهم فلا يكون جميع المكلفين إلى انقضاء التكليف ~~متفقين على ذلك الحكم # وأما غير المجتهدين فذكر قاضي القضاة أن الأقوال المنتشرة في الامة ضربان ~~أحدهما منتشر في الخاصة فقط كمسائل الاجتهاد والآخر منتشر في # PageV02P024 # الخاصة والعامة وذلك ضربان أحدهما معلوم باضطرار من دين النبي صلى الله ~~عليه وسلم والثاني غير معلوم من دينه باضطرار فالمعلوم من دينه باضطرار ~~كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وتحريم البنت وما أشبه ذلك وما هذه سبيله ~~يستغنى في الاحتجاج عليه عن قول منقول عن النبي أو إجماع والصحيح أن ذلك ~~معلوم من الدين باستدلال لأنا لو نعلم تواتر النقل عن النبي عليه السلام ~~بتحريم البنت أو تواتر نقل القرآن وأنه لا يجوز أن يحرم شيئا إلا وهو معتقد ~~لتحريمه لم نعلم أنه يعتقد تحريم ذلك ألا ترى أنه لو لم ينقل إيجاب صوم شهر ~~رمضان عنه لم يعلم دينه في ذلك وكذلك لو علمنا النقل في ذلك وجوزنا أن يوجب ~~ما لا نعتقد وجوبه علينا لم يعلم ذلك وكذلك القول في كل ما يدعى أنه معلوم ~~باضطرار أنه من دين النبي صلى الله عليه وسلم وإنما اشتبهت الحال فيه لأن ~~العلم بأنه من دينه ظاهر ولم يحصل فيه نزاع بين الامة # وأما الأقوال المنتشرة في الخاصة والعامة وهي معلومة من الدين باستدلال ~~فذكر قاضي القضاة أن منها تحريم بنت البنت وأن بنت الخالة مخالفة في ~~التحريم للخالة ومعرفة أوقات الصلوات # ولقائل ms423 أن يقول أما معرفة أوقات الصلوات على التفصيل فمن مسائل الاجتهاد ~~لأنه يدخل في تفصيل ذلك معرفة آخر الوقت وذلك مجتهد فيه وأما معرفة أوقات ~~الصلوات على الجملة وتحريم بنت البنت فالعامة إنما تعرف ذلك يالرجوع إلى ~~العلماء لا بالاستدلال لأن المكلف إنما يعرف ذلك استدلالا بظواهر تعلم أنها ~~قد تجردت عما يعارضها وإنما يعلم عدم ذلك بعد أن يفتش الشريعة والعامة لم ~~تنظر في هذه الظواهر ولا فتشت عما يعارضها # فأما مسائل الاجتهاد فقد اختلف الناس في اعتبار العامة فيها فقال قوم إن ~~العامة وإن وجب عليها اتباع العلماء فان اجماع العلماء لا يكون حجة على أهل ~~العصر الثاني حتى لا تسوغ مخالفتهم إلا بأن يتبعهم العامة من أهل عصرهم فان ~~لم يتبعوهم لم يجب على أهل العصر الثاني من العلماء اتباعهم وقال # PageV02P025 # آخرون إجماع العلماء حجة على من بعدهم اتبعهم عوام عصرهم أو لم يتبعوهم # واحتج الأولون بأنه إنما كان قول الامة حجة لانها بأجمعها معصومة من ~~الخطأ وليس يمتنع أن تكون جماعتهم الخاصة والعامة معصومة من الخطأ فاذا لم ~~يمتنع ذلك وكانت ظواهر الإجماع تتناول الخاصة والعامة وجب اشتراط دخول ~~العامة ووجب القول بأن اللطف إنما يثبت للامة بأجمعها وهذا هو الإجماع في ~~قوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} وهذا يتناول العلماء وغيرهم وقوله ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس} وقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا} الآية ~~كل ذلك خطاب مواجهة يتناول جميع من كان في ذلك العصر من الامة كالخطاب ~~بالعبادات # واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأن العامة يلزمها المصير إلى قول ~~العلماء فهو كالمنصرف فيها فلم يكن بقبولها اعتبار # ولقائل أن يقول ولم إذا وجب عليها المصير إلى قول غيرها لا يعتبر بقولها ~~وما أنكرتم أنه وإن وجب ذلك عليها فانه لا يكون حجة من دونها ويمكن أن يحتج ~~في المسألة أيضا فيقال إن الأمة إنما يكون قولها حجة إذا قالته بالاستدلال ~~لأنه لا يجوز أن تحكم بغير دليل فهي إنما عصمت من الخطأ في استدلالها ms424 ~~والعامة ليست من أهل النظر والاستدلال على الحوادث فتعصم منه # فان قالوا لا يمنع أن يكون اللطف ثابتا لجماعة الامة مجتهدها وغير ~~المجتهد منها ولا يكون لبعضها لطف يعصمها من الخطأ قيل إذا كان اللطف إنما ~~يعصم من الخطأ في الاستدلال ولم يكن من العامة استدلال لم يصح أن تكون ~~معصومة فيه وبهذا الوجه يخص ظواهر الآيات # PageV02P026 # - صلى الله عليه وسلم - باب في إجماع أهل الأعصار - صلى الله عليه وسلم - # ذهب أكثر الناس إلى أن إجماع أهل كل عصر حجة على من بعدهم وقال أهل ~~الظاهر إجماع الصحابة وحده حجة دون غيرهم من إجماع أهل الأعصار # ودليل الأولين أن أدلة الإجماع لا تخص عصرا دون عصر لقوله تعالى {ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين} والتابعون مؤمنون وكذلك أهل كل عصر وقوله تعالى {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا} وقوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وقوله صلى الله ~~عليه وسلم لا تجتمع أمتي على الخطأ # والمخالف يحتج بأشياء منها الإجماع إنما عرف كونه حجة بالشرع والأدلة ~~السمعية تختص بالصحابة دون غيرهم لأن قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ~~وقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} خطاب مواجهة يتناول ظاهره الحاضرين وهم ~~الصحابة دون غيرهم فلا يمتنع أن يكون الله تعالى عناهم بالخطاب ليميزهم ~~بهذا المدح وقوله {ويتبع غير سبيل المؤمنين} يتناول الصحاب فأما التابعون ~~فالخطاب لا يتناولهم وحدهم بل يتناولهم مع ما تقدم من الصحابة لأن المؤمن ~~هو المستحق للثواب سيما وهذا الخطاب خرج مخرج المدح والصحابة بعد موتهم ~~يستحقون المدح والثواب وإذا كان المؤمنون هم التابعون مع ما تقدم من ~~الصحابة فاستحال أن يكون لمن تقدم من الصحابة قول في الحادثة في زمن ~~التابعين واستحال أن يكون لجماعة المؤمنين قول أو لم يكن إذ المخالف في ~~الحالتين مخالف لبعض المؤمنين لا لجميعهم # فان قلتم إذا لم يجز أن يعني الله تعالى بقوله {ويتبع غير سبيل المؤمنين} # PageV02P027 # من تقدم من الصحابة لأنه لا يمكن أن يكون لهم قول فيما حدث بعدهم وجب أن ~~يعني الله تعالى ms425 بقوله التابعين دون من تقدم فيدخل من خالفهم تحت الوعيد ~~قيل إنه لم يعن من تقدم لما ذكرتم ولا عنى الحاضرين من التابعين لأنهم بعض ~~المؤمنين وإنما عنى من يطلق عليه في وقته أنه جماعة المؤمنين وليس ذلك إلا ~~الصحابة فقلنا إن إجماع الصحابة وحدهم حجة وكذلك قوله لا تجتمع أمتي على ~~ضلال لا يتناول التابعين وحدهم لأنه لا يطلق عليهم في عصرهم أنهم جميع أمة ~~النبي عليه السلام بل يقال إنهم بعض أمته ويطلق القول في عصر الصحابة بأنهم ~~الآن جميع أمته الجواب إن هذا السؤال لا يتوجه على من قال إن اسم المؤمنين ~~اشتقاق من التصديق لأن من لم يصدق في الحال حتى مات لا يطلق عليه اسم مؤمن ~~ولا يوصف ايضا بأنه ليس بمؤمن لأنه يوهم أنه كان مؤمنا # ولا يلزم الشيخ أبا هاشم رحمه الله لأن لام الجنس لا يوجب الاستغراق ~~ويجوز أن يدخل تحته ثلاثة فصاعدا فمتى تركنا وظاهر قطعنا على أنه قد أريد ~~به ثلاثة فلم يجب أن يكون أريد بالمؤمنين مجموع الصحابة والتابعين إلا أن ~~الإجماع الذي يعرفه الخصم قد منع أن يراد بالآية بعض أهل العصر فأخرجناه في ~~الخطاب ووجب أن يراد به جميع أهل العصر وأما من يقول إن لام الجنس استغراق ~~فله أن يقول ليس يخلو إما أن نريد بهذه الآيات من حضر عند حدوث الحادثة ولا ~~بغير من تقدم موته من المؤمنين وذلك قولنا أو بغير من تقدم وذلك يمنع من ~~كون إجماع الصحابة حجة لأن من مات قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~مؤمن وليس له في الحادثة قول # فان قيل فما الجواب لمن سأل عن هذا السؤال ممن لا يقول إن إجماع الصحابة ~~ولا غيرهم حجة قيل قد تقدم في الباب الأول # واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~قالوا فحكمة بأن الاقتداء بأصحابه اهتداء الجواب أن ذلك لا يمنع من كون # PageV02P028 # التابعين مثلهم في ذلك على أن قوله بأيهم اقتديتم ms426 اهتديتم يتناول آحادهم ~~وليس قول كل واحد منهم حجة على المجتهدين فعلمنا أنه إنما حث بذلك العامة ~~على استفتاء كل واحد منهم # واحتج بأن الصحابة قد اختصت بمشاهدة النبي عليه السلام والحضور عند الوحي ~~فكان لهم مزية بذلك الجواب ولم قلتم إن ذلك يوجب أن يكون لهم مزية في كون ~~قولهم حجة دون غيرهم # واحتجوا بأن قول التابعين لو كان حجة لكان إنما صاروا إليه عن نص متواتر ~~أو غير متواتر أو عن أمارة اجتهدوا فيها ولو كان كذلك لما ذهب كل ذلك على ~~الصحابة لأنهم لا يكونون أدنى رتبة من التابعين الجواب أنه لا يمتنع أن لا ~~تحدث الحادثة في الصحابة فلا يفحصوا عن نص وارد فيها ولا عن أمارة مجتهد ~~فيها فلا يظفروا بها ويظفر التابعون بها إذا اضطروا إلى طلبها عند حدوث ~~الحادثة ولا يمتنع أن تحدث الحادثة في زمن الصحابة فيختلفون فيها ويتفق ~~التابعون فيها على أحد أقوالهم فيظفر التابعون في ذلك القول بما لم يظفر به ~~أحد الطالبين من الصحابة لأن قول بعض الصحابة به ليس بحجة - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في وجوب اعتبار المجتهدين كلهم من أهل العصر الواحد في الإجماع ~~- صلى الله عليه وسلم - # يضمن هذا الباب فصولا منها أن أكثر أهل العصر لا يكون إجماعا ومنها ~~اعتبار المجتهد من التابعين إذا عاصر الصحابة ومنها اعتبار المجتهد وإن لم ~~يشتهر بالفتوى ومنها اعتبار أهل الأمصار كلهم # أما الفصل الأول فقد بين أكثر الناس أن أهل العصر إذا اتفقوا على قول إلا ~~الواحد والاثنين من المجتهدين لا يكون حجة وقال أبو الحسين الخياط إن ذلك ~~حجة # PageV02P029 # ودليل الأولين أن أدلة الإجماع لا تتناولهم إذا خرج عنهم الواحد لأن قوله ~~تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} لا يتناول إلا جميع أهل العصر على قول من ~~قال إن لام الجنس تعم ومن قال لا تعم فانه لا يوجب استغراقها للأكثر حتى لا ~~يبقى إلا الواحد والاثنان بل يجعلها حقيقة في الثلاثة والمخالف لا يجعل قول ~~الثلاثة ms427 حجة وقوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} وقوله {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس} وقوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على ضلال يتناول جميع ~~أهل العصر لأن أكثرهم يقال لهم بعض الأمة ولا يطلق وصفهم بأنهم الأمة وأيضا ~~ففي الصحابة من تفرد بأقاويل لم توافقه عليها الجماعة ولم تنكر عليه كتفرد ~~ابن عباس بمسائل في الفرائض وكذلك ابن مسعود رضي الله عنهما # واحتج المخالف بأشياء # منها قوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} وقوله {وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس} وقوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ~~وقوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على ضلال قالوا وهذه الأسماء تتناول حقيقة ~~جميع المؤمنين وجماعة الأمة وإن شذ منهم الواحد كما أن الإنسان يقول رايت ~~بقرة سوداء وإن كان فيها شعرات بيض ويقول أكلت رمانة وإن سقط منها حبات لم ~~يأكلها والجواب أن أسماء الجمل والعموم لا تتناول الأكثر إلا مجازا ألا ترى ~~أنه يجوز أن يقال في الأمة إلا الواحد ليس هؤلاء كل المؤمنين ولا كل الأمة ~~فعلمنا أن اسم الكل لم يتناول إلا الجميع وقول الإنسان أكلت الرمانة وهو ~~يريد أكثرها مجاز وكذلك الوصف للبقرة بالسواد إذا كان فيها شعرات بيض ولا ~~يمتنع أيضا أن يكون الوصف للبقرة بالسواد يفيد في العرف كونها سوداء في # PageV02P030 # رأي العين فلا يمنع ذلك وجود شعرات بيض فيها ولا يمتنع أن يكون قول ~~القائل أكلت رمانة معناه في العرف أكلت ما جرت العادة بأكله وليس يكاد ينفك ~~الرمانة من حبات تتساقط منها فذلك خارج من الكلام بالعرف وليس يجب إذا نقل ~~العرف ذلك أن ينقل غيرها من الأسماء # ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالسواد الأعظم وأهل العصر ~~كلهم إلا الواحد والاثنان هم السواد الاعظم ويقال عليكم بملازمة الجماعة ~~وذلك يتناول أهل العصر إلا الواحد والاثنين والجواب أن ذلك في أخبار الآحاد ~~ويقتضي أن يجب اتباع الثلاثة والأربعة لأنهم جماعة وبطلان ذلك يدل على أنه ~~عنى بالجماعة جميع أهل العصر ms428 وأما السواد الأعظم فهم جميع أهل العصر لأنه ~~ليس أعظم منه ولو لم يكن المراد ما ذكرناه لدخل تحته النصف من أهل العصر ~~إذا زادوا على النصف الآخر بواحد أو اثنين أو ثلاثة فان قيل قوله عليه ~~السلام عليكم بالسواد الاعظم يقتضي أن يكون حجة على غيرهم ممن ليس هو من ~~السواد الأعظم وذلك لا يتم إلا بأن يكون في العصر غيرهم ممن لم يجمع معهم ~~والجواب أنه يجوز أن يكون حجة على من يأتي بعدهم ممن هو أقل منهم عددا # ومنها قولهم إن الواحد من أهل العصر إذا خالف من سواه من أهل العصر يوصف ~~بالشذوذ وذلك اسم ذم ولذلك أنكرت الصحابة على ابن عباس مقالته في الربا ~~والجواب أنا لا نسلم أن الواحد شاذ إلا إذا خالف بعد ما وافق وابن عباس لم ~~ينكر عليه الصحابة لأن قول غيره حجة عليه لكن لأجل خير ابي سعيد # ومنها قولهم إن أهل العصر إلا الواحد والاثنان لو أخبروا بشيء وقع العلم ~~بخبرهم فيجب مثله في إجماعهم والجواب أنهم جمعوا بين الموضوعين بغير علة ~~وعلى أنه يلزم أن يكون أهل بلد واحد حجة إذا أجمعوا أن بروايتهم يقع العلم ~~فان فصلوا بين إجماعهم وبين خبرهم بأن إجماعهم يقع عن رأي # PageV02P031 # واستدلال وخبرهم يقع عن إدراك فهو فصلنا # ومنها قولهم إن الإجماع حجة في العصر وفيما بعده وذلك يقتضي أن يكون فيهم ~~من يخالفهم حتى يكونوا حجة عليه والجواب أنه يجوز أن يكونوا حجة على من ~~يأتي من بعد وحجة على آحادهم تمنعهم من الرجوع عما قالوه ولو وجب أن يكون ~~الإجماع حجة على مخالف قد عاصر المجمعين لوجب إذا أجمع كلهم على قول أن لا ~~يكون حجة # فاذا ثبت أن خلاف الواحد والاثنين لا ينعقد معه الإجماع فمتى روي إجماع ~~أهل عصر متقدم على قول وروي بالتواتر ان واحدا لم يجتمع معهم لم يكن إجماعا ~~وإن روي ذلك بالآحاد فان كان قد روي عنه بالتواتر الوفاق لم يترك التواتر ~~لأجل الآحاد ms429 كما لا يعارض خبر واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بخبر ~~متواتر وإن لم يكن قد روي موافقة لهم لم يحكم بأنهم أجمعوا لأنه لا يكفي أن ~~يعلم موافقة ذلك الواحد لهم فكيف إذا رويت عنه المخالفة # وحكى الشيخ أبو عبد الله عن الشيخ ابي الحسن أن الإجماع إذا ظهر في العصر ~~وروي عن واحد منهم بالآحاد خلافه لم يقدح ذلك في الإجماع ذكر ذلك فيما روي ~~بالآحاد عن أبي طلحة في البرد وإن علمنا أن اتفاق أهل العصر إلا الواحد ~~وعلمنا أنه كانت له حالة موافقة فان علمنا أنه وافقهم ثم خالفهم ثبت ~~الإجماع وإن علمنا أنه خالف تلك المقالة قبل أن يجتمعوا لم يثبت الإجماع ~~وإن لم نعلم هذا التفصيل فالأولى أن لا يثبت الإجماع لأنه لم يؤمن أن لا ~~يكون إنما قال بذلك القول قبل أن يقولوا به ثم خالفه قبل أن يتفقوا عليه ~~فان حكى عن بعض أهل العصر ما يحتمل أن يكون موافقة وما يحتمل أن لا يكون ~~موافقة لهم فان كان ظاهره الموافقة حمل عليها وإن كان ظاهره المخالفة حمل ~~عليها وإن لم يكن له ظاهر فذكر قاضي القضاة في الشرح أنه يحمل على الموافقة ~~لأنه لو كان مخالفا لقويت دواعيه إلى إظهار الخلاف وليس كذلك لو كان موافقا ~~لأنه يكفي في الموافقة السكوت وترك # PageV02P032 # الإنكار ولأنه لو كان ذلك القول باطلا لكانوا قد اتفقوا على ترك الإنكار ~~الصريح وذلك لا يجوز وذكر قاضي القضاة عن ابن الإخشيد أن قوما قالوا إن أهل ~~العصر إذا حكموا بحكم وحكى عن غيرهم من أهل الأعصار خلافه فان كانوا كثرة ~~لا يجوز أن يظهروا خلاف ما يبطنوه قدح ذلك في الإجماع وإن جاز أن يظهروا ~~خلاف ما يبطنونه لم يقدح ذلك في الإجماع وهذا باطل لأن جواز إظهارهم خلاف ~~ما يبطنونه لا يمنع جواز كون باطنهم موافقا لظاهرهم فيكون ذلك خلافا قادحا ~~في الإجماع # وأما الفصل الثاني فهو أن المجتهد من التابعين إذا حضر مع الصحابة ms430 في وقت ~~الحادثة فانه لا يكون قولهم حجة إذا خالفهم وعم بعضهم أنه يكون حجة وإن ~~خالفهم ودليل الأولين ان أدلة الإجماع لا تتناولهم إلا معه نحو قوله {ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين} وقوله صلى الله عليه وسلم أمتي لا تجمع على خطأ وجرى ~~مجرى الحدث من الصحابة إذا كان من أهل الاجتهاد لأن الإجماع لا ينعقد من ~~دونه # والمخالف يحتج بما روي أن عائشة أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ~~خلافه على الصحابة في بعض المسائل والجواب أنه يجوز أن تكون أنكرت عليه ~~لأنه خالفها بعد ما اتفقت وكان اتفاقها سابقا لكونه من أهل الاجتهاد أو لم ~~تكن المسالة من مسائل الاجتهاد وعلى أن قولها بانفرادها ليس بحجة # وأما الفصل الثالث فهو أن يخالف في المسألة بعض المجتهدين ممن لم يشتهر ~~بالفتوى كواصل بن عطاء فانه لا يكون قول من عداه حجة وقال بعض الناس يكون ~~حجة لأن مسائل الاجتهاد يجب الرجوع فيها إلى أهل الاجتهاد فقول غيرهم لا ~~يؤثر في إجماعهم كما أن قول النحاة لا يؤثر في إجماعهم يبين # PageV02P033 # ذلك أنا إذا أردنا تقويم شيء وجب الرجوع فيه إلى أهل الخبرة بأسعار ذلك ~~الشيء ودليلنا أن أدلة الإجماع تتناول هذا الإنسان نحو قوله تعالى {ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين} وقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} وقوله صلى الله عليه ~~وسلم أمتي لا تجتمع على ضلال وإنما أخرجنا العامة من ذلك لأنهم ليسوا بأهل ~~الاجتهاد وليس كذلك هذا المجتهد وبهذا فارق النحاة وما ذكروه من الرجوع في ~~التقويم إلى الخبرة بأسعار ذلك الشيء فهو حجة لنا لأنا نرجع إلى من يخبر ~~ذلك وإن لم يكن مشتهرا بالتقويم ولا منتدبا لتقويم الأشياء فكذلك ينبغي أن ~~يرجع في الحوادث إلى أهل الاجتهاد وإن لم ينتدبوا للفتوى # وأما الفصل الرابع وهو إجماع أهل الأعصار فعند أكثر الناس أن الحجة هي ~~إجماع أهل الأعصار كلهم من المجتهدين في العصر الواحد وحكي عن مالك أنه قال ~~إجماع أهل المدينة وحدهم حجة وقال بعض ms431 أصحابه إنما جعل نقلهم أولى من نقل ~~غيرهم دليلنا أن أدلة الإجماع لا تتناولهم وحدهم نحو اسم المؤمن واسم الامة ~~ولأن الأماكن لا تؤثر في كون الأقوال حجة وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة طيبة تخرج خبثها كما يخرج الكير خبث الحديد لا يدل على أن إجماع ~~أهلها حجة وإنما هو مدح لها وليس المراد بذلك ذم كل من خرج منها لإجماع ~~الأمة على أن الخروج منها غير مذموم وكون المدينة مهبط الوحي لا يدل على أن ~~إجماع أهلها حق وأما كون روايتهم أولى من رواية غيرهم فقد ذكر قاضي القضاة ~~في الشرح والدرس أن ذلك لا يمتنع ولا فرق بين رواية الواحد منهم وهو ~~بالمدينة أو بغيرها وإنما المراد بذلك أن تكون روايتهم بعد عصر الصحابة ~~أولى من رواية غيرهم لأن أهل البلد أعرف بما يجري فيه من غيرهم وأنه يرجع ~~الناس في معرفته إلى البقعة التي حدث فيها ذلك لأنهم إما أن يكونوا شاهدوه ~~أو أخبرهم به جماعة ممن شاهدوه ويمكن فيهم من كثرة المخبرين ما لا يمكن في ~~غيرهم بل غيرهم يرجع إليهم # PageV02P034 # - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يكون الإجماع حجة فيه وما لا يكون حجة ~~فيه - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن ما تجمع الأمة عليه ضربان أحدهما لا يمكن معرفة صحة الإجماع قبل ~~المعرفة بصحته والآخر يمكن معرفة صحة الإجماع قبل المعرفة بصحته # فالأول لا يصح الاحتجاج بالإجماع فيه كالإجماع على أن الله تعالى حكيم ~~عادل وأن محمدا نبي لأنه إنما يمكن أن تعرف صحة الإجماع بعد أن يعرف أن ~~الله تعالى أو رسوله قد شهد بأن الإجماع حق وأنهما لا يشهدان بشيء إلا وهو ~~على ما شهدا به وإنما يعرف ذلك إذا عرفت حكمة الله تعالى وأنه لا يفعل ~~القبيح وأن محمدا صادق ليعلم صدقه في إخباره أن القرآن كلام الله تعالى حتى ~~يعلم أن ما فيه من الآيات الدالة على الإجماع من قبل الله تعالى فاذا كانت ~~المعرفة بصحة الإجماع لا ms432 يمكن أن تتقدم على المعرفة بالله وبحكمته وصدق ~~رسوله لم يصح الاستدلال به على ذلك إذ من حق الدليل أن يعلمه المستدل على ~~الوجه الذي يدل عليه قبل علمه بالمدلول # فأما ما يمكن أن يعرف صحة الإجماع قبل المعرفة به فهو ضربان أحدهما من ~~أمور الدنيا والآخر من أمور الدين فالأول نحو أن يجتمعوا أنه لا يجوز الحرب ~~في موضع معين ذكر قاضي القضاة أنه يجوز لمن بعدهم مخالفتهم في ذلك لأن ~~حالهم في ذلك ليست بأعظم من حال النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه صلى ~~الله عليه وسلم لو رأى رأيا في الحرب لساغ مراجعته فيه وليس إجماعهم على ~~إمامة أبي بكر من هذا القبيل لأن ذلك من أمور الدين وذكر في كتاب النهاية ~~أنه لا يجوز مخالفتهم لأن أدلة الإجماع منعت من الخلاف عليهم ولم يفصل بين ~~أن يكون قد اتفقوا على أمر ديني أو دنياوي ويفارقون النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأن الذي منع من جواز الخطأ عليه هو المعجز وذلك لا يتعلق بأمور ~~الدنيا وليس كذلك الأمة فأما أمور الدين فانه يكون اتفاقهم حجة فيه سواء ~~كان عقليا نحو # PageV02P035 # رؤية الله تعالى لا في جهة ونفي ثان مثله أو كان شرعيان لأنه يمكن العلم ~~بصحة الإجماع قبل العلم بذلك إذ الشك في ذلك لا يخل بالعلم بالله تعالى ~~وحكمته وصدق نبيه ولا فرق بين أن يكون القول صادرا عن اجتهاد عن أمارات أو ~~استدلالا بأدلة ولا فرق بين أن يكون قد تقدم ذلك الإجماع اختلاف أو لم ~~يتقدمه اختلاف وسنتكلم في كلا الموضعين إن شاء الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في أن الإجماع إذا انعقد عن اجتهاد كان حجة - صلى الله عليه وسلم - # ذكر قاضي القضاة عن الحاكم صاحب المختصر أنه قال إذا انعقد الإجماع لأهل ~~العصر عن اجتهاد جاز لمن بعدهم ان يخالفهم فيه وعندنا أنه حجة يحرم خلافه ~~لقوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} فاذا اجتمعوا على الحكم بالاجتهاد ~~فخلافه ليس هو ms433 سبيلهم فلم يجز اتباعه # فان قيل إنما لم يكن سبيلهم لأنه لم يؤد الاجتهاد إليه فاذا أدى إليه ~~الاجتهاد كان سبيلهم وإن كان ذلك الاجتهاد اجتهاد غيرهم والجواب أن ذلك شرط ~~لا دليل عليه فلم يجز إثباته ولو جاز ما ذكروه لجاز أن يقال فيما أجمعوا ~~عليه عن دليل إنه سبيلهم بشرط أن يؤدي الاستدلال إليه وخلافه ليس هو سبيلهم ~~إن لم يؤد الاستدلال إليه فإن أدى الاستدلال إليه كان سبيلهم وإن كان ذلك ~~الاستدلال استدلال غيرهم فيبطل التعلق بالإجماع أصلا # فان قيل أليس لو اتفقوا على الحكم اجتهادا ولم يعلم كل واحد منهم أن غيره ~~قد وافقه جاز لكل واحد منهم مخالفة ذلك الحكم ولا يأثم من خالفه فقد صار ~~جواز مخالفة ذلك الحكم سبيلهم بأجمعهم قيل هذا لازم فيهم إذا أجمعوا على ~~الحكم بالأدلة # PageV02P036 # والجواب في الموضعين واحد وهو أنه إذا كانت الحال هذه فانه إنما جوز كل ~~واحد منهم مخالفة قولهم بشرط كونه غير مجمع عليه ألا ترى أنه لو علم أنه ~~مجمع عليه لم يجز ذلك فاذا علمنا أن الحكم متفق عليه لم يجز أن نخالفهم # فأما من قال إن الحق في واحد فانه يمنع من مخالفة قوله سواء اتفق عليه أو ~~لم يتفق عليه ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم أمتي لا تجتمع على خطأ ~~ومما اتفقوا عليه أنه لا يجوز مخالفتهم ولقائل أن يقول لم زعمتم أنهم ~~اجتمعوا على ذلك وإذا كان في الناس من يجوز مخالفتهم لم يؤمن أن يكون في ~~المجمعين عن اجتهاد من يجوز مخالفتهم فلا يصح ادعاء الإجماع فالمخالف يقيس ~~القول المجمع عليه باجتهاد على المختلف فيه بعلة أن كل واحد منهما صادر عن ~~اجتهاد والجواب أن العلة في الأصل أنه قول لم يقترن به دليل مقطوع به وليس ~~كذلك ما اجتمع عليه ثم تعارضهم فيقيس المسألة على ما اتفقوا عليه مما ليس ~~من مسائل الاجتهاد بعلة أن كل واحد منهما قول متفق عليه - صلى الله عليه ~~وسلم - باب ms434 في الاتفاق بعد الاختلاف وبعد الاتفاق وفي الاختلاف بعد الاتفاق ~~- صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن أهل العصر إذا اتفقوا على حكم من الأحكام فانه يجوز أن يتفق من ~~بعدهم على متابعتهم وهو الواجب عليهم ويجوز أن يخالفهم بعض أهل العصر ~~الثاني ولا يحل ذلك لهم لأنه لا يستحيل من بعض الامة أن يعدل عن الحق ولا ~~يجوز أن يتفق أهل العصر الثاني على مخالفتهم # وحكى قاضي القضاة عن الشيخ أبي عبد الله أنه قال إنما لم يجز أن يتفقوا ~~على مخالفتهم لأن أهل العصر الأول أجمعوا على أنه لا يجوز أن يقع الإجماع ~~من بعد على مخالفتهم ولو لم يجمعوا على ذلك لجاز أن يتفقوا على مخالفتهم ~~ويكون الإجماع الثاني في حكم الناسخ للأول وحكي عن الشيخ أبي علي أنه قال # PageV02P037 # لو جاز ذلك لجاز أن يخالفهم رجل واحد ولجاز أن ينضم إليه غيره إلى أن ~~يتفق أهل العصر الثاني على خلاف قول الأولين وقوله تعالى {ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} يمنع من أن يتبع أهل العصر الثاني غير سبيلهم ولأن المسألة إن لم ~~تكن من مسائل الاجتهاد فخلاف ما اجتمع عليه أهل العصر الأول فيها ضلالة ~~والامة لا تجتمع على ضلالة فأما إذا اختلف أهل العصر في المسألة على قولين ~~فانه يجوز أن يتفق من بعدهم على أحدهما فاذا اتفقوا كان صوابا وحجة محرمة ~~للأخذ بالقول الآخر # وفي كلا الموضعين اختلاف أما جواز اتفاق من بعدهم على أحد القولين فقد ~~منع منه قوم ظنا منهم أن اختلاف من تقدم في ضمنه الإجماع على جواز الأخذ ~~بكل واحد من القولين على الاطلاق فأدخلوا في الإجماع ما ليس منه وهذا ~~سنذكره عند الكلام فيما ألحق بالإجماع وليس هو منه وأما إذا اتفقوا على أحد ~~القولين فقد حكى قاضي القضاة في العمد عن بعض المتكلمين وبعض أصحاب أبي ~~حنيفة والشافعي أنه لا يكون حجة في تحريك القول الآخر وحكي عن شيخنا أبي ~~عبد الله وأبي الحسن وبعض أصحاب الشافعي أنه يكون حجة ms435 في تحريم القول الآخر ~~وذكر في الشرح أن الناس اختلفوا في ذلك فمنهم من جعل ذلك محرما للخلاف على ~~كل حال ومنهم من لم يجعله محرما للخلاف على كل حال ولم يفصل بين الصحابة ~~والتابعين ومنهم من جعله محرما للخلاف في حال دون حال والحال التي يحرم ~~فيها الخلاف هي أن يكون المتفقون على أحد القولين في المسألة هم الذين ~~اختلفوا فيها سواء كان ذلك عصر الصحابة أو غيرهم والحال التي لا يكون ~~اتفاقهم معها حجة مزيلة للخلاف هي أن يختلف أهل عصر ويتفق من بعدهم على أحد ~~قوليهم # والدليل على أن الاتفاق يحرم الاختلاف على جميع الأحوال قوله تعالى ~~{ويتبع غير سبيل المؤمنين} وقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} # PageV02P038 # وقد بينا أن ذلك يتناول كل عصر ولم يفصل في تحريم اتباع غير سبيل ~~المؤمنين بين أن يكون قد تقدم اختلاف أو لم يتقدم # واستدل قاضي القضاة بقوله صلى الله عليه وسلم أمتي لا تجتمع على خطأ فيجب ~~كون ما اتفق عليه أهل العصر الثاني غير خطأ # فان قيل ليس هو خطأ وليس يحرم بعدهم أن يخالفهم قيل قد أجمعوا على أنه لا ~~يجوز أن يخالفهم ولقائل أن يقول إنه لا يمكن ادعاء الإجماع على ذلك لأن ~~الأمة مختلفة في اتفاق أهل العصر على أحد القولين هل يجوز مخالفته أم لا # واستدل أيضا بأن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه وكذلك إذا اختلفت الصحابة ~~ثم اتفقت فيجب مثله في التابعين إذا اتفقوا بعد اختلاف الصحابة ولقائل أن ~~يقول إن أوجبتم ذلك لدخول اتفاقهم تحت أدلة الإجماع فذلك رجوع إلى الأدلة ~~المتقدمة وإن أوجبتم ذلك بالقياس فما العلة الجامعة فان قلتم العلة في ذلك ~~أنه إجماع قيل لكم ليست هذه علة معلومة والأصل في الجماعة أنه يجوز اتفاقها ~~على الخطأ وإنما امتنعنا من ذلك للأدلة فيجب اعتبارها دون القياس لأنه لا ~~يظفر في ذلك بعلة معلومة وليس لكم أن تجعلوا العلة في الأصل كونه إجماعا ~~بأولى من أن نجعلها كونه إجماعا مبتدأ على ms436 انه قد حكى قاضي القضاة في الدرس ~~أن قوما قالوا إن اتفاق الصحابة بعد اختلافها لا يحرم الخلاف # واحتج المخالف بأمور # منها قوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فشرط ~~التنازع في وجوب الرد والتنازع قد حصل وليس يخرج بالاتفاق الواقع # PageV02P039 # من أن يكون قد تقدم حصوله فوجب الرد والجواب أن الرد إلى الإجماع والتعلق ~~به رد إلى الله والرسول كما أن الأخذ بكتاب الله بحكم القياس رد إلى الكتاب ~~والسنة وأيضا فأهل العصر الثاني إذا اتفقوا ولم يكونوا متنازعين فلم يجب ~~عليهم الرد على قول من يستدل بهذه الآية على صحة الإجماع # ومنها قولهم إن في ضمن اختلاف أهل العصر في المسألة على قولين اتفاق منهم ~~على جواز الأخذ بكل واحد منهما في كل حال لأنه لا يختص حالا دون حال فلو ~~كان اتفاق من بعدهم على أحد القولين محرما للأخذ بالقول الآخر لم يخل إما ~~أن يكشف عن تحريمه في المستقبل فيكون نسخا وذلك لا يكون بعد انقطاع الوحي ~~وإما أن يكشف عن تحريمه في الماضي والمستقبل فيدل على خطأ من تقدمه وذلك لا ~~يجوز وهذا هو معنى قولهم لو حرم الخلاف في المستقبل لحرمه في الماضي ~~والجواب أن القائلين بأن الحق في واحد لا يجوز أن يحتجوا بهذا الكلام لأن ~~عندهم أن المجتهد لا يجوز أن يأخذ بكل واحد من القولين وإنما يجب عليه أن ~~يأخذ بالحق منهما والعامي إنما يجوز له أن يقلد من يفتيه فاذا أجمعوا على ~~أحدهما لم يجد من يفتيه بالآخر فيقال قد حرم عليه الأخذ به بعد أن كان ~~حلالا وأما القائلون بأن كل مجتهد مصيب فجوابنا لهم إن احتجوا بذلك هو أن ~~المختلفين في المسألة إنما سوغوا الأخذ بكل واحد منهما لأن المسألة مختلف ~~فيها وهي من مسائل الاجتهاد ويبين ذلك أنهم لو سئلوا عن جواز الأخذ بكل ~~واحد منهما لعللوا بذلك فعلى هذا المستدل أن يبين أن المسألة بعد الاتفاق ~~هي من مسائل الاجتهاد وأما نحن فاذا ms437 بينا أنهم إذا اتفقوا عليها فقد ~~تناولهم أدلة الإجماع وحرم خلافهم علمنا أن الشرط المجوز للأخذ بكل واحد من ~~القولين قد زال فزال حكمه ولا يسمى ذلك نسخا لأن الحكم إذا وقف على شرط ~~يعلم زواله وثبوته لا بالشرع فانه لا يكون زواله بزوال شرطه نسخا ألا ترى ~~أن زوال وجوب الصيام بدخول الليل لا يكون نسخا فان قيل لستم بأن تجعلوا ~~اجتماع المختلفين على جواز الأخذ بكل واحد من القولين مشروطا بثبوت ~~الاختلاف بأولى من أن نجعل نحن كون # PageV02P040 # الاتفاق حجة مشروطا بنفي تقدم الخلاف قيل ما ذكرناه أولى لأنا قد بينا أن ~~المختلفين سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين بالشرط الذي ذكرناه فكان الأولى ~~ما قلناه على أن ما ذكروه ينتقض عليهم باجماع أهل العصر بعد النظر والفحص ~~الطويل لأن ذلك اتفاق منهم على جواز التوقف في المسألة ولا يسوغ بعد ~~اتفاقهم التوقف فيها وينتقض على قول بعضهم إن الصحابة إذا اتفقت بعد ما ~~اختلفت حرم الأخذ بالقول الآخر ثم يقال لهم إذا لم تجعلوا اتفاق أهل العصر ~~الثاني حجة مع أنه اتفاق صريح فهلا قلتم إن اتفاق أهل العصر الأول على جواز ~~الأخذ بكل واحد من القولين ليس بحجة في جواز الأخذ به مع أنه اتفاق ليس ~~بصريح وهو مع ذلك مبني على القول بأن كل مجتهد مصيب # ومنها قولهم لو كان قولهم إذا اتفقوا بعد الاختلاف حجة لكان قول إحدى ~~الطائفتين حجة إذا ماتت الطائفة الأخرى وفي ذلك كون قولهم حجة بالموت ~~والجواب أنا نتبين لموت إحدى الطائفتين أن قول الأخرى حجة لدخول تحت أدلة ~~الإجماع لا أن الموت يوجب كون قولهم حجة على أن مسألتنا جميع المختلفين ~~قالوا باخذ القولين وليس كذلك إذا ماتت إحدى الطائفتين # ومنها قولهم لو كان اتفاق أهل العصر الثاني حجة لكانوا قد صاروا إلبه ~~بدليل وحجة ولو كان كذلك لما خفي على الصحابة والجواب أنه لا يجوز أن يخفى ~~هذا ومثله على جميعهم فأما أن يخفى على بعضهم فيجوز لأن ms438 بعضهم ليس بحجة - ~~صلى الله عليه وسلم - باب في انقراض العصر هل هو شرط في كون الإجماع حجة - ~~صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن كثيرا من الناس لم يعتبروا انقراض العصر أصلا واعتبره بعضهم ~~واختلف هؤلاء فقال بعضهم هو طريق إلى انعقاد الإجماع وسيجيء القول # PageV02P041 # فيه ومنهم من جعله شرطا في كون الإجماع حجة وجوز لبعض المجمعين أن يخالف ~~قوله # ودليل الأولين قوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} وقوله {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس} وقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء} وقوله صلى الله ~~عليه وسلم أمتي لا تجتمع على ضلال وكل ذلك يوجب الرجوع إلى الإجماع ولا ~~يفرق بين انقراض العصر ونفي انقراضه # دليل ليس يخلو إما أن تكون الحجة هي انقراض العصر أو اتفاقهم بشرط انقراض ~~العصر أو اتفاقهم فقط والأول يقتضي أن يكون العصر لو انقرض من دون اتفاقهم ~~أن يكون حجة والثاني يقتضي أن يكون لموتهم تأثير في كون قولهم حجة وذلك لا ~~يجوز كما لا يكون لموت النبي صلى الله عليه وسلم تأثير في كون قوله حجة # ولقائل أن يقول أليس موت النبي لا يصير معه قوله حجة والامة عندكم إذا ~~اختلفت في المسألة على فرقتين ثم ماتت إحداهما كان قول الأخرى حجة ففارقت ~~الأمة النبي عليه السلام في ذلك فهلا جاز أن تفترقا في الوجه الآخر # دليل آخر لو اعتبرنا انقراض العصر لم ينعقد الإجماع لأنه قد حدث من ~~التابعين في زمن الصحابة قوم من أهل الاجتهاد وذلك يجوز مخالفتهم لهم لأن ~~العصر ما انقرض ويجب اعتبار انقراض عصر التابعين ومعلوم أنه لم ينقرض عصرهم ~~إلا بعد أن حدث من تابعيهم من هو من أهل الاجتهاد فجاز أن يخالفوهم ويعتبر ~~انقراض عصرهم ثم كذلك القول في كل عصر # ولقائل أن يقول إنه لا يمتنع أن يكون المعتبر هو انقراض عصر من كان # PageV02P042 # مجتهدا عند حدوث الحادثة لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اعتبار عصر ~~التابعين إذا حدث فيهم مجتهد بعد حدوث الحادثة # واحتج ms439 المخالف بأشياء # منها أن عليا عليه السلام سئل عن بيع أمهات الأولاد فقال كان رأيي ورأي ~~عمر أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن فقال له عبيدة السلماني رأيك مع الجماعة أحب ~~إلي من رأيك وحدك فدل على أنه كان الإجماع قد سبق والجواب أنه قد روي أن ~~جابر بن عبد الله كان يرى في زمن عمر جواز بيعهن فلم يكن الإجماع قد انعقد ~~وقول عبيدة السلماني رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك يدل على أنه قد ~~كان على قول عمر جماعة وليس قول كل جماعة هو إجماع وإنما اختار أن ينضم قول ~~علي إلى قول عمر لأنه رجح قول الأكثر على قول الأقل # ومنها أن أبا بكر الصديق كان يرى التسوية في القسمة ولم يخالفه أحد من ~~الصحابة ثم خالفه عمر لما صار الأمر إليه ففضل في القسمة ولم ينكر عليه ~~السلف والجواب أن عمر رضي الله عنه قد كان خالفه في زمانه وناظره فقال له ~~أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه كمن دخل في الاسلام كرها فقال إنما ~~عملوا لله وإنما أجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ ولم يرو أن عمر رجع إلى ~~قول أبي بكر فلا يمتنع أنه كان يرى التفضيل فلما صار الأمر إليه فضل # ومنها قولهم إن الإجماع لا يستقر قبل انقراض العصر لأن الناس يكونون في ~~حال تأمل وفحص فوجب وقوعه على انقراض العصر والجواب إن أرادوا بنفي ~~الاستقرار نفي كونه حجة فذلك نفس المسألة وإن أرادوا أنه لا ينعقد فهو خارج ~~عما نحن بسبيله لأنا إنما تكلمنا على من قال إنه ينعقد ولا يكون حجة على أن ~~الفصل بين حال التأمل وحال القطع على الشيء لا يفتقر إلى # PageV02P043 # انقراض العصر لأنا نفصل بين الناظر المتأمل المتوقف وبين القاطع المناضل ~~لأن الإنسان إذا أخبر عن نفسه أنه معتقد للشيء فهو بخلاف أن يخبر عن نفسه ~~أنه متأمل متوقف - صلى الله عليه وسلم - باب فيما أخرج من الإجماع وهو منه ~~- صلى الله ms440 عليه وسلم - # أعلم أن أهل العصر إذا اختلفوا في المسألة على قولين متنافيين فإنه يتضمن ~~اتفاقهم على تخطئة ما سواهما فلا يجوز لمن بعدهم إحداث قول آخر وحكي عن بعض ~~أهل الظاهر أنه لم يجعل ذلك اتفاقا على تخطئة ما سواهما فأجاز لمن بعدهم ~~إحداث قول آخر ثالث والقول في ذلك فرع على إمكان إحداث قول ثالث فيجب بيانه ~~أولا # فنقول إن القولين المتنافيين في المسألة لا يمكن أن يكون بينهما قول ثالث ~~إلا أن يكون فيه بعض الموافقة لكل واحد من القولين أو لأحدهما مثاله أن ~~يقول بعض الأمة النية واجبة في الطهارات كلها ويقول الباقون ليست بواجبة في ~~شيء من الطهارات فيمكن أن يقول قائل هي واجبة في بعض الطهارات دون بعض ~~ومثاله أيضا أن يقول بعض الأمة النية واجبة في كل طهارة ويقول بعضهم هي ~~واجبة في بعض الطهارات دون بعض فيمكن أن يقول قائل ليست بواجبة في شيء من ~~الطهارات ومثاله أيضا قول بعض الأمة الجد يرث جميع المال مع الأخ وفي قول ~~الباقين يقاسم الأخ فيمكن أن يقول قائل لا يرث شيئا أصلا مع الأخ فيكون قد ~~وافق من قال يقاسم الأخ بعض الموافقة لأنهما قد اشتركا في أن منعا الجد من ~~بعض المال # واحتج من أجاز إحداث قول ثالث بأن الممنوع منه هو مخالفة الإجماع وليس مع ~~هذا الإختلاف إجماع ولأنه روي عن ابن سيرين أنه قال في امرأة وأبوين إن ~~للأم ثلث جميع المال وأن لها ثلث ما يبقى في زوج وأبوين # PageV02P044 # ففصل بين المسألتين ولم ينكر عليه مع أن الصحابة رضي الله عنهما لم تفصل ~~بينهما بل قال بعضهم في المسألتين لها ثلث ما بقي وقال آخرون لها ثلث جميع ~~المال وقال سفيان الثوري إن الأكل ناسيا لا يفطر والجماع ناسيا يفطر ومن ~~تقدمه منهم من فطر بهما ومنهم من لم يفطر بهما وهذا الاحتجاج من المخالف ~~يدل على أنه أجاز إحداث قول ثالث في المسألتين لا في مسألة واحدة # واحتج قاضي ms441 القضاة للمنع من إحداث قول ثالث بأن الأمة أجمعت على المنع من ~~ذلك كما أجمعت على المنع من إحداث قول يخالف الإجماع المصرح والاتفاق على ~~ذلك سابق ألا تراهم منعوا من إحداث قول آخر في الجد مع الأخ حتى يقال المال ~~كله للأخ قال ولنا أن ندعي الإجماع في ذلك مطلقا ولنا أن ندعيه في الجد ~~خاصة ونحمل عليه غيره فنقول إنما منعوا من ذلك في الجد لأنه إحداث قول آخر ~~لم يقل به أحد من الأمة لأنه لا وجه له يمكن أن يعلل فيه إلا بما ذكرناه إذ ~~لا يمكن أن يقال إنما لم يجز أن يقال المال كله للأخ لأنه لا أمارة لذلك ~~لأن الأمارة على ذلك إن لم تكن أقوى من الأمارة الدالة على أن المال كله ~~للجد لم تكن أضعف منها # ولقائل أن يقول لا اسلم أن في المنع من إحداث قول ثالث إجماعا سابقا ولا ~~سبيل لكم إلى العلم بذلك فأما مسألة الجد فلا يجوز تجديد قول آخر فيها ليس ~~لأنهم أجمعوا على المنع من ذلك بل لأن القول بأن المال كله للأخ يتضمن ما ~~أجمعوا على خلافه # واحتجوا أيضا بأن الأمة إذا اختلفت على قولين فقد أجمعت في المعنى على ~~المنع من إحداث قول ثالث لأن كل طائفة تحرم الأخذ إلا بما قالته أو قاله ~~مخالفها فقط فجواز إحداث قول ثالث يقتضي جواز الأخذ به وقد منعوا منه # ولقائل أن يقول إنما حظروا الأخذ إلا بما قالوه بشرط أن لا يؤدي # PageV02P045 # اجتهاد غيرهم إلى إحداث قول ثالث كما يقولون إنهم سوغوا الأخذ بكل واحد ~~من القولين بشرط أن لا يقع الإتفاق على أحدهما فخرج المسألة من مسائل ~~الاجتهاد فينبغي أن يقال إن كان اختلافهم على قولين هو في مسألتين فالقول ~~في ذلك يأتي نحو أن يقول بعضهم كل طهارة تحتاج إلى نية ويقول الباقون ليس ~~شيء من الطهارات يحتاج إلى نية فيقول قائل آخر بعضها تحتاج إلى النية دون ~~بعض وإن كان اختلافهم في ms442 مسألة واحدة نحو مسألة الجد مع الأخ لم يجز إحداث ~~قول ثالث لأنه مخالف لصريح إجماعهم كالقول بأن المال كله للأخ لأن في ذلك ~~سلب المال كله عن الجد والمختلفون في مسألة الجد قد اتفقوا على أن للجد ~~قسطا من المال من قال منهم إنه أحق بجميع المال ومن قال إنه يقاسم الإخوة ~~وهذا الوجه يفسد قولهم إن الممنوع منه هو مخالفة الإجماع ولا إجماع مع ~~الإختلاف لأنا قد بينا أن إحداث قول ثالث فيه خلاف لما أجمعوا عليه وأما ~~المحكى عن ابن سيرين والثوري فليس هو من هذه المسألة بل من مسألة أخرى وهي ~~التفرقة بين ما أجمعوا على أنه لا فرق بينهما # واحتجاج أهل الظاهر بقول ابن سيرين والثوري يدل على أنهم جوزوا إحداث قول ~~ثالث في هذه المسائل وأشباهها دون ما ذكرناه من مسألة الجد وأمثالها وسنذكر ~~الآن القول في التفرقة بين المسألتين وفي غيرهما مما ألحق بالإجماع وليس ~~منه بعون الله - صلى الله عليه وسلم - باب في أهل العصر إذا لم يفصلوا بين ~~مسألتين هل لمن بعدهم أن يفصل بينهما أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنهم إذا لم يفصلوا بينهما فذلك ضربان أحدهما أن يقولوا لا فصل بين ~~هاتين المسألتين في كل الأحكام أو في الحكم الفلاني والآخر أن لا ينصوا # PageV02P046 # على ذلك لكن لا يكون فيهم من فرق بينهما في الحكم فالأول لا يجوز لأحد أن ~~يفصل بينهما لأن الفصل بينهما خلاف لما نصوا عليه واعتقدوه ولأن قولهم لا ~~فصل بينهما ظاهره يقتضي أنهما قد اشتركا فيما يقتضي الحكم من غير وجه يفرق ~~بينهما فمن فصل بينهما فقد خالفهم في ذلك # وهذا الضرب ينقسم أقساما ثلاثة أحدهما أن يروى اتفاق الأمة على حكم ~~المسألتين نحو أن يحكموا فيهما بالتحريم أو بالتحليل والآخر أن يروى اختلاف ~~الأمة فيهما فيحكى عن طائفة أنها حكمت فيهما بالتحريم وعن الباقين أنهم ~~حكموا فيهما بالإباحة والآخر أن لا يروى لنا عنهم اختلاف في المسألتين ولا ~~اتفاق فمتى كان ms443 كذلك ودل الدليل في إحدى المسألتين على تحريم أو إباحة وجب ~~أن يحكم في المسألة الأخرى بذلك ولا يفرق بينهما # فأما إذا لم ينصوا على أنه لا فصل بينهما بل لا يكون فيهم من فرق بينهما ~~نحو أن يحكم بعض الأمة في كلا المسألتين بحكم ويحكم الباقون فيهما بنقيضه ~~وذلك ضربان أحدهما أن يشيروا إلى حكم واحد فيثبته أحد الفريقين في ~~المسألتين وينفيه الآخرون عنهما نحو أن يحرم شطر الأمة كلا المسألتين ~~ويبيحهما الباقون والضرب الآخر أن يشيروا فيهما إلى حكمين مختلفين نحو أن ~~يوجب بعض الأمة النية في الوضوء ولا يجعل الصوم من شرط الاعتكاف ولا يوجب ~~الباقون النية في الوضوء ويجعلون الصوم من شرط الاعتكاف # أما القسم الأول فذكر قاضي القضاة في الدرس والشرح أنه إن كان المعلوم أن ~~طريقة الحكم في المسألتين واحدة لا يجوز كونها متغايرة فذلك جار مجرى أن ~~يقولوا لا فصل بينهما لأنا نعلم أنهم قد اعتقدوا أنه لا يفرق بينهما وأنه ~~قد نظمهما طريقة واحدة ومن فصل بينهما فقد خالف ما اعتقدوه من ذلك فأما إن ~~جاز أن لا تكون الطريقة في المسألتين واحدة وأنهم سووا بينهما لطريقين فإنه ~~يجوز لمن بعدهم أن يفرق بينهما فيحرم إحدى المسألتين ويبيح الأخرى فيوافق ~~في كل قول أحد الفريقين لأنه بذلك لا يكون مخالفا لما # PageV02P047 # أجمعوا عليه لا في حكم ولا في تعليل لأنا قد بينا أن العلة يجوز أن لا ~~تكون واحدة ولأنه لو كان إذا قال بعض الأمة بتحريم مسألتين متباينتين في ~~العلة وقال الباقون بإباحتهما قد أجمعوا على أن لا فصل بينهما لوجب إذا حرم ~~بعضهم إحدى مسألتين متباينتين وأباح اخرى وحرم الباقون ما أباحه هؤلاء ~~وأباحوا ما حظروه أن يكونوا قد أجمعوا على أن بينهما فرقا فلا يجوز لأحد أن ~~يحرمهما معا أو يبيحهما معا ولو لم يجز ذلك لوجب على من وافق الشافعي في ~~مسألة أن يوافقه في جميع مذهبه ويسقط عنه الاجتهاد والأمة مجمعة على خلاف ~~ذلك وما حكى عن ms444 ابن سيرين من أنه فرق بين زوج وأبوين وامرأة وأبوين وأن ~~الثوري فرق بين جماع الصائم ناسيا وبين أكله ناسيا فإن كانت طريقة ~~المسألتين اللتين فرقا بينهما متغايرة فما فعلاه جائز وإلا لم يجز على أن ~~ابن سيرين قد عاصر بعض الصحابة فلا يمتنع أن يكون حاضرا حين اختلفوا في زوج ~~وأبوين وامرأة وأبوين # وذكر قاضي القضاة في العمد أنه لا يجوز الفصل بين المسألتين ولم يفصل هذا ~~التفصيل ذكر ذلك في أن الأمة لا يجوز أن تخطىء في مسألتين وذكر في شرح هذا ~~الباب أمثلة احتج بها # فمنها أن يعقد شطر الأمة لرجل الإمامة ويسكت الباقون فلو لم يكن ذلك ~~الرجل مستحقا للإمامة لكان العاقدون قد اخطأوا بالعقد والباقون قد أخطأوا ~~بالسكوت ولقائل أن يقول إن تلك مسألة واحدة وهي إمامة ذلك الشخص والكل قد ~~رضوا بها وأجمعوا على ترك إنكار العقد له من غير مانع فلو كان خطأ لما ~~أجمعوا على ترك إنكاره # ومنها أن يتفق نصف الأمة على مذهب المرجئة في غفران ما دون الشرك من كبير ~~وصغير ويتفق الباقون على مذهب الخوارج في المنع من غفران جميع المعاصي وهذا ~~الاتفاق على الخطأ في مسألتين ولقائل أن يقول إن ذلك خطأ في مسألة واحدة ~~لأن القائلين بهذين القولين متفقون على أن الصغيرة لا يجب # PageV02P048 # سقوط عقابها لأن المرجىء يقول إن غفرانها بفضل وجوز عقاب فاعلها والخارجي ~~لم يوجب سقوط عقابها فقد اتفقوا على الباطل وهو أن عقابها لا يجب سقوطه # ومنها أن يتفق نصف الأمة على أن العبد يرث والقاتل لا يرث ويتفق الباقون ~~على عكس ذلك على أن العبد لا يرث والقاتل يرث فيكونوا قد اتفقوا على الخطأ ~~في إرث العبد والقاتل إذ الصواب أنهما جميعا لا يرثان والنبي صلى الله عليه ~~وسلم منع من اجتماعهم على الخطأ سواء كان ذلك في مسألة واحدة أو في مسألتين ~~ولقائل أن يقول إنه كان لا يمتنع أن تختلف الأمة في القاتل والعبد على ما ~~ذكرتموه لأن الخطأ إما ms445 أن يكون هو القول بإرث العبد أو بإرث القاتل أو ~~بإرثهما جميعا ولم يقع الاتفاق على إرث أحدهما على انفراده ولا على إرثهما ~~جميعا لأن كل واحد من الأمة لم يقل بإرثهما جميعا فيثبت أن اتفاق نصف الأمة ~~على الخطأ في مسألة واتفاق النصف الآخر على الخطأ في مسألة أخرى لا يفيد ~~اتفاق جميعهم على الخطأ # واحتجوا أيضا بأن الأمة إذا حرم نصفها كلا مسألتين وأباحهما الآخرون فقد ~~اتفقوا على أن لا فصل بينهما وإن لم ينصوا على ذلك وليس يقدح في وقوع ~~الاتفاق على ذلك أن تكون أدلتهم مختلفة وإذا كان كذلك دخل ذلك تحت أدلة ~~الإجماع والجواب أن قول هذا المحتج إن الأمة قد اعتقدت أنه لا فرق بين ~~المسألتين يفهم منه أمور # منها أنهم اعتقدوا أن بينهما تعلقا واشتراكا يقتضي التسوية في الحكم وأنه ~~ليس بينهما ما يقتضي التفرقة في الحكم وهذا باطل لأنه لا يجوز أن يتفقوا ~~على ذلك في مسألتين قد فرضنا أنه لا تعلق بينهما # ومنها أن يكونوا قد نصوا على أنه لا فرق بينهما وهذا باطل لأن كلامنا ~~مفروض في أنهم لم ينصوا على ذلك # ومنها أن يكونوا قد اتفقوا على استواء المسألتين في الحكم في الجملة وإن # PageV02P049 # افترقوا في تفصيله ولا يمكن أن يقال ذلك ها هنا لأنه إنما يقال اتفقوا ~~على استواء حكم المسألتين في الجملة إذا دل الدليل على أن حكم المسألتين ~~حكم واحد إما التحريم وإما التحليل ثم يحتاجون إلى أن ينظروا في حكمها على ~~التفصيل وإنما يدل الدليل على ذلك من حال المسألتين إذا كان بينهما تعلق ~~يقتضي ذلك وكلامنا في مسألتين لا تعلق بينهما وما هذا سبيله لا يعتقد فيهما ~~أنه لا فرق بينهما يبين ذلك أن شطر الأمة إذا أوجب النية في الوضوء لدليل ~~وأوجب غسل النجاسة لدليل آخر فإنه لا يقال إنهم قد اعتقدوا أنه لا يجوز ~~افتراقهما في الوجوب بل عندهم أنه يجوز أن تدل الدلالة على وجوب أحدهما دون ~~الآخر وإنما اتفق إن ms446 دل على وجوب هذا دليل وعلى وجوب ذلك دليل فكذلك لو دل ~~دليل على وجوب النية في الوضوء ودل دليل آخر على نفي وجوب غسل النجاسة لم ~~يجز أن يقال قد وجب افتراقهما وأن الأمة أجمعت على وجوب افتراقهما لأن ~~المعقول من ذلك ثبوت تعلق يقتضي وجوب افتراقهما لا أنه اتفق إن دل على وجوب ~~أحدهما دليل وعلى نفي وجوب الآخر دليل آخر ولو وجب أن يفرق بينهما لوجب على ~~من أداه اجتهاده إلى قول الشافعي في مسألة أن يوافقه في جميع مسائله وإن لم ~~يكن بينهما تعلق وإذا لم يكن من الأمة بأجمعها فيما نحن بسبيله اتفاق على ~~حكم ولا على علة لم يدخل ما ذكروه تحت أدلة الإجماع ولو دخل تحت قوله صلى ~~الله عليه وسلم أمتي لا تجتمع على خطأ لدل ذلك على أن ما قالوه ليس بخطأ ~~ولا يدل على أن الفرق بينهما خطأ إذا أدى إليه اجتهاد مجتهد على قول من قال ~~إن كل مجتهد مصيب # واحتج أيضا بأن الأمة إذا اختلفت على قولين في مسألتين فقد أوجبت كل ~~طائفة منها على غيرها أن تقول بقولها أو بقول الطائفة الأخرى وحظرت ما سوى ~~ذلك وذلك يمنع من إحداث قول مفرق بين المسألتين والجواب أنهم إنما أوجبوا ~~ذلك بشرط أن لا يفرق بعض المجتهدين بين المسألتين فلا نسلم أنهم # PageV02P050 # حظروا ذلك إلا بهذا الشرط كما أنهم جوزوا الأخذ بكل واحد من القولين بشرط ~~أن لا يقع الاتفاق على أحد القولين # فأما القسم الثاني وهو إذا أشارت الأمة إلى حكمين متباينين في مسألتين ~~كما ذكرناه في إيجاب النية في الطهارة وجعل الصوم شرطا في الاعتكاف فإنه إن ~~جاز أن يكون بينهما فرق يذهب إليه مجتهد جازت التفرقة بينهما وإن لم يجز أن ~~يكون بينهما فرق بل كان ينظمهما طريقة واحدة تقتضي فيهما الحكمين ~~المتباينين على بعد ذلك لم يجز أن يخالف بين حكميهما بل الواجب أن يقال ~~فيهما ما قالوه - صلى الله عليه وسلم - باب في أهل ms447 العصر إذا تأولوا الآية ~~بتأويل أو استدلوا على المسألة بدليل أو اعتلوا فيها بعلة هل يجوز لمن ~~بعدهم إحداث تأويل أو دليل أو علة غير ما ذكروه أم لا - صلى الله عليه وسلم ~~- # إعلم أن الإنسان إذا استدل بطريقة على حكم من الأحكام أو على فساد شبهة ~~أمارة كانت تلك الطريقة أو دلالة فإنه إما أن يكون أهل العصر الأول قد نصوا ~~على فساد تلك الطريقة أو على صحتها أو لم ينصوا على صحتها ولا على فسادها ~~فإن نصوا على فسادها أو على صحتها فهو على ما نصوا عليه وإن لم ينصوا على ~~ذلك لم يمتنع صحة تلك الطريقة إلا أن يكون في صحتها إبطال حكم أجمعوا عليه ~~والدليل على ما قلناه أن الناس في كل عصر يستخرجون أدلة وعللا ولا ينكر ~~عليهم فكان ذلك إجماعا ولأنه لو لم يجز ذلك لكان إما أن لا يجوز لأنه مخالف ~~للإجماع المتقدم ومعلوم أن الأمة لم تحكم بفساد الدليل الثاني نصا ولا ~~حكمها بصحة دليلها يقتضي فساد غيره إذ لا يمتنع أن يكون على المذهب الواحد ~~أكثر من دليل واحد # ويمكن من منع من ذلك أن يستدل بأشياء # PageV02P051 # منها قوله تعالى {ويتبع غير سبيل المؤمنين} والدليل الثاني غير سبيل ~~المؤمنين فالوعيد لاحق بمن اتبعه والجواب أن قوله تعالى {ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} خرج مخرج الذم لمن اتبع غير سبيلهم فالمفهوم منه من اتبع ما نفاه ~~المؤمنون وحكموا بإبطاله دون ما لم يحكموا بفساده بل لو اتفق لهم لجاز أن ~~يقولوا به ألا ترى أنه لو لم تحدث المسألة في العصر الأول وحدثت في العصر ~~الثاني جاز أن يقول أهل العصر الثاني فيها قولا ولا يقال إن ذلك اتباع غير ~~سبيل المؤمنين ممن تقدم لما لم يكونوا قد نفوه وحكموا بإبطاله # ومنها أن قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر} يدل على أنهم يأمرون بكل معروف لأجل لام الجنس فلو كان الدليل ~~الثاني معروفا لأمروا به والجواب أن ms448 قوله وتنهون عن المنكر يقتضي أيضا أن ~~ينهوا عن كل منكر فلو كان الدليل الثاني باطلا لكان منكرا ولنهوا عنه فلنا ~~في الظاهر مثل ما لهم # ومنها أن قوله صلى الله عليه وسلم أمتي لا تجتمع على خطأ يدل على أن ما ~~ذهبوا عنه ليس بخطأ وقد ذهبوا على الدليل الثاني فلم يكن ذهابهم عنه خطأ ~~وإذا لم يكن خطأ لم يكن ما ذهبوا عنه دليلا والجواب إن أردتم بقولكم ذهبوا ~~عن الدليل الثاني أنهم حكموا بفساده لم يوجد ذلك في مسألتنا وإن أردتم أنهم ~~لم ينصوا على أنه دليل أو لم يستدلوا به فذلك صحيح وتركهم الاستدلال به ~~والنص على كونه دليلا ليس بخطأ ولا يجب من ذلك فساد الدليل لأنه إنما كان ~~تركهم الاستدلال به غير خطأ لاستغنائهم بدليلهم عنه # ومنها قولهم إنه لو جاز أن يذهب على أهل العصر الأول الدليل الثاني جاز ~~أن يوحي الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم دليلين على حكم واحد فيسن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحكم لأجل أحد الدليلين دون الآخر والجواب ~~أن يقال لهم قد # PageV02P052 # جمعتم بين الأمرين بغير علة وأيضا فإن أوحى الله تعالى إلى نبيه بأحد ~~الدليلين فيسن الحكم عقيبه ثم أوحى إليه بالدليل الثاني فإنه إنما يسن ~~الحكم لمكان الدليل الأول لأنه لم يكن سواه حين سن الحكم ويكون الدليل ~~الثاني تأكيدا وإن كان قد أوحى إليه بهما معا فلا بد من أن يكلفه فهم ~~المراد بهما ولا بد من أن يفهم المراد بهما فلا يجوز أن يدعوه أحدهما إلى ~~أن يسن الحكم دون الآخر لأن في ذلك رفضا للآخر وإنما قلنا لا بد من أن ~~يكلفه أن يفهم المراد بهما لأنه لا يجوز أن يخاطبه بما لا يفهم المراد منه ~~ولأنه إن كلفه أن يبلغ كلا الدليلين إلى أمته وجب أن يفهم المراد به لأنه ~~لا يؤمن أن يسأل عنه وإذا لم يعرف المراد به نفر عنه # ومنها أنه لو كان الدليل الثاني ms449 صحيحا لما جاز أن يذهب عن الصحابة مع ~~تقدمها في العلم والجواب أنه يجوز أن يذهب عنهم إذا لم يطلبوه استغناء بما ~~ظفروا به من الدليل وأهل العصر الثاني إنما ظفروا به لأنهم تنبهوا بما ذكره ~~الأولون واستغنوا عن طلب الدليل الأول فشغلوا أفكارهم وزمانهم في طلب غيره # فإن قيل أفكلف الأولون طلب الدليل الثاني قيل كلفوا ذلك على سبيل التطوع ~~وترك ذلك جائز والقول في العلة كالقول في الدلالة لأن العلة دلالة على ~~الحكم في الفرع إلا أن تعود العلة بالنقض على ما اجتمعوا عليه بأن يوجد في ~~موضع أجمعت الأمة فيه على نقيض حكمها نحو أن يعلل معلل تحريم البر بأنه جسم ~~لأن ذلك موجود فيما أجمعوا على إباحته فمن لم يقل بتخصيص العلة لا يجيز ذلك # وأما إذا تأولت الأمة الآية بتأويل فإنهم إن نصوا على فساد ما عداه لم ~~يجز إحداث تأويل سواه وإن لم ينصوا على ذلك فمن الناس من منع من تاويل زائد ~~وأجراه مجرى المذهب الزائد ومنهم من أجازه وهو الصحيح لأن التابعين ومن ~~بعدهم قد أحدثوا تأويلات لم يكن ذكرها السلف ولم ينكر عليهم ولأنه ليس في ~~إحداث تأويل آخر مخالفة لإجماعهم لأنهم لم ينصوا على إبطاله وليس في # PageV02P053 # إجماعهم على التأويل الأول إبطال الثاني لأنه لا يمتنع أن يكون الله ~~تعالى قد أراد كلا التأويلين وأراد أن يفهم بالخطاب شيئا ما إما هذا وإما ~~هذا وإما كلاهما وكل ذلك مخير فيه فإذا فهمت الأمة أحدهما فقد خرجت عما ~~كلفته لأنهم كلفوا فهم كلا التأويلين بشرط أن يطلبوه - صلى الله عليه وسلم ~~- باب في أهل العصر إذا اختلفوا في المسألة على قولين هل يجوز وقوع الاتفاق ~~على أحدهما أم لا - صلى الله عليه وسلم - # حكى قاضي القضاة عن الصيرفي أنه منع من اتفاق أهل العصر الثاني على أحد ~~قولي أهل العصر الأول وأجازه أكثر الناس ولم يجعلوا الاختلاف المتقدم ~~متضمنا على جواز الأخذ بكل واحد من القولين على كل حال ووجهه انه ms450 إن أريد ~~بجواز انعقاد الإجماع إمكانه فلا شبهة في أن الجماعة الكثيرة يمكنها أن ~~تتفق على موجب الدلالة ولهذا جاز انعقاد الإجماع المبتدأ وإن أريد به الحسن ~~فلا شبهة أيضا في حسن إجماع الجماعة على مقتضى الدلالة وإن أريد بالجواز ~~الشك فمعلوم أنه لا دليل يدل على القطع على نفي إجماعهم على حكم من الأحكام ~~حتى لا يشك في ذلك ومما يدل على إمكان ذلك وحسنه أن الصحابة توقفت في ~~الامامة ثم أطبقت على إمامة أبي بكر رضي الله عنه واتفق التابعون على المنع ~~من بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة فيه # والمخالف يحتج بأن اختلاف أهل العصر الأول في ضمنه اتفاق منهم على جواز ~~تقليد العامي لكل واحد من القولين وجواز أخذ المجتهد بكل واحد منهما إذا ~~أداه اجتهاده إليه فلو أجمع أهل العصر الثاني على أحد القولين لكان لا يخلو ~~إما أن يصح الإجماعان أو يفسدا أو يصح احدهما ويفسد الآخر وليس يجوز أن ~~يفسد أولا أحدهما لأن الأمة لا تجتمع على خطأ ولو كانا صحيحين لكان الثاني ~~منهما ناسخا للأول والنسخ بعد ارتفاع الوحي محال ولو جاز ذلك لجاز أن يتفق ~~أهل العصر على قول ويتفق أهل العصر الثاني على # PageV02P054 # خلافه وفساد هذه الأقسام يمنع من اتفاقهم على أحد القولين والجواب أن ~~القائلين بأن الحق في واحد لا يجوز لهم أن يحتجوا بهذا الكلام لأن عندهم أن ~~المجتهد لا يجوز أن يأخذ إلا بالحق من القولين وإنما يجوز للعامي أن يقلد ~~من يفتيه فإذا اتفقوا على أحدهما لم يجد العامي من يفتيه بالآخر فلا يمكن ~~أن يقال قد حرم عليه الأخذ به إذا أفتي به بعد أن كان حلالا وأما القائلون ~~بأن كل مجتهد مصيب فجوابهم إن احتجوا بذلك هو أن المختلفين في المسألة إنما ~~سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين لأن المسألة مختلف فيها وهي من مسائل ~~الإجتهاد لأنهم لو سئلوا عن جواز الأخذ بكل واحد منهما لعللوا بذلك فعلى ~~هذا المحتج أن يبين أن المسألة ms451 من مسائل الاجتهاد وإن وقع الاتفاق عليها ~~حتى يصح دليله وقد سلف استقصاء هذا الجواب من قبل في باب متقدم # وأما قولهم لو جاز أن يجتمع أهل العصر الثاني على خلاف ما اجتمع عليه ~~الأولون من جواز الأخذ بكل واحد من القولين لجاز اتفاق أهل العصر الأول على ~~قول واتفاق أهل العصر الثاني على قول خلافه فلا يستقر إجماع فباطل لأنا قد ~~بينا أن المختلفين قد سوغوا الأخذ بكل واحد من القولين بشرط قد زال وأهل ~~العصر الثاني قد اجمعوا على المنع من ذلك مع زوال الشرط فلم يجمع الآخرون ~~على خلاف ما أجمع عليه الأولون وليس كذلك إذا أجمع الأولون على قول وأجمع ~~الآخرون على خلافه - صلى الله عليه وسلم - باب في الإجماع إذا عارضته ~~الأدلة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنهم قد يجمعون على القول وعلى الفعل وعلى الرضا واتفاقهم على الفعل ~~لا يقتضي أن غيرهم مثلهم فيه إلا لدلالة وإذا رضوا بكون القول قولا لهم ~~ولغيرهم كان صوابا منهم ومن غيرهم فأما إذا قالوا قولا وعارضه قول # PageV02P055 # النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن نعلم أن قصد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بكلامه هو ظاهره ونعلم أن قصدهم بكلامهم ظاهره مع تعارض الكلامين لأن ~~الأدلة لا تتناقض ثم لا يخلو إما أن نعلم أن قصد النبي صلى الله عليه وسلم ~~ظاهره أو نعلم أن قصد الامة بكلامهم هو ظاهره أو لا نعلم قصد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا قصد الامة فان علمنا قصد النبي صلى الله عليه وسلم وجب ~~تأويل كلام الامة على موافقة كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإن علمنا قصد ~~الامة بكلامهم وجب تأويل قوله صلى الله عليه وسلم وإن لم نعلم قصد أحدهما ~~فان كان أحدهما أخص من الآخر خصصنا الأعم بالأخص وإن لم يكن أحدهما أخص من ~~الآخر فانهما يتعارضان لأنه يحتمل أن تكون الامة قد عرفت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قصد بكلامه غير ظاهره ويحتمل أن تكون ms452 عرفت أنه قصد ظاهر كلامه ~~وأرادت هي بكلامها غير ظاهره ويحتمل أو يقال لو علمت أن النبي أراد بكلامه ~~ظاهره لما أطلقت كلاما يفيد ظاهره مخالفته فلا بد والحال هذه من أن تكون قد ~~علمت أنه أراد بكلامه غير ظاهره # وأما نسخ أحدهما بالآخر فلا يصح وقد تكلمنا في ذلك في باب الناسخ ~~والمنسوخ - صلى الله عليه وسلم - باب في أن الأمة لا تجتمع إلا عن طريق - ~~صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأمة لا تجتمع إلا عن دلالة أو أمارة ولا تجتمع عبثا ذكر قاضي ~~القضاة في الشرح أن قوما أجازوا انعقاد الإجماع عن توفيق لا توفيق بأن ~~يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب وإن لم يكن لهم دلالة ولا أمارة والدليل ~~على المنع من ذلك أن مع فقد هذه الدلالة والأمارة لا يجب الوصول إلى الحق ~~ولأنهم ليسوا بآكد حالا من النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يقول الا عن وحي فالامة أولى أن لا تقول إلا أن عن دليل ~~ولأنه لو جاز لهم ذلك لكان قد جاز لكل واحد منهم أن يقول بغير دلالة لأنهم ~~إنما يجتمعون على القول بأن # PageV02P056 # يقول كل واحد منهم به وإذ جاز ذلك لآحادهم لم يكن للمجمعين مزية في ذلك # فان قيل مزية الإجماع في ذلك أنه يكون حجة وكل واحد منهم له أن يقول عن ~~غير دلالة ولا يكون قوله حجة فاذا أجتمعوا كان حجة قيل إنما أردنا أن لا ~~يكون للإجماع مزية في جواز القول بغير دلالة والخلاف في ذلك يرجع إلى قول ~~مويس بن عمران من أنه يجوز للعالم أن يقول بغير دلالة بأن يعلم الله تعالى ~~أنه لا يقول إلا بالصواب # واحتج المخالف بأشياء # منها أن الإجماع حجة فلو لم ينعقد إلا عن دلالة لكانت الدلالة هي الحجة ~~ولم يكن في كون الإجماع حجة فائدة والجواب أن هذا يبطل بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فانه حجة ولا يقول إلا عن دلالة ms453 ولا يلزم إذا صدر الإجماع عن حجة ~~أن لا يكون في كونه حجة فائدة وعلى أنه لا يمتنع أن يكون قولها حجة وما صدر ~~قولها عنه حجة فيكون في المسألة حجتان وأيضا فالفائدة في ذلك أن يسقط عنا ~~البحث عن الحجة ويسقط عنها نقلها ويحرم علينا الخلاف الذي كان سائغا في ~~مسائل الاجتهاد على قول من قال كل مجتهد مصيب # ومنها أن الإجماع قد انعقد من غير دليل نحو إجماعهم على بيع المراضاة من ~~غير عقد والاستصناع واجرة الحمام وغير ذلك وأخذ الخراج وأخذ الزكاة من ~~الخيل والجواب أن كل ذلك ما وقع إلا عن دليل وإن جاز أن لا ينقل لما ذكرناه ~~من أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل وأما الاستصناع وعقد المراضاة فقد كانا ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره فدل على جوازه على أن بيع ~~المراضاة لما جرت العادة به جرى الأخذ والإعطاء في الدلالة على الرضا مجرى ~~القول وكذلك اجرة الحمام وأما قسمة أرض العدو فللإمام أن يقسمها وأن لا ~~يقسمها ويعمل فيها بحسب المصلحة ولهذا لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم = # PageV02P057 # منازل مكة ولا آبار هوازن ومياههم وأما أخذ الزكاة من الخيل فليس باجماع ~~ولولا أنه قد علم من أوجبها من النبي صلى الله عليه وسلم مما دل على أخذ ~~الزكاة منها إذا كثرت لكان إيجابه لها نسخا للشريعة ولما ترك النكير عليه - ~~صلى الله عليه وسلم - باب في الأمة إذا أجمعت على موجب الخير هل يكون الخبر ~~طريقا إلى ما أجمعت عليه الأمة أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأمة إذا أجمعت على حكم كان في الأخبار ما يدل عليه فاما أن ~~يكون خبر واحد أو متواترا فان كان متواترا فاما أن يكون نصا لا يحتاج معه ~~إلى استدلال طويل واجتهاد أو يحتاج معه إلى ذلك فان كان نصا علمنا أنهم ~~أجمعوا لأجله لأنه لا يجوز مع تواتره أن لا يقفوا عليه مع طلبهم لما يدل ~~على ms454 الحكم ولا يجوز مع ظهوره أن لا يدعوهم إلى الحكم فيكون طريقهم إليه ~~سواء ظهر فيهم خبر مثله أو لم يظهر وإن كان يحتاج في الاستدلال به إلى ~~اجتهاد طويل وبحث لم يمتنع أن يكونوا اجمعوا لأجله ولم يمتنع أجمعوا لأجل ~~خبر متواتر هو أجلى منه لم ينقل اكتفاء بالإجماع إذا استدل به بعضهم واستدل ~~الباقون بخبر آخر أو بقياس # وإن كان الخبر منقولا بالآحاد لم يخل إما أن يروي لنا أنه ظهر فيهم أو لا ~~يروي ذلك فان لم يرو ذلك جوزنا أن يكون ظهر فيهم فلم ينقل إلينا ظهوره ~~فأجمعوا لأجله وجوزنا أن يكون ظهر فيهم خبر آخر أجمعوا أو بعضهم لأجله ولم ~~ينقل إلينا اكتفاء بالإجماع لأنه إذا جاز أن يكون ذلك الخبر كان ظاهرا فيهم ~~فلم ينقل ظهوره إلينا جاز أن يظهر فيهم خبرا آخر فلا ينقل إلينا أصلا وإن ~~كان قد روى أن ذلك الخبر قد كان ظهر فيهم فإما أن يروي بالتواتر أو بالآحاد ~~فان كان قد روى بالآحاد وجوزنا صدق الراوي وأن يكونوا أجمعوا لأجله وجوزنا ~~كذبه فلا يقطع على أنهم أجمعوا لأجله # PageV02P058 # ولكن يغلب صدقه على الظن # وإن نقل ظهور الخبر فيهم بالتواتر جاز أن يكونوا أجمعوا لأجله ويقطع على ~~ذلك من حاله إن قالوا أجمعنا لأجله أو كانوا متوقفين عن الحكم بأجمعهم أو ~~كان بعضهم قد حكم بخلافه فلما سمعوا الخبر قالوا به وإنما قلنا إنه يجوز أن ~~يجمعوا لأجل خبر الواحد لأن خبر الواحد طريق إلى الحكم وليس يمتنع في ~~الجماعة الكثيرة أن يجمعا على الحكم طريق من طرقه وإن لم يقولوا أجمعنا ~~لأجله ولا نقل رجوعهم إليه بعد توقفهم جوزنا أن يكونوا حكموا بغيره ولم ~~ينقل اكتفاء بالإجماع وبالجملة متى جوزنا أن لا ينقل الخبر المتواتر اكتفاء ~~بالإجماع على موجبه لم يجز القطع على أن السلف أجمعوا لأجل خبر الواحد ولا ~~خبر متواتر محتمل إلا أن يقولوا إنا حكمنا لأجله أو يجمعوا على موجبه عند ~~سماعهم له # فان قيل ms455 فاذا أجمعوا على مقتضى خبر الواحد أيقطعون على صدق المخبر قيل لا ~~لأنه يجوز أن تكون المصلحة أن نحكم بما ظننا صدقه من الأخبار سواء كانت ~~صادقة في أنفسها أو كاذبة - صلى الله عليه وسلم - باب في جواز وقوع الإجماع ~~عن اجتهاد - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن القائلين بأن الإجماع لا ينعقد إلا عن طريق اتفقوا على جواز ~~انعقاده عن دلالة لأنه لو لم يجز انعقاده عن دلالة لم يجز عن أمارة وفي ذلك ~~تعذر انعقاده وأن يكون الله تعالى قد أمرنا باتباع ما يتعذر وقوعه واختلفوا ~~في انعقاده عن أمارة فمنع قوم من أهل الظاهر من ذلك خفيت الدلالة أم ظهرت ~~وأجاز أكثر الفقهاء انعقاده عن الجلي والخفي من الأمارات وأجاز قوم انعقاده ~~عن الجلي دون الخفي # PageV02P059 # ودليلنا أن الأمارة طريق إلى الحكم كما أن الدلالة طريق إلى الحكم ولا ~~مانع من انعقاد الإجماع عنها كما لا مانع من انعقاد الإجماع عن الأدلة ~~خفيها وجليها فكما جاز ما أمكن انعقاده عن جلي الأدلة وخفيها جاز مثله في ~~الأمارات # فان قيل لم قلتم لا مانع من ذلك قيل لأنه لو منع مانع من ذلك كان معقولا ~~وكان له تعلق معقول وما يعقل من ذلك إما أن يرجع إلى الدواعي والصوارف وإما ~~أن يرجع إلى أحكام متنافية وما يرجع إلى الدواعي شيئان أحدهما أن يقال إن ~~الأمة على كثرتها واختلاف همها وأغراضها لا يجوز أن يجمعها الأمارة مع ~~خفائها ولأن أمارة الحكم الواحد قد تكون متغائرة فتكون أمارة بعضهم غير ~~أمارة الآخرين فلا تكون الأمارة الواحدة داعية لهم إلى ذلك ولو جاز مع تعذر ~~كون الأمارة داعية لجميعهم إلى الحكم أن يجمعوا عليه جاز أن يجتمعوا على ~~مأكل واحد وعلى الكذب في شيء واحد # ويفارق ذلك اجتماعهم عن دلالة أو شبهة لأن الأدلة ظاهرة والشبه تتقدر ~~بتقدير الأدلة عند من صار إليها ويفارق إجماع الخلق العظيم لحضور الأعياد ~~لأن الداعي إلى ذلك ظاهر فيهم الجواب أن قولهم إن كثرة عدد ms456 الامة واختلاف ~~اغراضها يمنع من اجتماعها على حكم الأمارة مع خفائها دعوى وليس يمتنع أن ~~تجمعهم الأمارة الواحدة أو الأمارات على الحكم الواحد وإن اختلفت الأغراض ~~وكثر العدد لأنهم قد اتفقوا على وجوب المصير إلى الأمارة فاذا ظهرت الأمارة ~~لجميعهم دخلت في الجملة التي اعتقدوها ولذلك اتفق اصحاب أبي حنيفة في كثير ~~من المسائل وهم خلق عظيم ويتفق كثير من أهل الحروب في كثير من الحالات في ~~الآراء واتفق الخلق العظيم على المصير إلى موضع الأعياد لما تقدم منهم ~~اعتقاد المصير إلى ذلك # ويفارق ذلك اتفاقهم على الكذب في شيء معين لأنه لا داعي لهم إلى ذلك # PageV02P060 # وقد بينا أن لما ذكرناه داعيا ولأنه لا يخطر ببالهم كلهم الشيء الذي ~~يكذبون فيه إلا بأن يتراسلوا فأما استنباط الحكم بالأمارة فلا يحتاج إلى ~~تراسل لأن الأمارات سائغة في المجتهدين لا يحتاجون فيها إلى تراسل # وأما اتفاق جميعهم على مأكل واحد فانما لم يجز لأن ذلك تابع لتساوي ~~شهواتهم وتساوي إمكانهم وقد علمنا أنهم مختلفون في الشهوات وإمكان نيل ~~مشتهاها فمنهم من يشتهي ما ينفر طبع الآخر عنه ومنهم من تقوى شهوته لما ~~تنقص شهوة الآخر له فتدعوه قوة شهوته إلى تناوله دون الآخر وقد يتفق ~~الاثنان في شهوة الشيء ويتعذر على أحدهما تحصيله أو يشق عليه ذلك ولا يتعذر ~~على الآخر ولا يشق فلهذه الامور لم يتفقوا على مأكل واحد # وقولهم إن الحكم الواحد لا يكون له إلا أمارة باطل لأنه قد يجوز أن تكون ~~له أمارة واحدة فتكون داعية لجميعهم إلى حكمها وقد تكون له أمارتان إحداهما ~~أظهر من الأخرى فتدعو أظهرهما جميعهم إلى حكمها وقد تتساويان فيستدل بعضهم ~~باحداهما ويستدل الباقون بالاخرى أو يستدل كل واحد منهم بكلتيهما فيتفقون ~~في الحكم وإن تغايرت الأمارات وتفرقتهم بين الأمارات والشبهة لا تصح لأن ~~الشبهة لا تعلق لها والأمارات لها تعلق فاذا جاز أن يجتمع الخلق العظيم على ~~الخطأ لما لا تعلق به فبأن يجوز أن يجتمعوا لما له تعلق أولي # والوجه ms457 الآخر من الدواعي هو قولهم إن من الامة من يعتقد بطلان الحكم ~~بالأمارة وذلك يصرفه عن الحكم بها وليس في مقابلة ذلك داع فيدعوه إلى حكمها ~~وذلك يمنع من اجتماع كل الامة على حكمها والجواب أن هذا الخلاف حادث عندنا ~~والصحابة كانت مجمعة على صحة الاجتهاد فهذه الشبهة لا تتناول عصر الصحابة ~~وقد أجيب عن ذلك بأنه لا يمتنع فيمن اعتقد بطلان الحكم بالأمارة أن يصير ~~إلى حكمها إذا كانت ظاهرة لاعتقاده كونها دلالة فيؤدي ذلك إلى اتفاق الكل ~~على حكمها وهذا الجواب لا يتوجه إلى من منع # PageV02P061 # من اجتماعهم على الأمارة الخفية لهذه الشبهة وأيضا فان من اعتقد قبح ~~الحكم بالأمارة ثم حكم بها لاعتقاده فيها أنها دلالة فقد أقدم على اعتقاد ~~لا يأمن كونه قبيحا وذلك قبيح وغذا كان كذلك لم تكن كل الأمة قد أصابوا في ~~ذلك الحكم ولا يجوز أن تجمع الامة فلا يكون كل واحد منهم مصيبا فيما أجمعوا ~~عليه # وبهذا يجاب من انفصل عن الشبهة بأن قال لا يمتنع فيمن اعتقد قبح الحكم ~~بالأمارة أن يحكم بها وإن علم أنها أمارة إذا لم يجد سواها إذ لا يمتنع في ~~بعض الامة أن يناقض # وأما المنع من انعقاد الإجماع عن اجتهاد لأنه يؤدي إلى اجتماع أحكام ~~متنافية فهو أن يقال إن الحكم الصادر عن اجتهاد لا يفسق مخالفة ويجوز ~~مخالفته فلا يجعل أصلا ولا يقطع عليه ولا على تعلقه بالأمارة والحكم المجمع ~~عليه لا يجوز مخالفته ويفسق مخالفه ويجعل أصلا ويقطع عليه وعلى تعلقه ~~بطريقه فلو صدر الإجماع عن اجتهاد لأجتمعت فيه هذه الأحكام على تنافيها ~~والجواب أما قولهم إن الحكم المجتهد فيه يجوز مخالفته فان القائلين بأن ~~الحق في واحد لا يجوزون لأحد مخالفة الحق في مسائل الاجتهاد ألا تراهم ~~يخطئون من خالفهم وإن أسقطوا عنه المأثم وكثير منهم يجوز للمقلد أن يقلد من ~~يفتيه بخلاف الحق ولا يجوز ذلك فيما اتفق عليه ويقول إن ذلك من حق الاجتهاد ~~إلا أن يصدر عنه الإجماع ms458 فان صدر عنه الإجماع لم يجز التقليد في خلافه فأما ~~القائلون بأن كل مجتهد مصيب فانهم يجوزون لغيرهم من المجتهدين أن يخالفوهم ~~في الحكم الذي قالوه عن اجتهاد ولا يجوزون مثله فيما اتفق عليه ويقولون إن ~~جواز المخالفة من حكم الاجتهاد إذا لم يقترن به إجماع وليس هو من حكمه على ~~الإطلاق فيلزم التنافي كما أن ذلك من حكم الاجتهاد إذا لم يقترن به تصويب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأن المجتهد لو اجتهد مع غيبة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فبلغه ذلك فصوبه وحكم به فانه لا يجوز مخالفته فبان أن جواز # PageV02P062 # المخالفة ليس بحكم الاجتهاد على الإطلاق فاذا صوب النبي صلى الله عليه ~~وسلم المجمعين كان كتصويبه المجتهد في المنع من مخالفة ذلك الحكم والعامي ~~لا يجوز له مخالفة الحكم المجتهد فيه إذا لم يجد من يفتيه بغيره ولا يجوز ~~للمجتهد أن يخالف ما حكم به عليه القاضي ولا يخرج منه فبان أن جواز ~~المخالفة ليس من حق الاجتهاد على الإطلاق وأيضا فالمخالف يجوز أن ينعقد ~~الإجماع عن خبر الواحد مع أن الإجماع لا يجوز مخالفته ويجوز مخالفة الحكم ~~الذي رواه الواحد إذا أدى الاجتهاد في حالة إلى ترك حديثه وترجيح غيره عليه ~~ولم يؤد انعقاد الإجماع عنه إلى التنافي فكذلك انعقاده عن اجتهاد # وأما قولهم إنه لا يفسق من خالف حكم الاجتهاد ويفسق من خالف الإجماع ~~فجواب الفريقين عنه أن ذلك ليس من حكم الاجتهاد على الإطلاق بل هو من حكمه ~~إذا لم يقترن به إجماع كما أنه من حكمه إذا لم يقترن به تصويب من النبي صلى ~~الله عليه وسلم # وأما قولهم إن حكم الاجتهاد لا يجوز أن يجعل أصلا يجوز ذلك في حكم ~~الإجماع فان من قال كل مجتهد مصيب لا يجوز لمن لم يؤده اجتهاده إلى الحكم ~~أن يجعله اصلا لأن الواجب عليه غير ذلك الحكم فأما إذا أداه اجتهاده إليه ~~فان منهم من يجعله أصلا ويقيس عليه فرعا آخر بعلة سوى العلة التي ms459 ثبت بها ~~الحكم في المسألة المجتهد فيها ومنهم من لا يجعله أصلا لا لأنه مجتهد فيه ~~لكن لأنه لا يجوز أن يقاس عليه إلا بعلة وتلك العلة يمكن أن يقاس الفرع بها ~~على الأصل الأول فلا يكون لجعل ذلك الفرع أصلا معنى فأما الحكم المجمع عليه ~~من جهة الاجتهاد فانه قد صار مقطوعا به كالمنصوص عليه فجاز أن يقاس عليه ~~فرع من الفروع بالعلة التي ثبت بها الحكم فيه ويكون قياس الفرع عليه بتلك ~~العلة كقياسه على الأصل الأول لأن كل واحد منهما طريقه مقطوع به وأما ~~القائلون بأن الحق في واحد فانهم لا يجوزون القياس على ما هو خطأ وما ليس ~~بخطأ فان قولهم في جعله أصلا ينبغي أن # PageV02P063 # يكون على ما ذكرناه الآن # وأما قولهم إن الحكم الصادر عن اجتهاد غير مقطوع به وعلى تعلقه بالأمارة ~~فجواب أكثر من يقول بأن الحق في واحد أن ذلك هو من حق الاجتهاد إذا انفرد ~~عن إجماع أو تصويب من النبي صلى الله عليه وسلم فاذا اقترن به أحدهما قطع ~~به وعلى تعلقه بالأمارة وإنما يعلم تعلقه بالأمارة بما اقترن به ويجري مجرى ~~أن يكون وقوف غلام زيد على باب الأمير أمارة على كون زيد في الدار فاذا ~~شاهدناه فيها أو أخبرنا نبي قطعنا على كونه فيها وأن حكم الأمارة متعلق بها ~~وكذلك إذا علمنا صحة الإجماع ثم أجمعوا عن أمارة وأما القائلون إن كل مجتهد ~~مصيب فانهم يقولون إن المجتهدين يقطعون على لزوم الحكم لمن أداه اجتهاده ~~إليه كما يقطعون على لزوم الحكم المجمع عليه ويقطعون على أنه غير لازم لمن ~~لم يؤده اجتهاده إليه ويقولون هذا حكم الاجتهاد ما لم يقترن به إجماع ولا ~~تصويب من النبي صلى الله عليه وسلم # وذكر في الشرح أن الأمة إذا أجمعت على حكم الأمارة لم يقطع على تعلق ~~الحكم بها إلا أن تكون أمارة واحدة وتجمع الامة على تعلق الحكم بها ومتى لم ~~يجتمع كلا الشرطين لم يقطع على ذلك والأولى أن ms460 يقال يقطع على تعلق الحكم ~~بها لأنه ليس لذلك معنى أكثر من ثبوت حكمها كما ذكرناه في علمنا بأن زيدا ~~في دار الأمير إذا شاهدناه فيها بعد مشاهدتنا لوقوف غلامه على الباب ويدل ~~على جواز وقوع الإجماع عن اجتهاد أنه قد وقع ذلك ولم يكن ليقع إلا ووقوعه ~~جائز ويدل على وقوعه إجماع الصحابة من جهة الاجتهاد على مبلغ حد الشرب ~~وإجماعهم على قتال أهل الردة وإمامة أبي بكر وذكرهم وجه اجتهادهم فان أبا ~~بكر قال لا أفرق بين ما جمع الله تعالى فقاس الزكاة على الصلاة في وجوب ~~قتال المخل بها ولو كان معهم في قتال ما نعي الزكاة نص لنقلوه وقد ذكروا في ~~إمامة أبي بكر تقديم النبي صلى الله عليه وسلم إياه في الصلاة ولقائل أن ~~يقول إنما احتج أبو بكر بالآية على وجوب الزكاة ثم استفاد # PageV02P064 # وجوب قتالهم من أجل أن إنكار المنكر يكون بالقول فان نفع وإلا فبالقتال - ~~صلى الله عليه وسلم - باب في الطريق إلى معرفة الإجماع - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أنه إذا لزمنا المصير إلى الإجماع فلا بد من أن يكون لنا طريق إلى ~~العلم به ولا يخلو إما أن يكون الإجماع معلوما بالعقل ضرورة أو استدلالا ~~وإما معلوما بالإدراك ومعلوم أنا لا نعلم بأول العقل أن الأمة مجمعة على ~~حكم من الأحكام ولا باستدلال عقلي فبقي أن الإدراك هو الطريق إلى ذلك إما ~~أن ندرك قولهم بالسماع أو نشاهدهم يفعلون فعلا وإما أن نسمع الخبر عنهم ~~وإذا لم يجز أن يكون المخبر عنهم هو الله ورسوله لأن الوحي مرتفع كان ~~المخبر عن الأمة غيرهما فثبت أن طريق الإجماع هو سماعنا اقاويلهم ومشاهدهم ~~فاعلين أو النقل عنهم والسماع إما أن يتناول قول كل واحد منهم أو يتناول ~~قول بعضهم فان تناول قول كل واحد منهم كان طريقا كافيا وإن تناول قول بعضهم ~~لم يكن طريقا إلى إجماعهم إلا بأحد أمرين إما أن ينقل لنا ذلك القول عن ~~الباقين وإما أن ينقل سكوت ms461 الباقين عن النكير مع انتشار القول فيهم وارتفاع ~~التقية والنقل عنهم إما أن يكون نقلا عن جميعهم فيكتفى به وإما أن يكون ~~نقلا عن بعضهم فلا يكون طريقا إلا بأن نسمع من الباقين مثل ذلك القول وإما ~~بأن نعلم سكوت الباقين عن النكير مع انتشار القول فيهم # والخبر عن المجمعين ضربان تواتر وآحاد وكل واحد منهما طريق إلى الإجماع ~~ونحن نذكر القول المنتشر في الصحابة لدخوله في الجملة التي ذكرناها ولتعلق ~~شبهة المخالف به فنقول إن قول بعض أهل العصر إذا انتشر في جميعهم وسكت ~~الباقون فلم يظهروا خلافا فأما أن يعلم أن سكوتهم سكوت راض يكون ذلك القول ~~قولا له أو لا يعلم ذلك من حالهم فان علم ذلك كان إجماعا لأنهم لو قالوا قد ~~رضينا بهذا القول ونحن معتقدون له كان # PageV02P065 # إجماعا فاذا علمنا ذلك ضرورة فيهم على قول من يجوز وقوع العلم بالمذاهب ~~باضطرار كان آكد وإن لم نعلم باضطرار أنهم رضوا بذلك القول قولا لهم فلا ~~يخلو إما أن يكون من مسائل الاجتهاد أو لا يكون من مسائل الاجتهاد فان لم ~~يكن من مسائل الاجتهاد فإما أن يكون على الناس فيه تكليف أو لا يكون عليهم ~~فيه تكليف فإن لم يكن عليهم فيه تكليف كالقول بأن عمارا أفضل من حذيفة رضي ~~الله عنهما جاز أن يكون خطأ لا يلزم الباقين إنكاره لأنه إنما يلزمهم ~~إنكاره إذا علموا أنه منكر فاذا لم يلزمهم النظر في كونه منكرا جاز أن لا ~~ينظروا فيه فلا يعلمون أنه منكر فلا يلزمهم إنكاره وليس بممتنع أن يتطابقوا ~~على ترك إنكار ما لا يجب إنكاره ألا ترى أنهم لو سمعوا من يخبر بأن زيدا في ~~الدار لم يلزمهم أن ينظروا هل أخبر عن ثقة أو على حسب ظنه أو أخبر قطعا وهو ~~لا يأمن كونه كاذبا وإذا لم يلزمهم ذلك لم يجب الإنكار عليهم وإن كان على ~~الناس في المسألة تكليف فانه إذا لم ينكر الباقون ذلك القول يكون صوابا ~~لأنه لو ms462 كان خطأ لكانوا قد تطابقوا على ترك ما يجب عليهم من إنكار المنكر ~~وإذا كان ذلك القول صوابا فخلافه خطأ لأن المسألة مما ألحق في واحد منه # فإن قيل أيجوز مع كون ذلك القول صوابا أن يكون من سكت يتوقف فيه غير قائل ~~به قيل لا يجوز ذلك لأن إطباقهم على ترك الإنكار يجري مجرى قولهم إنه ليس ~~بمنكر في الدلالة على أن ذلك القول غير منكر ولا يجوز أن يقولوا ذلك فيكون ~~القول غير منكر إلا لأنهم بأجمعهم قالوه # وأما إذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد فالقائلون بأن الحق في واحد وما ~~عداه يجب تركه يقولون في ذلك ما قلناه الآن فيما ليس من مسائل الاجتهاد ~~والقائلون بأن كل مجتهد مصيب اختلفوا فقال أبو علي يكون ذلك إجماعا إذا ~~انتشر القول فيهم ثم انقرض العصر وقال أبو هاشم لا يكون إجماعا ولكنه يكون ~~حجة وقال أبو عبد الله لا يكون إجماعا ولا حجة # PageV02P066 # وحجة أبي علي أن المتعالم من أهل الاجتهاد إذا سمعوا الحادثة وطال بهم ~~الزمان أن يفكروا فيها فان اعتقدوا خلاف ما انتشر من القول فيها أظهروه إذا ~~لم تكن تقية ولا بد إذا كانت تقية أن يظهر سببها وأيضا فانه إن مات قبل من ~~يتقيه صارت المسألة إجماعا وإن مات من يتقيه قبله وجب أن يظهر قوله فبان ~~أنه لا يجوز أن ينقرض العصر من غير ظهور خلاف لما انتشر إلا وهو متفقون ~~عليه وأيضا فان المتقي قد يظهر قوله عند ثقاته وخاصته فلا يلبث القول أن ~~يظهر # وحجة من قال إنه لا يكون حجة أنه لا يمتنع أن يكون من سكت لم يفكر في ~~المسألة لتشاغله بغيرها من الأشغال كالجهاد وسياسة الناس أو الفكر في غيرها ~~من المسائل فلا يكون القول المنتشر إلا قول بعضهم وليس يؤدي ذلك إلا أن ~~تذهب الأمة كلها عن الحق لأن ذلك القول المنتشر هو حق لأن المسألة من مسائل ~~الاجتهاد وكل مجتهد فيها مصيب # وحجة أبي هاشم في أن ms463 ذلك حجة هي أن الناس في كل عصر يحتجون بالقول ~~المنتشر في الصحابة إذا لم يعرف له مخالف # وأبو عبد الله لا يسلم هذا الإجماع على أن من يحتج بذلك يجعله إجماعا ~~لأنه يقول قد انتشر هذا القول ولا يعرف له مخالف فكان إجماعا # وأما نقل الإجماع بخبر الواحد فمن الناس من لم يعمل به ومنهم من عمل به ~~وهو الصحيح لأن قولهم حجة كما أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم حجة فاذا ~~لزمتنا الأحكام بنقل كلام النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الآحاد فكذلك ~~يلزمنا أن ينقل كلام الامة من جهة الآحاد فأما من قال إنه لا طريق إلى ~~معرفة الإجماع فله أن يحتج فيقول إن المجمعين إما أن يكونوا هم الصحابة أو ~~غيرهم من أهل الأعصار أما غيرهم فان كثرتهم وتباعد ديارهم يمنع أن نعرف في ~~الحوادث قولهم بأجمعهم ألا ترى أن أهل بغداد لا يعرفون أهل العلم بالمغرب ~~فضلا أن # PageV02P067 # يعرفوا أقاويلهم في الحوادث وأما الصحابة فانا لم نشاهدهم فيشافهونا ~~بالحكم ولم ينقل عن كل واحد منهم قول في الحوادث لا بالتواتر ولا بالآحاد ~~وليس معنى إلا أن بعضهم يقول وينتشر قوله في الباقين ولا يظهر له مخالف ~~وليس هذا باجماع على الصحيح من قول من قال إن كل مجتهد مصيب وليس لكم أن ~~تقولوا إنما تحصل المسألة إجماعا عند سكوت الباقين إذا علمنا أنهم سكتوا ~~سكوت من يرضى أن يكون ذلك القول قولا له لأن الساكت قد يسكت لهذا الغرض ~~ولأنه لا قول له في المسألة وإذا جاز كلا الأمرين خرج السكوت من أن يكون ~~طريقا إلى أن الساكت قد رضي أن يكون القول قولا له وليس يجوز أن يعلم ~~باضطرار أنهم يعتقدون صحة ذلك القول لأنكم لا تضطرون من كل واحد منهم أنه ~~معتقد لما يظهره من الإسلام فكيف تكونون مضطرين إلى أنهم يعتقدون فرعا من ~~فروعه والجواب أن هذه الشبهة لا تمنع من العلم بالإجماع أصلا لأن من عاصر ~~الصحابة يمكنه أن ms464 يلتقي بكل واحد من المجتهدين أو ببعضهم ويروى له عن ~~الباقين لأن أهل الاجتهاد كانوا في ذلك الوقت محصورين وكذلك التابعون ~~وانتشار القول في هذا العصر من غير مخالف دليل على الإجماع فيما ليس من ~~مسائل الاجتهاد وفي مسائل الاجتهاد أيضا على قول من قال إن الحق في واحد ~~منها وعلى قول أبي علي أيضا وإن كان يقول إن كل مجتهد مصيب فأما غيره فذكر ~~قاضي القضاة أن ما دل على الإجماع يقتضي أن يكون الله تعالى عنى بالإجماع ~~القول المنتشر لأنه لا يجوز أن يوجب علينا اتباع ما لا سبيل لنا إليه فاذا ~~لم يمكن إلا هذا القدر علمنا أن الله تعالى قد عناه # ولقائل أن يقول إنما أوجب الله تعالى علينا اتباع الإجماع إذا تمكنا منه ~~وذلك يمكن لمن عاصر الصحابة وأمكن أن يسألهم ويمكن أيضا في القول المنتشر ~~فيما ليس من مسائل الاجتهاد وهذا يكفي في حسن إيجاب الله تعالى اتباع ~~الإجماع إذ قد أمكن من بعض الناس وعلى بعض الوجوه # PageV02P068 # وقد اجيب عن الشبهة أيضا بأنه لا يمتنع أن نعلم باضطرار شيئا طريقه الخبر ~~وإن لم نعلم طريقه مفصلا ألا ترى أنا نعلم باضطرار اعتقاد أهل بلاد الروم ~~النصرانية وأن الغالب على كثير من البلاد الجبر والتشبيه وإن لم نعلم طريق ~~ذلك مفصلا وكذلك نحن نعلم ضرورة أنه ليس في الصحابة رضي الله عنهم من جعل ~~الأخ أولى بالمال كله من الجد ولا يمتنع ذلك وإن لم يعلم طريقه مفصلا # ولقائل أن يقول إنا لا نعلم أن أهل بلاد الروم نصارى كلهم لأنا نجوز أن ~~يكون فيهم المتظاهر بالاسلام واليهودية بل يقطع على ذلك وأن يكون فيهم من ~~يظهر النصرانية ويعتقد غيرها وإنما نعلم أن الغالب عليهم إظهار النصرانية ~~وذلك قد أخبرنا به جماعة نعلم صدقهم ولو كان الغالب عليهم إظهار دين ~~الاسلام لما حاربونا ولما انكتم ذلك # وأما تشبيه مسألة الجد بما نعلمه من أن الغالب على كثير من البلاد الجبر ~~والتشبيه فانه يقتضي أن ms465 نعلم أن الغالب على الصحابة أن الأخ لا يرث جميع ~~المال مع الجد على أنا نعلم أنه لم يكن في الصحابة من يظهر ذلك لأنه لو ~~أظهره مظهر لنقل ولكن للمحتج بهذه الشبهة أن يقول لعل من سكت عن القول في ~~مسألة الجد والأخ لم يجتهد في المسألة وليس له فيها قول # وقد اجيب عن الشبهة بجواب آخر وهو انه لا يمتنع أن يضطر إلى أن الساكت عن ~~الإنكار راض بكون ما سكت عن إنكاره قولا له فان لم يكن لنا إلى ذلك طريق ~~معين كما نعلم قصد المتكلم عند كلامه وإن لم يكن لنا طريق معين إلى ذلك ~~وليس لأحد ان يقول قد لا يكون الساكت راضيا بذلك القول لنفسه فلا يجوز أن ~~يحصل العلم بأنه قد رضي بالقول لنفسه كما ليس له أن يقول لا أعلم قصد ~~المتكلم لأن مثل كلامه قد يوجد ولا أعرف قصده ألا ترى أنه قد تجتمع الجماعة ~~للرأي فيشير بعضهم ويسكت الباقون ويفترقون فيعلم أنه رأي جميعهم فاذا علمنا ~~باضطرار أن مذهب جميع السلف أن الأخ ليس أولى بجميع المال من الجد علمنا ~~أنه من هذا القبيل # PageV02P069 # ولقائل أن يقول ليس يجب إذا علمنا قصد بعض المتكلمين في بعض الأحوال أن ~~نعلم قصد بعض الساكتين ولا يجب ولو علمنا ذلك في بعض الأحوال أن نعلم قصد ~~من سكت في مسألة الجد وغيرها بل لا يمتنع أن يكون من سكت عن النكير إنما ~~سكت لأنه لم يجتهد في المسألة لأن الفرض قد قام به غيره ولا يكون له في ذلك ~~قول # فاذا ثبت أن النقل طريق إلى الإجماع وجب على الامة إظهار قولها ووجب على ~~من سمعه ان ينقله كما يجب إظهار الفرائض على الرسول عليه السلام ويجب على ~~من سمعها منه نقلها عنه وإذا كان من انتشر من الأقاويل في الأمة ولم يظهر ~~له مخالف حجة جاز تخصيص العموم به وإن لم يكن حجة لم يجز ذلك - صلى الله ~~عليه وسلم - باب في ms466 انقراض العصر هل هو طريق إلى معرفة الإجماع أم لا - صلى ~~الله عليه وسلم - # عند الشيخ أبي علي أن أنقراض العصر طريق إلى معرفة الإجماع لأن العصر لا ~~ينقرض إلا وقد شاع القول في جميع أهله فلو كان فيهم مخالف لأظهر خلافه وعند ~~غيره أنه لا اعتبار بانقراض العصر في ذلك لأنه ليس يخلو أبو علي إما أن ~~يقول لا طريق إلى الإجماع سواه أو يقول هو طريق وغيره طريق والأول لا يصح ~~لأن المعاصر للصحابة لو سمع القول من كل واحد من المجتهدين أو سمع من بعضهم ~~وأخبر عن الباقين لعلم إجماعهم والثاني أيضا لا يصح لأن ما ذكروه من انتشار ~~القول ووجوب إظهار الخلاف موقوف على تمادي الزمان انقرض العصر أو لم ينقرض ~~ولو كان انتشار القول في جميع أهل العصر موقوفا على انقراض العصر لكان في ~~كونه طريقا إلى الإجماع ما ذكرناه من الخلاف في الباب المتقدم # PageV02P070 # - صلى الله عليه وسلم - باب في قول بعض الصحابة إذا لم ينتشر ولم يعرف له ~~مخالف - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن القول إذا لم ينتشر فيهم فإما أن يكون البلوى به عاما أو غير عام ~~فان لم يكن عاما لم يكن إجماعا ولا حجة ولا كان مقطوعا على انه صواب وعند ~~بعض الناس أنه إجماع يحتج به وإنما قلنا إنه ليس بإجماع لأن القول إنما ~~يكون مجمعا عليه إذا اعتقده كل أهل العصر وليس يجوز أن يعتقده من لم يسمع ~~به ولم يخطر بباله وإنما قلنا إنه ليس بحجة لأنه لو كان حجة لكان حجة لأنه ~~إجماع وقد بينا إنه ليس بإجماع أو لأنه قول بعض السلف وسيجيء القول في ذلك ~~أو لأن الامة أجمعت على الاحتجاج به وليس في ذلك إجماع لأن كثيرا من الناس ~~ينكر على من يحتج بذلك وإنما لم يقطع على أنه صواب لأن من يقول إن الحق في ~~واحد يجوز أن يكون خطأ ومن يقول إن كل مجتهد مصيب يجوز خطأ غيره إذا لم ms467 تكن ~~المسألة من مسائل الاجتهاد وإن كانت من مسائل الاجتهاد فانما يحكم بأنه ~~مصيب إذا استوفى الاجتهاد ولم يقل بأول خاطر وليس يعلم أحد من غيره أنه لم ~~يضجع في اجتهاده فلذلك لم يقطع على أن القول صواب على الإطلاق # فان قيل لو لم يكن القول صوابا لكان الصواب قد خرج عن اقاويل الامة ~~والجواب أن هذا الكلام يفيد أن للأمة كلها في الحادثة أقاويل وأن الصواب ~~سواها وليس الأمر كذلك لأن المسألة مفروضة في قول لم يظهر في الأمة خلافه ~~وأيضا فانه يجوز أن لا يكون للأمة في المسألة قول هو حق إذا لم يكن عليهم ~~في ذلك تكليف ألا ترى أنه ليس لهم قول مما لم يحدث في عصرهم وجاز ذلك لما ~~لم يكن عليهم في ذلك تكليف فكذلك لا تكليف عليهم فيما لم يبلغهم # وأما إذا كان البلوى بذلك القول عاما فان لم ينتشر فيهم ذلك القول فلا بد ~~من أن يكون لهم في تلك المسألة قول إما موافق لما نقل إلينا أو مخالف # PageV02P071 # ولا يجوز مع اهتمام النقلة بالنقل أن يستفيض ذلك فلا ينقل وإذا ثبت أن ~~قول بعض الصحابة إذا لم ينتشر لا يكون حجة فجرى مجرى قول الواحد منهم إذا ~~خالف فيه غيره في أنه لا يخص به العموم # PageV02P072 ### | الكلام في الأخبار # أبواب الأخبار باب في اسم الخبر وحده وما به يكون الخبر خبرا وأقسامه ~~الصدق والكذب باب في الاخبار التي يعلم صدقها والتي يعلم كذبها والتي لا ~~يعلم كلا الأمرين من حالها باب في بيان وقوع العلم بالأخبار وصفة العلم ~~الواقع بالتواتر باب في شرط وقوع العلم بالأخبار باب في أن خبر الواحد لا ~~يقتضي العلم باب فيما يقبل فيه ما ليس بمتواتر من الأخبار وما لا يقبل فيه ~~ذلك باب في جواز التعبد بأخبار الآحاد باب في ورود التعبد بأخبار الآحاد ~~باب فيما يرد له الخبر وما لا يرد له ويدخل في ذلك المراسيل وغيرها باب في ~~كيف ينبغي للراوي أن يروي ms468 وفي المفهوم من روايته باب في الأخبار المتعارضة ~~باب فيما يرجح به الخبر على غيره فالأول - صلى الله عليه وسلم - باب في اسم ~~الخبر وحده وما به يكون الخبر خبرا وأقسامه الصدق والكذب - صلى الله عليه ~~وسلم - # أما قوله خبر فواقع على قول مخصوص وليس بواقع على سبيل الحقيقة على ~~الإشارة والدلالة لأن من وصف غيره بأنه مخبر وبأنه فاعل للخبر لم يسبق إلى ~~فهم السامع له إلا أنه متكلم بصيغة مخصوصة # فأما ما معه تكون الصيغة خبرا مستعملة في فائدتها فينبغي أن يشترط فيه ~~الإرادة والأغراض لأن صيغة الخبر قد ترد ولا تكون خبرا بل تكون أمرا ولا ~~تشترط الإرادة والأغراض في كون الخبر على صيغة الخبر # PageV02P073 # وأما حد الخبر فقد قيل إن أهل اللغة حدوه بأنه كلام يدخله الصدق والكذب ~~فان قيل أليس قول القائل محمد ومسيلمة صادقان خبر وليس بصدق ولا كذب قيل قد ~~أجاب الشيخ أبو علي بان هذا الخطاب يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر فكأنه ~~قال أحدهما صادق في حال صدق الآخر ولو قال ذلك كان قوله كذبا فكذلك إذا قال ~~هما صادقان ولقائل أن يقول إنه ليس ينبىء هذا الكلام عن أن صدق أحدهما حاصل ~~في حال صدق الآخر ولا أنه قبله ولا بعده فلا يكون ذلك معنى الكلام # وأجاب الشيخ أبو هاشم بأن هذا الكلام يجري مجرى خبرين أحدهما خبر بصدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم والآخر خبر بصدق مسيلمة فكما لا يجوز أن يقال في ~~مجموع خبرين متميزين إنهما صدق أو كذب فكذلك في هذا الكلام ولقائل أن يقول ~~بأن هذا الكلام لا يجري مجرى خبرين إلا من حيث أفاد حكما لشخصين وذلك لا ~~يمنع من وصفه بالصدق والكذب ألا ترى أن قول القائل كل شيء قديم كذب وإن ~~أفاد حكما لذوات كثيرة # وأجاب قاضي القضاة رحمه الله بأن مرادنا بقولنا ما دخله الصدق والكذب هو ~~ما إذا قيل للمتكلم به صدقت أو كذبت لم يحظره اللغة وهذه صورة هذا ms469 الكلام ~~فكان داخلا في حد الخبر # وأجاب الشيخ أبو عبد الله بأن هذا الكلام كذب فانه يفيد الإخبار عن شيء ~~على خلاف ما هو به لأنه يفيد إضافة الصدق إليهما وليس هو مضافا إليهما وإن ~~كان مضافا إلى أحدهما كان أن قول القائل كل إنسان أسود كذب لأنه يفيد إضافة ~~السواد إلى جميعهم وليس هو مضافا إلى جميعهم # إن قيل إذا حددتم الخبر بأنه ما دخله الصدق والكذب وحددتم الصدق بأنه ~~الإخبار على الشيء على ما هو به وحددتم الكذب بأنه الإخبار عن الشيء لا على ~~ما هو به كنتم قد عرفتم المجهول بالمجهول قيل قد أجاب قاضي القضاة رحمه ~~الله بأن الخبر قد عرفناه ولسنا نريد بتحديده أن نعرفه # PageV02P074 # وإنما نريد أن نفصله عن غيره فلم يكن فيما فعلنا تعريف المجهول بالمجهول ~~وهذا لا يصح لأنه إن كان الغرض بالحد التمييز فنحن إذا ميزنا وفصلنا الخبر ~~بالصدق والكذب وميزنا الصدق والكذب بالخبر كنا قد ميزنا وفصلنا كل واحد ~~منهما بصاحبه وكأنا قلنا الخبر يتميز بأنه خبر فان صح ذلك فيجب الاقتصار ~~على القول بأن الخبر هو خبر ولا يتكلف هذا التطويل وعلى أنا إن كنا قد ~~عرفنا الخبر وعقلناه فمن سألنا عن حده فانما سألنا عن عبارة تنبىء عن هذا ~~المعقول المعروف لنا فيجب أن نأتي بها والا لم نكن قد حددناه وأيضا فان كنا ~~قد عقلنا جميع معنى الخبر فقد تميز لنا أيضا فيجب أن نستغني عن حده # جواب آخر وهو أن قولنا ما دخله الصدق والكذب أردنا به ما لا يحظر أهل ~~اللغة أن يقال للمتكلم به صدقت أو كذبت وليس يقف حظر ذلك على معرفة الصدق ~~والكذب بل ذلك يرجع فيه إلى اللغة وهذا لا يصح أيضا لأنه إنما يسوغ أهل ~~اللغة أن يقال للمتكلم صدقت أو كذبت إذا عرفونا الصيغة وميزوها مما لا يصح ~~أن يقال لمن تكلم به صدقت أو كذبت فالخبر هو ما اختص بتلك الصيغة فيجب أن ~~يكون حد الخبر هو ما ms470 أنبأ عنها # والأولى أن نحد الخبر بأنه كلام يفيد بنفسه إضافة أمر من الامور إلى أمر ~~من الامور نفيا أو إثباتا وإنما قلنا بنفسه لأن الأمر يفيد وجوب الفعل لا ~~بنفسه وإن ما يفيد هو استدعاء للفعل لا محالة لا يفيد إلا ذلك بنفسه وإن ما ~~يفيد كون الفعل واجبا تبعا لذلك ولصدوره عن حكيم وكذلك دلالة النهي على قبح ~~الفعل فأما قول القائل هذا الفعل واجب او قبيح فانه يفيد تصريحه تعليق ~~الوجوب والقبح بالفعل # فأما أقسام الخبر الصدق والكذب فعند أبي عثمان الجاحظ أن الخبر المتناول ~~للشيء على ما هو به من شرط كونه صدقا أن يعتقد فاعله أو يظن أنه كذلك ~~والمتناول للشيء لا على ما هو به من شرط كونه كذبا أن يعتقده فاعله أو # PageV02P075 # يظنه كذلك ومتى لم يعتقده كذلك ولم يظنه لم يكن صدقا ولا كذبا وأجراه ~~مجرى الاعتقاد في خلوه من كونه علما أو جهلا إذا تناول الشيء على ما هو به ~~ولم يقتض سكون النفس وحجة أبي عثمان هي أن زيدا إذا كان في الدار فظن ظان ~~أنه ليس فيها فقال زيد في الدار لم يصفه أحد بأنه صادق فبطل أن يكون الخبر ~~إذا تناول الشيء على ما هو به كان صدقا على كل حال ولو قال زيد ليس في ~~الدار لم يصفه أحد بأنه كاذب فبطل ان يكون الخبر متى تناول الشيء لا على ما ~~هو كان كذبا على كل حال ولو أخبر بأن زيدا في الدار وكان فيها وهو يعتقده ~~أو يظنه فيها وصف بأنه صادق ويكون كاذبا إذا أخبر بانه ليس فيها وهو يظنه ~~أو يعتقده فيها # وعند جماعة شيوخنا أن الخبر إما أن يكون صدقا أو كذبا لأن اليهودي إذا ~~قال محمد صلى الله عليه وسلم ليس بنبي لم يمتنع أحد من وصفه بأنه كاذب ووصف ~~خبره بأنه كذب وإن جاز أن لا يكون معتقدا ولا ظانا لنبوته صلى الله عليه ~~وسلم وإذا قال قائل إنه نبي لم ms471 يمتنع أحد من وصفه بأنه صادق وأن خبره صدق ~~فعلم أنه لا ينبغي أن يشترط الظن والاعتقاد في كون الخبر صدقا أو كذبا # وقد أفسد قاضي القضاة قول ابي عثمان بأن ظن المخبر واعتقاده يرجع إليه لا ~~إلى الخبر فلم يكن شرطا في كونه كذبا وهذا لا يصح لأنه لا يمتنع ذلك كما أن ~~إرادة المخبر راجعة إليه وهي شرط عنده في كون الخبر خبرا والكلام في ذلك في ~~عبارة والأولى أن نفصل القول فيه فمتى سأل سائل عن رجل قال زيد في الدار ~~وهو يظنه فيها ولم يكن فيها هل هو كاذب وكلامه كذب أو لا فانا نقول هو كاذب ~~وكلامه كذب على معنى أن مخبره على خلاف ما تناوله ونوصف بأنه ليس بكاذب ~~وكلامه ليس بكذب لمعنى أنه لم يقصد به الإخبار عن الشيء لا على ما هو به ~~وإذا اختلف القصد بوصفنا لهذا الخبر بأنه كذب وجب أن لا يطلق الوصف عليه ~~بذلك وأن يقيد وكذلك القول فيمن أخبر بالشيء على ما هو به وهو يظن أنه كاذب ~~أن خبره يوصف بأنه صدق وأنه صادق على هذا التقييد فأما وصف اليهودي بأنه ~~كاذب في # PageV02P076 # قوله إن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بنبي فمعناه أنه فاعل لخبر مخبره ~~على خلاف ما هو به وأيضا فظاهر من اليهود العناد والتقصير في النظر فهم ~~مقدمون على هذا الخبر مع خوفهم أن يكونوا كاذبين فوصفوا بأنهم كاذبون على ~~طريق الذم - صلى الله عليه وسلم - باب في الأخبار التي يعلم صدقها والتي ~~يعلم كذبها والتي لا يعلم كلا الأمرين من حالها - صلى الله عليه وسلم - # الأخبار منها ما يعلم سامعها صدقها ومنها ما لا يعلم صدقها أما التي لا ~~يعلم صدقها إما أن يعلم كذبها أو لا يعلم كذبها ولا صدقها والتي يعلم صدقها ~~إما أن يعلمه بأمر منفصل عنها أو غير منفصل عنها فالأول إما أن يكون إخبارا ~~عما يعلم صحته ضرورة بالإدراك أو غيره كالإخبار بعلو السماء على الأرض ms472 وبأن ~~العشرة أكثر من الخمسة وإما أن يكون إخبارا عما يعلم صحته بالاستدلال ~~بالعقل وبالسمع كالخبر عن حكمة الله سبحانه وهو وجوب الصلاة وغير ذلك وأما ~~التي يعلم صدقها بما يتصل بالخبر ويتعلق به فإما أن يرجع إلى أحوال المخبر ~~أو إلى أحوال السامع # فالاول ضربان أحدهما أن يكون المخبر لا يجوز عليه الكذب أصلا والآخر لا ~~يجوز كونه كاذبا في ذلك الخبر وإن جاز ان يكذب في غيره فالأول أن يكون ~~المخبر حكيما إما لعلمه وغناه وإما لأنه عصم من الكذب إما لدلالة المعجزات ~~وإما لشهادة الله ورسوله بذلك كالامة وأما المخبر الذي يجوز عليه الكذب في ~~غير ذلك الخبر فانما نعلم صدقه في الخبر إذا لم يكن له داع إلى الكذب ولا ~~يجوز أن يشتبه عليه المخبر عنه وإنما نعلم أنه لا داعي له إلى الكذب إذا ~~كان المخبرون كثرة يمتنع معها أن ينظمهم داع واحد إلى الكذب اتفاقا أو ~~تواطؤا # وأما الراجع إلى السامع فإما أن يرجع إلى إمساكه عن النكير أو إلى مصيره ~~إلى الخبر أما الأول فبأن يخبر المخبر بحضرة من يدعي عليه العلم بصدقه فلا # PageV02P077 # ينكره مع علمنا بأنه لو كان كاذبا لأنكره إما من جهة الحكمة وإما من جهة ~~العادة فالأول أن يكون من ادعي عليه العلم بصدق الخبر نبيا وأما الثاني ~~فبأن يكون من ادعى عليه العلم جماعة كثيرين ولا داعي لهم إلى الإمساك من ~~رغبة ولا رهبة # فأما الراجع إلى مصيره إلى الخبر فهو أن لا يدعي على السامعين العلم به ~~لكنهم يصيرون إليه عملا أو تقبلا أو تركا لرده على خلاف في ذلك # فاما الأخبار التي يعلم السامع كذبها فمنها ما يعلم ذلك من حالها لأمر ~~منفصل عنها كالأخبار عما يعلم باضطرار كذبها أو بدليل سمعي أو عقلي ومنها ~~ما يعلم ذلك من حالها بأمر متصل به وذلك راجع إلى كيفية نقل الخبر بأن ينقل ~~خفيا ومن حقه أن ينقل ظاهرا وإنما يكون ذلك من حقه إذا كان المخبر عنه ms473 ~~ظاهرا وقويت دواعي الدين أو العادة أو كليهما إلى نقله فالأول اصول الشريعة ~~والثاني أن يثبت الناس على رجل بينة في مسجد الجامع يوم الجمعة فلا ينقله ~~إلا واحد أو اثنان والثالث المعجزات فانه قد اجتمع فيها أنها غريبة بديعة ~~وأن الدين يتعلق بها # فأما النص الذي تدعيه الإمامية وتدعي لزوم المعرفة به لأهل كل عصر فانه ~~إذا لم ينقل نقلا يحج وأجمعت الامة على أنه لو كان صحيحا للزم العلم به أهل ~~الأعصار فانا نعلم بطلانه لأن الله عز وجل لو كلفهم العلم به لجعل لهم إليه ~~سبيلا فان لم يجمع الأمة على ذلك لم يعلم بطلانه إلى بطريق آخر لأنه لا ~~يمتنع أن يكون صحيحا ويلزم العلم به من عاصر الإمام ويكون قول من قال إن ~~فرض العلم به لازم لأهل الأعصار كلها باطلا # فأما ظهور مخبر الخبر فليس بموجب بانفراده شياع نقله لأن طلوع الشمس ظاهر ~~ولم يجب نقله فأما أن لا ينقل الشيء نقل نظيره فليس بموجب كذب الخبر إلا أن ~~تكون الدواعي قوية إلى نقله فأما إذا لم يكن كذلك فليس بممتنع إذا لم تقو ~~الدواعي إلى نقله أن يتفق نقل نظيره نقلا شائعا ولا # PageV02P078 # ينقل هو هذا النقل فأما جهر النبي صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن ~~الرحيم فلو كان على حد جهره بالفاتحة كلها لنقل كنقل الفاتحة لأن الداعي ~~إليهما واحد لكنه لا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر ~~بالفاتحة في جميع صلوات الجهر وكان يجهر بسم الله الرحمن الرحيم تارة دون ~~تارة أو كان يجهر بها جهرا خفيا يسمعها من قوى سمعه ممن قرب منه دون من بعد ~~أو من ضعف سمعه حسب عادة كثير ممن يبتدىء بالقراءة يجهر بها جهرا قريبا ثم ~~يشتد صوته فلذلك اختلف النقل للجهر ببسم الله الرحمن الرحيم # فأما الخبر الذي إذا فتش عنه أهل العلم ولم يظفروا به في جملة الأخبار ~~بعد استقرار السنن فانه يعلم كذبه لعلمنا أن الأخبار قد ms474 دونت ورواية الخبر ~~بعدما دونت الأخبار هي رواية لما دون وننظر فاذا لم يوجد ذلك علمنا كذبه ~~لأنا لم نشاهده كما لو قال الراوي هذا الخبر في الكتاب الفلاني فلا نشاهده ~~فيه # فأما ما يعم البلوى به إذا لم يشتهر نقله فان كان متضمنا للعلم فقد تقدم ~~ذكره وإن كان متضمنا للعمل فسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله # وأما الأخبار التي لا يعلم صدقها ولا كذبها فهي أخبار الآحاد التي لا ~~يقترن بها ما يمنع من صحتها وهي ضربان منها ما تتضمن عملا ومنها ما تتضمن ~~علما أما الأول فإما أن لا يجب العمل بها بان لا تتكامل فيها الشروط التي ~~معها يجب العمل بها وإما أن يجب العمل بها إما عقلا كأخبار المعاملات وإما ~~أن يجب سمعا كأخبار الشريعة وكالشهادات عند من لم يوجب العمل بها عقلا وأما ~~المتضمنة للعلم فمنها ما يوافق مقتضى العقل ومنها ما لا يوافقه فالأول يجوز ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله والثاني إن أمكن تأويله من غير تعسف ~~يجوز أن يكون قاله وإن لم يمكن تأويله إلا بتعسف لم يجز أن يكون قاله على ~~ذلك الحد وإنما يجوز أن يكون قاله مع زيادة أو نقصان أو حكاية عن الغير # واعلم أنه لا يجوز كون أخبار الآحاد المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلها كذبا لأن # PageV02P079 # العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن يكذب رواتها على كثرتها واختلافهم ~~وكثرتهم وليس جميع ما يروي عنه صلوات الله عليه صدقا لما روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال سيكذب علي فان كان هذا الخبر صدقا فقد كذب عليه وإن كان ~~كذبا فقد كذب عليه فيه صلى الله عليه وسلم # وقد كان السلف ينكرون كثرة الرواية وحكي عن شعبة أنه قال ثلث الحديث كذب ~~وكثير مما يتضمن الجبر والتشبيه ما لا يمكن تأويله إلا بتعسف شديد لا يتعذر ~~مثله في كل كلام متناقض وذلك يمنع أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~يمنع ms475 أن يكون من روى ذلك من المتأخرين فقد تعمد الكذب ولا يمتنع أن يثبت أن ~~بعض الصحابة الذي رواها أن يكون لحقه سهو وغلط وأن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم حكاه عن غيره وظن الراوي أنه حكاه عن نفسه أوخرج عن سبب بغير ~~فائدته أو تقدمه ما يعين حكمه ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل ~~عليه داخل وهو في حديث ابتدا أوله لأن معنى الحديث يتغير بحسب أوله ولما ~~ذكرنا قالت عائشة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ولد الزنا ~~شر الثلاثة والتاجر فاجر إنما عني صلى الله عليه وسلم تاجرا دلس وولد زنا ~~سب أمه وقالت فيما روي عنه الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس أنه صلى ~~الله عليه وسلم حكاه عن غيره وأنكرت ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال إن الميت يتعذب ببكاء أهله عليه وينبغي أن يواصل رواية هذه الأخبار ~~وأمثالها لتكون مضبوطة فيمتنع الزيادة فيها ولو أهملت روايتها لأمكن أن ~~يزداد فيها فاذا أنكرها منكر قال الراوي إنما لم يعرف ما رويته لأنه مما ~~أهملت روايته وينبغي لراويها أن يتأولها لمن يرويها له إن كان يضعف عن ~~تأويلها أو يبين له بطلانها إن لم يمكن تأويلها - صلى الله عليه وسلم - باب ~~في بيان وقوع العلم بالأخبار وبيان صفة العلم الواقع بالتواتر - صلى الله ~~عليه وسلم - # أما خبر الله عز وجل وخبر رسوله وأخبار الأمة فانما وقع العلم لمخبرها ~~لأن حكمة الله تقتضي صدقه في إخباره وصدق من أظهر عليه المعجز وأخبر # PageV02P080 # بعدالته وأما الأخبار المتواترة كالإخبار عن وجود مكة وغيرها فقد حكي عن ~~قوم أنه لا علم إلا بالحواس دون الإخبار والذي يبطل قولهم وجد اننا أنفسنا ~~معتقدة وجود مصر وخراسان ساكنة إلى غير ذلك عند تواتر الأخبار علينا بها ~~فجرى مجرى المعرفة بالمشاهدات ويفارق ما يرويه الواحد والاثنان ومن خالف في ~~أنا معتقدون لذلك واثقون به فقد دفع ما نجده فلا وجه لمكالمته ms476 وليس لهم أن ~~يقولوا لو وقع العلم بالأخبار المتواترة لوقع عند الخبر الأول والثاني لأن ~~من يقول وإن العلم لمخبر هذه الأخبار مكتسب يقول إن شرط اكتسابه حاصل في ~~التواتر دون الآحاد ومن يقول إنه ضروري يقول إن الله سبحانه اختار فعله عند ~~التواتر دون الآحاد وله أن يقول ما ذكره السائل يجري مجرى الشبه والعلم ~~الضروري لا ينتفي بما يجري مجرى الشبه ألا ترى أن العلم بالمدركات لا ينتفي ~~باختلاف المناظر # واختلف الناس في العلم الواقع عند التواتر فقال شيخانا أبو علي وأبو هاشم ~~إنه ضروري غير مكتسب وقال أبو القاسم البلخي إنه مكتسب وليس ذلك مما يحتاج ~~إليه في أصول الفقه ونحن نؤمن إلى القول فيه لأن الناس قد ذكروه في أصول ~~الفقه ونحيل باستيفائه على ما ذكرناه في شرح العمد فنقول إن الاستدلال هو ~~ترتيب علوم يتوصل به إلى علم آخر فكل ما وقف وجوده على ترتيب علوم فهو ~~مستدل عليه والعلم الواقع بالتواتر هذه سبيله لأنا إنما نعلم ما أخبرنا به ~~إذا علمنا أن المخبر لم يخبر عن رأيه بل أخبر عما لا لبس فيه وأنه لا داعي ~~له إلى الكذب فنعلم أنه لم يتعمد الكذب لعلمنا أنه لا داعي له إلى الكذب ~~ونعلم أنه لا يجوز كونه كذبا وإن لم يتعمده لعلمنا بظهوره وارتفاع اللبس ~~فيه فإذا فسد كونه كذبا ثبت كونه صدقا ومتى اختل شرط من هذه الشروط لم نعلم ~~صحة الخبر # والقول بعد هذا إن ذلك طريق يمكن مثله في كل العلوم وأقوى ما يذكره ~~الذاهبون إلى القول الأول محتجين ومعترضين على ما ذكرنا هو أن الواحد منا # PageV02P081 # يعلم وجود الصين ولا يعلم أنه اخبره بذلك كثرة وذلك باطل لأن الإنسان ~~يعلم في الجملة أنه قد أخبره بذلك من لا داعي له إلى الكذب وإن لم يعلم ~~أعيانهم ويعلم أن كل من يسأله عن الصين إما أن يخبره عن مشاهدة أو عن خبر ~~من شاهده ويعلم أنه لا يجوز أن لا يكون لوجود ms477 الصين أصل ويتصل الأخبار عنها ~~للأزمان الطويلة ولا يظهر كذبها لأحد من الناس ولا يجوز أن يظهر كذبها ولا ~~يتحدث به ويظهر الخلاف فيه والإنكار له فينتشر # واحتجوا أيضا بأن العلم الواقع بالتواتر لا ينتفي بالشبه وهذه علامة ~~الضروري وهذا غير مسلم لأن العلوم المجاورة للضرورية لا تنتفي بالشبه وهي ~~مكتسبة # واحتجوا بان من ليس من أهل النظر كالمراهقين والعوام يعرفون البلدان فعلم ~~أن ذلك غير واقع عن نظر والجواب أن النظر في ذلك ليس هو إلا ترتيب العلوم ~~بأحوال المخبرين وهذا القدر يحصل للعامة والمراهقين لأن هؤلاء لا يمتنع أن ~~يترتب في أنفسهم كثير من العلوم ويحصل لهم عن ذلك علوم أخر # واحتجوا بأن اعتقادنا للاستغناء عن النظر في العلم بالبلدان يصرفنا عن ~~النظر فيه فيجب أن لا يقع منا وذلك يختل كوننا عالمين بها والمعلوم خلافه ~~والجواب أن الاستدلال على ذلك ليس هو أكثر من ترتيب علوم بأحوال المخبرين ~~على ما ذكرنا وذلك يحصل عند سماع المخبر المتواتر لأنا نعلم كثرتهم وامتناع ~~تواطئهم واتفاق الكذب منهم ويعلم ظهور المخبر وارتفاع اللبس فيه والعلم ~~بصحة المخبر عنه يقع عند ذلك من غير استيناف نظر بعد ما ذكرناه فهذا هو ~~القول في الخبر المتواتر # فأما إذا أخبر الواحد بشيء لا لبس فيه بحضرة جماعة لا يتعمد مثلها الكذب ~~فادعى مشاهدتها لذلك ولم يصرفها عن تكذيبه صارف بدين ولا رهبة ولا رغبة ~~فسكتت عن تكذيبه فانه يعلم صدقه لأن استشهاده بها إنما هو طلب # PageV02P082 # لإخبارها بمثل ما أخبر به أو طلب لسكوتها عن تكذيبه فسكوتها عن تكذيبه ~~كالإخبار عن تصديقه فاذا لم يجز أن يخبر بصدقه وهي عالمة أنه كاذب فكذلك ~~إذا سكتت وأيضا فان نفوس الناس مؤثرة لتكذيب الكذاب سيما إذا استشهدها ومتى ~~كفت عن ذلك وجدت في أنفسها ضررا فاذا لم يكن في مقابلة هذا صارف وجب أن ~~تكذبه بأجمعها أو بعضها إن كان كاذبا فاما أن دعاها التدين أو رغبة إلى ~~السكوت فان ذلك لا يستوي للجماعات في ms478 إيثارهما على الإخبار بكذب المخبر إذا ~~علموه كذابا وأما هيبة السلطان فانها إن منعت في الحال عن تكذيبه فانها لا ~~تمنع في المستقبل في غير ذلك المجلس ولا تمنع من إظهار ذلك إلى الإخوان ~~والأصدقاء فلا يلبث ذلك أن يشيع ويظهر ولهذا لا يطمع السلطان في أهل بغداد ~~أن يشتهر بهم الحال في ترك تكذيب المدعي أن بين البصرة وبغداد بلدا أكبر ~~منهما # فاما خبر المخبر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فانه إما أن يدعي عليه ~~مشاهدته أو لا يدعي ذلك فان ادعاها فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرد ~~عليه مع كونه كاذبا موهم صدقه فاذا سكوته دليل على صدقه وإن لم يدع مشاهدته ~~فإما أن يكون ما أخبر به من أمور الدين أو الدنيا فان كان من الدين فإما أن ~~يكون قد علم خلاف ذلك من شرعه أو لم يعلم ذلك فان لم يعلم ذلك فسكوته دليل ~~على صدقه لأنه لو كان كاذبا لأوهم صدقه وإن كان قد علم خلاف ذلك من شرعه ~~فاما أن يكون ذلك مما يجوز أن يتغير شرعه فيه أو لا يجوز فان جاز تغيره كان ~~سكوته دليلا على صدقه لأنه لو كان كاذبا لأوهم تغيره مع أنه ما تغير ولأن ~~بسكوته قد ترك أن ينكر عليه فعلا قبيحا وهو كذبه وإن كان مما لا يجوز أن ~~يتغير شرعه فيه لم يجب إنكاره إذا لم يؤثر إنكاره لأنه لا ايهام في سكوته ~~ولا هو ترك لما يؤثر في إزالة المنكر ولهذا لا يجب عليه مواصلة الإنكار على ~~اليهود والنصارى الذين كان يشاهدهم يتظاهرون بانحرافهم إلى الإسلام وإن كان ~~يؤثر إنكاره فلا بد من إنكاره لوجوب إنكار المنكر إذا أثر وذلك نحو إنكار ~~المعاصي على بعض أمته لأنه لا # PageV02P083 # بد من أن يكون لإنكاره على من يعتقد نبوته تأثير وإن كان ما أخبر عنه ~~المخبر من أمور الدنيا فسكوته عن تكذيبه يقتضي كونه عالما بصدقه أو غير ~~عالم بصدقه ولا بكذبه ولا يجوز ms479 كونه عالما بكذبه ولا ينكر ذلك عليه فان ~~علمنا أنه لا يخفي عليه صدقه من كذبه فسكوته دليل على صدقه لأنه لو كان ~~كاذبا لكان ما أتاه قبيحا يلزم إنكاره كسائر المنكر # فأما خبر الواحد إذا أجمعت الامة على مقتضاه وحكمت بصحته فانه يقطع على ~~صحته لأنها لا تجمع على خطأ وإن لم تحكم بصحته فعند الشيخ أبي هاشم وأبي ~~الحسن وأبي عبد الله رحمهم الله أن الأمة لا تجمع على مقتضى خبر الواحد إلا ~~وقد قامت به الحجة وعند غيرهم أنه لا تكون الحجة قد قامت به ولا مقطوعا على ~~معينه لأن الامة إذا اعتقدت وجوب العمل بالخبر المظنون لم يستحل أن يروي ~~لها خبر واحد قد تكاملت فيه شرائط العمل فتعمل به لأن العمل يتبع ~~الاعتقادات ولهذا جاز أن يجمعوا على الحكم بالاجتهاد لما كانوا قد اتفقوا ~~على وجوب العمل به وجواز ذلك في خبر الواحد أولى لأنه أظهر # فان قالوا إذا أجمعنا على وجوب الاجتهاد قطعنا على الاجتهاد قيل إن أردتم ~~أنكم تقطعون على أن الأمارة كانت مقطوعا بحكمها قبل الإجماع لم يصح لأن ~~الأمارة لم تكن دلالة وإن أردتم أن الأمارة بعد الإجماع يقطع على تعلق ~~الحكم بها فليس لذلك معنى إلا أن الحكم مقطوع به لا يجوز خلافه وهكذا نقول ~~في حكم الخبر المجمع عليه وذلك غير القول بأن الخبر قد قاله النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحجة الأولين هي أن العادة جارية في أمتنا أنها لا تجمع على ~~مقتضى خبر واحد إلا وقد قامت الحجة به ألا ترى أن ما لم تقم الحجة به لم ~~يتفقوا على مقتضاه كحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تطيب لحرمة قبل إحرامه وحديث بروع بنت واشق وأما الأخبار عن أصول الصلوات ~~والزكوات فانه لما قامت الحجة بها أجمعوا على حكمها والجواب يقال لهم # PageV02P084 # إن أردتم أن أكثر أخبار الآحاد لم يتفقوا على موجبها قيل لكم قد جوزتم ~~كون بعضها لم تقم الحجة به ms480 وقد وقع الإجماع على حكمه فان قالوا نقيس الأول ~~على الأكثر الذي اختبرناه فعرفنا أن الإجماع لم يقع على حكمه إلا بعد قيام ~~الحجة به بعلة أنها أخبار آحاد قيل لهم لم زعمتم صحة هذه العلة وأيضا فان ~~من يعتقد وجوب العمل بخبر الواحد إذا روى له خبر واحد ولم يعمل به لا يقول ~~إنما لم أعمل به لأنه خبر واحد بل يقول إنما لم أعمل به لأنه لم تتكامل فيه ~~شرائط العمل أو يتاوله ويصير إلى غيره فبان أنه ليس العلة في أن لا يعمل به ~~كونه خبر واحد ثم ينقض عليهم بخبر عبد الرحمن في جزية المجوس وخبر حمل بن ~~مالك في الجنين لأن الصحابة أجمعت على مقتضى ذلك لأجل الخير من غير ان قامت ~~الحجة به لأنهم أجمعوا عند سماع الخبر من غير تجدد شيء آخر ولهذا صح أن ~~يستدل باجماعهم على ذلك على أنهم أجمعوا على العمل بأخبار غير مقطوع بها ~~وإن أردتم أنكم عرفتم أن كل خبر واحد لم تقم الحجة به لم يجمعوا على حكمه ~~قيل لم زعمتم ذلك وما أنكرتم أن يكون كثيرا مما أجمعوا على حكمه من أخبار ~~الآحاد لم تقم به الحجة به ولو كان كل ما اجمعوا على مقتضاه قد قامت الحجة ~~به لم يصح الاستدلال باجماع الصحابة على العمل بأخبار الآحاد # ويمكن أن يحتجوا فيقولوا إذا أجمعوا على موجب الخبر وجب كون الخبر حقا ~~لأنهم لا يجمعون على خطأ ولا يجوز أن يقال إذا أجمعوا على حكمه قطعنا على ~~أن الخبر حق وإن لم تكن الحجة قد قامت به لأن ذلك يقتضي أنهم لا يتفق منهم ~~الإجماع على خبر إلا وقد قاله النبي صلى الله عليه وسلم من غير حجة دلتهم ~~على ذلك ومثل ذلك لا يحصل بالاتفاق كما لا يجوز أن يتفق منهم الصواب من غير ~~دلالة والجواب إنهم لم يجمعوا على صحة الخبر فيكون صحيحا وإنما أجمعوا على ~~حكمه وذلك يدل على أن حكمه حق وصواب ولا ms481 يمتنع أن يقطع على صحة الحكم وإن ~~كان الخبر مظنونا غير مقطوع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله # PageV02P085 # فاما خبر الواحد إذا عمل عليه أكثر الصحابة وعابوا على من لم يعمل به ~~فحكي عن عيسى بن أبان أنه يقطع به والصحيح أنه لا يقطع به لأن قول أكثر أهل ~~العصر من المجتهدين ليس بحجة والأولى أن يستدل في تحريم بيع درهم بدرهمين ~~نقدا بحديث أبي سعيد رضي الله عنه لا بإجماع الصحابة لأن ابن عباس يخالفهم # فأما إذا عمل بعض الصحابة بخبر واحد وتأوله الباقون فلا يجب القطع به ~~لأنه ليس باتفاق منهم على أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لأن الواجب على ~~المجتهد أن يعمل به أو يتأوله # وأما إذا تضمن خبر الواحد علما وجاز أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ~~فان إمساك الصحابة عن إنكاره لا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ~~لجواز أن يكونوا إنما أمسكوا عن ردة لتجويزهم أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد قاله - صلى الله عليه وسلم - باب في شروط وقوع العلم بالخبر ~~المتواتر - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن من جعل العلم الواقع بالتواتر مكتسبا يشرط في وقوع العلم به أن ~~يكون المخبرون كثرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم والتواطؤ عليه وأن يكونوا ~~إنما أخبروا به مضطرين وإنما شرطنا ذلك لأنا لو جوزنا أن يشتركوا في الكذب ~~اتفاقا أو بتواطؤ أو تراسل لم نأمن أن يكونوا كذبوا لهذين الوجهين ولو ~~جوزنا أن يكونوا قد التبس عليهم ما أخبروا به فظنوا أنهم محقون فيه وهم غير ~~محقين لم نثق بصحة ما اخبروا به وإنما قلنا إن ما تكاملت فيه هذه الشرائط ~~من الأخبار يعلم صحتها لأن ما أخبر به المتواترون لو كان كذبا لم يخل إما ~~أن يكونوا قد اعتقدوا كونه كذبا وتعمدوه أو يكونوا لم يعتقدوا ذلك بل ظنوه ~~صدقا وهذا الاخير غير حاصل فيما هو معلوم باضطرار لأنه لا لبس في ذلك ولا ~~اشتباه ms482 وإن كانوا تعمدوا الكذب فأما # PageV02P086 # أن يكونوا تعمدوه لغير داع أو لداع والاول باطل لأن المميز لا يفعل إلا ~~لداع سيما ما له عنه صارف وإن كانوا تعمدوه لداع فإما أن يرجع الداعي إلى ~~الخبر أو إلى غيره والأول باطل لأن الراجع إلى الخبر هو كونه كذبا وذلك ~~يصرف عن فعله ويفارق إخبارهم بالصدق عما فيه فائدة لأن الفائدة تدعو إلى ~~ذلك وكون الخبر صدقا لا يصرف وما يرجع إلى غير الخبر فهو إما الدين أو ~~الدنيا من رغبة أو رهبة ولا يخلو إما أن يفعلوا ذلك لداع واحد من هذه ~~الدواعي وإما أن يفعله بعضهم لبعض هذه الدواعي وبعضهم يفعل للبعض الآخر ولا ~~يخلو إما أن تحصل لهم هذه الدواعي بتراسل أو تحصل لهم من غير تراسل ولا ~~تشاعر أما التدين المؤدي إلى الإخبار بخلاف ما يعلم باضطرار فتدين ظاهر ~~البطلان وليس يجوز أن يشترك الخلق العظيم في ترجيح ما قد ظهر فساده من ~~التدين على ما في عقولهم من تجنب الكذب والنفور منه سيما إذا علم الكذاب أن ~~غيره يعلم أنه كاذب بل لا بد أن يختلف أحوال الجماعات الكثيرة في ذلك إن لم ~~يتفقوا على تجنب الكذب والعدول عن ذلك التدين الظاهر البطلان ولا فرق فيما ~~ذكرناه بين أن يكون قد دخلت عليهم شبهة في ذلك التدين أو لم تكن دخلت عليهم ~~شبهة لأن الجماعة الكثيرة لا يتساوون في ترجيح الشبهة على ما في عقولهم من ~~استقباح الكذب كما لا يجوز أن يتساووا في مأكل واحد وسلوك طريق واحد وأما ~~الرغبة واعتقاد المنفعة فقد تكون رجاء عوض عن الكذب وقد تكون إيثار إطراف ~~الناس فكثير من الناس يحبون أن يخبروا غيرهم بما لا أصل له ليطرفوهم ~~ويقربوا بذلك من قلوبهم والجماعات لا يتساوون في إيثار ذلك على إطراح الكذب ~~ولا يتساوون في الافتقار إلى ما وقعت الرغبة به بل كثير منهم لا يحتاج إليه ~~وكثير منهم يحتاج إليه ولا يؤثره على الصدق فأما رغبة السلطان ورهبته ~~فانهما ms483 لا تجمعان الجمع العظيم على الإخبار بما يعلمونه باطلا ألا ترى أن ~~السلطان لا يمكنه ذلك في جميع أهل بغداد لأنه لا يحيط بهم إحصاؤه حتى يصير ~~كل واحد منهم مضطرا إلى الخبر وقد تغري رهبة السلطان كثيرا من الناس ~~بالتحدث بالشيء # PageV02P087 # على حقيقته عند الإخوان والثقات ولا يلبث بذلك أن يشيع الخبر الصحيح في ~~الناس وربما علمنا في كثير من الأشياء أنه لا غرض للسلطان في أن نخبر عنها ~~بالكذب وأنه لا غرض للمخبرين في ذلك ولا يجوز إبطال هذا القسم بأنه لو كان ~~السلطان أرهبهم لظهر لأنه يقال في ذلك ما أنكرتم أن يكون السلطان دعاهم ~~بالرهبة إلى كتمان الرهبة ولا يجوز أن تكون الجماعة العظيمة بعضها يخبر بما ~~يعلم كذبا بالرغبة وبعضها لرهبة وبعضها للتدين لأن كلامنا في جماعة عظيمة ~~أبعاضها جماعة عظيمة يمتنع تساوي أحوالها في قوة هذه الدواعي وإيثارها على ~~استقباح الكذب والنفور عنه مع ما في طباع الناس من محبة التحدث بما كان ~~وليس يجوز أن يقال إن الجماعة العظيمة قد يكون أن تخبر بما تعلمه كذبا أو ~~تكتم ذلك إلا الواحد والإثنين لأنه إن جاز ذلك في الجماعة العظيمة إلا ~~الواحد جاز مع ذلك الواحد ووجب لو لم يكن فيها ذلك الواحد أن يجوز أن ~~يجتمعوا على الكذب وفي ذلك جواز الكذب على المتواترين # فهذه الشرائط يعتبرها من يقول إن العلم بالتواتر مكتسب ومن يقول إنه ~~ضروري لا يعتبرها ويقول إن العلم لا يحصل بتأمل أحوال المخبرين وإنما يحصل ~~من فعل الله سبحانه فان فعله الله سبحانه علمنا تكامل شروط التواتر في ~~الخبر وإن لم يفعله علمنا أنه لم تتكامل الشرائط فيه ونقول إن العلم ~~الضروري لو لم يحصل بالتواتر لكان يستدل به ويشرط في صحة الاستدلال به ما ~~ذكرناه من الشرائط ونقول أيضا يجوز أن لا يقع العلم الضروري بخبر العشرين ~~والثلاثين فان لم يقع العلم بخبرهم الضروري أمكن أن يستدل به إن حصلت فيه ~~الشرائط التي ذكرناها # ويشرطون في حصول العلم ms484 الضروري بالتواتر أشياء # منها أن لا يكون السامعون عالمين بما أخبروا به باضطرار وليس يليق الكلام ~~في ذلك بأصول الفقه وقد ذكرناه في الشرح للعمد # PageV02P088 # ومنها أن يكون المخبرون أكثر من أربعة # ومنها أن يكونوا مضطرين إلى ما أخبروا عنه ومن حكمه أنه إذا وقع العلم ~~بخبر عدد أن يقع بخبر من ساواه في ذلك العدد فاذا وقع العلم لعاقل أن يقع ~~لكل عاقل # أما وقوع العلم بخبر أربعة فمن قال إن العلم بالأخبار مكتسب فانه يقول ~~إنما يقع العلم بالتواتر لأنه قد علم أن المخبرين لا داعي لهم إلى الكذب ~~وإنما يعلم ذلك إذا علم استحالة اشتراكهم في داع واحد اتفاقا أو تواطؤا ~~والأربعة لا يعلم استحالة كلا الأمرين عليهم فلم يقع العلم بخبرهم وأما من ~~يقول العلم الواقع بالتواتر ضروري فانه يقول لو وقع العلم بخبر أربعة عن ~~مشاهدة لوقع بخبر كل أربعة اضطروا إلى ما أخبروا عنه فكان يجب إذا شهد ~~أربعة أنهم شاهدوا فلانا يزني أن يستغنى القاضي عن السؤال عنهم لأنه إن علم ~~صدقهم فلا حاجة به إلى السؤال عنهم وإن لم يعلم صدقهم علم أنهم كذبة أو ~~بعضهم فيستغني أيضا عن السؤال ولا يقيم الحد وفي الإجماع على وجوب إقامة ~~الحد وإن لم يضطر إلى صدقهم على أن العلم لا يقع بخبر أربعة # ولا يقدح في ذلك كون الشهود مخبرين بلفظ الشهادة لا بلفظ الخبر لأن ~~اختلاف الألفاظ لا يؤثر في ذلك ألا ترى أن الأخبار المتواترة بالفارسية ~~والعربية سواء في وقوع العلم ولا يقدح في ذلك أن يقال إن من شرط الشهادة أن ~~يجتمعوا في الشهادة وذلك يجوز وقوع التواطؤ منهم لأن اجتماع الأربعة عند ~~الخبر وافتراقهم سواء في تجويز كونهم متواطئين فان جاز في إحدى الحالتين ~~وقوع العلم بخبرهم جاز مثله في الحالة الأخرى # إن قيل فيجب إذا وجب على الحاكم أن يقيم الحد بشهادة خمسة وإن لم يضطر ~~إلى العلم بصدقهم أن يدل ذلك على أن العلم الضروري لا يقع بخبر ms485 خمسة قيل لا ~~يجب ذلك لأنه لا يمتنع أن يقع العلم بخبر خمسة وأن يكون # PageV02P089 # الحاكم إنما لم يعلم ضرورة صدق هؤلاء الخمسة وإن وجب عليه إقامة الحد ~~لجواز أن يكون أربعة منهم شهدوا عن مشاهدة والخامس لم يشاهد فلزمه إقامة ~~الحد بشهادة أربعة منهم وإن لم يعرفهم بأعيانهم ولا يمتنع أن يكون إنما لم ~~يعلم صدقهم لأن الخمسة لا يقع العلم بخبرهم وإذا لم يمتنع كلا الأمرين لم ~~يكن في ذلك دليل على أن الخمسة لا يجوز وقوع العلم بخبرهم ووجب كون ذلك ~~مشكوكا فيه ولا يلزم على ذلك أن لا يقع العلم بعدد القاسمة من حيث لم يعتبر ~~الحاكم وقوع العلم بخبرهم لأن أهل العراق يقولون يحلف خمسون من المدعى ~~عليهم كل واحد منهم أنه ما قتل ولا عرف قاتلا فليس يخبرون عن مخبر واحد بل ~~كل واحد منهم يخبر عن غير ما يخبر عنه الآخر وعند الشافعي يحلف خمسون من ~~المدعين كل واحد منهم بحسب ظنه فمخبر كل واحد منهم غير مخبر الآخر # فان قيل ولو قالوا لو وقع العلم بخبر أربعة لوقع بخبر كل أربعة قيل لأنه ~~لو وقع العلم بخبر قوم ولم يقع بخبر مثلهم مع تساويهم في الشروط لم يمتنع ~~أن يخبرنا قافلة الحاج عن مكة فنعرفها وأن يخبرنا عن المدينة فلا نعرفها ~~وفي ذلك جواز الشك في البلدان مع تواتر الأخبار عنها وهذا لا يصح لأن العلم ~~بمخبر الأخبار من فعل الله عز وجل عندهم فما يؤمنهم أن يفعل العلم عند خبر ~~اربعة دون أربعة ولا يجري العادة في ذلك على طريقة واحدة ويجري العادة على ~~طريقة واحدة في فعل العلم عند إخبار الجماعات الكثيرة فلا يلزم الشك إذا ~~أخبر بها الجماعات # فأما اشتراط كون المخبرين عالمين بما أخبروا عنه ضرورة فان من يقول إن ~~العلم بالتواتر مكتسب يجعل من شرط الاستدلال به أنه لا يشتبه على المخبرين ~~ما أخبروا عنه فيظنوه حقا فيخبروا عنه وأن لم يقصدوا الكذب وهذا يقتضي أن ~~لا ms486 يكونوا عالمين باستدلال لأن ما يعلم باستدلال يجوز دخول الشبهة فيه على ~~الخلق العظيم يبين ذلك أن المسلمين على كثرتهم يخبرون # PageV02P090 # اليهود بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يعلم اليهود ذلك ولو أخبرهم ~~بعض المسلمين بما شاهدوه لعلمه اليهود ولا فرق بينهما وهذا الوجه يحتج به ~~من قال إن العلم بمخبر الإخبار ضروري ويحتج أيضا بأن علم السامع فرع على ~~علم المخبر ولم يجز كونه ضرورة مع كون الأصل مكتسبا وهذا لا يصح لأن علم ~~السامع ليس بصادر عن علم المخبر وإنما هو فعل الله سبحانه مبتدأ إخبار ~~إيجاده عن الخبر فلم يمتنع أن يفعله عند خبر من تعلم ما أخبر عنه باستدلال # فأما ان كل عدد وقع العلم بخبرهم لجماعة فانه يقع العلم بخبرهم لغير تلك ~~الجماعة ويقع العلم بخبر مثل هؤلاء المخبرين فالدليل عليه عندنا هو أن ~~العلم إنما يقع بخبرهم لأنهم اختصوا بشروط معلومة تؤدي إلى العلم بصدقهم ~~وهي متقررة عند كل من عرف العادات وإن لم يعتبر عنها كثير منهم فاذا حصلت ~~هذه الشروط في عدد آخر وجب أن يؤدي خبره إلى مثل ما أدى إليه خبر الأولين # وأما من قال إن العلم بالمخبر عنه ضرورة فانه يقول لو جاز خلاف ذلك لم ~~يمتنع أن يكون في العقلاء من يخبرهم المتواترون بما شاهدوه فلا يعلم صدقهم ~~وفي ذلك تجويز كون بعض العقلاء غير عالمين بأن في الدنيا مكة مع سماعه ~~الأخبار عنها كسماعنا ولقائل أن يقول إن هذا الكلام يقتضي إحالة انتفاء ~~العلم بمكة وأنتم لا تحيلون ذلك لأن وقوع العلم بذلك مبتدأ من فعل الله عز ~~وجل # فان قالوا ليس ذلك بمحال ولكنا قد علمنا أنه لن تختلف فيه السامعون قيل ~~لهم وكيف علمتم ذلك ولعل العادة قد جرت بخلاف ذلك في كثير من العقلاء وليس ~~من شرط وقوع العلم أن يكون المخبرون أو بعضهم مؤمنين أما على قولنا فلأن ~~الخبر طريق إلى العلم من حيث لم يكن للمخبرين داع إلى تعمد الكذب ولا ms487 كان ~~الحق فيه ملتبسا ومجموع ذلك يمكن حصوله مع الكافرين ولأن أهل بلاد الكفر ~~يعملون بتواتر أهل مقالاتهم من أحوال البلاد مثل ما # PageV02P091 # نعلمه نحن وهذا الوجه يحتج به من قال إن العلم بالتواتر ضروري وليس من ~~شروط وقوع العلم بالخبر المتواتر أن يكون المخبرون عشرين لأنه لا دليل على ~~اشتراط ذلك والأظهر أن شرط الاستدلال لا يحصل فيهم ومن يشرط هذا العدد ~~يتعلق بقول الله سبحانه إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين قالوا ~~فأوجب على العشرين الجهاد وإنما خصهم بالوجوب لأنهم إذا أخبروا علم صدقهم ~~وهذا لا يدل لأنه الآية إنما تقتضي وجوب صبرهم لمائتين وليس فيها قصر ~~الوجوب عليهم والأمة أيضا مجمعة على وجوب الجهاد على العشرة إذا كان فيهم ~~غنى ولو أوجب الله على العشرين الجهاد دون من نقص منهم لم يكن في ذلك دلالة ~~على أنه إنما خصهم بالوجوب لما ذكروه دون غيره من وجوه المصالح التي يختص ~~الله تعالى بالعلم بها ولا دليل على اشتراط كون المخبرين سبعين ولا ثلاث ~~مائة على ما يحكى عن بعضهم في السبعين تعلقا باختيار موسى سبعين رجلا من ~~قومه ليصيروا معه إلى مناجاة ربه ولا فائدة في ذلك إلا ليخبروا قومهم فلو ~~وقع العلم بخبر من دونهم لم يكن لاختيارهم فائدة وهذا لا يصح لأنه ليس في ~~الآية أنه اختارهم لهذا الغرض ويجوز أن يكون اختارهم لهذا الغرض ولغيره ولم ~~يكن مجموع الغرضين حاصلا فيمن دونهم وتعلق من اشتراط ثلاث مائة بأنهم عدة ~~أهل بدر فتعلق بما لا علقة له بالمسألة فان قالوا إنما اختارهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليخبر المشركين بشرعه قيل لهم فقد كانوا أكثر من ثلاث مائة ~~وايضا فمن أين أنه اختارهم لهذا الغرض وما تنكرون أنه اتفق اختيار ذلك ~~العدد لا لما قالوه - صلى الله عليه وسلم - باب في أن خبر الواحد لا يقتضي ~~العلم - صلى الله عليه وسلم - # قال أكثر الناس إنه لا يقتضي العلم وقال آخرون يقتضيه واختلف هؤلاء فلم ~~يشرط ms488 قوم من أهل الظاهر اقتران قرينة بالخبر وشرط أبو إسحاق النظام في ~~اقتضاء الخبر العلم اقتران قرائن به وقيل إنه شرط ذلك في التواتر # PageV02P092 # أيضا ومثل ذلك بأن نخبر بموت زيد ونسمع في داره الواعية ونرى الجنازة على ~~بابه مع علمنا بأنه ليس في داره مريض سواه وحكي عن قوم أن يقتضي العلم ~~الظاهر وعنوا بذلك الظن # واحتج الأولون بأشياء # منها أن خبر الواحد لو اقتضى العلم لاقتضاه كل خبر واحد كما أن الخبر ~~المتواتر لما اقتضاه اقتضاه كل خبر متواتر وهذا اقتصار على الدعوى فان ~~قالوا إنما اقتضى كل خبر متواتر العلم لأنه من قبيل ما يقع العلم عنده وهذا ~~قائم في خبر الواحد لو كان فيه ما يقتضي العلم قيل لم زعمتم أن هذه هي ~~العلة وما انكرتم أن العلم الواقع بالتواتر إن كان ضروريا فهو من فعل الله ~~سبحانه فما يؤمنكم أن يختار فعله عند كل خبر متواتر لاقتضاء المصلحة لذلك ~~ولم يقتض المصلحة فعله عند كل خبر واحد فلم يفعله عند كل أخبار الآحاد وإن ~~كان العلم بالتواتر مكتسبا فما يؤمنكم أن تكون شروط الاستدلال به تتساوى ~~فيها الأخبار المتواترة ولا يسمع فيه أخبار الآحاد # ومنها قولهم إن العلم لا يقع لشيء من الأخبار التي يرويها أربعة فقط فلم ~~يقع لشيء من الأخبار التي يرويها واحد لأن الأربعة واحد وزيادة وهذا لا يصح ~~لأنا قد بينا انه لا طريق لهم إلى العلم بأن العلم لا يقع لشيء من الأخبار ~~التي يرويها أربعة # ومنها إبطالهم مذهب النظام لأنه لو وقف حصول العلم بالمخبر عنه على قرائن ~~لم يمتنع أن يخبر المتواترون رجلا عاقلا بمكة ولا يقترن بخبرهم هذه القرائن ~~فلا نعرفها وهذا إنما يفيد مذهب أبي إسحاق في اشتراط القرائن في وقوع العلم ~~بالأخبار المتواترة ولعل أبا إسحاق عنى بالقرائن بالأخبار المتواترة ما لا ~~ينفك منها الأخبار المتواترة نحو امتناع اتفاق الكذب منهم وأن لا يصح فيهم ~~التواطؤ فلا يلزمه أن لا يعلم بعض العقلاء أن في ms489 الدنيا مكة # ومنها أنه ليس يخلو العلم الواقع عند الخبر إما أن يكون سببه القرينة # PageV02P093 # وحدها أو القرينة بشرط الخبر أو الخبر وحده أو الخبر بشرط القرينة ~~والقسمان الأولان باطلان لأن القرينة لا تتناول المخبر عنه وإنما المتناول ~~له هو الخبر فلم يجز أن لا يكون هو سبب العلم أو يكون سببه غيره ولو كان ~~الخبر وحده يقتضي العلم لاقتضاه إذا تجرد والمعلوم خلافه ولا يجوز أن ~~يقتضيه لشرط القرينة كسماع الواعية من دار المريض مع تقدم العلم بأنه لا ~~مريض في الدار سواه لعلمنا أنه لو تجردت هذه القرينة عن الخبر لكان ~~اعتقادنا موت ذلك المريض كاعتقادنا موته مع الخبر وهذا لا يصح لأنه يجوز أن ~~يكون سبب الصراخ في داره موت غيره فجأة فاذا سمعنا الخبر بموت ذلك المريض ~~مع الواعية كان اعتقادنا لموته آكد من اعتقادنا لموته عند سماع الواعية فقط ~~فلا يمتنع أن تكون هذه القوة هي العلم على أن ما أبطلوا به أن تكون القرينة ~~وحدها مقتضية للعلم لا يصح لأنها وإن لم يكن لفظا متناولا للمخبر عنه فهي ~~فعل لا داعي إليه إلا الموت أعني الصراخ وحضور الجنازة وهذا وجه صحيح في ~~التعلق بالمخبر عنه # وينبغي أن نقسم الكلام على المخالف فنقول به أتزعم أن كل خبر واحد يقتضي ~~العلم فان قال نعم فنحن نعلم أن كثيرا من الناس يخبروننا بما لا نظنه فضلا ~~أن نعلمه وكان يجب فيما لا نعلم صدقه من الأخبار أن نعلم كذبه وإن قالوا ~~إنما نعلم صدق بعض أخبار الآحاد دون بعض قيل أتعلمون ذلك ضرورة أو اكتسابا ~~فان قالوا ضرورة قيل هذا باطل لأنه ليس يكفي مجرد الخبر في وقوفنا على ~~مخبره من دون أن نلحظ أمورا أخر فان كنا عالمين بالمخبر عنه فانما يقتضي ~~علمنا به اكتسابا وتلك الامور إما أن ترجع إلى احوال المخبر وإما أن ترجع ~~إلى غير احواله ومثال الثاني اقتران الواعية وحضور الجنازة بالخبر عن الموت ~~وأما أحوال المخبر فنحو أن يكون له ms490 صارف عن الكذب في ذلك الخبر ولا يكون له ~~داع إليه نحو أن يكون متحفظا من الكذب نافرا عنه في الجملة ونحو أن يكون ~~رسولا من سلطان يذكر أن السطان يأمر الجيش بالخروج إليه فعقوبة السلطان ~~تصرفه عن # PageV02P094 # الكذب ونحو أن يخبر الإنسان بأسعار بلده وهو ذو مروءة تصرفه عن الكذب ولا ~~يكون له إلى الكذب في ذلك داع ونحو أن يكون الإنسان مهتما بأمر من الامور ~~متشاغلا به فيسأل عن غيره فيخبر عنه في الحال فيعلم أنه لم يفكر فيه فيدعوه ~~إلى الكذب داع مع علمنا بأن كونه كذبا يصرف عنه وهذه الأمور تقتضي أن لا ~~غرض للمخبر في الكذب فيبطل بذلك أن يتعمد الكذب فيعلم أنه إنما تعمد الصدق ~~وهذا استدلال على الشيء بابطال ضده # وإن قالوا إنما نعلم صدق خبر الواحد استدلالا بما ذكرتموه الآن قيل ليس ~~فيما ذكرنا ما يؤدي إلى العلم لأنه قد يخبرنا الإنسان بموت المريض ويكون ~~غرض أهله بالصراخ عليه وإحضار الجنازة إيهام السلطان موته ليسلم منه أو ~~يكون قد أغمي عليه أو يكون غيره قد مات فجأة وقد يكون الإنسان شديد التحفظ ~~من الكذب في الظاهر دون الباطن وقد يعدل عنه في بعض الأشياء دون البعض وقد ~~يكون الإنسان مهتما بما يسأل عنه ويظهر أنه مهتم لغيره فاذا سئل عنه أظهر ~~أنه قد نبه عليه وقد كان ساهيا عنه ثم أجاب عنه ليوهم أنه لم يتعمد الكذب ~~فيه وقد يسبق من الإنسان يمين في أن يكذب في سعر الأشياء أو يكون غرضه أن ~~يعجب الناس بغلاء الأسعار أو رخصها وإن كان كاذبا أو يكون له غرض في نفاق ~~سلعته أو سلعة صديقه وقد يشتبه عليه الحال في ذلك فيخبر بالكذب وإن لم ~~يتعمده وقد يرغب رسول السلطان بالمال الجزيل في أن يخبر رعية السلطان وجيشه ~~بأمر السلطان إياهم بالخروج إليه وربما أمرع السلطان بالكذب في ذلك إما ~~استهزاء وإما اختبارا لطاعة جنده وإذا أمكنت هذه الوجوه لم يعلم أنه لا غرض ~~للمخبر ms491 إلا الصدق فلم يعلم صدقه وإن غلب الظن # وأما خط الإنسان فانه قد يتميز من غيره صورة كما يتميز صور الناس بعضها ~~من بعض فاشتباه خط زيد بخط عمرو في بعض الحالات لا يقدح فيما # PageV02P095 # قلناه كما لا يقدح في تمييز الصور حصول الاشتباه بين بعض الصور في بعض ~~الحالات # واحتج أهل الظاهر بأن الله عز وجل منعنا أن نقول عليه ما لا نعلم وتعبدنا ~~بخبر الواحد فعلمنا أن خبر الواحد يقتضي العلم لا الظن والجواب إن التعبد ~~بخبر الواحد لا يقتضي جواز القول على الله بما لا يعلم لأنا وإن ظننا صدق ~~الراوي فانا نعلم بدليل قاطع وجوب العمل به وإذا قلنا إن الله تعبدنا بذلك ~~العمل فقد قلنا على الله بما لا نعلم - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يقبل ~~فيه خبر الواحد وما لا يقبل فيه - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الرواية إما تتضمن شرعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو لا تتضمن ~~ذلك والأول إما أن نكون تعبدنا فيه بالعلم فلا نقبل فيه خبر الواحد أو لم ~~نتعبد فيه بالعلم بل بالعمل فنقبل فيه خبر الواحد إذا تكاملت شرائطه وسواء ~~كان عبادة مبتدأة أو ركنا من اركانها أو حدا أو ابتداء نصاب أو تقديرا # وحكي قاضي القضاة رحمه الله عن الشيخ أبي عبد الله رحمه الله أنه كان ~~يمنع من قبول خبر الواحد فيما ينتفي بالشبه وحكي عن أبي يوسف خلاف ذلك من ~~قال ثم سمعته يقول بالقول الثاني وكان يمنع من قبوله في ابتداء الحدود ~~وابتداء النصب وأركان الصلوات ويفرق بين ابتداء النصب وبين توافي النصب ~~فقبل خبر الواحد في النصاب الزائد على خمسة أواق لأنه فرع ولا يقبله في ~~ابتداء الفصيلات والعجاجيل لأنه أصل عنده ويقبل خبر الواحد في إسقاط الحدود ~~ولا يقبله في إثباتها وقاضي القضاة يقبله في كل ذلك لأنه لا وجه يفصل به ~~بينها وبين غيرها # وانتفاء الشيء بالشبه لا يمنع من قبول الخبر فيه كما لا يمنع من ms492 قبول ~~الشهادة فيه غير أنا لا نقبل خبر الواحد في الحدود على وجه العقوبة وإنما # PageV02P096 # نقبله في الحدود على وجه الامتحان إلا على قول من أجاز العقوبة مع الظن ~~وظاهر آية السرقة إنما يقتضي قطع السراق عقوبة وإنما علمنا بالسنة أن من ~~قطع امتحانا مراد بالآية # وإن كان ما يرويه الراوي ليس يتضمن إضافة شرع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإما أن يجري مجراه كاضافة الفتوى إلى المفتي فيقبل فيه خبر الواحد ~~وإما أن لا يجري مجرى إضافة الشرع وهذا إما أن يتضمن ما يفتقر إلى حكم ~~الحاكم أو يتضمن ما لا يفتقر إلى ذلك فان تضمن ما لا يفتقر إلى حكم الحاكم ~~فاما أن يتعلق به حكم شرعي أو لا يتعلق به ذلك فان لم يتعلق به ذلك ~~كالهدايا والمعاملات وذلك يقبل فيه خبر الواحد إذا غلب على الظن صدقة بالغا ~~كان المخبر أو غير بالغ فاسقا كان أو عادلا ويقبل أيضا في أمور الدنيا ما ~~يجري مجرى الخبر في اقتضاء غالب الظن ولهذا قلنا إن وضع الماء في الطريق ~~على بعض الوجوه يبيح شربه كما يبيحه الخبر بإباحته ووضع الصدقة في يد ~~السائل يبيحه أخذها # فأما ما يتضمن ما يتعلق به حكم شرعي فالإخبار عن نجاسة الماء وكون الشاة ~~ميتة يقبل خبر الواحد فيه ولتعلقه بالشرع لا يقبل فيه خبر المشرك واختلفوا ~~في قبول خبر الفاسق لأن له شبها بأمور الدنيا وبأمور الدين فلذلك وقع ~~الخلاف # وأما ما يفتقر إلى حكم الحاكم فمنه ما ليس هو حكما على معين ولا يتعلق به ~~المخاصمة ومنه ما يكون حكما على معين ويتعلق به المخاصمة أما الأول فنحو ~~رؤية هلال شوال ورمضان واختلف الفقهاء في هلال شوال فقبل بعضهم فيه خبر ~~الواحد ولم يقبل بعضهم فيه إلا خبر اثنين وإنما وقع الخلاف فيه لأن له شبها ~~بالأمور الدينية وله شبها بما يتعلق بالخصومات لأنه قد يحكم به الحاكم # PageV02P097 # وأما القسم الثاني فضربان أحدهما لا يمكن أن يقف عليه أكثر من ms493 واحد ~~والآخر يمكن ذلك فيه فالأول يقبل فيه خبر الواحد وذلك دعوى المرأة انقضاء ~~عدتها في زمان يجوز انقضاؤها فيه وأما الذي يمكن أن يقف عليه أكثر من واحد ~~فمنه ما يشق ومنه ما لا يشق في الغالب والأول يقبل فيه خبر الواحد كشهادة ~~القابلة في الولادة والثاني لا يقبل فيه خبر الواحد كالحقوق والحدود فصار ~~خبر الواحد إنما يقبل في إثبات شرع ليس له طريق معلوم ولا يقبل في كثير مما ~~يتعلق بالحكومات على الآخر ويقبل خبر الواحد في إثبات شرع ثم يتبع ذلك ~~تعليق الحكم على الأعيان ولهذا قبلت الصحابة وضي الله عنها خبر الواحد في ~~الجدة وتبع ذلك تعليق حكم على العين ولم يقبلوا خبر الواحد في رد الحكم لما ~~تعلق بعين - صلى الله عليه وسلم - باب في جواز ورود التعبد بأخبار الآحاد - ~~صلى الله عليه وسلم - # ذهب أكثر الناس إلى جواز التعبد بالعمل به ومنع آخرون من ذلك والدليل على ~~جوازه أنه يجوز التعبد بالأخبار المتواترة فلو امتنع التعبد بأخبار الآحاد ~~لامتنع ذلك لما به يفارق أخبار الآحاد أخبار التواتر والذي يمكن أن يقال ~~إنهما يفترقان فيه شيئان أحدهما أن يقال إن العمل بأخبار الآحاد غير معلوم ~~والآخر أن العمل بها وإن كان معلوما فانه موقوف على ظن صدق المخبر ووجوب ~~العمل وقبحه لا يقفان على الظن # والذي يفسد الوجه الأول هو أنا نجيز العمل بخبر الواحد بأن يدل دليل قاطع ~~على وجوب العمل به إذا تكاملت شروطه فنكون عند تكامل الشروط عالمين بوجوب ~~العمل لمكان الدليل إذ لا فرق بين أن يقول الله عز وجل إذا غلب على ظنكم ~~صدق الراوي فاعملوا بخبره وبين أن يقول إذا أخبركم فلان فاعملوا بخبره وبين ~~أن يقول افعلوا كذا وكذا في أنا نعلم وجوب # PageV02P098 # الفعل في هذه الأحوال كلها # وأما الوجه الثاني وهو وقوف العمل على الظن فليس يمتنع لأن الفعل الشرعي ~~إنما يجب لكونه مصلحة ولا يمتنع أن يكون مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة ~~مخصوصة وكوننا ms494 ظانين لصدق الراوي صفة من صفاتنا فدخلت في جملة أحوالنا التي ~~يجوز كون الفعل عندها مصلحة واجبا أو محظورا ولهذا يلزم المسافر سلوك طريق ~~وتجنب آخر إذا أخبر بسلامة ذلك واختلال هذا من يغلب على ظنه صدقه ووجب على ~~الإمام القطع والجلد والقتل إذا شهد بالزنا والقتل والسرق شاهدان أو أربعة ~~ظاهرهم العدالة # وقد فرقوا بين خبر الواحد وبين الشهادة بأشياء # منها أن الشهادة تقبل فيما يجوز فيه الصلح وفيما يتعلق بالدنيا وليس كذلك ~~خبر الواحد الجواب إن الشهادة مقبولة فيما لا يجوز فيه الصلح كالفروج ~~وإراقة الدماء ويلزمهم جواز التعبد بخبر الواحد في احكام البياعات وغير ذلك ~~وهم يأبون ذلك وأما أمور الدنيا فهي كأمور الدين فيما نحن بسبيله لأن ~~الوجوب والقبح يدخل كل واحد منهما فيها والعبادات الشرعية إنما وجبت وقبحت ~~لكونها مصالح فيما يتعلق بالدنيا من القتل وغيره فاذا جاز أن يجب علينا ما ~~ذكرناه من أمور الدنيا بحسب الظن جاز ذلك في الشرعيات على أنا نقبل الشهادة ~~في أمور شرعية كرؤية الأهلة على ان الحد أمر شرعي وقد قبلوا فيه شهادة ~~الاثنين # ومنها قولهم أنتم تقبلون أخبار الآحاد في إثبات شرع والشهادة بأن زيدا ~~قتل أو سرق ليس يثبت بها شرع والجواب إنه لا فرق بينهما لأنا عند الشهادة ~~نعلم أن قتل المشهود عليه شرع ودليلنا على ذلك ما دلنا على وجوب العمل ~~بالشهادات وعند خبر الواحد نعلم أن الحكم به شرع ودليلنا على ذلك ما دلنا ~~على وجوب العمل بخبر الواحد فلا فصل بينهما إلا أن الحكم يثبت بالخبر في ~~الجملة وبالشهادة يثبت على عين وهذا غير قادح في تعلق الحكم # PageV02P099 # الشرعي بالظن على أن الغرض باثبات الحكم في الجملة بخبر الواحد تعلق على ~~الأعيان فاذا جاز إثباته في الأعيان بخبر مظنون جاز إثباته في الجملة لأن ~~الغرض بالجملة الأعيان على انا إذا قبلنا شهادة شاهدين على زيد وشهادة ~~غيرهما أو شهادتهما على عمرو وعلى خالد فقد علقنا الحكم على أعيان كثيرة ~~بخبر مظنون على ms495 انه يلزمهم أن يقبلوا خبر الواحد في إثبات حكم على شخص واحد ~~وهم يابون ذلك # ومنها قولهم إنه إنما وجب الحكم عند الشهادة بدليل قاطع والشهادة شرط ~~وأنتم تجعلون الدليل على الحكم هو خبر الواحد ولا تجعلونه شرطا والجواب أنه ~~لا بد في الحكم بخبر الواحد من خبر الواحد ومن الدليل الدال على وجوب العمل ~~به وتسمية الخبر دليلا أو شرطا كلام في عبارة فلا يضرنا الامتناع من تسمية ~~الخبر دليلا إذا كان الغرض ما ذكرناه # واحتج المخالف بأشياء # منها أنه لو جاز أن يكون علمنا بما أخبرنا به الواحد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مصلحة ونعلم ذلك إذا ظننا صدقه جاز أن يكون الفعل مصلحة إذا ~~أخبرنا بوجوبه على الله سبحانه من يغلب على ظننا صدقه في أن الله تعالى ~~أرسله ونعلم وجوب ذلك علينا وما الفرق بين أن يكون المخبر بالمصلحة عن الله ~~عز وجل بلا واسطة أو بواسطة نبي والجواب أن من يجيز ورود التعبد الشرعي ~~بالرجوع إلى خبر الواحد يقطع على وجوب العمل به لأن دليلا قاطعا دل على ~~وجوب العمل به وهو قول الله عز وجل وقول رسوله أو قول الأمة وقول الأمة لا ~~بد من أن يستند إلى قول الله وقول رسوله وإنما تكون الأدلة الشرعية قاطعة ~~إذا علمنا صدق الرسول بمعجز حتى إذا أخبرنا بوجوب العمل بالخبر الواحد ~~علمنا وجوب العمل به وهذا لا يتم إذا كان صدق المدعين للنبوة مظنونا غير ~~مقطوع به فان قالوا إنما أنتم ما ذكرتم إذا ألزمناكم أن يكون صدق جميع ~~الأنبياء مظنونا ونحن إنما نلزمكم أن تعلموا صدق بعض الأنبياء بمعجز # PageV02P100 # ونقول لكم ذلك النبي إذا أخبركم إنسان ان الله أرسله بشرائع وظننتم صدقه ~~فاعملوا بها واعملوا أنها مصلحة الجواب أن تجويز كذب من أكرمه الله عز وجل ~~بالرسالة من أقوى ما ينفر عنه وليس يجوز على الأنبياء ما ينفر عنهم لأن ذلك ~~مفسدة وليس يجب في غيرهم من التنزيه عن التنفير ما يحب فيهم ألا ms496 ترى أنه لا ~~يلزم على ذلك كون الأمراء والقضاة والشهود مجنبين ما ينفر عنهم حتى لا يجوز ~~عليهم الكذب وإن كانوا ينفذون أحكاما شرعية ويحكمون بها وأيضا فانه إنما ~~جاز العمل بخبر الواحد إذا غلب على ظننا صدق المخبر وليس يمتنع أن يغلب على ~~ظننا صدق من اخبر أنه شاهد النبي عليه السلام وسمع منه كلاما كثيرا إذا مثل ~~ذلك كثير قد جرت به العادات ولم تجر العادات بسماع كلام الله عز وجل من غير ~~واسطة وما يحصل للنبي عليه السلام من الرئاسة العظيمة التي لا تدانيها ~~رئاسة ويدعو الإنسان إلى ادعائها فاذا اجتمع للعاقل تجويزه كذب المدعي ~~للنبوة من غير معجزة طلبا للرئاسة العظيمة مع أنه مخبر بما لم تجر به ~~العادات لم يجر أن يغلب على ظنه صدقه وأيضا ففي الاقتصار على ظن صدق المدعي ~~للنبوة أعظم مفسدة لما في النبوة من الرئاسة العظيمة التي يطلبها كل أحد ~~فلو تعبدنا بالأخذ في ذلك بالظن لتعمد أكثر الناس التظاهر بالصدق والستر ~~لتتم له هذه الرئاسة فيكثر المدعون للنبوة الواردون بالشرائع المختلفة وليس ~~للمخبر مثل هذه الرئاسة ولا يجب تصديقه بغير الشرائع في كل حال لأن السنن ~~تنحصر في حياة النبي وبعد وفاته بزمان يسير فما يرد بعد ذلك نعلم أنه كذب ~~وأيضا فإن لزمنا ما ذكروه على قولنا في المخبرين لزمهم ذلك على قولهم ~~وقولنا في الشهود لأنهم ينقلون ما إذا حكم به كان الحكم به شرعيا # ومنها قولهم لو جاز التعبد بأخبار الآحاد في فروع الشريعة جاز التعبد بها ~~في الأصول وفي الأدلة والأخبار حتى إذا روى لنا الواحد أن أهل اللغة وضعوا ~~اللفظ للعموم قبلناه وإذا أخبرنا الواحد أن زيدا في الدار جاز أن نخبر نحن ~~أنه في الدار قطعا كما نخبر قطعا بوجوب ما أخبرنا الواحد بوجوبه # PageV02P101 # عن النبي صلى الله عليه وسلم الجواب يقال لهم ما تريدون بالاصول فان ~~قالوا الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان قيل قد كان يجوز ورود التعبد باخبار ~~الآحاد فيها ولا ms497 يكون حينئذ من الاصول لأن اصول الشريعة هي ما لا يكون ~~العلم بوجوبها متعلقا بظن وإن قالوا نريد بالاصول توحيد الله وعدله قيل لو ~~قبلنا أخبار الآحاد في ذلك لقبلناها في الاعتقادات وذلك لا يجوز لأن الواحد ~~إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الله لا يرى لم يعلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ذلك فلا يعلم أن الله لا يرى لأنا غير عالمين بدليله ~~وإذا لم نكن عالمين بأنه لا يرى واعتقدنا ذلك لم نأمن كون اعتقادنا جهلا ~~وكل اعتقاد لا يؤمن كونه جهلا فهو قبيح وأما فروع الشريعة فليست اعتقادات ~~فيكون المقدم عليها مقدما على اعتقاد لا يامن كونه جهلا بل هي أعمال فان ~~قيل ألستم عند خبر الواحد تعلمون وجوب الفعل عليكم فقد أقدمتم على اعتقاد ~~أيضا قيل إنا نأمن كون ذلك الاعتقاد جهلا لأنه قد دل عليه دليل قاطع وهو ما ~~دل على وجوب المصير إلى أخبار الآحاد فان قيل فهلا جاز أن يدل دليل قاطع ~~على قبول خبر الآحاد في الرؤية وغيرها فتعتقدون ذلك وتأمنون كون اعتقادكم ~~جهلا قيل إنا لا نجوز ذلك لأن كون البارىء تعالى غير مرئي امر حاصل في نفسه ~~لا يحصل بحسب ظننا فلم يجب إذا ظننا صدق الراوي أن يكون تعالى غير مرئي ~~وإذا لم يجب ذلك لم يجز أن يدل دليل قاطع على كونه كذلك إذا ظننا صدق ~~الراوي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الله سبحانه لا يرى وكون ~~العمل مصلحة يجوز أن يقف على أن نفعله ونحن على صفة وهو كوننا ظانين صدق ~~الراوي وإذا جاز ان تكون مصلحتنا ان نفعل الفعل ونحن نظن صدق الراوي لوجوب ~~الفعل جاز أن تدل دلالة قاطعة على وجوب ذلك علينا عند ظننا فاذا دلت على ~~ذلك علمنا وجوب ذلك الفعل علينا واخبرنا قطعا عن وجوبه علينا فان قيل فيجب ~~إذا أخبركم عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لا يرى من يغلب ms498 على ظنكم ~~صدقه أن تظنوا أن الله لا يرى وتقتصروا على ذلك قيل لئن جاز الاقتصار على ~~الظن في التوحيد والعدل والصفات لجوزنا # PageV02P102 # ورود التعبد بالاقتصار على الظن في ذلك ولكن لا نجوز الاقتصار على الظن ~~في ذلك وهذا السؤال إنما يلزم على القول بأن خبر الثقة غير الظن وهذا ~~يوافقنا عليه خصومنا فان كان السؤال لازما لنا فهو لازم لهم أيضا ولا جواب ~~عنه إلا ما ذكرناه من أنه لا يجوز الاقتصار في التوحيد والعدل على الظن دون ~~العلم وما ذكرناه هو الجواب عن الأخبار لأن زيدا إذا أخبرنا بأن عمرا في ~~الدار وظننا صدقه لم نأمن أن لا يكون في الدار لأنه كونه في الدار ليس مما ~~يحصل بحسب ظننا بل هو أمر في نفسه كذلك ظنناه أم لم نظنه فخبرنا قطعا عن ~~أنه في الدار خبر لا نأمن من كونه كذبا فقبح فان أخبرنا بحسب ظننا جاز لأنا ~~نأمن كونه كذبا فان قيل ايجوز أن يقول لكم النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~ظننتم صدق من أخبركم بشيء فهو كما أخبركم قيل لا يجوز ذلك لأنه لا يجوز ~~اتفاق الصدق في خبر كل من ظننا صدقه ولا يجوز أيضا أن يقول إذا أخبركم زيد ~~بشيء وظننتم صدقه فهو صادق لأنه لا يجوز أن يتفق الصدق والصواب في كل ما ~~ظنناه ويجوز أن يقول إذا أخبركم زيد بأمور يسيرة وعينها وظننتم صدقه فهو ~~كما أخبركم لأنه يجوز أن يتفق الصدق والصواب فيما نظنه إذا كانت أشياء ~~يسيرة نحو أن يقول إذا أخبركم زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لا ~~يرى أو قال إذا أخبركم مخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لا يرى ~~وظننتم صدقه عن النبي عليه السلام فهو كما أخبركم أو يقول إذا أخبركم زيد ~~بأن النبي عليه السلام قال إن الله لا يرى فهو صادق وإذا قال ذلك انتقلنا ~~عن ظننا إلى القطع وجاز أن نخبر عن ذلك قطعا فأما ms499 إذا أخبرنا الواحد عن أهل ~~اللغة أنهم وضعوا لفظا للعموم فانا لا نقطع على ذلك لأن كونهم واضعين له ~~ليس مما يحصل بحسب الظن فهو بخلاف كون الفعل مصلحة ويجوز أن نظن أنهم وضعوا ~~ذلك للعموم وأن يتعبدنا الله سبحانه بالاستدلال بذلك اللفظ على الشمول في ~~الفروع الشرعية # ومنها قولهم لو جاز التعبد بخبر الواحد في الفروع جاز التعبد به في نقل # PageV02P103 # القرآن الجواب أنهم جمعوا بين الموضعين بغير علة ثم إن القرآن المنقول ~~بالآحاد إما أن يظهر فيه الإعجاز وإما أن لا يظهر فيه الإعجاز فان لم يظهر ~~فيه الإعجاز جاز أن نعمل بما تضمنه من عمل إذا نقل إلينا بالآحاد ولهذا ~~نعمل بمثل ما ينقل من قراءة عبد الله بن مسعود رحمه الله وما يظهر فيه ~~الإعجاز فهو حجة للنبوة ولا يكون حجة إلا وقد علم أنه لم يعارض في عصر ~~النبي عليه السلام مع سماع أهل العصر له ولا يعلم ذلك إلا وقد تواتر نقل ~~ظهوره في ذلك العصر # ومنها قولهم إن الشرعيات مصالح والواحد يجوز أن يكذب فيما يخبر به من فعل ~~أو ترك ولا نأمن أن يكون ما تضمنه خبره مفسدة وقد أجاب قاضي القضاة رحمه ~~الله عن ذلك في الشرح والدرس فقال إن الذي لا بد منه في الواجب الشرعي كونه ~~مصلحة مدلولا عليه إما بعينه وإما بصفته فاذا قامت الدلالة على وجوب العمل ~~عند خبر الواحد وظننا صدقه علمنا أن العمل صلاح لنا كما نعلم أن قطع اليد ~~صلاح عند البينة وهذا لا يعترض قول المخالف إن الراوي إذا جاز عليه الكذب ~~لم نأمن أن يخبر بالمفسدة ومتى ثبت للمخالف هذا كان له أن يقول لا يجوز أن ~~تدل دلالة على ما ذكرتم فان قلتم قيام الدلالة على العمل بما ظنناه يدل على ~~صدق المخبر قيل لكم فيجب أن تقطعوا على صدقه ولئن جاز ذلك ليجوزن أن تدل ~~دلالة على أن نحكم ما نريده فنعلم أن كل ما نريد الحكم به فهو صواب ms500 فان ~~قلتم لا يجوز أن يتفق ذلك في كل ما نريده قيل لك ولا يجوز أن يتفق الصواب ~~في كل ما نظن صدق الراوي فيه فأما ما ذكره من الحكم عند البينة فهو نقض لما ~~اعتلوا به لأنه يجوز أن يكذب الشهود فنقطع يدا لا يستحق قطعها والجواب عن ~~الشبهة هو أن الفعل قد يكون صلاحا إذا فعلناه ونحن على حالة مخصوصة ولا ~~يمتنع أن يكون متى ظننا صدق الراوي أو كنا ممن يجوز أن يظن صدقه لأمارة ~~صحيحة فمصلحتنا أن نفعل ما اقتضاه الخبر صدق الراوي أو كذب كما نقوله في ~~الحكم عند البينة وإذا لم يمتنع ذلك لم يجب ما قالوه من أن تجويز # PageV02P104 # كذب الراوي يلزمه تجويز كون الفعل الذي رواه مفسدة كما لا يلزمه مثله في ~~البينة فان قالوا ليس يخلوا ظنكم صدق الراوي إما أن يكون طريقا إلى المصلحة ~~أو شرطا في كون فعلكم مصلحة فان كان طريقا وقلتم لا يجوز أن يخطىء فقد ~~جعلتم الظن علما ولزمكم قبول خبر الواحد في الاعتقادات وإن جوزتم أن يخطىء ~~الظن لم يجز كونه طريقا إلى القطع على أن ما فعلتموه مصلحة ولئن جاز أن ~~يكون طريقا إلى ذلك مع جواز كونه خطأ جاز أن يكون طريقا إلى الاعتقادات ~~وجاز ورود التعبد به فيها وإن جعلتموه شرطا يصير الفعل عنده مصلحة فلم لا ~~يجوز كون الفعل مصلحة إذا ظننا كذب الراوي له وإذا اشتهينا فعله وإذا ~~اخترناه وأن يرد التعبد بذلك قيل قد أجاب قاضي القضاة رحمه الله فقال يجوز ~~كون هذه الأشياء أسبابا يجب عندها الفعل على ما ذكروه ونحن نجيب عن ذلك ~~بأنا إنما جوزنا أن يكون الفعل مصلحة عند حالة من حالاتنا ثم بينا إن ظننا ~~صدق الراوي مما يشهد العقل بجواز كونه شرطا في المصلحة بما ذكرناه من ~~التصرف في الأسفار والحكم بالبينات وكما أن العقل بذلك شاهد فهو شاهد بأن ~~ما ذكرتموه لا يكون شرطا في وجوب الفعل ألا ترى أن المسافر إذا ms501 خاف في سفره ~~فخبره بعض من يظن صدقه بسلامة بعض الطرق وفساد غيره فانه يجب عليه أن يعمل ~~على ما ظنه صلاحا دون ما ظن فيه الفساد ولو ظن كذب المخبر بأمارة لم يجز أن ~~يعمل على خبره ولا يجوز له مع اشتباه الطرق عليه وخوفه أن يعمل على شهوته ~~واختياره من غير أمارة على أن القول بأنه ينبغي أن يعمل الإنسان بما يشتهيه ~~ويختاره إسقاط للتكليف لأنه كأنه قيل له افعل ما تختاره دون ما لا تختاره ~~ونحن إنما نتكلم في تكليف على صفة هل يحسن أم لا وقصد السائل أن يلزمنا على ~~هذا التكليف تكليفا آخر على صفة أخرى وليس غرضه إلزامنا إسقاط التكليف فقد ~~بان أنه لم يلزمنا ما قصد إلزامنا فان قالوا يجوز أن يقال للإنسان إذا ~~اخترت الفعل أو اشتهيته فلم يصرفك صارف فقد وجب عليك فعله ما دمت مريدا له ~~وإن لم تكن مختارا # PageV02P105 # له قاصدا إليه لم يجب عليك فعله قيل لا يجوز ذلك لأنه والحال هذه لا بد ~~من كونه فاعلا فايجاب ذلك لا يصح # ومنها قولهم إن أخبار الآحاد قد تتعارض ولا يمكن العمل بها فلو جاز ~~التعبد بها لجاز التعبد بما لا يمكن العمل به الجواب أنه ليس كل تعارض يمنع ~~من العمل بالخبر بل قد يعمل مع التعارض على ما يترجح من أحد الخبرين على ~~الآخر كما يعمل المسافر في طريقه على ما يترجح من إحدى الأمارتين ويمكن أن ~~يعمل بالخبرين إما على الجمع وإما على التخيير فان لم يمكن ذلك ففقد إمكانه ~~يمنع من التعبد بها فيه هذا التعارض المانع من العمل غير مانع من التعبد ~~بما يمكن العمل به مما لا تعارض فيه وما ذكروه منتقض بالعمل بالبينات ~~والأمارات للمسافر لأنها قد تتعارض - صلى الله عليه وسلم - باب في التعبد ~~بخبر الواحد - صلى الله عليه وسلم - # اختلف مجيزو ورود التعبد بأخبار الآحاد في الشرعيات فمنهم من قال قد ورد ~~التعبد بها ومنهم من قال لم يرد بها ms502 واختلف هؤلاء فمنهم من قرن إلى قوله لم ~~يرد التعبد بها أن قال قد ورد التعبد بأن لا يعمل بها ومنهم من اقتصر على ~~أن التعبد لم يرد بها واختلف من قال بورود التعبد بها فقال قوم العقل يدل ~~على التعبد بها ومنهم من قال العقل لا يدل على ذلك # والدليل على وجوب العمل بأخبار الآحاد هو أن العقلاء يعملون بعقولهم وجوب ~~العمل على خبر الواحد في العقليات ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك أو حسنه ~~بعقولهم إلا وقد علموا العلة التي لها وجب ذلك أو حسن ولا علة لذلك إلا ~~أنهم قد ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل وهذا موجود في خبر ~~الواحد الوارد في الشرعيات فوجب العمل به يبين ما ذكرناه أنه معلوم بالعقل ~~وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب المنافع فاذا ظننا # PageV02P106 # صدق من أخبرنا بمضرة إن لم نفصد أو لم نشرب الدواء أو إن سلكنا في سفرنا ~~طريقا مخصوصا أو لم نقم من تحت الحائط فقد ظننا تفصيلا لما علمناه في ~~الجملة من وجوب التحرز من المضار وقد علمنا في الجملة وجوب الانقياد للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يخبرنا به من مصالحنا ووجوب التحرز من المضرة في ~~تجنب المصالح فاذا ظننا بخبر الواحد أن النبي عليه السلام قد دعانا إلى ~~الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مفسدة مضرة فقد ظننا تفصيلا لما ~~علمناه في الجملة وإنما قلنا إن العلة ما ذكرناه لأن الحكم يحصل عنده ~~وينتفي عند انتفائه لأنا إذا علمناه في الجملة وجوب التحرز من المضرة وظننا ~~بالخبر أن علينا في الفعل مضرة ولم يمكن العلم وجب علينا تجنبه وإن ازلنا ~~عن أنفسنا اعتقاد ما عدا ذلك وإذا رجعنا إلى عقولنا وجدناها تتبع تجنب هذا ~~الفعل لهذه الجملة التي ذكرناها ولو لم يحصل لنا العلم بوجوب دفع المضار في ~~الجملة أو حصل ذلك ولم نظن أن علينا في الفعل مضرة لم يجب علينا تجنبه ~~وكذلك لو ظننا ذلك وأمكننا تحصيل العلم ms503 فعلمنا أن العلة ما ذكرناه # إن قيل بل العلة في الأصل ظننا المضرة في امور الدنيا وليس كذلك خبر ~~الواحد في الشرعيات قيل إن ما ذكرتموه وإن كان من أمور الدنيا فهو من امور ~~الدين لأن التحرز من المضار واجب في العقل وما وجب في العقل فهو من الدين ~~فان قالوا إن خبر الواحد في أمور الدنيا وارد فيما نعلم جملته عقلا وليس ~~كذلك خبر الواحد في الشرعيات قيل لا فرق بينهما لأن خبر الواحد في الشرعيات ~~وارد بتفصيل الانقياد للنبي صلى الله عليه وسلم والتزام أمره والتحرز من ~~مضار المخالفة وهذا معلوم بالعقل والشرع كما يعلم التحرز من مضار الدنيا ~~بالعقل والشرع وأيضا فلو ثبت أن وجوب التحرز من مضار الدنيا معلوم بالعقل ~~فقط والتحرز من مضار الشرعيات معلوم بالشرع فقط لكان ذلك اختلافا في طريق ~~العلم بالوجوب وذلك غير مؤثر فيما يقبل من أخبار الآحاد وإنما الذي يجوز أن ~~يؤثر في ذلك هو أن يقال إن الشرعيات مصالح والمخبر الواحد يجوز أن يكون ~~كذابا فلا نأمن أن يكون ما نقله # PageV02P107 # مفسدة وسنتكلم في ذلك إن شاء الله # إن قيل إنما وجب قبول خبر الواحد في العقليات لأنه لا يغلب على الظن وصول ~~المضرة إذا قبلناه بل يغلب على الظن وصولها إذا لم نقبله وليس كذلك ~~الشرعيات لأنه ليس يغلب على ظننا وصول المضرة إذا لم نقبل خبر الواحد بل لا ~~نأمن أن يؤاخذنا المتعبد لنا إذا قبلنا خبر الواحد والجواب ان كلامنا في ~~خبر من نظن صدقه لدينه وأمانته وقد بينا أن خبر من هذه سبيله في الشرعيات ~~يساوي خبره في العقليات وذلك يقتضي أن يغلب على ظننا وصول المضرة إلينا إن ~~لم نقبل خبره ويؤمننا من مؤاخذة المتعبد إذا قبلناه ويقضينا القطع على ~~مؤاخذته إذا لم نقبله # إن قيل إنما قبلنا خبر الواحد في العقليات لأن العادة قد جرت بنزول ~~المضار والمنافع فاذا غلب على الظن وصول المضرة لزمنا التحرز منها قيل وقد ~~جرت عادة الشرع بالزام ms504 العبادات ولا يمتنع في العقل إيداع ذلك الواحد وأن ~~تكون المصلحة أن يرد التعبد به كما لا يمتنع أن يرد التحرز من المضرة من ~~جهة واحد فاذا لم يمتنع ذلك جرى خبر الواحد في الشرعيات مجراه في العقليات # فان قيل الفرق بين الشرعيات والعقليات أن الشرعيات يمكن فيها طريقة تقتضي ~~العلم نحو الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام والإجماع والبقاء ~~على حكم العقل فلم يجز الرجوع إلى الظن وليس كذلك الامور العقلية من أمور ~~الدنيا لأنه يتعذر فيها طريقة معلومة فجاز الرجوع إلى الظن قيل إنه إذا كان ~~في المسألة كتاب أو سنة مقطوع بها أو إجماع بخلاف خبر الواحد ولم يكن الخبر ~~مخصصا فانا لا نعدل إليه عن هذه الأدلة ومسألتنا مفروضة في خبر واحد تخالف ~~ما ذكرتموه وأما البقاء فممكن في العقليات وفي الشرعيات لأن الأصل في العقل ~~أن لا يجب علينا إيلام أنفسنا بفصد وشرب دواء ومسير في طريق مخصوص فاذا لم ~~يجز البقاء على حكم العقل في هذه # PageV02P108 # الأشياء إذا أخبرنا بالمضرة في تركها من نظن صدقه علمنا أن البقاء على ~~حكم العقل ليس بدليل قاطع مع الظن لصدق المخبر فبطل قول المخالف إن ذلك ~~دليل قاطع مع خبر الواحد # وقد أجاب قاضي القضاة رحمه الله عن قياس خبر الواحد في الشرعيات على ~~قبوله في العقليات والمعاملات بأن المعاملات مبنية على غالب الظن والشرعيات ~~مبنية على المصالح فاذا لم نأمن كذب المخبر لم نأمن أن يكون فعلنا ما ~~أخبرنا به مفسدة والجواب أن قوله إن المعاملات مبنية على غالب الظن هو ~~الحكم الذي طلبنا علته وقسنا بها خبر الواحد في الشرعيات على المعاملات فلا ~~ينبغي أن يفرق بينهما بذلك لأنا نكون قد فرقنا بين المسألتين بنفس الحكم ~~والمصالح وإن كانت معتبرة في الشرعيات فالمضار والمنافع هما المعتبران في ~~العقليات والمعاملات لأنا إنما ننحو بما نفعله نحو المنافع والخلاص من ~~المضار كما أنا ننحو بالشرائع تحصيل المصالح ولأجلها وجبت فاذا قام غالب ~~الظن في المنافع ms505 والمضار العقلية مقام العلم مع تجويز كذب المخبر فكذلك ~~غالب الظن بصدق المخبر في الشرعيات ولو جاز أن لا يقبل خبر الواحد في ~~الشرعيات لجواز كذب المخبر فيكون ما أخبر به مفسدة جاز أن لا يقبل خبر ~~الواحد في العقليات لجواز كذب المخبر فيلحقنا المضرة في اتباعه ونخلص منها ~~بمخالفته على أن قوله لا نأمن أن يكون المخبر كاذبا فنكون باتباعه فاعلين ~~للمفسدة يبيح المنع من ورود التعبد بقبول خبره لأن فعل ما لا نؤمن من كونه ~~مفسدة قبيح فان قال قيام الدلالة على التعبد به دلالة على أن المصلحة هي ~~اتباع ما ظنناه من صدقه لا غير قيل فاذن يجوز أن تكون المصلحة هي فعلنا ما ~~ظنناه من صدق المخبر فلم قطعتم على أن المصلحة قد تكون غير ما فعلناه فان ~~قالوا نحن وإن جوزنا أن نكون علمنا بحسب ما ظننا من صدق الراوي هو المصلحة ~~فانا لا نعلم ذلك إلا بتعبد شرعي قيل فكأنكم فصلتم بين خبر الواحد في ~~الشرعيات وبينه في العقليات بأن العقليات يعمل فيها على الظن من غير تعبد ~~شرعي والشرعيات لا يعمل فيها على الظن # PageV02P109 # إلا بتعبد وهذا هو نفس المسألة فقد فصلتم بين المسالتين بنفس الحكم لا ~~بالعلة المفرقة بينهما على انه جاز أن يقال إن قيام الدلالة الشرعية على ~~قبول خبر الواحد يدلنا على ان المصلحة ليست إلا العمل بما ظنناه من صدق ~~الراوي جاز أن يقال قياس الذي ذكرنا هو دليلنا على أن المصلحة ليست إلا ~~العمل بما ظنناه من صدق الراوي # وأجاب أيضا بأن العمل على غالب الظن في دفع المضار في الدنيا هو الأصل ~~للعمل على العلم بدفع المضار لأن امور الدنيا المستقبلة غير معلومة وإنما ~~هي مظنونة وليس يمكن أن يقال إن أمور الدين المظنونة هي الأصل لامور الدين ~~المعلومة وهذا لا يصح لأنه فرق لا يؤثر في وجه الجمع الذي ذكرناه لأنه ليس ~~يجب إذا أشبه الظن لامور الدين الظن لامور الدنيا في وجوب العمل عليها أن ms506 ~~يشتبها في كل وجه بل لا يمتنع أن يجب العمل عليهما ويكون العمل على غالب ~~الظن أصلا للعمل على العلم في امور الدنيا وللعمل على الظن في أمور الدين ~~أصلا بنفسه # دليل قال الله سبحانه {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} فتعبدنا بقبول خبر كل ~~طائفة خرجت للتفقه ثم أنذرت قومها وهذه صفة خبر الواحد يبين ذلك أنه سبحانه ~~أوجب على كل فرقة أن تخرج منها طائفة والثلاثة فرقة فوجب أن تخرج منها ~~طائفة والطائفة من الثلاثة واحد أو اثنان فاذا خرجا لسماع الأخبار وتدبرها ~~فقد خرجا للتفقه في الدين فاذا رجع من هذه سبيله فأخبر قومه بوجوب عبادة ~~وحذرهم من تركها فقد أنذر قومه فاذا كنا متعبدين بالرجوع إلى قوله كنا ~~متعبدين بذلك وإن لم نخرج لهذا الغرض لأن أحدا لم يفصل بين الموضعين # PageV02P110 # إن قيل لم قلتم إن الآية تدل على التعبد بالرجوع إلى قول الطائفة قيل ~~إنما تعبدها بانذار قومها لكي يحذر فتعبد قومها بالحذر وليس يخلو إذا ~~أخبرتم الطائفة بوجوب فعل أو تحريمه إما أن يلزمها المصير إلى قول الطائفة ~~أو يلزمها الإمساك عما كانت عليه من فعل أو ترك أو أن يخرج جماعتها أو من ~~يقوم بالحجة بنقله إلى الآفاق لاستبانة الخبر والقسم الأول هو قولنا ~~والثاني يرجع إليه لأنا إن كنا نشرب النبيذ فخبرنا الطائفة بتحريمه فإيجاب ~~إمساكنا عن شربه هو تحريم شربه وإن كنا تاركين لبعض الصلوات فأخبرونا ~~بوجوبها فوجوب إمساكنا عن الإخلال بها هو إيجاب فعلنا فبان رجوع هذا القسم ~~إلى القسم الأول بخلاف ما ظنه بعضهم وإن وجب على جماعتنا أو على أكثرنا ~~الخروج من الأوطان إلى الآفاق ليعلموا صحيح الحديث من باطله لم يصح ~~بالإجماع لأن أحدا من الأمة لم يوجب على اهل القرى في عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعصر من بعده أن يخرجوا أو أكثرهم إذا لم تقم الحجة بنقل الطائفة ~~إليهم ويتركوا بلادهم كلما سمعوا ms507 بخبر يتضمن فعلا شرعيا وذلك يؤدي إلى أن ~~لا يستقروا في بلادهم قبل استقرار السنن # إن قيل قولكم إن المذكور في الآية هو خبر الواحد باطل من وجوه # منها أنه عز وجل تعبد من كل فرقة طائفة بالتفقه والإنذار لقومهم وهم ~~مجموع الفرق لأن مجموع الطوائف هم قوم الفرق فلا يمتنع أن يكون مجموع ~~الطوائف من يتواتر الخبر بنقلهم الجواب أنه لا يجوز أن يكون أراد مجموع ~~الطوائف ينذر كل فرقة لأنها لم يكن عند كل طائفة فرقة فتكون راجعة إليها ~~وقوله {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} يدل على أنهم كانوا عندهم وهذا ~~إنما يتم في كل فرقة مع طائفتها # ومنها أن قوله {ليتفقهوا في الدين ولينذروا} يدل على أنه أراد # PageV02P111 # الإنذار بالفتوى دون الخبر الجواب إن كثيرا ممن يمنع من العمل بخبر ~~الواحد يمنع العامي من الأخذ بالفتوى وأيضا فان التفقه يكون بسماع الأخبار ~~والتدبر لها وقد كان التفقه هكذا في الزمن الأول وهذه الحال يتم معها ~~الإنذار بالفتوى وبالإخبار فاذا لم يفصل الله سبحانه الإنذارين كان محمولا ~~على كل واحد منهما كما أنه لو قال ولتضربوا كان شائعا في الضرب بكل خشبة ~~وعلى كل وجه من الشدة واللين على أنه لم يفصل بين أن يكون قومهم مجتهدين أو ~~غير مجتهدين والإنذار بالفتوى إنما يلزم قبوله غير المجتهد فوجب صرف الكلام ~~إلى الإخبار لأنه الذي لا يختلف فيه المجتهد وغير المجتهد إن قيل قوله ~~{ليتفقهوا في الدين} يدل على انه ليس في الطائفة مجتهد إذ لو كان فيها ~~مجتهد لما كان ليجب على بعضها أن ينفر للتفقه الجواب إن العبادات في عصر ~~النبي عليه السلام كانت تتجدد حالا فحالا ويرد نسخها بعد ثبوتها فحصول ~~المجتهد في الطائفة لا يغني عن أن ينفر منها من يسمع ما يتجدد من السنن ~~المبتدأة والناسخة وكذلك الأعصار المقاربة لعصر النبي عليه السلام قبل ~~استقرار السنن وانتشارها لجواز أن تكون في غيرها من الطوائف من السنن ما لم ~~تبلغها # ومنها أن قوله {ليتفقهوا في ms508 الدين ولينذروا قومهم} يحتمل التفقه في ~~الأصول وإنذار قومهم ليحذروا وليس هذا من خبر الواحد في الشرعيات بسبيل ~~الجواب إن المستفاد من التفقه في العادة التفقه في الفروع على أنه إن كان ~~المراد بالأصول ها هنا التوحيد والعدل فالخاطر يجوز من ترك النظر فيهما ~~وليس يحتاج في الحذر من تركهما إلى السفر وإن كان المراد بها أصول الشريعة ~~كالصلوات الخمس فذلك عندنا لازم بالآحاد في ابتداء الشريعة لأن الواحد إذا ~~أخبر أهل اليمن بأن الصلوات قد أوجبها النبي عليه السلام لزمتهم # PageV02P112 # وتكون من الفروع حتى يتواتر نقلها وعلى هذا جرى الأمر في تحول أهل قبا عن ~~القبلة # إن قيل لو كان المراد بالآية خبر الواحد لما دلت على وجوب العمل به من ~~وجهين # أحدهما أنه لا يمتنع أن يجب الإنذار على من خرج للتفقه ولا يجب على ~~المنذر القبول كما يجب على الشاهد أن يشهد ولا يجب على الحاكم أن يحكم ~~بشهادته ويجب على كل واحد من المتواترين أن يخبره ولا يجب على السامع أن ~~يقول على خبره وحده فيما طريقة العلم ويجب على من خوف بالقتل إن لم يدفع ~~ماله أن يدفعه ويقبح من المخوف أخذه قيل إنا لم نستدل على وجوب المصير إلى ~~الإنذار بوجوب الإنذار وإنما استدللنا يقوله عز وجل {لعلهم يحذرون} وذلك ~~إما أن يكون تعبدا بالحذر أو إباحة له وأي الأمرين كان فقد بطل مذهب الخصم ~~إذ قد بينا أن الحذر لا يكون إلا بالرجوع إلى موجب الخبر # والوجه الآخر قولهم يجوز أن يكون أوجب على من نفر الإنذار لكي يحذر من ~~سمعه إذا انضاف إلى المنذر غيره حتى يتواتر إنذارهم وإخبارهم قيل فاذن إنما ~~يحذرون عند تواتر الخبر لا عند إنذار من نفر منهم للتفقه والآية تقتضي أن ~~يحذروا عند إنذاره ولأجله كما أن الإنسان إذا قال لغيره جالس الصالحين لعلك ~~تصلح أفاد ذلك كون مجالستهم سببا لصلاحه لا غير لأنه ما علق صلاحه إلا به ~~فكذلك قوله {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ms509 يحذرون} # دليل أجمعت الصحابة على العمل بخبر لا يقطع على مغيبه لأنه لما اشتبه # PageV02P113 # عليهم الغسل من التقاء الختانين رجعوا إلى أزواج النبي عليه السلام وطلب ~~أبو بكر عليه السلام الحكم في الجدة ورجع في توريثها إلى خبر المغيرة ونقض ~~قضية قضاها بخبر رواه بلال وقال عمر وما أدري ما القول في أمر المجوس وكثرت ~~مسألته عن ذلك فلما روى له عبد الرحمن بن عوف عن النبي عليه السلام سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب صار إلى ذلك وكان يرى أن لا شيء في الجنين إذا خرج ميتا ~~وفيه الدية إذا خرج حيا ثم ترك ذلك لخبر حمل بن مالك بعد أن ناشد الصحابة ~~وكان لا يؤرث الإمرأة من دية زوجها ثم ترك ذلك لخبر الضحاك بن سفيان وكان ~~يجعل في الأصابع نصف الدية ويفصل بينها فيجعل في الابهام خمس عشرة من الإبل ~~وفي البنصر تسعة وفي الخنصر ستة ثم يجعل في الباقية عشرا عشرا فلما روي له ~~من كتاب النبي عليه السلام إلى عمرو بن حزم أن في كل إصبع عشرا من الإبل ~~رجع عن رأيه وترك رأيه في بلاد الطاعون لخبر عبد الرحمن بن عوف وقال علي ~~عليه السلام كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني ~~الله به بما شاء أن ينفعني فاذا حدثني به غيره استحلفته فاذا حلف صدقته ~~وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر ورجع في خطأ الإمام إلى ما رواه عمر وسأل ~~المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذى ثم أخبره عن النبي عليه ~~السلام بالجواب فعمل عليه ورجعوا في الربا إلى خبر أبي سعيد الخدري وكل ~~واحد من هذه الأخبار وإن كان خبر واحد فجملتهما متواترة لا يجوز مع كثرتها ~~أن تكون كذبا كما أن الأخبار عن سخاء حاتم متواترة في الجملة وإن كان كل ~~واحد منها خبر واحد وإنما قلنا إنهم عملوا على هذه الأخبار لأجلها لأنهم لو ~~لم يكونوا عملوا لأجلها بل لأمر آخر إما ms510 لاجتهاد تجدد لهم أو ذكروا شيئا ~~سمعوه من النبي عليه السلام لوجب من جهة العادة والدين أن ينقلوا ذلك أما ~~العادة فلأن الجماعة إذا اشتد اهتمامها بامر قد التبس عليها ثم زال اللبس ~~عنها لشيء سمعته أو رأي حدث لها فانه لا بد من إظهارها الاستبشار والسرور ~~بما ظفرت به والتعجب من ذهاب ذلك عليها فان جاز أن لا يظهر ذلك الواحد # PageV02P114 # لم يجز في كل واحد وأما الدين فلأن سكوتهم عن ذلك وعملهم عند الخبر ~~بموجبه يوهم أنهم عملوا لأجله كما يدل عملهم بموجب آية عند سماعها على أنهم ~~عملوا لأجلها والإيهام لذلك قبيح كما أنه لو قال لهم قائل احكموا في هذه ~~الحوادث لشهوتي فذكروا عند هذا القول شيئا سمعوه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فانه لا يحسن من جهة الدين أن لا تبين أنها حكمت لما ذكرته لا ~~للشهوة وأيضا فبعيد في العادة مع كثرة هذه الأخبار أن يتفق ذكرهم لشيء ~~سمعوه من النبي عليه السلام وآله أو يتجدد لهم اجتهاد وأيضا فطلب أبي بكر ~~عليه السلام من المغيرة شاهدا معه في إرث الجدة دليل على أنه كان يرى أن ~~الحكم يتعلق بهما لأنه لم يكن يعلم أنه سيذكر عند الشاهد الآخر شيئا سمعه ~~من النبي عليه السلام وأيضا فقد كانوا يتركون آرائهم عند سماع الخبر كما ~~روي عن عمر أنه قال في الخبر كدنا نقضي فيه بآرائنا فدل على أنه لم يعمل ~~برأيه عند سماع الخبر # إن قيل ومن أين أنهم بأجمعهم عملوا بأخبار الآحادإنهم كانوا بين عامل بها ~~وساكت عن النكير فدل على رضاهم بالعمل بها فان قيل فلعل بعضهم كان ناظرا ~~متوقفا عن العمل فلا يكونون متفقين على ذلك قيل لو كان كذلك وكان العمل بها ~~منكرا لكان إنكاره واجبا فيكونوا قد اتفقوا على ترك الواجب لأنهم بأجمعهم ~~قد تركوا إنكاره إن قيل أليس قد رد أبو بكر خبر الواحد ولم يعمل إلا على ~~خبر اثنين قيل هذا لا ينقض ما قصدناه ms511 من العمل بخبر من لا يقطع على مغيبة ~~والكلام في اشتراط اثنين سيأتي # إن قيل فقد ردوا في بعض الحوادث خبر الواحد كقول عمر في خبر فاطمة بنت ~~قيس لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ولستم ~~بأن تقولوا إنما ردوه لعلة لا نعرفها لا لأنه خبر واحد بأولى من أن تقولوا ~~بل قبلوا ما قبلوه لعلة لا نعرفها لا لأنه خبر واحد والجواب أن عمر رد خبر ~~فاطمة بنت قيس في نسخ الآية أو في # PageV02P115 # تخصيصها وكثير ممن يقبل خبر الواحد لا يقبله في التخصيص فليس ينقص ذلك ~~العمل بخبر الواحد في الجملة على أن قوله لا ندع كتاب ربنا يقتضي ترك ~~الكتاب أصلا وذلك نسخ ونحن نمنع نسخ الكتاب بخبر الواحد على أن قوله لقول ~~امرأة لعلها صدقت أم كذبت يفيد أنه اعتقد فيها أنها غير ضابطة لما تسمعه ~~وهذه العلة غير موجودة فيمن يضبط وبهذا يبطل قول من يقول إن عمر رضي الله ~~عنه علل رد حديثها لعلة موجودة في كل مخبر # إن قيل فقد قبلوا خبر الواحد في نسخ حكم معلوم نحو قبول أهل قبا نسخ ~~القبلة قيل ذلك جائز في العقل وفي صدر الإسلام قال اصحابنا ولولا إجماع ~~الصحابة على المنع من ذلك لجوزناه وقد قال أبو علي إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد كان أخبرهم بنسخ القبلة وأنه ينفذ إليهم بنسخها فلانا وأعلمهم صدقه ~~فكانوا قاطعين على صدقه فلم ينسخوا القبلة إلا بخبر معلوم # وقد استدل في المسألة بأشياء لا تدل # منها قول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ~~أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} قالوا فعلق وجوب ~~التبين على مجيء الفاسق فكان مجيء غير الفاسق بخلافه وهذا لا يصح إلا مع ~~القول بدليل الخطاب وقالوا أيضا قوله {إن جاءكم فاسق} شرط في إيجاب التثبيت ~~فوجب إن لم يجيء فاسق أن لا يجب التثبت وأن يكون التسرع مباحا ms512 سواء جاءنا ~~عدل أو لم يجئنا أحد لأنه في كلا الحالين لم يجيء الفاسق وقد وقع الاتفاق ~~على المنع من التسرع إذا لم يجيء أحد أصلا فبقي القسم الآخر وهو أن يجيء ~~مخبر غير فاسق ولقائل أن يقول إن الشرط في هذه الآية يقتضي نفي وجوب التثبت ~~على نفي مجيء الفاسق وأحد لا يقول بذلك والمستدل يجعل نفي وجوب التثبت ~~وإباحة التسرع واقفا على مجيء # PageV02P116 # عدل ويمكن أن يستدل بالآية من وجه آخر وهو أن سبب نزولها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط ساعيا فعاد فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الذين بعثه إليهم أرادوا قتله فأجمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم على غزوهم وقتلهم وهذا حكم شرعي قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد ~~العمل فيه على خبر الواحد فلو كان ذلك محظورا لأنكره الله تعالى ولما علق ~~حظره بالفسق لأن ذلك يوهم أنه إنما لم يجز ذلك التسرع لأجل فسق المخبر لا ~~غير يبين ذلك أن النبي عليه السلام إنما عمل على غزوهم لأجل خبر الوليد مع ~~ظنه أنه عدل ولهذه الآية ولاه الصدقة ولقائل أن يقول نزول هذه الآية في ~~الوليد بن عقبة منقول بالآحاد فلم يجز بنا الاحتجاج عليه وقد روى عمر بن ~~شبة في كتاب الكوفة في أخبار الوليد باسناده عن قتادة في قول الله سبحانه ~~{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} قال هو الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط بعثه النبي عليه السلام إلى بني المصطلق مصدقا فلما أبصروه أقبلوا ~~نحوه فهابهم فرجع إلى النبي عليه السلام فأخبر أنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث ~~نبي الله خالد بن الوليد وأمره أن يثبت ولا يعجل فانطلق حتى أتاهم ليلا ~~فبعث عيونه فلما جاءوه خبروه أنهم متمسكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم ~~فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى ما يعجبه فرجع إلى النبي عليه السلام فأخبره ~~الخبر وذكر رواية أخرى أنه رجع الوليد إلى رسول الله صلى الله ms513 عليه وسلم ~~فقال قد منعوا فأنزل الله سبحانه الآية وليس في ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم هم بقتالهم من غير تثبت وتبين # ومنها قول الله عز وجل {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} ~~والمخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم العبادة علينا شاهد على الناس ~~وليس يجوز أن يجعله الله عدلا ليشهد إلا وقد تعبد بالرجوع إلى خبره الجواب ~~إن قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا خطاب لكافة الأمة دون آحادها فان أريد به ~~شهادة جميعهم علينا من جهة الخبر فذلك تواتر ولا # PageV02P117 # يكون في اشتراط كونهم وسطا فائدة لأن المتواترين نعلم صدقهم وإن لم ~~يكونوا مؤمنين وإن أريد به شهادتهم علينا من جهة الرأي فذلك هو الإجماع ~~وعلى كلا القسمين يخرج منه خبر الواحد وليس المراد بالآية كل واحد منهم ~~لأنه ليس كل واحد منهم مقطوعا على عدالته فلهذا لا يقطع على موجب خبر ~~الواحد # ومنها قول الله عز وجل {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} ~~الآية فحظر كتمان الهدى وأوجب إظهاره وما سمعه الإنسان من النبي عليه ~~السلام فهو من الهدى فيجب على سامعه إظهاره وإن لم يسمعه غيره ممن يتواتر ~~الخبر بنقله ولو لم يجب علينا قبول خبر الواحد لم يجب على المخبر إظهاره ~~لأنه يكون وجود الإظهار كعدمه والجواب إن قول الله عز وجل {إن الذين يكتمون ~~ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب} يدل على أنه ~~أراد ما أنزله الله في الكتاب وأخبار الآحاد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمعزل عن ذلك وقد أجيب عن ذلك بأن الشيء إنما يوصف بأنه مكتوم إذا لم يظهر ~~وكانت العادة أو التعبد يدعوان إلى إظهاره فيجب أن يبين المستدل أن التعبد ~~قد ورد بأخبار الآحاد حتى يتم له هذا الاستدلال وإذا بين ذلك فقد بين ما ~~رام أن يبينه بهذه الآية ولقائل أن يقول إن العادة تدعو إلى إظهار ما سمعه ~~الإنسان من النبي عليه السلام ms514 فيما يرجع إلى الشريعة # ومنها قول الله عز وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ولم يفرق ~~بين أن يكون من هو من أهل الذكر مجتهدا أو غير مجتهد ومعلوم أن غير المجتهد ~~إنما يسأل ليخبر لا ليفتي عن نفسه وليس يجوز أن يجب السؤال # PageV02P118 # ولا يجب القبول الجواب إنه ليس في الاية أنه يجب سؤالهم ليعلم ما أخبروا ~~به ليعمل ما أخبروا به وإذا لم يمتنع أن يكون اراد سؤالهم ليعلم السائل لم ~~يكن المراد إلا سؤال من يتواتر الخبر بنقله وقوله عز وجل {وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} يدل على ~~أنه عز وجل أراد سؤالهم ليعلم ما يخبرون به من أنه أرسل الله عز وجل إلا ~~رجالا يوحي إليهم وهذا علم دون عمل # ومنها قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} ~~فأوجب الشهادة لله والقيام بالقسط ولا يوجب ذلك إلا وقد ألزم قبول شهادتهم ~~ومن أخبر بما سمعه من النبي عليه السلام فقد قام بالقسط وشهد لله والجواب ~~إنما يكون شاهدا لله تعالى وقائما بالقسط إذا شهد بما يلزم قبوله دون ما لا ~~يحل قبوله كالشهادة بأمور الدنيا ويحتمل أن يكون سبحانه أوجب الشهادة بما ~~سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ليرويه غيره فيتواتر نقله فان قيل الاية ~~لا تفرق بين أن يكون الخبر قد سمعته جماعة من النبي عليه السلام وبين أن ~~يكون قد سمعه واحد في وجوب الشهادة به قيل إن من ينكر العمل بأخبار الآحاد ~~يمتنع من أن يخص النبي عليه السلام بالعبادة من لا يتواتر الخبر بنقله إلا ~~أن يكون التعبد يخصه وحده # ومنها قوله عز وجل {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} وقوله ~~{لتبين للناس ما نزل إليهم} وظاهره يقتضي بيان جميع ما أنزل إليه لجميع من ~~عاصره ولمن يأتي بعده فلو وجب عليه أن يبين كل ذلك لمن يتواتر الخبر بنقله ~~لكانت ms515 الأخبار كلها منقولة عنه بالتواتر إلا أن يقال إن بعض السامعين للخبر ~~نقله دون بعض وذلك يوجب تهمة السلف وجواز # PageV02P119 # كون شرائع معهم لم ينقلوها ولا يجوز أن يكون كل ما نقل بأخبار الآحاد لم ~~يقله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يستحيل في العادة أن تكون هذه الأخبار ~~على كثرتها كاذبة ولا يجوز أن تتضمن عبادات تختص من عاصر النبي عليه السلام ~~لأن أكثرها خطاب لأهل عصره ولمن يأتي بعده فثبت أنه إنما وجب عليه أن يبين ~~بعض شرعه لمن لا يتواتر الخبر بنقله وإن كان بيانا لمن بعده وفي ذلك وجوب ~~العمل به على من بعدهم الجواب إن المخالف يقول إنه لا يمتنع أن يكون بعض ~~أخبار الآحاد كذبا وبعضها عبادات تختص أهل ذلك العصر وبعضها قد أداها النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى من يتواتر الخبر بنقله لكن بعضهم نقله دون بعض ~~وأخطأ بعضهم وذلك غير ممتنع ويكون لزوم ذلك لنا مشروطا بتواتر الخبر إلينا ~~وقولهم إن جواز ذلك يقتضي جواز كتمانهم شرائع كثيرة فذلك لا يلزم من لم يقل ~~بأخبار الآحاد لأن عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين العبادات ~~للجماعة الكثيرة والعادة تمنع من كتمان أجمعهم مع ما علمناه من توفر دواعي ~~الأمة إلى نقل السنن والأخبار على أنه لا بد من أن يبلغ ذلك جميع أهل العصر ~~فاجتماعهم على كتمانه اجتماع من الأمة على الخطأ وذلك لا يجوز # ومنها أنه قد تواتر النقل بانفاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سعاته إلى ~~القبائل والمدن لأخذ الزكوات وتعليم الأحكام كإنقاذه معاذا إلى اليمن ~~ليفقههم في دينهم ويقبض زكواتهم وقد وجب عليهم المصير إلى روايته في نصب ~~الزكاة وفي فروعها وقد كان يرد على رسول الله الواحد والاثنان يخبران ~~باسلامهما وإسلام قومهما ويسألان أن ينفذ من يعلمهم شرائع الإسلام وكان ~~ينفذ النبي صلى الله عليه وسلم معهم الرجل الواحد كانفاذه أبا عبيدة وغيره ~~والعلم بذلك ظاهر لمن قرأ الأخبار والسير ولا يمكن دفعه ولم ms516 يكن النبي عليه ~~السلام ينفذ إليهم الجماعات الكثيرة ولو فعل ذلك لم يكن أهل المدينة ليفوا ~~بمن أسلم من القبائل ولا أوجب النبي صلى الله عليه وسلم على أهل القبلة أن ~~تصير بأجمعها إليه أو أكثرها لتعرف شرعه بل أوجب عليهم المصير إلى ما يؤديه ~~رسوله فان قيل أليس كانوا يعرفون التوحيد والنبوة وذلك لا يعمل فيه بأخبار ~~الآحاد قيل أما التوحيد فالمرجع # PageV02P120 # فيه إلى أدلة العقول فمن أظهره وجب علينا إحسان الظن به وأنه قد اعتقده ~~من وجهه ومن رام أن يعرف التوحيد أمكنه ذلك بالاستدلال بأدلته العقلية وليس ~~طريقة الاخبار فيقال إنهم اقتصروا فيه على الآحاد أو التواتر وأما النبوة ~~فطريقها المعجز والتحدي بالقرآن وغيره من المعجزات وقد كان اشتهر ذلك في ~~القبائل ولم يكن نقله بالآحاد فان قيل أليس لم يجز لهم أن يعملوا بأخبار ~~الآحاد إلا وقد دلت الدلالة عندهم على ذلك فان كان قد تواتر عندهم التعبد ~~بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يؤمنكم أن شرعه قد كان تواتر ~~إليهم عنه صلى الله عليه قيل إن كان وجوب العمل بأخبار الآحاد معلوما ~~بالعقل فلا يمتنع أن يكونوا عملوا على ذلك وإلا فانهم عملوا على ما تواتر ~~عندهم من أن النبي عليه السلام كان ينفذ آحاد الناس إلى القبائل يعلمونهم ~~الشرع لأنه إذا تواتر ذلك عندنا كان تواتره عندهم أولى وليس كذلك جميع شرعه ~~لأنهم لو علموا جميعه لما احتاجوا إلى إنفاذ من يعلمهم فان قيل فأول من ~~أنفذ النبي صلى الله عليه وسلم إليهم من اين علموا أن ذلك من دينهم قيل لا ~~يمتنع أن يكون أول من أنفذ النبي صلى الله عليه وسلم إليهم علموا ذلك ~~باخبار قومهم الذين نفذوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمتنع أن يكون ~~أولئك كانوا أكثر من أربعة فوقع لقومهم العلم باخبارهم ان النبي صلى الله ~~عليه وسلم تعبدهم بالرجوع إلى إخبار من أنفذه إليهم ليعلمهم شرعه فان قيل ~~أليس قد كان رسل النبي ms517 صلى الله عليه وسلم يعلمون الناس القرآن الذي يتلونه ~~في الصلاة وأعداد ركعات الصلوات وطريق ذلك يجب كونه معلوما دون أخبار ~~الآحاد قيل إنما كان يجب أن يكون طريق ذلك معلوما بعد انتشار الشريعة ~~وتواتر نقلها فأما في ابتداء الشريعة فطريق ذلك لمن بعد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخبار الآحاد وهي في تلك الحال من الفروع لا من الاصول وللمخالف ~~أن يقول إني إنما أمنع المجتهد من أن يعدل عن حكم العقل إلى خبر الواحد ولا ~~أمنع من رجوع العامي إلى المفتي في فروع الشرع فهل تواتر عندكم النقل بأن ~~الذين ارسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من أهل الاجتهاد وأن ~~الرسل كانوا يخبرونهم عن رسول الله ويكلونهم فيما أخبروهم إلى الاجتهاد # PageV02P121 # ليس معكم ذلك بل الظاهر ممن تجدد إسلامه أنه لم يكن من أهل الاجتهاد وأن ~~رسل النبي عليه السلام إنما كانوا يعلمونهم كما يعلم الفقيه العامي والأب ~~ولده كيفية الصلاة فان قلتم فبماذا علموا وجوب قبول فتوى ذلك الرسول قيل ~~لكم بما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من إنفاذ رسله ليعلمهم الأحكام ~~كما ذكرتموه أنتم حين قيل لكم بماذا علموا وجوب المصير إلى أخبار الآحاد ~~فان قلتم إذا لزم المصير إلى قول المفتي لزم المصير إلى خبر الواحد إذ لا ~~فرق بينهما كنتم قائسين بخبر الواحد على الفتوى وذلك انتقال من هذه الدلالة ~~إلى دلالة أخرى لأن هذه الدلالة غير مبنية على القياس بل على أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أنفذ المخبرين بالآحاد وأوجب على غير من ذكرتم فهذه ~~الدلالة تلزم من منع من قبل خبر الواحد ومنع العامي من قبول الفتوى # ومنها قولهم إذا وجب على العامي الرجوع إلى العالم المخبر عن اجتهاده مع ~~إمكان بقاء العامي على حكم العقل فبأن يجب على العالم أن يرجع إلى الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أولى ومنها قولهم إذا وجب على العامي الرجوع إلى ~~فتوى العالم وإن حكاه عن أبي ms518 حنيفة لما غلب على الظن صدقه فبأن يجب على ~~المجتهد الرجوع إلى الحكاية عن النبي عليه السلام أولى ومنها قولهم إذا وجب ~~على العامي الرجوع إلى رسول المفتي فبأن يجب على المجتهد الرجوع إلى ~~الحكاية عن النبي عليه السلام أولى ومنها قولهم إذا وجب على العامي الرجوع ~~إلى رسول المفتي فبأن يجب على المجتهد الرجوع إلى المخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أولى ومنها قولهم قد وجب الحكم بما شهد به الشاهدان لما كانا ~~عدلين وكان ما شهدا به مما لو علم لوجب الحكم به وهذا موجود في المخبر ~~العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجواب انهم إن حمعوا هذه المسائل ~~وردوها إلى العمل على الأخبار عن المعاملات والمنافع والمضار في الدنيا فهو ~~الدليل المذكور في أول الباب وإن جعلوا هذه الأصول اصولا شرعية وردوا إليها ~~هذه الفروع وجب أن يعللوها بعلل معلومة حتى يردوا بها هذه الفروع إليها ولم ~~يفعلوا ذلك ولا # PageV02P122 # يمتنع أن يكون إنما وجب على العامي الرجوع إلى الفتوى وإلى من يخبر عن ~~أبي حنيفة وإلى رسول المفتي لكونه غير مجتهد ألا ترى أنه يجب عليه الرجوع ~~إلى الفتوى ولا يجب ذلك على العالم ألا ترى أنه لا يمتنع أن تكون مصلحة ~~العامي الرجوع إلى إخبار المجتهد عن نفسه وإلى إخبار من يخبر عنه ويكون ~~رجوع المجتهد إلى المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يعلم صدقه ~~مفسدة وكثير من الناس يمنع من الفتوى على سبيل الحكاية عن الغير فلا يلزم ~~قياس المسألة على هذا الأصل وأما العمل على الشهادة فانهم إن جعلوه أصلا ~~شرعيا فيجب أن يعللوا ذلك بعلة شرعية معلومة ولم يفعلوا ذلك فمن أين أن ~~العلة ما ذكروه مع أنه ليس يمتنع أن تكون مصلحتنا أن لا تثبت حكما شرعيا في ~~الجملة بطريق غير معلوم ويجوز أن تكون مصلحتنا إذا ثبت الحكم في جملة ~~الشريعة بطريقة معلومة أن تثبت ذلك الحكم في الأعيان بطريق مظنونة وإذا جاز ms519 ~~ذلك فمن أين أن العلة ما ذكروه ألا ترى أن شهادة الواحد وخبر الواحد وإن ~~اشتركا في العلة التي ذكروها فقد افترقا في وجوب القبول فقد بطل أن تكون ~~العلة ماذكروه # ومنها لا بد للاحكام الشرعية من طريق وقد يحدث من المسائل ما ليس في ~~الكتاب والسنة المتواترة والإجماع والقياس دليل عليه فلم يبق إلا خبر ~~الواحد الجواب انه إن لم يوجد في شيء مما ذكروه حكم الحادثة كان للمخالف أن ~~يوجب البقاء على حكم العقل فلا تكون الضرورة داعية إلى أخبار الآحاد # واحتج المخالف بأشياء # منها أن العقل يمنع من قبول خبر الواحد من حيث لم يؤمن كونه كاذبا فنكون ~~عاملين بالمفسدة والجواب أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة العمل بما ظننا صدقه ~~من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اختص بشرائط صدق الراوي أم كذب ~~على ما بيناه من قبل وبينا أن العقل يجوز ويوجب العمل بخبر الواحد # PageV02P123 # وما ذكروه منتقض بالشهادات على أحكام الفروج والدماء لأنا لا نأمن كذبها ~~ويلزمنا العمل بها ولا يلزم من ذلك جواز عملنا بالمفسدة والظلم # ومنها أن التعبد السمعي لم يرد بقبول خبر الواحد والجواب أنا قد بينا أنه ~~قد ورد بذلك ولو لم يرد به لكفى دليل العقل في التعبد به # ومنها قول الله عز وجل {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وقوله {ولا ~~تقف ما ليس لك به علم} وقوله {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} والعمل بخبر ~~الواحد اقتفاء لما ليس لنا به علم وشهادة وقول بما لا نعلم لأن العمل به ~~موقوف على الظن الجواب أنه ليس في العمل بخبر الواحد شيء مما ذكروه لأن عند ~~خبر الواحد نعمل بموجبه ونخبر بوجوب ذلك علينا ونعلمه ونخبر بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ذلك إن لم يكن الراوي تعمد الكذب ولا سها ولا غلط أما ~~العمل بموجبه فليس نقول فيقال إنه قول ما ظنناه أو بما علمناه وهو اقتفاء ~~لما كنا به عالمين وهو الدليل ms520 القاطع الدال على وجوب العمل بخبر الواحد ~~وهذا الدليل هو الذي اتبعناه في العمل وفي الإخبار بوجوب العمل علينا فلم ~~نقل على الله عز وجل ما لا نعلمه واعتقادنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ذلك إن لم يكن الراوي غلط أو تعمد الكذب وهو علم وإخبارنا بذلك شهادة ~~بما نعلمه لأن كل مخبر إذا لم يتعمد الكذب ولم يفعله سهوا أو غلطا فهو صادق # ومنها قول الله عز وجل {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} قدم من اتبع الظن وبين أنه لا غناء له في الحق فكان على عمومه الجواب ~~انا بعلمنا على خبر الواحد متبعون الدليل القاطع الدال على اتباع خبر ~~الواحد إن قيل أليس لا بد أن تظنوا صدق الراوي حتى تعلموا # PageV02P124 # بالخبر قيل بلى ولكن الاتباع هو الدليل فان قيل فقد جعلتم للظن حظا في ~~الاتباع لأنكم لو لم تظنوا صدق الراوي لم تعلموا بالخبر الجواب ان الله ~~تعالى إنما ذم من لم يتبع إلا الظن بقوله {إن يتبعون إلا الظن} فلم يدخل في ~~ذلك من اتبع الدليل عند الظن وقوله عقيب ذلك {إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} يفيد أن ما فعلوه من أنهم ما يتبعون إلا الظن لا يغني من الحق شيئا ~~فكأن الظن وحده لا يغني من الحق شيئا ويفيد أيضا أن الظن للشيء لا يفيد أن ~~المظنون حق لا محالة وكذلك نقول لأنا إذا ظننا صدق الراوي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال كذا وكذا لم يجب أن يكون ذلك حقا لأنا ظنناه على أنا ~~إذا علمنا وجوب العمل بخبر الواحد عند ظننا صدقه فالذي أغنى في الحق هو إما ~~الدليل الدال على موجب خبر الواحد وإما مجموع الدليل مع الظن ومجموع ~~الأمرين ليس هو الظن # ومنها قول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ~~أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} قالوا والحكم بخبر ~~العدل عمل على ms521 جهالة لتجويزنا كذبه فقد تساوى من هذه الجهة العمل بخبر ~~الفاسق فحرم العمل به الجواب ان العمل بالجهالة عمل بالشيء من غير طريق ~~يسوغ العمل به ولهذا لم يكن المسافر عاملا بجهالة إذا سافر بعد الفحص ~~والمساءلة وإن جوز أن يكون الأمر بخلاف ما أخبر به فان ادعى المستدل أن ~~العمل بخبر الواحد عمل بغير طريق يسوغ ذلك فقد بني أحكامه على نفس المسألة # ومنها قوله عز وجل {ثم يحكم الله آياته} فلو كان خبر الواحد دلالة وكان ~~من آيات الله لكان الله قد أحكمه ولو أحكمه لم يجز كونه كذبا الجواب ان ذلك ~~وارد عقيب قول الله عز وجل {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته} # PageV02P125 # فبين أنه يحكم آياته بعد نسخ ما يلقيه الشيطان لأن ثم للترتيب والذي يقف ~~أحكامه على نسخ ما القاه الشيطان هو القرآن لأنه هو الذي له تعلق بما ألقاه ~~الشيطان وأيضا فخبر الواحد امارة وليس بدلالة فلم يطلق عليه القول بأنه من ~~آيات الله عز وجل وإن كان العمل يجب عنده لأن الآية دلالة كما لا تكون ~~الشهادات من آيات الله عز وجل حتى يقطع على صدقها وإن وجب العمل عندها # ومنها قول الله عز وجل {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} فأخبر ~~أنه مرسل إلى كافة الناس فوجب عليه أن يخاطب بشرعه جميعهم وذلك يقتضي نقل ~~جميعهم أو من يتواتر الخبر بنقله فما روي بالآحاد ليس من شرعه الجواب يقال ~~لهم ولم لا يكون مرسلا إلى كافة الناس وإن بين شرعه لبعضها بالآحاد فان ~~قالوا لجواز أن لا يصل إليهم شرعه إذا أودعه آحاد الناس قيل ولم لا يجوز أن ~~يلزمهم شرعه بشرط أن يبلغهم كما يلزم شرعه من بعد عنه من أهل عصره إذا ~~بلغهم ولا يلزمهم قبل أن يبلغهم - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يرد له ~~الخبر وما لا يرد له ms522 مما فيه اشتباه - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سيكذب علي يدل على ~~أنه قد كذب عليه أو سيكذب فيما بعد عليه لأنه إن كان هذا الخبر كذبا عليه ~~فقد كذب عليه وإن لم يكن كذبا عليه فقد كذب عليه أو سيكذب عليه بعد هذا ~~الوقت وإذا جوزنا أن يكون قد تقدم الكذب عليه فلا بد من اعتبار الأخبار ~~المروية ولو لم يرو هذا الخبر لكان تجويز الكذب عليه يقتضي اعتبار الأخبار ~~فكيف وقد روي هذا الخبر # PageV02P126 # والأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ضربان أحدهما يعلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالها والآخر لا يعلم أنه قالها فالمعلوم أنه ~~قاله إما أن لا تتعارض وإما أن تتعارض فان لم تتعارض وجب العمل بها إن ~~تضمنت عملا وإن تعارضت وأمكن تأويل بعضها على موافقة بعض فعل ذلك بأن يحمل ~~أحدهما على المجاز إما بنسخ أو تخصيص أو غير ذلك وإن لم يمكن تأويل بعضها ~~على موافقة بعض حملا على التخيير إذ ليس العمل على أحدهما أولى من الآخر ~~ووقوع العلم بالخبر يمنع من رده من غير تأويل # وأما الأخبار التي لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها فضربان ~~أحدهما يتضمن عملا والآخر لا يتضمن عملا فما لا يتضمن عملا لا يجوز ~~الاحتجاج به وما يتضمن عملا فقد يجب العمل به على شرائط وقد يرد لفقد تلك ~~الشرائط وقد يحصل في بعض ذلك اشتباه وقد لا يحصل فيه اشتباه فكل ذلك يجب ~~رجوعه إما إلى الخبر أو إلى ما للخبر به تعلق وهو الراوي وكيفية نقله ~~والمخبر عنه أما الراجع إلى الخبر فبأن يكون فيه زيادة لم تذكر في رواية ~~اخرى فان ذلك قد يقدح في الحديث في بعض الحالات ومما يشتبه الحال فيه أن ~~يخالف حفاظ أهل النقل في ألفاظ الحديث وأما ما يرجع إلى الراوي فضربان ~~أحدهما يرجع إلى العدد والآخر يرجع إلى الأحوال أما ms523 الراجع إلى الأحوال فهو ~~كل ما قدح في الظن لصدقه أن لا يكون عدلا ويدخل في ذلك الكذب والتساهل وقله ~~التحفظ فيما يسمعه ويرويه ووجوه الفسق كلها ونحو ما سخف من المعاصي ~~والمباحات ونحو أن لا يكون ضابطا ونحو أن يعتريه السهو بعد ضبط الحديث على ~~تفصيل سنذكره ونحو أن يكون مجهولا غير معروف العدالة ولا يرد حديثه إذا كان ~~له اسم يعرف به واسم لا يعرف به وإذا لم يكثر من رواية الحديث ولا كاثر ~~مجالسة أهل العلم أو رواه ثم ذكر به فلم يذكره او كان واحدا لم يروه معه ~~غيره وهذا القسم يرجع إلى العدد واما كيفية النقل فأشياء منها رواية الحديث ~~على المعنى ومنها روايته من كتاب وهو لا يذكره ومنها التدليس ومنها الإرسال ~~ومنها إرسال الحديث تارة # PageV02P127 # وإسناده اخرى وروايته تارة موقوفا وتارة موصولا وأما حال المخبر عنه فبأن ~~يثبت بالدليل القاطع خلاف ما اقتضاه الخبر كدليل العقل والكتاب والسنة ~~المعلومة ولا فرق بين أن يكون الخبر دافعا للكتاب والسنة المعلومة على كل ~~حال أو على وجه النسخ واختلفوا إذا كان الخبر مخصصا لهما واختلفوا إذا كان ~~المخبر عنه يعم البلوى به هل يرد له خبر الواحد أم لا ولا يرد إذا عمل ~~النبي صلى الله عليه وسلم بخلافه أو عمل أكثر الصحابة بخلافه وكذلك إذا عاب ~~أكثرهم على الراوي على اختلاف فيه ولا يرد إذا خالف قياس الأصول # ونحن نذكر أولا ما يرجع إلى الخبر ثم ما يرجع إلى المخبر ثم ما يرجع إلى ~~كيفية نقله ثم ما يرجع إلى المخبر عنه إن شاء الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في الخبر إذا تضمن زيادة لم تذكر في رواية أخرى - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه إذا روي الراوي زيادة فاما أن يكون لم يروها غيره أو لم يروها ~~هو مرة أخرى والأول ضربان احدهما أن يكون من لم يروها لا يقبل حديثه والآخر ~~أن يقبل حديثه فالأول لا يمنع من قبول الزيادة لأن ms524 راويها ممن يقبل روايته ~~ولم يعارضها رواية مثلها يبين ذلك أن الذي لا يقبل روايته لو روى نفي تلك ~~الزيادة لم يمنع ذلك من قبول الزيادة فبأن لا يمنع تركه لذكرها أولى وإن ~~كان الذي لم يروها يقبل روايته فأما أن يعلم انهما أسندا الخبرين إلى ~~مجلسين أو إلى مجلس واحد أو لا يعلم ذلك من حالهما فان علمنا أنهما أسنداه ~~إلى مجلسين قبلت الزيادة لأنه لا معارض لها لجواز أن يقيد النبي عليه ~~السلام كلامه في بعض الحالات دون بعض ثم هل تلك الزيادة نسخ أو تخصيص قد ~~بين فيما سلف وإن علمنا أنهما أسنداه إلى مجلس واحد فاما أن يكون الذي لم ~~يرو الزيادة عددا لا يجوز أن يغفلوا عن تلك الزيادة التي رواها الواحد وإما ~~أن يكون الراوي لها عددا لا يجوز عليهم توهم ما لم يكن وإما أن يجوز على ~~كلا # PageV02P128 # الفريقين ذلك ويجوز خلافه فالأول يمنع من قبول الزيادة لأن من لم يروها ~~إنما لم يروها لأنها لم تكن ويكون الراوي لها قد سمعها من غير النبي صلى ~~الله عليه وسلم فظن أنه سمعها منه عليه السلام وإن كان الراوي للزيادة عددا ~~كثيرا لا يجوز عليهم توهم ما لم يكن قبلت الزيادة لأنهم ما رووها إلا لأنها ~~كانت وإن لم يكن الراوي لها ولا التارك لها عددا كثيرا فإما أن تكون ~~الزيادة مغيرة الإعراب وبناء الكلام أو غير مغيرة لذلك بل منفصلة فالأول ~~كقوله أو نصف صاع من بر وكقوله أو صاعا من بر فكل واحد من الراويين قد روى ~~ما ينفي رواية الآخر لأن أحدهما روى النصب والآخر روى الجر فروايتهما ~~متناقضة فان تفاضلا في الضبط عمل على رواية الأضبط لأن مع تعارض الروايتين ~~وكون كل واحد من الراويين يقبل حديثه يجب الترجيح وقوة الضبط والعدالة مما ~~يرجح به الخبر وإن تساويا في الضبط واشتبه علينا الأمر في تفاضلهما فيه لم ~~تكن رواية أحدهما بالقبول أولى من الأخرى فيجب الرجوع إلى ترجيح آخر وإن ms525 ~~كانت الزيادة لا تغير بناء لفظ الحديث وإعرابه كما روي من قوله أو صاعا من ~~بر وما روي من قوله أو صاعا من بر بين اثنين فكل واحد منهما قد روى أو صاعا ~~من بر على صورة واحدة وزاد أحدهما بين اثنين فهذه الزيادة تقبل # فصارت الزيادة إنما تقبل على شروط منها أن لا يكثر عدد من لم يروها ومنها ~~أن لاتكون مؤثرة في لفظ المزيد عليه وإعرابه أو اثرت كان راويها أضبط ~~والشيخ أبو عبد الله يقبل الزيادة سواء أثرت في اللفظ أو لم تؤثر إذا أثرت ~~في المعنى وقبلها قاضي القضاة إذا أثرت في المعنى دون اللفظ ولم يقبلها إذا ~~اثرت في إعراب اللغظ وحكى أن اصحاب الحديث لا يقبلون الزيادة # والدلالة على قبولها إذا اختصت بالشرائط المذكورة أن الراوي للزيادة ممن ~~يجب قبول خبره ولا معارض لروايته فوجب قبولها كما لو انفرد برواية # PageV02P129 # الحديث ولم يروه غيره وإنما قلنا إنه ممن يقبل لأنه مختص بالعدالة والضبط ~~وجميع الصفات المطلوبة وإنما قلنا إنه لا معارض لروايته لأن التارك لرواية ~~الزيادة لم ينفها لفظا ولا معنى أما أنه لم ينفها لفظا فبين واما أنه لم ~~ينفها في المعنى فلأنه لا يمكن أن يقال إنه نفاها في المعنى إلا من حيث كان ~~الراوي الآخر لما ساق الحديث وكان قصد استيفاؤه ثم لم يذكر الزيادة علم أنه ~~قد نفاها وجرى مجرى أن ينفيها لفظا ويمكن أن يكون هذا الكلام دليلا له ~~مبتدأ والجواب إنه ليس يجب أن يكون إنما لم يروها التارك لها لأنه نفاها ~~لكن يجوز أن يكون إنما لم يروها لأنه لم يسمعها لسهو اعتراه حين تكلم بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو لشغل قلب اعتراه أو تشاغل بعطاس أو إصغاء إلى ~~كلام آخر فاذا جاز كل ذلك بطل القول بأن التارك للزيادة قد نفاها في المعنى # فان قيل فلم ما حملتم ترك الرواية للزيادة على أحد هذه الوجوه بأولى من ~~أن يحملوا رواية من رواها على أنه ms526 تصور أنه سمع تلك الزيادة من النبي عليه ~~السلام ولم يكن سمعها منه قيل لأن سهو الإنسان عما سمعه وتشاغله عن سماع ما ~~جرى بمشهد منه يكثر ولا يكثر توهم الإنسان أنه سمع ما لم يسمع ولأنه لا سبب ~~لذلك إلا أنه سمع الزيادة من الغير فظن أنه سمعها من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو سمع من النبي عليه السلام شيئا فظن أنه سمع منه ايضا ما له به ~~ولترك رواية ما جرى اسباب كثيرة قد ذكرناها فلذلك كان ترك الإنسان رواية ما ~~جرى أكثر من روايته ما لم يجر إذا لم يتعمد الكذب # فان قيل فيجب أن يكون رواية من روى أو نصف صاع من بر أولى من رواية من ~~روى أو صاعا من بر لأن فيها زيادة نصف يجوز أن يكون التارك لها لم يسمعها ~~قيل لو لم يكن إلا هذا لكانت الزيادة أولى لكن لما تعارضا في رواية إعرابين ~~متنافيين لم تكن إحدى الروايتين أولى من الأخرى يبين ذلك أنه لا يمكن أن ~~يقال لعل الذي روى أو صاع من بر لم يسمع لفظه نصف وسمع لفظ صاع لأنه لو كان ~~كذلك لسمعها مجرورة # PageV02P130 # إن قيل فيلزم على ما ذكرتم أن الذي لم يرو الزيادة لو نفاها لم يعارض ~~نفيه رواية من رواها قيل إن قال أعلم أنه لم تكن هذه الزيادة وأنني ما ~~سمعتها ولم يقطعني قاطع عن سماعها فانه يكون ناقلا للنفي ولارتفاع الموانع ~~كما نقل الآخر الزيادة فتتعارض الروايتان وإن قال لم تكن هذه الزيادة فانه ~~يحتمل أن يكون ذلك موضع اجتهاد ويحتمل أن يقال رواية المثبت أولى لأنه ~~يحتمل أن يكون النافي إنما نفى الزيادة بحسب ظنه ويحتمل أن يقال يرجع إلى ~~رواية النافي إذا كان أضبط # واحتج الدافعون للزيادة بأشياء # منها أن ضبط الراوي إنما يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فاذا لم يوافقه ~~في الرواية لم يعرف ضبطه والجواب إنه لو لم يثبت ضبط الإنسان إلا بموافقة ~~ضابط آخر له أدى إلى ms527 ما لا نهاية له ولم يعرف ضبط أحد فعلمنا قد يعرف ضبط ~~الإنسان لغير ذلك مما هو موجود فيمن روى الزيادة وأيضا فانما يعرف اختلال ~~ضبط الانسان إذا خالفه من يضبط مرارا كثيرة فأما المرة والمرتان فلا يمتنع ~~أن يضبط هو فيها ويسهو من هو أضبط منه # ومنها قولهم إن جماعة لو كانوا في مجلس فنقلوا عن صاحبه كلاما وانفرد ~~واحد منهم بزيادة غير الباقين مع كثرتهم وشدة عنايتهم بما سمعوه ورووه ~~لأطرح السامعون تلك الزيادة الجواب إن ذلك ليس مما نحن بسبيله لأنا قد قلنا ~~إن الجماعة إذا تركت الزيادة كانت روايتها أولى وكذلك إذا كان التارك ~~للزيادة أضبط إذا غيرت الزيادة اللفظ # ومنها قولهم إذا كان الضابط لو وافق هذا الراوي للزيادة لقوي بموافقته ~~خبره فيجب إذا خالفه أن يضعف والجواب إنه بامساكه عن الزيادة غير مخالف له ~~كما أنه بامساكه عن رواية خبر آخر لا يكون مخالفا له وأيضا فانه إذا وجب ~~قول الزيادة بمشاركة غيره من الرواة له وجب إذا لم # PageV02P131 # يشاركوه أن تنقص تلك القوة وليس إذا نقصت يجب أن تبلغ حدا في الضعف لا ~~يقبل الخبر معه ألا ترى أنه لو شارك الراوي جماعة في خبر فقوي الخبر بذلك ~~فانه إذا لم يشاركوه في الرواية بل رواه وحده لا يجب أن ينتهي في الضعف إلى ~~حد لا يجوز أن يقبل معه # فأما إذا لم يعلم هل اسند المخبران الخبرين إلى مجلس واحد أو مجلسين ~~وكانت الزيادة تغير إعراب المزيد عليه ولم يكن الراوي له ولا التارك لها ~~كثرة فانه يقتضي التوقف والرجوع إلى الترجيح لأنا لا نأمن أن يكونا قد ~~اسنداه إلى مجلس واحد فيتمانعا والصحيح أن يقال يجب حمل الخبرين على أنهما ~~جريا في مجلسين لأنهما لو كانا في مجلس واحد لجرى على لفظ واحد ولو كان ~~اللفظ واحدا لكان الظاهر من عدالتهما وضبطهما أن لا يختلف روايتهما # فأما إذا روى الراوي زيادة لم يروها هو مرة أخرى متقدمة أو متأخرة وأنه ~~إن ms528 أسند الروايتين إلى مجلسين قبل ذلك وكذلك إذا لم يعلم أنه اسندهما إلى ~~مجلسين حمل أنهما كانا في مجلسين وإن علمنا أنه لم يسندهما إلى مجلسين وكان ~~قد روى الخبر دفعات كثيرة من غير زيادة ورواه مرة واحدة بالزيادة فالأغلب ~~انه سها في إثبات الزيادة لأن سهو الإنسان مرة واحدة أغلب وأكثر من سهوه ~~مرارا كثيرة فان قال قد كنت أنسيت هذه الزيادة والآن ذكرتها قبلت الزيادة ~~وحمل أمره على الأقل النادر لمكان قوله وكذلك إن كان له كتاب يرجع إليه وإن ~~كان إنما رواها مرة وأخل بروايتها مرة وكانت الزيادة تغير إعراب الكلام ~~تعارضت الروايتان وإن كانت الزيادة لا تغير اللفظ احتمل أن يتعارضا لأنه ~~على كل حال قد وهم وهما باطلا إما زيادة لا اصل لها وإما نسيانا لما كان له ~~اصل فليس بأن يقال ضبطه يمنع من أن يكون قد وهم عند سماعه للحديث زيادة لا ~~اصل لها وأنه نسي فلم يروها في بعض الحالات وذكرها مرة أخرى بأولى من ان ~~يقال إن ضبطه # PageV02P132 # يمنع من نسيانه لها والأولى أن يقال أظنه من روايته لما لم يسمعه توهما ~~منه أنه سمعه الأقرب أن يكون نسيها حين لم يروها لأن نسيان الضابط لما سمع ~~عند تطاول الزمان أكثر وأغلب من ذهابه عن سماع ما حضره فوجب لذلك قبول ~~الزيادة # وإذا روى الراوي الحديث تارة مع زيادة وتارة بغير زيادة استهانة وقلة ~~تحفظ سقطت عدالته ولم يقبل حديثه وإذا كان في الخبر لفظ لا يفيد إلا ~~التأكيد لم يجز إسقاطه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكره إلا لفائدة # فأما إذا خالف في لفظ الحديث حفاظ أهل النقل فقد ذكر ذلك في جملة ما يرد ~~له الحديث وهو داخل في الزيادة وقد ذكرناه الآن لأن الخلاف ليس يقع بينهم ~~إلا بأن يزيد أحدهم في الحديث ما لا يرويه الآخر او يروي أحدهما اللفظ على ~~إعراب يروي الآخر خلافه وقد تقدم بيان ذلك كله - صلى الله عليه وسلم - باب ms529 ~~في ذكر فصول أحوال الراوي - صلى الله عليه وسلم - ### | فصل # اعلم أنه لما وجب رد الخبر إذا كان الراوي غير عدل وجب أن نذكر ما العدل ~~وما العدالة ثم نذكر الدلالة على اشتراط العدالة في الأخبار # أما العدل والعدلة فهما في اللغة مصدر مقابل الجور وهو إيضاف الغير بفعل ~~ما يجب له ويستحق عليه وترك ما لا يجب عليه ولهذا وصف العقاب بأنه عدل لما ~~كان مستحقا على المعاقب ويوصف ترك الزيادة عليه بأنه عدل ويوصف الثواب بأنه ~~عدل لما كان واجبا للمثاب فان قيل فيجب إذا لم يجب على الإنسان حق لغيره ~~وكان ما يستحقه على غيره لا يستوفيه أن يوصف بأنه غير عدل قيل لا يجوز ذلك ~~لأن قولنا غير عدل يطلق على الجائر وإطلاق هذا الوصف على ما ذكره السائل ~~يوهم أنه جائر # PageV02P133 # وذكر قاضي القضاة أن العدل هو فعل حسن يتعدى الفاعل إلى غيره بنفعه أو ~~بضرره وقد التزم على ذلك أن يكون الابتداء بالتفضل عدلا قال ولذلك يقال إن ~~الله سبحانه عدل بابتداء الخلق في الدنيا وقد تعورف استعمال العدل في ~~المستكثر من فعل العدل ولذلك يوصف الله سبحانه بأنه عدل وتعورف استعماله ~~أيضا فيمن أهل لقبول شهادته ويدخل في ذلك الحرية وغيرها وتعورف أيضا فيما ~~تقبل روايته عن النبي عليه السلام وهو من اجتنب الكبائر والكذب والمسخفات ~~من المعاصي والمباحات ولا خلاف في اعتبار هذه الأمور فيمن يروي الخبر لأن ~~خلاف ذلك يقدح في الثقة لقوله لأن من تقدم على الكذب لا يؤمن منه الكذب في ~~كل ما يخبر به ومن تقدم على الفسق وهو يعتقد انه فسق لا يؤمن منه الإقدام ~~على الكذب في حديثه ومن تقدم على المسخفات كالتطفيف وكالأكل على الطريق وإن ~~اثمر النقص لا يؤمن منه الكذب وإن أثمر عنده النقص والمشارطة على أخذ ~~الاجرة على الحديث فهو ابلغ في الدناءة من الأكل على الطريق وهو جار مجرى ~~اشتراط الاجرة على صلاة النافلة # وأما الفسق في الاعتقادات إذا كان صاحبه ms530 متحرجا في افعاله فعند الشيخين ~~ابي على وابي هاشم أنه يمنع من قبول الحديث لأن الفسق في أفعال الجوارح ~~يمنع من قبول الحديث لكونه فسقا لا لأنه من افعال الجوارح لأن المباحات من ~~أفعال الجوارح لا تمنع من قبول الحديث وهذه العلة قائمة في الاعتقالات إذا ~~كانت فسقا والجواب إن الفسق من أفعال الجوارح إنما منع من قبول الحديث لأن ~~فاعله فعله وهو يعلم أنه فسق فقدح ذلك في الظن لصدقه ولم يؤمن أن يقدم على ~~الكذب وإن علم أنه محظور وليس كذلك إذا اعتقد اعتقادا هو فسق وقد اشتبه ~~عليه وهو متحرج في أفعاله # إن قيل أليس لو فسق وهو يعلم أنه فسق لم يقبل حديثه فكيف يقبل إذا ضم إلى ~~فسقه خطيئة أخرى وهي اعتقاده أن ذلك غير فسق قيل إنه إذا # PageV02P134 # لم يعتقد أنه فسق لم يقدح ذلك تحريجه وتنزهه عن الكذب وليس كذلك إذا ~~اعتقد أنه فسق # وعند جل الفقهاء أن الفسق في الاعتقاد لا يمنع من قبول الحديث لأن من ~~تقدم قد قبل بعضهم حديث بعض بعد الفرقة وقبل التابعون رواية الفريقين من ~~السلف ولأن الظن يقوى بصدق من هذه سبيله إذا كان متحرجا فأما الكفر الذي ~~يخرج به الإسلام من جملة الإسلام وأهل القبلة كاليهودية والنصرانية فانه ~~يمنع من قبول الخبر للاجماع على ذلك ولأن الخارج من الإسلام يدعوه اعتقاده ~~فيه إلى التحريف فيه ولا يقوى الظن لصدقه وأما الكفر بتأويل فذكر قاضي ~~القضاة أنه يمنع من قبول الحديث قال لاتفاق الأمة على المنع من قبول خبر ~~الكافر قال والفقهاء إنما قبلوا أخبار من هو كافر عندنا لأنهم لم يعتقدوا ~~فيه أنه كافر والأولى أن يقبل خبر من فسق أو كفر بتأويل إذا لم يخرج من أهل ~~القبلة وكان متحرجا لأن الظن لصدقه غير زائل وادعاؤه الإجماع على نفي قبول ~~خبر الكافر على الإطلاق لا يصح لأن كثيرا من أصحاب الحديث يقبلون كثيرا من ~~أخبار سلفنا رحمهم الله كالحسن وقتادة وعمرو مع علمهم بمذهبهم ms531 وإكفارهم من ~~يقول بقولهم وقد نصوا على ذلك فأما من يظهر منه العناد في مذهبه مع ظهوره ~~عنده فانه لا يقبل حديثه كما لا يقبل حديث الفاسق بأفعال الجوارح لما كان ~~يعلمها فسقا فأما من تدين بالكذب لينصر مقالته فالظن لا يحصل بصدقه وكذلك ~~التساهل في الحديث وترك التحفظ من الزيادة فيه والنقصان منه # وأما كون الراوي غير ضابط لما يسمعه أو يعتريه السهو فيما يسمعه بعد ~~سماعه له فله أحوال ثلاثة # أحدها أن يكون سهوه واختلال ضبطه أكثر فيقدح ذلك في الظن لما نقله إلا أن ~~يكون ما نقله مما يبعد أن لا يضبطه الإنسان وليس لأحد أن يقول الظاهر من ~~العقل الضبط وقلة السهو لأن العقلاء يختلفون في الضبط # PageV02P135 # وليس له أن يقول الظاهر من العدل أنه لا يروي الحديث وهو يتهم ضبط نفسه ~~وحفظه لأن من لا يضبط يظن أنه قد ضبط ومن سها يظن أنه ما سها فيروي حسب ظنه # والثاني أن يتساوى ضبطه واختلاله فلا يحصل الظن أيضا لصحة ما رواه لتعادل ~~الأمرين فلا يقبل حديثه إن قيل أليس قد أنكرت الصحابة رضي الله عنها على ~~أبي هريرة رحمه الله كثرة الرواية ثم قبلت أخباره قيل إنها لم تنكر عليه ~~لقلة ضبطه لكن لأن الكثرة يعرض فيها الاختلال والسهو فاحتاطت بالإنكار عليه ~~وإن كان أهلا لقبول أخباره وذكر قاضي القضاة في الشرح أنه إذا تساوى غفلته ~~وذكره قبل خبره لأن الخبر أمارة فالأصل فيه الصحة ولقائل أن يقول إن الخبر ~~أمارة إذا تكاملت شرائطه ولا تتكامل شرائطه إلا أن يترجح ذكر الراوي على ~~سهوه # والثالث إن كان الأكثر منه الذكر وجودة الضبط قوي الظن لصحة روايته فقبل ~~خبره فيما لا يعلم أنه سها فيه # واعلم أنه إذا ثبت اعتبار العدالة وغيرها من الشرائط التي ذكرناها وجب إن ~~كان لها ظاهر أن يعتمد عليه وإلا لزم اختيارها ولا شبهة أن في بعض الأزمان ~~كزمن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد كانت العدالة منوطة بالإسلام فكان ms532 ~~الظاهر من المسلم كونه عدلا ولهذا اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في قبول ~~خبر الأعرابي عن رؤية الهلال على ظاهر الاسلام واقتصرت الصحابة على إسلام ~~من كان يروي الأخبار من الأعراب فأما الأزمان التي كثرت فيها الجنايات ممن ~~يعتقد الإسلام فليس الظاهر من إسلام الإنسان كونه عدلا فلا بد من اختباره ~~وقد ذكر الفقهاء هذا التفصيل # ولا يرد حديث من لا يعرف معنى ما ينقله كالأعجمي لأن جهله بمعنى الكلام ~~لا يمنع من ضبطه الحديث ولهذا يمكن للأعجمي ان يحفظ القرآن وإن لم يعرف ~~معناه وقد قبلت الصحابة أخبار الأعراب وإن لم يعرفوا كثيرا من معاني # PageV02P136 # الكلام مما يفتقر إلى الاستدلال فأما الصبي فالأغلب أن النفس لا تثق ~~بروايته فان جاز في بعض الحالات أن يغلب الظن لصدقه فالشرع منه من قبول ~~خبره إذا رواه وهو صبي فان سمع الحديث وهو صبي ورواه وهو بالغ قبل خبره وقد ~~قبلت الصحابة رضي الله عنها رواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإن كان حين سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم غير بالغ لما كان حين رواها ~~بالغا ويقبل رواية المرأة والعبد والأعمى من حفظه لأنه قد يظن صدقهم في ~~روايتهم ولم تمنع الشريعة من قبولها بل قد قبلت الصحابة رواية ابن عباس ~~وكان ضريرا ورواية النساء ويقبل رواية من لم يرو إلا خبرا واحدا ولم يكاثر ~~أهل العلم ولا أطال مجالسة أهل النقل لأن كل خصلة لا تقدح في غالب الظن ~~لصحة الرواية ولم يرد الشرع باعتبار نفيها فانها لا تمنع من قبول الحديث ~~وكون الراوي غير مجالس لأهل العلم لا يقدح في ظننا صدقه # ويفارق ذلك استفتاء من لم يجالس أهل العلم لأن جواز الاستفتاء موقوف على ~~كون المفتي من أهل الاجتهاد ولن يكون الإنسان كذلك إلا بالتعلم ومجالسة ~~العلماء إلا أنه إذا تعارض خبران أحدهما يرويه من لم يجالس اهل النقل ~~والآخر يرويه من جالسهم كانت رواية من جالسهم أولى لأن المكثر من مجالسة ~~أهل ms533 الصنعة أخبر بها وأعرف بتفاصيلها # ويقبل حديث الإنسان وإن اختلف في اسمه متى عرفت عدالته إما بظاهر الإسلام ~~وإما بطريقة زائدة وإذا روى زيد عن عمرو خبرا فقال عمرو لا أذكر أني رويت ~~هذا الحديث فعند أبي الحسن رحمه الله لا يقبل الحديث لأنه الأصل في الرواية ~~فاذا أنكرها لم يقبل وكذلك رد حديث ربيعة عن الزهري أيما امراة نكحت بغير ~~إذن وليها فنكاحها باطل لأن الزهري أنكر أن يكون رواه وعند الشافعي وغيره ~~أنه يقبل لأن ثقة الراوي تقتضي قبول حديثه ما أمكن ويمكن أن يكون صادقا وإن ~~لم يذكر المروي عنه لأنه يجوز أن ينسى أنه رواه فقد يحدث الإنسان بحديث من ~~أمر الدنيا ثم يسهو عنه ويذكر به فلا # PageV02P137 # يذكره إلا بعد زمان طويل وربما لم يذكره أصلا فاذا كان كذلك جاز للمروي ~~عنه أن يرويه عن الراوي كما قال الزهري حدثني ربيعة عني فان قال المروي عنه ~~ما رويت هذا الحديث جاز أن يكون قال ذلك بحسب ظنه فلا يرد الحديث فان قال ~~أعلم أني ما رويته فانه تعارض ذلك رواية من روى عنه لأن كل واحد منهما ثقة ~~فيحتمل أن يكون المروي عنه قد رواه ثم نسيه ويحتمل أن يكون الراوي سمعه من ~~غيره ممن ليس بثقة وأسنده إلى من أسنده إليه سهوا ### | فصل في أن الخبر لا يرد إذا كان راويه واحدا # ذهب جل القائلين بأخبار الآحاد إلى قبول الخبر وإن رواه واحد وقال أبو ~~علي إذا روى العدلان خبرا وجب العمل به وإن رواه واحد فقط لم يجز العمل به ~~إلا بأحد شروط منها أن يعضده ظاهر أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو يكون ~~منتشرا وحكى عنه قاضي القضاة في الشرح أنه لم يقبل في الزنا إلا خبر اربعة ~~كالشهادة عليه ولم تقبل شهادة القابلة الواحدة # والدليل على القول الاول قياسه على أخبار المعاملات على ما ذكرناه في ~~الباب المتقدم ويدل عليه إجماع السلف عمل أبو بكر رضي الله عنه على خبر ms534 ~~رواه بلال وعمل عمر على خبر حمل بن مالك وعملت الصحابة على خبر أبي سعيد في ~~الربا وعملت على خبر أبي رافع في المخابرة وكان علي عليه السلام يستحلف ~~ويقبل خبر ابي بكر بغير استحلاف وليس يجوز أن يقال لعلهم قبلوا ما قبلوه ~~لأن اجتهادا عضده لأنهم كانوا يتركون اجتهادهم لبعض هذه الأخبار وكانوا لا ~~يرون بالمخابرة بأسا حتى روي لهم عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنها # وحجة أبي علي رحمه الله هي المرجع في قبول خبر الواحد إلى الشرع وقد روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمل على خبر ذي اليدين حتى سأل ابا بكر ~~وعمر وقد اعتبرت الصحابة العدد في الأخبار فان ابا بكر لم يقبل خبر المغيرة ~~في الجدة حتى رواه معه محمد بن مسلمة ولم يعمل عمر على خبر أبي موسى في ~~الاستئذان # PageV02P138 # حتى رواه معه غيره ولا عمل على خبر فاطمة بنت قيس ولم يقبلا خبر عثمان في ~~رد الحكم وقالا إنك شاهد واحد قال فعلمت أن ذلك إجماع لأنه لم ينكر عليهم # الجواب أما رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبر ابي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما في خبر ذي اليدين فان دل فانما يدل على اعتبار ثلاثة ابي بكر وعمر ~~وذي اليدين على أن الإنسان قد يخبر عن أمور الدنيا بما يظن خلافه فيرجع في ~~تحقيق ذلك إلى جماعة استظهارا وطلبا لقوة الظن فلا يدل على أنه لا يعول في ~~أمور الدنيا إلا على خبر جماعة وأما طلب الصحابة لراو آخر فانه لا يدل على ~~أنهم اعتقدوا أنه لا يعمل على الواحد لو انفرد لأن الحاكم قد يطلب شاهدا ~~ثالثا ليقوي ظنه وإن كان لو لم يشهد الثالث عمل على شهادة الاثنين وقد يعمل ~~الانسان في امور الدنيا على خبر الواحد ويطلب في بعض الأشياء مخبرا ثانيا ~~ليقوي ظنه وقد يضعف الظن لصدق الراوي مرة ولا يضعف لصدقه أخرى وقد ينفرد ~~العدل بالرواية لأمر مستبعد في العادة أو ms535 لأمر تقتضي العادة أن لا ينفرد ~~بروايته الواحد ولا يظن تعمده به الكذب لكن يظن به السهو والغلط ولا يظن به ~~ذلك مرة اخرى إذا انتفت هذه الأمور فاذا كان طريق قبول خبر الواحد ~~والاجتهاد في عدالة الراوي وضبطه واختلفت الاحوال في ذلك ووجدنا الذين ~~طلبوا راويا آخر هم الذين لم يطلبوه في حالة اخرى علمنا أنهم إنما طلبوا ~~مخبرا ثانيا لتقوية الظن أو لأنه اعتراضهم بعض ما ذكرناه لا لأنهم اعتقدوا ~~حظر العمل على خبر الواحد على أنه روي عن عمر أنه قال لأبي موسى ما اتهمتك ~~ولكني خفت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بينا أن ~~ردة خبر فاطمة بنت قيس إنما كان لأنه نسخ لكتاب الله عز وجل وإنما لم يعمل ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على خبر عثمان رضي الله عنه في رد الحكم لأن ~~ذلك شهادة لأنه إثبات حكم في عين لا يتعداها ألا ترى أنهما سميا ذلك شهادة ~~فدل ذلك على أنه كان شهادة عندهما # PageV02P139 # وقاس أبو علي رحمه الله الخبر على الشاهدة لعلة أن كل واحد منهما إخبار ~~عن الغير يجب عنده العمل فكان من شرطه العدد وهذه علة غير معلومة فلا يجوز ~~الاعتماد عليها فيما يجب فيه العلم وليس يمتنع أن تكون الشهادة إنما شرط ~~فيها العدد لكونها شهادة ولهذا قبل فتوى الفقيه الواحد لما لم يكن شهادة ~~ولهذا لم يعتبر في المخبر ما اعتبر في الشاهد من الحرية ### | فصل في الخبر إذا أسنده من أرسل غيره من الأحاديث هل يقبل أم لا # أما من يقبل المراسيل فلا شبهة في قبوله واما من لم يقبل المراسيل فكثير ~~منهم قبله ايضا قال لأن إرساله يختص ذلك المرسل دون هذا المسند وليس إرساله ~~لذلك الخبر بأكثر من تركه روايته فوجب قبول مسنده إلا أن يوهم فيما أرسله ~~أنه سمعه ممن أسنده إليه وأتى بلفظ يوهم ذلك فجرى ذلك مجرى كذبه فيقدح في ~~أمانته فأما إذا قال قال فلان ms536 فان ذلك لا يوهم أنه سمعه ممن أسنده إليه فلا ~~يقدح في امانته # ومنهم من لم يقبل ما اسنده قال إن إرساله يدل على أنه إنما لم يذكر ~~الراوي لضعفه في نفسه فستره له والحال هذه خيانة فلم يقبل حديثه # واختلف من قبل من حديث المرسل ما اسنده كيف يقبله فقال الشافعي لا يقبل ~~من حديثه إلا ما قال فيه حدثني أو سمعت ولا يقبل إذا أتى بلفظ موهم وقال ~~بعض أصحاب الحديث لا يقبل حتى يقول سمعت فلانا وأصحاب الحديث يفرقون بين أن ~~يقول الإنسان حدثني فلان أو أخبرني فلان فيجعلون الأول دالا على أنه شافهه ~~بالحديث ويجعلون الثاني مترددا بين المشافهة بالحديث وبين أن يكون قد أجازه ~~أو كتب به إليه وهذه عادة لهم وإلا فظاهر قوله أخبرني يفيد أنه تولى إخباره ~~بالحديث وذلك لا يكون إلا بالمشافهة # PageV02P140 # - صلى الله عليه وسلم - باب في فصول كيفية النقل - صلى الله عليه وسلم - ### | فصل في رواية الحديث بغير لفظ النبي صلى الله عليه وسلم هل يرد له الحديث أم لا # إذا روي الحديث بلفظ غير لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فان لم يسند مسنده ~~بل زاد أو نقص أو كان أوضح منه أو أخفي منه فانه لا يجوز ذلك لأن ما زاد ~~على كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو كذب عليه لا يجوز قبوله وما نقص عنه ~~فانه إما أن ينبىء عن أنه رفع حكما قد اثبته فلا يجوز قبوله أو يكون فيه ~~كتمان لحكم قد أثبته والكذب والكتمان محظوران ولا يجوز العدول إلى لفظ أظهر ~~من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا أخفى منه لأنه لا يمتنع ان يتعلق ~~المصلحة باللفظ الذي ذكره النبي عليه السلام الخفي أو الظاهر ألا ترى أنه ~~قد يجوز أن يكون من المصلحة أن يعرف الحكم باللفظ الجلي تارة وبالخفي أو ~~بالقياس تارة وإن سد اللفظ مسد لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فان اشتبهت ~~الحال فيه حتى يكون موضع اجتهاد ms537 لم يجز ذلك لأنه لا يمتنع ان يكون لو نقل ~~لفظ النبي عليه السلام إلى غيره أن يكون اجتهاد غيره فيه خلاف اجتهاده وإن ~~لم تشتبه الحال فيه نحو قول القائل جلس وقعد فانه يجوز العدول عن أحدهما ~~إلى الآخر ويقبل الخبر وهو مذهب الحسن البصري وأبي حنيفة والشافعي رحمهم ~~الله لأنه إن وجب نقل الحديث لأجل اللفظ فقط دفعه الإجماع وإن وجب لأجل ~~اللفظ والمعنى وجب تلاوة اللفظ ولا دليل في العقل ولا في الشرع يقتضي كوننا ~~متعبدين بتلاوة لفظ النبي عليه السلام فبقي أنه يجب نقل حديثه لأجل المعنى ~~وهذا الغرض حاصل وإن عدل الراوي إلى لفظ يقوم مقام لفظ النبي صلى الله عليه ~~وسلم # وفارق الأذان والتشهد لأن الشرع اقتضى كوننا متعبدين بتلاوة ألفاظها فان ~~قاسوا خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على التشهد أعوزتهم على صحيحة تجمع ~~بينهما ولم يكن ذلك بأولى من قياسه على الشهادة وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم نصر الله امرء سمع مقالتي فأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو ~~أفقه منه ورب # PageV02P141 # حامل فقه ليس بفقيه لا يمنع من نقل حديثه على المعنى لأن من نقل المعنى ~~يقال إنه قد أدى كما سمع لأنه يقال للمترجم من لغة إلى لغة قد أدى كما سمع ~~على أنه لو منع الخبر من نقل الحديث على المعنى لكان قد منع من ذلك فيما ~~يشتبه ويجوز أن يختلف الاجتهاد فيه ولهذا قال ورب حامل فقه إلى من هو أفقه ~~منه ورب حامل فقه ليس بفقيه وما لا يشتبه من الألفاظ ولا يختلف اجتهاد ~~الناس في قيام بعضه مقام بعض يستوي فيه الناقص الفقه والكامل الفقه والفقيه ~~وغير الفقيه ولهذا يجب أن يكون الناقل للحديث على المعنى من أهل العلم ~~ليعلم ما يشتبه الحال فيه مما لا يشتبه فيه ### | فصل في الرواية من كتاب # إذا روى الراوي الحديث من كتابه فله أحوال # منها أن يعلم أنه قرأه على شيخه أو حدثه به ويذكر ألفاظ ms538 قراءته ووقت ذلك ~~فلا شبهة في جواز روايته والأخذ بها وكذلك إذا علم الراوي أنه قرأ جميع ما ~~في الكتاب أو حدثه به الراوي ولم يذكر الفاظ القراءة ولا وقت القراءة لأنه ~~عالم في الحال بأنه قرأ جميع ما في الكتاب أو سمعه ممن حدثه # ومنها أن يعلم أنه ما سمع ما في الكتاب أو يظن ذلك أو يجوز سماعه ويجوز ~~نفيه على سواء وفي ذلك كله لا يجوز له أن يحدث به ولا يؤخذ بروايته لأنه ~~ليس له أن يخبر بما يعلم أنه كاذب فيه أو ظان أو شاك # ومنها أن لا يذكر سماعه لما في الكتاب ولا قراءته له ولكنه يغلب على ظنه ~~سماعه له أو قراءته لما يراه من خطه فهذا هو الذي ينبغي أن يكون الناس قد ~~اختلفوا فيه فعند أبي حنيفه رحمه الله لا يجوز له أن يرويه ولا يجوز العمل ~~على روايته لأنه لا يجوز أن يقول حدثني فلان وهو لا يعلم أنه حدثه إذا كان ~~ذلك حكما عليه بأنه قد حدثه كما لا يجوز مثله في الشهادة وعند أبي يوسف ~~ومحمد والشافعي يجوز له الرواية ويجب العمل عليها لأن الصحابة # PageV02P142 # كانت تعمل على كتب النبي صلى الله عليه وسلم نحو عملها على كتابه إلى ~~عمرو بن حزم من غير أن يرويه لها راو بل عملوا لأجل الخط وأنه منسوب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فان ثبت أنها عملت عليه من غير رواية جاز أن ~~يروي الإنسان من كتابه إذا غلب على ظنه سماعه ويكون إخباره إخبارا عن ظنه ~~ويجوز العمل عليه - صلى الله عليه وسلم - باب القول في المراسيل - صلى الله ~~عليه وسلم - # الخبر المرسل هو أن يسمع الرجل الحديث من زيد عن عمرو فاذا رواه قال قال ~~عمرو وأضرب عن ذكر زيد واختلف الناس في الراوي إذا فعل ذلك وكان ممن يقبل ~~مسنده يقبل مرسله أبو حنيفة ومالك وابو هاشم على كل حال وقال قاضي القضاة ~~في الشرح عنيت بالمتكلمين ms539 الذين قبلوا المراسيل ابا هاشم دون من لم يقبل ~~إلا خبر اثنين وقال في الدرس إن أبا علي يقول إذا روى الحديث اثنان رواه ~~أحدهما عن رجل بصري لم يسمه ورواه الآخر عن كوفي لم يسمه فانه يقبل ولم ~~يقبل أهل الظاهر وطائفة من أصحاب الحديث المراسيل على كل حال وقبل قوم ~~مراسيل من يقبل مسنده في حال دون حال وهي إذا اختص بشروط والشافعي اعتبر ~~أحد شروط # منها أن يكون ذلك الخبر قد أسنده غير مرسله قال قاضي القضاة هذا إذا لم ~~تقم الحجة باسناد ذلك من المسند فأما إن قامت الحجة باسناده فالمعتبر به ~~دون المرسل # ومنها أن يكون قد أرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول # ومنها أن يعضده قول صحابي # ومنها أن يعضده قول أكثر أهل العلم # PageV02P143 # ومنها أن يكون المرسل ممن لا يرسل عمن فيه علة من جهالة وغيرها ثم قال ~~ومن هذه حاله أحب أن يقبل مرسله ولا أستطيع أن اقول إن الحجة تثبت به ~~كثبوتها بالمتصل وشرط عيسى بن ابان في قبول المراسيل أن يرسله صحابي أو ~~تابعي أو تابعي التابعين أو من أئمة أهل النقل دون من سوى هؤلاء # واحتج من قبل المراسيل باشياء منها إرسال المرسل مع عدالته يجري مجرى ~~ذكره من أرسل عنه وقوله هو عدل عندي في الدلالة على أنه قد عدله ولو قال ~~ذلك لقبل حديثه فكذلك إذا أرسل وإنما قلنا إن إرساله يجري مجرى ذكره ~~وتعديله لأنه مع عدالته لا يستجيز أن يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~وله الإخبار عنه ولا يكون له الإخبار بذلك إلا وهو عالم أو ظان لأن الخبر ~~بما يجوز كونه ونفيه على سواء قبيح ولأنه ليس له إلزام الناس عبادة أو ~~إطراح عبادة عنهم من غير أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب ذلك أو ~~يظنه فبان أن عدالته تقتضي ما ذكرنا وأما أن الراوي إذا ذكر من روي عنه ~~وقال هو ثقة عندي لزم قبول ms540 خبره وإن لم يذكر أسباب ثقته فهو متفق عليه بين ~~اصحاب أبي حنيفة والشافهي وإنما اختلفوا في الجرح فعند أصحاب ابي حنيفة لا ~~يجب أن يذكر الإنسان سبب الجرح وقال الشافعي لا يصير المجروح مجروحا إلا ~~بذكر اسباب الجرح والأمر في التزكية ظاهر فان اصحاب الحديث يزكون الرجل من ~~غير أن يذكروا أسباب عدالته ولأن الإنسان إنما يكون ثقة زكيا إذا اجتنب ~~الكبائر ولم يخل بالواجبات فلو وجب ذكر أعيان ذلك في طول الزمان مخافة أن ~~يكون فيها ما لا تسلم معه عدالة الإنسان عند السامع وجب ما يشق احصاؤه بل ~~يتعذر إن قيل إنما لم يجب على المزكي ذكر اسباب العدالة لهذه المشقة التي ~~ذكرتموها وذلك غير قائم في ذكر المخبر قيل هذه المشقة إن ثبت معها الظن ~~لعدالة من زكاه المزكي فهو غرضنا وليس سبب هذا الظن هذه المشقة وإنما سببه ~~عدالة المزكي وهذا هو الذي قلناه ولو لم تثبت معها عدالته لم يجز الحكم ~~بتزكيته لأجل المشقة إذ كان الظن لعدالته غير حاصل فان قيل إنما لم يجب على ~~المزكي ذكر أسباب عدالة من زكاة # PageV02P144 # لأنه يخبر عن ظنه وأما المخبر فانما يخبر عن غيره فوجب ذكره قيل وقد يكون ~~الإنسان عدلا عند المزكي بأن يخبره غيره عن عدالته فهو كالمخبر وأيضا فان ~~هذا فرق لا يؤثر في موضع الجمع وذلك أن المخبر إنما أخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وطريقه إلى ذلك غيره كما أن ظن المزكي لعدالة من زكاة طريقة ~~معرفته بأسباب عدالته فكما لم يجب ذكر ذلك لم يجب ذكر المخبر فان قيل ~~يلزمكم على ما ذكرتم أن يجري إضراب شهود الفرع مع عدالتهم عن ذكر شهود ~~الاصل مجرى أن يذكروهم ويعدلوهم وأن يلزم الحاكم الحكم بشهادتهم وإن لم ~~يذكروا شهود الأصل كما يلزمه إذا ذكروهم وعدلوهم الجواب إن إضرابهم عن ذكر ~~شهود الأصل يجري مجرى ما ذكرتم ولو تركنا وهذا الأصل لحكمنا بشهادتهم وإن ~~لم يذكروا شهود الأصل لكن الدلالة منعت من ms541 ذلك وليس يجب إذا منعت الدلالة ~~من ذلك أن يمتنع أن يحكم بأخبار المراسيل كما أن الدلالة قد دلت على أن من ~~شرط الحكم بشهادة شهود الفرع أن يحملهم شهود الأصل الشهادة فاعتبرنا قيام ~~الدلالة على ذلك ولم نعتبره في غير هذا الموضع لأنه لو لم تقم الدلالة على ~~ذلك لأجرينا الشهادة على الشهادة مجرى الشهادة على الإقرار ولا يشرط فيه أن ~~يحملهم الشهود الشهادة كما لا يشرط أن يحملهم المقر الشهادة على إقراره إن ~~قيل أليس لو ثبت عدالة الشهود عند الحاكم لم يسقط النظر في عدالتهم عن حاكم ~~آخر فهلا كان ثبوت عدالة من أرسله المخبر عنده لا يسقط عن غيره النظر في ~~عدالته قيل فيجب لو ذكر المخبر من أخبر عنه وعدله أن لا يسقط عن السامع ~~للخبر النظر في عدالته كما لم يسقط عن القاضي الثاني النظر في عدالة الشهود ~~وإن ذكروا عنده فلما لم يجز ذلك علمنا مفارقة الشهادة للخبر # ومنها إجماع الصحابة حكي عن البراء بن عازب أنه قال ليس كل ما حدثناكم به ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه غير أنا لا نكذب وروي أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أصبح جنبا فلا صوم له فلما ~~سئل عن ذلك ذكر أن الفضل بن عباس أخبره بذلك وروي ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم = # PageV02P145 # أنه قال لا ربا إلا في النسيئة ثم أسنده إلى أسامة وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما زال يلبي حتى رمي جمرة العقبة ثم اسند ذلك إلى الفضل بن ~~عباس فلو لم يجز العمل على المراسيل لكان المرسل إذا لم يبين أنه قد أرسل ~~الحديث جرى مجرى أن يروي عن فاسق أو كافر على وجه يوهم أنه عدل ولا يبين ~~أنه كافر في أن ذلك منكر ولو كان منكرا لأنكروه ولما اجتمعوا على ترك ~~إنكاره ومعلوم أن من أرسل ومن لم يرسل لم ينكر ذلك إن قيل أليس ms542 قد كان علي ~~ابن أبي طالب عليه السلام يستحلف من يخبره عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~سمعه من غيره عنه ويجوز أن يكون حلفه هل سمع الحديث في الجملة أم لا على أن ~~استحلافه إنما كان استظهارا لأن أحدا لا يشرط ذلك في حديث الثقة ولهذا لم ~~يستحلف أبا بكر عليه السلام على أن ذلك لا يعترض دليلنا لأن دليلنا هو أنهم ~~لما عرفوا أن بعضهم أرسل لم ينكروا عليه ولم يرو أن عليا عليه السلام أنكر ~~عليهم إن قيل ما ذكرتموه من الأخبار الدالة على أنهم أرسلوا هي أخبار آحاد ~~غير مؤدية إلى العلم فالجواب ان كل واحد منها وإن كان خبر واحد فان مجموعها ~~متواتر ولقائل أن يقول إن ما ذكرتموه أخبار يسيرة ولا يصير معناها متواتر ~~بهذا القدر ألا ترى أن الخبر الواحد لو رواه ثلاثة أو أربعة لم يكن متواترا ~~فالأخبار الثلاثة والأربعة أولى أن لا يكون معناها متواترا فلا يصح ~~الاحتجاج بها إلا ان يقال إنه يجوز أن يحتج بأخبار الآحاد في إثبات ما ~~يتوصل به إلى العمل دون العلم # ومنها أنه لو لم يقبل الخبر المرسل لما قبل إذا جوزنا كونه مرسلا حتى إذا ~~قال الراوي عن فلان لم يقبل حديثه لجواز أن يكون ما سمع منه لكنه أخبر عنه ~~ولقائل أن يقول لا يقبل الحديث إلا أن يظن أنه غير مرسل نحو أن يقول حدثنا ~~فلان أو سمعت فلانا أو عن فلان ويكون قد أطال صحبته لأن ذلك أمارة تدل على ~~أنه قد سمعه منه ومتى لم يعلم أنه صحبه لم يكن قوله عن فلان أمارة على أنه ~~سمعه منه فلا يقبل حديثه # واحتج من لم يقبل أخبار المراسيل بأشياء # PageV02P146 # منها أن ترك الراوي لذكر من حدثه يتضمن جهالة عينه وصفته فاذا كان لو ذكر ~~اسمه فعرف السامع عينه ولم يعرف عدالته لم يجز له العمل بحديثه فأولى أن لا ~~يجوز له قبوله إذا لم يعرف عينه ولا عدالته والدليل على ms543 أن ترك ذكره للراوي ~~يتضمن جهالة عدالته أن عدالته إن عرفناها بذكره فالمرسل ما ذكره وإن ~~عرفناها بأن الثقة لا يرسل إلا عن ثقة فهذا لا يصح لأن كثيرا من الثقات قد ~~أرسلوا عمن ليس بثقة ولأن الإنسان قد يكون ثقة عند إنسان ولا يكون ثقة عند ~~إنسان آخر فلا يمتنع لو عرفنا من لم يذكره المرسل لما كان ثقة عندنا ~~والجواب إن إرسال المرسل لا يتضمن جهالة صفة من لم يذكره لأن نفيه يشهد ~~بعدالة من أرسل عنه وقولهم إن العدل قد يرسل عمن ليس بثقة لا يقدح فيما ~~قلناه لأن من أرسل عمن ليس بثقة إن كان قد عرف أنه غير ثقة فذلك يقدح في ~~عدالته كما أنه إذا ذكره وقال هو ثقة عندي وعلمنا أنه لم يكن عنده ثقة فانه ~~يقدح في عدالته ولا يقدح ذلك في أن الظاهر والغالب ممن ظاهره العدالة أنه ~~لا يزكى من يعتقد أنه غير زكي كذلك الغالب ممن هو ثقة في الظاهر أنه لا ~~يرسل إلا عمن هو ثقة عنده والغالب لا يزول بالنادر وإن كان قد ارسل عنه وهو ~~ثقة عنده وبان لنا انه ليس بثقة فذلك لا يقدح أيضا في أن الظاهر من كونه ~~ثقة عنده أن يكون ثقة في نفسه وإن جاز خلافه لأن الغالب لا يبطل بتجويز ~~خلافه كما أنه لو قال هو عدل عندي جاز لو فحصنا نحن عنه أن لا يكون عدلا ~~عندنا ولا يمتنع ذلك من أن الظاهر من تزكيته أنه زكي في نفسه وأنه لا يجب ~~علينا الفحس عنه وقولهم إذا لم يجز قبول الخبر إذا سمى المخبر من سمع منه ~~متى لم يعرف عدالته فبأن لا يجوز ذلك إذا لم يعرف عينه ولا عدالته أولى ~~فالجواب عنه أن ممن يقبل المراسيل من يقول إذا سمى الراوي من روى عنه ولم ~~يقل هو عدل عندي فقد زكاه ويجب قبول حديثه وهذا يلزم عليه أن يسقط النظر في ~~المحدثين مع كثرة الفساد في الناس ms544 إذا ذكر المحدث من روى عنه لأن عدالته ~~تقتضي ثقة من سمع منه وثقة من سمع منه تقتضي عدالة من سمع # PageV02P147 # منه هكذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال إنه إذا ذكر اسمه لم ~~يسقط عنا النظر في عدالته وإذا لم يذكر اسمه سقط النظر في عدالته لأنه إذا ~~لم يذكر عينه فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حكم بأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال ذلك وألزمنا تلك العبادة وليس له أن يحكم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بشيء إلا وهو عالم أو ظان له ولا يظن ذلك إلا والراوي ~~ثقة عنده ولأنه لما لم يذكر الراوي لم يمكنا من النظر في عدالته وإذا ذكر ~~الراوي الذي سمع منه الحديث فانه لم يحكم به على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا منعنا من النظر في عدالته بل قد مكننا من النظر في ذلك إذ كان قد ذكره # ومنها أن الشاهدين إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا على شهادة شاهدين ~~يخفيان ذكرهما وهما غير عدلين عندهما ومع ذلك لم يجر إضرابهما عن ذكر شهود ~~الأصل مجرى ذكرهما وتزكيتهما والجواب إن عدالة الشاهدين تقتضي غلبة الظن ~~بثقة من شهدا على شهادته إذا لم يذكراه فقد التزمنا في الشهادة مثل ما ~~قلناه في الخبر ولو تركنا وهذا الأصل لحكمنا بالشهادة على الشهادة من غير ~~أن نذكر شهود الأصل على ما تقدم بيانه فان قيل فيلزمكم أن لا تحكموا بالخبر ~~المرسل وإن كان غلب على ظنكم عدالة من أخبر عنه المخبر كما لم تحكموا ~~بشهادة شهود في الفرع وإن غلب على ظنكم عدالة شهود الأصل والعلة الجامعة ~~بينهما أن كل واحد من الشهود والمخبرين يسندون إلى غيرهم ما يلزمون به حكما ~~للغير فلم يلزم الحكم إلا بذكر من يسندون إليه قيل لسنا نعلم أن العلة ما ~~ذكرتم وليس يجوز أن يتوصل إلى العلم بعلة غير معلومة ولا يمتنع أن يكون قد ~~اعتبر في الشهادة ms545 ضرب من الاحتياط فلم يقنع فيها إلا بذكر شهود الأصل كما ~~اعتبر فيها الحرية والعدد وأن يحمل شهود الأصل الشهادة شهود الفرع وقد قال ~~الشيخ ابو عبد الله رحمه الله إن القياس يمنع من الحكم بالشهادة فلم يجز ~~قياس المراسيل على ذلك لأنه لا يجوز القياس على المخصوص من جملة القياس ~~والمخالف لا يسلم قوله إن الحكم بالشهادة على الشهادة بخلاف قياس الاصول ~~ويسلم أنه لا يجوز القياس على المخصوص # PageV02P148 # من جملة القياس على أن من يقيس المراسيل على الشهادة على الشهادة إنما ~~يقيس عليها في المنع لا في جواز الحكم فلم يكن قائسا عليها من الوجه الذي ~~منع منه القياس وقد فرق بين المراسيل وبين الشهادة على الشهادة فقيل إن ~~الحاكم إنما يحكم بشهادة شهود الأصل فلهذا وجب ذكرهم ولمخالفهم أن يقول ~~والحكم بلزوم العبادة إنما يقع بخبر الأول فيجب ذكره فان قالوا كيف نقول ~~ذلك وعندنا أنه لا يجب ذكر المخبر الأول قيل إنكم تعلقون لزوم العبادة ~~بالمخبر الأول ولهذا تعتبرون عدالته وتستدلون عليهما بارسال المخبر الثاني ~~مع عدالته على أنه إن كان لزوم العبادة لا يتعلق بالمخبر الأول لأنه لا يجب ~~ذكره فقد صار ذلك تابعا لكونه غير واجب ذكره فقد فرقتم بين المسألتين بما ~~هو مبني على موضع الخلاف لأن موضع الخلاف هو أنه لا يجب ذكر المخبر الأول ~~وكون المخبر الأول لا يتعلق به الحكم والعبادة تابع لذلك وبه فرقتم بين ~~الشهادة والخبر وقد فرق بين المسألتين أيضا بأن شهود الفرع وكلاء شهود ~~الأصل لأنه لا يجوز لهم أن يشهدوا على شهادتهم إذا سمعوهم يشهدون حتى ~~يحملوهم الشهادة كما لا يجوز للوكيل التصرف إلا بعد أن يؤكله المؤكل وهذا ~~فرق غير مؤثر لأن المحتج جمع بين الشهادة والخبر بالعلة التي ذكرها خصمه في ~~المراسيل وهي أن عدالة الراوي تقتضي أنه ما أرسل الحديث إلا وهو على غاية ~~الثقة بعدالة من أخبر عنه وهذه العدالة قائمة في الشهود على ما بيناه # ومنها أنه لو جاز العمل ms546 على المراسيل لم يكن لذكر أسماء الرواة والفحص عن ~~عدالتهم معنى والجواب أن له معنى من وجهين أحدهما أنه إذا ذكرهم الراوي ~~أمكن السامع الفحص عن عدالتهم فيكون لظنه لعدالتهم آكد من ظنه لعدالتهم ~~لأجل إرسال المرسل لأن طمأنينة الإنسان إلى فحصه وخبرته أقوى من طمأنينته ~~إلى خبر غيره وهذا الجواب يقتضي ترجيح المسند على المرسل والآخر أن الراوي ~~للحديث قد يشتبه عليه حال من أخبره فلا يقدم على تزكيته ولا على جرحه فيذكر ~~ليفحص غيره عنه # PageV02P149 # ومنها قولهم لو وجب العمل بالمراسيل للزمنا في عصرنا هذا أن نعمل على قول ~~الإنسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وإن لم يذكر الرواة ~~الجواب إن ذكر الخبر إن كان معروفا في جملة الأحاديث فقد عرفت رواته وإن لم ~~يكن معروفا لم يقبل لا لأنه مرسل بل لأن الأحاديث قد ضبطت وجمعت فما لا ~~يعرفه أصحاب الحديث منها في وقتنا هو كذب فان كان العصر الذي أرسل فيه ~~الراوي عصرا لم يضبط فيه السنن قبل مرسله # فأما قول الشافعي رحمه الله إن المرسل يقبل إذا أسنده المرسل أو أسنده ~~غيره فان أراد أنه يقبل والحجة هو الخبر المسند فصحيح على أصله ولا تأثير ~~للمرسل وإن أراد أنه يصير المرسل حجة فليس بصحيح لأن ما ليس بحجة لا يصير ~~حجة إذا اقترنت به حجة كما أن خبر الواحد لا يصير طريقا إلى العلم وإن ~~عضدته آية أو خبر متواتر وأما قوله إنه يعمل على خبر المرسل إذا أرسله غيره ~~ممن يروي عن غير مشائخه فغير صحيح لأنه ليس يجوز أن ينضم ما ليس بحجة إلى ~~ما ليس بحجة فيصير حجة إذ كل واحدة من الروايتين مرسلة وكذلك قوله إذا عضد ~~المرسل قول بعض الصحابة أو فتوى أكثر أهل العلم لأن ذلك غير حجة ولا يصير ~~المرسل به حجة فان جعل قول بعض الصحابة حجة فالكلام عليه ما تقدم # وقد حكى بعض أصحاب الشافعي عنه أنه خص مراسيل الصحابة بالقبول وحكى ms547 قاضي ~~القضاة عنه أنه قال إذا قال الصحابي قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا ~~قبلت ذلك إلا أن أعلم أنه أرسله والدليل على بطلان تخصيص الصحابة بذلك أن ~~ما دل على قبول المراسيل يشتمل من كان عدلا من الرواة صحابيا كان أو غيره ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لا ~~يدل على أن غيرهم لا يقبل مرسله كما لا يدل على أن غيرهم لا يقبل مسنده ~~وقولهم إن الصحابي لا يطلق القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا ~~وكذا إلا وقد سمعه أو حدثه عنه الثقة فانه يقال لهم ولم وجب ذلك فيهم # PageV02P150 # فان قالوا لعدالتهم قيل فهذه العلة حاصلة في غيرهم من العدول فان قال ~~الظاهر من قول الصحابي قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا أنه سمعه منه ~~قيل فقد قبلتموه على أنه مسند لا على أنه مرسل على أنه يمكن أن يقول ~~الصحابي بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا أو سمعت أنه قال ~~كذا فيتصور المسألة في هذا الموضع ### | فصل في الحديث إذا أرسل مرة وأسند مرة اخرى أو ألحق بالنبي مرة وجعل موقوفا على صحابي مرة # إذا أسند الراوي الحديث وأرسله غيره فلا شبهة في قبول من يقبل المراسيل ~~له ومن لا يقبلها أيضا بجعله مسندا لأن عدالة المسند تقتضي ذلك إذا لم ~~يعارضها معارض وليس في إرسال المرسل ما يعارض إسناده لأنه يجوز أن يكون ~~إنما أرسل غيره الخبر لأنه سمعه مرسلا وسمعه هذا مسندا أو لأنه سمعه المرسل ~~مسندا ثم نسي راويه بعينه وعلم ثقته في الجملة فأرسله لهذا الوجه أو أرسله ~~لمعرفته بثقة من رواه بعينه وأما إذا أرسله هو في وقت آخر فان ذلك لا يمنع ~~من جعله مسندا أيضا لأنه يجوز أن يرسله في وقت آخر لهذه الأمور # وأما إذا وصل الراوي الحديث بالنبي صلى الله عليه وسلم ووقفه الآخر على ~~صحابي فانه يجعل متصلا بالنبي صلى ms548 الله عليه وسلم لجواز أن يكون بعض ~~الصحابة سمع ذلك الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم فرواه مرة عنه وذكره ~~مرة اخرى عن نفسه على سبيل الفتوى فسمعه بعض الناس يسنده إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وسمعه الآخر يفتي به عن نفسه فرواه كل واحد منهما على ما ~~سمع ويجوز أن يكون أحد الراويين سمع الصحابي يسند الخبر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم نسي أنه أسنده إليه وتوهم أنه ذكره عن نفسه فجعله موقوفا عليه # فأما إذا وصل الراوي الحديث بالنبي مرة وجعله هو موقوفا على بعض # PageV02P151 # الصحابة مرة فانه يجعل أيضا متصلا بالنبي صلى الله عليه وسلم لجواز أن ~~يكون سمعه من الصحابي تارة عن نفسه وتارة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويجوز أن يكون سمعه متصلا بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم نسي أنه سمعه متصلا ~~فرواه موقوفا فان كان الراوي وقفه وأرسله زمانا طويلا ثم أسنده أو وصله ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فانه يبعد أن ينساه هذا الزمان الطويل ثم يذكره ~~إلا أن يكون عنده كتاب يرجع إليه فيذكر به ما ينسيه الزمان الطويل ### | فصل في التدليس # إذا روى الراوي الخبر عن رجل يعرف باسم فلم يذكره بذلك الاسم وذكره باسم ~~لا يعرف به فان كان فعل ذلك لضعفه ولأنه ليس بأهل أن يقبل حديثه فقد غش ~~الناس وخانهم وذلك قادح في الظن لأمانته فيما يرويه ولا يقبل حديثه وإن كان ~~فعل ذلك لصغر سن من روى عنه لا لأنه غير ثقة فان من يقول ظاهر الإسلام ~~العدالة يقبل هذا الحديث ومن يقول لا بد من فحص عن العدالة بعد المعرفة ~~باسلام الراوي فمن لم يقبل المراسيل من هؤلاء يجب أن لا يقبل ذلك لأنه لا ~~يتمكن من جهله بعينه أن يفحص عن عدالته كما لا يتمكن ذلك في المرسل ومن ~~يقبل المراسيل يلزمه قبوله لأن عدالة الراوي تقتضي أنه ما ترك ذكره بالاسم ~~المعروف ومنع بذلك من الفحص عن عدالته ms549 إلا وهو عدل ثقة فجرى مجرى تعديله ~~بالتصريح - صلى الله عليه وسلم - باب في فصول ما يرجع إلى المخبر عنه مما ~~يؤثر في الخبر - صلى الله عليه وسلم - ### | فصل في الخبر إذا كان مقتضاه بخلاف مقتضى العقل # اعلم أن العقل إذا منع من الشيء فإما أن يمنع منه بشرط أو بغير شرط فان ~~منع منه بشرط نحو إيلام الحيوان إذا كان محضا لا نفع فيه فانه يقبل # PageV02P152 # خبر الواحد باباحته ويعلم أنه غير محض وأنه فيه منفعة وإن منع العقل من ~~الشيء بغير شرط نحو منعه من حسن تكليف ما لا يطاق فمتى ورد خبر بخلاف ذلك ~~فإن أمكن تأويله من غير تعسف جوزنا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قاله ~~وعنى التأويل الصحيح وإن لم يمكن تأويله إلا بتعسف لم يجز أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم قاله على ذلك الوجه لأنه لو جاز التأويل مع التعسف بطل ~~التناقض من الكلام كله ويجب فيما لا يمكن تأويله القطع على ان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يقله وإن كان قاله فإنما قال حكاية عن الغير أو مع زيادة ~~أو نقصان يخرج بهما من الإحالة # وإنما لم يقبل ظاهر الخبر في مخالفة مقتضى العقل لأنا قد علمنا بالعقل ~~على الإطلاق أن الله عز وجل لا يكلف ما لا يطاق وأن ذلك قبيح فلو قبلنا ~~الخبر في خلافه لم يخل إما أن نعتقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~فيجتمع لنا صدق النقيضين أو لا نصدقه فنعدل عن مدلول المعجز وذلك محال ### | فصل في خبر الواحد إذا رفع مقتضى الكتاب أو سنة متواترة # اعلم أن خبر الواحد إنما يكون رافعا للكتاب إذا نفى أحدهما ما اثبته ~~الآخر على الحد الذي أثبته أو أثبت أحدهما ضد ما أثبته الآخر على الحد الذي ~~أثبته فالأول نحو أن يقول في أحدهما ليصل فلان في الوقت الفلاني في المكان ~~الفلاني على الوجه الفلاني وينهى في الآخر عن هذه الصلاة على هذا ms550 الحد ~~والثاني أن يامر بتلك الصلاة في مكان آخر في ذلك الوقت بعينه فان كان الخبر ~~ينافي الكتاب من غير نسخ لم يجز قبوله لأنا قد علمنا أن الله تعالى قد تكلم ~~بالآية وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم بما تواتر من نقله عنه فلو ~~أخذنا بخبر الواحد لكنا قد تركنا بالجملة ما قد علمنا أن الله عز وجل قاله ~~وعدلنا إلى ما لا نعلم أنه صدق # إن قيل هلا قلتم إن الله سبحانه أراد بالآية مقتضاها بشرط أن لا يعارضها ~~خبر واحد قيل فهو عالم بمعارضة خبر الواحد له فلا يجوز هذا # PageV02P153 # الإشراط لأنه لا يجوز أن يأمر بشرط ويجب القطع على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يقل ذلك الخبر أو قاله على سبيل الحكاية عن الغير أو مع زيادة ~~أو نقصان ينفيان المعارضة وكذلك إذا عارض الإجماع خبر واحد فان أمكن تأويل ~~الخبر مع الآية على وجه النسخ فالعقل يجوز النسخ كالتخصيص وعند أصحابنا أن ~~الشرع منع من النسخ به وذكر قاضي القضاة في الشرح أنه يظن أن بين عيسى بن ~~أبان وبين الشافعي رحمهما الله خلافا في قبول أخبار الآحاد إذا خالفت ظاهر ~~الكتاب وقال ويشبه أن يكون الخلاف بينهما في عرض خبر الواحد على الكتاب إذا ~~تكاملت شرائطه فعند الشافعي أنه لا يعرض عليه لأنه لا يكمل شرائطه إلا وهو ~~غير مخالف للكتاب وعند عيسى بن أبان أنه يجب عرضه عليه حتى يعمل عليه لأنه ~~أمارة فيجوز أن يخطىء ويجوز أن يصيب فلا يمتنع أن يخالف الكتاب فلا يعلم ~~إذن تكامله شرائطه إلا إذا علم أنه لا يعارض الكتاب والكلام فيما يكون نسخا ~~وما لا يكون نسخا وفي الزيادة هل هي نسخ أم لا قد مضى في الناسخ والمنسوخ ~~ولا شبهة في أن الناسخ من حقه أن يكون غير مقارن فان علم أن خبر الواحد ~~الرافع لبعض حكم الآية إما بالزيادة أو بغيرها مقارن لم يكن نسخا وإن علم ~~أنه غير مقارن ms551 لم يقبل وإن شك فيه قبل عند قاضي القضاة لأن الصحابة رضي ~~الله عنها رفعت بعض أحكام القرآن لأخبار الآحاد ولم تسأل هل كانت مقارنة أم ~~لا فأما معارضة أقاويل أكثر الصحابة فلا يمنع من قبوله لأن قول أكثرهم ليس ~~بحجة ### | فصل في الحكم إذا اقتضى عموم الكتاب فيه خلاف ما يقتضيه خبر الواحد # اختلف مثبتو التعبد بخبر الواحد في جواز تخصيص القرآن والسنة المتواترة ~~فمنع قوم من ذلك على كل حال وأجازه معظم الفقهاء على كل حال ومنع منه قوم ~~في حال دون حال فقال عيسى بن أبان إذا دخلهما التخصيص من # PageV02P154 # وجه جاز تخصيصهما بخبر الواحد لأنهما يصيران مجملين ومجازين بالتخصيص ~~الأول وإذا لم يدخلهما التخصيص من وجه آخر لم يجز تخصيصهما وشرط قوم في ~~جواز تخصيصهما بأخبار الآحاد أن يكون التخصيص قد دخلهما بدليل منفصل # والدليل على تخصيص القرآن بذلك أن خبر الواحد يقتضي الظن والعقل يقتضي ~~العمل على الظن في المنافع والمضار فوجب المصير إليه وإن خص العموم # إن قيل الظن لصدق الراوي لا يحصل مع عموم الكتاب قيل إذا كان الظن لصدقه ~~يحصل إذا لم يعارضه عموم الكتاب وجب حصوله مع عموم الكتاب لأنه لا وجه يحيل ~~وقوع الظن لصحة الخبر مع معارضة عموم الكتاب # فان قيل الوجه المحيل لذلك هو أن عموم الكتاب إذا انفرد اقتضى العلم ~~بشموله وخبر الواحد إذا انفرد اقتضى الظن لصحته فلم يجز التعبد به إذا ~~عارضه عموم الكتاب وإذا لم يجز ذلك لم يحصل الظن بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قاله الجواب إن خبر الواحد وإن اقتضى الظن إذا انفرد فان وجوب الحكم ~~به معلوم غير مظنون والتعارض إنما وقع بين حكمه وبين حكم العموم فاذا كان ~~كل واحد منهما معلوما لو انفرد لم يجز المنع من التعبد بالخبر مع عموم ~~الكتاب فلم يمنع من وقوع الظن لصحته بل وجب التعبد به لأنه أخص # فان قيل الدليل الذي دل على وجوب العمل بخبر الواحد إنما دل بشرط أن ms552 يظن ~~صدق الراوي ومع معارضة العموم لا يظن صدقه فالشرط لم يوجد والدليل لم يحصل ~~فالجواب عنه أن عدالة الراوي لا ينفيها العموم فالظن لصدقه حاصل وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيان فثبت به التخصيص في الأصل بياض مقدار أربع كلمات ~~ووجوب العمل بمقتضى العموم معلوم فقد صار المصير إليه أولى لأن نقله معلوم ~~ووجوب العمل به معلوم هذا الدليل # PageV02P155 # يعارضه أن العموم معلوم يتناوله الأشخاص والعقل يقتضي أن لا يترك العمل ~~على ما يغلب الظن فوجب العمل عليه وإن عارضه خبر واحد لأنه من لم يترك ما ~~يعلم لما يظن فقد تحرز من المضار ولأن العموم لو أفاد الظن لقائل خبر ~~الواحد وتعارضا ووجب المصير إلى دليل العقل أو دليل غيرهما ولأن خبر الواحد ~~لو قدح في العموم لوجب استعماله ولو رفع جميع ما يتناوله العموم وجوزنا في ~~كل واحد من الأخبار المخصصة أنه صحيح والآخر فاسد فكان يبقى من العموم ~~ثلاثة أشخاص لا بأعيانها أو شخص واحد لا بعينه لأن كل خبر يكسب الظن والظن ~~يقتضي العقل والعمل عليه ويجوز في التناهي إلى الواحد من العموم أن يكون ~~الخبر الوارد به مع ذلك الواحد صحيحا وغيره مما تقدم كذب فيجيء من ذلك أن ~~يرفع جميع ما تناوله العموم بخبر الواحد وذلك محال فان قيل من العجب أن ~~يجتمع علم وظن متعارضين فيقدح الظن في العلم ولا يبطل الظن بالعلم قيل قد ~~كنا نجوز أن يكون هناك دليل يقتضي تخصيص العام قبل العلم بخبر الواحد ولو ~~كان العموم مقطوعا أنه لا يجوز تخصيصه لم يخصه بخبر الواحد وكان العلم لا ~~يرتفع بالظن # إن قيل العقل يمنع من العدول عن المعلوم إلى المظنون وعموم الكتاب معلوم ~~شموله وخبر الواحد مظنون صحته فلم يجز العمل عليه مع عموم الكتاب قيل إن ~~أريد أن خبر الواحد مظنون لو انفرد فقد تكلمنا في ذلك وإن أريد أن مظنون ~~صحته مع معارضة العموم فذلك يمنع من العلم بشمول العموم لأنا إذا ظننا أن ms553 ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ما رواه الراوي فقد جوزنا ثبوت حكم الخبر ومع ~~تجويز ذلك لا يحصل العلم بما اقتضاه العموم من الحكم المخالف لحكم الخبر ~~ويدل عليه إجماع الصحابة لأنهم خصوا قول الله عز وجل {يوصيكم الله في ~~أولادكم} بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نورث ما تركنا ~~فهو صدقة ولما روي أن القاتل لا يرث والصحيح أن # PageV02P156 # فاطمة عليها السلام طالبت بعد ذلك بالنحلة لا بالميراث وخصوا الآية أيضا ~~بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل للجدة السدس وهذا يغير فرض ما ~~تضمنته الآية فكانت مخصصة لها وخصوا قول الله عز وجل {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} بما روى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال لا تنكح المرأة على ~~عمتها ولا على خالتها وخصوا قوله سبحانه {وأحل الله البيع} بخبر أبي سعيد ~~في المنع من بيع درهم بدرهمين وخصوا قوله {فاقتلوا المشركين} بما روي عن ~~عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب وكل هذه ~~أخبار آحاد وتخصيص الصحابة رضي الله عنها ظواهر القرآن بها ظاهر لا يمكن ~~دفعه ولا يمكن أن يقال خصوها بغير ذلك لأنه لا يجوز أن يروى ما خصوها به ~~ويروى ما لم يجر له ذكر وما ذكرناه يقتضي أن يحمل قول عمر رضي الله عنه لا ~~ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت أم كذبت على أنه ~~لا يدعه نسخا ليجمع بين هذا الخبر وبين الأخبار التي ذكرناها ولأن قوله لا ~~ندع كتاب ربنا وسنة نبينا يفيد النسخ دون التخصيص ولهذا لا يقال فيمن خص ~~آية من القرآن قد ترك القرآن # فان قيل هلا قبلوا خبرها في نفسها خاصة وأخرجوها وحدها من الآية وهي قوله ~~{أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} قيل إن حكمها قد كان يقضي وإنما روت الخبر ~~ليعمل به في غيرها فلو قبلوا خبرها لقبلوه في غيرها على ms554 أنهم لو قبلوا ~~خبرها في نفسها لقبلوه فيمن هو بمثل صفتها على ما جرت به عادتهم في إجراء ~~الخبر في كل من كانت صفته صفة من ورد فيه الخبر # PageV02P157 # وقد قال بعضهم إن قول عمر لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ~~ندري لعلها نسيت أم كذبت يدل على أنه ترك قولها لهذه العلة لا لما ذكرتموه ~~في أنه لو قبل خبرها في نفسها لقبله في غيرها الجواب أنهم لو قبلوا خبرها ~~لدل على إخراجها وإخراج غيرها وكانوا تاركين للكتاب لأنهم لا يكونون تاركين ~~للكتاب إلا باخراجها وإخراج غيرها فصح أنهم إنما يتركون الكتاب لأجل قولها ~~وروايتها هو الدال على تخصيصها وتخصيص غيرها # إن قيل قد قبل أهل قبا خبر الواحد في نسخ القبلة أفيتجوزون نسخ القرآن ~~بأخبار الآحاد قيل ذلك جائز في العقل وقد كان معمولا في صدر الإسلام بدلالة ~~حديث أهل قبا ثم نسخ ذلك ودل على نسخه خبر عمر رضي الله عنه وإجماع السلف ~~عليه وقال الشيخ أبو على رحمه الله لا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لهم إني أنفذ اليكم فلانا بنسخ القبلة فاقبلوا خبره فانه صادق ~~وذلك دلالة قاطعة على صدقه # وحكى قاضي القضاة رحمه الله في الشرح عن الشافعي رضي الله عنه أنه منع من ~~نسخ القرآن بأخبار الآحاد في الجملة دون التفصيل ومعنى ذلك أنه منع من نسخه ~~بخبر غير مقطوع به وجوز أن يصل نسخه إلى بعض المكلفين بخبر واحد فيلزمه ~~العمل به دليل العمل بخبر الواحد واجب إذا اختص بشرائط وهذه الشرائط حاصلة ~~فيه إذا عارضه عموم الكتاب فوجب العمل به # فان قيل من شرط العمل بخبر الواحد أن لا يعارضه عموم الكتاب قيل قد أجيب ~~عن ذلك بأن إجماع الصحابة على وجوب العمل بخبر الواحد يوجب العمل به ولا ~~يجوز أن يشترط في العمل به شرط إلا بدليل وليس على ما اشترط السائل دليل ~~ولقائل أن يقول إنما يجب ذلك لو أجمعوا على العمل ms555 بخبر الواحد بلفظ عام ~~يتناول حال معارضة العموم حت لا يخرج منه حالة من الحالات إلا لدلالة وما ~~اجمعوا كذا بل اجمعوا على العمل به في موضع # PageV02P158 # فينبغي أن ينظر في الموضع الذي أجمعوا عليه فيه فان تناول هذه المسألة ~~قضى به ولا ينقل منه إلى موضع آخر إلا لدلالة فان قلتم قد عملوا به مع ~~معارضة عموم الكتاب كان رجوعا إلى دليل آخر # فان قيل إجماع الصحابة على العمل به يكفي في وجوب العمل به في كل موضع من ~~الدلالة ألا ترى أنهم لو أجمعوا على قبوله في الصلاة لدل ذلك على قبوله في ~~فرع من فروع الصيام قيل إنما يدل قبولهم له في فرع من فروع الصلاة على ~~قبوله في غير ذلك من الفروع لأنه لا فرق بين الموضعين وليس يمكن أن يقال لا ~~فرق بين العمل به مع معارضة عموم الكتاب له ومع فقد ذلك وإن الحال في خبر ~~الواحد مع معارضة دليل شرعي كالحال فيه إذا لم يعارضه ذلك ألا ترى أن كثيرا ~~من العلماء قد فرق بينهما # فان قيل إنا نستدل باجماع الصحابة على ان العمل بخبر الواحد معلوم إذا ~~انفرد كما أن العمل باستغراق العموم معلوم إذا انفرد ثم نقول فاذا اجتمعا ~~لم يجز إطراح أحدهما والعمل بهما لا يمكن إلا مع التخصيص قيل إذا كان العمل ~~بكل واحد منهما معلوما إذا انفرد جاز أن يكون العمل بكل واحد منهما معلوما ~~مع التعارض وجاز أن يكون العمل بخبر الواحد معلوما بشرط أن لا يعارضه ~~العموم وإذا جاز كلا الأمرين وجب التوقف فمن أين قطعتم على وجوب العمل بهما ~~وأنتم المستدلون وأيضا فان عموم الكتاب معلوم وجوب الحكم باستغراقه إلا أن ~~يعارضه ما يكون حكمه معلوما عند معارضة العموم فاذا لم يثبت لكم ذلك في خبر ~~الواحد لأنكم لم تثبتوا أن الصحابة أجمعت على العمل في هذا الموضع وجب ~~القضاء باستغراق العموم # واحتج المخالف فقال إن خبر الواحد يقتضي الظن وعموم الكتاب يقتضي القطع ~~ولا ms556 يجوز العمل بما يقتضي الظن والعدول إليه عما يقتضي القطع الجواب يقال ~~له أتريد أن عموم الكتاب يقتضي العلم بشمول حكمه وأن خبر الواحد يقتضي الظن ~~بثبوت حكمه أو تريد أن عموم الكتاب معلوم # PageV02P159 # أنه كلام الله سبحانه وخبر الواحد يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ~~فان قال بالأول قيل له أتعني ذلك لو انفرد كل واحد منهما عن صاحبه أو إذا ~~اجتمعا فان قال إذا اجتمعا أو انفرد كل واحد منهما عن صاحبه قيل لا نسلم ~~ذلك لأن عندنا أن العمل على خبر الواحد معلوم سواء عارضه عموم كتاب أو لم ~~يعارضه فما ذكرته هو نفس المسألة وإن قال أريد الوجه الثاني قيل ولم إذا ~~علمنا أن الله سبحانه تكلم بالعموم وغلب على ظننا أن النبي عليه السلام ~~تكلم بالخبر ولم نعلمه لا يجوز أن نعلم عنده وجوب العمل فان قال لأن الخبر ~~إذا كان مظنونا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لم يجز أن يعلم عنده وجوب ~~العمل قيل فيجب أن لا نعلم عنده وجوب العمل مع فقد الكتاب لأن الظن لا يكون ~~طريقا إلى العلم على كل حال وايضا فان طريقنا إلى العلم بوجوب العمل بخبر ~~الواحد هو الإجماع وشرط ذلك ظننا صدق الراوي والإجماع معلوم وظننا صدق ~~الراوي معلوم فان قال عموم الكتاب ليس يقف على شرط مظنون فالخبر مظنون صدقه ~~فقد وقف العمل به على أمر مظنون فلم يجز العدول إليه عن عموم الكتاب قيل ~~إنما كان يمنع ما ذكرت لو كان طريقنا إلى الحكم هو قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكنا إذا لم نأمن أن يكون لم يقل ذلك القول لا يجوز لنا الحكم به وليس ~~الأمر كذلك لأنه لو كان الأمر كذلك لما جاز العمل على خبر الواحد وإن لم ~~يعارضه عموم الكتاب وإنما طريقنا إلى ذلك هو ظننا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ذلك القول مع قيام الدلالة على العمل بما يغلب على ظننا من ذلك ms557 ~~وكلا هذين معلوم لأنا نعلم أنا ظانون صدق الراوي ونعلم الدلالة على وجوب ~~العمل بما ظنناه فثبت مساواة طريقنا إلى العلم بحكم الخبر لطريقنا إلى ~~العلم لشمول الآية في أن كل واحد منهما طريق معلوم وبطل إحالتهم قيام ~~الدلالة على العمل بخبر الواحد مع عموم الكتاب # فان قيل العموم معلوم ومعلوم أنه قول الله سبحانه وقد دل على وجوب العمل ~~به دليل قاطع وهذا لا يتغير وخبر الواحد قد يزول الظن فيه بالبحث عن الراوي ~~والظن في حاله فيزول الذي دل على وجوب العمل به # PageV02P160 # فكيف يزول ما لا يتغير بحال ما يتغير وقد نقضت الشبهة بانتقالنا عن مقتضى ~~العقل بخبر الواحد وهذا لا يلزم لأن عموم الكتاب دل لفظه على شمول الحكم ~~على طريق القطع لو انفرد ألا ترى أنه يتناول لفظه كل واحد من أشخاص النوع ~~والجنس فلو عدلنا عن بعضه بخبر الواحد كنا قد عدلنا عن موجب دليل قاطع وأما ~~العقل فانه لا يقتضي قبح ذبح الحيوان إلا من حيث أنه ألم محض وليس يدل ~~العقل على انه محض وإنما يعلم العاقل أنه محض لأنه ليس في العقل ولا في ~~السمع ما يدل عليه فاذا ورد الخبر باباحته علمنا أن فيه منفعة موفية فزال ~~الشرط الذي معه قضى العقل بقبحه ولم نكن تاركين لموجب العقل بخبر الواحد ~~لأن العقل لم يدل على أنه ليس فيه نفع موف وخبر الواحد دل على ذلك فلم نكن ~~بتاركين لدلالة معلومة إلى شيء مظنون # واجيب عن الشبهة أيضا بأن خبر الواحد وعموم الكتاب طريقهما الاجتهاد فهما ~~يتساويان وهذا لا يصح لأنه إن أريد أن طريقهما الاجتهاد الذي هو بذل الجهد ~~في الاستدلال فصحيح لأن أحدهما مظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ~~والآخر معلوم أن الله عز وجل قاله وإن أريد أن كل واحد منهما مظنون فلا يصح # وقد قاس المخالف المنع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد على المنع من نسخه ~~بخبر الواحد بعلة أن كل واحد منهما عدول إلى ms558 مظنون عن معلوم الجواب إنهم إن ~~قاسوا أحدهما على الآخر في المنع من التعبد بهما من جهة العقول لم نسلم ~~الحكم في الأصل لأنا نجوز من جهة العقل نسخ القرآن بخبر الواحد وإن قاسوا ~~أحدهما على الآخر في المنع من التعبد شرعا فما ذكروه من العلة غير معلومة ~~فلم يجز القياس بها في هذا الموضع وأما من منع تخصيص عموم الكتاب بخبر ~~الواحد إذا لم يتقدمه تخصيص فقد أبطل لأن العموم المخصوص كالذي ليس بمخصوص ~~في أنه معلوم صدوره من حكيم وتناوله من جهة الحقيقة لما لم يتناوله التخصيص ~~فاذا خصت الصحابة بخبر الواحد # PageV02P161 # العموم المخصوص دل ذلك على جواز تخصيصه عموما لم يدخله التخصيص إذ أحدهما ~~في معنى الآخر كما أن إجماعها على تخصيص بعض الآيات بخبر الواحد دليل على ~~تخصيص آية أخرى بخبر الواحد لأن أحدهما في معنى الآخر # وقلوهم إن العموم المخصوص قد صار مجازا أو مجملا فجاز تخصيصه وليس كذلك ~~العموم إذا لم يخص فباطل لأن العموم المخصوص ليس بمجاز من حيث يتناول ما لم ~~يدخله التخصيص فصار من هذه الجهة كالذي لم يتقدمه تخصيص وإنما هو مجاز من ~~حيث لم يرد به بعض ما يتناوله وقولهم إنه مجمل لا نسلمه وقولهم إن عمر عليه ~~السلام امتنع من تخصيص قوله عز وجل {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} بخبر ~~فاطمة بنت قيس بقوله لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها ~~نسيت أم كذبت لا يصح لأنا قد بينا أن ذلك ينصرف إلى النسخ على أن هذه الآية ~~مخصوصة بخروج المرتدة منها وقول من فرق بين العموم المخصوص بالاستثناء وبين ~~المخصوص بالدلالة المنفصلة بأن العموم المخصوص بالاستثناء حقيقة فيما عدا ~~المستثنى لأن العموم مع الاستثناء يجري مجرى لفظ العدد مع الاستثناء في أنه ~~يتناول ما عدا المستثنى من الأعداد وأما العموم المخصوص بدليل منفصل فهو ~~مجاز فباطل بما ذكرناه الآن ### | فصل في الحكم إذا اقتضى قياس الاصول فيه خلاف ما اقتضاه خبر الواحد ms559 # اعلم أن القياس على أصل من الاصول إذا عارض خبر واحد فانما يعارضه إذا ~~اقتضى الخبر إيجاب أشياء واقتضى القياس حظر جميعها على الحد الذي اقتضى ~~الخبر إيجابها أو بان يكون الخبر مخصصا لعلة القياس فان اقتضى تخصيصها فيمن ~~يجيز تخصيص العلة يجمع بينهما ومن لا يرى تخصيص العلة # PageV02P162 # يجرى هذا القسم مجرى القسم الأول وليس تخلو علة القياس الذي هذه حاله إما ~~أن تكون منصوصا عليها أو مستنبطة فان كانت منصوصة لم يخل النص عليها إما أن ~~يكون مقطوعا به أو غير مقطوع به فان كان مقطوعا به وكان خبر الواحد ينفي ~~موجبها ولم يكن إضمار زيادة فيها تخرج معه العلة من ان يعارضها خبر الواحد ~~فانه يجب العدول إليها عن خبر الواحد لأن النص على العلة كالنص على حكمها ~~فكما لا يجوز قبول خبر الواحد إذا رفع موجب النص المقطوع به فكذلك في هذا ~~الموضع ولأن خبر الواحد في هذا المكان يخرج العلة المنصوصة من كونها علة ~~والنص قد اقتضى كونها علة فصار خبر الواحد رافعا موجب النص المقطوع به وإن ~~لم يكن النص على العلة مقطوعا به ولا كان حكمها في الأصل ثابتا بدليل مقطوع ~~به فانه يكون معارضا لخبر الواحد لأنهما خبرا واحد ويكون الرجوع إلى الخبر ~~في إثبات الحكم أولى من الخبر الدال على العلة لأن دال بصريحه على الحكم ~~والخبر الدال على العلة ليس بدال على الحكم بصريحه ونفسه بل بواسطة وإن كان ~~حكمها في الأصل ثابتا بدليل مقطوع به فهو موضع اجتهاد على ما سنبينه الآن ~~في العلة المستنبطة # فأما إن كانت علة القياس مستنبطة فلا يخلو أصل القياس إما أن يكون حكمه ~~ثابتا بخبر واحد أو بنص مقطوع به فاذا كان ثابتا بخبر واحد لم يكن القياس ~~أولى من الخبر المعارض له بل الأخذ بالخبر أولى فأما إذا كان الحكم في أصل ~~القياس ثابتا بدليل مقطوع به والخبر المعارض للقياس خبر واحد فينبغي أن ~~يكون الناس إنما اختلفوا في هذا الموضع وإن ms560 كان الاصوليون ذكروا الخلاف فيه ~~مطلقا فعند الشافعي رضي الله عنه أن الأخذ بالخبر أولى وهو قول أبي الحسن ~~وقال عيسى بن أبان إن كان راوي الخبر ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه ~~وجب قبول خبره وترك القياس وإن كان الراوي بخلاف ذلك كان موضع الاجتهاد ~~وذكر أن في الصحابة عليهم السلام من رد حديث أبي هريرة بالاجتهاد وحكي عن ~~مالك أنه رجح القياس على الخبر ومنهم من قال طريقه الاجتهاد # PageV02P163 # واحتج المرجحون للخبر بأشياء # منها إجماع الصحاب لأن أبا بكر رضي الله عنه نقض حكما حكم به برأيه لحديث ~~سمعه من بلال وترك عمر رضي الله عنه رأيه في الجنين وفي التسوية بين ~~الأصابع للحديث فان قيل إن ابن عباس قد خالف في ذلك لأنه لم يقبل خبر أبي ~~هريرة إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ~~وقال ما نصنع بمهراسنا والمهراس حجر عظيم كانوا يجعلون فيه الماء ويتوضؤن ~~منه فأشار بذلك إلى أنه لا يمكن غسل اليد منه قبل إدخالها فيه فقال له أبو ~~هريرة يا بن أخي إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فلا تضرب ~~له الأمثال قيل إن ابن عباس ترك هذا الحديث لأنه لا يمكن الأخذ به إذ كان ~~لا يمكن قلب المهراس على اليد وذلك خارج عن قياس علته مظنونة فان قيل ليس ~~في ذك تكليف ما لا يطاق لأنه كان يمكنهم غسل أيديهم من إناء آخر غير ~~المهراس ثم يدخلوا أيديهم في المهراس فعلمنا أنه رد الخبر لأنه مخالف لقياس ~~الأصول لا لأنه لا يمكن الأخذ به قيل فاذا أمكن الأخذ به فمن أين أن قياس ~~الاصول كان يبيح غسل اليد من ذلك الإناء حتى يكون قد رد الخبر لذلك القياس ~~وإذا صح ذلك لم يثبت لهم أن ابن عباس رجح قياس الاصول على الخبر حتى يكون ~~قادحا في الإجماع # ومنها أن خبرالواحد أصل للقياس ولا يجوز أن يترك الأصل بالفرع ولقائل أن ms561 ~~يقول إن أردتم بقولكم إن خبر الواحد أصل للقياس أنه هو الدليل على صحة ~~العمل بالقياس فليس كذلك لأن العمل بالقياس لا يصار إليه إلا بدليل مقطوع ~~به وإن أردتم أن خبر الواحد هو أصل القياس الذي وقعت المعارضة به وأن ~~القياس هو قياس على حكمه فليس كذلك لأن أصل القياس هو غير هذا الخبر فان ~~قالوا نريد بذلك أن خبر الواحد في الجملة هو أصل القياس ألا ترى أن أصل ~~القياس هو خبر واحد مثل هذا الخبر المعارض قيل إنما يلزم هذا من قال إن ~~القياس على حكم خبر الواحد أولى # PageV02P164 # من خبر واحد يعارض القياس فأما من قال إن القياس أولى من خبر الواحد إذا ~~كان القياس قياسا على دليل قاطع فلا يلزمه هذا الكلام # ومنها قولهم إن خبر الواحد يجري مجرى ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكان أولى من القياس ولقائل أن يقول إن خبر الواحد يجري مجرى ما سمع من ~~النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب العمل وهكذا القياس وأيضا فليس يجب إذا ~~جرى خبر الواحد مجرى ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور أن ~~يجري مجراه في أمور أخر ألا ترى انه لا يجري مجراه في نسخ القرآن # ومنها قولهم إن إثبات الحكم بخبر الواحد يستند إلى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم بغير واسطة وإثباته بالقياس يستند إلى قوله بواسطة فكان إثباته ~~بالخبر أولى ولقائل أن يقول إنه كان لإثبات الحكم بالخبر هذه المزية فان ~~لإثبات الحكم بهذا القياس مزية أخرى وهي استناده إلى أصل معلوم وإن كان ~~بواسطة الاجتهاد في الأمارة فكما أن العمل بخبر الواحد يستند إلى أصل معلوم ~~وهو ما دل على وجوب العمل بخبر الواحد فكذلك الحكم بالقياس يستند إلى ما دل ~~على العمل بالقياس وهو معلوم وكما أن العمل بالقياس يفتقر إلى الاجتهاد في ~~الأمارة فالحكم بخبر الواحد يفتقر إلى الاجتهاد في أحوال المخبرين فهما ~~يتساويان من هذه الوجوه وهذا من ms562 أقوى ما يحتج به من رد الأمر فيها إلى ~~الاجتهاد # ومنها أن عموم الكتاب يدل تصريحه على ما تناوله لفظه ويدل على حكم الفروع ~~بواسطة القياس ودلالته على ما تناوله لفظه أقوى لأنه يتناوله بنفسه من غير ~~واسطة وليس كذلك دلالته على حكم الفروع فاذا جاز أن يخرج منه بعض ما تناوله ~~لفظه بخبر الواحد مع قوة دلالته عليه كان بأن يخرج منه مدلوله الأخفى وهو ~~ما دل عليه بواسطة القياس لأجل خبر الواحد أولى إذ كان إخراج ما دل عليه ~~بواسطة القياس يجري مجرى التخصيص لأنه إخراج بعض ما دل عليه إذ كان يدل على ~~أشياء بواسطة وبغير واسطة # PageV02P165 # وللخصم أن يقول إن عموم الكتاب لا يدل على حكم الفروع لأنه لا يتناولها ~~فلا يدل على امارة القياس فصار حكم الفروع هو مدلول دليل آخر وهو القياس ~~فليس بأن يتركوه بخبر الواحد لأن خبر الواحد يخص به عموم الكتاب مع قوة ~~عموم الكتاب بأولى من أن يتركوا العمل بخبر الواحد لأجل القياس إذ كان ~~القياس يخص به عموم الكتاب # واحتج من قدم القياس على الاصول على خبر الواحد بأن القياس لا يحتمل ولا ~~يجوز تخصيصه وليس كذلك الخبر فكان القياس أولى الجواب أن ذلك يقتضي تقديمه ~~على نص الكتاب والسنة المتواترة وأيضا فانه إن اختص القياس بهذه المزية ~~فالخبر مختص بمزية اخرى وهي أن دلالة الألفاظ لا تستنبط من غيرها والقياس ~~مستنبط من الألفاظ فكانت الألفاظ أقوى من الدلالة # واحتجوا أيضا بأن القياس أثبت من الخبر لتجويز الخطأ والكذب على المخبر ~~والجواب أن جواز ذلك كجواز كون الحكم غير متعلق بالأمارة في القياس وإن كان ~~الأغلب صدق الراوي وتعلق الحكم بالأمارة # ومنها قولهم إذا كان القياس يخص به عموم الكتاب فبأن يترك لأجله خبر ~~الواحد أولى إذ هو أضعف من العموم الجواب أنا إذا خصصنا العموم بالقياس لم ~~نكن تاركين له أصلا بالقياس وليس كذلك إذا تركنا الخبر أصلا بالقياس ~~والأولى أن يكون طريق ترجيح أحدهما على الآخر الاجتهاد ms563 لتساويهما من الوجوه ~~التي ذكرناها فان قوي عند المجتهد امارة القياس وكانت تزيد عنده في القوة ~~على عدالة الراوي وضبطه وجب المصير إليه وإن كان ضبط الراوي وثقته يزيد عند ~~المجتهد على أمارة القياس وجب عليه المصير إلى الخبر # PageV02P166 ### | فصل في فائدة خبر الواحد إذا كان البلوى به عاما هل يرد له خبر الواحد الوارد فيه أم لا # الخبر المروي بالآحاد لا يخلو إما أن يتضمن إيجاب العلم أو يتضمن إيجاب ~~العمل فقط والأول إما أن يكون في الأدلة القاطعة ما يدل على ذلك العلم وإما ~~أن لا يكون فيها ما يدل على ذلك فان لم يكن فيها ما يدل على ذلك لم يقبل ~~الخبر سواء تضمن مع العلم عملا أو لم يتضمن عملا لأنه لو كان صحيحا لأشاعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم على وجه يجب في العادة التواتر بنقله ولأوجب نقله ~~على وجه تقوم الحجة به إذ كان لا يجوز أن يوجب علينا العلم ولا يجعل لنا ~~طريقا إليه وخبر الواحد ليس بطريق إلى العلم # إن قيل هلا قبلتم الخبر وحكمتم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب العلم ~~على ما شافهه بذلك قيل ليس يستحيل ذلك إذا كان الخبر خطابا لمن حضر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإنما رددنا الخبر إذا كان إيجابا على من شافهه ومن لم ~~يشافهه # إن قيل جوزوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الخبر وأمر بتواتر ~~نقله وألزم كل أحد العلم بشرط أن يبلغه الخبر على حد التواتر فيكون من ~~شافهه به قد وجب عليه العلم ومن لم يشافهه لم يجب عليه إذا لم ينقل ~~بالتواتر قيل لو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اشاع الحديث وأظهره على ~~هذا الحد وأوجب تواتر نقله لقويت دواعي الدين والعادة إلى نقله متواترا ~~ولما جاز أن يخفى لأن جواز خفاء ذلك يقتضي تجويز حدوث أمور في الدين ~~والدنيا عظيمة لم يبلغنا خبرها ولذلك قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم لو ~~كان ms564 يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم كما كان يجهر بالفاتحة لكان النقل ~~لأحدهما كالنقل للآخر فلما اختلف النقل علمنا أنه كان يجهر مرة ببسم الله ~~الرحمن الرحيم ويخفي أخرى فنقل بعض الناس أنه جهر ونقل غيره أنه أسر # فأما إن كان في الأدلة ما يدل على العلم لم يمنع أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد # PageV02P167 # اقتصر بذلك الخبر على آحاد واقتصر بمن سواهم على الدليل الآخر في وجوب ~~العلم فأما إن كان الخبر يتمضن العمل دون العلم فإما أن يعم البلوى بما ~~تضمنه أو لا يعم البلوى به فان لم يعم البلوى به قبل وإن عم البلوى فقد ~~اختلف القائلون بأخبار الآحاد في قبوله # فلم يقبله الشيخ أبو الحسن رحمه الله ويقول إن فروع الصلاة مخالفة لذلك ~~فلا يمتنع أن يختص بها العلماء ويقول كل شرط يفسد الصلاة وهو ركن فيها إنه ~~يجب ظهور نقله كالقبلة التي ظهر نقلها ظهور نقل الصلاة وما يعرض فيها وليس ~~بشرط نحو تحريم الكلام في الصلاة لا يجب نقله عاما ويقول ليس يجب شياع نقل ~~صفة المنقول كوجوب الوتر ولا يوجب شياع نقل الوضوء من الرعاف ولا التوضي من ~~القهقهة لأن ذلك ليس يعم به البلوى # وعند الشيخ أبي علي أن الأخبار التي لا تتضمن العلم لا يجب شياع نقلها في ~~الخاصة والعامة بل لا يمتنع أن لا يكون العامة مكلفة لما تضمنته كالحدود أو ~~مكلفة بالرجوع إلى العلماء وهو مذهب قاضي القضاة والدليل على قوله إن إجماع ~~الصحابة على العمل بأخبار الآحاد يقتضي العمل بها اجمع ما لم يمنع منه مانع ~~ألا ترى أنه دل على جواز العمل بأخبار لم ترو فيهم لما كانت في معنى ما ~~أجمعوا عليه ورجعت الصحابة رضي الله عنها إلى أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التقاء الختانين # وأيضا فمن لم يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى فإما أن لا يقبله لأن ~~الشريعة منعت من قبوله أو لأنه ليس في الشريعة ما يدل على قبوله ms565 أو لأنه لو ~~كان صحيحا لأشاعه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بتواتر نقله ليصل إلى من ~~بعد بفائدته فيتمكن مما كلف من العمل به ولو كان كذلك لقويت دواعي الدين ~~والعادة إلى إشاعة نقله # PageV02P168 # وهذه الأقسام كلها باطلة لأنه لو كان في الشرع نص يمنع من قبوله لعرفناه ~~مع الفحص الشديد إن قيل أليس قد رد عمر خبر أبي موسى في الاستئذان ورد أبو ~~بكر خبر المغيرة في الجدة قيل إنما يدل هذا على ما ذكرتم لو لم يقبلوا في ~~ذلك إلا خبرا قد تواتر نقله فأما وقد قبلوه إذا انضم إلى الراوي راو آخر ~~فلا دليل لكم في ذلك وإجماع الصحابة على العمل بأخبار الآحاد يتضمن في ~~المعنى هذه المسألة على ما سنبينه فبطل قولكم ليس في الشرع ما دل على قبوله ~~وقولهم إذا عم البلوى بالحكم وجب في الحكمة إشاعته فباطل لأنه إنما يجب ذلك ~~لو لزم المكلفين العلم مع العمل إو لزمهم العمل على كل حال فأما إذا لزم ~~العمل به بشرط أن يبلغهم الخبر وإلا لم يلزمهم فليس في ذلك تكليف ما لا ~~طريق إليه ولو وجب ما ذكروه فيما يعم البلوى به لوجب فيما لا يعم به البلوى ~~لأن ما لا يعم به البلوى يعلم وقوعه وإن كان وقوعه نادرا وفي آحاد الناس ~~كالرعاف في الصلاة فيجب في الحكمة إشاعة حكمه خوفا من أن لا يصل إلى من ~~ابتلي به فيضيع الغرض # فان قالوا لا يلزم القول بوجوب إشاعته لأنه إنما يكلف المرء ذلك الحكم ~~بشرط وصوله إليه وإن لم يصل إليه لم يكن مكلفا قيل إن جاز ذلك في آحاد من ~~الناس جاز في جماعتهم على أن وجوب الوتر يعم البلوى به ولم يتواتر النقل ~~بوجوبه وقولهم قد تواتر النقل بالوتر لا يعصمهم من التناقض لأن الوجوب يعم ~~به البلوى والنقل له لم يتواتر فأما القي والرعاف في الصلاة فالبلوى بهما ~~عام وليس يبطل عمومه كون مس الذكر أعم منه ### | فصل في خبر ms566 الواحد إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم خلاف مقتضاه # اعلم ان الراوي إذا روى شيئا فعل النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فلا ~~يخلو الخبر الذي رواه إما أن يتناول النبي صلى الله عليه وسلم وإما لا ~~يتناوله فان لم يتناوله نحو أن يكون خبرا عن وجوب الفعل على غيره أو يكون ~~أمرا أو نهيا لغيره عن فعل ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ما نهي ~~عنه أو لم يفعل ما أمر به فانه إن لم تدل # PageV02P169 # دلالة من إجماع أو غيره على أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم حكم غيره في ~~ذلك الفعل فانه لا تعارض بين ذلك الخبر وبين فعله وإن دلت على ان حكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم حكم غيره في ذلك فالكلام فيه كالكلام في القسم الذي ~~سنذكره الآن وإن كان الخبر يتناول النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون خبرا ~~عن الوجوب عليه وعلى غيره أو حكاية عن الله تعالى يتناوله ويتناول غيره ~~فانه يكون معرضا له فان أمكن أن يخص أحدهما بالآخر فعل ذلك وإن لم يمكن ~~وكان أحد الخبرين متواترا دون الآخر قضي بالتواتر وإن كانا منقولين بالآحاد ~~رجع فيهما إلى الترجيح وليس يجوز مع هذا التنافي أن يكونا منقولين بالتواتر ### | فصل في الرواية بحسب سماع الراوي # إذا قال الراوي حدثني فلان أو أخبرني فلان أو سمعت فلانا وقد حدث بذلك من ~~سمعه يقول هذا القول فلمن سمعه أن يقول حدثني وأخبرني وسمعت منه وإذا قريء ~~على الإنسان الأحاديث ثم قال عند الفراغ من القراءة الأمر كما قريء علي أو ~~قال قد سمعت ما قريء علي فانه يكون بهذا القول محدثا على الجملة فلمن سمع ~~القراءة عليه وسمع الشيخ يقول ذلك أن يقول حدثني وأخبرني وسمعت من فلان ألا ~~ترى أنه لا فرق في جواز الشهادة على البيع بين أن يلفظ البائع عند الشاهد ~~بلفظ البيع وبين أن يقرأ عليه كتاب البيع فيقول الأمر كما قريء علي فأما ms567 ~~إذا قريء عليه فلم ينكر ولم يقل الأمر على ما قريء علي أو قد سمعت ما قريء ~~فللسامعين أن يعملوا على تلك الأحاديث لأن ترك النكير يدل على سماعه ~~الأحاديث وليس لمن سمع القراءة أن يقول حدثني أو أخبرني أو سمعت لأن الشيخ ~~لم يلفظ بشيء سمعه منه ولا فصل بين التحدث والإخبار # فان قيل إمساكه عن النكير يجري مجرى إباحته أن يتحدث عنه قيل لو أباحهم ~~أن يتحدثوا عنه لم يجز لهم التحدث عنه إذا لم يحدثهم لأن الكذب لا # PageV02P170 # يصير مباحا باباحته إن قيل العادة قد أجرت سكوت الشيخ عن الإنكار مجرى ~~قوله قد سمعت ما قريء علي فكان لهم أن يتحدثوا عنه قيل إمساكه يجري مجرى ~~قوله سمعت ذلك في الدلالة على انه قد سمعه وليس يخرج من ان يكون الشيخ لم ~~يتلفظ بالأخبار والتحدث وله أن يقول قرأت على فلان أو قريء عليه وأنا أسمع # وأما المناولة فهي أن يشير الإنسان إلى كتاب يعرف ما فيه من الأحاديث ~~فيقول لغيره قد سمعت ما في هذا الكتاب فيكون بذلك محدثا لأنه سمعه ويجوز ~~لذلك الغير أن يرويه عنه فيقول حدثني فلان أو أخبرني فلان وسواء قال اروه ~~عني أو لم يقل فأما إذا قال له حدث عني بما في هذا الجزء ولم يقل سمعته ~~فانه لا يكون محدثا له به وإنما أجاز له التحدث به عنه فليس له أن يحدث عنه ~~لأنه يكون بالتحدث عنه كاذبا وليس يصير ذلك مباحا باباحته له # وإذا سمع الشيخ نسخة من كتاب مشهور لم يجز له أن يشير إلى غير تلك النسخة ~~من ذلك الكتاب فيقول قد سمعته لأن النسخ من الكتاب الواحد قد تختلف إلا أن ~~يعلم أن النسختين تتفقان # وأما الكتابة فهي أن يكتب الشيخ إلى غيره أنه سمع الكتاب الفلاني أو ~~النسخة الفلانية فان اضطر المكتوب إليه أنه خطه جاز أن يروي عنه وإن لم ~~يضطر إلى ذلك لكنه ظنه جاز أن يروي بحسب ظنه # وأما الإجازة فهي ms568 أن يقول الإنسان لغيره قد أجزت لك أن تروي عني ما صح من ~~أحاديثي وأصحاب الحديث يجيزون ذلك ويسوغون لمن اجيز له أن يقول أخبرني فلان ~~ولا يجيزون له أن يقول حدثني قالوا لأن قوله قد أجزت لك أن تروي ما صح عني ~~من أحاديثي يجري في العادة مجرى قوله ما صح عني من أحاديثي قد سمعته فاروه ~~عني واعلم أن ظاهر الإجازة هي إباحة الشيخ التحديث عنه والإخبار عنه من غير ~~أن يخبره ويحدثه وهذا # PageV02P171 # إباحة الكذب وليس له ذلك ولا لغيره أن يستبيح الكذب إذا أبيح فان ثبت أن ~~قوله قد أجزت لك أن تروي عني إقرار من جهة العادة أنه سمع ما صح عنه فحكمه ~~حكم المناولة والله أعلم - صلى الله عليه وسلم - باب في قول الصحابي أمرنا ~~بكذا ما حكمه - صلى الله عليه وسلم - # ينبغي أن نذكر من الصحابي وما طريق كونه صحابيا ثم نتكلم في قول الصحابي ~~أمرنا أن نفعل كذا ما الذي يفيده # أما الصحابي فينبغي أن يجتمع فيه أمران حتى يكون صحابيا أحدهما أن يطيل ~~مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم لأن من رآه من الوافدين عليه وغيرهم ولكم ~~يطل المكث لا يسمى صحابيا والآخر أن يطيل المكث معه على طريق التبع له ~~والأخذ عنه والاتباع له ولهذا لا نصف من أطال مجالسة العالم ولم يقصد ~~المتابعة له بأنه من أصحابه # وأما طريقنا إلى كون الصحابي صحابيا فطريقان أحدهما يقتضي العلم وهو ~~الخبر المتواتر بأنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم ليتبعه والآخر يقتضي ~~الظن وهو إخبار الثقة بذلك إما هو وإما غيره # فاذا قد عرفنا من الصحابة فلنتكلم في مسائل # منها قول الصحابي امرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو أوجب علينا كذا أو أبيح ~~لنا كذا أو حظر علينا كذا أو من السنة كذا # ومنها أن يقول الصحابي قلت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # ومنها قول الصحابي كنا نفعل كذا وكذا # PageV02P172 # ومنها قول الصحابي كانوا يفعلون كذا وكذا ms569 # ومنها أن يقول الصحابي قولا لا مجال للاجتهاد فيه # أما قول الصحابي أمرنا أن نفعل كذا أو نهينا عن كذا فذهب الشافعي والشيخ ~~أبو عبد الله وقاضي القضاة أنه يفيد أن الآمر هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال الشيخ أبو الحسن ليس ذلك هو الظاهر بل يجوز أن يكون الآمر غيره ~~وحمل على ذلك قول الراوي أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة والدليل ~~على القول الأول أن من التزم طاعة رئيس فانه إذا قال أمرنا بكذا وكذا فانه ~~يفهم منه ما يلتزم طاعته ويؤثر أمره ألا ترى أن الرجل من أولياء السلطان ~~إذا قال في دار السلطان أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فهم منه أن السلطان ~~الذي يلتزم طاعته هو الذي أمر وأيضا فغرض الصحابي أن يعلمنا الشرع ويفيدنا ~~الحكم فيجب حمل ذلك على من يصدر الشرع عنه دون الأئمة والولاة لأن امرهم لا ~~يؤثر في الشرع ولا هم المتبعون فيه ولا يحمل هذا القول على أمر الله عز وجل ~~لأن أمر الله عز وجل ظاهر للكل لا نستفيده من كلام الصحابي ولا نحمله على ~~جماعة الأمة لأن قول الصحابي أمرنا إن أفاد ذلك أفاد أن جميع الامة أمرت ~~بذلك وهي لا تأمر نفسها # فاما قول الصحابي أوجب علينا كذا أو حظر علينا كذا أو ابيح لنا كذا فانه ~~يفهم منه أن الموجب المبيح الحاظر هو النبي صلى الله عليه وسلم لأن الإباحة ~~والحظر والإيجاب على الحقيقة لا تحصل من بشر سواه # وإذا قال الإنسان من السنة كذا لم يعقل منه إلا سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما أن قولنا هذا الفعل طاعة يفيد أنه طاعة لله تعالى ولرسوله # إن قيل يجوز أن يكون الصحابي إنما قال اوجب علينا كذا لأنه سمع من النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأمر بذلك الشيء فحمله على الإيجاب فلا يلزم ذلك من لم ~~يقل إن الأمر ليس على الوجوب الجواب أن من يقول إن الأمر على # PageV02P173 # الوجوب يلزمه ms570 أن يأخذ بقول الصحابي أوجب علينا كذا ولا يسقط عنه الوجوب ~~لما قاله السائل ومن لم يقل إن الأمر على الوجوب يلزمه ذلك أيضا لأن الظاهر ~~من الصحابي أنه لم يقل ذلك إلا مع زول الإشكال والخلاف وذلك يقتضي أن يكون ~~قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم لفظة الوجوب أو اضطر إلى ذلك من قصده # إن قيل أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها ~~وأجر من عمل بها وعني بذلك سنة غيره قلنا لسنا نمنع من ذلك مع التقييد ~~وإنما نمنع من أن يفهم من إطلاق السنة سنة غير النبي صلى الله عليه وسلم # وأما قول الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال قوم إنه يحتمل أن ~~يكون أخبره غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمعه منه وقال قوم ~~الظاهر أنه سمعه منه وهكذا ذكر قاضي القضاة في الشرح # فأما إذا قال الصحابي كنا نفعل كذا وكذا فالظاهر منه أنه قصد أن يعلمنا ~~بهذا الكلام حكما ويفيدنا شرعا ولا يكون كذلك إلا وقد كانوا يفعلونه على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم على وجه يظهر له فلا ينكره ولهذا كان الظاهر ~~من قول الراوي كانوا يفعلون كذا وكذا أن جماعة الامة كانوا يفعلون ذلك أو ~~يفعل البعض فلا ينكر أو يفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم ~~به ولا ينكره وذلك كقول عائشة رضي الله عنها كانوا لا يقطعون اليد في الشيء ~~التافه # فأما إذا قال الصحابي قولا لا مجال للاجتهاد فيه فحسن الظن به يقتضي أن ~~يكون قاله عن طريق فاذا لم يكن الاجتهاد فليس إلا أنه سمعه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم = # PageV02P174 # - صلى الله عليه وسلم - باب في مذهب الراوي إذا كان بخلاف روايته ما ~~المعقول منه وهل يختص به روايته أم لا - صلى الله عليه وسلم - # حكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة وغيرهم أن الراوي للحديث العام إذا خصه أو ms571 ~~تأوله وجب المصير إلى تأويله وتخصيصه لأن بمشاهدته النبي صلى الله عليه ~~وسلم أعرف بمقاصده ولذلك حملوا رواية أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ ~~الكلب سبعا على الندب لأن أبا هريرة كان يقتصر على الثلاث وقال أبو الحسن ~~المصير إلى ظاهر الخبر أولى ومنهم من جعل التمسك بظاهر الخبر أولى من تأويل ~~الراوي إذا كان تأويله بخلاف ظاهر الخبر قال فان كان تأويله هو أحد محتملي ~~الظاهر حملت الرواية عليه وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه حمل ما رواه ابن عمر ~~من حديث الافتراق على افتراق الأبدان لأنه مذهب ابن عمر رضي الله عنه وقال ~~قاضي القضاة إن لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه إلا أنه علم قصد النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى ذلك التأويل ضرورة وجب المصير إلى تأويله وإن لم يعلم ~~ذلك بل جوز أن يكون صار إلى ذلك التأويل لنص أو قياس وجب النظر في ذلك ~~الوجه فان اقتضى ذلك ما ذهب إليه الراوي وجب المصير إليه وإلا لم يصر إليه ~~وهذا صحيح وكذلك إذا علم انه صار إلى ذلك التأويل لنص جلي لا مساغ للاجتهاد ~~في خلافه وتأويله فأنه يلزم المصير إلى تأويله كما لو صرح بالرواية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لذلك التأويل قال قاضي القضاة فان كان الخبر الذي ~~رواه مجملا وبينه الراوي فان بيانه اولى # ودليل الشيخ ابي الحسن رحمه الله هو أن مذهب الراوي ليس بحجة وقول النبي ~~عليه السلام حجة فلم يجز العدول عنه إلى ما ليس بحجة ودليلنا أن نخص العموم ~~لتخصيص النبي عليه السلام وإنما نستدل بمذهب الراوي على تخصيص النبي صلى ~~الله عليه وسلم له ويجري مذهبهم مجرى روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ووجه الاستدلال بذلك هو انه إذا لم يكن فيما يعرفه من النصوص ووجوه ~~الاجتهاد ما يقتضي # PageV02P175 # ذلك التخصيص فلا يخلو الراوي إما أن يكون قال ما قال لشهوة أو لأنه اضطر ~~إلى قصد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخصيص أو ms572 لأنه سمع من النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك نصا جليا لا يسوغ الاجتهاد في خلافه او سمع نصا ~~محتملا والظاهر من دينه يمنع من تخصيص العموم بالتشهي ويمنع من أن لا ينقل ~~الحديث المحتمل لأنه لا يأمن أن يكون اجتهاد غيره فيه خلاف اجتهاده فيثبت ~~القسمان الآخران وأيهما كان وجب التخصيص كما لو أظهر الرواية بذلك # فان قيل لم لم ينقل قصد النبي صلى الله عليه وسلم أو النص الجلي قيل لأن ~~تخصيصه العموم مع دينه يجري مجرى نقله النص من الوجه الذي ذكرناه فان قيل ~~أفما تجوزون أن يكون قد وهم فظن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أصل ~~له وتوهم أنه عالم بذلك قيل الظاهر من دينه أنه ما خص العموم إلا وقد اضطر ~~إلى قصد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كما أن الظاهر من رواية الضابط ~~المتيقظ أنه لم يخطيء سمعه وإن جاز خلاف ذلك بأن يتوهم خلاف ما قاله النبي ~~صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - باب في الاخبار المعارضة - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن الخبرين المتعارضين إما أن يكونا معلومين أو غير معلومين أو ~~أحدهما معلوم والآخر غير معلوم فان كانا معلومين فإما ان يكونا خاصين او ~~عامين او أحدهما خاص والآخر عام فان كانا عامين فاما أن يكونا عامين من كل ~~وجه أو كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه فان كان احدهما عاما والآخر ~~خاصا قضي بالخاص على العام وإن كانا خاصين على الإطلاق أو عامين على ~~الإطلاق وعرف التأريخ فيهما قضينا بنسخ المتأخر منهما للمتقدم فان لم يعرف ~~التأريخ فيهما فإن أمكن التخيير فيهما فعل ذلك وإن لم يمكن التخيير فيهما ~~أو أمكن ذلك لكن الأمة منعت منه حكمنا بان التعبد فيهما بالنسخ عند من عرف ~~التأريخ وأن التعبد علينا هو بالرجوع إلى # PageV02P176 # مقتضى العقل لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر ولا يجوز ترجيح أحدهما على ~~الآخر بما يرجع إلى ms573 إسناده لأن الترجيح بذلك يقتضي قوة الظن لثبوت احدهما ~~وليس واحد منهما مظنونا فيقوى ظننا له ويجوز ان يقال إن التعبد علينا ~~بأحدهما يقوي بما يرجع إلى صفة الحكم نحو الحظر والوجوب لأن ذلك ليس يقتضي ~~قوة الظن لثبوت الخبر وإنما يقتضي التعبد والتعبد عند التعارض قد يدخل الظن ~~في شرائطه وإن كان كل واحد منهما خاصا من وجه عاما من وجه فليس تخصيص ~~أحدهما بالآخر أولى من العكس فيجوز أن يرجح كون أحدهما مخصصا للآخر بما ~~يرجع إلى الحكم من كونه محظورا أو غير ذلك ومثال ذلك من القرآن قوله تعالى ~~{وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} وقوله {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وإن ~~كان أحد الخبرين معلوما والآخر مظنونا وكان أحدهما خاصا فانه يقع التخصيص ~~به معلوما كان الخاص أو مظنونا وإن لم يكن أحدهما خاصا حكم بالمعلوم لأنه ~~لا يجوز إطراحه إلى المظنون وإن كانا مظنونين قضي بالخاص منهما إن كان ~~فيهما خاص وإن لم يكن رجح أحدهما على الآخر وعمل على الأرجح # ويقال أيضا في قسمة الأخبار المتعارضة أن الخبرين إذا تعارضا فإما أن ~~يمكن الجمع بينهما او لا يمكن فان أمكن فإما ان يمكن الجمع بينهما في وقت ~~واحد أو في وقتين أما في وقت واحد فبأن يحمل أحدهما لمكان الآخر على مجاز ~~إما بالتخصيص وإما بغيره وأما في وقتين فبأن يعلم تقدم أحدهما بعينه على ~~الآخر فيكون منسوخا بما تاخر عنه وأما ما لا يمكن الجمع بينهما فإما أن لا ~~يمكن لأنفسهما أو لأمر اقتران بهما فما لا يمكن لأمر اقترن بهما فهو أن ~~يمكن تاويل أحدهما بالآخر لكن الأمة منعت من ذلك كرواية ابن عباس رضي الله ~~عنه لا ربا إلا في النسيئة يمكن تخصيصه في الجنسين المختلفين بخبر أبي سعيد ~~لكن السلف على قولين أكثرهم تركه وصار إلى رواية أبي # PageV02P177 # سعيد والأقل أخذ به وأما الذي لا يمكن ذلك فيه لأنفسهما فله شروط # منها أن يكون حكم أحدهما نفيا لحم ms574 الآخر أو حكم أحدهما ضدا لحكم الآخر # ومنها أن يتعلق كل واحد منهما بما تعلق به الآخر على الحد الذي تعلق به ~~الآخر في الوقت الذي تعلق به الآخر ولا يكون أحدهما خاصا والآخر عاما بل ~~يكونان خاصين أو عامين أو كل واحد منهما خاصا من وجه عاما من وجه فلا يكون ~~أحدهما بأن يكون مخصوصا بالآخر بأولى من العكس # ومنها أن لا يعلم تقدم أحدهما على الآخر ومتى تعارضا هذا التعارض رجح ~~بينهما وعمل على الترجيح وإن تساويا في الترجيح فسنذكر حكمه إن شاء الله # إن قيل كيف يثبت التنافي في الأخبار وليس في الألفلظ إلا ما يمكن تأويله ~~على موافقة غيره قيل قد يكون في الألفاظ ما لا يمكن ذلك فيه إلا بالتعسف ~~الشديد في التأويل ومثل ذلك لا يوجد في كلام حكيم - صلى الله عليه وسلم - ~~باب فيما يترجح به أحد الخبرين على الآخر - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الخبر يرجح على الخبر بما يرجع إلى سنده وبما يرجع إلى متنه ~~والراجع إلى سنده ضربان أحدهما كثرة الرواة والآخر أحوالهم وكثرة الرواة ~~ضربان أحدهما تكون الكثرة مسماة والآخر لا تكون مسماة فالأول أن يروي أحد ~~الخبرين صحابي مذكور والآخر يرويه صحابيان مذكوران والثاني أن يروي كل واحد ~~من الخبرين صحابي مذكور ويروي أيضا أحدهما تابعي ثقة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمعلوم أنه ما أخذ العلم ذلك عن الصحابي المذكور الذي رواه ولا ~~عمن أخذ العلم عنه فيعلم أنه قد رواه صحابي آخر # PageV02P178 # وأما الترجيح بأحوال الرواة فانه يقع بقوة الأحوال المراعاة في قبول ~~الخبر وهي ضربان أحدهما الدين والورع والتحري والآخر العلم والبصيرة بما ~~يرويه أما الأول فبأن يكون راوي أحد الخبرين أشد تحريا وأكثر ورعا وأما ~~الثاني فضربان أحدهما أن تكون قوة علم الراوي وشدة بصيرته لا تختص بذلك ~~الخبر وما يتعلق به والآخر يختص بذلك الخبر وما يتعلق به أما الأول فبأن ~~يكون أحدهما أضبط وقد يكون أضبط لأنه أشد تيقظا وأوفر ms575 عقلا وأغزر فقها وقد ~~يستدل على أنه أضبط بكونه أكثر اشتغالا بالحديث وأشد انقطاعا إليه بقلة ما ~~يقع في حديثه إليه من الخلل في المعنى واللفظ وأما ما يختص الخبر وما يتعلق ~~به فراجع إلى قوة طريق الراوي نحو أن يروي زيد أنه شاهد عمرا ببغداد في ~~اليوم الفلاني في وقت السحر ويروي الآخر أنه شاهده في ذلك اليوم بالبصرة ~~الظهر فان طريق هذا أظهر ودخول اللبس على الراوي والآخر أكثر ونحو أن يرسل ~~أحدهما الحديث ويسنده الآخر على قول بعضهم لأن الثقة لا يرسل الحديث فيقول ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد اشتدت ثقته بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لذلك ونحو أن يكون أحد الراويين أشد ملابسة بما رواه فيكون طريقه ~~إليه أظهر فكذلك رجعت الصحابة إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام ~~الجنابة ورجح الشافعي رواية أبي رافع في تزويج ميمونة على رواية ابن عباس ~~لأنا أبا رافع السفير في ذلك فكان أعرف بالقصة ونحن نذكر الآن الأدلة على ~~ذلك إن شاء الله # أما كثرة الرواة فقد رجح بها الشافعي والشيخ أبو الحسن ولم يرجح بها قوم ~~والدليل على الترجيح به أن أحد الخبرين إنما يرتجح على صاحبه بقوة يتميز ~~بها وكثرة العدد قوة أما اعتبار القوة في الأخبار فقد رجع إليه القائلون ~~بأخبار الآحاد وأجمعوا على الاحتياط في الإخبار وأما أن كثرة الرواة تحصل ~~بها قوة الخبر فلأن الرواة إذا بلغوا حدا من الكثرة وقع العلم بخبرهم فكلما ~~قاربوا تلك الكثرة قوي الظن لصدقهم ولأن السهو والغلط مع الكثرة أقل وكذلك ~~الكذب لأن الإنسان يستحي أن يطلع غيره على كذبه ولا يستحي إذا # PageV02P179 # لم يشعر به غيره # وقاس المخالف الخبر على الشهادة بعلة أن كل واحد منهما خبر عما يتعلق به ~~حكم فلم يترجح بكثرة المخبرين الجواب إن قاضي القضاة رحمه الله حكى في ~~الدرس أن مالكا رحمه الله رجح إحدى الشهادتين بكثرة الشهود وغيره لم يرجحها ~~بالكثرة قال لأن الشهادة ms576 أصل في نفسه ألا ترى أنه اعتبر فيها لفظ مخصوص ~~وليس يجب إذا لم يجز الشهادة على موجب القياس في ذلك من الترجيح بقوة الظن ~~أن لا يجري الخبر على ذلك لأن الأصل هو الترجيح بقوة الظن إذ الظن القوي مع ~~ظن أضعف منه كالعلم مع الظن لأن في كل واحد منهما زيادة ليست في الآخر فاذا ~~كان الأصل ثبوت الترجيح بذلك فما خرج عن هذا الأصل لا يجوز قياس ما عداه ~~عليه بل يجب تبقيه ما عداه على حكم الأصل وقاس المخالف أيضا الخبر على ~~الفتوى في أنه لا يترجح إحدى الفتويين على الأخرى بكثرة المفتين والجواب ما ~~ذكرناه من أن خروج البعض من هذه المسائل عن موجب القياس لا يقتضي خروج ~~البعض الآخر منه وقال قاضي القضاة في الشرح إنه لو رجح إحدى الفتويين بكثرة ~~المفتين جاز # وأما الترجيح بزيادة الورع والتحري فانما وجب لأن الكذب والتساهل معها ~~أبعد فالظن لصدق الراوي أقوى والخطأ مع قوة الضبط أبعد فالظن لصدق الخبر ~~معه يكون أقوى والخطأ مع كون الراوي أفقه ابعد إذا كان يروي على المعنى ~~فأما رواية اللفظ فانه يستوي فيه الفقيه وغيره والغلط مع الأشياء التي لا ~~تلتبس الحال فيها أبعد وكون أحد الراويين أشد ملابسة لما ورد الخبر فيه ~~يبعد معه الالتباس والاشتباه # وأما ترجيح المرسل على المسند فلم يذهب إليه أكثر الناس وذهب عيسى ابن ~~ابان إلى الترجيح به لأن الثقة لا يرسل الحديث ويقول قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا وقد وثق أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله قال قاضي القضاة ~~هذا الكلام يتوجه إذا قال الراوي قال النبي فأما إذا قال عن النبي فانه لا ~~يتوجه إليه هذا # PageV02P180 # الكلام وأيضا فان قول الراوي قال النبي عليه السلام يحسن معه الظن لكونه ~~قائلا لذلك كما يحسن مع العلم فمن اين أنه لم يقل قال النبي إلا وظنه آكد ~~من الظن الحاصل برواية المسند المعارض له فان قال المرسل للحديث إذا أرسلت ~~فقد ms577 حدثت عن جماعة من الثقات فحينئذ يكون مرسله اقوى ممن أسند حديثه إلى ~~واحد لأجل الكثرة # وقد رجح قوم الخبر بكون الراوي من أكابر السلف وكونه أقدم هجرة وهذا إنما ~~يقع به الترجيح من حيث كان من هذه سبيله أعرف بأحوال النبي عليه السلام ~~واشد خبرة به ورجح قوم الخبر بالحرية والذكورية أما الحرية فلا تأثير لها ~~في قوة الظن وأما الذكورية فان كان الضبط معها أشد وقع بها الترجيح وكل ذلك ~~قد دخل فيما تقدم # وأما الترجيح بما يرجع إلى متن الخبر فضربان أحدهما راجع إلى لفظ الخبر ~~والآخر لا يرجع إلى لفظه اما الراجع إلى لفظه فبأن يكون في أحدهما اختلال ~~في اللفظ أو في المعنى والآخر سليما من ذلك فيقوى الظن لبعده عن الخطأ ~~والسهو فان قيل فما كان اضطراب لفظه بغير المعنى ينبغي أن لا يقبل فلا معنى ~~للترجيح عليه قيل قد يقبل إذا أمكن تأويل ذلك الاضطراب على بعض الوجوه وأما ~~ما لا يرجع إلى اللفظ فضربان أحدهما صفة حكمه والآخر طريق يشهد بحكمه فأما ~~ما يشد بالحكم فضربان أحدهما يكفي نفسه في ثبوت الحكم والآخر لا يكفي وما ~~يكفي نفسه في ذلك ضربان احدهما دليل والآخر أمارة فالدليل هو الكتاب والسنة ~~المقطوع بها لأنه إذا وقع الترجيح بما لا يكفي نفسه في ثبوت الحكم فالترجيح ~~بما لا يكفي نفسه أولى وهذا مفروض في كتاب يدل على الحكم على ضرب من ~~الاشتباه ويكون خبر الواحد تدل عليه دلالة ظاهرة فحينئذ يرجح بالكتاب وإلا ~~فإن دل الكتاب دلالة ظاهرة فلا معنى لأن يقع الترجيح به بل هو الأصل في ~~الدلالة وعلى هذا قد يعضد الإجماع الخبر فيرجح به وإن انعقد الإجماع عن ~~غيره ومن ذلك أن # PageV02P181 # يكون من عمل بأحد الخبرين قد عمل بالآخر وإن لم يعلم أي عمليه هو المتأخر ~~فيكون الخبر الذي عمل به الفريقان أولى قال قاضي القضاة لأنا إذا لم نعلم ~~أي العملين هو المتأخر كان إجماعا وليس لنا أن ندفعه بالمحتمل ms578 # ولقائل أن يقول سواء كان العمل بذلك الخبر متقدما أو متأخرا فانه يكون ~~إجماعا لأنه إن كان متقدما فقد وافقوا رواية الخبر الآخر وكذلك إن كان ~~متأخرا لأن رواة الخبر الآخر عاملون به على كل حال # وأما الأمارة المرجحة للخبر فقياس الأصول إذا شهد بما دل عليه الخبر # فأما ما لا يكفي في ثبوت الحكم فضربان # أحدهما أن يوافق أحد الخبرين حكم العقل الذي يجوز الانتقال عنه وذلك أن ~~العقل ليس يكفي في قبح المضرة إلا بشرط أن لا يوجد دليل شرعي يدل على أن ~~فيه مصلحة ومنفعة موفية فان وافق حكم العقل أحد الخبرين لم يرجح بذلك على ~~الخبر الآخر فلذلك أخرنا الكلام في هذا القسم # والضرب الآخر أن يعمل أكثر السلف بأحد الخبرين ويعيبوا على من خالفه كخبر ~~الربا وقد رجح بذلك عيس بن أبان لأن الأغلب أن الصواب يكون مع الأكثر ويمنع ~~منه قاضي القضاة لأن عمل الأكثر ليس بحجة ويجوز الغلط عليهم كجوازه على ~~الأقل # وأما الترجيح بصفة حكم الخبر فوجوه # منها أن يكون جكم أحد الخبرين مطابقا للأصل ويكون الآخر ناقلا عن الأصل ~~نفيا كان أو إثباتا # ومنها أن يكون لأحد الخبرين حكم باق باتفاق وليس كذلك للخبر الآخر # PageV02P182 # ومنها أن يكون حكم أحدهما أحوط # ومنها أن يكون آكد # ومنها أن يكون حكم أحدهما قد ندبنا إلى إسقاطه # أما إذا كان حكم احدهما هو الأصل فضربان أحدهما أن يكون الأصل من حال ~~المروي عنه والآخر أن يكون هو الأصل في العقل # فالأول نحو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في الكعبة وأنه لم ~~يقبل وهو صائم وأنه تزوج ميمونة وهو حلال لأن الأصل هو عدم الصلاة في ~~الكعبة وعدم القبلة وعدم التزويج فالخبر المروي أنه صلى في الكعبة أولى لأن ~~ثقة من روى أنه صلى فيها تقتضي أن تحمل رواية من روى أنه لم يصل فيها على ~~حسب اعتقاده وأنه خفي عليه بعض احوال النبي صلى الله عليه وسلم وأما رواية ms579 ~~أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبلها وهو صائم فانما هي رواية عن ~~حالها معه لا تعارض رواية عائشة أنه قبلها وهو صائم فلا يمنع من الأخذ بها ~~وعدالة راوي تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حرام تقتضي أن ينسب ~~راوي تزويجه إياها وهو حلال إلى أنه استدام الأصل فكانت أولى من هذه ~~الرواية # والضرب الثاني كرواية من روى حكما يقتضيه العقل نحو إسقاط عبادة ويروي ~~الآخر التعبد بها فرواية الإثبات أولى لأن الظاهر ان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما يعلمنا ما لا نعلمه من دونه وهذا الظاهر مطابق لرواية من روى ~~الحكم الشرعي فكانت أولى ولأن الظاهر مما يطابق حكم العقل أنه هو الأصل ~~المتقدم والرواية الأخرى متأخره فكانت أشبه بالناسخ والأخذ بالناسخ أولى ~~والوجه الأول أقوى # إن قيل هلا عملتم بما يوافق أصل العقل لأنه قد عضده دليل وليس كذلك الحكم ~~الناقل قيل إن العقل إنما لا يوجب العبادة بشرط أن لا ينقل # PageV02P183 # شرع فاذا روى شرع ناقل صار كأن العقل ما اقتضى نفي تلك العبادة لأن شرط ~~اقتضائه لنفيها قد زال والترجيح واقع بهذا القبيل وإن كان الخبران معلومين ~~إذا احتججنا بما ذكرناه أخيرا من أن الخبر الناقل كالناسخ لأن الناسخ يقدم ~~على المنسوخ وإن كانا معلومين وذكر قاضي القضاة رحمه الله أن الخبرين إذا ~~كان أحدهما نفيا والآخر إثباتا وكانا شرعيين فانهما سواء # ولقائل أن يقول لا بد أن يكون أحدهما مطابقا لحكم العقل لأنه لا فعل من ~~الأفعال إلا وله في العقل حكم إما القبح أو الحسن أو ما زاد على الحسن وليس ~~يكون أحد الخبرين نفيا والآخر إثباتا إلا والنفي منهما نفي لواحد من هذه ~~الأحكام والإثبات منهما إثبات لبعضها فإذن أحد هذين الخبرين واجب أن يكون ~~مطابقا لحكم العقل # وقد مثل قاضي القضاة ذلك بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ~~الكعبة وما روي أنه لم يصل فيها وبما روت عائشة أن النبي صلى ms580 الله عليه ~~وسلم قبلها وهو صائم وما روت أم سلمة أنه ما كان يقبلها وهو صائم وليس هذا ~~بمثال المسألة لأن القبلة ونفيها والصلاة ونفيها هي أفعال وليست بأحكام ~~فيقال إنها عقلية او شرعية وإنما الأحكام جواز الصلاة ونفي جوازها والعقل ~~لو تجرد لكان مطابقا لنفي جوازها وأنها غير مصلحة وكون القبلة غير مفسدة ~~للصوم هو مقتضى العقل وكذلك تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو ~~حلال أو حرام هو إيقاع فعل في أحوال وليس ذلك بحكم وإنما الحكم هو حسن ذلك ~~مع الإحرام أو قبحه ومقتضى العقل هو حسنه فبان أن أحكام هذه الأفعال ليس ~~يخلو أن تطابق العقل إما النفي منها وإما الإثبات فان مثل ذلك بأن يقتضي ~~العقل قبح الفعل ويروي خبر في إباحته وخبر في وجوبه فيقال إن وجوبه وإباحته ~~شرعيان والإباحة نفي الوجوب فالجواب إن ما تضمن الإباحة لا يتضمن نفي ~~الوجوب فقط ولو تضمن ذلك كان قد تضمن حكما عقليا لأن القبح قد اقتضاه العقل ~~والقبيح غير واجب فما اقتضى كونه غير واجب قد # PageV02P184 # طابق مقتضى العقل لكن ما تضمن الإباحة قد تضمن نفيا وإثباتا أما النفي ~~فنفي الوجوب وأما الإثبات فهو كون الفعل حسنا وهو زيادة نفي الوجوب وهو حكم ~~شرعي والخبر الدال على الوجوب أولى لأنه لا يعارض خبر الإباحة في اقتضائه ~~نفي القبح لأن الواجب غير قبيح ولا يعارضه في اقتضائه الحسن لأن الواجب حسن ~~وإنما يعارضه في نفي الإيجاب وهذا هو حكم العقل والإيجاب هو الحكم المنقول ~~فكان أولى # فأما إذا كان أحد الخبرين يقتضي إثبات حد والآخر يقتضي نفيه فقوم رجحوا ~~الخبر المسقط للحد لأن الحد يسقط بالشبه وبتعارض البينتين فوجب إسقاطه ~~بتعارض الخبرين ويكون ذلك كالشبه في إسقاطه وقاضي القضاة يقول هما سواء لأن ~~الحد إنما يسقط عن الأعيان بالشبه فأما إثباته في الجملة في الشريعة فمفارق ~~لإثباته وإسقاطه في أعيان الأشخاص ولقائل أن يقول إن تعارض البينتين في ~~الحد إذا كان شبهه في إسقاطه الأعيان مع ms581 ثبوته في أصل الشريعة فبأن يجب ~~إسقاطه في الجملة إذا تعارض خبران ولم يقدم له حالة ثبوت أولى # وأما إذا تضمن أحد الخبرين الحرية وتضمن الآخر الرق فذكر قاضي القضاة في ~~الشرح أنهما سيان وقال غيره المثبت للحرية أولى لأن الحرية لا يعترضها من ~~الأسباب المبطلة لها ما يعترض الرق ولا يبطل الحرية بعد ثبوتها كما يبطل ~~الرق بعد ثبوته فكانت الحرية آكد # فأما إذا اقتضى أحد الخبرين الحظر واقتضى الآخر الإباحة فان أحدهما لا بد ~~من كونه مطابقا لمقتضى العقل فيكون الناقل عنه أولى ولكن لا يمتنع أن ينظر ~~هل للحظر وجه ترجيح كما أن النقل عن أصل العقل وجه ترجيح فان قيل قد يكون ~~الحظر والإباحة شرعيين إذا كان حكم العقل الوجوب قيل ليس كذلك لأن الخبر ~~الحاظر هو الناقل عن موجب العقل الذي هو الوجوب والخبر المبيح لا يعارض حكم ~~العقل من حيث اقتضى الحسن وإنما يعارضه من # PageV02P185 # حيث ينفي الوجوب ولا معارضة بينه وبين الخبر الحاظر من هذه الجهة والقول ~~في الحظر هل هو وجه ترجيح يجري هكذا لا يخلوا الخبران اللذان أحدهما حاظر ~~والآخر مبيح إما أن يكون لأحدهما حكم باق أو لا يكون لأحدهما حكم باق فان ~~كان له ذلك فإما أن يكون ذلك الحكم يعلم بقاؤه بذلك الخبر أو بغيره فان لم ~~يعلم إلا بذلك الخبر نحو أن يكون حكما شرعيا أجمع المسلمون عليه لأجل ذلك ~~الخبر فانه يدل ذلك على ثبوت الخبر وبقائه لأنه لو لم يكن كذلك لم يثبت ~~حكمه وإن كان ذلك الحكم الباقي يعلم بغير ذلك الخبر لم يثبت حكمه وإن كان ~~ذلك الحكم الباقي يعلم بغير ذلك الخبر فانه لا يدل على ثبوت الحكم وصحته ~~فلا يكون ذلك الخبر أولى من غيره نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عن مس الذكر هل فيه وضوء فقال لا هل هو إلا بضعة منك فان كون الذكر ~~بضعة من الإنسان وإن كان باقيا فليس بقاؤه لأجل ms582 هذا الخبر فيدل على بقاء ~~الخبر فأما إن لم يكن لأحد الخبرين حكم باق فان الشيخ ابا الحسن قال الحاظر ~~أولى وقال الشيخ ابو هاشم وعيسى ابن أبان رحمهما الله يطرحان ويرجع المجتهد ~~إلى غيرهما من الأدلة الشرعية أو البقاء على حكم العقل ووجه قولهما هو أنا ~~إذا علمنا تقدم أحد هذين الخبرين ولم يعلم ايهما هو المتقدم جاز كون كل ~~واحد منهما هو المتأخر الذي يجب العمل به بدلا من صاحبه وليس يجوز ~~استعمالهما لأنا فرضنا الكلام في خبرين متنافيين ولذلك احتجنا إلى الترجيح ~~ولا يجوز العمل على أحدهما لأنه ليس العمل على أحدهما أولى من العمل على ~~الآخر فلم يبق إلا إطراحهما وجريا مجرى عقدتي وليين على امرأة ولا يعلم ~~تقدم أحدهما على الآخر فانهما تبطلان لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر وجرى ~~مجرى الغرقى في أنه إذا لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر بطل حكم الإرث بينهم # فان قيل فيجب أن لا يعملوا على حكم العقل لجواز أن يكون هو المفسدة قيل ~~إنما يلزم ذلك بدليل شرعي ناقل ولا دليل في الشرع مع التعارض لأن التعارض ~~والتمانع يصير الشرع كأنه لم يكن فينفرد حكم العقل # PageV02P186 # والجواب عن الشهبة هو أن قولهم إذا جاز أن يكون كل واحد من الخبرين هو ~~المتأخر فلم يكن العمل بأحدهما أولى من الآخر هو نفس الخلاف لأن المخالف ~~يقول بل العمل على الحاظر أولى وإن جوزنا تقدمه ولا يشبه ذلك عقدتي الوليين ~~على المراة لأنه ليس أحد العقدين حاظرا والآخر مبيحا وكذلك الغرقى لما ~~ترافع موتهم لأنه ليس فيهم جهة مختصة للحظر وجهة مختصة للاباحة # وقد نصر القول الأول بوجوه # منها أن الحظر أدخل في التعبد من الإباحة لأنه أشق فكان أولى والجواب إن ~~الفعل قد يتعبدنا الله بحظره وقد يتعبدنا الله باعتقاد إباحته وقد يرد ~~الشرع باباحته ما لم يكن في الفعل مباحا كما يرد بحظر ما لم يكن محظورا ~~فليس أحدهما أدخل في التعبد من الآخر # ومنها أنه إذا تعارض ms583 خبرا حظر وإباحة فقد حصلت جهة حظر وجهة إباحة وهاتان ~~الجهتان متى اجتمعتا كان الحظر أولى ألا ترى أن الأمة بين شريكين لما اجتمع ~~فيها ملك هذا الشريك فهو مبيح له الوطيء وملك الآخر وهو حاظر كان الحظر ~~أولى الجواب إن ملك أحد الشريكين لبعض الأمة ليس بجهة مبيحة للوطيء با ~~الجهة المبيحة للوطيء ملك جميعها فلم يحصل في هذه الأمة جهتان إحداهما لو ~~انفردت أباحت والأخرى لو انفردت حظرت والخبران كل واحد منهما لو انفرد لثبت ~~حكمه # ومنها لو غرق جماعة من الأقارب وخفي علينا تقدم بعضهم على بعض جعلناهم ~~كأنهم غرقوا معا ولم نؤرث بعضهم من بعض وغلبنا حظر التوارث بينهم الجواب إن ~~ذلك حجة لمخالفهم لأنهم قد نزلوا منزلة من لم يموتوا وفرق بينهما قاضي ~~القضاة بأن الغرقى يجوز أن يكونوا غرقوا معا فجاز أن نجريهم هذا المجرى أما ~~الخبر الحاظر والمبيح فلا يجوز كونهما واردين معا فلم # PageV02P187 # يصح تقديرهما هذا التقدير # ومنها أن العمل على الحظر أحوط لأنه إن كان الفعل محظورا فقد تجنبه ~~المكلف وإن كان مباحا لم يضره تركه وليس كذلك إذا استباحه وفعله لأنه لا ~~يمتنع أن يكون محظورا فيكون بفعله له فاعلا لمحظور # إن قيل وهو معذر إذا عمله على الحظر لأنه قد اعتقد قبحه ولا يأمن كونه ~~مسنا فيكون مقدما على اعتقاد لا يأمن كونه جهلا فالجواب إن الفعل إذا كان ~~محظورا فاستباحه الإنسان كان بفعله وباعتقاد إباحته مقدما على قبيحين وإذا ~~كان مباحا فتجنبه معتقدا لحظره كان مقبحا باعتقاد حظره فصار التعزير في ذلك ~~أكثر وكان العدول إلى تجنبه أولى لأنه ليس الغرض إلا الترجيح بوجه له ضرب ~~من القوة وأيضا فانه إذا ثبت أن تجنب الفعل أولى من الإقدام عليه وهو الذي ~~تعارض فيه الخبران قطعنا على أن اعتقاد تجنبه وحظره ليس بجهل ولا قبيح ولا ~~نكون مقدمين على اعتقاد لا يؤمن كونه جهلا فهذا الوجه أولى في الاحتجاج من ~~كل ما سلف # فان قيل أليس إذا تعارضت البينتان ms584 في الملك لم تسقطا وعملا عليهما فهلا ~~وجب مثله في الخبرين قيل أحد لم يقل في الخبرين المتنافيين كذلك فان قيل ~~فهلا اطرحتم البينتين جميعا كما اطرحتم الخبرين قيل لأنه يمكن العمل عليهما ~~بأن يجعل الدار ملكا بين المتداعيين وأجاب قاضي القضاة بأن البينتين يجوز ~~صدقهما بأن يشهد كل واحد منهما بما شهد به لمكان اليد والتصرف ويجوز أن ~~يكون المتداعيان متصرفين في الملك فيثبت لكل واحد منهما الملك بحكم اليد ~~وليس يجوز ورود الإباحة والحظر معا فينقلا معا # PageV02P188 ### | الكلام في القياس والاجتهاد # فصل في ذكر أبواب القياس # اعلم أن الغرض بالكلام في القياس أن نبين أنه متعبد به ونبين شروطه ~~والكلام في ورود التعبد به ينبغي أن يتقدمه جواز التعبد به وكلا الأمرين ~~يبتنى على الكلام في ماهية القياس ولما كان القياس الشرعي أمارة وجب أن ~~نبين أول ما الأمارات وما أقسامها ثم نذكر ما القياس وما يتصل به ثم نذكر ~~جواز التعبد به ونفي جواز ذلك وذلك يتضمن أبوابا منها جواز التعبد به في ~~الجملة ومنها جواز تعبد النبي صلى الله عليه وسلم به ومنها جواز تعبد من ~~عاصره به ومنها أنه لا يجوز التعبد به في جميع الشرعيات وأما ورود التعبد ~~فيتضمن أيضا أبوابا منها ورود التعبد به في الجملة ومنها هل النص على علة ~~الحكم يكفي في التعبد بالقياس أم لا ومنها هل يفقتر التعبد بالقياس إلى أن ~~ينص لنا على الأصل المقيس عليه وإلى إجماع الامة على تعليل الأصل أم لا ~~ومنها هل تعبد النبي عليه السلام بالقياس ومنها هل تعبد به من عاصره ومنها ~~هل يوصف القياس المتعبد به بأنه دين ومأمور به وبعد ذلك نتكلم في شروط ~~القياس وذلك يشتمل على أبواب سنذكرها إن شاء الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في الأمارات وأحكامها - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأمارة هي التي النظر الصحيح فيها يؤدي إلى الظن وبذلك نتميز من ~~الدلالة والمتكلمون يسمون كل ما هذه سبيله أمارة عقليا كان أو ms585 # PageV02P189 # شرعيا والفقهاء يسمون الأمارات الشرعية كالقياس وخبر الواحد أدلة ولا ~~يسمون الأمارات العقلية أدلة كالأمارة على القبلة وعلى قيم المتلفات ~~والكلام في ذلك كلام في عبارة لا طائل في الإكثار منه # وأما قسمة الأمارات فقد ذكر فيها عدة وجوه منها المحكى عن الشيخ أبي ~~الحسن رحمه الله وهي أن أدلة الشرع التي ليست بنص ولا ظاهر منها ما يسمى ~~قياسا ومنها ما يسمى دليلا على صحة العلة ومنها ما يسمى دليلا على موضع ~~الحكم ومنها ما يسمى دليلا على المراد بالعبارة المشتركة هذا ما له اصل ~~معين فأما ما لا أصل له معين فنحو ما يتوصل به إلى قيم المتلفات وليس يعني ~~بالأصل ها هنا ما يقع الرد إليه لأن كثيرا من هذه الأقسام لا يقع الرد إليه ~~وإنما أراد بالأصل ها هنا طريقة يشار إليها # ونحن نقسم ما ذكره فنقول ادلة الشرع إما ظاهر ونص وإما غير ظاهر وغير نص ~~وما ليس بظاهر منه ما لا يحصل فيه طريقة معينة مثل ما يتوصل به إلى قيم ~~المتلفات ومنه ما له طريقة معينة يشار إليها ولما كان كل دليل فله مدلول ~~وجب فيما له طريقة معينة أن يدل على مدلول ولا يخلو مدلوله إما أن يكون ~~حكما وإما دليلا على حكم فما يدل على حكم مما له طريقة يشار إليها فهو ~~القياس وما يدل على دليل حكم فمنه ما يدل على علة حكم لأن علة الحكم دليل ~~على الحكم وذلك نحو ما كان يستدل به على أن الكيل أولى من الطعم في كونه ~~علة الربا ومنه ما يدل على مراد الله سبحانه بخطابه المشترك نحو ما يدل على ~~أن المراد بآية الأقراء الحيض ومنه ما يدل على أن الله سبحانه أراد ~~بالكفارة المعلقة بالجماع في الصوم هو أن يعلقها بهتك صوم شهر رمضان مع ضرب ~~من المأثم وهذا هو الاستدلال على موضع الحكم # قال قاضي القضاة كان ينبغي أن يذكر فيها الاستحسان وأجاب عن # PageV02P190 # ذلك بأن الاستحسان إما أن يكون ms586 عدولا إلى قياس أولى من قياس فقد ذكر ~~الشيخ أبو الحسن القياس في جملة أقسامه وإما أن يكون عدولا إلى نص وليس ~~غرضه قسمة النصوص فيدخله في جملته وقال أيضا كان ينبغي أن يذكر ما يحتج به ~~أصحاب أبي حنيفة من قولهم إن العبادة إذا لم تفسد لعدم صفة من صفاتها فبأن ~~لا تفسد بوقوع تلك الصفة على وجه الفساد أولى وللشيخ أبي الحسن أن يجيب على ~~ذلك بأن هذا داخل في جملة القياس وذلك أن العبادة التي قد انتفت عنها الصفة ~~والتي قد حصلت فيها الصفة على وجه الفساد قد اشتركا في أنهما لم يختصا ~~بالصفة على وجه الصحة وقال أيضا كان ينبغي أن يذكر في ذلك استدلالهم على أن ~~انكشاف ربع الساق في الصلاة يفسدها وهو قولهم إن انكشاف جميعه يفسدها لأن ~~المواجه له يرى ربعه ولأبي الحسن ان يقول إن هذا داخل في جملة القياس لأني ~~قد علمت أن العلة المفسدة للصلاة إذا انكشف جميعه هو إمكان رؤية ربعه وهذه ~~العلة قائمة في انكشاف ربعه فالجمع بينهما قياس # وقسمة أخرى محكية عن الشافعي رحمه الله وهي أن أدلة الشرع مستنبطة وغير ~~مستنبطة والتي ليست مستنبطة يدخل فيها خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله ~~وأفعاله وخطاب الامة وافعالها والمستنبطة ضربان احدهما تحقق فيه العلة ~~والآخر لا تحقق فيه العلة أما الذي تحقق فيه العلة فضربان أحدهما لا يقوى ~~شبه الفرع فيه إلا بأصل واحد ويسميه قياس علة وقياس معنى كرد العبد إلا ~~الأمة في تنصيف الحد والآخر يقوي شبهة باصول مختلفة وأن يرجح شبهه بأحدهما ~~نحو شبه العبد المتلف بالمملوكات وبالحر الذي ديته مقدرة ويسمى ذلك قياس ~~غلبة الأشباه وما لا تحقق فيه العلة هو إيجابه على من هو خارج المصر حضور ~~الجمعة ونحو اشتراك الأخ والجد في الميراث وهذا المثال خارج من هذا القسم ~~لأن العلة فيه محققة وهو الإدلاء بالميت ويبعد أن يستدل على الأحكام بطريقة ~~مستنبطة لا تحقق فيها العلة لأن العلة هي الطريق إلى ms587 الحكم فما لم تحقق لم ~~يمكن التوصل إلى الحكم # PageV02P191 # وكان الشافعي يسمي القياس استدلالا لأنه فحص ونظر ويسمي الاستدلال قياسا ~~لوجود التعليل فيه # وقسم قاضي القضاة رحمه الله في العمد الأمارات قسمة هذا معناها الأمارات ~~التي ليست بأخبار آحاد إما أن يكون لها أصل يقع الرد إليه وهو القياس وإما ~~أن لا يكون لها أصل يقع إليه الرد وهو ضربان # أحدهما لا يتلخص الامارة فيه كالأمارة التي يفصل بها بين العمل القليل ~~والكثير في الصلاة إذ المرجع بذلك إلى ما يغلب في الظن من غير أمارة يمكن ~~تعيينها ولا يمكن أن يجعل أمارة العمل القليل في الصلاة أن لا يغلب على ظن ~~المشاهد لفاعله أنه ليس في الصلاة لأن من يشاهد غيره يقتل الحية والعقرب ~~يظن أنه ليس في الصلاة ومع ذلك فهو من العمل القليل # والضرب الآخر يمكن تلخيص الأمارة فيه وهو ضربان أحدهما أمارة عقلية ~~والآخر أمارة سمعية والأمارة العقلية هي التي لا يحتاج في كونها أمارة إلى ~~سمع وهي ضربان احدهما الحكم المتعلق بها عقلي والآخر سمعي أما الأول فقيم ~~المتلفات الحكم فيه عقلي وهو قدر القيمة والأمارة عقلية وهي اختبار عادات ~~الناس في البيع ويمكن تلخيص الأمارة في ذلك لأن من قوم الثوب بعشرة دراهم ~~لو قيل له لم قومته لقال إن عادة الناس أن يبيعوا مثله بعشرة دراهم # إن قيل هلا أوجبتم من جهة العقل إذا خرق زيد ثوب عمرو أن يخرق عمرو ثوب ~~زيد قيل إن زيدا لو أمكنه أن لا يخرق ما خرقه من ثوب عمرو وجب عليه أن لا ~~يخرقه ولم يوجد معنى لذلك فاذا لم يمكنه ذلك وجب عليه ما يجري هذا المجرى ~~وهو سد الثلمة التي أحدثها بدفع المثل أو القيمة حتى يصير كأنه لم يحدث ما ~~أحدث # فان قيل إنه إذا خرج من القيمة فقد نفى شفاء الغيظ قيل إن غيظ # PageV02P192 # المجني عليه يزول بخروج الجاني من القيمة أو المثل مع الاعتذار أو مع ~~إلزام الحاكم إياه ذلك # وأجاب ms588 قاضي القضاة رحمه الله عن السؤال بأن زيدا إذا خرق ثوب من خرق ثوبه ~~فقد أضر بنفسه حين لم يتعوض من ماله التالف بمال غيره والإضرار بالنفس من ~~غير فائدة قبيح وسأل نفسه فقال هلا كانت الفائدة في ذلك التشفي فقال التشفي ~~إنما يحسن تبعا لحسن تخريق ثوب الجاني فاذا لم يحسن ذلك لم يحسن التشفي ~~ولقائل أن يقول إنما يقبح تخريق ثوب الجاني إذا بينتم أنه لا يحسن التشفي ~~فقبحه تابع لبطلان كون التشفي وجها في حسنه بخلاف قولكم إن التشفي تابع ~~لحسن التخريق # وأما الأمارة العقلية التي حكمها سمعي فنحو الأمارات العقلية التي يتوصل ~~بها إلى جهة القبلة وحكمها السمعي وجوب التوجه في تلك الجهة وعلى التحقيق ~~حكمها هو كون القبلة في تلك الجهة ووجوب التوجه إلى تلك الجهة هو تابع ~~لحكمها إلا أن ذلك لا يخرج وجوب التوجه إلى تلك الجهة من أن يكون من أحكام ~~هذه الأمارة على بعض الوجوه # وأما الأمارة السمعية فهي التي يفتقر في كونها أمارة إلى سمع ولا يخلو ~~حكمها إما أن يكون سمعيا أو عقليا إلا أنه لا يجوز أن يكون حكمها عقليا لأن ~~العقل أسبق من السمع وطريق الشيء لا يجوز أن يتأخر عنه وأما التي حكمها ~~سمعي فنحو جعل المسجد أمارة فاصلة بين الحالة التي يجوز للامام إذا أحدث أن ~~يستخلف فيها وبين الحالة التي لا يجوز له ذلك من حيث بني المسجد للصلاة ~~الواحدة فكان كالصف الواحد فهذا الاعتبار بالشرع علم كونه أمارة والحكم ~~المتعلق به سمعي وكذلك وجوب مصير أهل القرى إلى صلاة الجمعة إذا سمعو ~~الأذان هو حكم سمعي وكون سماع الأذان أمارة لذلك معلوم بالسمع # PageV02P193 # فان قيل ولم قلتم إن ما لا يتلخص فيه طريقة معينة لا بد فيه من أمارة قيل ~~لأن الله سبحانه كلفنا في ذلك الاجتهاد والنظر ولا بد من أن نجتهد في طريق ~~إما دلالة وإما أمارة فإذا لم يكن دلالة فلا بد من أمارة وإن لم يتلخص ~~العبارة عنها ولهذا ms589 يجد الإنسان في نفسه أمرا يتوصل به إلى الظن فان ما ~~عمله في الصلاة عمل قليل وإن لم يتلخص العبارة عنه # واعلم أن الأمارة لا بد من أن يكون بينها وبين ما هي أمارة فيه تعلق لولا ~~ذلك لم يكن بأن يكون أمارة عليه أولى من أن لا يكون أمارة عليه أو أمارة ~~على غيره وذلك التعلق ضربان أحدهما أن تكون الأمارة كالمؤثرة في مدلولها ~~على الأكثر والأغلب والآخر أن تكون لولا مدلولها لما كانت الأمارة على ~~الأمر الأكثر ويكون مدلولها كالمؤثر فيها ويجوز حصول الأمارة على الندرة من ~~دون مدلولها مثال الأول من العقليات الغيم الرطب في زمن الشتاء لأنه ~~كالمؤثر في نزول المطر وهو أمارة عليه ومثاله أيضا دين الإنسان فانه مؤثر ~~في تجنبه الكذب وهو أمارة عليه ومثاله في الشرعيات وجود علة الأصل في الفرع ~~فانها أمارة لثبوت حكمه وهي طريقنا إلى ثبوت الحكم فيه إذا دل الدليل على ~~وجوب القياس ومثال القسم الثاني من العقليات أن نعلم أن في بعض المنازل ~~مريضا قد شفي ثم يسمع الصراخ من داره فذلك أمارة على موته وموته هو المؤثر ~~في الصراخ ولولاه لم يكن الصراخ في الأكثر وإن جاز أن يكون سبب حدوثه غير ~~موته ومثاله من الشرعيات ثبوت الحكم في الأصل مع وصف وانتفاؤه في الأصل عند ~~انتفائه فذلك أمارة لكون ذلك الوصف علة للحكم في الأصل لأن حصول الحكم ~~بحصول الوصف وانتفاؤه بانتفائه طريق إلى كون ذلك علة فاذا لم يكن دلالة فهو ~~إذا أمارة على ذلك ولولا أن ذلك الوصف هو علة الحكم لم تحصل هذه الأمارة ~~أعني ثبوت الحكم بثبوت الوصف وانتفاؤه بانتفائه وإذا ثبت أن ذلك الوصف هو ~~علة الحكم في الأصل ثبت كونه أمارة على وجوب الحكم في الفرع وليس يمتنع كون ~~الحكم على كيفية مخصوصة أمارة على أن بعض أوصاف الأصل هو علة حكمه # PageV02P194 # وتكون العلة أمارة على وجوب الحكم في الفرع - صلى الله عليه وسلم - باب ~~في القياس ما هو - صلى ms590 الله عليه وسلم - # اختلف الناس في حد القياس فحده بعضهم بأنه استخراج الحق وهذا يلزم عليه ~~أن يكون استخراج الحق بالاستدلال بالنصوص والظواهر قياسا ويلزم ذلك أيضا من ~~حده بأنه استدلال وحده بعضهم بأنه التشبيه وهذا يلزم عليه أن يكون من قال ~~إن الارز يشبه البر في الصلابة قائسا وأن يوصف الله سبحانه بانه قائس إذا ~~شبه بين الشيئين وحده الشيخ أبو هاشم بأنه حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه ~~عليه فان أراد إجراء حكمه عليه لأجل الشبه فصحيح وكان يجب التصريح بذلك وإن ~~لم يرد ذلك لم يصح لأن إثبات الحكم في الشيء من غير تشبيه بينه وبين غيره ~~يكون مبتدأ ومن ابتدأ فأثبت في الشيء حكما لا يكون قائسا وإن اتفق أن يكون ~~ذلك الحكم ثابتا في غيره وحده قاضي القضاة رحمه الله بأنه حمل الشيء على ~~الشيء في بعض أحكامه لضرب من الشبه # وأبين من هذا أن يحد بأنه تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة ~~الحكم عند المجتهد وقد دخل في ذلك الجمع بين الشيئين في الإثبات وفي النفي ~~وإنما قلنا الشبه عند المجتهد لأن المجتهد قد يظن أن بين الشيئين شبها وإن ~~لم يكن بينهما شبه فيكون رده إليه قياسا وإنما حددنا القياس بما ذكرنا لأن ~~المعقول من القياس أن يكون قياس شيء على شيء ألا ترى أن الإنسان إذا قال ~~قست هذا الشيء قيل له على ماذا قسته ولو أثبت الإنسان حكم الشيء في غيره لا ~~لشبه بينهما لكان مبتدئا بالحكم فيه غير مراع لحكم الأصل ولم يشرط اعتبار ~~الشبه في الحد لأنه داخل في المعقول من القياس لا لأن القياس لا يصح من ~~دونه # PageV02P195 # إن قيل أليس الفقهاء يسمون قياس العكس قياسا وليس هو تحصيل حكم الأصل في ~~الفرع لاشتباههما في علة الحكم بل هو تحصيل نقيض حكم الأصل في الفرع ~~لافتراقهما في علة الحكم مثاله قول القائل لو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف ~~لما كان من شرطه وإن نذر أن ms591 يعتكف بالصوم كالصلاة لما لم تكن من شرط ~~الاعتكاف لم تكن من شرطه وإن نذر أن يعتكف بالصلاة فالأصل هو الصلاة والحكم ~~هو نفي كونها شرطا في الاعتكاف وليس يثبت هذا الحكم في الفرع الذي هو الصوم ~~فإنما يثبت نقيضه ولم يجتمعا في العلة بل افترقا فيها لأن العلة التي لها ~~لم تكن الصلاة شرطا في الاعتكاف هي كونها غير شرط فيه مع النذر وهذا المعنى ~~غير موجود في الصوم لأنه شرط مع النذر الجواب انه إذا كان المعقول من ~~القياس أن يكون قياس شيء على شيء ولا يكون قياسا عليه إلا وقد اعتبر حكمه ~~ولا يكون القياس معتبرا بحكمه إلا وقد اعتبر الشبه بينهما إذا كان ذلك لا ~~يتم في قياس العكس وجب تسميته قياسا مجازا من حيث كان الفرع معتبرا بغيره ~~على بعض الوجوه فلا يجب إذن دخوله في الحد # ويجوز أن نحد القياس بحد يشتمل قياس الطرد والعكس فنقول القياس هو تحصيل ~~الحكم في الشيء باعتبار تعليل غيره وهذا الحد يشتمل على كلا القياسين أما ~~قياس الطرد فقد حصل الحكم في فرعه باعتبار تعليل الأصل وأما قياس العكس ~~فانه قد اعتبر تعليل الأصل لنفي حكمه من الفرع لافتراقهما في العلة # وإذا حددنا القياس بذلك قسمناه إلى قياس الطرد والعكس وقياس الطرد هو ما ~~ذكرناه أولا وقياس العكس هو تحصيل نقيض حكم الشيء في غيره لافتراقهما في ~~علة الحكم # فأما حكم القياس الشرعي فهو المنقسم إلى كون الفعل قبيحا وحسنا ويكون ~~فعله أولى من تركه أو يكون تركه أولى من فعله وكونه واجبا # وأما الأصل فقد ذكر قاضي القضاة أنه مستعمل في أربعة أشياء أحدها # PageV02P196 # الطريق إلى الشيء كالكتاب هو أصل الأحكام وأحدها الحكم المقيس عليه وهو ~~أصل القياس واحدها الشيء الذي لا يصح العلم بغيره إلا مع العلم به كالموصوف ~~والصفة وأحدها الحكم الذي لا يقاس عليه غيره كدخول الحمام بغير عوض مقدر ~~فإنه يقال إن هذا أصل في نفسه ويمكن أن يقال إن قولنا أصل يستعمل ms592 على ~~الحقيقة وعلى المجاز فالمستعمل على الحقيقة هو ما يتفرع عليه غيره ويستند ~~إليه وهو ضربان أحدهما يتفرع عليه صحته كالعلم بصفة الشيء يتفرع على العلم ~~بالشيء وقد يوصف الشيء أيضا بأنه أصل الصفة والضرب الآخر يتفرع عليه العلم ~~بالشيء بأن يكون طريقا إليه وهو ضربان أحدهما يكون طريقا إليه بطريق ~~التشبيه وهو أصل القياس والآخر بغير طريق التشبية وهو النصوص وغيرها وأما ~~المسمى اصلا على المجاز فهو دخول الحمام باجرة غير مقدرة وإنما تجوزنا ~~بتسميته ذلك اصلا لأنه أشبه الأصول المتقدم ذكرها من حيث لم يستفد حكمه من ~~غيره # فاما أصل القياس فقد اختلف الناس فيه فقال المتكلمون الأصل الذي يقاس ~~عليه الارز هو الخبر الدال على ثبوت الربا في البر وقال الفقهاء بل هو ~~الشيء يثبت حكم القياس فيه بالنص كالبر أو يقول هو الشيء الذي يسبق العلم ~~بحصول حكم القياس فيه وقال بعضهم بل هو حكم القياس من حيث هو ثابت بالنص ~~نحو كون البر حراما والكلام في ذلك من وجهين أحدهما ما الذي يقع النظر فيه ~~حتى يعلم حصول الحكم في الارز والآخر قولنا هل فائدة قولنا أصل ثابتة في كل ~~واحد من هذه الأشياء أم لا وأنه أحرى أن يوصف بأنه أصل أما الكلام في الأول ~~فهو أن القائس ينظر أي الأوصاف يؤثر في قبح بيع البر متفاضلا فنظره يتعلق ~~بالحكم وبالعلة ثم ينظر هل العلة موجودة في الأرز أم لا فان كانت موجودة ~~تبعها الحكم ولو علم قبح بيع البر متفاضلا ضرورة أمكنه قياس الارز عليه ~~وإنما يحتج الارز إلى الاستدلال بالخبر على ثبوت الربا في البر لأنه ليس ~~يعلم ذلك ضرورة ولا # PageV02P197 # بدليل عقل وهذه الجملة لا بد منها ولا خلاف فيها فان خالف فيها أحد فيما ~~ذكرناه يفسد قوله والكلام في الوجه الثاني هو أن وصف الخبر الثاني على قبح ~~بيع البر متفاضلا بأنه أصل لقبح بيع الأرز صحيح لأنه عليه يتفرع قبح بيع ~~الارز متفاضلا من حيث كان الخبر دالا على ms593 ما إذا نظرنا فيه فعلمنا علة ~~القبح أو ظنناها أثبتنا القبح في الارز وأما وصف البر بأنه أصل ففائدته أن ~~العلم بحكمه بسبق العلم بحكم الارز وأن حكم الارز يتفرع على حكم البر والبر ~~نفسه أصل لحكمه لأن الشيء اصل لصفته يبين أن حكم الارز يتفرع على حكم البر ~~هو أنا إذا نظرنا في حكم البر وظننا علته أمكننا قياس الارز عليه فصار حكم ~~الارز متفرعا على حكم البر من هذه الجهة وليس يلزم على هذا أن يوصف البر ~~قبل الشرع بأنه اصل لأنه إنما كان اصلا إذا ثبت فيه الحكم الذي إذا نظرنا ~~فيه وفي صفاته يوصلنا إلى حكم غيره ومعلوم أن الربا لم يكن ثابتا في البر ~~قبل الشرع فلم يكن إذ ذاك اصلا وإذا كان لوصف البر بأنه أصل وجه صحيح لم ~~نلم الفقهاء على الاصطلاح على وصف ذلك بأنه اصل فأما وصف حكم البر بأنه أصل ~~لحكم الارز فله وجه صحيح ايضا لأن حكم الارز يتفرع على حكم البر من الوجه ~~الذي ذكرناه # إن قيل ليس يخلو كون البر حراما إما أن يكون فعلنا أو اعتقادنا قبح بيع ~~بعضه ببعض متفاضلا وإن كان هو فعلنا فكان ينبغي أن لا يصح القياس لو لم ~~يوجد فعلنا لبيعه متفاضلا وإن كان هو اعتقادنا كون ذلك حراما فاعتقادنا ~~لذلك ليس بحرام فيقاس عليه بيع الارز فإذن الأصل هو الخبر الجواب ان من جعل ~~حكم البر هو الأصل يقول إن الحكم هو قبح بيعه متفاضلا وليس هو مجرد الفعل ~~ولا اعتقادنا كما أنا نقيس الكذب الذي فيه نفع على الكذب العاري عن نفع ~~ودفع ضرر ولا نقيسه على مجرد كونه فعلا ولا على علمنا بقبحه لأن علمنا ليس ~~بقبح وليس قبحه معلوما بدليل فيقال إن القياس يقع على دليله وليس يقف صحة ~~القياس على وجود بيع البر متفاضلا لانه لو لم يوجد ذلك أمكننا أن نقول لو ~~وجد لكان قبيحا لأنه # PageV02P198 # مكيل جنس وهذا قائم في الارز فوجب قبح بيعه ms594 معه متفاضلا كما أنه لو لم ~~يوجد كذب أمكننا أن نقول لو وجد الكذب العاري من دفع مضرة ونفع لكان قبيحا ~~لأنه كذب وهذا حاصل في الكذب الذي فيه نفع على أن القائل إن كون بيع البر ~~متفاضلا حراما إما أن يكون بيعنا له متفاضلا وإما أن يكون اعتقادنا كونه ~~حراما قد جعل كونه حراما معتقدا لاعتقاد ومعتقد الاعتقاد غير الاعتقاد وهو ~~أيضا أمر زائد على كون الفعل فعلا لأن كون الفعل حراما أمر زائد على كونه ~~فعلا ولهذا كان اعتقاد أحدهما مفارقا لاعتقاد الآخر والفقهاء يقولون تحريم ~~الفعل ويعنون بذلك كونه حراما فصح أن لكل واحد من الأقاويل المذكورة في ~~معنى الأصل وجها صحيحا وإن كان الأول أن يكون الحكم هو الأصل # وأما الفرع في القياس فهو عند المتكلمين الحكم المطلوب إثباته بالتعليل ~~كقبح بيع الارز متفاضلا لأنه هو المتفرع على غيره دون نفس الارز وعند ~~الفقهاء ان الفرع هو الذي يطلب حكمه بالقياس وهو أيضا الذي يتعدى إليه حكم ~~غيره أو الذي يتأخر العلم بحكمه كالارز وإنما سموا ذلك فرعا لأن حكمه يتفرع ~~على غيره وما ذكره المتكلمون أولى لأن نفس الارز ليس يتفرع على غيره وإنما ~~المتفرع حكمه # وأما الشبه فهو ما يشترك فيه الشيئان من الصفات سواء كانت صفة ذاتية أو ~~غير ذاتية كاشتراك الجسمين في السواد وقد يكون صفة تفيد حكما عقليا أو ~~سمعيا وغرض الفقهاء من ذلك ما اقتضى الحكم السمعي # وأما التشبيه فقد قيل هو في الأصل ما به يكون الشيء مشبها لغيره كالتحريك ~~هو ما به يكون الشيء محركا لغيره فقد استعمل في الاعتقاد والظن والخبر ~~فيقال لمن أخبر أو اعتقد أن الله عز وجل يشبه الأشياء إنه مشبه وان خبره ~~تشبيه # فأما قولنا علة فمستعمل في عرف اللغة وفي عرف الفقهاء وفي عرف # PageV02P199 # المتكلمين أما في عرف اللغة فمستعمل فيما أثر في أمر من الامور سواء كان ~~صفة أو كان ذاتا وسواء آثر في الفعل أو في الترك فيقال مجيء زيد ms595 علة في ~~خروج عمرو وفي أن لا يخرج عمرو ويسمون المرض علة لأنه يؤثر في فقد التصرف ~~وأما العلة في عرف الفقهاء فهي ما أثرث حكما شرعيا وإنما يكون الحكم شرعيا ~~إذا كان مستفادا من الشرع وأما في عرف المتكلمين فتستعمل على المجاز وعلى ~~الحقيقة أما على الحقيقة فتستعمل في كل ذات أوجبت حالا لغيرها كقول بعضهم ~~إن الحركة علة موجبة كون المتحرك متحركا وأما استعماله على المجاز فمنه أن ~~تكون العلة مؤثرة في الاسم كقولنا السواد علة في كون الأسود أسود أي هو علة ~~في تسميته أسود ومنه ما يؤثر في المعنى وهذا منه ما يؤثر في النفي كتأثير ~~البياض في انتفاء السواد ومنه ما يؤثر في الإثبات وهذا منه ذات كتأثير ~~السبب في المسبب ومنه صفة تقتضي صفة كاقتضاء صفة الجوهر كونه متحيزا هذا ~~على قول شيوخنا وإنما سموا كل واحد من ذلك علة لأن لها تأثيرا في الإيجاب ~~إلا أنهم لا يسمون هذه الأقسام عللا إلا نادرا وسموا القسم الأول علة على ~~الحقيقة لأنها موجبة على كل حال من غير شرط وليس كذلك الأقسام الأخر # وأما المعلل فهو ما طلبت علته فعلل بها وهذا هو الحكم الثابت في الأصل ~~لأنه الذي يعلم أولا ثم يطلب علته فيعلل بها # وأما المعلول فهو الذي أثرته العلة وأنتجته وهذا هو الحكم من حيث هو ثابت ~~في الفرع لا من حيث هو ثابت في الأصل - صلى الله عليه وسلم - باب في أن ~~العقل لا يقبح التعبد بالقياس الشرعي - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن من نفاة القياس من قال إن العقل يقبح التعبد بالعمل على القياس ~~الشرعي ومنهم من قال إن العقل لا يقبح ذلك والدليل على ذلك أن العقل # PageV02P200 # يجوز تكامل شروط حسن التعبد بذلك ولا يجوز أن يقبحه مع تجويزه اختصاصه ~~بما يوجب حسنه # وشرائط حسن التعبد بالفعل إما أن ترجع إلى الفعل نحو كونه ندبا وواجبا ~~وإما أن ترجع إلى الفاعل نحو كونه مزاح العلة بالأقدار والآلات وإعلام ms596 وجوب ~~الفعل وكونه ندبا أو التمكن من علم ذلك بنصب الدلالة وإما أن ترجع إلى ~~التعبد نحو أن يكون الأمر مفسدة وإما أن ترجع إلى المكلف نحو علمه من حال ~~الفعل والفاعل بما ذكرناه وأنه سيثيب المكلف إن أطاع وكل ذلك يجوز العقل ~~حصوله في هذا التعبد # وأما ما يرجع إلى العمل بالقياس فهو أن العقل يجوز أن يكون فعلنا بحسب ما ~~ظنناه من الأمارة لطفا وإذا لم نعمل بحسبها فاتنا اللطف وذلك إن ظننا ~~الأمارة حالة نحن عليها وقد تختلف المصالح بحسب أحوالنا ألا ترى أن مصلحة ~~المسافر في صلاته خلاف مصلحة المقيم وكذلك الطاهر والحائض ويختلف الواجب ~~على الإنسان بحسب ظنه المخالفة في سفره وأما أن الإنسان قادر على الفعل ~~حاضر الآلات فبين وأما أنه يجوز كون المكلف متمكنا من العلم بوجوب العمل ~~على القياس فهو لأنه إذا قال الله عز وجل للمكلف إذا ظننت بأمارة أن علة ~~تحريم الخمر هي الشدة فقد وجب عليك قياس النبيذ عليه ولزمك اجتناب شربه فقد ~~تمكن من العلم بقبح شرب النبيذ لأنه قد وقف علمه بقبحه على ظنه الأمارة وهو ~~يعرف هذا الظن من نفسه كما أنه يكون ممكنا له من العلم إذا قال له الخمر ~~حرام لأنها شديدة وقس عليها النبيذ وكما لو قال له النبيذ حرام وإذا كان ~~المكلف متمكنا من العلم فلو قال الله سبحانه له ذلك وجاز في العقل ان يقول ~~له هذا القول فقد جاز في العقل أن يكون متمكنا من العلم بوجوب العمل على ~~القياس # وأما أن العقل يجوز أن لا يكون التعبد بالقياس مفسدة فلانه إن جوز كونه ~~مفسدة فانه يجوز غير مفسدة إذ ليس في العقل ما يوجب كونه مفسدة # PageV02P201 # وأيضا فاذا جاز أن يكون العمل بالقياس مصلحة جاز أن يكون التعبد بذلك ~~مصلحة لأنه لا يجوز أن يكون العمل بالشيء مصلحة ويكون التعبد به مفسدة # وأما أن المكلف عالم من حال الفعل والفاعل بما ذكرناه وأنه سيثيب المكلف ~~إن أطاع فلأنه عالم ms597 بكل ما يصح أن يعلم وهذه الأشياء يصح أن تعلم في نفسها ~~فقد جاز تكامل الشرائط لحسن هذا التكليف # ويمكن اختصار هذه الدلالة ويقتصر على ما يخالف فيه الخصم فنقول إنه قد ~~حسن في العقل تكليف العمل بموجب القياس المعلومة علته ولو قبح تكليف العمل ~~إذا كان القياس مظنون العلة لكان إنما يقبح لأجل ما به افترق التكليفان ~~والذي افترقا فيه هو بيان هذا التكليف للعمل بحسب الظن دون التكليف الآخر ~~ولو كان هذا وجها بقبح التكليف لما ورد به التعبد العقلي والسمعي أما ~~العقلي فوجوب القيام من تحت حائط مائل يخشى سقوطه لفرط ميله وإن جوز ~~السلامة في القعود والهلاك في النهوض وقبح السفر للريح مع ظن الخسران وقبح ~~سلوك طريق بظن الأمارة وجود اللصوص فيه وإن جوزنا خلاف ما ظننا وأما السمعي ~~فالحكم بشهادة من يظن صدقه وتولية القضاة والأمراء عند ظن سدادهم والتوجه ~~إلى جهة عند ظن كون القبلة فيها والحكم بقدر من النفقة بحسب الظن إلى غير ~~ذلك وأيضا فالحكم بحسب الظن لا يمتنع أن يكون مصلحة من الوجه الذي ذكرناه ~~فلم يمتنع ورود التعبد به # واحتج المخالف بأشياء # منها قوله لو جاز التعبد في الفروع بالقياس مع أنها مصالح جاز مثله في ~~الأصول الشرعية مع أنها مصالح الجواب ان المستدل إن ألزمنا جواز التعبد ~~بقياس البر في الربا على أصل قد نص على ثبوت الربا فيه فانا نلتزم ذلك ~~ويكون قبح بيع البر متفاضلا فرعا والحال هذه لأنه لم ينص على ثبوت الربا # PageV02P202 # فيه وإنما أثبت الربا فيه بالرد إلى غيره وإن ألزمنا أن نقيس الربا في ~~البر لا على شيء فقد ألزم ما لا يعقل لأن المعقول من القياس أن يكون قياسا ~~على شيء ويقال لهم إذا جاز قياس شيء على شيء جاز ما لا يتصور من قياس شيء ~~لا على شيء وعلى أن المخالف لم يقصد إلزامنا ما لا يعقل وإنما قصد إلزامنا ~~ما يعقل مما تحظره الحكمة لأنه قال لا يجوز أن ms598 يتعبد بالظن في المصالح وهذا ~~إن امتنع فانما يمتنع من جهة الحكمة لا لأنه لا يعقل # ومنها قولهم الشرعيات مصالح فلو جوزنا إثباتها بالأمارات مع أنها قد ~~تخطىء جاز أن يخبر بأن زيدا في الدار إذا دلت الأمارات على كونه فيها وإن ~~كانت الأمارات قد تخطىء وتصيب والجواب حكى قاضي القضاة عن الشيخ ابي عبد ~~الله رحمهما الله التسوية بين الأمرين قال لأنه كما نجوز أن بنصب الله ~~تعالى أمارة على شبه الفرع بالأصل فاذا غلب على ظننا شبهه به تعبدنا بالعلم ~~بوجوب إلحاقه به في حكمه وبالعمل به فكذلك نجوز أن ينصب على كون زيد في ~~الدار أمارة فاذا ظنناه في الدار جاز أن يتعبدنا بأن ننتقل عن ظن كونه فيها ~~إلى العلم لكونه فيها ويتعبدنا بالخبر عن كونه فيها فلم يفرق بينهما # ولقائل أن يقول إنه لم يسو بينهما لأن الأمارة الدالة على كون زيد في ~~الدار نظيرها الأمارة الدالة على شبه الفرع بالأصل فيما هو علة الحكم ونحن ~~لا ننتقل عن الظن لشبه الفرع بالأصل إلى القطع على ذلك فكيف قال إنه يجوز ~~أن يتعبدنا أن ننتقل عن الظن لكون زيد في الدار إلى العلم بأنه فيها كما ~~فعلنا في القياس وهو لم يفعل مثل ذلك في القياس وأيضا فان جاز مع كون ~~الأمارة قد تخطىء وتصيب أن يستمر الحال في إصابتها في دلالتها على كون زيد ~~في الدار جاز مع أن الاختيار قد يخطىء ويصيب أن تستمر إصابته للحق وإن جاز ~~أن يتفق إصابة الأمارة في شيء من الأشياء فتتعبد بها في ذلك الشيء بالقطع ~~على حكمها جاز مثله في الاختيار إذا اتفق إصابته الحق في موضع واحد وفي ذلك ~~موافقة مويس بن عمران # PageV02P203 # وحكي عن الشيخ أبي هاشم أنه منع من التعبد بالأخبار عن كون زيد في الدار ~~ويمكن نصرة ذلك فنقول إن أراد السائل إلزامنا جواز الخبر عن ظننا كون زيد ~~في الدار فذلك جائز وهو خبر صدق وإن أراد إلزامنا الإخبار عن كون ms599 زيد في ~~الدار على الإطلاق لا بحسب الظن فذلك غير لازم لأن من شرط حسن الخبر أن ~~يكون صدقا والخبر عن أن زيدا في الدار لا يكون حسنا إلا وهو صدق وليس معنى ~~كونه مصدقا أن نفعله ونحن ظانون أن زيدا في الدار بل معنى كونه صدقا أن ~~يكون متناولا لكون زيد في الدار ويكون زيد فيها وقد يظن المخبر أنه فيها ~~ولا يكون فيها فمتى أخبر والحال هذه عن كونه فيها على سبيل القطع كان مقدما ~~على خبر لا يأمن كونه كذبا وذلك قبيح وأما العبادات الشرعية فهي مصالح وقد ~~يكون الفعل يصلح إذا فعلناه ونحن على صفة ما ومتى لم يكن مصلحة فلا يمتنع ~~أن يكون فعلنا الفعل ونحن نظن شبه الفرع بالأصل هو المصلحة وإذا لم ننظر ~~حتى نظن شبهه به أو بغيره فاتتنا المصلحة فاذا تعبدنا الله عز وجل بذلك ~~علمنا بتعبده أن المصلحة هو أن نفعل بحسب ظننا # وهكذا الجواب إذا قيل لنا جوزوا أن تدل أمارة على أن العموم مستغرق ~~وتخبرون بذلك على سبيل القطع لأن معنى كونه مستغرقا هو أن العرب وضعته ~~للاستغراق وكذلك الخبر عن أن الله عز وجل لا يرى لأجل أمارة وليس يختلف ذلك ~~بحسب ظننا كما يجوز أن تختلف المصالح بحسب ظننا # فان قيل أتجوزون أن يدلكم أمارة على أن العرب وضعت ألفاظ العموم ~~للاستغراق فيلزمكم أن تستدلوا به على الأحكام قيل لا يمتنع ذلك ولا أعرف ~~فيه نصا عن شيوخنا لأنه إن جاز أن نستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~ظننا أنه قاله جاز أن نستدل إذا ظننا أن العرب وضعته للاستغراق # فان قيل أفتجوزون أن يجب عليكم عبادة الله إذا ظننتم وجوده بأمارة وأن ~~تقتصروا على الظن في ذلك قيل لا يجوز ذلك لأنه إنما تجب معرفته # PageV02P204 # لأنها لطف ونحن مع المعرفة والعلم به ابعد من القبيح ومتى أمعن الإنسان ~~في النظر وصل إلى العلم به فلزم الإنسان ذلك لأنه يلزمه كل ما معه يكون ms600 ~~أبعد من القبيح ومن المضار ويمكنه ذلك بالإمعان في النظر # فان قيل أيجوز أن لا يمكنه ذلك بأن لا تنصب له دلالة عليه وتنصب له أمارة ~~قيل هذا محال لأن جسم الإنسان دلالة على الله تعالى فكيف يجوز والحال هذه ~~أن لا يكون الإنسان دلالة على ربه # ومنها قولهم إن المصالح لا يتوصل إليها بالاستدلال ولكن بالنصوص فكيف ~~يتعبد فيها بالقياس الجواب أنهم إن أرادوا أن المصالح لا يتوصل إليها ~~بالاستدلال أصلا فذلك باطل بالاستدلال بالنصوص وإن أرادوا الاستدلال ~~بالأمارات قيل أتريدون الأمارات التي لا تستند إلى اصول منصوصة فان قالوا ~~نعم فكذلك نقول وإن قالوا نريد الأمارات المستندة إلى اصول منصوصة فهو نفس ~~المسألة فقد استدلوا على صحة قولهم بقولهم # ومنها قولهم إن الأمارة والظن قد يخطئان ولا يجوز أن يتعبد الحكيم في ~~المصالح بما يجوز أن يخطىء المصالح الجواب أنا لا نقول إنا نظن المصلحة ~~فيلزم ما ذكرتم وإنما نقول إن عملنا بحسب الظن هو المصلحة وذلك معلوم بدليل ~~قاطع وهو دليل التعبد بالقياس على أن ما ذكروه منتقض بما تعبدنا فيه بالظن ~~في الشرع والعقل كالشهادات والتصرف في المنافع والمضار لأنا قد نتصرف ونحن ~~نظن المنفعة فيؤدي ذلك إلى المضرة ويحسن ذلك وإن أمكن أن يدلنا الله عز وجل ~~على ما فيه منافعنا بدليل قاطع أو يعلمنا الله عز وجل ذلك ضرورة وقد أجاب ~~قاضي القضاة رحمه الله عن الشبهة بأن المصالح إنما يتوصل إليها بالنصوص لا ~~غير لكن بعضها يتوصل إليه بنص ظاهر وبعضها يتوصل إليه بنص خفي يفتقر إلى ~~الاستدلال حتى يعلم أن الحكم مراد به وما علم بالقياس من هذا القبيل ولقائل ~~أن يقول إنه لا معنى لقولكم إن النص دل على حكم الفرع وأنكم احتجتم إلى ~~استدلال لتعلموا أنه مراد بالنص إلا # PageV02P205 # أن النص دل على حكم الأصل ثم استخرجتم علة الحكم وقستم بها بعض الفروع ~~وهذا الذي أنكرناه # ومنها قولهم القياس فعلنا ولا يجوز التوصل إلى المصالح بفعلنا الجواب أن ~~القياس هو ms601 إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم ولا بد في ذلك ~~من أمارة يستدل بها على علة الأصل ومن دليل يدلنا على وجوب إلحاق حكم الأصل ~~بالفرع الذي وجدت فيه علة الحكم ولا بد من نظر في هذه الدلالة وفي الامارة ~~فان أرادوا بقولهم إن القياس فعلنا إثباتنا حكم الأصل في الفرع فذلك هو ~~اعتقادنا وليس هو الذي توصلنا به إلى المصالح بل إنما توصلنا إلى هذا ~~الاعتقاد بغيره وإن أرادوا الدليل الدال على وجوب إلحاق الفرع بالأصل أو ~~الأمارة الدالة على صحة العلة فذلك ليس بفعلنا وإن أرادوا النظر في الدليل ~~والأمارة فلعمري إنه فعلنا وليس يمتنع أن نتوصل به إلى المصالح إذا وقع في ~~دليل كما أن النصوص تؤدي إلى المصالح بشرط وقوع النظر فيها وبالجملة فكل ظن ~~وكل علم مكتسب فانما يتوصل إليه بالنظر وهو فعلنا # ومنها قولهم جلى الأحكام الشرعية لا تعرف إلا بالنصوص فلم يجز إثبات ~~خفيها إلا بالنص أيضا لأن ما علم جليه بطريق فخفيه لا يعلم إلا بذلك في ~~الطريق كالمدركات لا يعلم جليها وخفيها إلا بالإدراك الجواب يقال لهم ولم ~~إذا كانت المدركات كذلك كانت غيرها مثلها أليس ما عدا الشرعيات يعلم جليه ~~بالإدراك والضرورة ويعلم خفيه بالاستدلال دون الإدراك وجلى الشرعيات تعلم ~~بالنصوص الظاهرة وخفيها تعلم بنص خفي وكثير من الزعفران الواقع في الماء ~~يعلم بالإدراك وخفيه يعلم بخبر من شاهد وقوعه فيه فان قالوا أليس قد استند ~~ذلك إلى المشاهدة قيل فكذلك أحكام الفروع تستند إلى الأحكام الثابتة ~~بالنصوص وأجاب قاضي القضاة عن الشبهة بما ذكرناه من وقوع الزعفران في الماء ~~وبأن جميع الشرعيات تعلم # PageV02P206 # بالنص لكن بعضها تعلم بظاهر النص وبعضها تعلم استدلالا بالنص وما علم ~~بالقياس هو من القسم الثاني ولهم أن يقولوا إن النص لا يتناول إلا حكم ~~الأصل وليس فيه ذكر لحكم الفرع ولو كانت الفروع معلومة بالنصوص لأنه لا بد ~~منها لكانت العقليات المكتسبة معلومة بالإدراك لأنه لا بد منه في العلم بها ms602 # ومنها قولهم لو كانت للشرعيات علل لكانت كالعلل العقلية في الاستحالة ~~انفكاكها من أحكامها في كل حال ألا ترى أن الحركة يستحيل وجودها وليس الجسم ~~متحركا وفي ذلك ثبوت الأحكام الشرعية قبل الشرع الجواب أنهم جمعوا بين ~~العلل العقلية والشرعية من غير جامع وأيضا فان عنوا بالحركة تحرك الجسم ~~فذلك إنما وجب كون الجسم معه متحركا لأن كون الجسم إذا تحرك هو معنى كونه ~~متحركا فالقول بأن فيه حركة وليس هو متحرك مناقضة وإن عنوا بالحركة معنى ~~يوجب كون الجسم متحركا كما يقوله أصحابنا فذلك ذات موجبة كون الجسم متحركا ~~ولا يجوز وقوف ايجابها على شرط لأنها لو وجدت من دون إيجاب لنا انفصل ~~وجودها من عدمها وأما العلل الشرعية فانها إما أن تكون وجه المصلحة وإما أن ~~تكون أمارة يصحبها وجه المصلحة فان كانت وجه المصلحة فمعلوم أن وجه المصلحة ~~يجوز أن يقتضي المصلحة بشرط يختص بعض الأزمان دون بعض ألا ترى أن مصلحة ~~الصبي في وقت الرفق ومصلحته في وقت العنف ولهذا اختلف شرائع الأنبياء وصح ~~نسخ العبادات فلم يمتنع أن يكون الشرط في كون العلل الشرعية موجبة للمصلحة ~~لا يحصل قبل الشريعة فلا تثبت المصلحة قبل الشريعة وإن كانت العلل الشرعية ~~امارات تصحب وجه المصلحة وكان وجه المصلحة قد يقف على شرط يرجع إلى أحوال ~~المكلف ويختص ببعض الأزمان كانت الأمارة التي تصحب وجه المصلحة تختص كونها ~~أمارة أيضا ببعض الأزمان دون بعض فان قيل بماذا تعلمون تعلق الحكم بالعلة ~~الشرعية قيل بتعليق النبي عليه السلام الحكم عليها إما نصا وإما تنبيها كما ~~نعلم تعلق # PageV02P207 # الحكم بالاسم بتعليق النبي عليه السلام الحكم عليه وذلك غير حاصل قبل ~~الشريعة فلم يثبت قبل الشرع # ومنها قولهم العقل كالنص في أنه يدل على حكم الحادثة فكما لا يجوز أن ~~يتعبدنا الله تعالى بالقياس المخالف لنص معين فكذلك لا يجوز أن يتعبدنا ~~بقياس يخالف حكم العقل وكل حادثة فلها حكم في العقل فاذن لا يجوز أن يتعبد ~~فيها بالقياس الجواب أن ms603 هذا منتقض بخبر الواحد لأنه لا يجوز استعماله في ~~خلاف نص القرآن ويجوز أن ينتقل به عن حكم العقل على أن ما ذكروه لا يمنع من ~~التعبد بقياس مطابق لما في العقل على أن النص المعين لو تركناه بالقياس كنا ~~قد ألغينا كلام الحكيم لأنه اقتضى الحكم مطلقا والعقل فانما اقتضى الحكم ما ~~لم ينقلنا عن دليل شرعي فمن أين لهم أن القياس ليس بدليل شرعي وهل نوزعوا ~~إلا في ذلك # ومنها قولهم إن الحكيم لا يقتصر بالمكلف على أدون البيانين مع قدرته على ~~أعلاهما والقياس أدون بيانا من النص الجواب أن في هذا الكلام تسليم أن ~~القياس بيان فلا يمتنع أن تكون فيه مصلحة زائدة وإن كان أدون بيانا من غيره ~~ولو وجب التعبد بأعلى الباينات لوجب تعريفنا الأحكام ضرورة أو الاقتصار بنا ~~على النصوص الجلية المتواترة دون الآحاد لأنها أعلى بيانا من الخفية # ومنها قولهم نظر القائس لا بد من أن يقع في منظور فيه وليس إلا النص أو ~~الحكم وليس يجوز أن يقع في النص لأن النص لا يتناول الفرع ولا يجوز وقوعه ~~في الحكم لأن الحكم هو فعل المكلف فكان ينبغي لو لم يوجد فعل من المكلف أن ~~لا يصح منه الذي يحصل من القائس هو نظر في الأمارات الدالة على العلل وقد ~~تكون الأمارة كيفية في الحكم نحو ان يحصل الحكم بحسب حصول صفة وينتفي عند ~~انتفائها في الأصل أو يكون لصفة من الصفات تأثير في الاصول فالنظر في ذلك ~~يقتضي كون تلك الصفة علة والنظر في حصولها في # PageV02P208 # الفرع يؤدي إلى إلحاقه بالأصل وليس الحكم هو فعلنا بل كون الفعل واجبا ~~وقبيحا وذلك متصور متوهم يمكن النظر في حصوله بحسب صفة من الصفات وجد الفعل ~~أو لم يوجد # ومنها قولهم لو جاز أن يكون القياس صحيحا لكان حجة مع النص الجواب أن ذلك ~~دعوى ومع ذلك فإن أرادوا أنه يكون حجة مع النص على حكم الأصل فكذلك نقول ~~وإن أرادوا مع النص على خلاف ms604 حكمه في الفرع فقد بينا القول في ذلك في الخبر ~~الوارد بخلاف قياس الاصول على انه لا يمتنع أن يكون حجة إذا انفرد وإذا ~~عارضه النص كان النص أولى منه كما أن خبر الواحد حجة إذا انفرد وإذا اجتمع ~~مع الخبر المتواتر ومع نص القرآن كانا أولى وإن أرادوا النص على مثل حكمه ~~في الفرع فانا نجوز ذلك لأنه إن كان النص خبر واحد فهو أمارة وكذلك القياس ~~المطابق له وإن كان النص خبرا متواترا فالقياس حجة في الفرع بمعنى أنه لو ~~فقدنا النص المتواتر لوجب الحكم لمكان القياس # ومنها أنه لو جاز التعبد بالقياس لجاز أن يتعبد به النبي عليه السلام ومن ~~حضره ولصح به النسخ الجواب أن كل ذلك مجوز في العقل # ومنها لو جاز التعبد بتحريم شيء لظننا شبهة بأصل محرم جاز أن نتعبد ~~بتحريمه إذا ظننا شبهة بالأصل من غير أمارة أو اعتقدنا شبهة تنحيتا وإذا ~~اشتهينا تحريمه وإذا اخترنا ذلك أو شككنا في كونه مشبها له لأنه إذا جاز أن ~~تكون مصلحتنا أن نفعل بحسب شهوتنا وشكنا واختبارنا الجواب أن العمل بالقياس ~~مبني على ما تقرر في العقل من حسن التصرف في الدنيا بحسب ظن النفع وانفاع ~~الضرر إذا كان الظن صادرا عن امارة كما تقرر حسن ذلك في العقل فقد تقرر فيه ~~قبح تحمل المشاق لأجل الشهوات والهوى والاختيار ولأجل ظن لا أمارة له وتقرر ~~في العقل أن الإقدام على الفعل مع الشك في مضرته لا يحسن إلا بعد البحث ~~ومتى أقدم الإنسان من غير بحث ذمه # PageV02P209 # العقلاء وليس كذلك إذا ظن اندفاع مضرة لأجل أمارة صحيحة وأما إذا شك في ~~حصوله وجه القبح في الشيء كشكه في كون الخبر كذبا فانه يقبح منه فقد عمل في ~~هذا الموضع على الشك وإذا شك في الحدث بعد تيقن الطهارة فمالك عمل على الشك ~~فأوجب الطهارة وغيره من الفقهاء عمل على الأصل ولكل وجه في التعبد فقد جاز ~~العمل على الشك على بعض الوجوه # ومنها قولهم ms605 لو جاز التعبد بالقياس الشرعي لكان على علته أمارة ولا يجوز ~~أن تكون عليها أمارة فاذا لا يجوز التعبد به وإنما لم تكن على علته أمارة ~~لأن الأمارة إما أن تدل عليها العادات أو النصوص وكلامنا في قياس ليست علته ~~ولا أمارتها منصوص عليها فلم يجز أن يكون النص طريقا إلى أمارة القياس ~~المستنبطة علته ولما لم تكن الأحكام الشرعية ثابتة بالعادات لم تكن عللها ~~وأماراتها ثابتة بالعادات يقال لهم ولم لا يجوز أن يكون الطريق إلى ذلك ~~تنبيه الشرع وعاداته لأن الشرع يدل تصريحه وقد يدل تنبيهه فاذا علمنا أن ~~الحكم يثبت في الأصل عند وصف وينتفي عند انتفائه غلب على ظننا أنه لأجله ~~ثبت وكذلك إذا كان الوصف مؤثرا في جنس ذلك نحو البلوغ المؤثر في رفع الحجر ~~في المال كان اولى بأن يرفع الحجر في النكاح ولا شبهة في حصول الظن عند هذه ~~الأمارات - صلى الله عليه وسلم - باب في أنه كان يجوز من جهة العقل أن ~~يتعبد الله الأنبياء بالقياس والاجتهاد - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن اجتهاد النبي عليه السلام إن أريد به الاستدلال بالنصوص على مراد ~~الله عز وجل فذلك جائز لا شبهة فيه وإن أريد به الاستدلال بالأمارات ~~الشرعية فالأمارات الشرعية ضربان أخبار آحاد وذلك لا يتأتى في النبي عليه ~~السلام والآخر الأمارات المستنبطة التي يجمع بها بين الفروع والاصول وهذا ~~هو الذي يشتبه الحال فيه هل كان يجوز تعبد النبي عليه السلام فالصحيح جوازه ~~لأنه كما يجوز في العقل أن تكون مصلحتنا أن نعمل باجتهادنا تارة # PageV02P210 # وبالنص أخرى جاز مثله في النبي صلى الله عليه وسلم وليس يحيل العقل ذلك ~~في النبي صلى الله عليه وسلم ويصححه فينا كما لا يصححه في زيد ويمنع منه في ~~عمرو ولهذا جاز أن يجب علينا وعليه العمل على اجتهادنا في مضار الدنيا ~~ومنافعها # فان قيل إن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم يختص بوجه قبح لأنه ينفر عنه ~~من وجهين أحدهما أنه إذا علم أنه ms606 يثبت الأحكام باجتهاده نفر عنه والثاني ~~أنه إذا ثبت الحكم باجتهاده كان للعالم أن يخالفه ووجب إذا أفتى العامي أن ~~يخبره وذلك أبلغ ما ينفر عنه الجواب انه لا تنفير في إثباته الحكم باجتهاده ~~لأن المجتهد ليس يجتهد من قبل نفسه لكنه يعتقد أن الله عز وجل حكم بذلك ~~الحكم وأنه استدل بتنبيه الله عز وجل إياه فأي تنفير في الاستدلال على مراد ~~الله عز وجل وأما مخالفة العالم والعامي له فلا يجوز كما لا يجوز مخالفتهما ~~الإجماع # إن قيل لو وجب على غيره الأخذ بقوله والقطع عليه لوجب ذلك لكونه نبيا ~~وذلك يقتضي أن يقطع هو على قول نفسه لعلمه أنه نبي وقطعه على قول نفسه ~~يخرجه عن ان يكون من جملة الاجتهاد المفضي إلى الظن قيل قد أجاب قاضي ~~القضاة رحمه الله بأن كونه نبيا يكون دلالة لغيره على القطع ولا يكون دلالة ~~لنفسه قال ولا يتنافى ذلك وهذا لا يصح لأن الدليل لا يجوز ان يدل مكلفا دون ~~مكلف مع اشتراكهما في العلم بشرائطه وليس يعلم غير النبي عليه السلام من ~~شرائط الاستدلال على أن النبي عليه السلام مصيب قطعا ما لا يعلم النبي فكيف ~~يكون كونه نبيا دلالة قاطعة لغيره ولا يكون دلالة له ونحن نقول في ذلك إنه ~~إذا كان الله عز وجل إنما كلف المجتهد الحكم بأشبه الأمارتين ومكنه من ~~الوصول إلى ذلك بأن ينظر النظر الصحيح فالنبي عليه السلام يعلم من نفسه ~~الوصول إلى ذلك لعلمه بأنه قد نظر النظر الصحيح كما يعلم ذلك من غيره من ~~المجتهدين وغير النبي يعلم ذلك من حال النبي عليه السلام لعلمه بأنه معصوم ~~من الخطأ في الأحكام كما أنه معصوم فيما يؤديه إذ خلاف # PageV02P211 # ذلك ينفر عنه ولا يجوز ان يرجع عن ذلك الحكم لأن الرجوع عنه خطأ فأما إذا ~~قيل كل مجتهد مصيب فانه إذا كان غيره من المجتهدين يقطع على أنه مصيب ~~فالنبي بالقطع على ذلك من نفسه أولى ولا يجوز لغيره أن يخالفه ms607 فيما أداه ~~إليه اجتهاده لأنه ينفر عنه وإن كان رجوعه إلى قول آخر ينفر عنه لم نجوزه ~~وإن لم ينفر جوزناه # فان قيل لو جوزنا أن يجتهد لوجب القطع على ان العلة التي استخرجها هي علة ~~الحكم لوجوب حكمنا بها ولا يقطع هو عليها لأنه مجتهد ومحال أن نقطع نحن على ~~ذلك دونه مع كوننا متبعين له ومع انا إنما قطعنا على ذلك لكونه نبيا وهو ~~يعلم مع كونه نبيا ما علمناه الجواب أنه لا يقطع هو ولا نحن على علة حكم ~~الأصل ونحن وهو نقطع على علة حكم الفرع على ما سنذكره عند الكلام في أن ~~الحق في واحد وأجاب قاضي القضاة عن ذلك رحمه الله في الشرح بجوابين أحدهما ~~أنا نحن نقطع على العلة التي استخرجها لأنه يجب علينا اتباعه ولا يقطع هو ~~على ذلك لأنه مجتهد وهذا لا يصح لما ذكرناه والآخر أنه بعد تكامل اجتهاده ~~يعلم أنها علة الحكم كما أنا نظن صدق المخبر إذا أخبر وحده فاذا تواتر ~~المخبرون حصل لنا العلم بصدقه # فان قيل أفتجوزون أن يتعبد النبي عليه السلام باجتهاده في تأويل آية قيل ~~يجوز ذلك بل ذلك أولى مما تقدم لأن الاستدلال على ذلك استدلال بدلالة لا ~~بأمارة - صلى الله عليه وسلم - باب في هل كان يجوز ان يتعبد الله عز وجل من ~~عاصر النبي صلى الله عليه وسلم ممن حضره أو غاب عنه بالاجتهاد والقياس أم ~~لا - صلى الله عليه وسلم - # اما من غاب عنه عليه السلام فحكى قاضي القضاة رحمه الله في الشرح # PageV02P212 # أن أكثر الذاهبين إلى الاجتهاد أجازوا ذلك والأقلون منعوا منه وحكي أن ~~أبا علي رحمه الله قال في كتاب الاجتهاد لا أدري هل كان يجوز لمن غاب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في عصره أن يجتهد أم لا قال لأن خبر معاذ من ~~اخبار الآحاد والصحيح أن لهم أن يجتهدوا إذا ضاق زمان الحادثة عن استفتاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذ لا يمكنهم سوى ذلك ms608 ولأنه لا فرق في العقول ~~بينهم وبين من لا يعاصر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر قاضي القضاة رحمه ~~الله أن خبر معاذ وإن كان من اخبار الآحاد فقد تلقته الأمة بالقبول فهم بين ~~محتج به ومتأول له فصح التعلق به في أن للمجتهد أن يجتهد مع غيبته عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأما إذا أمكن المجتهد مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فالقول فيه كالقول في الحاضر إذا أمكنه سؤاله وقد أجاز اجتهاده قوم من ~~القائسين إلا أن يمنع من اجتهاده مانع ومنع منه آخرون منهم الشيخان أبو علي ~~وأبو هاشم وأجاز قوم لمن بحضرته أن يجتهد إذا أذن له النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك وأجاز قاضي القضاة رحمه الله من جهة العقل ورود التعبد بالقياس ~~لمن حضر النبي صلى الله عليه وسلم ولمن غاب عنه قال لأنه لا يمتنع أن تكون ~~المصلحة أن يعمل باجتهاده إذا لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع ~~إذا سأله أن يكون مصلحته أن ينص له على الحكم ولا يمتنع أن تكون مصلحته أن ~~يكله إلى اجتهاده والأولى أن يقال إنه لا يجوز لمن حضر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يجتهد من جهة العقل قبل سؤال النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يجوز ~~للسالك في برية مخوفة أن يعمل على رأيه مع تمكنه من سؤال من بخبر الطريق ~~أسد من خبرته وكما لا يجوز أن يجتهد من غير أن يطلب للنصوص ويفقدها ويجوز ~~إن سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يكله إلى اجتهاده بأن يعلم الله تعالى ~~أن مصلحته أن يعمل على اجتهاده # PageV02P213 # - صلى الله عليه وسلم - باب في أنه لا يجوز التعبد بالقياس في جميع ~~الشرعيات ويجوز التعبد في جميعها بالنصوص - صلى الله عليه وسلم - # أما جواز ذلك بالنصوص لأنه ممكن أن ينص الله عز وجل على صفات المسائل في ~~الجملة فيدخل تفصيلها فيها ويجوز أن يكون في ذلك مصلحة نحو أن ينص الله ms609 ~~تعالى على الربا في كل موزون فيدخل في ذلك أنواع الموزونات أما التعبد في ~~جميعها بالقياس فلا يصح لأنه إما أن تقاس جميع الشرعيات أو لا تقاس فان لم ~~تقس انتقض كونها مقيسة وإن قيست فاما أن يقاس على غيرها وإما ان يقاس بعضها ~~على بعض بأن يقاس الفرع على الأصل ويقاس الأصل على فرعه وفي ذلك تبين الشيء ~~بنفسه وإن قيست على غيرها فذلك الغير إما شرعي وإما عقلي وقياسها على أصول ~~غيرها شرعيه لا يمكن لأنا قد فرضنا الكلام في أن يكون جميع الشرعيات مقيسة ~~ولم يبق منها شيء يقاس عليه وإن قيست على أصول عقلية باعتبار وجوه قبحها ~~وحسنها أو باعتبار أمارات عقلية مستندة إلى عادات لم يصح لأنا لم نجد في ~~العقل أصلا لوجوب الصلاة وأعداد ركعاتها وشروطها واوقاتها ولا نعلم أيضا ~~وجه وجوب ذلك في الصلاة من جهة العقل فيقع القياس بها على غيرها وأما ~~الأمارات المستخرجة بالعادات فليست دالة على وجوب شيء ولا على حظره وإنما ~~تدل على حدوث حادث كأمارة المطر أو تدل على مقدار شيء كأمارة قيمة المتلف ~~وليس وجوب الصلاة وأعداد ركعاتها من هذين ولا تجد من جهة العادات أمارات ~~على وجوب الصلاة وشروطها ولو دلت أمارات العادات على ذلك لما كان وجوب ~~الصلاة شرعيا بل كان معروفا بالعادة فصح أن التعبد بالقياس في جميع ~~الشرعيات لا يجوز # PageV02P214 # - صلى الله عليه وسلم - باب في أنا متعبدون بالقياس - صلى الله عليه وسلم ~~- # اعلم أن من الناس من قال قد تعبدنا الله تعالى في الحوادث الشرعية ~~بالقياس ومنهم من قال لم يتعبد به واختلف هؤلاء فمنهم من قال قد وردت ~~الشريعة بالمنع منه ومنهم من قال إنما لم يثبته في الشريعة لأنه ليس فيها ~~ما يدل على التعبد به واختلف من أثبت التعبد به فقال قوم العقل يدل على ذلك ~~والسمع وقال آخرون السمع فقط يدل عليه والذي يبين أن العقل بدل على التعبد ~~به أن مرادنا بقولنا إن العقل يدل على ذلك ms610 هو أنا إذا ظننا بأمارة شرعية ~~علة حكم الأصل ثم علمنا بالعقل أو بالحس ثبوتها في شيء آخر فان العقل يوجب ~~قياس ذلك الشيء على ذلك الأصل بتلك العلة أما جواز قيام امارة شرعية على ~~علة حكم الأصل فهو أنا إذا علمنا أن قبح شرب الخمر يحصل عند شدتها وينتفي ~~عند انتفاء شدتها كان ذلك أمارة تقتضي الظن لكون شدتها علة تحريمها ومعلوم ~~أن الشدة معلوم ثبوتها في النبيذ وإنما قلنا إن العقل يوجب قياس النبيذ على ~~الخمر لأن العقل يقتضي قبح ما ظننا فيه أمارة المضرة وأمارة التحريم هي ~~أمارة المضرة ألا ترى أن العقل يقتضي قبح الجلوس تحت حائط مائل لعلمنا ~~بثبوت امارة المضرة فان قيل كيف يجوز القطع على قبح ما وجدت فيه امارة ~~التحريم والمضرة مع ان الأمارة قد تخطىء وقد تصيب قيل كما يجوز مثله في ~~امارة المضار الحاصلة في القيام تحت حائط مائل # فان قالوا العقل إذا انفرد يقتضي إباحة شرب النبيذ فلم يجز الانصراف عنه ~~لأمارة قيل لهم مثله في الجلوس تحت الحائط لأن العقل يقتضي إباحة الجلوس في ~~الأصل فيجب أن لا ننتقل عن هذه الإباحة لأمارة يجوز أن تخطيء وتصيب # فان قالوا إنما حسن الجلوس بشرط أن لا يكون فيه امارة المضرة قيل # PageV02P215 # وإنما حسن بالعقل شرب النبيذ بشرط أن لا يكون فيه أمارة التحريم والمضرة ~~ولا فرق بينهما # ويدل عليه إجماع الصحابة رضي الله عنه لأنهم قالوا في مسائل اختلف فيها ~~بالقياس من غير نكير ظهر من بعضهم وما قالوه من غير نكير فهو حق فمن ذلك ~~قول الرجل لزوجته أنت علي حرام قال أبو بكر وعمر عليهما السلام هو يمين ~~وقال علي وزيد عليهما السلام هو طلاق ثالث وقال ابن مسعود عليه السلام هو ~~طلقة واحدة وقال ابن عباس عليه السلام هو ظهار وقال بعضهم هو إيلاء ~~واختلافهم في ذلك ظاهر وإنما قلنا إنهم قالوا ذلك قياسا لأنهم إما أن ~~يكونوا قالوا ذلك عن طريق أو لا عن طريق ms611 ولو كانوا قالوا ذلك لا عن طريق ~~لكانوا قد اتفقوا على الخطأ لأن من أعظم الخطأ أن يقال في دين الله عز وجل ~~لا عن طريق فان قالوا ذلك عن طريق فأما أن يكون نصا جليا أو غير جلي أو ~~قياسا أو استنابطا ولو كان في ذلك نص لاحتج به بعضهم ليقيم عذر نفسه وليرد ~~غيره عن خطئه هذه عادة من قال قولا خالفه فيه من يقصد مباحثته وطلب الحق ~~منه ولأنهم كانوا يعظمون مخالفة نصوص النبي صلى الله عليه وسلم جليها ~~وخفيها فلو كان عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نص مخالف لبعض هذه ~~الأقاويل لكانت كراهتهم لمخالفته تدعو إلى إظهاره سيما إن كان جليا وأيضا ~~محال من جهة العادات في عدد كثير يهتمون بنقل كلام من يعظمونه حتى ينقلوا ~~ما لا يتعلق به حكم شرعي أن يهملوا إظهار ما اشتدت الحاجة إليه مما يتعلق ~~به حكم شرعي ووقع في الاختلاف ويفارق ذلك ترك نقل ما أجمعوا لأجله لأن ~~الإجماع حجة وقد أغنى عن الخبر وليس كذلك إذا وقع الاختلاف ولو أظهروا النص ~~لاحتجوا به ولكان خوضهم فيه يمنع من أن ينكتم ولا ينقل ولو نقل لعرفه ~~الفقهاء مع فحصهم عن السنن ولسنا نجد في الشريعة نصا في ذلك فان قول الله ~~عز وجل {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إنما هو منع من # PageV02P216 # التحريم وليس فيه ما حكمه # فان قالوا ولو كانوا قاسوا هذه المسألة على غيرها لصرحوا بالعلة قيل لا ~~يجب ذلك بل يكفي التنبيه على العلة وقد نبه كل منهم على القياس والعلة لأن ~~من قال إنه طلاق ثلاث جعل مطلق التحريم يقتضي غاية التحريم ثم ألزمه هذا ~~الحكم قياسا على طلاق الثلاث من حيث كان كل واحد منها يفيد غاية التحريم ~~ومن جعله طلقة واحدة اعتبر أقل ما يثبت معه التحريم وقاسه على الطلقة ~~الواحدة بعلة ان كل واحد منها يتناول أقل التحريم ومن جعله إيلاء اعتبر أن ~~الزوج قد ms612 منع نفسه بهذا القول عن وطئها ومن جعله ظهارا أجراه مجرى الظهار ~~من قبل أنه يفيد التحريم بلفظ ليس بلفظ طلاق ولا إيلاء # وإذا كان هذا الذي ذكرناه ممكنا ولم يمكن ذكر نص ولا أنهم قالوا بغير ~~طريق وجب القطع على أنهم أرادوا ما ذكرناه أو ما يجري مجراه من التشبيه # وأيضا فان الناس قد يقتصرون على الفتوى في كلامهم ويعلم السامع الوجه ~~الدال على الفتوى من نفس الفتوى ألا ترى أن الناس قد يشيرون في الحرب بآراء ~~ويجرون الشيء مجرى غيره ولا يصرحون بذكر الشبه فيعلم وجه التشبيه بيان ذلك ~~أن رئيس الجيش لو امر مرة بضرب رقاب من يتحسس عليه لعدوه قصدا منه إلى زجر ~~من يتحسس عليه ثم أحسن مرة إلى من يتحسس عليه استمالة منه لهم ليدلوه على ~~عورة عدوه ثم ظهر مرة ثالثة على آخرين ينقلون اخباره على عدوه فقال بعضهم ~~اقتلهم كالذين قتلهم وقال آخرون أحسن إليهم كالذين أحسنت إليهم لعلم أن ~~هؤلاء لحظوا استمالتهم ليدلوه على عورة عدوه واولئك قصدوا زجر غيرهم عن ~~التحسس عليه فكذلك ما ذكرنا عن السلف رضي الله عنهم # فان قيل هلا وجب أن يصرحوا ولا يقتصروا فيها على التنبيه كما وجب # PageV02P217 # أن ينقلوا النص قيل قد ثبت أن العادة والديانة قد أوجبتها نقل النص وأن ~~العادة في التعليل والتشبيه أن يصرح بها تارة وينبه عليها أخرى # فان قيل هلا صرحوا بذلك ليقيموا عذرهم ويمكنوا غيرهم من الاحتجاج به قيل ~~قد بلغوا هذه الغرض بالتنبيه ولهذا قد ينبه الفقهاء من كلامهم على تلخيص ~~العلة والقياس وإنما قلنا إنه لم يكن منهم نكير لأنه لو كان منهم نكير لظهر ~~ولا منع مع ظهوره أن ينكتم وإنما قلنا إنهم إذا لم ينكروه لم يكن باطلا ~~لأنه لو كان باطلا لكان إنكاره واجبا وكانوا قد اتفقوا على ترك الواجب وليس ~~لأحد أن يقول إنما لم ينكروه لأنه كان صغيرا لأنه ليس في معاصي غير ~~الأنبياء ما يقطع على أنه صغير ولأن الصغير ms613 يجب إنكاره كالكبير # ومما اختلفوا فيه وشبهوه بغيره مسألة الجد وقول ابن عباس أما يتقي الله ~~زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب ابا ولم يذهب إلى تسمية ~~الجد ابا لأن ابن عباس لا يذهب عليه مع تقدمه في اللغة أن الجد لا يسمى أبا ~~حقيقة ألا ترى أنه ينفي عنه الاسم فيقال ليس هو بأبي الميت ولكنه جده وإنما ~~أراد أنه بمنزلة الأب كما أن ابن الابن بمنزلة الابن لما كان يدلي إلى ~~الميت من جهة الأولاد بواسطة وأنه لا فرق في الولادة والقرب بها بين العلو ~~السفل هذا يدل عليه كلامه لأنه إذا لم يرد أنه أب في الحقيقة فلا بد مما ~~ذكرناه وعن علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما أنهما شبهاه بغصني شجرة ~~وبجدولي نهر ليعرفا قربهما من الميت ثم شركا بينهما في الميراث # قان قيل ومن أين صحة هذا التشبيه عنهم قيل من نقل فتاويهم نقل هذا ~~التشبيه فاذا كان أحدهما معلوما كان الآخر مثله ويبين ذلك أن المتقدمين من ~~المخالفين كانوا بين متناول لهذه التشبيهات وبين محط لها فلم يكن فيهم من ~~يجحدها وإنما تجاسر على جحدها بعض أهل هذا العصر ولو علموا أن ~~الإقراربفتاويهم يضرهم لجحدوها على أنهم لو لو يشبهوا بما ذكرناه لكانوا # PageV02P218 # قد قالوا غير ذلك من الاحتجاج إما نص أو غيره مجملا أو مفصلا ولا يجوز مع ~~اهتمام النقلة بأحوالهم على كثرتهم أن يتركوا نقل ما كان بينهم ويطبقوا على ~~نقل ما لم يجز له ذكر فيهم وليس لأحد أن يقول إن تشبيههم الجد والأخ بغصني ~~شجرة وبجدولي نهر تشبيه عقلي يعرفون به قربهما من الميت ثم يورثونهما أو ~~أحدهما لما تقرر في الشرع من أن المشتركين في القرب يرثان وأن أقربهما أحق ~~بالميراث وذلك أنه قد يرث الأبعد مع الأقرب فان ابن الابن إلى أربع منازل ~~هو أولى بالمال من بنت البنت وابن ابن العم أول من بنت العم وهو أبعد منهما ~~وأيضا فانهم لم ms614 يورثوهما على سواء بل بعضهم قاسم بالجد ما كانت المقاسمة ~~خيرا له من الثلث وشبهه في ذلك بالام لما كان له أولاد ولم ينقصه من الثلث ~~مع ما له من الأولاد والتعصيب وبعضهم قاسم به ما كانت المقاسمة خيرا له من ~~السدس فلم ينقصه من السدس تشبيها بالجدة أم الأم من حيث اشتركا في الأولاد ~~بواسطة # إن قيل إنما اعتبر بالسدس لأن رجلا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ~~للجد السدس فقال له عمر مع من قال الرجل لا ادري والجواب أن قوله لا أدري ~~دليل على أنه جعل له السدس في حال دون حال وأنه نسي الرجل تلك الحالة فلا ~~يمكن أن يقال له السدس في كل حال فلهذا لم ينقصوه منه وعلى أنه لو كان ذلك ~~عاما في جميع الحالات لتعلقوا به وتعلق به بعضهم وكانوا لا يعطونه إلا ~~السدس إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه السدس في كل حال وليس لأحدأن ~~يقول إنهم قالوا في هذه المسائل بالصلح لأن مسألة الحرام لا يجوز فيها ~~الصلح ولأن كل منهم أفتى المستفتى وحكم بما يقوله ولم يرده إلى الصلح وليس ~~لأحد ان يقول إنهم قالوا فيها بأقل ما قيل لأنه لم يتقدم اختلافهم أقوال ~~فقالوا هم بأقلها ولا اتفقوا على قول فيقال إنه أقل ما قيل بل قالوا ~~بأقاويل متباينة بعضها اقل من بعض ومما قاله السلف اعتبارا أن عمر رضي الله ~~عنه لم يعط الإخوة للأب والأم شيئا في المسألة الحمارية فقالوا هب أن ابانا ~~كان حمارا فورثهم وهذا اعتبار لأنهم قالوا إذا # PageV02P219 # أعطيت الإخوة للأم ونحن قد شاركناهم في ولادة الأم وزدنا عليهم بالأب فان ~~لم ينفعنا ذلك لم يجز أن يضرنا وليس يجوز أن يكون أعطاهم لدخولهم تحت ~~الظاهر وهو قوله {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} لأن الخطاب ~~انصرف إلى الاخوة للأم فقط ألا ترى إلى قوله تعالى {فلكل واحد منهما السدس ~~فإن كانوا أكثر من ذلك فهم ms615 شركاء في الثلث} # دليل آخر ظاهر عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا بالرأي وذلك لا يمكن ~~دفعه كقول أبي بكر رضي الله عنه أقول فيها برأيي وقول عمر اقضي برأيي فيه ~~وقال هذا ما رأى عمر وقال علي عليه السلام في أم الولد كان رأيي ورأي عمر ~~أن لا يبعن ثم رأيت ببيعهن وقال ابن مسعود في قصة بروع بنت واشق أقول فيها ~~برأيي وقولنا رأي عبارة عن اعتقاد أو ظن فان توصل إليهما باعتبار واستنباط ~~إما بدلالة عقلية أو امارة فلا شبهة في وقوع اسم الرأي عليهما فانه يقال ~~فلان رأيه العدل وفلان من رأيه القدر وإن توصل إليهما بنص جلي أو خفي فوقوع ~~اسم الرأي عليهما مشتبه والأقرب أنه يجوز أن يقع عليهما لأنه لا يمتنع أحد ~~من أن يقول إن تحريم الميتة يراه المسلمون وهو رأيهم ويمتنع أن يقول هو من ~~رأيهم لأنه يوهم أنهم حرموها برأيهم فأما قول القائل قلت هذا برأيي فلا ~~يعقل منه أنه قاله بنص لا جلي ولا خفي وإنما يفهم منه أنه قاله استنباطا ~~واستخراجا بما يراه من الأمارات والأدلة التي ليست بنص جلي ولا خفي ولهذا ~~لا يقال إن المسلمين حرموا الميتة برأيهم ولا يقال إن ابا حنيفة اثبت الربا ~~في الستة الأجناس برأيه ويقال إنه أثبت الربا فيما عداها برأيه ولا يقال في ~~الجيش إذا اطاعوا الإمام في رأي إنهم فاعلون ذلك بأرائهم ولذلك لا توصف ~~آراؤهم بالسداد إذا كان رأي الإمام سديدا واتبعوه فيه من غير فحص ويقال # PageV02P220 # للإنسان أقلت هذا برأيك أم بكتاب الله فيجعل أحدهما في مقابلة الآخر # ومخالفونا يذمون القول بالرأي ويذمون أصحاب الرأي وهم القائلون بآرائهم ~~وليس يجوز أن يذموا القائلين بالنصوص فاذا ثبت ذلك ولم تكن على الأحكام ~~الشرعية أدلة عقلية علمنا أن قول من قال من السلف أقول فيها برأيي إنما ~~اراد به الأمارات المظنونة وأما قول عمر رضي الله عنه في رسالته المشهورة ~~إلى ابي موسى قس الأمور فهو صريح في ms616 القياس # إن قيل قد روي عنهم ذم الرأي كقول أبي بكر رضي الله عنه أي أرض تقلني أو ~~سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وقول عمر رضي الله عنه أجرأكم على ~~الجد أجرأكم على النار وقوله أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي ~~وقول علي عليه السلام من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه ~~وقوله لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره وقول ابن ~~مسعود يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الامور بآرائهم ~~الجواب إنه إذا كان الذين ذموا الرأي هم الذين قالوا به وجب صرف ذمهم إلى ~~الرأي مع وجود النص أو مع ترك الطلب للنص كما يجب مثله لو حكي الرأي وذمه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن قول أبي بكر رضي الله عنه أي أرض ~~تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي إنما عنى به تفسير القرآن ولعمري إنه ~~إنما ينبغي أن يفسر على عرف اللغة وبما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقول عمر أجرأكم على الجد أجرأكم على النار إنما هو ذم الجرأة وترك التثبت ~~وليس بذم للرأي وقوله أعيتهم الأحالديث أن يحفظوها إنما هو ذم لمن عدل إلى ~~الرأي ولم يطلب الأحاديث ولم يحفظ ما وجد منها وقول علي عليه السلام من ~~اراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه معناه الرأي الذي لا يستند ~~إلى الكتاب والسنة والقول بما سنح من غير استقصاء النظر في الأمارات ~~الصحيحة وقول ابن مسعود يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس علماء جهالا # PageV02P221 # يقيسون الامور بآرائهم فانما ذم بذلك الرأي قبل طلب السنن والنظر فيها ~~وقول علي عليه السلام لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ~~ظاهره معناه لو كان الدين جمعه بالرأي فكانه أراد أن يبين ان ليس جميع ما ~~أتت به السنن على ما يقتضيه راي الإنسان وبين ذلك بمسح الخف # دليل آخر روي أن النبي صلى الله عليه ms617 وسلم قال لمعاذ حين أنفذه إلى اليمن ~~بم تحكم قال بكتاب الله قال فان لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال فان لم تجد قال أجتهد رأيي وعنه أنه قال لمعاذ وأبي موسى وقد ~~أنفذهما إلى اليمن بم تقضيان قالا إن لم نجد الحكم في السنة قسنا الأمر ~~بالأمر فما كان اقرب إلى الحق عملنا به وقال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود ~~رضي الله عنه اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما فان لم تجد الحكم فيهما اجتهد ~~رايك وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر وقد سأله عن قبلة الصائم أرايت لو ~~تمضمضت بماء ثم مججته وقال للخثعمية وقد سألته الحج عن ابيها أرأيت لو كان ~~على أبيك دين أكنت تقضينه قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضى وخبر معاذ ~~وإن قيل إنه مرسل رواه جماعة من أهل حمص مذكورون عن معاذ وقد تلقى بالقبول ~~لأن الناس فيه فريقان احدهما يحتج به والآخر يتأوله ووجه الاستدلال به أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم صوبه في قوله أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب ~~والسنة فعلمنا أن قوله أجتهد رأيي لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنة # فان قيل إنما عنى معاذ أن يجتهد رأيه في الاستدلال بخفي النصوص من الكتاب ~~والسنة قيل قول النبي صلى الله عليه وسلم فان لم تجد مطلق في نفي وجدان نص ~~جلي وخفي في الكتاب والسنة على أن من استدل بالنصوص الخفية لا يقال إنه قد ~~اجتهد رأيه فان قيل إنما أراد أجتهد رأيي في طلب الحكم في الكتاب والسنة ~~قيل الطالب لا يقال إنه اجتهد رأيه وإنما يقال اجتهد في الطلب وأيضا فان ~~معاذ لما قال أحكم بكتاب الله وقال له ص = # PageV02P222 # فان لم تجد انصرف إلى نفي الوجدان الذي يجوز معه الانتقال من الكتاب ~~وكذلك قوله في السنة فان لم تجد يريد نفي الوجدان المسوغ للانتقال من السنة ~~وذلك لا يكون إلا وقد استوفى الطلب فان قيل أفتقطعون على ثبوت خبر ms618 معاذ قيل ~~لا وما استدل به على صحته من احتجاج بعض الأمة به وتاول بعضها له لا يدل ~~على أن متفق على صحته لأنه لا يمتنع أن تكون الأمة إنما لم ترده لأنها لم ~~تعلم بطلانه ولما أمكن المخالف تأويله ولم يعلم بطلان تاويله لم يرده ~~كأخبار الفقه إن قيل أفصحيح الاحتجاج بهذه الأخبار وإن كانت من أخبار ~~الآحاد قيل يصح ذلك لأن استعمال القياس من الأعمال فجاز ان يقبل فيه أخبار ~~الآحاد ويقطع على وجوبه علينا لأجل الدليل الدال على وجوب قبول أخبار ~~الآحاد كما يقطع بذلك على وجوب ما تضمنته اخبار الآحاد من فروع الشريعة ولا ~~فرق بين أن نظن أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالنية في الطهارة وبين أن ~~نظن أنه أمر باستعمال ما يفضي إلى وجوب النية في انه يجب ألا ترى أنه لا ~~فرق بين أن يخبرنا مخبر بوجود سبع في الطريق في لزوم تجنبه إذا ظننا صدقه ~~وبين أن يأمرنا من ظاهره السداد والنصح سؤال رجل عن الطريق ويقول لنا إنه ~~خبير بالطريق في أنه يلزمنا سؤاله إذا خفنا الطريق وإذا أخبرنا بشيء وظننا ~~صدقه عملنا بحسبه # وأما وجه الاستدلال يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر أرأيت لو تمضمضت ~~بماء فهو أنه شبه قبلة الصائم من غير إيلاج بمضمضة من غير ازدراد واجرى حكم ~~أحدهما على الآخر وهو نفي إفساد الصوم وهذا قياس وقوله أرأيت لو تمضمضت يدل ~~على أنه كان تمهد أمر القياس وأنه قد دل عليه الدليل وكذلك قوله عليه ~~السلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين وتشبيهه حجها عنه بذلك يدل على ~~تمهد القياس في الشريعة # دليل آخر قال الله تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار} والاعتبار هو # PageV02P223 # اعتبار الشيء بغيره وإجراء حكمه عليه قال ابن عباس رضي الله عنه في ~~الأسنان اعتبر حكمها بالأصابع في ان ديتها متساوية وقال اعتبر هذا بهذا ~~وقولهم إن في هذا عبرة معناه أن فيه ما يقتضي حمل غيره عليه نحو أن ms619 يعاجل ~~من ظلم بالهلاك فيقال في هذا عبرة أي فيه ما يقتضي حمل غيره عليه وليس ~~الاعتبار هو الانزجار والاتعاظ لأن الاتعاظ والانزجار غاية الاعتبار فعلمنا ~~تباينهما # إن قيل لو كان الاعتبار ما ذكرتم لوصف قائس الفروع على الاصول بأنه معتبر ~~وإن أقدم على المعاصي ولم يعمل لآخرته قيل لا يوصف بهذا لأن إطلاق ذلك يفيد ~~أنه معتبر بجميع ما ينبغي أن يعتبر به لأنه يخرج مخرج المدح لكنه يقال إنه ~~يعتبر الفروع بالاصول # إن قيل لو كان المراد بالآية ما ذكرتم لحسن التصريح به ومعلوم أنه لا ~~يحسن أن نقول يخرجون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا الارز على البر ~~قيل إنما لم يحسن ذلك لأنه اقتصار على ما لا تعلق له بالكلام وعدول عما ~~يتعلق به ويفارق ذلك أن يأتي بكلام يشتمل على ما يتعلق بالكلام المتقدم ~~وعلى ما لا يتعلق به ألا ترى أن النبي عليه السلام لو سئل عمن بلع حصاة في ~~شهر رمضان لم يحسن أن يقول من جامع في رمضان فعليه الكفارة إذا لم يكن في ~~ذلك تنبيه على حكم من بلغ حصاة ويحسن أن يقول من أفطر فعليه الكفارة ولو ~~كان ذلك دخل فيه لزوم الكفارة لمن بلع حصاة # ولمعترض أن يقول إن قوله سبحانه {فاعتبروا} ليس بعموم فلم يفد جميع ضروب ~~الاعتبار في كل شيء كما أن قول القائل اقتلوا لا يفيد جميع ضروب القتل ولا ~~قتل كل إنسان واعترضت الدلالة أيضا بأن للمخالف أن يقول إنا اعتبرنا ~~بالاصول التي وردت فيها النصوص فكما لا # PageV02P224 # أثبت في الاصول التي لا ينفرع على غيرها الحكم إلا بالنص أو البقاء على ~~حكم العقل كذا لا اثبت في غيرها حكما إلا بالنص أو بالبقاء على حكم العقل ~~دليل آخر وهو قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فظاهر الرد ~~يفيد القياس ولأنه لو أراد بالرد إلى الله الاستدلال بظاهر كتاب الله تعالى ms620 ~~لكان الكلام متكررا لأن ذلك مستفاد من قول الله تعالى {وأطيعوا الله} إذا ~~ذلك أمر بامتثال خطاب الله سبحانه كله والجواب أن الرد إلى الله يفيد ~~الرجوع إلى ظاهر كتاب الله جليه وخفيه لأنه يقال لمن يستدل به ويعمل بما ~~فيه إنه يرد امره إلى الله والغرض بالآية أمر بطاعة الله سبحانه فيما نعلم ~~أنه امرنا به وأمرنا بما لا نعلم أنه أمرنا به مما اختلفنا فيه أن نرده إلى ~~كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأن نفحص عنه فيهما حتى إذا ~~علمنا أنه مما أمرنا الله تعالى به دخل ذلك فما قد أوجبه علينا في اول ~~الآية من طاعته وطاعة رسوله فلا تكرار في ذلك ويحتمل أن يكون الله تعالى ~~عنى بالخطاب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم لأن خطاب المواجهة هذا ~~ظاهره فقال لهم أطيعوا الله فيما امركم به وأطيعوا الرسول فان تنازعتم في ~~شيء لم يظهر فيه من الله ورسوله أمر فردوه إلى الله والرسول بأن تسألوا عنه ~~الرسول # فان قيل هذا قصر للخطاب على المعاصرين للنبي عليه السلام دون غيرهم وذل ~~تخصيص بغير دلالة قيل ظاهر المواجهة يقتضي الحاضرين وأيضا فانا إن تركنا ~~الظاهر من هذا الوجه فنحن متمسكون به من حيث جعلناه عاما في أهل الاجتهاد ~~وغيرهم وأنتم تخصون بالرد أهل الاجتهاد فكل منا تأول الظاهر وأنتم ~~المستدلون # دليل آخر قوله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم} والاستنباط هو القياس وكذلك الرد # PageV02P225 # ولقائل أن يقول إن الرد إلى اولي الأمر يكون بالاستفتاء والاستشارة ~~والاستنباط هو إخراج الشيء من كونه باطنا إلى أن يظهر وقد يكون ذلك بالقياس ~~وقد يكون بغيره لأنه يقال لمن استدل على الشيء بخفي النصوص قد استنبط هذا ~~الحكم من هذه النصوص على أن هذا وارد في الأمن والخوف قال الله تعالى {وإذا ~~جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول} الآية # دليل قول الله عز وجل ms621 {إن أنتم إلا بشر مثلنا} ولم ينكر عليهم هذا التشبه ~~ولقائل أن يقول إن الكلام خرج مخرج النكير عليهم لأنهم أوجبوا إذا كانوا ~~بشرا مثلهم أن لا يصدوهم عما كان يعبد آباؤهم وقد ردوا عليهم بما حكاه الله ~~عز وجل من قوله {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} ~~وعلى ان هذا تشبيه في غير حكم شرعي فهو بخلاف ما نحن فيه # وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن ذكر أنه ولد له ~~ابن أسود ألك إبل فقال نعم فقال أفيهما جمل أورق قال نعم قال وأني ذلك قال ~~الرجل لعل عرقا نزع قال النبي صلى الله عليه وسلم ولعل عرقا نزع وذلك أن ~~هذا تنبيه على أمارة عقلية في حكم عقلي # دليل عقلت الأمة من قول الله سبحانه {فلا تقل لهما أف} المنع من ضربهما ~~ولم تعقل ذلك إلا قياسا ولقائل أن يقول إن الأمة عقلت ذلك لفظا كما أن قول ~~القائل ما لفلان عندي حبة يفيد في عرف اللغة أنه ما له عنده قليل ولا كثير ~~لا حبة ولا أقل منها وله أن يقول إن المنع من ضربهما علم قياسا على المنع ~~من التأفيف بعلة أنه أذى وكون الأذى علة في ذلك معلوم غير مظنون # PageV02P226 # دليل أجمعت الأمة على قياس الزناة على ماعز في الرجم ولقائل أن يقول بل ~~عقلت الأمة أن حكم الزناة حكم ماعز من قصد النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة ~~أو أنها عقلت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم حكمي في الواحد حكمي في ~~الجماعة على أن كون الزنا بشرط الإحصان علة في الرجم معلوم غير مظنون # دليل قد تعبدنا الله عز وجل بالاستدلال بالأمارات على جهة القبلة إذا ~~اشتبه علينا أمرها وأن نصلي إلى الجهة التي ظننا أن القبلة فيها وهذا تعبد ~~بالاستدلال بالأمارات وبالعمل بحسبها الجواب ان من المخالفين من لا يجوز ~~الاجتهاد في القبلة ويوجب على من اشتبهت عليه ms622 القبلة الصلاة إلى جميع ~~الجهات فلا يسلم هذاالموضع ومنهم من يوجب الاجتهاد في القبلة وله أن يقول ~~إن الأمارات الدالة على القبلة أمارات عقلية لا سمعية ولست امنع من كوننا ~~متعبدين بما ذكرتم في القبلة ولكني أمنع من كوننا متعبدين في الحوادث ~~الشرعية بالاستدلال بالأمارات المظنونة الشرعية وبالعمل بحسبها وليس يلزم ~~إذا تعبدنا بالأمارات في موضع أن نكون متعبدين بها في موضع آخر إلا لجامع ~~يجمع بين الموضعين فان قالوا إذا جاز التعبد بالأمارات المظنونة في موضع ~~جاز التعبد بها في موضع آخر إذا ما سوغ احدهما سوغ الآخر وإن منع من احدهما ~~مانع فهو مانع من الآخر قيل هذا يدل على جواز التعبد بالأمارات في الحوادث ~~الشرعية وليس ذلك مسألتنا فان قالوا إنا تعبدنا بذلك في القبلة لأنه لما لم ~~نعاينها لم يبق إلا التعبد فيها بالأمارات وكذلك مع فقد النص على الحوادث ~~لا يبقى إلا التعبد بالأمارات قيل لم زعمتم ذلك وما أنكرتم أنه يبقى من ~~التعبد في الموضعين وجوه أخر منها ان نتعبد فيها بحكم العقل فيبقى في ~~الحوادث الشرعية على مقتضى العقل ولا يلزم عند اشتباه القبلة الصلاة إلى ~~جهة من الجهات ويمكن أن نتعبد بالصلاة إلى جميع الجهات أو إلى أي جهة ~~اخترنا فان قالوا إنما تعبدنا بالاجتهاد في القبلة والعمل بحسبه لفقد العلم ~~بها فيجب إذا فقدنا العلم بحكم الحادثة أن نكون متعبدين بالاستدلال عليه ~~بالأمارات والعمل بحسبها قيل لهم إن مخالفكم # PageV02P227 # لا يسلم أنا قد فقدنا طريقا إلى العلم بحكم الحادثة لأنه يجعل الطريق إلى ~~ذلك العقل فان قالوا إنما تعبدنا بالأمارات في القبلة لفقد معاينتها فيجب ~~مثله في حكم الحادثة عند فقد النص لأن فقد النص يجري فقد معاينة القبلة قيل ~~لهم أتجعلون فقد معاينة القبلة عند فقد معاينة القبلة علة مظنونة أو معلومة ~~فان قالوا هي مظنونة قيل لهم وهل نوزعتم إلا في صحة القياس بعلة مظنونة وإن ~~قالوا هي معلومة قيل لهم دلوا على ذلك ولا سبيل إليه لأنه لا ms623 يمتنع أن يكون ~~إنما يجب العمل في الأمارات في القبلة لمصلحة لا يعلمها إلا الله ألا ترى ~~أنه كان لا يمتنع أن يتعبدنا بالأمارات في القبلة إذا لم نعاينها ويتعبدنا ~~بالبقاء على حكم موجب العقل في الفروع التي لا نص فيها فان قالوا إنما ~~تعبدنا بالأمارات في القبلة لأن ذلك من قبيل دفع المضار وهذا موجود في ~~الفروع الشرعية قيل هذا رجوع إلى دليلنا الأول ويجب الرجوع فيه إلى أصل ~~عقلي لأن ما ذكرتموه علة عقلية # دليل آخر كل حادثة فلا بد فيها من حكم ولا بد من أن يكون إليه طريق وكثير ~~من الحوادث لا نص فيها ولا إجماع وليس بعدهما إلا القياس فلو لم يكن القياس ~~حجة خلت كثير من الحوادث من أن يكون إلى حكمه طريق فان قيل جميع الحوادث ~~عليها نصوص تشملها إما ظاهرة وإما خفية وليس يبعد ذلك وإن كثرت الحوادث إذا ~~كانت النصوص عامة لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم فما سقت السماء العشر ~~شامل لكل ما سقته السماء وإن كثر عدده قيل لو كان جميع الحوادث يشملها ~~النصوص لما افتقر أهل الظاهر في كثير منها إلى استصحاب الحال وهذه الدلالة ~~معترضة لأنه إن أراد المستدل أنه لا بد في كل حادثة من حكم أي من قضية إما ~~نفيا وغما إثباتا فصحيح لكن لا يلزم أن يكون طريق ذلك الشرع بل قد يجوز أن ~~يكون طريقه الشرع ويجوز أن يكون طريقه العقل فيلزمنا التمسك بحكمه إذا لم ~~ينقلنا عنه نص وإن اراد بالحكم حكما شرعيا فانه يجوز خلو كثير من الحوادث ~~منه # PageV02P228 # وقد استدل بهذه الدلالة من وجه آخر وهو أن السلف رجعوا في أحكام الحوادث ~~إلى الشرع فعلمنا أن طريقها الشرع دون العقل فاذا لم يكن فيها نص ولا إجماع ~~فطريقها إذا القياس ولقائل أن يقول إن أردتم بهذا الكلام المسائل التي دارت ~~بين الصحابة وبينتم أنهم لم يستدلوا فيها بالعقل ولا بالكتاب والسنة وأنه ~~ليس بعد ذلك إلا أنهم استدلوا عليها ms624 بالقياس فهذا استدلال بإجماع السلف وقد ~~تقدم وإن أردتم أن السلف لما طلبوا حكم بعض المسائل من الشرع وجب أن نطلب ~~حكم جميع الحوادث من الشرع فقط قيل لكم ولم يجب ذلك أو لستم وغيركم من ~~مخالفيكم تستدلون في كثير من المسائل بالبقاء على حكم العقل فان قلتم لو لم ~~يكن القياس صحيحا لعدلوا في الحوادث الحادثة فيما بينهم التي لا نص فيها ~~إلى حكم العقل فلما لم يفعلوا ذلك علمنا أنهم عدلوا إلى القياس قيل لكم هذا ~~رجوع إلى استدلالكم الأول وهو قولكم إنما حكموا في المسائل بأحكام لا وجه ~~لما حكموا به إلا القياس # واحتج المخالف بأشياء # منها قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} ~~وبقوله {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وبقوله {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} وبقوله {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} قالوا ~~والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله لأنه حكم بغير قولهما وقول على ~~الله بما لا نعلم ووصف الشيء بأنه حلال وحرام ولا نأمن كونه كذبا وبقوله ~~{وأن احكم بينهم بما أنزل الله} # PageV02P229 # وبقوله {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} وبقوله {فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول} وبقوله {تبيانا لكل شيء} وبقوله {ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء} وبقوله {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} ~~الجواب يقال لهم لم زعمتم أن الحكم بالقياس هذا سبيله وما أنكرتم أنا لا ~~نكون بالحكم به متعبدين بين يدي الله ورسوله إذ كنا حاكمين بما أمرنا الله ~~أن نحكم به ولم نقف ما ليس لنا به علم ولم نقل على الله ما لا نعلم ولا ~~واصفين بالكذب لأن الدلالة القاطعة على صحة القياس قد أمنتنا من كل ذلك ~~وأوجبت أن الحكم به حكم بما انزل عز وجل ورد إلى الله والرسول وأنه مما ~~بينه الله عز وجل في كتابه لأنه دل على صحة القياس ومعلوم أن المراد ms625 بقوله ~~{تبيانا لكل شيء} إما على جملة أو على تفصيل لأنه ليس فيه بيان لكل شيء على ~~التفصيل ألا ترى أن كثيرا منه مبين بسنته عليه السلام # ومنها ما احتج به النظام من أن الله عز وجل قد دل بوضع الشريعة على أنه ~~منعنا من القياس لأنه فرق بين المتفقين وجمع بين المفرقين فأباح النظر الى ~~شعر الأمة الحسناء وحظر النظر إلى شعر الحرة وإن كانت شوهاء وأوجب الغسل من ~~المني دون البول وأوجب على الطاهر من الحيض قضاء الصيام دون الصلاة وأجاب ~~قاضي القضاة رحمه الله عن ذلك بأشياء منها أن القياس يقتضي الجمع بين ~~الشيئين في الحكم واختلافهما فيه إذا اشتركا أو افترقا في علته لا في ~~الصورة ولم يبين النظام أن شعر الحرة والأمة قد اشتركا في علة التحريم أو ~~الإباحة حتى يكون ورود الشرع بالتفرقة بينهما ورودا بما يمنع من القياس # PageV02P230 # وللنظام أن يقول غرضي بما ذكرته الإبانة عن أن الشريعة قد شهدت بابطال ~~أماراتكم لأن الشريعة لو حظرت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر الأمة لقلتم ~~إنما حظرت ذلك خوف الفتنة وذلك قائم في شعر الأمة الحسناء فيحرم النظر إليه ~~ولكان ذلك من اقوى ما تذكرونه من أماراتكم في القياس فاذا شهدت الشريعة ~~بابطاله فقد صح قولي إن وضعها يمنع من القياس ومنها أن ذلك لو منع من ~~القياس الشرعي لمنع من القياس العقلي لأن الأحكام العقلية قد تختلف فيها ~~الأشياء المتفقة وتشترك فيها الأشياء المتباينة وللنظام أن يقول الاحكام ~~العقلية لا تشترك فيها الأشياء المتباينة في علل تلك الأحكام ولا تفترق ~~فيها الأشياء المتفقة في عللها وأنا قد أريتكم أشياء متفقة في أمثال عللكم ~~وأماراتكم وهي متباينة في أحكام تلك الامارات فكان في ذلك بطلان قولكم ولم ~~توجدوني مثله في العقليات ومنها أن قال أكثر ما يقتضيه وضع الشريعة أن ~~تختلف أحكام الأشياء فيكون القياس عليها يثبت أحكاما متضادة في الفروع وليس ~~ذلك يمتنع عندنا إذا كان المكلف مخيرا فيها وللنظام أن يقول ما ms626 التزمتموه ~~خارج عما رمته لأن الذي رمته هو ورود الشريعة بما يخالف مفايستكم في ~~التسوية والتفرقة ليصح أن وضعها يمنع من القياس وليس غرضي أن أبين أن ~~القياس يقتضي أحكاما متضادة في الفرع فتجيبوني بالتزام ذلك ونحن نجيب ~~النظام فنقول إنه أرانا مثل أمارتنا فقد نفت الشريعة أحكامها وذلك إنما ~~نمنع من كونها أدلة ولا نمنع من كونها أمارة لأنه ليس من شرط الأمارة أن ~~تدل هي وأمثالها على حكمها على كل حال بل قد تتخرم دلالتها ولا تخرج من ~~كونها أمارة ألا ترى أن الغيم الرطب أمارة في الشتاء على المطر وليس ينقض ~~كونه أمارة على ذلك وجودنا غيما أرطب من ذلك في صميم الشتاء ولا يكون المطر ~~وامثال ذلك كثير وكذلك لا تخرج أمارتنا من كونها أمارات بوجه لوجودنا ~~أمثالها وأحكامها متخلفة عنها فان قال قد وجدت الأكثر من أمثال أماراتكم لا ~~يتعلق بها في الشريعة حكم فخرجت بذلك عن أن تكون أمارات إذ الأكثر من ~~الأمارات يتعلق بها # PageV02P231 # الأحكام قيل له بين ذلك ولا سبيل له إلى بيانه ومما احتج به المخالف ~~قولهم لو كان الله عز وجل ورسوله قد تعبدنا بالقياس لكان القائسون مطيعين ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك كونه عالما بهم وبما يؤديهم اجتهادهم ~~إليه وأجاب قاضي القضاة رحمه الله عن ذلك بأنه لا يمتنع أن يكون الله عز ~~وجل قد أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بالقائسين مفصلا وأراد القياس منهم ~~وكانوا مطيعين له ولا يمتنع أن يكون قد أراد في الجملة من المجتهدين أن ~~يجتهدوا الاجتهاد الصحيح ويفعلوا بحسبه وكل من فعل ذلك يكون مطيعا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فان قيل فمتى أراد الله عز وجل حكم الفروع من المكلف ~~قيل ذكر قاضي القضاة في الشرح أن من يقول إن الحق في واحد وعليه دليل يقول ~~إن الله عز وجل أراد حكم الفرع بنصب الدلالة على ذلك ومن يقول كل مجتهد ~~مصيب منهم من يقول أراد أحكام الفروع عند نصب ms627 الأمارات ومنهم من يقول ~~أرادها عند نصب الدلالة على العمل بالقياس وقد اختاره قاضي القضاة في العمد ~~وقال ومنهم من يقول أرادذلك عند النص الدال على حكم الأصل وقد اختاره في ~~الشرح وفي كتاب النهاية ومنهم من يقول أراد بعض الأحكام بالنصوص ويقف على ~~الباقي ولا يدري بماذا أريد وابطل في الشرح أن تكون الأحكام مرادة بدليل ~~القياس لأن دليل القياس مجمل وأوجب أن تكون مرادة بالنص الدال على حكم ~~الأصل قال لأن عند القياس نقول لا يخلو مراده بتحريم الربا إما أن يكون نفس ~~العين أو بعض صفاتها ثم نتوصل بالأمارات إلى إثبات المعنى ولقائل أن يقول ~~لا أقسم هذه القسمة لأني قد علمت أنه ما أريد بتحريم التفاضل في الأشياء ~~الستة إلا ما اقتضاه اللفظ دون غيره وإنما أعرف حكم الفرع لاختصاصه بما ~~ظننت أنه علة الحكم مع قيام الدلالة على العمل بالقياس والأولى أن يقال إن ~~الله عز وجل إنما أراد الحكم عند نصب الدلالة على صحة القياس مع نصب ~~الأمارة الدالة على علة الحكم ووجودها في الفرع لأنه لا بد من مجموع ذلك في ~~العلم لحكم الفرع وليس بعض ذلك مرتبا على بعض بل لمجموعة تشافه # PageV02P232 # الحكم ومعنى ذلك انه فعل كل واحد من ذلك لأجل الحكم # ومنها قولهم إن التعبد بالقياس وإن جاز فان مقايستكم لم يرد التعبد بها ~~لأنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين متضادي الحكم وذلك يقتضي ثبوتهما فيه وذلك ~~محال فعلمنا أن الله سبحانه لم يتعبدنا بذلك الجواب يقال لهم إن كل فرع ~~يشبه أصلين متضادي الحكم ثم لو كان الأمر كذلك لم يؤد إلى محال لأن من لا ~~يجيز الحكم في الفرع بالتخيير يقول إن الله سبحانه قد جعل لنا طريقا إلى ~~قوة شبهه باحد الأصلين فينبغي أن يراجع المجتهد النظر حتى يظفر بذلك ومن ~~يجوز الحكم بالتخيير يقول يجوز ان يعتدل الشبهان عند المجتهد فيكون مخيرا ~~بين إلحاقه بأي الأصلين شاء فلا ينافي في ذلك والقول في ذلك كالقول ms628 في ~~أخبار الآحاد المتعارضة # ومنها قولهم إن القياس وإن جاز التعبد به موقوف على ثبوت الحاجة إليه ~~وتناول النصوص الخاصة والعامة للحوادث كلها يرفع الحاجة إليه فاذا لسنا ~~متعبدين به الجواب أن قولهم إن النصوص متناولة لجميع الحوادث دعوى ولو كانت ~~النصوص متناولة لجميع الحوادث لتناولت الحوادث التي اختلف الصحابة فيها ~~وكانوا يحتجون بها ولما لم يحتجوا بها علمنا أنه لم يكن فيها نصوص ولو ~~تناولت النصوص جميع الحوادث لما افتقر نفاة القياس إلى الاستدلال بالبقاء ~~على حكم العقل في كثير من الحوادث # ومنها أن يزيدوا في هذه الدلالة فيقولوا تناول خاص النصوص وعامها أو دليل ~~العقل لكل حادثة تغني عن القياس فيها فلم نكن متعبدين به إذ التعبد به ~~موقوف على الحاجة ولسنا محتاجين إليه مع هذه الامور الجواب أن تناول النصوص ~~للحادثة لا يمنع من قياسها على غيرها إذا كان حكم القياس هو حكم النص لأنه ~~إن تناولها خبر واحد كان عليها أمارتان خبر واحد وقياس وإن تناولها خبر ~~متواتر قسناها على غيرها لأنه لو لم يكن الخبر المتواتر لدل القياس على ~~حكمها وإن تناول الحادثة عموم جاز إثبات حكم العموم فيها # PageV02P233 # بقياسها على غيرها وجاز إخراجها من العموم بقياسها أيضا على غيرها فتناول ~~النصوص للحادثة لا يقتضي كوننا غير متعبدين فيها بالقياس وأما تناول العقل ~~للحادثة فانه إنما يقتضي إثبات حكمه فيها ويغني عما سواه ما لم ينقل عنه ~~دليل شرعي فعليهم أن يبينوا أن القياس ليس بدليل شرعي حتى يمتنع أن ينقلنا ~~عن حكم العقل هذا إذا كان القياس غير مطابق لحكم العقل فان كان مطابقا له ~~فما المانع من ان يدل هو على الحادثة مع العقل كما يدل العقل على الحادثة ~~مع خبر واحد # ومنها قولهم لو نص الله عز وجل على علة حكم الحادثة ما جاز أن نقيس عليها ~~غيرها بتلك العلة فأحرى أن لا يجوز أن نقيس على ما لم ينص على علته وإذا لم ~~يجز لنا القياس ثبت أن الله عز وجل ms629 ما تعبدنا به واستدلوا على أن القياس ~~على ما نص على علته لا يجوز بأن الإنسان لو قال لوكيله أعتق زيدا عبدي لأنه ~~اسود ما جاز أن يعتق كل عبد له أسود الجواب يقال لهم أتمنعون القياس على ما ~~نص على علة حكمه وإن تعبدنا بالقياس أو إن لم نتعبد بالقياس فان قالوا ~~بالأول كانوا قد منعوا من فعل ما تعبد الله عز وجل به لأن الله عز وجل إذا ~~تعبدنا بالقياس فأولى المقاييس ما نص على علته وإن قالوا بالثاني قيل لهم ~~من الناس من يقول لا يجوز القياس على ما نص على علته إلا بعد أن نتعبد ~~بالقياس ولا يكفي النص على علة الحكم في إباحة القياس ويحوج إلى ذلك من ~~النص على العلة ومع فقد النص عليها ويسوى بين الموضعين ومن الناس من يقول ~~يكفي النص على العلة في جواز القياس بها لما سنذكره في باب ياتي ولا بد من ~~تعبد بالقياس إذا لم ينص على العلة وإن اختلفوا فمنهم من يقول إن التعبد ~~بذلك يثبت عقلا وشرعا ومنهم من يقول يثبت شرعا فقط فما بني عليه المستدل ~~دليله من أن القياس على ما نص على علته لا يجوز لا يسلمه هؤلاء وما احتج به ~~من العتق سيجيء الكلام فيه في باب مفرد أن شاء الله تعالى # PageV02P234 # - صلى الله عليه وسلم - باب في النص على علة الحكم هل هو تعبد بالقياس ~~بها أو لا بد من تعبد زائد على النص على العلة - صلى الله عليه وسلم - # اختلف الناس في ذلك فقال الجعفران وبعض أهل الظاهر ليس النص على العلة ~~تعبدا بالقياس بها وقال أبو اسحاق النظام وهو ظاهر مذهب الفقهاء وقول بعض ~~أهل الظاهر إن النص عليها يكفي في التعبد بالقياس بها والشيخ أبو هاشم أبو ~~عبد الله رحمه الله إن كانت العلة المنصوصة علة في التحريم كان النص عليها ~~تعبدا بالقياس بها وإن كانت علة في إيجاب الفعل أو كونه ندبا لم يكن النص ~~عليها تعبدا ms630 بالقياس بها # واحتج المانعون من القياس بها من غير هذا التفصيل فقالوا إن العلل ~~الشرعية إما أن تكون وجه المصلحة وإما أن تكون أمارة فان كانت وجه المصلحة ~~وجب أن يوقع المكلف الفعل لأجلها وليس يجب إذا فعل الإنسان فعلا لغرض من ~~الأغراض ووجه من الوجوه ان يفعل ما ساواه في ذلك الغرض لأن من اكل رمانة ~~لأنها حامضة لا يجب أن يأكل كل رمانة حامضة ومن تصدق على فقير بدرهم لأنه ~~فقير لا يجب أن يتصدق على كل فقير فلو أوجب الله علينا أكل السكر لأنه حلو ~~وكانت حلاوته داعية إلى اكله لم يجب أن تدعوه حلاوة العسل إلى أكله فلم يجب ~~علينا أكله وأكل كل حلو وإن كانت العلة أمارة فمعنى ذلك هو أن وجه المصلحة ~~يقارنها ولا ينفك منها فاذا ثبت بها ذكرنا أن وجه المصلحة لا تتبعها ~~المصلحة في كل موضع فكذلك ما لا ينفك من وجه المصلحة فعلى هذا الوجه ذكر ~~قاضي القضاة رحمه الله هذا الدليل والجواب إن السكر لو وجب أكله لأنه حلو ~~وقلنا إن حلاوته وجه المصلحة والوجوب لم يلزم أن يأكل المكلف السكر لأنه ~~حلو فيوقع الفعل لهذا الوجه بل يكفي أن يأكله لأنه واجب وليس من شرط كون # PageV02P235 # حلاوة السكر وجه المصلحة أن يكون داعية إلى اكل السكر بل من شرط كونها ~~وجه المصلحة أن يكون أكل السكر يدعو لأجلها إلى فعل واجب آخر أو يصرف عن ~~قبيح وهذا القدر كاف في كون الحلاوة وجه المصلحة ولو لزم المكلف أكل السكر ~~لنه حلو لم يسقط عنه وجوب أكل كل حلو من حيث أمكنه أن يأكل السكر من حيث ~~أنه حلو ولا يأكل ما ساواه في الحلاوة على ما ذكره المستدل في الرمانة لأن ~~وجوب الواجب لا يقف على كونه لا بد من وقوعه من المكلف بل من شرط وجوبه ~~إمكان وقوعه وإمكان تركه # ويمكن أصحاب هذه المقالة أن يحتجوا بهذه الدلالة على وجه آخر فيقولوا إن ~~علل الشرعيات هي وجوه ms631 المصالح والمصلحة إما أن تكون داعية إلى فعل واجب ~~ومسهلة له أو صارفة عن قبيح أو داعية إلى تركه ومسهلة له وما دعا إلى فعل ~~وسهلة لا يجب أن يكون هو ولا مثله داعيا إلى جنس ذلك الفعل ولا مسهلا له ~~وما يصرف عن الفعل يجب أن يصرف هو ومثله عن جنس ذلك الفعل ألا ترى أن من ~~أكل رمانة لأنها حامضة فان حموضتها قد دعته إلى أكلها وسهلت عليه ولا يجب ~~أن يأكل غيرها من الرمان ومن لم يأكل رمانة لأنها حامضة فان حموضتها قد ~~صرفته عن أكلها وسهلت عليه الإخلال بأكلها ويلزم أن لا يأكل كل رمانه حامضة ~~فاذا ثبت ذلك فلو نص الله عز وجل على أن علة وجوب أكل السكر كونه حلوا ~~يجوزنا أن تكون حلاوته لطفا وداعيا إلى الإخلال بالكذب فيلزم أن تكون حلاوة ~~العسل إذا أكله الإنسان داعيا له إلى الإخلال بالكذب وجوزنا أن تكون حلاوته ~~داعية إلى فعل واجب كرد الوديعة ومسهلا له كما ان حموضة الرمانة داعية إلى ~~أكلها ولا يلزم أن تدعو حلاوة العسل إلى رد الودائع كما لم يلزم أن تدعو ~~حموضة رمانة أخرى أو حموضة الخل إلى أكله وإذا جوزنا كلا الأمرين لم يجز ~~لنا إيجاب أكل العسل لتجويزنا أن تكون حلاوة السكر وجه مصلحة في فعل واجب ~~فلا يجب أن تكون حلاوة العسل بمثله بل يلزمنا أن نقطع على أن حلاوة السكر # PageV02P236 # ليس بوجه مصلحة في الترك لأنها لو كانت كذلك لأخبرنا الله عز وجل بذلك أو ~~لتعبدنا بالقياس والجواب إن من يفعل الفعل لداع ومسهل فانه يفعل ما ساواه ~~في ذلك الداعي إلا أن يقابل ذلك الداعي صارف أو يؤدي إلى ما لا نهاية له ~~وآكل الرمانة إنما لم يأكل رمانة أخرى لأن شهوته للحموضة قد زالت أو تناقصت ~~فلم يحصل داعية إلى أكل رمانة أخرى أو لم يحصل على حد ما حصل إلى الأولى ~~وإذا نص الله سبحانه على أن علة أكل السكر كونه حلوا فظاهر ms632 أن حلاوته هي ~~وجه المصلحة من غير شرط فلم يجز حصول الحلاوة إلا وهي داعية إلى ما دعت ~~إليه حلاوة السكر # واحتجوا بأن الإنسان لو قال أعتقت عبدي زيدا لأنه اسود لم يعتقد السامعون ~~أنه قد أعتق كل عبيده السود ولو قال لوكيله أعتق عبدي زيدا لأنه أسود لم ~~يجز للوكيل عتق كل عبيده السود الجواب إن الإنسان إذا قال أعتقت عبدي زيدا ~~لأنه أسود فان كل عاقل يناقضه إذا لم يعتق غيره من عبيده السود إلا أن يكون ~~قد عرف من قصده أنه اعتقده لأنه أسود مع شرط آخر لا يوجد في غيره وإذا قال ~~لوكيله أعتق زيدا عبدي لأنه أسود قال له العقلاء فعندك الآخر أسود فلم خصصت ~~هذا بالعتق وإنما لم يجز للوكيل الإقدام على عتق عبد له لأن الشرع منع من ~~ذلك إلا بصريح القول ولأن المؤكل لما جازت عليه البدوات والمناقضات لم يجز ~~من جهة العقل الإقدام على إتلاف ماله إلا بصريح القول ألا ترى أن المؤكل لو ~~أمر وكيله بالقياس لم يكن للوكيل عتق كل عبيده السود ولهذا ثبت القياس فيما ~~عدا الإتلاف لأن الإنسان لو قال لعبده لا تدخل دار فلان لأنه عدوي فدخل دار ~~غيره من أعدائه لامه العقلاء ولو قال أوجبت أو أبحت لك دخول دار فلان لأنه ~~صديقي كان له دخول دار غيره من أصدقائه ولو لامه لائم على ذلك لعنفه ~~العقلاء # وذكر قاضي القضاة أن الشيخ عبد الله رحمهما الله احتج لمذهبه بأن من فعل # PageV02P237 # فعلا لغرض من الأغراض فانه لا يجب أن يفعل ما ساواه في ذلك الغرض ومن ترك ~~فعلا لغرض فانه لا يجب أن يفعل ما ساواه في ذلك الغرض ومن ترك فعلا لغرض ~~فانه يترك ما ساواه في ذلك الغرض فاذا حرم الله تعالى الخمر لشدتها فان ~~الشدة تكون وجه المصلحة ولا يكون كذلك إلا ولها يترك الفعل وإذا كانت وجها ~~في الترك وجب أن يشيع في تحريم كل شدة فاذا وجب أكل السكر لأنه ms633 حلو لم يجب ~~أن يشيع في كل حلو والجواب يقال إن أردت أن الشدة وجه لها بترك شرب الخمر ~~فقد بينا بطلان ذلك إن أردت أنها لاختصاص الخمر بها يقتضي ترك شربها ~~انصرافا عن قبيح آخر فمن أين ذلك وما ينكر أنه يجوز ذلك ويجوز أن يكون تارك ~~شربها يفعل واجبا ولو شربها أخل به وما ينكر لو أوجب الله تعالى علينا أكل ~~السكر لأنه حلو أن يكون أكله يصرف عن قبيح ولا يدعو إلى واجب فلا ينبغي أن ~~يفرق بين الموضعين بل ينبغي أن يجوز في كل واحد منهما أن يكون داعيا إلى ~~الترك وداعيا إلى الفعل على أن قوله إن وجه المصلحة لها يفعل الفعل إن أراد ~~به لها يفعل الملطوف فيه على معنى أن المكلف يفعل الملطوف فيه لأجل اللطف ~~فهو صحيح وإن أراد أن وجه المصلحة هو غرضه ومقصوده بفعل الملطوف فيه كما ~~يقول خرجت من الدار لاسلم على زيد فباطل لأن اللطف متقدم فلا يجوز أن يكون ~~هو غرض المكلف ألا ترى أن الإنسان إذا استغنى أو رزقه الله ولدا فدعاه ذلك ~~إلى الصلاة لا يكون غرضه وقصده بالصلاة الاستغناء والولد # وأما أبو إسحاق النظام فله أن يحتج فيقول لو قال الله عز وجل اوجبت أكل ~~السكر في كل يوم لأنه حلو لكان ذلك تعليلا لوجوبه في كل يوم ولكانت الحلاوة ~~فقط وجه المصلحة في وجوبه في كل يوم لأنه قصر التعليل عليها مع اختلاف ~~أحوالنا ولا يجوز حصول وجه الوجوب أو الحسن أو القبح فلا يؤثر ألا ترى أنه ~~لا يجوز حصول الفعل ظلما ولا يكون قبيحا وأيضا فان قدرا من الرفق لا يجوز ~~أن يصلح الصبي وهو على صفة مخصوصة # PageV02P238 # ولا يصلحه مثله متى كان الصبي على تلك الصفة وإذا ثبت ذلك كانت الحلاوة ~~مؤثرة في المصلحة في كل موضع فوجب أكل العسل # وقد احتج لهذه المقالة أيضا بأنه لو لم يجز القياس بالعلة المنصوصة لم ~~تكن للنص عليها فائدة ولقائل أن يقول ms634 إن الفائدة فيها أن يعلم كونها علة ~~لأن العلم نفسه فائدة # وقال أيضا لو لم يتعبد بالقياس لعلم كل عاقل تحريم ضرب الوالدين من قول ~~الله تعالى {فلا تقل لهما أف} لما نبه الله تعالى على العلة فاذا نص عليها ~~فالقياس بها أولى فالجواب إن كثيرا من الناس يقول إن المنع من ضربهما معلوم ~~باللفظ لا من جهة القياس ومن لم يقل إن ذلك معلوم باللفظ يقول لو لم يتعبد ~~الله عز وجل بالقياس لم أعرف ذلك بالقياس على التأفيف لكن أعرفه بالعقل من ~~حيث أن ضربهما كفر نعمة وإنما يثبت أن المنع من التأفيف دال على تحريم ~~الضرب إذا ثبت أن العلم بالعلة يكفي في التعبد بالقياس فأما مع الشك في ذلك ~~فلا يمكن المنع من ضربهما بالقياس على التأفيف فأمأ إذا نص الله عز وجل على ~~العلة وتعبد بالقياس فلا شبهة في جواز القياس بها لأنا قد بينا أن النص على ~~العلة هو تعبد بالقياس فانضمام تعبد زائد يزيد التعبد تأكيدا ولأنه لو لم ~~يجز القياس بها لم يجز القياس بالمستنبطة فكان لا يجوز القياس أصلا وفي ذلك ~~ورود التعبد بما لا يجوز فعله # شبهة # إن قيل إذا أوجب الله تعالى أكل السكر لأنه حلو فيجب إذا شاركه العسل في ~~الحلاوة أن يكون قد قام مقامه في وجه المصلحة وفي ذلك كونهما واجبين على ~~البدل والجواب إن الفعل إذا وجب التعيين لوجه ثم شاركه # PageV02P239 # فيه فعل آخر وجب أن يشاركه في الوجوب على التعيين لأن هذا هو حكم الأصل # شبهة # إن قالوا لو قال الرجل لوكيله أعتق عبدي زيدا لأنه أسود وينبغي أن يقيس ~~لم يجز له أن يعتق جميع عبيده السود والجواب عن ذلك ما تقدم من أن الشرع ~~والاحتياط من جهة العقل يمنع من الإتلاف على المؤكل إلا بصريح اللفظ لما ~~يجوز عليه من المناقضات والبدوات - صلى الله عليه وسلم - باب في أنا ~~متعبدون بالقياس على الأصل وإن لم ينص لنا على القياس عليه بعينه ولا ms635 أجمعت ~~الامة على تعليله ووجوب القياس عليه - صلى الله عليه وسلم - # حكي عن بشر المريسي المنع من القياس على الأصل إلا بعد أن تجمع الامة على ~~تعليله وعن قوم أنه يجب أن ينص لنا على وجوب القياس عليه والدليل على أنه ~~لا اعتبار بذلك أن الصحابة قد قاست على أصول لم يتقدمها إجماع على قياس تلك ~~المسائل عليها وقد قاس كل منهم على غير الأصل الذي قاس عليه غيره ولا نص ~~لهم على القياس على أصل من تلك الأصول لأنه لو نص لهم على ذلك لاحتج به ~~بعضهم على بعض في وجوب القياس على ذلك الأصل ولأنه إن كان الأصل قد نص على ~~علته فقد بينا أن ذلك تعبد بالقياس عليه وأنه لا يحتاج إلى زيادة تعبد ~~وبينا مثل ذلك في العلل المستنبطة وقلنا إن العقل يقتضي القياس بها على ~~الأصل كالأمارات العقلية - صلى الله عليه وسلم - باب في النبي صلى الله ~~عليه وسلم هل كان متعبدا بالاجتهاد أم لا - صلى الله عليه وسلم - # قال أبو علي وأبو هاشم رحمهما الله إنه لم يكن متعبدا بالاجتهاد في شيء ~~من الشرعيات وحكي عن أبي يوسف رحمه الله أنه كان متعبدا بذلك # PageV02P240 # وجوز الشافعي في رسالته أن يكون في الأحكام الشرعية ما قاله صلى الله ~~عليه وسلم اجتهادا وجوز قاضي القضاة رحمه الله ذلك ولم يقطع عليه واستدل ~~بأن العقل يجوز أن يتعبده الله بالاجتهاد وليس في العقل ولا في السمع ما ~~يدل على أنه تعبد بذلك ولا أنه لم يتعبد به وذلك يصح إذا أفسدنا أدلة ~~القاطعين على أنه تعبد بذلك والقاطعين على أنه لم يتعبد به # فمما احتج به القائلون بأنه تعبد بالاجتهاد قولهم إن في الاجتهاد مزيد ~~ثواب فلا يجوز أن يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم والجواب إنه ليس يثبت أن ~~ثواب المجتهد في الأمارات أكثر من ثواب المستدل بالأدلة لأن المشقة موجودة ~~فيهما ولا يعلم التفاضل بينهما فيما يقتضي مزيد الثواب على أن الواجب أن ~~يكون ثواب ms636 النبي صلى الله عليه وسلم أكثر وليس في كل فعل فعلناه يجب أن ~~يفعل النبي صلى الله عليه وسلم مثله ليستحق مثل ثوابنا على أن هذا يقتضي أن ~~يكون متعبدا بالاجتهاد في جميع ما تعبدنا بالاجتهاد فيه # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في مكة لا يختلي خلاها قال ~~العباس إلا الإذخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر ومعلوم أن ~~الوحي لم ينزل عليه في تلك الحال ولكنه تنبه من استثناء العباس على موضع ~~الاجتهاد والجواب إنه لا يمتنع ان يكون أراد استثناء الإذخر فسبقه العباس ~~إليه فلا يجب القطع على ما قالوه # ومنها أن العمل على القياس معلوم بالعقل والنبي صلى الله عليه وسلم وغيره ~~في ذلك سواء والجواب إن العقل يوجب عندنا إذا لم يكن في الحادثة نص وإذا لم ~~يدل الشرع على أن القياس مفسدة فما يؤمننا أن يكون استعمال القياس للنبي ~~صلى الله عليه وسلم مفسدة وأن مصلحته أن يعمل على النص فدله الله عز وجل ~~على ذلك ونص له على الأحكام # PageV02P241 # واحتج المانعون من كونه متعبدا بالاجتهاد بأشياء # منها قول الله عز وجل {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فأخبر أن ~~ما ينطق به هو عن وحي ولا يقال لما يصدر عن اجتهاد إنه عن وحي ألا ترى أنه ~~لا يقال إن قول المجتهد منا هو عن وحي وأجاب قاضي القضاة عن ذلك بأن الآية ~~تنصرف إلى ما ينطق به دون ما يظهر منه فعلا فمن أين أن كل ما فعله كان وحيا ~~وأما قوله وما ينطق عن الهوى فلا يمتنع من كونه مجتهدا لأن الحكم بالاجتهاد ~~ليس هو عن هوى # ومنها قولهم إن الأمة اتفقت على أن ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليس عن اجتهاد والجواب إن أبا يوسف والشافعي يخالفان في ذلك ولا يعلم سبق ~~الإجماع لهما # ومنها أنه لو كان في الأحكام ما صدر عن اجتهاد فيجب أن لا يجعل أصلا وأن ms637 ~~يخالف فيه ولا يكفر مخالفه لأن كل ذلك من حق الاجتهاد الجواب إنه ليس ذلك ~~من حق الاجتهاد على الإطلاق ألا ترى أن الأمة إذا أجمعت عن اجتهاد فانه لا ~~يجوز مخالفته ويجب أن يجعل أصلا وربما فسق من خالفه وإن كان من خالف ~~الاجتهاد الذي لم يجمع عليه لا يفسق وإذا جاز أن يفسق إذا قارنه إجماع جاز ~~أن يكفر إذا قارنه قول النبي صلى الله عليه وسلم # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا فقيل له إن كان ذلك عن وحي ~~فالسمع والطاعة وإن كان إنما هو الرأي فليس بمنزل مكيدة فقال بل هو الرأي ~~فدل على أنه يجوز مراجعته في الرأي ومعلوم أنه لا يجوز مراجعته في الأحكام ~~فعلم أنها ليست برأي والجواب أن ذلك إنما يدل على مراجعته في الآراء التي ~~ليست من الأحكام كالرأي في الحرب والأحكام الشرعية خارجة عن ذلك # PageV02P242 # ومنها أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لاظهره الجواب إنه لا يمتنع ان يكون ~~من المصلحة إظهاره # ومنها أنه لو تعبد بالاجتهاد لما توقف على الوحي الجواب إنه ليس معنى أن ~~توقف في كل الأحكام على الوحي فاذا ثبت ذلك فكل ما تعبدنا فيه بالاجتهاد ~~الشرعي فيجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم تعبد به ويجوز أن يكون قد ~~نصب له دليل يخصه وأما الاجتهاد في أخبار الآحاد فيتأتى فينا دونه - صلى ~~الله عليه وسلم - باب فيمن عاصر النبي صلى الله عليه وسلم هل كان متعبدا ~~بالقياس والاجتهاد أم لا - صلى الله عليه وسلم - # أما من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر قاضي القضاة رحمه الله في ~~الشرح أن أكثر الذاهبين إلى الاجتهاد قالوا كان متعبدا بذلك والأقلون منعوا ~~وحكى أن أبا علي رحمه الله قال لا أدري هل كان من عاصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم متعبدا بأن يجتهد أم لا لأن خبر معاذ من أخبار الآحاد ولم يقطع قاضي ~~القضاة على ورود التعبد بذلك لمن حضر النبي صلى الله ms638 عليه وسلم لأن ما يروي ~~في ذلك أخبار آحاد وقطع على أن من غاب عنه ممن عاصره متعبد بذلك لأن خبر ~~معاذ عنده ثابت لتلقي الامة له بالقبول وظاهر أنه لم يكن عادة الحاضرين عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد لأنه لو كان ذلك عادة لهم لظهر لهم ذلك ~~عنهم كما أنه لم يكن عادتهم طلب الحكم من التوراة ويجوز أن يكون الواحد ~~والاثنان قد أذن لهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهدا بحضرته لأن خبر ~~عمرو بن العاص يجوز صحته فأما من غاب عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجوز أن ~~يكون متعبدا بالاجتهاد أيضا إلا أن الأمر فيه أظهر ممن حضره لأن خبر معاذ ~~أظهر - صلى الله عليه وسلم - باب في القياس هل هو مأمور به ودين أم لا - ~~صلى الله عليه وسلم - # أما كونه مأمورا به بمعنى أن الله عز وجل بعثنا على فعله بالأدلة # PageV02P243 # فصحيح وأما كونه مأمورا به بصيغة افعل فصحيح أيضا عند من يحتج بقول الله ~~تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وما جرى مجراه من ألفاظ الأمر وأما من ~~يحتج بالإجماع أو بالعقل فلا يمكنه علم ذلك لجواز أن يكون ما دل الأمة على ~~صحة القياس هو إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بصحته وثبوت التعبد به # وأما وصفه بانه دين الله عز وجل فلا شبهة فيه إذا عني بذلك أنه ليس ببدعة ~~وإن عني غير ذلك فعند الشيخ ابي الهذيل رحمه الله انه لا يطلق عليه ذلك لأن ~~اسم الدين يقع على ما هو ثابت مستمر وأبو علي رحمه الله يصف ما كان منه ~~واجبا بذلك وبأنه إيمان دون ما كان منه ندبا وقاضي القضاة رحمه الله يصف ~~بذلك واجبه وندبه # والقياس الشرعي ضربان واجب وندب والواجب ضربان أحدهما واجب على الأعيان ~~والتضييق والآخر على الكفاية فالذي على الأعيان والتضييق هو قياس من نزلت ~~به حادثة من المجتهدين أو كان قاضيا فيها أو مفتيا ولم يقم غيره مقامه وضاق ~~الوقت ms639 والواجب على الكفاية أن يقوم غيره مقامه في الفتوى والندب فهو القياس ~~فيما لم يحدث من المسائل مما يجوز حدوثه فقد ندب الإنسان إلى إبلاء ~~الاجتهاد فيه ليكون الجواب فيه معدا لوقت الحاجة - صلى الله عليه وسلم - ~~باب الكلام في شروط القياس وما يصححه وما يفسده - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن القياس لما كان هو إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة ~~الحكم كان الكلام فيه إما كلاما في العلة التي هي دليل الحكم أو كلاما في # PageV02P244 # الحكم الذي هو مدلولها والكلام في الحكم يجب أن يتعلق بالحكم وبما يوجد ~~الحكم فيه ولما كان الحكم موجودا في الأصل وفي الفرع أمكن أن ننظر فيه نظرا ~~متعلقا بالأصل أو بالفرع أو بالأصل وبالفرع معا والكلام في العلة إما كلام ~~في وجودها أو في غير وجودها والكلام في وجودها إما أن يتعلق بوجودها في ~~الأصل أو في الفرع لأن العلة يجب أن توجد في الأصل وفي الفرع والكلام في ~~غير وجودها إما أن يكون كلاما في طريق صحتها أو فيما يعترضها ويفسدها ويدخل ~~في كل قسم من ذلك عدة فصول سنذكرها إن شاء الله وقد أجرينا الكلام في ~~القياس في كتاب مفرد في القياس الشرعي وذكرنا جميع فصوله في هذه الأقسام ~~وذكرنا هذه القسمة وشرحناها في شرحنا للعمد # ونحن نجري الكلام في القياس في هذا الكتاب على قسمة اخرى فنقول إن الكلام ~~في القياس يجب أن يتعلق بعلته لأنها علة حكم أصله ودليل حكم فرعه ولما كانت ~~علة القياس هي علة حكم الأصل ودلالة حكم الفرع إذا اختصت بهما ووجدت فيهما ~~وجب أن نتكلم في وجود العلة في الأصل وفي الفرع وفي طريق وجودها فيهما ثم ~~نتكلم في كونها علة حكم الأصل وفي طريق كونها علة فيه ثم نتكلم في كونها ~~دلالة على حكم الفرع وكلامنا في كونها علة حكم الأصل هو كلام في شروطها ~~المختصة بكونها علة حكم الأصل وكلامنا في كونها دلالة حكم الفرع هو كلام ~~شروطها المختصة ms640 بكونها دلالة على حكم الفرع وإن كان هذان الكلامان جميعا ~~كلاما يقف عليه فساد العلة ونفي فسادها وأما الكلام في طريق كونها علة حكم ~~الأصل فانه يتبعه القول بأنه لا بد في القياس من علة لأنه لا يجوز أن نقول ~~لا بد من طريق إلى كون العلة علة إلا وقد أوجبنا انه لا بد في القياس من ~~علة # والكلام في طريق العلة يقع في فصول منها أنه لا يجوز إثبات الوصف علة إلا ~~بدلالة ومنها أنه يجب أن تكون الدلالة شرعية ومنها أنه يجوز أن يكون # PageV02P245 # الدليل على كونها علة نصا وغيره ومنها أنواع أدلة صحة العلة # وأما الكلام في الشروط الراجعة إلى كونها علة حكم الأصل فيقع في مواضع ~~منها الكلام في وجود الحكم في الأصل لأنه يستحيل كون الوصف علة في حكم ~~والحكم غير حاصل ومنها تعليل الحكم بالاسم وبحكم شرعي وبالأوصاف الكثيرة ~~ومنها التعليل بأوصاف فيها وصف لا يؤثر ومنها تعليل الحكم المخصوص من جهة ~~القياس ومنها تعليل الكفارات والحدود والتقديرات ومنها هل يوجد في ~~الاستنباط طريقة غير القياس يجوز الاستدلال بها على موضع الحكم أم لا ومنها ~~تعليل الحكم بعلتين وذلك ضربان أحدهما أن تكون إحدى العلتين دلالة حكم ~~الأصل والآخر لا تكون دلالة حكمه ومنها تعليل الحكم بما لا يتعدى عن الأصل ~~ومنها هل يجوز أن تخالف العلة موضوع حكم أصلها أم لا # وأما الكلام في العلة من حيث هي دلالة على حكم الفرع فضربان احدهما يتعلق ~~بحكم الأصل والآخر لا يتعلق به والمتعلق بحكم الأصل ضربان أحدهما هل تدل ~~العلة على حكم الفرع وإن اختلف موضوع الأصل والفرع والآخر هل تدل على حكمه ~~وإن كان حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع وأما ما لا يتعلق بحكم الأصل فأشياء ~~منها هل العلة دالة على اسم الفرع ثم يعلق به حكم شرعي أو يدل ابتداء على ~~حكم شرعي ومنها هل تدل على حكمه وإن لم يثبت ذلك الحكم في ذلك الفرع في ~~الجملة أم لا يحتاج ms641 إلى هذا الشرط ومنها هل تدل على حكم الفرع مع معارضة نص ~~خاص أو عام فيخصه أو ينسخه ومنها هل تدل على الحكم وعلى ضده وهذا هو القلب ~~ومنها هل يمكن الخصم أن يقول بموجبها ليعلم أن المستدل ما استدل بها على ~~موضع الخلاف ومنها هل يجوز وجودها لفظا أو معنى في فرع ولا تدل على حكمها ~~أم لا ويتبع ذلك ذكر النقض وما يحترس به من النقض وذكر الاستحسان ومنها ~~القول في دلالتها على حكم الفرع مع معارضة على أخرى # PageV02P246 # وهو ضربان احدهما معارضة علة الأصل بعلة أخرى وقد دخل ذلك في القول ~~بالعلتين والآخر معارضة قياس بقياس # ولما كانت المعارضة إنما تتم مع التنافي ومع الاشتباه وقد يجب متى حصلت ~~المعارضة أن يقع الترجيح وجب ذكر العلل المتنافية والفصل بينهما وبين العلل ~~التي ليست متنافية وذكر قياس غلبة الأشباه والفصل بينهما وبين العلل التي ~~ليست متنافية وذكر قياس غلبة الأشباه والفصل بينه وبين قياس المعنى وذكر ما ~~يقع به الترجيح وهل يجوز استواء الأمارتين في وجوه الترجيح وما القول فيهما ~~إذا استويا وهل يجوز إذا استويا عند المجتهد أن يكون له اقاويل مختلفة في ~~المسألة الواحدة وهل يجوز أن ينسب إلى المجتهد أقاويل على طريق الترجيح # ونحن نذكر هذه الأبواب على هذا النسق إن شاء الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باب القول في وجود العلة في الأصل وفي الفرع وفي طريق وجودهما فيهما - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن القائس قد يعلل الفرع بأوصاف لا يسلم خصمه وجودها في الفرع فيكون ~~له أن ينازعه في ذلك وقد لا يسلم وجودها في بعض الفرع فيمتنع القائس من ~~قياس جميع الفرع بتلك العلة وإن رام القائس أن يقيس ما وجدت فيه العلة دون ~~ما لم توجد فيه العلة جاز ذلك إذا أمكن أن يكون بعض ذلك الفرع معللا دون ~~بعض وقد يعلل القائس الأصل بعلة لا توجد في الأصل عند خصمه ولا توجد في ~~بعضه فله أن يمنعه من رد ms642 الفرع إلى جميع ذلك الأصل فان رده إلى الموضع الذي ~~وجدت فيه تلك العلة جاز ذلك إلا أن يمنع مانع من تعليل بعض الأصل دون بعض ~~وذلك كمنع أصحاب الشافعي من قياس الجص على البر بعلة أنه مكيل لقولهم إن ~~علة تحريم البر هي علة واحدة شائعة في جميع البر والكيل غير شائع في جميع ~~البر لأن الحبة أو الحبتين لا يتأتى فيهما الكيل # PageV02P247 # وأصحابنا ينفصلون عن ذلك بأن المحرم من البر علته واحدة وهي الكيل إلا أن ~~المحرم هو ما يتأتى فيه الكيل دون ما لا يتأتى فيه الكيل لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهي عن بيع البر بالبر إلا كيلا بكيل فأجاز بالكيل ما منع ~~منه بغير كيل والذي يجوز بيعه إذا تساوى في الكيل هو ما يتأتى فيه الكيل ~~فيجب أن يكون ما يتأتى فيه الكيل هو ما يحرم بيعه إذا تفاضل في الكيل فهذا ~~هو الكلام في وجود العلة في الأصل والفرع # فأما طريق وجودها فيهما فقد يجوز أن تكون أمارة تفضي إلى الظن وقد تكون ~~دلالة تقتضي وجودها فيهما ضرورة ولا فرق بين هذه الأقسام في صحة القياس ~~لأنه إذا جاز أن يعلق الحكم بما يظنه علة الحكم جاز أن يعلق الحكم بما ظن ~~وجوده من علة الحكم ألا ترى أنا يظن مجيء المطر إذا ظننا بخبر من ظاهره ~~الصدق وجود الغيم كما يظن ذلك وإن علمنا وجود الغيم فاذا جاز لنا التسوية ~~بين الأصل والفرع إذا ظننا اشتراكهما في الاوصاف جاز ذلك مع العلم المكتسب ~~لاشتراكهما في الأوصاف وكان جواز ذلك في العلم الضروري باشتراكهما في ~~الأوصاف أحق - صلى الله عليه وسلم - باب في أنه لا بد في القياس من علة ~~وأنه لا بد أن يكون إليهما طريق - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن القياس الشرعي لا بد فيه من أصل وفرع يثبت فيه حكم الأصل وليس ~~يخلو القائس إما أن يثبت الحكم في الفرع تبعا لثبوته في الأصل أولا يثبت ~~تبعا له ms643 فان لم يثبته تبعا للأصل كان مبتدئا بالحكم غير قائس وإن أثبت ~~الحكم في الفرع تبعا لثبوته في الأصل ولم يعتبر شبها بين الفرع والأصل لم ~~يكن بأن يتبع الفرع هذا الأصل بأولى من أن لا يتبعه إياه ويتبعه أصلا ويجب ~~أن يكون لذلك الشبه تعلق بالحكم وتأثير فيه وإلا لم يكن القائس بأن يعتبر ~~ذلك الشبه بأولى من أن لا يعتبره ويعتبر شبها آخر بين الفرع وبين أصل # PageV02P248 # أخر أولا يعتبر شبها أصلا # فان قيل ألستم تقيسون الفرع على أصل لم تدل دلالة على وجوب القياس عليه ~~فهلا جاز أن تقيس لأجل شبه لم تدل دلالة على كونه علة الجواب أنا لا نقيس ~~الفرع على اصل إلا وقد دلت الدلالة على وجوب القياس عليه لأنه إذا دلت ~~الدلالة على علة حكم الأصل وعلمنا وجودها في الفرع فقيام الدلالة العقلية ~~أو السمعية على أنا متعبدون بالقياس يدل على وجوب قياس ذلك الفرع على ذلك ~~الأصل - صلى الله عليه وسلم - باب في أن طريق العلة الشرعية الشرع فقط - ~~صلى الله عليه وسلم - # إنما قلنا ذلك لأن طريق العلة الشرعية هو كيفية ثبوت حكمها وتأثيرها فيه ~~نحو أن يثبت حكمها معها في الأصل وينتفي بانتفائها ومعلوم أن ذلك موقوف على ~~الشرع لأن حكمها وكيفية ثبوتها بحسب العلة حاصلان بالشرع فقط # فان قيل هلا توصلتم إليها بأمارة من جهة العادات كما تتوصلون إلى قيم ~~المتلفات وجهة القبلة بأمارات من جهة العادات قيل إنما ساغ ذلك في القيم ~~لأن العادات قد جرت ببيع الأشياء التي من جنس المتلف وأمكن أن يعرف قيمة ~~المتلف باعتبار ثمن نظيره فأما العلل الشرعية فأحكامها شرعية لم تثبت ~~بالعادات فتعلم علتها بكيفية ثبوتها في العادة وأما القبلة فقد عرف كونها ~~في بعض الجهات وعرف كون الشمس في بعض الجهات وكذلك الرياح فأمكن أن نستدل ~~ببعض ما هو في جهة على شيء آخر هو في جهة وليس كذلك الأحكام الشرعية مع ~~أمارات العادات # إن قيل أليس نستدل بعقولنا على أن ms644 الحكم الشرعي إذا حصل عند صفة وارتفع ~~عند ارتفاعها فهو مؤثر فيه قيل إنا لا ندفع أن الاستدلال # PageV02P249 # بالأمارات والأدلة إنما يتمكن منه بالعقول ولكنا انكرنا أن تكون الأمارة ~~عليها أمارة عقلية وما ذكرتم من الأمارة شرعي - صلى الله عليه وسلم - باب ~~في أن الطريق إلى صحة العلل الشرعية يجوز أن يكون نصا وغير نص - صلى الله ~~عليه وسلم - # اعلم أن العلة الشرعية قد يجوز كونها معلومة فيكون طريقها نصا من الله أو ~~من رسوله أو من الامة متواترا ويجوز أن يكون مظنونا كونها علة وأكثر العلل ~~الشرعية مظنونة فيجب أن يكون طريقها أمارت مظنونة ولا فرق بين أن يكون نصا ~~منقولا بالآحاد أو تنبيه نص هذه سبيله أو استنباطا لأن كل ذلك يؤدي إلى ~~الظن الذي هو المطلوب في العلل ونحن نشرح أدلة النصوص والاستنباط على صحة ~~العلل في باب يلي هذا الباب إن شاء الله تعالى - صلى الله عليه وسلم - باب ~~أقسام طرق العلل الشرعية - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لما كانت طرق العلل الشرعية الشرع وكانت الطرق الشرعية إما لفظا ~~وإما استنباطا كانت طرق العلل الشرعية إما لفظا وإما استنباطا والألفاظ ~~الدالة على ذلك إما صريحة وإما منبهة أما الصريحة فمنها أن يكون لفظها لفظ ~~العلة ومنها ما يقوم مقام لفظ العلة فالأول كقول القائل لغيره أوجبت عليك ~~كذا لعلة كذا والثاني قول القائل لغيره أوجبت عليك كذا لأنه كذا أو لأجل ~~كذا أو كيلا يكون كذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهيتكم لأجل ~~الرأفة وقال الله عز وجل {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} # PageV02P250 # إن قيل قد يقول الإنسان لغيره صل للتقرب إلى الله عز وجل ولا يفيد ذلك ~~كون التقرب علة في وجوب الفعل قيل لأنه لم يعلل الوجوب بالتقرب وإنما علل ~~فعله للصلاة وهذا يقتضي كون التقرب علة وغرضا باعثا على الفعل # وأما الألفاظ المنبهة على العلة فضروب # منها أن يكون في الكلام لفظ غير صحيح في التعليل يعلق الحكم ms645 بعلته # ومنها أن يصدر الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم عند علمه بصفة المحكوم ~~فيه فيعلم أنها علة الحكم # ومنها أن تكون الصفة مذكورة على حد لو لم تكن علة لم يكن لذكرها فائدة # ومنها أن يقع النهي عن فعل بمنع ما تقدم إيجابه علينا فنعلم أن العلة في ~~كونه محرما كونه مانعا من الواجب وإن لم يصرح بذلك # أما القسم الأول فكتعليق الحكم على علته بلفظ الفاء ولا بد من تأخير لفظ ~~الفاء وهو ضربان أحدهما أن تدخل الفاء على السبب والعلة ويكون الحكم متقدما ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقعت به راحلته لا تخمروا ~~رأسه ولا تقربوه طيبا فانه يبعث يوم القيامة ملبيا والآخر أن تدخل الفاء ~~على الحكم وتكون العلة متقدمة وذلك ضربان أحدهما أن تكون الفاء دخلت على ~~كلام الله عز وجل أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم والآخر أن تدخل في ~~رواية الراوي فالأول قول الله عز وجل {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~وقوله {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} وقوله {فإن كان الذي عليه الحق ~~سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} # PageV02P251 # يدل على أن العلة في قيام وليه وبالإملاء هو أنه لا يستطيع أن يمل هو ~~والثاني قول الراوي سها النبي صلى الله عليه وسلم فسجد وزنى ماعز فرجمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما القسم الثاني وهو أن يصدر القول من النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~علمه بصفة المحكوم فيه فنحو أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم شيء ~~ويذكر السائل صفة لذلك الشيء مما يجوز كونها علة مؤثرة في ذلك الحكم فيجيب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع تلك الصفة فيعلم أنه لو لم تكن مؤثرة في ~~ذلك الحكم لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم عند سماعها نحو أن يقول قائل يا ~~رسول الله أفطرت فيقول عليك الكفارة فيعلم أن الكفارة وجبت لأجل الإفطار إذ ms646 ~~لو لم يكن الإفطار مؤثرا في ذلك لما أوجب الحكم عند سماعه له كما لا يجوز ~~أن يوجب عليه الكفارة لو سمع أنه مشى وتحدث # وأما الثالث وهو أن لا يكون لذلك الوصف فائدة لو لم يكن علة فضروب # منها أن يكون الوصف مذكورا بلفظ أن كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~امتنع من الدخول عند قوم عندهم كلب فقيل إنك تدخل على آل فلان وعندهم هر ~~فقال إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات فلو لم يكن لكونها ~~من الطوافين تأثير في طهارتها لم يكن لذكره عقيب حكمه بطهارتها فائدة # ومنها أن يوصف المحكوم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بذكرها وذكر ما جرى ~~مجراها فنعلم أنها ما ذكرت إلا لأنها مؤثرة في الحكم كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال في النبيذ تمرة طيبة وماء طهور # ومنها التقرير على وصف الشيء وهو على ضربين أحدهما أن يقرر النبي صلى ~~الله عليه وسلم على وصف الشيء المسئول عنه كقوله أينقص الرطب إذا جف # PageV02P252 # فقالوا نعم قال فلا إذن فلو لم يكن نقصانه باليبس علة في المنع من البيع ~~لم يكن للتقرير عليه فائدة وهذا يدل على العلة أيضا من حيث الجواب بالفاء # ومنها أن يقرر النبي صلى الله عليه وسلم على حكم ما يشبه المسئول عنه ~~وينبه على وجه الشبه فيعلم أن وجه الشبه هو العلة في ذلك الحكم كقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه وقد سأله عن قبلة الصائم أرأيت لو ~~تمضمضت بماء ثم محجته فعلم أنه لم يفسد الصوم بالمضمضة والقبلة لأنه لم ~~يحصل ما يتبعهما من الإنزال والازدراء # ومنها أن يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين شيئين في الحكم بذكر صفة ~~فيعلم أنه لو لم تكن تلك الصفة علة لم يكن لذكرها معنى وهذا ضربان أحدهما ~~أن لا يكون حكم أحدهما مذكورا في الخطاب والآخر أن يكون حكمهما مذكورا فيه ~~أما الأول فقول النبي صلى ms647 الله عليه وسلم القاتل لا يرث وذلك أنه قد تقدم ~~ببيان إرث الورثة فلما قال القاتل لا يرث وفرق بينه وبين جميع الورثة بذكر ~~القتل الذي يجوز كونه مؤثرا في نفي الإرث علمنا أنه العلة في نفي الإرث ~~وكقوله عليه السلام لا يقضي القاضي وهو غضبان لأنه قد تقدم أمر القاضي بأن ~~يقضي فاذا منع من ان يقضي وهو غضبان علمنا أن الغضب علة في المنع سيما وقد ~~علمنا أن الغضب بمنع من الوقوف على الحجة ويمنع من الاستيفاء وأما إذا كان ~~حكم الشيئين مذكورا في الخطاب فضروب # منها أن يفرق بينهما بلفظ يجري مجرى الشرط كقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد بعد نهيه عن بيع البر متفاضلا ~~فدل على أن اختلاف الجنسين علة في جواز البيع # ومنها أن تقع التفرقة بينهما بالغاية كقوله عز وجل {ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن} فلو اقتصر على ذلك لدل على تعلق الإباحة بالطهر وإلا لم # PageV02P253 # يكن لذكره فائدة مع جواز كونه علة # ومنها وقوع التفرقة بينهما بالاستثناء كقول الله عز وجل {إلا أن يعفون} # ومنها أن تكون التفرقة وقعت بلفظ يجري مجرى الاستدراك كقول الله تعالى ~~{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} فدل ~~على أن التعقيد مؤثر في المؤاخذة # ومنها أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من الصفات بعد ذكر الآخر وتكون تلك ~~الصفة مما يجوز أن تؤثر في ذلك الحكم كقول النبي صلى الله عليه وسلم للراجل ~~سهم وللفارس سهمان وهذه الأقسام وإن كانت مؤثرة في الحكم فانه لا يمتنع أن ~~تكون مؤثرة فيه لعلل لأنه يجوز أن يعلل كون الغضب مانعا من الحكم بين ~~الخصمين بأنه يشغل الذهن ويجوز أن تدل الدلالة على أن هذه العلل لها شروط ~~ويجوز أن تدل على أنها غير مشروطة فاذا فقدت الدلالة حكم بأشياء مختلفة غير ~~مشروطة # وأما الرابع وهو النهي عن شيء يمنع من الواجب فهو كقول الله عز وجل ~~{فاسعوا إلى ms648 ذكر الله وذروا البيع} وذلك أنه لما أوجب علينا السعي ثم نهانا ~~عن البيع المانع من السعي علمنا أنه إنما نهانا عنه لأنه مانع من الواجب ~~وكقوله تعالى {فلا تقل لهما أف} وذلك أنه نهى عن ذلك لأنه مناف للإعظام ~~الواجب لهما من حيث كان أذى واستخفافا فدل من طريق الأولى على المنع من ~~ضربهما لأن ما منع منه لعلة فما فيه تلك العلة وزيادة أولى بالمنع وذكر ~~قاضي القضاة رحمه الله أن المنع من ضربهما معقول من جهة اللفظ لا من جهة ~~القياس قال ولا بد من اعتبار عادة أهل اللغة في ذلك # PageV02P254 # والدليل على أن ذلك معقول من قياس الأولى لا باللفظ هو أنه لو عقل باللفظ ~~لكان اللفظ موضوعا للمنع من ضربهما إما في اللغة او في العرف ومن البين أنه ~~غير موضوع للمنع من الضرب في اللغة ولا يجوز أن يكون موضوعا لذلك في العرف ~~لأن العلم بالمنع من ضربهما موقوف على قياس الأولى بيان ذلك إن الإنسان إذا ~~سمع قول الله عز وجل {فلا تقل لهما أف} إلى قوله {وقل لهما قولا كريما} علم ~~أن هذا القول خرج مخرج الإعظام لهما سيما مع ما تقرر في العقول من وجوب ~~تعظيمهما إذا كانا مؤمنين وإذا علم ذلك علم أنه نهى عن التأفيف لأنه ينافي ~~التعظيم فانه ينافيه من حيث كان أذى قصد به الاستخفاف فنعلم أنه نهى عن ذلك ~~لكونه أذى ونعلم أن الحكيم لا ينهى عن الشيء لعلة ويرخص فيما فيه تلك العلة ~~وزيادة بل يكون يحظر ذلك أولى والضرب هذه سبيله فكان أولى بالمنع يبين ذلك ~~أنه لو لم يحصل للإنسان هذه الجملة لم يعلم المنع من ضربهما لأنه لو جوز أن ~~يكون إنما نهى عن التأفيف لأنه أذى قليل لا للإعظام لجوزنا أن نؤمر بضربهما ~~فان الإنسان قد يقول لغيره لا تحبس اللص لكن اقطع يده ولا تقطع يد فلان بل ~~اقتله ولو علم أنه نهى عن التأفيف لأنه أذى وجوز أن يمنع ms649 الحكيم من الشيء ~~لعلة ويرخص فيما فيه تلك العلة وزيادة لما علم المنع من ضربهما فعلمنا أن ~~العلم بذلك موقوف على الجملة التي ذكرناها لا غير دون ما يدعى من العرف ~~وأيضا فليس يجوز الحكم بنقل الكلام إلى العرف إلا إذا لم يمكن سواه وقد ~~بينا أنه قد أمكن سواه # إن قيل لو عقل ذلك بالقياس لجاز أن لا يعلم المنع من ضربهما كثير من ~~الناس بأن لا يقيسوا قيل إنما كان يجب ذلك لو كان ما ذكرناه من مقدمات هذا ~~القياس مستانفا تحتاج إلى غامض فحص فأما وكثير منها يعلمه المكلف قبل ~~الخطاب كالقول بأن الحكيم لا يرخص في فعل ما فيه علة المنع وزيادة # PageV02P255 # وكالقول بمنافاة الأذى والاستخفاف للتعظيم ومنها ما العلم به مقارن ~~للخطاب كالقول بأن هذا الخطاب خرج مخرج التعظيم فاذا كان كذلك كانت هذه ~~المقدمات متكالمة للعاقل عند سماع الخطاب وبها يكمل قياس الأولى # فان قيل لو علم ذلك بالقياس لصح أن لا يعلم العاقل المنع من ضربهما لو ~~منعه الله عز وجل من القياس الشرعي قيل لا يحسن المنع من هذا القياس مع ~~الإيضاح لعلته لأنه لا يحسن أن يقول الحكيم لا تمنعوا مما وجد فيه علة ~~المنع وزيادة ألا ترى لو قال إنما منعت من ضرب الأبوين لكونه أذى ولا ~~تقيسوا على ذلك ما هو اشد منه كان مناقضة للتعليل ولا يكون مناقضة في اللفظ ~~ولو حسن المنع من هذا القياس لكان إذا منع الله من القياس لا يعلم المنع من ~~ضربهما وإن منع من التأفيف # فأما قول القائل ليس لفلان عندي حبة فانه يمنع من أن يكون له عليه أكثر ~~من ذلك لأنه لو كان له عليه أكثر من ذلك لكان له عليه حبة وزيادة فأما ما ~~نقص عن الحبة فليس ينبىء القول عنه لكنه لا يثبت في الذمة على وجه يطالب به ~~الإنسان فان جرت العادة بالمطالبة به لم يفد قوله ليس له عندي حبة نفى ما ~~نقص عنها # وقول القائل ms650 فلان لا يملك حبة ينفى كونه مالكا لأكثر منها هو حبة وزيادة ~~وما نقص عنها لا يتعرض له خطابه وليس هو مما يوصف الإنسان بأنه مالكه وقول ~~القائل فلان لا يملك نقيرا ولا قطميرا فانه يدل من جهة العرف على أنه لا ~~يملك شيئا لا من جهة اللغة ولا جهة التعليل أما اللغة فلان قولنا قطمير ~~موضوع لما يغشى النواة وقولنا نقير موضوع للنقرة التي على ظهرها وليس هو ~~موضوعا لقليل المال وكثيره وأما أنه غير مفهوم بالتعليل فلأن الإنسان لا ~~يقصد أن ينفي كون غير مالكا لنقير النواة وللفتيل وإذا لم يقصد نفي ذلك ولا ~~يحظر ذلك على ماله لم يمكن أن يقال إذا لم يكن الإنسان مالكا لهما فبأن لا ~~يملك ما فوقهما أولى ولا يقصد الإنسان أن يصف # PageV02P256 # غيره بالخيانة بالنقير والقطمير حتى يقال إذا خان فيهما فما فوقهما أولى ~~بذلك فاذا بطل أن يكون ذلك مفهوما باللغة والتعليل علمنا أنه في العرف ~~موضوع لنفي ملك القليل والكثير لا أنه يفيد نفي ملكه لأقل القليل ثم يقال ~~ما زاد على أقل لغيره قد حصل فيه القليل وزيادة # فأما قول القائل لغيره لا تقل لأبيك أف فانه يقصد به المنع من التأفيف ~~على الحقيقة فيمكن أن يقال إذا منعه من ذلك لأنه أذى فبأن يمنعه مما هو ~~أعظم منه أولى # وأما قول القائل فلان مؤتمن على قنطار فانه لا يدل على انه أمين فيما زاد ~~على ذلك لأن الإنسان قد يصرفه نفسه عن الخيانة في قدر من المال ولا يصرفه ~~عن الخيانة فيما هو اكثر منه وأما ما نقص عن قنطار فانه قد دخل في القنطار ~~فالخطاب يتناوله فان علمنا أن قوله فلان مؤتمن على قنطار يقتضي أمانته على ~~كل حال كان ذلك معروفا بالعرف لأنه لا تقتضيه اللغة ولا التعليل # فأما طريق العلة المستنبطة فأشياء # منها أن يكون الوصف مؤثرا في قبيل ذلك الحكم ونوعه في الاصول فيكون أولى ~~بأن يكون علة من وصف لا تؤثر في ms651 نوع ذلك الحكم ولا تؤثر فيه بعينه لأن ~~العلة تؤثر في الحكم فما لا يؤثر في الحكم لا يكون علة وذلك كالبلوغ مؤثر ~~في رفع الحجر عن المال فكان أولى بان يكون علة في رفع الحجر في النكاح من ~~الثيوبة لأن الثيوبة لا تؤثر في جنس هذا الحكم الذي هو رفع الحجر # ومنها أن يوجد الحكم في الأصل عند حصوله صفة وينتفي عند انتفائها وذلك ~~يقتضي ان لذلك الوصف من التأثير في ذلك الحكم ما ليس لغيره وهذه طريقة ~~تعتمد في المؤثرات العقلية وقد حكى قاضي القضاة رحمه الله عن الشيخ # PageV02P257 # أبي عبد الله رضي الله عنه أنه كان لا يعتمدها ويقول يجب أن يقوى بغيرها ~~والأولى كونها معتمدة بنفسها فان قيل إن كان للأصل وصف آخر يوجد الحكم ~~بوجوده وينتفي بانتفائه ما قولكم فيه قيل إنه إذا كان الحكم يوجد مع وجود ~~كل واحد من الوصفين لم يكن الحكم ينتفي عند انتفاء كل واحد منها على كل حال ~~إلا أن كل واحد منهما مؤثر فيه لأنه قد كفى كل واحد من الوصفين في وجود ~~الحكم وأثر عدمه في عدمه على بعض الوجوه وهو إذا لم يخلفه الوصف الآخر # ومنها أن يجمع الأمة أو القائسون منها على تعليل أصل ويختلفوا في علته ~~فيبطل إلا علة واحدة فيعلم صحتها لأنها لو فسدت لخرج الحق عن أيدي الأمة ~~فأما إذا لم يجمعوا على تعليل الأصل بل علله فمنهم من علله بعلة ومنهم من ~~علله بأخرى وفسدت إحداهما فانه لا يجب صحة الأخرى لأنه ليس في إفسادها ذهاب ~~جميع الأمة عن الحق ولا في سلامتها من وجوه الفساد ما يوجب صحتها على أن من ~~أقوى وجوه الفساد أن لا يدل دليل على صحتها وقد ذكر قاضي القضاة في الدرس ~~أن قيام الدلالة على التعبد بالقياس يوجب القياس على كل حال إلا أن يمنع من ~~ذلك مانع ولقائل أن يقول إن أقوى الموانع أن لا يظفر بعلة قد دل الدليل على ~~صحتها ومما ذكر ms652 من الطرق أن يكون الحكم مجاورا لأحد الوصفين دون الآخر ~~فيكون ما جاوره الحكم علة دون ما لم يجاوره ولمعترض أن يقول إن كان الحكم ~~المجاور للوصف حاصلا عنده وإن عدم الوصف الآخر ومرتفعا عند ارتفاعه وإن وجد ~~الوصف الآخر فهذا رجوع إلى أن الحكم قد وجد بوجود الوصف وانتفى بانتفائه ~~ولم يوجد بوجود وصف آخر ولا انتفى بانتفائه وإن أريد أن الحكم قد يتجدد عند ~~تجدد أحد الوصفين ولا بد من تقدم وجود الوصف الآخر فانه لا يدل ذلك على أن ~~أحد الوصفين هو العلة وحده لأنه ليس يكفي حصوله وحده كالرجم المتجدد ~~استحقاقه عند تجدد الزنا ليس يكفي فيه الزنا إلا بعد تقدم الإحصان فوجب ~~اعتبارهما وإن كان الإحصان شرطا # PageV02P258 # لا علة لأنه لا يجوز ان يستحق به العقوبة # ومنها قولهم إن جريان العلة في معلولها دليل على أنها علة ومعنى جريانها ~~في معلولها هو أن الحكم يتبعها في كل موضع وجدت فيه والجواب إن أراد ~~المستدل أن الحكم يتبعها في كل موضع باتفاق منه ومن خصمه لم يسلم له الخصم ~~ذلك لأن العراقي لا يسلم للحجازي أن تحريم التفاضل يحصل في كل مأكول وإن ~~اراد أنه هو الذي يتبعها حكمها في كل موضع وجدت فيه قيل له أفيسوغ لك أن ~~يتبعها الحكم في موضع وجدت فيه فان قال لا قيل له فلم ساغ لك ذلك فان قال ~~لأنها علة الحكم في الأصل قيل فأنت مستدل على أنها علة حكم الأصل بصحة ~~الجريان ونستدل على صحة الجريان بأنها علة الحكم في الأصل وذلك فاسد فان ~~قال إنما ساغ لي ذلك لأنها لا تنتقض قيل معنى كونها غير منتقضة أنك علقت ~~الحكم بها في كل موضع وجدت فيه فكأنك قلت إنما ساغ لي تعليق الحكم بها ~~أينما وجدت لأني علقت الحكم بها أينما وجدت فان قال إنما ساغ لي تعليق ~~الحكم بها أينما وجدت لأنه لم يمنعني من ذلك نص ولا علة أولى منها قيل له ~~ولم إذا لم ms653 يمنع من ذلك نص أو علة وجب تعليق الحكم بها وما أنكرت أنه إذا ~~لم يمنع النص من ذلك منع غيره من وجوه الفساد لأن وجوه الفساد كثيرة فان ~~قال ليس يمنع من ذلك وجه من وجوه الفساد قيل له أتعد في وجوه الفساد فقد ~~الدلالة على صحتها فان قال نعم قيل فدل على صحتها واترك جريانها وعدم ~~انتقاضها وإن قال لا أعد ذلك من وجوه الفساد بل يجوز لي أن أعلق الحكم بها ~~إذا سلمت من نص يدفعها وغيره ذلك قيل له لم زعمت أنها إذا سلمت من ذلك صحت ~~فان قال لأنها تفسد بمعارضة النص وغيره من وجوه الفساد فيجب صحتها بسلامتها ~~من ذلك قيل إن قولنا إن ما حصل فيه وجه من وجوه الفساد فهو فاسد إنما يلزمه ~~القول بأن ما ليس بفاسد فليس فيه وجه من وجوه الفساد ولا يلزم منه أن ما لم ~~يحصل فيه وجه فساد فليس بفاسد # PageV02P259 # كما أن قولنا الإنسان حيوان يلزمه أن ما ليس بحيوان فليس بانسان ولا ~~يلزمه منه أن ما ليس بانسان فليس بحيوان ويبين ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لو قال زيد ليس في الدار لبطل القول بأن زيدا في الدار ولا يجب إذا لم ~~يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أن يصح القول بأنه في الدار فان قال ~~ألستم تنفون وجوب صلاة سادسة لعدم الدلالة فيجوز مثله في العلة قيل إنما ~~نفي ذلك شيوخنا لعلمهم باضطرار أن ذلك ليس من الدين ولو لم يعلم ذلك ~~باضطرار لنفيناه لدلالة وهي أنه لو وجبت لدلنا الله سبحانه على ذلك فان ~~قالوا قولوا لو لم يكن العلة صحيحة لأعلمنا الله تعالى ذلك قيل يكفي في ~~النفي فقد دلالة الإثبات ولا يكفي في الإثبات فقد دلالة النفي ألا ترى أنا ~~ننفي صلاة سادسة لفقد الدليل على وجوبها ولا نوجبها لفقد الدليل على نفيها ~~وذلك أن الأصل نفي وجوبها فلا ننتقل عنه إلا بدليل والأصل أنا غير معتقدين ~~لصحة ms654 العلة فلا ننتقل عن ذلكم إلا بدليل فان قالوا عجز الخصم عن إفسادها ~~يدل على صحتها قيل الخصم قد يعجز عن إفساد الفاسد وأكثر ما في عجزه أن يكون ~~قد سلمت العلة من وجوه الفساد وقد تقدم الكلام في ذلك # وهذا هو الكلام في طريق العلة ونحن نتكلم الآن في العلة من حيث هي علة ~~حكم الأصل وما يتصل بذلك - صلى الله عليه وسلم - باب الكلام في حكم الأصل - ~~صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الوصف لا يصح كونه علة حكم الأصل إلا والحكم موجود في الأصل ~~فينبغي أن ينظر الإنسان هل الحكم موجود في الأصل ام لا فانه قد يقيس ~~الإنسان على أصل لا يسلم خصمه وجود الحكم فيه وقد يكون الحكم موجودا في بعض ~~الأصل دون بعض ويكون القائس قد رام رد الفرع إلى جميع الأصل فلا يمكنه ذلك ~~فان رام رده إلى الموضع الذي وجد فيه ولم يمنع من ذلك مانع من إجماع أو ~~غيره جاز ذلك # PageV02P260 # - صلى الله عليه وسلم - باب في تعليل حكم الأصل بالاسم وبأحكام شرعية ~~وبجميع أوصاف الأصل - صلى الله عليه وسلم - # أما تعليله بالاسم نحو تحريم الخمر بان العرب سمته خمرا فلا يصح لأنه لا ~~تأثير لذلك في التحريم ويجوز تعليل التحريم بكونه خمرا ويراد بذلك فائدة ~~قولنا خمر لأن المرجع بذلك إلى صفات علتها الخمر ويجوز تعليل الحكم بحكم ~~شرعي لأنه لا يمتنع أن يكون لبعض الأحكام الشرعية تأثير في حكم آخر نحو ~~قولنا طهارة مزيلة للحدث وأشباه ذلك كثيرة ولا يمتنع أن يكون المؤثر في ~~الحكم مجموع صفات كثيرة كما لا يمتنع أن يكون المؤثر فيه صفات قليلة فاما ~~تعليل الحكم بجميع صفات الأصل حتى يدخل فيه كونه في مكان كذا وأن كونه كذا ~~فلا يصح لأنه لا تأثير لكثير من هذه الأوصاف في الحكم ومن يمنع من العلة ~~القاصرة يقول إن تعليل الشيء بجميع أوصافه تعليل بما لا يتعدى لأن جميع ~~صفات الشيء لا توجد في غيره - صلى الله ms655 عليه وسلم - باب القول في عدم ~~التأثير - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه إذا كان في أوصاف العلة وصف لا تأثير له لو عدم عن الأصل لم ~~يعدم الحكم عنه فانه يعلم بذلك أنه لا يجوز أن تكون العلة مجموع تلك ~~الأوصاف بل ينبغي أن يرفض منها ذلك الوصف لأنه لو أثبت في العلة ما لا يضر ~~عدمه وجب إشبات ما لا نهاية له من الأوصاف فان انتقضت العلة بفرع من الفروع ~~متى أزلنا ذلك الوصف عن العلة فسدت العلة ولا يجوز ضم الوصف إليها لتسلم ~~العلة من النقض لأن العلة يجب أن تعلم أولا أن حكم الأصل متعلق بها وانها ~~مؤثرة فيه ثم تجري في الفروع فاذا كان وصف منها غير مؤثر في حكمه لم يجز ~~كونه في جملة علته فيجب إسقاطه وإذا سقط # PageV02P261 # وانتقض ما عداه لم يجز كون مجموع الأوصاف علة ولا ما عدا ذلك الوصف ~~ويفارق عدم التأثير عكس العلة لأن عكسها هو أن يوجد حكمها مع عدمها في بعض ~~المواضع وليس ذلك يمتنع لأن العلة إذا كانت أمارة فقد يجوز أن تدل على ~~الحكم الواحد أمارتان أيهما وجدت دلت عليه وإن كانت وجه المصلحة فقد شبت ~~المصلحة لوجه وقد ثبت لوجه آخر كما يقبح الشيء لوجه ويقبح لوجه آخر فأما ~~عدم التأثير فهو أن لا يؤثر وصف من الأوصاف في الحكم ويكون التأثير لغيره ~~فلا يجوز ضم ما لا تأثير إلى ما له تأثير - صلى الله عليه وسلم - باب في ~~تعليل الأصل الوارد بخلاف قياس الاصول - صلى الله عليه وسلم - # اعلم انه إذا تقررت في الاصول أحكام معلومة ويثبت بخبر من الأخبار في شيء ~~من الأشياء حكم مخالف لما يقتضيه قياس ذلك الشيء على تلك الاصول فمعلوم أن ~~القياس على ذلك الشيء يوجب خلاف ما يوجبه القياس على تلك الاصول وقد اجاز ~~أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب أبي حنيفة القياس على ذلك الشيء المخصوص من ~~جملة القياس ولم يجوز الشيخ أبو الحسن القياس عليه إلا ms656 لإحدى خلال ثلاث ~~أحدها أن يكون ما ورد خلاف قياس الاصول قد نص على علته نحو ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه علل طهارة الهر بأنها من الطوافين علينا والطوافات ~~قال لأن النص على العلة كالتصريح بوجوب القياس على ذلك الشيء وأحدها أن ~~تكون الامة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا في علته وأحدها أن ~~يكون الحكم الذي ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الاصول وإن كان مخالفا ~~للقياس على أصول أخر كالخبر بالتحالف في المتبايعين إذا اختلفا فانه بخلاف ~~قياس الاصول ويقاس عليه الإجارات لأن قياسها موافق لقياس آخر من قياس ~~الاصول وهو أنه تملك على الغير فالقول قوله فيه وذلك أنه إذا كان في الشرع ~~أصل يبيح هذا القياس وأصل يحظره وكان الأصل جواز القياس وجب القياس # PageV02P262 # وقد أجاز الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه القياس على خبر الواحد المخصص ~~للعموم وقال محمد بن شجاع الثلجي رحمه الله إذا كان الخبر الوارد بخلاف ~~قياس الاصول غير مقطوع به لم يجز القياس عليه فاقتضى قوله هذا أنه يجوز أن ~~يكون مذهبه أنه إذا كان الخبر مقطوعا به جاز القياس عليه واعلم أن ما ورد ~~بخلاف قياس الاصول إما أن يكون دليلا مقطوعا به أو غير مقطوع به فان كان ~~مقطوعا به فهو أصل في نفسه لأن هذا معنى قولنا أصل في هذا الموضع فالقياس ~~عليه كالقياس على تلك الاصول ويجب أن يقصد المجتهد مقصد الترجيح بين ~~القياسين ويبين ذلك أنه إذا كان عموم الكتاب لا يمنع من قياس يخصصه فبأن ~~يكون القياس على العموم لا يمنع من القياس على أصل آخر يخالف العموم اولى ~~لأن العموم أقوى من القياس عليه وإن كان الخبر الوارد بخلاف قياس الاصول ~~غير مقطوع به فانه لا تخلو علة حكمه إما تكون منصوصة أو غير منصوصة فان لم ~~تكن منصوصة ولو كانت اقوى من العلة التي يقاس بها الفروع على تلك الاصول ~~فلا شبهة في أن القياس ms657 على الاصول أولى لأن القياس على ما طريقه معلوم أولى ~~من القياس على ما طريقه غير معلوم وإن كانت العلة منصوصة فقد ذكر قاضي ~~القضاة رحمه الله في الدرس أنه يستوي القياسان من هذا الوجه لأن القياس على ~~الاصول يختص بأن طريق حكم أصله معلوم وإن كانت طرق علته غير معلومة والقياس ~~على ما ورد بخلاف قياس الاصول علته منصوصة # ولقائل أن يقول إن هذه العلة وإن كانت منصوصة فهي غير معلومة إذ هي ~~منقولة بالآحاد فلم يساو القياس بها على تلك الاصول في القوة والأولى أن ~~يقال إن القياس على الاصول المعلومة له حظ من القوة من حيث كان حكم أصله ~~معلوما ولا يمتنع أن تعارض هذه القوة قوة أخرى وهي طريق العلة بأن يكون ~~طريق علة القياس الآخر أقوى من طريق علة القياس على الاصول أما بأن تكون ~~العلة منصوصة أو مدلولا عليها بتنبيه فالموضع موضع اجتهاد فلا ينبغي إطلاق ~~المنع من ذلك # PageV02P263 # يبين ذلك أن خبر الواحد إذا خص عموم الكتاب جاز أن يكون القياس على الخبر ~~الخاص أولى من القياس على العموم وإن كان العموم معلوما وخبر الواحد غير ~~معلوم إن قيل إن ما ورد بخلاف قياس الاصول وإن كان معلوما فانه لا يجوز ~~القياس عليه لأنه لا يمتنع أن تدل أمارة على علة حكمه قيل هذا دعوى لا دليل ~~عليها فان قالوا الدليل على ذلك أن القياس على الأصول يمانع القياس على ما ~~ورد بخلاف الاصول قيل هلا كان القياس على ما ورد بخلاف قياس الاصول يمانع ~~القياس على الاصول ويمنع أن تدل على علته أمارة وإذا جاز أن يدل على علة ~~هذا القياس النص جاز أن يدل عليه دلالة غير النص # فان قيل ما ورد بخلاف قياس الاصول وإن كان معلوما فانه لا يجوز أن يساوي ~~أمارة علة القياس على الاصول في القوة فلا يجوز القياس عليه قيل هذا دعوى ~~وما أنكرتم أن يكون الخبر الوارد بخلاق قياس الاصول قد غير الحكم عما كان ms658 ~~عليه من قبل لأنه لما كان معلوما صار أصلا في نفسه فلا يمتنع أن يقع ~~التنبيه على علته ويكون التنبيه عليه أقوى وأظهر من التنبيه على علة الاصول ~~ثم يقال لهم أليس قد جاز أن يدل عليها النص وهو أقوى وأظهر من علة الاصول ~~فلا يجوز أن يدل عليها تنبيه النص ويكون أقوى من دلالة علة الاصول - صلى ~~الله عليه وسلم - باب في تعليل أصول العبادات والتقديرات وغير ذلك - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن أبا علي رضي الله عنه لا يجوز تعليل الاصول ولا يجوز إثبات صلاة ~~سادسة بالقياس ولا بتعليل الحدود وهو قول أبي الحسن ولهذا منع من قطع ~~المختلس بالقياس ومنع من إثبات صلاة بإيماء الحاجب بالقياس ومنع من تعليل ~~الكفارات وإثبات كفارة بقياس وسوى بين الكفارات الجارية مجرى العقوبات وبين ~~ما لا تجري مجرى العقوبات وأعمل الاستدلال في موضعها وفي موضع الحد وحكي عن ~~أبي حنيفة رضي الله عنه شبيها بذلك # PageV02P264 # لأنه لم يثبت الصوم بدلا من هدى المحصر لأن ذلك إثبات عبادة مبتدأة ومنع ~~الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه من إثبات النصب ابتداء بالقياس أو بخبر ~~الواحد وكذلك لم يثبت الزكاة في الفصلان واستعمل القياس في نصب ما ثبت فيه ~~الزكاة كما يعمل القياس في صفات الصلاة وإن لم يستعمله في نفس الصلاة وقبل ~~خبر الواحد في إثبات نصاب زائد على المائتين على مذهب أبي حنيفة رضي الله ~~عنه ومنع من القياس في المقادير ولم يعلل ما رخص فيه للتساهل ولم يقس عليه ~~كاجرة الحمام والاستصناع وقبل أبو يوسف خبر الواحد في إثبات الحدود كما ~~يقبل الشهادة فيه وإن كان مما يدرأ بالشبهة وهذا يقتضي أنه يثبت الحد ~~بالقياس أيضا لأن القياس كخبر الواحد في إفادة الظن فان لم يمتنع إثباته ~~بأحدهما وإن كان يدرأ بالشبهة فكذلك الآخر أما الشافعي رحمه الله وأصحابه ~~فانهم يعللون كل ذلك ويستعملون القياس فيه ما لم يمنع منه مانع إلا أنهم ~~يقولون إن الأصول والحدود لا مجال للقياس ms659 فيهما ولو دل الدليل على العلة ~~فيهما لقيس عليهما وقد حد بعضهم واطىء البهيمة قياسا على الزاني وإن كان ~~بعضهم يقول إن ذلك زنا # والخلاف بين الناس هل في الشريعة جملة من المسائل يعلم أنه لا يجوز أن ~~تدل دلالة على علة أحكامها فيمتنع استعمال القياس فيها في الجملة أو ليس ~~ذلك بل ينبغي أن يستقرىء مسألة مسألة فأصحاب أبي حنيفة يقولون إنا قد علمنا ~~ذلك في جملة من المسائل وهي التي ذكروها وغيرهم لا يحكم بذلك في أكثر هذه ~~المسائل على سبيل الجملة بل يستقرءون مسألة مسألة والأظهر في كثير مما ~~ذكروه أنه لا يظهر علته كالتقديرات واصول العبادات والأولى مع ذلك استقراء ~~مسألة مسألة فما لا يدل على علته دلالة لم يستعمل فيه القياس لجواز أن يكون ~~فيها ما دل دلالة على علة حكمه غير أن ما أخذ علينا التطرق إليه بالأدلة ~~المعلومة فانه لا يجوز استعمال القياس فيه كصلاة سادسة ولإجماع الامة على ~~أنه لا مجال للقياس فيه ولأنه لا تظهر فيه دلالة تدل على علته وما رخص فيه ~~للتساهل فلا علة فيه إلا شذة البلوى به وكل ما هذه حاله قد رخصوه وما لم ~~يرخصوه من ذلك فالإجماع على حظره يمنع من قياسه على ما # PageV02P265 # رخصوه ويبعد أن تظهر في التقديرات والأعداد علة فاما الكفارات فلا يبعد ~~أن تظهر علتها فيقاس عليها غيرها بتلك العلة وليس لمن منع من ذلك أن يجري ~~به مجرى الحدود من حيث كانت عقوبات لأنه يسوي في المنع من إثباتها قياسا ~~بين ما يجري منها مجرى العقوبات وبين ما لا يجري منها مجرى العقوبات وأيضا ~~فقد أثبتوا على الآكل في شهر رمضان كفارة وهي جارية مجرى العقوبات اعتبارا ~~بالمجامع وسلكوا في ذلك مسلك التعليل ولا يعصمهم من ذلك أن يمتنعوا من ~~تسمية ذلك قياسا وسيجيء القول في ذلك إن شاء الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في الاستدلال على موضع الحكم هل هو قياس أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم ms660 أن الشيخ أبا الحسن رحمه الله لم يكن يثبت الكفارات بالقياس وكان ~~يثبتها بالاستدلال على موضع الحكم فيثبت الكفارة على الأكل في شهر رمضان ~~اعتبارا بالمجاميع فيه فيقول قد علمت أن الكفارة لم تجب في الجماع لعينه بل ~~لأنه مفسد لعين صوم شهر رمضان مع ضرب مخصوص من المأثم وهذا موجود في الأكل # وذكر قاضي القضاة رحمه الله أنه كان يفصل بين القياس وبين ذلك بأنا نحتاج ~~إلى الاستدلال لنعلم بأن الجماع يختص بمأثم مخصوص ولا يحتاج إلى الاستدلال ~~لنعلم أن البر مكيل فيقال له حاجتك إلى هذا الاستدلال لا يخرجك من أن تكون ~~قد سلكت مسلك التعليل بهذه الأوصاف وأجريت حكمها معها وهذه صورة القياس على ~~أن المقائيس ما يعلم ثبوت علته في أصله بدليل وذلك بأن تكون العلة حكما ~~شرعيا لأن الأحكام الشرعية معلومة بالدليل على أن ما افتقر فيه إلى ~~الاستدلال هو أخفى مما علم ضرورة فان لم تثبت الكفارة بالأجلى فالأولى أن ~~لا تثبت بالأخفى # ويمكن أن نقيس الاستدلال على موضع الحكم بوجه آخر وهو أن يكون الحكم ~~ثابتا في موضع مجمل ثم نستدل لنعلم ذلك الموضع فاذا ثبت بالدليل أن # PageV02P266 # شيئا من الأشياء من ذلك الموضع ألحق به حكمه لا على سبيل القياس بل على ~~سبيل إدخال التفصيل في الجملة فان قيس الاستدلال على موضع الحكم بهذا قيل ~~له أموضع الكفارة هو الجماع أم بعض أوصافه فان قال هو الجماع قيل هذا لا ~~يحتاج إلى استدلال زائد على الخبر وينبغي أن لا يلحق به إلا ما كان جماعا ~~وإن قال موضعها هو بعض أوصافه وهو إفساد عين صوم الشهر مع مأثم مخصوص قيل ~~ابالنص علمت أن هذا موضع الكفارة أم بدليل وليس يمكنه القول بأنه علم ذلك ~~بالنص لأن النص يتناول الجماع لا هذه الأوصاف وإن قال علمت ذلك لا بالنص ~~ولكن باعتبار أفسدت به تعليق الكفارة بالجماع وبغيره من أوصافه سوى ما ~~ذكرته قيل هذا تعليل منك لأنك علقت هذه الكفارة بهذه الأوصاف وقلت ms661 لها ما ~~ثبت الكفارة وتوصلت إلى ذلك بأن أفسدت تعلق الكفارة بما عداها فاذا حكمت ~~على الأكل بالكفارة لأنه مفسد لعين صوم رمضان مع مأثم مخصوص فقد قست وجرى ~~ذلك مجرى أن تفسد تعليق الربا بعين البر وبصفاته سوى الكيل ثم تحرم الارز ~~لأنه مكيل وكل من أثبت الكفارة بالقياس أن يسلك هذا المسلك ونسميه استدلالا ~~على موضع الحكم - صلى الله عليه وسلم - باب تعليل حكم الأصل بعلتين - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن حكم الأصل إذا علل بعلتين فإما أن تكون إحداهما هي الدليل على ~~حكم الأصل أو لا تكون واحدة منهما هي الدليل على حكم الأصل بل الدليل عليه ~~نص أو إجماع فان لم تكن واحدة منهما دليلا على حكم الأصل جاز أن تصحا جميعا ~~لأن العلة إن كانت أمارة فجائز أن تدل على الحكم الواحد امارتان وإن كانت ~~موجبة وجه مصلحة فجائز أن يكون الشيء صلاحا من وجهين يبين ذلك أنه قد يستحق ~~الإنسان القتل لردته ولأنه قتل غيره وقد تفسد صلاة الإنسان بالحدث وبالكلام ~~إذا وجدا معا وأمثال ذلك كثيرة وإن كان إحدى العلتين دليلا على حكم الأصل ~~فإما أن تكون دليل حكمه من غير أن يقاس بها على اصل آخر أو أن تكون دليله ~~بان يقاس بها # PageV02P267 # على أصل آخر مثال ردنا التطاول في الشهادة على السرقة إلى التطاول في ~~الشهادة على الزنا في أن الحاكم لا يحكم بهما بعلة أن كل واحد منهما حق من ~~حقوق الله تعالى وليست هذه العلة هي التي لها لم يحكم الحاكم بالشهادة على ~~الزنا إذا تطاول عهدها لكن العلة في ذلك أن الشهود على الزنا مخيرون بين ~~إقامة الشهادة بحق الله سبحانه وبين الستر على المشهود عليه فاذا أخروا ~~الشهادة علمنا أنهم آثروا فاذا شهدوا من بعد تبينا ان عداوة تجددت لهم ~~والعدوان تتهم الشهود وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم من قبول شهادة ذوي ~~الأضغان وظهر لنا أنهم من ذوي الأضغان لا أنا نقيسهم على ذوي ms662 الأضغان وهذه ~~العلة لا يمكن ذكرها في الشهادة على السرقة لأنه يجوز أن يكون الشهود إنما ~~أخروا الشهادة لأن المسروق منه أخر المطالبة فقد بان علة حكم الأصل غير ~~العلة التي بها رددنا الفرع إلى الأصل # وقد اختلف الناس في ذلك فمنهم من أجاز تعليل الحكم بالعلة التي لم يثبت ~~الحكم بها قال لأن العلة التي بها يثبت حكم الأصل هي طريق الحكم في الأصل ~~فجرت مجرى النص الدال على حكم الأصل فكما يجوز أن تدل دلالة على أن لبعض ~~اوصاف الأصل المنصوص على حكمه تأثيرا في ذلك الحكم فتجعل علته ويقاس بها ~~فرع من الفروع عليه جاز أيضا في بعض ما ثبت حكمه لعلة من العلل أن تدل ~~دلالة على أن لبعض أوصافه تأثيرا في ذلك الحكم فتجعل علة فيه ويقاس بها على ~~الفروع ومنهم من لم يصحح العلة التي لا يثبت بها حكم الأصل لأن هذه العلة ~~لا يمكن أن تدل على صحتها وأنها لمكانها ثبت حكم الأصل لأنه لا يمكن أن ~~يستدل على ذلك بفساد ما عداها لأن العلة الأخرى صحيحة ولا يمكن أن نستدل ~~عليها بأن الحكم يوجد بوجودها في الأصل وينتفي بانتفائها عن الأصل وانتفاء ~~ما يقوم مقامها لعلمنا أنها لو وجدت وحدها في الأصل من دون العلة الأخرى لم ~~يثبت الحكم فاذا لم يمكن أن تدل دلالة على صحتها لم تثبت صحتها # وأما القسم الثاني وهو إذا كانت العلة التي هي دليل الحكم في الأصل يقاس ~~بها ذلك الأصل على أصل آخر فلا يخلو إما أن يمكن أن يقاس الفرع الآخر بتلك ~~العلة على الأصل الأول أو لا يمكن فإن لم يمكن فالخلاف فيه # PageV02P268 # كالخلاف فيما تقدم الآن وإن أمكن ذلك فمثاله أن يرد الذرة إلى الارز بعلة ~~أنه مكيل ويرد الارز إلى البر بهذه العلة وهذا تطويل لا فائدة فيه لأنه ~~يمكن رد الذرة إلى البر بهذه العلة ولأن رد الذرة إلى الارز يوهم أن حكمه ~~منه مستفاد وليس كذلك لأن الذرة كالارز ms663 في أن العلم بحكم أحدهما لا يسبق ~~العلم بحكم الآخر فلا يترتب عليه بل حكمها يترتب على البر - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في تعليل الأصل بعلة لا تتعدا - صلى الله عليه وسلم - # أما الشيخ أبو عبد الله رحمه الله فانه أفسدها إلا أن يدل عليها نص أو ~~إجماع وحكى عنه قاضي القضاة رحمه الله أنها صححها في بعض مسائله والشيخ أبو ~~الحسن رضي الله عنه أفسدها إلا أن يدل عليها نص والشافعي وأصحابه وقاضي ~~القضاة يصححونها # والدليل على صحتها هو أن من أفسدها إما أن يفسدها لأنها لم تتعد إلى فرع ~~مختلف فيه أو أنها لم تتعد إلى فرع أصلا اختلف فيه أو لم يختلف فيه فان قال ~~بالأول كان قد جعل صحتها وفسادها موقوفين على أن يختار الناس الخلاف في ~~الفرع أو الاتفاق فيه وهذا شنيع وأيضا فإن كانت العلة هي وجه المصلحة فوجوه ~~المصالح إذا حصلت في الشيء اقتضت كونه مصلحة وقع الاتفاق عليه أو لم يقع ~~وإن كانت أمارة على الحكم وعلى وجه المصلحة فالأدلة والأمارات لا تفسد ~~بالاتفاق على مدلولها وإن قالوا بالثاني فالذي يفسده أيضا هو أن العلة ~~الشرعية إذا دلت عليها الأمارة غلب على ظننا أنها وجه المصلحة وإن لم تتعد ~~لأن وجوه المصالح قد تختص نوعا واحدا وقد تتعداه كما نقوله في وجوه القبح ~~والحسن كلها وأيضا فالعلة لو فسدت إذا لم تتعد لكان فسادها وجه معقول # فان قالوا الوجه في ذلك هو أن العلة المستنبطة إذا لم تتعد لم يكن في ~~استنباطها فائدة لأن حكم الأصل ثابت بالنص لأنها بالنص قد أغني غنها في ~~الأصل وليست موجودة في فرع فيكون طريقا إلى حكمه وإذا لم يكن في # PageV02P269 # استنباطها فائدة كانت عبثا وليس كذلك العلة المنصوصة لأنها لم تثبت علة ~~بالاستنباط قيل إن المستنبط للعلة طالب لها وهو في حال طلبه لا يعلم ما علة ~~الحكم وهل هي متعدية أم لا فيقال له لا تتكلف هذا البحث والطلب وإنما يعلم ~~أن العلة ms664 التي تبحث عنها لا تتعدى بعد استيفاء الطلب وأيضا يكون الطلب لها ~~عبثا لا يفسد العلة لأنه لا يمتنع كونها علة ويكون الطالب لها عابثا حين ~~يتشاغل بطلب ما هو مستغن عنه وأيضا فلو جاز أن يكون الطلب لها عبثا لأنها ~~ليست بطريق إلى الحكم لا في الحكم ولا في الفرع لكان النص عليها عبثا لأنها ~~ليست بطريق إلى حكم في أصل ولا فرع وأيضا وقوع الغنى عن الشيء لا يفسده ألا ~~ترى أنا نستغني بالقرآن في بعض الأحكام عن أخبار الآحاد وعن القياس ولا ~~يوجب ذلك فسادهما # فان قيل خبر الواحد يمكن أن يكون طريقا إلى الحكم الذي دل عليه القرآن ~~ولا يمكن أن تكون العلة القاصرة طريقا إلى حكم أصلا قيل إنما تكلمنا على ~~قولكم طلبها عبث إذ النص قد أغنى عنها وليس لها وجود في بعض الفروع ولم ~~نتكلم على ما ذكرتموه الآن وهو قولكم العلة القاصرة لا يمكن أن تكون طريقا ~~إلى حكم فلم يكن في طلبها فائدة فان قلتم ذلك أجبناكم بما تقدم دون هذا ~~الوجه # وإن قالوا إذا لم تكن العلة طريقا إلى حكم لم تكن فيها نفسها فائدة وما ~~لا فائدة فيه لا يجوز أن ينصب الله عز وجل عليه أمارة فكل علة قاصرة فإنا ~~نعلم أن الله عز وجل لم ينصب عليها أمارة قيل وما لا فائدة فيه لا يجوز أن ~~ينص الله عز وجل ولا رسوله عليه فان جعلتم للنص عليها فائدة فقد بطل قولكم ~~إن ما لا يفيد حكما فهو فاسد وأيضا فلا فائدة أكثر من العلم بعلة الحكم ~~فانا إذا علمنا كم الشيء ووقفنا على علنه صرنا عالمين أو ظانين بما لم نكن ~~عالمين به وذلك ما تتشوق النفس إلى معرفته ولا يمتنع أن يكون لنا في ظن ذاك ~~مصلحة وفائدة أخرى وهي أن نمتنع من قياس فرع على أصل علته قاصرة # فان قالوا فهذا يمكن إذا لم تنصب أمارة على أن ذلك الوصف علة قيل # PageV02P270 # هذا القدر لا ms665 يمنع من القياس على ذلك الأصل لأنه يجوز أن يظن أن علته وصف ~~آخر فيقاس به فرع من الفروع وإذا ظننا أن ما لا يتعدى هو العلة لأن أمارة ~~كونه علة أقوى من كل الأمارات رفضنا ما عدا ذلك الوصف فلم نقس على ذلك ~~الوصف شيئا ولهم أن يقولوا وكان يمكن أن لا يقاس على ذلك الأصل بأن لا ينصب ~~الله عز وجل أمارة على شيء من أوصافه وإذا أمكن ذلك لم يكن في نصب أمارة ~~على الوصف الذي لا يتعدى فائدة # واقوى ما يمكن أن يحتجوا به هو أن العلة الشرعية أمارة والأمارة كالدلالة ~~في أنها كاشفة عن شيء ولا يتصور دلالة وامارة لا تكشف عن شيء والعلة ~~القاصرة لا تكشف عن حكم أصل ولا فرع فلم تكن أمارة وإذا لم تكن أمارة لم ~~تكن علة والجواب إنه إذا دلت أمارة صحيحة على كون الوصف علة قضينا بأنها ~~وجه المصلحة وقلنا بأن العلة أمارة على معنى أنها مظنون كونها علة ويمكن أن ~~نقول إنها أمارة على وجه المصلحة بمعنى أنها مقارنة فيدل على أن وجه ~~المصلحة يوجد حيث توجد العلة ثم يقال لهم إذا نص على العلة التي لا تتعدى ~~أليس تكون العلة أمارة أو دلالة فان قالوا بلى قيل لهم فعلى ما تدل فان ~~قالوا إنها تكون وجه المصلحة أو تكون أمارة على وجه المصلحة ولا تكون أمارة ~~ولا دلالة على حكم قيل لهم مثله في العلة المستنبطة - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في اختلاف موضوع العلة والحكم - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن العلة قد تكون حكما ما شرعيا ويكون حكمها شرعيا وإذا كان أحدهما ~~مبنيا على التخفيف والآخر على التغليظ جاز أن يجعل ذلك أمارة تقتضي أن لا ~~يعتبر أحدهما بالآخر ويمكن أن يجاب عن ذلك فيقال لا يمتنع اعتبار أحدهما ~~بالآخر إذا دلت الدلالة على صحة العلة فان قيل إنه لا يجوز أن تدل الدلالة ~~على صحة مثل هذه العلة انتقل الكلام إلى إقامة الدلالة ms666 على صحة العلة ونحن ~~من بعد نذكر الكلام في العلة من حيث هي دليل على حكم الفرع إن شاء الله # PageV02P271 # - صلى الله عليه وسلم - باب في اختلاف موضوع الفرع والأصل وفي حكم الفرع ~~إذا تقدم حكم الأصل - صلى الله عليه وسلم - # أما اختلاف موضوع الأصل والفرع فنحو أن يكون الأصل مبنيا على التخفيف ~~كالتيمم والمسح على الخفين ويكون الفرع مبنيا على التغليظ كالوضوء وغسل ~~الرجلين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما مخففا ويكون الأصل مبنيا على ~~التغليظ كالوضوء وغسل الرجلين ويكون الفرع مبنيا على التخفيف كالتيمم ~~والمسح على الخفين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما مغلظا فاختلاف الفرع ~~والأصل كالأمارة على أنه لا ينبغي رد أحدهما إلى الآخر فان دلت دلالة على ~~صحة العلة الجامعة بينهما أوجبت الدلالة التسوية بين الفرع والأصل في ذلك ~~الحكم وإن اختلفا في التغليظ والتخفيف من وجوه أخر # وأما الفرع إذا تقدم حكمه على حكم الأصل فمثاله الوضوء إذا قيس على ~~التيمم في اشتراط النية فيه وذلك أن الوضوء وجب بمكة والتيمم وجب بعد ~~الهجرة وقد منع من ذلك قوم لأن شرط ما تقدم وجوبه لا يجوز كونه مستفادا مما ~~تأخر وجوبه لأن الدليل لا يجوز تأخره عن المدلول عليه والأولى أن يقال إن ~~الفرع إذا تقدم حكمه فانه إن لم يدل على ثبوت حكمه إلا القياس على ذلك ~~الأصل فانه لا يصح ذلك القياس لأنه لا يجوز أن يكون لنا على الحكم الذي ~~تعبدنا به دليل في الحال وإن دل على حكم الفرع دليل متقدم لم يبطل ذلك ~~القياس لأنه لا يجوز أن يدلنا الله عز وجل على الحكم بأدلة مترادفة ألا ترى ~~أن المعجزات تتواتر بعد المعجزة المقارنة لابتداء الدعوة - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في العلة هل هي دليل على رسم الفرع ثم يعلق به حكم شرعي أو تدل ~~ابتداء على حكم شرعي - صلى الله عليه وسلم - # حكي عن أبي العباس بن سريج أنه قال إنما يثبت بالقياس الأسماء في ms667 الفرع ~~ثم تعلق عليها الأحكام وكان يتوصل بالقياس إلى أن الشفعة تركة ثم # PageV02P272 # يجعلها موروثة وإن وطىء البهيمة زنا ثم يتعلق به الحد وبعض الشافعية كان ~~يقيس النبيذ على الخمر في تسميته خمرا لاشتراكهما في الشدة ثم يحرمه بالآية ~~وأكثر الفقهاء متفقون على أن العلل تثبت بها الأحكام # فان كان أبو العباس بن سريج منع من إثبات الأحكام في الفرع بالعلل فذلك ~~باطل لأن أكثر المسائل إنما تعلل فيها أحكامها دون أسمائها والأمارات إنما ~~تدل على أن بعض صفات الأصل له تأثير في الحكم لا في الاسم ألا ترى أنا نعلل ~~تحريم البر بكونه مكيلا لا بكونه مسمى بأنه بر والأمارة إنما تدل على أن ~~للكيل أو الطعم تأثيرا في تحريم بعضه ببعض متفاضلا لا في كونه مسمى بأنه بر ~~ثم إنا نرد الارز إليه لنثبت فيه حكمه ابتداء لا تبعا للاسم لأنا لا نروم ~~بقياسه عليه أن نسميه برا وإن أراد أن العلل قد يتوصل بها إلى الأسماء في ~~بعض المواضع ولم يمنع من أن يتوصل بها إلى الأحكام أيضا فان أراد بالعلل ~~العلل الشرعية وبالأسماء الأسماء اللغوية فذلك باطل لأن اللغة أسبق من ~~الشرع ولتقدم اللغة خاطبنا الله تعالى بها فلا يجوز إثبات أسمائها بأمور ~~طارئة ولأن أمارات جميع العلل الشرعية تتعلق بالأحكام ولا تتعلق بالأسماء ~~اللغوية وإن أراد أن الأسماء قد تثبت في اللغة بقياس غير شرعي نحو أن نعلم ~~أنهم سموا الجسم الأبيض الذي حضرهم بأنه أبيض لوجود البياض فيه لعلمنا أنه ~~إذا انتفى عنه البياض لم يسموه بذلك فاذا وجد فيه سموه بذلك ثم نقيس عليه ~~ما غاب عنهم من الأجسام البيض فقد تقدم القول في ذلك وليس هو ببعيد وإن ~~أراد أن من الأسماء الشرعية ما تثبت بالعلل فغير بعيد ايضا لأنا نعلم أن ~~الشريعة إنما سمت الصلاة صلاة لصفة من الصفات متى انتفت عنها لم تسم في ~~الشريعة صلاة فنعلم أن ما شاركها في تلك الصفة يسمى صلاة # وأما قول بعض الشافعية أن ms668 النبيذ يسمى خمرا فليس هو مذهب الشافعي # PageV02P273 # وقد قال في كثير من كتبه إن الخمر هو عصير العنب الني المشتد وأما قياسه ~~النبيذ على الخمر بعلة الشدة وإيجابهم بذلك أن يسمى خمرا فباطل لأن الخمر ~~لم تسم خمرا للشدة فقط وإن كان لو لم توجد الشدة لم تسم خمرا كما أن الخل ~~لم يسم خلا للحموضة وإن كان لولاها لم يسم خلا لكنه إنما سمى خمرا لأنه ~~عصير العنب الني المشتد ولو كان قولنا خمر يشتمل التمري والعنبي لشمول اسم ~~الخمر لخمر العراق وخمر فارس لكان قول القائل لغيره أمعك نبيذ أم خمر كقوله ~~أمعك خمر أو خمر العراق فلما افترقا في الجنس علمنا أن اسم الخمر لا يتناول ~~النبيذ وقول النبي صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين محمول على أنه إنما ~~سمى ما يكون من النخلة خمرا مجازا لما ذكرناه الآن # فان قيل هلا قلتم إنه يقع عليه اسم الخمر يعرف الشرع قيل ليس هذا قولا ~~لأحد ولو اقتضاه عرف الشرع لسبق إلى إفهام أهل الشرع من قولنا خمر التمري ~~والعنبي معا على سواء كما يسبق إلى إفهامهم من اسم الصلاة هذه الأفعال ~~الشرعية فكان ينبغي أن يقبح أن يقول القائل أمعك نبيذ أم خمر - صلى الله ~~عليه وسلم - باب في أن العلة هل يتوصل بها إلى إثبات الحكم في الفرع وإن لم ~~ينص عليه في الجملة أم لا - صلى الله عليه وسلم - # ذهب الشيخ أبو هاشم رحمه الله إلى أنه لا يجوز إثبات الحكم في شيء ~~بالقياس إلا وقد ورد النص باثباته فيه على الجملة فيكون القياس دالا على ~~تفصيل الحكم قال فلو لم يكن إرث الأخ ثابتا في الجملة لم يجز إثبات إرثه مع ~~الجد بالقياس وأجاز غيره من القائسين إثبات الحكم بالقياس وإن لم يتقدم ~~إثباته في الجملة والدليل على ذلك هو أن الدلالة العقلية على جواز استعمال ~~القياس لا تخص التفصيل من الجملة بل تجوز استعمال القياس فيها ولأن الأمة ~~قاست مسألة الحرام ولم ms669 يتقدمه فيها حكم شرعي على الجملة راموا # PageV02P274 # تفصيله بل كانوا لمقايستهم يثبتون أصل الحكم وقول الله عز وجل {لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم} ليس يدل على إثبات الحكم في الجملة في مسألة الحرام ~~لأن ذلك إنما يدل على المنع من التحريم ولا يدل على حكم التحريم إذا وجد ~~وقد قاس مثبتو القياس الارز على البر ولا يتقدمه تحريم ببيعه متفاضلا على ~~الجملة - صلى الله عليه وسلم - باب في تخصيص النصوص بالقياس ونسخها به - ~~صلى الله عليه وسلم - # أما نسخ النصوص بالقياس فسنبينه في تضاعيف هذا الفصل وأما إذا كان القياس ~~رافعا للنصوص من غير نسخ فقد تقدم ذلك في الأخبار وإنما ذكرنا هذا الفصل ~~هناك ولم نذكره في أبواب القياس لأنا نقدم النص على القياس وذلك لا يقف على ~~كون القياس حجة في الجملة وأما إذا كانت النصوص عامة فانما ذكرنا القول في ~~معارضة القياس لها في ابواب القياس لأنا نخصص العموم بالقياس وذلك لا يتم ~~إلا والقياس حجة في الجملة # وقد اختلف الناس في تخصيص العموم بالقياس فقال الشيخ أبو علي رحمه الله ~~وبعض الفقهاء لا يخص به أصلا وهو قول أبي هاشم أولا وقال الشافعي وأبو ~~الحسن وكثير من الفقهاء أنه يخص به العموم على كل حال وهو قول أبي هاشم ~~أخيرا ومن الناس من خص العموم بالقياس في حال دون حال واختلف هؤلاء في تلك ~~الحال فمن أصحاب الشافعي من خص العموم بالقياس الجلي ولم يخصه بالخفي ومن ~~الناس من خصه بالقياس إذا دخله التخصيص ولم يخصه به إذا لم يدخله التخصيص # والدليل على تخصيص العموم بالقياس هو أن الصحابة رضي الله عنها اختلفت في ~~الجد فبعضهم جعله أولى من الأخ والاخت بجميع المال وذهب في # PageV02P275 # ذلك إلى قياس وخص به قول الله عز وجل {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} وبعضهم قاسم بين الجد والأخ ~~واستدل بالقياس على أنه يقاسم ولم ms670 يجعل للاخ إرث جميع مال اخته ولم يجعل ~~لاخته مع الجد النصف بل خص الآية وهذا يبطل قول من لم يخص العموم إلا بقياس ~~معنى لأن القياس في مسألة الجد هو قياس غلبة الأشباه # فان قالوا خصو الآية بكون الجد وارثا بمقدار ما يرثه وإثبات إرثه في ~~الجملة معلوم بقياس جلي قيل إنهم لم يذكروا في ذلك قياسا مفردا بل لم ~~يستعملوا في إثبات إرثه إلا ما استعملوه في مقدار إرثه لأنهم استعملوا ~~القياس في هل يرث الكل أو البعض ثم تبع ذلك ثبوت إرثه وهذه الدلالة تفسد ~~قول من شرط في تخصيص العموم بالقياس أن يكون العموم قد خص من وجه آخر لأنا ~~قد بينا في تخصيص العموم بأخبار الآحاد أن العموم المخصوص هو كالعموم الذي ~~لم يخص وإذا لم يكن بينهما فرق كان إجماع السلف رضي الله عنهم على أحدهما ~~كاجماعهم على الآخر كما إن إجماعهم على القياس في مسألة الجد دليل على صحة ~~القياس في مسألة تجري مجراها # إن قيل اليس التخصيص في معنى النسخ لأن كل واحد منهما هو إخراج بعض ما ~~تضمنه الطاب ثم لم يدل عندكم إجماع الصحابة على تخصيص العموم بالقياس ~~وبأخبار الآحاد على جواز نسخه بهما ولا دل إجماعهم على المنع من نسخ العموم ~~بهما على المنع من تخصيصه بهما فهلا قلتم إن إجماعهم على تخصيص عموم الكتاب ~~بالقياس إذا دخله التخصيص لا يدل على جواز تخصيصه إذا لم يدخله التخصيص وإن ~~كان أحدهما في معنى الآخر قيل إن الحكمين إذا كان معناهما واحدا فان ~~الدلالة على جواز أحدهما هي دلالة على جواز الآخر إلا أن يمنع من ذلك مانع ~~ألا ترى أن الصحابة لو أجمعت على قبول خبر # PageV02P276 # الواحد في وجوب النية في الوضوء لدل ذلك على قبوله في النية في التيمم ~~فاذا ثبت ذلك فاجماعهم على تخصيص العموم بالقياس هو دليل على جواز نسخه ~~بالقياس لولا مانع من ذلك وهو الإجماع وإجماعهم على المنع من نسخه بالقياس ~~هو دليل على ms671 المنع من تخصيصه بالقياس لولا مانع منع من ذلك وهو إجماعهم على ~~تخصيصه به # دليل آخر وجوب العمل بالقياس مقطوع به لأن دليله مقطوع به وهو إجماع ~~الصحابة كما أن العمل بالعموم مقطوع به فهما متساويان في هذه الجهة ومنها ~~يقع التخصيص فيجب إذذ كان أحدهما أخص من الآخر أن يخص به الأعم كما يخص ~~العموم بدليل خاص مقطوع به يبين ذلك أنا نعدل عن مقتضى العقل في تحليل ~~الأنبذة وغير ذلك إلى القياس مع أن مقتضى العقل مقطوع به فيجب مثله في ~~العموم # فان قيل إنما نعدل إلى القياس عن مجوزات العقول لا عن واجباتها وإباحة ~~النبيذ من مجوزات العقول قيل ما معنى وصفكم لإباحة النبيذ أنه من مجوزات ~~العقول فان قالوا معنى ذلك أن العقل وإن أباحه فانه يجوز أن يختص بوجه ~~مفسدة في المستقبل فيرد الشرع بتحريمه قيل لهم وكل ما يعدل إليه بالقياس عن ~~مقتضى العقول هذه سبيله وهو موضع استدلالنا عليكم فان قالوا إنما جوزنا ~~استعمال القياس في مقتضى العقل لأن العقل اقتضى حكمه بشرط أن لا ينقلنا عنه ~~دليل سمعي والقياس دليل سمعي فاذا نقلنا عن مقتضى العقل وجب الانتقال عنه ~~قيل والعموم أيضا إنما يقتضي الاستغراق ما لم يمنعنا دليل سمعي والقياس في ~~الجملة دليل سمعي عندنا وعندكم واعلم أنا قد بينا في تخصيص العموم بأخبار ~~الآحاد انه لا يصح الاحتجاج باجماع الصحابة على قبول أخبار الآحاد في ~~الجملة على قبولها في التخصيص وأنه إنما ينبغي أن يحتج بقبولهم لها في ~~التخصيص لأن إحدى المسألتين مفارقة للاخرى وما ذكرناه هناك يتوجه ها هنا ~~فلا معنى لإعادته # PageV02P277 # دليل قد خصت الصحابة العموم بالقياس لأنها خصت آية الجلد واخرجت منها ~~العبد لأنهم لم يجلدوه مائة وإنما خصوه بالقياس ولقائل أن يقول ما يؤمنكم ~~أن يكونوا خصوه من الآية بدليل غير القياس واستغنى بالإجماع عن نقله # دليل قد خصت الصحابة قول الله عز وجل {وأحل الله البيع} بقياس الارز على ~~البر ولقائل أن يقول لا سبيل ms672 لكم إلى بيان ذلك لأن كثيرا من الفقهاء لا ~~يسلمون أن الصحابة اعتقدت تحريم التفاضل فيما عدا الستة فضلا عن أن يكونوا ~~محرمين له قياسا # دليل قد عدلت الصحابة عن ظاهر القرآن لقياس فيجب مثله في التخصيص لأن ~~التخصيص عدول عن الظاهر ولقائل أن يقول إن من يخالف في تخصيص عموم الكتاب ~~بالقياس لا يسلم أن الصحابة أجمعت على ترك الظاهر بالقياس # واحتج المخالف باشياء # منها أن عموم الكتاب دليل مقطوع به والقياس أمارة مظنونة ولا يجوز ~~الاعتراض بالمظنون على المعلوم والجواب عن ذلك قد تقدم في باب تخصيص العموم ~~بأخبار الآحاد وربما تعلق بهذه الشبهة من لا يجيز تخصيص العموم بالقياس إذا ~~لم يدخله التخصيص ويجيز تخصيصه إذا دخله التخصيص فاذا نوقض بتخصيصه بالقياس ~~إذا دخله التخصيص يقول إن دخول التخصيص يدل على أن صاحب الشريعة قال مع ~~العموم احملوه على عمومه ما لم يمنعكم مانع ويدل على أن صاحب الشريعة قد ~~أشعرنا بأنه معرض للتخصيص فيقال له لم زعمت أن تخصيصه يقتضي حمله على عمومه ~~ما لم يمنع منه مانع فان قال لأن العموم من حقه أن يجري على عمومه إلا ~~لدليل قيل فهذا حكم العموم # PageV02P278 # سواء علمنا دخول التخصيص عليه أو لم نعلم ذلك وليس يقف ذلك على دخول ~~التخصيص ويقال له ودلالة الأمارة على تخصيص العموم تدل على أن صاحب الشريعة ~~قال في العموم إحملوه على عمومه إلا أن يمنع من ذلك مانع ويقال لهم لم ~~زعمتم أن دخول التخصيص في العموم إشعار بتخصيص زائد وربما قالوا لو خص ~~العموم الذي لم يدخله التخصيص لاقترن به ما يخصه لأن البيان لا يتأخر قيل ~~كذلك يقول من لم يجوز تاخير البيان لأنه يذهب إلى أن ما دل على علة القياس ~~لم يكن متأخرا عن العموم ثم يقال له يلزمك ما ألزمتنا في العموم إذا دخله ~~التخصيص وقالوا أيضا إن ما دخله التخصيص يدل على أن صاحب الشريعة قد قال ~~فيه إنه ليس المراد به جميعه فيكون مجملا ms673 فجاز إعمال القياس فيه والجواب أن ~~العموم إذا خص تخصيصا معينا فانه يبقى الباقي ومعلوم دخوله تحت العموم ولا ~~يكون مجملا وإنما يكون مجملا إذا خص تخصيصا غير معين # ومنها قولهم إن القياس إنما يصح بالضرورة الداعية إليه ومع وجود العموم ~~فلا ضرورة تدعو إليه الجواب يقال لهم اتريدون أن الضرورة الداعية إلى ~~القياس زائلة إذا دخل الحكم تحت لفظ العموم أو اذا كان الحكم مرادا بالعموم ~~فان قالوا بالأول كان موضع الخلاف وإن قالوا بالثاني لم يمكنهم أن يبينوا ~~أن الحكم مراد بالعموم إلا إذا اثبتوا أن القياس ليس بحجة مع العموم فيصير ~~دليلهم مبنيا على نفس المسألة فان قالوا تناول لفظ العموم للمسألة يدل على ~~أنها مرادة به وذلك نعني عن القياس قيل إنما تعلمون أن تناول لفظ العموم ~~لها يدل على انها مرادة به إذا علمتم أنه ليس من شرط دلالة العموم على ذلك ~~أن لا يعارضه قياس وإنما تعلمون ذلك إذا علمتم أن القياس المخصص للعموم ليس ~~بدلالة وهذا موضع الخلاف # ومنها قولهم إن القياس فرع على النص فلو خص القياس العموم لكان قد اعترض ~~بالفرع على الأصل الجواب إن قياس الارز على البر إنما يخص # PageV02P279 # قول الله عز وجل {وأحل الله البيع} وليس هذه الآية أصلا لهذا القياس لأن ~~أصل القياس هو إما ما يقع الرد إليه كالبر أو تحريمه أو ما يدل على تحريمه ~~أو ما يدل على صحة القياس كاجماع الصحابة وغيره فاما قول الله عز وجل {وأحل ~~الله البيع} فليس هو الذي رددنا إليه الارز ولا هو الدال على صحة القياس ~~فلم يعترض بالفرع على أصله # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بماذا تحكم قال بكتاب الله ~~قال فان لم تجد قال بسنة نبيه قال فان لم تجد قال أجتهد رأيي فجعل اجتهاده ~~مشروطا بان لا يجد الحكم في الكتاب والسنة وما يتناوله عموم الكتاب والسنة ~~فهو موجود إما في الكتاب وإما في السنة وقد صوبه النبي صلى الله ms674 عليه وسلم ~~الجواب أن المراد بذلك إن لم يجد في نص الكتاب والسنة الذي يعلم بدليلنا ~~يدل على ذلك أنه قال أحكم بكتاب الله عز وجل قال فان لم تجد قال أحكم بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن ذلك لا يمنع من تخصيص الكتاب ~~بالسنة المعلومة وليس يجوز الجواب عن هذا الخبر بان يقال إن حكم القياس غير ~~موجود وإن تناوله العموم وأن ذلك قد دخل تحت قوله أجتهد رأيي لأنه إنما ~~يعلم معاذ أن ذلك الحكم غير موجود في الكتاب وان تناوله عمومه بعد أن يجتهد ~~فيعلم أن القياس قد دل على أن ذلك الحكم لم يرد بالعموم وعند ذلك يسقط عنه ~~الاجتهاد ومعلوم أنه قد جعل اجتهاد رأيه مشروطا بنفي وجدانه الحكم وهذا ~~التأويل يقتضي أن نفي وجدانه الحكم في الكتاب مشروط بتقدم اجتهاد رأيه # ومنها أن النسخ كاتخصيص في ان كل واحد منهما يدل على أن المخاطب بالخطاب ~~لم يرد به بعض ما تناوله فاذا لم يجز النسخ بالقياس فكذلك التخصيص والجواب ~~أن شيخنا أبا عبد الله يقول إن الأمة أجمعت على أن القرآن لا ينسخ بقياس ~~كما أجمعت الصحابة على أنه يخص به ولولا ذلك لجوزت نسخ القرآن به فالشبهة ~~زائلة عنه فان قيل كيف يجوز أن نجمع على # PageV02P280 # المنع ما اجمعت الصحابة على جوازه قيل إن الصحابة لم تنص على جواز نسخ ~~القرآن بالقياس وإنما أجمعت على تخصيصه بالقياس الذي هو في معناه وليس ~~يمتنع أن يرد التعبد بأحدهما دون الآخر لوجه المصلحة يفترقان فيه لا يعلمه ~~إلا الله عز وجل ألا ترى أنه كان يجوز ورود النص بالفرق بين التخصيص والنسخ ~~بالقياس وأجاب الشيخ أبو هاشم رحمه الله بأنه إنما لم يجز النسخ به لأنه لا ~~يجوز أن ينزل الله عز وجل نصا ويجعل العمل به موقوفا على اجتهادنا وإنما ~~الجائز صرفه من وجه إلى وجه بالاجتهاد ولقائل أن يقول إن كون العمل بالنص ~~موقوفا على اجتهادنا معناه أنا نجوز أن ms675 لا يعمل به أصلا إذا أدى الاجتهاد ~~إلى ذلك وليس هذا سبيل النسخ من المنسوخ قد عمل به في حال متقدمة فان كان ~~إخراج بعض الأشخاص من كونهم مرادين بالخطاب هو صرف للخطاب من جهة إلى جهة ~~وليس هو إيقاف الخطاب على اجتهادنا فكذلك إخراج حكم الخطاب في بعض الأزمان ~~دون بعض هو صرف الخطاب من جهة إلى جهة وأجاب أصحاب الشافعي عن الشبهة بأن ~~النسخ إنما لم يصح بالقياس لأن كونه ناسخا للنص بخلافه والقياس لا يصح إذا ~~دفعه النص فوقوع النسخ به وقوع بدليل فاسد وهذا لا يصح لأن القياس إذا نسخ ~~الكتاب لم يكن الكتاب بخلافه لأنه ليس يبطل حكمه وإنما يقصر حكمه على بعض ~~الأزمان كما أن القياس إذا خصه لم يكن النص بخلافه لأنه لم يرفعه بالقياس ~~وإنما قصره على بعض الأشخاص # ومنها قولهم من شرط القياس أن لا يرده النص لأن الامة أجمعت على هذا ~~الشرط وإذا كان العموم بخلاف القياس فقد رده النص الجواب يقال لهم إن أردتم ~~برد النص أن يكون القياس دافعا له أصلا فكذلك نقول وليس ذلك موجودا في ~~مسألتنا وإن أردتم أن يكون القياس ينافي بعض ما اقتضاه العموم فليس فساد ما ~~هذه سبيله يجمع بل هو موضع الخلاف # PageV02P281 # - صلى الله عليه وسلم - باب في قلب العلة والقول بموجبها - صلى الله عليه ~~وسلم - # أما قلب العلة فهو أن يعلق الخصم عليها ضد ما علقه المعلل من الحكم فلا ~~يكون تعليق أحد الحكمين أولى من الآخر فيبطل تعلقها بهما وذلك على أضرب ~~أحدهما أن يكون الحكمان مفصلين والآخر أن يكونا مجملين والآخر أن يكون ~~أحدهما مجملا والآخر مفصلا أما المفصلان فضربان # أحدهما أن يتناقضا بأنفسهما حتى يقول المعلل فوجب أن يجوز ويقول الاخر ~~فوجب أن لا يجوز والآخر لا يتناقضان بأنفسهما بل بواسطة مثاله أن يعلل ~~المعلل استحقاق من قتل بغير السيف للقصاص بأنه قتل لا على وجه القصاص فأشبه ~~ما إذا قتل القاتل بالسيف فيقول الخصم فوجب أن لا ms676 يقتص منه بغير السيف كما ~~إذا قتل القاتل بالسيف أما القسم الأول فلا وجود له لأن الحكمين إذا تناقضا ~~كذب احدهما واستحال اجتماعهما في الأصل ومن حق من قلب القياس أن يصدق هو ~~والمعلل فيما يحكمان به في الأصل واما الثاني فله وجود وهو دليل على فساد ~~العلة لأنه ليس بان تدل العلة على أحد الحكمين ولا تدل على الآخر لأن ~~الإجماع واقع على أحد الحكمين إذا ثبت انتفى الآخر بأولى من العكس واما إذا ~~كانا مجملين فنحو أن يقول أحدهما فوجب أن يكون من شرط هذه العبادة معنى ما ~~ويقول الآخر فوجب أن لا يكون من شرطها معنى من المعاني وهذا كالقسم الأول ~~في التناقض لأن الحكمين وإن كانا مجملين فهما مفصلان في إثبات الشرط ونفيه ~~وأما إذا كان أحدهما مجملا والآخر مفصلا فضربان # أحدهما أن يكون المجمل هو حكم التسوية نحو أن يقول القائل فوجب أن يستوي ~~كذا مع كذا وتكون الامة مجمعة على أن أحدهما على الحظر فيجب مثله في الآخر ~~والآخر ليس هو قياس التسوية ومثاله تعليل الاعتكاف # PageV02P282 # بأنه لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى من المعاني كالوقوف ~~بعرفة ويقول الخصم فلم يكن من شرطه الصوم كالوقوف وهذا هو الذي قلبه يفسد ~~العلة لأنه ليس بأن يدل العلة على أحدهما فينتفي الآخر لمكان الإجماع بأولى ~~من العكس وهذا أولى مما ذكرناه في كتاب أفردناه في القياس الشرعي فان اعترض ~~قلب العلة نقض أو غيره من وجوه الفساد بطل القلب وصح قياس المعلل لأنه قد ~~صار حكمه أولى بأن يعلق على العلة # فأما القول بموجب العلة فهو أن يمكن الخصم أن يقول بالحكم الذي علقه ~~القائس فيعلم أن العلة ما دلت على موضع الخلاف مثاله تعليل الاعتكاف بأنه ~~لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه معنى ما كالوقوف بعرفة فيقول الخصم أنا ~~أقول من شرط الاعتكاف اقتران معنى ما وهو النية - صلى الله عليه وسلم - باب ~~في تخصيص العلة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم ms677 أن العلة قد يوجد معناها في فرع من دون حكمها وقد يوجد لفظها ~~ومعناها في فرع من دون حكمها # فالأول هو الكسر وذلك بأن ترفع وصفا من أوصاف العلة ظنا منك أنه لا تأثير ~~له وأن الذي يجوز أن يؤثر في الحكم هو ما عداه ثم ينقض ما عداه مثاله أن ~~يعلل معلل وجوب صلاة الخوف بأنها صلاة يجب قضاؤها كصلاة الأمن فيظن المعترض ~~انه لا تأثير لكون العبادة صلاة في هذا الحكم وأن الذي يظن أنه مؤثر في ~~الوجوب هو وجوب القضاء ثم ينقض ذلك بصوم الحائض في شهر رمضان يجب قضاؤه ~~وليس بواجب وينبغي للمعلل إذا أراد أن يجيب عن ذلك أن يبين أن لكون العبادة ~~صلاة تأثيرا في الحكم المعلل وأن الصلاة تخالف الصيام في هذا الباب # PageV02P283 # وأما القسم الثاني فهو النقض وقد اختلف الناس هل يجوز تخصيص العلة ~~المستنبطة ولا يمنع ذلك من كونها أمارة على الحكم ولا يجوز تخصيصها ويكون ~~تخصيصها مانعا من كونها أمارة فأكثر أصحاب أبي حنيفة يجيزون تخصيصها وهو ~~محكي عن مالك وأصحاب الشافعي يمنعون وربما مر في كلام الشافعي جوازه وذكر ~~قاضي القضاة في الشرح أن الشافعي يجيز ذلك وإنما يعدل عن حكم علة إلى حكم ~~علة أخرى والمعلوم من مذهبه أنه يشترط نفي العلة الثابتة في العلة الاولى ~~حتى لا ينتقض غير أنه لا يصرح باشتراط ذلك لأنه معلوم من مذهبه الاشتراط # أما العلة الشرعية المنصوصة فقد اتفق على جواز تخصيصها من أجاز تخصيص ~~الشرعية المستنبطة واختلف مانعو تخصيص المستنبطة في جواز تخصيص المنصوصة ~~الشرعية فأجازه بعضهم وهو ظاهر مذهب الشافعي ومنع منه آخرون وأقوى ما يحتج ~~به المانعون من تخيص العلة المستنبطة هو أن يقال معنى قولنا إنه لا يجوز ~~تخصيص العلة هو أن تخصيصها يمنع من كونها أمارة وطريقا إلى الوقوف على ~~الحكم في شيء من الفروع سواء ظن بها أنه وجه المصلحة أو لم يظن بها ذلك ~~فاذا بينا ان تخصيصها يمنع من كونها طريقا إلى الحكم ms678 فقد تم ما اردناه ~~وبيان ذلك أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا هي كونه ~~موزونا ثم علمنا إباحة بيع الرصاص متفاضلا مع أنه موزون لم يخل إما أن نعلم ~~ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته هي أقوى من علة تحريم الذهب وإما أن نعلم ذلك ~~بنص فإن دل على إباحته علة يقاس بها الرصاص على أصل مباح نحو كونه أبيض أو ~~غير ذلك من أوصافه فانا حينئذ إنما نعلم تحريم بيع الحديد متفاضلا لأنه ~~موزون غير أبيض لأنا لو شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا كما ~~لا نعلم ذلك لو شككنا في كونه موزونا فبان أنا لا نعلم بعد التخصيص تحريم ~~شيء بكونه موزونا فقط وبطل أن يكون هذا فقط علة وثبت أن العلة كونه موزونا ~~مع أنه غير أبيض # PageV02P284 # فان قال أنا أشترطه غير أني لا أسميه جزءا من العلة وإن كان التحريم لا ~~يحصل من دونه قيل قد ناقضت في هذا الكلام لأنك قد اشترطته في التحريم ولم ~~تفصل بينه وبين غيره من الأوصاف ثم نقضت ذلك بقولك لا أسميه جزءا من العلة ~~مع أنك قد وافقت في المعنى وخالفت في الاسم وإن دل على إباحة بيع الرصاص نص ~~وكنا قد علمنا إباحته فالقول في ذلك قد تقدم من أن نشترط نفي علة الإباحة ~~في علة الحظر وإن لم نعلم علة إباحته فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص ~~لا يتخطأه لأنها لو تخطئه لوجب في الحكمة أن ينصب الله عليها دلالة ليعلم ~~ثبوت حكمها فيما عدا الرصاص وإذا كان كذلك لم نعلم قبح بيع الحديد متفاضلا ~~ولا غيره إلا إذا علمناه موزونا ليس برصاص لأنه لو شككنا في كونه رصاصا لم ~~نعلم قبح بيعه متفاضلا وكذا القول في الاستدلال بالعموم لأنا إنما نعلم حسن ~~قتل زيد المشرك بقول الله عز وجل {فاقتلوا المشركين} وإن ذلك تناوله اللفظ ~~مع أنه لا دليل يخصصه وهذا لا يمكن تخصيصه والذي يبين ما قلناه من ms679 اشتراط ~~نفي المخصص أن الإنسان لو استدل على طريقه في برية بأميال منصوبة ثم رأى ~~ميلا لا يدل على طريقه وعلم أنه لا يدل على طريقه لأنه أسود فانه لا يستدل ~~فيما بعد على طريقه بوجود ميل دون أن يعلم أنه غير أسود لأنه لو شك في ~~سواده لم يستدل به على طريقه فقد صح ما اردناه والعلة المنصوصة في ذلك ~~كالمستنبطة # وقد احتج في المسألة بأشياء أخر # منها أنه لا طريق إلى صحة العلة الشرعية المستنبطة إلا جريانها في ~~معلولاتها فاذا لم تجر فيها لم يكن إلى صحتها طريق ولو كانت صحيحة لوجب في ~~الحكمة نصب طريق إليها وهذا باطل لما بيناه من أن جريان العلة في معلولها ~~ليس بطريق إلى صحتها فضلا أن يقال إنه ليس إليها طريق سواه # PageV02P285 # فلم يجب بطلان العلة إذا لم تجر في معلولها # ومنها قولهم إن العلة الشرعية قد دل الدليل على تعلق الحكم بها فلم يجز ~~تخصيصها كالعلة العقلية ولقائل أن يقول ولم زعمتم أن العقلية إنما لم يجز ~~تخصيصها لأن الدلالة دلت على تعلق الحكم بها وما أنكرتم أن الذي له لم يجز ~~تخصيصها هو كونها موجبة والعلة الشرعية أمارة فالأمارات قد يتبعها حكمها ~~وقد لا يتبعها فان قالوا ألستم تجوزون كون بعض العلل الشرعية وجه المصلحة ~~ووجوه المصالح موجبات ايضا فلم يجز إذا تخصيصها قيل إن ثبت ذلك في بعض ~~العلل الشرعية فأنا نظن كونها وجه مصلحة فهي من هذه الجهة أمارة أيضا ~~والأمارات المظنونة لا يجب أن لا تخطيء أبدا فان قالوا العلة المانعة من ~~تخصيص العقلية هو وجوب تبع حكمها لها اينما حصلت ما لم يمنع من ذلك مانع ~~فلذلك لم يجز ان يمنع مانع من حكمها وكان وجوب تبع الحكم لها من غير مانع ~~هو الذي لأجله لم يجز أن يمنع مانع من حكمها قيل لم زعمتم أن العلة ما ~~ذكرتم ولم إذا وجب تبع الحكم لها ما لم يمنع مانع لم يجز أن يمنع مانع من ms680 ~~تعليق الحكم بها في بعض المواضع ثم يبطل ذلك عليهم بالعلة المنصوصة على قول ~~من أجاز تخصيصها ويبطل بالعموم لأنه يجب شموله ما لم يمنع منه مانع ولا ~~يستحيل أن يمنع مانع من شموله # ومنها قولهم إن العلة الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل فكما لم يجز ~~تخصيص هذه العلة لم يجز تخصيص تلك ولقائل أن يقول إن عنيتم أنها مع الشرع ~~كالعقلية مع العقل من حيث دل الدليل على تعلق الحكم بها فهو الدليل المتقدم ~~وإن عنيتم أنها مع الشرع كالعقلية مع العقل في المنع من تخصيصها فقد جمعتم ~~بينهما بغير علة # ومنها أن الأمارة الدالة على العلة هي طريقها والطريق إلى الاعتقادات ~~والظنون لا يختلف في الشخص الواحد بل إذا كان طريقا إلى الظن شيء أو ~~اعتقاده ووجد في شيء آخر كان طريقا إلى اعتقاده أو ظنه فيجب أن يكون # PageV02P286 # الأمارة طريقا إلى ظن الوصف علة في كل موضع وجدت فيه ولقائل أن يقول ~~الأمارة ليست دالة على أن العلة في الفروع فيلزم الإنسان أن يعتقد كونها ~~علة في كل تلك الفروع وإنما هي دالة على أنها علة الأصل وإنما يعلم أنه لا ~~يجوز تخصيصها بنظر آخر وهو موضع الخلاف ومنها أن العلة طريق إلى إثبات ~~الحكم في الفرع لأنا إذا علمنا أن الوصف علة الأصل ودل الدليل على التعبد ~~بالقياس فان الوصف يكون طريقا إلى إثبات الحكم في الفرع فاذا اختص هذا ~~الطريق بفرعين لم يجز كونه طريقا إلى العلم بحكم أحدهما ولا يكون طريقا إلى ~~العلم بحكم الآخر لأن طريق العلم بالشيء أو الظن له لا يجوز حصوله في اشياء ~~فيكون طريقا إلى العلم أو الظن بأحدهما ولا يكون طريقا إلى ذلك في الآخر ~~سيما وما ذكرناه طريق إلى العلم بحكم الفرع وليس بطريق إلى الظن وإنما ~~الطريق إلى الظن ما ذكرناه من الأمارة لأنه طريق إلى كون الوصف علة للحكم ~~وإنما قلنا إن الحكم في الطرق لا يختلف لأن هذه سبيل الأدلة والإدراك في ~~كونهما ms681 طريقين إلى العلم فان قيل إنما وجب ذلك فيما ذكرتم لأنه طرف موجب ~~قيل الإدراك ليس بموجب للعلم فقد استمرت هذه القضية فيه فان قيل العلة في ~~استمرار الأدلة والإدراك فيما ذكرتم أنه ليس للأمارات فيها مدخل وليس كذلك ~~الحكم بالعلة الشرعية قيل إن ما ذكرناه لا يختلف بحسب الأمارات لأن من ظن ~~أن زيدا في الدار بخبر رجل بعيد من الكذب فانه لا يجوز أن يخبره عن كون ~~عمرو في الدار فلا يظنه صادقا فاذا وجب ذلك في الأمارات المفردة فالذي ~~يقترن بها أدلة قاطعة أولى بذلك ولقائل أن يقول ليس العلة في العلة ~~والإدراك أنهما طريقان بل لأن الأدلة إما أن كون موجبة كدلالة كون الحي حيا ~~على كونه مدركا وإما أن تكون لولا المدلول ما كانت الدلالة على كل حال ~~كدلالة صحة الفعل على كون فاعله قادرا وليس كذلك الأمارة لأنها غير موجبة ~~وليست لولا المدلول ما كانت الأمارة على كل حال وأما كون المدرك مدركا فعند ~~اصحابنا يجب عنده العلم بالمدرك فهو كالموجب والصحيح أن كون المدرك مدركا ~~يوجب # PageV02P287 # كونه عالما بالمدرك وله أن يقول إذا جاز أن تختلف الأدلة والأمارات في ~~الشخصين فهلا جاز اختلافهما في الشخص الواحد فانكم لا تجيزون أن يستدل ~~الاثنان بالدلالة استدلالا صحيحا فيعلم أحدهما مدلولها دون الاخر ولا أن ~~يستدل الواحد بالدلالة على مدلول في موضعين فيعلم ثبوته في أحدهما دون ~~الآخر وتجيزون أن ينظر الاثنان في الأمارة نظرا واحدا فيظن أحدهما حكمها ~~دون الآخر فيعلم حكمها في أحد الشيئين دون الآخر ويفارق الأدلة في ذلك كما ~~فارقها في الناظرين ويقول ايضا على استدلالهم بالخبر إن من أخبره زيد بأن ~~عمرا في الدار فانه لو قيل له لم ظننت أن عمرا في الدار لقال إن زيدا أخبر ~~بذلك وهو بعيد من الكذب ومع ذلك قد يخبره بأن خالدا في الدار فلا يظن ذلك ~~إذا أخبره من هو أبعد من الكذب منه أنه في ذلك الوقت في السوق أو ظن كونه ms682 ~~في السوق بأمارة أخرى ولا يخرج إخبار زيد على كونه أمارة على أن عمرا في ~~الدار لأن الأمارة لا تخرج عن كونها أمارة إذا أخطأت في موضع آخر فكذلك لا ~~تخرج العلة من كونها أمارة وإن تخلف عنها حكمها # ومنها لو جاز وجود العلة في فرع ولا يتبعها فيها حكمها لم يكن بعض الفروع ~~بذلك أولى من بعض فكان يجب أن نحتاج في تعلق الحكم عليها في كل فرع إلى ~~دلالة لأن كونها علة ليس يقتضي تعليق الحكم بها في كل موضع إن قيل أليس ~~يجوز تخصيص العموم ولم يخرجه ذلك من كونه دلالة قيل إن التخصيص ليس يدخل ~~العموم من الوجه الذي كان منه دلالة لأنه إنما يدل لأجل صيغته بشرط انتفاء ~~القرائن وصدره عن حكيم وليس يجوز اجتماع ذلك كله ولا يدل فلم توجودنا دلالة ~~حصلت في موضع ولم تدل ولم ينقض ذلك كونها دلالة وليس كذلك العلة عندكم ~~لأنكم جعلتموها أمارة وخصصتموها مع ذلك ولقائل أن يقول قولكم ليس بعض ~~الفروع بأن لا يوجد فيه حكمها اولى من بعض باطل لأن بعضها أولى من بعض لأن # PageV02P288 # الفرع المختص بما يمنع من حكم العلة أولى بأن لا يوجد فيه حكم العلة من ~~فرع لم يوجد فيه ما يمنع من حكم العلة وذلك أن العلة أمارة والأمارة يتبعها ~~حكمها على الأكثر ولذلك كانت طريقا إلى الظن والأصل فيها أن يتبعها حكمها ~~إلا لمانع فان وجدت في موضع وكان حكمها لا يتبعها والحكمة تقتضي أن يدل ~~الله عز وجل على ذلك فاذا لم يدلنا عليه فلا مانع من تعليق الحكم بها # ومنها قولهم وجود العلة مع عدم حكمها يدل على أن المعلل ما استوفى شروط ~~العلة والعلة إذا لم تستوف شروطها كانت باطلة الجواب يقال لهم ولم زعمتم أن ~~تخلف حكمها عنها يدل على أن المعلل ما استوفى شروط العلة ولا بد من أن ~~يقولوا لو استوفى شروطها لم يتخلف عنها حكمها فيقال لهم هذا موضع الخلاف ~~ويبطل ذلك بالعلة ms683 المنصوصة إذا لم يقرر بها التعبد بالقياس ويبطل على بعضهم ~~بتخصيص العلة المنصوصة مع ورود التعبد بالقياس # ومنها قولهم إن وجود العلة مع عدم حكمها مناقضة وهو من آكد ما يفسد به ~~العلة والجواب يقال لهم ما معنى قولكم مناقضة فان قالوا المناقضة هي ~~الإقرار بوجود العلة من دون حكمها من غير دليل منع من حكمها قيل هذا لا يدل ~~على فساد العلة وإنما يدل على أن المعلل قد أخطأ حين لم يتبعها حكمها فان ~~قالوا المناقضة هي الإقرار بوجود العلة من دون حكمها وإن دل الدليل على ~~انتفاء حكمها قيل لهم مخالفكم لا يسلم أن ذلك مناقضة ويقول إن سميتم أن ذلك ~~مناقضة فلم زعمتم أنه يفسد العلة فان قالوا إنما قلنا إن ذلك مناقضة تفسد ~~العلة لأن العقلاء يعدونه مناقضة مفسدة حتى العوام منهم لأن قائلا لو قال ~~سامحت فلانا لأنه بصري ثم لم يسامح غيره من البصريين لقال له العوام ~~والخواص زعمت أنك سامحت فلانا لأنه بصري فهذا بصري قيل إن هذا الإنسان لو ~~اعتذر بأنه لم يسامح فلانا وإن # PageV02P289 # كان بصريا لأنه عدوه لم يمكن أن يدعى على جميع الناس أنهم يذمونه ~~ويلزمونه اشتراط نفي العداوة في علته الأولى وإن ادعوا ذلك على جميع ~~العقلاء فمخالفوهم من العقلاء ولا يلزمون المعلل ذلك فان قالوا لو لم تفسد ~~العلة بتخصيصها لم تفسد بمعارضة نص لها قيل لهم إن أردتم أن النص عارضها في ~~بعض فروعها فهذا هو التخصيص الذي لا تفسد العلة به عند خصومكم وإن اردتم أن ~~النص يمنع من حكمها في جميع فروعها فمن أجاز العلة القاصرة لا يمنع من ~~كونها علة في الأصل فقط ومن لم يجز ذلك يفسد العلة من حيث كانت قاصرة خارجة ~~عن كونها أمارة في كل المواضع وليس كذلك إذا تخلف عنها حكمها في بعض فروعها ~~لمانع لأن ذلك لا يمنع من كونها أمارة على أن هذه الشبهة تبطل بالنص على ~~العلة إذا لم يرد معه التعبد بالقياس على قول ms684 من لم يجز القياس بها لأن ~~حكمها ينتفي عنها في الفروع كلها وليس ذلك مناقضة ولا يجري مجرى معارضة ~~النص بعلة ويبطل العلة المنصوصة مع ورود التعبد بالقياس # ومنها قولهم إن العلة مع كل فرع تجري مجرى النص على فرع واحد فكما لم يجز ~~تخصيص النص على فرع واحد فكذلك العلة الجواب إن النص المتناول لعين واحدة ~~لا يمكن تخصيصه لأنه غير متناول الأشياء فيخرج بعضها وليس كذلك العلة ~~الشائعة في فروع كثيرة لأنها تتناول أشياء فهي كالعموم فجاز أن تدل دلالة ~~على إخراج بعض تلك الأشياء من حكمها ويبطل ذلك بالعلة المنصوصة على قول من ~~أجاز تخصيصها # واحتج من أجاز تخصيص العلة بأشياء # منها أن العلة الشرعية أمارة فجاز وجودها في موضع ولا حكم كما جاز وجودها ~~قبل الشرع وليس معها ذلك الحكم ولقائل أن يقول ولم إذا جاز قبل كونها أمارة ~~أن يوجد من دون حكمها جاز تخصيصها بعد كونها أمارة وما تنكرون أن تكون لما ~~صارت أمارة صارت طريقا إلى الحكم وليس # PageV02P290 # كذلك قبل كونها أمارة ألا ترى أنها قبل الشريعة لم يتعلق بها حكم ولا ~~يجوز أن يتعلق بها حكم أصلا بعد كونها أمارة على أن ذلك يبطل على قول الشيخ ~~أبي عبد الله رحمه الله بالعلة في الترك لأنه قد أجاز وجودها قبل الشريعة ~~من دون حكمها ولم يجز تخصيصها بعد كونها أمارة # ومنها أن العلة الشرعية أمارة على الحكم بجعل جاعل فجاز أن نجعلها أمارة ~~في مكان دون مكان كما أن خبر الواحد لما كان أمارة جاز أن يجعل أمارة مع ~~عدم نص القرآن ولا يجعل أمارة مع أن نص القرآن بخلافه الجواب إن العلة لا ~~تكون أمارة على الحكم بجعل جاعل لأننا إن جعلناها وجه المصلحة فوجوه ~~المصالح لا تكون كذلك بجعل جاعل وكذلك جميع وجوه القبح والحسن ألا ترى أن ~~كون الفعل ردا للوديعة لا يكون وجها في حسنه بجعل جاعل وإن جعلناها أمارة ~~توجد مع وجه المصلحة فكونها كذلك ليس بجعل ms685 جاعل بل هي كذلك شاء الجاعل ذلك ~~أو لم يشأه فإن وجدت الأمارة مع وجه المصلحة في موضع دون موضع وعرفنا ذلك ~~فلا بد من أن نشترط انتفاء الموضع الذي يوجد العلة فيه من دون وجه المصلحة ~~حتى يصح أن تكون طريقا ولهذا نقول إن خبر الواحد أمارة وطريق إلى حكم بشرط ~~أن لا يعارض كتابا ولا خبرا متواترا أو إجماعا # ومنها قولهم إنه إذا كان المانع عند خصومنا من تخصيص العلة المستنبطة أن ~~ذلك يمنع من جريانها في معلولها وهو طريق صحتها لأنه ليس طريق صحتها فالعلة ~~المنصوص عليها إذا لا يمتنع تخصيصها لأن ذلك لا ينقض طريق صحتها لأنه ليس ~~طريق صحتها هو الجريان في معلولها وإذا صح تخصيص العلة المنصوصة علمنا أن ~~ذلك إنما لم يمنع منها لكونها علة شرعية وأمارة فجاز مثله في المستنبطة لأن ~~ما يجوز ويستحيل على الشيء لا يختلف بحسب اختلاف طريقه الجواب إن من منع من ~~تخصيص العلة المنصوصة له أن يقول إنما أمنع من تخصيص المستنبطة بغير ~~الجريان بل بما ذكرته من كون # PageV02P291 # ذلك طريقا إلى الحكم إلى غير ذلك من الوجوه لا أستدل بالجريان أصلا ~~واستدل به على المنع من تخصيص العلة المستنبطة فقط وأما المنصوصة فاذا كان ~~طريق صحتها غير الجريان جاز أن يمنع من تخصيصها بوجه آخر ومن يجيز تخصيص ~~العلة المنصوصة له أن يفرق بينها وبين المستنبطة بما قد بني عليه المستدل ~~دليله وهو أن طريق صحة المستنبطة الجريان والتحصيص يبطل ذلك وليس طريق صحة ~~المنصوصة الجريان فيبطله التخصيص وقولهم إن ما يستحيل ويجوز على الشيء لا ~~يختلف بحسب اختلاف طريقه فباطل لأنه إذا كان ما يستحيل على الشيء إنما ~~يستحيل عليه لما يرجع إلى طرقة جاز أن تختلف استحالته إذا اختلفت الطرق ~~واستحالة تخصيص العلة إنما كان لأجل بطلان طريقها فالعلة التي طريقها نص لا ~~يفسدها نص تخصيصها فلا يستحيل التخصيص عليها # ومنها وهو وجه قوي يمكن أن يحتجوا به فيقولوا إن العلة الشرعية أمارة ~~فوجودها ms686 في بعض المواضع من دون حكمها لا يخرجها من كونها امارة لأن الأمارة ~~ليس يجب وجود حكمها معها على كل حال وإنما الواجب أن يكون الغالب مواصلة ~~حكمها لها وليس يبطل هذا الغالب بتخلف حكمها عنها في بعض المواضع فبطل قول ~~من قال إن تخصيصها يخرجها من كونها أمارة وعلة يبين ذلك ان وقوف مركوب ~~القاضي على باب الأمير أمارة لكونه في دار الأمير ولا يخرجه عن كونه أمارة ~~على ذلك أن لا نشاهد القاضي في بعض الحالات في دار الأمير أو نرى مركوبه ~~علي باب الأمير مع غلام غيره فنظن أنه قد استعاره غيره ألا ترى أنا إذا ~~رأينا مركوبه على باب الأمير مرة أخرى ظننا كون القاضي في دار الأمير إذا ~~كان الأغلب أنه هو الذي يركب ذلك المركوب وكذلك وجود الغيم الرطب في الشتاء ~~من دون مطر لا يخرج الغيم من كونه أمارة على نزول المطر الجواب إنا لا نمنع ~~أن توجد الأمارة في بعض المواضع لعله من العلل شرطنا في كونها أمارة انتفاء ~~تلك العلة أو انتفاء الموضع الذي لم يوجد فيه حكمها ولا يكون طريقا إلى ~~الحكم # PageV02P292 # إلا إذا علمنا انتفاء ما شرطنا انتفاؤه يبين ذلك أنه إذا لم يكن القاضي ~~في دار الأمير وإن كان مركوبه ببابه إذا كان مع غلام غيره فانا لا يمكننا ~~أن نظن كون القاضي في دار الأمير إذا شاهدنا مركوبه على بابه إلا بأن نعلم ~~أو نظن أنه ليس غلام غيره معه ألا ترى أنا لو ظننا غلام غيره معه لم نظن ~~كون القاضي في الدار ولو رأينا مركوبه على باب الأمير ونظرنا في الدار ولم ~~نشاهده فيها فانا نظن فيما بعد أنه في الدار إذا شاهدنا مركوبه على الباب ~~وعلمنا أننا لم نشاهد داخل الدار فلم نشاهده فيها والله أعلم - صلى الله ~~عليه وسلم - باب مناقضة العلة وما يحترس به من النقض - صلى الله عليه وسلم ~~- # اعلم أن نقض العلة هو أن توجد في موضع من دون حكمها ms687 وحكمها ضربان مجمل ~~ومفصل والمجمل ضربان إثبات ونفي فالإثبات المجمل لا ينقض بنفي مفصل والنفي ~~المجمل ينقض باثبات مفصل مثال الأول أن يعلل معلل قتل المسلم بالذمي فيقول ~~لأنهما حران مكلفان محقونا الدم فثبت بينهما قصاص كالمسلمين فينقض به إذا ~~قتله خطأ وذلك ان نفي القصاص بينهما في الخطأ لا يمنع من صدق القول بأن ~~بينهما قصاصا وإذا صدق القول بذلك علم أن ثبوت القصاص بينهما لم يرتفع فلم ~~ينتف حكم العلة ومثال الثاني أن يقول المعلل لأنهما مكلفان فلم يثبت بينهما ~~قصاص فاذا نوقض بالمسلمين ثبت بينهما قصاص في قتل العمد انتقضت العلة لأن ~~ثبوت القصاص بين الشخصين في موضع من المواضع لا يصدق معه القول بانه لا ~~قصاص بينهما على الإطلاق # وأما الحكم المفصل فإما أن يكون إثباتا وإما نفيا فالإثبات ينقض بالنفي ~~المجمل مثاله أن يقول المعلل فوجب أن يثبت بينهما جميعا قصاص في قتل العمد ~~وذلك ينتقض بالحر والعبد إذا قتل العبد لأنه لا يثبت بينهما قصاص لأن ~~انتفاء القصاص على الإطلاق يزيل ثبوت القصاص في بعض # PageV02P293 # المواضع واما النفي المفصل فانه لا ينقض باثبات مجمل لأن قول المعلل فلم ~~يثبت بينهما قصاص في قتل الخطأ لا ينتقض بثبوت القصاص بين المسلمين لأن ~~ثبوت القصاص ينهما في الجملة لا يمنع من انتفائه عنهما في بعض المواضع # وقد يحترس من النقض بوجوه منها الاحتراس بالأصل ومنها الاحتراس بشرط يذكر ~~في حكم العلة ومنها الاحتراس بحذف الحكم والاقتصار على الشبه بالأصل # مثال الاحتراس بالأصل أن يعلل معلل قتل المسلم بالذمي بأنهما حران مكلفان ~~محقونا الدم فقتل احدهما بالآخر قياسا على المسلمين فاذا نوقض بقتل الخطأ ~~قال أنا رددت الفرع إلى المسلم وانا أقول في الفرع مثل ما قلته في الأصل ~~وأنا اوجب القصاص في الأصل في العمد دون الخطأ وهذا الاحتراس غير صحيح لأن ~~الحكم هو ما يلفظ به المعلل دون ما أضمره وهو إنما صرح باشتباه الشخصين في ~~القتل لا غير ولم يشترط فيه شرطا آخر وليس ms688 رد الفرع إلى الأصل بموجب ~~استوائهما في كل حكم على كل وجه لأنه لم يصرح بذلك # وأما الاحتراس بشرط مذكور في الحكم فمثاله أن يقول المعلل لأنهما حران ~~مكلفان محقونا الدم فوجب أن يثبت بينهما قصاص إذا قتل أحدهما صاحبه عمدا ~~ولقائل أن يقول إن الاحتراس في الحكم هو إقرار بانتقاض العلة وذلك أن ~~المعلل قد حكم بأن العلة هي كونهما حرين مكلفين محقوني الدم فقط وأنه لا ~~يدخل في العلة غير ذلك فاذا قال إن هذا يوجب القصاص في قتل العمد دون الخطأ ~~مع وجود هذه الأوصاف فقد أقر بأن العلة توجد في موضعين ويتبعهما حكمها في ~~أحدهما دون الآخر فان قيل لا يمنع أن تكون الحرية والعقل وحقن الدم إنما ~~تؤثر في إيجاب القصاص في قتل العمد دون الخطأ قيل إن كان ذلك يؤثر في احد ~~الموضعين دون الآخر لمعنى اختص به أحدهما فينبغي أن يذكر ذلك المعنى في ~~جملة العلة لأن له تأثيرا في إيجاب القصاص وإن كانت الأوصاف تؤثر في الحكم ~~في أحد الموضعين دون الآخر # PageV02P294 # لا لأمر افترق فيه الموضعان فقد أقررتم أن العلة تقتضي الحكم في موضع دون ~~موضع وإن كانت موجودة فيهما على سواء ولنا أن نجيب عن هذا الكلام ونقول إن ~~الشرط المذكور في الحكم هو متأخر في اللفظ متقدم في المعنى لأن معنى القياس ~~لأنهما حران مكلفان محقونا الدم قتل أحدهما صاحبه عمدا فثبت بينهما القصاص ~~وذلك أن قتل العمد له تأثير في القصاص وهذا يقتضي أنه وإن كان ذكر في الحكم ~~فهو مذكور على أنه من جملة العلة # وأما الإحتراس بحذف الحكم فهو أن يذكر المعلل العلة ولا يذكر الحكم لكنه ~~يقول عقيب العلة فأشبه الفرع كيت وكيت وقد يفعل ذلك إذا لم يمكن التصريح ~~بالحكم وقد قيل إن هذا لا يصح لأن قولنا فأشبه كيت وكيت هو حكم بأن الفرع ~~يشبه كيت وكيت وإذا كان ذلك حكما احتاج الفرع إلى أصل يرد إليه - صلى الله ~~عليه وسلم - باب القول ms689 في الاستحسان - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن المحكي عن أصحاب ابي حنيفة القول بالاستحسان وقد ظن كثير ممن رد ~~عليهم أنهم عنوا بذلك الحكم بغير دلالة والذي حصله متأخرو أصحاب أبي حنيفة ~~رحمه الله هو أن الاستحسان عدول في الحكم عن طريقة إلى طريقة هي أقوى منها ~~وهذا اولى ممن ظنه مخالفوهم لأنه الأليق بأهل العلم ولأن أصحاب المقالة ~~أعرف بمقاصد أسلافهم ولأنهم قد نصوا في كثير من المسائل فقالوا استحسنا هذا ~~الأثر ولوجه كذا فعلمنا أنهم لم يستحسنوا بغير طريق # والذي يمنع من الحكم بغير طريق أن الحكم بغير طريقة إما أن يكون حكما ~~بالشهوة أو بأول خاطر أو بظن الأمارة له وذلك يتأتى من الصبي والعامي كما ~~يتأتى من العالم فكان ينبغي جواز ذلك من هؤلاء أجمعين وكان ينبغي ان # PageV02P295 # لا يلام من حكم بذلك ولأن هذه الأشياء قد تتناول الحق كما تتناول الباطل ~~ولأن الظن لا عن أمارة لا يتميز من ظن السوداوي # والكلام في الاستحسان على ما فسره أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه يقع في ~~المعنى ويقع في العبارة أما في المعنى فهو أن بعض الأمارات قد يكون أقوى من ~~بعض ويجوز العدول من أمارة إلى أخرى من غير أن تفسد الاخرى وذلك راجع إلى ~~تخصيص العلة وقد تقدم القول في ذلك ومن الكلام في المعنى الكلام في حد ~~الاستحسان وأما الكلام في العبارة فهو أن لتسميتهم ذلك استحسانا وجه صحيح # وأما حد الاستحسان فقد اختلف فيه فحده بعضهم بانه العدول عن موجب قياس ~~إلى قياس أقوى منه وهذا باطل لأنهم يستحسنون إذا عدلوا إلى نص كما لا ~~يستحسنون أن لا قضاء على الآكل ناسيا في صومه وتركهم القياس في ذلك للخبر ~~وحده بعضهم بأنه تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه وهذا باطل لأنهم قد يعدلون ~~في الاستحسان عن قياس وعن غير قياس وحده بعضهم بأنه ترك طريقة للحكم إلى ~~أخرى أولى منها لولاها لوجب الثبات على الأولى ويقرن هذا من وجه أبي الحسن ms690 ~~رحمه الله وهو قوله الاستحسان هو ان يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة ~~بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى من الأول يقتضي العدول ~~عن الأول وهذا يلزم عليه أن يكون العدول عن العموم إلى التخصيص استحسانا ~~ويلزم عليه أن يكون القياس الذي يعدل إليه عن الاستحسان استحسانا # وينبغي أن يقال الاستحسان هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول ~~الألفاظ لوجه هو أقوى منه وهو في حكم الطارىء على الأول ولا يلزم على ذلك ~~قولهم تركنا الاستحسان باقياس لأن القياس الذي تركوا له الاستحسان ليس في ~~حكم الطارىء بل هو الأصل ولذلك لم يصفوه بأنه استحسان وإن كان أقوى في ذلك ~~الموضع مما تركوه # PageV02P296 # واما الوجه في تسميتهم ذلك استحسانا فهو أن الاستحسان وإن كان وقع على ~~الشهوة والاستحلاء فقد يقع على العلم بحسن الشيء فيقال فلان يستحسن القول ~~بالتوحيد والعدل وقد يقع على الاعتقاد والظن بحسن الشيء فاذا ظن المجتهد ~~الأمارة واقتضاء ذلك أن يعتقد حسن مدلولها جاز أن يقول قد استحسنت هذا ~~الحكم فصح فائدة هذه التسمية وجاز الاصطلاح منهم على التسمية - صلى الله ~~عليه وسلم - باب في تعارض العلل والقول في تنافيها - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن وصفنا العلل بانها متناقضة متنافية قد يفهم منه أنها متضادة لا ~~يصح اجتماعها وهذا غير موجود في هذا الموضع لأن الأكل والكيل والاقتيات لا ~~تتضاد وقد يفهم منه أنها لا تجتمع كونها عللا وذلك ضربان أحدهما لا تجتمع ~~كونها عللا لتنافي أحكامها والآخر لا تجتمع كونها عللا لا لتنافي أحكامها ~~والمتنافي أحكامها لا بد أن يكون أصلها أكثر من واحد ويستحيل أن يكون أصلها ~~واحدا لأنه لو كان أصلها واحدا على وجه واحد لكان قد اجتمع في الأصل حكمان ~~متنافيان وذلك محال # فان قيل هلا تنافت العلل وإن كان اصلها واحدا وخكمه واحدا إذا تنافت ~~الأحكام في الفروع بان توجد إحدى العلتين في فرع ولا توجد الأخرى فيه فيلزم ~~أن يوجد فيه ms691 حكم العلة لوجود إحدى العلتين وإن ينتفي لانتفاء العلة الأخرى ~~قيل إذا وجدت إحدى العلتين في الفرع دون الاخرى وجب وجود حكمها فيه ولا ~~يلزم انتفاؤها لانتفاء العلة الاخرى لأن انتفاء العلة لا يقتضي انتفاء ~~حكمها إذا خلفتها علة أخرى # فاذا ثبت أن أصل العلتين المتنافيتي الحكم اثنان فصاعدا فمثاله وجوب ~~النية في التيمم ونفي وجوبها في إزالة النجاسة ورد الوضوء إلى إزالة ~~النجاسة # PageV02P297 # بعلة انها طهارة بالماء ويرد إلى التيمم بعلة أنها طهارة عن حدث وإن ~~امتنع كونها عللا لوجوه سوى تنافي الحكمين فبان لا يكون في الامة من علل ~~ذلك الأصل بعلتين بل كل منهم علله بعلة واحدة كتعليلهم تحريم التفاضل في ~~البر بكونه مكيلا أو مأكولا أو مقتاتا وليس منهم أحد علله بكل واحد منهما ~~ومتى تنافت العلل واشتبه القول في فروعها وجب الترجيح وينبغي قبل ذلك أن ~~نتكلم في غلبة الأشباه - صلى الله عليه وسلم - باب الكلام في غلبة الأشباه ~~- صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه ينبغي أن نذكر ما الشبه وبماذا يقع وما الشبه الغالب وما قياس ~~المعنى وما قياس غلبة الأشباه وقسمة قياس غلبة الأشباه # والشبه هو ما له يحصل الاشتباه والاشتباه هو اشتراك الشيئين في صفة من ~~الصفات ووجه من الوجوه وهذه الصفة وهذا الوجه هو الشبه # وأما ما يقع به الأشباه فابن علية يعتبر الصورة كردة الجلسة الثانية في ~~الصلاة إلى الجلسة الأولى في إسقاط وجوبها لأن كل واحدة منها جلسة والشافعي ~~يعتبر الشبه بالأحكام كردة العبد المقتول إلى المملوكات في اعتبار قيمته ~~بالغة ما بلغت من حيث أشبه المملوكات في احكام كثيرة والصحيح أن الشبه يكون ~~بكل ما كان له تأثير في الحكم سواء كان حكما او لم يكن حكما لأن كون البر ~~مكيلا أو مأكولا ليس بحكم # وأما غلبة الشبه فهو أن يكون الشبه أقوى من شبه آخر فهو أولى بأن يتعلق ~~الحكم به لقوة امارته وقوة الأمارات امر ظاهر لا إشكال فيه # وأما قياس المعنى فهو أن يكون شبه ms692 فرعه بأصله لا يعارضه شبه آخر فان ~~عارضه كان خفيا جدا كرد العبد إلى الأمة في تنصيف حد الزنا # PageV02P298 # وأما قياس غلبة الأشباه فهو أن يعارض الشبه الحاصل فيه شبه آخر يساويه في ~~القوة ويخفي فضل قوة أحدهما على الآخر ولا يخلو هذان الشبهان إما أن يرجعا ~~إلى أصل واحد أو إلى أصلين فان رجعا إلى أصلين جاز أن يكون الفرع واحدا ~~ويشبه بأحد الشبهين أحد الأصلين ويشبه بالشبه الآخر الأصل الآخر كالعبد ~~المقتول يشبه الحر في تحديد بدله من حيث كان مكلفا ويشبه المملوكات في نفي ~~تحديد بدله من حيث كان مملوكا # وأما أن يرجع إلى اصل واحد فقد يكون الفرع اثنين وقد يكون واحدا فان كانا ~~اثنين فانه يكون كل واحد منهما يشبه الأصل بأحد الشبهين دون الآخر كالارز ~~والجص أحدهما يشبه البر من حيث كان مكيلا والآخر يشبهه من حيث كان مأكولا ~~وأما إذا كان الفرع واحدا فكالارز المشبه للبر من حيث كان مأكولا ومن حيث ~~كان مكيلا ومن حيث كان مقتاتا فيقع النظر في أي هذه الوجوه هي علة الحكم ~~فما لم تدل عليه أمارة قضي بفساده وما تساوى في دلالة الأمارات عليه عدل ~~فيه إلى الترجيح # ونحن نذكر الآن الوجوه التي يقع بها ترجيح العلل إن شاء الله تعالى - صلى ~~الله عليه وسلم - باب فيما يرجح به علة على علة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه ينبغي أن نذكر أولا ما الترجيح وما الفائدة فيه ثم نقسم الترجيح ~~للعلل # أما الترجيح فهو الشروع في تقوية أحد الطريقين على الآخر ولذلك لا يصح ~~الترجيح إلا بعد تكامل كونهما طريقين لو انفرد كل واحد منهما لأنه لا يصح ~~ترجيح طريق على ما ليس بطريق # واما الفائدة في الترجيح فهي أن يقوي الظن الصادر عن إحدى الأمارتين # PageV02P299 # عند تعارضهما ولذلك لا يصح الترجيح بين الأدلة لأنها لا تتعارض لأن ~~تعارضها موقوف على تنافي مدلولاتها وفي تعارضها ثبوت مدلولاتها على تنافيها ~~ولأن الأدلة لا تقتضي الظن فلا يمكن القول ms693 بأن أحد الظنين يقوى ولأن ~~الترجيح يقتضي التمسك بما ثبت فيه الترجيح واطراح ما لم يثبت فيه والدليل ~~لا يجوز اطراحه # فأما قسمة ترجيح العلل فهي أن العة ينبغي أن ترجح بما يرجع إلى طريقها ~~وبما يرجع إلى الحكم الذي هي طريقه وبما يرجع إلى مكانها وهو الأصل أو ~~الفرع أو هما بمجموعهما # أما الراجع إلى طريقها فمنه ما يرجع إلى طريقها في الأصل ومنه ما يرجع ~~إلى طريقها في الفرع # أما الراجع إلى طريقها في الأصل فضربان أحدهما أن يكون طريق وجودها في ~~الأصل أقوى من طريق وجود علة أخرى في أصلها والآخر أن يكون طريق صحة إحدى ~~العلتين في الأصل أقوى من طريق صحة الأخرى # وأما الراجع إلى طريقها في الفرع فأن يكون طريق وجودها في الفرع أقوى من ~~طريق وجود الاخرى في فرعها # وأما الترجيح الراجع إلى حكمها فضربان أحدهما يتعلق بحكمها في الأصل ~~والآخر يتعلق بحكمها في الفرع أما المتعلق بالأصل فضربان أحدهما أن يكون ~~طريق ثبوت أحد الحكمين في الأصل أقوى من طريق ثبوت الحكم الآخر في أصله ~~والآخر أن يكون طريق ثبوت أحدهما في الأصل الشرع وطريق ثبوت الآخر في أصله ~~العقل وأما المتعلق بحكمها في الفرع فضروب منها أن يكون أحدهما حظرا والآخر ~~إباحة ومنها أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر كالندب والمباح ومنها أن ~~يكون قد شهدت الاصول بأحد الحكمين كعموم خطاب أو قول صحابي ومنها أن يكون ~~حكم إحدى # PageV02P300 # العلتين يتبعها في جميع فروعها وحكم العلة الأخرى لا يتبعها في جميع ~~فروعها فيكون أولى على قول من أجاز تخصيص العلة # وأما الترجيح الراجع إلى الأصل وحده فبأن تكون إحدى العلتين منتزعة من ~~عدة أصول والأخرى منتزعة من أصل واحد # وأما الترجيح الراجع إلى الفرع وحده فبأن يكون فروع إحدى العلتين أكثر من ~~الأخرى # وأما الراجع إلى الأصل والفرع جميعا فبأن يكون الفرع باحد الأصلين أشبه ~~منه بالآخر بأن يكون من جنسه كرد كفارة إلى كفارة ورد المقدار المفسد ~~للصلاة من ms694 كشف العورة إلى مقدار ما يفسدها من النجاسة لأن بين هذين تجانسا ~~من بعض الوجوه وفي بعض هذه الوجوه اختلاف وسنذكر عند الأمثلة إن شاء الله # أما التي طريق وجودها في الأصل أقوى فبأن تكون إحداهما يعلم وجودها في ~~الأصل بالحس والصورة نحو كون البر مكيلا أو مطعوما وتكون الأخرى معلوم ~~وجودها فيه باستدلال أو إحداهما معلوم وجودها في الأصل بدليل والأخرى مظنون ~~وجودها فيه بأمارة أو يكون جميعا مظنونين بأمارتين غير أن أمارة وجود ~~إحداهما أقوى وذلك وجه ترجيح لأن الوصف لا يكون علة في الأصل إلا وهو موجود ~~فيه فاذا كان علمنا أو ظننا لوجوده فيه أقوى من علمنا أو ظننا لوجود الآخرى ~~فيه فقد صار ظننا لكونها علة حكم الأصل أقوى من ظننا لكون الأخرى علة حكم ~~الأصل وأما التي طريق كونها علة حكم الأصل أقوى فبأن يكون علة كونها حكم ~~الأصل صريح نص وطريق الأخرى تنبيه نص أو طريق إحداهما تنبيه نص وطريق ~~الأخرى الاستنباط أو أمارة إحداهما أقوى من أمارة الأخرى وإنما كان ذلك ~~ترجيحا لأن ما قوى طريقه قوى الظن له أو الاعتقاد له وكذلك التي طريق ~~وجودها في الفرع أقوى من طريق وجود الأخرى في الفرع لأن ثبوت الحكم في ~~الفرع تبع # PageV02P301 # لوجود علته فاذا قوي علمنا أو ظننا لوجودها في الفرع قوي علمنا لقوة أصل ~~العلم وإذا كان حكمها في الفرع أولى صار كونها علة أولى # وأما الترجيح بقوة ثبوت الحكم في الأصل فنحو أن يدل على الأصل دليل قاطع ~~ويدل على حكم الأصل الآخر أمارة وإنما كان من قوي حكم أصله أولى لأن الوصف ~~لا يكون علة حكم الأصل إلا وحكمه ثابت فاذا كان حكم أحد الأصلين أقوى ثبوتا ~~كان ما يقعه من العلة ومن حكم الفرع أقوى ثبوتا # وأما الترجيح بكون أحد الحكمين شرعيا والآخر عقليا فصحيح لأن القياس ~~الشرعي دلالة شرعية والأولى في الأدلة الشرعية أن تكون أحكامها شرعية ~~والقياس الذي حكمه شرعي هو أشد مطابقة للأدلة الشرعية # فان ms695 قيل كيف يجوز أن يستخرج من أصل عقلي علة شرعية قيل يجوز ذلك إذا لم ~~ينقلنا عنه الشرع فنستخرج العلة التي لها لم ينقلنا عنه الشرع # فأما إذا كان أحد الحكمين نفيا والآخر إثباتا وكانا شرعيين فقد ذطر قاضي ~~القضاة رحمه الله أنه لا يكون أحدهما أولى من الآخر وقد ذكرنا في ترجيح ~~الأخبار أنه لا بد في النفي والإثبات من أن يكون أحدهما عقليا والآخر سمعيا # وأما الترجيح بكون احد الحكمين في الفرع حظرا والآخر إباحة فانه إن كان ~~الحظ شرعيا كان أولى فكانت علته لأن الحكم الشرعي أولى ولأن الأخذ بالحظر ~~أحوط وإن كان الحظر عقليا فكونه حظرا جهة ترجيح وكون الإباحة شرعية جهة ~~لترجيح الإباحة فالواجب الرجوع إلى ترجيح آخر ولا بد في الحظر والإباحة من ~~أن يكون أحدهما عقليا والآخر شرعيا على ما بيناه في الأخبار وأما إذا كان ~~حكم إحدى العلتين العتق وحكم الأخرى الرق فالمثبتة للعتق أولى لأن تعلق ~~الحرية بالقول ثابت بالشرع لا بالعقل # PageV02P302 # فهو من هذه الجهة حكم شرعي ولأن العتق في الشريعة فوقه من حيث لا يلحقه ~~الفسخ فكانت علته أولى فأما إذا كان حكم أحدهما في الفرع إسقاط الحد وحكم ~~الأخرى إثباته فالشيخ أبو عبد الله رحمه الله يرجح المسقط للحد لأنه قد أخذ ~~علينا إسقاط الحد ولأن العلة تقتضي حظره والحظر أولى وقال قاضي القضاة رحمه ~~الله لا ترجيح بذلك بل يرجح المثبتة للحد لأنه حكم شرعي ويقول إنما أخذ ~~علينا إسقاط الحد من الأعيان ولم يؤخذ علينا إسقاطه عن جملة الشريعة # فأما الترجيح بكون احد حكمي العلة أزيد من حكم الأخرى فمثل أن يكون حكم ~~أحدهما الإباحة وحكم الآخر الندب فالتي حكمها الندب أولى لأن الندب يتضمن ~~شيئا من معنى الإباجة الذي هو الحسن ويزيد عليه فكان أولى إذا كانت الزيادة ~~شرعية # وأما الترجيح بشهادة الأصول فقد يراد بشهادة الأصول أن يكون جنس ذلك ~~الحكم ثابتا في الأصول مثل تحريم المثلة في الجملة فالعلة المحرمة لمثلة ~~مخصوصة أولى ms696 لأن الشريعة في الجملة تشهد بها وقد يراد بشهادة الأصول الكتاب ~~والسنة والإجماع وهذه إن كانت صريحة فهي الأصل في الدلالة لا يجوز وقوع ~~الترجيح بها وإن مسها احتمال شديد جاز ترجيح القياس بها لوضوح دلالة القياس ~~على دلالتها ويقع الترجيح بقول الصحابي لأنه أعرف بمقاصد النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وكذلك إذا عضدت العلة علة كما ترجح أخبار الآحاد بعضها ببعض ~~وكما يرجح الخبر على خبر آخر بكثرة الرواة ولما تقدم كانت العلة التي لا ~~تخصص العموم أولى من التي تخصه لأن لفظ العموم قد شهد لها # وذكر قاضي القضاة في الشرح أن هذا مخالف لما ذكرناه من شهادة الأصول لأن ~~كلا المعللين قد اتفقا على مطابقة ذلك الأصل لإحدى العلتين ولم يقع الاتفاق ~~منهما على ذلك في هذا الموضع لأن أحد المعللين يقول ما # PageV02P303 # أراد الله عز وجل بالعموم ما تناولته العلة المخصصة ولقائل أن يقول إنهما ~~سواء لأن أحد المعللين وإن لم يقل ذلك فان العموم يشهد لمطابقة إحدى ~~العلتين فكانت أولى وإذا اقترن بالقياس خبر واحد محتمل فقد قال إنه يرجح به ~~مع أن الخصم يمكنه أن يقول في المحتمل إنه ما أريد به ما يخالف علتي وقوله ~~في المحتمل أمكن من قوله في العموم # وأما الترجيح بلزوم الحكم للعلة في الفروع كلها دون الأخرى فبعض من أجاز ~~تخصيص العلة لا يرجح بذلك وبعضهم يرجح به وهو الصحيح لأن لزوم الحكم لها ~~يكسبها شبها بالعقليات ويؤذن بلزومه لها في الأصل # فأما الترجيح بما يرجع إلى الأصل فبأن تكون إحدى العلتين منتزعة من أصول ~~كثيرة والأخرى منتزعة من أقل من تلك الأصول فقد اختلف في ذلك فمن الناس من ~~رجح بذلك ومنهم من لم يرجح به وقال قاضي القضاة رحمه الله لا يرجح به إذا ~~كانت طريقة التعليل واحدة وإن كانت طريقته غير واحدة رجح به أما أنه إذا ~~كانت علل تلك الأصول كثيرة وأماراتها مختلفة فالترجيح يقع بذلك لشهادة ~~العلل وأماراتها بعضها لبعض ويكون الترجيح ms697 واقعا حينئذ بشهادة العلل بعضها ~~لبعض وأما إذا كانت العلة واحدة وأماراتها واحدة فانه إن كان الأصل نوعا ~~وإنما أشخاصه كثيرة فانه لا يرجح في ذلك لأن النوع واحد وعلى أنا لا نعلم ~~أن آحاد بعض النوع أكثر من آحاد النوع الآخر وإن كانت الاصول أنواعا كثيرة ~~وقع الترجيح بها وإن كانت علتها واحدة لأنه تكون الأصول الكثيرة شاهدة ~~لإحدى العلتين ويكون حكمها أكثر ثبوتا في الأصول من حكم الأخرى وذلك مقو ~~للظن # وأما ترجيح العلة الراجع إلى فروعها فأن تكون فروع إحدى العلتين أكثر من ~~فروع الأخرى وقد رجح بذلك قوم وكذلك العلة المتعدية ولم يرجح به آخرون # PageV02P304 # والأولون قالوا إنها إذا كثرت فروعها كثرت فائدتها فكانت أولى ولقائل أن ~~يقول إنما يجب أن يكون أولى إذا كثرت فوائدها الشرعية وكثرة فروعها ترجع ~~إلى اختيار الله تعالى خلق الأنواع التي تختص تلك العلة وليس ذلك بأمر شرعي # واحتج من لم يرجح بذلك بأن قال لو كان أعم العلتين بالأخذ أولى لكان أعم ~~الخطابين أولى بالعمل والجواب إنه إنما لم يكن أعم الخطابين أولى بل كان ~~أخصهما أولى لأن الأخذ بأخصهما ليس فيه إطراح لأعمهما والأخذ بأعمهما فيه ~~إطراح لأخصهما وأما العلتان فانهما إذا انتهتا إلى الترجيح لم يمكن الجمع ~~بينهما وأيهما استعملت اطرحت الأخرى فكان اطراح ما قل حكمه لقلة فروعه أولى # وقالوا أيضا ينبغي أن تصح العلة في الأصل وإذا صحت أجريت في القوة قلت أو ~~كثرت والجواب إنه إنما ترجح العلة على العلة إذا شهد لثبوت كل واحدة منهما ~~أمارة ولا معنى لقولكم ينبغي أن تثبت العلة في الأصل # وقالوا ايضا كثرة الفروع ترجع إلى كثرة ما خلق الله مما يوجد فيه العلة ~~وليس ذلك بأمر شرعي فيقع به الترجيح وليس كذلك كثرة أنواع الاصول لأن الأصل ~~شاهد للعلة فكثرة ما يشهد لها تقويها والفرع لا يشهد للعلة بل حكمه تابع ~~لها # وأما ترجيح العلة بما يرجع إلى الأصل والفرع فهو أن تكون إحدى العلتين ~~يرد بها ms698 الفرع إلى ما هو من جنسه كرد كفارة إلى كفارة والأخرى يرد بها ~~الفرع إلى ما ليس من جنسه كرد كفارة إلى غير كفارة فتكون الأولى أولى وهو ~~مذهب أبي الحسن وأكثر الشافعية لأن الشيء أكثر شبها بجنسه منه بغير جنسه ~~والقياس يتبع الشبه فكثرته تقوي الظن وإن لم تكن تلك الوجوه علة وبالجملة ~~رد الشيء إلى ما هو أشبه به أولى ولذلك كان رد كشف العورة إلى # PageV02P305 # إزالة النجاسة في أن انكشاف قدر الدرهم من العورة المغلظة يفسد الصلاة ~~أولى من الرد إلى غير ذلك - صلى الله عليه وسلم - باب في أن المجتهد هل ~~يجوز أن يعتدل عنده الأمارات في المسألة أم لا - صلى الله عليه وسلم - # أجاز شيخانا أبو علي وأبو هاشم ذلك وقالا يكون المجتهد عند تساوي ~~الأمارتين مخيرا بين حكميهما ومنه شيخنا أبو الحسن من ذلك وقال لا بد من ~~ترجيح # وحجة من أجاز ذلك هي أن من منع من ذلك إما أن يمنع منه من جهة العقل بأن ~~يجعل استحالة ذلك كاستحالة لا تعادل الدلالة والشبهة حتى تكونا جميعا ~~صحيحتين أو يمنع من ذلك لدليل سمعي والوجه الأول باطل لأنا لا نجد في العقل ~~ما يحيل تساوي الأمارتين في القوة فكان ذلك من مجوزات العقول ألا ترى أنه ~~لا يمتنع عندنا أن يخبر اثنان باثبات الشيء ونفيه ويستوي عندنا عدالتهما ~~وصدق لهجتهما وتتعارض الأمارات الدالة على جهة القبلة ثم ليس يؤثر سقوط فرض ~~التوجه في بعض المواضع فيما ذكرناه من جواز كون الأمارات متساوية في القوة ~~فالفرق بين الأمارات في ذلك وبين الأدلة أن الأدلة يجب أن يكون مدلولها على ~~ما دلت عليه فلو كان ما يدل على الشيء وما يدل على نفيه متساويين في ~~أنفسهما لكان الدليلان صحيحين وفي ذلك حصول مدلوليهما جميعا النفي النفي ~~والاثبات كالدليل الدال على أن الله سبحانه يستحيل أن يرى والشبهة الموجبة ~~أن يرى وأما الأمارة فليس يجب أن يتبعها مدلولها بل قد توجد الأمارة الأقوى ~~ولا يتبعها مدلولها ms699 كالغيم الكثيف الرطب في زمان الشتاء فلا يتبعه المطر ~~ويتبع الأمارة الضعيفة مدلولها كالغيم الخفيف وقد يخبر الرجل المعروف ~~بالصدق فيكذب وقد يخبر الرجل المعروف بالكذب فيصدق في ذلك الخبر وليس في ~~تساوي الأمارتين في # PageV02P306 # القوة ما يوجب حصول مدلولهما ولو وجب حصول مدلولهما وهو صحة علة التحريم ~~وصحة علة الإباحة لم يلزم منه حصول التحريم والإباحة على شخص واحد بل كان ~~يلزمه التخيير ليس في ذلك ثبوت النقيضين وأما إن منع من تعادل الأمارتين ~~لدليل سمعي وهو أنهما للو تعادلا في القوة لم يكن الحكم باحداهما أولى من ~~الأخرى وفي ذلك إثبات حكميهما إما على الجمع وذلك غير ممكن وإما على ~~التخيير والأمة مجمعة على أن المكلفين غير مخيرين في مسائل الاجتهاد باطل ~~لأن تعادل الأمارتين كلفظ التخيير في الدلالة على التخيير لأنه إذا لم يكن ~~حكم إحداهما أولى من حكم الأخرى ولم يمكن الجمع فليس إلا التخيير وقد يثبت ~~التخيير من غير لفظ لأن من معه مائتان من الإبل فهو مخير بين اداء أربع ~~حقاق أو خمس بنات لبون وليس في ذلك لفظ التخيير وإنما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة # إن قيل هذا يقوم مقام لفظ التخيير قيل فكذلك تعادل الأمارتين # وأما قوله إن الأمة مجمعة على أن المكلفين غير مخيرين في مسائل الاجتهاد ~~فان عنوا جميع المسائل الماضية من مسائل الاجتهاد والمستقبلة لم نسلم ذلك ~~وإن ارادوا المسائل الماضية دون المستقبلة لم نسلم أيضا لأن عبيد الله بن ~~الحسن العنبري خير بين غسل الرجلين ومسحهما وهو مذهب الحسن البصري والشافعي ~~يقول بقولين في المسألة الواحدة ويقول بكل واحد منهما وجه قالوا ولو تتبعنا ~~ما ذكروه من الإجماع في المسألة الماضية لم يمنع ذلك من صحة التخيير في ~~الحوادث المستقبلة قال الشيخ أبو الحسن يحتج بأن تعادل الأمارتين يقتضي ~~التخيير بين الحكمين ولا لفظ للتخيير والأمة مجمعة على بطلانه وقد أجيب عنه ~~ما ذكرناه وله أن يحتج بما ms700 هو جواب عن دلالة مخصوصة فيقول لو تعادلت ~~الأمارتان لأدى إلى الشك في الحكم وذلك لا يجوز وإنما قلنا إنه يؤدي إلى ~~الشك لأن الرجلين المتساويين في الصدق لو # PageV02P307 # أخبرنا أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة مع أنه لم ~~يدخلها إلا مرة واحدة وأنه لم ينفك الراوي من مشاهدته له منذ دخلها إلى أن ~~خرج منها وأخبرنا آخر أنه رآه يصلي فيها فانا نشك هل صلى فيها أو لم يصل ~~فيها ولا نظن أحدهما ولا كل واحد منهما أما أنا لا نظن واحدا منهما فقط ~~فلأن الظن هو تغليب أحد المجوزين على الآخر وإنما يغلب أحدهما ويترجح ~~بأمارة ترجحه فاذا كان في أحد المجوزين من الأمارة مثل ما في الآخر لم ~~يترجح أحدهما على الآخر وكيف يترجح أحدهما على الآخر ونحن نجوز من خطأ أحد ~~المخبرين مثل ما نجوز من خطأ المخبر الآخر فأما أنا لا نظن كل واحد منهما ~~فلأن الظن هو تغليب أحد المجوزين على نقيضه فاذا قلنا هذا التجويز أغلب ~~وأظهر من الآخر أفاد زيادته على الآخر وإذا قلنا كل واحد منهما ظن غالب ~~للآخر أفاد أن كل واحد منهما زائد على الآخر وكل واحد منهما ناقص عن الآخر ~~وهذا محال وإذا لم يحصل عند ذلك ظن وكان الحكم موقوفا على الظن لم يجز ~~الحكم وهكذا لقول في الأمارات المستنبطة # وأما أنه لا يجوز أن لا نحكم في المسائل إلا بحكم شرعي بالإجماع لأن ~~الناس على قولين أحدهما أنه يجب أن نحكم فيها بحكم شرعي معين غير التخيير ~~والآخر أنه يجب أن نحكم فيها إما بحكم معين وإما بالتخيير فان قيل هلا قلتم ~~إنه يجوز أن يحكم في المسألة بالأحوط أو بحكم العقل أو بالحكم الشرعي لأنه ~~ناقل قيل هذا رجوع إلى أن الأمارتين لا تتساويان لأنه ليس يخلو حكم أحدهما ~~من أن يكون هو الحكم العقلي وما عداه شرعي ولا يخلو إما أن يكون أحدهما ~~حظرا والآخر مباحا أو وإذا أقررتم أنه ms701 يلزم المصير إليها فقد اقررتم بأن ~~الأمارتين لا تتعادلان عند المجتهد إذا استوفى الاجتهاد # فان قيل فهلا قلتم بالتخيير إذا تعادلت الأمارتان قيل لا يجوز ذلك لأن ~~التخيير هو يفيد لحكم كل واحد من الأمارتين وذلك لا يجوز مع تجويزنا ان ~~يكون كل واحد منهما غير أمارة وانتفاء ظننا يبين ذلك أنه إذا تعادلت # PageV02P308 # الأمارات الدالة على أن الكيل علة للأمارات الدالة على أن الطعم علته لم ~~يجعل لنا الظن بأن أحدهما علة ولا الظن بأن كل واحد منهما علة ومع انتفاء ~~الظن لكون الوصف علة لا يجوز أن يعلق الحكم به # وأيضا فالتخيير بين النفي والإثبات لا يصح إلا على معنى الإباحة وذلك ~~كالتخيير بين أن يكون الفعل محظورا أو مباحا أو واجبا أو غير واجب لأنه إذا ~~خير الإنسان بين الحظر والإباحة وقيل إن شئت فافعله وإن شئت فلا تفعله فقد ~~ابيح الفعل إذ ليس للإباحة معنى سوى ذلك فان قيل الفرق بين ذلك وبين ~~الإباحة معنى سوى ذلك وهو أن الإباحة هي تخيير بين الفعل والكف عنه على ~~الإطلاق وفي هذا الموضع إنما قيل للمكلف افعل إن اعتقدت كون الفعل مباحا ~~ولا تفعل إن اعتقدت حظره قيل أليس الاعتقاد لحظره وإباحته علما فمن قولهم ~~نعم فيقال لهم فما الطريق إلى كون ذلك علما فان قالوا ثبوت الأمارة مع ~~الدلالة الدالة على وجوب الحكم بالأمارة قيل وفي القول الآخر مثل هذه ~~الدلالة وكيف يجوز أن تقولوا إن الطريق إلى العلم بالإباحة ما ذكرتم وأنتم ~~تجوزون له أن لا يعتقد الإباحة ويعتقد الحظر فان قالوا الطريق إلى العلم ~~بالإباحة أو إلى العلم بالحظر أن يختار المكلف اعتقاد أحدهما قيل اختيار ~~الإنسان أن يعتقد شيئا ليس يدل على صحة معتقده فيكون اعتقاده علما إذ ليس ~~له تعلق بالأدلة ولو جاز ذلك لجاز أن تختار الاعتقادات فتصير باختيارنا ~~علوما وكيف يجوز ذلك مع أن الإنسان قد يختار الصحيح كما يختار الفاسد وليس ~~مع الاختيار من الدلالة ما يختص أحد الاعتقادين دون ms702 الاخر فان قالوا إنما ~~دلت على حسن الفعل بالشرط أن يختار المكلف اعتقاده قيل الدلالة الدالة على ~~الحسن والقبح لا تعلق لها بالاختيار ففارق ذلك جميع شروط الأدلة وأيضا فحسن ~~الاختيار للاعتقاد تابع لحسن الاعتقاد لأنه إنما يحسن أن نعتقد ما هو صحيح ~~في نفسه فالاختيار تابع لما هو تابع للمعتقد وهم عكسوا القضية فجعلوا ~~الاعتقاد تابعا للاختيار وجعلوا صحة المعتقد تابعا للاعتقاد وهذا الذي ~~ذكرناه يقتضي أن # PageV02P309 # العامي إذا أفتاه مفت بالحظر وأفتاه آخر بالإباحة وقلنا إنه يجب عليه ~~الاجتهاد فيها فانه إذا اجتهد فيهما فلا بد من أن يترجح عنده أحدهما على ~~الآخر فان قيل هلا قلتم أنه يصير الفعل مباحا إذا تساويا عند الإنسان قيل ~~لو جعلناه مباحا لكنا قد علمنا على أمارة الإباحة مع مساواة أمارة الحظر ~~لها وليس يجوز ذلك لأنهما إذا تساويا عنده وجب الشك على ما ذكرناه والعمل ~~في هذه المسائل يتبع الظن لا الشك وأما إن لم يلزم المستفتي الاجتهاد فيهما ~~فلا بد من القول بأنه يصير الفعل مباحا وليس هناك اجتهاد في أمارتين فيمتنع ~~مع تساويهما عند المجتهد أن يحكم بحكم أحدهما - صلى الله عليه وسلم - باب ~~فيما يصح أن يقوله المجتهد من الأقاويل وما لا يصح وهل يصح أن يقال له في ~~المسألة قولان - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأقاويل المتناقضة لا يصح أن يعتقدها أحد من الناس نحو أن يعتقد ~~أن العفل حرام عليه في وقت مخصوص في مكان مخصوص على وجه مخصوص ويعتقد مع ~~هذا الاعتقاد أن ذلك الفعل حلال له على هذه الشروط فأما اعتقاد وجوب فعلين ~~ضدين على البدل والتخيير فغير ممتنع نحو أن يعتقد أن الخروج من الدار يجب ~~من كلا بابيها على التخيير ونحو الصلاة في أماكن متضادة ويجوز أن يعتقد ~~معتقد الاعتداد بالأطهار والحيض على البدل لأنه لا تنافي في ذلك # وذكر قاضي القضاة في العمد أنه يصح أن يعتقد الإنسان إثبات الحكم ونفيه ~~وكون العبادة واجبة ومستحبة وكون الفعل حسنا وقبيحا ms703 كل ذلك على البدل ومنع ~~في الشرح من دخول التخيير بين المستحب والمباح قال لأن لأحدهما مدخلا في ~~التعبد دون الآخر فان قال أريد له أن يفعل المستحب ولا يفعله فهو صحيح كان ~~التخيير أو لم يكن قال وأما التخيير # PageV02P310 # بين الواجب والمستحب فبعيد لأن ذلك يقدح في كون الواجب واجبا # وأما نحن فقد بينا في الباب المتقدم القول في ذلك فأما ما يعزى إلى ~~الشافعي من القولين فذكر قاضي القضاة أن ذلك يصح من وجوه ثلاثة # أحدها أنه يتكافى عنده أمارتا القولين فيقول بهما على التخيير والآخر أن ~~يكون قد فسد عنده ما عداهما ولا يدري ايهما الحق من غير أن يقويا والآخر أن ~~يكونا قد قويا عنده قوة ما وله فيهما نظر وفسد ما عداهما فيقال له فيها ~~قولان على معنى أنهما قولاه اللذان قواهما على ما عداهما # ولقائل أن يقول أما تكافي الأمارتين في قولين نفي وإثبات والقول بأن ~~المكلف يكون مخيرا فيهما فقد بينا أنه لا يصح نحو ما يقوله فيما سقط من شعر ~~اللحية عن الوجه أن فيه قولين أحدهما يجب غسله في الوضوء والآخر لا يجب ~~وأما تكافي الأمارتين في فعلين غير متنافيين نحو الاعتداد بالأطهار وبالحيض ~~فقد كان يصح التخيير بين ذلك كما يصح التخيير بين الكفارات الثلاث إلا أنه ~~لا يقال لمن اعتقد التخيير في ذلك إن له في المسألة قولين بل قول واحد وهو ~~القول بالتخيير فانه ما من أحد يقول إن للمسلمين في كفارة اليمين ثلاثة ~~أقاويل أحدهما أن يكفر بالعتق والآخر بالكسوة والآخر بالإطعام وإن لهم في ~~الصلاة في البقاع أقاويل كثيرة وفي الخروج من دار مغصوبة ذات بابين قولان ~~وأما الوجهان الآخران فالمرجع بهما إلى أنه شاك في قولنا ومن شك في شيئين ~~وجوز كل واحد منهما بدلا من الآخر لا يكون له قول في المسألة أصلا فضلا أن ~~يقال له فيها قولان فان من شك في أن العالم محدث أو قديم لا يقال له في ~~العالم قولان ms704 على أنه قد قال قولا نفيا وإثباتا لا متوسط بينهما فلا يمكن ~~أن يقال قد فسد ما عداهما وتوقف في الصحيح منهما نحو غسل ما سقط عن الوجه ~~من اللحية # فأما ما يحكى عن الشافعي من القولين فينبغي أن يقال إن الشافعي إذا # PageV02P311 # قال في المسألة قولان فله ثلاثة أحوال أحدها أن لا يكون له في تلك ~~المسألة ولا فيما يجري مجراها غير ذلك القول وظاهر فيما هذه حاله أن لا ~~ينسب إليه في تلك المسألة غير ذلك القول والآخر أن يكون له قول آخر في تلك ~~المسألة أو فيما يجري مجراها والآخر أن يكون له في تلك المسألة أو فيما ~~يجري مجراها قولان أو أكثر فان كان له في تلك المسألة قول آخر ذكره في موضع ~~آخر فلا بد من أن يكون قد اثبتهما في زمان بعد زمان فان علمنا المتأخر ~~منهما كان ذلك القول رجوعا إلى القول الآخر لأنه لا شيء أبلغ في رجوع ~~العالم عن القول من أن يقول بضده وعلى هذا يكون أمر الله عز وجل بضد ما أمر ~~من قبل ناسخا لأمره الأول فان لم يعلم المتأخر منهما فالواجب إسنادهما إليه ~~ويقال لا يعلم المتقدم منهما ولا يجوز أن يقال إنهما قولاه في حالة واحدة ~~لأنا غير عالمين بذلك فأما إن نص على خلاف ذلك القول في مسألة تجري مجرى ~~تلك المسألة فان أمكن أن يفرق بينهما بعض المجتهدين فانه لا ينبغي أن ينقل ~~قوله من إحدى المسألتين إلى الأخرى لجواز أن يكون قد فرق بينهما وإن لم ~~يمكن أن يذهب بعض المجتهدين إلى الفرق بينهما فانه يجري نصه فيها مجرى أن ~~ينص في المسألة الواحدة على قولين مختلفين وأما إن وجد له في موضع آخر ~~قولان في تلك المسألة بعينها فانه لا يجوز أن يحملا على اختلاف حالين ولا ~~يحمل على أنهما حكاية عن غيره لأن الظاهر خلاف ذلك فان أشار إلى أحد ~~القولين فقال وهذا مما أستخير الله فيه أو قواه ضربا من ms705 التقوية فانه يدل ~~على أنه قد اختاره على القول الآخر لأنه إنما يختار المجتهد أحد القولين ~~على ألاخر إذا قوي عنده ويجوز أن يكون إنما بانت له قوة أحدهما عند فراغه ~~من إثباتهما في الكتاب وكانا متكافئين عنده لما ابتدأ باثباتهما وإن لم يقو ~~أحد القولين فانه إن كان حين نص على أحد القولين في المسألة لم تكن المسألة ~~مقصودة في كلامه فانه لا يدل ذكره على أنه في تلك الحال ما كان يعتقده سواه ~~لأن ما ليس بمقصود لا يستوفي القول فيه وسواء علمنا تقدم بعضه على ذلك ~~القول أو علمنا تأخره أو لم نعلم تقدمه ولا تأخره # PageV02P312 # وإن كانت المسألة مقصودة في كلامه فذكره لذلك القول يدل على أنه لم يكن ~~يعتقد في تلك المسألة سواه فان علمنا تأخره أعني القول المنفرد كان ذلك ~~رجوعا عن ما عداه فان كان هو أحد القولين الآخرين فهو رجوع عن القول الآخر ~~وإن كان غيرهما فهو رجوع عنهما إليه وإن علمنا تأخر القولين فقد صار له في ~~المسألة قولان فان كانا سوى القول المنفرد فقد رجع عن القول النفرد وإن كان ~~القول المنفرد هو أحد القولين فقد صار له في المسألة قول آخر مع ذلك القول ~~وإن لم نعلم تأخر أحد النصين عن الآخر وجب حكاية الحال ويقال لا ندري أي ~~النصين تقدم الآخر فان كان نصه على القولين في مسألة يجري مجرى المسألة ~~التي نص فيها على القول المنفرد وأمكن أن يكون بينهما فرق يذهب إليه ~~المجتهد فينبغي أن يقال له في المسألة قول واحد وفي المسألة الأخرى قولان ~~وإن لم يمكن أن يفرق بينهما مجتهد فالقول فيهما كالقول في المسألة الواحدة ~~وقد دخل في جملة هذه القسمة أن ينص على قولين معا في مسألة واحدة فنقول ~~فيها قولان - صلى الله عليه وسلم - باب في الوجه الذي يجوز معه تخريج ~~المذهب - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن مذهب الإنسان هو اعتقاده فمتى ظننا اعتقاد الإنسان أو عرفناه ~~ضرورة أو بدليل ms706 مجمل أو مفصل قلنا إنه مذهبه ومتى لم نظن ذلك ولم نعلمه لم ~~نقل إنه مذهبه # وقد يدل الإنسان على مذهبه في المسألة بوجوه منها أن يحكم في المسألة ~~بعينها بحكم معين ومنها أن يأتي بلفظ عام يشمل تلك المسألة وغيرها فيقول ~~الشفعة لكل جار ومنها أن يعلم أنه لا فرق بين المسألتين وينص على حكم ~~احدهما فيعلم أن حكم الاخرى عند ذلك الحكم نحو أن يقول الشفعة لجار الدكان ~~فيعلم أن الشفعة عنده لجار الدار إذ قد علمنا أنه لا يفرق بين الدار # PageV02P313 # والدكان ومنها أن يعلل الحكم بعلة توجد في عدة مسائل فيعلم أن مذهبه شمول ~~ذلك الحكم لتلك المسائل سواء قال بتخصيص لعلة أو لم يقل أما إذا لم يقل ~~بتخصيص العلة وقال النية واجبة في التيمم لأنه طهارة عن حدث فقد اعتقد وجوب ~~النية لأجل هذه العلة فاذا علم أن العلة شاملة علم شمول حكمها فأما من يجوز ~~تخصيص العلة فانه يجوز تخصيصها إذا دل على تخصيصهما دلالة كالعموم فكما أن ~~كلام العالم العام يدل على مذهبه فكذلك تعليله # فأما إذا نص العالم في مسألة على حكم وكانت المسألة تشبه مسألة أخرى شبها ~~يجوز أن يذهب على بعض المجتهدين فانه لا يجوز أن يقال قوله في هذه المسألة ~~هو قوله في المسألة الأخرى لأنه قد لا تخطر المسألة بباله ولم ينبه على ~~حكمها لفظا ولا معنى ولا يمتنع لو خطرت بباله لصار فيها إلى الاجتهاد الآخر # فان قيل أليس إذا نص الله تعالى على حكم مسألة ثم نبه على علته ورأى بعض ~~المجتهدين أن علة ذلك الحكم موجودة في فرع فانكم تقولون من دين الله ودين ~~رسوله صلى الله عليه وسلم الحكم في الفرع بحكم الأصل فهلا قلتم في نص ~~المجتهد مثل ذلك قيل له إنما قلنا إن ذلك دين الله تعالى لأنه قد دلنا على ~~العلة بتنبيه عليها ودلنا على أنه قد تعبدنا باجراء حكمها بتبعها والعالم ~~لم يدلنا على مذهبه في غير ما نص ms707 عليه لأنه يجوز أن يكون ممن يفرق بين ~~المسألتين ويخطىء في الفرق بينهما ولا يجوز مثل ذلك على الله سبحانه # PageV02P314 ### | الكلام في الحظر والإباحة # - صلى الله عليه وسلم - باب في الأشياء هل هي قبل الشرع على الحظر أو على ~~الإباحة - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن أفعال المكلف في العقل ضربان قبيح وحسن فالقبيح كالظلم والجهل ~~والكذب وكفر النعمة وغير ذلك والحسن ضربان أحدهما يترجح فعله على تركه ~~والآخر لا يترجح فعله على تركه فالأول منه ما الأولى أن نفعل كالإحسان ~~والتفضل ومنه ما لا بد من فعله وهو الواجب كالإنصاف وشكر المنعم وأما الذي ~~لا يترجح فعله على تركه فهو المباح وذلك كالانتفاع بالمآكل والمشارب وهذا ~~مذهب الشيخين أبي علي وأبي هاشم والشيخ ابي الحسن وذهب بعض شيوخنا ~~البغداديين وقوم من الفقهاء إلى أن ذلك محظور وتوقف آخرون في حظر ذلك ~~وإباحته # وقد تقدم معنى المباح والمحظور فلا معنى لإعادته غير أنه قد يوصف الفعل ~~بأن الإقدام عليه فقط مباح وإن كان محظورا تركه كوصفنا المرتد بأنه مباح ~~الدم ومعناه أنه لا ضرر على من اراق دمه ولا تبعة وإن كان الإمام ملوما ~~بترك إراقته ودليلنا على أن الانتفاع بالمآكل مباح في العقل هو أن الانتفاع ~~بها منفعة ليس فيه وجه من وجوه القبح وكل ما هذه سبيله فحسنه معلوم والعلة ~~في حسن ما هذه سبيله هي أن المنفعة تدعو إلى الفعل وتسوغه إذ هي غرض من ~~الأغراض فاذا انتفى وجوه عنها تجرد ما يقتضي الحسن أما أن أكل الفاكهة ~~منفعة فلا شبهة فيه ولا شبهة في انتفاء وجوه القبح عنه نحو الكذب والجهل ~~وكفر النعمة أو مضرة على النفس أو على الغير لأنا إنما تكلمنا في أكل ما لا ~~مضرة فيه ولو كان فيه مفسدة لدلنا الله عليها # PageV02P315 # وليس في العقل دليل عليها ولا في السمع # إن قيل جواز كونه مفسدة يغني في قبحه كما يغني جواز كون الخبر كذبا في ~~قبحه وإذا قبح مع الجواز لم يجب ms708 في الحكمة تعريف كونه مفسدة قيل قد أجيب عن ~~السؤال بأشياء # منها أنا كما نعلم قبح خبر لا نأمن كونه كذبا فانا نعلم حسن منفعة لا ~~نعلم فيها وجها من وجوه القبح ألا ترى أنا نعلم حسن التنفس في الهواء أو ~~التصرف فيه وليس يضرنا أن لا نعرف الفرق بين ذلك وبين الخبر الذي يقبح إذا ~~جوزنا كونه كذبا وهذا الجواب لا يصح لأن المستدل رام أن يثبت حسن هذا ~~التصرف بانتفاء وجوه القبح عنه واستدل على انتفاء كونه مفسدة بأنه لو كان ~~مفسدة للزم في الجملة تعريفنا كونه مفسدة وهذا الجواب ينفي وجوه القبح عنه ~~تبعا للعلم بأنه حسن فهو مخالف لموضوع الدلالة وهو انتقال إلى دلالة أخرى ~~وهي قياس سائر المنافع على التنفس في الهواء وسيجيء الكلام على هذا القياس # ومنها أن الكذب يقبح على كل وجه وإن اختص بنفع ودفع ضرر وليس كذلك ~~المنافع والمضار ولقائل أن يقول ولم إذا افترقا من هذه الجهة وجب إذا قبح ~~أحدهما لتجويز كونه كذبا لا يقبح الآخر لتجويز كونه مفسدة وأيضا فان ~~المفسدة لا تحسن على وجه وإن اختصت بنفع أو دفع ضرر كما أن الكذب لا يحسن ~~مع النفع ورفع الضرر فهلا كان تجويز المفسدة كتجويز كون الخبر كذبا في ~~تقبيح الفعل # ومنها أن الأصل في النفع أن يكون حسنا وأن يكون خالصا إذا لم يعلم فيه ~~مضرة ووجه قبح فاذا كان كذلك وجب متى لم يخبرنا الله أن الفعل مفسدة أن ~~نقطع على أنه ليس بمفسدة وليس كذلك الخبر لأنه ليس الأصل فيه كونه صدقا ~~ولقائل أن يقول إن أردتم بهذا الكلام أن النفع الذي لا يعلم # PageV02P316 # فيه وجه قبح يجب القطع على أنه ليس فيه وجه قبح ففي ذلك تخالفون لأن ~~مخالفكم يقول متى لم نعلم فيه وجه قبح فنحن نجوزه وإن أردتم ان الغالب فيما ~~هذه سبيله أنه ليس فيه وجه قبح قيل لكم لم زعمتم أن الغالب ما ذكرتم ولم ~~إذا كان الغالب ذلك لم ms709 يكن تجويز وجه القبح كافيا في القبح # ويمكن الاستدلال بالنفع على وجه آخر فيقال إن النفع يدعو إلى الفعل ~~ويقتضي حسنه إذا خلا من وجوه القبح وخلا من أمارة الضرر والمفسدة والانتفاع ~~بالمآكل هذه سبيله في العقل فكان حسنا والدلالة على أن المعتبر هو بأمارة ~~الضرر والمفسدة هي أن العقلاء يلومون من امتنع عن الفعل لتجويز الضرر بلا ~~أمارة ويعذرونه إذا كانت فيه أمارة ألا تراهم يلومون من قام من تحت حائط لا ~~ميل فيه لجواز سقوطه لفساد في اساسه وفي باطنه ولا يلومونه إذا كان مائلا ~~ولا يلومون من امتنع من أكل طعام شهي لأمارة دلت على أنه مسموم ويلومونه من ~~جهة العقل إذا امتنع منه لتجويز كونه مسموما وليس يلومونه على ذلك لأنه ~~خالف الشرع في امتناعه من ذلك بل ربما لا يخطر الشرع ببالهم في ذلك الوقت ~~ولأن لومهم على ذلك ليس كلومهم من امتنع من أكل لحم الحيوان ولأن البراهمة ~~يلومونه على ذلك ولا يعرفون الشرع وأما أن الانتفاع بالمأكل هذه سبيله ~~فلانه ظاهر خلوه من كونه كذبا وجهلا وكفر نعمة وكونه تصرفا في ملك الغير ~~إنما يقبح الفعل إذا استضر به الغير على ما سنشرحه وأما كونه مفسدة ومضرة ~~فاستبعاد العقلاء له كاستبعادهم أن يكون الطعام مسموما وأن الحائط الذي لا ~~ميل فيه يسقط وأما الأخبار إذا لم يؤمن كذبها فقد علمنا قبحها وإن لم نشهد ~~أمارة بكذبها كما نعلم حسن نفع لا أمارة فيه بكونه مفسدة ومضرة ولا يضرنا ~~أن لا نعرف العلة في ذلك وأيضا فالنفع وجه يحسن وليس كون الخبر خبرا وجه ~~حسن ولا الأظهر أن يكون صدقا # جواب آخر لو قبح الإقدام على المنافع لتجويز كونها مفسدة لقبح # PageV02P317 # الإحجام عنها لتجويز كونه مفسدة وفي ذلك وجوب الانفكاك منهما وذلك وجوب ~~ما لا يطاق فبطل أن يكون تجويز كون الفعل مفسدة وجه قبح ولا يلزم إذا قبح ~~الخبر لجواز كونه كذبا أن يقبح تركه لأن تركه ليس بخبر فيجوز كونه كذبا ولا ms710 ~~يلزمنا وجوب فعل الخبر لجواز كونه صدقا لأن القطع على كونه صدقا لا يوجب ~~فعله فضلا عن جواز كونه صدقا # فان قيل ليس بأن يقبح لجواز كونه كذبا بأولى من أن يحسن لجواز كونه صدقا ~~قيل اعتبار وجه القبح أولى لأنا إذا فعلنا الخبر لم نأمن كونه كذبا قبيحا ~~فاذا تركناه لم نكن خائفين من الوقوع في القبح # فان قيل ليس بأن يقبح الخبر لجواز كونه كذبا باولى من أن يجب لجواز كون ~~الإخلال به مفسدة قيل كيف يلزمنا ذلك ونحن نقول إن تجويز كون الفعل مفسدة ~~من غير أمارة لا يقتضي قبح الفعل ولو لم يدل على ذلك إلا هذا الوجه لكفى # فان قيل إن تجويز المفسدة وجه القبح وهو إن حصل في الإقدام على المنفعة ~~وفي الإحجام عنها فانا نتخلص من هذا الفساد بالترك لأن الشرع لا ينفك منه ~~العقل فيبين هل في ذلك مفسدة أم لا قيل إنا لم نتكلم في العقل لا ينفك من ~~الشرع وإنما تكلمنا على أنه لو انفرد العقل هل كان يقبح هذا الإقدام على ~~المنافع أم لا وقد بان أنه لا وجه يوجب قبحه ثم يقال لهم كيف تستدلون بذلك ~~على وجوب اقتران العقل بالشرع فان قالوا بأن نقول لو انفرد العقل عن الشرع ~~لم يحسن الإقدام على المنافع والإحجام عنها لجواز كون كل واحد منهما مفسدة ~~ولم يقبح الإقدام والإحجام تبعا لاستحالة الانفكاك منهما ومحال إنفكاك ~~المنافع من هذه الأقسام فانفكاك العقل عن سمع قد أدى إلى هذا الفساد فلم ~~يجز أن ينفك من سمع قيل لهم أرأيتم لو انفك العقل عن سمع أكان يجب الانفكاك ~~من الإقدام على المنافع ومن الإحجام فان قالوا ليس بأن لا يجب ذلك لاستحالة ~~بأولى من أن يجب # PageV02P318 # لقبح الإقدام والإخلال قيل لهم ارأيتم لو أقدم المكلف على المنافع أو أخل ~~بها كان يحسن ذمه فان قالوا لا ندري كانوا قد جوزوا حسن الذم على ما لا ~~يمكن انفكاك منه ومعلوم بطلان ذلك وإن قالوا ms711 كان لا يحسن الذم قيل لهم فاذا ~~لم ينفك الشرع عن عقل حسن من المكلف الإقدام وحسن الإحجام وأيضا فكان ينبغي ~~أن لا يقولوا إن المكلف يلزمه الإخلال بالمنافع قبل الشرع لأنهم قد أقروا ~~بأنه ليس بأن يقبح الإقدام بأولى من أن يقبح الإحجام وأيضا فان الانفكاك من ~~شرع لا يؤدي إلى الفساد الذي ذكروه لأن المكلف يقول إن لي إلها حكيما وليس ~~يجوز أن يجب علي الانفكاك من الإقدام على المنافع ومن الإحجام عنها لأن ذلك ~~يستحيل فاذا ليس يجتمع الإقدام والإخلال بها في القبح ولو انفرد أحدهما ~~بالحسن دون الآخر لوجب في حكمة المكلف أن يفرق لي بينهما بدليل عقلي أو ~~سمعي إذ كنت لا أعرف ذلك ضرورة وليس في العقل تجويز كون أحدهما مفسدة دون ~~الآخر وإذا لم يفرق لي بينهما فليس ينفرد أحدهما بالحسن دون القبح ولا ~~يجتمعان في القبح فاذن يجتمعان في الحسن وأيضا فان كان انفكاك العقل من سمع ~~يؤدي إلى هذا المحال فما يصنع الناظر عند ابتدائه بالنظر قبل وصوله إلى ~~النظر في النبوات # فإما القول بأن الإقدام على المنافع قبيح لأنه تصرف في ملك الغير بغير ~~إذنه فان قاسوه على تصرف بعضنا على ملك بعص بغير إذنه فباطل لأن في ~~الامتناع عنها إضرار بالنفس وهو تصرف في ملك الله بغير إذنه فيجب قبح ~~الإقدام وذلك محال وأيضا فمعنى الملك فينا وفي ملك الله تعالى يختلف والجمع ~~به بين ملك الله تعالى وملكنا جمع بغير علة واحدة وذلك أن معنى كوننا ~~مالكين للشيء هو أنا أحق بالانتفاع به من غيرنا على الإطلاق وذلك مستحيل ~~على الله تعالى ومعنى كونه مالكا للشيء هو أنه قادر على إيجاده وإفنائه فان ~~قالوا بل معنى كونه مالكا للمنافع هو أنه ليس لغيره التصرف فيها إلا بلإذنه ~~وله المنع منها قيل هذا تعليل الحكم بنفسه ومع ذلك فلم نسلم # PageV02P319 # ما ذكرتموه وأيضا فان الإنسان إنما يكون مالكا للشيء وأحق به من غيره ~~بالشرع لأن عندكم أن العقل لا ms712 يقتضي جواز تصرف الإنسان في الشيء فاذا لم ~~يكن هذا الأصل ثابتا في العقل عندكم وكان كلامنا فيما يقتضيه ما يثبت في ~~العقل سقط ما قلتم وأيضا فانه إنما يقبح تصرفنا في ملك غيرنا لأنه يضره لا ~~لأنه مالكه فقط ألا ترى أنه يحسن منا الاستظلال بحائط غيرنا والنظر في ~~مرآته والتقاط ما تناثر من حب غلته بغير إذنه ما لم يضره ذلك والمنافع ~~والمضار يستحيلان على الله تعالى # وقد أجيب عن ذلك بأن إباحة ذلك في العقل تجري مجرى إذن سمعي ولقائل أن ~~يقول إنما نعلم أن الله تعالى قد أباحه في العقل إذا أفسدتم أن يكون كون ~~التصرف في ملك الغير وجه قبح ومتى جوز ذلك لم نعلم إباحة الله تعالى لذلك # دليل خلق الله تعالى الطعوم في الأجسام مع إمكان أن لا يخلقها فيها يقتضي ~~أن يكون له فيها غرض يخصها وإلا كانت عبثا ويستحيل أن يعود إليه ذلك الغرض ~~بنفع أو دفع ضرر لاستحالتهما عليه ولا يجوز أن يعود على غيره بضرر لأنه قد ~~لا يكون فيها ضرر ولأنها إنما تضر بادراكها وفي ذلك إباحة إدراكها ولأنه لا ~~يحسن أن يكون غرضه الإضرار الخالص بمن لا يستحق الإضرار فوجب أن يكون الغرض ~~بادراكها نفعا يعود إلى غيره إما بأن يدركها أو بأن يجتنبها لكون تناولها ~~مفسدة فيستحق الثواب بادراكها وإما بأن يستدل بها وفي ذلك إباحة إدراكها ~~لأنه إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت النفس إلى إدراكها وفي ذلك تقدم ~~إدراكها وإنما يستدل بها إذا عرفت والمعرفة بها موقوفة على إدراكها لأن ~~الله تعالى لم يخلق فينا المعرفة بها من دون الإدراك فصح أنه لا فائدة فيها ~~إلا الإباحة للانتفاع بها وذلك يقتضي أن يركب الله في العقول إباحة ~~الانتفاع بتلك الأجسام ليعلم حصول الطعوم فيها فينتفع بها بأحد هذه الوجوه # PageV02P320 # وقد قيل لو خلقها ليستدل بها لا لينتفع بها بالأكل لكان قد خلق ما يمكن ~~أن ينتفع به من وجهين وقصد الانتفاع بأحدهما فقط مع ms713 إمكان الانتفاع بالوجه ~~الآخر وذلك يقتضي كونها عبثا من الوجه الذي لم يقصده لأن كلا الوجهين ~~يجريان مجرى فعلين متميزين فكما أنه لو فعل أحدهما لغرض وفعل الآخر لا لغرض ~~لكان عبثا فكذلك الوجهان ولا يلزم على ذلك أن يقصد الانتفاع للملائكة بأكل ~~المأكولات وأن يقصد استدلال اهل الجنة بما يخلقه لهم لأن استدلالهم بذلك ~~على الله لا يمكن مع علمهم به ضرورة وكذلك انتفاع الملائكة من جهة العقل ~~ولقائل أن يقول ولا يجوز أن يقصد انتفاعنا بالطعوم من جهة الأكل لأن ذلك ~~مفسدة ولو حسن أن يقصد لم يمتنع أن يقصد الانتفاع بالطعوم من أحد الوجهين ~~دون الآخر لأن الأصلح في الدنيا غير واجب على قول الشيخ وقولهم إن الوجهين ~~يجريان مجرى الفعلين إن أرادوا به أنهما كالفعلين في وجوب حصول غرض فيهما ~~لم نسلمه ولنا أن نقول إن الفعلين المتميزين إذا فعل الفاعل أحدهما لا لغرض ~~فقد أوجد فعلا لا غرض فيه وكان عبثا فأما الفعل الواحد إذا أمكن الانتفاع ~~به من وجهين فقصد أحدهما فانه قد فعل الفعل لغرض فلم يكن عبثا # دليل وقد استدل على ذلك بأنه يحسن من العقلاء التنفس في الهواء وأن ~~يدخلوا منه أكثر مما تحتاج إليه الحياة ومن رام أن يقدر على نفسه ذلك ولا ~~يزيد على قدر ما تحتاج إليه الحياة عده العقلاء من المجانين والعلة في حسن ~~ذلك أنه انتفاع لا يعلم في مفسدة ولا مضرة وهذا قائم في غير ذلك وليس لأحد ~~أن يجعل علة حسن ذلك أن فيه بقاء الحياة وفي تركه هلاكها مع أنها ملك الغير ~~وأن الإنسان ملجأ إلى ذلك لأنا فرضنا المسألة في قدر ينفي الحياة من دونه ~~على أن الكف عن التنفس إن أتلف الحياة فليس يجب أن يقبح من الإنسان على ~~قولكم لأنه ليس يجب على الإنسان أن يصلح ملك غيره وإنما يجب عليه أن لا ~~يتلفه # PageV02P321 # فان قيل إنما يحسن من الإنسان أن يتنفس ليندفع عن قلبه الحرارة وذلك ~~محتاج إليه في ms714 الحياة وما زاد عليه يضر ولا يحسن قيل ليس يجب أن يكون ما ~~زاد على ما تحتاج إليه الحياة مضرا بل لا يمتنع أن يكون نافعا ملذا كما لا ~~يمتنع أن لا يكون ما زاد على ما يثبت معه الحياة من المأكل مضرا بل يكون ~~نافعا ملذا يقتضي خصب البدن فلم يلزم ما ذكره السائل من قبح هذه الزيادة ~~وهذه الدلالة ترجع إلى الدلالة المتقدمة وهي أن المنافع لا يقدح في حسنها ~~تجويز المفسدة والمضرة وما ذكرناه الآن من استنشاق الهواء هو مثال لما ~~ذكرناه أن من العقلاء يستحسنون أمثال هذه المنافع فأما من توقف فقال لا ~~أدري هل الأشياء على الحظر أو على الإباحة فقوله باطل بما ذكرناه لأنه إما ~~أن يقول لو انفرد العقل لاستحق من أقدم على المنافع الذم فنجعلها محظورة أو ~~يقول لا يستحق الذم فنجعلها مباحة فاذا صح أن من الأشياء ما هو على الحظر ~~ومنها ما هو على الإباحة كان ذلك أصلا في الدلالة على إباحة المباح منها ~~وحظر المحظور إذا لم تنقلنا عنه الأدلة الشرعية - صلى الله عليه وسلم - باب ~~في فصول طرق الأحكام الشرعية - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لا ينبغي أن نتكلم في شروط الاستدلال على الأحكام الشرعية إلا ~~بعد أن نبين أنه لا بد في الأحكام الشرعية من طرق عقلية أو شرعية نفيا كان ~~الحكم أو إثباتا ونبين الفصل بين ما هو طريق في ذلك وما ليس بطريق ليعمد ~~المستدل إلى ما هو طريق فيستدل به وذلك يقتضي أن نبين أنه لا بد في الأحكام ~~الشرعية من طريق إما عقلي وإما شرعي ويدخل في الطريق العقلي فصلان أحدهما ~~أن يبين الفصل بين الاستدلال بالبقاء على حكم العقل وبين ما يلتبس بذلك من ~~استصحاب الحال والآخر أن يبين الفصل بين ما يصح أن يستدل عليه بالعقل وما ~~لا يصح ويدخل في الطريق السمعي فصلان أحدهما # PageV02P322 # أن يبين أن السمع الدال على الحكم يجب أن يتناوله إما صريحا وإما غير ~~صريح ms715 ولا يجوز أن يقال للمكلف احكم فانك لا تحكم إلا بالصواب والآخر أن ذلك ~~السمع في شرعنا هو القرآن دون غيره من الكتب المتقدمة - صلى الله عليه وسلم ~~- باب في أن الأحكام الشرعية لا يجوز إثباتها إلا بطريق - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أن الحكم الشرعي يجب كونه معلوما وإلا لم يؤمن كونه خطأ ولا يخلو ~~إما أن يكون العلم به في البديهة أو لا يكون فيها فلو كان فيها لاشترك ~~العقلاء فيه ولأنا نعلم أنه ليس في البديهة العلم بوجوب صوم أول يوم من شهر ~~رمضان وسقوط وجوب ما قبله وإذا لم يكن العلم به في البديهة لم يجز حصوله ~~لنا إلا بأمر يوصلنا إليه إما إدراك أو خبر متواتر أو دليل يجوز كونها ~~مدركة والخبر المتواتر إنما يفضي إلى العلم إذا كان المخبر مدركا لما أخبر ~~به فبقي أن يكون الموصل إلى العلم به هو الدليل # فأما من لا يثبت الحكم في الشيء فلا يخلو إما أن يكون شاكا في إثباته أو ~~معتقدا أو ظانا لنفيه فان اعتقد أو ظن نفيه وأقر أنه لم يصر إلى اعتقاده أو ~~ظنه بطريقة فقد أقر أنه منحت وأن ظنه جار مجرى ظن السوداوي وإن ادعى أنه ~~صار إلى ذلك بطريقة ودعا إلى اعتقاده وظنه فلا بد من أن يذكر طريقته التي ~~أدته إلى ذلك الاعتقاد أو الظن لأنه إن ألزم غيره المصير إليه من غير أنه ~~يمكنه من طريقته التي أوصلت إلى المذهب فقد ألزمه ما لا يطيقه # والطريقة إلى المذهب ضربان إثبات ونفي أما الإثبات فبأن ينص الله تعالى ~~أو النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الحكم أو تجمع الأمة عليه أو يدل ~~القياس عليه وأما النفي فبأن يفقد الناظر بعد الفحص الشديد دليلا على ذلك ~~الحكم مع أنه لو كان ثابتا لكان عليه دليل وهذه الطريقة لا بد من البينة ~~عليها غير أنه لا يمكن النافي للحكم أو يوقف المناظر له على دليل من أدلة # PageV02P323 # العقل أو الشرع ms716 ويعرفه أنه لا دليل فيه على ذلك الحكم والواجب على مخالفه ~~أن يريه دليلا على إثبات ما نفاه ليقع الكلام فيه فان كان الدليل إثباتا ~~وجب أن يعينه # وإن كان ممن لا يثبت الحكم في الشيء شاكا فيه فلا يخلو إما أن يكون شاكا ~~فيه لطريقة أفضت به إلى الشك أو لا لطريقة فان شك لا لطريقة بل لأنه لم يكن ~~استدل عليه فهذا ليس له مذهب فيقال أنه صار إليه لطريقة يجب عليه ذكرها إذا ~~استدعى غيره إلى مذهبه وإن كان صار إلى الشك لطريقة فاما أن يكون فقد دلالة ~~على المذهب بعد الفحص الشديد مع أن ذلك الشيء لا يجوز أن يكون ثابتا ولا ~~يدل عليه دليل وإما أن يكون قد دل على فقد الدلالة على ذلك المذهب دليل ~~مبتدأ نحو أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لا دليل على هذا الشيء وفي كلا ~~القسمين يكون الشاك معتقدا أنه لا دليل على ذلك المذهب فيعتقد وجوب الشك ~~فيه وله في الحالين مذهب قد صار إليه بطريقة فمتى دعا إليه غيره فالواجب أن ~~يذكر له طريقة لتؤديه إلى مثل ما أدته إليه # وإن كانت طريقته الإثبات عنها وإن كانت طريقته فقد الدلالة بعد شدة الفحص ~~أخبره بذلك ووقفه على طرق الدلالة على الجملة ونبهه على التفصيل بافساد كل ~~ما يدعي أنه دليل على ذلك المذهب إذا استرشده المسترشد فاذا ثبت ذلك فمن ~~قال ليس على النافي دليل إن أراد به ليس عليه دليل هو إثبات فقد بينا أنه ~~ليس علة ذلك إلا أن يكون دليل إثباته وإن أراد أنه لا يجب عليه ذكر طريقه ~~أصلا فقد بينا وجوب ذلك ولما تقدم علمنا كذب المدعي للنبوة إذا لم يدل على ~~صدقه دلالة من معجز أو غيره لأنه لو كان صادقا لما أخلاه الله من دلالة ~~وإلا كان قد كلفنا ما لا نطيقه وكذلك ما لم يدل على إثباته دليل من الأحكام ~~الشرعية وجب نفيه # واحتج القائلون بأن النافي لنبوة ms717 مدعي النبوة لا دليل عليه وإنما الدليل # PageV02P324 # على من اثبت نبوته والجواب عنه ما تقدم وقال أيضا المدعي لدار في يد غيره ~~عليه البينة ولا بينة على المنكر فذا لم يكن على المنكر بينة فليس عليه ~~دلالة لأن البينة دلالة يقال لهم لم أردتم بهذا الكلام أنه يجوز لمن الدار ~~بيده أن يعتقد كونه مالكا لها من غير طريقة كإرث أو غيره فليس كذلك بل ليس ~~له اعتقاد ذلك إلا بطريقة من الطرق وإن أردتم أنه ليس عليه أن يذكر طريقه ~~فصحيح لأنه ليس يدعو الناس إلى أن يعتقدوا كونه مالكا لها فيلزمه أن يذكر ~~لهم حجته كما يلزم صاحب المذهب إذا دعا الناس إلى مذهبه أن يذكر لهم حجته ~~وإن أردتم أن الذي الدار في يده يدعو الحاكم إلى أن يحكم له بها من غير ~~طريقه يذكرها فباطل بل إنما يدعوه إلى ذلك لطريقة وهي اليد وليس للحاكم أن ~~يحكم له بذلك إلا لدلالة فقد بان أنه لا بد من طريقة في كل هذه الوجوه - ~~صلى الله عليه وسلم - باب القول في استصحاب الحال - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن استصحاب الحال هو أن يكون حكم ثابت في حالة من الحالات ثم تتغير ~~الحالة فيستصحب الإنسان ذلك الحكم بعينه مع الحالة المتغيرة ويقول من ادعى ~~تغير الحكم فعليه إقامة الدليل وقد ذهب قوم من أهل الظاهر وغيرهم إلى ~~الاحتجاج بذلك # وقد يكون الحكم المستصحب عقليا وقد يكون شرعيا فالشرعي أن يقول الإنسان ~~المتيمم إذا رأى الماء قبل صلاته وجب عليه التوضوء به وكذلك إذا رآه بعد ~~دخوله في الصلاة ومن زعم أن فرض الوضوء يتغير بالدخول في الصلاة فعليه ~~الدليل وهذا باطل لأنه إن شرك بين الحالتين في وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما ~~دل على وجوب الوضوء فليس باستصحاب حال الذي ننكره ويذهبون إليه وإن شرك ~~بينهما في الحكم لاشتراكهما في علته فهذا # PageV02P325 # قياس وإن شرك بينهما بغير دلالة ولا علة فليس هو بأن يجمع بينهما بأولى ~~من أن لا ms718 يجمع بينهما أو بأن يجمع بين المسألة وغيرها ولأن ذلك قياس بغير ~~علة وأهل الظاهر المانعون من القياس بعلة أولى أن يمنعوا من ذلك # فان قيل حدوث الحادث لا يغير الأحكام فحدوث الصلاة إذن لا يغير وجوب ~~الوضوء قيل ليس يمتنع أن تختلف المصالح بحدوث الحوادث ولهذا جاز ورود النص ~~باسقاط الوضوء عن الرائي للماء في الصلاة مع وجوبه على من رآه قبل الصلاة # فان قيل لو لم يتعد الحكم من حالة إلى حالة لوجب قصره على الزمان الواحد ~~قيل كذلك يجب إلا أن يكون دليل الحكم وعلته قد عم الأزمنة فان قيل فقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الشيطان يأتي أحدكم فيخيل أنه أحدث ~~فلا ينصرفن حتى يجد ريحا أو يسمع صوتا فأوجب استدامة الحكم قيل إنا لا نمنع ~~من تعدى الحكم من حالة إلى حالة لدلالة وإنما نمنع من ذلك لا لدلالة وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو دلالة فان قيل أليس بعض الفقهاء قد جعل حكم ~~الشاك في الحدث بعد تيقن الطهارة كحكمه قبل الشك فيها في إسقاط الوضوء قيل ~~إن هؤلاء إن جمعوا بينهما لدلالة أو علة وإلا فهو موضع الخلاف على أن ذلك ~~خارج عما نحن بسبيله لأن الأصل في العقل أن لا وضوء فاذا لم يدل على وجوبه ~~على الشاك في الحدث دليل شرعي فالواجب البقاء على حكم الأصل لأنه لو كان ~~واجبا لدل الله تعالى عليه وليس كذلك وجوب الوضوء على من رأى الماء لأن ~~الوضوء ليس هو حكم العقل حتى يلزم البقاء عليه ما لم تدل على خلافه دلالة # فان قيل اليس إذا اختلفوا في المسألة على اقاويل يجوز الأخذ بأقل ما قيل ~~إذا لم تدل على الزيادة دلالة قيل لأن أقل ما قيل متفق عليه والزيادة إذا ~~كانت حكما شرعيا فيجب نفيها إذا لم يدل عليها دليل وكذلك القول في ~~الاستدلال ببراءة الذمة # PageV02P326 # فأما إذا كان المستدام عقليا فمثاله أن يقول القائل المتيمم المصلي إذا ms719 ~~لم ير الماء لم يلزمه الطهارة الأخرى ووجب أن يمضي في صلاته فكذلك إذا رأى ~~الماء وهذا يصح من وجه دون وجه أما الوجه الذي لا يصح منه فهو أن يسقط عنه ~~طهارة أخرى لأجل سقوطها إذا لم ير الماء لأن هذا جمع بين حالتين بغير دلالة ~~ولا علة وأما إذا أسقط عنه الوضوء بعد رؤية الماء لأن إيجابه شرعي فلو كان ~~ثابتا لكان عليه دليل شرعي وليس عليه دليل شرعي على ما بينا في الاستدلال ~~بالنفي فصحيح وإن عورض هذا فقيل الأصل في الشرع وجوب الطهارة فلو سقطت عن ~~الرائي للماء في الصلاة وهو متيمم لكان عليه دليل شرعي لم يسلم الخصم أن ~~الطهارة واجبة في كل حال وإن رأى المتيمم الماء فان استدل على وجوب ذلك ~~لعموم الخطاب كان استدلالا بالعموم - صلى الله عليه وسلم - باب فيما يعلم ~~بأدلة العقل وما يعلم بأدلة الشرع - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الأشياء المعلومة بالدليل إما أن يصح أن تعلم بالعقل فقط وإما ~~بالشرع فقط وإما بالشرع وبالعقل وأما المعلومة بالعقل فقط فكل ما كان في ~~العقل دليل عليه وكان العلم بصحة الشرع موقوفا على العلم به كالمعرفة بالله ~~وبصفاته وأنه غني لا يفعل القبيح وإنما قلنا إن العلم بصحة الشرع موقوف على ~~العلم بذلك لأنا إنما نعلم صحة الشرع إذا علمنا صدق الأنبياء عليهم السلام ~~وإنما نعلم صدقهم بالمعجزات إذا علمنا أنه لا يجوز أن يظهرها الله على يد ~~كذاب وإنما يعلم ذلك إذا علمنا أن إظهارها عليه قبيح وأنه لا يفعل القبيح ~~وإنما نعلم أنه لا يفعل القبيح إذا علمنا أنه عالم بقبح القبيح عالم ~~باستغنائه عنه والعلم بذلك فرع على المعرفة به فيجب تقدم هذه المعارف للشرع ~~فلم يجز كون الشرع طريقا إليها # PageV02P327 # فأما ما يصح أن يعرف بالشرع وبالعقل فهو كل ما كان في العقل دليل عليه ~~ولم تكن المعرفة بصحة الشرع موقوفة على المعرفة به كالعلم بأن الله واحد لا ~~ثاني له في حكمته لأنه ms720 إذا ثبتت حكمته فلو كان معه حكيم آخر لم يجز أن ~~يرسلا أو يرسل أحد منهما من يكذب فاذا أخبر الرسول أن الإله واحد لا قديم ~~سواه علمنا صدقه وكذلك وجوب رد الوديعة والانتفاع بما لا مضرة فيه على أحد # فأما ما يعلم بالشرع وحده فهو ما في السمع دليل عليه دون العقل كالمصالح ~~والمفاسد الشرعية وما له تعلق بهما أما المصالح والمفاسد الشرعية فهي ~~كالأفعال التي تعبدنا بفعلها أو تركها بالشريعة نحو كون الصلاة واجبة وشرب ~~الخمر حراما وغير ذلك وإنما قلنا إنه ليس في العقل دليل على ذلك لأنه لو ~~كان في العقل دليل على ذلك لكان ذلك الدليل إما حكما موجبا عن وجوبها أو ~~وجها موجبا لها والحكم الموجب عن وجوبها هو الذم والمدح ومعلوم أنا لا نعلم ~~بالعقل استحقاق من أخر الصوم عن أول يوم من رمضان للذم دون الذي قبله ولا ~~نعلم بالعقول مباينة أول يوم من رمضان لليوم الذي قبله في وجه يقتضي ~~تباينهما في الوجوب سواء وقف ذلك على أمارة مظنونة أو لم يقف على ذلك وقد ~~دخل في ذلك القول بأن العبادات يعرف وجوبها بأمارات من جهة العادات تتعلق ~~بالمنافع والمضار لأن وجوب ما هذه سبيله معلوم وإن تعلق بشرط مظنون ومعلوم ~~أيضا أنا لا نعلم بالعقول في هذه العبادات منافع ودفع مضار عاجله فيقال ~~إنها تجب لأجل ذلك وأما ما له تعلق بالمصالح والمفاسد الشرعية فهي طرق ~~الأحكام الشرعية كالأدلة والأمارات وأسباب هذه الأحكام وعللها وشروطها أما ~~ألأدلة فكون الإجماع حجة وأما الأمارات فكون القياس وخبر الواحد حجتين على ~~قول من قال لا نعلم ذلك بالعقل وأما الأسباب فكون زوال الشمس سببا للصلاة ~~وأما العلل فالكيل الذي هو علة الربا وأما الشروط فضربان أحدهما شروط في ~~أحكام معلومة بالعقل كالشروط التي شرطتها الشريعة في # PageV02P328 # البياعات لأن وقوع التمليك بالبيع معلوم بالعقل والآخر شروط في أحكام ~~شرعية كستر العورة في الصلاة والطهارة وغير ذلك # وقد فرق بين العلة والسبب بأشياء منها أن ms721 العلة لا يجب تكررها والسبب قد ~~يجب تكرره ولهذا كان الإقرار سببا للحد لأنه يتكرر ومنها أن العلة تختص ~~المعلل والسبب لا يختصه كزوال الشمس الذي هو سبب الصلاة ومنها أن السبب ~~يشترك في جماعة ولا يشتركون في حكمه كزوال الشمس يشترك فيه الحائض والطاهر ~~ولا يشتركون في وجوب الصلاة وليس يشتركون في العلة إلا ويشتركون في حكمها - ~~صلى الله عليه وسلم - باب في أنه لا يجوز أن يقال للرسول أو العالم احكم ~~فانك لا تحكم إلا بالصواب - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الناس اختلفوا في جواز ان يفوض الله تعالى إلى المكلف أن يحرم ~~ويوجب ويبيح باختياره فمنع أكثر الناس من ذلك على كل حال وأجازه آخرون ~~فالشيخ أبو علي أجاز ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة وذكر ذلك في قول ~~الله تعالى {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} ~~ثم رجع عن هذا القول وأجاز مويس بن عمران أن يقال ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولغيره من العلماء وذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل على أن الله ~~تعالى لما علم أن الصواب يتفق من نبيه جعل ذلك له ولم يقطع عليه بل جوزه ~~وجوز خلافه واحتج قاضي القضاة للمنع من ذلك بان الشرائع إنما يتعبد الله ~~بها لكونها مصالح والإنسان قد يختار الصلاح وقد يختار الفساد فلو اباح الله ~~تعالى للإنسان الحكم بما يختاره لكان فيه إباحة الحكم بما لا يأمن من كونه ~~فسادا # PageV02P329 # إن قيل إنه يأمن ذلك لقول الله له إنك لا تحكم إلا بالحق والصواب قيل لا ~~يجوز أن يقول له ذلك لأنه لا يجوز أن يستمر بالمكلف اختيار الصلاح دون ~~الفساد من غير علم بأعيان الصلاح والفساد كما لا يجوز اتفاق الأفعال ~~الكثيرة المحكمة من غير علم وكما لا يجوز أن يتفق من الإنسان الصدق في ~~الأخبار الكثيرة من غير أن يتخللها كذب من غير علم ولو جاز ذلك لخرجت ~~الأخبار عن الغيوب من أن ms722 تكون دلالة على نبوتهم ولجاز أن يكلف تصديق نبي ~~دون من ليس بنبي من غير علم ولو جاز اتفاق اختيار الصواب من العالم جاز ~~اتفاقه من العامي فيتعبده الله بالحكم باختياره وليس للمخالف أن يقول إن ~~الأنبياء والعلماء قد أكرمهم الله وخصهم بذلك لأن إمكان اتفاق ذلك لا يفترق ~~فيه العامي والعالم # فان قيل إنما يمتنع اتفاق اختيار الصواب الكثير من غير دلالة فأما القليل ~~فلا يمتنع اتفاق الصواب فيه فيجوز أن يفوض الله تعالى إلى بعض المكلفين ~~الحكم باختياره في الفعل والفعلين والثلاثة قيل قد أجيب عن ذلك بأن الواجب ~~في التكليف أن يكون المكلف عالما بحسن ما يقدم عليه من الأفعال قبل إقدامه ~~وهو لا يعلم ذلك إذا علق الفعل باختياره لأنه كما يجوز أن يختار الصلاح ~~يجوز أن يختار الفساد ولأن حسن اختياره للفعل تابع لحسن الفعل فلم يجز أن ~~يعلم حسنه لعلمه بحسن اختياره له # ولقائل أن يقول إن ما ذكره من أنه لا يجوز استمرار اختيار المصلحة دون ~~المفسدة من غير علم بالمصلحة صحيح إذا كان الفعل مصلحة من دون الاختيار ~~فيمتنع أن يتفق اختيارنا للمصلحة دون المفسدة فأما إذا كان كونه مصلحة هو ~~فعلنا له ونحن مختارون له فليس يبطل بما ذكره لأنه والحال هذه لم يتفق ~~تناول الاختيار لما هو مصلحة في نفسه من دون الاختيار بل المصلحة هو مجموع ~~الفعل والاختيار فلو صح ما ذكره لصح أن يقول من نفى القياس إن الأمارات قد ~~تخطىء وتصيب وليس يتفق فيها الصواب أبدا # PageV02P330 # فالعامل بحسبها عامل بما لا يأمن كونه مفسدة # فان قلتم إن المصلحة هي علمنا بحسب ما ظنناه من الأمارة وليس كونها مصلحة ~~ينفصل من ذلك إن الأمارة الدالة عليه لا يجب ان تصيب ابدا قيل وليس يقول ~~الله للنبي صلى الله عليه وسلم احكم فانك لا تحكم إلا بالصواب إلا وقد علم ~~أن مصلحته أن يفعل ما يختاره # وأما قوله إن المكلف يجب أن يعلم حسن ما يقدم عليه وهذا المكلف ms723 لا يعلم ~~ذلك فالجواب عنه أنه يعلم ذلك لقول الله له إنك لا تحكم بغير الصواب كما ~~يعلم الأنبياء أن ما يقدمون عليه من المعاصي غير كبائر وأما قوله إن حسن ~~الاختيار تابع لحسن الفعل فلا يجوز أن يتبع حسن الفعل الاختيار فالجواب عنه ~~أن حسن الفعل ها هنا غير تابع للاختيار بل هو مصلحة في نفسه بالاختيار وهذا ~~جواب من يجيز أن يفوض الله تعالى إلى المكلف باختياره في الشيء الواحد ~~والشيئين والثلاثة دون الأشياء الكثيرة # وللخصم أيضا أن يقول ليس يمتنع أن تكون مصلحة الإنسان أن يفعل باختياره ~~كما أن مصلحته في وقت التشديد وفي وقت التسهيل وله ان لا يسلم أن الاختيار ~~لا يحسن إلا أن يكون الفعل حسنا من دونه بل يكون حسنا إذا كان الفعل معه ~~مصلحة # ونحن نرتب الدلالة فنقول إن من أجاز هذا التكليف إما أن يقول إن الاختيار ~~به يتم كون الفعل مصلحة حتى تكون مصلحة الإنسان ما يختاره في الحادثة من ~~فعل أو ترك أو يجعل المصلحة منفصلة عن ذلك ويقول إن الله تعالى قد علم أن ~~المكلف لا يختار إلا ما هو مصلحة فان قال بالأول اسقط التكليف لأن قول ~~المكلف للمكلف إن شئت أن تفعل فافعل وإن شئت أن لا تفعل فلا تفعل هو محض ~~الاباحة فان قيل بل هو إيجاب أن لا يخلو من الفعل والإخلال به قيل لا يمكن ~~الخلو من ذلك ولا يحسن إيجاب ما لا يمكن # PageV02P331 # خلافه ولهذا إذا كان العامي مخيرا بين فتوى من أفتاه بالإيجاب ومن أفتاه ~~بالإباحة فقد سقط عنه التكليف وصار الفعل مباحا لأنه إن اختار أن لا يفعله ~~جاز له ذلك وإن قال إن الفعل يكون مصلحة من دون الاختيار فإما أن يخير ~~تكليف الله الإنسان أن يفعل بحسب اختياره أفعالا كثيرة أو أفعالا قليلة ~~فالأول باطل لأنه لا يجوز أن يتفق اختيار الصلاح في الأفعال الكثيرة كما لا ~~يجوز أن يتفق الصدق في الأخبار الكثيرة والأحكام في الأفعال الكثيرة ms724 من غير ~~علم فان قيل أليس النبي صلى الله عليه وسلم لا يختار من المعاصي إلا ما ~~يكون صغيرا قيل فمن أين أنه يكثر ذلك منه وما أنكرتم ان الواجب أن يقال إن ~~ما يقع منه قليل وأيضا فلو صادف اختيار العالم المصلحة لم يكن لتكليفه ~~الاجتهاد معنى فان قيل الفائدة فيه أن يكثر ثوابه قيل التكليف لا يحسن ~~لمجرد الثواب فان قيل إذا اجتهد تغيرت المصلحة قيل إن كانت هذه المصلحة ~~مساوية لمصلحته إذا لم ينظر فلا فائدة لتكليف النظر وإن كانت زائدة وجب ~~تكليفه الاجتهاد # وأما الوجه الثاني وهو القول بأنه إنما يحسن أن يفوض الله تعالى إلى ~~المكلف الحكم باختياره في الأفعال اليسيرة فالذي يفسده ويفسد الوجه الأول ~~أيضا هو أنه إما أن يكون الله تعالى قد أوجب عليه المصلحة من الفعل أو تركه ~~من غير أن يعينه له فيكون قد كلفه ما لا يطيقه وإما أن يكون قد خيره بينه ~~وبين غيره مما ليس بمصلحة فيكون قد خيره بين المصلحة والمفسدة لأنه قد قال ~~له افعل أيهما شئت من الاختيارين والفعلين وهذا تخيير بين المصلحة والمفسدة ~~وذلك باطل # واحتج المخالف بأشياء منها ما احتجوا به على جواز استمرار اختيار الصواب ~~دون الخطأ ومنها ما احتجوا به على جواز ورود التعبد بما ذكروه ومنها ما ~~احتجوا به على ورود التعبد بذلك # أما الأول فقولهم إذا جاز أن يتفق اختيار الأنبياء للصغائر دون الكبائر # PageV02P332 # وإن لم يكن لهم على عينها دليل جاز اتفاق اختيارهم الصواب دون الخطأ وإن ~~لم يكن لهم على عينه دليل فالجواب ما تقدم # وأما ما استدلوا به على الثاني فمن وجوه # منها قولهم إذا جاز أن يفوض الله إلى المكلف أن يختار واحدة من الكفارات ~~جاز أن يفوض إليه الحكم بواحد من الأحكام بحسب اختياره والجواب إن ذلك يلزم ~~من قال إن المصلحة والواجب من الكفارات واحدة فقط وقد جعل إلى المكلف ~~اختيارها لعلم الله سبحانه أنه لا يختار سواها واما من قال إن ms725 الكفارات ~~الثلاث تتساوى في الوجوب والمصلحة فلم يقل إنه إذا اختار واحدة منها فقد ~~وقع اختياره على الواجب دون ما ليس بواجب فيلزمه مثله في جميع الأحكام على ~~أن العامي يجوز له ان يختار واحدة من الكفارات فيجب أن يجوز أن يفوض إليه ~~الحكم بما شاء # ومنها قولهم إذا جاز أن يتعبد العامي أن يختار العمل على فتوى أحد ~~الفقيهين ويتعين ذلك باختياره جاز مثله في أصل التعبد فالجواب يقال لهم ~~فينبغي أن يجوز تفويض الحكم بالاختيار إلى العامي وأيضا فان وجوب أخذ ~~العامي بفتوى الفقيه معلوم له لأنه يعلم من دين الإسلام وجوب رجوع من لا ~~معرفة له إلى العلماء فيما ينويه من الشرعيات فاذا اختلف فيه فقيهان وافتاه ~~أحدهما بخلاف ما أفتاه الآخر كانا واجبين عليه على التخيير والقول في ذلك ~~كالقول في الكفارات فإن حرم أحدهما عليه الفعل وأوجبه الآخر كان مخيرا بين ~~فعله وتركه إن تساويا عنده وقد قلنا إن ذلك يرجح إلى الإباحة وإسقاط ~~التكليف إذ لو اختار ترك الفعل جاز له ذلك # ومنها أنه إذا جاز أن يكلف الإنسان العمل على الأمارات مع أنها قد تخطر ~~جاز أن يكلف الإنسان العمل على اختياره وإن كان الإنسان قد يختار الصواب ~~كما يختار الفساد الجواب إن المصلحة أن نعمل بحسب ما ظنناه من الأمارة ~~فالأمارة كالوجه في المصلحة على ما بيناه إلا أنها مميزة للمصلحة من # PageV02P333 # غيرها فيلزم ما ذكرتم وليس كذلك الاختيار لأنا قد أفسدنا أن يكون وجه ~~المصلحة وأفسدنا أن يكون مميزا لها من المفسدة # ومنها ان الواجب في التكليف أن يجعل للمكلف طريق إلى ما كلف إما على جملة ~~وإما على تفصيل لنا من الخطأ فيما نفعل وإذا قال الله للمكلف احكم فانك لا ~~تحكم إلا بالصواب فقد جعل له طريق مقطوع به على صحة ما يحكم به والجواب أنا ~~قد بينا أنه لا يجوز ان يجعل الله تعالى إليه ذلك لأنه لا يجوز أن يكون ~~اختيار المكلف هو وجه المصلحة ولا يجوز ms726 استمرار وقوع اختياره على الصواب ~~والمصلحة وبينا أن الله عز وجل لو قال ذلك لكان قد خيره بين المصلحة ~~والمفسدة # وأما ما استدلوا به على ورود التعبد بذلك فوجوه # منها قول الله عز وجل {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه} فالجواب إن الآية تشهد بأن الطعام كان حلا لبنيه ~~وإسرائيل ليس بداخل في بنيه ويجوز أن يكون حرم على نفسه بالاجتهاد أو ~~بالنذر وأن يكون في شريعتهم إثبات التحريم بالنذر كما ثبت الإيجاب في ~~شريعتنا بالنذر # ومنها أن السنة مضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة الاضافة تقتضي ~~أنه من قبله والجواب إنه إنما اضيفت إليه لأنها بقوله وجبت وهو السفير فيها ~~ولهذا يضاف إليه جميع السنن ومعلوم أنه ليس جميعها باختياره # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال في مكة لا يختلي خلاها قال ~~العباس إلا الإذخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر ومعلوم أن ~~الوحي لم يرد في تلك الحال والجواب أنه قد قيل إن الإذخر ليس من الخلا ~~وإنما استثناء العباس # PageV02P334 # تأكيدا ولا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد استثناءه فسبق ~~العباس إلى سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بذلك # ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت يعني الحج فعلق ~~وجوبه بقوله فالجواب أنه لو قال نعم لوجبت من حيث كان قوله دليلا على وجوبه ~~وليس في الكلام ما يدل على أن قوله صادر عن اختياره أو عن وحي # ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على امتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة وقوله لولا أخشى أن يفرض السواك لاستكت قالوا فبين ان ~~أمره بالسواك موقوف على اختياره فالجواب إنه لا يمتنع أن يكون عنى أنه لولا ~~أن أشق على امتي لأمرتهم بالسواك على طريق التكليف ولا يمتنع أن يكون الله ~~قد أعلمه أنه لا ينبغي أن يأمرهم به لأجل المشقة وأنه أن يكون الله قد ms727 ~~اعلمه أنه لا ينبغي أن يأمرهم به لأجل المشقة وأنه لا يحصل على صفة المصلحة ~~لأمته إلا إذا فعله عند كل صلاة وإذا لم يفعله عند كل صلاة لم يكن مصلحة # ومنها قولهم إن موسى عليه السلام اثبت الأحكام من جهته إلا تسع آيات ~~أنزلها الله تعالى عليه فالجواب أنا لا نعلم ذلك ولو علمنا ذلك لم نعلم أن ~~ما عدا التسع الايات لم يوح إليه # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم عفوت لكم عن صدقه الخيل والرقيق فالجواب ~~أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه لأنه هو الذي يتولى اخذها وهو الذي لم يأخذها ~~الآن وإن كان ذلك بوحي على أن كل هذا أخبار آحاد لا يحتج بها في مثل هذا ~~الموضع # ومنها أن الصحابة لو حكمت في الحوادث عن دلالة لما اضيفت إلى رأيها ~~فالجواب إن الرأي هو القول الصادر عن اجتهاد ونظر في أمارة أو دلالة # PageV02P335 # مستنبطة وليس هو القول من غير نظر لأن ذلك ليس هو برأي بل هو تنحيت وتشهي # ومنها انهم لو حكموا بدليل لما تركوه لأن الحق لا يترك والجواب إن الأدلة ~~إذا دخلتها الشبهة تركت والأمارات بجواز ذلك اولى على انهم إنما يتركون ~~اقوالهم إذا تغير اجتهادهم لأن الواجب يتغير بحسب تغير اجتهادهم عند من ~~يقول وغن كل مجتهد مصيب فيكون الحق هو القول الثاني دون القول الأول # ومنها أنهم قالوا في حكمهم إن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن ~~الشيطان فلو كان ذلك عن دليل لم يقولوا بذلك فالجواب إنه لو كان ذلك عن ~~اختيار قد ابيح لهم العمل به لما شكوا في كونه صوابا على أن من يقول إن ~~الحق في واحد يجوز ان يخطئوا فلا سؤال عليه ومن قال إن المجتهد مصيب يقول ~~إنما قالوا وإن كان خطأ فمن الشيطان لخوفهم أن يكون عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نص خلاف حكمهم لم يقع إليهم # ومنها قولهم إنهم لو قالوا عن نظر وقياس لنقلت عنهم التعليلات والاصول ms728 ~~والجواب إنه قد نقل عنهم ذلك على ضرب من التنبيه على ما بيناه في القياس - ~~صلى الله عليه وسلم - باب في جواز تعبد النبي الثاني بشريعة الأول وفي أن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدا قبل النبوة ولا بعدها بشريعة من ~~تقدم لا هو ولا امته - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لو امتنع أن يتعبد النبي الثاني بشريعة الأول لكان إنما امتنع ~~لوجه معقول ولا وجه لذلك إلا ان يقال إنه يمتنع أن تكون مصلحة النبي الثاني ~~ومصلحة امته مصلحة النبي الأول أو يقال إن مجيء النبي الثاني بشريعة الأول # PageV02P336 # عبث والأول باطل لأنه كما لا يمتنع في العقل أن تكون مصلحة النبي الثاني ~~مع امته مخالفة الأول كذلك لا يمتنع أن تكون موافقة لمصلحة الأول لا فرق في ~~العقول بين الأمرين واما الثاني فباطل أيضا لأنه لا يمتنع أن يتعبد النبي ~~الثاني بالرجوع إلى دعاء النبي الأول ويوحى إليه بعبادات زائدة او بشروط ~~زائدة على العبادات التي علمها من النبي الأول أو يوحى إليه بشريعة الأول ~~لأنها قد درست أو يوحى إليه بها ويبعث إلى غير من بعث إليه النبي الأول ومع ~~كل هذه الوجوه لا يحصل العبث # فأما كون نبينا صلى الله عليه وسلم متعبدا قبل البعثة بشريعة من تقدمه ~~فقد منع قوم منه وقال به قوم وتوقف فيه آخرون وذكر قاضي القضاة أن الشيخ ~~أبا هشام توقف فيه في بعض المواضع واختلفوا بعد النبوة فقال قوم كان متعبدا ~~بشريعة من قبله إلا ما استثناء الدليل وقال آخرون ما كان متعبدا بذلك ~~واختلف من قال كان متعبدا بذلك قبل النبوة وبعدها فقال قوم كان متعبدا ~~بشريعة إبراهيم وقال آخرون بل بشريعة موسى عليه السلام # والدلالة على انه لم يكن متعبدا قبل النبوة بذلك أنه لو كان متعبدا بذلك ~~لكان يفعل ما تعبد به ولو فعل ذلك لكان يخالط من ينقل ذلك الشرع من النصارى ~~وغيرهم فيفعل فعلهم وقد نقلت أفعاله قبل الشريعة والبعثة وعرفت أحواله ms729 ولم ~~ينقل أنه كان يفعل ما كانت النصارى تفعله ولا يخالطهم أو يخالط غيرهم ~~ويسألهم عن شرعهم # واحتج المخالف بأنه قد كان قبل البعثة يحج ويعتمر ويطوف بالبيت ويعظمه ~~ويزكي ويأكل اللحم ويركب البهائم ويحمل عليها وكل ذلك لا يحسن إلا شرعا ~~فالجواب إنه لو يثبت أنه حج واعتمر قبل البعثة وتولى التزكية بنفسه ولا أمر ~~بها واما اكل اللحم المزكى فحسن في العقل لأنه ليس فيه ضرر على احد وفيه ~~منفعة للآكل وأما ركوب البهائم والحمل عليها فحسن في العقل عند الشيخ أبي ~~هاشم لأنه ضرر يؤدي إلى نفع أعظم # PageV02P337 # منه وهو القيام بمصالحها وإيصال النفع إليها واما الطواف بالبيت فيحتمل ~~أن يكون إنما فعله ليتشاغل كما يتشاغل الإنسان بالمشي ويستروح إليه إذا كان ~~مفكرا وعلى أنه ليس يجب أن يكون فعله لذلك كثيرا حتى يمتنع عليه واما ~~تعظيمه للبيت فيحتمل أن يكون عظمه لأن إبراهيم عليه السلام عظمه والعقل ~~يقتضي حسن تعظيم أماكن الأنبياء وتمييزها وتعظيم ما عظموه ما لم يثبت نسخه # وأما الدلالة على انه ما كان متعبدا من قبله بعد البعثة هي أن القائل كان ~~متعبدا بذلك لا يخلو إما أن يريد أن الله تعالى أوحى إليه بلزوم العبادات ~~التي تعبد بها من قبله وأوحى إليها بصفاتها فلا يرجع في كلا الأمرين إلى ~~النقل عمن تقدم أو يقول إنه يرجع في وجوب شرع من تقدم وفي صفاته إلى النقل ~~كما نفعله نحن في شرعه أو يقول إنه أوحى إليه بوجوب العبادات التي هي شرع ~~من تقدم وأمر بالرجوع إلى النقل عمن تقدم في معرفة صفاتها فهو يرجع في ~~وجوبها إلى الوحي في صفاتها إلى النقل أو يقول إنه يرجع في وجوبها إلى ~~النقل المتواتر وفي معرفة صفاتها إلى الوحي المنزل عليه فان أراد الأول فلا ~~يخلو أن يقول إن جميع ما أوحي إليه هو شرع نبي تقدم إما موسى وإما غيره أو ~~يقول إن بعض ما أوحى إليه هو شرع نبي تقدم والأول باطل لأن كثيرا ms730 من شرعه ~~لا يوافق شرع موسى والمسيح وغيرهما وإن اراد الثاني لم نأباه ولا يجوز أن ~~يقال لأجل ما وقع الاتفاق فيه إنه متعبد فيه بشرع من تقدمه لأنه إنما علمه ~~بالوحي فاضافة ذلك إلى الوحي المنزل عليه أولى وأما الوجوه الثلاثة فباطلة ~~من وجوه # منها أنه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي عند الحوادث كالظهار ~~واللعان والإفك وغير ذلك ولا يسأل عن التوراة فلو كان متعبدا بالرجوع إليها ~~أو إلى غيرها في معرفة العبادات وفي معرفة صفاتها لرجع إليها فان قيل إنما ~~لم يرجع إليها في معرفة هذه الأحكام وغيرها لأنها مستثناة مما تعبد فيه ~~بالرجوع إليها فكأنه تعبد بالرجوع إلى التوراة إلا في هذه الأحكام قيل إنه ~~لم يرجع # PageV02P338 # إليها إلا في الرجم فكانه ما تعبد بالرجوع إليها إلا في ذلك فقط وهذا ~~رجوع إلى ما قلناه من أنه لم يكن متعبدا بالتوراة في الأصل ويبقى الخلاف في ~~الرجم وسنبين أنه لم يرجع إليها ليستفيد الحكم منها ولو ثبت أنه أراد ~~الاستفادة للحكم منها لوجب أن لا يكون متعبدا بالرجوع إلى التوراة إلا في ~~الرجم فقط وأيضا فان السلف لم يرجعوا في شيء من الحوادث إلى نقل أهل الملل ~~ولم يسألوهم عن شرعهم فيها ولو كانوا متعبدين بذلك لجرت كتب الأنبياء ~~المتقدمين مجرى القرآن والسنة في وجوب الرجوع إليها فان قيل إنما كانوا ~~متعبدين بما تواتر من شرع من تقدم دون ما نقل بالآحاد لأن نقل الواحد ~~والاثنين من الكفار لا يجوز العمل به ولم يفحصوا عن شرعهم لأن ما تواتر ~~نقله يبلغهم من غير فحص قيل ليس كذلك لأن كثيرا مما تواتر نقله لا يعرفه ~~إلا من خالط النقلة وفحص عن نقلهم ألا ترى أن كثيرا من فتاوى السلف وما شجر ~~بينهم يعرف بالنقل المتواتر ولا يعرفه من لم يخالط النقلة وأيضا فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قال له معاذ أحكم بكتاب الله وسنة رسول الله وقال من ~~بعد أجتهد رأيي صوبه ولم يعرفه أنه ms731 يجب عليه الحكم بما في التوارة والإنجيل ~~فان قيل فقد دخلت التوراة في قوله أحكم بكتاب الله قيل إن إطلاق قوله كتاب ~~الله لا يعقل منه في الشريعة إلا القرآن ألا ترى أنه المفهوم من قوله قرأت ~~كتاب الله ورأينا كتاب الله وحكمنا بكتاب الله دليل وأيضا لو كان صلى الله ~~عليه وسلم مخاطبا بشرع من سلف لم يخل إما أن يكون مخاطبا بشرع موسى أو ~~المسيح أو شرع من تقدمهما ولا يجوز كونه مخاطبا بشرع موسى لأنه كان منسوخا ~~بشرع المسيح ولا يجوز أن يكون مستعملا لشرع المسيح لأنه ليس احد من الأمة ~~قال بذلك لأن الأمة على ثلاثة أقاويل منهم من قال لم يكن متعبدا بشرائع من ~~سلف ومنهم من قال إنما تعبد بشرع موسى عليه السلام ولهذا يرجع إلى التوراة ~~ومنهم قال إنه تعبد بشرائع من سلف إلا ما منع منه الدليل دليل آخر لو كان ~~متعبدا بشرع من سلف لم ينسب جميع شرعه إليه كما لا ينسب شرعه إلى بعض أمته ~~لما كانت أمته # PageV02P339 # استفادت منه شرعه صلى الله عليه وسلم # واحتج المخالف بأشياء # منها قول الله عز وجل {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} قالوا وشرعه ~~من هداهم فوجب عليه اتباعه فالجواب إن الله عز وجل أمره باتباع هدى مضاف ~~إلى جماعتهم والهدى المضاف إلى جماعتهم هو العدل والتوحيد دون الشرائع التي ~~لم يجتمعوا عليها # ومنها قول الله عز وجل {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون} الآية قالوا فبين أنها منزلة ليحكم بها نبينا صلى الله عليه وسلم ~~إذا هو من جملة النبيين عليهم السلام فالجواب أن ظاهر ذلك يقتضي أن يحكم ~~بها كل النبيين وذلك يوجب حمله على الحكم بالتوحيد والعدل ليدخل جميع ~~النبيين فيه فنحن إذا حملنا الآية على ذلك أمكننا أن يكون المراد جميع ~~النبيين وإذا حملوه على الحكم بالشرائع لم يمكن دخول جميع النبيين فيه لأن ~~بعضهم قد نسخ بعض ما في التوراة فاذا كنا تاركين لأحد ظاهري ms732 الآية وهو ~~الحكم بجميعها ومتمسكين بالظاهر الآخر وهو حكم جميع النبيين والمستدل ~~بالآية كذلك يفعل ساويناه وسقط استدلاله # ومنها قول الله تعالى {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده} الآية والجواب إنه عز وجل لم يقل إنه أوحي إليه بما اوحى إلى نوح ~~والنبيين من بعده وإنما قال إنه أوحي إليه كما أوحى إلى غيره ليزيل تعجب من ~~تعجب بأن يوحي الله عز وجل إليه كما أن الإنسان إذا قال لغيره كيف راسلني ~~بك فقال كما راسلك بفلان وفلان لم يفد ذلك أنه راسله بما راسله على لسان ~~فلان وفلان يبين ذلك أنه قال في آخر الكلام # PageV02P340 # {وكلم الله موسى تكليما} فبين أن إرساله الرسل غير منكر ولا مستطرف على ~~أنه لو دلت الآية على أنه أوحى إليه بما أوحى إلى غيره لدل ذلك على أنه ~~تعبد بشرائع من قبله بأمر مبتدأ # ومنها قول الله تعالى {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} ~~فالجواب إن اسم الملة لا يقع إلا على الاصول من التوحيد والعدل والإخلاص ~~لله بالعبادة دون الفروع لأنه لا يقال ملة أبي حنيفة وملة الشافعي ويراد ~~مذهبهما ولا يقال ملتهما مختلفة ولهذا قال تعالى {وما كان من المشركين} ~~فعلمنا أنه أراد بالملة أصل الدين ولأن شريعة إبراهيم قد كان انقطع نقلها ~~ولا يجوز أن يحثه الله عز وجل على اتباع ما لا سبيل إليه # ومنها قوله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} الآية فالجواب إن اسم الدين يقع على ~~الاصول دون الفروع ولهذا لا يقال دين الشافعي ويراد به مذهبه ولا يقال دينه ~~ودين أبي حنيفة مختلف على أن قوله {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا} دلالة على ~~أن الذي شرعه لنا مما وصى به نوحا هو ترك التفرق وأن نتمسك بما شرع ولو دلت ~~الآية على أنه صلى الله عليه وسلم تعبد بشرع من قبله لدلت على أنه تعبد ~~بذلك بأمر ms733 مبتدأ # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى التوراة في رجم اليهوديين ~~يقال لهم ولم قلتم إنه رجع إليها ليستفيد الحكم منها وهلا قلتم إنه رجع ~~إليها ليقررهم على صدقه في حكايته أن الرجم مذكور فيها ولو رجع ليستفيد ~~الحكم منها لرجع إليها في غير ذلك من الأحكام ولرجع إليها في شرائط الرجم ~~كالإحصان وغيره ولما اعتمد على من أخبره في تلك الحال لأنهم لم يكونوا # PageV02P341 # بصورة المتواترين وأخبار آحاد الكفار غير معلوم بها وأيضا فكون التوراة ~~محرفة يمنع من الرجوع إليها ومن استفادة الحكم منها - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في ذكر فصول كيفية الاستدلال على الأحكام - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الاستدلال على الأحكام ضربان استدلال بدليل شرعي كالخطاب ~~والأفعال والقياس واستدلال بالبقاء على حكم العقل وكلاهما يفتقران إلى ~~المعرفة بحكمة المكلف ويفتقر الاستدلال بالخطاب إلى معرفة ما يفيده الخطاب ~~وقد تقدم بيان فوائد الخطاب # فالاستدلال بالأدلة يختلف بحسب تجردها عن قرينة وبحسب اقتران القرائن بها ~~والخطاب من الأدلة منه مشترك بين حقيقتين ومنه غير مشترك وحقيقة الخطاب قد ~~تكون لغوية وقد تكون شرعية وقد تكون عرفية والقرائن قد تعدل بالخطاب عن ~~ظاهره وقد تكون مكملة لظاهره وينبغي أن نذكر صفة المكلف التي يمكن معها ~~الاستدلال على الأحكام ونذكر كيفية التوصل إلى الأحكام في الجملة ونذكر ~~الخطاب الذي ليس بمشترك وهو متجرد وكيف يستدل به على حقائقه اللغوية ~~والعرفية والشرعية ونذكر كيفية الاستدلال مع القياس المكمل ونذكر كيفية ~~الاستدلال بالخطاب الذي ليس بمشترك على مجازه إذا اقترنت به القرائن ونذكر ~~كيفية الاستدلال بالخطاب المشترك إذا اقترنت بها القرائن وإذا لم تقترن به ~~ونذكر ما يشبه بالقرائن مما ليس بقرينة على الحقيقة ونذكر من الذي يجب أن ~~يبين له مدلول الخطاب حتى نحمله على ظاهره # PageV02P342 # - صلى الله عليه وسلم - باب في صفة المكلف التي معها يمكن الاستدلال على ~~الأحكام الشرعية وفي كيفية الاستدلال على الأحكام الشرعية - صلى الله عليه ~~وسلم - # اعلم أن صفة المكلف التي معها ms734 يمكن الاستدلال على الأحكام هي كونه عالما ~~بقبح القبيح وبوجوب الواجب وبأنه عالم غني عن فعل القبيح وعن الإخلال ~~بالواجب فمتى علم المستدل ذلك علم أنه لا يجوز أن لا يعرفنا البارىء عز وجل ~~مصالحنا ومفاسدنا لأن تعريف الألطاف واجب والحكيم لا يخل بواجب ويعلم أيضا ~~انه لا يجوز ان يدلنا ويخاطبنا بما يفيد في المواضعة شيئا ما إلا وهو عالم ~~بان ما يفيده الخطاب على ما يفيده إما أن يفيده بمجرده أو بقرينة لأنه لو ~~لم يعلم ذلك لكان قد لبس علينا ودلنا على خلاف الحق وذلك قبيح # أما التوصل إلى الأحكام الشرعية فهو أن المجتهد إذا أراد معرفة حكم ~~الحادثة فيجب أن ينظر ما حكمها في العقل ثم ينظر هل يجوز أن يتغير حكم ~~العقل فيها وهل في أدلة الشرع ما يقتضي تقدم ذلك الحكم أم لا فإن لم يجد ما ~~ينقله عن العقل قضي به والشرط في ذلك هو علمه بانه لو كانت المصلحة قد ~~تغيرت عما يقتضيه العقل لما جاز أن لا يدلنا الله تعالى على ذلك فإن وجد في ~~الشرع ما يدل على نقله قضي بانتقاله لأن العقول إنما دلت على تلك الأحكام ~~بشرط أن لا ينقلنا عنه دليل شرعي # والدلالة الشرعية ضربان خطاب وغير خطاب وهو الأفعال والقياس والاستنباط ~~والشرط في الاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم هو علمنا بأنه صلى ~~الله عليه وسلم لا يفعل على وجه العبادة ما ليس بطاعة وان نعلم أن ما هو ~~واجب عليه أو ندب منه فهو واجب علينا أو ندب منا إلا أن يدل دليل على خلافه ~~والشرط في الاستدلال بالقياس هو أن نعلم أنا متعبدون به وأن حكمة الله # PageV02P343 # تقتضي أنا ما تعبدنا به إلا وذلك مصلحتنا # وأما الأدلة التي هي الخطاب فهو خطاب الله وخطاب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وخطاب الأمة وقد يستدل على الحكم بالخطاب وبالإمساك عن الخطاب وعن ~~غيره من الأدلة والشرط في الإستدلال بخطاب الله أن نعلم ما يفيده الخطاب ms735 ~~بمجرده وما يفيده مع قرينة وأن الله تعالى لا يجرد خطابا يفيد في المواضعة ~~شيئا ما إلا وقد علم أن فائدته على ما أفاده الخطاب إما بمجرده وإما مع ~~قرينة والشرط في الاستدلال بإمساكه عن أن يدلنا على الحكم أن نعلم أنه لو ~~كان الحكم حاصلا لدلنا على حصوله والشرط في الاستدلال بخطاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم هو أن نعلم فائدة الخطاب ونعلم أن الله سبحانه لا يبعث من يخبر ~~بالكذب ولا ينهي عن حسن ولا يأمر بقبيح والشرط في الاستدلال بتركه أن يؤدي ~~إلينا العبادة هو علمنا أنه مع حكمته لا يجوز أن يبعث من يعلم أنه يخفي عنا ~~مصالحنا والشرط في الاستدلال بالإجماع هو أن نعلم أن الله عز وجل أو رسوله ~~قد شهد أنهم لا يجمعون على خطأ - صلى الله عليه وسلم - باب في كيفية ~~الاستدلال بالخطاب المجرد على حقائقه اللغوية والعرفية والشرعية - صلى الله ~~عليه وسلم - # اعلم أن الخطاب إذا كان يستعمل في شيء على سبيل الحقيقة ويستعمل في شيء ~~آخر على سبيل المجاز وتجرد عن قرينة فالواجب حمله على حقيقته دون المجاز ~~لأن الغرض به الإفهام والمخاطب إنما يفهم من الخطاب حقيقته ويحتاج إلى ~~قرينة لفهم مجازه فلو كلفه الله تعالى أن يفهم منه المجاز من غير قرينة لم ~~يكن قد جعل له السبيل إلى ما كلفه # وحقيقة الخطاب ضربان أحدهما حقيقة أصلية وهي اللغوية والأخرى طارئة وهي ~~ضربان إحداهما طارئة بمواضعة عرفية والأخرى بمواضعة # PageV02P344 # شرعية فمتى كان الخطاب مستعملا في شيء من جهة اللغة ومستعملا في غيره من ~~جهة العرف ولم يخرج بالعرف من أن يكون حقيقة فيما كان مستعملا فيه من جهة ~~اللغة بل كان حقيقة في المعنى اللغوي وفي المعنى العرفي فلا يكون أحدهما ~~إلى الفهم أسبق عند سماع الخطاب فهو مشترك بينهما وسيجيء القول في الاسم ~~المشترك لأنه هو المفهوم من الخطاب فجرى مجرى المجاز # والحقيقة اللغوية ونظير ذلك اسم الغائط كان حقيقة في المكان المطمئن من ~~الأرض ثم صار ms736 في العرف حقيقة في قضاء الحاجة ومجازا في المكان المطمئن وإذا ~~استعمل الخطاب في العرف أو اللغة في شيء واستعمل في الشرع في شيء آخر وكان ~~حقيقة في الشرعي واللغوي أو العرفي فهو مشترك بينهما وإن كان مجازا في ~~العرفي أو في اللغوي وجب حمله على الشرعي لأنه المفهوم عند سماع الخطاب ~~وذلك اسم الصلاة كان حقيقة في الدعاء ثم صار مجازا فيه حقيقة في الصلاة ~~الشرعية لا يفهم من إطلاقه سواها فصار حمل الخطاب على معناه الشرعي أولى من ~~حمله على العرفي ثم على الحقيقة اللغوية وحمله على الحقيقة اللغوية أولى من ~~حمله على مجازها فإذا تعذر ذلك حمل على مجازها فإن خطاب الله طائفتين بخطاب ~~هو حقيقة عند إحداهما في شيء وعند الأخرى في شيء آخر فإنه ينبغي أن يحمله ~~كل واحدة من الطائفتين على ما تتعارفه لأنه السابق إلى إفهامنا فلو أراد ~~أحد المعنيين من كلا الطائفتين لدل الطائفة التي لا تعرف ذلك المعنى على ~~أنه قد أراده # فإن قيل فما قولكم لو حرم الله علينا أن نسمي الدعاء صلاة وأوجب أن نسمي ~~الصلاة الشرعية بذلك وعصينا في ذلك ولم نتعارف من اسم الصلاة إلا الدعاء ثم ~~قال لنا أقيموا الصلاة على ماذا كان ينبغي لنا أن نحمله عليه قيل إن كان قد ~~أخبرنا أنه لا يستعمل هذا الاسم إلا في الصلاة الشرعية فإنه يريد به ~~الشرعية وإن لم يخبرنا بذلك فإنه لا يريد به إلا الدعاء لأنه المفهوم عندنا ~~وليس يجب إذا قبح منا استعمال هذا الاسم في الدعاء أن يقبح من الله تعالى ~~ذلك # PageV02P345 # - صلى الله عليه وسلم - باب في كيفية الاستدلال بالخطاب مع القرائن ~~المكملة لظاهره - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن هذه القرائن منها ما ترجع إلى حال المخاطب ومنها ما لا ترجع إلى ~~حاله فالأول كاستدلالنا بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وبكونه منتصبا ~~لتعليم الشرع على انه عنى بخطابه حكما شرعيا وهذا إذا كان خطابه مترددا بين ~~حكم شرعي وعقلي لأنه ms737 منتصب لتعليم الشرع فأما إذا كان ظاهر خطابه يفيد حكما ~~عقليا ومجازه يفيد الشرعي فالواجب حمله على ظاهره لأنا إنما نرجح حمله على ~~الشرعي بكون النبي صلى الله عليه وسلم منتصبا لتعليم الشرع وذلك إنما يتم ~~مع تردد خطابه بين الشرعي والعقلي على سواء فأما إذا كان ظاهره مع احدهما ~~فلا ترجيح وكذلك إذا تردد خطابه بين تعليم اسم لغوي وشرعي فإنه يجب حمله ~~على تعليم الاسم الشرعي لأن اللغوي يعرف من دونه صلى الله عليه وسلم # واعلم أن كل خطاب فإنه لا بد في الاستدلال به من اعتبار حال المتكلم به ~~ألا ترى أنا نعتبر حكمته وإنما أردنا الأحوال التي لها نعدل بالخطاب من ~~معنى إلى معنى مع كونه مترددا بينهما # وأما القرينة التي ليست بحال المتكلم فضربان أحدهما أن تكون القرينة ~~خطابا آخر والآخر أن تكون القرينة تعلقا بين ما تناوله الخطاب وبين ما لم ~~يتناوله # أما الضرب الأول فأشياء # منها أن يكون أحد الخطابين يدل على أن الشيء صفة والآخر يدل على اختصاص ~~تلك الصفة بحكم من الأحكام فنعلم أن ذلك الشيء يختص بذلك الحكم وذلك مثل ~~قوله سبحانه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وذلك يدل على أن القرآن ~~ذكر وقوله تعالى {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} # PageV02P346 # يدل على حدث الذكر فوجب من كلا الاثنين كون القرآن محدثا # ومنها ما يدل الخطاب على اختصاص حكم بشيئين ويدل خطاب آخر على أن أحد ~~الشيئين يختص ببعض ذلك الحكم فنعلم أن الشيء الآخر يختص ببقية ذلك الحكم ~~كقول الله سبحانه {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} يدل على أن مدة الحمل ومدة ~~الرضاع ثلاثون شهرا ودل قوله {وفصاله في عامين} على أن الحمل يكون ستة أشهر ~~لأن الفصال يكون في عامين # ومنها أن يكون أحد الخطابين طريقا إلى أن لشيء من الأشياء حكما وأنه ليس ~~لغيره ويدل خطاب على أن ذلك الحكم المذكور لبعض الأشياء فنعلم أنه هو الأول ~~أو جزء منه نحو ms738 قوله سبحانه {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} يدل على أن ~~ابتداء نزول القرآن في شهر رمضان لعلمنا أن كثيرا منه قد نزل في غير شهر ~~رمضان وقوله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} يدل على أن ابتداء نزوله في ليلة ~~القدر وذلك لا يكون إلا وليلة القدر هي جزء من هر رمضان وهذا إنما يصح متى ~~ثبت بالإجماع أن قوله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} يفيد أن ابتداء نزوله في ~~ليلة القدر # فأما إذا كانت القرينة تعلقا بين فائدة الخطاب وبين غيره فضربان أحدهما ~~أن يكون بينهما تعلق التعليل وهذا هو القياس وقد تقدم القول فيه والآخر لا ~~يكون تعلق التعليل إلا أنه لا يثبت أحدهما إلا مع الآخر وهو ضربان احدهما ~~هذا حكمه لمكان الإجماع وإن لم يعلم التعلق بينهما والآخر هذا حكمه لأنه لا ~~يمكن انفكاك كل واحد منهما من صاحبه أما الأول فمثاله أن # PageV02P347 # يدل الظاهر على ان الخال يرث وتجمع الأمة على أن الخالة بمثابته في إثبات ~~الإرث ونفيه فنحكم بذلك وإن لم نعرف وجه التعلق بينهما وأما الثاني فضربان ~~أحدهما ان يكون ذلك المعنى وصلة إلى فائدة الآية كالأمر بالطهارة يقتضي ~~وجوب استيفاء الماء والآخر أن لا يكون وصلة إليه وهو ضربان أحدهما أن يكون ~~الحكم إباحة فيعلم إباحة ما لا يتم الفعل المباح إلا معه والآخر أن يكون ~~الحكم وجوبا فيعلم وجوب ما لا يتم الواجب إلا معه فالأول قول الله تعالى ~~{فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} فأباح الله الأكل والجماع إلى الفجر وليس ~~يمكن إباحة الوطيء إلى الفجر إلا والغسل واقع بعد الفجر فدل على إباحة ~~تأخره عن الفجر وأما إذا كان الحكم إيجابا فمثاله ايجاب ستر جميع الفخذ لا ~~يمكن إلا بستر جزء من الركبة فدل على وجوب ستر جزء من الركبة - صلى الله ~~عليه وسلم - باب في كيفية حمل خطاب الحكيم على غير ظاهره إذا اقترنت به ms739 ~~القرائن - صلى الله عليه وسلم - # اعلم ان خطاب الله وخطاب رسوله لا بد من أن يفيد أشياء ولا يخلو إما أن ~~يكون محتملا لأكثر من حقيقة واحدة فيكون مشتركا بينهما وإما أن لا يحتمل ~~أكثر من حقيقة واحدة وهذا القسم إما أن يكون عاما أو خاصا فان كان خاصا ~~فاما أن يتجرد عن قرينة أو لا يتجرد عن قرينة فان تجرد عن قرينة حمل الخطاب ~~على ظاهره وإن لم يتجرد عنها فإما أن تدل القرينة على أن المراد ليس هو ~~ظاهره أو تدل على ان المراد هو ظاهره أو تدل على ان المراد ظاهر الخطاب ~~وغير ظاهره فإن دلت على أن المراد ليس هو ظاهره خرج ظاهره من أن يكون مرادا ~~ولا يخلو ذلك الخطاب إما أن يكون متجوزا # PageV02P348 # به في غير ظاهره أو غير متجوز به في غير ظاهره فان لم يكن متجوزا به في ~~غير ظاهره على تعذر ذلك وجب أن يقترن به قرينة تدل على المراد لأن الخطاب ~~ليس يتناول غير ظاهره فيحمل عليه وإن كان قد تجوز به في غير ظاهره لم يخل ~~وجه المجاز الذي يستعمل الخطاب فيه إما أن يكون واحدا أو أكثر من واحد فان ~~كان واحدا حمل اللفظ عليه من غير افتقار إلى دلالة زائدة لأن الحكيم إذا ~~خلا خطابه من قرينة تدل على أنه أراد غير فائدته اللغوية فلا بد من أن يريد ~~ما يعنيه به أهل اللغة فان لم يعن به الحقيقة فليس إلا المجاز وإن كان وجه ~~المجاز الذي يستعمل فيه الخطاب أكثر من واحد لم يخل من أن تدل دلالة مبتدأة ~~على المراد بعينه أو لا تدل دلالة على ذلك فان دلت دلالة مبتدأة على المراد ~~بعينه لم تخل وجوه المجاز إما أن تكون محصورة أو غير محصورة فان لم تكن ~~محصورة فلا بد من أن تدل دلالة على ما أريد منها # هكذا ذكر قاضي القضاة قال لأنه لا يجوز أن يريدها المخاطب كلها مع تعذر ~~حصرها علينا ms740 ويمكن أن يقال إنه أرادها كلها على البدل لأن ذلك يمكن مع فقد ~~الحصر ومع فقد دلالة على التعيين ولا يمكن سواه يبين ذلك أنه يحسن أن نؤمر ~~بذبح بقرة فنكون مخيرين في ذبح أي بقرة شئنا وإن لم يمكنا حصر البقر فبان ~~أن التخيير يمكن مع فقد الحصر # فأما من لم يجز أن يراد بالكلمة الواحدة المعنيان المختلفان فانه يجيء ~~على مذهبه أنه لا بد من دلالة تدل على المراد بعينه لأن اللفظة ما وضعت ~~للتخيير فان كانت وجوه المجاز محصورة فانه لا يخلو إما أن تكون متساوية في ~~القرب من الحقيقة وقوة الشبه بها أو لا تكون متساوية في ذلك فان كان بعضها ~~أشبه بالحقيقة من بعض حمل اللفظ عليه لأن أسبق إلى الإفهام لقوة شبهه ويخرج ~~الباقي من أن يكون مرادا كما أن الخطاب إذا حمل على حقيقته لم يحمل على ~~مجازه إلا بدليل وهذا يتم على قول الفريقين وإن كانت وجوه المجاز متساوية # PageV02P349 # لم يخل إما أن تدل دلالة على أن بعضها غير مراد أو لا تدل دلالة على ذلك ~~فان لم تدل دلالة على ذلك حمل اللفظ عليها لأنه ليس بعضها لحمل الخطاب عليه ~~أولى من بعض فلو أراد الحكيم بعضها لدل عليه فاذا حمل الخطاب عليه فان كانت ~~غير متنافية وأمكن أن يراد بالكلمة الواحدة حمل الخطاب عليها أجمع وإن لم ~~يمكن أن يراد بالكلمة الواحدة معا حمل عليها على البدل والأولى أن يقال على ~~مذهب هؤلاء إنه ينبغي أن الخطاب عليها على البدل وإن أمكن الجميع بينهما ~~لأن الخطاب ليس بعام فيتناول الجميع # ومثال المعاني التي تتنافى أن تراد بالكلمة الواحدة قول القائل لغيره ~~افعل إذا دلت الدلالة على أنه غير امر فانه يصح أن يكون إباحة ويصح أن يكون ~~تهديدا واستعماله في كل واحد منهما مجاز ولا يجوز أن يستعمل فيهما على ~~الجمع مع أنه متناول لفعل واحد فأما من يمنع أن يراد المعنيان بالعبارة ~~الواحدة فانه يقول لا بد في تساوي ms741 وجوه المجاز من أن يكون مراد المتكلم ~~واحدا منهما ولا بد من أن يدل على مراده منها فأما إن دلت الدلالة على أن ~~بعض وجوه المجاز لم يرد فانه يجب حمل الخطاب على الوجه الآخر إن لم يبق إلا ~~وجه واحد وإن بقي أكثر من وجه واحد حمل عليها إما على الجمع وإما على البدل ~~على قول من أجاز ذلك ومن لم يجز ذلك يقول لا بد من قرينة فان دلت الدلالة ~~على أن غير الظاهر مراد فلا يخلو إما أن تعينه أو لا تعينه فان لم تعينه ~~فالقول فيه كالقول في القرينة الدالة على أن المراد ليس هو الظاهر وإن ~~عينته وجب حمله على ذلك المعين # وقال قاضي القضاة في الدرس إنه لا تخرج الحقيقة من أن تكون مرادة لأنه لا ~~يتنافى أن تكون مرادة مع أن غيرها مراد إلا أن تدل دلالة على أن المراد شيء ~~غير الظاهر فيخرج الظاهر من كونه مرادا لأن قولنا إن المراد هو غير الظاهر ~~أوجب أن جميع المراد هو غير الظاهر فأما إن دلت الدلالة على أن ظاهر الخطاب ~~مراد وغير ظاهره أيضا مراد فان عينت ذلك الغير # PageV02P350 # وجب حمله عليهما فيكون الخطاب مستعملا فيهما من جهة اللغة على قول من ~~اجاز ذلك في اللغة ومن منع ذلك في اللغة يقول إن الشريعة قد وضعت تلك الملة ~~لهما أو يقول إن المتكلم تكلم بتلك الكلمة مرتين اراد في إحداهما ظاهر ~~الخطاب وأراد في المرة الأخرى غير ظاهره وإن لم تعين القرينة ذلك الغير ~~فالكلام في ذلك الغير كالكلام إذا دلت الدلالة على أن المراد ليس هو الظاهر ~~ولم تعينه # فهذا هو الكلام في الخطاب الخاص فأما إن كان الخطاب عاما فانه إن تجرد عن ~~قرينة حمل على عمومه وإن لم يتجرد فلا يخلو إما أن تدل القرينة على أن ~~المراد هو ظاهره وغير ظاهره أو تدل على أن المراد غير ظاهره أو ليس هو ~~ظاهره أو تدل على أنه قد أريد بعضه ms742 أو تدل على أن بعضه ليس بمراد فان دلت ~~على أن المراد ظاهره وغير ظاهره حمل على ظاهره وعلى غير ظاهره إن كانت ~~الدلالة قد عينته على ما تقدم تفصيله على قول الفريقين وإن لم تعينه فالقول ~~فيه كالقول في الخاص إذا دلت الدلالة على أن المراد غير ظاهره ولم تعينه ~~وإن دلت الدلالة على أن المراد به ليس هو ظاهره أو أن المراد غير ظاهره ولم ~~تعينه لم يجز تجرد هذه القرينة لأنه إذا لم يكن المراد ظاهره جاز أن يكون ~~المراد هو بعض ما تناوله الخطاب وجاز أن يكون المراد شيئا لم يتناوله ~~الخطاب فاذا انقسم إليهما ولم يصح اجتماعهما احتجنا إلى دلالة تعين المراد ~~ويمكن أن تدل الدلالة في العام على أن بعضه مراد ومتى دلت الدلالة على ذلك ~~لم يخرج البعض الآخر أن يكون مرادا لأنه لا يتنافى ذلك فان دلت الدلالة على ~~أن المراد هو البعض خرج البعض الآخر من كونه مرادا لأن ذلك إخبار بأن كمال ~~المراد هو البعض فان دلت الدلالة على أن بعض العموم ليس بمراد خرج ذلك من ~~كونه مرادا وبقي ما عداه تحت الخطاب والله أعلم # PageV02P351 # - صلى الله عليه وسلم - باب في كيفية الاستدلال بالخطاب المشترك - صلى ~~الله عليه وسلم - # اعلم أن الخطاب إذا كان مشتركا بين حقيقتين فان من يمنع من إرادتهما يمنع ~~من تجرد هذا الخطاب عن دلالة تدل على المراد ويقول إن دلت الدلالة على أنه ~~قد أريد به وجب القول بأنه قد تكلم به مرتين أو يقول إن الشرع قد وضع الاسم ~~لمجموعهما ومن لا يمنع من ذلك يجيز أن يتجرد عن قرينة ويقول إذا تجرد عن ~~قرينة وجب أن يحمل الخطاب على المعنيين على البدل إن كان اللفظ واحدا نحو ~~أن يقول القائل للمرأة اعتدي بقرء وإن كان اللفظ لفظ جمع وجب أن يحمل ~~عليهما على الجمع إن لم يتنافيا وعلى البدل إن تنافيا وذكر قاضي القضاة أنه ~~لو تجرد قول الله {يتربصن بأنفسهن ثلاثة ms743 قروء} لأوجبنا على المعتدة أن تعتد ~~بثلاثة قروء بعضها طهر وبعضها حيض لأن اللفظ يفيدهما فليس بأن يحمل على ~~أحدهما أولى من الآخر # ولقائل أن يقول هلا أوجب عليها الاعتداء بثلاثة يقع عليها اسم أقراء سواء ~~كان بعضها طهرا وبعضها حيضا أو كلها طهرا أو كلها حيضا لأن ذلك يجري مجرى ~~قولنا رجال يفيد جمعا من الرجال أي جمع كان فأما إذا اقترن بهذا الخطاب ~~قرينة دلت على أن أحد المعنيين غير مراد تعين بأن الآخر مراد وإن دلت على ~~أن أحدهما مراد قضي به # وذكر في العمد أن يخرج الآخر من أن يكون مرادا وهو الصحيح لأن الاسم ~~المشترك الأصل فيه أن يحمل على أحد معنييه لأنه لا يفيده على الجمع وإنما ~~يحمل عليهما إذا لم تقترن قرينة تخص أحدهما وبهذا فارق لفظ العموم # PageV02P352 # وذكر في الدرس أن قيام الدلالة على أن أحدهما مراد لا يمنع من كون الآخر ~~مرادا فان دلت الدلالة على أن ليس واحد منهما مرادا كان القول فيه كالقول ~~فيما لا يحتمل إلا حقيقة واحدة إذا دلت الدلالة على أنه ليس بمراد ظاهره ~~وكذلك إذا دلت الدلالة على أن المراد غيرها ولم تعينه أو دلت على أن المراد ~~كلا الحقيقتين وغيرهما فلم تعين ذلك الغير أو عينته # والقول في الخطاب العرفي والشرعي كالقول فيما ذكرناه من القسمة فيما ~~يتجرد ولا يتجرد وأكثر هذه الأقسام إنما تتفرع على قول من قال إنه يراد ~~بالكلمة الواحدة الحقيقة والمجاز والحقيقتان فأما من أبى ذلك فانه يقول إن ~~كان الخطاب لا يحتمل وكان خاصا ودلت الدلالة على أن المراد ليس ظاهره أو هو ~~غير ظاهره وكان لا يستعمل إلا في وجه واحد من وجوه المجاز فانه يحمل عليه ~~ويخرج الحقيقة من أن تكون مرادة وإن كان يستعمل في أكثر من وجه واحد من ~~وجوه المجاز وجب أن يكون المراد واحدا منهما ولا بد من أن تدل دلالة عليه ~~بعينه وكذلك إن كان اللفظ عاما ودلت الدلالة على أن المراد ms744 ليس شيئا مما ~~تناوله اللفظ فانه لا بد من أن تدل عليه بعينه ولا يجوز أن تدل دلالة على ~~أن المراد هو ظاهره وغير ظاهره لأن الكلمة الواحدة لا يراد بها الحقيقة ~~والمجاز وإن كانت اللفظة محتملة لحقيقتين فلا بد من أن يراد إحداهما أو ~~واحدة مما هي مجاز فيه وأي ذلك أريد فلا بد فيه من دلالة وإن دلت الدلالة ~~على أنهما قد أريدا أو أحدهما معما هي مجاز فيه وجب أن يكون المتكلم قد ~~تكلم بها مرتين أو يكون الاسم قد وضع لهما في الشرع - صلى الله عليه وسلم - ~~باب في أن ثبوت حكم الخطاب فيما تناوله على وجه المجاز لا يدل على أنه قد ~~أريد المجاز بالخطاب - صلى الله عليه وسلم - # اختلف الناس في ذلك فقال الشيخ أبو عبد الله وحكاه عن أبي الحسن إنه يحكم ~~بذلك قالاه في قول الله تعالى {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء} # PageV02P353 # إن قيام الدلالة على وجوب التيمم على المجامع وهو الذي يتناوله اسم ~~الملامسة على طريق الكناية يدل على أنه مراد بالآية وقال الشيخ أبو عبد ~~الله إن الخطاب إذا علق على حكم من الأحكام على صفة من الصفات ودل الدليل ~~على ثبوت ذلك الحكم مع فقد تلك الصفة فانه يعلم بذلك أنه مراد بالخطاب نحو ~~قول الله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله} فلما أجمع المسلمون على أن السارق إذا تاب يقطع لا على جهة النكال ~~علمنا أنه مراد بالآية وعند قاضي القضاة أنه لا يعلم ذلك في كلا المثالين ~~إلا بدليل زائد ودليله هو أن الخطاب واجب حمله على ظاهره دون مجازه إلا ~~بدلالة وليس في ثبوت حكم الخطاب في مجازه دلالة على أنه قد أريد ذلك المجاز ~~بذلك الخطاب لأنه يجوز أن يكون قد أراد ذلك بدليل آخر # فان قالوا إنا علمنا ذلك لأن الأمة إذا أجمعت على ثبوت حكم الآية في ~~المجاز وكانت لا تجمع إلا عن دلالة ولم يكن في ms745 الشرع ما يجوز أن يدل على ~~ذلك الحكم إلا ذلك الخطاب علمنا أنها ما أجمعت على ذلك إلا بالآية وإلا ~~كانت قد أجمعت لغير دلالة قيل هذا حجة عليكم لأن الخطاب لا يكون حجة فيما ~~هو مجاز فيه إذا تجرد فلو أجمعوا على ثبوت الحكم في المجاز لأجل الخطاب ~~لكانوا قد أجمعوا لا لدلالة فان قالوا المجاز يدل على ما هو مجاز فيه مع ~~القرينة فاذا أجمعوا على الحكم لأجل دلالة الخطاب مع القرينة كانوا قد ~~أجمعوا على الحكم لدلالة قيل فإذن لا بد لكم من إثبات أمر زائد على الخطاب ~~ليصح الإجماع على ثبوت الحكم في المجاز فلستم بأن تقولوا بأن ذلك الأمر ~~الزائد هو قرينة اقترنت بالخطاب بأولى من أن تقولوا بل هو دلالة مبتدأة على ~~الحكم فان قالوا لو أجمعوا لدلالة مبتدأة لنقلوها قيل # PageV02P354 # ولو أجمعوا لقرينة لنقلوها فان قالوا لم ينقلوها اكتفاء بالإجماع على ~~ثبوت الحكم قيل ولم ينقلوا الدليل المبتدأ اكتفاء بالإجماع فان قالوا إنما ~~لم ينقلوا قرينة لجواز أن يكونوا اضطروا من قصد النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى أن المراد بالخطاب المجاز ولم تكن هناك قرينة تنقل قيل إن جاز أن ~~يضطروا من قصده إلى أن المراد بالآية هو المجاز جاز أن يضطروا من قصده إلى ~~هذا الحكم من غير أن يكون مرادا بالآية وكان ينبغي أن ينقلوا إلينا أنهم ~~علموا ذلك من قصد النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان هذا هو دليلهم على ~~المراد بالآية على أن هذا لا يتأتى فيما يثبت الحكم فيه بنص نحو وجوب ~~التيمم على المجامع لأن في ذلك خبر عمار رضي الله عنه وغيره فلا يمكن أن ~~يقال في ذلك إنه لا وجه لإجماعهم سوى الآية - صلى الله عليه وسلم - باب ~~فيمن يجوز له أن يقضي بظاهر الخطاب وعمومه ومتى يجوز له ذلك - صلى الله ~~عليه وسلم - # اعلم أن قول الله تعالى إذا تناول أشياء كقوله تعالى {فاقتلوا المشركين} ~~وطرق سمع المكلف فانه لا يجوز أن ms746 يحمله على عمومه ولا يحكم بثبوت التعبد ~~بفائدته إلا بعد أن ينظر فيما يخصه أو ينسخه فانه يجوز أن يكون في الأدلة ~~ما ينسخه ويخصه فاذا فحص ووجد في ذلك ما ينسخه أو يخصه قضى بما يقتضيه ~~الدليل وإن لم يصب ذلك لم يخل ظاهر الخطاب إما أن يتناول ذلك المكلف أو لا ~~يتناوله فان تناوله قضى بشمول الخطاب له وقضى بلزوم تلك الأفعال له لأنه لا ~~يجوز أن يسمعه الله عز وجل خطابا عاما لأفعال ويريد منهم فهم مراده ولا ~~يمكنه من العلم بمراده وينصب دلالة يتمكن من الظفر بها فاذا فحص ولم يصب ~~الدلالة قطع على أن الله لم يرد الخصوص وإن كان ظاهر الخطاب لا يتناول ذلك ~~المكلف لم يخل السنن إما أن تكون انتشرت انتشارا لا يخفي معه ما فيها على ~~من طلبها من العلماء أو # PageV02P355 # لم تنتشر فان كانت قد انتشرت كعصرنا هذا فالواجب أن يقضي بعموم الخطاب ~~وثبوت حكمه لأن السنن قد ظهرت ظهورا لا تخفي معه على من التمسها وإن لم تكن ~~السنن قد انتشرت فانه لا يجوز أن يقضى بعموم الخطاب لأنه لا يأمن أن يكون ~~في الشرع ما يخصه لكنه لا يجب في الحكمة ان يمكن منه ولا اتفق بانتشار ~~الشريعة أن يتمكن منه # وذكر قاضي القضاة أنه إذا لم يجز له القطع على بقاء حكمه ولا عمومه لم ~~يجز أن يجعله اصلا يقيس عليه لأنه لا يثق بثبوته وهذا لا يتم لأن من كان من ~~أهل الاجتهاد ففرضه فهم الخطاب لأجل غيره إما فرضا معينا أو على طريق ~~الكفاية فيجب إذا أمكن من فهم الخطاب فاذا لم يجد دليلا ناسخا أو مخصصا وجب ~~أن يقضي بظاهره ويقيس عليه والواجب أن يقال إن من كان أهل الاجتهاد إذا لم ~~يجد ما يعدل بالحكم عن ظاهره فالواجب أن يحمل على ظاهره في تلك الحال لأنه ~~قد كلف الاستدلال به إما ليفتي غيره أو ليفتي نفسه ويفتي غيره ولا يجوز أن ~~لا يجعل ms747 له طريقا إلى ما كلف سواء انتشرت السنن أو لم تنتشر إلا أنه إن لم ~~تنتشر السنن قطع المكلف أن فرضه في الحال وفرض من يستفتيه العمل بظاهر ذلك ~~الخطاب وجوز أن يكون في السنن ما يعدل بالخطاب عن ظاهره إذا بلغه تلك السنة ~~يغير فرضه ولهذا يجب أن يكون من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم ممن غاب عنه ~~يجوز أن يكون ما يلزمه من العبادات قد نسخه النبي صلى الله عليه وسلم وإن ~~لم يبلغه النسخ بعد وأنه إذا بلغه النسخ بغير فرضه ويعتبر فرض قياسه عليه ~~فأما من لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يجوز أن يقضي بظاهر الخطاب إذا سمعه في ~~كل هذه الأحوال لأنه لا يأمن أن يكون في الأدلة ما يعدل بالخطاب عن ظاهره ~~ولا يجب في الحكمة أن يبلغه ولا بد مع انتشار السنن أن يبلغه # PageV02P356 ### | الكلام في المفتي والمستفتي # اعلم أن الكلام في ذلك إما أن يرجع إلى المفتي أو إلى المستفتي أو إلى ~~المستفتي فيه أما الراجع إلي المفتي ففصلان أحدهما ان نذكر الصفة التي معها ~~يجوز للمفتي أن يفتي والآخر أن نذكر كيفية فتوى المفتي أما الراجع إلى ~~المستفتي ففصول منها من الذي يجوز له أن أن يستفتي ومنها شرط استفتائه ~~ومنها ما ينبغي أن يفعله إذا أفتاه المفتي وأما الراجع إلى ما يستفتى فيه ~~فهو الذي يجوز له أن يقع الاستفتاء فيه هل هو الفروع فقط أم الفروع والاصول ~~- صلى الله عليه وسلم - باب في الصفة التي معها يجوز للإنسان ان يفتي نفسه ~~ويفتي غيره ويحكم عليه - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن هذه الصفة هي أن يكون الانسان من أهل الاجتهاد وإنما يكون من ~~أهله إذا عرف الأدلة السمعية وأمكنه الاستدلال بها والدلالة السمعية ظاهر ~~واستنباط والظاهر منه خطاب ومنه أفعال وهي أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ~~والاستنباط ضربان قياس واستدلال والاستدلال بالقياس يفتقر إلى الاستدلال ~~بالظواهر فاذا ذكرنا الاستدلال بالقياس دخل فيه الاستدلال بالظواهر ونحن ~~نبتدىء ms748 بذكر ذلك فنقول # يجب أن يكون المستدل بالقياس غير عارف بحكم الفروع ويكون عارفا بالأصل ~~وبحكمه وظانا بعلته وعالما بثبوتها في الفرع أو ظانا لذلك عالما بأنه قد ~~تعبد بالقياس عارفا بشروط القياس وإنما وجب اشتراط جميع ذلك لأن القياس هو ~~إثات حكم الأصل في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم فيجب أن # PageV02P357 # يكون المستدل غير عالم بحكم الفرع ليصح أن يطلبه بقياسه ويجب أن يكون ~~عارفا بالأصل ليصح أن يعرف حكمه وعلة حكمه ويعرف أن يظن أنها موجودة في ~~الفرع وأنه قد تعبد بتعليق الحكم بها في الفرع ليجوز له أن يعدى الحكم من ~~الأصل إلى الفرع لأجل وجود العلة في الفرع ويجب أن يعرف الفرع بعينه ليصح ~~أن يعرف ثبوت العلة وحكمها فيه ويجب أن يعرف شروط القياس ليستعمل من القياس ~~ما اختص بتلك الشروط ويتوقى ما لم يختص بها وقد علمنا أن المستدل إنما يعلم ~~حكم الأصل استدلالا بخطاب الله تعالى وبخطاب نبيه وافعاله وما علم من قصده ~~وخطاب الأمة وإنما يصح أن يستدل بالخطاب إذا علم أن المتكلم به يجب إذا ~~تكلم بكلام وقد وضع لإفادة شيء فقد علم أن ذلك الشيء على ما أفاده الخطاب ~~وإذا اقترنت به قرينة فقد علم أن ذلك الشيء على ما يدل عليه الخطاب مع ~~القرينة وهذه الجملة تقتضي أن يعلم المستدل ما وضع له الخطاب في اللغة وفي ~~العرف وفي الشرع ليحمله عليه ويعرف مجازه فيعدل بالقرائن إليه ويعرف من حال ~~المتكلم ما يثق به من حصول مدلول خطابه ويعرف القرائن وهي ضربان عقلية ~~وشرعية والشرعية هي بيان نسخ أو بيان تخصيص أو غيرهما من وجوه المجاز وأما ~~القرائن العقلية فهي الأدلة العقلية إذا دلت على خلاف ظاهر الكلام وأما حال ~~المتكلم فهي حكمته والحكمة إما أن تثبت لأن الحكيم عالم غني وإما لأنه ~~معصوم من الخطأ كالنبي والأمة ويجب أن نعرف حكمه المتكلم ليصح أن نعلم ما ~~يجوز أن يقوله ويريده وما لا يجوز أن يريده ويقوله ولا يصح ms749 المعرفة بحكمة ~~الله إلا مع المعرفة بذاته وصفاته ولا يصح المعرفة بحكمة النبي إلا مع ~~المعرفة بكونه نبيا وإنما يعلم عصمة الأمة إذا عرف أن الله ورسوله قد شهد ~~بعصمتها والقرائن الناسخة والمخصصة يفتقر العلم بها إلى العلم بجملة الناسخ ~~والمنسوخ والخاص والعام وشروط ذلك وأما الأفعال فان الاستدلال بها يفتقر ~~إلى العلم بأنها حجة وإلى العلم بالوجه الذي وقع الفعل عليه والخطاب ~~المنقول إما منقول بالتواتر ولا حاجة عن عدالة الرواة وضبطهم وإما ظن # PageV02P358 # المستدل لعلة حكم الأصل فانه لا يتوصل إليه إلا استدلالا بالأمارات ويجب ~~أن يعلم أن الغرض أن يظنها علة لأن يعلمها حتى يطلب العلم ولا يدركه # وأما الاستدلال الذي ليس بقياس فانه إن كان استدلالا بعلة وأمارة فلا بد ~~من الاستدلال عليها وإن كان استدلالا بشهادة الأصول من غير اعتبار علة وصح ~~ذلك فانه يفتقر فيه إلى مثل ما ذكرناه في القياس إلا الاستدلال على العلة # فاذا اختص الإنسان بما ذكرناه جاز له أن يجتهد في المسائل فيفتي نفسه ~~وغيره ويحكم على غيره ويجوز أن يجتهد في مسألة من الفرائض إذا كان عالما ~~بالفرائض وإن لم يعلم ما عداه من ابواب الفقه لأن الظاهر من أحكام الفرائض ~~أنها لا تستنبط من غيرها إلا نادرا والذهاب عن النادر لا يقدح في الاجتهاد ~~ألا ترى أن المجتهد قد يخفي عليه من النصوص اليسير ولا يقدح ذلك في كونه من ~~أهل الاجتهاد - صلى الله عليه وسلم - باب في كيفية فتوى المفتي - صلى الله ~~عليه وسلم - # اعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يفتي بالحكاية عن غيره بل إنما يفتي باجتهاده ~~لأنه إنما يسأل عما عنده ولا يسأل عن قول غيره وإن سئل أن يحكي قول غيره ~~جاز له حكايته ولو جاز أن يفتي بالحكاية جاز للعامي أن يفتي بما يجده في ~~كتب الفقهاء ومتى لم يتقدم من المفتي اجتهاد في المسألة وجب عليه الاجتهاد ~~فيها قبل الفتوى فان تقدم منه اجتهاد وقول في المسألة وكان ذاكرا لذلك ~~القول وطريقة ms750 الاجتهاد لم يجب عليه تجديد الاجتهاد لأنه كالمجتهد في الحال ~~وإن لم يذكر طريقة الاجتهاد فهو في حكم من لا اجتهاد له فالواجب عليه تجديد ~~الاجتهاد # PageV02P359 # وإذا لم يجز له أن يفتي ويؤخذ بفتواه فأحرى أن لا يجوز أن يأخذ الإنسان ~~بفتوى من مات لأنه لا يدري أنه لو كان حيا لكان ذاكرا لطريقة الاجتهاد ~~وراضيا بذلك القول ويمكن أن يقال إن الظاهر من ذلك القول أنه قول ذلك ~~الفقيه إلى أن مات وموته قد أزال عنه التكليف ولا يمكن أن يقال إنه يلزمه ~~إعادة اجتهاده فاذا أفتى المجتهد باجتهاده ثم تغير اجتهاده لم يلزم تعريف ~~المستفتي تغير اجتهاده إذا كان قد عمل به وإن لم يكن قد عمل به فينبغي أن ~~يعرفه إن تمكن منه لأن العامي إنما يعمل به لأنه قول المفتي ومعلوم أنه ليس ~~هو قوله في تلك الحال وإذا أفتاه بقول مجمع عليه لم يخيره في القبول منه ~~وإن كان مختلفا فيه خيره بين أن يقبل منه ومن غيره لا شبهة في ذلك على قول ~~من قال كل مجتهد مصيب وعلى قول من قال إن الحق في واحد أيضا هكذا يجيء لأنه ~~ليس بأن يجب عليه الأخذ بقول أحد المفتيين بغير حجة أولى من الآخر فان كان ~~هذا التخيير معلوما من قصد المفتي لم يجب عليه أن يخيره لفظا بل يذكر قوله ~~فقط وليس كذلك الحكم لأن الحاكم وضع لرفع الخصومات فلو كان الخصم مخيرا بين ~~الدخول تحت حكمه وترك الدخول لم تنقطع الخصومة وإذا اعتدل القولان عند ~~المفتي فقد ذكر قاضي القضاة في الشرح أن له أن يفتي بأيهما شاء وقال أيضا ~~له أن يخير المستفتي بين القولين والوجه أن يقال ينبغي أن يخير المستفتي ~~أنه إنما يفتيه بما يراه والذي يراه هو التخيير على قول من قال بالتخيير في ~~الأحكام ووجه القول الآخر هو أنه كما يجوز أن يعمل المفتي باي القولين شاء ~~كذلك يجوز له أن يفتي بأيهما شاء - صلى الله عليه وسلم ms751 - باب في جواز ~~استفتاء العامي للعلماء في فروع الشريعة وتقليده إياهم فيها - صلى الله ~~عليه وسلم - # منع قوم من شيوخنا البغداديين من تقليد العامي للعالم في فروع الشريعة ~~وقالوا لا يجوز أن يأخذ بقوله إلا بعد أن يبين له حجته وأجاز تقليده إياه # PageV02P360 # في ذلك أكثر المتكلمين والفقهاء وحكى قاضي القضاة في الشرح عن أبي علي ~~أنه أباح للعامي تقليد العالم في مسائل الاجتهاد من الفروع دون ما ليس من ~~مسائل الاجتهاد والصحيح جواز تقليده فيهما والدليل على ذلك إجماع الأمة قبل ~~حدوث المخالف فان الصحابة ومن بعدهم كانوا يفتون العامة في غامض الفقه ولا ~~يعرفونهم أدلتهم ولا ينبهونهم على ذلك ويلزمونهم سؤالهم إياهم ولا ينكرون ~~عليهم اقتصارهم على مجرد أقاويلهم وأيضا فليس يخلو العامي إذا حدثت به ~~حادثة من الفروع إما أن يكون متعبدا فيها بشيء أو لا يكون متعبدا فيها بشيء ~~والإجماع يمنع من أن لا يكون متعبدا فيها بشيء لأن الأمة مجمعة على أنه ~~يلزمه الرجوع إلى العلماء فبعضهم يقول يقلدهم والمخالف يقول يسألهم عن ~~الأدلة الشرعية ليعمل عليها ولأنه إذا طلق طلاقا مختلفا فيه فإما أن يكون ~~مباحا له المقام على الزوجة أو محظورا عليه وليس بينهما واسطة وأيهما كان ~~فهو تعبد وإن كان متعبدا فاما أن يكون حكم العقل أو حكم الشرع والإجماع ~~يمنع من الأول لأن المخالف يلزمه سؤال العالم عن الأدلة الشرعية ليعلمه ~~إياها ولأن كثيرا من العامة لا يعرف حكم العقل في كثير من المسائل وإنما ~~يعلم ذلك أهل الاجتهاد وإن لزمه حكم شرعي فإما أن يلزمه الوصول إليه ~~بالتقليد أو بالاستدلال فان لزمه بالاستدلال فإما أن يلزمه ذلك بأن يتعلمه ~~عند كمال العقل ليصير من أهل الاجتهاد وإما أن يسأل العالم عن أدلة المسألة ~~فيجتهد فيها فان لزمه التعليم عند كمال العقل فالإجماع يمنع من وجوب التعلم ~~على كل أحد عند كمال عقله ولأن انصراف الناس إلى التعلم المفضي إلى أن يكون ~~الإنسان من أهل الاجتهاد إهمال لأمر الدنيا وإفساد حالها ms752 وما أحد أوجب على ~~الناس إهمال الدنيا وأيضا فما الجواب الذي يثبت به الحادثة في حال تعلمه ~~قبل أن ينتهي إلى حال الاجتهاد وما الجواب إن فرط فلم يتعلم ثم نزلت به ~~حادثة في صلاته وصيامه أو طلاقه وإن ابتدأ في الحال بالتفقه فاتته الحادثة ~~وايضا فليس كل من تفقه صار من أهل الاجتهاد حسبما نجد عليه كثيرا ممن تفقه ~~وإن لزمه أن يسأل العالم عن الأدلة استدل بها # PageV02P361 # فمعلوم أنه لايمكنه أن يستدل بالدليل الذي يذكره له إلا بعد أن يعرف طرفا ~~من اللغة وكيفية الاستدلال بالخطاب وأنه ليس في الأدلة ما يعدل به عن ظاهرة ~~من نسخ أو تخصيص أو غير ذلك فان رجع إلى قول العالم في ذلك فقد قلده وإن ~~فحص عن الأخبار ووجه المقاييس لم يتمكن من ذلك إلا في الزمان الطويل وزمان ~~الحادثة يضيق عن ذلك وقد لا يمكنه إذا عرف وفحص عن ذلك أن يجتهد فكثير من ~~أصحاب الحديث يعرفون ما روي من الحديث وليسوا من أهل الاجتهاد فاذا أبطلنا ~~هذه الأقسام لم يبق للعامي طريق إلا التقليد وقد استدل على تقليد العامي ~~العالم بأن قيس على رجوع العالم إلى رواية المخبر الواحد # واحتج من منع من تقليد العامي في الفروع بأن العامي لا يأمن أن يكون من ~~قلده لم ينصح في الاجتهاد فيكون فاعلا لمفسدة وهذا منتقض برجوع العالم إلى ~~المخبر الواحد لأنه لا يأمن أن يكون قد كذبه في خبره فيكون بامتثاله للخبر ~~فاعلا للمفسدة # فان قالوا مصلحة العالم أن يعمل بخبر من ظن صدقه من العامة وإن كان كاذبا ~~قلنا وكذلك مصلحة العامي أن يعمل بحسب فتوى المفتي وإن كان غاشا وقاسوا ~~التقليد في الفروع على التقليد في التوحيد والعدل بغير علة وكل قياس لا علة ~~فيه فباطل ويعارضون بالرجوع إلى خبر الواحد والفرق بينهما أن الحق في ~~التوحيد والعدل وغيرهما يحصل لا بحسب حال الإنسان وظنه بل الحق فيه واحد ~~فاذا قلد فيه المقلد لم يأمن أن يكون من ms753 قلده لم يصب ذلك الحق وأما ~~الشرعيات فالحق فيها كونها مصلحة وفعل الإنسان قد يكون مصلحة له إذا كان ~~على حال مخصوصة فلا يمتنع أن يكون مصلحته مع أنه ليس من أهل الاجتهاد أن ~~يعمل بحسب فتوى المفتي فيأمن أن يكون مقدما على جهل وخطأ كما أن مصلحة ~~العالم أن يعمل بحسب ما أخبر به الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم وايضا ~~فالعامي إنما يلزمه النظر في مسائل مخصوصة في العدل # PageV02P362 # والتوحيد وأدلتها عقلية يحتاج الإنسان إلى تنبيه يسير لا يقطع عمره ~~والحوادث الطارئة في الفروع كثيرة بغير إحصاء والاجتهاد فيها لا يتم إلا ~~بأمور شرعية لا يمكن ضبطها والاستدلال بها في الزمان الطويل على ما قدمناه # فان قيل قد يجوز أن يطرأ على صاحب الجملة شبهة لا يمكنه حلها إلا بأن ~~يكون من المبرزين في العلم فأوجبوا عليه إذن أن يكون من المتناهين في العلم ~~قيل إن النظر على سبيل الجملة لا يحدث معه مثل هذه الشبهة إلا نادرا ومثل ~~ذلك إذا رجع فيه إلى تنبيه العالم على ما في العقل من الجواب لم يستغرق ~~الزمان أما حدوث الفروع بالإنسان فليس بموقوف على أن يكون من أهل الاجتهاد ~~ولا الاستدلال عليها مركز في العقول # والدليل على أن للعامي أن يقلد في مسائل الاجتهاد من الفروع وفيما ليس من ~~مسائل الاجتهاد من الفروع هو أنا لو ألزمناه تمييز مسائل الاجتهاد مما ليس ~~من مسائل الاجتهاد لكنا قد ألزمناه أن يكون من أهل الاجتهاد لأنه لا يميز ~~ذلك إلا أهل الاجتهاد وفي ذلك من الفساد ما تقدم # واحتجوا بأن ما ليس من مسائل الاجتهاد الحق في واحد منه فلا يأمن العامي ~~إذا قلده فيه أن يقلد في خلاف الحق وليس كذلك مسائل الاجتهاد لأن الحق فيها ~~في جميع الأقاويل فأيها قدمته فهو الحق والجواب إن تقليده في مسائل ~~الاجتهاد أيضا لا يأمن معه أن يقلد من لم ينصحه في الاجتهاد وأفتاه بخلاف ~~ما أداه إليه اجتهاده فان قالوا مصلحة العامي ms754 أن يعمل بما يفتي به المفتي ~~وإن غشه قيل ومصلحته أن يعمل بما يفتيه به العالم وإن كان العالم غير مصيب ~~فيه - صلى الله عليه وسلم - باب في شرائط الاستفتاء وما يجب على المستفتي ~~إذا أفتاه أهل الاجتهاد - صلى الله عليه وسلم - # أما شرط الاستفتاء فهو أن يغلب على ظن المستفتي أن من يستفتيه من أهل ~~الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان الناس وأخذ الناس عنه # PageV02P363 # وأن يظنه من أهل الدين بما يراه من اجتماع الجماعات على سؤاله واستفتائه ~~وبما يراه من سمات الستر والدين ولا شبهة في أنه ليس للعامي أن يستفتي من ~~يظنه غير عالم ولا متدين بل يجوز له أن يستفتي كل من يرى ممن لا يظنه عالما ~~وإنما أخذ عليه هذا القدر من الظن لأنه ممكن له كما أن الاجتهاد في الأدلة ~~ممكن للعالم # فأما ما يجب على العامي إذا أفتاه أهل الاجتهاد فهو أنهم إن اتفقوا وجب ~~على المستفتي المصير إلى الفتوى التي اتفقوا عليها وإن اختلفوا وجب عليه ~~الاجتهاد في أعلمهم وأدينهم لأن ذلك طريق قوة ظنه وهم ممكن له فجرى مجرى ~~قوة ظن المجتهد في المسائل # وقد حكي عن قوم أنهم أسقطوا عنه الاجتهاد وهو ظاهر لأن العلماء في كل عصر ~~لا ينكرون على العامة ترك النظر في أحوال العلماء فان اجتهد في أحدهم ~~فاستوى عنده علمهم ودينهم كان مخيرا في الأخذ بأي أقاويلهم شاء فأيها ~~اختاره وجب عليه لأنه ليس بعضهم بقبول قوله أولى من بعض ولقائل أن يقول إنه ~~إذا جاز له أن يختار الإباحة متى شاء وأنه إن اختار الأخذ بالحظر كان له ~~العدول عنه إلى الإباحة فقد صار الفعل مباحا لأنه لو تركه متى شاء وليس له ~~والحال هذه أن يعتقد حظره # وقال قاضي القضاة إنهما إذا تساويا لم يكن له الأخذ بالأخف من الأقاويل ~~طلبا منه للتخفيف ولقائل أن يقول له ذلك لأن المفتيين إذا استويا صار الأخف ~~رخصة واحتج من أوجب الأخذ بأثقل القولين ms755 بما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال الحق ثقيل مريء والباطل خفيف وبيء والجواب إن هذا الخبر من ~~أخبار الآحاد وليس فيه ايضا إن الحق أثقل من كل ثقيل وإنما يدل على أن الحق ~~ثقيل ولأنا نحن نقول بذلك لأنه مخالف للشهوة على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما عنى أن الباطل في الغالب خفيف لأن العبادات من النصارى والهند ~~باطلة # PageV02P364 # أكثرها وهي ثقيلة جدا فان غلب على ظنه أنهما وإن كانا من أهل الدين ~~متساويان في العلم وأحدهما أدين فالواجب عليه اتباع الأدين لأن الثقة به ~~اقوى وإن تساويا في الدين وتفاضلا في العلم فذكر في العمد أن قوما جوزوا له ~~تقليد الأنقص في العلم وهذا القول يسقط عنه الاجتهاد في أعلمهما إذ كان لو ~~تبين له أعلمهما كان له العدول عنه وقال في شرحه ليس له الأخذ إلا بقول ~~الأعلم لأن النفس إليه أسكن وجرى التفاضل في العلم مجرى التفاضل في الدين ~~فأما إن كانا عالمين دينين وكان أدينهما أنقصهما علما يحتمل أن يقال إنهما ~~سواء والأولى أن يرجح قول الأعلم لزيادته فيما يعين على الاجتهاد والوقوف ~~على الصواب ومثل هذا النصر لا يخفى على العوام لأنه كتدبير الدنيا فلم يسقط ~~عنهم - صلى الله عليه وسلم - باب في أنه ليس للعامي أن يقلد في أصول الدين ~~- صلى الله عليه وسلم - # منع أكثر المتكلمين والفقهاء من التقليد في التوحيد والعدل والنبوات ~~واباح قوم من اصحاب الشافعي أن يقلد في ذلك ولم يختلفوا في انه ليس له أن ~~يقلد في أصول الشريعة كوجوب الصلاة وأعداد ركعاتها # والدلالة على المنع من ذلك هي أن المكلف مأخوذ عليه العلم بهذه الأمور ~~والمقلد ليس بعالم لأنه يجوز خطأ من يقلده ولأن من أباحه ذلك وأوجب عليه ~~المعرفة بأصول الدين والشريعة فقد ناقض لأن المعرفة بوجوب الصلاة والصيام ~~لا تصح إلا مع المعرفة بصدق من جاء بهما فان قلد في صدقه فقد قلد في وجوب ~~كل ما أخبر بوجوبه وإن ms756 جاز أن يعلم صدقه بالتقليد جاز أن يعلم أصول الشريعة ~~بالتقليد # PageV02P365 # - صلى الله عليه وسلم - باب في المجتهد هل له أن يقلد غيره من المجتهدين ~~كالصحابي وغيره - صلى الله عليه وسلم - # قال أبو علي له أن يأخذ بقول الواحد من الصحابة وإن كان في الصحابة من ~~يخالفه فان حصل لقول بعضهم مزية أخذ به وإن تساووا كان المجتهد مخيرا وحكى ~~قاضي القضاة أن الأولى أن يجتهد المجتهد ويعمل على اجتهاده فان خالف ~~الصحابي جاز وحكي عن محمد بن الحسن أنه جعل الأصول أربعة ذكر منها إجماع ~~الصحابة واختلافها فجعل الاختلاف من الأصول تقتضي جواز الأخذ بالقول ~~المختلف فيه وذكر الشافعي في رسالته القديمة جواز تقليد الصحابة ورجح قول ~~الأئمة منهم ومنع أكثر الفقهاء المجتهدين من ذلك واختلفوا في جواز تقليد ~~العالم من هو أعلم منه من الصحابة وغيرهم فجوز ذلك محمد بن الحسن وعن أبي ~~حنيفة روايتان إحداهما جوازه والأخرى المنع منه وأجاز ابن سريج تقليد ~~العالم من هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد وأكثر الفقهاء يمنعون من ~~تقليد العالم من هو أعلم منه # وقد احتج للمنع من ذلك بأشياء # منها أنه لو جاز لغير الصحابة من المجتهدين تقليد الصحابة جاز لبعضهم ~~تقليد بعض ولو جاز ذلك لم يكن لمناظرتهم في المسائل فائدة والجواب إن من ~~الناس من يجوز لغير الصحابة من المجتهدين أن يقلد بعضهم بعضا ويقول الفائدة ~~في اجتهادهم في المسألة أن الاجتهاد والعمل بحسبه أولى من التقليد ولا ~~يمتنع أيضا أن يجوز لغيرهم تقليدهم ويجب عليهم الفحص والنظر مع ذلك # ومنها أن الصحابة كانت تترك آراءها لخبر تسمعه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فبأن يجب على غيرهم العمل بالخبر وبترك رأي الصحابي أولى ولقائل أن ~~يقول إن الصحابة كانت تترك آراءها للخبر إذا كان صريحه بخلاف رأيها وإذا ~~تغير اجتهادها بسماعها والنظر فيه وهكذا يلزم غيرها لأنه لا يجوز مع أن رأي # PageV02P366 # المجتهدين بخلاف قول الواحد من الصحابة أن يترك اجتهاده ويصير إلى قول ms757 ~~الواحد وإنما يجوز له الأخذ بقول الواحد من الصحابة مع الخبر إذا احتمل ~~الخبر الاجتهاد ولم يجتهد فيه فلا يمتنع أن يصير إلى قول الواحد من الصحابة ~~ويجب على ذلك الواحد أن يجتهد كما نقوله في التابعين مع إجماع الصحابة # ومنها أن المجتهد متمكن من الاجتهاد لتكامل الآية فلم يجز مع تمكنه من ~~العمل باجتهاده أن يصير إلى قول غيره كما لم يجز أن يصير إلى قول غيره في ~~العقليات لما تمكن من النظر والاستدلال عليها ولقائل أن يقول إنما لم يجز ~~التقليد في العقليات لأن المطلوب منها العلم والعلم لا يحصل بالتقليد ~~لتجويزنا خطأ من يقلده والغرض بمسائل الاجتهاد العمل التابع للظن وقد يحصل ~~الظن بتقليد العالم فلا يمتنع أن يرد التعبد به وعلى أن إحالتهم ذلك إما أن ~~يكون بالسمع وليس في السمع ما يحيل ذلك وإن كان فيه ما يحيل ذلك فهو الدليل ~~لا ما ذكروه الآن أو بالعقل ومعلوم أن العقل لا يجوز التعبد بذلك لأن العمل ~~بحسب الاجتهاد مصلحة لغيره من المجتهدين كما هو مصلحة للعامي وكما أن تقليد ~~المجتهدين مصلحة لغيرهم # ومنها أن المجتهد لو أداه اجتهاده إلى خلاف قول من هو أعلم منه صحابي أو ~~غيره لما جاز ترك رأيه والأخذ برأي الأعلم فيجب أن لا يجوز له ذلك وإن لم ~~يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ذلك القول ولقائل ~~أن يقول لا يمتنه أن تكون مصلحته إذا اجتهد العمل على ما يؤديه إليه ~~اجتهاده وإن لم يجتهد كان الأخذ بما يختاره من أقاويل السلف مصلحة ألا ترى ~~أنه يجوز ورود التعبد بذلك وعلى أن هذا يمنع من تقليد العامي لأنه لا يأمن ~~لو فعل ما يتمكن به من التفقه ثم اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف قول من ~~قلده # ومنها أن المجتهد يتمكن من الوقوف على الحكم باجتهاده فلم يجز له العدول ~~عن ذلك إلى ما هو أنقص منه كما لا يجوز للمتمكن من العلم العدول # PageV02P367 # عنه ms758 إلى الظن ولقائل أن يقول إن العقل لا يمنع من أن تكون مصلحة المتمكن ~~من العلم العمل على ظنه فالأصل غير مسلم ويبطل ما ذكروه بالعامي إذا تمكن ~~من التفقه حتى يصير من أهل الاجتهاد وكل هذه الوجوه يحيل ورود التعبد ~~بتقليد المجتهدين وقد بينا أن العقل لا يحيل ذلك # والوجه الصحيح في المسألة هو أن يقال إن اجتهاد المجتهد وعمله بحسب ~~اجتهاده متعبد به لأنه بذلك يكون مطيعا لله تعالى لأن الله تعالى ما نصب ~~الأمارة إلا وقد أراد من المجتهد أن يجتهد فيها وليس بعض المجتهدين بذلك ~~أولى من بعض وليس يجوز إثبات بدل لهذا المراد المتعبد به إلا لدلالة عقليه ~~أو سمعية ولا دليل يدل عليه فوجب نفيه وهذا إنما يصح إذا أجيب عن شبه ~~المخالفين # وقد احتجوا بوجوه # منها قول النبي صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~وقوله عليك بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي وقوله اقتدوا باللذين من بعدي ~~أبي بكر وعمر وقوله ضرب الله بالحق على لسان عمر وقلبه وقوله الحق بعدي مع ~~عمر وقوله اللهم أدر الحق مع علي حيث ما دار فالجواب إن هذه أخبار آحاد لا ~~يستدل بها على العلم على أن قوله بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله عليكم بسنتي ~~وقوله اقتدوا باللذين من بعدي خطاب مواجهة لمن في ذلك العصر ممن ليس بصحابي ~~أن يتبع الصحابة ومن لم يكن صحابيا في ذلك العصر فليس من أهل الاجتهاد فجاز ~~له أن يقلد وقد نبه بذلك على أن غيرهم من أهل الأعصار من العامة يجوز أن ~~يقلد علماءه على أن قوله بأيهم اقتديتم وقوله اقتدوا باللذين ليس بعموم في ~~وجوه الاقتداء فيحتمل أن يكون المراد به الاقتداء بهم في روايتهم لأنه يقال ~~لمن اتبع رواية غيره إنه قد اقتدى به إي اقتدى بروايته وصدق حديثه على أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم عليك بسنتي وسنة الخلفاء يفيد # PageV02P368 # وجوب الأخذ بسنة الخلفاء وليس أحد يوجب ذلك إلا على العامي إذا لم يجد ms759 ~~غيرهم ممن يفتيه فعلمنا أن ليس المراد به الفتوى وقوله الحق بعدي مع عمر ~~وقوله اللهم أدر الحق مع علي يدل على أن قولهما حق وصواب والقائلون بأن كل ~~مجتهد مصيب لا يأبون ذلك وكثير منهم يمنع العالم من تقليدهما # ومنها أن بعض الصحابة كان يرجع إلى قول بعض عند سماعه من غير أن يسأله عن ~~دليله نحو ما روي أن عمر رجع إلى قول علي ومعاذ ولم ينكر عليه أحد من السلف ~~وبايع عبد الرحمن عثمان على اتباع سنة ابي بكر وعمر والجواب أنه يجوز أن ~~يكون تنبه عمر على وجه قول علي ومعاذ عند سماعه أو خطر به وجه قولهما من ~~غير أن ينبهه قولهما على ذلك وقد يفهم الحاضرون ذلك فلحسن ظن الصحابة بعمر ~~صرفوا أمره إلى ذلك فلم ينكروا عليه يبين ذلك أن الإنسان إذا تردد بين ~~رأيين في الحرب ثم صمم على أحدهما فقال له قائل ليس هذا بصواب بل الصواب ~~كذا وكذا فقال له صدقت فهم الحاضرون أنه إنما صدقه لأنه إنما تنبه على وجه ~~الرأي إما من ذلك الكلام أو من غيره وليس كذلك إذا عملت الصحابة بخبر مروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن العادة تقتضي أنهم إنما عملوا لأجل الخبر ~~لا أنهم تنبهوا على وجه الاجتهاد لأنهم إنما يسألون عن الأخبار ليعملوا بها ~~والعادة في العلماء أن يسأل بعضهم بعضا لا ليعمل على قوله لكن ليتنبه على ~~وجه القول يبين ذلك أن وكيلا في ضيعة إذا اشتبهت عليه أمورها فقال أيكم سمع ~~من موكلي في هذا شيئا فقال قائل سمعه يقول كذا وكذا فعمل الوكيل على ذلك ~~علم الحاضرون أنه إنما عمل على ما حكي له لا على الاجتهاد وليس كذلك لو ترك ~~برأيه وصوب رأي غيره مع أنه من أهل الرأي والحزم # ومنها أن قول المجتهد صواب وكل صواب جائز اتباعه والجواب إن القائلين بأن ~~الحق في واحد لا يسلمون أن كل مجتهد محق والقائلون بأن # PageV02P369 # كل مجتهد مصيب ms760 يقولون كل قول كان حقا وصوابا من قائل فليس يجب أن يكون ~~حقا وصوابا من غيره ألا ترى أنه ليس بصواب ممن أداه اجتهاده إلى خلافه # فاذا ثبت ذلك فمن قال أنه لا يجوز للمجتهد أن يقلد الصحابي فانه لا يجوز ~~تخصيص عموم القرآن والسنة بذلك إذ ليس هو حجة ومن أجاز للمجتهد تقليده فذكر ~~قاضي القضاة أنه يلزمه جواز تخصيص العموم به لأنه قد جعله حجة وليس يظهر ~~ذلك لأن لهم أن يقولوا إنما نجوز للمجتهد تقليد الواحد من السلف إذا لم ~~يظهر عموم بخلافه فان ظهر ذلك لم يجز تخصيصه بقول واحد من السلف - صلى الله ~~عليه وسلم - باب القول في إصابة المجتهدين - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنا لما تكلمنا في حمل الأدلة الشرعية وفي كيفية الاستدلال بها ~~واجتهاد المجتهدين فيها وجب أن نتكلم في إصابتهم واجتهادهم وذلك يتضمن ~~أبوابا منها ذكر اختلاف الناس في أن كل مجتهد مصيب وما الذي كلف الله ~~المجتهد ومنها هل دل الدليل على ذلك أم لا ومنها الأشبه والقول فيه ومنها ~~الفرق بين مسائل الاجتهاد وما ليس من مسائل الاجتهاد ومنها أنه لا يجوز أن ~~يكون المجتهدون في الأصول على اختلافهم مصيبين ونحن نأتي على هذه الأبواب ~~على هذا الترتيب بعون الله وحسن توفيقه إن شاء الله تعالى - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في ذكر اختلاف الناس في أن كل مجتهد في الفروع مصيب - صلى الله ~~عليه وسلم - # اختلف الناس في ذلك فقال أبو الهذيل وابو علي وابو هاشم إن كل مجتهد في ~~الفروع مصيب في اجتهاده وفي حكمه الذي اداه إليه اجتهاده وقد # PageV02P370 # حكي ذلك عن أبي حنيفة وحكاه عن الشافعي بعض أصحابه وهو ظاهر قوله في بعض ~~المواضع لأنه قال إن كل مجتهد قد أدى ما كلف وقال الأصم وابن عليه وبشر ~~المريسي إن المحق من المجتهدين واحد ومن عداه مخطىءفي اجتهاده وفيما أداه ~~إليه اجتهاده وقالوا إن على الحق دليلا يعلم به المستدل أنه قد وصل إلى ~~الحق ms761 ويجب نقض الحكم بما خالف الحق وقال غيرهم ممن قال بهذه المقالة على ~~الحق دليل وإن المجتهد يعتقد أنه قد أصابه في الظاهر دون الباطن وقد حكى ~~بعض أصحاب الشافعي ذلك عن الشافعي وحكى بعضهم عن أبي حنيفة أيضا أنه قال ~~الحق في الواحد ومن الناس من قال إن ما عدا المحق من المجتهدين مصيب في ~~اجتهاده مخطىء في الحكم وهم القائلون بالأشبه لأنهم جعلوا أشبه عند الله ~~قالوا وهو مطلوب المجتهد قالوا وهذا هو الذي لو نص الله على الحكم لنص عليه ~~ولا شبهة في أن ذلك الأشبه هو واحد ما عداه خطأ وقالوا ما كلف الإنسان ~~أصابه الأشبه وحكي عن محمد القول بالأشبه وحكاه سفيان بن سحبان عن ابي ~~حنيفة وحكى قوم عنه أن المجتهد مخطىء خطأ موضوعا عنه وقد حكي القول بالأشبه ~~عن ابي علي لأنه قال لا يمتنع أن يكون الفرع ببعض الأصول اشبه عنه الله ~~ويمر في كلامه مثل قول ابي هاشم وعن الشافعي أن في كل مسألة ظاهرا وإحاطة ~~وكلف المجتهد الظاهر ولم يكلف الإحاطة وعنه إن في كل حادثة مطلوبا معينا ~~ولم يكلف المرء إصابته # ولم يختلف القائلون بأن كل مجتهد مصيب ممن قال بالأشبه أنه ما كلف المرء ~~إصابة الأشبه وإنما كلف الاجتهاد والعمل عليه ولم يقل أحد أن المجتهد مخطىء ~~في اجتهاده مصيب في الحكم لأن من أخطأ في الاجتهاد وقصر فيه لو قال بالحق ~~اتفاقا من غير طريقة كان قوله خطأ لأنه كمن قال تنحيتا من غير نظر أصلا # PageV02P371 # فصار محصول هذا الاختلاف هو أن من الناس من قال كل اجتهاد المجتهدين صواب ~~ومنهم من قال إن الصواب منه واحد وما عداه خطأ واختلف من قال كل واحد صواب ~~فمنهم من قال احكام تلك الاجتهادات كلها صواب أيضا ومنهم من قال إن الواحد ~~منه صواب وهو الأشبه والباقي خطأ واختلف من قال إن الواحد منها صواب هل على ~~ذلك الحق دليل أم لا فقال قوم عليه دليل يعلم أنه وصل ms762 إليه في الظاهر ~~والباطن وقال قوم عليه دليل يعلم أنه موصل إليه في الظاهر دون الباطن # ولك أيضا أن تقول اختلف الناس في أحكام المجتهدين في الفروع فقال قوم ~~جميع ما حكم به على اختلافه صواب وقال آخرون الواحد مما يحكم به صواب دون ~~ما عداه ولم يختلف من قال كل أحكامهم صواب في أن اجتهادهم كله صواب واختلف ~~من قال إن الواحد من أحكامهم صواب في أن اجتهادهم كله صواب واختلف من قال ~~إن الواحد من أحكامهم صواب والباقي خطأ هل اجتهادهم كله صواب أو الواحد منه ~~صواب فقط # فهذه جملة اختلاف الناس في هذه المسألة واعلم أنه ينبغي أن يعلم ما الذي ~~كلف المجتهد حتى يصح أن ينظر هل جميع المجتهدين قد أصابوا أم لا - صلى الله ~~عليه وسلم - باب فيما كلف المجتهد فعله - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الناس اختلفوا في ذلك فقالت طائفة كلف المجتهد في الفروع إصابة ~~دليل قاطع وأن يعمل بحسبه وقال آخرون إنما كلف العمل بحسب الأمارة لا بحسب ~~الدلالة وليس على أعيان الفروع أدلة واختلف هؤلاء فقال بعضهم كل اقاويل ~~المجتهدين في الفروع صواب وقال آخرون ليس كل اقاويلهم صوابا واختلف من قال ~~كل أقاويلهم صواب فقال بعضهم في # PageV02P372 # المسألة أشبه مطلوب وهو حكم لو نص الله تعالى في المسألة لنص عليه ونفى ~~الباقون هذا الأشبه وقالوا ليس مطلوب المجتهد إلا الظن للأمارة ليعمل على ~~حسب ظنه ونحن نبين أنه يلزم المجتهد أن يجتهد لظن أقوى الأمارات أو لظن ~~تعارض الأمارات إن جاز أن تتعارض ثم نبين أنه إذا ظن قوة إحدى الأمارات لا ~~يجوز له في تلك الحال أن يعمل على أضعف الأمارات في نفسه فالدلالة على أنه ~~يلزمه الاجتهاد ليظن الأمارة الأقوى أو يظن تعارض الأمارات هي أن المجتهد ~~طالب فإما أن يطلب باجتهاده الظفر بدليل أو أمارة فليس يجوز أن يكون طلبه ~~الظفر بدليل لأن من يقول على الفروع أدلة لا يخلو إما أن يعني بذلك أن ~~أعيان ms763 الفروع تتناولها أدلة وإما أن يعني به أن الأمارات وإن تناولت الفروع ~~فالأدلة دالة على وجوب العمل على تلك الأمارات فان عنى الثاني فهو قولنا ~~وإن عنى الأول فهو فاسد لأن أكثر الفروع ليس عليها نصوص قرآن ولا أخبار ~~متواترة ولا إجماع وإنما تتناولها أخبار آحاد ومقاييس مظنونة العلل وكثير ~~من الفروع وإن تناولتها الايات فانه لما كانت تلك الآيات تعارضها أخبار ~~آحاد ومقاييس تخصصها صارت تلك الفروع من مسائل الاجتهاد وصار طريقها الظن ~~فصح أنه ليس يطلب المجتهد في الفروع الظفر بالأدلة وليس بعد ذلك إلا أنه ~~يطلب الظفر بالأمارة ولا يخلو إما أن يجب عليه أن يجتهد ويبذل مجهوده ليغلب ~~على ظنه الأمارة الأقوى أو لا يجب عليه ذلك بل يجوز له أن يقتصر على أول ~~خاطر وقد أجمع أهل الاجتهاد أنه ليس له ذلك بل ينبغي أن يستفرغ جهده ليغلب ~~على ظنه أن الأمارة أقوى من غيرها أو أن الأمارات متعارضة إن جاز ذلك ~~وأجمعوا على أنه لا يجوز إذا غلب على ظنه أن الأمارة أقوى من غيرها أن لا ~~يعمل عليها وأن يعمل على الأمارات الأضعف في ظنه ولأن أضعف الأمارتين تجري ~~مع أقواهما مجرى الأمارة مع الدلالة وإن غلب على ظنه تعارض الأمارات وجاز ~~ذلك كان مخيرا لأنه ليس بأن يحكم باحداهما أولى من الأخرى # PageV02P373 # فان قيل فما معنى قولكم إن الأمارة اقوى من غيرها وأشبه بأن يعلق الحكم ~~عليها قيل قولنا أشبه قد يراد به كثرة الشبه ويراد به معنى الأولى مثال ~~الأول قولنا زيد أشبه بعمرو منه بخالد ومثال الثاني قولنا هذا الحكم أشبه ~~ان يكون مرادا لله تعالى أي هو الأولى والأقوى ومثاله في الأمارات قولنا ~~هذه العلة اشبه أن يعلق بها الحكم وأن تكون علة الحكم أي كونها علة أولى من ~~كون غيرها علة لقوتها في نفسها # فان قيل لم قلتم في الأمارات ما هو أشبه بأن يتعلق به الحكم من غيره قيل ~~لهم لأن في العلل ما يختص بنوع من ms764 الترجيح لا يختص به غيره من العلل وما ~~يترجح على غيره فانه يكون أولى وأشبه بأن يكون علة الحكم فان قيل كون العلة ~~أشبه يرجع إلى ظننا أنها أولى بأن يتعلق الحكم بها أو إلى قوة الأمارة ~~الدالة على أن الحكم يتعلق بها قيل إن أريد أن المجتهد يظن أن الأمارة في ~~نفسها أقوى فكذلك نقول وإن أريد أن كون الأمارة أولى هو ظننا فذلك باطل لأن ~~كونها أولى راجع إليها وهو مظنون الظن ومدلول الأمارة ألا ترى أنهم يقولون ~~ظننا العلة أولى والأمارة دلت على أن العلة أولى ولا يجوز أن يكون مظنون ~~الظن هو الظن ولا مدلول الأمارة هو الأمارة وأيضا فان الظن لكون الوصف علة ~~إنما يقوى لقوة أمارته وقد أقر السائل أن الأمارة الدالة على صحة العلة ~~تكون أقوى والأمارة إذا كانت أقوى اقتضت كون مدلولها أقوى وأولى بالثبوت ~~فإن قالوا قوة الأمارة للأمارة الاخرى ترجع إلى قوة أمارة أخرى يقال لهم لو ~~دلت على هذه الأمارة أمارة أخرى أدى ذلك إلى أمارات لا نهاية لها وأيضا فان ~~الأمارة الدالة على صحة العلة راجع إليها نحو وجود الحكم عند وجودها ~~وارتفاعه عند ارتفاعها ونحو كون الوصف مؤثرا في جنس ذلك الحكم في الاصول ~~كالبلوغ المؤثر في رفع الحجر عن المال وجميع ما يرجح به العلة يرجع إليها ~~ويتعلق بها من نحو كونها مستنبطة من أصل معلوم الحكم أو كونها ثابتة بتنبيه # PageV02P374 # النص إلى غير ذلك وكذلك ترجيح خبر ثقة على خبر ثقة بكونه أضبط وأعرف ~~بالقصد وأشد تدينا وتوقيا ترجيح لا يرجع إلى الظن بل يرجع إلى الأمارة ~~ويتعلق بها فان قيل أليس قد تتساوى العلتان في وجوه الترجيح فلا تفضل ~~إحداهما على الأخرى قيل إن صح ذلك كان العبد فيها مخيرا ولم يمنع ذلك كون ~~بعض العلل أوضح وأقوى من غيرها # وإذ قد بينا أن المجتهد قد كلف أن يظن الأمارة الأقوى ويعمل عليها فلننظر ~~هل يجوز أن يكون الظن الذي كلفه المجتهدون أكثر من ms765 واحد فيجوز أن يكون الحق ~~أكثر من واحد وكل مجتهد مصيب أم لا يجوز أن يكون الظن الذي كلفوه إلا واحدا ~~فيمتنع أن يكون كل مجتهد مصيبا بل يكون الحق واحدا فقط - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في أن إصابة المجتهدين في الفروع على اختلافهم جائز غير ممتنع - ~~صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن المجتهدين إذا اختلفوا في الأحكام التابعة للأمارات كان يجوز أن ~~تدل دلالة على أن جميعهم مصيبون لما كلفوه عند كثير من الناس ومنع آخرون من ~~جواز ذلك # واستدل مانعو ذلك بأشياء # منها أنه لو جاز أن يكون المجتهدون في الفروع مصيبين جاز مثله في ~~المجتهدين في الأصول على اختلافهم وهذا باطل لأنهم جمعوا بينهما بغير علة ~~والفرق بينهما هو أن معنى الإصابة يمكن في الفروع ولا يمكن في الأصول لأن ~~اعتقادي النفي والإثبات المتنافيين لا يكونان علمين بل يكون أحدهما جهل ~~وذلك يمنع من اجتماعهما في الحسن والتكليف وأما الأفعال المتضادة فيصح أن ~~يجب على شخصين أو على شخص واحد في وقتين أو على # PageV02P375 # شرطين في وقت واحد فاذا صح ذلك صح أن يكون الاعتقادان لوجوبها علمين ~~وحسنين داخلين تحت التكليف لأن متعلقهما غير متناف # ومنها قولهم لو جاز أن يكون كل مجتهد مصيبا لجاز أن يكون الفعل الواحد ~~حلالا حراما والمرأة محللة محرمة بأن يؤدي اجتهاد أحدهما إلى هذا واجتهاد ~~الآخر إلى ذلك فالجواب أن الاجتهاد إنما يؤدي المجتهد إلى أن الفعل حرام ~~عليه لا على غيره ممن لم يؤده اجتهاده إلى ذلك ولا اختار تقليده ويؤدي ~~اجتهاد الآخر إلى أن الفعل حلال له دون من لم يؤده اجتهاده إليه ولا اختار ~~تقليده وليس ذلك بمتناف ولا يتنافى كون الاستمتاع بالمرأة حلالا لأحد ~~المجتهدين ولمن أراد تقليده حراما على المجتهد الآخر ولمن أراد تقليده كما ~~أن المرأة حرام على من طلقها حلال لمن تزوجها فما المانع من أن يكون ~~الاجتهاد يحرم عنده الفعل ويحل كما يحرم ويحل عند العقد والطلاق # ومنها قولهم إن القول باصابة ms766 المجتهدين على اختلافهم يؤدي إلى التهارج ~~بأن يؤدي اجتهاد أحدهم إلى ضد ما أدى إليه اجتهاد الآخر فلا يكون الأخذ ~~بأحدهما أولى من الآخر وليس كذلك إذا كان الحق في واحد لأن الأخذ به أولى ~~ويمكن الأخذ به لأجل ما نصبه الله من الدليل عليه فالجواب انه ليس يجب فساد ~~ما حصل فيه ضرب من التعارض إذا أمكن تأويله على وجه صحيح ألا ترى أن ~~الواجدين للميتة ما لا يمسك إلا رمق أحدهما ليس بأن يأخذه أحدهما أولى من ~~الآخر ولا يكفيهما جميعا فيقال يمسك كل واحد منهما رمق نفسه ببعضه ومع هذا ~~لم يؤد إلى التهارج لأنه يمكن تخريجه على وجه صحيح بأن يقال يكون لمن سبق ~~أو يأكل كل واحد منهما بعضه فيمسك به رمقه ويبقى بعض المدة رجاء أن يأتي كل ~~واحد منهما الفرج في تلك المدة اليسيرة فان ماتا أو أحدهما فالله المعوض ~~لهما وكذلك المجتهدان إذا اختلفا يمكن أن لا يتهارجا ثم إنا نقسم الحوادث ~~النازلة بالمكلفين لنرى أنه لا تهارج فما ذكروه فنقول # PageV02P376 # الحوادث إما أن تنزل بمقلد أو مجتهد فان نزلت بمقلد فإما أن تخصه أو ~~تتعلق بغيره فان خصته رجع فيها إلى الفقهاء فقلدهم فان اختلفوا عليه قلد ~~أعلمهم وأدينهم عنده وإن تكافئوا عنده كان مخيرا ولا بد للمخالف أن يقول ~~بذلك إذا كان ممن يسوغ للعامي التقليد وإن تعلقت الحادثة به وبغيره نحو أن ~~تكون مخاصمة في مال جاز أن يصطلحا فيه فان لم يصطلحا أو كانت المنازعة في ~~غير مال فصل القاضي بينهما إن كان أو رضيا بمن يقضي بينهما ولا بد لخصمنا ~~من أن يجيب بذلك ايضا وإن كانت الحادثة نازلة بمجتهد فإما أن تخصه وإما أن ~~تتعلق بغيره فان خصته عمل على اجتهاده وإن تكافأ عنده الاجتهادان كان مخيرا ~~عند الشيخين وعند أبي الحسن يراجع اجتهاده إلى أن يترجح عنده أحدهما فان ~~تعلقت الحادثة به وبغيره بأن تكون منازعة في مال أو في استمتاع كمنازعة ~~الرجل مع زوجته ms767 في استباحتها وهما من أهل الاجتهاد فانهما إن لم يصطلحا في ~~الحال رجعا فيه وفيما لا يجوز الصلح فيه إلى قاض إن كان أو رضيا بمن يقضي ~~بينهما وسواء كان صاحب الحادثة حاكما أو غير حاكم لأنه لا يجوز أن يقضي ~~لنفسه على خصمه لأنه متهم لخصمه فان اشتبه الحكم على القاضي كان مخيرا بين ~~الحكمين إذا تكافأت عنده الأمارات أو راجع الاجتهاد أو نصب من يقضي بين ~~الخصمين وهذه المسألة تلزم ايضا خصومنا لأنهم يوجبون الرجوع إلى الحكم عند ~~التنازع سواء قالوا بالأمارات أو بالأدلة لأنهما جميعا قد تشتبهان فان حكم ~~القاضي بالتحريم أو بالتحليل على ما يؤديه اجتهاده إلى ما حكم به كان له ~~الأخذ به وإن حكم بتحريم الزوجة على الزوج وهو يرى إباحتها أو بالإباحة وهو ~~يرى تحريمها فقد قيل يجب عليه المصير إلى ذلك وتصير الزوجة مباحة له إذا ~~حكم الحاكم بإباحتها وإن كان قد رأى هو حظرها لأن اجتهاده شرط في إباحتها ~~ما لم يحكم بخلافه عليه حاكم وقيل إذا حكم عليه باباحة المرأة حاكم وهي ~~عنده حرام استأنف طلاقها وازال الإشكال وإن كان أحد الخصمين جدا وهو يرى ~~المقاسمة والآخر أخا وهو يرى أن المال # PageV02P377 # كله للجد أمكن أن يصطلحا أو يحتكما إلى من يقضي بينهما ويمكن إيقاف ما ~~فيه الاختلاف حتى يسبق اجتهاد أحدهما إليه فان أدى اجتهاد الجد إلى أن ~~المال له في حال ما أدى اجتهاد الأخ إلى المقاسمة فصل الحاكم بينهما ولا ~~تهارج في ذلك # فأما الدلالة على أنه لا يمتنع العقل أن يكون المجتهدون في الفروع على ~~اختلافهم مصيبين فهي أنا قد بينا أن المجتهد إنما كلف أن يعمل بحسب ظنه ~~للأمارة الأقوى وليس بممتنع في العقل أن يظن المجتهد قوة بعض الأمارات ويظن ~~غيره قوة من غيرها من الأمارات فيلزم كل واحد منهما أن يعمل بحسب ما ظنه ~~وإن اختلف الفعلان فيكون كل واحد منهما في فعله لما يفعله مصيبا لما كلف ~~وليس بممتنع في العقل أن ms768 يكون الفعل واجبا على زيد وضده ونقيضه على غيره في ~~ذلك الوقت ويجوز أن يجب عليه ضده أو نفيه في ذلك الوقت على غير ذلك الشرط ~~فيكون الفعل مصلحة على شرط وضده ونفيه مصلحة على شرط آخر وقد جاء التعبد ~~العقلي بذلك والشرعي ألا ترى أنه يجب على زيد الأكل إذا خاف التلف في تركه ~~ويجب عليه وعلى غيره تركه إذا خاف التف في فعله ومباح للزوج الاستمتاع ~~بزوجته ومحرم ذلك على غيره وعليه أيضا إذا طلقها وتجب على الطاهر الصلاة ~~وتحرم على الحائض فاذا جاز تناول التكليف للامور المتنافية على هذه الوجوه ~~لم يمتنع أن يكون الفعل مصلحة إذا أدى الاجتهاد إليه ومفسدة إذا أدى ~~الاجتهاد إلى غيره فيكون التكليف تناوله وتناول ضده بهذين الشرطين فمن أداه ~~اجتهاده إلى وجوب الفعل كان مكلفا فعله ومن أداه إلى تحريمه كان مكلفا تركه ~~فيكونان بفعلهما مصيبين لما كلفا ويكون اعتقاد وجوبه على من أداه اجتهاده ~~إلى وجوبه عليه علما والخبر عن وجوبه عليه صدقا وكذلك اعتقاد نفي وجوبه ~~والخبر عن نفي وجوبه على من أداه اجتهاده إلى نفي وجوبه كما أن اعتقاد ~~الطاهر وجوب الصلاة عليها علم وخبرها عن ذلك صدق وكذلك اعتقاد الحائض نفي # PageV02P378 # وجوب الصلاة عليها علم وإخبارها عن ذلك صدق وكذلك القول في المقلدين إذا ~~اختار أحدهما تقليد مثبت الوجوب واختار الآخر تقليد نافي الوجوب # فان قيل إنا لا نمنع أن يجب الضدان على شخصين وعلى شخص واحد وعلى شرطين ~~ولكن ليس يحصل هذان الشرطان في الاجتهاد لأن المجتهد إنما يجوز له العمل ~~على اجتهاده إذا استقصى الاجتهاد في الأمارات ومتى استقصاها وكانت الأمارات ~~متكافئة فانه يقف على ذلك ويكون فرضه التخيير وإن كان فيها ما هو أقوى من ~~غيره فانه يقف على ذلك ويلزمه العمل عليه فقط ولا يجوز أن لا يقف عليه إلا ~~إذا قصر في الاجتهاد ومتى قصر فيه لم يجز له العمل عليه وليس يجوز أن يمنع ~~بطء فهم بعض المجتهدين من الوصول إلى ms769 أقوى الأمارات لأن الإنسان لا يجوز أن ~~يكون من أهل الاجتهاد إلا وهو من ذوي الفهم ويكون عارفا بوجوه الترجيح وطرق ~~الاجتهاد وإن جاز أن ينحصر فهم غيره وذلك يقتضي أن يكون ظفره بالحق ابطأ من ~~ظفر غيره ولا يقتضي امتناع وصوله إليه ولو جاز أن يقال إن من المجتهدين من ~~يمتنع عليه ما ذكرنا جاز أن يقال إن من المستدلين بالأدلة من يمتنع عليه ~~الوصول إلى الحق مع كونه مكلفا له غزير العلم الجواب أنه لا يمتنع أن تكون ~~المصلحة لبعض المكلفين العمل على اقوى الأمارات ومصلحة الآخرين العمل على ~~الأمارة التي هي دونها في القوة كما لا يمتنع أن تكون مصلحة بعضهم العمل ~~على النص والعلم ومصلحة البعض الآخر العمل على الظن والأمارة وإذا جاز ذلك ~~أخطر الله سبحانه ما به تقوى الأمارة التي هي أقوى على قلب من مصلحته العمل ~~على اقوى الأمارات وأخطر الأمارة الأضعف على قلب من مصلحته العمل عليها ولم ~~يخطر بباله ما يقوي به الأمارة الأخرى بل يشغله عن ذلك أو عن فهمه ولا يلزم ~~مثل ذلك في الأدلة والشبه لأن الله تعالى لو أخطر ببال المكلف الشبهة وشغله ~~عن الجواب عنها كان قد أغراه بالجهل وأباحه له وذلك قبيح وليس كذلك العمل ~~على اضعف # PageV02P379 # الأمارات والظن لكونها أقوى الأمارات لأن الظن لأضعف الأمارات أنها ~~أقواها غير قبيح لأنه إنما يظن المجتهد ذك بشرط أن لا يكون في وجوه الترجيح ~~إلا ما خطر له كما أن الظن لكون زيد في الدار غير قبيح وإن لم يكن زيد فيها # وإذ قد بينا أنه ما كان يمتنع أن يكون المجتهدون في الفروع على اختلافهم ~~مصيبين فلننظر هل دل الدليل على أنهم مصيبون أو على أن المصيب منهم واحد ~~فقط وإن دل الدليل على أنهم مصيبون فذلك لا يكون إلا بأن يكون الله عز وجل ~~لا يخطر ببال بعضهم الأمارة الأقوى ولا ما ترجح به ويتعبده بما يخطر بباله ~~من الأمارة الضعيفة وإن دل الدليل على ms770 أن المحق واحد فقط فذلك لا يكون إلا ~~مع القول بأن الأمارة الأقوى وما ترجح به لم يذهل عنها وعن النظر فيها أحد ~~من المجتهدين بل جوزها وأضرب المخطئون عن النظر فيها مع تجويزهم أنهم لو ~~نظروا زيادة نظر لظفروا بما يقتضي غالب الظن بأن الأمارة الأقوى غير ما ~~عندهم فيكونون بذلك مخطئين في ترك النظر الزائد وفي الحكم بما اختاروه من ~~الأمارات - صلى الله عليه وسلم - باب في ذكر ما يحتج به للقول بأن الحق في ~~واحد وما يحتج به القول بأن كل مجتهد مصيب - صلى الله عليه وسلم - # أما من قال إن الحق في واحد فله أن يقول إن الله عز وجل إنما كلف الظن ~~لأقوى الأمارات والعمل على ذلك فمتى عدل عن ذلك فقد أخطأ ويحتج لقوله إن ~~الحق في واحد بأشياء # منها قول الله عز وجل {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان} قالوا فلو كانا # PageV02P380 # مصيبين لما خص سليمان بأنه قد فهمه الحكم إذ كان داود قد فهمه من الصواب ~~مثل ما فهم سليمان ولقائل أن يقول ما قال الله عز وجل أنه قد فهمه الصواب ~~فيحتمل أنه فهمه الناسخ ولم يفهم ذلك داود لأنه لم يبلغه وكل واحد منهما ~~مصيب فيما حكم به على أن أكثر ما في الآية أنها دالة على أن داود وسليمان ~~كان مصيبين وليس ذلك بموجب كون المجتهدين في مسألتنا مصيبين # ومنها إجماع السلف فروي عن أبي بكر الصديق أنه قال في الكلالة أقول فيها ~~برأيي فان يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله ~~منه بريئان وقال عبد الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه ~~بريئان وقال عمر بن الخطاب لكاتبه اكتب هذا ما رآه عمر فان يكن صوابا فمن ~~الله وإن يكن خطأ فمن عمر وقال علي عليه السلام في مسألتنا أفتي جماعة من ~~الصحابة بحضرة عمر إن كانوا قد اجتهدوا فقد ms771 أخطأوا وقال ابن عباس رضي الله ~~عنه أما يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا وهذا ~~محمول على المبالغة في التخطئة وليس يعرف لهم مخالف في السلف ولا يجوز ~~تأويلكم ذلك وحمله على المجاز لغير دلالة وليس للمخالف أن يقول إن الحق في ~~هذه المسائل في واحد لأن من يقول كل مجتهد مصيب يجعل هذه المسائل من مسائل ~~الاجتهاد وليس لهم أن يقولوا إن الصحابة جوزت أن تكون قصرت في النظر ولم ~~تبالغ فيه ولهذا جوزوا على الواحد منهم أن يكون مخطئا لأن المخالف يقول في ~~هذه المسائل إن المخالفين فيها مصيبون ولا فصل بينها وبين غيرها من مسائل ~~الاجتهاد ولا يجوز أن يقال في مثل هذه المسألة إنهم لم ينظروا في هذه ~~المسائل وأنهم حكموا فيها بالتنحيت لأنهم كانوا يؤمون إلى أماراتهم ولأنهم ~~كانوا يجوزون التخطئة في هذه المسائل مع علمهم أنها متقولة بالرأي ~~والاجتهاد فدل إطلاق ذلك على أن ما قيل من جهة الرأي قد يدخله الخطأ لأنهم ~~لم يفصلوا بين أن يكون قد قيل بأول خاطر أو قيل # PageV02P381 # باجتهاد وبحث طويل ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله اجر فحكم صلى الله عليه ~~وسلم على بعض المجتهدين بالخطأ # فان قيل المراد بهذه الأخبار خطأ الأشبه قيل لا معنى للأشبه إلا ما ذكرنا ~~في الأمارة الأقوى وما عداه سنبطله فان قالوا المراد به أخطأ نصا لو ظفر به ~~لوجب عليه نقض حكمه قيل إن كان المجتهد قد استقصى طلب النص فلم يمكنه الظفر ~~فهو مصيب عندكم وعند غيركم في الحكم وفي الاجتهاد لأنه لا يلزمه أن يحكم ~~بما لم يبلغه من النصوص ولا سبيل له إلى الوصول إليه وإن لم يستقص النظر ~~فهو مخطيء في الحكم وفي الاجتهاد ولا يستحق عندكم الأجر بل يستحق الذم ولا ~~يسمى من لم يبلغه النص ولم يتمكن منه بأنه مخطيء للنص كما لا يوصف من ms772 لم ~~تبلغه شريعة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد أخطأها فان قالوا معناه أخطأ ~~حكما لو حكم به كان ثوابه أكثر قيل لا يجوز أن يكون عدوله عما ثوابه أكثر ~~إلى ما ثوابه أقل من الشيطان وقد أضاف الصحابة الخطأ في ذلك إلى الشيطان ~~وأيضا فان إطلاق قولنا أخطأ فلان يقتضي العدول عما كلف ومتى لم يرد ذلك ~~فانه يستعمل مقيدا فيقال أخطأ كذا وكذا # فان قالوا كيف يستحق الأجر وقد أخطأ عندكم في الاجتهاد وفي الحكم قيل إنه ~~مصيب فيما فعله من الاجتهاد مخطىء في تركه الزيادة على ما فعله فهو مأجور ~~على ما فعله مغفور له تركه ما ترك من الاجتهاد فان قيل قد أغري إذا بالترك ~~لأنه قد أعلم أنه لا مضرة عليه قيل إنا نذهب إلى أن كل من علم أنه لا مضرة ~~عليه في الفعل فقد أغري به ألا ترى أن من بشره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة لا يخشى ضرر النار فيما يفعله لأنه أعلم أنه إما أن يسقط عنه العقاب ~~بالتوبة وإما بالمغفرة ومع ذلك ليس هو مغرى على أن المجتهد لا يكون مغرى ~~لأنه لا يعرف المرتبة التي إذا انتهى إليها من النظر غفر له # PageV02P382 # تركه للنظر فيما بعد وإنما ذلك شيء يعرفه الله تعالى وحده فجرى ذلك مجرى ~~صغائرنا التي لا يعرفها إلا الله وحده # ولقائل أن يقول إن كل واحد من هذه الأخبار خبر واحد ولم تبلغ من الكثرة ~~إلى حد تصير معه متواترة في المعنى فلم يصح التوصل بها إلى العلم # ومما يمكن أن يحتج به في المسألة هو أن كل مسألة من مسائل الاجتهاد إما ~~أن تكون فيها أمارة هي أقوى من غيرها وإما أن تكون فيها أمارتان متكافئتان ~~فان كان فيها أمارة هي أقوى من غيرها فقد كلف المجتهد الظن لها والحكم بها ~~فمتى عدل عنها فقد أخطأ وإن كان فيها أمارتان متكافئتان فقد كلف الظن ~~لتكافئهما والحكم بالتخيير بين حكميهما فمتى عدل عنهما فقد ms773 أخطأ وإنما قلنا ~~أنه قد كلف الظن لقوة الأمارة القوية أو الظن لتساوي الأمارتين إن جاز ~~تساويهما لأن المجتهد طالب وقد بطل أن يكون طالبا لدلالة فثبت أنه طالب ~~لأمارة إما الأقوى وإما الأضعف ومعلوم أن المجتهد ليس يقصد باجتهاده الظفر ~~بأضعف الأمارات ولا كلف ذلك فصح أنه كلف الظفر بأقواها وهو الذي يقصده # ولقائل أن يقول إنه يقصد الأمارة الأقوى في ظنه ولا يمتنع أن يظن أن هذه ~~الأمارة أقوى من غيرها ليرجحها على غيرها بكثرة وجوه الترجيح ويكون غيرها ~~أرجح من هذه الأمارة بوجوه من الترجيح لم يخطرها الله بباله بل شغله عنها ~~أو شغله عن فهمها إذا سمعها من خصمه فكلف العمل بما ظنه لأنه مصلحته فكان ~~مصيبا في ذلك وأخطر ببال غيره تلك الوجوه وفهمه إياها لأن المصلحة العمل ~~بذلك فكان كل واحد منهما مصيبا فيما صار إليه # ومما احتجوا به قولهم لو كان المجتهدون على اختلافهم مصيبين لم يكن في ~~مناظرة بعضهم لبعض معنى لأن كل واحد منهم يعتقد أن الآخر قد أدى ما كلف ~~وأصاب في فعله فما وجه مناظرته له ونحن نعلم أن كل واحد منهم # PageV02P383 # يناظر صاحبه ليرده عما هو عليه فلو كان مصيبا لما كان له أن يقصد رده عن ~~الصواب يقال لهم إن المجتهدين لا يخلوان إذا تناظرا إما أن يكون أحدهما لم ~~يغلب على ظنه الأمارة الأقوى فهو يريد بمناظرته أن يحصل له بذلك لأنه لم ~~يحكم بشيء فيقال إنه مصيب فيه أو مخطىء وإما أن يكون كل واحد منهما يظن أن ~~أمارته هي أقوى من أمارة غيره فهو يناظر غيره ليريه ذلك لأنه إن كان فرضه ~~غير ما هو عليه فانه إذا بان له أن أمارة من ناظره أقوى من أمارته تغير ~~فرضه وصارت مصلحته بأن يحكم بالأمارة التي بان له قوتها # فان قيل وما فائدة من ناظره في أن يغير فرضه قيل الفائدة أن لا يمتنع أن ~~يكون إذا تغير فرضه ولزمه أن يحكم بالأمارة التي بان ms774 له قوتها كان ثوابه ~~على ذكر أكثر فلهذه الفائدة ما تناظر المجتهدان ولأجل أن هذه الفائدة راجعة ~~إلى زيادة المنافع لم يجب على هذين المجتهدين المناظرة وإنما هما مندوبان ~~إليها # ويمكن أن يحتج في المسألة أيضا فيقال إنه إذا كان في المسألة أمارة هي ~~اقوى من غيرها جرت مع غيرها مجرى الدلالة مع الأمارة فكان العادل عن ~~الأمارة غالطا والجواب إن العدول عن الأمارة القوية خطأ إذا ظفر بها كما أن ~~العدول عن الدلالة إلى الأمارة خطأ إذا ظفر بالدلالة فأما إذا لم يظفر بها ~~ولا بالأمارة القوية فانه لا يكون العدول عنها خطأ # واحتج الذاهبون إلى أن كل مجتهد مصيب بأشياء # منها قول الله تعالى {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} فلو كان ~~أحدهما مخطئا لم يكن الذي قاله عن علم الجواب إنه # PageV02P384 # سبحانه لم يقل إن كلا آتيناه حكما وعلما بما حكم به ويجوز أن يكون آتاه ~~حكما وعلما لوجوه الاجتهاد بطرق الاحكام على أنه ليس يجب إذا كانا قد أصابا ~~أن يكون كل مجتهد مصيبا في هذه الشريعة # ومنها أن الصحابة تصوب بعضها بعضا فيما اختلفت فيه فلو كان بعضهم مخطئا ~~لكان تصويبه كذبا والأمة لا تجتمع على الكذب قالوا تصويب بعضهم بعضا ظاهر ~~كظهور تصويب بعضهم بعضا في الآراء والحروب وكثير من القراآت والجواب إنا لا ~~نسلم لهم ادعاءهم تصويب بعضهم بعضا لا في الفروع ولا في الآراء والحروب ~~وأما القراآت المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجب من تصويب بعضهم ~~بعضا فيها أن يكون بعضهم قد صوب بعضا في غيرها وليس معكم أن كل واحد منهم ~~قال لصاحبه اصبت في قولك وقالوا أيضا قد كان بعضهم يعظم بعضا ولو لم يصوبه ~~لما عظمه فيقال لهم لم زعمتم ان ذلك دليل على التصويب مع جواز أن يكونوا ~~إنما عظم بعضهم بعضا لأن الخطأ في ذلك مغفور أو صغير أو جوزوا ms775 كونه صغيرا ~~فلم يتركوا التعظيم مع التجويز فليس يجب إذا تعلق كثير من الفروع بالفروج ~~والدماء أن يكون كثيرا متى كان خطأ لأنه إذا لم يمتنع أن يكون صوابا مع ~~تعلقه بالفروج فأحرى أن يكون تجويز كونه خطأ مغفورا وليس أن يكون خطأ ~~ولتعلقه بالأمارات يخفف عقابه فيكون صغيرا وإن صدر عن صاحب كبيرة كان ~~متفاضلا بغفرانه فان قيل فان لم يقدموا على التبرىء لتجويزهم كونه صغيرا ~~فقد جوزوا كونه كبيرا وفي ذلك تجويز بعضهم كون بعض صاحب كبيرة قيل ما ~~المانع من تجويزهم ذلك في غير معصوم أليس كان بعضهم يجوز في باطن بعض أن ~~يكون بخلاف ظاهره ما لا يضطر أنه متدين به وليس إذا أجمعت الأمة على أن قتل ~~الخوارج مخالفيهم إما طاعة أو كبيرة يجب أن يجمعوا على أن مسائل الاجتهاد ~~إما طاعة وإما كبيرة # ومنها قولهم لو لم يصوب الصحابة كل المجتهدين لأنكروا قول المخطىء # PageV02P385 # لأنه لا يجوز أن يتركوا إنكار المنكر والجواب إنه إن أريد بالإنكار الذم ~~والتبريء فقد تقدم القول فيه وإن أريد به المنع والتخطئة والمناظرة فكل ذلك ~~قد جرى لأن المنع من الاعتقادات إنما يكون بالمناظرة وقد تناظروا وشهدوا ~~بالتخطئة على ما ذكرنا وقال ابن عباس أما يتقي الله زيد بن ثابت وقال من ~~شاء باهلته وهذا إما أن يكون ذما أو مبالغة في الإنكار وعلمنا باعظامه لزيد ~~يصرف ذلك عن الذم إلى المبالغة في الإنكار وليس لهم حمل ذلك على خطأ نص إن ~~كان أو على تقصير في الاجتهاد لما ذكرناه ولأن أكثر ما في هذا التأويل أن ~~يحتمله الكلام ويحتمل ما قلناه فليس لهم صرفه إلى ما ذكروه إلا لدلالة حتى ~~يتم أنه لم ينكر بعضهم على بعض وقولهم إن ابن عباس إنما قال لزيد ما قال ~~لأن تسمية الجد أبا ليس من مسائل الاجتهاد فباطل لأن ابن عباس لم يخف عليه ~~أن الجد لا يسمى ابا في حقيقة اللغة ولا خفي على زيد أن تسميته ابا مجاز ~~وإنما ms776 ألحقه ابن عباس بابن الابن قياسا وذلك في مسائل الاجتهاد وقد أنكره ~~على مخالفه # ومنها قولهم لو كان الحق واحدا من الأقاويل وما عداه خطأ لكان الله قد ~~كلفنا العدول عن الخطأ إلى ذلك القول الصواب ولوجب أن ينصب لنا دليلا قاطعا ~~عليه لنثق بعدولنا عن الخطأ إلى الصواب ولو كان على الحق دليل قاطع لفسق ~~مخالفه ومنع من أن يفتي به ويحكم به ولمنع العامي من استفتائه ولنقض حكمه ~~به والجواب يقال لهم قد دلنا الله على الحكم الذي كلفناه بدلالة قاطعة وإن ~~لم يدلنا بدلالة قاطعة على أن العلة هي علة الأصل وذلك لأنه عز وجل إنما ~~كلفنا العمل على أولى العلل وأقواها وقد جعل لنا طريقا نقطع معه بأن إحدى ~~العلتين أولى أن يتعلق الحكم بها وأنها موجودة في الأصل والفرع وأنه يلزم ~~العمل بها في الفرع فان قيل ما طريقكم إلى أن الوصف أولى بأن يكون علة من ~~وصف آخر قيل الطريق إلى ذلك هو وجوه الترجيح وذلك أن وجوه الترجيح معقولة ~~محصورة فاذا وجدناها أو أكثرها تختص إحدى العلتين قطعنا على أنها أولى بأن ~~تكون علة الحكم في الأصل من غيرها # PageV02P386 # كما إذا رأينا أمارت الغيم الممطر في بعض الغيوم نحو كونه في الشتاء ~~وكونه كثيفا أغبر قطعنا على أنه أولى بأن يكون ممطرا من غيم ليس هذه سبيله ~~وظننا أن المطر يحصل عنه وليس يبعد أن يكون ظننا بأنه ممطر هو علم بأنه ~~أولى أن يكون ممطرا وكذلك ظننا أن الوصف علة الحكم في الأصل هو علم بأنه ~~أولى أن يكون علة الأصل ولهذا صح أن تدل عليه دلالة قاطعة فان قيل فما مثال ~~ذلك في العلل ووجوه الترجيح التي تقطعون بها على أن الوصف أولى بأن يكون ~~علة قيل مثال ذلك أن يعلم أن أحد الوصفين يثبت الحكم بثبوته في الأصل ~~وينتفي بانتفائه فيه وليس كذلك الآخر أو أن أحدهما له تأثير في الأصول دون ~~الآخر نحو كون البلوغ مؤثرا في رفع الحجر ms777 عن المال ويعلم أن أحد الوصفين ~~مستنبط من أصل مجمع على حكمه والآخر مستنبط من أصل غير مجمع على حكمه ~~والآخر مستنبط من أصل غير مجمع على حكمه أو أن أحدهما طريقة تنبيه النص ~~والآخر مستنبط كل هذه الأشياء معلوم أنها وجوه مقوية ومعلوم ثبوتها في إحدى ~~العلتين فصح أن يكون طريقا إلى القطع بأن الوصف أولى بأن يكون علة وقد يظن ~~حصول بعض وجوه الترجيح في الأمارة فيعلم أنها أولى من غيرها نحو أن نظن أن ~~بعض المخبرين أدين واشد تحرجا بأن يخبرنا غيره بذلك فنظن أنه أحق بأن يكون ~~صادقا ممن لا نظن أنه دين ونظن أن بعض الغيوم على صفة تقتضي المطر كالغبرة ~~والكثافة بخبر رجل ظاهره الصدق فنعلم أنه أولى بأن يكون ممطرا من غيم لا ~~نظن فيه هذه الصفة وهذه الصفات المظنونة لا بد من أن تكون طرقها معلومة أو ~~تستند إلى طرق معلومة وإلا أدى إلى ما لا نهاية له ألا ترى أن الطريق إلى ~~حصول صفة الغيم إذا كان الخبر فالخبر معلوم لنا بالادراك فان قيل فاذا ~~علمتم أن الوصف أولى بأن يكون علة الحكم في الأصل من غيره من الأوصاف فقد ~~علمتم أنه علة لحكم الأصل قيل لا يجب ذلك كما لا يجب ذلك إذا علمنا أن هذا ~~الغيم الكثيف الأغبر أولى بالمطر من غيم رقيق غير أغبر أن نقطع على أنه ~~ممطر بل قد يجوز أن يكون ذلك هو الممطر وهذا غير ممطر فلو قطعنا على أن ~~الغيم الكثيف هو الممطر لنقض # PageV02P387 # ذلك قولنا إنا نعلم أن الأولى أن يكون ممطرا وكما أن الرجل المتين الدين ~~الشديد التحرج أولى بالصدق فيما يخبر به رجل هو دونه في الدين والتحرج ولا ~~يجب من ذلك أن يكون الذي هو أشد تحرجا أصدق لا محالة بل قد يتفق أن يكذب في ~~بعض أخباره ويصدق الذي هو دونه في التحرج وكذلك القول في جميع الأمارات فان ~~قيل أفتقطعون على أن تلك العلة هي علة الحكم ms778 في الفرع قيل نعم لأن معنى ~~قولنا إنها علة حكم الفرع هو أن عند علمنا بوجودها في الفرع يجب علينا أن ~~نحرم الفرع إن كانت علة التحريم أو نبيحه إن كانت علة الإباحة وليس يلزم ~~على هذا أن نعلم أنها علة حكم الأصل لأن عند علمنا بوجودها في الأصل ليس ~~يصير الأصل محرما علينا ولا مباحا لنا بل تحريمه وإباحته يسبقان العلم ~~بوجودها في الأصل ولا يتبعان علمنا بوجودها فيه وليس يمتنع أن يكون علمنا ~~بكونها علة حكم الفرع يستند إلى ظننا أنها علة حكم الأصل لأنه لا يمتنع أن ~~يقف العلم على شرط مظنون كما يقف علمنا بوجوب التحرز من مضرة مخصومة على ~~الظن لنزولها بنا # ويلزم المستدل بهذه الشبهة مثل الذي ألزمنا لأنه يقول إن الأمة إذا ~~اختلفت على قولين فكل فرقة منها مصيبة من حيث نظرت في أمارة صحيحة ولو نظرت ~~في غير أمارة لم تكن مصيبة ولا كان لظنها حكم ولم يدل الله قبل اجتهادها ~~على صحة كل واحدة من الأمارتين وفساد ما عداهما بل ليس على ذلك إلا أمارات ~~فقد اقروا بصحة علتين وفساد ما عداهما ولم تدل دلالة قاطعة على أن كل واحدة ~~منها علة وأن ما عداهما ليس بعلة فان جاز ذلك مع أنه مع فقد الدلالة لا يثق ~~المكلف بالوصول إلى العلة الصحيحة دون الفاسدة فلم لا يجوز ذلك في الأمارة ~~الواحدة فان قالوا قد دلنا الله تعالى على صحة الأمارتين وعلى صحة الحكم ~~بما دلنا به على أن كل مجتهد مصيب قيل الدليل ينبغي أن يتقدم العلم ~~بالمدلول عليه والمجتهدون إنما يعلمون صحة كل واحد من القولين بعد أن يقول ~~بعضهم بأحد القولين ويقول البعض الآخر بالقول الآخر وعلى أنه يلزم أن ~~يعلموا صحة العلتين بعد استقرار الخلاف # PageV02P388 # وفي ذلك كونهما دليلين وخروجهما من كونهما أمارتين فان قالوا ما عدا ~~الأمارتين لو قال به قائل لكان حقا أيضا وليس يجب نصب دلالة على فساده قيل ~~كلامه فيه وليس بحق أليس لم ms779 ينصب الله دلالة على إبطاله ليفصل بينه وبين ما ~~هو أمارة وايضا فقولكم إن ما عدا الأمارتين لو قال به قائل لكان حقا يقتضي ~~أن يقف كونه حقا على قول المجتهد ومعلوم أن قول المجتهد يتبع صحة العلل ~~والأمارات وهي كالطرق إلى كون أقاويلهم حقا ولأجلها حكموا بما حكموا به ~~وقولهم كان على الصواب دلالة قاطعة من القولين لنقض الحكم بما عداه فلم ~~يسوغ الفتوى والحكم به بل كان الإمام لا يولي من يخالفه في الحكم ولمنع ~~العامي من استفتاء من يخالفه ولفسق قائله لا يصح لأنا قد بينا أنه ليس يجب ~~أن يكون هناك دلالة قاطعة إلا على الوجه الذي ذكرنا ولو لزم أن تكون على ~~نفس الحكم دلالة قاطعة تتناوله لما لزم ما ذكروه وأيضا ألا ترى أن كثيرا من ~~المسائل يستدل عليها بالقرآن نحو الترتيب في الوضوء ونفي وجوبه لأن كل فريق ~~يستدل بالآية ففريق يقول إن الفاء للتعقيب وفريق يقول إن الواو لا توجب ~~الترتيب وذلك طريقة العلم ولم يفسق قائله وقد ساغ الفتوى بكل واحد من ~~القولين على أنه ليس كل خطأ دل الدليل عليه فهو فسق بل قد يكون فسقا وقد لا ~~يكون فسقا ولا يمتنع أن يكون القول خطأ من المجتهد صوابا من المقلد بأن ~~يكون مصلحته الأخذ عن المجتهد مخطئا كان أو مصيبا ألا ترى أن المجتهد لو لم ~~يستقص الاجتهاد وأفتاه بأول خاطر أو استقصى الاجتهاد وأفتاه بخلاف ما أدى ~~اجتهاده إليه لكان المجتهد مخطئا والمقلد مصيبا ولم يجب على الله أن يظهر ~~خيانة المجتهد حتى لا يقع المقلد في المفسدة بل قلنا بأجمعنا إن ذلك مفسدة ~~من المفتي وأخذ العامي بما أفتاه غير مفسدة له وكذلك في مسألتنا إذا لم ~~يمتنع أن يكون القول خطأ من المفتي والعمل به غير خطأ من المستفتي لم يجب ~~أن يمنع المفتي من الفتوى لأنه لو وجب أن يمنع # PageV02P389 # منه لم يخل إما أن يجب ذلك لأن قبول المستفتي له مفسدة أو لأن فتوى ms780 ~~المفتي له خطأ والأول باطل لأنا قد بينا أن قبول المستفتي له غير ممتنع أن ~~يكون مصلحة منه والثاني لا يوجب أن يمنع من الفتوى إلا بالمناظرة والإيضاح ~~وأهل الاجتهاد يناظر بعضهم بعضا على أن أحد المجتهدين لو منع العامي من أن ~~يستفتي خصمه لكان خصمه يمنع العامي أن يستفتي غيره ولا يكون العامي بأن ~~يقبل من أحدهما أولى من الآخر فيمتنع عليه أن يستفتي أحدا # فان قيل أجمع المسلمون على أن المخطىء لا يمكن من الدعاء إلى خطابه قيل ~~ليس في هذا إجماع لأن من يقول إن الحق في واحد من الأقاويل لا يمنع مخالفة ~~من الفتوى فان قيل فماذا تعلمون أن العامي لا ينبغي له أن يمتنع من تقليد ~~كل واحد من القولين قيل نعم ذلك بالإجماع لأن الصحابة وأهل الأعصار لا ~~يمنعون العامة من ذلك وأما تولية الإمام مخالفيه فليس فيها إباحة له الحكم ~~بالخطأ لأنه إنما ولاه ليحكم بالحق لأن الطريق إلى الحق ممكن وليس الظاهر ~~من مخالفة أن يحكم بما يخالفه لأنه يجب على الحاكم والمفتي أن يجدد ~~الاجتهاد في كل وقت إذا لم يذكر طريقة الاجتهاد فكيف يظن بمن يجدد الاجتهاد ~~عند حكمه وفتواه أن لا يظفر بالحق مع إمكان طريقة ولا يجب إذا حكم الحاكم ~~بخلاف رأي الإمام أن ينقضه عليه لأنه لا يمتنع أن يكون التزام الخصوم لذلك ~~الحكم ليس بخطأ كما قلناه في التزام العامي لفتوى المفتي وأن يكون نقصه بعد ~~إمضائه مفسدة ولا يجب نقضه كما لا يجب إذا علم الله أن الحاكم حكم بغير ~~اجتهاد أو حكم بخلاف اجتهاده أن يطلعنا الله على ذلك حتى ننقضه أو يبعث ~~الله عز وجل لأنه لا يمتنع أن يكون إمضاؤه وإمضاء الفتوى به للعامي مصلحة ~~وكذلك في مسألتنا والداخل في زرع غيره يقبح منه الدخول فيه ويحسن منه ~~التصرف فيه بالخروج منه فلا يمتنع أن يكون القول خطأ من المجتهد ونقض الحكم ~~به خطأ وإذا لم يمتنع أن يكون التزام الخصوم للحكم ms781 مصلحة لهم وإن كان القول ~~به خطأ لم يجب على الإمام أن يمنع الحاكم من ذلك # PageV02P390 # الحكم لأنه مفسدة للخصوم لأنا قد بينا أن لا يمتنع أن لا يكون مفسدة لهم ~~وإنما يمنع من ذلك الحكم لما يرجع إلى الحاكم وذلك يكون بالمناظرة والتبين # فان قيل ومن أين قلتم أن القول خطأ من المجتهد والعمل به غير خطأ من ~~الخصوم والمستفتي قيل يكفينا أن نعلم أنه لا يجب إذا كان خطأ من المجتهد أن ~~يكون خطأ من الخصوم والمستفتي وأن كونه خطأ من هؤلاء يحتاج إلى دلالة فلا ~~نبينه خطأ منهم إلا لدلالة وعلى المستدل أن يبين أنه خطأ من هؤلاء حتى يتم ~~دلالته وإلا فالذي معه هو أن الصحابة سوغت الفتوى والحكم ولم يمنع بعضها ~~العامي قبول فتوى البعض الآخر ويحتمل أن تكون فعلت ذلك لأنها اعتقدت أن كل ~~مجتهد مصيب ويحتمل أن تكون فعلت ذلك لأن كون القول خطأ من قائله لا يقتضي ~~أن يكون العمل به خطأ ممن قلده فيه فقد سقط أن يكون للخصم فيه دلالة على ~~أنهم اعتقدوا أن كل مجتهد مصيب # فان قالوا فلو كانوا اعتقدوا ما ذكرتم لكانوا قد اعتقدوه عن دلالة فأي ~~دلالة دلت على أن القول خطأ من قائله دون من قلد فيه قيل ليس يجب مطالبتهم ~~بالدلالة وعلى أن ذلك لازم للسائل لأنه يقال لهم وإي دلالة دلتهم على أن كل ~~مجتهد مصيب على أنا نحن قد بينا أنه يحتاج في كون العمل بالقول خطأ من جهة ~~المقلد إلى دلالة وأنه متى لم يجد دلالة على ذلك وجب نفيه كما أنا إذا لم ~~نجد دلالة على قضاء العبادة الفاسدة وجب نفي وجوبه # ويمكن أن يستدل في المسألة فيقال لو كان المجتهد في الفروع مخطئا لأدى ~~إلى أقسام كلها فاسدة وذلك أنه ما كان يخلو إما أن يقطعوا في الجملة على أن ~~المخطىء من المجتهدين مغفور له تقصيره في النظر وإما أن لا يقطعوا على ذلك ~~فان لم يقطعوا على ذلك ms782 فإجماع المجتهدين القائلين بأن على الفروع أمارات ~~يمنع من ذلك لأنهم مجمعون على أن المخطىء من المجتهدين مغفور له ولأن ~~الصحابة ما كان ينكر بعضهم على بعض أقاويلهم في مسائل الاجتهاد # PageV02P391 # إنكار من يجوز أنه من اهل النار وإن كان غفرانه في الجملة مقطوعا لم يخل ~~إما أن يكون المجتهد إذا أخطأ يجوز كونه مخطئا ومخلا بنظر يلزمه فعله أو لا ~~يجوز ذلك فان لم يجوز ذلك لم يصح تكليفه النظر الذي فرط فيه لأنه قاطع على ~~أنه ما فرط في النظر فهو كالعالم ولأنه في حكم الذاهل والذاهل والساهي لا ~~يكلف في حال سهوه وذهوله ولا يستحق عقابا فيقال أنه قد غفر له وإن كان يجوز ~~كونه مخطئا ومخلا النظر فلا يخلو إما أن يعلم أنه في تلك الحال مغفور ~~إخلاله بما أخل به من النظر أو لا يعلم ذلك ومحال أن يعلم ذلك لأن المجتهد ~~لا يميز المرتبة التي إذا انتهى إليها غفر له إخلاله بما بعدها من النظر من ~~المرتبة التي إذا انتهى إليها لم يغفر له إخلاله بما بعدها من النظر وذلك ~~أنه يعلم أنه إن اقتصر على أول النظر لم يغفر له ما بعده وليس مرتبة أولى ~~بذلك من مرتبة ولا يمكن الاشارة إلى ما يتميز به بعض المراتب من بعض مع ~~كونه مجوزا في جميعها كونه مخلا بنظر يلزمه فعله وبعد فلو علم المجتهد أنه ~~مغفور له إخلاله بالنظر لكان ذلك إغراء له بالمعصية لأنه قد أعلم أنه لا ~~ضرر عليه في تركه النظر الزائد مع كونه شاقا عليه فاذا كان تعريف الصغائر ~~عند شيوخكم إغراء بها فكذلك تعريف هذا المجتهد أنه مغفور له وإن كان ~~المجتهد المخطىء إنما يعلم في الجملة ان المخطىء من المجتهدين مغفور له إذا ~~انتهى إلى مرتبة ما من مراتب النظر وأخل بما بعدها ولم يتعين له تلك ~~المرتبة وجوز أن يكون حين أخل بالنظر الزائد ما انتهى إلى المرتبة التي ~~يغفر له إخلاله بما بعدها من النظر لزم ms783 أن يجوزوا كون المجتهدين المخطئين ~~ما انتهوا إلى هذه المرتبة وفي ذلك تجويز كونهم غير مغفور لهم وأنهم من اهل ~~العقاب وإجماع المجتهدين بخلاف ذلك لأنهم يقضون بأن الخطأ في المسائل ~~الواقعة من لدن الصحابة إلى يومنا هذا مغفور عند من قال إن فيها أقاويل خطأ ~~مع معرفة كل فريق ما انتهى إليه مخالفة من المرتبة في النظر وكل مجتهد يعلم ~~من نفسه أنه إن كان مخطئا فهذه حاله وكذلك قولكم فيما يحدث من # PageV02P392 # مسائل الاجتهاد فقد بان أن القول بخطأ المجتهدين يؤدي إلى أقسام كلها ~~فاسدة وفي القول باصابتهم أجمعين خلاص من هذه الوجوه أجمع - صلى الله عليه ~~وسلم - باب القول في الأشبه - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن ممن قال إن كل مجتهد مصيب لما كلف من قال إن في كل مسألة أشبه ~~مطلوبا لو نص الله سبحانه على حكم المسألة لنص عليه فيقال لهم أتريدون ~~بالأشبه الحكم بأقوى الأمارات أو تريدون حكما معينا يجوز أن يكون غير الحكم ~~بالأقوى من الأمارات فان قالوا بالثاني قيل لهم أتقولون إن ذلك الحكم هو ~~مصلحة المجتهد وما عداه مفسدته أو تقولون ليس هو مصلحته أو تقولون هو وغيره ~~مصلحته على البدل فان قالوا ليس هو مصلحته قيل لهم فما وجه طلبه لما ليس هو ~~مصلحته وأيضا فاذا لم يكن مصلحته فكيف قلتم لو نص الله تعالى على الحكم في ~~هذه الحال لنص عليه أيجوز أن ينص على ما ليس بمصلحة وأيضا إذا لم يكن ذلك ~~مصلحة فما مصلحته فان قالوا هو الحكم بأشبه الأمارات صاروا إلى أن الحق هو ~~وإن أرادوا الإشارة إلى حكم آخر لم يمكنهم فان قالوا هو مصلحته قيل لهم ~~أكلفه الله الوصول إليه أو لم يكلفه ذلك فان قالوا ما كلفه الوصول إليه قيل ~~لهم فإذن قد أباحه العدول عن مصلحته إلى المفسدة وذلك لا يجوز في حكمته وإن ~~قالوا قد كلفه الله إصابته قيل لهم فمن لم يصبه إذن فقد أخطأ ما كلف فكيف ~~تقولون ms784 إنه مصيب ما كلف ويجب إذا كلفه الله الوصول إلى ذلك أن يجعل له إليه ~~طريقا إما دلالة وإما أمارة وقد قلنا إنه ليس على اعيان الفروع أدلة لأنها ~~تستند إلى ظنون فبقي أن يكون طريق ذلك هو الأمارة والأمارة ضربان قوية ~~وضعيفة وليس يجوز أن الطريق إلى ذلك هو الأمارة الأضعف لأن المكلف لا يجوز ~~له إذا عرضت له أمارتان إحداهما أقوى من الأخرى أن يعدل عن الأفوى إلى ~~الأضعف فثبت # PageV02P393 # أنه كلف المجتهد الحكم بأقوى الأمارات وجعل الله لنا طريقا إلى أن ~~الأمارة أقوى الأمارات بما نصبه من وجوه الترجيح ولا بد من استناد ذلك إلى ~~علم على ما بينا من قبل فان قالوا مصلحة المجتهد في كل مسألة من مسائل ~~الاجتهاد هو ذلك الحكم وغيره على البدل قيل لهم فاذن الحكم المطلوب في كل ~~مسألة هو التخيير ويجب أن يكون هو المتعبد به وأحد لم يقل بذلك ويجب أن ~~يكون على الحكمين أمارتان مختلفتان وأحد لم يقل بذلك في كل المسائل # فان قالوا نريد بالأشبه الحكم بأشبه الأمارات وأقواها فقد قالوا بالحق ثم ~~يقال لهم فهل كلف الله سبحانه كل مجتهد إصابة ذلك الأشبه أم لم يكلفه ذلك ~~فان قالوا لم يكلفه قيل لهم فلا وجه لطلبه لما لم يكلفه الله إصابته وإن ~~قالوا قد كلفه الله عز وجل ذلك قيل لهم فمن لم يصل إليه فقد أخطأ ما كلف ~~فكيف قلتم كل مجتهد مصيب لما كلف فان قالوا كل أمارات المجتهدين تتساوى في ~~القوة قيل فالحكم فيها إذن هو التخيير فمن قال ليس الحكم هو التخيير فقد ~~أخطأ وأيضا فالأمة مجمعة على انه ليس كل الأمارات متساوية في القوة وذلك أن ~~منهم من يمنع من تساوي الأمارات ومنهم من يجيز ذلك ويقول إن اليسير منها ~~متساوية وباقيها غير متساوية ويدعى أن الأمارات التي صار إليها أقوى من ~~أمارات خصمه وخصمه يقول بل اماراتي أقوى من أمارات من خالفني ولم يقل أحد ~~من المجتهدين أن كل المسائل ms785 فأماراتها متكافئة # واحتج المخالف بأشياء # منها قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن ~~اجتهد فأخطأ فله أجر قالوا فتبين أن في المسائل حكما يجوز أن يصيبه ويخطئه ~~فالجواب إن من الحوادث ما هذه سبيله وهو الحكم بأشبه الأمارات وأقواها فان ~~احتجوا بهذه الأشبه فصحيح وإن احتجوا بغيره # PageV02P394 # قيل لهم ما تنكرون أن يكون ما يجوز أن يصيبه المجتهد ويخطئه هو ما ذكرناه ~~ويقال لهم إن كان الأشبه حكما معينا عند الله سوى الحكم بأشبه الأمارات ~~فذلك لم يكلف الإنسان إصابته عندكم فكيف يكون مخطئا بالعدول عنه ولم ينقص ~~ثوابه إذا لم يظفر بما لم يكلف الظفر به # ومنها قولهم إن المجتهد طالب والطالب لا بد له من مطلوب والجواب أن ~~مطلوبه هو الحكم بأقوى الأمارات فلا يجوز أن يطلب الأشبه الذي لم يجعل له ~~إليه طريق وسبيل على قولكم # ومنها قولهم لو نص الله تعالى على الحكم في المسألة لنص على حكم معين ~~وذلك دليل على ان ذلك الحكم هو الصواب عند الله تعالى والجواب يقال لهم لو ~~نص الله تعالى على الحكم لنص على حكم أشبه الأمارات فيجب أن يكون هو الأشبه ~~فان قالوا لو كانت مصلحتنا حكما معينا ليس هو حكم أشبه الأمارات ثم أراد ~~النص في المسألة أليس ينص عليه قيل بلى فان قالوا فيجب أن يكون الحكم ~~المطلوب الآن هو ذلك الحكم قيل لهم لو كانت مصلحتنا حكما آخر لكلفناه الله ~~ونص عليه وذلك يقتضي إذا لم ينص عليه ولم يكلفنا إياه أن لا يكون هو ~~مصلحتنا وإذا لم يكن الآن مصلحتنا لم يجب أن نطلبه وأيضا كيف تقولون إنه ~~الآن مصلحتنا وأنتم تقولون ما كلفنا إصابته # ومنها قولهم إذا كان المجتهد في القبلة مطلوبة القبلة بعينها وكذلك ~~الطالب لعبده الآبق مطلوبة العبد بعينه فكذلك يجب أن يكون مطلوب المجتهد في ~~الحوادث حكما معينا عند الله والجواب أن ليس مطلوب المجتهد في القبلة ~~القبلة بعينها ولا الجهة التي القبلة فيها ms786 قطعا وكيف يطلب القطع على ذلك من ~~يعلم أنه لا طريق له إلى القطع وإنما مطلوبه الأول أن يظن جهة القبلة بأقوى ~~الأمارات وأشبهها ويتبع هذا المطلوب مطلوب آخر وهو العلم بوجوب الصلاة إلى ~~تلك الجهة ويتبع ذلك فعل الصلاة إلى تلك الجهة وكذلك # PageV02P395 # نقول في الحوادث إن مطلوب المجتهد أن يظن علة الأصل بأقوى الأمارات ويتبع ~~ذلك أن يعلم وجوب إلحاق الفرع بالأصل ويتبع هذا العلم أن يعمل بذلك فان ~~قالوا أليس المجتهد في القبلة يعلم أن القبلة عين من الأعيان يجوز أن تكون ~~في الجهة التي يظن باقوى الأمارات أن القبلة فيها ويجوز أن لا يكون فيها ~~فقولوا إن حكم المسألة هو حكم معين عند الله يجوز أن يكون هو حكم أقوى ~~الأمارات ويجوز أن يكون غيره قيل لهم ولم إذا جاز أن تكون القبلة في غير ~~الجهة التي يطلبها المجتهد فيها جاز أن يكون حكم المسألة غير حكم أشبه ~~الأمارات ويقال لهم الفرق بينهما أن القبلة نفسها ليس هي مطلوب المجتهد ~~الذي كلف الصلاة إليه بعينه فلم يمتنع أن تكون في غير الجهة التي يطلبها ~~فيها بل مطلوبة الذي كلف هو الصلاة إلى الجهة التي يظن القبلة فيها لا إلى ~~القبلة بنفسها ولسنا نمنع أن يكون ما لم يكلف المرء إصابته غير موجود بحيث ~~نظنه وأما حكم الحادثة الذي هو مصلحة المكلف فقد كلف الوصول إليه فلا بد أن ~~يكون ذلك الحكم إما مقتضى دلالة أو مقتضى امارة قوية أو ضعيفة فاذا لم يكن ~~دلالة ولا أمارة ضعيفة مع تمكن المجتهد من القوية فلا بد من كونه مقتضى ~~أمارة قوية والقول بعد ذلك بانه يجوز أن لا يكون ذلك الحكم مقتضى الأمارة ~~القوية مناقضة ظاهرة فان قالوا ذلك الحكم أيضا ما كلف المرء إصابته كما لم ~~يكلف إصابة القبلة قيل قد أفسد ذلك فيما تقدم - صلى الله عليه وسلم - باب ~~الفرق بين مسائل الاجتهاد وما ليس من مسائل الاجتهاد - صلى الله عليه وسلم ~~- # اعلم أن قاضي القضاة ms787 ذكر في العمد أن ما عليه دلالة قاطعة فليس هو من ~~مسائل الاجتهاد والحق في واحد منه لا يحل خلافه سواء كانت تلك الدلالة خفية ~~او جلية ولم يفصل بين الإجماع المبتدأ وبين الإجماع بعد # PageV02P396 # الخلاف والإجماع الصادر عن اجتهاد وحكي عن محمد بن الحسن أنه نقض حكم ~~الحاكم في بيع امهات الأولاد لوقوع الإجماع على ذلك وإن كان بعد الخلاف وعن ~~أبي حنيفة أنه لا ينقض به حكم الحاكم وحكي عن أبي الحسن أن أبا حنيفة لم ~~يخرج هذا الإجماع من كونه حجة ولكنه لا ينقض به حكم الحاكم وكذلك القول في ~~العموم إذا خص بعضه أن ما دخل تحت العموم بعد التخصيص لا يسوغ خلافه # وقال قاضي القضاة إن ما ليس عليه دلالة قاطعة بل عليه أمارة فقط كخبر ~~الواحد والقياس فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده فكل ~~مجتهد فيه مصيب ويحل خلاف بعض المجتهدين لبعض وسواء كان خبر الواحد والقياس ~~مخصصين لعموم الكتاب أو لم يكونا مخصصين له # واعلم أن الفقهاء يعدون من مسائل الاجتهاد ما يستدل عليه بالكتاب كالنية ~~في الوضوء والترتيب وأن الواو للترتيب أو للجمع وأن الفاء للتعقيب وهذه ~~أدلة معلومة وليس فيهم من يسلم أن ظاهر الآية مع مخالفة وأنه عدل عن ذلك ~~لخبر واحد أو قياس فيكون طريق المسألة الأمارات فقط بل كل منهم يقول إن ~~الآية تفيد ما أقوله اللهم إلا ان يقال إن كون الواو للجميع أن للترتيب وأن ~~الفاء للتعقيب في اللغة طريقة الأمارات دون الأدلة وهذا بعيد وإذا ثبت ذلك ~~لم يكن الفرق بين مسائل الاجتهاد وما ليس من مسائل الاجتهاد ما ذكره وينبغي ~~أن يقال إن مسائل الاجتهاد التي لا لوم على المخطىء فيها هي ما اختلف فيه ~~أهل الاجتهاد من الأحكام الشرعية ولا يدخل في ذلك ما ليس من الأحكام ~~الشرعية ولا ما اتفق عليه المسلمون ولا ما خالف فيه من ليس من أهل الاجتهاد ~~وليس يمتنع أن يكون الخطأ في الفروع التي ms788 عليها أمارات إن كان له ثواب أو ~~يتفضل الله بغفرانه وهذا الفصل يصح على قول من قال إن الحق في واحد فأما من ~~قال كل # PageV02P397 # مجتهد مصيب فأنما يفصل بين مسائل الاجتهاد وبين غيرها في إصابة المجتهدين ~~وليس يجوز ان يصيبوا عنده كلهم إذا كان في المسألة دلالة لأن خلاف الدلالة ~~خطأ ويجوز لمن قال إن الحق في واحد أن يقول خلاف الدلالة خطأ وأنه مغفور # وإذ قد ذكرنا أحكام المجتهدين في الفروع فلنذكر أحكام المجتهدين في ~~الاصول وعند الفراغ منه يقع الفراغ من الكتاب إن شاء الله - صلى الله عليه ~~وسلم - باب في أن المجتهدين في الأصول لا يجوز أن يكونوا على تباينهم ~~مصيبين - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن المعتقدين للشيء باعتقادات متنافية لا يجوز كونهم بأجمعهم مصيبين ~~كالمعتقدين أن الله سبحانه يرى في بعض الحالات والمعتقدين أنه لا يرى بحال ~~وقال عبيد الله بن الحسن العنبري إن المجتهدين في الاصول من أهل القبلة ~~كالموحدة والمشبهة وأهل العدل والقدرية مصيبون وينبغي أن نبين معنى قولنا ~~صواب ثم نبين أنه لا يمكن اجتماع الاعتقادات المتنافية فيه فنقول # إن كان الفعل الموصوف بأنه صوب خارجا عن الاعتقادات والظنون والأخبار ~~وكان من أفعال الجوارح وغيرها كالارادات والكراهات فالمراد بذلك أن فاعلة ~~قد أصاب به ما كلف مأخوذ من إصابة الرامي بسهمه الغرض وقال قاضي القضاة ~~المراد بذلك أنه أصاب به فاعله الحسن وإن كان الفعل من حيز الاعتقالات فقد ~~يوصف بأنه صواب ويراد به هذا المعنى ويراد به أيضا أنه أصيب به الحق وأنها ~~تعلقت بالمعتقد والمخبر عنه على ما هما به وإن كان الفعل ظنا فقد يوصف بأنه ~~صواب ويراد به الوجه الأول وقد يراد به أن مظنونه على ما ظنه أي أن الأقرب ~~في مظنونه أنه يكون على ما تناوله # PageV02P398 # الظن سواء وجد مظنونه أو لم يوجد وقد يقال أيضا أخطأ ظن فلان إذا ظن وجود ~~الشيء فلم يوجد ويقال أصاب ظنه إذا وجد مظنونه على حد ما ظنه ms789 فالظن يوصف ~~بأنه صواب على أحد هذه الوجوه الثلاثة # فاذا ثبت ذلك لم يجز كون اعتقاد الرؤية واعتقاد نفيها صوابين على كل هذه ~~الوجوه لأنه إن أراد المخالف بكونهما صوابين أنهما يتناولان الشيء على ما ~~هو به فذلك يقتضي أن يكون البارىء سبحانه يرى في الحالات ولا يرى في شيء من ~~الحالات وذلك يتنافى وكذلك القول في كل اعتقادين ضدين لأنهما إنما يكونان ~~ضدين إذا تعلقا باثبات ونفي يستحيل اجتماعهما وكذلك الخبران عن نفي وإثبات ~~يستحيل اجتماعهما لا يجوز كونهما متناولين للشيء على ما هو به لاستحالة ~~اجتماع الإثبات والنفي المتنافيين وكذلك الخبر بأن العالم قديم والخبر بأنه ~~محدث وغن أراد أن هذين الاعتقادين صوابان على معنى أنهما حسنان أو قد اصيب ~~بهما التكليف لم يجز لأنه إذا كان أحدهما متناولا للشيء لا على ما هو به ~~فهو جهل والجهل قبيح لا يتناوله التكليف والخبر المتناول للشيء لا على ما ~~هو به كذب وقبيح لا يتناوله التكليف واما الظن الصادر عن أمارة مجتهد فهو ~~أبدا صواب لأنه متناول لما الأغلب كونه فهو كذلك كان مظنونه أو لم يكن وأما ~~أنه صواب بمعنى أن فاعله قد أصاب ما كلف فانه إن كان ما قد كلف فعله فهو ~~صواب على هذا المعنى وإن لم يكلف فعله فليس بصواب على هذا المعنى # فان قال المخالف إن الله تعالى كلف أهل القبلة الظن لكونه يرى أو لا يرى ~~واماراتهم هذه الآيات المتشابهة فالظانون لكلا الأمرين مصيبون لما كلفوه من ~~الظن قيل إن المرء إنما كلف الظن إذا تعذر عليه العلم والعلم ها هنا غير ~~متعذر وأيضا فالمخالفون في الرؤية وفي الجبر وفي العدل يدعي كل فريق منهم ~~أنه عالم غير ظان فالقول بأنهم كلفوا الظن خارج عن الإجماع # PageV02P399 # ويلزم السائل تكليف اليهود والنصارى والملحدة الظن وأماراتهم الشبه التي ~~يتعلقون بها ويكونوا مصيبين في ظن النفي والإثبات وهذا محال # PageV02P400 ### | زيادات المعتمد لأبي الحسين البصري أيضا عن النسخة الوحيدة في مكتبة لاله لي بإستانبول # PageV02P401 # بسم الله ms790 الرحمن الرحيم ### | ### | فصل # # إن قيل إذا قلتم إن الأحكام المعلومة بنص الشريعة أو بالاستنباط أحكام ~~شرعية وقلتم أيضا إن الأحكام العقلية إذا لم تنقلها الشرعية هي شرعية ايضا ~~فقد قلتم إن الأحكام كلها شرعية وإذا قلتم ذلك فكيف تقولون إن الأحكام منها ~~عقلية ومنها شرعية الجواب إن وصف الحكم بأنه شرعي يكون على وجهين أحدهما ~~يراد به أنه حصل بنص الشريعة أو بأفعال حاصلة فيها أو باستنباط من ذلك فقط ~~والآخر أنه حصل بذلك أو بإمساك الشريعة عن نقله عن مقتضى العقل فاذا قلنا ~~الأحكام منها عقلية ومنها شرعية فإنا نريد الوجه الأول أي أن منها عقلي ~~وإما مركوز في العقل أو حاصل بدليل عقلي ومنها ما حصل بنص الشريعة أو بفعل ~~أو باستنباط وكل واحد من هذين القسمين مقابل للآخر وإذا قلنا إن أصول الفقه ~~هي طرق الأحكام الشرعية فإنا نريد الوجه الثاني وهو أنها طرق إلى الأحكام ~~الحاصلة بنص الشريعة أو بأفعال أو باستنباط منها أو بإمساك الشريعة عن نقله ~~عن مقتضى العقل فلذلك يجعل الحظر والإباحة إذا لم ينقلنا عنهما الشريعة من ~~أبواب أصول الفقه وطرقه ولولا أن ذلك موصوف بأنه من الأحكام الشرعية ما جاز ~~أن يجعل الطريق إليه من طرق الأحكام الشرعية # والذي يبين ما ذكرناه أن أحدا من الفقهاء لا يمنع من ان نصف أحكام الفروع ~~التي يستدل عليها بالبقاء على حكم العقل بأنها من الأحكام الشرعية وقد يوصف ~~أيضا بأنها عقلية على معنى أنها ثابتة بالعقل فبان أن وصف الحكم بأنه شرعي ~~جاز على الوجهين اللذين ذكرناهما # PageV02P403 ### | ### | ### | فصل # # إن قيل إذا قلتم إن الأحكام الشرعية هي المعلومة بأدلة شرعية من خطاب أو ~~فعل أو استنباط أو المعلومة بإمساك الشريعة عن نقلها عن حكم الأصل فيجب أن ~~يكون وجوب المعرفة شرعيا وطريقة إمساك الشريعة عن نقل وجوبها الثابت بالعقل ~~قيل لا يلزم ذلك لأنا إذا قلنا الحكم الشرعي هو المعلوم بإمساك الشريعة عن ~~نقل حكم العقل لم يلزم عليه وجوب المعرفة لأنه ms791 غير معلوم وجوبها بالشريعة ~~بل لا يصح أن يعلم ذلك بالشرع لأن صحة الشرع مبنية على المعرفة فاذا لم يصح ~~أن نعرف وجوبها بدليل مبتدأ شرعي فأحرى أن لا نعرف ذلك بإمساك الشريعة عن ~~نقله وأيضا فانا لم نذكر ذلك على أنه حد للحكم الشرعي وإنما ذكرناه لنبين ~~أنا أشرنا بقولنا حكم شرعي إلى ذلك ومتى أردنا أن نحد ذلك قلنا الحكم ~~الشرعي هو ما رجع أهل الشريعة في العلم به إلى الشريعة إما بأن يستدلوا ~~عليه بأدلة شرعية مبتدأة أو بإمساك الشريعة عن نقله فكل ما سلك الفقهاء فيه ~~هذا المسلك فهو حكم شرعي وما لم يسلكوا فيه هذا المسلك لا يسمى حكما شرعيا ~~وإن صح أن يستدل بإمساك الشريعة عن نقله وأما وجوب المعرفة فغير لازم لما ~~قلناه أولا # فصل # إن قيل إذا حددتم الظن بأنه تغليب بالقلب لأحد مجوزين ظاهري التجويز ~~والتجويز هو الشك والشك هو خلو الحي من اعتقاد النقيضين والظن لهما مع ~~خطورة بالبال فيجب أن يكون الظان شاكا والشاك غير ظان فالظان إذا غير ظان ~~فان أجبتم عن ذلك فقلتم نريد بالتجويز ههنا اعتقاد إمكان كل واحد من ~~النقيضين قيل لكم فما قولكم فيمن غلب على ظنه أن أحد النقيضين ممكن يجوز أن ~~يغلب على ظنه أن الله لا يستحيل أن يرى أليس # PageV02P404 # هذا ظان وليس هو معتقدا صحة رؤيته ولا أنها غير صحيحة الجواب إن قولنا ~~فلان شاك في النقيضين أو مجوز لكل واحد منهما قد يراد به أنه غير معتقد ولا ~~لواحد منهما ولا ظان وقد يراد بذلك أنه غير قاطع على واحد منهما ولا في حكم ~~القاطع كالجاهل فعلى هذا نصف الظان بأنه شاك وبأنه مجوز لما ظنه ولغيره ~~بمعنى أنه مجوز لكل واحد منهما غير قاطع فصح أن نقول إنه قد غلب بقلبه أحد ~~المجوزين إذ هو مجوز لكل واحد منهما غير قاطع ولا في حكم القاطع ولا فرق ~~بين أن نقول تغليب بالقلب لأحد المجوزين ظاهري التجويز وبين أن ms792 نقول تغليب ~~الحي بالقلب لأحد أمرين غير قاطع على واحد منهما ولا في حكم القاطع - صلى ~~الله عليه وسلم - باب إثبات الحقيقة والمجاز وحدهما - صلى الله عليه وسلم - # الأولى أن نقسم الحقيقة إلى اللغوية والعرفية والشرعية ثم نحد كل واحدة ~~منها وهو أولى من أن نحد الكل بحد عام لأنه يقتضي اضطرابا في الحد فنقول # الحقيقة اللغوية هي ما أفيد به ما وضع له في أصل اللغة والحقيقة العرفية ~~ما أفيد به ما وضع له في أصل العرف والحقيقة الشرعية هي ما أفيد به ما وضع ~~له في أصل الشرع واعلم أنه إذا حد المجاز بأنه ما أفيد به معنى مصطلحا عليه ~~غير المعنى المصطلح عليه في الأصل بطل إذا وضع أهل اللغة إسما لشيء ثم ~~تواضعوا على أن يجعلوه إسما لشيء آخر ولم ينقلوه عن الأول لأنه قد أفيد به ~~غير ما وضع له في الأصل وهو مع ذلك حقيقة فيه من جهة اللغة كما أنه حقيقة ~~في الأول وإنما ينفصل من المجاز بالسبق إلى الأفهام فينبغي أن نحد الحقيقة ~~بذلك ومتى حددناها بذلك على الإطلاق لم يصح أيضا لأجل الحقيقة المشتركة ~~لأنه إذا أفيد باللفظ أحد حقيقتيه لم يسبق إلى الفهم دون # PageV02P405 # الحقيقة الأخرى فينبغي أن نقسم الحقيقة إلى المفردة والمشتركة # فالمفردة هي ما أفيد بها ما هو الأسبق إلى فهم العارفين بالاصطلاح عند ~~سماعها ولا يبطل ذلك باللفظة إذا علم أنه ما عني به الحقيقة وكان لها وجهان ~~في المجاز أحدهما أسبق إلى الفهم من الآخر وأشبه بالحقيقة منه لأنه وجه ~~المجاز الأسبق ليس يسبق إلى الفهم عند سماع اللفظة إلا بعد أن يخرج الحقيقة ~~من ان تكون مرادة فلذلك لم يكن اللفظ حقيقة فيه # وأما الحقيقة المشتركة فهي ما أفيد بها معنى يساويه غيره في السبق إلى ~~الفهم عند سماع أهل الاصطلاح لها وقد دخل في ذلك الحقيقة اللغوية والعرفية ~~والشرعية ولا ينبغي أن نحد الحقيقة المشتركة بأنها ما سبق إلى الفهم معناها ~~أو ما يقوم ms793 مقامه لأن للسائل أن يقول يقوم مقامها في ماذا فان قلنا في ~~كونها حقيقة كنا قد فسرنا اللفظة بنفسها # وأما المجاز فهو ما أفيد به معنى مصطلحا عليه والأسبق إلى الفهم في تلك ~~المواضعة غيره ### | ### | فصل # # إن قيل إذا كانت الحقيقة المفردة هي ما أفيد بها معنى لا يسبق إلى الفهم ~~غيره لم يدخل فيه الأمر لأنه لم يوضع ليفيد غيره عندكم كما يقوله أصحابكم ~~بل هو نفسه الطلب قيل بل يدخل فيه الأمر لأن صيغته جعلها أهل اللغة طلبا ~~ووضعوها له لا على أن يكون إسما له بل على أن يكون نفسها طلبا وإنما يكون ~~الصيغة قد أفيد بها الطلب إذا قارنها من النفس ما يطابقها وهو الارادة وما ~~يجري مجراها كما يكون اللفظة مفادا بها ما وضعت له إذا قارنها من المتكلم ~~بها إرادة ما وضعت له وما يجري مجراها نحو المبتدأ والخبر فقد أمكن ذلك في ~~الأمر كما أمكن في الخبر # PageV02P406 ### | ### | ### | فصل # # إن قيل إذا قلتم إن موافقة الأمر هي فعل مأموره ومخالفته هي الإخلال ~~بمأموره لزمكم إذا كانت موافقة الأمر بالنوافل هي فعل مأمورة أن تكون ~~مخالفته هي الإخلال بمامورة فيكون التارك للنافلة مخالفا لأمر الله بها ~~فيكون داخلا تحت الوعيد في قوله {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} فالجواب إن ~~الأمر بالنوافل هو في تقدير قول القائل لغيره الأولى أن تفعل ولك أن لا ~~تفعل وهذا يتضمن معنيين فموافقته هي شيئان لا شيء واحد فاذا ليس موافقته هي ~~أن تفعل فقط بل موافقته هي أن تفعل ويجوز أن تفعل فينبغي أن يكون مخالفته ~~هي أن لا تفعل مع أنه لا يجوز أن تفعل أو أن تفعل مع أنه لا يجوز أن لا ~~تفعل وأما قول القائل افعل إذا لم تدل دلالة على جواز ترك الفعل فليس في ~~ظاهره إلا أن تفعل وإذا كان ظاهره استدعاء الفعل فقط ولا يتضمن لفظه شيئا ~~آخر فموافقته هو أن تفعل لا غير فكانت مخالفته نقيض أن تفعل وهو ms794 الإخلال ~~بالفعل # فصل # ليس يمتنع أن يقال إن المخل بالكفارات الثلاث إذا استحق العقاب على ~~الإخلال بأجمعها فانه لا يكون ذلك العقاب هو عقاب واحد منها بل عقاب يعلم ~~الله قدره لا ينسب إلى واحد منها ولا يمتنع أن يقال هو عقاب أقلها عقابا ~~بأن يكون بعضها أكثر مشقة فيستحق على الإخلال به عقابا لو انفرد وجوبه على ~~ما ذكرناه في المعتمد # فصل # إذا ناب أحد الفعلين منا الآخر في المصلحة لم يجز أن يوجب الحكيم # PageV02P407 # أحدهما بعينه لأنه يكون قد فصل بينهما في الوجوب مع اشتراكهما في وجهه ~~ولا أن يوجبهما على الجمع لأنه ليس في الجمع وجه وجوب لا يحصل بأحدهما ولا ~~أن لا يوجب ولا واحدا منهما لأن في ذلك تفويت المصلحة فلم يبق إلا أن ~~يوجبها على البدل ### | فصل في الفور # إذا استدل أصحاب الفور بالقسمة فقالوا إن جاز تأخير المأمور به عن الزمان ~~الثاني لم يخل إما أن يجوز تأخيره إلى غاية أو لا إلى غاية وجواز ذلك لا ~~إلى غاية بلا بدل يلحفه بالنوافل وجواز ذلك إلى بدل لا يصح لأنه لا دليل ~~على إثبات بدل ونفي البدل يقتضي وجوب الفور وتعيين الوجوب بالثاني قيل لهم ~~ولا دليل على تعيين الوجوب بالثاني ونفي ذلك يقتضي إثبات بدل على ما قد ذكر ~~في ذلك فان قالوا تعيين الوجوب بالثاني لازم لنفي البدل قيل لهم وإثبات ~~البدل لازم لنفي تعيين الوجوب بالثاني فلستم بأن تنفوا البدل لفقد الدليل ~~عليه وتعينوا الوجوب بالثاني تبعا لذلك بأولى من أن ننفي تعيين الوجوب ~~بالثاني لفقد الدليل على ذلك ونثبت البدل تبعا لذلك فان قالوا تعيين الوجوب ~~بالثاني واجب لأن صيغة الأمر تقتضيه كما يقتضي الإيقاعات الحكام في الثاني ~~قيل لهم هذا عدول عن دليل القسمة إلى دليل آخر وأنتم في دليل القسمة إنما ~~عنيتم الوجوب بالثاني بعد إبطال البدل واقتصرتم في إبطال البدل على انه لا ~~دليل عليه فعارضناكم بما ذكرناه فان قالوا إنما نفينا البدل لأنه لا ذكر ms795 له ~~في لفظ الأمر قيل لهم ولا ذكر لتعيين الوقت في لفظ الأمر فلستم بنفي أحدهما ~~لأنه ليس في لفظ الأمر ذكر له بأولى من أن ننفي ما أبيتموه من تعيين الوجوب ~~بالثاني لأنه لا ذكر له في لفظ الأمر لنثبت ما نفيتموه من البدل # PageV02P408 ### | فصل في الفور ايضا # إن قيل هلا جاز أن يقوم العزم مقام المعزوم عليه في إسقاط الفرض في وقت ~~دون وقت كما قام المسح على الخفين مقام غسل الرجلين في المصلحة وفي استباحة ~~الصلاة يوما وليلة دون ما زاد على ذلك للمقيم قيل إن مسح الخفين عبادة ~~مبتدأة وليس بدلا من غسل الرجلين كما يكون أحد الواجبين بدلا من الواجب ~~الآخر لأن اللابس للخفين لا يلزمه غسل الرجلين في تلك الحال وإنما يلزم ذلك ~~إذا تغيرت الحال بقلع الخف وإذا لم يمتنع ذلك فما ينكر السائل أن يكون ~~المسح على الخفين عبادة مبتدأة يستباح بها الصلاة ومن المصلحة أن يستباح ~~بها يوما وليلة فقط فلم يقل إن كل واحد منهما قد قام مقام الآخر في الوجوب ~~ووجه المصلحة ومع ذلك لم يجز المسح على الخفين مجرى غسل الرجلين في استباحة ~~الصلاة به استباحة غير مقدرة ### | فصل في النهي # إذا أمكن المنهي أن لا يفعل المنهى عنه من غير أن يفعل ضدا من أضداده لم ~~يكن النهي إيجابا لشيء من أضداد المنهى عنه نحو أن ينهى المستلقي على ظهره ~~عن القيام فانه يمكنه أن لا يفعل القيام ولا يفعل ضدا من أضداده ### | فصل في النهي عن البدل # إذا أمكن المكلف الانفكاك من فعلين وتوجه النهي إليهما وكان نهيا عن ~~البدل فذلك بأن يقال له لا تفعل هذا بدلا من ذلك ولا ذاك بدلا من هذا أي لا ~~تكون فاعلا لأحدهما تاركا للآخر وقد قلنا في المعتمد إن هذا هو إيجاب للجمع ~~بينهما فيحسن ذلك إذا أمكن الجمع ولم يكن الإنسان ملجأ إليه وينبغي أن يقال ~~إنه قد يقتضي ذلك ويقتضي أن لا يفعل ولا واحدا منهما ms796 لأنه إذا تركهما فما ~~فعل أحدهما وترك الآخر كما لو فعلهما جميعا # PageV02P409 ### | فصل في دلالة النهي على الفساد # قالوا النهي نقيض الأمر والأمر يدل على إجزاء المأمور بع فيجب أن يدل ~~النهي على نفي إجزاء المنهى عنه ونفي إجزاء الفعل هو فساده أجاب قاضي ~~القضاة بأن الأمر لا يدل على الإجزاء لأنه يفسر الإجزاء بنفي وجوب القضاء ~~وقد تقدم القول في ذلك ونحن نفسر الإجزاء بغير ذلك ونقول إن الأمر يدل على ~~إجزاء المأمور به على التفسير الذي ذكرناه وقد أجبنا في المعتمد عن الدلالة ~~فقلنا إذا كان النهي هو نقيض الأمر فيجب أن لا يدل على ما يدل عليه الأمر ~~من الإجزاء والمخالف لا يقول إن النهي يدل على إجزاء المنهى عنه وإن قال إن ~~المجزىء عنه قد يكون مجزئا # ولمعترض أن يعترض ذلك فيقول ليس يكفي أن لا يدل نقيض الشيء على ما يدل ~~عليه الشيء بل يجب أن يدل على نقيض ما دل عليه الشيء ألا ترى أن قولنا زيد ~~ليس بأبيض لما كان نقيض قولنا زيد أبيض دل على نقيض ما يدل عليه قولنا زيد ~~ابيض فقد دل على نفي مدلول قولنا زيد أبيض والجواب عن الدلالة أن الأمر هو ~~استدعاء إلى الفعل ويقتضي أن يفعل لا محالة فاذا كان النهي نقيضه فيجب أن ~~يكون استدعاء إلى الإخلال بالفعل ويقتضي أن لا يفعل لا محالة فقد قلنا إن ~~مدلول أحدهما هو نقيض مدلول آخر وأما إجزاء المأمور به فانه يعلم بنظر آخر ~~على ما ذكر # فان قيل فاذا تبع مدلول الأمر الإجزاء فيجب أن يتبع مدلول نقيض الأمر ~~نقيض ما يتبع مدلول الأمر وهو نفي الإجزاء وهذا هو الفساد قيل لا يجب ذلك ~~لأن التابع لاقتضاء الأمر لإيقاع الفعل لا محالة وهو إجزاؤه وهو سقوط ~~التعبد به وهذا بعينه هو تابع لاقتضاء النهي للإخلال بالفعل لا نقيضه وذلك ~~لأن النهي إما أن يكون نهيا عن مجرد الفعل أو يكون نهيا عن إيقاع عبادة على ~~وجه فالأول ms797 هو أن يقال للمكلف لا تدخل الدار فمتى لم يدخلها فقد أجزأه ذلك ~~في سقوط التعبد بالإخلال بذلك في ذلك الوقت # PageV02P410 # وفعل الدخول يكون فاسدا ولا معنى لفساده إلا أنه قبيح محرم وأما الثاني ~~فهو أن يقال للمكلف لا تصل عريانا فاذا لم يصل عريانا أجزأه في إسقاط ~~التعبد به في ذلك الوقت كما قيل له صل على طهارة فصلى على طهارة فانه يجزئه ~~ما فعله في إسقاط التعبد به فقد تبع مدلول كل واحد منهما ما تبع مدلول ~~الآخر قيل أليس إذا قيل للمكلف صل بطهارة مع أن الأمر على الوجوب فانه يتبع ~~مدلول هذا الأمر أنه إذا خالف فصلى على غير طهارة كان ما فعله فاسدا غير ~~مجزىء فيجب إذا قيل له لا تصل عريانا فخالف وصلى عريانا أن يكون ذلك فاسدا ~~غير مجزىء قيل فقد أوجبتم أن يتبع مدلول النهي ما يتبع مدلول الآخر وهو ~~الفساد ونفي الإجزاء وأنتم أوجبتم أن يكون التابع لأحدهما نقيض ما تبع ~~الآخر ولم توجبوا أن يكون أحد التابعين هو التابع للآخر فما ذكرتموه الآن ~~غير داخل في العقد الذي ذكرتموه بل هو ضده فإن تركوا ما قالوه وقالوا إذا ~~كان النهي نقيض الأمر فيجب أن يكون ما يتبع مدلول أحدهما هو ما يتبع مدلول ~~الآخر قيل لهم هذه دعوى منكم تخالفون فيها ونحن وإن لم نوجب أن يكون التابع ~~لأحدهما هو نقيض ما يتبع الاخر فإنا لا نوجب أن يكون مثله بل ذلك موقوف على ~~الدلالة وليس يجوز أن يكون كون النهي والأمر نقيضين يقتضي تساوي ما يتبع ~~مدلولهما ### | فصل في العموم # إن قيل ما تنكرون أن يكون قبيلة من العرب وضعوا للاستغراق وحده لفظ كل أو ~~غيره ثم وضعته قبيلة أخرى للبعض فلم تترك العرب أن تضع للاستغراق لفظا يخصه ~~ومع ذلك فالإشراك حاصل قيل لو كان كذلك لكان حقيقة قولنا كل عند تلك ~~القبيلة للبعض لا غير وأن يسبق إلى إفهامنا عند سماع قولنا كل البعض ومعلوم ~~أن ذلك ms798 لا يحصل في قبيلة من القبائل كما لا يسبق إلى فهم أحد عند سماع اسم ~~الأسد الرجل الشجاع إذا # PageV02P411 # تجرد اللفظ وأيضا فكيف اتفق في ألفاظ العموم كلها على كثرتها أن يحصل في ~~كل واحد منها الإشراك ولا يخلص واحد منها للاستغراق ويضعون لكل معنى اسما ~~يخصه ولا يضعون إسما للاستغراق إلا ويضعونه لنقيض الاستغراق وأيضا فكان يجب ~~في القبيلة التي وضعت قولها كل للبعض أن يضعوا للاستغراق لفظا آخر ليعبروا ~~به عن الاستغراق فان قالوا قد وضعوا له لفظة جميع ووضعته القبيلة الأخرى ~~للبعض قيل كيف اتفق في جميع ألفاظ العموم أن بعضهم وضعها للعموم وبعضها ~~للخصوص ولم يخلص للاستغراق واحد منها وايضا فما ذكرناه من شدة الحاجة إلى ~~وضع اسم للاستغراق يقتضي إذا وقع الاشتراك في ألفاظ العموم لأجل وضع ~~قبيلتين أن يضعوا للاستغراق لفظا آخر يخصه لشدة حاجتهم إلى ذلك ### | فصل في الاستثناء من الاستثناء # قد قيل لو رجع الاستثناء الثاني إلى الاستثناء الأول وإلى المستثنى منه ~~لكان إيجابا وسلبا واعترض ذلك بأنه لا يمتنع ذلك إذا تعلق بكلامين وإنما ~~يمتنع إذا تعلق بكلام واحد والجواب إنه لو رجع الاستثناء الثاني إليهما ~~لكان إيجابا وسلبا من المستثنى منه لأنه إذا قال القائل لزيد عندي عشرة ~~دراهم إلا درهمين إلا درهم ورجع قوله إلا درهم إلى العشرة وهي إيجاب لنفى ~~منها درهما آخر ورجع مع ذلك إلى الدرهمين وهي نفي لكان قد أوجب الدرهم كأنه ~~قال إلا درهمين إلا درهم من الدرهمين فانه علي فيكون قد أثبت الدرهم في ~~العشرة وقد نفاه حين رجع إلى العشرة فيكون قد نفى عن العشرة درهما سوى ~~الدرهمين واثبته فيها معا فقد بان أنه يلزم أن يكون الاستثناء الثاني نفيا ~~وإثباتا من العشرة فهو إذا نفي وإثبات من كلام واحد # PageV02P412 ### | الأفعال من باب قسمة الأفعال # قد حد القبيح بأنه فعل على صفة لها تأثير في استحقاق الذم فان قيل ~~الصغيرة قبيحة وليست على صفة لها تأثير في استحقاق الذم قيل بل لها ms799 صفة لها ~~تأثير في استحقاق الذم ألا ترى أنه لو لم يكن فاعلها يستحق من المدح أكثر ~~من ذمها لأثرت الصفة في استحقاق الذم فان قيل أليس مع استحقاقه لمدح أكثر ~~من ذمها لا يؤثر في استحقاق الذم فقد انتقض الحد قيل قولنا لها تأثير في ~~استحقاق الذم لا يقتضي أن يؤثر في ذلك في كل حال وعلى كل وجه وسيما في عرف ~~الفقهاء والمتكلمين في أصول الفقه لأنهم يتعارضون من قولهم لكذا تأثير في ~~كذا أنه يؤثر فيه وإن كان يؤثر في بعض الحالات وإذا قلنا لليسار تأثير في ~~إزالة الهم لم ينتقض ذلك في عرف كل الناس بأن يؤخذ اليسار في بعض الحالات ~~ولا يزول الهم لما كان في بعض الحالات مؤثرا في إزالة الهم فما ذكرناه جار ~~في عرف الفقهاء وغيرهم # وإذا أردنا حسم هذا السؤال قلنا في الحد القبيح فعل على صفة لكونه عليها ~~تأثير في استحقاق الذم على بعض الوجوه أو ما لم يمنع من ذمه مانع أو قلنا ~~فعل له تأثير في استحقاق الذم على بعض الوجوه أو ما لم يمنع من ذمه مانع ~~ولا نذكر الصفة وإذا قيدنا الحد بذلك قلنا في حد الحسن إنه فعل لا تأثير له ~~في استحقاق فاعله الذم على وجه من الوجوه أو من غير مانع وكذلك نريد في حد ~~الواجب إذا حددناه باستحقاق الذم على الإخلال به فنقول هو الفعل الذي ~~للإخلال به تأثير في استحقاق الذم على بعض الوجوه أو ما لم يمنع من ذمه ~~مانع ### | فصل # الأولى في قسمة الأسباب ان يقال الأسباب الشرعية ضربان احدهما يعلم ثبوته ~~وكونه سببا بالشرع وذلك كفساد الصلاة فانا بالشرع نعلم ثبوته ونعلم # PageV02P413 # بالشرع كونه سببا لوجوب القضاء والآخر يعلم ثبوته لا بالشرع ويعلم بالشرع ~~كونه سببا وذلك حؤول الحول فانا نعلم بغير الشرع وجوده ونعلم بالشرع كونه ~~سببا لوجوب إخراج الزكاة وغذا ذكرنا القسمة كذلك كنا قد جعلنا العلم في ~~مقابلة العلم وهذا مرادنا في الكتاب - صلى الله ms800 عليه وسلم - من باب التأسي ~~- صلى الله عليه وسلم - # اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في فعله يستفاد من مطلق المشاركة في صورة ~~الفعل على الوجه الذي فعله وان التبع له فعله لأنه فعله فان قيدت المتابعة ~~بصورة الفعل فقيل اتبع زيد عمرا في صورة الفعل لم يفد إلا المشاركة في ~~الصورة - صلى الله عليه وسلم - باب في أن السمع لا يقتضي على الإطلاق وجوب ~~مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنا ذكرنا في الباب فقلنا أما من قال بأن أفعاله أدلة باعتبار الوجه ~~فانه إن علم الطريقة التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الفعل ~~عقلية كانت أو سمعية فهو يرجع إليها في الاستدلال وإن لم يعرف الطريقة ~~فضربان أحدهما يكون فعله بيانا لمجمل والآخر لا يكون بيانا لمجمل فان كان ~~بيانا لمجمل فذلك المجمل هو دال على الوجوب أو الندب أو الإباحة # ولمعترض أن يعترض هذه القسمة فيقول إذا علم المكلف أن فعل النبي بيان ~~لمجمل واستدل بالمجمل على الوجوب فقد عرف الطريقة التي رجع إليها النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الوجوب فهو داخل في القسم الأول والجواب أنا لم نقل فان ~~علم المكلف أن فعل النبي بيان لمجمل وإنما قلنا فان كان فعله بيانا لمجمل ~~وقد يكون فعله بيانا لمجمل ولا يكون العلم بذلك قد تقدم للمكلف فيحتاج أن ~~ينظر ويتأمل ليعرف الوجه الذي أوقع النبي صلى الله عليه وسلم الفعل عليه ~~ومن جملة ما يتأمله أن ينظر هل في الشرع مجمل هذا بيانه ليعرف # PageV02P414 # بالمجمل الوجه الذي أوقع النبي صلى الله عليه وسلم الفعل عليه فاذا عرف ~~ذلك اكتفي بالمجمل في الاستدلال على الوجوب في الجملة وعلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أوقع الفعل عليه # وإذا أردنا حسم هذا السؤال فالأولى أن نقول في القسمة إما أن يعلم المكلف ~~قبل أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الفعل أو معه أو بعده الطريقة التي ~~صار إليها ms801 في العلم بالحكم عقلية كانت أو سمعية مجملة كانت أو مفصلة فرجع ~~إليها في العلم بالحكم وإما أن لا يعلم المكلف ذلك فيجب أن يستدل بوجه آخر ~~على الوجه الذي أوقع النبي صلى الله عليه وسلم الفعل عليه فان علم أنه ~~أوقعه على الوجوب دل ذلك على وجوب مثله عليه وإن علم أنه أوقعه على الندب ~~دل على أنه مندوب إلى مثله وإن علم أنه أوقعه مستبيحا له دل على أنه مباح ~~منه # استدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب بقول الله عز وجل ~~{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} ~~قالوا وقوله {يرجو الله واليوم الآخر} تهديدا واجيب عن ذلك بأن قوله عز وجل ~~{لكم} ليس من ألفاظ الوجوب ولو أراد الوجوب لقال {عليكم} واعترضنا ذلك بانه ~~لا يصح الاستدلال بذلك على نفي الوجوب لأن معنى قول القائل لنا أن نفعل كذا ~~هو أنه لا حظر علينا في فعله والواجب لا حظر علينا في فعله # فان قيل إن المجيب لم يستدل بالآية على نفي وجوب أفعال النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله إن لفظة لكم ليس من ألفاظ الوجوب وإنما دفع الاستدلال ~~بالآية على وجوب أفعاله فقال لفظة لكم ليست من ألفاظ الوجوب فلا يجوز أن ~~يقال له إن الواجب لنا فعله لأنه لم يقل إن # PageV02P415 # الواجب لا يكون لنا فعله وإنما قال إن لفظة لكم لا يختص الوجوب بل يستعمل ~~في الواجب وفي غيره فليس في ذكرها إثبات للوجوب قيل بل إنما أورد المجيب ~~هذا الكلام على جهة الاستدلال منه على نفي الوجوب لا على أن يدفع استدلال ~~خصمه لأن خصمه لم يستدل على وجوب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم بقول الله ~~عز وجل {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فيقال له لفظة لكك لا يختص ~~الوجوب وإنما استدل بقوله {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} قال وهذا تهديد ~~فما أورده المجيب إن لم ms802 يكن ابتداء استدلال منه بالآية من حيث أنه لا يقال ~~لكم فيما هو واجب فليس هو يدفع لاستدلال المستدل بالآية وينبغي أن يقول لمن ~~تكلم على الآية بقوله إن لفظة لكم ليس من ألفاظ الوجوب إن أوردت ذلك دفعا ~~لاستدلال المستدل بالآية فالمستدل بالآية لم يقل إن قول الله عز وجل {لكم} ~~من ألفاظ الوجوب وإن أوردت ذلك استدلالا منك على أن أفعال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليست على الوجوب لم يصح ذلك لما بيناه في الكتاب - صلى الله عليه ~~وسلم - باب فيما تدل عليه أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتروكه المتعلقة ~~بغيره - صلى الله عليه وسلم - # قد قلنا أما أفعاله المتعلقة بغيره فهي الحدود والقضاء على الغير ثم قلنا ~~وقضاؤه على الغير وإن كان من قبيل الأقوال فانه يقتضي لزوم ما قضي به # ولقائل أن يقول لم أدخلتم القضاء في جملة الأفعال مع أنه قول وأنتم إنما ~~تتكلمون في أبواب الأفعال في الأفعال التي هي أفعال الجوارح والجواب إنما ~~تكلمنا في القضاء ههنا لأنه كأفعال الجوارح بالغير ولم يجز ذكره فيما قبل ~~فذكرناه ههنا لمشابهته للأفعال المتعلقة بالغير # PageV02P416 # وإذا أردنا حسم هذا الاعتراض قلنا في القسمة إن ما يسند إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم مما يتعلق بغيره أفعال وتروك والأفعال ضربان أفعال هي أقوال ~~وأفعال ليست أقوالا والأفعال المتعدية إلى الغير منها قضاء على غير ومنها ~~ما ليس بقضاء على غير والأفعال التي ليست أقوالا هي الحدود والتعزيز وإنما ~~قسمنا الأفعال إلى أقوال وإلى غير أقوال لأن الفعل إذا أطلق أو جعل في ~~مقابلة الترك أفاد كل ما يفعله الفاعل من قول وغير قول وإذا جعل في مقابلة ~~الفعل قول لم يدخل القول تحت الفعل # PageV02P417 ### | الكلام في الناسخ والمنسوخ # - صلى الله عليه وسلم - باب في حقيقة الناسخ - صلى الله عليه وسلم - # قد حد أصحابنا الطريق الناسخ بأنه ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص ~~غير ثابت على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه وقلنا ms803 يلزم على هذا أن ~~يكون العجز المزيل لمثل الحكم الذي كان ثابتا على المكلف ناسخا لأنه قد دل ~~على أن مثل الحكم الثابت بالنص غير ثابت على وجه لولاه لكان ثابتا مع ~~تراخيه عنه فان قيل إن الدال على أن مثل الحكم غير ثابت هو دليل العقل ~~الدال على أنه لا تكليف مع العجز وهذا الدليل متقدم على الدليل الدال على ~~وجوب العبادة غير متراخ عنه قلنا هذا يوجب أن لا يوصف فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم بضد ما أمرنا به بأنه دليل ما نسخ عنا العبادة المأمور بها لأنه ~~إنما يكون ناسخا عنا لأجل ما تقدم من الدليل على أنا إذا علمنا الوجه الذي ~~أوقع النبي صلى الله عليه وسلم فعله عليه كان حكمنا فيه حكمه من وجوب أو ~~نفل أو إباحة وقد قال أصحابنا بأن فعله يكون دليلا ناسخا عنا العبادة وإن ~~كان دليل اتباعنا أياه فيه متقدما فكذلك يلزم أن يقال في العجز الطاريء على ~~المكلف وعلى أن الدليل العقلي الدال على أن العبادة ترتفع بالعجز وهو ~~كالدليل العقلي الدال على وجوب المصير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكما لم يمنع أن يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم هو الناسخ إذا ورد برفع ~~العبادة فكذلك لا يمتنع أن يكون العجز هو الناسخ وإن كنا علمنا بالعقل أن ~~العجز ترتفع معه العبادة # PageV02P418 # فان قيل قول الله عز وجل {فاتقوا الله ما استطعتم} وقوله {لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها} يجري مجرى أن يأمرنا بعبادة عبادة ويشرطها بالاستطاعة ولو ~~فعل ذلك لم يكن وجود العجز نسخا لأنه قد علق العبادة بشرط معلوم مفصل ~~والخطاب المقيد بهذا الشرط غير متأخر فلم يكن نسخا كتعليق العبادة بغاية ~~مفصلة مثل قوله {ثم أتموا الصيام إلى الليل} انه لا يكون وجود الليل ناسخا ~~ولا قوله {إلى الليل} ناسخا للصوم في الليل قيل أليس لو لم يقل الله عز وجل ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} ولا قال {لا يكلف الله نفسا ms804 إلا وسعها} لكان وجود ~~العجز دالا على أن مثل حكم العبادة غير ثابت في ذلك الوقت ولا يكون ذلك ~~ناسخا لأن النسخ لا يثبت بعد انقطاع الوحي والعجز قد يطرأ على المكلفين بعد ~~موت النبي صلى الله عليه وسلم فقد وجد الحد في هذا الموضع والمحدود ليس ~~بحاصل ولا شبهة في أن العجز والموت قد طرءا على بعض المكلفين قبل نزول ~~هاتين الآيتين فزال مثل الحكم الثابت بالنص ولم يكن ذلك ناسخا وقد قلنا في ~~الكتاب إنه يلزم على الحد المذكور أن تكون الأمة إذا اختلفت في المسألة على ~~قولين وسوغت للعامي الأخذ بايهما شاء وأجازت للمجتهد أن يقول بأيهما شاء ~~إذا أدى اجتهاده إليه أو قالت إن أخذ بالخطأ منهما لم يكن ملوما على قول من ~~قال إن الحق في واحد ثم اجمعت على أحد القولين فلم يسع للعامي الأخذ بما ~~كان يسوغ له الأخذ به وهو القول الآخر ولا كان للمجتهد أن يصير إليه ان ~~يكون إجماعهم ناسخا لأنه دال على أن مثل الثابت بنصهم غير ثابت على وجه ~~لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه # إن قيل أهل الاجتهاد من الأمة إذا اختلفت على قولين فانها لم تنص على ~~جواز الأخذ بكل واحد منهما للعامي وللمجتهد قيل كيف لم تنص على ذلك # PageV02P419 # وقد صرحت به في كتبها واستدلت عليه فان قيل ليس معكم أن كل واحد من أهل ~~الاجتهاد قد قال بذلك نصا وأنه لم ينص عليه بعضهم ولم ينكره الباقون قيل قد ~~صار الحكم ثابتا بالنص من بعضهم مع علم الباقين وذلك لا يمنع من كونه ثابتا ~~بالنص وإن كان ثابتا مع غيره ثم يقال للسائل اليس لو نص كل واحد من الأمة ~~على جواز تقليد العامي لكل واحد من القولين ثم أجمعوا على أحدهما فحرم ~~الأخذ بالقول الآخر لم يكن ذاك نسخا لأن النسخ لا يكون بعد انقطاع الوحي ~~فبطل أن يقتصر في الحد على ما ذكر لأنه لو اقتصر عليه لوجب لو وجد أن يكون ms805 ~~المحدود قد وجد كما أن من حد الجهل بأنه اعتقاد الشيء لا على ما هو به ~~وفرضنا أنه لا وجود للجهل فانه يلزمه لو وجد ما هو اعتقاد الشيء لا على ما ~~هو به أن يكون قد وجد الجهل ولو قال لا يكون الجهل موجودا وإن وجد الاعتقاد ~~للشيء لا على ما هو به لزمه أن لا يكون هذا حد للجهل فكذلك إذا قال الدليل ~~الناسخ هو ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص غير ثابت على وجه لولاه ~~لكان ثابتا مع تراخيه عنه فانه وإن لم تنص الامة على جواز تقليد العامي لكل ~~واحد من القولين يلزمه لو نصت على ذلك ثم أجمعت على أحد القولين فحرم الأخذ ~~بالقول الآخر أن يكون إجماعها ناسخا فان لم يكن ناسخا فقد فسد الحد # فان قيل أنتم اعترضتم الحد باعتراض غير مقدر وما تذكرونه الآن هو مقدر ~~فهو غير ما ذكرتموه في الكتاب قيل إنما اعترضنا باختلاف الامة على قولين في ~~المسألة وتسويغهم بكل واحد منهما ولم نقل إن ذلك محقق أو مقدر # فإن قيل المجتهدون من الامة وإن قالوا يجوز للعامي الأخذ بكل واحد من ~~القولين فان قولهم لا يسمى نصا في العرف بل قولنا نص في عرف الفقهاء يقع ~~على نص الله عز وجل ونص رسوله فقولنا في الحد إن الدليل الناسخ هو ما دل ~~على أن مثل الحكم الثابت بالنص لا يتناول نص الامة لأنه لا # PageV02P420 # يسمى نصا في العرف قيل ليس كذلك لأن الفقهاء يقولون قد نصت الأمة على كذا ~~وكذا كما يقولون نص النبي صلى الله عليه وسلم على كذا وكذا وإن كانوا لا ~~يتعارفون من إطلاق اسم النص على نص الأمة فأولى أن لا يتعارفوا من إطلاقه ~~نص موسى وعيسى فيجب أن لا يتناول الحد المذكور ما دل على نسخ الشرائع لأن ~~الأمة إذا أطلقت اسم النص لا تعني به نص غير النبي من الأنبياء ومعلوم ان ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع ms806 عبادة لبعض الأنبياء المتقدمين يكون ~~نسخا ولا يلزمنا مثل ذلك على ما حددنا الناسخ بقولنا إنه قول صادر عن الله ~~أو عن رسوله لأنا لم نقصر النص على كلام نبينا صلى الله عليه وسلم دون كلام ~~غيره # فان قالوا الامة إنما سوغت للعامي أن يقبل ممن يفتيه بكل واحد من القولين ~~فاذا أجمعوا على أحد القولين لم يجد العامي من يفتيه بالقول الآخر فيقال قد ~~حرم عليه الأخذ به قيل لهم قد يجد من يفتيه بأن يصير بعض المجتهدين إلى ~~القول الآخر بعد إجماعهم ومن حد الدليل الناسخ بما ذكرناه يحرم الأخذ ~~بالقول الآخر ولا يجيز التقليد فيه وأيضا فانه يحرم على المجتهد بعد ~~الإجماع على أحد القولين أن يصير إلى القول الآخر ويكون مأثوما بعدما كان ~~من أهل الاجتهاد سوغوا له ذلك أو قالوا لا تكون مأثوما فقد حصل معنى النسخ ~~في المجتهد وأيضا فلو أجمعوا على أحد القولين إلا مجتهد واحد وأفتى العامي ~~بقوله ثم وافق من عداه على قولهم قبل أن يعمل العامي بذلك ثم عرف موافقته ~~لهم فانه لا يجوز له العمل على ذلك بعد ما جاز له العمل عليه فقد صار ~~اتفاقهم دالا على أن مثل الحكم الثابت بنصهم غير ثابت # فان قيل الامة إذا اختلفت على قولين فانما سوغت للعامي وللمجتهد الأخذ ~~بكل واحد من القولين بشرط أن لا يتفق على أحدهما وهذا شرط مفصل فوجوده لا ~~يكون ناسخا وليس كذلك قول الله سبحانه {أو يجعل الله لهن سبيلا} # PageV02P421 # لأن السبيل ههنا مجمل غير مفصل فما ورد بتفصيله يكون ناسخا لإمساك في ~~البيوت وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم وخذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ~~قيل ينبغي أن يقع الانفصال بما هو مذكور في الحد وهذا الذي ذكرتموه من ~~تفصيل الشرط ليس بمذكور في حد الدليل الناسخ على أن ما ذكرتموه من الحد ~~يقتضي أن الأمة لو اختلفت فسوغت للعامي الأخذ بكل واحد من القولين ولم يشرط ~~ما ذكرتموه في الحال فلما ms807 اجمعت على أحد القولين حرمت الأخذ بالآخر أن يكون ~~ناسخا على أنه ليس معكم أن الأمة لما اختلفت في المسألة على قولين سوغت ~~الأخذ بكل واحد منهما على هذا الشرط وكيف يمكنكم ادعاء ذلك والمخالف يقول ~~إن الأمة ما منعت من الأخذ بكل واحد من القولين وإن اتفقت على أحدهما وكيف ~~يمكنكم على أصولكم أن تقولوا إن الأمة قد قالت ذلك حين اختلفت وأنتم تجوزون ~~أن يأمر الله بتكرار العبادة وهو يريد نسخها فلا يبين ذلك في الحال لا ~~مجملا ولا مفصلا ويبينه عند وقت النسخ فما تنكرون ان تكون الأمة لم تبين ~~تحريم الأخذ بالقول الذي أجمعت على خلافه إلا حين أجمعت على خلافه فلم تكن ~~إباحتها الأخذ بكل واحد من القولين مشروطة # فان قالوا نحن وإن جوزنا ذلك فانا نجوز أن تكون شرطية عند اختلافها قيل ~~إذا جوزتم كلا الأمرين فجوزوا كون اتفاقهما ناسخا لجواز الأخذ بالقول الآخر ~~لأنكم لا تأمنون أن يكونوا ما شرطوا إباحة الأخذ بكل واحد من القولين عند ~~اختلافهم بالشرط الذي ذكرتموه وقد حددنا نحن الطريق الناسخ بأنه قول صادر ~~عن الله أو قول أو فعل أو ترك منقولين عن رسوله يفيد إزالة مثل الحكم ~~الثابت بنص من الله أو بنص أو فعل منقولين عن رسوله مع تراخيه عنه على وجه ~~لولاه لكان ثابتا # ولقائل أن يقول قولكم يفيد إزالة مثل الحكم يقتضي أن مثل الحكم # PageV02P422 # كان ثابتا فأزيل لأنه لا يقال أزلت هذا الشيء إلا وقد كان ذلك الشيء ~~ثابتا وإزالة الحكم بعد ثبوته هو بداء وليس هو نسخا قيل قد يقال في الشيء ~~إنه أزيل إذا كان ثابتا فازيل وقد يقال قد أزيل الشيء بكذا إذا كان فلولا ~~ذلك المزيل لثبت ذلك الشيء سيما إذا كان ذلك الشيء يتوهم ثبوته ويتوقع فانه ~~لا يمتنع احد إذا كان يتوقع استمرار توجهه إلى بيت المقدس ثم نهي عن ذلك أن ~~يقول قد أزيل عنا التوجه إلى بيت المقدس وإنما يراد إزالة ما يستأنف ويصح ms808 ~~إطلاق ذلك فيه لما بيناه وقد دللنا في الحد على أنا أردنا هذا الوجه بقولنا ~~مفيد لإزالة مثل الحكم الثابت بنص أو فعل لأنه لو كان الحكم المزال قد كان ~~ثبت ثم أزيل لكان هو حكم النص لا مثله ودللنا على أنه إنما أزاله بأن دل ~~على أنه غير ثابت وبأنه منع من ثبوته بقولنا على وجه لولاه لكان ثابتا فبان ~~بذلك أنه مفيد لإزالة الحكم على هذا الوجه ولنا أن نعتاض من قولنا مفيد ~~لإزالة مثل الحكم بقولنا يفيد أن مثل الحكم الثابت بالنص أو بالفعل غير ~~ثابت على وجه لولاه لكان ثابتا وكل واحد من هذين الكلامين يترجح على الآخر ~~من وجه أما قولنا يفيد أن مثل الحكم الثابت بالنص أو بالفعل غير ثابت فانه ~~يترجح على العبارة الثانية لأن فيها تصريح بالإزالة وهي معنى النسخ في ~~الأصل والحد المفيد من جهة الصريح لمعنى المحدود وفائدته أولى # واعلم أن الغرض بهذا الحد هو حصر ما وقع الاصطلاح على تسميته طريقا ناسخا ~~وهو بتفسير الاسم أشبه منه بالحد فقولنا قول أو فعل منقولين عن رسول الله ~~قد حصرنا به ما نقل عنه من قول أو فعل وتناولهما قبل أن ينقلا وبعدما نقلا ~~فأشرنا بهذا القول إلى كل ما وقع الاصطلاح بعد وفاته على أنه طريق ناسخ ولك ~~أن تعتاض من ذلك فنقول قول أو فعل معلوم ورودهما من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو مظنون وليس يلزم على ذلك أن يقال النسخ يقع بالترك ايضا وذلك لأن ~~الله أو رسوله إذا أوجبا صلاة متكررة فان نسخها # PageV02P423 # بعد أن فعلها فلا بد من أن يفعل فعلا يدل به عن الصلاة إما بفعله في وقت ~~الصلاة أو بفعله قبل الوقت ويستديمه إلى دخول الوقت وخروجه نحو أن يستلقي ~~وإذا فعل ذلك كان الناسخ هو ما فعله أو ما تجدد فعله في الوقت فالناسخ هو ~~الفعل في الحالين وايضا فالترك يسمى فعلا فانك تقول بئس ما فعل فلان فيقال ~~لك ما فعل ms809 فنقول لم يخرج من دار غيره بعدما نهاه مالكها عن الكون فيها واسم ~~الفعل يقع على الترك في العرف ولك أن تزيد في الحد الترك فتقول قول أو فعل ~~أو ترك ومعلوم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو مظنون يفيد أن مثل ~~الحكم الثابت بمثل هذه الامور غير ثابت في المستقبل على وجه لولاه لكان ~~ثابتا مع تراخيه عنه وأما المنسوخ فهو الحكم المزال إذا اختص بالشرائط التي ~~ذكرناها ولك أن تقول هو الحكم الذي تناول الطريق الناسخ والطريق الناسخ هو ~~المختص بالشرائط التي ذكرناها أو تقول هو الحكم الذي اقتضى الطريق الناسخ ~~أنه غير ثابت مع أنه مثل الحكم الذي كان ثابتا وأما حد النسخ فهو إزالة مثل ~~الحكم المختص بالشرائط التي ذكرناها أو تقول هو تبيين كون مثل الحكم الثابت ~~غير ثابت إذا اختص الحكم ومثله بالشرائط التي ذكرناها ومن حد النسخ بأنه ~~إزالة الحكم بعد استقراره فانه إن أراد بذلك استقرار نفس الحكم فذلك بداء ~~وإن أراد استقرار جنس الحكم فذلك يقتضي كون إزالة العبادة بالعجز أو إزالة ~~حكم العقل بحكم الشرع نسخا - صلى الله عليه وسلم - باب الدلالة على جواز ~~نسخ الشرائع - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أنه لا يجوز أن يحمل جواز بيان انقطاع العبادة بالنسخ على جواز ~~تأخير بيان وقت انقطاعهما بالموت والعجز لأنا قد أشعرنا بجواز انقطاعها ~~بالموت والعجز في كل وقت الا ترى أن الإنسان قبل التكليف يجوز أن يعجز ~~ويموت # PageV02P424 # في كل وقت ويمنعه الموانع وإذا ورد عليه الأمر يفعل العبادة على التكرار ~~لم يجوز دوام حياته وقدرته بل يجوز ارتفاعها في كل وقت للعادة التي جرت في ~~الناس وإذا اقترن بذلك أن يعتقد أنه لا يجوز أن يعرف وقت موته لأن ذلك ~~إغراء بالمعاصي تأكد تجويزه للموت والعجز في كل وقت وإذا اقترن بذلك قول ~~الله عز وجل {فاتقوا الله ما استطعتم} يؤكد هذا التجويز فبان أن المكلف قد ~~أشعر إشعارا يجوز معه أن يتعذر عليه الفعل في ms810 كل وقت إما بموت أو بغيره ~~فنظير ذلك أن يؤمر بالعبادة ويقال له جوز ورود النسخ عليها في المستقبل أو ~~يقال له جوز في كل ما يتعبدك به أن يتغير كونه مصلحة في وقت من الأوقات ~~المستقبلة # فان قيل فيجب إذا جرت العادة بنسخ العبادة المقيدة بالتأييد أو بالتكرار ~~أن يكون ذلك إشعارا بجواز النسخ فيجوز معه أن تنسخ العبادة وإن لم يتبين ~~ذلك عند ورود الأمر بها قيل العادة إنما تجري عن أول الأمر فأول ما يرد ~~بالعبادات مقيدا بالتكرار ينبغي أن لا يحسن نسخها إلا أن يشعر بذلك عند ~~الأمر لأنه ما تقدم هذا الأمر عادة في نسخ عبادة من دون إشعار وكذلك في أمر ~~آخر بعبادة أخرى وفي أمر آخر وإذا توالى التعبد مع الإشعار صارت العادة ~~جارية بتأخر بيان النسخ إذا تقدمه الإشعار فلا يجوز من دون إشعار - صلى ~~الله عليه وسلم - باب الدلالة على جواز نسخ الكتاب بالسنة - صلى الله عليه ~~وسلم - # إذا كان قول القائل ما آخذ منك ثوبا آتيك بما هو خير منه أو قال بشيء هو ~~خير منه لا يقتضي أنه يأتيه بثوب آخر بل يجوز أن يأتيه بثوب آخر ويجوز أن ~~يأتيه بغير ثوب وهو خير من الثوب الذي أخذه لأن # PageV02P425 # قوله ما ههنا بمعنى شيء وقولنا شيء يقع على ثوب وعلى غيره فكذلك إذا قال ~~أتيتك بخير منه ولا يقتضي أن يأتيه بثوب لا محالة لأن قولنا خير يقع على كل ~~خير ثوبا كان أو غير ثوب فهو عام فيهما كما أن قولنا شيء وقولنا ما يعم ~~الثوب وغيره فكما لا يقتض الكلام الأول أنه يأتيه بثوب لا محالة فكذلك في ~~الكلام الثاني - صلى الله عليه وسلم - باب الزيادة على النص هل هي نسخ أم ~~لا - صلى الله عليه وسلم - # قد قلنا في هذا الباب أن قاضي القضاة قال لو خير الله بين شيئين واجبين ~~ثم أثبت لهما ثالثا لكان ذلك نسخا لقبح تركهما جميعا وقلنا نحن إن هذا رافع ms811 ~~لحكم عقلي فلا يجوز أن يسمى نسخا # ولقائل أن يقول قبح الإخلال بهما ليس بحكم عقلي وإنما علم بالشرع وهو ~~إيجابه عز وجل فعل الشيئين على البدل فوجب أن يكون إيجاب الثالث ناسخا لقبح ~~تركهما والجواب أن قبح تركهما والإخلال بهما يتبع إيجاب الله الفعلين على ~~البدل ويتبع أنه ما كان يجب فعل ثالث معهما ألا ترى أنا لو لم نعلم إلا ~~وجوب الشيئين على البدل ولم نعلم أن الثالث لا يجب بل جوزنا وجوبه لم نعلم ~~قبح تركهما لتجويزنا وجوب ثالث إذا تركناهما إليه لم يقبح منا تركهما كما ~~أنا لو علمنا أن الثالث لا يجب ولم نعلم وجوب الفعلين لم نعلم قبح تركهما ~~ومعلوم أن إيجاب الفعلين على البدل يقتضي أن للإخلال بكل واحد منهما تأثيرا ~~في استحقاق الذم ولا يتعرض للثالث بايجاب ولا بنفي إيجاب وإنما نعلم أنه ~~غير واجب بقاء على حكم العقل فاذا كان قبح تركهما يتفرع على أمر شرعي وعلى ~~أمر عقلي لم يتخلص كونه معلوما بالشرع فلم يصح القول بأن رفعه نسخ # PageV02P426 # - صلى الله عليه وسلم - باب النقصان من العبادة هل هو نسخ لغير ما نقص ~~منها أم لا - صلى الله عليه وسلم - # اعلم أن الصلاة لما كانت واجبة إلى بيت المقدس كانت واجبة في كل مكان على ~~البدل وكان يجب على المصلي أن يتوجه في المكان الذي يصلي فيه إلى بيت ~~المقدس فالتوجه في المكان إلى بيت المقدس هو هيئة من هيآت الصلاة في المكان ~~فنسخ التوجه إلى بيت المقدس إنما يتناول هذه الهيئة فلم يكن نسخا للصلاة في ~~المكان كما أنا لو أمرنا بصوم يوم عاشوراء على صفة وهي أن نكون في ذلك ~~اليوم متوجهين إلى بيت المقدس ثم نسخ عنا التوجه فقيل لا تتوجهوا إلى بيت ~~المقدس فإن ذلك لا يكون نسخا للصوم في ذلك اليوم على أن النسخ للتوجه ورد ~~على وجه فيه تثبيت لجملة الصلاة لأن المروي في ذلك هو ألا إن القبلة قد ~~حولت وفي ذلك تثبيت ms812 للصلاة وكذلك ما في القرأن من ذلك وهو قوله {فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} وهذا هو النسخ للتوجه ~~إلى بيت المقدس لأن ذلك يقتضي وجوب التوجه إلى الكعبة ولا يصح الجمع بين ~~التوجه إلى بيت المقدس وإلى الكعبة معا فوجوب أحدهما في كل صلاة يصليها ~~ينفي وجوب الآخر فأما صوم عاشوراء فانه ما وجب إلا في ذلك اليوم فنظيره أن ~~لا تجب الصلاة إلا في مكان مخصوص فلو قيل لا تصلوا في ذلك المكان لكان قد ~~انتفت جملة الصلاة لأنها لم تجب إلا في ذلك المكان ألا ترى أنا نحتاج في ~~وجوبها في مكان آخر إلى دليل آخر وكذلك إذا قيل لنا صوموا يوم عاشوراء ثم ~~قيل لنا بعد حين لا تصوموا في يوم عاشوراء فان ذلك ينفي جملة الصوم لأنه لم ~~يجب في زمان آخر وإنما وجب في هذا الزمان فقط فنفيه فيه نفي لجملته # فان قيل كون ذلك نسخا لجملة الصلاة لا يمنع مما نريده وهو أنه إذا كان ~~يجوز صوم عاشوراء بنية بعد الفجر جاز في الصوم الواجب فيما بعد وهو صوم شهر ~~رمضان أن يجب بنية بعد الفجر لأنه قد ثبت أن الشرع قد صحح # PageV02P427 # الصوم بنية بعد الفجر فاذا لم تغير الشريعة ذلك وجب أن يبقى على ما كان ~~عليه قيل إنما كان يجب ذلك لو ورد في ذلك لفظ عموم نحو أن يقال كل صوم شرعي ~~فانه يصح بنية بعد الفجر وقبل الزوال فأما إذا قيل هذا الصوم الواقع في صوم ~~عاشوراء يصح بنية بعد الفجر فانه لا يجب مثله في صوم زمان آخر لأن ذلك ~~عبادة أخرى ولا يجب أن تتفق العبادات في شرائط صحتها بل ذلك موقوف على دليل ~~زائد على ما دل على أن النية بعد الفجر لا تمنع من صحة صوم عاشوراء # فان قالوا فما يؤمنكم أن يكون ما دل على صحة صوم عاشوراء بنية بعد الفجر ~~هو لفظ عموم يشمل كل صوم شرعي ms813 في الحال وفيما يتعبد به فيما بعد قيل إذا ~~كان ذلك غير مأمون وكذلك خلافه وجب على من أثبت أحدهما ليدل به على أن ~~النية بعد الفجر يصح بها صوم شهر رمضان أن يدل على ما يبنى ذلك عليه ومتى ~~لم يبين ذلك لم يصح دليله ويكفي من قصد الطعن علة أن يشكله فيما بنى عليه ~~دليله - صلى الله عليه وسلم - باب في العمومين إذا تعارضا - صلى الله عليه ~~وسلم - # إذا تعارض العمومان من وجه دون وجه بأن يكون كل واحد منهما عاما فيما ~~الآخر خاص فيه فقد ذكرنا في الكتاب أنه إن علم تقدم أحدهما على صاحبه وكانا ~~معلومين أو مظنونين أو كان المتقدم منهم مظنونا والمتأخر معلوما فانه يجيء ~~على قول من جعل العام المتأخر ناسخا للخاص المتقدم أن يكون المتأخر من هذين ~~العمومين ناسخا للمتقدم لأنه إذا كان عندهم أن العام متأخر ينسخ الخاص ~~المتقدم فيما لم يثبت كونه أعم من اللفظ المتقدم أولى بأن يكون ناسخا وهذا ~~صحيح لأن هذا العموم المتأخر إن كان أعم من المتقدم فقد أطلقوا القول بأن ~~العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم ولم يبنوا العام المتأخر على الخاص ~~المتقدم وإن كان هذا العموم المتأخر هو أخص من العام المتقدم فمن قولهم إنه ~~يخرج ماتناوله من العموم المتقدم على جهة النسخ لا على جهة التخصيص لأن ~~بيان التخصيص لا يتأخر عندهم أو عند # PageV02P428 # أكثرهم وليس ههنا ما يقتضي أن يحكم بأنه قد كان قارن العام ما دل على ~~تخصيصه فلذلك جعلوا المتأخر ناسخا للمتقدم # ثم قلنا وإن كان المتقدم معلوما والمتأخر مظنونا لم يجز عندهم أن ينسخ ~~الثاني الأول ووجب الرجوع فيهما إلى الترجيح لأن المظنون لا ينسخ المعلوم ~~وإذا لم يكن الثاني منهما ناسخا وأمكن استعماله مع الترجيح وجب الرجوع إلى ~~الترجيح وهذا صحيح وذلك أنه لا يمكن بمجرد هذا التعارض النسخ لأن النسخ ~~إنما يكون بالشيء المتأخر والمتأخر من هذين العمومين مظنون والمتقدم منها ~~معلوم والمظنون لا ينسخ المعلوم ولا يمكن ms814 أيضا لمجرد هذا التعارض أن نخرج ~~من أحدهما ما تناوله الآخر لأجل أن الآخر أخص لأنه ليس يتخلص كون أحدهما ~~أخص من الآخر فقد بان أنه لا يمكن بمجرد هذا التعارض لا نسخ ولا تخصيص فوجب ~~الترجيح فان رجحنا المعلوم منهما بكونه معلوما ولم يثبت في المظنون وجه ~~ترجيح استعملنا المعلوم وأخرجنا ما تناوله من المظنون لا لمجرد التعارض وأن ~~لمعلوم أخص بل لأجل الترجيح وإن رجحنا المظنون منهما بكونه معلوما ولم يثبت ~~في المظنون وجه ترجيح استعملنا المعلوم وأخرجنا ما تناوله من المظنون لا ~~لمجرد التعارض وأن المعلوم أخص بل لأجل الترجيح وإن رجحنا المظنون لأن حكمه ~~حظر أو إيجاب أخرجنا ما تناوله من المعلوم لأجل الترجيح أيضا واستدللنا ~~بذلك على أنه قد كان قارب العموم المتقدم ما دل على تخصيصه وإخراج ذلك ~~القدر منه لأنه إن لم يمكن كذلك كان الثاني ناسخا ولا يجوز نسخ المعلوم ~~بالمظنون # ثم قلنا فأما من يقول إن العام المتأخر يبنى على الخاص المتقدم وأن الخاص ~~المتأخر يخرج بعض ما دخل تحت العام المتقدم فالذي يجيء على مذهبه أن لا ~~يفرق بين أن يكونا معلومين أو مظنونين أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا في ~~استعمال الترجيح وترك النسخ بأحدهما لأنه ليس يتخلص كون المتأخر أخص من ~~المتقدم فيخرج من المتقدم ما دخل تحت المتأخر وهذا صحيح لأنا اردنا أنه لا ~~يثبت عندهم بمجرد هذا التعارض إخراج ما تناوله أحدهما من الآخر لا على جهة ~~النسخ ولا على جهة التخصيص والبناء اما النسخ فلأن عندهم أن العام المتأخر ~~لا ينسخ الخاص المتقدم بل يبنى على # PageV02P429 # الخاص المتقدم فلو كان المتأخر أعم لم يجب فيه النسخ وليس يتخلص أن أحد ~~هذين العمومين أخص من الآخر فيقال إن المتأخر منها أخص من المتقدم فيخرج ما ~~تناوله من المتقدم إما بنسخ أو بأن يدل على مقارنة المخصص له فبان أن مجرد ~~هذا التعارض لا يقتضي على قولهم لا نسخا ولا تخصيصا وأنه يجب الرجوع إلى ~~الترجيح فان رجحنا ms815 المعلوم منهما بكونه معلوما أو المظنون بما يرجع إلى ~~حكمه فلا بد من أن يخرج ما تناوله من الآخر إما على جهة نسخ أو تخصيص وليس ~~ينقض ذلك قولنا إنه يجيء على مذهبهم أن لا ينسخوا ولا يخرجوا من أحدهما ~~بعضه على جهة التخصيص لأنا قلنا لا يجب ذلك لمجرد التعارض قبل الترجيح ولم ~~نقل إنهم بعد الترجيح لا يخرجون من أحد العمومين بعض ما تناوله بل قد دللنا ~~بقوله إنه يرجع إلى التراجيح على أنه إذا ترجح أحدهما على الآخر فحكم ~~بظاهره أنه يخرج ما تناوله من العموم الآخر ألا ترى أنا إذا رجحنا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وقلنا ~~لا يصليها عند قيام الظهيرة فقد أخرجنا الصلاة المقتضية من مطلق نهيه صلى ~~الله عليه وسلم عن الصلاة في هذا الوقت ولكن لم نفعل ذلك لمطلق التعارض فقد ~~بان أن ما حكمنا به إنما حكمنا به على مطلق التعارض قبل الترجيح لأن الكلام ~~إنما هو مفروض على مجرد التعارض - صلى الله عليه وسلم - باب الدلالة على ~~صحة القول بالإجماع - صلى الله عليه وسلم - # قول الله عز وجل {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر} خرج مخرج المدح وتمييز هذه الأمة من سائر الامم فلا يجوز أن يراد ~~بذلك أنهم يأمرون ببعض المعروف وينهون عن بعض المنكر لأن كل أمة قد نهم عن ~~بعض المنكر وأمرت ببعض المعروف ولا يجوز أن يكون المراد أكثر ما ينهون عنه ~~منكر لأن الخيار من الأمم السالفة الأكثر مما نهوا عنه منكر ولأن قولنا ~~المنكر إما أن يكون لاستغراق # PageV02P430 # المنكر أو للجنس دون الاستغراق وليس لام الجنس موضوعة للأكثر ولا يجوز أن ~~يراد بذلك الوصف لهم بأنهم فيما مضى كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر لأن الكلام مدح لهم في الحال فلا يجوز أن يفيد تقدم كونهم على خصال ~~المدح ولا يفيد حصولهم الآن على خصال المدح لأن الإنسان لا يكون ms816 مستحقا ~~للمدح بما فعله من قبل إذا عدل عنه إلى ضده وخلافه حتى يكون ناهيا عن ~~المنكر ثم يصير آمرا بالمنكرات فاذا ثبت أنهم ينهون عن كل منكر في كل حال ~~إلا ما خرج بدليل فلو أجمعوا على خطأ لكانوا قد أجمعوا على منكر ولو أجمعوا ~~عليه لكانوا غير ناهين عنه # دليل آخر قول الله عز وجل {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} يقتضي اتباع سبيلهم على ما بيناه في ~~الكتاب فان قيل الاية تقتضي اتباع سبيلهم في الاستدلال على الحكم الذي ~~قالوا به بدليل ولا يأخذوا به بغير دليل قيل كذلك نقول لأنا إذا أخذنا بذلك ~~القول كنا قد أخذناه بدليل وهو إجماعهم وقد دل الدليل على صحته فليس في ~~قولنا إنه يجب علينا الرجوع إلى قولهم تسليم للخصم أنا أخذنا بقولهم بلا ~~دليل فتكون الآية حجة علينا # فان قيل يجب أن يستدل بما استدلوا به يعينه قيل لا يجب ذلك لأن أهل كل ~~عصر لا يوجبون على المكلف الاستدلال على الحكم بدليل معين إذا أمكنه أن ~~يستدل عليه بدليل آخر فلم يكن وجوب الاستدلال بدليلهم المعين سبيلا لهم فلم ~~يدخل تحت الظاهر # إن قيل قول الله عز وجل {ويتبع غير سبيل المؤمنين} يقتضي ظاهره مؤمنين ~~معينين وأن نصير إليهم لأنهم قالوا على ما قدرتموه في الكتاب ويقتضي ظاهر ~~الآية ايضا أن يكونوا مؤمنين على الحقيقة بحسب ظننا إما الإيمان اللغوي أو ~~العرفي أو الديني ولا سبيل لنا إلى العلم بذلك فليس لكم أن تتركوا هذا ~~الظاهر بأولى من أن نترك الظاهر الأول ونقول المراد بذلك مؤمنين موصوفين ~~كأنه قال ويتبع غير سبيل من حقها أن تكون سبيل # PageV02P431 # المؤمنين قيل إذا فعلتم ذلك تركتم الظاهر من وجهين # أحدهما أنكم تحملون الكلام على التكرار ونحن نحمله على فائدة محدودة وذلك ~~أن سبيل المؤمنين في الجملة قد دخل في ترك مشاقة الرسول فزجره عز وجل عن ~~مشاقة الرسول هو زجر عن ms817 اتباع سبيل المؤمنين لأنا قد علمنا أن مشاقته ليست ~~سبيل المؤمنين # والآخر انكم إذا حملتم الاية على مؤمنين موصوفين احتجتم إلى إضمار حتى ~~يكون تقدير الكلام ويتبع سبيلا من حقها أن تكون غير سبيل المؤمنين أو من حق ~~المؤمنين أن لا يسلكوها وإذا حملنا نحن الإيمان على الإيمان اللغوي كنا ~~تاركين للظاهر من وجه واحد وقول الخصم إنكم لا تحملون الآية على مؤمنين على ~~الحقيقة بل على مؤمنين بحسب ظنكم لا يصح لأنا إذا حملنا ذلك على التصديق ~~فنحن نعلم أنه لا يجوز أن يكون أهل كل عصر على كثرتهم يخبرون أنهم يؤمنون ~~بما جاء به الإسلام وليس فيهم من يصدق بذلك أصلا أو ليس فيهم من يصدق بذلك ~~إلا الواحد والاثنان بل نعلم أن الكثير منهم كذلك ونظن أن الكل كذلك # دليل آخر قول الله عز وجل {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~فاقتضى هذا الشرط أنهم إن لم يتنازعوا لا يجب الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه ~~ولقائل أن يقول إن اراد الله بقوله {فإن تنازعتم في شيء} أهل عصر واحد فليس ~~يخلو إذا لم يتنازعوا إما أن يكونوا لم يردوا إلى الله والرسول فلا يجب ~~اتباعهم ولا يكون قولهم صحيحا وإما أن يكونوا ردوا إلى الله والرسول فلا ~~يصح أن يبيحهم ترك الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه لأن ردهم الشيء إلى الله ~~ورسوله هو طلب حكمه في الكتاب والسنة فاذا طلبوه فيهما فوجدوه فيهما لم يصح ~~طلبه من بعد لأن طلب الإنسان لما هو واجد له محال وإباحة ترك المحال عبث ~~وإن كان المراد بالآية أهل العصر الثاني مع أهل العصر الأول لم يصح القول ~~بذلك لأن قوله فإن تنازعتم مواجهة لمن ترك القرآن وهو حاضر فعلمنا أن ~~المراد بذلك تنازع # PageV02P432 # بعضهم مع بعض وأيضا فقد بخالف أهل العصر الثاني بعد انقراض الأول فلا ~~يكون أهل العصرين متنازعين لأن التنازع بين اثنين هو أن ينازع كل واحد ~~منهما الآخر وليس يمكن أن ينازع أهل ms818 العصر الأول لأهل العصر الثاني إن ~~نازعوا أهل العصر الأول وجب عليهم الرجوع إلى قولهم إلى طلب الحكم في ~~الكتاب والسنة والرجوع إلى الإجماع عند المستدل ليس هو رد إلى الكتاب ~~والسنة لأنه لو كان ردا إليهما بطل قولهم إذا لم يتنازعوا لم يجب الرد إلى ~~الكتاب والسنة ولا يجب عند المستدل ايضا إذا تنازع أهل العصرين أن يطلب أهل ~~العصر الأول الحكم في الكتاب والسنة لأنهم قد طلبوا قولهم من قبل في الكتاب ~~والسنة فوجدوه وطلب ما هم واجدين له محال فعند التنازع لا يجب على قولهم ~~الطلب في الكتاب والسنة لا على أهل العصر الأول ولا على أهل العصر الثاني ~~على قول المستدل فأما إذا لم ينازع أهل الثاني أهل العصر الأول فعلى موضوع ~~الاستدلال مباح أن لا يردوا بأجمعهم إلى الكتاب والسنة ولا يصح هذه الإباحة ~~لجميعهم لأن بعضهم وهم أهل العصر الأول قد رد ذلك القول إلى الكتاب والسنة ~~وإباحة ترك طلب ما قد طلب ووجد عبث - صلى الله عليه وسلم - باب الإجماع بعد ~~الخلاف - صلى الله عليه وسلم - # إذا اختلفت الأمة في المسألة على قولين فقد سوغوا الأخذ بكل واحد منهما ~~على قول من قال كل مجتهد مصيب بشرط بقاء الخلاف وكون المسألة من مسائل ~~الاجتهاد لأنهم لو سئلوا عن علة جواز الأخذ بكل واحد منهما لعللوا بما ~~ذكرنا فاذا أجمعوا على أحد القولين فقد زال الشرط وتناولتهم أدلة الإجماع ~~ولا دليل يدل على اشتراط هذا الإجماع بشرط فلم يجز خلافه - صلى الله عليه ~~وسلم - باب الطريق إلى معرفة الإجماع - صلى الله عليه وسلم - # إذا لم تكن المسألة من مسائل الاجتهاد وقال فيها بعض أهل العلم قولا # PageV02P433 # وانتشر في أهل العصر وكان على أهل العلم فيها تكليف فان سكوتهم على ~~النكير يدل على أنه صواب وأن خلافه خطأ لأنه لو كان منكرا لكانوا قد ~~تطابقوا على ترك إنكار المنكر مع وجوب ذلك عليهم هذا إذا مر من الزمان ما ~~ينقضي معه زمان المهلة لأنه مع ms819 ذلك يلزمهم أن يعتقدوا في المسألة حكما من ~~الأحكام فيلزمهم إظهار الخلاف إذا كانوا مخالفين فأما أول ما ينتشر المسألة ~~في أهل العصر قبل استيفاء النظر فانه لا يدل سكوتهم على رضاهم بذلك القول ~~المنتشر والقسم الأول هو الذي اردناه في الكتاب والتعليل الذي ذكرناه في ~~الكتاب يدل عليه - صلى الله عليه وسلم - باب في قول الصحابة إذا لم ينتشر - ~~صلى الله عليه وسلم - # إذا لم ينتشر القول في جميع أهل العصر وكانت البلوى بتلك المسألة عامة ~~فقد ذكرنا في الكتاب أنه لا بد من أن يكون لغير من قال بالقول الذي لم ~~ينتشر قول لأنه مكلف للنظر فيها فاذا كان له فيها قول وجب أن يكون موافقا ~~لهذا القول لأنه لو كان مخالفا له لنقلته النقلة لعلمنا باهتمامهم بالنقل ~~ولقائل أن يقول لا يتم ذلك في مسائل الاجتهاد على قول من قال كل مجتهد مصيب ~~لأنه لا يمتنع أن يكون بعض المجتهدين لم يجتهد في الحادثة وإن لزمهم أن ~~يجتهدوا فيها ليعلموا بها في أنفسهم ويكونوا قد أخطأوا في ذلك # فإن قلتم لو كان كذلك لأنكر عليهم الباقون فاذا لم ينكروا عليهم ولا هم ~~أنكروا على أنفسهم فقد تطابقوا على أن لم ينكروا تركهم الاجتهاد قيل لكم لم ~~يلزمهم أن ينكروا عليهم ذلك لأنهم لا يعلمون أنهم قد تركوا الاجتهاد في ~~المسألة بل يجوزون أنهم إنما سكتوا لأنهم قد اجتهدوا فان قلتم إذا كان ~~الأمر كذلك فقد تطابقوا على العدول عن الصواب قيل لا يصح ذلك على قول من ~~قال كل مجتهد مصيب لأن القول الذي قاله من لم ينتشر قوله فهو صواب فما ~~عدلوا بأجمعهم عن الصواب وإنما يتم ذلك على قول من قال إن الحق واحد بل ~~يقال إن الصواب هو قول واحد فان لم يكن # PageV02P434 # ذلك القول الذي لم ينتشر هو الصواب كانوا قد عدلوا بأجمعهم عن الصواب - ~~صلى الله عليه وسلم - باب في اسم الخبر وحده - صلى الله عليه وسلم - # قد حد الخبر بأنه الذي ms820 يدخله الصدق والكذب واعترض ذلك بأن قول القائل ~~محمد ومسيلمة صادقان خبر وليس بصدق ولا كذب واجاب قاضي القضاة عن ذلك بأنا ~~أردنا بدخول الصدق والكذب أن الإنسان إذا صدق المخبر أو كذبه لم يحظر اللغة ~~ذلك وهذه صورة هذا الخبر وهذا يقتضي أنه قد سلم أن هذا الخبر ليس بصدق ولا ~~كذب وهذا يعترض ما يقوله من أن كل خبر فانه لا يخلو من أن يكون إما صادقا ~~وإما كاذبا لأن هذا الخبر قد خلا منهما وإذا حددنا الخبر بأنه كلام يفيد ~~بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الامور نفيا أو إثباتا لم يلزم إذا ~~قلنا زيد الظريف في الدار أن يكون قولنا زيد الظريف من جملة هذا الكلام ~~خبرا لأن ذلك لا يفيد أنه ظريف كما أنا إذا قلنا الظريف في الدار لا يفيد ~~أنا حكمنا بأن من أشرنا إليه بهذا الكلام هو ظريف وإنما أشرنا إليه بقولنا ~~هو ظريف ثم أفدنا أنه في الدار كما نشير بقولنا زيد في الدار إلى أنه في ~~الدار ولم نفد أنه يسمى زيدا ولنا أن نحترس من ذلك ونقول الخبر كلام تام ~~يفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفيا أو إثباتا ونعني ~~بقولنا كلام تام أنه لا يقتضي بوقع كلام آخر بل تقع به الفائدة بنفسه وليس ~~كذلك إذا قلنا زيد الظريف لأن ذلك ليس بكلام تام # فان قيل قول القائل لا ثاني لله عز وجل هو خبر وليس يفيد إضافة أمر إلى ~~أمر لأن الوجود ليس بصفة عندكم ولا الثاني ذاتا فتكونوا قد أضفتم نفي الصفة ~~إلى الذات الجواب إنا نعني بقولنا إنه لا ثاني للقديم هو أن ما نعقله من ~~ذات لها صفة القديم ليس لها وجود من خارج عقلنا سوى القديم عز وجل فقد ~~نفينا عن عقلنا لما عقلناه من ذلك أن يتعلق بذات من خارج ليست بذات القديم ~~عز وجل # PageV02P435 # - صلى الله عليه وسلم - باب في بيان وقوع العلم بالأخبار - صلى ms821 الله عليه ~~وسلم - # قد قلنا فيه إنه لو كان كل ما أجمعوا على مقتضاه من أخبار الآحاد قد قامت ~~الحجة به لم يصح الاستدلال باجماع الصحابة على العلم بأخبار الآحاد على ~~جواز العمل على خبر مظنون غير مقطوع به إن قيل يصح الاستدلال على ذلك ~~بأخبار آحاد لم يجمع الصحابة على العمل بها لكن عمل بعضهم بها ولم يعمل ~~الباقون بها ولم ينكروا على العامل بها قيل أنتم استدللتم على العلم بخبر ~~الواحد باجماعهم على العمل بخبر عبد الرحمن في المجوس وخبر حمل بن مالك في ~~الجنين والخبر المروي في دية الأصابع كل ذلك قد أجمعوا على العمل به ولعله ~~لا يوجد خبر عمل به بعضهم ولم ينكر من لم يعمل به على العامل به إلا خبر أو ~~خبران أو ثلاثة مما لم يبلغ كثرة فيكون قد علم في الجملة أن الصحابة لم ~~ينكر بعضها على بعض العمل بها - صلى الله عليه وسلم - باب في شروط وقوع ~~العلم بالخبر المتواتر - صلى الله عليه وسلم - # إذا قال قائل جوزوا أن يخبر المتواترون بالكذب لأن السلطان حملهم على ذلك ~~بالرهبة لم يجز إبطال ذلك بأنه كان يجب أن يظهر رهبة السلطان لأن للسائل أن ~~يقول حملهم على الكذب وعلى كتمان الرهبة وإنما كان للسائل أن يقول ذلك لأن ~~المجيب لما تعاطى الجواب عن السؤال سلم صحة الشك في الاجتماع على الكذب ~~للرهبة وإنه إنما يزول هذا الشك بالجواب فلزمه كما سوغ الشك في ذلك قبل ~~النظر أن يسوغ الشك في الحمل على كتمان الرهبة قبل النظر وينبغي أن يقال ~~إنه لا يمكن أن يضبط السلطان الكثرة العظيمة حتى يرهبها فلا تتحدث بالكذب ~~عن كل إنسان وفي كل حال بل كثير منهم لا يتحدث به وكثير منهم يظهر خلاف ~~الكذب عند خاصته وثقاته ثم لا يلبث الصدق أن يشيع # PageV02P436 # - صلى الله عليه وسلم - باب التعبد بالخبر الواحد - صلى الله عليه وسلم - # إن قيل لا يمتنع أن يكون بعض الصحابة عمل على الخبر الواحد ms822 ولم ينكر عليه ~~غيره لأن غيره كان ناظرا متوقفا في وجوب العمل به فلذلك لم ينكره وليس في ~~ذلك اتفاق منهم على ترك الواجب لأنهم وإن اتفقوا على ترك إنكار العمل بذلك ~~مع أن العمل به منكر في نفسه فانهم لم يتفقوا على ترك الواجب لأن هؤلاء ~~الناظرين لا يجب عليهم الإنكار لأنهم ناظرون الجواب إن الله عز وجل إذا كلف ~~المجتهدين أن يعرفوا هل تعبدهم بالعمل بأخبار الآحاد أم لا فلا بد من أن ~~يمضي عليهم من الزمان ما يتمكنون فيه من الوصول إلى ما كلفهم فاذا مضى هذا ~~الزمان ولم ينكروا العمل بأخبار الآحاد فلو كان العمل بها منكرا لكانوا قد ~~أجمعوا على ترك الواجب إذ الإنكار واجب # دليل ورود التعبد بخبر الواحد هو أنه لا يجوز أن يكون ما روي من أخبار ~~الآحاد على كثرتها لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا منها بل ينبغي أن ~~يكون جميعها أو كثير منها قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم وليس يجوز أن ~~يكون ما قاله صلى الله عليه وسلم من ذلك تعبدا لمن شافهه النبي صلى الله ~~عليه وسلم دون من لم يشافهه لأن الإجماع بخلاف ذلك ولأنه لو كان كذلك لبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن التعبد بذلك مقصور على من شافهه دون من لم ~~يشافهه ولم بين ذلك في هذه الأخبار مع كثرتها ومع إشاعته لهذا البيان لما ~~جاز أن ينكتم ذلك ولا ينقل فثبت أن التعبد بذلك يتوجه إلى من شافهه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن لم يشافهه ممن يأتي بعده ولا يخلو إما أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد شافه بها من يكون نقله متواترا وإما أن يكون ~~شافه بذلك الآحاد والأول يقتضي أن ينقل عنه متواترا لأنه لا يجوز أن يشيع ~~النبي صلى الله عليه وسلم حكما عاما فلا ينقل متواترا فثبت أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شافه بهذه الأخبار الآحاد فلو كان العمل بها لا يلزمنا ms823 إلا ~~بنقل متواتر لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تعبدنا بما لم يجعل لنا ~~طريقا إلى أن تعبدنا به فان قيل ليس يجب إذا أشاع النبي صلى الله عليه وسلم ~~الخبر بحضرة من يكون نقله # PageV02P437 # متواترا أن ينقلوه متواترا لأن الإنسان قد يتكلم بأنواع كثيرة من الكلام ~~بحضرة الجماعات الكثيرة فلا تنقل جماعتهم عنه كل ما تكلم به بل قد يروي ~~الواحد عنه شيئا والآخر عنه شيئا آخر فلم زعمتم أنه يجب ما ذكرتم قيل لو لم ~~ينقلوه متواترا مع وجوب ذلك عليهم لكانوا قد أجمعوا على ترك النكير مع وجوب ~~النكير عليهم لأن الناقل لم ينكر على من لم ينقل ومن لم ينقل فمعلوم أنه لم ~~ينكر ترك النقل ولقائل أن يقول جوزوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~شافه بالحكم من يحج نقله وهم بعض الامة وليس خطأهم هو خطأ جميع الأمة جواب ~~آخر عن السؤال وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان شافه بهذه الأخبار ~~من يتواتر الخبر بنقله وكان من دينه العمل بالمتواتر من الأخبار دون الآحاد ~~لكان قد أوجب عليهم التواتر وأعلمهم بذلك ولا يجوز في العادة أن يتدين ~~الجماعة العظيمة بوجوب نقل كلام رجل ويكونوا على غاية الحرص على نقل كلامه ~~وأحواله ويوجب عليهم ذلك ولا ينقل الجماعة كلامه الذي شاع فيهم واعتقدوا ~~وجوب نقله عليهم لأن ما هم عليه من شدة الحرص على نقل كلامه يمنع من ذلك ~~ويفارق ذلك سماع الجماعات الكثيرة أنواع الكلام من الواحد منا لأنها غير ~~حريصة على نقل كلام الواحد منا فان كان لها في ذلك غرض واشتد حرصها عليه ~~وجب أن تنقله فأما كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله فقد علمنا من حال ~~الصدر الأول شدة الحرص على نقله حتى نقلوا منه ما لا يتعلق به حكم # فان قيل أليس قد روي عنه بالآحاد أخبار كثيرة في التوحيد والعدل والوعيد ~~والشفاعة وغير ذلك مما يتضمن علما لا عملا ولا يجوز أن ms824 يكون صلى الله عليه ~~وسلم ما قال شيئا من ذلك لكثرته فيجب أن يكون قد قاله أو بعضه فان كان قد ~~قاله عن الجماعة العظيمة ولم تنقله متواترا فقد انتقض قولكم إن ما يشيعه ~~النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن ينقل عنه متواترا وإن لم يشعه كان قد ~~اقتصر على الواحد فيما لا يكون خبر الواحد حجة فيه قيل إن ما روي عنه من ~~ذلك لا يداني ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من الأحكام الشرعية وأيضا فما # PageV02P438 # روي عنه من ذلك إن كان موافقا لدليل العقل فليس يمتنع أن يشافه النبي صلى ~~الله عليه وسلم به بعض الناس ولا يجعل نقل ذلك البعض حجة على من ينقله إليه ~~لأنه لا يلزم من ذلك أن لا يكون لنا طريق إلى العلم بما كلفنا لأن العقل ~~طريقنا إلى العلم بما تضمنه الخبر وإن كان ظاهر الخبر بخلاف مقتضى العقل ~~فمراد النبي صلى الله عليه وسلم به خلاف ظاهره فاذا شافه به الواحد فقد ~~تعبده أن يناوله ويحمله على المجاز حتى يوافق دليل العقل وليس يجب أن يتعبد ~~غيره بذلك الخبر إلا أن يروى له فيلزمه أن يعلم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن كان قاله فمراده المجاز الموافق لدليل العقل وأنه لم يرد ظاهره ~~وهذا ليس بموقوف على أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فيلزم أن ~~يجعل له طريق إلى العلم بان النبي صلى الله عليه وسلم قاله تمت الزيادات ~~بحمد الله واهب العطيات # PageV02P439 # = كتاب القياس الشرعي لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري رحمه الله ~~وقد صنفه قبل كتاب المعتمد كما يظهر من الإشارات العديدة إليه في كتاب ~~المعتمد من المخطوطة الوحيدة في لاله لي باستانبول= # PageV02P441 # بسم الله البرحمن الرحيم = كتاب القياس الشرعي = # اعلم أن الغرض بهذه المسألة أن نورد الوجوه التي يتكلم بها في القياس ~~الشرعي على قسمة ملخصة ونذكر ما يدور بين الفقهاء في مناظرة الفقه دون ما ~~يختص أصول الفقه ms825 نحو الدلالة على المنع من تخصيص العلة وما أشبه ذلك ونحن ~~أولا نجد القياس لنستخرج من حده القسمة التي يترتب الكلام في القياس عليها ### | فصل في حد القياس # القياس هو إثبات حكم الأصل في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم وهذا الحد ~~لا يشمل أنواع القياس كلها وإنما يشمل قياس الطرد فقط والفقهاء يسمون قياس ~~العكس قياسا وليس هو إثبات حكم الأصل في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم ~~وإنما هو إثبات يقتضي حكم الشيء في غيره فينبغي إذا أردنا أن نحد القياس ~~بحد يشمل قياس العكس وقياس الطرد أن نقول القياس هو إثبات الحكم في الشيء ~~بالرد إلى غيره لأجل علة وذلك أن قياس العكس هو رد الفرع إلى أصل لكنه رد ~~إليه ليثبت في الفرع نقيض حكمه ولا بد من اعتبار علة في الأصل أيضا واعتبار ~~نقيضها في الفرع مثال ذلك أن نستدل على أن الصوم من شرط الاعتكاف بأن نقول ~~لو لم يكن من شرطه لم يلزم أن يعتكلف بالصوم إذا نذر أن يعتكف بالصوم كما ~~أن الصلاة لما لم تكن من شرط الاعتكاف لم تكن من شرطه وإن نذر أن يعتكف ~~بالصلاة فالأصل ههنا هو الصلاة وحكمه أنه ليس من شرط الاعتكاف ونحن نريد أن ~~نثبت نقيض هذا الحكم في الصوم والعلة في الصلاة هي أنه لا يلزمه بالنذر # PageV02P443 # ونقيضها ثابت في الصوم # فاذا قد حددنا القياس فينبغي أن نقسمه فنقول القياس الشرعي ضربان قياس ~~طرد وقياس عكس أما قياس العكس فهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع باعتبار ~~علة وإن شئت قلت لتباينهما في العلة وأما قياس الطرد فهو إثبات حكم الأصل ~~في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم فقد ظهر من هذا الحد أن قياس الطرد لا ~~يخلو من أصل وفرع وعلة وحكم فالحكم هو المنقسم إلى الوجوب والندب والمباح ~~وكون الفعل مكروها ومحظورا والأصل ما سبق العلم بحكمه وإن شئت قلت هو الذي ~~يتعدى حكمه إلى غيره والفرع هو الذي يتأخر العلم بحكمه وإن شئت قلت ms826 هو الذي ~~يتعدى إليه حكم غيره والمتكلمون يذهبون في الأصل إلى أنه دليل الحكم نحو ~~الخبر الدال على إثبات الربا في البر ويذهبون في الفرع إلى أنه الحكم ~~المستفاد بالقياس نحو تحريم الارز وعرف الفقهاء جاز على خلاف ذلك والعلة هي ~~التي لأجلها يثبت الحكم # ولما كان قياس الطرد لا يشتمل إلا على هذه الأشياء الأربعة الأصل والفرع ~~والحكم والعلة وجب أن يكون الكلام في القياس لا يتعداها وأن يكون إما كلاما ~~متعلقا بالأصل أو الفرع أو بالحكم أو بالعلة ولتعلق الفرع والأصل والحكم ~~والعلة بعضها ببعض ما يتعلق الكلام في بعضها بالكلام في بعض وإذا أمعنا ~~النظر في ذلك علمنا أن الكلام في القياس إما أن يكون كلاما في العلة أو في ~~الحكم والكلام في الحكم إما أن يكون كلاما فيه نفسه أو يكون كلاما فيه بحسب ~~تعلقه بالأصل أو بحسب تعلقه بالفرع أو بحسب تعلقه بالفرع والأصل جميعا ~~والكلام في العلة إما أن يكون كلاما في وجودها وإما أن يكون كلاما في غير ~~وجودها والعلة يجب أن تكون موجودة في الأصل وفي الفرع فيجب أن تنظر في كلا ~~الأمرين أعني أنك تنظر في وجودها في الأصل وفي وجودها في الفرع وأما نظرك ~~في العلة لا من قبل # PageV02P444 # وجودها فضربان أحدهما أن تنظر في تصحيحها والثاني أن تنظر في إفسادها ~~ونحن نفصل ذلك فصولا إن شاء الله ### | فصل في الكلام في الحكم # أعلم أن الحكم لما وجب أن يكون موجودا في أصل القياس وفرعه جاز أن يكون ~~نظرك فيه له تعلق بالأصل وحده أو بالفرع وحده أو بالأصل والفرع معا وجاز أن ~~يكون نظرك في الحكم يختصه ولا يتعلق بالأصل ولا بالفرع فأول ما يرد عليك ~~القياس فينبغي أن تعمد إلى أصله فتنظر هل الحكم موجود فيه أم لا فانه ريما ~~قاس على أصل اجتمعت الأمة على أن حكم القياس منتف عنه وربما كنت أنت تخالفه ~~في وجود الحكم في الأصل فتمنع القائس من القياس إن كنت سائلا أو ms827 تنقل ~~الكلام إلى الأصل إن كنت مسئولا وإذا وجدت الحكم في الأصل فانظر هل هو ~~موجود في جميع الأصل أم ليس بموجود في جميعه فانه إن كان موجودا في بعضه ~~وكان القائس قد ظهر في كلامه أنه قصد أن يرد الفرع إلى جميع الأصل أعلمته ~~أنه لم يأت بما قصد إلى إيراده وكان لك أن تأخذه بذلك وأيضا فانظر هل الحكم ~~ثابت في الأصل بقياس على أصل آخر أم لا فانه ربما رد القائس فرعا إلى أصل ~~بعلة من العلل ويكون الحكم إنما يثبت في ذلك الأصل بعلة أخرى مثال ذلك أن ~~يرد من طلعت عليه الشمس وهو يتشهد في صلاة الصبح إلى من خرج وقت المسح على ~~خفيه وهو جالس في التشهد الذي بعلة أنه خارج من الصلاة بغير فعله فيجب أن ~~تبطل صلاته ويرد هذا الأصل إلى المسافر إذا نوى الإقامة وهو جالس للتشهد ~~بعلة أنه معني لو طرى في أول الصلاة لغير الفرض فوجب إذا طرى في آخرها أن ~~يكون كطرئه في أولها ومعلوم أن علة الفرع الثاني وهي الخروج من الصلاة بغير ~~فعله ولا يوجد في الأصل الأول # واختلف الناس في ذلك فمنع منه قوم قالوا لأن الفرع إنما يرد إلى الأصل ~~إذا شاركه في علة حكمه قالوا وعلة هذا الأصل هي علة أخرى لا # PageV02P445 # يوجد في الفرع الثاني وقد أجاز ذلك قوم وقالوا العلة التي يثبت الحكم بها ~~في الأصل هي كالنص في أنها طريق الحكم وليس يمتنع أن يعلم بالدليل أن يكون ~~لعلة أخرى تأثير في ذلك الحكم فترد بها بعض الفروع إليه فهذا هو نظرك في ~~الحكم بحسب تعلقه بالأصل # وأما إذا نظرت فيه بحسب تعلقه بالفرع فقط فهو أن تنظر هل الحكم يمكن ~~وجوده في الفرع أم لا فانه ربما منع نص أو إجماع من وجوده في الفرع فان لم ~~يمنع نص أو إجماع من ذلك فانظر هل يمكن أن تثبت الحكم في الفرع بقياس أم لا ~~فانه ربما كان الحكم كفارة ms828 أو حدا أو تقديرا أو حكما مخصوصا من جملة القياس ~~وهذا لا يجوز إثباته بالقياس عند بعض الفقهاء فان كنت ممن يأبى ذللك وكنت ~~سائلا أمكنك إيقاف وإن كان الحكم يمكن وجوده في الفرع بقياس فانظر هل هو ~~موجود في جميع الفرع أو في بعضه فان كان موجودا في بعضه وكان القائس قد شرط ~~على نفسه أن يرد الفرع كله إلى الأصل ثم لم يفعل كان لك أن تأخذه بما شرط ~~على نفسه وما قصده بالقياس فهذا هو نظرك في الحكم بحسب تعلقه بالفرع # وأما نظرك في الحكم بحسب تعلقه بالأصل والفرع جميعا فهو أن تنظر هل يمكن ~~أن يستفاد حكم ذلك الفرع من ذلك الأصل أم لا فانه قد يكون موضوع الأصل على ~~التغليظ وموضوع الفرع على التخفيف ويكون الحكم تخفيفا وهذا هو اختلاف موضوع ~~الأصل والفرع فلك أن تمنع من هذا القياس وتقول إن اختلاف موضوع الأصل ~~والفرع كالأمارة على أن حكم أحدهما مباين لحكم الآخر وللقائس أن يقول إنه ~~لا يمتنع أن يكون الأصل والفرع متباينين في بعض الأحكام ومتفقين في بعض آخر ~~فاذا دللت على صحة العلة وجب أن يشركا في الحكم الذي تقتضيه تلك العلة # وأما نظرك في الحكم من غير أن يكون له تعلق بالأصل والفرع فهو أن تنظر هل ~~يمكنك أن تقول بالحكم الذي علقه القائس على العلة فانه ربما علق # PageV02P446 # القائس على علته حكما مجملا يمكنك أن تقول به وهذا هو القول بموجب العلة ~~وإذا أمكنك ذلك بان أن القائس لم يدل على موضع الخلاف مثال ذلك أن يعلل ~~معلل كون الصوم شرطا في الاعتكاف بأنه لبث في مكان مخصوص فوجب أن يكون من ~~شرطه معنى يقارنه قياسا على الوقوف بعرفة فان لك أن تلتزم هذا الحكم وهو ~~إشراط معنى إذا كان القائس لم يفصل المعنى فهذا هو الكلام في حكم العلة لا ~~بحسب تعلقه بغيره ولك أن تقول إن القول بموجب العلة هو الكلام في الحكم ~~بحسب تعلقه بالفرع ### | فصل في ms829 الكلام في العلة # اعلم أنا قد قلنا إن الكلام في العلة إما أن يكون كلاما في وجودها أو في ~~غير وجودها وإن الكلام في غير وجودها ينقسم إلى الكلام في تصحيحها وإلى ~~الكلام في إفسادها فاذا نظرت في وجودها فانظر هل هي موجودة في جميع الأصل ~~أو في بعضه فانه قد يجوز أن تكون العلة موجودة في بعض الأصل ويكون المعلل ~~قد رام أن يرد الفرع إلى جميع الأصل فاذا لم تكن العلة شائعة في جميع الأصل ~~بطل ما رامه فان رد الفرع إلى الموضوع الذي وجدت فيه العلة من الأصل نظرت ~~فان جاز أن يكون بعض الأصل معللا دون بعض أجزت للقائس ما فعله وإن لم تجز ~~أن يكون بعض الأصل معللا دون بعض ولم تجز مع ذلك أن يكون علة جميع الأصل ~~إلا علة واحدة بطل قياسه ومثال ذلك منع أصحاب الشافعي من قياس الجص على ~~البر بعلة أنه مكيل بقولهم إن علة تحريم البر هي علة واحدة شائعة في جميع ~~البر والكيل ليس بشائع في جميع البر لأن الحبة والحبتين لا يتأتى فيهما ~~الكيل وأصحابنا يجيبون عن ذلك بأن المحرم من البر ليس له علة واحدة وهي ~~الكيل لأن المحرم ليس هو إلا ما يتأتى فيه الكيل من البر لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن بيع البر بالبر إلا كيلا بكيل فأجاز بالكيل ما منع ~~منه بغير كيل والذي يجوز بيعه إذا تساوى في الكيل هو ما يتأتى فيه الكيل ~~فيجب أن يكون ما يتأتى فيه الكيل هو ما # PageV02P447 # يحرم بيعه إذا تفاضل فهذا هو الكلام في وجود العلة في الأصل # فأما نظرك في وجود العلة في الفرع فهو أن تنظر هل العلة موجودة في الفرع ~~عندك وإن كانت موجودة فيه فهل هي موجودة في جميعه أو في بعضه فانه ربما وصف ~~القائس الفرع بصفة لا يجوز عند خصمه أن يكون موصوفا بها وقد يجمع المسلمون ~~في ذلك الفرع على أنه لا يجوز أن يثبت ms830 حكمه إلا بعلة واحدة فيكون ذلك مبطلا ~~لتعليل من علله بعلة واحدة لا توجد في جميعه ### | فصل فيما يدل على صحة العلة # يدل على صحتها النص والاستنباط أما النص فإما أن يدل على صحتها بصريحه ~~وإما أن يدل على صحتها بضرب من التنبيه أما صريح النص فهو أن يقول الله عز ~~وجل أو نبيه أو الأمة أو القائسون من الأمة إن هذا محرم لعلة كذا أو لأجل ~~كذا أو لأنه كذا أو لكيلا يكون كذا وأما تنبيه النص فنحو أن يفرق النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين شيئين ويذكر علة أحدهما فنعلم أن عكس تلك العلة قائم في ~~الشيء الآخر وأنه علة في نقيض حكم الشيء الأول مثاله امتناع النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الدخول على قوم عندهم كلب ودخوله على قوم عندهم هر وقوله إنها ~~ليست بنجس فدل ذلك على نجاسة الكلب وأنه هو العلة في امتناع دخوله على ~~أربابه ودل قوله في الهر إنها من الطوافين عليكم والطوافات على أن ذلك هو ~~علة طهارة الهر وأن كون الكلب ليس من الطوافين علينا مما يجوز أن يؤثر في ~~نجاسته وما يجري مجرى التنبيه الجواب بالفا نحو قول الله سبحانه {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} فان ذلك يدل على أن سبب القطع وعلته هو السرقة # فأما ما يدل على صحة العلة من جهة الاستنباط فانه يكون من وجوه # PageV02P448 # منها أن يجمع القائسون على أن الأصل معلل بعلل محصورة لا يجوز الزيادة ~~عليها وتفسد جميعها إلا واحدة منها فنعلم أنها هي العلة لأنها لو لم تكن هي ~~العلة انتقض القول بأن العلة لا تخرج عن تلك الأوصاف المذكورة # ومنها أن يكون الحكم يوجد بوجودها في الأصل ويرتفع بارتفاعها إلا أن ~~يخلفها على أخرى وقد شرط في ذلك أن لا يكون هناك وصف آخر له تأثير في الأصل ~~هو منها بأن يكون علة والذي يبين أن هذا الوجه يدل على صحة العلة أن الحكم ~~إذا وجد بوجود العلة في الأصل وارتفع بارتفاعها ms831 غلب على الظن أنها مؤثرة ~~فيها ولم يجز أن يكون تجويزها تأثيرها فيه وتجويز كونها غير مؤثرة فيه على ~~سواء لا مزية لأحدهما على الآخر لأن وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها ~~يقتضي لا محالة أن يكون الحكم بتلك العلة أخص # ومنها أن يكون العلة لها تاثير في قبيل ذلك الحكم وجنسه فيغلب على الظن ~~أن كونها علة فيه أولى من غيرها مثال ذلك كون البلوغ علة في رفع الحجر في ~~النكاح لأن للبلوغ تأثيرا في رفع جنس الحجر وقبيله فكان أولى من الثيوبة في ~~رفع حجر النكاح يبين ما ذكرنا أن الحجر إنما يثبت لغرض قد علمناه وهو نقصان ~~العقل المخل بمعرفة مصالح الإنسان في تصرفه المقتضي لقلة الخبرة بالامور ~~فاذا كان هذا هو المثبت للحجر وكان هذا المعنى منفيا بالبلوغ ظهر أن البلوغ ~~يجب أن يكون علة زوال ذلك إلا أن يثبت أن النكاح يختص بمعنى آخر يحصل به ~~الخبرة نحو الثيوبة التي يذكرها الشافعي فينظر في ذلك فكل حكم يثبت لغرض من ~~الأغراض فإنا نعلم أن زوال ذلك الغرض إلى خلافه يقتضي زوال ذلك الحكم إلا ~~أن يخلف ذلك الغرض غرض آخر سيما إن شهدت الاصول بذلك كما ذكرناه من زوال ~~الحجر عن المال بالبلوغ # وقد استدل قوم على صحة العلة بوجوه أخر # منها قولهم إنها قد سلمت من وجوه الفساد ويقال على ذلك إن عددتم # PageV02P449 # في وجوه الفساد التي قد سلمت العلة منها عدم الدلالة على صحتها فأقيموا ~~الدلالة على صحتها لنسلم قولكم إنها قد سلمت من عدم الدلالة على صحتها وإن ~~لم تعدوا عدم الدلالة على صحة العلة من وجوه الفساد وقلتم إن العلة إذا ~~سلمت من النقض والقلب والعكس وما جرى مجراها فهي صحيحة لم نسلم لكم أن ما ~~سلم من هذه الوجوه فهي علة صحيحة # ومنها قولهم إن عجز الخصم عن إفسادها يدل على صحتها وهذا لا يدل لأن ~~الخصم قد يعجز عن إفساد الفاسد لأن أكثر ما في عجز الخصم عن إفسادها كونها ms832 ~~سليمة من وجوه الفساد وهذا هو الرجوع إلى الوجه الأول وقد تكلمنا عليه فان ~~قيل أليس عجز العرب عن معارضة القرآن دليلا على إعجازه فهلا عجز الخصم عن ~~إفساد العلة ومعارضتها على صحتها الجواب إن القرآن إنما كان معجزا لنقضه ~~لعادة الفصحاء ومباينته لما تقدرون علته فاذا عجزوا عن الإتيان بمثله وبما ~~يقارنه علم أنه مباين لما تقدرون علته فثبت أنه ناقض للعادة وأما العلة ~~فليس وجه صحتها كونها ناقضة للعادة حتى يدل عجز الخصم عن الإتيان بمثلها ~~على إعجازها ولو كان كذلك لكان عجز الناس عن معارضتها يدل على نقضها للعادة ~~وليس هذا من الكلام في صحة العلة بسبيل # ومنها قولهم إن جريان العلة في معلولها دليل على صحتها وهذا لا يصح لأن ~~جريان العلة في معلولها معناه هو أن المعلل علق بها الحكم في كل موضع وجدت ~~فيه وهذا هو فعله وليس يدل فعله على صحتها ولأنه قد كان ينبغي أن يدل ~~المعلل على صحتها في الأصل أولا حتي يحسن منه أن يعلق الحكم بها في الفروع ~~فقد علم أن جريان العلة في معلولها فرع على إقامة الدلالة على صحتها فلا ~~يجوز أن يجعل دليلا على صحتها يبين ذلك أن محصول هذا الدليل هو انا لما ~~منعنا المعلل من تعليق الحكم بالعلة وذممناه على ذلك اعتذر من ذلك بأن قال ~~إني اعلق الحكم بها في مواضع أخر ونحن إذا منعناه من الأول وخالفنا فيه ~~فأولى أن نخالفه ونمنعه مما جعله عذرا لنفسه # PageV02P450 ### | فصل فيما يختص العلة من الوجوه المفسدة لها # اعلم أن العلة قد يدل على فسادها قول الأمة وقد يدل على فسادها الاستنباط ~~مثال الأول أن يقيس الإنسان قليل البر في ثبوت الربا فيه على قليل الذهب ~~والفضة بعلة أن كل واحد منهما يثبت الربا في كثيره وذلك أن القائسين أجمعوا ~~على أن المحرم من البر محرم لعلة واحدة وهي إما كيل أو غيره ولم يقل أحد إن ~~المحرم من البر له علتان ولا قال إن البر ms833 فرع على غيره فتعليل قليل البر ~~بأنه يثبت الربا في كثيره مجمع على فساده # وأما ما يدل على فسادها من جهة الاستنباط فوجوه منها أن يكون تعليلا ~~بالاسم ومنها اختلاف موضوعها مع الحكم ومنها عدم التأثير ومنها القلب ومنها ~~النقض ومنها الكسر ومنها أن تعارض العلة بعلة في الأصل أو تعارض جملة ~~القياس بقياس أما التعليل بالاسم فضربان احدهما أن يعلل معلل تحريم الخمر ~~لأن العرب تسمية خمرا وهذا تعليل فاسد لأنه يبعد أن يكون لتسمية العرب إياه ~~بذلك تأثير في تحريمه والآخر أن يعلل تحريمه بجنسه نحو أن يعلل تحريمه ~~بكونه خمرا وهذا غير فاسد لأنه لا يمتنع أن يكون لكونه خمرا تأثير في ~~التحريم وكما يجوز التعليل بذلك كذلك يجوز التعليل بصفة من الصفات أو بحكم ~~من الأحكام الشرعية فيجعل الحكم الشرعي علة في ثبوت حكم آخر شرعي لأنه لا ~~يمتنع أن يكون بعض الاحكام أمارة في ثبوت بعض آخر بأن يكون بينهم تعلق ~~يقتضي ذلك وأما اختلاف الوضع فنحو أن يعلل الإنسان حكما من الأحكام بحكم ~~آخر شرعي ويكون أحد الحكمين مبينا على التخفيف والآخر مبنيا على التغليظ ~~فيجوز أن يجعل ذلك أمارة تقتضي أن لا يعتبر أحدهما بالاخر ولقائل أن يقول ~~إنه لا يمتنع أن يكون أحدهما معتبرا بالآخر إذا دل الدليل على ذلك وكذلك لا ~~يمتنع أن يقاس الفرع على الأصل # PageV02P451 # وإن أحدهما مبنيا على التخفيف والآخر على التغليظ إذا كان الجامع بينهما ~~علة مدلولا على صحتها فان قيل إنه لا يجوز أن تدل الدلالة على صحة علة مثل ~~هذه العلل انتقل الكلام مع الخصم إلى إقامة الدلالة على صحة العلة فاما عدم ~~التأثير فهو أن يذكر المعلل في جملة أوصاف العلة وصفا لو عدم من الأصل لم ~~يعدم الحكم عنه فنعلم بذلك أنه لا يجوز أن تكون العلة مجموع تلك الأوصاف بل ~~ينبغي أن نرفض منها ذلك الوصف لأنه لو جاز أن يجعل في جملة العلة ما يضر ~~فقده في ثبوت الحكم في الأصل ms834 وجب إثبات ما لا نهاية له من الأوصاف التي لا ~~يضر فقدها في ثبوت الحكم في الأصل فان كنا متى رفضنا ذلك الوصف عن تلك ~~العلة التي انتقضت بفرع من الفروع وجب أن يدل انتقاضها على فسادها ولا يجوز ~~ضم الوصف إليها لتسلم العلة من النقض لأن العلة يجب أن نعلم أولا أن حكم ~~الأصل يعلق بها ثم يجري في الفروع فاذا لم يؤثر وصف منها في حكمه لم يجز أن ~~يكون من جملة علته وإذا وجب إسقاطه من العلة وكان ما عداه من الأوصاف ~~منتقضا علم فساد العلة وأما قلب القياس فهو أن يعلق بالعلة نقيض الحكم ~~المذكور في القياس ويرد الفرع بتلك العلة إلى الأصل الذي يرد إليه فرع ~~القياس مثاله أن يعلل معلل كون الصوم شرطا في الاعتكاف فيقول لأنه لبث في ~~مكان مخصوص فوجب أن يكون من شرطه اقتران معنى آخر إليه أصله الوقوف بعرفة ~~وللخصم أن يقلب القياس فيقول لأنه لبث في مكان مخصوص فوجب أن يكون لا من ~~شرطه الصوم قياسا على الوقوف بعرفة فاذا كانت العلة تتعلق بها الحكم ونقيضه ~~لم يكن بأن يكون علة في أحد الحكمين أولى من ان يكون علة في الآخر والقلب ~~يكون على ضربين أحدهما أن يكون أحد الحكمين اللذين علقا بالعلة مجملا ~~والاخر مفصلا مثاله ما ذكرنا من القياس في الاعتكاف وذلك أن من قال فوجب أن ~~يكون من شرطه معنى آخر قد أجمل الحكم ومن قال فوجب أن لا يكون الصوم من ~~شرطه قد فصل والصحيح أن تكون مثل هذه العلة يدل على الحكم المفصل ولا يبطل ~~إذا أمكن أن يعلق بها الحكم # PageV02P452 # المجمل لأن المجمل ليس ينافي المفصل وذلك لأن النية هي معنى ما ولا يمتنع ~~أن لا يكون الصيام شرطا في العبادة وإن كان من شرطها معنى هو النية وإنما ~~يجب أن تبطل العلة إذا تعلق بها حكمان يمتنع اجتماعهما لأنه لا يكون ثبوت ~~أحدهما لأجلها أولى من ثبوت الآخر وليس يمكن أن يتعلق ms835 بالعلة الواحدة حكمان ~~مفصلان يتناقضان لأن الحكمين متى تناقضا وجب أن يكون أحدهما كذبا والآخر ~~صدقا ومن حق القياس إذا قلب أن يكون الذي يقلبه والذي قلب عليه صادقين في ~~الحكم والضرب الآخر في القلب هو قلب التسوية وهو أن يقول القالب فوجب أن ~~يستوي كذا مع كذا فاذا ثبت وجوب استوائهما في الحكم وكان أحدهما محظورا وجب ~~أن يكون الآخر مثله فان كان القلب ينتقض أو يلحقه وجه آخر من وجوه الفساد ~~لم تبطل العلة لأن العلة إنما تبطل إذا أمكن أن يعلق بها حكمان نقيضان ولا ~~يكون تعلق أحدهما اولى من الآخر فاذا انتقضت العلة مع احد الحكمين كان ~~تعليق الحكم الآخر بها أولى وأما النقض فهو وجود العلة في موضع قد عدم ~~حكمها عنه ولهذا متى علل المعلل للجملة ثم نوقض بالتفضيل لم يكن ذلك نقضا ~~لأن حكم العلة هو الجملة ولم يعدم هذا عن الموضع الذي وجدت فيه العلة وإنما ~~عدم الحكم المفصل والحكم المفصل لم يكن حكمها الذي علق بها فأما إن علل ~~معلل للتفصيل فنوقض بالجملة فانه يكون نقضا صحيحا لأن الجملة يدخل فيها ~~التفصيل ألا ترى أن من علل وجوب القياس في قتل الذمي عمدا بانه حر مكلف ~~فنوقض بالحربي لأنه حر مكلف ولا يثبت بيننا وبينه قصاص أصلا لا عمدا ولا ~~خطأ فقد نوقض بنفي الحكمين في الجملة والتفصيل داخل فيه وهو وجوب القصاص في ~~قتل العمد ومثال النقض بالتفصيل إذا ورد على الجملة أن يعلل معلل قتل ~~المسلم بالذمي لأنهما حران مكلفان محقونا الدم فوجب أن يثبت بينهما قصاص ~~فتناقض بالمسلم إذا قتل ذميا خطأ وهذا ليس بنقض صحيح لأن المعلل إنما أثبت ~~بينهما قصاصا على بعض الوجوه وليس ينتقض هذا إلا بأن يؤخذ حران مكلفان # PageV02P453 # محقونا الدم ولا يثبت بينهما قصاص بوجه وقد يحترس من النقض بوجوه منها ~~الاحتراس بالأصل ومنها الاحتراس بشرط يذكر في حكم العلة ومنها الاحتراس ~~بحذف الحكم والاقتصار على التشبيه بالأصل مثال الاحتراس بالأصل أن يعلل ms836 ~~معلل قتل المسلم بالذمي بأنهما حران مكلفان محقونا الدم كالمسلمين فاذا ~~نوقض بقتل الخطأ قال إني إنما رددت الفرع إلى المسلم وأنا أقول في الفرع ~~مثل ما قلته في الأصل فأنا أوجب القصاص في العمد دون الخطأ وهذا الاحتراس ~~لا يصح لأن النقض هو عدم الحكم عن الموضوع الذي وجدت فيه العلة الملفوظ بها ~~لأن العلة الملفوظ بها هي المؤثرة في الحكم لا غيره والحكم هو المنطوق به ~~لا غير فاذا فعل ذلك تم النقض وقول المعلل إني أوجب في الفرع مثل ما يجب في ~~الأصل لا يصح لأنه إنما اقتضى لفظه أن يسوي بين الفرع والأصل فيما صرح به ~~من ثبوت القياس وما عدا ذلك لم يدل عليه لفظة وإنما أضمره والنقض إنما ~~يتوجه نحو المظهر دون المضمر وأما الاحتراس بحذف الحكم فهو أن يذكر المعلل ~~العلة ولا يذكر الحكم ولكنه يقول عقيب العلة فأشبه الفرع كيت وكيت وقد يفعل ~~ذلك إذا لم يمكن التصريح بالحكم وهذا الحذف لا يصح لأنه قوله فأشبه كيت ~~وكيت هو حكم بان الفرع يشبه كيت وكيت وإذا كان ذلك حكما احتاج إلى أصل يرد ~~إليه الفرع وأما الاحتراس بشرط مذكور في الحكم فمثاله إن يقول المعلل ~~لأنهما حران مكلفان محقونا الدم فوجب أن يكون بينهما قصاص إذا قتل أحدهما ~~صاحبه عمدا فاذا نوقض بقتل الخطأ قال قد احترست في الحكم بقولي قتله عمدا ~~ولقائل أن يقول إن الاحتراس في الحكم هو إقرار بانتقاض العلة وذلك أن ~~المعلل قد حكم بأن العلة هي كونهما حرين مكلفين محقوني الدم فقط وأنه لا ~~يدخل في العلة غير ذلك فاذا قال إن هذا يوجب القصاص في قتل العمد دون الخطأ ~~مع وجود هذه الأوصاف فقد أقر بان العلة توجد في موضعين ويتبعها حكمها في ~~أحدهما دون الآخر فان قيل لإنه لا يمتنع أن تكون هذه # PageV02P454 # الأوصاف أعني الحرية والتكليف وحقن الدم إنما تؤثر في إيجاب القصاص في ~~قتل العمد دون الخطأ قيل إن كانت هذه الأوصاف تؤثر ms837 في أحد الموضعين دون ~~الآخر لمعنى اختص يه أحدهما أعني قتل العمد فينبغي أن يذكر ذلك في جملة ~~العلة إذا كان له تأثير في إيجاب القصاص وإن كانت الأوصاف تؤثر في الحكمين ~~ويقتضي أحدهما في أحد الموضعين دون الآخر لا لأمر افترق فيه الموضعان ~~فكأنكم قلتم إن العلة تقتضي الحكم في موضع ولا تقتضيه في موضع آخر وإن كان ~~وجودها فيهما على حد سواء وهذا هو حقيقة النقض ولمجيب أن يجيب عن هذا فيقول ~~إن الشرط المذكور في الحكم هو متأخر في اللفظ ومتقدم في المعنى لأن قولنا ~~إنهما حران مكلفان فوجب أن يجب القصاص بينهما على القاتل عمدا معناه لأنهما ~~حران مكلفان محقونا الدم قتل أحدهما صاحبه عمدا وذلك لأنا قد علمنا أن قتل ~~العمد مما له تأثير في القصاص وهذا يقتضي أنه وإن ذكر في الحكم فهو مذكور ~~على أنه من جملة العلة وأما الكسر فهو نقض العلة على معناها دون لفظها وذلك ~~بأن يرفض وصفا من أوصاف العلة ظنا منه أنه غير مؤثر وأن الذي يجوز أن يتعلق ~~به الحكم هو ما عدا ذلك الوصف وتبدل من الوصف الذي رفضته وصفا هو أعم منه ~~ثم تنقض ما عدا ذلك الوصف ومتى رام المعلل أن يجيب عن الكسر وجب عليه أن ~~يبين أن للوصف الذي رفضه خصمه تأثيرا في الحكم حتى يجب إضافته إلى غيره من ~~الأوصاف فيمتنع في البعض مثال ذلك أن يعلل معلل وجوب صلاة الخوف بأنها صلاة ~~يجب قضاؤها كصلاة الأمن فيظن المعرض أنه لا تأثير لكون العبادة صلاة في هذا ~~الحكم وأن الذي يظن أنه مؤثر في الوجوب هو وجوب القضاء ثم ينقض ذلك بصوم ~~الحائض في شهر رمضان أنه ليس بواجب مع أن قضاؤه واجب ومتى رام المعلل أن ~~يجيب عن ذلك وجب عليه أن يبين أن لكون العبادة صلاة تأثيرا في كون وجوب ~~القضاء مؤثرا في وجوب العبادة وأن الصلاة تخالف الصيام في هذا الباب وقد ~~سمي الكسر عكسا وهذا العكس هو ms838 مخالف لعكس العلة المقابل للطرد لأن # PageV02P455 # ذلك العكس هو عدم الحكم في كل المسائل مع عدم العلة وهذا ليس بشرط في صحة ~~العلة لأن العلة الشرعية دلالة وأمارة على الحكم وليس يمتنع أن يوجد ~~المدلول عليه في بعض المواضع مع فقد بعض أدلته إذا دل عليه دليل آخر وهذا ~~العكس مفارق لعدم التأثير لأن عدم التأثير هو أن يكون العلة ذات وصفين أو ~~أكثر فيوجد الحكم في الأصل بوجود وصف من الأوصاف وإن عدم الوصف الآخر وبعدم ~~الحكم إذا عدم الوصف الذي قلنا إن الحكم يوجد بوجوده وإن وجد الوصف الآخر ~~فيعلم بذلك أن الوصف الذي يوجد الحكم مع عدمه ويعدم مع وجوده ليس من العلة ~~فلا يجوز أن يضم إليها وأما عكس العلة فهو أن يعدم الحكم في غير الأصل ~~والعلة منتفية وأما المعارضة بعلة فضربان أحدهما أن تقع المعارضة في علة ~~الأصل بأن يعلل المعترض الأصل بعلة أخرى والثاني أن يعارض القياس بقياس آخر ~~فان عارض القياس بقياس آخر فالكلام عليه ما تقدم وإن عارض علة الأصل ولم ~~يكن القائس ممن يقول بالعلتين لم يكن له أن يقول بهما وإن كان من مذهبه ~~القول بالعلتين لم يكن له أن يقول بهما في هذا الموضع إلا بعد أن يصحح علته ~~لأن المعارض لم يسلم عليه وإنما نازعه فيها وقال له ليس العلة في الأصل ما ~~ذكرت وإنما العلة ما أذكره أنا وليس يمكن القائس إذا عورض في علة الأصل إلا ~~وجوه ثلاثة أحدها أن يصحح علته ويبين أنها أولى من علة خصمه أو يصحح علته ~~ويقول بها وبعلة خصمه إن كانت علة خصمه عنده صحيحة أو يفسد علة خصمه ~~بالوجوه التي ذكرناها ويختص هذا الموضع بوجه آخر من وجوه الفساد وهو أن ~~تكون العلة التي وقعت المعارضة بها غير متعدية وهذا الوجه يفسد العلة على ~~قول بعض الناس وأحد الوجوه التي تقدم ذكرها مما يفسد العلة النقض فان نقض ~~القائس العلة التي عورض بها في الأصل فقد أفسدها وإن ms839 نقض عكسها الموجود في ~~الفرع جاز له ذلك إن كان المنازع له في علة الأصل قد علل بعلة الأصل وعلل ~~الفرع بعكسها وإن كان إنما علل الأصل بعلة ولم يعلل الفرع أصلا وإنما ادعي ~~أنه لا علة # PageV02P456 # للأصل سوى ما ذكره ليمنع من أن يقاس ذلك الفرع على ذلك الأصل لم يكن ~~للقائس والحال هذه أن ينقض عكس علته مثال ذلك أن يقيس قائس الكلب على الهر ~~في الطهارة فيقول خصمه المعنى في الأصل وهو الهر أنها من الطوافين علينا ~~والطوافات فلهذا كانت طاهرة وهذه العلة ليست في الكلب فلا ينبغي أن يقاس ~~على الهر فمتى قال ذلك لم يكن للقائس أن ينقض علته إلا تعليله الهر أنها من ~~الطوافين علينا فقط فأما إن قال الهر من الطوافين علينا فكانت طاهرة والكلب ~~ليس من الطوافين علينا فلهذا كان نجسا جاز أن ينقض علته في الكلب وإذا ~~نقضها بطل تعليله الهر بانها من الطوافين لأنه لما علل الأصل وعكس علته في ~~الفرع أعلمنا بذلك أنه ليس يفرق بينهما في النجاسة والطهارة إلا من هذه ~~الجهة وأن طهارة الحيوان موقوفة على أن يكون من الطوافين علينا فقط وأن ما ~~وجد هذا فيه يكون طاهرا فقط فاذا رأيناه شيئا طاهرا وإن لم يكن من الطوافين ~~فقد بطل قوله إن طهارة الحيوان موقوفة على هذا المعنى إلا أن هذا ليس ينقض ~~لعلة الأصل وإنما هو إبطال لقوله إنه لا علة لطهارة الحيوان إلا ما ذكروه ~~فان ادعي المعلل أو أجمع المسلمون على أن العلة في طهارة السنور هي المفرقة ~~بين ما طهر من الحيوان وبين ما لا يطهر وأن طهارة الحيوان موقوفة عليها ثم ~~علمنا أن طهارة الحيوان غير موقوفة على ما ذكره المعلل علمنا أن ما ذكره ~~المعلل ليس بعلة والوجه الثالث من الكلام على العلة التي وقعت المعارضة بها ~~هو الترجيح ونحن نفرد لذلك باب ولترجيح القياس على القياس فصلا ### | فصل في ترجيح علة الأصل على علة أخرى وفي ترجيح قياس على ms840 قياس # اعلم أنه إذا وقعت المعارضة في علة الأصل واستوى العلتان فلا بد من ترجيح ~~أحدهما على الأخرى وذلك يكون بوجهين أحدهما يرجع إلى قوة طريق صحة العلة ~~والثاني إلى تعدي العلة أما قوة طريق صحة العلة فبأن تكون إحدى العلتين ~~مجمع عليها دون الأخرى أو تكون إحداهما منصوصا # PageV02P457 # عليها والاخرى معلومة بمفهوم النص أو إحداهما طريقها مفهوم النص وطريق ~~الاخرى الاستنباط أما الترجيح بالتعدي فبأن تكون إحداهما متعدية دون الاخرى ~~أو بأن تكون إحداهما أكثر فروعا من الاخرى هذا على قول الأكثر لا يفسد ~~العلة إذا لم تكن متعدية وأما إذا عورض القياس بقياس فانه يتجه علته من ~~الكلام في إفساده وتصحيح علته ما قد سلف فاذا استويا رجح أحدهما على الآخر # وترجيح القياس يكون بما يرجع إلى أصله أو إلى حكمه أو إلى علته أما ~~الترجيح بما يرجع إلى العلة فقد سلف القول فيه إلا أن الترجيح بالتعدي لا ~~يمكن ههنا لأن هذه العلة متعدية إذ كان قد جمع بها بين أصل وفرع وأما ~~الترجيح بما يرجع إلى الأصل فبأن يكون طريق ثبوت الحكم في أحدهما أقوى من ~~طريق ثبوته في الآخر بأن يكون طريق تعليل أحد الأصلين أقوى من طريق تعليل ~~الآخر فاذا كان حكم الأصل منه يستفاد حكم الفرع وكان في أحدهما أقوى وجب أن ~~يكون أحد القياسين أقوى وكذلك إذا كان طريق صحة علة أحدهما أقوى وأما ~~الترجيح بما يرجع إلى الحكم فبأن يكون أحد الحكمين أحوط نحو أن يكون احدهما ~~وجوبا والآخر ندبا أو بأن يكون أحدهما حظرا والآخر مباحا فيكون الحظر أولى ~~لأنه أحوط أو بأن يكون أحد الحكمين قد ندبنا إلى إسقاطه بالشبهة كالحدود ~~وقد ذهب إلى الترجيح بذلك بعض الناس دون بعض # وقد ترجح العلة بأن يعضدها ظاهر لأن ذلك يقتضي أنها أولى من علة لم ~~يعضدها ظاهر # قد أتينا على الكلام في تصحيح العلة وفي إفسادها وترجيحها وإفسادها لا ~~يخرج عن الأقسام التي ذكرناها وذلك لأن الطعن على العلة نفسها ms841 إما أن يكون ~~بوجه منفصل عنها أو بوجه يرجع إليها أما الوجه المنفصل عنها فهو معارضة ~~العلة بعلة وأما المتصل بها فضربان أحدهما أن يكون له تعلق # PageV02P458 # بغيرها والثاني أن لا يكون له تعلق بغيرها والذي ليس له تعلق بغيرها هو ~~التعليل بالاسم وأما ما يكون له تعلق بغيرها فضربان احدهما أن يكون ذلك ~~الغير هو مكان وجودها وهذا بأن لا يكون له فرع يتعدى غليه والثاني أن يكون ~~ذلك الغير هو حكمها ### | فصل في ترجيح القياس على القياس # أحدهما أن يكون الوجه الطاعن عليها المتعلق بحكمها يرجع إلى جملة العلة ~~والثاني يرجع إلى جزء من أجزائها أما الراجع إلى جزء من أجزائها فهو أن ~~يكون وصف من أوصافها لا يؤثر في الحكم وأما الراجع إلى جملتها فهو ما يعلق ~~بدلالتها على الحكم وهذا بأن تكون العلة لا تليق بأن تدل على الحكم وهذا هو ~~اختلاف الوضع أو بأن لا يشافه الحكم في الدلالة وهذا هو الذي يمكن معه ~~القول بموجب العلة وأما بأن تكون العلة تدل على الحكم وعلى نقيضه فيكون ~~القلب وأما إن تدل علته في موضع ولا تدل عليه في موضع آخر وقد وجدت فيه ~~وهذا هو النقض وأما الكسر فليس هو بقسم آخر لأن الكسر هو مؤلف من عدم وتأثر ~~ونقض على ما تقدم بيانه ### | ضميمة في القلب # واعلم أنني نظرت في هذا الكتاب بعد سنين منذ ألفته فأردت أن أضم إليه ~~كلاما في القلب أكثر مما ذكرته في الكتاب أولا # اعلم أن قلب القياس هو أن يعلق القالب للقياس على العلة نقيض الحكم ~~المذكور في القياس ويرد الفرع إلى ذلك الأصل بعينه فلا يكون أحد الحكمين ~~بأن يعلق بالعلة أولى من أن يعلق به الآخر ولا يصح أن يعلقا جميعا بها ~~لتنافيهما ولقائل أن يقول إن وجود القلب لا يصح لأن القالب إما أن يعلق على ~~العلة مثل الحكم الذي علقه القائس أو خلافه أو نقيضه فان # PageV02P459 # علق عليها مثل الحكم فليس ذلك بقلب بل ms842 هو تكرير القياس مثال ذلك أن يقول ~~القائس الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى إليه اصله ~~الوقوف بعرفة فيقلبه القالب فيقول فوجب أن يكون من شرطه اقتران معنى إليه ~~ولا يكون ذلك قلبا ولكنه كرر القياس وإن علق على العلة حكما مخالفا لحكم ~~القياس لم يكن ايضا قالبا ولم يمكن أن يقال ليس بأن تعلق بها هذا الحكم ~~أولى من الآخر لأن الحكمين المختلفين غير الضدين يصح اجتماعهما مثال ذلك أن ~~يقول القائل في الاعتكاف إنه لبث في كان مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى ~~آخر إليه اصله الوقوف بعرفة فيقول القالب لأنه لبث في مكان مخصوص فجاز أن ~~يكون طاعة وعبادة أصله الوقوف بعرفة فلا يكون قد قلب القياس لأنه يصح ~~اجتماع الحكمين أعني أن يكون اللبث طاعة وأن يكون من شرطه اقتران معنى آخر ~~إليه إذ هذان الحكمان لا يتنافيان فلم يجز أن يكون القلب بذكر حكم مخالف ~~لحكم القياس غير مضاد له ولا متناقض وإن كان الحكم في القلب نقيض حكم ~~القياس لم يصح ايضا لأن من شرط القلب أن يرد الفرع إلى أصل القياس ويكون ~~القائس والقالب قد صدقا في إثبات حكميهما في الأصل والنقيضان لا يجوز أن ~~يجتمعا في شيء واحد على حد واحد مثال ذلك أن يقول قائل في الاعتكاف إنه لبث ~~في مكان مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى إليه فيقول القالب فلم يكن من شرطه ~~اقتران معنى لأن هذين القولين لا يصدقان في الوقوف بعرفة وهو الأصل لأنهما ~~نقيضان الا ترى أنه لا يجوز أن يكون من شرط الوقوف اقتران معنى إليه وليس ~~من شرطه اقتران معنى إليه أصلا فلم يصح القلب بذكر نقيض حكم القياس فبان ~~أنه لا وجوب للقلب والجواب أنه قد يجوز أن يعلق القالب على العلة حكما غير ~~حكم القياس مما يجوز أن يجتمع معه في الأصل ولا يجوز أن يجتمع في الفرع ~~لأجل إجماع من الامة أو من القائس والقالب فيتنافى الحكمان في ms843 الفرع بواسطة ~~الإجماع مثال ذلك أن يقول قائل في الاعتكاف لأنه لبث في مكان # PageV02P460 # مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى إليه اصله الوقوف ونفرض أن الأمة أجمعت ~~على أنه ليس من شرط الاعتكاف النية وأنه لو ثبت أن من شرطه اقتران معنى ~~إليه لم يكن إلا الصوم فثبوت هذا القياس مع هذا الإجماع يقتضي كون الصوم من ~~شرط الاعتكاف فاذا قال القالب لأنه لبث في مكان مخصوص فلم يكن من شرطه ~~الصوم اقتضي نفي كون الصوم شرطا في الاعتكاف والقياس الأول في الإجماع ~~اقتضى كون الصوم شرطا في الاعتكاف فيتنافى الحكمان في الفرع لأجل هذا ~~الإجماع ولم يتناف الحكمان بأنفسهما في الأصل أعني أن يكون من شرطه اقتران ~~معنى إليه وأن لا يكون الصوم من شرطه ولم نفرض أن الأمة أجمعت على أنه لو ~~كان من شرط الوقوف اقتران معنى إليه لما كان إلا الصوم فصح أن للقلب وجودا # وقد يكون الحكم في الفرع ذا جهتين لا تتنافيان في الأصل بل توجدان فيه ~~وتتنافيان في الفرع لأجل إجماع من الامة أو من الخصم مثال ذلك أن يقول قائل ~~الرأس عضو من أعضاء الطهارة فلم يتقدر الغرض فيه بأقل ما يقع عليه الاسم ~~أصله الوجه فيقلب الخصم ذلك فيقول فوجب أن لا يتقدر فيه بالربع أصله الوجه ~~وهذان الحكمان لا يتنافيان في الوجه ويتنافيان في الفرع على قول الخصمين ~~لأنهما قد اتفقا على أنه إذا لم يتقدر الفرض في الرأس بالربع فالواجب ~~تعليقه بأول ما يقع عليه اسم المسح لبطلان وجوب مسح جميعه عند الخصمين فمتى ~~ثبت ان الفرض لا يتعلق بأول الاسم صح قول الحنفي لاتفاق منه ومن الشافعي ~~ومتى ثبت أن الفرض لا يتقدر بالربع ثبت أنه يتعلق بأول ما يقع الاسم عليه ~~لأجل اتفاقهما على ذلك فتنافى الحكمان في الفرع فلم يكن بأن يعلق أحدهما ~~بالعلة أولى من أن يعلق بها الآخر وهذا الحكمان هما منفصلان وإن لم يتنافيا ~~بأنفسهما # ويدخل في القلب قلب التسوية مثاله أن يقول ms844 قائل في طلاق المكره لأنه مكلف ~~مالك للطلاق فوقع طلاقه أصله المختار فيقول القالب فوجب # PageV02P461 # أن يستوي حكم إيقاعه للطلاق وحكم إقراره به كالمختار وهذا الحكمان لا ~~يتنافيان في الأصل لأن طلاق المختار يقع ومع ذلك فحكم إيقاعه للطلاق كحكم ~~إقراره به في اللزوم والثبوت ويتنافى هذان الحكمان في الفرع لأنه إذا كان ~~طلاق المكره كاقراره بالطلاق وكان إقراره بالطلاق لا يثبت حكمه وجب أن يكون ~~طلاقه لا يثبت حكمه وذلك مناف للقول بأن طلاقه يثبت حكمه فهذا وجه من وجوه ~~القلب صحيح لأن الحكمين قد تنافيا في الفرع لأجل الإجماع فلم يكن بأن يعلق ~~أحدهما بالعلة أولى من الآخر فبان أن للقلب وجودا من وجوه ثلاثة أحدهما أن ~~يكون أحد الحكمين مجملا من غير ذكر تسوية والآخر مفصلا كما ذكرناه في ~~الاعتكاف والآخر أن يكون الحكمان مفصلين غير متنافيين بأن يكون الحكم في ~~الفرع ذا جهتين فيقصد كل واحد من القائس والقالب إحدى الجهتين ولا تتنافيان ~~في الأصل وتتنافيان في الفرع لأجل الإجماع والآخر أن يكون أحد الحكمين ~~مفصلا والآخر مجملا وإجماله من جهة التسوية كما ذكرناه آخرا # تم والحمد لله على ذلك PageV02P462 ms845