######OpenITI# #META# book_id: 3448 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/2663.epub&bid=3448 #META# multivol_id: 1276 #META# title: الذريعة إلى أصول الشريعة - الجزء1 #META# المؤلف: السيد علي علم الهدى #META# المواضيع: أصول الفقه #META# الناشر: جامعة طهران، مؤسسة النشر والطباعة #META# عدد الصفحات: 476 #META#Header#End# ### | مقدمة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله حمد الشاكرين الذاكرين، المعترفين بجميل (1) آلائه وجزيل ~~نعمائه، المستبصرين بتبصيره (2) المتذكرين (3) بتذكيره، الذين تأدبوا ~~بتثقيفه (4)، وتهذبوا (5) بتوفيقه، واستضاءوا بأضوائه، وترووا من أنوائه ~~حتى هجموا بالهداية إلى الدراية (6)، وعلموا بعد (7) الجهالة، واهتدوا بعد ~~الضلالة، فلزموا القصد، ولم يتعدوا الحد، فيقلوا في موضع الإكثار، ويطيلوا ~~في مكان الاختصار، ويمزجوا بين متباينين، ويجمعوا بين متنافرين، فرب مصيب ~~حرم في صوابه ترتيبه له في مراتبه وتنزيله في منازله، فعد مخطئا، وعن ~~الرشاد مبطئا. وصلى الله على أفضل بريته وأكمل خليقته سيدنا محمد وآله ~~الطاهرين (8) وسلم. # أما بعد: فإنني (9) رأيت أن أملى كتابا متوسطا في أصول الفقه (10) لا ~~ينتهى بتطويل إلى الإملال (11)، ولا باختصار إلى الإخلال، بل يكون PageV01P001 # للحاجة سدادا وللبصيرة زنادا، وأخص مسائل الخلاف بالاستيفاء والاستقصاء، ~~فإن مسائل الوفاق تقل الحاجة فيها إلى ذلك. # فقد وجدت بعض من أفرد في أصول (1) الفقه كتابا، وإن كان قد أصاب في كثير ~~من معانيه وأوضاعه ومبانيه، قد شرد (2) من (3) قانون أصول الفقه وأسلوبها، ~~وتعداها كثيرا وتخطاها، فتكلم على حد العلم والظن وكيف يولد النظر العلم، ~~والفرق بين وجوب المسبب عن السبب، وبين حصول الشيء عند غيره على مقتضى ~~العادة، وما تختلف (4) العادة وتتفق، والشروط التي يعلم بها (5) كون خطابه ~~تعالى دالا على الأحكام وخطاب الرسول (عليه السلام)، والفرق بين خطابيهما ~~بحيث يفترقان أو يجتمعان، إلى غير ذلك من الكلام الذي هو محض صرف خالص ~~للكلام (6) في أصول الدين دون أصول الفقه. # فإن كان (7) دعا إلى الكلام على هذه المواضع أن أصول الفقه (8) لا تتم ~~ولا تثبت إلا بعد ثبوت هذه الأصول، فهذه العلة تقتضي أن يتكلم (9) على ~~سائر أصول الدين من أولها إلى آخرها وعلى ترتيبها، فإن أصول PageV01P002 # الفقه مبنية على جميع أصول الدين مع التأمل (1) الصحيح، وهذا يوجب علينا ~~أن نبتدئ في أصول الفقه بالكلام على حدوث الأجسام وإثبات المحدث وصفاته ~~وجميع أبواب التوحيد، ثم بجميع (2) أبواب التعديل و(3) النبوات، ومعلوم أن ~~ذلك مما لا يجوز فضلا عن ms001 أن يجب. والحجة في إطراح الكلام على هذه الأصول ~~هي (4) الحجة (5) في إطراح الكلام على النظر وكيفية توليده وجميع ما ~~ذكرناه (6). # وإذا كان مضى (7) ذكر العلم والظن (8) في أصول الفقه اقتضى أن يذكر ما ~~يولد العلم ويقتضى (9) الظن ويتكلم (10) في أحوال الأسباب وكيفية ~~توليدها، فألا اقتضانا (11) ذكرنا (12) الخطاب الذي هو العمدة في أصول ~~الفقه والمدار عليه أن نذكر (13) الكلام في الأصوات و(14) وجميع أحكامها، ~~وهل الصوت جسم أو صفة لجسم (15) أو عرض؟ وحاجته إلى المحل (16) وما ~~يولده، وكيفية توليده، وهل الكلام معنى في النفس أو هو جنس الصوت أو معنى ~~يوجد مع الصوت؟ على ما يقوله أبو علي. فما التشاغل PageV01P003 # بذلك كله إلا كالتشاغل بما (1) أشرنا إليه مما تكلفه، وما تركه إلا ~~كتركه (2). والكلام في هذا الباب إنما هو الكلام في أصول الفقه بلا واسطة ~~من الكلام فيما هو أصول لأصول الفقه. و(3) الكلام في هذا الفن إنما هو مع ~~(4) من تقررت معه أصول الدين (5) وتمهدت، ثم تعداها إلى غيرها مما هو مبنى ~~عليها. فإذا كان المخالف لنا مخالفا في أصول الدين، كما أنه مخالف في أصول ~~الفقه، أحلناه (6) على الكتب الموضوعة للكلام في أصول الدين، ولم نجمع له ~~في كتاب واحد بين الأمرين. # ولعل القليل التافه من مسائل أصول الفقه (7)، مما لم أملل (8) فيه ~~مسألة مفردة مستوفاة مستقلة مستقصاة، لا سيما مسائله (9) المهمات الكبار. ~~فأما الكلام في الإجماع فهو في الكتاب الشافي والذخيرة مستوفى. # وكذلك (10) الكلام في الأخبار. والكلام في القياس والاجتهاد بسطناه ~~وشرحناه في جواب مسائل أهل الموصل الأولى (11). # وقد كنا قديما أمللنا (12) قطعة من مسائل الخلاف في أصول الفقه، PageV01P004 # وعلق عنا دفعات لا تحصى من غير (1) كتاب يقرؤه (2) المعلق علينا من ~~مسائل (3) الخلاف على غاية (4) الاستيفاء دفعات كثيرة. وعلق عنا كتاب ~~العمدة (5) مرارا لا تحصى. والحاجة مع ذلك إلى هذا الكتاب الذي قد شرعنا ~~فيه ماسة تامة، والمنفعة به عامة، لأن طالب الحق من هذا العلم يهتدى ~~بإعلامه عليه، (6) فيقع من قرب عليه. ومن يعتقد من الفقهاء ms002 مذهبا (7) ~~بعينه (8) تقليدا أو إلفا في أصول الفقه، ينتفع (9) بما أوضحناه من نصرة ~~ما يوافق فيه، مما كان لا يهتدى إلى نصرته وكشف قناع حجته، ولا يجده في كتب ~~موافقيه ومصنفيه ويستفيد أيضا فيما يخالفنا فيه، إنا حررنا في هذا الكتاب ~~شبهه (10) التي هي عنده حجج وقررناها، وهذبناها (11)، وأظهرنا من معانيها ~~(12) ودقائقها ما كان مستورا، وإن كنا من بعد عاطفين على نقضها وإبانة ~~فسادها، فهو على كل حال متقلب بين فائدتين مترددتين منفعتين. # فهذا الكتاب إذا أعان الله تعالى على إتمامه وإبرامه، كان بغير نظير (13) ~~من الكتب المصنفة في هذا الباب. ولم نعن (14) في تجويد (15) وتحرير ~~وتهذيب، فقد يكون ذلك فيما سبق إليه من المذاهب والأدلة، PageV01P005 # وإنما أردنا (1) أن مذاهبنا في أصول الفقه ما اجتمعت لأحد من مصنفي كتب ~~أصول الفقه. و(2) على هذا فغير ممكن أن يستعان بكلام أحد من مصنفي الكلام ~~في هذه الأصول، لأن الخلاف في المذاهب والأدلة والطرق والأوضاع يمنع (3) ~~من ذلك، ألا ترى (4) أن الكلام في الأمر والنهى الغالب على مسائله والأكثر ~~والأظهر أخالف (5) القوم فيه، والعموم والخصوص فخلافي لهم، وما (6) يتفرع ~~عليه أظهر، وكذلك (7) البيان والمجمل والإجماع والأخبار والقياس والاجتهاد ~~مما خلافي (8) جميعه أظهر من أن (9) يحتاج إلى إشارة، فقد تحقق استبداد ~~(10) هذا الكتاب بطرق مجددة (11) لا استعانة عليها بشيء من كتب القوم ~~المصنفة في هذا الباب. وما توفيقنا إلا بالله تعالى. # وقد سميته (12) بالذريعة إلى (13) أصول الشريعة، لأنه سبب ووصلة إلى ~~علم (14) هذه الأصول. وهذه اللفظة في اللغة العربية وما تتصرف إليه تفيد ~~هذا المعنى الذي أشرنا إليه، لأنهم يسمون الحبل الذي يحتبل به PageV01P006 # الصائد الصيد (1) ذريعة، واسم الذراع من هذا المعنى اشتق، لأن بها يتوصل ~~إلى الأغراض والأوطار، (2) والذراع أيضا صدر القناة. وذرع القيء (3) إذا ~~غلب، وبلغ من صاحبه الوطر. فبان أن التصرف يعود إلى المعنى (4) الذي ~~ذكرناه. وما توفيقنا إلا بالله عليه توكلنا وإليه ننيب (5). ### | . باب الكلام في الخطاب وأقسامه وأحكامه # اعلم أن الكلام في أصول الفقه إنما هو على الحقيقة ms003 كلام (6) في أدلة ~~الفقه، يدل عليه أنا إذا تأملنا ما يسمى بأنه أصول الفقه، وجدناه لا يخرج ~~من أن يكون موصلا إلى العلم بالفقه أو (7) متعلقا به وطريقا إلى ما هذه ~~صفته، والاختبار يحقق (8) ذلك. ولا يلزم على ما ذكرناه (9) أن تكون (10) ~~الأدلة والطرق إلى أحكام فروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء أصولا للفقه، ~~لأن الكلام في أصول الفقه إنما هو كلام في كيفية دلالة ما يدل من هذه ~~الأصول على الأحكام على طريق الجملة دون التفصيل، وأدلة PageV01P007 # الفقهاء إنما هي على تعيين المسائل، والكلام في الجملة غير الكلام في ~~التفصيل. # وإذا كان مدار الكلام في أصول الفقه إنما هو على الخطاب وجب أن نبدأ بذكر ~~أحكام الخطاب. # والخطاب (1) هو الكلام إذا وقع على بعض الوجوه، وليس كل كلام خطابا، وكل ~~خطاب كلام. والخطاب يفتقر في كونه كذلك إلى إرادة المخاطب لكونه خطابا لمن ~~هو خطاب له ومتوجها (2) إليه والذي يدل على ذلك أن الخطاب قد يوافقه (3) ~~في جميع صفاته من وجود وحدوث وصيغة (4) وترتيب (5) ما ليس بخطاب، فلا بد ~~من أمر زائد به كان خطابا، وهو قصد المخاطب. ولهذا قد يسمع كلام الرجل ~~جماعة (6) ويكون الخطاب (7) لبعضهم دون بعض لأجل القصد الذي أشرنا إليه ~~المخصص لبعضهم من (8) بعض، ولهذا جاز أن يتكلم النائم، ولم يجز أن يخاطب، ~~كما لم يجز أن يأمر وينهى. # (9) وينقسم الخطاب (10) إلى قسمين. مهمل ومستعمل. فالمهمل: ما لم يوضع PageV01P008 # في اللغة التي أضيف أنه مهمل إليها لشيء (1) من المعاني، والفوائد. و(2) ~~أما المستعمل: فهو الموضوع لمعنى، أو فائدة. وينقسم إلى قسمين. # أحدهما: ما له معنى صحيح وإن كان لا يفيد فيما سمى به كنحو الألقاب مثل ~~قولنا: زيد وعمرو، وهذا القسم (3) جعله القوم بدلا من الإشارة ولهذا لا ~~يستعمل في الله تعالى. والفرق بينه وبين المفيد أن اللقب يجوز تبديله ~~وتغييره (4)، واللغة على ما هي عليه، والمفيد لا يجوز ذلك فيه. # ولهذا (5) كان الصحيح أن لفظة شيء (6) ليست لقبا، بل (7) من (8) قسم ~~مفيد (9) الكلام، لأن ms004 تبديلها وتغييرها لا يجوز، واللغة على ما هي عليه. # وإنما لم تفد لفظة شيء، لاشتراك جميع المعلومات في معناها، فتعذرت (10) ~~فيها طريقة الإبانة والتمييز. فلأمر يرجع إلى غيرها لم (11) تفد، واللقب ~~لا يفيد لأمر (12) يرجع إليه. # والقسم الثاني من القسمة المتقدمة: هو المفيد الذي يقتضى الإبانة. # وهو على ثلاثة أضرب. أحدها: أن يبين (13) نوعا من نوع، كقولنا: PageV01P009 # لون، وكون، واعتقاد، وإرادة. وثانيها: أن يبين (1) جنسا من جنس كقولنا: ~~جوهر، وسواد، وحياة، وتأليف. وثالثها: أن يبين عينا من عين كقولنا: عالم، ~~وقادر، وأسود، وأبيض. ### ||| البحث في الحقيقة والمجاز (2) # وينقسم المفيد من الكلام إلى ضربين: حقيقة ومجاز. فاللفظ الموصوف بأنه ~~حقيقة هو ما أريد به ما وضع ذلك اللفظ لإفادته إما في لغة، أو عرف، أو شرع. ~~ومتى تأملت ما حدت به الحقيقة (3) وجدت (4) ما ذكرناه أسلم وأبعد من ~~القدح (5). وحد المجاز (6) هو اللفظ الذي أريد به ما لم يوضع لإفادته في ~~لغة، ولا عرف، ولا شرع. # ومن حكم الحقيقة وجوب حملها على ظاهرها إلا (7) بدليل. والمجاز بالعكس من ~~ذلك، بل يجب حمله على ما اقتضاه الدليل. والوجه في ثبوت هذا الحكم للحقيقة ~~أن المواضعة قد جعلت ظاهرها للفائدة المخصوصة، فإذا خاطب الحكيم قوما ~~بلغتهم وجرد كلامه عما يقتضى PageV01P010 # العدول عن ظاهره، فلا بد من أن يريد به (1) ما تقتضيه (2) المواضعة في ~~تلك اللفظة التي استعملها. # ومن شأن الحقيقة أن تجري (3) في كل موضع تثبت (4) فيه فائدتها من غير ~~تخصيص، إلا أن يعرض عارض سمعي يمنع (5) من (6) ذلك. هذا إن (7) لم يكن ~~في الأصل تلك الحقيقة وضعت لتفيد (8) معنى في جنس دون جنس، نحو قولنا: ~~أبلق، فإنه يفيد اجتماع لونين مختلفين في بعض الذوات (9) دون بعض، لأنهم ~~يقولون: فرس أبلق، ولا يقولون: # ثور (10) أبلق. # وإنما أوجبنا اطراد الحقيقة في فائدتها، لأن المواضعة تقتضي (11) ذلك، ~~والغرض فيها لا يتم إلا بالاطراد، فلو لم تجب (12) تسمية (13) كل من فعل ~~الضرب بأنه ضارب، لنقض ذلك القول بأن أهل اللغة إنما سموا (14) الضارب ~~ضاربا، لوقوع هذا ms005 الحدث المخصوص الذي هو الضرب منه. PageV01P011 # و(1) إنما استثنينا المنع السمعي (2) لأنه ربما عرض في إجراء الاسم على ~~بعض ما فيه فائدته مفسدة، فيقبح إجرائه، فيمنع (3) السمع منه، كما قلنا في ~~تسميته تعالى بأنه فاضل (4). # واعلم أن الحقيقة يجوز أن يقل استعمالها، ويتغير حالها فيصير (5) ~~كالمجاز. وكذلك المجاز غير ممتنع أن يكثر استعماله في العرف (6) فيلحق ~~بحكم الحقائق وإنما قلنا ذلك، من حيث كان (7) إجراء هذه (8) الأسماء على ~~فوائدها في الأصل ليس بواجب، وإنما هو بحسب الاختيار، وإذا صح في أصل اللغة ~~التغيير والتبديل، فكذلك (9) في فرعها (10)، والمنع من جواز ذلك متعذر. ~~وإذا كان جائزا، فأقوى ما ذكر في وقوعه وحصوله أن قولنا: غائط (11)، كان في ~~الأصل اسم للمكان المطمئن (12) من الأرض، ثم (13) غلب عليه الاستعمال ~~العرفي، فانتقل إلى الكناية عن قضاء الحاجة والحدث المخصوص، ولهذا لا يفهم ~~من إطلاق هذه اللفظة في العرف إلا ما ذكرناه، دون ما كانت PageV01P012 # عليه في الأصل. وأما استشهادهم على ذلك بالصلاة والصيام، وأن المفهوم في ~~الأصل من لفظة (1) الصلاة الدعاء، ثم صار بعرف الشرع المعروف سواه، وفي ~~(2) الصيام الإمساك، ثم صار في الشرع لما كان (3) يخالفه، فإنه يضعف، من ~~حيث أمكن يقال إن ذلك ليس بنقل، وإنما هو تخصيص، وهذا غير ممكن في لفظة (4) ~~الغائط (5). # وأقوى ما يعرف به كون اللفظ حقيقة (6) هو نص أهل اللغة، وتوقيفهم على ~~ذلك، أو يكون معلوما من حالهم ضرورة. # ويتلوه في القوة أن يستعملوا اللفظ (7) في بعض الفوائد، ولا يدلونا على ~~أنهم متجوزون بها مستعيرون لها، فيعلم (8) أنها حقيقة، ولهذا نقول: إن ~~(9) ظاهر استعمال أهل اللغة اللفظة في شيء دلالة (10) على أنها حقيقة فيه ~~إلا أن ينقلنا ناقل عن هذا الظاهر. # وقد قيل فيما يعرف به الحقيقة أشياء (11) غيرها (12) عليها- إذا تأملتها (13) PageV01P013 # حق التأمل- طعن، وفيها قدح. وما ذكرناه أبعد من الشبهة (1). # ويمضى في الكتب كثيرا أن المجاز لا يجوز استعماله إلا في الموضع الذي ~~استعمله (2) فيه أهل اللغة من غير تعد له. ولا بد من تحقيق هذا الموضع ms006 ~~فإنه تلبيس (3). # والذي يجب، أن يكون المجاز مستعملا فيما استعمله فيه (4) أهل اللغة أو ~~في نوعه وقبيله. ألا ترى أنهم لما حذفوا المضاف، وأقاموا المضاف إليه مقامه ~~في قوله تعالى: واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا (5) فيها، ~~أشعرونا بأن حذف المضاف توسعا جائز، فساغ لنا أن نقول سل المنازل التي ~~نزلناها، والخيل التي ركبناها، على هذه الطريقة في الحذف. ولما وصفوا (6) ~~البليد (7) بأنه حمار تشبيها له به (8) في البلادة، والجواد بالبحر تشبيها ~~له به في كثرة عطائه، جاز أن نصف البليد بغير ذلك من الأوصاف المنبئة (9) ~~عن عدم الفطنة، فنقول: # إنه صخرة، وإنه جماد، وما أشبه ذلك. ولما أجروا (10) على الشيء PageV01P014 # اسم ما قارنه (1) في بعض المواضع، فقلنا مثل (2) ذلك للمقارنة (3) في ~~موضع آخر. ألا ترى أنهم قالوا (4) سل القرية في قرية معينة، وتعديناها إلى ~~غيرها بلا شبهة للمشاركة في المعنى. وكذلك في النوع والقبيل. # وليس هذا هو القياس في اللغة (5) المطرح، كما لم يكن ذلك قياسا في تعدى ~~العين الواحدة في القرية. # وبعد فإنا نعلم أن ضروب المجازات الموجودات (6) الآن في اللغة لم ~~يستعملها القوم ضربة واحدة (7) في حال واحدة، بل في زمان بعد زمان، ولم ~~يخرج من استعمل (8) ذلك- ما لم يكن بعينه مستعملا- عن قانون اللغة، فكذلك ~~(9) ما ذكرناه. # واعلم أن الخطاب إذا انقسم إلى لغوي، وعرفي، وشرعي، وجب بيان مراتبه ~~وكيفية تقديم بعضه على بعض، حتى يعتمد ذلك فيما يرد منه تعالى من الخطاب. # وجملة القول فيه أنه إذا ورد منه تعالى خطاب، وليس فيه عرف، ولا شرع، وجب ~~حمله على وضع اللغة لأنه الأصل. # . PageV01P015 # فإن كان فيه وضع، وعرف، وجب حمله على العرف دون أصل الوضع، لأن العرف طار ~~على أصل الوضع، وكالناسخ له والمؤثر فيه. # فإذا كان هناك (1) وضع، وعرف، وشرع، وجب حمل الخطاب على الشرع دون ~~الأمرين المذكورين. للعلة (2) التي ذكرناها. ولأن الأسماء (3) الشرعية ~~صادرة عنه (4) تعالى-، فتجري مجرى الأحكام في أنه لا يتعدى (5) عنها. # واعلم أن الناس قد طولوا في أقسام الكلام، ms007 وأورد بعضهم في أصول الفقه ما ~~لا حاجة إليه. # وأحصر (6) ما قسم الكلام المفيد إليه، أنه أما أن يكون خبرا أو ما معناه ~~معنى الخبر. وعند التأمل يعلم دخول جميع (7) أقسام الكلام تحت ما ذكرناه. ~~لأن الأمر من حيث دل على أن الآمر مريد للمأمور به، كان في معنى الخبر. ~~والنهى إنما كان نهيا لأن الناهي كاره لما نهى عنه، فمعناه معنى الخبر. ~~ولأن المخاطب غيره إما أن يعرفه حال نفسه، أو حال غيره، وتعريفه حال غيره ~~يكون بالخبر دون الأمر، وتعريفه حال نفسه يكون بالأمر والنهى، وإن (8) جاز ~~أن يكون بالخبر. PageV01P016 # واعلم أن المفيد من الأسماء إما أن يختص بعين واحدة ولا يتعداها، أو يكون ~~مفيدا لما زاد عليها. فمثال الأول قولنا (1): إله وقديم وما جرى مجرى ذلك ~~مما يختص به القديم تعالى ولا يشاركه (2) فيه غيره. فأما ما يفيد (3) ~~أشياء كثيرة فينقسم (4) إلى قسمين: إما أن يفيد في الجميع فائدة واحدة، أو ~~(5) أن يفيد (6) فوائد مختلفة، فمثال الأول قولنا: لون، وإنسان. ومثال ~~الثاني قولنا (7): قرأ (8)، وعين، وجارية. # ومن خالف في جواز وقوع الاسم على مختلفين أو على ضدين (9)، لا يلتفت إلى ~~خلافه، لخروجه عن الظاهر من مذهب أهل اللغة. # و(10) اعلم أنه غير ممتنع أن يراد باللفظة الواحدة في الحال الواحدة (11) ~~من المعبر (12) الواحد المعنيان المختلفان. وأن يراد بها أيضا الحقيقة ~~والمجاز. # بخلاف ما حكى عمن خالف في ذلك من أبي هاشم وغيره. والذي يدل على صحة ما ~~ذكرناه أن ذلك لو كان ممتنعا لم يخل امتناعه (13) من أن يكون PageV01P017 # لأمر يرجع إلى المعبر (1)، أو لما يعود إلى العبارة، وما يستحيل لأمر (2) ~~يرجع إلى المعبر (3)، تجب (4) استحالته مع فقد العبارة، كما أن ما صح لأمر ~~يعود إليه، تجب (5) صحته مع ارتفاع العبارة، وقد علمنا أنه يصح من أحدنا ~~أن يقول لغيره لا تنكح ما نكح أبوك، ويريد به لا تعقد على من عقد عليه ولا ~~(6) من وطئه. ويقول أيضا لغيره إن لمست امرأتك فأعد الطهارة، ويريد به (7) ~~الجماع ms008 واللمس باليد. وإن كنت محدثا فتوضأ (8)، ويريد (9) جميع الأحداث. ~~وإذا جاز أن يريد الضدين في الحالة الواحدة، فأجوز منه أن يريد المختلفين. ~~فأما العبارة فلا مانع من جهتها يقتضى تعذر ذلك، لأن المعنيين المختلفين قد ~~جعلت هذه العبارة في وضع اللغة عبارة عنهما، فلا مانع (10) من (11) أن ~~يرادا بها. وكذلك (12) إذا استعملت هذه اللفظة في أحدهما (13) مجازا (14) ~~شرعا أو عرفا، فغير ممتنع أن يراد بالعبارة الواحدة، لأنه لا تنافي ولا ~~تمانع (15). PageV01P018 # وإنما لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة (1) الأمر والنهى، لتنافي ~~موجبيهما، لأن الأمر يقتضى إرادة المأمور به، والنهى يقتضى كراهة (2) ~~المنهي عنه، ويستحيل أن يكون مريدا كارها للشيء الواحد على الوجه الواحد. # وكذلك لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة الاقتصار على الشيء وتعديه، لأن ~~ذلك يقتضى أن يكون مريدا للشيء وأن لا يريده. # وقولهم لا (3) يجوز أن يريد باللفظة الواحدة استعمالها فيما وضعت له ~~والعدول بها (4) عما وضعت له، ليس بصحيح، لأن المتكلم بالحقيقة والمجاز ليس ~~يجب أن يكون قاصدا إلى ما وضعوه وإلى (5) ما لم يضعوه، بل يكفي في كونه ~~متكلما بالحقيقة، أن يستعملها فيما وضعت له في اللغة، وهذا القدر كاف في ~~كونه (6) متكلما باللغة، من غير حاجة إلى قصد استعمالها فيما وضعوه. وهذه ~~الجملة كافية في إسقاط (7) الشبهة. # واعلم أن الغرض في أصول الفقه التي بينا أن مدارها إنما (8) هو على ~~الخطاب- وقد ذكرنا مهم (9) أقسامه، وما لا بد منه من أحواله.- لما كان لا ~~بد فيه من (10) العلم بأحكام الأفعال، ليفعل ما يجب فعله، ويجتنب PageV01P019 # ما يجب اجتنابه، وجب أن (1) نشير (2) إلى العلم ما هو، و(3) ما يشتبه ~~(4) به من الظن، وما يقتضى كل واحد منهما من دلالة أو أمارة بأخصر قول، فإن ~~الجمل (5) المعقولة في هذه المواضع (6) كافية. # فأما الأفعال وأحكامها ومراتبها، فسيجيء (7) القول فيه من هذا الكتاب ~~عند الكلام على أفعال النبي (صلى الله عليه وآله) وكيفية دلالتها بإذن الله ~~تعالى (8) ومشيته. # واعلم أن العلم ما اقتضى سكون النفس. وهذه حالة معقولة يجدها الإنسان من ms009 ~~نفسه عند المشاهدات، ويفرق فيها (9) بين خبر النبي (صلى الله عليه وآله) ~~بأن (10) زيدا في الدار وخبر غيره. غير (11) أن ما (12) هذه حاله، لا بد ~~من كونه اعتقادا يتعلق بالشيء على ما هو به. و(13) إن لم يجز (14) إدخال ~~ذلك في حد العلم، لأن الحد يجب أن يميز (15) المحدود، ولا (16) يجب أن يذكر ~~في جملة ما يشاركه فيه ما خالفه. ولئن جاز لنا أن PageV01P020 # نقول في حد العلم: إنه (1) اعتقاد للشيء على ما هو به مع سكون النفس. # ونعتذر (2)، بأنا أبناه، بقولنا اعتقاد، من سائر الأجناس. وبتناوله (3) ~~المعتقد على ما هو به، من الجهل. وبسكون النفس، من التقليد. فألا جاز أن ~~نقول (4) في حده عرض (5)، لبينه (6) عن (7) الجوهر. ويوجب حالا للحي، ~~لبينه (8) مما يوجب حالا للمحل. ويحل القلب ولا يوجد إلا فيه، لبينه (9) ~~مما يحل الجوارح. # والعلم ينقسم إلى (10) قسمين. أحدهما: لا يتمكن العالم به (11) من ~~نفيه (12) عن نفسه (13) بشبهة (14) إن انفرد، وإن شئت قلت لأمر يرجع ~~إليه، وإن شئت قلت على حال من الحالات. والقسم الآخر: يتمكن من نفيه عن ~~نفسه على بعض الوجوه. والقسم الأول على ضربين. أحدهما (15): # مقطوع على أنه علم ضروري و(16) من فعل الله تعالى فينا، كالعلم ~~بالمشاهدات وكل ما (17) يكمل به العقل من العلوم. والقسم الثاني: PageV01P021 # مشكوك فيه ويجوز أن يكون ضروريا و(1) من فعل الله (2) فينا، كما يجوز أن ~~يكون من فعلنا، كالعلم بمخبر الإخبار عن (3) البلدان والحوادث الكبار. ~~وهذا مما (4) يستقصى في الكلام على الأخبار من هذا الكتاب بعون الله ~~ومشيئته. و(5) إنما شرطنا ما ذكرناه من الشروط، احترازا من العلم المكتسب ~~إذا قارنه علم ضروري، ومتعلقهما واحد. وأما العلم الذي يمن نفيه عن العالم ~~على الشروط الذي ذكرناها، فهو مكتسب، ومن شأنه أن يكون من فعلنا، لا من فعل ~~غيرنا فينا (6). وما بعد هذا من أقسام العلوم الضرورية، وما يتفرع عليه ~~(7)، غير محتاج إليه في هذا الكتاب. # والنظر في الدلالة على الوجه الذي (8) يدل عليه، يجب عنده العلم و(9) ~~يحصل لا ms010 محالة. وهذا القدر كاف لمن ينظر في أصول الفقه، و(10) لا حاجة به ~~ماسة لا يتم ما قصده من أصول الفقه إلا بها، إلى (11) أن يحقق (12) كيفية ~~كون النظر سببا للعلم وشروط (13) توليده. PageV01P022 # و(1) أما الظن فهو ما يقوى كون ما ظنه على ما يتناوله الظن، وإن جوز ~~خلافه. فالذي (2) يبين به الظن التقوية والترجيح. ولا معنى لتحقيق كون ~~الظن من غير قبيل الاعتقاد هاهنا، وإن (3) كان (4) ذلك (5) هو الصحيح، ~~لأنه لا حاجة تمس (6) إلى ذلك. # وما يحصل (7) عنده الظن، يسمى أمارة (8). # ويمضى في الكتب كثيرا (9)، أن حصول الظن عند النظر في الأمارة (10) ليس ~~بموجب عن النظر، كما نقوله (11) في العلم الحاصل عند النظر في الدلالة، بل ~~يختاره الناظر في الأمارة لا محالة لقوة الداعي. # وليس ذلك بواضح، لأنهم إنما يعتمدون في ذلك على اختلاف الظنون من العقلاء ~~والأمارة واحدة، وهذا يبطل باختلاف العقلاء في الاعتقادات والدلالة واحدة. ~~فان ذكروا اختلال (12) الشروط وأن عند تكاملها يجب العلم، أمكن أن يقال ~~مثل ذلك بعينه في النظر (13) في PageV01P023 # الأمارة. وتحقيق ذلك أيضا مما لا يحتاج إليه هاهنا (1) لأن الأغراض في ~~أصول الفقه (2) تتم (3) بدونه (4). # وإن (5) قيل ما دليلكم على أن (6) تكليفكم في أصول الفقه إنما هو العلم ~~دون العمل التابع للظن وإذا كنتم تجوزون أن (7) تكليفكم (8) الشرائع ~~تكليف يتبع الظن الراجع إلى الأمارة فألا كان التكليف في أصول الفقه كذلك. # قلنا ليس كل أصول الفقه يجوز فيه أن يكون الحق في جهتين مختلفتين (9) ~~لأن القول بأن المؤثر في كون الأمر أمرا إنما (10) هو إرادة المأمور به ~~وأنه لا تعلق لذلك بصفات الفعل في نفسه وأنه تعالى لا يجوز أن يريد إلا ما ~~له صفة زائدة على حسنه ولا ينسخ الشيء قبل وقت فعله (11) وما أشبه ذلك ~~وهو (12) الغالب والأكثر فلا (13) يجوز أن يكون الحق فيه إلا واحدا (14) ~~كما لا يجوز في أصول الديانات أن يكون الحق إلا في واحد (15). PageV01P024 # اللهم إلا أن يقول جوزوا أن يكلف الله تعالى من ظن بأمارة مخصوصة ms011 تظهر ~~(1) له أن الفعل واجب، أن يفعله على وجه (2) الوجوب، ومن ظن بأمارة أخرى ~~أنه ندب، أن يفعله على (3) هذا الوجه (4)، وكذلك القول في الخصوص ~~والعموم (5)، وسائر المسائل (6)، لأن العمل فيها على هذا الوجه (7) هو ~~المقصود دون العلم، واختلاف أحوال المكلفين فيه جائز، كما جاز في فروع ~~الشريعة. # فإذا سئلنا (8) على هذا الوجه، فالجواب أن ذلك كان جائزا، لكنا قد علمنا ~~الآن خلافه، لأن الأدلة الموجبة للعلم قد دلت على أحكام هذه الأصول، كما ~~دلت على (9) أصول الديانات، وما إليه طريق علم لا حكم للظن فيه، وإنما ~~يكون للظن حكم فيما لا طريق إلى العلم (10) به 7 ألا ترى أننا لو تمكنا من ~~العلم بصدق الشهود، لما (11) جاز أن نعمل (12) في صدقهم على الظن، وكذلك ~~(13) في أصول العقليات. PageV01P025 # لو أمكن أن نعلم (1) أن في الطريق سبعا، لما علمنا (2) على قول من نظن ~~(3) صدقه من المخبرين عن ذلك، وإذا ثبتت (4) هذه الجملة، وعلمنا أن على ~~هذه الأصول أدلة، يوجب النظر فيها العلم، لم يجز أن نعمل فيما يتعلق بها ~~على الظن والأمارات، ومعنا علم وأدلة. # وأيضا فلو كانت العبادة وردت بالعمل فيها على الظنون، لوجب أن يكون على ~~ذلك دليل مقطوع به، كما نقول لمن ادعى مثل ذلك في الأحكام الشرعية (5)، وفي ~~فقد دلالة على ذلك صحة ما قلناه. # وأيضا فليس يمكن أن يدعى أن المختلفين يعذر بعضهم بعضا في الخلاف الجاري ~~في هذه (6) الأصول، ويصوبه، ولا يحكم بتخطئته (7)، كما أمكن أن يدعى ذلك ~~في المسائل الشرعية (8)، فإن (9) من نفي القياس في الشريعة، لا يعذر ~~مثبتيه (10)، ولا يصوبه، ومن أثبته، لا يعذر نافيه، ولا يصوبه (11)، ~~وكذلك القول في الإجماع وأكثر مسائل الأصول. # . PageV01P026 ### | باب القول في الأمر وأحكامه وأقسامه. ### ||| فصل في ما (1) الأمر # اختلف الناس في هذه اللفظة، فذهب قوم إلى أنها مختصة بالقول، دون الفعل، ~~ومتى (2) عبر بها عن الفعل كانت (3) مجازا. وقال آخرون (4) هي مشتركة ~~بين القول والفعل، وحقيقة فيهما معا. والذي يدل على صحة ذلك، أنه لا خلاف ~~في ms012 استعمال لفظة الأمر في اللغة العربية تارة (5) في القول وأخرى (6) في ~~الفعل، لأنهم يقولون: أمر فلان مستقيم (7) وإنما يريدون طرائقه (8) ~~أفعاله، دون أقواله، ويقولون: هذا أمر عظيم، كما يقولون: هذا (9) خطب عظيم، ~~ورأيت من فلان أمرا أهالني، أو (10) أعجبني، ويريدون بذلك الأفعال لا ~~محالة، ومن أمثال العرب في خبر الزبا (11): لأمر ما جدع (12) قصير أنفه ~~(13)، و(14) قال الشاعر: لأمر ما يسود (15) من يسود (16). PageV01P027 # ومما يمكن أن يستشهد به على ذلك من القرآن قوله تعالى: # حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور، وإنما يريد الله تعالى بذلك الأهوال ~~والعجائب، التي فعلها- جل اسمه-، وخرق (1) بها (2) العادة، وقوله (3) ~~تعالى: أتعجبين من أمر الله، وأراد الفعل لا محالة (4). # وإذا صحت هذه الجملة، وكان ظاهر استعمال أهل اللغة اللفظة في شيئين أو ~~أشياء، يدل على أنها حقيقة فيهما، ومشتركة بينهما، إلا أن يقوم دليل (5) ~~قاهر يدل (6) على أنه مجاز في أحدهما- وقد بسطنا هذه الطريقة في مواضع ~~كثيرة من كلامنا، وسيجيء مشروحة مستوفاة في مواضعها من كتابنا هذا- وجب ~~القطع على اشتراك هذه اللفظة بين الأمرين، ووجب على من ادعى أنها مجاز في ~~أحدهما، الدليل. # فإن قالوا: قد استعمل لفظ الخبر فيما ليس بخبر على الحقيقة، كما قال ~~الشاعر: تخبرني (7) العينان ما القلب كاتم. قلنا: قد بينا أن ظاهر ~~الاستعمال يدل على الحقيقة، إلا أن يقوم دلالة (8)، ولو خلينا وظاهر ~~استعمال لفظة الخبر في غير القول، لحكمنا (9) فيه بالحقيقة، لكنا علمنا، PageV01P028 # ضرورة من مذاهب القوم أنهم لذلك مستعيرون و(1) متجوزون، فانتقلنا عما ~~يوجبه ظاهر الاستعمال، وليس ذلك معنا في (2) استعمالهم لفظة الأمر في الفعل. # وقد تعلق المخالف لنا في هذه المسألة (3) بأشياء: # منها: أن الأمر يشتق منه في اللغة العربية الوصف لفاعله بأنه آمر، وهذا ~~لا يليق إلا (4) بالقول دون الفعل، لأنهم لا يسمون من فعل فعلا ليس بقول ~~بأنه آمر. # ومنها: أنه لو كان اسما (5) للفعل في الحقيقة لاطرد في كل فعل حتى يسمى ~~الأكل والشرب بأنه أمر، ألا ترى أن القول لما كان أمرا، اطرد في ms013 كل ما هو بصفته. # ومنها: أن من شأن الأمر أن (6) يقتضى مأمورا ومأمورا به، كما يقتضى ~~الضرب ذلك، ومعلوم أن ذلك لا يليق إلا بالقول دون الفعل. # ومنها: أن الأمر يدخل فيه الوصف بمطيع وعاص، وذلك لا يتأتى إلا في القول. # ومنها: أن الأمر نقيضه (7) النهى، فإذا لم يدخل النهى إلا في الأقوال ~~دون الأفعال، فكذلك الأمر. PageV01P029 # ومنها: أن الأمر يمنع من (1) الخرس والسكوت، لأنهم يستهجنون في الأخرس ~~والساكت أن يقولوا وقع منه أمر، كما يستهجنون أن يقولوا وقع منه خبر، أو ~~(2) ضرب من ضروب الكلام. # ومنها: أن لفظة الأمر لو كانت مشتركة بين القول والفعل، لم تخل (3) من ~~أن يفيد فيهما فائدة واحدة، أو فائدتين مختلفتين، وفي تعذر (4) الإشارة إلى ~~فائدة تعمهما (5)، أو فائدتين يخص كل واحدة (6) منهما، دلالة على فساد كون ~~هذه اللفظة حقيقة في الأمرين. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا من دلالة الاشتقاق: ما أنكرتم أن يكون ~~الاشتقاق (7) الذي أوجبه أهل اللغة لفاعل الأمر إنما هو (8) الذي هو قول ~~دون ما ليس بقول من الأفعال، ومعلوم ضرورة أنهم إنما اشتقوا آمرا من الأمر ~~الذي هو القول، فأي (9) دلالة في ذلك على أن الفعل لا يسمى أمرا، ومن الذي ~~يحفظ عن أهل اللغة القول بأن كل ما يوصف بأنه أمر على الحقيقة يوصف فاعله ~~بأنه آمر، وإذا لم يكن هذا محفوظا عنهم، ولا منقولا، فلا دلالة فيما ذكروه. ~~وهذه الطريقة PageV01P030 # توجب عليهم أن تكون (1) لفظة عين غير مشتركة، لأن لقائل (2) أن يقول ~~إن (3) هذه اللفظة إنما تجري على ما يشتق (4) منه أعين و(5) وعيناء، وهذا ~~لا يليق (6) بالجارحة، فيجب أن تكون (7) مقصورة (8) عليها. وبمثل ما ~~يدفعون به هذا القول، يدفع قولهم. # ويقال (9) لهم فيما تعلقوا به ثانيا: نحن نقول بما ظننتم أنا نمنع منه، ~~ولا نفرق (10) بين وقوع هذا الاسم الذي هو الأمر على الأفعال كلها، على ~~اختلافها وتغايرها، وإلا فضعوا أيديكم على أي فعل شئتم، فإنا نبين أن أهل ~~اللغة لا يمتنعون من أن يسموه أمرا. ms014 # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن اقتضاء الأمر لمأمور ومأمور به إنما ~~هو في الأمر الذي هو القول دون الفعل، وإنما كان كذلك، لأن الأمر له تعلق ~~بغير فاعله، والفعل لا تعلق له بغير فاعله، فلذلك احتاج الأمر (11) بمعنى ~~القول (12) من مأمور به ومأمور، إلى ما لا (13) يحتاج PageV01P031 # إليه الفعل، وإن سمى أمرا، وأنتم لا يمكنكم أن تنقلوا (1) عن أهل اللغة ~~أن كل ما سمى أمرا- وإن لم يكن قولا- يقتضى مأمورا به ومأمورا. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إن الوصف بالطاعة والمعصية أيضا لا يليق ~~إلا بالأمر الذي هو القول للعلة التي ذكرناها، وهو أن (2) المطيع من فعل ~~ما أمر به، والعاصي من خالف ما أمر به، والأمر الذي هو الفعل لا يقتضى طاعة ~~ولا معصية (3)، لأنه لا يتعلق (4) بمطيع ولا عاص. # على أن قولهم إن دخول الطاعة والمعصية علامة لكون الأمر أمرا، ينتقض (5) ~~بقول (6) القائل العلامة: أريد أن تسقيني الماء، ونحن نعلم أنه إذا لم ~~يفعل يوصف بأنه عاص، وإذا (7) فعل يوصف بأنه مطيع، وقد علمنا أن قوله: أريد ~~أن تفعل، ليس بأمر، لفقد صيغة الأمر فيه، فبطل (8) أن تكون (9) الطاعة أو ~~(10) المعصية موقوفة على الأمر. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إن (11) النهى نقيض (12) الأمر الذي ~~هو القول، دون الفعل، فمن أين لكم أن النهى نقيض (13) كل ما PageV01P032 # سمى أمرا، وإن لم يكن قولا. والذين قالوا لنا من أهل اللغة: النهى نقيض ~~الأمر، هم الذين قالوا لنا: إن الفعل يسمى بأنه أمر وجرى ذلك في كلامهم ~~وأشعارهم. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: إن الخرس والسكوت يمنعان من الأمر الذي ~~هو القول، ولا يمنعان من الأمر الذي هو (1) الفعل، يدل على هذا (2) أنا ~~نقول في الأخرس (3): إن أمره مستقيم أو (4) غير مستقيم، ورأيت منه أمرا ~~جميلا أو قبيحا (5)، وكذلك في الساكت. ويوضح ما ذكرناه أنه لو كان الأخرس ~~لا يقع منه ما يسمى أمرا من الأفعال،- كما لا يكون آمرا- لوجب أن يستقبحوا ~~وصف فعله بأنه أمر، كما استقبحوا ms015 وصفه بأنه آمر. فقد (6) علمنا الفرق بين ~~الأمرين ضرورة. و(7) لمن خالف في اشتراك لفظة عين أن يطعن بمثل ما ذكروه، ~~فيقول (8): إن هذه اللفظة تجري على (9) ما يؤثر فيه العمى و(10) الآفة، ~~وهذا لا يليق إلا بالجارحة (11)، PageV01P033 # فيجب (1) أن تكون (2) مخصصة بها. ولا (3) جواب عن هذا الطعن إلا ما ~~قدمناه من الجواب عن طعنهم. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: إنا لا ندعي (4) أن الفائدة واحدة، ~~فيما سمى أمرا من القول، وسمى أمرا من الفعل، بل ندعي (5) اختلافهما، ~~ويجري وقوع هذه التسمية على المختلف، مجرى وقوع قولهم عين على أشياء (6) ~~مختلفة لا تفيد (7) في كل واحد منها فائدتها في الآخر، لأن العين التي هي ~~الجارحة لا تشارك العين التي هي الذهب أو (8) عين الماء في فائدة واحدة، بل ~~الفوائد مختلفة، وكذلك لفظة أمر تفيد (9) تارة القول الذي له الصيغة ~~المعينة وتارة الفعل، وهما فائدتان مختلفتان (10). ولهذا نقول (11): إن ~~هذه اللفظة تقع (12) على كل (13) فعل، ولا تقع إذا استعملت في القول على ~~كل قول، حتى يكون بصيغة (14) مخصوصة. # . PageV01P034 ### ||| فصل: في وجوب اعتبار الرتبة في الأمر # اعلم أنه لا شبهة في اعتبارها، لأنهم يستقبحون قول القائل أمرت الأمير، ~~أو نهيته، ولا يستقبحون أن يقولوا أخبرته، أو (1) سألته، فدل على أنها ~~معتبرة، ويجب أن لا تطلق إلا إذا كان الآمر أعلى رتبة من المأمور. فأما إذا ~~كان دون رتبته (2)، أو كان مساويا له، فإنه لا يقال أمره. والنهى جار مجرى ~~الأمر في هذه القضية. وما له معنى الأمر وصيغته (3) من الشفاعة تعتبر (4) ~~أيضا فيه الرتبة، لأنهم يقولون شفع الحارس إلى الأمير، ولا يقولون شفع ~~الأمير إلى الحارس، فالشفاعة (5) إنما يعتبر فيها الرتبة بين الشافع ~~والمشفوع إليه، كما أن الأمر إنما تعتبر (6) الرتبة فيه (7) بين الآمر ~~والمأمور. ولا اعتبار بالرتبة (8) في المشفوع فيه، على ما ظنه من خالفنا ~~(9) في الوعيد، لأن الكلام على ضربين (10)، ضرب لا تعتبر فيه الرتبة، وضرب ~~تعتبر (11) فيه (12)، فما اعتبرت PageV01P035 # فيه الرتبة، إنما اعتبرت بين المخاطب والمخاطب، دون من ms016 يتعلق به الخطاب ~~(1)، ولذلك جاز أن يكون أحدنا شافعا لنفسه، وفي حاجة نفسه، ولو اعتبرت ~~الرتبة في المشفوع فيه (2)، لما جاز ذلك، كما لا يجوز أن يكون آمرا نفسه ~~وناهيها (3). # وقد تعلق من خالفنا بأشياء: أولها أنهم حملوا الأمر على الخبر في إسقاط ~~الرتبة. # و(4) ثانيها قوله تعالى: @QUR@08 ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ~~والطاعة تعتبر (5) فيها (6) الرتبة (7) كالأمر. # وثالثها قول الشاعر: «رب من أنضجت غيظا (8) قلبه (9)، قد تمنى لي موتا ~~لم يطع» والموت من فعل الله تعالى، والطاعة لا تجوز عليه تعالى (10) عند ~~من اعتبر الرتبة. # فيقال لهم في الأول: لو كان الأمر كالخبر في (11) سقوط اعتبار الرتبة، ~~جاز أن يقال أمرت الأمير، كما يقال أخبرت الأمير، فلما لم يجز ذلك، بان الفرق. PageV01P036 # والجواب عن (1) الثاني أنه استعار للإجابة (2) لفظة (3) الطاعة بدلالة ~~أن أحدا لا يقول إن الله (4) أطاعني في كذا، إذا أجابه (5) إليه. # وأيضا فظاهر (6) القول يقتضى أنه ما للظالمين من (7) شفيع يطاع وليس ~~يعقل من ذلك نفي شفيع يجاب فإذا قيل: فكل شفيع لا يطاع على مذهبكم، كان في ~~ظالم أو في (8) غيره، لأن الشفيع يدل على انخفاض (9) منزلته عن منزلة ~~المشفوع إليه، والطاعة تقتضي (10) عكس ذلك. # قلنا: القول بدليل الخطاب باطل، وغير ممتنع أن يخص الظالمون بأنهم (11) ~~لا شفيع لهم يطاع، وإن كان غيرهم بهذه المنزلة (12). # وأيضا فيمكن أن يكون المراد (13) بيطاع غير الله تعالى من الزبانية ~~والخزنة، والطاعة من هؤلاء لمن هو أعلى منزلة منهم، من الأنبياء (عليهم ~~السلام) والمؤمنين صحيحة واقعة في موقعها (14). PageV01P037 # والجواب عن الثالث أن الشاعر تجوز (1)، واستعمل لفظة يطع (2) في موضع ~~يجب، وهذه عادة الشعراء. # وأيضا (3) فيمكن (4) ان يكون إنما تمنى في عدوه أن يقتله (5) بعض ~~البشر،- فقد يسمى القتل موتا، والموت قتلا، للتقارب بينهما- فلم يطعه (6) ~~ذلك القاتل، ولم يبلغه أمنيته. والشبهة في مثل هذه المسألة ضعيفة (7) ### ||| . فصل في صيغة الأمر # اختلف الناس في صيغة الأمر، فذهب الفقهاء كلهم (8) وأكثر المتكلمين إلى ~~أن للأمر صيغة مفردة مختصة به، متى استعملت في ms017 غيره كانت مجازا، وهي قول ~~القائل لمن (9) دونه في الرتبة افعل. وذهب آخرون إلى أن هذه اللفظة مشتركة ~~بين الأمر وبين (10) الإباحة، وهي حقيقة فيهما، و(11) مع الإطلاق لا يفهم ~~أحدهما، إنما يفهم واحد دون صاحبه بدليل، و(12) هو الصحيح. PageV01P038 # والذي يدل عليه أن هذه اللفظة مستعملة بلا خلاف في الأمر والإباحة في ~~التخاطب والقرآن والشعر (1)، قال الله تعالى: (2)@QUR@02 أقيموا الصلاة* ~~وهو آمر، وقال تعالى (3)@QUR@04 وإذا حللتم فاصطادوا وهو مبيح، وكذلك قوله ~~تعالى: @QUR@06 فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض والانتشار مباح و(4) ~~غير مأمور به، وظاهر الاستعمال يدل على الحقيقة، إلا أن تمنع دلالة، وما ~~نراهم يفزعون (5) إذا أرادوا أن يبيحوا إلا إلى هذه اللفظة، كما يفزعون ~~(6) إليها في الأمر. ولا يعترض على هذا بقولهم (7): أبحت، لأن ذلك خبر ~~محض. وهو جار مجرى أمرت في أنه خبر، وإذا أرادوا أن يبيحوا بغير لفظة ~~الخبر، فلا مندوحة لهم عن هذه اللفظة، كما لا مندوحة لهم في (8) الأمر. # وأما (9) ما تعلق (10) المخالف في اختصاص هذه الصيغة بالأمر، بأن معنى ~~الأمر- وهو الطلب- (11) يهجس (12) في النفس، وتدعوا الحاجة إليه (13)، ~~فلا بد من أن يضعوا له لفظا تتم (14) به أغراضهم. وإذا وجب ذلك، PageV01P039 # فلا لفظ (1) إلا هذه الصيغة المخصوصة. # فإنه يبطل بالإباحة، لأن هذا المعنى موجود فيها، وما وضعوا عندهم (2) ~~لها لفظا مخصوصا. على أن أكثر ما في اعتلالهم أن يضعوا له لفظا، فمن أين ~~لهم أنه لا بد من أن يكون خاصا غير مشترك. # وأما (3) تعلقهم بما سطره أهل العربية في كتبهم من قولهم: باب الأمر، ~~وأنهم لا يذكرون شيئا سوى هذه اللفظة المخصوصة، فدل على أنها مخصوصة غير ~~مشتركة. # فباطل أيضا، لأن أهل العربية أكثر ما قالوا هو (4) أن الأمر (5) قول ~~القائل: افعل، وأن هذه الصيغة صيغة الأمر (6)، ولم يذكروا اختصاصا ولا ~~اشتراكا، فظاهر قولهم لا ينافي مذهبنا، لأننا نذهب إلى أن هذه صيغة الأمر ~~(7) وأن الآمر إذا أراد أن يأمر (8) فلا مندوحة له عنها، لكنها مع ذلك صيغة ~~للإباحة. # وبعد، فإن أهل اللغة ms018 (9) كما نصوا في الأمر على لفظة افعل، فقد نصوا في ~~الإباحة على هذه اللفظة، فلا يبيحون إلا بها. فإن (10) كان ما PageV01P040 # ادعوه (1) دليل الاختصاص بالأمر، فهو بعينه دليل الاختصاص بالإباحة، ~~والصحيح نفي الاختصاص وثبوت الاشتراك ### ||| . فصل فيما به صار الأمر أمرا (2) # اختلف الناس في ذلك (3)، فذهب قوم (4) إلى أن الأمر إنما كان أمرا (5) ~~بجنسه (6) ونفسه. وقال آخرون (7) إنما كان كذلك بصورته (8) وصيغته (9). ~~وقال آخرون (10) إنما كان كذلك (11) لأن الآمر أراد كونه أمرا، وأجروه في ~~هذه القضية مجرى الخبر. وقال آخرون (12) إنما كان الأمر أمرا، لأن الآمر ~~أراد الفعل المأمور به، وهو الصحيح. # والذي يدل عليه أن الأمر إذا ثبت أنه (13) قد يكون من جنس (14) ما ليس ~~بأمر، وأن الأمر بعينه يجوز أن يقع (15) غير أمر، فلا بد والحال هذه من ~~أمر يقتضى كونه أمرا. وإذا بينا أنه لا مقتضى لذلك سوى PageV01P041 # كون فاعله مريدا للمأمور به، تم ما أردناه (1). # والذي يدل على أن الجنس واحد (2) التباسهما على الإدراك، كالتباس ~~السوادين، فكما نقضي (3) بتماثل السوادين (4)، كذلك (5) يجب أن نقضي ~~(6) بتماثل ما جرى مجراهما. # وإنما قلنا: إنهما (7) يشتبهان على الإدراك، لأن من سمع قائلا يقول: قم، ~~وهو آمر، لا يفصل بين قوله هذا، وبين نطقه بهذه اللفظة مبيحا، أو متحديا ~~(8)، أو ساهيا (9)، أو حاكيا عن غيره. ولقوة هذا الالتباس كان من يجوز (10) ~~على الكلام الإعادة، يجوز أن يكون ما سمعه ثانيا هو ما سمعه أولا، وكذلك من ~~اعتقد بقاء الكلام. # وأما (11) الذي يدل على أن نفس ما يقع فيكون أمرا، كان يجوز أن يقع (12) ~~غير أمر، فوجوه: # منها أن الألفاظ العربية إنما تفيد بالتواضع من (13) أهل اللغة، ~~و PageV01P042 # تواضعهم يتبع اختيارهم، وليس هناك وجوب، وقد كان يجوز أن لا يتواضعوا في ~~هذا (1) اللفظ المخصوص أنه (2) للأمر (3)، ولو كان كذلك، لكانت هذه الحروف ~~بعينها توجد (4)، ولا تكون (5) أمرا (6). # ومنها أنه لو كان الأمر يتعلق بالمأمور من غير قصد المخاطب به، لم يمتنع ~~(7) أن يقول أحدنا لغيره: افعل، ويريد منه الفعل، ولا يكون قوله ms019 أمرا، أو ~~(8) لا يريد منه الفعل، فيكون قوله أمرا، وقد علمنا خلاف ذلك. # ومنها أن لفظ الأمر لو كان مغايرا للفظ ما ليس بأمر، لوجب أن يكون للقادر ~~سبيل إلى التمييز بين ما يوجد فيكون أمرا، وبين ما يوجد فيكون تهديدا، أو ~~(9) إباحة، وفي علمنا بفقد طريق التمييز دليل على أن اللفظ واحد. # ومنها ان هذا القول يقتضى صحة أن نعلم (10) أن (11) أحدنا أمر (12) وإن ~~لم نعلمه (13) مريدا، إذا كان القصد لا تأثير له، ولا خلاف في أن أحدنا ~~إذا كان آمرا، فلا بد من كونه مريدا لما أمر به. وإنما الخلاف PageV01P043 # بيننا وبين المجبرة (1) في الله تعالى. # ومنها أن هذا القول يقتضى انحصار عدد (2) من نقدر (3) أن نأمره (4) في ~~كل (5) حال (6) حتى يكون القوي بخلاف الضعيف، وإنما أوجبنا ذلك، لأن ~~القدرة (7) الواحدة لا تتعلق (8) في الوقت الواحد في المحل الواحد من ~~الجنس الواحد بأكثر من جزء واحد، وحروف قول القائل قم مماثلة لكل ما هذه ~~صورته من الكلام، فيجب أن يكون أحدنا قادرا من عدد هذه الحروف في كل وقت ~~على قدر ما (9) في لسانه من القدرة (10)، وهذا يقتضى انحصار عدد من يصح أن ~~نأمره (11)، ومعلوم خلاف ذلك. # وليس لأحد أن يقول: إذا جاز أن يفعل أحدنا بالقدرة الواحدة في كل محل ~~كونا في جهة بعينها، ولم يجب أن يقدر على كون واحد يصح وجوده في المحال على ~~البدل بالإرادة، فإلا جاز مثله في الألفاظ. # وذلك أن القدرة الواحدة لا ينحصر متعلقها في (12) المتماثل إذا اختلفت ~~(13) المحال، كما لا ينحصر متعلقها في المختلف والوقت والمحل PageV01P044 # واحد، وليس كذلك ما يتعلق به من (1) المتماثل في المحل الواحد والوقت ~~واحد، لأنها لا تتعلق (2) على هذه الشروط بأكثر من جزء واحد. # وليس له أن يدعى أن محال الحروف المتماثلة متغايرة (3) كما قلناه (4) في ~~الأكوان. # وذلك أن من المعلوم أن مخرج الزاء مثلا كله مخرج واحد، وكذلك مخارج كل ~~حرف، و(5) لهذا متى لحقت بعض محال هذه الحروف آفة، أثر (6) ذلك في كل ms020 حروف ~~ذلك المخرج. # فإذا صح ما ذكرناه من (7) أن نفس ما وقع أمرا قد كان يجوز أن يكون غير ~~أمر، فلا بد مع (8) وقوعه أمرا من وجه له اختص (9) بذلك. # ولا يخلو ذلك الأمر من أن يكون ما يرجع إليه ويتعلق به، أو ما يرجع إلى ~~فاعله، والذي يرجع إليه (10)، لا يخلو من أن يكون (11) جنسه، أو وجوده، ~~أو حدوثه، أو حدوثه (12) على وجه، أو عدمه، أو عدم معنى أو وجود معنى. # فإن كان المؤثر حالا يرجع إلى فاعله، لم يخل من أن يكون PageV01P045 # ذلك كونه (1) قادرا، أو عالما، أو مدركا، أو مشتهيا (2)، أو مريدا، لأن ~~(3) ما عدا ما ذكرناه، من كونه موجودا، أو (4) حيا، لا تعلق له بغيره، ونحن ~~نبطل من الأقسام ما عدا ما ذهبنا إليه منها (5). # ومعلوم أن ما معه يكون الكلام تارة أمرا، وأخرى غير أمر، لا يجوز أن يكون ~~مؤثرا في كونه أمرا، فسقط بذلك أن يكون أمرا لوجوده، و(6)، وحدوثه، وجنسه، ~~وصفته (7)، لأن كل ذلك يوجد، و(8) لا يكون أمرا. # ومما يفسد أن يكون أمرا لجنسه أيضا، أن صفة النفس ترجع إلى الآحاد دون ~~الجمل، فكان (9) يجب في كل جزء من الأمر أن يكون أمرا. ولأنه كان يجب أن ~~يتناوله الإدراك على هذه الصفة، فيعرف بالسمع كونه أمرا من لا يعرف اللغة. ~~ولأن صفات النفس تحصل في حال العدم والوجود، فكان يجب أن يكون في حال العدم أمرا. # وليس يجوز أن يكون أمرا لحدوثه على وجه، ويراد بذلك ترتيب صيغته، لأنا قد ~~بينا أن نفس هذه الصيغة قد تستعمل (10) في غير الأمر. و PageV01P046 # إن أرادوا غير ما ذكرناه (1)، فلا وجه يشار إليه، إلا وقد تحدث (2) ~~عليه ولا يكون أمرا، حتى يكون فاعله مريدا. # ولا يصح أن يكون كذلك لعدمه، لأن عدمه يحيل (3) هذه الصفة، وما أحال ~~الصفة لا يكون علة فيها. # ولا يجوز أن يكون كذلك لعدم معنى، لأن ذلك لا اختصاص (4) له به دون غيره. # ولا يجوز أن يكون كذلك لوجود معنى، لأن ms021 كل معنى يشار إليه دون الإرادة ~~(5) قد يوجد ولا يكون أمرا، على أن المعنى لا بد من اختصاصه به (6) حتى ~~يوجب الحكم له، فلا يخلو من أن يختصه بالحلول فيه، أو في محله، والأمر لا ~~يصح أن يكون محلا لغيره، وما يحل (7) محله (8) ليس بأن يوجب كونه أمرا ~~بأولى (9) من أن (10) يوجب كون غيره أمرا مما يحل (11) ذلك المحل، لأن ~~الصدى قد يحله (12) في حال واحدة (13) الكلامان من زيد وعمرو، فيكون ~~أحدهما أمرا والآخر غير أمر. PageV01P047 # وأما كون فاعله قادرا فلا يجوز أن يكون المؤثر في كونه أمرا، لأن تعلق ~~هذه الصفة به وهو آمر كتعلقها به وهو غير آمر. ولأن كونه قادرا لا يؤثر إلا ~~في الإيجاد، وكونه أمرا حكم زائد على الوجود. # وأما كونه عالما فلا يخلو من أن يراد به كونه عالما بذات الآمر، أو (1) ~~بالمأمور (2) به، أو يراد بذلك كونه عالما بأن الكلام أمر (3)، والوجهان ~~(4) الأولان يفسدان بأنه قد يكون عالما بذات الآمر وبالمأمور به (5) ولا ~~يكون كلامه أمرا، والوجه الثالث يفسد بأن (6) كلامنا إنما هو فيما به (7) ~~صار أمرا، فيجب أن يذكر الوجه فيه، ثم يعلق (8) العلم به، لأن العلم لا ~~يؤثر في المعلوم، وإنما يتعلق به على ما هو به (9) من غير أن يصير (10) ~~لأجله على صفة، بل لو قيل: إن العلم إنما كان علما لأجل أن المعلوم على ما ~~هو به، كان أقرب من القول بأن المعلوم على ما هو به (11) بالعلم، ألا ترى ~~أن العلم كالتابع للمعلوم، من حيث يتعلق به (12) على ما هو عليه. ويجري ~~هذا القائل مجرى من قال: إن الجسم إنما صار متحركا بعلم العالم بأنه يتحرك ~~(13). وبعد PageV01P048 # فهذا (1) يؤدى إلى أن يكون علمنا بصفات القديم تعالى وصفات الأجناس هو ~~المؤثر في كونه تعالى على صفاته، وكون الأجناس على ما هي عليه، وبطلان ذلك ظاهر. # والذي يفسد أن يكون (2) المؤثر في الأمر كون فاعله مدركا أو مشتهيا أو ~~نافرا أنه قد يكون كذلك، ويكون كلامه تارة أمرا وأخرى غير ms022 أمر. # فلم يبق بعد ما أفسدناه إلا أن يكون المؤثر هو كون فاعله مريدا. # وإذا كان المؤثر هو كون (3) فاعله مريدا، فلا يخلو من أن يكون المؤثر ~~كونه مريدا للمأمور به، أو كونه مريدا (4) لكونه أمرا، والأول هو الصحيح. ~~والذي يبطل الثاني أنه يقتضى أن يكون أمرا بما لا يريده، أو بما يكرهه غاية ~~الكراهية، وقد علمنا تعذر ذلك (5)، وأنه محال أن يأمر أحدنا (6) بما يكرهه. # ومما يدل على ما ذكرناه أنه لا يصح أن يأمر الآمر (7) إلا بما يصح أن ~~يريده، ألا ترى أنه لا يصح أن يأمر بالماضي ولا بالقديم (8) لما لم يصح أن ~~يراد، فلو لا أن الإرادة المؤثرة في كونه أمرا هي المتعلقة بحدوث PageV01P049 # المراد، لم يجب ذلك، ألا ترى أن الخبر (1) لما احتاج إلى إرادة تتناول ~~(2) كونه خبرا، ولا تتناول (3) المخبر عنه، جاز أن يخبر عن القديم ~~والماضي، فدل هذا الاعتبار على مفارقة الأمر للخبر فيما يتناوله (4) ~~الإرادة. # فأما الكلام فيما (5) وضع له الأمر ليفيده (6)، فهو أنه وضع ليفيد أن ~~الآمر مريد للمأمور به. ولهذا نقول (7): إن الأمر- من (8) حيث كان أمرا- ~~لا يدل إلا على حال الآمر، ولا (9) يدل على حال المأمور به، لأنه قد يأمر ~~بالحسن، والقبيح (10)، والواجب، وما ليس بواجب، فإذا كان الآمر حكيما لا ~~يجوز أن يريد القبيح، ولا المباح، علمنا أنه لم يأمر (11) إلا بما (12) له ~~صفة زائدة على حسنه من واجب أو ندب. # والذي يدل على ما ذكرناه أنه لا فرق عند أهل اللغة بين قول القائل لغيره: ~~أريد منك (13) أن تفعل وبين قوله: افعل. # وأيضا فإن الظاهر من (14) أهل اللغة أنهم (15) يجعلون قول القائل لغيره: PageV01P050 # «افعل» أمرا، إذا كان فوقه في الرتبة، وسؤالا، إذا كان دونه، فجعلوا ~~الرتبة فاصلة بين الأمرين، ولا خلاف في أن السؤال يقوم مقام قول السائل ~~للمسئول: أريد منك أن تفعل كذا وكذا. فلم يفصلوا بين السؤال والأمر إلا ~~بالرتبة، وإلا فلا فصل بينهما في الفائدة والمعنى ### ||| . فصل في هل الأمر يقتضى الوجوب أو الإيجاب # اختلف ms023 الناس في ذلك، فذهب جميع (1) الفقهاء وطائفة من المتكلمين إلى أن ~~الأمر يقتضى إيجاب الفعل على المأمور به، وربما قالوا وجوبه. # وقال آخرون: مطلق الأمر إذا كان من حكيم، اقتضى كون المأمور به مندوبا ~~إليه، وإنما يعلم الوجوب بدلالة زائدة، وهذا هو (2) مذهب أبي علي وأبي هاشم ~~ومن وافقهما. وذهب آخرون إلى وجوب الوقف في مطلق الأمر بين الإيجاب والندب، ~~والرجوع في كل واحد من الأمرين إلى دلالة غير الظاهر، وهو الصحيح. # وتحقيقه أن الأمر إذا صدر من حكيم نأمن (3) أن يريد القبيح (4) أو (5) ~~المباح، فلا بد من القطع (6) على أن للمأمور به مدخلا في استحقاق المدح ~~والثواب، إلا أن هذا القدر غير (7) كاف في أنه ندب، ولا كاف في أنه PageV01P051 # واجب، فيحتاج إلى دلالة إما على أن تركه قبيح، فيعلم أنه واجب. # أو أنه ليس بقبيح، فيعلم أنه ندب. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه، أنا قد بينا أن الأمر إنما يكون أمرا، ~~لأن الآمر أراد المأمور به، وإرادة (1) الحكيم له (2) تقتضي (3) ما ~~ذكرناه (4) من الصفة الزائدة على حسنه، وهذه الصفة الزائدة على الحسن قد ~~تثبت (5) في الندب والواجب، فلا بد من دلالة زائدة تدل على حكم الترك، ~~فيبنى على ذلك الوجوب أو الندب. # وليس لأحد أن يقول: أراد الفعل على جهة الإيجاب، لأن ذلك لا يعقل، إن لم ~~يكن المقصود به أنه أراده (6) وكره تركه، فإذا كان مطلق الأمر لا تعلق ~~بينه وبين هذه الكراهية (7)، لم يجز أن يدل عليها. # ويدل أيضا على ما اخترناه من المذهب (8) أنه لا شبهة في استعمال صيغة ~~الأمر في الإيجاب والندب معا في اللغة، والتعارف، والقرآن والسنة، وظاهر ~~الاستعمال يقتضى الحقيقة، وإنما يعدل عنها بدليل، وما استعمال اللفظة ~~الواحدة في الشيئين (9) أو الأشياء (10) إلا كاستعمالها PageV01P052 # في الشيء الواحد في الدلالة على الحقيقة. وإذا ثبت اشتراك هذه الصيغة ~~بين الوجوب والندب، لم يجز أن يفهم أحدهما من ظاهر القول إلا بدليل منفصل. # ونحن وإن ذهبنا إلى أن هذه اللفظة مشتركة في اللغة ms024 بين الندب والإيجاب، ~~فنحن نذهب إلى أن (1) العرف الشرعي المتفق المستمر قد أوجب أن يحمل مطلق ~~هذه اللفظة- إذا وردت عن الله «تعالى» أو عن الرسول (2)(صلى الله عليه ~~وآله) على الوجوب، دون الندب، وعلى الفور، دون التراخي، وعلى الإجزاء، ~~وتعلق الأحكام الشرعية به. وفي النهى أنه يقتضى فساد المنهي عنه، وفقد (3) ~~إجزائه. وكذلك نقول في اللفظ (4) الذي يذهب الفقهاء إلى أنه موضوع (5) ~~للاستغراق والاستيعاب في اللغة، ونذهب نحن إلى اشتراكه، فنذهب (6) إلى أن ~~العرف الشرعي قرر (7) ومهد حمل هذه الألفاظ- إذا وردت عن الله «تعالى» أو ~~عن رسوله (صلى الله عليه وآله) مع (8) الإطلاق والتجريد على الاستغراق، ~~وإنما يرجع في التخصيص إلى الدلالة. # والذي يدل على صحة هذه الجملة (9) ما هو ظاهر لا يدخل على أحد PageV01P053 # فيه شبهة، من حمل الصحابة كل أمر وارد في قرآن أو سنة على الوجوب، وكان ~~يناظر (1) بعضهم بعضا في مسائل مختلفة، فمتى أورد أحدهم على صاحبه أمرا من ~~الله تعالى أو (2) رسوله (عليه السلام)، لم يقل صاحبه: هذا أمر، والأمر ~~يقتضى الندب، أو الوقوف بين الوجوب والندب، بل اكتفوا في الوجوب واللزوم ~~(3) بالظاهر (4). وكذلك في جميع المسائل التي ذكرناها (5)، لأنهم ما زالوا ~~يكتفون في وجوب تعجيل الفعل بأن الله تعالى أو رسوله (عليه السلام) أوجبه ~~وألزمه، وفي فساده وعدم إجزائه، أنه نهى عنه، وحظره، والعموم يجري مجرى ما ~~ذكرناه. وما كانوا (6) يطلبون عند المنازعة والمناظرة والمطالبة في ألفاظ ~~العموم التي يحتج بها عليهم إلا المخصصات لها (7)، وقد كان يجب أن يقولوا: ~~هذه ألفاظ مشتركة بين العموم والخصوص، فكيف يحتج بها في العموم بغير (8) ~~دلالة. وهذا معلوم ضرورة (9) من عاداتهم التي (10) ما (11) اختلفت، ومعلوم ~~أيضا أن ذلك من شأن التابعين لهم وتابعي التابعين، فطال ما اختلفوا ~~وتناظروا فلم يخرجوا عن القانون PageV01P054 # الذي ذكرناه، وهذا يدل على قيام (1) الحجة عليهم بذلك، حتى جرت عادتهم ~~به (2)، وخرجوا عما يقتضيه مجرد وضع اللغة في هذا الباب، وأما أصحابنا ~~معشر الإمامية فلا يختلفون (3) في هذا الحكم الذي ذكرناه، وإن اختلفوا ms025 في ~~أحكام هذه الألفاظ في وضع اللغة، ولم يحملوا قط ظواهر الألفاظ (4) إلا على ~~ما بيناه، ولم يتوقفوا (5) على الأدلة، وقد بينا في مواضع من كتبنا أن ~~إجماع أصحابنا حجة. # وقد تعلق من ذهب إلى وجوب الأمر بطرق اعتبارية، وطرق سمعية، وهي على ~~ضربين، قرآنية وأخبارية. ونحن نذكر أقوى ذلك شبهة، فإن الذي تعلق به ~~الفقهاء في (6) ذلك لا يكاد ينحصر وينتظم. # فأما (7) الطرق الاعتبارية، فأولها قولهم: السيد إذا أمر غلامه بفعل، عقل ~~منه الإيجاب، ولذلك يوبخه العقلاء، ويذمونه، إذا خالفه. # وثانيها قولهم: لو لم يكن لفظة افعل موضوعة للإيجاب، لم يكن للإيجاب لفظة ~~موضوعة في اللغة مع الضرورة الداعية إلى ذلك. # وثالثها أنه لا شبهة في تسمية (8) من خالف الأمر المطلق بأنه عاص، ~~والمعصية لا تكون (9) إلا في خلاف الواجب (10). PageV01P055 # ورابعها قولهم (1): إن غاية ما يفعله من يريد الإيجاب والإلزام أن يقول ~~لغيره افعل. # وخامسها أن الأمر بشيء بعينه يقتضى أنه حصر المأمور به (2)، وقصره ~~عليه، وذلك يمنع من تعديه وتجاوزه. # وسادسها أنه لو لم يقتض (3) الإيجاب، لم يكن بعض الوجوه بأن يستفاد به ~~(4) أولى (5) من بعض مع (6) تضادها، فيجب (7) أن يقتضى الوجوب. # وسابعها قولهم: إذا كان الآمر لا بد من أن يكون مريدا للمأمور به، و(8) ~~إذا أراده، فقد كره تركه، وربما قال بعضهم: إن إرادة (9) الفعل كراهة (10) لضده. # وثامنها قولهم: إن الأمر بالشيء يقتضى في المعنى النهى عن ضده، كما أن ~~النهى عن الشيء يقتضى الأمر بتركه. # وتاسعها أن لفظ الأمر يجب أن يقتضى ضد ما يقتضيه لفظ النهى في (11) ~~المعنى، وإذا كان النهى يقتضى التحريم، فالأمر يقتضى الإيجاب. PageV01P056 # وعاشرها قولهم: إن الأمر لا يخلو من أقسام ثلاثة، إما أن يقتضى الإيجاب، ~~أو المنع، أو التخيير، والمنع معلوم أنه لا يستفاد بالأمر، وإنما يستفاد ~~المنع بالنهي، ولا يجوز أن يفيد التخيير لفقد ألفاظ التخيير، فلم يبق إلا ~~الإيجاب. # وحادي عشرها قولهم: إذا احتمل لفظ الأمر الإيجاب والندب، وجب حمله على ~~الإيجاب، لأنه أعم فوائده، كما يقال في ms026 ألفاظ العموم. # وثاني عشرها طريقة الاحتياط، وأن حمله على الإيجاب أحوط للدين. # وثالث عشرها أن الأمر لا بد له من فائدة، ومحال حمله على الإيجاب والندب ~~معا، لتنافي الفائدتين، فلو كانت فائدته هي الندب، لوجب أن يكون متى حمل ~~على الإيجاب أن يكون مجازا، وأجمعنا على خلاف ذلك. # فأما (1) الطرق القرآنية: فأولها (2) قوله تعالى «فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره»، والتحذير يقتضى (3) وجوب الامتثال (4) وثانيها (5) قوله تعالى: ~~فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا (6) في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت. PageV01P057 # وثالثها (1) قوله تعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة، إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا، أن يكون (2) لهم الخيرة من أمرهم. # ورابعها قوله تعالى: @QUR@05 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول* . # وخامسها قوله تعالى: @QUR@010 ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم (3). # والطرق الأخبارية: أولها ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (4) من ~~قوله (5) «لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وقد ندب ~~إلى ذلك عند كل صلاة، فثبت أنه أراد (6) الإيجاب. # وثانيها خبر بريرة (7) حين أشار عليها بمراجعة زوجها، وأنها (8) قالت له ~~(عليه السلام): أتأمرني بذلك، فقال (9): إنما أنا شافع (10)، فقالت عند ~~ذلك: فلا حاجة لي فيه، وفرقت (11) بين الأمر والشفاعة، وليس ذلك إلا لوجوب الأمر. # وثالثها قوله (عليه السلام) للأقرع بن حابس- وقد سأله عن PageV01P058 # الحج (1): أ(2) لعامنا هذا (3) أم (4) للأبد- فقال (عليه السلام): لا ~~(5) للأبد، ولو قلت: # نعم، لوجب، ولو لم تفعلوا، لضللتم. وهذا صريح في أن الأمر يقتضى (6) ~~الإيجاب. # ورابعها توبيخه (عليه السلام) أبا سعيد الخدري (7) لما دعاه وهو في ~~الصلاة، فلم يجبه، وقوله (عليه السلام) (8) ألم تسمع الله تعالى يقول ~~(9): @QUR@08 يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول (10) إذا دعاكم (11). # فيقال (12) لهم فيما تعلقوا به أولا: إننا (13) لا نسلم ما ادعيتموه لا ~~حكما ولا علة، لأنه (14) ليس كل عبد يستحق الذم، إذا لم يفعل ما أمره ~~مولاه، ومن استحق الذم منهم فليس العلة في استحقاقه مجرد خلاف الأمر، لأنا ~~لو فرضنا عبدا سمع مجرد الأمر ms027 من مولاه، وهو لا يعرف العادة العامة، ولا ~~عادة مولاه الخاصة، وفوت منفعة مولاه بمخالفة أمره، فانه لا يستحق الذم. ~~ولو أمره مولاه بما يختص بمصالح (15) العبد، من (16) غير أن يعود على ~~السيد منه نفع أو ضرر، لما ذمه أحد من العقلاء PageV01P059 # إذا لم يفعل (1)، فالحكم الذي قضوا به، نحن نخالف فيه، ثم لو عرف العبد ~~كراهية مولاه لمخالفته، إما (2) بالعادة، أو بشاهد الحال، نحو (3) أن يأمره ~~بأن يسقيه الماء وقد غص بلقمة، فاستحق الذم على خلافه (4)، وما (5) كانت ~~العلة في ذلك ما ادعى من مجرد خلاف الأمر، بل ما ذكرناه. ومما يوضح ما ~~ذهبنا إليه أن الأمر لو أفاد الإيجاب لأمر يرجع إليه، لم يفترق (6) الحال ~~بين الكبير والصغير، والجليل والوضيع فكيف (7) يختص (8) الإيجاب (9) ~~بأمر الأعلى للأدون (10)، لو لا أن ذلك ليس بموجب عن الأمر. وإنما يقتضى ~~الإيجاب لأسباب عارضة من أحوال وعادات. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: قد وضعوا للإيجاب لفظا في اللغة، وهو ~~(11) أوجبت (12)، وألزمت، ومتى لم تفعل استحققت الذم والعقاب، فإذا قالوا: ~~هذه (13) صيغة الخبر، وأردنا (14) ما هو بصيغة الأمر، قلنا (15): هذا PageV01P060 # تحكم على (1) أهل اللغة، وإذا أوجبنا أن يضعوا لهذا المعنى لفظا (2)، ~~فأي فرق في الإنباء عن مرادهم بين ما هو بصيغة (3) الخبر وبين ما هو بصيغة ~~(4) الأمر. على أن ذلك يعكس عليهم، فيقال (5): معنى الندب معقول لهم، فيجب ~~أن يضعوا له لفظا ينبئ عنه، ولا لفظ إلا قولهم: افعل. فإن عدلوا إلى أن ~~يقولوا: قد وضعوا لذلك ندبت، قلنا في الإيجاب مثله. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: لا نسلم لكم أن لفظة عاص لا تدخل (6) ~~إلا في الوجوب أو الإيجاب، لأن من خالف في الشاهد ما ندب إليه أو أرشد إليه ~~يقال: عصى، بل يقال ذلك في المشورة (7) ولا خلاف أنه لا إيجاب فيها، ولفظة ~~(8) عاص لا تفيد (9) فعل قبيح، كما أن إطلاق لفظ مطيع لا يدل على فعل (10) ~~حسن، وإذا أضفنا فقلنا: أطاع الله تعالى فهو دال (11) على زيادة على ~~الحسن، ms028 فإن الله تعالى لا يأمر إلا بما له صفة الوجوب أو الندب، وإذا قلنا: ~~عصى الله- سبحانه- في كذا، فالمعنى أنه خالف (12) أمره و(13) إرادته. وقد ~~يدخل ذلك في الوجوب (14) والندب معا، فإذا PageV01P061 # اقترن بذلك ذم أو توبيخ، خلص للإخلال بالواجب. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: ما زدتم على الدعوى، فمن أين قلتم إنه ~~غاية ما يفعله الموجب هي أن يقول: افعل، ففي (1) ذلك الخلاف، بل إذا أراد ~~الإيجاب والإلزام قال: أوجبت أو (2) ألزمت أو إن لم تفعل ذممتك. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: هذه عبارة موهمة، فما مرادكم بقولكم: ~~حصره وقصره، أتريدون أنه أراد المأمور بعينه دون غيره، فهو مسلم ولا (3) ~~إيجاب في ذلك، أم تريدون أنه حصره على وجوبه، ففيه الخلاف، ولصاحب الندب أن ~~يقول: حصره وقصره على أن ندب (4) إليه. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: هاهنا وجه معقول مستفاد من مطلق (5) ~~الأمر، وهو دلالته على أن الآمر مريد للفعل، وإذا كان الآمر حكيما، استفدنا ~~كون الفعل عبادة، ومما يستحق به (6) الثواب (7)، وهذه فائدة معقولة. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: لو كان الآمر بالشيء إذا أراده فلا بد ~~(8) من كونه كارها لتركه، لوجب أن تكون (9) النوافل كلها واجبة ولا حقة ~~بالفرائض، والذي يدل على أنه تعالى أمر بالنوافل أنه لا خلاف PageV01P062 # في وصفنا فاعلها بأنه مطيع لله تعالى، والطاعة إنما هي امتثال الأمر أو ~~(1) الإرادة. ولا خلاف في أنه تعالى رغب في (2) النوافل، وذلك يقتضى كونها ~~مرادة لله (3) تعالى. ولا خلاف أيضا في أن النوافل كالفرائض في تناول ~~التكليف لها، وذلك يقتضى كونه تعالى مريدا لها. وقوله- سبحانه- (4) «إن ~~الله (5) يأمر بالعدل والإحسان» دليل على أن النوافل مأمور بها، لأن ~~الإحسان له صفة النفل دون الوجوب. فأما من ذهب إلى أن نفس إرادة الفعل ~~تكون (6) كراهة لتركه، فقوله يفسد بما ذكرناه في النوافل. ولأنه محال أن ~~يكون الشيء بصفة ضده، وما كون الإرادة كراهة إلا ككون العلم جهلا، والقدرة عجزا. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثامنا: من أن ms029 الأمر بالشيء نهى عن ضده، سنبين ~~بطلان هذه الشبهة في باب مفرد (7) على أن ذلك ينتقض بالنوافل. # ويقال فيما تعلقوا به تاسعا: ما أنكرتم أن يكون الأمر يقتضى ضد ما يقتضيه ~~النهى فيما يجوز أن يدل (8) عليه الأمر و(9) النهى، والأمر إذا PageV01P063 # دل على كون الآمر مريدا للفعل، فالنهي يدل على أنه كاره (1) له، ~~والتحريم ما علمناه في متناول النهى إلا (2) بواسطة، وهي أن الله تعالى إذا ~~نهى عن فعل، فلا بد من كونه (3) كارها له، وهو تعالى لا يكره إلا القبيح، ~~والقبيح محظور محرم، وهذا الاعتبار ليس بموجود في الأمر، لأنه إذا أمر ~~بشيء، وأراده، فلا بد من كونه طاعة ومما يستحق به المدح والثواب، وما هو ~~بهذه الصفة ينقسم إلى واجب وندب، فلا يجب أن يقطع على أحدهما (4)، وما (5) ~~يكرهه تعالى فهو غير منقسم، ولا يكون إلا قبيحا، فافترق الأمران. # ويقال لهم (6) فيما تعلقوا به عاشرا: قد أخللتم في القسمة بقسم، وهو ~~مذهبنا، ونحن نعلم أن الترغيب في الفعل وجه معقول كالإلزام (7) وليس كونه ~~ندبا يقتضى التخيير لأن التخيير (8) إنما يقتضى المساواة بين الشيئين ~~المخير بينهما، وليس الندب مساويا لتركه فيكون (9) التخيير بينهما (10). # ويقال لهم فيما تعلقوا به حادي عشر: قد اقتصرتم على دعوى، فمن أين قلتم: ~~إنه يجب حمله على أعم الفوائد وما الفرق بينكم، وبين من PageV01P064 # يقول بل يجب حمله على اليقين وهو الأقل في الفائدة (1)، وذلك هو الندب. ~~وإنما يسوغ (2) ما قالوه، إذا كان اللفظ يتناول الجميع تناولا واحدا، فأما ~~(3) إذا كان محتملا، وما يحتمله كما لمتضاد، فما ادعاء الأعم إلا كادعاء ~~(4) الأخص. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثاني عشر: الذي ذكر تموه ضد الاحتياط، لأنه ~~يقتضى أفعالا (5) قبيحة، منها اعتقاد وجوب (6) الفعل، وذلك جهل، وعزم على ~~أدائه على هذا الوجه، وهو أيضا قبيح. ولا بد من أن يعتقد هذا الفاعل قبح ~~ترك (7) هذا الفعل، فيكون جهلا ثانيا. وربما كرهه، فيكون قبيحا زائدا. فما ~~هذه (8) حاله، كيف (9) يكون احتياطا. وليس يجري ذلك مجرى من ترك ms030 صلاة من ~~خمس صلوات (10) من غير أن يعرفها بعينها، والقول في إيجاب كل الصلوات ~~(11) عليه، لأن ذلك يقتضى دخول ما أخل به في جملة ما فعله، من غير فعل قبيح ~~وقع منه. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالث عشر: إنا قد بينا أن الأمر يفيد كون الآمر ~~مريدا للفعل، وليس يفيد في الأفعال حكما على وجه، فالندب PageV01P065 # كالواجب في معنى دلالة الأمر، وهو أن الآمر مريد للفعل، فإذا قامت دلالة ~~على وجوبه، فإنما هي دالة (1) على أن تركه مكروه (2)، وذلك لا يوجب كونه ~~مجازا، لأن (3) دلالته (4) وهو واجب، كدلالته وهو ندب فيما يرجع إلى (5) ~~الأمر به. وبعد، فإن كل لفظة مشتركة بين أمرين (6) على سبيل الحقيقة، لا ~~يجب أن تكون (7) مجازا في كل واحد منهما، إذا أريد بها كسائر الألفاظ (8) ~~المشتركة مثل عين (9) ولون. # ويقال لهم في (10) أول ما تعلقوا به من القرآن: أول ما نقوله: أنه لو ~~ثبت في القرآن أو (11) السنة ما يدل على وجوب المأمور به، لم يكن ذلك نافعا ~~(12) لمخالفنا، ولا ضارا (13) لنا، لأننا (14) لا ننكر على الجملة أن يدل ~~دليل على وجوب الأمر، وإنما ننكر أن يكون (15) ذلك يجب بوضع اللغة. وإنما ~~نتكلم فيما استدلوا به من قرآن أو سنة على وجوب الأمر (16) لا لأنه إن صح، ~~قدح فيما أصلناه، وإنما نتكلم فيه لأنه PageV01P066 # لا يدل على المقصود. وهذه جملة يجب أن تكون (1) محصلة مراعاة. # ثم نقول: اقتران الوعيد بهذا الأمر هو الدلالة على وجوبه، فمن أين لكم ~~(2) أن الأمر المطلق يدل على الوجوب. # ثم إن (3) المراد ظاهر، وهو أنه (4) أراد الخلاف على الرسول- (عليه ~~السلام)- على سبيل جحد النبوة، بدلالة أول الآية بقوله تعالى @QUR@08 لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ، وهذا إنكار على من لم يلتزم ~~(5) الانقياد له لأجل النبوة، ولا محالة إن خلافه على هذا الوجه كفر. # وبعد، فإن مخالفة الأمر هو ضد الموافقة، وفعل ما ندب إليه على وجه الوجوب ~~مخالفة له، كما أن فعل ما أوجبه مقصودا به إلى الندب مخالفة ms031 أيضا، والآية ~~تضمنت التحذير من المخالفة فمن أين لهم (6) وجوب ما أمر به، حتى يكون من ~~فعله على غير (7) هذا الوجه مخالفا. فعلم أن ظاهر الآية مشترك بيننا ~~وبينهم، وأنه لا حجة فيها لهم. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ليس المراد بالقضاء هاهنا الأمر المطلق، ~~بل الإلزام، كما نقول (8): قضى القاضي بكذا وكذا، بمعنى حكم وألزم، ولهذا ~~لا تسمى (9) الفتوى (10) قضاء. PageV01P067 # والكلام فيما تعلقوا به ثالثا، كالكلام في هذه الآية، فلا معنى لإعادته. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا، من قوله تعالى @QUR@05 أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول* : إن (1) هذا أمر، والخلاف فيه نفسه (2)، فكيف يستدل به ~~على نفسه. والطاعة هي (3) امتثال الأمر، وقد بينا أن الطاعة تدخل في الندب ~~والإيجاب جميعا، فكيف يعقل من الظاهر أحدهما. # وأيضا فإن الطاعة هي امتثال الأمر على الوجه الذي تعلق به الأمر إما ~~بإيجاب (4) أو ندب، حسبما مضى من (5) الكلام في المخالفة، فمن أين لهم أن ~~أمره على الوجوب، حتى يكون من فعله على هذا الوجه مطيعا له، وإلا كان على ~~الندب، وطاعته إنما هي فعله على هذا الوجه. # ويقال لهم (6) فيما تعلقوا به خامسا: إنا قد بينا أن المعصية قد تدخل في ~~الندب كما تدخل (7) في الواجب، وأنه قد يكون عاصيا لمخالفة (8) الأمر على ~~وجه لا يستحق به الوعيد، فيجب أن تحمل الآية لأجل الوعيد على مخالفة الأمر ~~الواجب. # ويقال لهم في (9) أول الطرق الأخبارية: إنه (10) ليس يجوز أن يثبت PageV01P068 # حكم الأمر في وجوب أو ندب وهو أمر معلوم، بأخبار (1) الآحاد التي لا توجب ~~إلا الظن. # وبعد، فإن قوله- عليه وآله (2) السلام-: لو لا أن (3) أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، لو تجرد، ما علمنا به الوجوب (4)، لكنا لما ~~علمنا أن السواك مندوب إليه، كان ذلك قرينة في أنه أراد الوجوب. # ويقال لهم في خبر بريرة (5): أكثر ما فيه التفرقة بين الأمر والشفاعة، ~~وبينهما تفرقة (6) وان لم يكن لأجل وجوب (7) الأمر، وهي أن الأمر منه ~~(عليه السلام) يتعلق بالديانات والعبادات، والشفاعة ليست ms032 كذلك، لأنها (8) ~~تكون (9) في المنافع الحاضرة (10) العاجلة، وفي الأغراض الدنياوية. # (11) وأما (12) خبر الأقرع بن حابس (13)، فإنه لم يسأل عن مطلق الأمر، ~~وإنما سأل عن تكرار ما ثبت وجوبه، وهو الحج، فأجاب (صلى الله عليه وآله) ~~بأنه لو قال نعم، لوجب، لأن قوله نعم يكون بيانا، وبيان الواجب واجب. PageV01P069 # وأما الجواب عن خبر أبي سعيد الخدري، فإن دعاء الرسول (1) بخلاف أمره، ~~لأن إجابة دعائه واجبة (2) ولذلك صح أن يأمره لمكان الإجابة (3) بقطع ~~الصلاة، ومثل ذلك لا يصح في الأمر والدعاء (4) هو أن يناديه: يا فلان، فيجب ~~عليه الإجابة، والأمر أن يقول (5) له: افعل، وقد بينا أنه متردد بين الندب ~~والإيجاب. # وقد تعلق من (6) قطع (7) في مجرد الأمر على (8) أن المراد به الندب ~~بأن (9) قال إذا كان الأمر من الحكيم لا بد من أن يريد المأمور به، ولا بد ~~من كونه مع الحكمة، مما له مدخل في العبادة واستحقاق الثواب، فيجب أن يكون ~~ندبا، لأنه أقل أحواله، وما لا بد منه، وإنما (10) يكون واجبا إذا علمنا ~~كراهة (11) الترك. # فيقال (12) لهم: هذا الذي قدمتموه (13) صحيح، لكنكم بنيتم عليه (14) ~~ما (15) لا يليق به، فمن أين لكم أنه إذا أراد المأمور به، فإنه لم يكره PageV01P070 # تركه، وأنتم لا تستفيدون (1) من مطلق الأمر (2) حكم الترك (3)، وإنما ~~تستفيدون (4) أن الآمر مريد للمأمور به (5). وقولكم: نحمله على أقل ~~أحواله، تحكم، ولم يجب ذلك، ومن الجائز أن يكون هذا الآمر مع أنه مريد ~~للمأمور به، كارها لتركه، كما أنه من الجائز أن لا (6) يكون كارها لتركه ~~(7)، فالقطع على أحد الأمرين بغير دليل ظلم. # فإن قالوا: لو كره الترك، لبينه. قلنا: ولو لم يكن كارها، لبينه. # فإن (8) قالوا: الأصل في العقل كون (9) الفعل والترك جميعا غير مرادين ~~ولا مكروهين، فإذا (10) تعلق الأمر بأحدهما، علمناه (11) مرادا، وبقي ~~الترك على ما كان (12) عليه، فلو تغيرت حاله، وصار قبيحا، ومما يجب أن ~~يكرهه الحكيم، وجب على المخاطب بهذا الأمر أن يبين ذلك من حاله (13)، فإن ~~البيان لا يتأخر عن حال الخطاب. وهذا الذي ms033 حكيناه أقوى ما يمكن أن يتعلق به ~~في نصرة مذهبهم. # والجواب عن ذلك (14) أنا لا (15) نسلم أولا- أن الفعل والترك جميعا PageV01P071 # كانا في العقل سواء في أنهما غير مرادين ولا مكروهين، لأنه إذا أمرنا ~~بالصلاة مثلا، فقد أمرنا بفعل (1) كان في العقل- لو لا هذا الأمر- محظورا، ~~وكان تركه واجبا، لأنه إدخال مشقة وكلفة على النفس بغير فائدة، فإذا (2) ~~قال لنا صلوا، فقد دل (3) ذلك على أن للصلاة صفة (4) زائدة على حسنها، ~~يستحق بها المدح والثواب، ولا بد من أن يكون صفة ترك الصلاة الذي كان في ~~العقل واجبا، قد تغيرت عند ورود هذا الأمر، وتغيرها ينقسم إلى أن يكون ~~مكروها، فيكون الفعل واجبا، وإلى أن لا (5) يكون (6) مرادا ولا مكروها، ~~فيكون الفعل ندبا، وإلى أن يكون مرادا، فيكون مخيرا بين الفعل والترك، فثبت ~~بهذه الجملة أنه لا يجوز مع ورود الأمر بهذه العبادات أن تبقى (7) في ~~تروكها على الأصل العقلي (8)، بل لا بد من تغيره (9) على ما بيناه (10). # على أنا لو سلمنا (11) أن حكم الترك في أصل العقل (12) ما ذكروه، لكان ~~إنما يجب البيان في وقت الحاجة، لا في وقت الخطاب، على ما سنبينه في موضعه ~~من هذا الكتاب بمشية الله تعالى وعونه، فلو قال PageV01P072 # الحكيم لغيره افعل كذا وكذا غدا أو بعد شهر، لما وجب أن (1) يبين (2) ~~له حكم الترك في هذا الوقت، وليس بوقت للحاجة، وأنتم لا تفرقون في حمل ~~الأمر على الندب بين أن يكون على الفور أو على التراخي. # وهذه جملة كافية في الاطلاع (3) على سر (4) هذا الباب فليحسن تأملها ### ||| . فصل في حكم الأمر الوارد بعد الحظر # اعلم أن أكثر المتكلمين في أصول الفقه أطبقوا على أن الأمر الوارد بعد ~~الحظر يقتضى الإباحة وإطلاق الحظر الذي تقدم (5)، وإن كانوا يذهبون إلى ~~أنه لو انفرد، وكان مبتدأ، اقتضى الوجوب ولسنا ندري ما (6) السبب في ~~استمرار هذه الشبهة الضعيفة (7). # والصحيح أن حكم الأمر الواقع بعد الحظر (8) هو حكم الأمر المبتدأ، فان ~~كان مبتدؤه (9) على الوجوب أو الندب أو الوقف بين ms034 الحالين، فهو كذلك بعد الحظر. # والذي يدل على ذلك أن الأمر إنما يدل على ما يدل عليه، لأمر يرجع إلى ~~كونه أمرا، وإذا كانت هذه الصفة لا تتغير (10) بوقوعه بعد الحظر، PageV01P073 # فدلالته يجب ألا تتغير (1). # وأيضا فإن الحظر (2) العقلي آكد من السمعي، وقد علمنا أن ورود الأمر بعد ~~الحظر العقلي (3) لا يمنع من اقتضائه الوجوب، وكذلك وروده بعد الحظر ~~الشرعي. # وبعد، فإن (4) كونه محظورا لا يمنع من وجوبه أو كونه ندبا بعد هذه ~~الحال، وإذا كان لا يمنع من ذلك، لم تتغير الدلالة. # فإن قيل: ورود الأمر بعد الحظر يقتضى إطلاق الحظر، قلنا: لا شبهة في ذلك ~~غير أن إطلاق الحظر يكون بالإيجاب والندب، كما يكون بالإباحة، فمن أين أنه ~~يقتضى إطلاق الحظر من غير زيادة على ذلك. # واعتلالهم بأنهم لم يجدوا في الكتاب أمرا واردا بعد الحظر إلا و(5) يقتضى ~~الإباحة المحضة (6)، باطل (7)، لأن (8) الوجود إذا صح، ليس بدلالة لأنه ~~يمكن خلاف ما استمر عليه الوجود، ولأنا لا نسلم ذلك أيضا، لأن الله تعالى ~~يقول: @QUR@09 ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله، وحلق الرأس هاهنا (9) ~~نسك، وليس بمباح (10) صرف (11). # . PageV01P074 ### ||| فصل في أن الكفار مخاطبون بالشرائع وهل يدخل العبد والصبي في الخطاب؟ # الصحيح أن الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعية، وذهب كثير من المتكلمين ~~وأكثر الفقهاء إلى أنهم غير مخاطبين. وفائدة الخلاف في هذه المسألة- وإن ~~كانوا (1) متفقين على أن الكفار مع عقابهم (2) على كفرهم، لا نطالبهم (3) ~~بفعل العبادات الشرعية (4) أن من قال: إنهم مخاطبون، يذهب إلى أنهم يستحقون ~~مع عقابهم (5) على الكفر العقاب من الله تعالى على الإخلال (6) بهذه ~~العبادات، ومنا الذم على ذلك، ومن ذهب إلى أنهم غير مخاطبين، يلزمه ألا ~~يستحقوا عقابا ولا ذما على الإخلال (7) بالعبادات. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أشياء: # أولها (8) أن الاعتبار في دخول المكلف في التكليف (9) إنما هو بشيئين: ~~أحدهما صفة المكلف، والآخر صفة الخطاب، وقد علمنا (10) أن الكافر كالمؤمن ~~في استيفاء شروط التكليف، لأنه يتمكن (11) من أن PageV01P075 # يؤمن فيصح (1) وقوع جميع العبادات ms035 منه، فصحة تكليفه العبادات كصحة ~~تكليفه نفس الإيمان والإسلام. وأما (2) اعتبار صفة الخطاب، فإنه إذا كان ~~مطلقا و(3) متوجها إلى الناس، دخل الكافر فيه لتناوله إياه (4). # ومنها أن الكفار لو لم يتعبدوا بالشرائع، (5) لكانوا (6) معذورين في ~~تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله) والامتناع من تصديقه، لأن الغرض في إيجاب ~~تصديقه (عليه السلام) هو المعرفة بشرائعه، كما أن الغرض في بعثته (7) هو ~~(8) أداؤه (9) الشرائع، فمن (10) لم يكلف ما هو الغرض في إيجاب التصديق، ~~لا يجوز أن يكون مكلفا بالتصديق (11)، ولا خلاف في وجوب (12) تصديقه ~~(عليه السلام) على كل الكفار. # ومنها أنه لا خلاف في أن الكفار يحدون على الزنا على وجه العقوبة ~~والاستحقاق (13)، فلو (14) لم يكونوا مخاطبين بهذه الشرعيات، لم يستحقوا ~~العقوبة على فعل القبائح منها. وليس لهم أن يقولوا (15) أنما عوقب PageV01P076 # على أنه لم يخلص نفسه من الكفر، فيعرف قبح (1) الزنا، لأن هذا تصريح ~~بأنه يعاقب على كفره لا على الزنا، وهذا يوجب أن يعاقبه (2) وإن لم يزن. ~~وقد كان شيخ من متقدمي أصحاب الشافعي (3)، وقد استدللت بهذه الطريقة، قال ~~لي: فأنا أقول: إن (4) الكفار مخاطبون (5) من الشرائع بالتروك دون ~~الأفعال، لأن الأفعال تفتقر (6) إلى كونها قربة، ولا يصح ذلك مع (7) ~~الكفر، والتروك (8) لا يفتقر إلى ذلك. فقلت له: هذا- والله- خلاف الإجماع، ~~لأن الناس بين قائلين، قائل (9) يذهب إلى (10) أن الكفار مخاطبون (11) ~~بكل الشرائع من غير تفرقة، و(12) قائل يذهب إلى أنهم غير مخاطبين بالكل، ~~فالفصل بين الأمرين خلاف الإجماع (13). # ثم إن (14) القربة معتبرة في تروك هذه القبائح، كما أنها معتبرة (15) في ~~الأفعال الشرعية (16)، لأنا إنما أمرنا بأن نترك الزنا ولا نفعله قربة إلى ~~الله تعالى، فمن لم يتركه لذلك، لا يستحق مدحا ولا ثوابا، PageV01P077 # ولا يكون مطيعا لله تعالى، ولا ممتثلا لأمره، فالقربة (1) إذا لم تصح من ~~الكافر وهو كافر (2)، لم يجز أن يقع (3) منه على الوجه المشروع لا فعلا ~~ولا تركا. # ومنها قوله تعالى حاكيا عن الكفار (4): ما سلككم في سقر. # قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم ms036 المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، ~~وكنا نكذب بيوم الدين، وهذا يقتضى أنهم عوقبوا مع كفرهم على أنهم لم يصلوا، ~~وهذا يقتضى كونهم مخاطبين بالصلاة. # وليس لأحد أن يقول: (5) أي حجة في قول أصحاب (6) النار، ولعل الأمر ~~بخلاف ما قالوه، وذلك أن (7) جميع معارف (8) أهل (9) الآخرة ضرورية، فلا ~~(10) يجوز أن يعتقدوا جهلا، وهم ملجئون (11) إلى الامتناع من فعل القبيح ~~(12)، فلا يجوز أن يقع منهم كذب، ولا ما جرى مجراه. # وليس له أن يحمل قوله تعالى: (13) لم نك من المصلين، على PageV01P078 # أن المراد (1) لم نكن (2) من أهل الصلاة والإيمان. وذلك أن هذا يقتضى ~~التكرار للمعنى الواحد، لأن قوله- سبحانه- (3): @QUR@05 وكنا نكذب بيوم ~~الدين ، يغنى عن أن ينفي أن يكونوا من أهل الصلاة والإيمان. وأيضا فإن ~~الظاهر (4) من قول القائل: لم أك مصليا، نفي فعل الصلاة، دون الإيمان بها. # وقد تعلق من خالفنا بأن الكافر لا يصح منه مع كفره شيء من العبادات، ~~فيجب أن لا يكون مخاطبا بها، كما لو كان عاجزا أو ممنوعا. # والجواب عن ذلك أن الكافر تصح (5) منه العبادات (6)، بأن يقدم الإيمان ~~عليها، ثم يفعلها، وجرى مجرى المحدث الذي (7) هو مخاطب بالصلاة، وإن لم ~~تصح (8) منه مع الحدث، لكنه يقدر على تقديم إزالة الحدث ثم فعل الصلاة. ~~ويجب على هذا أن لا يكون القاعد مخاطبا بالصلاة، ولا (9) القائم أيضا إليها ~~(10)، لأنه (11) لا يتمكن في الحال الثانية من جميع أركان الصلاة، وإنما ~~يقع (12) منه على ترتيب. والعاجز أو PageV01P079 # الممنوع لا يشبه الكافر، لأنه لا يتمكن من إزالة عجزه أو (1) منعه، ~~والكافر متمكن من إزالة كفره. # وقد (2) تعلقوا أيضا بأن الكفار لو (3) كانوا مخاطبين بالعبادات، لوجب ~~(4) متى أسلموا أن (5) يلزمهم قضاء ما فات منها، وقد علم خلاف ذلك. # والجواب (6): أن القضاء لا يتبع في وجوبه وجوب المقضي (7)، بل هو منفصل ~~عنه، وقد يجب كل واحد من الأمرين وإن لم يجب الآخر، ألا ترى أن الحائض ~~يلزمها قضاء الصوم وإن لم يكن الأداء عليها واجبا، والجمعة إذا فاتت لا يجب ~~قضاؤها، وإن وجب أداؤها، ms037 فما المنكر من وجوب العبادات على الكفار (8)، وإن ~~لم يجب عليهم (9) قضاء ما فات منها؟. # وأقوى ما يعترض به هاهنا شبهة قولهم: ما ذكرتموه إنما يتم في العبادات ~~المختصة بأوقات، فأما الزكاة فالأوقات كلها متساوية (10) في أن فعلها فيها ~~(11) هو الأداء (12) لا قضاء، ولا خلاف في أن الكافر إذا PageV01P080 # أسلم وقد حال الحول على ماله وهو قدر النصاب، أن الزكاة عن (1) الماضي ~~لا تجب (2) عليه. # والجواب (3) الصحيح أن الزكاة وجبت، ثم سقطت (4) بالإسلام لأن الإسلام ~~(5) على ما روى في الخبر- يجب (6) كل ما تقدمه. # وأما (7) العبد فيدخل في الخطاب، إذا تكامل شروطه (8) في نفسه، وكان ~~ظاهر الخطاب يصح أن يتناوله. وإنما يكون الخطاب بهذه الصفة، إذا لم يكن ~~مقيدا بالحرية (9)، أو يتعلق بالأملاك، لأن (10) العبد لا يملك (11)، ~~والعبد (12) في هذه القضية كالحر (13)، وكونه مملوكا (14) عليه (15) ~~تصرفه (16) لا يمنع من وجوب العبادات عليه، لأن المولى إنما يملك تصرفه ~~عليه في غير وقت وجوب عبادة، فأوقات (17) العبادات مستثناة من ذلك. PageV01P081 # ودخول امرأة في الخطاب كدخول الرجل. والصحيح أنها تدخل بالظاهر و(1) من ~~غير حاجة إلى دليل في خطاب المذكر، لأن قولنا «القائمون» عبارة عن الذكور ~~والإناث، إذا اجتمعا، كما أنه عبارة عن الذكور، على الانفراد. وليس يمنع من ~~دخول المؤنث تحت هذه الصيغة أنهم خصوا المؤنث بصيغة أخرى، لأن تلك الصيغة ~~(2) خص بها المؤنث، إذا انفرد، ومع الاقتران بالذكر، لا بد (3) من الصيغة ~~التي ذكرناها. # وأما الصبي فإن (4) كان في المعلوم أنه يبلغ، وتتكامل (5) له شروط ~~التكليف، فالخطاب (6) يتناوله على هذا الوجه (7)، وهو داخل في قوله ~~تعالى: أقيموا الصلاة، لأن الخطاب لا يتجدد بتجدد كمال (8) هذا الصبي ~~وبلوغه، وفي (9) حال الطفولية لا يتعلق عليه خطاب بفعل في (10) هذا ~~الوقت، لا فيما يتعلق ببدن، ولا بمال، لأنه في حال (11) الصبا ليس من أهل ~~الأفعال. ومعنى القول بأن الخطاب يتعلق بماله، أن وليه مخاطب بما يفعله في ~~ماله من أخذ أرش متلف وقيمة جناية وما جرى (12) مجرى ذلك. # . PageV01P082 ### ||| فصل في هل الأمر بالشيء أمر بما ms038 لا يتم (1) إلا به # اعلم أن كل (2) من تكلم في هذا الباب أطلق القول بأن الأمر بالشيء هو ~~بعينه أمر بما لا يتم ذلك الشيء إلا به، والصحيح أن يقسم (3) ذلك، فنقول: ~~إن كان الذي (4) لا يتم ذلك الشيء إلا به سببا، فالأمر بالمسبب (5) يجب ~~أن يكون أمرا به، وإن كان غير سبب، وإنما هو مقدمة للفعل وشرط فيه (6)، لم ~~يجب أن يعقل من مجرد الأمر أنه أمر به. # والذي يدل على صحة ما ذكرناه أن ظاهر الأمر يقتضى ما تناوله (7) لفظه، ~~وليس يجوز أن يفهم منه وجوب غيره مما لم (8) يتناوله اللفظ إلا بدليل غير ~~الظاهر، لأنه (9) إذا قال (10) صل فالأمر يتناول الصلاة، والوضوء الذي ~~ليس بصلاة إنما نعلم (11) وجوبه بدليل غير الظاهر. # ومما يوضح ذلك أن الأمر في الشريعة قد ورد على ضربين: أحدهما يقتضى إيجاب ~~الفعل دون إيجاب مقدماته، نحو الزكاة والحج، فإنه لا يجب علينا أن نكتسب ~~المال لتحصيل (12) النصاب، أو لنتمكن PageV01P083 # به من الزاد والراحلة، بل متى اتفق لنا النصاب، وحال عليه الحول، وجبت ~~الزكاة، وكذلك في الزاد والراحلة (1). والضرب الآخر يجب فيه مقدمات الفعل، ~~كما يجب هو في نفسه، وهو الوضوء للصلاة (2)، وما جرى مجراها، وإذا انقسم ~~الأمر في الشرع إلى قسمين، فكيف نجعلهما قسما واحدا. # فإذا قيل: مطلق الأمر يقتضى تحصيل مقدماته، فأما ما كان مشروطا منه بصفة ~~كالزكاة والحج فلا يجب ذلك فيه (3)، قلنا: هذه دعوى، ما الفرق بينكم، وبين ~~من عكسها، فقال: إن مطلق الأمر يقتضى إيجابه دون غيره، فإذا علمنا وجوب ~~المقدمات كالوضوء في الصلاة، علمناه (4) بدليل خارج عن الظاهر. # والصحيح أن الظاهر يحتمل الأمرين (5): احتمالا واحدا، وإنما يعلم كل ~~واحد منهما (6) بعينه (7) بدليل. # فان تعلقوا بالسبب (8)، والمسبب، و(9) أن إيجاب المسبب إيجاب للسبب ~~(10) لا محالة. PageV01P084 # قلنا هو كذلك، والفرق بين الأمرين أنه محال أن (1) يوجب علينا المسبب ~~(2) بشرط اتفاق وجود (3) السبب، وإنما فسد ذلك، لأن مع وجود السبب لا بد من ~~وجود المسبب، إلا لمنع (4)، ومحال أن يكلفني الفعل ms039 (5) بشرط وجود الفعل، ~~وليس كذلك مقدمات الأفعال، لأنه يجوز أن يكلفني الصلاة بشرط أن أكون قد ~~تكلفت الطهارة، كما جرى ذلك في الزكاة والحج، فبان الفرق بين الأمرين. # وإذا كان إيجاب المسبب إيجابا لسببه، فإباحة المسبب إباحة للسبب (6). ~~وكذلك تحريمه. وفي الجملة أحكام المسبب لا بد من كونها متعدية إلى السبب، ~~فأما أحكام السبب (7) في إباحة أو حظر أو إيجاب فغير متعدية (8) إلى ~~المسبب، لأنه يمكن مع وجود (9) السبب (10) المنع من المسبب (11) ### ||| . فصل في أن الأمر بالشيء ليس بنهي (12) عن ضده لفظا ولا معنى # اعلم أنه من البعيد أن يذهب محصل إلى أن (13) لفظ (14) الأمر PageV01P085 # يكون نهيا عن ضده، لأن الأمر مسموع، وما يدرك لا يجب أن يقع فيه خلاف بين ~~العقلاء مع السلامة، وما يسمع من قول القائل: # افعل، لا تفعل (1). # وإنما الخلاف في أنه (2) هل يجب أن يكون الآمر في المعنى ناهيا عن ضد ما ~~أمر به، والمجبرة (3) يبنون ذلك على أن إرادة الشيء كراهة لضده، وكراهته ~~إرادة (4) لضده. والفقهاء يقولون: إن الموجب للشيء يجب (5) أن يكون حاظرا ~~لضده، وهذا معنى النهى. وفيهم من يقسم (6)، ويقول: إذا لم يكن للفعل إلا ~~ضد واحد (7)، فالأمر بأحدهما نهى عن الآخر، والنهى عن أحدهما أمر بالآخر، ~~وإذا (8) كانت (9) له أضداد كثيرة، لم تجب فيه (10) هذه القضية. # وقد دللنا فيما تقدم على ما يبطل هذا المذهب، وبينا أن الذي يقتضيه الأمر ~~كون فاعله مريدا للمأمور به، وأنه ليس من الواجب أن يكره الترك، بل (11) ~~يجوز أن يكون مريدا له، أو لا مريدا ولا كارها. # وهذا كله يسقط بالنوافل، فإن الله تعالى قد أمر بها، وما نهى PageV01P086 # عن تروكها (1) ولا كره أضدادها، وكون نفس الإرادة كراهة قد بينا فساده، ~~وأنه يؤدى إلى انقلاب الجنس. # فإن قيل: أفيجب عندكم في الأمر إذا كان بفعل واجب أن يكون الآمر به كارها لتركه. # قلنا: لا يجب ذلك، ولهذا جاز عندنا أن يجتمع الضدان بل الأضداد في ~~الوجوب، ألا ترى أن المصلي في آخر الوقت هو مخير ms040 بين أن يصلي في أي زوايا ~~(2) البيت شاء، والصلاة في الزوايا متضادة، وكل واحد يقوم مقام الآخر في ~~الوجوب، مع التضاد (3). # فإن قدرنا أنه لا ينفك عن (4) الواجب إلا بفعل واحد أو (5) أفعال، فذلك ~~محرم عليه، لأن الواجب المضيق هو الذي ليس له أن يخل به، فكل (6) فعل لا ~~يكون مخلا بالواجب إلا به، ولا ينفك مع الإخلال منه، فلا بد من كونه ~~محظورا. # وأما النهى، فيقتضى أن لا يفعل المكلف (7) ذلك المنهي عنه، وأضداد (8) ~~هذا الفعل موقوفة على الدليل، فإن كان المكلف لا ينفك متى لم يفعل، من أمر ~~واحد، فهو واجب عليه (9) بلا شبهة، لأن ما أوجب مجانبة الفعل PageV01P087 # المحرم، وأن لا يفعله، يقتضى فعل ذلك. # ومما يبين (1) فساد مذهب من ذهب إلى أن الأمر بالشيء في المعنى نهى عن ~~ضده (2)، أن الله تعالى (3) قد كره الزنا وأراد الصلاة، وأمر بالصلاة ~~ونهى عن الزنا، وهذا يقتضى أن يكون الفعل الواحد الذي هو قعوده (4) عنهما ~~مرادا مكروها، أو (5) مأمورا به (6) منهيا عنه. # وكان يجب أيضا أن يكون أحدنا متى أراد خروج الغاصب من أحد بابي الدار ~~(7)، أن يكون كارها لخروجه من الباب الآخر، كما يكره تصرفه في الدار، وفساد ~~ذلك ظاهر. ### ||| . فصل في الأمر بالشيء على وجه التخيير # اعلم أن الصحيح أن الكفارات الثلاث في حنث اليمين واجبات كلهن، لكن على ~~جهة التخيير، بخلاف ما قاله (8) الفقهاء من أن الواجب منهن واحدة لا ~~بعينها، وفي كشف المذهب هاهنا وتحقيقه إزالة للشبهة (9) فيه. # ونحن نعلم أن تكليفه تعالى للشرائع (10) تابع للمصلحة والألطاف، وليس ~~يمتنع أن يعلم في أمر معين أن المكلف لا يصلح في PageV01P088 # دينه إلا عليه، وأنه (1) لا يقوم غيره في ذلك مقامه (2)، فلا بد من ~~إيجابه على جهة التضييق. وغير ممتنع أن يعلم في أمرين أو أمور مختلفة (3) ~~أن كل واحد في مصلحة المكلف في دينه كالآخر من غير ترجيح، فلا بد والحال ~~هذه من الإيجاب على طريقة التخيير، للتساوي في وجه المصلحة والشاهد يقضى ~~بما ذكرناه، لأن ms041 أحدنا إذا أراد مصلحة ولده، وعلم، أو غلب في (4) ظنه أنه ~~لا يصلح إلا بأن يفعل به فعلا مخصوصا، وجب ذلك الفعل معينا، وإذا غلب في ~~ظنه تساوى فعلين أو أفعال في مصلحته (5)، كان مخيرا فيها. والقول بوجوب ~~بعض ذلك دون بعض كالمتناقض. # وأقوى ما دل على (6) ما ذكرناه أن الكفارات الثلاث متساوية في جميع ~~الأحكام الشرعية، لأن كل واحدة (7) منها يقوم (8) مقام الأخرى (9) في ~~براءة ذمة المكلف (10) وإسقاط الحنث عنه، وكل حكم شرعي لواحدة (11) منها ~~(12) فهو (13) للأخرى (14)، فلا يجوز مع التساوي في الأحكام أن يختلف في ~~الصفة، لأن اختلاف الصفات يقتضى اختلاف الأحكام، PageV01P089 # من حيث كانت الأحكام (1) صادرة عن الأحوال و(2) الصفات، فكيف يجوز أن ~~يكون الواجب من الكفارات واحدة، وأحكام الكل الشرعية (3) متساوية متعادلة، ~~وهل ذلك إلا مناقضة (4). ولو جاز أن يتساوى أمور في الأحكام، ويختص الوجوب ~~بأحدها، جاز أن يتساوى (5) أمور (6) في كونها مفسدة في الدين، وتكون (7) ~~مختلفة في القبح أو (8) التحريم والحظر. وأي (9) فرق بين القول بأن الواجب ~~من الكفارات واحدة، والكل متساو في الأحكام، وبين القول (10) بأن (11) ~~المحظور من أمور متساوية في المفسدة هو (12) واحد لا بعينه. # ومما يستدل به (13) أن الواجب من الكفارات لو كان واحدا لا بعينه، لوجب ~~أن يجعل الله تعالى (14) للمكلف طريقا إلى تمييزه قبل أن يفعله، لأن ~~تكليفه أن يفعل واحدا لا بعينه من جملة (15) ثلاث يجري (16) مجرى تكليفه ~~(17) ما لا يطلق. PageV01P090 # وليس لهم أن يقولوا: أي حاجة به إلى التمييز (1)، وأي شيء فعله (2) كان ~~الواجب، وذلك أن الأمر إذا كان على ما ذكروه، فهو تصريح بوجوب الثلاث، لأنه ~~إذا كان أي شيء فعله منها فهو الواجب، فهل هذا إلا تصريح بأن الكل واجب. # فإن (3) قالوا: ليس يمتنع أن يكون اختيار المكلف له (4) علما على وجوبه ~~وتعينه (5)، قلنا: هذا يؤدى إلى مذهب مويس (6) بن عمران، في أن الله ~~تعالى يكلف العبد أن يختار ما يشاء (7) من العبادات، ويكون مصلحة باختياره، ~~لأن الله تعالى (8) علم (9) أنه لا يختار إلا الصلاح من ms042 غير أمارة مميزة ~~متقدمة. ويلزم عليه أن يكلف تمييز نبي صادق ممن ليس بنبي من غير أمارة ولا ~~دلالة مميزة متقدمة (10). # وبعد، فإن اختيار المكلف إنما يكون تابعا لأحوال الفعل وصفاته، ولا تكون ~~(11) أحوال الفعل تابعة لاختيار المكلف وإرادته، ألا ترى أن وجوب الفعل هو ~~الداعي إلى اختياره له على غيره، فيجب أن يتقدم العلم بالوجوب على ~~الاختيار، ولا يجعل الاختيار متقدما (12) على الوجوب. PageV01P091 # وبعد، فليس يخلو الاختيار من أن يكون مؤثرا في وجود الفعل، أو مؤثرا في ~~حصول الصفة التي لأجلها كان مصلحة في الدين، والأول، هو الصحيح، والثاني ~~باطل، لأن (1) كونه مصلحة لا يجوز أن يؤثر فيه حال القادر، لأن (2) حال ~~القادر لا يؤثر إلا (3) في مجرد الوجوب (4)، ألا ترى أن ما أوجبه الله ~~تعالى (5) من الفعل المعين لا يؤثر حال القادر (6) في الصفة التي لأجلها ~~كان واجبا، بل (7) في (8) مجرد الوجود (9)، فكذلك (10) الواجب على جهة ~~التخيير. # فإذا قالوا: أليس قد (11) يصح البيع لقدر (12) مخصوص من الكيل من جملة ~~صبرة، ويتعين باختيار القابض وقت القبض (13)، فكيف أحلتم أن يكون للاختيار ~~مدخل (14) في التعيين. # قلنا: إنما أنكرنا أن يكون للاختيار مدخل في المصالح الدينية ووجوب ~~الواجبات منها، فأما ما لا يتعلق بالمصالح الدينية (15) من المعاملات PageV01P092 # فقد (1) يجوز أن (2) يتعين عند القبض بالاختيار. # ومما يدل أيضا أنه لو كان الواحدة (3) من الكفارات هو الواجب لا بعينه، ~~لما صح القول بأن للمكفر أن يكفر بأي الثلاث شاء. # وأيضا فإن الواجب (4) وإن لم يتعين للمكفر (5)، فإن (6) الله تعالى ~~يعلمه، لأنه يعلم ما الذي يكفر به المكفر من جملة الثلاث، فيجب على هذا ~~القول أن يكون الله تعالى موجبا لذلك بعينه، ولو كان كذلك لما اجتمعت الأمة ~~على أنه لو كفر بغيره (7)، لأجزاه (8)، كما لا يجوز أن يجزيه، لو كفر برابع. # وليس لهم أن يقولوا: جوازه عند الأمة لا يدل على وجوبه، لأنه قد يجزى ما ~~ليس بواجب عن الواجب كالطهارة قبل دخول الوقت، وذلك أنهم لما (9) أجمعوا ~~(10) على جواز ما لم يكفر ms043 به وإجزائه، فقد أجمعوا على أنه كان يجزى على وجه ~~لا فرق بينه وبين ما اختاره. # وقد تعلق من خالفنا بأشياء: # منها أن القول بالتخيير يؤدى إلى أن يكون (11) المكلف مخيرا (12) PageV01P093 # بين عبيد الدنيا (1) كلها، وكذلك الكسوة والإطعام (2)، وذلك فاسد. # ومنها أنه تعالى لو نص على أنى أوجبت (3) واحدا لا بعينه، لكان هو ~~الواجب، فكذلك (4) إذا خير فيه، لأن المعنى واحد. # ومنها أنه لو فعل الكل، لكان الواجب واحدا (5) بإجماع، فكذلك يجب أن ~~يكون (6) الواجب واحدا قبل أن يفعل. # ومنها أن الجميع لو وجب على جهة التخيير، والجمع (7) بين الثلاث ممكن، ~~لوجب (8) أن يكون واجبة على سبيل الجمع، كما (9) أن ما نهى عنه تخييره ~~كجمعه (10). # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إن التخيير لا يكون إلا بين أمور تدخل ~~(11) في الإمكان (12)، فالمكفر مخير بين (13) عتق من يتمكن من عتقه في ~~الحال، وكذلك القول (14) في الإطعام والكسوة، فإذا لم يملك المكفر إلا ~~رقبة واحدة، زال التخيير في الرقاب، لأنه لا يجوز PageV01P094 # أن يكون مخيرا بين عتق عبد (1) يملكه وبين عتق (2) عبد لا يملكه، ولهذا ~~نقول: أنه (3) متى ضاق وقت الصلاة، فالمصلي مخير بين البقاع المتقاربة دون ~~المتباعدة، وإذا (4) كان الوقت واسعا، جاز أن يتعدى التخيير إلى (5) ~~الأماكن المتباعدة. # على أن هذا المعترض يلزمه أن يكون المكفر مأمورا بعتق واحد من عبيد ~~الدنيا كلها، وكذلك في الإطعام والكسوة، فليس ينفصل من (6) ذلك إلا بمثل ~~ما ذكرناه من اعتبار الطاقة والإمكان. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ومن الذي يسلم لكم جواز أن ينص الله ~~تعالى على أنى (7) أوجبت واحدا لا بعينه؟، أو ليس قد بينا أن ذلك لا يصح ~~في التكليف، وبينا أيضا (8) أن الأمور المتساوية (9) في وجه المصلحة لا ~~يجوز أن يوجب (10) بعضها دون بعض؟. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إنا لا نقول فيما فعله: أنه واجب إلا ~~على وجه دون وجه، ولا بد من (11) تفصيل بيان هذه الجملة، فنقول: إن قولنا: ~~واجب، قد يطلق، وقد يضاف: فإذا أطلق، أفاد ms044 وقوعه PageV01P095 # على وجه الوجوب (1)، ولم يجز (2) إجراء هذه العبارة على المعدوم إلا ~~مجازا واتساعا، ويجري (3) «واجب» في هذه القضية مجرى قولنا في الفعل: # إنه حسن. فأما المضاف فقولنا: واجب على المكلف، وهذا وجه يختص المعدوم ~~(4)، فإن الموجود لا يصح أن يفعل، وكلامنا في الكفارات الثلاث (5) أيها هو ~~(6) الواجب؟ و(7) إنما المراد به ما الذي يجب أن يفعله المكلف منها؟ فإذا ~~فعل واحدا منها، فقد خرج من أن يجب عليه، وإنما نقول (8): كان واجبا عليه، ~~وكذلك (9): إذا فعل الثلاث، فقد خرجت من أن تكون (10) واجبة عليه (11) ~~على سبيل التخيير لأنه لا تخيير بعد الوجود. # فإن قيل: فإذا (12) جمع بين الكل، ما الواجب المطلق منها؟ قلنا: # إن كان جمع بينها (13)، لم يخل من أن يكون فعل واحدا بعد الآخر، أو كان ~~وقت الجميع واحدا، فإن كان الأول، فالذي يستحق عليه ثواب الواجب هو الأول، ~~وإن (14) جمع بينها (15) في وقت واحد، PageV01P096 # استحق (1) ثواب (2) الواجب على أعلاها وأكثرها ثوابا، ولا معنى للنظر ~~في تعيين ما يستحق به ثواب الواجب (3)، لأنه لا فائدة له فيما يتعلق ~~بالتكليف، ولا حجة للفقهاء (4) فيما اختلفنا فيه، لأنا إنما (5) نخالفهم ~~فيما يجب أن يفعله المكلف من الكفارات قبل أن يفعله، فنقول: إن الجميع (6) ~~واجب على سبيل التخيير، ويقولون: الواجب واحد (7) لا بعينه، فأي منفعة لهم ~~في أن يكون المستحق به ثواب الواجب بعد الفعل هو واحد؟ ومعنى قولنا هاهنا: ~~إنه واجب، غير المعنى فيما (8) اختلفنا فيه، ولا شاهد في أحد (9) الأمرين ~~(10) على الآخر مع اختلاف المعنى، وإنما تشاغل بذلك من الفقهاء من لا قدرة ~~له على التفرقة بين هذه المعاني وترتيبها (11) مراتبها. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا (12): ليس بواجب فيما وجب على سبيل ~~التخيير أن يكون واجبا على طريقة الجمع،- وإن كان الجمع (13) بينه ممكنا- ~~لأنا قد بينا أن الأمور المتساوية في حكم من الأحكام (14) PageV01P097 # إنما تجب (1) على التخيير دون الجمع، لأنه لا وجه لوجوبها جميعا، ألا ~~ترى أن من غلب في ظنه أن مصلحة ولده تكون (2) في أفعال متغايرة ms045 يقوم كل ~~واحد منها مقام صاحبه، إنما يجب عليه هذه الأفعال على سبيل التخيير، ولا ~~يجوز أن يجب عليه الجمع بينها (3)، لأنه لا وجه لوجوبه على هذا الوجه (4). ~~فأما قياسهم ذلك على ما يتناوله (5) النهى، فسيجيء الكلام فيه في باب ~~النهى، ونذكر الصحيح منه بمشية الله تعالى. # واعلم أن ما كلفه الله تعالى ينقسم إلى وجوه ثلاثة: # أولها أن يكلف الله تعالى الفعل بأن يريده، ويكره كل تروكه، فعبرنا عما ~~هذه حاله بأنه واجب مضيق. # والقسم الثاني أن يريد تعالى الأفعال، ولا يكره ترك (6) كل واحد منها ~~إلى الآخر، ويكره تروكها أجمع، فعبرنا عنها بأنها واجبة (7)، على سبيل ~~التخيير، كالكفارات. # والقسم الثالث أن يريد تعالى الفعل، ولا يكره شيئا من تروكه، فعبرنا عن ~~ذلك بأنه ندب. # وينقسم ما خير الله تعالى فيه إلى ثلاثة أقسام: PageV01P098 # أحدها أن يريد (1) تعالى- كل أحد من (2) ما خير فيه مجتمعا أو (3) ~~منفردا، وإن كان عند الوجود الواجب منه الواحد، كالكفارات. # وثانيها أن يريد كل واحد، ويكره فعله مع الآخر، مثاله أمر الولي بتزويج ~~من إليه أمره من النساء، لأنه أريد منه تزويجها (4) من كل زوج بانفراده، ~~وكره ذلك منه (5) مع غيره (6). # وثالثها أن (7) يريد (8) كل واحد على الانفراد، ومع اجتماع غيره إليه لا ~~يريده، ولا يكرهه، ومثاله ستر العورة للصلاة، لأنه مخير في سترها، والجمع ~~في ذلك مباح، ليس بمراد ولا مكروه. ### ||| . فصل في الأمر المطلق هل يقتضى المرة الواحدة أو التكرار # اختلف في ذلك، فذهب قوم إلى أن (9) مطلق الأمر يفيد التكرار، وينزلونه ~~منزلة أن يقول له: افعل أبدا. وذهب آخرون إلى أنه يقتضى بظاهره المرة ~~الواحدة من غير زيادة عليها. وذهب آخرون إلى الوقف في مطلق الأمر بين ~~التكرار والاقتصار على المرة الواحدة. PageV01P099 # وتحقيق موضع الخلاف إنما هو في الزيادة على المرة الواحدة، لأن الأمر قد ~~تناول المرة الواحدة بلا خلاف (1) بين الجماعة، وإنما ادعى أصحاب التكرار ~~أنه أرادها وأراد الزيادة عليها، وقال المقتصرون على المرة الواحدة (2): ~~أنه أرادها ولم يرد زيادة عليها، ms046 وقال صاحب الوقف: # أراد المرة بلا شك، وما زاد عليها لست أعلم هل (3) أراده (4)، كما قال ~~أصحاب التكرار، أو لم يرده، كما قال أصحاب (5) المرة، فأنا واقف فيما زاد ~~على المرة لا فيها نفسها، وهذا هو الصحيح. # والذي يدل عليه أشياء: # أولها أنه لا يجوز أن يفهم من اللفظ ما لا يقتضيه ظاهره، وكيفية تناوله ~~لما هو متناول له، وقد علمنا أن ظاهر قول القائل: «اضرب» غير متناول لعدد ~~(6) في كثرة و(7) قلة، كما أنه غير متناول لمكان ولا زمان (8) ولا آلة يقع ~~بها الضرب (9)، فيجب أن لا يفهم من إطلاقه ما لا يقتضيه لفظه، وإنما يقطع ~~(10) على المرة الواحدة، لأنها أقل ما يمتثل به الأمر، فلا بد من كونها ~~(11) مرادة. PageV01P100 # وثانيها أنه لا خلاف أن لفظ (1) الأمر قد يرد (2) في القرآن وعرف ~~الاستعمال، ويراد به تارة التكرار، وأخرى المرة الواحدة من غير زيادة، وقد ~~بينا أن ظاهر استعمال اللفظة في معنيين مختلفين يدل على أنها حقيقة فيهما ~~ومشتركة (3) بينهما إلا أن تقوم (4) دلالة. # وثالثها حسن استفهام (5) من أمر أمرا (6) مطلقا ولا عهد (7) ولا عادة ~~ولا قرينة على (8) المراد، وهل هو الاقتصار على (9) المرة الواحدة أو ~~التكرار، وحسن الاستفهام (10) دال على اشتراك (11) اللفظ (12) وعدم ~~اختصاصه. # ورابعها أنا نعلم (13) حسن قول القائل لغيره: افعل كذا وكذا (14) أبدا، ~~أو (15): افعله مرة واحدة بلا زيادة عليها، فلو كان مطلق اللفظ موضوعا ~~للتكرار، لما حسن أن يقول له: افعل أبدا، لأنه مفهوم من قوله الأول، ولو ~~كان موضوعا للمرة الواحدة بلا زيادة عليها (16)، لما حسن أن يقول: # افعل مرة واحدة (17) ولا تزد عليها، لأن ذلك عبث غير مفيد. PageV01P101 # فإن ذكروا: أنه يفيد التأكيد وهو معنى مقصود قلنا: التأكيد إن لم يفد ~~فائدة زائدة على فائدة اللفظ المؤكد، كان (1) عبثا (2)، ولغوا، والكلام ~~موضوع للإفادة، فلا (3) يجوز أن يستعمل منه ما لا فائدة فيه. # وقد تعلق من قال بالتكرار بأشياء: # أولها قولهم «إن أو امر القرآن المطلقة تقتضي (4) التكرار». # ثانيها قياس الأمر على النهى في اقتضائه ms047 التكرار. # ثالثها إن الأمر المطلق ليس بأن يتناول بعض الأوقات أولى (5) من بعض، ~~فيجب تناوله الكل (6). # ورابعها قولهم «لو لم يقتض التكرار، لما صح دخول النسخ فيه (7)». # وخامسها قولهم «لو لم يقتض التكرار، لما حسن أن يقول افعل مرة واحدة». # وسادسها قولهم «لو لم يقتض التكرار، لكان المفعول ثانيا (8) قضاء لا أداء (9)». # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إنا لا نسلم لكم أن أو امر القرآن PageV01P102 # كلها تقتضي (1) التكرار، فإن فيها ما يقتضى المرة الواحدة كالحج والعمرة ~~عند من أوجبها، والذي يتكرر من ذلك فتكرره (2) مختلف غير متفق، ألا ترى أن ~~الصيام والزكاة يتكرران في كل عام مرة، والصلاة تتكرر (3) في كل يوم خمس ~~مرات، فالتكرار مختلف كما تراه، ولو كان مجرد الأمر يقتضى التكرار، لما ~~اختلف هذا الاختلاف. # وبعد، فالتكرار إنما علم بدليل، وخلافنا إنما هو في موضوع اللغة ومقتضى ~~الأمر المطلق، والصحيح أن كل أمر في القرآن حملناه على المرة الواحدة فإنما ~~(4) حملناه (5) عليها بدليل غير الظاهر، وكل أمر حملناه على التكرار فإنما ~~(6) حملناه عليه (7) بدليل سوى الظاهر. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: إن النهى عندنا كالأمر في أنه لا يقتضى ~~التكرار بإطلاقه وبمجرده (8)، وإنما نحمله عليه متى حملناه (9) بدليل غير ~~الظاهر، ونحن نسوي بين الأمر والنهى في هذه القضية. # وقد فصل قوم (10) بين الأمر والنهى بأن النهى يقتضى قبح الفعل، وقبحه ~~مستمر، فتكرر لذلك. وهذا ليس بشيء، لأن نهى الحكيم (11) PageV01P103 # يقتضى قبح الفعل (1) لا محالة، غير أن قبحه ربما اختص (2) بوقت دون ~~وقت، فلا يجب استمراره في جميع الأوقات المستقبلة، ولا يمتنع أن يختص ~~ببعضها دون بعض، كما قلناه في الوجوب الصادر عن الأمر، فإذا لم يجب في ~~الأمر التكرار، فكذلك (3) في النهى. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إنما يجب- إذا لم يختص لفظ الأمر وقتا ~~دون وقت- أن لا يحمل (4) على شيء من الأوقات، إلا بدليل، ولا نحمله على ~~الجميع، وكيف (5) نحمله على الجميع (6)، ولم يتناول بلفظه (7) الجميع، ~~كما لم يتناول المرة الواحدة بلفظه (8)، وهذه الطريقة ms048 تدل (9) على وجوب ~~التوقف على الدليل والبيان. # ويعارض (10) من سلك هذه الطريقة بقول (11) القائل: لقيت رجلا، أو أكلت ~~شيئا، ونحن نعلم أن قوله ليس بأن يتناول بعض من له صفة (12) مخصوصة من ~~الرجال بأدون (13) من (14) بعض، وكذلك في الشيء المأكول: إنه ليس بأن PageV01P104 # يتناول مأكولا بعينه أولى من غيره (1)، ولا يجب مع ذلك أن يحمل قوله: # لقيت رجلا، على أنه لقي رجلا له كل الصفات التي تكون (2) للرجال مما ليس ~~بمتضاد، كأنه لقي رجلا طويلا أسود عاقلا فقيها قرشيا له كل الصفات التي ليس ~~قوله بأن يتناول بعضها أولى من (3) بعض، وكذلك في المأكول وصفاته، ومعلوم ~~خلاف ذلك. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إنا وإن لم نقل: أن التكرار مفهوم من ~~مطلق الأمر، فعندنا أنا قد نعلمه بدليل، ومن جملة أدلة التكرار دخول النسخ، ~~فبدخول (4) النسخ يعلم (5) أنه متكرر. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: قد بينا أن قول القائل عقيب الأمر: # أبدا أو مرة واحدة، يدل على صحة ما ذهبنا إليه من (6) احتماله للأمرين، ~~ومن تعلق بما حكيناه، ينتقض (7) كلامه بقول القائل: افعل (8) أبدا، فإنه ~~لو كان لفظ «افعل» يقتضى التكرار، لما جاز أن يقول: افعل أبدا، لأنه مفهوم ~~من قوله الأول، ولو كان موضعا للمرة الواحدة (9) لما حسن أن PageV01P105 # يقول أبدا: مرة (1)، فإن قال (2) إنما حسن ذلك تأكيدا، فقد بينا ما في ~~التأكيد. على أنه إن (3) رضى بالتأكيد فليرض بمثله فيمن قال افعل مرة ~~واحدة (4). # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: إن من يقول: أن الأمر على الفور، وأنه ~~يقتضى المرة الواحدة، يقول: أن المفعول ثانيا قضاء (5) في المعنى، وليس ~~بأداء (6)، والصحيح أنه ليس بقضاء، لأنا قد بينا أن مطلق الأمر لا يقتضى ~~بلفظه (7) لا مرة ولا مرات، وسنبين أنه لا يقتضى فورا ولا تراخيا، وأن ~~اللفظ محتمل (8) لذلك كله، وإن لم يعلم إلا بدليل، فلا يجب أن يكون ~~المفعول في شيء من هذه الأوقات قضاء لأن اللفظ يحتمله كما يحتمل (9) غيره. # وأما (10) من ذهب إلى أن ms049 مجرد الأمر يقتضى المرة الواحدة بلا زيادة ~~عليها. فإنه تعلق بأشياء: # أولها (11) أن أهل اللغة لا يختلفون (12) في أن (13) من أمر غيره بفعل- PageV01P106 # ولا عادة متقدمة- إنه يعقل (1) مرة واحدة بلا زيادة عليها. # وثانيها (2) أن أهل اللغة اشتقوا من المصدر الذي هو الضرب أمثلة: # من جملتها (3) ضرب ويضرب وسيضرب، ومن جملتها اضرب، وقد علمنا أن جميع ما ~~اشتقوه لا يفيد التكرار، فيجب أن يكون الأمر بمثابته. # وثالثها (4) أن الآمر غيره بأن يضرب إنما أمره بأن يجعل نفسه ضاربا، وهو ~~قد يكون بهذه الصفة بالمرة الواحدة، فلا يجب ما زاد عليها. # ورابعها (5) أنهم (6) حملوا الأمر على الإيقاعات والتمليكات والتوكيلات ~~في أنه لا يفيد التكرار. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: قد اقتصرتم على الدعوى، لأنا لا نسلم لكم ~~أن المأمور بأن يفعل ولا عهد ولا عادة (7) ولا علم بقصد المخاطب (8) يعقل ~~المرة الواحدة، فدلوا على ذلك، فهي (9) دعوى منكم. # ثم نعارضهم بمن أمر (10) غيره في الشاهد، وعقل منه التكرار، فإذا (11) ~~قالوا: إن ذلك بدلالة وقرينة، قلنا فيما تعلقوا به مثله. PageV01P107 # ويقال لهم فيما تعلقوا به (1) ثانيا: و(2) من سلم لكم في الأمثلة ~~المشتقة من الضرب: مثل (3) ضرب ويضرب أن المراد به دفعة واحدة من غير ~~زيادة؟ وأي عاقل يقطع وقد سمع قائلا يقول: ضرب زيد عمرا، على (4) أنه ضربه ~~مرة واحدة بلا زيادة عليها (5)؟ والاحتمال في أمثلة الأمر كالاحتمال في ~~أمثلة الخبر، ولهذا يحسن أن يستفهم من قال: ضرب زيد عمرا، هل ضربه مرة أو ~~مرات؟ كما يحسن أن يستفهم مع الأمر، فالخلاف في الجميع واحد، فلا ينبغي أن ~~يستشهد بأحد الأمرين على الآخر. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: لا شبهة في أن الآمر غيره بأن يضرب إنما ~~أمره بأن يصير ضاربا (6)، غير أنه يصير ضاربا بالدفعة و(7) بالدفعات، فمن ~~أين أنه أمره بأقل ما يستحق به هذا (8) الاسم، فهذا موضع الخلاف، ولذلك ~~يحسن أن يستفهمه عن مراده، ولو (9) كان مفهوما، لما حسن الاستفهام. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: فيما ذكرتموه ms050 ما لا يمكن فيه PageV01P108 # التكرار، ولا يصح تزايده في الشريعة، وهو الملك والعتق، وأما (1) الطلاق ~~فإن التكرار إنما يصح فيه إلى حد، وهو بلوغ الثلاث، ثم لا يصح التزايد، ~~وإنما حمل أهل الشرع قول القائل: أنت طالق على الواحدة شرعا وتوقيفا، ولو ~~لا ذلك لكان إطلاق القول محتملا، ولذلك اختلفوا في أنه إذا قال: أنت طالق ~~ثلاثا، فذهب قوم إلى وقوع الثلاث وآخرون إلى وقوع واحدة (2)، وآخرون إلى ~~أنه لم يقع شيء، وهذا بحسب ما (3) قادتهم إليه الطرق الشرعية. ### ||| . فصل في أن الأمر المعلق بشرط (4) أو صفة هل يتكرر بتكرارهما # قد ذهب (5) قوم إلى أنه يتكرر بتكرارهما. والصحيح أن الأمر المطلق في ~~هذه القضية كالمشروط، وأن الشرط لا يقتضى فيه زيادة على ما اقتضاه إطلاقه، ~~فإن كان إذا أطلق اقتضى المرة الواحدة، فكذلك (6) حكمه (7) مع الشرط، وإن ~~كان مطلقا يقتضى التكرار، فكذلك إذا كان مشروطا، وإن كان التوقف بين ~~الأمرين واجبا مع الإطلاق، فكذلك (8) PageV01P109 # مع الشرط (1). # والذي يدل على ذلك كل شيء دللنا به على أن الأمر المطلق لا يقتضى ~~التكرار من الوجوه الأربعة فلا معنى لإعادتها. # ويدل على ذلك أيضا (2) أن من شأن الصفة أو (3) الشرط إذا ورد عقيب الأمر ~~أن يختص (4) ما يتناوله (5) الأمر بذلك الشرط أو بتلك الصفة من غير تأثير ~~في تكثير له ولا تقليل، ولا يجري تعقب (6) الصفة أو الشرط للأمر (7) مجرى ~~(8) تعقب الاستثناء، لأن الاستثناء يؤثر في عدد ما تناولته الجملة ~~المتقدمة، فيقلل (9) منها، فإذا (10) خالف حكم الشرط في هذا الباب حكم ~~(11) الاستثناء، و(12) وجب أن يفهم من مشروط (13) الأمر ما كنا نفهمه من ~~مطلقه في قلة أو كثرة. # وقد تعلق من ذهب إلى التكرار بتكرر الصفة أو الشرط بأشياء: # أولها أن كل أمر ورد في القرآن مقيدا بشرط أو صفة يتكرر بتكررهما (14)، ~~كقوله تعالى: @QUR@05 وإن كنتم جنبا، فاطهروا ، وقوله PageV01P110 # سبحانه- (1): @QUR@09 الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة . # وثانيها حملهم الشرط (2) على العلة، فإنها (3) إذا تكررت تكرر الحكم، ~~وكذلك الشرط. # وثالثها أنه لو لم ms051 يتكرر، لكان الفعل إذا لم يفعل مع الشرط الأول وفعل مع ~~الثاني، يكون قضاء لا أداء (4). # ورابعها حمل الأمر المعلق بشرط على النهى المعلق بشرط (5) في وجوب ~~التكرار. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: قد مضى في الفصل الأول أن وجود الشيء لا ~~يدل على أنه لا يجوز سواه، وأن الذي علم تكرره في أوامر (6) القرآن إنما ~~علم بدليل (7) غير الظاهر. # ثم إن التكرار أيضا مختلف لا يجري على طريقة واحدة، فعلم أن اللفظ لا ~~يقتضيه وإنما المرجع فيه إلى الدليل، كقوله تعالى: @QUR@06 إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم (8)»، يعنى إذا عزمتم عليها، ونحن لا نسلم أنه يفيد ~~إيجاب الوضوء لكل صلاة عند تكرارها، كصلاة PageV01P111 # الجنازة، لا تجب (1) فيها طهارة، وإن كانت صلاة (2). # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ليس العلة كالشرط، لأن العلة مؤثرة في ~~المعلول وموجبة له، فلا بد من تكرره بتكررها (3)، والشرط (4) ليس بموجب ولا ~~مؤثر (5)، وإن (6) وقف الحكم عليه، فلا يجب أن يتكرر المشروط بتكرره، ~~اللهم (7) إلا أن يصير الشرط مع كونه شرطا علة، فيتكرر (8) من حيث كان علة ~~لا من حيث كان شرطا، ولذلك تكرر (9) وجوب الغسل بتكرر (10) الجنابة، لأنها ~~علة فيه وموجبة له. والشروط (11) العقلية في أنها غير موجبة كالشروط (12) ~~السمعية، لأن الشرط في صحة كون أحدنا قادرا هو كونه حيا، ولا يصح كونه ~~قادرا وليس بحي، وقد يكون حيا وإن لم يكن قادرا (13)، ولا تحله القدرة إلا ~~ويجب كونه قادرا. ويعلم (14) الفرق بين العلة والشرط عقلا وسمعا. PageV01P112 # ويقال (1) لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن (2) في الناس من يذهب إلى أنه ~~قضاء غير أداء، لأنه علم وجوبه بدليل (3) آخر. والصحيح أنه ليس بقضاء، ~~لأنا قد بينا أن مطلق الأمر ومشروطه محتمل للمرة والمرات على وجه واحد، ~~فإذا عرف بالدليل أنه يكون (4) متى فعله مع الشرط الثاني مؤديا لا قاضيا، ~~علمنا أن الأمر المشروط أريد به كل شرط مستقبل. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إن النهى المشروط في أنه غير مقتض ~~بظاهره (5) التكرار كالنهي ms052 المطلق، والأمر والنهى جميعا مع الإطلاق والشرط ~~احتمال التكرار (6) والمرة فيهما ثابت، وإنما يعلم في كل واحد منهما المرة ~~والمرات بدليل سوى الظاهر، و(7) أخطأ من فرق بين النهى المطلق وبين النهى ~~المشروط، فقال (8) في المطلق: أنه يقتضى الاستمرار والتكرار، وقال في ~~المقيد: أنه يقتضى مرة واحدة. # وتعلق من فرق بين الأمرين بأن القائل إذا قال لغلامه: لا تخرج إلى بغداد، ~~وأطلق، ولم يشترط، اقتضى ذلك الدوام، وإذا (9) قال له (10) PageV01P113 # لا تخرج إذا جاء الصيف، أو هجم الشتاء، تخصص بالمرة الواحدة، غير صحيح، ~~لأنا لا نسلم أن الأمر على ما ذكره، بل يجوز أن يريد مع الإطلاق المرة ~~الواحدة (1)، ومع الاشتراط الاستمرار (2)، ولهذا يحسن مع عدم العادات ~~والأمارات أن يستفهم (3) هذا القائل عن مراده في عموم أو خصوص، والمتعلق ~~بذلك مقتصر على دعوى لا برهان لها. # فإن استشهد على قوله بانعقاد اليمين، لأنه (4) لو حلف ليفعلن كيت وكيت، ~~(5) لم ينعقد إلا على (6) مرة واحدة، وإذا (7). حلف على (8) ألا يفعله، ~~انعقد على التأبيد (9)، ومتى حلف على (10) الوجهين بشرط، تعلق به، ولم ~~يتكرر، لأنه لو حلف أن (11) لا يكلم زيدا إذا قدم عمرو، لم يتكرر. # فالجواب عن ذلك أنا إذا سلمنا أن الحكم على ما قاله في اليمين المشروطة، ~~وغير المشروطة، والمتعلقة (12) بالنفي و(13) الإثبات، ولم ننازع (14) في ~~شيء من الأحكام، كان لنا (15) أن نقول له: من أين لك أن (16) PageV01P114 # ذلك إنما علم بأصل الوضع دون أدلة الشرع، وإنما خلافنا (1) فيما يقتضيه ~~وضع اللغة أو عرفها، ولا خلاف في أن الأدلة الشرعية تدل (2) على ذلك. # فأما ما تعلق به من ذهب إلى أن الأمر المشروط يقتضى المرة الواحدة من غير ~~زيادة عليها، من أن المولى إذا أمر عبده أن يشتري (3) له (4) لحما إذا ~~دخل السوق، لم يعقل من ذلك التكرار، فباطل لأنا لا نسلم له (5)، لأن (6) ~~العبد لا (7) يعقل من ذلك مع الإطلاق وعدم كل عهد وعادة وأمارة (8) لا مرة ~~ولا مرارا، ولهذا حسن منه الاستفهام، ولو لا احتمال اللفظ لما حسن ms053 ذلك. # واستشهادهم بأن القائل لو قال لوكيله: طلقها إن دخلت الدار، اقتضى المرة ~~الواحدة من غير تكرار، باطل، لأن (9) ذلك إنما عقل شرعا وسمعا، والخلاف ~~إنما هو فيما يقتضيه الوضع (10) والعرف (11) اللغوي ولو لا الشرع، لكان ~~قول القائل: طلقها إن دخلت الدار، محتملا للأمرين مترددا بينهما. # . PageV01P115 ### ||| فصل في أن ما يفعل بحكم الأمر هو مرة واحدة وما زاد عليها يحتاج في (1) إثباته إلى دليل # اعلم أن الأمر إذا ورد موقتا بوقت معين، ولم يفعل (2) فيه، احتيج في ~~وجوبه مستقبلا إلى دليل آخر. وذهب قوم إلى أن الأمر يقتضى الفعل عقيبه، ~~فإن (3) لم يفعل (4) اقتضى فعله (5) من بعد، وعلى ذلك أبدا حتى يفعل. # والدليل على صحة ما اخترناه أن الأمر متناول بلفظه الوقت الأول، سواء (6) ~~أطاع المأمور، أو عصى (7)، وإذا (8) كان لو أطاع لم يتناول سواه، فكذلك ~~إذا عصى، لأن الطاعة أو المعصية لا تغير (9) متعلق (10) الأمر. # وأيضا فإن إيجاب الفعل في وقت (11) مخصوص كإيجابه على صفة مخصوصة فكما ~~(12) أنه لا يتناول ما ليس له تلك الصفة، فكذلك لا يتناول ما هو في (13) ~~غير ذلك الوقت. ومما (14) يؤكد ما ذكرناه أن تغاير الوقتين PageV01P116 # يوجب (1) تغاير (2) الفعل، وليس كذلك تغاير الصفتين، فإذا وجب ما ذكرناه ~~في الصفة، كان أوجب في الوقت، لأنه آكد (3) من حيث ما (4) ذكرناه. # فإن قيل: وما الدليل على أن الوقت كالصفة في هذا الحكم. # قلنا: لا شبهة في أن العبادة قد تكون مصلحة في وقت دون غيره، كما تكون ~~(5) مصلحة لبعض الشروط أو الصفات، ألا ترى أن الإمساك المخصوص يكون مصلحة ~~في النهار دون الليل، وفي شهر رمضان دون غيره، والوقوف بعرفة يكون مصلحة في ~~وقت مخصوص، فقد جرى الوقت في المصالح والقرب مجرى سائر الشروط. # فإن قالوا: إذا تعلق الفعل بذمة المكلف (6) وجب إلا يبرأ منه إلا بأن يفعله. # قلنا: إنما تعلق وجوب فعله في الوقت المخصوص بذمته، وقد فات الوقت، فهو ~~غير متمكن (7) في المستقبل من فعل ما كلفه (8) بعينه، ولا شبهة في أن ~~الأمر إذا ms054 (9) تعلق بوقت معين، لم يصح دخول النسخ فيه، وإنما يدخل في ~~المتكرر من مقتضى الأمر. PageV01P117 # فإن قيل: فيجب أن يسمى ما يفعل بعد هذا الوقت (1) قضاء لا (2) أداء. # قلنا (3): كذلك يجب. # فإن قيل: فما المراد بلفظة (4) «قضى» في اللغة والشرع. # قلنا: معناها في اللغة ينقسم إلى وجهين: # أحدهما بمعنى خلق وتمم، كقوله تعالى: فقضاهن (5) سبع سموات في يومين. # والوجه (6) الثاني الإلزام نحو قوله- سبحانه-: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه، وقولهم: قضى الحاكم (7) بكذا (8)، إذا ألزمه (9). وأدخل قوم (10) ~~في هذا القسم قوله تعالى: وقضينا إلى بنى إسرائيل في الكتاب، من حيث كان ما ~~أخبر تعالى به (11) حقا ثابتا. وذهب آخرون إلى أن معنى هذه الآية الإعلام. ~~وقيل في معنى قضى فلان دينه: أنه على القسم الأول، بمعنى أنه وفره على ~~مستحقه (12) بتمامه وكماله. # وأما (13) معنى هذه اللفظة في عرف الشرع فإنهم يسمون الفعل قضاء. # إذا جمع شروطا ثلاثة: PageV01P118 # أولها أن يكون مثلا للمقتضي في الصورة (1) أو الغرض. # وثانيها أن يكون سبب (2) وجوب تلك العبادة (3) قد تقدم حقيقة أو تقديرا. # وثالثها أن يثبت التعبد (4) بالقضاء بسبب هو غير السبب الأول. # ولا بد زائدا على ذلك من أن تكون (5) العبادة متعلقة بوقت عرض فيه فوت، ~~ولهذا لم نقل (6) في الصلاة: أنها قضاء للصوم، لاختلاف الصورة. ولا قيل ~~(7) في فعل إحدى الكفارات: أنها قضاء، لما كان سبب (8) وجوب الكل واحدا، ~~و(9) يفعله (10) ثانيا لما لم (11) يفعله أولا. ولذلك من (12) قصر في ~~قضاء صلاة عند ذكرها لا يقال فيما (13) يفعله من بعد: أنه قضاء للقضاء (14) ~~الأول، من حيث كان السبب واحدا. ولذلك لم نقل في صلاة الظهر إذا (15) أديت ~~في وسط (16) الوقت أو آخره: أنها قضاء. و(17) PageV01P119 # لا يقال فيمن أخر الحج: إنه قضاه (1)، لا سيما على قول من يقول بأنه على ~~الفور، لما كان متى فعل فلسبب (2) واحد، لأن أوقات عمر المكلف فيه بمنزلة ~~وقت الصلاة. # وإنما قيل في الحائض: إنها تقتضي الصوم، لأن لما (3) تقضيه (4) سببا ~~متقدما (5) يقدر (6) دخولها فيه. ولذلك لو كانت ms055 مجنونة، لم يلزمها القضاء، ~~لما (7) لم يقدر (8) ذلك، وعلى مذهب من يوجب القضاء على المجنون إذا أدرك ~~بعض الشهر، يجب أن يقدر فيه مثل ما يقدره في الحائض. # وإنما قيل في ما يؤديه من الصلاة وقد فات مع الإمام: إنه يقتضيه (9) لما ~~كان (10) في حكم ما تقدم سبب وجوبه، لأن السبب الذي له يفعله (11) أخيرا ~~(12) غير (13) السبب الذي له (14) يجب (15) أولا. # وإنما قيل في المفسد لحجه: إنه (16) يقضى الحج، لأنه لزمه بسبب ثان، إذ ~~كان الأول لزمه (17) بالدخول في الإحرام (18)، والثاني لزمه لأجل الفساد ~~الذي وقع. PageV01P120 # فإن (1) قيل: فكيف يصح دخول القضاء في النوافل، وليس هناك سبب وجوب، ولا ~~سبب تعبد متكرر. # قلنا: من يقول بدخول القضاء في النوافل لا بد (2) من أن يجعل للتعبد (3)، ~~الثاني سببا ثانيا، فكأنه إذا لم يفعل (4) ركعتي الفجر في وقتهما، يجعل ~~(5) الفوت سببا ثانيا للتعبد بفعل مثله (6) بنية مخصوصة (7)، ويسمى قضاء، ~~و(8) لا بد من أن يجعل لهذا السبب مزية في فعل ركعتي الفجر، ولذلك (9) لا ~~يجعل هذا القضاء بمنزلة ما يبتديه من النوافل. وأما النوافل وإن لم يكن لها ~~سبب وجوب تقدم، فالسبب (10) في الندب إليها (11) والتعبد بها متقدم لا محالة. ### ||| . فصل في الأمر (12) هل يقتضى إجزاء الفعل المأمور به # اعلم أن (13) جميع الفقهاء يذهبون إلى أن امتثال الفعل (14) المأمور به ~~يقتضى إجزاءه. وذهب قوم إلى أن إجزاءه إنما يعلم بدليل، وغير ممتنع ألا ~~يكون مجزيا. والكلام في هذا الموضع إنما (15) هو في مقتضى PageV01P121 # وضع اللغة وعرفها، وأما (1) عرف الشرع فإنا قد بينا أنه قد (2) استقر على ~~أن فعل المأمور به على الحد الذي تعلق (3) به الأمر يقتضى الإجزاء. # والذي يدل على (4) أن وضع اللغة لا يقتضى ذلك أن الإشارة بقولنا «إجزاء» ~~هو إلى أحكام شرعية، كنحو وقوع التملك بالبيع، وحصول الاستباحة بعقد ~~النكاح، ووقوع البينونة والفرقة بالطلاق، وفي الصوم أنه وقع موقع الصحة فلا ~~يجب إعادته، وكذلك في الصلاة، وقد علمنا أن هذه الأحكام لا تتعلق (5) ~~بالأمر، لا في لفظه (6)، ولا في ms056 معناه، نفيا، ولا إثباتا، فكيف يدل ~~امتثاله على ثبوتها ولا علقة بينها وبينه، وإنما يدل امتثال أمر الحكيم على ~~أن (7) الفاعل مطيع مستحق للمدح (8) والثواب، لأن للأمر (9) تعلقا بذلك، ~~ولا تعلق له بما تقدم ذكره من الأحكام الشرعية. # وربما تعلق في ذلك بأن الظان في آخر الوقت كونه متطهرا يلزمه بإجماع ~~(10) فعل الصلاة، فلو ذكر (11) أنه لم يكن متطهرا، لما أجزأه (12) فعله، ~~و(13) لوجب عليه القضاء، وكذلك (14) المفسد لحجه PageV01P122 # يلزمه المضي فيه، وإن لزمه القضاء، فقد اجتمع- كما تراه- وجوب الفعل مع ~~أنه غير مجز. # وقد طعن قوم (1) في ذلك بأن قالوا: إنما جاز في الظان كونه متطهرا ~~والمفسد (2) حجه ما ذكرتم، (3) لوقوع الاختلال (4) في فعله، لأنه لما تيقن ~~أنه لم يكن متطهرا، كان مؤديا للصلاة على غير الوجه الذي أمر بأدائها عليه، ~~وكذلك المفسد لحجه، وإنما يوجب الإجزاء والصحة في الفعل الذي وقع على ~~شرائطه كلها المشروعة. # وهذا من الطاعن به غير صحيح، لأنه (5) إن ادعى أن تكامل (6) شرائط (7) ~~الفعل الشرعي (8) يقتضى إجزاءه، وأنه إنما لا يجزى لفساد أو إخلال (9) ~~بشيء من الشرائط، مع استقرار شرعنا هذا، فالأمر على ما ذكره، وقد زدنا على ~~ذلك بأن (10) أهل الشريعة قد تعارفوا وأجمعوا على أن امتثال الأمر يقتضى ~~الإجزاء. وإن (11) ادعى أن ذلك واجب على كل حال، ومع كل شرع، ومن غير (12) ~~دلالة الإجماع التي أشرنا إليها (13)، فمن أين PageV01P123 # قال ذلك، وهل هو إلا محض الدعوى، وما (1) المانع من أن يأمر بالبيع ~~تقديرا وفرضا، فيكون فاعله مطيعا له (2) و(3) مستحقا للمدح والثواب، من ~~غير (4) أن يتعلق بهذا العقد هذه الأحكام المخصوصة، وكذلك القول في النكاح ~~والطلاق، و(5) إذا كنا (6) لا نوجب (7) تعلق هذه الأحكام في كل حال ومع ~~كل (8) شرع، فما المانع من انتفائها مع امتثال الأمر. # واعتمادهم على أن القضاء في الشريعة إنما يقتضيه إخلال أو فساد يقع فيها ~~صحيح، والشرع هذا والحال هذه، فمن أين (9) وجوبه على كل حال. # وقول من يقول منهم، كيف يجوز أن يقول: صل الظهر أربعا على ms057 شرائط يذكرها، ~~ثم يقول (10): فإذا فعلت ذلك فاقضها بأربع ركعات، وهو إذا (11) تعبد بذلك، ~~كانت الثانية عبادة مستأنفة غير قضاء للأولى، عجيب، لأنه غير ممتنع ذلك ~~فرضا وتقديرا، وإنما يمتنع (12) و(13) الشرع هذا، وما المانع من أن تكون ~~(14) العبادة بالصلاة الثانية تسمى (15) قضاء PageV01P124 # على عرف هو غير عرفنا (1) الآن. على أنه قد يتعلق بالصلاة المجزية أحكام ~~هي (2) غير سقوط الإعادة، مثل حقن دم المصلي وكونها على بعض الوجوه دلالة ~~على إيمانه وإسلامه، فما المانع من (3) أن يفعل الصلاة، ولا يثبت لها شيء ~~من هذه الأحكام. ### ||| . فصل (4) هل يتكرر المأمور به بتكرر الأمر # اعلم أن الصحيح هو أن الأمر إذا تكرر، فالظاهر يقتضى تناول الثاني لغير ~~ما تناوله الأول. # والذي يدل على ذلك أن هذين الأمرين إذا (5) افترقا، لدلا (6) على مأمورين ~~متغايرين، وكذلك إذا اجتمعا، لأن الاجتماع (7) لا يغير مقتضاهما. # وأيضا فإن الكلام موضوع للإفادة، ومقترنه (8) في ذلك كمنفصله (9) ومتى ~~لم يحمل قول القائل: اضرب اضرب، على أن الضرب الثاني غير الأول، كان الأمر ~~الثاني لغوا، لأنه لا يفيد إلا ما أفاده الأول، والاعتذار PageV01P125 # بالتأكيد ليس بشيء، لأن التأكيد (1) متى لم يفد غير ما (2) يفيده (3) ~~المؤكد، كان عبثا ولغوا. # فأما (4) قول من يشترط (5) في تغاير متناول الأمر المتكرر ألا (6) يكون ~~(7) الأمر الأول يتناول الجنس أو العهد، وادعى (8) أن الجنس يقتضى ~~الاستغراق، فلا يجوز أن يفضل (9) منه ما يتناوله الأمر الثاني، وأن العهد ~~يقتضى صرف مقتضى الثاني إلى مقتضى الأول، فليس بصحيح، لأن القائل إذا قال ~~افعل الضرب (10)، وكرر (11) ذلك، فإن (12) قوله (13) الأول يحتمل أن ~~يريد به الاستغراق للجنس، ويحتمل أيضا أن يريد به بعض الجنس، والظاهر من ~~تغاير الأمرين تغاير مقتضاهما، حتى يكون كل واحد منهما مفيدا لما لا (14) ~~يفيده (15) الآخر، وأما العهد، فإن كان بين المتخاطبين (16)، وعلم ~~المخاطب أن المخاطب أراد الأول، بعرف، أو عادة، حملناه على (17) ذلك، ~~ضرورة، ولقيام الدلالة، فأما مع الإطلاق، فيجب حمل الثاني على غير مقتضى الأول. PageV01P126 # والذي يحكى عن ابن عباس (رحمه الله) في قوله ms058 تعالى: # فإن (1) مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، وأنه قال: لا يغلب عسر يسرين، ~~من حيث حمل العسر المعرف على أن الثاني هو الأول، واليسر المنكر على ~~التغاير، فمما يربأ (2) بابن عباس- رحمة الله عليه- (3) عنه (4)، لموضعه ~~من الفصاحة والعلم بالعربية. # والمراد بالآية أن مع جنس العسر جنس (5) اليسر، وإن عرف أحدهما ونكر (6) ~~الآخر (7) ولا فرق (8) بين ذلك وبين أن يقول: إن مع العسر اليسر (9)، ~~ويكرر، أو يقول: إن مع عسر يسرا، ويكرر، لأن: # المنكر (10) يدل على الجنس كالمعرف، كما يقول القائل: مع خير شر (11)، ~~ويقول تارة أخرى: إن (12) مع الخير الشر، وأراد الله تعالى أن يبين أن ~~العسر واليسر لا يفترقان (13). # فإن (14) قيل: فما الوجه في (15) التكرار، إذا لم تذهبوا (16) إلى حسن ~~التأكيد. PageV01P127 # قلنا: الوجه في ذلك التكرار (1) هو الوجه فيما تكرر من القرآن في سورة ~~الرحمن والمرسلات وغيرهما، وقد ذكرنا في كتاب الغرر الوجوه المختلفة (2) ~~فيه (3). ### ||| . فصل في الأمرين المعطوف أحدهما على الأخر # اعلم (4) أن الصحيح أن قول القائل: اضرب واضرب، يقتضى أن الضرب الثاني ~~غير الأول، وكل شيء دللنا به على أن الأمر إذا تكرر من غير حرف العطف ~~اقتضى أن الثاني غير الأول هو دلالة في هذا الموضع. # وهاهنا مزية ليست هناك، وهي حرف العطف، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، ~~وإنما يعطف على غيره، ولذلك فارق النعت والصفة العطف (5) وليس يقدح فيما ~~ذكرناه قول الشاعر: إلى الملك (6) القرم وابن الهمام وليث (7) الكتيبة ~~(8) في المزدحم، والصفات راجعة إلى موصوف واحد مع العطف، لأنهم أجروا ~~اختلاف الصفات في جواز عطف بعضها PageV01P128 # على بعض مجرى (1) اختلاف الموصوفين (2). # واعلم أن المعطوف على غيره لا يخلو من أن يكون مثله، أو خلافه، أو ضده: # فإن كان خلافه، فلا شبهة (3) في اختلاف (4) الفائدة، نحو قوله- تعالى-: ~~@QUR@05 أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة* ، وعطف أعضاء الطهارة بعضها على بعض. # وإن كان المعطوف ضد المعطوف عليه، فإن كان الوقتان مختلفين حمل كل واحد ~~منهما على مقتضاه في وقته، وإن كان الوقت (5) واحدا، فلا يصح التكليف إلا ~~على ms059 جهة التخيير. # وإذا (6) كان المعطوف مثلا للمعطوف عليه- وهو المشتبه- فالظاهر أن الثاني ~~غير الأول، على ما ذكرناه، فإن كان المعطوف يقتضى بعض ما دخل تحت المعطوف ~~عليه، نظر (7)، فإن كان ذلك (8) مما يجوز إفراده بالذكر على جهة التعظيم ~~والتفخيم (9) كإفراد جبرئيل وميكائيل ممن (10) ذكر من الملائكة ~~(11)(عليهم السلام)، والصلاة الوسطى عن ذكر باقي PageV01P129 # الصلوات (1)، احتمل الكلام (2) أن يكون الأول على عمومه، والثاني أفرد ~~تعظيما، وإن كان التعظيم غير لائق بالموضع، نظرنا، فإن كان المعنى يمكن فيه ~~التكرار، كقول القائل: اضرب القوم الذين فيهم زيد، واضرب زيدا، فيحمل الأول ~~على عمومه، و(3) الثاني على تكرر (4) بعضه، وهو ضرب زيد، وإن كان ذلك مما ~~لا يمكن فيه التكرار، كالعتاق، إذا قال قد أعتقت جميع عبيدي، وأعتقت فلانا، ~~ويذكر واحدا من جملة (5) العبيد، ففي هذا الموضع يجب حمل الثاني على ما ~~تناوله (6)، وهو عتق (7) العبد المخصوص، والأول على أن المراد به جماعة ~~العبيد سوى العبد المفرد بالذكر، لأجل أن العطف يقتضى تغاير ما عطف به لما ~~عطف (8) عليه، وإن كان المعطوف به أعم من المعطوف عليه، احتمل من القسمة ~~ما ذكرناه في المعطوف به (9) إذا كان أخص، فليتأمل ذلك (10) ### ||| . فصل في (11) أن (12) الأمر هل (13) يقتضى الفور أو التراخي # اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أن الأمر المطلق يقتضى PageV01P130 # الفور والتعجيل وإيقاع الفعل عقيبه. ثم (1) اختلفوا فقال بعضهم: متى لم ~~يفعل، اقتضى أن يفعل بعد (2) ذلك، وكذلك أبدا حتى يوقع الفعل، وفيهم من لم ~~يوجب بالأمر إلا إيقاع (3) الفعل (4) عقيبه، فقط. وقال آخرون إن (5) ~~الأمر يقتضى إيقاع الفعل من غير اختصاص بوقت من (6) الأوقات المستقبلة، ~~وهي (7) متساوية في إيقاعه فيها، وهؤلاء هم أصحاب التراخي. # وقال آخرون: الواجب على من سمع مطلق الأمر ولا عهد، ولا قرينة، ولا ~~دلالة، أن يعلم أنه مأمور بإيقاعه، ويتوقف في (8) تعيين الوقت أو التخيير ~~فيه على دلالة تدل (9) على ذلك، وهو الصحيح. # والدلالة عليه (10) أن اللفظ خال من توقيت لا بتعيين (11) ولا تخيير ~~(12) وليس يجوز أن يفهم من اللفظ ms060 ما لا يتناوله كما لا يجوز أن يفهم منه ~~الأماكن والأعداد وكل شيء لم يتناوله لفظ (13) الأمر. # وأيضا فلا خلاف (14) في (15) أن الأمر قد (16) يرد في القرآن واستعمال PageV01P131 # أهل اللغة ويراد به تارة الفور، وأخرى التراخي، وقد بينا أن ظاهر استعمال ~~اللفظة في شيئين يقتضى أنها حقيقة فيهما، ومشتركة بينهما. # وأيضا، فإنه يحسن بلا شبهة أن يستفهم المأمور مع فقد العادات والأمارات ~~هل أريد منه التعجيل أو التأخير، و(1) الاستفهام لا يحسن إلا مع احتمال ~~اللفظ واشتراكه، و(2) دفع حسن الاستفهام هاهنا كدفعه (3) في كل موضع. # وأيضا، فإنه يحسن بغير إشكال أن يتبع القائل قوله: قم وما أشبه ذلك من ~~الأمر، أن يقول: الساعة (4)، وفي الثاني، أو بأن يقول: متى شئت، فلو كان ~~اللفظ موضوعا (5) لفور أو تراخ، لما حسن ذلك، ولكان ذكره عبثا ولغوا (6). # وقد استدل من ذهب إلى الفور بأشياء: # أولها أن الأمر قد اقتضى وجوب الفعل، وتجويز تأخيره يلحقه بالنوافل التي ~~لا يجب فعلها. # وثانيها أن الأمر في الشاهد يقتضى التعجيل، بدلالة ذمهم وتوبيخهم من أخر ذلك. PageV01P132 # وثالثها أنه لا يخلو من أن يكون لجواز تأخيره غاية، أو لا غاية له، ~~والأول لا يقتضيه لفظ الأمر، ولا غاية تذكر (1) فيه أولى (2) من غاية، وإن ~~كان لا إلى غاية، فالمكلف لا يكون أبدا مفرطا، وهذا يقتضى إخراجه من كونه واجبا. # ورابعها أن يحملوا مقتضى الأمر على مقتضى الإيقاعات من طلاق وعتاق وتمليك ~~وغير ذلك في (3) اقتضاء الفور والتعجيل. # وخامسها أن الإيجاب بالأمر يقتضى فعلا واحدا، وقد ثبت بالدليل العقلي أن ~~أفعال العباد لا يصح فيها التقديم والتأخير، فيجب أن يكون المراد أن يفعل ~~عقيبه، ليكون الفعل (4) واحدا، ويقوى ذلك أن الفعل إذا علمنا كونه واحدا ~~(5)، واتفقوا على أن المفعول عقيبه مراد وصلاح، فيجب حمل الخطاب عليه. # وسادسها أن القول بالتراخي والتخيير يقتضى إثبات بدل له (6)، لأنه إذا ~~خرج من كونه واجبا مضيقا، فلا بد من بدل، ولا دليل على وجوب هذا البدل من ~~جهة الأمر والإيجاب، فيجب بطلان ms061 التخيير، ولا قول بعد ذلك إلا القول بوجوبه عقيبه. PageV01P133 # وسابعها طريقة الاحتياط وأنها في الفور دون التراخي. # وثامنها قوله- تعالى (1): @QUR@06 وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ، وقوله- ~~سبحانه- (2): @QUR@02 فاستبقوا الخيرات* ، وما روى عنه (عليه السلام) (3) ~~من قوله (4) من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها، إذا ذكرها، فذلك وقتها، ~~فنبه- (عليه السلام)- بذلك على أن وقت المأمور به هو عقيب الأمر. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: ليس القول بجواز التأخير ملحقا للواجب ~~بالنفل، لأنه وإن جاز تأخيره فلا بد من عزم على أدائه مستقبلا، ووجوب هذا ~~العزم عليه إذا لم يفعله مميز له من النافلة، لأن النافلة يجوز تأخيرها بلا ~~بدل هو العزم، والواجب لا يجوز تأخيره إلا ببدل هو العزم. # فإن قيل: هذا يقتضى إثبات بدل بغير دليل. # قلنا: إذا علمنا بالدليل أن الآمر الموجب للفعل لم يرد الفور، وإنما أراد ~~التراخي والتخيير، فلا بد مع (5) التخيير من إثبات هذا البدل، فما ~~أثبتناه (6) إلا بدليل، وإنما يستمر وجوب هذا الكلام على من ذهب إلى (7) PageV01P134 # أن مطلق الأمر بظاهره (1) يقتضى التراخي من غير دليل منفصل، وأما (2) من ~~قال: أن مطلق الأمر محتمل للأمرين (3) احتمالا واحدا، و(4) أنه متى (5) ~~قطع على أحدهما، فبدليل منفصل، فلا يلزمه هذا الكلام. # فإن قيل فمن أين (6) إذا ثبت أنه (7) لا بد من بدل، فإن (8) البدل هو ~~العزم (9). # قلنا: إذا ثبت وجوب البدل، فبالإجماع يعلم (10) أنه العزم، لأن كل من ~~أثبت بدلا لم يثبت سوى العزم. # وأيضا، فإن العزم في العقول هو البدل عن كل واجب تأخر نحو قضاء الدين ~~وسائر وجوه التصرفات (11) لأنه لو خلا من (12) الفعل الواجب لعارض، وخلا ~~من العزم على أدائه مستقبلا، لكان ملوما مذموما. # ويقال (13) لهم فيما تعلقوا به ثانيا: إنا (14) لا نسلم لكم في الشاهد ~~ما ادعيتموه، لأنه قد يؤمر (15) في الشاهد بما يكون على التراخي، كما PageV01P135 # يؤمر بما يكون على الفور، فإذا (1) حمل على الفور أو التراخي، فبعادة، أو ~~دلالة، أو أمارة، وكلامنا في مطلق الأمر ومجرده. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: من أين ms062 قلتم: أنه إذا جاز تأخيره من غير ~~غاية معلومة مضروبة ينتهى جواز التأخير إليها أن ذلك يلحقه (2) بالنافلة، ~~أو ليس قد مضى أن النافلة يجوز تأخيرها (3) بلا (4) غاية، ولا بدل عنها يجب ~~عليه فعله، وأن الواجب على التراخي لا يجوز تأخيره إلا ببدل (5)، وهذا كاف ~~في الفرق بين الواجب والنفل، وليس يمتنع أن يستمر تكليف المكلف (6) على ما ~~ذكرناه، فيكون مكلفا أن يفعل الفعل أو العزم على أدائه مستقبلا، فإن (7) ~~أخر الفعل، وفعل العزم على أدائه مستقبلا (8) فلا يستحق ذما، وتكليف الفعل ~~في المستقبل ثابت عليه، وإن فعل الفعل، سقط وجوب العزم، لأن من حق العزم أن ~~لا يكون بدلا إلا بشرط بقاء الوجوب في الفعل، وإنما يستحق المكلف (9) الذم ~~إذا لم يكن (10) يفعل الفعل الواجب، ولا العزم على أدائه مستقلا. # وقد ذهب قوم إلى (11) أن الحج على التراخي، وقالوا: أن المكلف PageV01P136 # إنما يصير مفرطا إذا غلب في ظنه أنه (1) أن (2) لم يحج فاته. ومنهم من ~~يقول: إذا لحقه مرض فلم يوص (3) به، أو لم يستأجر من يحج عنه، كان مذموما مفرطا. # واعلم أنه لا يجوز أن يثبت استحقاق الذم فيمن لا يفعل الحج مع تكامل ~~شروطه إلا ويجعل له في الوجوب وقتا أو غاية، ولا بد من كونهما معلومين، ~~لأنه لا يجوز أن يؤاخذ المكلف بأن لا يفعل فعلا ومع ذلك يجوز له أن يؤخره ~~أبدا، والمرض أو (4) الضعف (5) ربما كانا سببا لغلبة الظن للموت، وهذه ~~غاية متميزة، فيجوز أن تجعل (6) سببا لاستحقاق الذم بترك الحج، وقد يجوز ~~أيضا (7) أن يحمل الوعيد الوارد في ترك الحج على من تركه وترك العزم على ~~أدائه مستقبلا، أو يكون متوجها إلى من غلب على ظنه فوته بالموت، إما لمرض ~~(8) أو ضعف (9) وأما (10) مع غير هذه الوجوه المتميزة وأمثالها، فلا يجوز ~~أن يلحق به (11) الوعيد، ويستحق الذم. # وقول من يقول من الفقهاء: أن المكلف يكون مفرطا في الحج PageV01P137 # إذا مات، ويقول: بموته يتبين (1) لي ذلك، من غير بيان وقت، أو غاية، غير ~~محصل، ms063 لأن الموت لا يجوز أن يكون شرطا في تكليف المكلف، ولا الحكم بتقصيره، ~~وإنما ينبغي أن يتميز للمكلف الشرط الذي يتضيق به الفعل عليه، ولا منفعة له ~~في أن يتميز لغيره، أو بعد موته. # وليس يشبه هذا ما لا يزالون يقولونه من أنه إذا جاز أن يكلف المجاهد ~~الرمي (2) بشرط ألا يصيب مسلما، وإن لم يتميز له ذلك، جاز ما قلناه، وذلك ~~أن المجاهد لم يكلف الرمي بالشرط الذي ذكروه، فإنه مجهول له غير معلوم، ~~وإنما أمر أن يرمى مع غلبة ظنه (3) أنه يصيب الكافر، دون المسلم وهذا شرط ~~متميز له (4) معلوم، وهذا هو الجواب عن قولهم: أن الإمام كلف التعزير بشرط ~~السلامة، وكذلك المؤدب فلا معنى لإعادته. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: هذه العقود والإيقاعات إنما علمنا في ~~أحكامها أنها على الفور بدليل الشرع، ولولاه لما علمناه (5)، ونحن لا ننكر ~~القول بالفور بدلالة منفصلة عن (6) إطلاق الأمر. # وأيضا فهذا قياس، والقياس في مثل هذا الأصل لا يسوغ. PageV01P138 # وأيضا (1)، فإن أحكام العقود والإيقاعات ليست بأفعال، وإنما هي أحكام، ~~والأمر يقتضى فعلا، وإنما يطلب وقتا لما هو فعل. # وأيضا (2)، فإن الأمر (3) له (4) دلالة (5) وجوب الفعل، وليس بسبب (6) ~~فيه، والإيقاعات والعقود أسباب في هذه الأحكام، ومع وجود السبب لا بد من ~~حصول المسبب، وليس كذلك الدلالة. # وأيضا، فإن العقود إنما اقتضت الفور لأن الثمن بإزاء (7) المثمن وملك ~~أحدهما في الحال يقتضى ملك الآخر عينا كان أو دينا، ومثل ذلك ليس بموجود في ~~مقتضى الأمر. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا (8) ليس يجب إذا كان الفعل واحدا أن ~~يبطل (9) التراخي والتخيير لأن من يذهب إلى ذلك يجعل الفعل واحدا وإن كان ~~مخيرا في أوقاته، وصورة الفعل إذا كانت معلومة للمكلف، صح أن يقال له: افعل ~~ما له هذه الصورة مرة واحدة، ولهذا يقول (10): # أن المكلف أمر بصلاة الظهر مرة واحدة في الوقت الموسع، ولا يلزم أن يكون ~~قد كلف صلوات (11) كثيرة في ذلك الوقت. PageV01P139 # فأما قولهم: أنهم اتفقوا على أن المفعول عقيبه ms064 مراد وصلاح فغلط لأن من ~~يذهب إلى وجوب الوقف (1) مع الإطلاق لا يوافق (2) على ذلك. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: هذا الطعن إنما يتوجه إلى من حمل الأمر ~~المطلق على التراخي من غير دليل منفصل، فأما من ذهب إلى الوقف، ولم يثبت ~~فورا ولا تراخيا إلا بدليل منفصل، فالطعن لا يتوجه عليه. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: الاحتياط إنما يكون فيما لا يقتضى فعلا ~~قبيحا يقع من الفاعل، وقد بينا في مسألة وجوب الأمر في هذه الطريقة ما فيه كفاية. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثامنا: أما قوله تعالى (3) سارعوا إلى مغفرة ~~(4) فهو مجاز من حيث ذكر المغفرة وأراد ما يقتضيها، ومجمل من حيث كان مبنيا ~~على كيفية وجوب الواجبات من فور أو تراخ، لأنا إنما نتقرب (5) إلى الله ~~(6) تعالى، بأن نفعل ما أوجبه علينا أو ندبنا إلى فعله، بأن نفعله (7) على ~~ذلك الوجه، وفي الوقت الذي علق به، فلا دلالة فيه للمخالف (8). وكذلك ~~قوله- سبحانه- (9) فاستبقوا الخيرات. على أن PageV01P140 # الفزع (1) إلى هذه الآيات تسليم لما نريده من أن (2) مقتضى الأمر في ~~الوضع لا يدل على ذلك، وإنما يرجع فيه إلى دليل منفصل. والخبر- أيضا- ~~المتضمن لقضاء (3) الصلاة مختص بحكم الصلاة، فكيف يعديه (4) إلى الأمر، ~~وقد بينا أن القياس في مثل ذلك لا يدخل. # فأما من حمل الأمر المطلق على التراخي قاطعا، فالذي يعتمده أن يقول: أن ~~(5) الأمر المطلق لا توقيت (6) فيه، فلو أراد به وقتا معينا، لبينه، فإذا ~~فقدنا البيان، علمنا أن الأوقات في إيقاعه متساوية (7). # وأيضا فإن لفظ (8) الأمر في اقتضاء الاستقبال كلفظ الخبر المنبئ عن (9) ~~الاستقبال، فإذا كان قولنا (10): فلان سيفعل، لا ينبئ عن (11) أقرب ~~الأوقات، فكذلك (12) الأمر. # وأيضا فإن قول القائل: اضرب زيدا، إنما يقتضى (13) أمره له بأن يصير ~~ضاربا من غير تعيين، فليس بعض الأوقات أولى من بعض. # وأيضا (14) فإن الأمر يجري مجرى أن يقول: هذا الفعل مراد منكم PageV01P141 # في المستقبل، أو واجب عليكم، ومعلوم أنه ليس في ذلك تعيين لوقت. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا ms065 (1): هذه الطريقة تقتضي (2) التوقف وترك ~~القطع على فور أو تراخ لأن مع عدم التوقيت (3) والتعيين (4) أو التخيير ~~ليس غير التوقف، وقولهم: لو أراد وقتا معينا لبينه، يعكس عليهم، فيقال: ولو ~~أراد تخييرا (5) في الأوقات كلها، و(6) أنها متساوية، لبينه، فمن أين يجب ~~إذا لم يبين (7) التعيين القطع (8) على التخيير، ولا يجب إذا لم يبين ~~(9) التخيير أن يقطع على التعيين؟ # فإن قيل: كيف القول عندكم في أمر الله تعالى إذا ورد مطلقا عاريا من ~~التوقيت. # قلنا: يجب- إذا خلا من بيان (10) توقيت- أن يقطع على أنه لم يرد الوقت ~~الثاني من غير فصل، لأنه لو كان مراده (11)، لبينه في هذه الحالة (12) وهي ~~وقت الحاجة إلى البيان، لأن (13) البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة، وإن جاز ~~تأخيره عن وقت الخطاب، ثم يتوقف، ويجوز في الأوقات PageV01P142 # المستقبلة أن يكون مرادا (1) في كل وقت منها، إما تعيينا (2)، أو تخييرا، ~~و(3) ينتظر (4) البيان عند وقت الحاجة، وكلما صرنا (5) إلى حال لم يرد فيها ~~بيان، علمنا أن الفعل الموجب علينا لم يرد (6) منا في الحال الثانية من هذه ~~الحاضرة (7)، للعلة التي تقدم (8) ذكرها. # فإن قيل: قد اتفق الكل على أنا لو بادرنا إلى الفعل في الوقت الثاني لكان ~~واقعا موقعه ومبرئا للذمة. # قلنا: إنما (9) اتفق على ذلك أصحاب الفور والتراخي، فأما من يذهب إلى ~~الوقف (10) فلا يوافق (11) عليه، فلا ينبغي أن يدعى الإجماع في موضع ~~الخلاف (12). # ثم نقول لمن قطع مع الإطلاق على التراخي: لا بد من حملكم الأمر على ~~التراخي من إثبات بدل هو العزم، وإثبات بدل واجب من غير دليل لا يجوز، ~~وصاحب الوقف إنما يثبت هذا البدل إذا علم بدليل منفصل أن المراد بالأمر ~~التخيير، فأثبته (13) بدليل ليس لمن قال بالتراخي مثله. PageV01P143 # فإن قالوا (1): إذا ثبت وجوب الفعل، ولم يتضمن لفظ الأمر (2) تعيينا ~~وتوقيتا، فليس غير التخيير، ومع التخيير (3) لا بد من إثبات بدل، ولا بدل ~~إلا العزم. # قلنا: قد مضى عكس هذا الاعتبار عليكم، وقلنا: اللفظ خال من تخيير بين ~~الأوقات، وإذا بطل التخيير، ms066 فليس إلا (4) التعيين، ومع التعيين (5) فلا بد ~~من القطع على الوقت الثاني. # وبعد، فأي فرق بين أن يثبتوا بدلا ليس في اللفظ وبين أن يثبت القائلون ~~بالفور وقتا معينا ليس في اللفظ؟. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا (6): هذا الوجه لازم لمن قال بالفور، ~~لأنني ما أظن أنهم يرتكبون (7) أن الخبر في اقتضاء الفور كالأمر ولا يلزم ~~أصحاب الوقف، لأنهم يقولون في الخبر والأمر قولا واحدا، من التوقف وترك ~~القطع إلا بدليل منفصل. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا. إن الخلاف في المثال الذي ذكرتموه قائم، ~~وهو نفس المسألة، ومن يدعى الفور يقول: المفهوم من قول القائل: # اضرب زيدا، أن يصير ضاربا في الثاني من غير تراخ، ومن يقول بالوقف PageV01P144 # يسلم أن المراد كن ضاربا، غير أنه يتوقف عن الحال التي يكون فيها بهذه ~~الصفة، لاحتمال اللفظ، ويتوقع الدليل. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إن الكلام على هذا الوجه هو الكلام على ~~ما تقدمه، فلا معنى لإعادته، ولعمري إنه لا توقيت في قول القائل: # هذا الفعل واجب مستقبلا، أو مراد، ومع عدم التوقيت يجب التوقف، ولا نقول ~~(1) بتخيير، ولا فور، فما (2) ذلك إلا ما هو توقيت بغير دليل. ### ||| . فصل في حكم (3) الأمر إذا تعلق لفظه بوقت # اعلم أن القسمة تقتضي (4) في هذه المسألة ثلاثة أقسام: # أحدها (5) أن يكون الوقت مطابقا للعبادة، ولا يفضل عليها، ولا تفضل (6) عنه. # والقسم الثاني أن يفضل الوقت عن العبادة. # والثالث أن يفضل العبادة عن الوقت. # والقسم الأخير لا يدخل في تكليف الله تعالى لأنه يقبح (7) من PageV01P145 # حيث كان تكليفا لما لا يطلق، فإذا (1) وجدت (2) الفقهاء يمر (3) في ~~كلامهم وجوب ما لا يصح أداؤه، فيجب حمله على القضاء، كما ذكروا في الإحرام ~~بحجتين، وإن لم يصح فعلهما، فمن جعل لهذا الإحرام حكما، قال: أنه يتضمن ~~أداء إحدى الحجتين وقضاء الأخرى. # وكذلك اختلافهم فيمن ألزم نفسه صوم يوم يقدم فيه فلان، فمن أوجب صحة هذا ~~النذر مع قدومه وقد مضى من النهار بعضه، يجعله سببا للقضاء، ms067 ومن لا يوجب ~~ذلك يلغيه. ومثال (4) الوقت الموافق (5) بلا زيادة ولا نقصان إيجاب صوم ~~يوم بعينه (6). # وأما (7) القسم الثاني (8) فإن العلماء اختلفوا على أقاويل ثلاثة: ~~فمنهم (9) من علق الوجوب بأول الوقت، دون آخره، ومنهم (10) من علقه (11) ~~بآخره، ومنهم (12) من جعل الوجوب متعلقا بجميع الوقت، وأن المأمور مخير ~~بين أن يفعله في أوله وبين أن يؤخره (13) إلى آخره أو وسطه، بعد أن يفعل ~~عزما على أدائه، وأن الفعل يتضيق عليه في آخر الوقت، فيجب PageV01P146 # فعله بغير بدل، وهو الصحيح. # والذي يدل عليه أن الوجوب إذا تعلق بجميع الوقت فلا بد مع تأخيره عن ~~الأول (1) من بدل هو العزم. # فاما من يقول: أن الوجوب موقوف على الحال الأول (2)، فضرب الوقت كله ~~للفعل يمنع من ذلك. ولأنه لا فرق بين قائل هذا القول وبين من خص الوجوب ~~بآخره. على أنه لا يخلو هذا القائل من أن يذهب إلى أنه متى لم يفعله في أول ~~الوقت، استحق الذم، أو لا يستحق ذلك، ويبطل الأول ضرب الوقت الموسع للفعل، ~~والقسم الثاني يؤل إلى خلاف في عبارة. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون أول الوقت ضرب لإيجابه. وما بعده ضرب لقضائه. # قلنا: الوقت المضروب الأول والأخير فيه سواء، فكيف يختلف الحكم، وما (3) ~~الفرق بين هذا القائل، وبين من يقول: أن الوقت الأخير ضرب للإيجاب، والأول ~~ضرب لجواز (4) تقديمه، وإن لم يكن واجبا؟. # على أنه لا خلاف في أن من يصلي (5) الظهر في وسط الوقت أو آخره لا يسمى قاضيا. PageV01P147 # فأما من جعل الوجوب متعلقا بآخره، فقد ترك الظاهر، ولا فرق في فساد قوله ~~بينه وبين من علقه بأوله. # ومدار الخلاف في هذه المسألة على جواز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت وقد ~~بينا انقسام الخلاف فيه إلى ثلاثة أقوال. # ومن علق الوجوب بآخره دون أوله ربما يقول: أنه إذا فعل (1) في الأول كان ~~نفلا، وأنه مع ذلك يجزى عن الفرض، كتقديم (2) الزكاة على الحول، وربما ~~يقول: أنه موقوف مراعى، فإن أتى آخر الوقت وهو من أهل الخطاب ms068 بهذه (3) ~~الصلاة، كان ما وقع في أول الوقت فرضا، وإن تغيرت حاله، وخرج عن حكم ~~الخطاب، إما (4) بجنون (5)، أو حيض،- إن كانت امرأة- كان ما فعله نفلا، ~~وقالوا بمثل ذلك في الزكاة المعجلة. والذي يدل على بطلان ما ذهب مخالفنا ~~إليه أشياء: # منها أنه لا خلاف في أن النية في الواجب من الصلوات تخالف (6) النية في ~~النفل منها، وأجمعوا على أن شرط النية في جميع ما يؤدى من صلاة الظهر لا ~~يختلف، فبان بذلك (7) أن الصلاة في الوقت كله واجبة واقعة على وجه واحد. PageV01P148 # ومنها أن قولنا: «صلاة الظهر» يقتضى كونها واجبة مكتوبة، لأنه ينبئ عن ~~الوجوب وزيادة عليه، فمن قال: أن في الظهر نفلا ترك الإجماع، وبهذا الوجه ~~أيضا يبطل كونها موقوفة، لأن كونها ظهرا قد بينا أنه يقتضى الوجوب في ~~الحال، ويمنع من كونها مراعاة. # ومنها أن النية المطابقة للصلاة (1) أولى بأن يؤثر فيها من المخالفة، ولا ~~شبهة في أنه لو نوى بالظهر في أول الوقت النفل، لم يجز له (2) ذلك، فعلمنا ~~أنها واجبة. # ومنها أنهم قد أجمعوا على أن الأذان والإقامة من شرط الصلاة الواجبة، ~~فإذا (3) استعملا (4) في صلاة الظهر المفعولة (5) في أول الوقت، دل على ~~وجوبها في تلك الحال، وأنها ليست بنفل ولا بموقوفة. # ومنها أن أول الوقت لو لم يكن وقتا للوجوب، لحل (6) في ارتفاع الإجزاء ~~محل ما يفعل قبل الزوال. # ومنها أنهم اختلفوا في هل الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت أو في آخره، ~~وهذا يدل على أنها تكون (7) في الجميع واجبة، لأنه PageV01P149 # لا يجوز أن يختلفوا في هل النفل أفضل أو الفرض، لأن من المعلوم أن الفرض ~~والنفل إذا اتفقا في المشقة، فالفرض أفضل. # ومنها أن كون الصلاة واجبة وجه يقع عليه (1) الصلاة (2)، فكيف يؤثر في ~~هذا الوجه ما يأتي بعده، ومن شأن المؤثر في وجوه (3) الأفعال أن يكون ~~مقارنا لها ولا يتأخر عنها (4). # فإن قيل: أليس الداخل في الصلاة وجوب ما دخل (5) فيه موقوف على تمامه. # قلنا: معاذ الله أن نقول (6) ذلك، بل كل ms069 فعل يأتيه (7) في الوقت فهو ~~(8) واجب، ولا يقف على أمر منتظر، وإنما تقف (9) صحته على الاتصال، ~~والمراد بذلك أنه إذا اتصل، فلا قضاء عليه، وإذا (10) لم يتصل، فالقضاء ~~واجب، فأما الوجوب واستحقاق الثواب فلا يتغير بالوصل والقطع، يبين ذلك أنه ~~ربما وجب القطع، وربما وجب الوصل، فلو تغير بالقطع (11) وجوبه، لم يصح ~~دخوله في الوجوب. PageV01P150 # وقد تعلق من ذهب إلى أن (1) الوجوب متعلق بآخر الوقت بأشياء: # أولها أنه (2) لو تعلق الوجوب بأول الوقت، لأثم (3) بتأخيره عنه من غير بدل. # وثانيها أن كل ما لا يأثم بتأخير الصلاة عنه لا تكون (4) الصلاة واجبة ~~فيه، قياسا على قبل الزوال. # وثالثها أن كل ما للمكلف أن يتركه (5) بغير عذر فليس بواجب، كالنوافل. # ورابعها أن الشمس إذا زالت وهو مقيم، ثم مضى من الوقت ما يتمكن فيه (6) ~~من أن يصلي (7) الظهر، ثم سافر، وجب عليه قصر الصلاة، فلو وجبت عليه بأول ~~الوقت، لما جاز أن يقصر، كما لو سافر بعد خروج الوقت. # وخامسها أن ما بعد الزوال من الأوقات مدة يتكرر فيها امتثال المأمور به، ~~فيجب أن يكون وقت الجواز غير وقت الوجوب، كمدة PageV01P151 # الحول، لما جاز أن يتكرر فيها امتثال المأمور به، انفصل (1) وقت الجواز ~~من وقت الوجوب. # فيقال لهم أكثر (2) الأقيسة التي ذكرتموها تقتضي- إذا صحت- (3) الظن، ولا ~~توجب العلم (4)، ونحن في مسألة (5) طريقها العلم، فلا يجوز أن يعتمد (6) ~~فيها على (7) طرق (8) الظن. # والذي ذكروه أولا غير لازم، لأنه (9) عندنا لا يجوز أن تؤخر (10) الصلاة ~~عن أول الوقت إلا ببدل. هو العزم، فلم يشبه (11) النافلة، وقد قدمنا ذلك، ~~وبينا (12) أنا لم نثبت هذا البدل إلا بدليل ذكرناه. # فإن قيل أيكفيه عزم في الجملة على أداء الواجبات مستقبلا، أم يجب عزم على ~~أداء هذه الصلاة بعينها. # قلنا: لا بد من عزم معين، كمن أخر رد وديعة، فإنه لا يكفيه عزم مجمل على ~~أداء الواجبات، بل لا بد من عزم على ردها بعينها (13) مع الإمكان. PageV01P152 # فإن قيل: كيف يكون العزم بدلا من فعل الصلاة، ومن حق ms070 البدل ألا يثبت حكمه ~~مع القدرة على المبدل، كالتيمم مع الطهارة بالماء (1). # قلنا: هذا الحكم الذي ذكرتموه ليس بثابت في كل بدل، لأن كل واحدة (2) من ~~كفارات اليمين بدل من الأخرى، ويجوز له أن ينتقل إلى كل واحدة مع القدرة ~~على الأخرى. # وبعد، فهذا خلاف في عبارة، ويجوز أن نقول (3): ليس (4) له أن يترك فعل ~~الصلاة في أول الوقت إلا بفعل (5) ما يقوم مقامها، ولا نذكر البدل. # فإن قيل: من شأن ما قام مقام الشيء (6) أن يسقط فعله وجوب ذلك الشيء، ~~كالكفارات، و(7) عندكم أن العزم لا يسقط وجوب الصلاة، وإن أسقط فعل الصلاة ~~وجوب العزم. # قلنا: غير ممتنع اختلاف (8) أحكام (9) ما يقوم مقام غيره، فيكون منه ما ~~يسقط ما قام مقامه، ومنه ما لا يكون كذلك، والواجب الرجوع فيه إلى الأدلة ~~(10)، ألا ترى أن المسح على الخفين عند من أجازه يقوم مقام غسل PageV01P153 # الرجلين، ولم يسقط مع ذلك فعل المسح وجوب الغسل، كما أسقط الغسل المسح ~~على الخفين، ألا ترى أن من (1) مسح على خفيه، ثم ظهرت قدماه، يجب عليه ~~غسلهما، فلم يتقابلا (2) في قيام كل واحد منهما (3) مقام الآخر، وكذلك ~~القول في الوضوء (4) بالماء والتيمم، فغير منكر أن يكون العزم لا يسقط وجوب ~~الصلاة، وإن قام مقامها (5) في سقوط اللوم والإثم. # فإن قيل: من شأن ما قام مقام غيره ألا ينتقل إليه إلا لعذر (6)، كالمسح ~~على الخفين. # قلنا: غير مسلم ذلك، لأنا ننتقل (7) من كفارة إلى أخرى بلا (8) عذر، ومن ~~رد الوديعة باليمين إلى اليسار ولا عذر، ومن الصلاة في مكان طاهر إلى غيره ~~من الأمكنة الطاهرة بلا عذر. # ويقال لهم فيما تعلقوا به (9) ثانيا: ليس بواجب فيما انتفى الإثم عن ~~تأخيره أن ينتفي وجوبه، لأن هذا هو حد الواجب المضيق، والموسع بخلافه، ~~والفرق ما بين قبل الزوال وبعده (10) أن الصلاة قبل PageV01P154 # الزوال لا يأثم بتأخيرها من غير بدل يفعله، وبعد الزوال إذا أخرها، وجب ~~أن يفعل بدلا منها، ومتى ترك الأمرين أثم. # على أن هذا ينتقض بالكفارات، ms071 لأنه لا خلاف في أن الذي يفعله ويختاره من ~~الثلاث واجب، وهو لا يأثم بتأخير ذلك والعدول عنه. # وينتقض أيضا على أصولهم، لأن عندهم إذا بقي من الوقت قدر ما يفعل فيه تلك ~~الصلاة، أثم بتأخير الصلاة عنه، وإن لم تكن (1) واجبة في تلك الحال، لأن ~~عندهم الوجوب يتعين إذا بقي من الوقت قدر تحريمة. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: الكلام في هذا الوجه هو الكلام على ما ~~تقدمه (2)، لأن النوافل له تركها من غير عذر ولا بدل، والصلاة لا يجوز ~~تأخيرها من غير عذر إلا ببدل. # وينتقض أيضا بما يختاره (3) من الكفارات الثلاث، إنه يجوز تركه من غير ~~عذر (4) وهو واجب بلا (5) خلاف، ودفع الوديعة باليد اليمنى واجب ويجوز تركه ~~بلا عذر بأن يدفعها باليسرى. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا من اعتبار تعين (6) الفرض بآخر الوقت PageV01P155 # دون أوله: إنما كان (1) كذلك، لأن للوجوب (2) في آخر الوقت مزية (3) ~~على أوله، وإن اشتركا في تعلق الوجوب بهما، لأنه يتضيق، ويتعين في الوقت ~~الأخير، وهو موسع (4) في الأول، ولهذا (5) اعتبر في الحائض والمسافر آخر ~~الوقت دون أوله. # وبعد، فإن كيفية أداء الصلاة معتبرة (6) بحال المكلف في وقت الأداء، يوضح ~~ذلك أن (7) فرض العبد بعد زوال الشمس أن يصلي الظهر أربع ركعات، وليس عليه ~~جمعة، فإن أعتق وفي أول (8) الوقت بقية لزمته الجمعة، وعلى هذا لا يمتنع ~~أن يلزم الحاضر الصلاة تامة إذا أدرك أول وقتها، ثم (9) سافر قبل خروج ~~الوقت، أداها مقصورة، لأن حاله في وقت الأداء تغيرت من إقامة إلى سفر، كما ~~تغيرت حال العبد من رق إلى حرية، فتغيرت صفة العبادة التي تلزمه، وكذلك ~~(10) لو كان في أول الوقت صحيحا، لزمته الصلاة قائما مستوفيا للركوع ~~والسجود، فإذا مرض قبل آخر الوقت، ولم يتمكن من الصلاة قائما (11)، صلى ~~قاعدا، وموميا، بحسب ما يمكنه، فتغيرت (12) صفة العبادة بتغير حاله في وقت ~~أدائها، PageV01P156 # ولا يلزم على هذا أن يقصر الصلاة متى سافر بعد خروج الوقت، لأنه بعد ~~خروجه يكون قاضيا لا ms072 مؤديا، والقاضي يجب عليه أن يقتضى (1) ما فاته على ~~صفته (2) التي وجبت عليه مع التمكن وزوال الأعذار، وليس كذلك من سافر في ~~بقية من الوقت (3)، لأنه مؤد للصلاة في وقتها، فوجب عليه القصر، لاختلاف ~~صفته (4) من إقامة إلى سفر. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: الفصل بين الصلاة والزكاة (5) أن مدة ~~الحول المتقدمة لم تضرب في الشريعة لوجوب أداء الزكاة، والوقت (6) من بعد ~~الزوال مضروب لوجوب أداء الظهر، وقد دللنا (7) على ذلك. # وبعد، فإن المؤدى من الزكاة قبل الحول لما كان جائزا غير واجب، تميز من ~~المؤدى بعد انقضاء الحول بالصفة والنية والاسم، وقد بينا (8) أن الصلاة ~~المؤداة في أول الوقت لا تتميز (9) من المؤداة في آخره بشيء من الأحكام. # وبعد، فإنا لا نقول: أن الصلاة من (10) أول الوقت إلى آخره تداخل (11) PageV01P157 # جوازها لوجوبها، بل نقول: أنها واجبة من أول الوقت إلى آخره من (1) غير ~~أن تكون (2) جائزة، لأن ذلك يوهم أنها نفل، اللهم إلا أن يراد (3) أنه ~~جائز تركها والعدول عنها، وإذا أريد ذلك، لم يجز أن يقال فيها نفسها: أنها ~~جائزة، بل نقول: العدول عنها إلى بدل منها جائز، فقد انفصل بهذا التفسير ~~وقت الجواز من وقت الوجوب. # فإن قيل: قد تعلق كلامكم (4) بأن وقت الصلاة يتضيق بآخره، فبينوا كيفية ~~التضيق. # قلنا: الواجب أن يكون الوقت المضيق هو ما يغلب على ظن المكلف أن إيقاع ~~الصلاة فيه يصادف الوقت، ولا تخرج (5) الصلاة ولا بعضها عنه، والفقهاء ~~يحدون المضيق بأنه قدر التحريمة (6)، وربما قال بعضهم: حد المضيق ما وقع ~~فيه أقل جزء من الصلاة بعد أن يكون متميزا، وهذا الذي ذكروه (7) إنما هو ~~حد في إدراك الصلاة، وسبب للقضاء، ولا يجوز أن يكون حدا للأداء، لأنه من ~~المحال أن توقت (8) الصلاة بوقت لا يمكن إيقاعها فيه. # وليس لأحد أن يعيبنا (9) بتشعيب هذه المسألة، والخروج منها إلى (10) PageV01P158 # الكلام في الفرع (1)، لأن قصدنا (2) إنما كان إلى إيضاح الأصل بهذا ~~التفريع، فرب فروع أعان شرحها (3) على تصور الأصول. ### ||| . فصل في أن الآمر ms073 لا (4) يدخل (5) تحت أمره # اعلم أن الرتبة إذا اعتبرت بين الآمر والمأمور على ما بينا، لم يجز أن ~~يأمر الإنسان نفسه منفردا، ولا مجتمعا مع غيره، والخبر لما لم (6) يعتبر ~~فيه الرتبة، جاز أن يخبر (7) نفسه، وفي العقليات شاهد بذلك، وهو أن أحدنا ~~لا يجوز أن يكون محسنا إلى نفسه، ولا متفضلا (8) عليها، وإن جاز ذلك مع غيره. # فإن قيل: ليس معنى (9) الآمر أكثر (10) من أن يقول (11) «افعل»، ويريد ~~المأمور به، وهذا يتأتى للإنسان مع نفسه. # قلنا: ذلك وإن تأتى، فإن أهل اللغة لا يسمونه أمرا، لاعتبار (12) الرتبة، ~~كما لا يسمون قول الصغير القدر للعظيم القدر (13) «افعل»- وإن PageV01P159 # أراد الفعل منه- أمرا، لأجل الرتبة، ومعنى الأمر حاصل في الموضعين (1). # والصحيح أن الرسول (عليه السلام) إذا أدى إلينا خطابا عن الله- تعالى- ~~(2) عاما لو (3) سمعناه (4) من غيره كان (5)(عليه السلام)- داخلا فيه، ~~فإنه (6) يجب دخوله فيه، وإن كان هو المؤدى (7) له، لأنه وإن سمع من ~~لفظه- (عليه السلام)- فإنه يحكيه عن ربه تعالى، فإذا حكى عنه- تعالى: # يا أيها الناس اعبدوا ربكم، كان داخلا فيه، لأنه لا فرق في عموم لفظه بين ~~سماعه منه، وبين سماعه من غيره، وليس إذا حكى الرسول- (عليه السلام)- أمرا ~~عن ربه تعالى يكون الرسول (صلى الله عليه وآله) هو الآمر به بل الآمر به ~~(8) هو الله تعالى وإنما يحكى الرسول (صلى الله عليه وآله) كلامه ويؤديه ~~على هيأته. # ومن فرق بين أن يؤدى الرسول (عليه السلام) كلامه تعالى ابتداء وبين أن ~~يتقدم ذلك الكلام ثم يؤمر (9) الرسول (صلى الله عليه وآله) (10) بأدائه ~~فجعله في الأول غير داخل فيه وفي الثاني داخلا (11)، فتوهم (12) لما PageV01P160 # لا أصل له، و(1) في الحالتين (2) يجب دخوله في عموم الخطاب، والوجه الذي ~~له يدخل فيه إذا تقدم ثم أداه قائم في أدائه له على سبيل الابتداء، وليس ~~يجب اعتبار الرتبة فيما يؤديه (3) ويحكيه، لأنه في الحقيقة غير آمر بما ~~فيه من أمر، ولا مخبر بما فيه من خبر، والآمر والمخبر غيره، فلا يلزم أن ~~يكون آمرا نفسه، وكيف يخفى على أحد ms074 أن (4) أحدنا لو قال لأحد غلمانه: قل ~~لغلماني عني: إني (5) قد أمرت جميع عبيدي بكذا، إن ذلك العبد المؤدى داخل ~~في الخطاب، كما هو داخل فيه لو سمع من غيره. ### ||| . فصل في ذكر الشروط التي معها (6) يحسن الأمر بالفعل # اعلم أن للأمر تعلقا بفعل المكلف والمكلف والأفعال التي يتناولها الأمر، ~~فيجب بيان الشروط الراجعة إلى كل شيء مما ذكرناه، وربما تداخلت هذه الشروط ~~للتعلق بين هذه الوجوه. # والذي يجب أن يكون الله تعالى عليه حتى يحسن منه الأمر بالفعل شروط أربعة: # أولها أن يمكن العبد من الفعل المأمور به، ويدخل في التمكين القدر ~~والآلات والعلوم وما أشبه ذلك. PageV01P161 # وثانيها أن يكون (1) الفعل مما يستحق به الثواب، بأن يكون واجبا أو ندبا. # وثالثها أن يكون الثواب على ذلك الفعل مستحقا، ويعلم (2) تعالى- (3) أنه ~~سيفعله به (4) لا محالة. # وشرط قوم هاهنا، فقالوا: إذا لم يحبطه، وإنما يشترط (5) ذلك من يرى ~~الإحباط (6)، وإذا كان الإحباط باطلا، فلا معنى لاشتراطه. # ورابعها أن يكون قصده تعالى بذلك الإيصال إلى الثواب، حتى يكون تعريضا، ~~وهذه الجملة صحيحة لا شبهة فيها، لأن الغرض في التكليف التعريض (7) ~~للمنافع التي هي الثواب، ولن يتم (8) ذلك إلا (9) بتكامل الشروط التي ~~ذكرناها. # فأما الآمر منا فحاله (10) تخالف في هذه الشروط حال القديم- سبحانه- ~~(11)، لأنه قد يأمر بما (12) يتعلق بالديانات، والظن في ذلك لا يقوم (13) ~~مقام العلم، فأما تمكن (14) المأمور فالظن فيه يقوم (15) مقام PageV01P162 # العلم، وأما (1) إن كان أمره بما يخصه (2) فيكفي فيه أن يكون حسنا، وإن ~~كان مباحا، لأن الغرض يتم بذلك، وإنما شرطنا (3) الحسن، لأن الأمر بالقبيح ~~لا يكون إلا قبيحا. # وأما (4) أمره (صلى الله عليه وآله) (5) فالشروط فيه كالشروط في أمره ~~تعالى إلا (6) العلم بإيصال الثواب، لأن ذلك مما لا يتعلق به، وقد يجوز أن ~~يقوم (7) الظن فيه مقام العلم فيما يرجع إلى تمكن (8) المكلف، وأما (9) ~~ما يرجع إلى صفة الفعل من حسن وغير ذلك فلا بد من أن يكون معلوما، ويعلم ~~(10) استحقاق الثواب به، وأنه تعالى سيوفره عليه. # وفي (11) الفقهاء والمتكلمين ms075 من يجوز أن يأمر الله تعالى بشرط أن لا ~~يمنع المكلف في المستقبل (12) من الفعل (13)، أو بشرط أن يقدره، ويزعمون ~~أنه يكون مأمورا بذلك مع المنع. وهذا غلط، لأن هذه (14) الشروط (15) إنما ~~تحسن (16) فيمن لا يعلم العواقب، ولا طريق له إلى علمها، PageV01P163 # وأما (1) العالم (2) بالعواقب وأحوال المكلف فلا يجوز أن يأمره بشرط ~~(3)، والذي يبين ذلك أن الرسول (عليه السلام) لو أعلمنا أن زيدا لا يتمكن ~~من الفعل في وقت مخصوص، قبح منا أن نأمره بذلك لا محالة، وإنما حسن (4) ~~دخول هذه (5) الشروط (6) فيمن نأمره، لفقد علمنا بصفته في المستقبل، ألا ~~ترى أنه لا يجوز الشرط فيما يصح فيه العلم، ولنا إليه طريق، نحو حسن الفعل، ~~لأنه مما (7) يصح أن نعلمه، وكون المأمور متمكنا لا يصح أن يعلم عقلا، فإذا ~~فقد الخبر، فلا بد من الشرط. # ولا بد من أن يكون أحدنا في أمره يحصل في حكم الظان لتمكن من يأمره من ~~الفعل (8) مستقبلا، فيكون الظن في ذلك قائما مقام العلم، وقد ثبت أن الظن ~~يقوم مقام العلم إذا تعذر العلم، فأما مع حصوله فلا يقوم مقامه، وإذا كان ~~القديم تعالى عالما بتمكن من يتمكن وجب أن يوجه الأمر نحوه (9)، دون من ~~يعلم أنه لا يتمكن، فالرسول (صلى الله عليه وآله) (10) حاله (11) كحالنا، ~~إذا أعلمنا (12) الله- سبحانه- (13) حال PageV01P164 # من يأمره، فعند ذلك يأمر بلا شرط. # ويلزم من سلك هذه الطريقة أن يأمر الله تعالى الميت بشرط أن يصير حيا، ~~ويأمر بما لا يكون صلاحا بشرط أن يصير (1) صلاحا، وهذا يوجب عليهم أن لا ~~يقطعوا في من أمره الله تعالى بالفعل أن ذلك من صلاحه، كما لا (2) يقطعون ~~بأنه متمكن (3) لا محالة منه. # وأما (4) تعلقهم بالقطع على أن أمر الله تعالى يتناول (5) جميع ~~المكلفين، مع اختلاف أحوالهم في التمكن، فباطل، لأنا لا نسلم ذلك، بل نذهب ~~إلى أنه لا يتناول إلا من يعلم أن التمكن يحصل له، ويتكامل فيه، ولهذا نذهب ~~إلى أنه لا يعلم بأنه مأمور (6) بالفعل إلا بعد تقضي الوقت وخروجه، فيعلم ms076 ~~أنه كان مأمورا به، وليس يجب إذا لم يعلم قطعا أنه مأمور أن يسقط عنه وجوب ~~التحرز (7) لأنه إذا جاء وقت الفعل وهو صحيح سليم- وهذه أمارة (8) يغلب ~~معها (9) الظن ببقائه- فيجب أن يتحرز (10) من ترك الفعل والتقصير فيه، ولا ~~يتحرز (11) من ذلك إلا بالشروع في الفعل والابتداء به، ولذلك مثال في ~~العقل، وهو أن PageV01P165 # المشاهد للسبع من بعد- مع تجويزه أن يخترم (1) السبع قبل أن يصل إليه- ~~يلزمه التحزر منه، لما ذكرناه، ولا يجب- إذا لزمه التحرز- أن يكون عالما ~~ببقاء السبع، وتمكنه من الإضرار به. # وأما (2) من جعل من شرط حسن الأمر أن يعلم الآمر أن المأمور سيفعله، ~~فخلافه خارج عن أقوال المختلفين في أصول الفقه، لأنهم لا يختلفون في أن ~~الله تعالى قد يأمر من يعلم أنه يطيع (3)، كما يأمر من يعلم أنه يعصى، ولو ~~كان ما ذكر شرطا في حسن الأمر، لما حسن منا في الشاهد أمر، لأنا لا نعلم ~~العواقب. # وليس لهم أن يقولوا: أنه حسن منا من حيث إنا نظن أنه يفعل، لأنا قد نأمر ~~مع الظن بأنه (4) لا يفعل، نحو أن ندعو (5) إلى الطعام من نظن أنه لا ~~يقبل، وإلى الدين من نظن أنه (6) لا يطيع. # وأما من أجاز أن يأمر الله تعالى بالشيء بشرط أن لا ينهى عنه، فقوله ~~(7) باطل، وسيجيء عليه الكلام في الناسخ والمنسوخ من هذا الكتاب بمشية ~~الله تعالى (8) وعونه (9). PageV01P166 # وأما الصفات التي يجب كون الفعل المأمور به عليها، فتنقسم (1) إلى أقسام: # أولها أن يدخل في الصحة ويخرج عن الاستحالة. # وثانيها (2) أن يصح ممن كلفه لأن صحته من غيره كاستحالته في الغرض (3) ~~المقصود. # وثالثها (4) صحته (5) منه على جهة الاختيار (6). # ورابعها أن يكون للفعل في نفسه صفة الحسن. # وخامسها أن يحصل له صفة زائدة يدخل بها في أن يكون نفلا أو فرضا، وهذه ~~شروط (7) لا بد منها في حسن الأمر بالفعل. # وإذا (8) كان الكلام في الواجب، فلا بد من كل ما تقدم، ومن شرط زائد (9)، ~~وهو حصول (10) وجه يقتضى وجوبه. # والقسم الأول يثبت بأن (11) يعلم أن ms077 الفعل (12) مما لا يستحيل وقوعه، ~~بأن يكون وقته مستقبلا، ولا يكون ماضيا ولا حاضرا، لأن PageV01P167 # ما لم يكن كذلك تقبح (1) إرادته (2) و(3) الأمر به (4). # والقسم الثاني وهو صحته منه يدخل فيه ألا يكون الفعل مما يستحيل قدرة ~~العبد عليه كالجواهر وما لا يتناوله قدرنا من الأعراض (5) ويدخل فيه أن ~~يكون غير ممنوع منه، وأن يمكنه تمييزه، وإنما أوجبنا ذلك، لأن مع فقده ~~يتعذر الفعل، ويقبح الأمر بما يتعذر. # والقسم الثالث يدخل فيه زوال الإلجاء، وأن تكون (6) الدواعي مترددة، ~~لأن (7) بالإلجاء يلحق (8) الملجأ بالممنوع، ومع فقد تردد الدواعي لا ~~يستحق الثواب الذي هو الغرض بالتكليف. # والقسم الرابع أن يكون الفعل غير قبيح، ولا عار من القبح والحسن، وإنما ~~وجب ذلك، لأن الأمر بالقبيح (9) قبيح، وكذلك (10) إرادته، والأمر (11) ~~بما لا غرض (12) فيه كذلك. # والقسم الخامس يدخل فيه ألا (13) يكون مباحا، وأن يقع على وجه زائد على ~~الحسن (14) يدخل به (15) إما في (16) كونه ندبا، أو فرضا، وإنما PageV01P168 # قلنا ذلك، لأن المباح كما لا يستحق بفعله في الشاهد المدح، كذلك لا يستحق ~~به الثواب، وتكليف ما هذه حاله عبث. # وإنما شرطنا في الإيجاب أن يكون له وجه وجوب، لأن ما لا وجه له يقتضى ~~وجوبه، فإيجابه (1) قبيح، يجري (2) مجرى تقبيح (3) الحسن وتحسين القبيح ~~(4)، ولهذا لو أنه تعالى أوجب كفر نعمه (5)، لم يصير ذلك واجبا. # وأما الصفات التي يجب كون المأمور عليها، فجملتها أن يكون متمكنا من ~~إيقاع الفعل على الوجه الذي أمر به، وتتفرع (6) هذه الجملة إلى أن تكون ~~(7) القدرة و(8) العلوم والآلات والأسباب والأدلة كلها حاصلة، لأن بوجودها ~~يكون التمكن، ومع فقدها يحصل التعذر. # واعلم أن هذه الشروط (9) تنقسم إلى أقسام ثلاثة: أولها أن يكون مما لا ~~يصح إلا من الله تعالى، فلا بد من أن يزيح (10) جل اسمه- علة (11) المكلف ~~(12) فيه، وذلك نحو القدرة والحاسة وكثير من الآلات ونحو كمال العقل. PageV01P169 # وثانيها ما لا يصح على الوجه المحتاج إليه إلا من العبد، كنحو الإرادة ~~والكراهة، لأنهما لا يؤثران في فعله فيكون أمرا وخيرا ms078 (1) وعبادة (2) لله ~~تعالى إلا بأن يكونا من جهة العبد. # وثالثها أن يكون مما يصح من الله تعالى و(3) من جهة العبد، نحو كثير من ~~الآلات (4) وكثير من العلوم، و(5) في هذا الوجه يجوز أن يفعله تعالى للعبد ~~(6)، ويجوز أن يلزمه فعله، ويمكنه منه (7). # وأما (8) التي يجب أن يكون الأمر (9) عليها، فأن (10) يكون متقدما لوقت ~~الفعل المأمور به، ولا يحد (11) في ذلك حدا معينا، بل يعلق (12) ذلك بصفة ~~معقولة (13)، وهو أن يتم بذلك التقدم (14) الغرض (15) في الأمر من دلالة ~~على وجوب الفعل، وترغيب فيه، و(16) بعث عليه، فهذا القدر هو الذي لا بد ~~منه، وما زاد على ذلك من التقدم فلا بد فيه من مصلحة زائدة. # والمجبرة (17) تخالف في ذلك، وتقول: أن الأمر إذا كان إلزاما PageV01P170 # فلا يكون إلا في حال الفعل، وما يتقدم ليس بأمر، وإنما هو إعلام. # و(1) في أهل العدل من يذهب إلى أنه لا يجوز تقدمه (2) إلا بوقت واحد، ~~وفيهم من يجوز تقدمه بأوقات بشرط (3) أن يكون (4) المكلف من حين حصول (5) ~~الأمر إلى وقت التكليف متمكنا مزاح (6) العلل، ومنهم من يجوز تقدمه (7) ~~بأوقات- وإن لم يكن المكلف كذلك- إذا كان في تقدمه (8) مصلحة لبعض ~~المكلفين، وهو الصحيح، وفيهم (9) من يجوز تقديمه (10) من غير اعتبار ~~مصلحة. ومن يعتبر المصلحة (11) منهم من يقول: يجوز أن تكون (12) المصلحة ~~تحمل (13) البعض إلى من كلف الفعل، ومنهم (14) من لا يجوز أن يكون الصلاح ~~هذا القدر، بل يوجب أن يستفيد (15) به مع التحمل. # وأما الذي يدل على أنه لا بد من تقدمه (16) أنه يفيد إيجاب الفعل PageV01P171 # على المكلف، وترغيبه، وبعثه عليه، وكل هذا لا يتم بالتقدم. # وخلاف المجبرة مبنى على قولهم: أن القدرة (1) مع الفعل (2)، فأجروا ~~الأمر مجراها، وذلك باطل بما ذكر في مواضعه، لأنه يبطل الإيثار والاختيار، ~~ويقتضى تكليف ما لا يطلق، وأن القاعد عن الصلاة معذور بترك القيام إليها، ~~لأنه لا يقدر عليه. # و(3) قولهم: أن (4) المتقدم إعلام، فإن (5) أرادوا به أنه (6) إعلام ~~بلزوم الفعل في وقته، فهو خلاف في عبارة، وإن أرادوا ms079 غير ذلك، فهو غير ~~معقول، ونحن نعلم أيضا أن الأوامر في الشاهد لا تكون (7) إلا متقدمة، ~~وأجمعت الأمة على أن أوامر القرآن متناولة للخلق إلى يوم القيامة، وإن كانت ~~متقدمة لهم. # وأما تقدم الأمر على الفعل أوقاتا (8) كثيرة، فإذا (9) كان للمصلحة، حسن ~~لا محالة. # وأما (10) من شرط (11) في (12) جواز تقدمه أن يكون المكلف متمكنا PageV01P172 # في الأحوال كلها، فقوله باطل، لأن المكلف إنما يحتاج إلى التمكن ليفعل، ~~لا لكونه مأمورا، لأنه لو كان في حال الأمر متمكنا، وفي حال الفعل عاجزا، ~~قبح أمره، فلا مانع من حسن أمره بفعل (1) يعلم الله- تعالى- أنه سيتمكن ~~منه في حال (2) الحاجة، وإن كان في حال الأمر عاجزا وأوامر (3) القرآن ~~متناولة للخلق كلهم إلى آخر التكليف، وإن كان أكثرهم في حال وجود هذه ~~الأوامر (4) غير متمكنين (5) بل غير موجودين (6). # والصحيح أن تقديمه لا يجوز أن يحسن للتحمل فقط، لأن من حق الكلام أن يفعل ~~للإفادة، فلا بد في (7) المصلحة الحاصلة فيه أن يكون راجعة إلى الإفادة (8). # ولا يجب على هذا أن تكون (9) الملائكة (عليهم السلام) مكلفة بهذه ~~الشرعيات لأجل التحمل، وذلك أنا إنما أوجبنا في المتحمل للكلام أن يفهمه، ~~وأن يكون مصلحة له في تحمله، ولم نوجب أن يكون الشرائع المذكورة في ذلك ~~الكلام تلزم (10) ذلك المتحمل، فالملائكة PageV01P173 # على هذا يجب أن تفهم (1) المراد بالقرآن، إذا تحملته (2)، وأدته، وأن ~~يكون لها (3) في ذلك مصلحة دينية (4)، وإن لم تلزمها (5) الشرائع. ### | . باب في (6) أحكام النهي ### ||| فصل (7) اعلم أن النهي لا صورة له في اللغة تخصه، # على نحو ما قلناه في الأمر، لأن قول القائل «لا تفعل» قد يستعمل ولا يكون ~~نهيا، بل على سبيل التوبيخ والتعنيف، ألا ترى أن (8) أحدنا (9) قد يقول ~~(10) لغلامه (11) لا تطعني ولا تفعل شيئا مما أريده، وهو غير ناه له ~~(12)، لمفارقة (13) الكراهة التي بها يكون النهي نهيا، وإنما يريد التعنيف، ~~كما قال تعالى: # @QUR@03 اعملوا ما شئتم ، ولم يرد الأمر. # والكلام في (14) أنه لا صيغة له تخصه كالكلام في الأمر، فلا معنى ~~لإعادته. PageV01P174 # والرتبة معتبرة في ms080 النهي كما أنها معتبرة في الأمر، والدلالة على الأمرين واحدة. # وقولنا «نهى» يخص القول، بخلاف الأمر، لأنا قد بينا اشتراك هذه اللفظة ~~(1) بين الفعل والقول. # والنهي إنما كان نهيا لأن الناهي كاره للفعل الذي تناوله (2) النهي، ~~والكلام في ذلك كالكلام (3) في أن الأمر إنما كان أمرا لإرادة الآمر ~~المأمور به، وقد تقدم مستقصى. # والقول في أن النهي لا يدل على أحكام الفعل كالقول في الأمر، وإنما يحكم ~~فيما نهى الله عنه بالقبح بدلالة منفصلة، وهي أنه تعالى مع حكمته لا يجوز ~~أن ينهى عن الحسن، ولا ينهى إلا عن القبيح (4)، كما قلنا (5) في أمره ~~تعالى أنه لا (6) يدل (7) من حيث الظاهر بل لحكمته تعالى على أن لما أمر ~~به صفة زائدة على حسنه، وأن له مدخلا في استحقاق المدح والثواب، وإنما ~~نقول (8) أن نهيه تعالى على الوجوب وإن لم يكن أمره كذلك (9)، لأجل أنه ~~يقتضى قبح الفعل، والقبيح (10) يجب ألا يفعل. PageV01P175 # والقول في احتمال النهي المطلق للتكرار والمرة (1) الواحدة مطلقا ومشروطا ~~(2) كالقول في الأمر، وقد مضى، واحتماله مع الإطلاق لكل وقت مستقبل إما ~~منفردا أو مجتمعا كالقول في الأمر. # والقول بالفور (3) ممكن فيه كما بيناه في الأمر، غير أن التخيير في ~~الأوقات المستقبلة غير ممكن فيه (4) كما أمكن في الأمر، لأن الأمر إنما ~~يتناول على سبيل التخيير كل (5) فعل مستقبل على البدل، للتساوي (6) في ~~الصفة الزائدة على الحسن، والنهي يقتضى القبح، فلو تساوت الأفعال (7) كلها ~~في القبح، لوجب العدول عن الجميع، لا على جهة التخيير، وسنحقق دخول التخيير ~~في النهي في الفصل الذي يلي هذا بعون الله تعالى. # وليس النهي عن الشيء أمرا (8) بضده لفظا ولا معنى كما مضى (9) ذلك في الأمر. # . PageV01P176 ### ||| فصل في صحة دخول التخيير في النهي # اعلم أن هذا الباب يقتضى بيان ما يصح النهي (1) عنه من (2) الأفعال ~~المختلفة على جمع أو بدل، وهو من لطيف (3) الكلام، والنفع به تام، و(4) قد ~~دلت الأدلة التي ليس هاهنا (5) موضع ذكرها على أن المكلف يمكن أن يخلو من ~~كل ms081 أفعاله، إذا كان مستندا أو مستلقيا و(6) كانت الأكوان مقطوعا على بقائها ~~(7)، فلا يمتنع والحال هذه في أفعال جوارحه أن تكون (8) كلها قبيحة، وإذا ~~جاز ما ذكرناه (9)، جاز تناول النهي لذلك (10) أجمع، فأما إذا كانت ~~الحال (11) حالا لا يصح خلوه فيها من (12) الأفعال، فلا يجوز قبح الجميع، ~~لأن ذلك يقتضى ألا ينفك من (13) القبيح، وأن (14) يكون معذورا فيه. # فأما قبح ضدين ولهما ثالث يمكنه أن ينفك منهما إليه، فمما (15) لا شبهة ~~في جوازه. PageV01P177 # وقد يصح أن يقبح (1) منه كل أفعاله على وجه، ويحسن على وجه آخر، وعلى ~~هذا الوجه يصح القول بأن من دخل زرع غيره على سبيل الغصب أن (2) له الخروج ~~عنه بنية التخلص، وليس له التصرف بنية الإفساد (3)، وكذلك من قعد على صدر ~~حي إذا كان انفصاله منه يؤلم ذلك الحي كقعوده، وكذلك المجامع زانيا، له ~~الحركة بنية التخلص، وليس له الحركة على وجه آخر. # وأما (4) بعض تصرفه، فقد يصح أن يقبح (5) على كل حال. # فأما حسن جميع ذلك أو (6) بعضه على البدل والجمع (7)، وعلى وجه دون وجه، ~~فلا شبهة فيه. # والنهي (8) عن ضدين على الجمع يقبح من حيث يستحيل وجودهما معا، فلا يقع ~~ذلك من حكيم. # واعلم أنه غير ممتنع في فعل أن يقبح لكون (9) ما يسد مسده معدوما (10) ~~كما لا يمتنع أن يكون صلاحا إذا كان غيره معدوما، فغير ممتنع على هذه ~~الجملة أن ينهى الحكيم عن فعلين مختلفين على التخيير والبدل، بأن يكون في ~~المعلوم أن كل واحد منهما يقبح بشرط PageV01P178 # عدم الآخر، فلا يمكن القول بقبحهما جميعا على الإطلاق، لأن الاشتراط الذي ~~ذكرناه يقتضى أنهما متى وجدا لم يقبح (1) واحد منهما، ومتى وجد أحدهما قبح ~~لا محالة، فالنهي عن المختلفين- إذا صح ما ذكرناه- على سبيل التخيير صحيح ~~جائز، وليس يجري (2) المختلفان (3) في هذا الحكم مجرى الضدين، لأن كل ~~واحد من الضدين متى وجد وجب عدم الآخر، وما يجب لا محالة يبعد كونه شرطا في ~~قبحه، وهذا في المختلفين أشبه بالصواب، وكذلك المتماثلان. ### ||| . فصل في النهي ms082 (4) هل يقتضى (5) فساد المنهي عنه # اعلم أن المنهي عنه على ضربين: أحدهما لا يصح فيه معنى الفساد والصحة ~~والإجزاء، والضرب الآخر يصح ذلك فيه، فمثال الأول الجهل والظلم وما جرى ~~مجراهما مما لا يتعلق به أحكام شرعية، ومثال الثاني الطلاق والنكاح والبيع ~~والصلاة لتعلق الأحكام بكل (6) ما ذكرناه، فإذا أطلق القول بأن النهي هل ~~يقتضى الفساد أو الصحة، فالمراد به القسم الذي يصح فيه ذلك (7) PageV01P179 # وقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من جعل النهي دالا على الفساد كدلالته ~~على التحريم من جهة اللغة، ومنهم من جعله (1) دالا على الفساد من جهة أدلة ~~الشرع، ومنهم من لم يجعله دالا على الفساد، وقال: لا يمتنع مع النهي كون ~~(2) المنهي عنه مجزيا، كما لا يمتنع كونه غير مجز (3)، ونقف (4) على ~~الدليل. # والذي نذهب (5) إليه أن النهي من حيث (6) اللغة وعرف أهلها (7) لا ~~يقتضى فسادا ولا (8) صحة، وإنما نعلم (9) في متعلقه الفساد بدليل منفصل، ~~فأما من ذهب إلى أن أدلة الشرع دلت على تعلق الفساد بالمنهي عنه، فإن أراد ~~بدليل الشرع ما ذكرناه فيما تقدم من هذا الكتاب من أن الصحابة ومن يليهم ~~قضوا بفساد المنهيات من غير توقف على دليل، فذلك صحيح، وقد أوضحناه، وإن ~~أشار بدليل الشرع إلى غير ذلك، فنحن نتكلم عليه. # والذي يدل على صحة مذهبنا أن النهي لا تعلق للفظه ولا لمعناه بشيء من ~~الأحكام التي نشير (10) بقولنا في (11) الفعل «إنه مجز» (12) إلى PageV01P180 # ثبوتها، وفي قولنا «إنه فاسد» إلى انتفائها، وما لا تعلق له بالنهي في ~~لفظ (1) ولا معنى كيف يصح أن يستفاد منه، يوضح هذه الجملة أن الفقيه إذا ~~قال في العقد: إنه صحيح، فلم يفد بذلك حسن العقد ولا قبحه، وإنما غرضه ~~إثبات (2) أحكام مخصوصة (3) له، وكذلك إذا قال: هو فاسد أو موقوف، ~~والإيقاعات من طلاق وغيره إذا قلنا: # إنه صحيح، فمعناه أن الفرقة تقع (4) به، والأحكام تتعلق (5) عليه، وإذا ~~(6) قلنا: إنه فاسد، فالمعنى أنه لا يؤثر فراقا (7) ولا تحريما (8) وإذا ~~(9) اعتبرت سائر ما نقول (10): إنه صحيح ms083 وفاسد (11)، وجدته (12) مفيدا ~~لثبوت أحكام شرعية أو (13) انتفائها، وإذا (14) كان النهى بظاهره ومعناه لا ~~يقتضى إلا هذا القدر الذي ذكرناه، فلا يدل (15) في المنهي عنه على فساد ~~ولا صحة، وهذه الجملة إذا اعتبرت تجلى (16) الكلام في هذا الباب، وتعري ~~(17) من كل شبهة. PageV01P181 # و(1) مما يدل أيضا على ما ذكرناه أن النهى لو (2) اقتضى فساد الفعل (3) ~~المنهي عنه لشيء (4) يرجع إليه، لما صح في النهى (5) إذا تناول ما ليس ~~بفاسد في الشرع بل كان صحيحا مجزيا أن يكون نهيا على (6) الحقيقة، ~~والإجماع بخلافه، لأنهم وإن اختلفوا في كثير من الأمثلة التي تذكر (7) في ~~هذا الباب، فلم يختلفوا في أن المكلف وقد ضاق عليه وقت الصلاة في آخر وقتها ~~أنه منهي عن البيع والشراء (8)، ومع ذلك فبيعه صحيح، ونكاحه كذلك، ولم ~~يختلفوا في أنه منهي عن إزالة النجاسة بالماء المغصوب، لأنه تصرف فيما لا ~~يملكه (9)، ومع ذلك فإن حكم النجاسة يزول (10) كما يزول (11) بالماء ~~المملوك، والوطء في الحيض يتعلق به أحكام الصحة كما يتعلق بالوطي المباح، ~~من لحوق (12) الولد، ووجوب المهر، والتحليل للزوج الأول، فلو لا أن النهى ~~لا يقتضى من حيث كان نهيا للفساد (13)، لما صح شيء مما ذكرناه. # ومما يدل أيضا على ذلك أن لفظ النهى قد يرد فيما هو صحيح، PageV01P182 # وفاسد، وقد قدمنا أن استعمال اللفظة في شيئين مختلفين دليل على أنها ~~حقيقة فيهما إلا أن يقوم (1) دليل، فيجب أن يكون لفظ النهى محتملا للفساد ~~كاحتماله للصحة، ولا يقطع على أحدهما إلا بدليل. # وقد تعلق من حكم بفساد المنهي عنه (2) وعلقه (3) بظاهر النهى بأشياء: ~~أولها أن الأمر بالشيء إذا اقتضى الإجزاء والصحة، فيجب أن يكون النهى الذي ~~هو ضده يقتضى الفساد والبطلان. # وثانيها أن النهى عن الفعل إذا منع (4) منه، فيجب أن يكون مانعا من ~~أحكامه، وإذا منع من أحكام البيع أو الطلاق فليس إلا الفساد (5). # وثالثها أن الإجزاء يعاقب الفساد، فإذا كان بالنهي (6) ينفى (7) كون ~~الشيء شرعيا، فالإجزاء (8) لا يعلم إلا شرعا، فليس (9) بعد ذلك إلا ~~الفساد. # ورابعها ms084 أن النهى لو لم يعقل منه الفساد، لم يكن التحريم دلالة على (10) ~~الفساد (11)، فكان لا يعقل من قوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم إلى آخر ~~الآية (12) فساد هذه الأنكحة وبطلانها، ولا يعقل PageV01P183 # من قوله تعالى: وحرم الربا، فساد أحكام عقد (1) الربا. # وخامسها أن المنهي عنه لو كان مجزيا لكان الطريق إلى معرفة (2) ذلك ~~الشرع، وإنما ينبئ الشرع عن إجزائه (3) إما بالأمر و(4) الإيجاب أو ~~الإباحة، وكل ذلك مفقود في المنهي عنه (5). # وسادسها الخبر المروي عنه (عليه السلام) (6) من قوله (7) من أدخل في ~~ديننا ما ليس منه فهو رد، والمنهي عنه ليس من الدين، فيجب أن يكون باطلا ~~مردودا (8). # وسابعها أن عادة السلف والخلف (9) من لدن الصحابة وإلى يومنا هذا جارية ~~بأن يحملوا (10) كل منهي عنه على الفساد. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إنا قد بينا أن الأمر بظاهره ومن غير ~~دليل منفصل لا يقتضى الإجزاء، وأنه (11) كالنهي (12) في أنه لا يقتضى ~~الفساد، فسقط هذا الوجه. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: قد اقتصرتم على دعوى، ومن أين PageV01P184 # قلتم أن النهى إذا منع من الفعل، وجب أن يكون مانعا من أحكامه، وهل ~~الخلاف إلا في ذلك، ثم الفرق بين الأمرين أنه إنما منع من الفعل للتعلق ~~بينه وبين الفعل، لأن الحكيم (1) إذا نهى عن شيء فقد كرهه، وهو لا يكره ~~إلا القبيح، والقبيح ممنوع منه، وأحكام الفعل غير متعلقة بمعنى النهى و(2) ~~لا لفظه، فلا يجوز أن يكون النهى مانعا منها. # ويقال لهم فيما تعلقوا به (3) ثالثا: إن أردتم بأن النهى ينفى (4) كونه ~~شرعيا أنه ينفي كونه مرادا وطاعة و(5) قربة، فذلك صحيح. وإن (6) أردتم نفي ~~الأحكام الشرعية، فهو غير مسلم وإذا كان الإجزاء والفساد لا يعلمان إلا ~~شرعا (7)، فيجب ألا يستفاد (8) أحدهما من مطلق الأمر. # فإذا قال: إجزاؤه لا يعلم إلا شرعا، ولا شرع فيه (9)، فيجب أن يكون فاسدا. # قلنا: وفساده لا يعلم إلا شرعا، ولا شرع فيه (10)، فيجب أن يكون صحيحا، ~~والصواب غير ذلك، وهو التوقف عن الحكم (11) بصحة ms085 أو فساد على الدليل ~~المنفصل. PageV01P185 # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: نحن نقول في التحريم: أن مطلقه لا يدل ~~على الفساد، مثل قولنا في النهى، وإنما (1) علم (2) فساد نكاح (3) ~~الأمهات بغير وضع النهى في اللغة، وعلى الجملة بدليل. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إن الإجزاء قد (4) يعلم بغير الإيجاب ~~والأمر والإباحة، وهو أن يقول: لا تفعلوا كذا، فإن فعلتموه كان مجزيا، أو ~~(5) بأن يبين أن الحكم الشرعي يتعلق بصورة للفعل (6) مخصوصة، فيعلم (7) ~~إيقاع الحكم لها (8) سواء كانت منهيا عنها (9) أو مأمورا بها. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: إن الخبر الذي اعتمدتم عليه خبر واحد، ~~أحسن (10) أحواله أن يقتضى الظن، فكيف يحتج به (11) في مسألة علمية. # وبعد، فإنما يصح (12) التعلق به لو ثبت أن إجزاء الفعل المنهي عنه ليس ~~من الدين، حتى يحكم بأنه مردود، وهذا لا يستفاد من الخبر. PageV01P186 # وأيضا فلفظة الرد (1) كلفظة النهى في وقوع الخلاف فيها، بل النهى أبلغ، ~~لأن الطاعات الواقعة من الكفار عند من أجاز ذلك توصف بأنها مردودة (2)، ~~لأنها غير مقبولة، وإن لم تكن (3) منهيا عنها، والمردود في العرف هو الذي ~~لا يستحق عليه الثواب، وهو ضد المقبول الذي هو استحقاق الثواب (4)، وكون ~~الفعل (5) لا يستحق به الثواب لا يمنع من إجزائه. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: هذه الطريقة هي التي نصرناها فيما سلف ~~من كتابنا هذا (6)، وبينا أن بهذا العرف الشرعي يعلم أن مطلق النهى يقتضى ~~فساد المنهي عنه إلا أن تقوم (7) دلالة. # ومن يطعن على هذه الطريقة بأن يقول من أين لكم أن السلف والخلف حكموا (8) ~~ببطلان المنهي عنه لأجل النهى دون دلالة دلتهم على ذلك. # فالجواب (9) له (10) أن نقول (11) إننا لا نذهب إلى أن الصحابة إنما ~~حكموا بفساد المنهي عنه لأجل حكم النهى في اللغة أو عرفها، بل PageV01P187 # إنما عولوا في ذلك على عرف الشريعة، وأن الأمر في عرف الشرع يجب أن يكون ~~محمولا على الوجوب والفور والإجزاء، وأن النهى يقتضى بهذا العرف فساد ~~المنهي عنه، إلا أن تقوم ms086 (1) دلالة، ولم يعولوا (2) إلا (3) على (4) هذه ~~العادة، ومثلهم لا يجمع (5) على باطل، إلا (6) على ما قطع عذرهم عن الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) فيه، وكيف لا يعلم أن ذلك لمكان النهى عنه (7)، وعند ~~علمهم بالنهي (8) يحكمون بالفساد، كما يحكمون عند الأمر بالوجوب، ولو كان ~~ذلك معلوما بدلالة منفصلة، لوجب التوقف عليها، وأن يقولوا (9) فيمن روى لهم ~~نهيا عن الرسول (عليه السلام) في فعل بعينه: هذا النهى إنما يقتضى قبح ~~الفعل، وأنه معصية، ولا (10) يقتضى فسادا، فلا يجب (11) إن كان عقد (12) ~~بيع- أن يحكم بأن (13) التمليك ما وقع، وإن كان طلاقا فلا يجب إن يحكم بأن ~~الفرقة لم تقع (14)، بل رأيناهم يحكمون في كل مأمور به بالصحة والإجزاء، ~~وفي كل PageV01P188 # منهي عنه بالفساد على اختلاف الحالات، ومع المناظرة والمنازعة، و(1) من ~~طبقة بعد طبقة، وفي زمان بعد زمان، وهذا معلوم ضرورة من حالهم (2)، وتكلف ~~الدلالة عليه كالمستغنى (3) عنه، وكذلك وجدنا كل من أبطل أن يكون عقد نكاح ~~المتعة مبيحا للاستمتاع إنما يعول (4) على مطلق ما رواه من نهى الرسول ~~(عليه السلام) عنها، وتحريمه لها، ولم يقل له قائل: التحريم إنما يقتضى ~~القبح والمعصية، فمن أين أن (5) الاستباحة لا (6) تقع به، وكذلك نكاح ~~المحرم، اكتفوا في ارتفاع أحكامه الشرعية بالنهي (7) عنه، وكذلك القول في ~~عقد الربا (8)، ونكاح (9) الشغار (10). # فإن قيل: فقد حرموا أشياء كثيرة، وإن ذهبوا إلى أنها مجزية صحيحة إذا وقعت. # قلنا: إنما ذهبوا إلى إجزائها مع النهى والتحريم بدليل منفصل، وليس (11) ~~ينكر (12) أن يقوم دليل على خلاف ما يقتضيه عرف الشرع، كما لا ينكر أن يقوم ~~دليل على خلاف ما يقتضيه (13) وضع اللغة، فيصار إليه PageV01P189 # بالدليل، ولا يكون ذلك قادحا في أصل الوضع على الوجهين. # فإن قيل: فبأي شيء تحدون (1) الفاسد (2) من المنهيات، وتميزونه (3) من ~~غيره فقد تعاطى (4) الناس (5) ذلك. # قلنا: الواجب أن نقول الذي يقتضيه عرف الشرع في نهى الله- سبحانه- (6) ~~ورسوله (صلى الله عليه وآله) (7) أن يقتضى بالظاهر فساد المنهي عنه (8)، ~~وألا (9) تتعلق (10) به الأحكام التي تتعلق (11) بالصحيح إلا أن يقوم ms087 ~~دليل على أن (12) المنهي عنه (13) في هذه الأحكام كالمأمور به، فيقال ~~بذلك اتباعا للدليل. # وأجود ما ميز (14) به ذلك أن يكون وقوعه منهيا عنه (15) مخلا بشروطه ~~الشرعية، فيكون فاسدا، وإذا (16) لم يختل شروطه الشرعية، لم يمتنع إجزاؤه. # وينقسم (17) تأثير المنهي عنه في الشروط الشرعية ثلاثة أقسام: PageV01P190 # فالأول يؤثر بأن يكون شرط الفعل (1) عدمه. # والثاني بأن يكون شرط الفعل ضده، أو ما يجري مجرى ضده، مما لا يجتمع معه. # والثالث يؤثر بأن يمنع من وقوع شرط (2) سواه، فمثال الأول الصلاة مع ~~الحدث، لأن من شرطها عدمه. ومثال الثاني صلاة القادر على القيام قاعدا، لأن ~~من شرط هذه الصلاة ضد القعود. ومثال الثالث صلاة (3) المتطوع، لأنها لا ~~تجزى عن الفرض و(4) إن كانت الصورة واحدة (5)، لما كان الشرط نية (6) ~~مخصوصة. # ولأجل هذا الوجه الأخير كانت الصلاة في الدار المغصوبة لا تجزى (7)، لأن ~~من شرط الصلاة أن تكون (8) طاعة وقربة، وكونها واقعة في الدار المغصوبة ~~يمنع من ذلك. # وأيضا (9) فإن من شرطها إذا كانت واجبة أن ينوى بها أداء الواجب، وكونها ~~في الدار المغصوبة يمنع من ذلك. # وفي الفقهاء من يظن أن الصلاة في الدار المغصوبة ينفصل من الغصب، وذلك ظن ~~بعيد، لأن الصلاة كون في الدار، وتصرف PageV01P191 # فيها، وذلك نفس الغصب، لأنه لا فرق بين تصرفه فيها بالسكنى وبين تصرفه ~~بالصلاة، لأن صاحب الدار لو أراد أن يقف فيها بحيث المصلي واقف، لتعذر ~~عليه (1) ذلك، فهو مانع من تصرف المالك، والغصب ينقسم إلى وجهين: إما بأن ~~يحول بين المالك وبين التصرف في ملكه، وإما بأن يتصرف الغاصب فيه تصرفا ~~يمنعه من تصرفه. # وفيهم من يقول في أن الصلاة في الدار المغصوبة (2) تجزى (3)، على أن ~~الصلاة تنقسم (4) إلى فعل وذكر، فالفعل متعلق (5) بالدار، والذكر لا ~~يتعلق بها، فلا يمتنع أن تجزى (6)، وطن كانت في الدار المغصوبة، من حيث ~~يقع ذكرها طاعة، وتكون (7) نيته (8) تنصرف (9) إلى الذكر. # وهذا غير صحيح، لأن الذكر تابع للفعل الذي هو الصلاة، والفعل (10) هو ~~المعتمد (11)، والذكر شرط، فيجب أن ms088 تكون (12) النية منصرفة (13) إلى الفعل ~~الذي هو (14) العمدة (15). PageV01P192 # وعلى أن (1) أقل الأحوال أن يكون الفعل والذكر مجموعهما (2) هو (3) ~~الصلاة، فتنصرف (4) النية إليهما، وقد بينا أن ذلك يقتضى كونه متقربا ~~بالمعصية. # وقد قيل في التمييز بين الصلاة في هذا الحكم وغيرها: أن كل عبادة ليس من ~~شرطها (5) الفعل أو ليس من شرطها (6) أن يتولى الفعل بنفسه، بل ينوب فعل ~~الغير مناب فعله، أو ليس من شرطها (7) أن يقع منه بنية الوجوب، أو ليس من ~~شرطها (8) النية (9) أصلا، لم يمتنع في المعصية منها أن يقوم مقام الطاعة، ~~وهذا قريب. # ومن احتج في جواز الصلاة في الدار المغصوبة بأن إجراءها مجرى من شاهد ~~طفلا يغرق (10) وهو في الصلاة، وقال: إذا صحت صلاته مع المعصية، فكذلك ~~الصلاة في الدار المغصوبة. # فقوله باطل، لأنا نقول في المسألتين قولا واحدا، والصلاتان معا فاسدتان، ~~ويجب أن يقول في الغاصب: أنه لو حبس (11) في الدار لأجزأته صلاته، لأنه ~~بأن حبس فيها خرج من كونه غاصبا (12)، لأنه لا يتمكن PageV01P193 # من المفارقة لها، ويجب أن يقول (1) فيمن لزمه رد وديعة أو قضاء دين، ثم ~~دخل في الصلاة: أنه إن كان الوقت موسعا، فسدت الصلاة، لأن الواجب عليه ~~تقديم الرد، وإن (2) صلاها في وقت مضيق، لم يفسد، لأن الواجب عليه تقديمها ~~على الرد، إلا أن ينتهى (3) الحال فيمن له الحق إلى حال ضرورة (4) وضرر ~~يدخل على صاحب الوديعة، فتفسد (5) صلاته، وإن أداها في آخر الوقت، لهذه العلة. # فأما من ليس بغاصب لكنه دخل الدار مجتازا، فيجب ألا تفسد (6) صلاته، لأن ~~المتعارف (7) بين الناس أنهم (8) يسوغون ذلك لغير الغاصب، ويمنعونه (9) ~~في الغاصب. # وأما الضيعة (10) المغصوبة فالصلاة فيها مجزية، لأن العادة جرت بأن (11) ~~صاحبها لا يحظر على أحد الصلاة فيها، والتعارف يجري مجرى الإذن، فيجب ~~الرجوع إليه. # ولا يلزم على ما ذكرناه أن يكون من صلى وهو يدافع الأخبثين (12) PageV01P194 # أن تكون (1) صلاته فاسدة غير مجزية (2)، للنهي (3) منه (عليه السلام) ~~عن ذلك، وذلك أن هذا النهى لو أوجب كون الصلاة معصية، للحقت (4) في الفساد ms089 ~~بالصلاة في الدار المغصوبة، لكنا قد عرفنا أن وجه النهى تأثير المدافعة في ~~التثبت (5) والخشوع والطمأنينة، ونحن نعلم أن كثيرا من ذلك لو فقد (6) ~~لأجزأت (7) الصلاة، وقد يدافع الأخبثين ويتصبر (8) على أداء ما (9) يجب ~~عليه في الصلاة واستيفائه، فلا يجب كون ذلك مفسدا. # وأما (10) حمل بعضهم جواز الصلاة في المكان المغصوب على جواز الإيمان ~~فغلط فاحش، لأن الإيمان لا تعلق له بالدار، اعتقادا كان بالقلب أو قولا ~~باللسان، وقد بينا أن الصلاة بها يكون غاصبا ومتصرفا في ملك غيره. # . PageV01P195 ### ||| فصل فيما يقتضيه الأمر من جمع أو آحاد # اعلم أن الخطاب إذا ورد وظاهره يحتمل (1) الخصوص والعموم، وعلمنا ~~بالدليل المنفصل شموله واستغراقه، قطعنا على أن الفرض لازم لكل واحد منهم، ~~ولا يستفيد (2) بظاهر ذلك أنه لازم لكل واحد (3) بعينه، من غير أن يسقط عنه ~~الفرض فعل غيره. كما لا نستفيد (4) أن فعل البعض يسقط الفرض عن البعض. ولا ~~(5) نستفيد (6) أن اجتماع بعضهم شرط فيه. وكل ذلك موقوف على الدليل. # والخطاب العام لا يخرج عن ثلاثة أقسام: إما أن يلزم كل واحد، ولا يتعلق ~~فعله بفعل غيره، وإما أن يتعلق فرضه بفعل غيره (7) في الصحة، فيكون ~~الاجتماع شرطا، كصلاة (8) الجمعة، وإما (9) أن يتعلق فرضه (10) بفعل غيره، ~~فيكون أداء الغير له (11) مسقطا عنه، وهذا هو المسمى فرض الكفاية، ومن ~~أمثلته (12) الجهاد، والصلاة على الجنائز، ودفن الموتى، PageV01P196 # والفرض في هذا الوجه يتعلق (1) بالكل، لكنه مشروط بأن لا يقوم البعض به، ~~فمتى وقع من البعض، زال الفرض عن الجماعة. ### | . باب الكلام في العموم والخصوص وألفاظهما # اعلم أن العموم ما تناول لفظه شيئين (2) فصاعدا، والخصوص ما تناول (3) ~~شيئا واحدا، وقد يكون اللفظ عموما من وجه وخصوصا من وجه آخر، لأن القائل ~~إذا قال (4): ضربت غلماني (5)، وأراد بعضهم، فقوله عموم، لشموله ما زاد ~~على الواحد، وخصوص، من حيث أراد به بعض ما يصح أن يتناوله هذا اللفظ (6). # وقولنا «عموم وخصوص» يجري مجرى قليل وكثير في أنه يستعمل بالإضافة (7)، ~~فقد يكون الشيء الواحد قليلا و(8) كثيرا بإضافتين مختلفتين، ms090 وقد (9) يثبت ~~(10) عموم لا خصوص فيه، وهو ما أريد به الاستيعاب PageV01P197 # والاستغراق، وقد (1) يثبت (2) أيضا (3) خصوص لا عموم فيه، وهو الذي يراد ~~به العين الواحدة، كما يثبت قليل ليس بكثير، وهو الواحد، وكثير ليس بقليل، ~~وهو ما عم الكل، ومع الإضافة في الأمرين يختلف الحال. # وليس في الكلام عندنا لفظ وضع للاستغراق فإن استعمل فيما دونه كان مجازا، ~~وسندل على ذلك. # والألفاظ (4) الموضوعة للعموم على سبيل الصلاح على ضربين: # فمنها ما يصح تناوله للواحد ولكل بعض وللكل على حد واحد، وهو حقيقة في كل ~~شيء من هذه الأمور، كلفظة «من» إذا كانت نكرة في الشرط أو الاستفهام، ~~وتختص (5) العقلاء ولفظة (6) ما فيما لا يعقل، فإن حكمها (7) فيما ذكرناه ~~كحكم من، وهكذا (8) حكم متى في الأوقات، وأين في الأماكن. # و(9) الضرب الثاني ما يتناول الكل صلاحا، ويتناول البعض وجوبا، ولا ~~يستعمل فيما نقص عن ذلك البعض، مثل ألفاظ (10) الجموع (11)، بألف ولام أو ~~بغيرهما (12) PageV01P198 # كقولنا: رجال والرجال ومسلمون والمسلمون (1)، فهذه ألفاظ (2) تتناول ~~(3) كل الرجال وجميع المسلمين (4) صلاحا، إذا لم يكن بين المخاطب والمخاطب ~~عهد ينصرف (5) ذلك إليه، ولثلاثة بغير أعيانهم (6) وجوبا، ولا يجوز أن ~~يستعمل في الواحد ولا (7) الاثنين البتة على سبيل الحقيقة. # فأما ألفاظ (8) الجنس مثل قولنا الذهب والفضة والرقيق (9) والنساء ~~والناس فهي على ضربين. # أحدهما لا يجوز أن يراد به عموم (10) ولا خصوص (11)، ولا يتصوران في ~~مثله، وإنما يراد به (12) محض الجنسية (13) التي تميزت من غيرها كقولنا ~~ذهب وفضة ورقيق، فإن القائل إذا قال: الذهب أحب إلي من الفضة، وادخار العين ~~أولى من ادخار الورق، فلا عموم يتصور في قوله ولا خصوص، بل الإشارة إلى ~~(14) الجنسية من غير اعتبار لتخصيص (15) ولا تعميم، وكذلك إذا قال: ~~استخدام الرقيق أحمد من استخدام الأحرار. PageV01P199 # وأما (1) لفظة الناس والنساء فقد يراد بهما في بعض المواضع المعنى الذي ~~ذكرناه من الجنسية من غير عموم ولا خصوص (2)، وقد تكون (3) في موضع ~~محتملة للعموم والخصوص، كما قلناه في ألفاظ (4) الجموع (5) المشتقة من ~~الأفعال، مثال القسم الأول قول ms091 القائل: فلان يحب النساء ويميل إلى عشرتهن ~~(6)، والناس خير من الجان، ومثال الثاني لقيت (7) النساء، وجاءني الناس. ~~وأبو هاشم (8) يوافقنا فيما ذكرناه من ألفاظ (9) الجنس (10) خاصة، وإنما ~~أبو علي هو الذاهب إلى استغراق ألفاظ (11) الجنس (12) للكل. # فأما استعمال لفظ العموم في المعاني نحو قولهم: عمهم الخصب (13) أو (14) ~~الجدب (15) أو (16) المرض أو (17) الصحة فالأشبه أن يكون مستعارا مشبها ~~(18) بغيره، لأنا لا نفهم من إطلاق قولنا عموم وخصوص بالعرف المستقر إلا ما ~~يعود إلى الألفاظ (19). PageV01P200 # ومن خالفنا من المتكلمين والفقهاء يقول في كل ما قلنا (1): «أنه يستغرق ~~من هذه الألفاظ (2) صلاحا»: «أنه يستغرق وجوبا». وسيجيء الكلام في ذلك ~~بعون الله ومشيته. ### ||| فصل في ذكر الدلالة على أنه ليس للعموم المستغرق لفظ يخصه (3) # واشتراك هذه الألفاظ (4) التي يدعى (5) فيها الاستغراق. # الذي يدل على ذلك أن كل لفظة (6) يدعون أنها (7) للاستغراق (8) تستعمل ~~(9) تارة في الخصوص (10)، وأخرى في العموم (11)، ألا ترى أن القائل إذا ~~قال: من دخل داري أهنته أو أكرمته، لا يراد به إلا الخصوص، وقلما يراد به ~~العموم، و(12) يقول: لقيت العلماء، وقصدت الشرفاء (13)، و(14) هو يريد ~~العموم تارة، والخصوص أخرى، وهذا معلوم ضرورة، مما لا يقع PageV01P201 # في مثله خلاف، والظاهر (1) من استعمال اللفظة في شيئين أنها مشتركة ~~فيهما، وموضوعة لهما، إلا ان يوافقونا (2)، أو يدلونا بدليل قاطع على أنهم ~~(3) باستعمالها في أحدهما متجوزون، وهذه الجملة تقتضي (4) اشتراك هذه ~~الألفاظ (5)، واحتمالها العموم والخصوص، وهو الذي اعتمدناه. # فإن قيل: دلوا على أن بنفس الاستعمال تعلم الحقيقة، وهذا ينتقض بالمجاز، ~~لأنهم قد استعملوه، وليس بحقيقة، ثم دلوا على أنهم استعملوا هذه الألفاظ ~~(6) في الخصوص على حد ما استعملوها (7) في العموم، فإنا (8) نخالف في ذلك، ~~ونذهب إلى أن كيفية الاستعمال مختلفة. # قلنا: أما الذي يدل على الأول فهو أن لغتهم إنما تعرف باستعمالهم، وكما ~~(9) أنهم إذا استعملوا اللفظة (10) في المعنى الواحد ولم يدلونا على أنهم ~~متجوزون، قطعنا (11) على أنها حقيقة فيه، فكذلك (12) إذا استعملت في ~~المعنيين المختلفين. # ويوضح ذلك أن الحقيقة هي الأصل (13) في اللغة، والمجاز ms092 طار PageV01P202 # عليها، بدلالة أن اللفظة (1) قد تكون (2) لها حقيقة في اللغة ولا مجاز ~~لها، ولا يمكن أن يكون مجاز (3) لا حقيقة له، فإذا (4) ثبت ذلك، وجب أن ~~يكون الحقيقة هي التي يقتضيها (5) ظاهر الاستعمال، وإنما ينتقل (6) في ~~(7) اللفظ المستعمل إلى أنه مجاز بالدلالة، وأما المجاز فلا يلزم على ما ~~ذكرناه، لأن استعمال المجاز لو تجرد عن توقيف أو دلالة على أن المراد به ~~المجاز والاستعارة، لقطعنا به على الحقيقة، لكنا عدلنا بالدلالة عما يوجبه ~~ظاهر الاستعمال، ألا ترى أنه لا أحد خالط (8) أهل اللغة إلا وهو يعلم من ~~حالهم ضرورة أنهم إنما (9) سموا البليد حمارا والشديد أسدا (10) على سبيل ~~التشبيه والمجاز، فكان يجب أن يثبت مثل ذلك في إجراء (11) لفظ العموم على ~~الخصوص. # وأما المطالبة لنا بأن ندل على أن كيفية الاستعمال واحدة، فإنا (12) لم ~~ندع ذلك في استدلالنا فيلزمنا الدلالة عليه، وإنما ادعينا الاستعمال، ولا ~~شبهة فيه، ومن ادعى أن كيفية الاستعمال مختلفة، فعليه الدلالة. PageV01P203 # على أنا (1) نقول لمن ادعى اختلاف كيفية الاستعمال: أتريد (2) بذلك أن ~~الصيغة التي يراد بها العموم لا تستعمل (3) على صورتها في الخصوص، أم تريد ~~(4) أن اللفظ يستعمل مجردا في العموم، وفي الخصوص يفتقر (5) إلى قرينة ~~ودلالة. # والأول يفسد بأنا ندرك الصيغة متفقة عند استعمالها في الأمرين، ولو ~~اختلفتا (6) لأدركناهما كذلك، وقد بينا في هذا الكتاب (7) أن نفس الصيغة ~~التي يراد بها العموم كان يجوز أن يراد بها الخصوص، حيث تكلمنا في أن ما ~~يوجد أمرا كان يجوز أن يوجد نفسه ولا يكون أمرا. # على أن أكثر مخالفينا في العموم يذهبون إلى أن لفظ العموم إذا أريد به ~~الخصوص كان مجازا، وعندهم أن اللفظ لا يكون مجازا (8) إلا إذا استعمل على ~~صورته وصيغته فيما لم يوضع له. # وأما القسم الثاني فهو محض الدعوى، وبناء على المذهب الذي نخالف (9) ~~فيه، فكأنهم قالوا: أن اللفظ موضوع في اللغة (10) على الحقيقة PageV01P204 # للعموم (1)، وإنما يتجوز (2) به (3) في الخصوص، وفي ذلك (4) الخلاف، ~~وعليه يطالبون بالدلالة، ولا فرق بينهم وبين من ms093 عكس هذا عليهم، وقال لهم: ~~بل هذه اللفظة موضوعة على الحقيقة للخصوص، وإذا استعملت في العموم ~~فبالقرينة (5) والدلالة، فقد ذهب قوم إلى ذلك، وهم أصحاب الخصوص. # وقد مثل أصحابنا حالنا وحال مخالفينا (6) في هذه النكتة بمن ادعى أن زيدا ~~في الدار، وادعى خصمه أن زيدا وعمرا فيها (7)، و(8) قالوا: من ادعى أن عمرا ~~مع زيد في الدار فقد (9) وافق (10) في أن زيدا في الدار (11)، وإنما ادعى ~~أمرا زائدا على ما اتفق مع خصمه عليه (12)، فالدلالة لازمة له، دون خصمه، ~~فإذا (13) قال خصومنا: الصيغة لا تستعمل (14) في الخصوص إلا مع قرينة، فقد ~~(15) سلموا لنا الاستعمال، وادعوا أمرا زائدا عليه، فالدلالة تلزمهم (16) ~~دوننا (17). PageV01P205 # و(1) قد يمكن الطعن على هذا بأن نقول (2): أنتم تدعون استعمالا (3) ~~عاريا من قرينة، لأنكم لو ادعيتم محض الاستعمال، للزمكم أن يكون المجاز كله ~~حقيقة، لأنه مستعمل، وإذا ادعيتم نفي القرينة، لزمكم أن تدلونا (4)، فإنا ~~لا نسلم ذلك، كما يلزمنا أن ندل (5) على إثبات القرينة إذا ادعيناها، ~~وتجرون (6) في هذا الحكم (7) مجرى من ادعى أن زيدا وحده في الدار، وآخر ~~(8) يدعى أن معه عمرا، في أن كل واحد يلزمه الدلالة، واتفاقهما على أن زيدا ~~في الدار ليس باتفاق على (9) موضع الخلاف من التوحد (10) أو (11) ~~الاقتران، وهذا (12) أجود شيء يمكن أن يسألونا عنه. # والجواب أن الأصل في الاستعمال التعري من القرائن والدلائل، لأن الأصل هو ~~الحقيقة التي لا تحتاج (13) إلى قرينة، وإنما يحتاج المجاز للعدول به ~~(14) عن الأصل إلى مصاحبة القرينة، (15) فلما (16) ادعينا PageV01P206 # ما هو الأصل فلا دلالة علينا، وادعى خصومنا أمرا زائدا على الأصل فعليهم ~~الدلالة. # وأيضا فإننا (1) نتمكن من الدلالة على صحة ما ادعيناه (2) من غير بناء ~~(3) على موضع الخلاف، لأنا نقول: إن كانت القرينة هي العلم الضروري بتوقيف ~~أهل اللسان على ذلك، كما علمناه في حمار وأسد، فكان (4) يجب ألا يقع خلاف ~~في ذلك مع العلم الضروري، كما لم يقع (5) خلاف في أسد وحمار، وإن كانت ~~القرينة مستخرجة (6) بدليل وتأمل، وقد نظرنا (7) فما عثرنا على ذلك، ومن ms094 ~~ادعى طريقا إلى إثبات هذه القرينة فواجب عليه أن يشير إليه، ليكون الكلام ~~فيه، وخصمنا لا يمكنه أن يدل على أن استعمال هذه اللفظة في الخصوص لا بد ~~فيه من قرينة إلا بأن يصح مذهبه في أن ذلك مجاز وعدول عن الحقيقة، وهذا (8) ~~هو نفس المذهب. # ومما يقال لهم كيف وجب في كل شيء تجوز (9) أهل اللغة به (10) من ~~الألفاظ (11)، واستعملوه في غير ما وضع له، كالتشبيه الذي ذكرناه PageV01P207 # في حمار وبليد، وكالحذف في قوله تعالى: @QUR@03 «وجاء ربك» و@QUR@01 ~~«سئل (1) القرية»، والزيادة في قوله: @QUR@03 «ليس كمثله شيء» ، ونظائر ~~ذلك وأمثاله، وما يتفرع (2) إليه ويتشعب (3)، أن يعلم أنهم بذلك متجوزون، ~~وقارنون إلى اللفظ ما يدل على المراد ضرورة بغير إشكال، ولا حاجة إلى نظر ~~واستدلال، ولم يجب مثل ذلك في استعمال صيغة العموم في الخصوص، وهو ضرب من ~~ضروب المجاز عندكم (4)؟، فألا (5) لحق بهذا الباب كله في حصول العلم؟. # ويمكن أن يترتب (6) استدلالنا على هذه العبارة، فنقول: قد ثبت بلا شك ~~استعمال هذه اللفظة في العموم والخصوص، وما وقفنا (7) أهل اللغة ولا علمنا ~~ضرورة من حالهم مع المداخلة لهم أنهم متجوزون بها في الخصوص، كما علمنا ~~منهم ذلك (8) في صنوف المجازات على اختلافها، فوجب أن تكون (9) مشتركة. # فإن (10) قيل لنا: فلعل كونهم متجوزين بها في الخصوص يعلم بالاستدلال، ~~دون الضرورة، فلم قصرتم هذا العلم على الضرورة. PageV01P208 # قلنا: كيف وقف هذا الباب من المجاز على الاستدلال، ولم يقف غيره من ضروب ~~(1) المجازات في كلامهم (2) على الاستدلال (3)، لو لا بطلان هذه الدعوى، ~~وفي (4) خروج هذا (5) الموضع عن بابه دلالة على خلاف مذهبكم، وليس تجد (6) ~~هذا الدليل مستقصى (7) في شيء من كتبنا السالفة على هذا الحد، فقد (8) ~~بلغنا غايته. # دليل آخر: ومما يدل أيضا (9) على صحة مذهبنا أن استفهام المخاطب بهذه ~~الألفاظ (10) عن مراده (11) في خصوص أو عموم يحسن من المخاطب بغير ريب ~~وموضوع الاستفهام إذا وقع طلبا للعلم والفهم (12) يقتضى احتمال اللفظ ~~واشتراكه بدلالة أنه (13) لا يحسن دخوله فيما لا احتمال فيه ولا اشتراك ms095 ~~ألا ترى أنه لا (14) يحسن أن يستفهم عن مراده من قال (15): ركبت فرسا، ~~ولبست ثوبا، لاختصاص PageV01P209 # اللفظ وفقد احتماله، ويحسن أن يستفهم من قال: رأيت عينا، عن (1) أي عين ~~رأى؟ وهذه الجملة (2) تقتضي (3) اشتراك هذه الألفاظ (4) بين الخصوص ~~والعموم. # ومن خالف في حسن الاستفهام بحيث ذكرناه (5)، لا يخلو من أن يكون قائلا ~~بحسن (6) الاستفهام في موضع من الكلام، أو (7) ليس يحسن (8) أصلا، فإن ~~ذهب إلى الأول، قيل (9) له: بين (10) لنا (11) حسن الاستفهام أين (12) ~~شئت من الكلام، حتى نسوي (13) بينه وبين حسنه (14) في الخصوص والعموم ~~(15)، وإن أراد (16) الثاني، كان مكابرا دافعا للضرورة، فكيف (17) يقال ~~ذلك، وقد جعل أهل اللغة الاستفهام ضربا مفردا (18) من ضروب الكلام، وخصوه ~~(19) بحروف ليست لغيره. PageV01P210 # فإن قيل: وجه حسن الاستفهام في ألفاظ (1) العموم تجويز المخاطب أن يريد ~~مخاطبه الخصوص على وجه (2) المجاز. # قلنا: هذا يقتضى حسن الاستفهام في كل خطاب، وعن كل حقيقة، لأن هذه العلة ~~موجودة، وقد علمنا اختصاص حسن الاستفهام بموضع دون غيره، فعلمنا أن علته ~~خاصة غير عامة. # وبعد، فإن المخاطب إذا كان حكيما، وخاطب بالمجاز، فلا بد من أن يدل من ~~يخاطبه على أنه عادل عن الحقيقة، وهذان الوجهان يسقطان قولهم. أن وجه حسن ~~الاستفهام أن السامع يجوز أن يكون مخاطبه أراد المجاز، ودل عليه بدلالة ~~خفيت على (3) السامع. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الاستفهام إنما يحسن مع اقتران اللفظ، لا مع ~~إطلاقه. # قلنا: اللفظ الوارد لا يخلو من أقسام ثلاثة: إما أن يرد مطلقا، أو مقترنا ~~بما يقتضى العموم، أو يقترن بما يقتضى الخصوص، ومع الوجهين الآخرين لا يحسن ~~الاستفهام، لحصول العلم بعموم أو خصوص، فثبت أنه إنما يحسن مع الإطلاق. # فإن قيل: الاستفهام يحسن على أحد وجهين: إما أن يكون PageV01P211 # المخاطب يعتقد أن لفظ العموم مشترك، فيستفهم لذلك (1)، أو يكون المخاطب ~~قد (2) يعتقد ذلك، فيحسن استفهامه، لتجويز أن يعدل من (3) معنى إلى معنى ~~في الألفاظ (4) المشتركة. # قلنا: كلامنا إنما هو في حسن (5) استفهام أهل اللغة، ومن لا مذهب له في ms096 ~~العموم والخصوص يعرف (6). # وبعد، فقد يحسن استفهام من لا يعرف مذهبه في هذا الباب، ويستحسن الناس ~~أيضا استفهام من يرونه يستفهم عن هذه الألفاظ (7)، وإن لم يعرفوا شيئا (8) ~~مما ذكر في السؤال. # فإن قيل: هذه الطريقة تقتضي (9) اشتراك جميع الألفاظ (10)، لأنه يحسن ~~ممن سمع قائلا يقول: ضربت أبى، أو شتمت الأمير، أن يقول مستفهما أباك ~~(11)؟ الأمير؟ فيجب بطلان الاختصاص في الألفاظ (12). # قلنا: الاستفهام إنما يطلب به (13) المعرفة وقد يرد بصورته ما ليس ~~باستفهام فقول القائل: أباك! الأمير! إنما هو استكبار واستعظام (14) وليس ~~باستفهام، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أضربت PageV01P212 # أباك أم لم تضربه؟ # فإن قيل (1): فقد يستفهم من قال: «صمت شهرا»، و«له عندي عشرة»، عن (2) ~~كمال الشهر، و(3) العشرة، وكذلك إذا قال: «لقيت الأمير»، و«جاءني فلان»، ~~يحسن أن يقال لقيت (4) الأمير نفسه؟ أو (5) جاءك فلان بنفسه؟ # قلنا: أما لفظة شهر، فإنها تقع (6) على الثلاثين، وعلى التسعة وعشرين، ~~وهو في الشريعة والعرف اسم للأمرين (7)، فالاستفهام (8) في (9) موضعه، ~~وقد أجرى قوم العشرة هذا المجرى، وعولوا على قوله- سبحانه- @QUR@03 «تلك ~~عشرة كاملة» والأجود أن يقال: أن أحدا (10) لا يستحسن (11) استفهام حكيم ~~(12) إذا أطلق قوله: «عندي عشرة» عن كمالها و(13) نقصانها. # ومن قال لمن (14) يسمعه يقول: «جاءني الأمير»: أجاءك الأمير PageV01P213 # بنفسه! ليس بمستفهم، وإنما هو مستكبر مستعظم، كما تقدم، ولا يجوز أن يقال ~~في غير الأمير ومن جرى مجراه (1) ذلك إلا على سبيل الاستفهام، دون التعجب ~~والاستكبار، والتأمل يكشف عن ذلك. # ووجدت بعض من يشار إليه في أصول الفقه يطعن على هذا الدليل بأن الاستفهام ~~في ألفاظ العموم إنما حسن طلبا للعلم الضروري، أو (2) لقوة الظن بالأمارات. # وهذا يقتضى حسن الاستفهام في كل كلام، وعن (3) كل حقيقة، لعموم هذه ~~العلة (4). # وقد تعلق القائلون بالعموم بأشياء: # أولها أن المستفهم لغيره بقوله: من عندك؟ يحسن أن يجاب بذكر آحاد العقلاء ~~(5) وجماعتهم (6)، ولا عاقل (7) إلا ويصح أن يكون مجيبا بذكره، ولا يصح ~~أن يجيبه بذكر البهائم، فلو لا استغراق اللفظ (8)، لما وجب هذا الحكم، ~~ولجاز (9) في بعض ms097 الأحوال أن PageV01P214 # يكون الجواب عنها بذكر بعض (1) العقلاء جاريا (2) مجرى الجواب بذكر بعض ~~البهائم. وأكدوا هذه الطريقة بأن قالوا: إنما عدلوا عن الاستفهام عن كل شخص ~~باللفظ الموضوع له، حتى يقولوا: أزيد عندك؟ أفلان عندك؟ (3) ويعدوا (4) كل ~~عاقل، لاستطالة ذلك، فاختصروا بالعدول إلى لفظة من، فيجب أن تقوم (5) في ~~الغرض مقام الاستفهام عن كل عاقل باسمه، وقالوا في عموم لفظة ما مثل ذلك. # وثانيها أن القائل إذا قال: «من دخل داري ضربته» حسن أن يستثنى كل عاقل ~~من هذه الجملة، ومن شأن الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله ~~تحته (6) بدلالة قبح استثناء البهائم من هذه الجملة، لما لم يجب دخولها ~~فيه (7). # وثالثها أن الاستغراق معنى معقول لأهل اللغة، ومما تدعوهم الدواعي إلى ~~الإخبار عنه، فلا بد أن يضعوا له عبارة تنبئ عنه، كما فعلوا ذلك في كل شيء ~~عقلوه من المعاني، ودعتهم (8) الدواعي إلى الإخبار عنه، وإذا (9) وجب أن ~~يضعوا عبارة، فلا شيء من الألفاظ (10) بذلك PageV01P215 # أولى من الألفاظ (1) التي (2) نذهب (3) إلى عمومها. # ورابعها أن العموم قد أكد بتأكيد معين، وكذلك الخصوص، فكما اختلف (4) ~~التأكيدان (5) في وضع (6) اللغة، لا بالقصد، فكذلك (7) يجب في المؤكد. # وخامسها أن لفظة من لا بد لها من حقيقة في وضع اللغة، وإذا لم يجز أن ~~تكون (8) موضوعة لبعض من العقلاء معين أو غير معين، ولا لجميعهم على ~~البدل، وجب أن يكون (9) الجميع على الاستغراق. # وسادسها أنا قد علمنا أن كل من أراد أن يخبر عن الاستغراق لا بد (10) له ~~من استعمال هذه الألفاظ (11) التي نذهب إلى أنها مستغرقة، فيجب (12) أن ~~تكون (13) موضوعة له، لأنه لا مندوحة عنها، وجرى ذلك مجرى كل الحقائق التي ~~يفزع (14) فيها إلى (15) العبارات الموضوعة (16) لها. PageV01P216 # والجواب (1) عما ذكروه أولا أنكم قد اقتصرتم في قاعدة هذه الشبهة على ~~الدعوى، ونحن لا نسلم لكم أن من استفهم بلفظة من ولم (2) يعرف من قصد ~~المخاطب (3) بعادة (4) أو قرينة أنه أراد الشمول يحسن أن يجيبه (5) بذكر ~~كل عاقل، وإنما يحسن أن يجيبه ms098 بذلك إذا علم عموم استفهامه بطريق منفصل، فما ~~الدليل على ما ادعيتموه. # والذي يوضح ما ذكرناه (6) أنه يحسن إذا قيل له: «من عندك» أن يقول (7): ~~أ(8) من النساء أو الرجال؟ ومن (9) الأحرار أو العبيد؟ وكذلك (10) إذا ~~قيل له: ما أكلت (11)؟ يقول: أ(12) من الحلو أو الفاكهة؟ ومن كذا أو كذا؟ ~~وهذا (13) يدل على اشتراك اللفظ بين العموم والخصوص. # وأما (14) قولهم (15): «جاز أن يكون ذكر بعض العقلاء كذكر بعض البهائم» ~~فباطل، وذلك أن لفظة من عندنا وإن لم تكن (16) موضوعة لوجوب استغراق ~~العقلاء، فهي تصلح (17) لأن (18) يقصد بها إلى PageV01P217 # الاستفهام عن جميعهم، كما يصلح أن يقصد بها إلى (1) الاستفهام عن بعضهم، ~~وهي حقيقة في الأمرين، ولا يصلح في (2) وضع اللغة للاستفهام (3) بها عن ~~البهائم. # وليس معنى قولنا أنها لا تصلح هو أن المتكلم لا يصح أن يقصد بها (4) إلى ~~ذلك، فتكون (5) عبارة عنه، لأنه لا لفظ من الألفاظ إلا ويمكن أن يقصد به ~~إلى كل معنى، فيكون عبارة عنه (6)، وإن لم يصلح (7) له، ومعنى (8) قولنا ~~(9) أنها لا تصلح أي لا تكون (10) حقيقة في ذلك متى قصد بها (11) إليه، ~~ويكون المتكلم بها عادلا عن (12) مذهب أهل اللغة. # فأما عدولهم عن ألفاظ (13) الاستفهام إلى لفظة من فلأنهم لا يبلغون ~~بغيرها ما يبلغون بها، وذلك أن (14) الاستفهام بذكر كل واحد باسمه إما ان ~~لا يمكن (15)، أو يطول، وليس في سائر الألفاظ (16) ما يصلح أن يقصد به إلى ~~الاستخبار عن سائر العقلاء جمعا (17) وافتراقا (18) PageV01P218 # إلا لفظة من، فهذه مزية (1) لها على غيرها ظاهرة. # ومما يبطل ما ادعوه (2) من قيامها مقام ذكر كل عاقل بعينه (3)، أنه لو ~~كان كذلك لقبح من الاستفهام عند ذكر هذه اللفظة ما يقبح (4) مع ذكر كل ~~عاقل بعينه، وقد علمنا حسن (5) أحد الأمرين وقبح الآخر. # والجواب عما ذكروه ثانيا أن المعروف في الاستثناء من (6) مذهب أهل اللغة ~~(7) خلاف ما ادعيتم، وإنما يخرج الاستثناء عندهم ما جاز أو صح دخوله، دون ~~ما وجب، وإنما صح استثناء كل عاقل من قول القائل: من ms099 دخل داري أكرمته (8)، ~~لصحة دخوله (9) تحت هذه اللفظة، وصلاح هذه اللفظة للاشتمال (10) على ~~الكل، ولما لم تصلح (11) أن تشتمل على البهائم، لم يحسن (12) استثناؤها، ~~لأن استثناء ما لا يصح (13) دخوله تحت اللفظ ليس يحسن. PageV01P219 # فإن قالوا: الاستثناء من لفظ العموم كالاستثناء من ألفاظ (1) الأعداد، ~~فكما أن الاستثناء من العدد يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله، فكذلك ~~(2) الاستثناء من لفظ العموم. # قلنا (3): ليس بواجب أن يكون الاستثناء من الأعداد إذا كان يخرج ما لولاه ~~لوجب دخوله أن يكون جميع الاستثناء كذلك، وغير منكر أن يكون (4) الاستثناء ~~إنما وضع لأن يخرج ما لولاه لصح (5) دخوله في الكلام، فإن (6) أخرج في ~~بعض المواضع ما لولاه لوجب دخوله، فلأن (7) فيما يجب دخوله الصحة وزيادة، ~~وهذا كما يقول (8) أهل التوحيد أن الحي من صح أن يكون عالما و(9) قادرا، ~~فإذا عورضوا بالقديم- سبحانه- قالوا: الوجوب يشتمل على الصحة ويزيد عليها. # وقد كان الخالدي وجماعة ممن (10) خلاف في العموم سووا (11) في الاستثناء ~~بين ألفاظ (12) العموم والأعداد، والذي ذكرناه أولا (13) PageV01P220 # أولى بالاعتماد (1) عليه. # فإن قالوا: هذا الذي ذهبتم إليه يؤدى إلى جواز وقوع الاستثناء في ~~النكرات، وقد علمنا فساده. # قلنا: إن (2) الاستثناء من النكرات ينقسم إلى استثناء معرفة من نكرة، ~~وإلى استثناء نكرة من نكرة: فأما استثناء المعرفة من النكرة، فلا شبهة في ~~حسنه وجوازه عند أهل (3) العربية، لأنهم يقولون: الق (4) قوما إلا زيدا ~~(5)، واضرب جماعة إلا عبد الله. فأما استثناء النكرة من النكرات فقد قال ~~أبو بكر ابن السراج في كتابه المعروف بالأصول في النحو: ولا يجوز أن يستثنى ~~النكرة من النكرات في الموجب، لأنه (6) لا يجوز أن تقول (7) جاءني قوم ~~(8) إلا رجلا، لأن هذا لا فائدة فيه، قال: فإن خصصته، (9) أو نعته، جاز، ~~فهذا تصريح بحسن الاستثناء من النكرة. # ومما يبطل ما (10) اعتمدوه (11) في باب الاستثناء أن القائل إذا قال PageV01P221 # لغيره: الق جماعة من العلماء، واقتل (1) فرقة من الكفار، حسن أن يستثنى، ~~كل واحد من العلماء والكفار (2)، فيقول: إلا فلانا، وإلا الفرقة الفلانية، ~~ولا أحد (3) منهم ms100 إلا ويحسن أن يستثنى، فلو كان الاستثناء يخرج من الكلام ~~(4) ما لولاه لوجب دخوله في اللفظ (5)، لوجب أن يكون قولنا «فرقة» و«جماعة» ~~مستغرقا لجميع الكفار والعلماء، كما قالوا في لفظة من، وليس هذا قولهم، ولا ~~(6) قول أحد. # وبعد، فإن أبا هاشم ومن ذهب مذهبه في أن ألفاظ (7) الجنس والجموع لا ~~تستغرق (8)، لا يستمر له دليل الاستثناء، لأن حسن استثناء (9) كل عاقل من ~~قولنا: جاءني الناس، واستثناء كل مشرك (10) من قوله: اقتلوا (11) ~~المشركين (12)، ظاهر، وإن لم تكن (13) هذه الألفاظ (14) عنده مستغرقة ~~كلفظة من وما، فما المانع من أن يكون الاستثناء من لفظة من وما بهذه ~~المنزلة. # والجواب عما ذكروه ثالثا أن هذا منهم إثبات لغة بقياس واستدلال، PageV01P222 # وذلك مما (1) لا يجوز فيما طريقه اللغة. # وبعد، فليس يخلو قولهم: لا بد أن يضعوا (2) عبارة، من أن يريدوا (3) أنه ~~واجب عليهم أن يفعلوا (4) ذلك، أو لا بد أن يقع على سبيل القطع: # فإن كان الأول، فمن أين لهم أنهم لا بد أن يفعلوا (5) الواجب، ولا يخلوا ~~(6) به، وليس في وجوب الشيء دلالة على وقوعه، إلا أن يتقدم العلم بأن من ~~وجب عليه لا يترك الواجب، وهذا مما لا يدعى (7) على (8) أهل اللغة. وإن ~~أرادوا القسم الثاني، فيجب أن يكون القوم ملجئين إلى وضع العبارات، وهذا ~~بعيد (9) ممن بلغ إليه، لأنه لا وجه يلجئ (10) القوم إلى ذلك، لا سيما وهم ~~متمكنون من إفهام ما عقلوه من المعاني- إذا قويت دواعيهم إلى إفهامها (11)- ~~بالإشارة، على اختلاف أشكالها. # وقد كان يجب أيضا أن يقطع على ثبوت لفظ (12) الاستغراق في كل لغة، للعلة ~~التي ذكروها (13). PageV01P223 # وكان يجب أيضا في كل من عقل معنى من المعاني، وكان مما يجوز أن تدعوه ~~(1) الدواعي (2) إلى إفهامه، والعبارة عنه، أن يضع (3) له عبارة، وأن ~~(4) يكون ملجأ إلى وضعها، ومعلوم خلاف ذلك، لأنا نعلم (5) أن المتكلمين ~~الذين قد استدلوا، فعلموا اختلاف الأكوان في الأماكن، والاعتمادات (6) في ~~الجهات والطعوم والأراييح (7)، لم يضعوا للمختلف من ذلك عبارات، وإن كانوا ~~(8) قد عرفوه، وميزوه، ولا يمكن أن ms101 يقال فيهم ما يقال في أهل اللغة: أنهم ~~إنما لم يضعوا لسائر ما عددناه، من حيث لم يعرفوه، وإذا لم يضعوا ذلك، ثبت ~~أن (9) أهل اللغة غير ملجئين إلى وضع الألفاظ (10) لما عقلوه من المعاني، ~~لأن الإلجاء لا يختلف فيمن تكامل له شروطه (11). # وبعد، فإنا نصير إلى (12) ما آثروه، ونقول: قد وضعوا للاستغراق عبارة ~~(13) تنبئ (14) عنه، إلا أنه من أين لهم أنها يجب (15) أن تكون خاصة PageV01P224 # وغير مشتركة. # فإن قالوا: لا بد أن يضعوا عبارة خاصة، كما فعلوه (1) في كل ما عقلوه. # (2) قيل لهم: و(3) من أين لكم (4) أنهم (5) قد فعلوا ما ادعيتموه في ~~كل (6) ما عقلوه، ففيه (7) الخلاف، لأنا نذهب إلى أن ما عقلوه على ضربين: # منه ما وضعوا له عبارة تخصه، ومنه ما وضعوا له عبارة مشتركة بينه وبين ~~غيره، وما فيه عبارة تخصه ينقسم (8)، ففيه ما تخصه (9) عبارة واحدة بلا ~~مشاركة لغيره في سواها، وفيه ما تخصه (10) عبارات كذلك (11)، وفيه ما ~~يشارك غيره في عبارات، وإن اختصه (12) غيرها. # على أنا (13) ما وجدناهم يفعلونه في بعض المعاني، وبعض الألفاظ (14) لا ~~يجب القياس عليه، ولا القضاء بأنهم فاعلون لمثله في كل موضع، لأنا قد ~~رأيناهم (15) وضعوا للمعنى الواحد عبارات كثيرة، وأسماء عدة، ولم يجز PageV01P225 # لأحد أن يعلل ذلك، فيقول: إنما فعلوه من حيث عقلوه، فيجب أن يكون لجميع ~~(1) المعاني عدة (2) أسماء، وكذلك (3) لا يجب ما قالوه. # والجواب عما ذكروه رابعا أنا (4) نقول بموجب اقتراحهم، لأنا نذهب إلى أن ~~لفظ العموم في نفسه مخالف للفظ الخصوص، ألا ترى أن لفظ العموم يتناول ما ~~زاد على الواحد، ويتعدى، و(5) لفظ (6) الخصوص لا يتعدى، لأن لفظ العموم ~~(7) إن كان من وما وما أشبههما، فهذا اللفظ عندنا يصلح لكل عدد من العقلاء، ~~قليل، أو (8) كثير، ولجميعهم، فهو مخالف في نفسه للفظ الخصوص، وإن كان لفظ ~~الجمع (9) كقولنا المسلمون، فهذا لفظ (10) يجب تناوله (11) لثلاثة، ونشك ~~(12) فيما زاد على الثلاثة، ويجوز في الزيادة الكثرة (13) والقلة، وأن تبلغ ~~إلى (14) الاستغراق والشمول، فقد فارق عندنا لفظ العموم ms102 لفظ الخصوص، كما ~~افترقا في التأكيد. # والجواب عما ذكروه خامسا أنكم (15) قد أخللتم في القسمة PageV01P226 # بالقسم الصحيح، وهو ان يكون موضوعة (1) لأن يعبر بها عن كل العقلاء، وعن ~~بعضهم، وآحادهم، صلاحا لا وجوبا، و(2) قول بعضهم عقيب هذه الطريقة: «وهذا ~~إنما يدل على أن هذه اللفظة تتناول (3) الكل، فأما الذي يدل على (4) وجوب ~~استغراقها فدليل (5) الاستثناء وطريقة (6) الاستفهام» من العجيب (7)، لأن ~~الخلاف إنما هو في وجوب الاستغراق، وتناول هذه اللفظة للكل على سبيل ~~الاستغراق، فأما في الصلاح، فلا خلاف فيه بيننا، فنحتاج (8) إلى تكلف ~~دلالة عليه. وهذا يدل على قلة تأمل معتمدي (9) هذه الطريقة. # والجواب عما ذكروه سادسا أن الفزع (10) عند العزم على (11) العبارة عن ~~العموم إلى هذه (12) الألفاظ (13) إنما يدل على أنها موضوعة لهذا المعنى، ~~ونحن نقول بذلك، ولا نخالف فيه، فمن أين أنها (14) موضوعة لذلك على سبيل ~~الاختصاص به من (15) غير مشاركة فيه، فإن القدر الذي تعلقتم به لا يدل على ذلك. PageV01P227 # ثم نقول لهم: أما يجوز- على جهة التقرير (1)- أن يضع أهل اللغة لفظة ~~لمعنى (2) من المعاني لا عبارة عنه سواها، وتكون (3) هذه اللفظة بعينها ~~يحتمل (4) أن تكون (5) عبارة عن غيره على سبيل الاشتراك. # فإن قالوا (6): لا يجوز ذلك، طولبوا بالدلالة عليه، فإنهم لا يجدونها، ~~وإن أجازوه، انتقض اعتمادهم على الفزع (7) في (8) العموم إلى هذه ~~العبارة، لأنه قد يمكن أن يفزع (9) إليها وإن لم تكن (10) خاصة له، بل ~~مشتركة بينه وبين غيره، إذا كان لم يضعوا له عبارة سواها. # وتحقيق الخلاف في ذلك بيننا وبينهم أن ألفاظ (11) العموم يدعون (12) ~~أنها موضوعة للاستغراق في اللغة مختصة به (13)، إذا استعملت فيما دونه ~~كانت (14) مجازا، ونحن نقول: أن هذه اللفظة تصلح (15) في وضعهم للاستغراق ~~وما دونه، وهي في الأمرين حقيقة، فمن تكلم بها وأراد العموم، كان متكلما ~~بها على حقيقتها، وكذلك PageV01P228 # إذا أراد الخصوص، فإنها حقيقة فيه، فكونها حقيقة في العموم (1) لا نزاع ~~فيه وإنما الاختلاف (2) في الاشتراك أو الاختصاص. ### ||| . فصل في ذكر أقل الجمع والخلاف فيه # ذهب قوم إلى أن ms103 أقله اثنان، والصحيح أن أقله ثلاثة. # والذي يدل عليه أن أهل اللغة فصلوا بين الجمع والتثنية، كما فصلوا (3) ~~بينهما وبين الوحدة، فكما تفارق (4) التثنية الوحدة، كذلك تفارق (5) ~~التثنية الجمع. # وأيضا فإن أهل اللغة فصلوا بين ضميريهما (6)، والكناية عنهما، فيقولون: ~~«فعلا» في الاثنين، وفي الثلاثة «فعلوا»، وفي الاثنين (7) «هما قاما» (8)، ~~فأما في الثلاثة (9) «هم قاموا»، وفي الأمر للاثنين «افعلا»، وللثلاثة ~~«افعلوا»، وهذا كله (10) دليل على صحة ما قلناه (11)، وقولنا PageV01P229 # «جمع» و«جميع» و«جماعة» واحد (1) في أنه واقع على الثلاثة فصاعدا. # وقد تعلق من خالفنا بأشياء: # أولها أن (2) لفظ الجمع مشتق من اجتماع الشيء إلى غيره، وهذا المعنى ~~موجود في الاثنين. # وثانيها قوله تعالى: @QUR@03 «وكنا لحكمهم (3) شاهدين»، وهو يعنى (4) ~~داود وسليمان، وقوله تعالى (5): @QUR@011 «إذ دخلوا على داود، ففزع منهم، ~~قالوا: لا تخف، خصمان بغى (6) بعضنا على بعض، (7)» في الخصمين. # و(8) قوله تعالى خطابا لامرأتين: @QUR@07 «إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما» . # وثالثها (9) قوله (عليه السلام): «الاثنان فما فوقهما جماعة». # ورابعها (10) أن أحدنا (11) يخبر (12) عن نفسه، فيقول: فعلت كذا، وإذا ~~أراد أن يخبر عن نفسه، وآخر معه، يقول: فعلنا كذا (13)، PageV01P230 # كما يقول ذلك مع الجماعة (1) إذا شاركته (2). # والجواب عن الأول أنا لا ننكر أن يكون أصل اشتقاق (3) هذه اللفظة يقتضى ~~ما ذكروه (4)، و(5) لكنه اختص بالعرف بما ذكرناه، ولذلك نظائر، لأن قولهم ~~«دابة» اشتق من الدبيب، ثم اختص (6) بالعرف ببعض ما يدب، وقولنا «ملائكة» ~~مشتق من الألوكة، وهي الرسالة، واختص ببعض الرسل، وأمثال ذلك (7) لا تحصى ~~(8) والجواب عما ذكروه ثانيا أنه (9) تعالى كنى (10) عن المتحاكمين مضافا ~~إلى كنايته عن الحاكم عليهما، فالمصدر قد يضيفه (11) أهل اللغة إلى الفاعل ~~والمفعول جميعا، وهذا من بليغ الفصاحة. # ومن أجاب عن هذا الوجه بأن العبارة بالجمع هاهنا كانت للتعظيم، كما قال ~~تعالى: @QUR@01 «إنا (12) نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون» غلط، لأن ~~التعظيم على عادة أهل اللغة إنما هو في إدخال المخاطب النون في كلامه، وما ~~جرت عادتهم بأن يخاطبوا PageV01P231 # واحدا بخطاب (1) الجمع (2) على سبيل التعظيم، لأن الملك يقول: ms104 # فعلنا، وقلنا، ولا يقال له: قلتم، وفعلتم، ولا يكنى عنه بفعلوا. # ومن قال- أيضا-: «أنه (3) أضاف الحكم إلى سائر الأنبياء المتقدمين لداود ~~وسليمان» مبطل (4)، لأنه خلاف الظاهر، و(5) لم تجر عادة باستعمال مثله، ~~وهذا يقتضى جواز أن يقول (6) في اثنين: «قاموا» ويضيف (7) إليهما غيرهما، ~~والذي سبقنا إليه هو المعول عليه، دون غيره. # (8) فأما قوله تعالى: @QUR@03 فقد صغت قلوبكما ، ففيه تصرف مليح فصيح، ~~لأنا نعلم أن القلب نفسه لا يصغى ولا يتعلق بغيره، وإنما المتعلق (9) ~~بغيره ما يحل فيه من دواع، ومحبات (10)، وإرادات، فحذف ذكر الحال فيه ~~(11)، وأقام المحل مقامه، وجمع المحل الذي هو القلب، لما كان هو و(12) ~~الحال جمعا (13)، ومن عادتهم (14) ذلك، PageV01P232 # لقرب (1) الحال من محله، والمحل (2) من الحال (3)، ويجوز أن يكون ~~شاهدا (4) له قوله تعالى: @QUR@04 «وسئل القرية التي (5)» و@QUR@02 «جاء ~~ربك» لإقامة المضاف إليه مقام المضاف. # والجواب عما ذكروه ثالثا أن بيان (6) النبي (عليه السلام) إنما يجب حمله ~~على الأحكام، دون وضع اللغة، لأنه (عليه السلام) لبيان أحكام الشرع (7) ~~بعث، لا للتوقيف على اللغات. # وقد قيل: إن المراد بذلك أن الاثنين في حكم صلاة الجماعة وفضلها (8) ~~كالجماعة. # و(9) قيل: إنه ورد في إباحة السفر للاثنين، فإنهما (10) في ذلك كالجماعة، ~~لأنه قد كان نهى عن (11) أن يسافر الرجل وحده (12). # والجواب عما ذكروه رابعا أن القائل من أهل اللغة: أن الإنسان يخبر عن ~~نفسه وآخر معه بمثل ما يخبر به (13) عن الجماعة هو الذي PageV01P233 # قال (1): أن الكناية عن الجماعة والضمير والخطاب بخلاف الواحد والتثنية ~~(2)، وقد قال النحويون: أنه لا يمكن التثنية في إخبار الرجل عن نفسه وعن ~~(3) آخر معه، كما يمكن التفرقة في المواجه والغائب، وما لا يمكن لا يجوز ~~استعماله. والله الموفق للصواب (4). ### ||| . فصل في بيان (5) قولنا: «إن (6) العموم مخصوص» # اعلم أن معنى قولنا: «إن لفظ العموم مخصوص» أن المتكلم به (7) أراد (8) ~~بعض ما يصلح له هذا اللفظ، دون بعض، لأنه إذا أطلق صلح لأشياء كثيرة (9) ~~على سبيل العموم لها، فإذا دل (10) الدليل على أنه أراد بعض ما وضعت هذه ~~اللفظة ms105 لأن تستعمل (11) فيه على سبيل الصلاح؛ قيل: «إن العموم مخصوص» ~~ومخالفونا في العموم يذهبون إلى أن معنى قولهم: «إن العموم مخصوص» أن ~~المتكلم به أراد بعض ما وضع PageV01P234 # اللفظ لتناوله وجوبا، لا صلاحا، وقد بينا بطلان ذلك. وقد يقال على هذا ~~الوجه: إن فلانا خص العموم، بمعنى أنه علم من حاله ذلك بالدليل. وقد يقال- ~~أيضا (1)-: خصه، إذا اعتقد فيه ذلك، وإن كان اعتقاده باطلا (2). ويقال: إن ~~الله تعالى أو غيره خص العموم (3)، بمعنى أنه أقام الدلالة على ذلك. # وأما (4) الفرق بين التخصيص و(5) النسخ، فربما اشتبها على غير المحصل، ~~فإنهما يفترقان في حدهما، (6) وأحكامهما: # لأن حد التخصيص هو ما بيناه من أن (7) المخاطب بالكلمة أراد بعض ما ~~تصلح (8) له، دون بعض، وأما حد النسخ فهو ما دل على أن مثل الحكم الثابت ~~بالخطاب زائل في المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتا، مع تراخيه (9) عنه، ~~فاختلاف حديهما يوجب اختلاف معنييهما. # ومن حق التخصيص أن لا يصح (10) إلا فيما يتناوله اللفظ، PageV01P235 # والنسخ قد يصح فيما علم بالدليل أنه مراد، وإن لم يتناوله اللفظ. # وأيضا، فإن النسخ يقتضى أن المخاطب أراد (1) في حال الخطاب الفعل (2) ~~المنسوخ، وإنما تغيرت حاله في المستقبل، والتخصيص يقتضى فيما يتناوله (3) ~~إلا (4) يكون مرادا في حال الخطاب. # وأيضا، فإن التخصيص لا يدخل إلا على جملة، والنسخ يدخل على العين (5) ~~الواحدة (6). # وأيضا، فإن التخصيص في الشريعة يقع بأشياء لا يقع النسخ (7) بها، والنسخ ~~يقع بأشياء لا يقع التخصيص بها (8)، فالأول القياس (9) وأخبار الآحاد عند ~~من مذهب إلى العبادة بهما، والثاني نسخ شريعة بأخرى وفعل بفعل، وإن كان ~~التخصيص لا يصلح (10) في ذلك. # . PageV01P236 ### ||| فصل في أنه (1) تعالى- يجوز أن يخاطب بالعموم ويريد به الخصوص # اعلم أنه لا شبهة في ذلك على مذهبنا في العموم (2)، لأنا نذهب إلى أن ~~ألفاظ (3) العموم حقيقة في العموم والخصوص معا، فمن أراد كل واحد من ~~الأمرين بها، فما خرج عن الحقيقة إلى المجاز. # وعلى مذهب (4) من خالفنا وقال: أن هذه الألفاظ (5) موضوعة للاستغراق دون ~~غيره، وأنها إذا ms106 استعملت في الخصوص، كانت مجازا، فكلام (6) واضح، لأن الله ~~تعالى قد يجوز أن يخاطب بالمجاز، كما يخاطب بالحقيقة، و(7) في القرآن من ~~ضروب المجاز ما لا يحصى. # وأكثر (8) ألفاظ (9) القرآن التي ظاهرها العموم (10) قد أريد بها ~~الخصوص. # غير أنه لا بد في الخطاب بالمجاز من وجه في المصلحة زائد (11) على وجهها ~~في الخطاب على جهة الحقيقة (12)، ويمكن أن يكون PageV01P237 # الوجه في ذلك التعريض لزيادة الثواب، لأن النظر في ذلك والتأمل له يشق، ~~ويستحق به زيادة الثواب (1)، كما نقوله في حسن الخطاب بالمتشابه. ويجوز أن ~~يعلم أنه يؤمن عند ذلك ويطيع من لولاه لم يطع. # ولا يجوز أن تتساوى الحقيقة والمجاز عند الحكيم في جميع الوجوه، ويكون ~~مخيرا في الخطاب بأيهما شاء، على ما ظنه بعض من تكلم في هذا الباب، لأن ~~الخطاب بالمجاز عدول عن الحقيقة الموضوعة، وتعد إلى ما لم يوضع، وذلك لا ~~يكون إلا لغرض زائد. وربما يكون الكلام (2) على وجه المجاز أفصح، وأبلغ، ~~وأخصر، فهذا وجه يجوز أن يكون مقصودا. ### ||| . فصل (3) هل العموم إذا خص يكون (4) مجازا (5) أم (6) لا # اعلم أن هذا الفرع لا يتم على مذهبنا، وإنما هو تفريع على أن (7) للعموم ~~صيغة مستغرقة (8) متى استعملت في غيره كانت مجازا، وقد PageV01P238 # يجوز أن يتكلم (1) على هذا الفرع، ويبين (2) الصحيح فيه من غيره، وقد ~~ذهبنا إلى أن عرف الشرع قد اقتضى حمل هذه الألفاظ (3) على العموم ~~والاستغراق. # والقائلون بذلك اختلفوا على (4) خمسة أقوال: # أولها قول من ذهب إلى أنه يكون (5) مجازا (6) بأي دليل خص. # وثانيها (7) قول من نفي كونه مجازا بأي دليل خص. # وثالثها قول من ذهب إلى أنه مجاز (8) إلا أن يخص بدليل لفظي منفصل عنه ~~(9) أو متصل. # ورابعها قول من يجعله مجازا إلا أن يخص بقول (10) منفصل. # وخامسها قول من يقول أنه مجاز إلا أن (11) يخص بشرط (12) أو استثناء. # وليس يمتنع أن يكون اللفظ- إذا دخله التخصيص بالاستثناء- (13) PageV01P239 # غير مجاز (1)، على تسليم أن لفظ العموم مستغرق وجوبا لا صلاحا، لأن اللفظ ~~إذا تعقبه (2) غيره تغيرت حاله في ms107 صورته، وليس يجري مجرى المخصصات ~~المنفصلة، من دليل عقلي (3)، أو (4) غيره، ألا ترى (5) أن أكثر الكلام ~~مركب (6) مما (7) إذا فصلنا بعضه من بعض أفاد (8) ما لا يفيده المركب ~~(9)، نحو قولنا: «سما (10)» و«رمى (11)» و«جرى (12)»، لأن سما (13) يفيد ~~العلو (14)، ورمى يفيد (15) الرمي المخصوص، وجرى يفيد الركض، ومع التركيب ~~والزيادة يفيد فائدة أخرى، ولا يقول أحد: أن ذلك مجاز في حال تركيبه، من ~~حيث وجد اللفظ الذي يفيد إذا انفرد فائدة. لا يفيد (16) مع التركيب (17) ~~تلك الفائدة (18)، وكذلك الاستثناء PageV01P240 # قد غير (1) حكم (2) الجملة في صورتها، فلا يجب أن تكون (3) معه مجازا، ~~وإن كانت (4) مجازا (5) إذا تغير (6) حكمها بدليل منفصل، لأن الدليل ~~المنفصل ما أثر في الصورة، وإنما أثر في المعنى. # ولا يجري ذلك- على ما ظنه بعضهم- مجرى قول القائل: «واسأل القرية، وإنما ~~أردت أهلها»، لأن قوله: (7) «أريد أهلها» دليل كالمنفصل لم يغير صورة ~~الكلام وصيغته، وذلك جار مجرى قوله: «واسأل القرية، وإنما أردت المجاز» في ~~أن الصيغة غير متغيرة به. # وإن لم يكن هذا على ما ذكرناه (8)، لزم عليه أن يكون الكلام كله (9) ~~مجازا، وأن تكون (10) الأمثلة التي أوردناها مجازا، وهذا حد لا يبلغه ~~متأمل (11). # . PageV01P241 ### ||| فصل فيما يصير به العام خاصا # اعلم أن اللفظ الموضوع لأن يستعمل في الاستغراق وفيما دونه (1) إنما ~~يصير خاصا وعبارة عن (2) البعض دون الكل بقصد (3) المخاطب به، وكذلك (4) ~~متى كان عاما (5) ومتناولا للكل (6) إنما يصير كذلك لكون (7) فاعله مريدا ~~لذلك وقاصدا إليه، فإذا قلنا: إن الدليل: إما العقلي (8)، أو السمعي، خصص ~~اللفظ، فالمراد أنه دل على كونه مخصوصا، وعلى (9) أن المخاطب به (10) قصد ~~إلى التخصيص، فالدليل (11) دال (12) على القصد الذي هو المؤثر في ~~الحقيقة. # وكيف (13) يجوز أن تكون (14) الأدلة هي المؤثرة في (15) تخصيص العام، ~~وقد يتقدم ويكون من فعل غير المخاطب، وإنما يؤثر (16) في كلامه، فيقع على ~~وجه دون آخر ما كان من جهته (17). PageV01P242 # وقد يتجوز، فيقال في الدليل (1): إنه مخصص (2)، والمعنى أنه دل (3) ~~ذلك (4) على التخصيص (5)، وربما اشتبه ذلك على من لا يتأمله. ### | . باب (6) ذكر (7) جمل الأدلة التي ms108 يعلم بها خصوص العموم # اعلم أن الأدلة الدالة على التخصيص على ضربين: متصل بالكلام، ومنفصل عنه. # والمتصل قد يكون استثناء، أو (8) تقييدا بصفة. وقد ألحق قوم (9) بذلك ~~الشرط، وهذا غلط، لأن الشرط لا يؤثر في زيادة ولا نقصان، على ما كنا ~~قدمناه، ولا يجري مجرى الاستثناء والتقييد بصفة. # فأما المخصص المنفصل، فقد يكون دليلا عقليا وقد يكون سمعيا، فالسمعي ~~(10) ينقسم إلى ما يوجب العلم وإلى ما يوجب الظن، PageV01P243 # كالقياس وأخبار الآحاد، وليس يخرج عن هذه (1) الجملة شيء من المخصصات، ~~وتفصيل هذه الجملة يأتي بإذن الله تعالى (2) ومشيته (3). ### ||| فصل في تخصيص العموم بالاستثناء وأحكامه # اعلم أن الاستثناء لا يؤثر في المستثنى منه حتى يتصل به، ولا يكون منقطعا ~~عنه، وذلك مما لا خلاف فيه بين المتكلمين والفقهاء (4) وقد حكى عن ابن ~~عباس- (رحمه الله)- خلاف فيه. # والذي يدل على ذلك أن كل مؤثر في الكلام لا بد من اتصاله بما يؤثر فيه، ~~كالشرط والتقييد (5) بصفة، فالاستثناء كذلك، يبين (6) ما ذكرناه أنا لو ~~سمعنا قائلا يقول بعد تطاول سكوته: «إلا واحدا» لعددناه عابثا هاذيا، كما ~~نعده (7) كذلك، إذا اشترط (8)، أو قيد بعد انقضاء الكلام وتراخيه بمدة طويلة. # وأيضا لو جاز ما ذكروه، لم يكن أحدنا (9) حانثا في يمينه، لأنه PageV01P244 # يستثنى فيما بعد زمان (1)، فتخرج (2) يمينه (3) من أن تكون (4) ~~منعقدة (5). # ويجب على هذا القول ألا يوثق بوعد ولا وعيد، ولا يستقر أيضا حكم العقود ~~ولا الإيقاعات من طلاق وغيره. # فأما طول الكلام، فغير مانع من تأثير الاستثناء فيه، لأنه مع طوله متصل ~~غير منقطع، ولذلك (6) ينقطع (7) الكلام بانقطاع النفس وما يجري مجراه، ~~و(8) لا يخرجه من أن يكون متصلا، وقد بينا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما ~~لولاه لصح (9) دخوله، وذكرنا الخلاف فيه، ودللنا على الصحيح منه. # فأما (10) استثناء الشيء من غير جنسه، فالأولى أن يكون مجازا و(11) ~~معدولا به عن الأصل، لأن من حق الاستثناء أن يخرج من الكلام ما يتناوله ~~اللفظ دون المعنى، فإذا أخرج ما لا يتناوله اللفظ، فيجب أن يكون مجازا، ms109 ~~كاستثناء الدرهم من الدنانير، وقول الشاعر: PageV01P245 # «وما بالربع من أحد إلا (1) أواري (2)». # وإنما جاز استثناء الدرهم (3) من الدنانير (4) على المعنى لا على اللفظ، ~~لأنه لما كان الغرض بالإقرار إثبات المال (5)، وكان الدنانير كالدراهم. # في أنها مال، جاز استثناؤها منها. # والشاعر أراد (6) ما بالربع من حال ولا ثاو به (7)، فاستثنى الأواري على ~~هذا المعنى. # فأما قوله (8) تعالى-: @QUR@06 «فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس»* ~~، فإنما (9) جاز (10) استثناؤه من الملائكة وإن (11) لم يكن منهم، من حيث ~~كان مأمورا بالسجود كما أمروا به، فكأنه (12) تعالى- (13) قال فسجد ~~المأمورون بالسجود إلا إبليس. # فأما قوله تعالى: @QUR@09 «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» ، PageV01P246 # فالتأويل المعروف أن إلا هاهنا ليست استثناء، وإنما هي (1) بمعنى لكن، ~~فكأنه تعالى قال (2): لكن من قتله خطأ فحكمه كذا وكذا. # وقد ذكر أبو هاشم على مذهبه وجها قريبا، وهو أن المراد أن مع كونه مؤمنا ~~يقع منه الخطأ، ولا يقع منه العمد. # ويمكن وجه آخر، وهو أنه ليس له أن يقتل من يعلمه مؤمنا أو يظنه كذلك إلا ~~خطأ، بأن لا يحصل (3) له أمارة ظن ولا (4) طريقة علم. وقد جوز الفقهاء ذلك ~~فيمن يختلط بالكفار من المؤمنين إذا لم يتميز. # واختلفوا في استثناء الأكثر مما يتناوله المستثنى منه (5)، فمنع منه ~~قوم، والأكثر (6) يجوزونه. # والذي يدل على جواز ذلك أن استثناء الأكثر في المعنى المقصود كاستثناء ~~الأقل، فيجب جوازه. # وأيضا فإن الاستثناء كالتخصيص في المعنى، فإذا جاز أن يخصص الأكثر، جاز ~~أن يستثنيه. PageV01P247 # وليس لأحد أن يلزم- على ذلك- جواز استثناء (1) الكل، لأن ذلك يخرجه من ~~كونه استثناء، لأن من حقه أن يخرج بعض ما تناوله الكلام. # وتعلق المخالف بأنه (2) لم يجد أهل اللغة استثنوا الأكثر، غير صحيح، ~~لأنه ليس كل شيء لم يجدهم (3) فعلوه لا يجوز فعله، ألا ترى أنا ما ~~وجدناهم يستثنون (4) النصف وما قاربه، وإن كان جائزا بلا خلاف، وليس كل ~~شيء هو الأحسن لا يجوز خلافه، لأن الأحسن عندهم تقديم الفاعل على المفعول، ~~ثم لم يمنع ذلك من خلافه. # فإن قيل: ms110 أفيدل دخول الاستثناء على الجملة على عموم اللفظ بعد ما أخرجه. # قلنا: قد ذهب قوم إلى ذلك، والصحيح أنه (5) يبقى على ما كان عليه من ~~الاحتمال، وإنما تأثير الاستثناء إخراج (6) ما تناوله (7)، يوضح ذلك أن ~~القائل إذا قال: «ضربت غلماني إلا زيدا» يجوز له (8) أن يقيم (9) لنا ~~أيضا (10) دليلا على أنه ما ضرب أيضا عمرا، فالاحتمال باق. # . PageV01P248 ### ||| فصل في أن الاستثناء المتصل بجمل هل يرجع إلى جميعها أو إلى ما يليه؟ # اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من ذهب إلى أن الاستثناء إذا تعقب ~~جملا يصح رجوعه إلى كل واحدة منها بانفراده، فالواجب أن يرجع إلى كل ما ~~تقدمه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه (1) وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ~~الاستثناء يرجع إلى ما يليه فقط. # والذي أذهب إليه أن الاستثناء إذا تعقب جملا، وصح رجوعه إلى كل واحدة ~~منها (2) لو انفردت، فالواجب تجويز رجوعه إلى جميع الجمل كما قال الشافعي ~~(3)، وتجويز (4) رجوعه إلى ما يليه على ما قال أبو حنيفة (5) وألا (6) يقطع ~~على ذلك إلا بدليل منفصل، أو عادة (7)، أو أمارة، و(8) في الجملة لا يجوز ~~القطع على ذلك لشيء PageV01P249 # يرجع إلى اللفظ. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن القائل إذا قال لغيره: # «اضرب غلماني، والق (1) أصدقائي، إلا واحدا» يجوز أن يستفهمه (2) ~~المخاطب، هل أراد استثناء الواحد من الجملتين، أو من (3) جملة واحدة، ~~والاستفهام لا يحسن (4) إلا مع احتمال اللفظ واشتراكه. # دليل آخر: ومما (5) يدل على ذلك أيضا (6) أن الظاهر من استعمال اللفظة ~~في (7) معنيين مختلفين من غير أن تقوم (8) دلالة على أنها (9) متجوز بها ~~في أحدهما (10) أنها حقيقة فيهما، وقد بينا صحة هذه الطريقة فيما سلف من ~~هذا الكتاب، ولا خلاف في وجودنا (11) في القرآن واستعمال أهل العربية ~~استثناء تعقب جملتين عاد إليهما تارة، وعاد إلى أحدهما (12) أخرى، وإنما ~~يدعى أصحاب أبي حنيفة أنه إذا عاد إليهما فلدلالة دلت، وأصحاب الشافعي ~~يدعون أنه إذا اختص بالجملة (13) التي تليه (14) فلدلالة (15)، وهذا من ~~الجماعة اعتراف PageV01P250 # بأنه مستعمل (1) في الأمرين، ms111 وإذا (2) كان الأمر على ما ذكرناه، فيجب أن ~~يكون تعقب الاستثناء الجملتين محتملا لرجوعه إلى الأقرب كما أنه محتمل ~~لعمومه للأمرين (3) وحقيقة في كل واحد منهما، فلا (4) يجوز القطع على أحد ~~الأمرين إلا بدلالة منفصلة. # دليل آخر: ويدل أيضا (5) على ذلك أنه لا بد في الاستثناء المتعقب لجملتين ~~من أن يكون إما راجعا إليهما معا، أو إلى ما يليه منهما، لأنه من المحال ~~ألا يكون راجعا إلى شيء منهما، وقد نظرنا في كل شيء يعتمده (6) من قطع ~~على رجوعه إليهما، فلم نجد فيه دلالة على وجوب ما ادعاه على ما سنبينه من ~~بعد إن شاء (7) الله تعالى (8) ونظرنا أيضا (9) فيما يتعلق به من قطع على ~~عوده إلى الأقرب إليه من الجملتين من غير تجاوز لها (10)، فلم نجد (11) فيه ~~ما يوجب القطع على اختصاصه بالجملة التي تليه، دون ما (12) تقدمها، فوجب مع ~~عدم ما يوجب القطع على كل واحد من الأمرين أن نقف بينهما PageV01P251 # ولا نقطع بشيء (1) منهما إلا بدلالة. # دليل آخر: وهو أن القائل إذا قال (2): «ضربت غلماني، وأكرمت جيراني، ~~وأخرجت زكاتي قائما» أو قال «صباحا» أو «مساء» أو «في مكان كذا»، احتمل ما ~~عقب بذكره من الحال، أو ظرف (3) الزمان أو ظرف المكان، أن (4) يكون ~~العامل فيه والمتعلق (5) به (6) جميع ما عدده (7) من الأفعال، كما يحتمل ~~أن يكون المتعلق به ما هو أقرب إليه، وليس لسامع ذلك أن يقطع على أن العامل ~~فيما عقب بذكره الكل (8) ولا البعض، إلا بدليل غير الظاهر (9) فكذلك (10) ~~يجب في الاستثناء، و(11) الجامع بين الأمرين أن كل واحد من الاستثناء ~~والحال والظروف الزمانية والمكانية فضلة (12) في الكلام يأتي (13) بعد ~~تمامه واستقلاله، وليس لأحد أن يرتكب أن الواجب فيما ذكرناه القطع على أن ~~العامل فيه جميع الأفعال المتقدمة، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، لأن هذا ~~من مرتكبه مكابرة، ودفع للمتعارف (14)، ولا PageV01P252 # فرق بين من حمل نفسه عليه، وبين من قال: بل الواجب القطع على أن الفعل ~~الذي تعقبه الحال أو (1) الظرف (2) هو العامل، ms112 دون ما تقدمه (3)، وإنما ~~يعلم في بعض المواضع أن الكل عامل بدليل. # وقد استدل أبو حنيفة وأصحابه بأشياء: # أولها أن الاستثناء إنما وجب تعليقه بما (4) تقدمه، من حيث لم يكن مستقلا ~~بنفسه، ولو استقل بنفسه (5)، لما علق بغيره، ومتى علقناه بما يليه، استقل، ~~وأفاد، فلا (6) معنى لتعليقه بما بعد عنه، لأنه لو جاز مع إفادته واستقلاله ~~أن يعلق بغيره، لوجب فيه (7) لو كان مستقلا بنفسه- أن يعلقه بغيره (8). # وثانيها أن من حق العموم المطلق أن يحمل على عمومه وظاهره إلا لضرورة ~~تقتضي (9) خلاف ذلك، ولما خصصنا الجملة التي يليها الاستثناء بالضرورة، لم ~~يجز تخصيص غيرها، ولا ضرورة. # وثالثها (10) أنه لا خلاف في أن الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه ~~دون ما تقدمه، لأن القائل إذا قال: «ضربت غلماني إلا ثلاثة، PageV01P253 # إلا واحدا»، فإن الواحد المستثنى يرجع إلى الجملة التي تليه، دون ما ~~تقدمه، فكذلك (1) كل استثناء تعقب (2) جملا. # و(3) الكلام على الطريقة الأولى أن أكثر ما تقتضيه (4) هذه الطريقة أنه ~~(5) لا يجب تعدية الاستثناء وقد استقل بالرجوع إلى ما يليه إلى ما تقدم من ~~الجمل، وهكذا نقول: أن ذلك غير واجب، وإنما يتوجه هذا الكلام إلى أصحاب ~~الشافعي، لأنهم (6) يوجبون رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدمه من الجمل ~~(7)، فأما من وقف في (8) ذلك، وجوز عوده إلى الجميع، كما جوز (9) اختصاصه ~~بما (10) يليه، فلا يلزمه هذا الكلام. وهذه الطريقة توجب (11) على أبي ~~حنيفة ألا يقطع (12) بالظاهر (13) من غير دليل على أن الاستثناء ما تعلق ~~بما تقدم، ويقتضى أن يتوقف في ذلك، كما نذهب نحن إليه، لأنه بنى دليله ~~(14) على أن الاستقلال (15) يقتضى ألا (16) يجب تعليقه بغيره، وهذا صحيح، PageV01P254 # غير أنه وإن (1) لم يجب، فهو جائز، فمن أين قطع على أن هذا الجائز (2) ~~الذي (3) ليس بواجب لم يرده المتكلم (4)، وليس فيما اقتصر عليه دلالة على ذلك. # وقوله: «لو جاز ذلك لجاز في الاستثناء- إذا كان مستقلا بنفسه- أن يعلقه ~~(5) بغيره» باطل، لأن ما يستقل بنفسه و(6) لا تعلق له بغيره جائزا (7) ولا ~~واجبا لا ms113 يجوز أن يعلقه (8) بغيره، والاستثناء المتعقب (9) لجملتين (10) ~~غير مستقل بنفسه، فبالضرورة تعلقه بما يليه حتى يستقل، غير أنه وإن استقل ~~بذلك، فمن الجائز أن يتعلق بما تقدمها، وإن لم يكن ذلك واجبا، ففارق (11) ~~الاستثناء (12) المفتقر إلى غيره ما (13) يستقل من الكلام بنفسه ولا يحتاج ~~إلى سواه. # وهذا الكلام ينتقض على من تعلق به بالشرط (14)، لأن الشرط تقدم، أو تأخر، ~~متى علقناه (15) ببعض الجمل، أفاد، واستقل، وعندهم PageV01P255 # كلهم أنه يجب أن يعلق بالجميع (1) مع حصول الاستقلال، وهذا نقض ظاهر. # ويقال لهم على الطريقة الثانية: إنا أولا لا نسلم أن لفظ العموم يجب حمله ~~بظاهره على الاستغراق إلا لضرورة، لأنا قد بينا (2) في هذا الكتاب (3) أن ~~هذه الألفاظ (4) مشتركة محتملة، ولا يجب حملها على كل ما تصلح (5) له إلا ~~بدليل، فليس (6) من الواجب- إذا (7) خصصنا الجملة التي يليها الاستثناء ~~للضرورة، وطلبا لاستقلال الكلام- أن نقطع على أن (8) الجملة الأولى عامة ~~لا محالة، بل هي على احتمالها قبل تعقب الاستثناء. فإن دل (9) دليل على أن ~~هذا (10) الاستثناء مخصص لها (11)، قلنا بذلك، و(12) إلا، فالتوقف هو ~~الواجب. # وهذه الطريقة تتوجه (13) إلى أصحاب الشافعي، لأنهم يوجبون استغراق ألفاظ ~~(14) العموم، وإذا لم تدع الضرورة إلى تعليق الاستثناء بالجملة الأولى كما ~~دعت فيما يليه، فيجب حملها على ظاهرها من العموم. PageV01P256 # وبعد، فهذه الطريقة تنتقض أيضا بالشرط على ما قدمنا (1) ذكره. # فأما (2) الكلام على الطريقة (3) الثالثة، فإن الاستثناء من الاستثناء ~~إنما وجب رجوعه إلى ما يليه، دون ما تقدمه، لأنا متى ما علقناه بالأمرين، ~~لغا (4) وسقطت (5) الفائدة فيه، لأن القائل إذا قال (6): «لك عندي عشرة ~~(7) دراهم إلا درهمين» لو لم يستثن بعد ذلك، لفهمنا إقراره بثمانية (8)، ~~فإذا قال عقيب ذلك: «إلا درهما» استفدنا أنه أقر بتسعة، فلو رجع الدرهم ~~المستثنى إلى العشرة كما رجع إلى الدرهمين، لكان وجوده كعدمه، و(9) لم ~~يفدنا إلا ما استفدناه (10) بقوله: «لك عندي عشرة إلا درهمين» وهو ~~الثمانية من غير زيادة عليها أو نقصان منها، لأنا إذا جعلنا قوله: «إلا ~~درهما» يرجع إلى العشرة، صار ms114 كأنه قال: «لك عندي عشرة إلا ثلاثة»، لأن ~~الدرهم المستثنى إذا انضاف (11) إلى الدرهمين المستثنيين (12)، كانت ~~ثلاثة، وإذا أنقصنا الدرهم من الثلاثة، بقيت ثمانية، فعاد (13) PageV01P257 # الأمر إلى أن الإقرار بثمانية (1)، وهو المفهوم من قوله: «لك عندي عشرة ~~إلا درهمين» وصار استثناء الدرهم الثاني لغوا غير مفيد، وإذا جعلناه راجعا ~~إلى ما يليه، دون ما تقدمه، أفاد، لأنه يصير مقرا بتسعة، فلهذه العلة لم ~~يعلق (2) الاستثناء الداخل على الاستثناء بجميع ما تقدمه، وليس هذا المعنى ~~فيما اختلفنا فيه. # ووجدت بعض من تكلم (3) في أصول الفقه من المجودين (4) المحققين يقول: ~~رجوع الاستثناء الداخل على الاستثناء (5) إلى جميع ما تقدم متعذر، لأن قول ~~القائل: «إلا ثلاثة إلا واحدا (6)» لو رجع إليهما، لانقلب الواحد وصار ~~اثنين (7). # وقال- أيضا-: إن الاستثناء الثاني لو رجع إليهما، لصار نفيا وإثباتا، ~~وذلك مستحيل، لأن الاستثناء من الإثبات نفى، ومن النفي إثبات. # فيقال له: لفظ الواحد ومعناه لا يبطل إذا علق بجمل متغايرة (8)، ألا ترى ~~أن القائل إذا (9) قال: «قد (10) أعطيتك من كل PageV01P258 # عشرة واحدا» فربما اجتمع بهذا القول (1) العدد الكثير، وإن كان لفظ (2) ~~الواحد ومعناه لم يتغير، لأن الواحد من كل عشرة هو واحد على الحقيقة، وإن ~~كان يتكثر بانضمام غيره إليه، فكذلك (3) الواحد المعلق بكل واحدة من ~~الجملتين واحد في الحقيقة (4) ما بطل لفظه ولا معناه. # وقوله: «أن ذلك يتناقض من حيث النفي والإثبات» غير صحيح، لأن النفي إنما ~~يناقض (5) الإثبات إذا تقابلا، وتعلقا جميعا (6) بالشيء الواحد (7)، على ~~وجه واحد، فأما النفي من (8) جملة، فليس بمناقض للإثبات في الأخرى، وإن ~~كان الاستثناء- كما قال- من الإثبات نفيا، ومن النفي إثباتا، إلا أن ~~التنافي زائل مع تغاير الجملتين، فبان أن المانع من ذلك هو ما ذكرناه، دون غيره. # وقد تعلق الشافعي وأصحابه بأشياء: # أولها أن الشرط قد ثبت أنه متى تعقب جملا كثيرة عاد إليها كلها، ولم ~~ينفرد بما قرب منه، فكذلك الاستثناء، والجامع بينهما أن كل واحد منهما لا ~~يستقل (9) بنفسه، ويفتقر (10) في استقلاله PageV01P259 # وفائدته (1) إلى غيره. # ولأن كل واحد ms115 منهما يقتضى ضربا من التخصيص، لأن الاستثناء يخصص (2) ~~الأعيان، ويخرجها مما تناوله ظاهر الكلام، كقولك: «ضربت القوم إلا زيدا» ~~والشرط يخصص الأحوال، كقولك: «أعطه درهما إن دخل الدار»، والأمر (3) ~~بالعطية مع الإطلاق يقتضيها على كل حال، فإذا شرط (4)، تخصصت بحال معينة. # وأيضا فمعناهما واحد، لأن قوله- تعالى في آية القذف: # @QUR@03 «إلا من تاب»* جار مجرى قوله: وأولئك هم الفاسقون إن لم يتوبوا. # وثانيها أن حرف العطف يصير الجمل المعطوف بعضها على بعض في حكم الجملة ~~الواحدة، لأنه لا فرق بين أن تقول (5): رأيت زيد (6) بن عبد الله، ورأيت ~~زيد (7) بن عمرو (8) وهما جملتان، وبين أن تقول (9). رأيت الزيدين، وإذا ~~(10) كان الاستثناء الواقع عقيب الجملة الواحدة (11) راجعا إليها لا محالة، ~~فكذلك ما صار بحرف العطف كالجملة (12) الواحدة. PageV01P260 # وثالثها أنه قد ثبت بلا خلاف أن الاستثناء بمشية الله تعالى إذا تعقب ~~جملا، عاد إلى جميعها، فكذلك (1) الاستثناء بغير المشية (2)، والجامع ~~بينهما أن كل واحد منهما استثناء، وغير مستقل بنفسه. # ورابعها أنا (3) قد علمنا أن الاستثناء إذا تعقب جملا يصح أن يعود إلى كل ~~واحد منها (4)، فليس هو بأن يعود إلى بعض أولى من بعض، فيجب عوده إلى ~~الجميع، كما أن ألفاظ (5) العموم (6) لما لم تكن (7) بتناول (8) بعض ~~أولى من بعض (9)، تناولت الجميع. # وخامسها أن طريقة العرب الاختصار وحذف فضول الكلام ما استطاعوا، فمتى ~~أوردوا استثناء عقيب جمل (10) كثيرة من الكلام، فكأنهم ذكروه (11) عقيب ~~كل واحدة، وإنما حملهم الاختصار (12) على العدول عن ذكره عقيب كل جملة، ألا ~~ترى أنه تعالى لو PageV01P261 # قال: «فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ~~إلا الذين تابوا، و(1) أولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا» لكان تطويلا، ~~فأقام مقام ذلك ذكر التوبة مرة واحدة عقيب الجمل كلها. # وسادسها أن لواحق الكلام وتوابعه من شرط أو استثناء يجب أن يلحق الكلام ~~ما دام الفراغ لم يقع منه، وما دام الكلام متصلا لم ينقطع، فاللواحق لاحقة ~~و(2) مؤثرة فيه، فالاستثناء (3) إذا تعقب (4) جملا متصلة (5) معطوفا بعضها ~~على بعض، ms116 فالواجب أن يؤثر في جميعها. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إنا (6) لا نسلم لكم ما ادعيتموه، من أن ~~الشرط متى تعقب جملا كثيرة، عاد إلى جميعها، بل نقول في الشرط مثل ما نقوله ~~في الاستثناء: من أنه متى تعقب جملا، احتمل الكلام عوده إلى كل ما تقدم، ~~كما يحتمل عوده إلى ما يليه، وإنما يقطع على أحد الأمرين بدليل. # فإن قيل: هذا دفع (7) لعرف اللغة. # قلنا: ما يعرف (8) للعرب الذين قولهم في هذا (9) حجة في الشرط PageV01P262 # والاستثناء ما يقطع (1) به على أحد هذين المذهبين اللذين وقع الخلاف ~~فيهما، ومن صنف كتب النحو إنما هم مستقرءون (2) لكلام العرب، ومستدلون على ~~أغراضهم، فربما أصابوا، وربما أخطئوا، وحكمهم (3) في ذلك كحكمنا (4). على ~~أن قولهم في هذا يختلف، ولم يحققوه كما حققه المتكلمون منا في أصول الفقه. # وأصحاب أبي حنيفة يفرقون بين الاستثناء والشرط، ويقولون: أن (5) الشرط ~~له صدر (6) الكلام، فإذا تعقب الجمل، فهو واقع في غير موضعه، وكأنه مذكور ~~في أول الكلام، فلهذا تعلق بالجميع، والاستثناء إذا تعقب الجمل (7)، فهو مكانه. # وهذا ليس بمرضي، لأنه لو قيل لهم: فإذا (8) كان الشرط متأخرا (9) كأنه ~~متقدم (10)، لم يجب تعلقه بالجميع، وهو (11) لو تقدم على الجمل في اللفظ ~~لا في المعنى، لم يجب ذلك فيه على ما بيناه، و(12) لم يجدوا حجة. PageV01P263 # ويقال (1) لهم فيما تعلقوا به ثانيا: كيف تصير الجملتان أو الجمل ~~كالجملة الواحدة لأجل العطف، ومعلوم أن الجملتين إذا تعقبهما (2) استثناء ~~صح من (3) المستثنى أن يصرح بأنه إنما (4) استثنى من إحداهما دون الأخرى ~~(5)، ولا يجوز في الجملة الواحدة أن يصرح بأن الاستثناء غير عائد إليها. # وبعد، فما معنى قولكم (6): إن الجملتين قد صارتا كالواحدة، أتريدون أن ~~جميع أحكام هذه قد (7) صارت للأخرى، أم تريدون أنهما قد اشتركا في حكم ما، ~~فإن أردتم الأول، فسد بما لا يحصى، لأن (8) أحكام الجمل وصفاتها قد تختلف ~~(9) مع عطف بعضها على بعض، ألا ترى أن القائل إذا قال: «أكرمت القوم، وضربت ~~الغلمان» فعطف جملة على أخرى، فإن ms117 أحكام الجملتين مختلفة، لأن الأولى (10) ~~تقتضي (11) وقوع الإكرام، والثانية تقتضي (12) وقوع الضرب، وهما ~~مختلفتان، وغير ممتنع أن تكون (13) صفات PageV01P264 # المكرمين تخالف (1) صفات المضروبين من وجوه شتى، وإنما (2) العطف يقتضى ~~الجمع بينهما في بعض الأحكام، فإذا قال (3): «ضربت زيدا وعمرا»، فالعطف ~~سوى بينهما في الضرب، وإذا قال: «ضربت زيدا، وأكرمت عمرا»، فالتسوية بينهما ~~(4) من حيث أوقع بكل واحد (5) منهما حدثا من جهة (6) فأما ساير الأحكام، ~~فلا تسوية بينهما فيها فلا يجب إذا (7) أن يستويا (8) في رجوع الاستثناء ~~إليهما. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن ذكر مشية الله عقيب الجمل (9) ليس ~~باستثناء ولا شرط، لأنه لو كان استثناء، لكان فيه بعض حروف الاستثناء، ولا ~~حرف (10) هاهنا من حروفه. ولو كان شرطا على الحقيقة،- وإن كان فيه لفظ ~~الشرط- لما صح دخوله على الماضي، وقد تذكر (11) المشية في الماضي، فيقول ~~(12) القائل: لقيت زيدا، وأكلت البارحة كذا، ثم يقول: إن شاء الله، وإنما ~~دخلت (13) المشية في كل هذه PageV01P265 # المواضع، ليقف (1) الكلام عن النفوذ والمضي، لا لغير ذلك. # فإذا قيل لنا: فلم إذا تعقبت (2) المشية جملتين أو جملا، اقتضت وقوف حكم ~~الجميع، وألا أجزتم تعلقها بما يليها، دون غيره. # قلنا (3): ذلك كان ممكنا لو لا الدليل، وقد أجمعت (4) الأمة على أن حكم ~~الجميع يقف، فلم يرد حكم المشية إلى الجميع إلا بدليل، وما نأبى أن يرجع ~~الاستثناء أو الشرط إلى جميع الجمل بدليل (5)، وإنما نأبى (6) القطع على ~~ذلك بالظاهر من غير دليل (7). # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إن صحة عود الاستثناء إلى كل واحد من ~~الجمل لا يقتضى القطع على عوده إليها بأسرها، وإنما يقتضى التجويز لذلك ~~(8) والشك فيه، فرقا بين ما يصح عوده إليه وبين ما لا يصح ذلك فيه. ~~والعموم (9) عند من قال: أن لفظه (10) بظاهره يتناول الجميع، لم يقل ~~(11) فيه بذلك (12) لصحة التناول، بل (13) PageV01P266 # لأن اللفظ موضوع للشمول والاستغراق وجوبا. # وهذه الطريقة تنتقض (1) بأن قول القائل: «رأيت رجلا» يصح أن يريد بالرجل ~~زيدا، و(2) عمرا، وكل من يصح تناول هذا الاسم له، ms118 ومع ذلك فلا يقطع من حيث ~~الصحة على أنه قد أراد الجميع، وكذلك إذا قال: «ضربت رجالا» يصح أن يريد ~~السودان، والبيضان، والطوال، والقصار، ومع ذلك غير واجب القطع على أنه قد ~~أراد كل من صلح هذا اللفظ له. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إن طريقة العرب (3) الاختصار كما ~~ذكرتم، و(4) متى أرادوا الاستثناء من كل جملة من الجمل المعطوف بعضها على ~~بعض (5)، واعتمدوا (6) الاختصار، أخروا ذكر الاستثناء في أواخر الجمل هربا ~~من التطويل بذكره عقيب كل جملة وجرى (7) ذكره في أواخر الجمل (8) مجرى ~~ذكره عقيب كل جملة (9)، و(10) دلوا PageV01P267 # على أنهم قد أرادوا عوده إلى كل واحدة، لأنهم كما (1) يريدون الاستثناء ~~من كل جملة فيختصرون بذكر ما يدل على مرادهم، كذلك قد لا يريدون الاستثناء ~~من كل جملة، بل من جملة واحدة، فلا بد من (2) مراعاة الدلالة، حتى يحكم ~~بالاختصار، ولا يجب الحكم بالاختصار (3) تبخيتا (4) وتخمينا. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: إن الكلام إذا كان الفراغ لم يقع منه، ~~وكان المتكلم متشاغلا به (5)، صح أن تعود (6) إليه اللواحق المؤثرة من ~~شرط، واستثناء، ومشية، فأما القطع على وجوب تعلقها بجميعه، فإن (7) كان ~~منفصلا (8) وبعيدا عن محل المؤثر، فغير مسلم. وإنما راعوا اتصال (9) ~~الكلام وانقطاعه لينفصل (10) حكم ما يصح أن يلحق بالكلام مما لا يصح لحوقه ~~للفراغ والانفصال. ولو كان بهذا (11) الذي اقتصر عليه اعتبار، لوجب إذا PageV01P268 # قال القائل: «أكرمت جيراني، وضربت غلماني الطوال» أن يرد لفظة الطوال إلى ~~الجملتين، لأن الفراغ ما حصل من الكلام، كما يفعل في (1) الاستثناء. # فإذا قيل: لو رددناه إلى ما تقدم، لكنا قد فصلنا بين الصفة والموصوف. # قلنا: قد فعل ذلك في مواضع، وكذلك لو رددنا (2) الاستثناء إلى الجميع، ~~لكنا قد فصلنا بين الاستثناء (3) والمستثنى منه، وكل (4) ذلك مكروه عندهم مذموم. # فإن قيل: فعلى ما اخترتموه (5) من المذهب (6) في الاستثناء كيف قولكم ~~في الآية التي أحوجت (7) الفقهاء إلى الكلام في هذه المسألة، وهي قوله ~~تعالى: @QUR@019 «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ms119 فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، و(8) أولئك هم الفاسقون، إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك، وأصلحوا، فإن الله غفور رحيم» وهل الاستثناء ~~بالتوبة عائد إلى PageV01P269 # جميع (1) الجمل، ومؤثر فيها، أو هو (2) مختص بما يليه. # قلنا (3): إن القاذف عندنا إذا تاب وكذب نفسه في القذف تقبل شهادته، وهذا ~~إنما قلناه بدليل هو غير ظاهر الاستثناء، لأنا قد بينا أن تعقب الاستثناء ~~للجمل (4) لا يجب القطع على عوده إليها (5) أجمع إلا بدلالة، وقد أجمعت ~~(6) الإمامية على الحكم الذي ذكرناه في الآية، وإجماعهم حجة، على ما دللنا ~~عليه في غير موضع (7)، ولو لم يثبت ذلك وثبت أن إجماع المؤمنين حجة ~~بالآيات، أو بغيرها (8) على ما يذهب إليه مخالفونا، لكان إجماع الإمامية هو ~~الحجة، لأن الحق فيهم، والمؤمنون هم، ولما أجمعوا على ان الاستثناء بالتوبة ~~يزيل اسم الفسق، وهذا لا خلاف بين أحد فيه، وأجمعوا أيضا على أنه (9) يفيد ~~(10) حكم قبول الشهادة، قلنا به، ولما لم (11) يجمعوا على أن التوبة تزيل ~~(12) الحد، و(13) تسقطه (14)، لم PageV01P270 # نجعل (1) الاستثناء راجعا إلى إقامة الحد خاصة. # ومما يمكن الاستدلال به على قبول شهادة القاذف بعد توبته- لا من جهة ~~الإجماع الذي أشرنا إليه- كل ظاهر في القرآن يقتضى قبول شهادة الشاهدين ~~العدلين، مثل قوله تعالى: @QUR@02 «واستشهدوا (2) شهيدين من رجالكم» وقوله ~~تعالى: @QUR@04 «ممن ترضون من الشهداء» وكل هذا يتناول القاذف بعد توبته ~~(3) وإذا تناوله، صار هذا العموم بظاهره دليلا على أن اشتراط التوبة وإن ~~كان متأخرا فهو عائد إلى (4) قبول الشهادة، لأنا قد بينا أن استثناء ~~التوبة في آخر الكلام يقتضى وجوب تعليقه بما يليه، ويجب التوقف عن رجوعه ~~إلى ما يصح عوده إليه من الجمل المتقدمة إلا بدليل، فظاهر (5) الآيات (6) ~~التي تلوناها يقتضى (7) قبول شهادة القاذف بعد التوبة لتناول الظاهر له ~~(8) فيقطع (9) بذلك على عود الاستثناء إليه، لا من حيث الظاهر. PageV01P271 # ويمكن أيضا (1) أن يستدل على أن الاستثناء راجع، إلى قبول الشهادة بقوله ~~(2) تعالى- (3): @QUR@08 «إلا الذين تابوا من بعد ذلك، وأصلحوا» ومعلوم أن ~~التوبة كافية في إسقاط حكم ms120 الفسق، وأن (4) إصلاح العمل ليس بشرط في ذلك، ~~وهو شرط في قبول الشهادة، فيجب أن يعود الاستثناء أيضا إلى قبول الشهادة (5). # فإن قيل: قوله تعالى: @QUR@04 «فإن الله غفور رحيم» لا يليق إلا بإسقاط ~~عقاب الفسق، دون قبول الشهادة. # قلنا: وصفه تعالى بالغفران والرحمة مما يستحقه جل (6) اسمه على كل حال، ~~ولا يحتاج فيه إلى مطابقة بعض ما يتعقبه من الكلام. # على أن الرحمة هي النعمة، والله تعالى منعم بالأمر بقبول شهادة (7) ~~التائب من القذف بعد أن (8) كانت مردودة، والغفران في الأصل مأخوذ من ~~الغفر الذي (9) هو الستر، ومنه المغفر (10) لأنه ساتر، وإنما (11) سمى ~~الإسقاط للعقاب غفرانا، من حيث كان الساتر PageV01P272 # للشيء المخفي له (1) كأنه مزيل له، وماح لرسمه، و(2) الله تعالى إذا ~~أمرنا بقبول شهادة التائب من القذف، فقد أسقط ما كان تعبد به قبل التوبة من ~~رد شهادته، وأزاله (3) وهذا كله بين. ### ||| . فصل في تخصيص العموم بالشرط # اعلم أن الشرط وإن (4) لم يكن مؤثرا في نقصان عدد (5) المشروط ~~كالاستثناء، وبذلك فصلنا بينهما فيما تقدم، فإنه يخصص المشروط من وجه آخر، ~~لأنه إذا قال: «اضرب القوم، إن دخلوا الدار» فالشرط لا يؤثر في تقليل عدد ~~القوم، وإنما يخصص (6) الضرب بهذا (7) الحال، لأنه لو أطلق لتناول الأمر ~~بالضرب على كل حال، فتخصص (8) بالشرط، ومن أمثلته (9) قوله تعالى: # @QUR@01 «فلم (10) تجدوا ماء، فتيمموا صعيدا طيبا (11)»* وقوله- جل ~~اسمه- (12): PageV01P273 # @QUR@03 «فمن لم يستطع (1) فإطعام ستين مسكينا». # ولا فصل (2) في الحكم الذي ذكرناه بين تقدم الشرط في صدر الكلام (3) ~~وبين تأخره. # ولا يمتنع أن يشترط (4) الشيء بشروط كثيرة، كما (5) لا يمتنع أن يكون ~~الشرط الواحد شرطا في أشياء كثيرة. وكلما زيد في الشرط (6) زاد (7) ~~التخصيص. # ومن حق الشرط أن يكون مستقبلا، وكذلك (8) المشروط. # والغاية تجري في هذا (9) المعنى مجرى الشرط. وقوله تعالى: # @QUR@05 «ولا تقربوهن حتى يطهرن» معناه إلى (10) أن يطهرن (11) فإن ~~(12) طهرن فاقربوهن (13). وكذلك قوله تعالى: @QUR@08 «حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون» . # . PageV01P274 ### ||| فصل في المطلق والمقيد # اعلم أن التقييد هو (1) مثل قوله تعالى: @QUR@03 «فتحرير رقبة مؤمنة»* ~~وقوله ms121 تعالى: @QUR@03 «فصيام شهرين متتابعين»* فإذا (2) ولى هذا (3) ~~التقييد جملة واحدة، فلا شبهة في تغير (4) حكمها. والخلاف فيه (5) متى ~~ولى (6) جملتين، في رجوعه إليهما- إذا صح ذلك فيه- أو رجوعه إلى ما يليه، ~~كالخلاف في الاستثناء، وقد تقدم (7) مشروحا. # ولا خلاف في أن الحكم المقيد إذا خالف الحكم المطلق، ولم يكن من جنسه، ~~فإن التقييد لا يتعدى إلى المطلق. وإنما اختلف (8) فيما قيد (9) و(10) ~~أطلق، والجنس واحد، كالكفارات، لأنه- تعالى- أطلق الرقبة في (11) كفارة ~~الظهار، وقيدها في كفارة القتل، فقال قوم: أن المطلق يصير مقيدا للظاهر، لا ~~للدليل (12) وقال PageV01P275 # قوم: يقيد بالدليل (1) والقياس، وقال آخرون: لا يصح تقييده بالقياس، من ~~حيث يتضمن (2) الزيادة، والزيادة (3) في النص نسخ (4). # والدليل على أن المطلق لا يقيد لأجل تقييد غيره أن كل كلام له حكم نفسه، ~~ولا يجوز أن يتعدى إليه حكم غيره، ولو جاز تقييد المطلق لأجل تقييد غيره، ~~لوجب أن يخص العام لتخصيص غيره، ويشترط المطلق على هذا الوجه، وهذا يبطل ~~الثقة بشيء من الكلام. # واحتجاجهم (5) بأن القرآن كالكلمة الواحدة، يبطل بالاستثناء والتخصيص. # وقولهم: «الشهادة لما أطلقت في موضع، وقيدت في آخر، حكمنا بتقييدها في كل ~~موضع» يبطل (6) بأن العدالة معتبرة (7) في كل موضع، و(8) إنما اشترطت (9) ~~لدليل هو (10) غير ظاهر (11) تقييدها PageV01P276 # في بعض المواضع. # فأما من (1) يجعل القياس دليلا وطريقا إلى إثبات الأحكام، فليس له أن ~~يمتنع من تقييد الرقبة بدليل (2) القياس، إن اقتضى ذلك، وإن كان زيادة، ~~وليس في الحقيقة زيادة، لأن تقييد الرقبة بالإيمان يقتضى أن المجزي (3) ~~أقل مما كان يجزى (4) وهذا في المعنى تخصيص، لا زيادة، ولا معتبر بزيادة ~~اللفظ، لأن كل تخصيص (5) بدليل شرعي لا بد من كونه زيادة في اللفظ. ### ||| . فصل في ذكر مخصصات العموم المنفصلات الموجبة (6) للعلم # اعلم أن تخصيص العموم بكل دليل أوجب العلم من عقل وكتاب وسنة مقطوع عليها ~~وإجماع لا شبهة فيه، ولا خلاف من (7) محقق في مثله، لأن الدليل القاطع إذا ~~دل على ضد حكم العام (8) PageV01P277 # لم يجز تناقض الأدلة، فلا بد من سلامة الدليلين، ولا ms122 يسلمان (1) إلا ~~بتخصيص ظاهر العموم. # فإن قيل: لم كنتم بأن تخصوا العموم بدليل العقل أولى (2) ممن خص دليل ~~العقل بالعموم. # قلنا: دليل العقل لا يدخله (3) الاحتمال والحقيقة والمجاز، والعموم يصح ~~فيه كل ذلك، فلهذا خصصنا (4) العموم بالعقل. # فإن قيل: دليل العقل يجب تقدمه على العموم، فكيف يخص به، ولو جاز تخصيصه ~~(5) به، لجاز نسخه. # قلنا: دليل العقل ليس بمخصص على الحقيقة، وإنما هو دال على المخصص، ~~والمؤثر في الحقيقة (6) هو قصد المخاطب، والدليل يجوز تقديمه على المدلول، ~~لأنه ليس بمؤثر. # على أن دليل العقل كما يتقدم، فهو مصاحب، فلو كان مؤثرا، لكان مصاحبا. # وأما النسخ (7) بدليل العقل، فغير ممتنع في المعنى، لأن سقوط PageV01P278 # فرض القيام في الصلاة بالزمانة (1) كسقوطه بالنهي (2) فمعنى النسخ حاصل، ~~وإن لم يطلق الاسم. # وأما (3) تخصيص الكتاب بالكتاب، فلا شبهة في جوازه، ومن خالف في ذلك من ~~أهل الظاهر و(4) سمى (5) التخصيص بيانا إنما هو مخالف في العبارة (6). # وأما تخصيصه بالسنة، فلا خلاف فيه، وقد وقع كثير منه، لأنه تعالى قال ~~(7): @QUR@08 «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (8)» وخصص ~~عموم هذا الظاهر قوله (عليه السلام): «لا يرث القاتل ولا يتوارث أهل ~~ملتين». # وجملة القول في هذا الباب أن كل شيء هو حجة في نفسه لا بد من تخصيص ~~العموم به، وإنما الخلاف في عبارة، أو في وقوع ذلك، ولا حاجة (9) بنا (10) ~~إلى ذكر الوقوع في هذا الموضع. # وأما (11) تخصيصه بالإجماع، فصحيح، لأن الإجماع (12) عندنا PageV01P279 # لا يكون إلا حجة، لما سنذكره في باب الإجماع، بمشية الله تعالى (1) ~~والخلاف بيننا وبين أصحاب الإجماع إنما هو في التعليل والدليل. ### ||| . فصل في التخصيص بأخبار الآحاد # اختلف العاملون في الشريعة بأخبار الآحاد في تخصيص عموم الكتاب بها، ~~فمنهم من أبى أن يخص بها على كل حال، ومنهم من جوز تخصيصه بأخبار الآحاد ~~إذا دخله التخصيص بغيرها، ومنهم من راعى سلامة اللفظة في كونها حقيقة، ولم ~~يوجب التخصيص بخبر الواحد مع سلامة الحقيقة، وأجازه إذا لم تكن (2) سالمة، ~~وإنما تسلم الحقيقة عنده ms123 إذا كان تخصيصه بكلام متصل به، ومنهم من يجيز (3) ~~تخصيص العموم بأخبار الآحاد على كل حال بغير (4) قسمة. # والذي نذهب (5) إليه أن أخبار الآحاد لا يجوز تخصيص العموم بها على كل ~~حال، وقد كان جائزا أن يتعبد الله- تعالى (6)- بذلك، PageV01P280 # فيكون واجبا، غير أنه ما تعبدنا به. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن الناس بين قائلين (1) ذاهب إلى وجوب ~~العمل بخبر الواحد في الشريعة، وناف لذلك، وكل من نفي وجوب العمل بها (2) ~~في الشرع نفى (3) التخصيص بها، وليس في الأمة من (4) جمع بين نفي العمل ~~بها في غير التخصيص وبين القول بجواز التخصيص، فالقول بذلك يدفعه الإجماع، ~~وسندل بمشية الله (5) تعالى (6) إذا انتهينا إلى الكلام في الأخبار على ~~أن الله تعالى ما تعبدنا بالعمل بأخبار (7) الآحاد في الشرع (8) فبطل ~~التخصيص بها لما ذكرناه، ولا شبهة في أن تخصيص العموم بأخبار الآحاد فرع ~~على القول بالعمل بأخبار الآحاد. # على أنا لو سلمنا أن العمل بها (9) لا على وجه التخصيص واجب (10) قد ورد ~~الشرع به، لم يكن في ذلك دلالة على جواز التخصيص بها، لأن (11) إثبات ~~العبادة بالعمل في موضع لا يقتضى تجاوزه إلى غيره، PageV01P281 # ألا ترى أنهم لم (1) ينسخوا بها وإن عملوا بها في غير النسخ، وكذلك (2) ~~يجوز ثبوت العمل بها في غير التخصيص وإن لم يثبت (3) التخصيص، لاختلاف ~~الموضعين، لأن خبر الواحد ليس بحجة من جهة العقل، وإنما كان حجة عند من ذهب ~~إلى ذلك بالشرع، فغير ممتنع الاختصاص (4) في ذلك. # واعلم أن شبهة من أحال التعبد بالعمل (5) بخبر (6) الواحد في تخصيص أو ~~غيره التي عليها المدار ومنها يتفرع (7) جميع الشبه أن العموم طريقه (8) ~~العلم، فلا يجوز أن يخص (9) بما طريق إثباته غالب الظن، والذي يفسد أصل ~~هذه الشبهة أن التعبد إذا ورد بقبول خبر الواحد في (10) تخصيص أو غيره، ~~فطريق هذه العبادة العلم، دون الظن، فإنما (11) خصصنا معلوما بمعلوم، وأدلة ~~العقول (12) شاهدة (13) بذلك، وسنشبع هذا في الكلام على نفي جواز العبادة PageV01P282 # بخبر الواحد عقلا عند الانتهاء (1) إليه بعون ms124 الله (2). # وبعد، فلا خلاف بين الفقهاء في جواز الرجوع إلى أخبار الآحاد في الاسم ~~العام، فما الذي يمنع من الرجوع إليها (3) في الحكم المعلق بالاسم، ألا ترى ~~أنا عند الاختلاف نثبت الأسماء بالرجوع إلى أهل اللغة، فما الذي يمنع (4) ~~من الرجوع إلى الآحاد (5) في تخصيص الأحكام (6). # وأما من جوز (7) التخصيص بأخبار الآحاد بشرط (8) دخول التخصيص قبل ذلك، ~~أو بشرط سلامة الحقيقة، فشبهته في ذلك أن التخصيص يصير اللفظ مجازا، وقد ~~بينا أن الأمر بخلاف ذلك. ### ||| . فصل في تخصيص العموم بالقياس # اعلم أن هذا الفصل نظير (9) الذي تقدمه، والخلاف في تخصيص العموم بالقياس ~~إنما هو فرع من فروع القائلين بأن العبادة قد وردت PageV01P283 # بالقياس في الشريعة، ومن دفع جواز القياس في شيء من الشريعة لا شغل له ~~بهذا الفرع، وإذا دللنا على أن العبادة لم ترد بالقياس في حكم من أحكام ~~الشريعة، بطل (1) القول بأنه مخصص بالإجماع، على ما قلناه (2) في أخبار ~~الآحاد. # وقد اختلف مثبتو (3) القياس في هذه المسألة، فذهب أبو علي الجبائي وجماعة ~~من الفقهاء إلى أنه لا يخصص العموم به، وهو قول أبي هاشم الأول، ومنهم من ~~قال: يخص بالقياس الجلي، دون القياس (4) الخفي، وهو مذهب كثير من أصحاب ~~الشافعي، ومنهم من قال: يخص به إذا دخله التخصيص، ومنهم من جوز تخصيصه ~~بالقياس على كل حال، وهو مذهب أكثر الفقهاء، ومذهب أبي هاشم الأخير (5). # وقد ذكرنا طريقتنا (6) في نفى (7) التخصيص بأخبار الآحاد، وهي الطريقة ~~في نفي التخصيص بالقياس. PageV01P284 # ويمكن- إذا سلمنا أن العبادة قد (1) وردت به في غير التخصيص- أن نسلك مثل ~~الطريقة التي سلكناها في نفي تخصيصه بأخبار الآحاد، فنقول: قد علمتم أن ~~القياس ليس بحجة في نفسه بدليل (2) العقل، وإنما يثبت (3) كونه حجة ~~بالسمع (4) فمن أين إذا كان في غير التخصيص حجة أنه كذلك في التخصيص. # وأما (5) دعواهم أن الأمة إنما حجبت الأم بالأختين فما زاد بالقياس، وذلك ~~أبلغ من التخصيص، وأن العبد كالأمة في تنصيف الحد، فباطلة لأنا لا نسلم ~~ذلك، ولا دليل على صحته، وإنما المعول ms125 (6) في ذلك على إجماع الأمة، دون ~~القياس. # ومن منع من القياس من حيث أوجب الظن، والعموم (7) طريقه (8) العلم، قد ~~بينا الكلام عليه في (9) التخصيص بأخبار الآحاد، وقلنا: دليل العبادة ~~بالقياس يقتضى العلم، فما خصصنا معلوما إلا بمعلوم (10) ولا اعتبار بطريق ~~هذا العلم، كان ظنا (11) أو غيره. PageV01P285 # و(1) من أقوى ما احتج به من نفي تخصيص العموم بالقياس أنه لا خلاف بين ~~(2) مثبتيه في (3) أن الشرط في استعماله الضرورة إليه، وسلامته من أن ~~تكون (4) الظواهر دافعة (5) له، وهذا الشرط يمنع من تخصيص الكتاب و(6) ~~السنة المعلومة المقطوع عليها به. # و(7) وجدت بعض (8) من خالف في ذلك يقدح في هذه الطريقة، بأن يقول (9): ~~إذا خصصنا العموم بالقياس، فقد استعملناه فيما لا نص فيه يخالفه، وإنما ~~يدفع النص القياس إذا كان المراد بذلك النص معلوما، فأما ما (10) يتناول ~~اللفظ في الظاهر لا يكون دافعا، فإن أردتم الأول، فهو مسلم ولا يمنع (11) ~~من التخصيص بالقياس، وإن أردتم الثاني، فغير مسلم وهو موضع الخلاف. # وهذا ليس بصحيح، لأن مراد الله تعالى إنما يعلم بخطابه، فإذا كان ظاهر ~~(12) خطابه ينافي القياس، فقد زال الشرط في صحة PageV01P286 # القياس، فكيف (1) السبيل إلى العلم بمراده إلا من جهة خطابه. # وبعد، فمعلوم بغير شبهة أن للقياس (2) في تخصيص العموم شرطا ليس هو ~~للدليل العقلي، ولا للسنة المقطوع (3) عليها، وقد بينا (4) أنا نترك ظاهر ~~الكتاب ونخص عمومه بدليل العقل (5) والسنة المعلومة، والإجماع، فيجب مع ~~هبوط درجة (6) القياس عنها (7) ألا ندع (8) به ظاهر العموم، وأن نكتفي ~~(9) في الدفع له بتناول (10) ظاهر الكتاب (11) بخلاف موجبه، حتى يكون ~~القياس بخلاف الأدلة القاطعة. # وليس يمكن أن يدعوا أن الفرق بين القياس وغيره من الأدلة القاطعة أن ~~القياس لا يستعمل مع العلم بأن مراد الله- تعالى- بخطابه خلافه. # قلنا: ولا شيء من الأدلة يستعمل مع ذلك. PageV01P287 # فإذا قيل ما عدا القياس من الأدلة يمنع من أن يعلم (1) من (2) مراد ~~الله خلافها، لأن ذلك يقتضى تعارض الأدلة وتناقضها، وهذا جائز في القياس. # قلنا: هذا صحيح، غير أنه فرق بين ms126 القياس (3) وغيره في غير الموضع الذي ~~حققناه، لأن الاتفاق إنما حصل في (4) أن شرط التخصيص بالقياس يخالف شرط ~~التخصيص بغيره، فإن (5) لم يكن الأمر على ما ذكرناه من أن ظاهر تناول (6) ~~لفظ العموم يمنع من (7) القياس، ولا يمنع من سائر الأدلة، فلا (8) مزية ~~بين الكل، ويجب (9) التساوي، ومعلوم خلافه. ### ||| . فصل في تخصيص العموم بأقوال الصحابة # اعلم أنه لا خلاف في أن كل ما هو حجة في نفسه يصح تخصيص PageV01P288 # العموم به، وإجماع الصحابة حجة، فيجب التخصيص به. ونحن و(1) إن كنا ~~نخالفهم (2) في تعليل كون ذلك حجة (3) أو في دليله، فالحكم لا خلاف فيه بيننا. # فأما قول بعضهم، ففي الناس من يذهب إلى أنه إذا ظهر، وانتشر، و(4) لم يقع ~~فيه خلاف، جرى مجرى الإجماع، فيخص بذلك، كما يخص بالإجماع. وفيهم من يقول ~~(5): إمساكهم عن الخلاف لا يدل على الوفاق، فلا يجعله (6) إجماعا، ولا ~~يخصص به. # وتحقيق ذلك يأتي فيما بعد بمشية الله (7) تعالى (8). # وأما (9) نحن، (10) فنذهب (11) إلى أن في الصحابة من قوله بانفراده حجة، ~~وهو أمير المؤمنين (عليه السلام)، لقيام الدليل على عصمته، وقد دللنا على ~~ذلك في كتب الإمامة، وليس هذا موضع ذكره، فقوله (12)(عليه السلام) منفردا ~~يخص به العموم لا محالة. # . PageV01P289 ### ||| فصل فيما ألحق (1) بالعموم وهو خارج منه # اعلم أن العموم من أحكام الألفاظ (2) فما ليس بلفظ لا يصح ادعاء العموم ~~فيه، وإذا كان الفعل غير متعد (3) في نفسه، ولا يتعلق بسواه، فكيف يصح ~~ادعاء العموم فيه، والعموم كيفية في التعلق، والكيفية في التعلق (4) فرع ~~على (5) حصول التعلق. وهذه الجملة تغني عن تفريع هذا الباب وتشعيبه (6) ~~والكلام على تفصيل المسائل، لكنا نذكر طرفا (7) من ذلك ينتفع به (8). # إذا روى عنه (9)(عليه السلام)- أنه (10) قضى (11) بالشاهد واليمين، ~~فليس (12) بواجب أن يكون منه (عليه السلام) في ذلك قول، فنحمله على عمومه، ~~لأن الحكم لا (13) يفتقر إلى قول (14) عام في هذا الباب. PageV01P290 # وفعله (عليه السلام) لا يخلو من وجهين: إما أن يكون الوجه الذي وقع عليه ~~غير معلوم، نحو أن يأخذ ms127 (عليه السلام) من يد رجل ملكا من غير أن يعلم (1) ~~جهة أخذه بعينها، فيكون ذلك مجملا. أو أن يعلم (2) الوجه، مثل أن يقضى ~~(3) بالشاهد واليمين، وهذا حكم في عين لا يجب (4) تعينها (5) ولا تخطيها. ~~ولو لا أن الدليل قد (6) دل على تساوى (7) كل المدعين (8) والمدعى عليهم ~~في (9) هذا الحكم، لما عدينا هذا الحكم (10) إلى غير موضعه. وكذلك لا ~~يجوز أن يحتج فيمن أفطر في شهر رمضان- بأي وجه كان فطره (11)- بما روى: أن ~~رجلا أفطر في شهر رمضان (12) فأمره- (عليه السلام)- بالكفارة، لأن ذلك- ~~كما قلناه- (13) قضية في (14) عين لا يجب عمومها. # فإن قيل: فما قولكم في جوابه (عليه السلام) عن سؤال (15) PageV01P291 # سائل له هل يكون عاما أو خاصا. # قلنا: إذا سئل (عليه السلام) عن حكم المفطر (1) فلا يخلو جوابه عن ثلاثة ~~أقسام: إما أن يكون عام اللفظ، نحو (2) أن يقول: # «كل مفطر فعليه الكفارة». والقسم الثاني أن يكون الجواب في المعنى عاما، ~~نحو أن يسأل (عليه السلام) (3) عن رجل أفطر، فيدع الاستكشاف عما به أفطر، ~~ويقول (عليه السلام): «عليه الكفارة (4)» فكأنه قال: «من أفطر، فعليه ~~الكفارة (5)». والقسم الثالث أن يكون السؤال خاصا، والجواب مثله، فيحل (6) ~~محل الفعل. # وعلى هذا لا يصح أن يحتج في الجمع (7) بين الصلاتين بما روى عنه (عليه ~~السلام) أنه (8) جمع بين الصلاتين في السفر (9) لأن ذلك ليس بعام، وإنما ~~يدل على أنه (عليه السلام) (10) جمع، وليس بمتناول لموضع (11) الخلاف. PageV01P292 # فأما الرواية الواردة بأنه (1)(عليه السلام) كان يجمع بين الصلاتين في ~~السفر، وأن (2) هذا اللفظ يقتضى التكرار، فيدخل موضع الخلاف فيه، فغير ~~صحيح، لأنه وإن اقتضى التكرار بالعرف، فلا (3) يدل على أن التكرار قد دخل ~~فيه موضع الخلاف بعينه (4) وإنما يدل على تكرار (5) الجمع، ويجوز أن يتكرر ~~جمع مخصوص لا خلاف فيه، مثل الجمع بين الصلاتين بعرفة و(6) غيرها (7). # ومن الناس (8) من فرق بين أن يروى عنه (عليه السلام) أنه قضى بكذا (9) ~~وبين أن يروى أنه قضى أن كذا فيه كذا، وادعى أن الأول يفيد الفعل، والثاني ~~يقتضى القول. وفي الناس ms128 من سوى بين الأمرين. والأقرب الفرق، فإن التعارف في ~~الثاني يقتضى أن يكون ذلك قولا، إلا أنه من أين (10) يفيد العموم، والراوي ~~ليس بحاك لفظ النبي (عليه السلام) بعينه، وإنما يحكى معناه، والحجة هي ~~(11) لفظ النبي (صلى الله عليه وآله) لا لفظ الحاكي. PageV01P293 # وأما تعليله (عليه السلام) الحكم في عين، كقوله (عليه السلام) في الهر: ~~«إنها (1) من الطوافين عليكم، والطوافات (2)»، فهذا التعليل إنما يصح أن ~~يتعدى موضعه، بأن يتعبد (3) الله تعالى بالقياس، وأما (4) قبل العبادة به، ~~فالصحيح ما ذكرناه، ويوافق على هذا الموضع المحصلون من أصحاب القياس. ومثله ~~«الزعيم غارم» لأن فيه معنى التعليل والإشارة (5) إليه. # فأما روايتهم: «أنه (6)(عليه السلام)- سها فسجد»، فهو محتمل للتعليل، ~~كأنه قال: «فسجد لأجل سهوه»، ويحتمل أن يكون ذلك خبرا محضا عن أن السجود ~~تعقب السهو، لا من حيث كان جبرانا (7) له، ويحتمل أيضا (8) أن يكون المراد ~~به (9) أنه سجد ساهيا، فالظاهر (10) لا يعلم به (11) أن السجود سببه ~~السهو، وإنما يعلم (12) ذلك بالدليل. # . PageV01P294 ### ||| فصل في تمييز (1) ما يصح دخول التخصيص فيه مما لا يصح (2) # اعلم أن التخصيص إنما يصح دخوله- على جهة الحقيقة- فيما هو عموم على جهة ~~الحقيقة، فأما ما ليس بعام حقيقة من حيث كان لفظه لا يتناول أشياء كثيرة، ~~فالتخصيص لا يصح فيه. وهذا القسم على ضربين: أحدهما ما هو من جهة دليل ~~اللفظ ومعناه يتناول أعيانا (3) فمعنى التخصيص يصح فيه، كما أن معنى العموم ~~ثابت فيه. # والقسم الآخر يتناول أشياء كثيرة، لا بظاهر اللفظ، ولا بدليله (4) لكن ~~من جهة القياس، فمن أجاز تخصيص العلة الشرعية، أجازه، ومن منع تخصيص العلة ~~الشرعية (5) منعه. # . PageV01P295 ### ||| فصل في تخصيص الإجماع # اعلم أن الإجماع إذا كان على قول عام، نظرنا، فإن علمنا قصدهم فيه (1) ~~باضطرار (2) لم يدخله (3) التخصيص، وإن لم نعلم (4) قصدهم به (5) ساغ ~~(6) التخصيص. وهكذا في عموم كلامه (7)(عليه السلام) (8) إن التخصيص إنما ~~يسوغ فيه إذا لم نعلم (9) قصده. وهذا (10) الشرط متعذر في خطابه تعالى، ~~فلا وجه لذكره. فأما إذا كان إجماعهم على فعل، أو رضى (11) بفعل، ms129 فلا ~~تخصيص فيه على الحقيقة، وإنما يصح دخول معنى (12) التخصيص فيه متى علم ~~بالدليل أن حكم غيره فيه كحكمه. # . PageV01P296 ### ||| فصل في الغاية (1) التي يبلغ تخصيص العموم إليها # اعلم أنه لا غاية إلا ويجوز أن يبلغ (2) تخصيص ما ظاهره العموم إليها، ~~غير أن ألفاظ الجمع (3) كالمشركين و(4) الرجال متى بلغ التخصيص فيها (5) ~~إلى أقل من ثلاثة، كان اللفظ مجازا، وإذا بلغ ثلاثة، كان اللفظ حقيقة، كما ~~يكون فيما زاد (6). وليس كذلك لفظة من (7) فيما يعقل، وما فيما لا يعقل، ~~لأن التخصيص إذا بلغ في هاتين اللفظتين إلى الواحد، لم يخرج الكلام من (8) ~~كونه حقيقة. # وقد حكى عن أبي بكر القفال (9) الخلاف (10) في ذلك، وأنه كان يذهب إلى ~~أن لفظة من يجوز أن يبلغ (11) التخصيص فيها إلى الواحد، ولا يجوز في ألفاظ ~~(12) الجمع أن ينتهى التخصيص إلى الواحد. PageV01P297 # وهذا منه تحجر (1) طريف (2) وإذا كان البلوغ عنده في «من» إلى الواحد ~~يجعل اللفظ مجازا، فألا جاز في ألفاظ (3) الجمع مثل ذلك؟!. وإذا كان- أيضا- ~~التخصيص في ألفاظ (4) الجمع إلى أن ينتهى إلى ثلاثة يجعل القول مجازا عنده، ~~لأنه يقتضى الاستغراق على مذهبه، فأي تخصيص عرض فيه، اقتضى كونه مجازا، فأي ~~فرق في بلوغ التخصيص بين ما نقص عن ثلاثة وبين ما زاد عليها (5)؟!. ### ||| . فصل في أن الاستثناء والشرط إذا تعلقا ببعض ما دخل تحت العموم لا يجب الحكم بأن ذلك هو المراد بالعموم # اعلم أن من (6) المتكلمين في أصول الفقه من ذهب إلى أن الشرط إذا تعقب ~~عموما، وكان الشرط يتعلق ببعض ذلك العموم، فإنه غير واجب أن يحمل (7) ~~العموم على أن المراد به بعض ما تناوله PageV01P298 # لفظه (1) بل يحمل على ظاهر (2) عمومه، وضربوا لذلك مثلا، من قوله تعالى ~~(3): @QUR@06 «لا جناح عليكم إن طلقتم النساء» إلى قوله- تعالى- (4): ~~@QUR@024 «وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما ~~فرضتم، إلا أن يعفون، أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح» ومعلوم أن العفو لا ~~يصح من كل مطلقة، وإنما يصح من البالغات الكاملات، وهن (5) بعض من تقدم ms130 ~~ذكره، و(6)- مع هذا- القول الأول على عمومه وذكروا مثالا (7) آخر، وهو قوله ~~تعالى: @QUR@06 «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء» فإنه (8) عام في جميع ~~المطلقات، وإن تعقبه ما يقتضى الاختصاص، من قوله تعالى: # @QUR@08 «فإذا بلغن أجلهن، فأمسكوهن بمعروف، أو فارقوهن بمعروف» وذلك لا ~~يتأتى إلا في الرجعية. # والذي نقوله في هذا الباب: أن الشرط الخاص إذا تعقب عموما، فجائز أن ~~يتعلق ببعض ما تناوله العموم، ويكون اللفظ الأول على عمومه، وجائز أن يكون ~~المخاطب بالعموم إنما أراد به (9) PageV01P299 # بعض ما تناوله اللفظ، وهو الذي تعلق الشرط به، ومع الاحتمال للأمرين لا ~~بد من دليل يعلم به أيهما وقع. # والذي يبين (1) ما ذكرناه أن القائل إذا قال (2): «اضرب (3) الرجال ~~إلا من افتدى ضربك له بماله» وإن شئت: «اضرب الرجال إن لم يفتدوا ضربك ~~بمالهم» حتى يكون (4) قد أثبت بحرف الشرط، وإن كان المثال الأول فيه معنى ~~الشرط، وهذا شرط خاص لا يليق بجميع الرجال، لأن لفظ (5) الرجال يدخل فيه ~~الحر والعبد، والعبد (6) لا يملك، فالشرط الذي تعقب الكلام مخصوص لا يتعلق ~~إلا بالأحرار ولا يجب أن يقطع على أن المخاطب بذلك أراد بقوله «الرجال» ~~الأحرار والعبيد (7) وإن خص بالشرط الأحرار، كما لا يجب أن يقطع على (8) ~~أنه أراد باللفظ الأول الأحرار، دون العبيد، بل ذلك موقوف على الدلالة، ومع ~~فقدها لا (9) يجب القطع على أحد الأمرين. PageV01P300 # يوضح (1) ما ذكرناه أن في كل واحد من الأمرين مجازا و(2) عدولا عن ~~الظاهر، ألا ترى أنا إذا حملنا لفظة الرجال على الأحرار دون غيرهم، كانت ~~مجازا، وإذا (3) حملناها على العموم، وحملنا الشرط على بعض ما دخل تحتها، ~~كان ذلك أيضا مجازا وعدولا عن الظاهر من وجه آخر، لأن تقدير الكلام إلا أن ~~يفتدي بعضهم (4) بما له ضربك، والظاهر يقتضى أن المفتدي هو المأمور بأن ~~تضربه (5). # والكلام في الآية يجري على مثل (6) ذلك، لأن قوله تعالى: @QUR@03 «وإن ~~طلقتموهن (7) من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم، إلا ~~أن يعفون (8)» متى حملنا الشرط على بعض ms131 المطلقات، صار تقدير الكلام إلا أن ~~يعفو بعضهن، وظاهر الكلام يقتضى أن العفو يقع من جميع المطلقات، فبان أن ~~القول محتمل للأمرين، وما في كل واحد منهما إلا ضرب من المجاز والعدول (9) ~~عن الظاهر (10). PageV01P301 # فإن (1) قيل: فإن الأمة كلها إنما عملت في كل مطلقة طلقت قبل الدخول بها ~~(2) بأن لها نصف المهر من هذه الآية، فهي (3) عامة في المطلقات، وإن اختص الشرط. # قلنا: إن كانت الأمة قد أجمعت (4) على ذلك، فإجماعها دليل يثبت به أحد ~~المحتملين، وقد قلنا: إن الخطاب (5) محتمل للأمرين معا. # على أن الأمة إنما أجمعت في كل مطلقة طلقت قبل الدخول بأن لها نصف المهر، ~~وإجماعها (6) على هذا الحكم حجة، وإن لم يكن مستفادا من عموم الآية، فمن ~~أين رجوعهم في عموم هذا الحكم إلى عموم لفظ الآية؟ # فأما المثال الثاني من قوله تعالى: @QUR@01 «إذا (7) طلقتم النساء»، وأنه ~~عام في المطلقات كلهن، وإن اختص الشرط (8) الذي هو قوله تعالى: @QUR@01 ~~«فإذا (9) بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف، PageV01P302 # @QUR@03 أو فارقوهن بمعروف (1)» فإنه لا يليق إلا بالرجعية، فالكلام في ~~هذه الآية كالكلام في التي قبلها، فلا معنى لإعادته. # وذهب من أشرنا إليه- أيضا- إلى (2) أن الجملتين إذا عطف إحداهما (3) على ~~الأخرى، فخصوص (4) إحداهما لا يقتضى خصوص الأخرى، مثل قوله تعالى (5): ~~@QUR@06 «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» إلى قوله تعالى (6): ~~@QUR@04 «وبعولتهن أحق بردهن» فالجملة الثانية خاصة، لأنها لا تليق (7) ~~إلا بالرجعية، والأولى عامة في كل مطلقة، والشبهة في ذلك أن كل جملة لها ~~حكم نفسها، ولا يتعدى إليها التخصيص من غيرها. # والصحيح أن يجري (8) الكلام في هذه الآية مجرى ما تقدم، ونقول (9): إن ~~(10) قوله تعالى: @QUR@04 «والمطلقات يتربصن بأنفسهن (11)» يحتمل أن يريد ~~به الرجعيات، ليطابق (12) الجملة الثانية، ويحتمل أن يريد به العموم، ~~ويكون (13) تقدير الكلام وبعولة (14) بعضهن PageV01P303 # أحق بردهن، لأن في كلا (1) الأمرين وجها من المجاز والعدول عن الظاهر، ~~فلا بد من دليل يقتضى القطع على أحد الأمرين. وإنما كان يترجح (2) حمل ~~الأول على عمومه لو لم يكن في الثاني تجوز وعدول عن الظاهر، فلا بد من ms132 دليل ~~يقتضى القطع على أحد الأمرين. # و(3) يكون لكل جملة حكم نفسها إذا لم يتعلق كل واحدة بالأخرى هذا التعلق، ~~مثل أن يقول القائل: «ضربت القوم، وأكرمت العلماء» فأما إذا (4) قال بعد ~~ذكر المطلقات: @QUR@02 «وبعولتهن» فالظاهر يقتضى أن الكناية عائدة إلى كل ~~من تقدم ذكره، والصفة تكشف (5) عما قلناه، فإن القائل إذا قال: «اضرب ~~الرجال السودان» فهذه الصفة (6) تعود إلى جميع الرجال، ولا يجوز أن يحمل ~~محصل الصفة بالسودان على أنها لبعض (7) الرجال المضروبين، وأن (8) لفظ ~~الرجال على عمومه، لأنه (9) لا فرق بين أن يقول: «اضرب الرجال السودان،» ~~وبين أن يقول: «اضرب سودان الرجال» فمتى PageV01P304 # حمل هذا اللفظ على أن المراد به اضرب الرجال الذين (1) السودان بعضهم، ~~وجعل لفظ (2) الرجال عاما، فذلك جار مجرى أن يحمل قوله تعالى: @QUR@03 «إلا ~~أن يعفون» على أن المراد به إلا أن (3) يعفو (4) بعضهن في أنه عدول عن ~~الظاهر، وإن كان في الصفة أقبح وأفحش فأما الاستثناء، فتعليقه (5) ببعض ما ~~تناوله العموم الصحيح (6) أنه (7) جائز لا يقتضى تخصيص العموم، والقضاء ~~بأنه ما أريد به إلا الجنس (8) الذي تناول الاستثناء بعضه، لأن القائل إذا قال: # «اضرب الرجال إلا فلانا الأسود» فلفظ الرجال عام في البيضان (9) ~~والسودان، وإن كان الاستثناء خاصا، وإنما (10) الإشكال هو (11) في الشرط ~~والصفة، وقد قلنا ما عندنا في ذلك (12) وبسطناه. # . PageV01P305 ### ||| فصل في تخصيص قول النبي (عليه السلام) بفعله # اعلم أن فعله (عليه السلام) للشيء (1) يدل على أنه مباح لا محالة منه، ~~فإذا علمنا بالدليل أن حالنا كحاله (2)(عليه السلام) في الشرائع، علمنا- ~~أيضا (3)- أنه مباح منا، فإن كان قد سبق منه (عليه السلام) قول عام في ~~تحريم ذلك الفعل على العموم، فلا بد من الحكم بتخصيصه، وإنما أوقع الشبهة ~~في هذه المسألة الخلاف في هل حكمنا في الشرائع (4) كحكمه، وهل الأصل (5) ~~ذلك أو غيره. ### ||| . فصل في تخصيص العموم بالعادات # اعلم أن العموم لا (6) يجوز تخصيصه بأن يعتاد الناس أن يفعلوا خلافه، لأن ~~أفعالهم يجب أن تكون (7) تابعة لخطاب الله تعالى PageV01P306 # وخطاب رسوله (1)- (عليه السلام) ms133 (2)-، فكيف (3) يجعل (4) التابع ~~متبوعا. # وإن كانت هذه العادة أثرت في حكم اللفظ وفائدته، وجب (5) أن يخص (6) ~~العموم بها، لأن التعارف له تأثير في فوائد الألفاظ (7) فلا يمتنع (8) ~~تخصيص العموم بما يجري هذا المجرى. ### ||| . فصل في أن العموم إذا خرج على سبب خاص لا يجب قصره عليه (9) # اعلم أن المراد بقولنا «سبب» في الكلام الداعي إلى الخطاب به والباعث ~~عليه، وليس المراد بهذه اللفظة (10)- هاهنا (11)- الأسباب المولدة للأفعال ~~(12) والحكيم لا يجوز أن يريد بخطابه إلا ماله داع إليه، فلا بد في خطابه ~~من أن يكون مقصورا على أسبابه، وغير متعد لها (13) ولا فاضل عليها، فقد ~~(14) اتفقنا على هذه الجملة، غير PageV01P307 # أنه لا يجيء منها (1) أنه إذا سأله (عليه السلام) (2) سائل عن (3) حكم ~~حادثة، فأجابه بقول عام، أنا نقصره على ذلك السؤال، لأنه إذا عم بخطابه ~~سؤال السائل وغيره، فما أضاف إلى بيان حكم ما سئل (4) عنه بيان حكم غيره، ~~إلا لسبب (5) آخر وداع هو غير سؤال السائل، لأنه لو لم يكن كذلك، لأجاب ~~بما يكون وفقا (6) للسؤال من غير أن يكون فاضلا عليه، وليس (7) يجب عليه ~~(8) أن يكون الخطاب مقصورا على الأسباب التي تظهر (9) لنا، بل يكون مقصورا ~~على أسبابه الظاهرة لنا، والخافية (10) عنا. وهذا التلخيص يزيل الشبهة في ~~المسألة. ونعود (11) إلى الكلام المألوف في هذه المسألة. # فنقول: قد اختلفوا فيها فقال قوم: يجب حمل الكلام على سببه دون ظاهره، ~~وقال آخرون: يجب حمله على ظاهره إذا أمكن ذلك. PageV01P308 # وكلامه (عليه السلام) ينقسم إلى مطابق للسبب (1) غير فاضل (2) عنه، ~~وإلى ما (3) يكون أعم منه: والأول لا خلاف فيه، والثاني ينقسم إلى قسمين: ~~أحدهما (4) أن يكون أعم منه في الحكم المسئول عنه، نحو قوله (عليه السلام) ~~وقد سئل عمن ابتاع عبدا، و(5) استعمله (6) ثم وجد به عيبا،: «الخراج ~~بالضمان» والقسم الآخر أن يكون أعم منه في غير ذلك الحكم المسئول عنه، نحو ~~قوله (عليه السلام) وقد سئل عن الوضوء بماء البحر، فقال (عليه السلام) ~~(7): «هو الطهور ماؤه الحل ميتته (8)» فأجاب (عليه السلام) ms134 بما يقتضى ~~شربه، وإزالة النجاسة به، وغير ذلك. وفي جوابه (عليه السلام) ما (9) لو ~~(10) لم يعلق بالسبب، لم يكن مفيدا، ولا مستقلا بنفسه، نحو ما روى عنه- ~~(عليه السلام)- وقد (11) سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال (عليه السلام) ~~«أينقص إذا يبس؟»، فقيل: «نعم»، فقال (عليه السلام): # «فلا إذا». PageV01P309 # والذي يدل على صحة ما ذكرناه من حمل الكلام على ظاهره أن كلامه (عليه ~~السلام) هو الدلالة على الأحكام، فيجب أن يعتبر صفته في عموم أو خصوص، كما ~~تعتبر (1) صفة أمره ونهيه. # دليل آخر: ويدل- أيضا- (2) على ذلك (3) أن العموم لو انفرد عن السبب، ~~يحمل (4) على عمومه بلا خلاف، فيجب مثل ذلك إذا خرج (5) على سبب، لأن ~~السبب لا يخرجه عن (6) صفته التي من جهتها كان دليلا، (7) لأنه لا تنافي ~~بين حدوث السبب وبين عموم اللفظ، يقوى ما ذكرناه أن آية (8) اللعان نزلت في ~~هلال بن أمية العجلاني، وحملته الأمة على كل رام زوجته. وكذلك آية الظهار ~~وردت في خولة بنت خويلد، وحمل هذا الحكم على كل من ظاهر من امرأته (9). # دليل آخر: ومما يدل- أيضا- (10) على ذلك أنه لا فرق بين قصر الخطاب- مع ~~عمومه- على السبب، وبين قصره على العين التي تعلق PageV01P310 # السبب بها، حتى لا يدخل في الخطاب إلا تلك (1) العين، دون غيرها. # ولوجب- أيضا- إذا كان للحادث تعلق بمكان (2) مخصوص أو وقت مخصوص ألا ~~يتعداهما الحكم، وفي فساد ذلك دلالة على وجوب اعتبار اللفظ، دون أسبابه ~~وأماكنه وأوقاته. # دليل آخر: ومما يدل- أيضا- (3) على ذلك أن السائل لا يعرف ما الذي يجاب ~~به، ولهذا جاز أن يدخل تحت السؤال (4) النفي والإثبات على سواء، وكيف (5) ~~يجوز أن يبنى الجواب الذي لا يصدر إلا عن معرفة، ولا يجوز أن يتضمن نفيا ~~وإثباتا، على السؤال مع اختلاف حكمهما (6). # دليل آخر: وأيضا فإن السبب فائدته البعث (7) على البيان، فإذا كان سائر ~~ما يدعو إلى البيان لا يوجب تغير حال الخطاب في (8) اعتبار عمومه وصفته، ~~فكذلك السبب. # . PageV01P311 ### ||| فصل في تخصيص العموم بمذهب الراوي # اعلم أن هذه المسألة كالفرع على قبول أخبار الآحاد، والعمل بها، وسنذكر ms135 ~~ما عندنا في ذلك إذا انتهينا إلى الكلام في الأخبار بمشية الله تعالى ~~وعونه (1). وإذا (2) فرضنا العمل بما يرويه الواحد، لم يجب أن يخصص عموم ~~ما (3) يرويه بمخالفته (4) له (5) لأن غاية حسن الظن بالراوي أنه ما عدل ~~عن عموم ما (6) رواه هوى (7) ولا تقليدا (8) لكن لوجه (9) من الوجوه، ~~وذلك الوجه يحتمل أن يكون لأنه علم قصده (عليه السلام)، ويحتمل- أيضا- (10) ~~أنه عمل على رواية غيره، أو لوجه من الاستدلال والقياس، إما أن يكون مخطئا ~~فيه أو مصيبا (11) فكيف يجوز أن يعدل عن ظاهر العموم، والعمل به واجب، لأمر ~~محتمل للحق والباطل والصحيح والفاسد. والأشبه PageV01P312 # أن يكون الراوي ما عمل بخلاف ما رواه لعلمه بقصده (عليه السلام) (1) ~~لأنه لو كان الأمر على ذلك، لوجب أن يبين (2) الراوي هذه الحال، ويذكرها، ~~إزالة للتهمة (3) عن نفسه، فإذا لم يذكرها، فالأولى أنها ما كانت، ولهذا ~~نقول: أن الراوي إذا ذهب فيما رواه إلى أنه منسوخ، لا يجب القول بنسخة على ~~سبيل إحسان الظن به، وأي فرق بين تقليده (4) في التخصيص، وتقليده في ~~النسخ، وهذا المذهب أضعف من أن يحتاج إلى الإكثار فيه (5). ### ||| . فصل في أن الاخبار كالأوامر في جواز دخول (6) التخصيص # اعلم أن الأخبار كالأوامر (7) في جواز (8) دخول (9) التخصيص فيها بل هو ~~في الأخبار أظهر، وإذا كان معنى التخصيص هو ان يريد المخاطب بعض ما تناوله ~~اللفظ، فهذا المعنى قائم في الأخبار PageV01P313 # أظهر من قيامه (1) في غيرها. والكلام بين أهل الوعيد وأهل الإرجاء في ~~آيات الوعيد إنما هو في تخصيص هذه الآيات. ومن امتنع من (2) ذلك، فلقلة ~~تأمله. واعتلال من أبى ذلك بأن النسخ لما لم يدخل في الأخبار فكذلك التخصيص ~~باطل، لما (3) سنذكره عند الكلام في الأخبار بعون الله. ولو عكس عاكس هذا ~~القول، وذهب إلى أن التخصيص إنما يدخل في الخبر دون الأمر، لما (4) أمكن ~~دفعه إلا بما (5) يدفع من أبى تخصيص الأخبار. ### ||| . فصل في أن ذكر بعض الجملة لا يخص به (6) العموم # اعلم أن التخصيص (7) إنما يكون بطريقة التنافي، ولا تنافي بين الجملة ms136 ~~الخاصة إذا عطفت على العامة، فكيف يخص (8) بها؟! وأي (9) شبهة تدخل على ~~متأمل في أن قول القائل: «أعط الرجال وزيدا» PageV01P314 # لا يقتضى إفراد زيد إلا أن (1) يكون دخل في الجملة الأولى، وإنما أفرد ~~تفخيما أو تأكيدا، على مذهب من يراه. وإنما بنى بعض الشافعية قوله هذا على ~~دليل الخطاب، وهو باطل بما سيأتي بمشية الله (2) تعالى. ### ||| . فصل في بناء (3) العام على الخاص # اختلف الناس في العام والخاص إذا وردا و(4) بينهما تناف كان الخاص منهما ~~ينفى (5) الحكم عن بعض ما تناوله العام، فذهب الشافعي وأصحابه وأهل الظاهر ~~وبعض أصحاب أبي حنيفة إلى (6) أن العام يبنى على الخاص. وقال آخرون مع عدم ~~التاريخ يجب أن يرجع في الأخذ بأحدهما إلى دليل، ويجرونهما مجرى عامين ~~تعارضا، وهو مذهب عيسى بن أبان وأبى (7) الحسن الكرخي وأبى (8) عبد الله ~~البصري. PageV01P315 # والذي يجب تحقيقه في هذه المسألة أن الخلاف فيها مبنى على فقد التاريخ، ~~وارتفاع العلم بتقدم أحدهما أو تأخره، وهذا الشرط لا يليق بعموم (1) ~~الكتاب، فإن تاريخ نزول آيات القرآن مضبوط (2) محصور لا خلاف فيه. وإنما ~~يصح تقديره في أخبار الآحاد، لأنها هي التي ربما عرض فيها هذا التعارض. ومن ~~لا يذهب إلى العمل بأخبار الآحاد، فقد (3) سقطت عند كلفة هذه المسألة، فإن ~~(4) تكلم فيها، فعلى سبيل الفرض والتقدير. # والذي يقوى (5) في نفوسنا- إذا فرضنا ذلك- التوقف عن البناء، والرجوع ~~إلى ما يدل عليه الدليل من العمل بأحدهما، ولا حاجة بنا إلى تفصيل ما يجوز ~~أن يدل على ذلك من الأدلة من إجماع، أو غيره، لأن الفرض أنه لا يجب البناء ~~على مذهب من أوجبه (6) بل الرجوع إلى الأدلة. # والذي يدل على صحة ما اخترناه أن بناء العام على الخاص له شرط لا بد من ~~اعتباره، وهو أن يكونا واردين معا، والحال PageV01P316 # واحدة، لأن تقدم أحدهما (1) على الآخر يقتضى عندهم النسخ (2) فلا بد من ~~تقدير المقارنة، وإذا كان هذا الشرط غير معلوم، فما هو مبنى عليه من البناء ~~(3) لا يصح. # فإذا قيل: فقد التاريخ يقتضى ورودهما ms137 (4) معا. # قلنا (5): ومن أين قلتم ذلك، ونحن مع فقد روايته بالتاريخ (6) نجوز (7) ~~التقدم والتأخر، كما نجوز (8) المصاحبة. # فإن (9) قيل: لو كان بينهما تقدم و(10) تأخر، لروى. # قلنا: ولو كان بينهما مصاحبة (11) أو مقارنة (12) لرويت. وأي فرق بينكم ~~إذا اعتمدتم على البناء وهو مشروط بما لم تعلموه من المقارنة (13) وبين من ~~ذهب إلى أن أحدهما ناسخ لصاحبه وإن كان (14) النسخ مفتقرا (15) إلى علم ~~التقدم و(16) التأخر؟. # فأما اعتمادهم على أن الغرقى (17) لما لم يعلم تقدم موت بعضهم PageV01P317 # على بعض، ولم يكن لنا إلى ذلك طريق، حكمنا بأن موتهم وقع في حال واحدة، ~~حتى تورث (1) بعضهم من بعض، فليس بمعتمد، لأن الدليل لما دل على توريث ~~(2) بعضهم من بعض، كان ذلك موجبا لإثبات وقوع الموت في حالة (3) واحدة، فما ~~استند في ذلك إلا إلى دليل قاطع، وليس في بناء العام على الخاص مثل ذلك، ~~لأنه لم يدل دليل على وجوب البناء، فيثبت ما لا (4) يتم البناء إلا معه. # وليس لأحد أن يقول: هذا يقتضى اطراح الخبرين معا، لأن (5) التوقف على ~~طلب الدليل ليس باطراح، ويجري ذلك مجرى العمومين إذا تعارضا. ويمكن أن ~~يقال: إن الله تعالى لا يخلي المكلف من دلالة تدله على ما يجب أن يعمل به، ~~من بناء، أو غيره، كما يقال ذلك في العمومين المتعارضين. # فأما ترجيحهم البناء بأن ذلك يقتضى العمل بالخبرين معا على وجه صحيح، ~~والعمل بالعام يقتضى اطراح الخاص جملة، فإنما (6) PageV01P318 # هو متوجه إلى من رأي العمل بالعام، فأما المتوقف (1) فلا يلزمه هذا ~~الكلام، وله أن يقول: كما أن العامل بالعام مطرح للخاص، فالعامل (2) ~~بالخاص بان على ما لا يعلمه من ورودهما معا (3) والشرط إذا لم يكن معلوما، ~~فلا يجوز إثبات المشروط. # ولمن قال بالنسخ تقرير في (4) هذا الترجيح، وهو أن يقول: # إذا عملت بالنسخ، فقد استعملت جميع الخبرين من غير (5) اطراح (6) لشيء ~~منهما (7) ومن بنى (8) العام على الخاص، فقد (9) اطرح من العام ما لا ~~يستعمله جملة فقول من حمل على النسخ أرجح من قوله (10). # فأما ms138 قولهم: «إن العموم إذا جاز أن يخص بالقياس، والنص أقوى منه، وجب ~~بناء العام على الخاص» فباطل (11) وذلك أنا لا نرى تخصيص العموم بالقياس، ~~وقد سلف الكلام في ذلك. PageV01P319 # ثم الفرق بينهما أن الخاص إنما يبنى عليه العام (1) بشرط المصاحبة، ~~وليست (2) معلومة، وليس هذا (3) الشرط معتبرا (4) في القياس. ### ||| . فصل في حكم العمومين إذا تعارضا # اعلم أن العمومين إنما يتعارضان على الحقيقة بأن يصيرا (5) بحيث لا يمكن ~~العمل بهما معا (6) وذلك يكون على وجهين: أحدهما (7) أن (8) يقتضى أحدهما ~~(9) نفي كل ما اقتضى الآخر إثباته، أو إثبات كل ما اقتضى الآخر نفيه. # أو يقتضى حكما مضادا لكل ما يقتضيه الآخر. # ولا يكاد يوجد هذا فيما طريقه (10) العلم من الأخبار، إلا وهناك ما يدل ~~على العمل بأحدهما، أو يكون المكلف مخيرا بين الحكمين. وإنما قلنا ذلك، لأن ~~الأدلة لا تتناقض وبمثل ذلك PageV01P320 # أفسدنا قول من يذهب إلى تكافؤ الأدلة. وأما (1) ما طريقه غالب الظن، فقد ~~يجوز مثل ذلك فيه، لأنه قد يجوز فيما هذا طريقه أن يكون التكليف على زيد ~~بخلاف التكليف على عمرو، ولهذا صح تعارض البينتين (2). # وإذا كان فيما هذه (3) حاله تاريخ معلوم، فلا تعارض (4) كما أن مع ~~التخيير لا تعارض. # فأما معارضة كل واحد من العمومين صاحبه من وجه دون آخر (5) نحو قوله ~~تعالى: @QUR@04 «أو ما ملكت أيمانكم» وقوله- سبحانه- (6): @QUR@03 «وأن ~~تجمعوا (7) بين الأختين»، فإن ذلك ليس بتعارض حقيقي، وإنما هو تعارض (8) ~~في أمر مخصوص، لأن العمل بهما (9) ممكن إلا في ذلك الأمر المخصوص، وما هذه ~~(10) حاله لا يعد تعارضا (11) بالإطلاق، بل يقيد، فيقال: إن أحدهما عارض ~~الآخر (12) في كذا وكذا. PageV01P321 # فإن قيل: أليس إذا تعارضا في الوجه المخصوص، اقتضى ذلك تناقض الأدلة. # قلنا: لا يقتضى ذلك، لأنه يمكن حمل العموم في الإباحة على ما عدا ~~الأختين. أو يطلب قرينة يعلم بها أي الأمرين أولى (1)؟ ولو قدرنا عدم ~~الأمرين، كان لا يمتنع (2) أن يكون التكليف على (3) طريقة (4) التخيير. ~~ووجوه ترجيح آية (5) تحريم الجمع على آية الإباحة ليس هذا موضع ذكرها. # وقد قيل: ms139 إن آية التحريم هي المفيدة شرعا و(6) حكما زائدا، فيجب أن يكون ~~مستثناة من الإباحة. # وأيضا قد (7) ثبت بالسمع أن جهة الحظر فيما يتعلق بالفروج (8) أولى، ~~فيجب تقديم آية التحريم. # وأيضا فإن آية التحريم موردها البيان للحكم، وآية ملك اليمين وردت على ~~سبيل المدح، فيجب تقديم تلك (9) على هذه (10) PageV01P322 # وأقوى من ذلك كله إجماع الإمامية على تحريم الجمع بين الأختين على كل ~~حال، وقد بينا أن إجماعهم (1) حجة، فتخصيص آية الإباحة بآية التحريم أولى. ### | . باب (2) الكلام في المجمل والبيان (3) # اعلم أن المجمل هو الخطاب الذي لا يستقل (4) بنفسه في معرفة (5) المراد ~~به، والمفسر ما استقل بنفسه. # والمستقل (6) بنفسه على أقسام: أحدها ما يدل على المراد بلفظه (7). # وثانيها ما يدل بفحواه. وثالثها ما ألحقه قوم به من الدال على المراد ~~بفائدته. ورابعها ما ألحق- أيضا- مما (8) يدل بمفهومه. # ومثال الأول قوله تعالى: @QUR@09 «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق»* و@QUR@05 «أن الله بكل شيء عليم»* و@QUR@04 «لا يظلم ربك أحدا» ~~وما لا يحصى من الأمثلة. ومثال الثاني قوله تعالى: @QUR@04 «فلا تقل لهما ~~أف» . ومثال الثالث طريقة التعليل. ومثال الرابع الزجر (9) وتعلق الحكم ~~بالأسباب، ووجوب ما لا يتم ما كلفناه إلا به. PageV01P323 # ومن خالف في فحوى اللفظ يجب موافقته، فيقال له: أيدخل على عاقل عرف عادة ~~العرب في خطابها شبهة في أن القائل إذا قال: # «لا تقل له (1) أف»، فقد منع من كل أذية له (2) وأنه أبلغ (3) من قوله: # «لا تؤذه (4)» فمن خالف (5) في ذلك، أعرض عنه. و(6) من لم يخالف، وادعى ~~أن بالقياس والتأمل (7) يعلم ذلك، قيل له: فمن لا يثبت القياس يجب ألا ~~يعرف ذلك، ولو ورد (8) التعبد بالمنع من القياس، لكان يجب ألا يكون ما ~~ذكرناه مفهوما، ونحن نعلم ضرورة أن (9) قولهم: « (10) فلان مؤتمن على ~~القنطار» أبلغ من قولهم: «أنه مؤتمن على كل شيء»، وقولهم: «ما يملك نقيرا ~~ولا قطميرا» أبلغ من قولهم: «إنه لا يملك شيئا»، وإنما اختصروا (11) ~~للبلاغة والفصاحة، ولهذا يعدون مناقضا من قال: «لا تقل له (12) أف، واستخف ~~به ms140 (13)»، أو قال: «فلان لا يملك نقيرا، ومعه ألوف الدنانير». PageV01P324 # وأما (1) طريقة التعليل، فأكثر ما فيها أن (2) يعقل (3) من قوله- (عليه ~~السلام)-: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات» تعليق (4) الحكم بهذه ~~الصفة، فمن أين تعديه (5) إلى كل (6) ما كانت له هذه الصفة، وذلك إنما ~~يكون بالعبادة (7) بالقياس، وإلا لم يكن مستفادا. # فأما الزجر، فالأولى أن يكون قوله تعالى: @QUR@04 «والسارق والسارقة» - ~~إذا ثبت أنه زجر عن السرقة- أن القطع إنما كان لأجل السرقة. والأغلب في ~~العادة والتعارف (8) أن من أوجب شيئا، فقد أوجب (9) ما لا يتم إلا به. # فأما ما لا يستقل بنفسه، ويحتاج إلى بيان، فهو على ضربين: # أحدهما (10) يحتاج إلى بيان ما لم يرد به مما (11) يقتضى ظاهره كونه ~~مرادا به كقوله تعالى: @QUR@06 «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» ~~و@QUR@08 «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة PageV01P325 # @QUR@01 جلدة (1)». وقد ذهب قوم إلى أن ذلك كالمجمل في أن ظاهره لا يدل ~~على المراد، وهذا الوجه له باب مفرد يذكر في موضعه والخلاف فيه، بمشية ~~الله، ويدخل في هذا القسم النسخ، لأن الدليل المتقدم إذا علم بلفظه أو ~~بقرينة أن المراد به الامتثال في جميع الأوقات المستقبلة، فلا بد من الحاجة ~~إلى بيان ما لم يرد به (2) مما يفيده (3) النسخ. ويدخل في هذا القسم ضروب ~~المجازات (4) لأن الخطاب إذا ورد، فلو (5) خلينا وظاهره، لاقتضى (6) ما ~~لم يرد منا، فلا بد من الحاجة (7) إلى البيان. # والقسم الثاني مما (8) يحتاج إلى بيان ما يحتاج إليه في معرفة ما أريد ~~به، وهو على ضروب: فمنه ما يكون كذلك لوضع اللغة، ومنه ما يؤثر فيه النقل، ~~أو حصول مقدمة، أو مؤخرة (9) أو قرينة. # فالذي (10) يرجع إلى الوضع فهو أن يكون (11) اللفظ وضع PageV01P326 # في اللغة محتملا. ثم احتماله ينقسم، فربما احتمل أمرا من جملة أمور، مثل ~~قوله تعالى: @QUR@02 «وآتوا (1) حقه يوم حصاده» و@QUR@08 «لا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق»* وربما احتمل شيئا من جملة أشياء معينة، أو ~~شيئين، كقولنا قرأ، وجون، وشفق، وقوله تعالى: @QUR@04 «فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا» . # فأما ما (2) يرجع إلى ms141 النقل، فكالأسماء الشرعية، كقولنا صلاة، وزكاة، لأن ~~المراد بها في الشرع غير ما وضعت (3) له في اللغة. # وأما (4) مثال ما يرجع إلى مقدمة، فهو كل عموم يعلم بأمر متقدم أنه لا ~~يراد به إلا البعض، ولا دليل على التعيين، فما هذه حاله لا بد فيه من بيان، ~~نحو قوله تعالى: @QUR@09 «وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (5)». # وأما (6) ما يرجع إلى مؤخرة وقرينة (7) فهو كل ظاهر يعلم (8) أنه مشروط ~~بشرط مجمل، أو استثناء مجمل، كقوله تعالى: PageV01P327 # @QUR@08 «أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم» ، وتفصيل ذلك وذكر ~~جميع أمثلته فيه طول. و(1) خلاف ذلك (2) في الأمثلة، لأن الأمر ربما (3) ~~اشتبه فيها. وفيما ذكرناه كفاية (4). ### ||| فصل في ذكر معاني (5) الألفاظ (6) التي يعبر بها في هذا الباب # اعلم أن النص هو كل خطاب أمكن معرفة المراد به. وقد ذهب قوم إلى أن النص ~~ما لا تعترض (7) الشبهة في المراد به. # ومنهم من قال كلما (8) تناول الحكم (9) بالاسم، فهو نص. ولا يجعل المجمل ~~نصا. وما قلناه في حد النص أولى، لأنه لا (10) خلاف بين الأمة في أن الله ~~تعالى قد نص على الصلاة والزكاة (11) مع حاجتهما إلى البيان، ويسمون اللفظ ~~نصا، وإن كان فيه احتمال واشتباه. PageV01P328 # وأما (1) المفسر (2) فهو الذي يمكن معرفة المراد به. # وأما المجمل في عرف الفقهاء، فهو كل خطاب يحتاج إلى بيان، لكنهم لا ~~يستعملون هذه اللفظة إلا فيما يدل على (3) الأحكام. # والمتكلمون يستعملون فيما يكون له هذا المعنى لفظ (4) المتشابه، ولا ~~يكادون يستعملون لفظ المجمل في (5) المتشابه. # وأما قولنا «ظاهر»، فالأولى أن يكون عبارة عما أمكن (6) أن يعرف المراد ~~به، ولا معنى لاشتراط الاحتمال أو التقارب على ما اشترطه (7) قوم، فقد ~~يطلق هذا الاسم مع فقد الاحتمال. ### ||| . فصل في حقيقة البيان # اعلم أن (8) البيان هو الدلالة على اختلاف أحوالها، وإلى ذلك ذهب أبو ~~علي وأبو هاشم. وذهب أبو عبد الله الحسن بن علي (9) PageV01P329 # البصري إلى أن البيان هو العلم الحادث الذي به يتبين الشيء. # وللفقهاء في ذلك حدود مختلفة ms142 مضطربة (1) لا معنى للتطويل (2) بذكرها. # والمحصل هذان المذهبان. # والذي يدل على أن البيان هو الدلالة وقوع الاتفاق على أن الله تعالى قد ~~بين (3) جميع الأحكام (4) لأنه (5) تعالى بنصب (6) الأدلة في حكم ~~المظهر لها، وقد يوصف الدال بأنه مبين، وقد يجري هذا الوصف مع فقد حدوث ~~العلم، فكيف (7) يقال: إنه عبارة عن حدوث العلم. وكان يجب على هذا القول ~~أن يكون من لم يعلم الشيء فما (8) بينه الله تعالى له، ولا (9) نصب له ~~دلالة (10) عليه (11) ولا شبهة في بطلان ذلك، ولهذا يقولون: قد بينت لك ~~هذا الشيء، فما تبينته (12) فلو كان البيان هو العلم، لكان هذا الكلام ~~متناقضا. وهذا (13) خلاف في عبارة، والخلاف في العبارات ليس من المهمات # . PageV01P330 ### ||| فصل في ذكر الوجوه التي يقع بها البيان # اعلم أن (1) بيان الأحكام الشرعية إنما يكون (2) بما يدل (3) ~~بالمواضعة، وبما (4) يتبع ذلك. فمثال ما يدل بالمواضعة الكلام والكتابة. ~~والذي يتبع ما يدل (5) بالمواضعة (6) على ضربين: # أحدهما حصل فيه ما يجري مجرى المواضعة، وهو الإشارة والأفعال. والثاني لم ~~يحصل فيه ذلك، وذلك طريقة القياس والاجتهاد، عند من ذهب إليهما. والنبي ~~(عليه السلام) يصح أن يبين الأحكام بجميع (7) الوجوه التي ذكرناها. ولا ~~(8) يصح منه تعالى أن يبين إلا بالكلام والكتابة، فإن الإشارة لا تجوز (9) ~~عليه جل اسمه، والأفعال التي تكون (10) بيانا (11) يقتضى مشاهدة فاعلها ~~على بعض الوجوه، وذلك لا يصح عليه تعالى. وقد بين (12) للملائكة ما كتبه PageV01P331 # في اللوح المحفوظ (1) حتى تحملوه، وأدوه. وبين لنا بالكلام جميع الأحكام. ### ||| . فصل في أن (2) تخصيص العموم لا يمنع من التعلق بظاهره (3) # اختلف العلماء في قوله تعالى: @QUR@06 «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~(4)» وما أشبهه: فقال قوم: بأي شيء خص صار (5) مجملا يحتاج إلى بيان، وإلى ~~ذلك ذهب عيسى بن أبان. وقال آخرون: # يصح مع التخصيص التعلق بظاهره، وهو قول الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة. ~~ومنهم من قال: متى خص باستثناء، أو بكلام متصل، صح التعلق به، وإذا كان ~~التخصيص بدليل منفصل، فلا تعلق (6) به، وهو قول أبي الحسن الكرخي. وكان ~~أبو ms143 عبد الله الحسن (7) بن علي (8) البصري يقول: إذا كان التخصيص لا يخرج الحكم PageV01P332 # من أن يكون متعلقا بالاسم على الحد الذي تناوله الظاهر، فإنه يحل محل ~~الاستثناء في أنه لا يمنع (1) من التعلق بالظاهر. فمتى كان التخصيص مانعا ~~من أن يتعلق الحكم بالاسم، بل يحتاج إلى صفة أو شرط حتى يتعلق الحكم به، ~~فيجب أن يمنع ذلك من التعلق بظاهره. ويقول (2) في قوله تعالى (3): ~~@QUR@04 «والسارق والسارقة» : (4) قد ثبت أن القطع لا يتعلق بالاسم، بل ~~يحتاج إلى صفات وشرائط حتى يتعلق القطع (5) وتلك الشرائط والصفات لا تعلم ~~إلا بدليل، فجرت (6) الحاجة إلى بيان هذه الصفات والشروط (7) مجرى الحاجة ~~إلى بيان المراد بقوله تعالى: @QUR@05 «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة»* . ~~ويقول (8): لا شبهة في أن القطع (9) محتاج إلى أوصاف سوى السرقة، فجرى ~~ذلك مجرى أن يحتاج القطع إلى أفعال سوى السرقة، ولو كان كذلك، لمنع (10) ~~من التعلق بالظاهر (11) فكذلك الأوصاف. وهذه الطريقة أقوى شبهة من كل شيء PageV01P333 # قيل (1) في هذا الباب. # و(2) الذي نقوله (3): أن كل خطاب لو خلينا وظاهره لكنا نفعل ما أريد ~~منا، وإنما كنا (4) نخطئ في ضم ما لم يرد منا إلى ما أريد، فيجب أن يكون ~~المحتاج إليه في بيانه التخصيص، والأصل ممكن التعلق بظاهره، وكل خطاب لو ~~خلينا مع ظاهره، لما أمكن تنفيذ (5) شيء من الأحكام على وجه ولا سبب، فيجب ~~أن يحتاج في أصله إلى بيان (6). ومثال الأول قوله تعالى (7): @QUR@04 ~~«والسارق والسارقة» ، لأنا (8) لو (9) خلينا وظاهره، لقطعنا من أراد منا ~~قطعه (10) ومن لم يرد (11). وكذلك قوله تعالى: @QUR@02 «فاقتلوا المشركين» ~~، لأنا لو عملنا بالظاهر، لقتلنا من أراد قتله ومن لم يرد (12) فاحتجنا ~~إلى (13) تمييز (14) من لا يقتل ولا يقطع، دون من (15) يقتل أو يقطع (16). # ومثال الثاني قوله تعالى: @QUR@02 «أقيموا الصلاة»* ، وقوله- جل PageV01P334 # اسمه- (1): @QUR@04 «في أموالهم حق معلوم (2) للسائل والمحروم»، لأنا لو ~~خلينا والظاهر، لما أمكننا (3) أن نعلم (4) شيئا مما أريد منا، فاحتجنا ~~إلى بيان ما أريد منا (5) لأنا غير مستفيدين له من ظاهر (6) اللفظ، وفي ~~الأول الأمر بخلافه، وجرى ذلك مجرى ms144 الاستثناء إذا دخل على (7) العموم، أو ~~غيره من الأدلة المنفصلة، في أنه وإن جعل الكلام مجازا، فالتعلق بالظاهر في ~~الباقي صحيح ممكن. # وإنما دخلت (8) الشبهة في هذا الموضع، من جهة أن البيان في آية السرقة ~~وقع فيمن يقطع، لا فيمن (9) لا يقطع، وفي صفات السرقة التي يجب بها (10) ~~القطع، لا في صفة ما لا يجب به القطع، فأشكل ذلك على من لم ينعم النظر، ~~فظن (11) أنه مخالف للتخصيص في قوله تعالى: @QUR@02 «فاقتلوا المشركين» ~~وما جرى مجراه. # والوجه الذي من أجله علقوا الشروط بما يجب به (12) القطع PageV01P335 # دون ما لا يجب فيه القطع هو طلب الاختصار، والعدول عن التطويل. # ولما كان الغرض تمييز (1) من يقطع ممن لا يقطع، ولم (2) يمكن التمييز ~~باستثناء الأعيان، عدل من تمييزه (3) بالأعيان إلى تمييزه (4) بالصفات. # ولما كان التمييز (5) بالصفات فيمن لا يقطع يطول، لأن من لا يقطع من ~~السراق أكثر ممن (6) يقطع، فميز (7) بصفات من يقطع، طلبا للاختصار. # وإذا كنا قد اتفقنا على أنه (8) لو ميز باستثناء الأعيان، لصح التعلق ~~بالظاهر فيما بقي، وكذلك إذا ميز بذكر صفات من (9) لا يقطع، حتى يقول: ~~«اقطعوا السراق إلا من (10) صفته كذا»، فكذلك (11) يجب أن يتعلق بظاهر ما ~~بقي متى ميز باستثناء من يقطع، لأن هذا التمييز إنما اعتمد لإخراج من لا ~~(12) يقطع وإبانته، وإنما عدل PageV01P336 # إليه للاختصار (1). # فان قيل: ميزوا بين المجاز الذي لا يصح (2) التعلق بظاهره، وبين المجاز ~~الذي يجب التعلق بظاهره. # قلنا: أما (3) مثال المجاز الذي لا يصح التعلق بظاهر العموم معه، فهو أن ~~يقول: «اضرب القوم، وإنما أردت بعضهم» أو يقول: «وإنما أردت المجاز، دون ~~الحقيقة» ومثاله (4) قوله- تعالى-: @QUR@04 «إن بعض الظن إثم» . وأما ~~المجاز الذي لا (5) يمنع من التعلق بالظاهر، فهو أن يقول القائل: ضربت ~~القوم، وينصب دليلا أو يعلم من حاله أنه ما ضرب واحدا معينا منهم، فإن ~~اللفظ يصير مجازا لا محالة، لكنه لا يمنع من التعلق (6) بالظاهر فيمن (7) ~~عدا من قام الدليل على تخصيصه. وهذه الجملة يطلع (8) بها على جميع ما ~~يحتاج ms145 إليه في هذا الباب. # . PageV01P337 ### ||| فصل في ذكر ما يحتاج من الأفعال إلى بيان (1) وما (2) لا يحتاج إلى ذلك # اعلم أن وقوع الإجمال (3) وجواز الاحتمال في الفعل كوقوعهما في القول، ~~فيجب حاجة كل واحد منهما مع الاحتمال والإجمال (4) إلى بيان. # فإن قيل: كيف تقسمون (5) الأفعال إلى ما يحتاج إلى بيان وإلى ما لا ~~يحتاج (6) ومن مذهبكم أن الأفعال أجمع (7) لا مواضعة فيها، ولا ظاهر لها، ~~وهي مفارقة للخطاب في هذا الباب. # قلنا: الأصل في الأفعال (8) أنه لا ظاهر لها، لكنها تفيد بالشرع (9) ~~لأمارات تحصل فيها (10) تجري مجرى المواضعة في القول، فيسوغ أن نقسمها (11) ~~قسمة الأموال، يبين ذلك أنا (12) إذ رأيناه صلى الله PageV01P338 # عليه وآله (1) يفعل صلاة عقيب إقامة، علمنا أن الصلاة واجبة، لأن ~~الإقامة علامة الوجوب. وإذا أمر (عليه السلام) بالقتل في دين بعد ~~الاستتابة، علم أن المقتول (2) مرتد (3) لأن هذه أمارته، وإذا رأيناه ~~(عليه السلام) تاركا (4) للصلاة على ميت لأجل دين، علمناه كافرا. # فأما مثال المجمل من الأفعال، فهو ما لا أمارة عليه، ومثاله أن يفعل ~~(عليه السلام) صلاة ينفرد بها، فيجوز أن تكون (5) واجبة، ويجوز أن تكون ~~(6) نفلا، فقد بان ما قصدناه (7). ### ||| . فصل في وقوع البيان بالأفعال # اعلم أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الأفعال (8) يقع بها البيان (9) ~~في (10) المجمل، كما يقع بالقول. وقد رجعوا إلى أفعاله- (عليه السلام)- في ~~البيان، كما رجعوا إلى أقواله. ومن قال أخيرا PageV01P339 # بخلاف ذلك مخالف للإجماع. # ثم لا يخلو خلافه من وجوه: إما أن ينكر كون الفعل بيانا، من حيث لا ~~مواضعة فيه، ولا ظاهر (1) له، أو من حيث لا يصح تعلقه (2) بالقول المجمل، ~~أو (3) لا يتصل به، أو لم يثبت في أفعاله- (عليه السلام)- أنها بيان، كما ~~ثبت (4) في (5) أقواله. # فأما الأول، فإن الفعل وإن لم يكن فيه مواضعة، فقد نعلم بوقوعه (6) على ~~بعض الوجوه ضرورة، أو بدليل، فيجري (7) ذلك مجرى المواضعة، وقد علم ~~بالعادات أن التعليم ربما يكون بالفعل أقوى منه بالقول والوصف، ألا ترى أن ~~الواصف ربما لا يفهم غرضه بوصفه (8) فيفزع (9) إلى ms146 التفهيم بالفعل، وما ~~فزع (10) إلى الفعل في البيان لما اشتبه بالقول إلا لأنه أقوى. # فأما التعلق بالفعل (11) المبين، فيمكن أن يعلم منه- (عليه السلام)- على ~~أحد وجهين: إما أن علمنا بالضرورة (12) من PageV01P340 # قصده أنه يبين (1) بفعله الخطاب (2) المجمل، فنعلم (3) التعلق على ~~أقوى الوجوه. أو يقول (عليه السلام): «إنني (4) مبين لهذا المجمل بفعلي ~~(5)» ثم يفعل، فيكون (6)- أيضا- التعلق معلوما. وليس يجوز أن يرتجع في ~~التعلق إلى ما يقوله قوم: من أنه (عليه السلام) إذا قال: «صلوا» وهذا (7) ~~لفظ مجمل، ثم فعل عقيبه ما يمكن أن يكون بيانا له، كأن (8) صلى ركعتين. ~~لأن هذا الوجه غير صحيح، لأنه قد يجوز أن تكون (9) صلاة الركعتين غير ~~بيان، بل هما مبتدأ (10) بهما، فكما (11) يجوز فيهما أن يكون بيانا يجوز ~~غير ذلك، فالتعلق غير معلوم. فالمعتمد (12) ما ذكرناه. # فأما الاتصال، فغير ممتنع أن يكون بين الفعل الذي يقع به البيان وبين ~~المجمل ما يجري مجرى الاتصال، فيكون مؤثرا فيه، والعادات (13) شاهدة بذلك، ~~ولا (14) معنى لدفعه. PageV01P341 # فأما ثبوت البيان بالفعل كثبوته بالقول، فهو إجماع الأمة (1) ولهذا رجعوا ~~إلى فعله (عليه السلام) في المناسك والصلاة، وجعلوا ذلك بيانا لقوله تعالى: ~~@QUR@01 « (2) أقيموا الصلاة»* ولقوله عز وجل: # @QUR@06 «ولله على الناس حج البيت» ، وقول (3) النبي (عليه السلام): # «صلوا كما رأيتموني أصلي» و«خذوا عني مناسككم» مما يدل- أيضا (4)- على ذلك. ### ||| . فصل في تقديم القول في البيان على الفعل # اعلم أن القول والفعل إذا ترادفا، واجتمعا، وكان كل واحد منهما يصح ~~التبين (5) به، كصحته (6) بالآخر، فكل (7) واحد منهما يصح وصفه بأنه ~~بيان وإنما الاشتباه في قول متى جعلناه (8) بيانا لم يصح أن يجعل الفعل ~~(9) بيانا، إما لتناف، أو ما يجري مجراه PageV01P342 # فمن رجح القول، اعتمد على أن شرط (1) في كون الفعل بيانا الحاجة إلى ~~التبين (2) وهذا الشرط مفقود مع وجود القول. ولأن تعلق القول (3). أوكد، ~~لأنه الحال محل الاستثناء والشرط. ومن سوى بين الأمرين، أنزلهما (4) منزلة ~~قولين، أو دليلين، تضمن (5) كل واحد منهما من البيان مثل ما تضمنه الآخر. ### ||| . فصل في هل يجب أن يكون البيان ms147 كالمجمل في القوة وغيرها، أو (6) لا يجب ذلك # اعلم أن هذا الفصل ينقسم إلى قسمين: أحدهما ما معنى قولهم (7): «بيان ~~الشيء في حكمه». والثاني هل يجب أن يكون البيان كالخطاب المبين في الرتبة ~~والقوة (8). # وليس معنى قولنا: «إن بيان الشيء في حكمه» أن الشيء إذا كان واجبا، ~~فبيانه واجب، لأن بيان الواجب والندب معا PageV01P343 # مما (1) يجب على الحكيم (2). ولا يجوز أن يريد بذلك أنه في قوته، ~~ورتبته، وحصول العلم به، وإنما المراد به (3) أن الفعل إذا كان في نفسه ~~واجبا، وتضمن البيان صفاته، وتفصيل أحواله، فهذه التفاصيل واجبة، لأنها ~~صفات الواجب (4) وكذلك الفعل إذا كان في نفسه مندوبا إليه، فبيان أوصافه ~~وأحواله (5) بهذه الصفة. # وأما (6) الكلام في الفصل الثاني، فقد اختلف فيه (7): فقال قوم يجب أن ~~يكون البيان في رتبة المبين، وطريقة (8) العلم به (9). وقال قوم يجب في ~~أصول صفاته وشروطه أن يكون (10) كذلك، دون التفصيل. ومنهم من وقف ذلك على ~~الدليل، وجوز أن يكون البيان بخبر الواحد والقياس. # والصحيح أن البيان يجب أن يكون إليه (11) طريق، وعليه دليل، وكيفية ذلك ~~في رتبة أو قوة (12) ليست بواجبة، وذلك موقوف على ما يعلمه الله تعالى من ~~المصلحة، وليس يمتنع PageV01P344 # تجويزا و(1) تقديرا (2) أن يثبت البيان بخبر الواحد أو القياس، كما أجزنا ~~(3) أن نخص بهما العموم المعلوم (4) في كتاب الله تعالى، وإنما الكلام في ~~وقوع ذلك وحصوله، ولا شبهة في أن العلم بالصلاة وأنا بها مخاطبون ضروري، ~~وإن لم يجب مثل ذلك في بيانها. ### ||| . فصل في تمييز (5) ما ألحق بالمجمل وليس منه أو أدخل (6) فيه وهو خارج عنه # اعلم أن في الشافعية من يلحق بالمجمل قوله تعالى: @QUR@012 «والذين هم ~~لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم، أو ما ملكت أيمانهم»* وقوله تعالى: ~~@QUR@06 «والذين يكنزون الذهب والفضة» من حيث خرج الكلام مخرج المدح في ~~إحدى (7) الآيتين، ومخرج الذم في الأخرى. # وهذا باطل، لأنه لا تنافي بين وجه المدح والذم (8) وبين PageV01P345 # ما يقتضيه العموم من الحكم الشامل، وإذا (1) كان الرجوع في دلالة العموم ~~إلى ظاهر اللفظ، ms148 فبكونه (2) مدحا أو ذما لا يتغير الظاهر، كما أن قوله ~~تعالى: @QUR@04 «والسارق والسارقة» عموم و(3) غير مجمل، وإن كان القصد (4) ~~به الزجر (5) والتخويف، من حيث لا تنافي بين ذلك وبين عموم الحكم، فكذلك ~~(6) الأول. # وفي الناس من ذهب إلى (7) أن التعلق بلفظ الجمع من غير دخول ألف (8) ~~ولام مثل قول القائل: «أعط فلانا دراهم» لا يصح، وقالوا: # أنه (9) يجوز أن يكون المراد به أكثر من ثلاثة، وظنوا أنه كالمجمل. # والواجب موافقة القائل بذلك على مراده، لأنه إن أراد أن (10) حقيقة هذه ~~اللفظة ليست مقصورة (11) على ثلاثة في اللغة، فهو كما قال، لأنه يتناول كل ~~(12) جمع. وإن قال: إذا ورد من حكيم (13) وتجرد، PageV01P346 # لا أقطع (1) على أن المراد به ثلاثة، بل أقف في الثلاثة، كما أقف فيما ~~زاد عليها (2) فهذا غلط، لأن هذا اللفظ في اللغة لا بد من تناوله (3)- إذا ~~كان حقيقة (4)- ثلاثة، من غير نقصان منها، وإن جاز الزيادة عليها. # وألحق قوم ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) (5) من قوله: في الرقة ~~(6) ربع العشر» بالمجمل، دون العموم، وقالوا: إنما يدل على وجوب ربع (7) ~~العشر في هذا (8) الجنس، ويحتاج إلى بيان القدر الذي يؤخذ منه ذلك، وجعلوا ~~خبر الأواقي (9) مبينا (10) لا مخصصا، وكذلك (11) خبر العشر، وخبر ~~الأوساق (12). # ورد قوم عليهم، فقالوا: إن قوله: «في الرقة ربع العشر» PageV01P347 # يقتضى العموم والاستغراق، حتى لو خلينا ومجردة، لأمكننا الامتثال، فكنا ~~نوجب (1) ربع (2) العشر في (3) قليله وكثيره، فخبر الأواقي (4) مخصص، ~~لا مبين. # ويقوى عندنا القول الأول، لأنا قد بينا عند الكلام في العموم أن لفظ ~~الجنس لا يفيد في كل موضع الاستغراق والشمول، وإذا كان الأمر على ذلك، ~~فقوله (عليه السلام) (5): «في الرقة ربع العشر» إنما هو إشارة إلى الجنس ~~الذي (6) تجب (7) فيه هذه الزكاة، وليس فيه بيان المقادير، فغير منكر أن ~~يكون خبر الأواقي (8) مبينا، لا مخصصا (9). # ومما يدخل في هذا الباب قول من يقول: @QUR@03 «وامسحوا برؤسكم» مجمل، ~~وجعل بيانه فعله (عليه السلام)، فاعتمد هذا القائل على أن الباء تقتضي ~~(10) الإلصاق، ms149 من غير أن تقتضي (11) القدر الذي يمسح من الرأس، فيحتاج ~~فيها إلى بيان. # وهذا يجب أن يتأمل، لأن في الناس من ذهب في الباء إلى PageV01P348 # أنها لإلصاق الفعل بالمفعول، وفيهم من ذهب إلى أنها للتبعيض. # ومن قال بالأول اختلفوا: فمنهم من يقول: أنها (1) تقتضي (2) الإلصاق بكل ~~العضو المذكور، وهو مذهب الحسن البصري ومالك (3) وأبي علي الجبائي، ومنهم ~~(4) من يقول: أنها تقتضي (5) الإلصاق على الجملة، من غير اقتضاء لكل (6) ~~أو بعض. وعلى المذهب الأول لا إجمال (7) في الآية (8) لأنها إذا دلت على ~~مسح جميع (9) الرأس، فقد زال الإجمال. وعلى المذهب الثاني- وهو الإلصاق ~~المطلق- لا بد من ضرب من (10) الإجمال، لأننا لا نعلم من هذا الظاهر أن ~~المراد مسح الجميع، أو مسح (11) بعض غير معين أو بعض معين (12) فلا بد من ~~بيان. وكذلك القول في مذهب من قال: أنها تقتضي (13) التبعيض، لأنه بمنزلة ~~أن (14) يقول: # «امسحوا بعض رءوسكم» فإذا لم يبين (15) تعيينا ولا تخييرا، فهو مجمل. # فإذا قيل: لو تعين البعض، لبينه، فإذا لم يبينه (16) دل (17) PageV01P349 # على أنا مخيرون. # قلنا: ولو كان المراد التخيير، لبينه (1) فيجب أن يكون معينا. وقد سلف ~~الكلام على نظير هذه الطريقة في باب أحكام الأوامر. # وقد ألحق قوم بالمجمل قوله تعالى: @QUR@02 «فاقطعوا أيديهما» ، لأن هذه ~~اللفظة تقع (2) على ما بلغ إلى الزند، وإلى ما بلغ إلى المرفق (3) ~~والمنكب، فلا بد من بيان. # وامتنع قوم من كون هذه الآية مجملة. # والأقرب أن يكون فيها إجمال، لأن قولنا «يد» يقع (4) على هذا العضو ~~بكماله، ويقع (5) على أبعاضه، وإن كانت (6) لها أسماء (7) تخصها (8) ~~فيقولون: (9) غوصت (10) يدي في الماء إلى الأشاجع، و(11) إلى الزند (12) ~~وإلى المرفق، وإلى المنكب، وأعطيته كذا PageV01P350 # بيدي، وإنما أعطاه (1) بأنامله، وكذلك كتبت بيدي، وإنما كتب (2) ~~بأصابعه. # وليس يجري قولنا «يد» مجرى قولنا: «إنسان»- كما ظنه قوم- لأن الإنسان يقع ~~على جملة يختص كل بعض منها باسم، من غير أن يقع اسم إنسان على أبعاضها، كما ~~يقع اسم اليد على كل بعض من هذا العضو، فبان أن الإجمال حاصل في الآية. ms150 ومن ~~قال: أحمله (3) على أقل ما يتناوله الاسم يحتاج إلى دليل. # ومما ألحقه قوم بالمجمل وليس في الحقيقة كذلك قوله تعالى (4): @QUR@03 ~~«حرمت عليكم أمهاتكم» وما جرى مجرى ذلك من تعليق التحريم بالأعيان، ومعلوم ~~أن الأعيان من الأجسام لا تدخل (5) تحت القدرة (6) والتحريم إنما يتناول ~~مقدورنا، ففي الكلام حذف، وتقديره حرم عليكم الفعل في هذه الأعيان، وجرى ~~ذلك في أنه مجاز ولا يجوز التعلق بظاهره (7) مجرى قوله تعالى (8): ~~@QUR@02 «وسئل (9) القرية». PageV01P351 # وهذا غير صحيح، لأن التعارف قد اقتضى في (1) تعليق التحريم أو التحليل ~~(2) بالأعيان الأفعال (3) فيها، وصار (4) ذلك بالعرف (5) يجري (6) مجرى ~~تعليق الأملاك بالأعيان، لأنهم يقولون: «فلان يملك داره وعبده» وإنما ~~يريدون أنه يملك التصرف فيهما (7). ثم المفهوم من هذا (8) التصرف ما يليق ~~بالعين التي أضيفت إلى الملك من استمتاع، وانتفاع (9) وغير ذلك. # وإنما حملهم على هذا الحذف (10) في الملك والتحريم والتحليل طلب ~~الاختصار، فاستطالوا (11) أن يذكروا جميع الأفعال، ويعددوا (12) سائر ~~المنافع، فحذفوا ما يتعلق التحريم أو (13) الملك به، اختصارا. # ولا يمكن أحدا (14) أن يقول: أن (15) إضافة الملك إلى الأعيان PageV01P352 # هو مجاز (1) وغير ظاهر (2) بل بالتعارف قد (3) صار هو الظاهر، وكذلك ~~القول في التحريم والتحليل (4). وأي منصف (5) يذهب عليه أن قولنا (6): # «إن الميتة محرمة (7)» أو (8) «الخمر ...» ظاهر، وحقيقة، وليس على سبيل ~~المجاز. # ومما ألحقه قوم بالمجمل- وإن لم (9) يكن مع التأمل كذلك- ما روى عن ~~النبي (عليه السلام) (10) من قوله (11): «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، ~~و«لا نكاح إلا بولي»، و«لا صلاة إلا بطهور»، واعتمدوا على أن لفظة (12) ~~«لا» لا (13) يمكن أن تكون نافية (14) للفعل مع علمنا بوقوعه، فيجب أن يكون ~~داخلا فيه (15) على (16) أحد الأمرين: إما الإجزاء (17)، وإما التمام ~~والفضل، وإذا (18) لم يكن في اللفظ ما يقتضى ذلك، فهو مجمل. وربما قالوا: ~~أن الإجزاء (19) PageV01P353 # والتمام لا يصح أن يرادا (1) بعبارة واحدة. # والذي نقوله في هذا الباب: أن الذي ذكروه وإن كان في اللفظ نفيا، فهو في ~~(2) المقصد (3) والغرض إثبات، والغرض (4) أن (5) من شرط الصلاة الطهور، ~~وقراءة فاتحة الكتاب، والولي في النكاح، فجعلوا (6) النفي منبئا ms151 (7) عن ~~الإثبات، وهو أوكد منه، لأن قول القائل: # «لا صلاة إلا بطهور» أوكد من قوله: من شرط الصلاة الطهور، والنفي (8) ~~واقع في الحقيقة على الصلاة، لأن (9) فقد الطهارة ينفى (10) كونها صلاة ~~مشروعة. وكذلك الظاهر في كل ما دخل عليه هذا الحرف من نكاح، أو (11) صيام، ~~أو (12) غير ذلك. # وإنما قادتنا (13) الضرورة فيما روى (14) من قوله (عليه السلام) (15): # «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» إلى (16) أن نحمله على نفى PageV01P354 # الفضل والتمام، لحصول الإجماع على أن الصلاة في غير المسجد شرعية مجزية. # وأما (1) ما ألحقه قوم بالعموم، وهو عند آخرين من المجمل، فهو قوله ~~تعالى (2): @QUR@02 «أقيموا الصلاة»* ، فإن أصحاب الشافعي اعتمدوا على هذه ~~الآية في وجوب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) (3) في التشهد ~~الأخير، من حيث كان لفظ الصلاة يفيد الدعاء. # وأنكر (4) آخرون ذلك، وادعوا أن لفظة (5) الصلاة قد انتقلت بالعرف الشرعي ~~إلى ذات (6) الركوع والسجود، فلا (7) يجوز أن يحمل لفظ الصلاة على ما كان ~~في اللغة. # والصحيح أن ذلك يصح التعلق به، لأن لفظ الصلاة في أصل اللغة هو (8) ~~الدعاء بلا شبهة، ولم ينتقل بعرف الشرع عن (9) هذا المعنى، وإنما تخصص، ~~لأنه كان محمولا قبل الشرع على كل دعاء، في أي موضع كان، وفي الشريعة تخصص ~~(10) بالدعاء في ركوع (11) وسجود وقراءة. وجرى في أنه تخصيص (12) مجرى لفظ PageV01P355 # الصيام (1) لأنه كان (2) في اللغة عبارة عن الإمساك، وصار في الشرع ~~عبارة عن الإمساك (3) عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة (4). # فأما الزكاة، فهي النماء والزيادة في اللغة، وجعل في الشرع عبارة (5) عن ~~سبب ذلك من الصدقة المخصوصة. فالتعلق به (6) على ما بيناه في وجوب الصلاة ~~على النبي (صلى الله عليه وآله) في التشهدين الأول (7) والأخير صحيح مطرد. # ولو أن أصحاب الشافعي احتجوا في وجوب الصلاة على النبي في التشهد بقوله ~~تعالى: @QUR@07 «إن الله وملائكته يصلون على النبي (8) يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما»، فإن (9) ظاهر الأمر (10) يقتضى الوجوب، ~~ويدخل فيه جميع الأحوال التي من جملتها حال التشهد، لكان أقوى ms152 مما تعلقوا ~~به في ذلك. # فأما قوله تعالى: @QUR@01 « (11) أقيموا الصلاة»*، فيدخل تحته الصلاة ~~الواجبة والنفل والقضاء والأداء (12). PageV01P356 # وذهب قوم إلى أنه لا يدخل تحت اللفظة إلا واجب الصلوات (1) دون نفلها، ~~وأصولها دون قضائها، واعتلوا بالوعيد في خروج النافلة، وبأن الفائت تابع ~~للأصل، ويوجبه الإخلال بالأصل، فكيف يرادان معا. # وهذا ليس بصحيح، لأنه ليس في كل موضع من القرآن أمر فيه بالصلاة اقترن به ~~الوعيد، وما اقترن بالوعيد يحمل الوعيد على أنه يتناول من ترك الواجب من ~~الصلاة، وإن كان الأمر بالكل (2) عاما. ولا (3) تنافي (4) بين أن يريد ~~أداء (5) الأصل وقضاءه (6) إذا فات، ولو صرح بذلك (7) حتى يقول: قد ~~أوجبت (8) عليك فعل الصلاة مؤديا، فإن (9) فرطت فهي واجبة قضاء، لكان ذلك ~~صحيحا لا تنافي (10) فيه. # ومما يجري مجرى ما ذكرناه (11) ما (12) تعلق قوم به (13) في أن الرقبة ~~في كفارة الظهار يجب أن تكون مؤمنة، لقوله (14) تعالى: PageV01P357 # @QUR@06 «ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون» . # وأنكر آخرون ذلك عليهم (1) من أن الكافر ليس بخبيث على التحقيق، وأن ~~العتق (2) لا يسمى (3) نفقة (4). # وليس ما (5) أنكروه بمستبعد، لأن الخبيث لا خلاف بين الأمة في إطلاقه على ~~كل كافر، كما أطلقوا الطهارة في كل مؤمن. وغير ممتنع أن يسمى العتق إنفاقا ~~(6) في سبيل الله تعالى، لأنهم يسمون من أعتق عبده (7) لوجه الله تعالى ~~أنه منفق لماله في سبيل الله تعالى (8) والإنفاق اسم لإخراج الأموال في ~~الوجوه المختلفة، فلا وجه لاستبعاد ذلك. # ويجري مجرى هذه الآية قوله تعالى: @QUR@09 «لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة، أصحاب الجنة (9) هم الفائزون»، فإن (10) أصحاب الشافعي يستدلون ~~بهذه الآية على أن المؤمن لا يقتل بكافر. # وطعن قوم على هذا الاعتماد منهم بأن قالوا: ما تعلق الاستواء PageV01P358 # به غير (1) مذكور، ولا يمكن ادعاء العموم فيه، فهو (2) كالمجمل الذي لا ~~ظاهر له. # وليس يمتنع (3) التعلق بهذه الآية، لا سيما على مذهب من يقول في كل شيء ~~يحتمل (4) لأشياء (5) مختلفة: أن اللفظ إذا أطلق، ولم يبين المتكلم به ~~(6) أنه (7) قصد وجها بعينه، حمل على العموم، ولهذا يقولون ms153 في الأمر- إذا ~~عري من ذكر وقت أو مكان-: # أنه عام في الأوقات والأماكن، فما المانع من أن الاستواء إذا لم يتخصص ~~(8) وجب حمله على كل الصفات. # على أنا كما علمنا من عادة الصحابة والتابعين وعرفهم أن يحملوا ألفاظ (9) ~~العموم على الاستغراق إلا أن يقوم دليل، كذلك (10) علمنا (11) منهم أن ~~يحملوا الألفاظ المطلقة (12) المحتملة على كل ما تصلح (13) له إلا أن يمنع دليل. # . PageV01P359 ### ||| فصل في ذكر جواز تأخير التبليغ # اعلم أن التبليغ من النبي (عليه السلام) موقوف على المصلحة، فإن اقتضت ~~تقديمه، تقدم. وإن اقتضت (1) تأخيره، تأخر. # فمن قال من الفقهاء: أن التبليغ لا يجوز أن يتأخر، وأراد عن (2) وقت ~~الحاجة والمصلحة، فالأمر على ذلك. وإن أراد أنه لا يتأخر عن وقت إمكان ~~الإبلاغ والأداء، فذلك باطل، لأنه غير ممتنع أن يكون وقت إمكان الإبلاغ ~~(3) لا تتعلق (4) به المصلحة، فلا يحسن (5) الإبلاغ. # ثم ذلك يلزم فيه تعالى، حتى يكون متى أمكنه تعريفنا (6) ذلك أن يكون ~~التعريف واجبا إما بخطاب منه تعالى أو برسوله (7) وهذا يقتضى أن لا يقف ~~التقديم على حد (8). # فأما قوله تعالى: @QUR@08 «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من PageV01P360 # @QUR@01 ربك (1)»، فإنه يقتضى إيجاب التبليغ على الوجه المأمور به، فمن ~~أين تقدمه دون تأخره؟. ثم بهذا القول (2) وجب التبليغ، وقد كان- قبل ~~نزوله (3)- التبليغ ممكنا، وليس بواجب. وحملهم ذلك على تأخير بيان المجمل ~~غير صحيح، لأنا نجوز تأخير بيان المجمل، وسندل (4) عليه بعون الله تعالى ~~(5). ومن منع من ذلك، فلأن تأخير بيان المجمل (6) يقتضى قبح الخطاب، وليس ~~هذا في التبليغ، لأنه (عليه السلام) لم يخاطب بشيء، فبينه. ### ||| . فصل في أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت (7) الحاجة # اعلم أن هذه المسألة لا خلاف فيها، والذي يدل- مع ذلك- على صحة (8) ما ~~ذكرناه أن تعذر العلم بالواجب أو بسببه (9) يقتضى قبح التكليف، ويجري مجرى ~~تكليف ما لا يطاق، ولا (10) فرق عند (11) PageV01P361 # العقلاء في القبح بين تكليف من (1) لا يقدر، ومن (2) لا يتمكن من ~~العلم، والتبيين (3) وإن لم يحصل في وقت الحاجة، فلأجل تفريط ms154 المكلف، ~~وإنما أتى به (4) من قبل نفسه، والتبيين (5) في إمكان المكلف (6) و(7) ~~إن فرط فيه. ### ||| . فصل في تأخير البيان عن وقت (8) الخطاب # اختلف الناس في هذه المسألة فمنهم من امتنع من تأخير بيان المجمل والعموم ~~عن وقت الخطاب، وقال بمثل ذلك في الأوامر، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأهل ~~الظاهر. ومنهم (9) من قال بجواز تأخير بيان المجمل والعموم إلى وقت ~~الحاجة، وهو قول أكثر الشافعية، وبعض أصحاب أبي حنيفة. ومنهم من أجاز تأخير ~~بيان المجمل، ولم يجز ذلك في العموم وما جرى مجراه، وهو قول جماعة من أصحاب ~~الشافعي وأبي الحسن الكرخي. ومنهم PageV01P362 # من أجاز تأخير بيان الأوامر، ولم يجزه في الأخبار. # والذي نذهب (1) إليه أن المجمل من الخطاب يجوز تأخير بيانه إلى وقت ~~الحاجة. والعموم لو (2) كان باقيا على أصل اللغة في (3) أن ظاهره (4) ~~محتمل لجاز- أيضا- تأخير بيانه، لأنه في حكم المجمل، وإذا (5) انتقل بعرف ~~الشرع إلى وجوب الاستغراق بظاهره، فلا يجوز تأخير بيانه. # والذي يدل على جواز تأخير (6) بيان المجمل أنه غير ممتنع أن تعرض (7) ~~فيه مصلحة دينية فيحسن لها. # وليس لهم أن يقولوا: هاهنا وجه قبح (8) و(9) هو الخطاب بما لا يفهم ~~المخاطب معناه، والمصلحة لا تقتضي (10) حسن ما فيه وجه قبح ثابت»، لأنا ~~سنبين (11) أن الذي ادعوه غير صحيح، وأنه لا وجه قبح فيه. # و- أيضا- فتأخر العلم (12) بتفصيل صفات الفعل (13) ليس بأكثر PageV01P363 # من تأخير إقدار المكلف على الفعل، ولا خلاف في أنه لا يجب أن يكون في حال ~~الخطاب قادرا (1) ولا على سائر وجوه التمكن، فكذلك العلم (2) بصفة الفعل (3). # و- أيضا- فقد نطق الكتاب بتأخير البيان في قوله تعالى: # @QUR@018 «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: أتتخذنا هزوا؟! قال: ~~أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قالوا (4): ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ ~~قال: إنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر، عوان بين ذلك، فافعلوا ما ~~تؤمرون. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟، قال: إنه يقول: إنها بقرة ~~صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، قالوا: ادع لنا ms155 ربك يبين لنا ما هي؟، إن ~~البقر تشابه علينا، وإنا إن شاء الله لمهتدون. قال: إنه يقول: إنها بقرة لا ~~ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لا شية فيها. قالوا: الآن جئت ~~بالحق، فذبحوها، وما كادوا يفعلون.» ووجه الدلالة من الآية أنه تعالى أمرهم ~~بذبح بقرة لها هذه الصفات المذكورة كلها، ولم يبين في أول وقت (5) الخطاب ~~ذلك (6) حتى راجعوه واستفهموه، PageV01P364 # حتى بين (1) لهم المراد شيئا بعد شيء، وهذا صريح في جواز تأخير البيان. # فإن قيل: لم (2) زعمتم أن الصفات كلها هي للبقرة الأولى التي أمروا ~~بذبحها، وما أنكرتم أن يكونوا أمروا في الخطاب الأول بذبح (3) بقرة من عرض ~~البقر (4) فلو امتثلوا وذبحوا (5) أي بقرة اتفقت، كانوا قد فعلوا الواجب، ~~فلما توقفوا، وراجعوا، تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة (6) غير فارض ولا ~~بكر، من غير مراعاة لباقي الصفات. فلما توقفوا- أيضا-، تغيرت المصلحة في ~~تكليفهم، فأمروا بذبح بقرة صفراء. فلما توقفوا، تغيرت المصلحة، فأمروا ~~بذبح (7) ما له كل الصفات. وإنما يكون لكم في ذلك حجة لو صح (8) لكم أن ~~الصفات كلها كانت للبقرة الأولى. # قلنا هذا سؤال من لا (9) يعرف عادة أهل اللغة في كناياتهم، PageV01P365 # لأن الكناية في قوله: @QUR@07 «ادع لنا ربك يبين لنا ما هي»* لا يجوز عند ~~متأمل أن يكون كناية إلا عن البقرة التي تقدم ذكرها، لأنه لم يجر (1) ذكر ~~لغيرها، فيكنى عنه. # ولا يجوز على ما ذهب القوم إليه (2) أن تكون (3) كناية عن البقرة التي ~~يريد (4) تعالى أن يأمرهم بذبحها ثانيا، لأنهم (5) لا يعرفون ذلك، ولا ~~يخطر لهم ببال (6) فكيف (7) يسألون عن صفة بقرة لا يعلمون أنهم يؤمرون ~~(8) بذبحها؟ ويجري (9) ذلك مجرى قول أحدنا لغلامه (10): «أعطني تفاحة» ~~فيقول غلامه: «بين لي ما هي» فلا يصرف أحد من العقلاء هذه الكناية إلا إلى ~~التفاحة المأمور بإعطائها. # ثم قال تعالى (11) بعد ذلك: إنه يقول: @QUR@010 «إنها بقرة لا فارض ولا ~~بكر، عوان بين ذلك» وقد علمنا أن الهاء في قوله تعالى: PageV01P366 # @QUR@01 «إنه (1) يقول»* هي كناية عنه تعالى،: لأنه لم يتقدم ms156 ما يجوز رد ~~هذه الكناية إليه إلا (2) اسمه تعالى. فكذلك يجب أن يكون قوله تعالى: ~~@QUR@01 «إنها»* كناية عن البقرة المتقدم ذكرها، وإلا، فما الفرق بين ~~الأمرين. # وكذلك الكلام في الكناية بقوله تعالى: @QUR@02 «ما لونها» ، وقوله: ~~@QUR@03 «إنها بقرة صفراء» ، والكناية في قوله تعالى (3): @QUR@06 «ما هي ~~إن البقر تشابه علينا» ، ثم (4) الكناية في قوله تعالى (5): @QUR@08 «إنه ~~يقول: إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض» . # ولا يجوز أن تكون (6) الكناية في قوله تعالى: @QUR@01 «إنها»* في ~~المواضع كلها (7) للقصة (8) والحال، لأن (9) الكناية في @QUR@01 «إنها»* ~~لا بد (10) أن تتعلق بما تعلقت به الكناية في قوله: @QUR@01 «ما (11) هي»*، ~~و(12) لا شبهة في أن المراد بلفظة @QUR@01 « (13) هي»* البقرة (14) التي ~~أمرهم (15) بذبحها، فيجب أن PageV01P367 # يكون كناية (1) الجواب تعود (2) إلى ما كني (3) عنه بالهاء في السؤال، ~~ولو جاز تعليق @QUR@01 «إنها»* بالقصة والشأن (4) جاز تعليق @QUR@02 «ما ~~هي»* بذلك، وجاز- أيضا- أن يكون الكناية في قوله تعالى: @QUR@02 «إنه ~~يقول»* عن غير الله تعالى، و(5) يكون عن الأمر والقصة، كما قالوا: «إنه زيد ~~منطلق»، فكنوا عن الشأن والقصة (6). وكيف يكون قوله: «إنها كذا وكذا» كناية ~~عن غير ما كني (7) عنه بما هي وبما لونها، أو (8) ليس ذلك موجبا (9) أن ~~يكون جوابا عن غير المسئول عنه؟ لأنهم سألوا عن صفات البقرة التي تقدم ~~ذكرها، وأمرهم بذبحها، فأجيبوا عن غير ذلك. و(10) سواء جعلوا الهاء في ~~@QUR@01 «إنها»* عن الشأن (11) والقصة، أو عن البقرة التي أمروا ثانيا ~~وثالثا بذبحها، (12) كيف يجوز أن يسألوا عن صفة ما تقدم أمره (13) لهم ~~بذبحها، فيترك ذلك جانبا، ويذكر صفة ما لم يتقدم PageV01P368 # الأمر بذبحه، وإنما أمروا أمرا مستأنفا به. # ولو كان الأمر على ما قالوه من أنه تكليف بعد تكليف، لكان الواجب لما ~~قالوا: @QUR@02 «ما هي»* وإنما عنوا البقرة التي أمروا ابتداء بذبحها، أن ~~يقول لهم: أي بقرة شئتم، وعلى أي صفة كانت، وما أمرتكم بذبح (1) بقرة لها ~~صفة معينة، والآن فقد تغيرت مصلحتكم، فاذبحوا الآن ما صفتها (2) كذا وكذا ~~(3). وإذا (4) قالوا له: @QUR@02 «ما لونها» يقول. أي لون شئتم، وما أردت ~~لونا ms157 بعينه، والآن (5) فقد تغيرت المصلحة، والذي (6) تؤمرون به الآن بقرة ~~(7) صفراء. # ولما قالوا في الثالث: @QUR@06 «ما هي إن البقر تشابه علينا» أن يقول: ~~المأمور به صفراء، على أي صفة كانت بعد ذلك، وقد تغيرت المصلحة، فاذبحوا ~~بقرة، لا ذلول تثير الأرض، إلى آخر الصفات. # فلما عدل تعالى- عن ذلك إلى نعت بعد آخر، دل على أنها- نعوت للبقرة ~~الأولى. PageV01P369 # على أنه لو جاز صرف الهاء في قوله تعالى: @QUR@01 «إنها (1)»* إلى الشأن ~~والقصة- وإن كان المفسرون كلهم قد (2) أجمعوا على خلاف ذلك، لأنهم كلهم ~~قالوا: هي كناية عن البقرة المتقدم ذكرها، وقالت المعتزلة بالأسر (3): أنها ~~كناية عن البقرة التي تعلق التكليف المستقبل بذبحها، ولم يقل أحد: أنها ~~للقصة والحال- لكان ذلك يفسد من وجه آخر، وهو أنه إذا (4) تقدم ما يجوز أن ~~تكون (5) هذه الكناية راجعة إليه، ولم يجر (6) للقصة (7) والحال ذكر، ~~فالأولى أن تكون (8) متعلقة بما ذكر وتقدم الإخبار عنه، دون ما لا ذكر في ~~الكلام (9) له، وإنما استحسنوا الكناية عن الحال والقصة في بعض المواضع، ~~بحيث تدعوا (10) الضرورة، ولا يقع اشتباه، ولا يحصل التباس. # وبعد، فإنما يجوز إضمار القصة والشأن بحيث يكون الكلام مع تعلق الكناية ~~(11) بما تعلقت (12) به مفيدا مفهوما، لأن PageV01P370 # القائل إذا قال: «إنه زيد منطلق» و«إنها قائمة هند»، فتعلقت الكناية ~~بالحال والقصة، أفاد ما ورد في الكلام، وصار كأنه قال: «زيد منطلق» و«قائمة ~~هند»، والآيات بخلاف هذه المواضع، لأنا متى جعلنا (1) الكناية في قوله: ~~@QUR@04 «إنها بقرة لا فارض» و@QUR@03 «إنها بقرة صفراء» و@QUR@04 «إنها ~~بقرة لا ذلول» متعلقة بالحال والقصة، بقي (2) معنا في الكلام ما لا فائدة ~~فيه ولا يستقل بنفسه، لأنه لا فائدة في قوله (3): @QUR@02 «بقرة صفراء» ~~و@QUR@03 «بقرة لا فارض» ، ولا بد من ضم كلام (4) إليه، حتى يستقل (5) ~~ويفيد (6) فإن (7) ضممنا إلى قوله (8): @QUR@03 «بقرة لا فارض» أو ~~@QUR@02 «بقرة صفراء» التي أمرتم بذبحها، أفاد لعمري. فبطل (9) صرف ~~الكناية إلى غير البقرة، ووجب أن تصرف (10) الكناية إلى البقرة حتى لا ~~(11) يحتاج ان يحذف (12) خبر المبتدأ (13) و(14) الاكتفاء بما في الكلام ~~أولى من تأويل ms158 يقتضى العدول PageV01P371 # إلى غيره، وحذف شيء ليس بموجود في الكلام (1). # ومما يدل على صحة ما نصرناه أن جميع المفسرين للقرآن أطبقوا على أن ~~الصفات المذكورات للبقرة أعوز اجتماعها للقوم (2) حتى توصلوا (3) إلى ~~ابتياع بقرة لها هذه الصفات كلها بملء جلدها (4) ذهبا، ولو كان الأمر على ~~ما قاله (5) المخالفون، لوجب أن لا يعتبر (6) فيما يبتاعونه ويذبحونه (7) ~~إلا الصفات الأخيرة، دون ما تقدمها، ويلغى (8) ذكر الصفراء، أو (9) التي ~~ليست بفارض ولا بكر، وأجمعوا على أن الصفات كلها معتبرة. فعلم أن البيان ~~تأخر وأن الصفات كلها (10) للبقرة الأولى (11). # فإن قيل: فلم (12) عنفوا (13) على تأخيرهم امتثال الأمر الأول، وعندكم ~~(14) أن البيان للمراد (15) بالأمر الأول تأخر ولم قال- PageV01P372 # - سبحانه- (1): @QUR@05 «فذبحوها وما كادوا يفعلون» . # قلنا (2): ما عنفوا بتأخير (3) امتثال الأمر الأول، وليس في القرآن ما ~~يشهد بذلك، بل كان البيان (4) شيئا بعد شيء، كلما طلبوه واستخرجوه، من ~~غير تعنيف، ولا قول يدل على أنهم عصاة بذلك (5). فأما قوله تعالى (6) في ~~آخر القصة: # @QUR@01 «فذبحوها (7) وما كادوا يفعلون» فإنما يدل على أنهم (8) كادوا ~~يفرطون في آخر القصة وعند تكامل البيان، ولا (9) يدل على أنهم فرطوا في ~~أول (10) القصة. ويجوز أن يكونوا ذبحوا بعد تثاقل، ثم فعلوا ما أمروا به. # دليل آخر: ومما يدل على جواز تأخير البيان أنا قد علمنا ضرورة أنه يحسن ~~من الملك أن يدعو بعض (11) عما له فيقول له: # قد وليتك البلد الفلاني، وعولت (12) على كفايتك، فأخرج إليه PageV01P373 # في غد، أو في وقت بعينه (1) وأنا أكتب لك (2) تذكرة بتفصيل ما تعمله، ~~و(3) تأتيه، وتذره، أسلمها إليك عند توديعك لي (4) أو أنفذها (5) إليك عند ~~استقرارك في عملك. وكذلك يحسن من أحدنا أن يقول لغلامه: أنا آمرك أن تخرج ~~(6) إلى السوق يوم الجمعة، وتبتاع ما أبينه لك غداة يوم الجمعة، ويكون ~~القصد بذلك إلى (7) التأهب لقضاء الحاجة، والعزم (8) عليها، وقطع العوائق ~~والشواغل دونها. وهذا هو نظير ما أجزناه من تأخير بيان المجمل، بل هو هو ~~(9) بعينه. ولم يجر ذلك عند أحد مجرى خطاب العربي بالزنجية. # دليل آخر: وهو أنا ms159 قد أجمعنا (10) على أنه تعالى يحسن منه تأخير بيان ~~(11) مدة الفعل المأمور به والوقت الذي ينسخ (12) فيه عن وقت الخطاب، وإن ~~كان مرادا بالخطاب (13) لأنه PageV01P374 # إذا قال: صلوا، وأراد بذلك غاية معينة، فالانتهاء (1) إليها من غير تجاوز ~~لها مراد في حال الخطاب، وهو من فوائده، ومراد المخاطب به. وهذا هو (2) نص ~~مذهب القائلين بجواز تأخير بيان المجمل، ولم يجر ذلك عند أحد مجرى خطاب ~~العربي بالزنجية. # فإن قالوا: ليس يجب أن يبين في حال الخطاب كل مراد بالخطاب. # قلنا: قد (3) أصبتم، فاقبلوا في الخطاب (4) بالمجمل مثل ذلك. # فإن قالوا: لا حاجة به إلى بيان مدة النسخ وغاية العبادة، لأن ذلك بيان ~~لما يجب أن يفعله، وهو غير محتاج الآن إلى بيان ما (5) لا يجب أن يفعله، ~~وإنما يحتاج في (6) هذه الحال (7) إلى بيان صفة ما يجب أن يفعله. # قلنا: هذا هدم لكل ما تعتمدون (8) عليه في تقبيحكم تأخير البيان لأنكم ~~توجبون البيان لشيء يرجع إلى الخطاب، لا لأمر PageV01P375 # يرجع إلى إزاحة علة المكلف في الفعل، فإن كنتم إنما تمنعون من تأخير ~~البيان لأمر يرجع إلى إزاحة العلة والتمكن من الفعل، فأنتم تجيزون أن يكون ~~المكلف في حال الخطاب غير قادر ولا متمكن بالآلات، وذلك أبلغ في رفع التمكن ~~من فقد العلم بصفة الفعل. وإن (1) كان امتناعكم لأمر يرجع إلى وجوب حسن ~~الخطاب، وإلى أن المخاطب لا بد من أن يكون له طريق إلى العلم بجميع فوائده، ~~فهذا ينتقض بمدة الفعل، وغايته، لأنها (2) من جملة المراد، وقد أجزتم تأخير ~~بيانها، وقلتم بنظير قول من يجوز تأخير بيان المجمل، لأنه يذهب إلى أنه ~~مستفيد (3) بالخطاب المجمل بعض فوائده دون بعض وقد أجزتم مثله. والرجوع إلى ~~إزاحة العلة نقض منكم لهذا الاعتبار كله. # فأما الذي يدل على قبح تأخير بيان (4) العموم، فهو أن العموم لفظ موضوع ~~لحقيقته (5) والحكيم لا يجوز أن يخاطب بلفظ له حقيقة وهو لا يريدها من غير ~~أن يدل في حال خطابه على أنه متجوز باللفظ (6) ولا إشكال في قبح ms160 ذلك، ~~والعلة في قبحه أنه PageV01P376 # خطاب أريد به غير ما وضع له من غير دلالة. # والذي يدل على ذلك أنه لا يحسن أن يقول الحكيم منا لغيره: «افعل كذا» وهو ~~يريد التهديد والوعيد أو «اقتل زيدا» وهو يريد اضربه (1) الضرب الشديد ~~الذي جرت العادة بأن يسمى قتلا مجازا، ولا أن يقول: «رأيت حمارا» وهو يريد ~~رجلا بليدا، من غير دلالة تدل على ذلك، أو اضطرار إلى قصده، ومن فعل ذلك، ~~كان عندهم سفيها مذموما، وبهذا (2) المعنى بانت الحقيقة من غيرها، لأن ~~الحقيقة تستعمل بلا دليل، والمجاز لا بد معه من دليل. وليس تأخير بيان ~~المجمل جاريا هذا المجرى، لأن المخاطب بالمجمل ما أراد به إلا ما هو فيه ~~(3) حقيقة، ولم يعدل عما وضع له، ألا ترى أن (4) قوله تعالى: @QUR@05 «خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم (5)» إذا أراد به قدرا مخصوصا، فلم يرد إلا ما ~~اللفظ بحقيقته موضوع له، وكذلك إذا قال: « (6) عندي شيء» فإنما استعمل ~~اللفظ الموضوع في اللغة للإجمال فيما وضعوه له، وليس كذلك مستعمل لفظ ~~العموم وهو يريد الخصوص، لأنه PageV01P377 # أراد باللفظ ما لم يوضع له، ولم يدل عليه. # دليل آخر: ومما يدل على (1) ذلك أن الخطاب وضع للإفادة، ومن سمع لفظ ~~العموم مع تجويزه أن يكون خصوصا ويبين (2) له في المستقبل لا يستفيد في ~~هذه الحال به شيئا، ويكون وجوده كعدمه. # فإن قيل: يعتقد (3) عمومه بشرط أن لا يخص. # قلنا: ما الفرق بين قولك وبين (4) قول من يقول: يجب أن يعتقد خصوصه إلى ~~(5) أن يدل (6) مستقبلا (7) على ذلك، لأن اعتقاده للعموم مشروط، وكذلك ~~اعتقاده للخصوص. وليس بعد هذا إلا أن يقال: يعتقد أنه على أحد الأمرين إما ~~العموم أو الخصوص وينتظر وقت الحاجة، فإما أن يترك (8) على حاله فيعتقد ~~العموم، أو يدل على الخصوص فيعمل عليه. وهذا هو نص (9) قول أصحاب الوقف في ~~العموم قد صار إليه من يذهب إلى أن لفظ العموم مستغرق بظاهره على أقبح ~~الوجوه، فإن أصحاب الوقف في العموم PageV01P378 # يقطعون على أن القائل إذا ms161 قال: «اضرب الرجال» على أن المراد ثلاثة، وإنما ~~(1) يشك فيما زاد على هذا العدد، ومن جوز (2) تأخير بيان العموم يجوز في ~~وقت الحاجة أن يبين أن المراد واحد من الرجال. # دليل آخر: ومما يدل على ذلك أن القول بجواز تأخير بيان تخصيص العموم ~~يقتضى أن يكون المخاطب قد دل على الشيء بخلاف ما هو به، لأن لفظ العموم مع ~~تجرده يقتضى الاستغراق، فإذا خاطب به مطلقا، لا يخلو من أن يكون دل به على ~~الخصوص، وذلك يقتضى كونه دالا بما لا دلالة فيه، أو يكون قد دل به (3) على ~~العموم، فقد دل على خلاف مراده، لأن مراده الخصوص فكيف يدل عليه بلفظ (4) ~~العموم. # فإن قيل: إنما يستقر كونه دالا (5) عند الحاجة إلى الفعل. # قلنا: حضور (6) زمان الحاجة ليس بمؤثر في دلالة اللفظ، فإن دل اللفظ على ~~العموم فيها، فإنما يدل لشيء (7) يرجع إليه، وذلك PageV01P379 # قائم قبل وقت الحاجة. # على أن وقت الحاجة إنما يعتبر في القول الذي يتضمن تكليفا (1) فأما ما لا ~~يتعلق بالتكليف من الأخبار وضروب الكلام، يجب أن يجوز تأخير بيان ضروب ~~المجاز فيه عن وقت الخطاب إلى غيره من مستقبل الأوقات، وهذا يؤدى إلى سقوط ~~الاستفادة من الكلام، وأن وجوده في الفائدة كعدمه. # وقد استدل من دفع جواز تأخير بيان المجمل بأن قال: # خطاب (2) العربي بالزنجية لا إشكال في قبحه، ومثله الخطاب بالمجمل، ~~والعلة الجامعة بينهما (3) أنه خطاب لا يفهم منه المراد. # قالوا: وليس لأحد أن يفرق بين الأمرين بأن الخطاب بالزنجية لا يفهم منه ~~شيء من الفوائد، والمجمل (4) يستفاد منه على كل حال، لأنه تعالى إذا قال: ~~@QUR@05 «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ... @QUR@01 بها (5)»، و@QUR@02 ~~«أقيموا الصلاة»* ، فالمخاطب (6) يستفيد (7) أنه مأمور بأخذ الصدقة (8) من ~~المال (9) وإن جهل PageV01P380 # مبلغها، و(1) وقف ذلك على البيان، وهو مكلف للعزم (2) على ذلك، وتوطين ~~النفس على فعله متى بين (3) له. وكذلك في الصلاة يعلم أنه مكلف لفعل هو ~~(4) عبادة، إلا أنه لا يعرف كيفية هذه العبادة، وهو منتظر بيانها. والخطاب ~~بالزنجية بخلاف (5) هذا ms162 كله. # قالوا: وذلك أنه يمكن في الخطاب بالزنجية مثل ما خرجتموه (6) في المجمل، ~~لأن الحكيم إذا خاطب العربي بالزنجية، فلا بد من أن يقطع (7) المخاطب على ~~أنه قد (8) قصد بخطابه- وإن كان بالزنجية- إلى أمره، أو نهيه، أو إخباره ~~(9) ويجب عليه أن يعزم على فعل ما يبين (10) أنه أمره (11) به، والكف عما ~~(12) لعله يبين له أنه نهاه (13) عنه، وكرهه منه (14) ويوطن نفسه على ذلك، PageV01P381 # وتتعلق (1) مصلحته به (2) فلا (3) فرق بين الأمرين. # وإن (4) فرق (5) بينهما بأن الفائدة في الخطاب بالزنجية (6) أقل أو أشد ~~إجمالا (7) جاز أن يقال: لا اعتبار في حسن الخطاب بكثرة (8) الفائدة، لأنه ~~يحسن من الخطاب ما خرج من كونه عبثا، وقليل الفائدة في هذا الباب ككثيرها. # والجواب أن من المعلوم قبح خطاب العربي بالزنجية كما قررتم، ومن المعلوم- ~~أيضا- الذي لا يختلف العقلاء في حسنه استحسان العقلاء من الملك أن يأمر بعض ~~أمرائه بالخروج إلى بعض البلدان، وأن (9) يعمل في تدبيره على ما يكتب به ~~إليه ويوصيه (10) قبل خروجه (11) على ما تقدم بيانه، ولا يجري ذلك في ~~القبح مجرى خطاب العربي بالزنجية. وإذا (12) كنا قد علمنا من حسن المثال ~~الذي ذكرناه، مثل الذي (13) علمناه من قبح خطاب العربي PageV01P382 # بالزنجية، ومعلوم أن الذي أجزناه من تأخير بيان المجمل إنما يشبه المثال ~~الذي (1) أوردناه، دون الخطاب بالزنجية، فيجب حسن الخطاب بالمجمل، كما وجب ~~حسن نظائره (2). # وبقي أن نعلل (3) قبح ما علمنا (4) قبحه من خطاب العربي بالزنجية، ~~ونعلل (5) حسن (6) ما علمنا (7) حسنه من أمر الملك لأميره، فيعلم (8) من ~~علة ذلك ما يلحق به ما يشاركه (9) في علته. # وليس يجوز أن يعلل قبح الخطاب بالزنجية بعلة (10) يلحق به الخطاب الذي ~~ذكرناه من أمر الملك لخليفته (11) لأن ما علمنا حسنه لا يجوز أن يكون فيه ~~وجه قبح، وكذلك أن يعلل حسن الأمثلة التي ذكرناها (12) بما يلحق الخطاب ~~بالزنجية بها، لأن ما علمنا قبحه لا يجوز أن (13) يلحق بعلة من العلل بما ~~هو حسن في نفسه. # وتفسير هذه الجملة أنا متى عللنا (14) قبح الخطاب بالزنجية PageV01P383 # بأنا لا نفهم ms163 (1) بها مراد المخاطب، وجدنا ذلك فيما علمنا حسنه ضرورة من ~~خطاب الملك لخليفته، لأن (2) خليفة الملك لا يعرف من خطابه المجمل الذي ~~حكيناه (3) مراده الذي أحاله في تفصيله على البيان. # وإن عللنا قبحه بأنه مما (4) لا فائدة فيه، فقد بينا أنه يمكن أن يدعى ~~فيه فائدة، فإنه (5) لا يعدو (6) أحد أقسام الكلام المعهودة، ولا بد من أن ~~يكون المخاطب- إذا كان حكيما- مريدا لبعضها. وإن عللنا حسن الأمثلة التي ~~علمنا (7) حسنها بأنها تفيد (8) فائدة ما، أو مما يتعلق مصلحة المخاطب بها، ~~بأن يعتقد ويعزم على الامتثال عند البيان، فهذا كله قائم في الخطاب ~~بالزنجية. فلا بد من التعليل بما لا يقتضى قبح ما علمنا حسنه، ولا حسن ما ~~علمنا (9) قبحه. # ويمكن تعليل قبح الخطاب بالزنجية بأنه غير مفهوم منه نوع الخطاب، ولا أي ~~ضرب هو من ضروبه، ألا ترى أنه لا يفصل المخاطب بين كونه أمرا أو نهيا أو ~~خبرا أو استخبارا أو استفهاما PageV01P384 # أو عرضا أو تمنيا، ويجوز أن يكون شاتما له و(1) قاذفا، كما يجوز أن يكون ~~مادحا له ومثنيا عليه. وهذه النكتة تبطل فرقهم بين الأمرين بأن الخطاب ~~بالزنجية إذا وقع من حكيم، فلا بد من (2) أن يكون أمرا أو نهيا، فيجب على ~~المخاطب أن يعزم على فعل ما يبين له، لأنا قد بينا أنه قد يجوز (3) أن يخلو ~~الخطاب (4) بالزنجية من كل تكليف، وإلزام (5) إلى أن يكون شتما وقذفا وما ~~جرى مجراهما مما لا نفع فيه، فلا يمكن (6) أن يقال: إنا (7) نعزم (8) على ~~فعل ما يبين لنا، وقد علمنا أن المجمل يفصل فيه بين أنواع الخطاب وضروبه، ~~وإنما يلتبس على المخاطب (9) تفصيل ما تعلق الأمر به مما (10) هو واقف على ~~البيان، فهذه علة (11) صحيحة في قبح الخطاب بالزنجية لا نجدها (12) فيما ~~علمنا حسنه من الأمثال. # وإن شئت أن تقول (13): العلة في قبح الخطاب بالزنجية أن PageV01P385 # المخاطب لا يستفيد منه فائدة معينة منفصلة، ولا بد في كل خطاب من أن ~~يستفاد منه فائدة مفصلة (1) وإن جاز (2) أن يقترن بذلك ms164 فائدة أخرى مجملة، ~~والخطاب المجمل يستفاد منه فائدة معينة مفصلة، وإن استفاد أخرى مجملة (3) ~~لأنه تعالى إذا قال: # @QUR@02 «أقيموا الصلاة»* و@QUR@04 «خذ من أموالهم صدقة» ، فقد استفاد ~~المخاطب أنه مأمور، وقطع على ذلك، و(4) أنه مأمور بعبادة هي الصلاة أو ~~الصدقة (5) وإن شك في صفتها. # فإن قيل: و(6) أي فائدة في تقديم (7) الخطاب (8) بالمجمل وتأخير بيانه ~~إلى وقت الحاجة؟. # قلنا: لا بد من (9) أن يتعلق على الجملة (10) بذلك مصلحة دينية حتى يحسن ~~تقديم الخطاب على وقت الحاجة. ومما يمكن أن يكون وجها لحسن (11) ذلك أن ~~المكلف يعزم ويوطن نفسه على (12) PageV01P386 # الفعل إلى وقت الحاجة، وهذا العزم وما يتبعه طاعة. وهو- أيضا- مسهل للفعل ~~المأمور به. # وما لا يزال يصول به المخالف (1) من قوله: «إن العزم والاعتقاد تابعان ~~للفعل المعزوم عليه، فلا يكونان أصلا مقصودا» غير صحيح، لأنا لم نجعل العزم ~~والاعتقاد (2) أصلين، بل تابعين، لأنه يستفيد بالمجمل على كل حال وجوب ~~الفعل عليه، وإن جهل صفاته، فيجب عليه الاعتقاد والعزم تابعين لذلك (3) ~~ولكنهما على سبيل الجملة، لأنه يعتقد وجوب فعل على الجملة عليه (4) ينتظر ~~بيانه، ويعزم على أدائه على هذا الوجه. # ومن قوي ما يلزمونه أن يقال لهم: إذا جوزتم أن يخاطب بالمجمل ويكون (5) ~~بيانه في الأصول، ويكلف المخاطب الرجوع إلى الأصول، فيعرف المراد، فما ~~الذي (6) يجب أن يعتقد هذا المخاطب إلى أن يعرف (7) من الأصول المراد؟. # فإن قالوا: يتوقف عن (8) اعتقاد التفصيل، ويعتقد على الجملة PageV01P387 # أنه يمتثل ما يبين (1) له. # قلنا: أي فرق بين هذا القول وبين من جوز تأخير بيان المجمل؟. # فإذا قالوا: الفرق بينهما أنه إذا خوطب وفي الأصول البيان، فهو متمكن من ~~الرجوع إليها، ومعرفة المراد (2) وأنتم تجيزون خطابه بالمجمل من غير تمكن ~~(3) من معرفة المراد. # قلنا: إذا كان البيان في الأصول، فلا بد من زمان حتى يرجع فيه إليها، ~~فيعلم المراد، وهو في هذا الزمان قصيرا كان أو طويلا مكلف بالفعل (4) ~~ومأمور (5) باعتقاد وجوبه، والعزم على أدائه، على طريق الجملة من غير تمكن ~~من معرفة المراد وإنما (6) يصح ms165 أن يعرف (7) المراد بعد هذا الزمان، فقد ~~عاد الأمر إلى أنه مخاطب بما لا يتمكن في الحال من معرفة المراد به (8) ~~وهذا قول من جوز تأخير البيان، ولا فرق في هذا الحكم بين طويل الزمان ~~وقصيره. # فإن قالوا: هذا الزمان الذي أشرتم إليه لا يمكن فيه معرفة المراد، فيجري ~~مجرى زمان مهلة النظر الذي لا يمكن وقوع PageV01P388 # المعرفة فيه. # قلنا: ليس الأمر كذلك لأن زمان مهلة النظر لا بد منه، ولا يمكن أن تقع ~~المعرفة الكسبية (1) في أقصر منه، وليس كذلك إذا كان البيان في الرجوع إلى ~~الأصول لأنه تعالى قادر على أن يقرن (2) البيان إلى الخطاب، فلا يحتاج إلى ~~زمان للرجوع إلى تأمل الأصول (3). # ثم يقال له: إذا كان تمكنه من الرجوع إلى الأصول في معرفة البيان وإن طال ~~الزمان كافيا في حسن الخطاب، فألا جاز أن يخاطب بالزنجية، ويكلفه (4) ~~الرجوع في التفسير إلى من يعرف لغة الزنج أو (5) أن يتعلم لغة الزنج ~~ومواضعتهم، فليس ذلك بأبعد من تكليفه الرجوع إلى الأصول التي ربما طال ~~الزمان في معرفة المراد منها. # فإن قالوا: هذا تطويل (6) في البيان. # قلنا: وتكليفه الرجوع إلى تصفح الأصول ومعرفة المراد منها تطويل في ~~البيان فإذا جاز ذلك لمصلحة، جاز هذا. PageV01P389 # فإن قالوا (1): الخطاب بالزنجية وإن أمكن معرفة المراد به من جهة مترجم، ~~أو بتعلم (2) مواضعة الزنج قبيح، لأن المخاطب لا يستفيد به شيئا من ~~الفوائد. # قلنا: هذا صحيح، وبه فرقنا (3) بين الخطاب بالمجمل (4) وبالزنجية. # وإنما لم نذكر (5) ما حكى في الكتب من طرق مختلفة لمن أجاز تأخير البيان ~~من تعويل على أخبار (6) آحاد (7) وذكر أوقات الصلاة، وأشياء مختلفة مذكورة، ~~لأنه لا شيء من ذلك كله (8) يدل على موضع الخلاف. وقد تكلم (9) عليه بما ~~يبطله فلا معنى للتطويل بذكره. ### ||| . فصل في (10) جواز سماع (11) المخاطب العام (12) وإن لم يسمع الخاص # اختلف الناس (13) في هذه المسألة (14) فقال قوم من الفقهاء، أن تخصيص PageV01P390 # العام إذا لم يكن بالأدلة (1) العقلية، فلا يجوز أن يسمع العام إلا مع ~~الخاص، بل يصرف ms166 الله تعالى عن سماع ذلك إلى حين سماع الخاص، وهو قول أبي ~~علي الجبائي وقول أبي هاشم الأول. و(2) قال آخرون: يجوز أن يسمع العام وإن ~~لم يسمع الخاص، و(3) يكون مكلفا لطلب الخاص وتأمله في الأصول، فإن وجده، ~~عمل به، وإلا، عمل في (4) ظاهر العام، وهو قول النظام وقول أبي هاشم ~~الأخير. # والذي يدل على صحة المذهب الثاني أنه لا خلاف في حسن خطابه بالعام وفي ~~أدلة العقول تخصيصه، سواء استدل المكلف بالعقل على ذلك، أو لم يستدل، لأن ~~التمكن من معرفة المراد في الحالين حاصل، فكذلك (5) الحكم إذا خاطبه ~~بالعام وفي الأصول التخصيص، سواء أسمعه (6) المخصص أم لا، لأن التمكن من ~~العلم بالمراد حاصل. وإذا لم يقتض (7) ما اتفقنا (8) عليه إباحة الجهل، ~~ولا كان مثل خطاب (9) العربي بالزنجية، فكذلك ما قلناه. # . PageV01P391 ### ||| فصل في أن (1) تعليق (2) الحكم بصفة لا يدل (3) على انتفائه (4) بانتفائها. # اختلف الناس في ذلك، فقال قوم: إن انتفاء الصفة التي علق الحكم عليها لا ~~يدل على انتفاء الحكم عما ليس له تلك الصفة، وإنما يفيد تعليقه بها إثبات ~~الحكم فيما وجدت فيه (5) من غير إفادة الحكم في غيره نفيا ولا إثباتا. ~~و(6) إلى هذا المذهب ذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والمتكلمون كلهم ~~إلا من لعله شذ منهم، وهو الصحيح المستمر على الأصول. وقد صرح بهذا المذهب ~~أبو العباس بن (7) شريح، وتبعه على ذلك جماعة من شيوخ أصحاب الشافعي كأبي ~~بكر الفارسي والقفال وغيرهما. وذكر أبو العباس بن شريح ان الحكم إذا علق ~~بصفة فإنما يدل على ما (8) تناوله لفظه إذا تجرد وقد يحصل فيه قرائن يدل ~~(9) معها (10) على أن ما عداه بخلافه، نحو PageV01P392 # قوله تعالى: @QUR@05 «إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا» وقوله- جل اسمه-: ~~@QUR@07 «وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن» وقوله تعالى: # @QUR@05 «وأشهدوا ذوي عدل منكم» وقوله تعالى: @QUR@02 «فلم تجدوا (1) ماء ~~فتيمموا صعيدا (2)»* وقوله (عليه السلام): «في سائمة الغنم الزكاة». قال ~~(3): وقد يقتضى (4) ذلك أن حكم ما عداه مثل حكمه، نحو قوله تعالى: @QUR@05 ~~«ومن قتله منكم ms167 متعمدا» وقوله تعالى: # @QUR@04 «فلا تقل لهما أف» وقوله تعالى: @QUR@04 «فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم» . وهذا تصريح منه (5) بالمذهب الصحيح، وأن القول- إذا تجرد (6)- ~~لم يقتض (7) نفيا ولا إثباتا فيما عدا (8) المذكور، و(9) أن بالقرائن ~~(10) تارة يعلم (11) النفي، وأخرى الإثبات. وقد أضاف ابن شريح قوله هذا ~~إلى الشافعي، وتأول كلامه (12) المقتضى بخلاف ذلك وبناه (13) عليه. وذهب ~~أكثر أصحاب الشافعي وجمهورهم إلى PageV01P393 # أن تعليق الحكم بصفة دال بمجرده على نفي الحكم عما ليس له تلك الصفة. ~~وفيهم من ذهب إلى أن الاسم في هذا الباب كالصفة. # وفيهم من فرق بين الاسم والصفة. # والذي يدل على صحة ما اخترناه أنه قد ثبت أن تعليق الحكم بالاسم اللقب لا ~~يدل على أن ما عداه بخلافه، وثبت أن الصفة كالاسم في الإبانة والتمييز، ~~وإذا ثبت هذان الأمران صح مذهبنا. # والذي يدل على الأول أن تعليق الحكم بالاسم لو دل على أن ما عداه بخلافه، ~~لوجب أن يكون قول القائل «زيد قائم» و«عمرو طويل» و«السكر حلو (1)» مجازا ~~(2) معدولا به عن (3) الحقيقة، فإنه (4) قد يشارك زيدا وعمرا (5) في ~~القيام (6) والطول غيرهما، ويشارك السكر في الحلاوة غيره. ويجب- أيضا- أن ~~لا يمكن أن نتكلم (7) بهذه الألفاظ على سبيل الحقيقة، ومعلوم ضرورة خلاف ~~ذلك من مذهب أهل اللغة وأن هذه الألفاظ حقيقة، ومما لا يجب كونها مجازا. PageV01P394 # ويلزم على هذا المذهب أن يكون أكثر الكلام مجازا، لأن الإنسان إذا أضاف ~~إلى نفسه فعلا من قيام، وأكل، وضرب، وما جرى مجرى ذلك، ليس يضيف إليها إلا ~~ما له فيه مشارك، والإضافة إليه (1) يقتضى (2) ظاهرها على مذهب من قال ~~بدليل الخطاب نفي ذلك الأمر عمن عداه، فلا (3) تكون هذه الأوصاف في موضع من ~~المواضع إلا مجازا، وهذا يقتضى أن الكلام كله مجاز (4). # ويدل- أيضا- على ذلك أن من (5) المعلوم أنه لا يحسن أن يخبر مخبر بأن ~~زيدا طويل إلا وهو عالم بطوله، فلو كان قوله: # «زيد طويل» كما يقتضى الإخبار عن طول زيد، يقتضى نفي الطول (6) عن كل من ~~عداه، لوجب أن لا يحسن منه (7) أن يخبر ms168 بأن زيدا طويل إلا بعد أن يكون ~~عالما بأن غيره لا (8) يشاركه في الطول ويجب أن يكون علمه بحال غير المذكور ~~شرطا في حسن الخبر، كما كان علمه بحال المذكور شرطا في حسن الخبر، ومعلوم ~~خلاف ذلك. PageV01P395 # و- أيضا- فإن ألفاظ النفي مفارقة لألفاظ الإثبات في لغة العرب، ولا يجوز ~~أن يفهم من ألفاظ الإثبات النفي كما لا (1) يفهم من لفظ النفي الإثبات (2) ~~وقولنا «زيد طويل» لفظه لفظ إثبات (3) فكيف يعقل (4) منه نفي الحكم عن ~~غير المذكور، وليس هاهنا لفظ نفى. # ويمكن أن يستدل بهذه الطريقة خاصة على أن تعليق الحكم بصفة لا يدل على ~~نفيه عما ليست له، من غير حمل الصفة على الاسم. # وربما قوى- أيضا- ما ذكرناه بأن أحدا من العلماء لم يقل في ذكر الأجناس ~~الستة في خبر الربا أن تعليق الحكم بها يدل على نفي الربا عن غيرها، لأن ~~العلماء بين رجلين: أحدهما يقول ببقاء غير هذه الأجناس على الإباحة، والآخر ~~يقيس عليها غيرها. # فإن تعلق من سوى بين الاسم والصفة بأن جماعة من أهل العلم استدلوا (5) ~~على أن غير (6) الماء لا يطهر كالماء بقوله (7) تعالى: # @QUR@06 «وأنزلنا من السماء ماء طهورا» ، فنفوا الحكم عن غير الماء وهو PageV01P396 # معلق (1) بالاسم لا بالصفة، فالجواب (2) أن من فعل ذلك فقد أخطأ في ~~اللغة، وقد حكينا أن في (3) الناس من يسوي مخطئا بين الاسم والصفة في ~~تعلق (4) الحكم بكل واحد منهما. # ويمكن أن يكون من استدل بهذه الآية إنما عول (5) على أن الاسم فيها يجري ~~مجرى الصفة، لأن مطلق اسم (6) الماء يخالف مضافه، فأجراه مجرى كون (7) ~~الإبل سائمة وعاملة. # وأما الدلالة على أن الصفة كالاسم في الحكم الذي ذكرناه، فهي أن الغرض ~~من (8) وضع الأسماء في أصل اللغة هو التمييز (9) والتعريف، و(10) ليمكنهم ~~أن يخبروا (11) عمن غاب عنهم بالعبارة، كما أخبروا (12) عن الحاضر ~~بالإشارة، فوضعوا الأسماء لهذا (13) الغرض، ولما وقع الاشتراك بالاتفاق في ~~الأسماء، بطل الغرض الذي هو (14) التمييز والتعريف، فاحتاجوا إلى إدخال ~~الصفات، وإلحاقها بالأسماء (15) PageV01P397 # ليكون الاسم مع (1) الصفة بمنزلة الاسم لو ms169 لم يقع فيه اشتراك، ولو لا ~~الاشتراك الواقع في الأسماء، لما احتيج إلى الصفة، ألا ترى أنه لو لم يكن ~~في العالم من اسمه (2) «زيد» إلا شخص واحد، لكفى (3) في الإخبار عنه أن ~~يقال: «قام زيد» ولم يحتج إلى إدخال الصفة فبان بهذه الجملة أن الصفة ~~كالاسم في الغرض، وأن الصفات لبعض (4) الأسماء، فإذا ثبت ما ذكرناه في ~~الاسم، يثبت (5) فيما يجري مجراه، ويقوم مقامه. # و(6) مما يبين (7) أن الاسم كالصفة أن المخبر قد يحتاج إلى أن يخبر عن ~~شخص بعينه، فيذكره بلقبه، وقد يجوز أن يحتاج إلى أن يخبر عنه في حال دون ~~أخرى (8) فيذكره بصفته، فصارت (9) الصفة مميزة للأحوال، كما أن الأسماء ~~مميزة (10) للأعيان، فحلا (11) محلا (12) واحدا في الحكم الذي ذكرناه. # ومما يدل ابتداء على بطلان دليل الخطاب أن اللفظ إنما يدل PageV01P398 # على ما يتناوله أو على ما يكون بأن يتناوله أولى، فأما (1) أن يدل على ما ~~(2) لم يتناوله ولا (3) هو بالتناول أولى، فمحال، و(4) إذا كان الحكم ~~المعلق بصفة لم يتناول غير (5) المذكور، ولا هو بأن يتناوله أولى، لم يدل ~~إلا على ما اقتضاه لفظه. # وشرح هذه الجملة أن (6) قوله (عليه السلام): «في (7) سائمة الغنم ~~الزكاة معلوم (8) حسا وإدراكا أنه لم يتناول المعلوفة، ولا يمكن الخلاف ~~(9) فيما يدخل تحت الحس، ولا (10) هو بتناولها (11) أولى، بدلالة أن لو قال ~~(عليه السلام):» في سائمة الغنم الزكاة وفي معلوفتها (12)»، لما (13) كان ~~متناقضا، ومن شأن اللفظ إذا دل على ما لم يتناوله بلفظه لكنه بأن يتناوله ~~أولى أن يمنع من التصريح بخلافه، ألا ترى أن قوله تعالى: @QUR@04 «فلا تقل ~~لهما أف» لما تناول النهى (14) عن التأفيف بلفظه، وكان بأن يتناول (15) ~~سائر المكروه PageV01P399 # أولى، لم يجز أن (1) يتبعه ويلحقه بأن يقول: «لا تقل لهما أف (2) ~~واضربهما واشتمهما،» لأنه نقض (3) لما تقدم، فبان أن قوله- (عليه ~~السلام)-: «في سائمة الغنم الزكاة (4)» ليس بتناوله للمعلوفة (5) أولى. # والذي يدل على أن اللفظ لا يدل على ما لا يتناوله ولا يكون بالتناول (6) ~~أولى أنه لو دل على ms170 ذلك لم ينحصر مدلوله، لأن ما لا (7) يتناوله اللفظ لا ~~يتناهى، وليس بعضه بأن يدل عليه اللفظ (8) مع عدم (9) التناول بأولى من بعض. # ومما يدل- أيضا- على ما ذكرناه حسن استفهام القائل: # «ضربت طوال غلماني ولقيت أشراف جيراني» فيقال: «أ(10) ضربت القصار من ~~غلمانك أو لم تضربهم؟، ولقيت العامة من جيرانك أو لم تلقهم؟»، فلو كان ~~تعليق الحكم بالصفة يقتضى وضعه نفي الحكم عما (11) ليس له تلك الصفة ~~كاقتضائه ثبوته (12) لما له تلك الصفة، PageV01P400 # لكان هذا الاستفهام قبيحا، كما يقبح أن يستفهمه عن حكم ما يتعلق اللفظ ~~به، فلو كان الأمران مفهومين من اللفظ، لاشتركا في حسن (1) الاستفهام وقبحه. # فإن قيل: إنما يحسن الاستفهام عن (2) ذلك لمن لم يقل بدليل الخطاب، فأما ~~من تكلم بما ذكرتموه من الذاهبين إلى دليل الخطاب فهو لا يستفهم عن مراده ~~إلا على وجه واحد، وهو أن يكون أراد على سبيل المجاز خلاف ما يقتضيه دليل ~~الخطاب، فحسن استفهامه لذلك (3). # قلنا: حسن استفهام كل قائل أطلق مثل هذا الخطاب معلوم ضرورة، سواء علمنا ~~(4) مذهبه في دليل الخطاب أو شككنا (5) فيه، وأهل اللغة يستفهم بعضهم بعضا ~~في (6) مثل هذا الخطاب، وليس لهم مذهب مخصوص في دليل الخطاب. فأما تجويزنا ~~أن يكون المخاطب عدل عن الحقيقة إلى المجاز، وأن هذا هو علة حسن الاستفهام، ~~فباطل، لأنه يقتضى حسن دخول الاستفهام في كل كلام، لأنه لا PageV01P401 # كلام نسمعه (1) إلا ونحن نجوز من طريق التقدير أن يكون المخاطب به (2) ~~أراد المجاز، و(3) لم يرد الحقيقة، وفي علمنا بقبح الاستفهام في مواضع ~~كثيرة دلالة على فساد هذه العلة. على أن المخاطب لنا إذا كان حكيما، وأراد ~~المجاز بخطابه (4) قرن به ما يدل على أنه متجوز (5) ولا يحسن منه الإطلاق. # وقد استدل المخالف (6) لنا في هذه المسألة بأشياء: # منها أن تعليق الحكم بالسوم لو لم يدل على انتفائه إذا انتفت الصفة، لم ~~يكن لتعليقه بالسوم معنى، وكان عبثا. # ومنها أن تعليق الحكم بالسوم يجري مجرى الاستثناء من الغنم، ويقوم مقام ~~قوله: «ليس في ms171 الغنم إلا السائمة الزكاة» فكما (7) أنه لو قال ذلك، لوجب أن ~~تكون (8) الجملة المستثنى منها بخلاف الاستثناء، فكذلك تعليق الحكم بصفة. # ومنها أن تعليق الحكم بالشرط لما دل على انتفائه بانتفاء الشرط، فكذلك ~~الصفة، والجامع بينهما أن كل واحد منهما PageV01P402 # كالآخر في التخصيص، لأنه لا فرق بين أن يقول: «في سائمة الغنم الزكاة»، ~~وبين أن يقول: «فيها إذا كانت سائمة الزكاة». # ومنها ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) عند نزول (1) قوله تعالى: # @QUR@015 «استغفر لهم، أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن ~~يغفر الله لهم» أنه قال: «لأزيدن على السبعين»، فلو لم يعلم (2)(صلى الله ~~عليه وآله) (3) من جهة دليل الخطاب أن (4) ما فوق السبعين بخلافها، لم ~~يقل ذلك. # ومنها ما (5) روى عن عمر بن الخطاب (6): أن (7) يعلى (8) بن منبه (9) ~~(الف: منية) سأله، فقال له: «ما بالنا نقصر، وقد أمنا» فقال له: «عجبت مما ~~عجبت منه، فسألت عنه (10) رسول الله (صلى الله عليه وآله) (11) فقال: ~~صدقة تصدق (12) الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» فتعجبهما من ذلك يدل على ~~أنهما فهما من تعلق القصر بالخوف أن حال الأمن بخلافه. # ومنها ما روى أن الصحابة كلهم قالوا: «الماء من الماء منسوخ» PageV01P403 # ولا يكون ذلك منسوخا إلا من جهة دليل الخطاب، وأن لفظ الخبر يقتضى نفي ~~وجوب الاغتسال بالماء من غير إنزال الماء. # ومنها أن الأمة (1) إنما رجعت في أن التيمم لا يجب إلا عند عدم الماء إلى ~~ظاهر قوله تعالى: @QUR@04 «فلم تجدوا ماء فتيمموا»* وكذلك الصيام في ~~الكفارة، وأنه لا يجزى إلا عند عدم الرقبة إنما رجع فيه إلى الظاهر. # والجواب عن الأول أن في تعليق الحكم بالسوم فائدة، لأنا (2) به (3) نعلم ~~وجوب الزكاة في السائمة، وما كنا نعلم ذلك قبله. ويجوز أن يكون حكم ~~المعلوفة في الزكاة حكم السائمة، وإن علمناه بدليل آخر. وليس يمتنع في ~~الحكمين المتماثلين أن يعلما بدليلين (4) مختلفين بحسب المصلحة، ألا ترى ~~أن حكم ما لا يقع عليه (5) النص (6) من الأجناس في الربا حكم ms172 المنصوص ~~عليه، ومع ذلك دلنا على ثبوت الربا في الأجناس المذكورة بالنص، ووكلنا في ~~إثباته في غيرها إلى دلالة أخرى من قياس أو غيره. PageV01P404 # والجواب عن الثاني أن الاستثناء عن العموم لم يدل بلفظ نفسه على أن ما لم ~~يتناوله بخلاف حكمه، وإنما دل العموم على دخول الكل فيه، فلما أخرج ~~الاستثناء (1) بعض ما تناوله (2) العموم، علمنا حكم المستثنى بلفظ ~~الاستثناء وتناوله (3) وعلمنا أن حكم ما لم يتناوله (4) بخلافه بلفظ ~~العموم. مثال (5) ذلك أن القائل إذا قال: # «ضربت (6) القوم إلا زيدا»، فإنما يعلم بالاستثناء أن زيدا ليس بمضروب، ~~ويعلم أن ما عداه من القوم مضروب بظاهر العموم، لا من دليل الخطاب في ~~الاستثناء، وليس هذا موجودا في قوله- (عليه السلام)-: «في سائمة الغنم ~~الزكاة» لأنه (عليه السلام) ما استثنى من جملة مذكورة، و(7) لو كان لسائمة ~~الغنم اسم يختص بها من غير إضافة إلى الغنم، لتعلق (8) الزكاة به. وليس كل ~~شيء معناه معنى الاستثناء له حكم الاستثناء، لأن للاستثناء (9) ألفاظا ~~موضوعة له (10) فما (11) لم يدخل (12) فيه، لم يكن مستثنى منه ولا يكون PageV01P405 # الاستثناء واردا إلا (1) على جملة مستقلة بنفسها، وكل هذا إذا وجبت (2) ~~مراعاته، لم يجز أن يجري قوله (عليه السلام): «في سائمة الغنم الزكاة» مجرى ~~الجمل المستثنى منها. # والجواب عن الثالث أن الشرط عندنا كالصفة في أنه لا يدل على أن (3) ما ~~عداه بخلافه، وبمجرد الشرط لا يعلم ذلك، وإنما نعلمه (4) في بعض المواضع ~~بدليل منفصل، لأن تأثير الشرط أن يتعلق الحكم به، وليس (5) يمتنع أن يخلفه ~~وينوب عنه شرط آخر يجري مجراه، ولا يخرج من أن يكون شرطا، ألا ترى أن قوله ~~تعالى-: @QUR@05 «واستشهدوا شهيدين من رجالكم» إنما منع من قبول الشاهد ~~الواحد حتى ينضم (6) إليه الآخر، فانضمام الثاني إلى الأول شرط في القبول ~~(7) ثم يعلم (8) أن ضم امرأتين إلى الشاهد الأول يقوم مقام الثاني، ثم ~~يعلم بدليل أن ضم اليمين إلى الشاهد الواحد يقوم مقام الثاني، فنيابة بعض ~~الشروط عن (9) بعض أكثر من أن يحصى. PageV01P406 # والصحيح أن الحكم ms173 إذا علق (1) بغاية أو عدد، فإنه لا يدل بنفسه على أن ~~ما عداه بخلافه، لأنا إنما نعلم أن ما زاد على الثمانين في (2) حد القاذف ~~(3) لا يجوز، لأن نفى (4) ما زاد على ذلك محظور بالعقل، فإذا وردت العبادة ~~بعدد مخصوص خرجنا عن الحظر بدلالة، وبقينا فيما زاد على ذلك العدد على حكم ~~الأصل، وهو الحظر. وكذلك إذا قال الرجل لغلامه: «أعط زيدا مائة درهم» فإنا ~~نعلم (5) حظر الزائد على المذكور بالأصل. ولو قال: «أعطيت فلانا مائة ~~درهم (6)»، لم يدل لفظا ولا عقلا على أنه لم يعطه أكثر من ذلك. فأما تعليق ~~الحكم بغاية فإنما يدل على ثبوته إلى تلك الغاية، وما بعدها يعلم انتفاؤه ~~أو إثباته بدليل. وإنما علمنا في قوله تعالى: # @QUR@011 «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط (7) ~~الأسود»، وقوله تعالى: @QUR@05 «ثم أتموا الصيام إلى الليل» ، وقوله- ~~سبحانه (8): @QUR@02 «حتى يطهرن (9)» أن ما بعد الغاية بخلافها بدليل، PageV01P407 # وما يعلم بدليل غير ما يدل اللفظ عليه، كما نعلم (1) أن ما عدا السائمة ~~(2) بخلافها (3) في الزكاة، وإنما علمناه (4) بدليل. # ومن فرق بين تعليق الحكم بصفة وبين تعليقه بغاية ليس معه (5) إلا ~~الدعوى، وهو كالمناقض، لفرقه (6) بين أمرين لا فرق بينهما. # فإذا قال (7): فأي معنى لقوله تعالى: @QUR@05 «ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل» إذا كان ما بعد الليل يجوز أن يكون فيه الصوم (8). # قلنا: «وأي معنى لقوله (عليه السلام): «في سائمة الغنم الزكاة»، ~~والمعلوفة مثلها. # فإن قيل: لا يمتنع أن يكون المصلحة في أن يعلم ثبوت الزكاة في السائمة ~~بهذا النص، ويعلم (9) ثبوتها في المعلوفة بدليل آخر. # قلنا: كذلك لا يمتنع (10) فيما علق (11) بغاية حرفا بحرف (12). PageV01P408 # والصحيح أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على أن (1) ما عداه بخلافه على كل ~~حال، بخلاف قول (2) من يقول: إنه يدل على ذلك إذا كان بيانا، وإنما قلنا ~~(3) ذلك، لأن ما وضع له القول (4) لا يختلف بأن يكون مبتدأ أو بيانا، وإذا ~~لم يدل تعليق الحكم بالصفة على نفي ما عداه، فإنما لم (5) يدل (6) على ~~ذلك، لشيء ms174 يرجع إلى اللفظ، فهو في كل موضع كذلك. # والجواب عن الرابع أن ما طريقه (7) العلم لا يرجع فيه إلى أخبار الآحاد، ~~لا سيما إذا كانت ضعيفة. وهذا الخبر يتضمن أنه- (عليه السلام)- يستغفر ~~للكفار، وذلك لا يجوز، و(8) أكثر ما فيه أنه (عليه السلام) عقل أن ما فوق ~~السبعين بخلاف السبعين، فمن أين أنه (9) فهم ذلك من ظاهر الخبر من غير ~~دليل سواه؟!. # ولقائل أن يقول: أن الاستغفار لهم كان في الأصل مباحا، فلما ورد النص ~~بحظر السبعين، بقي ما زاد عليه على الأصل. PageV01P409 # وقد روى في هذا الخبر أنه (عليه السلام) قال: «لو علمت أنى إن زدت على ~~السبعين يغفر (1) الله لهم، لفعلت.»، وعلى هذه الرواية لا شبهة في الخبر. ~~والنبي (عليه السلام) أفصح وأفطن لأغراض العرب، من أين يجوز عليه مثل ذلك؟! ~~لأن معنى الآية النهى عن الاستغفار للكفار، فإنك لو أكثرت في الاستغفار ~~للكفار، ما غفر الله لهم، فعبر عن الإكثار بالسبعين، ولا فرق بينها (2) ~~وبين ما (3) زاد عليها، كما تقول (4) العرب: «لو جئتني (5) سبعين مرة ما ~~جئتك (6)» ولا فرق بين الأعداد المختلفة في هذا الغرض (7) فكأنه يقول: ~~«لو جئتني (8) كثيرا أو قليلا ما جئتك (9)» وأي عدد تضمنه لفظه، فهو ~~كغيره (10). # والجواب عن الخامس أنه- أيضا (11)- خبر واحد لا يحتج بمثله في هذا ~~الموضع. ومع ذلك لا يدل على موضع الخلاف، لأنا لا نعلم أن تعجبهما (12) من ~~القصر مع زوال (13) الخوف (14) لأجل تعليق PageV01P410 # القصر بالخوف (1) ويجوز أن يكون تعجبهما لأنهما عقلا من الآيات الواردات ~~في إيجاب الصلاة (2) وجوب الإتمام في كل حال، واعتقدا (3) أن المستثنى من ~~ذلك هو حال الخوف، فتعجبا لهذا (4) الوجه. # والجواب عن السادس أنه إذا صح قولهم: «إن الماء من الماء منسوخ»، من أين ~~لهم (5) أنهم عقلوا من ظاهره نفي وجوب الغسل من غير الماء؟، ولعلهم عملوه ~~بدليل سوى اللفظ، لأنهم إذا حكموا بأنه منسوخ، فلا بد من أن يكونوا قد ~~فهموا أن ما عداه بخلافه، فمن أين أنهم فهموا ذلك باللفظ دون دليل آخر؟. # وقد روى ms175 (6) هذا الخبر بلفظ آخر، وهو «إنما الماء من الماء» و(7) بدخول ~~(8) لفظة «إنما» يعلم (9) أن (10) ما عداه بخلافه، لأن القائل إذا قال: ~~«إنما لك عندي درهم» يفهم من قوله «وليس لك سواه». # وعلى هذا الوجه تعلق ابن عباس- (رحمه الله)- في نفي الربا عن غير ~~النسيئة، لقوله (11)- (عليه السلام): «إنما الربا في النسيئة». PageV01P411 # وقد روى هذا الخبر بلفظ آخر، وهو أنه (عليه السلام) قال: «لا ماء إلا من ~~الماء»، وعلى هذا اللفظ (1) لا شبهة في الخبر. # إن الصحابة لم تبين جهة قولها (2) في هذا الخبر (3) أنه منسوخ، وهل النسخ ~~يتناوله (4) أو دليله، أو ما علم منه بقرينة، وقد علمنا أن المذكور من ~~الحكم في اللفظ وهو وجوب الغسل بالماء من إنزال الماء ليس بمنسوخ، فمن أين ~~أن النسخ تناول دليل اللفظ دون ما علم بقرينة؟ # وليس لهم أن يقولوا: « (5) المراد بذلك الاقتصار (6) من الماء على ~~الماء»، لأنهم ليسوا بأولى منا أن نقول: « (7) المراد به أن التوضؤ (8) من ~~الماء منسوخ بوجوب الاغتسال منه (9)» فقد (10) روى أنهم كانوا يتوضئون ~~(11) من التقاء الختانين (12) فأوجب (13)(عليه السلام) الغسل في ذلك. # والجواب عن السابع أن آية التيمم، وآية الكفارات بين PageV01P412 # فيهما (1) حكم الأصل وحكم البدل، لأنه تعالى أوجب الطهارة عند وجود ~~الماء، وأوجب (2) التيمم عند عدمه. وكذلك في (3) الكفارة لأنه أوجب ~~الرقبة في الأصل، وعند عدمها (4) أوجب الصيام، فعلمنا حكم البدل والمبدل ~~جميعا بالنص، وليس (5) لدليل الخطاب في هذا مدخل. ### | باب الكلام في (6) النسخ وما يتعلق (7) به ### ||| فصل في حد النسخ ومهم أحكامه # اعلم أنه لا حاجة بناء إلى بيان معنى النسخ في أصل اللغة، ففي ذلك خلاف ~~(8) لا فائدة في بيان الصحيح منه، والمحتاج إليه بيان حده في الشرع، وعلى ~~مقتضى الأدلة الشرعية. PageV01P413 # والدليل الموصوف بأنه ناسخ (1) هو ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص ~~الأول غير ثابت في المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع ~~تراخيه عنه. # والذي يجب العلم به (2) وتقريره في النفس المعاني التي يبتنى حد النسخ ~~عليها، ثم تكون ms176 (3) العبارة بحسب (4) ما تقرر من المعاني. # والتكليف على ضربين: أحدهما مستمر، والآخر لا يستمر. # فما لا يستمر لا يدخل النسخ فيه (5). والمستمر على ضربين: أحدهما أن ~~يكون الطريق (6) الذي به (7) يعلم ثباته (8) واستمراره به يعلم (9) ~~زواله عند غاية، ولا مدخل للنسخ في ذلك. والضرب الثاني يعلم بالنص أو ~~بقرائنه استمراره، ويحتاج في معرفة زواله إلى أمر سواه، وذلك على ضربين: ~~أحدهما أن يكون ما علم زواله به يعلم عقلا كالعجز والتعذر، ولا مدخل للنسخ- ~~أيضا- (10) في ذلك. والقسم الآخر يعلم زواله بدليل شرعي، والنسخ يدخل في ~~هذا الوجه خاصة (11). PageV01P414 # وإذا تحصلت هذه الجملة، فالواجب في العبارة أن تقع بحسبها، فلك (1) أن ~~تحد (2) النسخ بأنه (3) ما دل على تغيير (4) طريقة الحكم الثابت بالنص ~~الأول في باب الاستمرار، لأن ذكر الطريقة في الحد يبين (5) أن التغيير (6) ~~لم (7) يلحق (8) نفس المراد، وإنما يلحق الإيجاب، وكان الدليل (9) ~~الثاني كشف (10) عن تغير (11) الإيجاب. # والدليل على الحقيقة هو الموصوف بأنه ناسخ، وإذا وصفوه- تعالى- بأنه ناسخ ~~للأحكام، فمن حيث فعل تعالى ما هو نسخ. وإذا قيل في الحكم أنه ناسخ، فمن ~~حيث كان دليلا، ولذلك (12) لا يكون نسخا (13) إلا (14) مع المضادة. فأما ~~المنسوخ، فهو الدليل الذي تغير حكمه بالدليل الناسخ. وقد يوصف- أيضا- ~~الحكم (15) بذلك، لأنه المقصود بالدلالة. ولأنه هو الذي يتغير. PageV01P415 # واعلم أن الناسخ والمنسوخ (1) يجب أن يكونا شرعيين، ولا يكونا عقليين، ~~ولا أحدهما، لأنه لا يقال: « (2) تحريم الخمر نسخ إباحتها» ولا: «أن (3) ~~الموت نسخ عن المكلف ما كان تكلفه (4)» (5) لما كانت هذه الأحكام عقلية (6). # ومن حق الناسخ أن يكون المراد به غير المراد بالمنسوخ (7) وسيأتي بيان ~~ذلك فيما بعد (8) بمشية الله تعالى. # ومن حقه أن يكون منفصلا عن (9) المنسوخ. ولا يوصف بهذه الصفة مع ~~الاتصال، ولا خلاف في ذلك. # ومن شرطه أن لا (10) يكون موقتا بغاية يقتضى ارتفاع ذلك الحكم. # والموقت بغاية على ضربين: أحدهما أن يعلم باللفظ من غير حاجة إلى غيره، ~~كقوله تعالى: @QUR@05 «ثم أتموا الصيام إلى الليل» والضرب الآخر أن تعلم ~~(11) الغاية على سبيل الجملة، ويحتاج في ms177 تفصيلها إلى دليل سمعي، نحو قوله ~~تعالى (12): دوموا (13) على هذا (14) الفعل PageV01P416 # إلى أن أنسخه عنكم (1)» والدليل الشرعي الوارد بزوال الحكم (2) يوصف ~~(3) بأنه ناسخ. # ومن شرط النسخ أن يكون في الأحكام الشرعية، دون أجناس الأفعال. # وينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها (4) أن يزول الحكم لا إلى بدل والثاني أن ~~يزول إلى بدل يضاده، ويكون نسخا (5). والثالث أن يزول إلى بدل يخالفه. # فأما زواله لا إلى بدل، فإنما يكون نسخا، لأنه علم به أن (6) مثل الحكم ~~الثابت بالنص المتقدم مرتفع في المستقبل. ولأنه إذا زال (7) إلى بدل، ~~فالذي أوجب كونه منسوخا زواله لا ثبوت البدل، لأنه إن ثبت من دون زوال ~~الأول، لم يكن نسخا (8). ومن حق هذا الضرب أن لا (9) يعلم نسخه إلا بدليل ~~دون الأحكام. # فأما ما يرتفع إلى بدل مخالف، فمن حقه- أيضا- أن لا (10) PageV01P417 # يعلم إلا بدليل سوى الحكم، لأن الحكم إذا لم ينافه (1) لم يعلم به كونه ~~منسوخا، ومثاله ما روى في وجوب صوم (2) شهر رمضان أنه نسخ وجوب صوم (3) ~~عاشوراء، وأن الزكاة نسخ وجوبها سائر الحقوق. ومتى قيل فيما هذه حاله: «إن ~~(4) كذا نسخ بكذا» فمجاز (5) والمراد به أن عنده (6) علم نسخ (7) الأول. # وأما النسخ بحكم يضاده، فقد يقع بثبوت (8) الحكم، وقد يقع- أيضا- بدليل، ~~وإنما كان (9) كذلك، لأن تضاد الحكمين دليل على زوال أحدهما بالآخر من حيث ~~علم أنهما لا يصح أن يجتمعا في التكليف. ولا شبهة في أن الحظر يضاد الإباحة ~~والندب (10) و(11) الوجوب- أيضا- في حكم الضد للندب والإباحة، لأن كونه ~~مباحا يقتضى نفي ما له يكون ندبا وواجبا (12) وكونه ندبا يقتضى نفي ما يكون ~~له (13) واجبا (14). PageV01P418 # ومن شرط الناسخ أن يكون في وقوع العلم به كالمنسوخ وسيأتي بيان ذلك في ~~إبطال النسخ بخبر الواحد بمشية الله تعالى. # وليس من شرط الناسخ أن يكون لفظ (1) المنسوخ، متناولا له، لأنه لا فرق ~~بين أن يعلم استمرار الحكم بظاهر الخطاب، أو يعلم ذلك بقرينة. # وليس من شرطه أن لا (2) يتأخر عن المنسوخ، كما قلنا في تخصيص العام، ~~وبيان المجمل، عند من ذهب ms178 إلى ذلك، بل الناسخ يجب تأخره كما صرحنا به في حده. # وليس من شرط النسخ التنبيه في حال الخطاب (3) في الجملة عليه، على ما ~~ظنه بعضهم، وذلك أنه لا وجه لوجوب (4) ذلك، بل هو موقوف على المصلحة، ~~فربما اقتضته، وربما لم تقتضه (5). # وليس من شرطه (6) أن لا (7) يكون اللفظ مقتضيا للتأبيد، ففي الناس من ~~ذهب إلى أنه تعالى لو قال: «افعلوا الصلاة (8) أبدا»، ما جاز النسخ، وإنما ~~يجوز (9) مع الإطلاق. وهذا باطل، لأن PageV01P419 # لفظة (1) التأبيد في التعارف يقتضى التوقيت، كقول القائل: «لازم الغريم ~~أبدا» و«تعلم العلم أبدا» وقد ثبت أن التكليف منقطع، وأن (2) انقطاعه ~~متوقع من وجوه، فكيف يمنع هذا اللفظ من النسخ ولو منع من ذلك، لمنع من ~~العجز، ووجوه التعذر. # وليس من شرط النسخ أن (3) يقع (4) بما هو أخف في (5) التكليف على ما ~~ذهب إليه بعض أهل الظاهر، وذلك أن التكليف على سبيل الابتداء، و(6) على جهة ~~النسخ إنما هو تابع (7) للمصلحة، وقد تتفق (8) المصلحة في الأشق والأخف ~~معا، وفي الأشق من زيادة التعريض (9) للثواب ما ليس في الأخف. والشبهة في ~~هذا (10) ضعيفة جدا. وقد ذكر من وقوع النسخ في القرآن بما (11) هو أشق منه ~~ما فيه كفاية، وهو معروف (12) # . PageV01P420 ### ||| فصل في الفرق (1) بين البداء والنسخ (2) والتخصيص # اعلم أن البداء في وضع اللغة هو الظهور، وإنما يقال: «بدا لفلان في كذا» ~~إذا ظهر له من علم أو ظن ما لم يكن ظاهرا (3). # وللبداء شرائط، وهي أربعة: أن يكون الفعل المأمور به واحدا، والمكلف ~~واحدا، والوجه كذلك، والوقت كذلك، فما اختص بهذه (4) الوجوه الأربعة من ~~أمر بعد نهى، أو نهى بعد أمر، اقتضى البداء. # وإنما قلنا: إن (5) ذلك يدل على البداء، لأنه لا وجه له إلا تغير حال ~~المكلف في العلم أو الظن، لأنه لو كانت حاله على ما كانت (6) عليه، لما ~~أمر بنفس (7) ما نهى عنه، أو نهى عن نفس ما أمر به مع باقي الشرائط، وكان ~~أبو هاشم يمنع في الله تعالى أن يأمر بما نهى عنه ms179 مع باقي الشرائط لوجهين: ~~أحدهما أنه (8) دلالة البداء، والآخر أنه (9) يقتضى إضافة قبيح إليه ~~تعالى إما الأمر (10) أو النهى، وهو PageV01P421 # أحد قولي أبي علي. والقول الآخر له أنه (1) يمنع من وقوعه منه- تعالى- ~~للوجه الأخير الذي ذكرناه، من اقتضائه إضافة قبيح إليه تعالى، لأن البداء ~~لا يتصور (2) فيمن (3) هو عالم بنفسه (4). # والأولى أن يمنع منه للوجهين، لأن ما من شأنه أن يدل على أمر من الأمور ~~ألا (5) يختاره القديم تعالى مع فقد مدلوله (6) لأن ذلك يجري مجرى فعل ~~(7) قبيح، ألا ترى أن فعله تعالى ما يطابق (8) اقتراح الطالب (9) ~~لتصديقه، لما كان دلالة التصديق، لم يجز أن يفعله من (10) الكذاب (11) ~~لأنه يدل على خلاف ما الحال عليه. # والنسخ إنما يخالف البداء بتغاير (12) الفعلين، فإن فعل المأمور به غير ~~المنهي عنه. وإذا تغاير الفعلان، فلا بد من تغاير الوقتين. # فكان النسخ يخالف البداء بتغاير الفعلين والوقتين. PageV01P422 # وأما (1) الفرق بين النسخ والتخصيص، فقد مضى فيما تقدم، فلا وجه لإعادته. ### ||| . فصل فيما يصح فيه معنى النسخ من أفعال المكلف # اعلم (2) أن معنى النسخ إنما يصح دخوله في حكم مستمر، لأن ما لا (3) ~~يستمر لا يدخل فيه معنى النسخ، ولا النسخ (4) نفسه. # ولا بد- أيضا- أن يكون مما يصح تغيره (5) بعد استمراره، لأنه متى كان ~~مما يستمر على حالة واحدة، لم يصح دخول النسخ ولا معناه (6) فيه. # ويختص النسخ نفسه (7) بأن يكون الحكم المستمر ثابتا بالشرع (8) وكذلك ~~زواله متى زال. # وما يجب استمراره على وجه واحد من الأفعال ينقسم إلى قسمين: # أحدهما أن يكون وجب (9) استمراره لصفة هو عليها، كوجوب الإنصاف، PageV01P423 # وقبح الكذب، والجهل. والقسم الآخر لا يجوز تغيره (1) من حيث كان كونه ~~لطفا لا يتغير، كالمعرفة بالله تعالى وعدله وتوحيده، والذي يجوز تغيره من ~~الأفعال نحو الضرر والنفع والقيام والقعود ووجوه التصرف- لأنه قد يحسن ~~تارة، ويقبح أخرى- فمعنى النسخ يجوز دخوله فيه. # فأما نفس النسخ، فإنما يدخل فيما تقدم ذكره فيما (2) ثبت (3) حكمه شرعا ~~ويزول- أيضا- كذلك. ### ||| . فصل فيما يحسن من (4) النهي بعد الأمر (5) والأمر بعد النهي # اعلم أن الأمر والنهى ms180 لا يخلو من أن يكون متناولهما واحدا، أو متغايرا: # فإن كان واحدا، فلن يحسنا إلا على وجه واحد، وهو أن يأمر بالفعل على وجه، ~~وينهى عنه على وجه آخر، وربما كانت وجوهه كثيرة يصح أن ينهى عن إيقاعه على ~~بعضها، أو يأمر (6) بذلك PageV01P424 # فأما إذا تغاير المتناول، فهو على قسمين: أحدهما أن يكون المكلف- أيضا- ~~متغايرا، فيحسن الأمر بأحدهما، والنهى عن الآخر على كل وجه، إذا قبح ~~أحدهما، وحسن الآخر. والقسم الثاني أن يكون المكلف واحدا، وينقسم إلى ~~قسمين: أحدهما أن لا يتميز له (1) أحد الفعلين من الآخر، بأن تكون (2) ~~الصورة واحدة، والوجه واحدا، فلا يجوز أن يأمره تعالى بأحدهما، وينهاه عن ~~الآخر مع فقد التمييز، فأما إذا تميز له أحدهما من الآخر، حسن الأمر والنهى ~~بحسب الحسن والقبح. ### ||| . فصل في الدلالة (3) على جواز نسخ (4) الشرائع # اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين في هذه المسألة، وإنما الخلاف فيها مع ~~اليهود. ولا معنى للكلام على اليهود في أبواب أصول الفقه، وقد تكلمنا عليهم ~~في كتابنا المعروف بالذخيرة وغيره بما فيه كفاية. ومن شذ من جملة المسلمين ~~فخالف (5) في هذه المسألة، PageV01P425 # فإنما خلافه يرجع إلى عبارة، ولا مضايقة في العبارات مع سلامة المعاني. ~~وقد ورد في الشرع من نسخ القبلة بالقبلة والعدة بالعدة ما هو واضح. وإذا ~~كان الشرع تابعا للمصلحة فلا بد مع تغيرها (1) من النسخ. ### ||| . فصل في دخول (2) النسخ في الاخبار # اعلم أن النسخ إذا دخل في الأمر والنهى، فإنما (3) هو على (4) الحقيقة ~~داخل على مقتضاهما، ومتناولهما، لا عليهما أنفسهما، والخبر في هذا الحكم ~~كالأمر والنهى، لأن مقتضاه كمقتضاهما. # وإذا كان جواز النسخ في فعل المكلف إنما يصح (5) لأمر يرجع إلى تغير (6) ~~أحوال الفعل في المصلحة، لا (7) لأمر يرجع إلى صفة الدليل، فلا فرق- إذا ~~تغيرت المصلحة- بين أن يدل على ذلك من حالها بما هو خبر، أو أمر، أو نهى، ~~وقد بينا أن قول القائل: PageV01P426 # «افعل» كقوله: «أريد منك أن تفعل»، وأن قوله: «لا تفعل» بمنزلة قوله: ~~«إني أكره أن تفعل»، وهذه الجملة ms181 تقتضي (1) جواز دخول النسخ في مقتضى ~~الأخبار، كما دخلت في مقتضى الأمر والنهى. # وإذا (2) قيل: إن الخبر متى دخله النسخ، اقتضى تجويز (3) الكذب. # قلنا: والأمر متى دخله النسخ، أوجب البداء. # فإذا قيل: إن النسخ لا يتناول عين (4) ما أريد بالأمر. # قلنا مثل ذلك في الخبر (5). # وإنما قال المتكلمون قديما أن النسخ لا يدخل في الأخبار، وأرادوا الخبر ~~عما كان، ويكون، مما لا يتعلق بالتكليف. ولا شبهة في جواز أن يدل الله ~~تعالى على جميع الأحكام الشرعية بالأخبار. ومعلوم أن النسخ- لو كان الأمر ~~على ما قدرناه (6)- متأت في الشريعة. فوضح أن الأمر على ما ذكرناه. # فأما دخول معنى النسخ في نفس الأخبار، فجائز، لأنه لا خبر PageV01P427 # كلفنا الله (1) تعالى أن نفعله إلا ويجوز أن يزيل عنا التكليف في ~~أمثاله، حتى الخبر عن التوحيد، ألا ترى أن الجنب قد منع من قراءة القرآن، ~~وقد (2) كان يجوز مثله في الشهادتين. وكون هذا الخبر صدقا لا يمنع من إزالة ~~التعبد به إذا عرض في ذلك أن يكون (3) مفسدة. # فإن قيل: أتجيزون مثل ذلك في العلم والاعتقاد. # قلنا: أما العلم الذي علمنا وجوبه لكونه مصلحة لا يتغير، كالمعرفة بالله ~~تعالى، فلا يجوز فيه النسخ، لامتناع (4) تغير حاله في وجه الوجوب. # وأما العلم بغيره، فيجوز أن يكون مفسدة، وذلك وجه قبح، فيجوز دخول (5) ~~النسخ فيه (6). ### ||| . فصل في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه # اعلم أن الحكم والتلاوة عبادتان (7) يتبعان المصلحة، فجائز PageV01P428 # دخول (1) النسخ فيهما معا، وفي كل واحدة دون الأخرى، بحسب (2) ما ~~تقتضيه (3) المصلحة. ومثال نسخ الحكم دون التلاوة نسخ الاعتداد بالحول، ~~وتقديم الصدقة أمام المناجاة. ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به، ~~لأنه من جهة خبر الآحاد، وهو ما روى أن (4) من جملة القرآن «والشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» فنسخت تلاوة ذلك. ومثال (5) نسخ الحكم ~~والتلاوة معا موجود- أيضا- في أخبار الآحاد، وهو ما روى عن عائشة أنها ~~قالت: «كان فيما أنزل الله- سبحانه- «عشر رضعات يحرمن» فنسخ (6) بخمس، وأن ~~ذلك كان (7) يتلى». ### ||| . فصل في ms182 جواز نسخ العبادة قبل فعلها # اعلم أن الشبهة في هذه المسألة كالمرتفعة، وإنما المشتبه (8) المسألة ~~التي تلي هذا الفصل، ولا بد (9) من بيان الحق فيما PageV01P429 # يشتبه (1) ولا يشتبه (2). # والصحيح أن نسخ الشيء قبل فعله وبعد مضي وقته جائز، لأن الله تعالى قد ~~يحسن أن يأمر بالفعل من يعصيه، كما يحسن أن يأمر من يطيعه، وإذا كان لو أمر ~~من أطاع (3) لجاز النسخ بلا خلاف، فكذلك (4) أمر من يعصى (5) لأن ~~بالطاعة أو المعصية لا يتغير حسن (6) النسخ التابع لتعريف المصالح في ~~المستقبل. # و- أيضا- فقد دللنا على أن الشرائع لازمة للكفار، فالنسخ قد تناولهم (7) ~~وإن عصوا ولم يفعلوا، وإذا (8) جاز ذلك فيهم (9) جاز في غيرهم. ### ||| . فصل في أنه لا يجوز نسخ (10) الشيء قبل وقت فعله # اختلف الناس في ذلك: فذهب قوم من المتكلمين ومن PageV01P430 # أصحاب الشافعي إلى أنه جائز (1) أن تنسخ (2) العبادة قبل وقت فعلها، ~~وذهب أكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه غير ~~جائز، وهو الصحيح. # والذي يدل عليه وجهان: أحدهما أنه يقتضى البداء (3) لأن شروط البداء (4) ~~التي (5) تقدم ذكرها حاصلة هاهنا. والوجه الآخر أن ذلك يقتضى إضافة قبيح ~~إلى الله تعالى إما الأمر أو النهى، لأن الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا، ~~فالأمر به قبيح، أو حسنا، فيكون النهى عنه قبيحا. # وليس يمكنهم (6) أن يقولوا: أن المكلف ليس بواحد، ولا الوقت، لأنه إبطال ~~للمسألة، من حيث كان الخلاف في هل يجوز أن ينسخ عن كل (7) مكلف بعينه ما ~~أمر (8) به في وقت بعينه بالنهي قبل حضور الوقت، فعدلوا عن ذلك إلى الشرطين ~~الأخيرين (9) إما كون الفعل (10) واحدا، أو كون الوجه أو الشرط واحدا. PageV01P431 # و(1) تغير الفعل لا يمكن فيه (2) إلا وجوه ثلاثة: أحدها أن النهى متناول ~~للفعل، والأمر الأول يتناول (3) الاعتقاد (4). وثانيها أن النهى تناول مثل ~~الفعل الذي تناوله الأمر الأول. وثالثها أن يتناول (5) الثاني خلاف ما ~~تناوله الأول (6). لأنه لا يمكنه أن يقول: يتناول (7) ضد ما تناوله ~~الأول، لأنه يوجب أنه تعالى لم يكن ناهيا عن ms183 ضد ما يوجبه ويلزمه، وصار الآن ~~ناهيا عنه، وضد الواجب لا يجوز أن يتغير، فلا مدخل لذلك (8) في النسخ. # والذي يبطل أن يكون النهى (9) تناول مثل ما تناوله الأمر أن الفعلين إذا ~~اختصا بوقت واحد (10) والوجه واحد (11) لم يجز أن يكون أحدهما مصلحة والآخر ~~مفسدة، والأمر الأول يجمعهما، فكذلك (12) النهى الثاني. ولأن التمييز ~~بينهما غير ممكن، فلا يجوز أن يتناول التكليف أحدهما دون الآخر. PageV01P432 # وأما الاعتقاد فإنهم يقولون: إنه تعالى (1) أمر بالفعل الأول وأراد ~~الاعتقاد، وتناول النهى الذي (2) بعده (3) نفس الفعل. # والجواب عنه أن لفظ الأمر تناول الفعل، فكيف نحمله على الاعتقاد، ونعدل ~~عن الظاهر. # وهذا لو صح لسقط (4) الخلاف في المسألة، لأنه أمر (5) بشيء، ونهى عن ~~غيره، والخلاف إنما هو في أن ينهى عن نفس ما أمر به. # ثم هذا الاعتقاد لا يخلو من أن يكون اعتقادا لوجوب (6) الفعل، أو لأنا ~~نفعله (7) لا محالة: فإن كان اعتقادا لوجوبه، فذلك يقتضى وجوب الفعل (8) ~~ويقبح النهى عنه. وإن كان اعتقادا لأن المكلف يفعله لا محالة، فذلك محال، ~~لأن المكلف (9) يجوز الاخترام (10) والمنع. # فإن قيل: هو أمر باعتقاد وجوب الفعل بشرط استمرار حكم الأمر (11) أو بأن ~~لا يرد (12) النهى. PageV01P433 # قلنا: هذا الاشتراط يمكن أن يقال في نفس الفعل، ولا يحتاج إلى ذكر ~~الاعتقاد. # وبعد، فإن الاعتقاد تابع للفعل: فإن وجب الفعل مطلقا، كان الاعتقاد كذلك، ~~وإن كان مشروطا، فالاعتقاد (1) مثله، لأنه تابع له (2) والشرط المذكور إن ~~دخل في الاعتقاد، فلا بد من دخوله في الفعل نفسه. # والذي يفسد أن يكون لهذا الشرط تأثير أن بقاء الأمر وانتفاء النهى لا ~~يكون وجها في قبح الفعل ولا حسنه، ولا يؤثران في وقوعه على وجه يقتضى مصلحة ~~أو مفسدة، ولا يجري ذلك مجرى ما نقوله: من أن الله تعالى قد (3) أمر ~~بالصلاة في وقت مخصوص على جهة العبادة له، ونهى عنها في ذلك الوقت على جهة ~~العبادة لغيره، لأن هذين الوجهين معقولان، ولهما تأثير في الحسن والقبح، ~~وليس كذلك بقاء الأمر وانتفاء النهى، لأن الفعل ms184 لا يحسن بالأمر، ولا يقبح ~~بالنهي، ولا لهما تأثير في الوجوه التي يقع عليها. # ويمكن أن يعترض (4) هذا الكلام بأن يقال: الأمر والنهى PageV01P434 # وإن لم يقتضيا قبح فعل ولا حسنه، ولم يؤثرا في وجه يقع الفعل عليه، فلا ~~بد إذا وقعا من الحكيم تعالى من أن يدلا، فالأمر إذا (1) وقع يدل على حسن ~~الفعل، والنهى على قبحه، وإذا دلا على قبح أو حسن، فلا بد من ثبوت وجه ~~يقتضى إما القبح أو الحسن، لأن الدلالة لا تدل إلا (2) على صحة، ألا ترى أن ~~الأمر والنهى وإن كانا (3) عندنا لا يؤثران، فإنا كلنا نستدل بأمر الله ~~تعالى على كون الفعل واقعا على وجه يستحق به الثواب، وبنهيه (4) على قبحه، ~~وكونه مما يستحق به العقاب، ونعلم (5) على (6) جهة الجملة أن كل شيء ~~أوجب علينا في الشرع فلا بد فيه (7) من وجه وجوب، وكل شيء حرم فلا بد فيه ~~من وجه قبح، وإن كنا لا نعلم جهات الوجوب والقبح على سبيل التفصيل، ولا ~~نجعل الأمر والنهى مؤثرين (8) في تلك الجهات، بل يدلان عليها (9) فما ~~المنكر على هذا من أن يأمر الله تعالى المكلف بالصلاة في وقت زوال الشمس، ~~وتكون (10) هذه الصلاة واجبة في الوقت المضروب متى استمر حكم PageV01P435 # الأمر بها، ولم يرد نهى عنها، وإن ورد النهى عنها (1) دل على (2) تغير ~~حالها، واختصاصها بوجه يقبح عليه؟ فإذا أمر بالصلاة، اعتقد وجوبها عليه متى ~~لم ينه عنها، فإذا ورد النهى اعتقد قبحها ويكون الغرض في هذا التكليف مصلحة ~~المكلف، كأنا قدرنا أنه تعالى علم (3) أنه إن (4) كلفه على هذا الوجه، ~~كان مصلحة له (5) في واجب عليه يفعله (6) أو قبيح يتجنبه (7). # والجواب أن هذه الصلاة المأمور بها عند زوال الشمس لا يخلو من أن يكون ~~فعلها في هذا الوقت مصلحة في الدين أو مفسدة: فإن كانت مصلحة (8) فبورود ~~النهى لا يتغير حالها، ويجب قبح النهى المتناول لها، وإن كانت مفسدة في ~~نفسها، فبتناول (9) الأمر أو باستمراره لا يتغير حالها، فيجب قبحها، وقبح ~~الأمر المتناول لها. ms185 # اللهم إلا أن يقال: لهذه الصلاة في هذا الوقت المخصوص وجهان (10) تقع ~~(11) على كل (12) واحد منهما، فتكون (13)- متى وقعت على PageV01P436 # أحدهما- واجبة، وإذا (1) وقعت على الآخر قبيحة، والأمر تناولها (2) على ~~جهة الحسن، والنهى تناولها على جهة القبح. # وهذا- إن قيل- (3) باطل، لأنه لو كانت لهذه (4) الصلاة جهتان (5) يقع ~~عليهما، لوجب تمييز (6) ذلك للمكلف وإعلامه إياه، ليفصل بين جهة الحسن وجهة ~~(7) القبح، كما فصل (8) بين جهة (9) كون (10) هذه الصلاة عبادة لله ~~تعالى، وبين (11) كونها عبادة لغيره. وبين وقوعها بطهارة ونية مخصوصة (12) ~~وبين وقوعها على خلاف ذلك. وتميز (13) له فيما (14) ذكرناه (15) جهة الحسن ~~من جهة القبح، فقد كان يجب أن يتميز (16) له- أيضا- (17) الجهة التي تكون ~~(18) هذه الصلاة عليها مصلحة من جهة كونها مفسدة، فلما قيل له: «صل الظهر ~~بطهارة وبنية PageV01P437 # مخصوصة (1)»، ولم يشترط (2) له شيئا (3) زائدا على الشرائط الشرعية ~~المعقولة، علمنا أن الصلاة على هذه الشروط متى وقعت في هذا الوقت كانت ~~مصلحة، فيقبح للنهي عنها. وهذه غاية ما بلغ النهاية (4) مع (5) كثرة تكرار ~~(6) الكلام على هذه المسألة في الكتب المختلفة. # وقد تعلق من خالفنا (7) في هذه المسألة بأشياء: # أولها قوله تعالى: @QUR@06 «يمحوا الله ما يشاء ويثبت» ويدخل في هذا ~~الظاهر موضع (8) الخلاف. # وثانيها أمره (9) تعالى (10) إبراهيم (عليه السلام) بذبح ابنه، ثم ~~(11) نسخه عنه قبل وقت الفعل، وفداه بذبح. # وثالثها ما روى في ليلة المعراج من أن الله تعالى أوجب في اليوم والليلة ~~خمسين صلاة، ثم راجع النبي (عليه السلام) إلى PageV01P438 # أن عادت إلى (1) خمس، وهذا نسخ (2) قبل وقت الفعل. # ورابعها أن النسخ إنما يتأتى فيما لم يفعل، وما فعل كيف ينسخ. # وخامسها أنه (3) إذا جاز منع المكلف مما أمر به بالإحرام (4) فكذلك ~~يجوز بالنهي، وإلا فما الفرق بين الأمرين (5). # وسادسها أن السيد منا قد يأمر عبده بالتجارة وغيرها بشرط أن لا ينهاه. # وسابعها أن الطهارة إنما تجب لوجوب الصلاة ومع ذلك فقد يمنع المكلف ~~بالموت عن الصلاة، وإن كان قد توضأ، فأي فرق بين منعه بالموت ومنعه ~~بالنهي؟. # وثامنها ما روى من قوله (عليه السلام) ms186 في وصف مكة: # «أحلت لي ساعة من نهار» ثم لم يقع منه (عليه السلام) قتال في ساعة ولا ساعات. # والجواب عما تعلقوا به أولا أن ظاهر الآية يقتضى محوا وإثباتا على ~~الحقيقة، وذلك لا يليق بالنسخ، وإن استعمل فيه على PageV01P439 # جهة المجاز، فالأشبه (1) بظاهر الآية ما روى من أنه تعالى يمحو من اللوح ~~المحفوظ (2) ما يشاء، ويثبت ما يشاء، لما يتعلق بذلك من صلاح الملائكة. ~~وإن (3) عدلنا عن (4) الظاهر، وحملناه على النسخ، فليس فيه أنه (5) يمحو ~~نفس (6) ما أثبته، ونحن نقول: أنه ينسخ الشرائع على الوجه الصحيح، فإذا ~~حملنا الآية على (7) النسخ، فهي كالمجمل من غير تفصيل. # والجواب عما تعلقوا به ثانيا أنه تعالى لم يأمر إبراهيم- (عليه السلام)- ~~بالذبح الذي هو فري الأوداج، بل بمقدماته، كالإضجاع له (8) وتناول المدية، ~~وما جرى مجرى ذلك، والعرب تسمى الشيء باسم مقدماته، والدليل على هذا قوله ~~تعالى: @QUR@08 «وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا» . فأما (9) جزع ~~إبراهيم، فلأنه أشفق من أن يأمره (10) بعد مقدمات الذبح بالذبح نفسه، لأن ~~العادة بذلك جارية، وأما (11) الفداء، فلا يمتنع أن يكون عما ظن أنه سيؤمر ~~(12) به PageV01P440 # من الذبح، ولا يمتنع- أيضا- أن يكون (1) عن مقدمات الذبح زائدة على ما ~~فعله لم يكن قد أمر بها، فإن الفدية لا يجب (2) أن تكون (3) من جنس ~~المفدي، لأن حلق (4) الرأس (5) قد (6) يفدى بدم ما يذبح (7). # وقد قيل- أيضا- (8): «إنه (عليه السلام) فرى أوداج ابنه، لكنه كلما (9) ~~فرى جزءا، عاد في الحال ملتحما» فقد فعل ما أمر به من الذبح، وإن لم تبطل ~~(10) الحياة. # والجواب عما تعلقوا به ثالثا أن خبر المعراج خبر واحد، وبمثله لا يثبت ~~الخلاف في هذه المسألة. وفيه مع ذلك من الشبه (11) والأباطيل ما يدل على ~~فساده، لاقتضائه نسخ الفعل قبل أن يعلم المكلف أنه مأمور به وتضمنه أن ~~المصالح الدينية تتعلق (12) بمشورة الخلق وإيثارهم. PageV01P441 # والجواب عما تعلقوا به رابعا أن النسخ إذا كان لما لم يفعل فمن أين أنه ~~لما لم يفعل (1) وقد تناوله الأمر، دون أن يكون لما لم يفعل مما ms187 قد تقدم ~~فعل نظائره، أو الأمر بها، فكأنه قيل له: «لا تفعل نظير (2) ما كنت أمرت به ~~من الصلاة الموقتة»؟!. # والجواب عما تعلقوا به خامسا أنا قد بينا فيما تقدم أن الله تعالى لا ~~يأمر بالفعل من يعلم أنه يخترم دونه. # والجواب عما تعلقوا به سادسا أن السيد إنما حسن منه ذلك مع عبده لجواز ~~البداء عليه، وذلك لا يجوز على الله تعالى. # والجواب عما تعلقوا به سابعا أن الطهارة لم تجب (3) على الواحد منا لأجل ~~وجوب الصلاة عليه، وكيف يكون كذلك، وهو لا يعلم قبل مضي وقت الصلاة وجوبها ~~عليه؟! وإنما تجب (4) الطهارة لظن وجوب الصلاة عليه، وهو يظن وجوبها عليه، ~~وإن جوز المنع. # والجواب عما تعلقوا به ثامنا أن هذا الخبر إنما يصح التعلق به (5) في ~~جواز النسخ قبل إيقاع الفعل، لا قبل وقته، وغير (6) ممتنع أن يباح له (عليه ~~السلام) من قتلهم وسلبهم ما لم يفعله، ومثل ذلك لا شبهة فيه. # . PageV01P442 ### ||| فصل في الزيادة على النص هل يكون نسخا أم لا # اختلف الناس في ذلك: فذهب قوم إلى أن الزيادة إذا غيرت حكم المزيد عليه ~~كانت نسخا. وقال آخرون: أن الزيادة على النص لا تكون (1) نسخا على كل حال، ~~وهو مذهب أكثر أصحاب الشافعي، وإليه ذهب (2) أبو علي، و(3) أبو هاشم. وقال ~~آخرون: أن الزيادة تقتضي (4) النسخ إذا كان المزيد عليه قد دل على أن ما ~~عداه بخلافه. # واعلم (5) أن الزيادة على النص تنقسم (6) إلى قسمين: زيادة متصلة، ~~وزيادة منفصلة. # والمتصلة على ضربين: مؤثرة (7) في المزيد عليه، وغير مؤثرة فيه (8). # فأما الزيادة المتصلة المؤثرة، فهي التي تغير (9) حكم المزيد عليه PageV01P443 # في الشريعة، حتى يصير لو وقع مستقبلا (1) من دون تلك الزيادة، لكان عاريا ~~من كل (2) تلك الأحكام الشرعية التي كانت له، أو بعضها، فهذه الزيادة ~~تقتضي (3) النسخ. ومثاله زيادة ركعتين على سبيل الاتصال، كما روى أن فرض ~~الصلاة كان ركعتين، فزيد في صلاة الحضر. # وإنما قلنا: إن هذه الزيادة قد غيرت (4) الأحكام الشرعية، لأنه لو (5) ~~فعل بعد ms188 زيادة الركعتين على ما كان يفعلهما (6) عليه أولا، لم يكن لهما (7) ~~حكم، وكأنه ما فعلهما (8) ويجب عليه (9) استئنافهما. ولأن مع هذه الزيادة ~~يتأخر ما يجب من تشهد وسلام، ومع فقد هذه الزيادة لا يكون كذلك. وكل ما ~~ذكرناه يقتضى تغير الأحكام الشرعية بهذه (10) الزيادة. # ولا يلزم على هذا ما نقوله من أن كل جزء من الصلاة له في استحقاق الثواب ~~حكم نفسه، ولا يقف على غيره، لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام الشرعية، ~~واستحقاق الثواب من الأحكام PageV01P444 # العقلية، وقد بينا تغير الأحكام الشرعية (1). # وعلى هذا الأصل الذي قررناه (2) لو زيد في زمان (3) الصوم زيادة، لكانت ~~هذه الزيادة تقتضي (4) النسخ، للعلة التي ذكرناها في الركعتين المتصلتين (5). # فأما زيادة ركن على أركان الحج، فليس يبين فيه أنه (6) يكون نسخا (7) ~~لانفصال بعض أركان الحج من بعض، و(8) أنه ليس بجار مجرى الصلاة والصيام. # والأولى أن تكون (9) زيادة تطهير عضو على أعضاء الطهارة ليس بنسخ. # فأما إيجاب الصلاة من غير طهارة، ثم اشتراط (10) الطهارة فيما (11) بعد ~~ذلك، فالواجب تقسيمه (12): فنقول: إن كانت هذه الصلاة يحصل (13) لها ~~بالطهارة حكم شرعي ما كان لها من قبل ذلك، فقد تغير بهذه PageV01P445 # الزيادة حكمها الشرعي (1) فيجب أن يكون نسخا. وإن لم يكن لها (2) بهذه ~~الزيادة حكم شرعي لم يكن، وليس (3) إلا تقديم (4) فعل (5) الوضوء عليها، ~~لم تكن (6) الزيادة نسخا. # ولو زاد (7) الله تعالى في كفارة الحنث رابعة، لم يكن ذلك (8) نسخا (9) ~~للثلاثة، لأن الحال في جميع الأحكام الشرعية في فعل الثلاث لم يتغير (10) ~~وهي مفعولة (11) بعد الزيادة على الحد الذي كانت تفعل (12) عليه قبلها. ~~وإنما تقتضي (13) هذه الزيادة نسخ ترك الكفارات الثلاث، لأن تركها كان ~~محرما قبل (14) هذه الزيادة، فارتفع (15) تحريمه بالزيادة. # فأما ورود التخيير على التضييق، أو (16) التضييق على التخيير، فالأولى أن ~~يقال فيما تضيق (17) بعد التخيير: أنه نسخ، لأن أحد PageV01P446 # المخير فيه خرج عن حكمه (1) الشرعي، فصار (2) منسوخا. ومثاله لزوم صوم ~~(3) شهر رمضان بعد التخيير بينه وبين الفدية. # فأما ورود التخيير بعد التضييق، فالأشبه أنه (4) لا ms189 يكون نسخا، لأن حكم ~~الأول في نفسه لم يتغير، وإنما تغير (5) حكم الترك، لأنه كان محرما، ثم صار ~~مباحا (6). # فأما ورود (7) الخبر بالشاهد واليمين، فإنه لا يكون نسخا للآية، لأنا (8) ~~قد بينا فيما تقدم أن الشاهد الثاني شرط، وليس يمتنع (9) أن يقوم مقام ~~الشرط سواه، وإذا (10) لم تمنع (11) الآية مما ورد به الخبر، لم يكن فيه ~~نسخ (12) لها. # فإذا قيل: الآية تمنع في المعنى من اليمين مع الشاهد من حيث كانت اليمين ~~هي (13) قول المدعى، فجرت مجرى دعواه. # قلنا: غير ممتنع أن لا يكون لدعواه حكم، ويكون ليمينه PageV01P447 # حكم، وإن كانا معا قولا له، ألا ترى أنه لا حكم لإنكاره، ولنكوله عن ~~اليمين حكم، ولم يجريا (1) في الشريعة (2) مجرى واحدا، وإن كانا راجعين إلى ~~قوله. وكذلك (3) لإنكاره في إسقاط الدعوى واليمين، وليمينه (4) هذا ~~الحكم، لأنها (5) تسقط الدعوى. فكذلك (6) لا يمتنع إذا حلف مع شاهد (7) أن ~~يكون لقوله (8) من الحكم ما لا يكون لدعواه إذا تجردت (9). # فأما مثال (10) الزيادة المتصلة، وإن كانت غير مؤثرة، فكزيادة العشرين ~~على حد القذف، وزيادة النفي على حد الزاني البكر، وزيادة الرجم على حد ~~المحصن. # فأما مثال (11) الزيادة (12) المنفصلة، فكزيادة صلاة سادسة، وشهر ~~للصيام (13) ثان، ولا خلاف في أن ذلك لا يقتضى نسخا، وإنما هو ابتداء عبادة. PageV01P448 # والخلاف إنما هو في الزيادة المتصلة المتعلقة (1) بالمزيد عليه، كالزيادة ~~في الحد: فمن الناس من ألحق ذلك بزيادة الركعتين على الركعتين، وفيهم من ~~(2) أجراه مجرى زيادة صلاة سادسة. # والذي يدل على أن الزيادة في الحد لا توجب (3) النسخ أنها لا تؤثر في ~~تغير حكم شرعي معقول للمزيد عليه (4) لأن من المعلوم أن المزيد عليه يفعل ~~بعد التعبد (5) بالزيادة على الحد الذي (6) يفعل عليه قبلها، وإنما يجب ضم ~~هذه الزيادة إليه من غير أن يكون إخلاله بضم هذه الزيادة مؤثرا في الأول، ~~فوجب إلحاق ذلك بابتداء التعبد. # وتعلقهم بأن الاسم واحد والسبب واحد ليس بشيء، لأنه غير ممتنع أن يكون ~~الاسم واحدا (7) والسبب (8) كذلك، ويكون ذلك ابتداء تعبد، إذا كانت ms190 ~~الأحكام الشرعية لم تتغير (9) وهي التي عليها المعول (10) في باب النسخ. PageV01P449 # وليس لهم أن يقولوا: قد تغير حكم شرعي من حيث صارت الثمانون بعض الحد ~~وكانت قبل الزيادة كله، لأن قولنا «بعض» و«كل» ليس من الأحكام الشرعية، ~~وكذلك قولنا «نهاية» و«غاية». ولأنه يلزم مثل ذلك في فرض صلاة اليوم ~~والليلة، لأن الصلاة لو زيد فيها سادسة، لكان الوصف بالكل والبعض والنهاية ~~يتغير (1) ومع ذلك فليس بنسخ، ولو أنه تعالى أوجب بدلوك الشمس صلاة أخرى، ~~لكان سبب (2) الوجوب واحدا، وإن لم يكن نسخا. # فأما تعلقهم برد الشهادة (3) وأنه كان متعلقا بالثمانين، ثم تعلق بما زاد ~~عليها، فقد تغير الحكم الشرعي، فليس بشيء، لأن رد الشهادة (4) إنما يتعلق ~~بالقذف، لا بإقامة الحد، كما يتعلق بفعل سائر الكبائر (5). # ولو سلمنا أن رد الشهادة يتعلق بالحد، لا بالقذف، لكان لنا أن نقول: إنه ~~يتعلق بكونه محدودا (6) ولا اعتبار بزيادة عدد الحد ونقصانه في الحكم الذي ~~هو رد الشهادة، كما أن الإحرام PageV01P450 # لما كان علة في تحريم الصيد، لم يختلف في ذلك كونه محرما، بحج وعمرة، أو ~~بأحدهما، لأن المعتبر كونه محرما. وكذلك لا فرق بين كونه محدثا بجهة واحدة، ~~أو بجهات، لأن المعتبر في الأحكام الشرعية كونه محدثا، من (1) غير أن ~~يكون (2) لزيادة الأحداث أو نقصانها تأثير. وجرى ذلك أيضا مجرى إباحة ~~تزويج المعتدة إذا انقضت عدتها في أن عدتها زادت أو نقصت فالحكم فيما ~~ذكرناه لا يتغير، ولا تكون (3) الزيادة في العدة أو النقصان نسخا لإباحة ~~تزويج المعتدة. # على أن هذا بعينه لازم للمخالف، لأن زيادة العبادة قد تؤثر (4) في رد ~~الشهادة وإن (5) لم يتعلق بالمزيد (6) عليه كتأثيرها (7) إذا تعلقت، لأن ~~رد الشهادة إذا كان شرطه الفسق- وقد علمنا أن الفسق يتغير (8) بزيادة ~~عبادات ونقصانها إذا وقع الإخلال (9) بها- فيجب لذلك (10) تغير الحكم في ~~رد الشهادة، وهذا يقتضى أن زيادة كل عبادة وإن PageV01P451 # لم يتعلق بغيرها، ولا (1) كانت متصلة بها، تقتضي (2) النسخ. ### ||| . فصل في أن النقصان من النص هل يقتضى النسخ أم لا (3) # اعلم أنه ms191 لا خلاف في أن النقصان من العبادة (4) يقتضى نسخ المنقوص، وإنما ~~الكلام في هل يقتضى ذلك نسخ المنقوص منه: # فذهب قوم إلى أنه يقتضى نسخ العبادة المنقوص منها، وذهب آخرون إلى أنه لا ~~يقتضى ذلك. # والواجب أن يعتبر (5) هذا النقصان، فإن كان ما بقي بعده من العبادة، متى ~~فعل، لم يكن له حكم في الشريعة، ولم يجر مجرى فعله قبل النقصان، فهذا ~~النقصان نسخ له، كما قلناه في زيادة ركعتين على ركعتين على جهة الاتصال، ~~لأن العلة في الموضعين واحدة. # وإن لم يكن الأمر على ذلك، فالنقصان ليس بنسخ لتلك العبادة (6). # ومثال ذلك أن ينقص من الحد عشرون، فإن (7) ذلك لا يكون نسخا PageV01P452 # لباقي الحد. وعلى هذا لو نقصت (1) ركعتان من جملة ركعات، لكان هذا ~~النقصان نسخا لجملة الصلاة، لأن الصلاة بعد النقصان (2) قد (3) تغير حكمها ~~الشرعي. ولو فعلت على الحد الذي كانت تفعل عليه من قبل، لم يجز (4) فجملتها ~~منسوخة. # فأما نسخ الطهارة بعد إيجابها، فهو غير مقتض لنسخ الصلاة، لأن حكم الصلاة ~~باق على ما كان عليه من قبل. ولو كان نسخ الطهارة يقتضى نسخ الصلاة، لوجب ~~مثله في نجاسة الماء وطهارته، وقد علمنا أن تغير أحكام نجاسة الماء وطهارته ~~لا يقتضى (5) نسخ الطهارة، لأنه إنما قيل له: تطهر (6) بالماء الطاهر، ثم ~~الماء (7) الطاهر منه والماء (8) النجس موقوف على البيان، وقد يتغير بزيادة ~~ونقصان، ولا يتعدى ذلك (9) التغير إلى نسخ الطهارة. # فأما نسخ القبلة، فذهب قوم إلى أنه نسخ للصلاة، وذهب آخرون إلى أنه ليس ~~بنسخ، وجعل القبلة شرطا كتقديم (10) الطهارة. PageV01P453 # والذي يجب تحصيله في هذه المسألة أن نسخ القبلة لا يخلو من أن ينسخ ~~بالتوجه إلى جهة غيرها، أو بأن يسقط وجوب التوجه إليها ويخير (1) فيما ~~عداها من الجهات، لأنه من المحال (2) أن تخلو (3) الصلاة من توجه إلى جهة ~~من الجهات. فإن كانت نسخت بضدها، كنسخ (4) التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة، ~~فلا شبهة في نسخ الصلاة، ألا ترى أنه بعد هذا النسخ لو أوقع الصلاة إلى بيت ms192 ~~المقدس على حد (5) ما كان يفعله (6) من قبل، لكان لا حكم له، بل وجوده في ~~الشرع كعدمه. وإن كانت القبلة نسخت، فإن حظر (7) عليه التوجه إلى الجهة ~~المخصوصة (8) التي كان يصلي إليها، وخير فيما عداها، فهذا- أيضا- يقتضى نسخ ~~الصلاة، لأنه لو أوقعها على الحد الذي كان يفعلها عليه من قبل، لكانت غير ~~مجزية، فصارت منسوخة على ما اعتبرناه (9). وإن نسخ وجوب التوجه إلى القبلة ~~بأن خير في جميع الجهات، لم يكن ذلك نسخا للصلاة، ألا ترى PageV01P454 # أنه لو فعلها على الحد الذي كان (1) يفعلها عليه من قبل، لكانت صحيحة ~~مجزية، وإنما نسخ التضييق بالتخيير. # فأما صوم شهر رمضان، فلا يجوز أن يكون ناسخا لصوم عاشوراء، لأن الحكمين ~~إنما يصح أن يتناسخا إذا لم يمكن اجتماعهما، وصوم شهر رمضان يجوز أن يجتمع ~~مع صوم عاشوراء، فكيف يكون ناسخا له. ومعنى هذا القول أن عند سقوط وجوب ~~صيام عاشوراء أمر (2) بصيام (3) شهر رمضان. ### ||| . فصل في جواز نسخ الكتاب بالكتاب (4) والسنة بالسنة # اعلم أن كل دليل أوجب العلم (5) والعمل فجائز النسخ به، وهذا حكم الكتاب ~~مع الكتاب، والسنة المقطوع بها مع السنة المقطوع بها (6) فلا خلاف في ذلك. # وإنما الخلاف في نسخ الكتاب بالسنة المقطوع بها، ونسخ PageV01P455 # السنة بالكتاب، وسيأتي الكلام على ذلك بإذن الله تعالى. # فأما السنة التي لا يقطع (1) بها، فالكلام في نسخ بعضها ببعض مبنى على ~~وجوب العمل بأخبار الآحاد: فمن عمل بها في الشريعة، نسخ بعضها ببعض. ومن ~~(2) لم يعمل (3) بها، لم ينسخ بها، لأن النسخ فرع وتابع لوجوب العمل. ~~وسيأتي الكلام على تفصيل ذلك بمشية الله تعالى (4). ### ||| . فصل في نسخ الإجماع والقياس وفحوى القول # اعلم أن مصنفي أصول الفقه ذهبوا كلهم إلى أن الإجماع لا يكون ناسخا، ولا ~~منسوخا، واعتلوا (5) في ذلك بأنه دليل مستقر بعد انقطاع الوحي، فلا يجوز ~~نسخه ولا النسخ به. # وهذا القدر غير كاف، لأن لقائل (6) أن يعترضه، فيقول (7): أما الإجماع ~~عندنا (8) فدلالته مستقرة (9) في كل حال قبل انقطاع الوحي، PageV01P456 # وبعده، وسنبين ذلك (1) عند الكلام ms193 في الإجماع، فإذا ثبت ذلك سقطت هذه العلة. # على أن مذهب مخالفينا في كون الإجماع حجة يقتضى أنه في الأحوال كلها (2) ~~مستقر، لأن الله تعالى أمر باتباع سبيل (3) المؤمنين، وهذا (4) حكم (5) ~~حاصل قبل انقطاع الوحي، وبعده (6). والنبي (صلى الله عليه وآله) (7) أخبر ~~(8) على مذاهبهم بأن أمته لا تجتمع على (9) خطأ، وهذا ثابت في سائر ~~الأحوال (10) فإذا كان الإجماع ثابتا في سائر الأحوال (11). وإذا كان ~~الإجماع دليلا على الأحكام، كما يدل الكتاب والسنة- والنسخ (12) لا يتناول ~~الأدلة، وإنما يتناول الأحكام التي تثبت (13) بها- فما المانع من أن يثبت ~~حكم دليل (14) بإجماع الأمة قبل انقطاع الوحي، ثم ينسخ بآية تنزل (15) أو ~~يثبت حكم بآية تنزل (16) فينسخ (17) بإجماع الأمة على خلافه. PageV01P457 # والأقرب أن يقال: إن الأمة مجتمعة على أن ما يثبت (1) بالإجماع لا ينسخ، ~~ولا ينسخ به. ولا يلتفت إلى خلاف عيسى بن أبان، وقوله: إن الإجماع ناسخ لما ~~وردت به السنة من وجوب الغسل من (2) غسل الميت. # فأما فحوى القول، فغير ممتنع نسخه، والنسخ به، لأنه جار في فهم المراد ~~(3) به مجرى الصريح، فما جاز في الصريح، جاز فيه. # وأما (4) نسخ الفحوى دون الصريح، والصريح دون الفحوى، فيجب أن يرتب القول ~~فيه على ما (5) نبينه (6) والواجب حراسة (7) الغرض فيه، ودفع (8) ~~المناقضة. وقد علمنا أنه لا يحسن أن يقول: # «لا تقل لهما: أف، واضربهما» (9) لكن يحسن أن يقول: «لا تضربهما: # وإن قلت لهما: أف»، فيجوز نسخ الأكبر، ويتبعه (10) الأصغر، ولا يجوز عكس ذلك. # وغير ممتنع أن يقال: إن الحال فيما (11) بينا (12) يخالف (13) المصالح PageV01P458 # الدينية، لأنه يمتنع أن يمنع من التأفيف (1) في الشاهد (2) إلا لأجل ~~الترفيه والتنزيه عن الإضرار به، فلا (3) يجوز أن يجامع ذلك إرادة الإضرار ~~(4) الأكبر، ومصالح الدين غير ممتنع أن يختص تارة بالأكبر (5) والأخرى ~~بالأصغر (6) فالأولى (7) جواز نسخ كل واحد مع تبقية (8) صاحبه. # فأما نسخ القياس والنسخ به (9) فمبني على أن القياس دليل في الشريعة على ~~الأحكام، وسندل (10) على بطلان ذلك عند الكلام في القياس، وإذا لم يكن ~~دليلا من أدلة الشرع لم ms194 يجز أن ينسخ، ولا ينسخ (11) به. # ومن ذهب إلى ورود العبادة به (12) يدفع (13) النسخ به (14) بأن يقول: ~~من شرط صحته أن لا يكون في الأصول ما يمنع منه، و PageV01P459 # هذا يمنع (1) من كونه ناسخا. ويمنعون من أن يكون القياس منسوخا (2) ~~بأنه (3) تابع لأصله، و(4) لا يجوز نسخه مع بقاء أصله. ### ||| . فصل في جواز نسخ القرآن بالسنة # اعلم أن السنة على ضربين: مقطوع عليها معلومة، وأخرى واردة من طريق ~~الآحاد: # فأما المقطوع عليها، فإن الشافعي ومن وافقه يذهبون إلى أنها (5) لا ينسخ ~~بها القرآن، وخالف باقي العلماء في ذلك. # وأما السنة التي لا يقطع بها فأكثر الناس على أنه لا يقع بها نسخ القرآن، ~~وخالف أهل الظاهر وغيرهم في جواز ذلك، وادعوا- أيضا- وقوعه. # والذي يبطل أن ينسخ القرآن بما ليس بمعلوم من السنة أن هذا فرع (6) مبنى ~~على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة، لأن من يجوز النسخ يعتمد على أنه ~~كما جاز (7) التخصيص به، وترك PageV01P460 # الظاهر لأجله، والعمل به في الأحكام المبتدأة (1) جاز النسخ- أيضا- به. ~~وأن دليل وجوب (2) العمل بخبر الواحد مطلق (3) غير مختص (4) فوجب حمله ~~على العموم، وإذا بطل العمل بخبر الواحد في الشرع، بما سنتكلم عليه عند ~~الكلام في الأخبار بمشية الله تعالى، بطل النسخ، لأن كل من لم يعمل به في ~~غير النسخ لا ينسخ به، فالقول (5) بالنسخ مع الامتناع من العمل أصلا خارج ~~(6) عن (7) الإجماع. # وهذا أولى مما يمضى في الكتب من (8) أن الصحابة ردت اخبار الآحاد إذا ~~كان فيها ترك للقرآن (9) لأن الخصوم لا يسلمون ذلك (10) ولأنه يلزم عليه ~~أن (11) لا يخصص الكتاب بخبر الواحد، لأن فيه (12) تركا لظاهره (13). # وليس يجب من حيث تعبدنا الله (14) بالعمل بخبر الواحد في غير PageV01P461 # النسخ- إذا سلمنا ذلك وفرضناه- أن نعديه (1) إلى النسخ بغير دليل، لأن ~~العبادة لا يمتنع اختصاصها بموضع دون موضع، فمن أين إذا وقعت العبادة ~~بالعمل به في غير النسخ، فقد وقعت في النسخ، وأحد الموضعين غير الآخر، وليس ~~هاهنا لفظ عام يدعى دخول الكل فيه؟!. # وخلاف الشافعي في أن ms195 السنة المعلومة لا ينسخ بها القرآن ضعيف جدا، لا ~~ندري كيف استمرت الشبهة فيه؟. # والذي (2) يدل على فساد هذا المذهب أن السنة المعلومة تجري (3) في وجوب ~~العلم والعمل مجرى الكتاب فكما (4) ينسخ الكتاب بعضه ببعض، كذلك (5) يجوز ~~فيه نسخه بها. # ولأن النسخ إنما يتناول الحكم، والسنة في الدلالة عليه كدلالة القرآن، ~~فيجب جواز النسخ بها. # وليس لأحد أن يقول: إن السنة تدل (6) كدلالة القرآن، لكنها (7) إذا وردت ~~بحكم يضاد القرآن، أنزل الله تعالى قرآنا PageV01P462 # يكون هو الناسخ. وذلك أن هذه دعوى لا برهان لمدعيها، ومن أين أن الأمر ~~على ذلك؟! ولو قدرنا أنه تعالى لم ينزل ذلك القرآن، كيف كان يكون حال تلك ~~السنة؟، فلا بد من الاعتراف باقتضائها النسخ. ثم إذا اجتمعا لم صار الناسخ ~~هو القرآن، دون السنة، وحكم كل واحد من الدليلين حكم صاحبه. وإذا كان نسخ ~~الحكم بحكم يضاده، فلا فرق بين أن يكشف عن ذلك الحكم المضاد سنة، أو قرآن (1). # فأما اختصاص القرآن بوجه الإعجاز، فلا تأثير له في وجه دلالته على ~~الأحكام، ولذلك قد يدل على الأحكام منه القدر الذي لا يبين فيه (2) وجه ~~الإعجاز. ولو كان هذا الفرق (3) صحيحا، لوجب مثله في ابتداء الحكم بالسنة ~~والتخصيص والبيان. ولو أنه تعالى جعل دليل نبوته إحياء ميت، ثم أنزل قرآنا ~~ليس بمعجز، لكان في الدلالة على الأحكام كهو الآن. # وقد اختلف كلام أصحاب الشافعي في هذه المسألة: فتارة يقولون: إن ذلك لا ~~يجوز عقلا، من حيث يقدح في النبوة، و PageV01P463 # يقتضى التنفير (1) وتارة أخرى يقولون: إنه جائز، إلا أن (2) السمع ورد ~~بالمنع منه. وربما (3) قالوا: إنه لم يوجد ما هذه حاله في الشرع. # فأما (4) العقل، فلا وجه فيه للمنع من ذلك عند التأمل الصحيح، لأنه تعالى ~~إذا أراد أن يدل على الحكم، فهو مخير بين أن يدل عليه بكتاب، أو سنة مقطوع ~~بها (5) لأن دلالتهما لا يتغير، ويجريان مجرى آيتين، أو سنتين. # وأما التنفير (6) فلا شبهة في ارتفاعه، لأن المعجز إذا دل على صدقه (عليه ms196 ~~السلام)، لم يكن في نسخه (7) الأحكام بسنة (8) إلا مثل ما في نسخه لها (9) ~~بما يؤديه من القرآن، وتطرق التهمة في الأمرين يمنع منه المعجز. # وأما (10) ادعاؤهم أنه لم يوجد، فخلاف في غير هذه المسألة، لأن كلامنا ~~الآن على جوازه، لا على وقوعه. PageV01P464 # وأما من ادعى أن السمع منع منه، فإنه تعلق بأشياء: # أولها قوله تعالى: @QUR@06 «وإذا بدلنا آية مكان آية» فبين تعالى أن ~~تبديل (1) الآية إنما يكون (2) بالآية (3). # وثانيها قوله تعالى: @QUR@017 «قال الذين لا يرجون لقاءنا: ائت بقرآن غير ~~هذا، أو بدله، قل: ما يكون لي أن أبدله (4) من تلقاء نفسي» فنفي تبديله ~~إلا بمثله (5). # وثالثها قوله تعالى: @QUR@08 «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~(6) إليهم» فجعله الله- تعالى (7)- مبينا للقرآن، والبيان ضد (8) النسخ، ~~والإزالة. # ورابعها قوله تعالى: @QUR@011 «ما ننسخ من آية، أو ننسها، نأت بخير منها ~~أو مثلها» . وذكروا في التعلق (9) بهذه (10) الآية وجوها: # منها (11) أنه لما قال تعالى: @QUR@05 «نأت بخير منها أو مثلها» ، كان ~~الكلام محتملا للكتاب (12) وغيره، فلما قال بعد ذلك: @QUR@03 «ألم تعلم PageV01P465 # @QUR@06 أن الله على كل شيء قدير» ، علم أنه أراد ما يختص هو (1) تعالى ~~بالقدرة عليه من القرآن المعجز. ومنها أنه قال (2) تعالى: @QUR@03 «نأت ~~بخير منها» ، فأضاف ذلك إلى نفسه، والسنة لا تضاف إليه حقيقة. ومنها أن ~~الظاهر من (3) قول القائل: «لا آخذ منك ثوبا إلا وأعطيك (4) خيرا منه» أن ~~المراد أعطيك (5) ثوبا من جنس الأول. ومنها أن الآية إنما تكون (6) خيرا ~~من الآية بأن تكون (7) أنفع منها (8) والانتفاع بالآية يكون بتلاوتها ~~وامتثال (9) حكمها، فيجب أن يكون ما يأتي به يزيد في النفع على ما ينسخه ~~في كلا الوجهين، والسنة لا يصح لها إلا أحدهما. # والجواب عما تعلقوا به أولا (10) هو أن الظاهر لا دلالة فيه على أنه ~~(11) لا يبدل الآية إلا بالآية (12) وإنما قال تعالى: @QUR@06 «وإذا بدلنا ~~آية مكان آية» . ولأن (13) الخلاف في نسخ حكم الآية، والظاهر يتناول نفس الآية. PageV01P466 # والجواب (1) عن الثاني أنه- أيضا- لا يتناول موضع الخلاف، لأنه إنما نفي ~~أن يكون ذلك من (2) جهته ms197 (3) بل بوحي (4) من الله تعالى سواء كان ذلك ~~قرآنا أو سنة. # والجواب (5) عن الثالث أن النسخ يدخل في جملة (6) البيان، لأنه بيان مدة ~~(7) العبادة وصفة (8) ما هو (9) بدل (10) منها. وقد قيل: إن المراد هاهنا ~~بالبيان التبليغ والأداء، حتى يكون القول عاما في جميع المنزل، ومتى حمل ~~على غير ذلك كان خاصا في المجمل. على أن النسخ لو انفصل عن البيان، لم ~~نمنع (11) أن يكون ناسخا وإن كان مبينا، كما لم يمنع كونه مبينا من كونه ~~مبتدئا للأحكام (12) وقد وصف الله تعالى القرآن (13) بأنه بيان (14) ولم ~~يمنع ذلك من كونه ناسخا. PageV01P467 # والجواب عن الرابع أن الآية- أيضا- لا تتناول (1) موضع الخلاف، لأنها ~~تتناول (2) نفس الآية، والخلاف في حكمها. على أن الظاهر لا يدل على أن ~~الذي يأتي (3) به يكون ناسخا، وهو موضع الخلاف، وهو إلى أن يدل على (4) ~~أنه غير ناسخ أقرب، لأنه تعالى قال: ما ننسخ من آية نأت، وهذا يدل على تقدم ~~النسخ على إنزال ما هو خير منها، فيجب أن لا (5) يكون النسخ بها وهو متقدم ~~عليها، ومعنى «خير منها» (6) أي أصلح لنا، وأنفع في ديننا، وأنا نستحق به ~~مزيد الثواب، وليس يمتنع- على هذا- أن يكون ما يدل عليه السنة من الفعل ~~الناسخ أكثر ثوابا وأنفع لنا مما دلت عليه الآية من الفعل المنسوخ. ~~والشناعة بأن السنة خير من القرآن تسقط بهذا البيان، وبأن القرآن (7)- ~~أيضا (8)- لا يقال بأن (9) بعضه خير من بعض بالإطلاق، وقد ينسخ بعضه ببعض ~~(10). فإذا فصلوا (11) وفسروا PageV01P468 # فعلنا (1) مثل ذلك. فأما إضافة ذلك إليه تعالى وأن ذلك بالكتاب (2) أليق ~~منه بالسنة، فالإضافة صحيحة على الوجهين، لأن السنة إنما هي بوحيه (3) ~~تعالى وأمره، فإضافتها إليه كإضافة كلامه. وقوله تعالى: @QUR@01 «أ(4) لم ~~تعلم أن الله على كل شيء قدير» لا يدل على صفة ما يكون به النسخ، وإنما ~~يقتضى أنه تعالى (5) قادر على أن ينسخ الفعل بما هو أصلح في الدين منه، ~~كان الدليل على ذلك (6) كتابا أو سنة. وغير مسلم أن القائل إذا قال لأحد ~~(7): لا آخذ منك ms198 كذا وكذا إلا وأعطيك (8) خيرا منه، أن الثاني يجب أن يكون ~~من جنس الأول، بل لو صرح بخلاف ذلك لحسن، لأنه لو قال: # «لا آخذ منك ثوبا إلا وأعطيك (9) فرسا (10) خيرا منه» لما كان قبيحا ~~(11) وقد بينا معنى «خيرا (12) منها». فليس يمتنع أن يكون السنة وإن (13) ~~انتفع بها من وجه واحد (14) أصلح لنا من الآية وإن كان PageV01P469 # الانتفاع بها من وجهين، لأن الانتفاع الذي هو الثواب قد يتضاعف، فلا ينكر ~~(1) أن يزيد والوجه واحد على الوجهين. على أن في درس السنة وتلاوتها- أيضا- ~~ثوابا وقربة وعبادة. ### ||| . فصل في جواز نسخ السنة بالكتاب # إنما خالف (2) الشافعي في هذه المسألة، والناس كلهم على خلاف قوله. وكل ~~شيء دللنا به على أن السنة المقطوع (3) بها تنسخ القرآن يدل على هذه ~~المسألة، بل هو هاهنا آكد (4) وأوضح، لأن للقرآن المزية (5) على (6) ~~السنة. وقولهم: لو نزلت آية تقتضي (7) نسخ سنة، لأمر الله تعالى بأن يستن ~~(8) سنة ثانية (9) تكون ناسخة للأولى (10) تحكم بغير دلالة، فمن أين لهم ~~ذلك؟! وأي فرق بينهم وبين من قال: إن الله تعالى إذا أراد أن ينسخ سنة بسنة ~~أخرى أنزل PageV01P470 # قرآنا ليكون النسخ به لا بالسنة؟! وبعد فلو سلم لهم ما اقترحوه، لم يخرج ~~القرآن من أن يكون ناسخا للسنة، بل كانا معا ناسخين، وليس ذلك بملتبس ~~بالبيان، ولا مخرج له (صلى الله عليه وآله) عن (1) كونه مبينا. # وقد استدل على جواز نسخ السنة بالقرآن بوقوع ذلك، والوقوع أكثر من ~~الجواز، و(2) ذكر أن تأخير الصلاة في وقت الخوف كان هو الواجب أولا، ثم نسخ ~~بقوله تعالى: @QUR@05 «فإن خفتم فرجالا أو ركبانا» . وإنما كان ذلك نسخا من ~~حيث كان جواز التأخير مع استيفاء الأركان كالمضاد للأداء في الوقت مع ~~الإخلال ببعض ذلك. وذكر- أيضا- أن (3) قوله تعالى: @QUR@04 «فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار» نسخ مصالحته (صلى الله عليه وآله) (4)- قريشا على رد النساء ~~(5). وأقوى من ذلك نسخ القبلة الأولى وكانت ثابتة بالسنة، بالقبلة الثانية ~~وهي معلومة بالقرآن. ### ||| . فصل فيما يعرف به كون الناسخ ناسخا والمنسوخ منسوخا # اعلم ms199 أن كون الناسخ ناسخا إنما يعلم بأن يكون لفظه يقتضى PageV01P471 # ذلك أو معناه، فمثال اقتضاء اللفظ أن يقول: نسخت كذا بكذا، ويجري مجراه ~~(1) قوله (صلى الله عليه وآله) (2): «كنت نهيتكم عن (3) زيارة القبور، ~~ألا فزوروها، وعن (4) ادخار لحوم (5) الأضاحي، ألا (6) فادخروا ما بدا ~~لكم (7)». ومثال الثاني أن يتضاد (8) حكم الناسخ والمنسوخ، ويمتنع (9) ~~اجتماعهما في التعبد، فيعلم (10) بذلك أن أحدهما ناسخ للآخر. ### ||| . فصل فيما يعرف به تاريخ الناسخ والمنسوخ # اعلم أن أقوى ما علم به التاريخ أن يكون في اللفظ، وإنما يصح أن يكون في ~~لفظة الناسخ دون المنسوخ إذا كان مذكورا على جهة التفصيل، وقد يكون على جهة ~~الجملة في لفظ (11) المنسوخ، نحو أن يقول: افعلوا كذا إلى أن أنسخه (12) ~~عنكم، ولو قال: إلى أن أنسخه (13) في وقت كذا، لكان وقت زوال العبادة ~~معلوما بلفظ PageV01P472 # إيجابها، فيخرج بذلك من باب النسخ. # وقد يعلم التاريخ- أيضا- بأن يضاف إلى وقت أو غزاة (1) يعلم بها (2) تقدم ~~وقت المنسوخ، لأن الغرض معرفة المتأخر والمتقدم (3) فلا فرق بين ذكر ~~الزمانين، أو ذكر ما يضاف إليهما (4) مما يعلم به التقدم والتأخر. # وقد ذكر- أيضا- أن يكون (5) المعلوم من حال أحد الراويين أنه صحب النبي ~~(صلى الله عليه وآله) (6) بعد ما صحبه الآخر (7) وأن عند صحبته انقطعت ~~صحبة الأول. ولا بد من أن يشترط (8) في ذلك أن يكون الذي صحبه أخيرا لم ~~يسمع منه (صلى الله عليه وآله) (9) شيئا قبل صحبته له، لأنه غير ممتنع أن ~~يراه أولا، فيسمع منه وهو كافر، أو (10) غير مصاحب، ثم يراه ثانيا، ويختص ~~بمصاحبته. # فأما إذا علم تقدم (11) أحد الحكمين وتأخر الآخر بالعادة (12) أو ما ~~يجري مجراها، فلا شك في أن (13) الثاني هو الناسخ، ومثال PageV01P473 # ذلك أن يكون حكم أحدهما مستمرا على حكم العقل (1) والآخر ثابت بالشرع. ~~ويدخل فيه أن يكون أحدهما شرعا (2) متقدما، والآخر متجددا، أو (3) أن يكون ~~أحدهما يتضمن ردا (4) على الأول، أو شرطا في الأول، إلى غير ذلك من الوجوه ~~الدالة على التقدم والتأخر. # وقد ذكر من تكلم في أصول الفقه ms200 بأن التاريخ- أيضا- يعلم بقول الصحابي، ~~وأن يحكى أن أحد الحكمين كان بعد الآخر، قالوا: لأن التاريخ نقل وحكاية لا ~~مدخل للاجتهاد فيه، فيجب أن يقبل قول الصحابي فيه. # وهذا الوجه مبنى على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة، وفرع (5) من ~~فروعه، فإذا (6) بطل وجوب العمل بخبر الواحد، بطل هذا الفرع، وإن صح فهو صحيح. # ومنهم من فرق بين قول الصحابي: إن كذا نسخ كذا، وبين نقله التاريخ، فقبل ~~قوله في التصريح بالتاريخ، ولم يقبله في قوله: # نسخ ذلك (7). PageV01P474 # ومنهم من قبل قوله في الأمرين. # والأولى على تسليم قبول أخبار الآحاد (1) أن لا يرجع إلى قوله في (2) أن ~~كذا نسخ كذا، لأن ذلك قول صريح في ذكر مذهبه، وإنما يثبت التاريخ تبعا ~~للمذهب، وإذا لم يجز عند الكل الرجوع في المذاهب إلى قوله، حتى تثبت (3) ~~صحتها (4) فكذلك (5) في هذا الباب. # ونقل التاريخ مخالف لذلك، لأنه لا يتضمن ذكر مذهب يصح فيه طريقة ~~الاجتهاد، و(6) كما لو قال في الشيء: إنه محرم، (7) لا يعمل عليه، ولو ~~قال: زمان تحريمه الزمان (8) الفلاني، لعمل (9) عليه، فكذلك (10) القول ~~فيما تقدم ذكره. PageV01P475 ### ||| تذكار # لما كان كتاب «الذريعة إلى أصول الشريعة» ضخما كبير الحجم، رأيت أن أجعله ~~في مجلدين، ليكون سهل التناول للمراجع، فأنهيت مجلده الأول إلى هنا، (آخر ~~مباحث النسخ) وسأبدأ مجلده الآخر بمباحث الخبر. هذا، وسيضاف الفهارس في آخر ~~الجزء الثاني إن شاء الله. # وأرجو منه تعالى أن يوفقني لإتمامه، إنه ولي التوفيق. # الدكتور أبو القاسم الگرجي # الذريعة إلى أصول الشريعة # الجزء الأول # تأليف # السيد علي علم الهدى # جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة # [![](../Images/logo4.png)](http://www.masaha.org) # # ![](../Images/2663-logo.jpg) # PageV01P476 # # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين (1). ### | باب الكلام في الاخبار ### ||| فصل في حد الخبر ومهم أحكامه # الواجب أن يحد الخبر بأنه (2) ما صح فيه الصدق أو الكذب، لأن حده بما ~~يمضى في الكتب بأنه ما صح (3) فيه الصدق (4) والكذب ينتقض بالأخبار التي ~~لا تكون (5) إلا صدقا، كقولنا: إنه تعالى محدث للعالم ms201 (6) أو عالم لنفسه، ~~و: إن الجهل والكذب قبيحان. # وينتقض- أيضا- بما لا يكون إلا كذبا، كنحو قولنا: إن صانع العالم محدث، ~~والكذب حسن. PageV02P001 # وقد حده قوم بأنه ما احتمل التصديق والتكذيب، فرارا من أن يقول في صادق ~~(1) وكاذب: إنهما صدقا، أو كذبا. وحد الخبر بأنه ما احتمل التصديق والتكذيب ~~صحيح في نفسه، وجار مجرى ما اخترناه من الحد. والصحيح أن الخبر عن صادق ~~وكاذب بأنهما صدقا أو كذبا لا يكون إلا كذبا، لأن مخبره ليس على (2) ما هو به. # والخبر (3) إنما يصير خبرا بقصد (4) المخبر (5)، لأن الكلام وإن تقدمت ~~المواضعة فيه فإنما يتعلق بما يفيده (6) بالقصد، لأن قول القائل: # «محمد رسول الله (7)» لا يكون خبرا عنه (عليه السلام) (8) إلا بالقصد. # وحكاية الخبر كلفظه (9) ولا تكون (10) الحكاية خبرا لارتفاع القصد. # وإظهار كلمة الكفر عند الإكراه لا يكون (11) خبرا، ولو كانت كذلك، لكانت ~~كفرا، وإنما أبيح له إظهار كلمة (12) الكفر (13) تعريضا لا إخبارا. PageV02P002 # والخبر لا يخلو من صدق أو كذب، ولا واسطة بين الأمرين، لأن للخبر تعليقا ~~بالمخبر عنه، فلا يخلو المخبر عنه من أن يكون على ما تناوله الخبر، فيكون ~~صدقا، أو (1) ليس على ما تناوله الخبر، فيكون كذبا. وإذا لم يكن بين النفي ~~والإثبات واسطة في مخبر الخبر، فلا واسطة في الخبر بين الصدق والكذب. # وقول الجاحظ: «إنه لا يكون كاذبا إلا من (2) علم كونه كذلك» باطل، لأن ~~العقلاء يصفون (3) كل مخبر علموا أن مخبر خبره ليس على ما تناوله (4) ~~خبره بأنه كاذب وإن لم يعلموا أنه عالم بذلك (5)، ولو كان العلم شرطا، ~~لوجبت (6) مراعاته كما وجب مراعاة متناول الخبر. والمسلمون يصفون اليهود ~~والنصارى بالكذب على الله، وإن كان أكثرهم لا يعلم أنه كاذب، بل يعتقد أنه ~~صادق. ولو كان الأمر (7) على ما ادعاه الجاحظ، لوجب أن يكون قول أحدنا ~~لغيره (8): «إنه كاذب ولا يعلم بأنه عالم بكذبه (9)» مناقضة، ومما لا ~~يمكن أن يكون حقا، ومعلوم خلاف PageV02P003 # ذلك. والجاحظ بنى (1) هذا على (2) مذهبه في المعارف، وأنها ضرورة، ~~واعتقاده أن من لا يعرف ms202 فهو معذور، وكونه كاذبا يقتضى الذم، فلم يتصف به ~~إلا مع العلم، وقد بينا في الذخيرة وغيرها (3) بطلان هذا المذهب، ودللنا ~~على أن المتمكن من المعرفة يقوم مقامها في لحوق الذم و(4) استحقاق العقاب. # والصدق من جنس الكذب، لأن السامع لا يفصل بينهما (5) بالإدراك، ولو ~~اختلفا في الجنس، لفصل بالإدراك بينهما. # ولم يكن الخبر خبرا لجنسه، ولا لصيغته، ولا لوجوده، بل لقصد (6) المخبر ~~إلى كونه خبرا، وكل شيء دللنا به على أن الأمر لم يكن أمرا لشيء (7) يرجع ~~إلى أحوال الأمر (8) مما قدمنا ذكره مبسوطا هو دلالة في الخبر، فلا معنى ~~لإعادته. # . PageV02P004 ### ||| فصل في أن في الاخبار ما يحصل عنده العلم # اعلم أن أصحاب المقالات حكوا (1) عن فرقة (2) تعرف (3) بالسمنية (4) ~~إنكار وقوع العلم عند شيء من الأخبار، وأنهم يقصرون العلم على الإدراك دون غيره. # والذي يدل على بطلان هذا المذهب أنا نجد من سكون نفوسنا إلى اعتقاد وجود ~~البلدان الكبار والحوادث العظام ما نجده (5) عند المشاهدات، فمن تشكك (6) ~~في أن ذلك علم يقين (7) كمن تشكك (8) في الآخر، ومن ادعى أنه ظن قوي (9) ~~كمن ادعاه في الأمرين. والأشبه- إن كانت هذه الحكاية حقا- أن يكون من خالف ~~في ذلك إنما خالف في الاسم دون المعنى، واشتبه عليه العلم بالظن، كما ~~نقوله (10) في (11) السوفسطائية. وهذا القدر كاف. # . PageV02P005 ### ||| فصل في أقسام الاخبار (1) # اعلم أن الأخبار تنقسم (2) إلى ثلاثة أقسام: أولها يعلم أن مخبره على ما ~~تناوله. وثانيها يعلم (3) أن مخبره ليس على ما تناوله. وثالثها يتوقف (4) فيه. # وما يعلم أن مخبره على ما تناوله على ضربين: أحدهما يعلم ذلك من (5) ~~حاله باضطرار، ومثاله بغير خلاف خبر (6) من أخبرنا (7) بأن السماء فوقنا ~~والأرض تحتنا، ومن أمثلتهم- على الخلاف الذي فيه، وسنذكره- الإخبار عن ~~البلدان الكبار والحوادث العظام. # والآخر أن يعلم أن (8) مخبره على ما تناوله (9) باكتساب (10) كالخبر ~~المتواتر وخبر الله تعالى (11) وخبر رسوله (صلى الله عليه وآله) وخبر ~~الأمة (12) بأجمعها. وقد ألحق قوم بهذا القسم لواحق سنتكلم (13) عليها، ~~و PageV02P006 # نبين الصحيح منها من الفاسد إذا انتهينا إليها بمشية ms203 الله تعالى. # وأما (1) الخبر الذي يعلم أن مخبره (2) ليس على ما تناوله، فينقسم إلى ~~قسمين: أحدهما (3) يعلم ذلك من حاله باضطرار (4) والثاني يعلم باكتساب ~~(5). وينقسم إلى أقسام سنذكرها إذا انتهينا (6) إلى (7) بابها بإذن الله (8). # وأما الخبر الذي لا يعلم أن مخبره على ما تناوله، ولا أنه على خلافه (9) ~~فينقسم إلى قسمين: أحدهما يجب العمل (10) به، والآخر لا يجب العمل به. ~~والذي يجب العمل به (11) ينقسم إلى وجوب عقلي بغير خلاف، كالأخبار ~~المتعلقة بالمنافع والمضار العقلية، وإلى وجوب سمعي، ومثاله الشهادات بلا ~~خلاف، وأخبار الآحاد الواردة بالأحكام الشرعية على الخلاف (12) الذي ~~سنذكره. وأما الضرب الثاني من الضربين الأولين، وهو الذي PageV02P007 # لا يجب العمل (1) به، فينقسم إلى (2) قسمين: أحدهما يقتضى الرد، ~~والثاني يجب التوقف فيه من غير تكذيب ولا تصديق. وتفصيل ذلك يجيء في موضعه ~~بمشية الله (3) تعالى. ### ||| . فصل في صفة العلم (4) الواقع عند الاخبار # اعلم أن الأخبار على ضربين (5): ضرب لا (6) يحصل عنده علم، والضرب الآخر ~~(7) يحصل (8) عنده العلم. # فأما الضرب الأول، فخارج عن (9) هذا الفصل، لأن العلم إذا لم يحصل فلا ~~كلام لنا في أنه ضروري أو مكتسب. # وأما الضرب الثاني، وهو ما يحصل عنده العلم، ينقسم قسمين: # أحدهما يحصل العلم به (10) لكل عاقل (11) يسمع تلك الأخبار، ولا يقع ~~منهم فيه شك، كأخبار البلدان والوقائع والحوادث الكبار PageV02P008 # والضرب الثاني لا يحصل (1) العلم عنده إلا لمن نظر، واستدل، وعلم (2) ~~أن المخبرين بصفة من لا (3) يكذب، ومثاله الإخبار عن معجزات النبي (صلى ~~الله عليه وآله) الخارجة عن القرآن، وما ترويه الإمامية من النص الصريح على ~~أمير المؤمنين علي (عليه السلام). # فأما القسم الأول، فذهب قوم إلى أن العلم الواقع عنده ضروري من فعل الله ~~تعالى بالعادة، وهو مذهب أبي (4) علي وأبي هاشم ومن تبعهما (5) من ~~المتكلمين والفقهاء. وذهب قوم آخرون إلى أن العلم بذلك مكتسب ليس بضروري، ~~وهو مذهب أبي القاسم (6) البلخي ومن وافقه. # والذي (7) نصرته- وهو الأقوى في نفسي- في كتاب الذخيرة والكتاب الشافي ~~التوقف عن القطع على صفة هذا العلم بأنه ضروري ms204 أو مكتسب، وتجويز كونه على ~~كل واحد من الوجهين. # وإنما قوى ذلك في نفوسنا، لأن العالم بهذه الأخبار يمكن PageV02P009 # أن يكون قد تقدم له العلم على الجملة بصفة الجماعة التي قضت العادة بأنه ~~لا يجوز أن يتفق منها الكذب، ولا أن تتوطأ عليه. # وجائز أن يكون قد عرف ذلك وتصوره، فلما أخبره (1) عن البلدان والأمصار ~~من وجده على تلك الصفة الممهدة في (2) نفسه، فعل (3) اعتقادا (4) بصدق ~~(5) هذه الأخبار، وكان ذلك الاعتقاد (6) علما، لمطابقته للجملة المتقدمة ~~الممهدة في نفسه، ويكون هذا العلم كسبا له- لا محالة- غير ضروري. # وليس لأحد أن يقول: أن إدخال التفصيل في الجملة إنما يكون فيما له أصل ~~ضروري على سبيل الجملة، كمن علم أن من شأن الظلم أن يكون قبيحا على سبيل ~~الجملة، فإذا علم في ضرر (7) بعينه أنه ظلم، فعل اعتقادا لقبحه (8) وكان ~~علما، لمطابقته الجملة المتقررة (9) وأنتم جعلتم الجملة مكتسبة، والتفصيل كذلك. PageV02P010 # وذلك (1) أنه لا فرق بين أن تكون (2) الجملة المتقررة معلومة ضرورة أو ~~اكتسابا في جواز بناء التفصيل عليها، لأن من علم منا باكتساب (3) أن من ~~(4) صح منه الفعل يجب أن يكون قادرا، والقادر يجب أن يكون حيا على سبيل ~~الجملة، ثم علم في بعض الذوات صحة الفعل، فلا بد من أن يفعل اعتقادا لأن ~~(5) تلك الذات (6) قادرة، ويكون الاعتقاد علما. وكذلك إذا علم في ذات ~~معينة أنها قادرة، وقد تقدمت الجملة التي ذكرناها، فلا بد من أن يفعل ~~اعتقادا لكونها (7) حية، ويكون هذا الاعتقاد علما. فلا فرق إذن في دخول ~~التفصيل في الجملة بين الضروري والمكتسب، و(8) كما أن ما ذكرناه ممكن جائز، ~~فممكن- أيضا- أن يكون الله تعالى يفعل لنا العلم عند سماعنا الإخبار عن ~~(9) البلدان وما جرى مجراها (10) بالعادة، وليس في العقل دليل على قطع بأحد ~~الأمرين، فالشك في PageV02P011 # ذلك غير مخل بشيء (1) من شروط التكليف. # وقد تعلق من قطع على الضرورة بوجوه: # أولها (2) أن العلم بمخبر (3) هذه (4) الأخبار لو كان مكتسبا لكان واقعا ~~عن تأمل حال المخبرين، وبلوغهم إلى الحد الذي لا يجوز ms205 أن يكذبوا وهم على ما ~~هم عليه، وهذا يوجب أن يكون من لم يستدل على ذلك ممن ليس هو من (5) أهل ~~الاستدلال والنظر من العامة والمقلدين لا يعلمون (6) البلدان والحوادث ~~الكبار، ومعلوم ضرورة الاشتراك في علم ذلك. # ومنها (7) أن حد العلم الضروري قائم في العلم بمخبر أخبار البلدان، لأنا ~~لا نتمكن من إزالة ذلك عن نفوسنا ولا الشك فيه، وهذا حد العلم الضروري. # ومنها أن اعتقاد كون هذا العلم ضروريا صارف (8) قوى عن النظر فيه ~~والاستدلال عليه، فكان يجب (9) أن يكون (10) كل من اعتقد PageV02P012 # أن هذا (1) العلم ضروري غير عالم بالبلدان والأمصار، لأن اعتقاده يصرفه ~~عن النظر، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إن طريق اكتساب (2) العلم بالفرق بين ~~الجماعة التي لا يجوز أن تكذب (3) في خبرها وبين (4) من يجوز ذلك عليه ~~قريب سهل لا يحتاج فيه (5) إلى دقيق النظر ولطيف الاستدلال، وكل عاقل يعرف ~~بالعادات الفرق بين الجماعة التي تقتضي (6) العادات بامتناع الكذب عليها ~~فيما ترويه وبين من ليس كذلك، والمنافع الدنيوية من التجارات ووجوه ~~التصرفات مبنية على حصول هذا الفرق، لأنه مستند إلى العادة، والتأمل اليسير ~~كاف فيه، والدواعي إلى حصوله قوية، لاستناد المعاملات كلها إليه (7) فلا ~~يجب في العامة ومن ليس من أهل التدقيق أن لا يعلموا مخبر هذه الأخبار. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: غير مسلم لكم ما حددتم به العلم ~~الضروري، وما تنكرون أن يكون حده ما فعله فينا من هو أقدر منا PageV02P013 # على وجه لا يتمكن من دفعه، فلا ينبغي أن تجعلوا ما تفردتم (1) به من ~~الحد دليلا على موضع الخلاف. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن العلم بالفرق بين صفة (2) الجماعة ~~التي لا يجوز عليها الكذب ويمتنع التواطؤ (3) فيها للعقلاء (4) كالملجئين ~~عند كمال عقولهم وشدة حاجتهم إلى التفتيش (5) والتصرف إلى العلم بذلك لقوة ~~الدواعي إليه والبواعث عليه، وقد يحصل للعقلاء هذا العلم قبل أن يختص بعضهم ~~بالاعتقاد الذي ذكرتم أنه صارف لهم، فإذن لا يجب خلو مخالفينا ms206 من هذه ~~العلوم على ما ادعوه. ويلزم على هذا الوجه أن لا يكون أبو القاسم (6) ~~البلخي عالما بأن المحدثات تفتقر (7) إلى محدث، لأنه يعتقد أن العلم بذلك ~~ضروري، واعتقاده هذا صارف له عن النظر، فيجب أن لا يكون عالما بذلك ولا ~~عارفا بالله تعالى ولا بشيء من صفاته، فأي شيء قالوه في البلخي قلنا مثله ~~فيما تعلقوا به. PageV02P014 # فإن قيل: إذا جوزتم أن يكون العلم بالبلدان وما جرى مجراها ضروريا، فهل ~~يشترطون (1) في وقوع هذا العلم الشروط (2) التي شرطها أبو علي وأبو هاشم، ~~أم تشترطون غيرها. # قلنا: لا بد من شرط نختص (3) نحن به، وهو أن يكون من أخبر بالخبر الذي ~~فعل الله تعالى عنده العلم الضروري لم يسبق بشبهة (4) أو تقليد إلى اعتقاد ~~نفي موجب الخبر، لأن هذا العلم (5) إذا كان مستندا إلى العادة وليس بموجب ~~عن سبب، جاز في شروطه النقصان والزيادة بحسب ما يعلم الله تعالى من ~~المصلحة. # وإنما احتجنا إلى هذا (6) الشرط لئلا يقال لنا: أي فرق بين خبر البلدان ~~والأخبار الواردة بمعجزات النبي (صلى الله عليه وآله) سوى القرآن، كحنين ~~الجذع وانشقاق القمر (7) وتسبيح الحصى وما أشبه ذلك؟!. وأي فرق (8)- أيضا- ~~بين أخبار البلدان وخبر النص الجلي على أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ~~(9) الذي تنفرد الإمامية PageV02P015 # بنقله؟! وألا أجزتم أن يكون العلم بذلك كله ضروريا كما أجزتموه في أخبار ~~البلدان؟! وغير ممتنع أن يكون السبق إلى الاعتقاد مانعا من فعل العلم ~~الضروري بالعادة، كما أن السبق إلى الاعتقاد بخلاف ما يولده النظر عند أكثر ~~مخالفينا مانع من توليد (1) النظر للعلم، فإذا جاز ذلك فيما هو سبب موجب؛ ~~فأولى أن يجوز فيما طريقه العادة. # وليس لأحد أن يقول: فيجب على هذا أن لا يفعل العلم لمن سبق إلى اعتقاد ~~نفي المعلوم (2) ويفعل لمن لم يسبق. وكان يجب أن يكون العلم الضروري حاصلا ~~لجماعة (3) المسلمين لما ذكرناه من المعجزات. وكان يجب (4)- أيضا- أن يكون ~~الإمامية عالمة بالنص ضرورة. # وذلك أنه يمكن أن نقول (5): إن المعلوم في (6) نفسه إذا كان ms207 من باب ما ~~يمكن السبق إلى اعتقاد نفيه إما لشبهة (7) أو تقليد؛ لم يجر (8) PageV02P016 # الله العادة بفعل العلم الضروري به، وإن كان مما لا يجوز أن يدعو العقلاء ~~داع إلى اعتقاد نفيه، ولا (1) يعترض شبهة في مثله، كالخبر (2) عن البلدان ~~(3)؛ جاز أن يكون العلم به ضروريا وواقعا عند الخبر بالعادة. # وليس لهم أن يقولوا: فأجيزوا (4) أن يكون في العقلاء المخالطين لنا ~~السامعين للأخبار من سبق إلى اعتقاد منع بالعادة من فعل العلم الضروري له، ~~وهذا يوجب أن يجوزوا (5) صدق من أخبركم (6) بأنه لا يعرف بعض (7) البلدان ~~الكبار والحوادث العظام مع سماعه (8) الأخبار وكمال عقله. # وذلك أنا نعلم ضرورة (9) أنه لا داعي يدعو العقلاء إلى السبق إلى اعتقاد ~~نفي بلد من البلدان، أو حادثة عظيمة من الحوادث، ولا (10) شبهة تدخل في مثل ~~ذلك، ففارق هذا الباب أخبار المعجزات والنص. PageV02P017 # فأما القوم؛ فإنهم شرطوا شروطا ثلاثة: # أولها أن يكون المخبرون أكثر من أربعة. # وثانيها أن يكونوا (1) عالمين بما أخبروا (2) عنه ضرورة. # وثالثها أن يكونوا ممن إذا وقع العلم بخبر عدد منهم وقع (3) بخبر كل عدد مثلهم. # واعتلوا في اشتراطهم أن يكونوا أكثر من أربعة، بأن قالوا: لو وقع بخبر ~~أربعة؛ لوجب وقوعه بخبر كل أربعة، فكان (4) شهود الزنا إذا شهدوا به (5) ~~عند الحاكم، فلم يقع له العلم بما شهدوا به ضرورة، أن يعلم الحاكم أنهم ~~(6) كذبوا أو بعضهم، أو أنهم شهدوا بما لم يشاهدوه (7) وهذا يقتضى أن ترد ~~(8) شهادتهم متى لم يكن مضطرا إلى صدقهم، والإجماع على خلاف ذلك. # ويمكن الطعن على هذه الطريقة بأن (9) يقال: لفظ الشهادة وإن (10) PageV02P018 # كان خبرا في المعنى، فهو (1) يخالف لفظ الخبر الذي ليس بشهادة، (2) فألا ~~جاز أن يجري الله تعالى العادة بفعل العلم الضروري عند الخبر الذي ليس فيه ~~لفظ الشهادة، ولا يفعله عند لفظ الشهادة (3) وإن كان الكل إخبارا، كما أنه ~~تعالى أجرى العادة عندهم بأن يفعله عند خبر من (4) خبر عن (5) مشاهدة، ~~ولا يفعله عند خبر من خبر عن علم استدلالي، وإن كان الكل ms208 علوما (6) ~~ويقينا؟! و(7) أما الشرط الثاني من شروطهم؛ فدليله أن جماعة المسلمين ~~يخبرون بأن الله تعالى واحد (8) وأن محمدا (صلى الله عليه وآله) (9) رسول ~~الله (10) ولا يضطر مخالفوهم من (11) الملحدة والبراهمة واليهود إلى ~~صدقهم، وإن اضطروا إلى العلم بما يخبرون به من البلدان وما أشبهها. # ودليلهم على الشرط الثالث أنه (12) لو لم يكن ذلك معتبرا؛ PageV02P019 # لجاز أن يكون في الناس من يخبره (1) الجماعة الكثيرة عن مشاهدة ولا يعلم ~~مخبرهم، وتجويز ذلك يقتضى أن يصدق (2) من خبرنا عن نفسه بأنه لا يعلم أن ~~في الدنيا بلدا (3) يعرف (4) بمصر وما جرى مجراها. # وأما (5) البلخي؛ فإنه يتعلق (6) في نصرة مذهبه بأن يقول: # لا يجوز أن يقع العلم الضروري بما ليس بمدرك، ومخبر الإخبار عن البلدان ~~أمر غائب عن إدراك من لم يشاهد ذلك، فلا يجوز أن يكون ضروريا، لأنه لو جاز ~~أن يكون العلم بالغائب عن الحواس ضروريا؛ جاز أن يكون العلم بالغائب عن ~~الحواس ضروريا؛ جاز أن يكون العلم بالمحسوس مستدلا عليه. # وربما تعلق في ذلك بأن العلم بمخبر الأخبار إنما يحصل بعد تأمل أحوال ~~المخبرين بها وصفاتهم، فدل ذلك على أنه مكتسب. # فيقال له في شبهته (7) الأولى: لم زعمت أن العلم بالغائب عن الحس لا ~~يكون ضروريا؟! أ(8) وليس الله تعالى قادرا على فعل PageV02P020 # العلم بالغائب عن الحس (1) مع غيبته؟ فما المنكر من أن يفعله بمجرى ~~العادة عند إخبار جماعة مخصوصة؟!! وليس له أن يدعى أن ذلك ليس في مقدوره، ~~كما يقول: إن العلم بذاته لا يوصف بالقدرة عليه، لأنه يذهب إلى أن العلم ~~بالمدركات قد يكون من فعل الله تعالى على بعض الوجوه، وليس يفعل العلم بذلك ~~إلا وهو في مقدوره، وليس كذلك على مذهبه العلم بذاته تعالى، لأنه لا يصح ~~(2) وقوعه منه على وجه من الوجوه. و- على هذا- أي (3) فرق بين أن يفعل ~~العلم بالمدرك عند إدراكه، وبين أن يفعل (4) هذا العلم بعينه عند بعض ~~الأخبار عنه؟! وإنما لم يجز أن يكون المشاهد مستدلا عليه، لأنه معلوم ضرورة ~~للكامل العقل، ms209 ولا يصح أن يستدل وينظر فيما يعلمه (5) ضرورة، لأن من شرط ~~صحة النظر ارتفاع العلم (6) بالمنظور فيه. PageV02P021 # وأما الشبهة الثانية، فبعيدة عن الصواب، لأنها (1) مبنية على دعوى، ومن ~~هذا الذي يسلم له من خصومه أن العلم بمخبر (2) الإخبار عن البلدان وما جرى ~~مجراها (3) يقع عقيب التأمل لصفات المخبرين؟! أو ليس خصومه من أصحاب ~~الضرورة يقولون: إنه يقع من غير تصحيح شيء من (4) التأمل لأحوال ~~المخبرين، وإنه إنما يعلم أحوال (5) المخبرين بعد حصول العلم الضروري (6) ~~بما خبروا عنه (7)؟! وأما القسم الثاني وهو ما يحصل عنده العلم بتأمل (8) ~~ونظر؛ فلا بد فيه من بيان صفة المخبرين الذين (9) يجب عند النظر في خبرهم ~~العلم على جهة (10) الاستدلال، (11) وله شروط ثلاثة: # أولها أن يبلغ المخبرون إلى (12) حد في الكثرة لا يجوز في العادة أن ~~يتفق منها (13) الكذب عن (14) المخبر. PageV02P022 # وثانيها أن يعلم أنهم لم يجمعهم على الكذب جامع، كالتواطي (1) أو ما جرى مجراه. # وثالثها أن يعلم أن اللبس والشبهة فيما أخبروا (2) عنه زائلان. # هذا إذا كانت الجماعة تخبر (3) عن المخبر (4) بلا واسطة، وإن كانت هناك ~~واسطة؛ وجب اعتبار هذه الشروط التي ذكرناها في جميع الوسائط التي بينهم ~~وبين المخبر عنه. # وتأثير هذه الشروط التي ذكرناها في العلم بصحة الخبر واضح: # أما الشرط الأول فمن حيث كنا متى لم نعلم أن الجماعة قد بلغت (5) من ~~الكثرة إلى الحد الذي لا يجوز معه اتفاق الكذب منها عن المخبر الواحد، لم ~~نأمن (6) أن يكون كذبت (7) اتفاقا، كما يجوز ذلك في الواحد والاثنين. # وأما الشرط الثاني فإنا متى لم نعلم (8) أن التواطؤ (9) و(10) ما PageV02P023 # حل (1) محله مرتفع، جوزنا أن يكون التواطؤ (2) وما جرى مجراه هو الجامع ~~لها (3) على الكذب. # وأما الشرط الثالث، فمن المعلوم أن الشبهة قد تدعوا إلى الكذب، وتجمع ~~(4) الجماعات عليه، كإخبار الخلق الكثير من المبطلين عن مذاهبهم الباطلة ~~لأجل الشبهة الداخلة عليهم، وقامت هاهنا (5) الشبهة مقام التواطؤ (6) في ~~الجمع على الكذب، ولا فصل فيما اشترطنا فيه ارتفاع الشبهة واللبس بين (7) ~~أن يكون المخبر عنه مشاهدا ms210 أو غير مشاهد (8) في صحة (9) دخول الشبهة فيه ~~(10) لأن اليهود والنصارى مع كثرتهم نقلوا صلب المسيح (عليه السلام) لما ~~التبس عليهم، فظنوا أن الشخص الذي رأوه مصلوبا هو المسيح (عليه السلام). ~~وقيل: إن سبب دخول الشبهة هو أن المصلوب قد تتغير (11) خلقته (12) وتتنكر ~~صورته. ولأن بعد المصلوب (13) عن العين يقتضى اشتباهه بغيره. PageV02P024 # والوجه في اشتراط ثبوت (1) هذه الشروط في جميع الطبقات المتوسطة بيننا ~~وبين المخبر عنه أن ذلك متى (2) لم يكن معلوما؛ جوزنا أن الجماعة التي ~~تلينا صادقة، ومن خبرت عنه (3) قد (4) يجوز أن يتفق منه (5) الكذب. وعند ~~تكامل هذه الشروط نعلم (6) كون الخبر (7) صدقا، لأنه إذا لم ينفك من كونه ~~إما كذبا أو صدقا، فبطل كونه كذبا، لأنه لو كان كذلك، لكان إنما وقع ~~اتفاقا، أو لتواطؤ (8) أو (9) عن شبهة، فإذا بطل (10) ذلك كله، فلا بد من ~~كونه صدقا. # وبقي علينا أن ندل (11) على الطريق الموصل إلى العلم (12) بثبوت (13) ~~هذه الشرائط. # أما اتفاق الكذب عن المخبر الواحد، فإنه لا يقع من الجماعات، PageV02P025 # والعلم باستحالة ذلك وأن حال الجماعة يخالف (1) حال الواحد ضروري، ولهذا ~~جاز أن يخبر أحد (2) من حضر (3) الجامع في يوم الجمعة كاذبا بأن الإمام ~~تنكس على أم رأسه من المنبر، ولا يجوز أن يخبر بذلك جميع من حضر (4) الجامع ~~وهم (5) كاذبون، إلا لتواطؤ (6) أو ما جرى مجراه. وقد شبه (7) امتناع ذلك ~~من الجماعة باستحالة اجتماع الجماعات على نظم بيت من الشعر (8) على صفة ~~واحدة، واجتماعهم على تصرف مخصوص، وأكل شيء معين من غير سبب جامع. وشبه- ~~أيضا- بما نعلمه (9) من (10) استحالة أن يخبر أحدنا من غير علم عن أمور ~~كثيرة، فيكون الخبر بالاتفاق صدقا، و(11) من المعلوم جواز أن يخبر الجماعة ~~الكثيرة بالصدق من غير تواطؤ (12) وما جرى مجراه (13). ولا يجوز مثل ذلك ~~في الكذب، لأن الصدق PageV02P026 # يجري في العادة مجرى ما فيه سبب جامع من تواطؤ (1) أو (2) ما جرى مجراه، ~~لأن علم المخبر بكون الخبر صدقا داع إلى الإخبار، وليس كذلك الكذب، لأن ~~الكذب يحتاج إلى جامع عليه ms211 وداع إليه. # فأما ما به يعلم فقد التواطؤ (3)؛ فإن الجماعات التي تروي الخبر ربما ~~بلغت من الكثرة (4) إلى حد يستحيل عليها (5) معه التواطؤ (6) بالمراسلة أو ~~المكاتبة وعلى كل وجه، لأنا نعلم ضرورة أن جميع أهل بغداد لا يجوز أن ~~يواطئوا (7) مع (8) أهل الشام لا باجتماع ومشافهة ولا بمراسلة (9) ~~ومكاتبة. على أن التواطؤ (10) فيمن يصح ذلك فيه (11) من الجماعات مشافهة ~~أو بالتراسل والتكاتب لا بد على مجرى العادة من أن يظهر لمن خالطهم واختبر ~~أحوالهم، و(12) العادة شاهدة (13) بثبوت هذا الحكم، فغير ممكن دفعه. وأما PageV02P027 # ما يقوم مقام التواطؤ (1) من الأسباب الجامعة كتخويف (2) السلطان وخوف ~~(3) ضرره وما يجري (4) مجرى ذلك فظهوره وعلم الناس به على مجرى العادة ~~واجبان، لأن الجماعة لا يجوز أن تجتمع (5) لأجل خوف السلطان على الأمر ~~الواحد إلا بعد أن يظهر لهم هذا التخويف والترهيب المحوجان (6) إلى اتفاق ~~(7) دواعيهم، وما هذه حاله لا بد من العلم به والقطع على فقده إذا لم يظهر عليه. # وأما ما به يعرف ارتفاع اللبس والشبهة عما تخبر (8) به الجماعة؛ فهو أن ~~تخبر (9) الجماعة عن أمر مدرك بمشاهدة أو سماع يعلم انتفاء أسباب اللبس ~~والشبهة عن ذلك المخبر، فإن أسباب التباس المدركات معلومة، يعلم انتفاؤها ~~حيث تنتفي (10) ضرورة. # وأما ما به يعلم ثبوت الشرائط التي ذكرناها في جميع الطبقات PageV02P028 # التي تروي الخبر؛ فهو أن العادات جارية بأن (1) المذاهب والأقوال (2) ~~التي (3) تقوى (4) بعد ضعف وتدرك بعد فقد وتظهر بعد خفاء لا بد من أن ~~يعرف ذلك من حالها، ويفرق العقلاء (5) المخالطون لأهلها بين زماني فقدها ~~ووجودها، وضعفها وقوتها، كما علم الناس كلهم ابتداء (6) حال الخوارج، وظهور ~~مقالة (7) الجهمية والنجارية (8) ومن (9) جرى مجراهم، وفرق العقلاء من ~~سامعي الأخبار بين (10) زمان حدوث مقالتهم، وبين ما تقدم عليها. # وقد ذهب مخالفونا في الإمامة (11) إلى أن امتناع الكتمان واستحالته في ~~الجماعات (12) الكثيرة يجريان مجرى استحالة الافتعال والكذب عليهم. # والصحيح الذي تشهد (13) به أصولنا وأصولهم أن الجماعات PageV02P029 # لا يجوز أن تجتمع (1) على افتعال ولا كتمان إلا لجامع (2) يجمعها (3) ~~وسبب ms212 يؤلف بين دواعيها (4) وأنها مع فقد الدواعي الجامعة (5) لا تجتمع (6) ~~على افتعال ولا كتمان، وقد بينا في الكتاب الشافي أن الجماعات الكثيرة يجوز ~~أن تكتم عداوة وحسدا وبغضا وانحرافا فضيلة معينة (7) لمن حسدوه (8) ~~وعادوه، فلا يروونها، ولا يذكرونها، وإن لم يتواطئوا على ذلك ويتفقوا (9) ~~عليه مشافهة ولا مكاتبة، ولا يجوز أن يفعلوا خبرا (10) مخصوصا بصيغة معينة ~~من غير تواطؤ (11) واتفاق عليه، ولا يكفي في هذا الوجه داعي الحسد والعداوة ~~كما كفى في الكتمان، وبينا من بسط هذه النكتة وتفريعها ما ليس هذا موضع ~~ذكره، فإن الكتاب يطول باستقصائه، وهو هنا مشروح. # فإن قيل: فما أنكرتم أن تكون (12) الجماعة إذا بلغت إلى PageV02P030 # الحد الذي ذكرتم وقع العلم الضروري عند خبرهم، وبطل الاستدلال على صدقهم ~~بما رتبتموه (1). # قلنا: قد بينا أنه لا طريق إلى القطع على أن العلم الضروري يقع عند شيء ~~من مخبر الأخبار. ثم لو سلمنا ما يذهب إليه مخالفونا في العلم الضروري ~~الواقع عند الإخبار؛ لم يمتنع أن يستدل (2) بالتواتر على بعض الوجوه، بأن ~~يكون العدد الذي أجرى (3) الله تعالى العادة بأن يفعل عنده العلم الضروري ~~لم يتكامل في بعض الجماعات. فإن علمنا (4) بالدليل أن خبرهم لا يكون إلا ~~صدقا فيمكن على (5) هذا (6) التقدير أن يكون التواتر دليلا يفضي (7) إلى ~~العلم. فالصحيح ما أشار إليه أبو هاشم من التوقف على (8) ذلك، وترك القطع ~~على حصول العلم الضروري لا محالة. # ومما يلحق من الأخبار بما (9) يعلم صدقه بدليل إخبار الله تعالى PageV02P031 # فإنا (1) نعلم كونه (2) صدقا، من حيث علمنا أنه (3) تعالى- لا (4) ~~يختار الكذب، لعلمه بقبحه، وبأنه غني عنه، كما لا (5) يفعل سائر القبائح. # ويلحق بذلك- أيضا- خبر الرسول (صلى الله عليه وآله) (6) لأنا قد علمنا ~~بالمعجز (7) صدقه في إخباره، وأن شيئا من القبائح لا يجوز عليه، وكل ذلك ~~معلوم بالدليل. # ومما يلحق- أيضا- بهذا الباب خبر الأمة كلها إذا أخبرت عن شيء، فالواجب ~~أن يعلم كونه صدقا، لأن الدليل قد دل عندنا أن (8) في جملة (9) الأمة في ~~كل زمان من قوله حجة لعصمته، وتفصيل هذه ms213 الجملة يجيء في باب (10) الكلام ~~في (11) الإجماع بمشية الله تعالى. # وقد ألحق قوم بهذا الباب أن يخبر الواحد عن شيء شاهده ويدعى على جماعة ~~لم تجر (12) العادة بالإمساك عن تكذيب (13) PageV02P032 # من يدعى عليها مشاهدة ما لم تشاهده (1). # وهذا غير صحيح، لأنه غير ممتنع أن يكون لهذه الجماعة دواع وبواعث إلى ~~(2) الإمساك عن هذا المخبر، من وصول إلى نفع، أو دفع مضرة، فلا يجب أن ~~يكذبوه، بل ربما صدقوه، أو صدقه بعضهم. # فأما إلحاق قوم بهذا الباب خبر المخبر بحضرة (3) النبي (صلى الله عليه ~~وآله) عن شيء فلم ينكره عليه، فإنه يجب أن يكون صدقا. # فالواجب أن يقسم هذا الموضع قسمين: فنقول: إن كان هذا (4) المخبر ادعى ~~على النبي (صلى الله عليه وآله) المشاهدة لما خبر (5) عنه، فلم ينكر عليه؛ ~~فهو دليل على صدقه، وإن كان أطلق الخبر إطلاقا، ولم يدع عليه شيئا، فإنه لا ~~يكون إمساكه عن النكير (6) عليه دلالة على صدقه، وإنما قلنا ذلك لأنه لا ~~يجوز عليه (صلى الله عليه وآله) إنكار ما لا يعلمه منكرا. وإذا أخبر الواحد ~~بحضرته عما لا (7) يعلمه؛ فهو مجوز في خبره الصدق والكذب. PageV02P033 # وقد ألحق قوم بهذا الباب أن يعلم أن الأمة أجمعت (1) على العمل بمخبر ~~بعض الأخبار لأجله، وادعوا أن ذلك يدل على كون الخبر حجة مقطوعا (2) بها، ~~لأنه لو لم يكن كذلك لرده بعض وقبله بعض آخر، وادعوا (3) أن عادتهم بذلك جارية. # وهذا ليس بصحيح، لأن بإجماعهم على الحكم يعلم صحته، فأما أن يعلم صحة ~~الخبر الذي عملوا به، ولأجله، فلا يجب ذلك لأنهم قد يجمعون على ما (4) ~~طريقه (5) الظن، كالقياس والاجتهاد وأخبار الآحاد. و(6) العادة المدعاة ~~غير صحيحة، ولا معلومة. وقد استقصينا في الكتاب الشافعي الكلام على (7) ~~هذه النكتة عند تعويل (8) مخالفينا في صحة (9) الخبر المروي عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) من قوله (10) «لا تجتمع أمتي على خطأ» (11) على مثل هذه ~~الطريقة. # . PageV02P034 ### ||| فصل فيما يعلم كذبه من الأخبار باضطرار أو اكتساب # اعلم أن الخبر إنما يعلم باضطرار أو ms214 اكتساب أن مخبره (1) ليس على ما ~~تناوله بغيره لا بنفسه. ومثال ما يعلم بطلانه باضطرار (2) خبر (3) من أخبر ~~بأن السماء تحتنا، والأرض فوقنا، وأن جبلا (4) بحضرتنا، ونحن لا نراه مع ~~السلامة وارتفاع الموانع. فأما الخبر الذي يعلم بطلانه باكتساب؛ فهو كل ~~(5) خبر علمنا أن مخبره ليس على ما (6) تناوله بدليل عقلي أو بالكتاب (7) ~~أو السنة أو الإجماع. # وقد ألحق قوم بهذا الباب لواحق: # منها أن يكون الخبر (8) لو كان صحيحا؛ لوجب قيام الحجة به (9) على ~~المكلفين، فإذا لم يقم (10) به؛ علم (11) أنه باطل. # ومنها أن يكون الخبر مما لو كان صحيحا؛ لعلم أهل العلم PageV02P035 # إذا فتشوا عنه ذلك، فإذا (1) لم يعلم مع التفتيش؛ علم كونه كذبا ومنها أن ~~يكون المخبر عنه مما تقوى (2) الدواعي (3) إلى نقله، وتمنع (4) من (5) ~~كتمانه، فإذا لم ينقل والحال هذه، علم كونه كذبا. # ومنها أن تكون (6) الحاجة ماسة في باب الدين إلى نقله، فإذا لم ينقل ~~(7) كما نقلت نظائره، علم بطلانه. # ومنها أن يكون في الأصل وقع شائعا ذائعا، ومثله في العادة لا يضعف (8) ~~نقله، بل يكون حاله في الاستمرار كحاله في الأول. # واعلم أن هذه الوجوه إن صحت كلها أو بعضها، فإنما هي تفصيل لما أجملناه ~~في قولنا: بدليل عقلي، لأن الأدلة (9) العقلية المبتنية (10) على العادات ~~واختيارها (11) إليها (12) فزع (13) من ألحق PageV02P036 # هذه الوجوه، فما صح منها من كل أو بعض فهو (1) داخل في الجملة التي ~~ذكرناها. # والكلام في تصحيح (2) كل واحد من (3) هذه الوجوه (4) الملحقة يطول ~~جدا، ويخرج عن الغرض لكنا (5) نشير إلى جملة كافية: # أما الوجه الأول؛ فلا يصح على (6) إطلاقه، لأنه غير ممتنع. # أن تتفق (7) دواعي الأمة إلى كتمان (8) حادث من الحوادث، أو حكم من ~~الأحكام، حتى لا ينقله منهم إلا الآحاد، فلا يجب إذا أن يقطع على بطلان خبر ~~الواحد عنه من حيث لم ينقله الجميع إلا بعد أن يعلم انتفاء دواع عن طيه ~~(9) وكتمانه، وأنه مع العادة لا يجوز ذلك فيه، فأما إذا لم يعلم ذلك (10)؛ ~~جوزنا كون الخبر صدقا، وإن ms215 لم ينقله الجميع أو الأكثر. وقولهم: لا يجوز أن ~~يكلف الله تعالى (11) PageV02P037 # ما لم تقم (1) الحجة عليه صحيح، إلا أنه ليس كل حجة على هذا الحكم هو ~~إخبار الجماعات، وغير ممتنع أن تكون الحجة به (2) قائمة وإن كتمه (3) ~~الأكثر من جهة قول إمام الزمان إذا بينه وأوضح عنه. # و(4) الوجه الثاني يجري مجرى الأول في فساد إطلاق القول فيه، ووجوب ~~تقييده بما أشرنا إليه. # وأما (5) الوجه الثالث؛ فلا شبهة في أنا إذا علمنا أن الدواعي إلى نقله ~~ثابتة، والصوارف عن ذلك مرتفعة، ثم لم ينقل، علمنا بطلانه، وبقي أن يكون ~~ذلك معلوما، وربما ادعيت هذه الحال فيما هو بخلافها، ولهذا يكذب (6) ~~الواحد إذا أخبرنا بأن بين بغداد وواسط (7) مدينة هي أكبر من بغداد وأكثر ~~أهلا. ويكذب (8) من ادعى أن القرآن عورض، وعول على رواية الواحد، لأنا ~~نعلم كثرة أعداء الدين وانتشارهم في الشرق والغرب، فكان PageV02P038 # يجب ظهور نقل هذه المعارضة فيهم إن منع من انتشارها بين المسلمين خوف ~~منهم (1). # والوجه الآخر شرط فيه أن تكون (2) العادة تمنع من ضعف مثله، و(3) توجب ~~(4) استمرار (5) الشياع والإذاعة (6) فيه، ومع هذا الشرط الأمر على ما ذكر (7). ### ||| . فصل فيما (8) لا يعلم كونه صدقا ولا كذبا من الأخبار # اعلم أن كل خبر روى ولا طريق من ضرورة ولا اكتساب إلى العلم بكونه صدقا ~~ولا كذبا، فالتجويز للأمرين (9) قائم فيه. # وقد قطع قوم على أن في الأخبار المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~كذبا، وتعلقوا بما روى عنه (عليه السلام) من قوله (10): «من كذب علي ~~متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وبما يروى (11) من قوله (صلى الله عليه ~~وآله) (12): PageV02P039 # «ستكثر (1) الكذابة علي». # وليس ذلك بمعتمد: أما الخبر الأول؛ فيتضمن الوعيد، ولا يعلم وقوع الفعل ~~لا محالة، والخبر الثاني خبر واحد لا يوجب القطع على صحة مخبره. فالصحيح ما ~~قلناه من التجويز من غير قطع، وإنما يعلم كذب بعض الأخبار المروية عنه (صلى ~~الله عليه وآله) على سبيل الوصف دون التعيين (2). فنقول: كل خبر دل ظاهره ~~على ms216 إجبار (3) أو تشبيه أو ما جرى مجرى ذلك (4) مما علمنا استحالته، من ~~غير قرينة، ولا على وجه الحكاية، وكان احتماله للصواب بعيدا متعسفا، وجب ~~الحكم ببطلانه، لأن الحكمة والدين يمنعان من الخطاب بما يحتاج إلى تعسف ~~وتكلف شديد حتى يحتمل الصواب. وأما (5) كون الخبر صدقا؛ فمخالف لكونه كذبا ~~(6) لأنه لا خبر روى إلا ويحتمل الصدق والكذب، وليس يجوز أن يجعل وجوب ~~العمل به (7) دليلا على كونه صدقا لأنا قد نعمل (8) بما يجوز كونه كذبا ~~من شهادة الشاهدين بلا خلاف (9). # . PageV02P040 ### ||| فصل في أن خبر الواحد لا يوجب العلم # اعلم أن الصحيح أن خبر الواحد لا يوجب علما، وإنما يقتضى غلبة (1) الظن ~~بصدقة (2) إذا كان عدلا. وكأن النظام يذهب (3) إلى أن العلم يجوز أن يحصل ~~عنده وإن لم يجب، لأنه يتبع قرائن (4) وأسبابا، ويجعل (5) العمل تابعا ~~للعلم، فمهما لم يحصل علم فلا عمل. وقال بعضهم: إن خبر (6) الواحد يوجب ~~العلم الظاهر، ويقسم العلم إلى قسمين. وفي الناس من يقول: إن كل خبر وجب ~~العمل به فلا بد من إيجابه العلم، ويجعل العلم تابعا للعمل. # وأقوى ما أبطل به قول (7) النظام أن الخبر مع الأسباب التي يذكرها (8) ~~لو حصل عندها العلم كما ادعى، لما جاز (9) انكشافه عن باطل، وقد علمنا أن ~~الخبر عن موت إنسان بعينه مع حصول PageV02P041 # الأسباب التي يراعيها من البكاء عليه والصراخ وإحضار الجنازة والأكفان قد ~~ينكشف عن باطل، فيقال: إنه أغمي (1) عليه، أو لحقه السكتة (2) أو (3) ما ~~أشبه ذلك، والعلم لا يجوز انكشافه عن باطل. ويلزم على هذه الطريقة الفاسدة ~~أن (4) يجوز أن لا يقع العلم بالتواتر لفقد هذه الأسباب، فكنا نصدق (5) ~~من خبرنا بأنه لا يعلم شيئا بالأخبار بأن (6) لا تكون (7) الأسباب حاصلة. ~~وأما (8) إلزام النظام أنه لو أوجب خبر الواحد العلم في موضع؛ لأوجبه (9) ~~في كل موضع، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) (10) يستغنى عن علم معجز، ~~والحاكم متى لم يعلم صدق المدعى ضرورة، أن يعلم أنه كاذب، فإن ذلك لا ~~يلزمه، لأن له أن يقول: من ms217 أين لكم أن كل خبر يجب عنده العلم؟ بل لا بد ~~(11) من وجوب ذلك عند أمثاله (12). ثم العلم عند النظام لا يجب عند (13) ~~مجرد الخبر، بل عنده وعند أسباب يذكرها، وليس مثل ذلك PageV02P042 # في خبر مدعى النبوة، ولا في الحاكم. # فأما من يقول: إنه يقتضى العلم الظاهر؛ فخلافه في عبارة، لأنه سمى غالب ~~الظن علما. # وأما من جعل العلم تابعا للعمل؛ فقوله باطل لأنه عكس الشيء، والعمل يجب ~~أن يتبع (1) العلم لا أن يتبع (2) العلم (3) العمل، وقد وجب العمل ~~بأخبار كثيرة من غير حصول العلم كالمخوف (4) من سبع في طريق والشهادات ~~وغيرها. ### ||| . فصل في ذكر (5) الدلالة على جواز التعبد بالعمل بخبر الواحد (6) # اعلم أن (7) في المتكلمين من يذهب (8) إلى أن خبر الواحد (9) لا يجوز ~~من جهة العقل ورود العبادة بالعمل به. والصحيح أن ذلك جائز عقلا، وإن كانت ~~العبادة ما وردت به (10) على ما سنبينه PageV02P043 # في الباب الذي يلي هذا الباب (1) بمشية الله تعالى. # والذي يدل على جواز ورود العبادة بالعمل به أن يبين (2) أن خبر الواحد ~~يمكن أن يكون طريقا إلى (3) معرفة الأحكام، وأنه يجري في جواز كونه دلالة ~~مجرى الأدلة الشرعية كلها من كتاب وسنة وإجماع، وإن اختلف وجه دلالته كما ~~اختلف وجوه هذه الأدلة الشرعية ولم تخرج (4) بهذا (5) الاختلاف من كونها ~~أدلة، وإنما جاز أن يكون خبر الواحد دلالة بأن يدل القرآن أو السنة على ~~وجوب العمل (6) به إذا كان المخبر به على صفة مخصوصة، ألا ترى (7) أنه لا ~~فرق في العلم بتحريم الشيء بأن يقول النبي (صلى الله عليه وآله) (8): ~~«إنه حرام» وبين أن يقول: «إذا أخبركم عني (9) بتحريمه (10) فلان ~~فحرموه»، ولا (11) فرق بين ذلك، وبين أن يقول: «إذا أخبركم عني بتحريمه ~~(12) من صفته كيت وكيت فحرموه»، لأنه (13) على الوجوه كلها يعلم التحريم PageV02P044 # وإن اختلف. # وليس لأحد أن يقول: فامنعوا الغلط من الواحد إذا كان الأمر على ما ذكرتم، ~~وذلك أنه غير ممتنع أن يجعل الرسول (صلى الله عليه وآله) (1) قول الواحد ~~دلالة مع جواز الغلط ms218 عليه. مثال ذلك أنه (صلى الله عليه وآله) (2) لو قال: ~~«إذا أخبركم عني (3) أبو ذر بشيء؛ فهو حق»، لكانت الثقة حاصلة عند خبره، ~~ولو قال (صلى الله عليه وآله) (4) «اعلموا بما يخبركم به فلان، فهو صلاح ~~(5) لكم»، وجب العمل به (6) وإن لم يحصل (7) الثقة، ولا (8) يجري مجرى ~~تعبد الحاكم بأن يعمل (9) بعلمه، فتحصل له الثقة، وتعبده بأن (10) يعمل ~~بالإقرار، فلا تحصل (11) الثقة (12) وإن كان (13) الحال إليها أقرب، ~~وتعبده بأن (14) يعمل بالبينة، وهي عن الثقة أبعد من الإقرار. PageV02P045 # ومما يدل- أيضا- على جواز التعبد بخبر الواحد أن العمل في كثير من ~~العقليات قد يتبع غلبة الظن، فما الذي يمنع عن (1) مثل ذلك في الشرعيات. # ويدل عليه- أيضا (2)- ورود التعبد بقبول الشهادات، والاجتهاد في جهة ~~القبلة، وقبول قول المفتي، وكل هذا من باب واحد. # وقد تعلق من منع من (3) جواز التعبد بخبر الواحد بأشياء: # أولها (4) قولهم: إن الشرائع لا تكون (5) إلا مصالح (6) لنا، وبخبر ~~الواحد لا نعلم أن ذلك مصلحة، ولا نأمن كونه مفسدة. # وثانيها أن قالوا: إذا لم يجز أن نخبر (7) بما لا نأمن (8) كونه كذبا، ~~كذلك لا يجوز أن نقدم (9) على ما لا نأمن (10) من (11) كونه مفسدة. # وثالثها أن قول الواحد وصلة إلى قول الرسول (صلى الله عليه وآله) (12)، PageV02P046 # وإذا لم يجز قبول قول الرسول (1)(صلى الله عليه وآله) إلا بمعجز (2) ~~ودليل على القطع على (3) صدقه، فغيره أولى بذلك. # ورابعها أن الرسول (صلى الله عليه وآله) إنما لم يجز العمل بقوله إلا ~~بمعجزة (4) تدل على صدقه لجواز (5) الغلط عليه، وهذه العلة قائمة في خبر ~~الواحد. # وخامسها أن العمل من حقه أن يتبع العلم، وإذا لم يعلم صدق الواحد؛ لم ~~يعمل (6) بخبره، ولو جاز العمل ولا علم؛ لجاز تبخيتا (7) وتخمينا (8). # وسادسها أنه لو جاز العمل بخبر الواحد في بعض الأحكام، جاز في سائرها، ~~حتى في الأصول، وإثبات القرآن، والنبوات. # وفرقوا بين العمل بخبر الواحد وبين الشهادة بأن الشهادة تقتضي (9) ما ~~يتعلق بمصالح (10) الدنيا، ودفع المضار فيها (11) وإجلاب (12) PageV02P047 # المنافع (1) وما يجوز فيه البدل والصلح (2) ويتعلق ms219 بالاختيار، ويخالف ~~المصالح التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ويخالف ذلك- أيضا- المعاملات التي ~~تجري (3) مجرى الإباحات، وترجع إلى الرضا والسخط، وتطيب النفس (4). # وسابعها أنه لو جاز التعبد (5) بخبر العدل؛ لجاز (6) ذلك في خبر الفاسق، ~~لأنه لا فرق في العقول بينهما في أن الثقة لا تحصل عند خبره. # فيقال (7) لهم فيما تعلقوا به أولا: الشرائع لا بد من كونها مصالح، على ~~ما ذكرتم (8) ولا بد من طريق للمكلف إلى العلم بذلك (9) إما على الجملة، ~~أو التفصيل (10). فإذا (11) دل الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان ~~على صفة، وإذا (12) غلب في الظن صدقه؛ علمنا كون ما أخبر به صلاحا، وأمنا ~~(13) من الإقدام على المفسدة، كما نعلم (14) كون قطع يد السارق عند البينة ~~أو الإقرار PageV02P048 # صلاحا، ولو لا ذلك لكان (1) مفسدة. وتنتقض (2)- أيضا- هذه الطريقة ~~بالشهادات إذا عمل بها في الحدود. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: لو جاز في الخبر أن تثبت (3) أمارة ~~للمكلف يأمن بها من كونه كذبا؛ جاز أن يكلف في الأخبار ما كلفه في الأفعال. ~~وينتقض ذلك عليهم بالإقرار والبينات في الحدود وغيرها. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا ورابعا- فإن الوجهين متقاربان (4)-: # إن (5) الرسول لو كان لنا طريق غير المعجز (6) يعلم به كون ما تحمله ~~(7) مصلحة، لجاز (8) فيه ما جاز (9) في خبر الواحد. وإنما لم يعمل (10) ~~بخبر مدعى النبوة قبل ظهور المعجز، لأنه لا طريق إلى العلم (11) بقوله إلا ~~العلم (12) المعجز، وليس كذلك الخبر، لأن لنا طريقا نأمن (13) به كون ~~الفعل مفسدة، وهو ما بيناه من قيام الدلالة على وجوب العمل PageV02P049 # بخبره. وتنتقض (1) هذه الطريقة- أيضا- بالشهادات والإقرارات وكل شيء ~~عمل به مع ارتفاع الثقة بالصدق. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: لا شبهة في أن العمل يتبع (2) العلم، ~~لكن من أين قلتم: أنه يتبع العلم بصدق المخبر؟!، وما أنكرتم أنه (3) يتبع ~~(4) العلم تارة بصدق المخبر، وأخرى يتبع (5) العلم بوجوب العمل بقوله مع ~~تجويز الغلط عليه؟!. وتنتقض (6) هذه الطريقة- أيضا- بالشهادات، ~~والإقرارات، والرجوع إلى قول المفتي، والحاكم. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: ليس ms220 بممتنع (7) فرضا وتقديرا أن يثبت ~~(8) جميع أصول الشريعة بأخبار الآحاد بعد أن يعلم بالمعجز (9) صدق الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) (10)، ويعلم من جهة ذلك، وإن كان قد ثبت الشرع الآن ~~بخلاف ذلك، والكلام الآن (11) إنما هو على الجواز، وقد بينا جوازه. ثم ~~يعارضون بالشهادات، PageV02P050 # والإقرارات، ويلزمون جواز مثل ذلك في سائر الأصول. # فأما القرآن؛ فإثباته وهو معجز دال على صدق الرسالة بخبر الواحد لا يجوز، ~~لأن (1) الثقة بنبوته وصدقه لا تحصل (2) إلا مع الثقة بمعجزته، ولو فرضنا ~~أن نبوته (3)(صلى الله عليه وآله) (4) تثبت (5) بغير القرآن من ~~المعجزات؛ لجاز إثبات القرآن بخبر الواحد. # فأما إثبات النبوات بخبر الواحد؛ فإنه غير جائز، لأن ذلك ينتقض بخبر (6) ~~الواحد. ولأنه لا طريق إلى وجوب العمل بقول النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ~~العلم المعجز (7) الدال على الصدق وحصول الثقة. # وأما (8) تفريقهم بين قبول الشهادة (9) وقبول خبر الواحد؛ فليس بصحيح، ~~لأنا نقبل الشهادة (10) في الحدود (11) وهي مختصة بمصالح الدين، وخارجة عما ~~يجوز فيه الصلح والتراضي (12). وكذلك يقبل قول المفتي فيما يختص بمصالح ~~الدين (13). PageV02P051 # وبعد؛ فإن العقل يحظر انتزاع ملك (1) زيد ودفعه إلى عمرو، وبالشهادة ~~يفعل ذلك. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: إنه جائز (2) من جهة العقل أن يتعبد (3) ~~الله تعالى بالعمل بخبر الفاسق، ولا فرق في الجواز بين العدل والفاسق، وإذا ~~جعلنا قول المخبر كالسبب أو الشرط في العبادة (4) جازت العبادة عقلا بالعمل ~~بقول من يغلب في الظن كذبه، كما يجعل زوال الشمس وطلوع الفجر سببا للأحكام ~~(5) فإن قيل: إذا كان لا بد من تمييز (6) الحجة من الشبهة، فكيف يتميز ذلك ~~في خبر الواحد؟. # قلنا: بأن يجعل لأحد الخبرين (7) أمارة يميز (8) بها من الآخر. ### ||| . فصل في إثبات التعبد بخبر الواحد أو نفي ذلك # الصحيح أن العبادة ما وردت بذلك، وإن كان العقل يجوز PageV02P052 # التعبد (1) بذلك وغير محيل له، على ما مضى في الباب الأول، ووافق على ذلك ~~كل من منع عقلا من العبادة به من النظام وغيره من المتكلمين. # وذهب الفقهاء وأكثر المتكلمين ms221 (2) إلى أن العبادة قد وردت بالعمل بخبر ~~الواحد في الشريعة. وكان أبو علي الجبائي لا يعمل بخبر الواحد في الشريعة، ~~ويعمل بخبر الاثنين فصاعدا، ويجريه (3) مجرى الشهادة. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أنه لا خلاف بيننا وبين محصلي (4) ~~مخالفينا في هذه المسألة أن العبادة بقبول خبر الواحد والعمل به طريقة ~~الشرع (5) والمصالح، فجرى مجرى سائر (6) العبادات الشرعية في اتباع ~~المصلحة، وأن العقل غير دال عليه، وإذا فقدنا في أدلة الشرع ما يدل على ~~وجوب العمل به (7)؛ علمنا انتفاء العبادة به، كما نقول (8) في سائر ~~الشرعيات والعبادات الزائدة على ما أثبتناه وعلمناه (9) وعلى هذه الطريقة ~~نعول (10) كلنا في (11) نفى PageV02P053 # صلاة زائدة وصوم شهر زائد على ما عرفناه، وفي أن مدعى النبوة ولا معجز ~~(1) على يده ليس بنبي. وليس لأحد أن يقول: إنما علمت أنه لا صلاة زائدة على ~~الخمس مفروضة، ولا صيام مفروض زائد (2) على شهر رمضان، بالإجماع، لأنا نعلم ~~أنهم لو لم يجمعوا على ذلك، وخالف بعضهم فيه؛ لكان المفزع (3) فيه (4) ~~إلى هذه الطريقة التي ذكرناها، وقد بينا صحة الاعتماد على هذه (5) ~~الطريقة، وإبطال شبهة (6) من اشتبه عليه ذلك في مواضع من كلامنا، ~~واستقصيناه. # ويمكن أن يستدل بمعنى هذه الطريقة بعبارة أخرى، وهو أن نقول (7): العمل ~~بالخبر لا بد من أن يكون تابعا للعلم، فإما أن يكون تابعا للعلم (8) بصدق ~~الخبر، أو العلم (9) بوجوب العمل به مع تجويز الكذب، وقد علمنا أن خبر ~~الواحد لا يحصل عنده علم بصدقة لا محالة، فلم يبق إلا أن يكون العمل به ~~تابعا للعلم بالعبادة (10) PageV02P054 # بوجوب (1) العمل به، وإذا لم نجد (2) دليلا على وجوب العمل به، نفيناه (3). # وقد تعلق مخالفونا بأشياء: # أولها قوله تعالى: «فلو لا نفر من كل فرقة منهم (4) طائفة ليتفقهوا في ~~الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون.» وليس يكونون منذرين ~~لهم إلا (5) و(6) يلزمهم القبول منهم. وربما قالوا: إن معنى الآية ولينذر ~~كل واحد منهم قومه (7). وإذا صح لهم ذلك استغنوا عن التشاغل بأن اسم طائفة ~~(8) يقع ms222 على الواحد، كما يقع على الجماعة، وتعلقهم في ذلك بقوله- تعالى-: ~~«وليشهد (9) عذابهما طائفة من المؤمنين» وقوله تعالى (10): # «وإن (11) طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» وثانيها (12) قوله تعالى: «إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من PageV02P055 # البينات» وحظر الكتمان يقتضى وجوب الإظهار، ولا يجب الإظهار إلا للقبول. # وثالثها قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة»، والظاهر يقتضى أن العدل في هذا الحكم بخلاف الفاسق. # ورابعها أن الله تعالى قد أمر رسوله (1)(صلى الله عليه وآله) بالإبلاغ ~~في مواضع من الكتاب لا تحصى، والإبلاغ يكون بالتواتر والآحاد معا، لأنه لو ~~اختص بالتواتر (2) وما يوجب العلم؛ لوجب أن يكون العلم بفروع العبادات ~~كالعلم بأصولها، وكذلك فروع المعاملات كلها، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك. # وخامسها وهو (3) الطريقة التي بها يصولون، وعليها كلهم يعولون، وإياها ~~يرتضون، وترتيبها أن الصحابة مجمعة (4) على العمل بأخبار لا تبلغ التواتر، ~~وذلك أظهر فيما بينهم من كل شيء كان ظاهرا، ويذكرون رجوعهم في وجوب الغسل ~~بالتقاء الختانين إلى أزواج PageV02P056 # النبي (صلى الله عليه وآله) عند اختلافهم في ذلك، وعمل عمر بن الخطاب بعد ~~التوقف والتردد في جزية المجوس على خبر عبد الرحمن، ثم أجمعوا على ذلك، ~~ونحو عمله في دية الجنين (1) على خبر حمل (2) بن مالك، ونحو عمل أبي بكر ~~في ميراث الجدة على قول الواحد والاثنين، ونحو ما روى عن (3) أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) من قوله: كنت إذا سمعت من رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) حديثا نفعني الله ما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني عنه غيره (4) ~~استحلفته، فإذا حلف (5) لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر (6) ورجع ~~في حكم المذي (7) إلى خبر المقداد، قالوا و(8) وجدناهم بين عامل بهذه ~~الأخبار، وبين تارك للنكير عليه، ولو كان ذلك خطأ؛ لكان قد أجمعوا على ~~الخطأ، وهذا غير جائز عليهم. # وسادسها أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يبعث عماله ورسله (9) إلى PageV02P057 # البلاد للدعاء إلى شريعته، وإنما كانوا (1) يعملون (2) على مجرد أقوالهم ~~في كونهم رسلا، وفي ms223 العمل بما يروونه (3). # وسابعها حمل قبول خبر الواحد مع تجويز الغلط عليه على قبول قول المفتي مع ~~تجويز ذلك عليه. وربما حملوا ذلك على الشهادات وأخبار المعاملات. # وثامنها أن الضرورة تقود (4) إلى قبول أخبار الآحاد إذا حدثت (5) ~~الحادثة وليس فيها حكم منصوص (6). # وتاسعها طريقة وجوب التحرز من المضار، كما يجب التحرز (7) من سلوك الطريق ~~إذا أخبر (8) مخبر بأن فيه سبعا وما أشبهه. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إذا سلمنا أن اسم الطائفة يقع على الواحد ~~والاثنين؛ فلا دلالة لكم في الآية، لأنه تعالى سماهم منذرين، والمنذر هو ~~المخوف المحذر الذي ينبه على النظر PageV02P058 # والتأمل، ولا يجب (1) تقليده ولا القبول منه بغير حجة، ولهذا قال- ~~تعالى-: «لعلهم يحذرون» ومعنى ذلك ليحذروا، و(2) لو أراد ما ادعوا لقال ~~تعالى: «لعلهم (3) يعملون (4) أو يقبلون (5)» والنبي (صلى الله عليه ~~وآله) وإن سميناه منذرا، وكان قبول قوله واجبا، فمن حيث كان في ابتداء ~~دعوته يكون مخوفا، ثم إذا استقر دليل نبوته؛ وجب العمل بقوله. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: أما الكتمان فلا يستعمل إلا فيما يجب ~~إظهاره، أو تقوى (6) الدواعي إلى ذلك فيه، فمن أين لكم أن خبر الواحد له ~~هذه الصفة، حتى يطلق فيه الكتمان؟! والآية تدل على الاختصاص بنقل (7) ~~القرآن، لأنه قال: «ما أنزلنا من البينات والهدى»، وما أنزل الله تعالى هو ~~القرآن. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: هذه الطريقة مبنية على دليل الخطاب، وقد ~~بينا فيما تقدم فساد ذلك. وبعد؛ فالتعليل في الآية PageV02P059 # أولى أن يعول عليه من دليل الخطاب، وهو قوله تعالى: «أن تصيبوا قوما ~~بجهالة»، وهذه العلة قائمة في خبر العدل. وقد قيل: # إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة (1) وقد ولاه النبي (صلى الله عليه ~~وآله) (2) صدقات بعض العرب، فعاد إليه يذكر أنهم منعوا الصدقات، فهم (3) ~~الرسول (4)(عليه السلام) بإرسال الجيوش إليهم (5) فنزلت الآية بيانا له ~~(6) وليعلم الرسول (عليه السلام) أن الوليد بهذه الصفة، لأنه إنما ولاه على ~~ظاهر (7) أمره. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: ms224 ليس يجوز أن يؤمر (8) بأن يبلغ إلا بما ~~هو حجة في نفسه يجب العمل به، وهذا يقتضى أن يدل على أن الخبر الواحد بهذه ~~الصفة حتى يصح الإبلاغ به، ومن مذهب من خالفكم في هذه المسألة أن الإبلاغ ~~لا يصح إلا بما هو حجة توجب (9) العلم، أو بتواتر، أو إجماع، أو قول إمام ~~معصوم نائب عنه (عليه السلام) وخليفة (10) له بعد وفاته. PageV02P060 # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: أنتم تعلمون بأي شيء تدفع الإمامية هذه ~~الطريقة، وهو أنها تقول (1) إنما عمل بأخبار (2) الآحاد من الصحابة ~~المتأمرون الذين (3) يحتشم (4) التصريح بخلافهم، والخروج عن (5) جملتهم، ~~فالإمساك عن النكير (6) عليهم (7) لا يدل على الرضا بما فعلوه، لأننا (8) ~~كلنا نشترط (9) في دلالة الإمساك على الرضا (10) أن لا يكون له وجه سوى ~~الرضا من تقية وخوف وما أشبه ذلك، فبطل أن يكون ما ذكرتموه إجماعا. غير أنا ~~نعدل عن استعمال هذه الطريقة في هذا الكتاب لأنها (11) تحوج (12) إلى ~~الكلام في الإمامة، وينتقل من أصول الفقه (13) إلى أصول الدين (14) ~~ولأنها تثقل (15) على الفقهاء، وتوحشهم، وما تؤثر (16) ما ينفرون PageV02P061 # منه، وإن تعمد (1) كثير من مخالفينا إيحاشنا (2) وتسلقوا، وتوصلوا إلى كل ~~ما يثقل علينا من غير حاجة بهم في الموضع إليه. فأما من خالف في كون ~~الإجماع حجة من النظام وغيره، ممن أحال العلم بصحة إجماع الأمة على شيء، ~~أو (3) أجاز ذلك و(4) ذكر أنه لا دليل يدل على أن إجماع الأمة حجة، فإنه ~~يدفع (5)- أيضا- هذه (6) الطريقة بأن يقول (7) أكثر ما فيها الإجماع على ~~العمل بقبول أخبار الآحاد، ولا حجة في الإجماع. و(8) هذه الطريقة لا ~~نرتضيها، لأننا (9) نذهب إلى أن في (10) إجماع الأمة الحجة، ولا يجوز أن ~~يجمعوا على باطل. # ولنا (11) بعد ذلك كله على هذه الطريقة وجهان من الكلام: # أولهما أن جميع ما وضعوا أيديهم عليه إنما هي أخبار آحاد لا توجب علما، ~~فإنهم دلوا على أن خبر الواحد حجة بأخبار آحاد، PageV02P062 # وكيف يعولون (1) على ما أحسن أحواله أن يوجب الظن (2) فيما طريقه العلم ~~والقطع، لأنهم ms225 يدعون القطع والعلم بأن الله تعالى (3) تعبدهم بالعمل ~~بأخبار الآحاد في الشريعة، فلا يجب أن يعولوا (4) على ما لا يوجب العلم. # وقد حملهم سماع هذا الطعن منا على أن ادعوا أنهم يعلمون ضرورة عمل ~~الصحابة على أخبار لا تبلغ حد التواتر، وأنهم لم يعولوا هاهنا على خبر ~~الواحد حتى يدخل أبو علي الجبائي معهم، فإنه (5) لا يعمل بخبر الواحد إذا ~~انفرد، ويذكرون أن العلم بذلك يجري مجرى العلم بأنهم كانوا يرجعون في ~~الأحكام إلى القرآن والسنة المتواترة بها (6) وكما (7) يعلم (8) رجوع ~~العوام منهم إلى فتوى المفتي، قالوا: نذكر الأخبار ليتطابق (9) الجملة ~~و(10) التفصيل، وربما قالوا كما نعلم ضرورة سخاء حاتم وإن لم نعلم تفاصيل (11) PageV02P063 # ما (1) يروى من عطاياه وجوائزه، وكذلك شجاعة عمرو بن معد يكرب. # والجواب عن هذا الذي حملوا نفوسهم عند ضيق الحيلة (2) عليه (3) أن ~~الضرورة لا تختص (4) مع المشاركة في طريقها، والإمامية وكل مخالف لهم في ~~خبر الواحد من النظام وتابعيه وجماعة (5) من شيوخ متكلمي المعتزلة ~~كالقاساني (6) بالأسر (7) يخالفونهم فيما ادعوا فيه الضرورة مع الاختلاط ~~بأهل الأخبار، ويقسمون على أنهم لا يعلمون ذلك بل و(8) لا يظنونه، فإن ~~كذبتموهم؛ فعلتم (9) ما لا يحسن، وكلموكم بمثله. والفرق بين الرجوع إلى ~~القرآن والتواتر وبين خبر الواحد واضح، لأن ذلك لما كان معلوما ضرورة لم ~~يخالف فيه عاقل، والخلاف فيما ادعوه ثابت، وكذلك القول في رجوع العامي إلى ~~الفتوى. وكذلك القول في سخاء حاتم PageV02P064 # وشجاعة عمرو، و(1) لأن من خالف في ذلك كله لا يناظر ويقع (2) على بهته ~~(3) ومكابرته، وليست هذه صفة من خالف في أخبار الآحاد. # وبعد؛ فإذا (4) كنتم تعلمون على الجملة أن القوم عملوا على أخبار الآحاد، ~~فلا فائدة في ذكر هذه الأخبار المعينة وتدوينها (5) في الكتب، لأنها تقتضي ~~(6) الظن على أجل أحوالها، وأي تأثير للظن مع العلم الضروري؟! وقولهم: ~~«ليطابق التفصيل الجملة» كلام (7) لا محصول له، لأن التفصيل الذي جاءت به ~~هذه الأخبار غير معلوم، والجملة هي (8) التي يدعون (9) العلم بها، فلا ~~تطابق (10) بين معلومين. # ثم يقال لهم: ms226 كما احترزتم (11) لأبي علي في عبارتكم عما يتعلق به في ~~العلم الضروري، وقلتم (12): نعلم ضرورة أنهم عملوا على ما لا ينتهى إلى ~~التواتر (13) من الأخبار، ألا احترزتم للنظام ومن PageV02P065 # وافقه ممن نفي العمل (1) بأخبار الآحاد كلها مما لا يحصل عنده علم (2) ~~ويقين؟! فليس النظام ومن وافقه بدون أبي (3) علي وأصحابه. ومن العجب ~~قولهم: إنهم إنما عملوا على العمل بأخبار الآحاد لنص من الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) قاطع على ذلك، وإنما لا يوجد هذا النص المعين في النقل لأن ~~الإجماع قد أغنى عن نقله، وهذا فاسد، لأن قيام حجة و(4) دلالة لا يغنى (5) ~~عن أخرى، ولو كان الرسول (عليه السلام) قد نص لهم على وجوب العمل بخبر ~~الواحد نصا معينا مفصلا؛ لوجب كون (6) نقل (7) هذا النص والتواتر به ~~مستمرا وأن ينعقد الإجماع على مضمونه، لأن (8) الحجج قد تترادف، وتتضاعف. ~~وبعد؛ فقد بينا أنه (9) لا إجماع على ما ذكروه، فيغني عن التواتر بالنص عليه. # وأما الوجه الثاني في الكلام على هذه الطريقة- إذا سلمنا صحة كل شيء ~~رووه من هذه الأخبار المعينة، ولم نقدح (10) PageV02P066 # فيها، ولا (1) طالبنا بدلالة على صحتها- فهو أن نقول: المعلوم أنهم عملوا ~~عند هذه الأخبار، والعمل عندها يحتمل أن يكون عملوا بها ولأجلها، كما يحتمل ~~أن يكونوا ذكروا (2) عند ورودها سماعهم من (3) النبي (صلى الله عليه وآله) ~~لذلك (4) ويحتمل- أيضا- أن يكون (5) الخبر نبههم (6) على طريقة من ~~الاجتهاد تقتضي (7) إثبات ذلك الحكم، فكان العمل على الاجتهاد، لا بالخبر، ~~وإنما كان للخبر حظ التذكير (8) والإيقاظ. # فإن قالوا: هذا يقتضى العدول عن المعلوم إلى المجهول، لأن رواية الخبر ~~معلومة، وعملهم (9) عنده معلوم أيضا، وما تدعونه من علم بذلك سبق أذكر ~~(10) هذا الخبر مجهول، وكذلك تنبيهه على طريقة من الاجتهاد- أيضا- مجهول، ~~ولا يعدل عن المعلوم إلى المجهول. PageV02P067 # قلنا: المعلوم (1) رواية الخبر وعملهم عنده، وتعليل هذا العمل بأنه من ~~حيث قامت الحجة عليهم بوجوب العمل (2) بأخبار الآحاد مجهول غير معلوم، ~~وإنما هو وجه (3) مجوز (4) كما أن صرف عملهم إلى الذكر والعلم (5) السابق ~~أو (6) التنبيه على طريقة ms227 من الاجتهاد- أيضا مجهول، ومن باب الجائز، فما ~~فينا إلا من أحال على أمر مجهول جائز كونه كما أنه جائز كون غيره، فكيف ~~رجحتم قولكم على قولنا، والتساوي حاصل بين الوجوه، والشك فرض من فقد الدليل ~~القاطع؟!. # وليس لهم أن يقولوا: ما تذكرونه يقتضى أنه لا تأثير للخبر، والعمل عنده ~~يقتضى أن له تأثيرا، وذلك أن التأثير حاصل للخبر على كل حال، فإما أن يكون ~~حجة في وجوب العمل على ما تدعون، أو يكون مذكر السماع تقدم (7) وعلم (8) ~~سبق، أو يكون منبها على طريقة من الاجتهاد، والتأثير (9) حاصل على كل حال. PageV02P068 # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: أما الرسل والعمال الذين كان ينفذهم ~~(1) رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى البلدان؛ فأول كل (2) شيء كانوا ~~يدعون إليه بلا خلاف بيننا وبينهم المعرفة بالله تعالى ثم تصديق النبي (صلى ~~الله عليه وآله) (3) في (4) نبوته ودعوته، ثم يدعون إلى الشرائع، ومعلوم ~~أن قول الرسل ليس بحجة في توحيد الله وعدله، ولا في العلم بنبوة نبيه ~~(5)(صلى الله عليه وآله) (6) فكيف أمر الرسل بالدعاء إلى ما (7) ليس قولهم ~~فيه حجة؟! فإذا (8) قالوا لدعائهم حظ الإنذار والتنبيه على النظر في الحجج ~~والأدلة. قلنا: فأجروا الشرائع هذا المجرى، وقولوا: إن هؤلاء الرسل إنما ~~دعوهم إلى الشرائع لا لأن قولهم حجة فيها، بل للتنبيه على النظر في ~~إثباتها، والرجوع إلى التواتر وما جرى مجراه في العمل بها، ولا فرق بين ~~الأمرين. # ويقال لهم لا بد من أن يكون الذين في أطراف الأرض قد قامت عليهم الحجة ~~بالعمل بأخبار هؤلاء (9) الرسل (10) حتى يجب (11) PageV02P069 # عليهم العمل بأخبارهم، وليس يجوز أن يعلموا ذلك من جهة هؤلاء الرسل (1) ~~لأن أخبار (2) هؤلاء (3) الرسل أكثر ما يوجبه (4) الظن، وهي غير موجبة ~~للعلم، ووجوب العمل بأقوالهم يجب أن يكون معلوما مقطوعا عليه. فإذا (5) ~~قيل: يعلمون ذلك بالأخبار المتواترة التي ينقلها إليهم الصادر و(6) الوارد. ~~قلنا فأجيزوا (7)- أيضا- أن يعلموا الشرائع التي (8) يطالبهم بالعمل بها ~~هؤلاء الرسل (9) من جهة التواتر والنقل الشائع الذائع، و(10) يكون حكم ms228 ما ~~تحملوه (11) من الشرع في طريق العلم حكم العلم (12) بأنهم متعبدون بالعمل ~~بأقوالهم، ولن (13) يجدوا بين الأمرين فرقا ويقال لهم (14) فيما تعلقوا ~~به سابعا: هذه الطريقة إنما تدل على جواز ورود التعبد بالعمل بأخبار ~~الآحاد، ولا تدل على ثبوته، PageV02P070 # والجواز لا خلاف بيننا فيه، وإنما الخلاف في الوقوع. فإن قستم (1) قبول ~~خبر الواحد على المفتي بعلة فقهية جامعة بينهما؛ كان لنا- قبل النظر في صحة ~~هذه العلة- أن نقول (2) لكم: التعبد بالعمل بخبر الواحد عندكم معلوم مقطوع ~~عليه، ولا يجوز إثبات مثله بطريقة الاجتهاد التي لا (3) تقتضي (4) إلا (5) ~~الظن. وقد فرق بين المفتي والمخبر الواحد بأن المفتي يجب أن يختص بشروط: ~~مثل أن يكون من أهل الاجتهاد، ولا يجب مثل ذلك في الخبر الواحد. # والمفتي يخبر عن نفسه، والمخبر الواحد يحكى عن غيره. # والمستفتى يخبر في العلماء، وليس كذلك سامع خبر الواحد. # والكلام على حمل ذلك على الشهادة يجري مجرى الكلام على من حمله على قول ~~المفتي، من أنه قياس، والقياس (6) لا يسوغ في مثل هذا الموضع. وقد قال بعض ~~المحصلين من العلماء: أن الشهادة أصل في بابها، فكل فرع منها أصل في بابه، ~~فكما لا يقاس بعضها على بعض، فكذلك (7) لا تقاس (8) الأخبار على الشهادة، PageV02P071 # وكما لم يقس (1) عليها الفتيا، فكذلك (2) لا يقاس خبر الواحد على ذلك، ~~ولو قيس خبر الواحد على الشهادات؛ لوجب أن يكون العدد فيه مطلوبا، كما أنه ~~مطلوب في الشهادات على (3) كل حال (4). # وأما (5) أخبار المعاملات فلا تشبه ما نحن فيه، لأنها منقسمة إلى أمرين: ~~أحدهما يلحق بالعقليات (6) وهو قبول الهدايا، والإذن في دخول الدار (7) ~~والشرع ورد بإقرار ذلك، لا (8) باستيناف حكم له، ولذلك (9) لم يميز العدل ~~فيه من غيره، ولا البالغ من الصبي، لأن المعول في ذلك على غلبة الظن وما ~~يقع في القلب. والقسم الثاني ما يجري مجرى الشرع (10) من قبول قول الواحد ~~في (11) طهارة الماء ونجاسته وفي القبلة ودخول الوقت، وهذا فرع من فروع ~~خبر الواحد، فلا الأول يجوز أن يجعل (12) أصلا، لأنه عقلي، ms229 ولا الثاني، ~~لأنه (13) فرع وتابع. PageV02P072 # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثامنا (1): الضرورة إنما تقود (2) في الحوادث ~~إلى ما هو حجة في نفسه، فدلوا على أن خبر الواحد حجة في الشريعة حتى يرجع ~~(3) إليه في الحوادث، ومن يخالفكم (4) في هذه المسألة يذهب إلى (5) أنه ~~لا ضرورة به (6) تدعوه إلى خبر الواحد، لأنه ما من (7) حادثة إلا وعلى ~~حكمها دليل يوجب (8) العلم، وفيهم من يقول إذا فقدنا الدليل رجعنا إلى حكم ~~العقل، فلا ضرورة هاهنا كما تدعون. # ويقال لهم فيما تعلقوا به تاسعا: لا يجوز العمل على خبر الواحد في ~~الأحكام الشرعية بالتحرز من (9) المضار، كما وجب مثل ذلك في المضار ~~العقلية، لأن المضار في الدين يجب على الله تعالى مع التكليف لنا أن ينبهنا ~~(10) ويدلنا عليها بالأدلة القاطعة، فإذا فقدنا ذلك؛ (11) علمنا أنه لا ~~مضرة دينية، فنحن نأمن أن يكون (12) PageV02P073 # فيما أخبر به الواحد مضرة دينية بهذا الوجه، وليس كذلك المخبر عن سبع ~~(1) في الطريق، لأنا لا (2) نأمن من (3) أن يكون صادقا، وإن لم يجب قيام ~~دلالة على كون السبع فيه، فيجب علينا التحرز من المضرة بالعدول عن سلوك ~~الطريق. # وبعد؛ فهذه الطريقة توجب (4) عليهم أن يكون الفاسق كالعدل، والمؤمن ~~كالكافر (5) وأن يكون المعتبر حصول الظن، من غير اعتبار الشروط التي ~~يوجبونها (6) في خبر الواحد، ولا أحد يقول بذلك. على أن العقول مانعة من ~~الإقدام على ما يجوز المقدم (7) عليه أن يكون (8) مفسدة، فلم صاروا بأن ~~يوجبوا (9) العمل بخبر الواحد تحرزا (10) بأولى ممن قال: إنه لا يحسن ~~الإقدام على ما أخبر (11) به مع تجويز كونه مفسدة. # وهذه الطريقة- أيضا- توجب العمل على قول (12) مدعى PageV02P074 # الرسالة (1) لهذا (2) الضرب من الاحتياط والتحرز. # فأما الخبر الذي رووه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فمخالف لأصولهم ~~لأنه (3) تضمن أنه كان يستحلف من يخبره (4) فإذا حلف؛ صدقه، وعندهم أن ~~الاستحلاف غير واجب، والتصديق بعد الاستحلاف لا يجوز (5) لأن معنى التصديق ~~هو القطع على صدقه، وخبر الواحد لا يقطع على صدقه، وإن حلف، ثم قال: وحدثني ~~أبو بكر وصدق أبو ms230 بكر، وعندهم أن من يعمل على قوله لعدالته (6) لا يقطع ~~على صدقه، فليس يشبه هذا الخبر ما يذهبون إليه. وقد بينا في الكتاب الشافي- ~~لما تعلق صاحب الكتاب المغني (7) به- تأويله، وقلنا: إنه (8) غير ممتنع ~~أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) سمع ما خبره (9) به أبو بكر من النبي ~~(صلى الله عليه وآله) (10) كما سمعه أبو بكر، فلهذا صدقه. # فأما الكلام على أبي علي الجبائي في العمل بقول الاثنين (11) PageV02P075 # والامتناع من العمل بخبر الواحد؛ فهو جار مجرى الكلام على أصحاب خبر ~~الواحد، لأننا نقول له: من أين علمت أن الصحابة عملت بخبر الاثنين؟! وإنما ~~يرجع في ذلك إلى روايات الآحاد، وما طريقه (1) العلم لا يرجع فيه إلى ما ~~يقتضى غلبة (2) الظن. فإن ادعى ما تقدم ذكره من العلم الضروري على سبيل ~~الجملة؛ فالكلام على ذلك قد تقدم. # ثم إذا سلمنا له هذه الأخبار التي رواها، واعتمد عليها، من خبر الجدة، ~~وأن المغيرة (3) بن شعبة خبر عن (4) النبي (صلى الله عليه وآله) بأن لها ~~(5) السدس، فلم يعمل أبو بكر بقوله، حتى خبره محمد بن سلمة (6) مثله، ~~فأعطاها السدس، وكما فعله عمر بن الخطاب في امتناعه من قبول قول (7) أبي ~~موسى الأشعري في الاستئذان، حتى جاءه (8) أبو (9) سعيد الخدري، فقبل (10) ~~ذلك، واستدلاله بأن النبي (صلى الله عليه وآله) PageV02P076 # لم يقبل خبر ذي اليدين في الصلاة (1) حتى سأل أبا بكر وعمر (2). # وكان لنا أن نقول له ما قلناه لمن عمل بخبر الواحد: ما تنكر (3) أن يكون ~~خبر الثاني أذكر، فوقع العمل على الذكر دون قوله، أو نبه على طريقة (4) من ~~الاجتهاد كان التعويل عليها، حسب ما بيناه (5) في كلامنا المتقدم، ولو لم ~~يذكر الخبر الثاني، أو ينبه (6)؛ ما عمل به، كما أن ذلك لما لم يحصل عند ~~خبر الواحد، لا يعمل به. وهذا الذي قلناه أشبه بالحال، لأن كل من روى عنه ~~أبو علي أنه رد خبر الواحد وعمل بخبر الاثنين قد عمل في مواضع أخر عند خبر ~~الواحد مع عدالته وظهور (7) أمانته، فعلمنا أنه ms231 لم يتوقف لشكه فيه، وإنما ~~توقف إما لمراعاة العدد على ما ادعى أبو علي، أو لأنه (8) لم يذكر، أو ~~ينبه على ما قلناه. ولا (9) يجوز أن يكون التوقف لأجل العدد، لأنه (10) قد ~~عمل عند خبر الواحد في مواضع شتى، فثبت ما ذكرناه. PageV02P077 # وأما خبر ذي اليدين؛ فخبر باطل مقطوع على فساده، لأنه يتضمن أن ذا اليدين ~~قال (عليه السلام): «أقصرت الصلاة يا رسول الله (1) أم نسيت» وأنه قال ~~(عليه السلام): «كل ذلك لم يكن»، وهذا كذب لا محالة، لأن أحدهما قد كان على ~~قولهم، والكذب بالقول (2) لا يجوز عليه، وكذلك السهو في الصلاة. على أنه ~~يلزم أبا علي- أيضا- أن (3) لا يعمل بخبر الاثنين، لأن النبي (عليه ~~السلام) لم يعمل بخبر ذي اليدين وخبر أبي بكر، حتى انضاف إليهما عمر. ### ||| . فصل # اعلم أنا إذا كنا قد دللنا على أن خبر الواحد غير مقبول في الأحكام ~~الشرعية، فلا وجه لكلامنا في فروع هذا الأصل الذي دللنا على بطلانه، لأن ~~الفرع تابع لأصله، فلا حاجة بنا إلى الكلام (4) على أن المراسيل مقبولة أو ~~مردودة، ولا على وجه ترجيح بعض الأخبار على بعض، وفيما يرد له الخبر أو لا ~~يرد (5) PageV02P078 # في تعارض الأخبار، فذلك كله شغل قد سقط عنا بإبطالنا ما هو أصل لهذه ~~الفروع، وإنما يتكلف الكلام على هذه الفروع من ذهب إلى (1) صحة أصلها، وهو ~~العمل بخبر الواحد. ولا بد من ذكر جملة من أحكام تحمل الأخبار وكيفية القول ~~في ذلك. ### | . باب صفة المتحمل للخبر (2) والمتحمل عنه (3) وكيفية ألفاظ الرواية عنه (4) # اعلم أن من يذهب (5) إلى وجوب (6) العمل بخبر الواحد في الشريعة يكثر ~~كلامه في هذا الباب ويتفرع، لأنه يراعى في العمل بالخبر صفة المخبر في ~~عدالته وأمانته. فأما من لا (7) يذهب إلى ذلك، ويقول: إن العمل في مخبر ~~الأخبار تابع للعلم بصدق الراوي، فلا فرق عنده بين أن يكون الراوي (8) ~~مؤمنا أو كافرا أو فاسقا، لأن العلم بصحة خبره يستند إلى وقوعه على وجه لا يمكن PageV02P079 # أن يكون كذبا، وإذا لم يكن ms232 كذبا (1) فلا بد (2) من كونه صدقا (3) على ما ~~بيناه (4) من الكلام على صفة التواتر وشروطه، فلا فرق على هذه الطريقة بين ~~خبر العدل و(5) وخبر من ليس كذلك، ولذلك (6) قبلنا أخبار الكفار كالروم ~~ومن جرى مجراهم إذا خبرونا عن بلدانهم، والحوادث الحادثة فيهم، وهذا مما لا ~~شبهة فيه. # فأما الراوي للحديث، فلا يجوز أن يروى إلا ما سمعه عمن حدث عنه (7) أو ~~قرأه (8) عليه، فأقر له به، فإذا سمع الحديث من لفظه؛ فهو غاية التحمل، ~~فله أن يقول: «حدثني» و«أخبرني» و«سمعت»، فإذا كان معه غيره جاز أن يقول: ~~«حدثنا» و«أخبرنا» (9). وفي الناس من منع الراوي من لفظ الجمع إذا (10) كان ~~قاطعا على أنه ما حدث غيره. وليس ذلك بصحيح، لأنه (11) يجوز أن يأتي بلفظ PageV02P080 # الجمع على سبيل التعظيم والتفخيم، وإن أراد نفسه، كأن (1) يقول الملك: ~~«فعلنا» و«صنعنا». # وأجاز كل من صنف في (2) أصول الفقه أن يقول من قرأ الحديث على غيره، ثم ~~قرره عليه، فأقر به على ما قرأه عليه، أن يقول: # «حدثني» و«أخبرني»، وأجروه مجرى أن يسمعه من لفظه. ومنهم من منع من أن ~~يقول: «سمعت فلانا يحدث بكذا». والصحيح أنه إذا قرأه عليه، وأقر له به، أنه ~~يجوز أن يعمل به إذا كان ممن يذهب إلى العمل بخبر الواحد، و(3) يعلم أنه ~~حديثه، وأنه سمعه لإقراره له بذلك، ولا يجوز أن يقول: «حدثني» ولا ~~«أخبرني»، كما لا يجوز أن يقول: «سمعت»، لأن معنى «حدثني» و«أخبرني» أنه ~~نقل حديثا وخبرا عن ذلك، وهذا كذب محض. وكيف يمتنع «سمعت» ولا يمتنع ~~«حدثني» و«أخبرني»، ومن خبر وحدث لا بد أن يكون سامعا والمحدث مسمعا؟!. # ومعولهم في ذلك على أن يقولوا: قراءته (4) عليه وإقراره له به PageV02P081 # يجري مجرى الحديث والإخبار، ويحل محل أن يسمعه من لفظه، لأنه لا فرق بين ~~أن يتلفظ البائع بالبيع وقبض الثمن وضمان الدرك المكتوب في الصحيفة، ويسمع ~~ذلك من لفظه، وبين أن يقرأ عليه الصحيفة، و(1) يقرره عليها، ويشهد على نفسه ~~بذلك. ولا فرق بين أن يقول ms233 الرجل لغيره: «هذا كتابي»، وبين أن يقول له غيره: # «هذا كتابك» فيقول: «نعم»، لأنه في الحالين (2) يجوز (3) أن يحكى ذلك ~~عنه، وإنما كان كذلك لأن الجواب ينضم (4) إلى السؤال فيصير كأنهما من جهته ~~على سبيل (5) الابتداء. # والجواب عن ذلك أن قراءته (6) عليه وإقراره له به لا يقتضيان أن يكذب، ~~فيقول: «حدثني» ولم يحدثه، أو (7) أخبرني» ولم يخبره، كما لا يقتضيان أن ~~يقول: «سمعت منه (8)»، وإنما يقتضى ذلك الثقة بأنه حديثه وسماعه وروايته. ~~وقد رضينا بالمثال الذي ذكروه (9) في التقرير على الصحيفة، لأن الشاهد إذا ~~قرره على ما فيها PageV02P082 # فأقر (1) له يحسن أن يشهد على إقراره بما فيها، ويجري الاعتراف بها مجرى ~~أن ينطق بها في وجوب الشهادة عليه بذلك والحكم به، إلا أنا قد علمنا كلنا ~~أنه لا يحسن أن يقول: «حدثني بما فيها» أو «سمعت لفظه بها»، وإنما (2) يشهد ~~على إقراره واعترافه، فعروض ذلك إذا قرئ على المحدث (3) الحديث وأقر له به ~~أن يقول الحاكي: # «اعترف لي بأنه سمعه ورواه على ما قرأته»، ولا يتجاوز ذلك (4) إلى أن ~~يقول: «حدثني» و«أخبرني»، كما لا يتجاوزه إلى أن يقول: «سمعت». ولو قال ~~الشاهد الذي قد اعترف عنده بصحة ما في الكتاب وأشهده على نفسه به: «سمعت ~~لفظه بالإيجاب ووالقبول»؛ لكان كاذبا. # فإن قيل أ(5) فتجوزون (6) إذا قرأ الحديث عليه واعترف له به أن يقول: ~~«روى لي» أو «حكى». # قلنا: «روى» أضعف من «حدثني» و«أخبرني»، و«حكى» PageV02P083 # جار مجرى «حدثني»، وهو إذا اعترف له بالحديث كأنه راو وحاك (1) ومخبر، ~~واللفظ لا يطلق على سبيل التشبيه والمجاز. وقد علمنا أنه إذا أقر له به ~~واعترف بصحته فكأنه (2) سمعه من لفظه، وأجمعنا على أنه لا يطلق «سمعت» ~~فكذلك «حدثني» و«أخبرني». # فأما قول بعضهم: يجب أن يقول: «حدثني (3) قراءة (4) عليه» حتى يزول ~~الإبهام، ويعلم أن لفظة «حدثني» ليست على ظاهرها؛ فمناقضة، لأن قوله: ~~«حدثني» يقتضى أنه سمعه من لفظه، وأدرك (5) نطقه به، وقوله: «قراءة عليه» ~~(6) يقتضى نقض (7) ذلك، فكأنه نفى ما أثبت. # فأما القول في المناولة ms234 والمكاتبة والإجازة؛ فهو على ما نبين (8). # أما المناولة فهو أن يشافه المحدث غيره، ويقول له في كتاب PageV02P084 # أشار إليه: «هذا الكتاب سماعي من فلان»، فجرى ذلك مجرى أن يقرأه عليه ~~ويعترف (1) له به (2) في علمه بأنه حديثه وسماعه، فإن كان ممن يذهب إلى ~~العمل بأخبار الآحاد؛ عمل به، ولا يجوز أن يقول: «حدثني» ولا «أخبرني» ولا ~~«سمعت» كما لا يقول فيما هو أقوى من المناولة، وهو أن يقرأ ذلك عليه، ~~ويعترف له به. # والمناولة أقوى من المكاتبة، لأن المكاتبة هو أن يكتب إليه و(3) هو غائب ~~عنه إن الذي صح من الكتاب الفلاني هو سماعي. # فأما (4) الإجازة؛ فلا حكم لها، لأن ما للمتحمل أن يرويه، له ذلك أجازه ~~له أو لم يجزه، وما ليس له أن يرويه، محرم عليه مع الإجازة وفقدها. وليس ~~لأحد أن يجري الإجازة مجرى الشهادة على الشهادة، في أنها تفتقر (5) إلى أن ~~يحملها شاهد الأصل لشاهد الفرع، وذلك أن الرواية بلا خلاف لا يحتاج فيها ~~إلى ذلك، وأن الراوي يروى مما سمعه وإن لم يحمله، والرواية تجري (6) مجرى ~~شهود الأصل في أنهم يشهدون وإن لم يحملوا. وأما من يفصل في PageV02P085 # الإجازة بين «حدثني» و«أخبرني»؛ فغير مصيب، لأن كل لفظ من ذلك كذب، لأن ~~المخبر ما خبر، كما أنه ما حدث، وأكثر ما يمكن أن يدعى أن تعارف أصحاب ~~الحديث (1) أثر في أن الإجازة جارية مجرى أن يقول في كتاب بعينه: «هذا ~~حديثي وسماعي» فيجوز العمل به عند من عمل بأخبار الآحاد أو الفتوى أو الحكم ~~فأما أن يروى فيقول: «أخبرني» أو «حدثني» فذلك كذب. ### | . باب الكلام في الأفعال ### ||| فصل في ذكر حد الفعل والتنبيه على جملة من مهم أحكامه # اعلم أن حد الفعل هو ما وجد بعد أن كان مقدورا، وينقسم إلى قسمين: # أحدهما أن يكون لا صفة له زائدة على حدوثه، نحو كلام النائم، ولا (2) ~~يوصف هذا القسم بحسن ولا قبح. PageV02P086 # والقسم الآخر أن يكون له صفة تزيد على (1) حدوثه. # وينقسم إلى فعل الملجأ (2) والمخلى: ms235 # فما يقع مع الإلجاء لا (3) مدح يستحق به، ولا (4) ذم. # وأفعال المخلى تنقسم إلى قسمين: قبيح وحسن: # فالقبيح ما (5) من شأنه أن يستحق فاعله- مع العلم به والتخلية (6)- الذم. # والحسن ما لا يستحق به فاعله الذم (7). # والحسن خمسة أقسام: # أولها أن لا يكون له صفة زائدة على حسنه، ولا يتعلق به مدح ولا ذم، وهذا ~~هو المباح في المعنى، ولكنه لا يسمى بهذا الاسم إلا إذا أعلم (8) فاعله ~~بذلك، أو دل عليه. # وثانيها أن يحصل للفعل (9) صفة زائدة على الحسن، ويستحق PageV02P087 # فاعله المدح بفعله، ولا يستحق الذم بأن لا يفعله، ويوصف هذا القسم بأنه ~~ندب و(1) مستحب ومرغب فيه مع الدلالة والإعلام على ما تقدم. # وثالثها أن يكون على الصفة التي ذكرناها، وهو- مع ذلك- نفع موصل إلى غير ~~فاعله على وجه مخصوص، ويوصف بأنه (2) تفضل وإحسان وإنعام، ويستحق فاعله به ~~الشكر مع المدح. # ورابعها ما يستحق الذم من لم يفعله ولا ما يقوم مقامه، فيوصف بأنه واجب ~~مخير فيه، نحو قضاء الدين، لأنه مخير في قضائه من أي ماله شاء، ورد (3) ~~الوديعة وإن تعين فهو مخير أيضا- في ردها بأي يد شاء، ونحو الكفارات الثلث ~~في اليمين. # وخامسها ما (4) يستحق الذم بأن لا يفعله بعينه، فيوصف بأنه واجب مضيق، ~~نحو رد الوديعة (5) بعينها، وإعادة عين ما تناوله الغصب. # وينقسم الواجب قسمة أخرى، PageV02P088 # فما يختص كل شخص من غير أن ينوب فعل غيره (1) فيه منابه فهو الموصوف ~~بأنه من فروض الأعيان، كالصلاة والصيام (2) وأكثر العبادات. # وما ينوب فيه فعل الغير، ويسقط معه الفرض هو الموصوف بأنه من فروض ~~الكفايات، نحو الصلاة على الموتى والجهاد. # وليس بواجب في كل فعل أن يكون إما قبيحا أو حسنا، لأن ذلك لو وجب لكان ~~المقتضى له مجرد الحدوث، وهذا (3) يقتضى قبح كل محدث (4) أو حسن كل محدث ~~(5) وليس التعري من الحسن والقبح (6) كتعري المعلوم من وجود وعدم، وتعري ~~الموجود من حدوث وقدم، لأن ذلك نفي وإثبات متقابل لا واسطة بينهما، والحسن ~~والقبح إشارة إلى حكمين. ومثال ما ليس ms236 بحسن ولا قبيح (7) كلام النائم، ~~وحركة أعضائه (8) التي لا تتعداه، لأن الكلام لا حكم له مع ارتفاع القصود كلها، PageV02P089 # وكذلك حركته التي لا تتعداه (1) إنما يكون لها حكم مع ضرب من القصد. ~~ولطمة النائم غيره قبيحة (2) وظلم، لأن حقيقة الظلم ثابتة فيها (3) ولو حرك ~~يده على جرب غيره، فالتذ صاحب الجرب بذلك، لكان فعله حسنا، من حيث كان ~~نفعا، وإن لم يكن به منعما، لافتقار النعمة إلى القصد، غير أن النائم ومن ~~جرى مجراه لا يستحق على القبيح ذما، ولا على الحسن مدحا، لأن استحقاق ذلك ~~مشروط بالقصد والتمكن من التحرز. واستقصاء هذه الجملة لا يليق بهذا الموضع، ~~و(4) قد بسطناه في كتاب الذخيرة وفيما خرج من كتاب (5) الملخص. # فإن قيل: كيف جعلتم فعل الساهي لا حكم له، والفقهاء يوجبون جبر السهو في ~~الصلاة بالسجود، ولو انقلب النائم على إناء غيره، فكسره؛ لوجب الضمان، ولو ~~قتل المحرم صيدا سهوا (6) لوجب الضمان، وإذا قتل خطا؛ فقد تجب (7) الدية PageV02P090 # مرة عليه، ومرة على العاقلة؟!. # قلنا: أما السجود لجبر (1) السهو في الصلاة، فهو حكم يلزم عند السهو في ~~الصلاة، لا أنه (2) يرجع عليه. وإنما نفينا عن كلام النائم وحركته التي لا ~~تتعداه (3) القبح والحسن، فأما إذا أضر بغيره (4) في حال نومه؛ فلفعله ~~حكم القبح، وإن كان لا ذم عليه (5) كما لا يذم الصبي والبهيمة، لأن إمكان ~~التحرز مفقود، وليس يمتنع أن يتعلق بذلك وجوب الضمان شرعا، لأنه لا نسبة ~~بين ذلك وبين ما نفيناه من الذم. وعلى هذا الوجه لزم العاقلة الدية بالشرع، ~~وإن لم يكن من جهتهم فعل لا (6) قبيح ولا حسن، وإنما صار القتل (7) ~~المخصوص سببا شرعيا لوجوب ذلك عليهم. # فأما وصف الفعل القبيح بأنه محظور (8) ومحرم ومكروه، فالمتكلمون يصفون ~~بذلك كل قبيح وقع منا، ومن يقول بالاجتهاد منهم PageV02P091 # ربما يشترط، فيقول: ممن يؤديه اجتهاده إلى تحريمه، فأما الفقهاء؛ فإنهم ~~يصفون بالتحريم والحظر (1) ما دل على قبحه دلالة قاطعة، وما طريقه الاجتهاد ~~قالوا: مكروه، ولم يطلقوا (2) الحظر والتحريم فيه، وما تزول ms237 الشبهة فيه ~~يقولون: إنه حلال طلق، وما يعترض فيه شبهة (3) يقولون: لا بأس به. ### ||| . فصل في ذكر اختلاف الفاعلين في هذه الأفعال # اعلم أنه ليس المراد بقولنا في هذا الباب: «إن القبيح (4) أو (5) الحسن ~~يصح من الفاعل» القدرة (6) لأنا إذا أردنا القدرة فلا اختصاص، وإنما نريد ~~(7) التجويز والشك. # ويمضى في الكتب أنه لا قادر إلا ويصح منه الحسن على مراتبه، وليس الأمر ~~على ذلك، لأن الكفار الذين يستحقون العقاب الدائم لا يجوز أن يقع منهم طاعة ~~يستحقون بها الثواب PageV02P092 # الدائم، مع قولنا بنفي (1) الإحباط، و(2) إنما يجيز ذلك من ذهب إلى ~~الإحباط (3). # فأما القبيح (4)؛ فتختلف (5) أحوال الفاعلين فيه، فالقديم (6) تعالى ~~لا يجوز أن يفعل قبيحا، لعلمه بقبحه، واستغنائه عنه، وقد دللنا على ذلك في ~~كتاب الملخص؛ والذخيرة. والأنبياء (عليهم السلام) لا يجوز أن يقع منهم شيء ~~من القبائح لا قبل (7) النبوة ولا بعدها، وقد دللنا على ذلك في الذخيرة، ~~وكتاب تنزيه الأنبياء. # والأئمة (عليهم السلام) لا يجوز (8)- أيضا- وقوع شيء من القبائح منهم، ~~لما دللنا عليه في كتب (9) الإمامة (10). وأما الملائكة؛ فالرسل منهم لا ~~يجوز عليهم فعل القبيح، ولا دليل يدل على أن جميعهم بهذه الصفة، لأن قوله ~~تعالى: «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» (11) لا دليل يوجب ~~القطع على عمومه (12) PageV02P093 # في جماعتهم، أو (1) في جميع أفعالهم. ومن عدا من ذكرناه يجوز أن يفعل ~~القبائح لفقد الدلالة على عصمته. ### ||| فصل في أن العقل لا يوجب اتباع النبي (عليه السلام) في أفعاله # اعلم أن العبادة بالشرعيات تابعة للمصالح، ولا مكلفين إلا ويصح أن يختلفا ~~في مصالحهما (2) فتختلف (3) عبادتهما، كالطاهر والحائض، والمقيم والمسافر، ~~والغنى والفقير، وإذا ثبت ذلك؛ (4) جاز أن يختص النبي (صلى الله عليه وآله) ~~بعبادات شرعية لا يكون لنا فيها مصلحة، ولا نتعبد (5) بها. # وليس لأحد أن يلزمنا تجويز مخالفة تكليف (6) النبي (صلى الله عليه ~~وآله) (7) لنا (8) في العقليات، كما جاز في الشرعيات، لأن PageV02P094 # العقليات (1) على ضربين: أحدهما يرجع إلى صفة الأفعال، فأحوال المكلفين ~~لا يجوز أن تفترق (2) فيه، ms238 نحو قبح الظلم، ووجوب شكر (3) النعمة، ~~والإنصاف. والثاني يجب لكونه لطفا، ووجه كونه لطفا يرجع إليه ويعلم بالعقل ~~متميزا، نحو وجوب النظر في معرفة الله تعالى (4) فهذا (5)- أيضا- يجب ~~التساوي فيه. # وأما (6) الشرعيات؛ فهي ألطاف ومصالح، ولا يعلم كونها كذلك إلا بالسمع، ~~فجاز افتراق (7) أحوال المكلفين فيها بحسب دلالة السمع، ولهذا جاز النسخ ~~في هذا الوجه دون الأول، وافتراق أحوالنا فيه، وإذا جاز افتراقهم في تكليف ~~ذلك؛ جاز في (8) النبي (صلى الله عليه وآله) (9) وليس يمتنع (10) أن ترد ~~العبادة بمخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) في جميع أفعاله، و(11) لا ~~يقتضى ذلك التنفير، كما اختص بعبادات كثيرة دوننا، ولم يوجب ذلك التنفير عن PageV02P095 # قبول قوله. # فإن قيل: إذا جاز في فعله أن يكون مقصورا عليه؛ فجوزوا (1) في قوله مثل ذلك. # قلنا: هذا جائز في القول والفعل معا (2) لأنه لا يمتنع فيما يؤديه من ~~الأمر والنهى والحظر والإباحة أن يختص بنا، وإنما يعلم (3) تعديه إليه ~~بدليل. وليس يجري تجويز مخالفته في الفعل مجرى القول، لأن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) إنما بعث لتعريفنا مصالحنا، وذلك لا يكون إلا بالأداء الذي هو ~~القول، ونفي اتباع قوله ينقض (4) الغرض في بعثته. ### ||| . فصل في معنى التأسي بالنبي (صلى الله عليه وآله) (5) # الواجب أن نعتبر (6) في التأسي شرطين: أحدهما صورة الفعل، والآخر الوجه ~~الذي يقع عليه. و(7) إنما اعتبرنا الصورة، لأن PageV02P096 # الصائم (1) لا يكون متأسيا بالمصلي، لاختلاف الصورة (2) لأن الصلاة ~~تخالفه (3) في الصورة، ولو أنه (عليه السلام) أخذ من غيره دراهم عن زكاة؛ ~~لم يكن الآخذ منه الدراهم على وجه القرض أو (4) الغصب متأسيا به، لاختلاف ~~الوجه. و(5) لا يمتنع عقلا وفرضا أن يتعبدنا الله تعالى بأن (6) نفعل (7) ~~وجوبا مثل كل شيء يفعله (8)(عليه السلام) غير أن ذلك لا يكون تأسيا به، ~~لأنه- (عليه السلام)- (9) إذا فعله (10) على وجه الندب أو الإباحة، ~~ففعلناه على وجه (11) الوجوب، لم نكن (12) متأسين به. # فإن قيل: ألا شرطتم في التأسي- مضافا إلى ما ذكرتموه- الوقت، والمكان، ~~وقدر الأفعال، في كثرة (13) وقلة، وطول، وقصر، وأسباب ms239 الأفعال، وإن لم تكن ~~وجوها، كإزالة النجاسة لأجل الصلاة؟!. PageV02P097 # قلنا: أما الوقت والمكان؛ فقد كان يجب اعتبارهما لو لا الإجماع على ترك ~~اعتبارهما. وهذا أولى من جواب من أجاب عن ذلك بأن اعتبارهما (1) ينقض ~~التأسي، وأنه لا يجوز أن يعتبر في التأسي ما يبطله. وإنما فسد هذا الجواب، ~~لأن المكان يمكن أن يفعل فيه بعينه، والوقت وإن لم يمكن (2) أن يفعل فيه ~~بعينه، ففي نظيره (3) ومثله، كما أنا ليس (4) نتأسى في صورة الفعل إلا ~~بأن نفعل (5) مثلها، لا تلك بعينها. # فأما مقادير الأفعال؛ فإنها على ضربين: فما لا يمكن ضبطه وتمييزه (6) لا ~~اعتبار به، وما أمكن ذلك فيه دخل تحت قولنا «صورة الفعل». # وأما سبب الفعل؛ فإن قولنا «الوجه الذي وقع عليه» يقتضيه، لأن ذلك يقتضى ~~النية والقصد والغرض، والسبب- أيضا- داخل فيه، وكما أن من وجوه الأفعال ~~الوجوب والندب والحظر والإباحة؛ كذلك من وجوهها (7) المعاني التي PageV02P098 # لها (1) تفعل، نحو أن يسجد للسهو، ويرجم (2) للزنا، ويتطهر (3) للصلاة. # فأما موافقته (عليه السلام) في الفعل (4)؛ فالأشبه أن يراد بها (5) ~~المساواة في الصورة والوجه الذي يقع عليه، ولهذا لا (6) يكون من أخذ من ~~غيره خمسة دراهم على غير وجه الزكاة موافقا له (عليه السلام) إذا أخذ هذا ~~المبلغ على وجه الزكاة. # فأما المخالفة فقد تكون (7) في القول والفعل معا (8) أما (9) في القول؛ ~~فبأن يوجب علي بالقول ما لا أفعله، والمخالفة (10) في الفعل أن يقوم الدليل ~~على وجوب التأسي به فلا يتأسى لا (11) في صورة ولا في وجه، وقد (12) يكون ~~(13)- أيضا- في الإخلال بالصورة أو الوجه على انفراد. فأما الاقتداء بإمام ~~الصلاة؛ ففي الفقهاء من اعتبر فيه (14) ما ذكرناه من التأسي، فلم يجوز ~~(15) اقتداء المفترض PageV02P099 # بالمتنفل (1) والصحيح جواز ذلك لقيام الدلالة عليه. ### ||| . فصل في أن السمع قد دل على وجوب التأسي به (عليه السلام) في جميع أفعاله إلا ما خص به # اعلم أنه لا خلاف بين الأمة في الرجوع إلى أفعاله (عليه السلام) في أحكام ~~الحوادث، كالرجوع إلى أقواله، فيجب أن يكون كل واحد من الأمرين حجة، ms240 ~~والمعتمد إنما هو على هذا الإجماع الظاهر الذي لا شبهة فيه، دون الأخبار ~~المروية في هذا الباب، فهي مع الكثرة أخبار (2) آحاد. وقد يجوز أن يستدل ~~على ذلك بقوله (3) تعالى-: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» وبقوله ~~تعالى: «فاتبعوه». # واعلم أن التأسي به (عليه السلام) إنما يكون فيما يعلم حكمه بفعله، دون ~~ما لم يكن له هذا الحكم. وإذا فعل (عليه السلام) فعلا على جهة الامتثال؛ ~~فحكمنا (4) فيه كحكمه (5) وماله فعله هو الذي PageV02P100 # له (1) نفعله (2) فلا تأسي به (عليه السلام) في ذلك، كما أنا لا نتأسى ~~به في العقليات لهذه العلة. وما يفعله ابتداء شرع، ففعله (3) هو الحجة ~~فيه، فالتأسي به (عليه السلام) في ذلك (4). فأما ما (5) يفعله (عليه ~~السلام) بيانا لمجمل؛ فله شبهان، لأنه من حيث كان امتثالا (6) لدليل سابق، ~~يشبه (7) ما يفعله امتثالا (8) ومن حيث تضمن بيان صفات وكيفيات لهذه ~~العبادات، كالصلاة والطهارة وغيرهما؛ جرى (9) مجرى ابتداء الشرع، فالتأسي ~~به إنما هو في الكيفية والصفة اللتين فعله (عليه السلام) هو الحجة فيهما. ~~هذا كله فيما يفعله (عليه السلام) على جهة العبادة، أو ما يجري مجراها. ~~وأما المباحات التي تخصه (10)(عليه السلام) كالأكل والنوم؛ فخارج من (11) ~~هذا الباب. فأما صغائر الذنوب؛ فإنا لا نجوزها على الأنبياء (عليهم السلام) ~~فلا نحتاج (12) إلى استثنائها، كما يحتاج إلى ذلك من جوز الصغائر عليهم (13). # . PageV02P101 ### ||| فصل في هل أفعاله (عليه السلام) على الوجوب أم لا. # اختلف الناس في ذلك: فقال مالك: إن أفعاله (عليه السلام) على الوجوب، ~~وذهب إلى ذلك بعض (1) أصحاب الشافعي، وقال قوم: # هي على (2) الإباحة، وآخرون: إنها على الندب، وآخرون قالوا: # هي موقوفة على الدليل. # والصحيح أن كل شيء انقسمت أحكامه، فلا يجوز أن نجيب (3) عنه بحكم (4) ~~واحد، وأفعاله (عليه السلام) (5) كأقواله في الانقسام، فكما لا يجوز أن ~~(6) نقول في أقواله: إنها (7) على وجوب أو ندب للانقسام، فكذلك أفعاله، ~~وإذا انقسمت أفعاله (عليه السلام) إلى ما هو بيان، وحكم البيان (8) حكم ~~المبين في وجوب أو (9) ندب أو غيرهما، وإن ms241 كان امتثالا؛ فبحسب الدليل ~~الممتثل (10) وإن PageV02P102 # كان ابتداء شرع، فهو- أيضا- ينقسم (1) إلى وجوب وندب وإباحة بحسب ما ~~يمكن فيه من التأسي؛ فبان أن الأمر على ما ذكرناه. # دليل آخر: ومما يدل على أن أفعاله (عليه السلام) ليست على الوجوب، أنا قد ~~بينا قبل هذا الفصل أن الفعل لا يقتضى ذلك، وسنبين (2) أن أدلة السمع- ~~أيضا- (3) لا تقتضيه (4) فيجب نفى كونها على الوجوب. # دليل آخر: و- أيضا- فإنه لا خلاف في أنا قد (5) تعبدنا بالتأسي به (عليه ~~السلام) فالقول بأن أفعاله (6) كلها على الوجوب ينقض ذلك لأن في أفعاله ~~الواجب والندب والمباح، فكيف يجب ذلك علينا مع لزوم طريقة التأسي. # فإن قيل: إذا لم نعلم إلا مجرد الفعل؛ كان على الوجوب، وإذا علمنا وجهه؛ ~~لزمت طريقة التأسي. # قلنا: هذا القول ينقض وجوب التأسي والاتباع، لأن مجرد PageV02P103 # الفعل إذا (1) علمناه (2) فلزمنا (3) التأسي به، لم يجز أن يلزمنا ~~الوجوب على كل حال، مع أن التأسي مشروط باعتبار الوجوه. # دليل آخر: و- أيضا- فإن ظاهر فعله (عليه السلام) إذا كنا لا نعلم به (4) ~~وجوبه عليه، فبأن لا نعلم وجوبه علينا أولى. ويفارق القول الذي به نعلم ~~وجوبه علينا دونه، لأن القول أمر لنا ومختص بنا دونه، وليس كذلك الفعل، ~~لأنا نتبعه فيه. # وإنما قلنا: إنه لو وجب علينا لوجب عليه، لأنه لو دل (5) على وجوبه ~~علينا، للزمه (عليه السلام) إظهار ذلك بالفعل، أو به وبالقول على جهة ~~التخيير، فكان (6) لا بد من وجوبه عليه، ليصح كونه دلالة على وجوبه علينا. ~~فإن جعلوا فعله (عليه السلام) سببا أو أمارة للوجوب علينا فلا يلزم أن يكون ~~واجبا عليه، فهذا يخالف طريقتهم، لأنه لا فرق في ذلك بينه (عليه السلام) ~~وبين غيره، ولا تأثير لكونه نبيا في ذلك، وهم يجعلون لكونه (عليه السلام) ~~كذلك تأثيرا. # دليل آخر: و- أيضا- فإن فعله (عليه السلام) الشيء ليس بمستمر، PageV02P104 # لأنه قد يتركه في حالة، كما يفعله في أخرى (1) ولم نعن بالترك هاهنا أن ~~لا يفعله، بل عنينا به ضد الفعل الأول على وجه يظهر ويتميز، وإذا صحت هذه ~~الجملة، ms242 لم يكن الحكم بوجوبه من حيث فعله بأولى من سقوطه ووجوب تركه، لأنه ~~قد (2) تركه. # فإن قالوا: تركه (عليه السلام) الفعل يجري (3) مجرى تركه الأمر، في أنه ~~لا يؤثر في دلالة الوجوب. # قلنا: الفرق بين الأمرين أن الوجه الذي يدل عليه الأمر لا يقدح فيه ترك ~~الأمر، والوجه الذي يدل عليه الفعل يقدح فيه الترك المخصوص، و(4) يجري مجرى ~~أمره ونهيه عن الشيء الواحد على وجه واحد في أنه لا يستقر للأمر (5) ولا ~~للنهي (6) دلالة. # وقد تعلق من ذهب إلى أن أفعاله (عليه السلام) على الوجوب بأشياء: # أولها أن كونه نبيا ومتبعا يقتضى نفى (7) ما ينفر عنه ومخالفته في ~~أفعاله تنفر (8) عن القبول عنه (9) PageV02P105 # وثانيها قوله تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره» فإن (1) هذه اللفظة ~~تقع (2) على الفعل والقول جميعا فنحملها (3) عليهما. # وثالثها قوله تعالى: «فاتبعوه» وأن أمره يقتضى الوجوب. # ورابعها قوله- سبحانه-: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» فإن (4) ~~ذلك يقتضى وجوب التأسي ولزومه. # وخامسها قول بعضهم: إن الفعل أوكد من القول، بدلالة أنه (عليه السلام) ~~كان (5) إذا أراد تحقيق أمر (6) فزع (7) فيه إلى الفعل، فبأن يكون (8) ~~على الوجوب أولى. # وسادسها أن الوجوب أعلى مراتب الفعل، فإذا عدمنا (9) الدليل على- صفة ~~فعله، وعلى أي وجه (10) وقع؛ فيجب أن نحمله على الوجه الذي هو أعلى ~~مراتبه. PageV02P106 # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: قد بينا (1) أنه لا تنفير (2) في سقوط ~~وجوب مثل ما يفعله علينا، فإن كونه نبيا لا يقتضى ذلك ولا يوجبه (3) فلا ~~معنى لإعادته. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: هذه الآية بأن تكون (4) دلالة لنا ~~عليهم أولى، لأن التحذير من المخالفة يقتضى إيجاب الموافقة، والموافقة في ~~الفعل قد بينا أنها تقتضي (5) أن نفعله (6) على الوجه الذي فعله (عليه ~~السلام) عليه، وهذا يبطل الحكم بأن جميع أفعاله على الوجوب. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: هذه الآية قد بينا أنها توجب التأسي به ~~(عليه السلام)، وأن التأسي لا بد فيه من اعتبار وجه الفعل، وما يفعله (عليه ~~السلام) ندبا ms243 لا نكون (7) متبعين (8) له فيه بأن نفعله واجبا، بل نكون ~~مخالفين له، فالآية دليل لنا على هذا الترتيب. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: (9) هذه الآية- أيضا- تدل على PageV02P107 # صحة ما ذهبنا إليه، والكلام على الآيتين واحد (1) في اعتبار شرط التأسي ~~فيهما (2) فبطل تعلق مخالفينا بها. # ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إن الأمر يقتضى كونه (عليه السلام) ~~مريدا منا الفعل (3) المأمور به، والفعل لا يقتضى ذلك، فكيف يكون آكد منه ~~فيما نحن بسبيله؟!، وإنما يتحقق الأمر ويتأكد بالفعل إذا تعقبه، فأما إذا ~~انفرد الفعل عن الأمر، فالأمر منفردا، أوكد منه. ثم نرجع (4) إلى القانون: ~~فنقول: كيف نفعل (5) على جهة الوجوب ما يجوز أن يكون فعله (عليه السلام) ~~على جهة الندب مع وجوب التأسي؟!. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: الوجوب وإن كان أعلى مراتب الفعل، فإنه ~~لا يجوز- إذا عري فعله (عليه السلام) من دلالة تدل على الوجه الذي وقع ~~عليه- أن يفعله (6) على جهة الوجوب، لأنا لا نأمن أن يكون (عليه السلام) ~~فعله على جهة الندب، فيبطل (7) التأسي، وإن تعلقوا في وجوب فعله (عليه ~~السلام) علينا بطريقة الاحتياط؛ فقد PageV02P108 # مضى الكلام عليها (1) في باب الأوامر (2). ### ||| فصل في الوجوه التي يقع عليها أفعاله (عليه السلام) وكيف الطريق إلى معرفة ذلك؟. # اعلم (3) أن أفعاله (عليه السلام) تنقسم إلى بيان، وامتثال، وابتداء شرع. # والذي يدل على صحة هذه القسمة أنه إذا كان لا بد للفعل من دليل، فإما أن ~~يكون دليله ظاهرا مستقلا بنفسه؛ فيكون الفعل امتثالا، أو يكون دليله ظاهرا ~~(4) لا يستقل بنفسه؛ فيكون بيانا، أو لا دليل له يظهر؛ فيكون ابتداء شرع. # والبيان ينقسم ثلاثة أقسام: بيان المجمل، وبيان التخصيص، وبيان النسخ. ~~ويلحق بذلك ما لا بد من ذكره (5): بيان زيادة لاحقة لا بد منها، وقد يكون ~~تارة ذلك نسخا، وأخرى غير PageV02P109 # نسخ. ويلحق بذلك- أيضا- بيان فعل محتمل، لأن الفعل قد يتبين (1) بالفعل، ~~ويدخل فيه- أيضا- (2) بيان قول محتمل (3) للأمرين، كآية القرء. # فأما مثال بيان المجمل؛ فكبيانه (عليه السلام) الصلاة والمناسك وغيرهما ~~(4). والطريق إلى معرفة ذلك ms244 من وجهين: أحدهما حصول قول (5) منه (عليه ~~السلام) أو ما يجري مجراه ينبه به (6) على أن فعله بيان للمجمل. والثاني ~~فقد ما يمكن أن يبين (7) المجمل به من قول أو فعل وإمكان كون الفعل بيانا، ~~وحضور الحاجة. # وأما بيان تخصيص العموم فكنهيه (عليه السلام) عن الصلاة (8) في أوقات ~~مخصوصة، وخص ذلك فعله صلاة مخصوصة في تلك الأوقات. وما به يعلم (9) أنه ~~تخصيص كونه منافيا لبعض ما دخل تحت العموم في الكتاب أو (10) السنة. # وأما مثال النسخ؛ فنحو ما روى من قوله (عليه السلام) وإذا PageV02P110 # رأيتموني أصلي جالسا؛ فصلوا جلوسا أجمعين، فنسخ بأن صلى جالسا ومن خلفه ~~قيام في مرضه الذي مات فيه (1). وما به يعلم أنه نسخ أن يكون فعله مقتضيا ~~لرفع (2) ما تقدم من الدلالة في الامتثال. # ومثال الزيادة أن ترد زيادة عدد في الحد، أو في غيره، وتدخل (3) فيه ~~زيادة السنن في الطهارة. # وأما بيان القول المحتمل؛ فما يدل من فعله على أحد المرادين. # وأما الامتثال فهو (4) أن يفعل (عليه السلام) ما هو مبين في دليل الكتاب، ~~حتى لو لا فعله لعرفناه على ذلك الحد. # وأما أمثلة ابتداء الشرع؛ فهي كثيرة، فإذا فقدنا ما يقتضى الامتثال ~~والبيان؛ فلا بد من كونه ابتداء شرع. # وينقسم ذلك على (5) وجوه أخر (6) إلى أقسام: منها فعل، ومنها ترك، ومنها ~~إقرار الفاعل على فعله: # فأما أمثلة الفعل؛ فقد ذكرناها. PageV02P111 # وأما الترك؛ فعلى ضروب: منها ترك فعل، ومنها ترك نكير، ومنها ترك بيان، وجواب. # فأما ترك الفعل؛ فقد يكون نسخا، وتخصيصا، وبيانا. # ومثال التخصيص أن يترك (عليه السلام) قطع يد السارق في أقل من عشرة (1) ~~دراهم، أو ربع دينار، ولا وجه يقتضى إسقاط قطعه، فيعلم بذلك أن القدر الذي ~~سرق لا يستحق به القطع. وتأخير الصلاة عن وقتها يدل على جواز التأخير. و(2) ~~أما النسخ؛ فقد مضى بيانه. وأما البيان؛ فنحو تركه (3) العود إلى القعدة ~~الأولى، فيكون (4) بيانا لكونها ندبا، ومفارقتها للقعدة (5) الثانية. وهذا ~~المثال لا يصح إلا على مذهب من يرى أن القعود ms245 (6) للتشهد الأول والثاني معا ~~غير واجبين، والصحيح عندنا أنهما واجبان، وهو مذهب الليث بن سعد، وأحمد بن ~~حنبل، وإسحاق بن راهويه. # وأما ترك النكير (7)؛ فقد اختلف العلماء فيه: فمنهم من قال: # إنه يدل على حسن ذلك الفعل على كل وجه، ومنهم من قال: PageV02P112 # يدل عليه إذا كان من باب الشرع، ومنهم من قال: إنما يدل على الحسن إذا لم ~~يكن (1) قد تقدم البيان، وتقرر، ولا شبهة في أن ما علم قبحه عقلا، أو علم ~~بالشرع كونه قبيحا، على الوجه المقرر الممهد (2) فإنه يجوز له (عليه ~~السلام) على بعض (3) الوجوه أن يدع إنكاره، ولا يدل تركه (4) النكير (5) ~~على حسنه والحال هذه، كما لم يدل إقراره لأهل الذمة على ترك الاختلاف إلى ~~الصلاة على حسن ذلك منهم، لما تقدم البيان، وعرف الوجه في الإقرار، وإنما ~~يدل تركه (6) النكير على حسن الفعل متى علم أنه لو لا حسنه لما حسن منه ~~ترك النكير (7) وأما تركه البيان والجواب؛ فدلالته مختلفة لأنه قد يدع (8) ~~الجواب انتظارا (9) للوحي، من حيث لم يكن له في الشرع حكم مستقر، وقد يدعه ~~إحالة للسائل على دليل متقدم، فيجب أن ينظر في كيفية ترك الجواب. وأما تركه ~~(عليه السلام) (10) البيان فنحو (11) PageV02P113 # أن تحدث حادثة، فلا يبين (1) حكمها، ولا تظهر (2) منه أمارة التوقف على ~~الوحي، و(3) ما هذه حاله فتركه يدل على أنه لا حكم لله تعالى في تلك ~~الحادثة إلا ما كان في العقل، لأنه لو كان، لأظهره في وقت الحاجة. وكذلك ~~تركه (4) بيان تخصيص العموم يدل على أن العموم شامل. # وينقسم الفعل (5) أقساما أخر على وجه آخر: فمنها كونه مباحا، ومنها كونه ~~ندبا (6) ومنها كونه واجبا (7). # وإنما يعلم الواجب بوجوه: منها كونه بيانا لواجب، ومنها كونه امتثالا ~~لواجب، ومنها أن يكون مما لو (8) لم يكن واجبا لما جاز أن يفعله، نحو أن ~~يركع في الصلاة ركوعين (9) على سبيل القصد، ومنها كل فعل لو لم يكن واجبا، ~~لكان معصية كبيرة (10) ومنها كونه شرطا على وجه مخصوص في واجب، ومنها كونه ms246 ~~قضاء لفائت واجب، ومنها كونه جزاء (11) لشرط (12) يستحق به. PageV02P114 # وأما ما به يعلم أن فعله مباح؛ فأن يكون بيانا لمباح، كالذبيحة، ومنها أن ~~يكون مما لو لم يكن مباحا لكان معصية كبيرة (1) ومنها أن يتقدم منه قول ~~يقتضى كونه مباحا. # وأما ما به يعلم كون فعله ندبا؛ فوجوه: منها أن يكون بيانا للندب، ومنها ~~أن يكون شرعيا، ولا أمارة للوجوب، ومنها إيقاعه على وجه العبادة والإخلاص، ~~ولا وجوب، ومنها أن يكون مما لو لم يكن ندبا لكان كبيرا، ومنها أن يفعله في ~~وقت ويتركه (2) في آخر، ويحصل في فعله أمارة الشرع. # وينقسم على وجه (3) آخر فمنه ما هو قضاء على الغير، ومنه ما هو متعلق ~~بالغير، ومنه ما لا تعلق له بأحد: وقضاؤه (4) على الغير فيه أمارة الوجوب، ~~لأن النزاع يتقدمه، ويجب على الحاكم قطع ذلك. فأما الذم والمدح (5)؛ فلهما ~~تعلق بالغير، والذم منه (عليه السلام) يدل على قبح الفعل، والعقوبة أقوى ~~دلالة على القبح، وأما المدح، فإنه يدل على أن للفعل صفة زائدة على الحسن (6) PageV02P115 # فربما كان واجبا، وأقل أحواله أن يكون ندبا. وقد اختلف في نسبته (صلى ~~الله عليه وآله) زيدا إلى عمرو (1) هل يقتضى القطع، أو يكون على الظاهر ~~(2)؟ فقال قوم: يقتضى القطع، وآخرون يجوزون (3) أن يتبع (4) ذلك الظاهر ~~والأمارات، والوجه الأول أولى، لأن ظاهر خبره بالإطلاق يقتضى القطع، وإنما ~~يكون عن الظن والأمارة (5) بما يخالف الإطلاق، فالأولى مع الإطلاق حمله على ~~القطع، وعلى هذا الوجه (6) يجري وصفه (صلى الله عليه وآله) لغيره بالفصل ~~(7) لأن ذلك خبر، ومع الإطلاق (8) يجب حمله على القطع، وحكمه- بالشهادة أو ~~بالإقرار- (9) بالملك لا يدل على القطع بالباطن (10) كما قلناه في الأول، ~~لأن هذا حكم، والأول (11) خبر. و(12) في هذا الباب فروع كثيرة يطول الكتاب ~~باستيفائها. # . PageV02P116 ### ||| فصل (1) في هل يصح في أفعاله (صلى الله عليه وآله) التعارض أم لا. # اعلم أن التعارض بين الدليلين إنما يكون بأن يتعذر استعمالهما (2) معا، ~~وأما (3) إذا أمكن العمل بهما (4)؛ فلا تعارض. وليس يمكن أن يقع (5) الفعل ~~وتركه في ms247 حالة (6) واحدة، وكذلك لا يمكن في الحال الواحدة وقوعه ووقوع ضده، ~~وإنما يكونان متعارضين (7) على أحد هذين الوجهين. وإنما يصح من الفاعل أن ~~يفعل ضد ما فعله في حال أخرى، وذلك مما يمكن فيه التأسي، ولا تعارض. # فأما نسخ فعله (عليه السلام) بفعله؛ فلا يصح على التحقيق، لأن الفعل ~~الأول لا ينظم (8) الأوقات المستقبلة، غير أنه إذا دل دليل على وجوب ~~استمرار حكمه، جاز أن يقال في الثاني: إنه ناسخ، وكذلك التخصيص، لأن الدليل ~~إذا دل على أن المراد كل مكلف، PageV02P117 # ووجدناه (صلى الله عليه وآله) قد أقر بعض المكلفين على ترك ذلك الفعل، أو ~~رضى به؛ جاز أن يقال (1): إنه بذلك مخصص (2) له (3) والمعنى (4) ما ~~ذكرناه. # فأما قوله (عليه السلام) (5) إذا عارض فعله فيجب النظر فيه، فإن تقدم ~~القول، ومضى الوقت الذي يجب الفعل فيه، وفعل (صلى الله عليه وآله) ما يعارض ~~ذلك، كان ناسخا (6) لا محالة، ومثاله تركه (صلى الله عليه وآله) قتل الشارب ~~للخمر في المرة الرابعة، بعد قوله: «فإن شربها في الرابعة فاقتلوه (7)». ~~فأما إن فعل (صلى الله عليه وآله) ما يعارض القول قبل مجيء الوقت الذي ~~تعبدنا بالفعل فيه؛ فلا يجوز أن يكون نسخا، لأن نسخ الفعل قبل وقته (8) لا ~~يصح. فأما متى تقدم الفعل، ووجد القول الذي يقتضى رفع مقتضاه، فذلك نسخ بلا ~~شبهة، لأنه متأخر عن حكم استقرار الفرض. فأما إذا لم يعلم المتقدم من ~~المتأخر؛ فمن (9) الناس من ذهب إلى أن الأخذ بالقول أولى (10) PageV02P118 # ورجح بأن فعله لا يتعداه إلا بدليل، ومن حق قوله أن يتعداه، و(1) لا يكون ~~مقصورا عليه. والأولى أن يقال إنه لا بد إذا تعارضا من أن ينصب الله تعالى ~~للمكلف دليلا يعلم به المتقدم من المتأخر، وفي هذا نظر. ### ||| . فصل (2) في هل كان النبي (3)(صلى الله عليه وآله وسلم) متعبدا بشرائع من تقدمه من الأنبياء (عليهم السلام) # في هذا الباب مسألتان: إحداهما (4) قبل النبوة، والأخرى بعدها. # و(5) في المسألة الأولى ثلاثة مذاهب: أحدها أنه ما كان (عليه ms248 السلام) ~~متعبدا قطعا، والآخر أنه كان متعبدا قطعا (6) والثالث التوقف عن (7) القطع ~~على أحد الأمرين، وهذا هو الصحيح. # والذي يدل عليه أن العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله PageV02P119 # تعالى- من المصلحة بها في التكليف العقلي، ولا يمتنع (1) أن يعلم الله ~~تعالى أنه لا مصلحة للنبي (صلى الله عليه وآله) قبل نبوته في العبادة بشيء ~~من الشرائع، كما أنه غير ممتنع أن يعلم أن له (عليه السلام) في ذلك مصلحة، ~~وإذا كان كل واحد (2) من الأمرين جائزا، ولا دلالة توجب القطع على أحدهما، ~~وجب التوقف. # وليس لمن قطع على أنه (عليه السلام) ما كان متعبدا أن يتعلق بأنه لو كان ~~تعبده (عليه السلام) (3) بشيء من الشرائع، لكان فيه (4) متبعا (5) لصاحب ~~تلك الشريعة، ومقتديا به، وذلك لا يجوز، لأنه أفضل الخلق، واتباع الأفضل ~~للمفضول قبيح. # وذلك أنه غير ممتنع أن يوجب الله تعالى عليه (صلى الله عليه وآله) بعض ما ~~قامت عليه الحجة (6) من بعض الشرائع المتقدمة، لا على وجه الاقتداء بغيره ~~فيها، ولا الاتباع. # وليس لمن قطع على أنه (عليه السلام) كان متعبدا أن يتعلق بأنه (عليه ~~السلام) كان يطوف بالبيت، ويحج ويعتمر، ويذكي، ويأكل PageV02P120 # المذكى، ويركب البهائم، ويحمل عليها. # وذلك (1) أنه لم يثبت عنه (عليه السلام) أنه (2) قبل النبوة حج أو (3) ~~اعتمر، ولو ثبت ذلك، لقطع به على أنه كان متعبدا، وبالتظني (4) لا يثبت ~~(5) مثل ذلك. ولم يثبت- أيضا- (6) أنه (عليه السلام) تولى التذكية بيده ~~(7). وقد قيل- أيضا- (8): إنه (9) لو ثبت أنه ذكي بيده، لجاز أن يكون من ~~شرع غيره في ذلك الوقت أن يستعين بغيره (10) في الذكاة، فذكي على سبيل ~~المعونة لغيره (11). وأكل لحم المذكى (12) لا شبهة في أنه غير موقوف على ~~الشرع، لأنه بعد الذكاة قد صار مثل كل مباح من المآكل. وركوب البهائم ~~والحمل PageV02P121 # عليها (1) يحسن عقلا إذا وقع التكفل (2) بما يحتاج إليه من علف وغيره، ~~ولم يثبت أنه (عليه السلام) فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله. وليس ~~علمه (عليه السلام) بأن غيره نبي (3) بالدليل يقتضى كونه متعبدا بشريعته ~~(4)؛ بل ms249 لا بد من أمر زائد على هذا العلم. # وأما (5) المسألة الثانية فالصحيح أنه (عليه السلام) ما كان متعبدا ~~بشريعة نبي تقدم (6) وسندل عليه بعون الله تعالى، وذهب كثير من الفقهاء ~~إلى أنه كان متعبدا. # ولا بد قبل الكلام في هذه المسألة من بيان جواز أن يتعبد الله تعالى نبيا ~~بمثل شريعة النبي الأول، لأن ذلك إذا لم يجز، سقط الكلام في هذا الوجه من ~~المسألة. # وقد قيل: إن ذلك يجوز على شرطين: إما بأن تندرس الأولى، فيجددها الثاني، ~~أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها، ويمنعون (7) من جواز ذلك على غير أحد ~~هذين الشرطين، ويدعون PageV02P122 # أن بعثته على خلاف ما شرطوه تكون (1) عبثا. ولا يجب النظر في معجزته، ~~ولا بد من وجوب النظر في المعجزات. # وليس الأمر على ما قالوه، لأن بعثة النبي الثاني لا (2) تكون (3) عبثا ~~إذا علم الله تعالى أنه يؤمن عندها، وينتفع بها (4) من لم ينتفع بالأولى. ~~ولو لم يكن الأمر- أيضا- كذلك؛ كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الأدلة ~~الدالة على أمر واحد، ولا يقول أحد: أن نصب الأدلة على هذا الوجه يكون عبثا. # فأما الوجه الثاني؛ فإنا لا (5) نسلم لهم أن النظر في معجز كل نبي يبعث ~~لا بد من أن يكون واجبا، لأن ذلك يختلف (6) فإن خاف المكلف من ضرر- إن هو ~~لم ينظر- وجب النظر عليه، وإن لم يخف؛ لم يكن واجبا. وقد استقصينا هذا ~~الكلام وفرعناه في كتاب الذخيرة. # والذي يحقق (7) هذه المسألة أن تعبده (عليه السلام) (8)- بشرع من PageV02P123 # تقدمه لا بد فيه من معرفة أمرين: أحدهما نفس الشرع (1) والآخر كونه ~~متعبدا به، وليس يخلو من أن يكون (عليه السلام) علم (2) كلا الأمرين ~~بالوحي النازل عليه والكتاب المسلم إليه، أو يكون علم الأمرين من جهة النبي ~~المتقدم، أو يكون علم أحدهما من هذا الوجه، والآخر من (3) ذلك الوجه. # والوجه الأول يوجب أن لا يكون متعبدا بشرائعهم إذا فرضنا أنه بالوحي إليه ~~علم الشرع والتعبد معا، وأكثر ما في ذلك أن يكون متعبدا (4) بمثل شرائعهم ~~(5) وإنما ms250 يضاف الشرع إلى الرسول (6) إذا حمله وألزم أداءه (7) ويقال في ~~غيره: أنه متعبد بشرعه متى دعاه إلى (8) اتباعه، وألزمه (9) الانقياد له، ~~فيكون مبعوثا إليه، وإذا فرضنا أن الوحي والقرآن (10) وردا ببيان الشرع ~~وإيجاب الاتباع؛ فذلك شرعه (عليه السلام) لا يجب إضافته إلى غيره. PageV02P124 # وأما الوجه الثاني؛ فهو- وإن كان خارجا (1) من أقوال الفقهاء المخالفين ~~لنا في هذه المسألة- فاسد من جهة أن نقل اليهود ومن جرى مجراهم من الأمم ~~الماضية قد تبين (2) في مواضع أنه ليس بحجة، لانقراضهم، وعدم العلم ~~باستواء أولهم (3) وآخرهم. # و- أيضا- فإنه (عليه السلام) مع فضله على الخلق لا يجوز أن يكون متبعا ~~لغيره من الأنبياء المتقدمين (عليهم السلام). ثم هذا القول يقتضى أن لا ~~يكون (عليه السلام) بأن يكون من أمة (4) ذلك النبي بأولى منا، ولا بأن ~~نكون (5) متعبدين بشرعه (عليه السلام) بأولى من أن يكون متعبدا بشرعنا، ~~لأن حاله (6) كحالنا في أننا من أمة ذلك النبي. وبهذه الوجوه التي ذكرناها ~~نبطل (7) القسمين اللذين فرعناهما (8). ومما يدل على صحة ما ذكرناه، وفساد ~~قول مخالفينا، أنه قد ثبت عنه (عليه السلام) توقفه في أحكام معلوم أن ~~بيانها في التوراة (9) PageV02P125 # وانتظاره (1) فيها نزول الوحي، ولو كان متعبدا بشريعة موسى؛ لما جرى ذلك. # و- أيضا- فلو كان الأمر على ما قالوه؛ لوجب (2) أن يجعل (عليه السلام) ~~كتب من تقدمه في الأحكام بمنزلة الأدلة الشرعية (3) ومعلوم خلافه. # و- أيضا- فقد نبه (عليه السلام) في خبر معاذ (4) على الأدلة فلم يذكر في ~~جملتها التوراة والإنجيل. # و- أيضا- (5) فإن كل شريعته (6) مضافة إليه بالإجماع، ولو كان متعبدا ~~بشرع غيره؛ لما جاز ذلك. # و- أيضا- فلا خلاف بين الأمة في أنه (عليه السلام) لم يؤد إلينا من أصول ~~الشرائع إلا ما أوحى إليه وحمله. # و- أيضا- فإنه لا خلاف في (7) أن شريعته (عليه السلام) ناسخة لكل ~~الشرائع المتقدمة من غير استثناء، فلو كان الأمر كما قالوه؛ لما صح هذا ~~الإطلاق. PageV02P126 # و- أيضا- فإن شرائع من تقدمه (1) مختلفة متضادة، فلا يصح كونه متعبدا ~~بكلها، وإن (2) كان متعبدا ببعضها؛ فلا بد من تخصيص ودليل يقتضيه، فإن ~~ادعوا أنه متعبد بشريعة ms251 عيسى (3)(عليه السلام) لأنها (4) ناسخة لشريعة من ~~تقدم؛ فذلك منهم ينقض تعلقهم بتعرفه الرجم من اليهود في التوراة. # فأما رجوعه (عليه السلام) في رجم المحصن إليها، فلم يكن لأنه كان متعبدا ~~بذلك، لأنه لو كان الرجوع لهذه العلة، لرجع (عليه السلام) في غير (5) هذا ~~الحكم إليها، وإنما رجع لأمر آخر (6) وقد قيل: إن سبب الرجوع أنه (عليه ~~السلام) كان (7) خبر بأن حكمه في الرجم يوافق ما (8) في التوراة، فرجع ~~إليها تصديقا لخبره وتحقيقا لقوله (9). ### | . باب الكلام في الإجماع # اختلف الناس في هذه المسألة: فقال أكثر المتكلمين PageV02P127 # وجميع الفقهاء: إن إجماع أمة النبي (صلى الله عليه وآله) حجة، وإنهم لا ~~يجوز أن يجمعوا (1) على باطل، وخالف النظام ومن تابعه في ذلك، ونفي كون ~~الإجماع حجة (2) وحكى عن قوم من الخوارج مثل ذلك، وحكى- أيضا- (3) عن بعضهم ~~أنه أحال كون الإجماع حجة، وذهب إلى أنه لا يجوز في جماعة يجوز الخطأ على ~~كل واحد منها أن ينتفي عن جماعتها (4) وآخرون نفوا كونه حجة، بأن قالوا: إن ~~أجمعوا على الشيء تبخيتا (5)؛ فذلك لا يجوز اتباعه، وإن كان توقيفا عن نص؛ ~~فيجب ظهور الحجة بذلك، و(6) يغنى (7) عن الإجماع، وإن كان عن قياس؛ فلن ~~يجوز مع اختلاف الهمم وتباين الآراء واختلاف وجوه القياس أن يتفقوا على ~~ذلك. وفي الناس من نفى (8) الإجماع، لتعذر العلم باتفاق الأمة، مع أنها ~~غير معروفة على مذهب من المذاهب. # والصحيح الذي نذهب (9) إليه أن قولنا «إجماع» إما أن PageV02P128 # يكون واقعا على جميع الأمة، أو على المؤمنين منهم، أو على العلماء فيما ~~يراعى فيه إجماعهم (1) وعلى كل الأقسام لا بد من (2) أن يكون قول الإمام ~~المعصوم داخلا فيه، لأنه من الأمة، ومن أجل المؤمنين، وأفضل العلماء، ~~فالاسم مشتمل عليه، وما يقول به (3) المعصوم لا يكون إلا حجة وحقا، فصار ~~قولنا موافقا لقول من ذهب (4) إلى أن الإجماع حجة في الفتوى، وإنما الخلاف ~~بيننا في موضعين؛ إما في التعليل، أو (5) الدلالة، لأنا نعلل كون الإجماع ~~حجة بأن العلة فيه اشتماله على قول معصوم ms252 قد علم الله- سبحانه- أنه (6) لا ~~يفعل القبيح منفردا ولا مجتمعا، وأنه لو انفرد، لكان قوله الحجة، وإنما ~~نفتي (7) بأن قول الجماعة التي قوله فيها و(8) موافق (9) لها حجة لأجل ~~قوله، لا لشيء يرجع إلى الاجتماع معهم، ولا يتعلق بهم. ومن خالفنا يعلل ~~مذهبه بأن الله تعالى علم أن جميع هذه الأمة لا تتفق (10) على خطأ، وإن ~~جاز الخطأ PageV02P129 # على كل واحد منها بانفراده، فللإجماع تأثير بخلاف قولنا أنه لا تأثير (1) ~~له. فأما نحن فنستدل على صحة الإجماع وكونه حجة في كل عصر بأن العقل قد دل ~~على أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم، لكون ذلك لطفا في التكليف العقلي ~~(2)- وهذا مذكور مستقصى في كتب الإمامة، فلا (3) معنى للتعرض له (4) ~~هاهنا- وثبوت هذه الجملة يقتضى (5) أن الإجماع في كل عصر حجة، وهذه ~~الطريقة من الاستدلال لا توافق مذاهب مخالفينا، لأن الأصل الذي بنينا (6) ~~عليه هم (7) يخالفون فيه، ولو تجاوزوا عنه؛ لكان ثبوت الحجة بالإجماع على ~~هذا الوجه ينافي مذاهبهم في أن لإجماع (8) الأمة تأثيرا (9) في كونه (10) ~~حجة، وأن بعضهم في هذا الحكم بخلاف كلهم. فأما ما يستدلون هم به على كون ~~الإجماع حجة فإنما نطعن فيه نحن لأنه لا يدل على ما ادعوه (11) ولو دل على ذلك PageV02P130 # لم يضرنا، ولا ينافي مذهبنا، لأن شهادة القرائن (1) أو الآيات بأن الأمة ~~لا تجتمع (2) على ضلال (3) نحن نقول بفحواه ومعناه وليس في الشهادة بذلك ~~تعليل ينافي مذهبنا، كما كان ذلك في تعليل قولنا: إن الإجماع حجة ~~واستدلالنا (4) عليه. فبان بهذا الشرح الذي أطلناه (5) هاهنا ما يحتاج ~~(6) إليه في هذا الباب، وإذا كنا قد دللنا على كيفية كون (7) الإجماع حجة ~~على مذهبنا، فينبغي أن نعطف إلى ما تعلق (8) به مخالفونا فنورده، ثم ~~نتكلم (9) عليه، ونحن لذلك فاعلون. # وقد تعلقوا في ذلك (10) بأشياء: # أولها قوله تعالى، «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين، نوله (11) ما تولوا، ونصله جهنم، وساءت مصيرا.» فتوعد على ~~اتباع غير سبيلهم، PageV02P131 # وفي ذلك إيجاب لاتباع ms253 سبيلهم، فلو لا أن الإجماع (1) حجة؛ لم يوجب ~~اتباعهم. # وثانيها قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس، ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا». # ومعنى «وسطا» أي عدلا، فكما يجب في شهادته (صلى الله عليه وآله) أن تكون ~~(2) حجة، فكذلك القول في شهادتهم، لأن الله (3) تعالى قد أجراهم مجراه. # وثالثها قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون ~~عن المنكر.» وهذه صفات لا تليق (4) إلا بمن قوله حجة. # ورابعها ما يروونه (5) عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: «لا ~~تجتمع أمتي على خطأ». # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إن (6) ظاهر الآية يقتضى إيجاب اتباع من ~~هو مؤمن على الحقيقة ظاهرا وباطنا، لأن من يظهر (7) PageV02P132 # الإيمان إنما يوصف بذلك مجازا، والمؤمن من فعل الإيمان، وهذا يقتضى إيجاب ~~اتباع من قطعنا على عصمته من المؤمنين، دون من جوزنا أن يكون باطنه خلاف ~~ظاهره، فكيف يحمل ذلك على أنه إيجاب لاتباع من أظهر الإيمان، وليس كل من ~~أظهر الإيمان كان مؤمنا؟! فإن ادعوا أن (1) هذه اللفظة تجري على من أظهر ~~الإيمان حقيقة، واستدلوا عليه (2) بقوله تعالى: «فتحرير رقبة مؤمنة»، ~~وقوله عز وجل (3)-: «إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات»؛ طولبوا بالدلالة على ما ~~ادعوه، فإنه يتعذر عليهم. والآيتان اللتان ذكروهما إنما علمنا أن المراد ~~بهما من أظهر الإيمان بدلالة، والظاهر يقتضى خلاف ما حملناهما عليه. # و- أيضا- فإن الآية تضمنت حظر اتباع غير سبيل المؤمنين، ولم يجر (4) ~~لسبيل المؤمنين ذكر، و(5) دليل الخطاب غير صحيح عندنا وعند أكثرهم، فلا ~~يجوز الرجوع إليه في هذه الآية. PageV02P133 # وليس لأحد أن يقول: إن (1) المراد بلفظة «غير» هاهنا الاستثناء (2) كأنه ~~قال: «لا تتبع إلا سبيل المؤمنين»، كما يقول أحدنا لغيره: «لا تأكل غير هذا ~~الطعام»، أي لا تأكل إلا هذا الطعام، و: لا تلق غير زيد، الذي يفهم منه ~~(3) إيجاب لقائه (4). # وذلك أن لفظة «غير» هي بالصفة أحق (5) منها بالاستثناء؛ وإنما استثنى ~~بها في بعض المواضع تشبيها لها (6) بلفظة «إلا»، كما وصفوا في بعض المواضع ~~بلفظة «إلا» تشبيها ms254 لها (7) بغير. وبعد؛ فلو احتملت لفظة «غير» الصفة ~~والاستثناء احتمالا واحدا، وليس الأمر كذلك؛ لكانوا يحتاجون في حملها على ~~الاستثناء دون الصفة إلى دلالة. والذي يبين (8) الفرق بين ما جمعوا بينه ~~أنه يحسن أن يقول أحدنا لغيره: «لا تأكل غير هذا الطعام ولا هذا الطعام» ~~ولا يجوز أن يقول: «لا تأكل إلا هذا الطعام ولا تأكل هذا الطعام». PageV02P134 # فإن قيل متى لم يتبع غير سبيل المؤمنين؛ فبالضرورة لا بد من كونه متبعا ~~لسبيلهم، فحظر أحد الأمرين إيجاب للآخر (1). # قلنا: ليس الأمر كذلك، لأنه قد يجوز أن يحظر عليه اتباع سبيل كل أحد (2) ~~ويلزم التعويل على الأدلة، لأن (3) المفهوم من هذه اللفظة أن يفعل المتبع ~~الفعل لأجل فعل (4) المتبع (5) وقد يمكن أن ينهى عن ذلك كله. # و- أيضا- فليس يخلو قوله تعالى «المؤمنين» من أن يريد به المستحقين ~~للثواب، والذين باطنهم في الإيمان كظاهرهم، أو يريد به (6) من أظهر ~~التصديق والإيمان، وإن جاز في الباطن أن يكون (7) بخلافه، فإن كان الأول؛ ~~فالظاهر يقتضى تناول اللفظة (8) لجميع المؤمنين إلى أن تقوم (9) الساعة، ~~فكيف يحملونها على مؤمني (10) كل عصر، وإنما هم بعض المؤمنين (11) لا كلهم، PageV02P135 # وإن جاز لهم (1) حمل اللفظة على خلاف عموم ظاهرها؛ جاز لنا حملها (2) ~~على الأئمة المعصومين، ففي كل واحد (3) من الأمرين ترك للظاهر. وإن كان ~~المراد بالآية الوجه الثاني؛ فهو باطل من وجهين: أحدهما ما قلناه من أن ~~ذلك (4) يقتضى الجميع إلى أن تقوم (5) الساعة، ولا يختص بأهل كل عصر ~~والثاني أن الكلام خارج مخرج المدح والتعظيم، من حيث الأمر بالاتباع (6) ~~والاقتداء، وذلك لا يليق إلا بمن يستحق التعظيم على الحقيقة، دون من يجوز ~~أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، ممن يستحق (7) الاستخفاف (8) والإهانة. # و- أيضا- فإنه تعالى علق وجوب الاتباع بكونهم مؤمنين، فمن أين لهم أنهم ~~لا يخرجون من هذه الصفة؟، فلا يلزم اتباعهم، وإنما يقولون (9) في أنهم لا ~~يخرجون (10) عن الإيمان على ما هو PageV02P136 # مبنى على أن (1) الحق لا يخرج (2) عنهم، والكلام في ذلك. # ثم من أين لهم (3) في الأصل أنه لا ms255 بد في كل زمان من وجود مؤمنين، حتى ~~يلزم اتباعهم؟! وليس يمكن التعلق في إثبات مؤمنين في كل حال بأنه إذا أمر ~~باتباعهم، فلا بد من حصولهم، ليمكن الاتباع، لأن ذلك تكليف مشروط بغيره، ~~يجب إذا وجد الشرط، وليس يقتضى أن الشرط لا بد من حصوله في كل حال، ألا ترى ~~أنه تعالى قد أمر بقطع (4) السارق، وجلد الزاني، ولا يقتضى ذلك القطع على ~~أنه لا بد في كل حال (5) من وجود (6) سراق (7) وزناة، حتى يمكن إقامة ~~الحدود عليهم؟. # و- أيضا- فإن الآية كالمجملة (8) لأنه تعالى لم يوجب اتباع سبيلهم في كل ~~الأحوال، ولا في حال (9) مخصوص (10) فمن أين لهم عموم الأحوال، وليس ~~هاهنا لفظ عموم؟! (11). وليس لهم PageV02P137 # أن يقولوا: لو أراد التخصيص؛ لبين (1) لأن ذلك يمكن عكسه عليهم. وهي- ~~أيضا- مجملة من وجه آخر، لأن لفظة «سبيل» منكرة، فمن أين لهم وجوب اتباعهم ~~في كل شيء عموما؟!. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: هذه الآية يقتضى ظاهرها وصف الأمة ~~بالعدالة والشهادة- أيضا- وهذا الوصف يقتضى (2) ظاهره أن يكون كل واحد ~~منهم بهذه الصفة، ومعلوم بيننا خلاف ذلك. # فإذا حملوا الآية على بعض الأمة دون بعض الذين هم العدول؛ لم يكونوا بذلك ~~أولى (3) منا إذا حملناها على المعصومين من الأئمة فإن قالوا: لم نحملها ~~(4) على الجميع، للوصف الذي لا يليق بالجميع (5) فحملناها على كل (6) من ~~يليق به الوصف. قلنا: ليس هاهنا لفظ عموم، كما كان في الآية الأولى، واللفظ ~~محتمل للأمرين، فإذا جاز أن يحملوه على بعض دون بعض، جاز لنا مثل ذلك و(7) ~~قمنا فيه مقامكم. على أنهم إذا حملوها على العموم في كل من كان ظاهره (8) PageV02P138 # العدالة، لزمهم توجه الآية إلى جميع من هو (1) بهذه الصفة إلى يوم ~~القيامة على سبيل الاجتماع، فيبطل (2) قولهم: إن إجماع أهل كل عصر حجة. # و- أيضا- فإن وصفهم بالعدالة ليكونوا شهداء إنما يقتضى أن يجتنبوا ما ~~أخرج من العدالة، والصغائر عندهم لا تخرج (3) عن العدالة، فيجب أن تجوز ~~(4) عليهم، وهم لا يجوزون أن يجمعوا على قبيح صغير ولا كبير. # و- أيضا- فإن ms256 الآية كالمجملة، لأنها غير متضمنة بأنهم جعلوا عدولا في كل ~~شيء، و(5) في جميع أفعالهم وأقوالهم (6) ومن ادعى عموم ذلك؛ فعليه ~~الدلالة، والرسول (عليه السلام) لم تجب (7) عصمته من القبائح كلها، لكونه ~~شهيدا بل لنبوته. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن التأمل لما (8) تكلمنا به على (9) ~~الآيتين المتقدمتين يبطل تعلقهم بهذه الآية، لأن وصفهم بأنهم PageV02P139 # يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يليق بجميع الأمة، فلا بد من حمله ~~على بعضهم، وإذا (1) فعلوا ذلك؛ لم يكونوا أولى منا (2) إذا حملناها على من ~~ثبتت عصمته وطهارته. # وبعد؛ فليس في الآية ما يقتضى أنهم لا (3) يأمرون (4) إلا بذلك وليس ~~يمتنع خروج من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في بعض الأحوال عن ذلك. # ولأن الآية لا تقتضي (5) أن (6) إجماع كل عصر حجة، فمن أين أن هذا ~~الوصف واقع على أهل كل عصر على انفرادهم؟!. # ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: من الخبر هذا الخبر (7) يجب أن تدلوا ~~(8) على صحته، فهي الأصل. ثم على اقتضائه عصمة الأمة (9) وكون إجماعهم حجة ~~على ما تدعون، فلا شبهة في أن (10) هذا الخبر إنما رواه الآحاد، وليس من ~~الأخبار الموجبة للعلم. PageV02P140 # وإنما يفزع مخالفونا في تصحيحه إلى أمور كلها عند التأمل مبنية على أن ~~إجماعهم حجة، وقبولهم للشيء يقتضى صحته، وما أشبه ذلك، وهذا هو استدلال ~~(1) على الشيء بنفسه، وتمحل (2) وتعلل، ونحن نبين ذلك. وربما ادعى ~~مخالفونا أن معناه متواتر، وإن كانت ألفاظه من جهة الآحاد، وأجروه مجرى ~~شجاعة عمرو وسخاء حاتم: # أما (3) الطريقة الأولى؛ فأكثر ما فيها أن الأمة أطبقت، وأجمعت (4) على ~~تصحيحه، والرضا به، ودون صحة ذلك خرط القتاد (5) لأن ذلك غير معلوم، ولا ~~مسلم وكل من خالف في الإجماع من العلماء قديما وحديثا ينكر ذلك غاية ~~الإنكار، فمن أين أنهم في ذلك مصيبون؟! ونحن قبل هذا الخبر الذي هو الحجة ~~في صحة الإجماع نجيز عليهم الخطأ (6) فلعل قبولهم هذا الخبر من جملة ما هو ~~جائز عليهم من الخطأ، وادعاؤهم أن لأمتنا (7) عادة ألفت منهم في ms257 رد الباطل ~~وقبول الحق، مما PageV02P141 # لا نوافقهم (1) عليه، ولا يجابون (2) إليه. وإذا طولبوا (3) بتصحيح ~~(4) هذه العادة؛ لم يحصلوا (5) إلا على مجرد الدعوى، وليس كل من عرف منه ~~أنه رد باطلا وقبل حقا لا يجوز عليه بالشبهة أن يقبل باطلا ويرد حقا، وأكثر ~~ما يقتضيه حسن الظن بهم أن يكونوا عندنا ممن لا يدفع إلا ما اعتقد بطلانه، ~~وأداه اجتهاده إلى وجوب رده، ولا يقبل- أيضا- إلا ما اعتقد بحجة أو شبهة ~~(6) صحته، فأما تجاوز ذلك إلى ما يقتضى عصمتهم، ونفي القبيح عنهم، من غير ~~دلالة قاطعة؛ فلا سبيل إليه، وقد استقصينا هذه النكتة في الكتاب الشافي ~~(7) غاية الاستقصاء، وتكلمنا على ما يلزمه مخالفونا في هذا الموضع (8) مما ~~هو عائد كله عند الكشف والفحص عنه إلى (9) استيلاف (10) عصمة القوم بغير دلالة. # ثم إذا سلمنا صحة الخبر؛ لم يكن فيه دلالة على ما يدعون، PageV02P142 # لأنه كالمجمل، من حيث إنه (1) نفي خطأ منكرا (2) فمن أين لهم عمومه في ~~جنس الخطأ، ولا بد في حمله (3) على ذلك من دليل ولن يجدوه؟!. # وبعد؛ فإن حملوا لفظة «أمتي» على جميع الأمة، أو على المؤمنين؛ لزمهم أن ~~يدخل فيه كل من كان بهذه الصفة إلى أن تقوم (4) الساعة على سبيل الاجتماع، ~~ويبطل أن يكون إجماع كل عصر حجة، على ما تقدم بيانه. # وربما قيل لهم في الخبر: من أين لكم أنه خبر دون أن يكون نهيا، ولعل ~~العين من لفظة (5) «تجتمع» ساكنة غير مرفوعة؟ ومن الذي ضبط في إعرابه الرفع ~~من التسكين؟. # وربما قيل لهم (6) ما أنكرتم أن يكون خبرا معناه معنى النهى، كما جرى في ~~نظائره، من قوله تعالى: «ومن دخله كان آمنا» وقوله (صلى الله عليه وآله): ~~«الزعيم غارم» و«العارية مردودة» وما لا يحصى كثرة. وهذا لا يلزمهم، ولهم ~~أن ينفصلوا عنه بأن PageV02P143 # اللفظ الذي ظاهره موضوع للخبر لا يجوز حمله على الأمر أو النهى إلا ~~بدلالة، والظاهر في الخبر معنا، وعلى من ادعى ما نقلنا عن (1) ظاهره ~~الدلالة. # فأما الكلام على من أحال أن يجوز على ms258 كل واحد منهم من (2) الخطأ ما لا ~~يجوز على جماعتهم، وضرب لذلك الأمثال (3) بأن الجماعة إذا كان كل واحد ~~منهما (4) أسود، فلا يجوز أن تكون (5) الجماعة ليست سودا، وما أشبه ذلك؛ ~~فهو اعتماد من لم يحصل، ولم يتأمل، لأن مراد من نفي الخطأ عن الجماعة ليس ~~هو نفي القدرة؛ بل هو نفي التجويز والشك، وليس يمتنع أن تقوم (6) دلالة ~~ترفع (7) الشك في الجماعة لا يقوم مثلها في الآحاد، ولو فرضنا أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أشار إلى عشرة، فقال: «كل واحد منهم يجوز أن يخطئ ~~منفردا، وإذا (8) اجتمعوا، فإن الخطأ لا يقع منهم»؛ لكان ذلك صحيحا غير ~~مستحيل، ولم يجر (9) مجرى (10) PageV02P144 # السواد والطول (1) اللذين (2) الآحاد فيه (3) كالجماعة، وكيف يمتنع ~~(4) من ذلك من يذهب إلى أن الأنبياء والملائكة (عليهم السلام) قد علم الله- ~~تعالى- أنهم لا يفعلون القبائح، وإن كانوا قادرين عليها و(5) متمكنين ~~منها؟! فارتفع التجويز والشك مع القدرة والتمكن (6). # ومما قيل في ذلك: أنه غير ممتنع أن يجوز على الآحاد (7) ما لا يجوز على ~~الجماعات، كسهو الواحد عن شيء مخصوص، وإن كان الجماعات الكثيرة لا يجوز ~~عليها مثل ذلك، وخروجه في وقت مخصوص بهيئة مخصوصة (8) أو تشويهه بنفسه، وإن ~~كان ذلك كله (9) لا يجوز على الجماعات مع القدرة عليها. # وأما من نفي صحة الإجماع من جهة أنهم لا يجوز أن يجمعوا على الشيء ~~الواحد قياسا مع اختلاف الهمم والأغراض؛ فباطل، لأن الجماعات الكثيرة قد ~~تجتمع (10) على الفعل الواحد. والمذهب PageV02P145 # الواحد، إما بحجة، أو بشبهة، كاجتماع (1) المسلمين على مذاهب كثيرة، مع ~~الكثرة وتباين الهمم، لأجل الحجة، واجتماع اليهود والنصارى والمبطلين على ~~المذاهب الكثيرة، بالشبهة، وكما أجمعوا (2) مع كثرتهم على القول بقتل ~~المسيح (عليه السلام) وصلبه، وإن كان ذلك (3) باطلا. # وأما قول من نفي الإجماع (4) لتعذر (5) الطريق إليه (6)؛ فجهالة، لأنا ~~قد نعلم اجتماع الخلق الكثير على المذهب الواحد، وترتفع (7) عنا الشبهة في ~~ذلك، إما بالمشاهدة (8) أو النقل. ونعلم من إجماعهم واتفاقهم على الشيء ~~الواحد ما يجري (9) في الجلاء والظهور مجرى العلم بالبلدان ms259 والأمصار ~~والوقائع الكبار. ونحن نعلم أن المسلمين (10) كلهم متفقون على تحريم الخمر ~~ووطي الأمهات وإن لم نلق كل مسلم في الشرق والغرب والسهل والجبل. ونعلم- ~~أيضا- أن اليهود والنصارى متفقون على القول بقتل المسيح وصلبه وإن PageV02P146 # كنا لم نلق كل يهودي ونصراني في الشرق والغرب. ومن دفع (1) العلم بما ~~ذكرناه؛ كان مكابرا مباهتا. وقد استقصينا الكلام على هذه الشبهة في الجواب ~~عن المسائل التبانيات، وبلغنا فيه الغاية، وفيما أشرنا إليه كفاية. وأرى ~~كثيرا من مخالفينا يعجبون من قولنا: # «إن الإجماع حجة»، مع أن المرجع في كونه حجة إلى قول الإمام، من غير أن ~~يكون للإجماع تأثير، وينسبونا (2) في إطلاق هذه اللفظة إلى اللغو والعبث، ~~وقد بينا (3) في الكتاب الشافي في هذه النكتة ما فيه كفاية، وفي الجملة ~~فليس (4) نحن المبتدءين (5) بالقول بأن الإجماع حجة، لكنا إذا سئلنا (6) ~~و(7) قيل (8) لنا: ما تقولون في إجماع المسلمين على أمر من الأمور، فلا بد ~~من (9) أن نقول (10): إنه حق وحجة، لأن قول الإمام المعصوم الذي لا يخلوا ~~كل زمان منه لا بد من أن يكون داخلا في هذا الإجماع، فجوابنا بأنه (11) حق وحجة PageV02P147 # صحيح، وإن كانت علتنا في أنه حجة غير علتهم، ولو أن سائلا سألنا (1) عن ~~جماعة فيهم نبي: هل قول هذه الجماعة حق وحجة؟ # لما كان لنا (2) بد (3) من أن نقول (4): إنه حجة، لأجل قول النبي (صلى ~~الله عليه وآله) ولا نمتنع (5) من القول بذلك لأجل أنه لا تأثير لقول باقي ~~الجماعة. # وقد (6) بينا في كتاب (7) الشافي أنه (8) غير ممتنع أن يلتبس في بعض ~~الأحوال قول إمام الزمان إما (9) لغيبته (10) أو لغيرها، فلا نعرف (11) ~~قوله على التعيين، فنفزع (12) في هذا الموضع إلى إجماع الأمة أو إجماع ~~(13) علمائنا، لنعلم دخول الإمام المعصوم فيه، وإن كنا لا نعرف شخصه وعينه، ~~ففي مثل (14) هذا الموضع نفتقر (15) إلى معرفة الإجماع على القول. لنعلم ~~دخول الحجة فيه، إذا كان قول الإمام (16)- هو الحجة- ملتبسا أو مشتبها ~~(17)، وهذا يجري مجرى قول المحصلين من مخالفينا: PageV02P148 # إن الإجماع الذي هو الحجة هو ms260 إجماع المؤمنين من الأمة، دون غيرهم، لأن ~~(1) قول المؤمنين لما لم يكن متميزا، وجب (2) اعتبار إجماع الكل ليدخل ذلك فيه. ### ||| فصل في الإجماع هل هو حجة في شيء مخصوص أو في كل شيء؟ # اعلم أن كل شيء أجمعت (3) عليه الأمة لا بد من كونه غير خطأ، وإن لم ~~يكن خطأ؛ فلا بد من كونه صوابا، وما هو صواب على ضربين (4): فمنه ما يصح ~~أن يعلم بإجماعهم، وهذا القسم هو الذي يكون إجماعهم حجة فيه. فأما ما لا ~~يمكن أن يعلم بإجماعهم (5)؛ فقولهم ليس بحجة فيه، وإن كان صوابا، وكون ~~الشيء حجة كالمنفصل من كونه صوابا (6) لأن كونه صوابا يرجع إليه، وكونه ~~حجة يرجع إلى غيره. PageV02P149 # فأما الذي يكون إجماعهم فيه حجة (1)؛ فهو كل أمر صح أن يعلم بإجماعهم. ~~والذي لا يصح أن يعلم بإجماعهم ما يجب أن تتقدم (2) معرفته على معرفة صحة ~~الإجماع، كالتوحيد والعدل وما أشبههما (3) وإذا كنا إنما نرجع (4) في كون ~~الإجماع حجة إلى قول الإمام المعصوم الذي لا يخلو كل زمان منه؛ فيجب أن ~~نقول (5): كل شيء تقدمت معرفة (6) وجوب وجود الإمام المعصوم في كل زمان ~~له (7)؛ فقول الإمام حجة فيه، والإجماع الذي يدخل هذا القول فيه- أيضا- ~~حجة في مثله (8). فأما ما لا (9) يمكن المعرفة بوجود (10) الإمام المعصوم ~~قبل المعرفة به؛ فقوله ليس بحجة فيه، كالعقليات كلها. # والذي يمكن على أصولنا المعرفة به من طريق الإجماع أوسع وأكثر مما يمكن ~~أن يعلم بالإجماع على مذهب مخالفينا، لأنهم إنما يعلمون بالإجماع (11) ~~الأحكام الشرعية خاصة، ونحن PageV02P150 # نتمكن من (1) أن نعلم بالإجماع زائدا على ذلك فرضا وتقديرا (2) النبوة ~~والقرآن وما شاكل ذلك من الأمور التي يصح أن يقدمها (3) العلم بوجوب ~~الإمامة. ولو أجمعت (4) الأمة في شخص بعينه أنه نبيهم، وفي كلام بعينه أنه ~~كلام الله- سبحانه-؛ لعلمنا صحتهما (5) لسلامة الأصل الذي أشرنا إليه، وصحة ~~تقدمه على هذه المعرفة. # وعلى هذا يصح على مذاهبنا أن يعلم صحة الإجماع وكونه حجة من يجهل صحة ~~القرآن ونبوة نبينا (صلى الله عليه وآله)، لأن أصل (6) كونه ms261 حجة لا يفتقر ~~إلى العلم بالنبوة والقرآن، وعلى مذهب مخالفينا لا يصح ذلك، لأن الكتاب ~~والسنة عندهم هما أصل كون الإجماع حجة. # واختلفوا في إجماعهم على ما يرجع إلى الآراء في الحروب وما جرى مجراها: ~~فذهب قوم إلى أن خلافهم في ذلك لا يجوز- أيضا-، واعتمدوا على أن الأدلة ~~حرمت مخالفتهم عموما، وجوز آخرون أن يخالفوا فيه، وقالوا ليس يزيد حالهم ~~على حال الرسول PageV02P151 # (صلى الله عليه وآله وسلم). والصحيح أن كل ما لا يجوز خلاف الرسول أو ~~الإمام فيه لا يجوز خلاف الإجماع- أيضا- فيه، لأن المرجع في أن الإجماع حجة ~~لا تجوز (1) مخالفته إلى أنه مشتمل على قول الحجة من الإمام (2) أو من جرى ~~مجراه (3) وخلاف النبي (صلى الله عليه وآله) في آراء الحروب لا يجوز، ~~لأنها صادرة عن وحي، ولها تعلق قوي بالدين، ولو رجعت إلى آرائه في نفسه، لم ~~يجز مخالفته فيها، لأجل التنفير (4) وكذلك آراء الإمام فيما يتعلق ~~بالسياسات الدينية والدنيوية لا يجوز مخالفتها (5) لأنها تنفر عنه، وتضع منه. # وينقسم الإجماع إلى أقسام: وهي (6) أن يجمعوا على الشيء قولا أو فعلا ~~أو اعتقادا أو رضا به. وقد ينفرد كل واحد من هذه الأقسام، وقد يجتمع مع ~~غيره. ولا يجوز أن يجمعوا على الذهاب عن علم ما يجب أن (7) يعلموه (8) ~~والوجه في ذلك أن إخلالهم بالواجب يجري في (9) استحقاق الذم والعقاب به ~~(10) مجرى فعل القبيح، وإذا كان PageV02P152 # المعصوم لا يجوز عليه الأمران؛ منعنا ذلك في كل جماعة يكون هذا المعصوم ~~فيها. فأما من استدل من مخالفينا على صحة الإجماع بالخبر، وطعن في دلالة ~~الآيات؛ فيلزمه تجويز الذهاب عما يجب علمه عليهم، لأن الخبر إنما نفي أن ~~يجمعوا على خطأ، ولم يتضمن نفي الإخلال بالواجب، ولفظه لا يقتضيه. فأما ما ~~لا (1) يجب أن يعرفوه، ولم ينصب لهم دليل عليه، فيجوز ذهابهم عن علمه. # ولا يجوز أن تجتمع (2) الأمة على الخطأ في (3) مسألتين، كما لا يجوز أن ~~تجتمع على الخطأ في (4) مسألة واحدة. ودليل هذه المسألة على مذهبنا واضح، ~~لأن تجويز ms262 ذلك يؤدى إلى خطاء المعصوم، لأنه إذا كان لا بد من أن يكون إما ~~في هذه الطائفة أو في الأخرى، وكل واحدة منهما مخطئة (5) فهو مخطئ. وأما ~~(6) مخالفونا في علة الإجماع؛ فإنما يعتمدون في نفي الخطأ عن الأمة، وإن ~~كان في مسألتين على أن يقولوا (7): إن النبي (صلى الله عليه وآله) نفى PageV02P153 # الخطاء عن أمته نفيا عاما، ولم يفرق بين المسألة والمسألتين، فيجب نفي ~~الكل (1). ### ||| فصل في ذكر من يدخل في الإجماع (2) الذي هو حجة # اعلم أن الكلام في هذه المسألة (3)- على أصولنا في علة كون الإجماع حجة- ~~كالمستغنى عنه، لأن الإجماع إذا كان علة كونه (4) حجة كون الإمام فيه، ~~فكل (5) جماعة- كثرت أو قلت- (6) كان قول الإمام في جملة أقوالها، ~~فإجماعها حجة، لأن الحجة إذا كانت (7) هو قوله، فبأي شيء اقترن (8) لا ~~بد (9) من كونه حجة، لأجله، لا (10) لأجل الإجماع. وقد اختلف قول من خالفنا ~~في هذه المسألة: PageV02P154 # فمنهم من قال: إن الإجماع الذي هو حجة هو إجماع جميع الأمة (1) المصدقة ~~بالرسول (عليه السلام) (2) ومنهم من قال: بل هو إجماع المؤمنين خاصة، ~~وفيهم من ذهب إلى أن الإجماع الذي هو حجة (3) هو إجماع الفقهاء. ولا معنى ~~لخوضنا (4) في هذا الخلاف، لأن أصولنا تقتضي (5) سواه، وقد بينا ما يجب أن يعتمد. # واختلفوا في الواحد والاثنين إذا خالفا ما عليه الجماعة: فمنهم من قال: ~~لا (6) يعتد (7) بخلاف واحد واثنين، لأنه شاذ خارج عن قول الجماعة، ومنهم ~~من قال: إن خلاف الواحد والاثنين يخرج القول من أن يكون إجماعا. وهذا القول ~~الثاني أشبه بالصواب على مذاهبهم، لأن الإجماع الذي هو حجة إذا كان هو ~~إجماع الأمة أو (8) المؤمنين، فخروج بعضهم عنه يخرجه عن (9) تناول الاسم. # والذي يجب أن نعول (10) عليه في هذه المسألة أن نقول: ليس PageV02P155 # يخلو الواحد والاثنان المخالفان لما عليه الجماعة من أن يكون (1) إمام ~~الزمان المعصوم أحدهما قطعا أو تجويزا، أو يعلم أنه ليس بأحدهما قطعا ~~ويقينا: والقسم الأول يقتضى أن يكون قول الجماعة- وإن كثرت- هو الخطأ، وقول ~~الواحد والاثنين- لأجل اشتماله (2) على قول ms263 الإمام- هو الحق والحجة (3). ~~فأما القسم الثاني فإنا لا نعتد فيه بقول الواحد والاثنين، لعلمنا بخروج ~~قول الإمام عن قولهما، وأن قوله في أقوال تلك الجماعة، بل نقطع (4) على أن ~~إجماع تلك الجماعة (5)- وإن لم تكن (6) جميع الأمة- هو الحق والحجة (7) ~~لكون الإمام فيه، وخروجه عن قول من شذ عنها، وخالفها. # ومن تأمل كلامنا في هذا الفصل، وما حققناه وفصلناه (8) من (9) سبب كون ~~(10) الإجماع حجة و(11) علته (12)؛ علم استغناءنا (13) عن الكلام PageV02P156 # فيما (1) تكلم مخالفونا عليه في كتبهم من أقسام الإجماع، وما يراعى فيه، ~~إجماع الأمة كلها، أو العلماء، أو الفقهاء، وما بينهم في ذلك من الخلاف، ~~فإن خلافهم في ذلك إنما ساغ (2) لأن أصولهم في علة كون الإجماع حجة غير ~~أصولنا، ففرعوا (3) الكلام بحسب أصولهم، ونحن مستغنون عن الكلام في تلك ~~الفروع، لأن أصولنا لا تقتضيها (4) وقد بينا من (5) ذلك ما يرفع الشبهة. ### ||| . فصل في أن إجماع أهل (6) كل الأعصار حجة # اعلم أن القطع على أن إجماع كل عصر فيه الحجة لا يتم إلا على أصولنا، لأن ~~تعليل كون الإجماع حجة يقتضى عندنا استمرار حكمه في كل عصر. ومخالفونا في ~~تعليل كون الإجماع حجة لا يتم لهم ذلك، لأنهم يرجعون فيه إلى أن الله تعالى ~~علم من حال جماعتهم من نفي الخطأ ما لم يعلمه (7) من الآحاد، PageV02P157 # فمن أين لهم استمرار هذا الحكم في كل عصر؟! وقد ألزمناهم- إذا كانوا ~~مستدلين بالآية- أن يراد بلفظة (1) «المؤمنين» (2)- إذا حملت على العموم- ~~كل مؤمن إلى أن تقوم (3) الساعة على الإجماع، ومتى خصوا بذلك (4) أهل كل ~~عصر؛ كانوا تاركين للظاهر، و(5) غير منفصلين ممن حمل ذلك على بعض مؤمني كل ~~عصر. وكذلك الكلام عليهم إذا استدلوا بالخبر. فوضح ما قلناه. ### ||| . فصل في أن (6) انقراض العصر غير معتبر (7) في الإجماع # اعلم أن علة كون الإجماع فيه الحجة- على ما ذهبنا (8)- يبطل اعتبار ~~انقراض العصر، ولمن ذهب من مخالفينا إلى أن للإجماع (9) تأثيرا (10) أن ~~يقول: الدلالة قد دلت على أنه إنما كان حجة لكونه إجماعا، وهو قبل انقراض ~~العصر بهذه الصفة، ms264 فلا معنى لاعتبار غيرها. # . PageV02P158 ### ||| فصل في أن الإجماع بعد الخلاف هل يزيل حكم الخلاف أم لا؟ # اختلف الناس في هذه المسألة: فذهب قوم إلى أن حكم الخلاف باق لا يزول ~~بالإجماع الثاني، وقال آخرون: إن الإجماع على أحد القولين يمنع من القول ~~بالآخر، ويجرونه مجرى الإجماع المبتدإ في المنع من خلافه، وفيهم من فصل بين ~~أن يكون المجمعون ثانيا هم المختلفون أولا: فقال: إذا كان المجمعون هم (1) ~~المختلفون، كان إجماعا يمنع من القول الآخر، وإن كانوا (2) غيرهم؛ لم يكن ~~كذلك. وقد حكى عن بعضهم أنه منع من (3) وقوع إجماع بعد اختلاف أصلا. ~~والصحيح أن الإجماع بعد الخلاف كالإجماع المبتدإ في أنه حجة يمنع من الخلاف ~~على كل حال، لأن علتنا في كون الإجماع حجة تقتضي (4) ذلك، ولا تفرق (5) بين PageV02P159 # إجماع (1) تقدمه خلاف أو كان مبتدأ. وإنما ضاق الكلام وقويت (2) الشبهة ~~في هذه المسألة على مخالفينا، لقولهم بصحة الاجتهاد، (3) لأن عمدة من نفي ~~أن يكون الإجماع بعد الخلاف قاطعا (4) للخلاف هي (5) أن الخلاف الأول ~~متضمن (6) لإجماعهم على جواز القول بكل واحد من المذهبين (7) مطلقا، فإذا ~~حرمنا ذلك بالإجماع الثاني؛ نقضنا (8) كون الإجماع الأول حجة، وإذا ادعى ~~كون الأول (9) مشروطا؛ جاز أن يدعى في الثاني- أيضا- الشرط، فيقف الكلام ~~هاهنا، أو يشتبه. وعلى مذهبنا لا يلزم (10) شيء من (11) ذلك، لأنا لا ~~(12) نعلم (13) أن المختلفين على قولين مجمعون على جواز القول بكل واحد ~~منهما، لأن عندنا أن الاجتهاد باطل، وأن الحق PageV02P160 # مدلول عليه، وأن من جهله غير معذور، فمن سوغ لمخالفه (1) أن يقول بخلاف ~~مذهبه من المختلفين مخطئ عندنا. فبطل ما ادعاه من إجماع المختلفين على جواز ~~القول بكل واحد من القولين، وبطلت الشبهة التي هي أم شبههم. وأما (2) من ~~منع من وقوع إجماع بعد اختلاف، فإنه متى طولب بدلالة على ما ادعاه (3) لم ~~يجدها، وإنما هو تحكم (4) محض. وقد أبطل هذا القول بأن ذكرت مسائل كثيرة ~~في الشريعة وقع (5) فيها خلاف، ثم (6) اجتمعوا على قول واحد فيها. ### ||| . فصل في أن الأمة إذا اختلفت على ms265 قولين أو أكثر فإنه لا يجوز إحداث قول آخر # اعلم أن أكثر الناس على أنه لا يجوز إحداث قول (7) زائد، PageV02P161 # وذهب قوم (1) من المتكلمين وأصحاب الظاهر من الفقهاء إلى أن ذلك يجوز، ~~ويعتلون (2) بأنه لو لم يجز؛ لكان الاختلاف في أنه حجة كالإجماع. ويقولون- ~~أيضا- (3): إذا جاز في الوقت إحداث قول زائد، فكذلك فيما بعد. وعلى مذهبنا ~~المنع من ذلك بين (4) لأن الأمة إذا اختلفت على قولين، فالحق واحد منهما، ~~والآخر باطل، وإذا كان الثاني بهذه الصفة؛ فأولى (5) أن يكون كذلك الثالث ~~وما زاد عليه. ولأنه لا يخلو من أن يكون الحق في جملة أقوال المختلفين (6) ~~أو فيما عداها، والأول يقتضى أن الزيادة باطلة، لأنها خلاف الحق، والقسم ~~الثاني يقتضى أن يكونوا قد أجمعوا على الذهاب عن الحق، وذلك- أيضا- باطل. ~~ومن يقول بالاجتهاد يضيق (7) عليه هذا الموضع، لأنه لا يسلم له أن الأمة ~~إذا اختلفت على قولين فإنها محرمة للقول (8) الثالث على كل حال، بل إنها PageV02P162 # محرمة بشرط أن لا يؤدى الاجتهاد إليه، ويجب أن يجوزه (1) إذا أدى ~~الاجتهاد إليه. وهذه جملة كافية. ### ||| . فصل في ان الصحابة إذا اعتلت بعلتين أو (2) استدلت بدليلين هل يجوز لمن بعدهم أن يعتل أو يستدل بغير ذلك # اعلم أن الدلالة بخلاف المذهب، والصحيح أنه يجوز أن يستدلوا في المسألة ~~(3) بدليل أو اثنين (4) فيزيد من بعدهم على ذلك طريقة أخرى، لأن الدليل ~~الثاني كالأول في أنه يدل على الحكم، ويوصل إليه، فلو أبطلناه لذهابهم عنه؛ ~~لكان ذلك مبطلا لدليلهم- أيضا-، وقد يجوز أن يستغنوا عنه بدليل (5) غيره، ~~لقيامه مقامه (6). ولا يجوز ذلك في المذهب، لأن الحق واحد (7) PageV02P163 # لا يختلف، ولا يقوم غيره مقامه (1). وكذلك القول في القدح و(2) إبطال ~~الاستدلال: إنه يجوز أن يزيد المتأخرون (3) على ما سطره المتقدمون. # فأما تأويل الآي، وتخريج معاني الأخبار؛ فكل (4) من صنف أصول الفقه يجعل ~~حكم ذلك حكم المذاهب، لا حكم الأدلة، ولا يجوز أن يزيد المتأخر على ما بلغ ~~إليه المتقدم. والأقوى في نفسي أن ذلك جائز، كما جاز (5) في الأدلة، فإن ms266 ~~تأويل الآي لا يجري مجرى المذهب، بل هو بالأدلة أشبه. والذي يوضح عما ~~ذكرناه أنا إذا تأولنا قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة (6) إلى ربها ناظرة ~~(7)» على أن المراد بها (8) الانتظار، لا الرؤية، وفرضنا أنه لم ينقل عن ~~المتقدمين إلا هذا الوجه، دون غيره (9) جاز للمتأخر أن يزيد على هذا ~~التأويل (10) ويذهب إلى أن المراد أنهم ينظرون PageV02P164 # إلى نعم الله، لأن الغرض في التأويلين جميعا إنما هو (1) إبطال أن يكون ~~الله تعالى في نفسه مرئيا، والتأويلان معا مشتركان في دفع ذلك، وقد (2) قام ~~كل واحد مقام صاحبه في الغرض المقصود، وجرت (3) التأويلات مجرى الأدلة في ~~أنه يغنى بعضها عن بعض، وخالفت (4) في هذا الحكم المذاهب. ### ||| . فصل في الإجماع على أنه (5) لا فصل بين المسألتين هل يمنع من (6) الفصل بينهما # اعلم أن هذه المسألة تنقسم (7) إلى قسمين: أحدهما أن يجمعوا على أنه لا ~~فصل بين مسألتين في حكم معين من تحليل أو تحريم، والقسم الآخر أن يجمعوا ~~على أنه لا فصل بينهما في الحكم أي حكم كان: # والقسم (8) الأول لا شبهة في تحريم المخالفة فيه، لأن إجماعهم PageV02P165 # على أنه لا فصل بين مسألتين في تحريمه (1) هو إجماع على حكم من الأحكام، ~~ويجري مجرى إجماعهم على تحريم أو تحليل، فمن فرق بين المسألتين؛ فقد خالف ~~إجماعهم لا محالة، ويجري (2) مجرى مخالفي كل إجماع. # وأما المسألة (3) الثانية، وهي أن يجمعوا على أنه لا فصل بينهما في الحكم ~~من غير تعيين؛ فهو- أيضا- جار مجرى الأول في تحريم المخالفة، وإن استند (4) ~~ذلك إلى دليل سوى الإجماع، لأنه إذا علم بدليل آخر أن ذلك الحكم هو ~~التحريم، صار كنصهم على أن (5) لا فرق في التحريم بينهما. ومثال هذا الوجه ~~الأخير (6) ما روى عن ابن سيرين من (7) أنه قال في زوج وأبوين: أن للأم ~~ثلث (8) ما بقي، وقال في امرأة وأبوين: أن (9) للأم ثلث جميع المال، ~~فخالف (10) كل من تقدم، لأن الناس قبله كانوا بين مذهبين: PageV02P166 # أحدهما أن للأم ثلث المال في المسألتين، والمذهب الآخر أن لها ثلث ما ms267 بقي ~~في المسألتين، ففرق ابن سيرين بين ما لم يفرقوا بينه. # وحكى عن الثوري: أنه كان يقول: إن الجماع مع النسيان يفطر، وإن (1) ~~الأكل مع النسيان لا يفطر، ففصل (2) بينهما، وجميع الفقهاء على خلافه (3) ~~لأن من فطر بأحدهما (4) فطر بالآخر، ومن لم يفطر بأحدهما (5) لم يفطر ~~بالآخر. ### ||| . فصل في أن إجماع أهل المدينة ليس بحجة وتجوز (6) مخالفته # حكى عن مالك أنه كان يجعل إجماع أهل المدينة حجة، وفي أصحابه من ينكر ~~ذلك، ويقول: إن روايتهم مرجحة على رواية غيرهم. والذي نقوله (7) أنه (8) ~~إن كان إمام الزمان الذي قد دلت PageV02P167 # الأدلة على عصمته مقيما في المدينة؛ فإجماع أهلها حجة لهذه العلة، لا ~~لشيء يرجع إليها، لأنه لو انتقل عنها إلى غيرها، زال هذا الحكم، فلا تأثير ~~للمدينة. ومن خالفنا (1) في ذلك يقول (2): إن الله تعالى جعل الإجماع حجة، ~~وليس أهل المدينة كل الأمة، ولا هم- أيضا- كل المؤمنين ولا (3) كل العلماء، ~~فيما يراعى فيه إجماع العلماء. وما يروى من تفضيل النبي لها، والثناء عليها ~~لا يدل (4) على (5) أن إجماع أهلها هو الإجماع، وأن الخطأ لا يجوز عليهم، ~~ولا تعلق له بذلك. # فإن قيل: فلو فرضنا أن الرسول (عليه السلام) قال: «إجماع أهل المدينة (6) ~~حجة» كيف كان يكون الحكم؟ # قلنا (7): لو وقع هذا القول، لدل على أن إجماعهم حجة، وإن انتقلوا إلى ~~الكوفة. # فإن قيل: فلو قال (عليه السلام): الخطأ لا يقع منهم ما داموا في المدينة. # قلنا: ليس ينكر ذلك غير أنه ما جرى (8) هذا الذي قدرتموه (9) # . PageV02P168 ### ||| فصل في أن (1) موافقة إجماع الأمة لمضمون خبر هل يدل على أنهم عملوا به ومن أجله # اعلم أنه لا يجوز أن تجمع (2) الأمة على حكم من الأحكام إلا بحجة (3) ~~توجب العلم، لأن من (4) جملة (5) المجمعين من لا يجوز عليه الخطأ، ولا ترك ~~الواجب، فإذا (6) ظهر بينهم خبر واحد وعملوا بما يوافق مضمونه فليس يجوز أن ~~يقطع على أن جميعهم إنما عمل لأجله، للعلة التي ذكرناها، وإن كان متواترا ~~يوجب العلم، ولم يظهر سواه بينهم؛ فالأولى أن ms268 يكون عملهم لأجله، ومخالفونا ~~في علة كون الإجماع حجة يقولون: يمكن أن يكونوا ذهبوا إلى ذلك الحكم ~~المخصوص (7) لأجل اجتهاد أداهم إليه، أو لأجل خبر آخر لم يظهر بينهم، ~~للاستغناء بالإجماع عنه، فلا يجب القطع على أنهم عملوا لأجل هذا الخبر ~~الظاهر. وهذا منهم قريب (8). # . PageV02P169 ### ||| فصل في هل يجوز أن يجمعوا على الحكم من طريق الاجتهاد أو لا (1) يجوز ذلك (2) # اعلم أن هذه المسألة فرع على القول بصحة الاجتهاد، وأنه طريق إلى العلم ~~بالأحكام (3) وأن الله تعالى قد تعبدنا به، ومن دفع العبادة بالاجتهاد، ~~وأن يكون طريقا إلى العلم بالأحكام؛ لا كلام له في هذا الفرع. وسندل على أن ~~الاجتهاد في الشريعة باطل، عند البلوغ إلى الكلام فيه، بإذن الله تعالى ~~(4) ومشيته. و(5) إنما (6) يتكلم في هذه المسألة من ذهب إلى العبادة ~~بالاجتهاد. # وليس لأحد أن يقول: (7) لم لا تجوزون (8) وإن لم (9) نتعبد (10) ~~بالاجتهاد (11) أن يجمعوا (12) مخطئين على حكم من الأحكام من جهة الاجتهاد. PageV02P170 # قلنا: يمنع من ذلك أنه إجماع منهم على الخطأ، وقد بينا أنهم لا يجمعون ~~على خطأ (1) لأن في جملتهم من لا يجوز عليه الخطأ، و(2) إذا كان بين الأمة ~~اختلاف في صحة الاجتهاد، وأنه طريق إلى العلم؛ بطل تقدير هذه المسألة، لأن ~~الإجماع إذا كان هو (3) إجماع جميع الأمة، وفيهم من ينفي القياس والاجتهاد، ~~فلا سبيل إلى أن يكونوا مجمعين (4) وهذه حالتهم (5) على حكم واحد من طريق ~~الاجتهاد. # واعتلال المخالفين في هذا الموضع بقولهم: «إن نفاة القياس قد تناقض، ~~وتستعمل القياس وهي لا تشعر» تعلل منهم بالباطل، لأن هذا إن جاز، فإنما ~~يجوز على الواحد والاثنين، ولا يجوز على الجماعة التي تحصل، وتفطن (6) ~~وتشقق الشعر في التدقيق والتحقيق، وهذا رمى منهم للقوم بالغفلة، وقلة ~~الفطنة. # وتعللهم- أيضا- بأن الخلاف في خبر الواحد كالخلاف في القياس، وقد يجمعون ~~لأجله، باطل- أيضا-، لأنا لا (7) نجيز (8) على PageV02P171 # من يخالف في خبر الواحد أن يجمع على حكم من الأحكام لأجله في موضع من ~~المواضع، فالمسألتان واحدة. # فأما العموم، وإن (1) وقع خلاف في أن ms269 وضع اللغة يقتضى الاستغراق؛ فلا ~~خلاف في أن العرف الشرعي يقتضيه، ومن ارتكب أنه لا عرف في العموم لغوي ولا ~~شرعي لا يصح أن يستدل بظاهر العموم، بل بقرينة ودلالة. # فأما تعلق من أبى الإجماع على الحكم من طريق الاجتهاد بأن الإجماع مقطوع ~~به، وما طريقه الاجتهاد (2) لا (3) يقطع عليه؛ فليس بشيء، لأنه غير ممتنع ~~أن يصير (4) على بعض الوجوه ما ليس بمقطوع به مقطوعا عليه، ويتغير الحال ~~فيه، لأن الحاكم إذا حكم بما طريقه الاجتهاد، اقتضى حكمه القطع، وإن كان ~~الأصل الذي هو الاجتهاد ليس بمقطوع به. # فأما ادعاؤهم في أحكام كثيرة أنهم أجمعوا عليها من طريق الاجتهاد، ~~كإجماعهم على قتال أهل الردة بعد الاختلاف، وأن PageV02P172 # الاتفاق لا وجه له إلا الاجتهاد (1) وكذلك الاتفاق على (2) إمامة أبي ~~بكر بعد الاختلاف، وطريقها الاجتهاد؛ فليس بمرضي، ومن أين لهم أن الاتفاق ~~على قتال أهل الردة لم يكن إلا عن اجتهاد، وله وجه في نصوص القرآن قد تعلق ~~بها (3)؟!. وأما (4) إمامة أبي بكر؛ فإذا سلم (5) الإجماع باطنا وظاهرا ~~عليها؛ فغير مسلم أنه عن (6) اجتهاد، والبكرية تزعم أنها كانت عن نص (7) ~~من الرسول (عليه السلام) على إمامته. # وأجد كثيرا (8) من مصنفي أصول الفقه يمتنع (9) من القول بجواز أن تجمع ~~(10) الأمة على الشيء تبخيتا (11) أو تقليدا. وفي الفقهاء من يجيز (12) ~~ذلك، ويصرح بأن (13) إجماعهم قد يكون (14) تارة عن توقيف، وأخرى عن ~~توفيق، وعلى أصولهم يجب أن يكون PageV02P173 # ذلك جائزا لا يمنع منه مانع، وإذا جاز (1) الخطأ على كل واحد منهم، وجاز ~~أن يعلم الله تعالى في جماعتهم خلاف ذلك، وجاز (2)- أيضا- أن يكون قول كل ~~واحد يسوغ مخالفته، ولم يجز ذلك في الجماعة، فإلا جاز أن يجمعوا على القول ~~بالتبخيت (3) والتقليد إما من كلهم، أو من بعضهم، ويوجب الله- سبحانه ~~وتعالى- اتباعه، وكونه حجة؟!، لأن المعول هو ما يعلمه الله- سبحانه- من ~~المصلحة، وهذا مما لا انفصال لهم عنه. # فإن قيل كيف لا يلزمكم (4) أنتم مثل ذلك، وأنتم (5) تقولون: # أن الإجماع حجة؟ # قلنا (6) يجوز أن يبخت (7) ويقلد (8) كل (9) من ms270 عدا الإمام، فأما ~~الإمام نفسه؛ فذلك لا يجوز عليه، لأنه قبيح، والقبيح (10) قد أمناه منه ~~لعصمته (11) فبان الفرق بيننا وبينكم في ذلك (12). # . PageV02P174 ### ||| فصل في القول إذا ظهر بين الصحابة ولم يعرف (1) له مخالف كيف حكمه؟ # اعلم أن القول إذا ظهر وانتشر، ولم يكن في الأمة إلا قائل به (2) وعامل ~~عليه، أو راض بكون ذلك القول قولا له (3) حتى لو استفتي، لم يفت إلا به، ~~ولو حكم، لم يحكم إلا به؛ فهو الإجماع الذي لا شبهة في أنه حجة وحق. # فأما إذا انتشر القول، ولم يكن فيه (4) إلا قائل به، (5) أو ساكت عن ~~النكير عليه؛ فقد اختلف الناس فيه: فذهب أكثر الفقهاء وأبو علي الجبائي إلى ~~أنه إجماع وحجة، وذهب أبو هاشم وجماعة من الفقهاء إلى أن ذلك حجة، وإن لم ~~يكن إجماعا، وقال آخرون من الفقهاء: (6) ليس ذلك بحجة (7) ولا إجماع، وإليه ~~ذهب كثير من أهل الظاهر، وهو (8) مذهب أبي عبد الله (9) البصري، وهو ~~الصحيح الذي لا شبهة فيه. PageV02P175 # وإنما قلنا: أنه الصحيح دون ما عداه، لأن السكوت عن الإنكار لا يدل على ~~الرضا به، لأنه قد يكون لأمور مختلفة، ودواع (1) متباينة، من (2) تقية، ~~ورهبة، وهيبة، وغير ذلك من الأسباب المعتادة في مثله، وإنما يقتضى الرضا ~~إذا علمنا أنه لا وجه له إلا الرضا، ولا سبب له (3) يقتضيه سواه، وإذا لم ~~يدل الإمساك عن (4) النكير على (5) الرضا، فلا دلالة فيه على وقوع ~~الإجماع. ومن (6) رأى ممن يطعن على (7) هذه الطريقة أن كل مجتهد مصيب ~~يقول زائدا (8) على ما ذكرناه: إن الإمساك عن النكير إنما يدل على (9) أن ~~ذلك الفعل أو القول ليس بمنكر، وقد يجوز أن لا ينكر القول على قائله، لأجل ~~أنه صواب من القائل، وإن لم يكن عند من أمسك عن النكير صوابا في حقه، وقد ~~يستصوب عند أهل الاجتهاد بعض الأفعال من غيره، وإن لم يعتقد أنها صواب في ~~حقه، وما يرجع إليه. # ومن لا يرى صحة الاجتهاد لا يفصل بهذا (10) التفصيل، فإذا كان PageV02P176 # ترك النكير لا ms271 يدل على الرضا، فلا يجب أن نستفيده (1) منه، وإذا لم يقطع ~~عليه، فلا إجماع في ذلك، ولا حجة. # فأما تعويل (2) أبي هاشم وغيره في أنه حجة وإن لم يكن إجماعا على أن ~~(3) الفقهاء يعتمدونه، ويعولون عليه، ويحتجون به؛ فليس بشيء، لأنه غير ~~مسلم لهم أن جميع الفقهاء يحتجون به. ثم لو سلم ذلك، لم يكن في فعلهم حجة، ~~لأن تقليدهم غير جائز. # ومما طعن به على هذه الطريقة زائدا على ما ذكرناه أن قيل (4): # الإمساك عن النكير لا يدل على التصويب، لأنه غير منكر أن يكون الممسك ~~شاكا في كون ذلك منكرا، أو متوقفا، وإنما يجب أن ينكر المنكر إذا علمه منكرا. # وما يقال علي هذه الطريقة من أنه لا يجوز أن ينقرض العصر، ويمتد الزمان ~~على هذا الشك والتوقف؛ ليس بمعتمد- أيضا- لأن الشك قد يجوز أن يستمر ~~لاستمرار أسبابه، ولضعف (5) الدواعي إلى تحقيق المسألة (6) والقطع على ~~الحق فيها. وكل هذه الأمور التي PageV02P177 # يتعللون بها تقريبات لا تقتضي (1) قطعا، ولا توجب علما. ### ||| . فصل في حكم القول إذا وقع من الصحابي ولم يظهر ولم يعرف له مخالف # اعلم أن في الفقهاء من يجري هذه المسألة مجرى الإجماع، وهذا بعيد جدا، ~~لأن القول إذا لم تقع (2) الثقة بسماع كل واحد (3) من العلماء له، وجوزنا ~~أن يكون فيهم من لم يسمعه؛ فكيف يقطع على رضاهم به، أو وجوب إنكاره عليهم ~~وهم لم يسمعوه؟! ولم يبق إلا أن يقال: إذا نقل في الحادثة قول واحد، ولم ~~ينقل سواه؛ وجب أن يكون هو الحق، لأن الحق لو كان في غيره، لنقل، كما نقل ~~هذا. وذلك- أيضا- لا يلزم، لأنه لا يمتنع أن يكون المحق في هذه المسألة ما ~~دعاه داع إلى أن يفتى بالحق فيها، فلا ينقل قوله، لأنه لم يكن له قول يجب ~~نقله. فإن (4) قدرنا أن الحاجة ماسة، والدواعي متوفرة إلى قول الحق فيها، ~~و(5) مع هذا لم يظهر PageV02P178 # إلا قول واحد؛ فلا بد من شرط آخر زائد على ما ذكروه، وهو أن لا يكون ~~للمحق ms272 (1) مانع من إظهار الحق (2) لأنا إن جوزنا أن يكون هناك مانع، لم ~~يقطع (3) على أن الحق فيما ظهر، دون ما لم يظهر. وهذه جملة كافية. ### ||| . فصل في هل يجوز مع اختلاف الصحابة اتباع بعضهم دون بعض # اعلم أنه قد ذهب قوم من الفقهاء وغيرهم إلى أنه يجوز أن نأخذ (4) مع ~~اختلاف الصحابة بقول بعضهم دون بعض (5) وجوزوا- أيضا- للعالم أن يقلد من ~~هو أعلم منه، وامتنع آخرون من ذلك كله، وذهبوا إلى أنه لا يجوز لمن (6) ~~يتمكن من العلم أن يقلد غيره، وأن يتبعه بغير دلالة، وهو الصحيح (7). ~~ومعلوم أن هذه PageV02P179 # المسألة مبنية على القول بصحة الاجتهاد، وأن كل مجتهد مصيب، وأن الحق ليس ~~في واحد من الأقوال، وإذا كنا لا نذهب إلى هذا الأصل؛ فلا معنى للكلام في ~~التفريع عليه. وقد أجمع كل من نفي القياس والاجتهاد في الشريعة على أن ذلك ~~لا يجوز. والذي نذهب (1) إليه أن على (2) السمعيات أدلة قاطعة توجب العلم ~~كالعقليات، وكما لا يجوز لأحد أن يقلد غيره في العقليات، كذلك لا يجوز في ~~السمعيات، فالعلة الجامعة بين الأمرين أنه متمكن من أن يكون (3) كالعالم ~~بالنظر والفحص، وإذا تمكن من ذلك؛ لم يجز له التقليد، وإن جاز للمستفتي ~~تقليد العالم، لأنه لا يتمكن (4) من العلم، ولا مما يتمكن منه العالم. وفي ~~هذا القدر كفاية (5). ### | . باب الكلام في القياس وما يتبعه ويلحق به. فصل يحتاج إلى تقديمه # اعلم أن الخلاف في القياس لما كان إنما يقع بين من جعله PageV02P180 # دليلا شرعيا يدل على الأحكام (1) الشرعية كالنصوص، وبين من نفى كونه ~~بهذه الصفة، وجب أن يقدم (2) أمام ذلك، الكلام في أن الأحكام الشرعية لا ~~بد عليها من دليل، ثم نبين (3) هل يصح كون القياس دليلا على الأحكام ~~الشرعية، أو لا يصح ذلك، وإذا صح؛ هل (4) ثبت كونه دليلا، أو لم يثبت، لأن ~~أدلة الشرع على إجماع (5) واختلاف هي الكتاب والسنة المقطوع بها والإجماع ~~وأخبار الآحاد والقياس، ولا خلاف في أن الكتاب والسنة المقطوع بها (6) ~~دلالة على الأحكام. وقد دللنا ms273 على أن الإجماع- أيضا- كذلك. # ودللنا في باب الكلام في الأخبار على أن خبر الواحد ليس بدليل شرعي، وإن ~~جاز في العقل أن يكون كذلك. وسندل على ان القياس- أيضا- ليس بدليل على ~~الأحكام، وإن جاز في العقل- لو تعبد الله به- أن يكون دليلا. ولا بد من ~~الرد على من خالف في أنه لا بد في كل حكم شرعي من دليل عليه. PageV02P181 ### ||| فصل في أنه لا يجوز أن يفوض الله تعالى إلى (1) النبي (عليه السلام) (2) أو العالم أن يحكم في الشرعيات بما شاء إذا علم أنه لا يختار إلا الصواب # اعلم أن الصحيح أن ذلك لا يجوز، ولا بد في كل حكم من دليل، و(3) لا يرجع ~~إلى اختيار الفاعل (4) والعلم بأنه لا يختار إلا الصواب غير كاف في هذا ~~الباب. وخالف مويس (5) بن عمران في ذلك (6) وقال: لا فرق بين أن ينص ~~الله (7) على الحكم (8) وبين أن يعلم أنه لا يختار إلا ما هو (9) ~~المصلحة، فيفوض ذلك إلى (10) اختياره. # والذي استدل به في الكتب على هذه المسألة أنه لا بد في الشرع من دلالة ~~مميزة للصلاح من الفساد، واختيار المكلف يجوز أن يتناول المفسدة، كما ~~يتناول المصلحة، فلا تمييز (11) فيه. PageV02P182 # وربما حملوا ذلك على الأخبار: وأنه كما لا يجوز أن يتفق منه الأخبار بغير ~~دلالة متقدمة بالصدق دون الكذب، فكذلك الأحكام، لا يجوز أن تتفق (1) منه ~~بغير دلالة تميز الصلاح من الفساد. # وربما (2) ألزموا (3) اختيار النبي (صلى الله عليه وآله) بغير معجزة ولا ~~دلالة، بأن يعلم أنا لا نختار إلا من هو نبي (4). # وهذا القدر غير كاف، لأن (5) لمن خالف أن يقول: إن هاهنا دلالة مميزة، ~~وهي قوله تعالى له (6): «قل ما شئت، فقد علمت أنك لا تقول إلا الصواب» ~~لأنه قد أمن بهذه الطريقة من الخطاء كما أمن بالنص على الحكم بعينه، وإنما ~~الفرق بينهما أن أحدهما مجمل والآخر مفصل. # وربما ارتكبوا في الأخبار ما ارتكبوه في الأحكام، و(7) في تميز النبي من ~~المتنبي. وليس إذا فرق مويس (8) بين الأخبار PageV02P183 # عن الأحكام (1) وبين ms274 غيرها من الأخبار لم يجز لغيره أن يسوي بين الكل، ~~ولا تناقض (2) وقد كنت نصرت هذه الطريقة في كتبي، بأن قلت: إذا جعلتم ~~أمارة كون الحكم صلاحا وصوابا الاختيار (3) له؛ جعلنا الكلام في نفس ~~الاختيار (4): فنقول (5): الاختيار فعله (6) ويمكن (7) عنده أن يكون ~~قبيحا، إذا تعلق بقبيح، كما يمكن أن يكون حسنا، فبأي شيء نأمن (8) في هذا ~~الاختيار أن يكون قبيحا، وهو إذا أقدم (9) عليه مخاطر، لأنه (10) يجوز ~~كونه قبيحا، والإقدام على ما يجوز الفاعل كونه قبيحا (11) كالإقدام على ما ~~يعلمه قبيحا في القبح؟ # فإن قالوا: يأمن (12) من (13) ذلك بخبر الله تعالى له (14) PageV02P184 # على الجملة أنه لا يختار ولا يقدم (1) إلا على (2) الحسن. # قلنا: هذا الخبر إنما يفيده (3) حسن ما يقدم (4) عليه بعد فعله له، ~~واختياره إياه، وهو يحتاج إلى أمارة مميزة قبل الاختيار، وقبل الفعل (5) ~~ليتميز (6) له القبيح من (7) الحسن قبل الفعل (8) فيأمن (9) من الإقدام ~~على ما يجوز كونه قبيحا، وإذا لم تتقدم (10) أمارة مميزة، وجعلتم الأمارة ~~له على حسن الفعل اختياره له؛ فبأي شيء يأمن (11) في (12) هذا (13) ~~الاختيار أن يكون قبيحا، ولا أمارة مميزة متقدمة؟. # فإن قلتم: بأن يقال له: قد علمنا أنك لا تفعل اختيارا إلا وهو حسن. # قلنا: هذا يقتضى أنه إنما يعلم حسنه بعد فعله له (14) وهو PageV02P185 # إذا فعله زال التكليف عنه فيه، وهو قبل أن يفعل مكلف لأن يفعل الحسن ~~والصلاح، فبأي شيء تميز (1) له قبل الفعل ما هو صلاح من غيره؟، أو ليس هذا ~~يقتضى إقدامه على ما لا يأمن أن يكون قبيحا؟. # ولما تأملت هذا الكلام؛ وجدته غير كاف، لأن للمخالف أن يقول: الغرض أن ~~يأمن المكلف من أن يفعل قبيحا أو مفسدة فيستحق الذم، فأي (2) فرق بين أن ~~يجعل له على ذلك أمارة قبل أن يفعل (3) وبين أن تكون (4) الأمارة على ذلك ~~هي نفس الفعل؟، وعلى الوجهين جميعا هو آمن من (5) فعل القبيح، ويتخلص من ~~الذم. وليس يجب ما قيل من أن (6) الأمارة إذا لم تتقدم (7) الفعل، كان ~~مقدما (8) على ما لا ms275 يأمن (9) أن يكون قبيحا، لأنه قبل أن يفعل، متى قيل ~~له: قد علم أنك لا تختار (10) إلا الحسن؛ فهو آمن من الإقدام على القبيح ~~قبل (11) الفعل أو بعده، غير أن PageV02P186 # ذلك وإن جاز في الفعل الواحد أو الاثنين؛ فلن يجوز أن يكون المعلوم من ~~حاله في كل أفعاله أنه لا يختار منها (1) إلا ما هو حسن ومصلحة من غير ~~أمارة مميزة متقدمة، كما لا يجوز أن يكون المعلوم من حاله أنه لا يقع منه ~~أبدا إلا الفعل المحكم اتفاقا من غير علم (2) تقدم. ولهذا يجوز في الأمي ~~(3) أن يقع منه (4) الحرف (5) والاثنان (6) اتفاقا، ولا يجوز أن يكتب ~~الكثير بلا علم متقدم (7). # وكذلك لا يجوز من المفحم (8) أن يأتي بالشعر الكثير أبدا (9) على سبيل ~~الاتفاق من غير علم له تقدم (10) ذلك، وإن جاز أن يقول البيت الواحد وما ~~جرى مجراه. فصار الكثير محالا، واليسير مجوزا. فقد بطل مذهب مويس (11) بن ~~عمران على كل حال، لأنه كان يذهب إلى جواز ذلك أبدا سرمدا على سبيل ~~الاتفاق. # فإن قيل: إذا كنتم اعتمدتم في كتب الإمامة في فساد الاختيار PageV02P187 # للإمام على أن عصمته تحيل اختيار الأمة (1) له، وأبطلتم أن يكون المعلوم ~~أنهم لا (2) يختارون اتفاقا إلا المعصوم بهذه الطريقة التي طعنتم الآن ~~فيها، فيجب جواز اختيار الإمام مع عصمته. # قلنا: يمكن أن نقول هناك: إنا إذا قدرنا أن يقول الله تعالى لمن كلفه ~~اختيار الإمام: «قد علمت أنك لا يقع منك إلا اختيار المعصوم» إن هذا هو نص ~~على الإمام، وإن كان بواسطة، وإنما نمنع (3) من اختيار المعصوم (4) من ~~غير استناد إلى هذا النص. # على أن هذا (5) إن اتفق في بعض الأئمة لا يجوز أن يتفق في كل إمام، كما ~~قلناه في الكتابة، ونظم الشعر، وما أشبه ذلك. وأما (6) إلزامهم (7) ~~الإخبار (8) عن الغائبات (9) بالصدق اتفاقا، من غير علم، واختيار الأنبياء ~~من غير معجز (10) فيمكن أن يلتزموا ذلك في القليل دون الكثير، والمرة (11) ~~الواحدة دون المرات، كما قلناه في الكتابة وغيرها. PageV02P188 # وقد كنا اعتمدنا في ms276 بعض كتبنا عند الكلام على هذه الطريقة على أن التكليف ~~بلا أمارة مميزة متقدمة قبيح، وإن علم المكلف أن المكلف (1) تتفق (2) ~~الإصابة منه، وضربنا لذلك المثل بمن كلف غيره أن يخبره بما في البيت من غير أمارة. # ويمكن أن يعترض على هذه الطريقة بأن العلم بالعواقب فينا متعذر، وأكثر ما ~~يحصل لنا غالب الظن، وليس يقوم هاهنا الظن مقام العلم، ولو علمنا العاقبة ~~(3) وأنه لا يختار إلا الصواب؛ حسن التكليف. # فإن قيل: حكم ما يقع به التمييز للمكلف حكم القدرة والتمكن في وجوب تقديم ~~ذلك (4) على وقوع الفعل. # قلنا: يمكن أن يقال: إن الذي يقع به التمكن في الموضع الذي ذكرناه- أيضا- ~~متقدم، وهو إعلام الله تعالى له أنه لا يختار إلا الحسن، وما فيه المصلحة، ~~وهذا دليل متقدم يقع به التميز. PageV02P189 # ثم الفرق بين تقديم القدرة والتمكين وبين تقديم (1) دليل التمييز (2) ~~واضح، لأنه متى لم يتقدم الإقدار والتمكين، استحال وقوع الفعل، وليس كذلك ~~دليل التمييز (3) لأن فقد تقدمه لا يخل بصحة وقوع الفعل. # ثم يقال لمن سلك (4) هذه الطريقة: أليس المذهب الصحيح هو أن المكلف لا ~~(5) يعلم أن الفعل واجب عليه قبل أن يفعل، كالصلاة، لأنه (6) يجوز ~~الاخترام (7) قبل تمامها، فلا تكون (8) واجبة عليه. وإنما يعلم بعد ~~الفراغ منها (9) أنها كانت واجبة؛ فقد صارت أمارة وجوب الفعل عليه متأخرة ~~غير متقدمة، ولم تجر مجرى (10) الإقدار (11) والتمكين، فألا (12) جرى ~~(13) الموضع (14) الذي اختلفنا فيه هذا المجرى؟!. PageV02P190 # وقد تعلق مويس (1) في نصرة قوله بأشياء: # أولها قوله تعالى: «كل الطعام كان حلا لنبي إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل ~~على نفسه» فأضاف (2) التحريم إليه. # وثانيها ما روى من أنه (عليه السلام) لما نهى عن التعرض (3) لنبت (4) ~~مكة؛ قال له (5) العباس- ره- (6): «إلا الإذخر يا رسول الله»، فقال (عليه ~~السلام): «إلا الإذخر»، وهذا يدل على إضافة الحكم إلى رأيه. # وثالثها ما روى من قوله (عليه السلام) (7): «عفوت (8) لكم عن (9) ~~الخيل (10) والرقيق» فأضاف (عليه السلام) العفو إلى نفسه دون الوحي. # فيقال له فيما تعلق به أولا: ليس يمتنع أن يضاف ms277 التحريم إليه (عليه ~~السلام) وإن كان عن وحي، من حيث كان مؤديا له إلينا. وقد يضاف التحريم- ~~أيضا- إلى الكتاب، فيقال: إن الكتاب حرم PageV02P191 # كذا وكذا، وإن (1) كان الله تعالى حرمه. ويمكن- أيضا- أن يكون حرمه ~~بالنذر (2) أو باليمين. وقد قال قوم: إنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى ~~كلفه الاجتهاد، وأداه (3) الاجتهاد إلى (4) تحريمه، فأضاف التحريم إليه: ~~وكل واحد من هذه الوجوه يمنع مما يتعلق به مويس (5). # ويقال له فيما تعلق به ثانيا: من أين لك أنه (صلى الله عليه وآله) ما كان ~~عازما على استثناء الإذخر لو لم يذكره العباس به؟، وإذا كان ذلك جائزا غير ~~مقطوع على خلافه؛ سقط استدلالك. وقد (6) يجوز- أيضا- أن يكون (7) الله ~~تعالى قد أعلمه بالوحي أن العباس- ره- (8) قد يقع منه الاعتراض بذكر ~~الإذخر، وأن الصلاح أن (9) يستثنى الإذخر عند قوله، ولو لا قوله، لكان ~~الصلاح أن يتعلق التحريم به مضموما إلى غيره. ويمكن- أيضا- أن يكون الله ~~تعالى أمره بتحريم ما عدا الإذخر أمرا جزما (10) PageV02P192 # وخيره (1) في الإذخر، فلما ذكره العباس؛ اختار (عليه السلام) استثناءه ~~الذي قد جعل إليه إيجابا لحقه. # ويقال له فيما تعلق به ثالثا: ليس إضافة العفو إليه بدلالة على أنه قال ~~برأيه، بل لا يمتنع أن يقول ذلك وهو (2) عن وحي، كما يقول: «حرمت» و«حللت» ~~من حيث كان مؤديا للتحريم والتحليل. ### ||| . فصل في القياس والاجتهاد والرأي ما هو؟ وما معاني هذه الألفاظ؟. # اعلم أن الواجب على من (3) نفي شيئا أو أثبته أن يبتدئ بذكر حقيقته. # والقياس هو إثبات مثل حكم المقيس عليه للمقيس. وله شروط لا بد منها (4) ~~وإن كان الحد هو ما ذكرناه: وهو أن يكون الأصل الذي هو المقيس عليه وحكمه ~~(5) معلومين، ويعلم- أيضا- PageV02P193 # الفرع الذي هو المقيس، والشبهة (1) الذي لأجله جعل حكم أحدهما حكم صاحبه (2). # والذي يدل على صحة ما ذكرناه أنه قد يعلم المقيس عليه وحكمه (3) ويعلم- ~~أيضا- الفرع الذي هو المقيس، والشبه (4) الذي (5) بينهما، ولا يثبت للفرع ~~مثل حكم الأصل، فلا يكون قائسا (6). وإذا ثبت مثل حكم الأصل للفرع؛ كان ~~قائسا. فوضح أن القياس ما حددناه. ms278 # فأما (7) قولنا «إثبات»؛ فإنه يجري على العلم والاعتقاد والظن والخبر، ~~غير أنه بعرف الشرع مقصور على العلم وما يجري مجرى ذلك من الاعتقاد (8). ~~والخبر تابع لذلك. # ومما (9) يجب (10) علمه أن حقيقة القياس في العقل والشرع لا تختلف (11) ~~وإنما يختلفان في أحكام ترجع إلى العلة، لأن PageV02P194 # العلة العقلية موجبة ومؤثرة تأثير الإيجاب، والسمعية ليست كذلك، عند من ~~أثبت قياسا شرعيا؛ بل هي تابعة للدواعي والمصالح المتعلقة بالاختيار. ~~والعلة في القياس العقلي لا تكون (1) إلا معلومة، وفي السمعي تكون (2) ~~مظنونة، ومتى علمت في العقل تعلق الحكم بها (3) لم يحتج في تعليقه (4) ~~عليها إلى دليل مستأنف، وليس كذلك علة (5) السمعي، فإنها عند أكثرهم ~~ومحققيهم لا يكفى (6) في تعليق الحكم بها في كل موضع وجدت فيه أن تعلم ~~(7) بل لا بد من تعبد بالقياس حتى يعلق الحكم بها في كل موضع. # و- أيضا- فعلة السمعي قد تكون (8) مجموع أشياء، وقد تكون (9) مشروطة في ~~كونها علة، وقد تكون علة في وقت دون وقت، وعين دون عين والوقت واحد، عند من ~~أجاز تخصيص العلة منهم، وقد تكون (10) العلة الواحدة علة لأحكام كثيرة، ~~وكل هذا يفارق فيه علة العقل لعلة الشرع. وإنما افترقا لما ذكرناه PageV02P195 # من أن العقلية موجبة، والسمعية راجعة إلى الدواعي والمصالح. # فأما الاستدلال؛ فهو مشتق من الدليل، وكل من (1) توصل بدلالة إلى حكم من ~~الأحكام كان مستدلا عليه، سواء كان ذلك (2) الدليل نصا، أو قياسا، عند من ~~جعل القياس الشرعي دلالة في الشرع، فصار قولنا «استدلال» أعم من قولنا ~~«قياس». # فأما الاجتهاد؛ فموضوع في اللغة لبذل الوسع والطاقة في الفعل الذي يلحق ~~في التوصل إليه بالمشقة، كحمل الثقيل وما جرى مجراه، ثم استعمل فيما (3) ~~يتوصل به إلى الأحكام من الأدلة على وجه يشق (4). وفي الفقهاء من فصل بين ~~القياس والاجتهاد، وجعل القياس ما تعين أصله الذي يقاس عليه، والاجتهاد ما ~~لم (5) يتعين (6) فيه أصل يشار إليه، كالاجتهاد في طلب القبلة، وفي قيم ~~المتلفات، وأروش (7) الجنايات. وفيهم من أدخل القياس في الاجتهاد، وجعل ~~الاجتهاد أعم منه. وليس ms279 يمتنع أن يكون قولنا «أهل (8) الاجتهاد»- إذا ~~أطلق- محمولا بالعرف على من عول PageV02P196 # على الظنون والأمارات في إثبات الأحكام الشرعية، دون من لم يرجع إلا (1) ~~إلى الأدلة (2) والعلوم (3). # فأما الرأي؛ فالصحيح عندنا أنه (4) عبارة عن المذهب والاعتقاد و(5) إن ~~استند (6) إلى الأدلة، دون الأمارات والظنون. والذي يدل على ذلك أنهم ~~يقولون: فلان يرى القدر، وفلان (7) يرى العدل، والبغداديون يرون أن (8) ~~الأعراض كلها لا تبقى، والبصريون يذهبون إلى أن فيها ما يبقى، ولو كان ~~الرأي مقصورا على الظنون والأمارات على ما قاله (9) مخالفونا، لما جاز ما ~~ذكرناه. وسنستقصي (10) الكلام في هذا الموضع إذا انتهينا (11) إلى حيث ~~يليق به من هذا الكتاب بعون الله (12). ### ||| . فصل في ذكر اختلاف الناس في القياس # اختلف الناس في القياس الشرعي: فمنهم من أحال أن يتعبد الله- PageV02P197 # تعالى- به من طريق العقل، وادعى أنه لا يمكن أن يكون (1) طريقا لمعرفة ~~شيء من الأحكام. وربما اعتمدوا في إحالته على تعلقه بالظن الذي يخطئ (2) ~~ويصيب، أو من حيث يؤدى إلى تضاد الأحكام، وتناقضها. وفيهم من أبطل القياس ~~من (3) حيث لا سبيل إلى العلم بما له ثبت الحكم في الأصل، ولا إلى غلبة ~~الظن في ذلك، لفقد دلالة و(4) أمارة تقتضيه (5). وفيهم من أجاز (6) التعبد ~~به، ونفاه من حيث وقعت الشرعيات على وجوه (7) لا يسوغ معها القياس ومن هذا ~~الوجه نفي النظام القياس، أو من حيث لا يجوز أن يقتصر الله تعالى بالمكلف ~~على أخفض (8) البيانين (9) رتبة، مع قدرته على أعلاهما. وهذه طريقة بعض ~~أصحاب داود (10) وغيره (11). ومنهم من جوز ورود العبادة به، غير أنه نفاه ~~من حيث لم يثبت (12) دليل التعبد PageV02P198 # به، أو من حيث ورد بخلافه. فأما من أثبته؛ فإنهم يختلفون أيضا: # فمنهم من أثبته من طريق (1) العقل، وإن كان هؤلاء شذاذا (2). ومنهم من ~~أثبته سمعا، وذهب إلى أن (3) العقل لا يدل (4) على ثبوته. وهؤلاء هم ~~المحصلون من مثبتي القياس. والذي نذهب (5) إليه أن القياس محظور في ~~الشريعة استعماله، لأن العبادة لم ترد (6) به، وإن كان العقل مجوزا ورود ~~العبادة باستعماله. و(7) ms280 نحن نتكلم على كل (8) من خالف ما اخترناه من ~~المذهب. ### ||| . فصل في جواز التعبد بالقياس # اعلم أنا إذا بينا أن القياس الشرعي (9) يمكن أن يكون طريقا إلى معرفة ~~الأحكام الشرعية، فقد جرى القياس مجرى الأدلة PageV02P199 # الشرعية كلها من نص و(1) غيره، فمن منع- مع (2) ثبوت ذلك- من أن يدل ~~الله تعالى به، كما يدل بالنص على الأحكام؛ فهو مقترح (3) لا يلتفت (4) ~~إلى خلافه. # والذي يدل على صحة معرفة الأحكام به أنه لا فرق في صحة معرفتنا بتحريم ~~النبيذ المسكر بين أن ينص الله تعالى على تحريم كل مسكر، وبين أن ينص على ~~تحريم الخمر بعينها، ثم ينص على أن العلة في تحريمها شدتها، ولا فرق بين أن ~~ينص على العلة، وبين أن يدلنا بدليل غير النص على أنه حرم الخمر لشدتها، أو ~~ينصب لنا أمارة يغلب عندها في ظنوننا أن تحريم الخمر لهذه العلة، مع إيجابه ~~القياس علينا في هذه الوجوه كلها، لأن كل طريق منها (5) يوصل إلى المعرفة ~~بتحريم النبيذ المسكر، فدافع جواز العبادة بأحدها كدافع جواز ورودها ~~بباقيها. وفي العقليات مثال لذلك، لأنه لا فرق في العلم بوجوب تجنب سلوك ~~بعض الطريق بين أن يعلم أن فيه سبعا مشاهدة، وبين أن يعلم PageV02P200 # بخبر يوجب العلم، أو بخبر (1) يقتضى غلبة الظن، ولا فصل بين جميع ذلك في ~~الحكم الذي ذكرناه، وبين أن ينص لنا على صفة الطريق الذي فيه السبع، أو ~~ينصب لنا أمارة على تلك الصفة. # فأما من أحال القياس لتعلقه بالظن الذي يخطئ ويصيب؛ فالذي يبطل قوله أن ~~كثيرا من الأحكام العقلية والشرعية (2) تابعة للظنون، ومثاله (3) في العقل ~~علمنا بحسن التجارة عند ظن الربح، وقبحها عند ظن الخسران (4) و(5) قبح ~~سلوك الطريق عند ظننا أن فيه سبعا، أو (6) ما جرى مجراه من المضار، ووجوب ~~النظر في معرفة الله تعالى عند دعاء الداعي، أو (7) خطور الخاطر الذي يحصل ~~عنده الظن أو (8) الخوف (9). ووجوب معرفة الرسل (عليه السلام) والنظر في ~~معجزاتهم يجري على هذا الوجه أيضا فأما تعلق الأحكام الشرعية بالظن؛ ms281 فأكثر ~~من أن يحصى (10) نحو وجوب التوجه إلى القبلة عند الظن (11) أنها في جهة ~~(12) مخصوصة، وتقدير النفقات، PageV02P201 # وأروش (1) الجنايات، وقيم المتلفات، والعمل بقول الشاهدين. # ومما يجب علمه أن الظن و(2) إن كان طريقا إلى العلم بوجوب أحكام، على نحو ~~(3) ما ذكرناه، وتساوى من هذا الوجه الظن والعلم، لأنه لا فصل بين أن يظن ~~جهة القبلة، أو يعلمها في وجوب التوجه. وكذلك (4) لا فصل بين أن يظن ~~الخسران في التجارة، أو يعلمه في قبحها؛ فإنه لا يساوي الظن العلم من وجوه ~~أخر، ولا يقوم فيها مقامه، لأن الفعل (5) الذي يلزم المكلف فعله لا بد أن ~~يكون معلوما له أو في حكم المعلوم، بأن (6) يكون متمكنا من العلم به، أو ~~يكون سببه معلوما، إذا تعذر العلم به بعينه. # ولا بد- أيضا- من أن يعلم وجوبه ووجه وجوبه، إما على جملة، أو على تفصيل. ~~والظن في كل هذه الوجوه لا يقوم مقام العلم: # لأنه متى لم يكن عالما بجميع ما ذكرناه، أو متمكنا من العلم به، لم تكن ~~(7) علته مزاحة فيما تعبد (8) به، وجرى مجرى أن PageV02P202 # لا يكون قادرا، لأنه متى لم يعلم الفعل، ويميزه من غيره (1) لم يتمكن من ~~القصد إليه بعينه، وبالظن لا تتميز (2) الأشياء وإنما تتميز بالعلم (3) ~~ومتى لم يكن عالما بوجوب الفعل؛ كان مجوزا (4) كونه غير واجب، فيكون- متى ~~أقدم عليه- مقدما على ما لا يأمن كونه قبيحا، والإقدام على ذلك يجري مجرى ~~الإقدام على ما يعلمه قبيحا في القبح. ومتى علمه واجبا؛ فلا بد من أن يعلم ~~وجه وجوبه على جملة أو تفصيل، لأنه لو كان ظانا لوجه (5) وجوبه، لكان ~~مجوزا انتفاء وجه الوجوب عنه، فيعود (6) الأمر إلى تجويز كونه غير واجب. # وفي تأمل هذه الجملة (7) بطلان قول من أنكر تعلق الأحكام بالظنون. # ومن توهم على من سلك هذه الطريقة أنه قد أثبت الأحكام بالظنون؛ فهو متعد، ~~(8) لأن الأحكام لا تكون (9) إلا معلومة، ولا تثبت إلا من طريق العلم، إلا ~~أن الطريق إليها قد يكون العلم تارة، والظن أخرى (10) لأننا (11) إذا ظننا ms282 ~~في طريق (12) سبعا؛ وجب علينا تجنب سلوكه PageV02P203 # بالحكم الذي هو قبح السلوك، ووجوب التجنب معلوم لا مظنون، وإن كان الطريق ~~إليه هو الظن، ومتعلق الظن (1) هاهنا غير متعلق العلم لأن الظن (2) تعلق ~~بكون السبع في الطريق، والعلم تعلق بقبح سلوك الطريق. فالقول في العلم ~~بوجوب التوجه إلى جهة القبلة عند الظن بأنها في بعض الجهات يجري على (3) ~~ما ذكرناه، فيكون فيه الحكم (4) معلوما، وإن كان الطريق إليه مظنونا. # فأما من أحال القياس من حيث يؤدى إلى تضاد الأحكام؛ فشبهته أن يقول: إذا ~~كان للفرع شبه (5) بأصل محرم وشبه (6) بأصل محلل؛ فلا بد على مذهب أهل ~~القياس من (7) رده إليهما معا، وهذا يؤدى في العين (8) الواحدة إلى (9) ~~أن تكون محرمة محللة. # ولمن أثبت القياس أن يقول في جواب ذلك: إن كان الفرع مشبها لأصل محلل ~~(10) وأصل محرم (11) عند اثنين؛ لزم كل واحد PageV02P204 # منهما ما أداه اجتهاده إليه، فيلزم التحريم من أشبه عنده الأصل المحرم، ~~والتحليل عند من أشبه عنده الأصل المحلل، ولا تضاد في ذلك. وإن أشبه ~~الأصلين المختلفين عند (1) مكلف واحد؛ فهو عند كثير منهم مخير بين الأمرين، ~~فأيهما اختار، لزمه (2) كما نقول كلنا في الكفارات الثلث، فلا تضاد- أيضا- ~~في ذلك. وعند قوم منهم أنه لا بد في هذا الموضع من ترجيح يقتضى حمل الفرع ~~على أحد الأصلين دون الآخر. # فأما من أبطل القياس من حيث لا طريق إلى غلبة الظن في الشريعة؛ فإنه ~~يعتمد على أن يقول: قد علمنا أن القياس لا بد فيه من حمل (3) فرع على أصل ~~بعلة وشبه، والعلة التي يتعلق الحكم بها في الأصل لا تخلو (4) من أن يكون ~~الطريق إلى إثبات كونها علة العلم أو الظن، والعلم (5) لا مدخل له في هذا ~~الباب، والمحصلون من مثبتي القياس في الشرع يجعلون العلة المستخرجة هاهنا تابعة PageV02P205 # للظن، وإنما يجعلها معلومة من اعتقد أن على العلل الشرعية أدلة (1) توصل ~~إلى العلم كالعقليات، وقول هذه الفرقة واضح البطلان: فإن (2) كانت العلة ~~تثبت علة (3) بالظن؛ فقد علمنا أن الظن (4) لا ms283 بد له من أمارة، وإلا كان ~~مبتدأ لا حكم له، وليس في الشرع أمارة على أن التحريم في الأصل المحرم إنما ~~كان لبعض صفاته، فكيف يصح أن يظن ذلك. وليس يشبه هذا ظن (5) الربح أو (6) ~~الخسران، والنجاة أو الهلكة، وأن القبلة في جهة مخصوصة، وغلبة الظن في قيم ~~المتلفات وأروش الجنايات، لأن ذلك كله يستند إلى عادات وتجارب وأمارات ~~معلومة (7) متقررة، ولهذا نجد من لم يتجر قط ولم يخبره مخبر عن أحوال ~~التجارة لا يصح أن يظن فيها ربحا ولا خسرانا، وكذلك من لم يسافر ولم يخبر ~~عن الطريق لا يظن (8) نجاة ولا عطبا، ومن لم يعرف العادة في القيم ولم ~~(9) يمارسها لا يظن- أيضا- (10) فيها شيئا، وجميع ما يغلب في (11) PageV02P206 # الظنون متى تأملته؛ وجدته مستندا إلى ما ذكرناه، مما لا (1) يصح دخوله في ~~الشرعيات. # ولأجل قوة هذه الطريقة ذهب قوم من أهل القياس إلى أن العلل الشرعية لا ~~تكون (2) إلا منصوصا عليها: إما صريحا، أو تنبيها. # ونزل قوم منهم رتبة، فقالوا: إنها لا تثبت إلا بأدلة شرعية. # ومن طعن على القياس من هذه الجهة (3) التي بسطناها، لا بد من أن يكون ~~مجوزا للعبادة به، ومعرفة الأحكام من جهته، (4) لو حصل الظن الذي منع من ~~حصوله. ولا بد- أيضا- من أن يقول (5): إن الله تعالى لو نص على العلة، أو ~~أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بالنص عليها، ثم (6) تعبدنا بالقياس؛ ~~لوجب حمل الفروع على الأصول. # بل الذاهب إلى هذه الطريقة ربما يقول: لو نص الله تعالى على العلة في ~~تحريم الخمر، وصرح بأنها الشدة المطربة؛ لوجب حمل ما (7) فيه هذه العلة ~~عليها، وإن لم يتعبد (8) بالقياس، ويجري PageV02P207 # عنده (1) مجرى أن ينص (2) على تحريم كل شديد. # وهذا غير صحيح، لأن العلل الشرعية إنما تنبئ عن الدواعي إلى الفعل، أو عن ~~وجه المصلحة فيه، وقد يشترك (3) الشيئان في صفة واحدة، وتكون (4) في ~~أحدهما داعية إلى فعله، دون الآخر، مع ثبوتها فيه، وقد يكون (5) مثل ~~المصلحة مفسدة، وقد يدعوا الشيء إلى غيره في حال دون حال، ms284 و(6) على وجه ~~دون وجه، وقدر منه دون قدر، وهذا باب في الدواعي معروف، ولهذا جاز أن يعطى ~~لوجه الإحسان فقير (7) دون فقير (8) ودرهم دون درهم، وفي حال دون أخرى، وإن ~~كان فيما لم نفعله (9) الوجه الذي لأجله فعلنا بعينه، وإذا صحت هذه ~~الجملة؛ لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي والقياس، وجرى النص على ~~العلة مجرى النص على الحكم في قصره على موضعه. # وليس لأحد أن يقول: إذا لم يوجب النص على العلة التخطي، كان عبثا، وذلك ~~أنه (10) يفيدنا ما لم نكن (11) نعلمه (12) لولاه، وهو ما PageV02P208 # له كان هذا الفعل المعين مصلحة. # وفي الناس من فصل بين داعي (1) الفعل وداعي (2) الترك: فقال: # إذا كان النص على علة الفعل لم يجب القياس إلا بدليل مستأنف، وإن كان ~~واردا بعلة الترك، وجب التخطي من غير دليل مستأنف. # وفصل بين الأمرين بأن ماله يترك (3) أحدنا (4) الفعل (5) له يترك غيره ~~إذا شاركه فيه، لأنه لا يجوز أن يترك أكل السكر لحلاوته. # ويأكل شيئا حلوا، ولا يجب مثل هذا في (6) الفعل، لأنه قد يفعل الفعل ~~لأمر يثبت (7) في غيره، وإن لم يكن فاعلا له (8). # وهذا صحيح متى كان النص الوارد بالعلة كاشفا عن الداعي ووجه المصلحة أو ~~عن الداعي فقط، فأما إن (9) كان مختصا بوجه المصلحة؛ لم يجب ذلك، لأن ~~الدواعي قد تتفق (10) وتختلف (11) وجوه المصالح، وتختلف (12) الدواعي مع ~~اتفاق وجوه المصالح. PageV02P209 # ويقال لمن أفسد القياس بالطريقة التي حكيناها، من أنه لا سبيل إلى غلبة ~~الظن: (1) قد بينتم (2) استناد (3) الظنون إلى العادات والتجارب (4) ~~وذكرتم أن الشرع لا يتم ذلك (5) فيه، فلم أنكرتم أن تحصل (6) فيه طريقة ~~يحصل عندها الظن وإن لم تكن (7) عادة ولا تجربة؟! بل يجري في حصول الظن ~~عندها مجرى ما ذكرتم، وهذا مثل أن نجد العين المسماة (8) خمرا تحصل على ~~صفات كثيرة، فتكون مباحة (9) غير محرمة، فمتى وجدت فيها الشدة المطربة، ~~حرمت (10) ومتى خرجت من الشدة بأن تنقلب (11) خلا، حلت، فيغلب (12) على ~~الظن عند ذلك بأن (13) العلة هي الشدة، ms285 لأن الذي ذكرناها من حالها أمارة ~~قوية على كونها علة، فمتى انضم (14) إلى هذا الظن التعبد بالقياس، وأن ~~يحمل (15) ما حصل فيه علة التحريم PageV02P210 # من الفروع على الأصول، ساغ القياس، وصح، ولم يمنع منه مانع. # وهكذا- أيضا- إذا رأينا بعض صفات الأصل هو المؤثر (1) في الحكم المعلل ~~(2) دون غيره، كانت بأن تجعل (3) علة أولى (4) من غيرها، وقوي الظن بأنها ~~العلة. ومثال ذلك أنا إذا أردنا أن نعلل ولاية المرأة على نفسها، وملكها ~~(5) لأمرها، ووجدنا بلوغها هو المؤثر في هذا الحكم، مع سلامة أحوالها في ~~الحرية والعقل، دون كونها مزوجة، لأن التزويج متى اعتبرت حاله لم يوجد له ~~تأثير في باب الولاية، وما يرجع إليها، وللبلوغ التأثير القوى فيها؛ جعلناه ~~العلة، دون التزويج. # ويكفي أن يقال لسالكي هذه الطريقة: لم (6) زعمتم أن الظن إذا استند في ~~بعض المواضع إلى عادة، فإنه لا يقع في كل موضع إلا على هذا الوجه، وأن ~~العادة لا يقوم مقامها غيرها؟! فلا يجدون معتمدا. # ويمكن أن يقال لهم: خبرونا عمن ابتدأه (7) الله كاملا عاقلا PageV02P211 # في بعض الدور، ومعه صاحب له جالس عنده، وهو لا يعرف. # العادات، ولا سمع الإخبار عنها، إلا أنه وجد صاحبه الجالس معه متى دخل ~~إليه واحد مخصوص من الناس انصرف، وخرج عن الدار، وهو مع دخول غيره من الناس ~~كلهم لا يفارق مكانه، أليس هذا مع عقله وكماله يصح أن يقوى في ظنه أن علة ~~خروج صاحبه إنما هي دخول ذلك الرجل؟، فإن امتنعوا من أن يغلب في ظنه ما ~~ذكرناه، طولبوا بماله يمنع منه، ولن يجدوه. وإن أجازوه؛ بطل عليهم ذكر ~~العادات والتجارب في باب الظنون، وقيل ما تنكرون (1) من أن تكون هذه حالة ~~(2) الظن في الشرع؟! فأما طعن مثبتي القياس على هذه الطريقة، وتصحيحهم غلبة ~~الظن في الشريعة بقولهم: إنا وجدنا (3) أهل القياس والاجتهاد مع كثرتهم ~~وتدينهم (4) يخبرون عن (5) أنفسهم بالظنون، ويعملون عليها، ومثل هؤلاء أو ~~طائفة منهم لا يجوز أن يكذبوا على نفوسهم؛ فليس بمعتمد، لأن لمن (6) نفي ~~الظن أن يقول: ms286 لست أكذب PageV02P212 # هؤلاء (1) المجتهدين في أنهم يجدون (2) أنفسهم على اعتقاد ما (3) وإنما ~~أكذبهم في قولهم (4): إنه ظن، وواقع عن أمارة. والعلم بالفرق بين الاعتقاد ~~(5) المبتدإ، و(6) بين العلم والظن، ليس بضرورة. فكأن (7) القوم سبقوا إلى ~~اعتقادات ليست ظنونا (8) و(9) دخلت عليهم الشبهة، فاعتقدوا أن لها أحكام ~~الظنون، وإن لم تكن (10) كذلك. # على أن هذا يرجع عليهم ممن يدعى من أهل القياس أن على الأحكام أدلة توجب ~~العلم، فيقال لهم: كيف يصح على هؤلاء مع كثرتهم وتدين أكثرهم أن يدعوا أنهم ~~عالمون، ويخبرون عن نفوسهم بسكونها إلى ما علموه؟! وهم- مع ذلك- كاذبون. ~~وهكذا السؤال عليهم في أصول الديانات إذا ادعى المخالفون فيها العلم ~~بمذاهبهم، وسكون نفوسهم، فلا بد لهم في الجواب مما ذكرناه من أن القوم لم ~~يكذبوا في أنهم معتقدون، وإنما غلطوا في نسبة اعتقاداتهم إلى أنها علوم. PageV02P213 # وأما طريقة النظام ومن تابعه في إبطال القياس؛ فاعتمادهم على أن الشرعيات ~~وقعت على وجوه لا يمكن معها دخول القياس، لأنه ورد باختلاف المتفقين، ~~واتفاق المختلفين، كإيجاب (1) القضاء على الحائض في الصوم، وإسقاطه (2) ~~عنها (3) في الصلاة، وهي آكد من الصوم، وإيجابه على المسافر القضاء في ~~الصوم، وإسقاطه عنه فيما قصر من الصلاة، وإيجاب الغسل بخروج الولد والمني، ~~وهما أنظف (4) من البول والغائط اللذين يوجبان الطهارة الصغرى، وإباحة ~~النظر إلى محاسن الأمة الحسناء، وحظر ذلك من الحرة، وإن كانت شوهاء. # والذي ذكروه غير صحيح، لأن لمثبت (5) القياس أن يقول: # إن (6) إطلاق القول بأن المتفقين لا يختلفان، والمختلفين لا يتفقان (7) ~~غير صحيح. # والصواب أن نقول (8): إن المتفقين لا يختلفان في الحكم الذي يقتضيه ~~اتفاقهما، وكذلك المختلفان لا يتفقان في الحكم الذي PageV02P214 # يقتضيه اختلافهما، لأن المعتبر في ذلك هو الأسباب (1) والعلل، والأحكام ~~التي يجب اتفاق (2) المتفقات فيها واختلاف المختلفات هي الراجعة إلى صفات ~~الذات، وإنما وجب ذلك فيها، لأن المتفقين قد اشتركا في سبب الحكم وعلته ~~والمختلفين قد افترقا في ذلك. فأما إذا لم يكن الحكم راجعا إلى الذات؛ فهو ~~موقوف على الدلالة، فإن اتفق المختلفان ms287 في علته وسببه؛ اتفقا فيه، وإن ~~اختلف المتفقان فيهما (3) اختلفا فيه. # وعلى هذا ليس بمنكر أن يكون الحيض وإن كان سببا لسقوط الصلاة والصوم معا، ~~و(4) اتفقا في ذلك، أن يختلفا في حكم آخر يوجب في أحدهما الإعادة، ولا ~~يوجبها في الآخر، فيكون الاختلاف من وجه، والاتفاق (5) من آخر، وقد زال ~~التناقض، لأن القضاء (6) إذا اختص بعلة غير علة السقوط، لم يكن باتفاقهما ~~(7) في علة السقوط معتبر. # وفي العقل لذلك مثال، لأنا (8) نعلم أن النفع المحض إذا حصل PageV02P215 # في الفعل (1) اقتضى حسنه، وقد يحصل في الكذب النفع، فلا يكون إلا قبيحا، ~~لأن وجه قبحه هو كونه كذبا، فصار اتفاق الكذب مع غيره من الأفعال في النفع ~~لا يمنع من اختلافهما في القبح، لأن ما اختلفا فيه غير ما اتفقا من أجله. # فإن كان ما أورده النظام مانعا من قياس الشرع، وجب أن يكون مانعا من قياس ~~العقل (2). # على أنه قد اعترف بورود النصوص باتفاق المختلفين، واختلاف المتفقين، ولم ~~يلزمه التناقض فيهما؛ فألا سوغ القياس، واعتذر له بعذره للنصوص (3)؟! وليس ~~له أن يقول: إنني لم أوجب التناقض في الأحكام، فيلزمني ذلك في النصوص، ~~وإنما منعت وحالها هذه من التطرق إليها بالقياس. # وذلك أنه غير ممتنع ذلك إذا نصب الله تعالى أمارة لقضاء الصوم توجبه، ~~وأخلى قضاء الصلاة من تلك (4) الأمارة. # على أن للقوم أن يقولوا: إنا لا نثبت القياس في كل حكم، PageV02P216 # وعلى كل أصل، وإنما نثبته بحيث يسوغ، ويصح، وأكثر ما يقتضيه ما أوردته ~~مما (1) هو بخلاف القياس أن يمنع فيه من دخول القياس فيه، وليس إذا امتنع ~~القياس في (2) موضع، يجب امتناعه في كل مكان. # فأما (3) من نفي القياس من جهة أن الحكيم تعالى لا يجوز أن يقتصر بالمكلف ~~على أدون البيانين رتبة، وأن النصوص أبلغ في البيان. # فالرد عليه أن يقال له (4): في كلامك هذا اعتراف بأن القياس يوصل به ~~(5) إلى معرفة الأحكام، لأنه لا يجوز أن يقول هذا (6) أخفض (7) رتبة إلا ~~والتبيين يقع به، وإذا ثبت ذلك؛ ms288 فما الذي يمنع من العبادة به، وإن كان دون ~~غيره رتبة في البيان، لما يعلم الله (8)- تعالى- من المصلحة به، وأنه إذا ~~توصل إلى الحكم به، ولحقته مشقة في طريقه؛ كان أقرب إلى فعل الواجب عليه. # وبعد؛ فإنه يلزم على ذلك أن يكون العلم في جميع التكليف PageV02P217 # ضروريا، لأنه أقوى في البيان من المكتسب. # ومن يعتمد على هذه الطريقة لا بد له من المناقضة، لأنه (1) تعلق كثيرا ~~(2) من الأحكام الشرعية بالظنون، نحو الاجتهاد في القبلة، وتقدير النفقات، ~~وأروش الجنايات، وما لا يحصى كثرة. # وربما تعلق نافي (3) القياس بأن يقول: لو جازت العبادة (4) بالقياس في ~~الفروع، لجازت في الأصول. # والجواب عن ذلك أنه غير ممتنع أن يتعبد في الأصول بالقياس، إذا كانت هناك ~~أصول يقاس عليها، ويرد (5) إليها (6) فلا فرق بين الأمرين. # ثم يلزمون (7) أنه إذا جاز أن يتعبدنا (8) بالاجتهاد في القبلة، وهناك ~~قبلة مشاهدة معلومة، فألا جازت العبادة ولا قبلة؟!. وكذلك القول في العبادة ~~(9) بتقدير النفقات، وقيم المتلفات، إذا جازت مع المعرفة بالعادات (10) ~~فألا (11) جاز مع فقدها؟!. PageV02P218 # وتحصيل هذا السؤال أنه إذا أجزتم التعبد بالقياس وهو ممكن لوجود (1) ~~الأمارة، فجوزوه مع فقد الإمكان. # وربما ألزمونا قياسا على العبادة بالقياس، وهي تابعة للمصالح، الإخبار ~~بما يكون في المستقبل بالقياس، ويقولون (2): كما أن الخبر لا يحسن إلا مع ~~الثقة بأنه صدق؛ فكذلك تكليف الفعل لا يحسن إلا مع الثقة بأنه مصلحة. # والجواب عن ذلك أن (3) الله تعالى لو نصب للخبر الصدق أمارة، لجاز أن ~~يكلف ذلك. ولهذا جاز من القائس (4)- عند من أثبت القياس- أن يخبر عن وجوب ~~الفعل ولا طريق له إلا القياس. # و- أيضا- فإن للظن مدخلا في وجوب الفعل وقبحه، فجاز القول بأن الاجتهاد ~~يؤدى إليه، وليس للظن مدخل في حسن الخبر في موضع من المواضع. # وربما قالوا: إذا كان بعض المصالح لا يعلم إلا بالنص؛ فكذلك الجميع، لأن ~~ما يعلم جليه من طريق به (5) يعلم (6) خفيه (7) كالمدركات. PageV02P219 # والجواب عن ذلك أن (1) بالنص يعرف جميع الأحكام، لكن على وجهين مختلفين: ~~أحدهما (2) الظاهر والصريح، ms289 والآخر الاستدلال كما أن العقليات تنقسم (3) ~~إلى علم ضروري ومكتسب (4) ومستدل عليه، والجميع معلوم بالعقل، والأمر في ~~المدركات بالضد مما قالوه، فإن بعضها قد يعلم بالإدراك، و(5) بعضها ~~بالإخبار: إما بقول الرسول، أو بالتواتر (6). وقد يعلم جلي المدركات ~~بالإدراك، وخفيها لا يعلم به، إذا لم يقو (7) البصر على تمييزه (8). # وربما قالوا: لو تعلق بعض الأحكام بعلة؛ لجرت مجرى علل العقل، فكانت لا ~~توجد (9) إلا موجبة قبل الشرع وبعده. # والجواب أن علل الشرع مفارقة لعلل العقل، لأن علة الشرع تتبع (10) ~~الدواعي والمصالح، وقد تختلف (11) الأحوال فيها، وليس كذلك ما هو موجب من ~~علل العقل (12) وإنما سميت علة لأن PageV02P220 # الله تعالى علق الحكم بها؛ كما فعل مثل ذلك في الاسم، فكما أن (1) الاسم ~~لا يتبعه الحكم قبل الشرع وإن كان موجودا، ولا يخرج من تعلق الحكم به، ~~فكذلك العلة الشرعية. ### ||| . فصل في نفي ورود العبادة بالقياس # اعلم أن العبادة بذلك لو وقعت، لكان عليها دليل شرعي كسائر العبادات ~~الشرعية، وإذا كنا قد تأملنا أدلة الشرع، فلم نعثر على ما هو دلالة على هذا ~~الموضع؛ وجب نفي العبادة به. # وسنتكلم على (2) شبه (3) المخالفين، وما ادعوه (4) من الطرق في ذلك، ~~ليصح ما نفيناه من ثبوت دلالة عليه. وقد اعتمدنا على مثل هذه الطريقة في ~~نفي العبادة بأخبار الآحاد، فيما مضى من هذا الكتاب. # ويمكن أن يستدل (5) على نفي العبادة بالقياس- أيضا- بإجماع الإمامية على ~~نفيه وإبطاله في الشريعة، وقد بينا أن في إجماعهم الحجة. PageV02P221 # وليس يجوز أن يعتمد في إبطال القياس على ظواهر من الكتاب تقتضي (1) ~~إبطال القول بغير علم: مثل قوله تعالى-: «ولا تقف ما ليس لك به علم»، و«أن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون»، لأن من ذهب إلى القياس يسند قوله إلى علم، ~~وهو دليل العبادة بالقياس. وإنما يجعل الطريق إلى هذا العلم الظن، وقد مضى ~~(2) الكلام في ذلك. # وكذلك لا يجوز الاستدلال بقوله تعالى: «لا تقدموا بين يدي الله ورسوله»، ~~لأن للقوم أن يقولوا: إن القياس إذا قيل به بالدليل، بطل أن ms290 يكون تقدما (3) ~~بين يدي الله ورسوله، وصار كالنص. # وكذلك إن (4) تعلقوا بقوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء» وما ~~أشبه ذلك من الآيات، فالكلام (5) عليه أن القياس إذا دل الله تعالى عليه، ~~فقد دخل في جملة ما بين في الكتاب، ولم يقع فيه تفريط. # فأما من أثبت القياس من طريق العقل؛ فالكلام عليه أن الفعل PageV02P222 # الواجب لا بد من كونه على صفة لها (1) وجب، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن ~~بالوجوب أولى من غيره. وينقسم ما له يجب إلى قسمين: أحدهما (2) صفة تخصه ~~ولا تتعداه، كنحو رد الوديعة، والإنصاف، وشكر النعمة. والآخر أن (3) يكون ~~وجوبه لتعلقه بغيره على جهة اللطف، نحو أن يختار المكلف عنده واجبا، أو ~~ينتهى عن (4) قبيح، وليس يكون كذلك إلا بأن يختص في نفسه بصفة تدعوا إلى ~~اختيار ما يختاره (5) عنده. وهذا القسم على ضربين: أحدهما يعلم (6) ~~بالعقل كوجوب معرفة الله، لأن جهة وجوبها متقررة (7) في العقل، وهو إنما ~~(8) يكون عندها أقرب من فعل الواجب، والانتهاء عن القبيح. # و(9) كعلمنا- أيضا- بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) لا يجوز أن يكون ~~(10) على أحوال تنفر عن القبول منه (11) نحو الفسق والأفعال الدينية (12) PageV02P223 # المستخفة (1) ومثل ما يلحقه بالمعرفة من وجوب الرئاسة لكونها لطفا، لأنه ~~(2) مستقر في العقول أن الناس في الجملة لا يجوز أن يكونوا مع فقد الرؤساء ~~في باب الصلاح والفساد على ما (3) يكونون (4) عليه مع وجودهم. والضرب ~~الثاني لا يعلم إلا بالسمع، لفقد الطريق إليه من جهة العقل، وهو جميع ~~الشرعيات. والسمع الذي به يعلم وجوب ذلك قد يرد تارة بوجه الوجوب، فيعلم ~~عنده الوجوب، وتارة يرد بالوجوب، فيعلم عنده وجه الوجوب، وأحد الأمرين (5) ~~يقوم مقام الآخر في العلم بالوجوب، إلا أنه إذا ورد (6) بوجوبه لم يعلم وجه ~~الوجوب إلا على جهة الجملة، وإن ورد بوجه وجوبه (7) مفصلا، أو مجملا؛ ~~عرفنا وجوبه مفصلا (8) لأن العلم بوجوبه لا بد فيه من التفصيل لتزاح (9) ~~علة المكلف في الإقدام على الفعل، والعلم بوجه الوجوب قد يكون مجملا ~~ومفصلا، ويقوم ms291 أحد الأمرين مقام الآخر. فإذا قال الله (10) تعالى: «إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» ولم PageV02P224 # يوجبها بغير ذلك، علمنا (1) وجوبها، ولو نص على وجوبها بلفظ الإيجاب ~~(2)؛ لعلمنا في الجملة أنها تنهى عن قبيح، أو تدعوا إلى واجب. # فأما ما له قلنا: إنا (3) إذا علمنا وجوب الفعل علمنا وجه وجوبه، وإذا ~~(4) علمنا وجه الوجوب علمناه واجبا؛ فهو أن من علم الفعل ردا للوديعة (5) ~~مع المطالبة، علم وجوبه، ومتى لم يعلم ذلك؛ لم يعلم وجوبه. وكذلك متى علم ~~الفعل ظلما، علم (6) قبحه، فإن شك في كونه ظلما؛ لم (7) يعلم القبح، وكما ~~وجب ذلك (8)؛ فهكذا- أيضا- متى علم كون الفعل الذي هو رد الوديعة (9) ~~واجبا؛ علمه ردا للوديعة (10) فتعلق كل واحد من العلمين بصاحبه كتعلق صاحبه به. # فإن قيل: من أين قلتم: إن الواجبات في الشرع لا تجب إلا لكونها ألطافا؟، ~~ثم من أين قلتم: إن ذلك لا يعلم من حالها إلا بالسمع؟. PageV02P225 # قلنا: لأن وجوبها إذا ثبت، وكان لا بد من وجه، لم يخل من القسمين اللذين ~~قدمناهما، وهما إما صفة تخص (1) الفعل (2) ولا تتعداه، أو لتعلقه بغيره ~~على وجه اللطف: و(3) ليس يجوز في الشرعيات الوجه الأول، لأنها لو وجبت لصفة ~~تخصها (4)؛ لجرت مجرى رد الوديعة في أنه وجه الوجوب، ولوجب (5) أن يعلم ~~على تلك الصفة ويعلم وجوبها متى علمناها، لأنه لا يصح أن يجب (6) لصفة ~~تختص (7) بها، ولا يصح أن يعلم عليها، ولا يصح (8)- أيضا- أن (9) يعلم ~~عليها ولا يعلم وجوبها. وقد علمنا أن الصلاة وسائر الشرعيات تعلم (10) ~~بالعقل صفاتها، وإن لم يعلم وجوبها؛ فدل ذلك على بطلان القسم الأول، ولم ~~(11) يبق إلا الثاني فإذا ثبت أنها تجب (12) للألطاف، ولم يكن في العقل ~~دليل على أن وقوع بعض الأفعال منا يختار (13) عنده فعلا آخر، لأن العقل لا ~~يدل على ما يختاره الإنسان أو لا يختاره، ولأن دلالة العقل- أيضا- PageV02P226 # طريقتها (1) واحدة، ولن يصح أن تدل (2) على الشيء ونفيه، والحكم وضده، ~~كما نراه (3) في الشرائع من اختلاف المكلفين، والناسخ والمنسوخ؛ فلم يبق ~~إلا أن الطريق إليها ms292 السمع. ولو لا ما ذكرناه لما احتيج في معرفة المصالح ~~الشرعية إلى بعثة الأنبياء (عليهم السلام). # فإن قالوا: العقل يقتضى في كل مشتبهين أن حكمهما واحد من حيث اشتبها، ~~فوجب أن يحكم في الأرز بحكم البر عقلا، وإن لم يأت السمع. # قيل لهم: الاشتباه (4) الذي يقتضى المشاركة في الحكم هو فيما يعلم أن ~~الحكم فيه (5) يجب عن ذلك الشبه (6) أو يكون في حكم الموجب عنه، وقد ~~علمنا أن ما يشارك (7) العالم في وجود العلم في قلبه يجب كونه عالما، و(8) ~~ما (9) يشارك (10) رد الوديعة في هذه الصفة كان واجبا، وأما (11) العلل ~~التي هي أمارات؛ فلا يجب بالمشاركة فيها المشاركة (12) PageV02P227 # في الحكم، لأن (1) العقل لا يعلم به كونها علة جملة، ولو علم كونها علة؛ ~~لم يجب فيما يشاركه (2) فيها مثل حكمها، لأن المصالح الشرعية تختلف (3) ~~من حيث تعلقت بالاختيار، ولا مدخل للإيجاب فيها، ولهذا جاز (4) أن يكون ~~الشيء في (5) الشرع مصلحة، وما هو مثله مفسدة، و(6) جاز اختلاف الأعيان ~~والأوقات في ذلك. # فإن قال: إذا حرم الله تعالى الخمر، ورأيت التحريم تابعا للشدة المطربة ~~(7) يثبت بثبوتها، ويزول بزوالها؛ علمت أن علة التحريم الشدة المطربة (8) ~~ولا احتياج (9) إلى السمع. # قيل له: ليس يكون ما ذكرته من الاعتبار بأقوى من أن ينص (10) لنا في ~~الخمر على أن علة تحريمها هي الشدة (11) وقد بينا أن ذلك لا يوجب تحريم كل ~~شديد إلا (12) بعد التعبد بالقياس، لأنه غير ممتنع أن يخالفه في المصلحة، ~~وإن وافقه في الشدة. PageV02P228 # وأما (1) من زعم أن السمع قد ورد بالتعبد (2) بالقياس؛ فنحن (3) نذكر ~~أقوى (4) ما اعتمدوه، ونتكلم عليه: # أول ما اعتمدوه (5) أن قالوا قد ظهر عن الصحابة القول بالقياس، واتفق ~~جميعهم عليه، نحو اختلافهم في مسألة الحرام و(6) المشتركة والإيلاء وغير ~~ذلك، ورجوع كل منهم في قوله (7) إلى طريقة القياس، لأنهم اختلفوا في ~~الحرام: فقالوا فيها أربعة أقاويل: أحدها أنه في حكم التطليقات الثلث، وذلك ~~يروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وزيد بن ثابت (8) وابن عمر، والقول ~~الآخر قول من ms293 جعله يمينا، يلزم فيها كفارة، ويروى عن أبي بكر وعمرو بن ~~مسعود وعائشة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والقول الثالث قول من جعله ~~ظهارا، ويروى عن ابن عباس (9) وغيره. والرابع قول من جعله تطليقة (10) ~~واحدة، وهو المروي عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما. ثم اختلفوا: فمنهم من PageV02P229 # نفاه (1) ومنهم من (2) جعلها واحدة رجعية، وبعضهم جعلها بائنة، وكل ذلك ~~تفريع للقول الرابع. وفي الناس من ألحق بذلك قولا خامسا، وهو قول مسروق: إن ~~ذلك ليس بشيء، لأنه تحريم لما أحله الله تعالى (3) ووجوده كعدمه. ~~واختلافهم في الجد- أيضا- ظاهر، وكذلك في جميع ما عددناه من المسائل، وإنما ~~شرحنا مسألة الحرام، لأن الخلاف فيها أكثر منه في غيرها. قالوا: وقد علمنا ~~أنه لا وجه لأقاويلهم إلا طريقة القياس والاجتهاد (4) لأن من جعل الحرام ~~طلاقا ثلاثا معلوم أنه لم يرد أنه طلاق ثلاث (5) على الحقيقة، بل أراد أنه ~~كالطلاق الثلاث، وجار مجراه، وكذلك من جعله يمينا وظهارا، ومحال أن يريدوا ~~(6) إلا التشبيه والتمثيل، دون أن يكون عنده ظهارا أو يمينا على الحقيقة، ~~ولأنه (7) قد نقل عنهم النص الصريح بأنهم قالوا ذلك قياسا، لأن من ذهب إلى ~~أن الجد بمنزلة الأب نص على أنه مع فقد الأب بمنزلة ابن الابن مع PageV02P230 # فقد الابن (1) حتى صرح ابن عباس بأن قال: «ألا يتقى (2) الله زيد بن ~~ثابت، يجعل (3) ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب (4) الأب أبا»، وقد علمنا ~~أنه لم يرجع في ذلك إلى نص، لأن الجد لا نص عليه في الكتاب، فلم يبق إلا ~~سلوكهم طريق (5) التمثيل والمقايسة. وروى- أيضا- عمن قال بالمقايسة بين ~~الأخ والجد أنه شبههما بغصني (6) شجرة وجدولي (7) نهر. # وهذا يبطل قول (8) من ادعى أنهم قالوا ذلك على طريق البور (9) والصلح، ~~أو لأنه أقل ما قيل فيه، أو حكموا بحكم (10) العقل، أو لنص (11) خفي. # ويبطل ذلك زائدا على ما تقدم أنهم اختلفوا فيما لا يسوغ فيه الصلح (12) ~~لتعلقه بتحريم الفروج وتحليلها، كمسألة الحرام PageV02P231 # والإيلاء وغيرهما. ولأن ما يقال من طريق الصلح لا يفرع عليه، ولا يبنى ms294 ~~(1) بحسبه المذاهب. ولأنهم (2) اختلفوا في مواضع لا يصح أن يقال فيها بأقل ~~ما قيل. ولأنهم (3) اختلفوا (4) فيما زاد على أقل ما قيل، فقالوا- أيضا- ~~بأقاويل كلها خارج عما في أصل العقل. # ولو قالوه- أيضا- لنص، لوجب أن يظهر، لأن الدواعي (5) إلى إظهاره قوي. ~~فإذا ثبت ذلك من حالهم؛ فهم بين قائل بالقياس، ومصوب له غير منكر عليه، ~~فصاروا مجمعين (6) على القول به، وإجماعهم حجة. # الثاني (7) مما تعلقوا به أنهم قالوا: قد ظهر عن (8) الصحابة القول ~~(9) بالرأي، وإضافة مذاهبهم إلى الرأي. ولفظ الرأي (10) إذا أطلق لم يفد ~~القول بالحكم من طريق النص، لأن ما طريقه العلم لا يضاف إلى الرأي، جليا ~~كان الدليل أو خفيا (11) ولا يستفاد من ذلك إلا PageV02P232 # القول من طريق القياس والاجتهاد. والأخبار الواردة بذلك كثيرة نحو ما روى ~~عن أبي بكر في الكلالة: «أقول فيها برأيي»، وقول عمر: «أقضي فيها برأيي» ~~وقوله: «هذا ما (1) رأى (2) عمر» ونحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في ~~أمهات الأولاد: « (3) كان رأيي و(4) رأى عمر ألا يبعن ثم رأيت بيعهن»، وهذه ~~الجملة تدل (5) على قولهم بالقياس والاجتهاد من الوجه الذي ذكرناه، ولو ~~كان اعتمادهم في ذلك على طريق من طرق العلم، لم يصح منهم الرجوع من رأي إلى ~~آخر، ولا التوقف فيه، وتجويز كونه صوابا، ولا أن يمسكوا (6) عن تخطئة ~~المخالف والنكير عليه، و(7) لأن الأدلة لا تتناقض، ولا تختلف (8) فكيف ~~يجوز أن يرجع كل واحد إلى دليل مع اختلاف أقوالهم. # والثالث مما (9) تعلقوا به ما روى من أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما PageV02P233 # أنفذ معاذا إلى اليمن، قال له: «بما ذا تقضى (1)»، قال: «بكتاب الله»، ~~قال: «فإن لم تجد في كتاب الله»، قال: «بسنة رسول الله»، قال: # «فإن لم تجد في سنة رسول الله»، قال: «اجتهد برأيي (2)»، فقال (عليه ~~السلام): # «الحمد (3) لله الذي وفق رسول (4) رسول الله لما يرضاه رسول الله». # وبأنه قد (5) روى عن ابن مسعود مثل ذلك، وهو أنه قال له: «اقض بالكتاب ~~والسنة إذا وجدتهما، فإن لم تجد الحكم فيهما، فاجتهد ms295 رأيك». وبما روى عن ~~عمر في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري إنه (6) قال: «قس الأمور ~~برأيك». # والرابع مما تعلقوا به قوله تعالى: «فاعتبروا يا أولى الأبصار»، قالوا: ~~والاعتبار هو المقايسة، لأن الميزان يسمى معيارا (7) من حيث يتبين (8) به ~~مساواة الشيء لغيره. وبما روى عن ابن عباس من قوله في الأسنان: «اعتبروا ~~حالها بالأصابع التي ديتها متساوية». PageV02P234 # وربما استدلوا بالآية على وجه آخر فقالوا: قد دل تعالى بهذه الآية على أن ~~المشاركة في العلة تقتضي (1) المشاركة في الحكم، وذلك أنه قال تعالى «هو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم (2) لأول الحشر، ما ظننتم ~~أن يخرجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتيهم الله (3) من حيث لم ~~يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ~~فاعتبروا يا أولى الأبصار.» فذكر تعالى ما حل بهم، ونبه (4) على (5) علته ~~وسببه، ثم أمر بالاعتبار، وذلك تحذير (6) من مشاركتهم في السبب، فلو لم ~~تكن (7) المشاركة في السبب تقتضي (8) المشاركة في الحكم؛ ما كان للقول معنى. # والخامس مما تعلقوا به (9) أن قالوا: إذا ثبت أنه لا بد في الفروع ~~الشرعية من حكم، ولم نجد نصا (10) ولا دليلا على PageV02P235 # حكمها؛ فيجب أن نكون (1) متعبدين فيها بالقياس. # وربما استدلوا بهذه الطريقة من وجه آخر: فقالوا: قد ثبت عن الصحابة أنهم ~~رجعوا في طلب أحكام الحوادث إلى الشرع، فإذا (2) علم ذلك من حالهم في جميع ~~الحوادث على كثرتها واختلافها وصح أنه لا نص يدل على هذه الأحكام بظاهره، ~~ولا دليله (3) فليس بعد ذلك إلا القياس والاجتهاد. ولأن التبخيت (4) يمنع ~~منه العقل (5). # وهذا الاستدلال يخالف الطريقة الأولى التي حكيناها عنهم، لأنهم لم يرجعوا ~~في هذا إلى إجماعهم (6) على نفس القياس والاجتهاد، بل رجعوا إلى إجماعهم ~~في طلبهم الأحكام من جهة الشرع، وفي الطريقة الأولى اعتبروا إجماعهم على ~~نفس القول بالقياس. # والسادس مما تعلقوا به ما استدل به الشافعي وجماعة معه من أن القبلة لما ~~وجب طلبها بما (7) يمكن الطلب به (8) عند عدم العين، PageV02P236 # فكذلك (1) يجب ms296 طلب الحكم في الفرع (2) عند عدم النص بما يمكن طلبه به. # والذي حكيناه من استدلالهم هو أقوى (3) ما اعتمدوه، وما فيه بعض الشبهة، ~~وإلا؛ فقد اعتمدوا طرقا كثيرة ضعيفة (4) قد طعن بعضهم على بعض في اعتمادهم ~~عليها، وبينوا (5) فيها أنها لا تدل (6) على القياس، ولا (7) على ثبوت ~~العبادة به، وإن دلت على جوازه، مثل قوله تعالى: «فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم». وقوله تعالى: «وعلى الموسع (8) قدره وعلى المقتر قدره». وقوله- عز ~~وجل: «فإن خفتم ألا تعدلوا، فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم» وما روى عنه (عليه ~~السلام) من قوله للخثعمية: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه؟»، قالت ~~(9): «نعم»، قال (عليه السلام): «فدين الله أحق أن يقضى». وقوله لعمر حين ~~سأله عن القبلة للصائم: # «أرأيت لو تمضمضت بماء أكنت شاربه؟». وقوله في حديث PageV02P237 # أبي هريرة حيث سأله السائل عن رجل ولد له غلام أسود فقال- (عليه السلام)- ~~له: «ألك إبل؟» قال: «نعم»، قال: «ما ألوانها؟»، قال: «حمر»، قال: «أفيها ~~أورق (1)؟»، قال: «نعم»، قال (2): «فأنى ذلك؟»، قال: «لعل عرقا نزعه ~~(3)»، قال (عليه السلام): «وهذا لعل عرقا نزعه». وغير هذا مما لم نذكره ~~لضعفه وبيان أمره. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: لنا في الكلام على هذا الوجه ثلاثة وجوه: # أولها أن جميع ما رويتموه من اختلافهم (4) في الحرام والجد (5) أخبار ~~آحاد لا توجب العلم، وأكثر ما تقتضيه (6) غلبة (7) الظن، فكيف تستدلون ~~(8) بذلك على مسألة علمية؟!. واختلافهم على (9) الجملة في مسائل من ~~الشريعة هو الظاهر لمن قرأ أخبارهم، ودونه في الرتبة أنهم اختلفوا في ~~الجملة في (10) مسألة (11) الحرام والجد، PageV02P238 # ودون الأمرين في الرتبة تفصيل المذاهب، وأن بعضهم جعل الحرام طلاقا، وبعض ~~جعله يمينا (1) فإن هم (2) حملوا نفوسهم على ادعاء العلم الضروري أو العلم ~~المساوي للعلم بالبلدان والحوادث العظام في القسم الأول؛ لم (3) يمكنهم ~~ذلك في الثاني، وإن تم لهم في الأول والثاني؛ لم يتم في الثالث، وليس يجوز ~~في موضع (4) من المواضع أن يكون العلم بجمل (5) الأشياء يجري مجرى العلم ~~بتفاصيلها، ألا ترى أن ms297 العلم ببدر وحنين على الجملة لا يجري مجرى العلم ~~(6) بتفصيل ما جرى فيهما (7) وعدد القتلى (8) وما أشبهها، والعلم بالهجرة ~~على الجملة لا يساوي العلم بتفصيلها، والعلم بسخاء حاتم وشجاعة عمرو على ~~الجملة لا يساوي العلم بتفصيل أفعالهما؟!. وأي عاقل يقدم على القول (9) ~~بأنني أعلم أن الصحابي ذهب في الحرام إلى أنه طلاق أو يمين أو ظهار على حد ~~علمي بمكة والهجرة ودعاء النبي إلى نفسه؟! وغاية ما يمكن ذكره في أقسام ~~الخلاف في PageV02P239 # الحرام أنه مثبت (1) بغالب الظن القوي، لأن العلم الذي هو نظير العلم ~~بالبلدان وما أشبهها (2) يجب اشتراك العقلاء فيه، وليس هم (3) بمشتركين ~~فيما ذكرناه. وإذا كان استدلالهم مبنيا على أن هذه الوجوه من المذاهب ~~المروية عنهم لا يجوز أن تستدرك (4) إلا بالقياس، وكان (5) ذلك مظنونا ~~غير معلوم، بطل اعتمادهم من أصله. # وكيف يمكن زائدا على ما ذكرناه أن (6) يدعى العلم الضروري في تفصيل هذه ~~المذاهب مع اختلاف الروايات فيها؟! لأن ابن مسعود تختلف (7) الرواية عنه ~~فيروى أنه كان يجعله يمينا، وتارة يروى- أيضا- أنه يجعله تطليقة واحدة، ~~ويروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يجعل الحرام تطليقات ثلثا، ~~ونحن نروي عنه- (عليه السلام) (8)- أنه كان لا يعتد (9) بذلك، ولا يجعل له ~~حكما البتة، كما رووا (10) عن مسروق، فمع هذا الاختلاف كيف يدعى العلم PageV02P240 # الضروري؟! وجرى استدلالهم على صحة القياس هاهنا (1) مجرى استدلالهم على ~~(2) العمل بخبر الواحد، لأنهم بنوه على أخبار آحاد غير معلومة (3) فاستدلوا ~~بمظنون في موضع معلوم، وقد بينا ذلك فيما تقدم. # وأما الوجه الثاني في الكلام (4) على هذه الطريقة؛ أن نبين (5) بطلان ~~ما ادعوه، وقطعوا عليه، من أن القول في المسائل التي ذكروها لم يكن (6) ~~إلا للقياس، ونبين (7) أنه يمكن أن يكون للنص، إما بظاهره، أو بدليله (8) ~~فالاحتمال في هذا الموضع كاف. # ثم نقول لمعتمدي هذه الطريقة: لم زعمتم أن القول في هذه المسائل إنما كان ~~بالقياس؟! فلم نجدكم عولتم إلا على دعوى، ولم (9) إذا اختلفوا، وتباينت ~~أقوالهم؛ وجب أن يسندوا تلك المذاهب إلى القياس؟! فإنهم يعلمون ms298 أن الاختلاف ~~في المذاهب PageV02P241 # المستندة إلى النصوص ممكن (1) بالشبهات، كإمكانه في المستندة (2) إلى ~~القياس، ولم أنكرتم أن يكون كل واحد منهم إنما ذهب إلى ما حكى عنه لتمسكه ~~بدليل نص اعتقد أنه دال على مذهبه (3)؟!. # فإن قالوا: لو كانوا قالوا بذلك للنصوص؛ لوجب أن تنقل تلك النصوص، ~~وتشتهر، لأن الدواعي تقوى (4) إلى نقلها والاحتجاج بها. # قلنا: أول ما نقوله (5): أنا لم نلزمكم أن يكونوا اعتمدوا في هذه ~~المذاهب نصوصا تدل صريحا (6) على المذاهب التي اعتقدوها (7) بل ألزمناكم أن ~~يكونوا اعتمدوا فيها أدلة النصوص التي يحتاج فيها إلى ضرب من الاستدلال ~~والتأمل، وسواء كانت هذه النصوص ظاهرة للكل (8) معلومة للجميع، أو كانت ~~(9) مختصة فلا يجب أن يفرضوا كلامنا في غير ما فرضناه فيه. PageV02P242 # على أنا نقول لهم: و(1) لو كانوا اعتمدوا في ذلك على علل قياسية؛ لوجب ~~نقلها وظهورها، لأن الدواعي إلى نقل مذاهبهم تدعوا إلى نقل طرائقهم (2) ~~وما به احتجوا عليه، وما يجدون (3) في ذلك (4) رواية، فإن كان فقد ما ~~اعتمدوه (5) من دليل النص وارتفاع روايته دليلا على أنهم قالوا بالقياس؛ ~~فكذلك يجب أن يكون فقدنا لرواية (6) عنهم يتضمن (7) أنهم قالوا بذلك (8) ~~قياسا دليلا على القول به (9) من طريق النصوص. # فإن قالوا: الفرق بين الأمرين أن القياس مما لا يجب اتباع العالم (10) ~~فيه، والنص يجب اتباعه، فوجب نقل النص، ولم يجب مثله في القياس. # قلنا: إطلاقكم أن القياس لا يجب فيه الاتباع لا يصح على مذهبكم (11) بل ~~يجب فيه ذلك إذا ظهر وجه القول به، وأمارات PageV02P243 # غلبة الظن فيه، وإنما لا يجب القول به بارتفاع هذا (1) الشرط (2) وعلى ~~العالم أن يظهر وجه قوله لمن خالفه ليظهر له منه ما يكون فرضه معه الانتقال ~~عما كان عليه، ولو لا هذا (3) ما حسنت (4) مناظرة أصحاب القياس والاجتهاد ~~بعضهم لبعض، ولم ينقل عن الصحابة وجه قولهم في مسألة الحرام التي وقع النص ~~من مخالفينا عليها لقوتها عندهم، وما رأيناهم رووا عنهم العلة التي جعلوا ~~هذا القول لها طلاقا ثلاثا، أو ظهارا، أو يمينا. ms299 # على أنه إنما يجب على المعتقد المذهب أن يظهر وجه قوله عند المناظرة أو ~~الحاجة الداعية، فأما أن يكون ظهور وجه القول (5) كظهور القول والمذهب، ~~فغير (6) واجب، وكيف يقال ذلك ونحن نعلم أن كثيرا من الصحابة والتابعين ومن ~~كان بعدهم قد ظهرت عنه (7) مذاهب كثيرة فيما طريقه العلم والدليل القاطع ~~من غير أن يظهر عنه أو ينقل ما كان دليله بعينه، ولأي طريق قال بذلك ~~المذهب، واعتقده؟. PageV02P244 # فإن قالوا: فقد تناظروا و(1) رد (2) بعضهم على بعض، ولم يذكر عنهم احتجاج ~~بنص (3). # قلنا: ليس يمكن أن يحكى في مسألة (4) الحرام التي اعتمدت، ولا في غيرها ~~من المسائل التي لم يذكر فيها وجه احتجاج أنهم اجتمعوا فيها لمناظرة ~~ومنازعة، وحاج بعضهم بعضا، ورد عليه، ثم لم يذكروا أدلة النص، ولا وردت ~~رواية بشيء من ذلك، وأكثر ما روى إضافة هذه المذاهب إلى القائلين بها. # على أنهم إن كانوا تناظروا وتنازعوا فلا بد أن يظهر كل واحد منهم (5) ~~وجه قوله (6) سواء كان نصا أو قياسا، وفي مثل هذه (7) الحال لا يسوغ ~~الإعراض (8) عن (9) ذكر وجه القول، وإن جاز في (10) غيرها (11) ولهذا لا ~~نجد أحدا من الفقهاء ينازع خصمه، ويرد مذاهبه (12) عليه على سبيل ~~المناظرة، ولا يظهر وجه قياسه، والعلة PageV02P245 # التي من أجلها ذهب إلى ما ذهب (1) إليه، بل لا بد له (2) من تحرير علله ~~وتهذيبها، والاحتراز فيها من النقص (3) وإذا كنا لم نجد رواية عن أحد منهم ~~بوجه قياسه، والعلة التي من أجلها جمع بين الأمرين اللذين شبه أحدهما ~~بالآخر، فيجب أن ينفى (4) عنهم القول بالقياس. # فإن قالوا: من شأن العلماء أن يذكروا النصوص الشاهدة (5) لأقوالهم لترتفع ~~عنهم التهمة في الخطاء، أو القول بغير دليل. # قلنا: ومن شأنهم أن يذكروا الوجوه القياسية المصححة لمذاهبهم، لترتفع ~~عنهم التهمة التي ذكرتموها. # وبعد؛ فلعل القوم كانوا آمنين من أن يتهموا بالتبخيت (6) والاعتقادات ~~المبتدأة، فلم يحتاجوا إلى ذلك. # فإن قالوا: ليس نجد في نصوص الكتاب والسنة ظاهرا ولا دليلا يدل على هذه ~~المذاهب التي حكينا اختلافهم فيها، ms300 اللهم إلا أن يدعوا (7) نصوصا غير ~~ظاهرة؛ بل (8) اختص كل واحد منهم بها، PageV02P246 # فيظهر بطلان قولكم لكل أحد (1). ويلزم حينئذ أن تكون (2) تلك النصوص قد ~~أشيعت وأظهرت لتعلم وتعرف، وإلا طرق ذلك إبطال الشريعة أو أكثرها. # قلنا: إنا ما ضمنا لكم أن يكون كل واحد من القوم ذهب إلى مذهبه لدليل ~~عليه (3) من جهة النص، وإنما ألزمناكم أن تجوزوا (4) تشبث كل واحد منهم ~~(5) بوجه اعتقده دليلا، وقد يجوز أن يكون فيه (6) مخطئا أو مصيبا، ولو ~~أخطأت الجماعة في استدلالها على أقوالها إلا واحدا منها لم يضرنا (7) فيما ~~قصدناه، لأن الذي آمن من اجتماعهم على الخطاء لا يؤمن من (8) اجتماع (9) ~~أكثرهم عليه، ففقدكم (10) من نصوص الكتاب والسنة أدلة على تلك المذاهب لا ~~يدخل على (11) ما قلناه، اللهم إلا أن يريدوا (12) أنا فقدنا ما يمكن ~~التعلق به أو الاعتقاد فيه أنه دليل، فهذا إذا ادعيتموه علمتم PageV02P247 # ما فيه، وقيل لكم: من أين قلتم ذلك؟! وكيف يحاط (1) بمثله، ويقطع عليه؟! ~~وهذا تحجر في الشبه طريف (2) وليس يجب (3) في الشبه ما يجب في الأدلة، ~~لأن الأدلة منحصرة، والشبه لا تنحصر. # على أنا نقول لهم: وما نجد لقول كل واحد من الجماعة علة تقتضي (4) القول ~~بمذهبه، فيجب أن ينفي اعتمادهم في هذه المذاهب على العلل القياسية. # فإن قالوا: إنكم لم تجدوا علة يجب عندها الحكم بكل ما حكى من المذاهب، ~~فألا (5) أنتم تجدون ما يمكن أن يجعل علة ويعتقد عنده بالتقصير المذهب؟. # قلنا: وهكذا (6) نقول لكم فيما تقدم. # على أنا نقول لكم (7): لم أنكرتم أن يكون (8) من ذهب (9) في الحرام ~~إلى الطلاق الثلث إنما قال بذلك من حيث جعله ككنايات الطلاق التي هي طلاق ~~على الحقيقة، ولها أحكام الطلاق عند كثير PageV02P248 # منكم من غير اعتبار النية، ورجع (1) في ذلك إلى النص في الطلاق فأدخله ~~في جملة ما يتناوله الاسم. ومن قال: أنها يمين، رجع- أيضا- إلى نص الكتاب ~~الذي يرجع إليه القائلون في زماننا هذا بأن الحرام يمين، وهو قوله تعالى: ~~«يا أيها النبي لم تحرم ما ms301 أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك»، ثم (2) قوله ~~عز وجل (3) من بعد: «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم»، فإن النبي (صلى الله ~~عليه وآله)(عليه السلام)- حرم على نفسه مارية القبطية، أو شرب العسل على ~~اختلاف الرواية في ذلك، فأنزل الله تعالى ما تلوناه، وسماه يمينا، بقوله ~~تعالى (4): «قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم»، فدخل فيما يتناوله اللفظ؟!. # ومن عجيب الأمر أنهم يجدون كثيرا من الفقهاء يتعلقون (5) في زماننا هذا ~~في هذه المسألة بالظاهر والنص، ويعجبون من (6) أن يكون بعض الصحابة رجع في ~~شيء من المذاهب التي حكوها إلى النص، ويقطعون على أنه لا مخرج لها في ~~النص، وهذا يدل PageV02P249 # على قلة التأمل. # ويمكن- أيضا- مثل ذلك فيمن ذهب إلى أنه ظهار بأن يكون أجراه مجرى الظهار ~~(1) في تناول الاسم له، وإن كان لفظه مخالفا للفظ الظهار كما كانت كنايات ~~الطلاق مخالفة للفظ الطلاق، وأجريت مجراه، وكذلك لفظ الحرام مخالف للفظ ~~اليمين (2) وأجرى (3) في تناول الاسم مجراه. ومن ذهب إلى أنه تطليقة ~~واحدة (4) كأنه ذهب إلى الطلاق، وإلى أقل ما يقع به، والذاهب إلى الثلث ذهب ~~إلى الأكثر والأعم، وكل هذا مما يمكن أن يتعلق فيه بالظواهر والنصوص، ~~ويكفى (5) الإشارة إلى ما يمكن أن يكون متعلقا، وليس يلزم أن يكون حجة ~~قاطعة ودليلا صحيحا. # فأما قول مسروق؛ فواضح أنه لم يقله قياسا، وأنه لما لم يجعل لهذا القول ~~تأثيرا تمسك بالأصل في الحكم، أو ببعض الظواهر التي تحظر (6) تحريم المحلل. PageV02P250 # فإن قالوا: لو كانوا رجعوا في هذه الأقوال إلى ظواهر النصوص أو (1) ~~أدلتها؛ لوجب (2) أن يخطئ بعضهم بعضا، لأن الحق لا يكون إلا في أحد ~~الأقوال. # قلنا: لا شيء أبلغ في التخطئة من المجاهرة بالخلاف والفتوى بخلاف ~~المذهب، وهذا قد كان منهم، وزاد بعضهم عليه حتى انتهى إلى ذكر المباهلة (3) ~~والتخويف بالله تعالى فأما السباب واللعان والرجوع عن الولاية؛ فليس يجب ~~عندنا بكل خطاء، وسنحكم القول في ذلك إذا انتهينا (4) إلى الكلام على ~~الطريقة الثانية التي حكيناها عنهم بعون الله ومشيئته. # فأما قولهم: إنهم ms302 جعلوه طلاقا (5) تشبيها وتمثيلا؛ فقد بينا أنه غير ~~ممتنع أن يكونوا ألحقوه بما يتناوله الاسم. # على أنهم لا يقدرون على أن يحكوا (6) في الرواية عنهم أنهم قالوا: قلنا ~~بكذا تشبيها بكذا، وإنما روى أنهم جعلوا الحرام طلاقا، وحكموا فيه بحكم ~~الطلاق، فأما من أي وجه فعلوا PageV02P251 # ذلك؟ وهل ألحقوه به تمثيلا و(1) تشبيها، أو في تناول الاسم؟؛ فليس ~~بمنقول. # على أنه ليس يمتنع (2) أن يشبه (3) الشيء بالشيء لا على سبيل ~~المقايسة (4)؛ بل على سبيل الإفهام والتقريب، فيقول (5) من ينفى (6) ~~القياس مثلا: المصافحة والمعانقة يجريان مجرى المجامعة في نقض الطهر (7) ~~وإن لم يكن حاملا لهما عليها بالقياس (8) بل يذهب إلى تناول اللفظ للكل، ~~فلو نقل عنه التصريح بالتمثيل والتشبيه، لم يكن فيه دلالة على القياس، لأن ~~القياس ليس (9) هو أن يقول القائل (10): # الحكم في هذا الشيء التحريم كما كان في غيره مما يتناول النص تحريمه، بل ~~القياس هو أن يثبت للمسكوت (11) عن حكمه مثل حكم المنطوق بحكمه، لعلة جمعت ~~بينهما، وتكون (12) العلة معلومة مميزة مستدلا على كونها علة من دون سائر ~~صفات الأصل PageV02P252 # بالدليل، وهذا مما لا يروى عن أحد من الصحابة أنه (1) استعمله على وجه ~~من الوجوه، فكيف (2) يدعى- مع ذلك- التصريح منهم بالقياس؟!. # فأما ادعاؤهم أنهم صرحوا بالقياس، وتعلقهم بما روى عن ابن عباس من قوله: ~~ألا (3) يتقى الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا؟! ~~وما روى من التشبيه بغصني (4) شجرة وجدولي (5) نهر؛ فلا تعلق لهم بمثله. # وأول ما فيه أنه لا يجب أن يعتمدوا في تثبيت (6) العبادة بالقياس على ~~أخبار آحاد غير مقطوع بها، لأن إثبات القياس عندهم من الأمور المعلومة التي ~~توصل (7) إليها بالأدلة القاطعة، ولا تغني (8) في مثله (9) الظنون، ~~والذي رووه عن ابن عباس وغيره من أخبار الآحاد التي لا يقطع (10) بها، ~~فكيف (11) يستدل بها (12) لو كان فيها (13) دلالة على PageV02P253 # ما (1) ثبت بالأدلة الموجبة للعلم. وليس لهم أن يدعوا الإجماع على صحة ~~هذه (2) الأخبار و(3) تلقى الأمة لها بالقبول، أو يدعوا تواترها ms303 ~~وانتشارها، وذلك أنها وإن ظهرت بين الفقهاء وذكرت في كتب أصحاب الفرائض، ~~فلا شبهة في أن موردها مورد الآحاد، وابتداء النقل فيها كان خاصا، ولا فرق ~~بين مدعى تواترها وبين (4) مدعى تواتر جميع أخبار الآحاد التي ظهرت بين ~~الفقهاء، وكثر احتجاجهم بها في كتبهم ومناظراتهم، وإن كان (5) أصولها آحادا. # فأما الإجماع والتلقي بالقبول؛ فإنه غير مسلم لأنه لم يكن منهم في هذه ~~الأخبار من القبول إلا ما كان منهم في خبر الوضوء من مس الذكر، وكقوله: إن ~~الأعمال بالنيات، وما شاكل ذلك من أخبار الآحاد، فقد علمنا أن هذه الأخبار ~~التي ذكرناها وما جرى مجراها ليس مما تجب به الحجة (6) ولا (7) تثبت (8) ~~بمثلها (9) الأصول التي (10) طريقها العلم. PageV02P254 # فإن قالوا: خبر «مس (1) الذكر» و«الأعمال بالنيات» ما قبلوه من حيث ~~قطعوا على صحته، وإنما عملوا به لأنهم يعملون على أخبار الآحاد. # قلنا: وهكذا خبر غصني (2) الشجرة، والخبر الآخر، ولن يجدوا (3) بين ~~الأمرين فرقا. # وبعد؛ فلو سلمنا قيام الحجة لما رووه وإن لم يكن كذلك لم يكن فيه دلالة ~~على قولهم (4) لأن أكثر (5) ما في الرواية عن ابن عباس أنه أنكر على زيد ~~أنه لم يحكم للجد بحكم الأب الأدنى، كما حكم في ابن الابن، وليس في الرواية ~~أنه أنكر ذلك عليه، وجمع بين الأمرين بعلة قياسية أوجبت الجمع بينهما، ~~وظاهر نكيره يحتمل أن يكون لأن ظاهرا من القول أوجب عنده إجراء (6) الأب ~~مجرى الجد (7) كما أن ظاهر آخر أوجب إجراء بن الابن مجرى ابن الصلب، ألا ~~ترى أنه يحسن من نافي القياس PageV02P255 # العامل في مذاهبه كلها على النصوص أن يقول (1) لمن خالفه في حكم. # الملامسة: أما تتقى (2) الله توجب انتقاض الطهر بالتقاء الختانين، ولا ~~توجب انتقاضه بالقبلة، وهو يذهب إلى أن الجامع بينهما ظاهر قوله تعالى: «أو ~~لمستم النساء»، فلا يمتنع أن يكون ابن عباس إنما دعا زيدا إلى القول ~~بالظاهر، وقال: إذا أجريت ابن الابن مجرى الابن للصلب (3) لوقوع اسم الولد ~~عليه، وانتظام قوله تعالى: «يوصيكم الله في أولادكم» لهما؛ فأجر- أيضا- ~~الجد ms304 مجرى الأب الأدنى لوقوع اسم الأب عليهما. وقد روى عن ابن عباس تصريحه ~~في التعلق في ذلك بالقرآن. # على أن (4) ظاهر قول ابن عباس يشهد بمذاهبنا (5) لأنه نسب زيدا إلى ~~مفارقة التقوي، وخوفه بالله تعالى فلو لا أن (6) زيدا عنده كان في حكم ~~العادل عن النص؛ لم يصح منه إطلاق ذلك القول، لأن من يعدل عن موجب (7) ~~القياس على اختلاف (8) مذاهب مثبتيه (9) PageV02P256 # لا ينسبونه إلى (1) مفارقة التقوي، لأن أكثرهم (2) يقول: إنه مصيب، ومن ~~خطأه يقول: إنه معذور، و(3) لا يبلغ (4) به هذه الحال. # فأما ذكرهم غصني (5) الشجرة وجدولي (6) النهر، فلا (7) يوجب (8) القول ~~بالقياس، وإنما سلكوا ذلك تقريبا للقول من الفهم، وتنبيها عليه من غير أن ~~يجعلوه علة موجبة للحكم، كما يفعل المعلم مع المتعلم (9) من ضرب الأمثال ~~(10) وتقريب (11) البعيد وإزالة اللبس (12) عن الأمر المشتبه. وكيف يصح ~~أن يدعى في ذلك أنه على طريق (13) المقايسة، وقد علمنا أن القدر (14) الذي ~~اعتمدوه من ذكر الغصن والجدول لا يصح أن يكون عند أحد أصولا في الشريعة ~~يقاس عليها، وتثبت (15) الأحكام بها (16). PageV02P257 # على أن الوجه في ذكر (1) ذلك التوصل إلى معرفة أقرب الرجلين من المتوفى ~~وألصقهم به نسبا، ثم رجعوا في توريثه إلى الدليل الموجب للأقرب الميراث، ~~وهذا كما يتنازع رجلان في ميراث ميت، ويدعى كل واحد منهما أنه أقرب إليه من ~~الآخر، فيصح لمن أراد اعتبار أمرهما أن يعد الآباء بين الميت وبين كل واحد ~~منهما، ويحصيهم (2) ليعلم (3) أن الأقرب هو من قل عدد الآباء بينه وبين ~~الميت. وله- أيضا- أن يوضح (4) ذلك لمن التبس عليه بذكر الأمثال والنظائر ~~وإن كان كل (5) ذلك مما لا يثبت به التوريث، وإنما يعرف به الأقرب، ~~وبالنصوص تثبت المواريث. # وأما الوجه الثالث من الكلام على هذه الطريقة؛ فهو أنا نقول لهم: لم ~~زعمتم أن النكير مرتفع، وقد روي عن كل واحد من الصحابة الذين أضفتم إليهم ~~القول بالقياس ذم القياس (6) وتوبيخ فاعله، والإزراء عليه، فروي عن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «لو كان الدين (7) يؤخذ (8) قياسا لكان ~~باطن ms305 الخف أولى بالمسح PageV02P258 # من ظاهره»، وهذا تصريح منه (عليه السلام) بأنه لا (1) قياس في الدين، ~~وروى عنه (صلوات الله عليه))- أيضا- قوله: «من أراد أن يتقحم (2) جراثيم ~~جهنم، فليقل في الجد (3) برأيه». وهذا اللفظ- أيضا- يروى (4) عن عمر، ~~والنقل عنه (عليه السلام) مستفيض بإنكار القياس في الشريعة أكثر من ~~استفاضته (5) عن غيره هذا ما يرويه مخالفونا من أصحاب الحديث في هذا ~~الباب. وأما ما يرويه شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) عنه وعن أبنائه ~~(عليه السلام) من إنكار القياس في الشريعة، وتقريع (6) مستعمليه (7) ~~وتضليل متبعيه؛ فإن الشرح لا يأتي عليه، لكثرته، وظهوره، وانتشاره. ومما ~~رواه مخالفونا من أصحاب الحديث في هذا الباب عن أبي بكر (8) قوله: «أي سماء ~~تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي». وعن عمر (9) أنه قال: ~~«إياكم و(10) أصحاب الرأي فإنهم أعداء (11) السنن (12) أعيتهم (13) PageV02P259 # الأحاديث أن (1) يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا». وروى عنه أنه ~~قال: «إياكم والمكايلة»، قيل: «وما المكايلة»، قال: # «المقايسة». وروى شريح قال: «كتب إلي (2) عمر بن الخطاب- وهو يومئذ من ~~قبله- اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك (3) ما ليس في كتاب الله؛ فاقض بما ~~في (4) سنة (5) رسول الله، فإن جاءك (6) ما ليس في سنة رسول الله؛ فاقض ~~بما أجمع (7) أهل العلم عليه (8) فإن لم تجد؛ فلا عليك أن لا تقضى.»، ~~وروى عن (9) عمر- أيضا- أنه قال: # «أجرؤكم على الجد (10) أجرؤكم على النار»، وعن عبد الله بن مسعود أنه ~~قال: «يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ (11) الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور ~~(12) برأيهم.»، وعنه أنه قال: «إذا قلتم في دينكم بالقياس؛ أحللتم كثيرا ~~مما حرم الله وحرمتم كثيرا مما حلل (13) الله.»، وروى عن عبد الله بن عباس ~~أن الله تعالى قال (14) لنبيه (صلى الله عليه وآله): «احكم PageV02P260 # بينهم بما أنزل الله» ولم يقل (1): «بما رأيت»، وروى عنه- أيضا- أنه ~~قال: «لو جعل لأحد أن يحكم بما يراه، لجعل (2) ذلك لرسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) لقوله (3) تعالى: «وأن احكم بينهم بما أنزل الله»، وروى عنه ~~أنه قال: «إياكم والمقاييس، فإنما (4) عبدت الشمس والقمر بالمقاييس»، وعن ms306 ~~عبد الله بن عمر أنه قال: «السنة ما سنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ~~تجعلوا (5) الرأي سنة للمسلمين.» وقال مسروق (6): «لا أقيس شيئا بشيء، ~~أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها»، وكان ابن سيرين (7) يذم القياس، ويقول: أول ~~من قاس إبليس». # وروى عنه- أيضا- أنه كان لا يكاد يقول برأيه شيئا (8) و(9) قال الشعبي ~~(10) لرجل: «لعلك من القائسين»، وقال: «إن أخذتم بالقياس، أحللتم الحرام، ~~وحرمتم الحلال»، وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن لا يفتى برأيه (11). PageV02P261 # وإذا كان القوم قد صرحوا بذم القياس، وإنكاره، وتوبيخ فاعله؛ فأي نكير ~~يتجاوز ما ذكرناه ورويناه (1) عنهم؟!. # وليس لهم أن يتأولوا (2) الألفاظ التي رويناها عنهم، ويستكرهوا التأويل ~~فيها، فيتعسفوا (3) مثل أن يحملوها على إنكار بعض القياس دون بعض، و(4) على ~~وجه دون وجه، ليسلم لهم ما حكوه من قولهم بالرأي والقياس، لأن ذلك إنما كان ~~يسوغ لو كان ما استدلوا به على قولهم بالقياس غير محتمل للتأويل، وكان ~~صريحا في دلالته على ذلك، فأما و(5) قد بينا أن جميع ما تعلقوا به في مسألة ~~الحرام وغيرها من المسائل (6) لا يدل (7) على القياس، ولا له (8)- أيضا- ~~ظاهر (9) في الدلالة عليه، وسنبين- بمشية الله تعالى- مثل ذلك في تعلقهم ~~بالرأي، وإضافة الأحكام إليه، وأنه لا ظاهر له في الدلالة على القياس، فضلا ~~عن أن يحتمل التأويل. # ولا وجه لتأويلهم ما رويناه من الأخبار، لا سيما وجميعها (10) له PageV02P262 # ظاهر في نفي القياس، لا بد لهم من العدول عنه إذا صح تأويلهم (1) فكيف ~~يعدل عما له ظاهر في الدلالة على أمر لأجل ما لا ظاهر له. # ولو تساوى الأمران في الظاهر- أيضا، وليسا (2) كذلك- لم يكن لهم أن ~~يحملوا أخبارنا على التأويلات التي ذكروها، لتسلم (3) دلالة (4) ما تعلقوا ~~به على القياس، ولا (5) كانوا بذلك أولى منا إذا تأولنا ما رووه، و(6) ~~حملناه على أن القول فيه إنما كان بالنصوص وأدلتها، لتسلم (7) دلالة ما ~~رويناه على نفي القياس. # وما لا يزالون يتعلقون به في ذلك، من قولهم: إن المنكرين لذلك هم ~~المستعملون له، فلا بد من ms307 حمل النكير على ما يوافق ما ظهر عنهم من استعمال ~~القياس تعللا (8) منهم بالباطل (9) وذلك أنا لا نعلم أنهم يستعملون القياس ~~ضرورة، أو من وجه (10) لا يسوغ فيه التأويل، ولا يدخله الاحتمال، وإنما ~~ادعى ذلك عليهم، وتعلق PageV02P263 # مدعيه بما لا ظاهر له، ولا شهادة فيه على القول بالقياس، وأحسن أحواله أن ~~يكون محتملا، فكيف يصح ما ذكروه؟!. # وهذه الجملة التي ذكرناها تسقط قولهم: إن الذي ذموه (1) هو الذي يصدر عن ~~الهوى، أو (2) الذي يستعمل في غير موضعه، وأن أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~إنما نفي أن يكون جميع الدين يؤخذ بالقياس، وكذلك أبو بكر إنما استكبر (3) ~~استعمال الرأي في كتاب الله تعالى على وجه لا يسوغ فيه، إلى غير هذا مما ~~يقولونه، ويفزعون إليه، لأن كل ذلك منهم عدول عن الظاهر، وتخصيص لإطلاقه، ~~وتأويل (4) لا يجب المصير إليه إلا بعد القطع على صحة القياس، وأن القوم ~~قالوا به على وجه لا يحتمل التأويل. # فأما قول بعضهم: إنهم فعلوا ذلك تشددا واحتياطا للدين، حتى لا (5) يعول ~~(6) الفقهاء على القياس، ويعدلوا عن تتبع الكتاب والسنة فظاهر البطلان، ~~وذلك أن التشدد لا يجوز أن يبلغ إلى PageV02P264 # إنكار ما أوجبه الله تعالى أو (1) قبح (2) فيه، ولا يقتضى أن يخرجوا ~~إنكارهم المخرج الموهم لإنكار الحق، ولو كان ذلك غرضهم؛ لوجب أن يصرحوا ~~بذم (3) العدول عن الكتاب والسنة، والإعراض عن تأملهما (4) والتشاغل ~~بغيرهما، من غير أن يطلقوا إنكار القياس (5) والرأي اللذين هما عندكم ~~أصلان من أصول الدين، تاليان (6) للكتاب والسنة والإجماع. # على أنه يمكن أن يقال لهم- مع تسليم ارتفاع (7) النكير-: # لم أنكرتم أن يكون بعض الصحابة الذين حكيتم عنهم الاختلاف في مسألة ~~الحرام وغيرها- وهو من كان قوله منهم (8) أبعد من (9) أن يتناوله شيء ~~(10) من ظواهر الكتاب والسنة- استعمل القياس، وأن يكون الباقون رجعوا في ~~مذاهبهم إلى النصوص وأدلتها، غير أن من ذهب إلى القياس منهم لم يظهر وجه ~~قوله، ولا علمت الجماعة (11) PageV02P265 # أنه قاله (1) قياسا، ولو علموا (2) بذلك؛ لأنكروه (3) غير أنهم لم ~~يعلموا، فأحسنوا الظن بالقائل، وظنوا أنه ms308 لم يقل إلا عن نص، أو طريق مخالف ~~للقياس. وليس يجب أن يكون وجه قول كل واحد منهم على التفصيل (4) معلوما ~~للجماعة، ومتى ادعوا ذلك، طالبناهم بالدليل على صحته، فإنهم لا يجدونه. # وأنهم متى قالوا في هذه الأخبار التي رويناها في إنكارهم القياس: إنها ~~أخبار آحاد (5) لا توجب علما (6). قلنا: ولا أخباركم في إثبات القياس توجب ~~علما على ما تقدم بيانه، ومعارضة ما (7) ليس بمعلوم (8) بما ليس بمعلوم ~~صحيحة (9). ولهذه الأخبار التي رويناها ظواهر في نفي القياس، وتصريح بذمه، ~~وليس للأخبار التي رووها ظاهر (10) في إثبات القياس، ولا تصريح بأنهم ~~استعملوه. # ويمكن في الطعن على طريقتهم هذه التي تكلمنا عليها وجه PageV02P266 # آخر صعب (1) نسلم (2) لهم فيه أن الصحابة قالت بالقياس أو أكثرهم، وأن ~~النكير على من قال ذلك ارتفع: وهو أن نقول لهم: إن ارتفاع النكير عندنا ~~وعند المحصلين منكم والمحققين لا يدل في كل موضع على الرضا والتسليم، وإنه ~~إنما يدل على الرضا بشرط أن يعلم أنه لا وجه له إلا الرضا، و(3) لا داعي ~~(4) إليه سواه، فأما مع تجويز كونه للرضا وغيره؛ فلا دلالة فيه. # وإنما عدلنا عن هذا الوجه وذكره في جملة الوجوه التي طعنا (5) بها على ~~طريقتهم (6) لأن الفقهاء يستوحشون من مثل هذا الجنس من الكلام، لكونه ~~طاعنا في أصول هي أهم من القياس، ولأنه يحوج (7) إلى الكلام في الإمامة، ~~فاقتصرنا على ما هو أوفق وأليق. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: قد ادعيتم في معنى الرأي ما لا يصح، لأن ~~الرأي إذا أطلق، أفاد كل ما (8) كان متوصلا (9) إليه (10) PageV02P267 # بضرب من الاستدلال الذي يصح فيه اعتراض الشبهات، واختلاف أهل الإسلام، ~~ولا يختص ما قيل قياسا دون ما قيل من جهة اعتبار الظواهر والاستدلال بها، ~~ألا ترى أنهم يقولون: فلان يرى العدل، وفلان يرى القدر (1) وفلان يرى ~~الإرجاء، وفلان يرى القطع على عذاب فساق أهل الصلاة، وإن كان كل ذلك متوصلا ~~إليه بالأدلة الموجبة للعلم. وكذلك يقولون: إن أبا حنيفة يرى الوضوء ~~بالنبيذ (2) وإن ذلك رأيه، ms309 (3) كما يقال: إنه مذهبه، وإن كان لا يرجع في ~~ذلك إلى قياس واجتهاد. ويقال- أيضا-: إن القضاء بالشاهد واليمين رأى مالك ~~والشافعي، وإن كان مرجعهما فيه إلى الخبر. # وإن الأقراء (4) التي تعتبر في العدة على رأي أبي حنيفة الحيض (5) وعلى ~~رأي الشافعي وغيره الأطهار: وإن كان رجوع كل واحد منهما في ذلك إلى ضرب من ~~الاستدلال (6) يخالف القياس. فإذا كان معنى الرأي والمستفاد به المذهب ~~والاعتقاد على ما ذكرناه، لم يكن (7) PageV02P268 # في إضافة الصحابة أقوالها إلى الرأي دلالة على ما توهمه خصومنا من القول ~~(1) بالقياس، لأنهم لم ينصوا على أن الرأي (2) الذي رأوه (3) هو الصادر ~~عن القياس دون غيره، فإذا (4) لم ينصوا، والقول محتمل لما نقوله؛ لم يكن ~~للخصم فيه دلالة. # فإن قالوا: إن كان القول في الرأي على ما ذكرتم، فلم (5) لا يقال: إن ~~المسلمين يرون التمسك بالصلاة والصوم وما أشبه ذلك من الأمور المعلومة ~~بالنصوص. # قلنا: إنما لا (6) يقال ذلك، لما بيناه من أن لفظ الرأي يفيد في التعارف ~~الأمور المعلومة (7) من الطرق التي يصح أن تعترضها (8) الشبهات، ويختلف ~~فيها أهل القبلة، ولهذا لا يضيفون الأمور المعلومة ضرورة (9) من واجبات ~~العقول إلى الرأي، كقبح الظلم، ووجوب الإنصاف، ولا يضيفون- أيضا- إليه ~~العلم بدعاء الرسول (عليه السلام) لأمته إلى صلوات خمس وصوم شهر معين، ~~وكذلك- أيضا- لا يضيفون PageV02P269 # إليه سائر الأمور المعلومة بالأدلة التي لا يختلف المسلمون فيها، كوجوب ~~التمسك بالصلاة والصوم، والعلم بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله) وصدق ~~دعواه، وقد بينا أنهم يطلقون الرأي في القول بالعدل والقدر وغير ذلك مما ~~فارق ما ذكرناه. # فإن قالوا: إنما صح أن يقول العدلي: فلان يرى القدر، ويقول القدري: فلان ~~يرى العدل، لأن كل واحد منهما ينسب صاحبه إلى القول بغير علم وإن اجتهد، ~~فينسبه (1) إلى القول الذي هو بالرأي الذي (2) هو القياس (3). # قيل لهم (4): هذا (5) الإطلاق الذي حكيناه ليس يختص بواحد دون آخر، بل ~~(6) العدلي يقول في نفسه وفيمن يقول بقوله: إنه يرى (7) العدل، وكذلك قائل ~~القدر والإرجاء (8). على أن العدلي لا (9) يرى أن ms310 القدري قائل (10) بالقدر ~~إلا عن تقليد أو شبهة، وليس يرى PageV02P270 # أنه قائل عن اجتهاد يقتضى غلبة الظن، حتى يطلق عليه لفظ الرأي المختص ~~عندهم بالمذاهب الحاصلة من طريق القياس. # فإن (1) قالوا: كيف (2) يصح أن ينازعوا في اختصاص الرأي بما ذكرناه، ~~ومعلوم أن القائل إذا قال: هذا مذهب أهل الرأي وقال أهل الرأي كذا وكذا لم ~~يفهم منه إلا أهل القياس دون غيرهم؟. # قيل لهم: هذا تعارف حادث في أهل القياس (3) لأنه لما حدث (4) الاختلاف ~~بين الأمة في القياس، فنفاه قوم، وأثبته قوم غلب على مثبتيه (5) الإضافة ~~إلى الرأي، ومعلوم أن هذا التعارف لم يكن في زمن (6) الصحابة، فكيف يحمل ~~خطابهم عليه؟!. # على أنه ليس معنا (7) عن (8) أحد من الصحابة أنه (9) قال: نحن من أهل ~~الرأي، والمروي عنهم (10) قولهم (11): رأينا كذا (12) وكان PageV02P271 # رأيي ورأى فلان كذا، وليس يمتنع أن يكون في بعض تصرف اللفظة من التعارف ~~ما ليس هو في جميع تصرفها (1) وتكون (2) الإضافة إلى الرأي هي التي غلب ~~فيها ما ذكروه، وإن لم يغلب في قولهم: # رأيت، وكان كذا من رأيي. وهذا مما لا يمكن دفعه، فإنه لا شبهة على أحد في ~~أن قولهم: فلان من أهل الرأي لا يجري في الاختصاص بالإضافة إلى الاجتهاد ~~والقياس مجرى قولهم: رأى فلان كذا، وكان رأى فلان أن يقول بكذا، وأن الثاني ~~لا تعارف فيه يخصصه، وإن كان في الأول. وإذا صح ما ذكرناه، (3) لم يمتنع أن ~~يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «كان رأيي ورأى عمر أن لا يبعن، ورأيي ~~الآن أن يبعن»، أي ما أعتقد وأداني (4) الاستدلال إليه. # وكذلك قول عمر: «أقضي فيها برأيي». # فإن قالوا: إذا (5) كان الأمر على ما قلتم، فلم قالوا: إن كان صوابا فمن ~~الله، و(6) إن كان خطاء فمني ومن (7) الشيطان؟ والنصوص PageV02P272 # لا يكون فيها خطاء. # قيل لهم: قد يخطئ المحتج بالكتاب والسنة والمستدل بأدلتهما، بأن يضع ~~الاستدلال في غير موضعه، مثل أن يؤخر مقدما (1) أو يقدم مؤخرا، أو يخص ~~عاما، أو يعم خاصا، أو يتمسك بمنسوخ، ms311 أو يعمل على ما هناك أولى منه، فيكون ~~الخطأ منه أو من الشيطان، فالكتاب والسنة وإن لم يكن فيهما خطاء، فالمستدل ~~بهما قد يخطئ وقد يصيب. # على أنا إذا تأملنا المسائل التي قالوا فيها بما (2) قالوا: أو أضافوه ~~إلى رأيهم؛ وجدنا جميعها له مخرج في أدلة النصوص (3) والذاهب، إليها (4) ~~متعلق بغير القياس. # أما (5) بيع أم الولد فيمكن أن يعول من منع منه على (6) ما روى عنه ~~(عليه السلام) من قوله: «أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة» وبما روى عنه ~~(عليه السلام) في مارية القبطية لما ولدت إبراهيم «أعتقها ولدها». PageV02P273 # ومن ذهب إلى جواز (1) بيعها أمكنه التعلق بأشياء: # منها أن أصل الملك جواز التصرف، والولادة غير مزيلة للملك، بدلالة أن ~~لسيدها (2) وطئها بعد الولادة من غير ملك ثان ولا عقد نكاح، وذلك يقتضى ~~بقاء (3) السبب المبيح للوطء، وهو الملك. # ومنها أنه لا (4) خلاف في أن عتقها بعد الولادة جائز، ولو كان الملك ~~زائلا، لما (5) جاز العتق. # ومنها قوله تعالى: «وأحل الله البيع» ويتعلق بعمومه في كل بيع إلا ما ~~أخرجه الدليل. فلعل من أجاز البيع في الصدر الأول تعلق (6) ببعض ما ~~ذكرناه. # ومن تأمل احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيع أمهات الأولاد، وجده ~~مخالفا لطريقة القياس، لأن المروي عنه (عليه السلام) أنه قال سبق كتاب الله ~~بجواز (7) بيعها، فأضاف جواز البيع إلى الكتاب دون غيره (8). PageV02P274 # فأما قول أبي بكر وقد سئل عن الكلالة: «أقول فيها برأيي، فإن (1) كان ~~حقا، فمن الله، وإن كان خطأ، فمني، هي ما عدا الوالد والولد»؛ فليس يجوز أن ~~يكون الرأي الذي ذكره هو القياس، لأن السؤال وقع عن معنى اسم، والأسماء لا ~~مدخل للقياس فيها، وإنما يرجع إلى المواضعة وتوقيف أهل اللسان، وكتاب الله ~~يدل على معنى الكلالة، لأنه تعالى قال: «يستفتونك، قل: # الله يفتيكم في الكلالة» وما تولى الله تفسيره لم يدخله الرأي الذي هو ~~الاجتهاد والقياس. # ويبين (2) ذلك- أيضا- قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعمر وقد كرر ~~السؤال عليه عن الكلالة: «تكفيك (3) آية ms312 الصيف (4)» وهذا يدل على أن ~~الآية نفسها تفيد الحكم. # وكذلك إن تعلقوا بما روى عن عبد الله بن مسعود، و(5) أنه سئل عن امرأة ~~مات عنها زوجها، ولم يسم لها صداقا، ولم يدخل بها، فردد السائل شهرا، ثم ~~قال: «أقول فيها برأيي (6) فإن كان PageV02P275 # حقا، فمن الله، وإن كان خطأ، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريان ~~(1): عليها العدة، ولها الميراث، ولها مهر نسائها، (2) لا وكس ولا شطط» ~~فقال معقل بن يسار: «أشهد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قضى في بروع ~~بنت واشق بما قضيت» فسر (3) عبد الله. # وذلك أن لقول (4) عبد الله ظاهرا (5) في كتاب الله تعالى يمكن أن يرجع ~~إليه، وهو عموم قوله تعالى: «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا» لأن عموم الآية يقتضى العدة على كل (6) زوجة ~~توفي عنها زوجها، ولم يخص من الجملة من لم يسم لها زوجها صداقا (7). ويمكن ~~أن يكون أوجب الميراث لكل زوجة بقوله تعالى: «ولهن الربع مما تركتم» ولم ~~يخص من لم يطأها زوجها ولم يسم لها صداقا، فأوجب المهر للمنكوحة بقوله ~~تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف» وذلك موجب لمهر PageV02P276 # المثل، لأن المسمى لا يتجاوز، ولا تغير (1) فيه، وإذا (2) كان لكل حكم ~~(3) أفتى به وجه في الظاهر؛ فما السبب في القطع على إضافة قوله إلى القياس. # فإن قيل: فلم رددهم (4) شهرا؟ ولم قال: «وإن (5) كان (6) خطأ فمني»؟ ~~وكيف يكون في الحكم المأخوذ من ظاهر الكتاب خطأ؟!. # قلنا: يجوز أن يكون توقفه وترداده للسائل لطلبه (7) لما عساه يقتضى ~~تخصيص الآيات التي ذكرناها، والتماسا لما لعله يعثر (8) عليه مما يجب له ~~ترك الظاهر. ويمكن- أيضا- أن يكون لم يتعين عليه فرض الفتيا لوجود غيره من ~~علماء الصحابة، فآثر طلب السلامة والإعراض (9) عن الجواب والفتيا (10) ثم ~~لما ألحوا (11) عليه أجاب. # فأما قوله: «فإن (12) كان خطأ فمني»؛ فقد تقدم الكلام على نظيره. PageV02P277 # ويمكن أن يكون (1) لأنه جوز أن يكون هناك ما هو أولى من الظاهر من دليل ~~يخص، أو رواية ms313 تقتضيه (2) من الرسول (عليه السلام) في مثل ما سئل عنه، ~~تخالف (3) قضيته، أو غير ذلك مما يكون العدول إليه أولى. # على أنهم يقولون: «كل مجتهد مصيب» فيلزمهم السؤال عن قوله: «إن كان خطأ ~~فمني»، وكيف نسب نفسه إلى الخطاء وهو مجتهد، فلا بد لهم (4) من الرجوع إلى ~~تجويزه على نفسه التقصير في طلب خبر لو استقصى لظفر به، وما جرى مجرى ذلك. # ومتى تأملت جميع المسائل التي حكى عنهم إضافة القول فيها إلى الرأي (5) ~~وجدت لها مخرجا في الظواهر، وطرقا تخالف (6) القياس. # وأما (7) قولهم: فلو كان رجوعهم في ذلك إلى طرق العلم (8) لما صح منهم ~~الرجوع من رأي إلى آخر، ولا التوقف فيه وتجويز كونه خطاء وصوابا. PageV02P278 # فمن بعيد ما يقال، وذلك أن الرجوع إلى المذاهب والعدول عنها لا يدل على ~~القول بالقياس والظن، لأن ذلك قد يصح فيما طريقه العلم (1) والأدلة، ألا ~~ترى أن القائل بالإجبار (2) قد يعدل عنه إلى القول بالعدل، وكذلك قد يعدل ~~(3) عن القطع على عقاب الفساق من أهل القبلة إلى القول بالإرجاء، وسائر ~~مسائل الأصول (4) ذلك ممكن فيها. فليس التنقل دلالة على ما ظنوه. # وأما التوقف؛ فقد يجوز أن يكون طلبا للاستدلال والتأمل، كما يتوقف ~~الناظرون (5) في كثير من مسائل الأصول التي يتوصل إليها بالأدلة المفضية ~~إلى العلم، و(6) يتثبتون (7) تحرزا من الغلط، واحتياطا في إصابة الحق. # فأما تجويز كونه خطاء و(8) صوابا؛ فالوجه فيه (9) ما ذكرناه في خبر ابن ~~مسعود، وأن ذلك يحسن أن يقال بحيث يكون التجويز PageV02P279 # لورود ما هو أولى من الظواهر (1) ثابتا، لأن الناظر ربما كان متهما (2) ~~نفسه في التقصير، ومجوزا أن يكون في السنة مخصص أو معنى يقتضى العدول إليه ~~لم ينعم (3) النظر في طلبه. # فأما قوله: ولا أن يمسكوا (4) عن تخطئة (5) المخالف و(6) النكير عليه، ~~لأن الأدلة لا تتناقض (7) ولا تختلف (8) فكيف يجوز أن يرجع (9) كل واحد ~~منهم في قوله إلى دليل؟!؛ فقد بينا أنا لا نقول: إن مع كل واحد دليلا على ~~الحقيقة، وإنما قلنا: يجوز أن يكون ms314 كل واحد تعلق بطريقة (10) من الظاهر ~~وأدلة النصوص اعتقدها دليلا، ولا شبهة في أن الأدلة لا تتناقض (11) إلا أن ~~ما يعتقد (12) بالشبهة دليلا لا يجب ذلك فيه. فأما الإمساك (13) عن النكير ~~والتخطئة، فلم يمسكوا عنهما (14) PageV02P280 # والعلم بأن بعضهم خطأ بعضا يجري مجرى العلم بأنهم اختلفوا، وما دافع أحد ~~الأمرين إلا كدافع الآخر. # ويدل (1) على ما قلناه (2) ما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد ~~استفتاه عمر في امرأة وجه إليها، فألقت (3) ما في بطنها (4) وقد أفتاه ~~كافة من حضره من الصحابة بأنه لا شيء عليه، لأنه مؤدب، فقال- ع-: إن كان ~~هذه جهد رأيهم فقد أخطئوا (5) وإن كانوا قاربوك فقد غشوك (6)» وهذا تصريح ~~بالتخطئة. والخبر الذي رويناه متقدما (7) عنه (عليه السلام) يشهد- أيضا- ~~بذلك، وهو قوله: «من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه» وروى ~~عن ابن عباس أنه قال: # «من شاء (8) باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددا ما جعل للمال (9) نصفين ~~وثلثا» وروى عنه أنه قال: «من شاء باهلته إن الجد أب». وقد رويت المباهلة- ~~أيضا- عن ابن مسعود في قصة أخرى (10) وروى PageV02P281 # عن ابن عباس الخبر الذي تقدم من قوله: «ألا يتقى الله زيد بن ثابت» وهذا- ~~أيضا- صريح (1) في التخطئة، وتخويف بالله تعالى (2) في المقام على ~~المذهب، والخبر الذي رويناه- أيضا- عن عمر أنه قال «أجرؤكم على الجد أجرؤكم ~~على النار» واضح في هذا الباب، وروى عن عائشة أنها بعثت (3) إلى زيد بن ~~أرقم، وقد اشترى ما باعه (4) بأقل مما باعه به قبل أن يقبض (5) الثمن، ~~«إنك إن لم تتب، فقد بطل جهادك مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقيل ~~لابن المسيب (6): «إن شريحا قضى في مكاتب عليه دين أن الدين والكتابة ~~بالحصص»، فقال: «أخطأ شريح». وقد ورد بهذا المعنى من الأخبار ما لا يحصى. # فأما ما لا يزالون يستكرهونه، ويتعسفونه، من تأويل هذه الأخبار مثل قولهم ~~في قصة (7) المجهضة بولدها: إن الخطأ والغش إنما أراد (8) به ترك (9) ما ~~هو أولى في النصح والمذهب، وأن ابن عباس PageV02P282 # دعا (1) إلى المباهلة لأنه خطئ ms315 (2) في اجتهاده، فدعا (3) من خطأه في ذلك ~~لا في نفس المذهب إلى المباهلة، وأن ذكر جهنم والنار على سبيل التشدد ~~والتحرز (4) وأن ذلك تخويف لمن أقدم عليه من غير فكر ولا تحفظ، وفي حديث ~~إحباط الجهاد أنه مشروط بأن يكون ذاكرا للخبر (5) المقتضى بخلاف (6) قوله؛ ~~فكله عدول عن ظواهر الأخبار، وحملها (7) على ما لا يحتمله، وذلك إنما يسوغ ~~ان ساغ متى ثبت لنا تصويب القوم بعضهم لبعض في مذاهبهم من وجه لا يحتمل ~~التأويل، فأما ولا شيء يذكر في ذلك إلا وهو محتمل للتصويب ولغيره على ما ~~ذكرناه وسنذكره؛ فلا وجه للالتفات إلى التأويلات البعيدة المستكرهة. # فإن قالوا: نحن و(8) وإن صوبنا المجتهدين، فليس نمنع (9) من (10) أن ~~يكون في جملة المسائل (11) ما الحق فيه في واحد، ولا يسوغ PageV02P283 # في مثله الاجتهاد؛ فأكثر ما تقتضيه (1) الأخبار التي رويتموها أن يكون ~~الاجتهاد غير سائغ في هذه المسائل بعينها، وهذا لا يدل على أن سائر المسائل كذلك. # قلنا: لا فرق بين هذه المسائل (2) التي روينا فيها الأخبار وبين غيرها، ~~وليس (3) لها صفة تباين بها ما عداها من مسائل الاجتهاد، ألا ترون أنه لا ~~نص في شيء منها يقطع العذر كما أن ذلك ليس في غيرها من مسائل الاجتهاد؟ ~~وإذا لم تتميز (4) من غيرها، لم يسغ (5) ما ادعيتموه، واشترك (6) الكل في ~~جواز الاجتهاد فيه، والمنع منه. # فإن قالوا: ليس تخلو (7) أقوالهم في هذه المسائل (8) التي أضافوها إلى ~~الرأي (9) وأمثالها من أن يكونوا ذهبوا إليها (10) من طرق الأدلة الموجبة ~~للعلم، أو من جهة الاجتهاد والقياس: ولو كان الأول لوجب أن يكون الحق في ~~أحد الأقوال دون جميعها، ولوجب (11) PageV02P284 # أن يكون (1) ما عدا المذهب الواحد الذي هو الحق فيها باطلا، ولو كان ~~كذلك، لوجب أن يقطعوا ولاية قائله، وتبرءوا (2) منه، ولا يعظموه، ألا ترى ~~أنهم في أمور كثيرة خرجوا إلى المقاتلة وحمل السلاح، ورجعوا عن التعظيم ~~والولاية لما لم يكن من باب الاجتهاد؟! فلو كان الكل واحدا، لفعلوا في ~~جميعه فعلا واحدا، ولو كان الأمر- أيضا- على خلاف ms316 قولنا، لم يحسن أن يولي ~~بعضهم بعضا مع علمهم بخلافهم عليه، (3) في مذهبه، كما ولى أمير المؤمنين ~~شريحا مع علمه بخلافه له في كثير من الأحكام، وكما ولى أبو بكر زيدا وهو ~~يخالفه في الجد، ولو لا (4) اعتقاد المولي أن المولى محق، وأن الذي يذهب ~~إليه وإن كان مخالفا لمذهبه صواب؛ لم يجز ذلك، ولا جاز- أيضا- أن يسوغ له ~~الفتيا، ويحيل عليه بها، وقد كانوا يفعلون ذلك. # وكان يجب- أيضا- أن ينقض (5) بعضهم على بعض الأحكام التي (6) يخالفهم ~~فيها (7) لما تمكن من ذلك، وأن ينقض (8) الواحد على PageV02P285 # نفسه ما حكم به في حال ثم رجع إلى ما يخالفه في أخرى، لأن كثيرا منهم قد ~~قضى بقضايا مختلفة ولم (1) ينقض (2) على نفسه ما تقدم، فلو لا أن الكل ~~عندهم صواب لم يسغ ذلك. # و- أيضا- فقد اختلفوا فيما لو كان خطاء لكان كبيرا، نحو اختلافهم في ~~الدماء والفروج والأموال، وقضى بعضهم بإراقة الدم وإباحة المال والفرج، فلو ~~كان فيهم من قد (3) أخطأ، لم يجز أن يكون خطاءه إلا كبيرا، ويكون سبيله ~~سبيل من ابتدأ إراقة دم محرم، أو أخذ (4) مالا بغير حق، فأعطاه من لا (5) ~~يستحقه، وفي ذلك تفسيقه ووجوب البراءة منه، وفي علمنا بفقد كل ذلك دلالة ~~على أنهم قالوا اجتهادا، و(6) أن الجماعة مصيبون. وهذه الطريقة هي عمدتهم ~~(7) في أن كل مجتهد في أحكام الشرع مصيب. # قيل لهم: ما تنكرون (8) أن يكون (9) الخطاء الواقع ينقسم إلى ما PageV02P286 # يوجب البراءة وحمل السلاح واللعن وقطع الولاية، وإلى (1) ما لا (2) يوجب ~~شيئا من ذلك، وأن يكون اشتراك الفعلين في كونهما خطاء لا يقتضى اشتراكهما ~~فيما يستحق عليهما، ويعامل (3) به فاعلهما، ألا ترون أن الصغيرة (4) تشارك ~~الكبيرة في القبح ولا يدل ذلك على تساويهما فيما يعامل به فاعلهما، والزنا ~~والكفر مشتركان في القبح ولا يجب (5) تساويهما في سائر الأحكام؟!، وإذا ~~جاز اشتراك الشيئين في القبح مع اختلافهما فيما يستحق عليهما؛ لم يمتنع أن ~~يكون الحق في أحد ما قاله القوم وما عداه خطاء، ولا يجب مساواة ذلك الخطاء ms317 ~~لما يوجب من الخطاء التبري (6) واللعن وحمل السلاح والحرب (7). # ثم يقال لهم: أليس الصحابة قد اختلفت قبل العقد لأبي بكر، حتى قالت (8) ~~الأنصار: «منا أمير ومنكم أمير» (9) فإذا اعترفوا بذلك- ولا بد من الاعتراف ~~به- قيل لهم: أوليس الذين دعوا إلى ذلك PageV02P287 # مخطئين لمخالفتهم (1) الخبر المأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: # «الأئمة من قريش»؟! فلا بد من الاعتراف (2) بخطائهم. # فيقال لهم: أفتقولون: إنهم كانوا فساقا ضلالا يستحقون اللعن والبراءة ~~والحرب. # فإن قالوا: «نعم»، لزمهم (3) تفسيق الأنصار ولعنهم والبراءة منهم، وهذا ~~أقبح (4) مما (5) يعيبونه على من يرمونه بالرفض. # وإن قالوا: إنهم لم يصروا على ذلك، بل رجعوا إلى الحق، فلم يستحقوا ~~تفسيقا ولا براءة. # قيل لهم: كلامنا عليهم قبل التسليم وسماع الخبر، وعلى ما قضيتم به يجب أن ~~يكونوا في (6) تلك الحال فساقا يستحقون البراءة واللعن والعدول عن الولاية ~~والتعظيم، وهذا مما لم يقله أحد فيهم. # على أن فيهم من لم يرجع بعد سماع الخبر، وأقام على (7) أمره (8) فيجب ~~أن يحكموا فيه بكل الذي ذكرناه. PageV02P288 # فإن قالوا: إن الأنصار لم تفسق (1) بما دعت إليه، وإن كان الحق في خلاف ~~قولها، ولا استحقت اللعن والبراءة. # قيل لهم (2): فما تنكرون أن يكون الحق في أحد ما قالته الصحابة من ~~المسائل التي ذكرتموها دون ما عداه، وأن يكون من خالفه لا يستحق شيئا مما ذكرتم. # ويسألون (3)- أيضا- على هذا الوجه في جميع ما اختلفت فيه الصحابة مما ~~الحق فيه في واحد، كاختلافهم في مانع الزكاة هل يستحق القتال، وغير ذلك من ~~المسائل. ويقال: يجب إذا كان من فارق الحق في هذه المسائل (4) من الصحابة ~~قد أخطأ أن يكون في تلك الحال فاسقا منقطع الولاية ملعونا (5) مستحقا ~~للمحاربة. # ويسألون (6)- أيضا- عن قضاء عمر في الحامل المعترفة بالزنا بالرجم (7) ~~حتى قال له (8) أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن كان لك عليها سبيل (9) PageV02P289 # فلا سبيل لك على (1) ما في بطنها». فيقال لهم: أتقولون: إن قضاءه (2) ~~بذلك حق (3): فإن قالوا: «نعم» غلطوا وخالفوا ما عليه الأمة، لأن الكل ~~يقولون لا ms318 يجوز رجمها وهي حامل، وفي رجوع عمر إلى قول أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وقوله: «لو لا علي لهلك عمر» دلالة على تبينه (4) الخطاء في ~~قضيته، ثم حينئذ يقال لهم: أتقولون: إذا كان قد أخطأ أنه مستحق للعن (5) ~~والبراءة والتفسيق، فلا بد لهم من أن ينفوا ذلك (6) ويجعلوا الخطاء الواقع ~~منه مما لا يقتضى تفسيقا ولا براءة، فيقال لهم في المجتهدين مثله. # فإن قالوا: إن الخطاء الذي لم تقم الدلالة على أنه فسق يجوز أن يكون ~~فسقا، وأن يكون صاحبه مستحقا لقطع الولاية واللعن والبراءة، أفتقولون في ~~الصحابة مثل ذلك. # قلنا: هكذا يجب أن يقال، وإنما منعنا من إيجابكم تفسيقهم والرجوع عن ~~ولايتهم باختلافهم في مسائل الاجتهاد، وأعلمناكم PageV02P290 # أن ذلك لا يجب في كل خطاء و(1) معصية، وليس هذا مما يوحش، فإن تجويز كون ~~خطإهم (2) في حوادث الشرع كثيرا (3) من حيث لا يعلم، لتجويز (4) كل أحد ~~عليهم (5) أن يكونوا مستسرين بكبيرة (6) يجب لها قطع الولاية، ويستحق بها ~~(7) البراءة واللعن، غير أن تجويز (8) ذلك عليهم في حوادث الشرع لا يوجب ~~الإقدام على قطع ولايتهم، وإسقاط تعظيمهم، كما أن تجويز الكبائر عليهم لا ~~(9) يوجب ذلك، وإنما يوجبه تيقن وقوع الكبائر منهم. # وفيمن يوافقنا في كون الحق في هذه المسائل (10) واحدا (11) من يقول: ~~إنني آمن من كون خطائهم في حوادث الشرع كبيرا (12) من حيث الإجماع، ~~والطريقة الأولى أمر (13) على النظر. # واعلم أننا إنما أسقطنا (14) بهذا الكلام الذي بيناه إلزام المخالفين PageV02P291 # لنا (1) في خطاء الصحابة أن يكون موجبا للبراءة (2) بذكر الكبير والصغير ~~الذي هو مذهبهم دون مذهبنا، فكأننا (3) قلنا لهم: ما ألزمتمونا إياه لا ~~يلزمنا على مذاهبكم (4) في أن الصغائر تقع محبطة (5) من غير أن يستحق بها ~~الذم وقطع الولاية، وإذا أردنا أن نجيب (6) بما يستمر على أصولنا ~~ومذاهبنا، فلا يجوز أن نستعير (7) ما ليس هو من أصولنا (8). # والجواب الصحيح عن هذه المسألة أن الحق في واحد من هذه المسائل المذكورة ~~ومن كان عليه ومهتديا إليه من جملة الصحابة كانوا أقل عددا وأضعف قوة وبطشا ms319 ~~ممن كان على خلافه مما هو خطاء، وإنما لم يظهروا النكير (9) عليهم والبراءة ~~منهم تقية وخوفا ونكولا وضعفا. # فأما تعلقهم بولاية بعضهم بعضا مع المخالفة (10) في المذهب، PageV02P292 # و(1) أن ذلك يدل على التصويب؛ فليس على ما ظنوه، وذلك أنه لم يول أحد ~~منهم واليا لا شريحا ولا زيدا ولا غيرهما إلا على أن يحكموا (2) بكتاب الله ~~وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) وما أجمع عليه المسلمون، ولا يتجاوز الحق ~~في الحوادث، ولا يتعداه، وإذا قلده بهذا الشرط؛ لم يمكن أن يقال: إنه سوغ ~~له (3) الحكم بخلاف مذهبه، لأنهم لا يتمكنون من أن يقولوا (4): إنه نص له ~~على شيء مما يخالفه فيه، وأباحه (5) الحكم فيه بخلاف رأيه. # وجملة ما يقال: إنه ليس لأحد أن يقلد حاكما على أن يحكم بمذهب مخصوص، بل ~~يقلده على أن يحكم بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يول (6) القوم أحدا (7) ~~إلا على هذا الشرط. # والصحيح أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما ولى شريحا إلا تقية واستصلاحا ~~وسياسة، ولو ملك اختياره؛ ما ولاه (8). PageV02P293 # فأما تعلقهم بتسويغ الفتيا وإحالة بعضهم على بعض بها؛ فغير صحيح، وذلك ~~أنهم يدعون (1) في تسويغ الفتيا ما لا يعلمونه، وكيف يسوغون الفتيا (2) ~~على جهة التصويب لها (3) ونحن نعلم أن بعضهم قد رد (4) على بعض وخطأه وخوفه ~~بالله تعالى من المقام على أمره، وهذا غاية النكير؟! وإن أرادوا أنهم ~~سوغوها (5) من حيث لم ينقضوها، ولم يبطلوا (6) الأحكام المخالفة لهم؛ فليس ~~(7) ذلك بتسويغ، وسنتكلم عليه بمشيئة الله. وما نعرف- أيضا- أحدا منهم أرشد ~~في الفتيا إلى من يخالفه فيما يخالفه فيه، ولا يقدرون على أن يعينوا واحدا ~~فعل ذلك، وإنما كانوا يحيلون (8) بالفتيا في الجملة على أهل العلم ~~والقائلين بالحق، والتفصيل غير معلوم من الجملة. # فأما إلزامهم لنا أن ينقض (9) بعضهم على بعض حكمه، و(10) واحد (11) PageV02P294 # على نفسه فيما حكم به ورجع عنه؛ فغير واجب، لأن إقرار الحكم و(1) ورود ~~العبادة بالإمساك عن نقضه لا يوجب كونه صوابا، ألا ترى أنا (2) نقر أهل ~~الذمة على بيوعهم الفاسدة ومناكحتهم (3) الباطلة ms320 إذا أدوا الجزية، ونقتصر ~~في إنكاره على إظهار الخلاف، مع أنا لا نرى شيئا من ذلك صوابا، فليس مجيء ~~العبادة بإقرار حكم من الأحكام مع النهى عنه مما يفسد أو (4) يستحيل، وسبيل ~~ذلك (5) سبيل (6) ابتداء العبادة به، فكما (7) يجوز ورودها، بهذا الحكم ~~ابتداء، جاز ورودها بإقراره بعد وقوعه وإن كان خطاء. # على أنه قد روى أن شريحا قضى في ابني عم أحدهما أخ لأم بمذهب ابن مسعود، ~~فنقض أمير المؤمنين (عليه السلام) حكمه، وقال: في أي كتاب وجدت ذلك، أو في ~~أي سنة، وهذا يبطل (8) دعوى من ادعى أن أحدا منهم لم ينقض على من خالفه ~~على العموم. # والقول في نقض الواحد منهم على نفسه يجري على الوجه PageV02P295 # الذي ذكرناه. # فأما تعلقهم بأن الخطاء في الدماء والفروج والأموال لا يكون إلا كبيرا ~~(1)؛ فواضح البطلان، لأنا نقول لهم: لم (2) زعمتم أن ذلك لا يكون إلا ~~كبيرا (3)؟! ولم إذا كان كبيرا (4) في بعض المواضع ومن بعض الفاعلين؛ وجب ~~أن يكون كذلك في كل حال، ومن كل (5) أحد؟! أولا ترون أنه قد يشترك فاعلان ~~في إراقة دم غير مستحق، ويكون فعل أحدهما كفرا والآخر غير كفر، وإذا جاز ~~ذلك؛ لم (6) يمتنع أن يشترك فاعلان- أيضا- (7) في إراقة دم يكون من (8) ~~أحدهما كبيرا (9) ولا يكون من أحدهما كذلك. # ثم يسألون عما اختلفت فيه الصحابة، وكان الحق فيه في أحد الأقوال، مثل ~~اختلافهم في مانع الزكاة وهل يستحق (10) القتال؟، واختلافهم في الإمام ~~(11) يوم السقيفة، ويقال لهم: يجب أن يكون خطأهم كبيرا، لأنهم مخالفون ~~للنصوص، وما الحق فيه في واحد: PageV02P296 # ويجب أن يكونوا (1) بمنزلة من ابتدأ خلاف النصوص في غير (2) ذلك (3) وكل ~~شيء يعتذرون به وينفصلون عنه قوبلوا بمثله. # على أنهم يقولون: إن قتلا وقع من موسى (عليه السلام) صغيرة، ولا يلزمهم ~~أن يكون (4) كل قتل (5) صغيرة. ولا إذا حكموا بكبر (6) القتل منا أن ~~يحكموا بكبره من موسى (عليه السلام). # فأما ما تعلقوا به ثالثا من خبر معاذ؛ فلا دلالة لهم فيه، و(7) ذلك أنه ~~خبر واحد، وبمثله ms321 لا تثبت (8) الأصول المعلومة. و(9) لو ثبتت بأخبار ~~الآحاد؛ لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لأن رواته مجهولون. وقيل رواه جماعة ~~من أصحاب معاذ ولم يذكروا. # على أن روايته وردت مختلفة، فجاء في بعضها أنه لما قال: # «أجتهد رأيي؟»، قال (عليه السلام) له (10): «لا، اكتب إلي، اكتب PageV02P297 # إليك» وهذا يوجب أن يكون الأمر فيما لا يجده (1) في الكتاب والسنة ~~موقوفا على ما يكتب إليه لا على (2) اجتهاده. # فإن قالوا: الدليل على صحة (3) روايته تلقى الأمة له عصرا بعد عصر ~~بالقبول. ولأن الصحابة إذا ثبت أنهم عملوا بالقياس والاجتهاد ولا بد في ذلك ~~من نص، ولا نص يدل ظاهره على ذلك إلا خبر معاذ وما خبر معاذ أقوى منه؛ فيجب ~~من ذلك صحة الخبر. # قلنا: أما (4) تلقي الأمة له بالقبول؛ فغير معلوم، وقد بينا أن قبول ~~الأمة لأمثال هذه الأخبار كقبولهم (5) لمس الذكر و(6) ما جرى مجراه مما لا ~~يقطع به (7) ولا يعلم صحته. فأما ادعاؤهم (8) ثبوت عملهم (9) بالقياس، ~~وأنه يجب أن يكون لهذا (10) الخبر، لأنه (11) لا نص غيره؛ فبناء على ما لم ~~يثبت ولا (12) يثبت (13). وقد بينا بطلان ما ظنوه PageV02P298 # دليلا على إجماعهم على ذلك. ولو سلم لهم على ما فيه، لجاز أن يكونوا ~~أجمعوا لبعض ما في الكتاب أو لخبر آخر. # على أنهم قد اعتمدوا في تصحيح الخبر على ما إذا صح لم يحتج إلى الخبر، ~~ولم يكن دلالة على المسألة، لأنا إذا علمنا إجماعهم على القول بالقياس ~~والاجتهاد، فأي فقر بنا إلى تأمل خبر معاذ؟! وكيف يستدل (1) به على ما قد ~~علمناه (2) بغيره؟!. # فإن قالوا: نعلم بإجماعهم صحة الخبر، ثم يصير (3) الخبر دليلا، كما أن ~~إجماعهم دليل، ويكون المستدل مخيرا في الاستدلال. # قلنا: ليس (4) يعلم بإجماعهم صحة الخبر إلا بعد أن يعلم أنهم أجمعوا على ~~القياس والاجتهاد، وعلمنا بذلك يخرج الخبر (5) من أن يكون دلالة، وإنما كان ~~يمكن ما ذكروه لو (6) جاز أن يعلم إجماعهم على صحة الخبر من غير أن يعلم ~~(7) إجماعهم على القول بالقياس، وذلك لا ms322 يصح. PageV02P299 # ثم إذا تجاوزنا عن ذلك، ولم نتعرض (1) للكلام (2) في أصل الخبر؛ لم يكن ~~فيه دلالة لهم، لأنه قال: «أجتهد رأيي» ولم يقل في ما ذا، ولا ينكر أن يكون ~~معناه أي أجتهد رأيي (3) حتى أجد (4) حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب ~~والسنة، إذ (5) كان في أحكام الله فيهما (6) ما لا يتوصل إليه إلا (7) ~~بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص، فادعاؤهم أن إلحاق الفروع بالأصول في ~~الحكم لعلة يستخرجها القياس هو الاجتهاد الذي عناه (8) في الخبر مما لا ~~دليل عليه، ولا سبيل إلى تصحيحه. # فإن (9) قالوا: ما وجد (10) في دليل النص من كتاب أو سنة هو موجود ~~فيهما، وقوله (صلى الله عليه وآله): «فإن لم تجد» يجب أن يحمل على عمومه، ~~وعلى أنه لم يجده على كل وجه، وإذا حمل على ذلك، فليس بعده إلا الرجوع إلى ~~القياس الذي نقوله (11). PageV02P300 # قلنا: (1) ليس (2) يجب حمل الكلام على عمومه عندنا، وقد بينا في الكلام ~~في الوعيد (3) وفي غيره أنه ليس في سائر ألفاظ اللغة ما له ظاهر يقتضى ~~العموم ومتى حمل على الخصوص كان مجازا. # وبعد؛ فإنهم (4) لا يقولون بذلك، لأن القياس والاجتهاد عندهم من المفهوم ~~بالكتاب والسنة، ومما (5) يدلان عليه، فكيف يصح حمل قوله: «فإن لم تجد» على ~~العموم، وهذا يقتضى أنهم قائلون هذا النفي بالخصوص؟!. فكيف عابوه علينا؟!. # وبعد؛ فإن جاز إثبات القياس بمثل خبر معاذ؛ فإن من نفاه روى (6) ما هو ~~أقوى منه وأوضح لفظا؛ وذلك ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: ~~«ستفترق (7) أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمهم فتنة على أمتي قوم يقيسون ~~الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام». والروايات (8) التي يرويها ~~(9) مخالفونا في هذا كثيرة (10) ومن PageV02P301 # تتبعها وجدها. فأما ما يرويه (1) الإمامية فمما لا يحصى كثرة. # فأما خبر ابن مسعود الذي ذكروه؛ فالكلام عليه كالكلام على خبر معاذ بعينه. # فأما كتاب عمر (2) إلى أبي موسى الأشعري، وقوله: «اعرف الأشباه و(3) ~~النظائر (4) وقس الأمور برأيك»؛ فأضعف في باب الرواية من خبر معاذ، وأبعد ms323 ~~من أن يتعلق به في هذا الباب. # على أنه إذا سلم لم يكن فيه دلالة، وذلك أن القياس الذي دعاه إليه هو ~~إلحاق الشيء بشبهه، ولهذا قال: «اعرف الأشباه والنظائر (5)» والمشابهة ~~الموجبة (6) للقياس وحمل الشيء على نظيره (7) إنما هي (8) المشاركة في ~~أمر (9) مخصوص به تعلق الحكم، ومن عرف ذلك وحصله وجب عليه (10) الجمع به ~~(11) بين الأصل والفرع إذا PageV02P302 # تعبد بالقياس (1) وحمل الفروع على (2) الأصول، وهذا المقدار لا ينازعون ~~فيه، ولكن لا سبيل إلى معرفته. # ولو أمكن فيه ما يدعونه من الظن (3) لم يكن في الخبر- أيضا- دلالة لهم، ~~لأنه ليس فيه (4) الأمر بقياس الفرع على الأصل إذا شاركه (5) في معنى ~~يغلب على (6) الظن (7) أنه علة الحكم، وللمخالف أن يقول لهم: إن الأرز ~~ليس بمشابه (8) للبر، ولا (9) النبيذ التمري (10) بمشابه (11) للخمر، ~~ولا بينهما شبه (12) يوجب التساوي في الحكم، فالخبر (13) إنما يتناول ~~المساواة بين الشيئين، ولا اشتباه هاهنا. # فإن قالوا: هاهنا اشتباه مظنون. # قلنا: ليس في (14) الخبر «اعمل على ما تظنه مشتبها» بل PageV02P303 # قال: «اعرف الأشباه (1) والنظائر (2)» وذلك يقتضى حصول العلم بالأشباه ~~(3) لأن المعرفة هي العلم، غير أن الأمر الذي يقع فيه التشابه في الحكم غير ~~مذكور في الخبر. # فإن جاز لهم أن يقولوا: إنه عنى (4) المشابهة (5) في المعاني التي ~~يدعيها القائسون، كالكيل في البر والشدة (6) في الخمر؛ جاز لخصومهم أن ~~يدعوا أنه (7) أراد المشابهة (8) في إطلاق الاسم واشتمال اللفظ، ويكون ذلك ~~دعاء منه (9) إلى القول بحمل اللفظ على كل ما تحته من المسميات، لتساويها ~~في تناول اللفظ، كأنه تعالى إذا قال: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» ~~وعلم أن كل سارق يقع هذا الاسم عليه ويشارك سائر السراق في تناول اللفظ، ~~وجب التسوية بين الجميع في الحكم، إلا أن تقوم (10) دلالة. # فأما ما (11) تعلقوا به رابعا (12) من الآية؛ فالكلام (13) عليه أن نقول لهم: PageV02P304 # ما تنكرون (1) أن يكون لفظ الاعتبار لا (2) يستفاد منه الحكم بالقياس، ~~وإنما يستفاد به الاتعاظ والتدبر (3) والتفكر (4) وذلك هو المفهوم من ظاهره ~~وإطلاقه، لأنه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي: # إنه معتبر، ms324 كما يقال فيمن يتفكر في معاده ويتدبر أمر (5) منقلبه ويتعظ ~~بذلك: إنه معتبر وكثير (6) الاعتبار، وقد يتقدم بعض الناس في العلوم وإثبات ~~الأحكام من طرق القياس، ويقل تفكره (7) في معاده وتدبره (8) فيقال (9): ~~إنه غير معتبر أو (10) هو قليل الاعتبار. وقد يستوي في المعرفة بحال الشيء ~~وإثبات حكمه نفسان، فيوصف أحدهما (11) بالاعتبار دون الآخر (12) على المعنى ~~الذي ذكرناه. ولهذا يقولون عند الأمر (13) العظيم: «إن في هذا العبرة» وقال ~~الله تعالى: # «وإن لكم في الأنعام لعبرة» وما روى عن ابن عباس خبر واحد PageV02P305 # لا يثبت بمثله اللغة. # ثم لو صح، لكان محمولا على المجاز بشهادة الاستعمال الذي ذكرناه. # على أنا لو سلمنا (1) جواز استعمال (2) الاعتبار، لم يكن في الآية دلالة ~~إلا على ما ذكر فيها من أمر الكفار، وظنهم أن حصونهم تمنعهم (3) من الله ~~تعالى و(4) وقوع ما وقع (5) بهم. وكأنه قال- تعالى-: «فاعتبروا يا أولى ~~الأبصار» وليس يليق هذا الموضع بالقياس في الأحكام الشرعية، لأنه تعالى لو ~~صرح عقيب ما ذكره (6) من حال الكفار بأن قال: قيسوا (7) في الأحكام ~~الشرعية واجتهدوا، لكان الكلام لغوا لا فائدة فيه، ولا يليق بعضه ببعض، ~~فثبت أنه أراد الاتعاظ (8) والتفكر. # على أنه يمكن أن يقال لهم: على تسليم تناول اللفظ للقياس بإطلاقها، ما ~~تنكرون أنا (9) نستعمل (10) موجب الآية بأن PageV02P306 # نقيس (1) الفروع على الأصول في أننا (2) لا نثبت (3) لها (4) الأحكام ~~إلا بالنصوص، لأن هذا- أيضا- قياس (5) فقد ساويناكم في التعلق بالآية، فمن ~~أين لكم أن القياس الذي تناولته (6) الآية هو ما يذكرونه دون ما ذكرناه، ~~وكلاهما قياس على الحقيقة؟!. # وليس يمكنهم أن يقولوا: نجمع (7) بين الأمرين، لأنهما (8) يتنافيان، ~~والجمع بينهما لا يصح. # ولا لهم (9)- أيضا- أن يقولوا: قولنا أرجح من حيث كان فيه إثبات (10) ~~الأحكام، وقولكم فيه نفي لها، وذلك لأن الترجيح بما ذكروه إنما يصح متى ~~ثبت (11) كلا وجهي القياس، فيصح (12) الترجيح والتقوية، فأما (13) الخلاف ~~فيهما هل يثبتان أو يثبت أحدهما؟؛ فلا طريق للترجيح. PageV02P307 # ويقال لهم في تعلقهم (1) بهذه الآية على الوجه الثاني: إذا كان- تعالى- ~~قد نبه على (2) ما زعمتم ms325 بالآية على أن المشاركة في السبب والعلة تقتضي ~~(3) المشاركة في الحكم، فيجب أن يكون كل من فعل مثل فعل الذين أخبر الله ~~(4) تعالى عنهم في الآية (5) أن يحل به (6) مثل ما حل بهم. # فإن قالوا: كذلك هو، أريناهم بطلان قولهم ضرورة، لوجودنا (7) من يشارك ~~المذكورين في المخالفة والمعصية وإن لم يصبه ما أصابهم. # فأما ما تعلقوا به خامسا؛ فالجواب عنه أن يقال لهم: في الحوادث الشرعية ~~حكم لكنه ما كان في العقل، أو فيها حكم ولم (8) يكلف معرفته، أو لا حكم ~~فيها (9) جملة؛ فكل ذلك جائز (10) لا مانع منه. PageV02P308 # فأما تعلقهم (1) بهذه الطريقة على الوجه الثاني (2) الذي ذكروه، ~~واعتقدوا أنهم قد (3) تحرزوا (4) به من (5) المطاعن التي تدخل (6) عليهم ~~في الوجه الأول؛ فيجري في الضعف مجرى الأول، وذلك أنه مبنى على أنه (7) لا ~~نص يدل بظاهره ولا دليله (8) على أحكام الحوادث، فيجب لذلك (9) الرجوع ~~إلى القياس فيها، ودون ما ظنوه خرط القتاد، لأنا قد بينا أن جميع ما اختلفت ~~فيه الصحابة من الأحكام له وجه في النصوص، وأن ما لا نقف (10) على وجهه ~~(11) بعينه (12) يمكن أن يكون له وجه، وأن القطع على انتفاء مثل ذلك لا ~~يمكن بما يستغنى عن إعادته. # على أن أكثر ما في هذا أن يكون (13) جميع الحوادث التي علمنا طلبهم فيها ~~الأحكام من جهة الشرع لا يدخل حكم العقل PageV02P309 # فيها، و(1) أنه لا بد فيها من حكم شرعي. ثم نقول. إنهم ما رجعوا فيما ~~طلبوه من جهة الشرع إلا إلى النصوص، وعلى من ادعى خلاف ذلك الحجة. فمن أين ~~لهم أن (2) جميع ما يتجدد إلى يوم القيامة هذا حكمه، وأنه لا بد من أن ~~يكون المرجع فيه إلى الشرع، ولا يجوز أن يحكم فيه بحكم العقل؟!. فلم (3) ~~إذا كانت الحوادث التي بليت بها (4) الصحابة لها مخرج في الشريعة وجب ذلك ~~في كل حادثة؟!. وهل هذا إلا تمن (5) وتحكم؟!. # على أنه قد روى (6) عن بعضهم ما يقتضى (7) أنه رجع (8) إلى حكم العقل ~~في مسألة الحرام وهو مسروق، لأنه ms326 جعل مسألة الحرام بمنزلة تحريم قصعة من ~~ثريد مما (9) يعلم بالعقل إباحته. # ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا من الاجتهاد في القبلة: إن ذلك إن دل ~~فإنما يدل على جواز التعبد بالاجتهاد في الشرعيات، PageV02P310 # فأما أن يعتمد (1) في إثبات العبادة به؛ فواضح البطلان، لأن معتمد ذلك لا ~~بد له من (2) أن يقيس سائر حوادث (3) الفروع في جواز استعمال الاجتهاد ~~فيها على القبلة، وذلك منه (4) قياس، والكلام إنما هو في إثبات القياس ~~و(5) هل وردت العبادة به أم لا؟ فكيف يستسلف صحته؟!. # ولمن نفي القياس أن يقول: الذي يجب، أن أثبت الحكم (6) في القبلة ~~بالاجتهاد، لورود النص، وأقف عنده ولا أتجاوزه (7). # وهذا بمنزلة أن ترد العبادة بإيجاب صلاة، فيقيس قائس (8) عليها. # وجوب أخرى، فكما أنه ممنوع من ذلك إلا أن يتعبد بالقياس، فكذلك من قاس ~~على القبلة غيرها ممنوع من قياسه، ولما (9) يثبت (10) ورود العبادة ~~بالقياس. # على أن الحكم عند الغيبة ثابت بالنص في الجملة، لأن المكلف PageV02P311 # قد ألزم أن يصلي إلى جهة ما، وإذا كان الحكم الشرعي ثابتا في الجملة ولم ~~يكتف (1) المكلف في إمكان الفعل بالجملة، وجب أن يجتهد حتى يمكنه الفعل ~~الواجب عليه في الجملة، فالاجتهاد (2) منه ليس يتوصل به إلى إثبات الحكم ~~الشرعي، وإنما يصل به (3) إلى تمييز (4) الحكم المجمل الذي ورد به النص ~~وتفصيله. وعروض ذلك أنه يرد النص في الأرز أن (5) فيه ضربا من ضروب الربا، ~~ويكون هناك طريق (6) إلى الاجتهاد في إثباته، فيتوصل المكلف إلى تمييز (7) ~~ذلك الربا وتفصيله لأجل النص المجمل، وهذا مما لم يثبت لهم. # على أنه يقال للمتعلق بهذه الطريقة: أليس إنما (8) اجتهدت عند الغيبة في ~~القبلة لما ثبت بالنص حكم (9) لا سبيل لك (10) إلى معرفته إلا بالاجتهاد؟ ~~فإذا اعترف بذلك، قيل له: فثبت في الفرع أنه لا بد فيه من حكم لا يمكن ~~معرفته إلا بالاجتهاد (11) حتى يتساوى PageV02P312 # الأمران، ولا سبيل لك إلى ذلك، وقد علمت أن في نفاة القياس من يقول: إن ~~حكم الفرع (1) معلوم عقلا، وفيهم من يقول: ms327 إنه معلوم بالنصوص إما بظواهرها ~~أو بأدلتها. # وبعد؛ فليس مثبت القياس بأن (2) يتعلق بالقبلة في إثبات الحكم للفرع ~~قياسا على الأصل بأولى من نافي (3) القياس إذا تعلق بها في حمل الفرع على ~~الأصل في أنه لا يثبت له حكم إلا بالنص. ومتى قيل له: فاجمع (4) بين ~~الأمرين، امتنع، لتنافيهما. ومتى قيل له: (5) الإثبات (6) أرجح وأدخل في ~~الفائدة، قال: هذا إنما يصح فيما قد ثبت وصح، لا فيما الكلام فيه واقع. # وهذه الجملة التي ذكرناها في الكلام على من تعلق بالقبلة يبطل- أيضا- ما ~~حكينا أنهم ربما تعلقوا به من جزاء الصيد والنفقات وأروش الجنايات إلى سائر ~~ما يجري هذا المجرى، لأن كل ذلك إنما يدل على جواز التعبد بالاجتهاد ~~والقياس، ولا يصح اعتماده في إثباته (7). PageV02P313 # على أنه لا شيء من ذلك إلا والمرجع في تمييزه (1) إلى عادة (2) معروفة ~~وطريقة معلومة، إما على الجملة أو على التفصيل، وليس هو من القياس الذي ~~ينكر في الشريعة بسبيل (3) فالجمع بين الأمرين باطل. # فأما تعلقهم بخبر الخثعمية، وخبر قبلة (4) الصائم، والذي ولد له غلام ~~أسود؛ فكل ذلك وأمثاله لا (5) نتعلق به، لأنه أولا وارد (6) من طريق ~~الآحاد، وممن يجوز أن يكون كاذبا، وكل أصل قطع عليه، وتعبد فيه بالعلم ~~اليقين، دون الظن؛ فإن (7) الرجوع في إثباته إلى أخبار الآحاد غير صحيح، ~~والقياس (8) عندهم أصل معلوم و(9) مقطوع على صحته، فكيف يثبت بمثل هذه ~~الأخبار؟!. # على أن تنبيهه (10)(صلى الله عليه وآله) على علة الحكم لا يزيد في القوة ~~على أن ينص تصريحا عليها، ولو نص عليها (11)؛ لم يجب القياس PageV02P314 # بهذا القدر، دون أن يدل على العبادة به بغير ذلك. # على أنه (صلى الله عليه وآله) بتنبيهه (1) قد أغنى (2) عن القياس، فكيف ~~يجعل ذلك دليلا على القياس؟!. ولأنه- أيضا- مع التنبيه على العلة قد أثبت ~~الحكم في الأصل والفرع معا، وما هذه حاله لا مدخل للقياس (3) فيه. # على أنه (صلى الله عليه وآله) أخبر أن الحج يجري مجرى الدين في وجوب ~~القضاء، وكذلك ما نبه عليه في باب القبلة ms328 والمولود الأسود، ولم يذكر لأي ~~سبب جرى مجراه؟ وما العلة فيه (4)؟، وهل ظاهر نص أوجب ذلك، أو (5) طريقة ~~قياسية؟ وإذا كان الأمر مجملا، لم يجز القطع على أحد الوجهين (6) بغير دليل. # على أن اسم الدين يقع على الحج كوقوعه (7) على المال، وإذا كان كذلك؛ ~~دخل في (8) قوله تعالى: «من بعد وصية يوصى بها أو دين». # . PageV02P315 ### | باب الكلام في الاجتهاد وما يتعلق به # اعلم أن الاجتهاد وإن (1) كان عبارة عن إثبات الأحكام الشرعية بغير (2) ~~النصوص وأدلتها، بل بما طريقه الأمارات والظنون، وأدخل في جملة ذلك القياس ~~الذي هو حمل الفروع على الأصول بعلة (3) متميزة، كما أدخل في جملته (4) ما ~~لا أمارة (5) له متعينة، كالاجتهاد في القبلة، وقيم المتلفات. فقد بينا أن ~~القياس الذي هو حمل الفروع على الأصول بعلة متميزة قد كان من الجائز في ~~العقل أن يتعبد الله- تعالى- به لكنه ما تعبد، ودللنا على ذلك وبسطنا ~~الكلام فيه. # فأما الاجتهاد الذي لا تتميز (6) الأمارات (7) فيه، وطريقه غلبة الظن ~~كالقبلة وما شاكلها؛ فعندنا أن الله تعالى قد تعبد بذلك زائدا على جوازه في ~~العقل، لأنه تعالى قد تعبد بالاجتهاد في القبلة، وعمل كل مكلف بما يؤديه ~~اجتهاده إليه. وتعبد- أيضا- في أروش PageV02P316 # الجنايات وقيم المتلفات وجزاء الصيد بمثل ذلك. وكل مجتهد فيما جرى هذا ~~المجرى مصيب، ألا ترى أن من أداه اجتهاده إلى أمارة ظهرت له أن القبلة في ~~جهة من الجهات، لزمته الصلاة إلى تلك الجهة بعينها، فإذا أدى غيره (1) ~~اجتهاده إلى أن القبلة في غيرها؛ لزمته الصلاة (2) إلى ما غلب في ظنه أنه ~~جهة القبلة، وكل منهما مصيب وإن اختلف التكليف (3) وقد بينا بطلان قول من ~~ادعى أن الصحابة صوب بعضهم بعضا في مسائل القياس. # ولا شبهة في أن العبادة بالمذاهب (4) المختلفة (5) إنما يجوز فيما طريقة ~~العمل دون العلم، وأن الأصول المبنية على العلم نحو التوحيد والعدل والنبوة ~~(6) لا يجوز أن يكون الحق فيها إلا واحدا، لأن الله- تعالى- لا يجوز أن ~~يكون جسما وغير جسم، ويرى ولا يرى (7) على وجهين مختلفين، وبإضافة (8) ~~إلى ms329 (9) مكلفين متغايرين، وقد يجوز أن يكون الشيء الواحد حراما على زيد ~~وحلالا على عمرو، كما يجوز أن PageV02P317 # يكون حلالا لشخص في وقت وحراما عليه في آخر، وحلالا على وجه وحراما على ~~آخر، فمن جمع بين أصول الدين وفروع الشرع في هذا الباب فقد ضل وأبعد (1) عن ~~الصواب. # فإن قيل: أفتجوزون (2) من طريق العقل أن يتعبد النبي (صلى الله عليه ~~وآله) بالاجتهاد في بعض مسائل الشرع. # قلنا: العقل (3) لا يمنع من ذلك إذا تعلقت به مصلحة. # فإن (4) قيل: فجوزوا أن يكون في أحكامه (صلى الله عليه وآله) ما طريقة ~~الاجتهاد. # قلنا: الصحيح في (5) المنع من ذلك هو أنا قد دللنا على أن القياس و(6) ~~حمل الفروع على الأصول في (7) الشريعة مما لم يتعبد به، وكل من قال بأن ~~الأمة لم تتعبد (8) بذلك يقطع على (9) أن النبي (صلى الله عليه وآله) ما ~~تعبد (10) بمثله، فالقول بأنه (صلى الله عليه وآله) تعبد به دوننا خروج عن ~~الإجماع. وقد ادعى أبو علي الجبائي إجماع الأمة على أنه (صلى الله عليه ~~وآله) ما تعبد بذلك. PageV02P318 # فأما من يمنع من (1) عبادته (2)(صلى الله عليه وآله) بذلك من جهة تحريم ~~مخالفته على كل حال، وأنه لو كان فيما يحكم به ما (3) هو مقول من جهة ~~الاجتهاد، (4) ما حرمت المخالفة على كل وجه؛ فليس بشيء معتمد، وذلك أن لمن ~~أجاز الاجتهاد عليه أن ينفصل (5) من ذلك بأن يقول: ليس يمتنع (6) أن ~~تحرم (7) مخالفته على كل حال، وإن كان في أقواله ما هو عن اجتهاد، كما أن ~~الأمة إذا اجتمعت على قول من الأقوال من طريق الاجتهاد حرم خلافها من حيث ~~اجتمعت (8) وإن كان أصل قولها اجتهادا. و(9) إذا (10) كان اجتهاده ~~كالمنفصل من (11) اتباعنا له، جاز أن يلزمنا اتباعه وإن كان قوله عن طريق ~~غالب الظن. PageV02P319 ### ||| فصل في صفة المفتي والمستفتى # اعلم أن في الناس من منع من الاستفتاء، وزعم أن العامي يجب عليه أن يكون ~~عالما بأحكام فروع الحوادث، وإنما يرجع (1) المستفتى إلى المفتي لتنبهه ~~(2) على طريقة الاستدلال، ms330 ويعتمد على أن تجويز المستفتى على المفتي الخطأ ~~يمنع من قبول قوله، لأنه لا يأمن أن يكون مقدما على قبيح. وربما قالوا: لو ~~جاز أن يقلده في الفروع جاز مثل ذلك في الأصول. وأقوى من ذلك أن يقولوا: قد ~~علمنا أن العامي لا يجوز أن يقلد في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة، ~~بل لا بد من (3) أن يكون بذلك عالما. ومن يتمكن من العلم بهذه الأصول على ~~كثرة الشبهات فيها لا بد من (4) أن يكون متمكنا من العلم بأحكام الحوادث، ~~وإذا تمكن من العلم بذلك لم يجز له التقليد. # والذي يدل على حسن تقليد العامي للمفتي (5) أنه لا خلاف بين PageV02P320 # الأمة قديما وحديثا في وجوب رجوع العامي إلى المفتي، وأنه يلزمه قبول ~~قوله، لأنه غير متمكن من العلم بأحكام الحوادث، ومن خالف في ذلك كان خارقا ~~للإجماع. # وليس يمكن المخالف في ذلك دفع (1) الإجماع على الرجوع إلى الفتوى ~~والإرشاد (2) إليها والإقرار عليها، وإنما يتأول هذا الرجوع بما هو بعيد، ~~فيقول: هو رجوع للتنبيه على النظر والاستدلال. # وهذا التأويل معلوم (3) ضرورة خلافه، لأن العامي لا يستفتي على وجه طلب ~~التنبيه على النظر، بل ليلتزم. ولا فرق بين من ادعى ذلك في المفتي، وبين من ~~ادعى (4) مثله في الحاكم، وذهب إلى أن الحاكم لا يلزم (5) الحكم حتى يبين ~~للمحكوم (6) عليه صحته وطريقة (7) العلم به. # وأما (8) تجويزه (9) على المفتي الخطأ؛ فغير مانع من جواز قبول PageV02P321 # قوله، كما نقوله (1) كلنا في الشاهدين ومن جرى مجراهما، وقيام الحجة ~~بالاستفتاء يؤمنه من أن يقدم على قبيح. # وأما حمل الأصول على الفروع في جواز التقليد؛ فغير صحيح، لأن تقليد ~~المستفتى للمفتي إنما جاز لأن له طريقا إلى العلم بحسن ذلك ووجوبه، وإنما ~~يكون له إليه طريق لعلمه بالأصول، ولو لم يكن بها (2) عالما (3) لما جاز أن ~~يعلم حسن هذا التقليد. والتقليد في الأصول غير مستند إلى طريقة علم تقدمت ~~يؤمن بها من الإقدام على القبيح، كما استند التقليد في الفروع إلى ذلك. # فأما قولهم: إذا أمكن أن ms331 يعلم (4) الأصول وهي أغمض، فلا بد من أن يكون ~~متمكنا من العلم بأحكام (5) الفروع؛ فغلط، لأن العلم بالأصول من التوحيد ~~والعدل وما ألحق (6) بهما يمكن أن يعلم على جهة الجملة من أخصر (7) الوجوه ~~وأقربها، وإنما طول المتكلمون في ذلك طلبا للتفريع والتدقيق، وإلا فالعلم ~~على سبيل PageV02P322 # الجملة قريب جدا، وإنما (1) يحتاج إلى الفكر الطويل عند دخول الشبهة (2) ~~القادحة، والعامي إذا اعترضت (3) له شبهة؛ لا يعلم قدحها فيما هو معتقد له ~~وعالم به (4) إلا وهو يتمكن (5) من حلها ومعرفة ما يبطلها. وإن كان غير ~~متمكن من ذلك لقصور فطنته (6) فهو- أيضا- لا يعلم قدح الشبهة فيما اعتقده، ~~فلا يؤثر في حاله. وحوادث الشرع التي لا تنحصر (7) ولا تنضبط لا يكفى (8) ~~فيها العلم بالجملة، ولا بد في كل مسألة منها من علم يخصها، فالعامي لا ~~يجوز أن يتمكن من العلم بتفصيل أحكام (9) كل الحوادث التي حدثت وستحدث، ~~(10) من حيث يتمكن (11) من (12) العلم بالأصول على طريق الجملة. # وقد فرقنا بين هاتين المسألتين في مواضع من كتبنا، وهذا قدر كاف هاهنا. # وإذا تقرر حسن الفتيا والاستفتاء، (13) فالذي يجب أن يكون PageV02P323 # عليه المفتي هو أن يعلم الأصول كلها على سبيل التفصيل، ويهتدى إلى حل كل ~~شبهة تعترض (1) في شيء منها، ويكون- أيضا- عالما بطريقة (2) استخراج ~~الأحكام من الكتاب والسنة، وعارفا من (3) اللغة والعربية (4) بما (5) ~~يحتاج إليه في (6) ذلك، حتى يكون متمكنا من أن يفتى في كل مسألة أو حادثة ~~تعترض أو أكثر ذلك، ويكون مع هذه العلوم ورعا دينا صينا (7) عدلا متنزها ~~حتى يحسن تقليده والسكون (8) إلى نصيحته وأمانته. # وليس القياس عندنا في الشريعة مما تعبدنا (9) به، فيشترط أن يكون عالما ~~بذلك وبوجوه الاجتهادات، كما يشترط أصحاب القياس في المفتي مثل ذلك. # فإذا سئل عن مسألة أجاب عنها إن كان عالما بالجواب، وإن لم يكن عنده علم ~~لا يحل له أن يفتى (10) المستفتى، بل PageV02P324 # يصدقه عن حاله وأنه لا يعلم (1) بها، حتى يرجع إلى غيره فيها. # وللعامي طريق إلى معرفة صفة من يجب عليه أن يستفتيه، لأنه يعلم بالمخالطة ms332 ~~والأخبار المتواترة حال العلماء في البلد الذي يسكنه، ورتبتهم في العلم ~~والصيانة- أيضا- والديانة. # وليس يطعن على هذه الجملة قول من يبطل الفتوى بأن يقول: كيف يعلمه عالما ~~وهو لا يعلم شيئا من علومه، لأنا نعلم أعلم الناس بالتجارة والصياغة في ~~البلد وإن لم نعلم شيئا من التجارة والصياغة، وكذلك العلم بالنحو واللغة ~~وفنون الآداب. # ولا شبهة في أن هذه الصفات إذا كانت ليست عند المستفتى إلا لعالم واحد في ~~البلد لزمه استفتاؤه (2) تعينا (3) وإن كانت لجماعة هم متساوون كان مخيرا. # وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع و(4) أدين؛ فقد اختلفوا: فمنهم ~~من جعله مخيرا، ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدم في العلم والدين، وهو أولى، ~~لأن الثقة هاهنا أقرب وأوكد، والأصول كلها (5) بذلك شاهدة PageV02P325 # وكما يجب على المفتي أن يفتى بما يقطع عليه بعينه وأن يتوقف عما لا ~~يعلمه، كذلك يجب عليه إن تساوى عنده أمران أن يفتى بالتخيير بينهما. # وقد منع قوم عن (1) غير بصيرة من اعتدال الأحكام عند العالم، وقالوا. لا ~~بد من مزية وترجيح. # وليس الأمر على ما ظنوه، لأنه لا مانع من تساوى (2) حكمين عند العالم ~~(3) حتى لا يكون لأحدهما على الآخر مزية، وفي العقول شواهد لذلك لا تحصى: ~~لأن من طولب برد وديعة عنده (4) هو (5) مخير في دفعها بأي يد شاء، ~~والفعلان واجبان عليه على التخيير، ولا مزية لأحدهما على صاحبه. وقد خير ~~الله تعالى في كفارة اليمين بين ثلاث كل واحدة منهن واجبة على التخيير، من ~~غير مزية لأحدها على الأخرى ولا ترجيح. ولا مانع من أن تنزل (6) حادثة (7) ~~لا يوجد (8) في أدلة الكتاب والسنة المقطوع بها وإجماع PageV02P326 # أهل الحق فيها (1) حكم، فيكون العقل مسويا (2) فيها بين أمرين (3) لا ~~مزية لأحدهما على الآخر، فيجبا (4) على جهة التخيير. # وهذا كما أنه جائز متصور في مسائل الاجتهاد، فهو- أيضا- جائز متصور فيما ~~ثبت (5) من الأحكام بالأدلة القاطعة (6) على نحو المثال الذي ذكرناه، ومن ~~أمثلته أن يختلف أهل الحق في حكم حادثة تنزل (7) على وجهين، وعند التأمل ms333 ~~والبحث (8) لا يوجد في الأدلة ما يرجح أحد الوجهين على صاحبه (9) فيكون ~~العالم مخيرا بينهما في نفسه وفيما يفتى به غيره. # فإن قيل (10): فكيف قولكم (11) في العامي إذا أفتاه بعض علمائكم بأن ~~الطلاق (12) الثلاث يقع منه واحدة وأفتاه عالم آخر بأنه لا يقع منه شيء، ~~أو (13) أفتاه أحدهما بالعمل في المشهور على رؤية PageV02P327 # الأهلة وأفتاه الآخر بالعدد؟. # قلنا: الأولى أن يكون هذا المستفتى مخيرا بين الأمرين، لأنه لا طريق له ~~إلى العلم بالحق منهما، وليس تجويزه أن يكون أحد المذهبين خطاء والآخر ~~صوابا يقتضى قبح القبول من المفتي، لأنه غير ممتنع (1) أن يكون ذلك خطاء ~~من المفتي وصوابا من المستفتى، لأن (2) المفتي له طريق إلى (3) العلم ~~بصفة الفعل في حسن أو قبح، والمستفتى لا يتمكن من ذلك، وليس تجويز المستفتى ~~أن يكون المفتي مخطئا فيما أفتاه به لدخول (4) شبهة (5) عليه بأكثر من ~~تجويزه (6) أن يفتيه بالخطإ متعمدا، وإذا (7) كان تجويزه (8) لذلك (9) ~~لا يمتنع من وجوب قبوله منه فكذلك الأول # . PageV02P328 ### | باب الكلام في الحظر والإباحة # اعلم أن حد المباح يتضمن إثباتا ونفيا وتعلقا بالغير: # فالإثبات (1) هو حسنه، والنفي هو أن (2) لا مدح فيه ولا ذم ولا ضرر، ~~والتعليق هو أن (3) يعلم المكلف أو (4) يدل على ذلك من حاله (5). و(6) ~~بمجموع (7) ما ذكرناه ينفصل من وجوه الأفعال الباقية، لأنه بكونه (8) ~~حسنا ينفصل من (9) القبيح، ومما ليس بحسن ولا قبيح، وبكونه لا ضرر فيه ولا ~~مدح ولا ذم ينفصل من الندب والواجب، وبالتعلق (10) ينفصل من الحسن الذي ~~يقع من الله تعالى (11) ولا صفة له زائدة على حسنه، كاستيفاء العقاب، لأنه ~~تعالى لا يجوز أن يعلم ولا يدل، ومن أفعال البهائم ومن جرى مجراها. PageV02P329 # وإن (1) أسقطت في هذا الحد عند ذكر النفي الضرر والذم، واقتصرت على نفي ~~المدح؛ كفى، فإنه بنفي المدح يبين (2) من الندب والواجب، ولا يحتاج إلى أن ~~يبين (3) منهما (4)- أيضا- بنفي الضرر والذم. وهو وإن بان (5) بنفي الضرر ~~عنه والذم من القبيح (6) فيكفيه (7) في إبانته منه (8) كونه حسنا. # ووجدت بعض من يشار ms334 (9) إليه في أصول الفقه ينفى (10) الضرر والمدح والذم ~~في فعل المباح وألا يفعل، ويعتبر ذلك في الأمرين. # وهذا غير صحيح، لأنه يقتضى أن استيفاء العقاب في (11) الآخرة ليس له صفة ~~المباح وإن (12) لم يطلق عليه الاسم، ويقتضى- أيضا- أن يكون استيفاء أحدنا ~~للدين (13) غير مباح، لأن العقاب والدين من ما يستحق المدح بأن لا ~~يستوفيا. PageV02P330 # فإن قال من راعى ما ذكرناه في الفعل وأن (1) لا يفعل: ليس (2) في أن لا ~~يستوفي العقاب والدين مدح على كل حال، وإنما المدح في إسقاط ذلك، وقد لا ~~يستوفي ولا يسقط، فلا يمدح. # قلنا: يجب إذا نفيت المدح نفيا مطلقا في (3) أن لا يفعل (4) أن يعم ~~(5) أحوال ألا يفعل كلها (6) كما عم هذا النفي أحوال الفعل كلها، وإذا (7) ~~كان في بعض الأحوال المدح ثابتا بطل الحد، ومن لم (8) يستوف (9) العقاب ~~أو (10) الدين إنظارا (11) و(12) إمهالا وإن لم يسقط ذلك يستحق المدح لا ~~محالة، وإن كان ذلك دون المدح على الإسقاط، ولهذا مدح تعالى بأنه حليم من ~~حيث (13) لا يعاجل بالعقاب وإن لم يسقطه. # فإذا قيل: قد لا (14) يعاجل بالعقاب ولا يستوفي الدين من PageV02P331 # لا يستحق المدح إذا لم يقصد بذلك الإحسان ووجه النعمة به. # قلنا: وقد (1) يسقط العقاب والدين- أيضا- من لا يستحق المدح إذا لم يقصد ~~الإحسان، ويكفي في انتقاض الحد أن نجد (2) المدح حاصلا في حال من أحوال ~~(3) أن لا يفعل. # وأما حد المحظور (4) فهو القبيح الذي قد أعلم (5) المكلف أو دل على ذلك ~~من حاله، لأنه بما ذكرناه يبين (6) من كل ما يخالفه. # وقد اختلف الناس فيما يصح الانتفاع به ولا ضرر على أحد فيه: فمنهم من ذهب ~~إلى أن (7) ذلك على الحظر (8) ومنهم من ذهب إلى أنه مباح، ومنهم من وقف ~~بين الأمرين. # واختلف من ذهب (9) إلى الحظر (10) فبعضهم (11) ذهب (12) إلى أن ما لا ~~يقوم البدن إلا به (13) ولا يتم العيش إلا معه على الإباحة، PageV02P332 # وما عداه على الحظر (1) وفيهم (2) من سوى بين الكل في الحظر (3) وقال ~~آخرون بالوقف (4) وجوزوا كل واحد من الأمرين: ms335 يعنى الحظر (5) والإباحة. # ولا خلاف بين هذه الفرقة وبين من (6) قطع على الحظر (7) في وجوب الكف ~~عن (8) الإقدام، إلا أنهم اختلفوا في التعليل: # فمن قال بالحظر (9) كف لأنه (10) اعتقد أنه مقدم على قبيح (11) مقطوع ~~عليه، ومن يقول بالوقف إنما كف لأنه لا يأمن من كونه مقدما على محظور (12) قبيح. # والصحيح (13) قول من ذهب فيما ذكرنا صفته من الفعل إلى أنه في العقل ~~(14) على الإباحة. # والذي يدل على صحته أن العلم بأن ما فيه نفع خالص من PageV02P333 # مضرة عاجلة أو آجلة له صفة المباح وأنه (1) يحسن الإقدام عليه كالعلم ~~بأن ما فيه ضرر خالص عن كل منفعة قبيح محظور (2) الإقدام عليه، والعلم بما ~~ذكرناه (3) ضروري كالعلم بقبح ما له صفة الظلم وحسن ما له صفة الإحسان ~~والإنعام. # فإذا قيل: كيف تدعون علم (4) الضرورة فيما يخالف فيه من ذهب إلى الحظر (5)؟!. # قلنا: لم يخالفوا في الموضع الذي ذكرناه (6). وإنما اعتقدوا أن في ~~الإقدام على ما ذكرناه مضرة، فلم يخلص لهم العلم بالصفة التي يتبعها (7) ~~العلم بالإباحة، وكذلك من توقف لم يخلص له هذا العلم، لأنه يعتقد أنه لا ~~يأمن المضرة في الفعل. # ويبين ما ذكرناه أنه لا بد في كل نوع من (8) أحكام (9) الأفعال من أصل ~~ضروري في العقل، ألا ترى أن ما له صفة الظلم لا بد من قبحه في العقل (10) ~~وما (11) له صفة الإنصاف وشكر PageV02P334 # النعمة لا بد من وجوبه، وكذلك لا بد من أن يكون في العقل أصل (1) لإباحة ~~(2) ما له صفة مخصوصة من الأفعال، ولا شيء يمكن ذكره في ذلك إلا ما أشرنا ~~إليه من المنفعة الخالصة (3). # ولم يبق إلا أن يقولوا: دلوا على أنه لا مضرة فيما ذكرتم من الفعل، ففيه ~~الخلاف. # قلنا: المضرة على ضربين: عاجلة وآجلة، فالعاجلة يعلم فقدها لفقد طرق ~~العلم بها أو الظن لها، وللعلم أدلة وطرق، وللظن- أيضا- (4) أمارات وطرق، ~~فإذا فقد كل وجوه العلم و(5) الظن، قطع على انتفاء المضرة العاجلة. ولو لا ~~(6) صحة هذه الطريقة لم يعلم انتفاء المضرة عن تصرفنا وتجاراتنا ms336 وكثير من ~~أفعالنا. وتجويز المضرة في الفعل من غير أمارة عليه يلحق بظن أصحاب ~~السوداء. وأما المضرة الآجلة؛ فهي العقاب، وإنما يعلم انتفاء ذلك لفقد ~~السمع الذي يجب أن يرد به لو كان ثابتا، لأن الله تعالى لا بد أن يعلمنا ما ~~علينا من المضار الآجلة التي هي العقاب PageV02P335 # الذي يقتضيه قبح الفعل، وإذا فقدنا هذا الإعلام (1) قطعنا على انتفاء ~~المضرة الآجلة أيضا. # فإن قيل: أنتم ممن يعتبر في كون الفعل حسنا انتفاء وجوه (2) القبح عنه ~~(3) فمن أين لكم انتفاء وجوه القبح عن تصرفكم؟! قلنا: وجوه (4) القبح ~~معلومة، فإذا لم يكن الفعل كذبا، ولا ظلما، ولا إرادة لقبيح، ولا تكليفا ~~لما لا يطاق، إلى غير ذلك من وجوه القبح، وعلم أنه ليس بمفسدة، لفقد إعلام ~~الله تعالى له بذلك ودلالته عليه، علم انتفاء جميع وجوه القبح. # على أن هذا الضرب من التشكيك قائم في الإحسان وشكر النعم (5) و(6) إذا ~~كان لنا طريق إلى العلم بانتفاء وجوه القبح عن (7) ذلك فهو الطريق (8) ~~إلى غيره (9). # دليل آخر: ومما يدل على أصل المسألة أن قد علمنا حسن التنفس (10) في ~~الهواء، ولا بد لحسن ذلك من علة. PageV02P336 # ولا يجوز أن يكون علته الحاجة (1) إليه، لأن ذلك يقتضى (2) حسن كل شيء ~~يحتاج إليه، وليس (3) هذا قولا لأحد. فإن قيل: # يحسن للحاجة وانتفاء وجوه القبح، فذلك (4) يعود إلى ما قلناه. # ولا يجوز أن يحسن ذلك لدفع مضرة. من حيث كان الحي منا يستضر متى لم ~~يتنفس، لأن هذه المضرة لا تخلو (5) من أمرين: # أحدهما أن يصح استمرار كون الحي منا حيا مع هذه المضرة، والآخر أن يكون ~~استمرارها لا يصح (6) مع هذه المضرة: فإن كان الأول (7) فما فعل لدفع ~~مضرة (8) قد يفعل للنفع، وكل فعل حسن لأحدهما فإنه يحسن للآخر. على أنه قد ~~يحسن التنفس في الهواء الزائد على ما (9) تندفع به المضرة وما دافع حسن ذلك ~~إلا كدافع (10) حسن أصل التنفس. وإن كان الأمر على الوجه الثاني، فقد كان ~~يجب أن لا يتنفس إلا عند ms337 الضرورة، ومعلوم خلافه. على أن من اعتل بذلك أفسد ~~على نفسه الاعتلال PageV02P337 # بقبح التصرف في الملك، لأنه بالتنفس (1) قد تصرف في ملك غيره من الهواء ~~وآلات نفسه بغير إذن المالك. وبعد؛ فإذا جاز التصرف في التنفس لتبقى الحياة ~~ولا تتلف (2) وهي ملك الله تعالى؛ جاز أن يكف (3) عن التنفس (4) ليبقى ~~سكون الهواء وسكون آلات التنفس (5) ولا يتلف ذلك وهو ملك له تعالى، فما ~~أحد الأمرين إلا كالآخر. # طريقة أخرى: ومما (6) استدل به (7) على ذلك أن الله تعالى خلق الأجسام ~~مختصة بالطعوم (8) والأراييح، ولا بد من أن يكون له في ذلك غرض، لأن العبث ~~لا يقع منه لقبحه، ولا وجه لحسن (9) ذلك له إلا خلقها لينتفع بها العباد. ~~ولا يجوز أن يخلقها على وجه النفع (10) إلا مع (11) أنها على الإباحة، ~~والحظر ناقض (12) لهذا الغرض، وقد علم أن النفع لا يجوز عليه تعالى، فلا يمكن PageV02P338 # القول بأنه خلقها لنفعه، ولا يجوز أن يكون خلقها لمضرة الغير، لأن الضرر ~~إذا كان غير مستحق ولا نفع (1) ولا دفع ضرر فيه فهو (2) ظلم، والظلم قبيح ~~لا يقع منه (3) تعالى، وإن كان مستحقا فالكلام (4) في أول ما خلق ولا ~~عاصي (5) هناك يستحق العقاب، ولا يجوز أن يكون ذلك (6) للنفع (7) الذي ~~يجري مجرى العوض (8) لأن ذلك يقتضى تقدم التكليف (9) ولا يجوز أن يكون ~~(10) للنفع (11) الذي هو دفع الضرر، لأنه تعالى قادر على دفع المضار من ~~دونه. ولأن (12) الكلام على أول ما يخلق. ولا يجوز أن يكون النفع فيه هو ~~التكليف، لأنه قد يحسن ذلك بلا تكليف. ولأن ما يتعلق بالتكليف قد يتم من ~~دون خلق الطعوم والأراييح. فلم يبق بعد ذلك إلا أنه (13) مخلوق لانتفاع ~~الخلق، ولا يكون كذلك إلا ولهم أن ينتفعوا PageV02P339 # به، لأن من أعد طعاما ليؤكل متى قيل فيه: إنه قد حرم أكله كان ذلك نقضا (1). # وخلقه ذلك لانتفاع الخلق لا يقتضى أنه تعالى أراد منهم (2) الانتفاع ~~(3) فيكون مريدا للمباحات، بل المعنى أنه تعالى (4) أراد إحداثه لوجه ~~الانتفاع، فالإرادة متعلقة بما خلقه من الأجسام ms338 والأعراض، دون فعل العبد، ~~لأنه (5) يجوز أن يخلقه لهذا الوجه، ويخرج العبد من أن ينتفع بسوء (6) ~~اختياره، ولا يخرج هو تعالى من أن يكون خلق لهذا الغرض. # ويمكن أن يعترض (7) هذه (8) الطريقة بأن يقال: إنه (9) خلق هذه الطعوم ~~وما أشبهها للنفع الذي هو وجوب تجنب الانتفاع بها عاجلا، ليستحق (10) ~~الثواب بذلك، والمنافع الآجلة الدائمة. # فإذا قيل: هذا تكليف، و(11) قد يحسن خلق هذه المعاني PageV02P340 # في الأجسام من غير تكليف. # قلنا: لا نسلم لكم أن خلق ذلك يحسن (1) من دون تكليف مكلف بالعرض (2) ~~بإيجاب تجنب ذلك للمنافع العظيمة الدائمة، فمن ادعى حسنه من دون تكليف؛ ~~فعليه الدلالة، ولن (3) يجدها (4). # وإذا قيل: إن المنفعة التي أشرتم إليها آجلة غير عاجلة (5) وهي منفعة على ~~سبيل المجاز. # قلنا: هذا غلط فاحش، لأن المنفعة الدائمة العظيمة وإن تأخرت فهي أعظم ~~وأنفع من العاجلة المنقطعة. ومن هذا الذي يجترئ على أن يقول: إن الطاعات ~~والعبادات الشاقة ليست بمنافع لنا على الحقيقة؟! ومتى قيل: لو كان الأمر ~~على ما ذكرتم وقدرتم، لوجب أن يدل تعالى على حظر ذلك، وإذا فقدت دلالة ~~الحظر، بطل هذا الوجه. # وذلك أن لهم (6) أن يقولوا: في العقل حظر ذلك، لأنه محظور PageV02P341 # أن يتصرف أحد في غير ملكه بلا إذن المالك. وما (1) لا يزال (2) يقولون: ~~إنه لو خلق الألوان (3) والطعوم والأراييح ليستدل بها على حدوث الجسم ~~والتوصل إلى معرفته تعالى لكان خلق الألوان (4) يغنى عن ذلك ولا يحوج إلى ~~سواه، باطل، (5) لأن الأدلة قد تترادف وتتوالى، و(6) إن أغنى (7) بعضها عن ~~بعض، ولا يكون نصب الدليل (8) الثاني عبثا، لأن الأول أغنى عنه. # ومتى قيل: لا يمكن أن يعلم (9) الأراييح والطعوم في الأجسام فيستدل بها ~~على خالقها تعالى إلا بأن يدركها وينتفع (10) بها، وهذا يرد الأمر (11) ~~إلى (12) أنها خلقت للانتفاع. # وذلك أنه غير ممتنع (13) أن يدركها فلا ينتفع بها، إما لخلونا (14) من ~~شهوة (15) لها ونفار عنها (16) أو لارتفاع الشهوة PageV02P342 # ووجود النفار. # طريقة أخرى: وقد استدل- أيضا- على ذلك بأن كل شيء يمكن الانتفاع به من ~~وجهين ms339 فخلقه تعالى لينتفع به من أحد الوجهين يقتضى كونه عبثا من حيث خلقه ~~على الوجه الآخر، وجرى خلقه له على الوجهين وهو (1) لا يريد أن ينتفع به ~~منهما مجرى خلقه لشيئين يصح الانتفاع بهما وغرضه الانتفاع (2) بأحدهما في ~~أن خلقه للآخر عبث. وليس يجري ذلك مجرى ما لم يخلقه، مما كان يصح أن يخلقه ~~فينتفع (3) به، لأن ما لم يخلق معدوم، والعبث من صفات الموجود. وليس ~~القديم تعالى ممن يصل بفعل (4) إلى آخر، أو بوجه (5) إلى وجه، كأحدنا ~~الذي يصح أن يفعل فعلين، والغرض في أحدهما، لأنه (6)- جل وعز- يتعالى عن ~~(7) ذلك. وقد علمنا أن كون الجسم ذا طعم وذا رائحة وذا ألوان في كونه دلالة ~~على إثبات الصانع يجري مجرى أفعال متغايرة (8) PageV02P343 # فلا يجوز منه تعالى أن يجعله كذلك إلا وهو يريد الانتفاع بالكل (1) على ~~سائر الوجوه. # وهذه الطريقة يمكن- أيضا- اعتراضها بالمعنى المتقدم (2): # فيقال لهم: خلق الطعوم والأراييح يمكن الاستدلال بها على الصانع تعالى ~~كما ذكرتم، وقد أراد تعالى ذلك من المكلفين ويمكن- أيضا- أن ينتفع بها على ~~وجه الإدراك لها والالتذاذ بها، و(3) على وجه آخر، وهو وجوب تجنب هذا ~~الانتفاع، ليستحق بذلك الثواب العظيم، وإرادة هذين الوجهين متعذرة (4) ~~لتنافيهما، فلم يبق إلا أنه يجب أن يكون مريدا لأحدهما، فمن أين قلتم: إنه ~~أراد وجه الانتفاع والالتذاذ دون أن يكون أراد أن يتجنب (5) لاستحقاق (6) ~~الثواب؟!. # فإذا قلتم (7) لو أراد التجنب، لدل عليه. # أمكن أن يقال لكم (8): قد دل عليه بما في العقل من حظر PageV02P344 # التصرف في الملك إلا بإذن المالك. # على أن ذلك ينعكس عليكم، فيقال لكم: و(1) لو أراد إباحة الانتفاع، لدل ~~على ذلك. # وقد استدل من قال بالحظر على صحة مذهبه بأن المخلوقات كلها ملك الله ~~تعالى ولا يجوز في العقول أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه وإباحته، فإذا ~~فقدنا الإذن والإباحة، قطعنا على الحظر (2). وهذه الطريقة عليها يعولون ~~(3) وبها يصولون. # ولنا عنها جوابان: أحدهما (4) أن الدليل العقلي الذي ذكرناه (5) أقوى في ~~الدلالة على الإذن والإباحة من السمع، فإذا ms340 حسن التصرف بالإذن السمعي، فهو ~~بأن يحسن بالدليل العقلي أولى. يوضح ما ذكرناه (6) أن أحدنا لو وضع الماء ~~على الطريق على وجه مخصوص قد جرت العادة بأنه للإباحة، لكان ذلك أقوى في ~~الإباحة من الإذن بالقول. وكذلك لو أحضر الطعام وأقعد (7) الضيف على PageV02P345 # المائدة، لكان ذلك أقوى من إذنه بالقول. ولو أشار إلى تناول الشيء، لكان ~~كالإذن بالقول. # ومما يمكن أن يذكر هاهنا أن ما يملكه أحدنا لا بد من كونه رزقا له ونفعا، ~~ولو ملكنا (1) ما ليس هذه حاله، لحسن من غيرنا (2) تناوله من دون (3) ~~إذننا، وما يملكه تعالى هذه حاله، فمن أين أن التصرف فيه (4) لا يجوز إلا ~~بإذنه؟!. # وبعد، فإن معنى قولنا فيما خلقه الله تعالى: «إنه ملكه» أنه يقدر على ~~التصرف فيه بالإفناء وغيره، وليس هذا هو المراد فينا، بل المراد أنه يتصرف ~~(5) فيه بوجوه المنافع، ولذلك (6) قيل فيما فات الانتفاع به كالميتة ~~وغيرها: إنه (7) ليس بملك، وقد علمنا أن في تصرفنا في منافع الغير تفويتا ~~لنفعه، فيجب كونه ظلما إلا أن يعلم بإذنه أن هناك نفعا هو أجدى علينا، ولا ~~يتأتى (8) ذلك فيما يملكه تعالى. PageV02P346 # فإن قيل: قد يحسن (1) منا منع (2) البهيمة من النفع لما (3) لم تكن ~~مالكة (4) ويقبح ذلك في الملك، وليست العلة إلا الملك (5) وفقد الإذن. # قلنا: النفع إذا حصل له مع البهيمة اختصاص يجري (6) مجرى حيازة الملك لم ~~يكن لنا منعها منه، لما فيه من الإضرار بها. # فأما الجواب الثاني؛ فإن العلة في قبح التصرف في ملك غيرنا ليست ما ~~ذكروه، بل هي أنه تصرف فيما يضره من ملكه بغير إذنه، وهذا غير موجود في ~~ملكه تعالى. # والذي يدل على أن العلة ما ذكرناه أنه قد يحسن من أحدنا أن يستظل بظل ~~حائط غيره بغير إذنه، وأن ينظر في مرآته المنصوبة بغير أمره، وكل ذلك تصرف ~~في ملك الغير (7) بلا إذنه، وإنما حسن من حيث انتفاء الضرر عنه (8) ويوضح ~~ما ذكرناه أن من أباح طعامه لغيره فالمتناول (9) منه ملك لصاحبه، والإذن ~~لم ms341 يؤثر PageV02P347 # في انتقاله عنه، وإنما حسن التصرف لزوال المضرة، ألا ترى أن (1) المأذون ~~له لو علم أن الضرر مع الإذن ثابت لم يحل (2) له التناول؟!. # واعلم أن الأملاك (3) لها أصل في العقل، وليست بموقوفة على السمع، لأن ~~من حاز (4) شيئا وثبتت (5) يده عليه فقد ملكه، ولم يجز لغيره أن يتصرف فيه ~~إلا بإذنه، وقد يحسن- مع هذا الاختصاص وثبوت اليد- التصرف من غير إذن، ~~وذلك (6) مثل أن يتوجه للمتصرف على صاحب اليد حق مخصوص، مثل أن يغصبه ~~درهما وفي ملكه ما يسد مسده من كل وجه، فإن له أن يتناول بغير إذنه من ملكه ~~ذلك المثل، ويجري المثل في هذا الباب مجرى العين في (7) جواز التناول (8) ~~الا ترى أنه يلزمه دفع المثل عند تعذر العين؟!، فكذلك يحل له تناول المثل ~~من حيث صار حقا من حقوقه. # فإن قيل: ما كيفية الاستحقاق العقلي؟. PageV02P348 # قلنا: هو على ضربين، أحدهما (1) استحقاق عين، والآخر استحقاق بدل فأما ~~استحقاق العين، فكالغصب للشيء المعين. وأما استحقاق البدل، فمثاله أن يفوت ~~رد المغصوب بعينه، فيلزم بدله. # فإن كان له بدل (2) يسد (3) مسده في الأغراض المقصودة، تعلق وجوب الرد ~~بالبدل، وجرى (4) مجرى العين. فإن (5) لم (6) يوجد له بدل هذه صفته (7) ~~فلا بد فيه من مراضاة ومصالحة وما يجري (8) مجراهما. # واعلم أن وجوه الاستحقاق (9) العقلية لا تخرج (10) على طريقة الجملة ~~عن (11) وجهين: أحدهما (12) الإتلاف و(13) الافتيات، والآخر العقود ~~والمعاوضات (14). ويدخل في العقود الوديعة، كما يدخل في الإتلاف ضروب ~~التعدي، وفي الافتيات الغصب (15) الذي يبقى PageV02P349 # معه العين ويفتات (1) على مالكها بتناولها ومنعه منها. وقد يستحق على ما ~~تقدم العين مرة (2) والبدل أخرى. # فأما المواريث والغنائم؛ فلا شبهة في أنها أسباب شرعية خارجة عن العقل. ~~وكذلك النفقات والهبات العقلية (3) وإن كانت شروطها شرعية. # والاستحقاق في العقل (4) له (5) وجهان: أحدهما في العين، والآخر في الذمة. # والثابت في الأعيان ينقسم إلى قسمين: أحدهما أن يثبت معينا كالمغصوب (6) ~~والأعيان باقية، والآخر بالصفة، وهو وجود المثل الذي تقدم (7) ذكره. # وأما ما يثبت في الذمة؛ فهو وجوب الحق ms342 مع انتفاء تعلقه بالعين، لأن من ~~عليه دين إذا كان واجدا للمال في غير بلده يعلم أن الحق ثابت عليه. وكذلك ~~المفلس الذي يرجى (8) أن يجد المال، PageV02P350 # فالاستحقاق ثابت هاهنا (1) وإن لم يكن في عين مخصوصة. ### | باب في النافي والمستصحب للحال هل عليهما دليل أم لا # اعلم أن قوما غفلوا فذهبوا إلى أن النافي لا دليل عليه، كما أنه لا بينة ~~على المنكر، ولا دليل على من نفي نبوة (2) مدعى (3) النبوة، وكما لا دليل ~~على من نفي كونه عالما بشيء. وفيهم من ذهب إلى أن نافي الأحكام العقلية ~~عليه الدليل (4) وليس ذلك على نافي الأحكام الشرعية. # والصحيح أن على (5) كل ناف (6) لحكم (7) عقلي أو شرعي (8) الدليل. # والذي يدل على ذلك أن النافي مخبر عن اعتقاده ومذهبه بانتفاء (9) الحكم، ~~فلا بد إذا لم يكن ذلك (10) ضروريا من أن يبين (11) PageV02P351 # وجهه وطريقه، ومن أي وجه وجب اعتقاده؟ وجرى النفي في المذهب والاعتقاد ~~مجرى الإثبات في وجوب إقامة الدليل على كل واحد منهما. وإنما لزم في (1) ~~الإثبات (2) الدليل لأنه مذهب واعتقاد يجب بيان وجهه (3) لا لأنه إثبات، ~~فالنفي مشارك له في هذا الحكم. # واعلم أن الطرق التي (4) تثبت (5) منها العلوم- سواء كانت ضرورية أو ~~استدلالية- يدخل فيها طريقة النفي، كالإدراك لما كان طريقا للعلم الضروري ~~صار بعينه طريقا لنفي الدرك، وكذلك الأخبار لما كانت طريقا (6) إلى العلم ~~بالبلدان (7) وما أشبهها، صار نفيها (8) طريقا إلى نفي بلدة زائدة وحادثة ~~زائدة على ما عرفناه، ولهذا انتفى (9) الصفات عن الذوات بانتفاء أحكامها، ~~وتنفي (10) النبوة عن مدعيها لانتفاء العلم المعجز (11) وينفي وجوب صوم ~~شهر زائد PageV02P352 # على شهر الصيام، وصلاة زائدة على الخمس، لانتفاء دلالة التعبد بذلك. # ولعل ذلك إنما أشكل من حيث عولنا في الاستدلال على النفي، فظن أن ذلك ليس ~~بدلالة، وقد يكون الدلالة نفيا وإثباتا. # وليس نفي العلم بالحكم يجري مجرى نفي الحكم، لأن نفى العلم يقتضى الشك ~~والتوقف، ولا دليل على الشاك، لأنه خال من الاعتقادات والمذاهب، والنافي ~~ذاهب إلى شيء بعينه اعتقده، فعليه إقامة الدليل. ms343 # فأما ما تعلقوا به من أنه لا بينة على المنكر، فذلك طريقة الشرع دون ~~العقل، وكلامنا فيما يقتضيه العقل (1). ولو كان لا بينة عليه، لما احتاج ~~إلى اليمين، لأنها تجري في براءة ساحته وقطع خصومته مجرى البينة. على أن ~~كون الشيء في يد المنكر يجري مجرى البينة. لأنه لو لم يكن في يده لجرى ~~مجرى المدعى الآخر في الحاجة إلى بينة، وأما (2) استصحاب الحال؛ فعند ~~التحقيق لا يرجع المتعلق PageV02P353 # بها إلا إلى أنه أثبت حكما بغير دليل، لأنهم يقولون: إن الرائي (1) ~~للماء في الصلاة قد ثبت قبل رؤيته له بالإجماع وجوب مضيه في الصلاة، فيجب ~~أن يكون على هذه الحال مع رؤية الماء، وهذا جمع بين الحالين (2) في حكم من ~~غير دلالة جامعة، لأن الحالين مختلفان (3) من حيث كان غير واجد للماء في ~~إحداهما وواجدا له في الأخرى، فكيف يسوي بين الحالتين من غير دلالة؟!. # وإذا كنا أثبتنا الحكم في الحال الأول (4) بدليل، فالواجب أن ينظر، فإن ~~كان ذلك الدليل في تناول الحالين؛ سوينا بينهما فيه، وليس هاهنا استصحاب ~~حال. وإن كان تناول الدليل إنما هو للحال الأولى فقط، فالحال الثانية عارية ~~من دليل، ولا يجوز إثبات مثل الحكم لها من غير دليل، وجرت هذه الحال مع ~~الخلو من دلالة مجرى الأولى لو خلت من دلالة، فإذا لم يجز إثبات الحكم ~~الأول (5) إلا، بدليل، فكذلك الثانية، وجرت الحالان مجرى PageV02P354 # مسألتين في أنه لا بد من دليل يجمعهما، أو (1) اختصاص كل مسألة بدلالة. # فإن قالوا: ثبوت الحكم في الحال الأول (2) يقتضى استمراره إلا بمنع (3) ~~لأن ذلك لو لم يجب لم يعلم استمرار الأحكام في موضع من المواضع. وحدوث ~~الحوادث لا يمنع من ذلك، كما لا تمنع (4) حركة الفلك وما جرى مجراها (5) ~~من الحوادث، فيجب استصحاب الحال ما لم يمنع مانع. # قلنا: لا بد من اعتبار الدليل الدال (6) على ثبوت الحكم في الحالة ~~الأولى، وكيفية إثباته، وهل أثبت ذلك في حالة واحدة أو على سبيل ~~الاستمرار؟، وهل تعلق بشرط مراعى أو لم ms344 يتعلق؟، وقد علمنا أن الحكم الثابت ~~في الحال الأول (7) إنما يثبت بشرط فقد الماء، والماء في الحال الثانية ~~موجود، واتفقت الأمة على ثبوته (8) في الأول (9) واختلفت في الثانية، ~~فالحالتان (10) مختلفتان، PageV02P355 # ولا بد من دلالة على كل واحدة منهما. وقد ثبت في العقول أن من شاهد زيدا ~~في الدار ثم غاب عنه أنه لا يحسن أن يعتقد استمرار كونه (1) في الدار إلا ~~بدليل متجدد، ولا يجوز استصحاب الحال الأول (2). وصار كونه في الدار في ~~الثاني وقد زالت الرؤية بمنزلة كون عمرو فيها مع فقد الرؤية. # فأما القضاء بأن حركة الفلك وما جرى (3) مجراها لا يمنع من استمرار ~~الأحكام؛ فذلك معلوم بالأدلة. وعلى من ادعى أن رؤية الماء لم تغير (4) ~~الحكم الدلالة. # وبمثل ذلك نجيب (5) من قال: فيجب أن لا يقطع بخبر من أخبرنا عن مكة وما ~~جرى مجراها (6) من البلدان على استمرار وجودها، وذلك أنه لا بد في القطع ~~على الاستمرار من دليل إما عادة أو ما يقوم مقامها، وكذلك كان من يجوز (7) ~~انتقاض العادات في كل الأحوال يجوز (8) من ذلك ما لا يجوزه (9) غيره ممن ~~يمنع ذلك. PageV02P356 # ولو كان البلد الذي خبرنا عنه على ساحل البحر، لجوزنا زواله لغلبة البحر ~~عليه، إلا أن يمنع من ذلك (1) خبر متواتر، فالدليل على ذلك كله لا بد منه. # فأما القول بأقل ما قيل في المسألة، من حيث كان الإجماع ثابتا فيه، ~~والزيادة لا دليل عليها، فبقي وجوبها؛ فهو صحيح إذا (2) بنى على ما قدمناه ~~من الاستدلال على نفي الحكم بنفي الدلالة عليه إذا كان من الباب الذي متى ~~كان حقا وجب أن يكون عليه دلالة منصوبة. وليس يختص ذلك بأقل ما قيل فيه، ~~بل (3) في كل حق اختلف في ثبوته وهو مما يجب إذا كان ثابتا و(4) وجود ~~دلالة عليه. # فإن قيل: لم وجب النفي لعدم دليل الإثبات، ولم (5) يجب الإثبات لعدم ~~دليل النفي؟. # قلنا: لا بد لكل مثبت أو ناف (6) من دليل على ما نفاه أو أثبته، غير أن ~~النافي لأمر قد ms345 علم بالدليل أنه لو كان ثابتا لوجب PageV02P357 # أن يكون (1) عليه دلالة قائمة يمكن أن ينفيه من حيث انتفت الدلالة عليه، ~~وصار انتفاء الدلالة هاهنا دليلا كافيا على النفي، وليس كذلك الإثبات، لأنه ~~لا بد فيه من دلالة هي إثبات لا يرجع (2) إلى طريقة النفي، حتى يقال: لو ~~كان منتفيا لكان على انتفائه دليل، فإذا فقد، قطعنا على ثبوته، لأن الفرق ~~بين الأمرين يتبين (3) بمسائل كثيرة: # منها أنا كلنا نقطع في شخص بعينه على أنه ليس بنبي، لفقد العلم المعجز ~~(4) الدال على نبوته، ولا يحتاج إلى غير ذلك في نفى نبوته، ولا يجوز قياسا ~~على ذلك أن نثبت (5) نبوة شخص آخر، من حيث فقدنا الدليل على (6) أنه ليس ~~بنبي، بل لا بد في إثبات نبوته من دليل لا (7) يرجع فيه إلى النفي. # ومن ذلك أنا ننفي وجوب (8) صلاة سادسة، ووجوب صيام شهر زائد على شهر ~~الصيام (9) من حيث فقدنا دلالة وجوب ذلك، PageV02P358 # وهو من الباب الذي متى كان واجبا فلا بد من دلالة على وجوبه. # ومن (1) ذلك أننا ننفي بلدا (2) زائدا على ما عرفناه من البلدان، من حيث ~~لو كان موجودا لخبرنا عنه، فنجعل (3) الطريق إلى نفيه نفي الخبر عنه، ولا ~~يجوز إثبات بلد بأن نقول (4): لو لم يكن ثابتا لخبرنا عن فقده، وكذلك ~~ننفي (5) وقوع فتنة عظيمة في الجامع يوم الجمعة لفقد الخبر عنها، ولا تثبت ~~هذه الفتنة من حيث ارتفع الخبر عن انتفائها، لأن نقل الأخبار أحد الأدلة، ~~فاعتبر في نفى الأمور نفي ورودها بإثباتها، ولم يعتبر (6) في إثباتها نفي ~~ورودها (7) بنفيها. # وقد كنا قديما أملينا (8) مسألة استقصينا فيها الكلام على هذه النكتة، ~~وبينا أن هذه الطريقة تقتضي (9) إثبات ما لا يتناهى من الأدلة، لأننا (10) ~~ننفي ما لا نهاية له، فلو احتجنا في كل منفي إلى دليل (11) PageV02P359 # هو إثبات، لوجب (1) ما ذكرناه من أدلة لا تتناهى (2) وليس كذلك ~~الإثبات، لأن الأشياء المثبتة متناهية، فيجوز إثباتها لا من طريقة النفي، ~~بل بأدلة إثبات متناهية. # فإن قيل: فيجب أن لا يستدل ms346 (3) على نفي الحكم الشرعي بنفي الدلالة عليه ~~إلا (4) العلماء الذين فتشوا الأدلة، وغاصوا على أعماقها، حتى يصح أن ~~ينفوها متى لم تكن (5) لهم (6) ظاهرة. # قلنا: كذلك هو و(7) من لم يكن عالما (8) ممن يجب ظهور الأدلة له لا يجوز ~~أن يعتمد هذه الطريقة. # وأما (9) الاستدلال ببراءة الذمة؛ فمما (10) يمكن الاعتماد (11) عليه، ~~لأن تعلق الحق بالذمة عقلا أو شرعا يحتاج إلى سبب استحقاق، فإذا أدى النظر ~~إلى فقد سبب الاستحقاق (12) علم براءة الذمة. PageV02P360 # ولو لا صحة هذه الطريقة لما علم العقلاء براءة ذممهم (1) من الحقوق. # ونحن الآن قاطعون كتابنا هذا، فقد (2) انتهينا فيه (3) إلى (4) الأمد ~~(5) المقصود، والمغزى (6) المطلوب، وإلى الله تعالى الرغبة (7) في أن يغفر ~~لنا زللا، إن كان جرى فيه ما اعتمدناه (8) ولا أردناه، وأن يوفر ثوابها ~~على ما وافق الحق ونصره وكشف عن قناعة وأظهره، ولا يخجلنا (9) بشيء (10) ~~مما سطرناه وذكرناه عند الموافقة يوم الحساب ونشر الكتاب إنه سميع مجيب. PageV02P361 ms347