######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_002746Vols
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: السيد المرتضى
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 436
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: الذريعة (أصول فقه)
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند الشيعة
#META# 022.BookVOLS :: 2
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_002746Vols
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2746_الذريعة-(أصول-فقه)-السيد-المرتضى-ج-1
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: تصحيح وتقديم وتعليق : أبو القاسم گرجي
#META# 041.EdNUMBER :: NODATA
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1346 ش
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# انتشارات دانشگاه تهران شماره 1100 گنجينه عقايد وفقه اسلامي شماره 26 -
~~الذريعة إلى أصول الشريعة تصنيف سيد مرتضى علم الهدى (أبو القاسم على بن
~~الحسين الموسوي) قسمت أول (از آغاز تا پايان مباحث نسخ) تصحيح ومقدمه
~~وتعليقات از دكتر أبو القاسم گرجى مقدمة الكتاب - بسم الله الرحمن الرحيم -
~~الحمد لله حمد الشاكرين الذاكرين، المعترفين بجميل (1) آلائه و جزيل
~~نعمائه، المستبصرين بتبصيره (2) المتذكرين (3) بتذكيره، الذين تأدبوا
~~بتثقيفه (4)، وتهذبوا (5) بتوفيقه، واستضاؤوا بأضوائه، وترووا من أنوائه
~~حتى هجموا بالهداية إلى الدراية (6)، وعلموا بعد (7) الجهالة، واهتدوا بعد
~~الضلالة، فلزموا القصد، ولم يتعدوا الحد، فيقلوا في موضع الاكثار، ويطيلوا
~~في مكان الاختصار، ويمزجوا بين متباينين، ويجمعوا بين متنافرين، فرب مصيب
~~حرم في صوابه ترتيبه له في مراتبه وتنزيله في منازله، فعد مخطئا، وعن
~~الرشاد مبطئا، وصلى الله على أفضل بريته وأكمل خليقته سيدنا محمد وآله
~~الطاهرين وسلم.
# أما بعد: فإنني (9) رأيت أن أملى كتابا متوسطا في أصول الفقه (10) لا
~~ينتهى بتطويل إلى الاملال (11)، ولا باختصار إلى الاخلال، بل يكون
# PageV01P001
# للحاجة سدادا وللبصيرة زنادا، وأخص مسائل الخلاف بالاستيفاء والاستقصاء
~~فإن مسائل الوفاق تقل الحاجة فيها إلى ذلك.
# فقد وجدت بعض من أفرد في أصول (1) الفقه كتابا، وإن كان قد أصاب في كثير
~~من معانيه وأوضاعه ومبانيه، قد شرد (2) من (3) قانون أصول الفقه وأسلوبها،
~~وتعداها كثيرا وتخطاها، فتكلم على حد العلم والظن وكيف يولد النظر العلم،
~~والفرق بين وجوب المسبب عن السبب، وبين حصول الشئ عند غيره على مقتضى
~~العادة، وما تختلف (4) العادة وتتفق، والشروط التي يعلم بها (5) كون خطابه
~~تعالى دالا على الاحكام وخطاب الرسول عليه السلام، والفرق بين خطابيهما
~~بحيث يفترقان أو يجتمعان، إلى غير ذلك من الكلام الذي هو محض صرف خالص
~~للكلام (6) في أصول الدين دون أصول الفقه.
# فإن كان دعا إلى الكلام على هذه المواضع أن أصول الفقه (8) لا تتم ولا
~~تثبت إلا بعد ثبوت هذه الأصول، فهذه العلة تقتضي أن يتكلم (9) على سائر
~~أصول الدين من أولها إلى آخرها وعلى ترتيبها، ms001 فإن أصول
# PageV01P002
# الفقه مبنية على جميع أصول الدين مع التأمل (1) الصحيح، وهذا يوجب علينا
~~أن نبتدئ في أصول الفقه بالكلام على حدوث الأجسام وإثبات المحدث وصفاته
~~وجميع أبواب التوحيد، ثم بجميع (2) أبواب التعديل و (3) النبوات، ومعلوم أن
~~ذلك مما لا يجوز فضلا عن أن يجب. والحجة في إطراح الكلام على هذه الأصول هي
~~(4) الحجة في إطراح الكلام (5) على النظر وكيفية توليده وجميع ما ذكرناه
~~(6).
# وإذا كان مضى (7) ذكر العلم والظن (8) في أصول الفقه اقتضى أن يذكر ما
~~يولد العلم ويقتضي (9) الظن ويتكلم (10) في أحوال الأسباب وكيفية توليدها،
~~فألا اقتضانا (11) ذكرنا (12) الخطاب الذي هو العمدة في أصول الفقه والمدار
~~عليه أن نذكر (13) الكلام في الأصوات و (14) جميع أحكامها، وهل الصوت جسم
~~أو صفة لجسم (15) أو عرض؟ وحاجته إلى المحل (16).
# وما يولده، وكيفية توليده، وهل الكلام معنى في النفس أو هو جنس الصوت أو
~~معنى يوجد مع الصوت؟ على ما يقوله أبو على. فما التشاغل
# PageV01P003
# بذلك كله إلا كالتشاغل بما أشرنا إليه مما تكلفه، وما تركه إلا كتركه.
~~والكلام في هذا الباب إنما هو الكلام في أصول الفقه بلا واسطة من الكلام
~~فيما هو أصول لأصول الفقه. والكلام في هذا الفن إنما هو مع من تقررت معه
~~أصول الدين وتمهدت، ثم تعداها إلى غيرها مما هو مبنى عليها. فإذا كان
~~المخالف لنا مخالفا في أصول الدين، كما أنه مخالف في أصول الفقه، أحلناه
~~على الكتب الموضوعة للكلام في أصول الدين، ولم نجمع له في كتاب واحد بين
~~الامرين.
# ولعل القليل التافه من مسائل أصول الفقه، مما لم أملل فيه مسألة مفردة
~~مستوفاة مستقلة مستقصاة، لا سيما مسائله المهمات الكبار. فأما الكلام في
~~الاجماع فهو في الكتاب الشافي والذخيرة مستوفى . وكذلك الكلام في الاخبار.
~~والكلام في القياس والاجتهاد بسطناه وشرحناه في جواب مسائل أهل الموصل
~~الأولى.
# وقد كنا قديما أمللنا قطعة من مسائل الخلاف في أصول الفقه، PageV01P004
# وعلق عنا دفعات لا تحصى من غير كتاب يقرأه المعلق علينا من مسائل الخلاف
~~على غاية ms002 الاستيفاء دفعات كثيرة. وعلق عنا كتاب العمدة * مرارا لا تحصى.
~~والحاجة مع ذلك إلى هذا الكتاب الذي قد شرعنا فيه ماسة تامة، والمنفعة به
~~عامة، لان طالب الحق من هذا العلم يهتدى بأعلامه عليه، فيقع من قرب عليه.
~~ومن يعتقد من الفقهاء مذهبا بعينه تقليدا أو إلفا في أصول الفقه، ينتفع بما
~~أوضحناه من نصرة ما يوافق فيه، مما كان لا يهتدى إلى نصرته وكشف قناع حجته،
~~ولا يجده في كتب موافقيه ومصنفيه ويستفيد أيضا فيما يخالفنا فيه، إنا حررنا
~~في هذا الكتاب شبهه التي هي عنده حجج وقررناها، وهذبناها، وأظهرنا من
~~معانيها ودقايقها ما كان مستورا، وإن كنا من بعد عاطفين على نقضها وإبانة
~~فسادها، فهو على كل حال متقلب بين فائدتين مترددتين منفعتين.
# فهذا الكتاب إذا أعان الله تعالى على إتمامه وإبرامه، كان بغير نظير من
~~الكتب المصنفة في هذا الباب. ولم نعن في تجويد وتحرير وتهذيب، فقد يكون ذلك
~~فيما سبق إليه من المذاهب والأدلة، PageV01P005
# وإنما أردنا أن مذاهبنا في أصول الفقه ما اجتمعت لاحد من مصنفي كتب أصول
~~الفقه. وعلى هذا فغير ممكن أن يستعان بكلام أحد من مصنفي الكلام في هذه
~~الأصول، لان الخلاف في المذاهب والأدلة والطرق والأوضاع يمنع من ذلك، ألا
~~ترى أن الكلام في الأمر والنهي الغالب على مسائله والأكثر والأظهر أخالف
~~القوم فيه، والعموم والخصوص فخلافي لهم، وما يتفرع عليه أظهر، وكذلك البيان
~~والمجمل والاجماع والاخبار والقياس والاجتهاد مما خلافي جميعه أظهر من أن
~~يحتاج إلى إشارة، فقد تحقق استبداد هذا الكتاب بطرق مجددة لا استعانة عليها
~~بشئ من كتب القوم المصنفة في هذا الباب. وما توفيقنا الا بالله تعالى.
# وقد سميته بالذريعة إلى أصول الشريعة، لأنه سبب ووصلة إلى علم هذه
~~الأصول. وهذه اللفظة في اللغة العربية وما تتصرف إليه تفيد هذا المعنى الذي
~~أشرنا إليه، لأنهم يسمون الحبل الذي يحتبل به PageV01P006
# الصائد الصيد ذريعة واسم الذراع من هذا المعنى اشتق، لان بها يتوصل إلى
~~الاغراض والأوطار، والذراع أيضا صدر ms003 القناة. وذرع القئ إذا غلب، وبلغ من
~~صاحبه الوطر. فبان أن التصرف يعود إلى المعنى الذي ذكرناه. وما توفيقنا إلا
~~بالله عليه توكلنا وإليه ننيب.
# باب الكلام في الخطاب وأقسامه وأحكامه إعلم أن الكلام في أصول الفقه إنما
~~هو على الحقيقة كلام في أدلة الفقه، يدل على أنا إذا تأملنا ما يسمى بأنه
~~أصول الفقه، وجدناه لا يخرج من أن يكون موصلا إلى العلم بالفقه أو متعلقا
~~به وطريقا إلى ما هذه صفته، والاختبار يحقق ذلك. ولا يلزم على ما ذكرناه أن
~~تكون الأدلة والطرق إلى أحكام فروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء أصولا
~~للفقه، لان الكلام في أصول الفقه إنما هو كلام في كيفية دلالة ما يدل من
~~هذه الأصول على الاحكام على طريق الجملة دون التفصيل، وأدلة PageV01P007
# الفقهاء إنما هي على تعيين المسائل، والكلام في الجملة غير الكلام في
~~التفصيل.
# وإذا كان مدار الكلام في أصول الفقه إنما هو على الخطاب وجب أن نبدأ بذكر
~~أحكام الخطاب.
# والخطاب هو الكلام إذا وقع على بعض الوجوه، وليس كل كلام خطابا، وكل خطاب
~~كلام. والخطاب يفتقر في كونه كذلك على إرادة المخاطب لكونه خطابا لمن هو
~~خطاب له ومتوجها إليه والذي يدل على ذلك أن الخطاب قد يوافقه في جميع صفاته
~~من وجود وحدوث وصيغة وترتيب ما ليس بخطاب، فلا بد من أمر زائد به كان
~~خطابا، وهو قصد المخاطب. ولهذا قد يسمع كلام الرجل جماعة ويكون الخطاب
~~لبعضهم دون بعض لأجل القصد الذي أشرنا إليه المخصص لبعضهم من بعض، ولهذا
~~جاز أن يتكلم النائم، ولم يجز أن يخاطب، كما لم يجز أن يأمر وينهى.
# وينقسم الخطاب إلى قسمين مهمل ومستعمل. فالمهمل: ما لم يوضع PageV01P008
# في اللغة التي أضيف أنه مهمل إليها لشئ من المعاني، والفوائد. و أما
~~المستعمل: فهو الموضوع لمعنى، أو فائدة. وينقسم إلى قسمين.
# أحدهما: ما له معنى صحيح وإن كان لا يفيد فيما سمى به كنحو الألقاب مثل
~~قولنا: زيد وعمرو، وهذا القسم جعله القوم بدلا ms004 من الإشارة ولهذا لا يستعمل
~~في الله تعالى. والفرق بينه وبين المفيد أن اللقب يجوز تبديله وتغييره،
~~واللغة على ما هي عليه، والمفيد لا يجوز ذلك فيه.
# ولهذا كان الصحيح أن لفظة شئ ليست لقبا، بل من قسم مفيد الكلام، لان
~~تبديلها وتغييرها لا يجوز، واللغة على ما هي عليه *.
# وإنما لم تفد لفظة شئ، لاشتراك جميع المعلومات في معناها، فتعذرت فيها
~~طريقة الإبانة والتمييز. فلامر يرجع إلى غيرها لم تفد، واللقب لا يفيد لأمر
~~يرجع إليه.
# والقسم الثاني من القسمة المتقدمة: هو المفيد الذي يقتضى الإبانة.
# وهو على ثلاثة أضرب. أحدها: أن يبين نوعا من نوع، كقولنا: PageV01P009
# لون، وكون، واعتقاد، وإرادة. وثانيها: أن يبين جنسا من جنس كقولنا: جوهر،
~~وسواد، وحياة، وتأليف. وثالثها: أن يبين عينا من عين كقولنا: عالم، وقادر،
~~وأسود، وأبيض.
# البحث في الحقيقة والمجاز وينقسم المفيد من الكلام إلى ضربين: حقيقة
~~ومجاز. فاللفظ الموصوف بأنه حقيقة هو ما أريد به ما وضع ذلك اللفظ لإفادته
~~إما في لغة، أو عرف، أو شرع. ومتى تأملت ما حدت به الحقيقة وجدت ما ذكرناه
~~أسلم وأبعد من القدح. وحد المجاز هو اللفظ الذي أريد به ما لم يوضع لإفادته
~~في لغة، ولا عرف، ولا شرع.
# ومن حكم الحقيقة وجوب حملها على ظاهرها إلا بدليل. والمجاز بالعكس من
~~ذلك، بل يجب حمله على ما اقتضاه الدليل. والوجه في ثبوت هذا الحكم للحقيقة
~~أن المواضعة قد جعلت ظاهرها للفائدة المخصوصة، فإذا خاطب الحكيم قوما
~~بلغتهم وجرد كلامه عما يقتضى PageV01P010
# العدول عن ظاهره، فلا بد من أن يريد به ما تقتضيه المواضعة في تلك اللفظة
~~التي استعملها.
# ومن شأن الحقيقة ان تجرى في كل موضع تثبت فيه فائدتها من غير تخصيص، إلا
~~أن يعرض عارض سمعي يمنع من ذلك. هذا إن لم يكن في الأصل تلك الحقيقة وضعت
~~لتفيد معنى في جنس دون جنس، نحو قولنا: أبلق، فإنه يفيد اجتماع لونين
~~مختلفين في بعض الذوات دون بعض، لأنهم يقولون: فرس أبلق، ولا ms005 يقولون:
# ثور أبلق.
# وإنما أوجبنا اطراد الحقيقة في فائدتها، لان المواضعة تقتضي ذلك، والغرض
~~فيها لا يتم إلا بالاطراد، فلو لم تجب تسمية كل من فعل الضرب بأنه ضارب،
~~لنقض ذلك القول بأن أهل اللغة إنما سمو الضارب ضاربا، لوقوع هذا الحدث
~~المخصوص الذي هو الضرب منه. PageV01P011
# وإنما استثنينا المنع السمعي لأنه ربما عرض في إجراء الاسم على بعض ما
~~فيه فائدته مفسدة، فيقبح إجرائه، فيمنع السمع منه، كما قلنا في تسميته
~~تعالى بأنه فاضل.
# واعلم أن الحقيقة يجوز أن يقل استعمالها، ويتغير حالها فيصير كالمجاز.
~~وكذلك المجاز غير ممتنع أن يكثر استعماله في العرف فيلحق بحكم الحقائق.
~~وإنما قلنا ذلك، من حيث كان إجراء هذه الأسماء على فوائدها في الأصل ليس
~~بواجب، وإنما هو بحسب الاختيار، وإذا صح في أصل اللغة التغيير والتبديل،
~~فكذلك في فرعها، والمنع من جواز ذلك متعذر. وإذا كان جائزا، فأقوى ما ذكر
~~في وقوعه وحصوله أن قولنا: غائط، كان في الأصل اسم للمكان المطمئن من الأرض
~~ثم غلب عليه الاستعمال العرفي، فانتقل إلى الكناية عن قضاء الحاجة والحدث
~~المخصوص، ولهذا لا يفهم من إطلاق هذه اللفظة في العرف إلا ما ذكرناه، دون
~~ما كانت PageV01P012
# عليه في الأصل. وأما استشهادهم على ذلك بالصلاة والصيام، وأن المفهوم في
~~الأصل من لفظة الصلاة الدعاء، ثم صار بعرف الشرع المعروف سواه، وفى الصيام
~~الامساك، ثم صار في الشرع لما كان يخالفه، فإنه يضعف، من حيث أمكن أن يقال
~~إن ذلك ليس بنقل، وإنما هو تخصيص، وهذا غير ممكن في لفظة الغائط.
# وأقوى ما يعرف به كون اللفظ حقيقة هو نص أهل اللغة، وتوقيفهم على ذلك، أو
~~يكون معلوما من حالهم ضرورة.
# ويتلوه في القوة أن يستعملوا اللفظ في بعض الفوائد، ولا يدلونا على أنهم
~~متجوزون بها مستعيرون لها، فيعلم أنها حقيقة، ولهذا نقول: إن ظاهر استعمال
~~أهل اللغة اللفظة في شئ دلالة على انها حقيقة فيه الا ان ينقلنا ناقل عن
~~هذا الظاهر.
# وقد قيل فيما يعرف به ms006 الحقيقة أشياء غيرها عليها إذا تأملتها PageV01P013
# حق التأمل طعن، وفيها قدح. وما ذكرناه أبعد من الشبهة.
# ويمضى في الكتب كثيرا أن المجاز لا يجوز استعماله إلا في الموضع الذي
~~استعمله فيه أهل اللغة من غير تعد له. ولا بد من تحقيق هذا الموضع فإنه
~~تلبيس.
# والذي يجب، أن يكون المجاز مستعملا فيما استعمله فيه أهل اللغة أو في
~~نوعه وقبيله. ألا ترى أنهم لما حذفوا المضاف، وأقاموا المضاف إليه مقامه في
~~قوله تعالى: واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها، أشعرونا
~~بأن حذف المضاف توسعا جائز، فساغ لنا أن نقول * سل المنازل التي نزلناها،
~~والخيل التي ركبناها، على هذه الطريقة في الحذف. ولما وصفوا البليد بأنه
~~حمار تشبيها له به في البلادة، والجواد بالبحر تشبيها له به في كثرة عطائه،
~~جاز أن نصف البليد بغير ذلك من الأوصاف المنبئة عن عدم الفطنة، فنقول:
# إنه صخرة، وإنه جماد، وما أشبه ذلك. ولما أجروا على الشئ PageV01P014
# اسم ما قارنه في بعض المواضع، فقلنا مثل ذلك للمقارنة في موضع آخر. ألا
~~ترى أنهم قالوا سل القرية في قرية معينة، وتعديناها إلى غيرها بلا شبهة
~~للمشاركة في المعنى. وكذلك في النوع والقبيل.
# وليس هذا هو القياس في اللغة المطرح، كما لم يكن ذلك قياسا في تعدى العين
~~الواحدة في القرية.
# وبعد فإنا نعلم أن ضروب المجازات الموجودات الآن في اللغة لم يستعملها
~~القوم ضربة واحدة في حال واحدة، بل في زمان بعد زمان، ولم يخرج من استعمل
~~ذلك ما لم يكن بعينه، مستعملا عن قانون اللغة، فكذلك ما ذكرناه.
# واعلم أن الخطاب إذا انقسم إلى لغوي، وعرفي، وشرعي، وجب بيان مراتبه
~~وكيفية تقديم بعضه على بعض، حتى يعتمد ذلك فيما يرد منه تعالى - من الخطاب.
# وجملة القول فيه أنه إذا ورد منه تعالى خطاب، وليس فيه عرف، ولا شرع، وجب
~~حمله على وضع اللغة. لأنه الأصل. PageV01P015
# فإن كان فيه وضع، وعرف، وجب حمله على العرف دون أصل الوضع لان العرف طار
~~على ms007 أصل الوضع، وكالناسخ له والمؤثر فيه.
# فإذا كان هناك وضع، وعرف، وشرع، وجب حمل الخطاب على الشرع دون الامرين
~~المذكورين. للعلة التي ذكرناها. ولأن الأسماء الشرعية صادرة عنه - تعالى -،
~~فتجري مجرى الاحكام في أنه لا يتعدى عنها.
# واعلم أن الناس قد طولوا في أقسام الكلام، وأورد بعضهم في أصول الفقه ما
~~لا حاجة إليه.
# وأحصر ما قسم الكلام المفيد إليه، أنه إما أن يكون خبرا أو ما معناه معنى
~~الخبر. وعند التأمل يعلم دخول جميع أقسام الكلام تحت ما ذكرناه. لان الامر
~~من حيث دل على أن الآمر مريد للمأمور به، كان في معنى الخبر. والنهى إنما
~~كان نهيا لان الناهي كاره لما نهى عنه، فمعناه معنى الخبر. ولأن المخاطب
~~غيره إما أن يعرفه حال نفسه، أو حال غيره، وتعريفه حال غيره يكون بالخبر
~~دون الامر، وتعريفه حال نفسه يكون بالامر والنهى، وإن جاز أن يكون بالخبر.
~~PageV01P016
# واعلم أن المفيد من الأسماء إما أن يختص بعين واحدة ولا يتعداها، أو يكون
~~مفيدا لما زاد عليها. فمثال الأول قولنا: إلة وقديم وما جرى مجرى ذلك مما
~~يختص به القديم تعالى ولا يشاركه فيه غيره. فأما ما يفيد أشياء كثيرة
~~فينقسم إلى قسمين: إما أن يفيد في الجميع فائدة واحدة، أو أن يفيد فوائد
~~مختلفة، فمثال الأول قولنا: لون، و إنسان. ومثال الثاني قولنا: قرء، وعين،
~~وجارية.
# ومن خالف في جواز وقوع الاسم على مختلفين أو على ضدين، لا يتلفت إلى
~~خلافه، لخروجه عن الظاهر من مذهب أهل اللغة.
# واعلم أنه غير ممتنع أن يراد باللفظة الواحدة في الحال الواحدة من المعبر
~~الواحد المعنيان المختلفان. وأن يراد بها أيضا الحقيقة والمجاز.
# بخلاف ما حكى عمن خالف في ذلك من أبى هاشم وغيره. والذي يدل على صحة ما
~~ذكرناه أن ذلك لو كان ممتنعا لم يخل امتناعه من أن يكون PageV01P017
# لأمر يرجع إلى المعبر، أو لما يعود إلى العبارة، وما يستحيل لأمر يرجع
~~إلى المعبر، تجب استحالته مع فقد العبارة، كما أن ما ms008 صح لأمر يعود إليه،
~~تجب صحته مع ارتفاع العبارة، وقد علمنا أنه يصح من أحدنا أن يقول لغيره لا
~~تنكح ما نكح أبوك، ويريد به لا تعقد على من عقد عليه ولا من وطئه. ويقول
~~أيضا لغيره إن لمست امرأتك فأعد الطهارة، ويريد به الجماع واللمس باليد.
~~وإن كنت محدثا فتوضأ، ويريد جميع الاحداث. وإذا جاز أن يريد الضدين في
~~الحالة الواحدة، فأجوز منه أن يريد المختلفين. فأما العبارة فلا مانع من
~~جهتها يقتضى تعذر ذلك، لان المعنيين المختلفين قد جعلت هذه العبارة في وضع
~~اللغة عبارة عنهما، فلا مانع من أن يرادا بها. و كذلك إذا استعملت هذه
~~اللفظة في أحدهما مجازا شرعا أو عرفا، فغير ممتنع أن يراد بالعبارة
~~الواحدة، لأنه لا تنافي ولا تمانع. PageV01P018
# وإنما لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة الأمر والنهي، لتنافي موجبيهما،
~~لان الامر يقتضى إرادة المأمور به، والنهى يقتضى كراهة المنهي عنه، ويستحيل
~~أن يكون مريدا كارها للشئ الواحد على الوجه الواحد.
# وكذلك لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة الاقتصار على الشئ وتعديه، لان
~~ذلك يقتضى أن يكون مريدا للشئ وأن لا يريده.
# وقولهم لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة * استعمالها فيما وضعت له
~~والعدول بها عما وضعف له، ليس بصحيح، لان المتكلم بالحقيقة والمجاز ليس يجب
~~أن يكون قاصدا إلى ما وضعوه وإلى ما لم يضعوه، بل يكفي في كونه متكلما
~~بالحقيقة، أن يستعملها فيما وضعت له في اللغة، وهذا القدر كاف في كونه
~~متكلما باللغة، من غير حاجة إلى قصد استعمالها فيما وضعوه. وهذه الجملة
~~كافية في إسقاط الشبهة.
# واعلم أن الغرض في أصول الفقه التي بينا أن مدارها إنما هو على الخطاب
~~وقد ذكرنا مهم أقسامه، وما لا بد منه من أحواله. لما كان لا بد فيه من
~~العلم بأحكام الافعال، ليفعل ما يجب فعله، ويجتنب PageV01P019
# ما يجب اجتنابه، وجب أن نشير إلى العلم ما هو، وما يشتبه به من الظن، وما
~~يقتضى كل واحد منهما من دلالة أو أمارة ms009 بأخصر قول، فإن الجمل المعقولة في
~~هذه المواضع كافية.
# فأما الافعال وأحكامها ومراتبها، فسيجئ القول فيه من هذا الكتاب عند
~~الكلام على أفعال النبي ص ع - وكيفية دلالتها بإذن الله - تعالى - ومشيته.
# واعلم أن العلم ما اقتضى سكون النفس. وهذه حالة معقولة يجدها الانسان من
~~نفسه عند المشاهدات، ويفرق فيها بين خبر النبي - ص - بأن زيدا في الدار
~~وخبر غيره. غير أن ما هذه حاله، لا بد من كونه اعتقادا يتعلق بالشئ على ما
~~هو به. وإن لم يجز إدخال ذلك في حد العلم، لان الحد يجب أن يميز المحدود،
~~ولا يجب أن يذكر في جملة ما يشاركه فيه ما خالفه. ولئن جاز لنا أن
~~PageV01P020
# نقول في حد العلم: إنه 1 اعتقاد للشئ على ما هو به مع سكون النفس.
# ونعتذر، بأنا أبناه، بقولنا اعتقاد، من سائر الأجناس. وبتناوله المعتقد
~~على ما هو به، من الجهل. وبسكون النفس، من التقليد. فألا جاز أن نقول في
~~حده عرض، لبينه عن الجوهر. ويوجب حالا للحي، لبينه مما يوجب حالا للمحل.
~~ويحل القلب ولا يوجد إلا فيه، لبينه مما يحل الجوارح.
# والعلم ينقسم إلى قسمين. أحدهما: لا يتمكن العالم به من نفيه عن نفسه
~~بشبهة إن إنفرد، وإن شئت قلت لأمر يرجع إليه، وإن شئت قلت على حال من
~~الحالات. والقسم الآخر: يتمكن من نفيه عن نفسه على بعض الوجوه. والقسم
~~الأول على ضربين. أحدهما:
# مقطوع على أنه علم ضروري ومن فعل الله تعالى فينا، كالعلم بالمشاهدات وكل
~~ما يكمل به العقل من العلوم. والقسم الثاني: PageV01P021
# مشكوك فيه ويجوز أن يكون ضروريا ومن فعل الله فينا، كما يجوز أن يكون من
~~فعلنا، كالعلم بمخبر الاخبار عن البلدان والحوادث الكبار. وهذا مما يستقصى
~~في الكلام على الاخبار من هذا الكتاب بعون الله ومشيته. وإنما شرطنا ما
~~ذكرناه من الشروط، احترازا من العلم المكتسب إذا قارنه علم ضروري،
~~ومتعلقهما واحد. وأما العلم الذي يمكن نفيه عن العالم على الشروط الذي
~~ذكرناها، فهو مكتسب، ومن شأنه ms010 أن يكون من فعلنا، لا من فعل غيرنا فينا. وما
~~بعد هذا من أقسام العلوم الضرورية، وما يتفرع عليه، غير محتاج إليه في هذا
~~الكتاب.
# والنظر في الدلالة على الوجه الذي يدل عليه، يجب عنده العلم و يحصل لا
~~محالة. وهذا القدر كاف لمن ينظر في أصول الفقه، ولا حاجة به ماسة لا يتم ما
~~قصده من أصول الفقه إلا بها، إلى أن يحقق كيفية كون النظر سببا للعلم وشروط
~~توليده. PageV01P022
# وأما الظن فهو ما يقوى كون ما ظنه على ما يتناوله الظن، وإن جوز خلافه.
~~فالذي يبين به الظن التقوية والترجيح. ولا معنى لتحقيق كون الظن من غير
~~قبيل الاعتقاد هيهنا، وإن كان ذلك هو الصحيح، لأنه لا حاجة تمس إلى ذلك.
# وما يحصل عنده الظن، يسمى أمارة.
# ويمضى في الكتب كثيرا، أن حصول الظن عند النظر في الامارة ليس بموجب عن
~~النظر، كما نقوله في العلم الحاصل عند النظر في الدلالة، بل يختاره الناظر
~~في الامارة لا محالة لقوة الداعي.
# وليس ذلك بواضح، لأنهم إنما يعتمدون في ذلك على اختلاف الظنون من العقلاء
~~والامارة واحدة، وهذا يبطل باختلاف العقلاء في الاعتقادات والدلالة واحدة.
~~فإن ذكروا اختلال الشروط وأن عند تكاملها يجب العلم، أمكن أن يقال مثل ذلك
~~بعينه في النظر في PageV01P023
# الامارة. وتحقيق ذلك أيضا مما لا يحتاج إليه هيهنا لان الاغراض في أصول
~~الفقه تتم بدونه.
# وإن قيل ما دليلكم على أن تكليفكم في أصول الفقه إنما هو العلم دون العمل
~~التابع للظن وإذا كنتم تجوزون أن تكليفكم الشرايع تكليف يتبع الظن الراجح
~~إلى الامارة فألا كان التكليف في أصول الفقه كذلك.
# قلنا ليس كل أصول الفقه يجوز فيه أن يكون الحق في جهتين مختلفتين لان
~~القول بأن المؤثر في كون الامر أمرا إنما هو إرادة المأمور به وأنه لا تعلق
~~لذلك بصفات الفعل في نفسه وأنه - تعالى لا يجوز أن يريد الا ما له صفة
~~زائدة على حسنه ولا ينسخ الشئ قبل وقت فعله وما أشبه ms011 ذلك وهو الغالب
~~والأكثر فلا يجوز أن يكون الحق فيه إلا واحدا كمالا يجوز في أصول الديانات
~~* أن يكون الحق إلا في واحد. PageV01P024
# اللهم إلا أن يقول جوزوا أن يكلف الله تعالى من ظن بأمارة مخصوصة تظهر له
~~أن الفعل واجب، أن يفعله على وجه الوجوب، و من ظن بأمارة أخرى أنه ندب، أن
~~يفعله على هذا الوجه، وكذلك القول في الخصوص والعموم، وسائر المسائل، لان
~~العمل فيها على هذا الوجه هو المقصود دون العلم، واختلاف أحوال المكلفين
~~فيه جائز، كما جاز في فروع الشريعة.
# فإذا سئلنا على هذا الوجه، فالجواب أن ذلك كان جائزا، لكنا قد علمنا الآن
~~خلافه، لان الأدلة الموجبة للعلم قد دلت على أحكام هذه الأصول، كما دلت على
~~أصول الديانات، وما إليه طريق علم لا حكم للظن فيه، وإنما يكون للظن حكم
~~فيما لا طريق إلى العلم به، ألا ترى أننا لو تمكنا من العلم بصدق الشهود،
~~لما جاز أن نعمل في صدقهم على الظن، وكذلك في أصول العقليات. PageV01P025
# لو أمكن أن نعلم أن في الطريق سبعا، لما علمنا على قول من نظن صدقه من
~~المخبرين عن ذلك، وإذا ثبتت هذه الجملة، وعلمنا أن على هذه الأصول أدلة،
~~يوجب النظر فيها العلم، لم يجز أن نعمل فيما يتعلق بها على الظن والامارات،
~~ومعنا علم وأدلة.
# وأيضا فلو كانت العبادة وردت بالعمل فيها على الظنون، لوجب ان يكون على
~~ذلك دليل مقطوع به، كما نقول لمن ادعى مثل ذلك في الأحكام الشرعية، وفى فقد
~~دلالة على ذلك صحة ما قلناه.
# وأيضا فليس يمكن أن يدعى أن المختلفين يعذر بعضهم بعضها في الخلاف الجاري
~~في هذه الأصول، ويصوبه، ولا يحكم بتخطئته، كما أمكن أن يدعى ذلك في المسائل
~~الشرعية، فإن من نفى القياس في الشريعة، لا يعذر مثبتيه، ولا يصوبه، ومن
~~أثبته، لا يعذر نافيه، و لا يصوبه، وكذلك القول في الاجماع وأكثر مسائل
~~الأصول. PageV01P026
# باب القول في الامر وأحكامه وأقسامه.
# فصل في ما الامر اختلف الناس ms012 في هذه اللفظة، فذهب قوم إلى أنها مختصة
~~بالقول، دون الفعل، ومتى عبر بها عن الفعل كانت مجازا. وقال آخرون هي
~~مشتركة بين القول والفعل، وحقيقة فيهما معا. والذي يدل على صحة ذلك، أنه لا
~~خلاف في استعمال لفظة الامر في اللغة العربية تارة في القول وأخرى في
~~الفعل، لأنهم يقولون: أمر فلان مستقيم وإنما يريدون طرائقه أفعاله، دون
~~أقواله، ويقولون: هذا أمر عظيم، كما يقولون: هذا خطب عظيم، ورأيت من فلان
~~أمرا أهالني، أو أعجبني، ويريدون بذلك الافعال لا محالة، ومن أمثال العرب
~~في خبر الزبا: لأمر ما جدع قصير أنفه وقال الشاعر: لأمر ما يسود من يسود.
~~PageV01P027
# ومما يمكن أن يستشهد به على ذلك من القرآن قوله تعالى -:
# حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور، وإنما يريد الله تعالى بذلك الأهوال
~~والعجائب، التي فعلها - جل اسمه، وخرق بها العادة، وقوله - تعالى -:
~~أتعجبين من أمر الله، وأراد الفعل لا محالة.
# وإذا صحت هذا الجملة، وكان ظاهر استعمال أهل اللغة اللفظة في شيئين أو
~~أشياء، يدل على أنها حقيقة فيهما، ومشتركة بينهما، إلا أن يقوم دليل قاهر
~~يدل على أنه مجاز في أحدهما وقد بسطنا هذه الطريقة في مواضع كثيرة من
~~كلامنا، وسيجئ مشروحة مستوفاة في مواضعها من كتابنا هذا - وجب القطع على
~~اشتراك هذه اللفظة بين الامرين، و وجب على من ادعى أنها مجاز في أحدهما،
~~الدليل.
# فإن قالوا: قد استعمل لفظ الخبر فيما ليس بخبر على الحقيقة، كما قال
~~الشاعر: تخبرني العينان ما القلب كاتم. قلنا: قد بينا أن ظاهر الاستعمال
~~يدل على الحقيقة، إلا أن يقوم دلالة، ولو خلينا وظاهر استعمال لفظة الخبر
~~في غير القول، لحكمنا فيه بالحقيقة، لكنا علمنا PageV01P028
# ضرورة من مذاهب القوم أنهم لذلك مستعيرون ومتجوزون، فانتقلنا عما يوجبه
~~ظاهر الاستعمال، وليس ذلك معنا في استعمالهم لفظة الامر في الفعل.
# وقد تعلق المخالف لنا في هذه المسألة بأشياء:
# منها: أن الامر يشتق منه في اللغة العربية الوصف لفاعله بأنه آمر، وهذا
~~لا يليق إلا بالقول ms013 دون الفعل، لأنهم لا يسمون من فعل فعلا ليس بقول بأنه
~~آمر.
# ومنها: أنه لو كان اسما للفعل في الحقيقة لاطرد في كل فعل حتى يسمى الأكل
~~والشرب بأنه أمر، ألا ترى أن القول لما كان أمرا، اطرد في كل ما هو بصفته.
# ومنها: أن من شأن الامر أن يقتضى مأمورا ومأمورا به، كما يقتضى الضرب
~~ذلك، ومعلوم أن ذلك لا يليق إلا بالقول دون الفعل.
# ومنها: ان الامر يدخل فيه الوصف بمطيع وعاص، وذلك لا يتأتى إلا في القول.
# ومنها: أن الامر نقيضه النهى، فإذا لم يدخل النهى إلا في الأقوال دون
~~الافعال، فكذلك الامر. PageV01P029
# ومنها: أن الامر يمنع من الخرس والسكوت، لأنهم يستهجنون في الأخرس
~~والساكت أن يقولوا وقع منه أمر، كما يستهجنون أن يقولوا وقع منه خبر، أو
~~ضرب من ضروب الكلام.
# ومنها: أن لفظة الامر لو كانت مشتركة بين القول والفعل، لم تخل من أن
~~يفيد فيهما فائدة واحدة، أو فائدتين مختلفتين، وفي تعذر الإشارة إلى فائدة
~~تعمهما، أو فائدتين يخص * كل واحدة منهما، دلالة على فساد كون هذه اللفظة
~~حقيقة في الامرين.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا من دلالة الاشتقاق: ما أنكرتم أن يكون
~~الاشتقاق الذي أوجبه أهل اللغة لفاعل الامر إنما هو الذي هو قول دون ما ليس
~~بقول من الافعال، ومعلوم ضرورة أنهم إنما اشتقوا آمرا من الامر الذي هو
~~القول، فأي دلالة في ذلك على أن الفعل لا يسمى أمرا، ومن الذي يحفظ عن أهل
~~اللغة القول بأن كل ما يوصف بأنه أمر على الحقيقة يوصف فاعله بأنه آمر،
~~وإذا لم يكن هذا محفوظا عنهم، ولا منقولا، فلا دلالة فيما ذكروه. وهذه
~~الطريقة PageV01P030
# توجب عليهم أن تكون لفظة عين غير مشتركة، لان لقائل أن يقول إن هذه
~~اللفظة إنما تجرى على ما يشتق منه أعين وعيناء، وهذا لا يليق بالجارحة،
~~فيجب أن تكون مقصورة عليها. وبمثل ما يدفعون به هذا القول، يدفع قولهم.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: نحن نقول ms014 بما ظننتم أنا نمنع منه، ولا
~~نفرق بين وقوع هذا الاسم الذي هو الامر على الافعال كلها، على اختلافها
~~وتغايرها، وإلا فضعوا أيديكم على أي فعل شئتم، فإنا نبين أن أهل اللغة لا
~~يمتنعون من أن يسموه أمرا.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن اقتضاء الامر لمأمور ومأمور به إنما
~~هو في الامر الذي هو القول دون الفعل، وإنما كان كذلك، لان الامر له تعلق
~~بغير فاعله، والفعل لاتعلق له بغير فاعله، فلذلك احتاج الامر بمعنى القول
~~من مأمور به ومأمور، إلى مالا يحتاج PageV01P031
# إليه الفعل، وإن سمى أمرا، وأنتم لا يمكنكم أن تنقلوا عن أهل اللغة أن كل
~~ما سمى أمرا - وإن لم يكن قولا - يقتضي مأمورا به ومأمورا.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إن الوصف بالطاعة والمعصية أيضا لا يليق
~~إلا بالامر الذي هو القول للعلة التي ذكرناها، وهو أن المطيع من فعل ما أمر
~~به، والعاصي من خالف ما أمر به، والامر الذي هو الفعل لا يقتضي طاعة ولا
~~معصية، لأنه لا يتعلق بمطيع ولا عاص.
# على أن قولهم إن دخول الطاعة والمعصية علامة لكون الامر أمرا، ينتقض بقول
~~القائل لغلامه: أريد أن تسقيني الماء، ونحن نعلم أنه إذا لم يفعل يوصف بأنه
~~عاص، وإذا فعل يوصف بأنه مطيع، وقد علمنا أن قوله: أريد أن تفعل، ليس بأمر،
~~لفقد صيغة الامر فيه، فبطل أن تكون الطاعة أو المعصية موقوفة على الامر.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إن النهى نقيض الامر الذي هو القول، دون
~~الفعل، فمن أين لكم أن النهي نقيض كل ما PageV01P032
# سمي أمرا، وإن لم يكن قولا. والذين قالوا لنا من أهل اللغة:
# إن النهى نقيض الامر، هم الذين قالوا لنا: إن الفصل يسمى بأنه أمر وجرى
~~ذلك في كلامهم وأشعارهم.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: إن الخرس والسكوت يمنعان من الامر الذي
~~هو القول، ولا يمنعان من الامر الذي هو الفعل، يدل على هذا أنا نقول في
~~الأخرس: إن أمره ms015 مستقيم أو غير مستقيم، ورأيت منه أمرا جميلا أو قبيحا،
~~وكذلك في الساكت. ويوضح ما ذكرناه أنه لو كان الأخرس لا يقع منه ما يسمى
~~منه أمرا من الافعال، - كما لا يكون آمرا لوجب أن يستقبحوا وصف فعله بأنه
~~أمر، كما استقبحوا وصفه بأنه آمر. فقد علمنا الفرق بين الامرين ضرورة. ولمن
~~خالف في اشتراك لفظة عين أن يطعن بمثل ما ذكروه، فيقول: إن هذه اللفظة تجري
~~على ما يؤثر فيه العمى والآفة، وهذا لا يليق إلا بالجارحة، PageV01P033
# فيجب أن تكون مختصة بها. ولا جواب عن هذا الطعن إلا ما قدمناه من الجواب
~~عن طعنهم.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: إنا لا ندعي أن الفائدة واحدة، فيما سمي
~~أمرا من القول، وسمي أمرا من الفعل، بل ندعي اختلافهما، ويجري وقوع هذه
~~التسمية على المختلف، مجرى وقوع قولهم عين على أشياء مختلفة لا تفيد في كل
~~واحد منها فائدتها في الآخر، لان العين التي هي الجارحة لا تشارك العين
~~التي هي الذهب أو عين الماء في فائدة واحدة، بل الفوائد مختلفة، وكذلك لفظة
~~أمر تفيد تارة القول الذي له الصيغة المعينة، وتارة الفعل، وهما فائدتان
~~مختلفتان. ولهذا نقول: إن هذه اللفظة تقع على كل فعل، ولا تقع إذا استعملت
~~في القول على كل قول، حتى يكون بصيغة مخصوصة. PageV01P034
# فصل: في وجوب اعتبار الرتبة في الامر اعلم أنه لا شبهة في اعتبارها،
~~لأنهم يستقبحون قول القائل أمرت الأمير، أو نهيته، ولا يستقبحون ان يقولوا
~~أخبرته، أو سألته، فدل على أنها معتبرة، ويجب أن لا تطلق إلا إذا كان الآمر
~~أعلى رتبة من المأمور. فأما إذا كان دون رتبته، أو كان مساويا له، فإنه لا
~~يقال أمره. والنهي جار * مجرى الامر في هذه القضية. وما له معنى الامر
~~وصيغته من الشفاعة تعتبر أيضا فيه الرتبة، لأنهم يقولون شفع الحارس إلى
~~الأمير، ولا يقولون شفع الأمير إلى الحارس، فالشفاعة إنما يعتبر فيها
~~الرتبة بين الشافع والمشفوع إليه، كما أن الامر إنما تعتبر الرتبة ms016 فيه بين
~~الآمر والمأمور. ولا إعتبار بالرتبة في المشفوع فيه، على ما ظنه من خالفنا
~~في الوعيد، لان الكلام على ضربين، ضرب لا تعتبر فيه الرتبة، وضرب تعتبر
~~فيه، فما اعتبرت PageV01P035
# فيه الرتبة، إنما اعتبرت بين المخاطب والمخاطب، دون من يتعلق به الخطاب،
~~ولذلك جاز أن يكون أحدنا شافعا لنفسه، وفي حاجة نفسه، ولو اعتبرت الرتبة في
~~المشفوع فيه، لما جاز ذلك، كما لا يجوز أن يكون آمرا نفسه وناهيها.
# وقد تعلق من خالفنا بأشياء: أولها أنهم حملوا الامر على الخبر في إسقاط
~~الرتبة.
# وثانيهما وقوله - تعالى -: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) والطاعة
~~تعتبر فيها الرتبة كالأمر.
# وثالثها قول الشاعر: (رب من أنضجت غيظا قلبه، قد تمنى لي موتا لم يطع)
~~والموت من فعل الله - تعالى -، والطاعة لا تجوز عليه - تعالى - عند من
~~اعتبر الرتبة.
# فيقال لهم في الأول: لو كان الامر كالخبر في سقوط اعتبار الرتبة، جاز أن
~~يقال أمرت الأمير، كما يقال أخبرت الأمير، فلما لم يجز ذلك، بان الفرق.
~~PageV01P036
# والجواب عن الثاني أنه استعار للإجابة لفظة الطاعة بدلالة أن أحدا لا
~~يقول إن الله أطاعني في كذا، إذا أجابه إليه.
# وأيضا فظاهر القول يقتضي أنه ما للظالمين من شفيع يطاع وليس يعقل من ذلك
~~نفي شفيع يجاب، فإذا قيل: فكل شفيع لا يطاع على مذهبكم، كان في ظالم أو في
~~غيره، لان الشفيع يدل على انخفاض منزلته عن منزلة المشفوع إليه، و الطاعة
~~تقتضي عكس ذلك: قلنا: القول بدليل الخطاب باطل، و غير ممتنع أن يخص
~~الظالمون بأنهم لا شفيع لهم يطاع،، وإن كان غيرهم بهذه المنزلة.
# وأيضا فيمكن أن يكون المراد بيطاع غير الله - تعالى - من الزبانية
~~والخزنة، والطاعة من هؤلاء لمن هو أعلى منزلة منهم، من الأنبياء - عليهم
~~السلام - والمؤمنين صحيحة واقعة في موقعها. PageV01P037
# والجواب عن الثالث أن الشاعر تجوز، واستعمل لفظة يطع في موضع يجب، وهذه
~~عادة الشعراء.
# وأيضا فيمكن أن يكون إنما تمنى في عدوه أن يقتله بعض البشر، - فقد يسمى ms017
~~القتل موتا، والموت قتلا، للتقارب بينهما - فلم يطعه ذلك القاتل، ولم يبلغه
~~أمنيته. والشبهة في مثل هذه المسألة ضعيفة.
# فصل في صيغة الامر اختلف الناس في صيغة الامر، فذهب الفقهاء كلهم وأكثر
~~المتكلمين إلى أن للامر صيغة مفردة مختصة به، متى استعملت في غيره كانت
~~مجازا، وهي قول القائل لمن دونه في الرتبة افعل. وذهب آخرون إلى أن هذه
~~اللفظة مشتركة بين الامر وبين الإباحة، و هي حقيقة فيهما، ومع الاطلاق لا
~~يفهم أحدهما، إنما يفهم واحد دون صاحبه بدليل، وهو الصحيح. PageV01P038
# والذي يدل عليه أن هذه اللفظة مستعملة بلا خلاف في الامر و الإباحة في
~~التخاطب والقرآن والشعر، قال الله - تعالى -: (أقيموا الصلاة) وهو آمر،
~~وقال - تعالى -: (وإذا حللتم فاصطادوا) وهو مبيح، وكذلك قوله - تعالى -:
~~(فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) والانتشار مباح وغير مأمور به، وظاهر
~~الاستعمال يدل على الحقيقة، إلا أن تمنع دلالة. وما نريهم يفزعون إذا
~~أرادوا أن يبيحوا إلا إلى هذه اللفظة، كما يفزعون إليها في الامر. ولا
~~يعترض على هذا بقولهم: أبحت، لان ذلك خبر محض. وهو جار مجرى أمرت في أنه
~~خبر، وإذا أرادوا أن يبيحوا بغير لفظة الخبر، فلا مندوحة لهم عن هذه
~~اللفظة، كما لا مندوحة * لهم في الامر.
# وأما ما تعلق المخالف في اختصاص هذه الصيغة بالامر، بان معنى الامر - وهو
~~الطلب - يهجس في النفس، وتدعوا الحاجة إليه، فلا بد من أن يضعوا له لفظا
~~تتم به أغراضهم. وإذا وجب ذلك، PageV01P039
# فلا لفظ إلا هذه الصيغة المخصوصة.
# فإنه يبطل بالإباحة، لان هذا المعنى موجود فيها، وما وضعوا عندهم لها
~~لفظا مخصوصا. على أن أكثر ما في اعتلالهم أن يضعوا له لفظا، فمن أين لهم
~~أنه لا بد من أن يكون خاصا غير مشترك.
# وأما تعلقهم بما سطره أهل العربية في كتبهم من قولهم: باب الأمر ، وأنهم
~~لا يذكرون شيئا سوى هذه اللفظة المخصوصة، فدل على أنها مخصوصة غير مشتركة.
# فباطل أيضا، لان أهل العربية أكثر ما قالوا هو أن الامر ms018 قول القائل:
~~افعل، وأن هذه الصيغة صيغة الامر، ولم يذكروا اختصاصا ولا اشتراكا، فظاهر
~~قولهم لا ينافي مذهبنا، لأننا نذهب إلى أن هذه صيغة الامر وأن الآمر إذا
~~أراد أن يأمر فلا مندوحة له عنها، لكنها مع ذلك صيغة للإباحة.
# وبعد، فإن أهل اللغة كما نصوا في الامر على لفظة افعل، فقد نصوا في
~~الإباحة على هذه اللفظة، فلا يبيحون إلا بها. فإن كان ما PageV01P040
# ادعوه دليل الاختصاص بالامر، فهو بعينه دليل الاختصاص بالإباحة، والصحيح
~~نفي الاختصاص وثبوت الاشتراك.
# فصل فيما به صار الامر أمرا اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم إلى أن الامر
~~إنما كان أمرا بجنسه ونفسه. وقال آخرون إنما كان كذلك بصورته و صيغته. وقال
~~آخرون إنما كان كذلك لان الآمر أراد كونه أمرا، وأجروه في هذه القضية مجرى
~~الخبر. وقال آخرون إنما كان الامر أمرا، لان الآمر أراد الفعل المأمور به،
~~وهو الصحيح.
# والذي يدل عليه أن الامر إذا ثبت أنه قد يكون من جنس ما ليس بأمر، وأن
~~الامر بعينه يجوز أن يقع غير أمر، فلا بد والحال هذه من أمر يقتضي كونه
~~أمرا. وإذا بينا أنه لا مقتضي لذلك سوى PageV01P041
# كون فاعله مريدا للمأمور به، تم ما أردناه.
# والذي يدل على أن الجنس واحد التباسهما على الادراك، كالتباس السوادين،
~~فكما نقضي بتماثل السوادين، كذلك يجب أن نقضي بتماثل ما جرى مجراهما.
# وإنما قلنا: إنهما يشتبهان على الادراك، لان من سمع قائلا يقول: قم، وهو
~~آمر، لا يفصل بين قوله هذا، وبين نطقه بهذه اللفظة مبيحا، أو متحديا، أو
~~ساهيا، أو حاكيا عن غيره. ولقوة هذا الالتباس كان من يجوز على الكلام
~~الإعادة، يجوز أن يكون ما سمعه ثانيا هو ما سمعه أولا، وكذلك من اعتقد بقاء
~~الكلام.
# وأما الذي يدل على أن نفس ما يقع فيكون أمرا، كان يجوز أن يقع غير أمر،
~~فوجوه:
# منها أن الألفاظ العربية إنما تفيد بالتواضع من أهل اللغة، و PageV01P042
# تواضعهم يتبع اختيارهم، وليس هناك وجوب، وقد كان يجوز ms019 أن لا يتواضعوا في
~~هذا اللفظ المخصوص أنه للامر، ولو كان كذلك، لكانت هذه الحروف بعينها توجد،
~~ولا تكون أمرا.
# ومنها أنه لو كان الامر يتعلق بالمأمور من غير قصد المخاطب به، لم يمتنع
~~أن يقول أحدنا لغيره: افعل، ويريد منه الفعل، ولا يكون قوله أمرا، أو لا
~~يريد منه الفعل، فيكون قوله أمرا، وقد علمنا خلاف ذلك.
# ومنها أن لفظ الامر لو كان مغايرا للفظ ما ليس بأمر، لوجب أن يكون للقادر
~~سبيل إلى التمييز بين ما يوجد فيكون أمرا، وبين ما يوجد فيكون تهديدا، أو
~~إباحة، وفي علمنا بفقد طريق التمييز دليل على أن اللفظ واحد.
# ومنها ان هذا القول يقتضي صحة أن نعلم أن أحدنا أمر وإن لم نعلمه مريدا،
~~إذا كان القصد لا تأثير له، ولا خلاف في أن أحدنا إذا كان آمرا، فلا بد من
~~كونه مريدا لما أمر به. وإنما الخلاف PageV01P043
# بيننا وبين المجبرة في الله تعالى.
# ومنها أن هذا القول يقتضي انحصار عدد من نقدر أن نأمره في كل حال حتى
~~يكون القوي بخلاف الضعيف، وإنما أوجبنا ذلك، لان القدرة الواحدة لا تتعلق
~~في الوقت الواحد في المحل الواحد من الجنس الواحد بأكثر من جزء واحد، وحروف
~~قول القائل قم مماثلة لكل ما هذه صورته من الكلام، فيجب أن يكون أحدنا
~~قادرا من عدد هذه الحروف في كل وقت على قدر ما في لسانه من القدرة، وهذا
~~يقتضي انحصار عدد من يصح أن نأمره، ومعلوم خلاف ذلك.
# وليس لاحد أن يقول: إذا جاز أن يفعل أحدنا بالقدرة الواحدة في كل محل
~~كونا في جهة بعينها، ولم يجب أن يقدر على كون واحد يصح وجوده في المحال على
~~البدل بالإرادة، فألا جاز مثله في الألفاظ.
# وذلك أن القدرة الواحدة لا ينحصر متعلقها في المتماثل إذا اختلفت *
~~المحال، كما لا ينحصر متعلقها في المختلف والوقت والمحل PageV01P044
# واحد، وليس كذلك ما يتعلق به من المتماثل في المحل الواحد والوقت واحد،
~~لأنها لا تتعلق على هذه الشروط ms020 بأكثر من جزء واحد.
# وليس له أن يدعي أن محال الحروف المتماثلة متغايرة كما قلناه في الأكوان.
# وذلك أن من المعلوم أن مخرج الزاء مثلا كله مخرج واحد، و كذلك مخارج كل
~~حرف، ولهذا متى لحقت بعض محال هذه الحروف آفة، أثر ذلك في كل حروف ذلك
~~المخرج.
# فإذا صح ما ذكرناه من أن نفس ما وقع أمرا قد كان يجوز أن يكون غير أمر،
~~فلا بد مع وقوعه أمرا من وجه له اختص بذلك.
# ولا يخلو ذلك الامر من أن يكون ما يرجع إليه ويتعلق به، أو ما يرجع إلى
~~فاعله، والذي يرجع إليه، لا يخلو من أن يكون جنسه، أو وجوده، أو حدوثه، أو
~~حدوثه على وجه، أو عدمه، أو عدم معنى أو وجود معنى.
# فإن كان المؤثر حالا يرجع إلى فاعله، لم يخل من أن يكون PageV01P045
# ذلك كونه قادرا، أو عالما، أو مدركا أو مشتهيا، أو مريدا، لان ما عدا ما
~~ذكرناه، من كونه موجودا، أو حيا، لا تعلق له بغيره، ونحن نبطل من الأقسام
~~ما عدا ما ذهبنا إليه منها.
# ومعلوم أن ما معه يكون الكلام تارة أمرا، وأخرى غير أمر، لا يجوز أن يكون
~~مؤثرا في كونه أمرا، فسقط بذلك أن يكون أمرا لوجوده، وحدوثه، وجنسه، وصفته،
~~لان كل ذلك يوجد، و لا يكون أمرا.
# ومما يفسد أن يكون أمرا لجنسه أيضا، أن صفة النفس ترجع إلى الآحاد دون
~~الجمل، فكان يجب في كل جزء من الامر أن يكون أمرا. ولأنه كان يجب أن
~~يتناوله الادراك على هذه الصفة، فيعرف بالسمع كونه أمرا من لا يعرف اللغة.
~~ولأن صفات النفس تحصل في حال العدم والوجود، فكان يجب أن يكون في حال العدم
~~أمرا.
# وليس يجوز أن يكون أمرا لحدوثه على وجه، ويراد بذلك ترتيب صيغته، لأنا قد
~~بينا أن نفس هذه الصيغة قد تستعمل في غير الامر. و PageV01P046
# إن أرادوا غير ما ذكرناه، فلا وجه يشار إليه إلا وقد تحدث عليه ولا يكون
~~أمرا، حتى ms021 يكون فاعله مريدا.
# ولا يصح أن يكون كذلك لعدمه، لان عدمه يحيل هذه الصفة، وما أحال الصفة لا
~~يكون علة فيها.
# ولا يجوز أن يكون كذلك لعدم معنى، لان ذلك لا اختصاص له به دون غيره.
# ولا يجوز أن يكون كذلك لوجود معنى، لان كل معنى يشار إليه دون الإرادة قد
~~يوجد ولا يكون أمرا. على أن المعنى لا بد من اختصاصه به حتى يوجب الحكم له،
~~فلا يخلو من أن يختصه بالحلول فيه، أو في محله، والامر لا يصح أن يكون محلا
~~لغيره، وما يحل محله ليس بأن يوجب كونه أمرا بأولى من أن يوجب كون غيره
~~أمرا مما يحل ذلك المحل، لان الصدى قد يحله في حال واحدة الكلامان من زيد
~~وعمرو، فيكون أحدهما أمرا والآخر غير أمر. PageV01P047
# وأما كون فاعله قادرا فلا يجوز أن يكون المؤثر في كونه أمرا، لان تعلق
~~هذه الصفة به وهو آمر كتعلقها به وهو غير آمر. ولأن كونه قادرا لا يؤثر إلا
~~في الايجاد، وكونه أمرا حكم زائد على الوجود.
# وأما كونه عالما فلا يخلو من أن يراد به كونه عالما بذات الآمر، أو
~~بالمأمور به، أو يراد بذلك كونه عالما بأن الكلام أمرا، والوجهان الأولان
~~يفسدان بأنه قد يكون عالما بذات الآمر وبالمأمور به ولا يكون كلامه أمرا،
~~والوجه الثالث يفسد بأن، كلامنا إنما هو فيما به صار أمرا، فيجب أن يذكر
~~الوجه فيه، ثم يعلق العلم به، لان العلم لا يؤثر في المعلوم، وإنما يتعلق
~~به على ما هو به من غير أن يصير لأجله على صفة، بل لو قيل: إن العلم إنما
~~كان علما لأجل أن المعلوم على ما هو به، كان أقرب من القول بأن المعلوم على
~~ما هو به بالعلم، ألا ترى أن العلم كالتابع للمعلوم، من حيث يتعلق به على
~~ما هو عليه. ويجري هذا القائل مجرى من قال: إن الجسم إنما صار متحركا بعلم
~~العالم بأنه يتحرك. وبعد PageV01P048
# فهذا يؤدي إلى أن يكون علمنا بصفات ms022 القديم - تعالى - وصفات الأجناس هو
~~المؤثر في كونه - تعالى - على صفاته، وكون الأجناس على ما هي عليه، وبطلان
~~ذلك ظاهر.
# والذي يفسد أن يكون المؤثر في الامر كون فاعله مدركا أو مشتهيا أو نافرا
~~أنه قد يكون كذلك، ويكون كلامه تارة أمرا وأخرى غير أمر.
# فلم يبق بعدما أفسدناه إلا أن يكون المؤثر هو كون فاعله مريدا.
# وإذا كان المؤثر هو كون فاعله مريدا، فلا يخلو من أن يكون المؤثر كونه
~~مريدا للمأمور به، أو كونه مريدا لكونه أمرا، والأول هو الصحيح. والذي يبطل
~~الثاني * أنه يقتضي أن يكون أمرا بما لا يريده، أو بما يكرهه غاية
~~الكراهية، وقد علمنا تعذر ذلك، وأنه محال ان يأمر أحدنا بما يكرهه.
# ومما يدل على ما ذكرناه أنه لا يصح أن يأمر الآمر إلا بما يصح أن يريده،
~~ألا ترى أنه لا يصح أن يأمر بالماضي ولا بالقديم لما لم يصح أن يراد، فلولا
~~أن الإرادة المؤثرة في كونه أمرا هي المتعلقة بحدوث PageV01P049
# المراد، لم يجب ذلك، ألا ترى أن الخبر لما احتاج إلى إرادة تتناول كونه
~~خبرا، ولا تتناول المخبر عنه، جاز أن يخبر عن القديم والماضي، فدل هذا
~~الاعتبار على مفارقة الامر للخبر فيما يتناوله الإرادة.
# فأما الكلام فيما وضع له الامر ليفيده، فهو أنه وضع ليفيد أن الآمر مريد
~~للمأمور به. ولهذا نقول: إن الامر - من حيث كان أمرا لا يدل إلا على حال
~~الآمر، ولا يدل على حال المأمور به، لأنه قد يأمر بالحسن، والقبيح،
~~والواجب، وما ليس بواجب، فإذا كان الآمر حكيما لا يجوز أن يريد القبيح، ولا
~~المباح، علمنا أنه لم يأمر إلا بما له صفة زائدة على حسنه من واجب أو ندب.
# والذي يدل على ما ذكرناه أنه لا فرق عند أهل اللغة بين قول القائل لغيره:
~~أريد منك أن تفعل وبين قوله: افعل.
# وأيضا فإن الظاهر من أهل اللغة أنهم يجعلون قول القائل لغيره:
~~PageV01P050
# (افعل) أمرا، إذا كان فوقه في الرتبة، وسؤالا، إذا كان دونه، ms023 فجعلوا
~~الرتبة فاصلة بين الامرين، ولا خلاف في أن السؤال يقوم مقام قول السائل
~~للمسؤول: أريد منك أن تفعل كذا وكذا. فلم يفصلوا بين السؤال والامر إلا
~~بالرتبة، وإلا فلا فصل بينهما في الفائدة والمعنى.
# فصل في هل الامر يقتضي الوجوب أو الايجاب اختلف الناس في ذلك، فذهب جميع
~~الفقهاء وطائفة من المتكلمين إلى أن الامر يقتضي إيجاب الفعل على المأمور
~~به، وربما قالوا وجوبه.
# وقال آخرون: مطلق الامر إذا كان من حكيم، اقتضى كون المأمور به مندوبا
~~إليه، وإنما يعلم الوجوب بدلالة زائدة، وهذا هو مذهب أبي علي وأبي هاشم ومن
~~وافقهما. وذهب آخرون إلى وجوب الوقف في مطلق الامر بين الايجاب والندب،
~~والرجوع في كل واحد من الامرين إلى دلالة غير الظاهر، وهو الصحيح.
# وتحقيقه أن الامر إذا صدر من حكيم نأمن أن يريد القبيح أو المباح، فلا بد
~~من القطع على أن للمأمور به مدخلا في استحقاق المدح والثواب، إلا أن هذا
~~القدر غير كاف في أنه ندب، ولا كاف في أنه PageV01P051
# واجب، فيحتاج إلى دلالة إما على أن تركه قبيح، فيعلم أنه واجب.
# أو أنه ليس بقبيح، فيعلم أنه ندب.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه، أنا قد بينا أن الامر إنما يكون أمرا،
~~لان الآمر أراد المأمور به، وإرادة الحكيم له تقتضي ما ذكرناه من الصفة
~~الزائدة على حسنه، وهذه الصفة الزائدة على الحسن قد تثبت في الندب والواجب،
~~فلابد من دلالة زائدة تدل على حكم الترك، فيبنى على ذلك الوجوب أو الندب.
# وليس لاحد أن يقول: أراد الفعل على جهة الايجاب، لان ذلك لا يعقل، إن لم
~~يكن المقصود به أنه أراده وكره تركه، فإذا كان مطلق الامر لا تعلق بينه
~~وبين هذه الكراهية، لم يجز أن يدل عليها.
# ويدل أيضا على ما اخترناه من المذهب أنه لا شبهة في استعمال صيغة الامر
~~في الايجاب والندب معا في اللغة، والتعارف، والقرآن والسنة، وظاهر
~~الاستعمال يقتضي الحقيقة، وإنما يعدل عنها بدليل، وما استعمال اللفظة ms024
~~الواحدة في الشيئين أو الأشياء إلا كاستعمالها PageV01P052
# في الشئ الواحد في الدلالة على الحقيقة. وإذا ثبت اشتراك هذه الصيغة بين
~~الوجوب والندب، لم يجز أن يفهم أحدهما من ظاهر القول إلا بدليل منفصل.
# ونحن وإن ذهبنا إلى أن هذه اللفظة مشتركة في اللغة بين الندب والايجاب،
~~فنحن نذهب إلى أن العرف الشرعي المتفق المستمر قد أوجب أن يحمل مطلق هذه
~~اللفظة إذا وردت عن الله (تعالى) أو عن الرسول (ص ع) - على الوجوب، دون
~~الندب، وعلى الفور، دون التراخي، وعلى الاجزاء، وتعلق الأحكام الشرعية به.
~~وفي النهي أنه يقتضي فساد المنهي عنه، وفقد إجزائه. وكذلك نقول في اللفظ
~~الذي يذهب الفقهاء إلى أنه موضوع للاستغراق والاستيعاب في اللغة، ونذهب نحن
~~إلى اشتراكه، فنذهب إلى أن العرف الشرعي قرر ومهد حمل هذه الألفاظ - إذا
~~وردت عن الله (تعالى) أو عن رسوله (ص ع) - مع الاطلاق والتجريد على
~~الاستغراق، وإنما يرجع في التخصيص إلى الدلالة.
# والذي يدل على صحة هذه الجملة ما هو ظاهر لا يدخل على أحد PageV01P053
# فيه شبهة، من حمل الصحابة كل أمر وارد في قرآن أو سنة على الوجوب، وكان
~~يناظر بعضهم بعضا في مسائل مختلفة، فمتى أورد أحدهم على صاحبه أمرا من الله
~~- تعالى أو رسوله - عليه السلام -، لم يقل صاحبه: هذا أمر، والامر يقتضي
~~الندب، أو الوقوف بين الوجوب و الندب بل اكتفوا في الوجوب واللزوم بالظاهر.
~~* وكذلك في جميع المسائل التي ذكرناها، لأنهم ما زالوا يكتفون في وجوب
~~تعجيل الفعل بأن الله - تعالى - أو رسوله - عليه السلام - أوجبه وألزمه،
~~وفي فساده وعدم إجزائه، أنه نهى عنه، وحظره. والعموم يجري مجرى ما ذكرناه.
~~وما كانوا يطلبون عند المنازعة والمناظرة والمطالبة في ألفاظ العموم التي
~~يحتج بها عليهم إلا المخصصات لها، وقد كان يجب أن يقولوا: هذه ألفاظ مشتركة
~~بين العموم والخصوص، فكيف يحتج بها في العموم بغير دلالة. وهذا معلوم ضرورة
~~من عاداتهم التي ما اختلفت، ومعلوم أيضا أن ذلك من شأن التابعين لهم و
~~تابعي التابعين، ms025 فطال ما اختلفوا وتناظروا فلم يخرجوا عن القانون
~~PageV01P054
# الذي ذكرناه، وهذا يدل على قيام الحجة عليهم بذلك، حتى جرت عادتهم به،
~~وخرجوا عما يقتضيه مجرد وضع اللغة في هذا الباب، و أما أصحابنا معشر
~~الامامية فلا يختلفون في هذا الحكم الذي ذكرناه، وإن اختلفوا في أحكام هذه
~~الألفاظ في وضع اللغة، ولم يحملوا قط ظواهر الألفاظ إلا على ما بيناه، ولم
~~يتوقفوا على الأدلة، وقد بينا في مواضع من كتبنا أن إجماع أصحابنا حجة.
# وقد تعلق من ذهب إلى وجوب الامر بطرق اعتبارية، وطرق سمعية، وهي على
~~ضربين، قرآنية وأخبارية. ونحن نذكر أقوى ذلك شبهة، فإن الذي تعلق به
~~الفقهاء في ذلك لا يكاد ينحصر وينتظم.
# فأما الطرق الاعتبارية، فأولها قولهم: السيد إذا أمر غلامه بفعل، عقل منه
~~الايجاب، ولذلك يوبخه العقلاء، ويذمونه، إذا خالفه.
# وثانيها قولهم: لو لم يكن لفظة افعل موضوعة للايجاب، لم يكن للايجاب لفظة
~~موضوعة في اللغة مع الضرورة الداعية إلى ذلك.
# وثالثها أنه لا شبهة في تسمية من خالف الامر المطلق بأنه عاص، والمعصية
~~لا تكون إلا في خلاف الواجب. PageV01P055
# ورابعها قولهم: إن غاية ما يفعله من يريد الايجاب والالزام أن يقول لغيره
~~افعل.
# وخامسها أن الامر بشئ بعينه يقتضي أنه حصر المأمور به، و قصره عليه، وذلك
~~يمنع من تعديه وتجاوزه.
# وسادسها أنه لو لم يقتض الايجاب، لم يكن بعض الوجوه بأن يستفاد به أولى
~~من بعض مع تضادها، فيجب أن يقتضي الوجوب.
# وسابعها قولهم: إذا كان الآمر لابد من أن يكون مريدا للمأمور به، وإذا
~~أراده، فقد كره تركه، وربما قال بعضهم: إن إرادة الفعل كراهة لضده.
# وثامنها قولهم: إن الامر بالشئ يقتضي في المعنى النهي عن ضده، كما أن
~~النهي عن الشئ يقتضي الامر بتركه.
# وتاسعها أن لفظ الامر يجب أن يقتضي ضد ما يقتضيه لفظ النهي في المعنى،
~~وإذا كان النهي يقتضي التحريم، فالامر يقتضي الايجاب. PageV01P056
# وعاشرها قولهم: إن الامر لا يخلو من أقسام ثلاثة، إما أن يقتضي الايجاب،
~~أو المنع، ms026 أو التخيير، والمنع معلوم أنه لا يستفاد بالامر، و إنما يستفاد
~~المنع بالنهي، ولا يجوز أن يفيد التخيير لفقد ألفاظ التخيير، فلم يبق إلا
~~الايجاب.
# وحادي عشرها قولهم: إذا احتمل لفظ الامر الايجاب والندب، وجب حمله على
~~الايجاب، لأنه أعم فوائده، كما يقال في ألفاظ العموم.
# وثاني عشرها طريقة الاحتياط، وأن حمله على الايجاب أحوط للدين.
# وثالث عشرها أن الامر لابد له من فائدة، ومحال حمله على الايجاب والندب
~~معا، لتنافي الفائدتين، فلو كانت فائدته هي الندب، لوجب أن يكون متى حمل
~~على الايجاب أن يكون مجازا، وأجمعنا على خلاف ذلك.
# فأما الطرق القرآنية: فأولها قوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)،
~~والتحذير يقتضي وجوب الامتثال.
# وثانيها قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم
~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت. PageV01P057
# وثالثها قوله - تعالى -: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة، إذا قضى الله ورسوله
~~أمرا، أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.
# ورابعها قوله - تعالى -: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.
# وخامسها قوله - تعالى -: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم.
# والطرق الأخبارية: أولها ما روي عن النبي - ص ع - من قوله (لولا أن أشق
~~على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة) وقد ندب إلى ذلك عند كل صلاة، فثبت
~~أنه أراد الايجاب.
# وثانيها خبر بريرة حين أشار عليها بمراجعة زوجها، وأنها قالت له - عليه
~~السلام -: أتأمرني بذلك، فقال: إنما أنا شافع، فقالت عند ذلك: فلا حاجة لي
~~فيه، وفرقت بين الامر والشفاعة، وليس ذلك إلا لوجوب الامر.
# وثالثها قوله - عليه السلام - للأقرع بن حابس وقد سأله عن PageV01P058
# الحج: أنه لعامنا هذا أم للأبد - فقال - ع -: لا، للأبد، ولو قلت:
# نعم، لوجب، ولو لم تفعلوا، لضللتم. وهذا صريح في أن الامر يقتضي الايجاب.
# ورابعها توبيخه - ع - أبا سعيد الخدري لما دعاه وهو في الصلاة، فلم يجبه،
~~وقوله - ع - ألم تسمع الله - تعالى - يقول: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا
~~لله وللرسول إذا دعاكم.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: ms027 إننا لا نسلم ما ادعيتموه لا حكما ولا
~~علة، لأنه ليس كل عبد يستحق الذم، إذا لم يفعل ما أمره مولاه، ومن استحق
~~الذم منهم فليس العلة في استحقاقه مجرد خلاف الامر، لأنا لو فرضنا عبدا سمع
~~مجرد الامر من مولاه، وهو لا يعرف العادة العامة، ولا عادة مولاه الخاصة،
~~وفوت منفعة مولاه بمخالفة أمره، فإنه لا يستحق الذم.
# ولو أمره مولاه بما يختص بمصالح العبد، من غير أن يعود على السيد منه نفع
~~أو ضرر، لما ذمه أحد من العقلاء PageV01P059
# إذا لم يفعل، فالحكم الذي قضوا به، نحن نخالف فيه، ثم لو عرف العبد
~~كراهية مولاه لمخالفته، إما بالعادة، أو بشاهد الحال، نحو أن يأمره بأن
~~يسقيه الماء وقد غص بلقمة، فاستحق الذم على خلافه، وما كانت العلة في ذلك
~~ما ادعي من مجرد خلاف الامر، * بل ما ذكرناه. ومما يوضح ما ذهبنا إليه أن
~~الامر لو أفاد الايجاب لأمر يرجع إليه، لم يفترق الحال بين الكبير والصغير،
~~والجليل والوضيع فكيف يختص الايجاب بأمر الاعلى للأدون، لولا أن ذلك ليس
~~بموجب عن الامر. وإنما يقتضي الايجاب لأسباب عارضة من أحوال و عادات.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: قد وضعوا للايجاب لفظا في اللغة، وهو
~~أوجبت، وألزمت، ومتى لم تفعل استحققت الذم والعقاب، فإذا قالوا: هذه صيغة
~~الخبر، وأردنا ما هو بصيغة الامر، قلنا: هذا PageV01P060
# تحكم على أهل اللغة، وإذا أوجبنا أن يضعوا لهذا المعنى لفظا فأي فرق في
~~الانباء عن مرادهم بين ما هو بصيغة الخبر وبين ما هو بصيغة الامر. على أن
~~ذلك يعكس عليهم، فيقال: معنى الندب معقول لهم، فيجب أن يضعوا له لفظا ينبئ
~~عنه، ولا لفظ إلا قولهم: افعل. فإن عدلوا إلى أن يقولوا: قد وضعوا لذلك
~~ندبت، قلنا في الايجاب مثله.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: لا نسلم لكم أن لفظة عاص لا تدخل إلا في
~~الوجوب أو الايجاب، لان من خالف في الشاهد ما ندب إليه أو أرشد إليه يقال:
~~عصى، ms028 بل يقال ذلك في المشورة ولا خلاف أنه لا إيجاب فيها. ولفظة عاص لا
~~تفيد فعل قبيح، كما أن إطلاق لفظ مطيع لا يدل على فعل حسن، وإذا أضفنا
~~فقلنا: أطاع الله - تعالى - فهو دال على زيادة على الحسن، فإن الله - تعالى
~~- لا يأمر إلا بما له صفة الوجوب أو الندب، وإذا قلنا: عصى الله - سبحانه -
~~في كذا، فالمعنى أنه خالف أمره وإرادته. وقد يدخل ذلك في الوجوب والندب
~~معا، فإذا PageV01P061
# اقترن بذلك ذم أو توبيخ، خلص للاخلال بالواجب.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: ما زدتم على الدعوى، فمن أين قلتم إنه
~~غاية ما يفعله الموجب هي أن يقول: إفعل، ففي ذلك الخلاف، بل إذا أراد
~~الايجاب والالزام قال: أوجبت أو ألزمت أو إن لم تفعل ذممتك.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: هذه عبارة موهمة، فما مرادكم بقولكم:
~~حصره وقصره، أتريدون أنه أراد المأمور بعينه دون غيره، فهو مسلم، ولا إيجاب
~~في ذلك أم تريدون أنه حصره على وجوبه ففيه الخلاف، ولصاحب الندب أن يقول:
~~حصره وقصره على أن ندب إليه.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: هيهنا وجه معقول مستفاد من مطلق الامر،
~~وهو دلالته على أن الآمر مريد للفعل، وإذا كان الآمر حكيما، استفدنا كون
~~الفعل عبادة، ومما يستحق به الثواب، وهذه فائدة معقولة.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: لو كان الآمر بالشئ إذا أراده فلا بد من
~~كونه كارها لتركه، لوجب أن تكون النوافل كلها واجبة ولا حقة بالفرائض،
~~والذي يدل على أنه - تعالى - أمر بالنوافل أنه لا خلاف PageV01P062
# في وصفنا فاعلها بأنه مطيع لله تعالى، والطاعة إنما هي امتثال الامر أو
~~الإرادة. ولا خلاف في أنه - تعالى - رغب في النوافل، وذلك يقتضي كونها
~~مرادة لله تعالى. ولا خلاف أيضا في أن النوافل كالفرائض في تناول التكليف
~~لها، وذلك يقتضي كونه - تعالى - مريدا لها. وقوله - سبحانه - (إن الله يأمر
~~بالعدل والاحسان) دليل على أن النوافل مأمور بها، لان الاحسان له صفة النفل
~~دون الوجوب. ms029 فأما من ذهب إلى أن نفس إرادة الفعل تكون كراهة لتركه، فقوله
~~يفسد بما ذكرناه في النوافل. ولأنه محال أن يكون الشئ بصفة ضده، وما كون
~~الإرادة كراهة إلا ككون العلم جهلا، والقدرة عجزا.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثامنا: من أن الامر بالشئ نهي عن ضده، سنبين
~~بطلان هذه الشبهة في باب مفرد على أن ذلك ينتقض بالنوافل.
# ويقال فيما تعلقوا به تاسعا: ما أنكرتم أن يكون الامر يقتضي ضد ما يقتضيه
~~النهي فيما يجوز أن يدل عليه الأمر والنهي، والامر إذا PageV01P063
# دل على كون الآمر مريدا للفعل، فالنهي يدل على أنه كاره له، والتحريم ما
~~علمناه في متناول النهي إلا بواسطة، وهي أن الله - تعالى - إذا نهى عن فعل،
~~فلا بد من كونه كارها له، وهو - تعالى - لا يكره إلا القبيح، والقبيح محظور
~~محرم، وهذا الاعتبار ليس بموجود في الامر، لأنه إذا أمر بشئ، و أراده، فلا
~~بد من كونه طاعة ومما يستحق به المدح والثواب، وما هو بهذه الصفة ينقسم إلى
~~واجب وندب، فلا يجب أن يقطع على أحدهما، وما يكرهه - تعالى - فهو غير
~~منقسم، ولا يكون إلا قبيحا فافترق الأمران.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به عاشرا: قد أخللتم في القسمة بقسم، و هو مذهبنا،
~~ونحن نعلم أن * الترغيب في الفعل وجه معقول كالالزام وليس كونه ندبا يقتضى
~~التخيير، لان التخيير إنما يقتضي المساواة بين الشيئين المخير بينهما، وليس
~~الندب مساويا لتركه فيكون التخيير بينهما.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به حادي عشر: قد اقتصرتم على دعوى، فمن أين قلتم:
~~إنه يجب حمله على أعم الفوائد وما الفرق بينكم، وبين من PageV01P064
# يقول بل يجب حمله على اليقين وهو الأقل في الفائدة، وذلك هو الندب. وإنما
~~يسوغ ما قالوه، إذا كان اللفظ يتناول الجميع تناولا واحدا، فأما إذا كان
~~محتملا، وما يحتمله كما لمتضاد، فما ادعاء الأعم إلا كادعاء الأخص.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثاني عشر: الذي ذكرتموه ضد الاحتياط، لأنه
~~يقتضي أفعالا قبيحة، منها اعتقاد وجوب الفعل، ms030 وذلك جهل، وعزم على أدائه على
~~هذا الوجه، وهو أيضا قبيح. ولا بد من أن يعتقد هذا الفاعل قبح ترك هذا
~~الفعل، فيكون جهلا ثانيا. وربما كرهه، فيكون قبيحا زائدا. فما هذه حاله،
~~كيف يكون احتياطا. وليس يجري ذلك مجرى من ترك صلاة من خمس صلوات من غير أن
~~يعفها بعينها، والقول في إيجاب كل الصلوات عليه، لان ذلك يقتضي دخول ما أخل
~~به في جملة ما فعله، من غير فعل قبيح وقع منه.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالث عشر: إنا قد بينا أن الامر يفيد كون الآمر
~~مريدا للفعل، وليس يفيد في الافعال حكما على وجه، فالندب PageV01P065
# كالواجب في معنى دلالة الامر، وهو أن الآمر مريد للفعل، فإذا قامت دلالة
~~على وجوبه، فإنما هي دالة على أن تركه مكروه، وذلك لا يوجب كونه مجازا، لان
~~دلالته وهو واجب، كدلالته وهو ندب فيما يرجع إلى الامر به. وبعد، فإن كل
~~لفظ مشتركة بين أمرين على سبيل الحقيقة، لا يجب أن تكون مجازا في كل واحد
~~منهما، إذا أريد بها كسائر الألفاظ المشتركة مثل عين ولون.
# ويقال لهم في أول ما تعلقوا به من القرآن: أول ما نقوله: أنه لو ثبت في
~~القرآن أو السنة ما يدل على وجوب المأمور به، لم يكن ذلك نافعا لمخالفنا،
~~ولا ضارا لنا، لأننا لا ننكر على الجملة أن يدل دليل على وجوب الامر، وإنما
~~ننكر أن يكون ذلك يجب بوضع اللغة. وإنما نتكلم فيما استدلوا به من قرآن أو
~~سنة على وجوب الامر، لا لأنه إن صح، قدح فيما أصلناه، وإنما نتكلم فيه لأنه
~~PageV01P066
# لا يدل على المقصود. وهذه جملة يجب أن تكون محصلة مراعاة.
# ثم نقول: اقتران الوعيد بهذا الامر هو الدلالة على وجوبه، فمن أين لكم أن
~~الامر المطلق يدل على الوجوب.
# ثم إن المراد ظاهر، وهو أنه أراد الخلاف على الرسول - عليه السلام - على
~~سبيل جحد النبوة، بدلالة أول الآية بقوله - تعالى - (لا تجعلوا دعاء الرسول
~~بينكم كدعاء بعضكم بعضا)، ms031 وهذا إنكار على من لم يلتزم الانقياد له لأجل
~~النبوة، ولا محالة إن خلافه على هذا الوجه كفر.
# وبعد، فان مخالفة الامر هو ضد الموافقة، وفعل ما ندب إليه على وجه الوجوب
~~مخالفة له، كما أن فعل ما أوجبه مقصودا به إلى الندب مخالفة أيضا، والآية
~~تضمنت التحذير من المخالفة فمن أين لهم وجوب ما أمر به، حتى يكون من فعله
~~على غير هذا الوجه مخالفا. فعلم أن ظاهر الآية مشترك بيننا وبينهم، وأنه لا
~~حجة فيها لهم.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ليس المراد بالقضاء هيهنا الامر المطلق،
~~بل الالزام، كما نقول: قضى القاضي بكذا وكذا، بمعنى حكم و ألزم، ولهذا لا
~~تسمى الفتوى قضاء. PageV01P067
# والكلام فيما تعلقوا به ثالثا، كالكلام في هذه الآية، فلا معنى لإعادته.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا، من قوله - تعالى - (أطيعوا الله وأطيعوا
~~الرسول): إن هذا أمر، والخلاف فيه نفسه، فكيف يستدل به على نفسه. والطاعة
~~هي امتثال الامر، وقد بينا أن الطاعة تدخل في الندب والايجاب جميعا، فكيف
~~يعقل من الظاهر أحدهما.
# وأيضا فإن الطاعة هي امتثال الامر على الوجه الذي تعلق به الامر إما
~~بإيجاب أو ندب، حسبما مضى من الكلام في المخالفة، فمن أين لهم أن أمره على
~~الوجوب، حتى يكون من فعله على هذا الوجه مطيعا له، وإلا كان على الندب،
~~وطاعته إنما هي فعله على هذا الوجه.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إنا قد بينا أن المعصية قد تدخل في
~~الندب كما تدخل في الواجب، وأنه قد يكون عاصيا لمخالفة الامر على وجه لا
~~يستحق * به الوعيد، فيجب أن تحمل الآية لأجل الوعيد على مخالفة الامر
~~الواجب.
# ويقال لهم في أول الطرق الأخبارية: إنه ليس يجوز أن يثبت PageV01P068
# حكم الامر في وجوب أو ندب وهو أمر معلوم، بأخبار الآحاد التي لا توجب إلا
~~الظن.
# وبعد، فإن قوله - عليه وآله السلام -: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم
~~بالسواك عند كل صلاة، لو تجرد، ما علمنا به الوجوب، ms032 لكنا لما علمنا أن
~~السواك مندوب إليه، كان ذلك قرينة في أنه أراد الوجوب.
# ويقال لهم في خبر بريرة: أكثر ما فيه التفرقة بين الامر والشفاعة وبينهما
~~تفرقة وإن لم يكن لأجل وجوب الامر، وهي أن الامر منه - عليه السلام - يتعلق
~~بالديانات والعبادات، والشفاعة ليست كذلك، لأنها تكون في المنافع الحاضرة
~~العاجلة، وفي الاغراض الدنياوية.
# وأما خبر الأقرع بن حابس، فإنه لم يسئل عن مطلق الامر، وإنما سأل عن
~~تكرار ما ثبت وجوبه، وهو الحج، فأجاب - ص ع - بإنه لو قال نعم، لوجب، لان
~~قوله نعم يكون بيانا، وبيان الواجب واجب. PageV01P069
# وأما الجواب عن خبر أبي سعيد الخدري، فإن دعاء الرسول بخلاف أمره، لان
~~إجابة دعائه واجبة ولذلك صح أن يأمره لمكان الإجابة بقطع الصلاة، ومثل ذلك
~~لا يصح في الامر. والدعاء هو أن يناديه: يا فلان، فيجب عليه الإجابة،
~~والامر أن يقول له: إفعل، و قد بينا أنه متردد بين الندب والايجاب.
# وقد تعلق من قطع في مجرد الامر على أن المراد به الندب بأن قال إذا كان
~~الامر من الحكيم لا بد من أن يريد المأمور به، ولا بد من كونه مع الحكمة،
~~مما له مدخل في العبادة واستحقاق الثواب، فيجب أن يكون ندبا، لأنه أقل
~~أحواله، وما لا بد منه، وإنما يكون واجبا إذا علمنا كراهة الترك.
# فيقال لهم: هذا الذي قدمتموه صحيح، لكنكم بنيتم عليه ما لا يليق به، فمن
~~أين لكم أنه إذا أراد المأمور به، فإنه لم يكره PageV01P070
# تركه، وأنتم لا تستفيدون من مطلق الامر حكم الترك، وإنما تستفيدون أن
~~الامر مريد للمأمور به. وقولكم: نحمله على أقل أحواله، تحكم، ولم يجب ذلك،
~~ومن الجائز أن يكون هذا الآمر مع أنه مريد للمأمور به، كارها لتركه، كما
~~أنه من الجائز أن لا يكون كارها لتركه، فالقطع على أحد الامرين بغير دليل
~~ظلم.
# فإن قالوا: لو كره الترك، لبينه. قلنا: ولو لم يكن كارها، لبينه فإن
~~قالوا: الأصل في العقل كون الفعل والترك جميعا غير ms033 مرادين ولا مكروهين،
~~فإذا تعلق الامر بأحدهما، علمناه مرادا، وبقي الترك على ما كان عليه، فلو
~~تغيرت حاله، وصار قبيحا، ومما يجب أن يكرهه الحكيم، وجب على المخاطب بهذا
~~الامر أن يبين ذلك من حاله، فإن البيان لا يتأخر عن حال الخطاب. وهذا الذي
~~حكيناه أقوى ما يمكن أن يتعلق به في نصرة مذهبهم.
# والجواب عن ذلك أنا لا نسلم - أولا - أن الفعل والترك جميعا PageV01P071
# كانا في العقل سواء في أنهما غير مرادين ولا مكروهين، لأنه إذا أمرنا
~~بالصلاة مثلا، فقد أمرنا بفعل كان في العقل - لولا هذا الامر - محظورا،
~~وكان تركه واجبا، لأنه إدخال مشقة وكلفة على النفس بغير فائدة، فإذا قال
~~لنا صلوا، فقد دل ذلك على أن للصلاة صفة زائدة على حسنها، يستحق بها المدح
~~والثواب، ولا بد من أن يكون صفة ترك الصلاة الذي كان في العقل واجبا، قد
~~تغيرت عند ورود هذا الامر، وتغيرها ينقسم إلى أن يكون مكروها، فيكون الفعل
~~واجبا، وإلى أن لا يكون مرادا ولا مكروها، فيكون الفعل ندبا، وإلى أن يكون
~~مرادا، فيكون مخيرا بين الفعل والترك، فثبت بهذه الجملة أنه لا يجوز مع
~~ورود الامر بهذه العبادات أن تبقى في تروكها على الأصل العقلي، بل لا بد من
~~تغيره على ما بيناه.
# على أنا لو سلمنا أن حكم الترك في أصل العقل ما ذكروه، لكان إنما يجب
~~البيان في وقت الحاجة، لا في وقت الخطاب، على ما سنبينه في موضعه من هذا
~~الكتاب بمشية الله - تعالى - وعونه، فلو قال PageV01P072
# الحكيم لغيره افعل كذا وكذا غدا أو بعد شهر، لما وجب أن يبين له حكم
~~الترك في هذا الوقت، وليس بوقت للحاجة، وأنتم لا تفرقون في حمل الامر على
~~الندب بين أن يكون على الفور أو على التراخي.
# وهذه جملة كافية في الاطلاع على سر هذا الباب فليحسن تأملها.
# فصل في حكم الامر الوارد بعد الحظر اعلم أن أكثر المتكلمين * في أصول
~~الفقه أطبقوا على أن الامر الوارد بعد الحظر يقتضي ms034 الإباحة وإطلاق الحظر
~~الذي تقدم، وإن كانوا يذهبون إلى أنه لو انفرد، وكان مبتدأ، اقتضى الوجوب
~~ولسنا ندري ما السبب في استمرار هذه الشبهة الضغيفة.
# والصحيح أن حكم الامر الواقع بعد الحظر هو حكم الامر المبتدأ، فإن كان
~~مبتدأه على الوجوب أو الندب أو الوقف بين الحالين، فهو كذلك بعد الحظر.
# والذي يدل على ذلك أن الامر إنما يدل على ما يدل عليه، لأمر يرجع إلى
~~كونه أمرا، وإذا كانت هذه الصفة لا تتغير بوقوعه بعد الحظر، PageV01P073
# فدلالته يجب ألا تتغير.
# وأيضا فإن الحظر العقلي آكد من السمعي، وقد علمنا أن ورود الامر بعد
~~الحظر العقلي لا يمنع من اقتضائه الوجوب، وكذلك وروده بعد الحظر الشرعي.
# وبعد، فإن كونه محظورا لا يمنع من وجوبه أو كونه ندبا بعد هذه الحال،
~~وإذا كان لا يمنع من ذلك، لم تتغير الدلالة.
# فإن قيل: ورود الامر بعد الحظر يقتضي إطلاق الحظر، قلنا: لا شبهة في ذلك
~~غير أن إطلاق الحظر يكون بالايجاب والندب، كما يكون بالإباحة، فمن أين أنه
~~يقتضي إطلاق الحظر من غير زيادة على ذلك.
# واعتلالهم بأنهم لم يجدوا في الكتاب أمرا واردا بعد الحظر إلا و يقتضي
~~الإباحة المحضة، باطل لان الوجود إذا صح ليس بدلالة لأنه يمكن خلاف ما
~~استمر عليه الوجود، ولأنا لا نسلم ذلك أيضا، لان الله - تعالى - يقول: ولا
~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، وحلق الرأس هيهنا نسك، وليس بمباح صرف.
~~PageV01P074
# فصل في أن الكفار مخاطبون بالشرايع وهل يدخل العبد والصبي في الخطاب؟
# الصحيح أن الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعية، وذهب كثير من المتكلمين
~~وأكثر الفقهاء إلى أنهم غير مخاطبين. وفائدة الخلاف في هذه المسألة وإن
~~كانوا متفقين على أن الكفار مع عقابهم على كفرهم لا نطالبهم بفعل العبادات
~~الشرعية - أن من قال: إنهم مخاطبون، يذهب إلى أنهم يستحقون مع عقابهم على
~~الكفر العقاب من الله - تعالى - على الاخلال بهذه العبادات، ومنا الذم على
~~ذلك، ومن ذهب إلى أنهم غير مخاطبين، يلزمه ألا يستحقوا عقابا ولا ms035 ذما على
~~الاخلال بالعبادات.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أشياء:
# أولها أن الاعتبار في دخول المكلف في التكليف إنما هو بشيئين: أحدهما صفة
~~المكلف، والآخر صفة الخطاب، وقد علمنا أن الكافر كالمؤمن في استيفاء شروط
~~التكليف، لأنه يتمكن من أن PageV01P075
# يؤمن فيصح وقوع جميع العبادات منه، فصحة تكليفه العبادات كصحة تكليفه نفس
~~الايمان والاسلام. وأما إعتبار صفة الخطاب، فإنه إذا كان مطلقا ومتوجها إلى
~~الناس، دخل الكافر فيه لتناوله إياه.
# ومنها أن الكفار لو لم يتعبدوا بالشرائع، لكانوا معذورين في تكذيب النبي
~~- ص ع - والامتناع من تصديقه، لان الغرض في إيجاب تصديقه - عليه السلام -
~~هو المعرفة بشرائعه، كما أن الغرض في بعثته هو أداؤه الشرائع، فمن لم يكلف
~~ما هو الغرض في إيجاب التصديق، لا يجوز أن يكون مكلفا بالتصديق، ولا خلاف
~~في وجوب تصديقه - ع - على كل الكفار.
# ومنها أنه لا خلاف في أن الكفار يحدون على الزنا على وجه العقوبة
~~والاستحقاق، فلو لم يكونوا مخاطبين بهذه الشرعيات، لم يستحقوا العقوبة على
~~فعل القبائح منها. وليس لهم أن يقولوا إنما عوقب PageV01P076
# على أنه لم يخلص نفسه من الكفر، فيعرف قبح الزنا، لان هذا تصريح بأنه
~~يعاقب على كفره لا على الزنا، وهذا يوجب أن يعاقبه وإن لم يزن. وقد كان شيخ
~~من متقدمي أصحاب الشافعي، وقد استدللت بهذه الطريقة، قال لي: فأنا أقول: إن
~~الكفار مخاطبون من الشرائع بالتروك دون الافعال، لان الافعال تفتقر إلى
~~كونها قربة، ولا يصح ذلك مع الكفر، والتروك لا يفتقر إلى ذلك. فقلت له: هذا
~~- والله - خلاف الاجماع، لان الناس بين قائلين، قائل يذهب إلى أن الكفار
~~مخاطبون بكل الشرائع من غير تفرقة، وقائل يذهب إلى أنهم غير مخاطبين بالكل،
~~فالفصل بين الامرين خلاف الاجماع.
# ثم إن القربة معتبرة في تروك هذه القبائح، كما أنها معتبرة في الافعال
~~الشرعية، لأنا إنما أمرنا بأن نترك الزنا ولا نفعله قربة إلى الله - تعالى
~~-، فمن لم يتركه لذلك، * لا يستحق مدحا ولا ثوابا، PageV01P077
# ولا يكون ms036 مطيعا لله - تعالى -، ولا ممتثلا لامره، فالقربة إذا لم تصح من
~~الكافر وهو كافر، لم يجز أن يقع منه على الوجه المشروع لا فعلا ولا تركا.
# ومنها قوله - تعالى - حاكيا عن الكفار: ما سلككم في سقر.
# قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين،
~~وكنا نكذب بيوم الدين، وهذا يقتضي أنهم عوقبوا مع كفرهم على أنهم لم يصلوا،
~~وهذا يقتضي كونهم مخاطبين بالصلاة.
# وليس لاحد أن يقول: أي حجة في قول أصحاب النار، و لعل الامر بخلاف ما
~~قالوه، وذلك أن جميع معارف أهل الآخرة ضرورية، فلا يجوز أن يعتقدوا جهلا،
~~وهم ملجؤن إلى الامتناع من فعل القبيح، فلا يجوز أن يقع منهم كذب، ولا ما
~~جرى مجراه.
# وليس له أن يحمل قوله - تعالى -: لم نك من المصلين، على PageV01P078
# أن المراد لم نكن من أهل الصلاة والايمان. وذلك أن هذا يقتضي التكرار
~~للمعنى الواحد، لان قوله - سبحانه -: وكنا نكذب بيوم الدين، يغنى عن أن
~~ينفي أن يكونوا من أهل الصلاة والايمان. و أيضا فإن الظاهر من قول القائل:
~~لم أك مصليا، نفي فعل الصلاة، دون الايمان بها.
# وقد تعلق من خالفنا بأن الكافر لا يصح منه مع كفره شئ من العبادات، فيجب
~~أن لا يكون مخاطبا بها، كما لو كان عاجزا أو ممنوعا.
# والجواب عن ذلك أن الكافر تصح منه العبادات، بأن يقدم الايمان عليها، ثم
~~يفعلها، وجرى مجرى المحدث الذي هو مخاطب بالصلاة، وإن لم تصح منه مع الحدث،
~~لكنه يقدر على تقديم إزالة الحدث ثم فعل الصلاة. ويجب على هذا أن لا يكون
~~القاعد مخاطبا بالصلاة، ولا القائم أيضا إليها، لأنه لا يتمكن في الحال
~~الثانية من جميع أركان الصلاة، وإنما يقع منه على ترتيب. والعاجز أو
~~PageV01P079
# الممنوع لا يشبه الكافر، لأنه لا يتمكن من إزالة عجزه أو منعه، والكافر
~~متمكن من إزالة كفره.
# وقد تعلقوا أيضا بأن الكفار لو كانوا مخاطبين بالعبادات، لوجب متى أسلموا
~~أن يلزمهم قضاء ما فات منها، وقد ms037 علم خلاف ذلك.
# والجواب: أن القضاء لا يتبع في وجوبه وجوب المقضي، بل هو منفصل عنه، وقد
~~يجب كل واحد من الامرين وإن لم يجب الآخر، ألا ترى أن الحائض يلزمها قضاء
~~الصوم وإن لم يكن الأداء عليها واجبا، والجمعة إذا فاتت لا يجب قضاؤها، وإن
~~وجب أداؤها، فما المنكر من وجوب العبادات على الكفار، وإن لم يجب عليهم
~~قضاء ما فات منها؟.
# وأقوى ما يعترض به هيهنا شبهة قولهم: ما ذكرتموه إنما يتم في العبادات
~~المختصة بأوقات، فأما الزكاة فالأوقات كلها متساوية في أن فعلها فيها هو
~~الأداء لا قضاء، ولا خلاف في أن الكافر إذا PageV01P080
# أسلم، وقد حال الحول على ما له وهو قدر النصاب، أن الزكاة عن الماضي لا
~~تجب عليه.
# والجواب الصحيح أن الزكاة وجبت، ثم سقطت بالاسلام لان الاسلام على ما روي
~~في الخبر يجب كل ما تقدمه.
# وأما العبد فيدخل في الخطاب، إذا تكامل شروطه في نفسه، وكان ظاهر الخطاب
~~يصح أن يتناوله. وإنما يكون الخطاب بهذه الصفة، إذا لم يكن مقيدا بالحرية،
~~أو يتعلق بالاملاك، لان العبد لا يملك، والعبد في هذه القضية كالحر، وكونه
~~مملوكا عليه تصرفه لا يمنع من وجوب العبادات عليه، لان المولى إنما يملك
~~تصرفه عليه في غير وقت وجوب عبادة، فأوقات العبادات مستثناة من ذلك.
~~PageV01P081
# ودخول المرأة في الخطاب كدخول الرجل. والصحيح أنها تدخل بالظاهر ومن غير
~~حاجة إلى دليل في خطاب المذكر، لان قولنا (القائمون) عبارة عن الذكور
~~والإناث، إذا اجتمعا، كما أنه عبارة عن الذكور، على الانفراد. وليس يمنع من
~~دخول المؤنث تحت هذا الصيغة أنهم خصوا المؤنث بصيغة أخرى، لان تلك الصيغة
~~خص بها المؤنث، إذا انفرد، ومع الاقتران بالذكر، لا بد من الصيغة التي
~~ذكرناها.
# وأما الصبي فإن كان في المعلوم أنه يبلغ، وتتكامل له شروط التكليف،
~~فالخطاب يتناوله على هذا الوجه، وهو داخل في قوله - تعالى -: أقيموا
~~الصلاة، لان الخطاب لا يتجدد بتجدد كمال هذا الصبي وبلوغه، وفي حال
~~الطفولية لا يتعلق عليه ms038 خطاب بفعل في هذا الوقت، لا فيما يتعلق ببدن، ولا
~~بمال، لأنه في حال الصبا ليس من أهل الافعال. ومعنى القول بأن الخطاب يتعلق
~~بماله، أن وليه مخاطب بما يفعله في ماله من أخذ أرش متلف وقيمة جناية وما
~~جرى مجرى ذلك. PageV01P082
# فصل في هل الامر بالشئ أمر بما لا يتم إلا به اعلم أن كل من تكلم في هذا
~~الباب أطلق القول بأن الامر بالشئ هو بعينه أمر * بما لا يتم ذلك الشئ إلا
~~به، والصحيح أن يقسم ذلك، فنقول: إن كان الذي لا يتم ذلك الشئ إلا به سببا،
~~فالامر بالمسبب يجب أن يكون أمرا به، وإن كان غير سبب، و إنما هو مقدمة
~~للفعل وشرط فيه، لم يجب أن يعقل من مجرد الامر أنه أمر به.
# والذي يدل على صحة ما ذكرناه أن ظاهر الامر يقتضي ما تناوله لفظه، وليس
~~يجوز أن يفهم منه وجوب غيره مما لم يتناوله اللفظ إلا بدليل غير الظاهر،
~~لأنه إذا قال صل فالامر يتناول الصلاة، و الوضوء الذي ليس بصلاة إنما نعلم
~~وجوبه بدليل غير الظاهر.
# ومما يوضح ذلك أن الامر في الشريعة قد ورد على ضربين: أحدهما يقتضي إيجاب
~~الفعل دون إيجاب مقدماته، نحو الزكاة والحج، فإنه لا يجب علينا أن نكتسب
~~المال لتحصيل النصاب، أو لنتمكن PageV01P083
# به من الزاد والراحلة، بل متى اتفق لنا النصاب، وحال عليه الحول، وجبت
~~الزكاة، وكذلك في الزاد والراحلة. والضرب الآخر يجب فيه مقدمات الفعل، كما
~~يجب هو في نفسه، وهو الوضوء للصلاة، وما جرى مجراها، وإذا انقسم الامر في
~~الشرع إلى قسمين، فكيف نجعلهما قسما واحدا.
# فإذا قيل: مطلق الامر يقتضي تحصيل مقدماته، فأما ما كان مشروطا منه بصفة
~~كالزكاة والحج فلا يجب ذلك فيه، قلنا: هذه دعوى، ما الفرق بينكم، وبين من
~~عكسها، فقال: إن مطلق الامر يقتضي إيجابه دون غيره، فإذا علمنا وجوب
~~المقدمات كالوضوء في الصلاة، علمناه بدليل خارج عن الظاهر.
# والصحيح أن الظاهر يحتمل الامرين احتمالا واحدا، وإنما يعلم ms039 كل واحد
~~منهما بعينه بدليل.
# فان تعلقوا بالسبب والمسبب، وأن إيجاب المسبب إيجاب للسبب لا محالة.
~~PageV01P084
# قلنا هو كذلك، والفرق بين الامرين أنه محال أن يوجب علينا المسبب بشرط
~~اتفاق وجود السبب، وإنما فسد ذلك، لان مع وجود السبب لا بد من وجود المسبب،
~~إلا لمنع، ومحال أن يكلفني الفعل بشرط وجود الفعل، وليس كذلك مقدمات
~~الافعال، لأنه يجوز أن يكلفني الصلاة بشرط أن أكون قد تكلفت الطهارة، كما
~~جرى ذلك في الزكاة والحج، فبان الفرق بين الامرين.
# وإذا كان إيجاب المسبب إيجابا لسببه، فإباحة المسبب إباحة للسبب. وكذلك
~~تحريمه. وفي الجملة أحكام المسبب لا بد من كونها متعدية إلى السبب، فأما
~~أحكام السبب في إباحة أو حظر أو إيجاب فغير متعدية إلى المسبب، لأنه يمكن
~~مع وجود السبب المنع من المسبب. فصل في أن الامر بالشئ ليس بنهي عن ضده
~~لفظا ولا معنى اعلم أنه من البعيد أن يذهب محصل إلى أن لفظ الامر
~~PageV01P085
# يكون نهيا عن ضده، لان الامر مسموع، وما يدرك لا يجب أن يقع فيه خلاف بين
~~العقلاء مع السلامة، وما يسمع من قول القائل:
# افعل، لا تفعل.
# وإنما الخلاف في أنه هل يجب ان يكون الآمر في المعنى ناهيا عن ضد ما أمر
~~به، والمجبرة يبنون ذلك على أن إرادة الشئ كراهة لضده، وكراهته إرادة لضده.
~~والفقهاء يقولون: إن الموجب للشئ يجب أن يكون حاظرا لضده، وهذا معنى النهي.
~~وفيهم من يقسم، ويقول: إذا لم يكن للفعل إلا ضد واحد، فالامر بأحدهما نهي
~~عن الآخر، والنهي عن أحدهما أمر بالآخر، وإذا كانت له أضداد كثيرة، لم تجب
~~فيه هذه القضية.
# وقد دللنا فيما تقدم على ما يبطل هذا المذهب، وبينا أن الذي يقتضيه الامر
~~كون فاعله مريدا للمأمور به، وأنه ليس من الواجب أن يكره الترك، بل يجوز أن
~~يكون مريدا له، أو لا مريدا ولا كارها.
# وهذا كله يسقط بالنوافل، فإن الله - تعالى - قد أمر بها، وما نهى
~~PageV01P086
# عن تروكها ولا كره أضدادها، وكون ms040 نفس الإرادة كراهة قد بينا فساده، وأنه
~~يؤدي إلى انقلاب الجنس.
# فإن قيل: أفيجب عندكم في الامر إذا كان بفعل واجب أن يكون الآمر به كارها
~~لتركه.
# قلنا: لا يجب ذلك، ولهذا جاز عندنا أن يجتمع الضدان بل الأضداد في
~~الوجوب، ألا ترى أن المصلي في آخر الوقت هو مخير بين أن يصلي في أي زوايا
~~البيت شاء، والصلاة في الزوايا متضادة، وكل واحد يقوم مقام الآخر في
~~الوجوب، مع التضاد.
# فإن قدرنا أنه لا ينفك عن الواجب إلا بفعل واحد أو أفعال فذلك محرم عليه،
~~لان الواجب المضيق هو الذي ليس له أن يخل به، فكل فعل لا يكون مخلا بالواجب
~~إلا به، ولا ينفك مع الاخلال منه، فلا بد من كونه محظورا.
# وأما النهي، فيقتضي أن لا يفعل المكلف ذلك المنهي عنه، وأضداد هذا الفعل
~~موقوفة على الدليل، فإن كان المكلف لا ينفك متى لم يفعل، من أمر واحد، فهو
~~واجب عليه بلا شبهة، لان ما أوجب مجانبة الفعل PageV01P087
# المحرم، وأن * لا يفعله، يقتضي فعل ذلك.
# ومما يبين فساد مذهب من ذهب إلى أن الامر بالشئ ء في المعنى نهي عن ضده،
~~أن الله تعالى قد كره الزنا وأراد الصلاة، وأمر بالصلاة ونهى عن الزنا،
~~وهذا يقتضي أن يكون الفعل الواحد الذي هو قعوده عنهما مرادا مكروها، أو
~~مأمورا به منهيا عنه.
# وكان يجب أيضا أن يكون أحدنا متى أراد خروج الغاصب من أحد بابي الدار، أن
~~يكون كارها لخروجه من الباب الاخر، كما يكره تصرفه في الدار، وفساد ذلك
~~ظاهر.
# فصل في الامر بالشئ على وجه التخيير اعلم أن الصحيح ان الكفارات الثلاث
~~في حنث اليمين واجبات كلهن، لكن على جهة التخيير، بخلاف ما قاله الفقهاء من
~~أن الواجب منهن واحدة لا بعينها، وفي كشف المذهب هيهنا وتحقيقه إزالة
~~للشبهة فيه.
# ونحن نعلم أن تكليفه تعالى للشرائع تابع للمصلحة و الألطاف، وليس يمتنع
~~أن يعلم في أمر معين أن المكلف لا يصلح في PageV01P088
# دينه إلا عليه، وأنه ms041 لا يقوم غيره في ذلك مقامه، فلا بد من إيجابه على
~~جهة التضييق. وغير ممتنع أن يعلم في أمرين أو أمور مختلفة أن كل واحد في
~~مصلحة المكلف في دينه كالآخر من غير ترجيح، فلا بد و الحال هذه من الايجاب
~~على طريقة التخيير، للتساوي في وجه المصلحة، والشاهد يقضي بما ذكرناه، لان
~~أحدنا إذا أراد مصلحة ولده، وعلم، أو غلب في ظنه أنه لا يصلح إلا بان يفعل
~~به فعلا مخصوصا، وجب ذلك الفعل معينا، وإذا غلب في ظنه تساوي فعلين أو
~~أفعال في مصلحته، كان مخيرا فيها. والقول بوجوب بعض ذلك دون بعض كالمتناقض.
# وأقوى ما دل على ما ذكرناه أن الكفارات الثلاث متساوية في جميع الأحكام
~~الشرعية، لان كل واحدة منها يقوم مقام الأخرى في براءة ذمة المكلف وإسقاط
~~الحنث عنه، وكل حكم شرعي لواحدة منها فهو للأخرى، فلا يجوز مع التساوي في
~~الاحكام أن يختلف في الصفة، لان اختلاف الصفات يقتضي اختلاف الاحكام،
~~PageV01P089
# من حيث كانت الاحكام صادرة عن الأحوال والصفات، فكيف يجوز أن يكون الواجب
~~من الكفارات واحدة، وأحكام الكل الشرعية متساوية متعادلة، وهل ذلك إلا
~~مناقضة. ولو جاز أن يتساوى أمور في الاحكام، ويختص الوجوب بأحدها، جاز أن
~~يتساوى أمور في كونها مفسدة في الدين، وتكون مختلفة في القبح أو التحريم و
~~الحظر. وأي فرق بين القول بأن الواجب من الكفارات واحدة، و الكل متساو في
~~الاحكام، وبين القول بأن المحظور من أمور متساوية في المفسدة هو واحد لا
~~بعينه.
# ومما يستدل به ان الواجب من الكفارات لو كان واحدا لا بعينه، لوجب أن
~~يجعل الله - تعالى - للمكلف طريقا إلى تمييزه قبل أن يفعله، لان تكليفه أن
~~يفعل واحدا لا بعينه من جملة ثلاث يجري مجرى تكليفه ما لا يطاق.
~~PageV01P090
# وليس لهم أن يقولوا: أي حاجة به إلى التمييز، وأي شئ فعله كان الواجب،
~~وذلك أن الامر إذا كان على ما ذكروه، فهو تصريح بوجوب الثلاث، لأنه إذا كان
~~أي شئ فعله منها فهو ms042 الواجب، فهل هذا إلا تصريح بأن الكل واجب.
# فإن قالوا: ليس يمتنع أن يكون اختيار المكلف له علما على وجوبه وتعينه،
~~قلنا: هذا يؤدي إلى مذهب مويس بن عمران، في أن الله - تعالى يكلف العبد أن
~~يختار ما يشاء من العبادات، ويكون مصلحة باختياره، لان الله - تعالى - علم
~~أنه لا يختار إلا الصلاح من غير أمارة مميزه متقدمة. ويلزم عليه أن يكلف
~~تمييز نبي صادق مما ليس بنبي من غير أمارة ولا دلالة مميزة متقدمة.
# وبعد، فإن اختيار المكلف إنما يكون تابعا لأحوال الفعل وصفاته، و لا تكون
~~أحوال الفعل تابعة لاختيار المكلف وإرادته، ألا ترى أن وجوب الفعل هو
~~الداعي إلى اختياره له على غيره، فيجب أن يتقدم العلم بالوجوب على
~~الاختيار، ولا يجعل الاختيار متقدما على الوجوب. PageV01P091
# وبعد، فليس يخلو الاختيار من أن يكون مؤثرا في وجود الفعل، أو مؤثرا في
~~حصول الصفة التي لأجلها كان مصلحة في الدين، والأول، هو الصحيح، والثاني
~~باطل، لان كونه مصلحة لا يجوز أن يؤثر فيه حال القادر، لان حال القادر لا
~~يؤثر إلا في مجرد الوجوب، ألا ترى أن ما أوجبه الله - تعالى - من الفعل
~~المعين لا يؤثر حال القادر في الصفة التي لأجلها كان واجبا، بل في مجرد
~~الوجود، فكذلك الواجب على جهة التخيير.
# فإذا قالوا: أليس قد يصح البيع لقدر مخصوص من الكيل من جملة صبرة، ويتعين
~~باختيار القابض وقت القبض، فكيف أخلتم أن يكون للاختيار مدخل في التعيين *.
# قلنا: إنما أنكرنا أن يكون للاختيار مدخل في المصالح الدينية ووجوب
~~الواجبات منها، فأما ما لا يتعلق بالمصالح الدينية من المعاملات
~~PageV01P092
# فقد يجوز أن يتعين عند القبض بالاختيار.
# ومما يدل أيضا أنه لو كان الواحدة من الكفارات هو الواجب لا بعينه، لما
~~صح القول بأن للمكفر أن يكفر بأي الثلاث شاء.
# وأيضا فإن الواجب وإن لم يتعين للمكفر، فإن الله - تعالى - يعلمه، لأنه
~~يعلم ما الذي يكفر به المكفر من جملة الثلاث، فيجب على هذا القول أن يكون
~~الله - تعالى ms043 - موجبا لذلك بعينه، ولو كان كذلك لما اجتمعت الأمة على أنه
~~لو كفر بغيره، لأجزأه، كما لا يجوز أن يجزيه، لو كفر برابع.
# وليس لهم أن يقولوا: جوازه عند الأمة لا يدل على وجوبه، لأنه قد يجزى ما
~~ليس بواجب على الواجب كالطهارة قبل دخول الوقت، و ذلك أنهم لما أجمعوا على
~~جواز ما لم يكفر به وإجزائه، فقد أجمعوا على أنه كان يجزي على وجه لا فرق
~~بينه وبين ما اختاره.
# وقد تعلق من خالفنا بأشياء:
# منها أن القول بالتخيير يؤدي إلى أن يكون المكلف مخيرا PageV01P093
# بين عبيد الدنيا كلها، وكذلك الكسوة والاطعام، وذلك فاسد.
# ومنها أنه - تعالى - لو نص على أني أوجبت واحدا لا بعينه، لكان هو
~~الواجب، فكذلك إذا خير فيه، لان المعنى واحد.
# ومنها أنه لو فعل الكل، لكان الواجب واحدا بإجماع، فكذلك يجب أن يكون
~~الواجب واحدا قبل أن يفعل.
# ومنها أن الجميع لو وجب على جهة التخيير، والجمع بين الثلاث ممكن، لوجب
~~أن يكون واجبة على سبيل الجمع، كما أن ما نهي عنه تخييره كجمعه.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إن التخيير لا يكون إلا بين أمور تدخل في
~~الامكان، فالمكفر مخير بين عتق من يتمكن من عتقه في الحال، وكذلك القول في
~~الاطعام والكسوة، فإذا لم يملك المكفر إلا رقبة واحدة، زال التخيير في
~~الرقاب، لأنه لا يجوز PageV01P094
# أن يكون مخير بين عتق عبد يملكه وبين عتق عبد لا يملكه، و لهذا نقول: أنه
~~متى ضاق وقت الصلاة، فالمصلى مخير بين البقاع المتقاربة دون المتباعدة،
~~وإذا كان الوقت واسعا، جاز أن يتعدى التخيير إلى الأماكن المتباعدة.
# على أن هذا المعترض يلزمه أن يكون المكفر مأمورا بعتق واحد من عبيد
~~الدنيا كلها، وكذلك في الاطعام والكسوة، فليس ينفصل من ذلك إلا بمثل ما
~~ذكرناه من إعتبار الطاقة والامكان.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ومن الذي يسلم لكم جواز أن ينص الله -
~~تعالى - على أني أوجبت واحدا لا بعينه؟ أو ليس قد بينا ms044 أن ذلك لا يصح في
~~التكليف، وبينا أيضا أن الأمور المتساوية في وجه المصلحة لا يجوز أن يوجب
~~بعضها دون بعض؟.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إنا لا نقول فيما فعله: أنه واجب إلا
~~على وجه دون وجه، ولا بد من تفصيل بيان هذا الجملة، فنقول: إن قولنا: واجب،
~~قد يطلق، وقد يضاف: فإذا أطلق، أفاد وقوعه PageV01P095
# على وجه الوجوب، ولم يجز إجراء هذه العبارة على المعدوم إلا مجازا
~~واتساعا، ويجري (واجب) في هذه القضية مجرى قولنا في الفعل:
# إنه حسن. فأما المضاف فقولنا: واجب على المكلف، وهذا وجه يختص المعدوم،
~~فإن الموجود لا يصح أن يفعل، وكلامنا في الكفارات الثلاث أيها هو الواجب؟
~~وإنما المراد به ما الذي يجب أن يفعله المكلف منها؟ فإذا فعل واحدا منها،
~~فقد خرج من أن يجب عليه وإنما نقول: كان واجبا عليه، وكذلك: إذا فعل
~~الثلاث، فقد خرجت من أن تكون واجبة عليه على سبيل التخيير لأنه لا تخيير
~~بعد الوجود.
# فإن قيل: فإذا جمع بين الكل، ما الواجب المطلق منها؟ قلنا:
# إن كان جمع بينها، لم يخل من أن يكون فعل واحدا بعد الآخر، أو كان وقت
~~الجميع واحدا، فإن كان الأول، فالذي يستحق عليه ثواب الواجب هو الأول، وإن
~~جمع بينها في وقت واحد، PageV01P096
# استحق ثواب الواجب على أعلاها وأكثرها ثوابا، ولا معنى للنظر في تعيين ما
~~يستحق به ثواب الواجب، لأنه لا فائدة له فيما يتعلق بالتكليف، ولا حجة
~~للفقهاء فيما اختلفنا فيه، لأنا إنما نخالفهم فيما يجب أن يفعله المكلف من
~~الكفارات قبل أن يفعله، فنقول: إن الجميع واجب على سبيل التخيير، ويقولون:
~~الواجب واحد لا بعينه، فأي منفعة لهم في أن يكون المستحق به ثواب الواجب
~~بعد الفعل هو واحد؟ ومعنى قولنا هيهنا: إنه واجب، غير المعنى فيما اختلفنا
~~فيه، ولا شاهد في أحد الامرين على الآخر مع اختلاف المعنى، وإنما تشاغل
~~بذلك من الفقهاء من لا قدرة له على التفرقة بين هذه المعاني و ترتيبها
~~مراتبها. ms045
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: ليس * بواجب فيما وجب على سبيل التخيير
~~أن يكون واجبا على طريقة الجمع وإن كان الجمع بينه ممكنا لأنا قد بينا أن
~~الأمور المتساوية في حكم من الاحكام PageV01P097
# إنما تجب على التخيير دون الجمع، لأنه لا وجه لوجوبها جميعا، ألا ترى أن
~~من غلب في ظنه أن مصلحة ولده تكون في أفعال متغايرة يقوم كل واحد منها مقام
~~صاحبه، إنما يجب عليه هذه الأفعال على سبيل التخيير، ولا يجوز ان يجب عليه
~~الجمع بينها، لأنه لا وجه لوجوبه على هذا الوجه. فأما قياسهم ذلك على ما
~~يتناوله النهي، فسيجئ الكلام فيه في باب النهي، ونذكر الصحيح منه بمشية
~~الله تعالى.
# واعلم أن ما كلفه الله - تعالى - ينقسم إلى وجوه ثلاثة:
# أولها أن يكلف الله - تعالى - الفعل بأن يريده، ويكره كل تروكه، فعبرنا
~~عما هذه حاله بأنه واجب مضيق.
# والقسم الثاني أن يريد - تعالى - الافعال، ولا يكره ترك كل واحد منها إلى
~~الاخر، ويكره تروكها أجمع، فعبرنا عنها بأنها واجبة على سبيل التخيير،
~~كالكفارات.
# والقسم الثالث: أن يريد - تعالى - الفعل، ولا يكره شيئا من تروكه، فعبرنا
~~عن ذلك بأنه ندب.
# وينقسم ما خير الله - تعالى - فيه إلى ثلاثة أقسام: PageV01P098
# أحدها أن يريد - تعالى - كل أحد من ما خير فيه مجتمعا أو منفردا، وإن كان
~~عند الوجود الواجب منه الواحد، كالكفارات.
# وثانيها أن يريد كل واحد، ويكره فعله مع الآخر، مثاله أمر الولي بتزويج
~~من إليه أمره من النساء، لأنه أريد منه تزويجها من كل زوج بإنفراده، وكره
~~ذلك منه مع غيره.
# وثالثها أن يريد كل واحد على الانفراد، ومع اجتماع غيره إليه لا يريده،
~~ولا يكرهه، ومثاله ستر العورة للصلاة، لأنه مخير في سترها، والجمع في ذلك
~~مباح، ليس بمراد ولا مكروه.
# فصل في الامر المطلق هل يقتضي المرة الواحدة أو التكرار اختلف في ذلك،
~~فذهب قوم إلى أن مطلق الامر يفيد التكرار، وينزلونه منزلة أن يقول له: افعل
~~ابدا. وذهب آخرون إلى أنه يقتضي ms046 بظاهره المرة الواحدة من غير زيادة عليها.
~~وذهب آخرون إلى الوقف في مطلق الامر بين التكرار والاقتصار على المرة
~~الواحدة. PageV01P099
# وتحقيق موضع الخلاف إنما هو في الزيادة على المرة الواحدة، لان الامر قد
~~تناول المرة الواحدة بلا خلاف بين الجماعة، وإنما ادعى أصحاب التكرار أنه
~~أرادها وأراد الزيادة عليها، وقال المقتصرون على المرة الواحدة: أنه أرادها
~~ولم يرد زيادتها عليها، وقال صاحب الوقف:
# أراد المرة بلا شك، وما زاد عليها لست أعلم هل أراده، كما قال أصحاب
~~التكرار، أو لم يرده، كما قال أصحاب المرة، فأنا واقف فيما زاد على المرة
~~لا فيها نفسها، وهذا هو الصحيح.
# والذي يدل عليه أشياء:
# أولها أنه لا يجوز أن يفهم من اللفظ ما لا يقتضيه ظاهره، وكيفية تناوله
~~لما هو متناول له، وقد علمنا أن ظاهر قول القائل: (اضرب غير متناول لعدد في
~~كثرة وقلة، كما أنه غير متناول لمكان ولا زمان ولا آلة يقع بها الضرب، فيجب
~~أن لا يفهم من إطلاقه ما لا يقتضيه لفظه، وإنما يقطع على المرة الواحدة،
~~لأنها أقل ما يمتثل به الامر، فلا بد من كونها مرادة. PageV01P100
# وثانيها أنه لا خلاف أن لفظ الامر قد يرد في القرآن وعرف الاستعمال،
~~ويراد به تارة التكرار، وأخرى المرة الواحدة من غير.
# زيادة، وقد بينا أن ظاهر استعمال اللفظة في معنيين مختلفين يدل على أنها
~~حقيقة فيهما ومشتركة بينهما إلا أن تقوم دلالة.
# وثالثها حسن استفهام من أمر أمرا مطلقا ولا عهد ولا عادة ولا قرينة على
~~المراد، وهل هو الاقتصار على المرة الواحدة أو التكرار، وحسن الاستفهام دال
~~على اشتراك اللفظ وعدم اختصاصه.
# ورابعها أنا نعلم حسن قول القائل لغيره: افعل كذا وكذا أبدا، أو: افعله
~~مرة واحدة بلا زيادة عليها، فلو كان مطلق اللفظ موضوعا للتكرار، لما حسن أن
~~يقول له: إفعل ابدا، لأنه مفهوم من قوله الأول، ولو كان موضوعا للمرة
~~الواحدة بلا زيادة عليها، لما حسن أن يقول:
# إفعل مرة واحدة ولا تزد عليها، لان ذلك ms047 عبث غير مفيد. PageV01P101
# فإن ذكروا: أنه يفيد التأكيد وهو معنى مقصود قلنا: التأكيد إن لم يفيد
~~فائدة زائدة على فائدة اللفظ المؤكد، كان عبثا ولغوا، والكلام موضوع
~~للإفادة، فلا يجوز أن يستعمل منه ما لا فائدة فيه.
# وقد تعلق من قال بالتكرار بأشياء:
# أولها قولهم (إن أوامر القرآن المطلقة تقتضي التكرار).
# ثانيها قياس الامر على النهي في اقتضائه التكرار.
# ثالثها إن الامر المطلق ليس بأن يتناول بعض الأوقات أولى من بعض، فيجب *
~~تناوله الكل.
# ورابعها قولهم (لو لم يقتض التكرار، لما صح دخول النسخ فيه).
# وخامسها قولهم (لو لم يقتض التكرار. لما حسن أن يقول افعل مرة واحدة).
# وسادسها قولهم (لو لم يقتض التكرار، لكان المفعول ثانيا قضاء لا أداء).
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إنا لا نسلم لكم أن أوامر القرآن
~~PageV01P102
# كلها تقتضي التكرار، فإن فيها ما يقتضي المرة الواحدة كالحج والعمرة عند
~~من أوجبها، والذي يتكرر من ذلك فتكرره مختلف غير متفق، الا ترى أن الصيام
~~والزكاة يتكرران في كل عام مرة، و الصلاة تتكرر في كل يوم خمس مرات،
~~فالتكرار مختلف كما تراه، ولو كان مجرد الامر يقتضي التكرار، لما اختلف هذا
~~الاختلاف.
# وبعد، فالتكرار إنما علم بدليل، وخلافنا إنما هو في موضوع اللغة ومقتضى
~~الامر المطلق، والصحيح أن كل أمر في القرآن حملناه على المرة الواحدة فإنما
~~حملناه عليها بدليل غير الظاهر، وكل أمر حملناه على التكرار فإنما حملناه
~~عليه بدليل سوى الظاهر.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: إن النهي عندنا كالأمر في أنه لا يقتضي
~~التكرار بإطلاقه وبمجرده، وإنما نحمله عليه متى حملناه بدليل غير الظاهر،
~~ونحن نسوي بين الأمر والنهي في هذه القضية.
# وقد فصل قوم بين الأمر والنهي بأن النهي يقتضي قبح الفعل، وقبحه مستمر،
~~فتكرر لذلك. وهذا ليس بشئ، لان نهي الحكيم PageV01P103
# يقتضي قبح الفعل لا محالة، غير أن قبحه ربما اختص بوقت دون وقت، فلا يجب
~~استمراره في جميع الأوقات المستقبلة، ولا يمتنع أن يختص ببعضها دون بعض،
~~كما ms048 قلناه في الوجوب الصادر عن الامر، فإذا لم يجب في الامر التكرار، فكذلك
~~في النهي.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إنما يجب - إذا لم يختص لفظ الامر وقتا
~~دون وقت - أن لا يحمل على شئ من الأوقات، إلا بدليل، ولا نحمله على الجميع،
~~وكيف نحمله على الجميع، ولم يتناول بلفظه الجميع، كما لم يتناول المرة
~~الواحدة بلفظه، وهذه الطريقة تدل على وجوب التوقف على الدليل والبيان.
# ويعارض من سلك هذه الطريقة بقول القائل: لقيت رجلا، أو أكلت شيئا، ونحن
~~نعلم أن قوله ليس بأن يتناول بعض من له صفة مخصوصة من الرجال بأدون من بعض،
~~وكذلك في الشئ المأكول: إنه ليس بأن PageV01P104
# يتناول مأكولا بعينه أولى من غيره، ولا يجب مع ذلك أن يحمل قوله:
# لقيت رجلا على أنه لقي رجلا له كل الصفات التي تكون للرجال مما ليس
~~بمتضاد، كأنه لقي رجلا طويلا أسود عاقلا فقيها قرشيا له كل الصفات التي ليس
~~قوله بأن يتناول بعضها أولى من بعض، وكذلك في المأكول وصفاته، ومعلوم خلاف
~~ذلك.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إنا وإن لم نقل: أن التكرار مفهوم من
~~مطلق الامر، فعندنا أنا قد نعلمه بدليل، ومن جملة أدلة التكرار دخول النسخ،
~~فبدخول النسخ يعلم أنه متكرر.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: قد بينا أن قول القائل عقيب الامر:
# أبدا أو مرة واحدة، يدل على صحة ما ذهبنا إليه من احتماله للامرين، ومن
~~تعلق بما حكيناه، ينتقض كلامه بقول القائل: افعل أبدا، فإنه لو كان لفظ
~~(افعل) يقتضي التكرار، لما جاز أن يقول: إفعل أبدا، لأنه مفهوم من قوله
~~الأول، ولو كان موضوعا للمرة الواحدة لما حسن أن PageV01P105
# يقول أبدا: مرة فإن قال إنما حسن ذلك تأكيدا، فقد بينا ما في التأكيد.
~~على أنه إن رضي بالتأكيد فليرض بمثله فيمن قال افعل مرة واحدة.
# ويقال لهم فيما تعلوا به سادسا: إن من يقول: أن الامر على الفور، وأنه
~~يقتضي المرة الواحدة، يقول: أن المفعول ثانيا قضاء ms049 في المعنى، وليس بأداء،
~~والصحيح أنه ليس بقضاء، لأنا قد بينا أن مطلق الامر لا يقتضي بلفظه لا مرة
~~ولا مرات، وسنبين أنه لا يقتضي فورا ولا تراخيا، وأن اللفظ محتمل لذلك كله،
~~وإن لم يعلم إلا بدليل، فلا يجب أن يكون المفعول في شئ من هذه الأوقات قضاء
~~لان اللفظ يحتمله كما يحتمل غيره.
# وأما من ذهب إلى أن مجرد الامر يقتضي المرة الواحدة بلا زيادة عليها.
~~فإنه تعلق بأشياء:
# أولها أن أهل اللغة لا يختلفون في أن من أمر غيره بفعل PageV01P106
# ولا عادة متقدمة - إنه يعقل مرة واحدة بلا زيادة عليها.
# وثانيها أن أهل اللغة اشتقوا من المصدر الذي هو الضرب أمثلة:
# من جملتها ضرب ويضرب وسيضرب، ومن جملتها اضرب، وقد علمنا أن جميع ما
~~اشتقوه لا يفيد التكرار، فيجب أن يكون الامر بمثابته.
# وثالثها أن الآمر غيره بأن يضرب إنما امره بأن يجعل نفسه ضاربا، وهو قد
~~يكون بهذه الصفة بالمرة الواحدة، فلا يجب ما زاد عليها *.
# ورابعها أنهم حملوا الامر على الايقاعات والتمليكات والتوكيلات في أنه لا
~~يفيد التكرار.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: قد اقتصرتم على الدعوى، لأنا لا نسلم لكم
~~أن المأمور بأن يفعل ولا عهد ولا عادة ولا علم بقصد المخاطب يعقل المرة
~~الواحدة، فدلوا على ذلك، فهي دعوى منكم.
# ثم نعارضهم بمن أمر غيره في الشاهد، وعقل منه التكرار، فإذا قالوا: إن
~~ذلك بدلالة وقرينة، قلنا فيما تعلقوا به مثله. PageV01P107
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ومن سلم لكم في الأمثلة المشتقة من
~~الضرب: مثل ضرب ويضرب أن المراد به دفعة واحدة من غير زيادة؟ وأي عاقل يقطع
~~وقد سمع قائلا يقول: ضرب زيد عمروا، على أنه ضربه مرة واحدة بلا زيادة
~~عليها؟ والاحتمال في أمثلة الامر كالاحتمال في أمثلة الخبر، ولهذا يحسن ان
~~يستفهم من قال: ضرب زيد عمروا، هل ضربه مرة أو مرات؟ كما يحسن أن يستفهم مع
~~الامر، فالخلاف في الجميع واحد، فلا ينبغي أن يستشهد بأحد الامرين ms050 على
~~الآخر.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: لا شبهة في أن الآمر غيره بأن يضرب إنما
~~امره بأن يصير ضاربا، غير أنه يصير ضاربا بالدفعة وبالدفعات، فمن أين أنه
~~أمره بأقل ما يستحق به هذا الاسم، فهذا موضع الخلاف، ولذلك يحسن أن يستفهمه
~~عن مراده، ولو كان مفهوما، لما حسن الاستفهام.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: فيما ذكرتموه ما لا يمكن فيه
~~PageV01P108
# التكرار، ولا يصح تزايده في الشريعة، وهو الملك والعتق، وأما الطلاق فإن
~~التكرار إنما يصح فيه إلى حد، وهو بلوغ الثلاث، ثم لا يصح التزايد، وإنما
~~حمل أهل الشرع قول القائل: أنت طالق على الواحدة شرعا وتوقيفا، ولولا ذلك
~~لكان إطلاق القول محتملا، ولذلك اختلفوا في أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثا،
~~فذهب قوم إلى وقوع الثلاث وآخرون إلى وقوع واحدة، وآخرون إلى أنه لم يقع
~~شئ، وهذا بحسب ما قادتهم إليه الطرق الشرعية.
# فصل في أن الامر المعلق بشرط أو صفة هل يتكرر بتكرارهما قد ذهب قوم إلى
~~أنه يتكرر بتكرارهما. والصحيح أن الامر المطلق في هذه القضية كالمشروط، وأن
~~الشرط لا يقتضي فيه زيادة على ما اقتضاه إطلاقه، فإن كان إذا أطلق اقتضى
~~المرة الواحدة، فكذلك حكمه مع الشرط، وإن كان مطلقا يقتضي التكرار، فكذلك
~~إذا كان مشروطا، وإن كان التوقف بين الامرين واجبا مع الاطلاق، فكذلك
~~PageV01P109
# مع الشرط.
# والذي يدل على ذلك كل شئ دللنا به على أن الامر المطلق لا يقتضي التكرار
~~من الوجوه الأربعة فلا معنى لإعادتها.
# ويدل على ذلك أيضا أن من شأن الصفة أو الشرط إذا ورد عقيب الامر أن يختص
~~ما يتناوله الامر بذلك الشرط أو بتلك الصفة من غير تأثير في تكثير له ولا
~~تقليل، ولا يجري تعقب الصفة أو الشرط للامر مجرى تعقب الاستثناء، لان
~~الاستثناء يؤثر في عدد ما تناولته الجملة المتقدمة، فيقلل منها، فإذا خالف
~~حكم الشرط في هذا الباب حكم الاستثناء، ووجب أن يفهم من مشروط الامر ما كنا
~~نفهمه من مطلقه في ms051 قلة أو كثرة.
# وقد تعلق من ذهب إلى التكرار بتكرر الصفة أو الشرط بأشياء:
# أولها أن كل أمر ورد في القرآن مقيدا بشرط أو صفة يتكرر بتكررهما، كقوله
~~- تعالى -: (وإن كنتم جنبا، فاطهروا)، وقوله PageV01P110
# - سبحانه -: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة).
# وثانيها حملهم الشرط على العلة، فإنها إذا تكررت تكرر الحكم، وكذلك
~~الشرط.
# وثالثها أنه لو لم يتكرر، لكان الفعل إذا لم يفعل مع الشرط الأول وفعل مع
~~الثاني، يكون قضاء لا أداء.
# ورابعها حمل الامر المعلق بشرط على النهي المعلق بشرط في وجوب التكرار.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: قد مضى في الفصل الأول أن وجود الشئ لا
~~يدل على أنه لا يجوز سواه، وأن الذي علم تكرره في أوامر القرآن إنما علم
~~بدليل غير الظاهر.
# ثم إن التكرار أيضا مختلف لا يجري على طريقة واحدة، فعلم أن اللفظ لا
~~يقتضيه وإنما المرجع فيه إلى الدليل، كقوله - تعالى -: (إذا قمتم إلى
~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم)، يعني إذا عزمتم عليها، ونحن لا نسلم أنه يفيد
~~إيجاب الوضوء لكل صلاة عند تكرارها، كصلاة PageV01P111
# الجنازة، لا تجب فيها طهارة، وإن كانت صلاة.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ليس العلة كالشرط، لان العلة مؤثرة في
~~المعلول وموجبة له، فلا بد من تكرره بتكررها، والشرط ليس بموجب ولا مؤثر،
~~وإن وقف الحكم عليه، فلا يجب أن يتكرر المشروط بتكرره، اللهم إلا أن يصير
~~الشرط مع كونه شرطا علة، فيتكرر من حيث كان علة لا من حيث كان شرطا، ولذلك
~~تكرر وجوب الغسل بتكرر * الجناية، لأنها علة فيه وموجبة له. والشروط
~~العقلية في أنها غير موجبة كالشروط السمعية، لان الشرط في صحة كون أحدنا
~~قادرا هو كونه حيا، ولا يصح كونه قادرا وليس بحي، وقد يكون حيا وإن لم يكن
~~قادرا، ولا تحله القدرة إلا ويجب كونه قادرا. ويعلم الفرق بين العلة والشرط
~~عقلا وسمعا. PageV01P112
# ويقال لهم فيما تعلقوا. به ثالثا: إن في الناس من يذهب إلى أنه قضاء غير
~~أداء، لأنه ms052 علم وجوبه بدليل آخر. والصحيح أنه ليس بقضاء لأنا قد بينا أن
~~مطلق الامر ومشروطه محتمل للمرة والمرات على وجه واحد، فإذا عرف بالدليل
~~أنه يكون متى فعله مع الشرط الثاني مؤديا لا قاضيا، علمنا أن الامر المشروط
~~أريد به كل مشرط مستقبل.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إن النهي المشروط في أنه غير مقتض
~~بظاهره التكرار كالنهي المطلق، والامر والنهي جميعا مع الاطلاق والشرط
~~احتمال التكرار والمرة فيهما ثابت، وإنما يعلم في كل واحدة منهما المرة
~~والمرات بدليل سوى الظاهر، وأخطأ من فرق بين النهي المطلق وبين النهي
~~المشروط، فقال في المطلق: أنه يقتضي الاستمرار والتكرار، وقال في المقيد:
~~أنه يقتضي مرة واحدة.
# وتعلق من فرق بين الامرين بأن القائل إذا قال لغلامه: لا تخرج إلى بغداد،
~~وأطلق ولم يشترط، اقتضى ذلك الدوام، وإذا قال له PageV01P113
# لا تخرج إذا جاء الصيف، أو هجم الشتاء، تخصص بالمرة الواحدة، غير صحيح،
~~لأنا لا نسلم أن الامر على ما ذكره، بل يجوز أن يريد مع الاطلاق المرة
~~الواحدة، ومع الاشتراط الاستمرار، ولهذا يحسن مع عدم العادات والامارات أن
~~يستفهم هذا القائل على مراده في عموم أو خصوص، والمتعلق بذلك مقتصر على
~~دعوى لا برهان لها.
# فإن استشهد على قوله بانعقاد اليمين، لأنه لو حلف ليفعلن كيت وكيت، لم
~~ينعقد إلا على مرة واحده وإذا حلف على الا يفعله، انعقد على التأييد، ومتى
~~حلف على الوجهين بشرط، تعلق به، ولم يتكرر، لأنه لو حلف أن لا يكلم زيدا
~~إذا قدم عمرو، لم يتكرر.
# فالجواب عن ذلك أنا إذا سلمنا أن الحكم على ما قاله في اليمين المشروطة،
~~وغير المشروطة، والمتعلقة بالنفي والاثبات، ولم ننازع في شئ من الاحكام،
~~كان لنا أن نقول له: من أين لك أن PageV01P114
# ذلك إنما علم بأصل الوضع دون أدلة الشرع، وإنما خلافنا فيما يقتضيه وضع
~~اللغة أو عرفها، ولا خلاف في أن الأدلة الشرعية تدل على ذلك.
# فأما ما تعلق به من ذهب إلى أن الامر المشروط ms053 يقتضي المرة الواحدة من غير
~~زيادة عليها، من أن المولى إذا أمر عبده أن يشتري له لحما إذا دخل السوق،
~~لم يعقل من ذلك التكرار، فباطل لأنا لا نسلم له، لان العبد لا يعقل من ذلك
~~مع الاطلاق وعدم كل عهد وعادة وأمارة لا مرة ولا مرارا، ولهذا حسن منه
~~الاستفهام، ولولا احتمال اللفظ لما حسن ذلك.
# واستشهادهم بأن القائل لو قال لوكيله: طلقها إن دخلت الدار، اقتضى المرة
~~الواحدة من غير تكرار، باطل، لان ذلك إنما عقل شرعا وسمعا، والخلاف إنما هو
~~فيما يقتضيه الوضع والعرف اللغوي ولولا الشرع، لكان قول القائل: طلقها إن
~~دخلت الدار، محتملا للامرين مترددا بينهما. PageV01P115
# فصل في أن ما يفعل بحكم الامر هو مرة واحدة وما زاد عليها يحتاج في
~~إثباته إلى دليل اعلم أن الامر إذا ورد موقتا بوقت معين، ولم يفعل فيه،
~~احتيج في وجوبه مستقبلا إلى دليل آخر. وذهب قوم إلى أن الامر يقتضي الفعل
~~عقيبه، فإن لم يفعل اقتضى فعله من بعد، وعلى ذلك أبدا حتى يفعل.
# والدليل على صحة ما اخترناه أن الامر متناول بلفظه الوقت الأول، سواء
~~أطاع المأمور، أو عصى، وإذا كان لو أطاع لم يتناول سواه، فكذلك إذا عصى،
~~لان الطاعة أو المعصية لا تغير متعلق الامر.
# وأيضا فإن إيجاب الفعل في وقت مخصوص كإيجابه على صفة مخصوصة فكما أنه لا
~~يتناول ما ليس له تلك الصفة، فكذلك لا يتناول ما هو في غير ذلك الوقت. ومما
~~يؤكد ما ذكرناه أن تغاير الوقتين PageV01P116
# يوجب تغاير الفعل، وليس كذلك تغاير الصفتين، فإذا وجب ما ذكرناه في
~~الصفة، كان أوجب في الوقت، لأنه آكد من حيث ما ذكرناه.
# فإن قيل: وما الدليل على أن الوقت كالصفة في هذا الحكم.
# قلنا: لا شبهة في أن العبادة قد تكون مصلحة في وقت دون غيره، كما تكون
~~مصلحة لبعض الشروط أو الصفات، ألا ترى أن الامساك المخصوص يكون مصلحة في
~~النهار * دون الليل، وفى شهر رمضان دون غيره، والوقوف بعرفة يكون ms054 مصلحة في
~~وقت مخصوص، فقد جرى الوقت في المصالح والقرب مجرى سائر الشروط.
# فإن قالوا: إذا تعلق الفعل بذمة المكلف وجب الا يبرأ منه إلا بأن يفعله.
# قلنا: إنما تعلق وجوب فعله في الوقت المخصوص بذمته، وقد فات الوقت، فو
~~غير متمكن في المستقبل من فعل ما كلفه بعينه. ولا شبهة في أن الامر إذا
~~تعلق بوقت معين، لم يصح دخول النسخ فيه، وإنما يدخل في المتكرر من مقتضى
~~الامر. PageV01P117
# فإن قيل: فيجب أن يسمى ما يفعل بعد هذا الوقت قضاء لا أداء.
# قلنا: كذلك يجب.
# فإن قيل: فما المراد بلفظة (قضى) في اللغة والشرع.
# قلنا: معناها في اللغة ينقسم إلى وجهين:
# أحدهما بمعنى خلق وتمم، كقوله - تعالى -: فقضيهن سبع سماوات في يومين.
# والوجه الثاني الالزام نحو قوله - سبحانه -: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا
~~إياه، وقولهم: قضى الحاكم بكذا، إذا ألزمه. وأدخل قوم في هذا القسم قوله -
~~تعالى -: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب، من حيث كان ما أخبر - تعالى -
~~به حقا ثابتا. وذهب آخرون إلى أن معنى هذه الآية الاعلام. وقيل في معنى قضى
~~فلان دينه: أنه على القسم الأول، بمعنى أنه وفره على مستحقه بتمامه وكماله.
# وأما معنى هذه اللفظة في عرف الشرع فإنهم يسمون الفعل قضاء، إذا جمع
~~شروطا ثلاثة: PageV01P118
# أولها أن يكون مثلا للمقضي في الصورة أو الغرض.
# وثانيها أن يكون سبب وجوب تلك العبادة قد تقدم حقيقة أو تقديرا.
# وثالثها أن يثبت التعبد بالقضاء بسبب هو غير السبب الأول.
# ولا بد زائدا على ذلك من أن تكون العبادة متعلقة بوقت عرض فيه فوت، ولهذا
~~لم نقل في الصلاة: أنها قضاء للصوم، لاختلاف الصورة. ولا قيل في فعل إحدى
~~الكفارات: انها قضاء، لما كان سبب وجوب الكل واحدا، ويفعله ثانيا لما لم
~~يفعله أولا. ولذلك من قصر في قضاء صلاة عند ذكرها لا يقال فيما يفعله من
~~بعد: أنه قضاء للقضاء الأول، من حيث كان السبب واحدا. ولذلك لم نقل في صلاة
~~الظهر إذا أديت في ms055 وسط الوقت أو آخره: أنها قضاء. و PageV01P119
# لا يقال فيمن أخر الحج: إنه قضاه، لا سيما على قول من يقول بأنه على
~~الفور، لما كان متى فعل فلسبب واحد، لان أوقات عمر المكلف فيه بمنزلة وقت
~~الصلاة.
# وإنما قيل في الحائض: إنها تقضي الصوم، لان لما تقضيه سببا متقدما يقدر
~~دخولها فيه. ولذلك لو كانت مجنونة، لم يلزمها القضاء، لما لم يقدر ذلك،
~~وعلى مذهب من يوجب القضاء على المجنون إذا أدرك بعض الشهر، يجب أن يقدر فيه
~~مثل ما يقدره في الحائض.
# وإنما قيل في ما يؤديه من الصلاة وقد فات مع الامام: إنه يقضيه لما كان
~~في حكم ما تقدم سبب وجوبه، لان السبب الذي له يفعله أخيرا غير السبب الذي
~~له يجب أولا.
# وإنما قيل في المفسد لحجه: إنه يقضي الحج، لأنه لزمه بسبب ثان، إذ كان
~~الأول لزمه بالدخول في الاحرام، والثاني لزمه لأجل الفساد الذي وقع.
~~PageV01P120
# فإن قيل: فكيف يصح دخول القضاء في النوافل، وليس هناك سبب وجوب، ولا سبب
~~تعبد متكرر.
# قلنا: من يقول بدخول القضاء في النوافل لا بد من أن يجعل للتعبد، الثاني
~~سببا ثانيا، فكأنه إذا لم يفعل ركعتي الفجر في وقتهما، يجعل الفوت سببا
~~ثانيا للتعبد بفعل مثله بنية مخصوصة، ويسمى قضاء، ولا بد من أن يجعل لهذا
~~السبب مزية في فعل ركعتي الفجر، ولذلك لا يجعل هذا القضاء بمنزله ما يبتديه
~~من النوافل. وأما النوافل وإن لم يكن لها سبب وجوب تقدم، فالسبب في الندب
~~إليها والتعبد بها متقدم لا محالة.
# فصل في الامر هل يقتضي إجزاء الفعل المأمور به إعلم أن جميع الفقهاء
~~يذهبون إلى أن امتثال الفعل المأمور به يقتضي إجزاءه. وذهب قوم إلى أن
~~إجزاءه إنما يعلم بدليل، وغير ممتنع الا يكون مجزيا. والكلام في هذا الموضع
~~إنما هو في مقتضى PageV01P121
# وضع اللغة وعرفها، وأما عرف الشرع فإنا قد بينا أنه قد استقر على أن فعل
~~المأمور به على الحد الذي تعلق به الامر يقتضي الاجزاء. ms056
# والذي يدل على أن وضع اللغة لا يقتضي ذلك أن الإشارة بقولنا (إجزاء) هو
~~إلى أحكام شرعية، كنحو وقوع التملك بالبيع، وحصول الاستباحة بعقد النكاح،
~~ووقوع البينونة والفرقة بالطلاق، وفي الصوم أنه وقع موقع الصحة فلا يجب
~~إعادته، وكذلك في الصلاة، وقد علمنا أن هذه الأحكام لا تتعلق بالامر، لا في
~~لفظه، ولا في معناه، نفيا، ولا إثباتا، فكيف يدل امتثاله على ثبوتها ولا
~~علقة بينها وبينه، وإنما يدل * امتثال أمر الحكيم على أن الفاعل مطيع مستحق
~~للمدح والثواب، لان للامر تعلقا بذلك، ولا تعلق له بما تقدم ذكره من
~~الأحكام الشرعية.
# وربما تعلق في ذلك بان الظان في آخر الوقت كونه متطهرا يلزمه بإجماع فعل
~~الصلاة، فلو ذكر أنه لم يكن متطهرا، لما أجزأه فعله، ولوجب عليه القضاء،
~~وكذلك المفسد لحجه PageV01P122
# يلزمه المضي فيه، وإن لزمه القضاء، فقد اجتمع - كما تراه - وجوب الفعل مع
~~أنه غير مجز.
# وقد طعن قوم في ذلك بأن قالوا: إنما جاز في الظان كونه متطهرا والمفسد
~~حجه ما ذكرتم، لوقوع الاختلاف في فعله، لأنه لما تيقن أنه لم يكن متطهرا،
~~كان مؤديا للصلاة على غير الوجه الذي أمر بأدائها عليه، وكذلك المفسد لحجه،
~~وإنما يوجب الاجزاء والصحة في الفعل الذي وقع على شرائطه كلها المشروعة.
# وهذا من الطاعن به غير صحيح، لأنه إن ادعى أن تكامل شرائط الفعل الشرعي
~~يقتضي إجزاءه، وأنه إنما لا يجزي لفساد أو إخلال بشئ من الشرائط، مع
~~استقرار شرعنا هذا، فالامر على ما ذكره، وقد زدنا على ذلك بأن أهل الشريعة
~~قد تعارفوا وأجمعوا على أن امتثال الامر يقتضي الاجزاء. وإن ادعى أن ذلك
~~واجب على كل حال، ومع كل شرع، ومن غير دلالة الاجماع التي أشرنا إليها، فمن
~~أين PageV01P123
# قال ذلك، وهل هو إلا محض الدعوى، وما المانع من أن يأمر بالبيع تقديرا
~~وفرضا، فيكون فاعله مطيعا له ومستحقا للمدح والثواب، من غير أن يتعلق بهذا
~~العقد هذه الأحكام المخصوصة، وكذلك القول في النكاح والطلاق، وإذا كان لا ms057
~~نوجب تعلق هذه الأحكام في كل حال ومع كل شرع، فما المانع من انتفائها مع
~~امتثال الامر.
# واعتمادهم على أن القضاء في الشريعة إنما يقتضيه إخلال أو فساد يقع فيها
~~صحيح، والشرع هذا والحال هذه، فمن أين وجوبه على كل حال.
# وقول من يقول منهم، كيف يجوز أن يقول: صل الظهر أربعا على شرائط يذكرها،
~~ثم يقول: فإذا فعلت ذلك فاقضها بأربع ركعات، وهو إذا تعبد بذلك، كانت
~~الثانية عبادة مستأنفة غير قضاء للأولى، عجيب، لأنه غير ممتنع ذلك فرضا
~~وتقديرا، وإنما يمتنع والشرع هذا، وما المانع من أن تكون العبادة بالصلاة
~~الثانية تسمى قضاء PageV01P124
# على عرف هو غير عرفنا الان. على أنه قد يتعلق بالصلاة المجزية أحكام هي
~~غير سقوط الإعادة، مثل حقن دم المصلي وكونها على بعض الوجوه دلالة على
~~إيمانه وإسلامه، فما المانع من أن يفعل الصلاة، ولا يثبت لها شئ من هذه
~~الأحكام.
# فصل هل يتكرر المأمور به بتكرر الامر اعلم أن الصحيح هو أن الامر إذا
~~تكرر، فالظاهر يقتضي تناول الثاني لغير ما تناوله الأول.
# والذي يدل على ذلك أن هذين الامرين إذا افترقا، لدلا على مأمورين
~~متغايرين، وكذلك إذا اجتمعا، لان الاجتماع لا يغير مقتضاهما.
# وأيضا فإن الكلام موضوع للإفادة، ومقترنه في ذلك كمنفصله ومتى لم يحمل
~~قول القائل: اضرب اضرب، على أن الضرب الثاني غير الأول، كان الامر الثاني
~~لغوا، لأنه لا يفيد إلا ما أفاده الأول، والاعتذار PageV01P125
# بالتأكيد ليس بشئ، لان التأكيد متى لم يفد غير ما يفيده المؤكد، كان عبثا
~~ولغوا.
# فأما قول من يشترط في تغاير متناول الامر المتكرر ألا يكون الامر الأول
~~يتناول الجنس أو العهد، وادعى أن الجنس يقتضي الاستغراق، فلا يجوز أن يفضل
~~منه ما يتناوله الامر الثاني، وأن العهد يقتضي صرف مقتضى الثاني إلى مقتضى
~~الأول، فليس بصحيح، لان القائل إذا قال إفعل الضرب، وكرر ذلك، فإن قوله
~~الأول يحتمل أن يريد به الاستغراق للجنس، ويحتمل أيضا أن يريد به بعض
~~الجنس، والظاهر من تغاير الامرين ms058 تغاير مقتضاهما، حتى يكون كل واحد منهما
~~مفيدا لما لا يفيده الاخر، وأما العهد، فإن كان بين المتخاطبين، وعلم
~~المخاطب أن المخاطب أراد الأول، بعرف، أو عادة، حملناه على ذلك، ضرورة،
~~ولقيام الدلالة، فأما مع الاطلاق، فيجب حمل الثاني على غير مقتضى الأول.
~~PageV01P126
# والذي يحكى عن ابن عباس - رحمه الله - في قوله - تعالى -:
# فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، وأنه قال: لا يغلب عسر يسرين، من
~~حيث حمل العسر المعرف على أن الثاني هو الأول، واليسر المنكر على التغاير،
~~فمما يربأ بابن عباس - رحمة الله عليه - عنه، لموضعه من الفصاحة والعلم
~~بالعربية.
# والمراد بالآية أن مع جنس العسر جنس اليسر، وإن عرف أحدهما ونكر الاخر
~~ولا فرق بين ذلك وبين أن يقول: إن مع العسر اليسر، ويكرر، أو يقول: إن مع
~~عسر يسر، ويكرر، لان المنكر يدل على الجنس كالمعرف، كما يقول القائل: مع
~~خير شر، ويقول تارة أخرى: إن مع * الخير الشر، وأراد الله - تعالى - أن
~~يبين أن العسر واليسر لا يفترقان.
# فإن قيل: فما الوجه في التكرار، إذا لم تذهبوا إلى حسن التأكيد.
~~PageV01P127
# قلنا: الوجه في ذلك التكرار هو الوجه فيما تكرر من القرآن في سورة الرحمن
~~والمرسلات وغيرهما، وقد ذكرنا في كتاب الغرر الوجوه المختلفة فيه.
# فصل في الامرين المعطوف أحدهما على الاخر إعلم أن الصحيح أن قول القائل:
~~اضرب واضرب، يقتضي أن الضرب الثاني غير الأول، وكل شئ دللنا به على أن
~~الامر إذا تكرر من غير حرف العطف اقتضى أن الثاني غير الأول هو دلالة في
~~هذا الموضع.
# وهيهنا مزية ليست هناك، وهي حرف العطف، لان الشئ لا يعطف على نفسه، وإنما
~~يعطف على غيره، ولذلك فارق النعت والصفة العطف وليس يقدح فيما ذكرناه قول
~~الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم، والصفات
~~راجعة إلى موصوف واحد مع العطف، لأنهم أجروا اختلاف الصفات في جواز عطف
~~بعضها PageV01P128
# على بعض مجرى اختلاف الموصوفين.
# واعلم أن المعطوف على غيره لا يخلو من ms059 أن يكون مثله، أو خلافه، أو ضده:
# فإن كان خلافه، فلا شبهة في اختلاف الفائدة، نحو قوله - تعالى -: أقيموا
~~الصلاة، وآتوا الزكاة، وعطف أعضاء الطهارة بعضها على بعض.
# وإن كان المعطوف ضد المعطوف عليه، فإن كان الوقتان مختلفين حمل كل واحد
~~منهما على مقتضاه في وقته، وإن كان الوقت واحدا، فلا يصح التكليف إلا على
~~جهة التخيير.
# وإذا كان المعطوف مثلا للمعطوف عليه - وهو المشتبه - فالظاهر أن الثاني
~~غير الأول، على ما ذكرناه، فإن كان المعطوف يقتضي بعض ما دخل تحت المعطوف
~~عليه، نظر، فإن كان ذلك مما يجوز إفراده بالذكر على جهة التعظيم والتفخيم
~~كإفراد جبرئيل وميكائيل ممن ذكر من الملائكة عليهم السلام، والصلاة الوسطى
~~عن ذكر باقي PageV01P129
# الصلوات، احتمل الكلام أن يكون الأول على عمومه، والثاني أفرد تعظيما،
~~وإن كان التعظيم غير لائق بالموضع، نظرنا، فإن كان المعنى يمكن فيه
~~التكرار، كقول القائل: اضرب القوم الذين فيهم زيد، واضرب زيدا، فيحمل الأول
~~على عمومه، والثاني على تكرار بعضه، وهو ضرب زيد، وإن كان ذلك مما لا يمكن
~~فيه التكرار، كالعتاق، إذا قال قد أعتقت جميع عبيدي، وأعتقت فلانا، ويذكر
~~واحدا من جملة العبيد ففي هذا الموضع يجب حمل الثاني على ما تناوله، وهو
~~عتق العبد المخصوص، والأول على أن المراد به جماعة العبيد سوى العبد المفرد
~~بالذكر، لأجل أن العطف يقتضي تغاير ما عطف به لما عطف عليه، وإن كان
~~المعطوف به أعم من المعطوف عليه، احتمل من القسمة ما ذكرناه في المعطوف به
~~إذا كان أخص، فليتأمل ذلك.
# فصل في أن الامر هل يقتضي الفور أو التراخي اختلف الناس في ذلك، فذهب قوم
~~إلى أن الامر المطلق يقتضي PageV01P130
# الفور والتعجيل وإيقاع الفعل عقيبه. ثم اختلفوا فقال بعضهم: متى لم يفعل،
~~اقتضى أن يفعل بعد ذلك، وكذلك أبدا حتى يوقع الفعل، وفيهم من لم يوجب
~~بالامر إلا إيقاع الفعل عقيبه، فقط. وقال آخرون إن الامر يقتضي إيقاع الفعل
~~من غير اختصاص بوقت من الأوقات المستقبلة، وهي متساوية في ms060 إيقاعه فيها،
~~وهؤلاء هم أصحاب التراخي.
# وقال آخرون: الواجب على من سمع مطلق الامر ولا عهد، ولا قرينة، ولا
~~دلالة، أن يعلم أنه مأمور بإيقاعه، ويتوقف في تعيين الوقت أو التخيير فيه
~~على دلالة تدل على ذلك، وهو الصحيح.
# والدلالة عليه أن اللفظ خال من توقيت لا بتعيين ولا تخيير وليس يجوز أن
~~يفهم من اللفظ مالا يتناوله كما لا يجوز أن يفهم منه الأماكن والأعداد وكل
~~شئ لم يتناوله لفظ الامر.
# وأيضا فلا خلاف في أن الامر قد يرد في القرآن واستعمال PageV01P131
# أهل اللغة ويراد به تارة الفور، وأخرى التراخي، وقد بينا أن ظاهر استعمال
~~اللفظة في شيئين يقتضي أنها حقيقة فيهما، ومشتركة بينهما.
# وأيضا، فإنه يحسن بلا شبهة أن يستفهم المأمور مع فقد العادات والامارات
~~هل أريد منه التعجيل أو التأخير، والاستفهام لا يحسن إلا مع احتمال اللفظ
~~واشتراكه، ودفع حسن الاستفهام هيهنا كدفعه في كل موضع.
# وأيضا، فإنه يحسن بغير إشكال أن يتبع القائل قوله: قم وما أشبه ذلك من
~~الامر، أن يقول: الساعة، وفى الثاني، أو بأن يقول: متى شئت، فلو كان اللفظ
~~موضوعا لفور أو تراخ، لما حسن ذلك، ولكان ذكره عبثا ولغوا.
# وقد استدل من ذهب إلى الفور بأشياء:
# أولها أن الامر قد اقتضى وجوب الفعل، وتجويز تأخيره يلحقه * بالنوافل
~~التي لا يجب فعلها.
# وثانيها أن الامر في الشاهد يقتضي التعجيل، بدلالة ذمهم وتوبيخهم من أخر
~~ذلك. PageV01P132
# وثالثها أنه لا يخلو من أن يكون لجواز تأخيره غاية، أو لا غاية له،
~~والأول لا يقتضيه لفظ الامر، ولا غاية تذكر فيه أولى من غاية، وإن كان لا
~~إلى غاية، فالمكلف لا يكون أبدا مفرطا، وهذا يقتضي إخراجه من كونه واجبا.
# ورابعها أن يحملوا مقتضى الامر على مقتضى الايقاعات من طلاق وعتاق وتمليك
~~وغير ذلك في اقتضاء الفور والتعجيل.
# وخامسها أن الايجاب بالامر يقتضي فعلا واحدا، وقد ثبت بالدليل العقلي أن
~~أفعال العباد لا يصح فيها التقديم والتأخير، فيجب أن يكون المراد أن يفعل
~~عقيبه، ليكون ms061 الفعل واحدا، ويقوى ذلك أن الفعل إذا علمنا كونه واحدا،
~~واتفقوا على أن المفعول عقيبه مراد وصلاح، فيجب حمل الخطاب عليه.
# وسادسها أن القول بالتراخي والتخيير يقتضي إثبات بدل له، لأنه إذا خرج من
~~كونه واجبا مضيقا، فلا بد من بدل، ولا دليل على وجوب هذا البدل من جهة
~~الامر والايجاب، فيجب بطلان التخيير، ولا قول بعد ذلك إلا القول بوجوبه
~~عقيبه. PageV01P133
# وسابعها طريقة الاحتياط وأنها في الفور دون التراخي.
# وثامنها قوله - تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، وقوله - سبحانه -:
~~فاستبقوا الخيرات، وما روي عنه - عليه السلام - من قوله من نام عن صلاة، أو
~~نسيها، فليصلها، إذا ذكرها، فذلك وقتها، فنبه عليه السلام - بذلك على أن
~~وقت المأمور به هو عقيب الامر.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: ليس القول بجواز التأخير ملحقا للواجب
~~بالنفل، لأنه وإن جاز تأخيره فلا بد من عزم على أدائه مستقبلا، ووجوب هذا
~~العزم عليه إذا لم يفعله مميز له من النافلة، لان النافلة يجوز تأخيرها بلا
~~بدل هو العزم، والواجب لا يجوز تأخيره إلا ببدل هو العزم.
# فإن قيل: هذا يقتضي إثبات بدل بغير دليل.
# قلنا: إذا علمنا بالدليل أن الآمر الموجب للفعل لم يرد الفور، وإنما أراد
~~التراخي والتخيير، فلا بد مع التخيير، فلا بد مع التخيير من إثبات هذا
~~البدل، فما أثبتناه إلا بدليل، وإنما يستمر وجوب هذا الكلام على من ذهب إلى
~~PageV01P134
# أن مطلق الامر بظاهره يقتضى التراخي من غير دليل منفصل، وأما من قال: أن
~~مطلق الامر محتمل للامرين احتمالا واحدا، وأنه متى قطع على أحدهما، فبدليل
~~منفصل، فلا يلزمه هذا الكلام.
# فإن قيل فمن أين إذا ثبت أنه لا بد من بدل، بأن البدل هو العزم.
# قلنا: إذا ثبت وجوب البدل، فبالاجماع يعلم أنه العزم، لان كل من أثبت
~~بدلا لم يثبت سوى العزم.
# وأيضا، فإن العزم في العقول هو البدل عن كل واجب تأخر نحو قضاء الدين
~~وسائر وجوه التصرفات لأنه لو خلا من الفعل الواجب لعارض، وخلا ms062 من العزم على
~~أدائه مستقبلا، لكان ملوما مذموما.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: إنا لا نسلم لكم في الشاهد ما ادعيتموه،
~~لأنه قد يؤمر في الشاهد بما يكون على التراخي، كما PageV01P135
# يؤمر بما يكون على الفور، فإذا حمل على الفور أو التراخي، فبعادة، أو
~~دلالة، أو أمارة، وكلامنا في مطلق الامر ومجرده.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: من أين قلتم: أنه إذا جاز تأخيره من غير
~~غاية معلومة مضروبة ينتهي جواز التأخير إليها أن ذلك يلحقه بالنافلة، أو
~~ليس قد مضى أن النافلة يجوز تأخيرها بلا غاية، ولا بدل عنها يجب عليه فعله،
~~وأن الواجب على التراخي لا يجوز تأخيره إلا ببدل، وهذا كاف في الفرق بين
~~الواجب والنفل، وليس يمتنع أن يستمر تكليف المكلف على ما ذكرناه، فيكون
~~مكلفا أن يفعل الفعل أو العزم على أدائه مستقبلا، فإن أخر الفعل، وفعل
~~العزم على أدائه مستقبلا فلا يستحق ذما، وتكليف الفعل في المستقبل ثابت
~~عليه، وإن فعل الفعل، سقط وجوب العزم، لان من حق العزم أن لا يكون بدلا إلا
~~بشرط بقاء الوجوب في الفعل، وإنما يستحق المكلف الذم إذا لم يكن يفعل الفعل
~~الواجب، ولا العزم على أدائه مستقبلا.
# وقد ذهب قوم إلى أن الحج على التراخي، وقالوا: أن المكلف PageV01P136
# إنما يصير مفرطا إذا غلب في ظنه أنه إن لم يحج فاته. ومنهم من يقول: إذا
~~لحقه مرض فلم يوص به، أو لم يستأجر من يحج عنه، كان مذموما مفرطا.
# واعلم أنه لا يجوز أن يثبت استحقاق الذم فيمن لا يفعل الحج مع تكامل
~~شروطه إلا ويجعل له في الوجوب وقتا أو غاية، ولا بد من كونهما معلومين،
~~لأنه لا يجوز أن يؤاخذ المكلف بأن لا يفعل فعلا ومع ذلك يجوز له أن يؤخره
~~أبدا، والمرض أو الضعف ربما كانا سببا لغلبة الظن للموت، وهذه غاية متميزة،
~~فيجوز أن تعجل سببا لاستحقاق الذم بترك الحج، وقد يجوز أيضا أن يحمل الوعيد
~~الوارد في ترك الحج على من ms063 تركه وترك العزم على أدائه مستقبلا، أو يكون
~~متوجها إلى من * غلب على ظنه فوته بالموت، إما لمرض، أو ضعف وأما مع غير
~~هذه الوجوه المتميزة وأمثالها، فلا يجوز أن يلحق به الوعيد، ويستحق الذم.
# وقول من يقول من الفقهاء: أن المكلف يكون مفرطا في الحج PageV01P137
# إذا مات، ويقول: بموته يتبين لي ذلك، من غير بيان وقت، أو غاية، غير
~~محصل، لان الموت لا يجوز أن يكون شرطا في تكليف المكلف، ولا الحكم بتقصيره،
~~وإنما ينبغي أن يتميز للمكلف الشرط الذي يتضيق به الفعل عليه، ولا منفعة له
~~في أن يتميز لغيره، أو بعد موته.
# وليس يشبه هذا مالا يزالون يقولونه من أنه إذا جاز أن يكلف المجاهد الرمي
~~بشرط ألا يصيب مسلما، وإن لم يتميز له ذلك، جاز ما قلناه، وذلك أن المجاهد
~~لم يكلف الرمي بالشرط الذي ذكروه، فإنه مجهول له غير معلوم، وإنما أمر أن
~~يرمي مع غلبة ظنه أنه يصيب الكافر، دون المسلم، وهذا شرط متميز له معلوم،
~~وهذا هو الجواب عن قولهم: أن الامام كلف التعزير بشرط السلامة، وكذلك
~~المؤدب فلا معنى لإعادته.
# ويقال لهم فيما تعقلوا به رابعا: هذه العقود والايقاعات إنما علمنا في
~~أحكامها أنها على الفور بدليل الشرع، ولولاه لما علمناه، ونحن لا ننكر
~~القول بالفور بدلالة منفصلة عن إطلاق الامر.
# وأيضا فهذا قياس، والقياس في مثل هذا الأصل لا يسوغ. PageV01P138
# وأيضا، فإن أحكام العقود والايقاعات ليست بأفعال، وإنما هي أحكام، والامر
~~يقتضي فعلا، وإنما يطلب وقتا لما هو فعل.
# وأيضا، فإن الامر له دلالة وجوب الفعل، وليس بسبب فيه، والايقاعات
~~والعقود أسباب في هذه الأحكام، ومع وجود السبب لا بد من حصول المسبب، وليس
~~كذلك الدلالة.
# وأيضا، فإن العقود إنما اقتضت الفور لان الثمن بإزاء المثمن وملك أحدهما
~~في الحال يقتضي ملك الآخر عينا كان أو دينا، ومثل ذلك ليس بموجود في مقتضى
~~الامر.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا ليس يجب إذا كان الفعل واحدا أن يبطل
~~التراخي والتخيير لان ms064 من يذهب إلى ذلك يجعل الفعل واحدا وإن كان مخيرا في
~~أوقاته، وصورة الفعل إذا كانت معلومة للمكلف، صح أن يقال له: إفعل ماله هذه
~~الصورة مرة واحدة، ولهذا يقول:
# أن المكلف أمر بصلاة الظهر مرة واحدة في الوقت الموسع، ولا يلزم أن يكون
~~قد كلف صلوات كثيرة في ذلك الوقت. PageV01P139
# فأما قولهم: أنهم اتفقوا على أن المفعول عقيبه مراد وصلاح فغلط لان من
~~يذهب إلى وجوب الوقف مع الاطلاق لا يوافق على ذلك.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: هذا الطعن إنما يتوجه إلى من حمل الامر
~~المطلق على التراخي من غير دليل منفصل، فأما من ذهب إلى الوقف، ولم يثبت
~~فورا ولا تراخيا إلا بدليل منفصل، فالطعن لا يتوجه عليه.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: الاحتياط إنما يكون فيما لا يقتضي فعلا
~~قبيحا يقع من الفاعل، وقد بينا في مسألة وجوب الامر في هذه الطريقة ما فيه
~~كفاية.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثامنا: أما قوله - تعالى - سارعوا إلى مغفرة
~~فهو مجاز من حيث ذكر المغفرة وأراد ما يقتضيها، ومجمل من حيث كان مبنيا على
~~كيفية وجوب الواجبات من فور أو تراخ، لأنا إنما نتقرب إلى الله - تعالى -،
~~بأن نفعل ما أوجبه علينا أو ندبنا إلى فعله، بأن نفعله على ذلك الوجه، وفي
~~الوقت الذي علق به، فلا دلالة فيه للمخالف. وكذلك قوله - سبحانه - فاستبقوا
~~الخيرات. على أن PageV01P140
# الفزع إلى هذه الآيات تسليم لما نريده من أن مقتضى الامر في الوضع لا يدل
~~على ذلك، وإنما يرجع فيه إلى دليل منفصل. والخبر - أيضا - المتضمن لقضاء
~~الصلاة مختص بحكم الصلاة، فكيف يعديه إلى الامر، وقد بينا أن القياس في مثل
~~ذلك لا يدخل.
# فأما من حمل الامر المطلق على التراخي قاطعا، فالذي يعتمده أن يقول: أن
~~الامر المطلق لا توقيت فيه، فلو أراد به وقتا معينا، لبينه، فإذا فقدنا
~~البيان، علمنا أن الأوقات في إيقاعه متساوية.
# وأيضا فإن لفظ الامر في اقتضاء الاستقبال كلفظ الخبر المنبئ عن
~~الاستقبال، ms065 فإذا كان قولنا: فلان سيفعل، لا ينبئ عن أقرب الأوقات، فكذلك
~~الامر.
# وأيضا فإن قول القائل: اضرب زيدا، إنما يقتضي أمره له بان يصير ضاربا من
~~غير تعيين، فليس بعض الأوقات أولى من بعض.
# وأيضا فإن الامر يجري مجرى أن يقول: هذا الفعل مراد منكم PageV01P141
# في المستقبل، أو واجب عليكم، ومعلوم أنه ليس في ذلك تعيين لوقت.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: هذه الطريقة تقتضي التوقف وترك القطع على
~~فور أو تراخ لان مع عدم التوقيت والتعيين أو التخيير ليس غير التوقف،
~~وقولهم: لو أراد وقتا معينا لبينه، يعكس عليهم، فيقال: ولو أراد تخييرا في
~~الأوقات كلها، وأنها متساوية، لبينه، فمن أين يجب إذا * لم يبين التعيين
~~القطع على التخيير، ولا يجب إذا لم يبين التخيير أن يقطع على التعيين؟
# فإن قيل: كيف القول عندكم في أمر الله - تعالى - إذا ورد مطلقا عاريا من
~~التوقيت.
# قلنا: يجب إذا خلا من بيان توقيت - أن يقطع على أنه لم يرد الوقت الثاني
~~من غير فصل، لأنه لو كان مراده، لبينه في هذه الحالة وهي وقت الحاجة إلى
~~البيان، لان البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة، وإن جاز تأخيره عن وقت الخطاب،
~~ثم يتوقف، ويجوز في الأوقات PageV01P142
# المستقبلة أن يكون مرادا في كل وقت منها، إما تعيينا، أو تخييرا، وينتظر
~~البيان عند وقت الحاجة، وكلما صرنا إلى حال لم يرد فيها بيان، علمنا أن
~~الفعل الموجب علينا لم يرد منا في الحال الثانية من هذه الحاضرة، للعلة
~~التي تقدم ذكرها.
# فإن قيل: قد اتفق الكل على أنا لو بادرنا إلى الفعل في الوقت الثاني لكان
~~واقعا موقعه ومبرءا للذمة.
# قلنا: إنما اتفق على ذلك أصحاب الفور والتراخي، فأما من يذهب إلى الوقف
~~فلا يوافق عليه، فلا ينبغي أن يدعي الاجماع في موضع الخلاف.
# ثم نقول لمن قطع مع الاطلاق على التراخي: لا بد من حملكم الامر على
~~التراخي من إثبات بدل هو العزم، وإثبات بدل واجب من غير دليل لا يجوز،
~~وصاحب ms066 الوقف إنا يثبت هذا البدل إذا علم بدليل منفصل أن المراد بالامر
~~التخيير، فأثبته بدليل ليس لمن قال بالتراخي مثله. PageV01P143
# فإن قالوا: إذا ثبت وجوب الفعل، ولم يتضمن لفظ الامر تعيينا وتوقيتا،
~~فليس غير التخيير، ومع التخيير لا بد من إثبات بدل، ولا بدل إلا العزم.
# قلنا: قد مضى عكس هذا الاعتبار عليكم، وقلنا: اللفظ خال من تخيير بين
~~الأوقات، وإذا بطل التخيير، فليس إلا التعيين، ومع التعيين فلا بد من القطع
~~على الوقت الثاني.
# وبعد، فأي فرق بين أن يثبتوا بدلا ليس في اللفظ وبين أن يثبت القائلون
~~بالفور وقتا معينا ليس في اللفظ؟
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: هذا الوجه لازم لمن قال بالفور، لأنني
~~ما أظن أنهم يرتكبون أن الخبر في اقتضاء الفور كالأمر ولا يلزم أصحاب
~~الوقف، لأنهم يقولون في الخبر والامر قولا واحدا، من التوقف وترك القطع إلا
~~بدليل منفصل.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا، إن الخلاف في المثال الذي ذكرتموه قائم،
~~وهو نفس المسألة، ومن يدعي الفور يقول: المفهوم من قول القائل:
# اضرب زيدا، أن يصير ضاربا في الثاني من غير تراخ، ومن يقول بالوقف
~~PageV01P144
# يسلم ان المراد كن ضاربا، غير أنه يتوقف عن الحال التي يكون فيها بهذه
~~الصفة، لاحتمال اللفظ، ويتوقع الدليل.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إن الكلام على هذا الوجه هو الكلام على
~~ما تقدمه، فلا معنى لإعادته، ولعمري إنه لا توقيت في قول القائل:
# هذا الفعل واجب مستقبلا، أو مراد، ومع عدم التوقيت يجب التوقف، ولا نقول
~~بتخيير، ولا فور، فما ذلك إلا ما هو توقيت بغير دليل.
# فصل في حكم الامر إذا تعلق لفظه بوقت إعلم أن القسمة تقتضي في هذه
~~المسألة ثلاثة أقسام:
# أحدها أن يكون الوقت مطابقا للعبادة، ولا يفضل عليها، ولا تفضل عنه.
# والقسم الثاني أن يفضل الوقت عن العبادة.
# والثالث أن يفضل العبادة عن الوقت.
# والقسم الأخير لا يدخل في تكليف الله - تعالى - لأنه يقبح من PageV01P145
# حيث كان تكليفا لما لا ms067 يطاق، فإذا وجدت الفقهاء يمر في كلامهم وجوب مالا
~~يصح أداؤه، فيجب حمله على القضاء، كما ذكروا في الاحرام بحجتين، وإن لم يصح
~~فعلهما، فمن جعل لهذا الاحرام حكماء قال: أنه يتضمن أداء إحدى الحجتين
~~وقضاء الأخرى.
# وكذلك اختلافهم فيمن ألزم نفسه صوم يوم يقدم فيه فلان، فمن أوجب صحة هذا
~~النذر مع قدومه وقد مضى من النهار بعضه، يجعله سببا للقضاء، ومن لا يوجب
~~ذلك يلغيه. ومثال الوقت الموافق بلا زيادة ولا نقصان إيجاب صوم يوم بعينه.
# وأما القسم الثاني فإن العلماء اختلفوا على أقاويل ثلاثة: فمنهم من علق
~~الوجوب بأول الوقت، دون آخره، ومنهم من علقه بآخره، ومنهم من جعل الوجوب
~~متعلقا بجميع الوقت، وأن المأمور مخير بين أن يفعله في أوله وبين أن يؤخره
~~إلى آخره أو وسطه، بعد أن يفعل عزما على أدائه، وأن الفعل يتضيق عليه في
~~آخر الوقت، فيجب PageV01P146
# فعله بغير بدل، وهو الصحيح.
# والذي يدل عليه أن الوجوب إذا تعلق بجميع الوقت فلا بد مع تأخيره عن
~~الأول من بدل هو العزم.
# فأما من يقول: أن الوجوب موقوف على الحال الأول، فضرب الوقت كله للفعل
~~يمنع من ذلك. ولأنه لا فرق بين قائل هذا القول وبين من خص الوجوب بآخره.
~~على أنه لا يخلو هذا القائل من أن يذهب إلى أنه متى لم يفعله في أول الوقت،
~~استحق الذم، أو لا يستحق ذلك، ويبطل الأول ضرب الوقت الموسع للفعل، والقسم
~~* الثاني يؤل إلى خلاف في عبارة.
# فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون أول الوقت ضرب لايجابه. وما بعده ضرب لقضائه.
# قلنا: الوقت المضروب الأول والأخير فيه سواء، فكيف يختلف الحكم ن وما
~~الفرق بين هذا القائل، وبين من يقول: أن الوقت الأخير ضرب للايجاب، والأول
~~ضرب لجواز تقديمه، وإن لم يكن واجبا؟.
# على أنه لا خلاف في أن من يصلي الظهر في وسط الوقت أو آخره لا يسمى
~~قاضيا. PageV01P147
# فأما من جعل الوجوب متعلقا بآخره، فقد ترك الظاهر، ولا فرق في فساد قوله ms068
~~بينه وبين من علقه بأوله.
# ومدار الخلاف في هذه المسألة على جواز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت وقد
~~بينا إنقسام الخلاف فيه إلى ثلاثة أقوال.
# ومن علق الوجوب بآخره دون أوله ربما يقول: أنه إذا فعل في الأول كان
~~نفلا، وأنه مع ذلك يجزي عن الفرض، كتقديم الزكاة على الحول، وربما يقول:
~~أنه موقوف مراعى، فإن أتى آخر الوقت وهو من أهل الخطاب بهذا الصلاة، كان ما
~~وقع في أول الوقت فرضا، وإن تغيرت حاله، وخرج عن حكم الخطاب، إما بجنون، أو
~~حيض، إن كانت امرأة - كان ما فعله نفلا، وقالوا بمثل ذلك في الزكاة
~~المعجلة. والذي يدل على بطلان ما ذهب مخالفنا إليه أشياء:
# منها أنه لا خلاف في أن النية في الواجب من الصلوات تخالف النية في النفل
~~منها، وأجمعوا على أن شرط النية في جميع ما يؤدي من صلاة الظهر لا يختلف،
~~فبان بذلك أن الصلاة في الوقت كله واجبة واقعة على وجه واحد. PageV01P148
# ومنها أن قولنا: (صلاة الظهر) يقتضي كونها واجبة مكتوبة، لأنه ينبي عن
~~الوجوب وزيادة عليه، فمن قال: أن في الظهر نفلا ترك الاجماع، وبهذا الوجه
~~أيضا يبطل كونها موقوفة، لان كونها ظهرا قد بينا أنه يقتضي الوجوب في
~~الحال، ويمنع من كونها مراعاة.
# ومنها أن النية المطابقة للصلاة أولى بأن يؤثر فيها من المخالفة، ولا
~~شبهة في أنه لو نوى بالظهر في أول الوقت النفل لم يجز له ذلك، فعلمنا أنها
~~واجبة.
# ومنها أنهم قد أجمعوا على أن الأذان والإقامة من شرط الصلاة الواجبة،
~~فإذا استعملا في صلاة الظهر المفعولة في أول الوقت، دل على وجوبها في تلك
~~الحال، وأنها ليست بنفل ولا بموقوفة.
# ومنها أن أول الوقت لو لم يكن وقتا للوجوب، لحل في ارتفاع الاجزاء محل ما
~~يفعل قبل الزوال.
# ومنها أنهم اختلفوا في هل الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت أو في آخره،
~~وهذا يدل على أنها تكون في الجميع واجبة، لأنه PageV01P149
# لا يجوز أن يختلفوا في هل النفل أفضل ms069 أو الفرض، لان من المعلوم أن الفرض
~~والنفل إذا اتفقا في المشقة، فالفرض أفضل.
# ومنها أن كون الصلاة واجبة وجه يقع عليه الصلاة، فكيف يؤثر في هذا الوجه
~~ما يأتي بعده، ومن شأن المؤثر في وجوه الافعال أن يكون مقارنا لها ولا
~~يتأخر عنها.
# فإن قيل: أليس الداخل في الصلاة وجوب ما دخل فيه موقوف على تمامه.
# قلنا: معاذ الله أن نقول ذلك بل كل فعل يأتيه في الوقت فهو واجب، ولا يقف
~~على أمر منتظر، وإنما تقف صحته على الاتصال، والمراد بذلك أنه إذا اتصل،
~~فلا قضاء عليه، وإذا لم يتصل، فالقضاء واجب، فأما الوجوب واستحقاق الثواب
~~فلا يتغير بالوصل والقطع، يبين ذلك أنه ربما وجب القطع، وربما وجب الوصل،
~~فلو تغير بالقطع وجوبه، لم يصح دخوله في الوجوب. PageV01P150
# وقد تعلق من ذهب إلى أن الوجوب متعلق بآخر الوقت بأشياء:
# أولها أنه لو تعلق الوجوب بأول الوقت، لاثم بتأخيره عنه من غير بدل.
# وثانيها أن كل مالا يأثم بتأخير الصلاة عنه لا تكون الصلاة واجبة فيه،
~~قياسا على قبل الزوال.
# وثالثها أن كل ما للمكلف أن يتركه بغير عذر فليس بواجب، كالنوافل.
# ورابعها أن الشمس إذا زالت وهو مقيم، ثم مضى من الوقت ما يتمكن فيه من أن
~~يصلي الظهر، ثم سافر، وجب عليه قصر الصلاة، فلو وجبت عليه بأول الوقت، لما
~~جاز ان يقصر، كما لو سافر بعد خروج الوقت.
# وخامسها أن ما بعد الزوال من الأوقات مدة يتكرر فيها امتثال المأمور به،
~~فيجب ان يكون وقت الجواز غير وقت الوجوب، كمدة PageV01P151
# الحول، لما جاز أن يتكرر فيها امتثال المأمور به، انفصل وقت الجواز من
~~وقت الوجوب.
# فيقال لهم أكثر الأقيسة التي ذكرتموها تقتضي - إذا صحت - الظن، ولا توجب
~~العلم، ونحن في مسألة طريقها العلم، فلا يجوز أن يعتمد فيها على طرق الظن.
# والذي ذكروه أولا غير لازم، لأنه عندنا لا يجوز أن تؤخر الصلاة عن أول
~~الوقت إلا ببدل. هو العزم، فلم يشبه النافلة، وقد قدمنا ذلك، ms070 وبينا أنا لم
~~نثبت هذا البدل إلا بدليل ذكرناه.
# فإن قيل * أيكفيه عزم في الجملة على أداء الواجبات مستقبلا، أم يجب عزم
~~على أداء هذه الصلاة بعينها.
# قلنا: لا بد من عزم معين، كمن أخر رد وديعة، فإنه لا يكفيه عزم مجمل على
~~أداء الواجبات، بل لا بد من عزم على ردها بعينها مع الامكان. PageV01P152
# فإن قيل: كيف يكون العزم بدلا من فعل الصلاة، ومن حق البدل ألا يثبت حكمه
~~مع القدرة على المبدل، كالتيمم مع الطهارة بالماء.
# قلنا: هذا الحكم الذي ذكرتموه ليس بثابت في كل بدل، لان كل واحدة من
~~كفارات اليمين بدل من الأخرى، ويجوز له أن ينتقل إلى كل واحدة مع القدرة
~~على الأخرى.
# وبعد، بهذا خلاف في عبارة، ويجوز أن نقول: ليس له أن يترك فعل الصلاة في
~~أول الوقت إلا بفعل ما يقوم مقامها، ولا نذكر البدل.
# فإن قيل: من شأن ما قام مقام الشئ أن يسقط فعله وجوب ذلك الشئ،
~~كالكفارات، وعندكم أن العزم لا يسقط وجوب الصلاة، وإن أسقط فعل الصلاة وجوب
~~العزم.
# قلنا: غير ممتنع اختلاف أحكام ما يقوم مقام غيره، فيكون منه ما يسقط ما
~~قام مقامه، ومنه ما لا يكون كذلك، والواجب الرجوع فيه إلى الأدلة، ألا ترى
~~أن المسح على الخفين عند من أجازه يقوم مقام غسل PageV01P153
# الرجلين، ولم يسقط مع ذلك فعل المسح وجوب الغسل، كما أسقط الغسل المسح
~~على الخفين، ألا ترى أن من مسح على خفيه، ثم ظهرت قدماه، يجب عليه غسلهما،
~~يتقابلا في قيام كل واحد منهما مقام الاخر، وكذلك القول في الوضوء بالماء
~~والتيمم، فغير منكر أن يكون العزم لا يسقط وجوب الصلاة، وإن قام مقامها في
~~سقوط اللوم والاثم.
# فإن قيل: من شأن ما قام غيره ألا ينتقل إليه إلا لعذر، كالمسح على
~~الخفين.
# قلنا: غير مسلم ذلك، لأنا ننتقل من كفارة إلى أخرى بلا عذر، ومن رد
~~الوديعة باليمين إلى اليسار ولا عذر، ومن الصلاة في مكان طاهر إلى غيره من ms071
~~الأمكنة الطاهرة بلا عذر.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ليس بواجب فيما انتفى الاثم عن تأخيره
~~أن ينتفي وجوبه، لان هذا هو حد الواجب المضيق، والموسع بخلافه، والفرق ما
~~بين قبل الزوال وبعده أن الصلاة قبل PageV01P154
# الزوال لا يأثم بتأخيرها من غير بدل يفعله، وبعد الزوال إذا أخرها، وجب
~~أن يفعل بدلا منها، ومتى ترك الامرين أثم.
# على أن هذا ينتقض بالكفارات، لأنه لا خلاف في أن الذي يفعله ويختاره من
~~الثلاث واجب، وهو لا يأثم بتأخير ذلك والعدول عنه.
# وينتقض أيضا على أصولهم، لان عندهم إذا بقي من الوقت قدر ما يفعل فيه تلك
~~الصلاة، أثم بتأخير الصلاة عنه، وإن لم تكن واجبة في تلك الحال، لان عندهم
~~الوجوب يتعين إذا بقي من الوقت قدر تحريمة.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: الكلام في هذا الوجه هو الكلام على ما
~~تقدمه، لان النوافل له تركها من غير عذر ولا بدل، والصلاة لا يجوز تأخيرها
~~من غير عذر إلا ببدل.
# وينتقض أيضا بما يختاره من الكفارات الثلاث، إنه يجوز تركه من غير عذر
~~وهو واجب بلا خلاف، ودفع الوديعة باليد اليمنى واجب ويجوز تركه بلا عذر بأن
~~يدفعها باليسرى.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا من إعتبار تعين الفرض بآخر الوقت
~~PageV01P155
# دون أوله: إنما كان كذلك، لان للوجوب في آخر الوقت مزية على أوله، وإن
~~اشتركا في تعلق الوجوب بهما، لأنه يتضيق، ويتعين في الوقت الأخير، وهو موسع
~~في الأول، ولهذا أعتبر في الحائض والمسافر آخر الوقت دون أوله.
# وبعد، فإن كيفية أداء الصلاة معتبرة بحال المكلف في وقت الأداء، يوضح ذلك
~~أن فرض العبد بعد زوال الشمس أن يصلي الظهر أربع ركعات، وليس عليه جمعة،
~~فإن أعتق وفي أول الوقت بقية لزمته الجمعة، وعلى هذا لا يمتنع أن يلزم
~~الحاضر الصلاة تامة إذا أدرك أول وقتها، ثم سافر قبل خروج الوقت، أداها
~~مقصورة، لان حاله في وقت الأداء تغيرت من إقامة إلى سفر، كما تغيرت حال
~~العبد من ms072 رق إلى حرية، فتغيرت صفة العبادة التي تلزمه، وكذلك لو كان في أول
~~الوقت صحيحا لزمته الصلاة قائما مستوفيا للركوع والسجود، فإذا مرض قبل آخر
~~الوقت، ولم يتمكن من الصلاة قائما، صلى قاعدا، وموميا، بحسب ما يمكنه،
~~فتغيرت صفة العبادة بتغير حاله في وقت أدائها، PageV01P156
# ولا يلزم على هذا أن يقصر الصلاة متى سافر بعد خروج الوقت، لأنه بعد
~~خروجه يكون قاضيا لا مؤديا، والقاضي يجب عليه أن يقضي ما فاته على صفته
~~التي وجبت عليه مع التمكن وزوال الاعذار، وليس كذلك من سافر في بقية من
~~الوقت * لأنه مود للصلاة في وقتها، فوجب عليه القصر، لاختلاف صفته من إقامة
~~إلى سفر.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: الفصل بين الصلاة والزكاة أن مدة الحول
~~المتقدمة لم تضرب في الشريعة لوجوب أداء الزكاة، والوقت من بعد الزوال
~~مضروب لوجوب أداء الظهر، وقد دللنا على ذلك.
# وبعد فإن المؤدي من الزكاة قبل الحول لما كان جائزا غير واجب، تميز من
~~المؤدي بعد انقضاء الحول بالصفة والنية والاسم، وقد بينا أن الصلاة المؤداة
~~في أول الوقت لا تتميز من المؤداة في آخره بشئ من الاحكام.
# وبعد فإنا لا نقول: أن الصلاة من أول الوقت إلى آخره تداخل PageV01P157
# جوازها لوجوبها، بل نقول: أنها واجبة من أول الوقت إلى آخره من غير أن
~~تكون جائزة، لان ذلك يوهم أنها نفل، اللهم إلا أن يراد أنه جائز تركها
~~والعدول عنها، وإذا أريد ذلك، لم يجز أن يقال فيها نفسها: أنها جائزة، بل
~~نقول: العدول عنها إلى بدل منها جائز، فقد انفصل بهذا التفسير وقت الجواز
~~من وقت الوجوب.
# فإن قيل: قد تعلق كلامكم بان وقت الصلاة يتضيق بآخره، فبينوا كيفية
~~التضيق.
# قلنا: الواجب أن يكون الوقت المضيق هو ما يغلب على ظن المكلف أن إيقاع
~~الصلاة فيه يصادف الوقت، ولا تخرج الصلاة ولا بعضها عنه، والفقهاء يحدون
~~المضيق بأنه قدر التحريمة، وربما قال بعضهم: حد المضيق ما وقع فيه أقل جزء
~~من الصلاة بعد أن ms073 يكون متميزا، وهذا الذي ذكروه إنما هو حد في إدراك
~~الصلاة، وسبب للقضاء، ولا يجوز أن يكون حدا للأداء، لأنه من المحال أن توقت
~~الصلاة بوقت لا يمكن إيقاعها فيه.
# وليس لاحد أن يعيبنا بتشعيب هذه المسألة، والخروج منها إلى PageV01P158
# الكلام في الفرع، لان قصدنا إنما كان إلى إيضاح الأصل بهذا التفريع، فرب
~~فروع أعان شرحها على تصور الأصول.
# فصل في أن الامر لا يدخل تحت أمره إعلم أن الرتبة إذا اعتبرت بين الامر
~~والمأمور على ما بينا، لم يجز أن يأمر الانسان نفسه منفردا، ولا مجتمعا مع
~~غيره، والخبر لما لم يعتبر فيه الرتبة، جاز أن يخبر نفسه، وفي العقليات
~~شاهد بذلك، وهو أن أحدنا لا يجوز أن يكون محسنا إلى نفسه، ولا متفضلا
~~عليها، وإن جاز ذلك مع غيره.
# فإن قيل: ليس معنى الامر أكثر من أن يقول (افعل) ويريد المأمور به، وهذا
~~يتأتى لانسان مع نفسه.
# قلنا: ذلك وإن تأتى، فإن أهل اللغة لا يسمونه أمرا، لاعتبار الرتبة، كما
~~لا يسمون قول الصغير القدر للعظيم القدر (افعل) وإن PageV01P159
# أراد الفعل منه - أمرا، لأجل الرتبة، ومعنى الامر حاصل في الموضعين.
# والصحيح أن الرسول - عليه السلام - إذا أدى إلينا خطابا عن الله - تعالى
~~- عاما لو سمعناه من غيره كان - عليه السلام - داخلا فيه، فإنه يجب دخوله
~~فيه، وإن كان هو المؤدى له، لأنه وإن سمع من لفظه عليه السلام -، فإنه
~~يحكيه عن ربه تعالى، فإذا حكى عنه - تعالى -:
# يا أيها الناس اعبدوا ربكم، كان داخلا فيه، لأنه لافرق في عموم لفظه بين
~~سماعه منه، وبين سماعه من غيره، وليس إذا حكى الرسول - عليه السلام - أمرا
~~عن ربه - تعالى - يكون الرسول - صلى الله عليه وآله - هو الامر به بل الآمر
~~به هو الله - تعالى - وإنما يحكي الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - كلامه
~~ويؤديه على هيأته. ومن فرق بين أن يؤدي الرسول - عليه السلام - كلامه -
~~تعالى - ابتداء وبين أن يتقدم ذلك الكلام ثم يؤمر الرسول - ص ع - بأدائه
~~فجعله في ms074 الأول غير داخل فيه وفي الثاني داخلا، فتوهم لما PageV01P160
# لا أصل له، وفي الحالتين يجب دخوله في عموم الخطاب، والوجه الذي له يدخل
~~فيه إذا تقدم ثم أداه قائم في أدائه له على سبيل الابتداء، وليس يجب اعتبار
~~الرتبة فيما يؤديه ويحكيه، لأنه في الحقيقة غير آمر بما فيه من أمر ولا
~~مخبر بما فيه من خبر، والآمر والمخبر غيره، فلا يلزم أن يكون آمرا نفسه،
~~وكيف يخفى على أحد أن أحدنا لو قال لاحد غلمانه: قل لغلماني عني: إني قد
~~أمرت جميع عبيدي بكذا، إن ذلك العبد المؤدي داخل في الخطاب، كما هو داخل
~~فيه لو سمع من غيره.
# فصل في ذكر الشروط التي معها يحسن الامر بالفعل اعلم أن للامر تعلقا بفعل
~~المكلف والمكلف والافعال التي يتناولها الامر، فيجب بيان الشروط الراجعة
~~إلى كل شئ مما ذكرناه، وربما تداخلت هذه الشروط للتعلق بين هذه الوجوه.
# والذي يجب أن يكون الله - تعالى - عليه حتى يحسن منه الامر بالفعل شروط
~~أربعة:
# أولها أن يمكن العبد من الفعل المأمور به، ويدخل في التمكين القدر
~~والآلات والعلوم وما أشبه ذلك. PageV01P161
# وثانيها أن يكون الفعل مما يستحق به الثواب، بأن يكون واجبا أو ندبا.
# وثالثها أن يكون الثواب على ذلك الفعل مستحقا، ويعلم - تعالى - أنه
~~سيفعله به لا محالة.
# وشرط قوم هيهنا، فقالوا: إذا لم يحبطه، وإنما يشترط ذلك من يرى الاحباط،
~~وإذا كان الاحباط باطلا، فلا معنى لاشتراطه.
# ورابعها أن يكون قصده - تعالى - بذلك الايصال إلى الثواب، حتى يكون
~~تعريضا، وهذه الجملة صحيحة * لا شبهة فيها، لان الغرض في التكليف التعريض
~~للمنافع التي هي الثواب، ولن يتم ذلك إلا بتكامل الشروط التي ذكرناها.
# فأما الامر منا فحاله تخالف في هذه الشروط حال القديم - سبحانه، - لأنه
~~قد يأمر بما يتعلق بالديانات، والظن في ذلك لا يقوم مقام العلم، فأما تمكن
~~المأمور فالظن فيه يقوم مقام PageV01P162
# العلم، وأما إن كان أمره بما يخصه فيكفي فيه أن يكون حسنا، وإن كان
~~مباحا، لان الغرض يتم ms075 بذلك، وإنما شرطنا الحسن، لان الامر بالقبيح لا يكون
~~إلا قبيحا.
# وأما أمره - ص ع - فالشروط فيه كالشروط في امره - تعالى - إلا العلم
~~بإيصال الثواب، لان ذلك مما لا يتعلق به، وقد يجوز أن يقوم الظن فيه مقام
~~العلم فيما يرجع إلى تمكن المكلف، وأما ما يرجع إلى صفة الفعل من حسن وغير
~~ذلك فلابد من أن يكون معلوما، ويعلم استحقاق الثواب به، وأنه - تعالى -
~~سيوفره عليه.
# وفي الفقهاء والمتكلمين من يجوز أن يأمر الله - تعالى - بشرط أن لا يمنع
~~المكلف في المستقبل من الفعل، أو بشرط أن يقدره، ويزعمون أنه يكون مأمورا
~~بذلك مع المنع. وهذا غلط، لان هذه الشروط إنما تحسن فيمن لا يعلم العواقب،
~~ولا طريق له إلى علمها، PageV01P163
# وأما العالم بالعواقب وأحوال المكلف فلا يجوز أن يأمره بشرط، والذي يبين
~~ذلك أن الرسول - عليه السلام - لو أعلمنا زيدا لا يتمكن من الفعل في وقت
~~مخصوص، قبح منا أن نأمره بذلك لا محالة، وإنما حسن دخول هذه الشروط فيمن
~~نأمره، لفقد علمنا بصفته في المستقبل، ألا ترى أنه لا يجوز الشرط فيما يصح
~~فيه العلم، ولنا إليه طريق، نحو حسن الفعل، لأنه مما يصح أن نعلمه، وكون
~~المأمور متمكنا لا يصح أن يعلم عقلا، فإذا فقد الخبر، فلا بد من الشرط.
# ولابد من أن يكون أحدنا في أمره يحصل في حكم الظان لتمكن من يأمره من
~~الفعل مستقبلا، فيكون الظن في ذلك قائما مقام العلم، وقد ثبت أن الظن يقوم
~~مقام العلم إذا تعذر العلم، فأما مع حصوله فلا يقوم مقامه، وإذا كان القديم
~~- تعالى - عالما بتمكن من يتمكن وجب أن يوجه الامر نحوه، دون من يعلم أنه
~~لا يتمكن، فالرسول - ص ع - حاله كحالنا، إذا أعلمنا الله - سبحانه - حال
~~PageV01P164
# من يأمره، فعند ذلك يأمر بلا شرط.
# ويلزم من سلك هذه الطريقة أن يأمر الله - تعالى - الميت بشرط أن يصير
~~حيا، ويأمر بما لا يكون صلاحا بشرط أن يصير صلاحا، وهذا يوجب عليهم أن لا
~~يقطعوا في ms076 من أمره الله - تعالى - بالفعل أن ذلك من صلاحه، كمالا يقطعون
~~بأنه متمكن لا محالة منه.
# وأما تعلقهم بالقطع على أن الله - تعالى - يتناول جميع المكلفين، مع
~~اختلاف أحوالهم في التمكن، فباطل، لأنا لا نسلم ذلك، بل نذهب إلى أنه لا
~~يتناول إلا من يعلم أن التمكن يحصل له، ويتكامل فيه، ولهذا نذهب إلى أنه لا
~~يعلم بأنه مأمور بالفعل إلا بعد تقضي الوقت وخروجه، فيعلم أنه كان مأمورا
~~به، وليس يجب إذا لم يعلم قطعا أنه مأمور أن يسقط عنه وجوب التحرز لأنه إذا
~~جاء وقت الفعل وهو صحيح سليم - وهذه أمارة يغلب معها الظن ببقائه - فيجب أن
~~يتحرز من ترك الفعل والتقصير فيه، ولا يتحرز من ذلك إلا بالشروع في الفعل
~~والابتداء به، ولذلك مثال في العقل، وهو أن PageV01P165
# المشاهد للسبع من بعد - مع تجويزه أن يخترم السبع قبل أن يصل إليه -
~~يلزمه التحزر منه، لما ذكرناه، ولا يجب - إذا لزمه التحرز - أن يكون عالما
~~ببقاء السبع، وتمكنه من الاضرار به.
# وأما من جعل من شرط حسن الامر أن يعلم الامر أن المأمور سيفعله، فخلافه
~~خارج عن أقوال المختلفين في أصول الفقه، لأنهم لا يختلفون في أن الله -
~~تعالى - قد يأمر من يعلم أنه يطيع، كما يأمر من يعلم أنه يعصي، ولو كان ما
~~ذكر شرطا في حسن الامر، لما حسن منا في الشاهد أمر، لأنا لا نعلم العواقب.
# وليس لهم أن يقولوا: أنه حسن منا من حيث إنا نظن أنه يفعل، لأنا قد نأمر
~~مع الظن بأنه لا يفعل، نحو أن ندعو إلى الطعام من نظن أنه لا يقبل، وإلى
~~الدين من نظن أنه لا يطيع.
# وأما من أجاز أن يأمر الله - تعالى - بالشئ بشرط أن لا ينهى عنه، فقوله
~~باطل، وسيجئ عليه الكلام في الناسخ والمنسوخ من هذا الكتاب بمشية الله -
~~تعالى - وعونه. PageV01P166
# وأما الصفات التي يجب كون الفعل المأمور به عليها، فتنقسم إلى أقسام:
# أولها أن يدخل في الصحة ويخرج عن الاستحالة.
# وثانيها أن يصح ms077 ممن كلفه لان صحته من غيره كاستحالته في الغرض المقصود.
# وثالثا صحته منه على جهة الاختيار.
# ورابعها أن يكون للفعل في نفسه صفة الحسن.
# وخامسها أن يحصل له صفة زائدة يدخل بها في أن يكون نفلا أو فرضا، وهذه
~~شروط لابد منها في حسن الامر بالفعل.
# وإذا كان الكلام في الواجب، فلابد من كل ما تقدم، ومن شرط زائد، وهو حصول
~~وجه يقتضي وجوبه.
# والقسم الأول يثبت بأن يعلم أن الفعل مما لا يستحيل وقوعه، بأن يكون وقته
~~مستقبلا، ولا يكون ماضيا ولا حاضرا *، لان PageV01P167
# ما لم يكن كذلك تقبح إرادته والامر به.
# والقسم الثاني وهو صحته منه يدخل فيه ألا يكون الفعل مما يستحيل قدرة
~~العبد عليه كالجواهر ومالا يتناوله قدرنا من الاعراض ويدخل فيه أن يكون غير
~~ممنوع منه، وأن يمكنه تمييزه، وإنما أوجبنا ذلك، لان مع فقده يتعذر الفعل،
~~ويقبح الامر بما يتعذر.
# والقسم الثالث يدخل فيه زوال الالجاء، وأن تكون الدواعي مترددة، لان
~~بالالجاء يلحق الملجأ بالممنوع، ومع فقد تردد الدواعي لا يستحق الثواب الذي
~~هو الغرض بالتكليف.
# والقسم الرابع أن يكون الفعل غير قبيح، ولا عار من القبح والحسن، وإنما
~~وجب ذلك، لان الامر بالقبيح قبيح، وكذلك إرادته، والامر بما لا غرض فيه
~~كذلك.
# والقسم الخامس يدخل فيه ألا يكون مباحا، وأن يقع على وجه زائد على الحسن
~~يدخل به إما في كونه ندبا، أو فرضا، وإنما PageV01P168
# قلنا ذلك، لان المباح كما لا يستحق بفعله في الشاهد المدح، كذلك لا يستحق
~~به الثواب، وتكليف ما هذه حاله عبث.
# وإنما شرطنا في الايجاب أن يكون له وجه وجوب، لان مالا وجه له يقتضي
~~وجوبه، فإيجابه به قبيح، يجرى مجرى تقبيح الحسن وتحسين القبيح، ولهذا لو
~~أنه - تعالى - أوجب كفر نعمه، لم يصر ذلك واجبا.
# وأما الصفات التي يجب كون المأمور عليها، فجملتها أن يكون متمكنا من
~~إيقاع الفعل على الوجه الذي أمر به، وتتفرع هذه الجملة إلى أن تكون القدرة
~~والعلوم والآلات والأسباب والأدلة كلها حاصلة، ms078 لان بوجودها يكون التمكن،
~~ومع فقدها يحصل التعذر.
# واعلم أن هذه الشروط تنقسم إلى أقسام ثلاثة: أولها أن يكون مما لا يصح
~~إلا من الله تعالى، فلابد من أن يزيح - جل اسمه - علة المكلف فيه، وذلك نحو
~~القدرة والحاسة وكثير من الآلات ونحو كمال العقل. PageV01P169
# وثانيها مالا يصح على الوجه المحتاج إليه إلا من العبد، كنحو الإرادة
~~والكراهة، لأنهما لا يؤثران في فعله فيكون أمرا وخيرا وعبادة لله - تعالى -
~~إلا بأن يكونا من جهة العبد.
# وثالثها أن يكون مما يصح من الله - تعالى - ومن جهة العبد، نحو كثير من
~~الآلات وكثير من العلوم، وفي هذا الوجه يجوز أن يفعله - تعالى - للعبد،
~~ويجوز أن يلزمه فعله، ويمكنه منه.
# وأما التي يجب أن يكون الامر عليها، فأن يكون متقدما لوقت الفعل المأمور
~~به، ولا يحد في ذلك حدا معينا، بل يعلق ذلك بصفة معقولة، وهو أن يتم بذلك
~~التقدم الغرض في الامر من دلالة على وجوب الفعل، وترغيب فيه، وبعث عليه،
~~فهذا القدر هو الذي لابد منه، وما زاد على ذلك من التقدم فلا بد فيه من
~~مصلحة زائدة.
# والمجبرة تخالف في ذلك، وتقول: أن الامر إذا كان إلزاما PageV01P170
# فلا يكون إلا في حال الفعل، وما يتقدم ليس بأمر، وإنما هو إعلام.
# وفي أهل العدل من يذهب إلى أنه لا يجوز تقدمه إلا بوقت واحد، وفيهم من
~~يجوز تقدمه بأوقات بشرط أن يكون المكلف من حين حصول الامر إلى وقت التكليف
~~متمكنا مزاح العلل، ومنهم من يجوز تقدمه بأوقات - وإن يكن المكلف كذلك -
~~إذا كان في تقدمه مصلحة لبعض المكلفين، وهو الصحيح، وفيهم من يجوز تقديمه
~~من غير اعتبار مصلحة. ومن يعتبر المصلحة منهم من يقول: يجوز أن تكون
~~المصلحة تحمل البعض إلى من كلف الفعل، ومنهم من لا يجوز أن يكون الصلاح هذا
~~القدر، بل يوجب أن يستفيد به مع التحمل.
# وأما الذي يدل على أنه لابد من تقدمه أنه يفيد إيجاب الفعل PageV01P171
# على المكلف، وترغيبه، وبعثه عليه، وكل هذا لا ms079 يتم إلا بالتقدم.
# وخلاف المجبرة مبني على قولهم: أن القدرة مع الفعل، فأجروا الامر مجراها،
~~وذلك باطل بما ذكر في مواضعه، لأنه يبطل الايثار والاختيار، ويقتضي تكليف
~~مالا يطاق، وأن القاعد عن الصلاة معذور بترك القيام إليها، لأنه لا يقدر
~~عليه.
# وقولهم: أن المتقدم إعلام، فإن أرادوا به أنه إعلام بلزوم الفعل في وقته،
~~فهو خلاف في عبارة، وإن أرادوا غير ذلك، فهو غير معقول، ونحن نعلم أيضا أن
~~الأوامر في الشاهد لا تكون إلا متقدمة، وأجمعت الأمة على أن أوامر القران
~~متناولة للخلق إلى يوم القيامة، وإن كانت متقدمة لهم.
# وأما تقدم الامر على الفعل أوقاتا كثيرة، فإذا كان للمصلحة، حسن لا
~~محالة.
# وأما من شرط في جواز تقدمه أن يكون المكلف متمكنا PageV01P172
# في الأحوال كلها، فقوله باطل، لان المكلف إنما يحتاج إلى التمكن ليفعل،
~~لا لكونه مأمورا، لأنه لو كان في حال الامر متمكنا، وفي حال الفعل عاجزا،
~~قبح أمره، فلا مانع من حسن أمره بفعل يعلم الله - تعالى - أنه سيتمكن منه
~~في حال الحاجة، وإن كان في حال الامر عاجزا وأوامر القرآن متناولة للخلق *
~~كلهم إلى آخر التكليف، وإن كان أكثرهم في حال وجود هذه الأوامر غير متمكنين
~~بل غير موجودين.
# والصحيح أن تقديمه لا يجوز أن يحسن للتحمل فقط، لان من حق الكلام أن يفعل
~~للإفادة، فلا بد في المصلحة الحاصلة فيه أن يكون راجعة إلى الإفادة.
# ولا يجب على هذا أن تكون الملائكة - ع - مكلفة بهذه الشرعيات لأجل
~~التحمل، وذلك أنا إنما أوجبنا في المتحمل للكلام أن يفهمه، وأن يكون مصلحة
~~له في تحمله، ولم نوجب أن يكون الشرائع المذكورة في ذلك الكلام تلزم ذلك
~~المتحمل، فالملائكة PageV01P173
# على هذا يجب أن تفهم المراد بالقرآن، إذا تحملته، وأدته، وأن يكون لها في
~~ذلك مصلحة دينية، وإن لم تلزمها الشرائع.
# باب في أحكام النهي فصل إعلم أن النهي لا صورة لها في اللغة تخصه، على
~~نحو ما قلناه في الامر، لان قول القائل (لا تفعل) قد يستعمل ms080 ولا يكون نهيا،
~~بل على سبيل التوبيخ والتعنيف، ألا ترى أن أحدنا قد يقول لغلامه لا تطعني
~~ولا تفعل شيئا مما أريده، وهو غيرناه له، لمفارقة الكراهة التي بها يكون
~~النهي نهيا، وإنما التعنيف، كما قال - تعالى -:
# اعملوا ما شئتم، ولم يرد الامر.
# والكلام في أنه لا صيغة له تخصه كالكلام في الامر، فلا معنى لإعادته.
~~PageV01P174
# والرتبة معتبرة في النهي كما أنها معتبرة في الامر، والدلالة على الامرين
~~واحدة.
# وقولنا (نهى) يخص القول، بخلاف الامر، لأنا قد بينا اشتراك هذه اللفظة
~~بين الفعل والقول.
# والنهي إنما كان نهيا لان الناهي كاره للفعل الذي تناوله النهي، والكلام
~~في ذلك كالكلام في أن الامر إنما كان أمرا لإرادة الآمر المأمور به، وقد
~~تقدم مستقصى.
# والقول في أن النهي لا يدل على أحكام الفعل كالقول في الامر، وإنما يحكم
~~فيما نهى الله عنه بالقبح بدلالة منفصلة، وهي أنه - تعالى - مع حكمته لا
~~يجوز أن ينهى عن الحسن، ولا ينهى إلا عن القبيح، كما قلنا في أمره - تعالى
~~- أنه لا يدل من حيث الظاهر بل لحكمته - تعالى - على أن لما أمر به صفة
~~زائدة على حسنه، وأن له مدخلا في استحقاق المدح والثواب، وإنما نقول أن
~~نهيه - تعالى - على الوجوب وإن لم يكن أمره كذلك، لأجل أن يقتضي قبح الفعل،
~~والقبيح يجب ألا يفعل. PageV01P175
# والقول في احتمال النهي المطلق للتكرار والمرة الواحدة مطلقا ومشروطا
~~كالقول في الامر، وقد مضى، واحتماله مع الاطلاق لكل وقت مستقبل إما منفردا
~~أن مجتمعا كالقول في الامر.
# والقول بالفور ممكن فيه كما بيناه في الامر، غير أن التخيير في الأوقات
~~المستقبلة غير ممكن فيه كما أمكن في الامر، لان الامر إنما يتناول على سبيل
~~التخيير كل فعل مستقبل على البدل، للتساوي في الصفة الزائدة على الحسن،
~~والنهي يقتضى القبح، فلو تساوت الافعال كلها في القبح، لوجب العدول عن
~~الجميع، لا على جهة التخيير، وسنحقق دخول التخيير في النهي في الفصل الذي
~~يلي هذا بعون الله تعالى.
# وليس النهي عن ms081 الشئ أمرا بضده لفظا ولا معنى كما مضى ذلك في الامر.
~~PageV01P176
# فصل في صحة دخول التخيير في النهي إعلم أن هذا الباب يقتضي بيان ما يصح
~~النهي عنه من الافعال المختلفة على جمع أو بدل، وهو من لطيف الكلام، والنفع
~~به تام، وقد دلت الأدلة التي ليس هيهنا موضع ذكرها على أن المكلف يمكن أن
~~يخلو من كل أفعاله، إذا كان مستندا أو مستلقيا وكانت الأكوان مقطوعا على
~~بقائها، فلا يمتنع والحال هذه في أفعال جوارحه أن تكون كلها قبيحة، وإذا
~~جاز ما ذكرناه، جاز تناول النهي لذلك أجمع، فأما إذا كانت الحال حالا لا
~~يصح خلوه فيها من الافعال، فلا يجوز قبح الجميع، لان ذلك يقتضي ألا ينفك من
~~القبيح، وأن يكون معذورا فيه.
# فأما قبح ضدين ولهما ثالث يمكنه أن ينفك منهما إليه، فمما لا شبهة في
~~جوازه. PageV01P177
# وقد يصح أن يقبح منه كل أفعاله على وجه، ويحسن على وجه آخر، وعلى هذا
~~الوجه يصح القول بأن من دخل زرع غيره على سبيل الغصب أن له الخروج عنه بنية
~~التخلص، وليس له التصرف بنية الافساد، وكذلك من قعد على صدر حي إذا كان
~~انفصاله منه يؤلم ذلك الحي كقعوده، وكذلك المجامع زانيا، له الحركة بنية
~~التخلص، وليس له الحركة على وجه أخر.
# وأما بعض تصرفه، فقد يصح أن يقبح على كل حال.
# فأما حسن جميع ذلك أو بعضه على البدل والجمع، وعلى وجه دون وجه، فلا شبهة
~~فيه.
# والنهي عن ضدين على الجمع يقبح من حيث يستحيل وجودهما معا، فلا يقع ذلك
~~من حكيم.
# واعلم أنه غير ممتنع في فعل أن يقبح لكون ما يسد مسده معدوما كما لا
~~يمتنع أن يكون صلاحا إذا كان غيره معدوما، فغير ممتنع على هذه الجملة أن
~~ينهى * الحكيم عن فعلين مختلفين على التخيير والبدل، بأن يكون في المعلوم
~~أن كل واحد منهما يقبح بشرط PageV01P178
# عدم الاخر، فلا يمكن القول بقبحهما جميعا على الاطلاق، لان الاشتراط الذي
~~ذكرناه يقتضي أنهما متى وجدا ms082 لم يقبح واحد منهما، ومتى وجد أحدهما قبح لا
~~محالة، فالنهي عن المختلفين إذا صح ما ذكرناه - على سبيل التخيير صحيح
~~جائز، وليس يجري المختلفان في هذا الحكم مجرى الضدين، لان كل واحد من
~~الضدين متى وجد وجب عدم الاخر، وما يجب لا محالة يبعد كونه شرطا في قبحه،
~~وهذا في المختلفين أشبه بالصواب، وكذلك المتماثلان.
# فصل في النهي هل يقتضي فساد المنهي عنه اعلم أن المنهي عنه على ضربين:
~~أحدهما لا يصح فيه معنى الفساد والصحة والاجزاء، والضرب الاخر يصح ذلك فيه،
~~فمثال الأول الجهل والظلم وما جرى مجريهما مما لا يتعلق به أحكام شرعية،
~~ومثال الثاني الطلاق والنكاح والبيع والصلاة لتعلق الاحكام بكل ما ذكرناه،
~~فإذا أطلق القول بأن النهي هل يقتضي الفساد أو الصحة، فالمراد به القسم
~~الذي يصح فيه ذلك. PageV01P179
# وقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من جعل النهي دالا على الفساد كدلالته
~~على التحريم من جهة اللغة، ومنهم من جعله دالا على الفساد من جهة أدلة
~~الشرع، ومنهم من لم يجعله دالا على الفساد، وقال: لا يمتنع مع النهي كون
~~المنهي عنه مجزيا، كما لا يمتنع كونه غير مجز، ونقف على الدليل.
# والذي نذهب إليه أن النهي من حيث اللغة وعرف أهلها لا يقتضي فسادا ولا
~~صحة، وإنما نعلم في متعلقه الفساد بدليل منفصل، فأما من ذهب إلى أن أدلة
~~الشرع دلت على تعلق الفساد بالمنهي عنه، فإن أراد بدليل الشرع ما ذكرناه
~~فيما تقدم من هذا الكتاب من أن الصحابة ومن يليهم قضوا بفساد المنهيات من
~~غير توقف على دليل، فذلك صحيح، وقد أوضحناه، وإن أشار بدليل الشرع إلى غير
~~ذلك، فنحن نتكلم عليه.
# والذي يدل على صحة مذهبنا أن النهى لا تعلق للفظه ولا لمعناه بشئ من
~~الاحكام التي نشير بقولنا في الفعل (إنه مجز) إلى PageV01P180
# ثبوتها، وفي قولنا (إنه فاسد) إلى انتفائها، وما لا تعلق له بالنهي في
~~لفظ ولا معنى كيف يصح أن يستفاد منه، يوضح هذه الجملة أن الفقيه إذا ms083 قال في
~~العقد: إنه صحيح، فلم يفد بذلك حسن العقد ولا قبحه، وإنما غرضه إثبات أحكام
~~مخصوصة له، وكذلك إذا قال: هو فاسد أو موقوف، والايقاعات من طلاق وغيره إذا
~~قلنا:
# إنه صحيح، فمعناه أن الفرقة تقع به، والاحكام تتعلق عليه، وإذا قلنا: إنه
~~فاسد، فالمعنى أنه لا يؤثر فراقا ولا تحريما إذا اعتبرت سائر ما نقول: إنه
~~صحيح وفاسد، وجدته مفيدا لثبوت أحكام شرعية أو انتفائها، وإذا كان النهي
~~بظاهره ومعناه لا يقتضي إلا هذا القدر الذي ذكرناه، فلا يدل في المنهي عنه
~~على فساد ولا صحة، وهذه الجملة إذا اعتبرت تجلى الكلام في هذا الباب، وتعرى
~~من كل شبهة. PageV01P181
# ومما يدل أيضا على ما ذكرناه أن النهي لو اقتضى فساد الفعل المنهي عنه
~~لشئ يرجع إليه، لما صح في النهي إذا تناول ما ليس بفاسد في الشرع بل كان
~~صحيحا مجزيا ان يكون نهيا على الحقيقة، والاجماع بخلافه، لأنهم وإن اختلفوا
~~في كثير من الأمثلة التي تذكر في هذا الباب، فلم يختلفوا في أن المكلف وقد
~~ضاق عليه وقت الصلاة في آخر وقتها أنه منهي عن البيع والشراء، ومع ذلك
~~فبيعه صحيح، ونكاحه كذلك، ولم يختلفوا في أنه منهي عن إزالة النجاسة بالماء
~~المغصوب، لأنه تصرف فيما لا يملكه، ومع ذلك فإن حكم النجاسة يزول كما يزول
~~بالماء المملوك، والوطئ في الحيض يتعلق به أحكام الصحة كما يتعلق بالوطي
~~المباح، من لحوق الولد، ووجوب المهر، والتحليل للزوج الأول، فلولا أن النهي
~~لا يقتضي من حيث كان نهيا للفساد، لما صح شئ مما ذكرناه.
# ومما أيضا يدل على ذلك أن لفظ النهي قد يرد فيما هو صحيح، PageV01P182
# وفاسد، وقد قدمنا أن استعمال اللفظة في شيئين مختلفين دليل على أنها
~~حقيقة فيهما إلا أن يقوم دليل، فيجب ان يكون لفظ النهي محتملا للفساد
~~كاحتماله للصحة، ولا يقطع على أحدهما إلا بدليل.
# وقد تعلق من حكم بفساد المنهي عنه وعلقه بظاهر النهي بأشياء: أولها أن
~~الامر بالشئ إذا اقتضى الاجزاء والصحة، ms084 فيجب أن يكون النهي الذي هو ضده
~~يقتضي الفساد والبطلان.
# وثانيها أن النهي عن الفعل إذا منع منه، فيجب أن يكون مانعا من أحكامه،
~~وإذا منع من أحكام البيع أو الطلاق فليس إلا الفساد.
# وثالثها أن الاجزاء يعاقب الفساد، فإذا كان بالنهي * ينفى كون الشئ
~~شرعيا، فالاجزاء لا يعلم إلا شرعا، فليس بعد ذلك إلا الفساد.
# ورابعها أن النهي لو لم يعقل منه الفساد، لم يكن التحريم دلالة على
~~الفساد، فكان لا يعقل من قوله - تعالى -: حرمت عليكم أمهاتكم إلى آخر الآية
~~فساد هذه الأنكحة وبطلانها، ولا يعقل PageV01P183
# من قوله - تعالى -: وحرم الربوا، فساد أحكام عقد الربا.
# وخامسها أن المنهي عنه لو كان مجزيا لكان الطريق إلى معرفة ذلك الشرع،
~~وإنما ينبئ الشرع عن إجزائه إما بالامر والايجاب أو الإباحة، وكل ذلك مفقود
~~في المنهي عنه.
# وسادسها الخبر المروى عنه - عليه السلام - من قوله من أدخل في ديننا ما
~~ليس منه فهو رد، والمنهي عنه ليس من الدين، فيجب أن يكون باطلا مردودا.
# وسابعها أن عادة السلف والخلف من لدن الصحابة وإلى يومنا هذا جارية بأن
~~يحملوا كل منهي عنه على الفساد.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إنا قد بينا أن الامر بظاهره ومن غير
~~دليل منفصل لا يقتضي الاجزاء، وأنه كالنهي في أنه لا يقتضي الفساد، فسقط
~~هذا الوجه.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: قد اقتصرتم على دعوى، ومن أين
~~PageV01P184
# قلتم أن النهي إذا منع من الفعل، وجب أن يكون مانعا من أحكامه، وهل
~~الخلاف إلا في ذلك، ثم الفرق بين الامرين أنه إنما منع من الفعل للتعلق
~~بينه وبين الفعل، لان الحكيم إذا نهى عن شئ فقد كرهه، وهو لا يكره إلا
~~القبيح، والقبيح ممنوع منه، وأحكام الفعل غير متعلقة بمعنى النهي ولا لفظه،
~~فلا يجوز أن يكون النهي مانعا منها.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن أردتم بأن النهي ينفي كونه شرعيا أنه
~~ينفي كونه مرادا وطاعة قربة، فذلك صحيح. وإن أردتم نفي الأحكام ms085 الشرعية،
~~فهو مسلم، وإذا كان الاجزاء والفساد لا يعلمان إلا شرعا، فيجب ألا يستفاد
~~أحدهما من مطلق الامر.
# فإذا قال: إجزاؤه لا يعلم إلا شرعا، ولا شرع فيه، فيجب أن يكون فاسدا.
# قلنا: وفساده لا يعلم إلا شرعا، ولا شرع فيه، فيجب أن يكون صحيحا،
~~والصواب غير ذلك، وهو التوقف عن الحكم بصحة أو فساد على الدليل المنفصل.
~~PageV01P185
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: نحن نقول في التحريم: أن مطلقه لا يدل
~~على الفساد، مثل قولنا في النهى، وانما علم فساد نكاح الأمهات بغير وضع
~~النهي في اللغة، وعلى الجملة بدليل.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إن الاجزاء قد يعلم بغير الايجاب والامر
~~والإباحة، وهو أن يقول: لا تفعلوا كذا، فإن فعلتموه كان مجزيا، أو بأن يبين
~~أن الحكم الشرعي يتعلق بصورة للفعل مخصوصة، فيعلم إيقاع الحكم لها سواء
~~كانت منهيا عنها أو مأمورا بها.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: إن الخبر الذي اعتمدتم عليه خبر واحد،
~~أحسن أحواله أن يقتضي الظن، فكيف يحتج به في مسألة علمية.
# وبعد، فإنما يصح التعلق به لو ثبت أن إجزاء الفعل المنهي عنه ليس من
~~الدين، حتى يحكم بأنه مردود، وهذا لا يستفاد من الخبر. PageV01P186
# وأيضا فلفظة الرد كلفظة النهي في وقوع الخلاف فيها، بل النهي أبلغ، لان
~~الطاعات الواقعة من الكفار عند من أجاز ذلك توصف بأنها مردودة، لأنها غير
~~مقبولة، وإن لم تكن منهيا عنها، والمردود في العرف هو الذي لا يستحق عليه
~~الثواب، وهو ضد المقبول الذي هو استحقاق الثواب، وكون الفعل لا يستحق به
~~الثواب لا يمنع من إجزائه.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: هذا الطريقة هي التي نصرناها فيما سلف
~~من كتابنا هذا، وبينا أن بهذا العرف الشرعي يعلم أن مطلق النهي يقتضي فساد
~~المنهي عنه إلا أن تقوم دلالة.
# ومن يطعن على هذا الطريقة بأن يقول من أين لكم أن السلف والخلف حكموا
~~ببطلان المنهي عنه لأجل النهي دون دلالة دلتهم على ذلك.
# فالجواب ms086 له أن نقول إننا لا نذهب إلى أن الصحابة إنما حكموا بفساد المنهي
~~عنه لأجل حكم النهي في اللغة أو عرفها، بل PageV01P187
# إنما عولوا في ذلك على عرف الشريعة، وأن الامر في عرف الشرع يجب أن يكون
~~محمولا على الوجوب والفور والاجزاء، وأن النهي يقتضي بهذا العرف فساد
~~المنهي عنه، إلا أن تقوم دلالة، ولم يعولوا إلا على هذه العادة، ومثلهم لا
~~يجمع على باطل، إلا على ما قطع عذرهم عن الرسول - ص ع - فيه، وكيف لا يعلم
~~أن ذلك لمكان النهي عنه، وعند علمهم بالنهي يحكمون بالفساد، كما يحكمون عند
~~الامر بالوجوب، ولو كان ذلك معلوما بدلالة منفصلة، لوجب * التوقف عليها،
~~وأن يقولوا فيمن روى لهم نهيا عن الرسول - عليه السلام - في فعل بعينه: هذا
~~النهي إنما يقتضى قبح الفعل، وأنه معصية، ولا يقتضي فسادا، فلا يجب إن كان
~~عقد بيع أن يحكم بأن التمليك ما وقع، وإن كان طلاقا فلا يجب ان يحكم بأن
~~الفرقة لم تقع، بل رأيناهم يحكمون في كل مأمور به بالصحة والاجزاء، وفي كل
~~PageV01P188
# منهي عنه بالفساد على اختلاف الحالات، ومع المناظرة والمنازعة، و من طبقة
~~بعد طبقة، وفي زمان بعد زمان، وهذا معلوم ضرورة من حالهم، وتكلف الدلالة
~~عليه كالمستغنى عنه، وكذلك وجدنا كل من أبطل أن يكون عقد نكاح المتعة مبيحا
~~للاستمتاع إنما يعول على مطلق ما رواه من نهي الرسول - عليه السلام - عنها،
~~وتحريمه لها، ولم يقل له قائل: التحريم إنما يقتضى القبح والمعصية، فمن أين
~~أن الاستباحة لا تقع به، وكذلك نكاح المحرم، اكتفوا في ارتفاع أحكامه
~~الشرعية بالنهي عنه، وكذلك القول في عقد الربا، ونكاح الشغار.
# فإن قيل: فقد حرموا أشياء كثيرة، وإن ذهبوا إلى أنها مجزية صحيحة إذا
~~وقعت.
# قلنا. إنما ذهبوا إلى إجزائها مع النهى والتحريم بدليل منفصل، وليس ينكر
~~أن يقوم دليل على خلاف ما يقتضيه عرف الشرع، كما لا ينكر أن يقوم دليل على
~~خلاف ما يقتضيه وضع اللغة، فيصار إليه PageV01P189
# بالدليل، ولا يكون ذلك ms087 قادحا في أصل الوضع على الوجهين.
# فإن قيل: فبأي شئ تحدون الفاسد من المنهيات، وتميزونه من غيره فقد تعاطى
~~الناس ذلك.
# قلنا: الواجب ان نقول الذي يقتضيه عرف الشرع في نهي الله - سبحانه -
~~ورسوله - ص ع - ان يقتضي بالظاهر فساد المنهي عنه، وألا تتعلق به الاحكام
~~التي تتعلق بالصحيح إلا أن يقوم دليل على أن المنهي عنه في هذه الأحكام
~~كالمأمور به، فيقال بذلك اتباعا للدليل.
# وأجود ما ميز به ذلك أن يكون وقوعه منهيا عنه مخلا بشروطه الشرعية، فيكون
~~فاسدا، وإذا لم يختل شروطه الشرعية، لم يمتنع إجزاؤه.
# وينقسم تأثير المنهي عنه في الشروط الشرعية ثلاثة أقسام: PageV01P190
# فالأول يؤثر بأن يكون شرط الفعل عدمه.
# والثاني بأن يكون شرط الفعل ضده، أو ما يجري مجرى ضده، مما لا يجتمع معه.
# والثالث يؤثر بأن يمنع من وقوع شرط سواه، فمثال الأول الصلاة مع الحدث،
~~لان من شرطها عدمه. ومثال الثاني صلاة القادر على القيام قاعدا، لان من شرط
~~هذه الصلاة ضد القعود. ومثال الثالث صلاة المتطوع، لأنها لا تجزي عن الفرض
~~وإن كانت الصورة واحدة، لما كان الشرط نية مخصوصة.
# ولأجل هذا الوجه الأخير كانت الصلاة في الدار المغصوبة لا تجزي، لان من
~~شرط الصلاة أن تكون طاعة وقربة، وكونها واقعة في الدار المغصوبة يمنع من
~~ذلك.
# وأيضا فإن من شرطها إذا كانت واجبة أن ينوي بها أداء الواجب، وكونها في
~~الدار المغصوبة يمنع من ذلك.
# وفي الفقهاء من يظن أن الصلاة في الدار المغصوبة ينفصل من الغصب، وذلك ظن
~~بعيد، لان الصلاة كون في الدار، وتصرف PageV01P191
# فيها، وذلك نفس الغصب، لأنه لا فرق بين تصرفه فيها بالسكنى وبين تصرفه
~~بالصلاة، لان صاحب الدار لو أراد أن يقف فيها بحيث المصلي واقف، لتعذر عليه
~~ذلك، فهو مانع من تصرف المالك، والغصب ينقسم إلى وجهين: إما بان يحول بين
~~المالك وبين التصرف في ملكه، وإما بان يتصرف الغاصب فيه تصرفا يمنعه من
~~تصرفه.
# وفيهم من يقول في أن الصلاة في الدار المغصوبة ms088 تجزي، على أن الصلاة تنقسم
~~إلى فعل وذكر، فالفعل متعلق بالدار، والذكر لا يتعلق بها، فلا يمتنع أن
~~تجزي، وإن كانت في الدار المغصوبة، من حيث يقع ذكرها طاعة، وتكون نيته
~~تنصرف إلى الذكر.
# وهو غير صحيح، لان الذكر تابع للفعل الذي هو الصلاة، والفعل هو المعتمد،
~~والذكر شرط، فيجب أن تكون النية منصرفة إلى الفعل الذي هو العمدة.
~~PageV01P192
# وعلى أن أقل الأحوال أن يكون الفعل والذكر مجموعهما هو الصلاة، فتنصرف
~~النية إليهما، وقد بينا أن ذلك يقتضي كونه متقربا بالمعصية.
# وقد قيل في التمييز بين الصلاة في هذا الحكم وغيرها: أن كل عبادة ليس من
~~شرطها الفعل أو ليس من شرطها أن يتولى الفعل بنفسه، بل ينوب فعل الغير مناب
~~فعله، أو ليس من شرطها أن يقع منه بنية الوجوب، أو ليس من شرطها النية
~~أصلا، لم يمتنع في المعصية منها أن يقوم مقام الطاعة، وهذا قريب.
# ومن احتج في جواز الصلاة في الدار المغصوبة بأن إجراءها مجرى من شاهد
~~طفلا يغرق وهو في الصلاة، وقال: إذا صحت صلوته مع المعصية، فكذلك * الصلاة
~~في الدار المغصوبة.
# فقوله باطل، لأنا نقول في المسألتين قولا واحدا، والصلوتان معا فاسدتان،
~~ويجب أن يقول في الغاصب: أنه لو حبس في الدار لأجزأته صلوته، لأنه بأن حبس
~~فيها خرج من كونه غاصبا، لأنه لا يتمكن PageV01P193
# من المفارقة لها، ويجب أن يقول فيمن لزمه رد وديعة أو قضاء دين، ثم دخل
~~في الصلاة: أنه إن كان الوقت موسعا، فسدت الصلاة، لان الواجب عليه تقديم
~~الرد، وإن صلاها في وقت مضيق، لم يفسد، لان الواجب عليه تقديمها على الرد،
~~إلا أن ينتهى الحال فيمن له الحق إلى حال ضرورة وضرر يدخل على صاحب
~~الوديعة، فتفسد صلوته، وإن أداها في آخر الوقت، لهذه العلة.
# فأما من ليس بغاصب لكنه دخل الدار مجتازا، فيجب الا تفسد صلوته، لان
~~المتعارف بين الناس أنهم يسوغون ذلك لغير الغاصب، ويمنعونه في الغاصب.
# وأما الضيعة المغصوبة فالصلاة فيها مجزية، لان العادة جرت ms089 بأن صاحبها لا
~~يحظر على أحد الصلاة فيها، والتعارف يجري مجرى الاذن، فيجب الرجوع إليه.
# ولا يلزم على ذكرناه أن يكون من صلى وهو يدافع الأخبثين PageV01P194
# أن تكون صلوته فاسدة غير مجزية، للنهي منه - عليه السلام - عن ذلك، وذلك
~~أن هذا النهي لو أوجب كون الصلاة معصية، للحقت في الفساد بالصلاة في الدار
~~المغصوبة، لكنا قد عرفنا أو وجه النهي تأثير المدافعة في التثبت والخشوع
~~والطمأنينة، ونحن نعلم أن كثيرا من ذلك لو فقد لأجزأت الصلاة، وقد يدافع
~~الخبثين ويتصبر على أداء ما يجب عليه في الصلاة واستيفائه، فلا يجب كون ذلك
~~مفسدا.
# وأما حمل بعضهم جواز الصلاة في المكان المغصوب على جواز الايمان فغلط
~~فاحش، لان الايمان لا تعلق له بالدار، اعتقادا كان بالقلب أو قولا باللسان،
~~وقد بينا أن الصلاة بها يكون غاصبا ومتصرفا في ملك غيره. PageV01P195
# فصل فيما يقتضيه الامر من جمع أو آحاد اعلم أن الخطاب إذا ورد وظاهره
~~يحتمل الخصوص والعموم وعلمنا بالدليل المنفصل شموله واستغراقه، قطعنا على
~~أن الفرض لازم لكل واحد منهم، ولا يستفيد بظاهر ذلك أنه لازم لكل واحد
~~بعينه، من غير أن يسقط عنه الفرض فعل غيره. كما لا نستفيد أن فعل البعض
~~يسقط الفرض عن البعض. ولا نستفيد أن اجتماع بعضهم شرط فيه. وكل ذلك موقوف
~~على الدليل.
# والخطاب العام لا يخرج عن ثلاثة أقسام: إما أن يلزم كل واحد، ولا يتعلق
~~فعله بفعل غيره، وإما أن يتعلق فرضه بفعل غيره في الصحة، فيكون الاجتماع
~~شرطا، كصلاة الجمعة، وإما أن يتعلق فرضه بفعل غيره، فيكون أداء الغير له
~~مسقطا عنه، وهذا هو المسمى فرض الكفاية، ومن أمثلته الجهاد، والصلاة على
~~الجنائز، ودفن الموتى، PageV01P196
# والفرض في هذا الوجه يتعلق بالكل، لكنه مشروط بأن لا يقوم البعض به، فمتى
~~وقع من البعض، زال الفرض عن الجماعة.
# باب الكلام في العموم والخصوص وألفاظهما إعلم أن العموم ما تناول لفظه
~~شيئين فصاعدا، والخصوص ما تناول شيئا واحدا، وقد يكون اللفظ عموما من وجه
~~وخصوصا ms090 من وجه آخر، لان القائل إذا قال: ضربت غلماني، وأراد بعضهم، فقوله
~~عموم، لشموله ما زاد على الواحد، وخصوص، من حيث أراد بعض ما يصح أن يتناوله
~~هذا اللفظ.
# وقولنا (عموم وخصوص) يجري مجرى قليل وكثير في أنه يستعمل بالإضافة، فقد
~~يكون الشئ الواحد قليلا وكثيرا بإضافتين مختلفتين، وقد يثبت عموم لا خصوص
~~فيه، وهو ما أريد به الاستيعاب PageV01P197
# والاستغراق، وقد يثبت أيضا خصوص لا عموم فيه، وهو الذي يراد به العين
~~الواحدة، كما يثبت قليل ليس بكثير، وهو الواحد، وكثير ليس بقليل، وهو ما عم
~~الكل، ومع الإضافة في الامرين يختلف الحال.
# وليس في الكلام عندنا لفظ وضع للاستغراق فإن استعمل فيما دونه كان مجازا،
~~وسندل على ذلك.
# والألفاظ الموضوعة للعموم على سبيل الصلاح على ضربين:
# فمنها ما يصح تناوله للواحد ولكل بعض وللكل على حد واحد، وهو حقيقة في كل
~~شئ من هذه الأمور، كلفظة (من) إذا كانت نكرة في الشرط أو الاستفهام، وتختص
~~العقلاء، ولفظة ما فيما لا يعقل، فإن حكمها فيما ذكرناه كحكم من، وهكذا حكم
~~متى في الأوقات، وأين في الأماكن.
# والضرب الثاني ما يتناول الكل صلاحا، ويتناول البعض وجوبا، ولا يستعمل
~~فيما نقص عن ذلك البعض، مثل ألفاظ المجموع، بألف ولام أو بغيرهما
~~PageV01P198
# كقولنا: رجال * والرجال ومسلمون والمسلمون، فهذا ألفاظ تتناول كل الرجال
~~وجميع المسلمين صلاحا، إذا لم يكن بين المخاطب والمخاطب عهد ينصرف ذلك
~~إليه، ولثلاثة بغير أعيانهم وجوبا، ولا يجوز أن يستعمل في الواحد ولا
~~الاثنين ألبتة على سبيل الحقيقة.
# فأما ألفاظ الجنس مثل قولنا الذهب والفضة والرقيق والنساء والناس فهي على
~~ضربين.
# أحدهما لا يجوز أن يراد به عموم ولا خصوص، ولا يتصوران في مثله، وإنما
~~يراد به محض الجنسية التي تميزت من غيرها كقولنا ذهب وفضة ورقيق، فإن
~~القائل إذا قال: الذهب أحب إلي من الفضة، وادخار العين أولى من ادخار
~~الورق، فلا عموم يتصور في قوله ولا خصوص، بل الإشارة إلى الجنسية من غير
~~إعتبار لتخصيص ولا تعميم، وكذلك ms091 إذا قال: استخدام الرقيق أحمد من استخدام
~~الأحرار. PageV01P199
# وأما لفظة الناس والنساء فقد يراد بهما في بعض المواضع المعنى الذي
~~ذكرناه من الجنسية من غير عموم ولا خصوص، وقد تكون في موضع محتملة للعموم
~~والخصوص، كما قلناه في ألفاظ الجموع المشتقة من الافعال، مثال القسم الأول
~~قول القائل: فلان يجب النساء ويميل إلى عشرتهن، والناس خير من الجان، ومثال
~~الثاني لقيت النساء، وجاءني الناس. وأبو هاشم يوافقنا فيما ذكرناه من ألفاظ
~~الجنس خاصة، وإنما أبو علي هو الذاهب إلى استغراق ألفاظ الجنس للكل.
# فأما استعمال لفظ العموم في المعاني نحو قولهم: عمهم الخصب أو الجدب أو
~~المرض أو الصحة فالأشبه أن يكون مستعارا مشبها بغيره، لأنا لانفهم من إطلاق
~~قولنا عموم وخصوص بالعرف المستقر إلا ما يعود إلى الألفاظ. PageV01P200
# ومن خالفنا من المتكلمين والفقهاء يقول في كل ما قلنا: (أنه يستغرق من
~~هذه الألفاظ صلاحا): (أنه يستغرق وجوبا). وسيجئ الكلام في ذلك بعون الله
~~ومشيته.
# فصل في ذكر الدلالة على أنه ليس للعموم المستغرق لفظ يخصه واشتراك هذه
~~الألفاظ التي يدعى فيها الاستغراق.
# الذي يدل على ذلك أن كل لفظة يدعون أنها للاستغراق تستعمل تارة في
~~الخصوص، وأخرى في العموم، ألا ترى أن القائل إذا قال: من دخل داري أهنته أو
~~أكرمته، لا يراد به إلا الخصوص، وقلما يراد به العموم، ويقول: لقيت
~~العلماء، وقصدت الشرفاء، وهو يريد العموم تارة، والخصوص أخرى، وهذا معلوم
~~ضرورة، مما لا يقع PageV01P201
# في مثله خلاف، والظاهر من استعمال اللفظة في شيئين أنها مشتركة فيهما،
~~وموضوعة لهما، إلا أن يوافقونا، أو يدلونا بدليل قاطع على أنهم باستعمالها
~~في أحدهما متجوزون، وهذه الجملة تقتضي اشتراك هذه الألفاظ، واحتمالها
~~العموم والخصوص، وهو الذي اعتمدناه.
# فإن قيل: دلوا على أن بنفس الاستعمال تعلم الحقيقة، وهذا ينتقض بالمجاز،
~~لأنهم قد استعملوه، وليس بحقيقة، ثم دلوا على أنهم استعملوا هذا الألفاظ في
~~الخصوص على حد ما استعملوها في العموم، فإنا نخالف في ذلك، ونذهب إلى أن
~~كيفية الاستعمال مختلفة.
# قلنا: ms092 أما الذي يدل على الأول فهو أن لغتهم إنما تعرف باستعمالهم، وكما
~~أنهم إذا استعملوا اللفظة في المعنى الواحد ولم يدلونا على أنهم متجوزون،
~~قطعنا على أنها حقيقة فيه، فكذلك إذا استعملت في المعنيين المختلفين.
# ويوضح ذلك الحقيقة هي الأصل في اللغة، والمجاز طار PageV01P202
# عليها، بدلالة أن اللفظة قد تكون لها حقيقة في اللغة ولا مجاز لها، ولا
~~يمكن أن يكون مجاز لا حقيقة له، فإذا ثبت ذلك، وجبت أن يكون الحقيقة هي
~~التي يقتضيها ظاهر الاستعمال، وإنما ينتقل في اللفظ المستعمل إلى أنه مجاز
~~بالدلالة، وأما المجاز فلا يلزم على ما ذكرناه، لان استعمال المجاز لو تجرد
~~عن توقيف أو دلالة على أن المراد به المجاز والاستعارة، لقطعنا به على
~~الحقيقة، لكنا عدلنا بالدلالة عما يوجبه ظاهر الاستعمال، ألا ترى انه لا
~~أحد خالط أهل اللغة إلا وهو يعلم من حالهم ضرورة أنهم إنما سموا البليد
~~حمارا والشديد أسدا على سبيل التشبيه والمجاز، فكان يجب أن يثبت مثل ذلك في
~~إجراء لفظ العموم على الخصوص.
# وأما المطالبة لنا بان ندل على أن كيفية الاستعمال واحدة، فإنا لم ندع
~~ذلك في استدلالنا فيلزمنا الدلالة عليه، وإنما ادعينا الاستعمال، ولا شبهة
~~فيه، ومن ادعى أن كيفية الاستعمال مختلفة، فعليه الدلالة. PageV01P203
# على أنا نقول لمن ادعى اختلاف كيفية الاستعمال: أتريد بذلك * أن الصيغة
~~التي يراد بها العموم لا تستعمل على صورتها في الخصوص، أم تريد أن اللفظ
~~يستعمل مجردا في العموم، وفي الخصوص يفتقر إلى قرينة ودلالة.
# والأول يفسد بأنا ندرك الصيغة متفقة عند استعمالها في الامرين ولو
~~اختلفتا لأدركناهما كذلك، وقد بينا في هذا الكتاب ان نفس الصيغة التي يراد
~~بها العموم كان يجوز أن يراد بها الخصوص، حيث تكلمنا في أن ما يوجد أمرا
~~كان يجوز أن يوجد نفسه ولا يكون أمرا.
# على أن أكثر مخالفينا في العموم يذهبون إلى أن لفظ العموم إذا أريد به
~~الخصوص كان مجازا، وعندهم أن اللفظ لا يكون مجازا إلا إذا استعمل على صورته ms093
~~وصيغته فيما لم يوضع له.
# وأما القسم الثاني فهو محض الدعوى، وبناء على المذهب الذي نخالف فيه،
~~فكأنهم قالوا: أن اللفظ موضوع في اللغة على الحقيقة PageV01P204
# للعموم، وإنما يتجوز به في الخصوص، وفي ذلك الخلاف، وعليه يطالبون
~~بالدلالة، ولا فرق بينهم وبين من عكس هذا عليهم، وقال لهم: بل هذه اللفظة
~~موضوعة على الحقيقة للخصوص، وإذا استعملت في العموم فبا القرية والدلالة،
~~فقد ذهب قوم إلى ذلك، وهم أصحاب الخصوص وقد مثل أصحابنا حالنا وحال
~~مخالفينا في هذه النكتة بمن ادعى أن زيدا في الدار، وادعى خصمه أن زيدا
~~وعمروا فيها، وقالوا: من ادعى أن عمروا مع زيد في الدار فقد وافق في أن
~~زيدا في الدار، وإنما ادعى أمرا زائدا على ما اتفق مع خصمه عليه، فالدلالة
~~لازمة له، دون خصمه، فإذا قال خصومنا: الصيغة لا تستعمل في الخصوص إلا مع
~~قرينة، فقد سلموا لنا الاستعمال، وادعوا أمرا زائدا عليه، فالدلالة تلزمهم
~~دوننا. PageV01P205
# وقد يمكن الطعن على هذا بأن نقول: أنتم تدعون استعمالا عاريا من قرينة،
~~لأنكم لو ادعيتم محض الاستعمال، للزمكم أن يكون المجاز كله حقيقة، لأنه
~~مستعمل، وإذا ادعيتم نفي القرينة، لزمكم أن تدلونا، فإنا لا نسلم ذلك، كما
~~يلزمنا أن ندل على إثبات القرينة إذا ادعيناها، وتجرون في هذا الحكم مجرى
~~من ادعى أن زيدا وحده في الدار، وآخر يدعى أن معه عمروا، في أن كل واحد
~~يلزمه الدلالة، واتفاقهما على أن زيدا في الدار ليس باتفاق على موضع الخلاف
~~من التوحد أو الاقتران، وهذا أجود شئ يمكن أن يسألونا عنه.
# والجواب أن الأصل في الاستعمال التعري من القرائن والدلائل، لان الأصل هو
~~الحقيقة التي لا تحتاج إلى قرينة، وإنما يحتاج المجاز للعدول به عن الأصل
~~إلى مصاحبة القرينة، فلما ادعينا PageV01P206
# ما هو الأصل فلا دلالة علينا، وادعى خصومنا أمرا زائدا على الأصل فعليهم
~~الدلالة.
# وأيضا فإننا نتمكن من الدلالة على صحة ما ادعيناه من غير بناء على موضع
~~الخلاف لأنا نقول: إن كانت القرينة هي ms094 العلم الضروري بتوقيف أهل اللسان على
~~ذلك، كما علمناه في حمار وأسد، فكان يجب ألا يقع خلاف في ذلك مع العلم
~~الضروري، كما لم يقع خلاف في أسد وحمار، وان كانت القرينة مستخرجة بدليل
~~وتأمل، وقد نظرنا فما عثرنا على ذلك، ومن ادعى طريقا إلى إثبات هذه القرينة
~~فواجب عليه أن يشير إليه، ليكون الكلام فيه، وخصمنا لا يمكنه ان يدل على أن
~~استعمال هذه اللفظة في الخصوص لا بد فيه من قرينة إلا بأن يصح مذهبه في أن
~~ذلك مجاز وعدول عن الحقيقة، وهذا هو نفس المذهب.
# ومما يقال لهم كيف وجب في كل شئ تجوز أهل اللغة به من الألفاظ، واستعملوه
~~في غير ما وضع له، كالتشبيه الذي ذكرناه PageV01P207
# في حمار وبليد، وكالحذف في قوله - تعالى -: (وجاء ربك) و (اسأل القرية)،
~~والزيادة في قوله: (ليس كمثله شئ)، ونظائر ذلك وأمثاله، وما يتفرع إليه
~~ويتشعب، أن يعلم أنهم بذلك متجوزون، وقارنون إلى اللفظ ما يدل على المراد
~~ضرورة بغير إشكال، ولا حاجة إلى نظر واستدلال، ولم يجب مثل ذلك في استعمال
~~صيغة العموم في الخصوص، وهو ضرب من ضروب المجاز عندكم؟ فألا لحق بهذا الباب
~~كله في حصول العلم؟
# ويمكن أن يترتب استدلالنا على هذه العبارة، فنقول: قد ثبت بلا شك استعمال
~~هذه اللفظة في العموم والخصوص، وما وقفنا أهل اللغة ولا علمنا ضرورة من
~~حالهم مع المداخلة لهم أنهم متجوزون بها في الخصوص، كما علمنا منهم ذلك في
~~صنوف المجازات على اختلافها، فوجب أن تون مشتركة.
# فإن قيل لنا: فلعل كونهم متجوزين بها في الخصوص يعلم بالاستدلال، دون
~~الضرورة، فلم قصرتم هذا العلم على الضرورة. PageV01P208
# قلنا: كيف وقف هذا الباب من المجاز على الاستدلال، ولم يقف غيره من ضروب
~~المجازات في كلامهم * على الاستدلال، لولا بطلان هذه الدعوى، وفي خروج هذا
~~الموضع عن بابه دلالة على خلاف مذهبكم، وليس تجد هذا الدليل مستقصى في شئ
~~من كتبنا السالفة على هذا اللحد، فقد بلغنا غايته.
# دليل آخر: ومما يدل ms095 أيضا على صحة مذهبنا ان استفهام المخاطب بهذا الألفاظ
~~عن مراده في خصوص أو عموم يحسن من المخاطب بغير ريب وموضوع الاستفهام إذا
~~وقع طلبا للعلم والفهم يقتضي احتمال اللفظ واشتراكه بدلالة أنه لا يحسن
~~دخوله فيما لا احتمال فيه ولا اشتراك ألا ترى أنه لا يحسن أنه يستفهم عن
~~مراده من قال: ركبت فرسا، ولبست ثوبا، لاختصاص PageV01P209
# اللفظ وفقد احتماله، ويحسن أن يستفهم من قال: رأيت عينا، عن أي عين رأى؟
~~وهذا الجملة تقتضي اشتراك هذا الألفاظ بين الخصوص والعموم.
# ومن خالف في حسن الاستفهام بحيث ذكرناه، لا يخلو من أن يكون قائلا يحسن
~~الاستفهام في موضع من الكلام، أو ليس يحسن أصلا، فإن ذهب إلى الأول، قيل
~~له: بين لنا حسن الاستفهام أين شئت من الكلام، حتى نسوي بينه وبين حسنه في
~~الخصوص والعموم، وإن أراد الثاني، كان مكابرا دافعا للضرورة، فكيف يقال
~~ذلك، وقد جعل أهل اللغة الاستفهام ضربا مفردا من ضروب الكلام، وخصوه بحروف
~~ليست لغيره. PageV01P210
# فإن قيل: وجه حسن الاستفهام في ألفاظ العموم تجويز المخاطب أن يريد
~~مخاطبه الخصوص على وجه المجاز.
# قلنا: هذا يقتضي حسن الاستفهام في كل خطاب، عن كل حقيقة، لان هذه العلة
~~موجودة، وقد علمنا اختصاص حسن الاستفهام بموضع دون غيره، فعلمنا أن علته
~~خاصة غير عامة.
# وبعد، فإن المخاطب إذا كان حكيما، وخاطب بالمجاز، فلا بد من أن يدل من
~~يخاطبه على أنه عادل عن الحقيقة، وهذان الوجهان يسقطان قولهم. أن وجه حسن
~~الاستفهام أن السامع يجوز أن يكون مخاطبه أراد المجاز، ودل عليه بدلالة
~~خفيت على السامع.
# فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الاستفهام إنما يحسن مع اقتران اللفظ، لا مع
~~إطلاقه.
# قلنا: اللفظ الوارد لا يخلو من اقسام ثلاثة: إن أن يرد مطلقا، أو مقترنا
~~بما يقتضي العموم، أو يقترن بما يقتضي الخصوص، ومع الوجهين الآخرين لا يحسن
~~الاستفهام، لحصول العلم بعموم أو خصوص، فثبت أنه إنما يحسن مع الاطلاق.
# فإن قيل: الاستفهام يحسن على أحد وجهين: إما ms096 أن يكون PageV01P211
# المخاطب يعتقد أن لفظ العموم مشترك، فيستفهم لذلك، أو يكون المخاطب قد
~~يعتقد ذلك، فيحسن استفهامه، لتجويز أن يعدل من معنى إلى معنى في الألفاظ
~~المشتركة.
# قلنا: كلامنا إنما هو في حسن استفهام أهل اللغة، ومن لا مذهب له في
~~العموم والخصوص يعرف.
# ويعد، فقد يحسن استفهام من لا يعرف مذهبه في هذا الباب، ويستحسن الناس
~~أيضا استفهام من يرونه يستفهم عن هذا الألفاظ، وإن لم يعرفوا شيئا مما ذكر
~~في السؤال.
# فإن قيل: هذا الطريقة تقتضي اشتراك جميع الألفاظ، لأنه يحسن ممن سمع
~~قائلا يقول: ضربت أبي، أو شتمت الأمير، أن يقول مستفهما أباك؟ الأمير؟ فيجب
~~بطلان الاختصاص في الألفاظ.
# قلنا: الاستفهام إنما يطلب به المعرفة وقد يرد بصورته ما ليس باستفهام
~~فقول القائل: أباك! الأمير! إنما هو استكبار واستعظام وليس باستفهام، ألا
~~ترى انه لا يحسن أن يقول أضربت PageV01P212
# أباك أم لم تضربه؟
# فإن قيل: فقد يستفهم من قال: (صمت شهرا)، و (له عندي عشرة)، عن كمال
~~الشهر، والعشرة، وكذلك إذا قال: (لقيت الأمير)، وجاءني فلان)، يحسن أن يقال
~~لقيت الأمير نفسه؟ أو جاءك فلان بنفسه؟
# قلنا: أما لفظة شهر، فإنها تقع على الثلاثين، وعلى التسعة وعشرين، وهو في
~~الشريعة والعرف اسم للامرين، فالاستفهام في موضعه، وقد أجرى قوم العشرة هذا
~~المجرى، وعولوا على قوله - سبحانه - (تلك عشرة كاملة) والأجود أن يقال: أن
~~أحدا لا يستحسن استفهام حكيم إذا أطلق قوله: (عندي عشرة) عن كمالها
~~ونقصانها.
# ومن قال لمن يسمعه يقول: (جاءني الأمير): أجاءك الأمير PageV01P213
# بنفسه! ليس بمستفهم، وإنما هو مستكبر مستعظم، كما تقدم، ولا يجوز أن يقال
~~في غير الأمير ومن جرى مجراه ذلك إلا على سبيل الاستفهام، دون التعجب
~~والاستكبار، والتأمل يكشف عن ذلك.
# ووجدت بعض من يشار إليه في أصول الفقه يطعن على هذا الدليل بأن الاستفهام
~~في ألفاظ العموم إنما حسن طلبا للعلم الضروري، أو لقوة الظن بالامارات.
# وهذا يقتضي حسن الاستفهام في كل كلام، وعن كل حقيقة، لعموم هذه العلة.
# وقد ms097 تعلق القائلون بالعموم بأشياء:
# أولها أن المستفهم لغيره بقوله: من عندك؟ * يحسن ان يجاب بذكر آحاد
~~العقلاء وجماعتهم، ولا عاقل إلا ويصح أن يكون مجيبا بذكره، ولا يصح أن
~~يجيبه بذكر البهائم، فلولا استغراق اللفظ، لما وجب هذا الحكم، ولجاز في بعض
~~الأحوال أن PageV01P214
# يكون الجواب عنها بذكر بعض العقلاء جاريا مجرى الجواب بذكر بعض البهائم.
~~وأكدوا هذه الطريقة بأن قالوا: إنما عدلوا عن الاستفهام عن كل شخص باللفظ
~~الموضوع له، حتى يقولوا: أزيد عندك؟ أفلان عندك؟ ويعدوا كل عاقل لاستطالة
~~ذلك، فاختصروا بالعدول إلى لفظة من، فيجب أن تقوم في الغرض مقام الاستفهام
~~عن كل عاقل باسمه، وقالوا في عموم لفظة ما مثل ذلك.
# وثانيها أن القائل إذا قال: (من دخل داري ضربته) حسن أن يستثني كل عاقل
~~من هذه الجملة، ومن شأن الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله
~~تحته بدلالة قبح استثناء البهائم من هذه الجملة، لما لم يجب دخولها فيه.
# وثالثها أن الاستغراق معنى معقول لأهل اللغة، ومما تدعوهم الدواعي إلى
~~الاخبار عنه، فلا بد أن يضعوا له عبارة تنبئ عنه، كما فعلوا ذلك في كل شئ
~~عقلوه من المعاني، ودعتهم الدواعي إلى الاخبار عنه، وإذا وجب ان يضعوا
~~عبارة، فلا شئ من الألفاظ بذلك PageV01P215
# أولى من الألفاظ التي نذهب إلى عمومها.
# ورابعها أن العموم قد أكد بتأكيد معين، وكذلك الخصوص، فكما اختلف
~~التأكيدان في وضع اللغة، لا بالقصد، فكذلك يجب في المؤكد.
# وخامسها أن لفظة من لا بد لها من حقيقة في وضع اللغة، وإذا لم يجز أن
~~تكون موضوعة لبعض من العقلاء معين أو غير معين، ولا لجميعهم على البدل، وجب
~~ان يكون الجميع على الاستغراق.
# وسادسها أنا قد علمنا أن كل من أراد أن يخبر عن الاستغراق لا بد له من
~~استعمال هذا الألفاظ التي نذهب إلى أنها مستغرقة، فيجب أن تكون موضوعة له،
~~لأنه لا مندوحة عنها، وجرى ذلك مجرى كل الحقائق التي يفزع فيها إلى
~~العبارات الموضوعة لها. PageV01P216
# والجواب ms098 عما. ذكروه أولا أنكم قد اقتصرتم في قاعدة هذه الشبهة على
~~الدعوى، ونحن لا نسلم لكم أن من استفهم بلفظة من ولم يعرف من قصد المخاطب
~~بعادة أو قرينة أنه أراد الشمول يحسن أن يجيبه بذكر كل عاقل وإنما يحسن أن
~~يجيبه بذلك إذا علم عموم استفهامه بطريق منفصل، فما الدليل على ما
~~ادعيتموه.
# والذي يوضح ما ذكرناه أنه يحسن إذا قيل له: (من عندك) أن يقول: أمن
~~النساء أو الرجال؟ ومن الأحرار أو العبيد؟ وكذلك إذا قيل له: ما أكلت؟
~~يقول: أمن الحلو أو الفاكهة؟ ومن كذا أو كذا؟ وهذا يدل على اشتراك اللفظ
~~بين العموم والخصوص.
# وأما قولهم: (جاز أن يكون ذكر بعض العقلاء كذكر بعض البهائم) فباطل، وذلك
~~أن لفظة من عندنا وإن لم تكن موضوعة لوجوب استغراق العقلاء، فهي تصلح لان
~~يقصد بها إلى PageV01P217
# الاستفهام عن جميعهم، كما يصلح أن يقصد بها إلى الاستفهام عن بعضهم، وهي
~~حقيقة في الامرين، ولا يصلح في وضع اللغة للاستفهام بها عن البهائم.
# وليس معنى قولنا أنها لا تصلح هو أن المتكلم لا يصح أن يقصد بها إلى ذلك،
~~فتكون عبارة عنه، لأنه لا لفظ من الألفاظ إلا ويمكن أن يقصد به إلى كل
~~معنى، فيكون عبارة عنه، وإن لم يصلح له، ومعنى قولنا انها لا تصلح أي لا
~~تكون حقيقة في ذلك متى قصد بها إليه، ويكون المتكلم بها عادلا عن مذهب أهل
~~اللغة.
# فأما عدولهم عن ألفاظ الاستفهام إلى لفظة من فلأنهم لا يبلغون بغيرها ما
~~يبلغون بها، وذلك أن الاستفهام بذكر كل واحد باسمه إما أن لا يمكن، أو
~~يطول، وليس في سائر الألفاظ ما يصلح أن يقصد به إلى الاستخبار عن سائر
~~العقلاء جمعا وافترقا. PageV01P218
# إلا لفظة من، فهذه مزية لها على غيرها ظاهرة.
# ومما يبطل ما ادعوه من قيامها مقام ذكر كل عاقل بعينه، أنه لو كان كذلك
~~لقبح من الاستفهام عند ذكر هذه اللفظة ما يقبح مع ذكر كل عاقل بعينه، وقد
~~علمنا حسن ms099 أحد الامرين وقبح الآخر.
# والجواب عما ذكروه ثانيا أن المعروف في الاستثناء من مذهب أهل اللغة خلاف
~~ما ادعيتم، وإنما يخرج الاستثناء عندهم ما جاز أو صح دخوله، دون ما وجب،
~~وإنما صح استثناء كل عاقل من قول القائل: من دخل داري أكرمته، لصحة دخوله
~~تحت هذه اللفظة، وصلاح هذه اللفظة للاشتمال على الكل، ولما لم تصلح ان
~~تشتمل على البهائم، لم يحسن استثنائها، لان استثناء ما لا يصح دخوله تحت
~~اللفظ ليس يحسن. PageV01P219
# فإن قالوا: الاستثناء من لفظ العموم كالاستثناء من ألفاظ الاعداد، فكما
~~أن الاستثناء من العدد يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله، فكذلك *
~~الاستثناء من لفظ العموم.
# قلنا: ليس بواجب أن يكون الاستثناء من الاعداد إذا كان يخرج ما لولاه
~~لوجب دخوله ان يكون جميع الاستثناء كذلك، وغير منكر أن يكون الاستثناء إنما
~~وضع لان يخرج ما لولاه لصح دخوله في الكلام، فإن أخرج في بعض المواضع ما
~~لولاه، لوجب دخوله، فلان فيما يجب دخوله الصحة وزيادة، وهذا كما يقول أهل
~~التوحيد أن الحي من صح أن يكون عالما و قادرا، فإذا عورضوا بالقديم -
~~سبحانه - قالوا: الوجوب يشتمل على الصحة ويزيد عليها.
# وقد كان الخالدي وجماعة ممن خالف في العموم سووا في الاستثناء بين ألفاظ
~~العموم والأعداد، والذي ذكرناه أولا PageV01P220
# أولى بالاعتماد عليه.
# فإن قالوا: هذا الذي ذهبتم إليه يؤدي إلى جواز وقوع الاستثناء في
~~النكرات، وقد علمنا فساده.
# قلنا: إن الاستثناء من النكرات ينقسم إلى استثناء معرفة من نكرة، وإلى
~~استثناء نكرة من نكرة: فأما استثناء المعرفة من النكرة، فلا شبهة في حسنه
~~وجوازه عند أهل العربية، لأنهم يقولون: ألق قوما إلا زيدا، واضرب جماعة إلا
~~عبد الله. فأما استثناء النكرة من النكرات فقد قال أبو بكر ابن السراج في
~~كتابه المعروف بالأصول في النحو: ولا يجوز أن يستثنى النكرة من النكرات في
~~الموجب، لأنه لا يجوز أن تقول جاءني قوم إلا رجلا، لان هذا فائدة فيه، قال:
~~فإن خصصته، أو نعته، جاز، فهذا تصريح ms100 بحسن الاستثناء من النكرة.
# ومما يبطل ما اعتمدوه في باب الاستثناء أن القائل إذا قال PageV01P221
# لغيره: ألق جماعة من العلماء، واقتل فرقة من الكفار، حسن أن يستثنى، كل
~~واحد من العلماء والكفار، فيقول: إلا فلانا، وإلا الفرقة الفلانية، ولا أحد
~~منهم إلا ويحسن أن يستثنى، فلو كان الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب
~~دخوله في اللفظ، لوجب ان يكون قولنا (فرقة) و (جماعة) مستغرقا لجميع الكفار
~~و العلماء، كما قالوا في لفظة من، وليس هذا قولهم، ولا قول أحد.
# وبعد، فإن أبا هاشم ومن ذهب مذهبه في أن ألفاظ الجنس والجموع.
# لا تستغرق، لا يستمر له دليل الاستثناء، لا حسن استثناء كل عاقل من
~~قولنا: جاءني الناس، واستثناء كل مشرك من قوله: اقتلوا المشركين، ظاهر، وإن
~~لم تكن هذه الألفاظ عنده مستغرقة كلفظة من وما، فما المانع من أن يكون
~~الاستثناء من لفظة من وما بهذه المنزلة.
# والجواب عما ذكروه ثالثا أن هذا منهم إثبات لغة بقياس واستدلال،
~~PageV01P222
# وذلك مما لا يجوز فيما طريقه اللغة.
# وبعد، فليس يخلو قولهم: لا بد ان يضعوا عبارة، من أن يريدوا أنه واجب
~~عليهم أن يفعلوا ذلك، أو لا بد أن يقع على سبيل القطع:
# فإن كان الأول، فمن أين لهم أنهم لا بد ان يفعلوا الواجب، ولا يخلوا به،
~~وليس في وجوب الشئ دلالة على وقوعه، إلا أن يتقدم العلم بأن من وجب عليه لا
~~يترك الواجب، وهذا مما لا يدعى على أهل اللغة. وإن أرادوا القسم الثاني،
~~فيجب أن يكون القوم ملجئين إلى وضع العبارات، وهذا بعيد ممن بلغ إليه، لأنه
~~لا وجه يلجئ، القوم إلى ذلك، لا سيما وهو متمكنون من إفهام ما عقلوه من
~~المعاني إذا قويت دواعيهم إلى إفهامها - بالإشارة على اختلاف أشكالها.
# وقد كان يجب أيضا أن يقطع على ثبوت لفظ الاستغراق في كل لغة، للعلة التي
~~ذكروها. PageV01P223
# وكان يجب أيضا في كل من عقل معنى من المعاني، وكان مما يجوز أن تدعوه
~~الدواعي إلى إفهامه، والعبارة ms101 عنه، أن يضع له عبارة، وأن يكون ملجأ إلى
~~وضعها، ومعلوم خلاف ذلك، لأنا نعلم أن المتكلمين الذين قد استدلوا، فعلموا
~~اختلاف الأكوان في الأماكن، والاعتمادات في الجهات والطعوم والأراييح، لم
~~يضعوا للمختلف من ذلك عبارات، وإن كانوا قد عرفوه، وميزوه، ولا يمكن أن
~~يقال فيهم ما يقال في أهل اللغة: أنهم إنما لم يضعوا لسائر ما عددناه، من
~~حيث لم يعرفوه، وإذا لم يضعوا ذلك، ثبت أن أهل اللغة غير ملجئين إلى وضع
~~الألفاظ لما عقلوه من المعاني، لان الالجاء لا يختلف فيمن تكامل له شروطه.
# وبعد، فإنا نصير إلى ما آثروه، ونقول: قد وضعوا للاستغراق عبارة تنبئ
~~عنه، إلا أنه من أين لهم أنها يجب أن تكون خاصة PageV01P224
# وغير مشتركة.
# فإن قالوا: لا بد أن يضعوا عبارة خاصة، كما فعلوه في كل ما عقلوه.
# قيل لهم: ومن أين لكم أنهم قد فعلوا ما ادعيتموه في كل ما عقلوه، ففيه
~~الخلاف، لأنا نذهب إلى أن ما عقلوه على ضربين:
# منه ما وضعوه له عبارة تخصه، ومنه ما وضعوا له عبارة مشتركة بينه و بين
~~غيره، وما فيه عبارة تخصه ينقسم، ففيه ما تخصه عبارة واحدة بلا مشاركة
~~لغيره في سواها، وفيه ما تخصه عبارات كذلك، وفيه ما يشارك * غيره في
~~عبارات، وان اختصه غيرها.
# على انا ما وجدناهم يفعلونه في بعض المعاني، وبعض الألفاظ لا يجب القياس
~~عليه، ولا القضاء بأنهم فاعلون لمثله في كل موضع، لأنا قد رأيناهم وضعوا
~~للمعنى الواحد عبارات كثيرة، وأسماء عدة ولم يجز PageV01P225
# لاحد ان يعلل ذلك فيقول: إنما فعلوه من حيث عقلوه فيجب أن يكون لجميع
~~المعاني عدة أسماء، وكذلك لا يجب ما قالوه.
# والجواب عما ذكروه رابعا أنا نقول بموجب اقتراحهم، لأنا نذهب إلى أن لفظ
~~العموم في نفسه مخالف للفظ الخصوص، ألا ترى أن لفظ العموم يتناول ما زاد
~~على الواحد، ويتعدى، ولفظ الخصوص لا يتعدى، لان لفظ العموم إن كان من وما
~~وما أشبههما، فهذا اللفظ عندنا يصلح لكل عدد ms102 من العقلاء، قليل، أو كثير،
~~ولجميعهم، فهو مخالف في نفسه للفظ الخصوص، وإن كان لفظ الجمع كقولنا
~~المسلمون، فهذا لفظ يجب تناوله لثلاثة، ونشك فيما زاد على الثلاثة، ويجوز
~~في الزيادة الكثرة والقلة، وأن تبلغ إلى الاستغراق والشمول، فقد فارق عندنا
~~لفظ العموم لفظ الخصوص، كما افترقا في التأكيد.
# والجواب عما ذكروه خامسا أنكم قد أخللتم في القسمة. PageV01P226
# بالقسم الصحيح، وهو أن يكون موضوعة لان يعبر بها عن كل العقلاء، وعن
~~بعضهم، وآحادهم، صلاحا لا وجوبا، وقول بعضهم عقيب هذه الطريقة: (وهذا إنما
~~يدل على أن هذه اللفظة تتناول الكل، فأما الذي يدل على وجوب استغراقها
~~فدليل الاستثناء و طريقة الاستفهام) من العجيب، لان الخلاف إنما هو في وجوب
~~الاستغراق، وتناول هذه اللفظة للكل على سبيل الاستغراق، فأما في الصلاح،
~~فلا خلاف فيه بيننا، فنحتاج إلى تكلف دلالة عليه. وهذا يدل على قلة تأمل
~~معتمدي هذه الطريقة.
# والجواب عما ذكروه سادسا أن الفزع عند العزم على العبارة عن العموم إلى
~~هذه الألفاظ إنما يدل على أنها موضوعة لهذا المعنى، و نحن نقول بذلك، ولا
~~نخالف فيه، فمن أين أنها موضوعة لذلك على سبيل الاختصاص به من غير مشاركة
~~فيه، فإن القدر الذي تعلقتم به لا يدل على ذلك. PageV01P227
# ثم نقول لهم: أما يجوز - على جهة التقرير - أن يضع أهل اللغة لفظة لمعنى
~~من المعاني لا عبارة عنه سواها، وتكون هذه اللفظة بعينها يحتمل أن تكون
~~عبارة عن غيره على سبيل الاشتراك.
# فإن قالوا: لا يجوز ذلك، طولبوا بالدلالة عليه، فإنهم لا يجدونها، وإن
~~أجازوه، انتقض اعتمادهم على الفزع في العموم إلى هذه العبارة، لأنه قد يمكن
~~أن يفزع إليها وإن لم تكن خاصة له، بل مشتركة بينه وبين غيره، إذا كان لم
~~يضعوا له عبارة سواها.
# وتحقيق الخلاف في ذلك بيننا وبينهم أن ألفاظ العموم يدعون أنها موضوعة
~~للاستغراق في اللغة مختصة به، إذا استعملت فيما دونه كانت مجازا، ونحن
~~نقول: أن هذه اللفظة تصلح في وضعهم للاستغراق وما دونه، ms103 وهي في الامرين
~~حقيقة، فمن تكلم بها وأراد العموم، كان متكلما بها على حقيقتها، وكذلك
~~PageV01P228
# إذا أراد الخصوص، فإنها حقيقة فيه، فكونها حقيقة في العموم لا نزاع فيه
~~وإنما الاختلاف في الاشتراك أو الاختصاص.
# فصل في ذكر أقل الجمع والخلاف فيه ذهب قوم إلى أن أقله اثنان، والصحيح أن
~~أقله ثلاثة.
# والذي يدل عليه أن أهل اللغة فصلوا بين الجمع والتثنية، كما فصلوا بينهما
~~وبين الوحدة، فكما تفارق التثنية الوحدة، كذلك تفارق التثنية الجمع.
# وأيضا فإن أهل اللغة فصلوا بين ضميريهما، والكناية عنهما، فيقولون:
~~(فعلا) في الاثنين، وفي الثلاثة (فعلوا)، وفي الاثنين (هما قاما)، فأما في
~~الثلاثة (هم قاموا)، وفي الامر للاثنين (افعلا) وللثلاثة (افعلوا)، وهذا
~~كله دليل على صحة ما قلناه، وقولنا PageV01P229
# (جمع) و (جميع) و (جماعة) واحد في أنه واقع على الثلاثة فصاعدا.
# وقد تعلق من خالفنا بأشياء:
# أولها أن لفظ الجمع مشتق من اجتماع الشئ إلى غيره، وهذا المعنى موجود في
~~الاثنين.
# وثانيها قوله - تعالى -: (وكنا لحكمهم شاهدين)، وهو يعني داود وسليمان،
~~وقوله - تعالى -: (إذا دخلوا على داود، ففزع منهم، قالوا: لا تخف، خصمان
~~بغى بعضنا على بعض،) في الخصمين.
# وقوله - تعالى - خطابا لامرأتين: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما).
# وثالثها قوله - عليه السلام -: (الاثنان فما فوقهما جماعة).
# ورابعها أن أحدنا يخبر عن نفسه، فيقول: فعلت كذا، وإذا أراد أن يخبر عن
~~نفسه، وآخر معه، يقول: فعلنا كذا، PageV01P230
# كما يقول ذلك مع الجماعة إذا شاركته.
# والجواب عن الأول أنا لا ننكر أن يكون أصل اشتقاق هذه اللفظة يقتضي ما
~~ذكروه، ولكنه اختص بالعرف بما ذكرناه، ولذلك نظائر، لان قولهم (دابة) اشتق
~~من الدبيب، ثم اختص بالعرف ببعض ما يدب، وقولنا (ملائكة) مشتق من الألوكة،
~~وهي الرسالة، واختص ببعض الرسل، وأمثال ذلك لا تحصى * والجواب عما ذكروه
~~ثانيا أنه - تعالى - كنى عن المتحاكمين مضافا إلى كنايته عن الحاكم عليهما،
~~فالمصدر قد يضيفه أهل اللغة إلى الفاعل والمفعول جميعا، وهذا من بليغ
~~الفصاحة.
# ومن أجاب عن هذا الوجه ms104 بأن العبارة بالجمع هيهنا كانت للتعظيم، كما قال -
~~تعالى -: (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) غلط، لان التعظيم على
~~عادة أهل اللغة إنما هو في إدخال المخاطب النون في كلامه، وما جرت عادتهم
~~بأن يخاطبوا PageV01P231
# واحدا بخطاب الجمع على سبيل التعظيم، لان الملك يقول:
# فعلنا، وقلنا، ولا يقال له: قلتم، وفعلتم، ولا يكنى عنه بفعلوا.
# ومن قال - أيضا -: (أنه أضاف الحكم إلى سائر الأنبياء المتقدمين لداود
~~وسليمان) مبطل، لأنه خلاف الظاهر، ولم تجر عادة باستعمال مثله، وهذا يقتضي
~~جواز أن يقول في اثنين : (قاموا) ويضيف إليهما غيرهما، والذي سبقنا إليه هو
~~المعول عليه، دون غيره.
# فأما قوله - تعالى -: فقد صغت قلوبكما، ففيه تصرف مليح فصيح، لأنا نعلم
~~أن القلب نفسه لا يصغى ولا يتعلق بغيره، وإنما المتعلق بغيره ما يحل فيه من
~~دواع، ومحبات، وإرادات، فحذف ذكر الحال فيه، وأقام المحل مقامه، وجمع المحل
~~الذي هو القلب، لما كان هو والحال جمعا، ومن عادتهم ذلك، PageV01P232
# لقرب الحال من محله، والمحل من الحال، ويجوز أن يكون شاهدا له قوله -
~~تعالى -: (واسأل القرية التي) و (جاء ربك) لإقامة المضاف إليه مقام المضاف.
# والجواب عما ذكروه ثالثا أن بيان النبي - عليه السلام - إنما يجب حمله
~~على الاحكام، دون وضع اللغة، لأنه - عليه السلام - لبيان أحكام الشرع بعث،
~~لا للتوقيف على اللغات.
# وقد قيل: إن المراد بذلك أن الاثنين في حكم صلاة الجماعة وفضلها
~~كالجماعة.
# وقيل: إنه ورد في إباحة السفر للاثنين، فإنهما في ذلك كالجماعة، لأنه قد
~~كان نهي عن أن يسافر الرجل وحده.
# والجواب عما ذكروه رابعا أن القائل من أهل اللغة: أن الانسان يخبر عن
~~نفسه وآخر معه بمثل ما يخبر به عن الجماعة هو الذي PageV01P233
# قال: أن الكناية عن الجماعة والضمير والخطاب بخلاف الواحد والتثنية، وقد
~~قال النحويون: أنه لا يمكن التثنية في إخبار الرجل عن نفسه وعن آخر معه،
~~كما يمكن التفرقة في المواجه والغائب، وما لا يمكن لا يجوز استعماله. والله
~~الموفق للصواب.
# فصل في بيان قولنا: ms105 (إن العموم مخصوص) اعلم أن معنى قولنا: (إن لفظ
~~العموم مخصوص) أن المتكلم به أراد بعض ما يصلح له هذا اللفظ، دون بعض، لأنه
~~إذا أطلق صلح لأشياء كثيرة على سبيل العموم لها، فإذا دل الدليل على أنه
~~أراد بعض ما وضعت هذه اللفظة لان تستعمل فيه على سبيل الصلاح، قيل: (إن
~~العموم مخصوص) ومخالفونا في العموم يذهبون إلى أن معنى قولهم: (إن العموم
~~مخصوص) أن المتكلم به أراد بعض ما وضع PageV01P234
# اللفظ لتناوله وجوبا، لا صلاحا، وقد بينا بطلان ذلك. وقد يقال على هذا
~~الوجه: إن فلانا خص العموم، بمعنى أنه علم من حاله ذلك بالدليل. وقد يقال -
~~أيضا -: خصه، إذا اعتقد فيه ذلك، وإن كان اعتقاده باطلا. ويقال: إن الله -
~~تعالى أو غيره خص العموم، بمعنى أنه أقام الدلالة على ذلك.
# وأما الفرق بين التخصيص والنسخ، فربما اشتبها على غير المحصل، فإنهما
~~يفترقان في حدهما، وأحكامهما:
# لان حد التخصيص هو ما بيناه من أن المخاطب بالكلمة أراد بعض ما تصلح له،
~~دون بعض، وأما حد النسخ فهو ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالخطاب زائل في
~~المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتا، مع تراخيه عنه، فاختلاف حديهما يوجب
~~اختلاف معنييهما.
# ومن حق التخصيص أن لا يصح إلا فيما يتناوله اللفظ، PageV01P235
# والنسخ قد يصبح فيما علم بالدليل أنه مراد، وإن لم يتناوله اللفظ.
# وأيضا، فإن النسخ يقتضي أن المخاطب أراد في حال الخطاب الفعل المنسوخ،
~~وإنما تغيرت حاله في المستقبل، والتخصيص يقتضي فيما يتناوله ألا يكون مرادا
~~في حال الخطاب.
# وأيضا، فإن التخصيص لا يدخل إلا على جملة، والنسخ يدخل على العين
~~الواحدة.
# وأيضا، فإن التخصيص في الشريعة يقع بأشياء لا يقع النسخ بها، والنسخ يقع
~~بأشياء لا يقع التخصيص بها، فالأول القياس وأخبار الآحاد عند من ذهب إلى
~~العبادة بهما، والثاني نسخ شريعة بأخرى وفعل بفعل، وإن كان التخصيص لا يصلح
~~في ذلك. PageV01P236
# فصل في أنه - تعالى - يجوز أن يخاطب بالعموم ويريد به الخصوص إعلم أنه لا ms106
~~شبهة في ذلك على مذهبنا في العموم، لأنا نذهب إلى أن ألفاظ العموم حقيقة في
~~العموم والخصوص معا، فمن أراد كل واحد من الامرين بها، فما خرج عن الحقيقة
~~إلى المجاز.
# وعلى مذهب من خالفنا وقال: أن هذه الألفاظ موضوعة للاستغراق دون غيره،
~~وأنها إذا استعملت في الخصوص *، كانت مجازا، فكلام واضح لان الله - تعالى -
~~قد يجوز أن يخاطب بالمجاز، كما يخاطب بالحقيقة، وفي القرآن من ضروب المجاز
~~ما لا يحصى.
# وأكثر ألفاظ القرآن التي ظاهرها العموم قد أريد بها الخصوص.
# غير أنه لا بد في الخطاب بالمجاز من وجه في المصلحة زائدا على وجهها في
~~الخطاب على جهة الحقيقة، ويمكن ان يكون PageV01P237
# الوجه في ذلك التعريض لزيادة الثواب، لان النظر في ذلك والتأمل له يشق،
~~ويستحق به زيادة الثواب، كما نقوله في حسن الخطاب بالمتشابه. ويجوز أن يعلم
~~أنه يؤمن عند ذلك ويطيع من لولاه لم يطع.
# ولا يجوز أن تتساوى الحقيقة والمجاز عند الحكيم في جميع الوجوه، ويكون
~~مخيرا في الخطاب بأيهما شاء، على ما ظنه بعض من تكلم في هذا الباب، لان
~~الخطاب بالمجاز عدول عن الحقيقة الموضوعة، وتعد إلى ما لم يوضع، وذلك لا
~~يكون إلا لغرض زائد. وربما يكون الكلام على وجه المجاز أفصح، وأبلغ، وأخصر،
~~فهذا وجه يجوز أن يكون مقصودا.
# فصل هل العموم إذا خص يكون مجازا أم لا اعلم أن هذا الفرع لا يتم على
~~مذهبنا، وإنما هو تفريع على أن للعموم صيغة مستغرقة متى استعملت في غيره
~~كانت مجازا، وقد PageV01P238
# يجوز أن يتكلم على هذا الفرع، ويبين الصحيح فيه من غيره، وقد ذهبنا إلى
~~أن عرف الشرع قد اقتضى حمل هذه الألفاظ على العموم والاستغراق.
# والقائلون بذلك اختلفوا على خمسة أقوال:
# أولها قول من ذهب إلى أنه يكون مجازا بأي دليل خص.
# وثانيها قول من نفى كونه مجازا بأي دليل خص.
# وثالثها قول من ذهب إلى أنه مجاز إلا أن يخص بدليل لفظي منفصل عنه أو
~~متصل.
# ورابعها قول من يجعله ms107 مجازا إلا أن يخص بقول منفصل.
# وخامسها قول من يقول أنه مجاز إلا أن يخص بشرط أو استثناء.
# وليس يمتنع أن يكون اللفظ - إذا دخله التخصيص بالاستثناء - PageV01P239
# غير مجاز، على تسليم أن لفظ العموم مستغرق وجوبا لا صلاحا، لان اللفظ إذا
~~تعقبه غيره تغيرت حاله في صورته، وليس يجري مجرى المخصصات المنفصلة، من
~~دليل عقلي، أو غيره، ألا ترى أن أكثر الكلام مركب مما إذا فصلنا بعضه من
~~بعض أفاد ما لا يفيده المركب، نحو قولنا: (سما) و (رمى) و (جرى) لان سما
~~يفيد العلو، ورمى يفيد الرمي المخصوص، وجرى يفيد الركض، ومع التركيب
~~والزيادة يفيد فائدة أخرى، ولا يقول أحد: أن ذلك مجاز في حال تركيبه، من
~~حيث وجد اللفظ الذي يفيد إذا إنفرد فائدة. لا يفيد مع التركيب تلك الفائدة،
~~وكذلك الاستثناء PageV01P240
# قد غير حكم الجملة في صورتها، فلا يجب أن تكون معه مجازا، وإن كانت مجازا
~~إذا تغير حكمها بدليل منفصل، لان الدليل المنفصل ما أثر في الصورة، وإنما
~~أثر في المعنى.
# ولا يجري ذلك - على ما ظنه بعضهم - مجرى قول القائل: (واسأل القرية،
~~وإنما أردت أهلها)، لان قوله: (أريد أهلها) دليل كالمنفصل لم يغير صورة
~~الكلام وصيغته، وذلك جار مجرى قوله: (واسأل القرية، وإنما أردت المجاز) في
~~أن الصيغة غير متغيرة به.
# وإن لم يكن هذا على ما ذكرناه، لزم عليه أن يكون الكلام كله مجازا، وأن
~~تكون الأمثلة التي أوردناها مجازا، وهذا حد لا يبلغه متأمل. PageV01P241
# فصل فيما يصير به العام خاصا اعمل أن اللفظ الموضوع لان يستعمل في
~~الاستغراق وفيما دونه إنما يصير خاصا وعبارة عن البعض دون الكل بقصد
~~المخاطب به، وكذلك متى كان عاما ومتناولا للكل إنما يصير كذلك لكون فاعله
~~مريدا لذلك وقاصدا إليه، فإذا قلنا: إن الدليل: إما العقلي، أو السمعي، خصص
~~اللفظ، فالمراد أنه دل على كونه مخصوصا، وعلى أن المخاطب به قصد إلى
~~التخصيص، فالدليل دال على القصد الذي هو المؤثر في الحقيقة.
# وكيف يجوز أن تكون الأدلة ms108 هي المؤثرة في تخصيص العام، وقد يتقدم ويكون من
~~فعل غير المخاطب، وإنما يؤثر في كلامه، فيقع على وجه دون آخر ما كان من
~~جهته. PageV01P242
# وقد يتجوز، فيقال في الدليل: إنه مخصص، والمعنى أنه دل ذلك على التخصيص،
~~وربما اشتبه ذلك على من لا يتأمله.
# باب ذكر جمل الأدلة التي يعلم بها خصوص العموم اعلم أن الأدلة الدالة على
~~التخصيص على ضربين بالكلام، ومنفصل عنه، والمتصل قد يكون استثناء، أو تقييد
~~بصفة. وقد ألحق قوم بذلك الشرط، وهذا غلط، لان الشرط لا يؤثر في زيادة ولا
~~نقصان، على ما كنا قدمناه، ولا يجري مجرى الاستثناء والتقييد بصفة.
# فأما المخصص المنفصل، فقد يكون دليلا عقليا وقد يكون سمعيا، فالسمعي
~~ينقسم إلى ما يوجب العلم وإلى ما يوجب الظن، PageV01P243
# كالقياس وأخبار الآحاد، وليس يخرج عن هذه الجملة شئ من المخصصات، وتفصيل
~~هذه الجملة يأتي بإذن الله - تعالى - ومشيته فصل في تخصيص العموم
~~بالاستثناء وأحكامه اعلم أن الاستثناء لا يؤثر في المستثنى منه حتى يتصل
~~به، ولا يكون منقطعا عنه، وذلك مما لا خلاف فيه بين المتكلمين والفقهاء وقد
~~حكي عن ابن عباس - رحمه الله - خلاف فيه.
# والذي يدل على ذلك أن كل مؤثر * في الكلام لا بد من إتصاله بما يؤثر فيه،
~~كالشرط والتقييد بصفة، فالاستثناء كذلك، يبين ما ذكرناه أنا لو سمعنا قائلا
~~يقول بعد تطاول سكوته: (إلا واحدا) لعددناه عابثا هاذيا، كما نعده كذلك،
~~إذا اشترط، أو قيد بعد انقضاء الكلام وتراخيه بمدة طويلة.
# وأيضا لو جاز ما ذكروه، لم يكن أحدنا حانثا في يمينه، لأنه PageV01P244
# يستثنى فيما بعد زمان، فتخرج يمينه من أن تكون منعقدة.
# ويجب على هذا القول ألا يوثق بوعد ولا وعيد، ولا يستقر أيضا حكم العقود
~~ولا الايقاعات من طلاق وغيره.
# فأما طول الكلام، فغير مانع من تأثير الاستثناء فيه، لأنه مع طوله متصل
~~غير منقطع، ولذلك ينقطع الكلام بانقطاع النفس وما يجري مجراه، ولا يخرجه من
~~أن يكون متصلا، وقد بينا أن الاستثناء يخرج من ms109 الكلام ما لولاه لصح دخوله،
~~وذكرنا الخلاف فيه، ودللنا على الصحيح منه.
# فأما استثناء الشئ من غير جنسه، فالأولى أن يكون مجازا ومعدولا به عن
~~الأصل، لان من حق الاستثناء أن يخرج من الكلام ما يتناوله اللفظ دون
~~المعنى، فإذا أخرج مالا يتناوله اللفظ، فيجب أن يكون مجازا، كاستثناء
~~الدرهم من الدنانير، وقول الشاعر: PageV01P245
# (وما بالربع من أحد إلا أوارى).
# وإنما جاز استثناء الدرهم من الدنانير على المعنى لا على اللفظ، لأنه لما
~~كان الغرض بالاقرار إثبات المال، وكان الدنانير كالدراهم في أنها مال، جاز
~~استثناؤها منها.
# والشاعر أراد ما بالربع من حال ولا ثاو به، فاستثنى الأواري على هذا
~~المعنى.
# فأما قوله - تعالى -: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس)، فإنما جاز
~~استثناؤه من الملائكة وإن لم يكن منهم، من حيث كان مأمورا بالسجود كما
~~أمروا به، فكأنه - تعالى - قال فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس.
# فأما قوله - تعالى -: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ)،
~~PageV01P246
# فالتأويل المعروف أن إلا هيهنا ليست استثناء، وإنما هي بمعنى لكن، فكأنه
~~- - تعالى - قال: لكن من قتله خطأ فحكمه كذا وكذا.
# وقد ذكر أبو هاشم على مذهبه وجها قريبا، وهو أن المراد أن مع كونه مؤمنا
~~يقع منه الخطأ، ولا يقع منه العمد.
# ويمكن وجه آخر، وهو أنه ليس له أن يقتل من يعلمه مؤمنا أو يظنه كذلك إلا
~~خطأ، بأن لا يحصل له أمارة ظن ولا طريقة علم. وقد جوز الفقهاء ذلك فيمن
~~يختلط بالكفار من المؤمنين إذا لم يتميز.
# واختلفوا في استثناء الأكثر مما يتناوله المستثنى منه، فمنع منه قوم،
~~والأكثر يجوزونه.
# والذي يدل على جواز ذلك أن استثناء الأكثر في المعنى المقصود كاستثناء
~~الأقل، فيجب جوازه.
# وأيضا فإن الاستثناء كالتخصيص في المعنى، فإذا جاز أن يخصص الأكثر، جاز
~~أن يستثنيه. PageV01P247
# وليس لاحد أن يلزم - على ذلك - جواز استثناء الكل، لان ذلك يخرجه من كونه
~~استثناء، لان من حقه أن يخرج بعض ما تناوله الكلام.
# وتعلق المخالف بأنه لم يجد أهل اللغة ms110 استثنوا الأكثر، غير صحيح، لأنه ليس
~~كل شئ لم يجدهم فعلوه لا يجوز فعله، ألا ترى أنا ما وجدناهم يستثنون النصف
~~وما قاربه، وإن كان جائزا بلا خلاف، وليس كل شئ هو الأحسن لا يجوز خلافه،
~~لان الأحسن عندهم تقديم الفاعل على المفعول، ثم لم يمنع ذلك من خلافه.
# فإن قيل: أفيدل دخول الاستثناء على الجملة على عموم اللفظ بعدما أخرجه.
# قلنا: قد ذهب قوم إلى ذلك، والصحيح أنه يبقى على ما كان عليه من
~~الاحتمال، وإنما تأثير الاستثناء إخراج ما تناوله، يوضح ذلك أن القائل إذا
~~قال: (ضربت غلماني إلا زيدا) يجوز له أن يقيم لنا أيضا دليلا على أنه ما
~~ضرب أيضا عمروا، فالاحتمال باق. PageV01P248
# فصل في أن الاستثناء المتصل بجمل هل يرجع إلى جميعها أو إلى ما يليه؟
# اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من ذهب إلى أن الاستثناء إذا تعقب
~~جملا يصح رجوعه إلى كل واحدة منها بانفراده، فالواجب أن يرجع إلى كل ما
~~تقدمه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الاستثناء
~~يرجع إلى ما يليه فقط.
# والذي أذهب إليه أن الاستثناء إذا تعقب جملا، وصح رجوعه إلى كل واحدة
~~منها لو انفردت، فالواجب تجويز رجوعه إلى جميع الجمل كما قال الشافعي،
~~وتجويز رجوعه إلى ما يليه على ما قال أبو حنيفة وألا يقطع على ذلك إلا
~~بدليل منفصل، أو عادة، أو أمارة، وفي الجملة لا يجوز القطع على ذلك لشئ
~~PageV01P249
# يرجع إلى اللفظ.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن القائل إذا قال لغيره:
# (اضرب غلماني، والق أصدقائي، إلا واحدا) يجوز أن يستفهمه المخاطب، هل
~~أراد استثناء الواحد من الجملتين، أو من جملة واحدة، والاستفهام لا يحسن
~~إلا مع احتمال اللفظ واشتراكه.
# دليل آخر: ومما يدل على ذلك أيضا أن الظاهر من استعمال اللفظة من معنيين
~~مختلفين من غير أن تقوم دلالة على أنها متجوز بها في أحدهما أنها حقيقة
~~فيهما، وقد بينا صحة هذه الطريقة فيما سلف من هذا ms111 الكتاب *، ولا خلاف في
~~وجودنا في القرآن واستعمال أهل العربية استثناء تعقب جملتين عاد إليهما
~~تارة، وعاد إلى أحدهما أخرى، وإنما يدعي أصحاب أبي حنيفة أنه إذا عاد
~~إليهما فلدلالة دلت، وأصحاب الشافعي يدعون أنه إذا اختص بالجملة التي تليه
~~فلدلالة، وهذا من الجماعة اعتراف PageV01P250
# بأنه مستعمل في الامرين، وإذا كان الامر على ما ذكرناه، فيجب أن يكون
~~تعقب الاستثناء الجملتين محتملا لرجوعه إلى الأقرب كما أنه محتمل لعمومه
~~للامرين وحقيقة في كل واحد منهما، فلا يجوز القطع على أحد الامرين إلا
~~بدلالة منفصلة.
# دليل آخر: ويدل أيضا على ذلك أنه لا بد في الاستثناء المتعقب لجملتين من
~~أن يكون إما راجعا إليهما معا، أو إلى ما يليه منهما، لأنه من المحال ألا
~~يكون راجعا إلى شئ منهما، وقد نظرنا في كل شئ يعتمده من قطع على رجوعه
~~إليهما، فلم نجد فيه دلالة على وجوب ما ادعاه على ما سنبينه من بعد إنشاء
~~الله - تعالى - ونظرنا أيضا فيما يتعلق به من قطع على عوده إلى الأقرب إليه
~~من الجملتين من غير تجاوز لها، فلم نجد فيه ما يوجب القطع على اختصاصه
~~بالجملة التي تليه، دون ما تقدمها، فوجب مع عدم ما يوجب القطع على كل واحد
~~من الامرين أن نقف بينهما PageV01P251
# ولا نقطع بشئ منهما إلا بدلالة.
# دليل آخر: وهو أن القائل إذا قال: (ضربت غلماني، وأكرمت جيراني، وأخرجت
~~زكوتي قائما) أو قال (صباحا) أو (مساء) أو (في مكان كذا)، احتمل ما عقب
~~بذكره من الحال، أو ظرف الزمان أو ظرف المكان، أن يكون العامل فيه والمتعلق
~~به جميع ما عدده من الافعال، كما يحتمل أن يكون المتعلق به ما هو أقرب
~~إليه، وليس لسامع ذلك أن يقطع على أن العامل فيما عقب بذكره الكل ولا
~~البعض، إلا بدليل غير الظاهر فكذلك يجب في الاستثناء، والجامع بين الامرين
~~أن كل واحد من الاستثناء والحال والظروف الزمانية والمكانية فضلة في الكلام
~~يأتي بعد تمامه واستقلاله، وليس لاحد أن يرتكب أن الواجب ms112 فيما ذكرناه القطع
~~على أن العامل فيه جميع الأفعال المتقدمة، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك،
~~لان هذا من مرتكبه مكابرة، ودفع للمتعارف، ولا PageV01P252
# فرق بين من حمل نفسه عليه، وبين من قال: بل الواجب القطع على أن الفعل
~~الذي تعقبه الحال أو الظرف هو العامل، دون ما تقدمه، وإنما يعلم في بعض
~~المواضع أن الكل عامل بدليل.
# وقد استدل أبو حنيفة وأصحابه بأشياء:
# أولها أن الاستثناء إنما وجب تعليقه بما تقدمه، من حيث لم يكن مستقلا
~~بنفسه، ولو استقل بنفسه، لما علق بغيره، ومتى علقناه بما يليه، استقل،
~~وأفاد، فلا معنى لتعليقه بما بعد عنه، لأنه لو جاز مع إفادته واستقلاله أن
~~يعلق بغيره، لوجب فيه - لو كان مستقلا بنفسه - أن يعلقه بغيره.
# وثانيها أن من حق العموم المطلق أن يحمل على عمومه وظاهره إلا لضرورة
~~تقتضي خلاف ذلك، ولما خصصنا الجملة التي يليها الاستثناء بالضرورة، لم يجز
~~تخصيص غيرها، ولا ضرورة.
# وثالثها أنه لا خلاف في أن الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه دون
~~ما تقدمه، لان القائل إذا قال: (ضربت غلماني إلا ثلاثة، PageV01P253
# إلا واحدا)، فإن الواحد المستثنى يرجع إلى الجملة التي تليه، دون ما
~~تقدمه، فكذلك كل استثناء تعقب جملا.
# والكلام على الطريقة الأولى أن أكثر ما تقتضيه هذه الطريقة أنه لا يجب
~~تعدية الاستثناء وقد استقل بالرجوع إلى ما يليه إلى ما تقدم من الجمل،
~~وهكذا نقول: أن ذلك غير واجب، وإنما يتوجه هذا الكلام إلى أصحاب الشافعي،
~~لأنهم يوجبون رجوع الاستثناء إلى جميع ما تقدمه من الجمل، فأما من وقف في
~~ذلك، وجوز عوده إلى الجميع، كما جوز اختصاصه بما يليه، فلا يلزمه هذا
~~الكلام. وهذه الطريقة توجب على أبي حنيفة ألا يقطع بالظاهر من غير دليل على
~~أن الاستثناء ما تعلق بما تقدم، ويقتضي أن يتوقف في ذلك، كما نذهب نحن
~~إليه، لأنه بنى دليله على أن الاستقلال يقتضي ألا يجب تعليقه بغيره، وهذا
~~صحيح، PageV01P254
# غير أنه وإن لم يجب، فهو ms113 جائز، فمن أين قطع على أن هذا الجائز الذي ليس
~~بواجب لم يرده المتكلم، وليس فيما اقتصر عليه دلالة على ذلك.
# وقوله: (لو جاز ذلك لجاز في الاستثناء - إذا كان مستقلا بنفسه أن يعلقه
~~بغيره) باطل، لان ما يستقل بنفسه ولا تعلق له بغيره جائزا ولا واجبا لا
~~يجوز أن يعلقه بغيره، والاستثناء المتعقب لجملتين غير مستقل بنفسه،
~~فبالضرورة تعلقه بما يليه حتى يستقل، غير أنه وإن استقل بذلك، فمن الجائز
~~أن يتعلق بما تقدمها، وإن لم يكن ذلك واجبا، ففارق الاستثناء المفتقر إلى
~~غيره ما يستقل من الكلام بنفسه ولا يحتاج إلى سواه.
# وهذا الكلام ينتقض على من تعلق به بالشرط، لان الشرط تقدم، أو تأخر، متى
~~علقناه ببعض الجمل، أفاد، واستقل، وعندهم PageV01P255
# كلهم أنه يجب أن يعلق بالجميع مع حصول الاستقلال، وهذا نقص ظاهر.
# ويقال لهم على الطريقة الثانية: إنا أولا نسلم أن لفظ العموم.
# يجب حمله بظاهره على الاستغراق * إلا لضرورة، لأنا قد بينا في هذا الكتاب
~~أن هذه الألفاظ مشتركة محتملة، ولا يجب حملها على كل ما تصلح له الا بدليل،
~~فليس من الواجب - إذا خصصنا الجملة التي يليها الاستثناء للضرورة، وطلبا
~~لاستقلال الكلام - أن نقطع على أن الجملة الأولى عامة لا محالة، بل هي على
~~احتمالها قبل تعقب الاستثناء. فإن دل دليل على أن هذا الاستثناء مخصص لها،
~~قلنا بذلك، وإلا، فالتوقف هو الواجب.
# وهذه الطريقة تتوجه إلى أصحاب الشافعي، لأنهم يوجبون استغراق ألفاظ
~~العموم، وإذا لم تدع الضرورة إلى تعليق الاستثناء بالجملة الأولى كما دعت
~~فيما يليه، فيجب حملها على ظاهرها من العموم. PageV01P256
# وبعد، فهذه الطريقة تنتقض أيضا بالشرط على ما قدمنا ذكره.
# فأما الكلام على الطريقة الثالثة، فإن الاستثناء من الاستثناء إنما وجب
~~رجوعه إلى ما يليه، دون ما تقدمه، لأنا متى ما علقناه بالامرين، لغا وسقطت
~~الفائدة فيه، لان القائل إذا قال: (لك عندي عشرة دراهم إلا درهمين) لو لم
~~يستثن بعد ذلك، لفهمنا إقراره بثمانية، فإذا قال عقيب ذلك: (إلا درهما) ms114
~~استفدنا أنه أقر بتسعة، فلو رجع الدرهم المستثنى إلى العشرة كما رجع إلى
~~الدرهمين، لكان وجوده كعدمه، ولم يفدنا إلا استفدناه بقوله: (لك عندي عشرة
~~إلا درهمين) وهو الثمانية من غير زيادة عليها أو نقصان منها، لأنا إذا
~~جعلنا قوله: (إلا درهما) يرجع إلى العشرة صار كأنه قال: (لك عندي عشرة إلا
~~ثلاثة)، لان الدرهم المستثنى إذا انضاف إلى الدرهمين المستثنين، كانت
~~ثلاثة، وإذا أنقصنا الدرهم من الثلاثة، بقيت ثمانية، فعاد PageV01P257
# الامر إلى أن الاقرار بثمانية، وهو المفهوم من قوله: (لك عندي عشرة إلا
~~درهمين) وصار استثناء الدرهم الثاني لغوا غير مفيد، وإذا جعلناه راجعا إلى
~~ما يليه، دون ما تقدمه، أفاد، لأنه يصير مقرا بتسعة،، فلهذه العلة لم يعلق
~~الاستثناء الداخل على الاستثناء بجميع ما تقدمه، وليس هذا المعنى فيما
~~اختلفنا فيه.
# ووجدت بعض من تكلم في أصول الفقه من الموجودين المحققين يقول: رجوع
~~الاستثناء الداخل على الاستثناء إلى جميع ما تقدم متعذر، لان قول القائل:
~~(إلا ثلاثة إلا واحدا) لو رجع إليهما، لا نقلب الواحد وصار اثنين.
# وقال - أيضا -: إن الاستثناء الثاني لو رجع إليهما، لصار نفيا وإثباتا،
~~وذلك مستحيل، لان الاستثناء من الاثبات نفي، ومن النفي إثبات.
# فيقال له: لفظ الواحد ومعناه لا يبطل إذا علق بجمل متغايرة، ألا ترى أن
~~القائل إذا قال: (قد أعطيتك من كل PageV01P258
# عشرة واحدا) فربما اجتمع بهذا القول العدد الكثير، وإن كان لفظ الواحد
~~ومعناه لم يتغير، لان الواحد من كل عشرة هو واحد على الحقيقة، وإن كان
~~يتكثر بانضمام غيره إليه، فكذلك الواحد المعلق بكل واحدة من الجملتين واحد
~~في الحقيقة ما بطل لفظه ولا معناه.
# وقوله: (أن ذلك يتناقض من حيث النفي والاثبات) غير صحيح، لأن النفي إنما
~~يناقض الاثبات إذا تقابلا، وتعلقا جميعا بالشئ الواحد، على وجه واحد، فأما
~~النفي من جملة، فليس بمناقض للاثبات في الأخرى، وإن كان الاستثناء - كما
~~قال - من الاثبات نفيا، ومن النفي إثباتا، إلا أن التنافي زائل مع تغاير
~~الجملتين، فبان أن المانع ms115 من ذلك هو ما ذكرناه، دون غيره.
# وقد تعلق الشافعي وأصحابه بأشياء:
# أولها أن الشرط قد ثبت أنه متى تعقب جملا كثيرة عاد إليها كلها، ولم
~~ينفرد بما قرب منه، فكذلك الاستثناء، والجامع بينهما أن كل واحد منهما لا
~~يستقل بنفسه، ويفتقر في استقلاله PageV01P259
# وفائدته إلى غيره.
# ولأن كل واحد منهما يقتضي ضربا من التخصيص، لان الاستثناء يخصص الأعيان،
~~ويخرجها مما تناوله ظاهر الكلام، كقولك: (ضربت القوم إلا زيدا) والشرط يخصص
~~الأحوال، كقولك: (اعطه درهما إن دخل الدار)، والامر بالعطية مع الاطلاق
~~يقتضيها على كل حال، فإذا شرط، تخصصت بحال معينة.
# وأيضا فمعناهما واحد، لان قوله - تعالى في آية القذف:
# (إلا من تاب) جار مجرى قوله: وأولئك هم الفاسقون إن لم يتوبوا.
# وثانيها أن حرف العطف يصير الجمل المعطوف بعضها على بعض في حكم الجملة
~~الواحدة، لأنه لا فرق بين ان تقول: رأيت زيد بن عبد الله، ورأيت زيد بن
~~عمرو وهما جملتان، وبين أن تقول: رأيت الزيدين، وإذا كان الاستثناء الواقع
~~عقيب الجملة الواحدة راجعا إليها لا محالة، فكذلك ما صار بحرف العطف
~~كالجملة الواحدة. PageV01P260
# وثالثها أنه قد ثبت بلا خلاف أن الاستثناء بمشية الله - تعالى - إذا تعقب
~~جملا، عاد إلى جميعها، فكذلك الاستثناء بغير المشية، والجامع بينهما أن كل
~~واحد منهما استثناء، وغير مستقل بنفسه.
# ورابعها أنا قد علمنا أن الاستثناء إذا تعقب جملا يصح أن يعود إلى كل
~~واحد منها، فليس هو بأن يعود إلى بعض أولى من بعض، فيجب عوده إلى الجميع،
~~كما أن ألفاظ العموم * لما لم تكن بتناول بعض أولى من بعض، تناولت الجميع.
# وخامسها أن طريقة العرب الاختصار وحذف فضول الكلام ما استطاعوا، فمتى
~~أوردوا استثناء عقيب جمل كثيرة من الكلام، فكأنهم ذكروه عقيب كل واحدة،
~~وإنما حملهم الاختصار على العدول عن ذكره عقيب كل جملة، ألا ترى أنه -
~~تعالى - لو PageV01P261
# قال: (فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا
~~إلا الذين تابوا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) لكان ms116 تطويلا، فأقام
~~مقام ذلك ذكر التوبة مرة واحدة عقيب الجمل كلها.
# وسادسها أن لواحق الكلام وتوابعه من شرط أو استثناء يجب أن يلحق الكلام
~~ما دام الفراغ لم يقع منه، وما دام الكلام متصلا لم ينقطع، فاللواحق لاحقة
~~ومؤثرة فيه، فالاستثناء إذا تعقب جملا متصلة معطوفا بعضها على بعض، فالواجب
~~أن يؤثر في جميعها.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إنا لا نسلم لكم ما ادعيتموه، من أن
~~الشرط متى تعقب جملا كثيرة، عاد إلى جميعها، بل نقول في الشرط مثل ما نقوله
~~في الاستثناء: من أنه متى تعقب جملا، احتمل الكلام عوده إلى كل ما تقدم،
~~كما يحتمل عوده إلى ما يليه، وإنما يقطع على أحد الامرين بدليل.
# فإن قيل: هذا دفع لعرف اللغة.
# قلنا: ما يعرف للعرب الذين قولهم في هذا حجة في الشرط PageV01P262
# والاستثناء ما يقطع به على أحد هذين المذهبين اللذين وقع الخلاف فيهما،
~~ومن صنف كتب النحو إنما هم مستقرءون لكلام العرب، ومستدلون على أغراضهم،
~~فربما أصابوا، وربما أخطأوا، وحكمهم في ذلك كحكمنا. على أن قولهم في هذا
~~يختلف، ولم يحققوه كما حققه المتكلمون منا في أصول الفقه.
# وأصحاب أبي حنيفة يفرقون بين الاستثناء والشرط، ويقولون : أن الشرط له
~~صدر الكلام، فإذا تعقب الجمل، فهو واقع في غير موضعه، وكأنه مذكور في أول
~~الكلام، فلهذا تعلق بالجميع، والاستثناء إذا تعقب الجمل، فهو مكانه.
# وهذا ليس بمرضي، لأنه لو قيل لهم: فإذا كان الشرط متأخرا كأنه متقدم، لم
~~يجب تعلقه بالجميع، وهو لو تقدم على الجمل في اللفظ لا في المعنى، لم يجب
~~ذلك فيه على ما بيناه ولم يجدوا حجة. PageV01P263
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: كيف تصير الجملتان أو الجمل كالجملة
~~الواحدة لأجل العطف، ومعلوم أن الجملتين إذا تعقبهما استثناء صح من
~~المستثنى أن يصرح بأنه إنما استثنى من أحديهما دون الأخرى، ولا يجوز في
~~الجملة الواحدة أن يصرح بأن الاستثناء غير عائد إليها.
# وبعد، فما معنى قولكم: إن الجملتين قد صارتا كالواحدة، أتريدون ms117 أن جميع
~~أحكام هذه قد صارت للأخرى، أم تريدون أنهما قد اشتركا في حكم ما، فإن أردتم
~~الأول، فسد بما لا يحصى، لان أحكام الجمل وصفاتها قد تختلف مع عطف بعضها
~~على بعض، ألا ترى أن القائل إذا قال: (أكرمت القوم، وضربت الغلمان) فعطف
~~جملة على أخرى، فإن أحكام الجملتين مختلفة، لان الأولى تقتضي وقوع الاكرام،
~~والثانية تقتضي وقوع الضرب، وهما مختلفتان، وغير ممتنع أن تكون صفات
~~PageV01P264
# المكرمين تخالف صفات المضروبين من وجوه شتى، وإنما العطف يقتضي الجمع
~~بينهما في بعض الأحكام، فإذا قال: (ضربت زيدا وعمروا)، فالعطف سوى بينهما
~~في الضرب، وإذا قال: (ضربت زيدا، وأكرمت عمروا)، فالتسوية بينهما من حيث
~~أوقع بكل واحد منهما حدثا من جهة فأما ساير الأحكام، فلا تسوية بينهما فيها
~~فلا يجب إذا أن يستويا في رجوع الاستثناء إليهما.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن ذكر مشية الله عقيب الجمل ليس
~~باستثناء ولا شرط، لأنه لو كان استثناء، لكان فيه بعض حروف الاستثناء، ولا
~~حرف هيهنا من حروفه. ولو كان شرطا على الحقيقة، وان كان فيه لفظ الشرط -
~~لما صح دخوله على الماضي، وقد تذكر المشية في الماضي، فيقول القائل: لقيت
~~زيدا، وأكلت البارحة كذا، ثم يقول: إنشاء الله، وإنما دخلت المشية في كل
~~هذه PageV01P265
# المواضع، ليقف الكلام عن النفوذ والمضي، لا لغير ذلك.
# فإذا قيل لنا: فلم إذا تعقبت المشية جملتين أو جملا، اقتضت وقوف حكم
~~الجميع، وألا أجزتم تعلقها بما يليها، دون غيره.
# قلنا: ذلك كان ممكنا لولا الدليل، وقد أجمعت الأمة على أن حكم الجميع
~~يقف، فلم يرد حكم المشية إلى الجميع إلا بدليل، وما نأبى أن يرجع الاستثناء
~~أو الشرط إلى جميع الجمل بدليل، وإنما نأبى القطع على ذلك بالظاهر من غير
~~دليل.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: إن صحة عود الاستثناء إلى كل واحد من
~~الجمل لا يقتضي القطع على عوده إليها بأسرها، وإنما يقتضي التجويز لذلك
~~والشك فيه، فرقا بين ما يصح عوده إليه وبين ما ms118 لا يصح ذلك فيه. والعموم عند
~~من قال: أن لفظه بظاهره يتناول الجميع، لم يقل فيه بذلك لصحة التناول، بل
~~PageV01P266
# لان اللفظ موضوع للشمول والاستغراق وجوبا.
# وهذه الطريقة تنتقض بأن قول القائل: (رأيت رجلا) يصح أن يريد بالرجل
~~زيدا، وعمروا، وكل من يصح تناول هذا الاسم له، ومع ذلك فلا يقطع من حيث
~~الصحة على أنه قد أراد الجميع، وكذلك إذا قال: (ضربت رجالا) يصح أن يريد
~~السودان، والبيضان، والطوال، والقصار، ومع ذلك غير واجب القطع على أنه قد
~~أراد كل من صلح هذا * اللفظ له.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إن طريقة العرب الاختصار كما ذكرتم،
~~ومتى أرادوا الاستثناء من كل جملة من الجمل المعطوف بعضها على بعض،
~~واعتمدوا الاختصار، أخروا ذكر الاستثناء في أواخر الجمل هربا من التطويل
~~بذكره عقيب كل جملة وجرى ذكره في أواخر الجمل مجرى ذكره عقيب كل جملة،
~~ودلوا PageV01P267
# على أنهم قد أرادوا عوده إلى كل واحدة، لأنهم كما يريدون الاستثناء من كل
~~جملة فيختصرون بذكر ما يدل على مرادهم، كذلك قد لا يريدون الاستثناء من كل
~~جملة، بل من جملة واحدة، فلا بد من مراعاة الدلالة، حتى يحكم بالاختصار،
~~ولا يجب الحكم بالاختصار تبخيتا وتخمينا.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: إن الكلام إذا كان الفراغ لم يقع منه،
~~وكان المتكلم متشاغلا به، صح أن تعود إليه اللواحق المؤثرة من شرط،
~~واستثناء، ومشية، فاما القطع على وجوب تعلقها بجميعه، فإن كان منفصلا
~~وبعيدا عن محل المؤثر، فغير مسلم. وإما راعوا اتصال الكلام وانقطاعه لينفصل
~~حكم ما يصح أن يلحق بالكلام مما لا يصح لحوقه للفراغ والانفصال. ولو كان
~~بهذا الذي اقتصر عليه اعتبار، لوجب إذا PageV01P268
# قال القائل: (أكرمت جيراني، وضربت غلماني الطوال) أن يرد لفظة الطوال إلى
~~الجملتين، لان الفراغ ما حصل من الكلام، كما يفعل في الاستثناء.
# فإذا قيل: لو رددناه إلى ما تقدم، لكنا قد فصلنا بين الصفة والموصوف.
# قلنا: قد فعل ذلك في مواضع، وكذلك لو رددنا الاستثناء إلى ms119 الجميع، لكنا
~~قد فصلنا بين الاستثناء والمستثنى منه، وكل ذلك مكروه عندهم مذموم.
# فإن قيل: فعل ما اخترتموه من المذهب في الاستثناء كيف قولكم في الآية
~~التي أحوجت الفقهاء إلى الكلم في هذه المسألة، وهي قوله - تعالى -: (والذين
~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا
~~لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك، وأصلحوا،
~~فإن الله غفور رحيم) وهل الاستثناء بالتوبة عائد إلى PageV01P269
# جميع الجمل، ومؤثر فيها، أو هو مختص بما يليه.
# قلنا: إن القاذف عندنا إذا تاب وكذب نفسه في القذف تقبل شهادته، وهذا
~~إنما قلناه بدليل هو غير ظاهر الاستثناء، لأنا قد بينا أن تعقب الاستثناء
~~للجمل لا يجب القطع على عوده إليها أجمع إلا بدلالة، وقد أجمعت الامامية
~~على الحكم الذي ذكرناه في الآية، وإجماعهم حجة، على ما دللنا عليه في غير
~~موضع، ولو لم يثبت ذلك وثبت أن إجماع المؤمنين حجة بالآيات، أو بغيرها على
~~ما يذهب إليه مخالفونا، لكان إجماع الإمامية هو الحجة، لان الحق فيهم،
~~والمؤمنون هم، ولما أجمعوا على أن الاستثناء بالتوبة يزيل اسم الفسق، وهذا
~~لا خلاف بين أحد فيه، وأجمعوا أيضا على أنه يفيد حكم قبول الشهادة، قلنا
~~به، ولما لم يجمعوا على أن التوبة تزيل الحد، وتسقطه، لم PageV01P270
# نجعل الاستثناء راجعا إلى إقامة الحد خاصة.
# ومما يمكن الاستدلال به على قبول شهادة القاذف بعد توبته - لا من جهة
~~الاجماع الذي أشرنا إليه - كل ظاهر في القرآن يقتضي قبول الشهادة الشاهدين
~~العدلين، مثل قوله - تعالى -: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) وقوله - تعالى
~~-: (ممن ترضون من الشهداء) وكل هذا يتناول القاذف بعد توبته، وإذا تناوله،
~~صار هذا العموم بظاهره دليلا على أن اشتراط التوبة وإن كان متأخرا فهو عائد
~~إلى قبول الشهادة، لأنا قد بينا أن استثناء التوبة في آخر الكلام يقتضي
~~وجوب تعليقه بما يليه، ويجب التوقف عن رجوعه إلى ما يصح عوده إليه من الجمل
~~المتقدمة إلا بدليل، فظاهر الآيات التي تلوناها ms120 يقتضي قبول شهادة القاذف
~~بعد التوبة لتناول الظاهر له، فيقطع بذلك على عود الاستثناء إليه، لا من
~~حيث الظاهر. PageV01P271
# ويمكن أيضا أن يستدل على أن الاستثناء راجع، إلى قبول الشهادة بقوله -
~~تعالى -: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك، وأصلحوا) ومعلوم أن التوبة كافية في
~~إسقاط حكم الفسق، وأن إصلاح العمل ليس بشرط في ذلك، وهو شرط في قبول
~~الشهادة، فيجب أن يعود الاستثناء أيضا إلى قبول الشهادة.
# فإن قيل: قوله - تعالى -: (فإن الله غفور رحيم) لا يليق إلا بإسقاط عقاب
~~الفسق، دون قبول الشهادة.
# قلنا: وصفه - تعالى - بالغفران والرحمة مما يستحقه جل اسمه على كل حال،
~~ولا يحتاج فيه إلى مطابقة بعض ما يتعقبه من الكلام.
# على أن الرحمة هي النعمة، والله - تعالى - منعم بالامر بقبول شهادة
~~التائب من القذف بعد أن كانت مردودة، والغفران في الأصل مأخوذ من الغفر
~~الذي هو الستر، ومنه المغفر، لأنه ساتر، وإنما سمي الاسقاط للعقاب غفرانا،
~~من حيث كان الساتر PageV01P272
# للشئ المخفي له كأنه مزيل له، وماح لرسمه، والله - تعالى - إذا أمرنا
~~بقبول شهادة التائب من القذف، فقد أسقط ما كان تعبد به قبل التوبة من رد
~~شهادته، وأزاله، وهذا كله بين.
# فصل في تخصيص العموم بالشرط اعلم أن الشرط وإن لم يكن مؤثرا في نقصان عدد
~~المشروط كالاستثناء، وبذلك فصلنا. بينهما فيما تقدم، فإنه يخصص المشروط من
~~وجه آخر، لأنه إذا قال *: (اضرب القوم، إن دخلوا الدار) فالشرط لا يؤثر في
~~تقليل عدد القوم، وإنما يخصص الضرب بهذا الحال، لأنه لو أطلق لتناول الامر
~~بالضرب على كل حال، فتخصص بالشرط، ومن أمثلته قوله - تعالى -:
# (فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيدا طيبا) وقوله - جل اسمه -: PageV01P273
# (فمن لم يستطع، فإطعام ستين مسكينا).
# ولا فصل في الحكم الذي ذكرناه بين تقدم الشرط في صدر الكلام وبين تأخره.
# ولا يمتنع أن يشترط الشئ بشروط كثيرة، كما لا يمتنع أن يكون الشرط الواحد
~~شرطا في أشياء كثيرة. وكلما زيد في الشرط، زاد التخصيص.
# ومن حق الشرط أن يكون مستقبلا، ms121 وكذلك المشروط.
# والغاية تجري في هذا المعنى مجرى الشرط. وقوله - تعالى -:
# (ولا تقربوهن حتى يطهرن) معناه إلى أن، يطهرن، فإن طهرن فاقربوهن. وكذلك
~~قوله - تعالى -: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). PageV01P274
# فصل في المطلق والمقيد اعلم أن التقييد هو مثل قوله - تعالى -: (فتحرير
~~رقبة مؤمنة) وقوله - تعالى -: (فصيام شهرين متتابعين) فإذا ولي هذا التقيد
~~جملة واحدة، فلا شبهة في تغير حكمها. والخلاف فيه متى ولي جملتين، في رجوعه
~~إليهما - إذا صح ذلك فيه - أو رجوعه إلى ما يليه، كالخلاف في الاستثناء،
~~وقد تقدم مشروحا.
# ولا خلاف في أن الحكم المقيد إذا خالف الحكم المطلق، ولم يكن من جنسه،
~~فإن التقييد لا يتعدى إلى المطلق. وإنما اختلف فيما قيد وأطلق، والجنس
~~واحد، كالكفارات، لأنه تعالى أطلق الرقبة في كفارة الظهار، وقيدها في كفارة
~~القتل، فقال قوم: أن المطلق يصير مقيدا للظاهر، لا للدليل، وقال
~~PageV01P275
# قوم: يقيد بالدليل، والقياس، وقال آخرون: لا يصيح تقييده بالقياس، من حيث
~~يتضمن الزيادة، والزيادة في النص نسخ.
# والدليل على أن المطلق لا يقيد لأجل تقييد غيره أن كل كلام له حكم نفسه،
~~ولا يجوز أن يتعدى إليه حكم غيره، ولو جاز تقييد المطلق لأجل تقييد غيره،
~~لوجب أن يخص العام لتخصيص غيره، ويشترط المطلق على هذا الوجه، وهذا يبطل
~~الثقة بشئ من الكلام.
# واحتجاجهم بأن القرآن كالكلمة الواحدة، يبطل بالاستثناء والتخصيص.
# وقولهم: (الشهادة لما أطلقت في موضع، وقيدت في آخر، حكمنا بتقييدها في كل
~~موضع) يبطل بأن العدالة معتبرة في كل موضع، وإنما اشترطت لدليل هو غير ظاهر
~~تقييدها PageV01P276
# في بعض المواضع.
# فأما من يجعل القياس دليلا وطريقا إلى إثبات الاحكام، فليس له أن يمتنع
~~من تقييد الرقبة بدليل القياس، إن اقتضى ذلك، وإن كان زيادة، وليس في
~~الحقيقة زيادة، لان تقييد الرقبة بالايمان يقتضي أن المجزي أقل مما كان
~~يجزي، وهذا في المعنى تخصيص، لا زيادة، ولا معتبر بزيادة اللفظ، لان كل
~~تخصيص بدليل شرعي لا بد من كونه زيادة في اللفظ.
# فصل في ms122 ذكر مخصصات العموم المنفصلات الموجة للعلم اعلم أن تخصيص العموم
~~بكل دليل أوجب العلم من عقل وكتاب وسنة مقطوع عليها وإجماع لا شبهة فيه،
~~ولا خلاف من محقق في مثله، لان الدليل القاطع إذا دل على ضد حكم العام
~~PageV01P277
# لم يجز تناقض الأدلة، فلا بد من سلامة الدليلين، ولا يسلمان إلا بتخصيص
~~ظاهر العموم.
# فإن قيل: لم كنتم بأن تخصوا العموم بدليل العقل أولى ممن خص دليل العقل
~~بالعموم.
# قلنا: دليل العقل لا يدخله الاحتمال والحقيقة والمجاز، والعموم يصح فيه
~~كل ذلك، فلهذا خصصنا العموم بالعقل.
# فإن قيل: دليل العقل يجب تقدمه على العموم، فكيف يخص به، ولو جاز تخصيصه
~~به، لجاز نسخه.
# قلنا: دليل العقل ليس بمخصص على الحقيقة، وإنما هو دال على المخصص،
~~والمؤثر في الحقيقة هو قصد المخاطب، والدليل يجوز تقديمه على المدلول، لأنه
~~ليس بمؤثر.
# على أن دليل العقل كما يتقدم، فهو مصاحب، فلو كان مؤثرا، لكان مصاحبا.
# وأما النسخ بدليل العقل، فغير ممتنع في المعنى، لان سقوط PageV01P278
# فرض القيام في الصلاة بالزمانة كسقوطه بالنهي، فمعنى النسخ حاصل، وإن لم
~~يطلق الاسم.
# وأما تخصيص الكتاب بالكتاب، فلا شبهة في جوازه، ومن خالف في ذلك من أهل
~~الظاهر وسمى التخصيص بيانا إنما هو مخالف في العبارة.
# وأما تخصيصه بالسنة، فلا خلاف فيه، وقد وقع كثير منه، لأنه - تعالى -
~~قال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) وخصص عموم هذا الظاهر
~~قوله - عليه السلام -: (لا يرث القاتل ولا يتوارث أهل ملتين).
# وجملة القول في هذا الباب أن كل شئ هو حجة في نفسه لا بد من تخصيص العموم
~~به، وإنما الخلاف في عبارة، أو في وقوع ذلك، ولا حاجة بنا إلى ذكر الوقوع
~~في هذا الموضع.
# وأما تخصيصه بالاجماع، فصحيح لان الاجماع عندنا PageV01P279
# لا يكون إلا حجة، لما سنذكره في باب الاجماع بمشية الله تعالى والخلاف
~~بيننا وبين أصحاب الاجماع إنما هو في التعليل والدليل.
# فصل في التخصيص بأخبار الآحاد اختلف العاملون في الشريعة بأخبار الآحاد
~~في ms123 تخصيص عموم الكتاب بها، فمنهم من أبى أن يخص بها على كل حال، ومنهم من
~~جوز تخصيصه بأخبار الآحاد إذا دخله التخصيص بغيرها، ومنهم من راعى سلامة
~~اللفظة في كونها حقيقة، ولم يوجب التخصيص بخبر الواحد مع سلامة الحقيقة،
~~وأجازه إذا لم تكن سالمة *، وإنما تسلم الحقيقة عنده إذا كان تخصيصه بكلام
~~متصل به، ومنه من يجيز تخصيص العموم باخبار الآحاد على كل حال بغير قسمة.
# والذي نذهب إليه أن أخبار الآحاد لا يجوز تخصيص العموم بها على كل حال،
~~وقد كان جائزا أن يتعبد الله - تعالى - بذلك، PageV01P280
# فيكون واجبا، غير أنه ما تعبدنا به.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن الناس بين قائلين، ذاهب إلى وجوب
~~العمل بخبر الواحد في الشريعة، وناف لذلك، وكل من نفى وجوب العمل بها في
~~الشرع نفى التخصيص بها، وليس في الأمة من جمع بين نفي العمل بها في غير
~~التخصيص وبين القول بجواز التخصيص، فالقول بذلك يدفعه الاجماع، وسندل بمشية
~~الله - تعالى - إذا انتهينا إلى الكلام في الاخبار على أن الله - تعالى -
~~ما تعبدنا بالعمل باخبار الآحاد في الشرع، فبطل التخصيص بها لما ذكرناه،
~~ولا شبهة في أن تخصيص العموم بأخبار الآحاد فرع على القول بالعمل بأخبار
~~الآحاد.
# على أنا لو سلمنا أن العمل بها لا على وجه التخصيص واجب قد ورد الشرع به،
~~لم يكن في ذلك دلالة على جواز التخصيص بها، لان إثبات العبادة بالعمل في
~~موضع لا يقتضي تجاوزه إلى غيره، PageV01P281
# ألا ترى أنه لم ينسخوا بها وإن علموا بها في غير النسخ، وكذلك يجوز ثبوت
~~العمل بها في غير التخصيص وإن لم يثبت التخصيص، لاختلاف الموضعين لان خبر
~~الواحد ليس بحجة من جهة العقل، وإنما كان حجة عند من ذهب إلى ذلك بالشرع،
~~فغير ممتنع الاختصاص في ذلك.
# واعلم أن شبهة من أحال التعبد بالعمل بخبر الواحد في تخصيص أو غيره التي
~~عليها المدار ومنها يتفرع جميع الشبه أن العموم طريقه العلم، فلا يجوز ان
~~يخص بما ms124 طريق إثباته غالب الظن، والذي يفسد أصل هذه الشبهة أن التعبد إذا
~~ورد بقبول خبر الواحد في تخصيص أو غيره، فطريق هذه العبادة العلم، دون
~~الظن، فإنما خصصنا معلوما بمعلوم، وأدلة العقول شاهدة بذلك، وسنشبع هذا في
~~الكلام على نفي جواز العبادة PageV01P282
# بخبر الواحد عقلا عند الانتهاء إليه بعون الله.
# وبعد، فلا خلاف بين الفقهاء في جواز الرجوع إلى أخبار الآحاد في الاسم
~~العام، فما الذي يمنع من الرجوع إليها في الحكم المعلق بالاسم، ألا ترى أنا
~~عند الاختلاف نثبت الأسماء بالرجوع إلى أهل اللغة، فما الذي يمنع من الرجوع
~~إلى الآحاد في تخصيص الاحكام.
# وأما من جوز التخصيص بأخبار الآحاد بشرط دخول التخصيص قبل ذلك، أو بشرط
~~سلامة الحقيقة، فشبهته في ذلك أن التخصيص يصير اللفظ مجازا، وقد بينا أن
~~الامر بخلاف ذلك.
# فصل في تخصيص العموم بالقياس اعلم أن هذا الفصل نظير الذي تقدمه، والخلاف
~~في تخصيص العموم بالقياس إنما هو فرع من فروع القائلين بأن العبادة قد وردت
~~PageV01P283
# بالقياس في الشريعة، ومن دفع جواز القياس في شئ من الشريعة لا شغل له
~~بهذا الفرع، وإذا دللنا على أن العبادة لم ترد بالقياس في حكم من أحكام
~~الشريعة، بطل القول بأنه مخصص بالاجماع، على ما قلناه في أخبار الآحاد.
# وقد اختلف مثبتوا القياس في هذه المسألة، فذهب أبو علي الجبائي وجماعة من
~~الفقهاء إلى أنه لا يخصص العموم به، وهو قول أبي هاشم الأول، ومنهم من قال:
~~يخص بالقياس الجلي، دون القياس الخفي، وهو مذهب كثير من أصحاب الشافعي،
~~ومنهم من قال: يخص به إذا دخله التخصيص، ومنهم من جوز تخصيصه بالقياس على
~~كل حال، وهو مذهب أكثر الفقهاء، ومذهب أبي هاشم الأخير.
# وقد ذكرنا طريقتنا في نفي التخصيص بأخبار الآحاد، وهي الطريقة في نفي
~~التخصيص بالقياس. PageV01P284
# ويمكن - إذا سلمنا أن العبادة قد وردت به في غير التخصيص - أن نسلك مثل
~~الطريقة التي سلكناها في نفي تخصيصه بأخبار الآحاد، فنقول: قد علمتم أن
~~القياس ليس بحجة في نفسه ms125 بدليل العقل، وإنما يثبت كونه حجة بالسمع، فمن أين
~~إذا كان في غير التخصيص حجة أنه كذلك في التخصيص.
# وأما دعواهم أن الأمة إنما حجبت الام بالأختين فما زاد بالقياس، وذلك
~~أبلغ من التخصيص، وأن العبد كالأمة في تنصيف الحد، فباطلة لأنا لا نسلم
~~ذلك، ولا دليل على صحته، وإنما المعول في ذلك على إجماع الأمة، دون القياس،
~~ومن منع من القياس من حيث أوجب الظن، والعموم طريقه العلم، قد بينا الكلام
~~عليه في التخصيص بأخبار الآحاد، وقلنا: دليل العبادة بالقياس يقتضي العلم،
~~فما خصصنا معلوما إلا بمعلوم، ولا اعتبار بطريق هذا العلم، كان ظنا أو
~~غيره. PageV01P285
# ومن أقوى ما احتج به من نفي تخصيص العموم بالقياس أنه لا خلاف بين مثبتيه
~~في أن الشرط في استعماله الضرورة إليه، وسلامته من أن تكون الظواهر دافعة
~~له، وهذا الشرط يمنع من تخصيص الكتاب والسنة المعلومة المقطوع عليها به.
# ووجدت بعض من خالف في ذلك يقدح في هذه الطريقة، بأن يقول: إذا خصصنا
~~العموم بالقياس، فقد استعملناه فيما لا نص فيه يخالفه، وإنما يدفع النص
~~القياس إذا كان المراد بذلك النص معلوما، فأما ما يتناول اللفظ في الظاهر
~~لا يكون دافعا، فإن أردتم الأول، فهو مسلم، ولا يمنع من التخصيص بالقياس،
~~وإن أردتم الثاني، فغير مسلم، وهو موضع * الخلاف.
# وهذا ليس بصحيح، لان مراد الله - تعالى - إنما يعلم بخطابه، فإذا كان
~~ظاهر خطابه ينافي القياس، فقد زال الشرط في صحة PageV01P286
# القياس، فكيف السبيل إلى العلم بمراده إلا من جهة خطابه.
# وبعد، فمعلوم بغير شبهة ان للقياس في تخصيص العموم شرطا ليس هو للدليل
~~العقلي، ولا للسنة المقطوع عليها، وقد بينا أنا نترك ظاهر الكتاب ونخص
~~عمومه بدليل العقل، والسنة المعلومة، والاجماع، فيجب مع هبوط درجة القياس
~~عنها الا ندع به ظاهر العموم، وأن نكتفي في الدفع له بتناول ظاهر الكتاب
~~بخلاف موجبه، حتى يكون القياس بخلاف الأدلة القاطعة.
# وليس يمكن أن يدعوا أن الفرق بين القياس وغيره من الأدلة القاطعة أن
~~القياس ms126 لا يستعمل مع العلم بأن مراد الله - تعالى - بخطابه خلافه.
# قلنا: ولا شئ من الأدلة يستعمل مع ذلك. PageV01P287
# فإن قيل ما عدا القياس من الأدلة يمنع من أن يعلم من مراد الله خلافها،
~~لان ذلك يقتضي تعارض الأدلة وتناقضها، وهذا جائز في القياس.
# قلنا: هذا صحيح غير أنه فرق بين القياس وغيره في غير الموضع الذي حققناه،
~~لان الاتفاق إنما حصل في أن شرط التخصيص بالقياس يخالف شرط التخصيص بغيره،
~~فإن لم يكن الامر على ما ذكرناه من أن ظاهر تناول لفظ العموم يمنع من
~~القياس، ولا يمنع من سائر الأدلة، فلا مزية بين الكل، ويجب التساوي، ومعلوم
~~خلافه.
# فصل في تخصيص العموم بأقوال الصحابة اعلم أنه لا خلاف في أن كل ما هو حجة
~~في نفسه يصح تخصيص PageV01P288
# العموم به، وإجماع الصحابة حجة، فيجب التخصيص به. ونحن وإن كنا نخالفهم
~~في تعليل كون ذلك حجة، أو في دليله، فالحكم لا خلاف فيه بيننا.
# فأما قول بعضهم، ففي الناس من يذهب إلى أنه إذا ظهر، وانتشر، ولم يقع فيه
~~خلاف، جرى مجرى الاجماع، فيخص بذلك، كما يخص بالاجماع. وفيهم من يقول:
~~امساكهم عن الخلاف لا يدل على الوفاق، فلا يجعله إجماعا، ولا يخصص به.
# وتحقيق ذلك يأتي فيما بعد بمشية الله تعالى.
# وأما نحن، فنذهب إلى أن في الصحابة من قوله بانفراده حجة، وهو أمير
~~المؤمنين عليه السلام، لقيام الدليل على عصمته، وقد دللنا على ذلك في كتب
~~الامامية، وليس هذا موضع ذكره، فقوله - عليه السلام - منفردا يخص به العموم
~~لا محالة. PageV01P289
# فصل فيما ألحق بالعموم وهو خارج منه إعلم أن العموم من أحكام الألفاظ،
~~فما ليس بلفظ لا يصح ادعاء العموم فيه، وإذا كان الفعل غير متعد في نفسه،
~~ولا يتعلق بسواه، فكيف يصح ادعاء العموم فيه، والعموم كيفية في التعلق،
~~والكيفية في التعلق فرع على حصول التعلق. وهذه الجملة تغني عن تفريع هذا
~~الباب وتشعيبه، والكلام على تفصيل المسائل، لكنا نذكر طرفا من ذلك ينتفع
~~به.
# إذا روي ms127 عنه - عليه السلام - أنه قضى بالشاهد واليمين، فليس بواجب أن
~~يكون منه - عليه السلام - في ذلك قول، فنحمله على عمومه، لان الحكم لا
~~يفتقر إلى قول عام في هذا الباب. PageV01P290
# وفعله - عليه السلام - لا يخلو من وجهين: إما أن يكون الوجه الذي وقع
~~عليه غير معلوم، نحو أن يأخذ - عليه السلام - من يد رجل ملكا من غير أن
~~يعلم جهة أخذه بعينها، فيكون ذلك مجملا. أو أن يعلم الوجه، مثل ان يقضي
~~بالشاهد واليمين، وهذا حكم في عين لا يجب تعينها، ولا تخطيها. ولولا أن
~~الدليل قد دل على تساوي كل المدعين والمدعي عليهم في هذا الحكم، لما عدينا
~~هذا الحكم إلى غير موضعه. وكذلك لا يجوز أن يحتج فيمن أفطر في شهر رمضان -
~~بأي وجه كان فطره، - بما روي: أن رجلا أفطر في شهر رمضان، فأمره - عليه
~~السلام - بالكفارة، لان ذلك - كما قلناه - قضية في عين لا يجب عمومها.
# فإن قيل: فما قولكم في جوابه - عليه السلام - عن سؤال PageV01P291
# سائل له هل يكون عاما أو خاصا.
# قلنا: إذا سئل - عليه السلام - عن حكم المفطر فلا يخلو جوابه عن ثلاثة
~~أقسام: إما أن يكون عام اللفظ، نحو أن يقول:
# (كل مفطر فعليه الكفارة). والقسم الثاني أن يكون الجواب في المعنى عاما،
~~نحو أن يسأل - عليه السلام - عن رجل أفطر، فيدع الاستكشاف عما به أفطر،
~~ويقول - عليه السلام -: (عليه الكفارة) فكأنه قال (من أفطر، فعليه
~~الكفارة). والقسم الثالث ان يكون السؤال خاصا، والجواب مثله، فيحل محل
~~الفعل.
# وعلى هذا لا يصح أن يحتج في الجمع بين الصلاتين بما روي عنه - عليه
~~السلام - أنه جمع بين الصلاتين في السفر، لان ذلك ليس بعام، وإنما يدل على
~~أنه - عليه السلام - جمع، وليس بمتناول لموضع الخلاف. PageV01P292
# فأما الرواية الواردة بأنه - عليه السلام - كان يجمع بين الصلاتين في
~~السفر، وأن هذا اللفظ يقتضي التكرار، فيدخل موضع الخلاف فيه، فغير صحيح،
~~لأنه وإن اقتضى التكرار بالعرف، فلا يدل على أن التكرار قد دخل فيه موضع
~~الخلاف ms128 بعينه، وإنما يدل على تكرار الجمع، ويجوز أن يتكرر جمع مخصوص لا
~~خلاف فيه، مثل الجمع * بين الصلاتين بعرفة وغيرها.
# ومن الناس من فرق بين أن يروى عنه - عليه السلام - أنه قضى بكذا، وبين أن
~~يروى أنه قضى أن كذا فيه كذا، وادعى أن الأول يفيد الفعل، والثاني يقتضي
~~القول. و في الناس من سوى بين الامرين. والأقرب الفرق، فإن التعارف في
~~الثاني يقتضي أن يكون ذلك قولا، إلا أنه من أين يفيد العموم، والراوي ليس
~~بحاك لفظ النبي - عليه السلام - بعينه، وإنما يحكى معناه، والحجة هي لفظ
~~النبي - ص ع - لا لفظ الحاكي. PageV01P293
# وأما تعليله - عليه السلام - الحكم في عين، كقوله - عليه السلام - في
~~الهر: (إنها من الطوافين عليكم، والطوافات)، فهذا التعليل إنما يصح ان
~~يتعدى موضعه، بأن يتعبد الله - تعالى - بالقياس، وأما قبل العبادة به،
~~فالصحيح ما ذكرناه، ويوافق على هذا الموضع المحصلون من أصحاب القياس. ومثله
~~(الزعيم غارم) لان فيه معنى التعليل والإشارة إليه.
# فأما روايتهم: (أنه - عليه السلام - سها فسجد)، فهو محتمل للتعليل، كأنه
~~قال: (فسجد لأجل سهوه)، ويحتمل أن يكون ذلك خبرا محضا عن أن السجود تعقب
~~السهو، لا من حيث كان جبرانا له، ويحتمل أيضا أن يكون المراد به أنه سجد
~~ساهيا، فالظاهر لا يعلم به أن السجود سببه السهو، وإنما يعلم ذلك بالدليل.
~~PageV01P294
# فصل في تمييز ما يصح دخول التخصيص فيه مما لا يصح اعلم أن التخصيص إنما
~~يصح دخوله - على جهة الحقيقة - فيما هو عموم على جهة الحقيقة، فأما ما ليس
~~بعام حقيقة من حيث كان لفظه لا يتناول أشياء كثيرة، فالتخصيص لا يصح فيه.
~~وهذا القسم على ضربين: أحدهما ما هو من جهة دليل اللفظ ومعناه يتناول
~~أعيانا، فمعنى التخصيص يصح فيه، كما أن معنى العموم ثابت فيه.
# والقسم الاخر يتناول أشياء كثيرة، لا بظاهر اللفظ، ولا بدليله، لكن من
~~جهة القياس، فمن أجاز تخصيص العلة الشرعية، أجازه، ومن منع تخصيص العلة
~~الشرعية، منعه. PageV01P295
# فصل في تخصيص الاجماع اعلم أن الاجماع ms129 إذا كان على قول عام، نظرنا، فإن
~~علمنا قصدهم فيه باضطرار لم يدخله التخصيص، وإن لم نعلم قصدهم به ساغ
~~التخصيص. وهكذا في عموم كلامه - عليه السلام - إن التخصيص إنما يسوغ فيه
~~إذا لم نعلم قصده. وهذا الشرط متعذر في خطابه تعالى، فلاوجه لذكره. فأما
~~إذا كان إجماعهم على فعل، أو رضي بفعل، فلا تخصيص فيه على الحقيقة، وإنما
~~يصح دخول معنى التخصيص فيه متى علم بالدليل أن حكم غيره فيه كحكمه.
~~PageV01P296
# فصل في الغاية التي يبلغ تخصيص العموم إليها اعلم أنه لا غاية إلا ويجوز
~~أن يبلغ تخصيص ما ظاهره العموم إليها، غير أن ألفاظ الجمع كالمشركين
~~والرجال متى بلغ التخصيص فيها إلى أقل من ثلاثة، كان اللفظ مجازا، وإذا بلغ
~~ثلاثة، كان اللفظ حقيقة، كما يكون فيما زاد. وليس كذلك لفظة من فيما يعقل،
~~وما فيما لا يعقل، لان التخصيص إذا بلغ في هاتين اللفظتين إلى الواحد، لم
~~يخرج الكلام من كونه حقيقة.
# وقد حكي عن أبي بكر القفال الخلاف في ذلك، وأنه كان يذهب إلى أن لفظة من
~~يجوز ان يبلغ التخصيص فيها إلي الواحد، ولا يجوز في ألفاظ الجمع أن ينتهي
~~التخصيص إلى الواحد. PageV01P297
# وهذا منه تحجر طريف، وإذا كان البلوغ عنده في (من) إلى الواحد يجعل اللفظ
~~مجازا، فألا جاز في ألفاظ الجمع مثل ذلك؟!. وإذا كان - أيضا - التخصيص في
~~ألفاظ الجمع إلى أن ينتهي إلى ثلاثة يجعل القول مجازا عنده، لأنه يقتضي
~~الاستغراق على مذهبه، فأي تخصيص عرض فيه، اقتضى كونه مجازا، فأي فرق في
~~بلوغ التخصيص بين ما نقص عن ثلاثة وبين ما زاد عليها؟!.
# فصل في أن الاستثناء والشرط إذا تعلقا ببعض ما دخل تحت العموم لا يجب
~~الحكم بأن ذلك هو المراد بالعموم اعلم أن من المتكلمين في أصول الفقه من
~~ذهب إلى أن الشرط إذا تعقب عموما، وكان الشرط يتعلق ببعض ذلك العموم، فإنه
~~غير واجب أن يحمل العموم على أن المراد به بعض ما تناوله PageV01P298
# لفظه، بل يحمل على ms130 ظاهر عمومه، وضربوا لذلك مثلا، من قوله - تعالى -: (لا
~~جناح عليكم إن طلقتم النساء) إلى قوله - تعالى -: (وإن طلقتموهن من قبل أن
~~تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم، إلا أن يعفون، أو يعفو الذي
~~بيده عقدة النكاح) ومعلوم أن العفو لا يصح من كل مطلقة، وإنما يصح من
~~البالغات الكاملات، وهن بعض من تقدم ذكره، و - مع هذا - القول الأول على
~~عمومه وذكروا مثالا آخر، وهو قوله - تعالى -: (يا أيها النبي إذا طلقتم
~~النساء) فإنه عام في جميع المطلقات، وإن تعقبه ما يقتضي الاختصاص، من قوله
~~- تعالى -:
# (فإذا بلغن أجلهن، فأمسكوهن بمعروف، أو فارقوهن بمعروف) وذلك لا يتأتى
~~إلا في الرجعية.
# والذي نقوله في هذا الباب: أن الشرط الخاص إذا تعقب عموما، فجائز أن
~~يتعلق ببعض ما تناوله العموم، ويكون اللفظ الأول على عمومه، وجائز ان يكون
~~المخاطب بالعموم إنما أراد به PageV01P299
# بعض ما تناوله اللفظ، وهو الذي تعلق الشرط به، ومع الاحتمال للامرين لابد
~~من دليل يعلم به أيهما وقع.
# والذي يبين ما ذكرناه أن القائل إذا قال: (اضرب الرجال إلا من افتدى ضربك
~~له بماله) وإن شئت: (اضرب الرجال إن لم يفتدوا ضربك بمالهم) حتى يكون قد
~~أثبت بحرف الشرط * وإن كان المثال الأول فيه معنى الشرط، وهذا شرط خاص لا
~~يليق بجميع الرجال، لان لفظ الرجال يدخل فيه الحر والعبد، والعبد لا يملك،
~~فالشرط الذي تعقب الكلام مخصوص لا يتعلق إلا بالاحرار ولا يجب أن يقطع على
~~أن المخاطب بذلك أراد بقوله (الرجال) الأحرار والعبيد، وإن خص بالشرط
~~الأحرار، كما لا يجب أن يقطع على أنه أراد باللفظ الأول الأحرار، دون
~~العبيد، بل ذلك موقوف على الدلالة، ومع فقدها لا يجب القطع على أحد
~~الامرين. PageV01P300
# يوضح ما ذكرناه أن في كل واحد من الامرين مجاز أو عدولا عن الظاهر، ألا
~~ترى أنا إذا حملنا لفظة الرجال على الأحرار دون غيرهم، كان مجازا، وإذا
~~حملناها على العموم، وحملنا الشرط على بعض ما دخل تحتها، كان ذلك ms131 أيضا
~~مجازا وعدولا عن الظاهر من وجه آخر، لان تقدير الكلام إلا أن يفتدي بعضهم
~~بماله ضربك، والظاهر يقتضي أن المفتدي هو المأمور بأن تضربه.
# والكلام في الآية يجري على مثل ذلك، لان قوله - تعالى - : (وإن طلقتموهن
~~من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم، إلا أن يعفون) متى
~~حملنا الشرط على بعض المطلقات، صار تقدير الكلام إلا أن يعفو بعضهن، وظاهر
~~الكلام يقتضي أن العفو يقع من جميع المطلقات، فبان أن القول محتمل للامرين،
~~وما في كل واحد منهما إلا ضرب من المجاز والعدول عن الظاهر. PageV01P301
# فان قيل: فان الأمة كلها انما عملت في كل مطلقة طلقت قبل الدخول بها بان
~~لها نصف المهر من هذه الآية، فهي عامة في المطلقات، وان اختص الشرط.
# قلنا: ان كانت الأمة قد أجمعت على ذلك، فاجماعها دليل يثبت به أحد
~~المحتملين، وقد قلنا: ان الخطاب محتمل للامرين معا.
# على أن الأمة انما أجمعت في كل مطلقة طلقت قبل الدخول بان لها نصف المهر،
~~واجماعها على هذا الحكم حجة، وان لم يكن مستفادا من عموم الآية، فمن أين
~~رجوعهم في عموم هذا الحكم إلى عموم لفظ الآية؟
# فاما المثال الثاني من قوله - تعالى -: (إذا طلقتم النساء)، وانه عام في
~~المطلقات كلهن، وان اختص الشرط الذي هو قوله - تعالى -: (فإذا بلغن أجلهن
~~فأمسكوهن بمعروف، PageV01P302
# أو فارقوهن بمعروف) فإنه لا يليق إلا بالرجعية، فالكلام في هذه الآية
~~كالكلام في التي قبلها، فلا معنى لإعادته.
# وذهب من أشرنا إليه - أيضا - إلى أن الجملتين إذا عطف إحديهما على
~~الأخرى، فخصوص إحديهما لا يقتضي خصوص الأخرى، مثل قوله - تعالى -:
~~(والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) إلى قوله - تعالى -: (وبعولتهن أحق
~~بردهن) فالجملة الثانية خاصة، لأنها لا تليق الا بالرجعية، والأولى عامة في
~~كل مطلقة، والشبهة في ذلك أن كل جملة لها حكم نفسها، ولا يتعدى إليها
~~التخصيص من غيرها.
# والصحيح أن يجري الكلام في هذه الآية مجرى ما تقدم، ونقول: إن قوله -
~~تعالى -: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) ms132 يحتمل أن يريد به الرجعيات، ليطابق
~~الجملة الثانية، ويحتمل أن يريد به العموم، ويكون تقدير الكلام وبعولة
~~بعضهن PageV01P303
# أحق بردهن، لان في كلا الامرين وجها من المجاز والعدول عن الظاهر، فلا بد
~~من دليل يقتضي القطع على أحد الامرين. وإنما كان يترجح حمل الأول على عمومه
~~لو لم يكن في الثاني تجوز وعدول عن الظاهر، فلا بد من دليل يقتضي القطع على
~~أحد الامرين.
# ويكون لكل جملة حكم نفسها إذا لم يتعلق كل واحدة بالأخرى هذا التعلق، مثل
~~أن يقول القائل: (ضربت القوم، وأكرمت العلماء) فأما إذا قال بعد ذكر
~~المطلقات: (وبعولتهن) فالظاهر يقتضي أن الكناية عائدة إلى كل من تقدم ذكره،
~~والصفة تكشف عما قلناه، فإن القائل إذا قال: (اضرب الرجال السودان) فهذه
~~الصفة تعود إلى جميع الرجال، ولا يجوز أن يحمل محصل الصفة بالسودان على
~~أنها لبعض الرجال المضروبين، وأن لفظ الرجال على عمومه، لأنه لا فرق بين أن
~~يقول: (اضرب الرجال السودان،) وبين أن يقول: (اضرب سودان الرجال) فمتى
~~PageV01P304
# حمل هذا اللفظ على أن المراد به اضرب الرجال الذين السودان بعضهم وجعل
~~لفظ الرجال عاما، فذلك جار مجرى أن يحمل قوله - تعالى -: (إلا أن يعفون)
~~على أن المراد به إلا أن يعفو بعضهن في أنه عدول عن الظاهر، وإن كان في
~~الصفة أقبح وأفحش فأما الاستثناء، فتعليقه ببعض ما تناوله العموم الصحيح
~~أنه جائز لا يقتضى تخصيص العموم، والقضاء بأنه ما أريد به إلا الجنس الذي
~~تناول الاستثناء بعضه، لان القائل إذا قال:
# (اضرب الرجال إلا فلانا الأسود) فلفظ الرجال عام في البيضان والسودان،
~~وإن كان الاستثناء خاصا، وإنما الاشكال هو في الشرط والصفة، وقد قلنا ما
~~عندنا في ذلك، وبسطناه. PageV01P305
# فصل في تخصيص قول النبي - عليه السلام - بفعله اعلم أن فعله - عليه
~~السلام - للشئ يدل على أنه مباح لا محالة منه، فإذا علمنا بالدليل أن حالنا
~~كحاله - عليه السلام - في الشرائع، علمنا - أيضا - أنه مباح منا، فإن كان
~~قد سبق منه - عليه السلام - قول عام في ms133 تحريم ذلك الفعل على العموم، فلا بد
~~من الحكم بتخصيصه، وإنما أوقع الشبهة في هذه المسألة الخلاف في هل حكمنا في
~~الشرائع كحكمه، وهل الأصل ذلك أو غيره *.
# فصل في تخصيص العموم بالعادات اعلم أن العموم لا يجوز تخصيصه بأن يعتاد
~~الناس أن يفعلوا خلافه، لان أفعالهم يجب أن تكون تابعة لخطاب الله - تعالى
~~- PageV01P306
# وخطاب رسوله - عليه السلام -، فكيف يجعل التابع متبوعا.
# وإن كانت هذه العادة أثرت في حكم اللفظ وفائدته، وجب أن يخص العموم بها،
~~لان التعارف له تأثير في فوائد الألفاظ فلا يمتنع تخصيص العموم بما يجري
~~هذا المجرى.
# فصل في أن العموم إذا خرج على سبب خاص لا يجب قصره عليه اعلم أن المراد
~~بقولنا (سبب) في الكلام الداعي إلى الخطاب به والباعث عليه، وليس المراد
~~بهذه اللفظة - هيهنا - الأسباب المولدة للأفعال والحكيم لا يجوز أن يريد
~~بخطابه إلا ماله داع إليه، فلا بد في خطابه من أن يكون مقصورا على أسبابه،
~~وغير متعد لها، ولا فاضل عليها، فقد اتفقنا على هذه الجملة، غير
~~PageV01P307
# أنه لا يحيى منها أنه إذا سأله - عليه السلام - سائل عن حكم حادثة،
~~فأجابه بقول عام، أنا نقصره على ذلك السؤال، لأنه إذا عم بخطابه سؤال
~~السائل وغيره، فما أضاف إلى بيان حكم ما سئل عنه بيان حكم غيره، إلا لسبب
~~آخر وداع هو غير سؤال السائل، لأنه لو لم يكن كذلك، لأجاب بما يكون وفقا
~~للسؤال من غير أن يكون فاضلا عليه، وليس يجب عليه أن يكون الخطاب مقصورا
~~على الأسباب التي تظهر لنا، بل يكون مقصورا على أسبابه الظاهرة لنا،
~~والخافية عنا. وهذا التلخيص يزيل الشبهة في المسألة. ونعود إلى الكلام
~~المألوف في هذه المسألة.
# فنقول: قد اختلفوا فيها: فقال قوم: يجب حمل الكلام على سببه دون ظاهره،
~~وقال آخرون: يجب حمله على ظاهره إذا أمكن ذلك. PageV01P308
# وكلامه - عليه السلام - ينقسم إلى مطابق للسبب غير فاضل عنه، وإلى ما
~~يكون أعم منه: والأول لا خلاف فيه، والثاني ينقسم إلى قسمين: أحدهما ms134 أن
~~يكون أعم منه في الحكم المسؤول عنه، نحو قوله - عليه السلام - وقد سئل عمن
~~ابتاع عبدا، واستعمله، ثم وجد به عيبا،: (الخراج بالضمان) والقسم الآخر أن
~~يكون أعم منه في غير ذلك الحكم المسؤول عنه، نحو قوله - عليه السلام - وقد
~~سئل عن الوضوء بماء البحر، فقال - عليه السلام -: (هو الطهور ماؤه الحل
~~ميتته) فأجاب - عليه السلام - بما يقتضي شربه، وإزالة النجاسة به، وغير
~~ذلك. وفي جوابه - عليه السلام - ما لو لم يعلق بالسبب، لم يكن مفيدا، ولا
~~مستقلا بنفسه، نحو ما روي عنه - عليه السلام - وقد سئل عن بيع الرطب
~~بالتمر، فقال - عليه السلام - (أينقص إذا يبس؟)، فقيل: (نعم)، فقال - عليه
~~السلام -:
# (فلا إذا). PageV01P309
# والذي يدل على صحة ما ذكرناه من حمل الكلام على ظاهره أن كلامه - عليه
~~السلام - هو الدلالة على الاحكام، فيجب أن يعتبر صفته في عموم أو خصوص، كما
~~تعتبر صفة أمره ونهيه.
# دليل آخر: ويدل - أيضا - على ذلك أن العموم لو انفرد عن السبب، يحمل على
~~عمومه بلا خلاف، فيجب مثل ذلك إذا خرج على سبب، لان السبب لا يخرجه عن صفته
~~التي من جهتها كان دليلا، لأنه لا تنافي بين حدوث السبب وبين عموم اللفظ،
~~يقوى ما ذكرناه أن آية اللعان نزلت في هلال بن أمية العجلاني، وحملته الأمة
~~على كل رام زوجته. وكذلك آية الظهار وردت في خولة بنت خويلد، وحمل هذا
~~الحكم على كل من ظاهر من امرأته.
# دليل آخر: ومما يدل - أيضا - على ذلك أنه لا فرق بين قصر الخطاب - مع
~~عمومه - على السبب، وبين قصره على العين التي تعلق PageV01P310
# السبب بها، حتى لا يدخل في الخطاب إلا تلك العين، دون غيرها.
# ولوجب أيضا إذا كان للحادث تعلق بمكان مخصوص أو وقت مخصوص ألا يتعداهما
~~الحكم، وفي فساد ذلك دلالة على وجوب اعتبار اللفظ، دون أسبابه وأماكنه
~~وأوقاته.
# دليل آخر: ومما يدل أيضا على ذلك أن السائل لا يعرف ما الذي يجاب به،
~~ولهذا جاز أن يدخل تحت السؤال النفي والاثبات ms135 على سواء، وكيف يجوز أن يبنى
~~الجواب الذي لا يصدر إلا عن معرفة، ولا يجوز أن يتضمن نفيا وإثباتا، على
~~السؤال مع اختلاف حكمهما.
# دليل آخر: وأيضا فإن السبب فائدته البعث على البيان، فإذا كان سائر ما
~~يدعو إلى البيان لا يوجب تغير حال الخطاب في اعتبار عمومه وصفته، فكذلك
~~السبب. PageV01P311
# فصل في تخصيص العموم بمذهب الراوي اعلم أن هذه المسألة كالفرع على قبول
~~أخبار الآحاد، والعمل بها، وسنذكر ما عندنا في ذلك إذا انتهينا إلى الكلام
~~في الاخبار بمشية الله - تعالى - وعونه. وإذا فرضنا العمل بما يرويه
~~الواحد، لم يجب أن يخصص عموم ما يرويه بمخالفته له لان غاية حسن الظن
~~بالراوي أنه ما عدل عن عموم ما رواه هوى ولا تقليدا، لكن لوجه من الوجوه،
~~وذلك الوجه يحتمل أن يكون لأنه علم قصده عليه السلام، ويحتمل - أيضا - أنه
~~عمل على رواية غيره، أو لوجه من الاستدلال والقياس، إما أن يكون مخطئا فيه
~~أو مصيبا، فكيف يجوز أن يعدل عن ظاهر العموم، والعمل به واجب، لأمر محتمل
~~للحق والباطل والصحيح والفاسد. والأشبه PageV01P312
# أن يكون الراوي ما عمل بخلاف ما رواه لعلمه بقصده - عليه السلام - لأنه
~~لو كان الامر على ذلك، لوجب أن يبين الراوي هذه الحال، ويذكرها، إزالة
~~للتهمة عن نفسه، فإذا لم يذكرها، فالأولى أنها ما كانت، ولهذا نقول: أن
~~الراوي إذا ذهب * فيما رواه إلى أنه منسوخ، لا يجب القول بنسخه على سبيل
~~إحسان الظن به، وأي فرق بين تقليده في التخصيص، وتقليده في النسخ، وهذا
~~المذهب أضعف من أن يحتاج إلى الاكثار فيه.
# فصل في أن الاخبار كالأوامر في جواز دخول التخصيص اعلم أن الاخبار
~~كالأوامر في جواز دخول التخصيص فيها بل هو في الاخبار أظهر، وإذا كان معنى
~~التخصيص هو ان يريد المخاطب بعض ما تناوله اللفظ، فهذا المعنى قائم في
~~الاخبار PageV01P313
# أظهر من قيامه في غيرها. والكلام بين أهل الوعيد وأهل الارجاء في آيات
~~الوعيد إنما هو في تخصيص هذه الآيات. ومن امتنع من ms136 ذلك، فلقلة تأمله.
~~واعتلال من أبى ذلك بأن النسخ لما لم يدخل في الاخبار فكذلك التخصيص باطل،
~~لما سنذكره عند الكلام في الاخبار بعون الله. ولو عكس عاكس هذا القول، وذهب
~~إلى أن التخصيص إنما يدخل في الخبر دون الامر، لما أمكن دفعه إلا بما يدفع
~~من أبى تخصيص الاخبار.
# فصل في أن ذكر بعض الجملة لا يخص به العموم إعلم أن التخصيص إنما يكون
~~بطريقة التنافي، ولا تنافي بين الجملة الخاصة إذا عطفت على العامة، فكيف
~~يخص بها؟! وأي شهبة تدخل على متأمل في أن قول القائل: (أعط الرجال وزيدا)
~~PageV01P314
# لا يقتضي إفراد زيد إلا أن يكون دخل في الجملة الأولى، وإنما أفرد تفخيما
~~أو تأكيدا، على مذهب من يراه. وإنما بنى بعض الشافعية قوله هذا على دليل
~~الخطاب، وهو باطل بما سيأتي بمشية الله تعالى.
# فصل في بناء العام على الخاص اختلف الناس في العام والخاص إذا وردا
~~وبينهما تناف كان الخاص منهما ينفي الحكم عن بعض ما تناوله العام، فذهب
~~الشافعي وأصحابه وأهل الظاهر وبعض أصحاب أبي حنيفة إلى أن العام يبنى على
~~الخاص. وقال آخرون مع عدم التاريخ يجب أن يرجع في الاخذ بأحدهما إلى دليل،
~~ويجرونهما مجرى عامين تعارضا، وهو مذهب عيسى بن أبان وأبي الحسن الكرخي
~~وأبي عبد الله البصري. PageV01P315
# والذي يجب تحقيقه في هذه المسألة أن الخلاف فيها مبني على فقد التاريخ،
~~وارتفاع العلم بتقدم أحدهما أو تأخره، وهذا الشرط لا يليق بعموم الكتاب،
~~فإن تأريخ نزول آيات القرآن مضبوط محصور لا خلاف فيه. وإنما يصح تقديره في
~~أخبار الآحاد، لأنها هي التي ربما عرض فيها هذا التعارض. ومن لا يذهب إلى
~~العمل بأخبار الآحاد، فقد سقطت عند كلفة هذه المسألة، فإن تكلم فيها، فعلى
~~سبيل الفرض والتقدير.
# والذي يقوى في نفوسنا - إذا فرضنا ذلك - التوقف عن البناء، والرجوع إلى
~~ما يدل عليه الدليل من العمل بأحدهما، ولا حاجة بنا إلى تفصيل ما يجوز أن
~~يدل على ذلك من الأدلة من إجماع، أو ms137 غيره، لان الفرض أنه لا يجب البناء على
~~مذهب من أوجبه، بل الرجوع إلى الأدلة.
# والذي يدل على صحة ما اخترناه أن بناء العام على الخاص له شرط لا بد من
~~اعتباره، وهو أن يكونا واردين معا، والحال PageV01P316
# واحدة، لان تقدم أحدهما على الاخر يقتضي عندهم النسخ، فلا بد من تقدير
~~المقارنة، وإذا كان هذا الشرط غير معلوم، فما هو مبنى عليه من البناء لا
~~يصح.
# فإذا قيل: فقد التاريخ يقتضي ورودهما معا.
# قلنا: ومن أين قلتم ذلك، ونحن مع فقد روايته بالتاريخ نجوز التقدم
~~والتأخر، كما نجوز المصاحبة.
# فإن قيل: لو كان بينهما تقدم وتأخر، لروي.
# قلنا: ولو كان بينهما مصاحبة أو مقارنة، لرويت. وأي فرق بينكم إذا
~~اعتمدتم على البناء وهو مشروط بما لم تعلموه من المقارنة، وبين من ذهب إلى
~~أن أحدهما ناسخ لصاحبه وإن كان النسخ مفتقرا إلى علم التقدم والتأخر؟.
# فأما اعتمادهم على أن الغرقى لما لم يعلم تقدم موت بعضهم PageV01P317
# على بعض، ولم يكن لنا إلى ذلك طريق، حكمنا بأن موتهم وقع في حال واحدة
~~حتى تورث بعضهم من بعض، فليس بمعتمد، لان الدليل لما دل على توريث بعضهم من
~~بعض، كان ذلك موجبا لاثبات وقوع الموت في حالة واحدة، فما استند في ذلك إلا
~~إلى دليل قاطع، وليس في بناء العام على الخاص مثل ذلك، لأنه لم يدل دليل
~~على وجوب البناء، فيثبت ما لا يتم بالبناء إلا معه.
# وليس لاحد أن يقول: هذا يقتضي اطراح الخبرين معا، لان التوقف على طلب
~~الدليل ليس باطراح، ويجري ذلك مجرى العمومين إذا تعارضا. ويمكن أن يقال: إن
~~الله - تعالى - لا يخلى المكلف من دلالة تدله على ما يجب أن يعمل به، من
~~بناء، أو غيره، كما يقال ذلك في العمومين المتعارضين.
# فأما ترجيحهم البناء بأن ذلك يقتضي العمل بالخبرين معا على وجه صحيح،
~~والعمل بالعام يقتضي اطراح الخاص جملة، فإنما PageV01P318
# هو متوجه إلى من رأى العمل بالعام، فأما المتوقف فلا يلزمه هذا الكلام،
~~وله أن ms138 يقول: كما أن العامل بالعام مطرح للخاص، فالعامل بالخاص بأن على ما
~~لا يعلمه من ورودهما معا، والشرط إذا لم يكن معلوما، فلا يجوز إثبات
~~المشروط.
# ولمن قال بالنسخ تقرير في هذا الترجيح، وهو أن يقول:
# إذا عملت بالنسخ، فقد استعملت * جميع الخبرين من غير إطراح لشئ منهما،
~~ومن بنى العام على الخاص، فقد اطرح من العام ما لا يستعمله جملة فقول من
~~حمل على النسخ أرجح من قوله.
# فأما قولهم: (إن العموم إذا جاز أن يخص بالقياس، والنص أقوى منه، وجب
~~بناء العام على الخاص) فباطل، وذلك أنا لا نرى تخصيص العموم بالقياس، وقد
~~سلف الكلام في ذلك. PageV01P319
# ثم الفرق بينهما أن الخاص إنما يبنى عليه العام بشرط المصاحبة، وليست
~~معلومة، وليس هذا الشرط معتبرا في القياس.
# فصل في حكم العمومين إذا تعارضا إعلم أن العمومين إنما يتعارضان على
~~الحقيقة بأن يصيرا بحيث لا يمكن العمل بهما معا، وذلك يكون على وجهين:
~~أحدهما أن يقتضي أحدهما نفي كل ما اقتضى الاخر إثباته، أو إثبات كل ما
~~اقتضى الاخر نفيه.
# أو يقتضي حكما مضادا لكل ما يقتضيه الآخر.
# ولا يكاد يوجد هذا فيما طريقه العلم من الاخبار، إلا وهناك ما يدل على
~~العمل بأحدهما، أو يكون المكلف مخيرا بين الحكمين. وإنما قلنا ذلك، لان
~~الأدلة لا تتناقض، وبمثل ذلك PageV01P320
# أفسدنا قول من يذهب إلى تكافؤ الأدلة. وأما ما طريقه غالب الظن، فقد يجوز
~~مثل ذلك فيه، لأنه قد يجوز فيما هذا طريقه أن يكون التكليف على زيد بخلاف
~~التكليف على عمرو، ولهذا صح تعارض البينتين.
# وإذا كان فيما هذه حاله تاريخ معلوم، فلا تعارض، كما أن مع التخيير لا
~~تعارض.
# فأما معارضة كل واحد من العمومين صاحبه من وجه دون آخر نحو قوله - تعالى
~~-: (أو ما ملكت أيمانكم) وقوله - سبحانه -: (وأن تجمعوا بين الأختين)، فإن
~~ذلك ليس بتعارض حقيقي، وإنما هو تعارض في أمر مخصوص، لان العمل بهما ممكن
~~إلا في ذلك الامر المخصوص، وما هذه حاله لا يعد تعارضا ms139 بالاطلاق، بل يقيد،
~~فيقال: إن أحدهما عارض الآخر في كذا وكذا. PageV01P321
# فإن قيل: أليس إذا تعارضا في الوجه المخصوص، اقتضى ذلك تناقض الأدلة.
# قلنا: لا يقتضي ذلك، لأنه يمكن حمل العموم في الإباحة على ما عدا
~~الأختين. أو يطلب قرينة يعلم بها أي الامرين أولى؟ ولو قدرنا عدم الامرين،
~~كان لا يمتنع أن يكون التكليف على طريقة التخيير. ووجوه ترجيح آية تحريم
~~الجمع على آية الإباحة ليس هذا موضع ذكرها.
# وقد قيل: إن آية التحريم هي المفيدة شرعا وحكما زائدا فيجب ان يكون
~~مستثناة من الإباحة.
# وأيضا قد ثبت بالسمع أن جهة الحظر فيما يتعلق بالفروج أولى فيجب تقديم
~~آية التحريم.
# وأيضا فإن آية التحريم موردها البيان للحكم، وآية ملك اليمين وردت على
~~سبيل المدح، فيجب تقديم تلك على هذه PageV01P322
# وأقوى من ذلك كله إجماع الإمامية على تحريم الجمع بين الأختين على كل
~~حال، وقد بينا أن إجماعهم حجة، فتخصيص آية الإباحة بآية التحريم أولى.
# باب الكلام في المجمل والبيان اعلم أن المجمل هو الخطاب الذي لا يستقل
~~بنفسه في معرفة المراد به، والمفسر ما استقل بنفسه.
# والمستقل بنفسه على أقسام: أحدها ما يدل على المراد بلفظه.
# وثانيها ما يدل بفحواه. وثالثها ما ألحقه قوم به من الدال على المراد
~~بفائدته. ورابعها منا ألحق - أيضا - مما يدل بمفهومه.
# ومثال الأول قوله - تعالى -: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)
~~و (إن الله بكل شئ عليم) و (لا يظلم ربك أحدا) وما لا يحصى من الأمثلة.
~~ومثال الثاني قوله - تعالى - (ولا تقل لهما أف). ومثال الثالث طريقة
~~التعليل. ومثال الرابع الزجر، وتعلق الحكم بالأسباب، ووجوب ما لا يتم ما
~~كلفناه إلا به. PageV01P323
# ومن خالف في فحوى اللفظ يجب موافقته، فيقال له: أيدخل على عاقل عرف عادة
~~العرب في خطابها شبهة في أن القائل إذا قال:
# (لا تقل له أف)، فقد منع من كل أذية له، وأنه أبلغ من قوله:
# (لا تؤذه) فمن خالف في ذلك، أعرض عنه. ومن لم يخالف، ms140 وادعى أن بالقياس
~~والتأمل يعلم ذلك، قيل له: فمن لا يثبت القياس يجب ألا يعرف ذلك، ولو ورد
~~التعبد بالمنع من القياس، لكان يجب ألا يكون ما ذكرناه مفهوما، ونحن نعلم
~~ضرورة أن قولهم: (فلان مؤتمن على القنطار) أبلغ من قولهم: (إنه مؤتمن على
~~كل شئ)، وقولهم: (ما يملك نقيرا ولا قطميرا) أبلغ من قولهم: (إنه لا يملك
~~شيئا)، وإنما اختصروا للبلاغة والفصاحة، ولهذا يعدون مناقضا من قال: (لا
~~تقل له أف، واستخف به)، أو قال: (فلان لا يملك نقيرا، ومعه ألوف الدنانير).
~~PageV01P324
# وأما طريقة التعليل، فأكثر ما فيها أن يعقل من قوله - عليه السلام -:
~~(إنها من الطوافين عليكم والطوافات) تعليق الحكم بهذه الصفة فمن أين تعديه
~~إلى كل ما كانت له هذه الصفة، وذلك إنما يكون بالعبادة بالقياس، وإلا لم
~~يكن مستفادا.
# فأما الزجر: فالأولى أن يكون قوله - تعالى -: (والسارق والسارقة) - إذا
~~ثبت أنه زجر عن السرقة - أن القطع إنما كان لأجل السرقة. والأغلب في العادة
~~والتعارف أن من أوجب شيئا، فقد أوجب ما لا يتم إلا به.
# فأما ما لا يستقل بنفسه، ويحتاج إلى بيان، فهو على ضربين:
# أحدهما يحتاج إلى بيان ما لم يرد به مما يقتضي ظاهره كونه مرادا به كقوله
~~- تعالى -: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) و (الزانية والزاني فاجلدوا
~~كل واحد منهما مائة PageV01P325
# جلدة). وقد ذهب قوم إلى أن ذلك كالمجمل في أن ظاهره لا يدل على المراد،
~~وهذا الوجه له باب مفرد * يذكر في موضعه والخلاف فيه، بمشية الله، ويدخل في
~~هذا القسم النسخ، لان الدليل المتقدم إذا علم بلفظه أو بقرينة أن المراد به
~~الامتثال في جميع الأوقات المستقبلة، فلا بد من الحاجة إلى بيان ما لم يرد
~~به، مما يفيده النسخ. ويدخل في هذا القسم ضروب المجازات، لان الخطاب إذا
~~ورد، فلو خلينا وظاهره، لاقتضى ما لم يرد منا، فلا بد من الحاجة إلى
~~البيان.
# والقسم الثاني مما يحتاج إلى بيان ما يحتاج إليه في معرفة ما أريد به،
~~وهو على ضروب: ms141 فمنه ما يكون كذلك لوضع اللغة، ومنه ما يؤثر فيه النقل أو
~~حصول مقدمة، أو مؤخرة، أو قرينة.
# فالذي يرجع إلى الوضع فهو أن يكون اللفظ وضع PageV01P326
# في اللغة محتملا. ثم احتماله ينقسم، فربما احتمل أمرا من جملة أمور، مثل
~~قوله - تعالى -: (وآتوا حقه يوم حصاده) و (لا تقتلوا النفس التي حرم الله
~~إلا بالحق) وربما احتمل شيئا من جملة أشياء معينة، أو شيئين، كقولنا قرء،
~~وجون، وشفق، وقوله - تعالى -: (فقد جعلنا لوليه سلطانا).
# فأما ما يرجع إلى النقل، فكالأسماء الشرعية، كقولنا صلاة، وزكاة لان
~~المراد بها في الشرع غير ما وضعت له في اللغة.
# وأما مثال ما يرجع إلى مقدمة، فهو كل عموم يعلم بأمر متقدم أنه لا يراد
~~به إلا البعض، ولا دليل على التعيين، فما هذه حاله لا بد فيه من بيان، نحو
~~قوله - تعالى -: (وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم).
# وأما ما يرجع إلى مؤخرة وقرينة، فهو كل ظاهر يعلم أنه مشروط بشرط مجمل،
~~أو استثناء مجمل، كقوله - تعالى -: PageV01P327
# (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)، وتفصيل ذلك وذكر جميع
~~أمثلته فيه طول. وخلاف ذلك في الأمثلة، لان الامر ربما اشتبه فيها. وفيما
~~ذكرناه كفاية.
# فصل في ذكر معاني الألفاظ التي يعبر بها في هذا الباب اعلم أن النص هو كل
~~خطاب أمكن معرفة المراد به. وقد ذهب قوم إلى أن النص ما لا تعترض الشبهة في
~~المراد به.
# ومنهم من قال كلما تناول الحكم بالاسم، فهو نص. ولا يجعل المجمل نصا. وما
~~قلناه في حد النص أولى، لأنه لا خلاف بين الأمة في أن الله - تعالى - قد نص
~~على الصلاة والزكاة مع حاجتهما إلى البيان. ويسمون اللفظ نصا. وإن كان فيه
~~احتمال واشتباه. PageV01P328
# وأما المفسر، فهو الذي يمكن معرفة المراد به.
# وأما المجمل في عرف الفقهاء، فهو كل خطاب يحتاج إلى بيان، لكنهم لا
~~يستعملون هذه اللفظة إلا فيما يدل على الاحكام.
# والمتكلمون يستعملون فيما يكون له هذا المعنى لفظ المتشابه، ولا يكادون ms142
~~يستعملون لفظ المجمل في المتشابه.
# وأما قولنا (ظاهر)، فالأولى أن يكون عبارة عما أمكن أن يعف المراد به،
~~ولا معنى لاشتراط الاحتمال أو التقارب على ما اشترطه قوم، قد يطلق هذا
~~الاسم مع فقد الاحتمال.
# فصل في حقيقة البيان اعلم أن البيان هو الدلالة على اختلاف أحوالها، وإلى
~~ذلك ذهب أبو علي وأبو هاشم. وذهب أبو عبد الله الحسن بن علي PageV01P329
# البصري إلى أن البيان هو العلم الحادث الذي به يتبين الشئ.
# وللفقهاء في ذلك حدود مختلفة مضطربة لا معنى للتطويل بذكرها.
# والمحصل هذان المذهبان.
# والذي يدل على أن البيان هو الدلالة وقوع الاتفاق على أن الله - تعالى -
~~قد بين جميع الأحكام لأنه - تعالى - بنصب الأدلة في حكم المظهر لها، وقد
~~يوصف الدال بأنه مبين، وقد يجري هذا الوصف مع فقد حدوث العلم، فكيف يقال:
~~إنه عبارة عن حدوث العلم. وكان يجب على هذا القول أن يكون من لم يعلم الشئ
~~فما بينه الله - تعالى - له، ولا نصب له دلالة عليه، ولا شبهة في بطلان
~~ذلك، ولهذا يقولون: قد بينت لك هذا الشئ، فما تبينته، فلو كان البيان هو
~~العلم، لكان هذا الكلام متناقضا. وهذا خلاف في عبارة، والخلاف في العبارات
~~ليس من المهمات. PageV01P330
# فصل في ذكر الوجوه التي يقع بها البيان اعلم أن بيان الأحكام الشرعية
~~إنما يكون بما يدل بالمواضعة، وبما يتبع ذلك. فمثال ما يدل بالمواضعة
~~الكلام والكتابة. والذي يتبع ما يدل بالمواضعة على ضربين:
# أحدهما حصل فيه ما يجري مجرى المواضعة، وهو الإشارة و الافعال. والثاني
~~لم يحصل فيه ذلك، وذلك طريقة القياس والاجتهاد، عند من ذهب إليهما. والنبي
~~- عليه السلام - يصح أن يبين الاحكام بجميع الوجوه التي ذكرناها. ولا يصح
~~منه - تعالى - أن يبين إلا بالكلام والكتابة، فإن الإشارة لا تجوز عليه جل
~~اسمه، و الافعال التي تكون بيانا يقتضي مشاهدة فاعلها على بعض الوجوه، وذلك
~~لا يصح عليه تعالى. وقد بين للملائكة ما كتبه PageV01P331
# في اللوح المحفوظ، حتى تحملوه، وأدوه. وبين لنا بالكلام جميع ms143 الأحكام.
# فصل في أن تخصيص العموم لا يمنع من التعلق بظاهره اختلف العلماء في قوله
~~- تعالى -: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وما أشبهه: فقال قوم) بأي
~~شئ خص صار مجملا يحتاج إلى بيان، وإلى ذلك ذهب عيسى بن أبان. وقال آخرون:
# يصح مع التخصيص التعلق بظاهره، وهو قول الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة.
~~ومنهم من قال: متى خص باستثناء، أو بكلام متصل، صح التعلق به، وإذا كان
~~التخصيص بدليل منفصل، فلا تعلق به، وهو قول أبي الحسن الكرخي. وكان أبو عبد
~~الله الحسن بن علي البصري يقول، إذا كان التخصيص لا يخرج الحكم PageV01P332
# من أن يكون متعلقا بالاسم على الحد الذي تناوله الظاهر، فإنه يحل محل
~~الاستثناء في أنه لا يمنع من التعلق بالظاهر. فمتى كان التخصيص مانعا من أن
~~يتعلق الحكم * بالاسم، بل يحتاج إلى صفة أو شرط حتى يتعلق الحكم به، فيجب
~~أن يمنع ذلك من التعلق بظاهره. ويقول في قوله - تعالى -: (والسارق و
~~السارقة): قد ثبت أن القطع لا يتعلق بالاسم، بل يحتاج إلى صفات وشرائط حتى
~~يتعلق القطع، وتلك الشرائط والصفات لا تعلم إلا بدليل، فجرت الحاجة إلى
~~بيان هذه الصفات والشروط مجرى الحاجة إلى بيان المراد بقوله - تعالى -:
~~(أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة). ويقول: لا شبهة في أن القطع محتاج إلى
~~أوصاف سوى السرقة، فجرى ذلك مجرى أن يحتاج القطع إلى أفعال سوى السرقة ولو
~~كان كذلك، لمنع من التعلق بالظاهر، فكذلك الأوصاف. وهذه الطريقة أقوى شبهة
~~من كل شئ PageV01P333
# قيل في هذا الباب. والذي نقوله: أن كل خطاب لو خلينا وظاهره لكنا نفعل ما
~~أريد منا، وإنما كنا نخطئ في ضم ما لم يرد منا إلى ما أريد، فيجب أن يكون
~~المحتاج إليه في بيانه التخصيص، والأصل ممكن التعلق بظاهره، وكل خطاب لو
~~خلينا مع ظاهره، لما أمكن تنفيذ شئ من الاحكام على وجه ولا سبب، فيجب أن
~~يحتاج في أصله إلى بيان. ومثال الأول قوله - تعالى -: (والسارق و السارقة)،
~~لأنا لو خلينا وظاهره، لقطعنا ms144 من أراد منا قطعه ومن لم يرد. وكذلك قوله -
~~تعالى -: (اقتلوا المشركين)، لأنا لو عملنا بالظاهر، لقتلنا من أراد قلته
~~ومن لم يرد، فاحتجنا إلى تمييز من لا يقتل ولا يقطع، دون من يقتل أو يقطع.
# ومثال الثاني قوله - تعالى -: (أقيموا الصلاة)، وقوله - جل PageV01P334
# اسمه -: (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)، لأنا لو خلينا والظاهر،
~~لما أمكننا أن نعلم شيئا مما أريد منا، فاحتجنا إلى بيان ما أريد منا لأنا
~~غير مستفيدين له من ظاهر اللفظ، وفي الأول الامر بخلافه، وجرى ذلك مجرى
~~الاستثناء إذا دخل على العموم، أو غيره من الأدلة المنفصلة، في أنه وإن جعل
~~الكلام مجازا، فالتعلق بالظاهر في الباقي صحيح ممكن.
# وإنما دخلت الشبهة في هذا الموضع، من جهة أن البيان في آية السرقة وقع
~~فيمن يقطع، لا فيمن لا يقطع، وفي صفات السرقة التي يجب بها القطع، لا في
~~صفة ما لا يجب به القطع، فأشكل ذلك على من لم ينعم النظر، فظن أنه مخالف
~~للتخصيص في قوله - تعالى -: (اقتلوا المشركين) وما جرى مجراه.
# والوجه الذي من أجله علقوا الشروط بما يجب به القطع PageV01P335
# دون ما لا يجب فيه القطع هو طلب الاختصار، والعدول عن التطويل.
# ولما كان الغرض تمييز من يقطع ممن لا يقطع، ولم يمكن التمييز باستثناء
~~الأعيان، عدل من تمييزه بالأعيان إلى تمييزه بالصفات.
# ولما كان التمييز بالصفات فيمن لا يقطع يطول، لان من لا يقطع من السراق
~~أكثر ممن يقطع، فميز بصفات من يقطع، طلبا للاختصار.
# وإذا كنا قد اتفقنا على أنه لو ميز باستثناء الأعيان، لصح التعلق بالظاهر
~~فيما بقي، وكذلك إذا ميز بذكر صفات من لا يقطع، حتى يقول: (اقطعوا السراق
~~إلا من صفته كذا)، فكذلك يجب ان يتعلق بظاهر ما بقي متى ميز باستثناء من
~~يقطع، لان هذا التمييز إنما اعتمد لاخراج من لا يقطع وإبانته، وإنما عدل
~~PageV01P336
# إليه للاختصار.
# فان قيل: ميزوا بين المجاز الذي لا يصح التعلق بظاهره، وبين المجاز الذي
~~يجب التعلق بظاهره.
# قلنا: أما ms145 مثال المجاز الذي لا يصح التعلق بظاهر العموم معه، فهو ان
~~يقول: (اضرب القوم، وإنما أردت بعضهم) أو يقول: (وإنما أردت المجاز، دون
~~الحقيقة) ومثاله قوله - تعالى -: (إن بعض الظن إثم). وأما المجاز الذي لا
~~يمنع من التعلق بالظاهر، فهو أن يقول القائل: ضربت القوم، وينصب دليلا أو
~~يعلم من حاله أنه ما ضرب واحدا معينا منهم، فإن اللفظ يصير مجازا لا محالة،
~~لكنه لا يمنع من التعلق بالظاهر فيمن عدا من قام الدليل على تخصيصه. وهذه
~~الجملة يطلع بها على جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب. PageV01P337
# فصل في ذكر ما يحتاج من الافعال إلى بيان وما لا يحتاج إلى ذلك اعلم أن
~~وقوع الاجمال وجواز الاحتمال في الفعل كوقوعهما في القول، فيجب حاجة كل
~~واحد منهما مع الاحتمال والاجمال إلى بيان.
# فإن قيل: كيف تقسمون الافعال إلى ما يحتاج إلى بيان وإلى ما لا يحتاج،
~~ومن مذهبكم أن الافعال أجمع لا مواضعة فيها، ولا ظاهر لها، وهي مفارقة
~~للخطاب في هذا الباب.
# قلنا: الأصل في الافعال أنه لا ظاهر لها، لكنها تفيد بالشرع لأمارات تحصل
~~فيها تجري مجرى المواضعة في القول، فيسوغ أن نقسمها قسمة الأقوال، يبين ذلك
~~أنا إذا رأيناه - صلى الله PageV01P338
# عليه وآله - يفعل صلاة عقيب إقامة، علمنا أن الصلاة واجبة، لان الإقامة
~~علامة الوجوب. وإذا أمر - عليه السلام - بالقتل في دين بعد الاستتابة، علم
~~أن المقتول مرتد لان هذه أمارته، وإذا رأيناه - عليه السلام - تاركا للصلاة
~~على ميت لأجل دين، علمناه كافرا.
# فأما مثال المجمل من الافعال، فهو ما لا أمارة عليه، ومثاله أن يفعل -
~~عليه السلام - صلاة ينفرد بها، فيجوز أن تكون واجبة، ويجوز أن تكون نفلا،
~~فقد بان ما قصدناه.
# فصل في وقوع البيان بالافعال اعلم أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الافعال
~~يقع بها البيان في المجمل، كما يقع بالقول. وقد رجعوا إلى أفعاله - عليه
~~السلام - في البيان، كما رجعوا إلى أقواله. ومن قال أخيرا PageV01P339
# بخلاف ذلك مخالف للاجماع.
# ثم لا ms146 يخلو خلافه من وجوه: إما أن ينكر كون الفعل بيانا، من حيث لا
~~مواضعة فيه، ولا ظاهر له، * أو من حيث لا يصح تعلقه بالقول المجمل، أو لا
~~يتصل به، أو لم يثبت في أفعاله - عليه السلام - أنها بيان، كما ثبت في
~~أقواله.
# فأما الأول، فإن الفعل وإن لم يكن فيه مواضعة، فقد نعلم بوقوعه على بعض
~~الوجوه ضرورة، أو بدليل، فيجري ذلك مجرى المواضعة، وقد علم بالعادات أن
~~التعليم ربما يكون بالفعل أقوى منه بالقول والوصف، ألا ترى أن الواصف ربما
~~لا يفهم غرضه بوصفه، فيفزع إلى التفهيم بالفعل، وما فزع إلى الفعل في
~~البيان لما اشتبه بالقول إلا لأنه أقوى.
# فأما التعلق بالفعل المبين، فيمكن أن يعلم منه - عليه السلام - على أحد
~~وجهين: إما أن علمنا بالضرورة من PageV01P340
# قصده أنه يبين بفعله الخطاب المجمل فنعلم التعلق على أقوى الوجوه. أو
~~يقول - عليه السلام -: (إنني مبين لهذا المجمل بفعلي) ثم يفعل، فيكون -
~~أيضا - التعلق معلوما. وليس يجوز أن يرجع في التعلق إلى ما يقوله قوم: من
~~أنه - عليه السلام - إذا قال: (صلوا) وهذا لفظ مجمل، ثم فعل عقيبه ما يمكن
~~أن يكون بيانا له، كأن صلى ركعتين. لان هذا الوجه غير صحيح، لأنه قد يجوز
~~أن تكون صلاة الركعتين غير بيان، بل هما مبتدأ بهما، فكما يجوز فيهما أن
~~يكون بيانا يجوز غير ذلك، فالتعلق غير معلوم. فالمعتمد ما ذكرناه.
# فأما الاتصال، فغير ممتنع أن يكون بين الفعل الذي يقع به البيان وبين
~~المجمل ما يجري مجرى الاتصال، فيكون مؤثرا فيه، والعادات شاهدة بذلك، ولا
~~معنى لدفعه. PageV01P341
# فأما ثبوت البيان بالفعل كثبوته بالقول، فهو إجماع الأمة، ولهذا رجعوا
~~إلى فعله - عليه السلام - في المناسك والصلاة، وجعلوا ذلك بيانا لقوله -
~~تعالى -: (أقيموا الصلاة) ولقوله - عز وجل -:
# (ولله على الناس حج البيت)، وقول النبي - عليه السلام -:
# (صلوا كما رأيتموني أصلي) و (خذوا عني مناسككم) مما يدل - أيضا - على
~~ذلك.
# فصل في تقديم القول في البيان على الفعل اعلم أن القول والفعل ms147 إذا
~~ترادفا، واجتمعا، وكان كل واحد منهما يصح التبيين به، كصحته بالآخر، فكل
~~واحد منهما يصح وصفه بأنه بيان وإنما الاشتباه في قول متى جعلناه بيانا لم
~~يصح أن يجعل الفعل بيانا، إما لتناف، أو ما يجري مجراه PageV01P342
# فمن رجح القول، اعتمد على أن شرط في كون الفعل بيانا الحاجة إلى التبيين،
~~وهذا الشرط مفقود مع وجود القول. ولأن تعلق القول. أوكد، لأنه الحال محل
~~الاستثناء والشرط. ومن سوى بين الامرين، أنزلهما منزلة قولين، أو دليلين،
~~تضمن كل واحد منهما من البيان مثل ما تضمنه الآخر.
# فصل في هل يجب أن يكون البيان كالمجمل في القوة وغيرها، أو لا يجب ذلك
~~اعلم أن هذا الفصل ينقسم إلى قسمين: أحدهما ما معنى قولهم: (بيان الشئ في
~~حكمه). والثاني هل يجب ان يكون البيان كالخطاب المبين في الرتبة والقوة.
# وليس معنى قولنا: (إن بيان الشئ في حكمه) أن الشئ إذا كان واجبا، فبيانه
~~واجب، لان بيان الواجب والندب معا PageV01P343
# مما يجب على الحكيم. ولا يجوز أن يريد بذلك أنه في قوته، ورتبته، وحصول
~~العلم به. وإنما المراد به أن الفعل إذا كان في نفسه واجبا، وتضمن البيان
~~صفاته، وتفصيل أحواله، فهذه التفاصيل واجبة، لأنها صفات الواجب، وكذلك
~~الفعل إذا كان في نفسه مندوبا إليه، فبيان أوصافه وأحواله بهذه الصفة.
# وأما الكلام في الفصل الثاني، فقد اختلف فيه: فقال قوم يجب أن يكون
~~البيان في رتبة المبين، وطريقة العلم به. وقال قوم يجب في أصول صفاته
~~وشروطه أن يكون كذلك، دون التفصيل. ومنهم من وقف ذلك على الدليل، ويجوز أن
~~يكون البيان بخبر الواحد والقياس.
# والصحيح أن البيان يجب أن يكون إليه طريق، وعليه دليل، وكيفية ذلك في
~~رتبة أو قوة ليست بواجبة، وذلك موقوف على ما يعلمه الله - تعالى - من
~~المصلحة، وليس يمتنع PageV01P344
# تجويزا وتقديرا أن يثبت البيان بخبر الواحد أو القياس، كما أجزنا أن نخص
~~بهما العموم المعلوم في كتاب الله تعالى، وإنما الكلام في وقوع ذلك وحصوله،
~~ولا شبهة في ms148 أن العلم بالصلاة وأنا بها مخاطبون ضروري، وإن لم يجب مثل ذلك
~~في بيانها.
# فصل في تمييز ما ألحق بالمجمل وليس منه أو أدخل فيه وهو خارج عنه اعلم أن
~~في الشافعية من يلحق بالمجمل قوله - تعالى -: (و الذين هم لفروجهم حافظون،
~~إلا على أزواجهم، أو ما ملكت أيمانهم) وقوله - تعالى -: (والذين يكنزون
~~الذهب والفضة) من حيث خرج الكلام مخرج المدح في إحدى الآيتين، و مخرج الدم
~~في الأخرى.
# وهذا باطل، لأنه لا تنافي بين وجه المدح والذم وبين PageV01P345
# ما يقتضيه العموم من الحكم الشامل، وإذا كان الرجوع في دلالة العموم إلى
~~ظاهر اللفظ فبكونه مدحا أو ذما لا يتغير الظاهر، كما أن قوله - تعالى -:
~~(والسارق والسارقة) عموم وغير مجمل، و إن كان القصد به الزجر والتخويف، من
~~حيث لا تنافي بين ذلك وبين عموم الحكم، فكذلك الأول.
# وفي الناس من ذهب إلى أن التعلق بلفظ الجمع من غير دخول ألف ولام مثل قول
~~القائل: (أعط فلانا دراهم) لا يصح، وقالوا:
# أنه يجوز أن يكون المراد به أكثر من ثلاثة، وظنوا أنه كالمجمل.
# والواجب موافقة القائل بذلك على مراده، لأنه إن أراد أن حقيقة هذه اللفظة
~~ليست مقصورة على ثلاثة في اللغة، فهو كما قال، لأنه يتناول كل جمع. وإن
~~قال: إذا ورد من حكيم وتجرد، PageV01P346
# لا أقطع على أن * المراد به ثلاثة، بل أقف في الثلاثة، كما أقف فيما زاد
~~عليها فهذا غلط، لان هذا اللفظ في اللغة لا بد من تناوله - إذا كان حقيقة -
~~ثلاثة، من غير نقصان منها، وإن جاز الزيادة عليها.
# وألحق قوم ما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - من قوله: في الرقة ربع
~~العشر) بالمجمل، دون العموم، وقالوا: إنما يدل على وجوب ربع العشر في هذا
~~الجنس، ويحتاج إلى بيان القدر الذي يؤخذ منه ذلك، وجعلوا خبر الأواقي مبينا
~~لا مخصصا، وكذلك خبر العشر، وخبر الأوساق.
# ورد قوم عليهم، فقالوا: إن قوله: (في الرقة ربع العشر) PageV01P347
# يقتضي العموم والاستغراق، حتى لو خلينا ومجرده، ms149 لأمكننا الامتثال، فكنا
~~نوجب ربع العشر في قليله وكثيره، فخبر الأواقي مخصص، لا مبين.
# ويقوى عندنا القول الأول، لأنا قد بينا عند الكلام في العموم أن لفظ
~~الجنس لا يفيد في كل موضع الاستغراق والشمول، وإذا كان الامر على ذلك،
~~فقوله - عليه السلام -: (في الرقة ربع العشر) إنما هو إشارة إلى الجنس الذي
~~تجب فيه هذه الزكاة، وليس فيه بيان المقادير، فغير منكر أن يكون خبر
~~الأواقي مبينا، لا مخصصا.
# ومما يدخل في هذا الباب قول من يقول: (وامسحوا برؤسكم) مجمل، وجعل بيانه
~~فعله عليه السلام، فاعتمد هذا القائل على أن الباء تقتضي الالصاق، من غير
~~أن تقتضي القدر الذي يمسح من الرأس، فيحتاج فيها إلى بيان.
# وهذا يجب أن يتأمل، لان في الناس من ذهب في الباء إلى PageV01P348
# أنها لالصاق الفعل بالمفعول، وفيهم من ذهب إلى أنها للتبعيض.
# ومن قال بالأول اختلفوا: فمنهم من يقول: انها تقتضي الالصاق بكل العضو
~~المذكور، وهو مذهب الحسن البصري ومالك وأبي علي الجبائي، ومنهم من يقول:
~~أنها تقتضي الالصاق على الجملة، من غير اقتضاء لكل، أو بعض. وعلى المذهب
~~الأول لا إجمال في الآية، لأنها إذا دلت على مسح جميع الرأس، فقد زال
~~الاجمال. وعلى المذهب الثاني - وهو الالصاق المطلق - لا بد من ضرب من
~~الاجمال، لأننا لا نعلم من هذا الظاهر أن المراد مسح الجميع، أو مسح بعض
~~غير معين أو بعض معين، فلا بد من بيان. وكذلك القول في مذهب من قال: أنها
~~تقتضي التبعيض، لأنه بمنزلة أن يقول:
# (امسحوا بعض رؤوسكم) فإذا لم يبين تعيينا ولا تخييرا، فهو مجمل.
# فإذا قيل: لو تعين البعض، لبينه، فإذا لم يبينه، دل PageV01P349
# على أنا مخيرون.
# قلنا: ولو كان المراد التخيير، لبينه فيجب أن يكون معينا. وقد سلف الكلام
~~على نظير هذه الطريقة في باب أحكام الأوامر.
# وقد ألحق قوم بالمجمل قوله - تعالى -: (فاقطعوا أيديهما)، لان هذه اللفظة
~~تقع على ما بلغ إلى الزند، وإلى ما بلغ إلى المرفق، والمنكب، فلا بد من
~~بيان. ms150
# وامتنع قوم من كون هذه الآية مجملة.
# والأقرب أن يكون فيها إجمال، لان قولنا (يد) يقع على هذا العضو بكماله،
~~ويقع على أبعاضه، وإن كانت لها أسماء تخصها، فيقولون: غوصت يدي في الماء
~~إلى الأشاجع، وإلى الزند، وإلى المرفق، وإلى المنكب، وأعطيته كذا
~~PageV01P350
# بيدي، وإنما أعطاه بأنامله، وكذلك كتبت بيدي، وإنما كتب بأصابعه.
# وليس يجري قولنا (يد) مجرى قولنا: (إنسان) - كما ظنه قوم - لان الانسان
~~يقع على جملة يختص كل بعض منها بأسم، من غير أن يقع اسم إنسان على أبعاضها،
~~كما يقع اسم اليد على كل بعض من هذا العضو، فبان أن الاجمال حاصل في الآية.
~~ومن قال: أحمله على أقل ما يتناوله الاسم يحتاج إلى دليل.
# ومما ألحقه قوم بالمجمل وليس في الحقيقة كذلك قوله - تعالى -: (حرمت
~~عليكم أمهاتكم) وما جرى مجرى ذلك من تعليق التحريم بالأعيان، ومعلوم ان
~~الأعيان من الأجسام لا تدخل تحت القدرة، والتحريم إنما يتناول مقدورنا، ففي
~~الكلام حذف، وتقديره حرم عليكم الفعل في هذه الأعيان، وجرى ذلك في أنه مجاز
~~ولا يجوز التعلق بظاهره مجرى قوله تعالى: (واسأل القرية). PageV01P351
# وهذا غير صحيح، لان التعارف قد اقتضى في تعليق التحريم أو التحليل
~~بالأعيان الافعال فيها، وصار ذلك بالعرف يجري مجرى تعليق الأملاك بالأعيان،
~~لأنهم يقولون: (فلان يملك داره وعبده) وإنما يريدون انه يملك التصرف فيهما.
~~ثم المفهوم من هذا التصرف ما يليق بالعين التي أضيفت إلى الملك من استمتاع
~~وانتفاع، وغير ذلك.
# وإنما حملهم على هذا الحذف في الملك والتحريم والتحليل طلب الاختصار،
~~فاستطالوا أن يذكروا جميع الأفعال، و يعدوا سائر المنافع، فحذفوا ما يتعلق
~~التحريم أو الملك به، اختصارا.
# ولا يمكن أحدا أن يقول: أن إضافة الملك إلى الأعيان PageV01P352
# هو مجاز، وغير ظاهر، بل بالتعارف قد صار هو الظاهر، وكذلك القول في
~~التحريم والتحليل. وأي منصف يذهب عليه أن قولنا:
# (إن الميتة محرمة) أو (الخمر...) ظاهر، وحقيقة، وليس على سبيل المجاز.
# ومما ألحقه قوم بالمجمل - وإن لم يكن مع التأمل كذلك - ما روي ms151 عن النبي -
~~عليه السلام - من قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، و (نكاح إلا بولي)، و
~~(لا صلاة إلا بطهور)، واعتمدوا على أن لفظة (لا) لا يمكن أن تكون نافية
~~للفعل مع علمنا بوقوعه، فيجب أن يكون داخلا فيه على أحد الامرين إما
~~الاجزاء *، وإما التمام والفضل، وإذا لم يكن في اللفظ ما يقتضي ذلك، فهو
~~مجمل. وربما قالوا: أن الاجزاء PageV01P353
# والتمام لا يصح أن يرادا بعبارة واحدة.
# والذي نقوله في هذا الباب: أن الذي ذكروه وإن كان في اللفظ نفيا، فهو في
~~المقصد والغرض إثبات، والغرض أن من شرط الصلاة الطهور، وقراءة فاتحة
~~الكتاب، والولي في النكاح، فجعلوا النفي منبئا عن الاثبات، وهو أوكد منه،
~~لان قول القائل:
# (لا صلاة إلا بطهور) أوكد من قوله: من شرط الصلاة الطهور، والنفي واقع في
~~الحقيقة على الصلاة، لان فقد الطهارة ينفي كونها صلاة مشروعة. وكذلك الظاهر
~~في كل ما دخل عليه هذا الحرف من نكاح، أو صيام، أو غير ذلك.
# وإنما قادتنا الضرورة فيما روي من قوله - عليه السلام -:
# (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) وإلى أن نحمله على نفي PageV01P354
# الفضل والتمام، لحصول الاجماع على أن الصلاة في غير المسجد شرعية مجزية.
# وأما ما ألحقه قوم بالعموم، وهو عند آخرين من المجمل، فهو قوله - تعالى
~~-: (أقيموا الصلاة)، فإن أصحاب الشافعي اعتمدوا على هذه الآية في وجوب
~~الصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله - في التشهد الأخير، من حيث كان لفظ
~~الصلاة يفيد الدعاء.
# وأنكر آخرون ذلك، وادعوا أن لفظة الصلاة قد انتقلت بالعرف الشرعي إلى ذات
~~الركوع والسجود فلا يجوز أن يحمل لفظ الصلاة على ما كان في اللغة.
# والصحيح أن ذلك يصح التعلق به، لان لفظ الصلاة في أصل اللغة هو الدعاء
~~بلا شبهة، ولم ينتقل بعرف الشرع عن هذا المعنى، وإنما تخصص، لأنه كان
~~محمولا قبل الشرع على كل دعاء، في أي موضع كان، وفي الشريعة تخصص بالدعاء
~~في ركوع وسجود وقراءة. وجرى في أنه تخصيص مجرى لفظ ms152 PageV01P355
# الصيام لأنه كان في اللغة عبارة عن الامساك، وصار في الشرع عبارة عن
~~الامساك عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة.
# فاما الزكاة، فهي النماء والزيادة في اللغة، وجعل في الشرع عبارة عن سبب
~~ذلك من الصدقة المخصوصة. فالتعلق به على ما بيناه في وجوب الصلاة على النبي
~~- ص ع - في التشهدين الأول والأخير صحيح مطرد.
# ولو أن أصحاب الشافعي احتجوا في وجوب الصلاة على النبي في التشهد بقوله -
~~تعالى -: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه
~~وسلموا تسليما)، فإن ظاهر الامر يقتضي الوجوب، ويدخل فيه جميع الأحوال التي
~~من جملتها حال التشهد، لكان أقوى مما تعلقوا به في ذلك.
# فأما قوله - تعالى -: (أقيموا الصلاة)، فيدخل تحته الصلاة الواجبة والنفل
~~والقضاء والأداء. PageV01P356
# وذهب قوم إلى أنه لا يدخل تحت اللفظة إلا واجب الصلوات دون نفلها،
~~وأصولها دون قضائها، واعتلوا بالوعيد في خروج النافلة، وبأن الفائت تابع
~~للأصل، ويوجبه الاخلال بالأصل، فكيف يرادان معا.
# وهذا ليس بصحيح، لأنه ليس في كل موضع من القرآن أمر فيه بالصلاة اقترن به
~~الوعيد، وما اقترن بالوعيد يحمل الوعيد على أنه يتناول من ترك الواجب من
~~الصلاة، وإن كان الامر بالكل عاما. ولا تنافي بين أن يريد أداء الأصل
~~وقضاءه إذا فات، ولو صرح بذلك، حتى يقول: قد أوجبت عليك فعل الصلاة مؤديا،
~~فإن فرطت فهي واجبة قضاءا، لكان ذلك صحيحا لا تنافي فيه.
# ومما يجري مجرى ما ذكرناه ما تعلق قوم به في أن الرقبة في كفارة الظهار
~~يجب أن تكون مؤمنة، لقوله - تعالى -: PageV01P357
# (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون).
# وأنكر آخرون ذلك عليهم، من أن الكافر ليس بخبيث على التحقيق، وأن العتق
~~لا يسمى نفقة.
# وليس ما أنكروه بمستبعد، لان الخبيث لا خلاف بين الأمة في إطلاقه على كل
~~كافر، كما أطلقوا الطهارة في كل مؤمن. و غير ممتنع أن يسمى العتق إنفاقا في
~~سبيل الله تعالى، لأنهم يسمون من أعتق عبده لوجه الله - تعالى - أنه منفق
~~لماله في سبيل ms153 الله تعالى، والانفاق اسم لاخراج الأموال في الوجوه
~~المختلفة، فلا وجه لاستبعاد ذلك.
# ويجرى مجرى هذه الآية قوله - تعالى -: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب
~~الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون)، فإن أصحاب الشافعي يستدلون بهذه الآية
~~على أن المؤمن لا يقتل بكافر وطعن قوم على هذا الاعتماد منهم بأن قالوا: ما
~~تعلق الاستواء PageV01P358
# به غير مذكور، ولا يمكن ادعاء العموم فيه، فهو كالمجمل الذي لا ظاهر له.
# وليس يمتنع التعلق بهذا الآية، لا سيما على مذهب من يقول في كل شئ يحتمل
~~لأشياء مختلفة: أن اللفظ إذا أطلق، ولم يبين المتكلم به أنه قصد وجها
~~بعينه، حمل على العموم، ولهذا يقولون في الامر - إذا عري من ذكر وقت أو
~~مكان - أنه عام في الأوقات والأماكن، فما المانع من أن الاستواء إذا لم
~~يتخصص وجب حمله على كل الصفات.
# على أنا كما علمنا من عادة الصحابة والتابعين وعرفهم أن يحملوا ألفاظ
~~العموم على الاستغراق إلا أن يقوم دليل، كذلك علمنا منهم أن يحملوا الألفاظ
~~المطلقة المحتملة على كل ما تصلح له إلا أن يمنع دليل. PageV01P359
# فصل في ذكر جواز تأخير التبليغ اعلم أن التبليغ من النبي - عليه السلام -
~~موقوف على المصلحة، فإن اقتضت تقديمه، تقدم. وإن اقتضت تأخيره، تأخر.
# فمن قال من الفقهاء: أن التبليغ لا يجوز أن يتأخر، وأراد عن وقت الحاجة
~~والمصلحة، فالامر على ذلك. وإن أراد أنه لا يتأخر عن وقت إمكان الابلاغ
~~والأداء، فذلك باطل، لأنه غير ممتنع أن يكون وقت إمكان الابلاغ * لا تتعلق
~~به المصلحة، فلا يحسن الابلاغ.
# ثم ذلك يلزم فيه تعالى، حتى يكون متى أمكنه تعريفنا ذلك أن يكون التعريف
~~واجبا إما بخطاب منه - تعالى - أو برسوله وهذا يقتضي أن لا يقف التقديم على
~~حد.
# فأما قوله - تعالى -: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من PageV01P360
# ربك)، فإنه يقتضي إيجاب التبليغ على الوجه المأمور به، فمن أين تقدمه دون
~~تأخيره؟. ثم بهذا القول وجب التبليغ، وقد كان - قبل نزوله - التبليغ، ممكنا
~~وليس بواجب. وحملهم ms154 ذلك على تأخير بيان المجمل غير صحيح، لأنا نجوز تأخير
~~بيان المجمل، وسندل عليه بعون الله تعالى. ومن منع من ذلك، فلان تأخير بيان
~~المجمل يقتضي قبح الخطاب، وليس هذا في التبليغ، لأنه - عليه السلام - لم
~~يخاطب بشئ، فبينه.
# فصل في أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة اعلم أن هذا المسألة لا
~~خلاف فيها، والذي يدل - مع ذلك - على صحة ما ذكرناه أن تعذر العلم بالواجب
~~أو بسببه يقتضي قبح التكليف، ويجري مجرى تكليف ما لا يطاق، ولا فرق عند
~~PageV01P361
# العقلاء في القبح بين تكليف من لا يقدر، ومن لا يتمكن من العلم، والتبيين
~~وإن لم يحصل في وقت الحاجة، فلأجل تفريط المكلف، وإنما أتى به من قبل نفسه،
~~والتبيين في إمكان المكلف وإن فرط فيه.
# فصل في تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلف الناس في هذه المسألة فمنهم من
~~امتنع من تأخير بيان المجمل والعموم عن وقت الخطاب، وقال بمثل ذلك في
~~الأوامر، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأهل الظاهر. ومنهم من قال بجواز تأخير
~~بيان المجمل والعموم إلى وقت الحاجة، وهو قول أكثر الشافعية، وبعض أصحاب
~~أبي حنيفة. ومنهم من أجاز تأخير بيان المجمل، ولم يجز ذلك في العموم وما
~~جرى مجراه، وهو قول جماعة من أصحاب الشافعي وأبي الحسن الكرخي. ومنهم
~~PageV01P362
# من أجاز تأخير بيان الأوامر، ولم يجزه في الاخبار.
# والذي نذهب إليه أن المجمل من الخطاب يجوز تأخير بيانه إلى وقت الحاجة.
~~والعموم لو كان باقيا على أصل اللغة في أن ظاهره محتمل لجاز - أيضا - تأخير
~~بيانه، لأنه في حكم المجمل، وإذا إنتقل بعرف الشرع. إلى وجوب الاستغراق
~~بظاهره، فلا يجوز تأخير بيانه.
# والذي يدل على جواز تأخير بيان المجمل أنه غير ممتنع أن تعرض فيه مصلحة
~~دينية فيحسن لها.
# وليس لهم أن يقولوا: هيهنا وجه قبح وهو الخطاب بما لا يفهم المخاطب
~~معناه، والمصلحة لا تقتضي حسن ما فيه وجه قبح ثابت)، لأنا سنبين أن الذي
~~ادعوه غير صحيح، وأنه لا وجه ms155 قبح فيه.
# و - أيضا - فتأخر العلم بتفصيل صفات الفعل ليس بأكثر PageV01P363
# من تأخير إقدار المكلف على الفعل، ولا خلاف في أنه لا يجب أن يكون في حال
~~الخطاب قادرا ولا على سائر وجوه التمكن، فكذلك العلم بصفة الفعل.
# و - أيضا - فقد نطق الكتاب بتأخير البيان في قوله - تعالى -:
# (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: أتتخذنا هزوا؟! قال:
# أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟
~~قال: إنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر، عوان بين ذلك، فافعلوا ما
~~تؤمرون. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟، قال: إنه يقول: إنها بقرة
~~صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟، إن
~~البقر تشابه علينا، وإنا إنشاء الله لمهتدون. قال: إنه يقول: إنها بقرة لا
~~ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لاشية فيها. قالوا: الآن جئت بالحق،
~~فذبحوها، وما كادوا يفعلون.) ووجه الدلالة من الآية أنه - تعالى - أمرهم
~~بذبح بقرة لها هذه الصفات المذكورة كلها، ولم يبين في أول وقت الخطاب ذلك
~~حتى راجعوه واستفهموه، PageV01P364
# حتى بين لهم المراد شيئا بعد شئ، وهذا صريح في جواز تأخير البيان.
# فإن قيل: لم زعمتم أن الصفات كلها هي للبقرة الأولى التي أمروا بذبحها،
~~وما أنكرتم أن يكونوا أمروا في الخطاب الأول بذبح بقرة من عرض البقر، فلو
~~امتثلوا و ذبحوا أي بقرة اتفقت، كانوا قد فعلوا الواجب، فلما توقفوا،
~~وراجعوا، تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة غير فارض ولا بكر، من غير مراعاة
~~لباقي الصفات. فلما توقفوا - أيضا -، تغيرت المصلحة في تكليفهم، فأمروا
~~بذبح بقرة صفراء. فلما توقفوا، تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح ما له كل
~~الصفات. و إنما يكون لكم في ذلك حجة لو صح لكم أن الصفات كلها كانت للبقرة
~~الأولى.
# قلنا هذا سؤال من لا يعرف عادة أهل اللغة في كناياتهم، PageV01P365
# لان الكناية في قوله: (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) لا يجوز عند متأمل أن
~~يكون ms156 كناية إلا عن البقرة التي تقدم ذكرها، لأنه لم يجر ذكر لغيرها، فيكنى
~~عنه.
# ولا يجوز على ما ذهب القوم إليه أن تكون كناية عن البقرة التي يريد -
~~تعالى - أن يأمرهم بذبحها ثانيا، لأنهم لا يعرفون ذلك، ولا يخطر لهم ببال،
~~فكيف يسألون عن صفة بقرة لا يعلمون أنه يؤمرون بذبحها؟ ويجري ذلك مجرى قول
~~* أحدنا لغلامه: (أعطني تفاحة) فيقول غلامه: (بين لي ما هي) فلا يصرف أحد
~~من العقلاء هذا الكناية إلا إلى التفاحة المأمور بإعطائها.
# ثم قال - تعالى - بعد ذلك: إنه يقول: (إنها بقرة لا فارض ولا بكر، عوان
~~بين ذلك) وقد علمنا أن الهاء في قوله - تعالى -: PageV01P366
# (إنه يقول) هي كناية عنه تعالى، لأنه لم يتقدم ما يجوز رد هذه الكناية
~~إليه إلا اسمه تعالى. فكذلك يجب أن يكون قوله - تعالى -: (إنها) كناية عن
~~البقرة المتقدم ذكرها، وإلا، فما الفرق بين الامرين.
# وكذلك الكلام في الكناية بقوله - تعالى -: (ما لونها)، وقوله: (إنها بقرة
~~صفراء)، والكناية في قوله - تعالى -: (ما هي إن البقر تشابه علينا)، ثم
~~الكناية في قوله - تعالى -: (إنه يقول: إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض).
# ولا يجوز ان تكون الكناية في قوله - تعالى -: (إنها) في المواضع كلها
~~للقصة والحال، لان الكناية في (إنها) لا بد أن تتعلق بما تعلقت به الكناية
~~في قوله: (ما هي)، والأشبهة في أن المراد بلفظة (هي) البقرة التي أمرهم
~~بذبحها فيجب أن PageV01P367
# يكون كناية الجواب تعود إلى ما كني عنه بالهاء في السؤال، ولو جاز تعليق
~~(إنها) بالقصة والشأن، جاز تعليق (ما هي) بذلك، و جاز - أيضا - أن يكون
~~الكناية في قوله - تعالى -: (إنه يقول) عن غير الله تعالى، ويكون عن الامر
~~والقصة، كما قالوا: (إنه زيد منطلق)، فكنوا عن الشأن والقصة. وكيف يكون
~~قوله: (إنها كذا وكذا) كناية عن غير ما كني عنه بما هي وبما لونها، أو ليس
~~ذلك موجبا أن يكون جوابا عن غير المسؤول عنه؟ لأنهم سألوا عن صفات البقرة
~~التي تقدم ذكرها، وأمرهم بذبحها، فأجيبوا ms157 عن غير ذلك. و سواء جعلوا الهاء
~~في (إنها) عن الشأن والقصة، أو عن البقرة التي أمروا ثانيا وثالثا بذبحها،
~~كيف يجوز أن يسألوا عن صفة ما تقدم أمره لهم بذبحها، فيترك ذلك جانبا،
~~ويذكر صفة ما لم يتقدم PageV01P368
# الامر بذبحه، وإنما أمروا أمرا مستأنفا به.
# ولو كان الامر على ما قالوه من أنه تكليف بعد تكليف، لكان الواجب لما
~~قالوا: (ما هي) وإنما عنوا البقرة التي أمروا ابتداء بذبحها، أن يقول لهم:
~~أي بقرة شئتم، وعلى أي صفة كانت، وما أمرتكم بقبح بقرة لها صفة معينة،
~~والآن فقد تغيرت مصلحتكم، فاذبحوا الآن ما صفتها كذا وكذا. وإذا قالوا له:
~~(ما لونها) يقول، أي لون شئتم، وما أردت لونا بعينه، والآن فقد تغيرت
~~المصلحة، والذي تؤمرون به الآن بقرة صفراء.
# ولما قالوا في الثالث: (ما هي إن البقر تشابه علينا) أن يقول : المأمور
~~به صفراء، على أي صفة كانت بعد ذلك، وقد تغيرت المصلحة، فاذبحوا بقرة، لا
~~ذلول تثير الأرض، إلى آخر الصفات.
# فلما عدل تعالى - عن ذلك إلى نعت بعد آخر، دل على أنها نعوت للبقرة
~~الأولى. PageV01P369
# على أنه لو جاز صرف الهاء في قوله - تعالى -: (إنها) إلى الشأن والقصة -
~~وإن كان المفسرون كلهم قد أجمعوا على خلاف ذلك، لأنهم كلهم قالوا: هي كناية
~~عن البقرة المتقدم ذكرها، وقالت المعتزلة بالأسر: أنها كناية عن البقرة
~~التي تعلق التكليف المستقبل بذبحها، ولم يقل أحد: أنها للقصة والحال - لكان
~~ذلك يفسد من وجه آخر، وهو أنه إذا تقدم ما يجوز أن تكون هذه الكناية راجعة
~~إليه، ولم يجر للقصة والحال ذكر، فالأولى أن تكون متعلقة بما ذكر وتقدم
~~الاخبار عنه، دون ما لا ذكر في الكلام له، وإنما استحسنوا الكناية عن الحال
~~والقصة في بعض المواضع، بحيث تدعوا الضرورة، ولا يقع اشتباه، ولا يحصل
~~التباس.
# وبعد، فإنما يجوز إضمار القصة والشأن بحيث يكون الكلام مع تعلق الكناية
~~بما تعلقت به مفيدا مفهوما، لان PageV01P370
# القائل إذا قال: (إنه زيد منطلق) و (إنها ms158 قائمة هند)، فتعلقت الكناية
~~بالحال والقصة، أفاد ما ورد في الكلام، وصار كأنه قال: (زيد منطلق) و
~~(قائمة هند)، والآيات بخلاف هذا الموضع، لأنا متى جعلنا الكناية في قوله:
~~(إنها بقرة لا فارض) و (إنها بقرة صفراء) و (إنها بقرة لا ذلول) متعلقة
~~بالحال والقصة، بقي معنا في الكلام ما لا فائدة فيه ولا يستقل بنفسه، لأنه
~~لا فائدة في قوله: (بقرة صفراء) و (بقرة لا فارض)، ولا بد من ضم كلام إليه،
~~حتى يستقل ويفيد، فإن ضممنا إلى قوله: (بقرة لا فارض) أو (بقرة صفراء) التي
~~أمرتم بذبحها، أفاد لعمري. فبطل صرف الكناية إلى غير البقرة، ووجب أن تصرف
~~الكناية إلى البقرة حتى لا يحتاج أن يحذف خبر المبتدأ والاكتفاء بما في
~~الكلام أولى من تأويل يقتضي العدول PageV01P371
# إلى غيره، وحذف شئ ليس بموجود في الكلام.
# ومما يدل على صحة ما نصرناه أن جميع المفسرين للقرآن أطبقوا على أن
~~الصفات المذكورات للبقرة أعوز اجتماعها للقوم حتى توصلوا إلى ابتياع بقرة
~~لها هذه الصفات كلها بملء جلدها ذهبا، ولو كان الامر على ما قاله
~~المخالفون، لوجب أن لا يعتبر فيما يبتاعونه ويذبحونه إلا الصفات الأخيرة،
~~دون ما تقدمها، ويلغى ذكر الصفراء، أو التي ليست بفارض ولا بكر، وأجمعوا
~~على أن الصفات كلها معتبرة. فعلم أن البيان تأخر وان الصفات كلها للبقرة
~~الأولى.
# فإن قيل: فلم عنفوا على تأخير هم امتثال الامر الأول، وعندكم أن البيان
~~للمراد بالامر الأول تأخر ولم قال - PageV01P372
# - سبحانه -: (فذبحوها وما * كادوا يفعلون).
# قلنا: ما عنفوا بتأخير امتثال الامر الأول، وليس في القرآن ما يشهد بذلك،
~~بل كان البيان شيئا بعد شئ، كلما طلبوه واستخرجوه، من غير تعنيف، ولا قول
~~يدل على أنهم عصاة بذلك. فأما قوله - تعالى في آخر القصة:
# (فذبحوها وما كادوا يفعلون) فإنما يدل على أنهم كادوا يفرطون في آخر
~~القصة وعند تكامل البيان، ولا يدل على أنهم فرطوا في أول القصة. ويجوز أن
~~يكونوا ذبحوا بعد تثاقل، ثم فعلوا ما أمروا به.
# دليل ms159 آخر: ومما يدل على جواز تأخير البيان أنا قد علمنا ضرورة أنه يحسن
~~من الملك أن يدعو بعض عما له فيقول له:
# قد وليتك البلد الفلاني، وعولت على كفايتك، فأخرج إليه PageV01P373
# في غد، أو في وقت بعينه، وأنا أكتب لك تذكرة بتفصيل ما تعمله، وتأتيه،
~~وتذره أسلمها إليك عند توديعك لي، أو أنفذها إليك عند استقرارك في عملك.
~~وكذلك يحسن من أحدنا أن يقول لغلامه: أنا آمرك أن تخرج إلى السوق يوم
~~الجمعة، وتبتاع ما أبينه لك غداة يوم الجمعة، ويكون القصد بذلك إلى التأهب
~~لقضاء الحاجة، والعزم عليها، وقطع العوائق والشواغل دونها. وهذا هو نظير ما
~~أجزناه من تأخير بيان المجمل، بل هو هو بعينه. ولم يجر ذلك عند أحد مجرى
~~خطاب العربي بالزنجية.
# دليل آخر: وهو أنا قد أجمعنا على أنه - تعالى - يحسن منه تأخير بيان مدة
~~الفعل المأمور به والوقت الذي ينسخ فيه عن وقت الخطاب، وإن كان مرادا
~~بالخطاب، لأنه PageV01P374
# إذا قال: صلوا، وأراد بذلك غاية معينة، فالانتهاء إليها من غير تجاوز لها
~~مراد في حال الخطاب، وهو من فوائده، و مراد المخاطب به. وهذا هو نص مذهب
~~القائلين بجواز تأخير بيان المجمل، ولم يجر ذلك عند أحد مجرى خطاب العربي
~~بالزنجية.
# فإن قالوا: ليس يجب أن يبين في حال الخطاب كل مراد بالخطاب.
# قلنا: قد أصبتم، فاقبلوا في الخطاب بالمجمل مثل ذلك.
# فإن قالوا: لا حاجة به إلى بيان مدة النسخ وغاية العبادة، لان ذلك بيان
~~لما يجب أن يفعله، وهو غير محتاج الآن إلى بيان ما لا يجب أن يفعله، وإنما
~~يحتاج في هذه الحال إلى بيان صفة ما يجب أن يفعله.
# قلنا: هذا هدم لكل ما تعتمدون عليه في تقبيحكم تأخير البيان لأنكم توجبون
~~البيان لشئ يرجع إلى الخطاب، لا لأمر PageV01P375
# يرجع إلى إزاحة علة المكلف في الفعل، فإن كنتم إنما تمنعون من تأخير
~~البيان لأمر يرجع إلى إزاحة العلة والتمكن من الفعل، فأنتم تجيزون أن يكون
~~المكلف في حال * الخطاب غير قادر ms160 ولا متمكن بالآلات، وذلك أبلغ في رفع
~~التمكن من فقد العلم بصفة الفعل. وإن كان امتناعكم لأمر يرجع إلى وجوب حسن
~~الخطاب، وإلى أن المخاطب لا بد من أن يكون له طريق إلى العلم بجميع فوائده،
~~فهذا ينتقض بمدة الفعل، وغايته، لأنها من جملة المراد، وقد أجزتم تأخير
~~بيانها، وقلتم بنظير قول من يجوز تأخير بيان المجمل، لأنه يذهب إلى أنه
~~مستفيد بالخطاب المجمل بعض فوائده دون بعض وقد أجزتم مثله. والرجوع إلى
~~إزاحة العلة نقض منكم لهذا الاعتبار كله.
# فأما الذي يدل على قبح تأخير بيان العموم، فهو أن العموم لفظ موضوع
~~لحقيقته والحكيم لا يجوز أن يخاطب بلفظ له حقيقة وهو لا يريدها من غير أن
~~يدل في حال خطابه على أنه متجوز باللفظ ولا إشكال في قبح ذلك، والعلة في
~~قبحه أنه PageV01P376
# خطاب أريد به غير ما وضع له من غير دلالة.
# والذي يدل على ذلك أنه لا يحسن أن يقول الحكيم منا لغيره: (افعل كذا) وهو
~~يريد التهديد والوعيد، أو (اقتل زيدا) وهو يريد اضربه الضرب الشديد الذي
~~جرت العادة بان يسمى قتلا مجازا، ولا أن يقول: (رأيت حمارا) وهو يريد رجلا
~~بليدا، من غير دلالة تدل على ذلك، أو اضطرار إلى قصده، ومن فعل ذلك، كان
~~عندهم سفيها مذموما، وبهذا المعنى بانت الحقيقة من غيرها، لان الحقيقة
~~تستعمل بلا دليل، والمجاز لا بد معه من دليل. وليس تأخير بيان المجمل جاريا
~~هذا المجرى، لان المخاطب بالمجمل ما أرد به إلا ما هو فيه حقيقة، ولم يعدل
~~عما وضع له، ألا ترى أن قوله - تعالى -: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) إذا
~~أراد به قدرا مخصوصا، فلم يرد إلا ما اللفظ بحقيقته موضوع له، وكذلك إذا
~~قال: (عندي شئ) فإنما استعمل اللفظ الموضوع في اللغة للاجمال فيما وضعوه
~~له، وليس كذلك مستعمل لفظ العموم وهو يريد الخصوص، لأنه PageV01P377
# أراد باللفظ ما لم يوضع له، ولم يدل عليه.
# دليل آخر: ومما يدل على ذلك أن الخطاب وضع للإفادة ms161 ومن سمع لفظ العموم مع
~~تجويزه أن يكون خصوصا ويبين له في المستقبل لا يستفيد في هذه الحال به
~~شيئا، ويكون وجوده كعدمه.
# فإن قيل: يعتقد عمومه بشرط ان لا يخص.
# قلنا: ما الفرق بين قولك وبين قول من يقول: يجب أن يعتقد خصوصه إلى أن
~~يدل مستقبلا على ذلك، لان اعتقاده للعموم مشروط، وكذلك اعتقاده للخصوص.
~~وليس بعد هذا إلا أن يقال: يعتقد أنه على أحد الامرين إما العموم أو الخصوص
~~وينتظر وقت الحاجة، فإما أن يترك على حاله فيعتقد العموم، أو يدل على
~~الخصوص فيعمل عليه. وهذا هو نص قول أصحاب الوقف في العموم قد صار إليه من
~~يذهب إلى أن لفظ العموم مستغرق بظاهره على أقبح الوجوه، فإن أصحاب الوقف في
~~العموم PageV01P378
# يقطعون على أن القائل إذا قال: (اضرب الرجال) على أن المراد ثلاثة، وإنما
~~يشك فيما زاد على هذا العدد، ومن جوز تأخير بيان العموم يجوز في وقت الحاجة
~~أن يبين أن المراد واحد من الرجال.
# دليل آخر: ومما يدل على ذلك أن القول بجواز تأخير بيان تخصيص العموم
~~يقتضي أن يكون المخاطب قد دل على الشئ بخلاف ما هو به، لان لفظ العموم مع
~~تجرده يقتضي الاستغراق، فإذا خاطب به مطلقا، لا يخلو من أن يكون دل به على
~~الخصوص، وذلك يقتضي كونه دالا بما لا دلالة فيه، أو يكون قد دل به على
~~العموم، فقد دل على خلاف مراده لان مراده الخصوص فكيف يدل عليه بلفظ
~~العموم.
# فإن قيل: إنما يستقر كونه دالا عند الحاجة إلى الفعل.
# قلنا: حضور زمان الحاجة ليس بمؤثر في دلالة اللفظ، فإن دل اللفظ على
~~العموم فيها، فإنما يدل لشئ يرجع إليه، وذلك PageV01P379
# قائم قبل وقت الحاجة.
# على أن وقت الحاجة إنما يعتبر في القول الذي يتضمن تكليفا. فأما ما لا
~~يتعلق بالتكليف من الاخبار وضروب الكلام، يجب أن يجوز تأخير بيان ضروب
~~المجاز فيه عن وقت الخطاب إلى غيره من مستقبل الأوقات، وهذا يؤدي إلى سقوط
~~الاستفادة من ms162 الكلام، وأن وجوده في الفائدة كعدمه.
# وقد استدل من دفع جواز تأخير بيان المجمل بأن قال:
# خطاب العربي بالزنجية لا إشكال في قبحه، ومثله الخطاب بالمجمل، والعلة
~~الجامعة بينهما أنه خطاب لا يفهم منه المراد.
# قالوا: وليس لاحد أن يفرق بين الامرين بأن الخطاب بالزنجية لا يفهم منه
~~شئ من الفوائد، والمجمل يستفاد منه على كل حال، لأنه - تعالى - إذا قال:
~~(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها)، و (أقيموا الصلاة)، فالمخاطب يستفيد أنه
~~مأمور بأخذ الصدقة من المال، وإن جهل PageV01P380
# مبلغها، ووقف ذلك على البيان، وهو مكلف للعزم على ذلك، وتوطين النفس على
~~فعله متى بين له. وكذلك في الصلاة يعلم أنه مكلف لفعل هو عبادة، إلا أنه لا
~~يعرف كيفية هذه العبادة، وهو منتظر بيانها، والخطاب بالزنجية بخلاف هذا
~~كله.
# قالوا: وذلك أنه يمكن في الخطاب بالزنجية مثل ما خرجتموه في المجمل، لان
~~الحكيم إذا خاطب العربي بالزنجية، فلا بد من أن يقطع المخاطب على أنه قد
~~قصد بخطابه - وإن كان بالزنجية - إلى أمره، أو نهيه، أو إخباره، ويجب عليه
~~أن يعزم على فعل ما يبين أنه أمره به، والكف عما لعله يبين له أنه نهاه
~~عنه، وكرهه منه، ويوطن نفسه * على ذلك، PageV01P381
# وتتعلق مصلحته به، فلا فرق بين الامرين.
# وإن فرق بينهما بأن الفائدة في الخطاب بالزنجية أقل أو أشد إجمالا، جاز
~~أن يقال: لا اعتبار في حسن الخطاب بكثرة الفائدة، لأنه يحسن من الخطاب ما
~~خرج من كونه عبثا، وقليل الفائدة في هذا الباب ككثيرها.
# والجواب أن من المعلوم قبح خطاب العربي بالزنجية كما قررتم، ومن المعلوم
~~- أيضا - الذي لا يختلف العقلاء في حسنه استحسان العقلاء من الملك أن يأمر
~~بعض أمرائه بالخروج إلى بعض البلدان، وأن يعمل في تدبيره على ما يكتب به
~~إليه ويوصيه قبل خروجه، على ما تقدم بيانه، ولا يجري ذلك في القبح مجرى
~~خطاب العربي بالزنجية. وإذا كنا قد علمنا من حسن المثال الذي ذكرناه، مثل
~~الذي علمناه من قبح خطاب العربي ms163 PageV01P382
# بالزنجية، ومعلوم أن الذي أجزناه من تأخير بيان المجمل إنما يشبه المثال
~~الذي أوردناه، دون الخطاب بالزنجية، فيجب حسن الخطاب بالمجمل، كما وجب حسن
~~نظائره.
# وبقي أن نعلل قبح ما علمنا قبحه من خطاب العربي بالزنجية، ونعلل حسن ما
~~علمنا حسنه من أمر الملك لأميره، فيعلم من علة ذلك ما يلحق به ما يشاركه في
~~علته.
# وليس يجوز أن يعلل قبح الخطاب بالزنجية بعلة يلحق به الخطاب الذي ذكرناه
~~من أمر الملك لخليفته، لان ما علمنا حسنه لا يجوز أن يكون فيه وجه قبح،
~~وكذلك أن يعلل حسن الأمثلة التي ذكرناها بما يلحق الخطاب بالزنجية بها، لان
~~ما علمنا قبحه لا يجوز أن يلحق بعلة من العلل بما هو حسن في نفسه.
# وتفسير هذه الجملة أنا متى عللنا قبح الخطاب بالزنجية PageV01P383
# بأنا لا نفهم بها مراد المخاطب، وجدنا ذلك فيما علمنا حسنه ضرورة من خطاب
~~الملك لخليفته، لان خليفة الملك لا يعرف من خطابه المجمل الذي حكيناه مراده
~~الذي أحاله في تفصيله على البيان.
# وإن عللنا قبحه بأنه مما لا فائدة فيه، فقد بينا أنه يمكن أن يدعى فيه
~~فائدة، فإنه لا يعدو أحد أقسام الكلام المعهودة، ولا بد من أن يكون المخاطب
~~- إذا كان حكيما - مريدا لبعضها. وإن عللنا حسن الأمثلة التي علمنا حسنها
~~بأنها تفيد فائدة ما، أو مما يتعلق مصلحة المخاطب بها، بأن يعتقد ويعزم على
~~الامتثال عند البيان، فهذا كله قائم في الخطاب بالزنجية. فلا بد من التعليل
~~بما لا يقتضى قبح ما علمنا حسنه، ولا حسن ما علمنا قبحه.
# ويمكن تعليل قبح الخطاب بالزنجية بأنه غير مفهوم منه نوع الخطاب، ولا أي
~~ضرب هو من ضروبه، ألا ترى أنه لا يفصل المخاطب بين كونه أمرا أو نهيا أو
~~خبرا أو استخبارا أو استفهاما PageV01P384
# أو عرضا أو تمنيا، ويجوز أن يكون شاتما له وقاذفا كما يجوز أن يكون مادحا
~~له ومثنيا عليه. وهذه النكتة تبطل فرقهم بين الامرين بأن الخطاب بالزنجية
~~إذا وقع من حكيم، فلا ms164 بد من أن يكون أمرا أو نهيا، فيجب على المخاطب أن
~~يعزم على فعل ما يبين له، لأنا قد بينا أنه قد يجوز أن يخلو الخطاب
~~بالزنجية من كل تكليف، وإلزام إلى أن يكون شتما وقذفا وما جرى مجريهما مما
~~لا نفع فيه، فلا يمكن أن يقال: إنا نعزم على فعل ما يبين لنا، وقد علمنا أن
~~المجمل يفصل فيه بين أنواع الخطاب وضروبه، وإنما يلتبس على المخاطب تفصيل
~~ما تعلق الامر به مما هو واقف على البيان، فهذه علة صحيحة في قبح الخطاب
~~بالزنجية لا نجدها فيما علمنا حسنه من المثال.
# وإن شئت أن تقول: العلة في قبح الخطاب بالزنجية أن PageV01P385
# المخاطب لا يستفيد منه فائدة معينة منفصلة، ولا بد في كل خطاب من أن
~~يستفاد منه فائدة مفصلة، وإن جاز أن يقترن بذلك فائدة أخرى مجملة، والخطاب
~~الجمل يستفاد منه فائدة معينة مفصلة، وإن استفاد أخرى مجملة لأنه - تعالى -
~~إذا قال:
# (أقيموا الصلاة) و (خذ من أموالهم صدقة)، فقد استفاد المخاطب أنه مأمور،
~~وقطع على ذلك، وأنه مأمور بعبادة هي الصلاة أو الصدقة، وإن شك في صفتها.
# فإن قيل: وأي فائدة في تقديم الخطاب بالمجمل وتأخير بيانه إلى وقت
~~الحاجة؟.
# قلنا: لا بد من أن يتعلق على الجملة بذلك مصلحة دينية حتى يحسن تقديم
~~الخطاب على وقت الحاجة. ومما يمكن أن يكون وجها لحسن ذلك أن المكلف يعزم
~~ويوطن نفسه على PageV01P386
# الفعل إلى وقت الحاجة، وهذا العزم وما يتبعه طاعة. وهو - أيضا - مسهل
~~للفعل المأمور به.
# وما لا يزال يصول به المخالف من قوله: (إن العزم والاعتقاد تابعان للفعل
~~المعزوم عليه، فلا يكونان أصلا مقصودا) غير صحيح، لأنا لم نجعل العزم
~~والاعتقاد أصلين، بل تابعين، لأنه يستفيد بالمجمل على كل حال وجوب الفعل
~~عليه، وإن جهل صفاته، فيجب عليه الاعتقاد والعزم تابعين لذلك، ولكنهما على
~~سبيل الجملة، لأنه يعتقد وجوب فعل على الجملة عليه ينتظر بيانه، ويعزم على
~~أدائه على هذا الوجه.
# ومن قوى ما يلزمونه أن يقال ms165 لهم: إذا جوزتم أن يخاطب بالمجمل ويكون بيانه
~~في الأصول، ويكلف المخاطب الرجوع إلى الأصول، فيعرف المراد، فما الذي يجب
~~أن يعتقد هذا المخاطب إلى أن يعرف من الأصول المراد؟.
# فإن قالوا: يتوقف عن اعتقاد التفصيل، ويعتقد على الجملة PageV01P387
# أنه يمتثل ما يبين له.
# قلنا: أي فرق بين هذا القول وبين من جوز تأخير بيان المجمل؟.
# فإذا قالوا: الفرق بينهما أنه إذا خوطب * وفي الأصول البيان، فهو متمكن
~~من الرجوع إليها، ومعرفة المراد وأنتم تجيزون خطابه بالمجمل من غير تمكن من
~~معرفة المراد.
# قلنا: إذا كان البيان في الأصول، فلا بد من زمان حتى يرجع فيه إليها،
~~فيعلم المراد، وهو في هذا الزمان قصيرا كان أو طويلا مكلف بالفعل، ومأمورا
~~باعتقاد وجوبه، والعزم على أدائه، على طريق الجملة من غير تمكن من معرفة
~~المراد وإنما يصح أن يعرف المراد بعد هذا الزمان، فقد عاد الامر إلى أنه
~~مخاطب بما لا يتمكن في الحال من معرفة المراد به، وهذا قول من جوز تأخير
~~البيان، ولا فرق في هذا الحكم بين طويل الزمان وقصيره.
# فإن قالوا: هذا الزمان الذي أشرتم إليه لا يمكن فيه معرفة المراد، فيجري
~~مجرى زمان مهلة النظر الذي لا يمكن وقوع PageV01P388
# المعرفة فيه.
# قلنا: ليس الامر كذلك لان زمان مهلة النظر لا بد منه، ولا يمكن أن تقع
~~المعرفة الكسبية في أقصر منه، وليس كذلك إذا كان البيان في الرجوع إلى
~~الأصول لأنه - تعالى - قادر على أن يقرن البيان إلى الخطاب، فلا يحتاج إلى
~~زمان للرجوع إلى تأمل الأصول.
# ثم يقال له: إذا كان تمكنه من الرجوع إلى الأصول في معرفة البيان وإن طال
~~الزمان كافيا في حسن الخطاب، فألا جاز أن يخاطب بالزنجية، ويكلفه الرجوع في
~~التفسير إلى من يعرف لغة الزنج أو أن يتعلم لغة الزنج ومواضعتهم، فليس ذلك
~~بأبعد من تكليفه الرجوع إلى الأصول التي ربما طال الزمان في معرفة المراد
~~منها.
# فإن قالوا: هذا تطويل في البيان.
# قلنا: وتكليفه الرجوع إلى تصفح الأصول ومعرفة ms166 المراد منها تطويل في
~~البيان فإذا جاز ذلك لمصلحة، جاز هذا. PageV01P389
# فإن قالوا: الخطاب بالزنجية وإن أمكن معرفة المراد به من جهة مترجم، أو
~~بتعلم مواضعة الزنج قبيح، لان المخاطب لا يستفيد به شيئا من الفوائد.
# قلنا: هذا صحيح، وبه فرقنا بين الخطاب بالمجمل وبالزنجية.
# وإنما لم نذكر ما حكي في الكتب من طرق مختلفة لمن أجاز تأخير البيان من
~~تعويل على أخبار آحاد وذكر أوقات الصلاة، وأشياء مختلفة مذكورة، لأنه لا شئ
~~من ذلك كله يدل على موضع الخلاف. وقد تكلم عليه بما يبطله فلا معنى للتطويل
~~بذكره.
# فصل في جواز سماع المخاطب العام وإن لم يسمع الخاص اختلف الناس في هذه
~~المسألة، فقال قوم من الفقهاء: أن تخصيص PageV01P390
# العام إذا لم يكن بالأدلة العقلية، فلا يجوز أن يسمع العام إلا مع الخاص،
~~بل يصرف الله - تعالى - عن سماع ذلك إلى حين سماع الخاص، وهو قول أبي علي
~~الجبائي وقول أبي هاشم الأول. و قال آخرون: يجوز أن يسمع العام وإن لم يسمع
~~الخاص، ويكون مكلفا لطلب الخاص وتأمله في الأصول، فإن وجده، عمل به، وإلا،
~~عمل في ظاهر العام، وقو قول النظام وقول أبي هاشم الأخير.
# والذي يدل على صحة المذهب الثاني أنه لا خلاف في حسن خطابه بالعام وفي
~~أدلة العقول تخصيصه، سواء استدل المكلف بالعقل على ذلك، أو لم يستدل، لان
~~التمكن من معرفة المراد في الحالين حاصل، فكذلك الحكم إذا خاطبه بالعام وفي
~~الأصول التخصيص، سواء أسمعه المخصص أم لا، لان التمكن من العلم بالمراد
~~حاصل. و إذا لم يقتض ما اتفقنا عليه إباحة الجهل، ولا كان مثل خطاب العربي
~~بالزنجية، فكذلك ما قلناه. PageV01P391
# فصل في أن تعليق الحكم بصفة لا يدل على انتقائه بانتفائها.
# اختلف الناس في ذلك، فقال قوم: إن انتفاء الصفة التي علق الحكم عليها لا
~~يدل على انتفاء الحكم عما ليس له تلك الصفة. وإنما يفيد تعليقه بها إثبات
~~الحكم فيما وجدت فيه، من غير إفادة الحكم في غيره نفيا ولا ms167 إثباتا. وإلى
~~هذا المذهب ذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والمتكلمون كلهم إلا من
~~لعله شذ منهم، وهو الصحيح المستمر على الأصول. وقد صرح بهذا المذهب أبو
~~العباس بن شريح، وتبعه على ذلك جماعة من شيوخ أصحاب الشافعي كأبي بكر
~~الفارسي والقفال وغيرهما. وذكر أبو العباس بن شريح ان الحكم إذا علق بصفة
~~فإنما يدل على ما تناوله لفظه إذا تجرد وقد يحصل فيه قرائن يدل معها على أن
~~ما عداه بخلافه، نحو PageV01P392
# قوله - تعالى -: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وقوله - جل اسمه -: (وان
~~كن أولات حمل فأنفقوا عليهن) وقوله - تعالى -:
# (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وقوله - تعالى -: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا)
~~وقوله - عليه السلام -: (في سائمة الغنم الزكاة). قال: وقد يقتضي ذلك أن
~~حكم ما عداه مثل حكمه، نحو قوله - تعالى -: (ومن قتله منكم متعمدا) وقوله -
~~تعالى -:
# (ولا تقل لهما أف) وقوله - تعالى -: (ولا تظلموا فيهن أنفسكم). وهذا
~~تصريح منه بالمذهب الصحيح، وأن القول - إذا تجرد - لم يقتض نفيا ولا إثباتا
~~فيما عدا المذكور، وأن بالقرائن تارة يعلم النفي، وأخرى الاثبات. وقد أضاف
~~ابن شريح قوله هذا إلى الشافعي، وتأول كلامه المقتضى بخلاف ذلك وبناه عليه.
~~وذهب أكثر أصحاب الشافعي وجمهورهم إلى PageV01P393
# أن تعليق الحكم بصفة دال بمجرده على نفي الحكم عما ليس له تلك الصفة.
~~وفيهم من ذهب إلى أن الاسم في هذا الباب كالصفة.
# وفيهم من فرق بين الاسم والصفة.
# والذي يدل على صحة ما اخترناه أنه قد ثبت أن تعليق * الحكم بالاسم اللقب
~~لا يدل على أن ما عداه بخلافه، وثبت أن الصفة كالاسم في الإبانة والتمييز،
~~وإذا ثبت هذان الأمران صح مذهبنا.
# والذي يدل على الأول أن تعليق الحكم بالاسم لو دل على أن ما عداه بخلافه،
~~لوجب أن يكون قول القائل: (زيد قائم) و (عمرو طويل) و (السكر حلو) مجازا،
~~معولا به عن الحقيقة، فإنه قد يشارك زيدا وعمروا في القيام والطول غيرهما،
~~ويشارك السكر في الحلاوة غيره. ويجب - أيضا - أن لا يمكن ms168 أن نتكلم بهذه
~~الألفاظ على سبيل الحقيقة، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك من مذهب أهل اللغة وأن
~~هذه الألفاظ حقيقة، ومما لا يجب كونها مجازا. PageV01P394
# ويلزم على هذا المذهب أن يكون أكثر الكلام مجازا. لان الانسان إذا أضاف
~~إلى نفسه فعلا من قيام، وأكل، وضرب، وما جرى مجرى ذلك، ليس يضيف إليها إلا
~~ما له فيه مشارك، والإضافة إليه يقتضي ظاهرها على مذهب من قال بدليل الخطاب
~~نفي ذلك الامر عمن عداه، فلا تكون هذه الأوصاف في موضع من المواضع إلا
~~مجازا، وهذا يقتضي أن الكلام كله مجاز.
# ويدل - أيضا - على ذلك أن من المعلوم أن لا يحسن أن يخبر مخبر بأن زيدا
~~طويل إلا وهو عالم بطوله، فلو كان قوله:
# (زيد طويل) كما يقتضي الاخبار عن طول زيد، يقتضي نفي الطول من كل من
~~عداه، لوجب ان لا يحسن منه أن يخبر بأن زيدا طويل إلا بعد أن يكون عالما
~~بأن غيره لا يشاركه في الطول ويجب أن يكون علمه بحال غير المذكور شرطا في
~~حسن الخبر، كما كان علمه بحال المذكور شرطا في حسن الخبر، ومعلوم خلاف ذلك.
~~PageV01P395
# و - أيضا - فإن ألفاظ النفي مفارقة لألفاظ الاثبات في لغة العرب، ولا
~~يجوز أن يفهم من ألفاظ الاثبات النفي كما لا يفهم من لفظ النفي الاثبات،
~~وقولنا: (زيد طويل) لفظه لفظ إثبات، فكيف يعقل منه نفي الحكم عن غير
~~المذكور، وليس هيهنا لفظ نفي.
# ويمكن أن يستدل بهذه الطريقة خاصة على أن تعليق الحكم بصفة لا يدل على
~~نفيه عما ليست له، من غير حمل الصفة على الاسم.
# وربما قوى - أيضا - ما ذكرناه بأن أحدا من العلماء لم يقل في ذكر الأجناس
~~الستة في خبر الربوا أن تعليق الحكم بها يدل على نفي الربوا عن غيرها، لان
~~العلماء بين رجلين: أحدهما يقول ببقاء غير هذه الأجناس على الإباحة، والآخر
~~يقيس عليها غيرها.
# فإن تعلق من سوى بين الاسم والصفة بأن جماعة من أهل العلم استدلوا على أن
~~غير الماء لا يطهر ms169 كالماء بقوله - تعالى -:
# (وأنزلنا من السماء ماء طهورا)، فنفوا الحكم عن غير الماء وهو
~~PageV01P396
# معلق بالاسم لا بالصفة، فالجواب أن من فعل ذلك فقد أخطأ في اللغة، وقد
~~حكينا أن في الناس من يسوي مخطئا بين الاسم والصفة في تعلق الحكم بكل واحد
~~منهما.
# ويمكن أن يكون من استدل بهذه الآية إنما عول على أن الاسم فيها يجري مجرى
~~الصفة، لان مطلق اسم الماء يخالف مضافة، فأجراه مجرى كون الإبل سائمة
~~وعاملة.
# وأما الدلالة على أن الصفة كالاسم في الحكم الذي ذكرناه، فهي أن الغرض من
~~وضع الأسماء في أصل اللغة هو التمييز والتعريف، وليمكنهم أن يخبروا عمن غاب
~~عنهم بالعبارة، كما أخبروا عن الحاضر بالإشارة، فوضعوا الأسماء لهذا الغرض،
~~ولما وقع الاشتراك بالاتفاق في الأسماء، بطل الغرض الذي هو التمييز
~~والتعريف، فاحتاجوا إلى إدخال الصفات، وإلحاقها بالأسماء PageV01P397
# ليكون الاسم مع الصفة بمنزلة الاسم لو لم يقع فيه اشتراك، ولولا الاشتراك
~~الواقع في الأسماء، لما احتيج إلى الصفة، ألا ترى أنه لو لم يكن في العالم
~~من اسمه (زيد) إلا شخص واحد، لكفى في الاخبار عنه أن يقال: (قام زيد) ولم
~~يحتج إلى إدخال الصفة فبان بهذه الجملة أن الصفة كالاسم في الغرض، وأن
~~الصفات لبعض الأسماء، فإذا ثبت ما ذكرناه في الاسم، يثبت فيما يجري مجراه،
~~ويقوم مقامه.
# ومما يبين أن الاسم كالصفة أن المخبر قد يحتاج إلى أن يخبر عن شخص بعينه،
~~فيذكره بلقبه، وقد يجوز أن يحتاج إلى أن يخبر عنه في حال دون أخرى، فيذكره
~~بصفته، فصارت الصفة مميزة للأحوال، كما أن الأسماء مميزة للأعيان، فحلا
~~محلا واحدا في الحكم الذي ذكرناه.
# ومما يدل ابتداء على بطلان دليل الخطاب أن اللفظ إنما يدل PageV01P398
# على ما يتناوله أو على ما يكون بأن يتناوله أولى، فأما أن يدل على ما لم
~~يتناوله ولا هو بالتناول أولى، فمحال، وإذا كان الحكم المعلق بصفة لم
~~يتناول غير المذكور، ولا هو بان يتناوله أولى، لم يدل إلا على ما اقتضاه
~~لفظه. ms170
# وشرح هذه الجملة أن قوله - عليه السلام -: (في سائمة الغنم الزكاة) معلوم
~~حسا وإدراكا أنه لم يتناول المعلوفة، ولا يمكن الخلاف فيما يدخل تحت الحس،
~~ولا هو بتناولها أولى، بدلالة أنه لو قال - عليه السلام -: (في سائمة الغنم
~~الزكاة وفي معلوفتها)، لما كان متناقضا، ومن شأن اللفظ إذا دل على ما لم
~~يتناوله بلفظه لكنه بان يتناوله أولى أن يمنع * من التصريح بخلافه، ألا ترى
~~أن قوله - تعالى -: (ولا تقل لهما أف) لما تناول النهي عن التأفيف بلفظه،
~~وكان بأن يتناول سائر المكروه PageV01P399
# أولى، لم يجز أن يتبعه ويلحقه بأن يقول: (لا تقل لهما أف واضربهما
~~واشتمهما،) لأنه نقض لما تقدم. فبان أن قوله - عليه السلام -: (في سائمة
~~الغنم الزكاة) ليس بتناوله للمعلوفة أولى.
# والذي يدل على أن اللفظ لا يدل على ما لا يتناوله ولا يكون بالتناول أولى
~~أنه لو دل على ذلك لم ينحصر مدلوله، لان ما لا يتناوله اللفظ لا يتناهى،
~~وليس بعضه بأن يدل عليه اللفظ مع عدم التناول بأولى من بعض.
# ومما يدل - أيضا - على ما ذكرناه حسن استفهام القائل:
# (ضربت طوال غلماني ولقيت أشراف جيراني) فيقال: (أضربت القصار من غلمانك
~~أو لم تضربهم؟، ولقيت العامة من جيرانك أو لم تلقهم؟)، فلو كان تعليق الحكم
~~بالصفة يقتضي وضعه نفي الحكم عما ليس له تلك الصفة كاقتضائه ثبوته لما له
~~تلك الصفة، PageV01P400
# لكان هذا الاستفهام قبيحا، كما يقبح أن يستفهمه عن حكم ما يتعلق اللفظ
~~به، فلو كان الأمران مفهومين من اللفظ، لاشتركا في حسن الاستفهام وقبحه.
# فإن قيل: إنما يحسن الاستفهام عن ذلك لمن لم يقل بدليل الخطاب، فأما من
~~تكلم بما ذكرتموه من الذاهبين إلى دليل الخطاب فهو لا يستفهم عن مراده إلا
~~على وجه واحد، وهو أن يكون أراد على سبيل المجاز خلاف ما يقضيه دليل
~~الخطاب، فحسن استفهامه لذلك.
# قلنا: حسن استفهام كل قائل أطلق مثل هذا الخطاب معلوم ضرورة، سواء علمنا
~~مذهبه في دليل الخطاب أو شككنا فيه، وأهل اللغة يستفهم ms171 بعضهم بعضا في مثل
~~هذا الخطاب، وليس لهم مذهب مخصوص في دليل الخطاب. فأما تجويزنا أن يكون
~~المخاطب عدل عن الحقيقة إلى المجاز، وأن هذا هو علة حسن الاستفهام، فباطل،
~~لأنه يقتضي حسن دخول الاستفهام في كل كلام، لأنه لا PageV01P401
# كلام نسمعه إلا ونحن نجوز من طريق التقدير أن يكون المخاطب به أراد
~~المجاز، ولم يرد الحقيقة، وفي علمنا بقبح الاستفهام في مواضع كثيرة دلالة
~~على فساد هذه العلة. على أن المخاطب لنا إذا كان حكيما، وأراد المجاز
~~بخطابه، قرن به ما يدل على أنه متجوز، ولا يحسن منه الاطلاق.
# وقد استدل المخالف لنا في هذه المسألة بأشياء:
# منها أن تعليق الحكم بالسوم لو لم يدل على انتفائه إذا انتفت الصفة، لم
~~يكن لتعليقه بالسوم معنى، وكان عبثا.
# ومنها أن تعليق الحكم بالسوم يجري مجرى الاستثناء من الغنم، ويقوم مقام
~~قوله: (ليس في الغنم إلا السائمة الزكاة) فكما أنه لو قال ذلك، لوجب أن
~~تكون الجملة المستثنى منها بخلاف الاستثناء، فكذلك تعليق الحكم بصفة.
# ومنها أن تعليق الحكم بالشرط لما دل على انتفائه بانتفاء الشرط، فكذلك
~~الصفة، والجامع بينهما أن كل واحد منهما PageV01P402
# كالآخر في التخصيص، لأنه لا فرق بين أن يقول: (في سائمة الغنم الزكاة)،
~~وبين أن يقول: (فيها إذا كانت سائمة الزكاة).
# ومنها ما روى عن النبي - ص ع - عند نزول قوله - تعالى -:
# (استغفر لهم، أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله
~~لهم) أنه قال: (لأزيدن على السبعين)، فلو لم يعلم - ص ع - من جهة دليل
~~الخطاب أن ما فوق السبعين بخلافها، لم يقل ذلك.
# ومنها ما روى عن عمر بن الخطاب: أن يعلي بن منبه سأله، فقال له: (ما
~~بالنا نقصر، وقد أمنا) فقال له: (عجبت مما عجبت منه، فسألت عنه رسول الله -
~~ص ع -، فقال: صدفة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) فتعجبهما من ذلك
~~يدل على أنهما فهما من تعلق القصر بالخوف أن حال الامن بخلافه.
# ومنها ما روى أن ms172 الصحابة كلهم قالوا: (الماء من الماء منسوخ) PageV01P403
# ولا يكون ذلك منسوخا إلا من جهة دليل الخطاب، وأن لفظ الخبر يقتضي نفي
~~وجوب الاغتسال بالماء من غير إنزال الماء.
# ومنها أن الأمة إنما رجعت في أن التيمم لا يجب إلا عند عدم الماء إلى
~~ظاهر قوله - تعالى -: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) و كذلك الصيام في الكفارة،
~~وأنه لا يجزي إلا عند عدم الرقبة إنما رجع فيه إلى الظاهر.
# والجواب عن الأول أن في تعليق الحكم بالسوم فائدة، لأنا به نعلم وجوب
~~الزكاة في السائمة، وما كنا نعلم ذلك قبله. ويجوز أن يكون حكم المعلوفة في
~~الزكاة حكم السائمة، وإن علمناه بدليل آخر. وليس يمتنع في الحكمين
~~المتماثلين أن يعلما بدليلين مختلفين بحسب المصلحة، ألا ترى أن حكم ما لا
~~يقع عليه النص من الأجناس في الربوا حكم المنصوص عليه، ومع ذلك دلنا على
~~ثبوت الربوا في الأجناس المذكورة بالنص، ووكلنا في إثباته في غيرها إلى
~~دلالة أخرى من قياس أو غيره. PageV01P404
# والجواب عن الثاني أن الاستثناء * عن العموم لم يدل بلفظ نفسه على أن ما
~~لم يناوله بخلاف حكمه، وإنما دل العموم على دخول الكل فيه، فلما أخرج
~~الاستثناء بعض ما تناوله العموم، علمنا حكم المستثنى بلفظ الاستثناء
~~وتناوله، وعلمنا أن حكم ما لم يتناوله بخلافه بلفظ العموم. مثال ذلك أن
~~القائل إذا قال:
# (ضربت القوم إلا زيدا)، فإنما يعلم بالاستثناء أن زيدا ليس بمضروب، ويعلم
~~أن ما عداه من القوم مضروب بظاهر العموم، لا من دليل الخطاب في الاستثناء،
~~وليس هذا موجودا في قوله - عليه السلام -: (في سائمة الغنم الزكاة) لأنه -
~~عليه السلام - ما استثنى من جملة مذكورة، ولو كان لسائمة الغنم اسم يختص
~~بها من غير إضافة إلى الغنم، لتعلق الزكاة به. وليس كل شئ معناه معنى
~~الاستثناء له حكم الاستثناء، لان للاستثناء ألفاظا موضوعة له، فما لم يدخل
~~فيه، لم يكن مستثنى منه ولا يكون PageV01P405
# الاستثناء واردا إلا على جملة مستقلة بنفسها، وكل هذا إذا وجبت مراعاته،
~~لم ms173 يجز أن يجري قوله - عليه السلام -: (في سائمة الغنم الزكاة) مجرى الجمل
~~المستثنى منها.
# والجواب عن الثالث أن الشرط عندنا كالصفة في أنه لا يدل على أن ما عداه
~~بخلافه، وبمجرد الشرط لا يعلم ذلك، وإنما نعلمه في بعض المواضع بدليل
~~منفصل، لان تأثير الشرط أن يتعلق الحكم به، وليس يمتنع أن يخلفه وينوب عنه
~~شرط آخر يجري مجراه، ولا يخرج من أن يكون شرطا، ألا ترى أن قوله تعالى -:
~~(واستشهدوا شهيدين من رجالكم) إنما منع من قبول الشاهد الواحد حتى ينضم
~~إليه الآخر، فانضمام الثاني إلى الأول شرط في القبول، ثم يعلم أن ضم
~~امرأتين إلى الشاهد الأول يقوم مقام الثاني، ثم يعلم بدليل أن ضم اليمين
~~إلى الشاهد الواحد يقوم مقام الثاني، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن
~~يحصى. PageV01P406
# والصحيح أن الحكم إذا علق بغاية أو عدد، فإنه لا يدل بنفسه على أن ما
~~عداه بخلافه، لأنا إنما نعلم أن ما زاد على الثمانين في حد القاذف لا يجوز،
~~لان نفي ما زاد على ذلك محظور بالعقل، فإذا وردت العبادة بعدد مخصوص خرجنا
~~عن الحظر بدلالة، وبقينا فيما زاد على ذلك العدد على حكم الأصل، وهو الحظر
~~وكذلك إذا قال الرجل لغلامه: (اعط زيدا مائة درهم) فإنا نعلم حظر الزائد
~~على المذكور بالأصل. ولو قال: (أعطيت فلانا مائة درهم)، لم يدل لفظا ولا
~~عقلا على أنه لم يعطه أكثر من ذلك. فأما تعليق الحكم بغاية فإنما يدل على
~~ثبوته إلى تلك الغاية، وما بعدها يعلم انتفاؤه أو إثباته بدليل. وإنما
~~علمنا في قوله - تعالى -:
# (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود)، وقوله -
~~تعالى -: (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، وقوله - سبحانه: (حتى يطهرن) أن ما
~~بعد الغاية بخلافها بدليل، PageV01P407
# وما يعلم بدليل غير ما يدل اللفظ عليه، كما نعلم أن ما عدا السائمة
~~بخلافها في الزكاة، وإنما علمناه بدليل.
# ومن فرق بين تعليق الحكم بصفة وبين تعليقه بغاية ليس معه إلا الدعوى، وهو
~~كالمناقض، ms174 لفرقه بين أمرين لا فرق بينهما.
# فإذا قال: فأي معنى لقوله - تعالى -: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) إذا
~~كان ما بعد الليل يجوز ان يكون فيه الصوم.
# قلنا: (وأي معنى لقوله - عليه السلام -: (في السائمة الغنم الزكاة)،
~~والمعلوفة مثلها.
# فإن قيل: لا يمتنع أن يكون المصلحة في أن يعلم ثبوت الزكاة في السائمة
~~بهذا النص، ويعلم ثبوتها في المعلوفة بدليل آخر.
# قلنا: كذلك لا يمتنع فيما علق بغاية حرفا بحرف. PageV01P408
# والصحيح أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه على كل حال،
~~بخلاف قول من يقول: إنه يدل على ذلك إذا كان بيانا، وإنما قلنا ذلك، لان ما
~~وضع له القول لا يختلف بأن يكون مبتدءا أو بيانا، وإذا لم يدل تعليق الحكم
~~بالصفة على نفي ما عداه، فإنما لم يدل على ذلك، لشئ يرجع إلى اللفظ، فهو في
~~كل موضع كذلك.
# والجواب عن الرابع أن ما طريقه العلم لا يرجع فيه إلى أخبار الآحاد، لا
~~سيما إذا كانت ضعيفة، وهذا الخبر يتضمن أنه - عليه السلام - يستغفر للكفار،
~~وذلك لا يجوز، وأكثر ما فيه أنه - عليه السلام - عقل أن ما فوق السبعين
~~بخلاف السبعين، فمن أين أنه فهم ذلك مظاهر الخبر من غير دليل سواه؟!.
# ولقائل أن يقول: أن الاستغفار لهم كان في الأصل مباحا، فلما ورد النص
~~بحظر السبعين، بقي ما زاد عليه على الأصل. PageV01P409
# وقد روي في هذا الخبر أنه - عليه السلام - قال: (لو علمت أني إن زدت على
~~السبعين يغفر الله لهم، لفعلت.)، وعلى هذه الرواية لا شبهة في الخبر.
~~والنبي - عليه السلام - أفصح وأفطن لأغراض العرب، من أين يجوز عليه مثل
~~ذلك؟! لان معنى الآية النهي عن الاستغفار للكفار، فإنك لو أكثرت في
~~الاستغفار للكفار، ما غفر الله لهم، فعبر عن الاكثار بالسبعين، ولا فرق
~~بينها وبين ما زاد عليها، كما تقول العرب: (لو جئتني سبعين مرة ما جئتك) *
~~ولا فرق بين الاعداد المختلفة في هذا الغرض، فكأنه يقول: (لو جئتني كثيرا
~~أو ms175 قليلا ما جئتك) وأي عدد تضمنه لفظه، فهو كغيره.
# والجواب عن الخامس أنه أيضا خبر واحد لا يحتج بمثله في هذا الموضع. ومع
~~ذلك لا يدل على موضع الخلاف، لأنا لا نعلم أن تعجبهما من القصر مع زوال
~~الخوف لأجل تعليق PageV01P410
# القصر بالخوف، ويجوز أن يكون تعجبهما لأنهما عقلا من الآيات الواردات في
~~إيجاب الصلاة وجوب الاتمام في كل حال، واعتقدا أن المستثنى من ذلك هو حال
~~الخوف، فتعجبا لهذا الوجه.
# والجواب عن السادس انه إذا صح قولهم: (إن الماء من الماء منسوخ)، من أين
~~لهم أنه عقلوا من ظاهره نفي وجوب الغسل من غير الماء؟، ولعلهم علموه بدليل
~~سوى اللفظ، لأنهم إذا حكموا بأنه منسوخ، فلا بد من أن يكونوا قد فهموا أن
~~ما عداه بخلافه، فمن أين أنهم فهموا ذلك باللفظ دون دليل آخر؟.
# وقد روي هذا الخبر بلفظ آخر، وهو (إنما الماء من الماء) وبدخول لفظة
~~(إنما) يعلم أن ما عداه بخلافه، لان القائل إذا قال: (إنما لك عندي درهم)
~~يفهم من قوله (وليس لك سواه).
# وعلى هذا الوجه تعلق ابن عباس - رحمه الله - في نفي الربوا عن غير
~~النسية، لقوله - عليه السلام -: (إنما الربوا في النسية). PageV01P411
# وقد روي هذا الخبر بلفظ آخر، وهو أنه - عليه السلام - قال: (لا ماء إلا
~~من الماء)، وعلى هذا اللفظ لا شبهة في الخبر.
# إن الصحابة لم تبين جهة قولها في هذا الخبر أنه منسوخ، وهل النسخ يتناوله
~~أو دليله، أو ما علم منه بقرينة، وقد علمنا أن المذكور من الحكم في اللفظ
~~وهو وجوب الغسل بالماء من إنزال الماء ليس بمنسوخ، فمن أين أن النسخ تناول
~~دليل اللفظ دون ما علم بقرينة؟
# وليس لهم أن يقولوا: (المراد بذلك الاقتصار من الماء على الماء)، لأنهم
~~ليسوا بأولى منا أن نقول: (المراد به أن التوضؤ من الماء منسوخ بوجوب
~~الاغتسال منه) فقد روي أنهم كانوا يتوضأون من التقاء الختانين، فأوجب -
~~عليه السلام - الغسل في ذلك.
# والجواب عن السابع أن آية التيمم وآية ms176 الكفارات بين PageV01P412
# فيهما حكم الأصل وحكم البدل، لأنه - تعالى - أوجب الطهارة عند وجود
~~الماء، وأوجب التيمم عند عدمه. وكذلك في الكفارة لأنه أوجب الرقبة في
~~الأصل، وعند عدمها أوجب الصيام، فعلمنا حكم البدل والمبدل جميعا بالنص،
~~وليس لدليل الخطاب في هذا مدخل.
# باب الكلام في النسخ وما يتعلق به فصل في حد النسخ ومهم أحكامه اعلم أنه
~~لا حاجة بنا إلى بيان معنى النسخ في أصل اللغة، ففي ذلك خلاف لا فائدة في
~~بيان الصحيح منه، والمحتاج إليه بيان حده في الشرع، وعلى مقتضى الأدلة
~~الشرعية. PageV01P413
# والدليل الموصوف بأنه ناسخ هو ما دل على مثل الحكم الثابت بالنص الأول
~~غير ثابت في المستقبل، على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه
~~عنه.
# والذي يجب العلم به وتقريره في النفس المعاني التي يبتنى حد النسخ عليها،
~~ثم تكون العبارة بحسب ما تقرر من المعاني.
# والتكليف على ضربين: أحدهما مستمر، والآخر لا يستمر.
# فما لا يستمر لا يدخل النسخ فيه. والمستمر على ضربين: أحدهما ان يكون
~~الطريق الذي به يعلم ثباته واستمراره به يعلم زواله عند غاية، ولا مدخل
~~للنسخ في ذلك. والضرب الثاني يعلم بالنص أو بقرائنه استمراره، ويحتاج في
~~معرفة زواله إلى أمر سواه، وذلك على ضربين: أحدهما أن يكون ما علم زواله به
~~يعلم عقلا كالعجز والتعذر، ولا مدخل للنسخ - أيضا - في ذلك. والقسم الآخر
~~يعلم زواله بدليل شرعي، والنسخ يدخل في هذا الوجه خاصة. PageV01P414
# وإذا تحصلت هذه الجملة، فالواجب في العبارة أن تقع بحسبها، فلك أن تحد
~~النسخ بأنه ما دل على تغيير طريقة الحكم الثابت بالنص الأول في باب
~~الاستمرار، لان ذكر الطريقة في الحد يبين أن التغيير لم يلحق نفس المراد،
~~وإنما يلحق الايجاب، وكان الدليل الثاني كشف عن تغير الايجاب.
# والدليل على الحقيقة هو الموصوف بأنه ناسخ، وإذا وصفوه - تعالى - بأنه
~~ناسخ للأحكام، فمن حيث فعل - تعالى - ما هو نسخ. وإذا قيل في الحكم أنه
~~ناسخ، فمن حيث كان دليلا، و لذلك لا يكون ms177 نسخا إلا مع المضادة. فأما
~~المنسوخ، فهو الدليل الذي تغير حكمه بالدليل الناسخ وقد يوصف - أيضا -
~~الحكم بذلك، لأنه المقصود بالدلالة. ولأنه هو الذي يتغير. PageV01P415
# واعلم أن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا شرعيين، ولا يكونا عقليين، ولا
~~أحدهما، لأنه لا يقال: (تحريم الخمر نسخ إباحتها) ولا: (ان الموت نسخ عن
~~المكلف ما كان تكلفه) لما كانت هذه الأحكام عقلية.
# ومن حق الناسخ أن يكون المراد به غير المراد بالمنسوخ، وسيأتي بيان ذلك
~~فيما بعد بمشية الله تعالى.
# ومن حقه أن يكون منفصلا عن النسوخ. ولا يوصف بهذه الصفة مع الاتصال، ولا
~~خلاف في ذلك.
# ومن شرطه أن لا يكون موقتا بغاية يقتضي ارتفاع ذلك الحكم.
# والموقت بغاية على ضربين: أحدهما أن يعلم باللفظ من غير حاجة إلى غيره،
~~كقوله - تعالى -: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * والضرب الآخر أن تعلم
~~الغاية على سبيل الجملة، ويحتاج في تفصيلها إلى دليل سمعي، نحو قوله -
~~تعالى -: (دوموا على هذا الفعل PageV01P416
# إلى أن أنسخه عنكم) والدليل الشرعي الوارد بزوال الحكم يوصف بأنه ناسخ.
# ومن شرط النسخ أن يكون في الأحكام الشرعية، دون أجناس الافعال.
# وينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يزول الحكم لا إلى بدل والثاني أن يزول
~~إلى بدل يضاده، ويكون نسخا. والثالث أن يزول إلى بدل يخالفه.
# فأما زواله لا إلى بدل، فإنما يكون نسخا، لأنه علم به أن مثل الحكم
~~الثابت بالنص المتقدم مرتفع في المستقبل. ولأنه إذا زال إلى بدل، فالذي
~~أوجب كونه منسوخا زواله لا ثبوت البدل، لأنه إن ثبت من دون زوال الأول، لم
~~يكن نسخا. ومن حق هذا الضرب أن لا يعلم نسخه إلا بدليل دون الاحكام.
# فأما ما يرتفع إلى بدل مخالف، فمن حقه - أيضا - أن لا PageV01P417
# يعلم إلا بدليل سوى الحكم، لان الحكم إذا لم ينافه، لم يعلم به كونه
~~منسوخا، ومثاله ما روي في وجوب صوم شهر رمضان أنه نسخ صوم عاشوراء، وأن
~~الزكاة نسخ وجوبها سائر الحقوق. ومتى قيل فيما هذه حاله: (إن كذا ms178 نسخ بكذا)
~~فمجاز، والمراد به أن عنده علم نسخ الأول.
# وأما النسخ بحكم يضاده، فقد يقع بثبوت الحكم، وقد يقع - أيضا - بدليل،
~~وإنما كان كذلك، لان تضاد الحكمين دليل على زوال أحدهما بالآخر من حيث علم
~~أنهما لا يصح أن يجتمعا في التكليف. ولا شبهة في أن الحظر يضاد الإباحة
~~والندب والوجوب - أيضا - في حكم الضد للندب والإباحة، لان كونه مباحا يقتضي
~~نفي ماله يكون نديا وواجبا، وكونه ندبا يقتضي نفي ما يكون له واجبا.
~~PageV01P418
# ومن شرط الناسخ أن يكون في وقوع العلم به كالمنسوخ وسيأتي بيان ذلك في
~~إبطال النسخ بخبر الواحد بمشية الله تعالى.
# وليس من شرط الناسخ أن يكون لفظ المنسوخ، متناولا له، لأنه لا فرق بين أن
~~يعلم استمرار الحكم بظاهر الخطاب، أو يعلم ذلك بقرينة.
# وليس من شرطه أن لا يتأخر عن المنسوخ، كما قلنا في تخصيص العام، وبيان
~~المجمل، عند من ذهب إلى ذلك، بل الناسخ يجب تأخره كما صرحنا به في حده.
# وليس من شرط النسخ التنبيه في حال الخطاب في الجملة عليه، على ما ظنه
~~بعضهم، وذلك أنه لا وجه لوجوب ذلك، بل هو موقوف على المصلحة، فربما اقتضته،
~~وربما لم تقتضه.
# وليس من شرطه أن لا يكون اللفظ مقتضيا للتأيد، ففي الناس من ذهب إلى أنه
~~- تعالى - لو قال: (افعلوا الصلاة أبدا)، ما جاز النسخ، وإنما يجوز مع
~~الاطلاق. وما هذا باطل، لان PageV01P419
# لفظة التأييد في التعارف يقتضي التوقيف، كقول القائل: (لازم الغريم أبدا)
~~و (تعلم العلم أبدا) وقد ثبت أن التكليف منقطع، وأن انقطاعه متوقع من وجوه،
~~فكيف يمنع هذا اللفظ من النسخ ولو منع من ذلك، لمنع من العجز، ووجوه
~~التعذر.
# وليس من شرط النسخ أن يقع بما هو أخف في التكليف على ما ذهب إليه بعض أهل
~~الظاهر، وذلك أن التكليف على سبيل الابتداء، وعلى جهة النسخ إنما هو تابع
~~للمصلحة، وقد تتفق المصلحة في الأشق والأخف معا، وفي الأشق من زيادة
~~التعريض للثواب ما ليس في الأخف. ms179 والشبهة في هذا ضعيفة جدا. وقد ذكر من
~~وقوع النسخ في القرآن بما هو اشتق منه ما فيه كفاية، وهو معروف.
~~PageV01P420
# فصل في الفرق بين البداء والنسخ والتخصيص اعلم أن البداء في وضع اللغة هو
~~الظهور، وإنما يقال: (بدا لفلان في كذا) إذا ظهر له من علم أو ظن ما لم يكن
~~ظاهرا.
# وللبداء شرائط، وهي أربعة: أن يكون الفعل المأمور به واحدا، والمكلف
~~واحدا، والوجه كذلك، والوقت كذلك، فما اختص بهذه الوجوه الأربعة من أمر بعد
~~نهى، أو نهى بعد أمر، اقتضى البداء.
# وإنما قلنا: إن ذلك يدل على البداء، لأنه لا وجه له إلا تغير حال المكلف
~~في العلم أو الظن، لأنه لو كانت حاله على ما كانت عليه، لما أمر بنفس ما
~~نهى عنه، أو نهى عن نفس ما أمر به مع باقي الشرائط، وكان أبو هاشم يمنع في
~~الله - تعالى - أن يأمر بما نهى عنه مع باقي الشرائط لوجهين: أحدهما أنه
~~دلالة البداء، والآخر أنه يقتضي إضافة قبيح إليه - تعالى - إما الامر، أو
~~النهي، وهو PageV01P421
# أحد قولي أبي علي. والقول الآخر له أنه يمنع من وقوعه منه - تعالى -
~~للوجه الأخير الذي ذكرناه، من اقتضائه إضافة قبيح إليه تعالى، لان البداء
~~لا يتصور فيمن هو عالم بنفسه.
# والأولى أن يمنع منه للوجهين، لان ما من شأنه أن يدل على أمر من الأمور
~~ألا يختاره القديم - تعالى - مع فقد مدلوله لان ذلك يجري مجرى فعل قبيح،
~~ألا ترى أن فعله - تعالى - ما يطابق اقتراح الطالب لتصديقه، لما كان دلالة
~~التصديق، لم يجز أن يفعله من الكذاب لأنه يدل على خلاف ما الحال عليه.
# والنسخ إنما يخالف البداء بتغاير الفعلين، فإن فعل المأمور به غير المنهي
~~عنه. وإذا تغاير الفعلان، فلا بد من تغاير الوقتين.
# فكان النسخ يخالف البداء * بتغاير الفعلين والوقتين. PageV01P422
# وأما الفرق بين النسخ والتخصيص، فقد مضى فيما تقدم، فلا وجه لإعادته.
# فصل فيما يصح فيه معنى النسخ من أفعال المكلف اعلم أن معنى النسخ إنما
~~يصح ms180 دخوله في حكم مستمر، لان ما لا يستمر لا يدخل فيه معنى النسخ، ولا
~~النسخ نفسه.
# ولا بد - أيضا - أن يكون مما يصح تغيره بعد استمراره لأنه متى كان مما
~~يستمر على حالة واحدة، لم يصح دخول النسخ ولا معناه فيه.
# ويختص النسخ نفسه بأن يكون الحكم المستمر ثابتا بالشرع، وكذلك زواله متى
~~زال.
# وما يجب استمراره على وجه واحد من الافعال ينقسم إلى قسمين:
# أحدهما أن يكون وجب استمراره لصفة هو عليها، كوجوب الانصاف، PageV01P423
# وقبح الكذب، والجهل والقسم الآخر لا يجوز تغيره من حيث كان كونه لطفا لا
~~يتغير، كالمعرفة بالله - تعالى - وعدله وتوحيده، والذي يجوز تغيره من
~~الافعال نحو الضرر والنفع والقيام والقعود ووجوه التصرف - لأنه قد يحسن
~~تارة، ويقبح أخرى - فمعنى النسخ يجوز دخوله فيه.
# فأما نفس النسخ، فإنما يدخل فيما تقدم ذكره فيما ثبت حكمه شرعا ويزول -
~~أيضا - كذلك.
# فصل فيما يحسن من النهي بعد الامر والامر بعد النهي اعلم أن الأمر والنهي
~~لا يخلو من أن يكون متناولها واحدا، أو متغايرا:
# فإن كان واحدا، فلن يحسنا إلا على وجه واحد، وهو أن يأمر بالفعل على وجه،
~~وينهى عنه على وجه آخر، وربما كانت وجوهه كثيرة يصح أن ينهى عن إيقاعه على
~~بعضها، أو يأمر بذلك PageV01P424
# فأما إذا تغاير المتناول، فهو على قسمين: أحدهما أن يكون المكلف - أيضا -
~~متغايرا، فيحسن الامر بأحدهما، والنهي عن الآخر على كل وجه، إذا قبح
~~أحدهما، وحسن الآخر، والقسم الثاني أن يكون المكلف واحدا، وينقسم إلى
~~قسمين: أحدهما أن لا يتميز له أحد الفعلين من الآخر، بأن تكون الصورة
~~واحدة، والوجه واحد، فلا يجوز أن يأمره - تعالى - بأحدهما، وينهاه عن الآخر
~~مع فقد التمييز، فأما إذا تميز له أحدهما من الآخر، حسن الأمر والنهي بحسب
~~الحسن والقبح.
# فصل في الدلالة على جواز نسخ الشرائع اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين في
~~هذه المسألة، وإنما الخلاف فيها مع اليهود. ولا معنى للكلام على اليهود في
~~أبواب أصول الفقه، وقد تكلمنا عليهم في ms181 كتابنا المعروف بالذخيرة وغيره بما
~~فيه كفاية. ومن شذ من جملة المسلمين فخالف في هذه المسألة، PageV01P425
# فإنما خلافه يرجع إلى عبارة، ولا مضايقة في العبارات مع سلامة المعاني.
~~وقد ورد في الشرع من نسخ القبلة بالقبلة والعدة بالعدة ما هو واضح وإذا كان
~~الشرع تابعا للمصلحة فلا بد مع تغيرها من النسخ.
# فصل في دخول النسخ في الاخبار اعلم أن النسخ إذا دخل في الأمر والنهي،
~~فإنما هو على الحقيقة داخل على مقتضاهما، ومتناولهما، لا عليهما أنفسهما.
# والخبر في هذا الحكم كالأمر والنهي، لان مقتضاه كمقتضاهما.
# وإذا كان جواز النسخ في فعل المكلف إنما يصح لأمر يرجع إلى تغير أحوال
~~الفعل في المصلحة، لا لأمر يرجع إلى صفة الدليل، فلا فرق - إذا تغيرت
~~المصلحة - بين أن يدل على ذلك من حالها بما هو خبر، أو أمر، أو نهى، وقد
~~بينا أن قول القائل: PageV01P426
# (افعل) كقوله: (أربد منك أن تفعل)، وأن قوله: (لا تفعل) بمنزلة قوله:
~~(إني أكره أن تفعل)، وهذه الجملة تقتضي جواز دخول النسخ في مقتضى الاخبار،
~~كما دخلت في مقتضى الأمر والنهي.
# وإذا قيل: إن الخبر متى دخله النسخ، اقتضى تجويز الكذب.
# قلنا: والامر متى دخله النسخ، أوجب البداء.
# فإذا قيل: إن النسخ لا يتناول عين ما أريد بالامر.
# قلنا مثل ذلك في الخبر.
# وإنما قال المتكلمون قديما أن النسخ لا يدخل في الاخبار، وأرادوا الخبر
~~عما كان، ويكون، مما لا يتعلق بالتكليف. و لا شبهة في جواز أن يدل الله -
~~تعالى - على جميع الأحكام الشرعية بالاخبار. ومعلوم أن النسخ - لو كان
~~الامر على ما قدرناه - متأت في الشريعة. فوضح أن الامر على ما ذكرناه.
# فأما دخول معنى النسخ في نفس الاخبار، فجائز، لأنه لا خبر PageV01P427
# كلفنا الله - تعالى - أن نفعله إلا ويجوز أن يزيل عنا التكليف في أمثاله،
~~حتى الخبر عن التوحيد، ألا ترى أن الجنب قد منع من قراءة القرآن، وقد كان
~~يجوز مثله في الشهادتين. وكون هذا الخبر صدقا لا يمنع من إزالة التعبد به ms182
~~إذا عرض في ذلك أن يكون مفسدة.
# فإن قيل: أتجيزون مثل ذلك في العلم والاعتقاد.
# قلنا: أما العلم الذي علمنا وجوبه لكونه مصلحة لا يتغير، كالمعرفة بالله
~~- تعالى -، فلا يجوز فيه النسخ، * لامتناع تغير حاله في وجه الوجوب.
# وأما العلم بغيره، فيجوز أن يكون مفسده، وذلك وجه قبح، فيجوز دخول النسخ
~~فيه.
# فصل في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه اعلم أن الحكم
~~والتلاوة عبادتان يتبعان المصلحة، فجائز PageV01P428
# دخول النسخ فيهما معا، وفي كل واحدة دون الأخرى، بحسب ما تقتضيه المصلحة.
~~ومثال نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ الاعتداد بالحول، وتقديم الصدقة أمام
~~المناجاة. ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به، لأنه من جهة خبر
~~الآحاد، وهو ما روى أن من جملة القرآن (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما
~~ألبتة) فنسخت تلاوة ذلك. ومثال نسخ الحكم والتلاوة معا موجود - أيضا - في
~~أخبار الآحاد، وهو ما روي عن عايشة أنها قالت: (كان فيما أنزل الله -
~~سبحانه - (عشر رضعات يحرمن) فنسخ بخمس، وأن ذلك كان يتلى).
# فصل في جواز نسخ العبادة قبل فعلها اعلم أن الشبهة في هذه المسألة
~~كالمرتفعة، وإنما المشتبه المسألة التي تلي هذا الفصل، ولا بد من بيان الحق
~~فيما PageV01P429
# يشتبه، ولا يشتبه.
# والصحيح أن نسخ الشئ قبل فعله وبعد مضي وقته جائز، لان الله - تعالى - قد
~~يحسن أن يأمر بالفعل من يعصيه، كما يحسن أن يأمر من يطيعه، وإذا كان لو أمر
~~من أطاع، لجاز النسخ بلا خلاف، فكذلك أمر من يعصي، لان بالطاعة أو المعصية
~~لا يتغير حسن النسخ التابع لتعريف المصالح في المستقبل.
# و - أيضا - فقد دللنا على أن الشرائع لازمة للكفار، فالنسخ قد تناولهم
~~وإن عصوا ولم يفعلوا، وإذا جاز ذلك فيهم، جاز في غيرهم.
# فصل في أنه لا يجوز نسخ الشئ قبل وقت فعله اختلف الناس في ذلك: فذهب قوم
~~من المتكلمين ومن PageV01P430
# أصحاب الشافعي إلى أنه جائز أن تنسخ العبادة قبل وقت فعلها، وذهب أكثر
~~المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي ms183 إلى أنه غير جائز، وهو
~~الصحيح.
# والذي يدل عليه وجهان: أحدهما أنه يقتضي البداء لان شروط البداء التي
~~تقدم ذكرها حاصلة هيهنا. والوجه الآخر أن ذلك يقتضي إضافة قبيح إلى الله -
~~تعالى - إما الامر أو النهي، لان الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا، فالامر
~~به قبيح، أو حسنا، فيكون النهي عنه قبيحا.
# وليس يمكنهم أن يقولوا: أن المكلف ليس بواحد، و لا الوقت، لأنه إبطال
~~للمسألة، من حيث كان الخلاف في هل يجوز أن ينسخ عن كل مكلف بعينه ما أمر به
~~في وقت بعينه بالنهي قبل حضور الوقت، فعدلوا عن ذلك إلى الشرطين الأخيرين،
~~إما كون الفعل واحدا، أو كون الوجه أو الشرط واحدا. PageV01P431
# وتغاير الفعل لا يمكن فيه إلا وجوه ثلاثة: أحدها أن النهي متناول للفعل،
~~والامر الأول يتناول الاعتقاد. وثانيها أن النهي تناول مثل الفعل الذي
~~تناوله الامر الأول. وثالثها أن يتناول الثاني خلاف ما تناوله الأول. لأنه
~~لا يمكنه أن يقول: يتناول ضد ما تناوله الأول، لأنه يوجب أنه - تعالى - لم
~~يكن ناهيا عن ضد ما يوجبه ويلزمه، وصار الآن ناهيا عنه، وضد الواجب لا يجوز
~~أن يتغير، فلا مدخل لذلك في النسخ.
# والذي يبطل أن يكون النهي تناول مثل ما تناوله الامر أن الفعلين إذا
~~اختصا بوقت واحد والوجه واحد لم يجز أن يكون أحدهما مصلحة والأخير مفسدة،
~~والامر الأول يجمعهما، فكذلك النهي الثاني. ولأن التميز بينهما غير ممكن،
~~فلا يجوز أن يتناول التكليف أحدهما دون الآخر. PageV01P432
# وأما الاعتقاد فإنه يقولون: إنه - تعالى - أمر بالفعل الأول وأراد
~~الاعتقاد، وتناول النهي الذي بعده نفس الفعل.
# والجواب عنه أن لفظ الامر تناول الفعل، فكيف نحمله على الاعتقاد، ونعدل
~~عن الظاهر.
# وهذا لو صح لسقط الخلاف في المسألة، لأنه أمر بشئ، ونهى عن غيره، والخلاف
~~إنما هو في أن ينهى عن نفس ما أمر به.
# ثم هذا الاعتقاد لا يخلو من أن يكون اعتقادا لوجوب الفعل، أو لأنا نفعله
~~لا محالة: فإن كان اعتقادا لوجوبه، فذلك يقتضي ms184 وجوب الفعل، ويقبح النهي
~~عنه. وإن كان اعتقادا لان المكلف يفعله لا محالة، فذلك محال، لان المكلف
~~يجوز الاخترام والمنع.
# فإن قيل: هو أمر باعتقاد وجوب الفعل بشرط استمرار حكم الامر، أو بأن لا
~~يرد النهي. PageV01P433
# قلنا: هذا الاشتراط يمكن أن يقال في نفس الفعل، ولا يحتاج إلى ذكر
~~الاعتقاد.
# وبعد، فإن الاعتقاد تابع للفعل: فإن وجب الفعل مطلقا، كان الاعتقاد كذلك،
~~وإن كان مشروطا، فالاعتقاد مثله، لأنه تابع له، والشرط المذكور إن دخل في
~~الاعتقاد، فلا بد من دخوله في الفعل نفسه.
# والذي يفسد أن يكون لهذا الشرط تأثير أن بقاء الامر و انتفاء النهي لا
~~يكون وجها في قبح الفعل ولا حسنه، ولا يؤثران في وقوعه على وجه يقتضي مصلحة
~~أو مفسدة، ولا يجري ذلك مجرى * ما نقوله: من أن الله - تعالى - قد أمر
~~بالصلاة في وقت مخصوص على جهة العبادة له، ونهي عنها في ذلك الوقت على جهة
~~العبادة لغيره، لان هذين الوجهين معقولان، ولهما تأثير في الحسن والقبح،
~~وليس كذلك بقاء الامر وانتفاء النهي، لان الفعل لا يحسن بالامر، ولا يقبح
~~بالنهي، ولا لهما تأثير في الوجوه التي يقع عليها.
# ويمكن أن يعترض هذا الكلام بأن يقال: الأمر والنهي PageV01P434
# وإن لم يقتضيا قبح فعل ولا حسنه، ولم يؤثرا في وجه يقع الفعل عليه، فلا
~~بد إذا وقعا من الحكيم - تعالى - من أن يدلا، فالامر إذا وقع يدل على حسن
~~الفعل، والنهي على قبحه، وإذا دلا على قبح أو حسن، فلا بد من ثبوت وجه
~~يقتضي إما القبح أو الحسن، لان الدلالة لا تدل إلا على صحة، ألا ترى أن
~~الامر و النهي وإن كانا عندنا لا يؤثران، فإنا كلنا نستدل بأمر الله -
~~تعالى - على كون الفعل واقعا على وجه يستحق به الثواب، وبنهيه على قبحه،
~~وكونه مما يستحق به العقاب، ونعلم على جهة الجملة أن كل شئ أوجب علينا في
~~الشرع فلا بد فيه من جهة وجوب، وكل شئ حرم فلا بد فيه من وجه قبح، ms185 وإن كنا
~~لا نعلم جهات الوجوب والقبح على سبيل التفصيل، ولا نجعل الأمر والنهي
~~مؤثرين في تلك الجهات، بل يدلان عليها، فما المنكر على هذا من أن يأمر الله
~~- تعالى - المكلف بالصلاة في وقت زوال الشمس، وتكون هذه الصلاة واجبة في
~~الوقت المضروب متى استمر حكم PageV01P435
# الامر بها، ولم يرد نهي عنها، وإن ورد النهي عنها دل على تغير حالها،
~~واختصاصها بوجه يقبح عليه؟ فإذا أمر بالصلاة، اعتقد وجوبها عليه متى لم ينه
~~عنها، فإذا ورد النهي اعتقد قبحها ويكون الغرض في هذا التكليف مصلحة
~~المكلف، كأنا قدرنا أنه - تعالى - علم أنه إن كلفه على هذا الوجه، كان
~~مصلحة له، في واجب عليه يفعله أو قبيح يتجنبه.
# والجواب ان هذه الصلاة المأمور بها عند زوال الشمس لا يخلو من أن يكون
~~فعلها في هذا الوقت مصلحة في الدين أو مفسدة: فإن كانت مصلحة، فبورود النهي
~~لا يتغير حالها، ويجب قبح النهي المتناول لها، وإن كانت مفسدة في نفسها،
~~فبتناول الامر أو باستمراره لا يتغير حالها، فيجب قبحها. وقبح الامر
~~المتناول لها.
# اللهم إلا أن يقال: لهذه الصلاة في هذا الوقت المخصوص وجهان تقع على كل
~~واحد منهما، فتكون - متى وقعت على PageV01P436
# أحدهما - واجبة، وإذا وقعت على الآخر قبيحة، والامر تناولها على جهة
~~الحسن، والنهي تناولها على جهة القبح.
# وهذا - إن قيل - باطل، لأنه لو كانت لهذه الصلاة جهتان يقع عليهما، لوجب
~~تمييز ذلك للمكلف وإعلامه إياه، ليفصل بين جهة الحسن وجهة القبح، كما فصل
~~بين جهة كون هذه الصلاة عبادة لله تعالى، وبين كونها عبادة لغيره. وبين
~~وقوعها بطهارة ونية مخصوصة، وبين وقوعها على خلاف ذلك. وتميز له فيما
~~ذكرناه جهة الحسن من جهة القبح، فقد كان يجب ان يتميز له - أيضا - الجهة
~~التي تكون هذه الصلاة عليها مصلحة من جهة كونها مفسدة، فلما قيل له: (صل
~~الظهر بطهارة وبنية PageV01P437
# مخصوصة)، ولم يشترط له شيئا زائدا على الشرائط الشرعية المعقولة: علمنا
~~أن الصلاة على هذه الشروط متى وقعت في هذا ms186 الوقت كانت مصلحة، فيقبح للنهي
~~عنها. وهذه غاية ما بلغ النهاية من كثرة تكرار الكلام على هذه المسألة في
~~الكتب المختلفة.
# وقد تعلق من خالفنا في هذه المسألة بأشياء:
# أولها قوله - تعالى -: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ويدخل في هذا الظاهر
~~موضع الخلاف.
# وثانيها أمره - تعالى - إبراهيم - ع - بذبح ابنه، ثم نسخه عنه قبل وقت
~~الفعل، وفداه بذبح.
# وثالثها ما روي في ليلة المعراج من أن الله - تعالى - أوجب في اليوم
~~والليلة خمسين صلاة، ثم راجع النبي - عليه السلام - إلى PageV01P438
# أن عادت إلى خمس، وهذا نسخ قبل وقت الفعل.
# ورابعها أن النسخ إنما يتأتى فميا لم يفعل، وما فعل كيف ينسخ.
# وخامسها أنه إذا جاز منع المكلف مما أمر به بالاحرام، فكذلك يجوز بالنهي،
~~وإلا فما الفرق بين الامرين.
# وسادسها أن السيد منا قد يأمر عبده بالتجارة وغيرها بشرط بأن لا ينهاه.
# وسابعها أن الطهارة إنما تجب لوجوب الصلاة ومع ذلك فقد يمنع المكلف
~~بالموت عن الصلاة، وإن كان قد توضأ، فأي فرق بين منعه بالموت ومنعه
~~بالنهي؟.
# وثامنها ما روي من قوله - عليه السلام - في وصف مكة:
# (أحلت لي ساعة من نهار) ثم لم يقع منه - عليه السلام - قتال في ساعة ولا
~~ساعات.
# والجواب عما تعقلوا به أولا أن ظاهر الآية يقتضي محوا و إثباتا على
~~الحقيقة، وذلك لا يليق بالنسخ، وإن استعمل فيه على PageV01P439
# جهة المجاز، فالأشبه بظاهر الآية ما روي من أنه - تعالى - يمحو من اللوح
~~المحفوظ ما يشاء، ويثبت ما يشاء، لما يتعلق بذلك من صلاح الملائكة. وإن
~~عدلنا عن الظاهر، وحملناه على النسخ، فليس فيه أنه يمحو نفس ما أثبته، ونحن
~~نقول: أنه ينسخ الشرائع على الوجه الصحيح، * فإذا حملنا الآية على النسخ،
~~فهي كالمجمل من غير تفصيل.
# والجواب عما تعلقوا به ثانيا أنه - تعالى - لم يأمر إبراهيم - عليه
~~السلام - بالذبح الذي هو فرى الأوداج، بل بمقدماته، كالاضجاع له وتناول
~~المدية، وما جرى مجرى ذلك، والعرب تسمي الشئ باسم مقدماته، والدليل على هذا
~~قوله - تعالى ms187 - وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا). فأما جزع إبراهيم،
~~فلانه أشفق من أن يأمره بعد مقدمات الذبح بالذبح نفسه، لان العادة بذلك
~~جارية، وأما الفداء، فلا يمتنع أن يكون عما ظن أنه سيؤمر به PageV01P440
# من الذبح، ولا يمتنع - أيضا - أن يكون عن مقدمات الذبح زائدة على ما فعله
~~لم يكن قد أمر بها. فإن الفدية لا يجب أن تكون من جنس المفدى، لان حلق
~~الرأس قد يفدى بدم ما يذبح.
# وقد قيل - أيضا -: (إنه - عليه السلام - فرى أوداج ابنه ، لكنه كلما فرى
~~جزءا، عاد في الحال ملتحما) فقد فعل ما أمر به من الذبح، وإن لم تبطل
~~الحياة.
# والجواب عما تعلقوا به ثالثا أن خبر المعراج خبر واحد، و بمثله لا يثبت
~~الخلاف في هذه المسألة. وفيه مع ذلك من الشبه والأباطيل ما يدل على فساده،
~~لاقتضائه نسخ الفعل قبل أن يعلم المكلف أنه مأمور به وتضمنه أن المصالح
~~الدينية تتعلق بمشورة الخلق وإيثارهم. PageV01P441
# والجواب عما تعلقوا به رابعا أن النسخ إذا كان لما لم يفعل فمن أين أنه
~~لما لم يفعل وقد تناوله الامر، دون أن يكون لما لم يفعل مما قد تقدم فعل
~~نظائره، أو الامر بها، فكأنه قيل له: (لا تفعل نظير ما كنت أمرت به من
~~الصلاة الموقتة)؟!.
# والجواب عما تعلقوا به خامسا أنا قد بينا فيما تقدم أن الله - تعالى - لا
~~يأمر بالفعل من يعلم أنه يخترم دونه.
# والجواب عما تعلقوا به سادسا أن السيد إنما حسن منه ذلك مع عبده لجواز
~~البداء عليه، وذلك لا يجوز على الله تعالى.
# والجواب عما تعلقوا به سابعا أن الطهارة لم تجب على الواحد منا لأجل وجوب
~~الصلاة عليه، وكيف يكون كذلك، وهو لا يعلم قبل مضي وقت الصلاة وجوبها
~~عليه؟! وإنما تجب الطهارة لظن وجوب الصلاة عليه، وهو يظن وجوبها عليه، وإن
~~جوز المنع.
# والجواب عما تعلقوا به ثامنا أن هذا الخبر إنما يصح التعلق به في جواز
~~النسخ قبل إيقاع الفعل، لا قبل وقته، وغير ms188 ممتنع أن يباح له - عليه السلام
~~- من قتلهم وسلبهم ما لم يفعله، ومثل ذلك لا شبهة فيه. PageV01P442
# فصل في الزيادة على النص هل يكون نسخا أم لا اختلف الناس في ذلك: فذهب
~~قوم إلى أن الزيادة إذا غيرت حكم المزيد عليه كانت نسخا. وقال آخرون: أن
~~الزيادة على النص لا تكون نسخا على كل حال، وهو مذهب أكثر أصحاب الشافعي،
~~وإليه ذهب أبو علي، وأبو هاشم. وقال آخرون: أن الزيادة تقتضي النسخ إذا كان
~~المزيد عليه قد دل على أن ما عداه بخلافه.
# واعلم أن الزيادة على النص تنقسم إلى قسمين: زيادة متصلة، زيادة منفصلة.
# والمتصلة على ضربين: مؤثرة في المزيد عليه، وغير مؤثرة فيه.
# فأما الزيادة المتصلة المؤثرة، فهي التي تغير حكم المزيد عليه
~~PageV01P443
# في الشريعة، حتى يصير لو وقع مستقبلا من دون تلك الزيادة، لكان عاريا من
~~كل تلك الأحكام الشرعية التي كانت له، أو بعضها، فهذه الزيادة تقتضي النسخ.
~~ومثاله زيادة ركعتين على سبيل الاتصال، كما روي أن فرض الصلاة كان ركعتين،
~~فزيد في صلاة الحضر. وإنما قلنا: إن هذه الزيادة قد غيرت الأحكام الشرعية،
~~لأنه لو فعل بعد زيادة الركعتين على ما كان يفعلهما عليه أولا، لم يكن لهما
~~حكم، وكأنه ما فعلهما، ويجب عليه استينافهما. و لان مع هذه الزيادة يتأخرون
~~ما يجب من تشهد وسلام، ومع فقد هذه الزيادة لا يكون كذلك. وكل ما ذكرناه
~~يقتضي تغير الأحكام الشرعية بهذه الزيادة.
# ولا يلزم على هذا ما نقوله من أن كل جزء من الصلاة له في استحقاق الثواب
~~حكم نفسه، ولا يقف على غيره، لان النسخ إنما يدخل في الأحكام الشرعية،
~~واستحقاق الثواب من الاحكام PageV01P444
# العقلية، وقد بينا تغير الأحكام الشرعية.
# وعلى هذا الأصل الذي قررناه لو زيد في زمان الصوم زيادة، لكانت هذه
~~الزيادة تقتضي النسخ، للعلة التي ذكرناها في الركعتين المتصلتين.
# فأما زيادة ركن على أركان الحج، فليس يبين فيه أنه يكون نسخا، لانفصال
~~بعض أركان الحج من بعض، وأنه ليس بجار مجرى ms189 الصلاة والصيام.
# والأولى أن تكون زيادة تطهير عضو على أعضاء الطهارة ليس بنسخ.
# فأما إيجاب الصلاة من غير طهارة، ثم اشتراط الطهارة فيما بعد ذلك،
~~فالواجب تقسيمه: فنقول: إن كانت هذه الصلاة يحصل لها بالطهارة حكم شرعي ما
~~كان لها من قبل ذلك، فقد تغير بهذه PageV01P445
# الزيادة حكمها الشرعي، فيجب أن يكون نسخا. وإن لم يكن لها بهذه الزيادة
~~حكم شرعي لم يكن، وليس إلا تقديم فعل الوضوء عليها، لم تكن الزيادة نسخا.
# ولو زاد الله - تعالى - في كفارة الحنث رابعة، * لم يكن ذلك نسخا
~~للثلاثة، لان الحال في جميع الأحكام الشرعية في فعل الثلاث لم يتغير، وهي
~~مفعولة بعد الزيادة على الحد الذي كانت تفعل عليه قبلها. وإنما تقتضي هذه
~~الزيادة نسخ ترك الكفارات الثلاث، لان تركها كان محرما قبل هذه الزيادة،
~~فارتفع تحريمه بالزيادة.
# فأما ورود التخيير على التضييق، أو التضييق على التخيير، فالأولى أن يقال
~~فيما تضيق بعد التخيير: أنه نسخ، لان أحد PageV01P446
# المخير فيه خرج عن حكمه الشرعي، فصار منسوخا. ومثاله لزوم صوم شهر رمضان
~~بعد التخيير بينه وبين الفدية.
# فأما ورود التخيير بعد التضييق، فالأشبه أنه لا يكون نسخا، لان حكم الأول
~~في نفسه لم يتغير، وإنما تغير حكم الترك، لأنه كان محرما، ثم صار مباحا.
# فأما ورود الخبر بالشاهد واليمين، فإنه لا يكون نسخا للآية، لأنا قد بينا
~~فيما تقدم أن الشاهد الثاني شرط، وليس يمتنع أن يقوم مقام الشرط سواه، وإذا
~~لم تمنع الآية مما ورد به الخبر، لم يكن فيه نسخ لها.
# فإذا قيل: الآية تمنع في المعنى من اليمين مع الشاهد من حيث كانت اليمين
~~هي قول المدعي، فجرت مجرى دعواه.
# قلنا: غير ممتنع أن لا يكون لدعواه حكم، ويكون ليمينه PageV01P447
# حكم، وإن كانا معا قولا له، ألا ترى أنه لا حكم لانكاره، و لنكوله عن
~~اليمين حكم، ولم يجريا في الشريعة مجرى واحد، وإن كانا راجعين إلى قوله.
~~وكذلك لانكاره في إسقاط الدعوى واليمين، وليمينه هذا الحكم، لأنها تسقط
~~الدعوى. ms190 فكذلك لا يمتنع إذا حلف مع شاهد أن يكون لقوله من الحكم ما لا يكون
~~لدعواه إذا تجردت.
# فأما مثال الزيادة المتصلة، وإن كانت غير مؤثرة، فكزيادة العشرين على حد
~~القذف، وزيادة النفي على حد الزاني البكر، وزيادة الرجم على حد المحصن.
# فما مثال الزيادة المنفصلة، فكزيادة صلاة سادسة، و شهر للصيام ثان، ولا
~~خلاف في أن ذلك لا يقتضي نسخا، وإنما هو ابتداء عبادة. PageV01P448
# والخلاف إنما هو في الزيادة المتصلة المتعلقة بالمزيد عليه، كالزيادة في
~~الحد: فمن الناس من ألحق ذلك بزيادة الركعتين على الركعتين، وفيهم من أجراه
~~مجرى زيادة صلاة سادسة.
# والذي يدل على أن الزيادة في الحد لا توجب النسخ أنها لا تؤثر في تغير
~~حكم شرعي معقول للمزيد عليه، لان من المعلوم أن المزيد عليه يفعل بعد
~~التعبد بالزيادة على الحد الذي يفعل عليه قبلها، وإنما يجب ضم هذه الزيادة
~~إليه من غير أن يكون إخلاله بضم هذه الزيادة مؤثرا في الأول، فوجب إلحاق
~~ذلك بابتداء التعبد.
# وتعلقهم بأن الاسم واحد والسبب واحد ليس بشئ، لأنه غير ممتنع أن يكون
~~الاسم واحدا، والسبب كذلك، ويكون ذلك ابتداء تعبد، إذا كانت الأحكام
~~الشرعية لم تتغير، وهي التي عليها المعول في باب النسخ. PageV01P449
# وليس لهم أن يقولوا: قد تغير حكم شرعي من حيث صارت الثمانون بعض الحد
~~وكانت قبل الزيادة كله، لان قولنا (بعض) و (كل) ليس من الأحكام الشرعية،
~~وكذلك قولنا (نهاية) و (غاية). ولأنه يلزم مثل ذلك في فرض صلاة اليوم
~~والليلة، لان الصلاة لو زيد فيها سادسة، لكان الوصف بالكل والبعض والنهاية
~~يتغير ومع ذلك فليس بنسخ. ولو أنه - تعالى - أوجب بدلوك الشمس صلاة أخرى،
~~لكان سبب الوجوب واحدا، وإن لم يكن نسخا.
# فأما تعلقهم برد الشهادة، وأنه كان متعلقا بالثمانين، ثم تعلق بما زاد
~~عليها، فقد تغير الحكم الشرعي، فليس بشئ، لان رد الشهادة إنما يتعلق
~~بالقذف، لا بإقامة الحد، كما يتعلق بفعل سائر الكبائر.
# ولو سلمنا أن رد الشهادة يتعلق بالحد، لا بالقذف، ms191 لكان لنا أن نقول: إنه
~~يتعلق بكونه محدودا، ولا إعتبار بزيادة عدد الحد ونقصانه في الحكم الذي هو
~~رد الشهادة، كما أن الاحرام PageV01P450
# لما كان علة في تحريم الصيد، لم يختلف في ذلك كونه محرما، بحج وعمرة، أو
~~بأحدهما، لان المعتبر كونه محرما. وكذلك لا فرق بين كونه محدثا بجهة واحدة،
~~أو بجهات، لان المعتبر في الأحكام الشرعية كونه محدثا، من غير أن يكون
~~لزيادة الاحداث أو نقصانها تأثير. وجرى ذلك أيضا مجرى إباحة تزويج المعتدة
~~إذا انقضت عدتها في أن عدتها زادت أو نقصت فالحكم فيها ذكرناه لا يتغير،
~~ولا تكون الزيادة في العدة أو النقصان نسخا لإباحة تزويج المعتدة.
# على أن هذا بعينه لازم للمخالف، لان زيادة العبادة قد تؤثر، في رد
~~الشهادة وإن لم يتعلق بالمزيد عليه كتأثيرها إذا تعلقت، لان رد الشهادة إذا
~~كان شرطه الفسق - وقد علمنا أن الفسق يتغير بزيادة عبادات ونقصانها إذا وقع
~~الاخلال بها - فيجب لذلك تغير الحكم في رد الشهادة، وهذا يقتضى أن زيادة كل
~~عبادة وإن PageV01P451
# لم يتعلق بغيرها، ولا كانت متصلة بها، تقتضي النسخ.
# فصل في أن النقصان من النص هل يقتضى النسخ أم لا إعلم أنه لا خلاف في أن
~~النقصان من العبادة يقتضي نسخ المنقوص، وإنما الكلام في هل يقتضى ذلك نسخ
~~المنقوص منه:
# فذهب قوم إلى أنه يقتضى نسخ العبادة المنقوص منها، وذهب آخرون إلى أنه لا
~~يقتضى ذلك.
# والواجب أن يعتبر هذا النقصان، فإن كان ما بقي بعده من العبادة، متى فعل،
~~لم يكن له حكم في الشريعة، ولم يجر مجرى فعله قبل النقصان، فهذا النقصان
~~نسخ له، كما قلناه في زيادة ركعتين على ركعتين على جهة الاتصال، لان العلة
~~في الموضعين واحدة.
# وإن لم يكن الامر على ذلك، فالنقصان ليس بنسخ لتلك العبادة.
# ومثال ذلك أن ينقص من الحد عشرون، فإن ذلك لا يكون نسخا PageV01P452
# لباقي الحد. وعلى هذا لو نقصت ركعتان من جملة ركعات، لكان هذا النقصان
~~نسخا لجملة الصلاة، لان الصلاة بعد ms192 النقصان قد تغير حكمها الشرعي. ولو فعلت
~~على الحد الذي كانت تفعل عليه من قبل، لم يجز، فجملتها منسوخة.
# فأما نسخ الطهارة بعد إيجابها، فهو غير مقتض لنسخ الصلاة، لان حكم الصلاة
~~باق على ما كان عليه من قبل. ولو كان نسخ الطهارة يقتضي نسخ الصلاة، لوجب
~~مثله في نجاسة الماء وطهارته، وقد علمنا أن تغير أحكام نجاسة الماء وطهارته
~~لا يقتضي نسخ الطهارة، لأنه إنما قيل له: تطهر بالماء الطاهر، ثم الماء
~~الطاهر منه والماء النجس موقوف على البيان، وقد يتغير بزيادة ونقصان، ولا
~~يتعدى ذلك التغير إلى نسخ الطهارة.
# فأما نسخ القبلة، فذهب قوم إلى أنه نسخ للصلاة، وذهب آخرون إلى أنه ليس
~~بنسخ، وجعل القبلة شرطا كتقديم الطهارة. PageV01P453
# والذي يجب تحصيله في هذه المسألة أن نسخ القبلة لا يخلو من أن ينسخ
~~بالتوجه إلى جهة غيرها، أو بأن يسقط وجوب التوجه إليها ويخير فيما عداها من
~~الجهات، لأنه من المحال أن تخلو الصلاة من توجه إلى جهة من الجهات. فإن
~~كانت نسخت بضدها، كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة، فلا شبهة في نسخ
~~الصلاة، ألا ترى أنه بعد هذا النسخ لو أوقع الصلاة إلى بيت المقدس على حد
~~ما كان يفعله من قبل، لكان لا حكم له، بل وجوده في الشرع كعدمه. وإن كانت
~~القبلة نسخت، فإن حظر عليه التوجه إلى الجهة المخصوصة التي كان يصلي إليها،
~~وخير فيما عداها، فهذا - أيضا - يقتضي نسخ الصلاة، لأنه لو أوقعها على الحد
~~الذي كان يفعلها عليه من قبل، لكانت غير مجزية، فصارت منسوخة على ما
~~اعتبرناه. وإن نسخ وجوب التوجه إلى القبلة بأن خير في جميع الجهات، لم يكن
~~ذلك نسخا للصلاة، ألا ترى PageV01P454
# أنه لو فعلها على الحد الذي كان يفعلها عليه من قبل، لكانت صحيحة مجزية،
~~وإنما نسخ التضييق بالتخيير.
# فأما صوم شهر رمضان، فلا يجوز أن يكون ناسخا لصوم عاشوراء، لان الحكمين
~~إنما يصح أن يتناسخا إذا لم يمكن اجتماعهما، وصوم شهر رمضان يجوز أن يجتمع ms193
~~مع صوم عاشوراء، فكيف يكون ناسخا له. ومعنى هذا القول أن عند سقوط وجوب
~~صيام عاشوراء أمر بصيام شهر رمضان.
# فصل في جواز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة إعلم أن كل دليل أوجب
~~العلم والعمل فجائز النسخ به، وهذا حكم الكتاب مع الكتاب، والسنة المقطوع
~~بها مع السنة المقطوع بها فلا خلاف في ذلك.
# وإنما الخلاف في نسخ الكتاب بالسنة المقطوع بها، ونسخ PageV01P455
# السنة بالكتاب، وسيأتي الكلام على ذلك بإذن الله تعالى.
# فأما السنة التي لا يقطع بها، فالكلام في نسخ بعضها ببعض مبني على وجوب
~~العمل بأخبار الآحاد: فمن عمل بها في الشريعة، نسخ بعضها ببعض. ومن لم يعمل
~~بها، لم ينسخ بها، لان النسخ فرع وتابع لوجوب العمل. وسيأتي الكلام على
~~تفصيل ذلك بمشية الله تعالى.
# فصل في نسخ الاجماع والقياس وفحوى القول إعلم أن مصنفي أصول الفقه ذهبوا
~~كلهم إلى أن الاجماع لا يكون ناسخا، ولا منسوخا، واعتلوا في ذلك بأنه دليل
~~مستقر بعد انقطاع الوحي، فلا يجوز نسخه ولا النسخ به.
# وهذا القدر غير كاف، لان لقائل أن يعترضه، فيقول: أما الاجماع عندنا،
~~فدلالته مستقرة في كل حال قبل انقطاع الوحي، PageV01P456
# وبعده، وسنبين ذلك عند الكلام في الاجماع، فإذا ثبت ذلك سقطت هذه العلة.
# على أن مذهب مخالفينا في كون الاجماع حجة يقتضي أنه في الأحوال كلها
~~مستقر، لان الله - تعالى - أمر بإتباع سبيل المؤمنين وهذا حكم حاصل قبل
~~انقطاع الوحي، وبعده. والنبي - ص ع - أخبر على مذاهبهم بأن أمته لا تجتمع
~~على خطأ، وهذا ثابت في سائر الأحوال، فإذا كان الاجماع ثابتا في سائر
~~الأحوال. وإذا كان الاجماع دليلا على الاحكام، كما يدل الكتاب والسنة - و
~~النسخ لا يتناول الأدلة، وإنما يتناول الاحكام التي تثبت بها - فما المانع
~~من أن يثبت حكم دليل بإجماع الأمة قبل انقطاع الوحي، ثم ينسخ بآية تنزل، أو
~~يثبت حكم بآية تنزل، فينسخ بإجماع الأمة على خلافه. PageV01P457
# والأقرب أن يقال *: إن الأمة مجتمعة على أن ما يثبت بالاجماع لا ينسخ، ms194
~~ولا ينسخ به. ولا يلتفت إلى خلاف عيسى بن أبان، و قوله: إن الاجماع ناسخ
~~لما وردت به السنة من وجوب الغسل من غسل الميت.
# فأما فحوى القول، فغير ممتنع نسخه، والنسخ به، لأنه جار في فهم المراد به
~~مجرى الصريح، فما جاز في الصريح، جاز فيه.
# وأما نسخ الفحوى دون الصريح، والصريح دون الفحوى، فيجب أن يرتب القول فيه
~~على ما نبينه، والواجب حراسة الغرض فيه، ودفع المناقضة. وقد علمنا أنه لا
~~يحسن أن يقول:
# (لا تقل لهما: أف، واضربهما) لكن يحسن أن يقول: (لا تضربهما وإن قلت
~~لهما: أف.)، فيجوز نسخ الأكبر، ويتبعه الأصغر، ولا يجوز عكس ذلك.
# وغير ممتنع أن يقال: إن الحال فيما بينا يخالف المصالح PageV01P458
# الدينية، لأنه يمتنع أن يمنع من التأفيف في الشاهد إلا لأجل الترفيه
~~والتنزيه عن الاضرار به، فلا يجوز أن يجامع ذلك إرادة الاضرار الأكبر،
~~ومصالح الدين غير ممتنع أن يختص تارة بالأكبر، والأخرى بالأصغر، فالأولى
~~جواز نسخ كل واحد مع تبقية صاحبه.
# فأما نسخ القياس والنسخ به، فمبني على أن القياس دليل في الشريعة على
~~الاحكام، وسندل على بطلان ذلك عند الكلام في القياس، وإذا لم يكن دليلا من
~~أدلة الشرع لم يجز أن ينسخ، و لا ينسخ به.
# ومن ذهب إلى ورود العبادة به، يدفع النسخ به بأن يقول: من شرط صحته أن لا
~~يكون في الأصول ما يمنع منه، و PageV01P459
# هذا يمنع من كونه ناسخا. ويمنعون من أن يكون القياس منسوخا بأنه تابع
~~لاصله، ولا يجوز نسخه مع بقاء أصله.
# فصل في جواز نسخ القرآن بالسنة إعلم أن السنة على ضربين: مقطوع عليها
~~معلومة، وأخرى واردة من طريق الآحاد:
# فأما المقطوع عليها، فإن الشافعي ومن وافقه يذهبون إلى أنها لا ينسخ بها
~~القرآن، وخالف باقي العلماء في ذلك.
# واما السنة التي لا يقطع بها فأكثر الناس على أنه لا يقع بها نسخ القرآن،
~~وخالف أهل الظاهر وغيرهم في جواز ذلك، وادعوا - أيضا - وقوعه.
# والذي يبطل أن ينسخ القرآن ms195 بما ليس بمعلوم من السنة أن هذا فرع مبنى على
~~وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة، لان من يجوز النسخ يعتمد على أنه كما
~~جاز التخصيص به، وترك PageV01P460
# الظاهر لأجله، والعمل به في الاحكام المبتدأة، جاز النسخ - أيضا - به.
~~وأن دليل وجوب العمل بخبر الواحد مطلق، غير مختص، فوجب حمله على العموم،
~~وإذا بطل العمل بخبر الواحد في الشرع، بما سنتكلم عليه عند الكلام في
~~الاخبار بمشية الله - تعالى -، بطل النسخ، لان كل من لم يعمل به في غير
~~النسخ لا ينسخ به، فالقول بالنسخ مع الامتناع من العمل أصلا خارج عن
~~الاجماع.
# وهذا أولى مما يمضى في الكتب من أن الصحابة ردت اخبار الآحاد إذا كان
~~فيها ترك للقرآن، لان الخصوم لا يسلمون ذلك، ولأنه يلزم عليه أن لا يخصص
~~الكتاب بخبر الواحد، لان فيه تركا لظاهره.
# وليس يجب من حيث تعبدنا الله بالعمل بخبر الواحد في غير PageV01P461
# النسخ - إذا سلمنا ذلك وفرضناه - أن نعديه إلى النسخ بغير دليل، لان
~~العبادة لا يمتنع اختصاصها بموضع دون موضع، فمن أين إذا وقعت العبادة
~~بالعمل به في غير النسخ، فقد وقعت في النسخ، وأحد الموضعين غير الآخر، وليس
~~هيهنا لفظ عام يدعى دخول الكل فيه؟!.
# وخلاف الشافعي في أن السنة المعلومة لا ينسخ بها القرآن ضعيف جدا، لا
~~ندري كيف استمرت الشبهة فيه؟.
# والذي يدل على فساد هذا المذهب أن السنة المعلومة تجري في وجوب العلم
~~والعمل مجرى الكتاب فكما ينسخ الكتاب بعضه ببعض، كذلك يجوز فيه نسخه بها.
# ولأن النسخ إنما يتناول الحكم، والسنة في الدلالة عليه كدلالة القرآن،
~~فيجب جواز النسخ بها.
# وليس لاحد أن يقول: إن السنة تدل كدلالة القرآن، لكنها إذا وردت بحكم
~~يضاد القرآن، أنزل الله - تعالى - قرآنا PageV01P462
# يكون هو الناسخ. وذلك أن هذه دعوى لا برهان لمدعيها، ومن أين أن الامر
~~على ذلك؟! ولو قدرنا أنه - تعالى - لم ينزل ذلك القرآن، كيف كان يكون حال
~~تلك السنة؟، فلا بد من الاعتراف باقتضائها النسخ. ثم إذا ms196 اجتمعا لم صار
~~الناسخ هو القرآن، دون السنة، و حكم كل واحد من الدليلين حكم صاحبه. وإذا
~~كان نسخ الحكم بحكم يضاده، فلا فرق بين أن يكشف عن ذلك الحكم المضاد سنة،
~~أو قرآن.
# فأما اختصاص القرآن بوجه الاعجاز، فلا تأثير له في وجه دلالته على
~~الاحكام، ولذلك قد يدل على الاحكام منه القدر الذي لا يبين فيه وجه
~~الاعجاز. ولو كان هذا الفرق صحيحا، لوجب مثله في ابتداء الحكم بالسنة
~~والتخصيص والبيان. ولو أنه - تعالى - جعل دليل نبوته إحياء ميت، ثم أنزل
~~قرآنا ليس بمعجز، لكان في الدلالة على الاحكام كهو الآن.
# وقد اختلف كلام أصحاب الشافعي * في هذه المسألة: فتارة يقولون: إن ذلك لا
~~يجوز عقلا، من حيث يقدح في النبوة، و PageV01P463
# يقتضي التنفير، وتارة أخرى يقولون: إنه جائز، إلا ان السمع ورد بالمنع
~~منه. وربما قالوا: إنه لم يوجد ما هذه حاله في الشرع.
# فأما العقل فلا وجه فيه للمنع من ذلك عند التأمل الصحيح، لأنه - تعالى -
~~إذا أراد أن يدل على الحكم، فهو مخير بين أن يدل عليه بكتاب، أو سنة مقطوع
~~بها، لان دلالتهما لا يتغير، و يجريان مجرى آيتين، أو سنتين.
# وأما التنفير، فلا شبهة في ارتفاعه، لان المعجز إذا دل على صدقه - عليه
~~السلام -، لم يكن في نسخه الاحكام بسنة إلا مثل ما في نسخه لها بما يؤديه
~~من القرآن، وتطرق التهمة في الامرين يمنع منه المعجز.
# وأما ادعاؤهم أنه لم يوجد، فخلاف في غير هذه المسألة، لان كلامنا الآن
~~على جوازه، لا على وقوعه. PageV01P464
# وأما من ادعى أن السمع منع منه، فإنه تعلق بأشياء:
# أولها قوله - تعالى -: (وإذا بدلنا آية مكان آية) فبين - تعالى - أن
~~تبديل الآية إنما يكون بالآية.
# وثانيها قوله - تعالى -: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا: ائت بقرآن غير
~~هذا، أو بدله، قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) فنفي تبديله إلا
~~بمثله.
# وثالثها قوله - تعالى -: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)
~~فجعله الله - تعالى مبينا ms197 للقرآن، والبيان ضد النسخ والإزالة.
# ورابعها قوله - تعالى -: / (ما ننسخ من آية، أو ننسها، نأت بخير منها أو
~~مثلها). وذكروا في التعلق بهذه الآية وجوها:
# منها أنه لما قال - تعالى -: (نأت بخير منها أو مثلها)، كان الكلام
~~محتملا للكتاب وغيره، فلما قال بعد ذلك: (ألم تعلم PageV01P465
# أن الله على كل شئ قدير)، علم أنه أراد ما يختص هو تعالى بالقدرة عليه من
~~القرآن المعجز. ومنها أنه قال - تعالى -: (نأت بخير منها)، فأضاف ذلك إلى
~~نفسه، والسنة لا تضاف إليه حقيقة. و منها أن الظاهر من قول القائل: (لا آخذ
~~منك ثوبا إلا وأعطيك خيرا منه) أن المراد أعطيك ثوبا من جنس الأول. ومنها
~~أن الآية إنما تكون خيرا من الآية بأن تكون أنفع منها، والانتفاع بالآية
~~يكون بتلاوتها وامتثال حكمها، فيجب أن يكون ما يأتي به يزيد في النفع على
~~ما ينسخه في كلا الوجهين، والسنة لا يصح لها إلا أحدهما.
# والجواب عما تعلقوا به أولا هو أن الظاهر لا دلالة فيه على أنه لا يبدل
~~الآية إلا بالآية، وإنما قال - تعالى -: (وإذا بدلنا آية مكان آية). ولأن
~~الخلاف في نسخ حكم الآية، و الظاهر يتناول نفس الآية. PageV01P466
# والجواب عن الثاني أنه - أيضا - لا يتناول موضع الخلاف، لأنه إنما نفى أن
~~يكون ذلك من جهته، بل بوحي من الله تعالى سواء كان ذلك قرآنا أو سنة.
# والجواب عن الثالث أن النسخ يدخل في جملة البيان، لأنه بيان مدة العبادة
~~وصفة ما هو بدل منها. وقد قيل: إن المراد هيهنا بالبيان التبليغ والأداء،
~~حتى يكون القول عاما في جميع المنزل، ومتى حمل على غير ذلك كان خاصا في
~~المجمل. على أن النسخ لو انفصل عن البيان، لم نمنع أن يكون ناسخا وإن كان
~~مبينا، كما لم يمنع كونه مبينا من كونه مبتدئا للأحكام، وقد وصف الله -
~~تعالى - القرآن بأنه بيان، ولم يمنع ذلك من كونه ناسخا. PageV01P467
# والجواب عن الرابع أن الآية - أيضا - لا تتناول موضع الخلاف، لأنها
~~تتناول نفس الآية، والخلاف ms198 في حكمها. على أن الظاهر لا يدل على أن الذي
~~يأتي به يكون ناسخا، وهو موضع الخلاف، وهو إلى أن يدل على أنه غير ناسخ
~~أقرب، لأنه - تعالى - قال: ما ننسخ من آية نأت، وهذا يدل على تقدم النسخ
~~على إنزال ما هو خير منها، فيجب أن لا يكون النسخ بها وهو متقدم عليها،
~~ومعنى (خير منها) أي أصلح لنا، وأنفع في ديننا، و أنا نستحق به مزيد
~~الثواب، وليس يمتنع - على هذا - أن يكون ما يدل عليه السنة من الفعل الناسخ
~~أكثر ثوابا وأنفع لنا مما دلت عليه الآية من الفعل المنسوخ. والشناعة بأن
~~السنة خير من القرآن تسقط بهذا البيان، وبأن القرآن - أيضا - لا يقال بأن
~~بعضه خير من بعض بالاطلاق، وقد ينسخ بعضه ببعض. فإذا فصلوا وفسروا
~~PageV01P468
# فعلنا مثل ذلك. فأما إضافة ذلك إليه - تعالى - وأن ذلك بالكتاب أليق منه
~~بالسنة، فالإضافة صحيحة على الوجهين، لان السنة إنما هي بوحيه - تعالى -
~~وأمره، فإضافتها إليه كإضافة كلامه. وقوله - تعالى -: (ألم تعلم أن الله
~~على كل شئ قدير) لا يدل على صفة ما يكون به النسخ وإنما يقتضي أنه - تعالى
~~- قادر على أن ينسخ الفعل بما هو أصلح في الدين منه، كان الدليل على ذلك
~~كتابا أو سنة. وغير مسلم أن القائل إذا قال لاحد: لا آخذ منك كذا وكذا إلا
~~وأعطيك خيرا منه، أن الثاني يجب أن يكون من جنس الأول، بل لو صرح بخلاف ذلك
~~لحسن، لأنه لو قال:
# (لا آخذ منك ثوبا إلا وأعطيك فرسا خيرا منه) لما كان قبيحا، وقد بينا
~~معنى (خيرا منها). فليس يمتنع أن يكون السنة و إن انتفع بها من وجه واحد
~~أصلح لنا * من الآية وإن كان PageV01P469
# الانتفاع بها من وجهين، لان الانتفاع الذي هو الثواب قد يتضاعف، فلا ينكر
~~أن يزيد والوجه واحد على الوجهين. على أن في درس السنة وتلاوتها - أيضا -
~~ثوابا وقربة وعبادة.
# فصل في جواز نسخ السنة بالكتاب إنما خالف الشافعي في هذه المسألة، والناس
~~كلهم ms199 على خلاف قوله. وكل شئ دللنا به على أن السنة المقطوع بها تنسخ القرآن
~~يدل على هذه المسألة، بل هو هيهنا آكد وأوضح، لان للقرآن المزية على السنة.
~~وقولهم: لو نزلت آية تقتضي نسخ سنة، لأمر الله - تعالى - بأن يستن سنة
~~ثانية تكون ناسخة للأولى، تحكم بغير دلالة، فمن أين لهم ذلك؟! وأي فرق
~~بينهم وبين من قال: إن الله - تعالى - إذا أراد أن ينسخ سنة بسنة أخرى أنزل
~~PageV01P470
# قرآنا ليكون النسخ به لا بالسنة؟! وبعد فلو سلم لهم ما اقترحوه، لم يخرج
~~القرآن من أن يكون ناسخا للسنة، بل كانا معا ناسخين، و ليس ذلك بملتبس
~~بالبيان، ولا مخرج له - ص ع - عن كونه مبينا.
# وقد استدل على جواز نسخ السنة بالقرآن بوقوع ذلك، و الوقوع أكثر من
~~الجواز، وذكر أن تأخير الصلاة في وقت الخوف كان هو الواجب أولا، ثم نسخ
~~بقوله - تعالى -: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا). وإنما كان ذلك نسخا من حيث
~~كان جواز التأخير مع استيفاء الأركان كالمضاد للأداء في الوقت مع الاخلال
~~ببعض ذلك. وذكر - أيضا - أن قوله - تعالى -: (فلا ترجعوهن إلى الكفار) نسخ
~~مصالحته - صلى الله عليه وآله - قريشا على رد النساء. وأقوى من ذلك نسخ
~~القبلة الأولى وكانت ثابتة بالسنة، بالقبلة الثانية وهي معلومة بالقرآن.
# فصل فيما يعرف به كون الناسخ ناسخا والمنسوخ منسوخا اعلم أن كون الناسخ
~~ناسخا إنما يعلم بان يكون لفظه يقتضي PageV01P471
# ذلك أو معناه، فمثال اقتضاء اللفظ أن يقول: نسخت كذا بكذا، ويجري مجراه
~~قوله - ص ع -: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، وعن ادخار لحوم
~~الأضاحي، ألا فادخروا ما بدا لكم). ومثال الثاني أن يتضاد حكم الناسخ
~~والمنسوخ، و يمتنع اجتماعهما في التعبد، فيعلم بذلك أن أحدهما ناسخ للآخر.
# فصل فيما يعرف به تأريخ الناسخ والمنسوخ اعلم أن أقوى ما علم به التأريخ
~~أن يكون في اللفظ، وإنما يصح أن يكون في لفظة الناسخ دون المنسوخ إذا كان
~~مذكورا على جهة التفصيل، وقد يكون على جهة ms200 الجملة في لفظ المنسوخ، نحو أن
~~يقول: افعلوا كذا إلى أن أنسخه عنكم، ولو قال: إلى أن أنسخه في وقت كذا،
~~لكان وقت زوال العبادة معلوما بلفظ PageV01P472
# إيجابها، فيخرج بذلك من باب النسخ.
# وقد يعلم التأريخ - أيضا - بأن يضاف إلى وقت أو غزاة يعلم بها تقدم وقت
~~المنسوخ، لان الغرض معرفة المتأخر والمتقدم، فلا فرق بين ذكر الزمانين، أو
~~ذكر ما يضاف إليهما، مما يعلم به التقدم والتأخر.
# وقد ذكر - أيضا - أن يكون المعلوم من حال أحد الراويين أنه صحب النبي - ص
~~ع - بعد ما صحبه الآخر، وأن عند صحبته انقطعت صحبة الأول. ولا بد من أن
~~يشترط في ذلك أن يكون الذي صحبه أخيرا لم يسمع منه - ص ع - شيئا قبل صحبته
~~له، لأنه غير ممتنع أن يراه أولا، فيسمع منه وهو كافر، أو غير مصاحب، ثم
~~يراه ثانيا، ويختص بمصاحبته.
# فأما إذا علم تقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر بالعادة، أو ما يجري مجراها،
~~فلا شك في أن الثاني هو الناسخ، ومثال PageV01P473
# ذلك أن يكون حكم أحدهما مستمرا على حكم العقل، والآخر ثابت بالشرع. ويدخل
~~فيه أن يكون أحدهما شرعا متقدما، و الآخر متجددا، أو أن يكون أحدهما يتضمن
~~ردا على الأول، أو شرطا في الأول، إلى غير ذلك من الوجوه الدالة على التقدم
~~والتأخر.
# وقد ذكر من تكلم في أصول الفقه بأن التأريخ - أيضا - يعلم بقول الصحابي،
~~وأن يحكى أن أحد الحكمين كان بعد الآخر، قالوا: لان التأريخ نقل وحكاية لا
~~مدخل للاجتهاد فيه، فيجب أن يقبل قول الصحابي فيه.
# وهذا الوجه مبني على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة، وفرع من فروعه،
~~فإذا بطل وجوب العمل بخبر الواحد، بطل هذا الفرع، وإن صح فهو صحيح.
# ومنهم من فرق بين قول الصحابي: إن كذا نسخ كذا، وبين نقله التأريخ، فقبل
~~قوله في التصريح بالتأريخ، ولم يقبله في قوله:
# نسخ ذلك. PageV01P474
# ومنهم من قبل قوله في الامرين.
# والأولى على تسليم قبول أخبار الآحاد أن لا يرجع إلى قوله في ms201 أن كذا نسخ
~~كذا، لان ذلك قول صريح في ذكر مذهبه، و إنما يثبت التاريخ تبعا للمذهب،
~~وإذا لم يجز عند الكل الرجوع في المذاهب إلى قوله، حتى تثبت صحتها، فكذلك
~~في هذا الباب.
# ونقل التاريخ مخالف لذلك، لأنه لا يتضمن ذكر مذهب يصح فيه طريقة
~~الاجتهاد، وكما لو قال في الشئ: إنه محرم، لا يعمل عليه، ولو قال: زمان
~~تحريمه الزمان الفلاني، لعمل عليه، فكذلك القول فيما تقدم ذكره PageV01P475
# تذكار لما كان كتاب (الذريعة إلى أصول الشريعة) ضخما كبير الحجم رأيت أن
~~أجعله في مجلدين. ليكون سهل التناول للمراجع، فأنهيت مجلده الأول إلى هنا.
~~(آخر مباحث النسخ) وسأبدأ مجلده الآخر بمباحث الخبر. هذا، وسيضاف الفهارس
~~وتصحيح الأخطاء المطبعية في آخر الجزء الثاني إن شاء الله. وأرجو منه -
~~تعالى - أن توفقني لاتمامه، إنه ولي التوفيق.
# الدكتور أبو القاسم الگرجي PageV01P476
# انتشارات دانشگاه تهران شماره 2 / 1100 گنجينه عقايد وفقه اسلامي - شماره
~~2 - 26 تهران 1348 الذريعة إلى أصول الشريعة تصنيف سيد مرتضى علم الهدى
~~قسمت دوم از اخبار تا پايان تصحيح ومقدمه وتعليقات وفهارس از أبو القاسم
~~گرجي شماره مسلسل 1449 چاپ وصحافي أين كتاب در يكهزار ودويست نسخه در بهمن
~~ماه 1348 در چاپخانه سازمان چاپ دانشگاه تهران خاتمه پذيرفت حق طبع أين
~~كتاب تا سه سال در انحصار دانشگاه ومسئوليت صحت مطالب تصحيح شده آن با مصحح
~~است PageV02P476
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
~~سيدنا محمد وآله الطاهرين (1).
# باب الكلام في الاخبار فصل في حد الخبر ومهم أحكامه الواجب أن يحد الخبر
~~بأنه (2) ما صح فيه الصدق أو الكذب، لان حده بما يمضى في الكتب بأنه ما صح
~~(3) فيه الصدق (4) والكذب ينتقض بالاخبار التي لا تكون (5) إلا صدقا،
~~كقولنا: إنه - تعالى - محدث للعالم (6)، أو عالم لنفسه، و: إن الجهل والكذب
~~قبيحان.
# وينتقض - أيضا - بما لا يكون إلا كذبا كنحو قولنا: إن صانع العالم محدث،
~~والكذب حسن.
# PageV02P477
# وقد حده قوم بأنه ما احتمل التصديق والتكذيب، ms202 فرارا من أن يقول في صادق
~~(1) وكاذب: إنهما صدقا، أو كذبا. وحد الخبر بأنه ما احتمل التصديق والتكذيب
~~صحيح في نفسه، وجار مجرى ما اخترناه من الحد. والصحيح أن الخبر عن صادق
~~وكاذب بأنهما صدقا أو كذبا لا يكون إلا كذبا، لان مخبره ليس على (2) ما هو
~~به.
# والخبر (3) إنما يصير خبرا بقصد (4) المخبر (5)، لان الكلام وإن تقدمت
~~المواضعة فيه فإنما يتعلق بما يفيده (6) بالقصد، لان قول القائل:
# (محمد رسول الله (7)) لا يكون خبرا عنه - عليه السلام - (8) إلا بالقصد.
# وحكاية الخبر كلفظه (9)، ولا تكون (10) الحكاية خبرا لارتفاع القصد.
# وإظهار كلمة الكفر عند الاكراه لا يكون (11) خبرا، ولو كانت كذلك، لكانت
~~كفرا، وإنما أبيح له إظهار كلمة (12) الكفر (13) تعريضا لا إخبارا.
# PageV02P478
# والخبر لا يخلو من صدق أو كذب، ولا واسطة بين الامرين، لان للخبر تعلقا
~~بالمخبر عنه، فلا يخلو المخبر عنه من أن يكون على ما تناوله الخبر، فيكون
~~صدقا، أو (1) ليس على ما تناوله الخبر، فيكون كذبا. وإذا لم يكن بين النفي
~~والاثبات واسطة في مخبر الخبر، فلا واسطة في الخبر بين الصدق والكذب.
# وقول الجاحظ: (إنه لا يكون كاذبا إلا من (2) علم كونه كذلك) باطل، لان
~~العقلاء يصفون (3) كل مخبر علموا أن مخبر خبره ليس على ما تناوله (4) خبره
~~بأنه كاذب وإن لم يعلموا أنه عالم بذلك (5)، ولو كان العلم شرطا، لوجبت (6)
~~مراعاته كما وجب مراعاة متناول الخبر. والمسلمون يصفون اليهود والنصارى
~~بالكذب على الله، وإن كان أكثرهم لا يعلم أنه كاذب، بل يعتقد أنه صادق. ولو
~~كان الامر (7) على ما ادعاه الجاحظ، لوجب أن يكون قول أحدنا لغيره (8):
~~(إنه كاذب ولا يعلم بأنه عالم بكذبه (9)) مناقضة، ومما لا يمكن أن يكون
~~حقا، ومعلوم خلاف
# PageV02P479
# ذلك. والجاحظ بنى (1) هذا على (2) مذهبه في المعارف، وأنها ضرورة،
~~واعتقاده أن من لا يعرف فهو معذور، وكونه كاذبا يقتضي الذم، فلم يتصف به
~~إلا مع العلم، وقد بينا في الذخيرة وغيرها بطلان هذا المذهب، ودللنا على أن
~~المتمكن من المعرفة يقوم مقامها في ms203 لحوق الذم و (3) استحقاق العقاب.
# والصدق من جنس الكذب، لان السامع لا يفصل بينهما (4) بالادراك، ولو
~~اختلفا في الجنس، لفصل بالادراك بينهما.
# ولم يكن الخبر خبرا لجنسه، ولا لصيغته، ولا لوجوده، بل لقصد (5) المخبر
~~إلى كونه خبرا، وكل شئ دللنا به على أن الامر لم يكن أمرا لشئ (6) يرجع إلى
~~أحوال الامر (7) مما قدمنا ذكره مبسوط هو دلالة في الخبر، فلا معنى
~~لإعادته.
# PageV02P480
# فصل في أن في الاخبار ما يحصل عنده العلم اعلم أن أصحاب المقالات حكوا
~~(1) عن فرقة (2) تعرف (3) بالسمنية (4) إنكار وقوع العلم عند شئ من
~~الاخبار، وأنهم يقصرون العلم على الادراك دون غيره.
# والذي يدل على بطلان هذا المذهب أنا نجد من سكون نفوسنا إلى اعتقاد وجود
~~البلدان الكبار والحوادث العظام ما نجده (5) عند المشاهدات، فمن تشكك (6)
~~في أن ذلك علم يقين (7) كمن تشكك (6) في الآخر، ومن ادعى أنه ظن قوى (8)
~~كمن ادعاه في الامرين. و الأشبه - إن كانت هذه الحكاية حقا - أن يكون من
~~خالف في ذلك إنما خالف في الاسم دون المعنى، واشتبه عليه العلم بالظن، كما
~~نقوله (9) في (10) السوفسطائية. وهذا القدر كاف.
# PageV02P481
# فصل في أقسام الاخبار (1) إعلم أن الاخبار تنقسم (2) إلى ثلاثة أقسام:
~~أولها يعلم أن مخبره على ما تناوله. وثانيها يعلم (3) أن مخبره ليس على ما
~~تناوله. وثالثها يتوقف (4) فيه.
# وما يعلم أن مخبره على ما تناوله على ضربين: أحدهما يعلم ذلك من (5) حاله
~~باضطرار، ومثاله بغير خلاف خبر (6) من أخبرنا (7) بأن السماء فوقنا والأرض
~~تحتنا، ومن أمثلتهم - على الخلاف الذي فيه، وسنذكره - الاخبار عن البلدان
~~الكبار والحوادث العظام.
# والآخر أن يعلم أن (8) مخبره على ما تناوله (9) باكتساب (10)، كالخبر
~~المتواتر وخبر الله - تعالى - (11) وخبر رسوله - صلى الله عليه وآله - وخبر
~~الأمة (12) بأجمعها. وقد ألحق قوم بهذا القسم لواحق سنتكلم (13) عليها، و
# PageV02P482
# نبين الصحيح منها من الفاسد إذا انتهينا إليها بمشية الله تعالى.
# وأما (1) الخبر الذي يعلم أن مخبره (2) ليس على ما تناوله، فينقسم إلى
~~قسمين: أحدهما (3) يعلم ذلك من حاله باضطرار (4)، والثاني يعلم باكتساب ms204
~~(5). وينقسم إلى أقسام سنذكرها إذا انتهينا (6) إلى (7) بابها بإذن الله
~~(8).
# وأما الخبر الذي لا يعلم أن مخبره على ما تناوله، ولا أنه على خلافه (9)،
~~فينقسم إلى قسمين: أحدهما يجب العمل (10) به، و الآخر لا يجب العمل به.
~~والذي يجب العمل به (11) ينقسم إلى وجوب عقلي بغير خلاف، كالاخبار المتعلقة
~~بالمنافع والمضار العقلية، وإلى وجوب سمعي، * ومثاله الشهادات بلا خلاف، و
~~أخبار الآحاد الواردة بالأحكام الشرعية على الخلاف (12) الذي سنذكره. وأما
~~الضرب الثاني من الضربين الأولين، وهو الذي
# PageV02P483
# لا يجب العمل (1) به، فينقسم إلى (2) قسمين: أحدهما يقتضي الرد، والثاني
~~يجب التوقف فيه من غير تكذيب ولا تصديق. وتفصيل ذلك يجئ في موضعه بمشية
~~الله (3) تعالى.
# فصل في صفة العلم (4) الواقع عند الاخبار إعلم أن الاخبار على ضربين (5):
~~ضرب لا (6) يحصل عنده علم، والضرب الآخر (7) يحصل (8) عنده العلم.
# فأما الضرب الأول، فخارج عن (9) هذا الفصل، لان العلم إذا لم يحصل فلا
~~كلام لنا في أنه ضروري أو مكتسب.
# وأما الضرب الثاني، وهو ما يحصل عنده العلم، ينقسم قسمين:
# أحدهما يحصل العلم به (10) لكل عاقل (11) يسمع تلك الأخبار، ولا يقع منهم
~~فيه شك، كأخبار البلدان والوقايع والحوادث الكبار
# PageV02P484
# والضرب الثاني لا يحصل (1) العلم عنده إلا لمن نظر، واستدل، و علم (2) أن
~~المخبرين بصفة من لا (3) يكذب، ومثاله الاخبار عن معجزات النبي - صلى الله
~~عليه وآله - الخارجة عن القرآن، وما ترويه الامامية من النص الصريح على
~~أمير المؤمنين علي عليه السلام.
# فأما القسم الأول، فذهب قوم إلى أن العلم الواقع عنده ضروري من فعل الله
~~- تعالى - بالعادة، وهو مذهب أبي (4) علي وأبي هاشم ومن تبعهما (5) من
~~المتكلمين والفقهاء. وذهب قوم آخرون إلى أن العلم بذلك مكتسب ليس بضروري،
~~وهو مذهب أبي القاسم (6) البلخي ومن وافقه.
# والذي (7) نصرته - وهو الأقوى في نفسي - في كتاب الذخيرة و الكتاب الشافي
~~التوقف عن القطع على صفة هذا العلم بأنه ضروري أو مكتسب، وتجويز كونه على
~~كل واحد من الوجهين.
# وإنما قوى ذلك في نفوسنا، لان العالم بهذه الاخبار ms205 يمكن
# PageV02P485
# أن يكون قد تقدم له العلم على الجملة بصفة الجماعة التي قضت العادة بأنه
~~لا يجوز أن يتفق منها الكذب، ولا أن تتواطأ عليه.
# وجائز أن يكون قد عرف ذلك وتصوره، فلما أخبره (1) عن البلدان والأمصار من
~~وجده على تلك الصفة الممهدة في (2) نفسه، فعل (3) اعتقادا (4) بصدق (5) هذه
~~الأخبار، وكان ذلك الاعتقاد (6) علما، لمطابقته للجملة المتقدمة الممهدة في
~~نفسه، ويكون هذا العلم كسبا له - لا محالة - غير ضروري.
# وليس لاحد أن يقول: أن إدخال التفصيل في الجملة إنما يكون فيما له أصل
~~ضروري على سبيل الجملة، كمن علم أن من شأن الظلم أن يكون قبيحا على سبيل
~~الجملة، فإذا علم في ضرر (7) بعينه أنه ظلم، فعل اعتقادا لقبحه (8)، وكان
~~علما، لمطابقته الجملة المتقررة (9)، وأنتم جعلتم الجملة مكتسبة، والتفصيل
~~كذلك.
# PageV02P486
# وذلك (1) أنه لا فرق بين أن تكون (2) الجملة المتقررة معلومة ضرورة أو
~~اكتسابا في جواز بناء التفصيل عليها، لان من علم منا باكتساب (3) أن من (4)
~~صح منه الفعل يجب أن يكون قادرا، و القادر يجب أن يكون حيا على سبيل
~~الجملة، ثم علم في بعض الذوات صحة الفعل، فلا بد من أن يفعل اعتقادا لان
~~(5) تلك الذات (6) قادرة، ويكون الاعتقاد علما. وكذلك إذا علم في ذات معينة
~~أنها قادرة، وقد تقدمت الجملة التي ذكرناها، فلا بد من أن يفعل اعتقادا
~~لكونها (7) حية، ويكون هذا الاعتقاد علما. فلا فرق إذن في دخول التفصيل في
~~الجملة بين الضروري والمكتسب، و (8) كما أن ما ذكرناه ممكن جائز، فممكن -
~~أيضا - أن يكون الله - تعالى - يفعل لنا العلم عند سماعنا الاخبار عن (9)
~~البلدان وما جرى مجراها (10) بالعادة، وليس في العقل دليل على قطع بأحد
~~الامرين، فالشك في
# PageV02P487
# ذلك غير مخل بشئ (1) من شروط التكليف.
# وقد تعلق من قطع على الضرورة بوجوه:
# أولها (2) أن العلم بمخبر (3) هذه (4) الاخبار لو كان مكتسبا لكان واقعا
~~عن تأمل حال المخبرين، وبلوغهم إلى الحد الذي لا يجوز أن يكذبوا وهو على ما
~~هم عليه، وهذا يوجب أن يكون من لم ms206 يستدل على ذلك ممن ليس هو من (5) أهل
~~الاستدلال والنظر من العامة والمقلدين لا يعلمون (6) البلدان والحوادث
~~الكبار، ومعلوم ضرورة الاشتراك في علم ذلك.
# ومنها (7) أن حد العلم الضروري قائم في العلم بمخبر أخبار البلدان، لأنا
~~لا نتمكن من إزالة ذلك عن نفوسنا ولا الشك فيه، وهذا حد العلم الضروري.
# ومنها أن اعتقاد كون هذا العلم ضروريا صارف (8) قوي عن النظر فيه
~~والاستدلال عليه، فكان يجب (9) أن يكون (10) كل من اعتقد
# PageV02P488
# أن هذا (1) العلم ضروري غير عالم بالبلدان والأمصار، لان اعتقاده يصرفه
~~عن النظر، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إن طريق اكتساب (2) العلم بالفرق بين
~~الجماعة التي لا يجوز أن تكذب (3) في خبرها وبين (4) من يجوز ذلك عليه قريب
~~سهل لا يحتاج فيه إلى دقيق النظر ولطيف الاستدلال، وكل عاقل يعرف بالعادات
~~الفرق بين الجماعة التي تقضي (6) العادات بامتناع الكذب عليها فيما ترويه
~~وبين من ليس كذلك، والمنافع الدنيوية من التجارات ووجوه التصرفات مبنية على
~~حصول هذا الفرق، لأنه مستند إلى العادة، والتأمل اليسير كاف فيه، والدواعي
~~إلى حصوله قوية، لاستناد المعاملات كلها * إليه (7) فلا يجب في العامة ومن
~~ليس من أهل التدقيق أن لا يعلموا مخبر هذه الأخبار.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: غير مسلم لكم ما حددتم به العلم
~~الضروري، وما تنكرون أن يكون حده ما فعله فينا من هو أقدر منا
# PageV02P489
# على وجه لا يتمكن من دفعه، فلا ينبغي أن تجعلوا ما تفردتم (1) به من الحد
~~دليلا على موضع الخلاف.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن العلم بالفرق بين صفة (2) الجماعة
~~التي لا يجوز عليها الكذب ويمتنع التواطؤ (3) فيها للعقلاء (4) كالملجئين
~~عند كمال عقولهم وشدة حاجتهم إلى التفتيش (5) والتصرف إلى العلم بذلك لقوة
~~الدواعي إليه والبواعث عليه، وقد يحصل للعقلاء هذا العلم قبل أن يختص بعضهم
~~بالاعتقاد الذي ذكرتم أنه صارف لهم، فإذن لا يجب خلو مخالفينا من هذه
~~العلوم على ما ادعوه. ويلزم على هذا الوجه أن لا يكون ms207 أبو القاسم (6)
~~البلخي عالما بأن المحدثات تفتقر (7) إلى محدث، لأنه يعتقد أن العلم بذلك
~~ضروري، واعتقاده هذا صارف له عن النظر، فيجب أن لا يكون عالما بذلك ولا
~~عارفا بالله - تعالى - ولا بشئ من صفاته، فأي شئ قالوه في البلخي قلنا مثله
~~فيما تعلقوا به.
# PageV02P490
# فإن قيل: إذا جوزتم أن يكون العلم بالبلدان وما جرى مجراها ضروريا، فهل
~~يشترطون (1) في وقوع هذا العلم الشروط (2) التي شرطها أبو علي وأبو هاشم،
~~أم تشترطون غيرها.
# قلنا: لا بد من شرط نختص (3) نحن به، وهو أن يكون من أخبر بالخبر الذي
~~فعل الله - تعالى - عنده العلم الضروري لم يسبق بشبهة (4) أو تقليد إلى
~~اعتقاد نفي موجب الخبر، لان هذا العلم (5) إذا كان مستندا إلى العادة وليس
~~بموجب عن سبب، جاز في شروطه النقصان والزيادة بحسب ما يعلم الله - تعالى -
~~من المصلحة.
# وإنما احتجنا إلى هذا (6) الشرط لئلا يقال لنا: أي فرق بين خبر البلدان
~~والأخبار الواردة بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله سوى القرآن، كحنين
~~الجذع وانشقاق القمر (7) وتسبيح الحصى وما أشبه ذلك؟!. وأي فرق (8) - أيضا
~~- بين أخبار البلدان وخبر النص الجلي على أمير المؤمنين علي - عليه السلام
~~- (9) الذي تنفرد الامامية
# PageV02P491
# بنقله؟! وألا أجزتم أن يكون العلم بذلك كله ضروريا كما أجزتموه في أخبار
~~البلدان؟! وغير ممتنع أن يكن السبق إلى الاعتقاد مانعا من فعل العلم
~~الضروري بالعادة، كما أن السبق إلى الاعتقاد بخلاف ما يولده النظر عند أكثر
~~مخالفينا مانع من توليد (1) النظر للعلم، فإذا جاز ذلك فيما هو سبب موجب،
~~فأولى أن يجوز فيما طريقه العادة.
# وليس لاحد أن يقول: فيجب على هذا أن لا يفعل العلم لمن سبق إلى اعتقاد
~~نفي المعلوم (2)، ويفعل لمن لم يسبق. وكان يجب أن يكون العلم الضروري حاصلا
~~لجماعة (3) المسلمين لما ذكرناه من المعجزات. وكان يجب (4) - أيضا - أن
~~يكون الامامية عالمة بالنص ضرورة.
# وذلك أنه يمكن أن نقول (5): إن المعلوم في (6) نفسه إذا كان من باب ما
~~يمكن السبق إلى اعتقاد نفيه إما لشبهة (7) أو ms208 تقليد، لم يجر (8)
# PageV02P492
# الله العادة العلم الضروري به، وإن كان مما لا يجوز أن يدعو العقلاء داع
~~إلى اعتقاد نفيه، ولا (1) يعترض شبهة في مثله، كالخبر (2) عن البلدان (3)،
~~جاز أن يكون العلم به ضروريا وواقعا عند الخبر بالعادة.
# وليس لهم أن يقولوا: فأجيزوا (4) أن يكون في العقلاء المخالطين لنا
~~السامعين للاخبار من سبق إلى اعتقاد منع بالعادة من فعل العلم الضروري له،
~~وهذا يوجب أن يجوزوا (5) صدق من أخبركم (6) بأنه لا يعرف بعض (7) البلدان
~~الكبار والحوادث العظام مع سماعه (8) الاخبار وكمال عقله.
# وذلك أنا نعلم ضرورة (9) أنه لا داعي يدعو العقلاء إلى السبق إلى اعتقاد
~~نفي بلد من البلدان، أو حادثة عظيمة من الحوادث، ولا (10) شبهة تدخل في مثل
~~ذلك، ففارق هذا الباب أخبار المعجزات والنص.
# PageV02P493
# فأما القوم، فإنهم شرطوا شروطا ثلاثة:
# أولها أن يكون المخبرون أكثر من أربعة.
# وثانيها أن يكونوا (1) عالمين بما أخبروا (2) عنه ضرورة.
# وثالثها أن يكونوا ممن إذا وقع العلم بخبر عدد منهم وقع (3) بخبر كل عدد
~~مثلهم.
# واعتلوا في اشتراطهم أن يكونوا أكثر من أربعة، بأن قالوا: لو وقع بخبر
~~أربعة، لوجب وقوعه بخبر كل أربعة، فكان (4) شهود الزنا إذا شهدوا به (5)
~~عند الحاكم، فلم يقع له العلم بما شهدوا به ضرورة، أن يعلم الحاكم أنهم (6)
~~كذبوا أو بعضهم، أو أنهم شهدوا بما لم يشاهدوه (7)، وهذا يقتضي أن ترد (8)
~~شهادتهم متى لم يكن مضطرا إلى صدقهم، والاجماع على خلاف ذلك.
# ويمكن الطعن على هذه الطريقة بأن (9) يقال: لفظ الشهادة وإن (10)
# PageV02P494
# كان خبرا في المعنى، فهو (1) يخالف لفظ الخبر الذي ليس بشهادة، (2) فألا
~~جاز أن يجري الله - تعالى - العادة بفعل العلم الضروري عند الخبر الذي ليس
~~فيه لفظ الشهادة، ولا يفعله عند لفظ الشهادة (3)، وإن كان الكل إخبارا، كما
~~أنه - تعالى - أجرى العادة عندهم بأن يفعله عند خبر من (4) خبر عن (5)
~~مشاهدة، ولا يفعله عند خبر من خبر عن علم استدلالي، وإن كان الكل علوما (6)
~~ويقينا؟!
# و (7) أما الشرط الثاني من شروطهم، فدليله أن جماعة المسلمين ms209 يخبرون بأن
~~الله - تعالى - واحد (8)، وأن محمدا - صلى الله عليه وآله (9) - رسول الله
~~(10)، ولا يضطر مخالفوهم من (11) الملحدة والبراهمة واليهود إلى صدقهم، وإن
~~اضطروا إلى العلم بما يخبرون * به من البلدان وما أشبهها.
# ودليلهم على الشرط الثالث أنه (12) لو لم يكن ذلك معتبرا،
# PageV02P495
# لجاز أن يكون في الناس من يخبره (1) الجماعة الكثيرة عن مشاهدة ولا يعلم
~~مخبرهم، وتجويز ذلك يقتضي أن يصدق (2) من خبرنا عن نفسه بأنه لا يعلم أن في
~~الدنيا بلدا (3) يعرف (4) بمصر وما جرى مجراها.
# وأما (5) البلخي، فإنه يتعلق (6) في نصرة مذهبه بأن يقول:
# لا يجوز أن يقع العلم الضروري بما ليس بمدرك، ومخبر الاخبار عن البلدان
~~أمر غائب عن إدراك من لم يشاهد ذلك، فلا يجوز أن يكون ضروريا، لأنه لو جاز
~~أن يكون العلم بالغائب عن الحواس ضروريا، جاز أن يكون العلم بالمحسوس
~~مستدلا عليه.
# وربما تعلق في ذلك بأن العلم بمخبر الاخبار إنما يحصل بعد تأمل أحوال
~~المخبرين بها وصفاتهم، فدل ذلك على أنه مكتسب.
# فيقال له في شبهته (7) الأولى: لم زعمت أن العلم بالغائب عن الحس لا يكون
~~ضروريا؟! أ (8) وليس الله - تعالى - قادرا على فعل
# PageV02P496
# العلم بالغائب عن الحس (1) مع غيبته؟! فما المنكر من أن يفعله بمجرى
~~العادة عند إخبار جماعة مخصوصة؟! وليس له أن يدعي أن ذلك ليس في مقدوره،
~~كما يقول: إن العلم بذاته لا يوصف بالقدرة عليه، لأنه يذهب إلى أن العلم
~~بالمدركات قد يكون من فعل الله - تعالى - على بعض الوجوه، وليس يفعل العلم
~~بذلك إلا وهو في مقدوره، وليس كذلك على مذهبه العلم بذاته - تعالى -، لأنه
~~لا يصح (2) وقوعه منه على وجه من الوجوه. و - على هذا - أي (3) فرق بين أن
~~يفعل العلم بالمدرك عند إدراكه، وبين أن يفعل (4) هذا العلم بعينه عند بعض
~~الاخبار عنه؟! وإنما لم يجز أن يكون المشاهد مستدلا عليه، لأنه معلوم ضرورة
~~للكامل العقل، ولا يصح أن يستدل وينظر فيما يعلمه (5) ضرورة، لان من شرط
~~صحة النظر ارتفاع العلم (6) بالمنظور فيه.
# PageV02P497
# وأما ms210 الشبهة الثانية، فبعيدة عن الصواب، لأنها (1) مبنية على دعوى، ومن
~~هذا الذي يسلم له من خصومه أن العلم بمخبر (2) الاخبار عن البلدان وما جرى
~~مجراها (3) يقع عقيب التأمل لصفات المخبرين؟!
# أو ليس خصومه من أصحاب الضرورة يقولون: إنه يقع من غير تصحيح شئ من (4)
~~التأمل لأحوال المخبرين، وإنه إنما يعلم أحوال (5) المخبرين بعد حصول العلم
~~الضروري (6) بما خبروا عنه (7)؟!
# وأما القسم الثاني وهو ما يحصل عنده العلم بتأمل (8) ونظر، فلا بد فيه من
~~بيان صفة المخبرين الذين (9) يجب عند النظر في خبرهم العلم على جهة (10)
~~الاستدلال، (11) وله شروط ثلاثة:
# أولها أن يبلغ المخبرون إلى (12) حد في الكثرة لا يجوز في العادة أن يتفق
~~منها (13) الكذب عن (14) المخبر.
# PageV02P498
# وثانيها أن يعلم أنهم لم يجمعهم على الكذب جامع، كالتواطى (1) أو ما جرى
~~ما مجراه.
# وثالثها أن يعلم أن اللبس والشبهة فيما أخبروا (2) عنه زائلان.
# هذا إذا كانت الجماعة تخبر (3) عن المخبر (4) بلا واسطة، وإن كانت هناك
~~واسطة، وجب اعتبار هذه الشروط التي ذكرناها في جميع الوسائط التي بينهم
~~وبين المخبر عنه.
# وتأثير هذه الشروط التي ذكرناها في العلم بصحة الخبر واضح:
# أما الشرط الأول فمن حيث كنا متى لم نعلم أن الجماعة قد بلغت (5) من
~~الكثرة إلى الحد الذي لا يجوز معه اتفاق الكذب منها عن المخبر الواحد، لم
~~نأمن (6) أن يكون كذبت (7) اتفاقا، كما يجوز ذلك في الواحد والاثنين.
# وأما الشرط الثاني فإنا متى لم نعلم (8) أن التواطؤ (9) و (10) ما
# PageV02P499
# حل (1) محله مرتفع، جوزنا أن يكون التواطؤ (2) وما جرى مجراه هو الجامع
~~لها (3) على الكذب.
# وأما الشرط الثالث، فمن المعلوم أن الشبهة قد تدعوا إلى الكذب، وتجمع (4)
~~الجماعات عليه، كإخبار الخلق الكثير من المبطلين عن مذاهبهم الباطلة لأجل
~~الشبهة الداخلة عليهم، وقامت هيهنا (5) الشهبة مقام التواطؤ (2) في الجمع
~~على الكذب، ولا فصل فيما اشترطنا فيه ارتفاع الشبهة واللبس بين (6) أن يكون
~~المخبر عنه مشاهدا أو غير مشاهد (7) في صحة (8) دخول الشبهة فيه (9)، لان
~~اليهود والنصارى مع كثرتهم نقلوا صلب المسيح عليه ms211 السلام لما التبس عليهم،
~~فظنوا أن الشخص الذي رأوه مصلوبا هو المسيح عليه السلام. وقيل: إن سبب دخول
~~الشبهة هو أن المصلوب قد تتغير (10) خلقته (11)، وتتنكر صورته. ولأن بعد
~~المصلوب (12) عن العين يقتضي اشتباهه بغيره.
# PageV02P500
# والوجه في اشتراط ثبوت (1) هذه الشروط في جميع الطبقات المتوسطة بيننا
~~وبين المخبر عنه أن ذلك متى (2) لم يكن معلوما، جوزنا أن الجماعة التي
~~تلينا صادقة، ومن خبرت عنه (3) قد (4) يجوز أن يتفق منه (5) الكذب. وعند
~~تكامل هذه الشروط نعلم (6) كون الخبر (7) صدقا، لأنه إذا لم ينفك من كونه
~~إما كذبا أو صدقا، فبطل كونه كذبا، لأنه لو كان كذلك، لكان إنما وقع
~~اتفاقا، أو لتواطؤ (8)، أو (9) عن شبهة، فإذا بطل (10) ذلك كله، فلا بد من
~~كونه صدقا.
# وبقي علينا أن ندل (11) على الطريق الموصل إلى العلم (12) بثبوت (13) هذه
~~الشرائط.
# أما اتفاق الكذب عن المخبر الواحد، فإنه لا يقع من الجماعات،
# PageV02P501
# والعلم باستحالة ذلك وأن حال الجماعة يخالف (1) حال الواحد ضروري، ولهذا
~~جاز أن يخبر أحد (2) من حضر (3) الجامع في يوم الجمعة كاذبا بأن الامام
~~تنكس على أم رأسه من المنبر، ولا يجوز أن يخبر بذلك جميع من حضر (3) الجامع
~~وهو (4) كاذبون، إلا لتواطؤ (5)، أو ما جرى مجراه *. وقد شبه (6) امتناع
~~ذلك من الجماعة باستحالة اجتماع الجماعات على نظم بيت من الشعر (7) على صفة
~~واحدة، واجتماعهم على تصرف مخصوص، وأكل شئ معين من غير سبب جامع. وشبه -
~~أيضا - بما نعلمه (8) من (9) استحالة أن يخبر أحدنا من غير علم عن أمور
~~كثيرة، فيكون الخبر بالاتفاق صدقا، و (10) من المعلوم جواز أن يخبر الجماعة
~~الكثيرة بالصدق من غير تواطؤ (11) وما جرى مجراه (12). ولا يجوز مثل ذلك في
~~الكذب، لان الصدق
# PageV02P502
# يجري في العادة مجرى ما فيه سبب جامع من تواطؤ (1) أو (2) ما جرى مجراه،
~~لان علم المخبر بكون الخبر صدقا داع إلى الاخبار، وليس كذلك الكذب، لان
~~الكذب يحتاج إلى جامع عليه وداع إليه.
# فأما ما به يعلم فقد التواطؤ (3)، فإن الجماعات التي تروي الخبر ربما
~~بلغت ms212 من الكثرة (4) إلى حد يستحيل عليها (5) معه التواطؤ (3) بالمراسلة أو
~~المكاتبة وعلى كل وجه، لأنا نعلم ضرورة أن جميع أهل بغداد لا يجوز أن
~~يواطؤوا (6) مع (7) أهل الشام لا باجتماع ومشافهة ولا بمراسلة (8) ومكاتبة.
~~على أن التواطؤ (3) فيمن يصح ذلك فيه (9) من الجماعات مشافهة أو بالتراسل
~~والتكاتب لا بد على مجرى العادة من أن يظهر لمن خالطهم واختبر أحوالهم، و
~~(10) العادة شاهدة (11) بثبوت هذا الحكم، فغير ممكن دفعه. وأما
# PageV02P503
# ما يقوم مقام التواطؤ (1) من الأسباب الجامعة كتخويف (2) السلطان وخوف
~~(3) ضرره وما يجري (4) مجرى ذلك فظهوره وعلم الناس به على مجرى العادة
~~واجبان، لان الجماعة لا يجوز أن تجتمع (5) لأجل خوف السلطان على الامر
~~الواحد إلا بعد أن يظهر لهم هذا التخويف والترهيب المحوجان (6) إلى اتفاق
~~(7) دواعيهم، وما هذه حاله لا بد من العلم به والقطع على فقده إذا لم يظهر
~~عليه.
# وأما ما به يعرف ارتفاع اللبس والشبهة عما تخبر (8) به الجماعة، فهو أن
~~تخبر (9) الجماعة عن أمر مدرك بمشاهدة أو سماع يعلم انتفاء أسباب اللبس
~~والشبهة عن ذلك المخبر، فإن أسباب التباس المدركات معلومة، يعلم انتفاؤها
~~حيث تنتفي (10) ضرورة.
# وأما ما به يعلم ثبوت الشرائط التي ذكرناها في جميع الطبقات
# PageV02P504
# التي تروي الخبر، فهو أن العادات جارية بأن (1) المذاهب والأقوال (2)
~~التي (3) تقوى (4) بعد ضعف وتدرك بعد خفاء لا بد من أن يعرف ذلك من حالها،
~~ويفرق العقلاء (5) المخالطون لأهلها بين زماني فقدها ووجودها، وضعفها
~~وقوتها، كما علم الناس كلهم ابتداء (6) حال الخوارج، وظهور مقالة (7)
~~الجهمية والنجارية (8) ومن (9) جرى مجراهم، وفرق العقلاء من سامعي الاخبار
~~بين (10) زمان حدوث مقالتهم، وبين ما تقدم عليها.
# وقد ذهب مخالفونا في الإمامة (11) إلى أن امتناع الكتمان واستحالته في
~~الجماعات (12) الكثيرة يجريان مجرى استحالة الافتعال والكذب عليهم.
# والصحيح الذي تشهد (13) به أصولنا وأصولهم أن الجماعات
# PageV02P505
# لا يجوز أن تجتمع (1) على افتعال ولا كتمان إلا لجامع (2) يجمعها (3)
~~وسبب يؤلف بين دواعيها (4)، وأنها مع فقد الدواعي الجامعة (5) لا تجتمع (1)
~~على افتعال ولا كتمان، وقد بينا في الكتاب ms213 الشافي أن الجماعات الكثيرة يجوز
~~أن تكتم عداوة وحسدا وبغضا وانحرافا فضيلة معينة (6) لمن حسدوه (7) وعادوه،
~~فلا يروونها، ولا يذكرونها، وإن لم يتواطؤوا على ذلك ويتفقوا (8) عليه
~~مشافهة ولا مكاتبة، ولا يجوز أن يفعلوا خبرا (9) مخصوصا بصيغة معينة من غير
~~تواطؤ (10) واتفاق عليه، ولا يكفي في هذا الوجه داعي الحسد والعداوة كما
~~كفى في الكتمان، وبينا من بسط هذه النكتة وتفريعها ما ليس هذا موضع ذكره،
~~فإن الكتاب يطول باستقصائه، وهو هنا مشروح.
# فإن قيل: فما أنكرتم أن تكون (11) الجماعة إذا بلغت إلى
# PageV02P506
# الحد الذي ذكرتم وقع العلم الضروري عند خبرهم، وبطل الاستدلال على صدقهم
~~بما رتبتموه (1).
# قلنا: قد بينا أنه لا طريق إلى القطع على أن العلم الضروري يقع عند شئ من
~~مخبر الاخبار. ثم لو سلمنا ما يذهب إليه مخالفونا في العلم الضروري الواقع
~~عند الاخبار، لم يمتنع أن يستدل (2) بالتواتر على بعض الوجوه، بأن يكون
~~العدد الذي أجرى (3) الله تعالى العادة بأن يفعل عنده العلم الضروري لم
~~يتكامل في بعض الجماعات. فإن علمنا (4) بالدليل أن خبرهم لا يكون إلا صدقا
~~فيمكن على (5) هذا (6) التقدير أن يكون التواتر دليلا يفضي (7) إلى العلم.
~~فالصحيح ما أشار إليه أبو هاشم من التوقف على (8) ذلك، وترك القطع على حصول
~~العلم الضروري لا محالة.
# ومما يلحق من الاخبار بما (9) يعلم صدقه بدليل إخبار الله تعالى
# PageV02P507
# فإنا (1) نعلم كونه (2) صدقا، من حيث علمنا أنه (3) تعالى لا (4) يختار
~~الكذب، لعلمه بقبحه، وبأنه غني عنه، كما لا (5) يفعل سائر القبائح.
# ويلحق بذلك - أيضا - خبر الرسول صلى الله عليه وآله (6)، لأنا قد علمنا
~~بالمعجز (7) صدقه في إخباره، وأن شيئا من القبائح لا يجوز عليه، وكل ذلك
~~معلوم بالدليل.
# ومما يلحق - أيضا - بهذا الباب خبر الأمة كلها إذا أخبرت عن شئ، فالواجب
~~أن يعلم كونه صدقا، لان الدليل قد دل عندنا أن (8) في جملة (9) الأمة في كل
~~زمان من قوله حجة * لعصمته، وتفصيل هذه الجملة يجي في باب (10) الكلام في
~~(11) الاجماع بمشية الله تعالى.
# وقد ألحق قوم ms214 بهذا الباب أن يخبر الواحد عن شئ شاهده ويدعي على جماعة لم
~~تجر (12) العادة بالامساك عن تكذيب (13)
# PageV02P508
# من يدعي عليها مشاهدة ما لم تشاهده (1).
# وهذا غير صحيح، لأنه غير ممتنع أن يكون لهذه الجماعة دواع وبواعث إلى (2)
~~الامساك عن هذا المخبر، من وصول إلى نفع، أو دفع مضرة، فلا يجب أن يكذبوه،
~~بل ربما صدقوه، أو صدقه بعضهم.
# فأما إلحاق قوم بهذا الباب خبر المخبر بحضرة (3) النبي صلى الله عليه
~~وآله عن شئ فلم ينكره عليه، فإنه يجب أن يكون صدقا.
# فالواجب أن يقسم هذا الموضع قسمين: فنقول: إن كان هذا (4) المخبر ادعى عن
~~النبي صلى الله عليه وآله المشاهدة لما خبر (5) عنه، فلم ينكر عليه، فهو
~~دليل على صدقه، وإن كان أطلق الخبر إطلاقا، ولم يدع عليه شيئا، فإنه لا
~~يكون إمساكه عن النكير (6) عليه دلالة على صدقه، وإنما قلنا ذلك لأنه لا
~~يجوز عليه صلى الله عليه وآله إنكار ما لا يعلمه منكرا. وإذا أخبر الواحد
~~بحضرته عما لا (7) يعلمه، فهو مجوز في خبره الصدق والكذب.
# PageV02P509
# وقد ألحق قوم بهذا الباب أن يعلم أن الأمة أجمعت (1) على العمل بمخبر بعض
~~الاخبار لأجله، وادعوا أن ذلك يدل على كون الخبر حجة مقطوعا (2) بها، لأنه
~~لو لم يكن كذلك لرده بعض وقبله بعض آخر، وادعوا (3) أن عادتهم بذلك جارية.
# وهذا ليس بصحيح، لان بإجماعهم على الحكم يعلم صحته، فأما أن يعلم صحة
~~الخبر الذي عملوا به، ولأجله، فلا يجب ذلك لأنهم قد يجمعون على ما (4)
~~طريقه (5) الظن، كالقياس والاجتهاد وأخبار الآحاد. و (6) العادة المدعاة
~~غير صحيحة، ولا معلومة. وقد استقصينا في الكتاب الشافي الكلام على (7) هذه
~~النكتة عند تعويل (8) مخالفينا في صحة (9) الخبر المروى عن النبي صلى الله
~~عليه وآله من قوله (10) (لا تجتمع أمتي على خطأ) (11) على مثل هذه الطريقة.
# PageV02P510
# فصل فيما يعلم كذبه من الاخبار باضطرار أو اكتساب إعلم أن الخبر إنما
~~يعلم باضطرار أو اكتساب أن مخبره (1) ليس على ما تناوله بغيره لا بنفسه.
~~ومثال ما يعلم ms215 بطلانه باضطرار (2) خبر (3) من أخبر بأن السماء تحتنا،
~~والأرض فوقنا، وأن جبلا (4) بحضرتنا، ونحن لا نراه مع السلامة وارتفاع
~~الموانع. فأما الخبر الذي يعلم بطلانه باكتساب، فهو كل (5) خبر علمنا أن
~~مخبره ليس على ما (6) تناوله بدليل عقلي أو بالكتاب (7) أو السنة أو
~~الاجماع.
# وقد ألحق قوم بهذا الباب لواحق:
# منها أن يكون الخبر (8) لو كان صحيحا، لوجب قيام الحجة به (9) على
~~المكلفين، فإذا لم يقم (10) به، علم (11) أنه باطل.
# ومنها أن يكون الخبر مما لو كان صحيحا، لعلم أهل العلم
# PageV02P511
# إذا فتشوا عنه ذلك، فإذا (1) لم يعلم مع التفتيش، علم كونه كذبا ومنها أن
~~يكون المخبر عنه مما تقوى (2) الدواعي (3) إلى نقله، وتمنع (4) من (5)
~~كتمانه، فإذا لم ينقل والحال هذه، علم كونه كذبا.
# ومنها أن تكون (6) الحاجة ماسة في باب الدين إلى نقله، فإذا لم ينقل (7)
~~كما نقلت نظائره، علم بطلانه.
# ومنها أن يكون في الأصل وقع شائعا ذائعا، ومثله في العادة لا يضعف (8)
~~نقله، بل يكون حاله في الاستمرار كحاله في الأول.
# واعلم أن هذه الوجوه إن صحت كلها أو بعضها، فإنما هي تفصيل لما أجملناه
~~في قولنا: بدليل عقلي، لان الأدلة (9) العقلية المبتنية (10) على العادات
~~واختيارها (11)، إليها (12) فزع (13) من ألحق
# PageV02P512
# هذه الوجوه، فما صح منها من كل أو بعض فهو (1) داخل في الجملة التي
~~ذكرناها.
# والكلام في تصحيح (2) كل واحد من (3) هذه الوجوه (4) الملحقة يطول جدا،
~~ويخرج عن الغرض لكنا (5) نشير إلى جملة كافية:
# أما الوجه الأول، فلا يصح على (6) إطلاقه، لأنه غير ممتنع أن تتفق (7)
~~دواعي الأمة إلى كتمان (8) حادث من الحوادث، أو حكم من الاحكام، حتى لا
~~ينقله منهم إلا الآحاد، فلا يجب إذا أن يقطع على بطلان خبر الواحد عنه من
~~حيث لم ينقله الجميع إلا بعد أن يعلم انتفاء دواع عن طيه (9) وكتمانه، وأنه
~~مع العادة لا يجوز ذلك فيه، فأما إذا لم يعلم ذلك (10)، جوزنا كون الخبر
~~صادقا، وإن لم ينقله الجميع أو الأكثر. وقولهم: لا يجوز أن يكلف الله تعالى
~~(11)
# PageV02P513
# ما ms216 لم تقم (1) الحجة عليه صحيح، إلا أنه ليس كل حجة على هذا الحكم هو
~~إخبار الجماعات، وغير ممتنع أن تكون الحجة به (2) قائمة وإن كتمه (3)
~~الأكثر من جهة قول إمام الزمان إذا بينه و أوضح عنه.
# و (4) الوجه الثاني يجري مجرى الأول في فساد إطلاق القول فيه، ووجوب
~~تقييده بما أشرنا إليه.
# وأما (5) الوجه الثالث، فلا شبهة في أنا إذا علمنا أن الدواعي إلى نقله
~~ثابتة، والصوارف عن ذلك مرتفعة، ثم لم ينقل، علمنا بطلانه، وبقي أن يكون
~~ذلك معلوما، وربما أدعيت هذه الحال فيما هو بخلافها، ولهذا يكذب (6) الواحد
~~إذا أخبرنا بأن بين بغداد وواسط (7) مدينة هي أكبر من بغداد وأكثر أهلا.
~~ويكذب (6) من ادعى أن القران عورض، وعول على رواية الواحد، لأنا نعلم كثرة
~~أعداء الدين وانتشارهم في الشرق والغرب، فكان
# PageV02P514
# يجب ظهور نقل هذه المعارضة فيهم إن منع من انتشارها بين المسلمين خوف
~~منهم (1) والوجه الآخر شرط فيه أن تكون (2) العادة تمنع من ضعف مثله، و (3)
~~توجب (4) استمرار (5) الشياع والإذاعة (6) فيه، ومع هذا الشرط الامر على ما
~~ذكر (7) *.
# فصل فيما (8) لا يعلم كونه صدقا ولا كذبا من الاخبار اعلم أن كل خبر روي
~~ولا طريق من ضرورة ولا اكتساب إلى العلم بكونه صدقا ولا كذبا، فالتجويز
~~للامرين (9) قائم فيه.
# وقد قطع قوم على أن في الاخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله
~~كذبا، وتعلقوا بما روى عنه عليه السلام من قوله (10): (من كذب على متعمدا
~~فليتبوأ مقعده من النار) وبما يروى (11) من قوله صلى الله عليه وآله (12)
~~-:
# PageV02P515
# (ستكثر (1) الكذابة علي).
# وليس ذلك بمعتمد: أما الخبر الأول، فيتضمن الوعيد، ولا يعلم وقوع الفعل
~~لا محالة، والخبر الثاني خبر واحد لا يوجب القطع على صحة مخبره. فالصحيح ما
~~قلناه من التجويز من غير قطع، وإنما يعلم كذب بعض الاخبار المروية عنه صلى
~~الله عليه وآله على سبيل الوصف دون التعيين (2). فنقول: كل خبر دل ظاهره
~~على إجبار (3) أو تشبيه أو ما جرى مجرى ذلك (4)، مما علمنا استحالته، من ms217
~~غير قرينة، ولا على وجه الحكاية، وكان احتماله للصواب بعيدا متعسفا، وجب
~~الحكم ببطلانه، لان الحكمة والدين يمنعان من الخطاب بما يحتاج إلى تعسف
~~وتكلف شديد حتى يحتمل الصواب. وأما (5) كون الخبر صدقا، فمخالف لكونه كذبا
~~(6)، لأنه لا خبر روي إلا ويحتمل الصدق والكذب، وليس يجوز أن يجعل وجوب
~~العمل به (7) دليلا على كونه صدقا لأنا قد نعمل (8) بما يجوز كونه كذبا من
~~شهادة الشاهدين بلا خلاف (9).
# PageV02P516
# فصل في أن الخبر الواحد لا يوجب العلم اعلم أن الصحيح أن خبر الواحد لا
~~يوجب علما، وإنما يقتضي غلبة (1) الظن بصدقه (2) إذا كان عدلا. وكان النظام
~~يذهب (3) إلى أن العلم يجوز أن يحصل عنده وإن لم يجب، لأنه يتبع قرائن (4)
~~وأسبابا، ويجعل (5) العمل تابعا للعلم، فمهما لم يحصل علم فلا عمل. وقال
~~بعضهم: إن خبر (6) الواحد يوجب العلم الظاهر، و يقسم العلم إلى قسمين. وفي
~~الناس من يقول: إن كل خبر وجب العمل به فلا بد من إيجابه العلم، ويجعل
~~العلم تابعا للعمل.
# وأقوى ما أبطل به قول (7) النظام أن الخبر مع الأسباب التي يذكرها (8) لو
~~حصل عندها العلم كما ادعى، لما جاز (9) انكشافه عن باطل، وقد علمنا أن
~~الخبر عن موت إنسان بعينه مع حصول
# PageV02P517
# الأسباب التي يراعيها من البكاء عليه والصراخ وإحضار الجنازة والأكفان قد
~~ينكشف عن باطل، فيقال: إنه أغمي (1) عليه، أو لحقته السكتة (2)، أو (3) ما
~~أشبه ذلك، والعلم لا يجوز انكشافه عن باطل. ويلزم على هذه الطريقة الفاسدة
~~أن (4) يجوز أن لا يقع العلم بالتواتر لفقد هذه الأسباب، فكنا نصدق (5) من
~~خبرنا بأنه لا يعلم شيئا بالاخبار بأن (6) لا تكون (7) الأسباب حاصلة. وأما
~~(8) إلزام النظام أنه لو أوجب خبر الواحد العلم في موضع، لأوجبه (9) في كل
~~موضع، فكان النبي صلى الله عليه وآله (10) يستغنى عن علم معجز، والحاكم متى
~~لم يعلم صدق المدعي ضرورة، أن يعلم أنه كاذب، فإن ذلك لا يلزمه، لان له أن
~~يقول: من أين لكم أن كل خبر يجب عنده العلم؟ بل لا بد ms218 (11) من وجوب ذلك عند
~~أمثاله (12). ثم العلم عند النظام لا يجب عند (13) مجرد الخبر، بل عنده
~~وعند أسباب يذكرها، وليس مثل ذلك
# PageV02P518
# في خبر مدعي النبوة، ولا في الحاكم.
# فأما من يقول: إنه يقتضي العلم الظاهر، فخلافه في عبارة، لأنه سمى غالب
~~الظن علما.
# وأما من جعل العلم تابعا للعمل، فقوله باطل لأنه عكس الشئ، والعمل يجب أن
~~يتبع (1) العلم لا أن يتبع (1) العلم (2) العمل، وقد وجب العمل بأخبار
~~كثيرة من غير حصول العلم كالمخوف (3) من سبع في طريق والشهادات وغيرها.
# فصل في ذكر (4) الدلالة على جواز التعبد بالعمل بخبر الوحد (5) إعلم أن
~~(6) في المتكلمين من يذهب (7) إلى أن خبر الواحد (8) لا يجوز من جهة العقل
~~ورود العبادة بالعمل به، والصحيح أن ذلك جائز عقلا، وإن كانت العبادة ما
~~وردت به (9) على ما سنبينه
# PageV02P519
# في الباب الذي يلي هذا الباب (1) بمشية الله تعالى.
# والذي يدل على جواز ورود العبادة بالعمل به أن يبين (2) أن خبر الواحد
~~يمكن أن يكون طريقا إلى (3) معرفة الاحكام، وأنه يجري في جواز كونه دلالة
~~مجرى الأدلة الشرعية كلها من كتاب وسنة وإجماع، وإن اختلف وجه دلالته كما
~~اختلف وجوه هذه الأدلة الشرعية ولم تخرج (4) بهذا (5) الاختلاف من كونها
~~أدلة، وإنما جاز أن يكون خبر الواحد دلالة بأن يدل القرآن أو السنة على
~~وجوب العمل (6) به إذا كان المخبر به على صفة مخصوصة، ألا ترى (7) أنه لا
~~فرق في العلم بتحريم الشئ بأن يقول النبي صلى الله عليه وآله (8) -: (إنه
~~حرام) وبين أن يقول: (إذا أخبركم عني (9) بتحريمه (10) فلان فحرموه)، ولا
~~(11) فرق بين ذلك، وبين أن يقول: (إذا أخبركم عني بتحريمه (12) من صفته كيت
~~وكيت فحرموه)، لأنه (13) على الوجوه كلها يعلم التحريم
# PageV02P520
# وإن اختلف.
# وليس لاحد أن يقول: فامنعوا الغلط من الواحد إذا كان الامر على ما ذكرتم،
~~وذلك أنه غير ممتنع أن يجعل الرسول صلى الله عليه وآله (1) قول الواحد
~~دلالة * مع جواز الغلط عليه. مثال ذلك أنه صلى الله عليه وآله (2) لو قال:
~~(إذا ms219 أخبركم عني (3) أبو ذر بشئ، فهو حق)، لكانت الثقة حاصلة عند خبره، ولو
~~قال صلى الله عليه وآله (1) (اعملوا بما يخبركم به فلان، فهو صلاح (4)
~~لكم)، وجب العمل به (5)، وإن لم يحصل (6) الثقة، و (7) يجري مجرى تعبد
~~الحاكم بأن يعمل (8) بعلمه، فتحصل له الثقة، وتعبده بأن (9) يعمل بالاقرار،
~~فلا تحصل (10) الثقة (11)، وان كان (12) الحال إليها أقرب، وتعبده بأن (13)
~~يعمل بالبينة، وهي عن الثقة أبعد من الاقرار.
# PageV02P521
# ومما يدل - أيضا - على جواز التعبد بخبر الواحد أن العمل في كثير من
~~العقليات قد يتبع غلبة الظن فما الذي يمنع عن (1) مثل ذلك في الشرعيات.
# ويدل عليه - أيضا - (2) ورود التعبد بقبول الشهادات، والاجتهاد في جهة
~~القبلة، وقبول قول المفتي، وكل هذا من باب واحد.
# وقد تعلق من منع من (3) جواز التعبد بخبر الواحد بأشياء:
# أولها (4) قولهم: إن الشرائع لا تكون (5) إلا مصالح (6) لنا، و بخبر
~~الواحد لا نعلم أن ذلك مصلحة، ولا نأمن كونه مفسدة.
# وثانيها أن قالوا: إذا لم يجز أن نخبر (7) بما لا نأمن (8) كونه كذبا،
~~كذلك لا يجوز أن نقدم (9) على ما لا نأمن (8) من (10) كونه مفسدة.
# وثالثها أن قول الواحد وصلة إلى قول الرسول صلى الله عليه وآله (11)،
# PageV02P522
# وإذا لم يجز قبول قول الرسول (1) صلى الله عليه وآله إلا بمعجز (2) ودليل
~~على القطع على (3) صدقه، فغيره أولى بذلك.
# ورابعها أن الرسول صلى الله عليه وآله إنما لم يجز العمل بقوله إلا
~~بمعجزة (4) تدل على صدقه لجواز (5) الغلط عليه، وهذه العلة قائمة في خبر
~~الواحد.
# وخامسها أن العمل من حقه أن يتبع العلم، وإذا لم يعلم صدق الواحد، لم
~~يعمل (6) بخبره، ولو جاز العمل ولا علم، لجاز تبخيتا (7) وتخمينا (8).
# وسادسها أنه لو جاز العمل بخبر الواحد في بعض الأحكام، جاز في سائرها،
~~حتى في الأصول، وإثبات القرآن، والنبوات.
# وفرقوا بين العمل بخبر الواحد وبين الشهادة بأن الشهادة تقتضي (9) ما
~~يتعلق بمصالح (10) الدنيا، ودفع المضار فيها (11)، وإجلاب (12)
# PageV02P523
# المنافع (1)، وما يجوز فيه البدل والصلح (2)، ويتعلق بالاختيار، ويخالف
~~المصالح التي لا يعلمها إلا ms220 الله تعالى، ويخالف ذلك - أيضا - المعاملات
~~التي تجري (3) مجرى الاباحات، وترجع إلى الرضا والسخط، وتطيب النفس (4).
# وسابعها أنه لو جاز التعبد (5) بخبر العدل، لجاز (6) ذلك في خبر الفاسق،
~~لأنه لا فرق في العقول بينهما في أن الثقة لا تحصل عند خبره.
# فيقال (7) لهم فيما تعلقوا به أولا: الشرائع لا بد من كونها مصالح، على
~~ما ذكرتم (8)، ولا بد من طريق للمكلف إلى العلم بذلك (9) إما على الجملة،
~~أو التفصيل (10). فإذا (11) دل الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان
~~على صفة، وإذا (12) غلب في الظن صدقه، علمنا كون ما أخبر به صلاحا، وأمنا
~~(13) من الاقدام على المفسدة، كما نعلم (14) كون قطع يد السارق عند البينة
~~أو الاقرار
# PageV02P524
# صلاحا، ولولا ذلك لكان (1) مفسدة. وتنتقض (2) - أيضا - هذه الطريقة
~~بالشهادات إذا عمل بها في الحدود.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: لو جاز في الخبر أن تثبت (3) أمارة
~~للمكلف يأمن بها من كونه كذبا، جاز أن يكلف في الاخبار ما كلفه في الافعال.
~~وينتقض ذلك عليهم بالاقرار والبينات في الحدود وغيرها.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا ورابعا - فإن الوجهين متقاربان (4) -:
# إن (5) الرسول لو كان لنا طريق غير المعجز (6) يعلم به كون ما تحمله (7)
~~مصلحة، لجاز (8) فيه ما جاز (9) في خبر الواحد. وإنما لم يعمل (10) بخبر
~~مدعي النبوة قبل ظهور المعجز، لأنه لا طريق إلى العلم (11) بقوله إلا العلم
~~(12) المعجز، وليس كذلك الخبر، لان لنا طريقا نأمن (13) به كون الفعل
~~مفسدة، وهو ما بيناه من قيام الدلالة على وجوب العمل
# PageV02P525
# بخبره. وتنتقض (1) هذه الطريقة - أيضا - بالشهادات والاقرارات وكل شئ عمل
~~به مع ارتفاع الثقة بالصدق.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: لا شبهة في أن العمل يتبع (2) العلم،
~~لكن من أين قلتم: أنه يتبع العلم بصدق المخبر؟!، وما أنكرتم أنه (3) يتبع
~~(2) العلم تارة بصدق المخبر، وأخرى يتبع (2) العلم بوجوب العمل بقوله مع
~~تجويز الغلط عليه؟!. وتنتقض (4) هذه الطريقة - أيضا - بالشهادات،
~~والاقرارات، والرجوع إلى قول المفتي، والحاكم.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: ليس ms221 بممتنع (5) فرضا وتقديرا أن يثبت
~~(6) جميع أصول الشريعة بأخبار الآحاد بعد أن يعلم بالمعجز (7) صدق الرسول
~~صلى الله عليه وآله (8)، ويعلم من جهة ذلك، وإن كان قد ثبت الشرع الآن
~~بخلاف ذلك، والكلام الآن (9) إنما هو على الجواز، وقد بينا جوازه. ثم
~~يعارضون بالشهادات،
# PageV02P526
# والاقرارات، ويلزمون جواز مثل ذلك في سائر الأصول.
# فأما القرآن، فإثباته وهو معجز دال على صدق الرسالة بخبر الواحد لا يجوز،
~~لان (1) الثقة بنبوته وصدقه لا تحصل (2) إلا مع الثقة بمعجزته، ولو فرضنا
~~أن نبوته (3) صلى الله عليه وآله (4) تثبت (5) بغير القرآن من المعجزات،
~~لجاز إثبات القرآن بخبر الواحد.
# فأما إثبات النبوات بخبر الواحد، فإنه غير جائز، لان ذلك ينتقض بخبر (6)
~~الواحد. ولأنه لا طريق إلى وجوب العمل بقول النبي صلى الله عليه وآله إلا
~~العلم المعجز (7) الدال على الصدق * وحصول الثقة.
# وأما (8) تفريقهم بين قبول الشهادة (9) وقبول خبر الواحد، فليس بصحيح،
~~لأنا نقبل الشهادة (10) في الحدود (11)، وهي مختصة بمصالح الدين، وخارجه
~~عما يجوز فيه الصلح والتراضي (12). وكذلك يقبل قول المفتي فيما يختص بمصالح
~~الدين (13).
# PageV02P527
# وبعد، فإن العقل يحظر انتزاع ملك (1) زيد ودفعه إلى عمرو، وبالشهادة يفعل
~~ذلك.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سابعا: إنه جائز (2) من جهة العقل أن يتعبد (3)
~~الله تعالى بالعمل بخبر الفاسق، ولا فرق في الجواز بين العدل والفاسق، وإذا
~~جعلنا قول المخبر كالسبب أو الشرط في العبادة (4)، جازت العبادة عقلا
~~بالعمل بقول من يغلب في الظن كذبه، كما يجعل زوال الشمس وطلوع الفجر سببا
~~للأحكام (5).
# فإن قيل: إذا كان لا بد من تمييز (6) الحجة من الشبهة، فكيف يتميز ذلك في
~~خبر الواحد؟.
# قلنا: بأن يجعل لاحد الخبرين (7) أمارة يميز (8) بها من الآخر.
# فصل في إثبات التعبد بخبر الواحد أو نفي ذلك الصحيح أن العبادة ما وردت
~~بذلك، وإن كان العقل يجوز
# PageV02P528
# التعبد (1)، بذلك وغير محيل له، على ما مضى في الباب الأول، ووافق على
~~ذلك كل من منع عقلا من العبادة به من النظام وغيره من المتكلمين.
# وذهب الفقهاء وأكثر المتكلمين ms222 (2) إلى أن العبادة قد وردت بالعمل بخبر
~~الواحد في الشريعة. وكان أبو علي الجبائي لا يعمل بخبر الواحد في الشريعة،
~~ويعمل بخبر الاثنين فصاعدا، ويجريه (3) مجرى الشهادة.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أنه لا خلاف بيننا وبين محصلي (4)
~~مخالفينا في هذه المسألة أن العبادة بقبول خبر الواحد والعمل به طريقة
~~الشرع (5) والمصالح، فجرى مجرى سائر (6) العبادات الشرعية في اتباع
~~المصلحة، وأن العقل غير دال عليه، وإذا فقدنا في أدلة الشرع ما يدل على
~~وجوب العمل به (7)، علمنا انتفاء العبادة به، كما نقول (8) في سائر
~~الشرعيات والعبادات الزائدة على ما أثبتناه وعلمناه (9)، وعلى هذه الطريقة
~~نعول (10) كلنا في (11) نفي
# PageV02P529
# صلاة زائدة وصوم شهر زائد على ما عرفناه، وفي أن مدعي النبوة ولا معجز
~~(1) على يده ليس بنبي. وليس لاحد أن يقول: إنما علمت أنه لا صلاة زائدة على
~~الخمس مفروضة، ولا صيام مفروض زائد (2) على شهر رمضان، بالاجماع، لأنا نعلم
~~أنهم لو لم يجمعوا على ذلك، وخالف بعضهم فيه، لكان المفزع (3) فيه (4) إلى
~~هذه الطريقة التي ذكرناها، وقد بينا صحة الاعتماد على هذه (5) الطريقة،
~~وإبطال شبهة (6) من اشتبه عليه ذلك في مواضع من كلامنا، واستقصيناه.
# ويمكن أن يستدل بمعنى هذه الطريقة بعبارة أخرى، وهو أن نقول (7): العمل
~~بالخبر لا بد من أن يكون تابعا للعلم، فإما أن يكون تابعا للعلم (8) بصدق
~~الخبر، أو العلم (9) بوجوب العمل به مع تجويز الكذب، وقد علمنا أن خبر
~~الواحد لا يحصل عنده علم بصدقه لا محالة، فلم يبق إلا أن يكون العمل به
~~تابعا للعلم بالعبادة
# PageV02P530
# بوجوب (1) العمل به، وإذا لم نجد (2) دليلا على وجوب العمل به، نفيناه
~~(3).
# وقد تعلق مخالفونا بأشياء:
# أولها قوله تعالى -: (فلولا نفر من كل فرقة منهم (4) طائفة ليتفقهوا في
~~الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون.) وليس يكونون منذرين
~~لهم إلا (5) و (6) يلزمهم القبول منهم. وربما قالوا: إن معنى الآية ولينذر
~~كل واحد منهم قومه (7). وإذا صح لهم ذلك استغنوا عن التشاغل بأن اسم طائفة
~~(8) يقع على ms223 الواحد، كما يقع على الجماعة، وتعلقهم في ذلك بقوله تعالى -:
~~(وليشهد (9) عذابهما طائفة من المؤمنين) وقوله تعالى - (10):
# (وإن (11) طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وثانيها (12) قوله تعالى -: (إن
~~الذين يكتمون ما أنزلنا من
# PageV02P531
# البينات) وحظر الكتمان يقتضي وجوب الاظهار، ولا يجب الاظهار إلا للقبول.
# وثالثها قوله تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا
~~أن تصيبوا قوما بجهالة)، والظاهر يقتضي أن العدل في هذا الحكم بخلاف
~~الفاسق.
# ورابعها أن الله تعالى قد أمر رسوله (1) صلى الله عليه وآله بالابلاغ في
~~مواضع من الكتاب لا تحصى، والابلاغ يكون بالتواتر والآحاد معا، لأنه لو
~~اختص بالتواتر (2) وما يوجب العلم، لوجب أن يكون العلم بفروع العبادات
~~كالعلم بأصولها، وكذلك فروع المعاملات كلها، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك.
# وخامسها وهو (3) الطريقة التي بها يصولون، وعليها كلهم يعولون، وإياها
~~يرتضون، وترتيبها أن الصحابة مجمعة (4) على العمل بأخبار لا تبلغ التواتر،
~~وذلك أظهر فيما بينهم من كل شئ كان ظاهرا، ويذكرون رجوعهم في وجوب الغسل
~~بالتقاء الختانين إلى أزواج
# PageV02P532
# النبي صلى الله عليه وآله عند اختلافهم في ذلك، وعمل عمر بن الخطاب بعد
~~التوقف والتردد في جزية المجوس على خبر عبد الرحمن، ثم أجمعوا على ذلك،
~~ونحو عمله في دية الجنين (1) على خبر حمل (2) بن مالك، ونحو عمل أبي بكر في
~~ميراث الجدة على قول الواحد والاثنين، ونحو ما روي عن (3) أمير المؤمنين
~~عليه السلام من قوله: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله حديثا
~~نفعني الله ما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني عنه غيره (4) استحلفته، فإذا
~~حلف (5) لي صدقته، وحدثني أبو بكر * وصدق أبو بكر (6)، ورجع في حكم المذي
~~(7) إلى خبر المقداد، قالوا و (8) وجدناهم بين عامل بهذه الاخبار، وبين
~~تارك للنكير عليه، ولو كان ذلك خطأ، لكان قد أجمعوا على الخطأ، وهذا غير
~~جائز عليهم.
# وسادسها أن النبي صلى الله عليه وآله كان يبعث عماله ورسله (9) إلى
# PageV02P533
# البلاد للدعاء إلى شريعته، وإنما كانوا (1) يعملون (2) على مجرد أقوالهم
~~في كونهم رسلا، وفي ms224 العمل بما يروونه (3).
# وسابعها حمل قبول خبر الواحد مع تجويز الغلط عليه على قبول قول المفتي مع
~~تجويز ذلك عليه. وربما حملوا ذلك على الشهادات وأخبار المعاملات.
# وثامنها أن الضرورة تقود (4) إلى قبول أخبار الآحاد إذا حدثت (5) الحادثة
~~وليس فيها حكم منصوص (6).
# وتاسعها طريقة وجوب التحرز من المضار، كما يجب التحرز (7) من سلوك الطريق
~~إذا أخبر (8) مخبر بأن فيه سبعا وما أشبهه.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إذا سلمنا أن اسم الطائفة يقع على الواحد
~~والاثنين، فلا دلالة لكم في الآية، لأنه تعالى سماهم منذرين، والمنذر هو
~~المخوف المحذر الذي ينبه على النظر
# PageV02P534
# والتأمل، ولا يجب (1) تقليده ولا القبول منه بغير حجة، ولهذا قال تعالى
~~-: (لعلهم يحذرون) ومعنى ذلك ليحذروا، و (2) لو أراد ما ادعوا لقال - تعالى
~~-: (لعلهم (3) يعملون (4) أو يقبلون (5)) والنبي - صلى الله عليه وآله وإن
~~سميناه منذرا، وكان قبول قوله واجبا، فمن حيث كان في ابتداء دعوته يكون
~~مخوفا، ثم إذا استقر دليل نبوته، وجب العمل بقوله.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: أما الكتمان فلا يستعمل إلا فيما يجب
~~إظهاره، أو تقوى (6) الدواعي إلى ذلك فيه، فمن أين لكم أن خبر الواحد له
~~هذه الصفة، حتى يطلق فيه الكتمان؟!
# والآية تدل على الاختصاص بنقل (7) القرآن، لأنه قال: (ما أنزلنا من
~~البينات والهدى)، وما أنزل الله تعالى هو القرآن.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: هذه الطريقة مبنية على دليل الخطاب، وقد
~~بينا فيما تقدم فساد ذلك. وبعد، فالتعليل في الآية
# PageV02P535
# أولى أن يعول عليه من دليل الخطاب، وهو قوله تعالى -: (أن تصيبوا قوما
~~بجهالة)، وهذه العلة قائمة في خبر العدل. وقد قيل:
# إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة (1)، وقد ولاه النبي صلى الله عليه
~~وآله (2) صدقات بعض العرب، فعاد إليه يذكر أنهم منعوا الصدقات، فهم (3)
~~الرسول (4) عليه السلام بإرسال الجيوش إليهم (5)، فنزلت الآية بيانا له
~~(6)، وليعلم الرسول عليه السلام أن الوليد بهذه الصفة، لأنه إنما ولاه على
~~ظاهر (7) أمره.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ms225 رابعا: ليس يجوز أن يؤمر (8) بأن يبلغ إلا بما
~~هو حجة في نفسه يجب العمل به، وهذا يقتضى أن يدل على أن الخبر الواحد بهذه
~~الصفة حتى يصح الابلاغ به، ومن مذهب من خالفكم في هذه المسألة أن الابلاغ
~~لا يصح إلا بما هو حجة توجب (9) العلم، أو بتواتر، أو إجماع، أو قول إمام
~~معصوم نائب عنه عليه السلام وخليفة (10) له بعد وفاته.
# PageV02P536
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: أنتم تعلمون بأي شئ تدفع الامامية هذه
~~الطريقة، وهو أنها تقول (1) إنما عمل بأخبار (2) الآحاد من الصحابة
~~المتأمرون الذين (3) يحتشم (4) التصريح بخلافهم، والخروج عن (5) جملتهم،
~~فالامساك عن النكير (6) عليهم (7) لا يدل على الرضا بما فعلوه، لأننا (8)
~~كلنا نشترط (9) في دلالة الامساك على الرضا (10) أن لا يكون له وجه سوى
~~الرضا من تقية وخوف وما أشبه ذلك، فبطل أن يكون ما ذكرتموه إجماعا. غير أنا
~~نعدل عن استعمال هذه الطريقة في هذا الكتاب لأنها (11) تحوج (12) إلى
~~الكلام في الإمامة، وينتقل من أصول الفقه (13) إلى أصول الدين (14)، ولأنها
~~تثقل (15) على الفقهاء، وتوحشهم، وما تؤثر (16) ما ينفرون
# PageV02P537
# منه، وإن تعمد (1) كثير من مخالفينا إيحاشنا (2)، وتسلقوا، وتوصلوا إلى
~~كل ما يثقل علينا من غير حاجة بهم في الموضع إليه. فأما من خالف في كون
~~الاجماع حجة من النظام وغيره، ممن أحال العلم بصحة إجماع الأمة على شئ، أو
~~(3) أجاز ذلك و (4) ذكر أنه لا دليل يدل على أن إجماع الأمة حجة، فإنه يدفع
~~(5) - أيضا - هذه (6) الطريقة بأن يقول (7) أكثر ما فيها الاجماع على العمل
~~بقبول أخبار الآحاد، ولا حجة في الاجماع. و (8) هذه الطريقة لا نرتضيها،
~~لأننا (9) نذهب إلى أن في (10) إجماع الأمة الحجة، ولا يجوز أن يجمعوا على
~~باطل.
# ولنا (11) بعد ذلك كله على هذه الطريقة وجهان من الكلام:
# أولهما أن جميع ما وضعوا أيديهم عليه إنما هي أخبار آحاد لا توجب علما،
~~فإنهم دلوا على أن خبر الواحد حجة بأخبار آحاد،
# PageV02P538
# وكيف يعولون (1) على ما أحسن أحواله أن يوجب الظن (2) فيما طريقه العلم ms226
~~والقطع، لأنهم يدعون القطع والعلم بأن الله تعالى (3) تعبدهم بالعمل بأخبار
~~الآحاد في الشريعة، فلا يجب أن يعولوا (4) على ما لا يوجب العلم.
# وقد حملهم سماع هذا الطعن منا على أن ادعوا أنهم يعلمون ضرورة عمل
~~الصحابة على أخبار لا تبلغ حد التواتر، وأنهم لم يعولوا هيهنا على خبر
~~الواحد حتى يدخل أبو علي الجبائي معهم، فإنه (5) لا يعمل بخبر الواحد إذا
~~انفرد، ويذكرون أن العلم بذلك يجري مجرى العلم بأنهم كانوا * يرجعون في
~~الاحكام إلى القرآن والسنة المتواترة بها (6)، وكما (7) يعلم (8) رجوع
~~العوام منهم إلى فتوى المفتي، قالوا: نذكر الاخبار ليتطابق (9) الجملة و
~~(10) التفصيل، وربما قالوا كما نعلم ضرورة سخاء حاتم وإن لم نعلم تفاصيل
~~(11)
# PageV02P539
# ما (1) يروى من عطاياه وجوائزه، وكذلك شجاعة عمرو بن معد يكرب.
# والجواب عن هذا الذي حملوا نفوسهم عند ضيق الحيلة (2) عليه (3) أن
~~الضرورة لا تختص (4) مع المشاركة في طريقها، والامامية وكل مخالف لهم في
~~خبر الواحد من النظام وتابعيه وجماعة (5) من شيوخ متكلمي المعتزلة
~~كالقاساني (6) بالأسر (7) يخالفونهم فيما ادعوا فيه الضرورة مع الاختلاط
~~بأهل الاخبار، ويقسمون على أنهم لا يعلمون ذلك بل و (8) لا يظنونه، فإن
~~كذبتموهم، فعلتم (9) ما لا يحسن، وكلموكم بمثله. والفرق بين الرجوع إلى
~~القرآن والتواتر وبين خبر الواحد واضح، لان ذلك لما كان معلوما ضرورة لم
~~يخالف فيه عاقل، والخلاف فيما ادعوه ثابت، وكذلك القول في رجوع العامي إلى
~~الفتوى. وكذلك القول في سخاء حاتم
# PageV02P540
# وشجاعة عمرو، و (1) لان من خالف في ذلك كله لا يناظر ويقع (2) على بهته
~~(3) ومكابرته، وليست هذه صفة من خالف في أخبار الآحاد.
# وبعد، فإذا (4) كنتم تعلمون على الجملة أن القوم عملوا على أخبار الآحاد،
~~فلا فائدة في ذكر هذه الأخبار المعينة وتدوينها (5) في الكتب، لأنها تقتضي
~~(6) الظن على أجل أحوالها، وأي تأثير للظن مع العلم الضروري؟! وقولهم:
~~(ليطابق التفصيل الجملة) كلام (7) لا محصول له، لان التفصيل الذي جاءت به
~~هذه الأخبار غير معلوم، والجملة هي (8) التي يدعون (9) العلم بها، فلا
~~تطابق (10) بين معلومين.
# ثم ms227 يقال لهم: كما احترزتم (11) لأبي علي في عبارتكم عما يتعلق به في
~~العلم الضروري، وقلتم (12): نعلم ضرورة أنهم عملوا على ما لا ينتهي إلى
~~التواتر (13) من الاخبار، ألا احترزتم للنظام ومن
# PageV02P541
# وافقه ممن نفى العمل (1) بأخبار الآحاد كلها مما لا يحصل عنده علم (2)
~~ويقين؟! فليس النظام ومن وافقه بدون أبي (3) علي وأصحابه. ومن العجب قولهم:
~~إنهم إنما عملوا على العمل بأخبار الآحاد لنص من الرسول صلى الله عليه وآله
~~قاطع على ذلك، وإنما لا يوجد هذا النص المعين في النقل لان الاجماع قد أغنى
~~عن نقله، وهذا فاسد، لان قيام حجة و (4) دلالة لا يغني (5) عن أخرى، ولو
~~كان الرسول عليه السلام قد نص لهم على وجوب العمل بخبر الواحد نصا معينا
~~مفصلا، لوجب كون (6) نقل (7) هذا النص والتواتر به مستمرا وأن ينعقد
~~الاجماع على مضمونه، لان (8) الحجج قد تترادف، وتتضاعف. وبعد، فقد بينا أنه
~~(9) لا إجماع على ما ذكروه، فيغني عن التواتر بالنص عليه.
# وأما الوجه الثاني في الكلام على هذه الطريقة - إذا سلمنا صحة كل شئ رووه
~~من هذه الأخبار المعينة، ولم نقدح (10)
# PageV02P542
# فيها، ولا (1) طالبنا بدلالة على صحتها - فهو أن نقول: المعلوم أنهم
~~عملوا عند هذه الأخبار، والعمل عندها يحتمل أن يكون عملوا بها ولأجلها، كما
~~يحتمل أن يكونوا ذكروا (2) عند ورودها سماعهم من (3) النبي صلى الله عليه
~~وآله لذلك (4)، ويحتمل - أيضا - أن يكون (5) الخبر نبههم (6) على طريقة من
~~الاجتهاد تقتضي (7) إثبات ذلك الحكم، فكان العمل على الاجتهاد، لا بالخبر،
~~وإنما كان للخبر حظ التذكير (8) والايقاظ.
# فإن قالوا: هذا يقتضي العدول عن المعلوم إلى المجهول، لان رواية الخبر
~~معلومة، وعملهم (9) عنده معلوم أيضا، وما تدعونه من علم بذلك سبق أذكر (10)
~~هذا الخبر مجهول، وكذلك تنبيهه على طريقة من الاجتهاد - أيضا - مجهول، ولا
~~يعدل عن المعلوم إلى المجهول.
# PageV02P543
# قلنا: المعلوم (1) رواية الخبر وعملهم عنده، وتعليل هذا العمل بأنه من
~~حيث قامت الحجة عليهم بوجوب العمل (2) بأخبار الآحاد مجهول غير معلوم،
~~وإنما هو وجه (3) مجوز (4) كما أن صرف عملهم ms228 إلى الذكر والعلم (5) السابق
~~أو (6) التنبيه على طريقة من الاجتهاد - أيضا مجهول، ومن باب الجائز، فما
~~فينا إلا من أحال على أمر مجهول جائز كونه كما أنه جائز كون غيره، فكيف
~~رجحتم قولكم على قولنا، والتساوي حاصل بين الوجوه، والشك فرض من فقد الدليل
~~القاطع؟!.
# وليس لهم أن يقولوا: ما يذكرونه يقتضي أنه لا تأثير للخبر، على كل حال،
~~فإما أن يكون حجة في وجوب العمل على ما تدعون، أو يكون مذكرا لسماع تقدم
~~(7) وعلم (8) سبق، أو يكون منبها على طريقة من الاجتهاد، والتأثير (9) حاصل
~~على كل حال.
# PageV02P544
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: أما الرسل والعمال الذي كان ينفذهم (1)
~~رسول الله صلى الله عليه وآله إلى البلدان، فأول كل (2) شئ كانوا يدعون
~~إليه بلا خلاف بيننا وبينهم المعرفة بالله تعالى ثم تصديق النبي صلى الله
~~عليه وآله (3) في (4) نبوته ودعوته، ثم يدعون إلى الشرائع، ومعلوم أن قول
~~الرسل ليس بحجة في توحيد الله وعدله، ولا في العلم بنبوة نبيه (5) صلى الله
~~عليه وآله (6) - فكيف أمر الرسل بالدعاء إلى ما (7) ليس قولهم فيه حجة؟!
~~فإذا (8) قالوا لدعائهم حظ * الانذار والتنبيه على النظر في الحجج والأدلة.
~~قلنا: فأجروا الشرائع هذا المجرى، وقولوا: إن هؤلاء الرسل إنما دعوهم إلى
~~الشرائع لا لان قولهم حجة فيها، بل للتنبيه على النظر في إثباتها، والرجوع
~~إلى التواتر وما جرى مجراه في العمل بها، ولا فرق بين الامرين.
# ويقال لهم لا بد من أن يكون الذين في أطراف الأرض قد قامت عليهم الحجة
~~بالعمل بأخبار هؤلاء (9) الرسل (10) حتى يجب (11)
# PageV02P545
# عليهم العمل بأخبارهم، وليس يجوز أن يعلموا ذلك من جهة هؤلاء الرسل (1)،
~~لان أخبار (2) هؤلاء (3) الرسل أكثر ما يوجبه (4) الظن، وهي غير موجبة
~~للعلم، ووجوب العمل بأقوالهم يجب أن يكون معلوما مقطوعا عليه. فإذا (5)
~~قيل: يعلمون ذلك بالاخبار المتواترة التي ينقلها إليهم الصادر و (6)
~~الوارد. قلنا فأجيزوا (7) أيضا أن يعلموا الشرائع التي (8) يطالبهم بالعمل
~~بها هؤلاء الرسل (9) من جهة التواتر والنقل الشائع الذائع، و (10) يكون حكم
~~ما ms229 تحملوه (11) من الشرع في طريق العمل حكم العلم (12) بأنهم متعبدون
~~بالعمل بأقوالهم، ولن (13) يجدوا بين الامرين فرقا.
# ويقال لهم (14) فيما تعلقوا به سابعا: هذه الطريقة إنما تدل على جواز
~~ورود التعبد بالعمل بأخبار الآحاد، ولا تدل على ثبوته،
# PageV02P546
# والجواز لا خلاف بيننا فيه، وإنما الخلاف في الوقوع. فإن قستم (1) قبول
~~خبر الواحد على المفتي بعلة فقهية جامعة بينهما، كان لنا - قبل النظر في
~~صحة هذه العلة - أن نقول (2) لكم: التعبد بالعمل بخبر الواحد عندكم معلوم
~~مقطوع عليه، ولا يجوز إثبات مثله بطريقة الاجتهاد التي لا (3) تقتضي (4)
~~إلا (5) الظن. وقد فرق بين المفتي والمخبر الواحد بأن المفتي يجب أن يختص
~~بشروط: مثل أن يكون من أهل الاجتهاد، ولا يجب مثل ذلك في الخبر الواحد.
# والمفتي يخبر عن نفسه، والمخبر الواحد يحكي عن غيره.
# والمستفتي يخبر في العلماء، وليس كذلك سامع خبر الواحد.
# والكلام على حمل ذلك على الشهادة يجري مجرى الكلام على من حمله على قول
~~المفتي، من أنه قياس، والقياس (6) لا يسوغ في مثل هذا الموضع. وقد قال بعض
~~المحصلين من العلماء: أن الشهادة أصل في بابها، فكل فرع منها أصل في بابه،
~~فكما لا يقاس بعضها على بعض، فكذلك (7) لا تقاس (8) الاخبار على الشهادة،
# PageV02P547
# وكما لم يقس (1) عليها الفتيا، فكذلك (2) لا يقاس خبر الواحد على ذلك،
~~ولو قيس خبر الواحد على الشهادات، لوجب أن يكون العدد فيه مطلوبا، كما أنه
~~مطلوب في الشهادات على (3) كل حال (4).
# وأما (5) أخبار المعاملات فلا تشبه ما نحن فيه، لأنها منقسمة إلى أمرين:
~~أحدهما يلحق بالعقليات (6)، وهو قبول الهدايا، والاذن في دخول الدار (7)،
~~والشرع ورد بإقرار ذلك، لا (8) باستيناف حكم له، ولذلك (9) لم يميز العدل
~~فيه من غيره، ولا البالغ من الصبي، لان المعول في ذلك على غلبة الظن وما
~~يقع في القلب. والقسم الثاني ما يجري مجرى الشرع (10)، من قبول قول الواحد
~~في (11) طهارة الماء ونجاسته وفي القبلة ودخول الوقت، وهذا فرع من فروع خبر
~~الواحد، فلا الأول يجوز أن يجعل (12) أصلا، لأنه ms230 عقلي، ولا الثاني، لأنه
~~(13) فرع وتابع.
# PageV02P548
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثامنا (1): الضرورة إنما تقود (2) في الحوادث
~~إلى ما هو حجة في نفسه، فدلوا على أن خبر الواحد حجة في الشريعة حتى يرجع
~~(3) إليه في الحوادث، ومن يخالفكم (4) في هذه المسألة يذهب إلى (5) أنه لا
~~ضرورة به (6) تدعوه إلى خبر الواحد، لأنه ما من (7) حادثة الا وعلى حكمها
~~دليل يوجب (8) العلم، وفيهم من يقول إذا فقدنا الدليل رجعنا إلى حكم العقل،
~~فلا ضرورة هيهنا كما تدعون.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به تاسعا: لا يجوز العمل على خبر الواحد في
~~الأحكام الشرعية بالتحرز من (9) المضار، كما وجب مثل ذلك في المضار
~~العقلية، لان المضار في الدين يجب على الله تعالى مع التكليف لنا أن ينبهنا
~~(10) ويدلنا عليها بالأدلة القاطعة، فإذا فقدنا ذلك، (11) علمنا أنه لا
~~مضرة دينية، فنحن نأمن أن يكون (12)
# PageV02P549
# فيما أخبر به الواحد مضرة دينية بهذا الوجه، وليس كذلك المخبر عن سبع (1)
~~في الطريق، لأنا لا (2) نأمن من (3) أن يكون صادقا، وإن لم يجب قيام دلالة
~~على كون السبع فيه، فيجب علينا التحرز من المضرة بالعدول عن سلوك الطريق.
# وبعد، فهذه الطريقة توجب (4) عليهم أن يكون الفاسق كالعدل، والمؤمن
~~كالكافر (5)، وأن يكون المعتبر حصول الظن، من غير اعتبار الشروط التي
~~يوجبونها (6) في خبر الواحد، ولا أحد يقول بذلك. على أن العقول مانعة من
~~الاقدام على ما يجوز المقدم (7) عليه أن يكون (8) مفسدة، فلم صاروا بأن
~~يوجبوا (9) العمل بخبر الواحد تحرزا (10) بأولى ممن قال: إنه لا يحسن
~~الاقدام على ما أخبر (11) به مع تجويز كونه مفسدة.
# وهذه الطريقة - أيضا - توجب العمل على قول (12) مدعي
# PageV02P550
# الرسالة (1) لهذا (2) الضرب من الاحتياط والتحرز.
# فأما الخبر الذي رووه عن أمير المؤمنين عليه السلام فمخالف لأصولهم لأنه
~~(3) تضمن أنه كان يستحلف من يخبره (4)، فإذا حلف، صدقه، وعندهم أن
~~الاستحلاف غير واجب، والتصديق بعد الاستحلاف لا يجوز (5)، لان معنى التصديق
~~هو القطع على صدقه، وخبر الواحد لا يقطع على صدقه، وإن حلف، ثم قال: وحدثني
~~أبو ms231 بكر * وصدق أبو بكر، وعندهم أن من يعمل على قوله لعدالته (6) لا يقطع
~~على صدقه، فليس يشبه هذا الخبر ما يذهبون إليه. وقد بينا في الكتاب الشافي
~~- لما تعلق صاحب الكتاب المغني (7) به - تأويله، وقلنا: إنه (8) غير ممتنع
~~أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام.
# سمع ما خبره (9) به أبو بكر من النبي صلى الله عليه وآله (10) كما سمعه
~~أبو بكر، فلهذا صدقه.
# فأما الكلام على أبي علي الجبائي في العمل بقول الاثنين (11)
# PageV02P551
# والامتناع من العمل بخبر الواحد، فهو جار مجرى الكلام على أصحاب خبر
~~الواحد، لأننا نقول له: من أين علمت أن الصحابة عملت بخبر الاثنين؟! وإنما
~~يرجع في ذلك إلى روايات الآحاد، وما طريقه (1) العلم لا يرجع فيه إلى ما
~~يقتضي غلبة (2) الظن. فإن ادعى ما تقدم ذكره من العلم الضروري على سبيل
~~الجملة، فالكلام على ذلك قد تقدم.
# ثم إذا سلمنا له هذه الأخبار التي رواها، واعتمد عليها، من خبر الجدة،
~~وأن المغيرة (3) بن شعبة خبر عن (4) النبي صلى الله عليه وآله بأن لها (5)
~~السدس، فلم يعمل أبو بكر بقوله، حتى خبره محمد بن سلمة (6) مثله، فأعطاها
~~السدس، وكما فعله عمر بن الخطاب في امتناعه من قبول قول (7) أبي موسى
~~الأشعري في الاستيذان، حتى جاءه (8) أبو (9) سعيد الخدري، فقبل (10) ذلك،
~~واستدلاله بأن النبي صلى الله عليه وآله
# PageV02P552
# لم يقبل خبر ذي اليدين في الصلاة (1) حتى سأل أبا بكر وعمر (2).
# وكان لنا أن نقول له ما قلناه لمن عمل بخبر الواحد: ما تنكر (3) أن يكون
~~خبر الثاني أذكر، فوقع العمل على الذكر دون قوله، أو نبه على طريقة (4) من
~~الاجتهاد كان التعويل عليها، حسب ما بيناه في كلامنا المتقدم، ولو لم يذكر
~~الخبر الثاني، أو ينبه (6)، ما عمل به، كما أن ذلك لما لم يحصل عند خبر
~~الواحد، لا يعمل به. وهذا الذي قلناه أشبه بالحال، لان كل من روى عنه أبو
~~علي أنه رد خبر الواحد وعمل بخبر الاثنين قد عمل في مواضع أخر عند خبر
~~الواحد مع ms232 عدالته وظهور (7) أمانته، فعلمنا أنه لم يتوقف لشكه فيه، وإنما
~~توقف إما لمراعاة العدد على ما ادعى أبو علي، أو لأنه (8) لم يذكر، أو ينبه
~~على ما قلناه. ولا (9) يجوز أن يكون التوقف لأجل العدد، لأنه (10) قد عمل
~~عند خبر الواحد في مواضع شتى، فثبت ما ذكرناه.
# PageV02P553
# وأما خبر ذي اليدين، فخبر باطل مقطوع على فساده، لأنه يتضمن أن ذا اليدين
~~قال له - عليه السلام -: (أقصرت الصلاة يا رسول الله (1) أم نسيت) وأنه قال
~~عليه السلام -: (كل ذلك لم يكن)، وهذا كذب لا محالة، لان أحدهما قد كان على
~~قولهم، والكذب بالقول (2) لا يجوز عليه. وكذلك السهو في الصلاة. على أنه
~~يلزم أبا علي - أيضا - أن (3) لا يعمل بخبر الاثنين، لان النبي عليه السلام
~~لم يعمل بخبر ذي اليدين وخبر أبي بكر، حتى انضاف إليهما عمر.
# فصل اعلم أنا إذا كنا قد دللنا على أن خبر الواحد غير مقبول في الأحكام
~~الشرعية، فلا وجه لكلامنا في فروع هذا الأصل الذي دللنا على بطلانه، لان
~~الفرع تابع لاصله، فلا حاجة بنا إلى الكلام (4) على أن المراسيل مقبولة أو
~~مردودة، ولا على وجه ترجيح بعض الاخبار على بعض، وفيما يرد له الخبر أو لا
~~يرد (5)
# PageV02P554
# في تعارض الاخبار، فذلك كله شغل قد سقط عنا بإبطالنا ما هو أصل لهذه
~~الفروع، وإنما يتكلف الكلام على هذه الفروع من ذهب إلى (1) صحة أصلها، وهو
~~العمل بخبر الواحد. ولا بد من ذكر جملة من أحكام تحمل الاخبار وكيفية القول
~~في ذلك.
# باب صفة المتحمل للخبر (2) والمتحمل عنه (3) وكيفية ألفاظ الرواية عنه
~~(4) اعلم أن من يذهب (5) إلى وجوب (6) العمل بخبر الواحد في الشريعة يكثر
~~كلامه في هذا الباب ويتفرع، لأنه يراعي في العمل بالخبر صفة المخبر في
~~عدالته وأمانته. فأما من لا (7) يذهب إلى ذلك، ويقول: إن العمل في مخبر
~~الاخبار تابع للعلم بصدق الراوي، فلا فرق عنده بين أن يكون الراوي (8)
~~مؤمنا أو كافرا أو فاسقا، لان العلم بصحة خبره يستند إلى وقوعه على وجه ms233 لا
~~يمكن
# PageV02P555
# أن يكون كذبا، وإذا لم يكن كذبا (1) فلابد (2) من كونه صدقا (3)، على ما
~~بيناه (4) من الكلام على صفة التواتر وشروطه، فلا فرق على هذه الطريقة بين
~~خبر العدل و (5) خبر من ليس كذلك، ولذلك (6) قبلنا أخبار الكفار كالروم ومن
~~جرى مجراهم إذا خبرونا عن بلدانهم، والحوادث الحادثة فيهم، وهذا مما لا
~~شبهة فيه.
# فأما الراوي للحديث، فلا يجوز أن يروي إلا ما سمعه عمن حدث عنه (7)، أو
~~قرأه (8) عليه، فأقر له به، فإذا سمع الحديث من لفظه، فهو غاية * التحمل،
~~فله أن يقول: (حدثني) و (أخبرني) و (سمعت)، فإذا كان معه غيره جاز أن يقول:
~~(حدثنا) و (أخبرنا) (9). وفي الناس من منع الراوي من لفظ الجمع إذا (10)
~~كان قاطعا على أنه ما حدث غيره. وليس ذلك بصحيح، لأنه (11) يجوز أن يأتي
~~بلفظ
# PageV02P556
# الجمع على سبيل التعظيم والتفخيم، وإن أراد نفسه، كأن (1) يقول الملك:
~~(فعلنا) و (صنعنا).
# وأجاز كل من صنف في (2) أصول الفقه أن يقول من قرأ الحديث على غيره، ثم
~~قرره عليه، فأقربه على ما قرأه عليه، أن يقول:
# (حدثني) و (أخبرني)، وأجروه مجرى أن يسمعه من لفظه. و منهم من منع من أن
~~يقول: (سمعت فلانا يحدث بكذا). والصحيح أنه إذا قرأه عليه، وأقر له به، أنه
~~يجوز أن يعمل به إذا كان ممن يذهب إلى العمل بخبر الواحد و (3) يعلم أنه
~~حديثه، وأنه سمعه لاقراره له بذلك، ولا يجوز أن يقول: (حدثني) ولا
~~(أخبرني)، كما لا يجوز أن يقول: (سمعت)، لان معنى (حدثني) و (أخبرني) أنه
~~نقل حديثا وخبرا عن ذلك، وهذا كذب محض. وكيف يمتنع (سمعت) ولا يمتنع
~~(حدثني) و (أخبرني)، ومن خبر وحدث لابد أن يكون سامعا والمحدث مسمعا؟!.
# ومعولهم في ذلك على أن يقولوا: قراءته (4) عليه وإقراره له به
# PageV02P557
# يجري مجرى الحديث والاخبار، ويحل محل أن يسمعه من لفظه، لأنه لا فرق بين
~~أن يتلفظ البايع بالبيع وقبض الثمن وضمان الدرك المكتوب في الصحيفة، ويسمع
~~ذلك من لفظه، وبين أن يقرأ عليه ms234 الصحيفة، و (1) يقرره عليها، ويشهد على
~~نفسه بذلك. ولا فرق بين أن يقول الرجل لغيره: (هذا كتابي)، وبين أن يقول له
~~غيره:
# (هذا كتابك) فيقول: (نعم)، لأنه في الحالين (2) يجوز (3) أن يحكى ذلك
~~عنه، وإنما كان كذلك، لان الجواب ينضم (4) إلى السؤال فيصير كأنهما من جهته
~~على سبيل (5) الابتداء.
# والجواب عن ذلك أن قراءته (6) عليه وإقراره له به لا يقتضيان أن يكذب،
~~فيقول: (حدثني) ولم يحدثه، أو (7) (أخبرني) ولم يخبره، كما لا يقتضيان أن
~~يقول: (سمعت منه (8))، وإنما يقتضي ذلك الثقة بأنه حديثه وسماعه وروايته.
~~وقد رضينا بالمثال الذي ذكروه (9) في التقرير على الصحيفة، لان الشاهد إذا
~~قرره على ما فيها
# PageV02P558
# فأقر (1) له يحسن أن يشهد على إقراره بما فيها، ويجري الاعتراف بها مجرى
~~أن ينطق بها في وجوب الشهادة عليه بذلك والحكم به، إلا أنا قد علمنا كلنا
~~أنه لا يحسن أن يقول: (حدثني بما فيها) أو (سمعت لفظه بها)، وإنما (2) يشهد
~~على إقراره واعترافه، فعروض ذلك إذا قرئ على المحدث (3) الحديث وأقر له به
~~أن يقول الحاكي:
# (اعترف لي بأنه سمعه ورواه على ما قرأته)، ولا يتجاوز ذلك (4) إلى أن
~~يقول: (حدثني) و (أخبرني)، كما لا يتجاوزه إلى أن يقول: (سمعت). ولو قال
~~الشاهد الذي قد اعترف عنده بصحة ما في الكتاب وأشهده على نفسه به: (سمعت
~~لفظه بالايجاب والقبول)، لكان كاذبا.
# فإن قيل أ (5) فتجوزون (6) إذا قرأ الحديث عليه واعترف له به أن يقول:
~~(روى لي) أو (حكى).
# قلنا: (روى) أضعف من (حدثني) و (أخبرني)، و (حكى)
# PageV02P559
# جار مجرى (حدثني)، وهو إذا اعترف له بالحديث كأنه راو وحاك (1) ومخبر،
~~واللفظ لا يطلق على سبيل التشبيه والمجاز. وقد علمنا أنه إذا أقر له به
~~واعترف بصحته فكأنه (2) سمعه من لفظه، وأجمعنا على أنه لا يطلق (سمعت)
~~فكذلك (حدثني) و (أخبرني).
# فأما قول بعضهم: يجب أن يقول: (حدثني (3) قراءة (4) عليه) حتى يزول
~~الابهام، ويعلم أن لفظة (حدثني) ليست على ظاهرها، فمناقضة، لان قوله:
~~(حدثني) يقتضي أنه سمعه من لفظه، ms235 وأدرك (5) نطقه به، وقوله: (قراءة عليه)
~~(6) يقتضي نقض (7) ذلك، فكأنه نفي ما أثبت.
# فأما القول في المناولة والمكاتبة والإجازة، فهو على ما نبين (8).
# أما المناولة فهو أن يشافه المحدث غيره، ويقول له في كتاب
# PageV02P560
# أشار إليه: (هذا الكتاب سماعي من فلان)، فجرى ذلك مجرى أن يقرأه عليه
~~ويعترف (1) له به (2) في علمه بأنه حديثه وسماعه، فإن كان ممن يذهب إلى
~~العمل بأخبار الآحاد، عمل به، ولا يجوز أن يقول: (حدثني) ولا (أخبرني) ولا
~~(سمعت) كمالا يقول فيما هو أقوى من المناولة، وهو أن يقرأ ذلك عليه، ويعترف
~~له به.
# والمناولة أقوى من المكاتبة، لان المكاتبة هو أن يكتب إليه و (3) هو غائب
~~عنه إن الذي صح من الكتاب الفلاني هو سماعي.
# فأما (4) الإجازة، فلا حكم لها، لان ما للمتحمل أن يرويه، له ذلك أجازه
~~له أو لم يجزه، وما ليس له أن يرويه، محرم عليه مع الإجازة وفقدها. وليس
~~لاحد أن يجرى الإجازة مجرى الشهادة على الشهادة، في أنها تفتقر (5) إلى أن
~~يحملها * شاهد الأصل لشاهد الفرع، وذلك أن الرواية بلا خلاف لا يحتاج فيها
~~إلى ذلك وأن الراوي يروى مما سمعه وإن لم يحمله، والرواية تجرى (6) مجرى
~~شهود الأصل في أنهم يشهدون وإن لم يحملوا. وأما من يفصل في
# PageV02P561
# الإجازة بين (حدثني) و (أخبرني)، فغير مصيب، لان كل لفظ من ذلك كذب، لان
~~المخبر ما خبر، كما أنه ما حدث، وأكثر ما يمكن أن يدعى أن تعارف أصحاب
~~الحديث (1) أثر في أن الإجازة جارية مجرى أن يقول في كتاب بعينه: (هذا
~~حديثي وسماعي) فيجوز العمل به عند من عمل بأخبار الآحاد أو الفتوى أو الحكم
~~فأما أن يروي فيقول: (أخبرني) أو (حدثني) فذلك كذب.
# باب الكلام في الافعال فصل في ذكر حد الفعل والتنبيه على جملة من مهم
~~أحكامه اعلم أن حد الفعل هو ما وجد بعد أن كان مقدورا، وينقسم إلى قسمين:
# أحدهما أن يكون لا صفة له زائدة على حدوثه، نحو كلام النائم، ولا (2)
~~يوصف هذا القسم ms236 بحسن ولا قبح.
# PageV02P562
# والقسم الآخر أن يكون له صفة تزيد على (1) حدوثه.
# وينقسم إلى فعل الملجأ (2) المخلى:
# فما يقع مع الالجاء لا (3) مدح يستحق به، ولا (3) ذم.
# وأفعال المخلى تنقسم إلي قسمين: قبيح وحسن:
# فالقبيح ما (4) من شأنه أن يستحق فاعله - مع العلم به والتخلية (5) -
~~الذم.
# والحسن ما لا يستحق به فاعله الذم (6).
# والحسن خمسة اقسام:
# أولها أن لا يكون له صفة زائدة على حسنه، ولا يتعلق به مدح ولا ذم، وهذا
~~هو المباح في المعنى، ولكنه لا يسمى بهذا الاسم إلا إذا أعلم (7) فاعله
~~بذلك، أو دل عليه.
# وثانيها أن يحصل للفعل (8) صفة زائدة على الحسن، ويستحق
# PageV02P563
# فاعله المدح بفعله، ولا يستحق الذم بأن لا يفعله، ويوصف هذا القسم بأنه
~~ندب و (1) مستحب ومرغب فيه مع الدلالة والاعلام على ما تقدم.
# وثالثها أن يكون على الصفة التي ذكرناها، وهو - مع ذلك - نفع موصل إلى
~~غير فاعله على وجه مخصوص، ويوصف بأنه (2) تفضل وإحسان وإنعام، ويستحق فاعله
~~به الشكر مع المدح.
# ورابعها ما يستحق الذم من لم يفعله ولا ما يقوم مقامه، فيوصف بأنه واجب
~~مخير فيه، نحو قضاء الدين، لأنه مخير في قضائه من أي ماله شاء، ورد (3)
~~الوديعة وإن تعين فهو مخير أيضا - في ردها بأي يد شاء، ونحو الكفارات الثلث
~~في اليمين.
# وخامسها ما (4) يستحق الذم بأن لا يفعله بعينه، فيوصف بأنه واجب مضيق،
~~نحو رد الوديعة (5) بعينها، وإعادة عين ما تناوله الغصب.
# وينقسم الواجب قسمة أخرى،
# PageV02P564
# فما يختص كل شخص من غير أن ينوب فعل غيره (1) فيه منابه فهو الموصوف بأنه
~~من فروض الأعيان، كالصلاة والصيام (2) وأكثر العبادات.
# وما ينوب فيه فعل الغير، ويسقط معه الفرض هو الموصوف بأنه من فروض
~~الكفايات، نحو الصلاة على الموتى والجهاد.
# وليس بواجب في كل فعل أن يكون إما قبيحا أو حسنا، لان ذلك لو وجب لكان
~~المقتضي له مجرد الحدوث، وهذا (3) يقتضي قبح كل محدث (4) أو حسن كل محدث
~~(5)، وليس التعري من الحسن والقبح (6) كتعري المعلوم من وجود وعدم، ms237 وتعري
~~الموجود من حدوث وقدم، لان ذلك نفي وإثبات متقابل لا واسطة بينهما، والحسن
~~والقبح إشارة إلى حكمين. ومثال ما ليس بحسن ولا قبيح (7) كلام النائم،
~~وحركة أعضائه (8) التي لا تتعداه، لان الكلام لا حكم له مع ارتفاع القصود
~~كلها،
# PageV02P565
# وكذلك حركته التي لا تتعداه (1) إنما يكون لها حكم مع ضرب من القصد.
~~ولطمة النائم غيره قبيحة (2) وظلم، لان حقيقة الظلم ثابتة فيها (3)، ولو
~~حرك يده على جرب غيره، فالتذ صاحب الجرب بذلك، لكان فعله حسنا، من حيث كان
~~نفعا، وإن لم يكن به منعما، لافتقار النعمة إلى القصد، غير أن النائم ومن
~~جرى مجراه لا يستحق على القبيح ذما، ولا على الحسن مدحا، لان استحقاق ذلك
~~مشروط بالقصد والتمكن من التحرز. واستقصاء هذه الجملة لا يليق بهذا الموضع،
~~و (4) قد بسطناه في كتاب الذخيرة وفيما خرج من كتاب (5) الملخص.
# فإن قيل: كيف جعلتم فعل الساهي لاحكم له، والفقهاء يوجبون جبر السهو في
~~الصلاة بالسجود، ولو انقلب النائم على إناء غيره، فكسره، لوجب الضمان، ولو
~~قتل المحرم صيدا سهوا (6)، لوجب الضمان، وإذا قتل خطأ، فقد تجب (7) الدية
# PageV02P566
# مرة عليه، ومرة على العاقلة؟!.
# قلنا: أما السجود لجبر (1) السهو في الصلاة، فهو حكم يلزم عند السهو في
~~الصلاة، لا أنه (2) يرجع عليه. وإنما نفينا عن كلام النائم وحركته التي لا
~~تتعداه (3) القبح والحسن، فأما إذا أضر بغيره (4) في حال نومه، فلفعله حكم
~~القبح، وإن كان لا ذم عليه (5)، كما لا يذم الصبي والبهيمة، لان إمكان
~~التحرز مفقود، وليس يمتنع أن يتعلق بذلك وجوب الضمان شرعا، * لأنه لا نسبة
~~بين ذلك وبين ما نفيناه من الذم. وعلى هذا الوجه لزم العاقلة الدية بالشرع،
~~وإن لم يكن من جهتهم فعل لا (6) قبيح ولا حسن، وإنما صار القتل (7) المخصوص
~~سببا شرعيا لوجوب ذلك عليهم.
# فأما وصف الفعل القبيح بأنه محظور (8) ومكروه، فالمتكلمون يصفون بذلك كل
~~قبيح وقع منا، ومن يقول بالاجتهاد منهم
# PageV02P567
# ربما يشترط، فيقول: ممن يؤديه اجتهاده إلى تحريمه، فأما الفقهاء، فإنهم
~~يصفون بالتحريم ms238 والحظر (1) ما دل على قبحه دلالة قاطعة، وما طريقه الاجتهاد
~~قالوا: مكروه، ولم يطلقوا (2) الحظر والتحريم فيه، وما تزول الشبهة فيه
~~يقولون: إنه حلال طلق، وما يعترض فيه شبهة (3) يقولون: لا بأس به.
# فصل في ذكر اختلاف الفاعلين في هذه الأفعال اعلم أنه ليس المراد بقولنا
~~في هذا الباب: (إن القبيح (4) أو (5) الحسن يصح من الفاعل) القدرة (6)،
~~لأنا إذا أردنا القدرة فلا اختصاص، وإنما نريد (7) التجويز والشك.
# ويمضي في الكتب أنه لا قادر إلا ويصح منه الحسن على مراتبه، وليس الامر
~~على ذلك، لان الكفار الذين يستحقون العقاب الدائم لا يجوز أن يقع منهم طاعة
~~يستحقون بها الثواب
# PageV02P568
# الدائم، مع قولنا بنفي (1) الاحباط، و (2) إنما يجيز ذلك من ذهب إلى
~~الاحباط (3).
# فأما القبيح (4)، فتختلف (5) أحوال الفاعلين فيه، فالقديم (6) تعالى لا
~~يجوز أن يفعل قبيحا، لعلمه بقبحه، واستغنائه عنه، وقد دللنا على ذلك في
~~كتاب الملخص، والذخيرة. والأنبياء عليهم السلام لا يجوز أن يقع منهم شئ من
~~القبائح لا قبل (7) النبوة ولا بعدها، وقد دللنا على ذلك في الذخيرة، وكتاب
~~تنزيه الأنبياء.
# والأئمة عليهم السلام - لا يجوز (8) - أيضا - وقوع شئ من القبائح منهم،
~~لما دللنا عليه في كتب (9) الإمامة (10). وأما الملائكة، فالرسل منهم لا
~~يجوز عليهم فعل القبيح، ولا دليل يدل على أن جميعهم بهذه الصفة، لان قوله
~~تعالى -: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (11) لا دليل يوجب
~~القطع على عمومه (12)
# PageV02P569
# في جماعتهم، أو (1) في جميع أفعالهم. ومن عدا من ذكرناه يجوز أن يفعل
~~القبائح لفقد الدلالة على عصمته.
# فصل في أن العقل لا يوجب اتباع النبي - عليه السلام - في أفعاله اعلم أن
~~العبادة بالشرعيات تابعة للمصالح، ولا مكلفين إلا ويصح أن يختلفا في
~~مصالحهما (2)، فتختلف (3) عبادتهما، كالطاهر والحائض، والمقيم والمسافر،
~~والغني والفقير، وإذا ثبت ذلك، (4) جاز أن يختص النبي صلى الله عليه وآله
~~بعبادات شرعية لا يكون لنا فيها مصلحة، ولا نتعبد (5) بها.
# وليس لاحد أن يلزمنا تجويز مخالفة تكليف (6) النبي صلى الله عليه وآله
~~(7) لنا (8) في العقليات، ms239 كما جاز في الشرعيات، لان
# PageV02P570
# العقليات (1) على ضربين: أحدهما يرجع إلى صفة الافعال، فأحوال المكلفين
~~لا يجوز أن تفترق (2) فيه، نحو قبح الظلم، ووجوب شكر (3) النعمة، والانصاف.
~~والثاني يجب لكونه لطفا، ووجه كونه لطفا يرجع إليه ويعلم بالعقل متميزا،
~~نحو وجوب النظر في معرفة الله تعالى (4)، فهذا (5) أيضا يجب التساوي فيه.
# وأما الشرعيات، فهي ألطاف ومصالح، ولا يعلم كونها كذلك إلا بالسمع، فجاز
~~افتراق (7) أحوال المكلفين فيها بحسب دلالة السمع، ولهذا جاز النسخ في هذا
~~الوجه دون الأول، وافتراق أحوالنا فيه، وإذا جاز افتراقهم في تكليف ذلك،
~~جاز في (8) النبي صلى الله عليه وآله (9) وليس يمتنع (10) أن ترد العبادة
~~بمخالفة النبي صلى الله عليه وآله في جميع أفعاله، و (11) لا يقتضي ذلك
~~التنفير، كما اختص بعبادات كثيرة دوننا، ولم يوجب ذلك التنفير عن
# PageV02P571
# قبول قوله.
# فإن قيل: إذا جاز في فعله أن يكون مقصورا عليه، فجوزوا (1) في قوله مثل
~~ذلك.
# قلنا: هذا جائز في القول والفعل معا (2) لأنه لا يمتنع فيما يؤديه من
~~الأمر والنهي والحظر والإباحة أن يختص بنا، وإنما يعلم (3) تعديه إليه
~~بدليل. وليس يجري تجويز مخالفته في الفعل مجرى القول، لان النبي صلى الله
~~عليه وآله إنما بعث لتعريفنا مصالحنا، وذلك لا يكون إلا بالأداء الذي هو
~~القول، ونفي اتباع قوله ينقض (4) الغرض في بعثته.
# فصل في معنى التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله (5) الواجب أن نعتبر (6)
~~في التأسي شرطين: أحدهما صورة الفعل، والآخر الوجه الذي يقع عليه. و (7)
~~إنما اعتبرنا الصورة، لان
# PageV02P572
# الصائم (1) لا يكون متأسيا بالمصلي، لاختلاف الصورة (2)، لان الصلاة
~~تخالفه (3) في الصورة، ولو أنه - عليه السلام - أخذ من غيره دراهم عن زكاة،
~~لم يكن الآخذ منه الدراهم على وجه القرض أو (4) الغصب متأسيا به، لاختلاف
~~الوجه. و (5) لا يمتنع عقلا وفرضا أن يتعبدنا الله تعالى بأن (6) نفعل (7)
~~وجوبا مثل كل شئ يفعله (8) عليه السلام غير أن ذلك لا يكون تأسيا به، لأنه
~~عليه السلام (9) إذا فعله (10) على وجه الندب أو الإباحة، ففعلناه على وجه ms240
~~(11) الوجوب، لم نكن (12) متأسين به.
# فإن قيل: ألا شرطتم في التأسي - مضافا إلى ما ذكرتموه - الوقت، والمكان
~~وقدر الافعال، في كثرة (13)، وقلة، وطول، وقصر، وأسباب الافعال، وإن لم تكن
~~وجوها، كإزالة النجاسة * لأجل الصلاة؟!.
# PageV02P573
# قلنا: أما الوقت والمكان، فقد كان يجب اعتبارهما لولا الاجماع على ترك
~~اعتبارهما. وهذا أولى من جواب من أجاب عن ذلك بأن اعتبارهما (1) ينقض
~~التأسي، وأنه لا يجوز أن يعتبر في التأسي ما يبطله. وإنما فسد هذا الجواب،
~~لان المكان يمكن أن يفعل فيه بعينه، والوقت وإن لم يمكن (2) أن يفعل فيه
~~بعينه، ففي نظيره (3) ومثله، كما أنا ليس (4) نتأسى في صورة الفعل إلا بأن
~~نفعل (5) مثلها، لا تلك بعينها.
# فأما مقادير الافعال، فإنها على ضربين: فما لا يمكن ضبطه وتمييزه (6) لا
~~اعتبار به، وما أمكن ذلك فيه دخل تحت قولنا (صورة الفعل).
# وأما سبب الفعل، فإن قولنا (الوجه الذي وقع عليه) يقتضيه، لان ذلك يقتضي
~~النية والقصد والغرض، والسبب - أيضا - داخل فيه، وكما أن من وجوه الافعال
~~الوجوب والندب والحظر والإباحة، كذلك من وجوهها (7) المعاني التي
# PageV02P574
# لها (1) تفعل، نحو أن يسجد للسهو، ويرجم (2) للزنا، ويتطهر (3) للصلاة.
# فأما موافقته عليه السلام في الفعل (4)، فالأشبه أن يراد بها (5)
~~المساواة في الصورة والوجه الذي يقع عليه، ولهذا لا (6) يكون من أخذ من
~~غيره خمسة دراهم على غير وجه الزكاة موافقا له عليه السلام إذا أخذ هذا
~~المبلغ على وجه الزكاة.
# فأما المخالفة فقد تكون (7) في القول والفعل معا (8)، أما (9) في القول،
~~فبأن يوجب على بالقول ما لا أفعله، والمخالفة (10) في الفعل أن يقوم الدليل
~~على وجوب التأسي به فلا يتأسى لا (11) في صورة ولا في وجه، وقد (12) يكون
~~(13) - أيضا - في الاخلال بالصورة أو الوجه على انفراد. فأما الاقتداء
~~بإمام الصلاة، ففي الفقهاء من اعتبر فيه (14) ما ذكرناه من التأسي، فلم
~~يجوز (1) اقتداء المفترض
# PageV02P575
# بالمتنفل (1)، والصحيح جواز ذلك لقيام الدلالة عليه.
# فصل في أن السمع قد دل على وجوب التأسي به عليه السلام في جميع أفعاله
~~إلا ما خص ms241 به اعلم أنه لا خلاف بين الأمة في الرجوع إلى أفعاله عليه السلام
~~في أحكام الحوادث، كالرجوع إلى أقواله، فيجب أن يكون كل واحد من الامرين
~~حجة، والمعتمد إنما هو على هذا الاجماع الظاهر الذي لا شبهة فيه، دون
~~الاخبار المروية في هذا الباب، فهي مع الكثرة أخبار (2) آحاد. وقد يجوز أن
~~يستدل على ذلك بقوله (3) تعالى -: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
~~وبقوله تعالى -: (فاتبعوه).
# واعلم أن التأسي به عليه السلام إنما يكون فيما يعلم حكمه بفعله، دون ما
~~لم يكن له هذا الحكم. وإذا فعل عليه السلام فعلا على جهة الامتثال، فحكمنا
~~(4) فيه كحكمه (5)، وماله فعله هو الذي
# PageV02P576
# له (1) نفعله (2)، فلا تأسي به عليه السلام في ذلك، كما أنا لا نتأسى به
~~في العقليات لهذه العلة وما يفعله ابتداء شرع، ففعله (3) هو الحجة فيه،
~~فالتأسي به عليه السلام في ذلك (4). فأما ما (5) يفعله عليه السلام بيانا
~~لمجمل، فله شبهان، لأنه من حيث كان امتثالا (6) لدليل سابق، يشبه (7) ما
~~يفعله امتثالا (6)، ومن حيث تضمن بيان صفات وكيفيات لهذه العبادات، كالصلاة
~~والطهارة وغيرهما، جرى (8) مجرى ابتداء الشرع، فالتأسي به إنما هو في
~~الكيفية والصفة اللتين فعله عليه السلام - هو الحجة فيهما. هذا كله فيما
~~يفعله عليه السلام على جهة العبادة، أو ما يجري مجراها. وأما المباحات التي
~~تخصه (9) عليه السلام - كالأكل والنوم، فخارج من هذا الباب. فأما صغائر
~~الذنوب، فإنا لا نجوزها على الأنبياء عليهم السلام فلا نحتاج (11) إلى
~~استثنائها، كما يحتاج إلى ذلك من جوز الصغائر عليهم (12).
# PageV02P577
# فصل في هل أفعاله - عليه السلام - على الوجوب أم لا.
# اختلف الناس في ذلك: فقال مالك: إن أفعاله - عليه السلام - على الوجوب،
~~وذهب إلى ذلك بعض (1) أصحاب الشافعي، وقال قوم:
# هي على (2) الإباحة، وآخرون: إنها على الندب، وآخرون قالوا:
# هي موقوفة على الدليل.
# والصحيح أن كل شئ انقسمت أحكامه، فلا يجوز أن نجيب (3) عنه بحكم (4)
~~واحد، وأفعاله عليه السلام (5) كأقواله في الانقسام، فكما لا يجوز أن (6)
~~نقول في أقواله: إنها ms242 (7) على وجوب أو ندب للانقسام، فكذلك أفعاله، وإذا
~~انقسمت أفعاله عليه السلام إلى ما هو بيان وحكم البيان (8) حكم المبين في
~~وجوب أو (9) ندب أو غيرهما، وإن كان امتثالا، فبحسب الدليل الممتثل (10)،
~~وإن
# PageV02P578
# كان ابتداء شرع، فهو - أيضا - ينقسم (1) إلى وجوب وندب وإباحة بحسب ما
~~يمكن فيه من التأسي، فبان أن الامر على ما ذكرناه.
# دليل آخر: ومما يدل على أن أفعاله عليه السلام ليست على الوجوب، أنا قد
~~بينا قبل هذا الفصل أن الفعل لا يقتضي ذلك، وسنبين (2) أن أدلة السمع أيضا
~~(3) لا تقتضيه (4)، فيجب نفي كونها على الوجوب.
# دليل آخر: وأيضا فإنه لا خلاف في أنا قد (5) تعبدنا بالتأسي به عليه
~~السلام فالقول بأن أفعاله (6) كلها على الوجوب ينقض ذلك لان في أفعاله
~~الواجب والندب والمباح، فكيف يجب ذلك علينا مع لزوم طريقة التأسي.
# فإن قيل: إذا لم نعلم إلا مجرد الفعل، كان على الوجوب، وإذا علمنا وجهه،
~~لزمت طريقة التأسي.
# قلنا: هذا القول ينقض وجوب التأسي والاتباع، لان مجرد
# PageV02P579
# الفعل إذا (1) علمناه (2) فلزمنا (3) التأسي به، لم يجز أن يلزمنا الوجوب
~~على كل حال، مع أن التأسي مشروط باعتبار الوجوه.
# دليل آخر: وأيضا فإن ظاهر فعله - عليه السلام إذا كنا لا نعلم به (4)
~~وجوبه عليه، فبأن لا نعلم وجوبه علينا أولى. ويفارق القول الذي به نعلم
~~وجوبه علينا دونه، لان القول أمر لنا ومختص بنا دونه، وليس كذلك الفعل،
~~لأنا نتبعه فيه.
# وإنما قلنا: إنه لو وجب علينا لوجب عليه، لأنه لو دل (5) على وجوبه
~~علينا، للزمه عليه السلام إظهار ذلك بالفعل، أو به وبالقول على جهة
~~التخيير، فكان (6) لابد من وجوبه عليه، ليصح كونه دلالة على وجوبه علينا.
~~فإن جعلوا فعله عليه السلام سببا أو أمارة للوجوب علينا فلا يلزم أن يكون
~~واجبا عليه، فهذا يخالف طريقتهم، لأنه لا فرق في ذلك بينه عليه السلام وبين
~~غيره، ولا تأثير لكونه نبيا في ذلك، وهم يجعلون لكونه عليه السلام كذلك
~~تأثيرا.
# دليل آخر: وأيضا فإن فعله عليه السلام ms243 الشئ ليس بمستمر،
# PageV02P580
# لأنه قد يتركه في حالة، كما يفعله في أخرى (1) ولم نعن بالترك هيهنا أن
~~لا يفعله، بل عنينا به ضد الفعل الأول على وجه يظهر ويتميز، وإذا صحت هذه
~~الجملة، لم يكن الحكم بوجوبه من حيث فعله بأولى من سقوطه ووجوب تركه، لأنه
~~قد (2) تركه.
# فإن قالوا: تركه عليه السلام الفعل يجري (3) مجرى تركه الامر، في أنه لا
~~يؤثر في دلالة الوجوب.
# قلنا: الفرق بين الامرين أن الوجه الذي يدل عليه الامر لا يقدح فيه ترك
~~الامر، والوجه الذي يدل عليه الفعل يقدح فيه الترك المخصوص، و (4) يجري
~~مجرى أمره ونهيه عن الشئ الواحد على وجه واحد في أنه لا يستقر للامر (5)
~~ولا للنهي (6) دلالة.
# وقد تعلق من ذهب إلى أن أفعاله عليه السلام على الوجوب بأشياء:
# أولها أن كونه نبيا ومتبعا يقتضي نفي (7) ما ينفر عنه ومخالفته في أفعاله
~~تنفر (8) عن القبول عنه (9)
# PageV02P581
# وثانيها قوله تعالى -: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) فإن (1) هذه
~~اللفظة تقع (2) على الفعل والقول جميعا فنحملها (3) عليهما. وثالثها قوله
~~تعالى -: (فاتبعوه) وأن أمره يقتضي الوجوب.
# ورابعها قوله سبحانه -: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فإن (4)
~~ذلك يقتضي وجوب التأسي ولزومه.
# وخامسها قول بعضهم: إن الفعل أوكد من القول، بدلالة أنه عليه السلام كان
~~(5) إذا أراد تحقيق أمر (6)، فزع (7) فيه إلى الفعل، فبأن يكون (8) على
~~الوجوب أولى.
# وسادسها أن الوجوب أعلى مراتب الفعل، فإذا عدمنا (9) الدليل على صفة
~~فعله، وعلى أي وجه (10) وقع، فيجب أن نحمله على الوجه الذي هو أعلى مراتبه.
# PageV02P582
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: قد بينا (1) أنه لا تنفير (2) في سقوط
~~وجوب مثل ما يفعله علينا، فإن كونه نبيا لا يقتضي ذلك ولا يوجبه (3)، فلا
~~معنى لإعادته.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: هذه الآية بأن تكون (4) دلالة لنا عليهم
~~أولى، لان التحذير من المخالفة يقتضي إيجاب الموافقة، والموافقة في الفعل
~~قد بينا أنها تقتضي (5) أن نفعله (6) على الوجه الذي فعله عليه السلام
~~عليه، وهذا يبطل الحكم ms244 بأن جميع أفعاله على الوجوب.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: هذه الآية قد بينا أنها توجب التأسي به
~~عليه السلام، وأن التأسي لا بد فيه من اعتبار وجه الفعل، وما يفعله عليه
~~السلام ندبا لا نكون (7) متبعين (8) له فيه بأن نفعله واجبا، بل نكون
~~مخالفين له، فالآية دليل لنا على هذا الترتيب.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: (9) هذه الآية أيضا تدل على
# PageV02P583
# صحة ما ذهبنا إليه، والكلام على الآيتين واحد (1) في اعتبار شرط التأسي
~~فيهما (2)، فبطل تعلق مخالفينا بها.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به خامسا: إن الامر يقتضي كونه عليه السلام مريدا
~~منا الفعل (3) المأمور به، والفعل لا يقتضي ذلك، فكيف يكون آكد منه فيما
~~نحن بسبيله؟!، وإنما يتحقق الامر ويتأكد بالفعل إذا تعقبه، فأما إذا انفرد
~~الفعل عن الامر، فالامر منفردا، أوكد منه. ثم نرجع (4) إلى القانون: فنقول:
~~كيف نفعل (5) على جهة الوجوب ما يجوز أن يكون فعله عليه السلام على جهة
~~الندب مع وجوب التأسي؟!.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا: الوجوب وإن كان أعلى مراتب الفعل، فإنه
~~لا يجوز - إذا عري * فعله عليه السلام من دلالة تدل على الوجه الذي وقع
~~عليه - أن يفعله (6) على جهة الوجوب، لأنا لا نأمن أن يكون عليه السلام
~~فعله على جهة الندب، فيبطل (7) التأسي، وإن تعلقوا في وجوب فعله عليه
~~السلام علينا بطريقة الاحتياط، فقد
# PageV02P584
# مضى الكلام عليها (1) في باب الأوامر (2).
# فصل في الوجوه التي يقع عليها أفعاله عليه السلام وكيف الطريق إلى معرفة
~~ذلك؟.
# اعلم (3) أن أفعاله عليه السلام تنقسم إلى بيان، وامتثال، وابتداء شرع.
# والذي تدل على صحة هذه القسمة أنه إذا كان لا بد للفعل من دليل، فإما أن
~~يكون دليله ظاهرا مستقلا بنفسه، فيكون الفعل امتثالا، أو يكون دليله ظاهرا
~~(4) لا يستقل بنفسه، فيكون بيانا، أو لا دليل له يظهر، فيكون ابتداء شرع.
# والبيان ينقسم ثلاثة أقسام: بيان المجمل، وبيان التخصيص، وبيان النسخ.
~~ويلحق بذلك ما لا بد من ذكره (5): بيان زيادة لاحقة لا بد ms245 منها، وقد يكون
~~تارة ذلك نسخا، وأخرى غير
# PageV02P585
# نسخ. ويلحق بذلك - أيضا - بيان فعل محتمل، لان الفعل قد يتبين (1)
~~بالفعل، ويدخل فيه - أيضا - (2) بيان قول محتمل (3) للامرين، كآية القرء.
# فأما مثال بيان المجمل، فكبيانه عليه السلام الصلاة والمناسك وغيرهما
~~(4). والطريق إلى معرفة ذلك من وجهين: أحدهما حصول قول (5) منه عليه السلام
~~أو ما يجري مجراه ينبه به (6) على أن فعله بيان للمجمل. والثاني فقد ما
~~يمكن أن يبين (7) المجمل به من قول أو فعل وإمكان كون الفعل بيانا، وحضور
~~الحاجة.
# وأما بيان تخصيص العموم فكنهيه عليه السلام عن الصلاة (8) في أوقات
~~مخصوصة، وخص ذلك فعله صلاة مخصوصة في تلك الأوقات. وما به يعلم (9) أنه
~~تخصيص كونه منافيا لبعض ما دخل تحت العموم في الكتاب أو (1) السنة.
# وأما مثال النسخ، فنحو ما روي من قوله عليه السلام وإذا
# PageV02P586
# رأيتموني أصلي جالسا، فصلوا جلوسا أجمعين، فنسخ بأن صلى جالسا ومن خلفه
~~قيام في مرضه الذي مات فيه (1). وما به يعلم أنه نسخ أن يكون فعله مقتضيا
~~لرفع (2) ما تقدم من الدلالة في الامتثال.
# ومثال الزيادة أن ترد زيادة عدد في الحد، أو في غيره، وتدخل (3) فيه
~~زيادة السنن في الطهارة.
# وأما بيان القول المحتمل، فما يدل من فعله على أحد المرادين.
# وأما الامتثال فهو (4) أن يفعل عليه السلام ما هو مبين في دليل الكتاب،
~~حتى لولا فعله لعرفناه على ذلك الحد.
# وأما أمثلة ابتداء الشرع، فهي كثيرة، فإذا فقدنا ما يقتضي الامتثال
~~والبيان، فلا بد من كونه ابتداء شرع.
# وينقسم ذلك على (5) وجوه أخر (6) إلى أقسام: منها فعل، ومنها ترك، ومنها
~~إقرار الفاعل على فعله:
# فأما أمثلة الفعل، فقد ذكرناها.
# PageV02P587
# وأما الترك، فعلى ضروب: منها ترك فعل، ومنها ترك نكير، ومنها ترك بيان،
~~وجواب.
# فأما ترك الفعل، فقد يكون نسخا، وتخصيصا، وبيانا.
# ومثال التخصيص أن يترك عليه السلام قطع يد السارق في أقل من عشرة (1)
~~دراهم، أو ربع دينار، ولا وجه يقتضي إسقاط قطعه، فيعلم بذلك أن القدر الذي
~~سرق لا يستحق ms246 به القطع. وتأخير الصلاة عن وقتها يدل على جواز التأخير. و
~~(2) أما النسخ، فقد مضى بيانه. وأما البيان، فنحو تركه (3) العود إلى
~~القعدة الأولى، فيكون (4) بيانا لكونها ندبا، ومفارقتها للقعدة (5)
~~الثانية. وهذا المثال لا يصح إلا على مذهب من يرى أن القعود (6) للتشهد
~~الأول والثاني معا غير واجبين، والصحيح عندنا أنهما واجبان، وهو مذهب الليث
~~بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه.
# وأما ترك النكير (7): فقد اختلف العلماء فيه: فمنهم من قال:
# إنه يدل على حسن ذلك الفعل على كل وجه، ومنهم من قال:
# PageV02P588
# يدل عليه إذا كان من باب الشرع، ومنهم من قال: إنما يدل على الحسن إذا لم
~~يكن (1) قد تقدم البيان، وتقرر، ولا شبهة في أن ما علم قبحه عقلا، أو علم
~~بالشرع. كونه قبيحا، على الوجه المقرر الممهد (2)، فإنه يجوز له عليه
~~السلام على بعض (3) الوجوه أن يدع إنكاره، ولا يدل تركه (4) النكير (5) على
~~حسنه والحال هذه، كما لم يدل إقراره لأهل الذمة على ترك الاختلاف إلى
~~الصلاة على حسن ذلك منهم، لما تقدم البيان، وعرف الوجه في الاقرار، وإنما
~~يدل تركه (6) النكير على حسن الفعل متى علم أنه لولا حسنه لما حسن منه ترك
~~النكير (5).
# وأما تركه البيان والجواب، فدلالته مختلفة لأنه قد يدع (7) الجواب
~~انتظارا (8) للوحي، من حيث لم يكن له في الشرع حكم مستقر، وقد يدعه إحالة
~~للسائل على دليل متقدم، فيجب أن ينظر في كيفية ترك الجواب. وأما تركه عليه
~~السلام (9) البيان فنحو
# PageV02P589
# أن تحدث حادثة، فلا يبين (1) حكمها، ولا تظهر (2) منه أمارة التوقف على
~~الوحي، و (3) ما هذه حاله فتركه يدل على أنه لا حكم لله تعالى في تلك
~~الحادثة إلا ما كان في العقل، * لأنه لو كان، لأظهره في وقت الحاجة. وكذلك
~~تركه (4) بيان تخصيص العموم.
# يدل على أن العموم شامل.
# وينقسم الفعل (5) أقساما أخر على وجه آخر: فمنها كونه مباحا، ومنها كونه
~~ندبا (6)، ومنها كونه واجبا (7).
# وإنما يعلم الوجب بوجوه: منها كونه بيانا لواجب، ومنها كونه امتثالا
~~لواجب، ms247 ومنها أن يكون مما لو (8) لم يكن واجبا لما جاز أن يفعله، نحو أن
~~يركع في الصلاة ركوعين (9) على سبيل القصد، ومنها كل فعل لو لم يكن واجبا،
~~لكان معصية كبيرة (10)، ومنها كونه شرطا على وجه مخصوص في واجب، ومنها كونه
~~قضاء لفائت واجب، ومنها كونه جزاء (11) لشرط (12) يستحق به.
# PageV02P590
# وأما ما به يعلم أن فعله مباح، فأن يكون بيانا لمباح، كالذبيحة، ومنها أن
~~يكون مما لو لم يكن مباحا لكان معصية كبيرة (1)، ومنها أن يتقدم منه قول
~~يقتضي كونه مباحا.
# وأما ما به يعلم كون فعله ندبا، فوجوه: منها أن يكون بيانا للندب، ومنها
~~أن يكون شرعيا، ولا أمارة للوجوب، ومنها إيقاعه على وجه العبادة والاخلاص،
~~ولا وجوب، ومنها أن يكون مما لو لم يكن ندبا لكان كبيرا، ومنها أن يفعله في
~~وقت ويتركه (2) في آخر، ويحصل في فعله أمارة الشرع.
# وينقسم على وجه (3) آخر فمنه ما هو قضاء على الغير، ومنه ما هو متعلق
~~بالغير، ومنه ما لا تعلق له بأحد: وقضاؤه (4) على الغير فيه أمارة الوجوب،
~~لان النزاع يتقدمه، ويجب على الحاكم قطع ذلك. فأما الذم والمدح (5)، فلهما
~~تعلق بالغير، والذم منه عليه السلام يدل على قبح الفعل، والعقوبة أقوى
~~دلالة على القبح، وأما المدح، فإنه يدل على أن للفعل صفة زائدة على الحسن
~~(6)،
# PageV02P591
# فربما كان واجبا، وأقل أحواله أن يكون ندبا. وقد اختلف في نسبته صلى الله
~~عليه وآله زيدا إلى عمرو (1) هل يقتضي القطع، أو يكون على الظاهر (2)؟ فقال
~~قوم: يقتضي القطع، وآخرون يجوزون (3) أن يتبع (4) ذلك الظاهر والامارات،
~~والوجه الأول أولى، لان ظاهر خبره بالاطلاق يقتضي القطع، وإنما يكون عن
~~الظن والامارة (5) بما يخالف الاطلاق، فالأولى مع الاطلاق حمله على القطع.
~~وعلى هذا الوجه (6) يجري وصفه صلى الله عليه وآله لغيره بالفضل (7)، لان
~~ذلك خبر، ومع الاطلاق (8) يجب حمله على القطع، وحكمه - بالشهادة أو
~~بالاقرار - (9) بالملك لا يدل على القطع بالباطن (10)، كما قلناه في الأول،
~~لان هذا حكم، والأول (11) خبر. و (12) في هذا الباب ms248 فروع كثيرة يطول الكتاب
~~باستيفائها.
# PageV02P592
# فصل (1) في هل يصح في أفعاله صلى الله عليه وآله التعارض أم لا.
# اعلم أن التعارض بين الدليلين إنما يكون بأن يتعذر استعمالهما (2) معا،
~~وأما (3) إذا أمكن العمل بهما (4)، فلا تعارض. وليس يمكن أن يقع (5) الفعل
~~وتركه في حالة (6) واحدة، وكذلك لا يمكن في الحال الواحدة وقوعه ووقوع ضده،
~~وإنما يكونان متعارضين (7) على أحد هذين الوجهين. وإنما يصح من الفاعل أن
~~يفعل ضد ما فعله في حال أخرى، وذلك مما يمكن فيه التأسي، ولا تعارض.
# فأما نسخ فعله عليه السلام بفعله، فلا يصح على التحقيق، لان الفعل الأول
~~لا ينظم (8) الأوقات المستقبلة، غير أنه إذا دل دليل على وجوب استمرار
~~حكمه، جاز أن يقال في الثاني: إنه ناسخ، وكذلك التخصيص، لان الدليل إذا دل
~~على أن المراد كل مكلف،
# PageV02P593
# ووجدناه صلى الله عليه وآله قد أقر بعض المكلفين على ترك ذلك الفعل، أو
~~رضي به، جاز أن يقال (1): إنه بذلك مخصص (2) له (3)، والمعنى (4) ما
~~ذكرناه.
# فأما قوله عليه السلام (5) إذا عارض فعله فيجب النظر فيه، فإن تقدم
~~القول، ومضى الوقت الذي يجب الفعل فيه، وفعل صلى الله عليه وآله ما يعارض
~~ذلك، كان ناسخا (6) لا محالة، ومثاله تركه صلى الله عليه وآله قتل الشارب
~~للخمر في المرة الرابعة، بعد قوله: (فإن شربها في الرابعة فاقتلوه (7)).
~~فأما إن فعل صلى الله عليه وآله ما يعارض القول قبل مجئ الوقت الذي تعبدنا
~~بالفعل فيه، فلا يجوز أن يكون نسخا، لان نسخ الفعل قبل وقته (8) لا يصح.
~~فأما متى تقدم الفعل، ووجد القول الذي يقتضي رفع مقتضاه، فذلك نسخ بلا
~~شبهة، لأنه متأخر عن حكم استقرار الفرض. فأما إذا لم يعلم المتقدم من
~~المتأخر، فمن (9) الناس من ذهب إلى أن الاخذ بالقول أولى (10)،
# PageV02P594
# ورجح بأن فعله لا يتعداه إلا بدليل، ومن حق قوله أن يتعداه، و (1) لا
~~يكون مقصورا عليه. والأولى أن يقال إنه لا بد إذا تعارضا من أن ينصب الله
~~تعالى للمكلف دليلا يعلم به المتقدم ms249 من المتأخر، وفي هذا نظر.
# فصل (2) في هل كان النبي (3) صلى الله عليه وآله متعبدا بشرائع من تقدمه
~~من الأنبياء عليهم السلام * في هذا الباب مسألتان: إحديهما (4) قبل النبوة،
~~والأخرى بعدها.
# و (5) في المسألة الأولى ثلاثة مذاهب: أحدها أنه ما كان عليه السلام
~~متعبدا قطعا، والآخر أنه كان متعبدا قطعا (6)، والثالث التوقف عن (7) القطع
~~على أحد الامرين، وهذا هو الصحيح.
# والذي يدل عليه أن العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله
# PageV02P595
# تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي، ولا يمتنع (1) أن يعلم الله
~~تعالى أنه لا مصلحة للنبي صلى الله عليه وآله - قبل نبوته في العبادة بشئ
~~من الشرائع، كما أنه غير ممتنع أن يعلم أن له عليه السلام - في ذلك مصلحة،
~~وإذا كان كل واحد (2) من الامرين جائزا، ولا دلالة توجب القطع على أحدهما،
~~وجب التوقف.
# وليس لمن قطع على أنه عليه السلام ما كان متعبدا أن يتعلق بأنه لو كان
~~تعبده عليه السلام (3) بشئ من الشرائع، لكان فيه (4) متبعا (5) لصاحب تلك
~~الشريعة، ومقتديا به، وذلك لا يجوز، لأنه أفضل الخلق، واتباع الأفضل
~~للمفضول قبيح.
# وذلك أنه غير ممتنع أن يوجب الله - تعالى عليه صلى الله عليه وآله بعض ما
~~قامت عليه الحجة (6) من بعض الشرائع المتقدمة، لا على وجه الاقتداء بغيره
~~فيها، ولا الاتباع.
# وليس لمن قطع على أنه عليه السلام كان متعبدا أن يتعلق بأنه عليه السلام
~~كان يطوف بالبيت، ويحج ويعتمر، ويذكي، ويأكل
# PageV02P596
# المذكى، ويركب البهائم، ويحمل عليها.
# وذلك (1) أنه لم يثبت عنه عليه السلام أنه (2) قبل النبوة حج أو (3)
~~اعتمر، ولو ثبت ذلك، لقطع به على أنه كان متعبدا، وبالتظني (4) لا يثبت (5)
~~مثل ذلك. ولم يثبت أيضا (6) أنه عليه السلام تولى التذكية بيده (7). وقد
~~قيل - أيضا - (6): إنه (8) لو ثبت أنه ذكى بيده، لجاز أن يكون من شرع غيره
~~في ذلك الوقت أن يستعين بغيره (9) في الذكاة، فذكي على سبيل المعونة لغيره
~~(10). وأكل لحم المذكى (11) لا شبهة في أنه غير موقوف على الشرع، لأنه بعد
~~الذكاة قد ms250 صار مثل كل مباح من المآكل. وركوب البهائم والحمل
# PageV02P597
# عليها (1) يحسن عقلا إذا وقع التكفل (2) بما يحتاج إليه من علف وغيره،
~~ولم يثبت أنه عليه السلام فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله. وليس علمه
~~عليه السلام بأن غيره نبي (3) بالدليل يقتضي كونه متعبدا بشريعته (4)، بل
~~لا بد من أمر زائد على هذا العلم.
# وأما (5) المسألة الثانية فالصحيح أنه عليه السلام ما كان متعبدا بشريعة
~~نبي تقدم (6)، وسندل عليه بعون الله تعالى، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه
~~كان متعبدا.
# ولا بد قبل الكلام في هذه المسألة من بيان جواز أن يتعبد الله تعالى نبيا
~~بمثل شريعة النبي الأول، لان ذلك إذا لم يجز، سقط الكلام في هذا الوجه من
~~المسألة.
# وقد قيل: إن ذلك يجوز على شرطين: إما بأن تندرس الأولى، فيجددها الثاني،
~~أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها، ويمنعون (7) من جواز ذلك على غير أحد
~~هذين الشرطين، ويدعون
# PageV02P598
# أن بعثته على خلاف ما شرطوه تكون (1) عبثا. ولا يجب النظر في معجزته، ولا
~~بد من وجوب النظر في المعجزات.
# وليس الامر على ما قالوه، لان بعثة النبي الثاني لا (2) تكون (3) عبثا
~~إذا علم الله تعالى أنه يؤمن عندها، وينتفع بها (4) من لم ينتفع بالأولى.
~~ولو لم يكن الامر - أيضا - كذلك، كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف
~~الأدلة الدالة على أمر واحد، ولا يقول أحد: أن نصب الأدلة على هذا الوجه
~~يكون عبثا.
# فأما الوجه الثاني، فإنا لا (5) نسلم لهم أن النظر في معجز كل نبي يبعث
~~لا بد من أن يكون واجبا، لان ذلك يختلف (6)، فإن خالف المكلف من ضرر - إن
~~هو لم ينظر - وجب النظر عليه، وإن لم يخف، لم يكن واجبا. وقد استقصينا هذا
~~الكلام وفرعناه في كتاب الذخيرة.
# والذي يحقق (7) هذه المسألة أن تعبده عليه السلام (8) بشرع من
# PageV02P599
# تقدمه لا بد فيه من معرفة أمرين: أحدهما نفس الشرع (1)، والآخر كونه
~~متعبدا به، وليس يخلو من أن يكون عليه السلام علم (2) كلا الامرين بالوحي ms251
~~النازل عليه والكتاب المسلم إليه، أو يكون علم الامرين من جهة النبي
~~المتقدم، أو يكون علم أحدهما من هذا الوجه، والآخر من (3) ذلك الوجه.
# والوجه الأول يوجب أن لا يكون متعبدا بشرائعهم إذا فرضنا أنه بالوحي إليه
~~علم الشرع والتعبد معا، وأكثر ما في ذلك أن يكون متعبدا (4) بمثل شرائعهم
~~(5)، وإنما يضاف الشرع إلى الرسول (6) إذا حمله وألزم أداءه (7)، ويقال في
~~غيره: أنه متعبد بشرعه متى دعاه إلى (8) اتباعه، وألزمه (9) الانقياد له،
~~فيكون مبعوثا إليه، وإذا فرضنا أن الوحي والقرآن (10) وردا ببيان الشرع
~~وإيجاب الاتباع، فذلك شرعه عليه السلام لا يجب إضافته إلى غيره.
# PageV02P600
# وأما الوجه الثاني، فهو - وإن كان خارجا (1) من أقوال الفقهاء المخالفين
~~لنا في هذه المسألة - فاسد من جهة أن * نقل اليهود ومن جرى مجراهم من الأمم
~~الماضية قد تبين (2) في مواضع أنه ليس بحجة، لانقراضهم، وعدم العلم باستواء
~~أولهم (3) وآخرهم.
# و - أيضا - فإنه عليه السلام مع فضله على الخلق لا يجوز أن يكون متبعا
~~لغيره من الأنبياء المتقدمين عليهم السلام. ثم هذا القول يقتضي أن لا يكون
~~عليه السلام بأن يكون من أمة (4) ذلك النبي بأولى منا، ولا بأن نكون (5)
~~متعبدين بشرعه عليه السلام بأولى من أن يكون متعبدا بشرعنا، لان حاله (6)
~~كحالنا في أننا من أمة ذلك النبي. وبهذه الوجوه التي ذكرناها نبطل (7)
~~القسمين اللذين فرعناهما (8). ومما يدل على صحة ما ذكرناه، وفساد قول
~~مخالفينا، أنه قد ثبت عنه عليه السلام توقفه في أحكام معلوم أن بيانها في
~~التورية (9)
# PageV02P601
# وانتظاره (1) فيها نزول الوحي، ولو كان متعبدا بشريعة موسى، لما جرى ذلك.
# و - أيضا - فلو كان الامر على ما قالوه، لوجب (2) أن يجعل عليه السلام
~~كتب من تقدمه في الاحكام بمنزلة الأدلة الشرعية (3)، ومعلوم خلافه.
# وأيضا فقد نبه عليه السلام في خبر معاذ (4) على الأدلة فلم يذكر في
~~جملتها التورية والإنجيل.
# وأيضا فإن كل شريعته (6) مضافة إليه بالاجماع، ولو كان متعبدا بشرع غيره،
~~لما جاز ذلك.
# وأيضا فلا خلاف بين الأمة في أنه عليه السلام لم ms252 يود إلينا من أصول
~~الشرائع إلا ما أوحى إليه وحمله.
# وأيضا فإنه لا خلاف في (7) أن شريعته عليه السلام ناسخة لكل الشرائع
~~المتقدمة من غير استثناء، فلو كان الامر كما قالوه، لما صح هذا الاطلاق.
# PageV02P602
# و - أيضا - فإن شرائع من تقدمه (1) مختلفة متضادة، فلا يصح كونه متعبدا
~~بكلها، وإن (2) كان متعبدا ببعضها، فلا بد من تخصيص ودليل يقتضيه، فإن
~~ادعوا أنه متعبد بشريعة عيسى (3) عليه السلام لأنها (4) ناسخة لشريعة من
~~تقدم، فذلك منهم ينقض تعلقهم بتعرفه الرجم من اليهود في التورية.
# فأما رجوعه عليه السلام في رجم المحصن إليها، فلم يكن لأنه كان متعبدا
~~بذلك، لأنه لو كان الرجوع لهذه العلة، لرجع عليه السلام في غير (5) هذا
~~الحكم إليها، وإنما رجع لأمر آخر (6)، وقد قيل: إن سبب الرجوع أنه عليه
~~السلام كان (7) خبر بأن حكمه في الرجم يوافق ما (8) في التورية، فرجع إليها
~~تصديقا لخبره وتحقيقا لقوله (9).
# باب الكلام في الاجماع اختلف الناس في هذه المسألة: فقال أكثر المتكلمين
# PageV02P603
# وجميع الفقهاء: إن إجماع أمة النبي صلى الله عليه وآله حجة، وإنهم لا
~~يجوز أن يجمعوا (1) على باطل، وخالف النظام ومن تابعه في ذلك، ونفى كون
~~الاجماع حجة (2)، وحكي عن قوم من الخوارج مثل ذلك، وحكي أيضا (3) عن بعضهم
~~أنه أحال كون الاجماع حجة، وذهب إلى أنه لا يجوز في جماعة يجوز الخطأ على
~~كل واحد منها أن ينتفي عن جماعتها (4)، وآخرون نفوا كونه حجة، بأن قالوا:
~~إن أجمعوا على الشئ تبخيتا (5)، فذلك لا يجوز اتباعه، وإن كان توقيفا عن
~~نص، فيجب ظهور الحجة بذلك، و (6) يغني (7) عن الاجماع، وإن كان عن قياس،
~~فلن يجوز مع اختلاف الهمم وتباين الآراء واختلاف وجوه القياس أن يتفقوا على
~~ذلك. وفي الناس من نفى (8) الاجماع، لتعذر العلم باتفاق الأمة، مع أنها غير
~~معروفة على مذهب من المذاهب.
# والصحيح الذي نذهب (9) إليه أن قولنا (إجماع) إما أن
# PageV02P604
# يكون واقعا على جميع الأمة، أو على المؤمنين منهم، أو على العلماء فيما
~~يراعي فيه إجماعهم (1)، وعلى كل ms253 الأقسام لابد من (2) أن يكون قول الإمام
~~المعصوم داخلا فيه، لأنه من الأمة، ومن أجل المؤمنين، وأفضل العلماء،
~~فالاسم مشتمل عليه، وما يقول به (3) المعصوم لا يكون إلا حجة وحقا، فصار
~~قولنا موافقا لقول من ذهب (4) إلى أن الاجماع حجة في الفتوى، وإنما الخلاف
~~بيننا في موضعين، إما في التعليل، أو (5) الدلالة، لأنا نعلل كون الاجماع
~~حجة بأن العلة فيه اشتماله على قول معصوم قد علم الله - سبحانه أنه (6) لا
~~يفعل القبيح منفردا ولا مجتمعا، وأنه لو انفرد، لكان قوله الحجة، وإنما
~~نفتي (7) بأن قول الجماعة التي قوله فيها و (8) موافق (9) لها حجة لأجل
~~قوله، لا لشئ يرجع إلى الاجتماع معهم، ولا يتعلق بهم. ومن خالفنا يعلل
~~مذهبه بأن الله تعالى علم أن جميع هذه الأمة لا تتفق (1) على خطأ، وإن جاز
~~الخطأ
# PageV02P605
# على كل واحد منها بانفراده، فللاجماع تأثير بخلاف قولنا أنه لا تأثير (1)
~~له. فأما نحن فنستدل على صحة الاجماع وكونه حجة في كل عصر بأن العقل قد دل
~~على أنه لابد في كل زمان من إمام معصوم، لكون ذلك لطفا في التكليف العقلي
~~(2)، وهذا مذكور مستقصى في كتب الإمامة، فلا (3) معنى للتعرض له (4) هيهنا
~~- وثبوت هذه الجملة يقتضي (5) أن الاجماع في كل عصر حجة، وهذه الطريقة من
~~الاستدلال لا توافق مذاهب مخالفينا، لان الأصل الذي بنينا (6) عليه هم (7)
~~يخالفون فيه، ولو تجاوزوا عنه، لكان * ثبوت الحجة بالاجماع على هذا الوجه
~~ينافي مذاهبهم في أن لاجماع (8) الأمة تأثيرا (9) في كونه (10) حجة، وأن
~~بعضهم في هذا الحكم بخلاف كلهم. فأما ما يستدلون هم به على كون الاجماع حجة
~~فإنما نطعن فيه نحن لأنه لا يدل على ما ادعوه (11)، ولو دل على ذلك
# PageV02P606
# لم يضرنا، ولا ينافي مذهبنا، لان شهادة القرائن (1) أو الآيات بأن الأمة
~~لا تجتمع (2) على ضلال (3)، نحن نقول بفحواه ومعناه وليس في الشهادة بذلك
~~تعليل ينافي مذهبنا، كما كان ذلك في تعليل قولنا: إن الاجماع حجة
~~واستدلالنا (4) عليه. فبان بهذا الشرح الذي أطلناه (5) هيهنا ما يحتاج (6)
~~إليه ms254 في هذا الباب، وإذا كنا قد دللنا على كيفية كون (7) الاجماع حجة على
~~مذهبنا، فينبغي أن نعطف إلى ما تعلق (8) به مخالفونا فنورده، ثم نتكلم (9)
~~عليه، ونحن لذلك فاعلون.
# وقد تعلقوا في ذلك (10) بأشياء:
# أولها قوله تعالى، (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير
~~سبيل المؤمنين، نوله (11) ما تولوا، و نصله جهنم، وساءت مصيرا.) فتوعد على
~~اتباع غير سبيلهم،
# PageV02P607
# وفي ذلك إيجاب لاتباع سبيلهم، فلولا أن الاجماع (1) حجة، لم يوجب
~~اتباعهم. وثانيها قوله تعالى -: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء
~~على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا).
# ومعنى (وسطا) أي عدلا، فكما يجب في شهادته صلى الله عليه وآله أن تكون
~~(2) حجة، فكذلك القول في شهادتهم، لان الله (3) تعالى قد أجراهم مجراه.
# وثالثها قوله تعالى -: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف،
~~وتنهون عن المنكر.) وهذه صفات لا تليق (4) إلا بمن قوله حجة.
# ورابعها ما يروونه (5) عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: (لا تجتمع
~~أمتي على خطأ).
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: إن (6) ظاهر الآية يقتضي إيجاب اتباع من
~~هو مؤمن على الحقيقة ظاهرا وباطنا، لان من يظهر (7)
# PageV02P608
# الايمان إنما يوصف بذلك مجازا، والمؤمن من فعل الايمان، وهذا يقتضي إيجاب
~~اتباع من قطعنا على عصمته من المؤمنين، دون من جوزنا أن يكون باطنه خلاف
~~ظاهره، فكيف يحمل ذلك على أنه إيجاب لاتباع من أظهر الايمان، وليس كل من
~~أظهر الايمان كان مؤمنا؟!.
# فإن ادعوا أن (1) هذه اللفظة تجري على من أظهر الايمان حقيقة، واستدلوا
~~عليه (2) بقوله تعالى -: (فتحرير رقبة مؤمنة)، وقوله - عز وجل (3) -: (إذا
~~جاءكم المؤمنات مهاجرات)، طولبوا بالدلالة على ما ادعوه، فإنه يتعذر عليهم.
~~والآيتان اللتان ذكروهما إنما علمنا أن المراد بهما من أظهر الايمان
~~بدلالة، والظاهر يقتضي خلاف ما حملناهما عليه.
# وأيضا فإن الآية تضمنت حظر اتباع غير سبيل المؤمنين، ولم يجر (4) لسبيل
~~المؤمنين ذكر، و (5) دليل الخطاب غير صحيح عندنا وعند أكثرهم، فلا يجوز
~~الرجوع إليه في هذه الآية.
# PageV02P609
# وليس لاحد ms255 أن يقول: إن (1) المراد بلفظة (غير) هيهنا الاستثناء (2)، كأنه
~~قال: (لا تتبع إلا سبيل المؤمنين)، كما يقول أحدنا لغيره: (لا تأكل غير هذا
~~الطعام)، أي لا تأكل إلا هذا الطعام، و: لا تلق غير زيد، الذي يفهم منه (3)
~~إيجاب لقائه (4).
# وذلك أن لفظة (غير) هي بالصفة أحق (5) منها بالاستثناء، و إنما استثني
~~بها في بعض المواضع تشبيها لها (6) بلفظة (إلا)، كما وصفوا في بعض المواضع
~~بلفظة (إلا) تشبيها لها (7) بغير. وبعد، فلو احتملت لفظة (غير) الصفة
~~والاستثناء احتمالا واحدا، وليس الامر كذلك، لكانوا يحتاجون في حملها على
~~الاستثناء دون الصفة إلى دلالة. والذي يبين (8) الفرق بين ما جمعوا بينه
~~أنه يحسن أن يقول أحدنا لغيره: (لا تأكل غير هذا الطعام ولا هذا الطعام)
~~ولا يجوز أن يقول: (لا تأكل إلا هذا الطعام ولا تأكل هذا الطعام).
# PageV02P610
# فإن قيل متى لم يتبع غير سبيل المؤمنين، فبالضرورة لا بد من كونه متبعا
~~لسبيلهم فحظر أحد الامرين إيجاب للآخر (1). قلنا: ليس الامر كذلك، لأنه قد
~~يجوز أن يحظر عليه اتباع سبيل كل أحد (2)، ويلزم التعويل على الأدلة، لان
~~(3) المفهوم من هذه اللفظة أن يفعل المتبع الفعل لأجل فعل (4) المتبع (5)،
~~وقد يمكن أن ينهى عن ذلك كله.
# وأيضا فليس يخلو قوله تعالى (المؤمنين) من أن يريد به المستحقين للثواب،
~~والذين باطنهم في الايمان كظاهرهم، أو يريد به (6) من أظهر التصديق
~~والايمان، وإن جاز في الباطن أن يكون (7) بخلافه، فإن كان الأول، فالظاهر
~~يقتضي تناول اللفظة (8) لجميع المؤمنين إلى أن تقوم (9) الساعة، فكيف
~~يحملونها على مؤمني (10) كل عصر، وإنما هم بعض المؤمنين (11) لا كلهم،
# PageV02P611
# وإن جاز لهم (1) حمل اللفظة على خلاف عموم ظاهرها، جاز لنا حملها (2) على
~~الأئمة المعصومين، ففي كل واحد (3) من الامرين ترك للظاهر. وإن كان المراد
~~* بالآية الوجه الثاني، فهو باطل من وجهين: أحدهما ما قلناه من أن ذلك (4)
~~يقتضى الجميع إلى أن تقوم (5) الساعة، ولا يختص بأهل كل عصر. والثاني أن
~~الكلام خارج مخرج المدح والتعظيم، من حيث الامر بالاتباع (6) و ms256 الاقتداء،
~~وذلك لا يليق إلا بمن يستحق التعظيم على الحقيقة، دون من يجوز أن يكون
~~باطنه بخلاف ظاهره، ممن يستحق (7) الاستخفاف (8) والإهانة.
# و - أيضا - فإنه تعالى علق وجوب الاتباع بكونهم مؤمنين، فمن أين لهم أنهم
~~لا يخرجون من هذه الصفة؟، فلا يلزم اتباعهم، وإنما يقولون (9) في أنهم لا
~~يخرجون (10) عن الايمان على ما هو
# PageV02P612
# مبني على أن (1) الحق لا يخرج (2) عنهم، والكلام في ذلك.
# ثم من أين لهم (3) في الأصل أنه لا بد في كل زمان من وجود مؤمنين، حتى
~~يلزم اتباعهم؟! وليس يمكن التعلق في إثبات مؤمنين في كل حال بأنه إذا أمر
~~باتباعهم، فلابد من حصولهم، ليمكن الاتباع، لان ذلك تكليف مشروط بغيره، يجب
~~إذا وجد الشرط، وليس يقتضي أن الشرط لابد من حصوله في كل حال، ألا ترى أنه
~~تعالى قد أمر بقطع (4) السارق، وجلد الزاني، ولا يقتضي ذلك القطع على أنه
~~لا بد في كل حال (5) من وجود (6) سراق (7) وزناة، حتى يمكن إقامة الحدود
~~عليهم؟.
# وأيضا فإن الآية كالمجملة (8) لأنه تعالى لم يوجب اتباع سبيلهم في كل
~~الأحوال، ولا في حال (9) مخصوص (10) فمن أين لهم عموم الأحوال، وليس هيهنا
~~لفظ عموم؟! (11). وليس لهم
# PageV02P613
# أن يقولوا: لو أراد التخصيص، لبين (1)، لان ذلك يمكن عكسه عليهم. وهي
~~أيضا مجملة من وجه آخر، لان لفظة (سبيل) منكرة، فمن أين لهم وجوب اتباعهم
~~في كل شئ عموما؟!.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: هذه الآية يقتضي ظاهرها وصف الأمة
~~بالعدالة والشهادة أيضا وهذا الوصف يقتضي (2) ظاهره أن يكون كل واحد منهم
~~بهذه الصفة، ومعلوم بيننا خلاف ذلك.
# فإذا حملوا الآية على بعض الأمة دون بعض الذين هم العدول، لم يكونوا بذلك
~~أولى (3) منا إذا حملناها على المعصومين من الأئمة فإن قالوا: لم نحملها
~~(4) على الجميع، للوصف الذي لا يليق بالجميع (5) فحملناها على كل (6) من
~~يليق به الوصف. قلنا: ليس هيهنا لفظ عموم، كما كان في الآية الأولى، واللفظ
~~محتمل للامرين، فإذا جاز أن يحملوه على بعض دون بعض، جاز لنا ms257 مثل ذلك و (7)
~~قمنا فيه مقامكم. على أنهم إذا حملوها على العموم في كل من كان ظاهره (8)
# PageV02P614
# العدالة، لزمهم توجه الآية إلى جميع من هو (1) بهذه الصفة إلى يوم
~~القيامة على سبيل الاجتماع، فيبطل قولهم: إن إجماع أهل كل عصر حجة.
# وأيضا فإن وصفهم بالعدالة ليكونوا شهداء إنما يقتضي أن يجتنبوا ما أخرج
~~من العدالة، والصغائر عندهم لا تخرج (3) عن العدالة، فيجب أن تجوز (4)
~~عليهم، وهم لا يجوزون أن يجمعوا على قبيح صغير ولا كبير.
# وأيضا فإن الآية كالمجملة، لأنها غير متضمنة بأنهم جعلوا عدولا في كل شئ،
~~و (5) في جميع أفعالهم وأقوالهم (6)، ومن ادعى عموم ذلك، فعليه الدلالة،
~~والرسول عليه السلام لم تجب (7) عصمته من القبائح كلها، لكونه شهيدا بل
~~لنبوته.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: إن التأمل لما (8) تكلمنا به على (9)
~~الآيتين المتقدمتين يبطل تعلقهم بهذه الآية، لان وصفهم بأنهم
# PageV02P615
# يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يليق بجميع الأمة، فلابد من حمله
~~على بعضهم، وإذا (1) فعلوا ذلك، لم يكونوا أولى منا (2) إذا حملناها على من
~~ثبتت عصمته وطهارته.
# وبعد، فليس في الآية ما يقتضي أنهم لا (3) يأمرون (4) إلا بذلك وليس
~~يمتنع خروج من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر في بعض الأحوال عن ذلك.
# ولأن الآية لا تقتضي (5) أن (6) إجماع كل عصر حجة، فمن أين أن هذا الوصف
~~واقع على أهل كل عصر على انفرادهم؟!.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: من الخبر هذا الخبر (7) يجب أن تدلوا
~~(8) على صحته، فهي الأصل. ثم على اقتضائه عصمة الأمة (9) وكون إجماعهم حجة
~~على ما تدعون، فلا شبهة في أن (10) هذا الخبر إنما رواه الآحاد، وليس من
~~الاخبار الموجبة للعلم.
# PageV02P616
# وإنما يفزع مخالفونا في تصحيحه إلى أمور كلها عند التأمل مبنية على أن
~~إجماعهم حجة، وقبولهم للشئ يقتضي صحته، وما أشبه ذلك، وهذا هو استدلال (1)
~~على الشئ بنفسه، و تمحل (2) وتعلل، ونحن نبين ذلك. وربما ادعى مخالفونا أن
~~معناه متواتر، وإن كانت ألفاظه من جهة الآحاد، وأجروه مجرى شجاعة عمرو
~~وسخاء ms258 حاتم:
# أما (3) الطريقة الأولى، فأكثر ما فيها أن الأمة أطبقت، و أجمعت (4) على
~~تصحيحه، والرضا به، ودون صحة ذلك خرط القتاد (5)، لان ذلك غير معلوم، ولا
~~مسلم، وكل من خالف في الاجماع من العلماء * قديما وحديثا ينكر ذلك غاية
~~الانكار ، فمن أين أنهم في ذلك مصيبون؟! ونحن قبل هذا الخبر الذي هو الحجة
~~في صحة الاجماع نجيز عليهم الخطأ (6)، فلعل قبولهم هذا الخبر من جملة ما هو
~~جائز عليهم من الخطأ، وادعاؤهم أن لامتنا (7) عادة ألفت منهم في رد الباطل
~~وقبول الحق، مما
# PageV02P617
# لا نوافقهم (1) عليه، ولا يجابون (2) إليه. وإذا طولبوا (3) بتصحيح (4)
~~هذه العادة، لم يحصلوا (5) إلا على مجرد الدعوى، وليس كل من عرف منه أنه رد
~~باطلا وقبل حقا لا يجوز عليه بالشبهة أن يقبل باطلا ويرد حقا، وأكثر ما
~~يقتضيه حسن الظن بهم أن يكونوا عندنا ممن لا يدفع إلا ما اعتقد بطلانه،
~~وأداه اجتهاده إلى وجوب رده، ولا يقبل أيضا إلا ما اعتقد بحجة أو شبهة (6)
~~صحته، فأما تجاوز ذلك إلى ما يقتضي عصمتهم، ونفي القبيح عنهم، من غير دلالة
~~قاطعة، فلا سبيل إليه، وقد استقصينا هذه النكتة في الكتاب الشافي (7) غاية
~~الاستقصاء، وتكلمنا على ما يلزمه مخالفونا في هذا الموضع (8)، مما هو عائد
~~كله عند الكشف والفحص عنه إلى (9) استيلاف (10) عصمة القوم بغير دلالة.
# ثم إذا سلمنا صحة الخبر، لم يكن فيه دلالة على ما يدعون،
# PageV02P618
# لأنه كالمجمل، من حيث إنه (1) نفى خطأ منكرا (2)، فمن أين لهم عمومه في
~~جنس الخطأ، ولابد في حمله (3) على ذلك من دليل ولن يجدوه؟!.
# وبعد، فإن حملوا لفظة (أمتي) على جميع الأمة، أو على المؤمنين، لزمهم أن
~~يدخل فيه كل من كان بهذه الصفة إلى أن تقوم (4) الساعة على سبيل الاجتماع،
~~ويبطل أن يكون إجماع كل عصر حجة، على ما تقدم بيانه.
# وربما قيل لهم في الخبر: من أين لكم أنه خبر دون أن يكون نهيا، ولعل
~~العين من لفظة (5) (تجتمع) ساكنة غير مرفوعة؟ ومن الذي ضبط في إعرابه الرفع ms259
~~من التسكين؟.
# وربما قيل لهم (6) ما أنكرتم أن يكون خبرا معناه معنى النهي، كما جرى في
~~نظائره، من قوله - تعالى -: (ومن دخله كان آمنا) وقوله صلى الله عليه وآله
~~-: (الزعيم غارم) و (العارية مردودة) وما لا يحصى كثرة. وهذا لا يلزمهم،
~~ولهم أن ينفصلوا عنه بأن
# PageV02P619
# اللفظ الذي ظاهره موضوع للخبر لا يجوز حمله على الامر أو النهى إلا
~~بدلالة، والظاهر في الخبر معنا، وعلى من ادعى ما نقلنا عن (1) ظاهره
~~الدلالة.
# فأما الكلام على من أحال أن يجوز على كل واحد منهم من (2) الخطأ ما لا
~~يجوز على جماعتهم، وضرب لذلك الأمثال (3) بأن الجماعة إذا كان كل واحد منها
~~(4) أسود، فلا يجوز أن تكون (5) الجماعة ليست سودا، وما أشبه ذلك، فهو
~~اعتماد من لم يحصل، ولم يتأمل، لان مراد من نفى الخطأ عن الجماعة ليس هو
~~نفى القدرة، بل هو نفى التجويز والشك، وليس يمتنع أن تقوم (6) دلالة ترفع
~~(7) الشك في الجماعة لا يقوم مثلها في الآحاد، ولو فرضنا أن النبي صلى الله
~~عليه وآله أشار إلى عشرة، فقال: (كل واحد منهم يجوز أن يخطئ منفردا، وإذا
~~(8) اجتمعوا، فإن الخطأ لا يقع منهم)، لكان ذلك صحيحا غير مستحيل، ولم يجر
~~(9) مجرى (10)
# PageV02P620
# السواد والطول (1) اللذين (2) الآحاد فيه (3) كالجماعة، وكيف يمتنع (4)
~~من ذلك من يذهب إلى أن الأنبياء والملائكة عليه السلام قد علم الله تعالى
~~أنهم لا يفعلون القبائح، وإن كانوا قادرين عليها و (5) متمكنين منها؟!
~~فارتفع التجويز والشك مع القدرة والتمكن (6).
# ومما قيل في ذلك: أنه غير ممتنع أن يجوز على الآحاد (7) ما لا يجوز على
~~الجماعات، كسهو الواحد عن شئ مخصوص، وإن كان الجماعات الكثيرة لا يجوز
~~عليها مثل ذلك، وخروجه في وقت مخصوص بهيأة مخصوصة (8)، أو تشويهه بنفسه،
~~وإن كان ذلك كله (9) لا يجوز على الجماعات مع القدرة عليها.
# وأما من نفي صحة الاجماع من جهة أنهم لا يجوز أن يجمعوا على الشئ الواحد
~~قياسا مع اختلاف الهمم والاغراض، فباطل، لان الجماعات الكثيرة قد تجتمع
~~(10) على الفعل الواحد. ms260 والمذهب
# PageV02P621
# الواحد، إما بحجة، أو بشبهة، كاجتماع (1) المسلمين على مذاهب كثيرة، مع
~~الكثرة وتباين الهمم، لأجل الحجة، واجتماع اليهود والنصارى والمبطلين على
~~المذاهب الكثيرة، بالشبهة، وكما أجمعوا (2) مع كثرتهم على القول بقتل
~~المسيح عليه السلام وصلبه، وإن كان ذلك (3) باطلا.
# وأما قول من نفى الاجماع (4) لتعذر (5) الطريق إليه (6)، فجهالة، لأنا قد
~~نعلم اجتماع الخلق الكثير على المذهب الواحد، وترتفع (7) عنا الشبهة في
~~ذلك، إما بالمشاهدة (8)، أو النقل. ونعلم من إجماعهم واتفاقهم على الشئ
~~الواحد ما يجرى (9) في الجلاء والظهور مجرى العلم بالبلدان والأمصار
~~والوقائع الكبار. ونحن نعلم أن المسلمين (10)، كلهم متفقون * على تحريم
~~الخمر ووطئ الأمهات وإن لم نلق كل مسلم في الشرق والغرب والسهل والجبل.
~~ونعلم أيضا أن اليهود والنصارى متفقون على القول بقتل المسيح وصلبه وإن
# PageV02P622
# كنا لم نلق كل يهودي ونصراني في الشرق والغرب. ومن دفع (1) العلم بما
~~ذكرناه، كان مكابرا مباهتا. وقد استقصينا الكلام على هذه الشبهة في الجواب
~~عن المسائل التبانيات، وبلغنا فيه الغاية، وفيما أشرنا إليه كفاية. وأرى
~~كثيرا من مخالفينا يعجبون من قولنا:
# (إن الاجماع حجة)، مع أن المرجع في كونه حجة إلى قول الإمام ، من غير أن
~~يكون للاجماع تأثير، وينسبونا (2) في إطلاق هذه اللفظة إلى اللغو والعبث،
~~وقد بينا (3) في الكتاب الشافي في هذه النكتة ما فيه كفاية، وفي الجملة
~~فليس (4) نحن المبتدئين (5) بالقول بأن الاجماع حجة، لكنا إذا سئلنا (6) و
~~(7) قيل (8) لنا: ما تقولون في إجماع المسلمين على أمر من الأمور، فلابد من
~~(9) أن نقول (10): إنه حق وحجة، لان قول الإمام المعصوم الذي لا يخلو كل
~~زمان منه لا بد من أن يكون داخلا في هذا الاجماع، فجوابنا بأنه (11) حق
~~وحجة
# PageV02P623
# صحيح، وإن كانت علتنا في أنه حجة غير علتهم، ولو أن سائلا سألنا (1) عن
~~جماعة فيهم نبي: هل قول هذه الجماعة حق وحجة؟
# لما كان لنا (1) بد (2) من أن نقول (3): إنه حجة، لأجل قول النبي صلى
~~الله عليه وآله ولا نمتنع (4) من القول بذلك لأجل أنه لا تأثير لقول ms261 باقي
~~الجماعة.
# وقد (5) بينا في كتاب (6) الشافي أنه (7) غير ممتنع أن يلتبس في بعض
~~الأحوال قول إمام الزمان إما (8) لغيبته (9)، أو لغيرها، فلا نعرف (10)
~~قوله على التعيين، فنفزع (11) في هذا الموضع إلى إجماع الأمة أو إجماع (12)
~~علمائنا، لنعلم دخول الامام المعصوم فيه، وإن كنا لا نعرف شخصه وعينه، ففي
~~مثل (13) هذا الموضع نفتقر (14) إلى معرفة الاجماع على القول. لنعلم دخول
~~الحجة فيه، إذا كان قول الإمام (15) هو الحجة ملتبسا أو مشتبها (16)، وهذا
~~يجري مجرى قول المحصلين من مخالفينا:
# PageV02P624
# إن الاجماع الذي هو الحجة هو إجماع المؤمنين من الأمة، دون غيرهم، لان
~~(1) قول المؤمنين لما لم يكن متميزا، وجب (2) اعتبار إجماع الكل ليدخل ذلك
~~فيه.
# فصل في الاجماع هل هو حجة في شئ مخصوص أو في كل شئ؟
# اعلم أن كل شئ أجمعت (3) عليه الأمة لابد من كونه غير خطأ، وإن لم يكن
~~خطأ، فلابد من كونه صوابا، وما هو صواب على ضربين (4): فمنه ما يصح أن يعلم
~~بإجماعهم، وهذا القسم هو الذي يكون إجماعهم حجة فيه. فأما ما لا يمكن أن
~~يعلم بإجماعهم (5)، فقولهم ليس بحجة فيه، وإن كان صوابا، وكون الشئ حجة
~~كالمنفصل من كونه صوابا (6) لان كونه صوابا يرجع إليه، وكونه حجة يرجع إلى
~~غيره.
# PageV02P625
# فأما الذي يكون إجماعهم فيه حجة (1): فهو كل أمر صح أن يعلم بإجماعهم.
~~والذي لا يصح أن يعلم بإجماعهم ما يجب أن تتقدم (2) معرفته على معرفة صحة
~~الاجماع، كالتوحيد والعدل وما أشبههما (3) وإذا كنا إنما نرجع (4) في كون
~~الاجماع حجة إلى قول الإمام المعصوم الذي لا يخلو كل زمان منه، فيجب أن
~~نقول (5): كل شئ تقدمت معرفة (6) وجوب وجود الامام المعصوم في كل زمان له
~~(7)، فقول الإمام حجة فيه، والاجماع الذي يدخل هذا القول فيه أيضا حجة في
~~مثله (8). فأما ما لا (9) يمكن المعرفة بوجود (10) الامام المعصوم قبل
~~المعرفة به، فقوله ليس بحجة فيه، كالعقليات كلها.
# والذي يمكن على أصولنا المعرفة به من طريق الاجماع أوسع وأكثر مما يمكن
~~أن يعلم بالاجماع على ms262 مذهب مخالفينا، لأنهم إنما يعلمون بالاجماع (11)
~~الأحكام الشرعية خاصة، ونحن
# PageV02P626
# نتمكن من (1) أن نعلم بالاجماع زائدا على ذلك فرضا وتقديرا (2) النبوة
~~والقرآن وما شاكل ذلك من الأمور التي يصح أن يتقدمها (3) العلم بوجوب
~~الإمامة. ولو أجمعت (4) الأمة في شخص بعينه أنه نبيهم، وفي كلام بعينه أنه
~~كلام الله سبحانه، لعلمنا صحتهما (5)، لسلامة الأصل الذي أشرنا إليه، وصحة
~~تقدمه على هذه المعرفة.
# وعلى هذا يصح على مذاهبنا أن يعلم صحة الاجماع وكونه حجة من يجهل صحة
~~القرآن ونبوة نبينا صلى الله عليه وآله، لان أصل (6) كونه حجة لا يفتقر إلى
~~العلم بالنبوة والقرآن، وعلى مذهب مخالفينا لا يصح ذلك، لان الكتاب والسنة
~~عندهم هما أصل كون الاجماع حجة.
# واختلفوا في إجماعهم على ما يرجع إلى الآراء في الحروب وما جرى مجراها:
~~فذهب قوم إلى أن خلافهم في ذلك لا يجوز أيضا -، واعتمدوا على أن الأدلة
~~حرمت مخالفتهم عموما، وجوز آخرون أن يخالفوا فيه، وقالوا ليس يزيد حالهم
~~على حال الرسول
# PageV02P627
# صلى الله عليه وآله. * والصحيح أن كل ما لا يجوز خلاف الرسول أو الامام
~~فيه لا يجوز خلاف الاجماع أيضا فيه، لان المرجع في أن الاجماع حجة لا تجوز
~~(1) مخالفته إلى أنه مشتمل على قول الحجة من الامام (2) أو من جرى مجراه
~~(3)، وخلاف النبي صلى الله عليه وآله في آراء الحروب لا يجوز، لأنها صادرة
~~عن وحي، ولها تعلق قوي بالدين، ولو رجعت إلى آرائه في نفسه، لم يجز مخالفته
~~فيها، لأجل التنفير (4)، وكذلك آراء الامام فيما يتعلق بالسياسات الدينية
~~والدنيوية لا يجوز مخالفتها (5)، لأنها تنفر عنه، وتضع منه.
# وينقسم الاجماع إلى أقسام: وهي (6) أن يجمعوا على الشئ قولا أو فعلا أو
~~اعتقادا أو رضا به. وقد ينفرد كل واحد من هذه الأقسام، وقد يجتمع مع غيره.
~~ولا يجوز أن يجمعوا على الذهاب عن علم ما يجب أن (7) يعلموه (8)، والوجه في
~~ذلك أن إخلالهم بالواجب يجري في (9) استحقاق الذم والعقاب به (10) مجرى فعل
~~القبيح، وإذا كان
# PageV02P628
# المعصوم لا يجوز عليه الأمران، ms263 منعنا ذلك في كل جماعة يكون هذا المعصوم
~~فيها. فأما من استدل من مخالفينا على صحة الاجماع بالخبر، وطعن في دلالة
~~الآيات، فيلزمه تجويز الذهاب عما يجب علمه عليهم، لان الخبر إنما نفى أن
~~يجمعوا على خطأ، ولم يتضمن نفي الاخلال بالواجب، ولفظه لا يقتضيه. فأما ما
~~لا (1) يجب أن يعرفوه، ولم ينصب لهم دليل عليه، فيجوز ذهابهم عن علمه.
# ولا يجوز أن تجتمع (2) الأمة على الخطأ في (3) مسألتين، كما لا يجوز أن
~~تجتمع على الخطأ في (4) مسألة واحدة. ودليل هذه المسألة على مذهبنا واضح،
~~لان تجويز ذلك يؤدي إلى خطأ المعصوم، لأنه إذا كان لابد من أن يكون إما في
~~هذه الطائفة أو في الأخرى، وكل واحد منهما مخطئة (5)، فهو مخطئ. وأما (6)
~~مخالفونا في علة الاجماع، فإنما يعتمدون في نفى الخطأ عن الأمة، وإن كان في
~~مسألتين على أن يقولوا (7): إن النبي صلى الله عليه وآله نفى
# PageV02P629
# الخطاء عن أمته نفيا عاما، ولم يفرق بين المسألة والمسألتين، فيجب نفي
~~الكل (1).
# فصل في ذكر من يدخل في الاجماع (2) الذي هو حجة اعلم أن الكلام في هذه
~~المسألة (3) - على أصولنا في علة كون الاجماع حجة - كالمستغنى عنه، لان
~~الاجماع إذا كان علة كونه (4) حجة كون الامام فيه، فكل (5) جماعة - كثرت أو
~~قلت - (6) كان قول الإمام في جملة أقوالها، فإجماعها حجة، لان الحجة إذا
~~كانت (7)، هو قوله، فبأي شئ اقترن (8)، لا بد (9) من كونه حجة، لأجله، لا
~~(10) لأجل الاجماع. وقد اختلف قول من خالفنا في هذه المسألة:
# PageV02P630
# فمنهم من قال: إن الاجماع الذي هو حجة هو إجماع جميع الأمة (1) المصدقة
~~بالرسول عليه السلام (2)، ومنهم من قال: بل هو إجماع المؤمنين خاصة، وفيهم
~~من ذهب إلى أن الاجماع الذي هو حجة (3) هو إجماع الفقهاء. ولا معنى لخوضنا
~~(4) في هذا الخلاف، لان أصولنا تقتضي (5) سواه، وقد بينا ما يجب أن يعتمد.
# واختلفوا في الواحد والاثنين إذا خالفا ما عليه الجماعة: فمنهم من قال:
~~لا (6) يعتد (7) بخلاف واحد واثنين، لأنه شاذ خارج عن قول الجماعة، ms264 ومنهم
~~من قال: إن خلاف الواحد والاثنين يخرج القول من أن يكون إجماعا. وهذا القول
~~الثاني أشبه بالصواب على مذاهبهم، لان الاجماع الذي هو حجة إذا كان هو
~~إجماع الأمة أو (8) المؤمنين، فخروج بعضهم عنه يخرجه عن (9) تناول الاسم.
# والذي يجب أن نعول (10) عليه في هذه المسألة أن نقول: ليس
# PageV02P631
# يخلو الواحد والاثنان المخالفان لما عليه الجماعة من أن يكون (1) إمام
~~الزمان المعصوم أحدهما قطعا أو تجويزا، أو يعلم أنه ليس بأحدهما قطعا
~~ويقينا: والقسم الأول يقتضي أن يكون قول الجماعة - وإن كثرت - هوا الخطأ،
~~وقول الواحد والاثنين - لأجل اشتماله (2) على قول الإمام - هو الحق والحجة
~~(3). فأما القسم الثاني فإنا لا نعتد فيه بقول الواحد والاثنين، لعلمنا
~~بخروج قول الإمام عن قولهما، وأن قوله في أقوال تلك الجماعة، بل نقطع (4)
~~على أن إجماع تلك الجماعة (5) - وإن لم تكن (6) جميع الأمة - هو الحق
~~والحجة (7)، لكون الامام فيه، وخروجه عن قول من شذ عنها، وخالفها.
# ومن تأمل كلامنا في هذا الفصل، وما حققناه وفصلناه (8) من (9) سبب كون
~~(10) الاجماع حجة و (11) علته (12)، علم استغناءنا (13) عن الكلام
# PageV02P632
# فيما (1) تكلم مخالفونا عليه في كتبهم من أقسام الاجماع، وما يراعى فيه،
~~إجماع الأمة كلها، أو العلماء، أو الفقهاء، وما بينهم في ذلك من الخلاف،
~~فإن خلافهم في ذلك إنما ساغ (2) لان أصولهم في علة كون الاجماع حجة غير
~~أصولنا، ففرعوا (3) الكلام بحسب أصولهم، ونحن مستغنون عن الكلام في تلك
~~الفروع. لان أصولنا لا تقتضيها (4)، وقد بينا من (5) ذلك ما يرفع الشبهة. *
~~فصل في أن إجماع أهل (6) كل الاعصار حجة اعلم أن القطع على أن إجماع كل عصر
~~فيه الحجة لا يتم إلا على أصولنا، لان تعليل كون الاجماع حجة يقتضي عندنا
~~استمرار حكمه في كل عصر. ومخالفونا في تعليل كون الاجماع حجة لا يتم لهم
~~ذلك، لأنهم يرجعون فيه إلى أن الله تعالى علم من حال جماعتهم من نفي الخطأ
~~ما لم يعلمه (7) من الآحاد،
# PageV02P633
# فمن أين لهم استمرار هذا الحكم في كل عصر؟! وقد ألزمناهم ms265 - إذا كانوا
~~مستدلين بالآية - أن يراد بلفظة (1) (المؤمنين) (2) - إذا حملت على العموم
~~- كل مؤمن إلى أن تقوم (3) الساعة على الاجماع، ومتى خصوا بذلك (4) أهل كل
~~عصر، كانوا تاركين للظاهر، و (5) غير منفصلين ممن حمل ذلك على بعض مؤمني كل
~~عصر. وكذلك الكلام عليهم إذا استدلوا بالخبر. فوضح ما قلناه.
# فصل في أن (6) انقراض العصر غير معتبر (7) في الاجماع اعلم أن علة كون
~~الاجماع فيه الحجة - على ما ذهبنا (8) - يبطل اعتبار انقراض العصر، ولمن
~~ذهب من مخالفينا إلى أن للاجماع (9) تأثيرا (10) أن يقول: الدلالة قد دلت
~~على أنه إنما كان حجة لكونه إجماعا، وهو قبل انقراض العصر بهذه الصفة، فلا
~~معنى لاعتبار غيرها.
# PageV02P634
# فصل في أن الاجماع بعد الخلاف هل يزيل حكم الخلاف أم لا؟
# اختلف الناس في هذه المسألة: فذهب قوم إلى أن حكم الخلاف باق لا يزول
~~بالاجماع الثاني، وقال آخرون: إن الاجماع على أحد القولين يمنع من القول
~~بالآخر، ويجرونه مجرى الاجماع المبتدأ في المنع من خلافه، وفيهم من فصل بين
~~أن يكون المجمعون ثانيا هو المختلفون أولا: فقال: إذا كان المجمعون هم (1)
~~المختلفون، كان إجماعا يمنع من القول الآخر، وإن كانوا (2) غيرهم، لم يكن
~~كذلك. وقد حكي عن بعضهم أنه منع من (3) وقوع إجماع بعد اختلاف أصلا.
~~والصحيح أن الاجماع بعد الخلاف كالاجماع المبتدأ في أنه حجة يمنع من الخلاف
~~على كل حال، لان علتنا في كون الاجماع حجة تقتضي (4) ذلك، ولا تفرق (5) بين
# PageV02P635
# إجماع (1) تقدمه خلاف أو كان مبتدأ. وإنما ضاق الكلام وقويت (2) الشبهة
~~في هذه المسألة على مخالفينا، لقولهم بصحة الاجتهاد، لان عمدة من نفي أن
~~يكون الاجماع بعد الخلاف قاطعا (4) للخلاف هي (5) أن الخلاف الأول متضمن
~~(6) لاجماعهم على جواز القول بكل واحد من المذهبين (7) مطلقا، فإذا حرمنا
~~ذلك بالاجماع الثاني، نقضنا (8) كون الاجماع الأول حجة، وإذا ادعي كون
~~الأول (9) مشروطا، جاز أن يدعى في الثاني أيضا الشرط، فيقف الكلام هيهنا،
~~أو يشتبه. وعلى مذهبنا لا يلزم (10) شئ من (11) ذلك، لأنا لا (12) نعلم
~~(13) أن المختلفين ms266 على قولين مجمعون على جواز القول بكل واحد منهما، لان
~~عندنا أن الاجتهاد باطل، وأن الحق
# PageV02P636
# مدلول عليه، وأن من جهله غير معذور، فمن سوغ لمخالفه (1) أن يقول بخلاف
~~مذهبه من المختلفين مخطئ عندنا. فبطل ما ادعاه من إجماع المختلفين على جواز
~~القول بكل واحد من القولين، وبطلت الشبهة التي هي أم شبههم. وأما (2) من
~~منع من وقوع إجماع بعد اختلاف، فإنه متى طولب بدلالة على ما ادعاه (3) لم
~~يجدها، وإنما هو تحكم (4) محض. وقد أبطل هذا القول بأن ذكرت مسائل كثيرة في
~~الشريعة وقع (5) فيها خلاف، ثم (6) اجتمعوا على قول واحد فيها.
# فصل في أن الأمة إذا اختلفت على قولين أو أكثر فإنه لا يجوز إحداث قول
~~آخر اعلم أن أكثر الناس على أنه لا يجوز إحداث قول (7) زائد،
# PageV02P637
# وذهب قوم (1) من المتكلمين وأصحاب الظاهر من الفقهاء إلى أن ذلك يجوز،
~~ويعتلون (2) بأنه لو لم يجز، لكان الاختلاف في أنه حجة كالاجماع. ويقولون
~~أيضا (3): إذا جاز في الوقت إحداث قول زائد، فكذلك فيما بعد. وعلى مذهبنا
~~المنع من ذلك بين (4)، لان الأمة إذا اختلفت على قولين، فالحق واحد منهما،
~~والآخر باطل، وإذا كان الثاني بهذه الصفة، فأولى (5) أن يكون كذلك الثالث
~~وما زاد عليه. ولأنه لا يخلو من أن يكون الحق في جملة أقوال المختلفين (6)،
~~أو فيما عداها، والأول يقتضي أن الزيادة باطلة لأنها خلاف الحق، والقسم
~~الثاني يقتضي أن يكونوا قد أجمعوا على الذهاب عن الحق، وذلك - أيضا باطل.
~~ومن يقول بالاجتهاد يضيق (7) عليه هذا الموضع، لأنه لا يسلم له أن الأمة
~~إذا اختلفت على قولين فإنها محرمة للقول (8) الثالث على كل حال، بل إنها
# PageV02P638
# محرمة بشرط أن لا يؤدي الاجتهاد إليه، ويجب أن يجوزه (1) إذا أدى
~~الاجتهاد إليه. وهذه جملة كافية.
# فصل في أن الصحابة إذا اعتلت بعلتين أو (2) استدلت بدليلين هل يجوز لمن
~~بعدهم أن يعتل أو يستدل بغير ذلك اعلم أن الدلالة بخلاف المذهب، والصحيح
~~أنه يجوز أن يستدلوا في المسألة (3) بدليل أو اثنين (4). * فيزيد ms267 من بعدهم
~~على ذلك طريقة أخرى، لان الدليل الثاني كالأول في أنه يدل على الحكم، ويوصل
~~إليه، فلو أبطلناه لذهابهم عنه، لكان ذلك مبطلا لدليلهم أيضا، وقد يجوز أن
~~يستغنوا عنه بدليل (5) غيره، لقيامه مقامه (6). ولا يجوز ذلك في المذهب،
~~لان الحق واحد (7)
# PageV02P639
# لا يختلف، ولا يقوم غيره مقامه (1). وكذلك القول في القدح و (2) إبطال
~~الاستدلال: إنه يجوز أن يزيد المتأخرون (3) على ما سطره المتقدمون.
# فأما تأويل الآي، وتخريج معاني الأخبار، فكل (4) من صنف أصول الفقه يجعل
~~حكم ذلك حكم المذاهب، لا حكم الأدلة، ولا يجوز أن يزيد المتأخر على ما بلغ
~~إليه المتقدم. والأقوى في نفسي أن ذلك جائز، كما جاز (5) في الأدلة، فإن
~~تأويل الآي لا يجري مجرى المذهب، بل هو بالأدلة أشبه. والذي يوضح عما
~~ذكرناه أنا إذا تأولنا قوله تعالى -: (وجوه يومئذ ناضرة (6) إلى ربها ناظرة
~~(7)) على أن المراد بها (8) الانتظار، لا الرؤية، وفرضنا أنه لم ينقل عن
~~المتقدمين إلا هذا الوجه، دون غيره (9)، جاز للمتأخر أن يزيد على هذا
~~التأويل (10)، ويذهب إلى أن المراد أنهم ينظرون
# PageV02P640
# إلى نعم الله، لان الغرض في التأويلين جميعا إنما هو (1) إبطال أن يكون
~~الله تعالى في نفسه مرئيا، والتأويلان معا مشتركان في دفع ذلك، وقد (2) قام
~~كل واحد مقام صاحبه في الغرض المقصود، وجرت (3) التأويلات مجرى الأدلة في
~~أنه يغني بعضها عن بعض، وخالفت (4) في هذا الحكم المذاهب.
# فصل في أن الاجماع على أنه (5) لا فصل بين المسألتين هل يمنع من (6)
~~الفصل بينهما اعلم أن هذه المسألة تنقسم (7) إلى قسمين: أحدهما أن يجمعوا
~~على أنه لا فصل بين مسألتين في حكم معين من تحليل أو تحريم، والقسم الآخر
~~أن يجمعوا على أنه لا فصل بينهما في الحكم أي حكم كان:
# والقسم (8) الأول لا شبهة في تحريم المخالفة فيه، لان إجماعهم
# PageV02P641
# على أنه لا فصل بين مسألتين في تحريمه (1) هو إجماع على حكم من الاحكام،
~~ويجري مجرى إجماعهم على تحريم أو تحليل، فمن فرق بين المسألتين، فقد خالف
~~إجماعهم لا ms268 محالة، ويجري (2) مجرى مخالفي كل إجماع.
# وأما المسألة (3) الثانية، وهي أن يجمعوا على أنه لا فصل بينهما في الحكم
~~من غير تعيين، فهو أيضا جار مجرى الأول في تحريم المخالفة، وإن استند (4)
~~ذلك إلى دليل سوى الاجماع، لأنه إذا علم بدليل آخر أن ذلك الحكم هو
~~التحريم، صار كنصهم على أن (5) لا فرق في التحريم بينهما. ومثال هذا الوجه
~~الأخير (6) ما روي عن ابن سيرين من (7) أنه قال في زوج وأبوين: أن للام ثلث
~~(8) ما بقي، وقال في امرأة وأبوين: أن (9) للام ثلث جميع المال، فخالف (10)
~~كل من تقدم، لان الناس قبله كانوا بين مذهبين:
# PageV02P642
# أحدهما أن للام ثلث المال في المسألتين، والمذهب الآخر أن لها ثلث ما بقي
~~في المسألتين، ففرق ابن سيرين بين ما لم يفرقوا بينه.
# وحكي عن الثوري: أنه كان يقول: إن الجماع مع النسيان يفطر، وإن (1) الاكل
~~مع النسيان لا يفطر، ففصل (2) بينهما، وجميع الفقهاء على خلافه (3)، لان من
~~فطر بأحدهما (4)، فطر بالآخر، ومن لم يفطر بأحدهما (4) لم يفطر بالآخر.
# فصل في أن إجماع أهل المدينة ليس بحجة وتجوز (5) مخالفته حكي عن مالك أنه
~~كان يجعل إجماع أهل المدينة حجة، وفي أصحابه من ينكر ذلك، ويقول: إن
~~روايتهم مرجحة على رواية غيرهم. والذي نقوله (6) أنه (7) إن كان إمام
~~الزمان الذي قد دلت
# PageV02P643
# الأدلة على عصمته مقيما في المدينة، فإجماع أهلها حجة لهذه العلة، لا لشئ
~~يرجع إليها، لأنه لو انتقل عنها إلى غيرها، زال هذا الحكم، فلا تأثير
~~للمدينة. ومن خالفنا (1) في ذلك يقول (2): إن الله تعالى جعل الاجماع حجة،
~~وليس أهل المدينة كل الأمة، ولاهم أيضا كل المؤمنين ولا (3) كل العلماء،
~~فيما يراعى فيه إجماع العلماء. وما يروى من تفضيل النبي لها، والثناء عليها
~~لا يدل (4) على (5) أن إجماع أهلها هو الاجماع، وأن الخطأ لا يجوز عليهم،
~~ولا تعلق له بذلك.
# فإن قيل: فلو فرضنا أن الرسول عليه السلام قال: (إجماع أهل المدينة (6)
~~حجة) كيف كان يكون الحكم؟
# قلنا (7): لو وقع هذا القول، لدل ms269 على أن إجماعهم حجة، وإن انتقلوا إلى
~~الكوفة.
# فإن قيل: فلو قال - عليه السلام -: الخطا لا يقع منهم ما داموا في
~~المدينة.
# قلنا: ليس ينكر ذلك غير أنه ما جرى (8) هذا الذي قدرتموه (9).
# PageV02P644
# فصل في أن (1) موافقة إجماع الأمة لمضمون خبر هل يدل على أنهم عملوا به
~~ومن اجله اعلم أنه لا يجوز أن تجمع (2) الأمة على حكم من الاحكام إلا بحجة
~~(3) توجب العلم، لان من (4) جملة (5) المجمعين من لا يجوز عليه الخطأ، ولا
~~ترك الواجب، فإذا (6) ظهر بينهم خبر واحد وعملوا بما يوافق مضمونه * فليس
~~يجوز أن يقطع على أن جميعهم إنما عمل لأجله، للعلة التي ذكرناها، وإن كان
~~متواترا يوجب العلم، ولم يظهر سواه بينهم: فالأولى أن يكون عملهم لأجله. و
~~مخالفونا في علة كون الاجماع حجة يقولون: يمكن أن يكونوا ذهبوا إلى ذلك
~~الحكم المخصوص (7) لأجل اجتهاد أداهم إليه، أو لأجل خبر آخر لم يظهر بينهم،
~~للاستغناء بالاجماع عنه، فلا يجب القطع على أنهم عملوا لأجل هذا الخبر
~~الظاهر. وهذا منهم قريب (8).
# PageV02P645
# فصل في هل يجوز أن يجمعوا على الحكم من طريق الاجتهاد أو لا (1) يجوز ذلك
~~(2) اعلم أن هذه المسألة فرع على القول بصحة الاجتهاد، وأنه طريق إلى العلم
~~بالأحكام (3)، وأن الله تعالى قد تعبدنا به، ومن دفع العبادة بالاجتهاد،
~~وأن يكون طريقا إلى العلم بالأحكام، لا كلام له في هذا الفرع. وسندل على أن
~~الاجتهاد في الشريعة باطل، عند البلوغ إلى الكلام فيه، بإذن الله تعالى (4)
~~ومشيته. و (5) إنما (6) يتكلم في هذه المسألة من ذهب إلى العبادة
~~بالاجتهاد.
# وليس لاحد أن يقول: (7) لم لا تجوزون (8) وإن لم (9) نتعبد (10)
~~بالاجتهاد (11) أن يجمعوا (12) مخطئين على حكم من الاحكام من جهة الاجتهاد.
# PageV02P646
# قلنا: يمنع من ذلك أنه إجماع منهم على الخطأ، وقد بينا أنهم لا يجمعون
~~على خطأ (1)، لان في جملتهم من لا يجوز عليه الخطأ، و (2) إذا كان بين
~~الأمة اختلاف في صحة الاجتهاد، وأنه طريق إلى العلم، بطل تقدير هذه
~~المسألة، لان الاجماع إذا كان هو ms270 (3) إجماع جميع الأمة، وفيهم من ينفي
~~القياس والاجتهاد، فلا سبيل إلى أن يكونوا مجمعين (4)، وهذه حالتهم (5)،
~~على حكم واحد من طريق الاجتهاد.
# واعتلال المخالفين في هذا الموضع بقولهم: (إن نفاة القياس قد تناقض،
~~وتستعمل القياس وهي لا تشعر) تعلل منهم بالباطل، لان هذا إن جاز، فإنما
~~يجوز على الواحد والاثنين، ولا يجوز على الجماعة التي تحصل، وتفطن (6)،
~~وتشقق الشعر في التدقيق والتحقيق، وهذا رمى منهم للقوم بالغفلة، وقلة
~~الفطنة.
# وتعللهم أيضا بأن الخلاف في خبر الواحد كالخلاف في القياس، وقد يجمعون
~~لأجله، باطل أيضا، لأنا لا (7) نجيز (8) على
# PageV02P647
# من يخالف في خبر الواحد أن يجمع على حكم من الاحكام لأجله في موضع من
~~المواضع، فالمسألتان واحدة.
# فأما العموم، وإن (1) وقع خلاف في أن وضع اللغة يقتضي الاستغراق، فلا
~~خلاف في أن العرف الشرعي يقتضيه، ومن ارتكب أنه لا عرف في العموم لغوي ولا
~~شرعي لا يصح أن يستدل بظاهر العموم، بل بقرينة ودلالة.
# فأما تعلق من أبى الاجماع على الحكم من طريق الاجتهاد بأن الاجماع مقطوع
~~به، وما طريقه الاجتهاد (2) لا (3) يقطع عليه، فليس بشئ، لأنه غير ممتنع أن
~~يصير (4) على بعض الوجوه ما ليس بمقطوع به مقطوعا عليه، ويتغير الحال فيه،
~~لان الحاكم إذا حكم بما طريقه الاجتهاد، اقتضى حكمه القطع، وإن كان الأصل
~~الذي هو الاجتهاد ليس بمقطوع به.
# فأما ادعاؤهم في أحكام كثيرة أنهم أجمعوا عليها من طريق الاجتهاد،
~~كإجماعهم على قتال أهل الردة بعد الاختلاف، وأن
# PageV02P648
# الاتفاق لا وجه له إلا الاجتهاد (1)، وكذلك الاتفاق على (2) إمامة أبي
~~بكر بعد الاختلاف، وطريقها الاجتهاد، فليس بمرضي، ومن أين لهم أن الاتفاق
~~على قتال أهل الردة لم يكن إلا عن اجتهاد، وله وجه في نصوص القرآن قد تعلق
~~بها (3)؟!. وأما (4) إمامة أبي بكر، فإذا سلم (5) الاجماع باطنا وظاهرا
~~عليها، فغير مسلم أنه عن (6) اجتهاد والبكرية تزعم أنها كانت عن نص (7) من
~~الرسول عليه السلام - على إمامته.
# وأجد كثيرا (8) من مصنفي أصول الفقه يمتنع (9) من القول بجواز أن تجمع
~~(10) الأمة ms271 على الشئ تبخيتا (11) أو تقليدا. وفي الفقهاء من يجيز (12) ذلك،
~~ويصرح بأن (13) إجماعهم قد يكون (14) تارة عن توقيف، وأخرى عن توفيق، وعلى
~~أصولهم يجب أن يكون
# PageV02P649
# ذلك جائزا لا يمنع منه مانع، وإذا جاز (1) الخطأ على كل واحد منهم، وجاز
~~أن يعلم الله تعالى في جماعتهم خلاف ذلك، وجاز (2) - أيضا أن يكون قول كل
~~واحد يسوغ مخالفته، ولم يجز ذلك في الجماعة، فألا جاز أن يجمعوا على القول
~~بالتبخيت (3) و التقليد إما من كلهم، أو من بعضهم، ويوجب الله سبحانه
~~وتعالى اتباعه، وكونه حجة؟!، لان المعول هو ما يعلمه الله سبحانه من
~~المصلحة، وهذا مما لا انفصال لهم عنه.
# فإن قيل كيف لا يلزمكم (4) أنتم مثل ذلك، وأنتم (5) تقولون:
# أن الاجماع حجة؟
# قلنا (6) يجوز أن يبخت (7) ويقلد (8) كل (9) من عدا الامام، فأما الامام
~~نفسه، فذلك لا يجوز عليه، لأنه قبيح، والقبيح (10) قد أمناه منه لعصمته
~~(11)، فبان الفرق بيننا وبينكم في ذلك (12).
# PageV02P650
# فصل في القول إذا ظهر بين الصحابة ولم يعرف (1) له مخالف كيف حكمه؟ اعلم
~~أن القول إذا ظهر وانتشر، ولم يكن في الأمة إلا قائل به (2) وعامل عليه، أو
~~راض بكون ذلك القول * قولا له (3)، حتى لو استفتي، لم يفت إلا به، ولو حكم،
~~لم يحكم إلا به، فهو الاجماع الذي لا شبهة في أنه حجة وحق.
# فأما إذا انتشر القول، ولم يكن فيه (4) إلا قائل به، أو ساكت عن النكير
~~عليه، فقد اختلف الناس فيه: فذهب أكثر الفقهاء وأبو علي الجبائي إلى أنه
~~إجماع وحجة، وذهب أبو هاشم وجماعة من الفقهاء: إلى أن ذلك حجة، وإن لم يكن
~~إجماعا، وقال آخرون من الفقهاء: ليس ذلك بحجة (7) ولا إجماع، وإليه ذهب
~~كثير من أهل الظاهر، وهو (8) مذهب أبي عبد الله (9) البصري، وهو الصحيح
~~الذي لا شبهة فيه.
# PageV02P651
# وإنما قلنا: أنه الصحيح دون ما عداه، لان السكوت عن الانكار لا يدل على
~~الرضا به، لأنه قد يكون لأمور مختلفة، ودواع (1) متبائنة، من (2) تقية،
~~ورهبة، وهيبة، وغير ذلك من الأسباب المعتادة ms272 في مثله، وإنما يقتضي الرضا
~~إذا علمنا أنه لا وجه له إلا الرضا، ولا سبب له (3) يقتضيه سواه، وإذا لم
~~يدل الامساك عن (4) النكير على (5) الرضا، فلا دلالة فيه على وقوع الاجماع،
~~ومن (6) رأى ممن يطعن على (7) هذه الطريقة أن كل مجتهد مصيب يقول زائدا (8)
~~على ما ذكرناه: إن الامساك عن النكير إنما يدل على (9) أن ذلك الفعل أو
~~القول ليس بمنكر، وقد يجوز أن لا ينكر القول على قائله، لأجل أنه صواب من
~~القائل، وإن لم يكن عند من أمسك عن النكير صوابا في حقه، وقد يستصوب عند
~~أهل الاجتهاد بعض الأفعال من غيره، وإن لم يعتقد أنها صواب في حقه، وما
~~يرجع إليه.
# ومن لا يرى صحة الاجتهاد لا يفصل بهذا (10) التفصيل، فإذا كان
# PageV02P652
# ترك النكير لا يدل على الرضا، فلا يجب أن نستفيده (1) منه، وإذا لم يقطع
~~عليه، فلا إجماع في ذلك، ولا حجة.
# فأما تعويل (2) أبي هاشم وغيره في أنه حجة وإن لم يكن إجماعا على أن (3)
~~الفقهاء يعتمدونه، ويعولون عليه، ويحتجون به، فليس بشئ، لأنه غير مسلم لهم
~~أن جميع الفقهاء يحتجون به. ثم لو سلم ذلك، لم يكن في فعلهم حجة، لان
~~تقليدهم غير جائز.
# ومما طعن به على هذه الطريقة زائدا على ما ذكرناه أن قيل (4):
# الامساك عن النكير لا يدل على التصويب، لأنه غير منكر أن يكون الممسك
~~شاكا في كون ذلك منكرا، أو متوقفا، وإنما يجب أن ينكر المنكر إذا علمه
~~منكرا.
# وما يقال على هذه الطريقة من أنه لا يجوز أن ينقرض العصر، ويمتد الزمان
~~على هذا الشك والتوقف، ليس بمعتمد أيضا لأن الشك قد يجوز أن يستمر لاستمرار
~~أسبابه، ولضعف (5) الدواعي إلى تحقيق المسألة (6)، والقطع على الحق فيها.
~~وكل هذه الأمور التي
# PageV02P653
# يتعللون بها تقريبات لا تقتضي (1) قطعا، ولا توجب علما.
# فصل في حكم القول إذا وقع من الصحابي ولم يظهر ولم يعرف له مخالف اعلم أن
~~في الفقهاء من يجري هذه المسألة مجرى الاجماع، وهذا بعيد جدا، لان ms273 القول
~~إذا لم تقع (2) الثقة بسماع كل واحد (3) من العلماء له، وجوزنا أن يكون
~~فيهم من لم يسمعه، فكيف يقطع على رضاهم به، أو وجوب إنكاره عليهم وهو لم
~~يسمعوه؟!
# ولم يبق إلا أن يقال: إذا نقل في الحادثة قول واحد، ولم ينقل سواه، وجب
~~أن يكون هو الحق، لان الحق لو كان في غيره، لنقل، كما نقل هذا. وذلك أيضا
~~لا يلزم، لأنه لا يمتنع أن يكون المحق في هذه المسألة ما دعاه داع إلى أن
~~يفتي بالحق فيها، فلا ينقل قوله، لأنه لم يكن له قول يجب نقله. فإن (4)
~~قدرنا أن الحاجة ماسة، والدواعي متوفرة إلى قول الحق فيها، و (5) مع هذا لم
~~يظهر
# PageV02P654
# إلا قول واحد، فلا بد من شرط آخر زائدا على ما ذكروه، وهو أن لا يكون
~~للمحق (1) مانع من إظهار الحق (2)، لأنا إن جوزنا أن يكون هناك مانع، لم
~~يقطع (3) على أن الحق فيما ظهر، دون ما لم يظهر. وهذه جملة كافية.
# فصل في هل يجوز مع اختلاف الصحابة اتباع بعضهم دون بعض اعلم أنه قد ذهب
~~قوم من الفقهاء وغيرهم إلى أنه يجوز أن نأخذ (4) مع اختلاف الصحابة بقول
~~بعضهم دون بعض، وجوزوا أيضا للعالم أن يقلد من هو أعلم منه، وامتنع آخرون
~~من ذلك كله، وذهبوا إلى أنه لا يجوز لمن (6) يتمكن من العلم أن يقلد غيره،
~~وأن يتبعه بغير دلالة، وهو الصحيح (7). ومعلوم أن هذه
# PageV02P655
# المسألة مبنية على القول بصحة الاجتهاد، وأن كل مجتهد مصيب، وأن الحق ليس
~~في واحد من الأقوال، وإذا كنا لا نذهب إلى هذا الأصل، فلا معنى للكلام في
~~التفريع عليه. وقد أجمع كل من نفى القياس والاجتهاد في الشريعة على أن ذلك
~~لا يجوز. والذي نذهب (1) إليه أن على (2) السمعيات أدلة قاطعة توجب العلم
~~كالعقليات، * وكما لا يجوز لاحد أن يقلد غيره في العقليات، كذلك لا يجوز في
~~السمعيات، فالعلة الجامعة بين الامرين أنه متمكن من أن يكون (3) كالعالم
~~بالنظر والفحص، وإذا تمكن من ذلك، لم ms274 يجز له التقليد، وإن جاز للمستفتي
~~تقليد العالم، لأنه لا يتمكن (4) من العلم، ولا مما يتمكن منه العالم. وفي
~~هذا القدر كفاية (5).
# باب الكلام في القياس وما يتبعه ويلحق به.
# فصل يحتاج إلى تقديمه.
# اعلم أن الخلاف في القياس لما كان إنما يقع بين من جعله
# PageV02P656
# دليلا شرعيا يدل على الاحكام (1) الشرعية كالنصوص، وبين من نفى كونه بهذه
~~الصفة، وجب أن يقدم (2) أمام ذلك، الكلام في أن الأحكام الشرعية لا بد
~~عليها من دليل، ثم نبين (3) هل يصح كون القياس دليلا على الأحكام الشرعية،
~~أو لا يصح ذلك، وإذا صح، هل (4) ثبت كونه دليلا، أولم يثبت، لان أدلة الشرع
~~على إجماع (5) واختلاف هي الكتاب والسنة المقطوع بها والاجماع وأخبار
~~الآحاد والقياس، ولا خلاف في أن الكتاب والسنة المقطوع بها (6) دلالة على
~~الاحكام. وقد دللنا على أن الاجماع أيضا كذلك.
# ودللنا في باب الكلام في الاخبار على أن خبر الواحد ليس بدليل شرعي، وإن
~~جاز في العقل أن يكون كذلك. وسندل على أن القياس أيضا ليس بدليل على
~~الاحكام، وإن جاز في العقل - لو تعبد الله به - أن يكون دليلا. ولا بد من
~~الرد على من خالف في أنه لا بد في كل حكم شرعي من دليل عليه.
# PageV02P657
# فصل في أنه لا يجوز أن يفوض الله تعالى إلى (1) النبي عليه السلام (2) أو
~~العالم أن يحكم في الشرعيات بما شاء إذا علم أنه لا يختار إلا الصواب اعلم
~~أن الصحيح أن ذلك لا يجوز، ولا بد في كل حكم من دليل، و (3) لا يرجع إلى
~~اختيار الفاعل (4)، والعلم بأنه لا يختار إلا الصواب غير كاف في هذا الباب.
~~وخالف مويس (5) بن عمران في ذلك (6)، وقال: لا فرق بين أن ينص الله (7) على
~~الحكم (8) وبين أن يعلم أنه لا يختار إلا ما هو (9) المصلحة، فيفوض ذلك إلى
~~(10) اختياره.
# والذي استدل به في الكتب على هذه المسألة أنه لا بد في الشرع من دلالة
~~مميزة للصلاح من الفساد، واختيار المكلف يجوز أن يتناول المفسدة، ms275 كما
~~يتناول المصلحة، فلا تمييز (11) فيه.
# PageV02P658
# وربما حملوا ذلك على الاخبار: وأنه كما لا يجوز أن يتفق منه الاخبار بغير
~~دلالة متقدمة بالصدق دون الكذب، فكذلك الاحكام، لا يجوز أن تتفق (1) منه
~~بغير دلالة تميز الصلاح من الفساد.
# وربما (2) ألزموا (3) اختيار النبي صلى الله عليه وآله بغير معجزة ولا
~~دلالة، بأن يعلم أنا لا نختار إلا من هو نبي (4).
# وهذا القدر غير كاف، لان (5) لمن خالف أن يقول: إن هيهنا دلالة مميزة،
~~وهي قوله تعالى له (6): (قل ما شئت، فقد علمت أنك لا تقول إلا الصواب) لأنه
~~قد أمن بهذه الطريقة من الخطاء كما أمن بالنص على الحكم بعينه، وإنما الفرق
~~بينهما أن أحدهما مجمل والآخر مفصل.
# وربما ارتكبوا في الاخبار ما ارتكبوه في الاحكام، و (7) في تميز النبي من
~~المتنبي. وليس إذا فرق مويس (8) بين الاخبار
# PageV02P659
# عن الاحكام (1) وبين غيرها من الاخبار لم يجز لغيره أن يسوي بين الكل،
~~ولا تناقض (2).
# وقد كنت نصرت هذه الطريقة في كتبي، بأن قلت: إذا جعلتم أمارة كون الحكم
~~صلاحا وصوابا الاختيار (3) له، جعلنا الكلام في نفس الاختيار (4): فنقول
~~(5): الاختيار فعله (6)، ويمكن (7) عنده أن يكون قبيحا، إذا تعلق بقبيح،
~~كما يمكن أن يكون حسنا، فبأي شئ نأمن (8) في هذا الاختيار أن يكون قبيحا، و
~~هو إذا أقدم (9) عليه مخاطر، لأنه (10) يجوز كونه قبيحا، والاقدام على ما
~~يجوز الفاعل كونه قبيحا (11) كالاقدام على ما يعلمه قبيحا في القبح؟
# فإن قالوا: يأمن (12) من (13) ذلك بخبر الله تعالى له (14)
# PageV02P660
# على الجملة أنه لا يختار ولا يقدم (1) إلا على (2) الحسن.
# قلنا: هذا الخبر إنما يفيده (3) حسن ما يقدم (4) عليه بعد فعله له،
~~واختياره إياه، وهو يحتاج إلى أمارة مميزة قبل الاختيار، وقبل الفعل (5)،
~~ليتميز (6) له القبيح من (7) الحسن قبل الفعل (8)، فيأمن (9) من الاقدام
~~على ما يجوز كونه قبيحا، وإذا لم تتقدم (10) أمارة مميزة، وجعلتم الامارة
~~له على حسن الفعل اختياره له، فبأي شئ يأمن (11) في (12) هذا (13) الاختيار
~~أن يكون قبيحا، ولا أمارة مميزة متقدمة؟.
# فإن قلتم: بأن ms276 يقال له: قد علمنا أنك لا تفعل اختيارا إلا وهو حسن.
# قلنا: هذا يقتضي أنه إنما يعلم حسنه بعد فعله له 14، وهو
# PageV02P661
# إذا فعله زال التكليف عنه فيه، وهو قبل أن يفعل مكلف لان يفعل الحسن
~~والصلاح، فبأي شئ تميز (1) له قبل الفعل ما هو صلاح من غيره؟، أو ليس هذا
~~يقتضي إقدامه على ما لا يأمن أن يكون قبيحا؟.
# ولما تأملت هذا الكلام، وجدته غير كاف، لان للمخالف أن يقول: الغرض أن
~~يأمن المكلف من أن يفعل قبيحا أو مفسدة فيستحق الذم، * فأي (2) فرق بين أن
~~يجعل له على ذلك أمارة قبل أن يفعل (3)، وبين أن تكون (4) الامارة على ذلك
~~هي نفس الفعل؟، وعلى الوجهين جميعا هو آمن من (5) فعل القبيح، ويتخلص من
~~الذم. وليس يجب ما قيل من أن (6) الامارة إذا لم تتقدم (7) الفعل، كان
~~مقدما (8) على ما لا يأمن (9) أن يكون قبيحا، لأنه قبل أن يفعل، متى قيل
~~له: قد علم أنك لا تختار (10) إلا الحسن، فهو آمن من الاقدام على القبيح
~~قبل (11) الفعل أو بعده، غير أن
# PageV02P662
# ذلك وإن جاز في الفعل الواحد أو الاثنين، فلن يجوز أن يكون المعلوم من
~~حاله في كل أفعاله أنه لا يختار منها (1) إلا ما هو حسن ومصلحة من غير
~~أمارة مميزة متقدمة، كما لا يجوز أن يكون المعلوم من حاله أنه لا يقع منه
~~أبدا إلا الفعل المحكم اتفاقا من غير علم (2) تقدم. ولهذا يجوز في الأمي
~~(3) أن يقع منه (4) الحرف (5) والاثنان (6) اتفاقا، ولا يجوز أن يكتب
~~الكثير بلا علم متقدم (7).
# وكذلك لا يجوز من المفحم (8) أن يأتي بالشعر الكثير أبدا (9) على سبيل
~~الاتفاق من غير علم له تقدم (10) ذلك، وإن جاز أن يقول البيت الواحد وما
~~جرى مجراه. فصار الكثير محالا، واليسير مجوزا. فقد بطل مذهب مويس (11) بن
~~عمران على كل حال، لأنه كان يذهب إلى جواز ذلك أبدا سرمدا على سبيل
~~الاتفاق.
# فإن قيل: إذا كنتم اعتمدتم في كتب الإمامة في فساد الاختيار
# PageV02P663
# للامام على أن عصمته ms277 تحيل اختيار الأمة (1) له، وأبطلتم أن يكون المعلوم
~~أنهم لا (2) يختارون اتفاقا إلا المعصوم بهذه الطريقة التي طعنتم الآن
~~فيها، فيجب جواز اختيار الإمام مع عصمته.
# قلنا: يمكن أن نقول هناك: إنا إذا قدرنا أن يقول الله تعالى لمن كلفه
~~اختيار الإمام: (قد علمت أنك لا يقع منك إلا اختيار المعصوم) إن هذا هو نص
~~على الامام، وإن كان بواسطة، و إنما نمنع (3) من اختيار المعصوم (4) من غير
~~استناد إلى هذا النص.
# على أن هذا (5) إن اتفق في بعض الأئمة لا يجوز أن يتفق في كل إمام، كما
~~قلناه في الكتابة، ونظم الشعر، وما أشبه ذلك. و أما (6) إلزامهم (7)
~~الاخبار (8) عن الغائبات (9) بالصدق اتفاقا، من غير علم، واختيار الأنبياء
~~من غير معجز (10)، فيمكن أن يلتزموا ذلك في القليل دون الكثير، والمرة (11)
~~الواحدة دون المرات، كما قلناه في الكتابة وغيرها.
# PageV02P664
# وقد كنا اعتمدنا في بعض كتبنا عند الكلام على هذه الطريقة على أن التكليف
~~بلا أمارة مميزة متقدمة قبيح، وإن علم المكلف أن المكلف (1) تتفق (2)
~~الإصابة منه، وضربنا لذلك المثل بمن كلف غيره أن يخبره بما في البيت من غير
~~أمارة.
# ويمكن أن يعترض على هذه الطريقة بأن العلم بالعواقب فينا متعذر، وأكثر ما
~~يحصل لنا غالب الظن، وليس يقوم هيهنا الظن مقام العلم، ولو علمنا العاقبة
~~(3)، وأنه لا يختار إلا الصواب، حسن التكليف.
# فإن قيل: حكم ما يقع به التمييز للمكلف حكم القدرة والتمكن في وجوب تقديم
~~ذلك (4) على وقوع الفعل.
# قلنا: يمكن أن يقال: إن الذي يقع به التمكن في الموضع الذي ذكرناه أيضا
~~متقدم، وهو إعلام الله تعالى له أنه لا يختار إلا الحسن، وما فيه المصلحة،
~~وهذا دليل متقدم يقع به التميز.
# PageV02P665
# ثم الفرق بين تقديم القدرة والتمكين وبين تقديم (1) دليل التمييز (2)
~~واضح، لأنه متى لم يتقدم الاقدار والتمكين، استحال وقوع الفعل، وليس كذلك
~~دليل التمييز (2)، لان فقد تقدمه لا يخل بصحة وقوع الفعل.
# ثم يقال لمن سلك (3) هذه الطريقة: أليس المذهب الصحيح هو أن المكلف لا ms278
~~(4) يعلم أن الفعل واجب عليه قبل أن يفعل، كالصلاة، لأنه (5) يجوز الاخترام
~~(6) قبل تمامها، فلا تكون (7) واجبة عليه. وإنما يعلم بعد الفراغ منها (8)
~~أنها كانت واجبة، فقد صارت أمارة وجوب الفعل عليه متأخرة غير متقدمة، ولم
~~تجر مجرى (9) الاقدار (10) والتمكين، فألا (11) جرى (12) الموضع (13) الذي
~~اختلفنا فيه هذا المجرى؟!
# PageV02P666
# وقد تعلق مويس (1) في نصرة قوله بأشياء:
# أولها قوله تعالى -: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل
~~على نفسه) فأضاف (2) التحريم إليه.
# وثانيها ما روي من أنه عليه السلام لما نهى عن التعرض (3) لنبت (4) مكة،
~~قال له (5) العباس ره - (6): (إلا الإذخر يا رسول الله)، فقال عليه السلام
~~-: (إلا الإذخر)، وهذا يدل على إضافة الحكم إلى رأيه.
# وثالثها ما روي من قوله - عليه السلام - (7): (عفوت (8) لكم عن (9) الخيل
~~(10) والرقيق) فأضاف عليه السلام العفو إلى نفسه دون الوحي.
# فيقال له فيما تعلق به أولا: ليس يمتنع أن يضاف التحريم إليه عليه السلام
~~وإن كان عن وحي، من حيث كان مؤديا له إلينا. وقد يضاف التحريم أيضا إلى
~~الكتاب، فيقال: إن الكتاب حرم
# PageV02P667
# كذا وكذا، وإن (1) كان الله تعالى حرمه. ويمكن أيضا أن يكون حرمه بالنذر
~~(2) أو باليمين. وقد قال * قوم: إنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى كلفه
~~الاجتهاد، وأداه (3) الاجتهاد إلى (4) تحريمه، فأضاف التحريم إليه: وكل
~~واحد من هذه الوجوه يمنع مما يتعلق به مويس (5).
# ويقال له فيما تعلق به ثانيا: من أين لك أنه صلى الله عليه وآله ما كان
~~عازما على استثناء الإذخر لو لم يذكره العباس به؟، وإذا كان ذلك جائزا غير
~~مقطوع على خلافه، سقط استدلالك. وقد (6) يجوز أيضا أن يكون (7) الله تعالى
~~قد أعلمه بالوحي أن العباس ره (8) قد يقع منه الاعتراض بذكر الإذخر، وأن
~~الصلاح أن (9) يستثنى الإذخر عند قوله، ولولا قوله، لكان الصلاح أن يتعلق
~~التحريم به مضموما إلى غيره. ويمكن أيضا أن يكون الله تعالى أمره بتحريم ما
~~عدا الإذخر أمرا جزما (10)،
# PageV02P668
# وخيره (1) في الإذخر، فلما ذكره العباس، اختار عليه السلام استثناءه ms279 الذي
~~قد جعل إليه إيجابا لحقه.
# ويقال له فيما تعلق به ثالثا: ليس إضافة العفو إليه بدلالة على أنه قال
~~برأيه، بل لا يمتنع أن يقول ذلك وهو (2) عن وحي، كما يقول: (حرمت) و (حللت)
~~من حيث كان مؤديا للتحريم والتحليل.
# فصل في القياس والاجتهاد والرأي ما هو؟
# وما معاني هذا الألفاظ؟.
# اعلم أن الواجب على من (3) نفى شيئا أو أثبته أن يبتدئ بذكر حقيقته.
# والقياس هو إثبات مثل حكم المقيس عليه للمقيس. وله شروط لا بد منها (4)،
~~وإن كان الحد هو ما ذكرناه: وهو أن يكون الأصل الذي هو المقيس عليه وحكمه
~~(5) معلومين، ويعلم أيضا
# PageV02P669
# الفرع الذي هو المقيس، والشبهة (1) الذي لأجله جعل حكم أحدهما حكم صاحبه
~~(2).
# والذي يدل على صحة ما ذكرناه أنه قد يعلم المقيس عليه وحكمه (3)، ويعلم
~~أيضا الفرع الذي هو المقيس، والشبه (4) الذي (5) بينهما، ولا يثبت للفرع
~~مثل حكم الأصل، فلا يكون قائسا (6). وإذا ثبت مثل حكم الأصل للفرع، كان
~~قائسا. فوضح أن القياس ما حددناه.
# فأما (7) قولنا (إثبات)، فإنه يجري على العلم والاعتقاد والظن والخبر،
~~غير أنه بعرف الشرع مقصور على العلم وما يجري مجرى ذلك من الاعتقاد (8).
~~والخبر تابع لذلك.
# ومما (9) يجب (10) علمه أن حقيقة القياس في العقل والشرع لا تختلف (11)،
~~وإنما يختلفان في أحكام ترجع إلى العلة، لان
# PageV02P670
# العلة العقلية موجبة ومؤثرة تأثير الايجاب، والسمعية ليست كذلك عند من
~~أثبت قياسا شرعيا، بل هي تابعة للدواعي والمصالح المتعلقة بالاختيار.
~~والعلة في القياس العقلي لا تكون (1) إلا معلومة، وفي السمعي تكون (2)
~~مظنونة، ومتى علمت في العقل تعلق الحكم بها (3) لم يحتج في تعليقه (4)
~~عليها إلى دليل مستأنف، وليس كذلك علة (5) السمعي، فإنها عند أكثرهم
~~ومحققيهم لا يكفي (6) في تعليق الحكم بها في كل موضع وجدت فيه أن تعلم (7)،
~~بل لا بد من تعبد بالقياس حتى يعلق الحكم بها في كل موضع.
# وأيضا فعلة السمعي قد تكون (8) مجموع أشياء، وقد تكون (9) مشروطة في
~~كونها علة، وقد تكون علة في وقت دون وقت، وعين دون ms280 عين والوقت واحد، عند من
~~أجاز تخصيص العلة منهم، وقد تكون (9) العلة الواحدة علة لاحكام كثيرة، وكل
~~هذا يفارق فيه علة العقل لعلة الشرع. وإنما افترقا لما ذكرناه
# PageV02P671
# من أن العقلية موجبة، والسمعية راجعة إلى الدواعي والمصالح.
# فأما الاستدلال، فهو مشتق من الدليل، وكل من (1) توصل بدلالة إلى حكم من
~~الاحكام كان مستدلا عليه، سواء كان ذلك (2) الدليل نصا، أو قياسا، عند من
~~جعل القياس الشرعي دلالة في الشرع، فصار قولنا (استدلال) أعم من قولنا
~~(قياس).
# فأما الاجتهاد، فموضوع في اللغة لبذل الوسع والطاقة في الفعل الذي يلحق
~~في التوصل إليه بالمشقة، كحمل الثقيل وما جرى مجراه ثم استعمل فيما (3)
~~يتوصل به إلى الاحكام من الأدلة على وجه يشق (4). وفي الفقهاء من فصل بين
~~القياس والاجتهاد، وجعل القياس ما تعين أصله الذي يقاس عليه، والاجتهاد ما
~~لم (5) يتعين (6) فيه أصل يشار إليه، كالاجتهاد في طلب القبلة، وفي قيم
~~المتلفات، وأروش (7) الجنايات. وفيهم من أدخل القياس في الاجتهاد، وجعل
~~الاجتهاد أعم منه. وليس يمتنع أن يكون قولنا (أهل (8) الاجتهاد) - إذا أطلق
~~- محمولا بالعرف على من عول
# PageV02P672
# على الظنون والامارات في إثبات الأحكام الشرعية، دون من لم يرجع إلا (1)
~~إلى الأدلة (2) والعلوم (3).
# فأما الرأي، فالصحيح عندنا أنه (4) عبارة عن المذهب والاعتقاد و (5) إن
~~استند (6) إلى الأدلة، دون الامارات والظنون. والذي يدل على ذلك أنهم
~~يقولون: فلان يرى القدر، وفلان (7) يرى العدل، والبغداديون يرون أن (8)
~~الاعراض كلها لا تبقى، والبصريون يذهبون إلى أن فيها ما يبقى، ولو كان
~~الرأي مقصورا على الظنون والامارات على ما قاله (9) مخالفونا، لما جاز * ما
~~ذكرناه. وسنستقصي (10) الكلام في هذا الموضع إذا انتهينا (11) إلى حيث يليق
~~به من هذا الكتاب بعون الله (12).
# فصل في ذكر اختلاف الناس في القياس اختلف الناس في القياس الشرعي: فمنهم
~~من أحال أن يتعبد الله -
# PageV02P673
# تعالى به من طريق العقل، وادعى أنه لا يمكن أن يكون (1) طريقا لمعرفة شئ
~~من الاحكام. وربما اعتمدوا في إحالته على تعلقه بالظن الذي يخطئ (2) ويصيب،
~~أو من ms281 حيث يؤدي إلى تضاد الاحكام، وتناقضها. وفيهم من أبطل القياس من (3)
~~حيث لا سبيل إلى العلم بماله ثبت الحكم في الأصل، ولا إلى غلبة الظن في
~~ذلك، لفقد دلالة و (4) أمارة تقتضيه (5). وفيهم من أجاز (6) التعبد به،
~~ونفاه من حيث وقعت الشرعيات على وجوه (7) لا يسوغ معها القياس ومن هذا
~~الوجه نفى النظام القياس، أو من حيث لا يجوز أن يقتصر الله تعالى بالمكلف
~~على أخفض (8) البيانين (9) رتبة، مع قدرته على أعلاهما. وهذا طريقة بعض
~~أصحاب داود (10) وغيره (11). ومنهم من جوز ورود العبادة به، غير أنه نفاه
~~من حيث لم يثبت (12) دليل التعبد
# PageV02P674
# به، أو من حيث ورد بخلافه. فأما من أثبته، فإنهم يختلفون أيضا:
# فمنهم من أثبته من طريق (1) العقل، وإن كان هؤلاء شذاذا (2). ومنهم من
~~أثبته سمعا، وذهب إلى أن (3) العقل لا يدل (4) على ثبوته. و هؤلاء هم
~~المحصلون من مثبتي القياس. والذي نذهب (5) إليه أن القياس محظور في الشريعة
~~استعماله، لان العبادة لم ترد (6) به، وإن كان العقل مجوزا ورود العبادة
~~باستعماله. و (7) نحن نتكلم على كل (8) من خالف ما اخترناه من المذهب.
# فصل في جواز التعبد بالقياس اعلم أنا إذا بينا أن القياس الشرعي (9) يمكن
~~أن يكون طريقا إلى معرفة الأحكام الشرعية، فقد جرى القياس مجرى الأدلة
# PageV02P675
# الشرعية كلها من نص و (1) غيره، فمن منع - مع (2) ثبوت ذلك - من أن يدل
~~الله تعالى به، كما يدل بالنص على الاحكام، فهو مقترح (3) لا يلتفت (4) إلى
~~خلافه.
# والذي يدل على صحة معرفة الاحكام به أنه لا فرق في صحة معرفتنا بتحريم
~~النبيذ المسكر بين أن ينص الله تعالى على تحريم كل مسكر، وبين أن ينص على
~~تحريم الخمر بعينها، ثم ينص على أن العلة في تحريمها شدتها، ولا فرق بين أن
~~ينص على العلة، وبين أن يدلنا بدليل غير النص على أنه حرم الخمر لشدتها، أو
~~ينصب لنا أمارة يغلب عندها في ظنوننا أن تحريم الخمر لهذه العلة، مع إيجابه
~~القياس علينا في هذه الوجوه كلها، لان كل ms282 طريق منها (5) يوصل إلى المعرفة
~~بتحريم النبيذ المسكر، فدافع جواز العبادة بأحدها كدافع جواز ورودها
~~بباقيها. وفي العقليات مثال لذلك، لأنه لا فرق في العلم بوجوب تجنب سلوك
~~بعض الطريق بين أن يعلم أن فيه سبعا مشاهدة، وبين أن يعلم
# PageV02P676
# بخبر يوجب العلم، أو بخبر (1) يقتضي غلبة الظن، ولا فصل بين جميع ذلك في
~~الحكم الذي ذكرناه، وبين أن ينص لنا على صفة الطريق الذي فيه السبع، أو
~~ينصب لنا أمارة على تلك الصفة.
# فأما من أحال القياس لتعلقه بالظن الذي يخطئ ويصيب، فالذي يبطل قوله أن
~~كثيرا من الاحكام العقلية والشرعية (2) تابعة للظنون، ومثاله (3) في العقل
~~علمنا بحسن التجارة عند ظن الربح، وقبحها عند ظن الخسران (4)، و (5) قبح
~~سلوك الطريق عند ظننا أن فيه سبعا، أو (6) ما جرى مجراه من المضار، ووجوب
~~النظر في معرفة الله تعالى عند دعاء الداعي، أو (6) خطور الخاطر الذي يحصل
~~عنده الظن أو (7) الخوف (8). ووجوب معرفة الرسل عليه السلام والنظر في
~~معجزاتهم يجري على هذا الوجه أيضا. فأما تعلق الأحكام الشرعية بالظن، فأكثر
~~من أن يحصى (9)، نحو وجوب التوجه إلى القبلة عند الظن (10) أنها في جهة
~~(11) مخصوصة، وتقدير النفقات،
# PageV02P677
# وأروش (1) الجنايات، وقيم المتلفات، والعمل بقول الشاهدين.
# ومما يجب علمه أن الظن و (2) إن كان طريقا إلى العلم بوجوب أحكام، على
~~نحو (3) ما ذكرناه، وتساوي من هذا الوجه الظن والعلم، لأنه لا فصل بين أن
~~يظن جهة القبلة، أو يعلمها في وجوب التوجه. وكذلك (4) لا فصل بين أن يظن
~~الخسران في التجارة، أو يعلمه في قبحها، فإنه لا يساوي الظن العلم من وجوه
~~أخر، ولا يقوم فيها مقامه، لان الفعل (5) الذي يلزم المكلف فعله لا بد أن
~~يكون معلوما له أو في حكم المعلوم، بأن (6) يكون متمكنا من العلم به، أو
~~يكون سببه معلوما، إذا تعذر العلم به بعينه.
# ولا بد أيضا من أن يعلم وجوبه ووجه وجوبه، إما على جملة، أو على تفصيل.
~~والظن في كل هذه الوجوه لا يقوم مقام العلم:
# لأنه متى ms283 لم يكن عالما بجميع ما ذكرناه، أو متمكنا من العلم به، لم تكن
~~(7) علته مزاحة فيما * تعبد (8) به، وجرى مجرى أن
# PageV02P678
# لا يكون قادرا، لأنه متى لم يعلم الفعل، ويميزه من غيره (1)، لم يتمكن من
~~القصد إليه بعينه، وبالظن لا تتميز (2) الأشياء وإنما تتميز بالعلم (3)،
~~ومتى لم يكن عالما بوجوب الفعل، كان مجوزا (4) كونه غير واجب، فيكون - متى
~~أقدم عليه - مقدما على ما لا يأمن كونه قبيحا، والاقدام على ذلك يجري مجرى
~~الاقدام على ما يعلمه قبيحا في القبح. ومتى علمه واجبا، فلا بد من أن يعلم
~~وجه وجوبه على جملة أو تفصيل، لأنه لو كان ظانا لوجه (5) وجوبه، لكان مجوزا
~~انتفاء وجه الوجوب عنه، فيعود (6) الامر إلى تجويز كونه غير واجب.
# وفي تأمل هذه الجملة (7) بطلان قول من أنكر تعلق الاحكام بالظنون.
# ومن توهم على من سلك هذه الطريقة أنه قد أثبت الاحكام بالظنون، فهو متعد،
~~(8) لان الاحكام لا تكون (9) إلا معلومة، ولا تثبت إلا من طريق العلم، إلا
~~أن الطريق إليها قد يكون العلم تارة، والظن أخرى (10)، لأننا (11) إذا ظننا
~~في طريق (12) سبعا، وجب علينا تجنب سلوكه
# PageV02P679
# بالحكم الذي هو قبح السلوك، ووجوب التجنب معلوم لا مظنون، وإن كان الطريق
~~إليه هو الظن، ومتعلق الظن (1) هيهنا غير متعلق العلم لان الظن (2) تعلق
~~بكون السبع في الطريق، والعلم تعلق بقبح سلوك الطريق. فالقول في العلم
~~بوجوب التوجه إلى جهة القبلة عند الظن بأنها في بعض الجهات يجري على (3) ما
~~ذكرناه، فيكون فيه الحكم (4) معلوما، وإن كان الطريق إليه مظنونا.
# فأما من أحال القياس من حيث يؤدي إلى تضاد الاحكام، فشبهته أن يقول: إذا
~~كان للفرع شبه (5) بأصل محرم وشبه (5) بأصل محلل، فلا بد على مذهب أهل
~~القياس من (6) رده إليهما معا، وهذا يؤدي في العين (7) الواحدة إلى (8) أن
~~تكون محرمة محللة.
# ولمن أثبت القياس أن يقول في جواب ذلك: إن كان الفرع مشبها لأصل محلل (9)
~~وأصل محرم (10) عند اثنين، لزم كل واحد
# PageV02P680
# منهما ما أداه اجتهاده إليه، فيلزم التحريم ms284 من أشبه عنده الأصل المحرم،
~~والتحليل عند من أشبه عنده الأصل المحلل، ولا تضاد في ذلك وإن أشبه الأصلين
~~المختلفين عند (1) مكلف واحد، فهو عند كثير منهم مخير بين الامرين، فأيهما
~~اختار، لزمه (2) كما نقول كلنا في الكفارات الثلث، فلا تضاد أيضا في ذلك.
~~وعند قوم منهم أنه لا بد في هذا الموضع من ترجيح يقتضي حمل الفرع على أحد
~~الأصلين دون الآخر.
# فأما من أبطل القياس من حيث لا طريق إلى غلبة الظن في الشريعة، فإنه
~~يعتمد على أن يقول: قد علمنا أن القياس لا بد فيه من حمل (3) فرع على أصل
~~بعلة وشبه، والعلة التي يتعلق الحكم بها في الأصل لا تخلو (4) من أن يكون
~~الطريق إلى إثبات كونها علة العلم أو الظن، والعلم (5) لا مدخل له في هذا
~~الباب، والمحصلون من مثبتي القياس في الشرع يجعلون العلة المستخرجة هيهنا
~~تابعة
# PageV02P681
# للظن، وإنما يجعلها معلومة من اعتقد أن على العلل الشرعية أدلة (1) توصل
~~إلى العلم كالعقليات، وقول هذه الفرقة واضح البطلان: فإن (2) كانت العلة
~~تثبت علة (3) بالظن، فقد علمنا أن الظن (4) لا بد له من أمارة، وإلا كان
~~مبتدأ لا حكم له، وليس في الشرع أمارة على أن التحريم في الأصل المحرم إنما
~~كان لبعض صفاته، فكيف يصح أن يظن ذلك. وليس يشبه هذا ظن (5) الربح أو (6)
~~الخسران، والنجاة أو الهلكة، وأن القبلة في جهة مخصوصة، و غلبة الظن في قيم
~~المتلفات وأروش الجنايات، لان ذلك كله يستند إلى عادات وتجارب وأمارات
~~معلومة (7) متقررة، ولهذا نجد من لم يتجر قط ولم يخبره مخبر عن أحوال
~~التجارة لا يصح أن يظن فيها ربحا ولا خسرانا، وكذلك من لم يسافر ولم يخبر
~~عن الطريق لا يظن (8) نجاة ولا عطبا، ومن لم يعرف العادة في القيم ولم (9)
~~يمارسها لا يظن أيضا (10) فيها شيئا، وجميع ما يغلب في (11)
# PageV02P682
# الظنون متى تأملته، وجدته مستندا إلى ما ذكرناه، مما لا (1) يصح دخوله في
~~الشرعيات.
# ولأجل قوة هذه الطريقة ذهب قوم من أهل القياس إلى ms285 أن العلل الشرعية لا
~~تكون (2) إلا منصوصا عليها: إما صريحا، أو تنبيها.
# ونزل قوم منهم رتبة، فقالوا: إنها لا تثبت إلا بأدلة شرعية.
# ومن طعن على القياس من هذه الجهة (3) التي بسطناها، لا بد من أن يكون
~~مجوزا للعبادة به، ومعرفة الاحكام من جهته، (4) لو حصل الظن الذي منع من
~~حصوله. ولا بد أيضا من أن يقول (5) : إن الله تعالى لو نص على العلة، أو
~~أمر الرسول صلى الله عليه وآله بالنص عليها، ثم (6) تعبدنا بالقياس، لوجب
~~حمل الفروع على الأصول.
# بل الذاهب إلى هذه الطريقة ربما يقول: لو نص الله تعالى على العلة في
~~تحريم الخمر، وصرح بأنها الشدة المطربة، لوجب حمل ما (7) فيه هذه العلة
~~عليها، وإن لم يتعبد (8) بالقياس، * ويجري
# PageV02P683
# عنده (1) مجرى أن ينص (2) على تحريم كل شديد.
# وهذا غير صحيح، لان العلل الشرعية إنما تنبئ عن الدواعي إلى الفعل، أو عن
~~وجه المصلحة فيه، وقد يشترك (3) الشيئان في صفة واحدة، وتكون (4) في أحدهما
~~داعية إلى فعله، دون الآخر، مع ثبوتها فيه، وقد يكون (5) مثل المصلحة
~~مفسدة، وقد يدعوا الشئ إلى غيره في حال دون حال، و (6) على وجه دون وجه،
~~وقدر منه دون قدر، وهذا باب في الدواعي معروف، ولهذا جاز أن يعطي لوجه
~~الاحسان فقير (7) دون فقير (7)، ودرهم دون درهم، وفي حال دون أخرى، وإن كان
~~فيما لم نفعله (8) الوجه الذي لأجله فعلنا بعينه، وإذا صحت هذه الجملة، لم
~~يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي والقياس، وجرى النص على العلة مجرى
~~النص على الحكم في قصره على موضعه.
# وليس لاحد أن يقول: إذا لم يوجب النص على العلة التخطي، كان عبثا، وذلك
~~أنه (9) يفيدنا ما لم نكن (10) نعلمه (11) لولاه، وهو ما
# PageV02P684
# له كان هذا الفعل المعين مصلحة.
# وفي الناس من فصل بين داعي (1) الفعل وداعي (1) الترك: فقال:
# إذا كان النص على علة الفعل لم يجب القياس إلا بدليل مستأنف، وإن كان
~~واردا بعلة الترك، وجب التخطي من غير دليل مستأنف.
# وفصل بين الامرين ms286 بأن ماله يترك (2) أحدنا (3) الفعل (4) له يترك غيره
~~إذا شاركه فيه، لأنه لا يجوز أن يترك أكل السكر لحلاوته ويأكل شيئا حلوا،
~~ولا يجب مثل هذا في (5) الفعل، لأنه قد يفعل الفعل لأمر يثبت (6) في غيره،
~~وإن لم يكن فاعلا له (7).
# وهذا صحيح متى كان النص الوارد بالعلة كاشفا عن الداعي ووجه المصلحة أو
~~عن الداعي فقط، فأما إن (8) كان مختصا بوجه المصلحة، لم يجب ذلك، لان
~~الدواعي قد تتفق (9) وتختلف (10) وجوه المصالح، وتختلف (11) الدواعي مع
~~اتفاق وجوه المصالح.
# PageV02P685
# ويقال لمن أفسد القياس بالطريقة التي حكيناها، من أنه لا سبيل إلى غلبة
~~الظن: (1) قد بينتم (2) استناد (3) الظنون إلى العادات والتجارب (4)،
~~وذكرتم أن الشرع لا يتم ذلك (5) فيه، فلم أنكرتم أن تحصل (6) فيه طريقة
~~يحصل عندها الظن وإن لم تكن (7) عادة ولا تجربة؟! بل يجري في حصول الظن
~~عندها مجرى ما ذكرتم، وهذا مثل أن نجد العين المسماة (8) خمرا تحصل على
~~صفات كثيرة، فتكون مباحة (9) غير محرمة، فمتى وجدت فيها الشدة المطربة،
~~حرمت (10)، ومتى خرجت من الشدة بأن تنقلب (11) خلا، حلت، فيغلب (12) على
~~الظن عند ذلك بأن (13) العلة هي الشدة، لان الذي ذكرناها من حالها أمارة
~~قوية على كونها علة، فمتى انضم (14) إلى هذا الظن التعبد بالقياس، وأن يحمل
~~(15) ما حصل فيه علة التحريم
# PageV02P686
# من الفروع على الأصول، ساغ القياس، وصح، ولم يمنع منه مانع.
# وهكذا أيضا إذا رأينا بعض صفات الأصل هو المؤثر (1) في الحكم المعلل (2)
~~دون غيره، كانت بأن تجعل (3) علة أولى (4) من غيرها، وقوى الظن بأنها
~~العلة. ومثال ذلك أنا إذا أردنا أن نعلل ولاية المرأة على نفسها، وملكها
~~(5) لأمرها، ووجدنا بلوغها هو المؤثر في هذا الحكم، مع سلامة أحوالها في
~~الحرية والعقل، دون كونها مزوجة، لان التزويج متى اعتبرت حاله لم يوجد له
~~تأثير في باب الولاية، وما يرجع إليها، وللبلوغ التأثير القوي فيها، جعلناه
~~العلة، دون التزويج.
# ويكفي أن يقال لسالكي هذه الطريقة: لم (6) زعمتم أن الظن إذا استند في
~~بعض المواضع إلى عادة، فإنه لا ms287 يقع في كل موضع إلا على هذا الوجه، وأن
~~العادة لا يقوم مقامها غيرها؟! فلا يجدون معتمدا.
# ويمكن أن يقال لهم: خبرونا عمن ابتدأه (7) الله كاملا عاقلا
# PageV02P687
# في بعض الدور، ومعه صاحب له جالس عنده، وهو لا يعرف العادات، ولا سمع
~~الاخبار عنها، إلا أنه وجد صاحبه الجالس معه متى دخل إليه واحد مخصوص من
~~الناس انصرف، وخرج عن الدار، وهو مع دخول غيره من الناس كلهم لا يفارق
~~مكانه، أليس هذا مع عقله وكماله يصح أن يقوى في ظنه أن علة خروج صاحبه إنما
~~هي دخول ذلك الرجل؟، فإن امتنعوا من أن يغلب في ظنه ما ذكرناه، طولبوا بما
~~له يمنع منه، ولن يجدوه. وإن أجازوه، بطل عليهم ذكر العادات والتجارب في
~~باب الظنون، وقيل ما تنكرون (1) من أن تكون هذه حالة (2) الظن في الشرع؟!
# فأما طعن مثبتي القياس على هذه الطريقة، وتصحيحهم غلبة الظن في الشريعة
~~بقولهم: إنا وجدنا (3) أهل القياس والاجتهاد * مع كثرتهم وتدينهم (4)
~~يخبرون عن (5) أنفسهم بالظنون، ويعملون عليها، ومثل هؤلاء أو طائفة منهم لا
~~يجوز أن يكذبوا على نفوسهم، فليس بمعتمد، لان لمن (6) نفى الظن أن يقول:
~~لست أكذب
# PageV02P688
# هؤلاء (1) المجتهدين في أنهم يجدون (2) أنفسهم على اعتقاد ما (3)، وإنما
~~أكذبهم في قولهم (4): إنه ظن، وواقع عن أمارة. والعلم بالفرق بين الاعتقاد
~~(5) المبتدأ، و (6) بين العلم والظن، ليس بضرورة. فكأن (7) القوم سبقوا إلى
~~اعتقادات ليست ظنونا (8) و (9) دخلت عليهم الشبهة، فاعتقدوا أن لها أحكام
~~الظنون، وإن لم تكن (10) كذلك.
# على أن هذا يرجع عليهم ممن يدعي من أهل القياس أن على الاحكام أدلة توجب
~~العلم، فيقال لهم: كيف يصح على هؤلاء مع كثرتهم وتدين أكثرهم أن يدعوا أنهم
~~عالمون، ويخبرون عن نفوسهم بسكونها إلى ما علموه؟! وهم - مع ذلك - كاذبون.
~~وهكذا السؤال عليهم في أصول الديانات إذا ادعى المخالفون فيها العلم
~~بمذاهبهم، وسكون نفوسهم، فلا بد لهم في الجواب مما ذكرناه من أن القوم لم
~~يكذبوا في أنهم معتقدون، وإنما غلطوا في نسبة اعتقاداتهم إلى أنها ms288 علوم.
# PageV02P689
# وأما طريقة النظام ومن تابعه في إبطال القياس، فاعتمادهم على أن الشرعيات
~~وقعت على وجوه لا يمكن معها دخول القياس، لأنه ورد باختلاف المتفقين،
~~واتفاق المختلفين، كإيجاب (1) القضاء على الحائض في الصوم، وإسقاطه (2)
~~عنها (3) في الصلاة، وهي آكد من الصوم، وإيجابه على المسافر القضاء في
~~الصوم، وإسقاطه عنه فيما قصر من الصلاة، وإيجاب الغسل بخروج الولد والمني،
~~وهما أنظف (4) من البول والغائط اللذين يوجبان الطهارة الصغرى، وإباحة
~~النظر إلى محاسن الأمة الحسناء، وحظر ذلك من الحرة، وإن كانت شوهاء.
# والذي ذكروه غير صحيح، لان لمثبت (5) القياس أن يقول:
# إن (6) إطلاق القول بأن المتفقين لا يختلفان، والمختلفين لا يتفقان (7)
~~غير صحيح.
# والصواب أن نقول (8): إن المتفقين لا يختلفان في الحكم الذي يقتضيه
~~اتفاقهما، وكذلك المختلفان لا يتفقان في الحكم الذي
# PageV02P690
# يقتضيه اختلافهما، لان المعتبر في ذلك هو الأسباب (1) والعلل، والاحكام
~~التي يجب اتفاق (2) المتفقات فيها واختلاف المختلفات هي الراجعة إلى صفات
~~الذات، وإنما وجب ذلك فيها، لان المتفقين قد اشتركا في سبب الحكم وعلته
~~والمختلفين قد افترقا في ذلك. فأما إذا لم يكن الحكم راجعا إلى الذات، فهو
~~موقوف على الدلالة، فإن اتفق المختلفان في علته وسببه، اتفقا فيه، وإن
~~اختلف المتفقان فيهما (3) اختلفا فيه.
# وعلى هذا ليس بمنكر أن يكون الحيض وإن كان سببا لسقوط الصلاة والصوم معا،
~~و (4) اتفقا في ذلك، أن يختلفا في حكم آخر يوجب في أحدهما الإعادة، ولا
~~يوجبها في الآخر، فيكون الاختلاف من وجه، والاتفاق (5) من آخر، وقد زال
~~التناقض، لان القضاء (6) إذا اختص بعلة غير علة السقوط، لم يكن باتفاقهما
~~(7) في علة السقوط معتبر.
# وفي العقل لذلك مثال، لأنا (8) نعلم أن النفع المحض إذا حصل
# PageV02P691
# في الفعل (1)، اقتضى حسنه، وقد يحصل في الكذب النفع، فلا يكون إلا قبيحا،
~~لان وجه قبحه هو كونه كذبا، فصار اتفاق الكذب مع غيره من الافعال في النفع
~~لا يمنع من اختلافهما في القبح، لان ما اختلفا فيه غير ما اتفقا من أجله.
# فإن كان ما أورده النظام ms289 مانعا من قياس الشرع، وجب أن يكون مانعا من قياس
~~العقل (2).
# على أنه قد اعترف بورود النصوص باتفاق المختلفين، واختلاف المتفقين، ولم
~~يلزمه التناقض فيهما، فألا سوغ القياس، واعتذر له بعذره للنصوص (3)؟!
# وليس له أن يقول: إنني لم أوجب التناقض في الاحكام، فيلزمني ذلك في
~~النصوص، وإنما منعت وحالها هذه من التطرق إليها بالقياس.
# وذلك أنه غير ممتنع ذلك إذا نصب الله - تعالى أمارة لقضاء الصوم توجبه،
~~وأخلى قضاء الصلاة من تلك (4) الامارة.
# على أن للقوم أن يقولوا: إنا لا نثبت القياس في كل حكم،
# PageV02P692
# وعلى كل أصل، وإنما نثبته بحيث يسوغ، ويصح، وأكثر ما يقتضيه ما أوردته
~~مما (1) هو بخلاف القياس أن يمنع فيه من دخول القياس فيه، وليس إذا امتنع
~~القياس في (2) موضع، يجب امتناعه في كل مكان.
# فأما (3) من نفى القياس من جهة أن الحكيم تعالى لا يجوز أن يقتصر بالمكلف
~~على أدون البيانين رتبة، وأن النصوص أبلغ في البيان.
# فالرد عليه أن يقال له (4): في كلامك هذا اعتراف بأن القياس يوصل به (5)
~~إلى معرفة الاحكام، لأنه لا يجوز * أن يقول هذا (6) أخفض (7) رتبة إلا
~~والتبيين يقع به، وإذا ثبت ذلك، فما الذي يمنع من العبادة به، وإن كان دون
~~غيره رتبة في البيان، لما يعلم الله (8) تعالى من المصلحة به، وأنه إذا
~~توصل إلى الحكم به، ولحقته مشقة في طريقه، كان أقرب إلى فعل الواجب عليه.
# وبعد، فإنه يلزم على ذلك أن يكون العلم في جميع التكليف
# PageV02P693
# ضروريا، لأنه أقوى في البيان من المكتسب.
# ومن يعتمد على هذه الطريقة لا بد له من المناقضة، لأنه (1) تعلق كثيرا
~~(2) من الأحكام الشرعية بالظنون، نحو الاجتهاد في القبلة، وتقدير النفقات،
~~وأروش الجنايات، وما لا يحصى كثرة.
# وربما تعلق نافي (3) القياس بأن يقول: لو جازت العبادة (4) بالقياس في
~~الفروع، لجازت في الأصول.
# والجواب عن ذلك أنه غير ممتنع أن يتعبد في الأصول بالقياس، إذا كانت هناك
~~أصول يقاس عليها، ويرد (5) إليها (6)، فلا فرق بين الامرين.
# ثم يلزمون (7) أنه إذا جاز ms290 أن يتعبدنا (8) بالاجتهاد في القبلة، و هناك
~~قبلة مشاهدة معلومة، فألا جازت العبادة ولا قبلة؟!. وكذلك القول في العبادة
~~(9) بتقدير النفقات، وقيم المتلفات، إذا جازت مع المعرفة بالعادات (10)،
~~فألا (11) جاز مع فقدها؟!.
# PageV02P694
# وتحصيل هذا السؤال أنه إذا أجزتم التعبد بالقياس وهو ممكن لوجود (1)
~~الامارة، فجوزوه مع فقد الامكان.
# وربما ألزمونا قياسا على العبادة بالقياس، وهي تابعة للمصالح، الاخبار
~~بما يكون في المستقبل بالقياس، ويقولون (2): كما أن الخبر لا يحسن إلا مع
~~الثقة بأنه صدق، فكذلك تكليف الفعل لا يحسن إلا مع الثقة بأنه مصلحة.
# والجواب عن ذلك أن (3) الله تعالى لو نصب للخبر الصدق أمارة، لجاز أن
~~يكلف ذلك. ولهذا جاز من القائس (4) - عند من أثبت القياس - أن يخبر عن وجوب
~~الفعل ولا طريق له إلا القياس.
# وأيضا فإن للظن مدخلا في وجوب الفعل وقبحه، فجاز القول بأن الاجتهاد يؤدي
~~إليه، وليس للظن مدخل في حسن الخبر في موضع من المواضع.
# وربما قالوا: إذا كان بعض المصالح لا يعلم إلا بالنص، فكذلك الجميع، لان
~~ما يعلم جليه من طريق به (5) يعلم (6) خفيه (7) كالمدركات.
# PageV02P695
# والجواب عن ذلك أن (1) بالنص يعرف جميع الأحكام، لكن على وجهين مختلفين:
~~أحدهما (2) الظاهر والصريح، والآخر الاستدلال كما أن العقليات تنقسم (3)
~~إلى علم ضروري ومكتسب (4) ومستدل عليه، والجميع معلوم بالعقل، والامر في
~~المدركات بالضد مما قالوه، فإن بعضها قد يعلم بالادراك، و (5) بعضها
~~بالاخبار: إما بقول الرسول، أو بالتواتر (6). وقد يعلم جلى المدركات
~~بالادراك، وخفيها لا يعلم به، إذا لم يقو (7) البصر على تمييزه (8).
# وربما قالوا: لو تعلق بعض الأحكام بعلة، لجرت مجرى علل العقل، فكانت لا
~~توجد (9) إلا موجبة قبل الشرع وبعده.
# والجواب أن علل الشرع مفارقة لعلل العقل، لأن علة الشرع تتبع (10)
~~الدواعي والمصالح، وقد تختلف (11) الأحوال فيها، وليس كذلك ما هو موجب من
~~علل العقل (12) وإنما سميت علة لان
# PageV02P696
# الله تعالى علق الحكم بها، كما فعل مثل ذلك في الاسم، فكما أن (1) الاسم
~~لا يتبعه الحكم قبل الشرع وإن كان موجودا، ولا يخرج من ms291 تعلق الحكم به،
~~فكذلك العلة الشرعية.
# فصل في نفي ورود العبادة بالقياس اعلم أن العبادة بذلك لو وقعت، لكان
~~عليها دليل شرعي كسائر العبادات الشرعية، وإذا كنا قد تأملنا أدلة الشرع،
~~فلم نعثر على ما هو دلالة على هذا الموضع، وجب نفي العبادة به.
# وسنتكلم على (2) شبه (3) المخالفين، وما ادعوه (4) من الطرق في ذلك، ليصح
~~ما نفيناه من ثبوت دلالة عليه. وقد اعتمدنا على مثل هذه الطريقة في نفي
~~العبادة بأخبار الآحاد، فيما مضى من هذا الكتاب.
# ويمكن أن يستدل (5) على نفي العبادة بالقياس أيضا - بإجماع الامامية على
~~نفيه وإبطاله في الشريعة، وقد بينا أن في إجماعهم الحجة.
# PageV02P697
# وليس يجوز أن يعتمد في إبطال القياس على ظواهر من الكتاب تقتضي (1) إبطال
~~القول بغير علم: مثل قوله تعالى -: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، و (أن
~~تقولوا على الله ما لا تعلمون)، لان من ذهب إلى القياس يسند قوله إلى علم،
~~وهو دليل العبادة بالقياس. وإنما يجعل الطريق إلى هذا العلم الظن، وقد مضى
~~(2) الكلام في ذلك.
# وكذلك لا يجوز الاستدلال بقوله تعالى -: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)
~~لان للقوم أن يقولوا: إن القياس إذا قيل به بالدليل، بطل أن يكون تقدما (3)
~~بين يدي الله ورسوله، وصار كالنص.
# وكذلك إن (4) تعلقوا بقوله تعالى -: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * وما
~~أشبه ذلك من الآيات، فالكلام (5) عليه أن القياس إذا دل الله تعالى عليه،
~~فقد دخل في جملة ما بين في الكتاب، ولم يقع فيه تفريط.
# فأما من أثبت القياس من طريق العقل، فالكلام عليه أن الفعل
# PageV02P698
# الواجب لا بد من كونه على صفة لها (1) وجب، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن
~~بالوجوب أولى من غيره. وينقسم ماله يجب إلى قسمين: أحدهما (2) صفة تخصه ولا
~~تتعداه، كنحو رد الوديعة، والانصاف، وشكر النعمة. والآخر أن (3) يكون وجوبه
~~لتعلقه بغيره على جهة اللطف، نحو أن يختار المكلف عنده واجبا، أو ينتهي عن
~~(4) قبيح، وليس يكون كذلك إلا بأن يختص في نفسه ms292 بصفة تدعوا إلى اختيار ما
~~يختاره عنده. وهذا القسم على ضربين: أحدهما يعلم (6) بالعقل كوجوب معرفة
~~الله، لان جهة وجوبها متقررة (7) في العقل، وهو إنما (8) يكون عندها أقرب
~~من فعل الواجب، والانتهاء عن القبيح.
# و (9) كعلمنا أيضا - بأن الرسول - صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يكون
~~(10) على أحوال تنفر عن القبول منه (11) نحو الفسق والافعال الدنية (12)
# PageV02P699
# المستخفة (1) ومثل ما يلحقه بالمعرفة من وجوب الرياسة لكونها لطفا، لأنه
~~(2) مستقر في العقول أن الناس في الجملة لا يجوز أن يكونوا مع فقد الرؤساء
~~في باب الصلاح والفساد على ما (3) يكونون (4) عليه مع وجودهم. والضرب
~~الثاني لا يعلم إلا بالسمع، لفقد الطريق إليه من جهة العقل، وهو جميع
~~الشرعيات. والسمع الذي به يعلم وجوب ذلك قد يرد تارة بوجه الوجوب، فيعلم
~~عنده الوجوب، وتارة يرد بالوجوب، فيعلم عنده وجه الوجوب، وأحد الامرين (5)
~~يقوم مقام الآخر في العلم بالوجوب، إلا أنه إذا ورد (6) بوجوبه لم يعلم وجه
~~الوجوب إلا على جهة الجملة، وإن ورد بوجه وجوبه (7) مفصلا، أو مجملا، عرفنا
~~وجوبه مفصلا (8) لان العلم بوجوبه لا بد فيه من التفصيل لتزاح (9) علة
~~المكلف في الاقدام على الفعل، والعلم بوجه الوجوب قد يكون مجملا ومفصلا،
~~ويقوم أحد الامرين مقام الآخر. فإذا قال الله (10) تعالى -: (إن الصلاة
~~تنهى عن الفحشاء والمنكر) ولم
# PageV02P700
# يوجبها بغير ذلك، علمنا (1) وجوبها، ولو نص على وجوبها بلفظ الايجاب (2)،
~~لعلمنا في الجملة أنها تنهى عن قبيح، أو تدعوا إلى واجب.
# فأما ماله قلنا: إنا (3) إذا علمنا وجوب الفعل علمنا وجه وجوبه، وإذا (4)
~~علمنا وجه الوجوب علمناه واجبا، فهو أن من علم الفعل ردا للوديعة (5) مع
~~المطالبة، علم وجوبه، ومتى لم يعلم ذلك، لم يعلم وجوبه. و كذلك متى علم
~~الفعل ظلما، علم (6) قبحه، فإن شك في كونه ظلما، لم () يعلم القبح، وكما
~~وجب ذلك (8)، فهكذا أيضا متى علم كون الفعل الذي هو رد الوديعة (9) واجبا،
~~علمه ردا للوديعة (5) فتعلق كل واحد من العلمين بصاحبه كتعلق صاحبه به.
# فإن قيل: من أين ms293 قلتم: إن الواجبات في الشرع لا تجب إلا لكونها ألطافا؟،
~~ثم من أين قلتم: إن ذلك لا يعلم من حالها إلا بالسمع؟.
# PageV02P701
# قلنا: لان وجوبها إذا ثبت، وكان لا بد من وجه، لم يخل من القسمين اللذين
~~قدمناهما، وهما إما صفة تخص (1) الفعل (2)، ولا تتعداه، أو لتعلقه بغيره
~~على وجه اللطف: و (3) ليس يجوز في الشرعيات الوجه الأول، لأنها لو وجبت
~~لصفة تخصها (4)، لجرت مجرى رد الوديعة في أنه وجه الوجوب، ولوجب (5) أن
~~يعلم على تلك الصفة ويعلم وجوبها متى علمناها، لأنه لا يصح أن يجب (6) لصفة
~~تختص (7) بها، ولا يصح أن يعلم عليها، ولا يصح (8) أيضا أن (9) يعلم عليها
~~ولا يعلم وجوبها. وقد علمنا أن الصلاة وسائر الشرعيات تعلم (10) بالعقل
~~صفاتها، وإن لم يعلم وجوبها، فدل ذلك على بطلان القسم الأول، ولم (11) يبق
~~إلا الثاني فإذا ثبت أنها تجب (12) للالطاف، ولم يكن في العقل دليل على أن
~~وقوع بعض الأفعال منا يختار (13) عنده فعلا آخر، لان العقل لا يدل على ما
~~يختاره الانسان أو لا يختاره، ولأن دلالة العقل أيضا
# PageV02P702
# طريقتها (1) واحدة، ولن يصح أن تدل (2) على الشئ ونفيه، والحكم وضده، كما
~~نراه (3) في الشرائع من اختلاف المكلفين، والناسخ والمنسوخ، فلم يبق إلا أن
~~الطريق إليها السمع. ولولا ما ذكرناه لما احتيج في معرفة المصالح الشرعية
~~إلى بعثة الأنبياء عليهم السلام.
# فإن قالوا: العقل يقتضي في كل مشتبهين أن حكمهما واحد من حيث اشتبها،
~~فوجب أن يحكم في الأرز بحكم البر عقلا، وإن لم يأت السمع.
# قيل لهم: الاشتباه (4) الذي يقتضي المشاركة في الحكم هو فيما يعلم أن
~~الحكم فيه (5) يجب عن ذلك الشبه (6) أو يكون في حكم الموجب عنه، وقد علمنا
~~أن ما يشارك (7) العالم في وجود العلم في قلبه يجب كونه عالما، و (8) ما
~~(9) يشارك (10) رد الوديعة في هذه الصفة كان واجبا، وأما (11) العلل التي
~~هي أمارات، * فلا يجب بالمشاركة فيها المشاركة (12)
# PageV02P703
# في الحكم، لان (1) العقل لا يعلم به كونها علة جملة، ولو علم كونها علة،
~~لم ms294 يجب فيما يشاركه (2) فيها مثل حكمها، لان المصالح الشرعية تختلف (3) من
~~حيث تعلقت بالاختيار، ولا مدخل للايجاب فيها، ولهذا جاز (4) أن يكون الشئ
~~في (5) الشرع مصلحة، وما هو مثله مفسدة، و (6) جاز اختلاف الأعيان والأوقات
~~في ذلك.
# فإن قال: إذا حرم الله تعالى الخمر، ورأيت التحريم تابعا للشدة المطربة
~~(7)، يثبت بثبوتها، ويزول بزوالها، علمت أن علة التحريم الشدة المطربة (8)
~~ولا احتياج (9) إلى السمع.
# قيل له: ليس يكون ما ذكرته من الاعتبار بأقوى من أن ينص (10) لنا في
~~الخمر على أن علة تحريمها هي الشدة (11)، وقد بينا أن ذلك لا يوجب تحريم كل
~~شديد إلا (12) بعد التعبد بالقياس، لأنه غير ممتنع أن يخالفه في المصلحة،
~~وإن وافقه في الشدة.
# PageV02P704
# وأما (1) من زعم أن السمع قد ورد بالتعبد (2) بالقياس، فنحن (3) نذكر
~~أقوى (4) ما اعتمدوه، ونتكلم عليه:
# أول ما اعتمدوه أن قالوا قد ظهر عن الصحابة القول بالقياس، واتفق جميعهم
~~عليه، نحو اختلافهم في مسألة الحرام و (6) المشتركة والايلاء وغير ذلك،
~~ورجوع كل منهم في قوله (7) إلى طريقة القياس، لأنهم اختلفوا في الحرام:
~~فقالوا فيها أربعة أقاويل: أحدها أنه في حكم التطليقات الثلث، وذلك يروى عن
~~أمير المؤمنين عليه السلام وزيد بن ثابت (8) وابن عمر، والقول الآخر قول من
~~جعله يمينا، يلزم فيها كفارة، ويروى عن أبي بكر وعمر وبن مسعود وعائشة، وهو
~~قول أبي حنيفة وأصحابه. والقول الثالث قول من جعله ظهارا، ويروى عن ابن
~~عباس (9) وغيره. والرابع قول من جعله تطليقة واحدة، وهو المروي عن ابن
~~مسعود وابن عمر وغيرهما. ثم اختلفوا: فمنهم من
# PageV02P705
# نفاه (1)، ومنهم من (2) جعلها واحدة رجعية، وبعضهم جعلها بائنة، و كل ذلك
~~تفريع للقول الرابع. وفي الناس من ألحق بذلك قولا خامسا، وهو قول مسروق: إن
~~ذلك ليس بشئ، لأنه تحريم لما أحله الله تعالى (3)، ووجوده كعدمه. واختلافهم
~~في الجد أيضا ظاهر، وكذلك في جميع ما عددناه من المسائل، وإنما شرحنا مسالة
~~الحرام، لان الخلاف فيها أكثر منه في غيرها. قالوا: وقد علمنا أنه لا وجه
~~لأقاويلهم ms295 إلا طريقة القياس والاجتهاد (4)، لان من جعل الحرام طلاقا ثلاثا
~~معلوم أنه لم يرد أنه طلاق ثلاث (5) على الحقيقة، بل أرد أنه كالطلاق
~~الثلاث، وجار مجراه، وكذلك من جعله يمينا وظهارا، ومحال أن يريدوا (6) إلا
~~التشبيه والتمثيل، دون أن يكون عنده ظهارا، أو يمينا على الحقيقة، ولأنه
~~(7) قد نقل عنهم النص الصريح بأنهم قالوا ذلك قياسا، لان من ذهب إلى أن
~~الجد بمنزلة الأب نص على أنه مع فقد الأب بمنزلة ابن الابن مع
# PageV02P706
# فقد الابن (1)، حتى صرح ابن عباس بأن قال: (ألا يتقي (2) الله زيد بن
~~ثابت، يجعل (3) ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب (4) الأب أبا)، وقد علمنا أنه
~~لم يرجع في ذلك إلى نص، لان الجد لا نص عليه في الكتاب، فلم يبق إلا سلوكهم
~~طريق (5) التمثيل والمقايسة. وروي أيضا عمن قال بالمقايسة بين الأخ والجد
~~أنه شبههما بغصني (6) شجرة وجدولي (7) نهر.
# وهذا يبطل قول (8) من ادعى أنهم قالوا ذلك على طريق البور (9) والصلح، أو
~~لأنه أقل ما قيل فيه، أو حكموا بحكم (10) العقل، أو لنص (11) خفي.
# ويبطل ذلك زائدا على ما تقدم أنهم اختلفوا فيما لا يسوغ فيه الصلح (12)
~~لتعلقه بتحريم الفروج وتحليلها، كمسألة الحرام
# PageV02P707
# والايلاء وغيرهما. ولأن ما يقال من طريق الصلح لا يفرع عليه، ولا يبنى
~~(1) بحسبه المذاهب. ولأنهم (2) اختلفوا في مواضع لا يصح أن يقال فيها بأقل
~~ما قيل. ولأنهم (3) اختلفوا (4) فيما زاد على أقل ما قيل، فقالوا أيضا -
~~بأقاويل كلها خارج عما في أصل العقل.
# ولو قالوه أيضا لنص، لوجب أن يظهر، لان الدواعي (5) إلى إظهاره قوي. فإذا
~~ثبت ذلك من حالهم، فهم بين قائل بالقياس، ومصوب له غير منكر عليه، فصاروا
~~مجمعين (6) على القول به، و إجماعهم حجة.
# الثاني (7) مما تعلقوا به أنهم قالوا: قد ظهر عن (8) الصحابة القول (9)
~~بالرأي، وإضافة مذاهبهم إلى الرأي. ولفظ الرأي (10) إذا أطلق لم يفد القول
~~بالحكم من طريق النص، لان ما طريقه العلم لا يضاف إلى الرأي، جليا كان
~~الدليل أو خفيا (11)، ولا يستفاد من ذلك ms296 إلا
# PageV02P708
# القول من طريق القياس والاجتهاد. والأخبار الواردة بذلك كثيرة نحو ما روي
~~عن أبي بكر في الكلالة: (أقول فيها برأيي)، و قول عمر: (أقضي فيها برأيي) *
~~وقوله: (هذا ما (1) رأى (2) عمر) ونحو قول أمير المؤمنين عليه السلام في
~~أمهات الأولاد: ((3) كان رأيي و (4) رأي عمر ألا يبعن ثم رأيت بيعهن)، وهذه
~~الجملة تدل (5) على قولهم بالقياس والاجتهاد من الوجه الذي ذكرناه، ولو كان
~~اعتمادهم في ذلك على طريق من طرق العلم، لم يصح منهم الرجوع من رأي إلى
~~آخر، ولا التوقف فيه، وتجويز كونه صوابا، ولا أن يمسكوا (6) عن تخطئة
~~المخالف والنكير عليه، و (7) لان الأدلة لا تتناقض، ولا تختلف (8)، فكيف
~~يجوز أن يرجع كل واحد إلى دليل مع اختلاف أقوالهم.
# والثالث مما (9) تعلقوا به ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله لما
# PageV02P709
# أنفذ معاذا إلى اليمن، قال له: (بماذا تقضي (1))، قال: (بكتاب الله)،
~~قال: (فإن لم تجد في كتاب الله)، قال: (بسنة رسول الله)، قال:
# (فإن لم تجد في سنة رسول الله)، قال: (أجتهد برأيي (2))، فقال عليه
~~السلام -:
# (الحمد (3) لله الذي وفق رسول (4) رسول لله لما يرضاه رسول الله).
# وبأنه قد (5) روي عن ابن مسعود مثل ذلك، وهو أنه قال له: (اقض بالكتاب
~~والسنة إذا وجدتها، فإن لم تجد الحكم فيهما، فاجتهد رأيك). وبما روي عن عمر
~~في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري إنه (6) قال: (قس الأمور برأيك).
# والرابع مما تعلقوا به قوله تعالى -: (فاعتبروا يا أولي الابصار)، قالوا:
~~والاعتبار هو المقايسة، لان الميزان يسمى معبارا (7) من حيث يتبين (8) به
~~مساواة الشئ لغيره. وبما روي عن ابن عباس من قوله في الأسنان: (اعتبروا
~~حالها بالأصابع التي ديتها متساوية).
# PageV02P710
# وربما استدلوا بالآية على وجه آخر فقالوا: قد دل تعالى بهذه الآية على أن
~~المشاركة في العلة تقتضي (1) المشاركة في الحكم، وذلك أنه قال تعالى (هو
~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم (2) لأول الحشر، ما ظننتم
~~أن يخرجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، ms297 فأتاهم الله (3) من حيث لم
~~يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، تخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين،
~~فاعتبروا يا أولي الابصار.) فذكر تعالى ما حل بهم، ونبه (4)، على (5) علته
~~وسببه، ثم أمر بالاعتبار، وذلك تحذير (6) من مشاركتهم في السبب، فلو لم تكن
~~(7) المشاركة في السبب تقتضي (1) المشاركة في الحكم، ما كان للقول معنى.
# والخامس مما تعلقوا به (8) أن قالوا: إذا ثبت أنه لا بد في الفروع
~~الشرعية من حكم، ولم نجد نصا (9) ولا دليلا على
# PageV02P711
# حكمها، فيجب أن نكون (1) متعبدين فيها بالقياس.
# وربما استدلوا بهذه الطريقة من وجه آخر: فقالوا: قد ثبت عن الصحابة أنهم
~~رجعوا في طلب أحكام الحوادث إلى الشرع، فإذا (2) علم ذلك من حالهم في جميع
~~الحوادث على كثرتها و صح أنه لا نص يدل على هذه الأحكام بظاهره، ولا دليله
~~(3)، فليس بعد ذلك إلا القياس والاجتهاد. ولأن التبخيت (4) يمنع منه العقل
~~(5).
# وهذا الاستدلال يخالف الطريقة الأولى التي حكيناها عنهم، لأنهم لم يرجعوا
~~في هذا إلى إجماعهم (6) على نفس القياس والاجتهاد، بل رجعوا إلى إجماعهم في
~~طلبهم الاحكام من جهة الشرع، وفي الطريقة الأولى اعتبروا إجماعهم على نفس
~~القول بالقياس.
# والسادس مما تعلقوا به ما استدل به الشافعي وجماعة معه من أن القبلة لما
~~وجب طلبها بما (7) يمكن الطلب به (8) عند عدم العين،
# PageV02P712
# فكذلك (1) يجب طلب الحكم في الفرع (2) عند عدم النص بما يمكن طلبه به.
# والذي حكيناه من استدلالهم هو أقوى (3) ما اعتمدوه، وما فيه بعض الشبهة،
~~وإلا، فقد اعتمدوا طرقا كثيرة ضعيفة (4) قد طعن بعضهم على بعض في اعتمادهم
~~عليها، وبينوا (5) فيها أنها لا تدل (6) على القياس، ولا (7) على ثبوت
~~العبادة به، وإن دلت على جوازه، مثل قوله - تعالى -: (فجزاء مثل ما قتل من
~~النعم). وقوله - تعالى -: (وعلى الموسع (8) قدره وعلى المقتر قدره). وقوله
~~- عز وجل -: (فإن خفتم ألا تعدلوا، فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم) وما روي
~~عنه عليه السلام من قوله للخثعمية: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت
~~تقضيه؟)، قالت (9): (نعم)، قال عليه السلام ms298 -: (فدين الله أحق أن يقضى).
~~وقوله لعمر حين سأله عن القبلة للصائم:
# (أرأيت لو تمضمضت بماء أكنت شاربه؟). وقوله في حديث
# PageV02P713
# أبي هريرة حيث سأله السائل عن رجل ولد له غلام أسود فقال عليه السلام له:
~~(ألك إبل؟) قال: (نعم)، قال: (ما ألوانها؟)، قال: (حمر)، قال: (أفيها أورق
~~(1)؟)، قال: (نعم)، قال (2): (فأنى ذلك؟)، قال: (لعل عرقا نزعه (3))، قال
~~عليه السلام -: (وهذا لعل عرقا نزعه). وغير هذا مما لم نذكره لضعفه وبيان
~~أمره.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: لنا في الكلام على هذا الوجه ثلاثة وجوه:
# أولها أن جميع ما رويتموه من اختلافهم (4) في الحرام والجد (5) أخبار
~~آحاد لا توجب العلم، وأكثر ما تقتضيه (6) * غلبة (7) الظن، فكيف تستدلون
~~(8) بذلك على مسألة علمية؟!. واختلافهم على (9) الجملة في مسائل من الشريعة
~~هو الظاهر لمن قرأ أخبارهم، ودونه في الرتبة أنهم اختلفوا في الجملة في
~~(10) مسألة (11) الحرام والجد،
# PageV02P714
# ودون الامرين في الرتبة تفصيل المذاهب، وأن بعضهم جعل الحرام طلاقا، وبعض
~~جعله يمينا (1)، فإن هم (2) حملوا نفوسهم على ادعاء العلم الضروري أو العلم
~~المساوي للعلم بالبلدان والحوادث العظام في القسم الأول، لم (3) يمكنهم ذلك
~~في الثاني، وإن تم لهم في الأول والثاني، لم يتم في الثالث، وليس يجوز في
~~موضع (4) من المواضع أن يكون العلم بجمل (5) الأشياء يجرى مجرى العلم
~~بتفاصيلها، ألا ترى أن العلم ببدر وحنين على الجملة لا يجري مجرى العلم (6)
~~بتفصيل ما جرى فيهما (7)، وعدد القتلى (8)، وما أشبهها، والعلم بالهجرة على
~~الجملة لا يساوي العلم بتفصيلها، والعلم بسخاء حاتم و شجاعة عمرو على
~~الجملة لا يساوي العمل بتفصيل أفعالهما؟!. وأي عاقل يقدم على القول (9)
~~بأنني أعلم أن الصحابي ذهب في الحرام إلى أنه طلاق أو يمين أو ظهار على حد
~~علمي بمكة والهجرة ودعاء النبي إلى نفسه؟! وغاية ما يمكن ذكره في أقسام
~~الخلاف في
# PageV02P715
# الحرام أنه مثبت (1) بغالب الظن القوي، لان العلم الذي هو نظير العلم
~~بالبلدان وما أشبهها (2) يجب اشتراك العقلاء فيه، وليس هم (3) بمشتركين
~~فيما ذكرناه. وإذا كان ms299 استدلالهم مبنيا على أن هذه الوجوه من المذاهب
~~المروية عنهم لا يجوز أن تستدرك (4) إلا بالقياس، وكان (5) ذلك مظنونا غير
~~معلوم، بطل اعتمادهم من أصله.
# وكيف يمكن زائدا على ما ذكرناه أن (6) يدعى العلم الضروري في تفصيل هذه
~~المذاهب مع اختلاف الروايات فيها؟! لان ابن مسعود تختلف (7) الرواية عنه
~~فيروى أنه كان يجعله يمينا، وتارة يروى أيضا أنه يجعله تطليقة واحدة، ويروى
~~عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يجعل الحرام تطليقات ثلثا، ونحن نروي
~~عنه عليه السلام (8) أنه كان لا يعتد (9) بذلك، ولا يجعل له حكما ألبتة،
~~كما رووا (10) عن مسروق، فمع هذا الاختلاف كيف يدعى العلم
# PageV02P716
# الضروري؟! وجرى استدلالهم على صحة القياس هيهنا (1) مجرى استدلالهم على
~~(2) العمل بخبر الواحد، لأنهم بنوه على أخبار آحاد غير معلومة (3)،
~~فاستدلوا بمظنون في موضع معلوم، وقد بينا ذلك فيما تقدم.
# وأما الوجه الثاني في الكلام (4) على هذه الطريقة، أن نبين (5) بطلان ما
~~ادعوه، وقطعوا عليه، من أن القول في المسائل التي ذكروها لم يكن (6) إلا
~~للقياس، ونبين (7) أنه يمكن أن يكون للنص، إما بظاهره، أو بدليله (8)،
~~فالاحتمال في هذا الموضع كاف.
# ثم نقول لمعتمدي هذه الطريقة: لم زعمتم أن القول في هذه المسائل إنما كان
~~بالقياس؟! فلم نجدكم عولتم إلا على دعوى، ولم (9) إذا اختلفوا، وتباينت
~~أقوالهم، وجب أن يسندوا تلك المذاهب إلى القياس؟! فإنهم يعلمون أن الاختلاف
~~في المذاهب
# PageV02P717
# المستندة إلى النصوص ممكن (1) بالشبهات، كإمكانه في المستندة (2) إلى
~~القياس، ولم أنكرتم أن يكون كل واحد منهم إنما ذهب إلى ما حكي عنه لتمسكه
~~بدليل نص اعتقد أنه دال على مذهبه (3)؟!.
# فإن قالوا: لو كانوا قالوا بذلك للنصوص، لوجب أن تنقل تلك النصوص،
~~وتشتهر، لان الدواعي تقوى (4) إلى نقلها و الاحتجاج بها.
# قلنا: أول ما نقوله (5): أنا لم نلزمكم أن يكونوا اعتمدوا في هذه المذاهب
~~نصوصا تدل صريحا (6) على المذاهب التي اعتقدوها (7)، بل ألزمناكم أن يكونوا
~~اعتمدوا فيها أدلة النصوص التي يحتاج فيها إلى ضرب من الاستدلال والتأمل،
~~وسواء كانت هذه النصوص ms300 ظاهرة للكل (8) معلومة للجميع، أو كانت (9) مختصة
~~فلا يجب أن يفرضوا كلامنا في غير ما فرضناه فيه.
# PageV02P718
# على أنا نقول لهم: و (1) لو كانوا اعتمدوا في ذلك على علل قياسية، لوجب
~~نقلها وظهورها، لان الدواعي إلى نقل مذاهبهم تدعوا إلى نقل طرائقهم (2)،
~~وما به احتجوا عليه، وما يجدون (3) في ذلك (4) رواية فإن كان فقد ما
~~اعتمدوه (5) من دليل النص وارتفاع روايته دليلا على أنهم قالوا بالقياس،
~~فكذلك يجب أن يكون فقدنا لرواية (6) عنهم يتضمن (7) أنهم قالوا بذلك (8)
~~قياسا دليلا على القول به (9) من طريق النصوص.
# فإن قالوا: الفرق بين الامرين أن القياس مما لا يجب اتباع العالم (10)
~~فيه، والنص يجب اتباعه، فوجب نقل النص، ولم يجب مثله في القياس.
# قلنا: إطلاقكم أن القياس لا يجب فيه الاتباع لا يصح على مذهبكم (11)، بل
~~يجب فيه ذلك إذا ظهر وجه القول به، وأمارات
# PageV02P719
# غلبة الظن فيه، وإنما لا يجب * القول به بارتفاع هذا (1) الشرط (2)، وعلى
~~العالم أن يظهر وجه قوله لمن خالفه ليظهر له منه ما يكون فرضه معه الانتقال
~~عما كان عليه، ولولا هذا (3) ما حسنت (4) مناظرة أصحاب القياس والاجتهاد
~~بعضهم لبعض، ولم ينقل عن الصحابة وجه قولهم في مسألة الحرام التي وقع النص
~~من مخالفينا عليها لقوتها عندهم، وما رأيناهم رووا عنهم العلة التي جعلوا
~~هذا القول لها طلاقا ثلاثا، أو ظهارا، أو يمينا.
# على أنه إنما يجب على المعتقد المذهب أن يظهر وجه قوله عند المناظرة أو
~~الحاجة الداعية، فأما أن يكون ظهور وجه القول (5) كظهور القول والمذهب،
~~فغير (6) واجب، وكيف يقال ذلك ونحن نعلم أن كثيرا من الصحابة ومن كان بعدهم
~~قد ظهرت عنه (7) مذاهب كثيرة فيما طريقه العلم والدليل القاطع من غير أن
~~يظهر عنه أو ينقل ما كان دليله بعينه، ولأي طريق قال بذلك المذهب،
~~وأعتقده؟.
# PageV02P720
# فإن قالوا: فقد تناظروا و (1) رد (2) بعضهم على بعض، ولم يذكر عنهم
~~احتجاج بنص (3).
# قلنا: ليس يمكن أن يحكى في مسألة (4) الحرام التي اعتمدت، ولا في غيرها
~~من المسائل التي ms301 لم يذكر فيها وجه احتجاج أنهم اجتمعوا فيها لمناظرة
~~ومنازعة، وحاج بعضهم بعضا، ورد عليه، ثم لم يذكروا أدلة النص، ولا وردت
~~رواية بشئ من ذلك، وأكثر ما روي إضافة هذه المذاهب إلى القائلين بها.
# على أنهم إن كانوا تناظروا وتنازعوا فلا بد أن يظهر كل واحد منهم (5) وجه
~~قوله (6)، سواء كان نصا أو قياسا، وفي مثل هذه (7) الحال لا يسوغ الاعراض
~~(8) عن (9) ذكر وجه القول، وإن جاز في (10) غيرها (11)، ولهذا لا نجد أحدا
~~من الفقهاء ينازع خصمه، ويرد مذاهبه (12) عليه على سبيل المناظرة، ولا يظهر
~~وجه قياسه، والعلة
# PageV02P721
# التي من أجلها ذهب إلى ما ذهب (1) إليه، بل لا بد له (2) من تحرير علله
~~وتهذيبها، والاحتراز فيها من النقص (3)، وإذا كنا لم نجد رواية عن أحد منهم
~~بوجه قياسه، والعلة التي من أجلها جمع بين الامرين اللذين شبه أحدهما
~~بالآخر، فيجب أن ينفى (4) عنهم القول بالقياس.
# فإن قالوا: من شأن العلماء أن يذكروا النصوص الشاهدة (5) لأقوالهم لترتفع
~~عنهم التهمة في الخطاء، أو القول بغير دليل.
# قلنا: ومن شأنهم أن يذكروا الوجوه القياسية المصححة لمذاهبهم، لترتفع
~~عنهم التهمة التي ذكرتموها.
# وبعد، فلعل القوم كانوا آمنين من أن يتهموا بالتبخيت (6) والاعتقادات
~~المبتدأة، فلم يحتاجوا إلى ذلك.
# فإن قالوا: ليس نجد في نصوص الكتاب والسنة ظاهرا ولا دليلا يدل على هذه
~~المذاهب التي حكينا اختلافهم فيها، اللهم إلا أن يدعوا (7) نصوصا غير
~~ظاهرة، بل (8) اختص كل واحد منهم بها،
# PageV02P722
# فيظهر بطلان قولكم لكل أحد (1). ويلزم حينئذ أن تكون (2) تلك النصوص قد
~~أشيعت وأظهرت لتعلم وتعرف، وإلا طرق ذلك إبطال الشريعة أو أكثرها.
# قلنا: إنا ما ضمنا لكم أن يكون كل واحد من القوم ذهب إلى مذهبه لدليل
~~عليه (3) من جهة النص، وإنما ألزمناكم أن تجوزوا (4) تشبث كل واحد منهم (5)
~~بوجه اعتقده دليلا، وقد يجوز أن يكون فيه (6) مخطئا أو مصيبا، ولو أخطأت
~~الجماعة في استدلالها على أقوالها إلا واحدا منها لم يضرنا (7) فيما
~~قصدناه، لان الذي آمن من اجتماعهم على الخطاء لا يؤمن ms302 من (8) اجتماع (9)
~~أكثرهم عليه، ففقدكم (10) من نصوص الكتاب والسنة أدلة على تلك المذاهب لا
~~يدخل على (11) ما قلناه، اللهم إلا أن يريدوا (12) أنا فقدنا ما يمكن
~~التعلق به أو الاعتقاد فيه أنه دليل، فهذا إذا ادعيتموه علمتم
# PageV02P723
# ما فيه، وقيل لكم: من أين قلتم ذلك؟! وكيف يحاط (1) بمثله، و يقطع عليه؟!
~~وهذا تحجر في الشبه طريف (2)، وليس يجب (3) في الشبه ما يجب في الأدلة، لان
~~الأدلة منحصرة، والشبه لا تنحصر.
# على أنا نقول لهم: وما نجد لقول كل واحد من الجماعة علة تقتضي (4) القول
~~بمذهبه، فيجب أن ينفى اعتمادهم في هذه المذاهب على العلل القياسية.
# فإن قالوا: إنكم لم تجدوا علة يجب عندها الحكم بكل ما حكي من المذاهب،
~~فألا (5) أنتم تجدون ما يمكن أن يجعل علة ويعتقد عنده بالتقصير المذهب؟.
# قلنا: وهكذا (6) نقول لكم فيما تقدم.
# على أنا نقول لكم (7): لم أنكرتم أن يكون (8) من ذهب (9) في الحرام إلى
~~الطلاق الثلث إنما قال بذلك من حيث جعله ككنايات الطلاق التي هي طلاق على
~~الحقيقة، ولها أحكام الطلاق عند كثير
# PageV02P724
# منكم من غير اعتبار النية، ورجع (1) * في ذلك إلى النص في الطلاق فأدخله
~~في جملة ما يتناوله الاسم. ومن قال: أنها يمين، رجع أيضا إلى نص الكتاب
~~الذي يرجع إليه القائلون في زماننا هذا بأن الحرام يمين، وهو قوله - تعالى
~~-: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك)، ثم (2)
~~قوله عز وجل (3) من بعد: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم)، فإن النبي صلى
~~الله عليه وآله حرم على نفسه مارية القبطية، أو شرب العسل على اختلاف
~~الرواية في ذلك، فأنزل الله تعالى ما تلوناه، وسميه يمينا، بقوله تعالى -
~~(4): (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم)، فدخل فيما يتناوله اللفظ؟!.
# ومن عجيب الامر أنهم يجدون كثيرا من الفقهاء يتعلقون (5) في زماننا هذا
~~في هذه المسألة بالظاهر والنص، ويعجبون من (6) أن يكون بعض الصحابة رجع في
~~شئ من المذاهب التي حكوها إلى النص، ويقطعون على أنه لا مخرج لها ms303 في النص،
~~وهذا يدل
# PageV02P725
# على قلة التأمل.
# ويمكن أيضا مثل ذلك فيمن ذهب إلى أنه ظهار بأن يكون أجراه مجرى الظهار
~~(1) في تناول الاسم له، وإن كان لفظه مخالفا للفظ الظهار كما كانت كنايات
~~الطلاق مخالفة للفظ الطلاق، وأجريت مجراه، وكذلك لفظ الحرام مخالف للفظ
~~اليمين (2)، و أجري (3) في تناول الاسم مجريه. ومن ذهب إلى أنه تطليقة
~~واحدة (4) كأنه ذهب إلى الطلاق، وإلى أقل ما يقع به، والذاهب إلى الثلث ذهب
~~إلى الأكثر والأعم، وكل هذا مما يمكن أن يتعلق فيه بالظواهر والنصوص، ويكفي
~~(5) الإشارة إلى ما يمكن أن يكون متعلقا، وليس يلزم أن يكون حجة قاطعة
~~ودليلا صحيحا.
# فأما قول مسروق، فواضح أنه لم يقله قياسا، وأنه لما لم يجعل لهذا القول
~~تأثيرا تمسك بالأصل في الحكم، أو ببعض الظواهر التي تحظر (6) تحريم المحلل.
# PageV02P726
# فإن قالوا: لو كانوا رجعوا في هذه الأقوال إلى ظواهر النصوص أو (1)
~~أدلتها، لوجب (2) أن يخطئ بعضهم بعضا، لان الحق لا يكون إلا في أحد
~~الأقوال.
# قلنا: لا شئ أبلغ في التخطئة من المجاهرة بالخلاف والفتوى بخلاف المذهب،
~~وهذا قد كان منهم، وزاد بعضهم عليه حتى انتهى إلى ذكر المباهلة (3)
~~والتخويف بالله تعالى - فأما السباب واللعان والرجوع عن الولاية، فليس يجب
~~عندنا بكل خطأ، وسنحكم القول في ذلك إذا انتهينا (4) إلى الكلام على
~~الطريقة الثانية التي حكيناها عنهم بعون الله ومشيئته.
# فأما قولهم: إنهم جعلوه طلاقا (5) تشبيها وتمثيلا، فقد بينا أنه غير
~~ممتنع أن يكونوا ألحقوه بما يتناوله الاسم.
# على أنهم لا يقدرون على أن يحكوا (6) في الرواية عنهم أنهم قالوا: قلنا
~~بكذا تشبيها بكذا، وإنما روي أنهم جعلوا الحرام طلاقا، وحكموا فيه بحكم
~~الطلاق، فأما من أي وجه فعلوا
# PageV02P727
# ذلك؟ وهل ألحقوه به تمثيلا و (1) تشبيها، أو في تناول الاسم؟، فليس
~~بمنقول.
# على أنه ليس يمتنع (2) أن يشبه (3) الشئ بالشئ لا على سبيل المقايسة (4)،
~~بل على سبيل الافهام والتقريب، فيقول (5) من ينفي (6) القياس مثلا:
~~المصافحة والمعانقة يجريان مجرى المجامعة في نقض الطهر (7)، وإن لم ms304 يكن
~~حاملا لهما عليها بالقياس (8)، بل يذهب إلى تناول اللفظ للكل، فلو نقل عنه
~~التصريح بالتمثيل والتشبيه، لم يكن فيه دلالة على القياس، لان القياس ليس
~~(9) هو أن يقول القائل (10):
# الحكم في هذا الشئ التحريم كما كان في غيره مما يتناول النص تحريمه، بل
~~القياس هو أن يثبت للمسكوت (11) عن حكمه مثل حكم المنطوق بحكمه، لعلة جمعت
~~بينهما، وتكون (12) العلة معلومة مميزة مستدلا على كونها علة من دون سائر
~~صفات الأصل
# PageV02P728
# بالدليل، وهذا مما لا يروى عن أحد من الصحابة أنه (1) استعمله على وجه من
~~الوجوه، فكيف (2) يدعى مع ذلك التصريح منهم بالقياس؟!.
# فأما ادعاؤهم أنهم صرحوا بالقياس، وتعلقهم بما روي عن ابن عباس من قوله:
~~ألا (3) يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا؟!
~~وما روي من التشبيه بغصني (4) شجرة وجدولي (5) نهر، فلا تعلق لهم بمثله.
# وأول ما فيه أنه لا يجب أن يعتمدوا في تثبيت (6) العبادة بالقياس على
~~أخبار آحاد غير مقطوع بها، لان إثبات القياس عندهم من الأمور المعلومة التي
~~توصل (7) إليها بالأدلة القاطعة، ولا تغني (8) في مثله (9) الظنون، والذي
~~رووه عن ابن عباس وغيره من أخبار الآحاد التي لا يقطع (10) بها، فكيف (11)
~~يستدل بها (12) لو كان فيها (13) دلالة على
# PageV02P729
# ما (1) ثبت بالأدلة الموجبة للعلم. وليس لهم أن يدعوا الاجماع على صحة
~~هذه (2) الاخبار و (3) تلقي الأمة لها بالقبول، أو يدعوا تواترها
~~وانتشارها، وذلك أنها وإن ظهرت بين الفقهاء وذكرت في كتب أصحاب الفرائض،
~~فلا شبهة في أن موردها * مورد الآحاد، وابتداء النقل فيها كان خاصا، ولا
~~فرق بين مدعي تواترها وبين (4) مدعي تواتر جميع أخبار الآحاد التي ظهرت بين
~~الفقهاء، وكثر احتجاجهم بما في كتبهم ومناظراتهم، وإن كان (5) أصولها
~~آحادا.
# فأما الاجماع والتلقي بالقبول، فإنه غير مسلم، لأنه لم يكن منهم في هذه
~~الأخبار من القبول إلا ما كان منهم في خبر الوضوء من مس الذكر، وكقوله: إن
~~الأعمال بالنيات، وما شاكل ذلك من أخبار الآحاد، فقد علمنا أن هذه ms305 الأخبار
~~التي ذكرناها وما جرى مجراها ليس مما تجب به الحجة (6) ولا (7) تثبت (8)
~~بمثلها (9) الأصول التي (10) طريقها العلم.
# PageV02P730
# فإن قالوا: خبر (مس (1) الذكر) و (الأعمال بالنيات) ما قبلوه من حيث
~~قطعوا على صحته، وإنما عملوا به لأنهم يعملون على أخبار الآحاد.
# قلنا: وهكذا خبر غصني (2) الشجرة، والخبر الآخر، ولن يجدوا (3) بين
~~الامرين فرقا.
# وبعد، فلو سلمنا قيام الحجة لما رووه وإن لم يكن كذلك لم يكن فيه دلالة
~~على قولهم (4)، لان أكثر (5) ما في الرواية عن ابن عباس أنه أنكر على زيد
~~أنه لم يحكم للجد بحكم الأب الأدنى، كما حكم في ابن الابن، وليس في الرواية
~~أنه أنكر ذلك عليه، وجمع بين الامرين بعلة قياسية أوجبت الجمع بينهما،
~~وظاهر نكيره يحتمل أن يكون لان ظاهرا من القول أوجب عنده إجراء (6) الأب
~~مجرى الجد (7)، كما أن ظاهر آخر أوجب إجراء ابن الابن مجرى ابن الصلب، ألا
~~ترى أنه يحسن من نافي القياس
# PageV02P731
# العامل في مذاهبه كلها على النصوص أن يقول (1) لمن خالفه في حكم
~~الملامسة: أما تتقي (2) الله توجب انتقاض الطهر بالتقاء الختانين، ولا توجب
~~انتقاضه بالقبلة، وهو يذهب إلى أن الجامع بينهما ظاهر قوله - تعالى -: (أو
~~لامستم النساء)، فلا يمتنع أن يكون ابن عباس إنما دعا زيدا إلى القول
~~بالظاهر، وقال: إذا أجريت ابن الابن مجرى الابن للصلب (3) لوقوع اسم الولد
~~عليه، وانتظام قوله تعالى -: (يوصيكم الله في أولادكم) لهما، فأجر - أيضا
~~الجد مجرى الأب الأدنى لوقوع اسم الأب عليهما. و قد روي عن ابن عباس تصريحه
~~في التعلق في ذلك بالقرآن.
# على أن (4) ظاهر قول ابن عباس يشهد بمذاهبنا (5) لأنه نسب زيدا إلى
~~مفارقة التقوى، وخوفه بالله تعالى فلولا أن (6) زيدا عنده كان في حكم
~~العادل عن النص، لم يصح منه إطلاق ذلك القول، لان من يعدل عن موجب (7)
~~القياس على اختلاف (8) مذاهب مثبتيه (9)
# PageV02P732
# لا ينسبونه إلى (1) مفارقة التقوى، لان أكثرهم (2) يقول: إنه مصيب، ومن
~~خطأه يقول: إنه معذور، و (3) لا يبلغ (4) به هذه الحال.
# فأما ذكرهم غصني ms306 (5) الشجرة وجدولي (6) النهر، فلا (7) يوجب (8) القول
~~بالقياس، وإنما سلكوا ذلك تقريبا للقول من الفهم، و تنبيها عليه من غير أن
~~يجعلوه علة موجبة للحكم، كما يفعل المعلم مع المتعلم (9) من ضرب الأمثال
~~(10) وتقريب (11) البعيد وإزالة اللبس (12) عن الامر المشتبه. وكيف يصح أن
~~يدعى في ذلك أنه على طريق (13) المقايسة، وقد علمنا أن القدر (14) الذي
~~اعتمدوه من ذكر الغصن والجدول لا يصح أن يكون عند أحد أصولا في الشريعة
~~يقاس عليها، وتثبت (15) الاحكام بها. (16)
# PageV02P733
# على أن الوجه في ذكر (1) ذلك التوصل إلى معرفة أقرب الرجلين من المتوفي
~~وألصقهم به نسبا، ثم رجعوا في توريثه إلى الدليل الموجب للأقرب الميراث،
~~وهذا كما يتنازع رجلان في ميراث ميت، ويدعي كل واحد منهما أنه أقرب إليه من
~~الآخر، فيصح لمن أراد اعتبار أمرهما أن يعد الآباء بين الميت وبين كل واحد
~~منهما، ويحصيهم (2)، ليعلم (3) أن الأقرب هو من قل عدد الآباء بينه وبين
~~الميت. وله أيضا أن يوضح (4) ذلك لمن التبس عليه بذكر الأمثال والنظائر وإن
~~كان كل (5) ذلك مما لا يثبت به التوريث، و إنما يعرف به الأقرب، وبالنصوص
~~تثبت المواريث.
# وأما الوجه الثالث من الكلام على هذه الطريقة، فهو أنا نقول لهم: لم
~~زعمتم أن النكير مرتفع، وقد روي عن كل واحد من الصحابة الذين أضفتم إليهم
~~القول بالقياس ذم القياس (6)، وتوبيخ فاعله، والازراء عليه، فروي عن أمير
~~المؤمنين عليه السلام أنه قال: (لو كان الدين (7) يؤخذ (8) قياسا لكان باطن
~~الخف أولى بالمسح
# PageV02P734
# من ظاهره)، وهذا تصريح منه عليه السلام بأنه لا (1) قياس في الدين، وروي
~~عنه (صلوات الله عليه) أيضا قوله: (من أراد أن يتقحم (2) جراثيم جهنم،
~~فليقل في الجد (3) برأيه). وهذا اللفظ أيضا يروى (4) عن عمر، والنقل عنه
~~عليه السلام - مستفيض بإنكار القياس في الشريعة أكثر من استفاضته (5) عن
~~غيره هذا ما يرويه مخالفونا من أصحاب الحديث في هذا الباب. وأما ما يرويه
~~شيعة أمير المؤمنين عليه السلام عنه وعن أبنائه عليهم السلام من إنكار
~~القياس في الشريعة، وتقريع (6) مستعمليه ms307 (7) وتضليل متبعيه، فإن الشرح لا
~~يأتي عليه، لكثرته، وظهوره، وانتشاره. ومما رواه مخالفونا من أصحاب الحديث
~~في هذا الباب * عن أبي بكر (8) قوله: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا
~~قلت في كتاب الله برأيي). وعن عمر (9) أنه قال: (إياكم و (10) أصحاب الرأي
~~فإنهم أعداء (11) السنن (12)، أعيتهم (13)
# PageV02P735
# الأحاديث أن (1) يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا). وروي عنه أنه
~~قال: (إياكم والمكايلة)، قيل: (وما المكايلة)، قال:
# (المقايسة). وروى شريح قال: (كتب إلى (2) عمر بن الخطاب و هو يومئذ من
~~قبله اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك (3) ما ليس في كتاب الله، فاقض بما في
~~(4) سنة (5) رسول الله، فإن جاءك (3) ما ليس في سنة رسول الله، فاقض بما
~~أجمع (6) أهل العلم عليه (7)، فإن لم تجد، فلا عليك أن لا تقضي.) وروي عن
~~(8) عمر أيضا أنه قال:
# (أجرأكم على الجد (9) أجرأكم على النار)، وعن عبد الله بن مسعود أنه قال:
~~(يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ (10) الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور (11)
~~برأيهم.)، وعنه أنه قال: (إذا قلتم في دينكم بالقياس، أحللتم كثيرا مما حرم
~~الله وحرمتم كثيرا مما حلل (12) الله.)، وروي عن عبد الله بن عباس أن الله
~~تعالى قال (13) لنبيه صلى الله عليه وآله -: (احكم
# PageV02P736
# بينهم بما أنزل الله) ولم يقل (1): (بما رأيت)، وروي عنه أيضا أنه قال:
~~(لو جعل لاحد أن يحكم بما يراه، لجعل (2) ذلك لرسول الله صلى الله عليه
~~وآله لقوله (3) تعالى -: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله)، وروي عنه أنه
~~قال: (إياكم والمقاييس، فإنما (4) عبدت الشمس والقمر بالمقاييس)، وعن عبد
~~الله بن عمر أنه قال: (السنة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله لا
~~تجعلوا (5) الرأي سنة للمسلمين.) وقال مسروق (6): (لا أقيس شيئا بشئ، أخاف
~~أن تزل قدمي بعد ثبوتها)، وكان ابن سيرين (7) يذم القياس، ويقول: (أول من
~~قاس إبليس).
# وروي عنه أيضا أنه كان لا يكاد يقول برأيه شيئا (8)، و (9) قال الشعبي
~~(10) لرجل: (لعلك من القائسين)، وقال: (إن أخذتم بالقياس، أحللتم الحرام،
~~وحرمتم الحلال)، وكان أبو سلمة بن ms308 عبد الرحمن لا يفتي برأيه (11).
# PageV02P737
# وإذا كان القوم قد صرحوا بذم القياس، وإنكاره وتوبيخ فاعله، فأي نكير
~~يتجاوز ما ذكرناه ورويناه (1) عنهم؟!.
# وليس لهم أن يتأولوا (2) الألفاظ التي رويناها عنهم، ويستكرهوا التأويل
~~فيها، فيتعسفوا (3)، مثل أن يحملوها على إنكار بعض القياس دون بعض، و (4)
~~على وجه دون وجه، ليسلم لهم ما حكوه من قولهم بالرأي والقياس، لان ذلك إنما
~~كان يسوغ لو كان ما استدلوا به على قولهم بالقياس غير محتمل للتأويل، وكان
~~صريحا في دلالته على ذلك، فأما و (5) قد بينا أن جميع ما تعلقوا به في
~~مسألة الحرام وغيرها من المسائل (6) لا يدل (7) على القياس، ولا له (8)
~~أيضا ظاهر (9) في الدلالة عليه، وسنبين بمشية الله تعالى مثل ذلك في تعلقهم
~~بالرأي، وإضافة الاحكام إليه، وأنه لا ظاهر له في الدلالة على القياس، فضلا
~~عن أن يحتمل التأويل.
# ولا وجه لتأويلهم ما رويناه من الاخبار، لا سيما وجميعها (10) له
# PageV02P738
# ظاهر في نفي القياس، لابد لهم من العدول عنه إذا صح تأويلهم (1)، فكيف
~~يعدل عما له ظاهر في الدلالة على أمر لأجل ما لا ظاهر له.
# ولو تساوى الأمران في الظاهر - أيضا -، وليسا (2) كذلك لم يكن لهم أن
~~يحملوا أخبارنا على التأويلات التي ذكروها، لتسلم (3) دلالة (4) ما تعلقوا
~~به على القياس، ولا (5) كانوا بذلك أولى منا إذا تأولنا ما رووه، و (6)
~~حملناه على أن القول فيه إنما كان بالنصوص وأدلتها، لتسلم (7) دلالة ما
~~رويناه على نفي القياس. وما لا يزالون يتعلقون به في ذلك، من قولهم: إن
~~المنكرين لذلك هم المستعملون له، فلا بد من حمل النكير على ما يوافق ما ظهر
~~عنهم من استعمال القياس تعللا (8) منهم بالباطل (9)، وذلك أنا لا نعلم أنهم
~~يستعملون القياس ضرورة، أو من وجه (10) لا يسوغ فيه التأويل، ولا يدخله
~~الاحتمال، وإنما ادعي ذلك عليهم، وتعلق
# PageV02P739
# مدعيه بما لا ظاهر له، ولا شهادة فيه على القول بالقياس، وأحسن أحواله أن
~~يكون محتملا، فكيف يصح ما ذكروه؟!.
# وهذه الجملة التي ذكرناها تسقط قولهم: إن الذي ms309 ذموه (1) هو الذي يصدر عن
~~الهوى، أو (2) الذي يستعمل في غير موضعه، وأن أمير المؤمنين عليه السلام
~~إنما نفى أن يكون جميع الدين يؤخذ بالقياس، وكذلك أبو بكر إنما استكبر (3)
~~استعمال الرأي في كتاب الله تعالى على وجه لا يسوغ فيه، إلى غير هذا مما
~~يقولونه، ويفزعون إليه، لان كل ذلك منهم عدول عن الظاهر، وتخصيص لاطلاقه،
~~وتأويل (4) لا يجب المصير إليه إلا بعد القطع على صحة القياس، وأن القوم
~~قالوا به على وجه لا يحتمل التأويل.
# فأما قول بعضهم: إنهم فعلوا ذلك تشددا واحتياطا للدين، حتى لا (5) يعول
~~(6) الفقهاء على القياس، ويعدلوا عن تتبع الكتاب والسنة.
# فظاهر البطلان، وذلك أن التشدد لا يجوز أن يبلغ إلى
# PageV02P740
# إنكار ما أوجبه الله تعالى أو (1) قبح (2) فيه، ولا يقتضي أن يخرجوا
~~إنكارهم المخرج الموهم لانكار الحق، ولو كان ذلك غرضهم، لوجب أن يصرحوا بذم
~~(3) العدول عن الكتاب والسنة، * والاعراض عن تأملهما (4) والتشاغل بغيرهما،
~~من غير أن يطلقوا إنكار القياس (5) والرأي اللذين هما عندكم أصلان من أصول
~~الدين، تاليان (6) للكتاب والسنة والاجماع.
# على أنه يمكن أن يقال لهم مع تسليم ارتفاع (7) النكير:
# لم أنكرتم أن يكون بعض الصحابة الذين حكيتم عنهم الاختلاف في مسألة
~~الحرام وغيرها - وهو من كان قوله منهم (8) أبعد من (9) أن يتناوله شئ (10)
~~من ظواهر الكتاب والسنة - استعمل القياس وأن يكون الباقون رجعوا في مذاهبهم
~~إلى النصوص وأدلتها، غير أن من ذهب إلى القياس منهم لم يظهر وجه قوله، ولا
~~علمت الجماعة (11)
# PageV02P741
# أنه قاله (1) قياسا، ولو علموا (2) بذلك، لأنكروه (3)، غير أنهم لم
~~يعلموا، فأحسنوا الظن بالقائل، وظنوا أنه لم يقل إلا عن نص أو طريق مخالف
~~للقياس. وليس يجب أن يكون وجه قول كل واحد منهم على التفصيل (4) معلوما
~~للجماعة، ومتى ادعوا ذلك، طالبناهم بالدليل على صحته، فإنهم لا يجدونه.
# وأنهم متى قالوا في هذه الأخبار التي رويناها في إنكارهم القياس: إنها
~~أخبار آحاد (5) لا توجب علما (6). قلنا: ولا أخباركم في إثبات القياس توجب
~~علما على ما تقدم بيانه، ومعارضة ms310 ما (7) ليس بمعلوم (8) بما ليس بمعلوم
~~صحيحة (9). ولهذه الاخبار التي رويناها ظواهر في نفي القياس، وتصريح بذمه،
~~وليس للاخبار التي رووها ظاهر (10) في إثبات القياس، ولا تصريح بأنهم
~~استعملوه.
# ويمكن في الطعن على طريقتهم هذه التي تكلمنا عليها وجه
# PageV02P742
# آخر صعب (1)، نسلم (2) لهم فيه أن الصحابة قالت بالقياس أو أكثرهم، وأن
~~النكير على من قال ذلك ارتفع: وهو أن نقول لهم: إن ارتفاع النكير عندنا
~~وعند المحصلين منكم والمحققين لا يدل في كل موضع على الرضا والتسليم، وإنه
~~إنما يدل على الرضا بشرط أن يعلم أنه لا وجه له إلا الرضا، و (3) لا داعي
~~(4) إليه سواه، فأما مع تجويز كونه للرضا وغيره، فلا دلالة فيه.
# وإنما عدلنا عن هذا الوجه وذكره في جملة الوجوه التي طعنا (5) بها على
~~طريقتهم (6) لان الفقهاء يستوحشون من مثل هذا الجنس من الكلام، لكونه طاعنا
~~في أصول هي أهم من القياس، ولأنه يحوج (7) إلى الكلام في الإمامة، فاقتصرنا
~~على ما هو أوفق وأليق.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: قد ادعيتم في معنى الرأي ما لا يصح، لان
~~الرأي إذا أطلق، أفاد كل ما (8) كان متوصلا (9) إليه (10)
# PageV02P743
# بضرب من الاستدلال الذي يصح فيه اعتراض الشبهات، واختلاف أهل الاسلام،
~~ولا يختص ما قيل قياسا دون ما قيل من جهة اعتبار الظواهر والاستدلال بها،
~~ألا ترى أنهم يقولون: فلان يرى العدل، وفلان يرى القدر (1)، وفلان يرى
~~الارجاء، وفلان يرى القطع على عذاب فساق أهل الصلاة، وإن كان كل ذلك متوصلا
~~إليه بالأدلة الموجبة للعلم. وكذلك يقولون: إن أبا حنيفة يرى الوضوء
~~بالنبيذ (2)، وإن ذلك رأيه، (3) كما يقال: إنه مذهبه، وإن كان لا يرجع في
~~ذلك إلى قياس واجتهاد. ويقال أيضا: إن القضاء بالشاهد واليمين رأي مالك
~~والشافعي، وإن كان مرجعهما فيه إلى الخبر.
# وإن الأقراء (4) التي تعتبر في العدة على رأي أبي حنيفة الحيض (5)، وعلى
~~رأي الشافعي وغيره الأطهار: وإن كان رجوع كل واحد منهما في ذلك إلى ضرب من
~~الاستدلال (6) يخالف القياس. فإذا كان معنى الرأي ms311 والمستفاد به المذهب
~~والاعتقاد على ما ذكرناه، لم يكن (7)
# PageV02P744
# في إضافة الصحابة أقوالها إلى الرأي دلالة على ما توهمه خصومنا من القول
~~(1) بالقياس، لأنهم لم ينصوا على أن الرأي (2) الذي رأوه (3) هو الصادر عن
~~القياس دون غيره، فإذا (4) لم ينصوا، والقول محتمل لما نقوله، لم يكن للخصم
~~فيه دلالة.
# فإن قالوا: إن كان القول في الرأي على ما ذكرتم، فلم (5) لا يقال: إن
~~المسلمين يرون التمسك بالصلاة والصوم وما أشبه ذلك من الأمور المعلومة
~~بالنصوص.
# قلنا: إنما لا (6) يقال ذلك، لما بيناه من أن لفظ الرأي يفيد في التعارف
~~الأمور المعلومة (7) من الطرق التي يصح أن تعترضها (8) الشبهات، ويختلف
~~فيها أهل القبلة، ولهذا لا يضيفون الأمور المعلومة ضرورة (9) من واجبات
~~العقول إلى الرأي، كقبح الظلم، ووجوب الانصاف، ولا يضيفون أيضا - إليه
~~العلم بدعاء الرسول عليه السلام لامته إلى صلوات خمس وصوم شهر معين، وكذلك
~~أيضا لا يضيفون
# PageV02P745
# إليه سائر الأمور المعلومة بالأدلة التي لا يختلف المسلمون فيها، كوجوب
~~التمسك بالصلاة والصوم، والعلم بنبوة النبي صلى الله عليه وآله وصدق دعواه،
~~وقد بينا أنهم يطلقون الرأي في القول بالعدل والقدر وغير ذلك مما فارق ما
~~ذكرناه.
# فإن قالوا: إنما صح أن يقول العدلي: فلان يرى القدر، ويقول القدري: فلان
~~يرى العدل، لان كل واحد منهما ينسب صاحبه إلى القول بغير علم وإن اجتهد،
~~فينسبه (1) إلى القول الذي هو بالرأي الذي (2) هو القياس (3).
# قيل لهم (4): هذا (5) الاطلاق الذي حكيناه * ليس يختص بواحد دون آخر، بل
~~(6) العدلي يقول في نفسه وفيمن يقول بقوله: إنه يرى (7) العدل، وكذلك قائل
~~القدر والارجاء (8). على أن العدلي لا (9) يرى أن القدري قائل (10) بالقدر
~~إلا عن تقليد أو شبهة، وليس يرى
# PageV02P746
# أنه قائل عن اجتهاد يقتضي غلبة الظن، حتى يطلق عليه لفظ الرأي المختص
~~عندهم بالمذاهب الحاصلة من طريق القياس.
# فان (1) قالوا: كيف (2) يصح أن ينازعوا في اختصاص الرأي بما ذكرناه،
~~ومعلوم أن القائل إذا قال: هذا مذهب أهل الرأي وقال أهل الرأي كذا وكذا لم
~~يفهم منه ms312 إلا أهل القياس دون غيرهم؟.
# قيل لهم: هذا تعارف حادث في أهل القياس (3)، لأنه لما حدث (4) الاختلاف
~~بين الأمة في القياس، فنفاه قوم، وأثبته قوم غلب على مثبتيه (5) الإضافة
~~إلى الرأي، ومعلوم أن هذا التعارف لم يكن في زمن (6) الصحابة، فكيف يحمل
~~خطابهم عليه؟!.
# على أنه ليس معنا (7) عن (8) أحد من الصحابة أنه (9) قال: نحن من أهل
~~الرأي، والمروي عنهم (10) قولهم (11): رأينا كذا (12)، وكان
# PageV02P747
# رأيي ورأي فلان كذا، وليس يمتنع أن يكون في بعض تصرف اللفظة من التعارف
~~ما ليس هو في جميع تصرفها (1)، وتكون (2) الإضافة إلى الرأي هي التي غلب
~~فيها ما ذكروه، وإن لم يغلب في قولهم:
# رأيت، وكان كذا من رأيي. وهذا مما لا يمكن دفعه، فإنه لا شبهة على أحد في
~~أن قولهم: فلان من أهل الرأي لا يجري في الاختصاص بالإضافة إلى الاجتهاد
~~والقياس مجرى قولهم: رأي فلان كذا، وكان رأي فلان أن يقول بكذا، وأن الثاني
~~لا تعارف فيه يخصصه، وإن كان في الأول. وإذا صح ما ذكرناه، (3) لم يمتنع أن
~~يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (كان رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، ورأيي
~~الآن أن يبعن)، أي مذهبي وما أفتي به. وكذلك قول أبي بكر: (أقول فيها
~~برأيي)، أي ما أعتقد وأداني (4) الاستدلال إليه.
# وكذلك قول عمر: (أقضي فيها برأيي).
# فإن قالوا: إذا (5) كان الامر على ما قلتم، فلم قالوا: إن كان صوابا فمن
~~الله، و (6) إن كان خطأ فمني ومن (7) الشيطان؟ والنصوص
# PageV02P748
# لا يكون فيها خطأ.
# قيل لهم: قد يخطئ المحتج بالكتاب والسنة والمستدل بأدلتهما، بأن يضع
~~الاستدلال في غير موضعه، مثل أن يؤخر مقدما (1)، أو يقدم مؤخرا، أو يخص
~~عاما، أو يعم خاصا، أو يتمسك بمنسوخ، أو يعمل على ما هناك أولى منه، فيكون
~~الخطأ منه أو من الشيطان، فالكتاب والسنة وإن لم يكن فيهما خطأ، فالمستدل
~~بهما قد يخطئ وقد يصيب.
# على أنا إذا تأملنا المسائل التي قالوا فيها بما (2) قالوا، أو أضافوه
~~إلى رأيهم، وجدنا جميعها له مخرج في ms313 أدلة النصوص (3)، والذاهب إليها (4)
~~متعلق بغير القياس.
# أما (5) بيع أم الولد فيمكن أن يعول من منع منه على (6) ما روي عنه عليه
~~السلام من قوله: (أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة) وبما روي عنه عليه
~~السلام في مارية القبطية لما ولدت إبراهيم (أعتقها ولدها).
# PageV02P749
# ومن ذهب إلى جواز (1) بيعها أمكنه التعلق بأشياء:
# منها أن أصل الملك جواز التصرف، والولادة غير مزيلة للملك، بدلالة أن
~~لسيدها (2) وطئها بعد الولادة من غير ملك ثان ولا عقد نكاح، وذلك يقتضي
~~بقاء (3) السبب المبيح للوطي، وهو الملك.
# ومنها أنه لا (4) خلاف في أن عتقها بعد الولادة جائز، ولو كان الملك
~~زائلا، لما (5) جاز العتق.
# ومنها قوله تعالى: (وأحل الله البيع) ويتعلق بعمومه في كل بيع إلا ما
~~أخرجه الدليل. فلعل من أجاز البيع في الصدر الأول تعلق (6) ببعض ما ذكرناه.
# ومن تأمل احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام في بيع أمهات الأولاد، وجده
~~مخالفا لطريقة القياس، لان المروي عنه عليه السلام أنه قال سبق كتاب الله
~~بجواز (7) بيعها، فأضاف جواز البيع إلى الكتاب دون غيره (8).
# PageV02P750
# فأما قول أبى بكر وقد سئل عن الكلالة: (أقول فيها برأيي) فإن (1) كان
~~حقا، فمن الله، وإن كان خطأ، فمني، هي ما عدا الوالد والولد)، فليس يجوز أن
~~يكون الرأي الذي ذكره هو القياس، لان السؤال وقع على معنى اسم، والأسماء لا
~~مدخل للقياس فيها، وإنما يرجع إلى المواضعة وتوقيف أهل اللسان، وكتاب الله
~~يدل على معنى الكلالة، لأنه تعالى قال: (يستفتونك، قل:
# الله يفتيكم في الكلالة) وما تولى الله تفسيره لم يدخله الرأي الذي هو
~~الاجتهاد والقياس.
# ويبين (2) ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر وقد كرر السؤال
~~عليه عن الكلالة: (تكفيك (3) آية الصيف (4)) وهذا يدل على أن الآية نفسها
~~تفيد الحكم.
# وكذلك إن تعلقوا بما روى عن عبد الله بن مسعود، و (5) أنه سئل عن امرأة
~~مات عنها زوجها، ولم يسم لها صداقا، ولم يدخل بها، فردد السائل شهرا، ثم
~~قال: (أقول فيها برأيي (6)، فإن ms314 كان
# PageV02P751
# حقا، فمن الله، وإن كان خطأ، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريان
~~(1)،: عليها العدة، ولها الميراث، * ولها مهر نسائها، (2) لا وكس ولا شطط)
~~فقال معقل بن يسار: (أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في بروع بنت
~~واشق بما قضيت) فسر (3) عبد الله.
# وذلك أن لقول (4) عبد الله ظاهرا (5) في كتاب الله تعالى يمكن أن يرجع
~~إليه، وهو عموم قوله تعالى -: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن
~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) لان عموم الآية يقتضي العدة على كل (6) زوجة
~~توفي عنها زوجها، ولم يخص من الجملة من لم يسم لها زوجها صداقا (7). ويمكن
~~أن يكون أوجب الميراث لكل زوجة بقوله تعالى -: (ولهن الربع مما تركتم) ولم
~~يخص من لم يطأها زوجها ولم يسم لها صداقا، فأوجب المهر للمنكوحة بقوله
~~تعالى فأنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف) وذلك موجب لمهر
# PageV02P752
# المثل، لان المسمى لا يتجاوز، ولا تغير (1) فيه، وإذا (2) كان لكل حكم
~~(3) أفتى به وجه في الظاهر، فما السبب في القطع على إضافة قوله إلى القياس.
# فإن قيل: فلم رددهم (4) شهرا؟ ولم قال: (وإن (5) كان (6) خطأ فمني)؟ وكيف
~~يكون في الحكم المأخوذ من ظاهر الكتاب خطأ؟!.
# قلنا: يجوز أن يكون توقفه وترداده للسائل لطلبه (7) لما عساه يقتضي تخصيص
~~الآيات التي ذكرناها، والتماسا لما لعله يعثر (8) عليه مما يجب له ترك
~~الظاهر. ويمكن أيضا أن يكون لم يتعين عليه فرض الفتيا لوجود غيره من علماء
~~الصحابة، فآثر طلب السلامة والاعراض (9) عن الجواب والفتيا (10)، ثم لما
~~ألحوا (11) عليه أجاب.
# فأما قوله: (فإن (12) كان خطأ فمني)، فقد تقدم الكلام على نظيره.
# PageV02P753
# ويمكن أن يكون (1) لأنه جوز أن يكون هناك ما هو أولى من الظاهر من دليل
~~يخص، أو رواية تقتضيه (2) من الرسول عليه السلام في مثل ما سئل عنه، تخالف
~~(3) قضيته، أو غير ذلك مما يكون العدول إليه أولى.
# على أنهم يقولون: (كل مجتهد مصيب) فيلزمهم السؤال عن قوله: (إن كان خطأ
~~فمني)، وكيف نسب نفسه إلى الخطاء وهو مجتهد، ms315 فلا بد لهم (4) من الرجوع إلى
~~تجويزه على نفسه التقصير في طلب خبر لو استقصى لظفر به، وما جرى مجرى ذلك.
# ومتى تأملت جميع المسائل التي حكي عنهم إضافة القول فيها إلى الرأي (5)،
~~وجدت لها مخرجا في الظواهر، وطرقا تخالف (6) القياس.
# وأما (7) قولهم: فلو كان رجوعهم في ذلك إلى طرق العلم (8)، لما صح منهم
~~الرجوع من رأي إلى آخر، ولا التوقف فيه وتجويز كونه خطأ وصوابا.
# PageV02P754
# فمن بعيد ما يقال، وذلك أن الرجوع إلى المذاهب والعدول عنها لا يدل على
~~القول بالقياس والظن، لان ذلك قد يصح فيما طريقه العلم (1) والأدلة، ألا
~~ترى أن القائل بالاجبار (2) قد يعدل عنه إلى القول بالعدل، وكذلك قد يعدل
~~(3) عن القطع على عقاب الفساق من أهل القبلة إلى القول بالارجاء، وسائر
~~مسائل الأصول (4) ذلك ممكن فيها. فليس التنقل دلالة على ما ظنوه.
# وأما التوقف، فقد يجوز أن يكون طلبا للاستدلال والتأمل، كما يتوقف
~~الناظرون (5) في كثير من مسائل الأصول التي يتوصل إليها بالأدلة المفضية
~~إلى العلم، و (6) يتثبتون (7) تحرزا من الغلط، واحتياطا في إصابة الحق.
# فأما تجويز كونه خطأ و (8) صوابا، فالوجه فيه (9) ما ذكرناه في خبر ابن
~~مسعود، وأن ذلك يحسن أن يقال بحيث يكون التجويز
# PageV02P755
# لورود ما هو أولى من الظواهر (1) ثابتا، لان الناظر ربما كان متهما (2)
~~نفسه في التقصير، ومجوزا أن يكون في السنة مخصص أو معنى يقتضي العدول إليه
~~لم ينعم (3) النظر في طلبه.
# فأما قوله: ولا أن يمسكوا (4) عن تخطئة (5) المخالف و (6) النكير عليه،
~~لان الأدلة لا تتناقض (7) ولا تختلف (8)، فكيف يجوز أن يرجع (9) كل واحد
~~منهم في قوله إلى دليل؟!، فقد بينا أنا لا نقول: إن مع كل واحد دليلا على
~~الحقيقة، وإنما قلنا: يجوز أن يكون كل واحد تعلق بطريقة (10) من الظاهر
~~وأدلة النصوص اعتقدها دليلا، ولا شبهة في أن الأدلة لا تتناقض (11)، إلا أن
~~ما يعتقد (12) بالشبهة دليلا لا يجب ذلك فيه. فأما الامساك (13) عن النكير
~~والتخطئة، فلم يمسكوا عنهما (14)،
# PageV02P756
# والعلم بأن بعضهم خطأ بعضا يجري ms316 مجرى العلم بأنهم اختلفوا، وما دافع أحد
~~الامرين إلا كدافع الآخر.
# ويدل (1) على ما قلناه (2) ما روى عن أمير المؤمنين عليه السلام - وقد
~~استفتاه عمر في امرأة وجه إليها، فألقت (3) ما في بطنها (4)، وقد أفتاه
~~كافة من حضره من الصحابة بأنه لا شئ عليه، لأنه مؤدب، فقال عليه السلام -:
~~إن كان هذه جهد رأيهم فقد أخطأوا (5)، وإن كانوا قاربوك فقد غشوك (6)) وهذا
~~تصريح بالتخطئة. والخبر الذي رويناه متقدما (7) عنه عليه السلام - يشهد
~~أيضا بذلك، وهو قوله: (من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه)
~~وروي عن ابن عباس أنه قال:
# (من شاء (8) باهلته إن الذي أحصى * رمل عالج عددا ما جعل للمال (9) نصفين
~~وثلثا) وروي عنه أنه قال: (من شاء باهلته إن الجد أب). وقد رويت المباهلة
~~أيضا عن ابن مسعود في قصة أخرى (10)، وروي
# PageV02P757
# عن ابن عباس الخبر الذي تقدم من قوله: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت) وهذا
~~أيضا صريح (1) في التخطئة، وتخويف بالله تعالى (2) في المقام على المذهب،
~~والخبر الذي رويناه أيضا عن عمر أنه قال (أجرأكم على الجد أجرأكم على
~~النار) واضح في هذا الباب، وروي عن عائشة أنها بعثت (3) إلى زيد بن أرقم،
~~وقد اشترى ما باعه (4) بأقل مما باعه به قبل أن يقبض (5) الثمن، (إنك إن لم
~~تتب، فقد بطل جهادك مع رسول الله صلى الله عليه وآله)، وقيل لابن المسيب
~~(6): (إن شريحا قضى في مكاتب عليه دين أن الدين والكتابة بالحصص)، فقال:
~~(أخطأ شريح). وقد ورد بهذا المعنى من الاخبار ما لا يحصى.
# فأما مالا يزالون يستكرهونه، ويتعسفونه، من تأويل هذه الأخبار مثل قولهم
~~في قصة (7) المجهضة بولدها: إن الخطأ والغش إنما أراد (8) به ترك (9) ما هو
~~أولى في النصح والمذهب، وأن ابن عباس
# PageV02P758
# دعا (1) إلى المباهلة لأنه خطئ (2) في اجتهاده، فدعا (3) من خطأه ذلك لا
~~في نفس المذهب إلى المباهلة، وأن ذكر جهنم والنار على سبيل التشدد والتحرز
~~(4)، وأن ذلك تخويف لمن أقدم عليه من غير فكر ولا تحفظ، وفي ms317 حديث إحباط
~~الجهاد أنه مشروط بأن يكون ذاكرا للخبر (5) المقتضي بخلاف (6) قوله، فكله
~~عدول عن ظواهر الاخبار، وحملها (7) على ما لا يحتمله، وذلك إنما يسوغ متى
~~ثبت لنا تصويب القوم بعضهم لبعض في مذاهبهم من وجه لا يحتمل التأويل، فأما
~~ولا شئ يذكر في ذلك إلا وهو محتمل للتصويب ولغيره على ما ذكرناه وسنذكره،
~~فلا وجه للالتفات إلى التأويلات البعيدة المستكرهة.
# فإن قالوا: نحن و (8) إن صوبنا المجتهدين، فليس نمنع (9) من (10) أن يكون
~~في جملة المسائل (11) ما الحق فيه في واحد، ولا يسوغ
# PageV02P759
# في مثله الاجتهاد، فأكثر ما تقتضيه (1) الاخبار التي رويتموها أن يكون
~~الاجتهاد غير سائغ في هذه المسائل بعينها، وهذا لا يدل على أن سائر المسائل
~~كذلك.
# قلنا: لا فرق بين هذه المسائل (2) التي روينا فيها الاخبار وبين غيرها،
~~وليس (3) لها صفة تباين بها ما عداها من مسائل الاجتهاد، ألا ترون أنه لا
~~نص في شئ منها يقطع العذر كما أن ذلك ليس في غيرها من مسائل الاجتهاد؟ وإذا
~~لم تتميز (4) من غيرها، لم يسغ (5) ما ادعيتموه، واشترك (6) الكل في جواز
~~الاجتهاد فيه، والمنع منه.
# فإن قالوا: ليس تخلو (7) أقوالهم في هذه المسائل (8) التي أضافوها إلى
~~الرأي (9) وأمثالها من أن يكونوا ذهبوا إليها (10) من طرق الأدلة الموجبة
~~للعلم أو من جهة الاجتهاد والقياس: ولو كان الأول لوجب أن يكون الحق في أحد
~~الأقوال دون جميعها، ولوجب (11)
# PageV02P760
# أن يكون (1) ما عدا المذهب الواحد الذي هو الحق فيها باطلا، ولو كان
~~كذلك، لوجب أن يقطعوا ولاية قائله، وتبرأوا (2) منه، ولا يعظموه، ألا ترى
~~أنهم في أمور كثيرة خرجوا إلى المقاتلة وحمل السلاح، ورجعوا عن التعظيم
~~والولاية لما لم يكن من باب الاجتهاد؟! فلو كان الكل واحدا، لفعلوا في
~~جميعه فعلا واحدا، ولو كان الامر أيضا على خلاف قولنا، لم يحسن أن يولي
~~بعضهم بعضا مع علمهم بخلافهم عليه، (3) في مذهبه، كما ولى أمير المؤمنين
~~شريحا مع علمه بخلافه له في كثير من الاحكام، وكما ولى أبو بكر زيدا وهو
~~يخالفه ms318 في الجد، ولولا (4) اعتقاد المولي أن المولى محق، وأن الذي يذهب
~~إليه وإن كان مخالفا لمذهبه صواب، لم يجز ذلك، ولا جاز أيضا أن يسوغ له
~~الفتيا، ويحيل عليه بها، وقد كانوا يفعلون ذلك.
# وكان يجب أيضا أن ينقض (5) بعضهم على بعض الأحكام التي (6) يخالفهم فيها
~~(7) لما تمكن من ذلك، وأن ينقض (5) الواحد على
# PageV02P761
# نفسه ما حكم به في حال ثم رجع إلى ما يخالفه في أخرى، لان كثيرا منهم قد
~~قضى بقضايا مختلفة ولم (1) ينقض (2) على نفسه ما تقدم، فلولا أن الكل عندهم
~~صواب لم يسغ ذلك.
# وأيضا فقد اختلفوا فيما لو كان خطأ لكان كبيرا، نحو اختلافهم في الدماء
~~والفروج والأموال، وقضى بعضهم بإراقة الدم وإباحة المال والفرج، فلو كان
~~فيهم من قد (3) أخطأ، لم يجز أن يكون خطأه إلا كبيرا، ويكون سبيله سبيل من
~~ابتدأ إراقة دم محرم، أو أخذ (4) مالا بغير حق، فأعطاه من لا (5) يستحقه،
~~وفى ذلك تفسيقه ووجوب البراءة منه، وفي علمنا بفقد كل ذلك دلالة على أنهم
~~قالوا اجتهادا، و (6) أن الجماعة مصيبون. وهذه الطريقة * هي عمدتهم (7) في
~~أن كل مجتهد في أحكام الشرع مصيب.
# قيل لهم: ما تنكرون (8) أن يكون (9) الخطاء الواقع ينقسم إلى ما
# PageV02P762
# يوجب البراءة وحمل السلاح واللعن وقطع الولاية، وإلى (1) مالا (2) يوجب
~~شيئا من ذلك، وأن يكون اشتراك الفعلين في كونهما خطأ لا يقتضي اشتراكهما
~~فيما يستحق عليهما، ويعامل (3) به فاعلهما، ألا ترون أن الصغيرة (4) تشارك
~~الكبيرة في القبح ولا يدل ذلك على تساويهما فيما يعامل به فاعلهما، والزنا
~~والكفر مشتركان في القبح ولا يجب (5) تساويهما في سائر الأحكام؟!، وإذا جاز
~~اشتراك الشيئين في القبح مع اختلافهما فيما يستحق عليهما، لم يمتنع أن يكون
~~الحق في أحد ما قاله القوم وما عداه خطأ، ولا يجب مساواة ذلك الخطاء لما
~~يوجب من الخطاء التبري (6) واللعن وحمل السلاح والحرب (7).
# ثم يقال لهم: أليس الصحابة قد اختلفت قبل العقد لأبي بكر، حتى قالت (8)
~~الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) (9) فإذا اعترفوا بذلك - ولا ms319 بد من
~~الاعتراف به - قيل لهم: أو ليس الذين دعوا إلى ذلك
# PageV02P763
# مخطئين لمخالفتهم (1) الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله من
~~قوله، (الأئمة من قريش)؟! فلا بد من الاعتراف (2) بخطائهم.
# فيقال لهم: أفتقولون: إنهم كانوا فساقا ضلالا يستحقون اللعن والبراءة
~~والحرب.
# فإن قالوا: (نعم)، لزمهم (3) تفسيق الأنصار ولعنهم والبراءة منهم، وهذا
~~أقبح (4) مما (5) يعيبونه على من يرمونه بالرفض.
# وإن قالوا: إنهم لم يصروا على ذلك، بل رجعوا إلى الحق، فلم يستحقوا
~~تفسيقا ولا براءة.
# قيل لهم: كلامنا عليهم قبل التسليم وسماع الخبر، وعلى ما قضيتم به يجب أن
~~يكونوا في (6) تلك الحال فساقا يستحقون البراءة واللعن والعدول عن الولاية
~~والتعظيم، وهذا مما لم يقله أحد فيهم.
# على أن فيهم من لم يرجع بعد سماع الخبر، وأقام على (7) أمره (8) فيجب أن
~~يحكموا فيه بكل الذي ذكرناه.
# PageV02P764
# فإن قالوا: إن الأنصار لم تفسق (1) بما دعت إليه، وإن كان الحق في خلاف
~~قولها، ولا استحقت اللعن والبراءة.
# قيل لهم (2): فما تنكرون أن يكون الحق في أحد ما قالته الصحابة من
~~المسائل التي ذكرتموها دون ما عداه، وأن يكون من خالفه لا يستحق شيئا مما
~~ذكرتم.
# ويسألون (3) أيضا على هذا الوجه في جميع ما اختلفت فيه الصحابة مما الحق
~~فيه في واحد، كاختلافهم في مانع الزكاة هل يستحق القتال، وغبر ذلك من
~~المسائل. ويقال: يجب إذا كان من فارق الحق في هذه المسائل (4) من الصحابة
~~قد أخطأ أن يكون في تلك الحال فاسقا منقطع الولاية ملعونا (5) مستحقا
~~للمحاربة.
# ويسألون (6) أيضا عن قضاء عمر في الحامل المعترفة بالزنا بالرجم (7)، حتى
~~قال له (8) أمير المؤمنين عليه السلام: (إن كان لك عليها سبيل (9)
# PageV02P765
# فلا سبيل لك على (1) ما في بطنها). فيقال لهم: أتقولون: إن قضاءه (2)
~~بذلك حق (3): فإن قالوا: (نعم) غلطوا وخالفوا ما عليه الأمة، لان الكل
~~يقولون لا يجوز رجمها وهي حامل، وفي رجوع عمر إلى قول أمير المؤمنين عليه
~~السلام وقوله: (لولا علي لهلك عمر) دلالة على تبينه (4) الخطاء في قضيته،
~~ثم حينئذ ms320 يقال لهم: أتقولون: إذا كان قد أخطأ أنه مستحق للعن (5) والبراءة
~~والتفسيق، فلابد لهم من أن ينفوا ذلك (6) ويجعلوا الخطاء الواقع منه مما لا
~~يقتضي تفسيقا ولا براءة، فيقال لهم في المجتهدين مثله.
# فإن قالوا: إن الخطاء الذي لم تقم الدلالة على أنه فسق يجوز أن يكون
~~فسقا، وأن يكون صاحبه مستحقا لقطع الولاية واللعن والبراءة، أفتقولون في
~~الصحابة مثل ذلك.
# قلنا: هكذا يجب أن يقال، وإنما منعنا من إيجابكم تفسيقهم والرجوع عن
~~ولايتهم باختلافهم في مسائل الاجتهاد، وأعلمناكم
# PageV02P766
# أن ذلك لا يجب في كل خطأ و (1) معصية، وليس هذا مما يوحش، فإن تجويز كون
~~خطأهم (2) في حوادث الشرع كثيرا (3) من حيث لا يعلم، لتجويز (4) كل أحد
~~عليهم (5) أن يكونوا مستسرين بكبيرة (6) يجب لها قطع الولاية، ويستحق بها
~~(7) البراءة واللعن، غير أن تجويز (8) ذلك عليهم في حوادث الشرع لا يوجب
~~الاقدام على قطع ولايتهم، وإسقاط تعظيمهم، كما أن تجويز الكبائر عليهم لا
~~(9) يوجب ذلك، وإنما يوجبه تيقن وقوع الكبائر منهم.
# وفيمن يوافقنا في كون الحق في هذه المسائل (10) واحدا (11) من يقول: إنني
~~آمن من كون خطائهم في حوادث الشرع كبيرا (12) من حيث الاجماع، والطريقة
~~الأولى أمر (13) على النظر.
# واعلم أننا إنما أسقطنا (14) بهذا الكلام الذي بيناه إلزام المخالفين
# PageV02P767
# لنا (1) في خطأ الصحابة أن يكون موجبا * للبراءة (2) بذكر الكبير والصغير
~~الذي هو مذهبهم دون مذهبنا، فكأننا (3) قلنا لهم: ما ألزمتمونا إياه لا
~~يلزمنا على مذاهبكم (4) في أن الصغائر تقع محبطة (5) من غير أن يستحق بها
~~الذم وقطع الولاية، وإذا أردنا أن نجيب (6) بما يستمر على أصولنا ومذاهبنا،
~~فلا يجوز أن نستعير (7) ما ليس هو من أصولنا (8).
# والجواب الصحيح عن هذه المسألة أن الحق في واحد من هذه المسائل المذكورة
~~ومن كان عليه ومهتديا إليه من جملة الصحابة كانوا أقل عددا وأضعف قوة وبطشا
~~ممن كان على خلافه مما هو خطأ، وإنما لم يظهروا النكير (9) عليهم والبراءة
~~منهم تقية وخوفا ونكولا وضعفا.
# فاما تعلقهم بولاية بعضهم بعضا مع المخالفة (10) في المذهب،
# PageV02P768
# و ms321 (1) أن ذلك يدل على التصويب، فليس على ما ظنوه، وذلك أنه لم يول أحد
~~منهم واليا لا شريحا ولا زيدا ولا غيرهما إلا على أن يحكموا (2) بكتاب الله
~~وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وما أجمع عليه المسلمون، ولا يتجاوز الحق في
~~الحوادث، ولا يتعداه، وإذا قلده بهذا الشرط، لم يمكن أن يقال: إنه سوغ له
~~(3) الحكم بخلاف مذهبه، لأنهم لا يتمكنون من أن يقولوا (4): إنه نص له على
~~شئ مما يخالفه فيه، وأباحه (5) الحكم فيه بخلاف رأيه.
# وجملة ما يقال: إنه ليس لأحد أن يقلد حاكما على أن يحكم بمذهب مخصوص، بل
~~يقلده على أن يحكم بالكتاب والسنة والاجماع، ولم يول (6) القوم أحدا (7)
~~إلا هذا الشرط.
# والصحيح أن أمير المؤمنين عليه السلام ما ولى شريحا إلا تقية واستصلاحا
~~وسياسة، ولو ملك اختياره، ما ولاه (8).
# PageV02P769
# فأما تعلقهم بتسويغ الفتيا وإحالة بعضهم على بعض بها، فغير صحيح، وذلك
~~أنهم يدعون (1) في تسويغ الفتيا ما لا يعلمونه، وكيف يسوغون الفتيا (2) على
~~جهة التصويب لها (3)، ونحن نعلم أن بعضهم قد رد (4) على بعض وخطأه وخوفه
~~بالله تعالى من المقام على أمره، وهذا غاية النكير؟! وإن أرادوا أنهم
~~سوغوها (5) من حيث لم ينقضوها، ولم يبطلوا (6) الاحكام المخالفة لهم، فليس
~~(7) ذلك بتسويغ، وسنتكلم عليه بمشيئة الله. وما نعرف أيضا أحدا منهم أرشد
~~في الفتيا إلى من يخالفه فيما يخالفه فيه، ولا يقدرون على أن يعينوا واحدا
~~فعل ذلك، وإنما كانوا يحيلون (8) بالفتيا في الجملة على أهل العلم
~~والقائلين بالحق، والتفصيل غير معلوم من الجملة.
# فأما إلزامهم لنا أن ينقض (9) بعضهم على بعض حكمه، و (10) واحد (11)
# PageV02P770
# على نفسه فيما حكم به ورجع عنه، فغير واجب، لان إقرار الحكم و (1) ورود
~~العبادة بالامساك عن نقضه لا يوجب كونه صوابا، ألا ترى أنا (2) نقرا أهل
~~الذمة على بيوعهم الفاسدة ومناكحتهم (3) الباطلة إذا أدوا الجزية، ونقتصر
~~في إنكاره على إظهار الخلاف، مع أنا لا نرى شيئا من ذلك صوابا، فليس مجئ
~~العبادة بإقرار حكم من الاحكام مع النهي عنه ms322 مما يفسد أو (4) يستحيل، وسبيل
~~ذلك (5) سبيل (6) ابتداء العبادة به، فكما (7) يجوز ورودها، بهذا الحكم
~~ابتداء، جاز ورودها بإقراره بعد وقوعه وإن كان خطأ.
# على أنه قد روي أن شريحا قضى في ابني عم أحدهما أخ لام بمذهب ابن مسعود،
~~فنقض أمير المؤمنين عليه السلام حكمه، وقال: في أي كتاب وجدت ذلك، أو في أي
~~سنة، وهذا يبطل (8) دعوى من ادعى أن أحدا منهم لم ينقض على من خالفه على
~~العموم.
# والقول في نقض الواحد منهم على نفسه يجري على الوجه
# PageV02P771
# الذي ذكرناه.
# فأما تعلقهم بأن الخطاء في الدماء والفروج والأموال لا يكون إلا كبيرا
~~(1)، فواضح البطلان، لأنا نقول لهم: لم (2) زعمتم أن ذلك لا يكون إلا كبيرا
~~(1)؟! ولم إذا كان كبيرا (3) في بعض المواضع ومن بعض الفاعلين، وجب أن يكون
~~كذلك في كل حال، ومن كل (4) أحد؟! أولا ترون أنه قد يشترك فاعلان في إراقة
~~دم غير مستحق ويكون فعل أحدهما كفرا والآخر غير كفر، وإذا جاز ذلك، لم (5)
~~يمتنع أن يشترك فاعلان أيضا (6) في إراقة دم يكون من (7) أحدهما كبيرا (8)
~~ولا يكون من أحدهما كذلك.
# ثم يسألون عما اختلفت فيه الصحابة، وكان الحق فيه في أحد الأقوال، مثل
~~اختلافهم في مانع الزكاة وهل يستحق (9) القتال؟، واختلافهم في الامام (10)
~~يوم السقيفة، ويقال لهم: يجب أن يكون خطأهم كبيرا، لأنهم مخالفون للنصوص،
~~وما الحق فيه في واحد،
# PageV02P772
# ويجب أن يكونوا (1) بمنزلة من ابتدأ خلاف النصوص في غير (2) ذلك (3)، وكل
~~شئ يعتذرون به وينفصلون عنه قوبلوا بمثله.
# على أنهم يقولون: إن قتلا وقع من موسى عليه السلام * صغيرة، ولا يلزمهم
~~أن يكون (4) كل قتل (5) صغيرة. ولا إذا حكموا بكبر (6) القتل منا أن يحكموا
~~بكبره من موسى عليه السلام.
# فاما ما تعلقوا به ثالثا من خبر معاذ، فلا دلالة لهم فيه، و (7) ذلك أنه
~~خبر واحد، وبمثله لا تثبت (8) الأصول المعلومة. و (9) لو ثبتت بأخبار
~~الآحاد، لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لان رواته مجهولون. وقيل رواه جماعة
~~من أصحاب معاذ ولم ms323 يذكروا.
# على أن روايته وردت مختلفة، فجاء في بعضها أنه لما قال:
# (أجتهد رأيي؟)، قال - عليه السلام - له (10): (لا، اكتب إلي، أكتب
# PageV02P773
# إليك) وهذا يوجب أن يكون الامر فيما لا يجده (1) في الكتاب والسنة موقوفا
~~على ما يكتب إليه لا على (2) اجتهاده.
# فإن قالوا: الدليل على صحة (3) روايته تلقي الأمة له عصرا بعد عصر
~~بالقبول. ولأن الصحابة إذا ثبت أنهم عملوا بالقياس والاجتهاد ولا بد في ذلك
~~من نص، ولا نص يدل ظاهره على ذلك إلا خبر معاذ وما خبر معاذ أقوى منه، فيجب
~~من ذلك صحة الخبر.
# قلنا: أما (4) تلقي الأمة له بالقبول، فغير معلوم، وقد بينا أن قبول
~~الأمة لأمثال هذه الأخبار كقبولهم (5) لمس الذكر و (6) ما جرى مجراه مما لا
~~يقطع به (7) ولا يعلم صحته. فأما ادعاؤهم (8) ثبوت عملهم (9) بالقياس، وأنه
~~يجب أن يكون لهذا (10) الخبر، لأنه (11) لا نص غيره، فبناء على ما لم يثبت
~~ولا (12) يثبت (13). وقد بينا بطلان ما ظنوه
# PageV02P774
# دليلا على إجماعهم على ذلك. ولو سلم لهم على ما فيه، لجاز أن يكونوا
~~أجمعوا لبعض ما في الكتاب أو لخبر آخر.
# على أنهم قد اعتمدوا في تصحيح الخبر على ما إذا صح لم يحتج إلى الخبر،
~~ولم يكن دلالة على المسألة، لأنا إذا علمنا إجماعهم على القول بالقياس
~~والاجتهاد، فأي فقر بنا إلى تأمل خبر معاذ؟!
# وكيف يستدل (1) به على ما قد علمناه (2) بغيره؟!.
# فإن قالوا: نعلم بإجماعهم صحة الخبر، ثم يصير (3) الخبر دليلا، كما أن
~~إجماعهم دليل، ويكون المستدل مخيرا في الاستدلال.
# قلنا: ليس (4) يعلم بإجماعهم صحة الخبر إلا بعد أن يعلم أنهم أجمعوا على
~~القياس والاجتهاد، وعلمنا بذلك يخرج الخبر (5) من أن يكون دلالة، وإنما كان
~~يمكن ما ذكروه لو (6) جاز أن يعلم إجماعهم على صحة الخبر من غير أن يعلم
~~(7) إجماعهم على القول بالقياس، وذلك لا يصح.
# PageV02P775
# ثم إذا تجاوزنا عن ذلك، ولم نتعرض (1) للكلام (2) في أصل الخبر، لم يكن
~~فيه دلالة لهم، لأنه قال: (أجتهد رأيي) ولم يقل في ماذا، ms324 ولا ينكر أن يكون
~~معناه أي أجتهد رأيي (3) حتى أجد (4) حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب
~~والسنة، إذ (5) كان في أحكام الله فيهما (6) مالا يتوصل إليه إلا (7)
~~بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص، فادعاؤهم أن إلحاق الفروع بالأصول في
~~الحكم لعلة يستخرجها القياس هو الاجتهاد الذي عناه (8) في الخبر مما لا
~~دليل عليه، ولا سبيل إلى تصحيحه.
# فإن (9) قالوا: ما وجد (10) في دليل النص من كتاب أو سنه هو موجود فيهما،
~~وقوله صلى الله عليه وآله -: (فإن لم تجد) يجب أن يحمل على عمومه، وعلى أنه
~~لم يجده على كل وجه، وإذا حمل على ذلك، فليس بعده إلا الرجوع إلى القياس
~~الذي نقوله (11).
# PageV02P776
# قلنا: (1) ليس (2) يجب حمل الكلام على عمومه عندنا، وقد بينا في الكلام
~~في الوعيد (3) وفي غيره أنه ليس في سائر ألفاظ اللغة ماله ظاهر يقتضي
~~العموم ومتى حمل على الخصوص كان مجازا.
# وبعد، فإنهم (4) لا يقولون بذلك، لان القياس والاجتهاد عندهم من المفهوم
~~بالكتاب والسنة، ومما (5) يدلان عليه، فكيف يصح حمل قوله: (فإن لم تجد) على
~~العموم، وهذا يقتضي أنهم قائلون هذا النفي بالخصوص؟!. فكيف عابوه علينا؟!.
# وبعد، فإن جاز إثبات القياس بمثل خبر معاذ، فإن من نفاه روى (6) ما هو
~~أقوى منه وأوضح لفظا، وذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله:
~~(ستفترق (7) أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمهم فتنة على أمتي قوم يقيسون
~~الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام). والروايات (8) التي يرويها
~~(9)، مخالفونا في هذا كثيرة (10)، ومن
# PageV02P777
# تتبعها وجدها. فأما ما يرويه (1) الامامية فمما لا يحصى كثرة.
# فأما خبر ابن مسعود الذي ذكروه، فالكلام عليه كالكلام على خبر معاذ
~~بعينه.
# فأما كتاب عمر (2) إلى أبي موسى الأشعري، وقوله: (اعرف الأشباه و (3)
~~النظائر (4) وقس الأمور برأيك)، فأضعف في باب الرواية من خبر معاذ، وأبعد
~~من أن يتعلق به في هذا الباب.
# على أنه إذا سلم لم يكن فيه دلالة، وذلك أن القياس الذي دعاه إليه هو
~~إلحاق الشئ بشبهه، ولهذا قال: (اعرف ms325 الأشباه والنظائر (5)) والمشابهة
~~الموجبة (6) للقياس وحمل الشئ على نظيره (7) إنما هي (8) المشاركة في أمر
~~(9) مخصوص به تعلق الحكم، ومن عرف ذلك وحصله وجب عليه (10) الجمع به (11) *
~~بين الأصل والفرع إذا
# PageV02P778
# تعبد بالقياس (1) وحمل الفروع على (2) الأصول، وهذا المقدار لا ينازعون
~~فيه، ولكن لا سبيل إلى معرفته.
# ولو أمكن فيه ما يدعونه من الظن (3)، لم يكن في الخبر أيضا دلالة لهم،
~~لأنه ليس فيه (4) الامر بقياس الفرع على الأصل إذا شاركه (5) في معنى يغلب
~~على (6) الظن (7) أنه علة الحكم، وللمخالف أن يقول لهم: إن الأرز ليس
~~بمشابه (8) للبر، ولا (9) النبيذ التمري (10) بمشابه (11) للخمر، ولا
~~بينهما شبه (12) يوجب التساوي في الحكم، فالخبر (13) إنما يتناول المساواة
~~بين الشيئين، ولا اشتباه هيهنا.
# فإن قالوا: هيهنا اشتباه مظنون.
# قلنا: ليس في (14) الخبر (اعمل على ما تظنه مشتبها) بل
# PageV02P779
# قال: (اعرف الأشباه (1) والنظائر (2)) وذلك يقتضي حصول العلم بالأشباه
~~(1)، لان المعرفة هي العلم، غير أن الامر الذي يقع فيه التشابه في الحكم
~~غير مذكور في الخبر.
# فإن جاز لهم أن يقولوا: إنه عنى (3) المشابهة (4) في المعاني التي يدعيها
~~القائسون، كالكيل في البر والشدة (5) في الخمر، جاز لخصومهم أن يدعوا أنه
~~(6) أراد المشابهة (4) في إطلاق الاسم واشتمال اللفظ، ويكون ذلك دعاء منه
~~(7) إلى القول بحمل اللفظ على كل ما تحته من المسميات، لتساويها في تناول
~~اللفظ، كأنه تعالى إذا قال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وعلم أن كل
~~سارق يقع هذا الاسم عليه ويشارك سائر السراق في تناول اللفظ، وجب التسوية
~~بين الجميع في الحكم، إلا أن تقوم (8) دلالة.
# فأما ما (9) تعلقوا به رابعا (10) من الآية، فالكلام (11) عليه أن نقول
~~لهم:
# PageV02P780
# ما تنكرون (1) أن يكون لفظ الاعتبار لا (2) يستفاد منه الحكم بالقياس،
~~وإنما يستفاد به الاتعاظ والتدبر (3) والتفكر (4)، وذلك هو المفهوم من
~~ظاهره وإطلاقه، لأنه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي:
# إنه معتبر، كما يقال فيمن يتفكر في معاده ويتدبر أمر (5) منقلبه ويتعظ
~~بذلك: إنه معتبر وكثير (6) الاعتبار، وقد يتقدم بعض الناس في العلوم وإثبات
~~الاحكام من طرق القياس، ms326 ويقل تفكره (7) في معاده وتدبره (8)، فيقال (9):
~~إنه غير معتبر أو (10) هو قليل الاعتبار. وقد يستوي في المعرفة بحال الشئ
~~وإثبات حكمه نفسان، فيوصف أحدهما (11) بالاعتبار دون الآخر (12) على المعنى
~~الذي ذكرناه. ولهذا يقولون عند الامر (13) العظيم: (إن في هذا لعبرة) وقال
~~الله تعالى -:
# (وإن لكم في الانعام لعبرة) وما روي عن ابن عباس خبر واحد
# PageV02P781
# لا يثبت بمثله اللغة.
# ثم لو صح، لكان محمولا على المجاز بشهادة الاستعمال الذي ذكرناه.
# على أنا لو سلمنا (1) جواز استعمال (2) الاعتبار، لم يكن في الآية دلالة
~~إلا على ما ذكر فيها من أمر الكفار، وظنهم أن حصونهم تمنعهم (3) من الله
~~تعالى و (4) وقوع ما وقع (5) بهم. وكأنه قال تعالى -: (فاعتبروا يا أولي
~~الابصار) وليس يليق هذا الموضع بالقياس في الأحكام الشرعية، لأنه تعالى لو
~~صرح عقيب ما ذكره (6) من حال الكفار بأن قال: قيسوا (7) في الأحكام الشرعية
~~واجتهدوا، لكان الكلام لغوا لا فائدة فيه، ولا يليق بعضه ببعض، فثبت أنه
~~أراد الاتعاظ (8) والتفكر.
# على أنه يمكن أن يقال لهم: على تسليم تناول اللفظ للقياس بإطلاقها، ما
~~تنكرون أنا (9) نستعمل (10) موجب الآية بأن
# PageV02P782
# نقيس (1) الفروع على الأصول في أننا (2) لا نثبت (3) لها (4) الاحكام إلا
~~بالنصوص، لان هذا أيضا قياس (5)، فقد ساويناكم في التعلق بالآية، فمن أين
~~لكم أن القياس الذي تناولته (6) الآية هو ما يذكرونه دون ما ذكرناه،
~~وكلاهما قياس على الحقيقة؟!.
# وليس يمكنهم أن يقولوا: نجمع (7) بين الامرين، لأنهما (8) يتنافيان،
~~والجمع بينهما لا يصح.
# ولا لهم (9) أيضا أن يقولوا: قولنا أرجح من حيث كان فيه إثبات (10)
~~الاحكام، وقولكم فيه نفي لها، وذلك لان الترجيح بما ذكروه إنما يصح متى ثبت
~~(11) كلا وجهي القياس، فيصح (12) الترجيح والتقوية، فأما (13) الخلاف فيهما
~~هل يثبتان أو يثبت أحدهما؟، فلا طريق للترجيح.
# PageV02P783
# ويقال لهم في تعلقهم (1) بهذه الآية على الوجه الثاني: إذا كان تعالى قد
~~نبه على (2) ما زعمتم بالآية على أن المشاركة في السبب والعلة تقتضي (3)
~~المشاركة في الحكم، فيجب أن يكون كل من فعل مثل فعل الذين ms327 أخبر الله (4)
~~تعالى عنهم في الآية (5) أن يحل به (6) مثل ما حل بهم.
# فإن قالوا: كذلك هو، أريناهم بطلان قولهم ضرورة، لوجودنا (7) من يشارك
~~المذكورين في المخالفة والمعصية وإن لم يصبه ما أصابهم.
# فأما ما تعلقوا به خامسا، فالجواب عنه أن يقال لهم: في الحوادث الشرعية
~~حكم لكنه ما كان في العقل، أو فيها حكم ولم (8) يكلف معرفته، أو لا حكم
~~فيها (9) جملة، فكل ذلك جائز (10) لا مانع منه.
# PageV02P784
# فأما تعلقهم (1) * بهذه الطريقة على الوجه الثاني (2) الذي ذكروه،
~~واعتقدوا أنهم قد (3) تحرزوا (4) به من (5) المطاعن التي تدخل (6) عليهم في
~~الوجه الأول، فيجري في الضعف مجرى الأول، وذلك أنه مبني على أنه (7) لا نص
~~يدل بظاهره ولا دليله (8) على أحكام الحوادث، فيجب لذلك (9) الرجوع إلى
~~القياس فيها، ودون ما ظنوه خرط القتاد، لأنا قد بينا أن جميع ما اختلفت فيه
~~الصحابة من الاحكام له وجه في النصوص، وأن ما لا نقف (10) على وجهه (11)
~~بعينه (12) يمكن أن يكون له وجه، وأن القطع على انتفاء مثل ذلك لا يمكن بما
~~يستغنى عن إعادته.
# على أن أكثر ما في هذا أن يكون (13) جميع الحوادث التي علمنا طلبهم فيها
~~الاحكام من جهة الشرع لا يدخل حكم العقل
# PageV02P785
# فيها، و (1) أنه لا بد فيها من حكم شرعي. ثم نقول: إنهم ما رجعوا فيما
~~طلبوه من جهة الشرع إلا إلى النصوص، وعلى من ادعى خلاف ذلك الحجة. فمن أين
~~لهم أن (2) جميع ما يتجدد إلى يوم القيامة هذا حكمه، وأنه لا بد من أن يكون
~~المرجع فيه إلى الشرع، ولا يجوز أن يحكم فيه بحكم العقل؟!. فلم (3) إذا
~~كانت الحوادث التي بليت بها (4) الصحابة لها مخرج في الشريعة وجب ذلك في كل
~~حادثة؟!. وهل هذا إلا تمن (5) وتحكم؟!.
# على أنه قد روي (6) عن بعضهم ما يقتضي (7) أنه رجع (8) إلى حكم العقل في
~~مسألة الحرام وهو مسروق، لأنه جعل مسألة الحرام بمنزلة تحريم قصعة من ثريد
~~مما (9) يعلم بالعقل إباحته.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به سادسا من الاجتهاد ms328 في القبلة: إن ذلك إن دل
~~فإنما يدل على جواز التعبد بالاجتهاد في الشرعيات،
# PageV02P786
# فأما أن يعتمد (1) في إثبات العبادة به، فواضح البطلان، لان معتمد ذلك لا
~~بد له من (2) أن يقيس سائر حوادث (3) الفروع في جواز استعمال الاجتهاد فيها
~~على القبلة، وذلك منه (4) قياس، والكلام إنما هو في إثبات القياس و (5) هل
~~وردت العبادة به أم لا؟ فكيف يستسلف صحته؟!.
# ولمن نفى القياس أن يقول: الذي يجب، أن أثبت الحكم (6) في القبلة
~~بالاجتهاد، لورود النص، وأقف عنده ولا أتجاوزه (7).
# وهذا بمنزلة أن ترد العبادة بإيجاب صلاة، فيقيس قائس (8) عليها وجوب
~~أخرى، فكما أنه ممنوع من ذلك إلا أن يتعبد بالقياس، فكذلك من قاس على
~~القبلة غيرها ممنوع من قياسه، ولما (9) يثبت (10) ورود العبادة بالقياس.
# على أن الحكم عند الغيبة ثابت بالنص في الجملة، لان المكلف
# PageV02P787
# قد ألزم أن يصلي إلى جهة ما، وإذا كان الحكم الشرعي ثابتا في الجملة ولم
~~يكتف (1) المكلف في إمكان الفعل بالجملة، وجب أن يجتهد حتى يمكنه الفعل
~~الواجب عليه في الجملة، فالاجتهاد (2) منه ليس يتوصل به إلى إثبات الحكم
~~الشرعي، وإنما يصل به (3) إلى تمييز (4) الحكم المجمل الذي ورد به النص
~~وتفصيله. وعروض ذلك أنه يرد النص في الأرز أن (5) فيه ضربا من ضروب الربا،
~~ويكون هناك طريق (6) إلى الاجتهاد في إثباته، فيتوصل المكلف إلى تمييز (4)
~~ذلك الربا وتفصيله لأجل النص المجمل، وهذا مما لم يثبت لهم.
# على أنه يقال للمتعلق بهذه الطريقة: أليس إنما (7) اجتهدت عند الغيبة في
~~القبلة لما ثبت بالنص حكم (8) لا سبيل لك (9) إلى معرفته إلا بالاجتهاد؟
~~فإذا اعترف بذلك، قيل له: فثبت في الفرع أنه لا بد فيه من حكم لا يمكن
~~معرفته إلا بالاجتهاد (10) حتى يتساوى
# PageV02P788
# الأمران، ولا سبيل لك إلى ذلك، وقد علمت أن في نفاة القياس من يقول: إن
~~حكم الفرع (1) معلوم عقلا، وفيهم من يقول: إنه معلوم بالنصوص إما بظواهرها
~~أو بأدلتها.
# وبعد، فليس مثبت القياس بأن (2) يتعلق بالقبلة في إثبات الحكم للفرع
~~قياسا على ms329 الأصل بأولى من نافى (3) القياس إذا تعلق بها في حمل الفرع على
~~الأصل في أنه لا يثبت له حكم إلا بالنص. ومتى قيل له: فاجمع (4) بين
~~الامرين، امتنع، لتنافيهما. ومتى قيل له: (5) الاثبات (6) أرجح وأدخل في
~~الفائدة، قال: هذا إنما يصح فيما قد ثبت وصح، لا فيما الكلام فيه واقع.
# وهذه الجملة التي ذكرناها في الكلام على من تعلق بالقبلة يبطل أيضا ما
~~حكينا أنهم ربما تعلقوا به من جزاء الصيد والنفقات وأروش الجنايات إلى سائر
~~ما يجري هذا المجرى، لان كل ذلك إنما يدل على جواز التعبد بالاجتهاد
~~والقياس، ولا يصح اعتماده في إثباته (7).
# PageV02P789
# على أنه لا شئ من ذلك إلا والمرجع في تمييزه (1) إلى عادة (2) معروفة
~~وطريقة معلومة، إما على الجملة أو على التفصيل، وليس هو من القياس الذي
~~ينكر في الشريعة بسبيل (3)، فالجمع بين الامرين باطل.
# فأما تعلقهم بخبر الخثعمية، وخبر قبلة (4) الصائم، والذي ولد له غلام
~~أسود، فكل ذلك وأمثاله لا (5) نتعلق به، لأنه * أولا وارد (6) من طريق
~~الآحاد، وممن يجوز أن يكون كاذبا، وكل أصل قطع عليه، وتعبد فيه بالعلم
~~اليقين، دون الظن، فإن (7) الرجوع في إثباته إلى أخبار الآحاد غير صحيح،
~~والقياس (8) عندهم أصل معلوم و (9) مقطوع على صحته، فكيف يثبت بمثل هذه
~~الأخبار؟!.
# على أن تنبيهه (10) صلى الله عليه وآله على علة الحكم لا يزيد في القوة
~~على أن ينص تصريحا عليها ولو نص عليها (11)، لم يجب القياس
# PageV02P790
# بهذا القدر، دون أن يدل على العبادة به بغير ذلك.
# على أنه - صلى الله عليه وآله - بتنبيهه (1) قد أغنى (2) عن القياس، فكيف
~~يجعل ذلك دليلا على القياس؟!. ولأنه أيضا مع التنبيه على العلة قد أثبت
~~الحكم في الأصل والفرع معا، وما هذه حاله لا مدخل للقياس (3) فيه.
# على أنه صلى الله عليه وآله - أخبر أن الحج يجري مجرى الدين في وجوب
~~القضاء، وكذلك ما نبه عليه في باب القبلة والمولود الأسود، ولم يذكر لأي
~~سبب جرى مجراه؟ وما العلة فيه (4)؟، وهل ظاهر نص أوجب ذلك، ms330 أو (5) طريقة
~~قياسية؟ وإذا كان الامر مجملا، لم يجز القطع على أحد الوجهين (6) بغير
~~دليل.
# على أن اسم الدين يقع على الحج كوقوعه (7) على المال، وإذا كان كذلك، دخل
~~في (8) قوله تعالى -: (من بعد وصية يوصي بها أو دين).
# PageV02P791
# باب الكلام في الاجتهاد وما يتعلق به اعلم أن الاجتهاد وإن (1) كان عبارة
~~عن إثبات الأحكام الشرعية بغير (2) النصوص وأدلتها، بل بما طريقه الامارات
~~والظنون، وأدخل في جملة ذلك القياس الذي هو حمل الفروع على الأصول بعلة (3)
~~متميزة، كما أدخل في جملته (4) ما لا أمارة (5) له متعينة، كالاجتهاد في
~~القبلة، وقيم المتلفات. فقد بينا أن القياس الذي هو حمل الفروع على الأصول
~~بعلة متميزة قد كان من الجائز في العقل أن يتعبد الله تعالى به لكنه ما
~~تعبد، ودللنا على ذلك وبسطنا الكلام فيه.
# فأما الاجتهاد الذي لا تتميز (6) الامارات (7) فيه، وطريقه غلبة الظن
~~كالقبلة وما شاكلها، فعندنا أن الله تعالى قد تعبد بذلك زائدا على جوازه في
~~العقل، لأنه تعالى قد تعبد بالاجتهاد في القبلة، وعمل كل مكلف بما يؤديه
~~اجتهاده إليه. وتعبد أيضا في أروش
# PageV02P792
# الجنايات وقيم المتلفات وجزاء الصيد بمثل ذلك. وكل مجتهد فيما جرى هذا
~~المجرى مصيب، ألا ترى أن من أداه اجتهاده إلى أمارة ظهرت له أن القبلة في
~~جهة من الجهات، لزمته الصلاة إلى تلك الجهة بعينها، فإذا أدى غيره (1)
~~اجتهاده إلى أن القبلة في غيرها، لزمته الصلاة (2) إلى ما غلب في ظنه أنه
~~جهة القبلة، وكل منهما مصيب وإن اختلف التكليف (3)، وقد بينا بطلان قول من
~~ادعى أن الصحابة صوب بعضهم بعضا في مسائل القياس.
# ولا شبهة في أن العبادة بالمذاهب (4) المختلفة (5) إنما يجوز فيما طريقة
~~العمل دون العلم، وأن الأصول المبنية على العلم نحو التوحيد والعدل والنبوة
~~(6) لا يجوز أن يكون الحق فيها إلا واحدا، لان الله تعالى لا يجوز أن يكون
~~جسما وغير جسم، ويرى ولا يرى (7) على وجهين مختلفين، وبإضافة (8) إلى (9)
~~مكلفين متغايرين، وقد يجوز أن يكون الشئ الواحد حراما على ms331 زيد وحلالا على
~~عمرو، كما يجوز أن
# PageV02P793
# يكون حلالا لشخص في وقت وحراما عليه في آخر، وحلالا على وجه وحراما على
~~آخر، فمن جمع بين أصول الدين وفروع الشرع في هذا الباب فقد ضل وأبعد (1) عن
~~الصواب.
# فإن قيل: أفتجوزون (2) من طريق العقل أن يتعبد النبي صلى الله عليه وآله
~~بالاجتهاد في بعض مسائل الشرع.
# قلنا: العقل (3) لا يمنع من ذلك إذا تعلقت به مصلحة.
# فإن (4) قيل: فجوزوا أن يكون في أحكامه صلى الله عليه وآله ما طريقة
~~الاجتهاد.
# قلنا: الصحيح في (5) المنع من ذلك هو أنا قد دللنا على أن القياس و (6)
~~حمل الفروع على الأصول في (7) الشريعة مما لم يتعبد به، وكل من قال بأن
~~الأمة لم تتعبد (8) بذلك يقطع على (9) أن النبي صلى الله عليه وآله ما تعبد
~~(10) بمثله، فالقول بأنه صلى الله عليه وآله تعبد به دوننا خروج عن
~~الاجماع. وقد ادعى أبو علي الجبائي إجماع الأمة على أنه صلى الله عليه وآله
~~ما تعبد بذلك.
# PageV02P794
# فأما من يمنع من (1) عبادته (2) صلى الله عليه وآله بذلك من جهة تحريم
~~مخالفته على كل حال، وأنه لو كان فيما يحكم به ما (3) هو مقول من جهة
~~الاجتهاد، (4) ما حرمت المخالفة على كل وجه، فليس بشئ معتمد، وذلك أن لمن
~~أجاز الاجتهاد عليه أن ينفصل (5) من ذلك بأن يقول: ليس يمتنع (6) أن تحرم
~~(7) مخالفته على كل حال، وإن كان في أقواله ما هو عن اجتهاد، كما أن الأمة
~~إذا اجتمعت على قول من الأقوال من طريق الاجتهاد حرم خلافها من حيث اجتمعت
~~(8) * وإن كان أصل قولها اجتهادا. و (9) إذا (10) كان اجتهاده كالمنفصل من
~~(11) اتباعنا له، جاز أن يلزمنا اتباعه وإن كان قوله عن طريق غالب الظن.
# PageV02P795
# فصل في صفة المفتي والمستفتي اعلم أن في الناس من منع من الاستفتاء، وزعم
~~أن العامي يجب عليه أن يكون عالما بأحكام فروع الحوادث، وإنما يرجع (1)
~~المستفتي إلى المفتي لتنبهه (2) على طريقة الاستدلال، ويعتمد على أن تجويز
~~المستفتي على المفتي الخطأ يمنع من ms332 قبول قوله، لأنه لا يأمن أن يكون مقدما
~~على قبيح. وربما قالوا: لو جاز أن يقلده في الفروع جاز مثل ذلك في الأصول.
~~وأقوى من ذلك أن يقولوا: قد علمنا أن العامي لا يجوز أن يقلد في أصول الدين
~~كالتوحيد والعدل والنبوة، بل لا بد من (3) أن يكون بذلك عالما. ومن يتمكن
~~من العلم بهذه الأصول على كثرة الشبهات فيها لا بد من (3) أن يكون متمكنا
~~من العلم بأحكام الحوادث، وإذا تمكن من العلم بذلك لم يجز له التقليد.
# والذي يدل على حسن تقليد العامي للمفتي (4) أنه لا خلاف بين
# PageV02P796
# الأمة قديما وحديثا في وجوب رجوع العامي إلى المفتي، وأنه يلزمه قبول
~~قوله، لأنه غير متمكن من العلم بأحكام الحوادث، ومن خالف في ذلك كان خارقا
~~للاجماع.
# وليس يمكن المخالف في ذلك دفع (1) الاجماع على الرجوع إلى الفتوى
~~والارشاد (2) إليها والاقرار عليها، وإنما يتأول هذا الرجوع بما هو بعيد،
~~فيقول: هو رجوع للتنبيه على النظر والاستدلال.
# وهذا التأويل معلوم (3) ضرورة خلافه، لان العامي لا يستفتي على وجه طلب
~~التنبيه على النظر، بل ليلتزم. ولا فرق بين من ادعى ذلك في المفتي، وبين من
~~ادعى (4) مثله في الحاكم، وذهب إلى أن الحاكم لا يلزم (5) الحكم حتى يبين
~~للمحكوم (6) عليه صحته وطريقة (7) العلم به.
# وأما (8) تجويزه (9) على المفتي الخطأ، فغير مانع من جواز قبول
# PageV02P797
# قوله، كما نقوله (1) كلنا في الشاهدين ومن جرى مجراهما، وقيام الحجة
~~بالاستفتاء يؤمنه من أن يقدم على قبيح.
# وأما حمل الأصول على الفروع في جواز التقليد، فغير صحيح، لان تقليد
~~المستفتي للمفتي إنما جاز لان له طريقا إلى العلم بحسن ذلك ووجوبه، وإنما
~~يكون له إليه طريق لعلمه بالأصول، ولو لم يكن بها (2) عالما (3) لما جاز أن
~~يعلم حسن هذا التقليد. والتقليد في الأصول غير مستند إلى طريقة علم تقدمت
~~يؤمن بها من الاقدام على القبيح، كما استند التقليد في الفروع إلى ذلك.
# فأما قولهم: إذا أمكن أن يعلم (4) الأصول وهي أغمض، فلا بد من أن يكون
~~متمكنا ms333 من العلم بأحكام (5) الفروع، فغلط، لان العلم بالأصول من التوحيد
~~والعدل وما ألحق (6) بهما يمكن أن يعلم على جهة الجملة من أخصر (7) الوجوه
~~وأقربها، وإنما طول المتكلمون في ذلك طلبا للتفريع والتدقيق، وإلا فالعلم
~~على سبيل
# PageV02P798
# الجملة قريب جدا، وإنما (1) يحتاج إلى الفكر الطويل عند دخول الشبهة (2)
~~القادحة والعامي إذا اعترضت (3) له شبهة، لا يعلم قدحها فيما هو معتقد له
~~وعالم به (4) إلا وهو يتمكن (5) من حلها ومعرفة ما يبطلها. وإن كان غير
~~متمكن من ذلك لقصور فطنته (6)، فهو أيضا لا يعلم قدح الشبهة فيما اعتقده،
~~فلا يؤثر في حاله. وحوادث الشرع التي لا تنحصر (7) ولا تنضبط لا يكفي (8)
~~فيها العلم بالجملة، ولا بد في كل مسألة منها من علم يخصها، فالعامي لا
~~يجوز أن يتمكن من العلم بتفصيل أحكام (9) كل الحوادث التي حدثت وستحدث (10)
~~من حيث يتمكن (11) من (12) العلم بالأصول على طريق الجملة.
# وقد فرقنا بين هاتين المسألتين في مواضع من كتبنا، وهذا قدر كاف هيهنا.
# وإذا تقرر حسن الفتيا والاستفتاء، (13) فالذي يجب أن يكون
# PageV02P799
# عليه المفتي هو أن يعلم الأصول كلها على سبيل التفصيل، ويهتدي إلى حل كل
~~شبهة تعترض (1) في شئ منها، ويكون أيضا عالما بطريقة (2) استخراج الاحكام
~~من الكتاب والسنة، وعارفا من (3) اللغة والعربية (4) بما (5) يحتاج إليه في
~~(6) ذلك، حتى يكون متمكنا من أن يفتي في كل مسألة أو حادثة تعترض أو أكثر
~~ذلك، ويكون مع هذه العلوم ورعا دينا صينا (7) عدلا متنزها حتى يحسن تقليده
~~والسكون (8) إلى نصيحته وأمانته.
# وليس القياس عندنا في الشريعة مما تعبدنا (9) به، فيشترط أن يكون عالما
~~بذلك وبوجوه الاجتهادات، كما يشترط أصحاب القياس في المفتي مثل ذلك.
# فإذا سئل عن مسألة أجاب عنها إن كان عالما بالجواب، وإن لم يكن عنده علم
~~لا يحل له أن يفتي (10) المستفتي، بل
# PageV02P800
# يصدقه عن حاله وأنه لا يعلم (1) بها، حتى يرجع إلى غيره فيها.
# وللعامي * طريق إلى معرفة صفة من يجب عليه أن يستفتيه، لأنه يعلم
~~بالمخالطة والأخبار المتواترة حال العلماء في البلد ms334 الذي يسكنه، ورتبتهم في
~~العلم والصيانة أيضا والديانة.
# وليس يطعن على هذه الجملة قول من يبطل الفتوى بأن يقول: كيف يعلمه عالما
~~وهو لا يعلم شيئا من علومه، لأنا نعلم أعلم الناس بالتجارة والصياغة في
~~البلد وإن لم نعلم شيئا من التجارة والصياغة، وكذلك العلم بالنحو واللغة
~~وفنون الآداب.
# ولا شبهة في أن هذه الصفات إذا كانت ليست عند المستفتي إلا لعالم واحد في
~~البلد لزمه استفتاؤه (2) تعينا (3)، وإن كانت لجماعة هم متساوون كان مخيرا.
# وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع و (4) أدين، فقد اختلفوا: فمنهم
~~من جعله مخيرا، ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدم في العلم والدين، وهو أولى،
~~لان الثقة هيهنا أقرب وأوكد، والأصول كلها (5) بذلك شاهدة.
# PageV02P801
# وكما يجب على المفتي أن يفتي بما يقطع عليه بعينه وأن يتوقف عما لا
~~يعلمه، كذلك يجب عليه إن تساوى عنده أمران أن يفتي بالتخيير بينهما.
# وقد منع قوم عن (1) غير بصيرة من اعتدال الاحكام عند العالم، وقالوا.
~~لابد من مزية وترجيح.
# وليس الامر على ما ظنوه، لأنه لا مانع من تساوي (2) حكمين عند العالم (3)
~~حتى لا يكون لأحدهما على الآخر مزية، وفي العقول شواهد لذلك لا تحصى: لان
~~من طولب برد وديعة عنده (4) هو (5) مخير في دفعها بأي يد شاء، والفعلان
~~واجبان عليه على التخيير، ولا مزية لأحدهما على صاحبه. وقد خير الله تعالى
~~في كفارة اليمين بين ثلاث كل واحدة منهن واجبة على التخيير، من غير مزية
~~لاحدها على الأخرى ولا ترجيح. ولا مانع من أن تنزل (6) حادثة (7) لا يوجد
~~(8) في أدلة الكتاب والسنة المقطوع بها وإجماع
# PageV02P802
# أهل الحق فيها (1) حكم، فيكون العقل مسويا (2) فيها بين أمرين (3) لا
~~مزية لأحدهما على الآخر، فيجبا (4) على جهة التخيير.
# وهذا كما أنه جائز متصور في مسائل الاجتهاد، فهو أيضا جائز متصور فيما
~~ثبت (5) من الاحكام بالأدلة القاطعة (6) على نحو المثال الذي ذكرناه، ومن
~~أمثلته أن يختلف أهل الحق في حكم حادثة تنزل (7) على وجهين، وعند التأمل
~~والبحث (8) لا يوجد ms335 في الأدلة ما يرجح أحد الوجهين على صاحبه (9)، فيكون
~~العالم مخيرا بينهما في نفسه وفيما يفتي به غيره.
# فإن قيل (10): فكيف قولكم (11) في العامي إذا أفتاه بعض علمائكم بأن
~~الطلاق (12) الثلاث يقع منه واحدة وأفتاه عالم آخر بأنه لا يقع منه شئ، أو
~~(13) أفتاه أحدهما بالعمل في المشهور على رؤية
# PageV02P803
# الأهلة وأفتاه الآخر بالعدد؟
# قلنا: الأولى أن يكون هذا المستفتي مخيرا بين الامرين، لأنه لا طريق له
~~إلى العلم بالحق منهما، وليس تجويزه أن يكون أحد المذهبين خطأ والآخر صوابا
~~يقتضي قبح القبول من المفتي، لأنه غير ممتنع (1) أن يكون ذلك خطأ من المفتي
~~وصوابا من المستفتي، لان (2) المفتي له طريق إلى (3) العلم بصفة الفعل في
~~حسن أو قبح، والمستفتي لا يتمكن من ذلك، وليس تجويز المستفتي أن يكون
~~المفتي مخطئا فيما أفتاه به لدخول (4) شبهة (5) علية بأكثر من تجويزه (6)
~~أن يفتيه بالخطأ متعمدا، وإذا (7) كان تجويزه (8) لذلك (9) لا يمتنع من
~~وجوب قبوله منه فكذلك الأول.
# PageV02P804
# باب الكلام في الحظر والإباحة اعلم أن حد المباح يتضمن إثباتا ونفيا
~~وتعلقا بالغير:
# فالاثبات (1) هو حسنه، والنفي هو أن (2) لا مدح فيه ولا ذم ولا ضرر،
~~والتعليق هو أن (2) يعلم المكلف أو (3) يدل على ذلك من حاله (4). و (5)
~~بمجموع (6) ما ذكرناه ينفصل من وجوه الافعال الباقية، لأنه بكونه (7) حسنا
~~ينفصل من (8) القبيح، ومما ليس بحسن ولا قبيح، وبكونه لا ضرر فيه ولا مدح
~~ولا ذم ينفصل من الندب والواجب، وبالتعلق (9) ينفصل من الحسن الذي يقع من
~~الله تعالى (10) ولا صفة له زائدة على حسنه، كاستيفاء العقاب، لأنه تعالى
~~لا يجوز أن يعلم ولا يدل، ومن أفعال البهائم ومن جرى مجراها.
# PageV02P805
# وإن (1) أسقطت في هذا الحد عند ذكر النفي الضرر والذم، واقتصرت على نفي
~~المدح، كفى، فإنه بنفي المدح يبين (2) من الندب والواجب، ولا يحتاج إلى أن
~~يبين (2) منهما (3) أيضا بنفي الضرر والذم. وهو وإن بان (4) بنفي الضرر عنه
~~والذم من القبيح (5)، فيكفيه (6) في إبانته منه (7) كونه حسنا.
# ووجدت بعض من يشار (8) إليه في ms336 أصول الفقه ينفي (9) الضرر والمدح والذم
~~في فعل المباح وألا يفعل، ويعتبر ذلك في الامرين.
# وهذا غير صحيح، لأنه يقتضي أن استيفاء العقاب في (10) الآخرة ليس له صفة
~~المباح وإن (11) لم يطلق عليه الاسم، ويقتضي أيضا أن يكون استيفاء أحدنا
~~للدين (12) * غير مباح، لان العقاب والدين من ما يستحق المدح بأن لا
~~يستوفيا.
# PageV02P806
# فإن قال من راعى ما ذكرناه في الفعل وأن (1) لا يفعل: ليس (2) في أن لا
~~يستوفى العقاب والدين مدح على كل حال، وإنما المدح في إسقاط ذلك، وقد لا
~~يستوفى ولا يسقط، فلا يمدح.
# قلنا: يجب إذا نفيت المدح نفيا مطلقا في (3) أن لا يفعل (4) أن يعم (5)
~~أحوال ألا يفعل كلها (6)، كما عم هذا النفي أحوال الفعل كلها، وإذا (7) كان
~~في بعض الأحوال المدح ثابتا بطل الحد، ومن لم (8) يستوف (9) العقاب أو (10)
~~الدين إنظارا (11) و (12) إمهالا وإن لم يسقط ذلك يستحق المدح لا محالة،
~~وإن كان ذلك دون المدح على الاسقاط، ولهذا مدح تعالى بأنه حليم من حيث (13)
~~لا يعاجل بالعقاب وإن لم يسقطه.
# فإذا قيل: قد لا (14) يعاجل بالعقاب ولا يستو في الدين من
# PageV02P807
# لا يستحق المدح إذا لم يقصد بذلك الاحسان ووجه النعمة به.
# قلنا: وقد (1) يسقط العقاب والدين أيضا من لا يستحق المدح إذا لم يقصد
~~الاحسان، ويكفي في انتقاض الحد أن نجد (2) المدح حاصلا في حال من أحوال (3)
~~أن لا يفعل.
# وأما حد المحظور (4)، فهو القبيح الذي قد أعلم (5) المكلف أو دل على ذلك
~~من حاله، لأنه بما ذكرناه يبين (6) من كل ما يخالفه.
# وقد اختلف الناس فيما يصح الانتفاع به ولا ضرر على أحد فيه: فمنهم من ذهب
~~إلى أن (7) ذلك على الحظر (8)، ومنهم من ذهب إلى أنه مباح، ومنهم من وقف
~~بين الامرين.
# واختلف من ذهب (9) إلى الحظر (8) فبعضهم (10) ذهب (11) إلى أن ما لا يقوم
~~البدن إلا به (12) ولا يتم العيش إلا معه على الإباحة.
# PageV02P808
# وما عداه على الحظر (1)، وفيهم (2) من سوى بين الكل في الحظر (1)، وقال
~~آخرون بالوقف (3)، وجوزوا كل ms337 واحد من الامرين: يعني الحظر (1) والإباحة.
# ولا خلاف بين هذه الفرقة وبين من (4) قطع على الحظر (1) في وجوب الكف عن
~~(5) الاقدام، إلا أنهم اختلفوا في التعليل:
# فمن قال بالحظر (1) كف لأنه اعتقد أنه مقدم على قبيح (7) مقطوع عليه، ومن
~~يقول بالوقف إنما كف لأنه لا يأمن من كونه مقدما على محظور (8) قبيح.
# والصحيح (9) قول من ذهب فيما ذكرنا صفته من الفعل إلى أنه في العقل (10)
~~على الإباحة.
# والذي يدل على صحته أن العلم بأن ما فيه نفع خالص من
# PageV02P809
# مضرة عاجلة أو آجلة له صفة المباح وأنه (1) يحسن الاقدام عليه كالعلم بأن
~~ما فيه ضرر خالص عن كل منفعة قبيح محظور (2) الاقدام عليه، والعلم بما
~~ذكرناه (3) ضروري كالعلم بقبح ما له صفة الظلم وحسن ماله صفة الاحسان
~~والانعام.
# فإذا قيل: كيف تدعون علم (4) الضرورة فيما يخالف فيه من ذهب إلى الحظر
~~(5)؟!.
# قلنا: لم يخالفوا في الموضع الذي ذكرناه (6). وإنما اعتقدوا أن في
~~الاقدام على ما ذكرناه مضرة، فلم يخلص لهم العلم بالصفة التي يتبعها (7)
~~العلم بالإباحة، وكذلك من توقف لم يخلص له هذا العلم، لأنه يعتقد أنه لا
~~يأمن المضرة في الفعل.
# ويبين ما ذكرناه أنه لا بد في كل نوع من (8) أحكام (9) الافعال من أصل
~~ضروري في العقل، ألا ترى أن ماله صفة الظلم لا بد من قبحه في العقل (10)،
~~وما (11) له صفة الانصاف وشكر
# PageV02P810
# النعمة لا بد من وجوبه، وكذلك لا بد من أن يكون في العقل أصل (1) لإباحة
~~(2) ماله صفة مخصوصة من الافعال، ولا شئ يمكن ذكره في ذلك إلا ما أشرنا
~~إليه من المنفعة الخالصة (3).
# ولم يبق إلا أن يقولوا: دلوا على أنه لا مضرة فيما ذكرتم من الفعل، ففيه
~~الخلاف.
# قلنا: المضرة على ضربين: عاجلة وآجلة، فالعاجلة يعلم فقدها لفقد طرق
~~العلم بها أو الظن لها، وللعلم أدلة وطرق، وللظن أيضا (4) أمارات وطرق،
~~فإذا فقد كل وجوه العلم و (5) الظن، قطع على انتفاء المضرة العاجلة. ولولا
~~(6) صحة هذه الطريقة لم يعلم انتفاء المضرة عن تصرفنا ms338 وتجاراتنا وكثير من
~~أفعالنا. وتجويز المضرة في الفعل من غير أمارة عليه يلحق بظن أصحاب
~~السوداء. وأما المضرة الآجلة، فهي العقاب، وإنما يعلم انتفاء ذلك لفقد
~~السمع الذي يجب أن يرد به لو كان ثابتا، لان الله تعالى لا بد أن يعلمنا ما
~~علينا من المضار الآجلة التي هي العقاب
# PageV02P811
# الذي يقتضيه قبح الفعل، وإذا فقدنا هذا الاعلام (1)، قطعنا على انتفاء
~~المضرة الآجلة أيضا.
# فإن قيل: أنتم ممن يعتبر في كون الفعل حسنا انتفاء وجوه (2) القبح عنه
~~(3)، فمن أين لكم انتفاء وجوه القبح عن تصرفكم؟!
# قلنا: وجوه (2) القبح معلومة، فإذا لم يكن الفعل كذبا، ولا ظلما، ولا
~~إرادة لقبيح، ولا تكليفا لما لا يطاق، إلى غير ذلك من وجوه القبح، وعلم أنه
~~ليس بمفسدة، لفقد إعلام الله تعالى له بذلك ودلالته عليه، علم انتفاء جميع
~~وجوه القبح.
# على أن هذا الضرب من التشكيك قائم في الاحسان وشكر النعم (4)، و (5) إذا
~~كان لنا طريق إلى العلم بانتفاء وجوه القبح عن (6) ذلك فهو الطريق (7) إلى
~~غيره (8).
# دليل آخر: ومما يدل على أصل المسألة أن قد علمنا حسن التنفس (9) في
~~الهواء، ولابد * لحسن ذلك من علة.
# PageV02P812
# ولا يجوز أن يكون علته الحاجة (1) إليه، لان ذلك يقتضي (2) حسن كل شئ
~~يحتاج إليه، وليس (3) هذا قولا لاحد. فإن قيل:
# يحسن للحاجة وانتفاء وجوه القبح، فذلك (4) يعود إلى ما قلناه.
# ولا يجوز أن يحسن ذلك لدفع مضرة. من حيث كان الحي منا يستضر متى لم
~~يتنفس، لان هذه المضرة لا تخلو (5) من أمرين:
# أحدهما أن يصح استمرار كون الحي منا حيا مع هذه المضرة، والآخر أن يكون
~~استمرارها لا يصح (6) مع هذه المضرة: فإن كان الأول (7)، فما فعل لدفع مضرة
~~(8) قد يفعل للنفع، وكل فعل حسن لأحدهما فإنه يحسن للآخر. على أنه قد يحسن
~~التنفس في الهواء الزائد على ما (9) تندفع به المضرة وما دافع حسن ذلك إلا
~~كدافع (10) حسن أصل التنفس. وإن كان الامر على الوجه الثاني، فقد كان يجب
~~أن لا يتنفس إلا عند ms339 الضرورة، ومعلوم خلافه. على أن من اعتل بذلك أفسد على
~~نفسه الاعتلال
# PageV02P813
# بقبح التصرف في الملك، لأنه بالتنفس (1) قد تصرف في ملك غيره من الهواء
~~وآلات نفسه بغير إذن المالك. وبعد، فإذا جاز التصرف في التنفس لتبقى الحياة
~~ولا تتلف (2) وهي ملك الله تعالى، جاز أن يكف (3) عن التنفس (1) ليبقى سكون
~~الهواء وسكون آلات التنفس (4) ولا يتلف ذلك وهو ملك له تعالى، فما أحد
~~الامرين إلا كالآخر.
# طريقة أخرى: ومما (5) استدل به (6) على ذلك أن الله تعالى خلق الأجسام
~~مختصة بالطعوم (7) والأراييح، ولا بد من أن يكون له في ذلك غرض، لان العبث
~~لا يقع منه لقبحه، ولا وجه لحسن (8) ذلك له إلا خلقها لينتفع بها العباد.
~~ولا يجوز أن يخلقها على وجه النفع (9) إلا مع (10) أنها على الإباحة،
~~والحظر ناقض (11) لهذا الغرض، وقد علم أن النفع لا يجوز عليه تعالى، فلا
~~يمكن
# PageV02P814
# القول بأنه خلقها لنفعه، ولا يجوز أن يكون خلقها لمضرة الغير، لان الضرر
~~إذا كان غير مستحق ولا نفع (1) ولا دفع ضرر فيه فهو (2) ظلم، والظلم قبيح
~~لا يقع منه (3) تعالى، وإن كان مستحقا فالكلام (4) في أول ما خلق ولا عاصي
~~(5) هناك يستحق العقاب، ولا يجوز أن يكون ذلك (6) للنفع (7) الذي يجري مجرى
~~العوض (8) لان ذلك يقتضي تقدم التكليف (9)، ولا يجوز أن يكون (10) للنفع
~~(7) الذي هو دفع الضرر، لأنه تعالى قادر على دفع المضار من دونه. ولأن (11)
~~الكلام على أول ما يخلق. ولا يجوز أن يكون النفع فيه هو التكليف، لأنه قد
~~يحسن ذلك بلا تكليف. ولأن ما يتعلق بالتكليف قد يتم من دون خلق الطعوم
~~والأراييح. فلم يبق بعد ذلك إلا أنه (12) مخلوق لانتفاع الخلق، ولا يكون
~~كذلك إلا ولهم أن ينتفعوا
# PageV02P815
# به، لان من أعد طعاما ليؤكل متى قيل فيه: إنه قد حرم أكله كان ذلك نقضا
~~(1).
# وخلقه ذلك لانتفاع الخلق لا يقتضي أنه تعالى أراد منهم (2) الانتفاع (3)،
~~فيكون مريدا للمباحات، بل المعنى أنه تعالى (4) أراد إحداثه لوجه الانتفاع،
~~فالإرادة متعلقة بما خلقه من الأجسام ms340 والاعراض، دون فعل العبد، لأنه (5)
~~يجوز أن يخلقه لهذا الوجه، ويخرج العبد من أن ينتفع بسوء (6) اختياره، ولا
~~يخرج هو تعالى من أن يكون خلق لهذا الغرض.
# ويمكن أن يعترض (7) هذه (8) الطريقة بأن يقال: إنه (9) خلق هذه الطعوم
~~وما أشبهها للنفع الذي هو وجوب تجنب الانتفاع بها عاجلا، ليستحق (10)
~~الثواب بذلك، والمنافع الآجلة الدائمة.
# فإذا قيل: هذا تكليف، و (11) قد يحسن خلق هذه المعاني
# PageV02P816
# في الأجسام من غير تكليف.
# قلنا: لا نسلم لكم أن خلق ذلك يحسن (1) من دون تكليف مكلف بالعرض (2)
~~بإيجاب تجنب ذلك للمنافع العظيمة الدائمة، فمن ادعى حسنه من دون تكليف،
~~فعليه الدلالة، ولن (3) يجدها (4).
# وإذا قيل: إن المنفعة التي أشرتم إليها آجلة غير عاجلة (5)، وهي منفعة
~~على سبيل المجاز.
# قلنا: هذا غلط فاحش، لان المنفعة الدائمة العظيمة وإن تأخرت فهي أعظم
~~وأنفع من العاجلة المنقطعة. ومن هذا الذي يجترى على أن يقول: إن الطاعات
~~والعبادات الشاقة ليست بمنافع لنا على الحقيقة؟!.
# ومتى قيل: لو كان الامر على ما ذكرتم وقدرتم، لوجب أن يدل تعالى على حظر
~~ذلك، وإذا فقدت دلالة الحظر، بطل هذا الوجه.
# وذلك أن لهم (6) أن يقولوا: في العقل حظر ذلك، لأنه محظور
# PageV02P817
# أن يتصرف أحد في غير ملكه بلا إذن المالك. وما (1) لا يزال (2) يقولون:
~~إنه لو خلق الألوان (3) والطعوم والأراييح ليستدل بها على حدوث الجسم
~~والتوصل إلى معرفته تعالى لكان خلق الألوان (3) يغني عن ذلك ولا يحوج إلى
~~سواه، باطل، (4) لان الأدلة قد تترادف وتتوالى، و (5) إن أغنى (6) بعضها عن
~~بعض، ولا يكون نصب الدليل (7) الثاني عبثا، لان الأول أغنى عنه.
# ومتى قيل: لا يمكن أن يعلم (8) الأراييح والطعوم في الأجسام فيستدل بها
~~على خالقها تعالى إلا بأن يدركها * وينتفع (9) بها، وهذا يرد الامر (10)
~~إلى (11) أنها خلقت للانتفاع.
# وذلك أنه غير ممتنع (12) أن يدركها فلا ينتفع بها، إما لخلونا (13) من
~~شهوة (14) لها ونفار عنها (15)، أو لارتفاع الشهوة
# PageV02P818
# ووجود النفار.
# طريقة أخرى: وقد استدل أيضا على ذلك بأن كل شئ يمكن الانتفاع به ms341 من وجهين
~~فخلقه تعالى لينتفع به من أحد الوجهين يقتضي كونه عبثا من حيث خلقه على
~~الوجه الآخر، وجرى خلقه له على الوجهين وهو (1) لا يريد أن ينتفع به منهما
~~مجرى خلقه لشيئين يصح الانتفاع بهما وغرضه الانتفاع (2) بأحدهما في أن خلقه
~~للآخر عبث. وليس يجري ذلك مجرى ما لم يخلقه، مما كان يصح أن يخلقه فينتفع
~~(3) به، لان ما لم يخلق معدوم، والعبث من صفات الموجود. وليس القديم تعالى
~~ممن يصل بفعل (4) إلى آخر، أو بوجه (5) إلى وجه، كأحدنا الذي يصح أن يفعل
~~فعلين، والغرض في أحدهما، لأنه (6) عز وجل يتعالى عن (7) ذلك. وقد علمنا أن
~~كون الجسم ذا طعم وذا رائحة وذا ألوان في كونه دلالة على إثبات الصانع يجري
~~مجرى أفعال متغايرة (8)،
# PageV02P819
# فلا يجوز منه تعالى أن يجعله كذلك إلا وهو يريد الانتفاع بالكل (1) على
~~سائر الوجوه.
# وهذه الطريقة يمكن أيضا اعتراضها بالمعنى المتقدم (2):
# فيقال لهم: خلق الطعوم والأراييح يمكن الاستدلال بها على الصانع تعالى -
~~كما ذكرتم، وقد أراد تعالى ذلك من المكلفين ويمكن أيضا أن ينتفع بها على
~~وجه الادراك لها والالتذاذ بها، و (3) على وجه آخر، وهو وجوب تجنب هذا
~~الانتفاع، ليستحق بذلك الثواب العظيم، وإرادة هذين الوجهين متعذرة (4)،
~~لتنافيهما، فلم يبق إلا أنه يجب أن يكون مريدا لأحدهما، فمن أين قلتم: إنه
~~أراد الانتفاع والالتذاذ دون أن يكون أراد أن يتجنب (5) لاستحقاق (6)
~~الثواب؟!.
# فإذا قلتم (7) لو أراد التجنب، لدل عليه.
# أمكن أن يقال لكم (8): قد دل عليه بما في العقل من حظر
# PageV02P820
# التصرف في الملك إلا بإذن المالك.
# على أن ذلك ينعكس عليكم، فيقال لكم: و (1) لو أراد إباحة الانتفاع، لدل
~~على ذلك.
# وقد استدل من قال بالحظر على صحة مذهبه بأن المخلوقات كلها ملك الله
~~تعالى ولا يجوز في العقول أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه وإباحته، فإذا
~~فقدنا الاذن والإباحة، قطعنا على الحظر (2). وهذه الطريقة عليها يعولون
~~(3)، وبها يصولون.
# ولنا عنها جوابان: أحدهما (4) أن الدليل العقلي الذي ذكرناه (5) أقوى في
~~الدلالة ms342 على الاذن والإباحة من السمع، فإذا حسن التصرف بالاذن السمعي، فهو
~~بأن يحسن بالدليل العقلي أولى. يوضح ما ذكرناه (6) أن أحدنا لو وضع الماء
~~على الطريق على وجه مخصوص قد جرت العادة بأنه للإباحة، لكان ذلك أقوى في
~~الإباحة من الاذن بالقول. وكذلك لو أحضر الطعام وأقعد (7) الضيف على
# PageV02P821
# المائدة، لكان ذلك أقوى من إذنه بالقول. ولو أشار إلى تناول الشئ، لكان
~~كالاذن بالقول.
# ومما يمكن أن يذكر هيهنا أن ما يملكه أحدنا لا بد من كونه رزقا له ونفعا،
~~ولو ملكنا (1) ما ليس هذه حاله، لحسن من غيرنا (2) تناوله من دون (3)
~~إذننا، وما يملكه تعالى هذه حاله، فمن أين أن التصرف فيه (4) لا يجوز إلا
~~بإذنه؟!.
# وبعد، فإن معنى قولنا فيما خلقه الله تعالى -: (إنه ملكه) أنه يقدر على
~~التصرف فيه بالافناء وغيره، وليس هذا هو المراد فينا، بل المراد أنه يتصرف
~~(5) فيه بوجوه المنافع، ولذلك (6) قيل فيما فات الانتفاع به كالميتة
~~وغيرها: إنه (7) ليس بملك، وقد علمنا أن في تصرفنا في منافع الغير تفويتا
~~لنفعه، فيجب كونه ظلما إلا أن يعلم بإذنه أن هناك نفعا هو أجدى علينا، ولا
~~يتأتى (8) ذلك فيما يملكه تعالى.
# PageV02P822
# فإن قيل: قد يحسن (1) منا منع (2) البهيمة من النفع لما (3) لم تكن مالكة
~~(4)، ويقبح ذلك في الملك، وليست العلة إلا الملك (5) وفقد الاذن.
# قلنا: النفع إذا حصل له مع البهيمة اختصاص يجري (6) مجرى حيازة الملك لم
~~يكن لنا منعها منه، لما فيه من الاضرار بها.
# فأما الجواب الثاني، فإن العلة في قبح التصرف في ملك غيرنا ليست ما
~~ذكروه، بل هي أنه تصرف فيما يضره من ملكه بغير إذنه، وهذا غير موجود في
~~ملكه تعالى.
# والذي يدل على أن العلة ما ذكرناه أنه قد يحسن من أحدنا أن يستظل بظل
~~حائط غيره بغير إذنه، وأن ينظر في مرآته المنصوبة بغير أمره، وكل ذلك تصرف
~~في ملك الغير (7) بلا إذنه، وإنما حسن من حيث انتفاء الضرر عنه (8) ويوضح
~~ما ذكرناه أن من أباح طعامه لغيره ms343 فالمتناول (9) منه ملك لصاحبه، والاذن لم
~~يؤثر
# PageV02P823
# في انتقاله عنه، وإنما حسن التصرف لزوال المضرة، ألا ترى أن (1) المأذون
~~له لو علم أن الضرر مع الاذن ثابت لم يحل (2) له التناول؟!.
# واعلم أن الأملاك (3) لها أصل في العقل، وليست بموقوفة على السمع، لان من
~~حاز (4) شيئا وثبتت (5) يده عليه فقد ملكه، ولم تجز لغيره أن يتصرف فيه إلا
~~بإذنه، وقد يحسن - مع هذا * الاختصاص وثبوت اليد - التصرف من غير إذن، وذلك
~~(6) مثل أن يتوجه للمتصرف على صاحب اليد حق مخصوص، مثل أن يغصبه درهما وفي
~~ملكه مان يسد مسده من كل وجه، فإن له أن يتناول بغير إذنه من ملكه ذلك
~~المثل، ويجري المثل في هذا الباب مجرى العين في (7) جواز التناول (8)، ألا
~~ترى أنه يلزمه دفع المثل عند تعذر العين؟!، فكذلك يحل له تناول المثل من
~~حيث صار حقا من حقوقه.
# فإن قيل: ما كيفية الاستحقاق العقلي؟.
# PageV02P824
# قلنا: هو على ضربين: أحدهما (1) استحقاق عين، والآخر استحقاق بدل فأما
~~استحقاق العين، فكالغصب للشئ المعين. وأما استحقاق البدل، فمثاله أن يفوت
~~رد المغصوب بعينه، فيلزم بدله.
# فإن كان له بدل (2) يسد (3) مسده في الاغراض المقصودة، تعلق وجوب الرد
~~بالبدل، وجرى (4) مجرى العين. فإن (5) لم (6) يوجد له بدل هذه صفته (7)،
~~فلا بد فيه من مراضاة ومصالحة وما يجري (8) مجراهما.
# واعلم أن وجوه الاستحقاق (9) العقلية لا تخرج (10) على طريقة الجملة عن
~~(11) وجهين: أحدهما (1) الاتلاف و (12) الافتيات، والآخر العقود والمعاوضات
~~(13). ويدخل في العقود الوديعة، كما يدخل في الاتلاف ضروب التعدي، وفي
~~الافتيات الغصب (14) الذي يبقى
# PageV02P825
# معه العين ويفتات (1) على مالكها بتناولها ومنعه منها. وقد يستحق على ما
~~تقدم العين مرة (2) والبدل أخرى.
# فأما المواريث والغنائم، فلا شبهة في أنها أسباب شرعية خارجة عن العقل.
~~وكذلك النفقات والهبات العقلية (3) وإن كانت شروطها شرعية.
# والاستحقاق في العقل (4) له (5) وجهان: أحدهما في العين، والآخر في
~~الذمة.
# والثابت في الأعيان ينقسم إلى قسمين: أحدهما أن يثبت معينا كالمغصوب (6)
~~والأعيان باقية، والآخر بالصفة، وهو وجود المثل الذي تقدم (7) ذكره. ms344
# وأما ما يثبت في الذمة، فهو وجوب الحق مع انتفاء تعلقه بالعين، لان من
~~عليه دين إذا كان واجدا للمال في غير بلده يعلم أن الحق ثابت عليه. وكذلك
~~المفلس الذي يرجى (8) أن يجد المال،
# PageV02P826
# فالاستحقاق ثابت هيهنا (1) وإن لم يكن في عين مخصوصة.
# باب في النافي والمستصحب للحال هل عليهما دليل أم لا اعلم أن قوما غفلوا
~~فذهبوا إلى أن النافي لا دليل عليه، كما أنه لا بينة على المنكر، ولا دليل
~~على من نفى نبوة (2) مدعي (3) النبوة، وكما لا دليل على من نفى كونه عالما
~~بشئ. وفيهم من ذهب إلى أن نافي الاحكام العقلية عليه الدليل (4)، وليس ذلك
~~على نافي الأحكام الشرعية.
# والصحيح أن على (5) كل ناف (6) لحكم (7) عقلي أو شرعي (8) الدليل.
# والذي يدل على ذلك أن النافي مخبر عن اعتقاده ومذهبه بانتفاء (9) الحكم،
~~فلا بد إذا لم يكن ذلك (10) ضروريا من أن يبين (11)
# PageV02P827
# وجهه وطريقه، ومن أي وجه وجب اعتقاده؟ وجرى النفي في المذهب والاعتقاد
~~مجرى الاثبات في وجوب إقامة الدليل على كل واحد منهما. وإنما لزم في (1)
~~الاثبات (2) الدليل لأنه مذهب واعتقاد يجب بيان وجهه (3)، لا لأنه إثبات،
~~فالنفي مشارك له في هذا الحكم.
# واعلم أن الطرق التي (4) تثبت (5) منها العلوم سواء كانت ضرورية أو
~~استدلالية يدخل فيها طريقة النفي، كالادراك لما كان طريقا للعلم الضروري
~~صار بعينه طريقا لنفي الدرك، وكذلك الاخبار لما كانت طريقا (6) إلى العلم
~~بالبلدان (7) وما أشبهها، صار نفيها (8) طريقا إلى نفي بلدة زائدة وحادثة
~~زائدة على ما عرفناه، ولهذا انتفى (9) الصفات عن الذوات بانتفاء أحكامها،
~~وتنفى (10) النبوة عن مدعيها لانتفاء العلم المعجز (11)، وينفي وجوب صوم
~~شهر زائد
# PageV02P828
# على شهر الصيام، وصلاة زائدة على الخمس، لانتفاء دلالة التعبد بذلك.
# ولعل ذلك إنما أشكل من حيث عولنا في الاستدلال على النفي، فظن أن ذلك ليس
~~بدلالة، وقد يكون الدلالة نفيا وإثباتا.
# وليس نفي العلم بالحكم يجري مجرى نفي الحكم، لان نفي العلم يقتضي الشك
~~والتوقف، ولا دليل على الشاك، لأنه خال من الاعتقادات ms345 والمذاهب، والنافي
~~ذاهب إلى شئ بعينه اعتقده، فعليه إقامة الدليل.
# فأما ما تعلقوا به من أنه لا بينة على المنكر، فذلك طريقة الشرع دون
~~العقل، وكلامنا فيما يقتضيه العقل (1). ولو كان لا بينة عليه، لما احتاج
~~إلى اليمين، لأنها تجري في براءة ساحته وقطع خصومته مجرى البينة. على أن
~~كون الشئ في يد المنكر يجري مجرى البينة. لأنه لو لم يكن في يده لجرى مجرى
~~المدعي الآخر في الحاجة إلى بينة، وأما (2) استصحاب الحال، فعند التحقيق *
~~لا يرجع المتعلق
# PageV02P829
# بها إلا إلى أنه أثبت حكما بغير دليل، لأنهم يقولون: إن الرائي (1) للماء
~~في الصلاة قد ثبت قبل رؤيته له بالاجماع وجوب مضيه في الصلاة، فيجب أن يكون
~~على هذه الحال مع رؤية الماء، وهذا جمع بين الحالين (2) في حكم من غير
~~دلالة جامعة، لان الحالين مختلفان (3)، من حيث كان غير واجد للماء في
~~إحديهما وواجدا له في الأخرى، فكيف يسوى بين الحالتين من غير دلالة؟!.
# وإذا كنا أثبتنا الحكم في الحال الأول (4) بدليل، فالواجب أن ينظر، فإن
~~كان ذلك الدليل في تناول الحالين، سوينا بينهما فيه، وليس هيهنا استصحاب
~~حال. وإن كان تناول الدليل إنما هو للحال الأولى فقط، فالحال الثانية عارية
~~من دليل، ولا يجوز إثبات مثل الحكم لها من غير دليل، وجرت هذه الحال مع
~~الخلو من دلالة مجرى الأولى لو خلت من دلالة، فإذا لم يجز إثبات الحكم
~~الأول (4) إلا بدليل، فكذلك الثانية، وجرت الحالان مجرى
# PageV02P830
# مسألتين في أنه لا بد من دليل يجمعهما، أو (1) اختصاص كل مسألة بدلالة.
# فإن قالوا: ثبوت الحكم في الحال الأول (2) يقتضي استمراره إلا بمنع (3)،
~~لان ذلك لو لم يجب لم يعلم استمرار الاحكام في موضع من المواضع. وحدوث
~~الحوادث لا يمنع من ذلك، كما لا تمنع (4) حركة الفلك وما جرى مجراها (5) من
~~الحوادث، فيجب استصحاب الحال ما لم يمنع مانع.
# قلنا: لا بد من اعتبار الدليل الدال (6) على ثبوت الحكم في الحالة
~~الأولى، وكيفية إثباته، وهل أثبت ذلك في حالة واحدة ms346 أو على سبيل
~~الاستمرار؟، وهل تعلق بشرط مراعى أو لم يتعلق؟، وقد علمنا أن الحكم الثابت
~~في الحال الأول (2) إنما يثبت بشرط فقد الماء، والماء في الحال الثانية
~~موجود، واتفقت الأمة على ثبوته (7) في الأول (8)، واختلفت في الثانية،
~~فالحالتان (9) مختلفتان،
# PageV02P831
# ولا بد من دلالة على كل واحدة منها. وقد ثبت في العقول أن من شاهد زيدا
~~في الدار ثم غاب عنه أنه لا يحسن أن يعتقد استمرار كونه (1) في الدار إلا
~~بدليل متجدد، ولا يجوز استصحاب الحال الأول (2). وصار كونه في الدار في
~~الثاني وقد زالت الرؤية بمنزلة كون عمرو فيها مع فقد الرؤية.
# فأما القضاء بأن حركة الفلك وما جرى (3) مجراها لا يمنع من استمرار
~~الاحكام، فذلك معلوم بالأدلة. وعلى من ادعى أن رؤية الماء لم تغير (4)
~~الحكم الدلالة.
# وبمثل ذلك نجيب (5) من قال: فيجب أن لا يقطع بخبر من أخبرنا عن مكة وما
~~جرى مجراها (6) من البلدان على استمرار وجودها، وذلك أنه لا بد في القطع
~~على الاستمرار من دليل إما عادة أو ما يقوم مقامها، وكذلك كان من يجوز (7)
~~انتقاض العادات في كل الأحوال يجوز (7) من ذلك ما لا يجوزه (8) غيره ممن
~~يمنع ذلك.
# PageV02P832
# ولو كان البلد الذي خبرنا عنه على ساحل البحر، لجوزنا زواله لغلبة البحر
~~عليه، إلا أن يمنع من ذلك (1) خبر متواتر، فالدليل على ذلك كله لا بد منه.
# فأما القول بأقل ما قيل في المسألة، من حيث كان الاجماع ثابتا فيه،
~~والزيادة لا دليل عليها، فبقي وجوبها، فهو صحيح إذا (2) بني على ما قدمناه
~~من الاستدلال على نفي الحكم بنفي الدلالة عليه إذا كان من الباب الذي متى
~~كان حقا وجب أن يكون عليه دلالة منصوبة. وليس يختص ذلك بأقل ما قيل فيه، بل
~~(3) في كل حق اختلف في ثبوته وهو مما يجب إذا كان ثابتا و (4) وجود دلالة
~~عليه.
# فإن قيل: لم وجب النفي لعدم دليل الاثبات، ولم (5) يجب الاثبات لعدم دليل
~~النفي؟.
# قلنا: لابد لكل مثبت أو ناف (6) من دليل على ms347 ما نفاه أو أثبته، غير أن
~~النافي لأمر قد علم بالدليل أنه لو كان ثابتا لوجب
# PageV02P833
# أن يكون (1) عليه دلالة قائمة يمكن أن ينفيه من حيث انتفت الدلالة عليه،
~~وصار انتفاء الدلالة هيهنا دليلا كافيا على النفي، وليس كذلك الاثبات، لأنه
~~لابد فيه من دلالة هي إثبات لا يرجع (2) إلى طريقة النفي، حتى يقال: لو كان
~~منتفيا لكان على انتفائه دليل، فإذا فقد، قطعنا على ثبوته، لان الفرق بين
~~الامرين يتبين (3) بمسائل كثيرة:
# منها أنا كلنا نقطع في شخص بعينه على أنه ليس بنبي، لفقد العلم المعجز
~~(4) الدال على نبوته، ولا يحتاج إلى غير ذلك في نفي نبوته، ولا يجوز قياسا
~~على ذلك أن نثبت (5) نبوة شخص آخر، من حيث فقدنا الدليل على (6) أنه ليس
~~بنبي، بل لا بد في إثبات نبوته من دليل لا (7) يرجع فيه إلى النفي.
# ومن ذلك أنا ننفي وجوب (8) صلاة سادسة، ووجوب صيام شهر زائد على شهر
~~الصيام (9)، من حيث فقدنا دلالة وجوب ذلك،
# PageV02P834
# وهو من الباب الذي متى كان واجبا فلا بد من دلالة على وجوبه.
# ومن (1) ذلك أننا ننفي بلدا (2) زائدا على ما عرفناه من البلدان، من حيث
~~لو كان موجودا لخبرنا عنه، فنجعل (3) الطريق إلى نفيه نفي الخبر عنه، ولا
~~يجوز إثبات بلد * بأن نقول (4): لو لم يكن ثابتا لخبرنا عن فقده، وكذلك
~~ننفي (5) وقوع فتنة عظيمة في الجامع يوم الجمعة لفقد الخبر عنها، ولا تثبت
~~هذه الفتنة من حيث ارتفع الخبر عن انتفائها، لان نقل الاخبار أحد الأدلة،
~~فاعتبر في نفي الأمور نفي ورودها بإثباتها، ولم يعتبر (6) في إثباتها نفي
~~ورودها (7) بنفيها.
# وقد كنا قديما أملينا (8) مسألة استقصينا فيها الكلام على هذه النكتة،
~~وبينا أن هذه الطريقة تقتضي (9) إثبات ما لا يتناهى من الأدلة، لأننا (10)
~~ننفي ما لا نهاية له، فلو احتجنا في كل منفي إلى دليل (11)
# PageV02P835
# هو إثبات، لوجب (1) ما ذكرناه من أدلة لا تتناهى (2)، وليس كذلك الاثبات،
~~لان الأشياء المثبتة متناهية، فيجوز إثباتها لا من طريقة النفي، بل بأدلة ms348
~~إثبات متناهية.
# فإن قيل: فيجب أن لا يستدل (3) على نفي الحكم الشرعي بنفي الدلالة عليه
~~إلا (4) العلماء الذين فتشوا الأدلة، وغاصوا على أعماقها، حتى يصح أن
~~ينفوها متى لم تكن (5) لهم (6) ظاهرة.
# قلنا: كذلك هو و (7) من لم يكن عالما (8) ممن يجب ظهور الأدلة له لا يجوز
~~أن يعتمد هذه الطريقة.
# وأما (9) الاستدلال ببراءة الذمة، فمما (10) يمكن الاعتماد (11) عليه،
~~لان تعلق الحق بالذمة عقلا أو شرعا يحتاج إلى سبب استحقاق، فإذا أدى النظر
~~إلى فقد سبب الاستحقاق (12)، علم براءة الذمة.
# PageV02P836
# ولولا صحة هذه الطريقة لما علم العقلاء براءة ذممهم (1) من الحقوق.
# ونحن الآن قاطعون كتابنا هذا، فقد (2) انتهينا فيه (3) إلى (4) الأمد (5)
~~المقصود، والمغزى (6) المطلوب، وإلى الله تعالى الرغبة (7) في أن يغفر لنا
~~زللا، إن كان جرى فيه ما اعتمدناه (8) ولا أردناه، وأن يوفر ثوابها على ما
~~وافق الحق ونصره وكشف عن قناعه وأظهره، ولا يخجلنا (9) بشئ (10) مما سطرناه
~~وذكرناه عند (11) الموافقة يوم الحساب ونشر الكتاب إنه سميع مجيب.
# PageV02P837
#####ENDNOTES#
1 - ب: المعرفين لجميل.
# 2 - ج: - بتبصيره 3 - ب و ج: المذكرين.
# 4 - الف: بتثفيقه.
# 5 - ب: تهذبه.
# 6 - ب: الدارية.
# 7 - ب: + 1 بعد.
# 8 - ب و ج: + من عترته.
# 9 - ج: فانى.
# 10 - ج: + و.
# 11 - ج: الامتلال.
1 - ب و ج: لا صول.
# 2 - ج: تشرد.
# 3 - ب و ج: عن.
# 4 - ب: - بها.
# 6 - ج: في الكلام.
# 7 - ب: - كان.
# 8 - ج: - فان كان تا اينجا، + مما 9 - ج: نتكلم.
1 - ج: تأمل.
# 2 - ج: جميع.
# 3 - ب: بجميع أبواب التعديل و.
# 4 - ج: متى.
# 5 - ب و ج: حجة.
# 6 - ب: حكيناه.
# 7 - ب: معنى.
# 8 - ب: الظن والعلم.
# 9 - ب: يفضى.
# 10 - ج نتكلم 11 - ج: اقتفتاتا.
# 12 - ب و ج: - نا 13 - ب: يذكر.
# 14 - ب: في 15 - ب: بجسم.
# 16 - ب و ج: محل.
1 - التسمية والتحميد من المصحح لا من الأصل.
# 2 - ب: - بأنه.
# 3 - الف: يصح.
# 4 - ج: - أو الكذب، تا ms349 اينجا.
# 5 - ب و ج: يكون.
# 6 - ب و ج: العالم.
1 - ج: صدق.
# 2 - الف: + خلاف.
# 3 - ب: المخبر.
# 4 - ج: بصدق.
# 5 - الف: الخبر.
# 6 - الف: - بما يفيده، ب بما يفيد.
# 7 - ج: ص ع.
# 8 - الف: - عليه السلام.
# 9 - ج: بلفظه.
# 10 - ب و ج: يكون.
# 11 - الف: تكون.
# 12 - ب: - كلمة.
# 13 - ج: - الكفر.
1 - ب: و.
# 2 - ج: مع.
# 3 - ب: يضيفون.
# 4 - ب: يتناوله.
# 5 - ج: كذلك.
# 6 - ب: لوجب.
# 7 - ج: الامر، بالمد.
# 8 - ج: بغير.
# 9 - ب: + لكان.
1 - الف: + على.
# 2 - الف: - على.
# 3 - ج: - و.
# 4 - ب: + الا.
# 5 - ب و ج: بقصد.
# 6 - ب: بشئ.
# 7 - ب: الأوامر.
1 - ب و ج: حكموا. * - 2 ج: فرق.
# 3 - الف: - تعرف.
# 4 - السمنية كعرنية قوم بالهند دهريون قائلون بالتناسخ. (القاموس المحيط،
~~ط مصر، ج 4، ص 238).
# 5 - ج: نجد.
# 6 - ج: تشكل.
# 7 - الف: تعين.
# 8 - ج: أقوى.
# 9 - ج: يقوله.
# 10 - ج: - في.
1 - ب: الخبر.
# 2 - ج: ينقسم.
# 3 - الف: علم.
# 4 - ب و ج: متوقف.
# 5 - ج: بين، بجاى من.
# 6 - ب: - خبر.
# 7 - ب: أخبر.
# 8 - الف: - يعلم أن.
# 9 - ب و ج: يتناوله.
# 10 - ج: بالكتاب.
# 11 - الف: جل شأنه.
# 12 - الف: الأئمة.
# 13 - ب: سنكلم.
1 - ب: فاما.
# 2 - الف: مخبر.
# 3 - الف: + ان.
# 4 - ج: باضطراب.
# 5 - ج: بالكتاب.
# 6 - الف و ج: إذا انتهينا.
# 7 - الف: في.
# 8 - ج + تعالى.
# 9 - ج: خلاف.
# 10 - ج: العلم.
# 11 - ب: الأول، بجاى (الذي يجب العمل به)، ج: - والاخر، تا اينجا.
# 12 ب: + و.
1 - ج: العلم.
# 2 - ب: - إلى.
# 3 - ج: انشاء الله.
# 4 - الف: - العلم.
# 5 - ب: ضرب.
# 6 - ب: - لا.
# 7 - ج: + لا.
# 8 - ب: يحتمل.
# 9 - الف: من.
# 10 - ب: - به.
# 11 - ج: + و.
1 - ب و ج: يجب حصول، بجاى يحصل.
# 2 - ب: اعلم.
# 3 - ب: - لا.
# 4 - ج: أبو.
# 5 - ج: ms350 + و.
# 6 - ب: القسم.
# 7 - ب: فالذي.
1 - ب و ج: خبره.
# 2 - الف: - في.
# 3 - ب: فعلى.
# 4 - ب و ج: اعتقاد.
# 5 - ج: الصدق.
# 6 - ب: - بصدق، تا اينجا.
# 7 - ب: ضرب.
# 8 - الف بقبحه.
# 9 - ب: + معلومة ضرورة.
1 - ج: كذلك.
# 2 - ب و ج: يكون.
# 3 - ج: بالكتاب.
# 4 - ب: - من 5 - الف: بان.
# 6 الف: الذوات.
# 7 - الف: بكونها.
# 8 - ب: - و.
# 9 - ح: من.
# 10 - ب: مجراهما.
1 - الف: بشرط.
# 2 - ب: - أولها، ومكانه بياض.
# 3 - ب: بخبر، ج: مخبر.
# 4 - ج: هذا.
# 5 - ب: - من.
# 6 - ج: يعلموا.
# 7 - ب: أولها، بجاى منها.
# 8 - الف: صادق.
# 9 - ج: فيجب.
# 10 - ب: - يكون.
1 - ج: هذه:
# 2 ج: الاكتساب.
# 3 - ج: يكذب.
# 4 - الف: - بين.
# 5 - الف: - فيه.
# 6 - ب: يقضى، ج: يقتضى.
# 7 - الف: - إليه.
1 -: ج فردتم.
# 2 - ب: وصفه.
# 3 ج: التواتر، ب: التواطوا.
# 4 - ج: العقلاء.
# 5 - ج: التعيش، ب: التعييش.
# 6 - الف وب: القسم.
# 7 - ج: يفتقر.
1 - ظ: تشترطون، لكن النسخ كلها (يشترطون).
# 2 - الف: بالشروط.
# 3 - ب و ج: يختص.
# 4 - ب: تشبيهه.
# 5 - الف: الفعل.
# 6 - ج: هذه.
# 7 - ج: الخبر.
# 8 - ج: * بين.
# 9 - ج: + و.
1 - ج: توليده.
# 2 - الف: العلوم.
# 3 - الف: + من.
# 4 - الف: تجب.
# 5 - الف و ج: يقول.
# 6 - ب و ج: - في.
# 7 الف: بشبهة.
# 8 - ب: يجز.
1 - ج: - لا.
# 2 - ج: كالمخبر.
# 3 - الف: البدان.
# 4 - ب: فأخبروا، ج: وأجيزوا.
# 5 - ظ: تجوزوا، لكن النسخ كلها (يجوزوا).
# 6 - ب و ج: خبركم.
# 7 - ج: بنص.
# 8 - ج: سماعة.
# 9 - ج: بالضرورة.
# 10 - ج: والا.
1 - الف: يكون.
# 2 - ب و ج: خبروا.
# 3 - ب: دفع.
# 4 - ب: وكان، ج: فكاد.
# 5 - ب: - به.
# 6 - الف: انه.
# 7 - ب: يشهدوه.
# 8 - ج: يرد.
# 9 - ب: ان.
# 10 - ب: فان.
1 - ب: وهو.
# 2 - ب: شهادة.
# 3 - الف: - ولا ms351 يفعله عند لفظ الشهادة.
# 4 - ج: عن، بجاى من.
# 5 - ج: - عن.
# 6 ج -: عموما.
# 7 - ب: - و.
# 8 - ج: - واحد.
# 9 - ج: - 6.
# 10 - ج: + ص ع.
# 11 - ب: - من.
# 12 - ب و ج: - انه.
1 - الف: يخبر.
# 2 - ج: نصدق.
# 3 - الف: بلد.
# 4 - ب: تعرف.
# 5 - ب: فاما.
# 6 - ب: متعلق.
# 7 - ب: الشبهة.
# 8 - ب: - أ.
1 - ج: لا يكون، تا اينجا.
# 2 - الف: يصلح.
# 3 - ب: الذي، بجاى أي.
# 4 - ب: - العلم بالمدرك، تا اينجا.
# 5 - ب: تعلمه.
# 6 - ج: المعلم.
1 - ب: - لأنها 2 - ب: لمخبر.
# 3 - الف: مجرها.
# 4 - الف: ما بعد كلمة (تصحيح) غير مقروء.
# 5 - ب: اخبار.
# 6 - ج: + له.
# 7 - ب: - بما خبروا عنه.
# 8 - ج: بالتأمل 9 - ج: الذي.
# 10 - الف: - جهة.
# 11 - الف: استدلال.
# 12 - ج: على.
# 13 - ج: منه.
# 14 - ج: من.
1 - ج: كالتواتر.
# 2 - ب و ج: خبروا:
# 3 - ج: يخبر.
# 4 - الف: الخبر.
# 5 - ج: بغلت.
# 6 - ب: تأمر.
# 7 - الف: - كذبت.
# 8 - الف: - نعلم.
# 9 - الف: التواطى.
# 10 - ب: أو.
1 - ج: حلى.
# 2 الف: التواطى.
# 3 - الف: - لها.
# 4 - ج: يجمع.
# 5 - ب و ج: هنا.
# 6 - الف: من.
# 7 - الف: - أو غير مشاهد.
# 8 - ب: غير، بجاى صحة.
# 9 - ب: - فيه.
# 10 - ج: يتغير.
# 11 - ب و ج: حليته.
# 12 - ب و ج: + أيضا.
1 - الف: ثبوت.
# 2 - ب: مبنى.
# 3 - الف: خبر عنهم.
# 4 - ج: فلا، بجاى قد.
# 5 - الف و ج: منهم.
# 6 - ب و ج: تعلم، ب: + ان.
# 7 - ب و ج: المخبر.
# 8 - الف: التواطى.
# 9 - ج: واما.
# 10 - ج: + عن.
# 11 - ج: تدل.
# 12 - ب: للعلم.
# 13 - ج: ثبوت.
1 - ج: تخالف.
# 2 - ج: أحدا.
# 3 - الف: حظر.
# 4 - الف: هو.
# 5 - الف: لتواطى، ب: التواطو.
# 6 - ج: شبهة.
# 7 - ب: الشهر.
# 8 - ب و ج: فعله.
# 9 - ج: - من.
# 10 - ج: - و.
# 11 - الف: تواطى.
# 12 ms352 - ب و ج: - وما جرى مجراه.
1 - الف: تواطى.
# 2 - الف: و.
# 3 - الف: التواطى.
# 4 - ج: الكثيرة.
# 5 - الف: - عليها.
# 6 - الف: يتواطؤا.
# 7 ب و ج: جميع.
# 8 - الف: مراسلة.
# 9 - ب: فيه ذلك.
# 10 - ب: - و.
# 11 - الف شاهة.
1 - الف: التواطى.
# 2 - ب: كتحريف.
# 3 - ب: حرف.
# 4 - الف: جرى.
# 5 - الف: تجمع، ج: يجتمع.
# 6 - ب: المخرجان، ج: المحوجان بتشديد الواو.
# 7 - ب: انفاق.
# 8 - ج: يخبر.
# 9 - ب و ج: ينتفى.
1 - الف: في، بجاى (بان).
# 2 - ج: الأقوى.
# 3 - الف: - التي.
# 4 - ج: يقوى.
# 5 - ج: + و.
# 6 - الف: - ابتداء.
# 7 - الف: المقالة.
# 8 - هذا هو الصحيح، لكن في نسخة الف: الحاريه، وفي ب و ج: النحارية
~~بالحاء المهملة.
# 9 - الف: ما.
# 10 - ج: الأخباريين.
# 11 - ج: الأمة.
# 12 - الف: الجماعة.
# 13 - ب: يشهد.
1 - ج: يجتمع.
# 2 - الف: بجامع.
# 3 ج: يجمعهما.
# 4 - ج: دواعيهما.
# 5 - الف: - الجامعة.
# 6 - ج: بعينه.
# 7 - ب: صدوه.
# 8 - ج: يتفقون.
# 9 - ب: خيرا.
# 10 - الف: تواطى، ب: تواط.
# 11 - ج: يكون.
1 - الف: زنيتموه.
# 2 - الف: نستدل.
# 3 - ج: اجر.
# 4 - ج: - علمنا.
# 5 - ج: - على.
# 6 - الف: بهذا: بجاى على هذا.
# 7 - ب و ج: يقضى.
# 8 - ب: عن، ج: من.
# 9 - ب: ما.
1 - ب: + لا.
# 2 - ب: كونها، ج: لونا.
# 3 - ب: الله، بجاى انه.
# 4 - ب: الا.
# 5 - ب: - لا.
# 6 - ب و ج: ع.
# 7 - ج: بالمخبر.
# 8 - ج: - ان.
# 9 - ج: الجملة.
# 10 - ج: - باب.
# 11 - ج: + باب.
# 12 - ج: يخبر.
# 13 - ب و ج: بالايكذب، بجاى (بالامساك عن تكذيب).
1 - ب: يشاهده.
# 2 - ج: - إلى.
# 3 - الف: بحظرة.
# 4 - ج: كذا.
# 5 - ب: أخبر.
# 6 - ب: التكبير.
# 7 - ج: لم.
1 - ج: اجتمعت.
# 2 - ج: لقطوعا.
# 3 - ج: فادعوا.
# 4 - ج: - ما.
# 5 - ج: طريقة.
# 6 - ج: - الاحادو.
# 7 - ب و ج: في.
# 8 - الف: تطويل.
# 9 - الف: ms353 - صحة.
# 10 - الف: - من قوله.
# 11 - الف: + و.
1 - الف: مخبر.
# 2 - ج: + فيه.
# 3 - ج: - خبر.
# 4 - ب و ج: فيلا.
# 5 - ب: - كل.
# 6 - ج: - ما.
# 7 - الف: باكتساب.
# 8 - ج: + و.
# 9 - ب: - به.
# 10 - ظ: تقم.
# 11 - ب: على، بجاى علم.
1 - ب: وإذا.
# 2 - الف تدعو، ب: يقوى.
# 3 - ب: الداعي.
# 4 - الف: يمتنع، ب: يمنع.
# 5 - الف وب: - من.
# 6 - ب: يكون.
# 7 - ج: - والحال، تا اينجا.
# 8 - ب: تضعف.
# 9 - ج: الدلالة.
# 10 - ب و ج: المبنية.
# 11 - الف: اختبارها.
# 12 - ج: + و.
# 13 - الف: فرع.
1 - الف: - فهو.
# 2 - ب: - فما صح، تا اينجا.
# 3 - الف: - كل واحد من.
# 4 - الف: الجملة.
# 5 - ج: لكننا.
# 6 - ب: عن.
# 7 - ج: يتفق.
# 8 - الف: - كتمان.
# 9 - ب: طيبه، ج: طبه.
# 10 - الف: + فيه.
# 11 - الف: - تعالى.
1 - ب و ج: لا يقم.
# 2 - الف: - به.
# 3 - الف: كتمان، بجاى ان كتمه.
# 4 - ب: - وأوضح عنه و.
# 5 - ج: فاما.
# 6 - ب و ج: نكذب.
# 7 - ج: واسطة.
1 - ب: مبهم.
# 2 - ب و ج: يكون.
# 3 - ج: - و.
# 4 - الف: لوجب.
# 5 - ب: استمراره.
# 6 - ج: الاذانية.
# 7 - الف: ذكره.
# 8 - ج: + ذكر.
# 9 - ج: في الامرين.
# 10 - الف: بقوله.
# 11 - الف: روى.
# 12 - ج: ع.
1 - ج: ستذكر.
# 2 - الف: التعبير.
# 3 - ج: اخبار.
# 4 - ج: ذلك مجرى.
# 5 - ب و ج: فاما.
# 6 - ب: كاذبا.
# 7 - الف: - به.
# 8 - ج: نعلم.
# 9 - ب: - بلا خلاف.
1 - ب و ج: علية.
# 2 - ج: لصدقه.
# 3 - الف: نذهب.
# 4 - الف: قرائنا.
# 5 - ج يجب.
# 6 - ج: الخبر.
# 7 - ب: - به قول.
# 8 - ب: نذكرها.
# 9 - ج: لجاز، بجاى لما جاز.
1 - ب: أعمى.
# 2 - ب و ج: سكتة.
# 3 - ب و ج: و.
# 4 - ج: انه.
# 5 - ج: تصدق.
# 6 - ج: مما.
# 7 - ب و ج: يكون.
# 8 - الف و ج: فاما.
# 9 ms354 - ب: لأوجب.
# 10 - ب و ج: - ص ع.
# 11 - ب و ج: فلابد.
# 12 - ب: امتثاله، ج: + لا يلزمه، تا اينجا.
# 13 - ب و ج: عن.
1 - ج: تتبع.
# 2 - ب: - لا ان يتبع العلم.
# 3 - ب كالمحرف.
# 4 - الف: ذكر.
# 5 - ب: واحد.
# 6 - ب: - ان.
# 7 - ب: ذهب.
# 8 - ج - اعلم، تا اينجا.
# 9 - ب: - به.
1 - ب و ج: - الباب.
# 2 - ب: نبين، ج: يتبين.
# 3 - ج: على.
# 4 - ج: يخرج.
# 5 - ب: بعد، بجاى بهذا.
# 6 - ج: العلم.
# 7 - الف: يرى.
# 8 - ج: ع.
# 9 - ج: منى.
# 10 - ب: + من كيت.
# 11 - ب: فلا.
# 12 - ج: - فلان، تا اينجا.
# 13 - ب و ج: لان.
1 - ب و ج: ع.
# 2 - ج: عن.
# 3 - ج: عن.
# 4 - ج: صالح.
# 5 - ج: - به.
# 6 - ب: + له.
# 7 - ج: - و.
# 8 - ج: يعلم.
# 9 - الف و ج: ان.
# 10 - ج: يحصل.
# 11 - ب: - وتعبده، تا اينجا.
# 12 - ج: كانت.
# 13 - الف: ان.
1 - ب: من.
# 2 - الف: أيضا عليه.
# 3 - ب: - من.
# 4 - ج: أولهم.
# 5 - ج: يكون.
# 6 - الف: لمصالح.
# 7 - ب و ج يخبر.
# 8 - ب و ج: يا من.
# 9 - ب و ج: يقدم.
# 10 - الف: - من.
# 11 - ب و ج: ع.
1 - ب و ج: النبي.
# 2 - ب: بمعجزة.
# 3 - ب و ج: مع.
# 4 - ب و ج: ولا معجزة.
# 5 - ج: بجواز.
# 6 - ج: يعلم.
# 7 - الف: تحسينا ج: تخمينا.
# 8 - ج: تبخيتا.
# 9 - ب و ج: يقتضى.
# 10 - ج: بما صالح.
# 11 - ج: مضارها.
# 12 - ج: اجتلاب.
1 - ب: - واجلاب المنافع.
# 2 - ب: الصالح.
# 3 - ب: يجرى.
# 4 - الف: - وتطيب النفس.
# 5 - ب: + بالعمل.
# 6 - ب و ج: جاز.
# 7 - ب: ويقال 8 - ج: ذكر.
# 9 - ب: - بذلك.
# 10 - ب: التفضل.
# 11 - ب: وإذا.
# 12 - ب: فإذا.
# 13 - ج: أمتنا.
# 14 - ب: يعلم.
1 - الف وب: كان.
# 2 - ج: ينتقض.
# 3 - ب و ms355 ج: يثبت.
# 4 - ب و ج: يتقاربان.
# 5 - ج: - ان.
# 6 - ج: المعجزة.
# 7 - ب و ج: يحمله.
# 8 - ب: جاز.
# 9 - ب: - ما جاز.
# 10 - ب: العمل.
# 11 - ب: - العلم.
# 12 - الف: بالمعجز.
# 13 - ج: طريقة تأمن، ب: يامن.
1 - ج: ينتقض.
# 2 - ج: تتبع.
# 3 - الف: ان.
# 4 - ب و ج: ينتقض.
# 5 - ب و ج: يمتنع.
# 6 - الف: تثبت، ب: ثبت.
# 7 - ب: بالمخبر.
# 8 - ب و ج: ع.
# 9 - ب و ج: - الان.
1 - ب: - لان، + و.
# 2 - الف وب: يحصل.
# 3 - الف: معجزته، ب: اثبوته.
# 4 - ب و ج: ع.
# 5 - ب -: ثبتت.
# 6 - ب و ج: ينقض خبر.
# 7 - الف و ج: بالمعجز.
# 8 - الف وب: فاما.
# 9 - ب و ج: الشهادات.
# 10 - ب: الشهادات.
# 11 - الف: - في الحدود.
# 12 - ج: التراخي.
# 13 - ب: - وخارجة، تا اينجا.
1 - ج: الملك.
# 2 - الف: جاز.
# 3 - الف: يتبعه.
# 4 - ج: العبادات.
# 5 - ب: - للأحكام.
# 6 - ج: تميز.
# 7 - ب: الخبرو.
# 8 - ج: يتميز.
1 - ب و ج: مجوزا للتعبد.
# 2 - ج: المتكلمين وأكثر الفقهاء.
# 3 - الف: يجرى.
# 4 - الف: محققي (خ ل).
# 5 - الف: الشريعة.
# 6 - الف: كسائر، بجاى (مجرى سائر).
# 7 - ب: بما، بجاى به.
# 8 - ب: يقول.
# 9 - ج: علمنا.
# 10 - ب: يعول.
# 11 - ب: على.
1 - ب: معجزة.
# 2 - الف: مفروضا زائدا.
# 3 - ب: المفرع، ج: مفزع.
# 4 - ب و ج: - فيه.
# 5 - ج: + المسألة.
# 6 - ج: الشبهة.
# 7 - ج: يقول.
# 8 - ب: - فاما، تا اينجا.
# 9 - الف: للعلم.
# 10 - ج: - بالعبادة.
1 - الف: لوجوب.
# 2 - ج: يجده.
# 3 - ج: نفينا.
# 4 - الف: - منهم.
# 5 - الف: - لهم الا، ج: - الا.
# 6 - ج: + الا.
# 7 - الف: قوم.
# 8 - الف: باسم الطائفة، بجاى بان اسم طائفة.
# 9 - ج: ليشهدوا.
# 10 - الف: - وقوله تعالى.
# 11 - ج: ان، بالتشديد.
# 12 - الف: ثانيها.
1 - ج: رسول.
# 2 - ج: - والآحاد، تا اينجا.
# 3 - ب و ج: هي.
# 4 - ج: ms356 مجتمعة.
1 - الف: الجزية.
# 2 - الف: جميل، وما في المتن موافق لما في العدة أيضا (راجع ج 1 ص 47 ط
~~تهران) 3 - ج: - عن.
# 4 - الف: غير.
# 5 - الف: حلفه.
# 6 ج: - وصدق أبو بكر.
# 7 - ج: المدعى.
# 8 - ب: - و.
# 9 - ج: رسوله.
1 - ب: - وانما كانوا.
# 2 - ب: فيعملون.
# 3 - ب: يودونه، ج: تودونه.
# 4 - ب: توالى.
# 5 - ب: حدثه، ج: حدث.
# 6 - الف: خبر مخصوص.
# 7 - الف: التحذير.
# 8 - ج: خبر.
1 - ج: فلا يجب.
# 2 - ج: أو.
# 3 - ج: لعلم.
# 4 - الف وب: يعلمون.
# 5 - الف: يعقلون.
# 6 - ب: يقوى.
# 7 - ب و ج: لنقل.
1 - الف: عتبة.
# 2 - ج: ع.
# 3 - الف وب: وهم.
# 4 - ب و ج: - الرسول.
# 5 - الف: - إليهم.
# 6 - الف: - له.
# 7 - ب: ظاهره.
# 8 - ج: يأمر.
# 9 - الف: يوجب.
# 10 - ب: خليفته.
1 - ج: يقول.
# 2 - ج: بالاخبار.
# 3 - الف: الذي.
# 4 - الف: يجشم.
# 5 - الف: من.
# 6 - ب: التكبير، ج: التكبر.
# 7 - ب: - عليهم.
# 8 - ب: لأنا.
# 9 - ج: لنشرط.
# 10 - ج + الا.
# 11 - الف: - لأنها، + و.
# 12 - الف: تخرج.
# 13 - ج: الدين.
# 14 - ج: الفقه.
# 15 - ج: ينتقل.
# 16 الف: يؤثر، ج: + و.
1 - الف: تعمل.
# 2 - الف: ايحاشا، بالنصب.
# 3 - ب: و.
# 4 - ب: + و.
# 5 - الف: يندفع.
# 6 الف: بهذه.
# 7 - الف: نقول.
# 8 - الف: - و.
# 9 - ج: لأنا.
# 10 - الف: - في.
# 11 - ب: قولنا.
1 - ب: يعولوا، ج: يقولون.
# 2 - ب: النظر.
# 3 - الف: - تعالى.
# 4 - ج: يقولوا.
# 5 - ب: - فإنه، ج: لأنه.
# 6 - ب: - بها.
# 7 - ب: كلما.
# 8 - الف: نعلم.
# 9 - الف: لتطابق.
# 10 - الف: - و.
# 11 - الف: تفصيل.
1 - ب: مما.
# 2 - ج: جبلة.
# 3 - ج: عليهم.
# 4 - ج: يختص.
# 5 - ج: + و.
# 6 - ب: كالقسانى.
# 7 - هذا هو الظاهر، لكن النسخ كلها (بالأمس).
# 8 - ج: - و.
# 9 - ج: + و.
1 - الف: - و.
# 2 - الف: يقطع.
# 3 - ج: هبة.
# 4 - ب: ms357 إذا.
# 5 - ج: يدون.
# 6 - ج: يقتضى.
# 7 - ج: - كلام.
# 8 - ب: - هي.
# 9 - ج: تدعون.
# 10 - ج: يطابق.
# 11 - ب: اخترتم.
# 12 - ب: + ضروري.
# 13 - الف: المتواتر.
1 - ج: العلم.
# 2 - الف: - علم.
# 3 - ج: أبو.
# 4 - الف: أو.
# 5 - الف وب: تغنى.
# 6 - ب: - كون.
# 7 - الف: - نقل.
# 8 - ب: لأنه.
# 9 - الف: ان.
# 10 - ب و ج: يقدح.
1 - ب: - لا.
# 2 - ج: اذكروا.
# 3 - ج: عن.
# 4 - ب و ج: كذلك.
# 5 - ج: - يكون.
# 6 - هذا هو الصحيح، لكن في نسخة الف: ينبههم، وفي نسخة ب: بينهم، وفي ج:
~~نبهتهم 7 - ب و ج: يقتضى.
# 8 - ب و ج: التذكر.
# 9 - ب: علمهم.
# 10 - الف: - أذكر، ولعل الأصل (أذكره).
1 - ب: - المعلوم.
# 2 - ج: - العمل.
# 3 - ب و ج: - وجه.
# 4 - ب: محرز.
# 5 - ج: علم.
# 6 - الف: و.
# 7 - ج: يقدم.
# 8 - ب: + ما.
# 9 - ب: التأبير.
1 - ج: ينفذتهم.
# 2 - ج: - كل.
# 3 - ب: ع.
# 4 - ج: ثم، بجاى في.
# 5 - ب: بنبوته، بجاى بنبوة نبيه.
# 6 - ب و ج: ع.
# 7 - ج: - ما.
# 8 - ب: فان.
# 9 - ج: هاولا.
# 10 - ب: الرجل.
# 11 - ج: تجب.
1 - ب: الرجل.
# 2 - الف: العمل باخبار.
# 3 - ج: هاولا.
# 4 - ب: توجب.
# 5 - ج: فان.
# 6 - ج: + ان.
# 7 - ب: فأجبروا، ج: فأخبروا.
# 8 - ج: - التي.
# 9 - الف: - الرسل.
# 10 الف: + قد.
# 11 - الف: يحملونه.
# 12 - ج: العمل.
# 13 - ب لو.
# 14 - ب: - لهم.
1 - ج: قسهتم.
# 2 - ج: يقول.
# 3 - ب و ج: - لا.
# 4 - ب و ج: يقتضى.
# 5 - ب و ج: - الا.
# 6 - ب و ج: - والقياس.
# 7 - ج: وكذلك.
# 8 - ب: يقاس.
1 - الف: - الاخبار، تا اينجا.
# 2 - ج: وكذلك.
# 3 - ج: في.
# 4 - ب: - على كل حال.
# 5 - الف وب: فاما.
# 6 - ب: بالفعليات.
# 7 - ب: - الدار.
# 8 - ج: الا.
# 9 - ب: - ولذلك، ج: كذلك.
# 10 - ب: الشرح.
# 11 - الف: و.
# 12 ms358 - ب: تجعله، ج: يجعله.
# 13 - الف: + خروج.
1 - ج: ثانيا.
# 2 - هذا هو الصحيح، لكن في نسخة الف: تعود، وفي ب: نفوذ وفي ج: يقود.
# 3 - ب: رجع.
# 4 - ب: يخالفيكم.
# 5 الف: - إلى.
# 6 - الف و ج: فيه.
# 7 - ج: لا، بجاى (مامن).
# 8 - ج: توجب.
# 9 - ج: عن.
# 10 - ب: ينهنا، ج: يبينها.
# 11 - ب: + و.
# 12 - الف: - ان يكون.
1 - ب: مسبغ.
# 2 - الف وب: - لا.
# 3 - الف وب: - من.
# 4 - ج: يوجب.
# 5 - ج: والكافر.
# 6 - ب و ج: توجبونها.
# 7 - ب: القدوم.
# 8 - ب و ج: كونه، بجاى (ان يكون).
# 9 - ج: توجبوا.
# 10 - ب: تحررا.
# 11 - ب و ج: خبر.
# 12 - ب و ج: قبول.
1 - ب: + و.
# 2 - الف: بهذا.
# 3 - ج: + لا.
# 4 - ب: تخبره.
# 5 - الف: - لا يجوز.
# 6 - الف: بعدالته.
# 7 - ج: المعنى.
# 8 - الف: - انه.
# 9 - ب و ج: أخبر.
# 10 - ج: ع.
# 11 - ب و ج: اثنين.
1 - ب و ج: طريقة.
# 2 - ب: عليه.
# 3 - ج: مغيرة.
# 4 - ج: من.
# 5 - از اينجا از نسخه ج يك ورق افتاده.
# 6 - في العدة: مسلمة (ج 1 ص 48 ط تهران).
# 7 - الف - قول.
# 8 - ب: جاه.
# 9 - ب: بابي.
# 10 - ب: + له.
1 - الف: - في الصلاة.
# 2 - الف: + في الصلاة، بجاى وعمر.
# 3 - ب: ينكر.
# 4 - ب: طريقه.
# 5 - ب: بنيناه.
# 6 - ب: نسبة.
# 7 - الف: - ظهور.
# 8 - ب: انه.
# 9 - الف: فلا.
# 10 - ب: - لأنه.
1 - ب: - يا رسول الله.
# 2 - ب: بالعقول.
# 3 - ب: أو.
# 4 - ب: + على الكلام.
# 5 - الف: + و.
1 - ب: - لهذه الفروع، تا اينجا.
# 2 - ب: - للخبر.
# 3 - الف: فيه.
# 4 - ب: عليه.
# 5 - الف: ذهب.
# 6 - ب: - وجوب.
# 7 - الف: - لا.
# 8 - ب: - الراوي.
1 - الف: - وإذا لم يكن كذبا.
# 2 - الف: بل لابد.
# 3 - ب: - صدقا.
# 4 - ب: بينا.
# 5 - ب: أو.
# 6 - ب: كذلك.
# 7 - ب: - عنه.
# 8 - الف: ms359 قرائه.
# 9 - ب: فأخبرنا.
# 10 - الف: ان.
# 11 - ب: + لا.
1 - ب: كما.
# 2 - الف: - في.
# 3 - ب: - و.
# 4 - هذا هو الصحيح، لكن المكتوب في نسختي الف وب بهذا الشكل (قرأته).
1 - ب: أو.
# 2 - ب: الحالتين.
# 3 - الف: - يجوز.
# 4 - الف: ينظم.
# 5 - ب: - سبيل.
# 6 - راجع ذيل الصحيفة الماضية رقم (4).
# 7 - الف: و.
# 8 - ب: - منه.
# 9 - الف: ذكرتموه.
1 - ب: وأقر.
# 2 - ب: - وانما.
# 3 - الف: محدث.
# 4 - ب: - ذلك.
# 5 - ب و ج: - أ.
# 6 - ب: فتخيرون، ج: فتجيزون.
1 - الف: رواه حاكى، ج: حاكى.
# 2 - ب و ج: وكانه.
# 3 - الف: - حدثني.
# 4 - ب و ج: قراة.
# 5 - ب: فأدرك.
# 6 - الف: + لا.
# 7 - الف: - نقض.
# 8 - ب و ج: تبين.
1 - الف: يعتر.
# 2 - ب: - به.
# 3 - الف: - و.
# 4 - ب: واما.
# 5 - ج: يفتقر.
# 6 - ج: يجرى.
1 - الف: - أصحاب الحديث.
# 2 - ب: + من.
1 - ج: عما.
# 2 - الف وب: الملجى.
# 3 - ب: الا.
# 4 - الف: - ما.
# 5 - ب: - مع العلم به والتخلية.
# 6 - ب: - والحسن، تا اينجا.
# 7 - النسخ كلها (علم) بلا همزة، لكن الصحيح - بقرينة قيد الاعلام في
~~القسم الثاني - (اعلم) بصيغة الماضي المجهول من باب الافعال، ويشهد بذلك ما
~~في العدة، فراجع (ج 2 ص 216 ط تهران).
# 8 - ب: الفعل.
1 - الف: - و.
# 2 - ب: - بأنه.
# 3 - ج: رود.
# 4 - الف و ج: ما.
# 5 - ب و ج: وديعة.
1 - ب: - غيره.
# 2 - الف: كالصيام والصلاة.
# 3 - الف: + لا.
# 4 - ج: محدوث.
# 5 - الف وب: - أو حسن كل محدث.
# 6 - ب و ج: القبح والحسن.
# 7 - ج: القبح.
# 8 - ج: - أعضائه.
1 - ج: - لان الكلام، تا اينجا.
# 2 - الف: غير قبيحة، بجر قبيحة.
# 3 - ج: فيهما.
# 4 - ج: - و.
# 5 - ب و ج: الكتاب.
# 6 - الف: - سهوا.
# 7 - ج: فهو يجب.
1 - ب و ج: لجبران.
# 2 - ب: انه لا.
# 3 - ج: يتعداه.
# 4 - ج: اختر يغير.
# 5 ms360 - ب: لآدم عليه السلام.
# 6 - ب: الا.
# 7 - الف: الفعل.
# 8 - الف: محضور.
1 - الف: الحضر.
# 2 - ج: يطلق.
# 3 - ب: - شبهة.
# 4 - ب و ج: القبح.
# 5 - الف: و.
# 6 - ب: لقدره.
# 7 - ج: يزيد.
1 - ب: بنحو.
# 2 - ج: - و.
# 3 - ب: - وانما، تا اينجا.
# 4 - الف: القبح.
# 5 - ب و ج: فيختلف.
# 6 - ب، والقديم.
# 7 - ج: قتل.
# 8 - ب: + عليهم.
# 9 - الف: كتاب.
# 10 - ج: الامامية.
# 11 - الف: + و.
# 12 - ب و ج: عمومهم.
1 - ب: و.
# 2 - ب: - مصالحما.
# 3 - ب و ج: فيختلف.
# 4 - ج: + وجب.
# 5 - ب: يتعبد.
# 6 - ب: - تكليف.
# 7 - ج: ع.
# 8 - الف: - لنا.
1 - ب: - كما جاز، تا اينجا.
# 2 - ب و ج: يفترق.
# 3 - ج: الشكر.
# 4 - الف: - تعالى.
# 5 - الف: فهو.
# 6 - ب و ج: فاما.
# 7 - ج: اختراق.
# 8 - ج: - في.
# 9 - الف: ع.
# 10 - ب و ج: يمنع.
# 11 - ج: - و.
1 - ج: فيجوزوا.
# 2 - الف: - معا.
# 3 - الف: تعلم.
# 4 - ج: ينتقض.
# 5 - الف: عليه السلام.
# 6 - ب: يعتبر.
# 7 - ب: - و.
1 - ج: الصيام.
# 2 - ب: - لان الصائم، تا اينجا.
# 3 - الف: مخالفة، ج: يخالفه.
# 4 - ب: و.
# 5 - الف: - و.
# 6 - الف: - يتعبدنا، تا اينجا.
# 7 - الف: تفعل.
# 8 - ج: نفعله.
# 9 - ب و ج: - عليه السلام.
# 10 - ب و ج: + عليه السلام.
# 11 - ب و ج: جهة.
# 12 - ج: يكن.
# 13 - ج: كثيرة.
1 - ج: - لولا الاجماع، تا اينجا.
# 2 - الف و ج: يكن.
# 3 - الف: نضيره.
# 4 - ظ: لسنا.
# 5 - ب: تفعل.
# 6 - الف و ج: تميزه.
# 7 - ب: وجوه.
1 - الف: بها.
# 2 - ج: ترجم.
# 3 - ج: تطهر.
# 4 - ب: بالفعل.
# 5 - ب: به.
# 6 - ب: - لا.
# 7 - ج: يكون.
# 8 - ب: - معا.
# 9 - ب و ج: فاما.
# 10 - ج: المخالف.
# 11 - ج: الا.
# 12 - الف: فقد.
# 13 - ظ: تكون.
# 14 - الف: - فيه.
# 15 - ب: + فيه.
1 - الف: بالمفصل، ms361 ب: بالمنتفل.
# 2 - الف: - اخبار.
# 3 - ج: بقول الله.
# 4 - الف: وحكمنا.
# 5 - ج: محكنا فيه حكمة.
1 - الف: - له.
# 2 - الف: يفعله.
# 3 - ب و ج: فعله.
# 4 - الف: + صحيح.
# 5 - ج: - ما.
# 6 - الف: أمثالا.
# 7 - الف: بسنه.
# 8 - ب: اجرى.
# 9 - ب و ج: يخصه.
# 10 - ب: عن.
# 11 - ج: يحتاج.
# 12 - ج: + السلام.
1 - ب: - بعض.
# 2 - ب: - على.
# 3 - الف: يبحث.
# 4 - ب: عند تحكم.
# 5 - الف: - ع.
# 6 - ب و ج: - يجوزان.
# 7 - ب: انما.
# 8 - ج: + و.
# 9 - ب: و.
# 10 - الف: الممثل.
1 - ب: فينقسم.
# 2 - الف: + أيضا.
# 3 - الف: - أيضا.
# 4 - ب و ج: يقتضيه.
# 5 - الف: - اناقد.
# 6 - ج: أفعالها.
1 - الف: إذ.
# 2 - الف: عملناه، ج: علمنا.
# 3 - ب: يلزمنا.
# 4 - ب: - به.
# 5 - ج: + عليه.
# 6 - ب و ج: وكان.
1 - ب و ج: الأخرى.
# 2 - ب و ج: - قد.
# 3 - ب: بمجرى.
# 4 - ج: - و.
# 5 - ب: الامر.
# 6 - ج: النهى.
# 7 - ب و ج: - نفى.
# 8 - ج: ينفر.
# 9 - الف منه.
1 - ب و ج: وان.
# 2 - ج: يقع.
# 3 - ج: فتحملها، بتشديد الميم.
# 4 - الف و ج: وان.
# 5 - الف: - كان.
# 6 - الف: امره.
# 7 - ب: يفرع، ج: فرع.
# 8 - ب و ج: + الفعل.
# 9 - ب: قدمنا.
# 10 - ب: + كان.
1 - الف: - قد بينا.
# 2 - ج: يتغير.
# 3 - ج: توجد.
# 4 - ج يكون.
# 5 - ب و ج: يقتضى.
# 6 - ب و ج: يفعله.
# 7 - ب و ج: يكون.
# 8 - ب و ج: متعين 9 - ج: + و.
1 - ج: واحدا.
# 2 - ب: - فيهما.
# 3 - ب و ج: للفعل.
# 4 - ب: يرجع.
# 5 - الف: يفعل.
# 6 - الأنسب (نفعله) أو (يفعل) بصيغة المجهول.
# 7 - الف: فبطل.
1 - الف: عليه.
# 2 - الف: الامر.
# 3 - ب: - اعلم.
# 4 - ج: مستقلا بنفسه، تا اينجا.
# 5 - الف: ذكر.
1 - ب: تبين.
# 2 - ج: أيضا فيه.
# 3 - ج: متحمل.
# 4 - ب: غيرها.
# 5 ms362 - الف: - قول.
# 6 - ب: + عليه السلام.
# 7 - ج: يتبين.
# 8 - الف: صلاة.
# 9 - الف يعلم به.
# 10 - ب و ج: و.
1 - ب و ج: + عليه السلام.
# 2 - ج: لدفع.
# 3 - ب و ج: يدخل.
# 4 - ب: - فهو.
# 5 - ب و ج: إلى.
# 6 - ج: أخرى.
1 - الف: عشر.
# 2 - ب و ج: - و.
# 3 - ج: ترك.
# 4 - ب: فيكون.
# 5 - ب: للقاعدة.
# 6 - الف: العقود.
# 7 - ب: التكبير.
1 - الف: يك.
# 2 - ب و ج: المتقرر المتمهد.
# 3 - ب: - بعض.
# 4 - ج: ترك.
# 5 - ب: التكبير.
# 6 - الف: ترك.
# 7 - ج: يتبع.
# 8 - الف: انتضارا.
# 9 - الف: - ع.
# 10 - الف: فيجوز.
1 - ب: تبين، - ج: يتبين.
# 2 - ب و ج: يظهر.
# 3 - الف: - و.
# 4 - الف: ترك.
# 5 - الف - الفعل.
# 6 - الف: + واخبارا.
# 7 - الف: - ومنها كونه واجبا.
# 8 - ج: - لو.
# 9 - الف: ركعتين.
# 10 - ج: كثيرة.
# 11 - ب: جزا، ج: جزءا.
# 12 - ب: الشرط.
1 - ج: كثيرة.
# 2 - ج: فيتركه.
# 3 - ب: أوجه.
# 4 - ب: قضا.
# 5 - ج: المدح والذم.
# 6 - الف: الفعل.
1 - ب: + أو، ج: + و.
# 2 - ج: ظاهر.
# 3 - ب: يجوز.
# 4 - ج: تتبع.
# 5 - الف: امارة.
# 6 - الف: الوصف.
# 7 - ب: بالفصل.
# 8 - ج: + و.
# 9 - ب و ج: والاقرار، ج: + و.
# 10 - الف: بالباطل.
# 11 - ج: الاخر.
# 12 - ج: - و.
1 - ج: - فصل.
# 2 - ب: استعمالها.
# 3 - الف: فاما.
# 4 - ج: بها.
# 5 - ج: تقع.
# 6 - ج: حال.
# 7 - ب: متعارضتين.
# 8 - الف وب: ينتظم.
1 - ج: - في الثاني، تا اينجا.
# 2 - ج: مخصوص.
# 3 - ب: - له.
# 4 - ب: المعتاد.
# 5 - ب و ج: - ع.
# 6 - ب و ج: نسخا.
# 7 - ج: فاقبلوه.
# 8 - ج: فعله.
# 9 ب و ج: ففي.
# 10 - الف: - أولى.
1 - ب: - و.
# 2 - ج: - فصل.
# 3 - ب: - النبي، ج: رسول الله.
# 4 - ب و ج: أحدهما.
# 5 - ب: - و.
# 6 - ب: والاخر، تا اينجا.
# 7 - ج: على.
1 ms363 - ب: يمنع.
# 2 - ب: - واحد.
# 3 - الف: - عليه السلام.
# 4 - الف: - فيه.
# 5 - الف: متعبا.
# 6 - ب و ج: + به.
1 - ج: + عليه.
# 2 - ب: + كان.
# 3 - ب: و.
# 4 - الف: بالظن.
# 5 - ب: ثبتت، ج: تثبت.
# 6 - الف: - أيضا.
# 7 - ب: بنفسه.
# 8 - ج: - انه.
# 9 - الأحسن في التعبير - بقرينة الجملة الآتية - (يستعان بالغير) والا
~~فلابد من ارجاع الضمير في (يستعين) و (بغيره) إلى مطلق المذكى، على سبيل
~~نوع من الاستخدام، لا إلى خصوصه ع.
# 10 - الف: لغير.
# 11 - لا يخفى ما في إضافة الموصوف إلى الصفة، اللهم الا ان يقدر شئ يكون
~~هو المضاف إليه، أي (لحم الحيوان المذكى).
1 - الف: - عليها.
# 2 - الف: رفع التكليف.
# 3 - ج: غير ما بنى.
# 4 - ج: بالشريعة.
# 5 - الف و ج: فاما.
# 6 - ج بالشريعة النبي متقدم.
# 7 - ب: أو يمتنعون.، ج: تمنعون.
1 - الف: يكون، ب: - تكون.
# 2 - ب: - لا.
# 3 - ب: يكون.
# 4 - ب و ج: بها.
# 5 - ب: فلا، بجاى فانالا.
# 6 - الف: مختلف.
# 7 - ب: تحقق.
# 8 - ب: - ان تعبده ع.
1 - ج: + الاخر.
# 2 - ب و ج: علم عليه السلام.
# 3 - ب و ج: + غير:
# 4 - ب و ج: تعبد.
# 5 - الف وب: شرائعه.
# 6 - الف: المرسول:
# 7 - ب: اداه، ج: لزم اداه.
# 8 - ج: - إلى.
# 9 - ب: الزم.
# 10 - الف: القران والوحي والقران (خ ل).
1 - ب: جارحا.
# 2 - ب: بين.
# 3 - ج: أدلتهم.
# 4 - الف: انه.
# 5 - ج: يكون.
# 6 - ب: حالنا.
# 7 - ب: يبطل.
# 8 - ج: فرضناهما.
# 9 - ج: الفورية.
1 - الف: انتضاره، ب: انظاره.
# 2 - ب و ج: لكان يجب.
# 3 - ب: الشريعة.
# 4 - هذا هو الصحيح، لكن في ب و ج: معاد، بالدال المهملة.
# 5 - الف: - فقد نبه، تا اينجا.
# 6 الف وب: شريعة.
# 7 - ب و ج: - في.
1 - ب و ج: تقدم.
# 2 الف و ج: فان.
# 3 - ج: موسى.
# 4 - ج: بأنها.
# 5 - ب: - غير.
# 6 - الف: - وانما ms364 رجع لأمر آخر.
# 7 - الف: - كان.
# 8 - الف: موافق لما كان (خ ل).
# 9 - ب و ج: + ع.
1 - ج: يجمعوا، بتشديد الميم.
# 2 - ب: - وانهم لا يجوز، تا اينجا.
# 3 - الف: - أيضا.
# 4 - ج: جماعاتها.
# 5 - الف: تخمينا.
# 6 - الف: - و.
# 7 - ب: يعنى.
# 8 - ب: يفي.
# 9 - ب و ج: يذهب.
1 - الف: اجماعه.
# 2 - ب و ج: - من.
# 3 - ب: به.
# 4 - ب و ج: يذهب.
# 5 - ب: و.
# 6 - ج: - انه.
# 7 - ب: تفتى، ج: يفتى.
# 8 - ب و ج: - فيها و.
# 9 - ب: وافقا.
# 10 - ج: يتفق.
1 - ب: بخلاف، تا اينجا.
# 2 - الف: الفضلى.
# 3 - ج: ولا.
# 4 - ب: - له.
# 5 - الف: تقتضي.
# 6 - ج: بينا.
# 7 - ب: - هم.
# 8 - ج: الاجماع.
# 9 - الف وب: تأثير.
# 10 - ب و ج: كونهم.
# 11 - ج: ادعاه.
١ - ب و ج: القرآن.
# 2 - ج: يجتمع.
# 3 - الف: خلاف.
# 4 - ج: استدللنا.
# 5 - ب: اليناه.
# 6 ج: - عليه فبان، تااينجا.
# 7 - الف: - كون.
# 8 - الف: يتعلق.
# 9 - ج: يتكلم.
# 10 - ج: بذلك.
# 11 - ج: لقوله.
1 - ب و ج: اجماعهم.
# 2 - ب و ج: يكون.
# 3 - ب و ج: لأنه.
# 4 - ب: يليق.
# 5 - ب: يرونه، ج: - لا تليق، تا اينجا.
# 6 - ب و، بجاى ان.
# 7 - ب: تظهر.
1 - ب: - ان.
# 2 - ب و ج: - عليه.
# 3 - ب: تعالى.
# 4 - ب و ج: يجز.
# 5 - ج: ذكروا.
1 - ب: - ان.
# 2 - ب و ج: الا.
# 3 - ب: - منه.
# 4 - ج: نقائه.
# 5 - ج: أخص.
# 6 - ج: تشبيها لها.
# 7 - ب و ج -: - لها.
# 8 - ج: بين.
1 - ب: الاخر.
# 2 - الف: واحد، ب: - أحد.
# 3 - الف: على أدلة، بجاى لان.
# 4 - ب: - فعل.
# 5 - ج: - الفعل، تا اينجا.
# 6 - الف: - به.
# 7 - ج: تكون.
# 8 - ب و ج: اللفظ.
# 9 - ج: يقوم.
# 10 - الف: مؤمنين.
# 11 - ب: - إلى أن تقوم، تا اينجا.
1 - ب: - لهم.
# 2 ms365 - ب و ج: ان نحملها.
# 3 - الف: - واحد.
# 4 - ب: - ذلك.
# 5 - ج: يقوم.
# 6 - ب: بالامتناع.
# 7 - ب: - التعظيم، تا اينجا.
# 8 - ج: الاستحقاق.
# 9 - الظاهر (يعولون) لكن في نسختي ب و ج: (يقولون) ونسخة الألف - كما
~~سيجئ - سقطت عنها هذه العبارة.
# 10 - الف: - من هذه، تا اينجا.
1 - الف: - ان.
# 2 - ب: - عن الايمان، تا اينجا.
# 3 - ج: ان، بجاى لهم.
# 4 - ج: + مع.
# 5 - ب: - في كل حال.
# 6 - ج: وجدو.
# 7 - الف: سوارق.
# 8 - الف: كالمجمل.
# 9 - الف: حالة.
# 10 - الف: مخصوص.
# 11 - ج: - وليس هيهنا لفظ عموم.
1 - الف: المراد التخصيص المبين.
# 2 - ب: ظاهرها، تا اينجا.
# 3 - ج: اوالى.
# 4 - ج: يحملوها.
# 5 - ج: الجميع.
# 6 - ب: - كل.
# 7 - الف: - و.
# 8 - ج: ب: بظاهره، ج: ظ.
1 - ب: هم.
# 2 - الف: فبطل.
# 3 - ج: يخرج.
# 4 - ب و ج: يجوز.
# 5 - ج: أو.
# 6 - ب و ج: أقوالهم وافعالهم.
# 7 - ب و ج: يجب.
# 8 - الف: بما.
# 9 - الف: في.
1 - ب و ج: فإذا.
# 2 - ج: + و.
# 3 - ج: - لا.
# 4 - ج: تأمرون.
# 5 - ب و ج: يقتضى.
# 6 - ب: - ان.
# 7 - ب: - هذا الخبر.
# 8 - الف: يدلوا.
# 9 - ج: الأئمة.
# 10 - ب: - ان.
1 - ج: الاستدلال.
# 2 - ب. تمحلل.
# 3 - ب: فاما، ج: واما.
# 4 - ج: اجتمعت.
# 5 - ج + و.
# 6 - ب: الخطاب.
# 7 - الف لامتناع.
1 - ج: توافقهم.
# 2 - ب: يحابون.
# 3 - ب: طلبوا.
# 4 - ج: بصحيح.
# 5 - ج: يحصل.
# 6 - ب: شبهه.
# 7 - ب: الثاني، ب و ج: + في.
# 8 - الف: هذه المواضع.
# 9 - ج: على.
# 10 - ب و ج: استسلاف.
1 - ب و ج: - انه.
# 2 - الف: منكر.
# 3 - ج: جملة.
# 4 - ج: يقوم.
# 5 - ب: لفظ.
# 6 - الف: - لهم.
1 - ب: على.
# 2 - ب: - من.
# 3 - ب: الامتثال.
# 4 - ج: منهما.
# 5 - ب و ج: يكون.
# 6 - ج: يقوم.
# 7 - ب و ج: يرفع.
# 8 - الف: ان. ms366
# 9 - ب: - يجر، ج: يجز.
# 10 - ج: مجرد.
1 - ج: طول.
# 2 - ب: الذرين 3 - هكذا في النسخ، لكن الصواب (فيهما).
# 4 - ج: يمنع.
# 5 - الف: - عليها و.
# 6 - ب و ج: التمكين.
# 7 - ج: + و.
# 8 - ب: - بهيأة مخصوصة.
# 9 - ب: - كله.
# 10 - ج: تجمع.
1 - ج: كالاجتماع.
# 2 - الف: اجتمعوا.
# 3 - ج: ذلك.
# 4 - ج: الاجتماع.
# 5 - الف: بتعذر.
# 6 - ب: - إليه.
# 7 - الف: ترفع، ج يرتفع.
# 8 - ب: بالشهادة، ج: المشاهدة.
# 9 - ج: جرى.
# 10 - ب: المسلمون.
1 - ج: وقع.
# 2 - ب: يستونا.
# 3 - ب: بنينا 4 - هكذا في النسخ، والصواب (فلسنا).
# 5 - ب: المبتدين.
# 6 - ب و ج: سألنا.
# 7 - الف و ج: - و.
# 8 - الف: فقيل.
# 9 - الف: - من.
# 10 - ب: تقول.
# 11 - الف: انه
1 - ب و ج: + كلنا.
# 2 - ب: بدا.
# 3 - ج: يقول.
# 4 - ب: يمتنع، ج: يمنع.
# 5 - الف و ج: فقد 6 - الف: الكتاب.
# 7 - ب: ان.
# 8 - ج: - اما.
# 9 - ب: للغيبة، ج: لغيبة.
# 10 - الف: يعرف.
# 11 - الف: فيفزع 12 - الف: - الأمة أو اجماع.
# 13 - الف: مثل.
# 14 - ج: يفتقر.
# 15 - لعل في الأصل (الذي هو الحجة).
# 16 - ج: مثبتا.
1 - ب: الا ان.
# 2 - الف: + علينا.
# 3 - ج: اجتمعت.
# 4 - ب: أمرين.
# 5 - ب و ج: - وهذا القسم، تا اينجا.
# 6 - ج: - وكون، تا اينجا.
1 - ب و ج: حجة فيه.
# 2 - ب و ج: يتقدم.
# 3 - الف: - وما أشبههما.
# 4 - ج: يرجع.
# 5 - ج: يقول.
# 6 الف وب: معرفته، الف: + و.
# 7 - ب: - له 8 - ج: مثل.
# 9 - ج: - لا.
# 10 - ج: لوجود.
# 11 - ج: - على مذهب، تا اينجا.
1 - ج: - من.
# 2 - الف: تقريرا.
# 3 - الف: تقدمها.
# 4 - الف و ج: اجتمعت.
# 5 - ب: صحتها.
# 6 - ب: الأصل.
1 - ب و ج: يجوز.
# 2 - ج: امام.
# 3 - ب و ج: مجراهم.
# 4 - ج، التفسير.
# 5 - ج: مخالفتهما.
# 6 - الف: هو.
# 7 - ج: من.
# 8 - الف: ms367 يعلمونه.
# 9 - ب: مجرى.
# 10 - الف: - به.
1 - ج: - لا.
# 2 - ب و ج: يجتمع.
# 3 - ب: + كل.
# 4 - ج: - مسألتين، تا اينجا.
# 5 - ج: مخطبة.
# 6 - ب و ج: فاما 7 - ج: انا نقول.
1 - ب: - فيجب نفى الكل.
# 2 - ب: + و.
# 3 - الف: هذا الباب.
# 4 - ب: - كونه.
# 5 - ج: وكل.
# 6 - الف: + و.
# 7 - الف وب: كان.
# 8 - ج: اقترنت.
# 9 - ج: فلابد.
# 10 - ب: - لا.
1 - ب: الآية.
# 2 - ب: عليهم السلام.
# 3 - ب و ج: الحجة.
# 4 - ج: لخصوصنا.
# 5 - ب و ج: يقتضى.
# 6 - ب: + لا.
# 7 - الف: يعتبر.
# 8 - الف: و.
# 9 - ج: من.
# 10 - ب: يعول، ج: يقول.
1 - ج: - يكون.
# 2 - ج: احتماله.
# 3 - ب و ج: - والحجة.
# 4 - ب: يقطع.
# 5 - ج: - بل نقطع، تا اينجا.
# 6 - الف و ج: يكن.
# 7 - ب و ج: فالحجة.
# 8 - ب: فصلنا.
# 9 - ب: + كون.
# 10 - ب: - كون.
# 11 - الف: - و.
# 12 - الف: عليه.
# 13 - ب: استغنا.
1 - الف: عما.
# 2 - ب: شاع.
# 3 - ب: تفزعوا.
# 4 - ب و ج: يقتضيها.
# 5 - الف: في.
# 6 - ب و ج: - أهل.
# 7 - الف: نعلمه.
1 - الف: بلفظ.
# 2 - الف: مومنين.
# 3 - ج: يقوم.
# 4 - الف: - بذلك.
# 5 - ج: - و.
# 6 - ب: - ان.
# 7 - ج: المعتبر.
# 8 - ب و ج: مذاهبنا.
# 9 - ب: للاجتماع.
# 10 - الف و ج: تأثير.
1 - الف: هو.
# 2 - ب: إذا كان.
# 3 - ب: - من.
# 4 - ب و ج: يقتضى.
# 5 - الف و ج: نفرق.
1 - الف: الاجماع.
# 2 - الف: قوت.
# 3 - الف + و.
# 4 - ج: قاطلا.
# 5 - الف: - قاطعا للخلاف هي، + بين.
# 6 - الف: يتضمن.
# 7 - الف: المؤمنين.
# 8 - ب و ج: نقضا.
# 9 - ج: - الأول.
# 10 - ج: + من.
# 11 - ج: - من.
# 12 - الف: - لا.
# 13 - ج: نم، والظاهر أنه اختصار (نسلم)، ولعله أحسن.
1 - الف: المخالفة.
# 2 - الف: فاما.
# 3 - ب: مدعاه.
# 4 - ب: بحكم.
# 5 - الف: - وقع.
# 6 - ب: ms368 - خلاف ثم.
# 7 - ج: + اخر.
1 - ج: - قوم.
# 2 - ج: تعتلوا.
# 3 - الف: - أيضا.
# 4 - ج: يبين.
# 5 - ج: فالأولى.
# 6 - ج: - المختلفين.
# 7 - ج: مضيق.
# 8 - ب و ج: القول.
1 - الف: نجوزه.
# 2 - ب: و.
# 3 - ب: - في المسألة.
# 4 - ج: آيتين.
# 5 - ب: + عن، ج: + من.
# 6 - ج: - مقامه.
# 7 - ب: واحدا.
1 - ب: - مقامه.
# 2 - ب: - و.
# 3 - ب: المتأخر.
# 4 - ج: وكل.
# 5 - ج: - كما جاز.
# 6 - الف: ناظرة.
# 7 - الف: ناضرة.
# 8 - الف: - بها.
# 9 - ب: + الا.
# 10 - ج: - التأويل.
1 - الف: - انما هو.
# 2 - ب: + كان.
# 3 - ج: وجدت.
# 4 - الف: خالف.
# 5 - ب و ج: - على أنه.
# 6 - ب: - من.
# 7 - ج: ينقسم. * - الف: فالقسم.
1 - الف: تحريم.
# 2 - الف: تجرى.
# 3 - الف: - المسألة.
# 4 - ب: أسند، ج: استدل.
# 5 - ب: انه.
# 6 - ب: - الأخير.
# 7 - الف: - من.
# 8 - الف: الثلث.
# 9 - ج: - ان.
# 10 - ب و ج: يخالف.
1 - ب: - ان.
# 2 - ب: يفصل، ج: ويفصل.
# 3 - ج: خلاف ذلك.
# 4 - ب: باحديهما.
# 5 - ب و ج: يجوز.
# 6 - ب: يقوله.
# 7 - ج: - انه.
1 - ب و ج: + يقول.
# 2 - ب و ج: - يقول.
# 3 - ج: - لا.
# 4 - ج: لابد.
# 5 - ج: - على.
# 6 - ج: - المدينة.
# 7 - ج: قلت.
# 8 - ب: + القول.
# 9 - الف: قررتموه.
1 - ب: - ان.
# 2 - الف: تجتمع، ج: يجمع.
# 3 - ب: لحجة.
# 4 - ج: في.
# 5 - ب: - جملة.
# 6 - ب و ج: وإذا 7 - الف: - المخصوص.
# 8 - هكذا في النسخ، ولعل الأصل (غريب).
1 - ج: أولى.
# 2 - ب: - ذلك.
# 3 - ب و ج: والاحكام 4 - الف و ج: - تعالى.
# 5 - ج: - و.
# 6 - ب: لهذا.
# 7 - ج: + و.
# 8 - ب و ج: يجوز.
# 9 - الف: - لم.
# 10 - ب: يتعبد.
# 11 - ب: + و.
# 12 - ج: يجمعون.
1 - ج: الخطأ.
# 2 - ج: - و.
# 3 - ج: - هو.
# 4 - ج: مجتمعين.
# 5 - ب و ج: حالهم.
# 6 - ب: تفطر.
# 7 - الف: ms369 - لا.
# 8 - ب: نخير.
1 - الف: فان.
# 2 - ب: - بان، تا اينجا.
# 3 - ج: دون، بجاى لا.
# 4 - ج: يصر.
1 - ب: - كاجماعهم، تا اينجا.
# 2 - ج: - على.
# 3 - الف: - قد تعلق بها.
# 4 - ب و ج: فاما.
# 5 - ج: أسلم.
# 6 - ج: من.
# 7 - ج: نفس.
# 8 - ج: واحدا كثير.
# 9 - الف: يمنع.
# 10 - ج: يجتمع.
# 11 - الف: تخمينا.
# 12 - ب: يختر.
# 13 - ب: ان.
# 14 - ب: - قد يكون.
1 - ب: وأجاز، بجاى وإذا جاز.
# 2 - ج: - الخطأ، تا اينجا.
# 3 - الف: بالتخمين.
# 4 - ج: يلزمهم.
# 5 - ب و ج: - أنتم.
# 6 - ب: + لا.
# 7 - ب: تبخت.
# 8 - ب و ج: تقلد.
# 9 - ب: - كل.
# 10 - ب: القبح.
# 11 - الف: - لعصمته.
# 12 - ب: - في ذلك.
1 - الف: يعلم.
# 2 - الف: من يلزمه، بجاى قائل به.
# 3 - ب: قوله.
# 4 - ج: فيهم.
# 5 - الف: + أو ساكت به.
# 6 - ب: + ا.
# 7 - ج: حجة.
# 8 - الف: - هو.
# 9 - ب: + الحسن.
1 - الف: دواعي.
# 2 - الف: - من.
# 3 - ج: - له.
# 4 - ج: على.
# 5 - ب: إلى.
# 6 - ب: ممن.
# 7 - ب و ج: في.
# 8 - الف: بقول زائد.
# 9 - ب: - ما ذكرناه، تا اينجا.
# 10 - ب و ج: هذا.
1 - ب و ج: يستفيده.
# 2 - ج: التعويل.
# 3 - ج: - ان.
# 4 - الف: قبل.
# 5 - الف: تضعف.
# 6 - الف: مسائله.
1 - ب و ج: يقتضى.
# 2 - ب و ج: يقع.
# 3 - ب و ج: أحد.
# 4 - ج: قال.
# 5 - ب: أو.
1 - ج: للحق.
# 2 - ب: - الحق.
# 3 - ب: - نقطع.
# 4 - هذا هو الظاهر، لكن في نسخة ب و ج: يأخذ بصيغة الغائب، وفي نسخة الف
~~بلا نقطة مميزة 5 - الف: بعضهم.
# 6 - ب و ج: - يجوز لمن.
# 7 - ج: صحيح.
1 - الف وب: يذهب.
# 2 - الف وب: على أن.
# 3 - ج: تكون.
# 4 - ب: يمكن.
# 5 - ب: - ولا مما، تا اينجا.
1 - ج: احكام.
# 2 - ب: نتقدم.
# - ج: تبين.
# 4 - ج: - صح ms370 هل.
# 5 - الف وب: اجتماع.
# 6 - ب و ج: عليها، الف: + عليه.
1 - الف: - إلى.
# 2 - الف: - ع.
# 3 - الف: - و.
# 4 - الف: العاقل.
# 5 - الف: يونس.
# 6 - ج: + ولافرق.
# 7 - الف: - الله، ج: له.
# 8 - ج: + ويبين.
# 9 - الف: - ما هو.
# 10 - الف: - إلى.
# 11 - الف: يتميز، ج: تميز.
1 - ب و ج: يتفق.
# 2 - ب: انما.
# 3 - الف: التزموا.
# 4 - الف: النبي.
# 5 - ب و ج: و، بجاى لان.
# 6 - الف: - له.
# 7 - الف: - و.
# 8 - الف: يونس.
1 - ج: - عن الاحكام.
# 2 - الف: يناقص.
# 3 - الف: بالاختيار.
# 4 - الف: الاخبار.
# 5 - ج: فيقول.
# 6 - الف: فعل.
# 7 - ب و ج: ممكن.
# 8 - ظ: يامن.
# 9 - ب: قدم.
# 10 - ب: + لا.
# 11 - ج: - وهو إذا، تا اينجا.
# 12 - الف وب: نأمن.
# 13 - الف و ج: - من 14 - الف: - له.
1 - الف: يقدم، بتشديد الدال.
# 2 - الف: - على.
# 3 - ب: يفسده.
# 4 - الف و ج: تقدم.
# 5 - الف: القول.
# 6 - الف: يتميز.
# 7 - ج: عن.
# 8 - ج: - الفعل.
# 9 - الف: فنأمن.
# 10 - ج: يتقدم.
# 11 - الف: نأمن.
# 12 - ب: - في.
# 13 - ب: هذه.
# 14 - ب: - له.
1 - ب و ج: يميز.
# 2 - ب: فبأي.
# 3 - ب: الفعل، بجاى ان يفعل.
# 4 - ب و ج: يكون.
# 5 - ب: - من.
# 6 - ج: - ان.
# 7 - ج: يتقدم.
# 8 - ب: متقدما.
# 9 - ب: نأمن.
# 10 - ج: يختار.
# 11 - ج: فعل.
1 - ج: منهما.
# 2 - الف: فعل.
# 3 - الف: الامن.
# 4 - ب و ج: - منه.
# 5 - الف: الخوف.
# 6 - الف: الأمان.
# 7 - ج: مقدم.
# 8 - الف: المعجم، ب: المقحم.
# 9 - الف: - ابدا.
# 10 - ب: بقدم.
# 11 - الف و ج: يونس.
1 - ب: تخيل اختبار الايمة.
# 2 - ج: - لا.
# 3 - ج: يمنع.
# 4 - ب: - ان هذا، تا اينجا.
# 5 - الف: + الوجه.
# 6 - ب و ج: فاما.
# 7 - الف: التزامهم.
# 8 - ب: + الغائبات.
# 9 - ب: المغيبات.
# 10 - ج: عجز.
# 11 - ب: المن.
1 - ج: - ان المكلف. ms371
# 2 - ب و ج: يتفق.
# 3 - ب: العافية.
# 4 - ب: - حكم القدرة، تا اينجا.
1 - ب: تقدم.
# 2 - الف و ج: التميز.
# 3 - ب: ملك.
# 4 - ب: له، بجاى لا.
# 5 - الف وب: + لا.
# 6 - ج: الاحترام.
# 7 - ج: يكون.
# 8 - الف: - منها.
# 9 - ب و ج: يجر مجراها.
# 10 - ب: الاقتدار.
# 11 - ب: والا.
# 12 - ج: فاجرى، بجاى فالاجرى.
# 13 - ب: - الموضع.
1 - الف و ج: يونس.
# 2 - ج: وأضاف.
# 3 - ج: التعريض.
# 4 - الف: لبيت.
# 5 - الف: - له.
# 6 - الف: - ره.
# 7 - ب: عن النبي ص، بجاى من قوله ع.
# 8 - ج: عنوت.
# 9 - ج: من.
# 10 - ب: الخليل.
1 - ب و ج: - ان.
# 2 - الف: بالبذر.
# 3 - ب و ج: اداة.
# 4 - ب: في.
# 5 - الف: يونس.
# 6 - الف: - قد.
# 7 - ج: تكون.
# 8 - الف: - ره.
# 9 - ج: - ان.
# 10 - ب: احزما.
1 - ب: وجيزة، ج: ذخيرة.
# 2 - الف: - وهو.
# 3 - ج: - من.
# 4 - ب و ج: - منها.
# 5 - الف: + و.
1 - ب: الشبيه، ظ: الشبه.
# 2 - ج: حاجته.
# 3 - ج: + معلومين.
# 4 - الف و ج: الشبهة.
# 5 - ب: + هو.
# 6 - ب: قاسيا.
# 7 - ج: فان.
# 8 - ج: - غير أنه، تا اينجا.
# 9 - ب: ما.
# 10 - الف: يجرى.
# 11 - ب و ج: يختلف.
1 - ج: يكون.
# 2 - ب: - الا، تا اينجا.
# 3 - ج: + و.
# 4 - ب و ج: تعليقها.
# 5 - ب: علم.
# 6 - الف وب: تكفى.
# 7 - الف وب: يعلم، ب: + به.
# 8 - ب و ج: يكون.
# 9 - الف و ج: يكون.
1 - الف: - من.
# 2 - ب: - ذلك.
# 3 - ب: ما.
# 4 - ج: يشتق.
# 5 - الف: - لم.
# 6 - الف: تعين، ب: يعين.
# 7 - ب: أرش.
# 8 - الف: أصل.
1 - ب: - الا.
# 2 - ج: الدلالة.
# 3 - ج: المعلوم.
# 4 - ج: - انه.
# 5 - ب: - و.
# 6 - ج: استدل.
# 7 - ج: - وفلان.
# 8 - ب: - ان.
# 9 - ج: - قالوا.
# 10 - الف: نستقصي.
# 11 - ب: انتهيت.
# 12 - ب و ج: - بعون الله. ms372
1 - ج: - ان يكون.
# 2 - ج: يخطأ.
# 3 - ب: - من.
# 4 - ج: أو.
# 5 - ب و ج: يقتضيه.
# 6 - ب: جاز.
# 7 - ب: + حتى.
# 8 - الف: اخفظ.
# 9 - ج، التباينين.
# 10 - الف دود.
# 11 - ب: - وغيره.
# 12 - ج: ينسب.
1 - ب و ج: بطريق.
# 2 - ب: شداد.
# 3 - ج: - ان.
# 4 - ج: لابد.
# 5 - ب و ج: يذهب.
# 6 - ج: تزد.
# 7 - الف: - و.
# 8 - ب: - كل.
# 9 - الف: الشرعي.
1 - الف: أو.
# 2 - الف: من.
# 3 - ب: مفترح.
# 4 - ج: - لا يلتفت.
# 5 - ج: - منها.
1 - ج: تخير.
# 2 - ج: الشريعة.
# 3 - ب: مثال.
# 4 - ب و ج: الخبران.
# 5 - الف: - و.
# 6 - ب: و.
# 7 - ج: الظن أو.
# 8 - ب: - الظن أو الخوف.
# 9 - ب: تحصى.
# 10 ب: + من، والا حسن تنكير الظن.
# 11 - ب: وجهة.
ب و ج: أرش.
# 2 - ج: - و.
# 3 - ج: نحن.
# 4 - ج: لذلك.
# 5 - ج: العقل.
# 6 - ب: ان.
# 7 - ج: تمكن.
# 8 - الف: يعبد.
1 - ب و ج: - من غيره.
# 2 - ج: يتميز.
# 3 - ب: يميزها العلم، ج: تميزها العلم 4 - ب: محررا.
# 5 - ج: ظنا بوجه.
# 6 - الف: فيقود.
# 7 - الف: الحجة.
# 8 - ب: + و.
# 9 - ج: يكون.
# 10 - ج: أقوى.
# 11 - ج: لأنا.
# 12 - الف: الطريق.
1 - الف: الظاهر، ب: - وان كان، تا اينجا.
# 2 - الف: الظاهر.
# 3 - ب: مجرى، بجاى على.
# 4 - ب: الحكم فيه.
# 5 - الف: شبهة.
# 6 - ب: - من.
# 7 - الف: - العين.
# 8 - ب: الا.
# 9 - ب: محرم.
# 10 - ب محلل، ج: - ولمن أثبت، تا اينجا. الف: - واصل محرم، ودر حاشية:
# ظ: واصل محرم.
1 - ب: + كل.
# 2 - ب و ج: - لزمه.
# 3 - ب: جمل.
# 4 - الف و ج: يخلو.
# 5 - ب: الظن.
1 - ج: + إلى.
# 2 - ب: وان.
# 3 - ب: - علة.
# 4 - الف: الظاهر.
# 5 - الف و ج: الظن.
# 6 - الف وب: و.
# 7 - الف: - معلومة.
# 8 - الف: يظهر.
# 9 - ب و ج: - لم.
# 10 ms373 - الف: - أيضا.
# 11 - ب و ج ونسخه بدل الف: فيه.
1 - ب: - لا.
# 2 - ج: يكون.
# 3 - ج: الجملة.
# 4 - ب و ج: + و.
# 5 - ب و ج: من أن يقول أيضا.
# 6 - ب و ج: - ثم.
# 7 - ب: - ما.
# 8 - ب: تتعبد.
1 - ج: عند.
# 2 - ج: ينصب.
# 3 - ج: تشترك.
# 4 - الف وب: يكون.
# 5 - ج: تكون.
# 6 - ب و ج: - و.
# 7 - ج: قفيز.
# 8 - ب: يعقله، ج: يفعله.
# 9 - الف: ان.
# 10 - الف: - نكن.
# 11 - ج: يعلمه.
1 - الف: دواعي.
# 2 - الف: ترك.
# 3 - ج: + بما.
# 4 - ج: الفصل.
# 5 - الف: - في.
# 6 - الف: ثبت.
# 7 - ب و ج: - له.
# 8 - ب: إذا.
# 9 - ج: يتفق.
# 10 - ج: يختلف.
# 11 - ب و ج: يختلف.
1 - الف: + و.
# 2 - هذا هو الصحيح، (راجع العدة ص 258) ولكن النسخ كلها (بنيتم).
# 3 - ب: اسناد.
# 4 - ج: تجارت.
# 5 - ب: - ذلك.
# 6 - ج: يحصل.
# 7 - الف: يكن.
# 8 - ج: المرة.
# 9 - ج: فيكون مباحا.
# 10 - ب: - حرمت.
# 11 - ج: ينقلب.
# 12 - ب: فيقلب.
# 13 - ب ان.
# 14 - الف: انظم، ج: ان ضم.
# 15 - ب: تحمل.
1 - الف وب: هي المؤثرة.
# 2 - ج: العلل.
# 3 - ج: يجعل.
# 4 - ج: اوالى.
# 5 - الف: تمكنها.
# 6 - الف: لو.
# 7 - ب: ابتدا.
1 - الف و ج: ينكرون.
# 2 - ب: حال.
# 3 - ج: وجدناهم.
# 4 - ب: تذيينهم.
# 5 - ج: من.
# 6 - ب: من.
1 - ج: اكذبها ولا.
# 2 - ب: - انهم يجدون.
# 3 - الف و ج: اعتقادنا.
# 4 - الف: - قولهم.
# 5 - الف: + و.
# 6 - ج: - و.
# 7 - الف: وكان.
# 8 - ج: طبونا.
# 9 - الف: - و.
# 10 - الف: يكن.
1 - ب و ج: - كايجاب.
# 2 - ج: اسقاط.
# 3 - ب و ج: - عنها.
# 4 - الف: انضف.
# 5 - ج: المثبت.
# 6 - ب: بان.
# 7 - ج: المتفقين لا يختلفان (مكرر شده).
# 8 - ب و ج: يقول.
1 - ب: بالأسباب.
# 2 - ب: تجب الاتفاق.
# 3 - ب: منهما.
# 4 - ج: - و.
# 5 ms374 - ج: الاختلاف.
# 6 - الف: الاقتضاء.
# 7 - ب: اتفاقهما.
# 8 - ب: لا، بجاى لأنا.
1 - الف: العقل، ب: النعل.
# 2 - ج: الفعل.
# 3 - ب: النصوص.
# 4 - ب: - تلك.
1 - ج: فما.
# 2 - ب و ج: من.
# 3 - ب: واما.
# 4 - ب: انه.
# 5 - ب: - به.
# 6 - ب و ج: هو.
# 7 - الف: اخفظ.
# 8 - ب و ج: - الله.
1 - الف: لان 2 - الف: كثير.
# 3 - الف: في، بجاى نا في، ب: باقي.
# 4 - ب: العبادات.
# 5 - ب و ج: ترد.
# 6 - الف: عليها.
# 7 - الف: يلزمونا.
# 8 - ب: يتعبد.
# 9 - ب: العبادات.
# 10 - ج: بالعبادات.
# 11 - ب و ج: والا.
1 - ج: لوجوه.
# 2 - ج: - ويقولون.
# 3 - الف: بان.
# 4 - ب: القياس.
# 5 - الف: - به.
# 6 - الف: العلم.
# 7 - ب: خفية.
1 - ب: - ان.
# 2 - ب: إحديهما.
# 3 - ج: ينقسم.
# 4 - ب: تكسب.
# 5 - الف: + قد.
# 6 - ب و ج: التواتر.
# 7 - ب: يقوى.
# 8 - الف و ج: تميزه.
# 9 - ج: يوجد.
# 10 - ج: يتبع.
# 11 - ب و ج: يختلف.
# 12 - ج: الفعل.
1 - ج: فكان.
# 2 - ب: + ما.
# 3 - ج: شبهه.
# 4 - ج: ادعوا.
# 5 - ب و ج: نستدل.
1 - ب و ج: يقتضى.
# 2 - ج: وقع.
# 3 - الف: مقدما.
# 4 - ج: - ان.
# 5 - الف: والكلام.
1 - الف و ج: بها.
# 2 - الف: + له.
# 3 - الف: - ان.
# 4 - ج: من.
# 5 - ج: اختاره.
# 6 - ب: يفعل.
# 7 - الف: متفردة.
# 8 - ب: انا.
# 9 - ج: - و.
# 10 - الف: يكلف.
# 11 - الف: منه العقول، بجاى عن القبول منه.
# 12 - هذا هو الصحيح، لكن في نسختي الف وب: الدينية، ونسخة ج سقطت عنها
~~هذه الكلمة.
1 - ب و ج: المستحقة.
# 2 - ج: لأنها.
# 3 - ب: - يكونوا، تا اينجا.
# 4 - ج: يكونوا.
# 5 - ب: الامر.
# 6 - ج: قد اورد، بجاى إذا ورد.
# 7 - الف: الوجوب.
# 8 - ب: - أو مجملا، تا اينجا.
# 9 - ب: ليتراج، ولعله تصحيف لينزاح.
# 10 - ب و ج: - الله.
1 - ب: ms375 + ان.
# 2 - الف: - بلفظ الايجاب.
# 3 - ب: - انا.
# 4 - ب: + كنا.
# 5 - الف: رد الوديعة.
# 6 - ج: على.
# 7 - ج: لا.
# 8 - ب: - ذلك.
# 9 - ب: ردا للوديعة.
1 - ب: تختص، ج: يختص.
# 2 - ب: بالفعل.
# 3 - ب: - و.
# 4 - ج: يخصها.
# 5 - الف: لو وجب.
# 6 - ب: - لصفة تخصها، تا اينجا.
# 7 - الف و ج: يختص.
# 8 - الف: - يصح.
# 9 - الف: انه.
# 10 - ب و ج: يعلم.
# 11 - الف: فلم.
# 12 - ج: يجب.
# 13 - الصحيح (نختار) لكن النسخ كلها (يختار)
1 - الف: طريقها.
# 2 - الف: يدل.
# 3 - ب و ج: تراه.
# 4 - ب و ج: للاشتباه.
# 5 - ب: - هو، تا اينجا.
# 6 - الف و ج: الشبهة.
# 7 - ب: شارك.
# 8 - ب: أو.
# 9 - ب: - ما.
# 10 - ب و ج: شارك.
# 11 - ب: انما.
# 12 - ب: - فيها المشاركة.
1 - ب: لا، بجاى لان.
# 2 - الف: شاركه.
# 3 - ج: يختلف.
# 4 - الف: امتنع.
# 5 - ب: - الشئ في.
# 6 - ج: - جاز، تا اينجا.
# 7 - ب و ج: - المطربة.
# 8 - ب: المطرية.
# 9 - ب: احتاج.
# 10 - ج: الأبيض، بجاى ان ينص.
# 11 - ب: - هي الشدة.
# 12 - ب: لا.
1 - ب: فاما.
# 2 - ب: - بالتعبد.
# 3 - ب: فيحسن.
# 4 - ب و ج: قوى.
# 5 - ب: + و.
# 6 - الف: - و.
# 7 - ب: - في قوله.
# 8 - الف: + واحد منهم.
# 9 - ب: ابن مسعود.
# 10 - ب: - تطليقة.
1 - ب و ج: نواه، ولعل الصحيح كما في العدة ص 268 (لغاه).
# 2 - الف: - من.
# 3 - الف: - تعالى.
# 4 - الف: - والاجتهاد.
# 5 - ج: ثالث.
# 6 - ج: يريد.
# 7 - الف: لأنهم.
1 - الف: الأبوين.
# 2 - ج: تتقى.
# 3 - ج: لجعل.
# 4 - الف: ابا.
# 5 - ج: طريقة.
# 6 - الف: بغصن، ب: بعصبتي.
# 7 - الف: جدول، ب: خذولى.
# 8 - ب: - قول.
# 9 - ب: التوريث، وسائر النسخ (البور) وهو موافق لما في العدة أيضا فراجع
~~ص 268.
# 10 - الف: لحكم.
# 11 - الف: بنص.
# 12 - ب: الصلح فيه.
1 - الف: يبتنى.
# 2 - ب: لا، بجاى ms376 لأنهم.
# 3 - ج: + قد.
# 4 - ب: - في مواضع، تا اينجا.
# 5 - ب و ج: الداعي.
# 6 - ج: المجمعين.
# 7 - الف: و، بجاى الثاني.
# 8 - ب: - عن.
# 9 - ج: - به واجماعهم، تا اينجا.
# 10 - ج: - والفظ الرأي.
# 11 - ج: خفيها.
1 - الف: - ما.
# 2 - ج: روى.
# 3 - ب: + و.
# 4 - ب: - رأيي و.
# 5 - ب: يدل.
# 6 - الف: لما أمسكوا، بجاى (لا أن يمسكوا).
# 7 - ب: - و.
# 8 - ج: يختلف.
# 9 - ج: ما.
1 - ج: يقضى.
# 2 - ب: رأى.
# 3 - الف: الحد.
# 4 - ب و ج: - رسول.
# 5 - ب: قال، بجاى قد.
# 6 - ج: - انه.
# 7 - ج: معيار، وفي نسخة الألف لم ترسم نقطة للكلمة.
# 8 - الف: بين، ج: يبين.
1 - ب و ج: يقتضى.
# 2 - الف: - من ديارهم.
# 3 - الف: - الله.
# 4 - ب: منه.
# 5 - الف: - على.
# 6 - ج: تجويز.
# 7 - ب و ج: يكن.
# 8 - ج: + انه.
# 9 - ب: نصلا.
1 - ب و ج: يكون.
# 2 - ب: + كان.
# 3 - الف: دليل.
# 4 - الف: التبحيث.
# 5 - الف: من الفعل.
# 6 - ب: اجتماعهم.
# 7 - ب: لم، بجاى بما.
# 8 - ب: - به.
1 - ب: وكذلك.
# 2 - ب: الفروع.
# 3 - ب و ج: قوى.
# 4 - ج: + و.
# 5 - الف: تبينوا.
# 6 - ب: يدل.
# 7 - ب و ج: + تدل.
# 8 - الف: موسع.
# 9 - ب: قال.
1 - الف: اروق، ب: ارزق.
# 2 - ب: - قال.
# 3 - الف: نزغه.
# 4 - ب: خلافهم.
# 5 - الف: الحد.
# 6 - ب و ج: يقتضيه.
# 7 - ب: عليه.
# 8 - ج: يستدلون.
# 9 - ب: في.
# 10 - الف: - الجملة في.
# 11 - الف: مسائل.
1 - ج: عينا.
# 2 - ج: فإنهم.
# 3 - ج: لا.
# 4 - ج: الموضع.
# 5 - ب: بحمل، ج: محمل.
# 6 - ج: - بتفاصيلها، تا اينجا.
# 7 - ب: فمنهما.
# 8 - ج: القبلي.
# 9 - ج: - القول.
1 - الف: يثبت.
# 2 - ب: - وما أشبهها.
# 3 - الف و ج: - هم.
# 4 - الف: يستدل.
# 5 - الف: - كان.
# 6 - الف: بان.
# 7 - ج: يختلف.
# 8 - الف: - عليه السلام.
# 9 - ج: ms377 تعتد.
# 10 - الف: روى.
1 - ب: - استدلالهم، تا اينجا.
# 2 - الف: + صحة.
# 3 - ب: - غير معلومة.
# 4 - الف: - في الكلام.
# 5 - الف: يبين.
# 6 - ب: تكن.
# 7 - الف: بينا.
# 8 - ب: بدليل.
# 9 - الف: هم.
1 - الف: يمكن.
# 2 - الف: بالمستندة.
# 3 - ب و ج: مذهبهم.
# 4 - ب و ج: يقوى.
# 5 - الف: نقول.
# 6 - ب: بصريحها، ج: على صريحها.
# 7 - ج: اعتقدوه.
# 8 - الف: عند الكل.
# 9 - ب و ج: - كانت.
1 - ج: - و.
# 2 - ب: طريقهم.
# 3 - ج: يحذون.
# 4 - الف: هذه:
# 5 - الف: مقدما اعتقدوه، ج: اعتمدوا.
# 6 - الف: للرواية، ب: الرواية.
# 7 - ب: - يتضمن.
# 8 - ب: ذلك.
# 9 - ج: + و.
# 10 - الف: العلم، ج: العام.
# 11 - ب: مذاهبكم.
1 - الف و ج: هذه.
# 2 - الف: الشروط.
# 3 - ج: - هذا.
# 4 - ب: حسن.
# 5 - ج: - ان يظهر، تا اينجا.
# 6 - ج: فيميز.
# 7 - الف: عنهم، ج: منه.
1 - ج: أو.
# 2 - ب: ورود، بجاى ورد.
# 3 - ج: بعض.
# 4 - ج: المسألة.
# 5 - ب: + من.
# 6 - ج: قولهم.
# 7 - ب: هذا.
# 8 - الف: الاعتراض.
# 9 - الف: بمن.
# 10 - ب: - في.
# 11 - الف: غيرهم.
# 12 - الف: مذهبه.
1 - ج: مذهب.
# 2 - ب: - له.
# 3 - الف: النقض.
# 4 - الف: تنفى.
# 5 - ب: المشاهدة 6 - ب: بالتنخيت.
# 7 - ب: تدعوا.
# 8 - هكذا في النسخ، ولعل الأصل - كما في العدة ص 270 - (بان).
1 - الف: واحد.
# 2 - ج: يكون.
# 3 - ب: - عليه.
# 4 - الف: - ان تجوزوا.
# 5 - الف: - منهم.
# 6 - الف: - فيه.
# 7 - ب: - يضرنا.
# 8 - الف و ج: - من.
# 9 - ج: اجماع.
# 10 - ج: فقدهم.
# 11 - ب: - على.
# 12 - ج: يرد.
1 - الف: يحاج.
# 2 - ج: بطريف.
# 3 - الف وب: - يجب.
# 4 - ب: يقتضى.
# 5 - الف: ولا، ب: والا.
# 6 - ب و ج: - وهكذا.
# 7 - ب و ج: لهم.
# 8 - ب: - ان يكون.
# 9 - الف: يذهب.
1 - الف: يرجع.
# 2 - ب: - ثم، ج: و.
# 3 - ج: جل وعزه.
# 4 - الف و ms378 ج: - تعالى.
# 5 - ج: يتعلقوا.
# 6 - الف: - من.
1 - ب: الظاهر.
# 2 - ب و ج: لليمين، بجاى للفظ اليمين.
# 3 - ب: فاجرى.
# 4 - ج: واحدا.
# 5 - الف: تكفى.
# 6 - ب: تخطو، ج: يخطر.
1 - الف: و.
# 2 - ج: يوجب.
# 3 - ب: المساهلة.
# 4 - الف و ج: انتقلنا.
# 5 - ب: - طلاقا.
# 6 - ج: يحكموا.
1 - الف: أو.
# 2 - الف: بممتنع.
# 3 - ب: يشتبه.
# 4 - المقابسة.
# 5 - ب و ج: فنقول.
# 6 - الف: نفى.
# 7 - ب: نقص الظهر.
# 8 - ب: - بالقياس.
# 9 - ج: - ليس.
# 10 - الف: - القائل.
# 11 - ج: للسكوت.
# 12 - الف: يكون.
1 - ج: إذا، بجاى انه.
# 2 - ج: - فكيف.
# 3 - ج: + لا.
# 4 - الف: بغصن، ج: يفضى.
# 5 - الف: جدول، ب: حذول.
# 6 - الف: تشبت.
# 7 - ج: يوصل.
# 8 - الف: تفنى.
# 9 - ب و ج: مثل.
# 10 - ج: يقع.
# 11 - الف: كيف.
# 12 - ب: - بها، ج: + و.
# 13 - ب: - فيها.
1 - ج: - ما.
# 2 - ج: - هذه.
# 3 - الف: - و.
# 4 - الف: - بين.
# 5 - ج: كانوا.
# 6 - الف: - الحجة.
# 7 - ج: الا.
# 8 - ب: يثبت.
# 9 - ب و ج: بمثله.
# 10 - ب: + في.
1 - ب: اخبرين.
# 2 - الف: غصن.
# 3 - ج: تجدوا.
# 4 - الف: قولكم.
# 5 - ب: أكثره.
# 6 - ج: اجرى.
# 7 - ب: + الا.
1 - ب: تقول.
# 2 - ج: تنفى.
# 3 - الف: ابن الصلب.
# 4 - ج: - ان.
# 5 - ب: بمذهبنا.
# 6 - ب: - ان.
# 7 - ج: وجوب.
# 8 - ب: + القياس.
# 9 - ج: + و.
1 - ج: الا.
# 2 - ج: أكثر.
# 3 - ج: - و.
# 4 - ج: تبلغ.
# 5 - الف: غصن، ب: عصبي.
# 6 - الف: جدول، ب: خذولى.
# 7 - ب: - فلا.
# 8 - ب: توجب.
# 9 - ج: - مع المتعلم.
# 10 - ج: الامتثال.
# 11 - ج: + العهد.
# 12 - ج: البس.
# 13 - ج: طريقة 14 - الف: العذر.
# 15 - ب و ج: يثبت.
# 16 - ج: لها.
1 - الف: - ذكر.
# 2 - الف: يخصهم.
# 3 - الف: ويعلم.
# 4 - ج: يرجح.
# 5 - ب: - كل.
# 6 - ب: - ذم القياس.
# 7 - ب: الذي.
# 8 - الف: ms379 يوحد.
1 - ب: - لا.
# 2 - ب: ينقحم.
# 3 - ج: الحد.
# 4 - ب و ج: - يروى.
# 5 - ب و ج: استفاضة.
# 6 - ب و ج: تفريع.
# 7 - ب و ج: مستعمله.
# 8 - ب: + في.
# 9 - ب: + أيضا.
# 10 - ج: - و.
# 11 - ب و ج: اعدا.
# 12 - ب: السنين.
# 13 - ج: وعيتهم.
1 - ب: - ان.
# 2 - ب: كتبت إلى.
# 3 - ج: جاك.
# 4 - ب: - في.
# 5 - ب: سنه.
# 6 - ب: + عليه.
# 7 - ب: - عليه.
# 8 - ب: - عن.
# 9 - هكذا في نسخة ج، وتوافقها العدة (راجع ص 274) وفي نسختي الف وب:
~~الحد.
# 10 - الف: يتجذ.
# 11 - ب: لأمر.
# 12 - الف: حرم.
# 13 - الف: انه قال الله (خ ل).
1 - ج: + برأيك.
# 2 - ج: كجعل.
# 3 - ب و ج: لقول الله، ولعل الأصل يقول الله.
# 4 - ج: وانما.
# 5 - ج: تجعل.
# 6 - ب: - مسروق.
# 7 - ب: شيرين.
# 8 - ب: سبيا.
# 9 - الف: - و.
# 10 - ج: + و.
# 11 - ب: - برأيه.
1 - ج: روينا.
# 2 - الف: يتناولوا، ج: يتناول.
# 3 - الف: ويتعسفوا.
# 4 - ب: أو.
# 5 - هكذا في النسخ، لكن في العدة: فانا، مكان فاما و (ص 275) 6 - الف: +
~~التي.
# 7 - الف: تدل.
# 8 - الف و ج: دلالة.
# 9 - ج: ظاهرا.
# 10 - ب: جمعها.
1 - ج: - ما رويناه، تا اينجا.
# 2 - الف: لسنا، ج: فليسا.
# 3 - ب و ج: ليسلم، ب: + لهم.
# 4 - ب: - دلالة.
# 5 - ج: لو.
# 6 - ج: - و.
# 7 - ج: ليسلم.
# 8 - هكذا في النسخ، الصحيح (تعلل) بالرفع.
# 9 - الف: بالظاهر.
# 10 - الف: جهة.
1 - الف: رموه.
# 2 - الف: و.
# 3 - الف: استنكر.
# 4 - ب و ج: تأول.
# 5 - ج: - لا.
# 6 - ج: يقول.
1 - ب: - أو.
# 2 - ب: قبيح، ج: فسخ.
# 3 - ب و ج: - بذم.
# 4 - ب: تأملها.
# 5 - ج: القياد.
# 6 - الف: تابعان.
# 7 - ب: - ارتفاع.
# 8 - ب: - منهم.
# 9 - ج: - من.
# 10 - ج: لشئ.
# 11 - ج: الحاجة.
1 - ب: قال.
# 2 - الف: عملوا.
# 3 - الف: أنكروه.
# 4 - ب: التفضيل. ms380
# 5 - ج: الآحاد.
# 6 - الف: + ولا عملا.
# 7 - ب: معارضته بما.
# 8 - ج: معلوم.
# 9 - ب: صحته.
# 10 - ج: - في نفى، تا اينجا.
1 - ب: + ان.
# 2 - ج: يسلم.
# 3 - الف: أو.
# 4 - ب و ج: داع.
# 5 - الف: طعنوا، ج: طعناها.
# 6 - ج: طريقهم.
# 7 - الف: يخرج.
# 8 - رسم في جميع النسخ (كلما) موصولا، والصحيح (كل ما) مفصولا.
# 9 - ب: موصلا.
# 10 - ب: - إليه.
1 - الف: - وفلان يرى القدر.
# 2 - ب: بالتبييد.
# 3 - ج: رواية، ب: راية.
# 4 - ج: الاقرار.
# 5 - ب و ج: المحيض.
# 6 - ج: + و.
# 7 - الف: + فيه.
1 - الف: بالقول، بجاى من القول.
# 2 - ج: دلالة، تا اينجا.
# 3 - ج: رواه.
# 4 - ب و ج: وإذا.
# 5 - ب: فلما.
# 6 - ب: - لا.
# 7 - ب: - المعلومة.
# 8 - ب: يعترضها.
# 9 ب: - ضرورة.
1 - الف: فنسبه.
# 2 - الف: - الذي.
# 3 - في العدة مكان هذه العبارة: فشبه بالقول بالرأي الذي هو القياس.
# 4 - ب: له.
# 5 - ج: - المعلومة من الطرق التي يصح، تا اينجا (سقطت سطور).
# 6 - ب: - دون اخر بل، + وان.
# 7 - ج: يروى.
# 8 - ج: الاجا.
# 9 - الف: - لا.
# 10 - هذا هو الصحيح، لكن النسخ كلها (قائلا) بالنصب.
1 - ب: وان.
# 2 - ج: فكيف.
# 3 - ب: دون غيرهم، تا اينجا.
# 4 - ج: جرت.
# 5 - ج: مثبتة.
# 6 - الف: زمان.
# 7 - هكذا في نسخة الألف ونسخة خطية من العدة، واما سائر النسخ، ففي ب:
# معناه، وفى ج: معنى، وفي النسخة المطبوعة من العدة معينا (راجع ص 278).
# 8 - ب و ج: - عن.
# 9 - ب و ج: - انه.
# 10 - الف و ج: عنه.
# 11 - الف: - قولهم.
# 12 - الف: + وكذا.
1 - ج: تصرفهما.
# 2 - ب: يكون.
# 3 - الف و ج: + و.
# 4 - ب: أدنى.
# 5 - ج: ان.
# 6 - ج: - و.
# 7 - ج: ان، بجاى من.
1 - ب: متقدما.
# 2 - ب: انما.
# 3 - ج: المنصوص.
# 4 - الف: - إليها.
# 5 - ب و ج: فاما.
# 6 - ب: - على.
1 - ج: القول لجواز.
# 2 ms381 - الف: سيدها.
# 3 - الف: ابقاء.
# 4 - ب و ج: - لا.
# 5 - ب و ج: ما.
# 6 - ب: يتعلق.
# 7 - ج: لجواز.
# 8 - ب: - دون غيره.
1 - ب: وان.
# 2 - الف: بين، ج: مبين.
# 3 - ب و ج: يكفيك:
# 4 - هذا هو الصحيح، لكن في نسختي ب و ج: الضيف، وفي العدة: الصف (ص 279).
# 5 - الف: - و.
# 6 - الف: رأيي
1 - الف و ج: بريئان.
# 2 - الف و ج: + و.
# 3 - ب: فيه، بجاى فسر.
# 4 - ب: القول، ج: يقول.
# 5 - ج: ظاهر.
# 6 - ج: + حال.
# 7 - ج: صدقا.
1 - ب: تعبر، ج: تغيير.
# 2 - ب: فإذا.
# 3 - ب: حكيم.
# 4 - ب: ردهم.
# 5 - الف و ج: فان.
# 6 - الف: - كان.
# 7 - ب: + لا.
# 8 - ج: بعثر.
# 9 - الف: الاغراض.
# 10 - الف: بالفتيا.
# 11 - ج: الحق.
# 12 - هكذا في النسخ، والصحيح (وان).
1 - الف: - ان يكون.
# 2 - ب و ج: يقتضيه.
# 3 - ب و ج: يخالف و.
# 4 - ب و ج: له.
# 5 - ب و ج: رأى.
# 6 - ب و ج: يخالف.
# 7 - الف و ج: فاما 8 - ب: طريق لعلم.
1 - الف: - العلم.
# 2 - ج: بالاخبار.
# 3 - ج: - يعدل.
# 4 - ج: + و.
# 5 - الف: الناضرون.
# 6 - ب: + قد.
# 7 - الف و ج: يثبتون.
# 8 - ب: أو.
# 9 - الف: - فيه.
1 - ج: ظواهر.
# 2 - ج: منهما.
# 3 - الف: ينعم، بتشديد العين، وفي العدة يمعن (ص 280).
# 4 - ج: تمسكوا.
# 5 - الف: تخطئته.
# 6 - ب: - و.
# 7 - ج: يتناقض.
# 8 - ب و ج: يختلف.
# 9 - ب: + في.
# 10 - الف: بطريق.
# 11 - الف و ج: يتناقض.
# 12 - ج: نعتقد.
# 13 - ج: فالامساك، بجاى (فاما الامساك).
# 14 - الف وب: عنها.
1 - ج: تدل.
# 2 - الف: قلنا.
# 3 - ج: فالفت.
# 4 - ج: بطونها.
# 5 - ج: أخطأ.
# 6 - ب: عشكوك.
# 7 - ب و ج: مقدما.
# 8 - الف: يشاء.
# 9 - الف: في مال.
# 10 - ب: - وروى عنه، تا اينجا.
1 - ج: + أيضا.
# 2 - الف: - تعالى.
# 3 - ج: بعث. ms382
# 4 - الف: + قبل.
# 5 - ج: يقتضى.
# 6 - ج: مسيب.
# 7 - ب: قضية.
# 8 - ب: ان المراد.
# 9 - ب و ج: - ترك.
1 - الف: دعى.
# 2 - الف: خطأ.
# 3 - الف: فدعى.
# 4 - ب و ج: التجويز.
# 5 - الف: ذكر الخبر.
# 6 - ب: لخلاف.
# 7 - ج: حمله.
# 8 - الف: - و.
# 9 - ج: يمنع.
# 10 - الف: - من.
# 11 - الف: المجتهدين، بجاى المسائل.
1 - ج: يقتضيه.
# 2 - ب: - بعينها، تا اينجا.
# 3 - الف: فليس.
# 4 - ب و ج: يتميز.
# 5 - ب: يسمع.
# 6 - ج: اشتراك.
# 7 - ج: ان يخلو.
# 8 - ب: المسألة.
# 9 - الف: الراوي.
# 10 - ب و ج: - إليها.
# 11 - ب: لو وجب.
1 - الف: - الحق في، تا اينجا.
# 2 - الف: يراوا.
# 3 - الف و ج: + كما.
# 4 - الف: فلو.
# 5 - ب: ينقص.
# 6 - الف: - التي 7 - الف: - فيها.
1 - ب: فلم.
# 2 - ب: ينقص.
# 3 - الف: - قد.
# 4 - ب: واحد، بجاى أو اخذ.
# 5 - الف: - لا.
# 6 - ج: أو.
# 7 - ج: في عدتهم، بجاى هي عمدتهم.
# 8 - ب و ج: ينكرون.
# 9 - الف: - ان يكون.
1 - ج: الا.
# 2 - ج: - لا.
# 3 - ج: يعامله 4 - ب: الصغير.
# 5 - ب: تجب.
# 6 - الف: التبرء، ج: البرو.
# 7 - ب: فاعرب، بجاى والحرب.
# 8 - الف: قال.
# 9 - ج: أميرا.
1 - ب و ج: بمخالفتهم.
# 2 - الف: اعتراف.
# 3 - ب: لزمتهم.
# 4 - ج: قبح.
# 5 - الف: ما.
# 6 - ج: - في.
# 7 - ب: - على.
# 8 - ب: + وهذا.
1 - ب: يفسق 4 2 - الف: - لهم.
# 3 - الظاهر أن هذا هو الصحيح، لكن في نسخة الف: تسألون، وفي ب: يشتكون،
~~وفي ج: يشكون.
# 4 - ج: + له.
# 5 - الف: - ملعونا.
# 6 - ج: يشكوا.
# 7 - الف و ج: الرجم.
# 8 - الف: - له.
# 9 - ج: سبيل عليها.
1 - ج: - على.
# 2 - ب و ج: قضاه.
# 3 - الف: حقا.
# 4 - ج: تنبيه.
# 5 - الف: اللعن.
# 6 - الف: + عنه.
1 - الف: أو.
# 2 - ج: خطائهم.
# 3 - الف: كثير، وفي العدة كبيرا (ص 283) والظاهر أنه ms383 الصحيح.
# 4 - هكذا في النسخ، والصحيح كما في العدة (ص 284) كتجويز.
# 5 - الف: - عليهم.
# 6 - الف و ج: بكثرة، الف: + الحق.
# 7 - ب و ج: به.
# 8 - ج: يجوز.
# 9 - ب: لا.
# 10 - ج: المسألة.
# 11 - الف: واحد.
# 12 - الف: كثير.
# 13 - ب: امن.
# 14 - ب: سقطنا.
1 - ج: - لنا.
# 2 - الف: البراءة.
# 3 - الف: وكأننا.
# 4 - الف: مذهبكم.
# 5 - ب: محيطة.
# 6 - ج: يجب.
# 7 - الف: يستعير.
# 8 - ج: أصلنا.
# 9 - هذا هو الصحيح، لكن في نسخة الف: النكر، وفي ب: التكبير، وفي ج:
# التنكير.
# 10 - ب: - فاما، تا اينجا.
1 - ب: + اما.
# 2 - ج: يحملوا، والصحيح بقرينة ما بعده يحكم.
# 3 - ب: - وإذا قلده، تا اينجا + إلى.
# 4 - ج: يقولون.
# 5 - ب و ج: إباحة.
# 6 - الف: - يول.
# 7 - الف: واحدا.
# 8 - ب: فأولى، بجاى ما ولاه.
1 - ج: يدعوا.
# 2 - ج: - الفتيا.
# 3 - ب: بها.
# 4 - ب: ورد.
# 5 - الف: سوغوا.
# 6 - الف: يبطلوها، ج: يبطل.
# 7 - الف: وليس.
# 8 - ج: يختلفون.
# 9 - ج: تنقض.
# 10 - ج: - و.
# 11 - ب: الواحد.
1 - ج: - و.
# 2 - ج: ان.
# 3 - الف: مناكحهم.
# 4 - الف وب: و.
# 5 - ج: ذم.
# 6 - ب: - وسبيل ذلك سبيل.
# 7 - ب: وكما.
# 8 - ج: - يبطل.
1 - الف و ج: كثيرا.
# 2 - ج: بل، بجاى لم.
# 3 - الف: كثيرا.
# 4 - ج: - كل.
# 5 - ب: فلا.
# 6 - ب: - أيضا.
# 7 - ب: - من.
# 8 - ج: كثيرا.
# 9 - الف و ج: يستحقون.
# 10 - ب و ج: الإمامة.
1 - ب: يكون، ج: - خطأهم، تا اينجا.
# 2 - الف: - غير.
# 3 - ج: - في غير ذلك.
# 4 - ج: + فعل.
# 5 - ج: - قتل.
# 6 - ب: بكبيرة، ج: بكسر.
# 7 - ج: في، بجاى فيه و.
# 8 - ج: يثبت.
# 9 - الف: + المقطوع على صحتها على أن الأصول المعلومة، - و.
# 10 - ب: - له.
1 - ب و ج: يجدوه.
# 2 - الف: إلى.
# 3 - الف: حجية.
# 4 - ب: - اما، ج: + ان.
# 5 - ج: كقولهم.
# 6 - الف: - و.
# 7 ms384 - ج: فيه.
# 8 - الف: ادعاء 9 - ج: علمهم.
# 10 - ب و ج: بهذا.
# 11 - الف: - لأنه.
# 12 - ب: - لا.
# 13 - الف: - ولا يثبت.
1 - ب: نستدل.
# 2 - ب: علمنا.
# 3 - ب: نصير.
# 4 - ب: لا.
# 5 - الف: - الخير.
# 6 - الف: و.
# 7 - ج: نعلم.
1 - ب و ج: يتعرض.
# 2 - ج: الكلام.
# 3 - ب: - ولم يقل، تا اينجا.
# 4 - ج: أحد.
# 5 - ب و ج: إذا.
# 6 - ج: - الله فيهما.
# 7 - ج: - الا.
# 8 - ب: - عناه.
# 9 - ب: وان.
# 10 - ب: وجدنا.
# 11 - الف: - نقوله، ج: يقوله.
1 - الف: + و.
# 2 - ب: - ليس.
# 3 - ج: الوعد.
# 4 - الف: فلأنهم.
# 5 - الف: ما.
# 6 - ب: يروى.
# 7 - ب: سيفترق.
# 8 - ب: فالروايات.
# 9 - الف: يروونها.
# 10 - ب: كبيرة.
1 - الف: يروونه.
# 2 - الف: - عمر.
# 3 - الف: - الأشباه و.
# 4 - الف: النضائر.
# 5 - الف: الأشياء والنضائر.
# 6 - الف: - الموجبة.
# 7 - الف: نضيره.
# 8 - ب: هو.
# 9 - ب: أمور 10 - الف: - عليه.
# 11 - الف وب: - به.
1 - الف: القياس.
# 2 - الف: - على.
# 3 - الف: الطعن.
# 4 - ب: في.
# 5 - ب: شارك.
# 6 - الف: - على.
# 7 - الف: + على.
# 8 - ج: بمشابهة.
# 9 - ب: - لا.
# 10 - الف: نبيذ التمر.
# 11 - ب: مشابه، ج: بمشابهة.
# 12 - ب: مشتبه.
# 13 - الف: فان الخبر.
# 14 - الف: - في.
1 - الف: الأشياء، ج: الاشتباه.
# 2 - الف: النضائر.
# 3 - ب و ج: عنا.
# 4 - الف: المشابه.
# 5 - الف: + والسكر.
# 6 - ب: + إذا.
# 7 - ب: دعامه.
# 8 - ج: يقوم.
# 9 - الف: - ما.
# 10 - الف و ج: - رابعا.
# 11 - ب: والكلام.
1 - ج: ينكرون.
# 2 - ب و ج: ما.
# 3 - ب: التدبير.
# 4 - ج: التكفر.
# 5 - الف: في، بجاى امر.
# 6 - ج: كثر.
# 7 - ب: بفكره، ج: فكره.
# 8 - ج: تدبر.
# 9 - الف: ويقال.
# 10 - الف: و.
# 11 - ب: إحديهما.
# 12 - ج: اخر.
# 13 - ب: امر.
1 - ج: سلمناه.
# 2 - ج: الاستعمال.
# 3 - ج: يمنعهم:
# 4 - الف: - و.
# 5 - الف: فأوقع.
# 6 - ب: ms385 ذكروه، ج: ذكر.
# 7 - الف: اقيسوا.
# 8 - الف: الاتعاض.
# 9 - الف: ان.
# 10 - ب: تستعمل.
1 - ب و ج: يقيس.
# 2 - الف: أن.
# 3 - ج: يثبت.
# 4 - الف: بها.
# 5 - ج: قياسا.
# 6 - الف و ج: تناوله.
# 7 - الف و ج: الجمع.
# 8 - ج: + لا.
# 9 - الف: لأنهم.
# 10 - ج: + حكم.
# 11 - ج: يثبت.
# 12 - الف: فتصح.
# 13 - ج: + و.
1 - ب و ج: - في تعلقهم.
# 2 - الف: - على.
# 3 - ب و ج: يقتضى.
# 4 - الف و ج: - الله.
# 5 - الف و ج: + و.
# 6 - ب: بهم.
# 7 - الف: لوجود.
# 8 - الف و ج: لا.
# 9 - الف: - فيها.
# 10 - الف: + و.
1 - الف: ما تعلقوا.
# 2 - الف: - الثاني.
# 3 - الف: - قد.
# 4 - ج: تحروا.
# 5 - ب: عن.
# 6 - ب: يدخل.
# 7 - ب: ان.
# 8 - الف و ج: دليل.
# 9 - الف: كذلك.
# 10 - ب و ج: تقف.
# 11 - الف: وجه.
# 12 - الف: - بعينه.
# 13 - ب: تكون.
1 - الف: - و.
# 2 - الف: - ان.
# 3 - ج: فلو.
# 4 - ب: به.
# 5 - الف: تمنى.
# 6 - ج: أولى.
# 7 - ب: يقضى.
# 8 - ب: انه رجع.
# 9 - الف: - مما.
1 - الف: يعتمدوا.
# 2 - ج: - من.
# 3 - الف: الحوادث.
# 4 - ب: - منه.
# 5 - ج: - و.
# 6 - ج: حكم.
# 7 - الف: أتجاوز.
# 8 - الف: - قائس، ج: قاسا.
# 9 - الف: لا.
# 10 - ب: + من.
1 - الف: يكتفى، ج: يلتفت.
# 2 - ب: والاجتهاد.
# 3 - ج: - به.
# 4 - الف و ج: تميز.
# 5 - ب: الادان، بجاى الارزان.
# 6 - ج: طريقا.
# 7 - الف: ما.
# 8 - الف: حكمه.
# 9 - ب: - لك.
# 10 - ج: + و.
1 - ب: الفروع.
# 2 - ب: أن.
# 3 - الف: منافى.
# 4 - الف: قيل أجمع، ج: واجمع.
# 5 - الف: + و.
# 6 - ج: الاثنان.
# 7 - ج: اثبات.
1 - الف و ج: تميزه.
# 2 - ج: عادته.
# 3 - ب: سبيل، ج: لسبيل.
# 4 - ب: - قبلة.
# 5 - الف: - لا.
# 6 - ب: أولى وأراد.
# 7 - ب: وان.
# 8 - ب: فالقياس.
# 9 - الف: - و.
# 10 - ج: تنبيه. ms386
# 11 - ب: - نص عليها.
1 - ج: بتنبيه.
# 2 - ج: أعجبني.
# 3 - ب و ج: في القياس.
# 4 - ب: - فيه.
# 5 - الف: و.
# 6 - الف: وجهين.
# 7 - الف و ج: لوقوعه، الف: + مجملا.
# 8 - ب: تحت، بجاى في.
1 - الف: إذا.
# 2 - ج: بغيرها.
# 3 - الف: لعلة، ب: يعلمه.
# 4 - الف: جملة ذلك.
# 5 - الف: امارات، ب: اختار.
# 6 - ب و ج: يتميز.
# 7 - ب: الامارة.
1 - الف: غير.
# 2 - ب: - إلى تلك الجهة، تا اينجا.
# 3 - الف: بالتكليف.
# 4 - الف: في المذاهب.
# 5 - الف: مختلفة، + و.
# 6 - ب: النبوات.
# 7 - الف: + و.
# 8 - ج: بإضافته.
# 9 - الف: + كل.
1 - ب و ج: أبعد وضل.
# 2 - ب: افيجوزون.
# 3 - ب: - العقل، ج: الفعل.
# 4 - الف: فإذا.
# 5 - ب: - في.
# 6 - ج: - و.
# 7 - ج: - في.
# 8 - ج: يتعبد.
# 9 - الف: - على.
# 10 - الف: يتعبد.
1 - ب: - من.
# 2 - ج: عادته.
# 3 - ج: - ما.
# 4 - الف: + و.
# 5 - الف: يتوصل.
# 6 - ب: يمنع.
# 7 - ج: يحرم.
# 8 - ب: أجمعت.
# 9 - ج: أو.
# 10 - الف: ان.
# 11 - ب: عن.
1 - ب و ج: يفزع.
# 2 - ج: لتنبيه.
# 3 - ج: - من.
# 4 - ب: - للمفتي.
1 - الف: رفع.
# 2 - ب: الارساد.
# 3 - ب: معلومة.
# 4 - ج: - ذلك، تا اينجا.
# 5 - الف: يلزمه.
# 6 - ب: المحكوم.
# 7 - الف وب: طريقه.
# 8 - ب: فاما.
# 9 - الف: يجوزه، ج: تجويز.
1 - الف: يقول.
# 2 - الف: - بها.
# 3 - الف: + به.
# 4 - ب: تعلم.
# 5 - الف: بالأحكام.
# 6 - ج: لحق.
# 7 - الف: أحضر.
1 - الف: - انما.
# 2 - ب: الشبه.
# 3 - الف: عرضت.
# 4 - ب: + و.
# 5 - ب: فهو متمكن.
# 6 - ج: فتنته.
# 7 - ج: ينحصر.
# 8 - الف: تكفى.
# 9 - ب: الأدلة في، بجاى احكام.
# 10 - الف و ج: + و.
# 11 - الف و ج: يمكن.
# 12 - الف: - من.
# 13 - ب: فالاستفتاء.
1 - الف وب: يعترض.
# 2 - ب: بطريق.
# 3 - الف: في.
# 4 - ج: القريبة.
# 5 - الف: مما.
# 6 - ب: + مثل.
# 7 ms387 - هذه الكلمة في نسخة الف غير منقوطة فوقا وتحتا، وفي نسخة ب: صيتا.
# 8 - الف: يسكن، ج: السكوت.
# 9 - ب: يعيدنا.
# 10 - ب: يغش.
1 - ب: لاعلم له، ج: - ان يفتى، تا اينجا.
# 2 - ب و ج: + و.
# 3 - ب: تعين.
# 4 - الف و ج: أو.
# 5 - الف: + الا.
1 - ب: من.
# 2 - الف: تساويين.
# 3 - الف: - حكمين عند العالم.
# 4 - الف: - عنده.
# 5 - ب: فهو.
# 6 - ج: تتنزل.
# 7 - ج: + و.
# 8 - الف وب: توجد.
1 - الف: فيما.
# 2 - الف و ج: مساويا.
# 3 - الف: الامرين.
# 4 - الف: فيجبان، ج: فيجب.
# 5 - ب و ج: يثبت.
# 6 - ب: بأدلة قاطعة.
# 7 - ب: ينزل، ج: تتنزل.
# 8 - ب: - وعند التأمل والبحث.
# 9 - ب: - على صاحبه.
# 10 - الف وب: قال.
# 11 - ب: قولك.
# 12 - الف: - الطلاق.
# 13 - الف: و.
1 - الف: + غير.
# 2 - الف: لأنه.
# 3 - الف: - إلى.
# 4 - الف: بدخول، ب: لدخوله.
# 5 - ب: بشبهة.
# 6 - ب: + و.
# 7 - ب: فإذا.
# 8 - ج: - ان يفتيه، تا اينجا.
# 9 - الف و ج: كذلك.
1 - ب: + و.
# 2 - الف: - ان.
# 3 - ب: و.
# 4 - ب: حالة.
# 5 - ب و ج: و.
# 6 - ب: لمجموع.
# 7 - الف: يكون.
# 8 - الف: عن.
# 9 - ج: بالتعقل.
# 10 - ب و ج: - تعالى.
1 - ب: فان.
# 2 - ج: يبين بتشديد عين الفعل.
# 3 - الف: منها.
# 4 - الف: ان يأتي، بجاى وان بان.
# 5 - الف: القبح.
# 6 - ب: في كيفية، بجاى فيكفيه.
# 7 - الف: - منه.
# 8 - الف: أشار.
# 9 - الف و ج: بنفي.
# 10 - ب: و، بجاى في.
# 11 - ب: فان.
# 12 - ب: الدين.
1 - ب: - ان.
# 2 - الف: - ليس.
# 3 - الف: - في.
# 4 - الف: يقول.
# 5 - ب: يعلم.
# 6 - الف: - كلها.
# 7 - ب: فإذا.
# 8 - الف: - لم.
# 9 - الف: يستوفى.
# 10 - الف: و.
# 11 - الف: الضار.
# 12 - الف و ج: أو.
# 13 - ب: + ان.
# 14 - الف: - لا.
1 - الف: - قد.
# 2 - ب: يحد.
# 3 - ب: الأحوال.
# 4 ms388 - الف: المحضور.
# 5 - ب: علم.
# 6 - ج: يبين، بتشديد عين الفعل.
# 7 - الف وب: - ان.
# 8 - الف: الحضر.
# 9 - ج: - ذهب.
# 10 - الف: - فبعضهم.
# 11 - الف: فذهب.
# 12 - ج: - الا به.
1 - الف: الحضر.
# 2 - ب: - وفيهم.
# 3 - ج: بالتوقف.
# 4 - الف: - من.
# 5 - الف: على.
# 6 - الف: - لأنه 7 - الف: القبيح.
# 8 - الف: محضور.
# 9 - الف: - والصحيح.
# 10 - الف: - في العقل.
1 - الف: فإنه.
# 2 - الف: محضور.
# 3 - الف: ذكرنا.
# 4 - الف: - علم.
# 5 - الف: الحضر.
# 6 - ج: ذكرنا.
# 7 - ج: تتبعها.
# 8 - ج: - من.
# 9 - ب: - احكام.
# 10 - ب: - الا ترى، تا اينجا.
# 11 - ج: - ما.
1 - ج: أصلا.
# 2 - ب: الإباحة.
# 3 - ج: الخالية.
# 4 - ب: - أيضا.
# 5 - ب و ج: أو.
# 6 - ج: - لا.
1 - الف: العلم.
# 2 - ج: وجود.
# 3 - ج: منه.
# 4 - الف: المنعم.
# 5 - ج: - و.
# 6 - ج: من.
# 7 - الف: طريق.
# 8 - ج: غير ذلك.
# 9 - ب: التنفيس.
1 - ج: حاجته.
# 2 - ج: + كل.
# 3 - ج: - ليس.
# 4 - الف: كذلك.
# 5 - ج: يخلو.
# 6 - ب: تصح.
# 7 - الف: - الأول.
# 8 - ب: + و.
# 9 - الف: - ما.
# 10 - ج: الدافع.
1 - ب: بالتنفيس.
# 2 - الف و ج: يتلف.
# 3 - ج: يكون.
# 4 - ب و ج: النفس.
# 5 - ب: ومما.
# 6 - ب: بها.
# 7 - ج: بالطعام.
# 8 - ب: يحسن، ج: بحسن.
# 9 - الف: - النفع.
# 10 - ج: من.
# 11 - ب: ناقص.
1 - الف: - ولا نفع.
# 2 - ج: وهو.
# 3 - ج: + إلى.
# 4 - ب: والكلام.
# 5 - ب: عاص.
# 6 - ب: - ذلك.
# 7 - ج: لنفع.
# 8 - ج: الغرض.
# 9 - الف: - لان ذلك يقتضى تقدم التكليف.
# 10 - الف: يكون.
# 11 - ج: ان.
# 12 - الف: - انه.
1 - الف وب: نقصا.
# 2 - الف: فيهم.
# 3 - الف: + والإرادة.
# 4 - ب: - انه تعالى.
# 5 - ب: + لا.
# 6 - ج: نسبوا.
# 7 - الف: تعرض.
# 8 - ب: من، بجاى هذه.
# 9 - ب: ان.
# 10 - ب و ج: يستحق.
# 11 - ج: - و.
1 - ب: - يحسن.
# 2 - ب: ms389 المكلف ما يعرض.
# 3 - ب: لم، ج: ان.
# 4 - ج: تجدها.
# 5 - ب: موجلة.
# 6 - ب: - ان لهم.
1 - ج: - ما.
# 2 - ب و ج: يزالون.
# 3 - ج: الأكوان.
# 4 - ب: + و.
# 5 - الف: - و.
# 6 - ج: غنى.
# 7 - النصب لدليل.
# 8 - ب: تعلم.
# 9 - ج: ينفع.
# 10 - الف: - الامر.
# 11 - الف: + الأول.
# 12 - ب: + في.
# 13 - ب: بخلقنا، ج: بخلونا.
# 14 - ج: شهو.
# 15 - ب: تفارعها.
1 - ج: - هو.
# 2 - ج: الايقاع.
# 3 - ب: فيستنفع.
# 4 - ب: يفعل الفعل.
# 5 - ب: يوجه.
# 6 - ب: إحديهما انه.
# 7 - ج: من.
# 8 - ج: متغيرة.
1 - ب: به لكل، ج، في الكل.
# 2 - ج: متقدم.
# 3 - الف: - و.
# 4 - ج: متعذر.
# 5 - ب و ج: التجنب، بجاى ان يتجنب.
# 6 - ج: لأجل استحقاق.
# 7 - ب: فان قالوا، ج: - قلتم.
# 8 - ب: لهم.
1 - ب: - و.
# 2 - الف: الحضر.
# 3 - ج: يقولون.
# 4 - ب: إحديهما.
# 5 - ب: ذكرنا.
# 6 - الف: ذكرنا.
# 7 - ج: انعقد.
1 - ج: مكنا.
# 2 - ج: غير.
# 3 - الف: غير.
# 4 - ب: - فيه.
# 5 - ب: نتصرف.
# 6 - ج: كذلك.
# 7 - الف: - انه.
# 8 - ج: تتنافى.
1 - ب: تحسن.
# 2 - الف وب: منافع.
# 3 - ب و ج: ما.
# 4 - الف وب: يكن مالكه.
# 5 - ب: بالملك.
# 6 - الف: تجرى.
# 7 - الف: غيره.
# 8 - الف: - عنه.
# 9 - الف: فالتناول،: ب: بالتناول.
1 - ب: المضرة، تا اينجا پاك شده.
# 2 - ج: يخل.
# 3 - الف: - لم يؤثر، تا اينجا.
# 4 - هذا هو الصحيح، لكن في النسخ كلها (جاز) بالجيم.
# 5 - ج: تثبت.
# 6 - الف: + ان يتوجه.
# 7 - الف: و، بجاى في.
# 8 - ج: التأول.
1 - ب: إحديهما.
# 2 - الف: - له بدل.
# 3 - الف: سد.
# 4 - ج: مجرى.
# 5 - ب: بان.
# 6 - ب: - لم.
# 7 - الف: صفة.
# 8 - الف: جرى.
# 9 - ج: + و.
# 10 - ج: يخرج.
# 11 - الف: على.
# 12 - الف: - و.
# 13 - الف و ج: المعاوضة.
# 14 - الف: - الغصب.
1 - ج: يفات.
# 2 - الف: ms390 - مرة.
# 3 - ب: عقلية.
# 4 - ج: - وكذلك، تا اينجا.
# 5 - ب: - له.
# 6 - ج: كالغصوب.
# 7 - الف: - تقدم.
# 8 - الف: غير مقروء.
1 - ج: هنا، الف: غير مقروء.
# 2 - ب: - نبوة.
# 3 - ج: مدع.
# 4 - الف: دليل.
# 5 - ب: - على.
# 6 - الف: نافى.
# 7 - ج: بحكم.
# 8 - ب: + عليه.
# 9 - ب و ج: في انتفاء.
# 10 - ب: - ذلك.
# 11 - الف: يتبين.
1 - ب: - الاثبات، تا اينجا.
# 2 - ب: اثبات.
# 3 - ب: - وجهه.
# 4 - الف: - التي.
# 5 - الف: يثبت.
# 6 - ب: - لنفى، تا اينجا.
# 7 - ج: ببلدان.
# 8 - ب: بعينها.
# 9 - ب: ينفى.
# 10 - هذا هو الظاهر من الأصل، لكن المركز الأول من الكلمة في نسخة الألف
~~بلا نقطة، والمرسوم مكانها في نسخة ب: تبقى، وفي ج: ينفى.
# 11 - بالمعجز.
1 - الف: - العقل.
# 2 - الف: فاما.
1 - هذا هو الصحيح، لكن في نسختي الألف و ج: الرأي، ونسخة ب سقطت عنها
~~هيهنا من قلم الكاتب صفحات.
# 2 - الف: حالين.
# 3 - ج: الحالتين مختلفتان.
# 4 - ج: الأولى.
1 - الف: و.
# 2 - ج: الأولى.
# 3 - ج: المنع.
# 4 - الف: يمنع.
# 5 - ج: مجراه.
# 6 - الف: - الدال.
# 7 - هذا هو الظاهر، لكن قد ذكرنا ان نسخة ب سقطت منها هذه الصفحات، ونسخة
~~ج سقطت منها هذه العبارة خاصة، وفي نسخة الألف: نبوته، مكان على ثبوته.
# 8 - ج: - انما يثبت، تا اينجا.
# 9 - الف: فالحالان.
1 - الف: استمراره، بجاى استمرار كونه.
# 2 - ج: الأولى.
# 3 - ج: يجرى.
# 4 - ج: يتغير.
# 5 - هذا هو الصحيح، لكن نسخة الف: يجيب، ونسخة ج: تجنب.
# 6 - الف: جراها، بجاى جرى مجراها.
# 7 - ج: تجوز.
# 8 - ج: يجوز.
1 - ج: - ولو كان، تا اينجا.
# 2 - ج: - إذا.
# 3 - الف: - فيه بل 4 - الظاهر زيادة الواو.
# 5 - ج: فلم.
# 6 - الف: نافى.
١ - الف: - يكون.
# ٢ - الف: ترجع.
# ٣ - ج: تبين.
# ٤ - الف: بالمعجز.
# ٥ - الف: تثبت.
# ٦ - ج: - على.
# ٧ - الف: - لا.
# ٨ - ج: - وجوب.
# ٩ - ب: - وصلاة زائدة على ms391 الخمس (قبل از
~~چندين سطر به استصحاب حال مانده) تا اينجا.
1 - الف: - من.
# 2 - ج: ينفى بلد.
# 3 - ج: لنجعل.
# 4 - ج: يقول.
# 5 - ب: تبقى.
# 6 - ج: نعتبر.
# 7 - ب: - باثباتها، تا اينجا.
# 8 - الف: أثبتنا.
# 9 - ج: يقتضى.
# 10 - الف: لانالا.
# 11 - ب و ج: + و.
1 - الف: لوجوب.
# 2 - ج: يتناهى.
# 3 - الف: الاستدلال، بجاى ان لا يستدل.
# 4 - الف: لا.
# 5 - ب: يكن.
# 6 - ج: لها.
# 7 - الف: - و.
# 8 - الف و ج: + و.
# 9 - ب: فاما.
# 10 - الف: + لم.
# 11 - ج: الاعتقاد.
# 12 - ج: استحقاق.
1 - ج: ذمهم.
# 2 - ج: - فقد.
# 3 - ب: - فيه.
# 4 - الف: - إلى.
# 5 - ج: امداد.
# 6 - الف وب: المعزى.
# 7 - الف: - الرغبة.
# 8 - ب: اعتمدنا.
# 9 - الف: - يخجلنا.
# 10 - ب: شئ.# ms392