######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_000018 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشريف المرتضى #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 436 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الناصريات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه الشيعة الى القرن الثامن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_000018 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/18_الناصريات-الشريف-المرتضى #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مركز البحوث والدراسات العلمية #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1417 - 1997 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # مقدمة المؤلف: # الحمد لله (1) (2) على ما خص وعم من نعمه وظهر وبطن من مننه (3) وإياه ~~نسأل الزيادة في اليقين ولزوم محجة الدين التي لا يضل سالكها ولا يهتدي ~~تاركها وأن يجعل أفضل صلاته وتحياته غادية رائحة على خير خلقه سيدنا محمد ~~نبيه وعترته، ما أضاء نهار، وأسبل قطار. # ومن بعد: فإن المسائل المنتزعة (4) من فقه الناصر (5) رحمه الله وصلت ~~وتأملتها (6) وأجبت المسؤول (7) من شرحها وبيان وجوهها وذكر من يوافق ~~ويخالف فيها. # . # PageV00P061 # وأنا بتشييد علوم هذا الفاضل البارع كرم الله وجهه أحق وأولى، لأنه جدي ~~من جهة والدتي، لأنها فاطمة بنت أبي محمد الحسن (1) بن أحمد أبي (2) الحسين ~~صاحب جيش أبيه الناصر الكبير أبي محمد الحسن (3) بن علي بن الحسن بن علي بن ~~عمر بن علي السجاد زين العابدين ابن الحسين السبط (4) الشهيد ابن أمير ~~المؤمنين صلوات الله عليه، و (5) الطاهرين من عقبه عليهم السلام والرحمة ~~والناصر: كما تراه من أرومتي، وغصن من أغصان دوحتي، وهذا نسب عريق في الفضل ~~(6) والنجابة والرئاسة. # أما أبو محمد الحسن (7): الملقب بالناصر ابن أبي (8) الحسين أحمد، الذي ~~شاهدته وكاثرته، وكانت وفاته ببغداد في سنة ثمان وستين وثلاث مائة، فإنه ~~كان خيرا فاضلا دينا، نقي السريرة جميل النية حسن الأخلاق، كريم النفس وكان ~~معظما مبجلا مقدما في أيام معز الدولة وغيرها رحمه الله (9) لجلالة نسبه ~~ومحله في نفسه، ولأنه كان ابن خالة بختيار عز الدولة فإن أبا الحسين أحمد ~~والده تزوج كنز حجر بنت . # PageV00P062 # سهلان السالم (1) الديلمي، وهي خالة بختيار وأخت زوجة معز الدولة ~~ولوالدته هذه بيت كبير في الديلم وشرف معروف وولي أبو محمد الناصر - جدي ~~الأدنى - النقابة على العلويين بمدينة السلام عند اعتزال والدي رحمه الله ~~لها سنة اثنتين (2) وستين وثلاث مائة. # فأما أبو الحسين أحمد بن الحسن (3) فإنه كان صاحب جيش أبيه وكان له فضل ~~وشجاعة ونجابة (4) ومقامات مشهورة يطول ذكرها وأما أبو محمد الناصر الكبير ~~وهو: الحسن (5) بن علي، ففضله في علمه وزهده وفقهه أظهر من الشمس الباهرة ~~وهو الذي نشر الإسلام ms001 في الديلم حتى اهتدوا به بعد الضلالة، وعدلوا بدعائه ~~عن الجهالة، وسيرته الجميلة أكثر من أن تحصى، وأظهر من أن تخفى، ومن أرادها ~~أخذها من مظانها. # فأما أبو الحسن (6) علي بن الحسين (7) فإنه كان عالما فاضلا. # وأما الحسن (8) بن علي فإنه كان سيدا مقدما مشهور الرئاسة. # وأما علي بن عمر الأشرف، فإنه كان عالما، وقد روى الحديث. # وأما عمر بن علي بن الحسين ولقبه الأشرف، فإنه كان فخم السيادة، جليل ~~القدر والمنزلة في الدولتين معا الأموية والعباسية وكان ذا علم، وقد روي ~~عنه . # PageV00P063 # الحديث. # وروى أبو الجارود زياد بن المنذر، قال: قيل لأبي جعفر الباقر عليه ~~السلام: أي إخوتك أحب إليك وأفضل؟ فقال عليه السلام: " أما عبد الله فيدي ~~التي أبطش بها - وكان عبد الله أخاه لأبيه وأمه - وأما عمر فبصري الذي أبصر ~~به، وأما زيد فلساني الذي أنطق به، وأما الحسين فحليم يمشي على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (1). # وأنا الآن مبتدئ بالكلام على المسائل، وإيضاح الحق منها (2)، ومن الله ~~استمد المعونة وحسن التوفيق، فما يظفر بهما إلا من أعطاه، ولا يملكها سواه، ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل . # PageV00P064 # كتاب الطهارة PageV00P065 # المسألة الأولى: # قال الناصر رحمه الله: # " إذا وقعت النجاسة في ماء يسير نجس، تغير بها أو لم يتغير " (*). # قال الشريف الأجل المرتضى علم الهدى رحمه الله: هذا صحيح، وهو مذهب ~~الشيعة الإمامية وجميع الفقهاء، وإنما خالف في ذلك مالك (1) والأوزاعي (2) ~~وأهل الظاهر (3) وراعوا في نجاسة الماء - القليل منه والكثير - تغير أحد ~~أوصافه من طعم، أو لون، أو رائحة (4). # والحجة في صحة مذهبنا: إجماع الشيعة الإمامية، وفي إجماعهم عندنا الحجة، # PageV00P067 # وقد دللنا على ذلك في غير موضع من كتبنا (1). # وأيضا قوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث) (2) وقوله تعالى: (والرجز ~~فاهجر) (3)، وقوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " (4). # وهذه الظواهر تقتضي تحريم النجاسة من غير مراعاة لتغير الأوصاف التي هي ~~الطعام واللون والرائحة. # المسألة الثانية: # " إن وقعت النجاسة في ماء كثير لم ينجس، ما لم يتغير أحد أوصافه، والكثير ~~ما بلغ قلتين ms002 فصاعدا " (5). # قد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: # فقالت الشيعة الإمامية: إن الماء الكثير لا ينجس بحلول النجاسة فيه إلا ~~بأن يغير لونه أو طعمه أو رائحته. # وحد الكثير عندهم ما بلغ كرا فصاعدا. # وحد الكر ما وزنه ألف ومائتا رطل بالرطل المدني، والرطل المدني مائة ~~وخمسة وتسعون درهما. # وقال أبو حنيفة (6) وأصحابه: كل ماء تيقنا حصول النجاسة فيه، أو غلب في . # PageV00P068 # ظننا ذلك، فهو نجس لا يجوز استعماله، قليلا كان الماء أو كثيرا، تغيرت ~~صفاته أو لم تتغير (1). # وراعى مالك والأوزاعي والشافعي (2) وأهل الظاهر في الماء القليل والكثير ~~تغير الأوصاف (3). # وراعى الشافعي القلتين، فما بلغه المقدار عليها لم ينجس عنه، وما نقص ~~عنها نجس (4). # وقال الحسن بن صالح بن حي (5): إذا كان الماء أقل من كر وحلته نجاسة نجس، ~~. # PageV00P069 # وإذا كان كرا لم ينجس (1) وحد الكر بأنه ثلاثة آلاف رطل (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) ~~(3). # وقد علمنا أن الماء الكثير إذا خالطته نجاسة فلم يتغير أحد (4) أوصافه، ~~لم يخرجه من أن يكون منزلا من السماء ومن أن يكون مستحقا لهذا الوصف، فيجب ~~أن يكون الحكم المقترن بهذا الاسم (لازما له ما لزمه هذا الاسم) (5). # وقد روى أصحاب الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إذا ~~بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا " (6). # وروت الشيعة الإمامية عن أئمتها عليهم السلام بألفاظ مختلفة، ووجوه ~~مختلفة: إن الماء إذا بلغ كرا لم ينجسه ما يقع فيه من نجاسة، إلا بأن يغير ~~أحد أوصافه (7). # وأجمعت الشيعة الإمامية على هذه المسألة، وإجماعها هو الحجة فيها. # وأما الكلام في تصحيح الحد الذي ذكرناه من الكر وتعينه بالأرطال، فالحجة ~~في صحته إجماع الإمامية عليه وإجماعها هو الحجة. # . # PageV00P070 # وأيضا فإن الشافعي الذي يخالفنا في تحديده بقلتين، مذهبنا أولى من مذهبه، ~~لأن القلة اسم مشترك بين أسماء (1) مختلفة، كقلة الجبل، والجرة، ويستعمل ~~أيضا في ذروة كل شئ وأعلاه، وفي غير ذلك. والكر يتناول شيئا واحدا فإن ~~اختلفت مقاديره في ms003 البلدان وعادات أهلها فالتحديد به أولى. # فإن قيل قد روى الشافعي ما يزيل الاحتمال في ذلك، وهو قوله: بقلال هجر ~~(2) (3). # قلنا: قد ذكر أهل العلم أن التحديد بقلال هجر من جهة الراوي (4)، وأنه ~~ليس من لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن الاشتراك باق مع هذا ~~اللفظ لأن قلال هجر اسم مبهم يحتمل سائر ما تقدم ذكره. # فأما الكر وإن كان مختلفا في مقاديره (5)، فليس يختلف ما يقع عليه هذا ~~الاسم كاختلاف ما يقع عليه اسم القلة ويجري الكر في ما يتناوله مجرى قولنا: ~~" رجل " في أنه يقع على أمر (6) واحد غير مختلف في حقيقته وإن اختلف الرجال ~~في الطول، والقصر والعلم، والجهل، والأوصاف المختلفة ويجري اسم القلة مجرى ~~قولنا: # " شئ " في اختلاف ما يتناوله على أننا نتمكن من استعمال خبر القلتين ~~ونحمله على الجرتين الكبيرتين اللتين . # PageV00P071 # تبلغ ما تسعانه مقدار الكر، وأصحاب القلتين لا يمكنهم استعمال خبر الكر، ~~لأنه لا نعرف شيئا من الأكرار تبلغ خمس مائة رطل. # فإن قيل: ولا نعرف أيضا كرا يبلغ ألفا ومائتي رطل. # قلنا: الأكرار مختلفة في البلدان وقد ذكر الناس اختلافها ومبالغها في ~~عادات أهلها، وقالوا في الكر السليماني: إنه سدس وعشر العدد (1)، فإنه ألف ~~وتسع مائة رطل وعشرون رطلا بالبغدادي، فإذا نقصنا من ذلك الرطل المدني ~~والعراقي قارب المبلغ الذي ذكرناه، فمن ادعى أن الذي حددنا (2) به الكر غير ~~معروف، مبطل على كل حال. # المسألة الثالثة: # " ولا فرق بين ورود الماء على النجاسة وبين ورود النجاسة على الماء (*). # هذه المسألة لا أعرف فيها نصا لأصحابنا ولا قولا صريحا ". # والشافعي يفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه، فيعتبر القلتين ~~في ورود النجاسة على الماء ولا يعتبر في ورود الماء على النجاسة (3). # وخالفه سائر الفقهاء في هذه المسألة، ويقوى في نفسي عاجلا - إلى أن يقع # PageV00P072 # التأمل لذلك - صحة ما ذهب إليه الشافعي والوجه فيه: أنا لو حكمنا بنجاسة ~~الماء القليل الوارد على النجاسة، لأدى ذلك إلى أن الثوب لا يطهر من ms004 ~~النجاسة إلا بايراد كر من الماء عليه، وذلك يشق، فدل على أن الماء إذا ورد ~~على النجاسة لا يعتبر فيه القلة والكثرة كما يعتبر فيما ترد النجاسة عليه. # المسألة الرابعة: # " الماء إذا خالطه طاهر فغير إحدى صفاته لا يجوز الوضوء به " (*). # الصحيح عندنا: أن الماء إذا خالطه بعض الأجسام الطاهرة - من جامد أو مايع ~~- فلم يثخن به (1)، ولم يخرج عن طبعه وجريانه ويسلبه إطلاق اسم الماء عليه، ~~فإن الوضوء به جائز، ولا اعتبار في الغلبة بظهور اللون، أو الطعم، أو ~~الرائحة، بل بغلبة الأجزاء على حد يسلبه اطلاق اسم الماء، ووافقنا على ذلك ~~أبو حنيفة (2). # وراعى الشافعي، ومالك في ذلك تغير الأوصاف من لون، أو طعم، أو رائحة، ~~وزعما أن أحد أوصاف الماء متى تغير - ولو باليسير من الطاهر - لم يجز ~~الوضوء به (3). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه مع إجماع الفرقة المحقة، قوله تعالى: (فلم ~~تجدوا # PageV00P073 # ماء فتيمموا) (1) فنقلنا من الماء عند فقده إلى التراب من غير واسطة، ~~والماء الذي خالطه يسير من زعفران يطلق عليه اسم الماء، ولا ينتقل مع وجوده ~~إلى التراب. # وأيضا قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (2) عام في كل مائع يتأتى الاغتسال ~~به، إلى أن يقوم دليل على إخراج بعضها. # وليس لأحد أن يدعي: أن يسير الزعفران إذا خالطه الماء سلبه إطلاق اسم ~~الماء، وذلك أن إطلاق الاسم هو الأصل، والتقييد داخل عليه وطار بعده، ~~كالحقيقة والمجاز، فمن ادعى زوال الاطلاق في الماء فعليه الدليل. # وبعد: فإنهم يقولون في ذلك إنه ماء وقع فيه زعفران ولا يضيفونه إليه كما ~~يضيفون الماء المعتصر من الزعفران إليه. # ومما يدل على أن تغير أحد الأوصاف لا معتبر به: أن الماء الذي يجاوره ~~الطيب الكثير كالمسك وغيره، قد تتغير رائحته بمجاورة الطيب، ومع هذا فلا ~~خلاف في جواز الوضوء به. # المسألة الخامسة: # " ولا يجوز الوضوء بشئ من الأنبذة " (*). # عندنا: أن الوضوء بشئ من الأنبذة لا يجوز، لا النية منها، ولا المطبوخة ~~ولا النقيعة، وهو مذهب مالك والشافعي، وأبي يوسف (3) وأحمد ms005 بن حنبل (4) # PageV00P074 # وداود (5) (6). # وأجاز أبو حنيفة التوضؤ بنبيذ التمر المطبوخ الشديد عند عدم الماء (7). # وقال محمد بن الحسن (8): يتوضأ به ويتيمم مع فقد الماء، وأوجب الجمع ~~بينهما في السفر (9). # دليلنا على صحة مذهبنا مع الاجماع المقدم ذكره، بل إجماع أهل البيت عليهم ~~السلام: # . # PageV00P075 # قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (1) فنقلنا من الماء إلى التراب من ~~غير واسطة، وأبو حنيفة يخالف هذا الظاهر، لأنه يجعل بينهما واسطة هي ~~النبيذ. # وليس له أن يقول: إن في النبيذ ماء، فمن وجده كان واجدا للماء، ولا يجوز ~~انتقاله إلى التراب وذلك أن ليس كل شئ كان فيه ماء يطلق اسم الماء عليه، ~~لأن الخل، وماء الورد، وسائر المائعات فيها ماء ولا يطلق عليها اسم الماء ~~ويتيمم مع وجودها. # على أنه لو تناول النبيذ اسم الماء لدخل تحت الآية [كدخول الماء المطلق، ~~ووجبت مساواة النبيذ الماء في حكم الآية] (2)، ويلزم جواز الوضوء بالنبيذ ~~مع وجود الماء لأنه جار مجراه، وقد أجمعوا على خلاف ذلك. # على أن الأنبذة المسكرة عندنا نجسة، ولا يجوز الوضوء بها وهي نجسة، وما ~~ليس بمسكر منها فما دل على أن المائعات كالخل وما أشبهه لا يجوز الوضوء بها ~~يدل على أنه لا يجوز الوضوء به. # وقد استقصينا في كتابنا مسائل الخلاف بين سائر الفقهاء (3) الكلام في أنه ~~لا يجوز الوضوء بالأنبذة، وتكلمنا على خبر ليلة الجن (4) ووصفناه، فمن أراد # PageV00P076 # الاستقصاء وجده هناك. # المسألة السادسة: # " ولا يجوز الوضوء بالماء المستعمل " (*). # وعندنا أن الماء المستعمل في تطهير الأعضاء والبدن الذي لا نجاسة عليه، ~~إذا جمع في إناء نظيف كان طاهرا مطهرا، ووافقنا في ذلك الحسن (1) والنخعي ~~(2) والزهري (3) والثوري (4) ومالك، وداود (5). # . # PageV00P077 # وقد قيل: إن مالكا كرهه بعض الكراهية (6). # وقال أبو حنيفة وأصحابه إن الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به (7) ~~واختلفوا في نجاسته. # فقال أبو يوسف: هو نجس وروي مثل ذلك عن أبي حنيفة (8) والصحيح من قول أبي ~~حنيفة أنه طاهر غير مطهر، وهو قول محمد بن الحسن (9) وقال الشافعي إنه طاهر ~~وغير مطهر أيضا ms006 (10)، وقد حكى عنه عيسى بن أبان (11) أنه طاهر مطهر (12)، ~~وذلك غير معمول عليه. # . # PageV00P078 # والدليل على صحة مذهبنا: الاجماع المقدم ذكره. # وأيضا قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (13) وهذا ~~عموم في المستعمل وغيره، لأن الاستعمال لا يخرجه عن كونه منزلا من السماء. # وأيضا قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (14) والواجد للماء المستعمل ~~واجد لما يتناوله اسم الماء. # وأيضا قوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (15) فأجاز عز ~~وجل الدخول في الصلاة بعد الاغتسال، ومن اغتسل بالماء المستعمل يتناوله اسم ~~المغتسل بلا شبهة. # ولا معنى لخلاف من يخالف في أن إطلاق اسم الماء لا يتناول المستعمل، ~~ويدعي أنه بالاستعمال قد خرج عن تناول الاسم له. # وذلك أن الوصف للماء بأنه مستعمل وصف غير مؤثر فيه، ولا مخرج له من ~~تناوله لاسم الماء المطلق ويجري في ذلك مجرى الماء المشمس والمبرد والمسخن. # ومما يدل على أن بالاستعمال لم يخرج عن تناول اسم الماء المطلق حتى يصير ~~في حكم ماء الورد وماء الباقلاء، أنه لو شربه من حلف أنه لا يشرب ماء لحنث ~~باتفاق، ولو شرب ماء الورد لم يحنث وقد استقصينا هذه المسألة أيضا في مسائل ~~الخلاف. # . # PageV00P079 # المسألة السابعة: # " لا يجوز التوضؤ بالماء المغصوب " وتحقيق هذه المسألة إنه لا خلاف بين ~~الأمة في أن استعمال الماء المغصوب قبيح لا يجوز في الشريعة لأنه تصرف في ~~ملك الغير بلا إذنه. # وليس المراد بقولهم: إنه يجوز التوضؤ به أو لا يجوز هذا المعنى، بل ~~المراد بذلك: # هل يكون من توضأ بالماء المغصوب، وفعل قبيحا بتصرفه فيه، واستحق العقاب ~~والذم، مزيلا لحدثه ومستبيحا بذلك الصلاة، أو لا يكون كذلك؟ (1). # وعندنا أن الوضوء بالماء المغصوب لا يزيل الحدث، ولا يبيح الصلاة، وخالف ~~سائر الفقهاء في ذلك وادعوا: أن الوضوء به مجز ومزيل الحدث، وإن كان قبيحا ~~(2). # والدليل على صحة مذهبنا: الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فقد دل الدليل على ~~أن الوضوء عبادة وقربة، ومما يستحق به الثواب، ولا يجوز التقرب إلى الله ~~تعالى ms007 واستحقاق الثواب منه بالمعاصي ولا خلاف أن الوضوء بالماء المغصوب ~~معصية وقبيح وحرام. # وأيضا فلا خلاف في أن نية القربة والعبادة في الوضوء مسنونة مندوب إليها، ~~ولا يجوز أن يتقرب إلى الله تعالى بالمعاصي والقبائح. # PageV00P080 # المسألة الثامنة: # " ولا يجوز التحري في الأواني وإن كانت جهة (1) الطاهر أغلب " (*). # وهذا صحيح وإليه ذهب أصحابنا. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز التحري في الإناءين، ويجوز في ما عدا ~~ذلك إذا كانت الغلبة للطاهر (2) وأجاز الشافعي التحري في الإناءين، وفي ما ~~زاد على ذلك (3). # دليلنا على المنع من التحري في الآنية التي يتيقن نجاسة أحدها: قوله ~~تعالى: # (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (4)، وإنما عنى بالوجود القدرة على الماء الطاهر ~~والتمكن منه، ومن لا يعرف الشئ بعينه ولا يميزه فليس يتمكن منه ولا واجد ~~له، ولأنه تعالى لم يذكر التحري في الآية بل أمر باستعمال الماء عند وجوده، ~~والتراب عند فقده من غير أمر بالتحري، فمن أوجبه فقد زاد في الظاهر ما لا ~~يقتضيه. # المسألة التاسعة: # " سؤر السباع نجس " (* *). # الصحيح عندنا أن سؤر جميع البهائم من ذوات الأربع والطيور - ما خلا الكلب # PageV00P081 # والخنزير - طاهر يجوز الوضوء به. # ويكره سؤر ما يأكل الجيف والميتة من هذه الجملة، وكذلك يكره سؤر الجلال، ~~وبمثل ذلك قال الشافعي (1). # وقال مالك: أسئار جميع الحيوان طاهر (2) وهو مذهب أهل الظاهر (3). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: سباع ذوات الأربع كلها نجسة، وكذلك أسآرها، ما ~~خلا الهر فإن سؤرها طاهر، إلا أن الوضوء به مكروه وإن فعل أجزأ (4) ولم ~~يكره أبو يوسف سؤر الهر (5). # وأما سؤر جميع سباع الطير، وحشرات الأرض كالفأرة، والحية، وما أشبهها، ~~فيجري عندهم مجرى سؤر الهر في كراهية الوضوء به (6). # دليلنا على كراهية سؤر ما ذكرناه وجواز الوضوء، قوله تعالى: (وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا) (7). # وقوله تعالى: (وينزل من السماء ماء ليطهركم به) (8)، وقد علمنا أن شرب ~~البهائم منه لا يخرجه من أن يكون منزلا من السماء، فيجب بقاؤه على أصل ~~الطهارة. # . # PageV00P082 # وقد روى أصحاب الحديث نقلا مستفيضا عن النبي صلى ms008 الله عليه وآله وسلم أنه ~~سئل فقيل له: # أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: " نعم وبما أفضلت السباع " (1). # فأما نفي كراهية سؤر الهر، فالدليل عليه ما روي عن كبشة بنت كعب بن مالك ~~(2) أنها قالت: دخلت على أبي قتادة (3) فسكبت له وضوءا، فأتت الهر فشربت ~~منه، فأصغى (4) لها الإناء، فنظرت إليه فقال: أتعجبين يا بنة أخي! سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " الهر ليس بنجس " (5). # وهذا صريح في نفي كراهية سؤرها. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصغي لها الإناء، وكان ~~يتوضأ بسؤرها (6). # . # PageV00P083 # المسألة العاشرة: # " سؤر المشرك نجس " (*). # عندنا أن سؤر كل كافر - بأي ضرب من الكفر كان كافرا - نجس لا يجوز الوضوء ~~به. # وأجاز الوضوء بذلك أبو حنيفة وأصحابه (1). # وحكى الطحاوي (2) عن مالك في سؤر النصراني والمشرك أنه لا يتوضأ به (3). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد إجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (إنما ~~المشركون نجس) (4)، وفي هذا تصريح بنجاسة أسآرهم. # وروى عبد الله بن المغيرة (5) عن سعيد الأعرج (6) قال: سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام # PageV00P084 # عن الوضوء بسؤر اليهودي والنصراني، فقال: " لا " (7). # المسألة الحادية عشر: # " سؤر الحمار طاهر " (*). # الصحيح عندنا طهارة سؤر الحمار، وجواز الوضوء به، وهو قول مالك، ~~والأوزاعي، والشافعي، وأهل الظاهر (8). # وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري: لا يجوز الوضوء به (9). # وأوجب أبو حنيفة عند عدم الماء المتيقن طهارته الجمع بين الوضوء بسؤر ~~الحمار والتيمم (10). # دليلنا على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة عليه، والخبر الذي رويناه ~~قبل # PageV00P085 # هذه المسألة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إجازته الوضوء بما ~~أفضلت الحمار (1). # وليس لهم أن يحملوا لفظة " الحمر " على الوحشية لأن ذلك تخصيص للعموم ~~بغير دليل، ولأن من حرم سؤر الحمار الأهلي إنما بناه على تحريم لحمه، ~~وعندنا أن لحمه مباح فسؤره تابع للحمه. # المسألة الثانية عشر: # " كل حيوان يؤكل لحمه، فبوله وروثه طاهر " (*). # هذا صحيح، وهو مذهب مالك، والثوري، وزفر (2) والحسن بن حي (3). # وقال محمد بن الحسن في البول ms009 خاصة بمثل قولنا، وخالفنا في الروث (4). # وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعي: بول ما يؤكل لحمه وروثه نجس، ~~كنجاسة ذلك مما لا يؤكل لحمه (5). # PageV00P086 # الدليل على صحة مذهبنا: إجماع الفرقة المحقة عليه. # وما رواه البراء بن عازب (1) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~" ما أكل لحمه فلا بأس ببوله " (2). # وفي خبر آخر " لا بأس ببوله وسلحه " (3) وروى حميد (4) عن أنس (5): " أن ~~قوما من عرينة " (6) قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ~~فاستوخموها (7) فانتفخت أجوافهم، فبعثهم إلى لقاح الصدقة ليشربوا من ~~أبوالها (8). # . # PageV00P087 # فلو كان بولها نجسا لما جاز ذلك. # وقوله عليه السلام (1) لعمار رحمه الله: " إنما يغسل الثوب من البول، ~~والدم، والمني " (2). # فدل ظاهره على ما ذكرناه، لأن لفظة " إنما " يقتضي ظاهرها التخصيص ونفي ~~الحكم عما عدا المذكور. # فإن قيل: ففي الخبر ذكر البول. # قلنا: ظاهره يدل على أنه لا يغسل من الروث، ولم يقل أحد من الأمة أن ~~الروث طاهر والبول نجس، وبالخبر يعلم طهارة الروث، وبالإجماع يعلم أن البول ~~مثله، فيحمل ذكر البول في الخبر على أن المراد به ما لا يؤكل لحمه. # المسألة الثالثة عشرة: # " وبول الصبي الذي لم يطعم نجس كبوله إذا طعم " (*). # الصحيح في تقرير (3) هذه المسألة: أنه لا خلاف بين العلماء في نجاسة ~~أبوال بني آدم صغيرهم وكبيرهم، وإنما اختلفوا في بول الصبي قبل أن يطعم، ~~فأوجب قوم فيه # PageV00P088 # الغسل كبول الكبير وذهب آخرون إلى أن الغسل لا يجب، وإنما يجب الرش ~~والنضح، ومن حكي عن الشافعي أنه ليس بنجس، فقد وهم عليه (1). # وعندنا: أن بول الغلام الصغير لا يجب غسله من الثوب، بل يصب عليه الماء ~~صبا، فإن كان قد أكل الطعام وجب غسله، وجائز أن يغسل الثوب من بوله على كل ~~حال. # وقال الشافعي بمثل مذهبنا، ونص على أنه يكفي فيه الرش (2). # وقال الأوزاعي: لا بأس ببول الصبي ما دام يشرب اللبن ولا يأكل الطعام ~~(3)، ومعنى هذا القول من الأوزاعي أنه لا بأس بترك غسله، والعدول إلى النضح ms010 ~~والرش. # وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وابن حي: بول الصبي والصبية كبول الرجل، ~~يجب غسل الجميع ولم يفرقوا (4). # فأما الذي يدل على نجاسة بول الصبي ما روي عنه عليه السلام من قوله: " ~~استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه " (5) ولم يفصل بين بول الصغير ~~والكبير. # وقوله عليه السلام لعمار: " إنما يغسل الثوب من البول والدم والمني " (6) ~~ولم يفصل. # وأما الذي يدل على خفة بول الرضيع، وجواز الاقتصار على صب الماء # PageV00P089 # والنضح فهو إجماع الفرقة المحقة. # وما رواه أمير المؤمنين (1) عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: " يغسل من بول الجارية، وينضح (2) من بول الصبي ما لم يأكل ~~الطعام " (3). # وروت لنا لبابة بنت الحارث (4) أن النبي صلى الله عليه السلام أخذ الحسين ~~بن علي (5) عليه السلام . # PageV00P090 # فأجلسه في حجره فبال عليه. # قالت: فقلت له صلى الله عليه وآله وسلم: لو أخذت ثوبا، وأعطيتني إزارك ~~لأغسله. # فقال عليه السلام: " إنما يغسل من بول الأنثى وينضح على بول الذكر " (1). # وقد استقصينا أيضا هذه المسألة في مسائل الخلاف غاية الاستقصاء. # المسألة الرابعة عشر: # " المني (*) نجس وكذلك المذي " (* *). # أما المني فعندنا أنه نجس يجب غسله من البدن والثوب، فأما المذي فعندنا ~~أنه طاهر. # ووافقنا على نجاسة المني خاصة، مالك، وأبو حنيفة وأصحابه، لأن أبا حنيفة ~~وأصحابه (2) وإن وافقوا في نجاسته، فإنهم يوجبون غسله رطبا، ويجزئ عندهم ~~فركه يابسا (3). # PageV00P091 # وقال الثوري: يفرك، وإن لم يفرك أجزأت الصلاة فيه (1). # وقال ابن حي: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب، وتعاد منه إذا كان على ~~الجسد. وكان يفتي مع ذلك بفركه من الثوب إذا كان يابسا ويغسله إذا كان رطبا ~~(2). # وقال الشافعي: المني طاهر، ويفرك من الثوب فإن لم يفرك فلا بأس (3). # والذي يدل على نجاسة المني إجماع الشيعة الإمامية ولا خلاف بينها في ذلك. # ويدل أيضا عليه قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان) (4)، وروي في التفسير أنه تعالى أراد بذلك إنزال ~~الاحتلام (5) فدلت الآية على نجاسة ms011 المني من وجهين: # أحدهما: قوله تعالى: (ويذهب عنكم رجز الشيطان) الرجز والرجس والنجس بمعنى ~~واحد. # يدل على ذلك قوله تعالى: (والرجز فاهجر) (6) وأراد به عبادة الأوثان، ~~فعبر عنهما تارة بالرجز وأخرى بالرجس، فثبت أن معناهما واحد وإذا سمى الله ~~تعالى المني رجسا ثبتت نجاسته. # والوجه الثاني من دلالة الآية أنه تعالى أطلق عليه اسم التطهير، والتطهير ~~لا . # PageV00P092 # يطلق في الشرع إلا لإزالة النجاسة أو غسل الأعضاء الأربعة. # ويدل على ذلك أيضا ما رواه عمار بن ياسر رحمه الله: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: " إنما يغسل الثوب من البول، والدم، والمني " (1). # وهذا يقتضي وجوب غسله، وما يجب غسله لا يكون إلا نجسا، وقد نبه على ~~نجاسته من وجه آخر وهو الجمع بينه وبين النجاسات كالدم والبول. # فأما المذي فعندنا: أنه ليس بنجس، ولا ينقض الوضوء. # وخالفنا جميع الفقهاء في ذلك (2)، إلا أن مالكا قال في المذي: إنه إن خرج ~~على وجه يخالف العادة وزاد على المعتاد، لم ينقض الوضوء (3). # والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة وأيضا فالمذي مما يعم البلوى به ~~ويكثر ويتردد ظهوره، فلو كان نجسا وحدثا لتظاهر الخبر بذلك على وجه لا يمكن ~~دفعه، ولعلم ضرورة من دينه عليه السلام كما علم في نظائره من البول، ~~والغائط، وما جرى مجراهما. # وأيضا فإن الأصل الطهارة، والنجاسة إنما تعلم بالشرع على سبيل التجدد، ~~ولم ينقطع عذر بالشرع يوجب العلم في أن المذي نجس وأنه ينقض الوضوء. # وقد روى أصحابنا من طرق مختلفة بأنه طاهر لا ينقض الوضوء (4). # وخبر عمار - الذي تقدم ذكره - يدل على طهارته، لأنه روي عنه عليه السلام: ~~أن # PageV00P093 # الثوب لا يغسل إلا من أشياء مخصوصة، ليس فيها المذي. # المسألة الخامسة عشرة: # " الدم كله نجس " (*). # عندنا: أن دم السمك طاهر، لا بأس بقليله وكثيره في الثوب، وكذلك ما لا دم ~~له سائل نحو البراغيث والبق، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (1). # وقال مالك في دم البراغيث: إنه إذا تفاحش غسل، وإذا لم يتفاحش لا بأس به ms012 ~~(2). # وقال: يغسل دم السمك والذباب (3). # وسوى الشافعي بين الدماء كلها في النجاسة (4). # فأما دليلنا على طهارة دم السمك (5) فهو بعد إجماع الفرقة المحقة قوله ~~تعالى: # (أحل لكم صيد البحر وطعامه) (6) يقتضي إباحة ظاهرة (7)، وإباحة لكل سمك ~~وطهارة لجميع أجزائه، لأن التحليل يقتضي الإباحة من جميع الوجوه. # PageV00P094 # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) (1) فأخبر تعالى أن ما ~~عدا المسفوح ليس بمحرم، ودم السمك ليس بمسفوح فوجب ألا يكون محرما. # ويدل على ذلك أيضا: أنه لا خلاف في جواز أكل السمك بدمه من غير أن يسفح ~~منه، فلو كان نجسا لما جاز ذلك، ألا ترى أن سائر الدماء لما كانت نجسة لم ~~يجز أكل الحيوان التي هي فيه، إلا بعد سفحها. # وأيضا فلا خلاف في جواز أكل اللحم الذي قد بقي في عروقه أجزاء من الدم، ~~فإنه لا يجب أن ينتفى (2) ذلك بالغسل، لأنه ليس بدم يسفح، وكذلك دم السمك. # وأيضا فقد اتفقوا على أن الدم الباقي في العروق بعد الذكاة طاهر، لا يجب ~~غسله، لأنه باق في العروق بعد الذكاة ويجوز أكله (3)، وكذلك دم السمك. # المسألة السادسة عشرة: # " الخمر نجسة، وكذلك كل شراب يسكر كثيره " (*). # لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر، إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار ~~بقولهم (4). # والذي يدل على نجاستها قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب # PageV00P095 # والأزلام رجس من عمل الشيطان) (1) وقد بينا (2) أن الرجس والرجز بمعنى ~~واحد في الشريعة. # فأما الشراب الذي يسكر كثيره: فكل من قال إنه محرم الشرب، ذهب إلى أنه ~~نجس كالخمر. وإنما يذهب إلى طهارته من ذهب إلى إباحة شربه (3). # وقد دلت الأدلة الواضحة على تحريم كل شراب أسكر كثيره، فوجب أن يكون ~~نجسا، لأنه لا خلاف في أن نجاسته تابعة لتحريم شربه. # المسألة السابعة عشرة: # " كل حيوان ليس له دم سائل فإنه لا ينجس بالموت، [ولا ينجس الماء] " (4) ~~(*). # وهذا صحيح عندنا: ms013 أن كل ما لا نفس له سائلة كالذباب، والجراد، والزنابير، ~~وما أشبهها، لا ينجس بالموت ولا ينجس الماء إذا وقع فيه، قليلا كان أو ~~كثيرا، وأبو حنيفة وافقنا في هذه المسألة (5) وكذلك مالك (6). # PageV00P096 # وللشافعي فيها قولان: # قال في القديم: إنه لا ينجس الماء (1). # وفي الجديد إنه ينجسه (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (لا أجد في ما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) (3) وظاهر ~~هذه الآية يقتضي أنه لا يحرم من المطعومات إلا ما تضمنت ذكره، ولم تتضمن ~~ذكر ما وقع فيه بعض ما لا نفس له سائلة من الطعام والشراب، فوجب أن يكون ~~مباحا، فلو كان نجسا لما أبيح أكله وشربه، ولا يلزمنا ما أخرجناه من عموم ~~هذه الآية من المحرمات الكثيرة، لأن الدليل اقتضى ذلك ولا دليل فيما ~~اختلفنا فيه يقتضي العدول عن ظاهر الآية. # فإن قيل قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (4) وقوله ~~في الآية التي تعلقتم بها (إلا أن يكون ميتة) فدل على بطلان ما ذكرتموه. # قلنا: ليس الأمر على ما ظننتم، لأنه غير مسلم أن اسم الميتة بالاطلاق ~~يتناول ما لا نفس له سائلة من البعوض والبق إذا مات، والتعارف يمنع من ذلك، ~~على أن تحريمه تعالى الميتة إنما المراد به الأفعال في عين الميتة دون ~~غيرها من أكل، وبيع، . # PageV00P097 # وتصرف، وانتفاع، والماء الذي تجاوره الميتة ليس بميتة، فيجب أن يكون ~~موقوفا في طهارته أو نجاسته على الدلالة، ولم يعدده الله تعالى في المحرمات ~~من المطعومات، فيجب أن يكون طاهرا. # وأيضا فقد روى أبو هريرة (1) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~" إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله " (2). # وذلك عموم في الحي والميت، فدل على أن حصولها في الماء لا ينجسه، ولأن ~~المقل يوجب الموت ألا ترى أنه إذا مقلها في طعام شديد الحرارة فإنها تموت ~~في الحال. ولم يفصل عليه السلام بين الحار والبارد [فلو كان موتها ms014 يوجب ~~النجاسة لم أمر عليه السلام بمقلها مع علمه بأنه يوجب موتها؟] (3). # وفي خبر آخر، روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " كل طعام ~~أو شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو الحلال أكله، وشربه، والوضوء منه " ~~(4). # . # PageV00P098 # المسألة الثامنة عشرة: # " كل حيوان لا يؤكل لحمه فلا حكم لذكاته، وموته وذكاته سواء " (*). # الصحيح عندنا خلاف ذلك لأن ما لا يؤكل لحمه مما ليس بكلب ولا خنزير، ولا ~~إنسان تؤثر فيه الذكاة وتخرجه من أن يكون ميتة ولو مات حتف أنفه لم تجر ~~مجرى خروج نفسه بالذكاة، وهو مذهب أبي حنيفة (1). # وقال الشافعي: ما لا يؤكل لحمه لا يلحقه الذكاة، وموته وذكاته سواء (2). # دليلنا على صحة ذلك: إجماع الفرقة المحقة عليه. # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " دباغ الأديم ~~ذكاته " (3). # وفي بعض الأخبار: " ذكاة الأديم دباغه " (4)، فأقام الذكاة مقام الدباغ، ~~فاقتضى ذلك أن ما يعمل الدباغ في تطهيره يعمل الذكاة فيه. # PageV00P099 # المسألة التاسعة عشرة: # " شعر الميتة طاهر (*)، وكذلك شعر الكلب والخنزير " (* *). # هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا (1) وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (2). # وقال الشافعي: إن ذلك كله نجس (3). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر، قوله تعالى: (ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) (4) فامتن علينا بأن جعل ~~لنا في ذلك منافع، ولم يفرق بين الذكية والميتة فلا يجوز الامتنان بما هو ~~نجس لا يجوز الانتفاع به. # وأيضا فإن الشعر لا حياة فيه، ألا ترى أن الحيوان لا يألم بأخذه منه كما ~~يألم بقطع سائر أعضائه. # وأيضا لو كان فيه حياة لما جاز أخذه من الحيوان في حال حياته والانتفاع ~~به، كما لا يجوز ذلك في سائر أجزائه. # ويقوي ذلك ما روي عنه عليه السلام من قوله: " ما بان من البهيمة وهي حية، ~~فهو ميتة " (5). # PageV00P100 # والشعر يبين منها في حال حياتها ولا يكون ميتة، لأنه لو كان ميتة كان ~~بمنزلة سائر أجزائها، ويمنع الانتفاع به، وإذا ثبت أن الشعر، والصوف، ms015 ~~والقرن لا حياة فيه لم يحله الموت، وإذا لم يحله الموت كانت حياته بعده ~~كحياته قبله. # وليس لهم أن يتعلقوا بقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) (1) فإن اسم ~~الميتة يتناول الجملة بسائر أجزائها، وذلك أن الميتة اسم لما يحله الموت، ~~والشعر لا يحله الموت كما لا تحله الحياة ويخرج عن الظاهر. # وليس لأحد أن يقول: إن الشعر والصوف من جملة الخنزير والكلب، وهما نجسان. # وذلك أنه لا يكون من جملة الحي إلا ما تحله الحياة وما لا تحله الحياة ~~ليس من جملته وإن كان متصلا به. # المسألة العشرون: # " جلد الميتة لا يطهر بالدباغ " (*). # هذا صحيح، وعندنا أنه لا يطهر جلد الميتة بالدباغ. # وخالف سائر الفقهاء في ذلك (2) إلا ما روي عن أحمد بن حنبل، فإنه منع من # PageV00P101 # طهارة جلد الميتة بالدباغ (1). # الدليل على صحة مذهبنا: الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) (2) واسم الميتة يتناول الجلد قبل ~~الدباغ وبعده. # وأيضا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال قبل موته بشهر: " ~~لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " (3) وهذا صريح في نصرة مذهبنا، ويقضي ~~على ما يروونه عنه عليه السلام من قوله: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " (4) لأن ~~خبرهم متقدم وخبرنا متأخر. # وخلاف من يخالف في أن اسم الإهاب يتناول الجلد قبل الدباغ وبعده لا ~~يتناوله (5) لا يلتفت إلى مثله، فإنه قول من لا يحصل، ولا خلاف بين أهل ~~اللغة في أن اسم الإهاب يتناول الجلد في سائر حالاته (6). # PageV00P102 # المسألة الحادية والعشرون: # " ليس في غسل الإناء من ولوغ الكلب والخنزير عدد محصور، وإنما يجب غسله ~~إلى أن يتيقن التطهير والتنظيف " (*). # الصحيح عندنا: أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات أولاهن بالتراب. # وقال أبو حنيفة: لا تحديد في غسله، كما لا تحديد في إزالة سائر النجاسات ~~(1). # وقال الشافعي: يغسل سبعا إحداهن بالتراب (2) وذهب مالك إلى أن الغسل ليس ~~بواجب لكنه مستحب، فإن استعمل لا يكون إلا سبعا، وهو مذهب داود (3). # وقال الحسن بن حي (4): يغسل سبعا ms016 والثامنة بالتراب (5). # فأما الذي يدل على نجاسته بعد الاجماع المتقدم ذكره، فهو أن الأخبار # PageV00P103 # المتظاهرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أنه أمر بغسل الإناء إذا ~~ولغ فيه الكلب " (1) والأمر يقتضي الوجوب، والغسل لا يكون إلا من نجاسة. # وفي بعض الأخبار: " أمرنا بإراقة الماء " (2). # وكل ذلك يدل على النجاسة. # فمما روي فيه: ما رواه أبو هريرة من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثا، أو خمسا أو سبعا " (3). # وروى عبيد بن عمير (4): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا ولغ ~~الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات " (5). # والذي يدل على أن تحديدنا بالثلاث أولى مما زاد على ذلك: أنه لا خلاف بين ~~أصحاب التحديد في وجوب الثلاث، ومن زاد على هذا العدد كان عليه الدليل، ولا ~~حجة بقطع العذر فيما زاد على ذلك. # ولأنا نتمكن من استعمال أخبارهم بحمل ما زاد على الثلاث على الندب، وهم ~~لا يتمكنون من استعمال أخبارنا، لأن الاقتصار على الثلاث لا يجوز عندهم ~~بحال. # . # PageV00P104 # المسألة الثانية والعشرون: # " لا يجوز إزالة النجاسات بشئ من المائعات، سوى الماء المطلق " (*). # عندنا: أنه يجوز إزالة النجاسة بالمائع الطاهر وإن لم يكن ماء (1)، وبه ~~قال أبو حنيفة، وأبو يوسف (2). # وقال محمد، وزفر، ومالك، والشافعي: لا يجوز ذلك (3). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المقدم ذكره، قوله تعالى: ~~(وثيابك فطهر) (4) فأمر بتطهير الثوب ولم يفصل بين الماء وغيره. # وليس لهم أن يقولوا: إنا لا نسلم أن الطهارة تتناول الغسل بغير الماء. # لأن تطهير الثوب ليس هو بأكثر من إزالة النجاسة عنه، وقد زالت بغسله بغير ~~الماء مشاهدة، لأن الثوب لا يلحقه عبادة. # PageV00P105 # وأيضا ما روي عنه عليه السلام في المستيقظ من النوم: " لا يغمس يده في ~~الإناء حتى يغسلها " (1) فأمر بما يتناوله اسم الغسل ولا فرق في ذلك بين ~~سائر المائعات. # وأيضا حديث عمار رضي الله عنه وقوله عليه السلام: " إنما يغسل الثوب من ~~المني والدم " (2) وهذا ms017 عموم فيما يسمى غسلا. # وأيضا حديث خولة بنت يسار (3)، أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن دم الحيض يصيب الثوب فقال عليه السلام: " حتيه ثم اقرصيه، ثم اغسليه " ~~(4) ولم يذكر الماء. # وليس لهم أن يقولوا: إن إطلاق الأمر بالغسل ينصرف إلى ما يغسل [به] في ~~العادة ولا يعرف في العادة إلا الغسل بالماء دون غيره. # وذلك أنه لو كان الأمر على ما قالوه لوجب ألا يجوز غسل الثوب (5) بماء ~~الكبريت والنفط وغيرهما، مما لم تجر العادة بالغسل به، فلما جاز ذلك ولم ~~يكن معتادا بغير خلاف - علم أن المراد بالخبر ما يتناوله اسم الغسل حقيقة ~~من غير اعتبار العادة. # . # PageV00P106 # المسألة الثالثة والعشرون: # " يجب الاستنجاء من كل خارج من السبيلين سوى الريح، فإن الاستنجاء من ~~خروجها سنة حسنة وفضل " (*). # عندنا: أن الاستنجاء من البول والغائط واجب، فمن تعمد تركه لم يجز صلاته، ~~وبذلك قال الشافعي (1). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: الاستنجاء غير واجب (2). # واختلفت الرواية عن مالك في وجوب الاستنجاء ونفي وجوبه، والأشبه أنه ~~موافق لأبي حنيفة في نفي وجوبه (3). # فأما الريح فلا استنجاء فيها لا واجبا ولا ندبا، وهو مذهب سائر الفقهاء ~~(4). # والذي يدل على وجوب الاستنجاء بعد الاجماع المتقدم ذكره، ما رواه أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " إنما أنا لكم مثل ~~الوالد، فإذا ذهب أحدكم للغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط وبول، ~~وليستنج بثلاثة أحجار " (5) # PageV00P107 # وأمره عليه السلام على الوجوب. # وأيضا ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا يكفي أحدكم أن ~~يستنجي بدون ثلاثة أحجار " (1) وفي لفظ آخر: " لا يجزي أحدكم دون ثلاثة ~~أحجار " (2). # وأما الريح: فلو كان فيها استنجاء واجب أو مستحب - مع عموم البلوى بها، ~~وكثرة حدوثها ووقوعها - لوجب أن يكون النقل به متظاهرا، كما تظاهر في غيره. # وأيضا فالأصل أنه لا عبادة، والشرع طار متجدد، وقد علمنا أن الاستنجاء من ~~الريح شرع، فمن ادعاه فعليه الدلالة، ولا دلالة كافية له في ذلك. # المسألة الرابعة ms018 والعشرون: # " النية شرط في صحة الوضوء " (*). # وعندنا: أن الطهارة تفتقر إلى نية، وضوء كانت، أو تيمما، أو غسلا من ~~جنابة، أو حيض، وهو مذهب مالك، والشافعي، وربيعة (3)، وأبي ثور (4)، وإسحاق ~~بن # PageV00P108 # راهويه (1)، وداود، وابن حنبل (2). # وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: إن الطهارة بالماء لا تفتقر إلى النية ~~(3). # وقالوا جميعا إلا زفر: إن التيمم لا بد فيه من نية (4). # وقال الحسن بن حي: يجزي الوضوء والتيمم جميعا بغير نية (5). # دليلنا بعد الاجماع المقدم ذكره، قوله تعالى: (يا أيها (6) الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) (7) الآية. # وتقدير الكلام: فاغسلوا للصلاة، وإنما حذف ذكر الصلاة اختصارا. # وهكذا مذهب العرب، لأنهم إذا قالوا: إذا أردت لقاء الأمير فالبس ثيابك، . # PageV00P109 # وإذا أردت لقاء العدو فخذ سلاحك، وتقدير الكلام: فالبس ثيابك للقاء ~~الأمير، وخذ سلاحك للقاء العدو. # والغسل لا يكون للصلاة إلا بالنية، لأن بالنية يتوجه الفعل إلى جهة (1) ~~دون غيرها. # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " الأعمال ~~بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى " (2) وقد علمنا أن الأعمال قد توجد أجناسها ~~من غير نية، فوضح أن المراد بالخبر أنها لا تكون قربة شرعية مجزية إلا ~~بالنيات. # وقوله عليه السلام: " إنما لامرئ ما نوى " يدل على أنه ليس له ما لم ينو. # هذا حكم اللغة العربية، ألا ترى أن القائل إذا قال: " إنما لك درهم "، ~~فقد نفى أن يكون له أكثر من درهم. # والذي يدل على صحة ما ذكرناه في لفظة (إنما) أن ابن عباس (3) كان يذهب ~~إلى جواز بيع الدرهم بالدرهمين نقدا ويأبى نسية (4). # وخالفه في ذلك وجوه الصحابة، واحتجوا عليه بنهي النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن بيع . # PageV00P110 # الذهب بالذهب والفضة بالفضة (1). # فعارضهم بقوله عليه السلام: " إنما الربا في النسيئة " (2). # فجعل هذا الخبر دليلا على أنه لا ربا إلا في النسيئة. وقول ابن عباس حجة ~~فيما طريقه اللغة، وبعد فإن المخالفين له في هذه المسألة لم يمنعوه عن قوله ~~من طريق اللغة، بل من جهة غيرها، فدل ms019 ذلك على ما ذكرناه. # وقد استقصينا هذه المسائل غاية الاستقصاء، وانتهينا فيها إلى أبعد ~~الغايات في (مسائل الخلاف). # المسألة الخامسة والعشرون: # " المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل جميعا " (*). # هذا صحيح، وهو مذهبنا، ومذهب الحسن البصري، والزهري، وربيعة، ومالك، ~~والشافعي، والليث بن سعد (3) والأوزاعي (4). # PageV00P111 # وذهب إسحاق بن راهويه، وابن أبي ليلى (1) إلى أنهما واجبان في الوضوء ~~والغسل معا (2). # وذهب ابن حنبل، وأبو ثور إلى أن الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير ~~واجبة فيهما (3). # وقال داود: الاستنشاق واجب في الوضوء دون المضمضة، ولا يجبان في غسل ~~الجنابة (4). # وذهب الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه - في بعض الروايات عن الليث بن سعد - ~~إلى أنهما واجبان في الغسل من الجنابة غير واجبين في الوضوء (5). # والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم ذكره: ما روي عن أم . # PageV00P112 # سلمة (1) رضي الله عنها أنها قالت قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه (2) في الغسل من الجنابة؟ فقال عليه ~~السلام: " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من الماء، وتفيضي الماء ~~عليك، فإذا أنت فعلت ذلك فقد طهرت " (3). # فبين عليه السلام إن الإجزاء واقع بغير المضمضة والاستنشاق. # وأيضا إن الأصل أنه لا واجب من هذه الشرعيات وإيجاب المضمضة والاستنشاق ~~شرع، فمن ادعاه كان عليه الدليل، ولا دليل في ذلك يقطع العذر. # وقد سقط بهذه الجملة إذا تؤملت خلاف كل ما حكينا خلافه في هذه المسائل، ~~ومن أراد الاستقصاء رجع إلى ما أمليناه في (مسائل الخلاف) فإن الكلام في ~~هذه المسألة مستقصى هناك. # المسألة السادسة والعشرون: # " تخليل اللحية واجب، كثيفة (4) كانت أو رقيقة " (*). # الصحيح عندنا: أن الأمرد وكل من لا شعر له على وجهه يجب عليه غسل # PageV00P113 # وجهه، وحد الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر الذقن طولا، وما دارت ~~السبابة والابهام والوسطى عرضا. # فمن كان ذا لحية كثيفة تغطي بشرة وجهه، فالواجب عليه غسل ما ظهر من بشرة ~~وجهه وما لا يظهر مما تغطيه اللحية لا يلزمه إيصال الماء إليه ويجزيه إجراء ms020 ~~الماء على اللحية من غير إيصاله إلى البشرة المستورة. # ووافقنا الشافعي في ذلك إلا في حد الوجه، فإنه حده في كتاب (الأم) بأنه ~~من قصاص شعر الرأس وأصول الأذنين إلى ما أقبل من الذقن واللحيين (1). # وحده المزني (2): بأنه من منابت شعر رأسه وأصول أذنيه، ومنتهى اللحية، ~~إلى ما أقبل من وجهه وذقنه (3). # وقال أبو حنيفة: يلزمه غسل ما ظهر من الوجه ومن اللحية ربعها (4). # وقال أبو يوسف: يلزمه إمرار الماء على ما ظهر من بشرة الوجه، فأما ما ~~غطاه الشعر فلا يلزمه إيصال الماء إليه، ولا إمراره على الشعر النابت عليه ~~(5). # PageV00P114 # وقال أبو ثور: يلزمه غسل بشرة الوجه، وإن كان الشعر قد غطاها (1). # وأشار المزني في بعض كتبه إلى هذا (2). # والذي يدل على أن تخليل اللحية الكثيفة وإيصال الماء إلى البشرة لا يلزم، ~~بل يكفي إجراء الماء على الشعر النابت، بعد إجماع الفرقة المحقة قوله ~~تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (3) والذي يواجه هو اللحية دون البشرة، لأن الشعر ~~قد غطاها، فبطلت المواجهة فيها. # وأيضا لا خلاف في أن الوجه اسم لما يقع المواجهة به، وإنما الخلاف وقع في ~~أنه هل كلما يواجه به وجه، أم لا؟ # وقد علمنا أن باطن اللحية وبشرة الوجه المستورة بالوجه ليس مما يواجه به، ~~فلا يلزم التخليل. # فأما الحجة على أبي حنيفة وأبي يوسف فهي قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) ~~ومن غسل بعض بشرة وجهه، وبعض ما على البشرة من شعر لحيته، لم يغسل جميع ~~وجهه، والآية تقتضي غسل جميع الوجه. # وأما الدليل على صحة حدنا في الوجه: فهو بعد الاجماع المقدم ذكره، أنه لا ~~خلاف في أن ما اعتبرناه في حدنا هو من الوجه ويجب غسله، وإنما الخلاف فيما ~~زاد عليه، ومن ادعى زيادة على المجمع عليه كان عليه الدليل. # . # PageV00P115 # المسألة السابعة والعشرون: # " غسل العذار (1) واجب بعد نبات اللحية كوجوبه قبل نباتها " (*). # هذا غير صحيح، والكلام فيه قد بيناه في تخليل اللحية، والكلام في ~~المسألتين واحد، لأنا قد بينا أن الشعر الكثيف إذا علا البشرة انتقل الفرض ms021 ~~إليه (2). # المسألة الثامنة والعشرون: # " يدخل المرفقان في الوضوء " (* *). # وهذا صحيح، وعندنا أن المرافق يجب غسلها مع اليدين، وهو قول جميع الفقهاء ~~إلا زفر بن الهذيل وحده. # وحكي عن أبي بكر بن داود الأصفهاني (3) مثل قول زفر في هذه المسألة (4). # PageV00P116 # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إجماع الفرقة المحقة. # وأيضا قوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) (5) ولفظة (إلى) قد تستعمل في ~~الغاية، وتستعمل أيضا بمعنى مع، وكلا الأمرين حقيقة. # قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) (6) أراد - بلا خلاف - ~~مع أموالكم. # وقال تعالى حاكيا عن عيسى عليه السلام: (من أنصاري إلى الله) (7) أراد مع ~~الله. # ويقول العرب: ولي فلان الكوفة إلى البصرة، وإنما يريدون مع البصرة من غير ~~التفات إلى الغاية. # ويقولون أيضا: فعل فلان كذا، وأقدم على كذا هذا إلى ما فعله من كذا وكذا، ~~وإنما يريدون مع ما فعله. # وبعد فإن لفظة (إلى) إذا احتملت الغاية، واحتملت أن تكون بمعنى مع، ~~فحملها على معنى مع أولى، لأنه أعم في الفائدة، وأدخل في الاحتياط لفرض ~~الطهارة. # وشبهة من أخرج المرافق من الوضوء أنه جعل (إلى) للغاية والحد، وظن أن ~~الحد لا يدخل في المحدود. # . # PageV00P117 # وهذا ليس بصحيح، لأنا قد بينا أن لفظة (إلى) مشتركة بين الغاية وغيرها، ~~ولو حملت على الغاية لكان دخول المرافق واجبا، لأنه أولى في باب الاستظهار ~~للفرض والاحتياط له، ولأن الحدث قد حصل يقينا فلا يجوز إسقاطه بالشك، وإذا ~~كان دخول الغاية والحد وخروجهما مشكوكا فيه، وجب إدخال المرافق له مع الشك ~~وحصول اليقين. # المسألة التاسعة والعشرون: # " لا يجوز الغسل من المرفق إلى الكف " وعندنا: الصحيح خلاف ذلك، وأن ~~الابتداء من المرفقين إلى أطراف الأصابع. # ويكره استقبال الشعر والابتداء بالأصابع، وفي أصحابنا من أوجب ذلك وذهب ~~إلى أنه متى ابتدأ بالأصابع وانتهى إلى المرفقين لم يرتفع (1). # ومن عدا فقهاء الشيعة يجعل المتوضئ مخيرا بين الابتداء بالأصابع أو ~~المرفق، ولا يرى لأحد الأمرين مزية على الآخر. # دليلنا على صحة مذهبنا الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا ما روي عنه ms022 عليه السلام من أنه توضأ مرة مرة وقال: " هذا وضوء لا ~~يقبل الله الصلاة إلا به " (2) فلا يخلو من أن يكون ابتدأ بالمرافق أو ~~الأصابع، فإن كان ابتدأ # PageV00P118 # بالمرفق فهو الذي ذهبنا إليه، وإن كان بالأصابع فيجب أن يكون على موجب ~~ظاهر الخبر: أنه من ابتدأ بالمرفق لا يقبل صلاته، وأجمع الفقهاء على خلاف ~~ذلك، ولا اعتبار بمن تجدد خلافه في هذه المسألة فأوجب الابتداء بالأصابع، ~~لأن الاجماع سابق له، ولأنه بنى ذلك على أن (إلى) بمعنى الغاية والحد، وأن ~~الحد خارج عن المحدود وقد بينا (1) اشتراك هذه اللفظة. # المسألة الثلاثون: # " فرض المسح متعين بمقدم الرأس والهامة (2) إلى الناصية (*). # هذا صحيح وهو مذهبنا، وبعض الفقهاء يخالفون في ذلك، ويجوزون المسح مع ~~الاختيار على أي بعض كان من الرأس (3). # والدليل على صحة مذهبنا: الاجماع المقدم ذكره، وأيضا فلا خلاف بين ~~الفقهاء في أن من مسح على مقدم الرأس فقد أدى الفرض وأزال الحدث، وليس كذلك ~~من مسح مؤخر الرأس فما عليه الاجماع أولى. # وأيضا فإن الحدث متيقن، وإزالته بمتيقن أولى، ومن مسح على مقدم رأسه ~~أزاله بيقين وليس كذلك من يمسح غير هذا الموضع. # PageV00P119 # المسألة الحادية والثلاثون: # " المسح على الرجلين إلى الكعبين هو الفرض " (*). # وهذا صحيح، وعندنا أن الفرض في الرجل المسح دون الغسل، فمن غسل لم يجزه. # وقد روي القول بالمسح عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباس رحمه الله ~~وعكرمة (1)، وأنس، وأبي العالية (2) والشعبي (3)، وغيرهم (4). # وكان الحسن بن أبي الحسن البصري يقول بالتخيير بين المسح والغسل، وهو ~~مذهب محمد بن جرير الطبري (5) وأبي علي الجبائي (6) (7). # PageV00P120 # وقال من عدا من ذكرناه من الفقهاء: إن الفرض هو الغسل دون المسح (8). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ~~إلى الكعبين) (9). # وأوجب على الوجوه - بظاهر اللفظ - الغسل، ثم عطف الأيدي على الوجوه، ~~وأوجب لها بالعطف مثل حكمها فصار كأنه قال: واغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم. # ثم أوجب ms023 مسح الرؤوس - بصريح اللفظ - كما أوجب غسل الوجوه كذلك، ثم عطف ~~الأرجل على الرؤوس، فوجب أن يكون لها في المسح مثل حكمها بمقتضى العطف، ولو ~~جاز أن يخالف في الحكم المذكور الرؤوس الأرجل، جاز أن يخالف # PageV00P121 # حكم الأيدي في الغسل الوجوه. # وروى أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه توضأ ومسح على قدميه ونعليه (1). # وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح على ~~رجليه (2). # وروي عنه أيضا أنه قال: " إن في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل ~~" (3) وقد روي مثل ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " ما نزل ~~القرآن إلا بالمسح " (4) وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: غسلتان ومسحتان ~~(5) وهذه الأخبار التي ذكرناها مما رواها مخالفونا من الفقهاء وسطروها في ~~كتبهم، فليس لهم أن يقولوا: إنا ما نعرفها. # فأما ما نختص بروايته في وجوب مسح الرجلين فهو أكثر من السيل والليل، ومن ~~أن تحصى كثرة (6). # وليس لأحد أن يحمل خفض الرؤوس على المجاورة، كما قالوا: جحر ضب . # PageV00P122 # خرب، لأن ذلك باطل من وجوه: # أولها: أنه لا خلاف بين أهل اللغة في أن الإعراب بالمجاورة شاذ نادر لا ~~يقاس عليه، وإنما ورد في مواضع لا يتعدى إلى غيرها، وما هذه صورته لا يجوز ~~أن يحمل كتاب الله تعالى عليه. # وثانيها: أن كل موضع أعرب بالمجاورة مفقود فيه حرف العطف الذي تضمنته ~~الآية، ولا مجاورة مع حرف العطف لأنه حائل بين الكلامين، مانع من تجاورهما، ~~ألا ترى أنه لما أن أعربوا جحر ضب خرب بالمجاورة كان اللفظان متجاورين ~~متقاربين من غير حائل بينهما. # وكذلك قول الشاعر: # .... كبير أناس في بجاد مزمل (1) لأن المزمل من صفات الكبير لا البجاد، ~~فلما جروه بالمجاورة كان اللفظان متجاورين بلا حائل من العطف وثالثها: أن ~~الاعراب بالجوار إنما يستحسن بحيث ترتفع الشبهة في المعنى، ألا ترى أن ~~الشبهة زائلة في كون خرب من صفات الضب، وأنه من ms024 صفات الجحر. # وكذلك لا شبهة في أن الوصف بمزمل راجع إلى الكبير لا إلى البجاد، وليس ~~هكذا الآية، لأن الأرجل يصح أن يكون فرضها المسح، كما يصح أن يكون الغسل، ~~والشك واقع فلا يجوز إعرابها بالمجاورة مع وقوع اللبس والشبهة. # فإن قيل: كيف اعتمدتم على القراءة بالجر في الأرجل، وقد قرئت بالنصب، ~~والنصب موجب لغسل الأرجل؟ # قلنا: القراءة بالنصب أيضا يقتضي المسح، لأن موضع الرؤوس في العربية . # PageV00P123 # موضع نصب بوقوع الفعل الذي هو المسح، وإنما جرت الرؤوس بالباء الزائدة، ~~وعلى هذا لا ينكر أن يعطف الأرجل على موضع الرؤوس لا لفظها فينتصب، وإن كان ~~الفرض فيها المسح كما كان في الرؤوس، والعطف على الموضع جائز مشهور عند أهل ~~العربية. # ألا ترى أنهم يقولون لست بقائم ولا قاعدا، فينصبون قاعدا على موضع قائم ~~لا لفظه. # وكذلك يقولون: حشيت بصدره وصدر زيد. وأن زيدا في الدار وعمرو، فرفع عمرو ~~على الموضع، لأن أن وما عملت فيه في موضع رفع. # ومثله قوله تعالى: (ومن يضلل الله فلا هادي له ويذرهم) (1) بالجزم على ~~موضع فلا هادي له لأنه موضع جزم. # قال الشاعر: # معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا (2) فنصب الحديد على ~~الموضع. # وقال الآخر: # هل أنت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد رب أخا عون بن مخراق (*) وإنما نصب ~~عبد رب، لأن من حق الكلام: هل أنت باعث دينارا، فحمل على الموضع لا اللفظ. # PageV00P124 # وهذه المسألة أيضا مما استقصيناه واستوفينا الكلام فيه في مسائل الخلاف، ~~فمن أراد بلوغ الغاية في معنى هذه الآية رجع إلى الموضع الذي ذكرناه. # المسألة الثانية والثلاثون: # " الدلك شرط في صحة الوضوء " (*). # عندنا: أن إمرار اليد على الجسد في غسل الجنابة غير واجب وكذلك في ~~الوضوء، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، والشافعي (1). # وقال مالك: لا يجزيه حتى يدلك ما يغسله ويمر يده عليه، وهو مذهب الزيدية ~~(2). # دليلنا بعد اجماع الفرقة المحقة قوله تعالى: (حتى تغتسلوا) (3). # وقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (4). # ولا شبهة في أنه يسمى مغتسلا وإن لم ms025 يدلك بدنه ويمر يده عليه. # وقوله عليه السلام: " أما أنا فأفيض على رأسي، وسائر بدني، فإذا فعلت ذلك ~~فقد # PageV00P125 # طهرت " (1). # فبين وقوع الكفاية والطهارة بهذا الغسل دون إمرار اليد. # وقوله عليه السلام لأم سلمة: " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ~~من ماء، ثم تفيضي الماء عليك، فإذا أنت فقد طهرت " (2) وقوله عليه السلام: ~~" إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك " (3). # ومن اغتسل ولم يمر يده، قد أمس الماء جلده. # المسألة الثالثة والثلاثون: # " التوالي واجب في أحد الوجهين " (*). # عندنا: أن الموالاة واجبة بين الوضوء، ولا يجوز التفريق، ومن فرق بين ~~الوضوء بقدر (4) ما يجف معه غسل العضو الذي انتهى إليه، وقطع الموالاة منه ~~في الهواء المعتدل وجب عليه إعادة الوضوء، وهو القول المتقدم للشافعي، وبه ~~قال الأوزاعي في بعض الروايات، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن حنبل (5). # PageV00P126 # وقال مالك، وابن أبي ليلى، والليث بن سعد: من فرق متعمدا وجب عليه أن ~~يستأنف وإن فرق لعذر جاز أن يبني عليه (1). # والتفريق المتعمد عنده: أن يغسل وجهه ولا يغسل يديه، مع وجود الماء ~~وتمكنه منه، حتى يجف الماء على وجهه والتفريق بالعذر أن ينقلب الماء، أو ~~يجد منه دون الكفاية، فيتشاغل بطلب الكفاية. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز تفريق الوضوء، وهو مذهب سعيد بن المسيب ~~(2)، وعطاء (3)، والحسن، والثوري، وداود، وبه قال الشافعي في الجديد، وروي ~~أيضا عن الأوزاعي (4). # دليلنا على وجوب الموالاة بعد الاجماع المتكرر ذكره، ما روي عنه عليه ~~السلام من # PageV00P127 # أنه توضأ مرة مرة وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (1) فلا ~~يخلو من أن يكون عليه السلام والى بين الوضوء أو لم يوال، فإن لم يكن والى ~~أدى ذلك إلى أن الوضوء مع الموالاة لا تقبل الصلاة به، وهذا خلاف الاجماع، ~~فثبت أنه عليه السلام والى وبين أن خلافه لا يجوز. # وروى أبو داود (2) في كتاب السنن عنه عليه السلام أنه رأى رجلا توضأ، وفي ~~قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره عليه السلام بأن يعيد الوضوء ms026 ~~والصلاة (3). # ومن قال إن الأمر على الفور وهو الظاهر في الشريعة يمكن أن يستدل بالآية ~~(4) على وجوب الموالاة وأنه بعد غسل وجهه مأمور على الفور بغسل يديه، وكذلك ~~باقي الأعضاء. # . # PageV00P128 # المسألة الرابعة والثلاثون: # " لا يجوز المسح على الخفين (*) مع القدرة على غسل الرجلين، ومن مسح ~~مقلدا أو مجتهدا ثم وقف على خطائه وجب عليه إعادة الصلاة ". # هذا صحيح، ولا يجوز عندنا المسح على الخفين، ولا الجوربين، ولا ~~الجرموقين، في سفر ولا حضر مع الاختيار، وقد وافقنا في ذلك جماعة من السلف ~~منهم صحابة وتابعون (1). # واختلفت الرواية عن مالك، فروى ابن القسم (2) عنه أنه ضعف المسح على ~~الخفين، وحكى ابن المنذر (3) عن بعض أصحاب مالك: أن الذي استقر عليه مذهب ~~مالك أنه لا يجوز المسح على الخفين. وقد روي عنه جوازه، إلا أنه لم يحد في ~~ذلك حدا كما حد غيره من الفقهاء وسوى بين المقيم والمسافر (4). # PageV00P129 # وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وابن حي، والشافعي، وداود: ~~بالمسح على الخفين (1). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر قوله تعالى: (وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (2). # فأوجب تعالى ايقاع المسح على ما هو رجل على الحقيقة وقد علمنا أن الخف لا ~~يسمى رجلا في لغة ولا شرع ولا عرف، كما أن العمامة لا تسمى رأسا والبرقع لا ~~يسمى وجها. # وليس لهم أن يعترضوا بقول القائل: وطأت كذا برجلي وإن كان لابسا للخف، ~~لأن ذلك مجاز واتساع بلا خلاف، والمجاز لا يحمل عليه الكتاب إلا بدليل ~~قاهر. # ويدل على ذلك أيضا ما روي عنه عليه السلام من أنه توضأ مرة مرة وقال: " ~~هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (3). # ولا خلاف أنه أوقع الفعل في تلك الحال على الرجل دون الخفين، فوجب مطابقة ~~الخبر ولا يجوز إيقاعه على غيرهما. # وليس لأحد أن يدعي في الآية وهذا الخبر جميعا: أنهما إنما يتناولان من ~~كان ظاهر الرجل دون لابس الخف، لأن ذلك تخصيص العموم بغير دليل. # ويدل على ذلك أيضا ما روي عن ms027 أمير المؤمنين عليه السلام من أنه قال: " ~~نسخ # PageV00P130 # الكتاب المسح على الخفين " (1). # ورواية أخرى: " ما أبالي أمسحت على الخفين أو على ظهر عير بالفلاة " (2). # ولم نر أحدا من الصحابة خالفه في ذلك، أو اعترض قوله بإنكار مع ظهوره. # وروي عن ابن عباس أنه قال: سبق كتاب الله المسح على الخفين (3)، ولم ينكر ~~ذلك عليه أحد. # وروي عن عائشة (4) أنها قالت: لأن تقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن ~~أمسح على الخفين (5)، ولم نعرف رادا لقولها أو منكرا عليها. # فأما الأخبار التي رووها من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح على ~~خفيه، وأباح المسح على الخفين (6) فلا يعارض ظاهر الكتاب، لأن نسخ الكتاب ~~أو تخصيصه بها - ولا بد من أحدهما - غير جائز. # ولنا أيضا على سبيل الاستظهار أن نتقبلها ونحملها على ظاهر الضرورة، إما ~~لبرد شديد يخاف منه على النفس أو الأعضاء أو لعدو مرهق، والضرورة تبيح ذلك ~~عندنا. # . # PageV00P131 # وهذه المسألة أيضا مما استقصيناه في (مسائل الخلاف) فمن أراد استيفاءها ~~أصابه هناك. # فأما من مسح مقلدا أو مجتهدا إذا وقف على خطئه بعد ذلك، فلا شبهة في أنه ~~يجب عليه إعادة الصلاة لأنه ما أدى الفرض لأن الله تعالى أوجب عليه تطهير ~~رجليه فطهر غيرهما. # المسألة الخامسة والثلاثون: # " النوم بمجرده حدث (*)، ولا يعتبر أحوال النائم ". # وهذا صحيح، وعندنا أن النوم الغالب على العقل والتمييز ينقض الوضوء، على ~~اختلاف حالات النائم من قيام وقعود وركوع وسجود، ووافقنا على ذلك المزني ~~(1). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء من النوم إلا على من نام مضطجعا أو ~~متوكئا فأما من نام قائما، أو راكعا، أو ساجدا، أو قاعدا، سواء كان في ~~الصلاة أو غيرها فلا وضوء عليه (2). # PageV00P132 # وروي عن أبي يوسف: إن تعمد النوم في السجود فعليه الوضوء (1). # وقال ابن حي، والثوري: لا وضوء إلا على من نام مضطجعا، وهو مذهب داود ~~(2). # وقال مالك: من نام ساجدا أو مضطجعا يتوضأ، ومن نام جالسا فلا وضوء عليه ~~إلا أن يطول، فيفرق في القاعد بين ms028 القليل من النوم والكثير، وهو مذهب ابن ~~حنبل (3). # وقال الليث: إذا تصنع النوم جالسا فعليه الوضوء، ولا وضوء على القائم ~~والجالس إذا غلبهما النوم (4). # وقال الشافعي: من نام في غير حال القعود وجب عليه الوضوء، فأما من نام ~~قاعدا فإن كان زائلا غير مستوي الجلوس لزمه الوضوء، وإن كان متمكنا من ~~الأرض، فلا وضوء عليه (5). # وروي عن الأوزاعي أنه قال (6): لا وضوء من النوم، فمن توضأ منه ففضل أخذ ~~به، وإن تركه فلا حرج. ولم يذكر عنه الفصل بين أحوال النائم (7). # وقد حكي عن قوم من السلف نفي الوضوء من النوم، كأبي موسى الأشعري (8)، ~~وعمرو بن دينار (9)، وحميد الأعرج (10) (11). # PageV00P133 # ومتى دللنا على وجوب الوضوء من الاستغمار (12) في النوم على طريق العموم، ~~فقد رددنا على جميع المخالفين في هذه المسألة. # دليلنا على ذلك: الاجماع المتقدم ذكره، وقوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية (13). # وقد نقل أهل التفسير جميعا أن المراد بالآية: إذا قمتم من النوم (14)، ~~وأن الآية وردت على سبب معروف يقتضي تعلقها بالنوم فكأنه تعالى قال: إذا ~~قمتم إلى الصلاة من النوم فتوضأوا، وهذا يوجب الوضوء من النوم على الاطلاق. # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: " العينان ~~وكاء السه، فمن نام . # PageV00P134 # فليتوضأ " (1). # وفي خبر آخر: " العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء " ~~(2). # وأيضا ما رواه صفوان بن عسال المرادي (3) أنه قال: " كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ~~ولياليهن، ليس من الجنابة، لكن من بول، وغائط، ونوم " (4). # وظاهر هذه الأخبار تدل على وجوب الوضوء من كل نوم، من غير مراعاة لاختلاف ~~الأحوال. # وليس لأحد أن يصرف ذكر النوم في الأخبار التي ذكرناها إلى المعهود ~~المألوف، وهو نوم المضطجع دون القائم والراكع، ويدعي أن القائل إذا قال: ~~فلان قد نام، لا يعقل من اطلاقه إلا النوم المعتاد دون غيره، وذلك أن ~~الظاهر يقتضي عموم الكلام وتعلقه بكل من ms029 يتناول الاسم، وتعلقه بنوم دون نوم ~~تخصيص للعموم بلا دلالة. # وبعد: فغير مسلم أن القائل إذا قال: " نام فلان " أنه يفهم من إطلاقه ~~الاضطجاع، وإن فهم ذلك في بعض الأحوال فبقرينة هو دلالة. # على أنه لا خلاف بيننا وبين من راعى اختلاف الأحوال في النوم، أن . # PageV00P135 # قوله عليه السلام: " من نام فليتوضأ " (1) يتناول نوم المضطجع في كل وقت ~~من ليل أو نهار، ولا يختص بالأوقات المعهودة فيها النوم، حتى يدعي مدع أنه ~~يختص بليل أو بوسط نهار، لأن ما عدا ذلك من أوقات النهار ليس بمعهود فيه ~~النوم، فكما إنا نحمله على عموم الأوقات التي يقع فيها النوم، ولا يراعى ما ~~يعهد فيه النوم، فكذلك يحمل على جميع الأشكال والهيئات التي ينام النائم ~~عليها، ولا يراعى في ذلك عادة مألوفة. # وأيضا ما روته عائشة عنه عليه السلام أنه قال: " من استجمع نوما فعليه ~~الوضوء " (2). # وفي خبر آخر: " إذا استثقل أحدكم نوما فليتوضأ " (3). # وأما الأخبار التي رووها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفي الوضوء ~~من النوم (4)، فإنا نحملها - إذا تقبلناها - على نوم لا استثقال معه، وإنما ~~هو تهويم وسنة خفيفة، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة لنا وعلينا في ~~(مسائل الخلاف). # المسألة السادسة والثلاثون: # " فعل الكبيرة حدث (*) ". # هذا غير صحيح عندنا وعند جميع الفقهاء (5)، بلا خلاف في نفيه (6)، وعلى ~~هذا إجماع الفرقة المحقة، بل إجماع الأمة كلها، ومن تجدد خلافه في ذلك ~~فالاجماع قد # PageV00P136 # سبقه. # ولا ينقل أحد من الرواة أن فعل المعاصي في أيام النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أو في أيام الصحابة والتابعين حدث، وقد اختلفوا في كثير من الأحداث عد ~~حدثا في نفسه وأنه ينقض الطهر. # وبعد: فقد بينا أن ما تعم به البلوى ويتكرر حدوثه لا بد من إيراد بيان ~~حكمه موردا يقطع العذر ويثلج الصدر وعلى هذا عولنا في أن مس الذكر لا ينقض ~~الوضوء. # ولو كان فعل المعصية حدثا في نفسه لوجب أن يرد ذلك ورودا يقطع العذر، ~~ويوجب العلم، ويشترك ms030 فيه الخاص والعام، كما وجب في أمثاله. # على أن الأمة مجمعة على أن الأحداث كلها ما خرجت من البدن، ثم اختلفوا ~~فيما يخرج من السبيلين، فراعى قوم كونه معتادا، وفرق بينه وبين ما ليس ~~بمعتاد (1) ولا أحد منهم أثبت حدثا ينقض طهرا لا يخرج من البدن، ولا يعترض ~~على هذه الجملة النوم، والجنون، والاغماء، لأن ذلك كله إذا غلب على التمييز ~~لا يؤمن معه خروج الخارج من السبيلين، الذي هو الحدث، فجعلوا ما لا يؤمن ~~معه الحدث حدثا في نفسه والمعاصي خارجة عن هذه الجملة، فكيف يجعل أحداثا؟! # على أنه يلزم على هذا المذهب أن يكون من عصى باعتقاد مذهب فاسد لا يصح ~~وضوؤه ما دام مصرا على هذه المعصية، لأن الدليل قد دل على أن جنس الاعتقاد ~~لا يبقى وإنما يستمر كون المعتقد معتقدا باعتقادات يجددها في كل حال، وإذا ~~كان من ذكرناه يجدد في كل حال اعتقادات هي معاص وكبائر لم يصح له وضوء، ~~وهذا يوجب ألا تصح الصلاة ولا الوضوء ممن هذه حاله، وقد علم خلاف ذلك. # PageV00P137 # وأيضا فإن المصر على المعاصي هو الذي يجدد مع الذكر لها العزم على فعلها، ~~والعزم على المعصية معصية وهذا يوجب ألا يصح وضوء مصر على المعاصي ولا ~~صلاته، ولا أحد من الأمة يبلغ إلى هذه الحال. # المسألة السابعة والثلاثون: # " كل حركة كانت معصية نقضت الوضوء (*) ". # والكلام في هذه المسألة هو الكلام الذي تقدمها، فلا معنى لإعادته. # المسألة الثامنة والثلاثون: # " لا تزول طهارة متيقنة بحدث مشكوك (* *) ". # هذا صحيح، وعندنا أن الواجب البناء على الأصل، طهارة كان أو حدثا، فمن شك ~~في الوضوء وهو على يقين من الحدث، وجب عليه الوضوء، ومن شك في الحدث وهو ~~على يقين من الوضوء، بنى على الوضوء وكان على طهارته، وهو مذهب الثوري، ~~والأوزاعي، وابن حي، وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي (1). # وقال مالك: إن استولى الشك وكثر منه بنى على اليقين - مثل قولنا - فإن لم ~~يكن كذلك وشك في الحدث بعد يقينه بالوضوء، وجب أن يعيد الوضوء ms031 (2). # PageV00P138 # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتكرر ذكره. # وأيضا ما رواه عبد الله بن زيد الأنصاري (1) قال: شكي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم الرجل يخيل إليه الشئ وهو في الصلاة. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " لا ينفتل عن صلاته حتى يسمع صوتا، أو ~~يجد ريحا " (2). # وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا كان ~~أحدكم في المسجد، فوجد ريحا بين أليتيه فلا ينصرف، حتى يجد ريحا أو يسمع ~~صوتا " (3). # وفي خبر آخر: " إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة، فينفخ بين أليتيه ~~فيقول: أحدثت، أحدثت، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا " (4). # وكل هذه الأخبار توجب اطراح الشك والبناء على اليقين، ولم يفرق في جميعها ~~بين أن يعرض ذلك مرة أو مرارا. # وتعلقهم بقوله عليه السلام: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (*) ليس ~~بشئ، وهذا الخبر دليلنا في المسألة، لأن ما يريبه الشك، والذي لا يريبه هو ~~اليقين، فيجب أن يعمل على اليقين وهو الوضوء، ويطرح الشك. # PageV00P139 # المسألة التاسعة والثلاثون: # " خروج المني من غير شهوة لا يوجب الاغتسال " عندنا أن خروج المني يوجب ~~الاغتسال على جميع الوجوه واختلاف الأحوال، بشهوة ودفق أو بغير ذلك، وقبل ~~الغسل أو بعده، وسواء بال قبل ذلك أو لم يبل، وهو مذهب الشافعي (1). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: المني لا يوجب الاغتسال، إلا أن يخرج على وجه ~~الدفق والشهوة (2). # ثم اختلفوا فيمن جامع واغتسل، ثم خرج منه شئ، فقال أبو حنيفة ومحمد: # إن كان ذلك بعد البول فلا غسل عليه، وإن كان قبل البول فعليه الغسل (3). # وقال أبو يوسف: ليس عليه غسل بال أو لم يبل، إذا خرج بعد الدفقة الأولى، ~~وبه قال مالك (4). # دليلنا بعد الاجماع المتكرر ما روي عنه عليه السلام من قوله: " الماء من ~~الماء " (5). # وظاهر ذلك يقتضي إيجاب الغسل من الماء على اختلاف أحواله، واسم الماء ~~يتناول المني - عرفا وشرعا - في أنه حمل جميع الفقهاء هذا الخبر على أن ~~المراد ms032 به # PageV00P140 # المني. # وأيضا ما روي من أن أم سلمة قالت: يا رسول الله! إذا رأت المرأة الماء ~~تغتسل؟ فقال عليه السلام: " نعم إذا رأت الماء " (1)، ولم يفرق بين ~~الأحوال، فوجب أن يكون على عمومه. # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول: " إنما الغسل من الماء ~~الأكبر " (2) وأيضا فقد اتفقنا على أن النائم إذا خرج منه المني لزمه ~~الغسل، ذكر الاحتلام أو لم يذكره، وجائز أن يكون المني خرج في حال النوم من ~~غير شهوة، وهذا يدل على أن الاعتبار في وجوب الاغتسال إنما هو خروج المني. # المسألة الأربعون: # " التقاء الختانين يوجب الاغتسال وإن لم يكن معه إنزال (*) ". # هذا صحيح، وعندنا أن الختانين إذا التقيا وغابت الحشفة وجب الغسل، أنزل ~~أو لم ينزل، وهو مذهب جميع الفقهاء إلا داود فإنه اعتبر في وجوب الغسل ~~الإنزال (3). # PageV00P141 # والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم ما رواه الزهري، عن سهل ~~ابن سعد (1) أنه أخبره: أن أبي بن كعب (2) [قال:] (3) " رخص في بدو الإسلام ~~للمجامع أن يتوضأ، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالغسل (4) ~~". # وأيضا فقد كانت الصحابة اختلفت في هذا الباب، فقال جمهورهم بمثل ما ~~حكيناه من مذهبنا، وقالت الأنصار: الماء من الماء، فأرسلوا بأبي سعيد ~~الخدري (5) إلى عائشة فسألها، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " إذا التقى الختانان وغابت . # PageV00P142 # الحشفة وجب الغسل " فعلته أنا ورسول الله، فاغتسلنا (1). ورجعوا إلى ~~قولها. # وقال عمر (2): إن خالف أحد بعد هذا جعلته نكالا، وقال لزيد بن ثابت (3): ~~لو أفتيت بعد هذا بخلافه لأوجعتك (4). # وأيضا فإن التابعين أجمعوا بعد الاختلاف المتقدم من الصحابة على ما ~~كررناه، وسقط حكم الاختلاف المتقدم. والاجماع بعد الخلاف على أحد القولين ~~يزيل حكم الخلاف، ويصير القول إجماعا. # المسألة الإحدى والأربعون: # " الوضوء (*) قبل الغسل فرض، وبعده نفل ". # والصحيح عندنا خلاف ذلك، والذي نذهب إليه أنه يستباح بغسل الجنابة # PageV00P143 # الصلاة، وإن لم يجدد المغتسل وضوء، وهو مذهب جميع الفقهاء (1). # دليلنا على صحة قولنا بعد إجماع الفرقة ms033 المحقة قوله تعالى: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا ~~إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (2) فمنع الجنب من الصلاة، وجعل الاغتسال الحد ~~والغاية، فيجب لمن اغتسل أن تحل له الصلاة. # وأيضا ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله! إني ~~امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للغسل من الجنابة؟ فقال عليه السلام لها: " لا ~~بل يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي الماء عليك، فإذا أنت قد ~~طهرت " (3). # فأطلق القول بطهارتها عند إفاضة الماء، فدل على أنه يجوز لها استباحة ~~الصلاة، لأن من يجب عليه الوضوء لا يقال له أنه قد طهر على الاطلاق. # فإن تعلق من خالفنا في ذلك بأن الله تعالى أمر المحدث بالوضوء، بقوله: ~~(إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) إلى قوله: (وأرجلكم إلى الكعبين)، ثم أمر ~~الجنب بالغسل بقوله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (4) فمن كان محدثا جنبا وجب ~~عليه الأمران جميعا . قلنا له: أما الآيتان لا حجة لكم فيهما، لأن الله ~~تعالى لما قال: (إذا قمتم إلى الصلاة) لم يكن بد من إضمار (5) حدث يتعلق به ~~وجوب الوضوء، لأن الوضوء # PageV00P144 # لا يجب بالقيام إلى الصلاة ولا بإرادة القيام إليها. # وليس مخالفونا بأن يضمروا (وأنتم محدثون على كل حال) بأولى منا إذا ~~أضمرنا (وأنتم محدثون الحدث الذي لا ينضم إليه الجنابة)، لأن لفظ الظاهر لا ~~يقتضي قولهم ولا قولنا، وإنما يكون حجة لهم ولنا بالاضمار الذي ليس هو لفظ ~~الآية، فإذا لا حجة في ظاهرها لهم. وإذا قمنا مقامهم في الاضمار وهو (1) ~~دليلهم، سقط استدلالهم بها، على أن اضمارنا أولى من اضمارهم بالأدلة التي ~~تقدمت. # المسألة الثانية والأربعون " يجزي في الوضوء والغسل ما أصاب البدن من ~~الماء ولو مثل الدهن (*) ". # قد روى أصحابنا عن أئمتهم عليهم السلام مثل هذا اللفظ بعينه (2). # والذي يجب أن يعول عليه أن الله تعالى أمر في الجنابة بالاغتسال، وفي ~~الطهارة الصغرى بغسل الوجه واليدين، فيجب أن يفعل المتطهر من ms034 الجنابة ~~والمتوضي ما يسمى غسلا، ولا يقتصر على ما يسمى مسحا ولا يبلغ الغسل. # فأما الأخبار الواردة " بأنه يجزيك ولو مثل الدهن " (3)، فإنها محمولة ~~على # PageV00P145 # دهن يجري على العضو ويكثر عليه، حتى يسمى غسلا، ولا يجوز غير ذلك. # المسألة الثالثة والأربعون: # " ومن اغتسل من جنابة فيها إنزال قبل أن يبول، صح اغتساله وطهر في ~~الحالة، فإذا بال فعليه إعادة الاغتسال (*) ". # قد بينا (1) في مسألة خروج المني بشهوة وغير شهوة، وما يجب بيانه في هذا ~~الباب: بأن خروج المني يوجب الغسل قبل البول أو بعده، فإن لم يخرج المني ~~فلا غسل لأجل البول. # فإن كان المراد في هذه المسألة بقوله: إذا بال فعليه إعادة الغسل، لأنه ~~إذا بال بولا يخرج معه مني مشاهد فهو صحيح، وقد دللنا عليه. # وإن لم يرد ذلك فالكلام غير صحيح، لأن البول إذا لم يقترن بالمني فلا يجب ~~غسل، لأن البول لا يوجب الغسل، وإنما يوجبه خروج المني. # PageV00P146 # المسألة الرابعة والأربعون: # " غسل الاحرام واجب (*) في إحدى الروايتين وهو سنة في رواية أخرى (1) " ~~الصحيح عندي أن غسل الإحرام سنة، لكنها مؤكدة غاية التأكيد، فلهذا اشتبه ~~الأمر فيها على أكثر أصحابنا، واعتقدوا أن غسل الإحرام واجب (2) لقوة ما ~~ورد في تأكيده. # والذي يدل على أنه غير واجب أن الوجوب إنما يعلم شرعا، والأصل نفي ~~الوجوب، فمن ادعى ذلك فعليه الدليل، ولا دليل في ذلك يقطع العذر. # المسألة الخامسة والأربعون: # " غسل الاستحاضة التي تتميز أيام حيضها من طهرها لكل صلاتين فضل لا فرض ~~(* *) ". # الذي عندنا أن المستحاضة إذا احتشت بالقطن نظر، فإن لم يثقب الدم القطن، ~~ولم يظهر عليه، كان عليها تغيير ما تحتشي به عند كل صلاة، وتجدد الوضوء لكل ~~صلاة. # وإن ثقب الدم القطن ورشح عليه ولم يسل عنه، كان عليها تغييره عند كل ~~صلاة، وتغتسل لصلاة الفجر خاصة، وتصلي باقي الصلاة بوضوء تجدده عند كل ~~صلاة. # PageV00P147 # فإن ثقب الدم ما تحتشي به وسال، فعليها أن تصلي صلاة الليل والغداة بغسل، ~~والظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء الآخرة ms035 بغسل. # وقال الشافعي، والثوري في المستحاضة: أنها تتوضأ لكل صلاة فريضة (*). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: تتوضأ لوقت كل صلاة (1). # وقال مالك، والليث، وداود: ليس على المستحاضة وضوء، إلا أن مالكا يستحبه ~~(2). # فأما الذي يدل على صحة هذا الترتيب الذي رتبناه وحكيناه عن أصحابنا فهو ~~إجماع الفرقة المحقة عليه. # وأما الذي يبطل قول من أسقط الوضوء عنها، فهو ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش (3): اغسلي عنك الدم وتوضئي ~~لكل صلاة (4) فأمرها بالوضوء، وأمره عليه السلام على الوجوب. # وروى عدي بن ثابت (5)، عن أبيه، عن جده قال: " المستحاضة تتوضأ لكل # PageV00P148 # صلاة " (1) وهذه الأخبار تبطل خلاف مالك، وداود، وتبطل أيضا مذهب أبي ~~حنيفة، لأنه أمر فيها بالوضوء لكل صلاة والصلاة غير وقت الصلاة. # وأما الذي يبطل مذهب من يرى أن غسل المستحاضة فضل لا فرض فيه، فهو أنه ~~مأمور به، والأمر بظاهره يقتضي الوجوب، والقول بأنه فضل إخراج الأمر عن ~~ظاهره. # المسألة السادسة والأربعون: # " التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرسغين (*) ". # الصحيح من مذهبنا في التيمم: أنه ضربة واحدة للوجه وظاهر الكفين، وهو ~~مذهب أوزاعي، ومالك، وقول الشافعي القديم (2) إلا أن مالكا والشافعي لا ~~يقتصران على ظاهر الكف، بل على الظاهر والباطن فيما أظن، ولا يتجاوزان ~~الرسغ (3). # وذهب أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: إلى أنه ضربتان، ضربة للوجه # PageV00P149 # وضربة لليدين إلى المرفقين (1). # وذهب الزهري إلى أنه ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المناكب (2). # وقال الحسن بن حي، وابن أبي ليلى: أنه ضربتان، يمسح بكل واحدة منهما وجهه ~~ويديه (3). # فأما الذي يدل على صحة ما اخترناه من أنه ضربة: فهو الحديث المروي عن ~~عمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " التيمم ~~ضربة للوجه والكفين " (4). # وروي عنه أيضا أنه قال: أجنبت فتمعكت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بذلك. # فقال عليه السلام: " إنما يكفيك هذا "، وضرب بيديه على الأرض ضربة واحدة، ~~ثم نفضهما ومسح بهما وجهه وظاهر ms036 كفيه (5). # ويدل أيضا على ما ذكرناه: أنه لا خلاف فيما اخترناه أنه ضربة واحدة، ولا ~~بد منها على مذهب الكل، فمن ادعى ما زاد على الضربة فقد ادعى شرعا زائدا ~~وعليه الدليل، وليس في ذلك ما يقطع العذر ويوجب العلم. # . # PageV00P150 # وبهذا أيضا يحتج في الاقتصار على ظاهر الكفين، وقد استقصينا هذه المسألة ~~غاية الاستقصاء في مسائل الخلاف. # المسألة السابعة والأربعون: # " وتعميم الوجه واليدين واجب (*) ". # أن يكون التيمم عاما في العضوين وهو مبني على التخفيف؟. # هذا غير صحيح، وقد بيناه في المسألة التي قبل هذه ودللنا عليه، وكيف يجوز ~~ألا ترى أن الوضوء في أربعة أعضاء، والتيمم في عضوين، وما كان موضوعا على ~~التخفيف لا يساوي رتبة المغلظ، وقد أجمع أصحابنا على أن التيمم في الوجه ~~إنما هو من قصاص الشعر إلى طرف الأنف، وفي ظاهر الكفين دون باطنهما، ودون ~~ما يتجاوز ذلك (1). # المسألة الثامنة والأربعون: # " لا يجوز التيمم إلا بالصعيد الطيب، الذي يرتفع منه غبار وينبت فيه ~~الحشيش، ولا يكون سبخة (* *) ". # والذي يذهب إليه أصحابنا: أن التيمم لا يكون إلا بالتراب أو ما جرى مجرى ~~التراب مما لم يتغير تغيرا يسلبه اطلاق اسم الأرض عليه، ويجوز التيمم بغبار # PageV00P151 # الثوب وما أشبهه إذا كان ذلك الغبار من التراب أو ما يجري مجراه. # وقال الشافعي: التيمم بالتراب وما أشبهه من المدر والسبخ، ولم يجز التيمم ~~بالنورة والزرنيخ والجص (1). # وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالتراب، وكل ما كان من جنس الأرض، وأجازه ~~بالزرنيخ والكحل والنورة، وأجاز التيمم بغبار الثوب وما أشبهه (2). # وقال أبو يوسف: لا يجوز التيمم إلا بالتراب أو الرمل خاصة (3). # وأجاز مالك التيمم بكل ما أجازه أبو حنيفة، وزاد عليه بأن أجازه من الشجر ~~وما جرى مجراه (4). # دليلنا على صحة مذهبنا: الاجماع المتقدم ذكره، ونزيد عليه قوله تعالى: # (فتيمموا صعيدا طيبا) (5) والصعيد هو التراب. # وحكى ابن دريد (6) في كتاب (الجمهرة) عن أبي عبيدة معمر بن المثنى (7): ~~أن . # PageV00P152 # الصعيد هو التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ (8). # وقول أبي عبيدة حجة في اللغة. ms037 # والصعيد لا يخلو أن يراد به التراب أو نفس الأرض وقد حكي (9) أنه يطلق ~~عليها ويراد ما تصاعد على الأرض. # فإن كان الأول فقد تم ما أردناه، وإن كان الثاني لم يدخل فيه ما يذهب ~~إليه أبو حنيفة، لأن الكحل والزرنيخ لا يسمى أرضا بالاطلاق، كما لا يسمى ~~سائر المعادن من الذهب والفضة والحديد بأنه أرض. # وإن كان الصعيد ما يصاعد على الأرض (10)، لم يخل من أن يكون ما تصاعد ~~عليها ما هو منها وتسمى باسمها، أو لا يكون كذلك. # فإن كان الأول فقد دخل فيما ذكرناه، وإن كان الثاني فهو باطل، لأنه لو ~~تصاعد على الأرض شئ من التمر (11) والمعادن، أو مما هو خارج عن جوهر الأرض، ~~فإنه لا يسمى صعيدا بالاجماع. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها . # PageV00P153 # طهورا " (1). # وأيضا فقد علمنا أنه إذا تيمم بما ذكرناه استباح الصلاة بالاجماع، وإذا ~~تيمم بما ذكره المخالف لم يستبحها بإجماع وعلم، فيجب أن يكون الاحتياط ~~والاستظهار فيما ذكرناه. # ولك أيضا أن تقول أنه على يقين من الحدث، فلا يجوز أن يستبيح الصلاة إلا ~~بيقين، ولا يقين إلا بما ذكرناه دون ما ذكره المخالف. # المسألة التاسعة والأربعون: # " لا يجوز التيمم بتراب نجس، ولا مستعمل (*) ". # أما التراب النجس فلا خلاف في أن التيمم به لا يجوز، كما لا يجوز الوضوء ~~بالماء النجس. # وأما التراب المستعمل فيجوز التيمم به، كما يجوز الوضوء بالماء المستعمل، ~~وقد دللنا على ذلك فيما مضى، وإنما بنى من منع من التيمم بالتراب المستعمل ~~ذلك على المنع بالوضوء بالماء المستعمل، وقد دللنا على جواز الوضوء بالماء ~~المستعمل وأوضحناه. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه) (2) ولم يفرق بين أن يكون الصعيد مستعملا أو غير مستعمل. # PageV00P154 # المسألة الخمسون: # " استعمال (*) التراب في أعضاء التيمم شرط في صحة التيمم ". # وعندنا أن ذلك ليس بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة (1). # والشافعي يذهب إلى اعتبار تعلق التراب باليد ويقول: لا بد من ممسوح ms038 به ~~(2). # والدليل على صحة ما اخترناه أنه تعالى أمر بالتيمم بالصعيد الطيب ولم ~~يشترط فيه بقاء التراب على اليد، فيجب ألا يكون شرطا. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من أنه نفض يديه قبل أن يمسح بهما وجهه ~~ويديه (3). # وهذا يدل على أن بقاءه على اليد ليس بشرط. # وأيضا ليس يجوز تعلق التراب باليد من ذهب إلى الضربة الواحدة، لأنه معلوم ~~أنه إذا مسح وجهه لم يبق فيهما من التراب بعد ذلك ما يمسح به يديه. # وتعلق الشافعي في أنه لا بد من ممسوح به، بقوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه) (4) (5)، لأن " من " هنا مبني لابتداء الغاية وليست # PageV00P155 # للتبعيض، وعند جميع النحويين من البصريين أن " من " لا يكون إلا لابتداء ~~الغاية (1). # المسألة الحادية والخمسون: # " لا يجوز فعل الصلاة بالتيمم إلا في آخر وقتها (*) ". # هذا صحيح، وعندنا زيادة على ذلك: أن التيمم لا يجوز استعماله إلا في آخر ~~وقت الصلاة، وفي الحال التي يتعين فيه الفرض ويتضيق، ومن تيمم قبل ذلك لم ~~يجزه. # وجميع الفقهاء يخالفونا في هذه الجملة، إلا أن أبا حنيفة يستحب تأخيره ~~(2)، والشافعي يستحب تقديمه في أول الوقت، وقد روي عنه قول آخر وهو: ~~استحباب تأخيره كما يقول أبو حنيفة (3). # ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل دخول الوقت (4). # وقال الشافعي، ومالك: لا يجوز إلا بعد دخول وقت الصلاة (5). # PageV00P156 # دليلنا على صحة مذهبنا: اجماع الفرقة المحقة، وأيضا فإن التيمم إنما أبيح ~~للضرورة والحاجة، ولا يجوز استعماله قبل تحقق الضرورة وتأكيد الحاجة، ألا ~~ترى أن أكل الميتة لما أبيح (1) للضرورة، ولم يجز استعماله إلا عند ~~تأكيدها؟! # المسألة الثانية والخمسون: # " السعي في طلب الماء واجب (*) ". # وهذا صحيح، وطلب الماء واجب عندنا، ولا يجوز التيمم قبل الطلب، ووافقنا ~~على ذلك الشافعي (2). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: الطلب غير واجب (3). # دليلنا على صحة مذهبنا: اجماع الفرقة المحقة، وأيضا فإن تحقيق الكلام في ~~هذه المسألة وتقريره يقتضي الاجماع على أن الطلب واجب، وإنما يبقى الكلام ~~في كيفية الطلب، لأنا نقول لأصحاب أبي حنيفة: ms039 خبرونا عمن لم يجد ماء بحضرته ~~(4)، وكان بين يديه إناء مغطى الرأس يجوز أن يكون فيه ماء، أتوجبون عليه ~~كشفه ومعرفة ما فيه، أم لا توجبون ذلك؟. # فإن قالوا: لا يجب عليه كشف الإناء، وجائز له التيمم، لأنه غير واجد ~~الماء ولا عالم به. # PageV00P157 # قلنا لهم: هذا مما لا نظنكم ترتكبونه، ولا أحد من الأمة يجوزه، وقد صرح ~~أبو يوسف، ومحمد: بأن من لم يكن معه ماء يطمع في أن يعطيه رفيقه وجب عليه ~~سؤاله وطلب الماء منه، ولم يجز له التيمم إلا بعد أن ييأس ويمنعه الرفيق ~~(1)،. وهذا قول من لا يحسن (2) ما فرضناه وحققناه. # فإن فرقوا بين طلب الماء من الرفيق وبين كشف الإناء، بأن قالوا: هو متحقق ~~لوجود الماء مع الرفيق وليس يتحقق أن الماء في الإناء. # قلنا: لا فرق بين الأمرين، لأنه وإن تحقق وجود الماء مع الرفيق، فإنه لا ~~يتحقق بذله له وتسليمه إليه، وإنما يطمع في ذلك، ويجوز أن يفعل وألا يفعل ~~على سواء، وكذلك الإناء المغطى، لأنه يطمع في أن يكون فيه ما يجوزه وليس ~~بآيس منه، فيجب عليه طلبه منه. # فإن أوجبوا كشف الإناء المغطى وطلب الماء منه، فقد أوجبوا الطلب عند ~~الطمع في وجود الماء، وإنما يبقى كيفية الطلب وغايته وحده، وسقط الخلاف في ~~هذه المسألة. # المسألة الثالثة والخمسون: # " يصلي بتيمم واحد صلوات كثيرة ما لم يحدث أو يجد الماء في إحدى ~~الروايتين، ولا يصلي بتيمم واحد إلا فريضة واحدة في الرواية الأخرى (*) ". # عندنا: أن المتيمم يجوز له أن يصلي بتيمم واحد من الفرض والنوافل ما ~~يشاء، # PageV00P158 # ما لم يحدث أو يجد الماء وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والثوري (1). # وقال مالك: لا يصلي المتيمم بتيمم واحد صلاتي فرض، ولا يصلي فرضا ونافلة ~~إلا أن يكون الفرض قبل النافلة، وكان التيمم لصلاة الفجر عنده يلزمه أن ~~يعيد التيمم بين فرضين إذا صلى ركعتي النافلة (2). # وقال الشافعي: لا يجمع المتيمم بين فرضين ويصلي الفرض كله، والنافلة، ~~وصلاة الجنازة، بتيمم واحد (3). # وقال شريك (4): يتيمم ms040 لكل صلاة (5). # الدليل على صحة مذهبنا: الآية (6)، فإنه تعالى أوجب الطهارة على القائم ~~إلى الصلاة إذا وجد الماء، ثم عطف عليه بالتيمم عند فقد الماء، والصلاة اسم ~~جنس، فكأنه قال: إن الطهارة بالماء إذا وجدتموه يجزيكم لجنس الصلاة، وإذا ~~فقدتموه أجزأكم التيمم لجنسها. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " التراب طهور المسلم ما لم يجد ~~الماء " (7). # . # PageV00P159 # وقوله عليه السلام لأبي ذر رضي الله عنه: " التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ~~" (1). # وظاهر هذين الخبرين يدل على قيام التيمم مقام الطهارة بالماء، وأنه ~~يستباح به ما يستباح بها. # المسألة الرابعة والخمسون: # " فإن وجد الماء بعد ما فرغ من صلاته، وهو في بقية من وقتها، وجب عليه ~~إعادتها (2)، (*) فإن وجده بعد مضي وقتها فلا إعادة عليه (* *) ". # وهذا الفرع لا يشبه أصل من ذهب إلى أن الصلاة بالتيمم لا يجوز إلا في آخر ~~الوقت، وإنما يجوز أن يفرع هذا الفرع من يجوز الصلاة في وسط الوقت، أو قبل ~~تضييق الوقت. # وقد بينا أن ذلك لا يجوز، فلا معنى لهذا الفرع على مذهبنا، ومذهب من ~~وافقنا في أن الصلاة لا تجوز إلا في آخر الوقت على ما اختير (3) وحكي في ~~هذه المسألة. # PageV00P160 # المسألة الخامسة والخمسون: # " ومن لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا، وجب عليه أن يصلي بغير طهارة (*)، فإن ~~وجد الماء والتراب بعد مضي وقتها، فلا إعادة عليه ". # وليس لأصحابنا في هذه المسألة نص صريح، ويقوى في نفسي أنه إذا لم يجد ماء ~~ولا ترابا نظيفا فإن الصلاة لا تجب عليه، وإذا تمكن من الماء أو من التراب ~~النظيف قضى الصلاة وإن كان الوقت قد خرج، وهو مذهب أبي حنيفة، وفي بعض ~~الروايات عن محمد (1)، وفي رواية أخرى عنه: أنه يصلي ويعيد (2). # وقال الشافعي، وأبو يوسف: يصلي بغير طهارة ثم يقضي (3). # الدليل على صحة ما اخترناه: قوله تعالى: (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (4) فمنع من ~~فعل الصلاة مع الجنابة إلا بعد الاغتسال. ms041 # وأيضا قوله عليه السلام: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " (5). # والطهور هو الماء عند وجوده، والتراب عند فقده، وقد عدمهما جميعا فوجب # PageV00P161 # أن لا تكون له صلاة. # وليس للمخالف أن يتعلق بقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس (1) إلى (2) ~~قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) (*) لأنه تعالى إنما أمرنا (3) ~~بإقامة الصلاة، وهذه ليست بصلاة لأنها بغير طهارة ولا يتناولها الاسم. # المسألة السادسة والخمسون: # " فإن وجد ماء يكفيه لوجهه ويده غسلهما، ولا تيمم (4) عليه (* *) ". # هذا قول واقف، لأن من وجد من الماء ما يكفيه لوجهه ويده فغسلهما، كيف ~~يستبيح (* * *) الصلاة وهو ما أكمل الطهارة بالماء، التي هي في أربعة أعضاء ~~ولا # PageV00P162 # تيمم؟! # وإنما اختلف الفقهاء فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لجميع أعضائه، فعندنا ~~أن من كانت هذه حاله يجب عليه التيمم، ولا يستعمل الماء الذي لا يكفيه، وهو ~~مذهب أبي حنيفة وأصحابه، والمزني (1). # وقال الشافعي: يستعمل الماء فيما يكفيه من أعضائه ويتيمم (2)، فكأنه يوجب ~~الجمع بين التيمم وبين ما يكفي من الماء لغسله من أعضائه. # ولم يقل أحد إنه إن وجد من الماء ما يكفيه لبعض الأعضاء استعمله فيها ولم ~~يتيمم، والاجماع سابق لهذا القول الحادث. # فأما الدليل على صحة قولنا في المسألة التي حكيناها فهو الآية (3)، وأنه ~~تعالى أوجب التيمم عند عدم الماء، وإنما عنى بقوله الماء الكافي لها لا ~~محالة، فصار وجود ما لا يكفي كعدمه. # ألا ترى أنه إذا وجد ما يخاف العطش إن استعمله في وضوئه، وجب عليه ~~التيمم، من حيث كان ما معه من الماء ما وجوده كعدمه في أن الطهارة ما فرضت ~~عليه. # . # PageV00P163 # المسألة السابعة والخمسون: # " ولو أجنب رجل في شدة البرد، وخشي من الاغتسال ولم يخش من الوضوء، توضأ ~~وصلى ولا تيمم (1) عليه " (*) ء. # وهذا أيضا غير صحيح، وهو خلاف إجماع الفقهاء، لأنه متى خشي في الاغتسال ~~على نفسه يجب عليه التيمم الذي هو فرضه عند زوال فرض الطهارة بالماء. # والوضوء في الأعضاء الأربعة لا يزيل حدث الجنابة، ولا يقوم مقام ~~الاغتسال، فكيف ms042 تستباح الصلاة مع حدث الجنابة؟! وهذا مما لا شبهة في مثله. # المسألة الثامنة والخمسون: # " أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره غير مقدر (* *) في إحدى الروايتين، ~~ويعتبر صفات الدم، وفي الرواية الأخرى أكثره عشرة أيام ". # عندنا: أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وبه قال أبو حنيفة # PageV00P164 # وأصحابه، والثوري (1). # وقال الشافعي، والأوزاعي: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما (2). # وحكى الطحاوي عن مالك: أنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، وهو مذهب داود ~~(3). # وروى غير الطحاوي عن مالك، أنه كان لا يجعل لأقله حدا، ويجعل الحد في ~~أكثره خمسة عشر يوما (4). # دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا ما رواه القاسم بن محمد (5) عن أبي ~~أمامة (6) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أقل الحيض ثلاثة ~~أيام، وأكثره عشرة أيام " (*). # وهذا نص صريح في موضع الخلاف. # PageV00P165 # وروى أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أقل ~~الحيض يكون ثلاثا وأربعا وخمسا ولا يجاوز عشرا (1). # وأيضا فإن المقادير التي تتعلق بحقوق الله تعالى لا تعلم إلا من جهة ~~التوقيف والاجماع، مثل المقادير، والحدود، وركعات الصلاة وقد علمنا أن من ~~الثلاثة إلى العشرة متيقن على أنه حيض، وما نقص عن الثلاثة وزاد على العشرة ~~مختلف فيه، فلا يثبت إلا من طريق التوقيف. # وأيضا فإن هذه الأمور العامة البلوى بها دائمة للنساء، فلو كان ما دون ~~الثلاثة وفوق العشرة حيضا لنقل نقلا متواترا يوجب العلم، كما وردت أمثاله. # المسألة التاسعة والخمسون: # " أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام " (*). # هذا صحيح وإليه نذهب. # وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والشافعي، وابن حي: إن أقل الطهر خمسة ~~عشر يوما (2). # وأما مالك ففي إحدى الروايات عنه أنه لم يوقت (3)، وفي رواية عبد الملك ~~بن # PageV00P166 # حبيب (1) عنه: أن الطهر لا يكون أقل من عشرة أيام (2). # وعند الأوزاعي يكون الطهر أقل من خمسة عشر يوما، ويرجع فيه إلى مقدار طهر ~~المرأة قبل ذلك (3). # وحكي عن الشافعي أنه قال: إن علم أن طهر المرأة أقل من خمسة عشر ms043 يوما جعل ~~القول قولها (4). # وحكى ابن أبي عمران (5)، عن يحيى بن أكثم (6): أن أقل الطهر تسعة عشر ~~يوما، واحتج بأن الله تعالى جعل عدد كل حيضة وطهر شهرا، والحيض في العادة ~~أقل من الطهر، فلم يجز أن يكون الحيض أقل من خمسة عشر يوما، فوجب أن يكون ~~حيضا وباقي الشهر طهرا وهو تسعة عشر يوما، لأن الشهر يكون تسعة . # PageV00P167 # وعشرين يوما (1). # والذي يدل على صحة مذهبا: إجماع الفرقة المحقة، وأيضا فلا خلاف في أن ~~عشرة أيام طهر، وإنما الخلاف فيما زاد على ذلك، فمن ادعى زيادة على المتفق ~~عليه وجب عليه دليل قاطع للعذر، موجب للعلم، وليس يجد المخالف ما هذه صفته. # المسألة الستون: # " الصفرة إذا رؤيت قبل الدم الأسود فليست بحيضة، وإن رؤيت بعده فهي حيضة ~~(*) (2)، وكذلك الكدرة ". # عندنا: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وليستا في أيام الطهر حيضا ~~من غير اعتبار لتقديم الدم الأسود وتأخره، وهو مذهب أبي حنيفة، ومحمد، ~~ومالك، والشافعي، والليث، وعبد الله بن الحسن (3) (4). # وقال أبو يوسف: لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد أن يتقدمها الدم (5). # PageV00P168 # وذهب بعض أصحاب داود: إلى أن الصفرة والكدرة ليستا بحيض على وجه (1). # دليلنا بعد الاجماع المتقدم: ما روي عن عائشة أنها قالت: كنا نعد الصفرة ~~والكدرة في أيام الحيض حيضا ". (2) والظاهر أنها لا تقول ذلك من قبل نفسها، ~~بل بتوقف منه عليه السلام. # وروي عنها: أنها ما كانت تصلي حتى ترى البياض خالصا (3). # ومعنى ذلك: حتى ترى الخرقة بيضاء، ليس فيها صفرة ولا كدرة. # وروي عن أسماء (4) مثل ذلك (5). # وروي عن أبي هريرة أنه قال: " أول الحيض أسود، ثم رقيق، ثم صديد، ثم أصفر ~~(6)، فجعل الصفرة من جملة الحيض ". # المسألة الإحدى والستون: # " الحيض لا يكون مع الحمل (*) (7) ". # عندنا: أن الحامل قد يكون معها الحيض كالحائل، وهو مذهب مالك، والليث، # PageV00P169 # والشافعي (1). # وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وابن حي، وعبد الله بن ~~الحسن: إن الحامل لا تحيض (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: إجماع الفرقة المحقة المتقدم ذكره. ms044 # وأيضا قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (3) ولفظ النساء عام في ~~الحوامل وغير الحوامل، فلو لم يكن الحيض مما يجوز أن يكون من جميع النساء، ~~ما علق هذا الوصف على اسم النساء، وفي تعليقه عليه دلالة على أنه مما يجوز ~~أن يكون من جميع النساء. # وأيضا قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش: " إذا كان دم الحيض أسود ~~فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي " (4) ولم يفرق بين أن تكون ~~حائلا أو حاملا. # PageV00P170 # المسألة الثانية والستون: # " المستحاضة تجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد، وبين العشاءين بوضوء ~~واحد، ويرتفع حيضها بدخول وقت الصلاة (*) ". # والكلام في هذه المسألة قد بيناه وفرغناه في مسألة تقدمت هذا الموضع (1)، ~~وبينا الموضع الذي يجب فيه على المستحاضة الوضوء لكل صلاة، والموضع الذي ~~يجب عليها فيه الغسل في كل يوم، وأوضحناه ولا معنى لإعادته. # المسألة الثالثة والستون: # " أقل النفاس ليس بمقدر، وأكثره أربعون يوما، ولو انقطع دمها عقيب ~~الولادة، واستمر الانقطاع إلى قبل الأربعين بيوم أو يومين، ثم رأت الدم، ~~كان الدم الثاني نفاسا كالأول (* *) ". # عندنا أن الحد في نفاس المرأة أيام حيضها التي تعهدها، وروي: أنها تستظهر # PageV00P171 # بيوم أو يومين، وروي في أكثره ثمانية عشر يوما (1). # وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والليث: أكثر النفاس أربعون يوما (2). # وقال الأوزاعي: نعتبرها بنساء أمهاتها وأخواتها وإن لم يكن لها نساء ~~فأكثره أربعون يوما (3). # وقال مالك، وعبد الله بن الحسن، والشافعي: أكثره ستون يوما (4). # ثم رجع مالك عن هذا، وقال يسأل الناس عنه وأهل المعرفة (5). # وحكى الليث: أن من الناس من يقول: سبعون يوما (6). # وحكي عن الحسن أيضا أنه قال: أكثر النفاس خمسون يوما (7). # فأما أقل النفاس عندنا فانقطاع الدم. # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا فإن الاتفاق حاصل على أن الأيام التي تقر بأنها النفاس يلحقها حكم ~~النفاس، ولم يحصل فيما زاد على ذلك اتفاق ولا دليل، والقياس لا يصح إثبات ~~المقادير به، فيجب صحة ما اعتمدناه. # PageV00P172 # وأيضا ولك أن تقول: إن المرأة داخلة ms045 في عموم الأمر بالصلاة والصوم، وإنما ~~يخرجها في الأيام التي حددناها الاجماع، ولا اجماع ولا دليل فيما زاد على ~~ذلك، فيجب دخولها تحت عموم الأوامر، ولو لم يكن مذهبنا إلا أن فيه استظهارا ~~للفرض والاحتياط له وأخبارهم بخلاف ذلك لكفى. # المسألة الرابعة والستون: # " ولو ولدت توأمين كان النفاس من مولد (1) الآخر منهما (*) ". # لست أعرف لأصحابنا نصا صريحا في هذه المسألة، والذي يقوى في نفسي أن ~~النفاس يكون من مولد الأول. # وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، بمثل ذلك (2). # وقال محمد، وزفر: من مولد الآخر (3). # الدليل على صحة ما قويناه: أن النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة، ~~بدلالة أنها لو رأت الدم قبل الولادة لم يكن نفاسا، ولو رأته بعد الولادة ~~ولم يبق في بطنها ولد كان نفاسا، فعلم أن دم النفاس هو دم خارج عقيب ~~الولادة، وقد وجد دم على هذه الصفة، فوجب أن يكون نفاسا، ولا يمنع كون أحد ~~الولدين باقيا في بطنها من # PageV00P173 # أن يكون نفاسا. # وأيضا لا يختلف أهل اللغة في أن المرأة إذا ولدت، وخرج الدم عقيب ~~الولادة، فإنه يقال: قد نفست، ولا يعتبرون بقاء ولد في بطنها، ويسمون الولد ~~منفوسا. # قال الشاعر: # إذا نفس المنفوس من آل خالد * بدا كرم للناظرين مبين فسمى الولد منفوسا، ~~ومحال أن يكون الولد منفوسا إلا والأم نفساء، والدم نفسه يسمى (1) نفسا ألا ~~ترى أنهم يقولون: كلما له نفس سائلة فحكمه كذا وكذا، يعنون به كلما له دم ~~سائل، وإذا كان الدم وقع عليه اسم النفس وجب أن يكون خروجه عقيب الولادة ~~نفاسا على كل حال. # . # PageV00P174 # كتاب الصلاة PageV00P175 # المسألة الخامسة والستون: # " الأذان فرض على الكفاية (*) ". # وقد اختلف قول أصحابنا في الأذان والإقامة، فقال قوم: إن الأذان والإقامة ~~من السنن المؤكدة في جميع الصلوات وليسا بواجبين، وإن كانا في صلاة الجماعة ~~وفي الفجر والمغرب، وصلاة الجمعة أشد تأكيدا (1)، وهذا الذي أختاره وأذهب ~~إليه. # وذهب بعض أصحابنا إلى أن الأذان والإقامة واجبان على الرجال خاصة دون ~~النساء، في كل صلاة جماعة في سفر ms046 أو حضر، ويجبان عليهم جماعة وفرادى في ~~الفجر والمغرب، وصلاة الجمعة والإقامة دون الأذان يجب عليهم في باقي ~~الصلوات المكتوبات (2). # وذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق إلى أن الأذان والإقامة مسنونان غير واجبين ~~(3). # وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنهما من فرائض الكفايات (4). # وذهب مالك إلى قريب من هذا، إلا أنه قال: إذا ترك الأذان أعاد في الوقت ~~(5). # واختلفت الحكاية عن أبي حنيفة، فحكى عنه بعض المحصلين في كتابه: أن # PageV00P177 # مذهبه مثل مذهب الشافعي في أن الأذان والإقامة مسنونان غير واجبين (1). # ووجدت بعض أصحاب أبي حنيفة يصرح بوجوب ذلك (2). # وذهب ابن خيران (3)، والاصطخري (4)، إلى أن الأذان مسنون في سائر ~~الصلوات، إلا في الجمعة فإنه من فرائض الكفايات فيها (5). # وذهب الأوزاعي إلى أن الأذان ليس بواجب والإقامة واجبة قال: فإن يصلي ~~بغير إقامة نظر، فإن كان الوقت باقيا لزمه أن يقيم ويصلي، فإن خرج الوقت ~~فلا شئ عليه (6). # وقال أهل الظاهر: الأذان والإقامة واجبتان لكل صلاة (7)، فمنهم من يقول: # أنهما واجبان ومشروطان في صحة الصلاة، وانفرد داود بأن قال: إنما يجب ذلك ~~في صلاة الجماعة دون صلاة الانفراد (8). # والدلالة على صحة ما اخترناه: أن الأصل نفي الوجوب، فمن ادعاه فعليه . # PageV00P178 # الدليل الموجب للعلم. # ولأنه لا خلاف في أن الأذان والإقامة مشروع ومسنون، وفيهما فضل كثير، ~~وإنما الخلاف في الوجوب، والوجوب زائد على الحكم المجمع عليه فيهما، فمن ~~ادعاه فعليه الدليل لا محالة. # وبعد فإن الأذان والإقامة مما يعم البلوى به، ويتكرر فعله في اليوم ~~والليلة، فلو كان واجبا حتما لورد وجوبه وورد مثله فيما يوجب العلم ويرفع ~~الشك. # ويدل أيضا على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " ~~الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء " (1) فالأمين متطوع بالأمانة، وليس بواجب ~~عليه. # المسألة السادسة والستون: # " التكبير في أول الأذان أربع مرات (*) ". # هذا هو الصحيح عندنا، ووافقنا عليه أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وابن ~~حي (2). # وحكى الحسن بن زياد (3) عن أبي يوسف: أنه يقول في أول الأذان والإقامة: # PageV00P179 # الله أكبر مرتين (1). # والدليل على صحة مذهبنا: ms047 إجماع الفرقة المحقة عليه، وأيضا فإن الاحتياط ~~والاستظهار فيه. # وأيضا حديث أبي محذورة (2) أن النبي صلى الله عليه وآله سلم لقنه الأذان، ~~فقال في أذانه: (الله أكبر أربع مرات (3). # وفي حديث عبد الله بن زيد (4) الذي رأى الأذان في المنام: " الله أكبر ~~أربع مرات " (5). # المسألة السابعة والستون: # " والتهليل في آخره مرة واحدة ". # الصحيح عندنا أن التهليل في آخر الأذان مرتان، وفي آخر الإقامة مرة # PageV00P180 # واحدة. # الدليل على أنه مرتان في الأذان: الاجماع المتقدم ذكره، وأن فيه الاحتياط ~~والاستظهار. # ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بما رواه حماد (1)، عن إبراهيم، عن الأسود ~~(2)، عن بلال (3): أنه كان يثني الأذان ويثني الإقامة (4). # وروي عن سويد بن غفلة (5) قال: سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى ~~مثنى (6). # . # PageV00P181 # وروى عنه أنه قال: إن بلالا أذن بمنى صوتين صوتين، وأقام مثل ذلك (1). # والاطلاق بأن الأذان مثنى مثنى يقتضي تثنية جميع ألفاظه، ومن ألفاظه ~~التهليل في آخره، ولا يلزمنا الإقامة على ذلك، لأنا خصصنا لفظ التهليل من ~~الإقامة بدليل، وأخرجناه عن التثنية بالاجماع، وإلا فلفظ الأخبار يقتضيه. # المسألة الثامنة والستون: # " لا يجوز أذان الفجر قبل طلوع الفجر (*) ". # قد اختلفت الرواية عندنا في هذه المسألة: فروي أنه يجوز الأذان لصلاة ~~الفجر قبل الفجر خاصة (2)، وروي أنه لا يجوز، وهو الصحيح عندنا. # وقال أبو حنيفة، ومحمد، والثوري: لا يؤذن للفجر قبل طلوع الفجر (3). # الدليل على صحة مذهبنا: أن الأذان دعاء إلى الصلاة وعلم على حضورها، لا ~~يجوز قبل وقتها لأنه وضع الشئ في غير موضعه. # وأيضا ما روي: (4) " أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأن يعيد الأذان (5). # PageV00P182 # وروى عياض بن عامر (1)، عن بلال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال له: " لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر كذا " ومد يده عرضا (2). # وليس لأحد أن يحمل اسم الأذان هاهنا على الإقامة، ويستشهد بما روي عنه ~~عليه السلام من قوله: " بين كل أذانين صلاة " (3) يعني الأذان والإقامة، ~~وذلك أن إطلاق اسم الأذان ms048 لا يتناول الإقامة، فلا يجوز حمله عليها إلا ~~بدلالة. # المسألة التاسعة والستون: # " التثويب في صلاة الصبح بدعة (*) ". # هذا صحيح وعليه إجماع أصحابنا، وقد اختلف الفقهاء في التثويب ما هو: # فقال الشافعي: التثويب هو أن يقول بعد الدعاء إلى الصلاة: " الصلاة خير ~~من النوم " مرتين في مقبل الأذان (4). # وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: التثويب هو أن يقول بعد الفراغ من الأذان: # " حي على الصلاة، حي على الفلاح " مرتين (5). # وحكي عن محمد أنه قال في كتبه: كان التثويب الأول " الصلاة خير من # PageV00P183 # النوم " بين الأذان والإقامة، ثم أحدث الناس بالكوفة " حي على الصلاة، حي ~~على الفلاح " مرتين بين الأذان والإقامة، وهو حسن (1). # وذهب الشافعي إلى أن التثويب مسنون في صلاة الصبح دون غيرها (2). # وحكي عنه أنه قال في الجديد: هو غير مسنون (3). # وقال النخعي: هو مسنون في أذان سائر الصلوات (4). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم: أن التثويب لو كان ~~مشروعا، لوجب أن يقوم دليل شرعي يقطع العذر على ذلك، ولا دليل عليه، المحنة ~~بيننا وبين من خالف فيه. # وأيضا فلا خلاف في أن من ترك التثويب لا يلحقه ذم، لأنه إما أن يكون ~~مسنونا على قول بعض الفقهاء، وغير مسنون على قول البعض الآخر، وفي كلا ~~الأمرين لا ذم على تاركه، وما لا ذم في تركه ويخشى في فعله أن يكون بدعة ~~ومعصية يستحق بها الذم فتركه أولى وأحوط في الشريعة. # المسألة السبعون: # " الإقامة مثنى مثنى كالآذان (*) ". # هذا صحيح، وهو مذهب أصحابنا كلهم، ووافق عليه أبو حنيفة وأصحابه، # PageV00P184 # الثوري، وابن حي (1). # وقال الشافعي، ومالك: الإقامة فرادى إلا في قوله قد قامت الصلاة (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره: ما رواه عبد ~~الله بن زيد الأنصاري: أنه كان بين النائم واليقظان إذ أتاه آت وعليه ثوبان ~~أخضران، قام على جذم الحائط (3) فقال: الله أكبر، الله أكبر، إلى آخره. # قال عبد الله: ثم مكث هنيئة فأقام مثل ذلك، إلا أنه زاد في آخره: قد قامت ms049 ~~الصلاة. # فأتى عبد الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك، فقال له: " ~~لقنها بلالا " (4). # وروى حماد عن إبراهيم، عن الأسود، عن بلال: أنه كان يثني الأذان والإقامة ~~(5). # وروي عن سويد بن غفلة أنه قال: سمعت بلالا يؤذن مثنى مثنى (6). # وروي عنه أنه قال: إن بلالا أذن بمنى صوتين صوتين، وأقام مثل ذلك (7). # وروى محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة (8)، عن أبيه، عن جده قال قلت: # . # PageV00P185 # يا رسول الله! علمني سنة الأذان. # قال فمسح مقدم رأسه فقال، " تقول: الله أكبر، الله أكبر، إلى آخره. # قال وعلمني الإقامة مرتين مرتين، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله ~~إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن ~~محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على ~~الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا ~~الله، مرتين، أسمعت؟ # وكان أبو محذورة لا يجز ناصيته، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسح ~~عليها (1). # فإن عارضوا بما رواه أبو هريرة من أنه صلى الله عليه وآله وسلم " أمر أبا ~~محذورة أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " (2). # وبما رواه أنس بن مالك " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بلالا أن ~~يشفع الأذان، ويوتر الإقامة (3). # فالجواب عن ذلك: أن المراد بالخبر أن يأتي بجميع الأذان مثنى، وبجميع ~~الإقامة وترا، لأنها سبع عشرة كلمة، وذلك وتر لأنه فرد، ولم يرد أفراد كل ~~كلمة منها. # . # PageV00P186 # المسألة الحادية والسبعون: # " يؤذن للفائتة ويقيم لها (*) ". # على ما بيناه من قبل (1) أن الأذان والإقامة مسنونان فيما يؤدي، والمستحب ~~في القضاء أن يأتي به مثل الأداء، والأذان والإقامة في قضاء الفوائت أيضا ~~مسنون. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: من فاتته صلاة فإنه يصليها بأذان وإقامة (2). # وقال محمد في الاملاء: من فاتته صلوات كثيرة، فإن صلاهن بإقامة إقامة كما ~~فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق فحسن، فإن أذن وأقام لكل ~~واحدة ms050 فحسن (3). # وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: تصلى كل واحدة بإقامة من غير أذان (4). # وروي عن الشافعي في القديم: أن الأذان والإقامة مسنونان في الفوائت أيضا ~~(5). # قال الثوري: ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة (6). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر ذكره. # ثم ما رواه أبو قتادة، وعمران بن حصين (7)، وأبو هريرة، وجبير بن مطعم ~~(8): # PageV00P187 # " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نام هو وأصحابه بالوادي، فلم يستيقظ ~~حتى طلعت الشمس، فأمر بالرحيل، فلما خرج من الوادي قعد حتى استعلت الشمس، ~~ثم أمر بلالا فأذن، وصلى ركعتي الفجر، ثم أمره فأقام فصلى صلاة الفجر " ~~(9). # فإن قيل: روى سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمر بلالا فأقام بهم الصبح (10). # قلنا ليس في الخبر أنه لم يؤذن. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها " (11) ومن سنة تلك الصلاة المنسية كان الأذان والإقامة، ~~فكأنه قال: فليصلها على جميع أحوالها من فريضة وسنة. # PageV00P188 # المسألة الثانية والسبعون: # " آخر وقت الظهر حين تصير القامة مثلها في إحدى الروايتين، وحين تصير ~~مثليها في الرواية الأخرى (*) ". # والذي يذهب إليه أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر بلا خلاف، ثم اختص ~~أصحابنا بأنهم يقولون: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر معا إلا أن ~~الظهر قبل العصر (1). # وتحقيق هذا الموضع: أنه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدى ~~أربع ركعات، فإذا خرج هذا المقدار من الوقت اشترك الوقتان. # ومعنى ذلك أنه يصح أن يؤدى في هذا الوقت المشترك الظهر والعصر بطوله، على ~~أن الظهر متقدمة للعصر، ثم لا يزال في وقت منهما إلى أن يبقى إلى غروب ~~الشمس مقدار أداء أربع ركعات، فيخرج وقت الظهر، ويخلص هذا المقدار للعصر، ~~كما خلص الوقت الأول للظهر، وهو مذهب مالك (2). # وروي عنه أنه قال: إن وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ ~~مثله، فإذا صار ذلك دخل ms051 وقت العصر، ثم يشتركان في الوقت إلى غروب الشمس ~~(3). # وعن أبي حنيفة في آخر وقت الظهر ثلاث روايات روي عنه في الأصل: أنه # PageV00P189 # إذا صار ظل كل شئ مثله (1). # رواية أخرى: أنه إذا صار ظل كل شئ مثليه (2). # وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي، والثوري، وابن حي: آخر وقت الظهر إذا ~~صار ظل كل شئ مثله (3). # وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس (4). # وروي عن الشافعي مثل قوله (5)، وفي رواية أخرى: آخر الوقت إذا صار ظل كل ~~شئ مثليه (6). # والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم، قوله تعالى: (أقم الصلاة ~~طرفي النهار) (7) يعني الفجر والعصر، وطرف الشئ ما يقرب من نهايته، ولا ~~يليق ذلك إلا بقول من قال: وقت العصر ممتد إلى قرب غروب الشمس، لأن مصير ظل ~~كل شئ مثله أو مثليه يقرب من الوسط، ولا يقرب إلى الغاية والانتهاء. # ولا معنى لقول من حمل الآية على الفجر والمغرب، لأن المغرب ليس هو في طرف ~~النهار، وإنما هو طرف الليل، بدلالة أن الصائم يحل له الافطار في ذلك ~~الوقت، والافطار لا يحل في بقية النهار. # PageV00P190 # وأيضا فإن قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) (1)، ~~فظاهر هذا الكلام يقتضي أن وقت الظهر ابتداؤه من دلوك الشمس وهو زوالها، ~~وأنه يمتد إلى غسق الليل، وخرج منه بالدليل والاجماع وقت غروب الشمس، فبقي ~~ما قبله. # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " إنما أجلكم في ~~أجل ما خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس " (2). # وظاهر هذا القول يقتضي التناهي في قصر هذه المدة، ولا يليق ذلك إلا ~~بمذهبنا دون مذهب الشافعي، وأبي حنيفة. # نظير هذا الخبر في إفادة قصر المدة، ما روي من قوله عليه السلام: " بعثت ~~والساعة كهاتين " (3) وأشار صلى الله عليه وآله وسلم بالسبابة والوسطى. # وأيضا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر في الوقت ~~الذي صلى فيه العصر بالأمس ms052 (4). وهذا يقتضي أن الوقت لهما (5) جميعا. # ومن ادعى أن هذا الخبر منسوخ وأنه كان قبل استقرار المواقيت، فقد ادعى ما ~~لا برهان عليه. # وأيضا ما رواه ابن عباس عنه عليه السلام " من أنه جمع بين الصلاتين في ~~الحضر لا # PageV00P191 # لعذر " (1)، وهذا يدل على اشتراك الوقت. # وليس لأحد أن يحمل هذا الخبر على أنه صلى الظهر في آخر وقتها وصلاة العصر ~~في أول وقتها، لأن هذا ليس يجمع (2) بين الصلاتين، وإنما هو فعل كل صلاة في ~~وقتها، وذكر العذر في الخبر يبطل هذا التأويل، لأن فعل الصلاة في وقتها ~~المخصوص بها لا يحوج إلى عذر. # ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه: ما روي عن النبي صلى الله وآله وسلم من ~~قوله: " من فاتته صلاة العصر حتى غربت الشمس فكأنما وتر أهله وماله " (3)، ~~فعلق الفوات بغروب الشمس، وتعلقه به يدل على أن الوقت ممتد إلى الغروب. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " لا يخرج وقت صلاة ما لم يدخل ~~وقت صلاة أخرى " (4)، وهذا يدل على أنه إذا لم يدخل وقت صلاة أخرى - وهي ~~المغرب - فإنه لا يخرج وقت صلاة العصر. # فأما الأخبار التي رواها أصحابنا في الأقدام والأذرع (5)، وتمييز وقت ~~الظهر والعصر قدمان أو ذراعان ليقع التنفل والتسبيح والدعاء في هذا الزمان، ~~وهذا هو الأفضل والأولى، فجعلت الأقدام والأذرع حدا للفضل لا للجواز. # . # PageV00P192 # المسألة الثالثة والسبعون: # " للمغرب وقتان كسائر الصلوات (*) ". # عندنا أن أول وقت المغرب مغيب الشمس، وآخر وقتها مغيب الشفق الذي هو ~~الحمرة، وروي ربع الليل (1)، وحكى بعض أصحابنا: أن وقتها يمتد إلى نصف ~~الليل (2). # وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، ومالك، والثوري، وابن حي: لصلاة ~~المغرب أول وآخر كسائر الصلوات (3). # وقال الشافعي: ليس للمغرب إلا وقت واحد (4). # دليلنا بعد الاجماع المتقدم، قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~غسق الليل) (5) وقيل في الدلوك: إنه الزوال (6)، وقيل: إنه الغروب (7)، وهو ~~عام لهما (8) جميعا، فحصل: وقت المغرب ممتد إلى غسق الليل، والغسق اجتماع ~~الظلمة، وإذا ثبت # PageV00P193 # أن وقت المغرب يمتد ms053 إلى وقت اجتماع الظلمة، فقد وضح أن لها وقتين. # وأيضا ما رواه أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن ~~للصلاة أولا وآخرا، وإن أول وقت المغرب إذا غابت الشمس، وآخره حين يغيب ~~الشفق (1). # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه صلى المغرب في اليوم الأول حين غابت ~~الشمس، وصلى في اليوم الثاني حين كاد الشفق أن يغيب (2). # وأيضا ما روي من أنه عليه السلام قال: " إنما التفريط أن تؤخر صلاة حتى ~~يدخل وقت صلاة أخرى " (3)، وهذا الخبر يقتضي أن صلاة المغرب لا تفوت إلا ~~بعد دخول العشاء الآخرة، والمخالف يقول بفوته قبل ذلك. # وليس لهم أن يحتجوا بما روي عنه عليه السلام " من أنه أحل المغرب في ~~اليوم الأول حين غابت الشمس، وفي اليوم الثاني حين غابت الشمس وقتا واحدا ~~لم يزل عنه (4). # وذلك أن فعلهما في اليومين في وقت واحد لا يدل على أنه لا وقت لها غيره، ~~لأنه روي أنه عليه السلام " صلى العصر في اليومين جميعا قبل اصفرار الشمس " ~~(5)، ولم يدل ذلك على أن ما بعد اصفرارها ليس بوقت العصر. # ولا لهم أيضا أن يتعلقوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " بادروا ~~بصلاة المغرب . # PageV00P194 # وطلوع النجوم " (1). # وذلك أن هذا حث على تقديم صلاة المغرب في أول الوقت، وتقديم الصلاة في ~~أول الوقت عندنا الأفضل والأولى. # المسألة الرابعة والسبعون: # " الشفق الذي يدخل بغيبوبته وقت العشاء، البياض في إحدى الروايتين، ~~والحمرة في الرواية الأخرى (*) ". # والصحيح عندنا: أن الشفق هو الحمرة دون البياض، وهو قول الشافعي، وأبي ~~يوسف، ومحمد (2). # وقال أبو حنيفة: الشفق هو البياض (3). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم، ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من قوله: " الشفق الحمرة " (4). # وروي عن ابن عمر (5) أنه قال: إنما الشفق الحمرة (6). # PageV00P195 # وروى النعمان بن بشير (7): " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي ~~العشاء لسقوط القمر لثالثة (8). # يعني لثلاثة من الشهر، والقمر يسقط ليلة الثالثة قبل غيبوبة البياض. # وقد ms054 حكى أهل اللغة: أن الشفق الحمرة (9)، وحكي عن بعضهم: أنه البياض ~~(10). # والأقرب أنه في اللغة يقع عليهما جميعا. # ويبقى الكلام في معنى هذه اللفظة في الشرع، وبأي شئ يتعلق حكم خروج وقت ~~المغرب، ودخول وقت العشاء الآخرة؟ # وقد استدل الشافعي على أن الشفق الذي يخرج بغيبوبته وقت المغرب، ويدخل ~~وقت العشاء الآخرة، هو الحمرة دون البياض: بما رواه جابر (11)، من أن . # PageV00P196 # سائلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مواقيت الصلاة؟ فقال: " لو ~~صليت معنا " فذكر الخبر إلى أن قال: " وصلى العشاء قبل غيبوبة الشفق " (1). # ولا يجوز أن يكون المراد بذلك قبل غيبوبة الشفق الذي هو الحمرة، لأن فعل ~~الصلاة في ذلك الوقت لا يجوز إجماعا، فثبت أن المراد به قبل الشفق الذي هو ~~البياض. # وهذا الخبر لا يصلح أن يستدل به، لأن فعل العشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق ~~الذي هو الحمرة عندنا (2) جائز، بل يجوز عندنا أن يصلي العشاء الآخرة عقيب ~~المغرب بلا فصل وهو مذهب مالك (3) وإنما لا يجوز ذلك على مذهب الشافعي، ~~وأبو حنيفة. # المسألة الخامسة والسبعون: # " أفضل الأوقات في الصلوات كلها أولها (*) ". # هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا، والدليل على صحته بعد الاجماع المتقدم، ما ~~رواه ابن مسعود (4) قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ما أفضل ~~الأعمال؟ قال فقال: # PageV00P197 # " الصلاة في أول وقتها " (1). # وروت أم فروة (2): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أفضل الأعمال ~~عند الله الصلاة في أول وقتها " (3). # وأيضا تقديم الصلاة في أول وقتها احتياط للفرض أولا. # وأما الجواب عن تعلقهم بما روي عنه عليه السلام من قوله: " أسفروا ~~بالفجر، فإنه أعظم للأجر " (4) فهو أن المراد بذلك: أنه لا يصلي إلا بعد أن ~~يوقن باسفار الفجر، وهو طلوعه، ولم يذكر إسفار النهار. # المسألة السادسة والسبعون: # " وقت صلاة الليل (5)، من حين يذهب ثلث الليل إلى مطلع الفجر (*) ". # عندنا أن وقت صلاة الليل بعد انتصافه، وكلما قرب من الفجر كان أفضل. # والدليل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم: أن صلاة الليل ms055 بعد انتصاف ~~الليل، وفي أواخره أشق منها في ثلثه، والمشقة يزيد بها الثواب، ويكثر لها ~~الجزاء، فما # PageV00P198 # ذكرناه من الوقت أولى. # المسألة السابعة والسبعون: # " ولا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس، وعند استوائها، وعند غروبها (*) ~~". # هذا صحيح، وعندنا أنه يجوز أن يصلي في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها كل ~~صلاة لها سبب متقدم، وإنما لا يجوز أن يبتدئ فيها النوافل، ووافقنا على ذلك ~~الشافعي (1). # وقال أبو حنيفة: يجوز فعل الصلاة التي لها سبب في وقتين من جملة المنهي ~~عنه، وهو ما بعد الصبح إلى حين تطلع الشمس، وما بعد العصر إلى أن تغرب، ولا ~~يجوز في الأوقات الثلاثة التي نهي عنها لأجل الوقت، وهي حال طلوع الشمس، ~~واستوائها للزوال، وحال غروبها، إلا عصر يومه إذا فاتت، فيجوز أن يصليها في ~~وقت الغروب (2). # دليلنا بعد الاجماع المتكرر قوله تعالى: (أقم الصلاة " (3)، والظاهر ~~يتناول جميع الأوقات، ولا يلزم على ذلك فعل النوافل في الأوقات المنهي ~~عنها، لأنه خرج بدليل. # وما روي عنه عليه السلام من قوله: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها " (4)، ولم يفصل بين وقت وآخر. # PageV00P199 # وما روي من أن قيس بن قهد (1) صلى بعد الصبح فقال له النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: " ما هاتان الركعتان "؟ فقال: ركعتا الصبح (2). # فلو لم يكن جائزا لأنكر عليه. # فإن تعلقوا بقوله عليه السلام: " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا ~~صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " (3). # الجواب عنه: أن ذلك عام في الصلوات التي لها أسباب والتي لا أسباب لها، ~~وأخبارنا خاصة في جواز ما له سبب (4). # المسألة الثامنة والسبعون: # " ولا بأس بالتطوع بعد الفجر وبعد العصر (*) ". # عندنا أنه لا يجوز التطوع بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس، إلا في يوم ~~الجمعة خاصة، ولا يجوز التطوع بعد صلاة العصر، ووافقنا على ذلك الشافعي ~~(5). # وخالفه أبو حنيفة في جواز التنفل وقت الزوال من يوم الجمعة (6). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه من منع التنفل في الأوقات التي ذكرناها: ما # PageV00P200 # روي ms056 عنه عليه السلام من قوله: " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا ~~صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " (1). # وفي حديث الصباح: أنه نهى عن الصلاة في وقت الطلوع، واستواء الشمس، ~~وغروبها (2). # وأما الدليل على جواز ذلك في يوم الجمعة خاصة: فهو بعد إجماع الفرقة ~~المحقة، ما رواه أبو هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الصلاة نصف النهار حين تزول الشمس، إلا يوم الجمعة (3). # المسألة التاسعة والسبعون: # " وللمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين زوال الشمس إلى غروبها، وبين ~~العشاءين ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر (*) ". # قد بينا مذهبنا في أوقات هذه الصلوات ودللنا عليه، ولا معنى لتكراره، ~~والإجازة للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين زوال الشمس إلى غروبها ~~كأنه ينقض القول بأن وقت الظهر متميز من وقت العصر، وتحديد كل واحد منهما ~~بحد لا يدخل فيه الآخر، لأنه ليس للمسافر أن يصلي الصلاة في غير وقتها، كما ~~أن # PageV00P201 # ليس للحاضر ذلك. # المسألة الثمانون: # " من أخطأ القبلة وعلم به قبل مضي وقت الصلاة فعليه إعادتها، فإن علم بعد ~~مضي وقتها فلا إعادة عليه (*) ". # هذا صحيح، وعندنا أنه إذا تحرى في القبلة فأخطأ ثم تبين له الخطأ، أنه ~~يعيد ما دام في الوقت ولا إعادة عليه بعد خروج الوقت. # وقد روي: أنه إن كان خطاؤه يمينا أو شمالا أعاد ما دام الوقت باقيا، فإن ~~خرج الوقت فلا إعادة عليه، فإن استدبر القبلة أعاد على كل حال (1). # والأول هو المعول عليه، ووافقنا في ما ذهبنا إليه مالك (2). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن صلاته ماضية ولا إعادة عليه على كل حال (3). # وقال الشافعي في الجديد: إن من أخطأ القبلة ثم تبين له خطاؤه لزمه إعادة ~~الصلاة (4). # وقوله في القديم مثل قول أبي حنيفة (5). # PageV00P202 # ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المقدم ذكره قوله تعالى: ~~(وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (1) فأوجب التوجه على كل مصل إلى شطر ~~البيت، فإذا لم يفعل ذلك كان ms057 الأمر عليه باقيا، فيلزمه الإعادة. # فإن قيل: الآية تقتضي وجوب التوجه على كل مصل، وليس فيها دلالة على أنه ~~إذا لم يفعل لزمه الإعادة. # قلنا: لم نحتج بالآية على وجوب القضاء، وإنما بينا بالآية وجوب التوجه ~~على كل مصل، فإذا لم يأت بالمأمور به فهو باق في ذمته فيلزمه فعله. # وليس لأحد أن يقول: هذه الآية إنما يصح أن يحتج بها الشافعي، لأنه يوجب ~~الإعادة على كل حال، في الوقت وبعد خروج الوقت، وأنتم تفصلون بين الأمرين، ~~وظاهر الآية يقتضي ألا فصل بينهما، فلا دليل لكم على مذهبكم في الآية. # قلنا: إنما أمر الله تعالى كل مصل للظهر - مثلا - بالتوجه إلى شطر البيت ~~ما دام في الوقت، ولم يأمره بالتوجه بعد خروج الوقت، لأنه إنما أمر بأداء ~~الصلاة لا بقضائها، والأداء ما كان في الوقت، والقضاء ما خرج عن الوقت، فهو ~~إذا تحرى القبلة وصلى إلى جهة، ثم تبين له الخطأ، وتيقن أنه صلى إلى غير ~~القبلة وهو في الوقت لم يخرج عنه، فحكم الأمر باق عليه، ووجوب الصلاة ~~متوجها إلى القبلة باق في ذمته، وما فعله غير مأمور به، ولا يسقط عنه ~~الفرض، فيجب أن يصلي ما دام في الوقت الصلاة المأمور بها، وهي التي تكون ~~إلى جهة الكعبة، لأنه قادر عليها ومتمكن منها، وبعد خروج الوقت لا يقدر على ~~فعل المأمور به بعينه، لأنه قد فات بخروج الوقت، والقضاء في الموضع الذي ~~يجب فيه إنما يعلمه بدليل غير دليل وجوب الأداء، وهذا # PageV00P203 # الموضع قد بيناه في مسائل أصول الفقه (1). # وليس لأحد أن يقول: إن المصلي في حال اشتباه القبلة عليه لا يقدر على ~~التوجه إلى القبلة، فالآية مصروفة إلى من يقدر على ذلك. # لأن هذا القول تخصيص لعموم الآية بغير دليل، ولأنه إذا تبين له الخطأ في ~~الوقت فقد زال الاشتباه، فيجب أن تكون الآية متناولة له، ويجب أن تفعل ~~للصلاة إلى جهة القبلة. # فإن تعلقوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " رفع ms058 عن ~~أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه " (2). # والجواب عن ذلك: أنا نقول: إن خطأه مرفوع، وإنه غير مؤاخذ به، وإنما تجب ~~عليه الصلاة بالأمر الأول، لأنه لم يأت بالمأمور به. # فإن تعلقوا بما روي: من أن قوما أشكلت عليهم القبلة لظلمة عرضت فصلى ~~بعضهم إلى جهة وبعضهم إلى غيرها، وعلموا ذلك، فلما أصبحوا ورأوا تلك الخطوط ~~إلى غير القبلة وقدموا من سفرهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~ذلك فسكت، ونزل قوله تعالى: (فأينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله) (3). # فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أجزتكم صلاتكم " (4). # والجواب عن ذلك: أنا نحمل هذا الخبر على أنهم سألوه عليه السلام عن ذلك ~~بعد . # PageV00P204 # خروج الوقت، وهذا صريح في الخبر، لأنه كان سؤالهم بعد قدومهم من السفر، ~~فلم يأمرهم عليه السلام بالإعادة، لأن الإعادة على مذهبنا لا تلزم بعد خروج ~~الوقت. # وأصحاب الشافعي يتأولون الخبر على أنه كان في صلاة التطوع (1)، ويروون عن ~~ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية في التطوع خاصة (2). # والتأويل الذي ذكرناه يغني عن هذا. # المسألة الحادية والثمانون: # " لا تجوز الصلاة في الدار المغصوبة (*)، ولا في الثوب المغصوب (* *) ". # هذا صحيح، وهو مذهب جميع أصحابنا والمتكلمين من أهل العدل إلا الشاذ ~~منهم، فإن النظام (3) خالف في ذلك وزعم أنها مجزئة (4)، ويذهبون إلى إن ~~الصلاة في # PageV00P205 # الدار المغصوبة لا تجزئ، وإلى ذلك ذهب أبو علي، وأبو هاشم (1)، ومن ~~عداهما من المحققين المدققين (2). # وقال سائر الفقهاء: إن الصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب مجزئة ~~(3). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المقدم ذكره، وأيضا فإن من شرط ~~الصلاة أن تكون طاعة وقربة ولا خلاف في هذه الجملة، وكونها مؤداة في الدار ~~المغصوبة يمنع من ذلك، ألا ترى أن عاقلا لا يجوز أن يتقرب إلى الله تعالى ~~بما يعلمه قبيحا ومعصية؟! # وأيضا فإن من شرط الصلاة، أن ينوي بها إذا كانت واجبة أداء الواجب، ~~وكونها في الدار المغصوبة يقدح في النية ويمنع منها. # ولا شبهة في أن الصلاة في ms059 الدار المغصوبة قبيحة ومعصية، ومن يظن من ~~الفقهاء خلاف ذلك ويعتقد أنها طاعة ويزعم أن فعله لها منفصل من الغصب له، ~~فقد فحش خطاؤه، لأن العقل دال على قبح تصرف الغاصب في الدار، لأنه ظلم، ~~ويجري تصرفه في الدار مجرى تصرفه في المال المغصوب، وصلاته في الدار ليس ~~سوى تصرفه فيها. ألا ترى أن قيامه وقعوده وركوعه وسجوده يمنع صاحب الدار من ~~تصرفه فيها، فقد صار من جملة الغصب هذا التصرف. ولا فرق بين أن يقوم في ~~الدار ويقعد بغير إذن مالكها، وبين أن يجعل فيها متاعا، فلو كان قعوده ليس ~~بغصب لكان شغل الدار بالمتاع ليس بغصب. # . # PageV00P206 # وقد تعلق قوم في إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة: بأن الصلاة تنقسم إلى ~~فعل وذكر، والفعل فيها وإن يتناول الذكر فالذكر لا يتناولها، ولا يمتنع أن ~~تجزئ وإن وقعت في الدار المغصوبة، من حيث وقع ذكرها طاعة وإن كان فعلها ~~معصية، ولا يمتنع أن يتوجه بنيته إلى الذكر دون الفعل. # والجواب عن هذه الشبهة: أن الذكر لا يخلو من وجهين: إما أن يكون تابعا ~~للفعل الذي هو الصلاة، فيكون هو المعتمد والذكر كالشرط له، أو يكون ~~مجموعهما صلاة، ولا يمكن غير ذلك. # فإذا صح ما قررناه، فنيته يجب أن تنصرف إلى جملة الصلاة التي هي فعل ~~وذكر، وقد بينا أن كونها معصية تمنع من ذلك. # وذكر بعض محصلي من تكلم في أصول الفقه: أن الصلاة في الدار المغصوبة من ~~حيث استوفى شروطها الشرعية فيجب أن تكون واقعة على وجه الصحة، وأن كانت ~~معصية لحق صاحب الدار، وزعم أن الفعل يختص بوجهين حل على (1) الفعلين ~~المنفصلين، وادعى أن نية المصلي واعتقاده يتوجهان نحو الوجه الذي يتكامل ~~معه الشروط الشرعية، دون الوجه الذي يرجع إلى حق صاحب الدار. # وهذا غير صحيح، لأنه بنى كلامه على أن الصلاة في الدار المغصوبة قد ~~استوفيت شروطها الشرعية، وقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك، لأن من شروطها ~~الشرعية كونها طاعة وقربة، ومن شروطها الشرعية نية أداء الواجب بها ms060 إذا ~~كانت الصلاة واجبة، وهذا لا يتم في الدار المغصوبة، فبطل كونها مستوفية ~~للشروط الشرعية، وبعد فإن نية المصلي تنصرف إلى جملة الصلاة وجميعها، ولا ~~يجوز أن يكون شطر منها معصية وقبيحا. # PageV00P207 # فأما الصلاة في الثوب المغصوب فلا يمكن أن يقال فيه ما قلناه في الصلاة ~~في الدار المغصوبة، ومن يوافقنا في أن الصلاة فيه غير جائزة، يعتمد على أنه ~~منهي عنه، وأن النهي يقتضي الفساد ونفي الإجزاء. # وهذا ليس بمعتمد، لأنا قد بينا في مسائل أصول الفقه: أن النهي بظاهره ~~ومجرده لا يقتضي فساد المنهي عنه ونفي إجزائه (1). # والصحيح في وجه المنع من الصلاة في الثوب المغصوب: أنا قد علمنا أن أجزاء ~~الفعل وتعلق الأحكام الشرعية به إنما يعلم شرعا، والأصل في الفعل اللاشرع ~~(2)، فمن ادعى إجزاء الصلاة في الثوب المغصوب فقد أثبت شرعا، ويلزمه إقامة ~~دليل شرعي عليه، وليس في أدلة الشرع ما يقتضي ذلك. # وأيضا فإن الصلاة في ذمة المكلف بلا خلاف، وإنما يجب أن يعلم سقوطها من ~~ذمته حتى تبرأ ذمته، وقد علمنا أنه إذا أداها في ثوب مملوك فقد تيقن براءة ~~ذمته، وقد علمنا سقوط الفرض عنه، وإذا أداها في ثوب مغصوب فلا يقين ببراءة ~~ذمته، فيجب نفي جوازه. # المسألة الثانية والثمانون: # " تكبيرة الافتتاح من الصلاة (*) والتسليم ليس منها (* *) ". # لم أجد لأصحابنا إلى هذه الغاية نصا في هاتين المسألتين، ويقوى في نفسي ~~أن # PageV00P208 # تكبيرة الافتتاح من الصلاة، وأن التسليم أيضا من جملة الصلاة، وهو ركن من ~~أركانها، وهو مذهب الشافعي (1). # ووجدت بعض أصحابنا يقول في كتاب له: إن السلام سنة (2) غير مفروض ومن ~~تركه متعمدا لا شئ عليه (3). # وقال أبو حنيفة: تكبيرة الافتتاح ليس من الصلاة، والتسليم ليس بواجب ولا ~~هو من الصلاة، وإذا قعد قدر التشهد خرج من الصلاة بالسلام والكلام وغيرهما ~~(4). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه من أن تكبيرة الافتتاح من الصلاة: أنه لا ~~خلاف في أن نية الصلاة إما تتقدم عليه بلا فصل أو تقارنه، على الاختلاف بين ~~الفقهاء في ذلك، ms061 ونية الصلاة لا تجب مقارنتها إلا لما (5) هو من الصلاة ~~لتؤثر فيه، وما ليس من الصلاة فلا يجب أن تتقدم عليه ولا تقارنه، وفي وجوب ~~مقارنة النية أو التقديم لتكبيرة الافتتاح دليل على أنها من جملة الصلاة. # وأيضا فلا يكون من الصلاة إلا ما كان شرطه استقبال القبلة، لأن استقبال ~~القبلة إنما هو شرط في الصلاة دون غيرها من الأفعال، ولا يلزم على هذا ~~الأذان والإقامة، لأن الأذان والإقامة مستحب فيهما استقبال القبلة، وليس ~~بواجب فيهما. # . # PageV00P209 # وأيضا لو لم تكن تكبيرة الافتتاح من الصلاة، ما كان الوضوء شرطا فيه، لأن ~~الوضوء إنما هو شرط في أفعال الصلاة دون ما هو خارج عنها. # فإن قيل: إنما هو شرط فيه الوضوء لأن الصلاة عقيبه بلا فصل، فلو وقع بغير ~~وضوء لدخل في أول جزء من الصلاة بغير وضوء. # قلنا: ليس الأمر كذلك، لأنا لو فرضنا رجلا مستقبلا للقبلة وعلى يمينه حوض ~~عال يقدر أن يتناول منه الماء بغير مشقة، فابتدأ بأول التكبير ومد بقوله: ~~(الله) صوته، وهو في حال امتداد صوته يتوضأ من ذلك الماء، حتى يكون فراغه ~~من آخر الوضوء قبل أن يختم لفظ التكبير بحرف أو حرفين، فمعلوم أن هذا جائز ~~(1)، فعلمنا أن الوضوء شرط في التكبير نفسه لا للتعذر (2) من وقوع الصلاة ~~عقبه بغير وضوء. # فإن تعلق المخالف بقوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) (3) ~~فجعله مصليا عقيب الذكر، لأن الفاء للتعقيب، والذكر الذي يكون عقيبه الصلاة ~~وهو ذكر الافتتاح، فلو كان من الصلاة لكان مصليا معه، والله تعالى جعله ~~مصليا عقيبه. # والجواب عن ذلك: أنا لا نسلم أن المراد بالذكر تكبيرة الافتتاح، بل لا ~~نمنع أن يراد به الأذكار التي يؤتى بها قبل الصلاة من الخطبة والأذان. # على أن أصحابنا يذهبون إلى أنه مسنون للمصلي أن يكبر تكبيرات قبل تكبيرة ~~الافتتاح التي هي الفرض، وليست هذه التكبيرات من الصلاة، فيجوز أن يحمل ~~الذكر الذي تضمنته الآية على هذه التكبيرات (4). # . # PageV00P210 # فإن قالوا: ليس يخلو المصلي من ms062 أن يدخل في الصلاة بابتداء التكبير أو عند ~~الفراغ منه، ولا يجوز أن يدخل في الصلاة بابتدائه، لأن الاجماع متى لم يأت ~~بالتكبير على التمام لا يدخل في الصلاة، فثبت أنه إنما يدخل بالفراغ منه، ~~وإن كان ابتداء التكبير وقع خارج الصلاة فكيف يصير بعد ذلك منها؟ # قلنا: ليس يمتنع أن يكون الدخول في الصلاة إنما يكون بالفراغ من التكبير، ~~ثم تبين بذلك أن جميع التكبير كان من الصلاة، كما أن عندهم أن التسليم ليس ~~من الصلاة، ولو ابتدأ بالسلام فإنه لا يخرج بذلك من الصلاة، فإذا فرغ منه ~~تبين عندهم أن جميعه وقع خارج الصلاة. # وكذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب، لم يكن ذلك بيعا، فإذا قال المشتري: ~~قبلت، صار الايجاب والقبول بمجموعهما بيعا. # فأما الدلالة على وجوب السلام: فهو ما روي عنه عليه السلام من قوله: " ~~مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " (1) فلما قال: ~~" وتحليلها التسليم " دل على أن غير التسليم لا يكون تحليلا لها. # وأيضا ما رواه سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله (2)، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3)، فوجب اتباعه في ذلك. # وأيضا فكل من قال أن التكبير من الصلاة، ذهب إلى أن السلام واجب وأنه . # PageV00P211 # منها، وهذه الطريقة دلالة على وجوب السلام، وأنه من الصلاة. # ويدل أيضا على أن السلام من الصلاة ما رواه عبد الله بن مسعود قال: ما ~~نسيت من الأشياء فلم أنس تسليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الصلاة عن يمينه وشماله. # " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " (1). # وأيضا ما روته عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسلم في ~~الصلاة عن يمينه وشماله " السلام عليكم ورحمة الله " (2). # وأما ما تعلق به المخالف بما رواه عبد الله بن مسعود: أنه علمه التشهد ثم ~~قال: # " إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك " (3). # وبخبر أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ms063 وآله وسلم علم الأعرابي الصلاة، ~~ولم يذكر التسليم (4). # والجواب عن خبر ابن مسعود: أنه روي في بعض الأخبار أن عبد الله بن مسعود ~~هو القائل: إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك " (5)، وليس من كلامه عليه السلام. ~~على أن ظاهر الخبر متروك بإجماع، لأنه يقتضي أن صلاته تتم إذا أتى ~~بالشهادة، وبالإجماع أنه قد بقي عليه شئ وهو الخروج، لأن الخروج عندهم يقع ~~بكل مناف للصلاة، فبطل التعلق بالظاهر. # والجواب عن خبر أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمه ~~التسليم، لأنه كان يحسنه، # PageV00P212 # ويجوز أن يكون ذلك قبل فرض السلام. # ومما يجوز الاستدلال به على من خالف من أصحابنا في وجوب السلام أن يقال: ~~قد ثبت - بلا خلاف - وجوب الخروج من الصلاة كما ثبت وجوب الدخول فيها، فإن ~~لم يقف الخروج منها على السلام دون غيره، جاز أن يخرج بغيره من الأفعال ~~المنافية للصلاة كما يقول أبو حنيفة (1)، وأصحابنا لا يجوزون ذلك، فثبت ~~وجوب السلام. # المسألة الثالثة والثمانون: # " فرض الافتتاح متعين بقوله (2): " الله أكبر "، لا يجزي غيره مع القدرة ~~عليه (*) ". # هذا صحيح، وهو مذهب جميع أصحابنا، ووافقنا على أن الصلاة لا تنعقد إلا ~~بقوله: الله أكبر والله أكبر الشافعي (3). # وقال أبو حنيفة، ومحمد: ينعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم والتفخيم، ويجوز ~~الاقتصار عندهما على مجرد الاسم، وهو أن يقول: الله ولا يأتي بالصفة (4). # PageV00P213 # وقد روي عنه رواية أخرى: أنه لا بد من الصفة (1). # وقال أبو يوسف: تنعقد بألفاظ التكبير، مثل قوله: الله أكبر، والله ~~المتكبر، ولا ينعقد بغير ألفاظ التكبير (2). # وحكي عن الزهري أنه قال: تنعقد الصلاة بمجرد النية (3). # دليلنا الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فإن الصلاة في ذمته ولا تسقط عنه إلا ~~بيقين، ونحن نعلم أنه إذا افتتحها بقوله: " الله أكبر " أجزأت الصلاة وسقطت ~~عن ذمته، وإذا افتتحها بغير ذلك فلا يقين في سقوطه عن الذمة ولا علم، فيجب ~~الاقتصار على اللفظ الذي تيقن معه إجزاء الصلاة وبراءة الذمة منها. # وأيضا ما رواه رفاعة بن مالك (4): أن النبي ms064 صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~" لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة ويقول: ~~الله أكبر " (5). # وأيضا فما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا قام أحدكم ~~إلى الصلاة فليتوضأ كما أمر الله، ثم يكبر " (6). # وفي خبر آخر: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها . # PageV00P214 # التسليم " (1) وليس لأحد أن يقول: أن التكبير هو كل لفظ قصد به التعظيم ~~والتفخيم، والتسبيح والتهليل من جملة ذلك، والخبر عام في الكل. # وذلك أن التسبيح والتهليل لا يسمى في عرف الشرع بأنه تكبير، بل له اسم ~~مخصوص به، ولا يعرف أحد أن أهل الشرع يسمون من قال: (سبحان الله) أو (لا ~~إله إلا الله) أنه مكبر، وأنه فعل تكبيرا، هذا هو العرف الذي لا يمكن ~~المحيد عنه، وكما لا يسمى التكبير تسبيحا كذلك لا يسمى التسبيح تكبيرا ~~هاهنا. # فإن قيل: من جملة التكبير وألفاظه قول: " الله الأكبر " وقد أجازه ~~الشافعي (2). # وأنتم تمنعون منه! # قلنا: المعهود في الشرع فيما يسمى تكبيرا، أن يأتي باللفظ الذي قد اعتيد ~~استعماله في ذلك، وهو قوله: " الله أكبر " ولا مراعاة في ذلك بالاشتقاق ~~الذي تستوي فيه جميع هذه الألفاظ، وليس بمعهود في من يصلي أو يكبر في غير ~~الصلاة أن يقول: # " الله الكبير " أو " الله الأكبر ". # على أن الخبر إذا اقتضى أن التسبيح والتهليل والتحميد لا يجوز أن يفتتح ~~به الصلاة لم يجز في لفظة " الله الكبير " لأن كل من قال أنها لا تفتتح ~~بالتسبيح والتهليل، يقول إنها لا تفتتح بلفظ " الله الكبير " على أنا نقول ~~للشافعي: ليس يخلو ما يفتتح به الصلاة من أن يكون القصد فيه اللفظ أو ~~المعنى، فإن كان القصد فيه اللفظ فيجب ألا يجزئ إلا اللفظ المخصوص . # PageV00P215 # المسنون، وهو قوله: " الله أكبر " وليس هذا مذهبك أيها الشافعي! لأنك ~~تجيزه بالأكبر. # وإن كان الاعتبار بالمعنى وهو التفخيم والتعظيم فيلزم عليك (الله العظيم) ~~و (الله الجليل) وكل لفظ فيه تعظيم لله. # فإن قال: لا فرق في اللفظ إذا كان ms065 المعتبر به بين قول القائل: (الله ~~أكبر) وقوله: # (الله الأكبر) لأن لفظ (الأكبر) لفظ (أكبر) وزيادة، فلا يخل بالمعنى. # قلنا: معلوم اختلاف اللفظين وإن أحدهما يخالف في الصورة صاحبه، وإذا كان ~~المقصد اللفظ لم يجز غيره، وإن كان في معناه أن يدخل حرف في حروفه. # المسألة الرابعة والثمانون: # " يجب القراءة في الركعتين الأولتين (*) ". # عندنا أن القراءة في الركعتين الأوليتين واجب، ولا يجوز الاخلال بها، ~~وأما الركعتان الآخرتان فهو مخير بين القراءة وبين التسبيح، وأيهما فعل ~~أجزأه. # وقال الشافعي: القراءة واجبة في كل ركعة (1). # وقال مالك: تجب القراءة في معظم الصلاة، فإن كانت الصلاة ثلاث ركعات قرئ ~~في الركعتين، وإن كانت أربعا قرئ في ثلاث (2). # وقال أبو حنيفة: فرض القراءة في ركعتين من الصلاة، فإن كانت من الأولتين ~~وقعت عن فرضه، وإن تركها فيهما لزمه أن يأتي بها في الأخيرين (3). # PageV00P216 # وقال الحسن: تجب القراءة في ركعة واحدة (1). # دليلنا على صحته: الاجماع المتكرر ذكره، وأيضا ما رواه رفاعة بن مالك: من ~~أن رجلا دخل المسجد فصلى قرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم جاء ~~فسلم عليه. # فقال له عليه السلام: " أعد صلاتك فإنك لم تصل ". # فقال: علمني كيف أصلي؟ # فقال: " إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ فاتحة الكتاب، ثم اركع وارفع ~~حتى تطمئن قائما " وذكر الخبر إلى أن قال: " هكذا فاصنع في كل ركعة " (2). # فإن قيل: فأنتم لا توجبون القراءة في كل ركعة، وإنما هذا دليل الشافعي! # قلنا: نحن نوجب القراءة في كل ركعة لكن في الأولتين على سبيل التضييق، ~~وفي الآخرتين على سبيل التخيير، وكون الشئ مخيرا فيه وله بدل لا يخرجه من ~~أن يكون واجبا. # وأيضا قوله تعالى: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) (3) وظاهر هذه الآية ~~يقتضي عموم الأمر الذي هو على الوجوب لكل الأحوال، الذي من جملتها الصلاة، ~~فوجب أن تكون القراءة واجبة في الأولتين تضييقا وفي الآخرتين أيضا، إلا أنه ~~لما قام الدليل على أن التسبيح في الأخيرتين يقوم مقام القراءة قلنا: إن ~~إيجاب القراءة ms066 فيهما على سبيل التخيير وكون الشئ مخيرا فيه لا يخرجه من أن ~~يكون واجبا، ومن الدخول تحت ظاهر الآية. # PageV00P217 # وأيضا فما رواه عبد الله بن أبي قتادة، (1) عن أبيه: " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر في الأولتين بفاتحة الكتاب وسورة، ~~وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب، وكذلك العصر (2). # وإذا ثبت أنه عليه السلام كان يقرأ في كل ركعة، وجب علينا أن نقرأ، لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3). # وليس للمخالف أن يتعلق بما روي عنه عليه السلام من قوله: " لا صلاة إلا ~~بقراءة " (4) و إن الظاهر يقتضي إجزاء الصلاة بالقراءة في ركعة (5) واحدة. # وذلك أن المقصد بهذا الخبر ايجاب القراءة في الصلوات على الجملة، فأما ~~الموضع الذي تجب فيه القراءة فغير مقصود بهذا الخبر، وإنما يستفاد بدليل ~~آخر المسألة الخامسة والثمانون: # " وجوب القراءة متعين بفاتحة الكتاب، وغير متعين بالسورة الأخرى (*) ". # عندنا: أنه لا يجزئ في الركعتين الأولتين إلا بفاتحة الكتاب، ووافق ~~الشافعي # PageV00P218 # على ذلك، وزاد إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة لمن أحسنها (1). # وقال أبو حنيفة: قراءة الفاتحة ليس بشرط، فإذا قرأ آية من القرآن أجزأه ~~(2). # وعنه رواية أخرى أنه قال: إذا أتى بما يقع عليه اسم القراءة أجزأه وإن ~~كان أقل من آية (3) والمشهور الأول. # وقال أبو يوسف: إن قرأ آية طويلة أجزأه، وإن قرأ آيات قصارا ما يجزئه إلا ~~ثلاث آيات (4). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد، ما رواه عبادة بن ~~صامت: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا صلاة لمن لا يقرأ فيها ~~بفاتحة الكتاب " (5). # فإن قيل: هذا يقتضي وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ولا يجوز (6) غيرها. # قلنا: ليس كذلك، لأن قوله: " لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " ~~إنما يدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة في الجملة، من غير تفصيل ~~الركعات، وأبو حنيفة يجوز صلاة ليس في شئ منها الفاتحة، فالخبر دليل عليه. # وأيضا ما رواه أبو هريرة من أن ms067 النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " كل ~~صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج " (7). # . # PageV00P219 # فإن قيل: الخداج: الناقص، يقال له: خدجت الناقة، إذا أتت بولد ناقص، ~~فالصلاة العارية من الفاتحة ناقصة، إلا أنها تجزي. # قلنا: ليس هي عندكم ناقصة، لأنه مخير بين الفاتحة وغيرها. # فإن قيل: قوله تعالى: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) (1) فهو مخير بين ~~الفاتحة وغيرها. # قلنا: الآية مجملة وأخبارنا (2) مفسرة مبينة فالعمل عليها أولى. # وليس لهم أن يقولوا: هذا نسخ الآية. # وذلك أن البيان والتفسير ليس بنسخ، ولو قال الله تعالى: فاقرأوا ما تيسر ~~من القرآن وهو فاتحة الكتاب صح، ولو كان يقتضي النسخ لما صح أن يضم إلى ~~اللفظ في الصريح. # فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام من أنه قال: " لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب أو بغيرها " (3). # فالجواب عنه: أنه قيل إن هذه الزيادة غير معروفة في الخبر، ولو ثبتت لكان ~~التأويل: لا صلاة إلا بالفاتحة لمن يقدر عليها، أو بغيرها ممن لا يقدر ~~عليها. # . # PageV00P220 # المسألة السادسة والثمانون: # " لو قرأ بالفارسية بطلت صلاته (*) ". # وهذا هو الصحيح عندنا. # وقال الشافعي: العبارة عن القرآن بالفارسية وغيرها من اللغات ليس بقرآن، ~~ولا تجزي به الصلاة بحال (1). # وقال أبو حنيفة: تجزي به الصلاة (2). # واختلف أصحابه في أنه قرآن أم في معناه، فمنهم من يقول: إنه قرآن (3)، ~~ومنهم من يقول: إنه ليس بقرآن ولكنه في معناه (4). # وقال أبو يوسف، ومحمد: إن كان يحسن القرآن بالعربية لم يجزه غيرها، وإن ~~كان لا يحسنه أجزأ (5). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر قوله تعالى: (فاقرؤا ~~ما تيسر من القرآن) (6). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ~~(7). # PageV00P221 # والاحتجاج بالآية والخبر صحيح إذا سلموا لنا أن من عبر عن القرآن ~~بالفارسية فلا يقال له قرآن. # وإن لم يسلموا ذلك وادعوا أنه قرآن، استدللنا على فساد قولهم بقوله ~~تعالى: # (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) (1). # وقوله عز وجل: (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ms068 بلسان ~~عربي مبين) (2). # وأيضا فإن القرآن ليس بأدون حالا من الشعر، ولو أن معبرا عبر عن قصده من ~~الشعر بالفارسية لما سمى أحد ما سمعه بأنه شعر، فبأن لا يقال ذلك في القرآن ~~أولى. # وأيضا فإن إعجاز القرآن في لفظه ونظمه، فإذا عبر عنه بغير عبارته لم يكن ~~قرآنا. # فإن تعلق المخالف بقوله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم و ~~موسى) (3) وبقوله تعالى: (وإنه لفي زبر الأولين) (4) والصحف الأولى لم تكن ~~بالعربية، وإنما كانت بلغة غيرها. # فالجواب عن هذا: أنه تعالى لم يرد أن القرآن كان مذكورا في تلك الكتب ~~بتلك العبارة، وإنما أراد أن حكم هذا الذي ذكر في القرآن مذكور في تلك ~~الكتب. # وقيل أيضا إنه أراد صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذكر شريعته ودينه ~~في الصحف . # PageV00P222 # الأولى (1). # فإن قيل: قد حكى الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال: (رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا) (2) وعن غيره من الأمم الماضية، ونحن نعلم أنهم ~~لم يقولوا ذلك بهذه العربية، وإنما قالوه بلغاتهم المخالفة لها، إلا أنه ~~لما حكى المعنى أضاف الأقوال إليهم، وهذا يقتضي أن من عبر عن القرآن ~~بالفارسية تكون عبارته قرآنا. # قلنا: لا أحد من الناس يقول إن من غير الكلام بما يوجد فيه معناه يكون ~~قائلا له بعينه، وإنما يكون قائلا لما معناه معنى هذا الكلام وفائدته ~~فائدته، فظاهر الأمر متروك لا محالة. # المسألة السابعة والثمانون: # " الطمأنينة بعد الاستواء من الركوع والسجود واجبة (*) ". # هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا، وإليه ذهب الشافعي (3). # وقال أبو حنيفة: ليس ذلك بواجب (4). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم، ما روي من قوله عليه ~~السلام في خبر رفاعة: " ثم ليكبر وليركع حتى يطمئن راكعا " ثم قال في آخر ~~الخبر: " فإذا فعل ذلك # PageV00P223 # فقد تمت صلاته " (1). # فجعل تمام الصلاة يتعلق بالطمأنينة في الركوع. # فإن قالوا: قال الله تعالى: (اركعوا واسجدوا) (2) والركوع في اللغة هو ~~الانحناء (3)، والطمأنينة ليست مشروطة في تعلق الاسم. # قلنا: إنما ms069 أوجب الله تعالى فقال (4) الركوع إيجابا مطلقا، والنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بين كيفية السجود في الخبر الذي ذكرناه. # ومما يدل على وجوب الطمأنينة في السجود قوله عليه السلام في خبر رفاعة: " ~~لا تقبل صلاة امرئ - إلى أن قال: - ثم ليسجد فيمكن جبهته من الأرض حتى ~~تطمئن مفاصله " المسألة الثامنة والثمانون: # " القعدة الأخيرة واجبة (*) ". # هذا صحيح، وعندنا أن الجلوس واجب، والتشهد الأخير واجب، وكذلك التشهد في ~~نفسه، وهو مذهب الشافعي (5). # PageV00P224 # وقال أبو حنيفة: الجلوس واجب، والتشهد غير واجب (1). # وقال الزهري، ومالك، والأوزاعي، والثوري: لا يجب واحد منهما (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد، ما رواه ابن مسعود ~~قال: كنا نقول إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: السلام على ~~الله قبل عباده، السلام على فلان، السلام على فلان. # فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تقولوا السلام على الله، فإن ~~الله هو السلام، ولكن قولوا: # التحيات لله والصلوات الطيبات " (3) إلى آخر التشهد، فأمر بالتشهد، وأمره ~~على الوجوب. # وأيضا في خبر آخر عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علمه ~~التشهد ثم قال: " إذا قضيت هذا فقد قضيت صلاتك " (4). # المسألة التاسعة والثمانون: # " السجود على سبعة أعضاء شرط في صحة الصلاة (*) ". # هذا صحيح وهو مذهبنا، وإليه ذهب الشافعي، وهو أصح قوليه (5)، وقد روي # PageV00P225 # عنه رواية ضعيفة أن ذلك لا يجب (1). # وقال أبو حنيفة: إن ذلك غير واجب (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع الذي راعيناه، ما رواه ابن ~~عباس قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد على سبع، يديه ~~وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته " (3). # وقد قال عليه السلام: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (4). # وروى أبو داود باسناده عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: " أمرت أن أسجد على سبعة: اليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ~~والجبهة " (5). # وروي عن خباب بن الأرت (6) قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حر الرمضاء في ms070 جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا (7). # فإن تعلقوا بقوله: (اركعوا واسجدوا) (8). # . # PageV00P226 # وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأعرابي: " ثم اسجد " (1). # فالجواب عن ذلك: أن ذلك كله كالمجمل، لم يبين فيه كيفية السجود، والخبر ~~الذي رويناه قد ثبت فيه كيفية السجود فهو أولى. # فإن تعلقوا بما رواه ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ~~مثل الذي يصلي وهو عاقص شعره، مثل الذي يصلي وهو مكتوف " (2) فشبه عاقص ~~الشعر بالمكتوف، وصلاة عاقص الشعر جائزة، ولا يجب عليه الإعادة، فكذلك ~~المكتوف. # والجواب عن ذلك: أن صلاة المكتوف إنما تجوز وإن لم يضع يديه على الأرض ~~لتعذر وضعهما عليه، والعذر يسقط الفرض، وإنما يوجب ذلك في حال القدرة ~~والاختيار. # المسألة التسعون: # " لا يجوز السجود على كور العمامة (*) ". # هذا صحيح، وهو مذهبنا، وبه قال الشافعي (3). # وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك (4). # دليلنا: الاجماع المتقدم، وأيضا في خبر رفاعة: " ثم يسجد فيمكن جبهته من # PageV00P227 # الأرض، حتى تطمئن مفاصله " (1)، فظاهر الخبر يقتضي أنه ما لم يمكن جبهته ~~من الأرض لا تقبل الصلاة. # وروى ابن عباس أنه قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد ~~على سبعة أعضاء: اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة " (2) ومن سجد على ~~كور العمامة لم يسجد على الجبهة. # فإن تعلقوا بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم " أنه سجد على كور ~~العمامة وبعض الجبهة " (3). # فجوابنا: إن هذا خبر ضعيف (4) عند أهل النقل، على أنه لا حجة فيه، لأنه ~~قد ذكر فيه السجود على الجبهة وهو الفرض، وما انضاف إلى ذلك من كور العمامة ~~لا اعتبار به، لأنه ما وقع الاقتصار عليه. # المسألة الحادية والتسعون: # " يصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأول (*) ". # هذا صحيح، وهو مذهبنا، وعندنا أن التشهد الأول واجب كوجوب التشهد الثاني، ~~والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجبة، ووافقنا في وجوب التشهد ~~الأول الليث، وأحمد، وإسحاق (5)، وخالف باقي الفقهاء. # PageV00P228 # وقال أبو حنيفة: التشهدان جميعا غير واجبين (1). # وقال الشافعي: الثاني واجب والأول ليس ms071 بواجب (2)، وأوجب الشافعي في ~~التشهد الأخير الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3). # وقال مالك، والثوري، والأوزاعي (4)، وأبو حنيفة: ليست بواجبة (5). # دليلنا بعد الاجماع المتكرر ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " صلوا كما ~~رأيتموني أصلي " (6) وقد كان عليه السلام يتشهد التشهدين جميعا لا محالة، ~~وإذا وجب التشهد الأول وجبت الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه ~~كوجوبها في الأخير، لأن كل من أوجب الأول أوجب الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ومما يدل على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (7) ~~فأمر بالصلاة عليه، وأجمعنا على أن الصلاة عليه لا تجب في غير الصلاة، فلم ~~يكن موضعا يحمل عليه إلا الصلاة، وهذا الخبر يقتضي وجوب الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في التشهدين معا. # . # PageV00P229 # وروت عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا تقبل (1) صلاة ~~إلا بطهور والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم (2). # المسألة الثانية والتسعون: # " كل صلاة يجهر فيها بالقراءة فإنه يقنت فيها (*) ". # هذا (3) صحيح، وعندنا أن القنوت مستحب في كل صلاة، وهو فيما يجهر فيه ~~بالقراءة أشد تأكيدا. # وقال الشافعي: إن القنوت في الصبح مسنون (4). # وروي عنه أنه قال: يقنت في الصلوات كلها عند حاجة المسلمين إلى الدعاء ~~(5). # وقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن شبرمة والثوري - في رواية الليث -: إنه لا ~~قنوت في الفجر ولا غيرها (6). # وكان ابن أبي ليلى، ومالك، وابن حي، يرون القنوت في الفجر (7). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم قوله تعالى: (وقوموا ~~لله # PageV00P230 # قانتين) (1) وهذا أمر فيه، عام لسائر الصلوات. # فإن قيل: هذا نهي عن الكلام في الصلاة، ومعنى قانتين ساكتين. وقيل: إن ~~القنوت هو طول القيام في الصلاة، بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من قوله: # " أفضل الصلاة طول القنوت " (2) يعني طول القيام. # قلنا: لا يعتبر بمعنى هذه اللفظة في اللغة، والمعتبر ms072 بمعناها في الشريعة، ~~والمفهوم في الشريعة من قولنا القنوت: هو الدعاء المخصوص، كما أنه لا يعتبر ~~بمعنى لفظة الصلاة في اللغة، وإنما يعتبر بمعناها في الشريعة. # ونحن نحمل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " أفضل ~~الصلاة طول القنوت " على أنه أراد به الدعاء أيضا، لأن طول الدعاء والتضرع ~~إلى الله تعالى عبادة مستحبة. # ويدل على القنوت في صلاة الصبح ما رواه أنس، قال: " كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقنت في الصبح إلى أن فارق الدنيا " (3). # فإن تعلق المخالف بما روي عن عمر أنه قال: " قنت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم شهرا، ثم ترك (4). # قيل: المراد بهذا أنه قنت في سائر الصلوات غير الصبح ثم ترك ذلك. # . # PageV00P231 # ويجوز حمله أيضا على أنه كان يدعو على أقوام بأعيانهم ثم ترك ذلك (1)، ~~على أن أنسا روى عنه أنه عليه السلام قنت فثبت، والمثبت أولى. # المسألة الثالثة والتسعون: # " من أحدث في صلاته (2) أو سبقه الحدث بطلت صلاته (*) ". # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا، وهو مذهب الشافعي في قوله الجديد (3). # وقال في القديم: تبطل الطهارة ولا تبطل الصلاة فيبني عليها، وهو قول ~~مالك، وأبي حنيفة (4). # وقال المحصلون من أصحاب أبي حنيفة: إن القياس عندهم ألا يبني على صلاته، ~~لأن انصرافه من الصلاة ومشيه وغسله الأعضاء أفعال تنافي الصلاة، فتركوا ~~القياس للأثر (5). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر: أن الصلاة في الذمة ~~بيقين، فلا تسقط عنها إلا بيقين، وقد علمنا أن الحدث إذا سبقه ولم يعد ~~الوضوء والصلاة، # PageV00P232 # بل توضأ وبنى - على ما يقوله أصحاب أبي حنيفة - فإن ذمته ما برئت بيقين، ~~وإذا أعاد فقد تيقن براءة ذمته، فوجب الإعادة. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في ~~الصلاة فينفخ بين أليتيه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا " (1) وهذا ~~الحدث الذي كلامنا (2) فيه قد سمع الصوت، ووجد الريح، فيجب انصرافه عن ~~الصلاة. # فإن قالوا: نحن إذا ms073 أوجبنا عليه أن ينصرف من الصلاة ليتوضأ، ثم يبني على ~~ما فعله، فقد قلنا بموجب الخبر. # قلنا: الخبر يقتضي انصرافه عن الصلاة، وأنتم تقولون: ما انصرف عنها بل هو ~~فيها وإن تشاغل بالوضوء. # وأيضا فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا صلاة إلا ~~بطهور " (3) ومن سبقه الحدث فلا طهور له، فوجب ألا يكون في الصلاة وأن يخرج ~~بعدم الطهور عنها. # وأيضا ما رواه أبو داود باسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: " إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، وليتوضأ، وليعد صلاته (4). # فإن قالوا: نحمل ذلك على العمد أو على الاستحباب. # قلنا: ظاهر الخبر يتناول العمد وغير العمد، ولا يجوز أن نخصه إلا بدليل، ~~وظاهر الأمر الوجوب، ولا نحمله على الاستحباب إلا بدليل. # . # PageV00P233 # فإن احتجوا بما رواه ابن أبي مليكة (1) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: " إذا قاء أحدكم في الصلاة أو رعف فلينصرف وليتوضأ وليبني على ~~صلاته ما لم يتكلم " (2). # فالجواب عن ذلك: أن هذا خبر ضعيف مطعون فيه، وقد قيل فيه ما هو مشهور، ~~ونحن نقول بموجبه، لأن القئ والرعاف عندنا ليس بحدثين ينقضان الوضوء، فجاز ~~معهما الانصراف لغسل النجاسة، والبناء على الصلاة، وليس كذلك باقي الأحداث ~~الناقضة للوضوء. # المسألة الرابعة والتسعون: # " من تكلم في صلاته ناسيا أو متعمدا بطلت صلاته (*) ". # الذي يذهب إليه أصحابنا أن من تكلم متعمدا بطلت صلاته، ومن تكلم ناسيا ~~فلا إعادة عليه وإنما يلزمه سجدتا السهو. # وقال الشافعي: من تكلم في صلاته ناسيا أو جاهلا بتحريم الكلام لم تبطل ~~صلاته (3). # وقال مالك: كلام الناسي لا يبطل الصلاة وكذلك كلام العامد إذا كان فيه # PageV00P234 # مصلحة للصلاة (1). # وقال أبو حنيفة: كلام العمد والسهو ومن يجهل تحريم الكلام يبطل الصلاة ~~(2). # وقال النخعي: جنس الكلام يبطل الصلاة عمده وسهوه (3). # دليلنا على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة بعد الاجماع المتقدم ما روي ~~عنه عليه السلام: " رفع عن أمتي النسيان وما استكرهوا عليه " (4) ولم يرد ~~رفع الفعل لأن ms074 ذلك لا يرفع، وإنما أراد رفع الحكم، وذلك عام في جميع ~~الأحكام إلا ما قام عليه دليل. # فإن قيل: المراد رفع الإثم. # قلنا: الإثم يدخل في جملة الأحكام، واللفظ عام للجميع. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ~~ريحا " (5) وما ذكر الكلام، فدل على أنه ليس بحدث يقطع الصلاة. # وقد استدل الشافعي بخبر ذي اليدين: (6)، أن أبا هريرة روى أنه عليه ~~السلام صلى بأصحابه العصر، فسلم في الركعتين الأولتين. # فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟ # . # PageV00P235 # فأقبل على الناس فقال: " أصدق ذو اليدين "؟ فقالوا: نعم. # وفي خبر آخر: " أنه أقبل على أبي بكر (1) وعمر خاصة فقالا: نعم (2) فأتم ~~ما بقي من صلاته، وسجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم (3) (4). # فموضع الاستدلال: أنه عليه السلام تكلم في الصلاة ناسيا، وتكلم بعد ذلك ~~وهو يعتقد أنه خرج من الصلاة، ثم أتم وبنى على صلاته، فدل على أن الكلام مع ~~النسيان لا يبطل الصلاة، وعند أبي حنيفة أن هذا الكلام يبطل الصلاة (5). # فإن قيل: هذه القصة كانت في صدر الإسلام، حيث كان الكلام مباحا في الصلاة ~~ثم نسخ. # قلنا: إباحة الكلام في الصلاة قبل الهجرة ثم نسخ بعدها، ألا ترى أن عبد ~~الله بن مسعود قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أرض الحبشة ~~فسلمت عليه، فلم يرد علي. # ثم قال: " وإن مما أحدث الله ألا يتكلموا في الصلاة " (6). # . # PageV00P236 # وهذه القصة كانت بعد الهجرة، لأن أبا هريرة أسلم بعد الهجرة بسبع سنين، ~~على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد للسهو، ولو كان الكلام مباحا لم ~~يسجد. # وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أقبل على الناس ~~وسألهم أومأوا أن نعم ولو كان الكلام مباحا لتكلموا (1). # فأما ذو اليدين فكان يعتقد أن الصلاة قد قصرت، وأنه قد خرج من الصلاة، ~~لأن الظاهر من أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها تقع موقع الصحة ms075 ~~فاعتقد ذلك، فلم تبطل صلاته بالكلام. # وأما ما روي في بعض الروايات أن ذا اليدين قال: بل نسيت (2) وهذا يدل على ~~أنه ما اعتقد قصر الصلاة وأنه تكلم عامدا، فالجواب عنه: أنه يجوز أن يكون ~~قوله: بل نسيت في ظني وتقديري، لأن القطع هناك غير ممكن، ولم يعلم أن الظن ~~هاهنا يقوم مقام العلم. # ويمكن أيضا أن يكون ذو اليدين قد أعاد الصلاة وحده، لأنه تكلم عامدا، وإن ~~لم ينقل ذلك إلينا. # فأما باقي الناس الذي سألهم عليه السلام فقال: " أحقا ما يقول ذو اليدين ~~" - أبو بكر، وعمر خاصة على بعض الروايات - (3) فالصحيح أنهم أومأوا أن نعم ~~ولم يتكلموا، وقد يقال فيمن أومأ أن نعم أنه قال: نعم. # وروي في هذا الخبر أن الناس أومأوا أن نعم، لما سألهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # . # PageV00P237 # وقال قوم: إن ذلك الكلام كان إجابة لسؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وذلك لا يبطل الصلاة (1). # واستدلوا بأنه عليه السلام مر على أبي وهو يصلي فقال: " السلام عليك يا ~~أبي ". # فالتفت ولم يرد عليه وخفف الصلاة ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " ما منعك أن ترد علي "؟ قال: كنت أصلي الصلاة. # قال: أوما علمت أن فيما أوحي إلي (يا أيها الذي آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (2) (3). # والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر بذلك مع أنه مبطل للصلاة. # فإن تعلقوا بما رواه عبد الله بن مسعود: من أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: " وإن مما أحدث الله ألا يتكلموا في الصلاة " (4) وهذا عام في ~~السهو والعمد في الصلاة. # والجواب عن ذلك: أن هذا نهي وتكليف، والنهي لا يتناول الساهي، لأن السهو ~~يبطل التكليف، واختص بالعامد والذي يمكنه الاحتراز من الفعل، ولو كان ظاهره ~~عاما لخصصناه بالعامد للأدلة المتقدمة. # وبمثل هذا يجيب من اعتمد على ما روي عنه عليه السلام من قوله: " الكلام ms076 ~~يبطل الصلاة، ولا يبطل الوضوء " (5). # . # PageV00P238 # المسألة الخامسة والتسعون: # " من سلم تسليمتين في غير موضعهما بطلت صلاته (*) ". # أما من سلم تسليمة واحدة أو تسليمتين في غير موضعهما من الصلاة متعمدا ~~كانت صلاته باطلة، لأنه قد تكلم عامدا في الصلاة والكلام المتعمد فيها ~~يبطلها. # فإن سلم ساهيا تسليمة أو تسليمتين في غير موضعهما فعندنا أنه يبني على ~~صلاته ولا يفسد الصلاة مع النسيان، ويسجد سجدتي السهو. # وقال أبو حنيفة: إن تكلم ساهيا بطلت صلاته (1) على ما حكيناه قبل هذه ~~المسألة. # وقال أبو جعفر الطحاوي: كان رأي عمر أن يقول: إن السلام أيضا يفسد الصلاة ~~(2). # وقال مالك، والشافعي: من سلم أو تكلم ساهيا بنى (3). # وقال الثوري في رواية: إن سلام الناسي يفسد الصلاة، (4) وفي رواية أخرى: # أنه لا يفسد (5). # وقال الحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن العنبري: لا يفسد الصلاة السلام # PageV00P239 # ناسيا (1). # فأما الذي يدل على أن من سلم متعمدا في الصلاة تسليمة أو اثنتين في غير ~~موضعهما فإن صلاته تفسد، وإن كان في ذلك إصلاح لصلاته - وهو خلاف مالك - ~~بعد الاجماع المتقدم، ما رواه زيد بن أرقم (2) قال: كنا نتكلم في الصلاة ~~حتى نزل: # (وقوموا لله قانتين) (3) فأمرنا بالسكوت في الصلاة (4). # وأيضا حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قدمت من أرض الحبشة فوجدت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة، وكانوا يسلمون على المصلي (5) فترك ~~السلام قبل خروجي إلى أرض الحبشة، فسلمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فلم يرد السلام علي، فأخذني ما قدم وحدث. # فلما فرغ من صلاته قال: " إن الله تعالى يحدث من أمره ما شاء، وإن فيما ~~أحدث ألا تتكلموا في الصلاة " (6). # وأيضا حديث معاوية بن الحكم (7): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~" لكن صلاتنا هذه لا . # PageV00P240 # يدخل فيها شئ من كلام الناس " (1). # وهذه الأخبار كلها تدل على أنه لا فرق بين ما هو إصلاح الصلاة وبين غيره. # فأما الذي يدل على أنه من سلم ناسيا فإن صلاته لا تفسد وأنه يبني ms077 على ~~صلاته ويسجد سجدتي السهو، فهو كل شئ دللنا عليه في المسألة التي قبل هذه ~~المسألة على أن من تكلم ناسيا في الصلاة لا تفسد صلاته. # وأيضا فإن السلام أخص حالا من الكلام، وإذا كان من تكلم ناسيا في الصلاة ~~لا تفسد صلاته، فالأولى أن يكون السلام بهذه الصفة. # وخبر ذي اليدين - الذي تقدم ذكره (2) - يدل على أن من سلم ناسيا لا تبطل ~~صلاته، لأنه روى أن النبي صلى الله عليه وآله سلم في الركعتين الأولتين ~~ساهيا من الظهر أو العصر، ثم بنى على صلاته. # المسألة السادسة والتسعون: # " ومن زاد في صلاته سجدة مقصودة غير مسهو عنها بطلت صلاته (*) ". # هذا صحيح، ولا خلاف فيه بين أصحابنا، ولا بين المسلمين. # PageV00P241 # المسألة السابعة والتسعون: # " من أم قوما بغير طهارة بطلت صلاته، وصلاة المؤتمين " (*). # هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، فأما بطلان صلاته ووجوب الإعادة فلا خلاف ~~فيهما، والأقوى في نفسي على ما يقتضيه المذهب: أن تجب الصلاة على المؤتمين ~~به أيضا على كل حال. # وقد وردت رواية بأنهم يعيدون في الوقت، ولا إعادة عليهم بعد خروج الوقت ~~(1). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا صلى الإمام وهو جنب بقوم لم تنعقد للإمام ~~صلاة، وإذا لم تنعقد صلاته لم تنعقد للمأموم صلاة، ووجب عليه وعليهم ~~الإعادة (2). # وقال الشافعي: إذا صلى الجنب أو المحدث بقوم فصلاته في نفسه باطلة سواء ~~علم بحدثه أو لم يعلم، والمأمومون إن علموا بحاله بطلت صلاتهم، وإن لم ~~يعلموا لم تبطل، وكذلك كل موضع بطلت فيه صلاة الإمام لم يتعد ذلك البطلان ~~إلى صلاة المأمومين، إلا أن يعلموا ببطلان صلاته ويستديموا الايتمام به ~~(3). # PageV00P242 # وقال مالك: إن كان الإمام علم بذلك لزم المأموم الإعادة، وإن لم يكن علم ~~لم يلزمهم (1). # وقال عطاء: إن كان الإمام جنبا أعاد المأموم بكل حال، وإن كان محدثا فإن ~~ذكر في الوقت أعاد، وإن ذكر بعد خروج الوقت لم يعد (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فإن هذه ~~المسألة مبنية على أن صلاة المأموم ms078 متضمنة لصلاة الإمام، تفسد بفسادها. # والدليل على صحة ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: " الإمام ضامن " (3) فلو كان مصليا لنفسه، ولم تكن صلاة المأموم ~~معقودة بصلاته، لما كان الإمام ضامنا. # ويدل أيضا على ذلك قوله عليه السلام: " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد ~~بخمسة وعشرين درجة " (4) فلو كان كل واحد مصليا لنفسه ولم تكن صلاة ~~المأمومين متعلقة بصلاة الإمام لما استحقوا هذه الفضيلة. # ولا يمكن أن يقال: إن الفضيلة إنما هي الاجتماع، وذلك أنه لو اجتمعوا ~~وصلوا وحدانا لما استحقوا هذه الفضيلة. # فإن قيل: لو كانت صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام لوجب إذا فسدت صلاة ~~المأموم أن تفسد الصلاة الإمام. # . # PageV00P243 # قلنا: صلاة الإمام غير متعلقة بصلاة المأموم، ولهذا لم تفسد بفسادها، ~~وليس كذلك المأموم لأن صلاته متعلقة بصلاة الإمام بما بيناه. # والذي يفرق بين الأمرين: أن الإمام لو علم بأن المأموم محدث لم يمنع ذلك ~~من صحة صلاته، ولو علم المأموم أن إمامه محدث لم تصح صلاته، وكذلك لو سها ~~المأموم لم يلزم الإمام حكم سهوه، ولو سها الإمام لزم المأموم حكمه. # فإذا ثبت أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام وبطلت صلاة الإمام بطلت ~~صلاة المأموم. # فإن احتجوا بما رواه أبو هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى ~~بالناس جنبا فأعاد ولم يعيدوا " (1). # فالجواب عنه: أن هذا معارض بما رواه سعيد بن المسيب: " بأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم صلى بالناس جنبا فأعاد وأعادوا " (2) وهذه الرواية ~~أولى من روايتهم، لأنها تثبت الإعادة وتلك تنفيها. # المسألة الثامنة والتسعون: # " لا يجوز إمامة الفاسق " (*). # هذا صحيح، وعليه إجماع أهل البيت كلهم على اختلافهم، (3) وهذه من المسائل ~~المعدودة التي يتفق أهل البيت كلهم على اختلافهم عليها. # والدليل على صحتها الاجماع المذكور، وأيضا قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى # PageV00P244 # الذين ظلموا فتمسكم النار) (1) وتقديم الإمام في الصلاة اتباع له، وركون ~~إليه، وسكون إلى أمانته، والظاهر يمنع منه، وكيف لا يكون ذلك ركونا ولا ~~سكونا وقد ms079 ضمن صلاة المؤتمين به، على ما روي في الخبر: " أن الإمام ضامن " ~~(2) وأيضا فإن الفضل يعتبر في باب الإمام على ما روي في الخبر: " يؤمكم ~~أقرؤكم " (3) على سياق الخبر الدال على اعتبار الفضيلة في الإمامة، والفسق ~~نقص عظيم في الدين، ولا يجوز أن يتقدم الفاسق البر التقي. [و] إذا اعتبر في ~~الإمامة الفضل في العلم والقراءة وما جرى مجراهما، وقدم الأفضل في ذلك كيف ~~لا يعتبر الفضل في الدين والثواب؟! # فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " صلوا على من قال لا إله ~~إلا الله، وخلف من قال لا إله إلا الله " (4). # فالجواب عنه: أنه أراد من قال ذلك ولم يكن فاسقا بالأدلة التي ذكرناها. # المسألة التاسعة والتسعون: # " من صلى وحده خلف الصفوف بطلت صلاته " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من دخل المسجد فلم يجد مقاما له في الصفوف # PageV00P245 # أجزأه أن يقوم وحده محاذيا لمقام الإمام، وانعقدت صلاته في مقامه هذا، ~~وبذلك قال الشافعي (1). # وقال النخعي، وحماد، وابن أبي ليلى: لا تنعقد صلاته (2). # وقال أحمد وإسحاق: تنعقد صلاته، ثم يترقب مجئ رجل آخر، فإن جاءه ووقف معه ~~أجزأت الصلاة، وإن لم يجئ وركع الإمام دخل في الصف، فإن لم يفعل بطلت صلاته ~~(3). # دليلنا: الاجماع المتكرر ذكره، وأيضا ما روي عن أبي بكر (4) أنه دخل ~~المسجد وهو يلهث، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الركوع، وركع ~~خلف الصف، ثم دخل مع الناس في الصف، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من صلاته قال: " أيكم أحرم خلف الصف "؟ فقلت: أنا، فقال: " زادك الله ~~حرصا، ولا تعد " (5). # فلو لم تكن صلاته انعقدت لأمره بإعادتها. # فإن قيل: قد نهاه عن العود. # قلنا: إنما نهاه عن أن يعود إلى التأخر عن الصلاة، أو نهاه أن يدخل ~~المسجد . # PageV00P246 # وهو يلهث، لأن المصلي مأمور بأن يأتي الصلاة وعليه السكينة والوقار. # فإن تعلقوا بما روي: من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى فرأى رجلا ~~يصلي خلف الصف، فلما ms080 فرغ من صلاته وقف عليه حتى أتم صلاته ثم قال: " أعد ~~صلاتك، فإنه لا صلاة لمن تفرد خلف الصف " (1). # قلنا: وقوفه عليه السلام حتى أتم صلاته دليل على صحتها وإجزائها، ولو ~~كانت باطلة لم يقف على تمامها. # ويجوز أن يحمل أمره له بالإعادة على الاستحباب بالأدلة المتقدمة. # المسألة المائة: # " إذا سبق المؤتم الإمام بتسليمتين بطلت صلاته، وإن سبق بتسليمة واحدة لم ~~تبطل " (*). # عندنا أنه إذا سها المأموم فسبق الإمام بتسليمة أو اثنتين لم تبطل صلاته، ~~وإن تعمد سبقه إلى التسليم بطلت صلاته. # والذي يدل على ذلك الاجماع المتكرر ذكره، وأيضا فإن السهو غير مؤاخذ به ~~وقد سقطت أحكامه لما دللناه عليه من قبل. # والذي يدل على ذلك أن التعمد هاهنا يبطل الصلاة، لأنه يخرجه من الاقتداء ~~بالإمام فتبطل صلاته لذلك. # PageV00P247 # المسألة الحادية والمائة: # " سجدتا السهو للزيادة قبل التسليم، وللنقصان بعد التسليم " (*). # عندنا أن سجدتي السهو بعد التسليم على كل حال، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى (1). # وقال مالك: إن كانتا للنقصان فموضعهما قبل التسليم، وإن كانتا عن زيادة ~~بعد السلام (2). # وقال الشافعي: سجدتا السهو قبل السلام، سواء كانتا لنقصان أو لزيادة (3). # دليلنا: الاجماع المتكرر، وأيضا ما رواه عمران بن الحصين، والمغيرة بن ~~شعبة (4)، وسعد بن أبي وقاص (5): " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد ~~سجدتي السهو بعد السلام " (6). # PageV00P248 # وروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا شك ~~أحدكم فليتحر للصواب، ثم السلام، ثم يسجد سجدتين " (1). # وروى عبد الله بن جعفر (2) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ~~من شك في صلاة فليسجد سجدتين بعد ما يسلم " (3). # وروى ثوبان (4) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " وفي كل سهو ~~سجدتان بعد ما يسلم (5). # المسألة الثانية والمائة: # " من شك في الأولتين استأنف الصلاة، ومن شك في الأخيرتين بنى على اليقين ~~" (*). # هذا مذهبنا وهو الصحيح عندنا، وباقي الفقهاء يخالفونا في ذلك، ولا يفرقون # PageV00P249 # بين الشك في الأولتين والأخيرتين (1) وما ms081 كان عندنا أن أحدا ممن عدا ~~الإمامية يوافق على هذه المسألة. # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه فيها: الاجماع المتكرر، وأيضا فإن ~~الركعتين الأوليين أوكد من الأخريين من وجوه. # منها: أن الأولتين واجبة في كل صلاة من الصلوات الخمس، وليس كذلك ~~الأخريان. # ومنها: أن تكبيرة التحريم التي بها يدخل في الصلاة في الأولتين دون ~~الأخيرتين. # ومنها: أنهم أجمعوا على وجوب القراءة في الأولتين، ولم يجمعوا في ~~الأخيرتين على مثل ذلك، لأن الشيعة الإمامية توجب القراءة في الأولتين دون ~~الأخيرتين، والشافعي يوجبها في الكل (2)، فقد أوجبها لا محالة في الأولتين. # وأبو حنيفة يوجبها في ركعتين من الصلاة غير معينتين (3)، فهو على التحقيق ~~موجب لها في الأولتين لكن على التخيير. # ومالك يوجب القراءة في معظم الصلاة (4) فهو موجب لها في الأولتين على ضرب ~~من التخيير. # فصح أن الاجماع حاصل على إيجاب القراءة في الأولتين وهذه مزية، فجاز لأجل ~~هذه المزية ألا يكون فيها سهو، وإن جاز في الآخرتين. # . # PageV00P250 # وأيضا فإن إيجاب إعادة الأولتين مع الشك فيهما استظهار للفرض واحتياط له، ~~وذلك أولى وأحوط من جواز السهو فيهما. # المسألة الثالثة والمائة: # " يصلي المريض الذي لا يستطيع الصلاة من قعود وعلى جنبه الأيمن " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا - وما أظن فيه خلافا من باقي الفقهاء - أن المريض ~~تجب عليه الصلاة على قدر طاقته وقدرته، فمن لم يستطع إلا الصلاة على الجنب ~~الأيمن تعين ذلك عليه، ومن شق ذلك عليه واستطاع على جنبه الآخر وجب ذلك ~~المستطاع وسقط ما لا يستطاع. وقد أسقط الله مع عدم القدرة كل فريضة، وأوجب ~~ما هو في الطاقة، وذلك أظهر من أن يخفى. # المسألة الرابعة والمائة: # " من ترك الصلاة في حال فسقه ثم تاب فلا إعادة عليه " (*). # عندنا أن من ترك الصلاة في حال فسقه ثم تاب فليصل ما فاته وتركه، واجب ~~عليه، ولا خلاف بين جميع الفقهاء في هذا الموضع، وإنما اختلفوا في غيره وهو # PageV00P251 # المرتد: هل يقضي بعد رجوعه إلى الإسلام ما تركه في حال الردة من الصلاة ms082 ~~والصيام؟. # فقال الشافعي: إن المرتد يلزمه قضاء ذلك. وهو الصحيح عندنا (1). # وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال الردة ~~(2). # فأما الفاسق إذا تاب فلا خلاف في وجوب قضاء ما تركه في حال فسقه. # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه في المرتد: الاجماع المتقدم ذكره، بل ~~إجماع المسلمين كلهم، وأن هذا الخلاف حادث متجدد، ولا اعتبار بمثله، وقد ~~سبقه الاجماع. # ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~" من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (3) والنسيان عبارة عن ~~معنيين أحدهما: # النسيان الذي هو ضد العمد، والآخر: عن ترك الشئ على وجه العمد كقوله (4) ~~تعالى: (نسوا الله فنسيهم) (5) فعلى هذا يكون الخبر دلالة على وجوب القضاء ~~لجميع ما تركه المرتد. # فإن قيل: نحمله على النسيان الذي هو ضد العمد. # قلنا: اللفظة محتملة للأمرين فنحمله عليهما، على أنا لو حملناه على ضد ~~العمد . # PageV00P252 # دون ما هو الترك لكان فيه دلالة، لأنه إذا وجب القضاء بالترك على وجه ~~النسيان فإن وجوبه على وجه العمد أولى. # وأيضا فليس الفاسق بأسوأ حالا من المرتد، فإذا وجب على المرتد - بالأدلة ~~المعروفة - قضاء ما فاته في حال ردته فالفاسق بذلك أولى، لأن الفاسق ليس ~~ينتهي إلى مساواة الردة. # المسألة الخامسة والمائة: # " ومن شرع في التطوع ثم أفسده لزمه القضاء " (*). # وعند أصحابنا: أن من شرع في صلاة التطوع أو صوم التطوع ثم أفسده لا يلزمه ~~القضاء. # وقال مالك: إن خرج بعذر لا قضاء عليه، وإن خرج بغير عذر فعليه القضاء ~~(1). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر ذكره، وأيضا ما روته أم ~~هانئ بنت أبي طالب (2) قالت: جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام ~~الفتح، وجلست # PageV00P253 # فاطمة عليها السلام (1) على يساره، فأتته الوليدة بشراب فشرب، ثم ناولني ~~فشربت. # فقلت: يا رسول الله! إني كنت صائمة، فكرهت أن أرد سؤرك. # فقال عليه السلام: " إن كنت تقضين يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن ms083 شئت ~~فاقضي وإن شئت فلا تقضي " (2). # وأيضا ما روته أم هانئ عنه عليه السلام أنه قال: " الصائم المتطوع أمير ~~نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر " (3). # وهذا التخيير بين الأمرين يوجب التساوي بينهما، فإنه لا قضاء على المفطر، ~~لأنه لو وجب الصيام بالدخول لما أسند الصوم إلى اختياره. كما لا يقال لمن ~~صام يوما من شهر رمضان: أنه إن شاء صام وإن شاء أفطر. # وأيضا فإن وجوب القضاء شرع وإيجاب في الذمة، والأصل براءة الذمة وأن لا ~~حرج، فمن منع من ذلك فعليه الدليل القاطع للعذر، ولا دليل فيه. # . # PageV00P254 # المسألة السادسة والمائة: # " وجود الخوف شرط في جواز القصر في السفر " (*). # عندنا أن القصر ليس مشروطا بالخوف في السفر، وهو قول جميع الفقهاء على ~~اختلافهم في وجوب القصر أو التخيير فيه. # الدليل على ذلك: الاجماع المتقدم ذكره، بل إجماع الفقهاء كلهم فما نعرف ~~فيه خلافا، وما يتجدد من الخلاف فلا اعتبار به. # وأيضا ما رواه يعلى بن منبه (1) قال: قلت لعمر بن الخطاب: أباح الله ~~القصر في الخوف، فأين القصر في غير الخوف؟ # فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألته صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " (2). # PageV00P255 # المسألة السابعة والمائة: # " ولا يجوز الافطار في السفر إلا عند الضرورة " (*). # عندنا أن الافطار في السفر المباح هو الواجب الذي لا يجوز الاخلال به، ~~فمن صام في السفر الذي ذكرناه وجب عليه القضاء، ووافقنا على ذلك أبو هريرة ~~(1) وقال أبو حنيفة: الصوم في السفر أفضل من الافطار (2). # وقال الشافعي: هو مخير بين الصوم والفطر، إلا أن الصوم أفضل (3). # وقال مالك، والثوري: الصوم في السفر أحب إلينا ممن قوي عليه (4). # وروي عن ابن عمر أنه قال: الفطر أفضل (5). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره قوله تعالى: (فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (6) وظاهر هذا الكلام يقتضي ~~أن السفر والمرض يجب معهما القضاء، ولا يجوز ms084 معهما الصوم. # فإن قالوا: في الآية ضمير، وإنما يريد فمن كان مريضا أو مسافرا فأفطر ~~فعدة من أيام أخر. # قلنا: الاضمار خلاف الظاهر، فمن ادعاه بلا دليل لم يتلفت إلى قوله، وإنما ~~أثبتنا # PageV00P256 # في قوله: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام) (1) ~~ضميرا، وهو ملحق بدليل، ولا دليل في الموضع الذي اختلفنا فيه. # ويدل على ذلك أيضا ما روي عنه عليه السلام: " ليس من البر الصيام في ~~السفر " (2). # وأيضا ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " فاقبلوا صدقته " ~~(3) وهذا أمر، وظاهر الأمر على الوجوب. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " ~~(4). # فإن احتجوا بما روي أن حمزة بن عمرو الأسلمي (5) سأل النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن الصوم في السفر؟ فقال: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر " (6). # والجواب عنه: أنا نحمل ذلك على إباحة صوم التطوع بالأدلة التي ذكرناها. # فإن قيل: أفليس قد رويتم أنه: " ليس من البر الصيام في السفر "؟ # PageV00P257 # قلنا: لو تركنا وظاهر هذا الخبر لمنعنا في السفر من صوم الواجب والتطوع ~~معا، لكنا أخرجنا التطوع بدليل، ويبقى الواجب داخلا تحت الظاهر. # المسألة الثامنة والمائة: # " وأقل الإقامة عشرة أيام " (*). # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا، وقد قال بعضهم: إن أقل الإقامة خمسة أيام ~~(1). # والأظهر الأشهر هو القول الأول، ووافقنا على ذلك الحسن بن صالح (2). # وقال الشافعي: مدة الإقامة التي تنقطع بها أحكام السفر أربعة أيام، غير ~~يوم الدخول ويوم الخروج، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور (3). # وقال سعيد بن جبير: إذا أقام أكثر من خمسة عشر يوما أتم، فما كان أقل من ~~خمسة عشر يوما فما دونها قصر (4). # وقال أبو حنيفة: إذا نوى المسافر إقامة خمسة عشر يوما أتم الصلاة، وإن ~~كان أقل من ذلك قصر، وهو أحد الروايات عن ابن عمر (5). # PageV00P258 # وفي رواية أخرى عنه: أنها ثلاثة عشر يوما (1). # وفي رواية ثالثة: أنها اثنا عشر يوما، وهو قول الأوزاعي (2). # وقال ربيعة: يوم وليلة (3). # وقال ms085 الحسن: إذا دخل المسافر بلدا أتم (4). # وعن عائشة أنها قالت: إذا وضع المسافر رحله أتم (5). # دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره. # ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بما رواه مجاهد (6)، عن ابن عباس، وابن عمر ~~قالا: إذا قدمت بلدا وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم به خمسة عشر يوما فأكمل ~~الصلاة (7). # ولم يرو عن أحد من السلف خلافهما. # فإن قيل: هذا خلاف مذهبكم، لأنكم تقولون: أن المدة عشرة أيام. # قلنا من قال: إن المدة عشرة أيام يوجب التمام لخمسة عشر يوما . # PageV00P259 # لدخول العشرة فيها، وهذا الخبر يبطل قول الشافعي في الأربعة أيام على كل ~~حال. # فإن احتج المخالف بما رواه عطاء الخراساني (1) عن سعيد بن المسيب قال: من ~~أجمع على إقامة أربع وهو مسافر أتم الصلاة (2). # فالجواب عنه: أن هشيما روى عن داود بن أبي هند (3)، عن سعيد بن المسيب ~~أنه قال: إذا أقام المسافر خمسة عشر يوما (4) أتم، فتعارضت الروايتان عن ~~سعيد ابن المسيب وسقطتا. # ويمكن أن يحمل الخبر على غير ظاهره، وأن المراد: أن من أجمع على مقام ~~أربعة أيام بعد إجماعه على إقامة ستة أتم. # المسألة التاسعة والمائة: # " إذا صلى المسافر خلف المقيم أتم " (*). # عندنا: أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم سلم في الركعتين الأولتين # PageV00P260 # وانصرف. # وقد روي أنه يجوز أن يجعل الركعتين الآخرتين تطوعا (1). # وقال الشعبي، وداود، وطاوس (2): يجوز له القصر وإن اقتدى بمقيم (3). # وقال الشافعي: إذا اقتدى المسافر بمقيم في الصلاة لزمه التمام، وهو قول ~~أبي حنيفة، وأصحابه، والثوري (4). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ذكره، قوله تعالى: ~~(وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) (5)، وهذا ضارب ~~في الأرض، وله حكم المسافر بلا خلاف، فيجب أن يلزمه التقصير. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " صلاة السفر ركعتان " (6) وهذا ~~مسافر ولا يلزمه صلاة المقيم. # فإن احتجوا بما روي من قوله عليه السلام: " إنما جعل الإمام ليؤتم به " ~~(7) وأن ظاهره يقتضي اتباعه في جميع أفعال الصلاة بكل حال. # . # PageV00P261 # فالجواب: ms086 أن هذا المسافر مقتد بالمقيم في فرضه، ولا يجب فيما زاد عليه ~~مما ليس من فرضه للأدلة التي ذكرناها. # المسألة العاشرة والمائة: # " يصلي في الخوف بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعة، ويسلم ~~بالطائفتين جميعا، ويصلي المغرب بالطائفة الأولى ركعة (*)، وبالثانية ~~ركعتين ". # عندنا أن كيفية صلاة الخوف هي أن يفرق الإمام أصحابه فرقتين: فرقة يجعلها ~~بإزاء العدو تدافعه، وفرقة خلفه، ثم يكبر ويصلي بمن ورائه ركعة واحدة، فإذا ~~نهض إلى الثانية صلوا لأنفسهم ركعة أخرى، وهو قائم يطول القراءة، ثم جلسوا ~~فتشهدوا وسلموا ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم، فجاءت الفرقة الأخرى ~~فلحقوا الإمام قائما في الثانية، فاستفتحوا الصلاة وأنصتوا القراءة (1) ~~فإذا ركع ركعوا بركوعه وسجدوا بسجوده، فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة ~~أخرى وهو جالس، ثم جلسوا معه فسلم بهم وانصرفوا بتسليمه، ووافقنا على هذا ~~الترتيب والتحديد الشافعي (2). # ووافق مالك عليه إلا في موضع واحد وهو أنه قال: إذا صلى بالطائفة الثانية # PageV00P262 # ركعة فإنه يسلم ولا ينتظرهم، حتى يسلم بهم (1). # وقال أبو حنيفة: يفرقهم فرقتين، فيحرم بفرقة، وتقف الأخرى في وجه العدو، ~~فيصلي بالتي خلفه ركعة، فإذا قام إلى الثانية انصرفت الطائفة التي خلفه ~~فوقفت في وجه العدو وهم في الصلاة ثم تأتي الطائفة الأولى فيصلي بهم الركعة ~~الثانية ويسلم، ثم تنصرف هذه الطائفة فتقف في وجه العدو وهم في الصلاة، ثم ~~تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الصلاة، فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ~~ويرجعون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فتصلي الركعة الثانية (2). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد قوله تعالى: (فإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) (3). # ظاهر القرآن يقتضي أن الطائفة الثانية تصلي مع الإمام جميع صلاتها، وعند ~~مخالفينا من أصحاب أبي حنيفة أنها تصلي معه النصف، فقد خالف الظاهر لأنه ~~تعالى قال: (فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) فيجب أن يكون المراد بذلك سجود ~~الطائفة الأولى في الركعة الثانية، يدل ms087 عليه إضافة السجود إليهم، والصلاة ~~التي يشترك فيها الإمام والمأموم تضاف إلى الإمام وإلى الإمام والمأموم، ~~ولا تضاف إلى المأموم وحده لأنه تابع. # ومما يقوي أن الترتيب الذي ذكرناه في هذه الصلاة أقوى مما ذهب إليه ~~غيرنا: # . # PageV00P263 # أن فيه تسوية بين الطائفتين من وجهين: # أحدهما: أن الإمام يحرم بالطائفة الأولى ويسلم بالطائفة الثانية، فيحصل ~~للأولى فضيلة الاحرام وللثانية فضيلة التحليل، وعلى قولهم يحرم بالأولى ولا ~~يسلم بالثانية. # والوجه الثاني: أن الطائفة الأولى لما صلت مع الإمام حرستها الطائفة ~~الأخرى وهي غير مصلية لتساويها في حالة الحراسة في غير صلاة، وعلى قولهم ~~تحرسها في الصلاة. # وأيضا فإن الصلاة التي يذهب المخالف إليها تشتمل على أمور تبطل بمثلها ~~الصلاة، منها المشي الكثير، والأفعال الكثيرة، واستدبار القبلة، وأن ~~الطائفة الأولى إذا صلت ركعة انتظرت فراغ الإمام، والانتظار الكثير يبطل ~~الصلاة. # المسألة الحادية عشرة والمائة: # " صلاة العيدين واجبة على الكفاية، يكبر فيها سبعا في الأولى مع تكبيرة ~~الافتتاح والركوع، وخمسا في الأخيرة مع تكبيرة القيام وتكبيرة الركوع، ~~فيواصل بين القراءتين، وإن شاء واصل بين التكبيرتين " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا في صلاة العيدين أنها فرض على الأعيان وتكامل # PageV00P264 # الشروط التي تلزم معها صلاة الجمعة من حضور السلطان العادل، واجتماع ~~العدد المخصوص، إلى غير ذلك من الشرائط. وهما سنة تصلى على الانفراد عند ~~فقد الإمام، أو اختلال بعض الشرائط. # ويكبر في الأولى سبعا من جملتها تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع، وتكون ~~قراءته عقيب تكبيرة الافتتاح وقبل باقي التكبيرات، وفي الثانية يكبر خمسا ~~فيها واحدة عند قيامه وقبل قراءته، ثم أربع من جملتهن تكبيرة الركوع، ويقرأ ~~عقيب تكبيرة القيام وقبل باقي التكبيرات. # ووافقنا أصحاب أبي حنيفة بأن صلاة العيدين واجبة على الأعيان (1)، وقالوا ~~في عدد التكبيرات: إنهن خمس في الركعة الأولى وأربع في الركعة الثانية منها ~~تكبيرة الركوع، وقالوا: أنه يوالي بين القراءتين، كأنه كان يقرأ في الأولى ~~بعد التكبير وفي الثانية قبل التكبير (2). # وقال الشافعي: صلاة العيدين ليست بواجبة، ويكبر عنده في الركعة الأولى ~~سبعا سوى تكبيرة ms088 الافتتاح والركوع، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام ~~والركوع، ويقرأ في الركعة الأولى والثانية بعد التكبير (3). # وقال مالك: يكبر في الأولى سبعا سوى (4) تكبيرة الافتتاح (5). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه في وجوب صلاة العيدين وترتيبها الذي . # PageV00P265 # شرحناه: إجماع الطائفة الذي تقدم ذكره. # وأيضا فلا خلاف في أن من صلى على الترتيب الذي رتبناه وحسب ما أداه إليه ~~اجتهاده يكون ذلك مجزيا عنه، وإنما الخلاف فيمن خالف هذا الترتيب، فلا ~~إجماع على إجزائه، ولا دليل أيضا غير الاجماع عليه، فوجب أن يكون الترتيب ~~الذي ذكرناه أولى وأحوط للاجماع على إجزائه. # المسألة الثانية عشرة والمائة: # " صلاة الكسوف ركعتان، يركع في كل ركعة خمسا ويسجد سجدتين " (*). # إلى هذا المعنى يذهب أصحابنا في صلاة الكسوف، والعبارة الصحيحة عن ذلك أن ~~يقال: إن هذه الصلاة عشر ركعات وأربع سجدات، خمس وسجدتان ثم خمس وسجدتان، ~~كأنه يفتتح الأولى بالتكبير والقراءة ثم يركع خمسا ثم يسجد سجدتين، فإذا ~~قام قرأ ثم يركع خمسا ويسجد سجدتين، ثم يتشهد ويسلم، ولا يقول: سمع الله ~~لمن حمده إلا في الركعتين اللتين بينهما السجود. # وقال الشافعي: صلاة الكسوف ركعتان كصلاة الصبح (1) (2). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره، والدليل الثاني الذي # PageV00P266 # ذكرناه في المسألة التي تتقدم هذه المسألة: وهو الاجماع على إجزاء ~~ترتيبنا، ولا إجماع ولا حجة في إجزاء ترتيبهم. # وأيضا ما رواه أبي بن كعب قال: انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فصلى بهم، فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسجد سجدتين، ثم ~~قام إلى الثانية فقرأ سورة من الطوال وركع خمس ركعات وسجد سجدتين، وجلس ~~عليه السلام كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى تنجلي (1). # فأما الأخبار التي يرويها أبو حنيفة: من أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلى في كسوف الشمس ركعتين (2)، فنحملهما على أنهما ركعتان كما قلناه، ~~ثم إن في كل ركعة ركوعا زائدا على ما بيناه المسألة الثالثة عشر والمائة: # " صلاة الاستسقاء ركعتان كهيئة النوافل " (*). # عندنا أن صلاة ms089 الاستسقاء ركعتان، يجهر فيهما بالقراءة على صفة صلاة العيد ~~وعدد تكبيرها وهيئتها، ووافقنا على ذلك الشافعي (3). # وذهب مالك، والزهري، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد إلى أنهما كصلاة # PageV00P267 # الصبح (1). # وعن أبي حنيفة روايتان: أحدهما: أنه يصلي ولكن منفردا، والأخرى: أنه لا ~~يصلي، بل يدعو (2). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه ابن عباس قال: " خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم مستسقيا فصلى ركعتين كما يصلى في العيدين (3). # وأما الدليل على أنها تصلى جماعة فما رواه أبو هريرة قال: " خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما مستسقيا فصلى بنا ركعتين، بلا أذان ولا ~~إقامة " (4). # المسألة الرابعة عشرة والمائة: # " يكبر على الجنازة خمس تكبيرات، ولا يرفع يديه في شئ منها " (*). # الصحيح عندنا: أن عدد تكبيرات الجنازة خمس، يرفع يديه في الأولى منها، ~~ووافقنا في أن التكبيرات خمس عبد الرحمن بن أبي ليلى (5). # PageV00P268 # وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري، وابن حي، والشافعي: عدد تكبيرات ~~الجنازة أربع تكبيرات (1). # واختلفوا في رفع اليدين، فقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن حي، والثوري في ~~الروايتين عنه: لا ترفع الأيدي في تكبيرات الجنازة إلا الأولى (2). # وقال الشافعي ومالك في إحدى الروايتين: إنه يرفع في كل تكبيرة (3). # وفي رواية أخرى عن مالك: أنه يرفع في الأولى دون الباقيات (4). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد ذكره، بل إجماع أهل البيت ~~كلهم (5). # وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: " كان زيد بن أرقم يصلي على ~~جنائزنا ويكبر أربعا، فلما كان ذات يوم كبر خمسا، فقيل له في ذلك، فقال: ~~هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (6). # فإن قيل: لسنا نمنع من أن يكون عليه السلام قد كبر خمسا، لكن آخر ما صلى ~~قد كبر أربعا، والمتأخر من فعله قد كبر أربعا. # . # PageV00P269 # قلنا: هذه دعوى لا دليل عليها، ومن أين لكم أن المتأخر هو الأربع دون ~~الخمس؟. # وأيضا فقد علمنا أنه إذا كبر خمسا فقد فعل الواجب بلا خلاف وبرئت ذمته، ~~وليس هكذا إذا ms090 كبر أربعا، فصارت الخمس أولى، لأن الذمة تبرأ منها على يقين. # فإن احتجوا بما رووه عن ابن عباس أنه قال: " آخر صلاة صلاها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على جنازة فكبر أربعا " (1). # فالجواب: أنا نتأول ذلك على أن المراد به أنه عليه السلام كبر أربعا ~~وواحدة سلم معها. # PageV00P270 # كتاب الزكاة PageV00P271 # المسألة الخامسة عشر والمائة: # " تجب الزكاة في الأموال يوم تستفاد " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا أن الزكاة لا تجب في الدراهم والدنانير والمواشي ~~إلا بالحول، وهو مذهب جميع الفقهاء (1). # وقال ابن عباس، وابن مسعود: إذا استفاد مالا زكاه في الحول (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد ذكره. # وأيضا ما رواه أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا زكاة في ~~مال حتى يحول عليه الحول " (3). # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث السعاة في كل حول دفعة ~~(4). # فدل على أن الزكاة تجب في كل حول دفعة. # وأيضا فالاجماع منعقد بعد ابن عباس وابن مسعود على هذه العدة، ولا اعتبار ~~بما يتجدد من الخلاف بعد الاجماع. # PageV00P273 # المسألة السادسة عشرة والمائة: # " ما زاد على نصاب الذهب والفضة يجب فيه ربع العشر " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أنه لا زكاة فيما زاد على نصاب الدنانير الذي هو ~~عشرين دينارا حتى تبلغ الزيادة أربعة دنانير، فإذا بلغت ذلك ففيها عشر ~~دينار. # وكذلك لا زكاة فيما زاد على نصاب الدراهم الذي هو مائتا درهم، حتى تبلغ ~~الزيادة أربعين درهما، فإذا بلغت ذلك ففيها درهم واحد، وعلى هذا الحساب. # ووافقنا على ذلك أبو حنيفة (1). # وقال أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي: ما زاد على النصاب في الورق (2). # والدنانير ففيه الزكاة على حساب ما يجب في النصاب (3). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم: ما رواه معاذ بن جبل ~~(4): أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " في مائتي درهم خمسة دراهم، ~~وليس في الزيادة شئ حتى تبلغ # PageV00P274 # أربعين درهما " (1). # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " هاتوا ms091 زكاة الرقة من كل أربعين ~~درهما درهما " (2). # فحصره بعدد يدل على أن ما عداه بخلافه. # فإن احتج المخالف بما يروى عنه أنه قال: " في الرقة ربع العشر " (3). # فالجواب عنه: أن خبرهم عام، وخبرنا مخصص له. # المسألة السابعة عشر والمائة: # " هل في عروض التجارة زكاة؟ ". # ليس عندنا أن الزكاة تجب في عروض التجارة. # وقال مالك: إن كان إنما يبيع العرض بالعرض فلا زكاة حتى يقبض ماله، وإن ~~كان يبيع بالعين والعرض فإنه يزكي، وإن لم يكن ممن يريد التجارة واشترى ~~أشياء يريد نفعها وبقيت عنده حتى مضت أحوال فلا زكاة عليه، فإذا باع زكى ~~زكاة واحدة (4). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كانت العروض للتجارة ففيها الزكاة إن بلغت ~~قيمتها النصاب، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن حي، والشافعي (5). # PageV00P275 # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا فإن الأصل ألا زكاة ولا حق في الأموال، فمن أثبت ذلك فعليه دليل ~~يقطع العذر ويوجب العلم. # وأيضا قوله [تعالى]: (ولا يسألكم أموالكم) (1) فظاهر هذه الآية يقتضي أنه ~~لا حق في المال على العموم، وإنما أوجبنا ما أوجبناه من ذلك بدليل اضطرنا ~~إلى تخصيص العموم، فمن ادعى زكاة في عروض التجارة فهو مخصص للآية بغير ~~دليل. # ومما يعتمد عليه في ذلك من أخبار الآحاد لا يغني، لأن أخبار الآحاد لا ~~يخص بها القرآن. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام من قوله: " ليس على المسلم في عبده ولا في ~~فرسه صدقة " (2) وهذا عام في عروض التجارة وغيرها. # فإن احتج المخالف عن وجوب الزكاة في عروض التجارة بقوله تعالى: (خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم) (3) وبقوله: (وفي أموالهم حق معلوم للسائل ~~والمحروم) (4). # فذلك عموم نخصه بالأدلة التي ذكرناها، على أن هاتين الآيتين يعارضهما ~~قوله: # (لا يسألكم أموالكم) (5) ويبقي سائر ما احتججنا به من الأدلة. # . # PageV00P276 # المسألة الثامنة عشر والمائة: # " ويضم الذهب إلى الفضة، وهما إلى عروض التجارة لإكمال النصاب " (*). # عندنا: أنه لا يضم ذهب إلى فضة، ولا فضة إلى ذهب، ولا نوع إلى غير جنسه ~~في الزكاة، ms092 بل يعتبر في كل جنس النصاب بنفسه، وهو قول الشافعي (1). # وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه: إلى أنه يضم الجنس إلى غيره ~~(2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره: أن الأصل أنه لا ~~حق في الأموال، فمن أوجب في ذهب لم يكمل نصابه إذا هو انضم إليه ورق الزكاة ~~فقد أوجب حقا في الذمة، فعليه الدليل، لأن الأصل بخلاف قوله. # وأيضا ما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ليس فيما ~~دون خمس أواق صدقة " (3) فنفى الصدقة عن الورق إذا لم يبلغ خمسة أواق، ولم ~~يفصل بين أن يكون معه ذهب أو لم يكن. # المسألة التاسعة عشر والمائة: # " وإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة " (* *). # الذي نذهب إليه: أن الإبل إذا كثرت وزادت على مائة وعشرين أخرج من # PageV00P277 # كل خمسين حقة، ومن كل أربعين بنت لبون، ووافقنا عليه الشافعي (1). # وقال مالك: إذا زادت على إحدى وتسعين فلا شئ فيها حتى تبلغ مائة وثلاثين، ~~ثم تجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة (3). # وقال أبو حنيفة: إذا زادت على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة (في كل خمس ~~شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض مثل ابتداء الفريضة (3). # وقال ابن جرير الطبري: رب المال بالخيار بين ما قلناه وبين ما قاله أبو ~~حنيفة (4). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ذكره: ما رواه أنس بن ~~مالك، وعبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا زادت ~~الإبل على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة " (5). # فإن عارضوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " إذا زادت الإبل على مائة ~~وعشرين استؤنفت الفريضة في كل خمس شاة " (6). # فالجواب عنه: أنا نحمل هذا الخبر على وجهين من التأويل: # أحدهما: أن معنى استئناف الفريضة أنها صارت على جهة واحدة بعد أن كانت . # PageV00P278 # على جهات مختلفة، ويكون القول بأن في كل خمس شاة من جهة الراوي لا من ms093 جهة ~~نقله، كأن الراوي فسر لفظ الاستئناف وظن على ما قاله دون ما بيناه. # والوجه الثاني: أن يريد: أنه إذا استفاد مالا زائدا على مائة وعشرين في ~~أثناء الحول فإنه يستأنف به الفريضة، ولا يبني على جواز حول الأصل. # المسألة العشرون والمائة: # " ما بين أربعين من البقر إلى الستين عفو لا شئ فيها " (*). # هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا، ووافقنا على ذلك الشافعي، وهو إحدى الروايتين ~~عن أبي حنيفة، وبه يقول أبو يوسف، ومحمد (1). # وفي الرواية الأخرى عن أبي حنيفة قال: لا شئ فيها حتى تبلغ خمسين، فإذا ~~بلغتها ففيها مسنة وتبيع (2). # وعنه رواية ثالثة: أنه إذا زادت واحدة ففيها بحساب الأربعين (3). # دليلنا: الاجماع المتردد، وأيضا فإن الأصل نفي الحقوق عن الأموال، فمن ~~ادعى فيما بين الأربعين إلى الستين حقا واجبا، فعليه دليل شرعي يقطع العذر. # PageV00P279 # وأيضا ما رواه ابن عباس عنه عليه السلام أنه قال: " لا شئ في الأوقاص " ~~(1)، والوقص يقع على ما بين النصابين وظاهر قوله عليه السلام يقتضي أنه لا ~~شئ فيه. # المسألة الحادية والعشرون والمائة: # " في قليل العسل وكثيره الخمس، لأنه من جنس الفئ " (*). # لا عشر عندنا في العسل ولا خمس، ووافقنا على ذلك الشافعي (2). # وقال أبو حنيفة: إذا وجد العسل في غير أرض الخراج ففيه العشر، وهو مذهب ~~أحمد وإسحاق (3) دليلنا بعد الاجماع المتقدم ذكره: ما روي من أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " لا تأخذ العشر إلا ~~من أربعة: من الحنطة، والشعير، والكرم، والنخل " (4). # وأيضا فإن الأصل ألا حق في الأموال، فمن أثبت حقا في العسل إما خمسا أو ~~غيره فعليه إقامة الدليل ولا دليل. # PageV00P280 # المسألة الثانية والعشرون والمائة: # " ولا زكاة في مال الصبي في أحد القولين " (*). # الصحيح عندنا أنه لا زكاة في مال الصبي من العين والورق، فأما الضرع ~~والزرع فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى أن الإمام يأخذ منه الصدقة (1). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا زكاة في مال اليتيم على العموم (2). # وقال ابن أبي ليلى: في ms094 أموالهم الزكاة، فإن أداه الوصي عنهم وإلا فهو ~~ضامن (3). # وقال الأوزاعي، والثوري: إذا بلغ الصبي دفع الوصي إليه ماله، وأعلمه ما ~~دخل فيه من الزكاة، فإن شاء زكى وإن شاء لم يزك (4). # وقال مالك، والشافعي، وابن حي، والليث: في مال اليتيم الزكاة (5). # وقال ابن شبرمة: لا زكاة في الذهب والفضة من ماله، وفي الإبل والبقر ~~والغنم الصدقة (6). # ولا خلاف في وجوب العشر في أرضه. # PageV00P281 # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فإن الأصل ~~نفي الحقوق عن الأموال، فمن ادعى في مال اليتيم حقا فعليه الدليل، والأصل ~~ألا حق في ماله. # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " رفع القلم عن ~~ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم " (1) وفي إيجاب الزكاة في ماله إثبات جري القلم ~~عليه. # فإن قيل: أنتم توجبون في مال الصبي العشر، وضمان الجنايات ونحوها. # قلنا: كل هذا خرج بدليل، والظاهر بخلافه. # فإن احتجوا بما رواه عبد الله بن عمر (2) أنه قال: من ولي يتيما له مال ~~فليتجر، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة (3). # الجواب عن ذلك: ما قيل: من أن المراد بالصدقة في هذا الخبر النفقة، لأن ~~النفقة تسمى صدقة. شاهده ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " نفقة الرجل على ~~عياله صدقة (4). # ويقوي هذا التأويل أنه قال: " حتى تأكلها "، وأشار إلى جميع المال، وزكاة ~~المال لا تأتي على جميع المال، والنفقة تأتي على جميعها. # . # PageV00P282 # المسألة الثالثة والعشرون والمائة: # " في يسير ما أخرجته الأرض وكثيره العشر أو نصف العشر، إلا البر (*)، ~~والشعير، والتمر، والزبيب، والأرز إذا كان في بلاد يقتاته أهلها، حتى يبلغ ~~كل جنس منها لشخص واحد في سنة واحدة خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع ~~خمسة أرطال " (* *). # وثبت عندنا: أنه لا زكاة فيما تنبت الأرض على اختلاف أنواعه إلا الحنطة، ~~والشعير، والتمر، والزبيب، دون ما عدا ذلك. # وقال الشافعي: لا شئ في المزروعات إلا فيما يقتات ويدخر كالحنطة، ~~والشعير، والأرز، والذرة، والباقلا، والحمص، واللوبياء، وما يخرج من الشجر ~~كالعنب، والرطب ms095 فقط (1). # وقال أبو حنيفة، وزفر: كلما أخرجته الأرض ففيه العشر، إلا الحطب، والحشيش ~~(2). # وقال أبو يوسف، ومحمد: لا تجب إلا فيما له ثمرة باقية، ولا شئ في ~~الخضراوات (3). # PageV00P283 # وعندنا أن النصاب معتبر في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، ولا زكاة ~~في شئ منها حتى يبلغ خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع تسعة أرطال. # ويخرج منه العشر إن كان سقي سيحا أو بالسماء، فإن سقي بالغرب (1) ~~والدوالي والنواضح فنصف العشر. # واعتبر الشافعي النصاب في الحبوب والثمار كلها، وهو أن يبلغ كل صنف منها ~~خمسة أوسق، غير أنه خالفنا في الصاع فذهب إلى أنه: خمسة أرطال وثلث، ووافقه ~~مالك في ذلك (2). # ووافقنا أبو يوسف، ومحمد، في نصاب الحبوب، في إنه خمسة أوسق (3). # وقال أبو يوسف: الصاع خمسة أرطال وثلث، كما قال الشافعي (4). # وقال أبو حنيفة، ومحمد: الصاع ثمانية أرطال (5). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه في إنه لا عشر إلا في الأصناف التي ذكرناها ~~بعد الاجماع المتقدم: ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث ~~معاذا إلى اليمن قال له: " لا تأخذ العشر إلا من أربعة: من الحنطة، ~~والشعير، والكرم، والنخل " (6). # وأيضا فإن الأصل نفي وجوب الزكاة عن الأموال، فمن ادعى فيما نفينا عنه # PageV00P284 # الزكاة حقا فعليه الدليل والأصل معنا. # وأما الدليل على اعتبار النصاب وهو خمسة أوسق: فهو الاجماع المتردد ذكره، ~~وأيضا فإن ما نقص عن الأوساق التي ذكرناها الأصل ألا حق فيه، فعلى مدعي ~~الحق فيما نقص عن النصاب الذي اعتبرناه الدليل. # وأيضا ما رواه أبو سعيد الخدري من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~" ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ولا زكاة " (1). # قلنا: العشر زكاة، بدليل ما رواه عتاب بن أسيد (2): أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أمر أن يخرص الكرم كما يخرص النخل، ثم يؤدي زكاته زبيبا كما ~~يؤدي زكاة النخل تمرا (3). # وأيضا فمما يدل على المسألة: ما رواه عمرو بن شعيب (4)، عن أبيه، عن جده: # أن النبي صلى الله ms096 عليه وآله وسلم قال: " ما سقته السماء ففيه العشر، وما ~~سقي بنضح أو غرب ففيه نصف . # PageV00P285 # العشر إذا بلغ خمسة أوسق " (1). # فإن احتجوا بما يروى عنه عليه السلام أنه قال: " فيما سقت السماء العشر ~~(2) ". # قلنا: هذا خبر عام، والخبر الذي رويناه يخصصه، بل سائر ما ذكرناه من ~~الأدلة مخصص له. # فأما الذي يدل على أن الصاع تسعة أرطال بعد الاجماع المتكرر ذكره، أنه لا ~~خلاف في أن من أخرج - وقد وجب عليه صاع - تسعة أرطال فقد برئت ذمته مما وجب ~~عليه بيقين، وليس كذلك إذا أخرج ثمانية أو خمسة وثلث، فإذا كان الواجب فيما ~~يثبت بيقين في الذمة أن يتيقن سقوطه عن الذمة وجب في الصاع ما حددناه، لأن ~~من أخرجه تيقن براءة ذمته. # فإن قيل: إذا كنتم توجبون في الصاع ما حددتموه من طريق الأحوط والأولى ~~أفليس إذا أخرج تسعة أرطال بنية الوجوب واعتقد وجوب الفعل فقد فعل ما لا ~~يؤمن كونه قبيحا من اعتقاد ونية؟ # قلنا: ما أوجبنا ما حددناه في الصاع من حيث الأولى، بل لتيقن براءة ذمته ~~كما تيقن اشتغال ذمته قبل الأداء، ولا طريق إلى اليقين ببراءة الذمة إلا ~~بما ذكرناه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. # فإن قيل: إذا ثبت أن الصاع في الفطرة تسعة أرطال، فمن أين أنه في صدقة ~~نصاب الحبوب كذلك؟ # قلنا: لأن أحدا ما فرق بين الأمرين، ولأن الصاع إذا ثبت مبلغه في موضع من ~~. # PageV00P286 # المواضع فكذلك مبلغه في كل موضع. # المسألة الرابعة والعشرون والمائة: # " لا تحل الصدقة لقوي مكتسب (*) ". # هذا صحيح عندنا أن من كان مكتسبا محترفا لقدر كفايته وقادرا لصحته وقوته ~~على الاكتساب فهو كالغني في أن الصدقة لا تحل له. # وقال الشافعي: الاستغناء بالكسب يقوم مقام الاستغناء بالمال، إذا كان ذلك ~~يقوم بالكفاية (1). # وقال أبو حنيفة: لا يحرم الكسب أخذ الصدقة، وإنما تحرمها أن يكون معه ~~مائتا درهم فصاعدا أو قيمتها (2). # دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا ما روي: أن رجلين أتيا النبي صلى الله عليه ms097 وآله وسلم يسألانه ~~الصدقة، فصعد بصره فيهما وصوبه ثم قال: " إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها ~~لغني ولا لذي قوة مكتسب " (3). # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة ~~قوي " (4). # PageV00P287 # المسألة الخامسة والعشرون والمائة: # " من ملك خمسين درهما حرمت عليه الزكاة في أحد القولين " (*). # الأولى على مذهبنا أن تكون الصدقة محرمة على كل مستغن عنها، ومن ملك ~~خمسين درهما أو دونها فهو قادر على أن يكفي نفسه ويسد خلته، فلا تحل له ~~الصدقة لأنه ليس بمضطر إليها. # وراعى أبو حنيفة في تحريم الصدقة ملك النصاب، وهو مائتا درهم، أو عشرون ~~دينارا (1). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا فلا خلاف في أن من ذكرناه يستحق الصدقة والزكاة، ومن أعطاه برأت ~~ذمته منها، وليس كذلك ما يقوله المخالف، وليس إذا جعل الله تعالى للزكاة ~~نصابا - لم يوجب فيها عما نقص عنه - وجب أن يكون ذلك النصاب معتبرا في ~~تحريم الصدقة. # PageV00P288 # كتاب الصيام PageV00P289 # المسألة السادسة والعشرون والمائة: # " إذا رئي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية " (*). # هذا صحيح وهو مذهبنا، وإليه ذهب أبو حنيفة، ولم يفرق بين رؤيته قبل ~~الزوال وبعده، وهو قول محمد ومالك والشافعي (1). # وقال أبو يوسف: إن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وبعد الزوال لليلة ~~المستقبلة (2). # وقال أحمد: في آخر الشهر مثل قوله، وفي أوله مثل قول من خالفنا احتياطا ~~للصوم (3). # دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا ما روي عن أمير المؤمنين، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس ~~أنهم قالوا: " إذا رئي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية " (4) ولا ~~مخالف لهم. # المسألة السابعة والعشرون والمائة: # " شهر رمضان قد يكون تسعة وعشرين يوما " (* *). # هذا صحيح، وإليه يذهب جميع أصحابنا إلا شذاذا (5) لا اعتبار بقولهم، وهو # PageV00P291 # مذهب جميع الفقهاء، ومن خالف في هذه المسألة فقد سبقه الاجماع. # والذي يبطل قوله: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى الأهلة وعلق ~~الأحكام بها في الصوم والفطر برؤية الهلال. # وقال عليه السلام: " صوموا لرؤيته، ms098 وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا ~~العدة ثلاثين " (1). # وهذا كله يبطل قول أصحاب العدد، ومن ادعى أن شهر رمضان لا يكون إلا ~~ثلاثين يوما. # وقد أملينا في هذه المسائل كتابا مفردا استقصينا الكلام فيه، فمن أراد ~~الاستيفاء يرجع إليه. # المسألة الثامنة والعشرون والمائة: # " صوم يوم الشك أولى من إفطاره " (*). # هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا. # وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا صام يوم الشك تطوعا، أو قضاءا، أو نذرا كان ~~عليه جزاؤه، ولم يكره له ذلك (2). # وقال الشافعي: يكره يوم الشك إلا أن يوافق عادة، ويذهب إلى أنه إن صامه ~~عن نذر أو قضاء أو كفارة سقط به الفرض (3). # PageV00P292 # وقال أحمد: إن كان صحو فمكروه صومه، وإن كان غيم لم يكره. وروي ذلك عن ~~ابن عمر (1). # وقال الحسن، وابن سيرين (2): التأسي بالإمام، إن صام صاموا وإن أفطر ~~أفطروا (3). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا قوله تعالى: (وأن تصوموا خير لكم) (4) وهذا عام في سائر الأيام. # وأيضا فإنه يوم في الحكم من شعبان، بدلالة قول النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " وإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين " (5) فجاز صومه بنية شعبان. # فأما ما يحتج به المخالف بما رواه أبو هريرة أنه عليه السلام نهى عن صوم ~~ستة أيام في السنة: اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، ويوم الفطر، ويوم ~~الأضحى، وأيام التشريق (6). # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من صام يوم ~~الشك فقد عصى أبا القاسم " (7). # PageV00P293 # والجواب عن جميعه: أنا نحمل هذه الأخبار على أنه إن صامه بنية شهر رمضان، ~~للأدلة المتقدمة. # المسألة التاسعة والعشرون والمائة: # " ويفسد الصيام كل ما يصل إلى جوف الصائم بفعله وبالوطء ودواعيه إذا ~~اقترن بالانزال " (*). # هذا صحيح، ويجب أن يشرط فيه الاعتماد، ولا خلاف فيما يصل إلى جوف الصائم ~~من جهة فمه إذا اعتمد أنه يفطره، مثل الحصاة، والخرزة، وما لا يؤكل ولا ~~يشرب. # وإنما يخالف في ذلك الحسن بن صالح، وقال: إنه لا يفطر (1)، وروي نحوه ms099 عن ~~أبي طلحة (2)، والاجماع متقدم ومتأخر عن هذا الخلاف، فسقط حكمه. # فأما الحقنة: فلم يختلف في أنها تفطر. # . # PageV00P294 # وقال الحسن بن حي، لا يفطر ما يصل من غير الفم (1). # وقال مالك: إن كان كثيرا أفطره، وإن كان قليلا لم يفطره (2). # والاجماع سابق لخلاف الحسن بن صالح، ومتأخر عنه. # فأما تفرقة مالك بين الكثير والقليل فغير صحيح، لأن ما يفطر لا يفرق بين ~~قليله وكثيره. # فأما الوطي فلا خلاف في أنه يفسد الصيام. # فأما دواعيه التي يقترن بها الانزال فأنزل غير مستدع للانزال لم يفطر، ~~وهو مذهب الشافعي (3). # وقال مالك: إن أنزل في أول نظرة أفطر ولا كفارة عليه، وإن كرر حتى أنزل ~~أفطر وعليه الكفارة (4). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره، وأيضا فإن الاحتراز ~~من النظر لا يمكن في الأغلب، فرفع عنه وعما يحصل منه بقوله تعالى: (وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج) (5) ولهذا لو طار الذباب ودخل في حلقه لم يفسد ~~صومه. # . # PageV00P295 # المسألة الثلاثون والمائة: # " من أفطر في شهر رمضان متعمدا فلا كفارة عليه في إحدى الروايتين، وعليه ~~الكفارة في الرواية الأخرى " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من تعمد الأكل، والشرب، والجماع قضى وكفر. # و [يدل عليه بعد] الاجماع المتقدم أنه لا خلاف في أن من أفسد صومه فأكل ~~وشرب فقد تعلق على ذمته حق لله تعالى، وأجمعوا على أنه إذا قضى وكفر برئت ~~ذمته، ولا إجماع على براءة ذمته متى قضى ولم يكفر، ولا دليل يثمر (1) ~~اليقين، فيجب أن يكفر لتبرأ ذمته بيقين، كما اشتغلت بيقين. # وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " من أفطر في شهر رمضان فعليه ما ~~على المظاهر " (2). # فإن قيل: لفظ المظاهر بالاطلاق لا يتناول العامد وغيره، وهو عام فيهما ~~وعلى العامد كفارة وعلى المفطر مثلها (3). # وأيضا فقد روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أفطرت في ~~شهر رمضان. # فقال عليه السلام: " أعتق رقبة " (4) فخرج كلامه مخرج الجواب لسؤال ~~السائل وصار السؤال مضمرا في الجواب، ms100 فكأنه قال عليه السلام: أعتق رقبة ~~لأنك أفطرت. # عدم لزوم الكفارة فيمن وطأ حكاه في البحر عن الناصر ج 2 ص 249 (ح). # (1) في (د) و (ط): " يتم " بدل " يثمر ". # (2) سنن الدارقطني 2: 190 / 52. نصب الراية 2: 449، السنن الكبرى للبيهقي ~~4: 229. # (3) كذا في جميع النسخ، والعبارة مضطربة. # (4) سنن أبي داود 2: 313 / 2392. سنن الدارمي 2: 11. الموطأ 1: 296 / 28، ~~صحيح مسلم 2: 782 / 83، نصب الراية 2: 450، مجمع الزوائد 3: 168. (*). # PageV00P296 # المسألة الحادية والثلاثون والمائة: # " من فسق وترك الصيام ثم تاب فلا قضاء عليه " (*). # عندنا: إن القضاء واجب على من ذكره، ولا خلاف بين الفقهاء كلهم في هذه ~~المسألة. وقد بينا الكلام فيها فيما تقدم عند ذكر من ترك الصلاة في حال ~~فسقه ثم تاب، واستوفيناه (1)، والاجماع متقدم للخلاف في هذه المسألة. # المسألة الثانية والثلاثون والمائة: # " من شرع في الصوم ثم أفسده لزمه القضاء " (* *). # عندنا: أن القضاء لا يلزم من شرع في صوم التطوع ثم أفسده. # وقد بينا الكلام في ذلك والأدلة عليه فيما تقدم في مسألة من شرع في صلاة ~~التطوع ثم أفسدها (2). # المسألة الثالثة والثلاثون والمائة: # " لا يجوز التفريق في قضاء صوم شهر رمضان إلا من عذر " (* * *). # عند أصحابنا: أنه مخير بين التفريق والمتابعة في قضاء صوم شهر رمضان. # PageV00P297 # وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي (1). # وقال مالك، والثوري، وابن حي: يقضيه متتابعا أحب إلينا، فإن فرق أجزأه ~~(2). # وروي عن ابن عمر: أن التتابع شرط، وهو قول النخعي، وداود (3). # دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد، قوله تعالى: (فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (4) والعدة تقع على المتتابع ~~والمتفرق، وأيضا فإن التتابع حكم شرعي زائد على وجوب القضاء على الجملة، ~~فالأصل ألا شرع، فمن أثبته فعليه الدليل. # وأيضا ما رواه نافع (5) عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: " من كان عليه شئ من قضاء رمضان إن شاء صامه متتابعا، وإن شاء صامه ~~متفرقا " (6). # فإن قالوا: قد أمرنا بالقضاء في الآية أمرا مطلقا، والأمر المطلق على ~~الفور. # قلنا: إذا سلمنا ذلك كان ms101 التعلق به باطلا لأنه لو كان الأمر بالقضاء على ~~الفور لكان يجب متى أمكنه القضاء أن يتعين الصوم فيه حتى لا يجزي سواه، ولا ~~خلاف في أنه يؤخر القضاء، وإنما الخلاف في تتابعه بعد الشروع فيه # PageV00P298 # المسألة الرابعة والثلاثون والمائة: # " لا اعتكاف إلا بصوم " (*). # عندنا: أن الصوم من شرط صحة الاعتكاف. # ووافقنا على ذلك أبو حنيفة، ومالك (1). # قال والشافعي: يصح الاعتكاف بغير صوم وفي الأوقات التي لا يصح فيها ~~الصوم، مثل يوم النحر، والفطر، والتشريق (2). # دليلنا بعد الاجماع المتقدم: قوله تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد) (3) ~~والاعتكاف: لفظ شرعي مفتقر إلى بيان، والله تعالى لم يبينه في كتابه، ~~واحتجنا إلى بيان من غيره، فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يعتكف إلا بصوم كان فعله ذلك بيانا للجملة المذكورة في الآية وفعله إذا وقع ~~على وجه البيان كان كالموجود في أوجه الآية. # وأيضا ما رواه هشام بن عروة (4)، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " لا اعتكاف إلا بصوم " (5). # وروي عن عمر أنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن اعتكف يوما في الجاهلية. # PageV00P299 # فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اعتكف وصم " (1). # ومعنى قول عمر: " في الجاهلية " أنه نذر قبل فتح مكة في حال كان أهلها في ~~الجاهلية، وليس معناه أنه نذر في حال الشرك، لاتفاقهم على أنه من نذر في ~~حال الكفر أن يعتكف لم يلزمه بعد الإسلام شئ. # فإن احتج المخالف بما يرويه ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: " ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه " (2). # فالجواب عنه: أنه يحتمل أن يريد به: ليس على المعتكف في شهر رمضان صوم ~~آخر لأجل الاعتكاف. # المسألة الخامسة والثلاثون والمائة: # " من شرع في الاعتكاف ثم أفسده لزمه القضاء " (*). # الذي نقوله في هذه المسألة: ليس يخلو الاعتكاف من أن يكون واجبا بالنذر، ~~أو تطوعا، فإن كان واجبا لزمه مع إفساده القضاء، وإن كان تطوعا لم يلزمه ms102 ~~القضاء، لأن التطوع لا يجب عندنا بالدخول فيه، وقد تكلمنا في ذلك فيمن دخل ~~في صلاة تطوع أو صوم تطوع ثم أفسدهما. # PageV00P300 # كتاب الحج PageV00P301 # المسألة السادسة والثلاثون والمائة " الاستطاعة هي الزاد وصحة البدن " ~~(*). # عندنا: أن الاستطاعة التي يجب معها الحج صحة البدن، وارتفاع الموانع، ~~والزاد والراحلة، وزاد كثير من أصحابنا (1) أن يكون له سعة يحج ببعضها ~~ويبقي بعضها لقوت عياله (2). # وقال الشافعي في استطاعة الحج مثل قولنا بعينه، واعتبر صحة الجسم والتمكن ~~من الثبوت على الراحلة، والزاد، ونفقة طريقه إلى حجه ذاهبا وجائيا إن كان ~~السفر من بلده، ونفقة عياله مدة غيبته (3). # وروي عن ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير (4)، والحسن البصري، والثوري، ~~وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وإسحاق: اعتبار الزاد، والراحلة، وصحة الجسم، ~~والتمكن من الثبوت على الراحلة (5). # PageV00P303 # وقال مالك: إن الراحلة لا يعتبر بها (1) وجوب الحج، ومن أطاق الحج لزمه ~~الحج ماشيا. فأما الزاد فلا يعتبر القدرة عليه وحصوله، بل إن كان ذا صنعة ~~يمكنه الاكتساب بها في طريقه لزمه الحج، وإن لم يكن ذا صنعة وكان يحسن ~~السؤال وجرت عادته به لزمه أيضا الحج، فإن لم تجر عادته به لم يلزمه (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر ذكره: أنه لا خلاف في ~~أن ما حاله من ذكرناه أن الحج يلزمه، فمن ادعى أن الصحيح الجسم إذا خلا من ~~سائر (3) الشرائط التي ذكرناها يلزمه الحج فقد ادعى وجوب حكم شرعي في الذمة ~~وعليه الدليل، لأن الأصل براءة الذمة. # وأيضا قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (4). # والاستطاعة في عرف الشرع وعهد اللغة أيضا عبارة عن تسهيل الأمر وارتفاع ~~المشقة فيه، وليست بعبارة عن مجرد القدرة. # ألا ترى أنهم يقولون: ما أستطيع النظر إلى فلان، إذا كان يبغضه ويمقته ~~ويثقل عليه النظر إليه، وإن كانت معه قدرة على ذلك. # وكذلك يقولون: لا أستطيع شرب هذا الدواء، يريدون إنني أنفر منه ويثقل ~~علي. # وقال الله تعالى: (إنك لن تستطيع معي صبرا) (5) وإنما أراد ms103 هذا المعنى لا ~~محالة. # . # PageV00P304 # فإذا تقرر ما ذكرناه، وكان الصحيح الجسم يشق عليه المشي الطويل إلى الحج ~~لم يكن مستطيعا له في العرف الذي ذكرناه، وكذلك من وجد الراحلة ولم يجد ~~نفقة لطريقه ولا لعياله يشق عليه السفر ويصعب (1) وتنفر نفسه لا يسمى ~~مستطيعا، فوجب أن تكون الاستطاعة ما ذكرناه، لارتفاع المشاق والتكلف معه. # ومما يدل على بطلان مذهب مالك أيضا، ما روي من أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم سئل عن قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا) (2) فقيل له: # يا رسول الله ما الاستطاعة؟ فقال: " الزاد والراحلة " (3). # المسألة السابعة والثلاثون والمائة: # " الأمر بالحج على التراخي " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أن الأمر بالحج على الفور، ووافقنا على ذلك أبو ~~يوسف، ورواه عن أبي حنيفة (4) ووافق المزني (5) عليه. # وقال الشافعي: الحج على التراخي (6). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ذكره: أن الأمر المطلق ~~- وإن # PageV00P305 # لم يكن من مذهبنا أنه يوجب فورا ولا تراخيا في أصل وضع اللغة، وذهبنا إلى ~~أنه على الوقف - فقد قطع الشرع العذر بوجوب حمل الأمر المطلق على الفور، ~~كما قطع العذر بحمله على الوجوب، وإن كان في وضع اللغة لا يقتضي ظاهره ~~وجوبا ولا ندبا. # وقد دللنا على هذه الجملة في مواضع من كلامنا في أصول الفقه، وبينا أن ~~الصحابة والتابعين، ثم تابعي التابعين وإلى وقتنا هذا - يحملون أوامر الشرع ~~في الأحكام الشرعية من كتاب وسنة على الوجوب والفور، وأن أحدا منهم لا ~~يتوقف في ذلك طلبا لدليل فصار هذا العرف الشرعي موجبا لحمل الأوامر الشرعية ~~على الفور (1)، وقد أمر الله تعالى بالحج أمرا مطلقا فيجب أن يكون محمولا ~~على الفور. # وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: من وجد من الزاد ~~والراحلة ما يبلغه الحج فلم يحج، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا (2). # المسألة الثامنة والثلاثون والمائة: # " والعمرة واجبة من جهة الاستطاعة كالحج (*) ". # الصحيح عندنا: أن العمرة إنما تجب في العمر ms104 مرة واحدة، وما زاد على ذلك ~~فهو فضل، وهو قول الشافعي في أصح قوليه، وذهب إلى ذلك الثوري، وأحمد، ~~وإسحاق (3). # PageV00P306 # وقال مالك، وأبو حنيفة: إنها غير واجبة (1). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المذكور، قوله تعالى: (وأتموا ~~الحج والعمرة لله) (2)، والأمر بالاتمام يقتضي الأمر بالابتداء. # وروي عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال: # " نعم "، فقلت: فما ذلك الجهاد؟ قال: " الحج والعمرة " (3). # المسألة التاسعة والثلاثون والمائة: # " لا تصح العمرة في الشهر إلا مرة واحدة " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا أن العمرة جائزة في سائر أيام السنة، وقد روي: ~~أنه لا يكون بين العمرتين أقل من عشر أيام (4)، وروي: أنها لا تجوز إلا في ~~كل شهر مرة واحدة (5). # وقال الشافعي: تجوز العمرة في السنة مرتين وأكثر (6). # وحكي عن مالك أنه قال: لا تجوز إلا دفعة (7)، وهو قول سعيد بن جبير، ~~والنخعي، وابن سيرين (8). # PageV00P307 # دليلنا على جواز فعلها على ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ~~العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " (1). ولم يفصل عليه السلام بين أن ~~يكون ذلك سنة أو سنتين، أو شهرا أو شهرين. # المسألة الأربعون والمائة: # " ميقات أهل المدينة الشجرة، وميقات أهل العراق العقيق " (*). # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا ويقولون: إن ميقات أهل العراق وكل من حج من ~~المشرق معهم على طريقهم بطن العقيق، أوله المسلخ، وأوسطه غمرة، وآخره ذات ~~عرق، والأفضل أن يكون إحرام من حج من هذه الجهة من المسلخ. # ورأيت الشافعي يوافق على هذا ويقول: إن إحرام أهل المشرق من المسلخ أحب ~~إلي (2). # وباقي الفقهاء يقولون: ميقات أهل العراق ذات عرق (3). # فأما ميقات أهل المدينة فلا خلاف في أنه مسجد الشجرة، وهو ذو الحليفة. # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتقدم ذكره. # وأيضا ما رواه ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقت لأهل ~~الشرق العقيق (4)، والعقيق أبعد من ذات عرق. # PageV00P308 # فإن تعلقوا بما روي من أنه عليه السلام وقت لأهل المشرق ذات عرق (1). # فالجواب عنه ms105 إنا نقول: إنه ميقات لكنه آخر ميقات أهل العراق، والميقات ~~الأول أفضل لأنه أسبق (2). # المسألة الحادية والأربعون والمائة: # " التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من القران والأفراد " (*). # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا. # وقال الشافعي في قوله الجديد: التمتع أفضل من الافراد، وله قول قديم: إن ~~الافراد أفضل (3). # وقال أحمد، وأصحاب الحديث: التمتع أفضل (4). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: القران أفضل من الجميع (5). # دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم ذكره: أن التمتع بالعمرة ~~إلى الحج مشقته أكثر، وكلفته أوفر، والثواب على قدر المشقة فثبت أن التمتع ~~أفضل. # فإن احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجته حج مفردا أو قارنا ~~- على ما اختلفت به # PageV00P309 # الرواية - (1)، وهو عليه السلام لا يفعل إلا الأفضل، فلو كان التمتع أفضل ~~لما عدل عنه. # فالجواب عنه: إنا لو سلمنا أنه عليه السلام لم يحج متمتعا كان لنا أن ~~نقول: إنه لم يتمتع لعذر أو لخوف فوت الحج، على أنه عليه السلام قد يفعل ~~الأفضل من الأفعال وغير الأفضل. # المسألة الثانية والأربعون والمائة: # " وقت الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها " (*). # هذا صحيح، ويجوز عندنا أن ترمي النساء والخائف بالليل. # وقال الشافعي: يجوز رمي جمرة العقبة ليلة النحر بعد نصف الليل (2). # وقال أبو حنيفة: لا يجوز قبل طلوع الشمس (3). # وقال الشافعي: لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال (4). # وقال أبو حنيفة: إذا رمى في اليوم الثالث قبل الزوال أجزأه (5). # دليلنا بعد الاجماع المتقدم ذكره على جواز الرمي بالليل: ما روته عائشة ~~من " أنه صلى الله عليه وآله وسلم أرسل ليلة النحر أم سلمة فرمت قبل الفجر ~~ثم أفاضت " (6). # PageV00P310 # فإن قيل: إنه قد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه رمى من ضحى يوم ~~النحر (1) وقال: # " خذوا عني مناسككم " (2). # قلنا: قد بينا أن المستحب الرمي في هذا الوقت، وإنما نجيزه في غيره ~~للخائف والنساء. # المسألة الثالثة والأربعون والمائة: # " القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين " (*). # أما لفظة القارن عندنا فلا تقع إلا على من قرن ms106 بإحرامه سوق الهدي، وعندنا ~~أن من ساق هديا مقترنا بإحرامه فعليه طوافان بالبيت وسعي واحد بين الصفا ~~والمروة، فإن كان القارن في المسألة المذكورة التي حكيناها (من ساق الهدي ~~مقترنا بإحرامه) فقد زيد فيها سعي ليس بواجب عندنا، وعلى من ادعى شرعا ~~زائدا الدليل. # فإن كان يراد بالقارن ما يريده جميع الفقهاء - من أنه الجامع بين الحج ~~والعمرة في إحرام واحد، فعندنا أنه لا يجوز الجمع بينهما في إحرام واحد، بل ~~لا بد من إفراد العمرة من الحج، والتمتع (3) بالعمرة إلى الحج هو الذي يحرم ~~أولا بالعمرة، ويطوف للعمرة ويسعى ثم يحرم للحج ويطوف لحجته ويسعى. # فإن كان المراد في المسائل بالقارن هو المتمتع فقد عبر عن الشئ بخلاف ~~عبارته، ولعمري أن المتمتع بالعمرة إلى الحج مع إفراد العمرة من الحج يجب ~~عليه طوافان وسعيان: طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجته. # PageV00P311 # فأما الدليل على أن القارن هو السائق للهدي - لا يجب عليه طواف زائد على ~~طواف المفرد: فهو إجماع الطائفة وفيه الحجة، وقد بينا أن من ادعى في هذا ~~الموضع سعيا زائدا فعليه الدليل. # المسألة الرابعة والأربعون والمائة: # " من أخطأ في قتل الصيد فلا شئ عليه " (*). # عندنا: أن من قتل صيدا متعمدا قاصدا فنقض إحرامه كان عليه جزاءان، وإن ~~قتله خطأ أو جهلا فعليه جزاء واحد. # وقال الشافعي: لا فرق في وجوب جزاء الصيد إذا فعله بين العمد والنسيان، ~~وهو قول باقي الفقهاء غير أنهم لا يوجبون في العامد جزائين (1) كما ~~أوجبناه. # والذي يدل على أنه يلزم المخطئ في قتل الصيد الجزاء: الاجماع المتقدم ~~ذكره، وأظن أن لا خلاف فيه بين باقي الفقهاء. # المسألة الخامسة والأربعون والمائة: # " من أوصى بالحج حج من جميع ماله بمنزلة (* *) الدين إن كان صرورة، فإن ~~كان قد حج فمن الثلث ". # هذا صحيح، والدليل على صحته إجماع الطائفة، لأنه إذا مات وعليه الحج فقد # PageV00P312 # مات وفي ذمته دين الله يجب قضاؤه، فعلى وصيه أن يخرج من ماله ما ينصرف ~~إلى من يحج عنه، فإن تبرع متبرع ms107 بالحج عنه لم يخرج الوصي من ماله شيئا. # فأما من حج فلا شئ عليه ولا في ذمته من الحج لله تعالى، وما وصى به إنما ~~تبرع وتصرف (1)، ويجب أن يكون ذلك من ثلثه. # المسألة السادسة والأربعون والمائة: # " الاستئجار على فعل الحج والعمرة جائز " (*). # الذي نذهب إليه أنه يجوز الاستئجار على الحج عن المعضوب (2)، والميت، ~~وإذا حج الأجير يستحق الأجرة المسماة، وسقط الفرض عن المحجوج عنه، ووافقنا ~~على ذلك الشافعي (3). # وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستئجار على الحج، فإذا استأجر من يحج عنه ~~فالحج عن الفاعل له والثواب له، وإنما يحصل للمستأجر ثواب نفقته (4). # والذي يدل على جواز النيابة في الحج وسقوط الفرض عن المحجوج عنه بعد ~~الاجماع المتردد - ما روي من أن امرأة من خثعم أتت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي ~~شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال عليه السلام: ~~" نعم ". # PageV00P313 # قالت: فهل ينفعه ذلك؟ فقال: " نعم، كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه ~~" (1). # المسألة السابعة والأربعون والمائة: # " من نذر حجة وعليه حجة الإسلام أجزأته حجة واحدة " (*). # عندنا: أن من نذر حجة وعليه حجة الإسلام فلا بد من أن يحج حجتين، ولا ~~يسقط عنه الفرضان بحجة واحدة. # الدليل على ذلك: أن النذر سبب للوجوب، ووجوب الحج بالنذر يخالف سببه سبب ~~الحج الأول الأصلي، ولا يسقط الواجبان بفعل أحدهما. # وليس يجري هذا مجرى ما يتداخل من الكفارات والحدود، فيسقط بعضه بفعل بعض، ~~لأن تلك عقوبات، فجاز أن يسقط بعضه بفعل بعض، وليس كذلك الواجبات التي هي ~~مصالح وعبادات. # PageV00P314 # كتاب النكاح PageV00P315 # كتاب الحج PageV00P316 # المسألة الثامنة والأربعون والمائة: # " أم المرأة لا تحرم بمجرد العقد " (*). # عندنا: أن أمهات النساء يحرمن بالعقد علي بناتهن بمجرد العقد من غير ~~اعتبار بالدخول، ووافقنا على ذلك جميع فقهاء الأمصار (1). # وروي خلاف في هذه المسألة عن مجاهد، وابن الزبير (2) وأنهما قالا: لا ~~يحرمن إلا بعد الدخول (3). # دليلنا: الاجماع المتقدم ذكره. ms108 # وأيضا ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص (4) أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: " من تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها، ~~ولم تحرم عليه بنتها " (5). # فإن تعلقوا بقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (وأمهات # PageV00P317 # نساءكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) (1) فشرط ~~في تحريم أمهات النساء والربائب الدخول. # فالجواب عنه: أن رجوع الشرط إلى الأمرين يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، ~~ولا خلاف في رجوعه إلى الربائب. # وقد روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: أبهموا ما أبهم الله ~~(2). # وروي أيضا أنه قال: تحريم أمهات النساء مبهم (3). # فإما أن يكون قاله تفسيرا أو توقيفا، فإن قاله توقيفا فالمصير إليه واجب، ~~وإن قاله تفسيرا من قبل نفسه فلم يخالفه مخالف. # المسألة التاسعة والأربعون والمائة: # " الزنا لا يوجب تحريم المصاهرة " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا أنه من زنا بامرأة جاز له أن يتزوج بأمها ~~وابنتها، سواء كان الزنا قبل العقد أو بعده. # وهو مذهب الشافعي، والزهري، والليث، ومالك، وربيعة (4). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا زنا بامرأة حرمت عليه أمها وبنتها، وهو قول ~~الثوري، والأوزاعي (5). # PageV00P318 # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد ما روي عنه عليه ~~السلام من قوله: # " لا يحرم الحرام الحلال " (1). # وفي خبر آخر: " لا يفسد الحرام الحلال، وإذا فجر رجل بامرأة فلا عليه أن ~~ينكح أمها وبنتها " (2)، وهذا نص في موضع الخلاف. # فإن قيل في الخبر الأول (لا يحرم الحرام الحلال) أنتم تذهبون إلى خلاف ~~ذلك وتقولون: إن من تلوط بغلام فأوقبه لم تحل له أمه ولا أخته ولا بنته ~~أبدا. # قلنا: ظاهر الخبر يدخل فيه ما عارضتم به، وإنما أخرجنا منه المتلوط ~~بدليل، ولا دليل على ما اختلفنا فيه يوجب تخصيص الظاهر. # المسألة الخمسون والمائة: # " الشهادة معتبرة في صحة النكاح في أحد القولين (*)، وكذلك الولي (* *)، ~~وفي الرواية الأخرى هما مستحبان ". # الذي يذهب إليه أصحابنا أن الشهادة ليست بشرط في صحة النكاح، وينعقد ~~النكاح ms109 من دونها، وإن كانت الشهادة أفضل وأولى. # وقد حكي عن بعض الصحابة الموافقة لنا في أن الشهادة ليست بشرط في النكاح، ~~وإلى ذلك ذهب داود (3). # PageV00P319 # فأما الولاية فعندنا أن المرأة العاقلة البالغة تزول عنها الولاية في ~~بضعها، ولها أن تزوج نفسها، وأن توكل من يزوجها. # وقال أبو حنيفة، والشافعي وسائر الفقهاء سوى مالك -: إن الشهادة شرط في ~~النكاح (1). # وقال مالك: من شرط النكاح ألا يتواصوا بالكتمان فإن تواصوا بذلك لم يصح ~~وإن حضرت الشهود، فإن لم يتواصوا به صح وإن لم تحضر الشهود (2). # وقال أبو حنيفة: إذا زوجت المرأة العاقلة نفسها بغير إذن وليها جاز ~~النكاح، فإن كان الزوج كفؤا لها لم يكن للولي أن يعترض عليها، وإن لم يكن ~~كذلك فله أن يفرق بينهما (3). # وقال أبو يوسف، ومحمد: يقف النكاح على إجازة وليها، فإن أجازه جاز، وإن ~~لم يجزه وكان كفؤا لها أجازه الحاكم (4). # وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح إلا بولي ذكر على أي صفة كانت المنكوحة ~~(5). # دليلنا على أن الشهادة ليست بشرط في النكاح بعد الاجماع المتردد: أن ~~الأصل ألا شرط، لأن الشرط شرع وحكم زائد فمن ادعاه كان عليه الدليل. # وأيضا قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (6). # . # PageV00P320 # وقوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) (1) ولم يشرط الشهادة، فمن ادعى ~~أنها مشروطة فقد خالف الظاهر وعليه الدليل. # فإن تعلقوا بما روي عنه من قوله عليه السلام: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي ~~عدل " (2). # فالجواب عنه: أن النفي محذوف في الكلام، وليس لهم بأن يضمروا في أن النفي ~~وقع على الإجزاء بأولى منا إذا أضمرنا أنه وقع على الفضل، ويجري مجرى قوله ~~عليه السلام: " لا صدقة وذو رحم محتاج " (3) وقوله: " لا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد " (4). # فأما الدليل على أن المرأة العاقلة لها أن تزوج نفسها بعد الاجماع ~~المتقدم قوله تعالى: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (5) فأضاف عقد ~~النكاح إليها، فدل على أن لها أن تتولاه. # وأيضا قوله تعالى: (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن ms110 يتراجعا) (6) فأضاف ~~التراجع وهو عقد مستقبل إليهما. # وأيضا قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف) (7) فأباح فعلها في نفسها من غير شرط الولي. # . # PageV00P321 # فإن قيل: في الآية اشتراط المعروف، فدلوا على أن المرأة إذا زوجت نفسها ~~قد فعلت معروفا ولم تأت منكرا، فإن مخالفكم يقول: إن تزويج الولي لها هو ~~المعروف المراد. # قلنا: لا يجوز أن يكون المراد باشتراط المعروف عقد الولي عليها لا عقد ~~نفسها لا يكون فعلا منها في نفسها، والله تعالى أباح ذلك لها أن تفعله ~~بنفسها، ولا يجوز أن يراد به عقد الولي عليها. # وأيضا قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم ~~بالمعروف) (1) فأضاف العقد إليهن ونهى الأولياء عن منعهن من ذلك. # وأيضا ما رواه ابن عباس عنه عليه السلام أنه قال: " الأيم أحق بنفسها من ~~وليها " (2) ومخالفنا يزعم أن وليها أحق بها من نفسها. # وأيضا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب أم سلمة رحمة الله ~~عليها فقالت: ليس أحد من أوليائي حاضرا. # فقال عليه السلام: " ليس أحد من أوليائك حاضرا ولا غائبا إلا ويرضى بي ". # ثم قال لعمر بن أبي سلمة (3) - وكان صغيرا -: " قم فزوجها " (4) فقد تزوج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغير ولي. # . # PageV00P322 # فإن احتج المخالف بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " أيما ~~امرأة أنكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل (1). # فالجواب عنه: أن هذا خبر مطعون عليه، مقدوح فيه بما هو معروف في الكتب، ~~وتأويله إذا كان صحيحا - أن يحمل على الأمة إذا تزوجت بغير إذن مولاها، فإن ~~الولي والمولى بمعنى واحد، وقد روي في بعض الروايات: " أيما امرأة نكحت ~~بغير إذن مواليها " (2). # فإن قيل في الخبر ما يمنع من حمله على الأمة، وهو قوله: " فإن دخل بها ~~فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها " (3) فالمهر لا يكون للأمة بل للمولى. # قلنا: يجوز أن يضاف إليها للعلقة التي بينه وبينها وإن كان ملكا للمولى، ~~كما ms111 قال عليه السلام: " من باع عبدا وله مال " (4) فأضاف المال إلى العبد ~~وإن كان للمولى. # فإن تعلقوا بما روي من أنه قال: " لا نكاح إلا بولي " (5). # فعندنا أن المرأة إذا زوجت نفسها فذلك نكاح بولي، لأن الولي هو الذي يملك ~~الولاية للعقد، ومن يدعي أن لفظ الولي لا يقع إلا على الذكر مبطل، لأنه يقع ~~على الذكر والأنثى، لأنه يقال: رجل ولي، وامرأة ولي، كما يقال: (وصي) ~~فيهما. # . # PageV00P323 # المسألة الحادية والخمسون والمائة: # " وينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين في إحدى الروايتين " (*). # وأما الذي يذهب إليه أصحابنا: فهو أن النكاح لا يفتقر في صحته إلى ~~الشهادة، وإذا شهد النساء مفردات أو مع رجل لم يخل ذلك بصحته لأنه لا يفتقر ~~إلى الشهادة، فوجود من ليست له صفة الشاهد كعدمه. غير أنا نقول: إنه لا ~~يقبل في النكاح شهادة النساء، كما لا يقبل في الطلاق والحدود. # وقال أبو حنيفة: النكاح ينعقد بشهادة رجل وامرأتين (1). # وقال الشافعي: لا ينعقد (2). # وإذا كان مذهبنا هو ما تقدم من أن النكاح لا يفتقر إلى الشهادة وينعقد من ~~دونها فلا معنى للكلام في الخلاف الذي حكيناه بين أبي حنيفة [والشافعي] ~~فأنا بمعزل عنه. # المسألة الثانية والخمسون والمائة: # " وينعقد النكاح بلفظ الهبة " (* *). # عندنا: أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة، وإنما ينعقد النكاح المؤبد بأحد ~~لفظين: إما النكاح أو التزويج. # PageV00P324 # فأما نكاح المتعة فينعقد بما ينعقد به المؤبد من الألفاظ وقوله: أمتعيني ~~نفسك، وأوجريني أيضا. # ووافقنا الشافعي على أن النكاح لا ينعقد إلا باللفظين اللذين ذكرناهما ~~(1). # وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بكل لفظ يقتضي التمليك كالبيع، والهبة، ~~والتمليك، فأما ما لا يقتضي التمليك كالرهن والإباحة فلا ينعقد به، وفي ~~الإجارة عنده روايتان أصحهما أنه لا ينعقد بها (2). # وقال مالك: أن ذكر المهر مع هذه الألفاظ انعقد، وإن لم يذكره لم ينعقد ~~(3). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد، وأيضا قوله تعالى: (يا ~~أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ~~للنبي إن أراد النبي ms112 أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) (4) فجعل ~~النكاح بلفظ الهبة من جملة ما خص الله تعالى به نبيه عليه السلام، فثبت أنه ~~مخصوص بذلك. # وليس لأحد أن يحمل قوله تعالى: (خالصة لك) على أن المراد به سقوط المهر. # وذلك أن الكناية بقوله: (خالصة لك) يجب رجوعه إلى مذكور متقدم، والذي ~~تقدم ذكره هو الموهوبة وقبول نكاحها دون سقوط المهر، فيجب عود الكناية إلى ~~ما ذكرناه. # . # PageV00P325 # وليس لأحد أن يقول: لفظ الهبة يقتضي سقوط البدل (1)، فقوله: (وهبت نفسها) ~~يقتضي سقوط المهر، وتعود الكناية إليه، وذلك أن الكناية يجب عودها إلى ~~اللفظ دون المعنى، على أنا نحمل الكناية على أنها عائدة إلى الأمرين فلا ~~تنافي بينهما، ويقف مجمل الكناية على ما ذكرتم لا يفيد تخصيص النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بما ليس لغيره، لأن غيره قد ينكح بلا مهر، وهو العبد ~~إذا زوجه سيده بأمته، فإن المهر لا يجب هاهنا في الابتداء والانتهاء. # وليس له أن يقول: إن المراد ب‍ (خالصة لك) أنك إذا قبلت نكاحها صار خالصا ~~لك. # وذلك أن هذا التأويل يبطل أيضا الاختصاص، لأن غير النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا تزوج امرأة خلصت له دون كل أحد. # وأيضا فإنه لا خلاف في أن النكاح ينعقد بما ذهبنا إليه من اللفظ، فمن ~~ادعى أنه ينعقد بزائد على ذلك فقد ادعى شرعا يزيد على ما أجمعنا عليه ~~فتلزمه الدلالة دوننا. # فإن تعلق المخالف بما روي: من أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالت: # يا رسول الله إني قد وهبت لك نفسي. # فقال عليه السلام: " ما لي في النساء من حاجة ". # فقام إليه رجل فقال: زوجنيها يا رسول الله. # فقال: " ملكتكها بما معك من القرآن " (2). # . # PageV00P326 # وإذا ثبت جوازه بلفظ التمليك ثبت بلفظ الهبة، لأن أحدا لا يفصل بين ~~الأمرين. # والجواب عن هذا الخبر بعينه ما روي: أنه عليه السلام قال له: " زوجتكها ~~"، وقيل: إن الراوي غلط في نقله " ملكتكها " فأقل ما في الباب أن ms113 نتوقف مع ~~الاشتباه، فلا يكون في الخبر دليل لهم. # فإن تعلقوا: بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له أن يعقد النكاح ~~بلفظ الهبة لا محالة، فيجب أن يجوز (1) ذلك لغيره، لقوله تعالى: (فاتبعوه) ~~(2) وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (3). # فالجواب عن ذلك: أنا إنما أمرنا باتباعه في الأفعال الواجبات والمندوبات ~~دون المباحات، والنكاح مباح جار مجرى الأكل والشرب اللذين لم نؤمر باتباعه ~~فيهما، على أن ذلك لو كان عموما لأخرجنا غيره منه بالأدلة التي ذكرناها. # المسألة الثالثة والخمسون والمائة: # " الكفاءة معتبرة في النكاح والكفؤ في الدين وفي النسب روايتان " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا أن الكفاءة في الدين معتبرة، لأنه لا خلاف بين ~~الأمة في أنه لا يجوز أن يزوج المرأة المسلمة المؤمنة بالكفار. # وأما الكفاءة في النسب فليست شرطا في النكاح، ولم يختلف الفقهاء في أن ~~عدم # PageV00P327 # الكفاءة لا يبطل النكاح، إلا ما حكي عن ابن الماجشون (1)، فإنه ذهب إلى ~~أنها شرط في صحته (2). # وقال أبو حنيفة، والشافعي: إذا زوجت المرأة نفسها بغير كفؤ (3) كان ~~لأوليائها أن يفسخوا ذلك العقد، لأنها أدخلت عليهم عارا ونقصا، فإن رضي أحد ~~الأولياء بذلك العقد الذي هو مع غير كفؤ ولم يرض الباقون لم يكن لباقي ~~الأولياء أن يعترضوا على ذلك ولا يفسخوه (4). # وقال أبو يوسف، والشافعي: للأولياء (5) أن يفسخوه ويعترضوا فيه (6). # وشرائط الكفاءة عند الشافعي ست: التساوي في النسب، والحرية، والصناعة، ~~والسلامة من العيوب والدين، واليسار على أحد الوجهين (7). # وذهب أبو حنيفة إلى أن الشرائط أربع، وأخرج الصناعة واليسار (8). # وقال أبو يوسف: هي خمس، فزاد الصناعة (9). # . # PageV00P328 # والذي يحتاج إليه أن يدل على أنه لا اعتبار بالنسب في الكفاءة وصحة ~~العقد، والذي يدل على ذلك الاجماع المتكرر ذكره. # وأيضا ما روي من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة بنت قيس (1) أن ~~تنكح أسامة بن زيد (2) (3) ولم يكن كفؤا لها، لأنه مولى وهي حرة عربية. # وأيضا ما روي من أن سلمان (4) خطب إلى عمر بنته فأنعم له ms114 بذلك (5) وكان ~~سلمان عجميا، فدل على أن الكفاءة في النسب غير معتبرة. # وأيضا قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) (6) وكل ظاهر في القرآن يقتضي ~~الأمر بالنكاح هو خال من الاشتراط في النسب. # . # PageV00P329 # فإن قيل: هو أيضا خال من اشتراط الدين. # قلنا: إنما اشترطنا الدين بالدليل والاجماع، وإلا فالظاهر لا يقتضي ~~اشتراطه. # المسألة الرابعة والخمسون والمائة: # " ويقف النكاح على الفسخ والإجازة في أحد القولين، ولا يقف في القول ~~الآخر ". # هذا صحيح ويجوز أن يقف النكاح عندنا على الإجازة، ووافقنا على ذلك أبو ~~حنيفة (1). # وقال الشافعي: لا يصح النكاح الموقوف على الإجازة، سواء كان موقوفا على ~~إجازة الزوج أو الولي أو المنكوحة (2). # وقال مالك: يجوز أن يقف العقد مدة يسيرة، وإن تطاولت المدة بطل (3). # دليلنا على صحة ذهبنا إليه: الاجماع المتردد، وما رواه ابن عباس: أن ~~جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت: أن أباها زوجها وهي ~~كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (4). # وهذا يدل على أن النكاح يقف على الإجازة والفسخ. # وأيضا ما روي في خبر آخر: أن رجلا زوج ابنته وهي كارهة، فجاءت إلى . # PageV00P330 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: زوجني أبي - ونعم الأب - من ابن ~~أخيه يريد أن يرفع بي خسيسته. فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرها ~~إليها. # فقالت: أجزت (1) ما صنع بي أبي، وإنما أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى ~~الآباء من أمر النساء شئ (2). # وروي في بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: أجيزي ما صنع ~~أبوك " (3). # وأبوها ما صنع إلا العقد، فدل على أنه كان موقوفا على الإجازة. # فإن قيل: لما زوجها أبوها غير كفؤ لها كان لها حق الفسخ، وأراد بقوله: # " أجيزي " أي لا تفسخي. # قلنا: إبطال حق الفسخ لا يكون إجازة للعقد، لأن العقد جائز مع بقاء حق ~~الفسخ. # فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~وليها فنكاحها باطل " (4) فقالوا: أنتم تقولون إن هذا العقد كان ms115 صحيحا لا ~~يبطل بل يقف على الإجازة. # فالجواب: أن الولي إذا أجاز هذا العقد كان صحيحا ولم يعر من إجازة الولي، ~~ولم يرد عليه السلام أن العقد إذا تعرى في حال وقوعه من إذن الولي كان ~~باطلا، بل أراد تعريه من إذنه على كل حال، والمرأة إذا عقدت على نفسها ثم ~~أجاز الولي فهو عقد . # PageV00P331 # بإذن الولي. # المسألة الخامسة والخمسون والمائة: # " لا يجوز نكاح الصغار إلا بالآباء " (*). # عندنا أنه يجوز أن ينكح الصغار الآباء والأجداد من قبل الآباء، فإن عقد ~~عليهن غير من ذكرناه كان العقد موقوفا على رضاهن بعد البلوغ. # وقال الشافعي: الأب والجد يملكان الإجبار (1) على النكاح، ومن عداهما من ~~الأقارب لا يجوز (2). # وقال أبو حنيفة: يجوز للأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم أن يزوجوا ~~الصغار (3). # ورووا عنه: أن كل من ورث بالتعصيب ملك الإجبار (4). # وفي رواية أخرى عنه: أن كل من ورث ملك الإجبار عصبة كان أو غير عصبة (5). # وقال ابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل: الأب يجبر دون الجد (6) وقال المالك: ~~الأب # PageV00P332 # يجبر البكر الكبيرة والصغيرة والجد يجبر الصغيرة دون الكبيرة (1). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم: ما رواه عبد الله بن ~~عمر قال: # زوجني خالي قدامة بن مظعون (2) بنت أخيه عثمان بن مظعون (3)، فأتى ~~المغيرة بن شعبة أمها فأرغبها في المال، فمالت إليه وزهدت في. # فأتى قدامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أنا عمها ~~ووصي أبيها، زوجتها من عبد الله بن عمر، وقد عرفت فضله وقرابته، وما نقموا ~~منه إلا أنه لا مال له. # فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " إنها يتيمة فإنها لا تنكح إلا ~~بإذنها " (4). # فموضع الاستدلال منه: أن قدامة وهو عمها زوجها، فأبطل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نكاحها، وعلل بأن اليتيمة لا تنكح إلا بإذنها، فدل على أنه ~~لا ولاية للعم علي بنت أخيه من طريق الإجبار. # فإن قيل: كانت بالغة، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إنها يتيمة " ~~معناه ms116 أنها قريبة العهد باليتم. # قلنا: إن اليتيم اسم لغير البالغة شرعا ولغة، أما الشرع فقوله عليه ~~السلام: " لا يتم بعد الحلم " (5)، وأما اللغة: فإن أهلها لا يطلقون اسم ~~اليتيم على البالغ الذي قد اكتهل أو . # PageV00P333 # قد شاب. # ومعنى قوله: " إلا بإذنها " أنها لا تنكح إلا بعد أن تبلغ فيكون لها إذن، ~~ولم يرد بذلك إثبات الإذن في الحال. # المسألة السادسة والخمسون والمائة: # " من تزوج امرأة وسمى لها مهرا ثم مات قبل أن يدخل بها، فلها نصف ما سمى ~~لها " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من سمى لامرأة مهرا ومات عنها قبل الدخول ~~فلها جميع المهر، لأن الموت يجري مجرى الدخول في إيجابه كمال المهر، وعلى ~~ذلك إجماع جميع الفقهاء بلا خلاف بينهم، ومن خالف في ذلك فالحجة عليه تقدم ~~الاجماع بخلافه. # المسألة السابعة والخمسون والمائة: # " النكاح جائز وإن لم يذكر المهر، ولا مهر لها إذا لم يسم لها مهرا " (* ~~*). # عندنا: أن عدم ذكر المهر لا يخل بالنكاح، ومن تزوج امرأة ولم يسم لها ~~مهرا، فإن دخل بها كان عليه مهر مثلها، فإن طلقها قبل أن يدخل بها فليس لها ~~عليه مهر، # PageV00P334 # ولها (1) عليه متعة. # واتفق الفقهاء على جواز النكاح بغير مهر يسمى، إلا أن مالكا يقول: إنه ~~إذا شرط ألا مهر لها فالنكاح فاسد، فإن دخل بها صح النكاح ولها المهر ~~لمثلها (2). # ولا خلاف في أن المرأة إذا لم يسم لها مهرا ثم وقع الدخول بها فإن لها ~~مهر مثلها. # واختلف الفقهاء في وجوب المتعة فيمن طلقت ولم يسم لها مهرا: # فقال أبو حنيفة وأصحابه: المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها ~~مهرا، فإن دخل بها فإنه يمتعها ولا يجبر عليها، وهو قول الثوري، والحسن بن ~~حي (3) وزعم الأوزاعي أن أحد الزوجين إذا كان مملوكا لم تجب المتعة، وإن ~~طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا (4). # وقال ابن أبي ليلى، وأبو الزناد (5): المتعة ليست بواجبة (6)، إن شاء فعل ~~وإن شاء لم يفعل لا يجبر عليها (7). # . # PageV00P335 # ولم يفرقوا بين ms117 المدخول بها وغير المدخول بها، وبين من سمي لها ولم يسم. # وقال مالك، والليث: لا يجبر أحد على المتعة سمى لها أم لم يسم، دخل بها ~~أو لم يدخل، وإنما هو مما ينبغي أن يفعله ولا يجبر عليها (1). # وقال الشافعي: المتعة واجبة لكل مطلقة، ولكل زوجة إذا كان الفراق من ~~قبله، إلا التي سمى لها وطلق قبل الدخول (2). # فأما الذي يدل على أن خلو عقد النكاح من ذكر مهر لا يفسده فهو بعد ~~الاجماع المتردد قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ~~أو تفرضوا لهن فريضة) (3) والطلاق لا يقع إلا في النكاح الصحيح، فلو لم يكن ~~النكاح صحيحا مع فقد ذكر المهر لكان الطلاق باطلا، ولا فرق في عدم ذكر (4) ~~المهر بين السكوت عنه وبين أن يشرط ألا مهر. # والذي يدل على وجوب المتعة قوله تعالى: " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) (5). وفي آية أخرى: # (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) (6). # وظاهر الأمر يقتضي الوجوب. # . # PageV00P336 # المسألة الثامنة والخمسون والمائة: # والبرص لا يرد به النكاح " (*). # عندنا: أن البرص مما يرد به النكاح، وكذلك العمى والجذام والرتق، وغير ~~ذلك من العيوب المعدودة المسطورة، ومتى رضي الزوج بشئ من ذلك لم يكن له ~~الرد بعده، ووافقنا على ذلك الشافعي (1). # وقال أبو حنيفة: لا يثبت الخيار في النكاح لأجل العيب (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المقدم، ما رواه أبي بن كعب ~~قال: # تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بامرأة من غفارة، فلما خلا بها رأى ~~بكشحها بياضا، فقال: # " ضمي إليك ثيابك، والحقي بأهلك " (3). # وفي بعض الأخبار فرد نكاحها، وقال: " دلستم علي " (4). # فإن قيل: يحتمل أن يكون طلقها وردها. # قلنا: هذا تعليق الحكم بغير السبب المنقول، على أن الرد صريح في الفسخ، ~~وهو كناية عن الطلاق، وحمل اللفظ على ما هو صريح فيه أولى. ms118 # PageV00P337 # المسألة التاسعة والخمسون والمائة: # " والعنة يرد بها النكاح " (*). # هذا صحيح، والذي يقوله أصحابنا أن المرأة إذا تزوجت بزوج على أنه سليم ~~فظهر أنه عنين انتظرت به سنة، فإن أمكنه الوطء ولو مرة فهو أملك بها، وإن ~~لم يصل إليها في مدة السنة كان لها الخيار، ووافقنا على هذا الترتيب ~~الشافعي (1). # وقال الحكم (2) وداود: لا تأثير للعنة في النكاح (3). # دليلنا بعد الاجماع المتردد ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ~~قال: " يؤجل العنين سنة فإن وطئ وإلا فرق بينهما (4). # وروي عن عمر مثل ذلك بعينه، وعن ابن مسعود، والمغيرة مثله بعينه (5)، فقد ~~صار إجماعا من الصحابة لأنه لم يكن مخالفا (6) لما ذكرناه. # PageV00P338 # فإن قيل: روي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول ~~الله إن زوجي طلقني فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير (1)، وإنما أنا ~~معه مثل هدبة الثوب، فقال عليه السلام: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ (2) ~~لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " (3) فأخبرته المرأة بعنة زوجها ولم ~~يجعل لها الفسخ. قلنا: إنما لم يجعل عليه السلام لها الفسخ لأن الزوج لم ~~يقر بالعنة وهي إنما تثبت بإقراره وعلى أن الزوج لم يكن عنينا وإنما كان ~~ضعيف الجماع بدلالة قوله عليه السلام حتى تذوقي عسيلته، ولا يكون ذلك، إلا ~~مع التمكن من الجماع. # المسألة الستون والمائة: # " ولو ادعت امرأة أنها أرضعت الزوجين فرق بينهما " (*). # الذي يقوله أصحابنا: إن شهادة النساء في الرضاع مقبولة على الانفراد، وفي ~~الولادة أيضا. # وبذلك قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: تقبل في الولادة، ولا تقبل في ~~الرضاع # PageV00P339 # والعيوب وقال الشافعي: لا تقبل في الرضاع أقل من أربع نسوة. # وقال مالك: تقبل امرأتان، وقال الزهري، والأوزاعي: تقبل واحدة ويستحب ~~أصحابنا أن تقبل في الرضاع شهادة المرأة الواحدة تنزيها للنكاح عن الشبهة ~~واحتياطا فيه والدليل على ذلك بعد الاجماع المتقدم ذكره: ما روي من أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل الذي سئل عن المرأة التي أخبرتها ~~عن الذي قال أنا ms119 أرضعتها وإياه فقال عليه السلام: " دعها كيف وقد شهدت ~~السوداء ". PageV00P340 # كتاب الطلاق PageV00P341 # المسألة الحادية والستون والمائة: # " لا يقع الطلاق بغير السنة في أحد القولين " (*). # هذا صحيح، عندنا: أن الطلاق لا يقع إلا على الوجه المسنون المشروع، وهو ~~أن يطلق زوجته طلقة واحدة في طهر لا جماع فيه، والشهادة معتبرة في الطلاق، ~~وهذا معنى قولنا: طلاق السنة، فإن خالف في شئ لم يقع طلاقه. # ووافقنا باقي الفقهاء في أن الطلاق في الحيض أو في طهر فيه جماع بدعة، ~~لكنهم ذهبوا إلى وقوعه، ووافقنا مالك وأبو حنيفة على أن الطلاق الثلاث في ~~حال واحدة محرم، إلا أنهما يذهبان إلى أنه يقع (1). # وقال الشافعي: الطلاق الثلاث غير محرم (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد ذكره. # وأيضا فإن وقوع الطلاق إنما هو إثبات حكم شرعي، وقد ثبت أن هذه الأحكام ~~تحصل وتثبت عند وقوع الطلاق على وجه السنة، فمن ادعى ثبوتها مع الطلاق ~~البدعي فقد ادعى شرعا زائدا فعليه الدليل. # وأما الذي يدل على أن الطلاق الثلاث في الحال الواحدة بدعة وغير مسنون ~~فهو قوله تعالى: (الطلاق مرتان) (3) وظاهر هذا الكلام الخبر والمراد به ~~الأمر، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كذبا، فكأنه تعالى قال: (فطلقوهن مرتين، ~~ولو قال ذلك # PageV00P343 # لم يجز إيقاع تطليقتين بكلمة واحدة، لأن جميعها في كلمة واحدة فلم يطلق ~~مرتين، كما أن من أعطى درهمين دفعة واحدة فلم يعطهما مرتين. # فإن قيل: فهذا يقتضي جواز إيقاع الطلقتين في طهر واحد وأنتم تأبون ذلك. # قلنا: إذا ثبت وجوب تفريق الطلقتين، فلا أحد يذهب إلى وجوب تفرقهما في ~~طهرين إلا وأوجب تفرقهما في طهر واحد. # وأيضا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: كان الطلاق الثلاث على ~~عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدرا من أيام عمر طلقة، فقال ~~عمر: لقد تعجلتم أمرا كان فيه أناة، وألزمهم الثلاث (1). # وأيضا ما روي عن ابن عمر أنه قال: طلقت امرأتي وهي حائض ثلاثا، فأمرني ~~النبي صلى ms120 الله عليه وآله وسلم أن أراجعها (2). # وأيضا ما روي عن ابن عمر، من أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لعمر: " مره فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض، ~~ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء " (3) فأمر صلى الله عليه وآله وسلم بالفصل بين ~~التطليقتين بحيضة وطهر، ومخالفنا لا يوجب ذلك. # وفي خبر آخر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لابن عمر: ما هكذا ~~أمرك ربك، وقد . # PageV00P344 # أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر، وطلقها لكل قرء " (1) وهذا أيضا ~~يمنع من إيقاع الثلاث في طهر واحد. # وأما تعلق من خالفنا بأن الطلاق الثلاث واقع بدعة بما رواه سهل بن سعد ~~الساعدي قال: لاعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين العجلاني (2) ~~وزوجته، فلما تلاعنا قال الزوج: إن أمسكتها فقد كذبت عليها، هي طالق ثلاثا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا سبيل لك عليها " (3). # وموضع الاستدلال منه: أن العجلاني كان قد طلق في وقت لم يكن له أن يطلق ~~فيه، فطلق ثلاثا، فبين له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم الوقت، وأنه ~~ليس له أن يطلق في هذه الحالة، ولم يبين له حكم العدد، ولو كان محرما ~~لبينه. # والجواب عنه: أنه لا دلالة للشافعي في هذا الخبر، لأنه يذهب إلى أن ~~الفرقة كانت واقعة بلعان الزوج، وإنما قال: هي طالق ثلاثا بعد ما بانت منه ~~وصارت أجنبية، فلم يكن لقوله حكم. # فإن ألزمنا وجوب الإنكار على عويمر العجلاني لأنه اعتقد جواز إيقاع ~~الثلاث في كلمة واحدة. # أجبناه: بأنه كان يعتقد بأن طلاقه يلحقها بعد اللعان، وعندك أنه لا ~~يلحقها، . # PageV00P345 # لأنها أجنبية بعد اللعان، ولم ينكر صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عليه بعد ~~ذلك. وفي ترك إنكار هذا هو عذرنا في ترك إنكار الأول. # وقوله عليه السلام: " لا سبيل لك عليها " (1) ليس بإنكار وإنما هو إخبار ~~لأنها صارت أجنبية منه، وهو محتمل لأنها صارت أجنبية باللعان أو بالطلاق. # فإن احتج من يذهب ms121 إلى أن الطلاق الثلاث يقع سنة كان أو بدعة بما روي في ~~حديث ابن عمر أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أرأيت لو طلقتها ~~ثلاثا؟ فقال: " إذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك " (2). فالجواب عنه أن قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " أرأيت لو طلقتها ثلاثا "، لا تصريح فيه بأنني ~~أفعل ذلك في حالة واحدة أو كلمة واحدة، ويجوز أن يكون المراد: # أنني أطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار بعد تخلل المراجعة، فقد يسمى من طلق ~~امرأته ثلاثا في أطهار ثلاثة أنه مطلق ثلاثا، كما يسمى بذلك من طلق ثلاثا ~~بكلمة واحدة. # فإن قيل: أي فائدة على هذا الجواب في قوله: " عصيت ربك " وفي أي شئ عصى ~~إذا كان الترتيب ما رتبتموه؟ (3). # قلنا: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم من ~~زوجة ابن عمر الخير والبر والموافقة له، وأنه متعد للصواب في فراقها، فتكون ~~المعصية من حيث فارق خيرا موافقا بغير استحقاق. # والوجه الآخر: أن إخراج الزوج نفسه من التمكن من مراجعة المرأة مكروه له، ~~ومن طلق ثلاثا في ثلاثة أطهار لا تحل له هذه المرأة إلا بعد نكاحها لغيره، ~~وهو . # PageV00P346 # لا يدري مما ينقلب به قلبه، ولهذا حمل العلماء قوله: (فطلقوهن لعدتهن) ~~(1) بأنه أراد به الواحدة ليملك المراجعة بدلالة قوله: (لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا) (2) ومن أبان زوجته بالتطليقات الثلاث في الأطهار ~~الثلاثة والمراجعة بينها فقد حرمها على نفسه إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، ~~ويكره له ذلك. # والجواب الثاني في معنى الخبر: هو أن يحمل قوله: " بانت زوجتك " إذا خرجت ~~من العدة، فإن المطلق ثلاثا بلفظ واحد تبين بالثلاث وهي بدعة، وإنما تبين ~~له أن يطلق واحدة. # فإن قيل: ليس في الخبر أن زوجتك تبين بعد انقضاء العدة، والظاهر أنها ~~تبين في الحال. # قلنا: إذا كان الظاهر ما ادعيته فلنا أن نعدل عنه إلى إضمار فيه وزيادة ~~عليه للأدلة التي قدمناها، كما نفعل ذلك في كتاب الله تعالى، فيترك (3) ~~ظواهره ms122 ويزيد فيه الزيادات للأدلة القاطعة. # فإن تعلقوا بما روي أن عبد الرحمن (4) طلق امرأته " تماضر " ثلاثا (5). # فالجواب عنه: أنه ليس في الخبر أنه طلقها بلفظ واحد وفي حالة واحدة، ~~ويجوز أن يكون طلقها في أطهار ثلاثة يخللها مراجعة على ما تقدم ذكره، وهذه ~~. # PageV00P347 # الطريقة يمكن أن تسلك في كل خبر يتعلقون به يتضمن وقوع طلاق ثلاث، فقد ~~نبهنا على طريق الكلام فيه. # المسألة الثانية والستون والمائة: # " الطلاق لا يتبع الطلاق، حتى يتخلل بينهما المراجعة في أحد القولين " ~~(*). # هذا صحيح، وهو الذي نذهب إليه، وقد دللنا على أن الطلاق إذا وقع عقيب ~~الطلاق من غير رجعة كان بدعة، وبينا أن الطلاق البدعي لا يقع ولا حكم له في ~~الشرع، وفي ما مضى من ذلك كفاية. # المسألة الثالثة والستون والمائة: # " إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا لم تطلق إلا واحدة " (* *). # هذا صحيح وهو الذي يذهب إليه أصحابنا، وقد قال الشاذ منهم: أن الطلاق ~~الثلاث لا يقع شئ منه (1). والمعول على ما قدمناه. وخالف جميع الفقهاء في ~~ذلك. # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد ذكره. # وأيضا فإن من قال لزوجته: أنت طالق ثم قال ثلاثا، وتكاملت شرائط # PageV00P348 # الطلاق كلها من طهر لا جماع فيه وشهادة واختيار، وقد تلفظ بالواحد التي ~~سنت له، وإنما أتبعها بلفظة " ثلاثا "، فلغى ما أتبعها به وسقط، وجرى مجرى ~~أن يقول: أنت طالق ويتبعه بلفظ لا حكم له في الشريعة، مثل أن يقول: دخلت ~~الدار وأكلت الخبز وما جرى مجرى ذلك. # وقد علمنا أنه إذا أتبع هذه اللفظة وهي قوله: " أنت طالق " بكل لفظ لا ~~يؤثر حكما في المطلقة فإن حكم اللفظة الأولى باق وواقع، ولا تأثير لما ~~أتبعها به. # فإن قيل: لم يسن له أن يقول لها: " أنت طالق " ثم يقول، " ثلاثا " فيجب ~~أن لا يقع طلاقه. # قلنا: ولم يسن له أن يقول لها: " أنت طالق " ثم يشتمها، أو يقذف غيرها، ~~ومع ذلك فلو فعل خلاف ما سن له وبما يكون به عاصيا لم يخرج ms123 اللفظة الأولى ~~من وقوع الطلاق بها ونفوذ حكمها. # ومما يدل أيضا على ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: " الطلاق الثلاث على ~~عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر، وصدرا من أيام عمر طلقة ~~واحدة، فقال عمر: لقد تعجلتم أمرا كان لكم فيه أناة، وألزمهم الثلاث (1) ". # المسألة الرابعة والستون والمائة: # " وإن قال لأربع نسوة له: إحداكن طالق، فالاحتياط أن يطلق كل واحدة منهن، ~~ثم يراجعهن جميعا " (*). # عندنا أنه إذا لم يعين الطلاق في واحدة من نسائه حتى تتميز من غيرها لم ~~يقع الطلاق. # PageV00P349 # وإذا قال لأربع نسوة أو أقل منهن: إحداكن طالق، فكلامه لغو لا حكم له. # وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وعثمان البتي (1) والليث: إذا لم ينو ~~واحدة بعينها - حين قال فإنه يختار أيتهن شاء، فيوقع الطلاق عليها ~~والباقيات نساؤه (2). # وقال مالك: إذا لم ينو واحدة بعينها طلق عليه جميع نسائه (3). # وقال الشافعي: إذا قال لامرأتيه: " إحداكما طالق ثلاثا " منع منهما حتى ~~يتبين، فإن قال: لم أرد هذه، كان إقرارا منه بالأخرى (4). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر ذكره. # وأيضا فإن المسنون في الطلاق المشروع فيه أن يسمي المطلقة ويشير إليها ~~بعينها، ويرفع الجهالة في أمرها، وإذا قال: إحداكن طالق فما ميز، ولا فرق، ~~ولا بين، فهو بخلاف المشروع في الطلاق، وإنما يعرف وقوع حكم الطلاق بأن ~~يشرع لنا، فإذا كان لا يشرع في ذلك ولا حكم له فلا تقع الفرقة به. # فأما ما يذهب إليه من يقول: إن الجميع يطلقن فبعيد من الصواب، وما ذهب ~~إليه من قال إنه يطلق واحدة لا بعينها هو أقرب إلى الحق على كل حال. # وإنما كان مذهب مالك بعيدا من الصواب لأن المطلقة واحدة وإن كانت بغير ~~عينها، فكيف يجوز إيقاع الطلاق على الجميع؟ # . # PageV00P350 # وليس هذا مثل أن يطلق امرأة بعينها ثم ينساها، لأن التحريم هناك تعلق ~~بعين، وهاهنا تعلق لا بعين. # المسألة الخامسة والستون والمائة: # " الخلع فرقة بائنة، وليست كل فرقة طلاقا كفرقة الردة واللعان " (*). # عندنا: ms124 أن الخلع إذا تجرد عن لفظ الطلاق بانت به المرأة وجرى مجرى الطلاق ~~في أنه ينقص من عدد الطلاق. وهذه فائدة اختلاف الفقهاء في أنه طلاق أو فسخ، ~~لأن من جعله فسخا لا ينقص به من عدد الطلاق شيئا، فتحل له وإن خلعها ثلاثا. # وقال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والبتي، والشافعي في ~~أحد قوليه: إن الخلع تطليقة بائنة (1). # وللشافعي قول آخر: أنه فسخ (2)، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو قول أحمد، ~~وإسحاق (3). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم ذكره. # PageV00P351 # ويدل على ذلك أيضا ما روي: من أن ثابت بن قيس (1) لما خلع زوجته بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بلفظ الطلاق. # فلما خالعها قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " اعتدي "، ثم ~~التفت إلى أصحابه وقال: # هي واحدة " (2). # فهذا دلالة على أنه طلاق وليس بفسخ، على أن الفسخ لا يصح في النكاح ولا ~~الإقالة. # المسألة السادسة والستون والمائة: # " والمختلعة لا يلحقها الطلاق " (*). # وهذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا وهو مذهب الشافعي (3). # وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: يلحقها الطلاق ما دامت في العدة ~~(4). # وقال الحسن، ومالك: يلحقها الطلاق عن قرب. # فمالك يقول: إذا خالعها فوصل بالطلاق الخلع، فإن لم يصل به لم يلحقها. # والحسن يقول: إن طلقها في المجلس لحق، وإن تفرقا عن المجلس تم طلق لم ~~يلحقها (5). # PageV00P352 # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد: أن الطلاق لا يقع ~~عندنا عقيب الطلاق إلا بعد رجعة، فأما أن يقع طلاق على مطلقة بغير رجعة ~~تتخلل فغير صحيح، وقد دللنا قبل هذه المسألة على هذا الموضع. # وإذا كان الخلع طلاقا بائنا فلا يجوز أن يقع في المختلعة طلاق، إلا بأن ~~يعقد عليها عقدا جديدا، لأن الطلاق على ما تقدم لا يتبع الطلاق. # فأما الشافعي فهو وإن وافقنا في هذه المسألة، فإنه يسلك في نصرة مذهبه ~~طرقا من القياس معروفة، فيقول: إذا كانت المختلعة لا يستباح وطؤها إلا ~~بنكاح جديد ولا يلحقها الطلاق ms125 كالأجنبية، ولا خصائص النكاح من اللعان، ~~والظهار، والإيلاء، والرجعة، والتوارث مرتفعة عن المختلعة فلا يلحقها ~~الطلاق (1). # المسألة السابعة والستون والمائة: # " لا يأخذ الزوج إلا ما أعطاها، أو دون ما أعطاها " (*). # عندنا: أنه يصح أن يخلع امرأة على أكثر مما قد أعطاها وأقل منه، وعلى كل ~~قدر (2) تراضيا به، وإنما يقول أصحابنا في المباراة: إنه لا يجوز على أكثر ~~مما أعطاها. # وقال الشافعي: يجوز الخلع بالمهر الذي عقد عليه النكاح، وأكثر منه وأقل ~~(3). # وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان النشوز من قبل المرأة جاز له أن يأخذ ~~منها ما أعطاها ولا يزداد، فإن كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ منها ~~شيئا، فإن # PageV00P353 # فعل جاز في الفتيا (1). وقال الزهري، وأحمد، وإسحاق: لا يصح إلا بقدر ~~المهر (2). # والذي يدل على صحة مذهبنا بعد الاجماع المتقدم قوله تعالى: (ولا يحل لكم ~~أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) (3) ولم يفرق بين ~~القليل والكثير. # وأما تعلقهم بحديث خولة (4) أنها لما شكت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حال زوجها، فقال: " أتردين عليه حديقته "؟ فقالت: نعم، فأمره أن ~~يأخذ منها ما ساق إليها ولا يزيد عليه. # فالجواب عنه: أن ذلك إنما جاز لأن الزوج لم يطلب أكثر من الحديقة ورضي ~~به، لأنه روي في هذا الخبر أنه قال: يا رسول الله إني دفعت إليها حديقة هي ~~خير مالي، فاردد بها علي، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ~~أتردين عليه حديقته "؟ فقالت: نعم، وإن شاء زدته، فأمره أن يأخذ منها ما ~~ساق إليها، ولا يزيد عليه (5)، لأنه رضي بذلك. وإنما الخلاف إذا تراضى ~~الزوجان على أكثر من المهر. # . # PageV00P354 # المسألة الثامنة والستون والمائة: # " ولا يكون الزوج مؤليا حتى يدخل بأهله " (*). # هذا صحيح وهو الذي يذهب إليه أصحابنا، وباقي الفقهاء يخالفون فيه (1). # والذي يدل على صحة ما ذكرناه: الاجماع المتردد ذكره، وأيضا أنه لا خلاف ms126 ~~في أن حكم الإيلاء شرعي، وقد ثبت بلا خلاف في المدخول بها، ومن أثبته في ~~غير المدخول بها فقد أثبت حكما شرعيا زائدا على ما وقع عليه الاجماع، فعليه ~~الدليل. # فإن تعلقوا بقوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن ~~فاؤوا فإن الله غفور رحيم) (2) فإن اللفظ عام لجميع النساء المدخول بهن ~~وغير المدخول بهن. # فالجواب: أن اللفظ لو كان عاما على ما ادعى لجاز تخصيصه بدليل، كيف وفي ~~اللفظ ما يدل على التخصيص بالدخول بها، لأنه تعالى قال: (فإن فاؤوا) ~~والمراد بالفئة العود إلى الجماع بلا خلاف، وإنما يعاود الجماع من دخل بها ~~واعتاد جماعها وهذا واضح. # المسألة التاسعة والستون والمائة: # " العود في الظهار هو إرادة المماسة " (* *). # ليس لأصحابنا نص صريح في تعيين ما به العود (3) في الظهار والذي يقوى في # PageV00P355 # نفسي أن العود هو إرادة استباحة ما حرمه الظهار من الوطء، وإذا كان ~~الظهار اقتضى تحريما فأراد المظاهر دفعه فقد عاد. # وإلى هذا الذي ذكرناه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (1) وبين أبو حنيفة عن حقيقة ~~مذهبه بأن قال: إن كفارة الظهار لا تستقر في الذمة بحال، ولكن قيل للمظاهر: ~~إذا أردت أن ترفع التحريم وتستبيح الوطء فكفر، وإن لم ترد أن تطأ فلا تكفر، ~~فإن وطأ ثم لم يكفر لم تلزمه الكفارة، ولكن يقال له عند الوطء الثاني مثل ~~ذلك (2)، وجرى ذلك مجرى قولهم: إذا أردت أن تصلي تطوعا فتطهر، لأن الطهارة ~~شرط في صحة (3) الصلاة من غير أن تكون واجبة عليهم، كذلك قيل: إذا أردت أن ~~تستبيح الوطء الذي حرمته بالظهار فقدم العتق، ليس لأن العتق يجب في ذمته، ~~استباح الوطء أو لم يستبحه. # وقال الشافعي: العود هو أن يمسكها زوجة (4) بعد الظهار، مع قدرته على ~~الطلاق (5). # وذهب مالك، وأحمد إلى أن العود هو العزم على الوطء (6). # وذهب الحسن، وطاووس، والزهري إلى أن العود هو الوطء (7). # وذهب داود إلى: أن العود هو تكرار لفظ الظهار (8). # . # PageV00P356 # وذهب مجاهد إلى أن الكفارة تجب بمجرد الظهار، ولا يعتبر العود ms127 (1). # والدليل على بطلان قول مجاهد: إن الله تعالى جعل العود شرطا في وجوب ~~الكفارة، فقال تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة) (2) فشرط العود (3) فمن أسقطه أسقط نصف الآية. # وأما الذي يبطل مذهب مالك وأحمد في أن العود هو العزم على الوطء: فهو أن ~~موجب الظهار هو تحريم الوطء لا تحريم العزيمة، فيجب أن يكون العود هو ~~الاستباحة، ولا يكون العود هو العزيمة، على أن العزيمة لا تأثير لها في ~~سائر الأصول ولا تتعلق بها الأحكام ولا وجوب الكفارات، ولأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: " إن الله تعالى عفا لأمتي عما حدثت به نفوسها ما لم ~~يتكلموا به، أو يعملوا به " (4). # وأما الذي يدل على فساد قول من ذهب إلى أن العود هو الوطء: فهو ظاهر ~~الكتاب، لأن الله تعالى قال: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) (5) فلو كان ~~العود هو الوطء لما أمر بإخراج الكفارة قبله. # فأما الذي يبطل مذهب الشافعي في أن العود هو إمساكها على النكاح: فهو أن ~~الظهار لا يوجب تحريم العقد وترك الفرقة وإمساك المرأة، فيكون العود هو ~~إمساكها على النكاح، لأن العود إنما يقتضي الرجوع إلى أمر يخالف موجب ~~الظهار، فدل ذلك على أن العود هو استباحة الوطء ورفع ما حرمه الظهار منه. # وأيضا قوله تعالى: (ثم يعودون لما قالوا) (6) ولفظ " ثم " يقتضي التراخي ~~فمن جعل . # PageV00P357 # العود هو البقاء على النكاح فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخ، وذلك ~~بخلاف مقتضى الآية. # وأما الكلام على من ذهب إلى أن العود هو أن يعيد القول مرتين فإجماع ~~السلف والخلف قد تقدم على خلاف هذا القول، ومن جدد خلافا قد سبقه الاجماع ~~لم يلتفت إلى خلافه. # فإن قال: إنما قلت ذلك لأنه تعالى قال: (ثم يعودون لما قالوا)، فظاهر ذلك ~~يقتضي العود في القول، لا في معناه ومقتضاه. # قلنا: أما الظاهر فلا يدل على قول من ذهب إلى أن العود هو إعادة القول ~~مرتين، لأنه تعالى قال: (ثم يعودون لما ms128 قالوا) الظاهر يقتضي العود في نفس ~~القول لا في مثله، وإنما يضمر من ذهب إلى هذا المذهب لفظة المثل، وليست في ~~الظاهر، فقد عدل عن الظاهر لا محالة، ومن حمله على ما ذكرناه فقد فعل ~~الأولى، لأن الظهار إذ اقتضى تحريم الوطء فمن آثر رفع هذا التحريم واستباحة ~~الوطء فقد عاد فيما قاله، لأنه قال ما اقتضى تحريمه وعاد يرفع تحريمه، ~~فمعنى يعودون لما قالوا أي: يعودون للقول فيه كقوله عليه السلام: " العائد ~~في هبته كالكلب يعود في قيئه " (1) وإنما هو عائد في الموهوب لا الهبة. # وكقوله: " اللهم أنت رجاؤنا " أي مرجونا. # وقال تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) (2) يعني الموقن به. # وقال الشاعر: # وإني لأرجوكم على بطء سعيكم * كما في بطون الحاملات رجاء (3) يعني مرجوا. # . # PageV00P358 # المسألة السبعون والمائة: # " المتوفى عنها زوجها تعتد من يوم يبلغها نعي الزوج، وكذلك المطلقة " ~~(*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أن الرجل إذا طلق امرأته وهو غائب عنها ثم ورد ~~الخبر عليها بذلك وقد حاضت من يوم طلقها إلى ذلك الوقت ثلاث حيض - فقد خرجت ~~من عدتها ولا عدة عليها بعد ذلك، وإن كانت حاضت أقل من ثلاث احتسبت من ~~العدة وثبت عليها تمامها. # وإذا مات عنها في غيبته ووصل خبر وفاته إليها وقد مضت مدة اعتدت لوفاته ~~من يوم بلوغ الخبر بالوفاة، ولم تحتسب بما مضى من الأيام. # وفي أصحابنا من لم يفرق بين المطلقة وبين المتوفى عنها زوجها في الغيبة، ~~وإنما يراعي في ابتداء العدة وقت وقوع الطلاق، أو الموت (1). # إلا أنه يراعي هذا القائل: أن يكون ما بين البلدين مسافة يمكن العلم معها ~~بوقت الوفاة أو الطلاق. # فإذا كانت كذلك ثبت على ما تقدم، وراعت في العدة ابتداء الوفاة، فإن كانت ~~المسافة لا يحتمل معها أن تعلم المرأة بالحال إلا في الوقت الذي علمت به، ~~اعتدت من يوم يبلغها عدة كاملة. # وقال أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، وابن سيرين، والثوري، وابن حي، والليث، ~~والشافعي: عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها محسوبة من يوم الطلاق، # PageV00P359 # ويوم ms129 الوفاة (1). # وقال ربيعة: في الوفاة من يوم يأتيها الخبر، وهو قول الحسن البصري (2). # وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر أنه من يوم مات ويوم طلق (3). # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع من القول الأول الذي حكيناه ~~باتفاق الفرقة عليه، ولا اعتبار بالشاذ. # ووجه الفرق بين المطلقة والمتوفى عنها زوجها أن المعتدة من الطلاق لا يجب ~~عليها حداد، وإنما يجب أن تمتنع من الأزواج وهي وإن لم تعلم بطلاق زوجها ~~ممتنعة من العقد عليها، فلم يضرها في مرور زمان العدة عليها فقد علمها. # وليس كذلك المعتدة عن الوفاة، لأن الواجب عليها الحداد وهي عبادة، ولا ~~يكفي فيها مرور الزمان. # ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) (4). # والتربص يقتضي قولا يقع من جهتين (5) ولا يجوز أن يكون المراد به مرور ~~الزمان، لأن مرور الزمان من غير علم ولا تعمد لا يسمى تربصا. # . # PageV00P360 # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ~~(1). # فأضاف التربص إليهن، وأنتم تقولون إن مرور الزمان في المطلقة يكفي، قلنا: ~~لو خلينا والظاهر لقلنا في الأمرين قولا واحدا، لكن قام الدليل (2) على أن ~~المطلقة يكفي فيها مرور الوقت، وحملنا قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) ~~(3) على من علمت بوقت طلاقها منهن ولم يخف عليها. # المسألة الحادية والسبعون والمائة: # " إذا تزوجت المرأة في عدتها ودخل بها زوجها الثاني فرق بينهما، وتعتد من ~~الأول، ثم من الثاني " (*). # هذا صحيح، وذهب إلى مثله الشافعي فقال: إذا طلق الرجل امرأته ونكحت في ~~عدتها غيره ووطئها الثاني وهما جاهلان بتحريم الوطء فإن عليها العدة للثاني ~~وبقية العدة للأول، ولا تتداخل العدتان (4). # وقال أبو حنيفة: تتداخل العدتان، فتأتي المرأة بثلاثة أقراء بعد مفارقتها ~~للثاني، ويكون ذلك عن بقية عدة الأول وعن عدة الثاني (5). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: أن العدة حق لكل واحد من الزوجين، فلا # PageV00P361 # مداخلة بينهما، وإنما (1) لم يملك الزوج إسقاط العدة لأن فيها حقا لله ms130 ~~تعالى وليست بحق خالص للآدمي. # وأيضا فعلى ما قلناه إجماع الصحابة، لأنه روي: أن امرأة نكحت في العدة ~~ففرق بينهما أمير المؤمنين عليه السلام وقال: " أيما امرأة نكحت في عدتها ~~فإن لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فإنها تعتد من الأول ولا عدة عليها ~~للثاني، وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، وتأتي ببقية ~~العدة عن الأول، ثم تأتي عن الثاني بثلاثة أقراء مستقبلة " (2). # وروي مثل ذلك عن عمر بعينه (3). # وأن طليحة (4) كانت تحت رشيد الثقفي (5) فطلقها، فنكحت في العدة، فضربها ~~عمر وضرب زوجها بخفقة وفرق بينهما، ثم قال: " أيما امرأة نكحت في عدتها فإن ~~لم يدخل بها زوجها الذي تزوجها فإنها تعتد عن الأول، ولا عدة عليها للثاني ~~وكان خاطبا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، وأتت ببقية عدة الأول ~~ثم تعتد عن الثاني، ولا تحل له أبدا (6)، ولم يظهر خلاف لما فعل فصار ~~إجماعا. # . # PageV00P362 # كتاب البيوع PageV00P363 # المسألة الثانية والسبعون والمائة: # " من باع بأكثر من سعر يومه مؤجلا فقد أربى " (*). # هذا غير صحيح، وما أظن أن بين الفقهاء خلافا في جواز ذلك، وإنما المكروه ~~أن يبيع الشئ بثمنين، بقليل إن كان الثمن نقدا، وبأكثر منه نسيئة. # فإذا تراضى المتبايعان بالثمن فإن كان بأكثر من سعر اليوم صح العقد ~~بينهما عليه نقدا ونسيئة، لأن التأجيل قد يدخل الثمن مع التراضي كما يدخله ~~التعجيل، وإنما يحمل مع الاطلاق على التعجيل. # المسألة الثالثة والسبعون والمائة: # " البيع لا يلزم بحصول الايجاب والقبول ما لم يتفرق المتبايعان بأبدانهما ~~عن مكانهما " (* *). # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا، وهو مذهب الشافعي (1). # وقال مالك، وأبو حنيفة: يلزم البيع بالايجاب والقبول، ولم يعتبر التفريق ~~بالأبدان (2). # دليلنا على ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر: ما رواه ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم # PageV00P365 # أنه قال: " المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، إلا بيع الخيار " (1). # وفي بعض الأخبار: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (2). # وإنما يسمى المتبايعان بهذا الاسم بعد وجود التبايع بينهما إليه اسم مشتق ms131 ~~من فعل كالقتل والضرب. # وليس لأحد أن يحمل لفظ المتبايعين على المتساومين، ألا ترى أن قائلا لو ~~قال: # إن بعت هذا العبد فهو حر، ثم ساومه رجل فيه لم يعتق عليه. # وليس لأحد أن يحمل التفرق المذكور في الخبر على الافتراق بالأقوال، لأن ~~العبارة بالافتراق والاجتماع عن الكلام مجازا، وإنما ذلك حقيقة في الأجسام ~~ومستعار في الأعراض، ولأن الحالة التي يشيرون إليها من حصول الايجاب ~~والقبول هي حالة اجتماع لا افتراق، لأنهما يختلفان في الثمن والمثمن قبل ~~تلك الحال، ثم يجتمعان عليه ويعقدان البيع، فهي حالة اجتماع لا افتراق. # وليس لأحد أن يعارض ما حكي عن أبي يوسف من حمله ذلك على افتراق الأبدان، ~~وهو أن يقول أحد العاقدين: بعتك هذا العبد، ولصاحبه أن يقبل، فإن افترقا ~~قبل القبول وتمام البيع لم يكن له أن يقبل بعد ذلك وانفسخ الايجاب، وذلك ~~أنا قد بينا أن اسم المتبايعين لا يقع عليهما إلا بعد الايجاب والقبول ~~وحصولهما معا، فما تأوله أبو يوسف بخلاف الظاهر. # وقد تعلقوا بما روي عنه عليه السلام أنه قال: " البيعان بالخيار ما لم ~~يفترقا ولا يحل له . # PageV00P366 # أن يفارقه خشية أن يستقيله " (1). # فأثبت الاستقالة في المجلس، والاستقالة إنما تثبت في عقد لازم. # والجواب: أن المراد أنه لا يحل له أن يفارقه خشية أن يفاسخه ما ثبت له من ~~خيار المجلس، فعبر عن الفسخ بالاستقالة. # يدل على ما ذكرناه وجهان: # أحدهما: أنه ذكر أمرا يجب أن يفوت بالتفرق والإقالة لا يفوت بالتفرق، ~~وإنما الفسخ بحكم خيار المجلس يفوت بالتفرق. # والثاني أنه نهاه عن المفارقة خوفا من الاستقالة، والاستقالة غير منهي ~~عنها، لأن الإقالة غير واجبة، وإنما المنهي عنه هو مفارقة المجلس خوف الفسخ ~~لحق الخيار، لأنه منهي عن أن يفارق صاحبه بغير إذنه ورضاه ليلزم العقد ~~بذلك. # المسألة الرابعة والسبعون والمائة: # " يجوز بيع المدبر وأم الولد " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أن بيع المدبر جائز، وأما أم الولد فإنما يجوز ~~بيعها بعد موت ولدها. # ووافقنا في جواز بيع المدبر من ms132 حاجة وغير حاجة الشافعي، وعثمان البتي ~~(2). # وقال أبو حنيفة وأصحابه، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن: لا يجوز بيع # PageV00P367 # المدبر (*). # وقال مالك: لا يجوز بيع المدبر، فإن باع مدبرة فأعتقها المشتري فالعتق ~~جائز وينتقض التدبير والولاء للمعتق (1). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر ذكره. # وأيضا ما رواه جابر: أن رجلا من الأنصار أعتق عبدا له عن دبر منه، فاحتاج ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من يشتريه مني " فاشتراه نعيم بن ~~عبد الله (2) بثمانمائة درهم، فدفعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه ~~(3). # فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك التدبير مقيدا، مثل أن يقول: إن مت من مرضي ~~هذا فأنت حر لأنه قد روي عن أصحاب أبي حنيفة أنهم أجازوا بيع المدبر إذا ~~كان التدبير مقيدا (4). # قلنا: التدبير في الخبر مطلق، ولا نحمله على المقيد إلا بدليل، على أن ~~حمله على المطلق يفيد الحكم في موضع الخلاف، وحمله على المقيد لا يفيده. # فإن قيل: نحمله على أنه عليه السلام أجره فنقل ابتياعه على أنه باع ~~منافعه. # قلنا: حقيقة البيع يقتضي بيع الرقبة، فحمله على بيع المنافع عدول باللفظ ~~عن # PageV00P368 # حقيقته بلا دلالة. # فإن قيل: كيف يبيعه بغير إذن مالكه؟ # قلنا: يحتمل أن يكون استأذنه لكن ذلك لم ينقل، لأنه لم يكن مقصودا، وإنما ~~المقصود جواز بيع المدبر، على أنه باعه في الدين، وللإمام أن يبيع في الدين ~~من غير استئذان صاحب الملك. # فأما أم الولد، فجميع فقهاء الأمصار في هذا الوقت يخالفون فيه ويمنعون من ~~بيعها (1). # وقد وافقنا على جواز بيع أمهات الأولاد جماعة من السلف وأجازوا بيعهن، ~~ولم يفرقوا بين حياة الولد وموته كما فرقنا (2). # والذي يدل على جواز بيع أم الولد الاجماع المقدم ذكره. # وأيضا فإن أم الولد رق للمولى ولم تخرج بالولد عن ملكه. # الدليل على صحة ذلك: أنه إذا وطئها فإنما يطأها عند جميع الأمة بملك ~~اليمين، وإذا كانت في ملكه فبيع ما يملك جائز، وكل خبر يروونه في تحريم بيع ~~أمهات الأولاد، حملناه ms133 على النهي عن بيعهن مع بقاء الأولاد. # المسألة الخامسة والسبعون والمائة: # " معرفة مقدار رأس المال شرط في صحة السلم " (*). # ما أعرف لأصحابنا إلى الآن نصا في هذه المسألة، إلا أنه يقوى في نفسي: أن ~~رأس مال السلم إذا كان معلوما بالمشاهدة مضبوطا بالمعاينة لم يفتقر إلى ذكر ~~صفاته # PageV00P369 # ومبلغ وزنه وعدده، وهو المعمول عليه من قول الشافعي (1). # وقال أبو حنيفة: إذا كان رأس مال السلم مكيلا، أو موزونا أو مما يباع ~~عددا فلا بد من ضبط صفاته، وإن كان مما عدا ذلك جاز ألا يضبط صفاته (2). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: " من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (3) ~~فأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السلم على هذه الصفة ولم يشترط ~~سواها، فثبت ما قلنا. # وليس للمخالف أن يقول: إن السلم ربما انفسخ بأن يتعذر تسليمه فيحتاج أن ~~يرجع المسلم إلى بدل (4) الثمن، فإذا كان جزافا فلا يمكن الرجوع إلى بذله ~~لجهالته، فافتقر صحة العقد إلى ضبط صفات الثمن، حتى إن ثبت له حق الرجوع ~~أمكنه ذلك. # وذلك بأن هذا باطل بالإجارة، لأنه عقد غير مبرم بل هو مراعى، وربما ~~انهدمت الدار قبل استيفاء المنافع فتنفسخ الإجارة، ويثبت للمستأجر الرجوع ~~على المؤاجر بالأجرة، ولم يشرط في الإجارة أن تكون الأجرة مضبوطة الصفات، ~~والعقود مبنية على السلامة والظاهر دون ما يخاف طروه. # ألا ترى أن من باع شيئا بثمن معلوم بالمشاهدة صح البيع، وإن جاز أن يخرج ~~المبيع مستحقا، فيثبت للمشتري على البائع حق الرجوع ببدل الثمن، ومع ذلك لم ~~. # PageV00P370 # يشترط ضبط صفات الثمن. # المسألة السادسة والسبعون والمائة: # " وإذا كان رأس المال عرضا لم يصح سلم " (*). # هذا غير صحيح، ويجوز عندنا أن يكون رأس المال في السلم عرضا غير ثمن من ~~سائر المكيلات والموزونات، ويجوز أن يسلم المكيل في الموزون والموزون في ~~المكيل فيختلف جنساهما، وما أظن في ذلك خلافا بين الفقهاء. # والدليل على ms134 صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد. # وأيضا ما رواه عبد الله بن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: " من أسلف فليسلف بكيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (1). # ولم يفرق في ذلك بين صفة الثمن، فثبت جواز ما بيناه. # PageV00P371 # كتاب الشفعة PageV00P373 # المسألة السابعة والسبعون والمائة: # " لا يستحق البائع الشفعة بالجوار " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أن أحدا لا يستحق الشفعة بالجوار من مؤمن ولا ~~فاسق، وإنما يستحقها بالمخالطة، وهو مذهب الشافعي (1). # وقال أبو حنيفة: الشفعة بالجوار إذا لم يكن بين الملك طريق نافذ، وإنما ~~مقتضى المسألة أن الفاسق لا يستحق الشفعة بالسبب الذي يستحق به غير الفاسق ~~الشفعة (2). # ونحن ندل على أن الشفعة لا تستحق بالجوار على أن الفاسق كالمؤمن في ~~استحقاق الشفعة. # وأما المسألة الأولى: فالدليل عليها الاجماع المتردد. # وأيضا ما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الشفعة فيما ~~لم تقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة " (3). # فإن تعلقوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " الجار أحق بسقبه ~~" (4) (5). # وفي خبر آخر: " الجار أحق بدار جاره " (6). # فالجواب عن ذلك: أن في الخبر إضمارا، وإذا أضمروا أنه أحق في الأخذ # PageV00P375 # بالشفعة، أضمرنا نحن أنه أحق بالعرض عليه، لأن ما قلناه جميعا ليس في ~~الظاهر، وليس أحدهما أولى من الآخر. # وأيضا قد يجوز أن يريد بالجار الشريك، وقد يقع اسم الجار على الشريك لغة ~~وشرعا. # أما الشرع فروى عمرو بن الشريد (1) عن أبيه قال: بعت حقا لي في أرض فيها ~~شريك، فقال شريكي: أنا أحق بها، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: " الجار أحق بسقبه " (2)، فسمى الشريك جارا. # وأما اللغة: فإن الزوجة تسمى جارة لمشاركتها الزوج في العقد. # قال الأعشى (3): # أيا جارتي بيني فإنك طالقه (4) وليس لأحد أن يقول: إنما سمينا الزوجة ~~جارة لقربها من الزوج ومجاورتها له، لأنها تسمى بذلك وإن كانت بالمشرق وهو ~~بالمغرب. # فأما استحقاق الفاسق الشفعة بالسبب الذي يستحق به من ليس بفاسق فصحيح لا ~~شبهة ms135 فيه، وأما الكافر عندنا لا يستحق الشفعة على المؤمن. # ولعل من ذهب إلى أن الفاسق لا يستحق الشفعة على المؤمن، ذهب إلى أنه كافر ~~بفسقه. # وليس كل فسق كفرا، والفاسق عندنا في حال فسقه مؤمن يجتمع له الايمان ~~والفسق ويسمى باسمهما، وكل خطاب دخل فيه المؤمنون دخل فيه من جمع بين الفسق ~~والايمان، وكيف . # PageV00P376 # لم يبطل فسقه حقوقه كلها من دين ووديعة وثمن مبيع وغير ذلك وأبطل حقه من ~~الشفعة؟! # المسألة الثامنة والسبعون والمائة: # " كل حيلة في الشفعة وغيرها من المعاملات التي بين الناس فإني أبطلها ولا ~~أجيزها " (*). # هذا غير صحيح، لأن من احتال في بيع الدراهم بأن ضم إليها صفح الحديد وما ~~أشبهه صح عقد بيعه، لاخراجه ما فعله من الصفة التي تناولها النهي، لأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما نهى عن بيع الفضة بالفضة (1) وإذا ضم ~~إليها غيرها فقد خرج عن هذه الصفة. # وكذلك إذا أقر الرجل بسهامه من دار فوهبها له ولم يأخذ منه عن ذلك ثمنا ~~وأعطاه ذلك الموهوب شيئا على سبيل الهدية والهبة سقط حق الشفعة عن هذا ~~الموهوب، لأنه عقد بغير عوض، ولم يلزم فيه الشفعة لخروجه عن الصفة التي ~~تستحق معها الشفعة. # ولسنا نمنع من قصد بهذه الحيل إلى إبطال الحقوق أن يكون آثما مستحقا ~~للعقاب، وإن كان عقده صحيحا ماضيا، وما نعرف خلافا بين محصلي الفقهاء في ~~ذلك. # فإن قال: ألستم تروون أن من فر من الزكاة بأن سبك الدراهم والدنانير ~~سبائك حتى لا تلزمه الزكاة، وما جرى هذا المجرى من فنون الهرب من الزكاة - ~~أن الزكاة تلزمه ولا ينفعه هربه؟ # قلنا: ليس نمنع أن يكون لزوم الزكاة - من هرب من الزكاة (2) لسبك السبائك ~~وما أشبهها - لم تجب بالسبب الأول الذي يجب له فيه في الأصل الزكاة، لأن ~~الزكاة # PageV00P377 # لا تجب عندنا فيما ليس بمضروب من العين والورق، وأن تكون الزكاة إنما ~~تلزمه هاهنا عقوبة على فراره من الزكاة، لأن هذه العين في نفسها يستحق فيها ~~الزكاة. # ويمكن أن يكون ms136 ما ورد من الرواية في الأمر بالزكاة لمن هرب من الزكاة، هو ~~على سبيل التغليظ والتشديد، لا على سبيل الحتم والايجاب. # ا المسألة التاسعة والسبعون والمائة: # " ولو اشترى رجلا ثلاثة أقطاع أرضين من مواضع شتى بصفقة واحدة فللشفيع في ~~أحدهما أن يأخذ جميعها، وليس له تفريق الصفقة " (*). # هذا غير صحيح، لأن للشفيع أن يأخذ من هذه الأقطاع ماله فيه حق الشفعة، ~~دون غيرها مما لا حق له فيه، وما أظن في ذلك بين الفقهاء خلافا. # وإنما الخلاف بينهم في الرجل يشتري دارين صفقة واحدة، وللدارين معا شفيع ~~واحد، هل له أن يأخذ إحدى الدارين دون الأخرى؟ # فقال أبو حنيفة: إما أن يأخذ الجميع أو يترك الجميع، وليس له أن يفرق ~~الصفقة (1). # وقال زفر: له أن يأخذ إحداهما دون الأخرى (2). # والوجه في المسألة الأولى ظاهر، لأن حق الشفعة إنما يثبت له في إحدى ~~الدارين، فكيف يأخذ أخرى بغير حق يجب له عليها؟ وليس كذلك المسألة الثانية، ~~لأن حق الشفعة قد ثبت في الدارين معا. # PageV00P378 # كتاب الرهن PageV00P379 # المسألة الثمانون والمائة: # " الرهن غير مضمون على المرتهن " (*). # عندنا: أن الرهن غير مضمون على المرتهن، فمتى تلف فمن مال الراهن، وهو ~~مذهب الشافعي (1). # وقال أبو حنيفة: هو مضمون على المرتهن بأقل الأمرين من قيمته أو الحق ~~الذي هو مرهون به (2) فإن تلف سقط أقل الأمرين (3). # وقال إسحاق بن راهويه: المرهون مضمون عليه بكمال قيمته (4). # وقال الحسن، وشريح (5) والشعبي، والنخعي: يسقط بتلف الرهن الحق الذي ~~للمرتهن (6). # وقال مالك: إن تلف بأمر ظاهر كالعبد يموت والدار تحترق - فهو من ضمان ~~الراهن، وإن ادعى المرتهن تلفه بأمر باطن لم تقبل دعواه وعليه قيمته (7). # PageV00P381 # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد (1). # ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " لا يغلق الرهن من ~~راهنه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه " (2) أراد بالغنم الزيادة وبالغرم ~~النقصان والتلف. # فإن قيل: أراد بالغرم نفقته ومؤونته. # قلنا: نحمله على الأمرين (3). # فإن تعلقوا بما روي: من أن رجلا رهن ms137 فرسا عند غيره فنفق فسأل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن ذلك - يعني المرتهن فقال: " ذهب حقك " (4)، ومعلوم ~~أنه لم يرد ذهاب حقه من الوثيقة، لأن ذلك معلوم مشاهدة، فثبت أنه أراد ذهاب ~~حقه من الدين. # فالجواب عنه: أن المراد ذهاب حقك من الوثيقة، يدل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنه وحد الحق، ولو أراد ذهاب الدين والوثيقة معا لقال: ذهب حقاك. # والوجه الثاني: أن عند أبي حنيفة أن الدين إنما يسقط إذا كان مثل قيمة ~~الرهن أو أقل، وإذا كان أكثر فإن ما زاد على قيمة الرهن لا يسقط (5). # فلو كان المراد سقوط حقه من الدين، لكان عليه السلام يفصل، ولم يفعل ذلك. # . # PageV00P382 # فدل على أن المراد سقوط حقه من الوثيقة، لأن ذلك يسقط على كل حال، وليس ~~سقوط حق الوثيقة من المعلوم عند التلف مشاهدة كما ذكر، لأن حقه من ذلك لا ~~يسقط بتلف الرهن، وهو إذا أتلفه الراهن أو أتلفه أجنبي فإن القيمة تؤخذ ~~ويجعل رهنا مكانه، فقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الرهن إذا تلف من ~~غير جناية يسقط حق الوثيقة بذلك. # المسألة الحادية والثمانون والمائة: # " ولو أعتق الراهن العبد المرتهن لم ينفذ عتقه " (*) هذا صحيح، وإليه ~~يذهب أصحابنا، ووافق في ذلك الشافعي على الصحيح من أقواله (1). # وقال أبو حنيفة: ينفذ العتق، فإن كان موسرا ضمن قيمته ويكون رهنا مكانه، ~~وإن كان معسرا سعى العبد في قيمته إن كانت أقل من الدين ورجع به على الراهن ~~(2). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر، وأيضا فإن الرهن وثيقة ~~في يد المرتهن، ومحبوس على ماله، وفي عنقه فسخ للرهن وإسقاط لحق الوثيقة، ~~والراهن لا يملك فسخ عقد الرهن. # PageV00P383 # فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام: " لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم " ~~(1) والرهن مملوك الراهن فينبغي أن ينفذ عتقه. # فالجواب عنه: أن المشهور من هذا الخبر: " لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم " ~~(2). # وعلى هذه الرواية لا يتناول موضع الخلاف إلا بدليل الخطاب، وليس بصحيح، ms138 ~~على أنا نحمل اللفظ الذي رووه (3) على الملك الذي ليس هو بمرهون بالأدلة ~~التي ذكرناها. # . # PageV00P384 # كتاب الغصب PageV00P385 # المسألة الثانية والثمانون والمائة: # " من اغتصب بيضة فحضنها فأخرجت فرخا، أو حنطة فزرعها فنبتت فالفرخ والزرع ~~لصاحبهما دون الغاصب " (*). # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا. # والدليل عليه الاجماع المتكرر. # وأيضا فإن منافع الشئ المغصوب لمالكه دون الغاصب، لأنه بالغصب لم يملكه، ~~فما تولد من الشئ المغصوب فهو للمالك دون الغاصب، وهذا صحيح (1). # المسألة الثالثة والثمانون والمائة: # " ومن اغتصب أرضا فزرعها، فعليه أجرتها ونقصانها، وتسليم عينها إلى ~~صاحبها " (* *). # هذا صحيح وهو مذهبنا، وبمثله صرح الشافعي، لأنه قال: إذا غصب رجل أرضا ~~فزرعها ببذر من عنده فالزرع للغاصب، لأنه عين ماله، وإنما تغيرت صفته ~~واختلفت، فيجب على الغاصب أرش ما نقصت الأرض بالزراعة إن حصل بها نقص، لأن ~~ذلك حصل بفعله، وعليه أجرة مثلها مدة مقامها في يده، لأنه قد انتفع بها ~~بغير حق فصار غاصبا للمنفعة، فلزمه ضمانها. # PageV00P387 # بها بغير حق، فصار غاصبا للمنفعة، فلزمه ضمانها. # وأما إذا غصب أرضا ولم يزرعها وأقامت في يده مدة فعليه ضمان نقص إن حدث ~~بها، وعليه ضمان أجرة مثله أيضا، لأنه فوت صاحبها منفعتها بغير حق (1). # وهذه الوجوه التي ذكرها الشافعي في الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه واضحة. # ويدل على صحة مذهبنا زائدا على ذلك الاجماع المتقدم ذكره. # المسألة الرابعة والثمانون والمائة: # " إذا تلف المغصوب في يد الغاصب وكان من ذوي الأمثال فعليه أكثر قيمته في ~~أيام كونه في يده " (*). # الذي نذهب إليه: أن المغصوب إذا كان تلف في يد الغاصب وكانت له أمثال ~~موجودة ورضي المغصوب أن يأخذ المثل، كان على الغاصب أن يعطيه ذلك، وإلا ~~فالقيمة. # وقد روي أنه يلزمه أكثر قيمته مدة أيام الغصب (2) وإنما قيل ذلك احتياطا ~~واستظهارا، لأنه إذا اختلف قيمته في أيام الغصب فالأولى أن يأخذ بالأزيد ~~للاحتياط والاستظهار. # PageV00P388 # كتاب الديات PageV00P389 # المسألة الخامسة والثمانون والمائة: # " في الحارصة بعير (*)، وفي الدامية بعيران (* *)، وفي الباضعة ثلاثة من ~~الإبل " (* * *). # هذا صحيح، والشجاج عندنا ثمان: ms139 # الحارصة: وهي التي تخدش وتشق الجلد، وفيها بعير واحد. # والدامية: وهي التي تصل إلى اللحم ويسيل منها الدم، وفيها بعيران. # والباضعة: وهي التي تبضع اللحم وتنزل فيه، وفيها ثلاثة أباعر (1). # والسمحاق: وهي التي تقطع اللحم حتى تبلغ إلى الجلدة الرقيقة المغشية ~~للعظم، وفيها أربعة أباعر. # والموضحة: وهي التي تقشر الجلدة وتوضح عن العظم، ففيها خمسة أباعر. # والهاشمة: وهي التي تهشم العظم، وفيها عشرة أباعر. # والناقلة: وهي التي تكسر العظم كسرا تفسده، فيحتاج معه الإنسان إلى نقله ~~من مكانه، ففيها خمسة عشر بعيرا. # والمأمومة: وهي التي تبلغ إلى أم الدماغ، ففيها ثلث الدية، ثلاث وثلاثون ~~بعيرا، أو ثلث الدية من العين أو الورق على السواء، لأن ذلك يتحدد (2) فيه ~~الثلث ولا يتحدد في الإبل والبقر والغنم # PageV00P391 # وفي بعض ما ذكرناه خلاف بين الفقهاء، وفيه وفاق يطول شرحه. # فإن الشافعي يذهب إلى أن الشجاج عشر، ويذكر أنه ليس قبل الموضحة من ~~الشجاج قصاص، ولا أرش مقدر، وإنما يجب فيها حكومة، ويوافق على أن في ~~الموضحة خمسة من الإبل، وفي الهاشمة عشرة (1). # والحجة فيما شرحناه من مذهبنا إجماع الفرقة المحقة الذي تقدم ذكره. # المسألة السادسة والثمانون والمائة " في مني الرجل يفزع (2) عن عرسه حين ~~يهم به، ولم يفرغ عشرة دنانير " (*). # فإن أفرغ وألقت النطفة، ففيها عشرون دينارا. وفي العلقة أربعون، وفي ~~المضغة ستون، وفي العظم ثمانون دينارا، وفي الجنين مائة دينار، وجراح ~~الجنين في بطن أمه على حساب مائة دينار. # وهذا الترتيب في الجنايات المذكورة شئ تختص به الشيعة الإمامية وهو صحيح ~~إلا في الجناية على الجنين، فإنه ذكر ثمانون دينارا (3). # والصحيح أنه مائة مثقال إذا لم تلج الجنين الروح. # والحجة في صدر هذا الترتيب، الاجماع المقدم ذكره. # PageV00P392 # المسألة السابعة والثمانون والمائة: # " ولا يقتل اثنان بواحد، ولو أن عشرة قتلوا رجلا واحدا لقتل واحد بخيار ~~أولياء الدم، وأخذ من الباقين تسعة أعشار الدية، فيدفع إلى أولياء المقتص ~~منه " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا أنه: إذا اشترك اثنان على قتل نفس على العمد كان ~~أولياء ms140 الميت مخيرين بين أن يقتلوا الاثنين ويؤدوا إلى ورثتهما دية كاملة، ~~فيقسمونها بينهم نصفين، أو يقتلوا واحدا منهما ويؤدي الباقي من القاتلين ~~إلى ورثة صاحبه نصف الدية، أو يقبلوا الدية فيكون بين القاتلين سهاما ~~متساوية وكذلك القول في الثلاثة أو أكثر إذا قتلوا الواحد. # وروي وفاقنا على هذا المذهب عن ابن الزبير، ومعاذ بن جبل، والزهري، ومحمد ~~بن سيرين (1). # وذهب داود، وربيعة إلى: أن القود لا يجب على أحد القتلة إذا اشتركوا، ~~وإنما تجب الدية (2). # وذهب إلى أن الجماعة تقتل بالواحد: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، ~~وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، ~~والشافعي (3). # PageV00P393 # وذكر الشافعي في هذا تفصيلا فقال: إن الجماعة إذا قتلت واحدا عمدا فإن ~~القصاص يجب على جماعتهم بوجود شرطين: # أحدهما: أن يكون كل واحد من الجماعة مساويا للمقتول، حتى لو انفرد بقتله ~~قتل به. # والثاني: أن يكون كل واحد منهم فعل به فعلا يجوز أن يموت منه لو وجد ~~منفردا، فإذا وجد هذان الشرطان وجب القصاص على الجماعة (1)، وولي المقتول ~~بالخيار بين ثلاثة أشياء: إن شاء قتل الجميع، وإن شاء عفا عن الجميع وأخذ ~~الدية، وإن شاء عفا عن البعض وقتل البعض. # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، وأيضا ما رواه جويبر، عن ~~الضحاك من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا يقتل اثنان بواحد " ~~(2). # فإن قيل: يحمل ذلك على أنه لا يقتل اثنان بواحد إذا كان أحدهما خاطئا. # قلنا: هذا تخصيص، وإضمار لما ليس في الظاهر. # فإن قيل: فأنتم تقتلون الاثنين بواحد إذا اختار ذلك ولي الدم وبذل دية ~~الآخر. # قلنا: الظاهر يمنع من قتل الاثنين بواحد على كل حال، وإذا أخرجنا ما نذهب ~~إليه في بذل الدية من الظاهر بقي ما عداه حجة على من خالفنا، وهو المقصود. # فإن تعلقوا بقوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) (3) فلو كان القود لا يجب ~~في حال الاشتراك لكان كل من أحب قتل غيره شارك آخر في قتله، وسقط القود ~~عنهما، فبطل ms141 المعنى الذي نبه في الآية عليه. # . # PageV00P394 # والجواب: إن هذه الآية إنما يجب أن يستدل بها على داود، وربيعة، لأنهما ~~ينفيان قتل الجماعة بالواحد على كل حال. # فأما نحن وهم فنقتل الجماعة - إذا اختار ولي الدم ذلك - وبذل الدية على ~~ما شرحناه. # والتحذير بالقتل ووجوب القصاص - المذكوران في الآية - باقيان على مذهبنا، ~~وليس يجوز أن يستدل على صحة مذهبنا بقوله تعالى: (النفس بالنفس) (1) و ~~(الحر بالحر) (2) لأن لهم أن يقولوا: المراد ههنا بالنفس جنس النفس لا ~~العدد، فما قدمناه أولى. # المسألة الثامنة والثمانون والمائة: # " من وجد قتيلا في مدينة، أو قرية، أو محلة لا يعرف قاتله فالدية من بيت ~~مال المسلمين " (*). # الذي يذهب إليه أصحابنا: أن من وجد قتيلا في مدينة أو قرية لا يعرف قاتله ~~بعينه كانت ديته على أهل تلك القرية، فإن وجد بين قريتين، ألزمت ديته لأهل ~~أقرب القريتين إلى مكانه، فإن كانت المسافة متساوية، كانت ديته على ~~القريتين بالسوية. # فأما الموضع الذي يلزم فيه الدية لبيت مال المسلمين فهو قتيل الزحام في # PageV00P395 # أبواب الجوامع وعلى القناطر والجسور، وفي الأسواق، وفي استلام الحجر ~~الأسود، وزيارات قبور الأئمة عليهم السلام، فإن دية من ذكرناه على بيت مال ~~المسلمين، وإن لم يكن للمقتول ولي يأخذ ديته سقطت الدية عن بيت مال ~~المسلمين، وإنما كانت الدية ههنا على بيت مال المسلمين دون القتيل في ~~القرية، لأن القتيل في المواضع التي ذكرناها لا حجة للعلم بقاتله، ولا للظن ~~به، والأمارات كلها مرتفعة، وليس كذلك قتيل القرية والمدينة، لأن كونه ~~قتيلا فيها، أمارة بالعادة على أن بعض أهلها قتلوه. PageV00P396 # كتاب الأيمان PageV00P397 # المسألة التاسعة والثمانون والمائة: # " من حلف على فعل معصية أو ترك واجب فلا كفارة عليه " (*). # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا. # وخالف ساير الفقهاء على ذلك، وألزموا الكفارة (1). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد: أن الله تعالى قد ~~أوجب على الحالف إذا انعقدت يمينه الوفاء بها، وأن لا يحنث فيها، وقد علمنا ~~أن من حلف على أن يفعل معصية، أو ms142 يترك واجبا، فليس يجب عليه الاستمرار على ~~حكم يمينه، ولا الوفاء بها، بل يجب عليه تجنب المعصية، وفعل الواجب. # فعلمنا أن يمينه غير منعقدة، وإذا لم تكن منعقدة فلا حنث، ولا كفارة، لأن ~~الكفارة تتبع انعقاد اليمين. # فإن قيل: لا نسلم أن معنى انعقاد اليمين هو أنه يجب عليه الاستمرار على ~~ما حلف عليه والوفاء به، بل نقول: إن اليمين منعقدة وإن كان الوفاء بها غير ~~لازم، ونفس انعقاد اليمين بأنه (2) يلزم في الحنث فيها الكفارة. # قلنا: هذا كلام غير محصل لأنه متى لم يكن معنى انعقاد اليمين لزوم الوفاء ~~بها والبقاء على حكمها لم يكن لانعقادها معنى معقول. # PageV00P399 # فأما قولهم: إن معنى الانعقاد هو أن يلزم في الحنث فيها الكفارة فباطل، ~~لأن الحنث إنما يتبع انعقاد اليمين، ويبنى على صحة انعقادها، وكذلك وجوب ~~الكفارة، فكيف يفسر انعقاد اليمين بما هو مبني عليه وتابع له؟! # والذي يدل على أن ما انعقدت عليه اليمين يجب الوفاء به والاستمرار على ~~حكمه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (1). # فلو انعقدت اليمين على المعصية لوجب الوفاء بها بظاهر هذه الآية وقوله ~~تعالى: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) (2) يدل على وجوب الوفاء باليمين ~~المنعقدة، وقد علمنا أن من حلف على فعل معصية يجب عليه نقض يمينه لا الوفاء ~~بها، فدل على أنها غير منعقدة. # . # PageV00P400 # كتاب الفرائض PageV00P401 # المسألة التسعون والمائة: # " الفرائض لا تعول، ولو مات رجل وخلف أبوين وبنتين وزوجة فللزوجة الثمن، ~~وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وما بقي فللبنتين " (*). # هذا صحيح، وذهب أصحابنا - بلا خلاف - أن الفرائض لا تعول. # ووافقنا على ذلك ابن عباس، وداود بن علي الأصفهاني (1) وخالفنا باقي ~~الفقهاء (2). # وتحقيق هذه المسألة: أن تكون السهام المسماة في الفرائض يضيق عنها المال ~~ولا يتسع لها، كامرأة خلفت ابنتين وأبوين وزوجا، فللزوج الربع، وللبنتين ~~الثلثان، وللأبوين السدسان. # وهذا مما يضيق عنه المال، لأنه لا يجوز أن يكون للمال ثلثان وسدسان وربع. # وعندنا في هذه المسألة: أن للأبوين السدسين، وللزوج الربع، وما بقي ~~فللبنتين، ms143 ومخالفونا الذين يذهبون إلى العول يجعلون للزوج الخمس ثلاثة أسهم ~~من خمسة عشر، وللأبوين السدسان، أربعة من خمسة عشر، وللبنتين الثلثان، ~~ثمانية من خمسة عشر. # فقد نسب مخالفونا في العول إلى الله تعالى ما لا يليق بحكمته وعدله وجميل # PageV00P403 # صفاته، لأنه لا يجوز أن يفرض في المال ما لا يتسع المال له، فذلك سفه ~~وعبث. # ولأن الله تعالى فرض للأبوين السدسين في هذه المسألة وأعطاهما أربعة من ~~خمسة عشر، وهذا خمس وثلثا عشر لا سدسان وفرض للزوج الربع، أعطوه ثلاثة من ~~خمسة عشر، وهذا خمس لا ربع. # وفرض للبنتين الثلثين، فأعطوهما ثمانية من خمسة عشر، وهذا ثلث وخمس لا ~~ثلثان. # فإن قالوا: فلم أدخلتم النقصان في هذه المسألة على البنتين دون الجماعة، ~~والله تعالى قد سمى للبنتين الثلثين، كما جعل للواحدة النصف. # قلنا: المعتمد في إدخال النقص على نصيب البنتين في هذه المسألة وما ~~شاكلها من المسائل التي يدعى فيها العول: أنا نقصنا من أجمعت الأمة على ~~نقصانه من سهامه وهما البنتان، لأنه لا خلاف - بين من أثبت العول ومن نفاه ~~- في أن البنتين منقوصتان ههنا عن سهامهما التي هي الثلثان، وليس كذلك من ~~عد البنتين من الأبوين والزوج، لأن الأمة ما أجمعت على نقصانهم ولا قام على ~~ذلك دليل، فلما اضطررنا إلى النقصان وضاقت السهام عن الوفاء نقصنا من وقع ~~الاجماع على نقصانه، ووفرنا نصيب من لا دليل على وجوب نقصانه، فصار هذا ~~الاجماع دليلا على أنه ليس للبنتين الثلثان على كل حال وفي كل موضع، فخصصنا ~~الظاهر بالاجماع، ووفينا الباقين في هذه الفريضة بظواهر الكتاب التي لم يقم ~~دليل على تخصيصها. # وفي أصحابنا من يقول في هذا الموضع (1): إن الله تعالى إنما فرض للبنتين ~~الثلثين مع الأبوين فقط إذا لم يكن غيرهم، فإذا دخل في هذه الفريضة الزوج ~~تغيرت . # PageV00P404 # الفريضة التي سمي فيها الثلثين للبنتين، كما أنه لو كان مكان الزوج ابن ~~لتغيرت القسمة، ولم يكن للابنتين الثلثان. # وقالوا أيضا: إن الزوج والزوجة جعل لهما في الكتاب فرضان ms144 أعلى وأسفل، ~~وحطا من الأعلى إلى الأدون، وكذلك جعل للأبوين فرضان، أحدهما أعلى وهو ~~الثلثان للأب والثلث للأم، ثم بين أنهما إذا حجبا عن ذلك حطا إلى السدس، ~~وفرض للابنة النصف، وللابنتين الثلثين، ولم تحط البنات من فريضة إلى أخرى، ~~فيجب إدخال النقص على سهام من لم يلحقه نقص ولا حط من رتبة إلى أخرى، وتوفر ~~نصيب من نقص وحط من رتبة عليا إلى سفلى، حتى لا يلحقه نقص بعد آخر فيكون ~~ذلك إجحافا به. # وقالوا أيضا: أجمع المسلمون على أن المرأة لو خلفت زوجا وأبوين وابنين ~~كان للزوج الربع، وللأبوين السدسين، وما بقي فللابنين، فيجب أن يكون ما بقي ~~أيضا بعد نصيب الزوج والأبوين للبنتين، كما لو كان مكانهما ابنان، لأنه (1) ~~لا يجوز أن تكون البنتان أحسن حالا من الابنين، وهو تعالى يقول: (للذكر مثل ~~حظ الأنثيين) (2). # وفي هذا الذي حكيناه عن أصحابنا نظر، والمعول على ما قدمناه وتفردنا به. # وقد روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (3)، قال: جلست إلى ابن ~~. # PageV00P405 # عباس فجرى ذكر الفرائض والمواريث. # فقال ابن عباس: سبحان الله أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال ~~نصفا وثلثا وربعا. # فقال له زفر بن الأوس البصري (1): يا بن عباس فمن أول من أعال الفرائض؟ # قال: عمر بن الخطاب - لما التقت عنده الفرائض ودافع بعضها بعضا - قال: ~~والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر، فما أجد شيئا هو أوسع من أن أقسم ~~عليكم هذا المال بالحصص وأدخل على كل ذي حق حق ما دخل عليه من عول الفريضة، ~~وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت فريضة. # فقال له زفر بن أوس: فأيها قدم الله وأيها أخر الله؟ # فقال ابن عباس: كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلى أخرى فهو ما أخر ~~ولها ما بقي. # وأما ما قدم الله، فكل فريضة إذا زالت عن فرضها الأعلى فإلى فرض أدنى. # فأما ما قدم الله فالزوج له النصف، ms145 فإذا دخل عليه ما يزيله رجع إلى الربع ~~لم يزله عنه شئ. # والزوجة لها الربع، فإذا زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شئ، إلا ~~أن يكن عددا فيكون ما نصيب واحدة بينهن. # والأم لها الثلث، فإذا زالت عنه صارت إلى السدس لا يزيلها عنه شئ فهذه ~~الفرائض التي قدم الله. # . # PageV00P406 # وأما ما أخر ففريضة البنات والأخوات لهن النصف والثلثان، وإذا أزالتهن ~~الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما يبقى، فإذا أجمع ما قدم الله وما أخر بدئ ~~بمن قدم الله فأعطي حقه كملا، فإن بقي شئ كان لمن أخر، وإن لم يبق شئ فلا ~~شئ له. # فقال له زفر: فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ # فقال: هبته والله (1). # فأما ما يتعلق به المخالفون، من تشبيه مسائل العول بمن مات وعليه لجماعة ~~مبالغ من المال مختلفة، وما يخلفه من المال يضيق عن جميع حقوقهم، فإنه لا ~~خلاف في أن كل واحد من الغرماء يضرب بسهمه في التركة على قدر مبلغ حقه، ~~فإنه لا يدخل النقصان على بعضهم دون بعض. # فالجواب عنه: أن الغرماء بخلاف أهل السهام في الميراث، لأن الغرماء لهم ~~مال معين على الميت، فإن اتسعت التركة للكل يستوفى، وإن ضاقت عنه فالمال ~~الموجود بينهم على قدر سهامهم، بخلافه، وهذه سنة جاهلية، لأنهم كانوا ~~يورثون الرجال دون النساء، وقال الله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله) (2) فبين أن الميراث يستحق بقربى الرحم، ولم يخص النساء ~~دون الرجال. # فإن عولوا في مذهبهم هذا الذي نحن في الكلام عليه على الخبر المروي عن ~~ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " يقسم المال على أهل ~~الفرائض، فما تركت فلأولي ذكر قرب " (3). # . # PageV00P407 # وفي خبر آخر: " ما أبقت الفرائض فلأولي ذكر " (1). # وفي رواية أخرى: " فلأولي عصبة ذكر " (2). # وفي رواية أخرى: " فلأولي رجل ذكر عصبة " (3). # فالجواب عنه: أن هذا خبر مقدوح في روايته وطريقه بما هو معروف، ومع هذا ~~فإنه يخالف ظاهر الكتاب الذي ms146 تلوناه، والعمل بالكتاب أولى من العمل به. # وأيضا فإن ابن عباس الذي أسند هذا الخبر إليه خالف مضمون الخبر، وقوله في ~~نفي العصبة مشهور معروف (4) وراوي الحديث إذا خالفه كان قدحا في الحديث. # على أن مخالفينا في مسألة العصبة يناقضون ويخالفون الأخبار التي رووها في ~~التعصيب، فيذهبون في بنت وأخ وأخت إلى أن للبنت النصف وما بقي فبين الأخ ~~والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، فقد خالفوا بهذه القسمة النص، لأنه لا نصيب ~~للأخ والأخت مع الولد. # وخالفوا أيضا الأحاديث التي رووها في التعصيب، لأنهم أعطوا الأخت مع ~~العصبة الذكر، وأحاديث التعصيب تقتضي أن يعطوا البنت النصف، والباقي للأخ، ~~لأنه أولي عصبة رجل قرب، وما كان ينبغي أن يعطوا الأخت شيئا. # ويخالفون أيضا أخبار التعصيب فيمن ورثته بنت وابن ابن وبنت ابن، فيشركون ~~بين ابن الابن وبنت الابن في النصف. # . # PageV00P408 # ويخالفون أيضا أخبارهم في بنت وأخت وعم، ويسقطون العم - وهو أولي عصبة ~~ذكر - ويعطون الأخت. # ومما يقال لهم: إذا جاز أن يكون للأخوات وهن بنات الأب الثلثان، وإذا (1) ~~كان الابن أحق بالتعصيب من الأب، والأب أحق بالتعصيب من الأخ، وأخت الابن ~~أحق بالتعصيب كثيرا من أخت الأخ. # فإذا قالوا: إنما جعلت الأخت عصبة عند عدم الأخ. # قيل لهم: يلزمكم أن تجعلوا البنت عصبة عند عدم الابن. # فإن قالوا: البنت لا تعقل عن أبيها. # قلنا: والأخت قد جعلتموها عصبة مع البنات وإن كانت لا تعقل. # فإن قالوا: نحن نخص الحديث الوارد - بأن الذي ينفي الفرائض لأولي عصبة ~~ذكر ويستعمله في بعض المواضع دون بعض - للأدلة الموجبة لذلك. # قلنا: نحن إذا سلمنا أحاديث العصبة يمكنا أن نحملها على الخصوص في بعض ~~المواضع الموافقة لمذهبنا، كرجل مات وخلف أختين لأم، وابن أخ وبنت أخ لأب ~~وأم، وأخا لأب، فإن الأختين من الأم فريضتهما الثلث، وما بقي فلأولي ذكر ~~قرب، وهو الأخ من الأب، دون ابن الأخ وبنت الأخ، لأنه أقرب منهما ببطن. # وكذلك لو خلف الميت امرأة وعما وعمة وخالا وخالة، وابن الأخ أو ms147 أخا، ~~فللمرأة الربع وما بقي فلأولي ذكر، وهو لا يدخل النقصان على بعض دون بعض ~~لتساوي أحوالهم، وليس كذلك مسائل العول، لأنا قد بينا أن في أصحاب الفرائض ~~من لا يجوز أن ينقص من سهم مفروض وفيهم من هو أولى أن ينقص، فخالفت حالهم ~~حال الغرماء. # . # PageV00P409 # على أن الغرماء إذا ضاقت التركة عن استيفاء مالهم فأخذ ذلك الموجود بقدر ~~حصصهم لا يقول أحد من الأمة أن كل واحد منهم قد أخذ جميع دينه الذي على ~~الميت، بل يقول أخذ بعضا. # ومخالفونا في مسألة العول يقولون: إن الزوج قد أخذ الربع، والأبوين ~~السدسين، والبنتين الثلثين، فيسمون الشئ بما لا يطابق معناه، وأحد لا يقول ~~في غريم كان له ألف على الميت فأخذ مائة لضيق التركة، أنه قد أخذ ألفا. # فأما ما يدعونه على أمير المؤمنين عليه السلام من أنه كان يقول بالعول، ~~وأن سائلا سأله وهو يخطب على المنبر عن ابنتين وأبوين وزوجة؟ فقال: " صار ~~ثمنها تسعا " (1). # فالجواب: أن هذا الخبر مطعون عليه عند أصحاب الحديث مقدوح في رواية، ولو ~~سلم من كل قدح لكان خبرا واحدا لا يوجب قطعا ولا علما. # على أنه يتضمن بما لا يليق به عليه السلام، لأن سائلا سأله عن ميراث ~~المذكورين في المسألة، وأجاب عن حال الزوجة، ولم يجب عن ميراث البنتين ~~والأبوين، وإغفال ذلك غير جائز على مثله عليه السلام. # وقد قيل في هذا الخبر - إن صح -: يجوز أن يكون المراد به: صار ثمنها تسعا ~~عند من يرى العول ويذهب إليه على سبيل التهجين له والذم (2)، كما قال ~~تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (3) أي عند قومك وأهلك. # وقيل أيضا: يجوز أن يكون أراد الاستفهام فأسقط حرفه، كما روي عن ابن . # PageV00P410 # عباس في قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة) (1) في أنه أراد أفلا اقتحم ~~العقبة؟ (2). # وكما قال عمر بن أبي ربيعة (3): # ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا * عدد القطر والحصى والتراب (4) وأراد ~~الاستفهام فحذف حرفه استغناء بظهوره. # المسألة الحادية والتسعون والمائة: # " لا يرث الجد مع الولد، ms148 ولا ولد الولد وإن سفل " (*). # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا والفقهاء يخالفون فيه (5). # وفي أصحابنا من ذهب إلى خلافه، وأعطى الجد سهما مع ولد الولد (6)، وهو ~~خطأ ممن ذهب إليه. # والذي يدل على صحة ما ذكرناه: إجماع الطائفة عليه. # وأيضا فإن ولد الولد ولد للميت، ويستحق هذه التسمية على سبيل الحقيقة، # PageV00P411 # على ما استدل (1) عليه - بمشيئة الله وعونه - في المسألة التي تلي ~~مسائلنا هذه. # وإذا ثبت أن ولد الولد يعمهم أسهم (2) الولد، وكان الجد بلا خلاف لا يرث ~~مع الولد، فلا يجوز أن يرث مع أولاد الأولاد وهم أولاد على الحقيقة. # فإن قيل: إذا كان أولاد ولد الميت وإن سفلوا أولادا على الحقيقة، فيجب أن ~~يكون الجد أبا على الحقيقة، لأنه لا يجوز أن يكون لزيد ولد إلا وهو له ~~والد، وإذا كان الأجداد آباء على الحقيقة كان أولاد الأولاد أولادا على ~~الحقيقة، فيجئ من ذلك أن يكون قوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس) ~~(3) متناولا للآباء والأجداد، وهذا خلاف الاجماع. # قلنا: لو تركنا والظاهر لحكمنا بأن قوله تعالى: (ولأبويه) يقع على الآباء ~~والأجداد، لكن أجمعت الأمة على أنه يتناول الآباء دون الأجداد، فقلنا بذلك ~~بالاجماع، وخصصنا ظاهر الكتاب، ولا يجوز إذا خصصنا هذا الموضع بالاجماع أن ~~نخص الظواهر التي تتناول الأولاد مع عمومها لولد الولد بغير دليل، فبان ~~الفرق بين الأمرين. # المسألة الثانية والتسعون والمائة: # " ولو مات رجل وخلف بنت بنت وزوجة فللزوجة الثمن كما لو ترك بنتا " (*). # هذا صحيح وإليه يذهب أصحابنا، وخالف باقي الفقهاء فيه، فذهبوا إلى أن ولد # PageV00P412 # البنت لا يحجبون (1). # وفي بعض المتقدمين من لم يحجب بولد الابن كما لم يحجب بولد البنت، وفقهاء ~~الأعصار إلى الآن يحجبون بولد الابن وإن سفل. # والدليل على هذه المسألة بعد الاجماع المتقدم: أن ولد البنت يقع عليهم ~~اسم الولد، كما أن ولد الابن يقع عليهم هذا الاسم، وجميع ما علق الله تعالى ~~من الأحكام بالولد فإنه قد عم به ولد الولد، كقوله تعالى: (حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم) إلى ms149 قوله: (وبنات الأخ وبنات الأخت... وحلائل أبنائكم) ~~(2). وقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن... أو أبناء ~~بعولتهن) (3) فعم الحكم بذلك أولاد الأولاد بظاهر الاسم وعموم اللفظ. # وإذا كان أولاد البنت يقع عليهم اسم الولد كوقوعه على ولد الابن، حجبوا ~~الزوجة من الربع إلى الثمن، كما يحجب أولاد الابن. # فإن قيل: ولد الولد يقع عليهم اسم الولد على سبيل المجاز لا الحقيقة. # قلنا: هذا إقرار بلا برهان، وإذا وقع اسم الولد على ولد الولد فالظاهر ~~أنه حقيقة، لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة، والمجاز طار عليها، ومن ادعى ~~المجاز في لفظ مستعمل فعليه الدليل، لأنه عادل عن الظاهر. # فإن قيل: لو حلف رجل بالطلاق أن لا ولد له لم يحنث إلا أن ينويهم، فدل ~~ذلك على أنه مجاز، فلو كانت حقيقة لحنث من غير نية. # قلنا: يحنث عندنا وإن لم يكن له نية، لأن اسم الولد واقع على ولد الولد ~~حقيقة. # . # PageV00P413 # المسألة الثالثة والتسعون والمائة: # " بنت وأخ لأب وأم فالمال كله للبنت " (*). # هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا لا خلاف بينهم فيه، وخالف في ذلك باقي ~~الفقهاء، فورثوا الأخ مع البنت للتعصيب (1). # وكان ابن عباس رحمه الله ينكر القول في العصبة، ويذهب إلى مذهبنا فيه، ~~وقوله في ذلك مشهور (2)، ووافقه جابر بن عبد الله الأنصاري (3). # وقيل: إن ابن الزبير كان يقضي بخلاف العصبة (4). # قال إبراهيم النخعي أيضا - في رواية الأعمش (5) عنه - كان يذهب إلى ذلك ~~(6). # والذي يدل على أن للبنت المال كله دون الأخ الاجماع المتقدم. # وأيضا فإن البنت وإن كان لها اسم النصف، فإنها تستحق النصف الآخر دون ~~الأخ بالقربى، لأنها أقرب إلى الميت من أخيه بلا شبهة، لأنها تتقرب بنفسها ~~والأخ # PageV00P414 # يتقرب بالجد فقرابتها أقرب، ولا شبهة في أن من يرث بالقربى والنسب يعتبر ~~فيه قرب القرابة. # فإن قالوا: يورث الأخ بالتعصيب. # قلنا: لا حجة لكم فيما ذهبتم إليه من التعصيب، وقولكم بالتعصيب خارج عن ~~الكتاب والسنة لأن الله تعالى يقول: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب ms150 مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا) (1) فلم يجعل للرجال من الميراث شيئا دون النساء، ومن ذهب ~~إلى توريث العصبة خالف هذا الظاهر وعم (2) الأخ وابن الأخ. # وفي أصحابنا من حمل خبر التعصيب - إن صح - على أن المراد ب‍ " ما أبقت ~~الفرائض فلأولي عصبة ذكر " أي أولي من ذكره الله تعالى من قرابة الميت، ~~ويستحق بالقربى ميراثه، ويكون لفظة " ذكر " هاهنا فعلا ماضيا لا اسما كما ~~ذهبوا إليه (3). # وقد روى أبو سلمة (4) خبر أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: " من ترك مالا فلأهله " (5) وهذا يدل على أن خبر العصبة إنما أراد ~~به الأهل، من غير تخصيص لذكر من أنثى. # . # PageV00P415 # وروى أبو عمر غلام ثعلب (1) عن ثعلب (2) قال: قال ابن الأعرابي (3): ~~العصبة جميع الأهل من الرجال والنساء، وقال: هذا معروف عند العرب مشهور ~~(4). # وقال الخليل (5) في كتاب (العين): العصبة مشتقة من الأعصاب، وهي التي تصل ~~بين أطراف العظام، وهذا الاشتقاق يقتضي أن البنات كالبنين وأولادهن في ~~اللحمة بالميت والاتصال به (6). # . # PageV00P416 # المسألة الرابعة والتسعون والمائة: # " بنت وابن ابن المال كله للبنت كما لو ترك ابنا وابن ابن " (*). # هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، وخالف الفقهاء كلهم فيه (1). # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتقدم. # وأيضا قد دللنا على أن البنت كالابن في تناول اسم الولد لهما على ~~الحقيقة، وإذا كانت ولدا للمتوفى فلم يرث معها ولد الولد لنزوله عنها ~~بدرجة، كما لا يرث ابن الابن مع الابن. # المسألة الخامسة والتسعون والمائة: # " خال وخالة: المال بينهما نصفان " (* *). # هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، وأبو حنيفة وأصحابه يوافقونا على توريث ~~ذوي الأرحام، إلا أنهم لا يسوون بين الخال والخالة في القسمة كما سوينا ~~(2). # وخالف الشافعي، ومالك في توريث ذوي الأرحام (3). # PageV00P417 # وكان يذهب إلى توريث ذوي الأرحام من الصحابة عمر بن الخطاب، وعائشة، وأبو ~~هريرة (1). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد، قوله تعالى: (وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (2) وأيضا قوله تعالى: ms151 (للرجال نصيب ~~مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب) (3). # فظاهر هذه الآية يقتضي توريث الإناث، وذوي الأرحام قرابات فوجب توريثهم. # وأيضا ما رواه سهل بن حنيف (4) عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: " الله تعالى ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له " ~~(5). # وأيضا ما رواه المقدام بن معديكرب (6)، أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: " من ترك . # PageV00P418 # كلا فإلي، ومن ترك مالا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه ~~وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه " (1). # وأيضا ما روي من أن ثابت بن الدحداح (2) مات، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لعاصم بن عدي (3): " هل تعلم له نسبا في العرب؟ ". # فقال: يا رسول الله كان رجلا أبيا، فتزوج عبد المنذر أخته، فولدت له أبا ~~لبابة (4). # فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ميراثه لأبي لبابة، وهو ابن أخته ~~(5). # وهذا يقتضي توريث ذوي الأرحام. # فإن احتج المخالف بما رواه أبو أمامة الباهلي: من أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: " إن الله . # PageV00P419 # قد أعطى كل ذي حق حقه " (1) فموضع الدليل: أن الله تعالى بين فرض من له ~~حق في الكتاب، والعمة والخالة وغيرهما من ذوي الأرحام ما ذكر فرضهم في ~~الكتاب، فلا حق لهم. # والجواب: أن الله تعالى قد بين حقهم في الكتاب - وإن كان على سبيل الجملة ~~دون التفصيل - بقوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) (2) ~~الآية، وبقوله تعالى: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (3). # فإن تعلقوا بما رواه عطاء بن سيان (4) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~دعي إلى جنازة رجل من الأنصار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " ما ترك؟ " فقالوا: ترك عمته وخالته. # فقال: " اللهم رجل ترك عمته وخالته " فلم ينزل عليه شئ. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا أجد لهما شيئا " (5). # والجواب: أن هذا الحديث منقطع الاسناد، يضعف ms152 الاحتجاج به، وبعد: # فيحتمل أن يريد به عليه السلام لا أجد (6) لهما شيئا معينا محدودا كما ~~حدد نصيب غيرهم. # ومما يجوز أن يستدل به على توريث ذوي الأرحام: أن ذوي الأرحام لهم . # PageV00P420 # نسب وإسلام، ولجماعة المسلمين الإسلام فقط، فذوي الأرحام أحق من بيت ~~المال لاجتماع السنن لهم (1). # المسألة السادسة والتسعون والمائة: # " عم وخال: المال بينهما، للعم الثلثان وللخال الثلث " (*). # هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وورثوا العم ~~دون الخال بالتعصيب الذي قد بينا فساده. # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد. # وأيضا فإن من ورث العم في هذه المسألة دون الخال إنما اعتبر العصبة، وقد ~~بينا فساد التعلق بالعصبة. # وإذا كانت قرابة العم من الميت كقرابة الخال من الميت - لأن العم أخو ~~أبيه، والخال أخو أمه - وجب أن يورث كل واحد منهما سهم من تقرب به، فيرث ~~العم سهم الأب وهو الثلثان، ويرث الخال سهم الأم وهو الثلث. # المسألة السابعة والتسعون والمائة: # " نحن نرث المشركين ونحجبهم " (* *). # هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا، وروي القول بمثل مذهبنا عن معاوية بن أبي ~~سفيان (2) ومعاذ، ومحمد بن الحنفية (3) ومسروق (4) وعبد الله بن معقل ~~المزني (5). # PageV00P421 # وسعيد بن المسيب (6). # وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقالوا: إن المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا ~~يرث المسلم (7). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردد، وظاهر آيات المواريث في ~~الكتاب، لأنه تعالى قال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) ~~(8) ولم يخص مؤمنا من كافر. # . # PageV00P422 # وباقي الآيات علقت المواريث فيها بالأنساب أو الزوجية، وعمت المؤمن ~~والكافر. # وأيضا ما رواه أبو الأسود الدؤلي (1): أن رجلا حدثه أن معاذا قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " الإسلام يزيد ولا ينقص " (2) ~~فورث معاذ المسلم، وورثه معاوية بن أبي سفيان وقال: كما لا يحل لنا النكاح ~~منهم ولا يحل لهم منا، فكذلك نرثهم ولا يرثونا. # فإن تعلق المخالف بما روي عنه عليه السلام من قوله: " لا يرث المسلم ~~الكافر ولا الكافر المسلم " (3). # وبخبر آخر: ms153 " لا يتوارث أهل ملتين " (4). # فالجواب عن ذلك: أن الخبر الأول إذا صح فظاهر القرآن يدفعه، وأخبار ~~الآحاد لا يخص بها القرآن، ولو ساغ العمل بها في الشريعة. # ثم يجوز أن يكون المراد به: أن مظهر الإسلام الذي لا يبطنه لا يرث ~~الكافر، . # PageV00P423 # وقد سمى الله تعالى مظهر الشئ باسم مبطنه، قال الله تعالى: (فتحرير رقبة ~~مؤمنة) (1) لا خلاف بين المسلمين في أن المراد بذلك مظهر الايمان. # فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يورث مظهر الإسلام الكافر. # قلنا: الخبر إنما يدل على حظر أن يرث مظهر الإسلام - من غير إبطانه له - ~~الكافر، فأما الحكم بتوريثه فقد يجوز أن يحكم بأن أظهر الإسلام - ممن يجوز ~~أن يكون مبطنا له، وإن كنا نجوز أن يكون باطنه خلاف ظاهره - بتوريثه للكافر ~~على الظاهر، وإن كان لا يحل لمن يعلم من نفسه إبطان خلاف الإسلام أن يرث ~~الكافر. # فأما الخبر الثاني: فالأمر فيه واضح، لأن التوارث تفاعل، وإذا لم يكن من ~~الجهتين لم يطلق عليه اسم التفاعل، ونحن نقول إن المسلم يرث الكافر ولا ~~يرثه الكافر، فلا توارث بين الملتين (2). # . # PageV00P424 # كتاب القضاء PageV00P425 # المسألة الثامنة والتسعون والمائة: # " يقضى بشاهد ويمين المدعي إذا كان المدعي عدلا، وإلا لم يقض " (*). # هذا صحيح، وإليه يذهب أصحابنا. # وقال الشافعي: يقضى بالشاهد واليمين في الأموال (1). # وقال أبو حنيفة: لا يقضى به على كل حال (2). # دليلنا بعد الاجماع المتردد: ما رواه عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين مع الشاهد (3) قال عمرو: كان ~~ذلك في الحقوق (4)، وروى هذا الخبر أبو هريرة، وجابر وغيرهما (5). # فإن قيل: المراد بالخبر أنه قضى بيمين المدعى عليه وشاهد المدعي. # قلنا: هذا تعسف شديد من التأويل، وظاهر الخبر يقتضي أن القضاء كل مجموع ~~الشاهد واليمين، وتأثير كل واحد منهما، وعلى تأويلكم - هذا القضاء إنما ~~يكون # PageV00P427 # باليمين والشاهد لا تأثير له. # على أنه قد روى في بعض الأخبار: أنه عليه السلام قضى بيمين وشاهد (1)، ~~وهذا يسقط تأويلهم. # فإن قيل: تأويل الخبر ms154 أن رجلا باع عبدا وادعى المبتاع أن به أثر عيب فوجب ~~الرد، وذلك لا يثبت بمجرد قوله، بل يحتاج أن يشهد أهل الخبرة بذلك، ثم إن ~~البائع ادعى أنه باع بشرط البراءة من العيب وأنكر المشتري ذلك، فالقول قول ~~المشتري مع يمينه، فإن حلف حكم له الحاكم بالرد، وهذا الحكم إنما كان ~~بالشاهد واليمين. # قلنا: العيب لا يثبت بشاهد واحد، وإنما يثبت بشاهدين، وبعد: فإن الخبر ~~يقتضي أنه حكم بشاهد ويمين في قصة واحدة وحكم واحد، وتأويلهم هذا يقتضي أنه ~~حكم بالشاهد في شئ وباليمين في آخر فبطل بذلك. # ويدل على ما ذهبنا إليه ما رواه جعفر بن محمد (2) عن أبيه عن أمير ~~المؤمنين عليهم السلام قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقضي ~~بشهادة الشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق، وقضى بها علي عليه السلام بالعراق ~~" (3). # . # PageV00P428 # وبالاسناد المقدم: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر، وعمر، ~~وعثمان (1) قضوا بالشاهد الواحد مع يمين المدعي " (2). # فإن قالوا: في الخبر الأول يحتمل أن يكون الشاهد خزيمة بن ثابت (3) الذي ~~جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهادته بمنزلة شهادة اثنين (4). # قلنا: لو كان كذلك لما استحلفه معه. # فإن تعلقوا بقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان) (5) وأن هذا يمنع من الشاهد مع اليمين. # وربما قالوا: إثبات الشاهد واليمين زيادة في النص، والزيادة في النص نسخ. # فالجواب عن ذلك: أن الآية إنما أوجبت ضم الشاهد الثاني إلى الأول وإقامة ~~المرأتين مقام أحد الشاهدين، وليس في الآية نفي العمل بالشاهد واليمين، لأن ~~ضم الشاهد الثاني إلى الأول أو جعل المرأتين بدلا من أحدهما أكثر ما يقتضيه ~~أن يكون شرطا في الشهادة، وتعلق الحكم بشرط لا يدل على أن ما عداه بخلافه، ~~لأن الشروط قد تخالف بعضها بعضا وتقوم بعضها مقام بعض. # . # PageV00P429 # ألا ترى أن القائل إذا قال: (إذا زنى الزاني فأقم عليه الحد) فقد اشترط ~~في إقامة الحد الزنا، فلا يمتنع من أن يجب عليه الحد ms155 بسبب آخر من قذف أو ~~غيره، فتناوب الشرط في الأحكام معروف لا يدفعه محصل. # وأما قولهم: إن ذلك نسخ، فليس كل زيادة في النص نسخا، وإنما يكون نسخا ~~إذا غيرت حال المزيد عليه وأخرجه (1) من كل أحكامه الشرعية، وقد علمنا أن ~~إقامة الشاهد واليمين مقام الشاهدين لم تغير شيئا من أحكام قبول الشاهدين، ~~بل ذلك على ما كان عليه بأن أضيف إليه مرتبة أخرى. # على أنه لو كان الأمر على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة - في أن الزيادة ~~في النص نسخ على كل حال (2) من غير اعتبار بما ذكرناه - لما جاز أن يحكم في ~~الزيادة أنها نسخ إلا إذا تأخرت عن دليل الحكم المزيد عليه، فأما إذا ~~صاحبته أو تقدمت عليه لم يكن نسخا، لأن اعتبار تأخير الدليل في الناسخ واجب ~~عند كل محصل، فمن أين لهم أن دليل العمل باليمين والشاهد من السنة كان ~~متأخرا عن نزول الآية؟ وما ينكرون أن يكون ذلك مصاحبا أو متقدما؟ # فإن تعلقوا بما روي من أن رجلا حضرميا ادعى على كندي، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: " ألك بينة؟ " فقال: لا، فقال: " تريد يمينه؟ " فقال: ~~لا، فقال: " ليس لك إلا شاهدان أو يمينه " (3). # فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد إلى ذكر جميع الحجج ~~وشرحها، ألا تراه إنه لم يذكر الشاهد والمرأتين - وإن كان ذلك حجة فيما ~~تداعيا فيه بلا خلاف - وإنما ذكر . # PageV00P430 # الحجة المعتادة وهي الشاهدان. # على أنا نحمل الخبر على أن المراد به: ليس لك إلا شاهدان أو يمينه أو ~~شاهد ويمينك بدليل ما ذكرناه. # فإن تعلقوا بما روي عنه عليه السلام من قوله: " البينة على المدعي ~~واليمين على من أنكر " (1) فأثبت اليمين في جنبة المنكر فمن أثبتها في جنبة ~~المدعي فقد خالف الظاهر فالجواب: أن اليمين التي أثبتها النبي عليه السلام ~~في جنبة المنكر هي يمين على النفي، وتلك اليمين لا تثبت في جنبة المدعي، ~~وإنما تثبت في جنبة المدعي يمين الإثبات، وهذه اليمين ms156 غير تلك، ولأنه أيضا ~~أثبت في جنبة المدعى عليه يمينا عليه، وهذه اليمين لا تكون قط في جنبة ~~المدعي وإنما تكون في جنبة المدعى، وإنما تكون (2) في جنبه يمين له. # . # PageV00P431 # مسائل متفرقة PageV00P433 # المسألة التاسعة والتسعون والمائة: # " لا يجوز استيجار الأرض بطعام معلوم الكيل " (*). # يجوز ذلك عندنا، وإنما لا يجوز استيجارها بما تخرج من ذلك ويجوز أن لا ~~تخرجه، وليس كذلك الطعام المضمون في الذمة. # ووافق على جوازه أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي (1). # وروي عن مالك كراهية استيجار الأرض بتمر أو حنطة (2). # وروى ابن القاسم، عن مالك: أنه لا تكترى الأرض بشئ مما تنبت الأرض وإن ~~كان لا يؤكل (3) الدليل على صحة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتكرر. # والذي ذهب إليه مالك في كراهية ذلك لا وجه له، لأنه لا فرق في استيجار ~~الأرض بالدراهم والدنانير وبين استيجارها بالحنطة والشعير، ولأن عقد ~~الإجارة يتناول منافع الأرض دون ما يخرج منها، وإنما اشتبه على مالك فظن أن ~~العقد يتناول الخارج من الأرض فقال: لا يجوز ذلك لأنه يجري مجرى أن يستأجر ~~القمح بالقمح إلى أجل. # [وهو] ليس بصحيح، لما ذكرناه من أن العقد لا يتناول الخارج من الأرض ~~وإنما يتناول المنافع. # PageV00P435 # المسألة المائتان: # " العمرى والرقبى يجريان مجرى العارية إلا إذا قيدتا بذكر العقب " (*). # الذي نذهب إليه: أن الرجل إذا جعل لغيره داره سكنى أو عمري أو رقبى فإن ~~الرقبى تجري مجرى العمرى، كانت له كذلك مدة حياة المالك، ثم هي بعد موت ~~المعطي راجعة إلى ورثة المعطي، وتجري مجرى العارية والإجارة التي تملك فيها ~~المنافع دون الرقبة. # فإن قال: " هي لك ولعقبك من بعدك " كانت كذلك حياة المعطى ولم يكن لعقب ~~المعطى البيع ولا الهبة، فإذا انقرضوا رجعت إلى المالك. # قال الشافعي: إذا قال أعمرتك هذه الدار ولعقبك من بعدك، ثم انقرض هو ~~وعقبه، انتقل ذلك إلى بيت المال كسائر الأموال التي لا وارث لها (1). # وقال مالك: تعود إلى المعطي (3). # وذهب الشافعي: إلى أن حكم الرقبى كحكم العمرى، وصفتها أن يقول: # جعلت لك داري ms157 في حياتي فإن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك كانت لك، يرثها ~~منك ورثتك (3). # PageV00P436 # وقال أبو حنيفة، ومحمد: الرقبى لا تلزم وللمرقب الرجوع فيها (1). # وقال الشافعي في الجديد: إذا قال أعمرتك هذه الدار، ولم يقل ولعقبك من ~~بعدك، يكون لعقبه من بعده، ثم لبيت المال كالقسم الذي ذكرناه، وهو قول أبي ~~حنيفة (*). # وقال مالك: يكون للمعمر مدة حياته، فإذا مات عادت إلى المعطي (2). # وحكى أبو إسحاق المروزي (3) عن الشافعي في القول القديم مثل قول مالك ~~(4)، وحكي أيضا عنه في القديم أن العمرى تبطل ولا يستحقها المعمر ولا عقبه ~~(5). # الدليل على صحة ما ذهبنا إليه ووافقنا عليه مالك: الاجماع المتردد ذكره. # وأيضا فإن العمرى إنما هي تمليك المنافع مدة عمر المعطي، وإذا جعلها ~~لعقبه فعلى هذا الوجه، وتمليك المنافع لا يتعدى إلى الرقبة، ولا بد أن يعود ~~عند انقضاء المدة المضروبة إلى المالك، فكيف يجوز ما قاله الشافعي، ووافقه ~~عليه أبو حنيفة. # فإن تعلقوا بما رواه جابر من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ~~فإن أحدا عمر عمري له ولعقبه فإنها للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، ~~لأنه أعطى عطاء وقعت فيه # PageV00P437 # المواريث " (1). # وفي خبر آخر: " لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فسبيله سبيل ~~المواريث " (2). # فالجواب عنه: أن العمرى لا ترجع إلى الذي أعطاها قبل انقضاء مدتها وترجع ~~بعد انقضاء المدة كالإجارة، وإنما ورث الوارث هذه المنافع كما يرثون منافع ~~الإجارة، وليس دخول الميراث فيها دلالة على ملك الرقبة دون ملك المنفعة. # المسألة الحادية والمائتان: # " لا يصير الدين المؤجل (3) حالا بموت من عليه الدين " (*). # هذه المسألة لا أعرف لأصحابنا إلى الآن فيها نصا معينا فأحكيه. # وفقهاء الأمصار كلهم يذهبون إلى أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه ~~الدين. # ويقوى في نفسي ما ذهب إليه الفقهاء. # ويمكن أن يستدل على صحته بقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) (4) ~~فعلق تعالى قسمة الميراث بقضاء الدين وإنجازه، فلو تأخر قضاء الدين # PageV00P438 # إلى حين حلول ms158 الأجل المضروب للدين تأخرت قسمة الميراث، وفي ذلك إضرار ~~بالورثة. # وأيضا فإن الدين لو لم يصر حالا بموت من عليه الدين لوجب أن ينتقل الحق ~~من ذمة الميت إلى ذمة الورثة، والحق إذا ثبت في ذمة شخص لم ينتقل إلى ذمة ~~غيره إلا برضى من ثبت له. # فإن قيل: ما ذكرتموه يوجب أن خيار الشرط لا يورث، وعندكم أنه يورث. # قلنا: خيار الشرط إذا أثبتناه للوارث لم يقض إلى انتقال الحق من ذمة إلى ~~ذمة أخرى، لأن الوارث إذا اختار أن يفسخ البيع ارتجع الثمن والمثمن، فلذلك ~~جاز إثباته. # ولا يجوز أن يستدل على أن الدين المؤجل يصير حالا بموت من عليه الدين بأن ~~نقول: إن الأجل لا يثبت إلا لمن شرط له، والورثة لم يشرط لهم هذا الأجل، ~~وذلك أن خيار الشرط يثبت للورثة وإن لم يشرط لهم، فالاستدلال بما تقدم ~~أولى. # المسألة الثانية والمائتان: # " لا أرى أكل ما ذبح وهو يكيد بنفسه " (1). # هذا صحيح، والحجة فيه: أن الذي يكيد بنفسه من الحيوان يدخل في عموم ما ~~حرمه الله تعالى من الموقوذة، لأن الموقوذة هي التي اشتد جهدها وتعاظم ~~ألمها، ولا فرق بين أن يكون ذلك من ضرب لها أو من ألم يفعلها الله تعالى ~~بها يفضي إلى موتها، وإذا دخلت في عموم هذه اللفظة كانت محرمة بحكم الظاهر. # . # PageV00P439 # المسألة الثالثة والمائتان: # " لا يحل السمك (1) الذي يصطاده ذمي وكذلك الجراد (*)، لأن ذكاتهما ~~صيدهما ". # لست أعرف لأصحابنا نصا في هذه المسألة إلى الآن فأعول عليه. # ومن ذهب إلى تحريم أكل السمك والجراد إذا صادهما الذمي يعول على أن ~~صيدهما ذكاتهما، وأن العذر قد انقطع بأن الذمي لا ذكاة له ولا تؤكل ذبيحته. # غير أن الصيد ليس على الحقيقة، وإنما أجري مجرى الذكاة في الحكم لا في ~~وقوع الاسم. # وإذا وقع التحريم بتذكية الذمي وأنه لا ذكاة له فإنما يدخل في ذلك ما ~~يكون حقيقة من الذبح وفري الأوداج ومما لا يكون حقيقة ويسمى بهذه التسمية، ~~فجاز ألا يدخل في الظاهر، ms159 إلا بدليل. # فعلى من ادعى دخول صيد الذمي للسمك والجراد تحت تحريم ذكاة الذمي فعليه ~~الدليل، وفي هذا نظر وليس هذا موضعه. # المسألة الرابعة والمائتان: # " لا يجوز أكل الحمار الوحشي " (* *). # عندنا أن أكل الحمار الوحشي والأهلي أيضا مباح. # ولا أعرف من الفقهاء كلهم خلافا في الحمار الوحشي، وإنما خالفونا في ~~الحمار # PageV00P440 # الأهلي (1). # دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردد قوله تعالى: (قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير) (2). # فعدد المحرمات كلها، ونفى أن يكون ما عداها محرما، ولم يذكر الحمار ~~الوحشي ولا الأهلي. # ولا يلزم على هذا الاستدلال ما أثبتنا تحريمه وإن لم يدخل في هذه ~~المذكورات في الآية، لأن ذلك إنما عدلنا عن الظاهر فيه بدليل قاهر، ولا ~~دليل على إلحاق لحوم الحمير بالمحرمات في الآية. # وأيضا قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (3) ولم ~~يذكر لحوم الحمير. # وقد بينا في غير موضع أن لفظة (إنما) تدل على نفي الحكم عما عدا ما تعلق ~~بها، وفرقنا بين قول القائل: (له عندي درهم) وبين قوله: (إنما له عندي ~~درهم). # واستدللنا على صحة هذا الطريقة بأن ابن عباس كان يذهب إلى أن الربا يختص ~~النسيئة (4)، واستدل على مذهبه بما روي عنه عليه السلام من قوله: " إنما ~~الربا في النسيئة " (5). # PageV00P441 # وقول ابن عباس حجة فيما يتعلق باللغة، لأنا رأينا من خالف ابن عباس ~~وناظره على مذهبه هذا لم يرد عليه ما ذهب إليه في لفظة (إنما) ولا خالفه في ~~موجب ما علقه عليها، وإنما طعن على مذهبه من غير هذه الجهة. # فصار القول بأن لفظة (إنما) تنفي الحكم عمن عدا من دخلت عليه إجماعا. # المسألة الخامسة والمائتان: # " إذا أخطأ الإمام في بعض أحكامه أو نسيه لم تفسد إمامته " (*). # هذه المسألة لا تتقدر على مذاهبنا، لأنا نذهب إلى أن الإمام يجب أن يكون ~~معصوما من كل زلل وخطأ كعصمة الأنبياء عليهم السلام. # ولأنه لا يجوز ms160 من الأنبياء ولا الأئمة الكباير ولا الصغاير في أحوال ~~النبوة ولا الإمامة ولا فيما قبلها من الزمان. # وقد دللنا على ذلك في كتابنا المعروف ب‍ " تنزيه الأنبياء والأئمة " ~~وبسطناه وفرعناه. # وإنما يصح تفريع هذه المسألة على أصول من لا يشترط العصمة في الإمامة، ~~ومن لا يشرطها في الإمامة وصحتها يجب أن يقول في هذه المسألة: أن خطأ ~~الإمام # PageV00P442 # في بعض الأمور إن كان كبيرا فلا بد من فساد إمامته، لأن الكبائر عندهم ~~تفسد الإمامة إذا ظهرت من الإمام، وإن كان ذلك صغيرا لم يفسد إمامته. # وهذا تفريع على أصل لا نذهب إليه، فلا معنى للتشاغل به. # المسألة السادسة والمائتان: # " يغنم ما احتوت عليه عساكر أهل البغي يضرب للفارس بفرس عتيق ثلاثة أسهم، ~~سهم له وسهمان لفرسه، ويسهم للبرذون سهم واحد " (*). # هذا غير صحيح، لأن أهل البغي لا يجوز غنيمة أموالهم وقسمتها كما تقسم ~~أموال أهل الحرب، ولا أعلم خلافا بين الفقهاء في ذلك. # ومرجع الناس كلهم في هذا الموضع على ما قضى به أمير المؤمنين عليه السلام ~~في محاربي البصرة، فإنه منع من غنيمة أموالهم، فلما روجع عليه السلام في ~~ذلك قال: " أيكم يأخذ # PageV00P443 # عائشة في سهمه؟! " (1). # وليس يمتنع أن يخالف حكم قتال أهل البغي لقتال أهل دار الحرب في هذا ~~الباب، كما يخالف في أننا لا نتبع موليهم، وإن كان اتباع المولي من باقي ~~المحاربين جائزا. # وإنما اختلف الفقهاء في الانتفاع بدواب أهل البغي وبسلاحهم في حال قيام ~~الحرب. # فقال الشافعي: لا يجوز ذلك (2). # وقال أبو حنيفة: يجوز ما دامت الحرب قائمة (3). # وليس يمتنع عندي أن يجوز قتالهم بسلاحهم، على وجه لا يقع التملك له، لأن ~~ما منع من غنيمة أموالهم وقسمتها لا يمنع من قتالهم بسلاحهم لا على وجه ~~التملك له، كأنهم رموا حربة إلى جهة أهل الحق، فيجوز أن يرموا بها على سبيل ~~المدافعة والمقاتلة. # فأما استدلال الشافعي بقوله عليه السلام: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن ~~طيب نفس منه " (4)، فليس بصحيح، لأنه إنما نفى تملك ms161 مال المسلمين وحيازته ~~بغير طيب نفوسهم، وليس كذلك المدافعة والممانعة. # . # PageV00P444 # وقد استدل أصحاب أبي حنيفة على صحة ما ذهبوا إليه في هذه المسألة بقوله ~~تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) (1) قالوا: فأباح القتال ~~عاما، وذلك يشتمل على قتالهم بدوابهم وسلاحهم وعلى قتالهم بدوابنا وسلاحنا، ~~وهذا قريب. # المسألة السابعة والمائتان: # " لا يخالف الإمام المتأخر الإمام المتقدم " (*). # هذه المسألة إنما تتفرع على غير أصولنا لأن من أصولنا أن الإمام معصوم، ~~وأنه لا يحكم بالاجتهاد الذي يجوز أن يقع الخلاف فيه، بل بالنص والعلم. # وعلى هذين الأصلين لا يجوز أن يخالف الإمام الثاني الإمام الأول لأنه إذا ~~خالفه لا بد أن يكون أحدهما مخطئا، والخطأ لا يجوز على الأئمة حسب ما ~~قدمناه. # وقد انتهينا من الكلام على المسائل الواردة إلى الحد الذي لا تطويل فيه ~~ولا تقليل، وأوردنا في كل مسألة على اختصار واقتصار ما يكفي في العلم بها، ~~والاطلاع على مكنونها، والتفرقة بين صحتها وباطلها، لأنا لو قصدنا الشرح ~~والبسط والاستيفاء (2) لخرج جواب هذه المسائل في أضعاف كثيرة لما أجبنا به، ~~والزمان يضيق عنه، والشغل يمنع منه، وإيثار سرعة عود جواب المسائل أوجب ~~بلوغ الغاية # PageV00P445 # في الاختصار. # ولم نورد فيما اعتمدناه إلا ما هو طريق للعلم وموجب لليقين، إلا ما ~~استعملناه في خلال ذلك من ذكر الأخبار التي ينقلها الفقهاء ويتداولونها في ~~كتبهم محتجين بها دون الأخبار التي تنقلها الشيعة الإمامية. # وإنما أوردنا هذه الأخبار وهي واردة من طريق الآحاد - ولا علم يحصل عندها ~~بالحكم المنقول - على طريق المعارضة للخصوم والاستظهار في الاحتجاج عليهم ~~بطرقهم واستدلالاتهم، كما فعلناه مثل ذلك في كتابنا " مسائل الخلاف "، وإن ~~كنا قد ضمنا في ذلك الكتاب إلى الاحتجاج على المخالفين لنا بأخبار الآحاد ~~الاحتجاج عليهم بالقياس على سبيل المعارضة لهم. # فإنا لا نذهب إلى صحة القياس في الشريعة، ولا إلى ثبوت الأحكام به، وإنما ~~تثبت الأحكام عندنا بما يوجب العلم ويثمر اليقين وقد دللنا على صحة هذه ~~الجملة في مواضع كثيرة من كتبنا، ولولا ms162 أن هذا الجواب عن المسائل الواردة ~~لا تليق بذلك لذكرناه وما توفيقنا إلا بالله عليه نتوكل وإليه ننيب، وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل، وصلواته على خيرته من بريته محمد وآله الطاهرين من ~~عترته وسلم تسليما كثيرا.# PageV00P446 ms163