######OpenITI# #META# book_id: 4743 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/4955.epub&bid=4743 #META# title: تنزيه الأنبياء عليهم السلام‏ #META# المؤلف: السيد المرتضى #META# المواضيع: العقائد #META# الناشر: دار الشريف الرضي‏ #META# تاریخ الطبعة: 1419 ?? #META# عدد الصفحات: 185 #META#Header#End# PageV01P001 ### ||| المقدمة # @QUR@04 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله ومستحقه وصلى ~~الله على خيرته من خلقه على عباده محمد وآله الأبرار الطاهرين الذين أذهب ~~الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا سألت أحسن الله توفيقك إملاء كتاب في تنزيه ~~الأنبياء والأئمة ع- عن الذنوب والقبائح كلها ما سمي منها كبيرا أو صغيرا ~~والرد على من خالف في ذلك على اختلافهم وضروب مذاهبهم وأنا أجيب إلى ما ~~سألت على ضيق الوقت وتشعب الفكر وأبتدئ بذكر الخلاف في هذا الباب ثم ~~بالدلالة على المذهب الصحيح من جملة ما أذكره من المذاهب ثم بتأويل ما تعلق ~~به المخالف من الآيات والأخبار التي اشتبه عليه وجهها وظن أنها تقتضي وقوع ~~كبيرة أو صغيرة من الأنبياء والأئمة (ع) ومن الله تعالى أستمد المعونة ~~والتوفيق وإياه أسأل التأييد والتسديد اختلف الناس في الأنبياء (ع) فقالت ~~الشيعة الإمامية لا يجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب كبيرا كان أو صغيرا ~~لا قبل النبوة ولا بعدها ويقولون في الأئمة مثل ذلك وجوز أصحاب الحديث ~~والحشوية على الأنبياء الكبائر قبل PageV01P002 # النبوة ومنهم من جوزها في حال النبوة سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة ~~ومنهم من جوزها كذلك في حال النبوة بشرط الاستسرار دون الإعلان ومنهم من ~~جوزها على الأحوال كلها ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفة ~~من الأنبياء (ع) قبل النبوة وفي حالها وجوزت في الحالين وقوع ما لا يستخف ~~من الصغائر ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي (ص) الإقدام على المعصية ~~الصغيرة على سبيل العمد ومنهم من منع ذلك وقال إنهم لا يقدمون على الذنوب ~~التي يعلمونها ذنوبا بل على سبيل التأويل وحكي عن النظام وجعفر بن مبشر ~~وجماعة ممن تبعهما أن ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو والغفلة وأنهم ~~مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعا عن أممهم بقوة معرفتهم وعلو مرتبتهم وجوزوا ~~كلهم ومن قدمنا ذكره من الحشوية وأصحاب الحديث على الأئمة الكبائر والصغائر ~~إلا أنهم يقولون إن بوقوع الكبيرة من الإمام تفسد إمامته ويجب عزله ~~والاستبدال به ms001 واعلم أن الخلاف بيننا وبين المعتزلة في تجويزهم الصغائر على ~~الأنبياء (ص) يكاد يسقط عند التحقيق لأنهم إنما يجوزون من الذنوب ما لا ~~يستقر له استحقاق عقاب وإنما يكون حظه تنقيص الثواب على اختلافهم أيضا في ~~ذلك لأن أبا علي الجبائي يقول إن الصغير يسقط عقابه بغير موازنة فكأنهم ~~معترفون بأنه لا يقع منهم ما يستحقون به الذم والعقاب وهذه موافقة للشيعة ~~في المعنى لأن الشيعة إنما تنفي عن الأنبياء (ع) جميع المعاصي من حيث كان ~~كل شيء منها يستحق به فاعله الذم والعقاب لأن الإحباط باطل عندهم وإذا بطل ~~الإحباط فلا معصية إلا ويستحق فاعلها الذم والعقاب فإذا كان استحقاق الذم ~~والعقاب منفيا عن الأنبياء (ع) وجب أن ينفي عنهم سائر الذنوب ويصير الخلاف ~~بين الشيعة والمعتزلة متعلقا بالإحباط فإذا بطل الإحباط فلا بد من الاتفاق ~~على أن شيئا PageV01P003 # من المعاصي لا يقع من الأنبياء (ع) من حيث يلزمهم استحقاق الذم والعقاب ~~لكنه يجوز أن نتكلم في هذه المسألة على سبيل التقدير ونفرض أن الأمر في ~~الصغائر والكبائر على ما تقوله المعتزلة ومتى فرضنا ذلك لم نجوز أيضا عليهم ~~الصغائر لما سنذكره ونبينه إن شاء الله تعالى. واعلم أن جميع ما ننزه ~~الأنبياء (ع) عنه ونمنع من وقوعه منهم يستند إلى دلالة العلم المعجز إما ~~بنفسه أو بواسطة وتفسير هذه الجملة أن العلم المعجز إذا كان واقعا موقع ~~التصديق لمدعي النبوة والرسالة وجاريا مجرى قوله تعالى له صدقت في أنك ~~رسولي ومؤد عني فلا بد من أن يكون هذا المعجز مانعا من كذبه على الله ~~سبحانه في ما يؤديه عنه لأنه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذاب لأن تصديق ~~الكذاب قبيح كما أن الكذب قبيح فأما الكذب في غير ما يؤديه عن الله وسائر ~~الكبائر فإنما دل المعجز على نفيها من حيث كان دالا على وجوب اتباع الرسول ~~وتصديقه فيما يؤديه وقبوله منه لأن الغرض في بعثة الأنبياء (ع) وتصديقهم ~~بالإعلام المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به فما ms002 قدح في الامتثال والقبول وأثر ~~فيهما يجب أن يمنع المعجز منه فلهذا قلنا إنه يدل على نفي الكذب والكبائر ~~عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة وفي الأول يدل بنفسه فإن قيل لم يبق إلا أن ~~تدلوا على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول ~~والامتثال قلنا لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي ولا نأمن منه ~~الإقدام على الذنوب لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو استماع وعظه ~~كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئا من ذلك وهذا هو معنى قولنا إن وقوع ~~الكبائر ينفر عن القبول والمرجع فيما ينفر وما لا ينفر إلى العادات واعتبار ~~ما تقتضيه وليس ذلك مما يستخرج بالأدلة والمقاييس ومن رجع إلى العادة علم ~~ما ذكرناه وأنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول فإن حظ الكبائر في هذا الباب ~~لم يزد على حظ السخف والمجون والخلاعة ولم ينقص منه فإن قيل أفليس PageV01P004 # قد جوز كثير من الناس على الأنبياء (ع) الكبائر مع أنهم لم ينفروا عن ~~قبول قولهم والعمل بما شرعوه من الشرائع وهذا ينقض قولكم إن الكبائر منفرة ~~قلنا هذا سؤال من لم يفهم ما أوردناه لأنا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق ~~وأن لا يقع امتثال الأمر جملة وإنما أردنا ما فسرناه من أن سكون النفس إلى ~~قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه ~~وإنا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول كما أنا مع الأمان من ~~الكبائر نكون أقرب إلى القبول وقد يقرب من الشيء ما لا يحصل الشيء عنده ~~كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده ألا ترى أن عبوس الداعي للناس إلى طعامه ~~وتضجره وتبرمه منفر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه وقد يقع مع ما ~~ذكرناه الحضور والتناول ولا يخرجه من أن يكون منفرا وكذلك طلاقة وجهه ~~واستبشاره وتبسمه يقرب من حضور دعوته وتناول طعامه وقد يرتفع الحضور مع ما ~~ذكرناه ms003 ولا يخرجه من أن يكون مقربا فدل على أن المعتبر في باب المنفر ~~والمقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه فإن قيل فهذا ~~يقتضي أن الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة فمن أين أنها لا تقع منهم قبل ~~النبوة وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب والذم ولم يبق وجه يقتضي ~~التنفير قلنا الطريقة في الأمرين واحدة لأنا نعلم أن من يجوز عليه الكفر ~~والكبائر في حال من الأحوال وإن تاب منهما وخرج من استحقاق العقاب به لا ~~نسكن إلى قبول قوله كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الأحوال ولا ~~على وجه من الوجوه ولهذا لا يكون حال الواعظ الداعي إلى الله تعالى ونحن ~~نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب وإن كان قد فارق جميع ذلك وتاب ~~منه عندنا وفي نفوسنا كحال من لم نعهد منه إلا النزاهة والطهارة ومعلوم ~~ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور ولهذا كثيرا PageV01P005 # ما يعير الناس من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وإن وقعت التوبة منها ~~ويجعلون ذلك عيبا ونقصا وقادحا ومؤثرا وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل ~~النبوة منخفضا عن تجويزها في حال النبوة وناقصا عن رتبته في باب التنفير ~~وجب أن لا يكون فيه شيء من التنفير لأن الشيئين قد يشتركان في التنفير وإن ~~كان أحدهما أقوى من صاحبه ألا ترى أن كثير السخف والمجون والاستمرار عليهما ~~والانهماك فيهما منفر لا محالة وأن القليل من السخف الذي لا يقع إلا في ~~الأحيان والأوقات المتباعدة منفر أيضا وأن فارق الأول في قوة التنفير ولم ~~يخرجه نقصانه في هذا الباب من الأول من أن يكون منفرا في نفسه فإن قيل فمن ~~أين قلتم إن الصغائر لا تجوز على الأنبياء في حال النبوة وقبلها قلنا ~~الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالتين ~~عند التأمل لأنا كما نعلم أن من يجوز كونه فاعلا لكبيرة متقدمة قد تاب منها ~~وأقلع عنها ولم ms004 يبق معه شيء من استحقاق عقابها وذمها لا يكون سكوننا إليه ~~كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك وكذلك نعلم أن من يجوز عليه الصغائر من ~~الأنبياء (ع) أن يكون مقدما على القبائح مرتكبا للمعاصي في حال نبوته أو ~~قبلها وإن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كل ~~القبائح ولا نجوز عليه فعل شيء منها فأما الاعتذار في تجويز الصغائر بأن ~~العقاب والذم عنها ساقطان فليس بشيء لأنه لا معتبر في باب التنفير بالذم ~~والعقاب حتى يكون التنفير واقعا عليهما ألا ترى أن كثيرا من المباحات منفر ~~ولا ذم عليه ولا عقاب وكثيرا من الخلق والهيئات منفر وهو خارج عن باب الذم ~~على أن هذا القول يوجب على قائله تجويز الكبائر عليهم قبل البعثة لأن ~~التوبة والإقلاع أزال الذم والعقاب الذين يقف التنفير على هذا القول عليهما ~~فإن قيل كيف تنفر الصغائر وإنما حظها تقليل الثواب وتنقيصه لأنها PageV01P006 # بكونها صغائر قد خرجت من اقتضاء الذم والعقاب ومعلوم أن قلة الثواب غير ~~منفرة ألا ترون أن الأنبياء (ع) قد يتركون كثيرا من النوافل مما لو فعلوه ~~لاستحقوا كثيرا من الثواب ولا يكون ذلك منفرا عنهم قلنا إن الصغائر لم تكن ~~منفرة من حيث قلة الثواب معها بل إنما كانت كذلك من حيث كانت قبائح ومعاصي ~~لله تعالى وقد بينا أن الملجأ في باب المنفر إلى العادة والشاهد وقد دللنا ~~على أنهما يقضيان بتنفير جميع الذنوب والقبائح على الوجه الذي بيناه وبعد ~~فإن الصغائر في هذا الباب بخلاف الامتناع من النوافل لأنها تنقص ثوابا ~~مستحقا ثابتا وترك النوافل ليس كذلك وفرق واضح في العادة بين الانحطاط عن ~~رتبة ثبتت واستحقت وبين فوتها وأن لا تكون حاصلة جملة ألا ترى أن من ولي ~~ولاية جليلة وارتقى إلى رتبة عالية يؤثر في حاله العزل عن تلك الولاية ~~والهبوط عن تلك الرتبة ولا يكون حاله هذه كحاله لو لم ينل تلك الولاية ولا ~~ارتقى إلى تلك الرتبة وهذا الكلام الذي ms005 ذكرناه يبطل قول من جوز على ~~الأنبياء (ع) الصغائر على اختلاف مذاهبهم في تجويز ذلك على سبيل العمد أو ~~التأويل إلا أن أبا علي الجبائي ومن وافقه في قوله إن ذنوب الأنبياء لا ~~تكون عمدا وإنما يقدمون عليها تأولا ويمثل ذلك بقصة آدم (ع) فإنه نهي عن ~~جنس الشجرة دون عينها فتأول فظن أن النهي يتناول العين فلم يقدم على ~~المعصية مع العلم بأنها معصية قد ناقض فإنه إنما ذهب إلى هذا المذهب تنزيها ~~للأنبياء (ع) واعتقاد أن تعمد المعصية يوجب كبرها فنزهه عن معصية وأضاف ~~إليه معصيتين لأنه مخطئ على مذهبه في الإعراض عن تأمل مقتضى النهي وهل ~~يتناول الجنس أو العين لأن ذلك واجب عليه ومخطئ في التناول من الشجرة ~~وهاتان معصيتان وبعد فإن تعمد المعصية ليس يجب أن يكون مقتضيا لكبرها لا ~~محالة لأنه لا يمتنع أن يكون مع التعمد يصاحبه من الخوف والوجل PageV01P007 # ما يوجب صغرها ويمنع من كبرها وليس له أن يقول إن النظر فيما كلفه من ~~الامتناع من الجنس أو النوع لم يكن واجبا عليه لأن ذلك إن لم يكن واجبا ~~عليه فكيف يكون مكلفا وكيف يكون تناوله معصية ولا بد على هذا من أن يخطر ~~الله تعالى بباله ما يقتضي وجوب النظر في ذلك عليه وإذا وجب عليه النظر ولم ~~يفعله فقد تعمد الإخلال بالواجب ولا فرق في باب التنفير بين الإقدام على ~~المعصية والإخلال بالواجب فإذا جاز عنده أن يتعمد الإخلال بالواجب ولا يكون ~~منه كبيرا جاز أن يتعمد منه نفس التناول ولا يكون منه كبيرا فأما ما حكيناه ~~عن النظام وجعفر بن مبشر ومن وافقهما من أن ذنوب الأنبياء (ع) تقع منهم على ~~سبيل السهو والغفلة وأنهم مع ذلك مؤاخذون بها فليس بشيء لأن السهو يزيل ~~التكليف ويخرج الفعل من أن يكون ذنبا مؤاخذا به ولهذا لا يصح مؤاخذة ~~المجنون والنائم وحصول السهو في أنه مؤثر في ارتفاع التكليف بمنزلة فقد ~~القدرة والآلات والأدلة فلو جاز أن يخالف حال الأنبياء (ع) ms006 في صحة تكليفهم ~~مع السهو جاز أن يخالف حالهم لحال أمتهم في جواز التكليف مع فقد سائر ما ~~ذكرنا وهذا واضح فأما الطريق الذي به يعلم أن الأئمة (ع) لا يجوز عليهم ~~الكبائر في حال الإمامة فهو أن الإمام إنما احتيج إليه لجهة معلومة وهي أن ~~يكون المكلفون عند وجوده أبعد من فعل القبيح وأقرب من فعل الواجب على ما ~~دللنا عليه في غير موضع فلو جازت عليه الكبائر لكانت علة الحاجة إليه ثابتة ~~فيه وموجبة وجود إمام يكون إماما له والكلام في إمامته كالكلام فيه وهذا ~~يؤدي إلى وجود ما لا نهاية له من الأئمة وهو باطل أو الانتهاء إلى إمام ~~معصوم وهو المطلوب ومما يدل أيضا على أن الكبائر لا يجوز عليهم أن قولهم ~~(ع) قد ثبت أنه حجة في الشرع كقول الأنبياء (ع) بل يجوز أن ينتهي الحال إلى ~~أن الحق لا يعرف إلا من جهتهم ولا يكون الطريق إليه إلا من أقوالهم على ما بيناه PageV01P008 # في مواضع كثيرة وإذا ثبت هذه الجملة جروا مجرى الأنبياء (ع) فيما يجوز ~~عليهم وما لا يجوز فإذا كنا قد بينا أن الكبائر والصغائر لا يجوزان على ~~الأنبياء (ع) قبل النبوة ولا بعدها لما في ذلك من التنفير عن قبول أقوالهم ~~ولما في تنزيهم عن ذلك من السكون إليهم فكذلك يجب أن يكون الأئمة (ع) ~~منزهين عن الكبائر والصغائر قبل الإمامة وبعدها لأن الحال واحدة وإذ قد ~~قدمنا ما أردنا تقديمه في هذا الباب فنحن نبتدئ بذكر الكلام على ما تعلقوا ~~به من جواز الكبائر على الأنبياء (ع) من الكتاب ### ||| في تنزيه آدم (ع) # مسألة فمما تعلقوا به قوله تعالى في قصة آدم (ع)@QUR@05 وعصى آدم ربه ~~فغوى @QUR@ قالوا وهذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلا قبيحة وأكده بقوله ~~@QUR@01 فغوى @QUR@ والغي ضد الرشد الجواب يقال لهم أما المعصية فهي مخالفة الأمر والأمر من ~~الحكيم تعالى قد يكون بالواجب وبالندب معا فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم ~~(ع) مندوبا إلى ترك ms007 التناول من الشجرة ويكون بمواقعتها تاركا نفلا وفضلا ~~وغير فاعل قبيحا وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك ~~الواجب فإن تسمية من خالف ما أمر به سواء كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهرة ~~ولهذا يقولون أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني وإن لم يكن ما ~~أمره به واجبا وأما قوله @QUR@01 فغوى @QUR@ فمعناه أنه خاب لأنا نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة ~~لاستحق الثواب العظيم فإذا خالف الأمر ولم يصر إلى ما ندب إليه فقد خاب لا ~~محالة من حيث إنه لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحق بالامتناع ولا شبهة في ~~أن لفظة غوى يحتمل الخيبة قال الشاعر # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره %~% ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # فإن قيل كيف يجوز أن يكون ترك الندب PageV01P009 # معصية أوليس هذا يوجب أن توصف الأنبياء (ع) بأنهم عصاة في كل حال وأنهم ~~لا ينفكون من المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب قلنا وصف تارك ~~الندب بأنه عاص توسع وتجوز والمجاز لا يقاس عليه ولا يعدى به عن موضعه ولو ~~قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح وتارك الأولى والأفضل لم يجز إطلاقه في ~~الأنبياء (ع) إلا مع التقييد لأن استعماله قد كثر في القبائح فإطلاقه بغير ~~تقييد موهم لكنا نقول إن أردت بوصفهم أنهم عصاة أنهم فعلوا القبائح فلا ~~يجوز ذلك وإن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه استحقوا الثواب وكان أولى فهم ~~كذلك فإن قيل فأي معنى لقوله تعالى @QUR@07 ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ~~وأي معنى لقوله تعالى @QUR@011 فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو ~~التواب الرحيم وكيف يقبل توبة من لم يذنب أم كيف يتوب من لم يفعل القبيح ~~قلنا أما التوبة عندنا وعلى أصولنا فغير موجبة لإسقاط العقاب وإنما يسقط ~~الله تعالى العقاب عندها تفضلا والذي توجبه التوبة وتؤثره هو استحقاق ~~الثواب فقبولها على هذا الوجه إنما هو ضمان ms008 الثواب عليها فمعنى قوله تعالى ~~@QUR@02 فتاب عليه أنه قبل توبته وضمن له ثوابها ولا بد لمن ذهب إلى أن ~~معصية آدم (ع) صغيرة من هذا الجواب لأنه إذا قيل له كيف تقبل توبته ويغفر ~~له ومعصيته قد وقعت في الأصل مكفرة لا يستحق عليها شيئا من العقاب لم يكن ~~له بد من الرجوع إلى ما ذكرناه والتوبة قد يحسن أن تقع ممن لا يعهد من نفسه ~~قبيحا على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والرجوع إليه ويكون وجه حسنها في ~~هذا الموضع استحقاق الثواب بها وكونها لطفا كما يحسن أن تقع ممن يقطع على ~~أنه غير مستحق للعقاب وأن التوبة لا تؤثر في إسقاط شيء يستحقه من العقاب ~~ولهذا جوزوا التوبة من الصغائر وإن لم PageV01P010 # تكن مؤثرة في إسقاط ذم ولا عقاب فإن قيل الظاهر من القرآن بخلاف ما ~~ذكرتموه لأنه أخبر أن آدم (ع) منهي عن أكل الشجرة بقوله @QUR@08 ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين وبقوله @QUR@06 ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة وهذا يوجب بأنه (ع) عصى بأن فعل منهيا عنه ولم يعص بأن ترك مأمورا ~~به قلنا أما النهي والأمر معا فليسا يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال ~~ولا اشتراك وقد يؤمر عندنا بلفظ النهي وينهى بلفظ الأمر وإنما يكون النهي ~~نهيا بكراهة المنهي عنه فإذا قال تعالى @QUR@04 لا تقربا هذه الشجرة ولم ~~يكره قربها لم يكن في الحقيقة ناهيا كما أنه تعالى لما قال @QUR@07 اعملوا ~~ما شئتم وإذا حللتم فاصطادوا ولم يرد ذلك لم يكن أمرا فإذا كان قد صح ~~قوله @QUR@05 ولا تقربا هذه الشجرة إرادة لترك التناول فيجب أن يكون هذا ~~القول أمرا وإنما سماه منهيا عنه وسمى أمره له بأنه نهي من حيث كان فيه ~~معنى النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل وتزهيدا في الفعل نفسه ولما كان ~~الأمر ترغيبا في الفعل المأمور به وتزهيدا في تركه جاز أن يسمى نهيا وقد ~~يتداخل هذان الوصفان في الشاهد فيقول أحدنا قد أمرت فلانا بأن لا يلقى ~~الأمير ms009 وإنما يريد أنه نهاه عن لقائه ويقول نهيتك عن هجر زيد وإنما معناه ~~أمرتك بمواصلته فإن قيل ألا جعلتم النهي منقسما إلى منهي قبيح ومنهي غير ~~قبيح بل يكون تركه أفضل من فعله كما جعلتم الأمر منقسما إلى واجب وغير واجب ~~قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر لأن انقسام المأمور به في الشاهد إلى واجب ~~وغير واجب غير مدفوع ولا خلاف وليس يمكن أحدا أن يدفع أن في الأفعال الحسنة ~~التي يستحق بها المدح والثواب ما له صفة الوجوب وفيها ما لا يكون كذلك فإذا ~~كان الواجب مشاركا للندب في تناول الإرادة له واستحقاق الثواب والمدح به ~~فليس يفارقه إلا بكراهة الترك لأن الواجب تركه مكروه والنفل ليس كذلك فلو جعلنا PageV01P011 # الكراهة تتعلق بالقبيح وغير القبيح من الحكيم تعالى وكذلك النهي كما ~~جعلنا الأمر منه يتعلق بالواجب وغير الواجب لارتفع الفرق بين الواجب والندب ~~مع ثبوت الفصل بينهما في العقول فإن قيل فما معنى حكايته تعالى عنهما ~~قولهما @QUR@03 ربنا ظلمنا أنفسنا وقوله تعالى @QUR@03 فتكونا من ~~الظالمين قلنا معناه أنا نقصنا أنفسنا وبخسناها ما كنا نستحقه من الثواب ~~بفعل ما أريد منا من الطاعة وحرمناها الفائدة الجليلة من التعظيم من ذلك ~~الثواب وإن لم نكن مستحقا قبل أن نفعل الطاعة التي نستحق بها فهو في حكم ~~المستحق فيجوز أن يوصف من فوت نفسه بأنه ظالم لها كما يوصف بذلك من فوت ~~نفسه المنافع المستحقة وهذا هو معنى قوله تعالى @QUR@03 فتكونا من ~~الظالمين فإن قيل فإذا لم يقع من آدم (ع) على قولكم معصية فلم أخرج من ~~الجنة على سبيل العقوبة وسلب لباسه على هذا الوجهة ولو لا أن الإخراج من ~~الجنة وسلب اللباس على سبيل الجزاء على الذنب لما قال الله تعالى @QUR@08 ~~فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما وقال تعالى في موضع آخر ~~@QUR@04 فأخرجهما مما كانا فيه قلنا نفس الإخراج من الجنة لا يكون عقابا ~~لأن سلب اللذات والمنافع ليس بعقوبة وإنما العقوبة هي الضرب والألم ~~الواقعان على سبيل الاستخفاف ms010 والإهانة وكذلك نزع اللباس وإبداء السوءة ولو ~~كانت هذه الأمور مما يجوز أن تكون عقابا ويجوز أن يكون غيره لصرفناها عن ~~باب العقاب إلى غيره بدلالة أن العقاب لا يجوز أن يستحقه الأنبياء (ع) فإذا ~~فعلنا ذلك فيما يجوز أن يكون واقعا على سبيل العقوبة فهو أولى فيما لا يجوز ~~أن يكون كذلك فإن قيل فما وجه ذلك إن لم تكن عقوبة قلنا لا يمتنع أن يكون ~~الله تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية آدم (ع) في الجنة وتكليفه فيها متى ~~لم يتناول من الشجرة فمتى تناول منها تغيرت الحال في المصلحة وصار إخراجه ~~عنها وتكليفه في دار PageV01P012 # غيرها هو المصلحة وكذلك القول في سلب اللباس حتى يكون نزعه بعد التناول ~~من الشجرة هو المصلحة كما كانت المصلحة في تبقيته قبل ذلك وإنما وصف إبليس ~~بأنه مخرج لهما من الجنة من حيث وسوس إليهما وزين عندهما الفعل الذي يكون ~~عنده الإخراج وإن لم يكن على سبيل الجزاء عليه لكنه يتعلق به تعلق الشرط في ~~المصلحة وكذلك وصف بأنه مبد لسوآتهما من حيث أغواهما حتى أقدما على ما سبق ~~في علم الله تعالى بأن اللباس معه ينزع عنهما ولا بد لمن ذهب إلى أن معصية ~~آدم (ع) صغيرة لا يستحق بها العقاب من مثل هذا التأويل وكيف يجوز أن يعاقب ~~الله تعالى نبيه بالإخراج من الجنة أو غيره من العقاب والعقاب لا بد من أن ~~يكون مقرونا بالاستخفاف والإهانة وكيف يكون من تعبد الله فيه بنهاية ~~التعظيم والتبجيل مستحقا منا ومنه تعالى الاستخفاف والإهانة وأي نفس تسكن ~~إلى مستخف بقدره مهان موبخ مبكت وما يجيز مثل ذلك على الأنبياء (ع) إلا من ~~لا يعرف حقوقهم ولا يعلم ما تقضيه منازلهم مسألة فإن قال قائل فما قولكم في ~~قوله تعالى @QUR@042 هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن ~~إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا ms011 جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما فتعالى الله عما يشركون أوليس ظاهر هذه الآية يقتضي وقوع المعصية ~~من آدم (ع) لأنه لم يتقدم من يجوز صرف هذه الكناية في جميع الكلام إليه إلا ~~ذكر آدم (ع) وزوجته لأن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء ~~(ع) فالظاهر على ما ترون ينبئ عما ذكرناه على أنه قد روي في الحديث أن ~~إبليس لعنه الله تعالى لما أن حملت حواء عرض لها وكانت ممن لا يعيش لها ولد ~~فقال لها إن أردت أن يعيش ولدك فسميه عبد الحارث وكان إبليس قد يسمى ~~بالحارث فلما ولدت PageV01P013 # سمت ولدها بهذه التسمية فلهذا قال تعالى @QUR@05 جعلا له شركاء فيما ~~آتاهم @QUR@ الجواب يقال له قد علمنا أن الدلالة العقلية التي قدمناها في باب أن ~~الأنبياء (ع) لا يجوز عليهم الكفر والشرك والمعاصي غير محتملة ولا يصح دخول ~~المجاز فيها والكلام في الجملة يصح فيه الاحتمال وضروب المجاز فلا بد من ~~بناء المحتمل على ما لا يحتمل فلو لم نعلم تأويل هذه الآية على سبيل ~~التفصيل لكنا نعلم في الجملة أن تأويلها مطابق لدلالة العقل وقد قيل في ~~تأويل هذه الآية مما يطابق دليل العقل ومما يشهد له اللغة وجوه منها أن ~~الكناية في قوله سبحانه @QUR@05 جعلا له شركاء فيما آتاهم @QUR@ غير راجعة إلى آدم (ع) وحواء بل إلى الذكور والإناث من أولادهما أو إلى ~~جنسين ممن أشرك من نسلهما وإن كانت الكناية الأولى تتعلق بهما ويكون تقدير ~~الكلام فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح الذي تمنياه وطلباه جعل كفار ~~أولادهما ذلك مضافا إلى غير الله تعالى ويقوي هذا التأويل قوله سبحانه ~~@QUR@04 فتعالى الله عما يشركون @QUR@ وهذا ينبئ على أن المراد بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين وليس ~~يجب من حيث كانت الكناية المتقدمة راجعة إلى آدم (ع) وحواء أن يكون جميع ما ~~في الكلام راجعا إليهما لأن الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى خطاب غيره ~~ومن كناية إلى خلافها قال الله تعالى ms012 @QUR@011 إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله @QUR@ فانصرف من مخاطبة الرسول (ص) إلى مخاطبة المرسل إليهم ثم قال @QUR@04 ~~وتعزروه وتوقروه @QUR@ يعني الرسول (ص) ثم قال @QUR@02 وتسبحوه @QUR@ يعني مرسل الرسول فالكلام واحد متصل بعضه ببعض والكناية مختلفة كما ترى ~~وقال الهذلي # يا لهف نفسي كان جدة خالد %~% وبياض وجهك للتراب الأعفر # ولم يقل بياض وجهه وقال كثير # أسيئي بنا أو حسني لا ملومة %~% لدينا ولا مقلية إن ثقلت # فخاطب ثم ترك الخطاب وقال الآخر # فدى لك ناقتي وجميع أهلي %~% ومالي أنه منه أتاني PageV01P014 # ولم يقل منك أتاني فإن قيل كيف يكنى عمن لمن يتقدم له ذكر قلنا لا يمتنع ~~ذلك قال الله تعالى @QUR@03 حتى توارت بالحجاب @QUR@ ولم يتقدم للشمس ذكر وقال الشاعر # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا %~% حشرجت يوما وضاق بي الصدر # ولم يتقدم للنفس ذكر والشواهد على هذا المعنى كثيرة جدا على أنه قد تقدم ~~ذكر ولد آدم (ع) وتقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى @QUR@06 هو الذي خلقكم من ~~نفس واحدة ومعلوم أن المراد بذلك جميع ولد آدم (ع) وتقدم أيضا ذكرهم في ~~قوله تعالى @QUR@03 فلما آتاهما صالحا لأن المعنى أنه لما آتاهما ولدا ~~صالحا والمراد بذلك الجنس وإن كان اللفظ لفظ وحده وإذا تقدم مذكوران وعقبا ~~بأمر لا يليق بأحدهما وجب أن يضاف إلى من يليق به والشرك لا يليق بآدم (ع) ~~فيجب أن ننفيه عنه وإن تقدم ذكره وهو يليق بكفار ولده ونسله فيجب أن نعلقه ~~بهم ومنها ما ذكره أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني فإنه يحمل الآية على أن ~~الكناية في جميعها غير متعلقة بآدم (ع) وحواء ويجعل الهاء في @QUR@01 ~~تغشاها والكناية في @QUR@03 دعوا الله ربهما و@QUR@02 آتاهما صالحا راجعين ~~إلى من أشرك ولم يتعلق بآدم (ع) من الخطاب إلا قوله تعالى @QUR@04 خلقكم ~~من نفس واحدة قال والإشارة في قوله @QUR@04 خلقكم من نفس واحدة إلى الخلق ~~عامة وكذلك قوله @QUR@04 وجعل منها زوجها ثم خص منها بعضهم كما قال الله ~~تعالى @QUR@017 هو الذي يسيركم في ms013 البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة فخاطب الجماعة بالتسيير ثم خص راكب البحر وكذلك هذه ~~الآية أخبرت عن جملة أمر البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها وهما آدم ~~وحواء ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما أعطاه إياه ادعى ~~له الشركاء في عطيته قال وجايز أن يكون عنى بقوله @QUR@06 هو الذي خلقكم ~~من نفس واحدة المشركين خصوصا إذا كان كل بني آدم مخلوقا من نفس واحدة ~~وزوجها ويكون المعنى في قوله تعالى @QUR@04 خلقكم من نفس واحدة PageV01P015 # وهذا قد يجيء كثيرا في القرآن وفي كلام العرب قال الله تعالى @QUR@012 ~~والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~والمعنى فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة وهذا الوجه يقارب الوجه الأول في ~~المعنى وإن خالفه في الترتيب ومنها أن يكون الهاء في قوله @QUR@03 جعلا له ~~شركاء راجعة إلى الوالد لا إلى الله تعالى ويكون المعنى أنهما طلبا من الله ~~تعالى أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطلبتين ويجري هذا القول مجرى قول ~~القائل طلبت مني درهما فلما أعطيتك شركته بآخر أي طلبت آخر مضافا إليه وعلى ~~هذا الوجه لا يمتنع أن تكون الكناية من أول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم ~~وحواء (ع) فإن قيل فأي معنى على هذا الوجه لقوله @QUR@04 فتعالى الله عما ~~يشركون وكيف يتعالى الله عن أن يطلب منه ولد بعد آخر قلنا لم ينزه الله ~~تعالى نفسه عن هذا الإشراك وإنما نزهها عن الإشراك به وليس يمتنع أن ينقطع ~~هذا الكلام عن حكم الأول ويكون غير متعلق به لأنه تعالى قال @QUR@09 ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك دون ما ~~تقدم وليس يمتنع انقطاع اللفظ في الحكم عما يتصل به في الصورة وهذا كثير في ~~القرآن وفي كلام العرب لأن من عادة العرب أن يراعوا الألفاظ أكثر من مراعاة ~~المعاني فكأنه تعالى لما قال @QUR@05 جعلا له شركاء فيما آتاهما وأراد ~~الإشراك ms014 في طلب الولد جاء بقوله تعالى @QUR@02 عما يشركون على مطابقة ~~اللفظ الأول وإن كان الثاني راجعا إلى الله تعالى لأنه يتعالى عن اتخاذ ~~الولد وما أشبهه ومثله # قول النبي (ص)@HAD018 وقد سئل عن العقيقة فقال لا أحب العقيقة ومن شاء ~~منكم أن يعق عن ولده فليعق # فطابق اللفظ وإن اختلف المعنيان وهذا كثير في كلامهم فأما ما يدعى في هذا ~~الباب من الحديث فلا يلتفت PageV01P016 # إليه لأن الأخبار يجب أن تبنى على أدلة العقول ولا تقبل في خلاف ما ~~تقتضيه العقول ولهذا لا تقبل أخبار الجبر والتشبيه ونردها أو نؤولها إن كان ~~لها مخرج سهل وكل هذا لو لم يكن الخبر الوارد مطعونا على سنده مقدوحا في ~~طريقه فإن هذا الخبر يرويه قتادة عن الحسن عن سمرة وهو منقطع لأن الحسن لم ~~يسمع من سمرة شيئا في قول البغداديين وقد يدخل الوهن على هذا الحديث من وجه ~~آخر لأن الحسن نفسه يقول بخلاف هذه الرواية فيما # رواه خلف بن سالم عن إسحاق بن يوسف عن عوف عن الحسن @HAD011 في قوله ~~تعالى فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما @HAD@ قال هم ~~المشركون # وبإزاء هذا الحديث ما # روي عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن وغيرهم من @HAD013 أن الشرك غير ~~منسوب إلى آدم وزوجته وأن المراد به غيرهما # وهذه جملة واضحة ### ||| تنزيه نوح (ع) # مسألة فإن سأل سائل عن قوله تعالى @QUR@042 ونادى نوح ربه فقال رب إن ~~ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك ~~إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين فقال ظاهر قوله تعالى @QUR@04 إنه ليس من أهلك فيه تكذيب لقوله ~~(ع)@QUR@04 إن ابني من أهلي وإذا كان النبي (ص) لا يجوز عليه الكذب فما ~~الوجه في ذلك قيل له في هذه الآية وجوه كل واحد منها صحيح مطابق لأدلة ~~العقل أولها أن نفيه لأن يكون من أهله لم يتناول نفي النسب وإنما نفى ms015 أن ~~يكون من أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم لأنه عز وجل كان وعد نوحا (ع) ~~بأنه ينجي أهله في قوله @QUR@013 احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا ~~من سبق عليه القول فاستثنى من أهله من أراد إهلاكه بالغرق ويدل على PageV01P017 # صحة هذا التأويل قول نوح (ع)@QUR@08 إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وعلى ~~هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان وقد روي هذا التأويل بعينه عن ابن ~~عباس وجماعة من المفسرين والوجه الثاني أن يكون المراد بقوله تعالى ~~@QUR@03 ليس من أهلك أي أنه ليس على دينك وأراد أنه كان كافرا مخالفا ~~لأبيه فكان كفره أخرجه من أن يكون له أحكام أهله ويشهد لهذا التأويل قوله ~~تعالى على طريق التعليل @QUR@04 إنه عمل غير صالح فتبين أنه إنما خرج عن ~~أحكام أهله بكفره وقبح عمله وقد حكي هذا الوجه أيضا عن جماعة من أهل ~~التأويل والوجه الثالث أنه لم يكن ابنه على الحقيقة وإنما ولد على فراشه ~~فقال (ع) إن ابني على ظاهر الأمر فأعلمه الله تعالى أن الأمر بخلاف الظاهر ~~ونبهه على خيانة امرأته وليس في ذلك تكذيب خبره لأنه إنما أخبره عن ظنه ~~وعما يقتضيه الحكم الشرعي فأخبره الله تعالى بالغيب الذي لا يعلمه غيره وقد ~~روي هذا الوجه عن الحسن ومجاهد وابن جريح وفي هذا الوجه بعد إذ فيه منافاة ~~للقرآن لأنه تعالى قال @QUR@04 ونادى نوح ابنه فأطلق عليه اسم البنوة ~~ولأنه أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى @QUR@07 وأهلك إلا من سبق ~~عليه القول ولأن الأنبياء (ع) يجب أن ينزهوا عن هذه الحال لأنها تعيير ~~وتشيين ونقص من القدر وقد جنبهم الله تعالى ما دون ذلك تعظيما لهم وتوقيرا ~~ونفيا لكل ما ينفر عن القبول منهم وقد حمل ابن عباس قوة ما ذكرناه من ~~الدلالة على أن تأويل قوله تعالى في امرأة نوح (ع) وامرأة لوط (ع)@QUR@01 ~~فخانتاهما أن الخيانة لم تكن منهما بالزنى بل كانت إحداهما تخبر الناس بأنه ~~مجنون والأخرى تدل على الأضياف والوجهان الأولان هما ms016 المعتمدان في الآية ~~فإن قيل أليس قد قال جماعة من المفسرين إن الهاء في قوله تعالى @QUR@04 ~~إنه عمل غير صالح راجعة إلى السؤال والمعنى أن سؤالك إياي ما ليس لك به ~~علم عمل غير PageV01P018 # صالح راجعة إلى السؤال بل إلى الابن ويكون تقدير الكلام أن ابنك ذو عمل ~~غير صالح فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ويشهد لصحة هذا التأويل قول ~~الخنساء # ما أم سقب على بو تطيف به قد %~% ساعدتها على التحنان أطيار # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت %~% فإنما هي إقبال وإدبار # وإنما أراد أنها ذات إقبال وإدبار وقد قال قوم في هذا الوجه أن المعنى في ~~قوله @QUR@04 إنه عمل غير صالح @QUR@ أن أصله غير صالح من حيث ولد على فراشه وليس بابنه وهذا جواب من يرى أنه لم ~~يكن ابنه على الحقيقة والذي اخترناه خلاف ذلك وقد قرئت هذه الآية بنصب ~~اللام وكسر الميم ونصب غير ومع هذه القراءة لا شبهة في رجوع معنى الكلام ~~إلى الابن دون سؤال نوح (ع) وقد ضعف قوم هذه القراءة فقالوا كان يجب أن ~~يقول إنه عمل عملا غير صالح لأن العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن حتى ~~يقولوا عملا غير حسن وليس هذا الوجه بضعيف لأن من مذهبهم الظاهر إقامة ~~الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس فيقول القائل قد فعلت ~~صوابا وقلت حسنا بمعنى فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا وقال عمر بن أبي ~~ربيعة المخزومي # أيها القائل غير الصواب %~% أخر النصح وأقلل عتابي # وقال أيضا # وكم من قتيل ما يباء به دم %~% ومن علق رهنا إذا لفه الدما # ومن مالي عينيه من شيء غيره %~% إذا راح نحو الجمرة البيض كالدما # أراد وكم إنسان قتيل وقال رجل من بحيلة # كم من ضعيف العقل منتكث القوى %~% ما إن له نقض ولا إبرام # أراد كم من إنسان ضعيف العقل والقوى فإن قيل إن كان الأمر على ما ذكرتم ~~فلم قال الله تعالى @QUR@013 فلا تسئلن ما ليس لك به ms017 علم إني أعظك أن تكون ~~من الجاهلين وكيف قال نوح (ع) من بعد @QUR@020 رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ~~ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين قلنا ليس يمتنع أن ~~يكون نوح (ع) نهي عن سؤال ما ليس له PageV01P019 # به علم وإن لم يقع منه وأن يكون هو (ع) تعوذ من ذلك وإن لم يواقعه ألا ~~ترى أن نبينا (ص) قد نهي عن الشرك والكفر وإن لم يقعا منه في قوله تعالى ~~@QUR@04 لئن أشركت ليحبطن عملك وإنما سأل نوح (ع) نجاة ابنه باشتراط ~~المصلحة لا على سبيل القطع فلما بين الله تعالى أن المصلحة في غير نجاته لم ~~يكن ذلك خارجا عما تضمنه السؤال وأما قوله تعالى @QUR@06 إني أعظك أن تكون ~~من الجاهلين فمعناه لأن لا تكون منهم ولا شك في أن وعظه تعالى هو الذي ~~يصرف عن الجهل وينزه عن فعله وكل هذا واضح ### ||| في تنزيه إبراهيم (ع) # فإن قال قائل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم (ع)@QUR@051 فلما جن ~~عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى ~~القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم ~~إني بريء مما تشركون أوليس ظاهر هذا الكلام يقتضي أنه (ع) كان يعتقد في ~~وقت من الأوقات إلهية الكواكب وهذا مما قلتم إنه لا يجوز على الأنبياء (ع) ~~الجواب قيل له في هذه الآية جوابان أحدهما أن إبراهيم (ع) إنما قال ذلك في ~~زمان مهلة النظر وعند كمال عقله وحضور ما يوجب عليه النظر بقلبه وتحريك ~~الدواعي على الفكر والتأمل له لأن إبراهيم (ع) لم يخلق عارفا بالله تعالى ~~وإنما اكتسب المعرفة لما أكمل الله تعالى عقله وخوفه من ترك النظر بالخواطر ~~والدواعي فلما رأى الكواكب وقد روي في التفسير أنه الزهرة وأعظمه ما رأى ~~عليه من النور وعجيب ms018 الخلق وقد كان قومه يعبدون الكواكب ويزعمون أنها آلهة ~~قال هذا ربي على سبيل الفكر والتأمل لذلك فلما غابت وأفلت وعلم أن الأفول ~~لا يجوز على الإله علم أنها محدثة متغيرة منتقلة وكذلك PageV01P020 # كانت حاله في رؤية القمر والشمس وإنه لما رأى أفولهما قطع على حدوثهما ~~واستحالة إلهيتهما وقال في آخر الكلام @QUR@020 يا قوم إني بريء مما ~~تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ~~وكان هذا القول عقيب معرفة بالله تعالى وعلمه بأن صفات المحدثين لا يجوز ~~عليه تعالى فإن قيل كيف يجوز أن يقول (ع) هذا ربي مخبرا وهو غير عالم بما ~~يخبر به والأخبار بما لا يأمن المخبر أن يكون كاذبا فيه قبيح وفي حال كمال ~~عقله ولزوم النظر له لا بد من أن يلزمه التحرز من الكذب وما جرى مجراه من ~~القبح قلنا عن هذا جوابان أحدهما أنه لم يقل ذلك مخبرا وإنما قال فارضا ~~ومقدرا على سبيل الفكر والتأمل ألا ترى أنه قد يحسن من أحدنا إذا كان ناظرا ~~في شيء وممتثلا بين كونه على إحدى صفتيه أن يفرضه على إحداهما لينظر فيما ~~يؤدي ذلك الفرض إليه من صحة أو فساد ولا يكون بذلك مخبرا في الحقيقة ولهذا ~~يصح من أحدنا إذا نظر في الأجسام وقدمها أن يفرض كونها قديمة ليتبين ما ~~يؤدي إليه ذلك الفرض من الفساد والجواب الآخر أنه أخبر عن ظنه وقد يجوز أن ~~يظن المفكر المتأمل في حال نظره وفكره ما لا أصل له ثم يرجع عنه بالأدلة ~~والعقل ولا يكون ذلك منه قبيحا فإن قيل الآية تدل على أن إبراهيم (ع) ما ~~كان رأى هذه الكواكب قبل ذلك لأن تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها فكيف يجوز ~~أن يكون إلى مدة كمال عقله لم يشاهد السماء وما فيها من النجوم قلنا لا ~~يمتنع أن يكون ما رأى السماء إلا في ذلك الوقت لأنه على ما روي كان قد ~~ولدته أمه في مغارة خوفا من ms019 أن يقتله النمرود ومن يكون في المغارة لا يرى ~~السماء فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكر ~~فيها وقد يجوز أيضا أن يكون قد رأى السماء قبل ذلك إلا أنه لم يفكر في ~~أعلامها PageV01P021 # لأن الفكر لم يكن واجبا عليه وحين كمل عقله وحركته الخواطر فكر في الشيء ~~الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه والوجه الآخر في أصل المسألة هو ~~أن إبراهيم (ع) لم يقل ما تضمنته الآيات على طريق الشك ولا في زمان مهلة ~~النظر والفكر بل كان في تلك الحال موقنا عالما بأن ربه تعالى لا يجوز أن ~~يكون بصفة شيء من الكواكب وإنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه ~~والتنبيه لهم على أن ما يغيب ويأفل لا يجوز أن يكون إلها معبودا ويكون قوله ~~هذا ربي محمولا على أحد وجهين أي هو كذلك عندكم وعلى مذاهبكم كما يقول ~~أحدنا للمشبه على سبيل الإنكار لقوله هذا ربه جسم يتحرك ويسكن والوجه الآخر ~~أن يكون قال ذلك مستفهما وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنها وقد جاء في ~~الشعر ذلك كثير قال الأخطل # كذبتك عينك أم رأيت بواسط %~% غلس الظلام من الرباب خيالا # وقال الآخر # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا %~% بسبع رمين الجمر أم بثمان # وأنشدوا قول الهذلي # وقوني وقالوا يا خويلد %~% لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه # يعني أهم هم وقال ابن أبي ربيعة # ثم قالوا تحبها قلت بهرا %~% عدد الرمل والحصى والتراب # فإن قيل حذف حرف الاستفهام إنما يحسن إذا كان في الكلام دلالة عليه وعوض ~~عنه فليس تستعمل مع فقد العوض وما أنشدتموه فيه عوض عن حرف الاستفهام ~~المتقدم والآية ليس ذلك فيها قلنا قد يحذف حرف الاستفهام مع إثبات العوض ~~عنه ومع فقده إذا زال اللبس في معنى الاستفهام وبيت ابن أبي ربيعة خال من ~~حرف الاستفهام ومن العوض عنه" # وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه@HAD07 : في قوله تعالى فلا ~~اقتحم العقبة @HAD@ قال هو أفلا اقتحم ms020 العقبة # فألقيت ألف الاستفهام وبعد فإذا جاز أن يلقوا ألف الاستفهام لدلالة ~~الخطاب عليها فهلا جاز أن يلقوها لدلالة العقول عليها لأن PageV01P022 # العقل أقوى من دلالة غيره مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخبرا عن ~~إبراهيم (ع) لما قال له قومه @QUR@016 أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ~~قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون وإنما عنى بالكبير الصنم ~~الكبير وهذا كذب لا شك فيه لأن إبراهيم (ع) هو الذي كسر الأصنام فإضافته ~~تكسيرها إلى غيره مما لا يجوز أن يفعل شيئا لا يكون إلا كذبا الجواب قيل له ~~الخبر مشروط غير مطلق لأنه قال @QUR@03 إن كانوا ينطقون ومعلوم أن ~~الأصنام لا تنطق وأن النطق مستحيل عليها فما علق بهذا المستحيل من الفعل ~~أيضا مستحيل وإنما أراد إبراهيم (ع) بهذا القول تنبيه القوم وتوبيخهم ~~وتعنيفهم بعبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يقدر أن يخبر عن نفسه ~~بشيء فقال إن كانت هذه الأصنام تنطق فهي الفاعلة للتكسير لأن من يجوز أن ~~ينطق يجوز أن يفعل وإذا علم استحالة النطق عليها علم استحالة الفعل عليها ~~وعلم باستحالة الأمرين أنها لا يجوز أن تكون آلهة معبودة وأن من عبدها ضال ~~مضل ولا فرق بين قوله إنهم فعلوا ذلك @QUR@03 إن كانوا ينطقون وبين قوله ~~إنهم ما فعلوا ذلك ولا غيره لأنهم لا ينطقون ولا يقدرون وأما قوله ~~(ع)@QUR@01 فسئلوهم فإنما هو أمر بسؤالهم أيضا على شرط والنطق منهم شرط في ~~الأمرين فكأنه قال إن كانوا ينطقون فاسألوهم فإنه لا يمتنع أن يكونوا فعلوه ~~وهذا يجري مجرى قول أحدنا لغيره من فعل هذا الفعل فيقول زيد إن كان فعل كذا ~~وكذا ويشير إلى فعل يضيفه السائل إلى زيد وليس في الحقيقة من فعله ويكون ~~غرض المسئول نفي الأمرين جميعا عن زيد وتنبيه السائل على خطائه في إضافة ما ~~أضافه إلى زيد وقد قرأ بعض القراء وهو محمد بن السهيفع اليماني فعله كبيرهم ~~بتشديد اللام والمعنى فلعله أي فلعل فاعل ذلك كبيرهم ms021 وقد جرت عادة العرب ~~بحذف اللام الأولى من لعل فيقولون عل قال الشاعر PageV01P023 # عل صروف الدهر أو دولاتها %~% تدلينا اللمة من لماتها # فتستريح النفس من زفراتها # أي لعل صروف الدهر وقال الآخر # يا أبتا علك أو عساكا %~% يسقيني الماء الذي سقاكا # فإن قيل فأي فائدة في أن يستفهم عن أمر يعلم استحالته وأي فرق في المعنى ~~بين القراءتين قلنا لم يستفهم ولا شك في الحقيقة وإنما نبههم بهذا القول ~~على خطيئتهم في عبادة الأصنام فكأنه قال لهم إن كانت هذه الأصنام تضر وتنفع ~~وتعطي وتمنع فلعلها هي الفاعلة لذلك التكسير لأن من جاز منه ضرب من الأفعال ~~جاز منه ضرب آخر وإذا كان ذلك الفعل الذي هو التكسير لا يجوز على الأصنام ~~عند القوم فما هو أعظم منه أولى أن لا يجوز عليها وأن لا يضاف إليها والفرق ~~بين القراءتين ظاهر لأن القراءة الأولى لها ظاهر الخبر فاحتجنا إلى تعليقه ~~بالشرط ليخرج من أن يكون كذبا والقراءة الثانية تتضمن حرف الشك والاستفهام ~~فهما مختلفان على ما ترى فإن قيل أليس # قد روى بشر بن مفضل عن عوف عن الحسن قال بلغني أن رسول الله (ص) ~~قال@HAD019 : إن إبراهيم (ع) ما كذب متعمدا قط إلا ثلاث مرات كلهن يجادل ~~بهن عن دينه قوله إني سقيم @HAD@ وإنما تمارض عليهم لأن القوم خرجوا من ~~قريتهم لعيدهم وتخلف هو ليفعل بآلهتهم ما فعل وقوله بل فعله كبيرهم @HAD011 وقوله لسارة إنها أختي لجبار من الجبابرة لما أراد أخذها # قلنا قد بينا بالأدلة العقلية التي لا يجوز فيها الاحتمال ولا خلاف ~~الظاهر أن الأنبياء (ع) لا يجوز عليهم الكذب فما ورد بخلاف ذلك من الأخبار ~~لا يلتفت إليه ويقطع على كذبه إن كان لا يحتمل تأويلا صحيحا لائقا بأدلة ~~العقل فإن احتمل تأويلا طابقها تأولناه ووفقنا بينه وبينها وهكذا نفعل فيما ~~يروى من الأخبار التي يتضمن ظواهرها الجبر والتشبيه فأما قوله (ع)@QUR@01 إني PageV01P024 # @QUR@01 سقيم @QUR@ فسنبين بعد هذه المسألة بلا فصل وجه ذلك وأنه ليس بكذب وقوله @QUR@03 بل ~~فعله ms022 كبيرهم @QUR@ قد بينا معناه وأوضحنا عنه وأما قوله (ع) لسارة إنها أختي فإن صح فمعناه ~~أنها أختي في الدين ولم يرد إخوة النسب وأما ادعاؤهم على النبي (ص) أنه قال ~~ما كذب إبراهيم (ع) إلا ثلاث كذبات فالأولى أن يكون كذبا عليه (ص) لأنه (ص) ~~كان أعرف بما يجوز على الأنبياء (ع) وما لا يجوز عليهم ويحتمل إن كان صحيحا ~~أن يريد ما أخبر بما ظاهره الكذب إلا ثلاث دفعات فأطلق عليه اسم الكذب لأجل ~~الظاهر وإن لم يكن على الحقيقة كذلك مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى ~~مخبرا عن إبراهيم (ع)@QUR@07 فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم @QUR@ والسؤال عليكم في هذه الآية من وجهين أحدهما أنه حكى عن نبيه النظر في ~~النجوم وعندكم أن الذي يفعله المنجمون من ذلك ضلال والآخر قوله (ع)@QUR@02 ~~إني سقيم @QUR@ وذلك كذب الجواب قيل له في هذه الآية وجوه منها أن إبراهيم (ع) كانت به علة ~~تأتيه في أوقات مخصوصة فلما دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى النجوم ليعرف ~~منها قرب نوبة علته فقال إني سقيم وأراد أنه قد حضر وقت العلة وزمان نوبتها ~~وشارف الدخول فيها وقد تسمي العرب المشارف للشيء باسم الداخل فيه ولهذا ~~يقولون فيمن أدنفه المرض وخيف عليه الموت هو ميت وقال الله تعالى لنبيه ~~(ص)@QUR@05 إنك ميت وإنهم ميتون @QUR@ فإن قيل فلو أراد ما ذكرتموه لقال فنظر نظرة إلى النجوم ولم يقل في النجوم ~~لأن لفظة في لا تستعمل إلا فيمن ينظر كما ينظر المنجم قلنا ليس يمتنع أن ~~يريد بقوله في النجوم أنه نظر إليها لأن حروف الصلات يقوم بعضها مقام بعض ~~قال الله تعالى @QUR@05 ولأصلبنكم في جذوع النخل @QUR@ وإنما أراد على جذوعها وقال الشاعر # اسهري ما سهرت أم حكيم %~% واقعدي مرة لذاك وقومي # وافتحي الباب وانظري في النجوم %~% كم علينا من قطع ليل بهيم PageV01P025 # وإنما أراد انظري إليها لتعرفي الوقت ومنها أنه يجوز أن يكون الله تعالى ~~أعلمه بالوحي أنه سيمتحنه بالمرض في وقت مستقبل وإن لم يكن ms023 قد جرت بذلك ~~المرض عادته وجعل تعالى العلامة على ذلك ظاهرة له من قبل النجوم إما بطلوع ~~نجم على وجه مخصوص أو أفول نجم على وجه مخصوص أو اقترانه بآخر على وجه ~~مخصوص فلما نظر إبراهيم (ع) في الأمارة التي نصبت له من النجوم قال إني ~~سقيم تصديقا بما خبره الله تعالى ومنها ما قاله قوم في ذلك من أن من كان ~~آخر أمره الموت فهو سقيم وهذا حسن لأن تشبيه الحياة المفضية إلى الموت ~~بالسقم من أحسن التشبيه ومنها أن يكون قوله @QUR@02 إني سقيم معناه أني ~~سقيم القلب أو الرأي خوفا من إصرار قومه على عبادة الأصنام وهي لا تسمع ولا ~~تبصر ويكون قوله @QUR@04 فنظر نظرة في النجوم على هذا المعنى معناه أنه ~~نظر وفكر في أنها محدثة مدبرة مصرفة مخلوقة وعجب كيف يذهب على العقلاء ذلك ~~من حالها حتى يعبدوها ويجوز أيضا أن يكون قوله تعالى @QUR@04 فنظر نظرة في ~~النجوم معناه أنه شخص ببصره إلى السماء كما يفعل المفكر المتأمل فإنه ربما ~~أطرق إلى الأرض وربما نظر إلى السماء استعانة على فكره وقد قيل إن النجوم ~~هاهنا هي نجوم النبت لأنه يقال لكل ما خرج من الأرض وغيرها وطلع إنه ناجم ~~وقد نجم ويقال للجميع نجوم ويقولون نجم قرن الظبي ونجم ثدي المرأة وعلى هذا ~~الوجه يكون إنما نظر في حال الفكر والإطراق إلى الأرض فرأى ما نجم فيها ~~وقيل أيضا إنه أراد بالنجوم ما نجم له من رأيه وظهر له بعد إن لم يكن ظاهرا ~~وهذا وإن كان يحتمله الكلام فالظاهر بخلافه لأن الإطلاق من قوله القائل ~~نجوم لا يفهم من ظاهره إلا نجوم السماء دون نجوم الأرض ونجوم الرأي وليس ~~كلما قيل فيه إنه نجم فهو ناجم به على الحقيقة أن يقال فيه نجوم بالإطلاق ~~والمرجع في هذا إلى PageV01P026 # تعارف أهل اللسان وقد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني إن معنى قوله ~~تعالى @QUR@04 فنظر نظرة في النجوم أراد في القمر والشمس لما ظن أنهما ~~آلهة ms024 في حال مهلة النظر على ما قصه الله تعالى في قصته في سورة الأنعام ~~ولما استدل بأفولهما وغروبهما على أنهما محدثان غير قديمين ولا إلهين وأراد ~~بقوله @QUR@02 إني سقيم أني لست على يقين من الأمر ولا شفاء من العلم وقد ~~يسمى الشك بأنه سقم كما يسمى العلم بأنه شفاء قال وإنما زال عنه هذا السقم ~~عند زوال الشك وكمال المعرفة وهذا الوجه يضعف من جهة أن القصة التي حكي عن ~~إبراهيم (ع) فيها هذا الكلام يشهد ظاهرها بأنها غير القصة المذكورة في سورة ~~الأنعام وأن القصة مختلفة لأن الله تعالى قال @QUR@035 وإن من شيعته ~~لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون أإفكا آلهة ~~دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ~~فبين تعالى كما ترى أنه جاء ربه بقلب سليم وإنما أراد به أنه كان سليما من ~~الشك وخالصا للمعرفة واليقين ثم ذكر أنه عاب قومه على عبادة الأصنام فقال ~~@QUR@03 ما ذا تعبدون فسمى عبادتهم بأنها إفك وباطل ثم قال @QUR@04 فما ~~ظنكم برب العالمين وهذا قول عارف بالله تعالى مثبت له على صفاته غير ناظر ~~ولا ممثل ولا شاك فكيف يجوز أن يكون قوله من بعد ذلك @QUR@04 فنظر نظرة في ~~النجوم أنه ظنها أربابا وآلهة وكيف يكون قوله @QUR@02 إني سقيم أي لست ~~على يقين ولا شفاء والمعتمد في تأويل ذلك ما قدمناه مسألة فإن قال قائل فما ~~قولكم في قوله تعالى @QUR@038 ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال ~~إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب وهذا يدل على ~~انقطاع إبراهيم (ع) وعجزه عن نصرة دليله الأول ولهذا انتقل إلى حجة أخرى ~~وليس ينتقل المحتج من شيء إلى غيره إلا على وجه القصور عن نصرته الجواب PageV01P027 # قلنا ليس هذا بانقطاع من إبراهيم (ع) ولا عجز عن نصرة حجته ms025 الأولى وقد ~~كان إبراهيم (ع) قادرا لما قال له الجبار الكافر @QUR@04 أنا أحيي وأميت ~~في جواب قوله @QUR@05 ربي الذي يحيي ويميت ويقال إنه دعا رجلين فقتل ~~أحدهما واستحيا الآخر فقال عند ذلك @QUR@04 أنا أحيي وأميت وموه بذلك على ~~من بحضرته على أن يقول له ما أردت بقولي إن @QUR@05 ربي الذي يحيي ويميت ~~ما ظننته من استبقاء حي وإنما أردت به أنه يحيي الميت الذي لا حياة فيه إلا ~~أن إبراهيم (ع) علم أنه إن أورد ذلك عليه التبس الأمر على الحاضرين وقويت ~~الشبهة لأجل اشتراك الاسم فعدل إلى ما هو أوضح وأكشف وأبين وأبعد من الشبهة ~~فقال @QUR@013 فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت ~~الذي كفر ولم يبق عنده شبهة ومن كان قصده البيان والإيضاح فله أن يعدل من ~~طريق إلى آخر لوضوحه وبعده عن الشبهة وإن كان كل من الطريقين يفضي إلى الحق ~~على أنه بالكلام الثاني ناصر للحجة الأولى وغير خارج عن سنن نصرتها لأنه ~~لما قال @QUR@05 ربي الذي يحيي ويميت فقال له في الجواب @QUR@04 أنا ~~أحيي وأميت فقال له إبراهيم (ع) من شأن هذا الذي يحيي ويميت أن يقدر على ~~أن يأتي بالشمس من المشرق ويصرفها كيف يشاء فإن ادعيت أنت القدرة على ما ~~يقدر الرب عليه فأت بالشمس من المغرب كما يأتي هو بها من المشرق فإذا عجزت ~~عن ذلك علمنا أنك عاجز عن الحياة والموت ومدع فيهما ما لا أصل له فإن قيل ~~فلو قال له في جواب هذا الكلام وربك لا يقدر أن يأتي بالشمس من المغرب فكيف ~~تلزمني أن آتي بها من المغرب قلنا لو قال له ذلك لكان إبراهيم (ع) يدعو ~~الله تعالى أن يأتي بالشمس من المغرب فيجيبه إلى ذلك وإن كان معجزا خارقا ~~للعادة ولعل الخصم إنما عدل عن أن يقول له ذلك علما بأنه إذا سأل الله ~~تعالى فيه أجابه إليه مسألة فإن قال قائل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن ~~إبراهيم (ع)@QUR@01 رب PageV01P028 # @QUR@015 أرني كيف ms026 تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~أوليس هذا الكلام والطلب عن إبراهيم (ع) يدلان على أنه لم يكن موقنا بأن ~~الله تعالى يحيي الأموات وكيف يكون نبيا من يشك في ذلك أوليس قد روى ~~المفسرون أن إبراهيم (ع) مر بحوت نصفه في البر ونصفه في البحر ودواب البر ~~والبحر تأكل منه وأخطر الشيطان بباله استبعاد رجوع ذلك حيا مؤلفا مع تفرق ~~أجزائه وانقسام أعضائه في بطون حيوان البر والبحر فشك فسأل الله تعالى ما ~~تضمنته الآية # وروى أبو هريرة عن رسول الله ص@HAD07 : نحن أحق بالشك من إبراهيم (ع) # الجواب قيل له ليس في الآية دلالة على شك إبراهيم (ع) في إحياء الموتى ~~وقد يجوز أن يكون إنما سأل الله تعالى ذلك ليعلمه على وجه يبعد عن الشبهة ~~ولا يعترض فيه شك ولا ارتياب وإن كان من قبل قد سلمه على وجه للشبهة فيه ~~مجال ونحن نعلم أن مشاهدة ما شاهده إبراهيم (ع) من كون الطير حيا ثم تفرقه ~~وتقطعه وتباين أجزائه ثم رجوعه حيا كما كان في الحال الأولى من الوضوح وقوة ~~العلم ونفي الشبهة ما ليس لغيره من وجوه الاستدلالات وللنبي (ع) أن يسأل ~~ربه تخفيف محنته وتسهيل تكليفه والذي يبين صحة ما ذكرناه قوله تعالى ~~@QUR@010 أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي فقد أجاب إبراهيم (ع) بمعنى ~~جوابنا بعينه لأنه بين أنه (ع) لم يسأل ذلك لشك فيه وفقد إيمان به وإنما ~~أراد الطمأنينة وهي ما أشرنا إليه من سكون النفس وانتفاء الخواطر والوساوس ~~والبعد عن اعتراض الشبهة ووجه آخر وهو أنه قد قيل إن الله تعالى لما بشر ~~إبراهيم (ع) بخلته واصطفائه واجتبائه سأل الله تعالى أن يريه إحياء الموتى ~~ليطمئن قلبه بالخلة لأن الأنبياء (ع) لا يعلمون صحة ما تضمنه الوحي إلا ~~بالاستدلال فسأل إحياء الموتى لهذا الوجه لا للشك في قدرة الله تعالى على ~~ذلك ووجه آخر وهو أن نمرود بن كنعان لما PageV01P029 # قال لإبراهيم (ع) إنك تزعم أن ربك يحيي ms027 الموتى وأنه قد أرسلك إلى أن ~~تدعوني إلى عبادته فاسأله أن يحيي لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا فإن لم ~~تفعل قتلتك قال إبراهيم (ع)@QUR@05 رب أرني كيف تحي الموتى @QUR@ فيكون معنى قوله @QUR@04 ولكن ليطمئن قلبي @QUR@ على هذا الوجه أي لآمن من القتل ويطمئن قلبي بزوال الروع والخوف وهذا الذي ~~ذكرناه وإن لم يكن مرويا على هذا الوجه فهو مجوز وإن جاز صلح أن يكون وجها ~~في تأويل الآية مستأنفا ووجه آخر وهو أنه يجوز أن يكون إبراهيم (ع) إنما ~~سأل إحياء الموتى لقومه ليزول شكهم في ذلك وشبهتهم ويجري مجرى سؤال موسى ~~(ع) الرؤية لقومه ليصدر منه تعالى الجواب على وجه يزيل منه شبهتهم في ~~جوازها عليه ويكون قوله @QUR@02 ليطمئن قلبي @QUR@ على هذا الوجه معناه أن نفسي تسكن إلى زوال شكهم وشبهتهم أو ليطمئن قلبي ~~إلى إجابتك إياي فيما أسألك فيه وكل هذا جائز وليس في الظاهر ما يمنع منه ~~لأن قوله @QUR@04 ولكن ليطمئن قلبي @QUR@ ما تعلق في ظاهر الآية بأمر لا يسوغ العدول عنه مع التمسك بالظاهر وما ~~تعلقت هذه الطمأنينة به غير مصرح بذكره قلنا إن تعلقه بكل أمر يجوز أن ~~يتعلق به فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@04 أولم تؤمن @QUR@ وهذا اللفظ استقبال وعندكم أنه كان مؤمنا فيما مضى قلنا معنى ذلك أولم تكن ~~قد آمنت والعرب تأتي بهذا اللفظ وإن كان في ظاهره الاستقبال وتريد به ~~الماضي فيقول أحدهم لصاحبه أولم تعاهدني على كذا وكذا وتعاقدني على أن لا ~~تفعل كذا وكذا وإنما يريد الماضي دون المستقبل فإن قيل فما معنى قوله ~~تعالى @QUR@023 فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم @QUR@ قلنا قد اختلف أهل العلم في معنى قوله @QUR@02 فصرهن إليك @QUR@ فقال قوم معنى @QUR@01 فصرهن @QUR@ أدنهن وأملهن قال الشاعر في وصف الإبل # تظل معقلات السوق خرصا %~% تصور أنوفها ريح الجنوب PageV01P030 # أراد أن ريح الجنوب تميل أنوفها وتعطفها وقال الطرماح # عفائف أذيال ms028 أوان يصورها %~% هوى والهوى للعاشقين صؤر # ويقول القائل لغيره صر وجهك إلي أي أقبل به علي ومن حمل الآية على هذا ~~الوجه لا بد أن يقدر محذوفا في الكلام يدل عليه سياق اللفظ ويكون تقدير ~~الكلام خذ أربعة من الطير فأملهن إليك ثم قطعهن ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزء وقال قوم إن معنى صرهن أي قطعهن وفرقهن واستشهدوا بقول توبة بن الحمير # فلما جذبت الحبل لطت نسوعه %~% بأطراف عيدان شديد أسورها # فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها %~% بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها # وقال الآخر # يقولون إن الشام يقتل أهله %~% فمن لي إن لم آته بخلود # تغرب آبائي فهلا صراهم %~% من الموت إن لم يذهبوا وجدودي # أراد قطعهم والأصل صرى يصري صريا من قولهم يأت يصري في حوضه إذا استسقى ~~ثم قطع والأصل صير فقدمت اللام وأخرت العين هذا قول الكوفيين وأما البصريون ~~فإنهم يقولون إن صار يصير ويصور بمعنى واحد أي قطع ويستشهدون بالأبيات التي ~~تقدمت وبقول الخنساء # فظلت الشتم منها وهي تنصار # وعلى هذا الوجه لا بد في الكلام من تقديم وتأخير ويكون التقدير فخذ أربعة ~~من الطير إليك فصرهن أي قطعهن فإليك من صلة خذ لأن التقطيع لا يعدى بإلى ~~فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@04 ثم ادعهن يأتينك سعيا وهل أمره ~~بدعائهن وهن أحياء أو أموات وعلى كل حال فدعاؤهن قبيح لأن أمر ودعاء ~~البهائم التي لا تعقل ولا تفهم قبيح وكذلك أمرهن وهن أعضاء متفرقة أظهر في ~~القبح قلنا لم يرد ذلك إلا حال الحياة دون حال الفرق والتمزق وأراد بالدعاء ~~الإشارة إلى تلك الطيور فإن الإنسان قد يشير إلى البهيمة بالمجيء والذهاب ~~فتفهم عنه ويجوز أن يسمي ذلك دعاء إما على المجاز وقد قال أبو جعفر الطبري ~~إن ذلك ليس بأمر ولا دعاء ولكنه عبارة PageV01P031 # عن تكوين الشيء ووجوده كما قال تعالى في الذين مسخهم @QUR@03 كونوا ~~قردة خاسئين وإنما خبر عن تكوينهم كذلك من غير أمر ولا دعاء فيكون المعنى ~~على التأويل ثم اجعل ms029 على كل جبل منهن جزء فإن الله تعالى يؤلف تلك الأجزاء ~~ويعيد الحياة فيها فيأتينك سعيا وهذا وجه قريب فإن قيل على الوجه الأول كيف ~~يصح أن يدعوها وهي أحياء وظاهر الآية يشهد بخلاف ذلك لأنه تعالى قال ~~@QUR@07 ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا وقال عقيب هذا الكلام من غير فصل ~~@QUR@04 ثم ادعهن يأتينك سعيا فدل ذلك على أن الدعاء توجه إليهن وهن أجزاء ~~متفرقة قلنا ليس الأمر على ما ذكر في السؤال لأن قوله @QUR@07 ثم اجعل ~~على كل جبل منهن جزءا لا بد من تقدير محذوف بعده وهو فإن الله يؤلفهن ~~ويحييهن @QUR@04 ثم ادعهن يأتينك سعيا ولا بد لمن حمل الدعاء لهن في حال ~~التفرق وانتفاء الحياة من تقدير في الكلام عقيب قوله @QUR@02 ثم ادعهن ~~لأنا نعلم أن تلك الأجزاء والأعضاء لا تأتي عقيب الدعاء بلا فصل ولا بد من ~~أن يقدر في الكلام عقيب قوله @QUR@02 ثم ادعهن فإن الله تعالى يؤلفهن ~~ويحييهن فيأتينك سعيا فأما أبو مسلم الأصفهاني ففرارا من هذا السؤال حمل ~~الكلام على وجه ظاهر الفساد لأنه قال إن الله تعالى أمر إبراهيم (ع) بأن ~~يأخذ أربعة من الطيور ويجعل على كل جبل طيرا وعبر بالجزء عن واحد من ~~الأربعة ثم أمره بأن يدعوهن وهن أحياء من غير إماتة تقدمت ولا تفرق من ~~الأعضاء ويمرنهن على الاستجابة لدعائه والمجيء إليه في كل وقت يدعوها فيه ~~ونبهه بذلك على أنه تعالى إذا أراد إحياء الموتى وحشرهم أتوه من الجهات ~~كلها مستجيبين وغير ممتنعين كما تأتي هذه الطيور بالتمرين والتعويد وهذا ~~الجواب ليس بشيء لأن إبراهيم (ع) إنما سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى ~~وليس في مجيء الطيور وهي أحياء بالعادة والتمرين دلالة على ما سأل عنه ولا ~~حجة فيه وإنما يكون في ذلك بيان المسألة إذا كان على الوجه الذي ذكرناه فإن ~~قيل إذا كان إنما أمر بدعائهن بعد حال التأليف PageV01P032 # والحياة فأي فائدة في الدعاء وهو قد علم لما رآها تتألف أعضاؤها من بعد ms030 ~~وتتركب أنها قد عادت إلى حال الحياة فلا معنى في الدعاء إلا أن يكون ~~متناولا لها وهي متفرقة قلنا للدعاء فائدة بينة لأنه لا يتحقق من بعد رجوع ~~الحياة إلى الطيور وإن شاهدها متألفة وإنما يتحقق ذلك بأن تسعى إليه وتقرب ~~منه مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@011 وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه وكيف يجوز أن يستغفر لكافر أو أن يعده ~~بالاستغفار الجواب قلنا معنى هذه الآية أن أباه كان وعده بأن يؤمن وأظهر له ~~الإيمان على سبيل النفاق حتى ظن به الخير فاستغفر له الله تعالى على هذا ~~الظن @QUR@03 فلما تبين له أنه مقيم على كفره رجع عن الاستغفار له ~~و@QUR@02 تبرأ منه على ما نطق به القرآن فكيف يجوز أن يجعل ذلك ذنبا ~~لإبراهيم (ع) وقد عذره الله تعالى في قوله إن استغفاره إنما كان لأجل ~~الموعدة وإنه تبرأ منه لما تبين له المقام على عداوة الله تعالى فإن قيل إن ~~لم تكن هذه الآية دالة على إضافة الذنب إليه فالآية في سورة الممتحنة تدل ~~على ذلك لأنه تعالى قال @QUR@043 قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ~~وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك فأمر بالتأسي به إلا في هذا الفعل وبهذا يقتضي ~~أنه قبيح قلنا ليس يجب ما ذكر في السؤال بل وجه استثناء استغفار إبراهيم ~~(ع) لأبيه من جملة ما أمر الله تعالى بالتأسي به فيه أنه لو أطلق الكلام ~~لأوهم الأمر بالتأسي به في ظاهر الاستغفار من غير علم بوجهه والموعدة ~~السابقة من أبيه له بالإيمان وأدى ذلك إلى حسن الاستغفار للكفار فاستثنى ~~الاستغفار من جملة الكلام لهذا الوجه ولأنه لم يكن ما أظهره أبوه من ~~الإيمان ووعده معلوما لكل أحد فيزول الإشكال في أنه استغفر لكافر PageV01P033 # مصر على كفره ويمكن أيضا أن يكون قوله تعالى ms031 @QUR@04 إلا قول إبراهيم ~~لأبيه استثناء من غير التأسي بل من الجملة الثانية التي تعقبها هذا القول ~~بلا فصل وهي قوله @QUR@06 إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم إلى قوله ~~@QUR@09 وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا لأنه لما كان استغفار ~~إبراهيم (ع) لأبيه مخالفا لما تضمنته هذه الجملة وجب استثناؤه وإلا توهم ~~بظاهر الكلام أنه عامل أباه من العداوة والبغضاء بما عامل به غيره فأما ~~قوله تعالى @QUR@05 إلا عن موعدة وعدها إياه فقد قيل إن الموعدة إنما ~~كانت من الأب بالإيمان للابن وهو الذي قدمناه وقيل إنها كانت من الابن ~~بالاستغفار للأب في قوله @QUR@02 لأستغفرن لك والأولى أن يكون الموعدة هي ~~من الأب بالإيمان للابن لأنا إن حملناه على الوجه الثاني كانت المسألة ~~قائمة ولقائل أن يقول ولم أراد أن يعده بالاستغفار وهو كافر وعند ذلك لا بد ~~من أن يقال إنه أظهر له الإيمان حتى ظنه به فيعود إلى معنى الجواب الأول ~~فإن قيل فما تنكرون من ذلك ولعل الوعد كان من الابن للأب بالاستغفار وإنما ~~وعده به لأنه أظهر له الإيمان قلنا ظاهر القرآن يمنع من ذلك لأنه تعالى ~~قال @QUR@011 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ~~فعلل حسن الاستغفار بالموعدة ولا يكون الموعدة مؤثرة في حسن الاستغفار إلا ~~بأن يكون من الأب للابن بالإيمان لأنها إذا كانت من الابن لم يحسن له ~~الاستغفار لأنه إن قيل إنما وعده الاستغفار لإظهاره له الإيمان فالمؤثر له ~~في حسن الاستغفار هو إظهار الإيمان لا الموعدة فإن قيل أفليس إسقاط عقاب ~~الكفر والغفران لمرتكبه كانا جائزين من طريق العقول وإنما منع منه السمع ~~والأخبار فجاز أن يكون إبراهيم (ع) إنما استغفر لأبيه لأن السمع لم يقطع له ~~على عقاب الكفار وكان باقيا على حكم العقل وليس يمكن أن يدعى أن ما في ~~شرعنا من القطع على عقاب الكفار كان في شرعه لأن هذا لا سبيل إليه PageV01P034 # قلنا هذا الوجه كان جائزا لو لا ما نطق القرآن به من خلافه لأنه ms032 تعالى ~~لما قال @QUR@022 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ثم قال عاطفا على ~~ذلك @QUR@019 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه فصرح بعلة حسن استغفاره وأنها الموعدة ولو ~~كان الوجه في حسن الاستغفار ما تضمنه السؤال لوجب أن يعلل السؤال استغفاره ~~لأبيه لأنه لم يعلم أنه من أهل النار لا محالة ولم يقطع في شرعه على عقاب ~~الكفار والكلام يقتضي خلاف هذا ويوجب أنه ليس لإبراهيم (ع) من ذلك ما ليس ~~لنا وأن عذره فيه هو الموعدة دون غيرها قد قال أبو علي محمد بن عبد الوهاب ~~الجبائي في تأويل الآية التي في سورة التوبة ما نحن ذاكروه ومنبهون على خلل ~~فيه قال بعد أن ذكر أن الاستغفار إنما كان لأجل الموعدة من الأب بالإيمان ~~إن الله تعالى إنما ذكر قصة إبراهيم (ع) بعد قوله @QUR@09 ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين لئلا يتوهم أحد أن الله عز وجل كان جعل ~~لإبراهيم (ع) من ذلك ما لم يجعله للنبي (ص) لأن هذا الذي لم يجعله للنبي ~~(ص) لا يجوز أن يجعله لأحد لأنه ترك للرضا بأفعال الله تعالى وأحكامه وهذا ~~الذي ذكره غير صحيح على ظاهره لأنه يجوز أن يجعل لغير نبينا (ص) ممن لم ~~يقطع له على أن الكفار معاقبون لا محالة أن يستغفر للكفار لأن العقل لا ~~يمنع من ذلك وإنما يمنع السمع الذي فرضنا ارتفاعه فإن قال أردت أنه ليس ~~لأحد ذلك مع القطع على العقاب قلنا ليس هكذا يقتضي ظاهر كلامك وقد كان يجب ~~إذا أردت هذا المعنى أن تبينه وتزيل الإبهام عنه وإنما لم يجز أن يستغفر ~~للكفار مع ورود الوعيد القاطع على عقابهم زائدا على ما ذكره أبو علي من أنه ترك PageV01P035 # للرضا بأحكام الله لأن فيه سؤالا له تعالى أن يكذب في إخباره وأن يفعل ~~القبيح من ms033 حيث أخبر بأنه لا يغفر للكافر مع الإصرار مسألة فإن قيل إذا كان ~~من مذهبكم أن دعاء الأنبياء (ع) لا يكون إلا مستجابا وقد دعا إبراهيم (ع) ~~ربه فقال @QUR@07 واجنبني وبني أن نعبد الأصنام وقد عبد كثير من بنيه ~~الأصنام وكذلك السؤال عليكم في قوله @QUR@07 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ~~ذريتي الجواب قيل له أما المفسرون فإنهم حملوا هذا الدعاء على الخصوص ~~وجعلوه متناولا لمن أعلمه الله تعالى أنه يؤمن ولا يعبد الأصنام حتى يكون ~~الدعاء مستجابا وبينوا أن العدول عن ظاهره المقتضي للعموم إلى الخصوص ~~بالدلالة واجب وهذا الجواب صحيح ويمكن في الآية وجه آخر وهو أن يريد بقوله ~~@QUR@07 واجنبني وبني أن نعبد الأصنام أي افعل مجاوريهم من الألطاف ما ~~يباعدنا من عبادة الأصنام ويصرف دواعينا عنها وقد يقال فيمن حذر من الشيء ~~ورغب في تركه وقويت صوارفه عن فعله إنه قد جنبه ألا ترى أن الوالد قد يقول ~~لولده إذا كان قد حذره من بعض الأفعال وبين له قبحه وما فيه من الضرر وزين ~~له تركه وكشف له عما فيه له من النفع إنني قد جنبتك كذا وكذا ومنعتك منه ~~وإنما يريد ما ذكرناه وليس لأحد أن يقول كيف يدعو إبراهيم (ع) بذلك وهو ~~يعلم أن الله تعالى لا بد أن يفعل هذا اللطف المقوي لدواعي الإيمان لأن هذا ~~السؤال أولا يتوجه على الجوابين جميعا لأنه تعالى لا بد أن يفعل اللطف الذي ~~تقع الطاعة عنده لا محالة كما لا بد أن يفعل ما يقوي الدواعي إلى الطاعات ~~والجواب عن هذه الشبهة أن النبي (ع) لا يمتنع أن يدعو بما يعلم أن الله ~~تعالى سيفعله لا محالة على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والتذلل له ~~والتعبد فأما قوله @QUR@07 رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي فالشبهة تقل ~~فيه لأن ظاهر الكلام يقتضي الخصوص PageV01P036 # في ذريته الكثير ممن أقام الصلاة مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى ~~@QUR@016 ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث ~~أن جاء ms034 بعجل حنيذ @QUR@ وكيف يحضر إبراهيم (ع) للملائكة الطعام وهو يعلم أنها لا تطعم ومن أي شيء ~~كانت مخافته منهم لما امتنعوا من تناول الطعام وكيف يجوز أن يجادل ربه فيما ~~قضاه وأمر به الجواب قلنا أما وجه تقديم الطعام فلأنه (ع) لم يعلم في الحال ~~أنهم ملائكة لأنهم كانوا في صورة البشر وظنهم أضيافا وكان من عادته (ع) ~~قراء الضيف فدعاهم إلى الطعام ليستأنسوا به وينبسطوا فلما امتنعوا أنكر ذلك ~~عليهم وظن أن الامتناع لشر يريدونه حتى خبروه بأنهم رسل الله تعالى أنفذهم ~~لإهلاك قوم لوط (ع) وأما الحنيذ فهو المشوي بالأحجار وقيل إن الحنيذ الذي ~~يقطر ماؤه ودسمه وقد قيل إن الحنيذ هو النضيج وأنشد أبو العباس # إذا ما اعتبطنا اللحم للطالب القرى %~% حنذناه حتى يمكن اللحم أكله # فإن قيل فكيف صدقهم في دعوتهم أنهم ملائكة قلنا لا بد من أن يقترن بهذه ~~الدعوى علم يقتضي التصديق ويقال إنهم دعوا الله بإحياء العجل الذي كان ذبحه ~~وسواه لهم فعاد حيا يرعى وأما قوله @QUR@01 يجادلنا فقيل معناه يجادل ~~رسلنا وعلق المجادلة به تعالى من حيث كانت لرسله وإنما جادلهم مستفهما منهم ~~هل العذاب نازل على سبيل الاستيصال أو على التخويف وهل هو عام للقوم أو خاص ~~وعن طريق نجاة لوط (ع) وأهله المؤمنين ممن لحق القوم وسمي ذلك جدالا لما ~~كان فيه من المراجعة والاستثبات على سبيل المجاز وقيل إن معنى @QUR@04 ~~يجادلنا في قوم لوط (ع) يسائلنا أن تؤخر عذابهم رجاء أن يؤمنوا وأن ~~يستأنفوا الصلاح فخبره الله تعالى بأن المصلحة في إهلاكهم وأن كلمة العذاب ~~قد حقت عليهم وسمي المسألة جدالا على سبيل المجاز فإن قيل فما معنى قوله ~~تعالى @QUR@02 فلما ذهب PageV01P037 # @QUR@010 عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط @QUR@ فأتى بفعل مستقبل بعد لما ومن شأن ما يأتي بعدها أن يكون ماضيا قلنا عن ذلك ~~جوابان أحدهما أن في الكلام محذوفا والمعنى أقبل يجادلنا أو جعل يجادلنا ~~وإنما حذفه لدلالة الكلام عليه واقتضائه له والجواب الآخر أن ms035 لفظة لما تطلب ~~في جوابها الماضي كطلب لفظة إن في جوابها المستقبل فلما استحسنوا أن يأتوا ~~في جواب إن بالماضي ومعناه الاستقبال لدلالة إن عليه استحسنوا أن يأتوا بعد ~~لما بالمستقبل تعويلا على أن اللفظة تدل على مضيه فلما قالوا إن زرتني زرتك ~~وهم يريدون إن تزرني أزرك قالوا لما تزرني أزرك وهم يريدون لما زرتني زرتك ~~وأنشدوا في دخول الماضي في جواب إن قول الشاعر # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا %~% مني وما سمعوا من صالح دفنوا # وقول الآخر في دخول المستقبل جوابا بالماضي # وميعاد قوم إن أرادوا لقاءنا %~% بجمع مني إن كان للناس مجمع # يروا خارجيا لم ير الناس مثله %~% تشير لهم عين إليه وإصبع # ويمكن في هذا جواب آخر وهو أن يجعل يجادلنا حالا لا جوابا للفظة لما ~~ويكون المعنى أن البشرى جاءته في حال الجدال للرسل فإن قيل فأين جواب لما ~~على هذا الوجه قلنا يمكن أن نقدره في أحد موضعين إما في قوله تعالى ~~@QUR@05 إن إبراهيم لحليم أواه منيب ويكون التقدير قلنا إن إبراهيم كذلك ~~والموضع الآخر أن يكون أراد تعالى @QUR@012 فلما ذهب عن إبراهيم الروع ~~وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ناديناه يا إبراهيم فجواب لما هو نادينا ~~وإن كان محذوفا ودل عليه لفظة النداء وكل هذا جايز مسألة فإن قيل قد حكى ~~الله تعالى عن إبراهيم (ع) قوله لقومه @QUR@010 أتعبدون ما تنحتون والله ~~خلقكم وما تعملون وظاهر القول يقتضي أنه تعالى خلق أعمال العباد فما الوجه ~~فيه وما عذر إبراهيم (ع) في إطلاقه الجواب قلنا PageV01P038 # من تأمل هذه الآية حق التأمل علم أن معناها بخلاف ما تظنه المجبرة لأنه ~~تعالى خبر عن إبراهيم (ع) بأنه عير قومه بعبادة الأصنام واتخاذها آلهة من ~~دون الله تعالى بقوله @QUR@04 أتعبدون ما تنحتون وإنما أراد المنحوت وما ~~حله النحت دون عملهم الذي هو النحت لأن القوم لم يكونوا يعبدون النحت الذي ~~هو فعلهم في الأجسام وإنما كانوا يعبدون الأجسام أنفسها ثم قال @QUR@06 ~~والله خلقكم وما تعملون وهذا ms036 الكلام لا بد من أن يكون متعلقا بالأول ~~ومتضمنا لما يقتضي المنع من عبادة الأصنام ولا يكون بهذه الصفة إلا والمراد ~~بقوله وما تعملون الأصنام التي كانوا ينحتونها فكأنه قال كيف تعبدون ما ~~خلقه الله تعالى كما خلقكم وليس لهم أن يقولوا إن الكلام الثاني قد يتعلق ~~بالكلام الأول على خلاف ما قدرتموه لأنه إذا أراد أن الله خلقكم وخلق ~~أعمالكم فقد تعلق الثاني بالأول لأن من خلقه الله تعالى لا يجوز أن يعبد ~~غيره وذلك أنه لو أراد ما ظنوه لكفى أن يقول @QUR@03 والله خلقكم ويصير ~~ما ضمه إلى ذلك من قوله @QUR@03 وما تعملون لغوا لا فائدة فيه ولا تعلق ~~له بالإل ولا تأثير له في المنع من عبادة الأصنام فصح أنه أراد ما ذكرناه ~~من المعمول فيه ليطابق قوله @QUR@04 أتعبدون ما تنحتون فإن قالوا هذا ~~عدول عن الظاهر في قوله @QUR@03 وما تعملون لأن هذه اللفظة لا تستعمل على ~~سبيل الحقيقة إلا في العمل دون المعمول فيه ولهذا يقولون أعجبني ما تعمل ~~وما تفعل مكان قولهم أعجبني عملك وفعلك قيل لهم ليس بمسلم لكم أن الظاهر ما ~~ادعيتموه لأن هذه اللفظة قد تستعمل في المعمول فيه والعمل على حد واحد بل ~~استعمالها في المعمول فيه أظهر وأكثر ألا ترى أنه تعالى قال في العصا ~~@QUR@03 تلقف ما يأفكون وفي آية أخرى @QUR@08 وألق ما في يمينك تلقف ما ~~صنعوا ومعلوم أنه لم يرد أنها تلقف أعمالهم التي هي الحركات والاعتمادات ~~وإنما أراد أنها تلقف الحبال وغيرها مما حله الإفك وقد قال PageV01P039 # الله تعالى @QUR@014 يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ~~وقدور راسيات فسمى المعمول فيه عملا ويقول القائل في الباب إنه عمل النجار ~~وكذلك في الناسج والصائغ وهاهنا مواضع لا نستعمل فيها ما مع الفعل إلا ~~والمراد بها الأجسام دون الأعراض التي هي فعلنا لأن القائل إذا قال أعجبني ~~ما تأكل وما تشرب وما تلبس لم يجز حمله إلا على المأكول والمشروب والملبوس ~~دون الأكل والشرب واللبس فصح أن ms037 لفظة ما فيما ذكرناه أشبه بأن تكون حقيقة ~~وفيما ذكروه أشبه بأن تكون مجازا ولو لم يثبت فيها إلا أنها مشتركة في ~~الأمرين وحقيقة فيهما لكان كافيا في إخراج الظاهر من أيديهم وإبطال ما ~~تعلقوا به وليس لهم أن يقولوا كل موضع استعملت فيه لفظة ما مع الفعل وأريد ~~بها المفعول فيه إنما علم بدليل والظاهر بخلافه وذلك أنه لا فرق بينهم في ~~هذه الدعوى وبين من عكسها فادعى أن لفظة ما إذا استعملت مع الفعل وأريد بها ~~المصدر دون المفعول فيه كانت محمولة على ذلك بالدليل وعلى سبيل المجاز ~~والظاهر بخلافه على أن التعليل وتعلق الكلام الثاني بالأول على ما بيناه ~~أيضا ظاهر فيجب أن يكون مراعى وقد بينا أيضا أنه متى حمل الكلام على ما ~~ظنوه لم يكن الثاني معلقا بالأول ولا تعليلا فيه والظاهر يقتضي ذلك فقد صار ~~فيما ادعوه عدول عن الظاهر الذي ذكرناه في معنى الآية ولو سلم ما ادعوه من ~~الظاهر في معنى اللفظة معه لتعارضتا فكيف وقد بينا أنه غير سليم ولا صحيح ~~وبعد فإن قوله @QUR@03 وما تعملون لا يستقل بالفائدة بنفسه ولا بد من أن ~~يقدر محذوف يرجع إلى ما التي هي بمعنى الذي وليس لهم أن يقدروا الهاء ليسلم ~~ما ادعوه وليسوا بأولى منا إذا قدرنا لفظة فيه لأن كلا الأمرين محذوف وليس ~~تقدير أحدهما بأولى من الآخر إلا بدليل هذا على أنا قد بينا أن مع تقدير ~~الهاء يكون الكلام محتملا لما ذكرناه كاحتماله لما ذكروه ومع تقديرنا PageV01P040 # الذي بيناه يكون الكلام مختصا غير مشترك فصرنا بالظاهر أولى منهم وصار ~~للمعنى الذي ذهبنا إليه الرجحان على معناه على أن معنى الآية والمقصود منها ~~يدلان على ما ذكرناه حتى أنا لو قدرنا ما ظنه المخالف لكان ناقضا للغرض في ~~الآية وومبطلا لفائدتها لأنه تعالى خبر عن إبراهيم (ع) بأنه قرعهم ووبخهم ~~بعبادة الأصنام واحتج عليهم بما يقتضي العدول عن عبادتهم ولو كان مراده ~~بالآية ما ظنوه من أنه تعالى خلقهم وخلق ms038 أعمالهم وقد علمنا أن عبادتهم ~~للأصنام من جملة أعمالهم فكأنه قال والله خلقكم وخلق عبادتكم للأصنام لوجب ~~أن يكون عاذرا لهم ومزيلا للوم عنهم لأن الإنسان لا يذم على ما خلق فيه ولا ~~يعاتب ولا يوبخ وبعد فلو حملنا الآية على ما توهموه لكان الكلام متناقضا من ~~وجه آخر لأنه قد أضاف العمل إليهم بقوله @QUR@03 وما تعملون وذلك يمنع من ~~كونه خلقا لله تعالى لأن العامل للشيء هو من أحدثه وأخرجه من العدم إلى ~~الوجود والخلق في هذا الوجه لا يفيد إلا هذا المعنى فكيف يكون خالقا ومحدثا ~~لما أحدثه غيره وعمله على أن الخلق إذا كان هو التقدير في اللغة فقد يكون ~~الخالق خالقا لفعل غيره إذا كان مقدرا له ومدبرا ولهذا يقولون خلق الأديم ~~فيمن قدره ودبره وإن كان ما أحدث الأديم نفسه فلو حملنا قوله @QUR@03 وما ~~تعملون على أفعالهم دون ما فعلوا فيه من الأجسام لكان على هذا الوجه صحيحا ~~ويكون المعنى والله دبركم ودبر أعمالكم وإن لم يكن محدثا لها وفاعلا وكل ~~هذه الوجوه واضح لا إشكال فيه بحمد الله تعالى ومنه ### ||| يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ع # فإن قيل فما معنى تفضيل يعقوب (ع) ليوسف (ع) على إخوته في البر والتقريب ~~والمحبة حتى أوقع ذلك التحاسد بينهم وبينه وأفضى إلى الحال المكروهة التي ~~نطق بها القرآن حتى قالوا على ما حكاه الله تعالى عنهم @QUR@07 ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا PageV01P041 # @QUR@08 ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين فنسبوه إلى الضلال والخطاء ~~وليس لكم أن تقولوا إن يعقوب (ع) لم يعلم بذلك من حالهم قبل أن يكون منه ~~التفضيل ليوسف (ع) لأن ذلك لا بد من أن يكون معلوما من حيث كان في طباع ~~البشر من التنافس والتحاسد الجواب عنه قيل ليس فيما نطق به القرآن ما يدل ~~عن أن يعقوب (ع) فضله بشيء من فعله وواقع من جهته لأن المحبة التي هي ميل ~~الطباع ليست مما يكتسبه الإنسان ويختاره وإنما ذلك موقوف على فعل الله ms039 ~~تعالى فيه ولهذا ربما يكون للرجل عدة أولاد فيحب أحدهم دون غيره وربما يكون ~~المحبوب أدونهم في الجمال والكمال وقد قال الله تعالى @QUR@010 ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم وإنما أراد ما بيناه من ميل ~~النفس الذي لا يمكن الإنسان أن يعدل فيه بين نسائه لأن ما عدا ذلك من البر ~~والعطاء والتقريب وما أشبه يستطيع الإنسان أن يعدل فيه بين النساء فإن قيل ~~فكأنكم نفيتم عن يعقوب (ع) القبيح والاستفساد وأضفتموهما إلى الله تعالى ~~فما الجواب عن هذه المسألة على هذا الوجه قلنا عنها جوابان أحدهما أنه لا ~~يمتنع أن يكون الله تعالى علم أن إخوة يوسف (ع) سيكون بينهم ذلك التحاسد ~~والفعل القبيح على كل حال وإن لم يفضل يوسف (ع) عليهم في محبة أبيه لهم ~~وإنما يكون ذلك استفسادا إذا وقع عنده الفساد وارتفع عند ارتفاعه ولم يكن ~~تمكينا والجواب الآخر أن يكون ذلك جاريا مجرى التمكين [الامتحان] والتكليف ~~الشاق لأن هؤلاء الإخوة متى امتنعوا من حسد أخيهم والبغي عليه والإضرار به ~~وهو غير مفضل عليهم ولا مقدم لا يستحقونه إذا امتنعوا من ذلك مع التقديم ~~والتفضيل فأراد الله تعالى منهم أن يمتنعوا على هذا الوجه الشاق وإذا كان ~~مكلفا على هذا الوجه فلا استفساد في تمييل طباع أبيهم إلى محبة يوسف (ع) ~~لأن بذلك ينتظم PageV01P042 # هذا التكليف ويجري هذا الباب مجرى خلق إبليس مع علمه تعالى بضلال من ضل ~~عند خلقه ممن لو لم يخلقه لم يكن ضالا ومجرى زيادة الشهوة فيمن يعلم منه ~~تعالى عند هذه الزيادة أنه يفعل قبيحا لولاها لم يفعله ووجه آخر في الجواب ~~عن أصل المسألة وهو أنه يجوز أن يكون يعقوب (ع) مفضلا ليوسف (ع) في العطاء ~~والتقريب والترحيب والبر الذي يصل إليه من جهته وليس ذلك بقبيح لأنه لا ~~يمتنع أن يكون يعقوب (ع) لم يعلم أن ذلك يؤدي إلى ما أدى إليه ويجوز أن ~~يكون رأى من سيرة إخوته وسدادهم وجميل ظاهرهم ما غلب في ظنه ms040 أنهم لا ~~يحسدونه وإن فضله عليهم فإن الحسد وإن كان كثيرا ما يكون في الطباع فإن ~~كثيرا من الناس يتنزهون عنه ويجتنبونه ويظهر من أحوالهم أمارات يظن معها ~~بهم ما ذكرناه وليس التفضيل لبعض الأولاد على بعض في العطاء محاباة لأن ~~المحاباة هي المفاعلة من الحباء ومعناها أن تحبو غيرك ليحبوك وهذا خارج عن ~~معنى التفضيل بالبر الذي لا يقصد به ما ذكرناه فأما قولهم @QUR@05 إن ~~أبانا لفي ضلال مبين فلم يريدوا به الضلال عن الدين وإنما أرادوا به ~~الذهاب عن التسوية بينهم في العطية لأنهم رأوا أن ذلك أصوب في تدبيرهم وأصل ~~الضلال هو العدول وكل من عدل عن شيء وذهب عنه فقد ضل ويجوز أيضا أن يريدوا ~~بذلك الضلال عن الدين لأنهم خبروا عن اعتقادهم وقد يجوز أن يعتقدوا في ~~الصواب الخطاء فإن قيل كيف يجوز أن يقع من إخوة يوسف (ع) هذا الخطاء العظيم ~~والفعل القبيح وقد كانوا أنبياء في الحال فإن قلتم لم يكونوا أنبياء في ~~الحال قيل لكم فأي منفعة في ذلك لكم وأنتم تذهبون إلى أن الأنبياء (ع) لا ~~يواقعون القبائح قبل النبوة ولا بعدها قلنا لم تقم الحجة بأن إخوة يوسف (ع) ~~الذين فعلوا به ما فعلوا كانوا أنبياء في حال من الأحوال وإذا لم تقم بذلك حجة PageV01P043 # جاز على هؤلاء الإخوة من فعل القبيح ما يجوز على كل مكلف لم تقم حجة ~~بعصمته وليس لأحد أن يقول كيف تدفعون نبوتهم والظاهر أن الأسباط من بني ~~يعقوب كانوا أنبياء لأنه لا يمتنع أن يكون الأسباط الذين كانوا أنبياء غير ~~هؤلاء الإخوة الذين فعلوا بيوسف (ع) ما قصه الله تعالى عنهم وليس في ظاهر ~~الكتاب أن جميع إخوة يوسف (ع) وسائر أسباط يعقوب (ع) كادوا يوسف (ع) بما ~~حكاه الله تعالى من الكيد وقد قيل إن هؤلاء الإخوة في تلك الحال لم يكونوا ~~بلغوا الحلم ولا توجه إليهم التكليف وقد يقع ممن قارب البلوغ من الغلمان ~~مثل هذه الأفعال وقد يلزمهم بعض العقاب واللوم ms041 فإن ثبت هذا الوجه سقطت ~~المسألة أيضا مع تسليم أن هؤلاء الإخوة كانوا أنبياء في المستقبل مسألة فإن ~~قيل فلم أرسل يعقوب (ع) يوسف (ع) مع إخوته مع خوفه عليه منهم وقوله ~~@QUR@09 وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون وهل هذا إلا تغرير ومخاطرة ~~الجواب قيل له ليس يمتنع أن يكون يعقوب (ع) لما رأى ببنيه ما رأى من ~~الإيمان والعهود والاجتهاد في الحفظ والرعاية لأخيهم ظن مع ذلك السلامة ~~وغلبة النجاة بعد أن كان خائفا مغلبا لغير السلامة وقوي في نفسه أن يرسله ~~معهم إشفاقه من إيقاع الوحشة والعداوة بينهم لأنه إذا لم يرسله مع الطلب ~~منهم والحرص علموا أن سبب ذلك هو التهمة لهم والخوف من ناحيتهم منه ومن ~~يوسف (ع) وانضاف هذا الداعي إلى ما ظنه من السلامة والنجاة فأرسله مسألة ~~فإن قيل فما معنى قولهم ليعقوب (ع)@QUR@09 وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين وكيف يجوز أن ينسبوه إلى أنه لا يصدق الصادق ويكذبه الجواب أنهم ~~لما علموا على مرور الأيام شدة تهمة أبيهم لهم وخوفه على أخيهم منهم لما ~~كان يظهر منهم من أمارات الحسد والنفاسة أيقنوا بأنه (ع) يكذبهم فيما ~~أخبروا به من أكل الذئب أخاهم فقالوا له إنك لا تصدقنا في هذا الخبر لما PageV01P044 # سبق إلى قلبك وإن كنا صادقين وقد يفعل مثل المخادع للماكر إذا أراد أن ~~يوقع في قلب من يخبره بالشيء صدقه لأن القتل من أقطع مصائب الدنيا فيقول ~~أنا أعلم أنك لا تصدقني في كذا وكذا وإن كنت صادقا وهذا بين مسألة فإن قال ~~قائل فلم أسرف يعقوب (ع) في الحزن والتهالك وترك التماسك حتى ابيضت عيناه ~~من البكاء والحزن ومن شأن الأنبياء (ع) التجلد والتصبر وتحمل الأثقال ولو ~~لا هذه الحال ما عظمت منازلهم وارتفعت درجاتهم الجواب قيل له إن يعقوب (ع) ~~بلي وامتحن في ابنه بما لم يمتحن به أحد قبله لأن الله تعالى رزقه مثل يوسف ~~(ع) أحسن الناس وأجملهم وأكملهم علما وفضلا وأدبا وعفافا ثم أصيب ms042 به من ~~أعجب مصيبة وأطرفها لأنه لم يمرض بين يديه مرضا يئول إلى الموت فيسليه عنه ~~تمريضه له ثم يأسه منه بالموت بل فقد فقدا لا يقطع معه على الهلاك فييأس ~~منه ولا يجد أمارة على حياته وسلامته فيرجو ويطمع وكان متردد الفكر بين ~~يائس وطمع وهذا أغلظ ما يكون على الإنسان وأذكى لقلبه وقد يرد على الإنسان ~~من الحزن ما لا يملك رده ولا يقوى على دفعه ولهذا لم يكن أحدنا منهيا عن ~~مجرد الحزن والبكاء وإنما نهي عن اللطم والنوح وأن يطلق لسانه بما يسخط ربه # @HAD024 وقد بكى نبينا (ص) على ابنه إبراهيم (ع) عند وفاته وقال العين ~~تدمع والقلب يخشع ولا نقول ما يسخط الرب # وهو (ص) القدوة في جميع الآداب والفضائل على أن يعقوب (ع) إنما أبدى من ~~حزنه يسيرا من كثير وكان ما يخفيه ويتصبر عليه ويغالبه أكثر وأوسع مما ~~أظهره وبعد فإن التجلد على المصائب وكظم الغيظ والحزن من المندوب إليه وليس ~~بواجب لازم وقد يعدل الأنبياء (ع) عن كثير من المندوبات الشاقة وإن كانوا ~~يفعلون من ذلك الكثير مسألة فإن قال قائل كيف لم يتسل يعقوب (ع) ويخفف عنه ~~الحزن ما تحققه من رؤيا ابنه يوسف ع PageV01P045 # ورؤيا الأنبياء (ع) لا تكون إلا صادقة الجواب قيل له عن ذلك جوابان ~~أحدهما أن يوسف (ع) رأى تلك الرؤيا وهو صبي غير نبي ولا موحى إليه فلا وجه ~~في تلك الحال للقطع على صدقها وصحتها والآخر أن أكثر ما في هذا الباب أن ~~يكون يعقوب (ع) قاطعا على بقاء ابنه وأن الأمر سيئول فيه إلى ما تضمنته ~~الرؤيا وهذا لا يوجب نفي الحزن والجزع لأنا نعلم أن طول المفارقة واستمرار ~~الغيبة يقتضيان الحزن مع القطع على أن المفارق باق يجوز أن يئول حاله إلى ~~القدوم وقد جزع الأنبياء (ع) ومن جرى مجراهم من المؤمنين المطهرين من ~~مفارقة أولادهم وأحبائهم مع ثقتهم بالالتقاء بهم في الآخرة والحصول معهم في ~~الجنة والوجه في ذلك ما ذكرناه ### ||| يوسف ms043 بن يعقوب ع # مسألة فإن قيل كيف صبر يوسف (ع) على العبودية ولم لم ينكرها فيبرأ من ~~الرق وكيف يجوز على نبي الصبر على أن يستعبد ويسترق الجواب قيل إن يوسف (ع) ~~في تلك الحال لم يكن نبيا على ما قاله كثير من الناس ولما خاف على نفسه ~~القتل جاز أن يصبر على الاسترقاق ومن ذهب إلى هذا الوجه يتأول قوله تعالى ~~@QUR@010 وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون على أن الوحي لم ~~يكن في تلك الحال بل كان في غيرها ويصرف ذلك إلى الحال المستقبلة المجمع ~~على أنه (ع) كان فيها نبيا ووجه آخر وهو أن الله تعالى لا يمتنع أن يكون ~~أمره بكتمان أمره والصبر على مشقة العبودية امتحانا وتشديدا في التكليف كما ~~امتحن أبويه إبراهيم وإسحاق (ع) أحدهما بنمرود والآخر بالذبح ووجه آخر وهو ~~أنه يجوز أن يكون قد خبرهم بأنه غير عبد وأنكر عليهم ما فعلوه من استرقاقه ~~إلا أنهم لم يسمعوا منه ولا أصغوا إلى قوله وإن لم ينقل ذلك فليس كل ما جرى ~~في تلك الأزمان قد اتصل بنا ووجه آخر PageV01P046 # وهو أن قوما قالوا إنه خاف القتل وكتم أمر نبوته وصبر على العبودية وهذا ~~جواب فاسد لأن النبي (ع) لا يجوز أن يكتم ما أرسل به خوفا من القتل لأنه ~~يعلم أن الله تعالى لم يبعثه للأداء إلا وهو عاصم له من القتل حتى يقع أداء ~~وتسمع الدعوة وإلا كان ذلك نقضا للغرض مسألة فإن قيل فما تأويل قوله تعالى ~~حاكيا عن يوسف (ع) وامرأة العزيز @QUR@023 ولقد همت به وهم بها لو لا أن ~~رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~@QUR@ الجواب أن الهم في اللغة ينقسم إلى وجوه منها العزم على الفعل كقوله تعالى ~~@QUR@010 إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم @QUR@ أي أرادوا وعزموا قال الشاعر # هممت ولم أفعل وكدت وليتني %~% تركت على عثمان تبكي حلائله # ومثله قول الخنساء # وفضل مرداسا على الناس ms044 حلمه %~% وإن كان هم همه فهو فاعله # ومثله قول حاتم الطائي # ولله صلعوك يساور همه %~% ويمضي على الأيام والدهر مقدما # ومن وجوه الهم خطور الشيء بالبال وإن لم يقع العزم عليه قال الله تعالى ~~@QUR@09 إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهم @QUR@ وإنما أراد تعالى أن الفشل خطر ببالهم ولو كان لهم في هذا المكان عزم [في ~~هذا المكان عزما] لما كان الله تعالى وليهما لأنه تعالى يقول @QUR@023 ومن ~~يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير @QUR@ وإرادة المعصية والعزم عليها معصية وقد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا إن العزم ~~على الكبيرة كبيرة وعلى الصغيرة صغيرة وعلى الكفر كفر ولا يجوز أن يكون ~~الله تعالى ولي من عزم على الفرار من نصرة نبيه (ص) وأسلمه إلى السوء ومما ~~يشهد أيضا بذلك قول كعب بن زهير # فكم فيهم من سيد متوسع %~% ومن فاعل للخير إن هم أو عزم # ففرق كما ترى بين الهم والعزم وظاهر التفرقة يقتضي اختلاف المعنى ومن ~~وجوه الهم أن يستعمل بمعنى المقاربة فيقولون هم بكذا وكذا أي كاد يفعله قال ~~ذو الرمة PageV01P047 # أقول المسعود بجرعاء مالك %~% وقد هم دمعي أن يلج أوائله # والدمع لا يجوز عليه العزم وإنما أراد أنه كاد وقارب وقال أبو الأسود ~~الدؤلي # وكنت متى تهمم يمينك مرة %~% لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا # وعلى هذا خرج قوله تعالى @QUR@04 جدارا يريد أن ينقض @QUR@ أي يكاد وقال الحارث # يريد الرمح صدر أبي براء %~% ويرغب من دماء بني عقيل # ومن وجوه الهم الشهوة وميل الطباع لأن الإنسان قد يقول فيما يشتهيه ويميل ~~طبعه إليه ليس هذا من همي وهذا أهم الأشياء إلي والتجوز باستعمال الهمة ~~مكان الشهوة ظاهر في اللغة وقد روي هذا التأويل عن الحسن البصري قال أما ~~همها فكان أخبث الهم وأما همه (ع) فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء فإذا ~~كانت وجوه هذه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبي الله ms045 ما لا ~~يليق به وهو العزم على القبيح وأجزنا باقي الوجوه لأن كل واحد منها يليق ~~بحاله فإن قيل فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم والإرادة ويكون مع ذلك ~~لها وجه صحيح يليق بالنبي (ع) قلنا نعم متى حملنا اللهم هاهنا على العزم ~~جاز أن نعلقه بغير القبيح ونجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه كما يقول ~~القائل قد كنت هممت بفلان أي بأن أوقع به ضربا أو مكروها فإن قيل فأي فائدة ~~على هذا التأويل في قوله تعالى @QUR@06 لو لا أن رأى برهان ربه والدفع ~~لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها قلنا يجوز أن يكون لما هم بدفعها ~~وضربها أراه الله تعالى برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها ~~وقتلوه أو أنها تدعي عليه المراودة على القبيح وتقذفه بأنه دعاها إليه ~~وضربها لامتناعها منه فأخبر الله تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء ~~والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه أو ظن القبيح به أو اعتقاده فيه فإن ~~قيل هذا الجواب يقضي أن جواب لفظة لو لا يتقدمها في ترتيب الكلام ويكون ~~التقدير لو لا أن رأى برهان ربه لهم بضربها وتقدم جواب لو لا قبيح أو يقتضي ~~أن يكون لو لا بغير جواب PageV01P048 # قلنا أما تقدم جواب لو لا فجائز مستعمل وسنذكر ذلك فيما نستأنفه من ~~الكلام عند الجواب المختص بذلك ونحن غير مفترقين إليه في جوابنا هذا لأن ~~العزم على الضرب والهم به قد وقع إلا أنه انصرف عنه بالبرهان الذي رآه ~~ويكون تقدير الكلام وتلخيصه ولقد همت به وهم بدفعها لو لا أن رأى برهان ربه ~~لفعل ذلك فالجواب المتعلق بلو لا محذوف في الكلام كما حذف الجواب في قوله ~~@QUR@013 ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم @QUR@ ومعناه ولو لا فضل الله عليكم لهلكتم ومثله @QUR@07 كلا لو تعلمون علم ~~اليقين لترون الجحيم @QUR@ معناه لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا ولم تحرصوا على حطامها ~~وقال إمرؤ القيس ms046 # فلو أنها نفس تموت سوية %~% ولكنها نفس تساقط أنفسا # أراد فلو أنها نفس تموت سوية لتقضت وفنيت فحذف الجواب تعويلا على أن ~~الكلام يقتضيه ويتعلق به على أن من حمل هذه الآية على الوجه الذي لا يليق ~~بنبي الله وأضاف العزم على المعصية إليه لا بد له من تقدير جواب محذوف ~~ويكون التقدير على تأويله ولقد همت بالزناء وهم بمثله لو لا أن رأى برهان ~~ربه لفعل فإن قيل متى علقتم العزم في الآية والهم بالضرب أو الدفع كان ذلك ~~مخالفا للظاهر قلنا ليس الأمر على ما ظنه هذا السائل لأن الهم في ظاهر ~~الآية متعلق بما لا يصح أن يتعلق به العزم والإرادة على الحقيقة لأنه تعالى ~~قال @QUR@07 ولقد همت به وهم بها فتعلق الهم في ظاهر الكلام بذواتهما ~~والذوات الموجودة الباقية لا يصح أن يراد ويعزم عليها فلا بد من تقدير أمر ~~محذوف يتعلق العزم به مما يرجع إليهما ويختصان به ورجوع الضرب والدفع ~~إليهما كرجوع ركوب الفاحشة فلا ظاهر للكلام يقتضي خلاف ما ذكرناه ألا ترى ~~أن القائل إذا قال قد هممت بفلان فظاهر الكلام يقتضي تعلق عزمه وهمه بأمر ~~يرجع إلى فلان وليس بعض الأفعال بذلك أولى من بعض فقد يجوز أن يريد أنه هم ~~بقصده أو بإكرامه أو بإهانته أو غير ذلك من ضروب الأفعال على أنه لو كان ~~للكلام ظاهرا PageV01P049 # يقتضي خلاف ما ذكرناه وإن كنا قد بينا أن الأمر بخلاف ذلك لجاز أن نعدل ~~عنه ونحمله على خلاف الظاهر للدليل العقلي الدال على تنزيه الأنبياء (ع) عن ~~القبائح فإن قيل الكلام في قوله تعالى @QUR@07 ولقد همت به وهم بها خرج ~~مخرجا واحدا فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبح وهمه بها متعلقا بالضرب ~~والدفع على ما ذكرتم قلنا أما الظاهر فلا يدل على الأمر الذي تعلق به الهم ~~والعزم منهما جميعا وإنما أثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة الكتاب ~~والآثار بذلك وهي ممن يجوز عليها فعل القبيح ولم يؤمن دليل من جوازه عليها ~~كما ms047 أمن ذلك فيه (ع) والموضع الذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى ~~@QUR@019 وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها ~~حبا إنا لنراها في ضلال مبين وقوله تعالى @QUR@08 وراودته التي هو في ~~بيتها عن نفسه وقوله تعالى حاكيا عنها @QUR@011 الآن حصحص الحق أنا راودته ~~عن نفسه وإنه لمن الصادقين وفي موضع آخر @QUR@011 قالت فذلكن الذي لمتنني ~~فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم والآثار واردة بإطباق مفسري القرآن ~~ومتأوليه على أنها همت بالمعصية والفاحشة وأما هو (ع) فقد تقدم من الأدلة ~~العقلية ما يدل على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه وقد استقصينا ~~ذلك في صدر هذا الكتاب فأما ما يدل من القرآن على أنه (ع) ما هم بالفاحشة ~~ولا عزم عليها فمواضع كثيرة منها قوله تعالى @QUR@06 كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء وقوله تعالى @QUR@06 ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب فلو كان ~~الأمر كما قال الجهال من جلوسه منها مجلس الخائن وانتهائه إلى حل السراويل ~~وحوشي من ذلك لم يكن السوء والفحشاء منصرفين عنه ولكان خائنا بالغيب وقوله ~~تعالى حاكيا عنها @QUR@06 ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وفي موضع آخر ~~@QUR@08 أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين وقول العزيز @QUR@012 فلما ~~رأى قميصه قد من دبر إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم فنسب الكيد إلى المرأة ~~دونه وقوله تعالى حاكيا عن زوجها لما وقف على أن الذنب منها وبراءة يوسف ~~(ع) منه PageV01P050 # @QUR@011 يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وعلى ~~مذهبهم الفاسد كل واحد منهما خاطئ فيجب أن يستغفر فلم اختصت بالاستغفار ~~دونه وقوله تعالى حاكيا عنه @QUR@018 رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ~~وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه ~~كيدهن والاستجابة تؤذن ببراءته من كل سوء وتنبئ أنه لو فعل ما ذكروه لكان ~~قد صبا ولم يصرف عنه كيدهن وقوله تعالى @QUR@08 قلن حاش لله ما علمنا عليه ~~من سوء والعزم على المعصية من أكبر ms048 السوء وقوله تعالى حاكيا عن الملك ~~@QUR@012 ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين ولا يقال ذلك فيمن فعل ما ادعوه عليه فإن قيل فأي معنى لقول يوسف ~~(ع)@QUR@012 وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي قلنا ~~إنما أراد الدعاء والمنازعة والشهوة ولم يرد العزم على المعصية وهو لا يبرئ ~~نفسه مما لا يعرى منه طباع البشر وفي ذلك جواب آخر اعتمده أبو علي الجبائي ~~واختاره وإن كان قد سبق إليه جماعة من أهل التأويل وذكروه وهو أن هذا ~~الكلام الذي هو @QUR@07 ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إنما هو من ~~المرأة لا من كلام يوسف (ع) واستشهدوا على صحة هذا التأويل بأنه منسوق على ~~الكلام المحكي عن المرأة بلا شك ألا ترى أنه تعالى قال @QUR@035 قالت ~~امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن ~~النفس لأمارة بالسوء فنسق الكلام على كلام المرأة وعلى هذا التأويل يكون ~~التبري من الخيانة الذي هو ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب من كلام المرأة لا ~~من كلام يوسف (ع) ويكون المكنى عنه في قولها @QUR@04 أني لم أخنه بالغيب ~~هو يوسف (ع) دون زوجها لأن زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب وإنما أرادت ~~لم أخن يوسف (ع) وهو غائب في PageV01P051 # السجن ولم أقل فيه لما سئلت عنه وعن قصتي معه إلا الحق ومن جعل ذلك من ~~كلام يوسف (ع) جعله محمولا على أني لم أخن العزيز في زوجته بالغيب وهذا ~~الجواب كأنه أشبه بالظاهر لأن الكلام معه لا ينقطع عن اتساقه وانتظامه فإن ~~قيل فأي معنى لسجنه إذا كان عند القوم متبرئا من المعصية متنزها عن الخيانة ~~قلنا قد قيل إن العلة في ذلك الستر على المرأة والتمويه [والكتمان لأمرها] ~~على أمرها حتى لا تفتضح وينكشف أمرها لكل أحد والذي يشهد بذلك قوله تعالى ~~@QUR@011 ثم بدا ms049 لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين @QUR@ وجواب آخر في الآية على أن الهم فيها هو العزم وهو أن يحمل الكلام على ~~التقديم والتأخير ويكون تلخيصه ولقد همت به ولو لا أن رأى برهان ربه لهم ~~بها ويجري ذلك مجرى قولهم قد كنت هلكت لو لا أن تداركتك وقتلت لو لا أني قد ~~خلصتك والمعنى لو لا تداركي لهلكت ولو لا تخليصي لقتلت وإن لم يكن وقع هلاك ~~ولا قتل قال الشاعر # فلا يدعني قومي صريخا لحرة %~% لئن كنت مقتولا ويسلم عامر # وقال الآخر # فلا يدعني قومي ليوم كريهة %~% لئن لم أعجل طعنة أو أعجل # فقدم جواب لئن في البيتين جميعا وقد استبعد قوم تقديم جواب لو لا عليها ~~وقالوا لو جاز ذلك لجاز قولهم قام زيد لو لا عمرو وقصدتك لو لا بكر وقد ~~بينا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لو لا وأن القائل قد ~~يقول قد كنت قمت لو لا كذا وكذا وقد كنت قصدتك لو لا أن صدني فلان وإن لم ~~يقع قيام ولا قصد وهذا هو الذي يشبه الآية دون ما ذكروه من المثال وبعد فإن ~~في الكلام شرطا وهو قوله تعالى @QUR@06 لو لا أن رأى برهان ربه فكيف ~~يحمل على الإطلاق مع حصول الشرط فليس لهم أن يجعلوا جواب لو لا محذوفا لأن ~~جعل جوابها موجودا أولى وليس تقديم جواب لو لا بأبعد من حذفه جملة من ~~الكلام وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم ~~الجواب حتى لا يلزم الحذف PageV01P052 # فإن قيل فما البرهان الذي رآه يوسف (ع) حتى انصرف لأجله عن المعصية وهل ~~يصح أن يكون البرهان ما روي من أن الله تعالى أراه صورة أبيه يعقوب (ع) ~~عاضا على إصبعه متوعدا له على مقارفة المعصية أو يكون ما روي من أن ~~الملائكة نادته بالنهي والزجر في الحال قلنا ليس يجوز أن يكون البرهان الذي ~~رآه فانزجر به عن المعصية ما ظنه العامة من الأمرين ms050 اللذين ذكرناهما لأن ~~ذلك يفضي إلى الإلجاء وينافي التكليف ويضاد المحنة ولو كان الأمر على ما ~~ظنوه لما كان يوسف (ع) يستحق تنزيهه عما دعته إليه المرأة من المعصية مدحا ~~ولا ثوابا وهذا من أقبح القول فيه (ع) لأن الله تعالى قد مدحه بالامتناع عن ~~المعصية وأثنى عليه بذلك فقال تعالى @QUR@010 كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فأما البرهان فيحتمل أن يكون لطفا لطف ~~الله تعالى له به في تلك الحال أو قبلها فاختار عنده الامتناع من المعاصي ~~والتنزه عنها وهو الذي يقتضي كونه معصوما لأن العصمة هي ما اختير [ما ~~اختار] عنده من الألطاف التنزه عن القبيح والامتناع من فعله ويجوز أن يكون ~~هذه الرؤية هاهنا بمعنى العلم كما يجوز أن يكون بمعنى الإدراك لأن كلا ~~الوجهين يحتمله القول وذكر آخرون أن البرهان هاهنا إنما هو دلالة الله ~~تعالى ليوسف (ع) على تحريم ذلك الفعل وعلى أن من فعله استحق العقاب لأن ذلك ~~أيضا صارف عن الفعل ومقو له لدواعي الامتناع منه وهذا أيضا جائز مسألة فإن ~~قيل كيف يجوز أن يقول يوسف (ع)@QUR@07 رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ~~ونحن نعلم أن سجنهم له معصية كما أن ما دعوه إليه معصية ومحبة المعصية ~~عندكم لا تكون إلا قبيحة الجواب قلنا في تأويل هذه الآية جوابان أحدهما أنه ~~أراد بقوله أحب إلي أخف علي وأسهل ولم يرد المحبة التي هي الإرادة على ~~الحقيقة وهذا يجري مجرى أن يخير أحدنا بين فعلين ينزلان به يكرههما ويشقان PageV01P053 # يثقلان عليه فيقول في الجواب كذا أحب إلي وإنما يريد ما ذكرناه من ~~السهولة والخفة والوجه الآخر أنه أراد أن توطيني نفسي وتصبيري لها على ~~السجن أحب إلي من مواقعة المعصية فإن قيل هذا خلاف الظاهر لأنه مطلق وقد ~~أضمرتم فيه قلنا لا بد من مخالفة الظاهر لأن السجن نفسه لا يجوز أن يكون ~~مرادا ليوسف (ع) وكيف يريده وإنما السجن البنيان المخصوص وإنما يكون الكلام ~~ظاهره يخالف ما قلناه إذا ms051 قرئ @QUR@02 رب السجن بفتح السين وإن كانت أيضا ~~هذه القراءة محتملة للمعنى الذي ذكرناه فكأنه أراد أن سجني نفسي عن المعصية ~~أحب إلي من مواقعتها فرجع معنى السجن إلى فعله دون أفعالهم وإذا كان الأمر ~~على ما ذكرناه فليس للمخالف أن يضمر في الكلام أن كوني في السجن وجلوسي فيه ~~أحب إلي بأولى ممن أضمر ما ذكرناه لأن كلا الأمرين يعود إلى السجن ويتعلق ~~به فإن قيل كيف يقول @QUR@06 السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وهو لا يحب ~~ما دعوه إليه على وجه من الوجوه ومن شأن هذه اللفظة أن تستعمل بين شيئين ~~مشتركين في معناها قلنا قد تستعمل هذه اللفظة فيما لا اشتراك فيه ألا ترى ~~أن من خير بين ما يكرهه وما يحبه ساغ له أن يقول هذا أحب إلي من هذا وإن لم ~~يحسن أن يقول ذلك مبتدئا من غير أن يخير هذا أحب إلي من هذا إذا كانا لا ~~يشتركان في محبته وإنما سوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر لأن المخير بين ~~الشيئين في الأصل لا يخير بينهما إلا وهما مرادان له أو مما يصح أن يريدهما ~~فموضوع التخيير يقتضي ذلك وإن حصل فيما يخالف أصل موضوعه فمن قال وقد خير ~~بين شيئين لا يحب أحدهما هذا أحب إلي إنما يكون مجيبا بما يقتضيه أصل ~~الموضوع في التخيير ويقارب ذلك قوله تعالى @QUR@07 قل أذلك خير أم جنة ~~الخلد ونحن نعلم أنه لا خير في العقاب وإنما حسن القول لوقوعه موقع ~~التقريع PageV01P054 # والتوبيخ على اختيار المعاصي على الطاعات وأنهم ما آثروها إلا لاعتقادهم ~~أن فيها خيرا ونفعا فقيل أذلك خير على ما تظنوه وتعتقدونه أم كذا وكذا وقد ~~قال في قوله تعالى @QUR@03 أذلك خير إنه إنما حسن لاشتراك الحالتين في باب ~~المنزلة وإن لم يشتركا في الخير والنفع كما قال تعالى @QUR@05 خير مستقرا ~~وأحسن مقيلا ومثل هذا المعنى يتأتى في قوله @QUR@04 رب السجن أحب إلي لأن ~~الأمرين يعني المعصية ودخول السجن مشتركان في أن لكل منهما ms052 داعيا وعليه ~~باعثا وإن لم يكن يشتركان في تناول المحبة فجعل اشتراكهما في دواعي المحبة ~~اشتراكا في المحبة نفسها وأجري اللفظ على ذلك فإن قيل كيف يقول @QUR@011 ~~وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين وعندكم أن امتناع القبيح ~~منه (ع) ليس بمشروط بارتفاع الكيد عنه بل هو ممتنع منه وإن وقع الكيد قلنا ~~إنما أراد يوسف (ع) أنك متى لم تلطف بي لما تدعوني إلى مجانبة الفاحشة ~~وتثبتني على تركها صبوت وهذا منه انقطاع إلى الله تعالى وتسليم لأمره وإنه ~~لو لا معونته ولطفه ما نجا من الكيد والكلام وإن تعلق في الظاهر بالكيد ~~نفسه فقال (ع)@QUR@05 وإلا تصرف عني كيدهن فالمراد به إلا تصرف عني ضرر ~~كيدهن لأنهن إنما جرين بالكيد إلى مساعدته لهن على المعصية فإذا عصم منها ~~ولطف له في الانصراف عنها كان الكيد مصروفا عنه من حيث لم يقع ضرره وما ~~أجرى به إليه ولهذا يقال لمن أجرى بكلامه إلى غرض لم يقع ما قلت شيئا ولمن ~~فعل ما لا تأثير له ما فعلت شيئا وهذا بين بحمد الله تعالى مسألة فإن قيل ~~كيف يجوز على يوسف (ع) وهو نبي مرسل أن يعول في إخراجه من السجن على غير ~~الله تعالى ويتخذ سواه وكيلا في ذلك في قوله للذي كان معه @QUR@03 اذكرني ~~عند ربك حتى وردت الرواية أن سبب طول حبسه (ع) إنما كان لأنه PageV01P055 # عول على غير الله تعالى الجواب قلنا إن سجنه (ع) إذا كان قبيحا ومنكرا ~~فعليه أن يتوصل إلى إزالته بكل وجه وسبب ويتشبث إليه بكل ما يظن أنه يزيله ~~عنه ويجمع فيه بين الأسباب المختلفة فلا يمتنع على هذا أن يضم إلى دعائه ~~الله تعالى ورغبته إليه في خلاصه من السجن أن يقول لبعض من يظن أنه سيؤدي ~~قوله @QUR@01 اذكرني ونبه على خلاصي وإنما القبيح أن يدع التوكل ويقتصر ~~على غيره فأما إن يجمع بين التوكل والأخذ بالحزم فهو الصواب الذي يقتضيه ~~الدين والعقل ويمكن أيضا أن يكون الله تعالى ms053 أوحى إليه بذلك وأمره بأن يقول ~~للرجل ما قاله مسألة فإن قيل فما الوجه في طلب يوسف (ع) أخاه من إخوته ثم ~~حبسه له عن الرجوع إلى أبيه مع علمه بما يلحقه عليه من الحزن وهل هذا إلا ~~إضرار به وبأبيه الجواب قلنا الوجه في ذلك ظاهر لأن يوسف (ع) لم يفعل ذلك ~~إلا بوحي من الله تعالى وذلك امتحان منه لنبيه يعقوب (ع) وابتلاء لصبره ~~وتعريض للعالي من منزلة الثواب ونظير ذلك امتحانه له (ع) بأن صرف عنه خبر ~~يوسف (ع) طول المدة حتى ذهب بصره بالبكاء عليه وإنما أمرهم يوسف (ع) بأن ~~يلطفوا بأبيهم في إرساله من غير أن يكذبوه ويخدعوه فإن قيل أليس قد قالوا ~~سنراود عنه أباه والمراودة هي الخداع والمكر قلنا ليس المراودة ما ظننتم بل ~~هي التلطف والتسبب والاحتيال وقد يكون ذلك من جهة الصدق والكذب جميعا وإنما ~~أمرهم بفعله على أحسن الوجوه فإن خالفوه فلا لوم إلا عليهم مسألة فإن قيل ~~فما معنى جعل السقاية في رحل أخيه وذلك تعريض منه لأخيه بالتهمة ثم إن ~~مؤذنه نادى بأنهم سارقون ولم يسرقوا على الحقيقة الجواب قلنا أما جعله ~~السقاية في رحل أخيه فالغرض فيه التسبب إلى احتباس أخيه عنده ويجوز أن يكون ~~ذلك بأمر الله تعالى وقد روي أنه ع PageV01P056 # أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به فقد خرج على هذا القول من أن ~~يكون مدخلا على أخيه غما وترويعا بما جعله من السقاية في رحله وليس بمعرض ~~له للتهمة بالسرقة لأن وجود السقاية في رحله يحتمل وجوها كثيرة غير السرقة ~~فليس يجب صرفه إليها إلا بدليل وعلى من صرف ذلك إلى السرقة من غير طريق ~~اللوم لتقصيره وتسرعه ولا ظاهر أيضا لوجود السقاية في الرحل يقتضي السرقة ~~لأن الاشتراك في ذلك قائم وقرب هذا الفعل من سائر الوجوه التي يحتملها على ~~حد واحد فأما نداء المنادي بأنهم سارقون فلم يكن بأمره (ع) وكيف يأمر ~~بالكذب وإنما نادى بذلك أحد القوم لما فقدوا ms054 الصواع وسبق إلى قلوبهم أنهم ~~سرقوه وقد قيل إن المراد بأنهم سارقون أنهم سرقوا يوسف (ع) من أبيه وأوهموه ~~أنهم يحفظونه وضيعوه فالمنادي صادق على هذا الوجه ولا يمتنع أن يكون النداء ~~بإذنه (ع) غير أن ظاهر القصة واتصال الكلام بعضه ببعض يقتضي أن يكون المراد ~~بالسرقة سرقة الصواع الذي تقدم ذكره وأحسوا فقده وقد قيل إن الكلام خارج ~~على معنى الاستفهام وإن كان ظاهره ظاهر الخبر كأنه قال إنكم لسارقون فأسقط ~~ألف الاستفهام كما سقطت في مواضع قد تقدم ذكرها في قصة إبراهيم (ع) وهذا ~~الوجه فيه بعض الضعف لأن ألف الاستفهام لا تكاد تسقط إلا في موضع يكون على ~~سقوطها دلالة في الكلام مثل قول الشاعر # كذبتك نفسك أم رأيت بواسط %~% غلس الظلام من الرباب خيالا # مسألة فإن قيل فما بال يوسف (ع) لم يعلم أباه بخبره لتسكن نفسه ويزول ~~وجده وهمه مع علمه بشدة تحرقه وعظم قلقه الجواب قلنا في ذلك وجهان أحدهما ~~أن ذلك كان له ممكنا وكان عليه قادرا فأوحى الله تعالى إليه بأن يعدل عن ~~اطلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه وتعريضا للمنزلة الرفيعة في البلوى وله ~~تعالى أن يصعب التكليف وأن يسهله والوجه الآخر أنه جائز أنه PageV01P057 # ع لم يتمكن من ذلك ولا قدر عليه فلذلك عدل عنه مسألة فإن قيل فما معنى ~~قوله تعالى @QUR@09 ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وكيف يرضى بأن ~~يسجدوا له والسجود لا يكون إلا لله تعالى الجواب قلنا في ذلك وجوه منها أن ~~يكون تعالى لم يرد بقوله إنهم سجدوا له إلى جهته بل سجدوا لله تعالى من ~~أجله لأنه تعالى جمع بينهم وبينه كما يقول القائل إنما صليت لوصولي إلى ~~أهلي وصمت لشفائي من مرضي وإنما يريد من أجل ذلك فإن قيل هذا التأويل يفسده ~~قوله تعالى @QUR@011 يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا قلنا ~~ليس هذا التأويل بمانع من مطابقة الرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة ~~لأنه (ع) لما رأى ms055 سجود الكواكب والقمرين له كان تأويل ذلك بلوغه أرفع ~~المنازل وأعلى الدرجات ونيله أمانيه وأغراضه فلما اجتمع مع أبويه ورأياه في ~~الحال الرفيعة العالية ونال ما كان يتمناه من اجتماع الشمل كان ذلك مصدقا ~~لرؤياه المتقدمة فلذلك قال @QUR@05 هذا تأويل رءياي من قبل فلا بد لمن ~~ذهب إلى أنهم سجدوا له على الحقيقة من أن يجعل ذلك مطابقا للرؤيا المتقدمة ~~في المعنى دون الصورة لأنه ما كان رأى في منامه أن إخوته وأبويه سجدوا له ~~ولا رأى في يقظته الكواكب تسجد له فقد صح أن التطابق في المعنى دون الصورة ~~ومنها أن يكون السجود لله تعالى غير أنه كان إلى جهة يوسف (ع) ونحوه كما ~~يقال صلى فلان إلى القبلة وللقبلة وهذا لا يخرج يوسف (ع) من التعظيم ألا ~~ترى أن القبلة معظمة وإن كان السجود لله تعالى نحوها ومنها أن السجود ليس ~~يكون بمجرده عبادة حتى يضامه من الأفعال ما يكون عبادة فلا يمتنع أن يكون ~~سجدوا له على سبيل التحية والإعظام والإكرام ولا يكون ذلك منكرا لأنه لم ~~يقع على وجه العبادة التي يختص بها القديم تعالى مسألة فإن قيل فما معنى ~~قوله تعالى حكاية عنه (ع)@QUR@09 من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي PageV01P058 # وهذا يقتضي أن يكون قد أطاع الشيطان ونفذ فيه كيده ونزغه الجواب قلنا هذه ~~الإضافة لا يقتضي ما تضمنه السؤال بل النزغ والقبيح كان منهم إليه ويجري ~~ذلك مجرى قول القائل جرى بيني وبين فلان شر وإن كان من أحدهما ولم يشتركا ~~فيه مسألة فإن قيل فما معنى قوله (ع) للعزيز @QUR@07 اجعلني على خزائن ~~الأرض إني حفيظ عليم وكيف يجوز أن يطلب الولاية من قبل الظالم الجواب قلنا ~~إنما التمس تمكينه من خزائن الأرض ليحكم فيها بالعدل وليصرفها إلى مستحقها ~~وكان ذلك له من غير ولاية وإنما سأل الولاية للتمكن من الحق الذي له أن ~~يفعله ولمن لا يتمكن من إقامة الحق أو الأمر بالمعروف أن يتسبب إليه ويتوصل ~~إلى فعله فلا لوم في ms056 ذلك على يوسف (ع) ولا حرج ### ||| أيوب ع # مسألة فإن قيل فما قولكم في الأمراض والمحن التي لحقت أيوب (ع) أوليس قد ~~نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله @QUR@06 أني مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب والعذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب والآلام الواقعة على سبيل ~~الامتحان لا تسمى عذابا ولا عقابا أوليس قد روى جميع المفسرين أن الله ~~تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصته ~~مشهورة يطول شرحها الجواب قلنا أما ظاهر القرآن فليس يدل على أن أيوب (ع) ~~عوقب بما نزل به من المضار وليس في ظاهره شيء مما ظنه السائل لأنه تعالى ~~قال @QUR@013 واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~والنصب هو التعب وفيه لغتان فتح النون والصاد وضم النون وتسكين الصاد ~~والتعب هو المضرة التي لا تختص بالعقاب وقد تكون على سبيل الامتحان ~~والاختبار وأما العذاب فهو أيضا يجري مجرى المضار التي لا يختص إطلاق ذكرها ~~بجهة دون جهة ولهذا يقال للظالم PageV01P059 # والمبتدئ بالظلم إنه معذب ومضر ومؤلم وربما قيل معاقب على سبيل المجاز ~~وليست لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب لأن لفظة العقاب تقتضي بظاهرها ~~الجزاء لأنها من التعقيب والمعاقبة ولفظة العذاب ليست كذلك فأما إضافته ذلك ~~إلى الشيطان وإنما ابتلاه الله به فله وجه صحيح لأنه لم يضف المرض والسقم ~~إلى الشيطان وإنما أضاف إليه ما كان يستضر به من وسوسته ويتعب به من تذكيره ~~له ما كان فيه من النعم والعافية والرخاء ودعائه له إلى التضجر والتبرم مما ~~هو عليه ولأنه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه ويتجنبوه ويستخفوه لما ~~كان عليه من الأمراض الشنيعة المنظر ويخرجوه من بينهم وكل هذا ضرر من جهة ~~اللعين إبليس وقد روي أن زوجته (ع) كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه ~~بما يأكله ويشربه وكان الشيطان لعنه الله تعالى يلقي إليهم أن داءه (ع) ~~يعدي ويحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه وتمس ms057 جسده وهذه ~~مضار به لا شبهة فيها وأما قوله تعالى في سورة الأنبياء @QUR@031 وأيوب إذ ~~نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ~~ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين فلا ظاهر لها ~~أيضا يقتضي ما ذكروه لأن الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة ~~فأما ما روي في هذا الباب عن جملة [جهلة] المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله ~~لأن هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى وإلى رسله (ع) كل قبيح ومنكر ~~ويقذفونهم بكل عظيم وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم أنه ~~موضوع باطل مصنوع لأنهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس على مال أيوب (ع) ~~وغنمه وأهله فلما أهلكهم ومر عليهم ورأى صبره (ع) وتماسكه قال إبليس لربه ~~يا رب إن أيوب (ع) علم أنك ستخلف عليه ماله وولده فسلطني على جسده PageV01P060 # فقال قد سلطتك على جسده كله إلا قلبه وبصره قال فأتاه فنفخه من لدن قرنه ~~إلى قدمه فصار قرحة واحدة فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا ~~تختلف الدواب في جسده إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله فمن يقبل ~~عقله هذا الجهل والكفر كيف يوثق بروايته ومن لا يعلم أن الله تعالى لا يسلط ~~إبليس على خلقه وأن إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد ولا أن يفعل الأمراض ~~كيف يعتمد على روايته فأما هذه الأمراض العظيمة النازلة بأيوب (ع) فلم تكن ~~إلا اختبارا وامتحانا وتعريضا للثواب بالصبر عليها والعوض العظيم النفيس في ~~مقابلتها وهذه سنة الله تعالى في أصفيائه وأوليائه (عليهم السلام) # فقد روي عن الرسول (ص) أنه قال@HAD017 : وقد سئل أي الناس أشد بلاء فقال ~~الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس # فظهر من صبره على محنته وتماسكه ما صار به إلى الآن مثلا حتى روي أنه كان ~~في خلال ذلك كله صابرا شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه من المنفعة والفائدة ~~وأنه ما سمعت ms058 له شكوى ولا تفوه بتضجر ولا تبرم فعوضه الله تعالى مع نعيم ~~الآخرة العظيم الدائم أن رد عليه ماله وأهله وضاعف عددهم في قوله تعالى ~~@QUR@06 وآتيناه أهله ومثلهم معهم وفي سورة (ص)@QUR@07 ووهبنا له أهله ~~ومثلهم معهم ثم مسح ما به من العلل وشفاه وعافاه وأمره على ما وردت به ~~الرواية بأن اركض برجلك الأرض فظهرت له عين فاغتسل منها فتساقط ما كان على ~~جسده من الداء قال الله تعالى @QUR@07 اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ~~والركض هو التحريك ومنه ركضت الدابة فإن قيل أفتصححون ما روي من أن الجذام ~~أصابه حتى تساقطت أعضاؤه قلنا إن العلل المستقذرة التي تنفر من رآها وتوحشه ~~كالبرص والجذام فلا يجوز شيء منها على الأنبياء (ع) لما تقدم ذكره في صدر ~~هذا الكتاب لأن النفور ليس بواقف على الأمور القبيحة بل قد PageV01P061 # يكون من الحسن والقبيح معا وليس ينكر أن يكون أمراض أيوب (ع) وأوجاعه ~~ومحنته في جسمه ثم في أهله وماله بلغت مبلغا عظيما يزيد في الغم والألم على ~~ما ينال المجذوم وليس ننكر تزايد الألم فيه (ع) وإنما ننكر ما اقتضى ~~التنفير فإن قيل أفتقولون إن الغرض بما ابتلي به أيوب (ع) كان الثواب أو ~~العوض أو هما على الاجتماع وهل يجوز أن يكون ما في هذه الآلام من المصلحة ~~واللطف حاصلا في غيرها مما ليس بألم أم تمنعون من ذاك قلنا أما الآلام التي ~~يفعلها الله تعالى لا على سبيل العقوبة فليس يجوز أن يكون غرضه عز وجل فيها ~~العوض من حيث كان قادرا على أن يبتدئ بمثل العوض بل الغرض فيها المصلحة وما ~~يؤدي إلى استحقاق الثواب فالعوض تابع والمصلحة أصل وإنما يخرج بالعوض من أن ~~يكون ظلما وبالغرض من أن يكون عبثا فأما الألم إذا كانت فيه مصلحة ولطف ~~وهناك في المعلوم ما يقوم مقامه فيهما إلا أنه ليس بألم إما بأن يكون لذة ~~أو ليس بألم ولا لذة ففي الناس من ذهب إلى أن الألم لا يحسن في هذا ms059 الموضع ~~وإنما يحسن بحيث لا يقوم مقامه ما ليس بألم في المصلحة والصحيح أنه حسن ~~والله تعالى مخير في فعل أيهما شاء والدليل على صحة ما ذكرناه أنه لو قبح ~~والحال هذه لم يخل أن يكون إنما قبح من حيث كان ظلما أو من حيث كان عبثا ~~ومعلوم أنه ليس بظلم لأن العوض الزائد العظيم الذي يحصل منه يخرجه عن كونه ~~ظلما وليس أيضا بعبث لأن العبث هو ما لا غرض فيه أو ما ليس فيه غرض مثله ~~وهذا الألم فيه غرض عظيم جليل وهو الذي تقدم بيانه ولو كان هذا الغرض غير ~~كاف فيه ولا يخرجه من البعث لما أخرجه من ذلك إذا لم يكن هناك ما يقوم ~~مقامه وليس لهم أن يقولوا إنه إنما قبح وصار عبثا من حيث كان هناك ما يغني ~~عنه لأن ذلك يؤدي إلى أن كل فعلين ألمين كانا أو لذتين أو ليسا بألمين ولا ~~لذتين أو أفعال تساوت في وجه المصلحة بقبح كل واحد منهما لأن العلة التي PageV01P062 # ادعيت حاصلة وليس له أن يقول إن الألم إنما يقبح إذا كان فيه من المصلحة ~~مثل ما في فعل هو لذة من حيث كان يغني عنه ما ليس بألم وذلك أن العوض الذي ~~في مقابلته يخرجه من كونه ضررا ويدخله في أن يكون نفعا ويجريه على أقل ~~الأحوال مجرى ما ليس بضرر فقد عاد الأمر إلى أن الألم بالعوض قد ساوى ما ~~ليس بألم وحصل فيه من الغرض المؤدي إلى المصلحة مثل ما فيه فيجب أن يكون ~~مخيرا في الاستصلاح بأيهما شاء فإن قيل ما أنكرتم أن يكون الفرق بين ~~الأمرين أن للذة قد يحسن أن تفعل بمجرد كونها لذة ولا يفتقر في حسن فعلها ~~إلى أمر زائد والألم ليس كذلك فإنه لا يحسن أن يفعل مجردا ولا بد من أمر ~~زائد يجعله حسنا قلنا هذا فرق بين الأمرين من غير الموضع الذي جمعنا بينهما ~~فيه لأن غرضنا إنما كان في التسوية بين الألم واللذة ms060 إذا كان في كل واحد ~~منهما مثل ما في صاحبه وأن يحكم بصحة التخيير في الاستصلاح بكل واحد منهما ~~وإن كنا لا ننكر أن بينهما فرقا من حيث كان أحدهما نفعا يجوز الابتداء به ~~واستحقاق الشكر عليه والآخر ليس كذلك إلا أن هذا الوجه وإن لم يكن في الألم ~~فليس يقتضي قبحه ووجوب فعل اللذة ألا ترى أن اللذة قد يساويها في المصلحة ~~فعل ما ليس بألم ولا لذة فيكون المكلف تعالى مخيرا في الاستصلاح بأيهما شاء ~~وإن كان يجوز ويحسن أن يفعل اللذة بمجردها من غير غرض زائد ولا يحسن ذلك ~~الفعل الآخر الذي جعلناه في مقابلتها متى تجرد وإنما يحسن لغرض زائد ولم ~~يخرجهما اختلافهما في هذا الوجه من تساويهما فيما ذكرناه من الحكم وإذا كان ~~اللذة قد تساوى في الحكم الذي ذكرناه من التخيير في الاستصلاح ما ليس بلذة ~~وبينا أن العوض قد أخرج الألم من كونه ضررا وجعله بمنزلة ما ليس بألم فقد ~~بان صحة ما ذكرناه لأن التخيير بين اللذة وما ليس بلذة ولا ألم إذا حسن متى ~~اجتمعا في المصلحة فكذلك PageV01P063 # يحسن التخيير بين اللذة وما جرى مجرى ما ليس بألم ولا ضرر من الألم الذي ~~تقابله المنافع وليس بعد هذا إلا قول من يوجب فعل اللذة لكونها نفعا وهذا ~~مذهب ظاهر البطلان لا حاجة بنا إلى الكلام عليه في هذا الموضع فإن قيل ما ~~أنكرتم أن يكون الاستصلاح بالألم إذا كان هناك ما يستصلح به وليس بألم يجري ~~في القبج والعبث مجرى من بذل المال لمن يتحمل منه ضرب المقارع ولا غرض له ~~إلا إيصال المال في أن ذلك عبث قبيح قلنا أما قبح ما ذكرته فالوجه فيه غير ~~ما ظننته من أن هناك ما يقوم مقامه في الغرض لأنا قد بينا أن ذلك لو كان هو ~~وجه القبح لكان كل فعل فيه غرض يقوم غيره فيه مقامه عبثا وقبيحا وقد علمنا ~~خلاف ذلك وإنما قبح بذل المال لمن يتحمل الضرب والغرض إيصال ms061 المال إليه من ~~حيث حسن أن يبتدئ بدفع المال الذي هو الغرض من غير تكليف الضرب فصار عبثا ~~وقبيحا من هذا الوجه وليس يمكن مثل ذلك في الألم إذا قابله ما ليس بألم لأن ~~ما فيه من الغرض لا يمكن الابتداء به ### ||| شعيب ع # مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى في الحكاية عن شعيب (ع)@QUR@06 ~~واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه والشيء لا يعطف على نفسه لا سيما بالحرف ~~الذي يقتضي التراخي والمهلة وهو ثم وإذا كان الاستغفار هو التوبة فما وجه ~~هذا الكلام الجواب قلنا في هذه الآية وجوه أولها أن يكون المعنى اجعلوا ~~المغفرة غرضكم وقصدكم الذي فيه تجأرون ونحوه تتوجهون ثم توصلوا إليها ~~بالتوبة والمغفرة أول في الطلب وأخر في السبب وثانيها أنه لا يمتنع أن يريد ~~بقوله @QUR@02 استغفروا ربكم أي سلوه التوفيق للمغفرة والمعونة عليها ~~@QUR@03 ثم توبوا إليه لأن المسألة للتوفيق ينبغي أن يكون قبل التوبة ~~وثالثها أنه أراد بثم الواو والمعنى استغفروا ربكم PageV01P064 # وتوبوا إليه وهذان الحرفان قد يتداخلان فيقوم أحدهما مقام الآخر ورابعها ~~أن يريد استغفروه قولا ونطقا ثم توبوا إليه لتكونوا بالتوبة فاعلين لما ~~يسقط العقاب ولا تقتصروا على القول الذي لا يقطع على سقوط العقاب عنده ~~وخامسها أنه خاطب المشركين بالله تعالى فقال لهم استغفروه من الشرك ~~بمفارقته @QUR@03 ثم توبوا إليه أي ارجعوا إلى الله بالطاعات وأفعال ~~الخير لأن الانتفاع إليه بذلك لا يكون إلا بتقديم الاستغفار من الشرك ~~ومفارقته والتائب والآئب والنائب والمنيب بمعنى واحد وسادسها ما أومأ إليه ~~أبو علي الجبائي في تفسير هذه الآية لأنه قال أراد بقوله @QUR@05 استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه أي أقيموا على التوبة إليه لأن التائب إلى الله تعالى ~~من ذنوبه يجب أن يكون تائبا إلى الله في كل وقت يذكر فيه ذنوبه بعد توبته ~~الأولى لأنه يجب أن يكون مقيما على الندم على ذلك وعلى العزم على أن لا ~~يعود إلى مثله لأنه لو نقض هذا العزم لكان عازما على العود وذلك لا يجوز ~~وكذلك ms062 لو نقض الندم لكان راضيا بالمعصية مسرورا بها وهذا لا يجوز وقد حكينا ~~ألفاظه بأعيانها وحمله على هذا الوجه أنه أراد التكرار والتأكيد والأمر ~~بالتوبة بعد التوبة كما يقول أحدنا لغيره اضرب زيدا ثم اضربه وافعل هذا ثم ~~افعل وهذا الذي حكيناه عن أبي علي أولى مما ذكره في صدر هذه السورة لأنه ~~قال هناك @QUR@07 وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن معناه استغفروا ~~ربكم من ذنوبكم السالفة ثم توبوا إليه بعد ذلك من كل ذنب يكون منكم أو ~~معصية وهذا ليس بشيء لأنه إذا حمل الاستغفار المذكور في الآية على التوبة ~~فلا معنى لتخصيصه بما سلف دون ما يأتي لأن التوبة من ذلك أجمع واجبة ولا ~~معنى أيضا لتخصيص قوله @QUR@03 ثم توبوا إليه بالمعاصي المستقبلة دون ~~الماضية لأن الماضي والمستقبل مما يجب التوبة منه فالذي حكيناه أولا عنه ~~أشفى وأولى مسألة PageV01P065 # فإن قيل فما الوجه في عدول شعيب (ع) عن جواب بنته في قولها @QUR@09 يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين إلى قوله لموسى (ع)@QUR@07 ~~إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين وهي لم تسأل النكاح ولا عرضت به فترك ~~إجابتها عن كلامها وخرج إلى شيء لم يجر ما يقتضيه الجواب قلنا إنها لما ~~سألت أباها أن يستأجره ومدحته بالقوة والأمانة كان كلامها دالا على الترغيب ~~فيه والتقريب منه والمدح له بما يدعو إلى إنكاحه فبذل له النكاح الذي يقتضي ~~غاية الاختصاص فما فعله شعيب (ع) في غاية المطابقة لجوابها ولما يقتضيه ~~سؤالها مسألة فإن قيل فما معنى قول شعيب (ع)@QUR@029 إني أريد أن أنكحك ~~إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما ~~أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين وكيف يجوز في الصداق هذا ~~التخيير والتفويض وأي فائدة للبنت فيما شرط هو لنفسه وليس يعود إليها من ~~ذلك نفع الجواب قلنا يجوز أن تكون الغنم كانت لشعيب (ع) وكانت الفائدة ~~باستيجار من يرعاها عائدة عليه إلا أنه أراد أن ms063 يعوض بنته عن قيمة رعيها ~~فيكون ذلك مهرا لها فأما التخيير فلم يكن إلا فيما زاد على الثماني حجج ولم ~~يكن فيما شرط مقترحا تخيير وإنما كان فيما تجاوزه وتعداه ووجه آخر وهو أنه ~~يجوز أن تكون الغنم كانت للبنت وكان الأب المتولي لأمرها والقابض لصداقها ~~لأنه لا خلاف أن قبض الأب مهر بنته البكر البالغ جائز وأنه ليس لأحد من ~~الأولياء ذلك غيره وأجمعوا أن بنت شعيب (ع) كانت بكرا ووجه آخر وهو أن يكون ~~حذف ذكر الصداق وذكر ما شرط لنفسه مضافا إلى الصداق لأنه جائز أن يشترط ~~الولي لنفسه ما يخرج من الصداق وهذا الجواب يخالف الظاهر لأن قوله تعالى ~~@QUR@012 إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج PageV01P066 # يقضي ظاهره أن أحدهما جزاء على الآخر ووجه آخر وهو أنه يجوز أن يكون من ~~شريعته (ع) العقد بالتراضي من غير صداق معين ويكون قوله @QUR@03 على أن ~~تأجرني نفسك على غير وجه الصداق وما تقدم من الوجوه قوي ### ||| موسى ع # مسألة فإن قيل فما الوجه في قتل موسى (ع) للقبطي وليس يخلو من أن يكون ~~مستحقا للقتل أو غير مستحق فإن كان مستحقا فلا معنى لندمه (ع) وقوله ~~@QUR@04 هذا من عمل الشيطان وقوله @QUR@06 رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~وإن كان غير مستحق فهو عاص في قتله وما بنا حاجة إلى أن نقول إن القتل لا ~~يكون صغيرة لأنكم تنفون الصغير والكبير من المعاصي عنهم (ع) الجواب قلنا ~~مما يجاب به عن هذا السؤال إن موسى (ع) لم يتعمد القتل ولا أراده وإنما ~~اجتاز فاستغاثه رجل من شيعته على رجل من عدوه بغى عليه وظلمه وقصد إلى قتله ~~فأراد موسى (ع) أن يخلصه من يده ويدفع عنه مكروهه فأدى ذلك إلى القتل من ~~غير قصد إليه وكل ألم يقع على سبيل المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا ~~فهو حسن غير قبيح ولا يستحق العوض به ولا فرق بين أن تكون المدافعة من ~~الإنسان عن ms064 نفسه وبين أن تكون عن غيره في هذا الباب والشرط في الأمرين أن ~~يكون الضرر غير مقصود وأن يكون القصد كله إلى دفع المكروه والمنع من وقوع ~~الضرر فإن أدى ذلك إلى ضرر فهو غير قبيح ومن العجب أن أبا علي ذكر هذا ~~الوجه في تفسيره ثم نسب مع ذلك موسى (ع) إلى أنه فعل معصية صغيرة ونسب ~~معصيته إلى الشيطان وقد قال في قوله @QUR@04 رب إني ظلمت نفسي أي في هذا ~~الفعل الذي لم تأمرني به وندم على ذلك ثم تاب إلى الله منه فيا ليت شعري ما ~~الذي فعل مما لم يؤمر به وهو إنما دافع الظالم ومانعه ووقعت الوكزة منه على وجه PageV01P067 # الممانعة من غير قصد ولا شبهة في أن الله تعالى أمره بدفع الظلم عن ~~المظلوم فكيف فعل ما لم يؤمر به وكيف يتوب من فعل الواجب وإذا كان يريد أن ~~ينسب المعصية إليه فما الحاجة إلى ذكر المدافعة والممانعة وله أن يجعل ~~الوكزة تكون المعصية به صغيرة فإن قيل أليس لا بد أن يكون قاصدا إلى الوكزة ~~وإن لم يكن مريدا بها إتلاف النفس قلنا ليس يجب ما ظننته وكيف يجعل الوكزة ~~مقصودة وقد بينا الكلام على أن القصد كان إلى التخليص والمدافعة ومن كان ~~إنما يريد المدافعة لا يجوز أن يقصد إلى شيء من الضرر وإنما وقعت الوكزة ~~وهو لا يريدها وإنما أراد التخليص فأدى ذلك إلى الوكزة والقتل ووجه آخر وهو ~~أن الله تعالى كان عرف موسى (ع) استحقاق القبطي للقتل بكفره وندبه إلى ~~تأخير قتله إلى حال التمكن فلما رأى موسى (ع) منه الإقدام على رجل من شيعته ~~تعمد قتله تاركا لما ندب إليه من تأخير قتله فأما قوله @QUR@04 هذا من عمل ~~الشيطان ففيه وجهان أحدهما أنه أراد أن تزيين قتلي له وتركي لما ندبت إليه ~~من تأخيره وتفويتي ما أستحقه عليه من الثواب من عمل الشيطان والوجه الآخر ~~أنه يريد أن عمل المقتول من عمل الشيطان مفصحا بذلك عن خلافه لله ms065 تعالى ~~واستحقاقه للقتل وأما قوله @QUR@06 رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فعلى معنى ~~قول آدم (ع)@QUR@013 ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين والمعنى أحد وجهين إما على سبيل الانقطاع والرجوع إلى الله تعالى ~~والاعتراف بالتقصير عن حقوق نعمه وإن لم يكن هناك ذنب أو من حيث حرم نفسه ~~المستحق بفعل الندب وما قوله @QUR@02 فاغفر لي فإنما أراد به فاقبل مني ~~هذه القربة والطاعة والانقطاع ألا ترى أن قبول الاستغفار والتوبة يسمى ~~غفرانا وإذا شارك هذا القبول غيره في معنى استحقاق الثواب والمدح به جاز أن ~~يسمى بذلك ثم يقال لمن ذهب إلى أن القتل منه (ع) كان PageV01P068 # صغيرة ليس يخلو من أن يكون قتله متعمدا وهو مستحق للقتل أو قتله عمدا وهو ~~غير مستحق أو قتله خطاء وهو مستحق أو غير مستحق والقسم الأول يقضي أن لا ~~يكون معصية عاصيا والثاني لا يجوز مثله على النبي (ع) لأن قتل النفس عمدا ~~بغير استحقاق لو جاز أن يكون صغيرة على بعض الوجوه جاز ذلك في الزنى وعظائم ~~الذنوب فإن ذكروا في الزنى وما أشبهه التنفير فهو في القتل أعظم وإن كان ~~قتله خطاء وهو مستحق أو غير مستحق ففعله خارج من باب القبح جملة فما الحاجة ~~إلى ذكر الصغيرة مسألة فإن قيل كيف يجوز لموسى (ع) أن يقول لرجل من شيعته ~~يستصرخه @QUR@03 إنك لغوي مبين الجواب أن قوم موسى (ع) كانوا غلاظا جفاة ~~ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات لما رأوا من يعبد الأصنام @QUR@06 ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وإنما خرج موسى (ع) خائفا على نفسه من قوم ~~فرعون بسبب قتل القبطي فرأى ذلك الرجل يخاصم رجلا من أصحاب فرعون فاستنصر ~~موسى (ع) فقال له عندك ذلك @QUR@03 إنك لغوي مبين وأراد أنك خائب في طلب ~~ما لا تدركه وتكلف ما لا تطيقه ثم قصد إلى نصرته كما نصره بالأمس على الآخر ~~فظن أنه يريده بالبطش لبعد فهمه فقال له @QUR@023 أتريد أن تقتلني كما ~~قتلت نفسا ms066 بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من ~~المصلحين فعدل عن قتله وصار ذلك سببا لشياع خبر القبطي بالأمس مسألة فإن ~~قيل فما معنى قول فرعون لموسى (ع)@QUR@09 وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين وقوله (ع)@QUR@06 فعلتها إذا وأنا من الضالين فكيف نسب (ع) ~~الضلال إلى نفسه ولم يكن عندكم في وقت من الأوقات ضالا الجواب قلنا أما ~~قوله @QUR@04 وأنت من الكافرين فإنما أراد به من الكافرين لنعمتي وحق ~~تربيتي فإن فرعون كان المربي لموسى (ع) إلى أن كبر وبلغ ألا ترى إلى PageV01P069 # قوله تعالى حكاية عنه @QUR@011 ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين وأما قول موسى (ع)@QUR@06 فعلتها إذا وأنا من الضالين فإنما أراد به ~~من الذاهبين عن أن الوكزة تأتي على النفس أو أن المدافعة تفضي إلى القتل ~~وقد يسمى الذاهب عن الشيء أنه ضال عنه ويجوز أيضا أن يريد أنني ظللت عن ~~فعل المندوب إليه من الكف عن القتل في تلك الحال والفوز بمنزلة الثواب ~~مسألة فإن قيل كيف جاز لموسى (ع) وقد قال تعالى @QUR@04 أن ائت القوم ~~الظالمين أن يقول في الجواب @QUR@014 إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ~~ينطلق لساني فأرسل إلى هارون وهذا استعفاء عن الرسالة الجواب أن ذلك ليس ~~باستعفاء كما تضمنه السؤال بل كان (ع) قد أذن له في أن يسأل ضم أخيه في ~~الرسالة إليه قبل هذا الوقت وضمنت له الإجابة ألا ترى إلى قوله تعالى ~~@QUR@08 وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا إلى قوله @QUR@06 واجعل لي ~~وزيرا من أهلي فأجابه الله تعالى إلى مسألته بقوله @QUR@05 قد أوتيت سؤلك ~~يا موسى وهذا يدل على أن ثقته بالإجابة إلى مسألته التي قد تقدمت وكان ~~مأذونا له فيها فقال @QUR@011 إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق ~~لساني شرحا لصورته وبيانا عن حاله المقتضية لضم أخيه في الرسالة فلم تكن ~~مسألته إلا عن إذن وعلم ثقة بالإجابة مسألة فإن قيل كيف جاز لموسى (ع) أن ~~يأمر السحرة ms067 بإلقاء الحبال والعصي وذلك كفر وسحر وتلبيس وتمويه والأمر ~~بمثله لا يحسن الجواب قلنا لا بد من أن يكون في أمره (ع) بذلك شرط فكأنه ~~قال @QUR@04 ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين وكان له فيما يفعلونه حجة ~~وحذف الشرط لدلالة الكلام عليه واقتضاء الحال له وقد جرت العادة باستعمال ~~هذا الكلام محذوف الشرط وإن كان الشرط مرادا وليس يجري هذا مجرى قوله تعالى ~~فأتوني @QUR@03 بسورة من مثله وهو PageV01P070 # يعلم أنهم لا يقدرون على ذلك وما أشبه هذا الكلام من ألفاظ التحدي لأن ~~التحدي وإن كان بصورة الأمر فليس بأمر على الحقيقة ولا تصاحبه إرادة الفعل ~~فكيف تصاحبه الإرادة والله تعالى يعلم استحالة وقوع ذلك منهم وتعذره عليهم ~~وإنما التحدي لفظ موضوع لإقامة الحجة على المتحدى وإظهار عجزه وقصوره عما ~~تحدي به وليس هناك فعل يتناوله إرادة والأمر بإلقاء الحبال والعصي بخلاف ~~ذلك لأنه مقدور ممكن فليس يجوز أن يقال إن المقصود به هو أن يعجزوا عن ~~إلقائها ويتعذر عليهم ما دعوا إليه فلم يبق بعد ذلك إلا أمر بشرط ويمكن أن ~~يكون على سبيل التحدي بأن يكون دعاهم إلى الإلقاء على وجه يساوونه فيه ولا ~~يخيلون فيما ألقوه من السعي والتصرف من غير أن يكون له حقيقة لأن ذلك غير ~~مساو لما ظهر على يده من انقلاب الجماد حية على الحقيقة دون التخييل وإذا ~~كان ذلك ليس في مقدورهم فإنما تحداهم به لتظهر حجته ويتوجه دلالته وهذا ~~واضح وقد بين الله تعالى في القرآن ذلك بأوضح ما يكون فقال @QUR@067 وجاء ~~السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن ~~المقربين قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا ~~فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى ~~أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا ~~هنالك وانقلبوا صاغرين مسألة فإن قيل فمن أي شيء خاف موسى (ع) حتى حكى ms068 ~~الله تعالى عنه من الخيفة في قوله عز وجل @QUR@05 فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى أوليس خوفه يقتضي شكه في صحة ما أتى به الجواب قلنا لم يخف من الوجه ~~الذي تضمنه السؤال وإنما رأى من قوة التلبيس والتخييل ما أشفق عنده من وقوع ~~الشبهة على من لم يمعن النظر فأمنه الله تعالى من ذلك وبين له أن حجته ~~ستتضح للقوم بقوله تعالى PageV01P071 # @QUR@05 لا تخف إنك أنت الأعلى @QUR@ مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن موسى (ع)@QUR@030 ربنا إنك ~~آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا ~~اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~@QUR@ الجواب قلنا أما قوله تعالى @QUR@03 ليضلوا عن سبيلك @QUR@ ففيه وجوه كثيرة أولها أنه أراد لئلا يضلوا فحذف لا وهذا له نظائر كثيرة في ~~القرآن وكلام العرب فمن ذلك قوله تعالى @QUR@06 أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى @QUR@ وإنما أراد لئلا تضل وقوله تعالى @QUR@09 أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا ~~عن هذا غافلين @QUR@ وقوله تعالى @QUR@08 وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم @QUR@ وقال الشاعر # نزلتم منزل الأضياف منا %~% فعجلنا القرى أن تشتمونا # والمعنى لئلا تشتمونا فإن قيل ليس هذا نظير لقوله تعالى @QUR@04 ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك @QUR@ لأنكم حذفتم في الآية أن ولا معا وما استشهدتم به إنما حذف منه لفظة لا فقط ~~قلنا كلما استشهدنا به فقد حذف منه اللام ولا معا ألا ترى أن تقدير الكلام ~~لئلا تشتمونا وفي الآية إنما حذف أيضا حرفان وهما أن ولا وإنما جعلنا حذف ~~اللام فيما استشهدنا به بإزاء حذف أن في الآية من حيث كانا جميعا ينبئان عن ~~الغرض ويدلان على القصد ألا ترى أنهم يقولون جئتك لتكرمني كما تقولون جئتك ~~أن تكرمني والمعنى أن غرضي الكرامة فإذا جاز أن يحذفوا أحد الحرفين جاز أن ~~يحذفوا الآخر ثانيها أن اللام هاهنا لام العاقبة وليست بلام الغرض ويجري ~~مجرى قوله تعالى @QUR@08 فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا @QUR@ وهم لم يلتقطوه ms069 لذلك بل لخلافه غير أن العاقبة لما كانت ما ذكره حسن إدخال ~~اللام ومثله قول الشاعر # وللموت تغذو الوالدات سخالها %~% كما لخراب الدور تبنى المساكن # ونظائر ذلك كثيرة فكأنه تعالى لما علم أن عاقبة أمرهم الكفر وأنهم لا ~~يموتون إلا كفارا وأعلم ذلك نبيه حسن أن PageV01P072 # يقول إنك آتيتهم الأموال ليضلوا وثالثها أن يكون خرج مخرج النفي والإنكار ~~على من زعم أن الله تعالى فعل ذلك ليضلهم ولا يمتنع أن يكون هناك من يذهب ~~إلى مذهب المجبرة في أن الله تعالى يضل عن الدين فرد بهذا الكلام عليه كما ~~يقول أحدنا إنما آتيت عبدي من الأموال ما آتيته ليعصيني ولا يطيعني وهو ~~إنما يريد الإنكار على من يظن ذلك به ونفي إضافة المعصية إليه وهذا الوجه ~~لا يتصور إلا على أحد وجهين إما بأن يقدر فيه الاستفهام وإن حذف فيه حرفه ~~أو بأن تكون اللام في قوله ليعصيني لام العاقبة التي قد تقدم بيانها ومتى ~~رفعنا من أوهامنا هذين الوجهين لم نتصور كيف يكون الكلام خارجا مخرج النفي ~~والإنكار ورابعها أن يكون أراد الاستفهام فحذف حرفه المختص به وقد حذف حرف ~~الاستفهام في أماكن كثيرة من الكلام وهذا الجواب يضعف لأن حرف الاستفهام لا ~~يكاد يحذف إلا وفي الكلام دلالة عليه وعوض منه مثل قول الشاعر # كذبتك عينك أم رأيت بواسط %~% غلس الظلام من الرباب خيالا # لأن لفظة أم يقتضي الاستفهام وقد سأل أبو علي الجبائي نفسه عن هذا السؤال ~~في التفسير وأجاب عنه بأن في الآية ما يدل على حذف حرف الاستفهام وهو دليل ~~العقل الدال على أن الله تعالى لا يضل العباد عن الدين ودليل العقل أقوى ~~مما يكون في الكلام دالا على حرف الاستفهام وهذا ليس بشيء لأن دليل العقل ~~وإن كان أقوى من كل دليل يصحب الكلام فإنه ليس يقتضي في الآية أن يكون حرف ~~الاستفهام منها محذوفا لا محالة لأن العقل إنما يقتضي تنزيه الله تعالى عن ~~أن يكون مجريا بشيء من أفعاله إلى إضلال ms070 العباد عن الدين وقد يمكن صرف ~~الآية إلى ما يطابق دليل العقل من تنزيهه تعالى عن القبيح من غير أن يذكر ~~الاستفهام ويحذف حرفه فإذا كان ذلك ممكنا لم يكن في العقل دليل على حذف حرف ~~الاستفهام وإنما كان يكون فيه دليل على ذلك لو كان يتعذر تنزيهه تعالى عن ~~إرادة الضلال إلا بتقدير PageV01P073 # الاستفهام فأما قوله تعالى @QUR@06 فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ~~@QUR@ فأجود ما قيل فيه أنه عطف على قوله @QUR@01 ليضلو @QUR@ وليس بجواب لقوله @QUR@08 ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم @QUR@ وتقدير الكلام @QUR@030 ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم @QUR@ وهذا الجواب يطابق أن يكون اللام للعاقبة وأن يكون المعنى فيها لئلا يضلوا ~~أيضا وقال قوم إنه أراد فلن يؤمنوا فأبدل الألف من النون الخفيفة كما قال ~~الأعشى # وصل علي حين العشيات والضحى %~% ولا تحمد المثرين والله فاحمدا # أراد فاحمدن فأبدل النون ألفا وكما قال عمر بن أبي ربيعة # وقمير بدا ابن خمس وعشرين %~% له قالت الفتاتان قوما # أراد قومن ومما استشهد به من أجاب بهذا الجواب الذي ذكرناه آنفا في أن ~~الكلام خبر وإن خرج مخرج الدعاء # ما روي عن النبي (ص) من قوله@HAD07 : لن يلدغ المؤمن من جحر مرتين # وهذا نهي وإن كان مخرجه مخرج الخبر وتقدير الكلام لا يلدغ المؤمن من جحر ~~مرتين لأنه لو كان خبرا لكان كذبا وإذا جاز أن يراد بما لفظه لفظ الخبر ~~النهي جاز أن يراد بما لفظه لفظ الدعاء الخبر ويكون المراد بالكلام فلن ~~يؤمنوا وقد ذكر أبو علي أن قوما من أهل اللغة قالوا إنه تعالى نصب قوله ~~@QUR@02 فلا يؤمنوا وحذف منه النون وهو يريد في المعنى لا يؤمنون على سبيل ~~الخبر عنهم لأن قوله تعالى @QUR@02 فلا يؤمنوا وقع موقع جواب الأمر الذي ~~هو قوله @QUR@08 ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلما وقع موقع ~~جواب الأمر وفيه الفاء ms071 نصبه بإضمار إن لأن جواب الأمر بالفاء منصوب في ~~اللغة فنصب هذا لما أجراه مجرى الجواب وإن لم يكن في الحقيقة جوابا ومثله ~~قول القائل انظر إلى الشمس تغرب بالجزم وتغرب ليس هو جواب الأمر على ~~الحقيقة لأنها لا تغرب لنظر هذا الناظر ولكن لما وقع موقع الجواب أجراه ~~مجراه في الجزم وإن لم يكن جوابا على PageV01P074 # الحقيقة وقد ذكر أبو مسلم محمد بن بحر في هذه الآية وجها آخر وهو أن من ~~أغرب ما ذكر فيها قال إنه تعالى إنما آتى فرعون وملأه الزينة والأموال في ~~الدنيا على طريق العذاب لهم والانتقام منهم لما كانوا عليه من الكفر ~~والضلال وعلمه من أحوالهم في المستقبل من أنهم لا يؤمنون ويجري ذلك مجرى ~~قوله تعالى @QUR@020 فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون فسأل موسى (ع) ربه ~~وقال رب إنك آتيتهم هذه الأموال والزينة في الحياة الدنيا على طريق العذاب ~~ولتضلهم في الآخرة عن سبيلك التي هي سبيل الجنة وتدخلهم النار بكفرهم ثم ~~سأله أن يطمس على أموالهم بأن يسلبهم إياها ليزيد ذلك في حسرتهم وعذابهم ~~ومكروههم ويشد على قلوبهم أن يميتهم على هذه الحال المكروهة وهذا جواب قريب ~~من الصواب والسدان مسألة فإن قيل فما الوجه في قوله تعالى @QUR@013 ولما ~~جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك أوليس هذه الآية تدل ~~على جواز الرؤية عليه تعالى لأنها لو لم تجز لم يسغ أن يسألها موسى (ع) كما ~~لا يجوز أن يسأله اتخاذ الصاحبة والولد الجواب قلنا أولى ما أجيب به عن هذه ~~الآية أن يكون موسى (ع) لم يسأل الرؤية لنفسه وإنما سألها لقومه فقد روي أن ~~قومه طلبوا ذلك منه فأجابهم بأن الرؤية لا تجوز عليه تعالى فلجوا به وألحوا ~~عليه في أن يسأل الله تعالى أن يريهم نفسه وغلب في ظنه أن الجواب إذا ورد ~~من جهته جلت عظمته كان أحسم للشبهة وأنفى لها فاختار السبعين ms072 الذين حضروا ~~الميقات لتكون المسألة بمحضر منهم فيعرفوا ما يرد من الجواب فسأل (ع) على ~~ما نطق به القرآن وأجيب بما يدل على أن الرؤية لا يجوز عليه عز وجل ويقوي ~~هذا الجواب أمور منها قوله تعالى @QUR@012 يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء فقد سألوا موسى PageV01P075 # @QUR@010 أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ~~ومنها قوله تعالى @QUR@017 وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ومنها قوله تعالى @QUR@022 فلما ~~أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء ~~منا إن هي إلا فتنتك فأضاف ذلك إلى السفهاء وهذا يدل على أنه كان بسببهم ~~من حيث سألوا ما لا يجوز عليه تعالى ومنها ذكر الجهرة في الرؤية وهي لا ~~تليق إلا برؤية البصر دون العلم وهذا يقوي أن الطلب لم يكن للعلم الضروري ~~على ما سنذكره من الجواب التالي لهذا الكلام ومنها قوله تعالى @QUR@02 ~~أنظر إليك لأنا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية لقومه أمكن أن يكون قوله ~~@QUR@02 أنظر إليك على حقيقته وإذا حملنا الآية على العلم الضروري احتيج ~~إلى حذف في الكلام فيصير تقديره أرني أنظر إلى الآيات التي عندها أعرفك ~~ضرورة ويمكن في هذا الوجه الأخير خاصة أن يقال إذا كان المذهب الصحيح عندكم ~~أن النظر في الحقيقة غير الرؤية فكيف يكون قوله @QUR@02 أنظر إليك على ~~حقيقته في جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه فإن قلتم لا يمتنع أن ~~يكونوا إنما التمسوا الرؤية التي يكون معها النظر والتحديق إلى الجهة فسأل ~~على حسب ما التمسوا قيل لكم هذا ينقض فرقكم في هذا الجواب بين سؤال جميع ما ~~يستحيل عليه من الصاحبة والولد وما يقتضي الجسمية بأن نقول الشك في الرؤية ~~لا يمنع من صحة معرفة السمع والشك في جميع ما ذكر يمنع من ذلك لأن الشك ~~الذي لا يمنع من معرفة السمع إنما هو في الرؤية التي يكون معها نظر ms073 ولا ~~يقتضي التشبيه فإن قلتم يحمل ذكر النظر على أن المراد به نفس الرؤية على ~~سبيل المجاز لأن عادة العرب أن يسموا الشيء باسم طريقه وما قاربه وما ~~داناه قيل لكم وكأنكم قد عدلتم عن مجاز إلى مجاز فلا PageV01P076 # قوة في هذا الوجه والوجوه التي ذكرناها في تقوية هذا الجواب المتقدمة ~~أولى وليس لأحد أن يقول لو كان موسى (ع) إنما سأل الرؤية لقومه لم يضف ~~السؤال إلى نفسه فيقول أرني أنظر إليك ولا كان الجواب أيضا مختصا به في ~~قوله @QUR@02 لن تراني وذلك أنه غير ممتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه مع ~~أن المسألة كانت من أجل الغير إذا كان هناك دلالة تؤمن من اللبس فلهذا يقول ~~أحدنا إذا شفع في حاجة غيره للمشفوع إليه أسألك أن تفعل بي كذا وكذا ~~وتجيبني إلى كذا وكذا يحسن أن يقول المشفوع إليه قد أجبتك وشفعتك وما جرى ~~مجرى هذه الألفاظ وإنما حسن هذا لأن للسائل في المسألة غرضا وإن رجعت إلى ~~الغير لتحققه بها وتكلفه كتكلفه إذا اختصته فإن قيل كيف يسأل الرؤية لقومه ~~مع علمه باستحالتها ولئن جاز ذلك ليجوز أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه ~~من كونه جسما وما أشبهه إذ شكوا فيه قلنا إنما صحت المسألة في الرؤية ولم ~~يصح فيما سئلت عنه لأن مع الشك في جواز الرؤية التي لا يقتضي كونه جسما ~~يمكن معرفة السمع وأنه تعالى حكيم صادق في إخباره فيصح أن يعرفوا بالجواب ~~الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكوا في جوازه ومع الشك في كونه جسما لا ~~يصح معرفة السمع فلا ينتفع بجوابه ولا يثمر علما وقد قال بعض من تكلم في ~~هذه الآية قد كان جائز أن يسأل موسى (ع) لقومه ما يعلم استحالته وإن كان ~~دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته متى كان المعلوم أن في ذلك صلاحا للمكلفين ~~في الدين وأن ورود الجواب يكون لطفا لهم في النظر في الأدلة وإصابة الحق ~~منها غير أن من أجاب بذلك شرط ms074 أن يبين النبي (ع) أنه عالم باستحالة ما سئل ~~فيه وأن غرضه في السؤال أن يرد الجواب فيكون لطفا وجواب آخر في الآية وهو ~~أن يكون موسى (ع) إنما سأل ربه تعالى أن يعلمه تعالى نفسه ضرورة بإظهار ~~لبعض أعلام الآخرة التي يضطر عندها إلى PageV01P077 # المعرفة فتزول عنه الخواطر ومنازعة الشكوك والشبهات ويستغني عن الاستدلال ~~فتخف المحنة عنه بذلك كما سأل إبراهيم (ع) ربه تعالى أن يريه كيف يحيي ~~الموتى طلبا لتخفيف المحنة وإن كان قد عرف ذلك قبل أن يراه والسؤال وإن وقع ~~بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الإدراك بالبصر قال الشاعر # رأيت الله إذ سمى نزارا %~% وأسكنهم بمكة قاطنينا # واحتمال الرؤية للعلم أظهر من أن يدل عليه لاشتهاره ووضوحه فقال الله ~~تعالى @QUR@02 لن تراني أي لم تعلمني على هذا الوجه التمسته ثم أكد ذلك ~~بأن أظهر في الجبل من الآيات والعجائب ما دل به على أن المعرفة الضرورية في ~~الدنيا مع التكليف وبيانه لا يجوز فإن الحكمة يمنع منها والوجه الأول أولى ~~لما ذكرناه متقدما من الوجوه لأن موسى (ع) لا يخلو من أن يكون شاكا في أن ~~المعرفة الضرورية لا يصح حصولها في الدنيا أو غير شاك فإن كان شاكا فالشك ~~فيما يرجع إلى أصول الديانات وقواعد التكليف لا يجوز على الأنبياء (ع) لا ~~سيما وقد يجوز أن يعلم ذلك على حقيقته بعض أمتهم فيزيد عليهم في المعرفة ~~وهذا أبلغ في التنفير عنهم من كل شيء يمنع منهم وإن كان موسى (ع) عالما ~~بذلك وغير شاك فيه فلا وجه لسؤاله إلا أنه سأل لقومه فيعود إلى معنى الجواب ~~الأول فقد حكي جواب ثالث في هذه الآية عن بعض من تكلم في تأويلها من أهل ~~التوحيد وهو أنه قال يجوز أن موسى (ع) في وقت مسألته ذلك كان شاكا في جواز ~~الرؤية عليه تعالى فسأل عن ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم لا قال وليس شكه في ~~ذلك بمانع أن يعرف الله تعالى بصفاته بل ms075 يجري مجرى شكه في جواز الرؤية على ~~بعض ما لا يرى من الأعراض في أنه غير مخل بما يحتاج إليه في معرفته تعالى ~~قال ولا يمتنع أن يكون غلطه في ذلك ذنبا صغيرا وتكون التوبة الواقعة منه ~~لأجله وهذا الجواب يبعد من جهة أن PageV01P078 # الشك في جواز الرؤية التي لا تقتضي تشبيها وإن كان لا يمتنع من معرفته ~~بصفاته فإن الشك في ذلك لا يجوز على الأنبياء (ع) من حيث يجوز من بعض من ~~بعثوا أن يعرف ذلك على حقيقته فيكون النبي (ع) شاكا فيه وأمته عارفون به مع ~~رجوعهم في المعارف بالله تعالى وما يجوز عليه إلى النبي (ع) وهذا يزيد في ~~التنفير على كل ما يوجب تنزيه الأنبياء (ع) عنه فإن قيل فعن أي شيء كانت ~~توبة موسى (ع) على الجوابين المتقدمين قلنا أما من ذهب إلى أن المسألة كانت ~~لقومه فإنه يقول إنما تاب لأنه أقدم على أن يسأل عن لسان قومه ما لم يؤذن ~~له فيه وليس للأنبياء (ع) ذلك لأنه لا يؤمن من أن يكون الصلاح في المنع منه ~~فيكون ترك إجابتهم منفرا عنهم وليس تجري مسألتهم على سبيل الاستسرار وبغير ~~حضور قومهم مجرى ما ذكرناه لأنه يجوز أن يسألوا مستسرين ما لم يؤذن لهم فيه ~~لأن منعهم منه لا يقتضي تنفيرا ومن ذهب إلى أنه سأل المعرفة الضرورية يقول ~~إنه تاب من حيث سأل معرفة لا يقتضيها التكليف وفي الناس من قال إنه تاب من ~~حيث ذكر في الحال ذنبا صغيرا متقدما والذي يجب أن يقال في تلفظه بذكر ~~التوبة إنه وقع على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والرجوع إليه والتقرب منه ~~وإن لم يكن هناك ذنب معروف وقد يجوز أيضا أن يكون الغرض في ذلك مضافا إلى ~~ما ذكرناه من الاستكانة والخضوع والعبادة تعليمنا وتوقيفنا على ما نستعمله ~~وندعو به عند نزول الشدائد وظهور الأهوال وتنبيه القوم المخطئين خاصة على ~~التوبة مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه تعالى فإن الأنبياء (ع) وإن ~~لم ms076 يقع منهم القبائح فقد يقع من غيرهم ويحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة ~~والاستغفار والاستقالة وهذا بين بحمد الله ومنه مسألة فإن قيل فما وجه قوله ~~تعالى حكاية عن PageV01P079 # موسى (ع)@QUR@028 وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن ~~القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين أوليس ظاهر هذه الآية يدل على أن هارون (ع) أحدث ما أوجب إيقاع ~~ذلك الفعل منه وبعد فما الاعتذار لموسى (ع) من ذلك وهو فعل السخفاء ~~والمتسرعين وليس من عادة الحكماء المتماسكين الجواب قلنا ليس فيما حكاه ~~الله تعالى من فعل موسى وأخيه (ع) ما يقتضي وقوع معصية ولا قبيح من واحد ~~منهما وذلك أن موسى (ع) أقبل وهو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظما ~~لفعلهم مفكرا منكرا ما كان منهم فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الإنسان ~~بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدة الفكر ألا ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على ~~شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض على لحيته فأجرى موسى (ع) أخاه هارون مجرى نفسه ~~لأنه كان أخاه وشريكه ومن يمسه من الخير والشر ما يمسه فصنع به ما يصنعه ~~الرجل بنفسه في أحوال الفكر والغضب وهذه الأمور يختلف أحكامها بالعادات ~~فيكون ما هو إكرام في بعضها استخفافا في غيرها ويكون ما هو استخفاف في موضع ~~إكراما في آخر فأما قوله @QUR@06 لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي فليس يدل على ~~أنه وقع على سبيل الاستخفاف بل لا يمتنع أن يكون هارون (ع) خاف من أن يتوهم ~~بنو إسرائيل لسوء ظنهم أنه منكر عليه معاتب له ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في ~~موضع آخر @QUR@012 إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ~~وفي موضع آخر يا @QUR@05 ابن أم إن القوم استضعفوني إلى آخر الآية ويمكن ~~أن يكون قوله @QUR@06 لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ليس على سبيل الامتعاض ~~والأنفة أي الغيرة لكن معنى كلامه لا تغضب ولا يشتد جزعك وأسفك لأنا إذا ms077 ~~كنا قد جعلنا فعله ذلك دلالة الغضب والجزع فالنهي عنه نهي عنهما وقال قوم ~~إن موسى (ع) لما جرى من قومه من بعده ما جرى PageV01P080 # اشتد حزنه وجزعه ورأى من أخيه هارون (ع) مثل ما كان عليه من الجزع والقلق ~~أخذ برأسه يجره إليه متوجعا له مسكنا له كما يفعل أحدنا بمن تناله المصيبة ~~العظيمة فيجزع لها ويقلق منها وعلى هذا الجواب يكون قوله @QUR@04 فلا تشمت ~~بي الأعداء لا يتعلق بهذا الفعل بل يكون كلاما مستأنفا فأما قوله على هذا ~~الجواب @QUR@06 لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي فيحتمل أن يريد أن لا تفعل ذلك ~~وغرضك التسكين مني فيظن القوم أنك منكرا علي وقال قوم في هذه الآية إن بني ~~إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى (ع) حتى أن هارون (ع) كان غاب عنهم ~~غيبة فقالوا لموسى (ع) أنت قتلته فلما وعد الله تعالى موسى (ع) ثلاثين ليلة ~~وأتمها له بعشر وكتب له في الألواح من كل شيء وخصه بأمور شريفة جليلة ~~الخطر بما أراه من الآية في الجبل ومن كلام الله تعالى له وغير ذلك من شريف ~~الأمور ثم رجع إلى أخيه أخذ برأسه ليدنيه إليه ويعلمه ما جدده الله تعالى ~~له من ذلك ويبشره فخاف هارون (ع) أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له فقال ~~إشفاقا على موسى (ع)@QUR@06 لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي لتسر إلى ما تريده ~~بين أيدي هؤلاء فيظنوا بك ما لا يجوز عليك ولا يليق بك والله تعالى أعلم ~~بمراده من كلامه مسألة فإن قيل فما وجه قوله تعالى فيما حكاه عن موسى (ع) ~~والعالم الذي كان صحبه وقيل إنه الخضر (ع) من الآيات التي ابتدأ @QUR@062 ~~فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له ~~موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا ~~وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي ~~لك أمرا قال فإن ms078 اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا إلى آخر ~~الآيات المتضمنة لهذه القصة وأول ما تسألون عنه في هذه الآيات أن يقال لكم ~~كيف يجوز أن يتبع موسى ع PageV01P081 # غيره ويتعلم منه وعندكم أن النبي (ع) لا يجوز أن يفتقر إلى غيره وكيف ~~يجوز أن يقول له @QUR@05 إنك لن تستطيع معي صبرا والاستطاعة عندكم هي ~~القدرة وقد كان موسى (ع) على مذهبكم قادرا على الصبر وكيف قال موسى ~~(ع)@QUR@010 ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا فاستثنى المشية في ~~الصبر وأطلق فيما ضمنه من طاعته واجتناب معصيته وكيف قال @QUR@04 لقد جئت ~~شيئا إمرا و@QUR@02 شيئا نكرا وما أتى العالم منكرا على الحقيقة وما معنى ~~قوله @QUR@04 لا تؤاخذني بما نسيت وعندكم أن النسيان لا يجوز على ~~الأنبياء (ع) ولم نعت موسى (ع) النفس بأنها زكية ولم تكن كذلك على الحقيقة ~~ولم قال في الغلام @QUR@06 فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فإن كان الذي ~~خشيه الله تعالى على ما ظنه قوم فالخشية لا يجوز عليه تعالى وإن كان هو ~~الخضر (ع) فكيف يستبيح دم الغلام لأجل الخشية والخشية لا تقتضي علما ولا ~~يقينا الجواب قلنا إن العالم الذي نعته الله تعالى في هذه الآيات فلا يجوز ~~إلا أن يكون نبيا فاضلا وقد قيل إنه الخضر (ع) وأنكر أبو علي ذلك وزعم أنه ~~ليس بصحيح قال لأن الخضر (ع) يقال إنه كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل ~~الذين بعثوا من بعد موسى (ع) وليس يمتنع أن يكون الله تعالى قد أعلم هذا ~~العالم ما لم يعلمه موسى (ع) وأرشد موسى (ع) إليه ليتعلم منه وإنما المنكر ~~أن يحتاج النبي (ع) في العلم إلى بعض رعيته المبعوث إليهم فأما إن يفتقر ~~إلى غيره ممن ليس له برعية فجائز وما تعلمه من هذا العالم إلا كتعلمه من ~~الملك الذي يهبط إليه بالوحي وليس في هذا دلالة على أن ذلك العالم كان أفضل ~~من موسى بالعلم كله لأنه لا يمتنع أن يزيد موسى (ع) ms079 عليه في سائر العلوم ~~التي هي أفضل وأشرف مما علمه فقد يعلم أحدنا شيئا من المعلومات وإن كان ذلك ~~المعلوم يذهب إلى غيره ممن هو أفضل منه وأعلم وأما نفي الاستطاعة فإنما ~~أراد بها أن الصبر لا يخف عليك أنه يثقل على PageV01P082 # طبعتك كما يقول أحدنا لغيره إنك لا تستطيع أن تنظر إلي وكما يقال للمريض ~~الذي يجهده الصوم وإن كان عليه قادرا إنك لا تستطيع الصيام ولا تطيقه وربما ~~عبر بالاستطاعة عن الفعل نفسه كما قال الله تعالى حكاية عن الحواريين ~~@QUR@09 هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء فكأنه على هذا الوجه ~~قال له إنك لن تصبر ولن يقع منك الصبر ولو كان إنما نفى القدرة على ما ظنه ~~الجهال لكان العالم وهو في ذلك سواء فلا معنى لاختصاصه بنفي الاستطاعة ~~والذي يدل على أنه نفى عنه الصبر لا الاستطاعة قول موسى (ع) في جوابه ~~@QUR@05 ستجدني إن شاء الله صابرا ولم يقل ستجدني إن شاء الله مستطيعا ومن ~~حق الجواب أن يطابق الابتداء فدل جوابه على أن الاستطاعة في الابتداء عبارة ~~عن الفعل نفسه وأما قوله @QUR@05 ولا أعصي لك أمرا فهو أيضا مشروط ~~بالمشيئة وليس بمطلق على ما ذكر في السؤال فكأنه قال ستجدني صابرا ولا أعصي ~~لك أمرا إن شاء الله وإنما قدم الشرط على الأمرين جميعا وهذا ظاهر في ~~الكلام وأما قوله @QUR@04 لقد جئت شيئا إمرا فقد قيل إنه أراد شيئا عجبا ~~وقيل إنه أراد شيئا منكرا وقيل إن الإمر أيضا هو الداهية فكأنه قال جئت ~~داهية وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن الإمر مشتق من الكثرة من أمر القوم إذا ~~كثروا وجعل عبارة عما كثر عجبه وإذا حملت هذه اللفظة على العجب فلا سؤال ~~فيها وإن حملت على المنكر كان الجواب عنها وعن قوله @QUR@04 لقد جئت شيئا ~~نكرا واحدا وفي ذلك وجوه منها أن ظاهر ما أتيته المنكر ومن يشاهده ينكره ~~قبل أن يعرف علته ومنها أن يكون حذف الشرط فكأنه قال إن ms080 كنت قتلته ظالما ~~فقد جئت شيئا نكرا ومنها أنه أراد أتيت أمرا بديعا غريبا فإنهم يقولون فيما ~~يستغربونه ويجهلون علته أنه نكر ومنكر وليس يمكن أن يدفع خروج الكلام مخرج PageV01P083 # الاستفهام والتقرير دون القطع ألا ترى إلى قوله @QUR@04 أخرقتها لتغرق ~~أهلها وإلى قوله @QUR@06 أقتلت نفسا زكية بغير نفس ومعلوم أنه كان قصد ~~بخرق السفينة إلى التغريق فقد أتى منكرا وكذلك إن كان قتل النفس على سبيل ~~الظلم فأما قوله @QUR@04 لا تؤاخذني بما نسيت فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة ~~أحدها أنه أراد النسيان المعروف وليس ذلك بعجب مع قصر المدة فإن الإنسان قد ~~ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب وغير ذلك والوجه الثاني أنه ~~أراد لا تأخذني بما تركت ويجري ذلك مجرى قوله تعالى @QUR@08 ولقد عهدنا ~~إلى آدم من قبل فنسي أي ترك # وقد روي هذا الوجه عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله (ص)@HAD08 قال ~~له موسى (ع) لا تؤاخذني بما نسيت @HAD@ يقول مما تركت من عهدك # والوجه الثالث أنه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسماه ~~نسيانا للمشابهة كما قال المؤذن لأخوة يوسف (ع)@QUR@02 إنكم لسارقون أي ~~إنكم تشبهون السراق وكما يتأول # الخبر الذي يرويه أبو هريرة عن النبي (ص) أنه قال@HAD017 : كذب إبراهيم ~~(ع) ثلث كذبات في قوله سارة أختي وفي قوله بل فعله كبيرهم هذا @HAD@ ~~وقوله إني سقيم # والمراد بذلك إن كان هذا الخبر صحيحا أنه فعل ما ظاهره الكذب وإذا حملنا ~~هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها وإن حملناها على النسيان ~~في الحقيقة كان الوجه فيها أن النبي (ع) إنما لا يجوز عليه النسيان فيما ~~يؤديه عن الله تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه فأما فيما هو ~~خارج عما ذكرناه فلا مانع من النسيان ألا ترى أنه إذا نسي أو سها في مأكله ~~أو مشربه على وجه لا يستمر ولا يتصل فننسب إلى أنه مغفل فإن ذلك غير ممتنع ~~وأما وصف النفس بأنها ms081 زكية فقد قلنا إن ذلك خرج مخرج الاستفهام لا على سبيل ~~الإخبار وإذا كان استفهاما فلا سؤال PageV01P084 # على هذا الموضع وقد اختلف المفسرون في هذا النفس فقال أكثرهم إنه كان ~~صبيا لم يبلغ الحلم وإن الخضر وموسى (ع) مرا بغلمان يلعبون فأخذ الخضر (ع) ~~منهم غلاما فأضجعه وذبحه بالسكين ومن ذهب إلى هذا الوجه يجب أن يحمل قوله ~~@QUR@01 زكية على أنه من الزكاء الذي هو الزيادة والنماء لا من الطهارة في ~~الدين من قولهم زكت الأرض تزكو إذا زاد ريعها وذهب قوم إلى أنه كان رجلا ~~بالغا كافرا ولم يكن يعلم موسى (ع) باستحقاقه القتل فاستفهم عن حاله ومن ~~أجاب بهذا الجواب إذا سئل عن قوله تعالى @QUR@05 حتى إذا لقيا غلاما ~~فقتله يقول لا يمتنع تسمية الرجل بأنه غلام على مذهب العرب وإن كان بالغا ~~وأما قوله @QUR@06 فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فالظاهر يشهد أن الخشية ~~من العالم لا منه تعالى والخشية هاهنا قيل العلم كما قال الله تعالى ~~@QUR@09 وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا وقوله تعالى @QUR@07 إلا ~~أن يخافا ألا يقيما حدود الله وقوله عز وجل @QUR@04 وإن خفتم عيلة وكل ~~ذلك بمعنى العلم وعلى هذا الوجه كأنه يقول إني علمت بإعلام الله تعالى لي ~~أن هذا الغلام متى بقي كفر أبويه [كفر وأبواه] ومتى قتل بقيا على إيمانهما ~~فصارت تبقيته مفسدة ووجب اخترامه ولا فرق بين أن يميته الله تعالى وبين أن ~~يأمر بقتله وقد قيل إن الخشية هاهنا بمعنى الخوف الذي لا يكون معه يقين ولا ~~قطع وهذا الجواب يطابق جواب من قال إن الغلام كان كافرا مستحقا للقتل بكفره ~~وانضاف إلى استحقاقه ذلك بالكفر خشية إدخال أبويه في الكفر وتزيينه لهما ~~وقال قوم إن الخشية هاهنا هي الكراهية يقول القائل فرقت بين الرجلين خشية ~~أن يقتتلا أي كراهية لذلك وعلى هذا التأويل والوجه الذي قلناه إنه بمعنى ~~العلم لا يمتنع أن تضاف الخشية إلى الله تعالى فإن قيل فما معنى قوله ~~تعالى @QUR@03 أما السفينة فكانت ms082 PageV01P085 # @QUR@04 لمساكين يعملون في البحر والسفينة البحرية تساوي المال الجزيل ~~فكيف يسمى مالكها بأنه مسكين والمسكين عند قوم شر من الفقير وكيف قال ~~@QUR@08 وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ومن كان وراءهم قد سلموا من ~~شره ونجوا من مكروهه وإنما الحذر مما يستقبل قلنا أما قوله @QUR@01 ~~لمساكين ففيه أوجه منها أنه لم يعن بوصفهم بالمسكنة الفقر وإنما أراد عدم ~~الناصر وانقطاع الحيلة كما يقال لمن له عدو يظلمه ويهضمه إنه مسكين ومستضعف ~~وإن كان كثير المال واسع الحال ويجري هذا المجرى # ما روي عنه ع@HAD07 : مسكين مسكين رجل لا زوجة له # وإنما أراد وصفه بالعجز وقلة الحيلة وإن كان ذا مال واسع ووجه آخر وهو أن ~~السفينة الواحدة البحرية التي لا يتعيش إلا بها ولا يقدر على التكسب إلا من ~~جهتها كالدار التي يسكنها الفقير هو وعياله ولا يجد سواها فهو مضطر إليها ~~ومنقطع الحيلة إلا منها فإذا انضاف إلى ذلك أن يشاركه جماعة في السفينة حتى ~~يكون له منها الجزء اليسير كان أسوأ حالا وأظهر فقرا ووجه آخر أن لفظة ~~المساكين قد قرئت بتشديد السين وفتح النون وإذا صحت هذه الرواية فالمراد ~~بها البخلاء وقد سقط السؤال فأما قوله تعالى @QUR@04 وكان وراءهم ملك ~~@QUR@ فهذه اللفظة يعبر بها عن الأمام والخلف معا فهي هاهنا بمعنى الأمام ويشهد ~~بذلك قوله تعالى @QUR@03 من ورائه جهنم @QUR@ يعني من قدامه وبين يديه وقال الشاعر # ليس على طول الحياة ندم %~% ومن وراء المرء ما لا يعلم # وقال الآخر # أليس ورائي إن تراخت منيتي %~% لزوم العصا تحني عليها الأصابع # ولا شبهة في أن المراد بجميع ذلك القدام وقال بعض أهل العربية إنما صلح ~~أن يعبر بالوراء عن الأمام إذا كان الشيء المخبر عنه بالوراء يعلم أنه لا ~~بد من بلوغه ثم سبقه وتخليفه فتقول العرب البرد وراءك وهو يعني قدامك لأنه ~~قد علم أنه لا بد من أن أنه يبلغ البرد ثم يسبق ووجه آخر وهو أنه يجوز أن يريد PageV01P086 # أن ملكا ظالما كان خلفهم وفي طريقهم ms083 عند رجوعهم على وجه لا انفكاك لهم ~~منه ولا طريق لهم غير المرور به فخرق السفينة حتى لا يأخذها إذا عادوا عليه ~~ويمكن أن يكون وراءهم على وجه الاتباع والطلب والله أعلم بمراده مسألة فإن ~~قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ~~آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها أوليس قد روي في ~~الآثار أن بني إسرائيل رموه بأنه أدر الأدر المنتفخ الخصيتين وبأنه أبرص ~~وأنه (ع) ألقى ثيابه على صخرة ليغتسل فأمر الله تعالى الصخرة بأن تسير ~~فسارت وبقي موسى (ع) مجردا يدور في محافل بني إسرائيل حتى رأوه وعلموا أنه ~~لا عاهة به الجواب قلنا ما روي في هذا المعنى ليس بصحيح وليس يجوز أن يفعل ~~الله تعالى بنبيه (ع) ما ذكروه من هتك العورة ليبرئه من عاهة أخرى فإنه ~~تعالى قادر على أن ينزهه مما قذفوه به على وجه لا يلحقه معه فضيحة أخرى ~~وليس يرمي بذلك أنبياء الله تعالى من يعرف أقدارهم # والذي روي في ذلك من الصحيح معروف وهو @HAD051 أن بني إسرائيل لما مات ~~هارون (ع) قذفوه بأنه قتله لأنهم كانوا إلى هارون (ع) أميل فبرأه الله ~~تعالى من ذلك بأن أمر الملائكة بأن تحمل هارون (ع) ميتا فمرت به على محافل ~~بني إسرائيل ناطقة بموته ومبرئة لموسى (ع) من قتله وهذا الوجه يروى عن أمير ~~المؤمنين (ع) # وروي أيضا أن موسى (ع) نادى أخاه هارون فخرج من قبره فسأله هل قتلتك فقال ~~لا ثم عاد إلى قبره وكل هذا جائز والذي ذكره الجهال غير جائز ### ||| داود (ع) # مسألة فإن قيل فما الوجه في قوله تعالى @QUR@028 وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى ~~بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط PageV01P087 # @QUR@061 واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي ~~نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ms084 ~~نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ~~أوليس قد روى أكثر المفسرين أن داود (ع) قال رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب من الذكر ما وددت أنك أعطيتني مثله قال الله تعالى إني ابتليتهم بما ~~لم أبتلك بمثله فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم وأعطيتك كما أعطيتهم قال ~~نعم فقال جل وعز له فاعمل حتى أرى بلاءك فكان ما شاء الله أن يكون وطال ~~عليه ذلك حتى كاد ينساه فبينا هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن ~~يأخذها فطارت إلى كوة المحراب فذهب ليأخذها فطارت فأطلع من الكوة فإذا ~~امرأة تغتسل فهواها وهم بتزويجها وكان لها بعل يقال له أوريا فبعث به إلى ~~بعض السرايا وأمره أن يتقدم أمام التابوت الذي فيه السكينة وكان غرضه أن ~~يقتل فيه فتزوج بامرأته فأرسل الله إليه الملكين في صورة خصمين ليبكتاه على ~~خطيئة وكنيا عن النساء بالنعاج وعليكم في هذه الآيات سؤال من وجه آخر وهو ~~أن الملائكة لا تكذب فكيف قالوا @QUR@05 خصمان بغى بعضنا على بعض وكيف ~~قال أحدهما @QUR@012 إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة إلى آخر ~~الآيات ولم يكن من ذلك شيء الجواب قلنا نحن نفسر الآية ونبين أنه لا دلالة ~~في شيء منها على وقوع الخطاء من داود (ع) فهو الذي يحتاج إليه فأما ~~الرواية المدعاة فساقطة مردودة مرذولة لتضمنها خلاف ما يقتضيه العقول في ~~الأنبياء (ع) وقد طعن في رواتها بما هو معروف ولا حاجة بنا إلى ذكره وأما ~~قوله تعالى @QUR@05 وهل أتاك نبأ الخصم فالخصم مصدر لا يجمع ولا يثنى ولا يؤنث PageV01P088 # ثم قال @QUR@03 إذ تسوروا المحراب @QUR@ فكنى عنهم بكناية الجماعة وقيل في ذلك إنه أخرج الكلام على المعنى دون ~~اللفظ لأن الخصمين هاهنا كالقبيلتين أو الجنسين وقيل بل جمع لأن الاثنين ~~أقل الجمع وأوله ولأن فيهما معنى الانضمام والاجتماع وقيل بل كان ms085 مع هذين ~~الخصمين غيرهما ممن يعينهما ويؤيدهما فإن العادة جارية فيمن يأتي باب ~~السلطان بأن يحضر معه الشفعاء والمعاونين فأما خوفه منهما فلأنه (ع) كان ~~خاليا بالعبادة في وقت لا يدخل عليه فيه أحد على مجرى عادته فراعه منهما ~~أنهما أتيا في غير وقت الدخول أو لأنهما دخلا من غير المكان المعهود ~~وقولهما @QUR@05 خصمان بغى بعضنا على بعض @QUR@ جرى على التقدير والتمثيل وهو كلام مقطوع عن أوله وتقديره أرأيت لو كنا ~~كذلك واحتكمنا إليك ولا بد لكل واحد من الإضمار في هذه الآية وإلا لم يصح ~~الكلام لأن خصمان لا يجوز أن يبتدأ به وقال المفسرون تقدير الكلام نحن ~~خصمان قالوا وهذا مما يضمره المتكلم ويضمر للمتكلم أيضا فيقول المتكلم سامع ~~مطيع أي أنا كذلك ويقول القافلون من الحج آئبون تائبون لربنا حامدون أي نحن ~~كذلك وقال الشاعر # وقولا إذا جاوزتما أرض عامر %~% وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما # نزيعان من جرم بن زبان إنهم %~% أبوا أن يجيروا في الهزاهز محجما # أي نحن نزيعان ويقال للمتكلم مطاع معان ويقال له أراحل أم مقيم وقال الشاعر # تقول ابنة الكعبي لما لقيتها %~% أمنطلق في الجيش أم متثاقل # أي أنت كذلك فإذا كان لا بد في الكلام من إضمار فليس لهم بأن يضمروا شيئا ~~بأولى منا إذا أضمرنا سواه فأما قوله @QUR@08 إن هذا أخي له تسع وتسعون ~~نعجة إلى آخر الآية فإنما هو أيضا على جهة التقدير والتمثيل اللذين ~~قدمناهما وحذف من الكلام ما يقتضي فيه التقدير ومعنى قوله @QUR@02 وعزني ~~أي صار أعز مني وقيل أراد قهرني وغلبني فأما قوله @QUR@02 لقد ظلمك من ~~غير مسألة PageV01P089 # للخصم فإنه أراد إن كان الأمر كما ذكرت ومعنى ظلمك نقصك وتملك كما قال ~~الله تعالى @QUR@07 آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا @QUR@ ومعنى ظن قيل فيه وجهان أحدهما أنه أراد الظن المعروف الذي هو بخلاف اليقين ~~والوجه الآخر أنه أراد العلم واليقين لأن الظن قد يرد بمعنى العلم قال الله ~~تعالى @QUR@07 ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوه @QUR@ وليس يجوز أن ms086 يكون أهل الآخرة ظانين لدخول النار بل عالمين قاطعين وقال الشاعر # فقلت لهم ظنوا بإلقاء مذحج %~% سراتهم في الفارسي المسرد # أي أيقنوا والفتنة في قوله @QUR@05 وظن داود أنما فتناه @QUR@ هي الاختبار والامتحان ولا وجه لها إلا ذلك في هذا الموضع كما قال تعالى ~~@QUR@03 وفتناك فتونا @QUR@ فأما الاستغفار والسجود فلم يكونا لذنب كان في الحال ولا فيما سلف على ما ~~ظنه بعض من تكلم في هذا الباب بل على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخضوع ~~له والتذلل والعبادة والسجود وقد يفعله الناس كثيرا عند النعم التي تتجدد ~~عليهم وتنزل وتئول وترد إليهم شكرا لمولاها وكذلك قد يسبحون ويستغفرون الله ~~تعالى تعظيما وشكرا وعبادة وأما قوله تعالى @QUR@05 وخر راكعا وأناب @QUR@ فالإنابة هي الرجوع ولما كان (ع) بما فعله راجعا إلى الله تعالى ومنقطعا ~~إليه قيل فيه إنه أناب كما يقال في التائب الراجع إلى التوبة والندم إنه ~~منيب فأما قوله تعالى @QUR@03 فغفرنا له ذلك @QUR@ فمعناه أنا قبلناه منه وكتبنا له الثواب عليه فأخرج الجزاء على وجه ~~المجازات به كما قال تعالى @QUR@05 يخادعون الله وهو خادعهم @QUR@ وقال جل وعز @QUR@03 الله يستهزئ بهم @QUR@ فأخرج الجزاء على لفظ المجازى عليه قال الشاعر # ألا لا يجهلن أحد علينا %~% فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ولما كان المقصود في الاستغفار والتوبة إنما هو القبول قيل في جوابه ~~فغفرنا لك أي فعلنا المقصود به وكذلك لما كان الاستغفار على طريق الخضوع ~~والعبادة المقصود به القربة والثواب قيل في جوابه غفرنا مكان قبلنا على أن ~~من ذهب إلى أن داود PageV01P090 # ع فعل صغيرة لا بد من أن يحمل قوله تعالى @QUR@01 فغفرنا على غير إسقاط ~~العقاب لأن العقاب قد سقط بما هناك من الثواب الكثير من غير استغفار ولا ~~توبة ومن جوز على داود (ع) الصغيرة يقول إن استغفاره (ع) كان لأحد أمور ~~أولها أن أوريا بن حنان لما أخرجه في بعض ثغوره فقتل وكان داود (ع) عالما ~~بجمال بحال زوجته فمالت نفسه إلى نكاحها بعده فقل غمه بقتله لميل طبعه إلى ms087 ~~نكاح زوجته فعوتب على ذلك بنزول الملكين من حيث حمله ميل الطبع على أن قل ~~غمه بمؤمن قتل من أصحابه وثانيها أنه # روي @HAD041 أن امرأة خطبها أوريا بن حنان ليتزوجها وبلغ داود (ع) ~~جمالها فخطبها أيضا فزوجها أهلها بداود (ع) وقدموه على أوريا وغيره فعوتب ~~(ع) على الحرص على الدنيا وأنه خطب امرأة قد خطبها غيره حتى قدم عليه- # وثالثها أنه # روي @HAD090 أن امرأة تقدمت هي وزوجها إليه في مخاصمة بينهما من غير ~~محاكمة لكن على سبيل الوساطة وطال الكلام بينهما وتردد فعرض داود (ع) للرجل ~~بالنزول عن المرأة لا على سبيل الحكم لكن على سبيل التوسط والاستصلاح كما ~~يقول أحدنا لغيره إذا كنت لا ترضى زوجتك هذه ولا تقوم بالواجب من نفقتها ~~فانزل عنها فقدر الرجل أن هذا حكم منه لا تعريض فنزل عنها وتزوجها داود (ع) ~~فأتاه الملكان ينبهانه على التقصير في ترك تبيين مراده للرجل وأنه كان على ~~سبيل العرض لا الحكم # ورابعها أن سبب ذلك # @HAD060 أن داود (ع) كان متشاغلا بعبادته في محرابه فأتاه رجل وامرأة ~~يتحاكمان فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها فيحكم لها أو عليها وذلك نظر مباح ~~على هذا الوجه فمالت نفسه إليها ميل الخلقة والطباع ففصل بينهما وعاد إلى ~~عبادته فشغله الفكر في أمرها وتعلق القلب بها عن بعض نوافله التي كان وظفها ~~على نفسه فعوتب- # وخامسها أن المعصية منه إنما كانت بالعجلة في الحكم قبل التثبت وقد كان يجب PageV01P091 # عليه لما سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها ولا ~~يقضي عليه قبل المسألة ومن أجاب بهذا الجواب قال إن الفزع من دخولهما عليه ~~في غير وقت العادة أنساه التثبت والتحفظ وكل هذه الوجوه لا يجوز على ~~الأنبياء (ع) لأن فيها ما هو معصية وقد بينا أن المعاصي لا تجوز عليهم ~~وفيها ما هو منفر وإن لم يكن معصية مثل أن يخطب امرأة قد خطبها رجل من ~~أصحابه فتقدم عليه وتزوجها ومثل التعريض بالنزول عن المرأة وهو لا يريد ~~الحكم فأما ms088 الاشتغال عن النوافل فلا يجوز أن يقع عليه عتاب لأنه ليس بمعصية ~~ولا هو أيضا منفر فأما من زعم أنه عرض أوريا للقتل وقدمه أمام التابوت عمدا ~~حتى يقتل فقوله أوضح فسادا من أن يتشاغل برده # @HAD01 1 وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال@HAD019 : لا أوتي برجل ~~يزعم أن داود (ع) تزوج بامرأة أوريا إلا جلدته حدين حد النبوة وحد الإسلام # فأما أبو مسلم فإنه قال لا يمتنع أن يكون الداخلان على داود (ع) كانا ~~خصمين من البشر وأن يكون ذكر النعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية وإنما ~~ارتاع منهما لدخولهما من غير إذن وعلى غير مجرى العادة قال وليس في ظاهر ~~التلاوة ما يقتضي أن يكونا ملكين وهذا الجواب يستغني معه عما تأولنا به ~~قولهما ودعوى أحدهما على صاحبه وذكر النعاج والله تعالى أعلم بالصواب ### ||| سليمان (ع) # مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@032 ووهبنا لداود سليمان نعم ~~العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ~~أوليس ظاهر هذه الآيات يدل على أن مشاهدة الخيل ألهاه وشغله عن ذكر ربه حتى ~~روي أن الصلاة فاتته وقيل إنها PageV01P092 # صلاة العصر ثم إنه عرقب الخيل وقطع سوقها وأعناقها غيظا عليها وهذا كله ~~فعل يقتضي ظاهره القبح الجواب قلنا أما ظاهر الآية فلا يدل على إضافة قبيح ~~إلى النبي (ع) والرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلة لا يلتفت إليها ~~لو كانت قوية صحيحة ظاهرة فكيف إذا كانت ضعيفة واهية والذي يدل على ما ~~ذكرناه على سبيل الجملة أن الله تعالى ابتدأ الآية بمدحه وتعريفه والثناء ~~عليه فقال @QUR@04 نعم العبد إنه أواب وليس يجوز أن يثني عليه بهذا ~~الثناء ثم يتبعه من غير فضل بإضافة القبيح إليه وأن يلهى بعرض الخيل عن فعل ~~المفروض عليه من الصلاة والذي يقتضيه الظاهر أن حبه للخيل وشغفه بها كان عن ~~إذن ربه وبأمره وبتذكيره إياه لأن الله ms089 تعالى قد أمرنا بارتباط الخيل ~~وإعدادها لمحاربة الأعداء فلا ينكر أن يكون سليمان (ع) مأمورا بمثل ذلك ~~@QUR@08 فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ليعلم من حضره أن اشتغاله بها ~~واستعداده لها لم يكن لهوا ولا لعبا وإنما تبع فيه أمر الله تعالى وأثر ~~طاعته فأما قوله @QUR@03 أحببت حب الخير ففيه وجهان أحدهما أنه أراد إني ~~أحببت حبا ثم أضاف الحب إلى الخير والوجه الآخر أنه أراد أحببت اتخاذ الخير ~~فجعل بدل قوله اتخاذ الخير حب الخير فأما قوله تعالى @QUR@02 ردوها علي ~~فهو الخيل لا محالة على مذهب سائر أهل التفسير فأما قوله تعالى @QUR@03 ~~حتى توارت بالحجاب فإن أبا مسلم محمد بن بحر وحده قال إنه عائد إلى الخيل ~~دون الشمس لأن الشمس لم يجر لها ذكر في القصة وقد جرى للخيل ذكر فرده إليها ~~أولى إذا كانت له محتملة وهذا التأويل يبرئ النبي (ع) عن المعصية فأما من ~~قال إن قوله تعالى @QUR@03 حتى توارت بالحجاب كناية عن الشمس فليس في ~~ظاهر القرآن أيضا على هذا الوجه ما يدل على أن التواري كان سببا لفوت ~~الصلاة ولا يمتنع أن يكون ذكر ذلك على سبيل الغاية لعرض الخيل عليه ثم ~~استعادته لها فأما أبو علي الجبائي وغيره PageV01P093 # فإنه ذهب إلى أن الشمس لما توارت بالحجاب وغابت كان ذلك سببا لترك عبادة ~~كان يتعبد بها بالعشي وصلاة نافلة كان يصليها فنسيها شغلا بهذه الخيل ~~وإعجابا بتقليبها فقال هذا القول على سبيل الاغتمام لما فاته من الطاعة ~~وهذا الوجه أيضا لا يقتضي إضافة قبيح إليه (ع) لأن ترك النافلة ليس بقبيح ~~ولا معصية وأما قوله تعالى @QUR@05 فطفق مسحا بالسوق والأعناق @QUR@ فقد قيل فيه وجوه منها أنه عرقبها ومسح أعناقها وسوقها بالسيف من حيث شغلته ~~عن الطاعة ولم يكن ذلك على سبيل العقوبة لها لكن حتى لا يتشاغل في المستقبل ~~بها عن الطاعات لأن للإنسان أن يذبح فرسه لأكل لحمه فكيف إذا انضاف إلى ذلك ~~وجه آخر يحسنه وقد قيل إنه يجوز أن ms090 يكون لما كانت الخيل أعز ماله عليه أراد ~~أن يكفر عن تفريطه في النافلة بذبحها والتصدق بلحمها على المساكين قالوا ~~فلما رأى حسن الخيل وراقته وأعجبته أراد أن يتقرب إلى الله تعالى بالمعجب ~~له الرائق في عينه ويشهد بصحة هذا المذهب قوله تعالى @QUR@07 لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون @QUR@ فأما أبو مسلم فإنه ضعف هذا الوجه فقال لم يجر للسيف ذكر فيضاف إليه المسح ~~ولا يسمي العرب الضرب بالسيف والقطع به مسحا قال فإن ذهب ذاهب إلى قول الشاعر # مدمن يجلو بأطراف الذرى %~% دنس الأسوق بالعضب الأفل # فإن هذا الشاعر يعني أنه عرقب الإبل للأضياف فمسح بأسنمتها ما صار على ~~سيفه من دنس عراقبها وهو الدم الذي أصابه منها وليس في الآية ما يوجب ذلك ~~ولا يقاربه وليس الذي أنكره أبو مسلم بمنكر لأن أكثر أهل التأويل وفيهم من ~~يشار إليه في اللغة روى أن المسح هاهنا هو القطع وفي الاستعمال المعروف ~~مسحه بالسيف إذا قطعه وبتره والعرب تقول مسح علاوتها أي ضربها ومنها أن ~~يكون معنى مسحها هو أنه أمر يده عليها صيانة لها وإكراما لما رأى من حسنها ~~فمن عادة من عرضت عليه الخيل PageV01P094 # أن يمر يده على أعرافها وأعناقها وقوائمها ومنها أن يكون معنى المسح ~~هاهنا هو الغسل فإن العرب تسمي الغسل مسحا فكأنه لما رأى حسنها أراد ~~صيانتها وكرامها فغسل قوائمها وأعناقها وكل هذا واضح مسألة فإن قيل فما ~~معنى قوله تعالى @QUR@011 ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم ~~أناب أوليس قد روي في تفسير هذه الآية أن جنيا كان اسمه صخرا تمثل على ~~صورته وجلس على سريره وأنه أخذ خاتمه الذي فيه النبوة فألقاه في البحر ~~فذهبت نبوته وأنكره قومه حتى عاد إليه من بطن السمكة الجواب قلنا أما ما ~~رواه القصاص الجهال في هذا الباب فليس مما يذهب على عاقل بطلانه وإن مثله ~~لا يجوز على الأنبياء (ع) وإن النبوة لا تكون في خاتم ولا يسلبها النبي (ع) ~~ولا ينزع عنه وإن ms091 الله تعالى لا يمكن الجني من التمثيل بصورة النبي (ع) ولا ~~غير ذلك مما افتروا به على النبي (ع) وإنما الكلام على ما يقتضيه ظاهر ~~القرآن وليس في الظاهر أكثر من أن جسدا ألقي على سبيل الفتنة له وهي ~~الاختبار والامتحان مثل قوله تعالى @QUR@026 الم أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين والكلام في ذلك الجسد ما هو إنما يرجع فيه إلى ~~الرواية الصحيحة التي لا تقتضي إضافة قبيح إليه (ع) وقد قيل في ذلك أشياء ~~منها أن سليمان (ع) قال يوما يوما في مجلسه وفيه جمع كثير لأطوفن الليلة ~~على مائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله وكان له ~~فيما روى عدد كثير من السراري فأخرج كلامه على سبيل المحبة لهذه الحال ~~فنزهه الله تعالى عن الكلام الذي ظاهره الحرص على الدنيا والتشبث بها لئلا ~~يقتدى به في ذلك فلم تحمل من نسائه إلا امرأة واحدة فألقت ولدا ميتا فحمل ~~حتى وضع على كرسيه جسدا بلا روح تنبيها له على أنه ما كان يجب أن يظهر منه ~~ما ظهر فاستغفر ربه وفزع إلى الصلاة PageV01P095 # والدعاء وهذا الوجه إذا صح ليس يقتضي معصية صغيرة على ما ظنه بعضهم حتى ~~نسب الاستغفار والإنابة إلى ذلك وذلك لأن محبة الدنيا على الوجه المباح ليس ~~بذنب وإن كان غيره أولى منه والاستغفار عقيب هذه الحال لا يدل على وقوع ذنب ~~في الحال ولا قبلها بل يكون محمولا على ما ذكرناه آنفا في قصة داود (ع) من ~~الانقطاع إلى الله تعالى وطلب ثوابه فأما قول بعضهم إن ذنبه من حيث لم ~~يستثن مشيئة الله تعالى لما قال تلد كل امرأة واحدة منهن غلاما فهو غلط ~~لأنه (ع) وإن لم يستثن ذلك لفظا فقد استثناه ضميرا أو اعتقادا إذ لو كان ~~قاطعا مطلقا للقول لكان كاذبا أو مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا وذلك لا ms092 ~~يجوز عند من جوز الصغائر على الأنبياء (ع) وأما قول بعضهم إنه (ع) إنما ~~عوتب واستغفر لأجل أن فريقين اختصما إليه أحدهما من أهل جراده امرأة له كان ~~يحبها فأحب أن يقع القضاء لأهلها فحكم بين الفريقين بالحق وعوتب على محبة ~~موافقة الحكم لأهل امرأته فليس هذا أيضا بشيء لأن هذا المقدار الذي ذكروه ~~ليس بذنب يقتضي عتابا إذا كان لم يرد القضاء بما يوافق امرأته على كل حال ~~بل مال طبعه إلى أن يكون الحق موافقا لقول فريقها وأن يتفق أن يكون في ~~جهتها من غير أن يقتضي ذلك ميلا منه في الحكم أو عدولا عن الواجب ومنها أنه # روي عن الحسن @HAD0102 لما ولد لسليمان (ع) ولد قالوا لنلقين من ولده ~~مثل ما لقينا من أبيه فلما ولد له غلام أشفق عليه منهم فاسترضعه في المزن ~~وهو السحاب فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا تنبيها له على أن الحذر لا ~~ينفع مع القدر ومنها أنهم ذكروا أنه كان لسليمان (ع) ولد شاب ذكي وكان يحبه ~~حبا شديدا فأماته الله تعالى على بساطه فجأة بلا مرض اختبارا من الله تعالى ~~لسليمان (ع) وابتلاء لصبره في إماتة ولده وألقى جسده على كرسيه وقيل إن ~~الله جل ثناؤه أماته في حجره وهو على كرسيه فوضعه من حجره PageV01P096 # @HAD01 عليه # ومنها ما ذكره أبو مسلم فإنه قال جائز أن يكون الجسد المذكور هو جسد ~~سليمان (ع) وأن يكون ذلك لمرض امتحنه تعالى به وتلخيص الكلام @QUR@09 ولقد ~~فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا @QUR@ وذلك لشدة المرض والعرب تقول في الإنسان إذا كان ضعيفا إنه لحم على وضم كما ~~يقولون إنه جسد بلا روح تغليظا للعلة ومبالغة في فرط الضعف @QUR@02 ثم ~~أناب @QUR@ أي رجع إلى حال الصحة واستشهد على الاختصار والحذف في الآية بقوله تعالى ~~@QUR@036 ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذا ms093 إلا أساطير الأولين @QUR@ ولو أتى بالكلام على شرحه لقال يقول الذين كفروا منهم أي من المجادلين كما ~~قال تعالى @QUR@011 محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم @QUR@ إلى قوله @QUR@012 وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا ~~عظيما @QUR@ وقال الأعشى في معنى الاختصار والحذف # وكان السموط علقها السلك %~% بعطفي جيداء أم غزال # ولو أتى بالشرح لقال علقها السلك منها وقال كعب بن زهير # زالوا فما زال إنكاس ولا كشف %~% عند اللقاء ولا ميل معازيل # وإنما أراد فما زال منهم إنكاس ولا كشف وشواهد هذا المعنى كثيرة مسألة ~~فإن قيل فما معنى قول سليمان (ع)@QUR@015 رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب أوليس ظاهر هذا القول منه (ع) يقتضي الشح ~~والظن والمنافسة لأنه لم يقنع بمسألة الملك حتى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره ~~منه الجواب قلنا قد ثبت أن الأنبياء (ع) لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في ~~مسألته لا سيما إذا كانت المسألة ظاهرة يعرفها قومهم وجائز أن يكون الله ~~تعالى أعلم سليمان (ع) أنه إن سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح له في الدين ~~والاستكثار من الطاعات وأعلمه أن غيره لو سأل ذلك لم يجب إليه من حيث لا صلاح PageV01P097 # له فيه ولو أن أحدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول اللهم اجعلني أيسر ~~أهل زماني وارزقني ما لا يساويني فيه غيري إذا علمت أن ذلك أصلح لي وأنه ~~أدعى إلى ما تريده مني لكان هذا الدعاء منه حسنا جميلا وهو غير منسوب به ~~إلى بخل ولا شح وليس يمتنع أن يسأل النبي (ع) هذه المسألة من غير إذن إذا ~~لم يكن شرط ذلك بحضرة قومه بعد أن يكون هذا الشرط مرادا فيها وإن لم يكن ~~منطوقا به وعلى هذا الجواب اعتمد أبو علي الجبائي ووجه آخر وهو أن يكون (ع) ~~إنما التمس أن يكون ملكه آية النبوة ليتبين بها عن غيره ممن ليس بنبي ~~وقوله @QUR@05 لا ms094 ينبغي لأحد من بعدي أراد به لا ينبغي لأحد غيري ممن أنا ~~مبعوث إليه ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين (ع) ونظير ذلك أنك ~~تقول للرجل أنا أطيعك ثم لا أطيع أحدا بعدك تريد ولا أطيع أحدا سواك ولا ~~تريد بلفظة بعد المستقبل وهذا وجه قريب قد ذكر أيضا في هذه الآية ومما لم ~~يذكر فيها مما يحتمله الكلام أن يكون (ع) إنما سأل ملك الآخرة وثواب الجنة ~~التي لا يناله المستحق إلا بعد انقطاع التكليف وزوال المحنة فمعنى قوله ~~@QUR@05 لا ينبغي لأحد من بعدي أي لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا ~~يصح أن يعمل ما يستحق به لانقطاع التكليف ويقوي هذا الجواب قوله @QUR@03 ~~رب اغفر لي وهو من أحكام الآخرة وليس لأحد أن يقول إن ظاهر الكلام بخلاف ~~ما تأولتم لأن لفظة @QUR@01 بعدي لا يفهم منها بعد وصولي إلى الثواب وذلك ~~أن الظاهر غير مانع من التأويل الذي ذكرناه ولا مناف له لأنه لا بد من أن ~~تعلق لفظة @QUR@01 بعدي بشيء من أحواله المتعلقة به وإذا علقناها بوصوله ~~إلى الملك كان ذلك في الفائدة ومطابقة الكلام كغيره مما يذكر في هذا الباب ~~ألا ترى أنا إذا حملنا لفظة @QUR@01 بعدي على بعد نبوتي أو بعد مسألتي أو ~~ملكي كان ذلك كله في حصول الفائدة به يجري مجرى أن نحملها على بعد وصولي ~~إلى الملك PageV01P098 # فإن ذلك مما يقال فيه أيضا بعدي ألا ترى أن القائل يقول دخلت الدار بعدي ~~ووصلت إلى كذا وكذا بعدي وإنما يريد بعد دخولي وبعد وصولي وهذا واضح بحمد الله ### ||| يونس ع # مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@024 وذا النون إذ ذهب مغاضبا ~~فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين وما معنى غضبه وعلى من كان غضبه وكيف ظن أن الله تعالى لا ~~يقدر عليه وذلك مما لا يظنه مثله وكيف اعترف بأنه من الظالمين والظلم قبيح ~~الجواب ms095 قلنا أما من ظن أن يونس (ع) خرج مغاضبا لربه من حيث لم ينزل بقومه ~~العذاب فقد خرج في الافتراء على الأنبياء (ع) وسوء الظن بهم عن الحد وليس ~~يجوز أن يغاضب ربه إلا من كان معاديا له وجاهل بأن الحكمة في سائر أفعاله ~~وهذا لا يليق بأتباع الأنبياء (ع) من المؤمنين فضلا عمن عصمه الله تعالى ~~ورفع درجته وأقبح من ذلك ظن الجهال وإضافتهم (ع) إليه أنه ظن أن ربه لا ~~يقدر عليه من جهة القدرة التي يصح بها الفعل ويكاد يخرج عندنا من ظن ~~بالأنبياء (ع) مثل ذلك عن باب التمييز والتكليف وإنما كان غضبه (ع) على ~~قومه لمقامهم على تكذيبه وإصرارهم على الكفر ويأسه من إقلاعهم وتوبتهم فخرج ~~من بينهم خوفا من أن ينزل العذاب بهم وهو مقيم بينهم فأما قوله تعالى ~~@QUR@05 فظن أن لن نقدر عليه فمعناه أن لا نضيق عليه المسلك ونشدد عليه ~~المحنة والتكليف لأن ذلك مما يجوز أن يظنه النبي (ع) ولا شبهة في أن قول ~~القائل قدرت وقدرت بالتخفيف والتشديد معناه التضييق قال الله تعالى ~~@QUR@09 ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله وقال تعالى @QUR@05 الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء PageV01P099 # @QUR@02 ويقدر أي يوسع ويضيق وقال تعالى @QUR@08 وأما إذا ما ابتلاه ~~فقدر عليه رزقه أي ضيق والتضييق الذي قدره الله عليه هو ما لحقه من الحصول ~~في بطن الحوت وما ناله في ذلك من المشقة الشديدة إلى أن نجاه الله تعالى ~~منها وأما قوله تعالى @QUR@013 فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين فهو على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخشوع ~~له والخضوع بين يديه لأنه لما دعاه كشف ما امتحنه به وسأله أن ينجيه من ~~الظلمات التي هي ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل فعل ما يفعله ~~الخاضع والخاشع من الانقطاع والاعتراف بالتقصير وليس لأحد أن يقول كيف ~~يعترف بأنه كان من الظالمين ولم يقع منه ظلم وهل هذا إلا كذب بعينه وليس ~~يجوز أن يكذب ms096 النبي (ع) في حال خضوع ولا غيره وذلك أنه يمكن أن يريد بقوله ~~@QUR@04 إني كنت من الظالمين أي من الجنس الذي يقع منهم الظلم فيكون صدقا ~~وإن ورد على سبيل الخضوع والخشوع لأن جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم ~~فإن قيل فأي فائدة في أن يضيف نفسه إلى الجنس الذي يقع منهم الظلم إذا كان ~~الظلم منتفيا عنه في نفسه قلنا الفائدة في ذلك التظاهر والتطأمن لله تعالى ~~والتخاضع ونفي التكبر والتجبر لأن من كان مجتهدا في رغبة إلى ملك قدير فلا ~~بد من أن يتطأطأ له ويجتهد له في الخضوع بين يديه ومن أكبر الخضوع أن يضيف ~~نفسه إلى القبيل الذي يخطئون ويصيبون كما يقول الإنسان إذا أراد أن يكسر ~~نفسه وينفي عنها دواعي الكبر والخيلاء إنما أنا من البشر لست من الملائكة ~~وأنا ممن يخطئ ويصيب وهو لا يريد إضافة الخطاء إلى نفسه في الحال بل يكون ~~الفائدة ما ذكرناها ووجه آخر وهو أنا قد بينا في قصة آدم (ع) لما تأولنا ~~قوله تعالى @QUR@03 ربنا ظلمنا أنفسنا أن المراد بذلك أنا نقصناها الثواب ~~وبخسناها حظها منه لأن الظلم في أصل اللغة هو النقص والثلم ومن ترك المندوب ~~إليه وهو لو فعله لاستحق الثواب PageV01P100 # يجوز أن يقول إنه ظلم نفسه من حيث نقصها ذلك الثواب وليس يمتنع أن يكون ~~يونس (ع) أراد هذا المعنى لأنه لا محالة قد ترك كثيرا من الندب فإن استيفاء ~~جميع الندب يتعذر وهذا أولى مما ذكره من جوزه الصغائر على الأنبياء (ع) ~~لأنهم يدعون أن خروجه كان بغير إذن من الله تعالى له فكان قبيحا صغيرا وليس ~~ذلك بواجب على ما ظنوه لأن ظاهر القرآن لا يقتضيه وإنما أوقعهم في هذه ~~الشبهة قوله @QUR@04 إني كنت من الظالمين وقد بينا وجه ذلك وأنه ليس ~~بواجب أن يكون خبرا عن المعصية وليس لهم أن يقولوا كيف يسمى من ترك النفل ~~بأنه ظالم وذلك أنا قد بينا وجه هذه التسمية في اللغة وإن كان إطلاق اللفظة ms097 ~~في العرف لا يقتضيه وعلى من سأل عن ذلك مثله إذا قيل له كيف يسمى كل من فعل ~~معصية بأنه ظالم وإنما الظلم المعروف هو الضرر المحض الموصل إلى الغير فإذا ~~قالوا إن في المعصية معنى الظلم وإن لم يكن ضررا يوصل إلى الغير من حيث ~~نقصت ثواب فاعلها قلنا وهذا المعنى يصح في الندب على أن يجري ما [لا] يستحق ~~من الثواب مجرى المستحق وبعد فإن أبا علي الجبائي وكل من وافقه في الامتناع ~~من القول بالموازنة في الإحباط لا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب فعلى أي وجه ~~يا ليت شعري يجعل معصية يونس (ع) ظلما وليس فيها من معنى الظلم شيء فأما ~~قوله تعالى @QUR@08 فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت فليس على ما ظنه ~~الجهال من أنه (ع) ثقل عليه أعباء النبوة لضيق خلقه فقذفها وإنما الصحيح أن ~~يونس (ع) لم يقو على الصبر على تلك المحنة التي ابتلاه الله تعالى بها ~~وعرضه لنزولها به بغاية الثواب فشكا إلى الله تعالى منها وسأله الفرج ~~والخلاص ولو صبر لكان أفضل وأراد الله تعالى لنبيه (ص) أفضل المنازل ~~وأعلاها PageV01P101 ### ||| عيسى ع # فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@049 وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن ~~أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في ~~نفسك إنك أنت علام الغيوب وليس يخلو من أن يكون عيسى (ع) ممن قال ذلك أو ~~يجوز أن يقوله وهذا خلاف ما تذهبون إليه في الأنبياء (ع) أو يكون ممن لم ~~يقل ذلك ولا يجوز أن يقوله فلا معنى لاستفهامه تعالى منه وتقريره ثم أي ~~معنى في قوله @QUR@06 ولا أعلم ما في نفسك وهذه اللفظة لا تكاد تستعمل في ~~الله تعالى الجواب قلنا إن قوله تعالى @QUR@04 أأنت قلت للناس ليس ~~باستفهام على الحقيقة وإن كان خارجا مخرج الاستفهام والمراد به تقريع من ms098 ~~ادعى ذلك عليه من النصارى وتوبيخهم وتكذيبهم وهذا يجري مجرى قول أحدنا ~~لغيره أفعلت كذا وكذا وهو يعلم أنه لم يفعله ويكون مراده تقريع من ادعى ذلك ~~عليه وليقع الإنكار والجحود ممن خوطب بذلك فيبكت من ادعاه عليه ووجه آخر ~~وهو أنه تعالى أراد بهذا القول تعريف عيسى (ع) أن قوما قد اعتقدوا فيه وفي ~~أمه أنهما إلهان لأنه يمكن أن يكون عيسى (ع) لم يعرف ذلك إلا في تلك الحال ~~ونظيره في التعارف أن يرسل الرجل رسولا إلى قوم فبلغ الرسول رسالته ويفارق ~~القوم فيخالفونه بعده ويبدلون ما أتى به وهو لا يعلم ويعلم المرسل له ذلك ~~فإذا أحب أن يعلمه مخالفة القوم له جاز أن يقول له أأنت أمرتهم بكذا وكذا ~~على سبيل الإخبار له بما صنعوه فأما قوله (ع)@QUR@010 تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك فإن لفظة النفس تنقسم في اللغة إلى معان مختلفة فالنفس ~~نفس الإنسان وغيره من الحيوان وهي التي إذا فقدها خرج عن كونه حيا ومنه ~~قوله تعالى PageV01P102 # @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت @QUR@ والنفس أيضا ذات الشيء الذي يخبر عنه كقولهم فعل ذلك فلان نفسه إذا تولى ~~فعله وأعطى كذا وكذا نفسه والنفس أيضا الأنفة كقولهم ليس لفلان نفس أي لا ~~أنفة له والنفس أيضا الإرادة يقولون نفس فلان في كذا وكذا أي إرادته قال الشاعر # فنفساي نفس قالت ائت ابن بجدل %~% تجد فرحا من كل غم تهابها # ونفس تقول اجهد بحال ولا تكن %~% كخاضبة لم يغن شيئا خضابها # ومنه أن رجلا قال للحسن يا أبا سعيد لم أحجج قط إلا ولي نفسان فنفس تقول ~~لي احجج ونفس تقول لي تزوج فقال الحسن إنما النفس واحدة ولكن هم يقول احجج ~~وهم يقول لك تزوج وأمره بالحج وقال الممزق العبدي # ألا من لعين قد ناها حميمها %~% وأرقها بعد المنام همومها # فباتت له نفسان شتى همومها %~% فنفس تعزيها ونفس تلومها # والنفس أيضا العين التي تصيب الإنسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين # @HAD030 : وروي أن رسول ms099 الله (ص) كان يرقي فيقول- بسم الله أرقيك والله ~~يشفيك من كل داء هو فيك من عين عائن ونفس نافس وحسد حاسد # وقال ابن الأعرابي النفوس التي تصيب الناس بالنفس وذكر رجلا فقال كان ~~والله حسودا نفوسا كذوبا وقال عبد الله بن قيس الرقيات يتقي أهلها النفوس ~~عليها فعلى نحرها الرقي والتميم والنفس أيضا من الدباغ مقدار الدبغة يقال ~~أعطني نفسا من الدباغ أي قدر ما أدبغ به مرة والنفس أيضا الغيب يقول القائل ~~إني لا أعلم نفس فلان أي غيبه وهذا هو تأويل قوله @QUR@010 تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك أي تعلم غيبي وما عندي ولا أعلم غيبك وما عندك ~~وقيل إن النفس أيضا العقوبة من قولهم أحذرك نفسي أي عقوبتي وبعض المفسرين ~~حمل قوله تعالى @QUR@04 ويحذركم الله نفسه على هذا المعنى كأنه قال ~~يحذركم الله عقوبته روي ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرون قالوا معنى الآية ~~ويحذركم الله إياه فإن قيل فما الوجه في تسمية PageV01P103 # الغيب بأنه نفس قلنا لا يمتنع أن يكون الوجه في ذلك أن نفس الإنسان لما ~~كانت خفية الموضع الذي يودعه سرها أنزل ما يكتمه ويجهد في سره منزلتها فقيل ~~فيه إنه نفس مبالغة في وصفه بالكتمان والخفاء وإنما حسن أن يقول مخبرا عن ~~نبيه (ع) وأعلم ما في نفسك من حيث تقدم قوله @QUR@04 تعلم ما في نفسي ~~ليزدوج الكلام فلهذا لا يحسن ابتداء أن يقول أنا لا أعلم ما في نفس الله ~~تعالى وإن حسن على الوجه الأول ولهذا نظائر في الكلام مشهورة مسألة فإن قيل ~~فما معنى قوله تعالى حاكيا عن عيسى (ع)@QUR@012 إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وكيف يجوز هذا القول مع علمه (ع) بأنه ~~تعالى لا يغفر للكفار الجواب قلنا المعنى بهذا الكلام تفويض الأمر إلى ملكه ~~وتسليمه إلى مدبره والتبري من أن يكون إليه شيء من أمور قومه وعلى هذا ~~يقول أحدنا إذا أراد أن يتبرأ من تدبير أمر من الأمور ويسلم ms100 منه ويفوض أمره ~~إلى غيره هذا الأمر لا مدخل لي فيه فإن شئت أن تفعله وإن شئت أن تتركه مع ~~علمه وقطعه على أن أحد الأمرين لا بد أن يكون منه وإنما حسن منه ذلك لما ~~أخرج كلامه مخرج التفويض والتسليم و# قد روي عن الحسن أنه قال@HAD026 : ~~معنى الآية أن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم ~~فكأنه اشترط التوبة وإن لم يكن الشرط ظاهرا في الكلام # فإن قيل فلم لم يقل وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم فهو أليق ~~بالكلام ومعناه من @QUR@02 العزيز الحكيم قلنا هذا سؤال من لم يعرف معنى ~~الآية لأن الكلام لم يخرج مخرج مسألة فيليق بما ذكر في السؤال وإنما ورد ~~على معنى تسليم الأمر إلى مالكه فلو قيل فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم ~~الدعاء لهم بالمغفرة ولم يقصد ذلك بالكلام على أن قوله @QUR@02 العزيز ~~الحكيم أبلغ في المعنى وأشد استيفاء له من الغفور الرحيم وذلك لأن الغفران ~~والرحمة قد يكونان حكمة وصوابا PageV01P104 # ويكونان بخلاف ذلك فهما بالإطلاق لا يدلان على الحكمة والحسن والوصف ~~بالعزيز الحكيم يشتمل على معنى الغفران والرحمة إذا كانا صوابين ويزيد ~~عليهما باستيفاء معان كثيرة لأن العزيز هو المنيع القادر الذي لا يذل ولا ~~يضام وهذا المعنى لا يفهم من الغفور الرحيم البتة وأما الحكيم فهو الذي يضع ~~الأشياء مواضعها ويصيب بها أغراضها ولا يفعل إلا الحسن الجميل فالمغفرة ~~والرحمة إذا اقتضتهما الحكمة دخلتا في قوله الحكيم وزاد معنى هذه اللفظة ~~عليهما من حيث اقتضاء وصفه بالحكمة في سائر أفعاله وإنما طعن بهذا الكلام ~~من الملحدين من لا معرفة له بمعاني الكلام وإلا فبين ما تضمنه القرآن من ~~اللفظة وبين ما ذكروه فرق ظاهر في البلاغة واستيفاء المعاني والاشتمال عليها ### ||| في تنزيه سيدنا محمد المصطفى ص # مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@04 ووجدك ضالا فهدى أوليس هذا ~~يقتضي إطلاقه الضلال عن الدين وذلك مما لا يجوز عندكم قبل النبوة ولا بعدها ~~الجواب في معنى هذه الآية ms101 أجوبة أولها أنه أراد @QUR@03 ووجدك ضالا عن ~~النبوة فهداك إليها أو عن شريعة الإسلام التي نزلت عليه وأمر بتبليغها إلى ~~الخلق وبإرشاده (ص) إلى ما ذكرناه أعظم النعم عليه والكلام في الآية خارج ~~مخرج الامتنان والتذكير بالنعم وليس لأحد أن يقول إن الظاهر بخلاف ذلك لأنه ~~لا بد في الظاهر من تقدير محذوف يتعلق به الضلال لأن الضلال هو الذهاب ~~والانصراف فلا بد من أمر يكون منصرفا عنه فمن ذهب إلى أنه أراد الذهاب عن ~~الدين فلا بد له من أن يقدر هذه اللفظة ثم يحذفها ليتعلق بها لفظ الضلال ~~وليس هو في ذلك أولى منا فيما قدرناه وحذفناه وثانيها أن يكون أراد الضلال ~~عن المعيشة وطريق PageV01P105 # الكسب يقال للرجل الذي لا يهتدي طريق معيشته ووجه مكسبه هو ضال لا يدري ~~ما يصنع ولا أين يذهب فامتن الله تعالى عليه بأن رزقه وأغناه وكفاه وثالثها ~~أن يكون أراد @QUR@02 وجدك ضالا بين مكة والمدينة عند الهجرة فهداك وسلمك ~~من أعدائك وهذا الوجه قريب لو لا أن السورة مكية وهي مقدمة للهجرة إلى ~~المدينة اللهم إلا أن يحمل قوله تعالى @QUR@01 وجدك على أنه سيجدك على ~~مذهب العرب في حمل الماضي على معنى المستقبل فيكون له وجه ورابعها أن يكون ~~أراد بقوله @QUR@04 ووجدك ضالا فهدى أي مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك ~~فهداهم إلى معرفتك وأرشدهم إلى فضلك وهذا له نظير في الاستعمال يقال فلان ~~ضال في قومه وبين أهله إذا كان مضلولا عنه وخامسها أنه روي في قراءة هذه ~~الآية الرفع ألم يجدك يتيم فآوى ووجدك ضال فهدى على أن اليتيم وجده وكذلك ~~الضال وهذا الوجه ضعيف لأن القراءة غير معروفة ولأن هذا الكلام يسمج ويفسد ~~أكثر معانيه مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@030 وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم أوليس قد # روي في ذلك @HAD047 أن رسول الله (ص) ms102 لما رأى تولى قومه عنه شق عليه ما ~~هم عليه من المباعدة والمنافرة وتمنى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما ~~يقارب بينه وبينهم وتمكن حب ذلك في قلبه فلما أنزل الله تعالى عليه والنجم ~~إذا هوى @HAD@ وتليها عليهم ألقى الشيطان على لسانه لما كان تمكن في نفسه ~~من محبة مقاربتهم تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فلما سمعت قريش ~~ذلك سرت به وأعجبهم ما زكى به آلهتهم حتى انتهى إلى السجدة فسجد المؤمنون ~~وسجد أيضا المشركون لما سمعوا من ذكره آلهتهم بما أعجبهم فلم يبق في المسجد ~~مؤمن ولا مشرك إلا سجد إلا PageV01P106 # @HAD054 الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا لا يستطيع السجود فأخذ ~~بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وقريش مسرورة بما ~~سمعت وأتى جبرئيل (ع) إلى النبي (ص) معاتبا على ذلك فحزن له حزنا شديدا ~~فأنزل الله تعالى عليه معزيا له ومسليا وما أرسلنا من قبلك @HAD@ الآية # الجواب قلنا أما الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التي قصوها ~~وليس يقتضي الظاهر إلا أحد أمرين إما أن يريد بالتمني التلاوة كما قال حسان ~~بن ثابت # تمنى كتاب الله أول ليلة %~% وآخره لاقى حمام المقادر # أو يريد بالتمني تمني القلب فإن أراد التلاوة كان المراد أن من أرسل قبلك ~~من الرسل كان إذا تلا ما يؤديه إلى قومه حرفوا عليه وزادوا فيما يقوله ~~ونقصوا كما فعلت اليهود في الكذب على نبيهم فأضاف ذلك إلى الشيطان لأنه يقع ~~بوسوسته وغروره ثم بين أن الله تعالى يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه ~~ويحسم مادة الشبهة به وإنما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له (ص) ~~لما كذب المشركون عليه وأضافوا إلى تلاوته من مدح آلهتهم ما لم يكن فيها ~~وإن كان المراد تمني القلب فالوجه في الآية أن الشيطان متى تمنى النبي (ع) ~~بقلبه بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس إليه بالباطل ويحدثه بالمعاصي ويغريه ~~بها ويدعوه إليها وأن الله تعالى ينسخ ms103 ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة ~~الشيطان وعصيانه وترك استماع غروره فأما الأحاديث المروية في هذا الباب فلا ~~يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل (ع) عنه هذا لو لم تكن ~~في أنفسها مطعونة ضعيفة عند أصحاب الحديث بما يستغنى عن ذكره وكيف يجيز ذلك ~~على النبي (ص) من يسمع الله تعالى يقول @QUR@04 كذلك لنثبت به فؤادك يعني ~~القرآن وقوله تعالى @QUR@010 ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم PageV01P107 # @QUR@03 لقطعنا منه الوتين وقوله تعالى @QUR@03 سنقرئك فلا تنسى على ~~أن من يجيز السهو على الأنبياء (ع) يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية ~~المنكرة لما فيها من غاية التنفير عن النبي (ص) لأن الله تعالى قد جنب نبيه ~~(ص) من الأمور الخارجة عن باب المعاصي كالغلطة والفظاظة وقول الشعر وغير ~~ذلك مما هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالى على أنه لا يخلو (ع) ~~وحوشي مما قذف به من أن يكون تعمد ما حكوه وفعله قاصدا أو فعله ساهيا ولا ~~حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب والعمد لظهوره وإن كان فعله ساهيا ~~فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقها ~~ثم لمعنى ما تقدمها من الكلام لأنا نعلم ضرورة أن من كان ساهيا لو أنشد ~~قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها وفي معنى البيت الذي ~~تقدمه وعلى الوجه الذي يقتضيه فائدته وهو مع ذلك يظن أنه من القصيدة التي ~~ينشدها وهذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على النبي (ص) على أن الموحي إليه من ~~الله النازل بالوحي وتلاوة القرآن جبرئيل (ع) وكيف يجوز السهو عليه على أن ~~بعض أهل العلم قد قال يمكن أن يكون وجه التباس الأمر أن رسول الله (ص) لما ~~تلا هذه السورة في ناد غاص بأهله وكان أكثر الحاضرين من قريش المشركين ~~فانتهى إلى قوله تعالى @QUR@05 أفرأيتم اللات والعزى وعلم من قرب مكانه ~~منه من قريش أنه ms104 سيورد بعدها ما يسوؤهم به فيهن قال كالمعارض له والراد ~~عليه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فظن كثير ممن حضر أن ذلك من ~~قوله (ص) واشتبه عليهم الأمر لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته (ص) ويكثر ~~كلامهم وضجاجهم طلبا لتغليطه وإخفاء قراءته ويمكن أن يكون هذا أيضا في ~~الصلاة لأنهم كانوا يقربون منه (ص) في حال صلاته عند الكعبة ويسمعون PageV01P108 # قراءته ويلغون فيها وقيل أيضا إنه (ع) كان إذا تلا القرآن على قريش توقف ~~في فصول الآيات وأتى بكلام على سبيل الحجاج لهم فلما تلا @QUR@09 أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى قال (ص) تلك الغرانيق العلى منها ~~الشفاعة ترتجى على سبيل الإنكار عليهم وإن الأمر بخلاف ما ظنوه من ذلك وليس ~~يمتنع أن يكون هذا في الصلاة ح كان مباحا وإنما نسخ من بعد وقيل إن المراد ~~بالغرانيق الملائكة وقد جاء مثل ذلك في بعض الحديث فتوهم المشركون أنه يريد ~~آلهتهم وقيل إن ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة فتلاه الرسول (ص) فلما ~~ظن المشركون أن المراد به آلهتهم نسخت تلاوته وكل هذا يطابق ما ذكرناه من ~~تأويل قوله @QUR@06 إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته لأن بغرور الشيطان ~~ووسوسته أضيف إلى تلاوته (ع) ما لم يرده بها وكل هذا واضح بحمد الله تعالى ~~مسألة فإن قيل فما تأويل قوله تعالى @QUR@031 وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه أوليس هذا عتابا له (ص) من حيث أضمر ما ~~كان ينبغي أن يظهره وراقب من لا يجب أن يراقبه فما الوجه في ذلك الجواب ~~قلنا وجه هذه الآية معروف وهو أن الله تعالى لما أراد نسخ ما كانت عليه ~~الجاهلية من تحريم نكاح زوجة الدعي والدعي هو الذي كان أحدهم يجتبيه ويربيه ~~ويضيفه إلى نفسه على طريق البنوة وكان من عادتهم أن يحرموا على أنفسهم نكاح ~~أزواج أدعيائهم كما يحرمون نكاح أزواج أبنائهم فأوحى ms105 الله تعالى إلى نبيه ~~(ص) أن زيد بن حارثة وهو دعي رسول الله (ص) سيأتيه مطلقا زوجته وأمره أن ~~يتزوجها بعد فراق زيد لها ليكون ذلك ناسخا لسنة الجاهلية التي تقدم ذكرها ~~فلما حضر زيد مخاصما زوجته عازما على طلاقها أشفق PageV01P109 # الرسول من أن يمسك عن وعظه وتذكيره لا سيما وقد كان يتصرف على أمره ~~وتدبيره فرجف المنافقون به (ص) إذا تزوج المرأة ويقرفونه بما قد نزهه الله ~~تعالى عنه فقال له @QUR@03 أمسك عليك زوجك تبرؤا مما ذكرناه وتنزها وأخفى ~~في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها لينتهي إلى أمر الله تعالى فيها ~~ويشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى @QUR@024 فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا وكان أمر الله مفعولا على أن العلة في أمره بنكاحها ما ذكرناه من نسخ ~~السنة المتقدمة فإن قيل العتاب باق على كل حال لأنه قد كان ينبغي أن يظهر ~~ما أضمره ويخشى الله ولا يخشى الناس قلنا أكثر ما في الآية إذا سلمنا نهاية ~~الاقتراح فيها أن يكون (ص) فعل ما غيره أولى منه وليس يكون (ص) بترك الأولى ~~عاصيا وليس يمتنع على هذا الوجه أن يكون صبره على قذف وإهانة المنافقين ~~وهوانه بقولهم أفضل وأكثر ثوابا فيكون إبداء ما في نفسه أولى من إخفائه على ~~أنه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي العتاب ولا ترك الأولى وأما إخباره بأنه ~~أخفى ما الله مبديه فلا شيء فيه من الشبهة وإنما هو خير محض وأما قوله ~~@QUR@08 وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ففيه أدنى شبهة وإن كان الظاهر لا ~~يقتضي عند التحقيق ترك الأفضل لأنه أخبر أنه يخشى الناس وأن الله أحق ~~بالخشية ولم يخبر أنك لم تفعل الأحق وعدلت إلى الأدون ولو كان في الظاهر ~~بعض الشبهة لوجب أن نتركه ونعدل عنه للقاطع من الأدلة وقد قيل إن زيد بن ~~حارثة لما خاصم زوجته زينب ابنة جحش وهي ابنة عمة رسول ms106 الله (ص) وأشرف على ~~طلاقها أضمر رسول الله (ص) أنه إن طلقها زيد تزوجها من حيث إنها ابنة عمته ~~وكان يحب ضمها إلى نفسه كما يحب أحدنا ضم قرابته إلى نفسه حتى لا ينالهم ~~بؤس ولا ضرر فأخبر الله تعالى رسول الله (ص) والناس بما كان يضمره من إيثار ضمها PageV01P110 # إلى نفسه ليكون ظاهر الأنبياء (ع) وباطنهم سواء ولهذا # @HAD0102 قال رسول الله (ص) للأنصار يوم فتح مكة وقد جاء عثمان بعبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح وسأله أن يرضى عنه وكان رسول الله (ص) قبل ذلك قد أهدر ~~دمه وأمر بقتله فلما رأى عثمان استحى من رده وسكت طويلا ليقتله بعض ~~المؤمنين فلم يفعل المؤمنون ذلك انتظارا منهم لأمر رسول الله (ص) مجددا ~~فقال للأنصار أما كان فيكم رجل يقوم إليه فيقتله فقال فقاله عباد بن بشر يا ~~رسول الله (ص) إن عيني ما زالت في عينك انتظارا أن تومئ إلي فأقتله فقال له ~~رسول الله (ص) الأنبياء (ع) لا تكون لهم خيانة أعين # وهذا الوجه يقارب الأول في المعنى فإن قيل فما المانع مما وردت به ~~الرواية من أن رسول الله (ص) رأى في بعض الأحوال زينب ابنة جحش فهواها فلما ~~أن حضر زيد لطلاقها أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعده وهواه لها أوليس ~~الشهوة عندكم التي قد تكون عشقا على بعض الوجوه من فعل الله تعالى وأن ~~العباد لا يقدرون عليها وعلى هذا المذهب لا يمكنكم إنكار ما تضمنته السؤال ~~قلنا لم ننكر ما وردت به هذه الرواية الخبيثة من جهة أن الشهوة تتعلق بفعل ~~العباد وأنها معصية قبيحة بل من جهة أن عشق الأنبياء (ع) لمن ليس يحل لهم ~~من النساء منفر عنهم وحاط من رتبتهم ومنزلتهم وهذا مما لا شبهة فيه وليس كل ~~شيء يجب أن يجتنبه الأنبياء (ع) مقصورا على أفعالهم ألا ترى أن الله تعالى ~~قد جنبهم الفظاظة والغلظة والعجلة وكل ذلك ليس من فعلهم وأوجبنا أيضا أن ~~يجنبوا الأمراض المنفرة والخلق ms107 المشينة كالجذام والبرص وتفاوت الصور ~~واضطرابها وكل ذلك ليس من مقدورهم ولا فعلهم وكيف يذهب على عاقل أن عشق ~~الرجل زوجة غيره منفر عنه معدود في جملة معايبه ومثالبه ونحن نعلم أنه لو ~~عرف بهذه الحال بعض الأمناء أو الشهود لكان PageV01P111 # ذلك قادحا في عدالته وخافضا من منزلته وما يؤثر في منزلة أحدنا أولى أن ~~يؤثر في منازل من طهره الله وعصمه وأكمله وأعلى منزلته وهذا بين لمن تدبره ~~مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@033 ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لو ~~لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم أوليس هذا يقتضي عتابه ~~على استبقاء الأسارى وأخذ عرض الدنيا عوضا عن قتلهم الجواب قلنا ليس في ~~ظاهر الآية ما يدل على أنه (ص) عوتب في شأن الأسارى بل لو قيل إن الظاهر ~~يقتضي توجه الآية إلى غيره لكان أولى لأن قوله تعالى @QUR@07 تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة وقوله تعالى @QUR@011 لو لا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم لا شك أنه لغيره فيجب أن يكون المعاتب سواه ~~والقصة معروفة والرواية بها متظافرة لأن الله تعالى أمر نبيه (ص) بأن يأمر ~~أصحابه بأن يثخنوا في قتل أعدائهم بقوله تعالى @QUR@08 فاضربوا فوق ~~الأعناق واضربوا منهم كل بنان وبلغ النبي (ص) ذلك إلى أصحابه فخالفوه ~~وأسروا يوم بدر جماعة من المشركين طمعا في الفداء فأنكر الله تعالى ذاك ~~عليهم وبين أن الذي أمر به سواه فإن قيل فإذا كان النبي (ص) خارجا عن ~~العتاب فما معنى قوله تعالى @QUR@07 ما كان لنبي أن يكون له أسرى قلنا ~~الوجه في ذلك لأن الأصحاب إنما أسروهم ليكونوا في يده (ص) فهم أسراؤه على ~~الحقيقة ومضافون إليه وإن كان لم يأمرهم بأسرهم بل أمر بخلافه فإن قيل أفما ~~شاهدهم النبي (ص) وقت الأسر فكيف لم ينههم عنه قلنا ليس يجب أن يكون (ص) ~~مشاهدا لحال الأسر ms108 لأنه كان (ص) على ما وردت به الرواية يوم بدر جالسا في ~~العريش فلما تباعد أصحابه عنه (ص) أسروا من أسروه من المشركين PageV01P112 # بغير علمه (ص) فإن قيل فما بال النبي (ص) لم يأمر بقتل الأسراء لما صاروا ~~في يده إن كان خارجا من المعصية وموجب العتاب أوليس لما استشار أصحابه ~~فأشار عليه أبو بكر باستبقائهم وعمر باستيصالهم رجع إلى رأي أبي بكر حتى ~~روي أن العتاب من أجل ذلك قلنا أما الوجه في أنه (ص) لم يقتلهم فظاهر لأنه ~~غير ممتنع أن يكون المصلحة في قتلهم وهم محاربون وأن يكون القتل أولى من ~~الأسر فإذا أسروا تغيرت المصلحة وكان استبقاؤهم أولى والنبي (ص) لم يعمل ~~برأي أبي بكر إلا بعد أن وافق ذلك ما نزل الوحي به عليه وإذا كان القرآن لا ~~يدل بظاهر ولا فحوى على وقوع معصية منه (ص) في هذا الباب فالرواية الشاذة ~~لا يعول عليها ولا يلتفت إليها وبعد فلسنا ندري من أي وجه تضاف المعصية ~~إليه (ص) في هذا الباب لأنه لا يخلو من أن يكون أوحي إليه (ص) في باب ~~الأسارى بأن يقتلهم أو لم يوح إليه فيه شيء ووكل ذلك إلى اجتهاده ومشورة ~~أصحابه فإن كان الأول فليس يجوز أن يخالف ما أوحي إليه ولم يقل أحد أيضا في ~~الباب إنه (ص) خالف النص في باب الأسارى وإنما يدعى عليه أنه فعل ما كان ~~الصواب عند الله خلافه وكيف يكون قتلهم منصوصا عليه بعد الأسر وهو يشاور ~~فيه الأصحاب ويسمع فيه المختلف من الأقوال وليس لأحد أن يقول إذا جاز أن ~~يشاور في قتلهم واستحيائهم وعنده نص بالاستحياء فهلا جاز أن يشاور وعنده نص ~~في القتل وذلك أنه لا يمتنع أن يكون أمر بالمشاورة قبل أن ينص له على أحد ~~الأمرين ثم أمر بما وافق إحدى المشورتين فاتبعه وهذا لا يمكن للمخالف أن ~~يقول مثله وإن كان لم يوح إليه في باب الأسارى شيء ووكل إلى اجتهاده ~~ومشورة أصحابه فما باله يعاتب ms109 وقد فعل ما أداه إليه الاجتهاد والمشاورة وأي ~~لوم على من فعل الواجب ولم يخرج عنه وهذا يدل على أن من PageV01P113 # أضاف إليه المعصية قد ضل عن وجه الصواب مسألة فإن قيل فما وجه قوله تعالى ~~مخاطبا لنبيه (ص) لما استأذنه قوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد فأذن ~~لهم @QUR@014 عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين أوليس العفو لا يكون إلا عن الذنوب وقوله @QUR@02 لم أذنت ظاهر ~~في العتاب لأنه من أخص ألفاظ العتاب الجواب قلنا أما قوله تعالى @QUR@03 ~~عفا الله عنك فليس يقتضي وقوع معصية ولا غفران عقاب ولا يمتنع أن يكون ~~المقصود به التعظيم والملاطفة في المخاطبة لأن أحدنا قد يقول لغيره إذا ~~خاطبه أرأيت رحمك الله وغفر الله لك وهو لا يقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ~~ذنوبه بل ربما لم يخطر بباله أن له ذنبا وإنما الغرض الإجمال في المخاطبة ~~واستعمال ما قد صار في العادة علما على تعظيم المخاطب وتوقيره وأما قوله ~~تعالى @QUR@03 لم أذنت لهم فظاهره الاستفهام والمراد به التقرير واستخراج ~~ذكر علة إذنه وليس بواجب حمل ذلك على العتاب لأن أحدنا قد يقول لغيره لم ~~فعلت كذا وكذا تارة مستفهما وتارة مقررا فليست هذه اللفظة خاصة للعتاب ~~والإنكار وأكثر ما يقتضيه وغاية ما يمكن أن يدعى فيها أن تكون دالة على أنه ~~(ص) ترك الأولى والأفضل وقد بينا أن ترك الأولى ليس بذنب وإن كان الثواب ~~ينقص معه فإن الأنبياء (ع) يجوز أن يتركوا من النوافل كثيرا وقد يقول أحدنا ~~لغيره إذا ترك الندب لم تركت الأفضل ولم عدلت عن الأولى ولا يقتضي ذلك ~~إنكارا ولا قبيحا مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@012 ألم نشرح لك ~~صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك أوليس هذا صريحا في وقوع المعاصي منه ~~(ص) الجواب قلنا أما الوزر في أصل اللغة فهو الثقل وإنما سميت الذنوب بأنها ~~أوزارا لأنها تثقل كاسبها وحاملها وإذا كان أصل الوزر ما ms110 ذكرناه فكل شيء ~~أثقل الإنسان وغمه وكده وجهده PageV01P114 # جاز أن يسمى وزرا تشبيها بالوزر الذي هو الثقل الحقيقي وليس يمتنع أن ~~يكون الوزر في الآية إنما أراد به غمه (ص) وهمه بما كان عليه قومه من الشرك ~~وأنه كان هو وأصحابه بينهم مستضعفا مقهورا فكل ذلك مما يتعب الفكر ويكد ~~النفس فلما أن أعلى الله كلمته ونشر دعوته وبسط يده خاطبه بهذا الخطاب ~~تذكيرا له بمواقع النعمة عليه ليقابله بالشكر والثناء والحمد ويقوي هذا ~~التأويل قوله تعالى @QUR@04 ورفعنا لك ذكرك وقوله عز وجل @QUR@08 فإن مع ~~العسر يسرا إن مع العسر يسرا والعسر بالشدائد والغموم أشبه وكذلك اليسر ~~بتفريج الكرب وإزالة الهموم والغموم أشبه فإن قيل هذا التأويل يبطله أن هذه ~~السورة مكية نزلت على النبي (ص) وهو في الحال التي ذكرتم أنها تغمه من ضعف ~~الكلمة وشدة الخوف من الأعداء وقبل أن يعلي الله كلمة المسلمين على ~~المشركين فلا وجه لما ذكرتموه قلنا عن هذا السؤال جوابان أحدهما أنه تعالى ~~لما بشره بأنه يعلي دينه على الدين كله ويظهره عليه ويشفي من أعدائه غيظه ~~وغيظ المؤمنين به كان بذلك واضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من قومه ومطيبا ~~لنفسه ومبدلا عسره يسرا لأنه يثق بأنه وعد الله تعالى حق لا يخلف فامتن ~~الله تعالى عليه بنعمة سبقت الامتنان وتقدمته والجواب الآخر أن يكون اللفظ ~~وإن كان ظاهره الماضي فالمراد به الاستقبال ولهذا نظائر كثيرة في القرآن ~~والاستعمال قال الله تعالى @QUR@06 ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة وقوله ~~تعالى @QUR@07 ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك إلى غير ذلك مما شهرته تغني ~~عن ذكره مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى @QUR@010 ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر أوليس هذا صريحا في أن له (ص) ذنوبا كانت مغفورة ~~الجواب قلنا أما من نفى عنه (ص) صغائر الذنوب مضافا إلى كبائرها فله عن هذه ~~الآية أجوبة نحن نذكرها ونبين صحيحها من سقيمها PageV01P115 # منها أنه أراد تعالى بإضافة الذنب إليه ذنب أبيه ms111 آدم (ع) وحسنت هذه ~~الإضافة للاتصال القربي وعفوه له من حيث أقسم على الله تعالى به فأبر قسمه ~~فهذا المتقدم والذنب المتأخر هو ذنب شيعة أخيه (ع) وهذا الجواب يعترضه أن ~~صاحبه نفى عن نبي ذنبا وأضافه إلى آخر والسؤال عليه فيمن أضافه إليه ~~كالسؤال فيمن نفاه عنه ويمكن إذا أردنا نصرة هذا الجواب أن نجعل الذنوب ~~كلها لأمته (ص) ويكون ذكر التقدم والتأخر إنما أراد به ما تقدم زمانه وما ~~تأخر كما يقول القائل مؤكدا قد غفرت لك ما قدمت وما أخرت وصفحت عن السالف ~~والآنف من ذنوبك ولأضافه ذنوب أمته إليه وجه في الاستعمال معروف لأن القائل ~~قد يقول لمن حضره من بني تميم أو غيرهم من القبائل أنتم قلتم كذا وكذا ~~وقتلتم فلانا وإن كان الحاضرون ما شهدوا ذلك ولا فعلوه وحسنت الإضافة ~~للاتصال والتسبب ولا سبب أوكد مما بين الرسول (ص) وأمته فقد يجوز توسعا ~~وتجوزا أن يضاف ذنوبهم إليه ومنها أنه سمي تركه الندب ذنبا وحسن ذلك لأنه ~~(ص) ممن لا يخالف الأوامر إلا هذا الضرب من الخلاف ولعظم منزلته وقدره جاز ~~أن يسمى بالذنب منه ما إذا وقع من غيره لم يسم ذنبا وهذا الوجه يضعفه على ~~بعد هذه التسمية أنه لا يكون معنى لقوله إنني أغفر ذنبك ولا وجه في معنى ~~الغفران يليق بالعدول عن الندب ومنها أن القول خرج مخرج التعظيم وحسن ~~الخطاب كما قلناه في قوله تعالى @QUR@06 عفا الله عنك لم أذنت لهم وهذا ~~ليس بشيء لأن العادة قد جرت فيما يخرج هذا المخرج من الألفاظ أن يجري مجرى ~~الدعاء مثل قولهم غفر الله لك وليغفر الله لك وما أشبه ذلك ولفظ الآية ~~بخلاف هذا لأن المغفرة فيها جرت مجرى الجزاء والعوض في الفتح وقد كنا ذكرنا ~~في هذه الآية وجها اخترناه وهو أشبه بالظاهر مما تقدم وهو أن يكون المراد بقوله PageV01P116 # @QUR@04 ما تقدم من ذنبك الذنوب إليك لأن الذنب مصدر والمصدر يجوز ~~إضافته إلى الفاعل والمفعول معا ألا ترى أنهم ms112 يقولون أعجبني ضرب زيد عمروا ~~إذا أضافوه إلى الفاعل وأعجبني ضرب زيد عمروا إذا أضافوه إلى المفعول ومعنى ~~المغفرة على هذا التأويل هي الإزالة والفسخ والنسخ لأحكام أعدائه من ~~المشركين عليه وذنوبهم إليه في منعهم إياه عن مكة وصدهم له عن المسجد ~~الحرام وهذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى يكون المغفرة غرضا في الفتح ~~ووجها له وإلا فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله @QUR@015 إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر معنى معقول لأن المغفرة ~~للذنوب لا تعلق لها بالفتح وليست غرضا فيه فأما قوله @QUR@07 ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر فلا يمتنع أن يريد به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح بك ~~وبقومك وما تأخر وليس لأحد أن يقول إن سورة الفتح نزلت على رسول الله (ص) ~~بين مكة والمدينة وقد انصرف من الحديبية وقال قوم من المفسرين إن الفتح ~~أراد به فتح خيبر لأنه كان تاليا لتلك الحال وقال آخرون بل أراد به إنا ~~قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا فكيف يقولون ما لم يقله أحد من أن المراد ~~بالآية فتح مكة والسورة نزلت قبل ذلك بمدة طويلة وذلك أن السورة وإن كانت ~~نزلت في الوقت الذي ذكر وهو قبل فتح مكة فغير ممتنع أن يريد بقوله تعالى ~~@QUR@05 إنا فتحنا لك فتحا مبينا فتح مكة ويكون ذلك على طريق البشارة له ~~والحكم بأنه سيدخل مكة وينصره الله على أهلها ولهذا نظائر في القرآن ~~والكلام كثيرة ومما يقوي أن الفتح في السورة أراد به فتح مكة قوله تعالى ~~@QUR@023 لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا ~~تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا فالفتح القريب هاهنا ~~هو فتح خيبر وأما حمل الفتح على القضاء الذي قضاه في الحديبية فهو خلاف ~~الظاهر ومقتضى الآية لأن الفتح بالإطلاق الظاهر PageV01P117 # منه الظفر والنصر ويشهد بأن المراد بالآية ما ذكرناه قوله تعالى @QUR@05 ~~وينصرك الله نصرا عزيزا @QUR@ فإن قيل ليس ms113 يعرف إضافة المصدر إلى المفعول إلا إذا كان المصدر متعديا ~~بنفسه مثل قولهم أعجبني ضرب زيد عمروا وإضافة مصدر غير متعد إلى مفعوله غير ~~معروفة قلنا هذا تحكم في اللسان وعلى أهله لأنهم في كتب العربية كلها ~~أطلقوا أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول معا ولم يستثنوا متعديا من غيره ~~ولو كان بينهما فرق لبينوه وفصلوه كما فعلوا ذلك في غيره وليس قلة ~~الاستعمال معتبرة في هذا الباب لأن الكلام إذا كان له أصل في العربية ~~استعمل عليه وإن كان قليل الاستعمال وبعد فإن ذنبهم هاهنا إليه إنما هو ~~صدهم له عن المسجد الحرام ومنعهم إياه عن دخوله فمعنى الذنب متعد وإذا كان ~~معنى المصدر متعديا جاز أن يجري مجرى ما يتعدى بلفظه فإن من عادتهم أن ~~يحملوا الكلام تارة على معناه وأخرى على لفظه ألا ترى إلى قول الشاعر # جئني بمثل بني بدر لقومهم %~% أو مثل إخوة منظور بن سيار # فأعمل الكلام على المعنى دون اللفظ لأنه لو أعمله على اللفظ لقال أو مثل ~~بالجرة لكنه لما كان معنى جئني أحضر أو هات قوما مثلهم حسن أن يقال أو مثل ~~بالفتح وقال الشاعر # درست وغير آيهن مع البلى %~% إلا رواكد جمرهن هباء # ومشجج أما سوار قذاله فبدا %~% وغيب سارة المعزاء # فقال ومشجج بالرفع إعمالا للمعنى لأنه لما كان معنى قوله إلا رواكد إنهن ~~باقيات ثابتات عطف ذلك المشجج بالرفع ولو أجرى الكلام على اللفظ لنصب ~~المعطوف به وأمثلة هذا المعنى كثيرة وفيما ذكرناه كفاية بمشية الله تعالى ~~مسألة فإن قيل أليس قد عاتب الله تعالى نبيه (ص) في إعراضه عن ابن أم مكتوم ~~لما جاءه وأقبل على غيره بقوله @QUR@015 عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما ~~يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى وهذا أيسر ما فيه أن يكون صغيرا ~~الجواب قلنا أما ظاهر الآية PageV01P118 # فغير دال على توجهها إلى النبي (ص) ولا فيها ما يدل على أنه خطاب له (ص) ~~بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه وفيها ms114 ما يدل عند التأمل على أن المعني ~~بها غير النبي (ص) لأنه وصفه بالعبوس وليس هذا من صفات النبي (ص) في قرآن ~~ولا خبر مع الأعداء المنابذين فضلا عن المؤمنين المسترشدين ثم وصفه بأنه ~~يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء وهذا مما لا يصف به نبينا (ص) من يعرفه ~~فليس هذا مشبها لأخلاقه (ص) الواسعة وتحننه على قومه وتعطفه وكيف يقول له ~~@QUR@05 وما عليك ألا يزكى وهو (ص) مبعوث للدعاء والتنبيه وكيف لا يكون ~~ذلك عليه وكان هذا القول إغراء بترك الحرص على إيمان قومه وقد قيل إن هذه ~~السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول الله (ص) كان منه هذا الفعل المنعوت فيها ~~ونحن إن شككنا في عين من نزلت فيه فلا ينبغي أن نشك في أنها لم يعن بها ~~النبي (ص) وأي تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين والتلهي عنهم ~~والإقبال على الأغنياء الكافرين والتصدي لهم وقد نزه الله تعالى النبي (ص) ~~عما دون هذا في التنفير بكثير مسألة فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخاطبا ~~لنبيه (ص)@QUR@08 لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين وكيف يوجه ~~هذا الخطاب إلى من لا يجوز عليه الشرك ولا شيء من المعاصي الجواب قد قلنا ~~في هذه الآية إن الخطاب للنبي (ص) والمراد به أمته فقد # روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال@HAD09 : نزل القرآن بإياك أعني ~~واسمعي يا جارة # ومثل ذلك قوله تعالى @QUR@08 يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن فدل قوله تعالى @QUR@01 فطلقوهن على أن الخطاب توجه إلى غيره ~~وجواب آخر أن هذا خبر يتضمن الوعيد وليس يمتنع أن يتوعد الله تعالى على ~~العموم وعلى سبيل الخصوص من يعلم أنه لا يقع منه ما تناوله الوعيد لكنه لا ~~بد من أن يكون مقدورا له وجائزا بمعنى الصحة PageV01P119 # لا بمعنى الشك ولهذا يجعل جميع وعيد القرآن عاما لمن يقع منه ما تناوله ~~الوعيد ولمن علم الله تعالى أنه لا يقع منه وليس قوله تعالى @QUR@04 لئن ~~أشركت ليحبطن عملك على ms115 سبيل التقدير والشرط بأكثر من قوله تعالى @QUR@07 ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا لأن استحالة وجود ثان معه تعالى إذا لم ~~يمنع من تقدير ذلك وبيان حكمه فأولى أن يسوغ تقدير وقوع الشرك الذي هو ~~مقدور ممكن وبيان حكمه والشيعة لها في هذه الآية جواب تنفرد به # @HAD098 وهو أن النبي (ص) لما نص على أمير المؤمنين (ع) بالإمامة في ~~ابتداء الأمر جاءه قوم من قريش فقالوا له يا رسول الله (ص) إن الناس قريبو ~~عهد بالإسلام ولا يرضون أن تكون النبوة فيك والإمامة في ابن عمك فلو عدلت ~~به إلى غيره لكان أولى فقال لهم النبي (ص) ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه ~~لكن الله تعالى أمرني به وفرضه علي فقالوا له فإذا لم تفعل ذلك مخافة ~~الخلاف على ربك تعالى فأشرك في الخلافة معه رجلا من قريش تسكن الناس إليه ~~ليتم لك أمرك ولا يخالف الناس عليك فنزلت الآية # والمعنى فيها لئن أشركت في الخلافة مع أمير المؤمنين (ع) غيره ليحبطن ~~عملك وعلى هذا التأويل فالسؤال باق قائم لأنه إذ كان قد علم الله تعالى أنه ~~(ص) لا يفعل ذلك ولا يخالف أمره لعصمته فما الوجه في الوعيد فلا بد من ~~الرجوع إلى ما ذكرناه مسألة فإن قيل فما وجه قوله تعالى @QUR@016 يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم أوليس ~~ظاهر هذا الخطاب يتضمن العتاب والعتاب لا يكون إلا على ذنب كبير وصغير ~~الجواب قلنا ليس في ظاهر الآية ما يقتضي عقابا وكيف يعاتبه الله تعالى على ~~ما ليس بذنب لأن تحريم الرجل بعض نسائه لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح ولا ~~داخل في جملة الذنوب وأكثر ما فيه أنه مباح ولا يمتنع أن يكون قوله تعالى ~~@QUR@05 لم تحرم ما أحل الله PageV01P120 # @QUR@04 لك تبتغي مرضات أزواجك خرج مخرج التوجع له من حيث تحمل المشقة ~~في إرضاء زوجاته وإن كان ما فعل قبيحا ولو أن أحدنا أرضى بعض نسائه بتطليق ~~أخرى ms116 أو بتحريمها لحسن أن يقال له لم فعلت ذلك وتحملت المشقة فيه وإن كان ~~ما فعل قبيحا ويمكن أيضا إذا سلمنا أن القول يقتضي ظاهره العتاب أن يكون ~~ترك التحريم أفضل من فعله فكأنه عدل بالتحريم عن الأولى ويحسن أن يقال لمن ~~عدل عن النفل لم لم تفعله وكيف عدلت عنه والظاهر الذي لا شبهة فيه قد يعدل ~~عنه لدليل فلو كان للآية ظاهر يقتضي العتاب لجاز أن نصرفه إلى غيره لقيام ~~الدلالة على أنه (ص) لا يفعل شيئا من الذنوب ولأن القصة التي خرجت الآية ~~عليها لا يقتضي ما له تعلق بالذنب على وجه من الوجوه مسألة فإن قيل فما الوجه # في الرواية المشهورة @HAD034 أن النبي (ص) ليلة المعراج لما خوطب بفرض ~~الصلاة راجع ربه تعالى مرة بعد أخرى حتى رجعت إلى خمس وفي الرواية أن موسى ~~(ع) هو القائل له (ص) إن أمتك لا تطيق هذا # وكيف ذهب ذلك على النبي (ص) حتى نبهه موسى (ع) عليه وكيف يجوز المراجعة ~~منه مع علمه بأن العبادة تابعة للمصلحة وكيف يجاب عن ذلك مع أن المصلحة ~~بخلافه الجواب قلنا أما هذه الرواية فهي من طريق الآحاد التي لا توجب علما ~~وهي مع ذلك مضعفة وليس يمتنع لو كانت صحيحة أن تكون المصلحة في الابتداء ~~تقتضي العبادة بالخمسين من الصلوات وإذا وقعت المراجعة تغيرت المصلحة ~~واقتضت أقل من ذلك حتى تنتهي إلى هذا العدد المستقر ويكون النبي (ص) قد ~~أعلم بذلك فراجع طلبا للتخفيف عن أمته والتسهيل ونظير ذلك ما ذكرناه في ~~تغير المصلحة بالمراجعة وتركها إن فعل المنذور قبل النذر غير واجب فإذا ~~تقدم النذر صار واجبا وداخلا في جملة العبادات المفترضات وكذلك تسليم ~~المبيع غير واجب ولا داخل في جملة PageV01P121 # العبادات فإذا تقدم عقد البيع وجب وصار مصلحة ونظائر ذلك في الشرعيات ~~أكثر من أن تحصى فأما قول موسى (ع) له (ص) إن أمتك لا تطيق فراجع فليس ذلك ~~تنبيها له (ص) وليس يمتنع أن يكون النبي (ص) أراد ms117 أن يسأله مثل ذلك لو لم ~~يقله موسى (ع) ويجوز أن يكون قوله قوى دواعيه في المراجعة التي كانت أبيحت ~~له وفي الناس من استبعد هذا الموضع من حيث يقتضي أن يكون موسى (ع) في تلك ~~الحال حيا كاملا وقد قبض منذ زمان وهذا ليس ببعيد لأن الله تعالى قد خبر أن ~~أنبياءه (ع) الصالحين من عباده في الجنان يرزقون فما المانع من أن يجمع ~~الله بين نبينا (ص) وبين موسى ع. مسألة فإن قيل فما الوجه # فيما روي @HAD033 من أن الله تعالى لما أمر نبيه (ص) أن يقرأ القرآن على ~~حرف واحد قال له جبرئيل (ع) أستزده يا محمد (ص) فسأل الله تعالى حتى أذن له ~~يقرأه على سبعة أحرف # الجواب قلنا إن الكلام في هذا الخبر يجري مجرى ما ذكرناه في المراجعة عند ~~فرض الصلاة وليس يمتنع أن يكون المصلحة تختلف بالمراجعة والسؤال وإنما ~~التمس الزيادة في الحروف للتسهيل والتخفيف فإن في الناس من يسهل عليه ~~التفخيم وبعضهم لا يسهل عليه إلا الإمالة وكذلك القول في الهمز وترك الهمز ~~فإن كان هذا الخبر صحيحا فوجه المراجعة هو طلب التخفيف ورفع المشقة مسألة ~~فإن قيل فما الوجه في إجابة النبي (ص) العباس رضي الله عنه في قوله إلا ~~الإذخر إلى سؤاله وإمضاء استثنائه وأنتم تعلمون أن التحريم والتحليل إنما ~~يتبع المصالح وكيف يستثني بقول العباس ما لم يكن يريد أن يستثنيه الجواب ~~قلنا عن هذا جوابان أحدهما أن يكون النبي (ص) أراد أن يستثني ما ذكره ~~العباس (ع) من الإذخر لو لم يسابقه العباس إليه وقد نجد كثيرا من الناس ~~يبتدئ بكلام وفي نيته أن يصله بكلام PageV01P122 # مخصوص فيسابقه إلى ذلك الكلام بعض حاضريه فيظن به أنه إنما وصل كلامه ~~الأول بالثاني لأجل تذكير الحاضر له ولا يكون الأمر كذلك والجواب الثاني أن ~~يكون الله تعالى خير نبيه (ص) في الإذخر فلما سأله العباس اختار أحد ~~الأمرين اللذين خير فيهما وكل هذا غير ممتنع مسألة فإن قيل فما قولكم ms118 في ~~الخبر الذي # رواه محمد بن جرير الطبري بإسناده عن أبي هريرة عن النبي (ص)@HAD06 أن ~~النار تقول هل من مزيد @HAD@ إذا ألقي أهلها فيها حتى يضع الرب تعالى قدمه ~~فيها فتقول قط قط فحينئذ تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض وقد روي مثل ذلك عن أنس بن مالك # الجواب قلنا لا شبهة في أن كل خبر اقتضى ما تنفيه أدلة العقول فهو باطل ~~مردود إلا أن يكون له تأويل سائغ غير متعسف فيجوز أن يكون صحيحا ومعناه ~~مطابق الأدلة وقد دلت العقول ومحكم القرآن والصحيح من السنة على أن الله ~~تعالى ليس بذي جوارح ولا يشبه شيئا من المخلوقات فكل خبرنا في ما ذكرناه ~~وجب أن يكون إما مردودا أو محمولا على ما يطابق ما ذكرناه من الأدلة وخبر ~~القدم يقتضي ظاهره التشبيه المحض فكيف يكون مقبولا وقد قال قوم إنه لا ~~يمتنع أن يريد بذكر القدم القوم الذين قدمهم لها وأخبر أنهم يدخلون إليها ~~ممن استحقها بأعماله فأما قول النار @QUR@03 هل من مزيد @QUR@ فقد قيل معنى ذلك أنها صارت بحيث لا موضع فيها للزيادة وبحيث لو كانت ممن ~~تقول لقالت قد امتلأت وما بقي مزيد وأضاف القول إليها على سبيل المجاز كما ~~أضاف الشاعر القول إلى الحوض # امتلأ الحوض وقال قطني %~% مهلا رويدا قد ملأت بطني # وقد قال أبو علي الجبائي إن القول الذي هو @QUR@03 هل من مزيد من قول ~~الخزنة كما يقال قالت البلدة الفلانية كذا أي قال أهلها وكما قال تعالى ~~@QUR@07 وجاء ربك والملك صفا صفا وهذا أيضا غير ممتنع مسألة فإن قيل فما ~~معنى الخبر # المروي عن النبي ص PageV01P123 # أنه قال@HAD07 : إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه # وفي رواية أخرى@HAD08 : أن الميت يعذب في قبره بالنياحة عليه # وروى المغيرة بن شعبة عنه (ص) أنه قال@HAD09 : من نيح عليه فإنه يعذب ~~بما نيح عليه # الجواب قلنا هذا الخبر منكر الظاهر لأنه يقتضي إضافة الظلم إلى الله ~~تعالى وقد نزهت أدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والاتساع والمجاز لله ~~تعالى عن الظلم ms119 وكل قبيح وقد نزه الله تعالى نفسه بمحكم القول عن ذلك فقال ~~جل وعز @QUR@06 ولا تزر وازرة وزر أخرى فلا بد أن نصرف ما ظاهره بخلاف هذه ~~الأدلة إلى ما يطابقها إن أمكن أو نرده ونبطله # وقد روي عن ابن عباس في هذا الخبر أنه قال@HAD022 : وهل ابن عمر إنما مر ~~رسول الله (ص) على قبر يهودي أهله يبكون عليه فقال إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب # وقد روي إنكار هذا الخبر عن عائشة أيضا وأنها قالت لما خبرت بروايته # @HAD020 وهل أبو عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر إنما قال (ع) إن أهل ~~البيت ليبكون وإنه ليعذب بجرمه # فهذا الخبر مردود مطعون عليه كما ترى ومعنى قولهما وهل أي ذهب وهمه إلى ~~غير الصواب يقال وهلت إلى الشيء وأنا واهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه ووهلت ~~عنه أوهل وهلا إذا نسيته وغلطت فيه ووهل الرجل يوهل وهلا إذا فزع والوهل ~~الفزع وموضع وهله في ذكر القليب أنه # روى@HAD015 : أن النبي (ص) وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا @HAD@ ثم قال إنهم ليسمعون ما أقول # فأنكر ذلك عليه وقيل إنما قال (ع) إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول ~~لهم هو الحق واستشهد بقول الله تعالى @QUR@04 إنك لا تسمع الموتى ويمكن ~~في الخبر إن كان صحيحا وجوه من التأويل أولها أنه إن وصى موص بأن يناح عليه ~~ففعل ذلك بأمره فإنه يعذب بالنياحة وليس معنى يعذب بها أنه يؤاخذ بفعل ~~النواح وإنما معناه أنه يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها PageV01P124 # وإنما قال (ص) ذلك لأن الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح ويأمرون ~~به ويؤكدون الوصية بفعله وهذا مشهور عنهم قال طرفة بن العبد # فإن مت فانعينى بما أنا أهله %~% وشقي على الجيب بابنة معبد # وقال بشر بن أبي حازم # فمن يك سائلا عن بيت بشر %~% فإن له بجنب الردم بابا # ثوى في ملحد لا بد منه %~% كفى بالموت نابا واغترابا # رهين بلي وكل فتى سيبلي %~% فأذري الدمع وانتحبي انتحابا # وثانيها ms120 أن العرب كانوا يبكون موتاهم ويذكرون غاراتهم وقتل أعداءهم وما ~~كانوا يسلبونه من الأموال ويبتزونه من الأحوال فيعدون ما هو معلص في ~~الحقيقة يعذب الميت بها وإن كانوا يجعلون ذلك من مفاخره ومناقبه فذكر (ع) ~~أنكم تبكونهم بما يعذبون به وثالثها أن يكون المعنى أن الله تعالى إذا أعلم ~~الميت ببكاء أهله وأعزته تألم بذلك وكان عذابا له والعذاب ليس بجار مجرى ~~العقاب الذي لا يكون إلا على ذنب متقدم بل يستعمل كثيرا بمعنى الألم والضرر ~~ألا ترى أن القائل قد يقول لمن ابتدأه بضرر أو ألم قد عذبتني بكذا وكذا ~~وآذيتني كما يقول أضررت بي وألمتني وإنما لم يستعمل العقاب حقيقة في الآلام ~~المبتدئة من حيث كان اشتقاق لفظة العقاب من المعاقبة التي لا بد من تقدم ~~سبب لها وليس هذا في العذاب ورابعها أن يكون أراد بالميت من حضره الموت ~~ودنا منه فقد يسمى بذلك لقوة المقاربة على سبيل المجاز فكأنه (ص) أراد أن ~~من حضره الموت يتأذى ببكاء أهله عنده ويضعف نفسه فيكون ذلك كالعذاب له وكل ~~هذا بين بحمد الله ومنه مسألة فإن قيل فما معنى # الخبر المروي عن عبد الله بن عمر أنه قال سمعت النبي (ص) يقول@HAD025 : ~~إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء ثم يقول ~~رسول الله (ص) عند ذلك اللهم مصرف القلوب اصرف PageV01P125 # @HAD03 قلوبنا إلى طاعتك # والخبر الذي يرويه أنس قال: قال رسول الله ص@HAD025 : ما من قلب آدمي ~~إلا وهو بين إصبعين من أصابع الله تعالى فإذا شاء أن يثبته ثبته وإذا شاء ~~أن يقلبه قلبه # الجواب قلنا إن لمن تكلم في تأويل هذه الأخبار ولم يدفعها لمنافاتها ~~لأدلة العقول أن يقول إن الإصبع في كلام العرب وإن كانت هي الجارحة ~~المخصوصة فهي أيضا الأثر الحسن يقال لفلان على ماله وإبله إصبع حسنة أي ~~قيام وأثر حسن قال الراعي واسمه عبيد الله بن الحصين ويكنى بأبي جندل يصف ~~راعيا حسن القيام على إبله # ضعيف العصا بادي العروق ms121 ترى له %~% عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا # وقال لبيد # من يبسط الله عليه إصبعا %~% بالخير والشر بأي أولعا # يملأ له منه ذنوبا مترعا # وقال الآخر # أكرم نزارا واسمه المشعشعا %~% فإن فيه خصلات أربعا # جدا وجودا ويدا وإصبعا # فالإصبع في كل ما أوردناه المراد بها الأثر الحسن والنعمة فيكون المعنى ~~ما من آدمي إلا وقلبه بين نعمتين لله تعالى جليلتين فإن قيل فما معنى تثنية ~~النعمتين ونعم الله تعالى على عباده لا تحصى كثرة قلنا يحتمل أن يكون الوجه ~~في ذلك نعم الدنيا ونعم الآخرة وثناهما لأنهما كالجنسين أو النوعين وإن كان ~~كل قبيل منهما في نفسه ذا عدد كثير ويمكن أن يكون الوجه في تسميتهم الأثر ~~الحسن بالإصبع هو من حيث يشار إليه بالإصبع إعجابا وتنبيها عليه وهذه ~~عادتهم في تسمية الشيء بما يقع عنده وبما له به علقة وقد قال قوم إن ~~الراعي أراد أن يقول يدا في موضع إصبع لأن اليد النعمة فلم يمكنه فعدل عن ~~اليد إلى الإصبع لأنها من اليد وفي هذه الأخبار وجه آخر وهو أوضح من الوجه ~~الأول وأشبه بمذهب العرب وتصرف ملاحن كلامها وهو أن يكون الغرض في ذكر ~~الإصبع الإخبار عن تيسر تصريف القلوب وتقليبها والفعل فيها عليه جل وعز ~~ودخول ذلك تحت قدرته ألا ترى أنهم يقولون هذا الشيء في خنصري وإصبعي وفي ~~يدي وقبضتي كل PageV01P126 # ذلك إذا أرادوا وصفه بالتيسر والتسهيل وارتفاع المشقة فيه والمئونة وعلى ~~هذا المعنى يتأول المحققون قوله تعالى @QUR@010 والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه فكأنه (ص) لما أراد المبالغة في وصفه ~~بالقدرة على تقليب القلوب وتصريفها بغير مشقة ولا كلفة قال إنها بين أصابعه ~~كناية عن هذا المعنى واختصار اللفظ الطويل فيه وقد ذكر قوم في معنى الأصابع ~~على تسليم أنها المخلوقات من اللحم والدم استظهارا في الحجة على المخالف ~~وجها آخر وهو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الإصبعين ~~يحركه الله بهما ويقلبه بالفعل فيهما ويكون وجه ms122 تسميتها بالإصبعين من حيث ~~كانا على شكلهما والوجه في إضافتهما إلى الله تعالى وإن كانت جميع أفعاله ~~تضاف إليه بمعنى الملك والقدرة لأنه لا يقدر على الفعل فيهما وتحريكهما ~~منفردين عما جاورهما غيره تعالى فقيل إنهما إصبعان له من حيث اختص بالفعل ~~فيهما على هذا الوجه وهذا التأويل وإن كان دون ما تقدمه فالكلام يحتمله ولا ~~بد من ذكر القوي والضعيف إذا كان في الكلام أدنى احتمال مسألة فإن قيل فما معنى # الخبر المروي عن النبي (ص) أنه قال@HAD07 : إن الله خلق آدم على صورته # أوليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه وأن له تعالى عن ذلك صورة الجواب ~~قلنا قد قيل في تأويل هذا الخبر أن الهاء في قوله في صورته إذا صح هذا ~~الخبر راجعة إلى آدم (ع) دون الله فكان المعنى أنه تعالى خلقه على الصورة ~~التي قبض عليها وأن حاله لم يتغير في الصورة بزيادة ولا نقصان كما تتغير ~~أحوال البشر وذكر وجه ثان وهو أن يكون الهاء راجعة إلى الله تعالى ويكون ~~المعنى أنه خلقه على الصورة التي اختارها واجتباها لأن الشيء قد يضاف على ~~هذا الوجه إلى مختاره ومصطفيه وذكر أيضا وجه ثالث وهو أن الكلام خرج على ~~سبب معروف # لأن الزهري روى عن الحسن أنه كان يقول@HAD05 : مر رسول الله ص PageV01P127 # @HAD029 برجل من الأنصار وهو يضرب وجه غلام له ويقول قبح الله وجهك ووجه ~~من تشبهه فقال النبي (ص) بئس ما قلت فإن الله خلق آدم صورته # يعني على المضروب ويمكن في هذا الخبر وجه رابع وهو أن يكون المراد أن ~~الله تعالى خلق صورته لينفي بذلك الشك في أن تأليفه من فعل غيره لأن ~~التأليف من جنس مقدور البشر والجواهر وما شاكلها من الأجناس المخصوصة من ~~الأعراض هي التي ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليها فممكن قبل النظر أن يكون ~~الجواهر من فعله وتأليفها من فعل غيره ألا ترى أنا نرجع في العلم بأن تأليف ~~السماء من فعله تعالى إلى السمع لأنه لا دلالة في العقل ms123 على ذلك كما نرجع ~~في أن تأليف الإنسان من فعله تعالى في الموضوع الذي يستدل به على أنه عالم ~~من حيث ظهر منه الفعل المحكم إلى أن يجعل الكلام في أول إنسان خلقه لأنه لا ~~يمكن أن يكون مؤلفه سواه إذا كان هو أول الأحياء من المخلوقات فكأنه (ع) ~~أخبر بهذه الفائدة الجليلة وهو أن جواهر آدم (ع) وتأليفه من فعل الله تعالى ~~ويمكن وجه خامس وهو أن يكون المعنى أن الله تعالى أنشأه على هذه الصورة ~~التي شوهد عليها على سبيل الابتداء وأنه لم ينقل إليها ويتدرج كما جرت ~~العادة في البشر وكل هذه الوجوه جائزة في معنى الخبر والله تعالى ورسوله ~~أعلم بالمراد مسألة فإن قيل فما معنى # الخبر المروي عن النبي (ص) أنه قال@HAD012 : سترون ربكم كما ترون القمر ~~ليلة البدر لا تضامون في رؤيته # وهذا خبر مشهور لا يمكن تضعيفه ونسبته إلى الشذوذ الجواب قلنا أما هذا ~~الخبر فمطعون عليه مقدوح في راويه فإن راويه قيس بن أبي حازم وقد كان خولط ~~في آخر عمره مع استمراره على رواية الأخبار وهذا قدح لا شبهة فيه لأن كل ~~خبر مروي عنه لا يعلم تاريخه يجب أن يكون مما سمع منه في حال الاختلال وهذه ~~طريقة في قبول الأخبار وردها ينبغي PageV01P128 # أن يكون أصلا ومعتبرة فيمن علم منه الجرح ولم يعلم تاريخ ما نقل عنه على ~~أن قيسا لو سلم من هذا القدح لكان مطعونا فيه من وجه آخر وهو # @HAD043 أن قيس بن أبي حازم كان مشهورا بالنصب والمعاداة لأمير المؤمنين ~~(عليه صلوات الله وسلامه) والانحراف عنه وهو الذي قال رأيت علي بن أبي طالب ~~(ع) على منبر الكوفة يقول انفروا إلى بقية الأحزاب فبغضه حتى اليوم في قلبي # إلى غير ذلك من تصريحه بالمناصبة والمعاداة وهذا قادح لا شك في عدالته ~~على أن للخبر وجها صحيحا يجوز أن يكون محمولا عليه إذا صح لأن الرؤية قد ~~يكون بمعنى العلم وهذا ظاهر في اللغة ويدل عليه قوله تعالى @QUR@015 ألم ms124 ~~تر كيف فعل ربك بعاد ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل @QUR@ وقوله تعالى @QUR@09 أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة @QUR@ وقال الشاعر # رأيت الله إذ سمى نزارا %~% وأسكنهم بمكة قاطنينا # فيجوز أن يكون معنى الخبر على هذا أنكم تعلمون ربكم ضرورة كما تعلمون ~~القمر ليلة البدر ومن غير مشقة ولا كد نظر وليس لأحد أن يقول إن الرؤية إذا ~~كانت بمعنى العلم تعدت إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما على مذهب ~~أهل اللسان والرؤية بالبصر تتعدي إلى مفعول واحد فيجب أن يحمل الخبر مع فقد ~~المفعول الثاني على الرؤية بالبصر وذلك أن العلم عند أهل اللغة على ضربين ~~علم يقين ومعرفة والضرب الآخر يكون بمعنى الظن والحسبان والذي هو بمعنى ~~اليقين لا يتعدى إلى أكثر من مفعول واحد ولهذا يقولون علمت زيدا بمعنى ~~عرفته وتيقنته ولا يأتون بمفعول ثان وإذا كان بمعنى الظن احتاج إلى المفعول ~~الثاني وقد قيل ليس يمتنع أن يكون المفعول الثاني في الخبر محذوفا يدل ~~الكلام عليه وإن لم يكن مصرحا به فإن قيل يجب على تأويلكم هذا أن يساوي أهل ~~النار أهل الجنة في هذا الحكم الذي هو المعرفة الضرورية بالله تعالى لأن ~~معارف جميع أهل الآخرة عندكم لا تكون إلا اضطرارا PageV01P129 # وإذا ثبت أن الخبر بشارة للمؤمنين دون الكافرين بطل تأويلكم قلنا البشارة ~~في هذا الخبر نخص المؤمنين على الحقيقة لأن الخبر بزوال اليسير من الأذى ~~لمن نعيمه خالص صاف يعد بشارة ومثل ذلك لا يعد بشارة فيمن هو في غاية ~~المكروه ونهاية الألم والعذاب وأيضا فإن علم أهل الجنة بالله ضرورة يزيد في ~~نعيمهم وسرورهم لأنهم يعلمون بذلك أنه تعالى يقصد بما يفعله لهم من النعيم ~~التعظيم والتبجيل وأنه يديم ذلك ولا يقطعه وأهل النار إذا علموه تعالى ~~ضرورة علموا قصده إلى إهانتهم والاستخفاف بهم وإدامة مكروههم وعذابهم ~~فاختلف العلمان في باب البشارة وإن اتفقا في أنهما ضروريان مسألة فإن قيل ~~فما معنى # الخبر الذي رواه أبو هريرة عن النبي (ص) ms125 أنه قال@HAD022 : إن أحب ~~الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل فعليكم من الأعمال بما تطيقون فإن ~~الله لا يمل حتى تملوا # الجواب قلنا في تأويل هذا الخبر وجوه كل واحد منها يخرج كلامه (ص) من حيز ~~الشبهة أولها أنه أراد نفي الملل عنه وأنه لا يمل أبدا فعلقه بما لا يقع ~~على سبيل التبعيد كما قال جل وعز @QUR@010 ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط @QUR@ وكما قال الشاعر # فإنك سوف تحكم أو تباهي %~% إذا ما شبت أو شاب الغراب # أراد أنك لا تحكم أبدا فإن قيل ومن أين لكم أن الذي علقه به لا يقع حتى ~~حكمتم بأنه أراد نفي الملل على سبيل التأبيد قلنا معلوم أن الملل لا يشمل ~~البشر في جميع أمورهم وأوطارهم وأنهم لا يعرون من حرص ورغبة وأمل وطمع ~~فلهذا جاز أن يعلق ما علم الله تعالى أنه لا يكون بمللهم والوجه الثاني أن ~~يكون المعنى أنه تعالى لا يغضب عليكم فيطرحكم ويخليكم من فضله وإحسانه حتى ~~تتركوا العمل له وتعرضوا عن سؤاله والرغبة في حاجاتكم إلى جوده فسمى ~~الفعلين مللا وإن لم يكونا على الحقيقة كذلك على مذهب العرب في تسميتها ~~الشيء باسم غيره إذا وافق معناه من بعض الوجوه قال عدي PageV01P130 # بن زياد العبادي # ثم أضحوا لعب الدهر بهم %~% وكذاك الدهر يؤدي بالرجال # وقال عبيد بن الأبرص الأسدي سائل بنا حجر ابن أم قطام إذ # ظلت به السمر الذوابل تلعب # فنسب اللعب إلى الدهر والقنا تشبيها وقال ذو الرمة # وأبيض موشي القميص نصبته %~% على خصر مقلاة سفيه جديلها # فسمى اضطراب زمامها سفها لأن السفه في الأصل هو الطيش وسرعة الاضطراب ~~والحركة وإنما وصف ناقته بالذكاء والنشاط والوجه الثالث أن يكون المعنى أنه ~~تعالى لا يقطع عنكم خيره ونائله حتى تملوا من سؤاله ففعلهم ملل على الحقيقة ~~وسمي فعله تعالى مللا ليس على الحقيقة كذلك للازدواج والتشاكل في الصورة ~~وإن كان المعنى مختلفا ومثل هذا قوله تعالى @QUR@014 فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ms126 ما اعتدى عليكم وجزاء سيئة سيئة مثله @QUR@ ومثل قول الشاعر # ألا لا يجهلن أحد علينا %~% فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وإنما أراد المجازاة على الجهل لأن العاقل لا يفخر بالجهل ولا يتمدح به ~~واعلم أن لهذه الأخبار المضافة إلى النبي (ص) مما يقتضي ظاهره تشبيها لله ~~تعالى بخلقه أو جورا له في حكمه أو إبطالا لأصل عقلي نظائر كثيرة وإن كانت ~~لا تجري في الشهرة مجرى ما ذكرناه ومتى تقصينا الكلام على جميع ذلك طال ~~الكتاب جدا وخرج عن الغرض المقصود به لأنا شرطنا أن لا نتكلم ولا نتأول ~~فيما يضاف إلى الأنبياء (ع) من المعاصي إلا على آية من الكتاب أو خبر معلوم ~~أو مشهور يجري في شهرته مجرى المعلوم وفيما ذكرناه بلاغ وكفاية ونحن نبتدئ ~~الكلام على ما يضاف إلى الأئمة (ع) مما ظن ظانون أنه قبيح ونرتب ذلك مما ~~رتبناه في الأنبياء (ع) ومن الله نستمد حسن المعونة والتوفيق PageV01P131 ### ||| تنزيه الأئمة ع ### ||| أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع # مسألة إن قال قائل إذا كان مذهبكم يا معشر القائلين بالنص أن النبي (ص) ~~نص على أمير المؤمنين (ع) بالخلافة بعده وفوض إليه أمر أمته فما باله لم ~~ينازع المتأمرين بعد النبي (ص) في الأمر الذي وكل إليه وعول في تدبيره عليه ~~أوليس هذا منه إغفالا لواجب لا يسوغ إغفاله فإن قلتم إنه لم يتمكن من ذلك ~~فألا أعذر وأبلى واجتهد فإنه إذا لم يصل إلى مراده بعد الإعذار والاجتهاد ~~كان معذورا أوليس هو (ع) الذي حارب أهل البصرة وفيهم زوجة رسول الله (ص) ~~وطلحة والزبير ومكانهما من الصحبة والاختصاص والتقدم مكانهما ولم يحشمه ~~ظواهر هذه الأحوال من كشف القناع في حربهم حتى أتى على نفوس أكثر أهل ~~العسكر وهو المحارب (ع) لأهل صفين مرة بعد أخرى مع تخاذل أصحابه وتواكل ~~أنصاره وأنه (ع) كان في أكثر مقاماته تلك ومواقفه لا يغلب في ظنه الظفر ولا ~~يرجو لضعف من معه النصر وكان (ع) مع ذلك كله مصمما ماضيا قدما ms127 لا تأخذه في ~~الله لومة لائم وقد وهب نفسه وماله وولده لله تعالى ورضي بأن يكون دون الحق ~~إما جريحا أو قتيلا فكيف لم يظهر منه بعض هذه الأمور مع من تقدم والحال ~~عندكم واحدة بل لو قلنا إنها كانت أغلظ وأفحش لأصبنا لأنها كانت مفتاح الشر ~~ورأس الخلاف وسبب التبديل والتغيير وبعد فكيف لم يقنع بالكف عن النكير ~~والعدول عن المكاشفة والمجاهدة حتى بايع القوم وحضر مجلسهم ودخل في آرائهم ~~وصلى مقتديا بهم وأخذ عطيتهم ونكح سبيهم وأنكحهم ودخل في الشورى التي هي ~~عندكم مبنية على غير تقوى فما الجواب عن جميع ذلك اذكروه فإن PageV01P132 # الأمر فيه مشتبه والخطب ملتبس الجواب قلنا أما الكلام على ما تضمنه هذا ~~السؤال فهو مما يخص الكلام في الإمامة وقد استقصيناه في كتابنا المعروف ~~بالشافي في الإمامة وبسطنا القول فيه في هذه الأبواب ونظائرها بسطا يزيل ~~الشبهة ويوضح الحجة لكنا لا نخلي هذا الكتاب من حيث تعلق غرضه بهذه المواضع ~~من إشارة إلى طريقة الكلام فيها فنقول قد بينا في صدر هذا الكتاب أن الأئمة ~~(ع) معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها واعتمدنا في ذلك على دليل عقلي لا ~~يدخله احتمال ولا تأويل بشيء فمتى ورد على أحدهم (ع) فعل له ظاهر الذنب ~~وجب أن نصرفه عن ظاهره ونحمله على ما يطابق موجب الدليل العقلي فيهم كما ~~فعلنا مثل ذلك في متشابه القرآن المقتضي ظاهره ما لا يجوز على الله تعالى ~~وما لا يجوز على نبي من أنبيائه (ع) وإذا ثبت أن أمير المؤمنين (ع) إمام ~~فقد ثبت بالدليل العقلي أنه معصوم من الخطاء والزلل فلا بد من حمل جميع ~~أفعاله (ع) على جهات الحسن ونفي القبيح عن كل واحد منهما وما كان منها له ~~ظاهر يقتضي الذنب علمنا في الجملة أنه على غير ظاهره فإن عرفنا وجهه على ~~التفصيل ذكرناه وإلا كفانا في تكليفنا أن نعلم أن الظاهر معدول عنه وأنه لا ~~بد من وجه فيه يطابق ما تقتضيه الأدلة وهذه الجملة كافية ms128 في جميع المشتبهة ~~من أفعال الأئمة (ع) وأقوالهم نحن نزيد عليها فنقول إن الله تعالى لم يكلف ~~إنكار المنكر سواء اختص بالمنكر أو تعداه إلى غيره إلا بشروط معروفة أقواها ~~التمكن وأن لا يغلب في ظن المنكر أن إنكاره يؤدي إلى وقوع ضرر به لا يتحمل ~~مثله وأن لا يخاف في إنكاره من وقوع ما هو أفحش منه وأقبح من المنكر وهذه ~~شروط قد دلت الأدلة عليها ووافقنا المخالفون لنا في الإمامة فيها وإذا كان ~~ما ذكرناه مراعى في وجوب إنكار المنكر فمن أين أن أمير المؤمنين ع PageV01P133 # كان متمكنا من المنازعة في حقه والمجادلة وما المنكر من أن يكون (ع) ~~خائفا متى نازع وحارب من ضرر عظيم يلحقه في نفسه وولده وشيعته ثم ما المنكر ~~من أن يكون خاف في الإنكار من ارتداد القوم عن الدين وخروجهم عن الإسلام ~~ونبذهم شعار الشريعة فرأى أن الإغضاء أصلح في الدين من حيث كان يجر الإنكار ~~ضررا فيه لا يتلافى فإن قيل ما يمنع من أن يكون إنكار المنكر مشروطا بما ~~ذكرتم إلا أنه لا بد لارتفاع التمكن وخوف الضرر عن الدين والنفس من أمارات ~~لائحة ظاهرة يعرفها كل أحد ولم يكن هناك شيء من أمارات الخوف وعلامات وقوع ~~الفساد في الدين وعلى هذا فليس ينفعكم الجملة التي ذكرتموها لأن التفصيل لا ~~يطابقها قلنا أول ما نقوله أن الأمارات التي يغلب معها الظن بأن إنكار ~~المنكر يؤدي إلى الضرر إنما يعرفها من شهد الحال وحضرها وأثرت في ظنه وليست ~~مما يجب أن يعلمها الغائبون عن تلك المشاهدة ومن أتى بعد ذلك الحال بالسنين ~~المتطاولة وليس من حيث لم يظهر لنا تلك الأمارات ولم نحط بها علما يجب ~~القطع على من شهد تلك الحال لم تكن له ظاهرة فإنا نعلم أن للمشاهد وحضوره ~~مزية في هذا الباب لا يمكن دفعها والعادات تقتضي بأن الحال على ما ذكرناه ~~فإنا نجد كثيرا ممن يحضر مجالس الظلمة من الملوك يمتنع من إنكار بعض ما ~~يجري بحضرتهم ms129 من المناكير وربما أنكر ما يجري مجراه في الظاهر فإذا سئل عن ~~سبب إغضائه وكفه ذكر أنه خاف لأمارة ظهرت له ولا يلزمه أن يكون تلك الأمارة ~~ظاهرة لكل أحد حتى يطالب بأن يشاركه في الظن والخوف كل من عرفه بل ربما كان ~~معه في ذلك المقام من لا يغلب على ظنه مثل ما غلب على ظنه من حيث اختص ~~بالأمارة دونه ثم قد ذكرنا في كتابنا في الإمامة من أسباب الخوف وأمارات ~~الضرر التي تناصرت بها الروايات ووردت من الجهات المختلفة ما فيه مقنع ~~للمتأمل وأنه (ع) غولط في الأمر PageV01P134 # وسوبق إليه وانتهزت غرته واغتنمت الحال التي كان فيها متشاغلا بتجهيز ~~النبي (ص) وسعى القوم إلى سقيفة بني ساعدة وجرى لهم فيها مع الأنصار ما جرى ~~وتم لهم عليهم كما اتفق من بشير بن سعد ما تم وظهر وإنما توجه لهم من قهرهم ~~الأنصار ما توجه أن الإجماع قد انعقد على البيعة وأن الرضا وقع من جميع ~~الأمة وروسل أمير المؤمنين (ع) ومن تأخر معه من بني هاشم وغيرهم مراسلة من ~~يلزمهم بيعة قد تمت ووجبت لا خيار فيها لأحد ولا رأي في التوقف عنها لذي ~~رأي ثم تهددوه على التأخر وتارة يقال له لا تقم مقام من يظن به الحسد لابن ~~عمه إلى ما شاكل ذلك من الأقوال والأفعال التي تقتضي التكفل والتشبث ويدل ~~على التصميم والتتمم وهذه أمارات بل دلالات تدل على أن الضرر في مخالفة ~~القوم شديد وبعد فإن الذي نذهب إليه من سبب التقية والخوف مما لا بد منه ~~إذا فرضوا أن مذهبنا على النص صحيح لأنه إذا كان النبي (ص) قد نص على أمير ~~المؤمنين (ع) بالإمامة في مقام بعد مقام وبكلام لا يحتمل التأويل ثم رأى ~~المنصوص عليه أكثر الأمة بعد الوفاة بلا فصل أقبلوا يتنازعون الأمر تنازع ~~من لم يعهد إليه بشيء فيه ولا يسمع على الإمامة نصا لأن المهاجرين قالوا ~~نحن أحق بالأمر لأن رسول الله (ص) منا ولكيت وكيت وقال ms130 الأنصار نحن آويناه ~~ونصرناه فمنا أمير ومنكم أمير هذا والنص لا يذكر فيما بينهم ومعلوم أن ~~الزمان لم يبعد فيتناسوه ومثله لا يتناسى فلم يبق إلا أنهم عملوا على ~~التصميم ووطنوا نفوسهم على التحليج وأنهم لم يستحيزوا الإقدام على خلاف ~~الرسول (ص) في أجل أوامره وأوثق عهوده والتظاهر بالعدول عما أكده وعقده إلا ~~لداع قوي وأمر عظيم يخاف فيه من عظيم الضرر ويتوقع منه شديد الفتنة فأي طمع ~~يبقى في نزوعهم بوعظ وتذكير وكيف يطمع في قبول وعظه والرجوع إلى تبصيره ~~وإرشاده من رآهم لم يتعظوا بوعظ PageV01P135 # مخرجهم من الضلالة ومنقذهم من الجهالة وكيف لا يتهمهم على نفسه ودينه من ~~رأى فعلهم بسيدهم وسيد الناس أجمعين فيما عهده وأراده وقصده وهل يمكن عاقل ~~بعد هذا أن يقول أي أمارة للخوف ظهرت اللهم إلا أن يقولوا إن القوم ما ~~خالفوا نصا ولا نبذوا عهدا وإن كل ذلك تقول منكم عليهم لا حجة فيه دعوى لا ~~برهان عليها فتسقط حينئذ المسألة من أصلها ويصير تقديرها إذا كان أمير ~~المؤمنين (ع) غير منصوص عليه بالإمامة ولا مغلوب على الخلافة فكيف لم يطالب ~~بها ولم ينازع فيها ومعلوم أنه لا مسألة في أن من لم يطالب بما ليس له ولم ~~يجعل إليه وإنما المسألة في إن لم يطالب بما جعل إليه وإذا فرضنا أن ذلك ~~إليه جاء منه كل الذي ذكرناه ثم يقال لهم إذا سلمتم أن وجوب إنكار المنكر ~~مشروط فلم أنكرتم أن يكون أمير المؤمنين (ع) إنما أحجم عن المجاهدة ~~بالإنكار لأن شروط إنكار المنكر لم تتكامل إما لأنه كان خائفا على نفسه أو ~~على من يجري مجرى نفسه أو مشفقا من وقوع ضرر في الدين هو أعظم مما أنكروه ~~وما المانع من أن يكون الأمر جرى على ذلك فإن قالوا لأن أمارات الخوف لم ~~تظهر قلنا وأي أمارة للخوف هي أقوى من الإقدام على خلاف رسول الله (ص) في ~~أوثق عهوده وأقوى عقوده والاستبداد بأمر لا حظ لهم فيه وهذه الحال ms131 تخرج من ~~أن يكون أمارة في ارتفاع الحشيمة من القبيح إلى أن يكون دلالة وإنما يسوغ ~~أن يقال لا أمارة هناك تقتضي الخوف وتدعو إلى سوء الظن إذا فرضنا أن القوم ~~كانوا على أحوال السلامة متضافرين متناصرين متمسكين بأوامر الرسول (ص) ~~جارين على سنته وطريقته فلا يكون لسوء الظن عليهم مجال ولا للخوف من جهتهم ~~طريق فأما إذا فرضنا أنهم دفعوا النص الظاهر وخالفوه وعملوا بخلاف مقتضاه ~~فالأمر حينئذ منعكس منقلب وحسن الظن لا وجه له وسوء الظن هو الواجب اللازم ~~فلا ينبغي للمخالفين لنا في هذه المسألة أن يجمعوا بين المتضادات ويفرضوا أن PageV01P136 # القوم دفعوا النص وخالفوا موجبه وهم مع ذلك على أحوال السلامة المعهودة ~~منهم التي تقتضي من الظنون بهم أحسنها وأجملها على أنا لا نسلم أنه صلى ~~الله عليه لم يقع منه إنكار على وجه من الوجوه فإن الرواية متظافرة بأنه ~~(ع) لم يزل يتظلم ويتألم ويشكو أنه مظلوم ومقهور في مقام بعد مقام وخطاب ~~بعد خطاب وقد ذكرنا تفصيل هذه الجملة في كتابنا الشافي في الإمامة وأوردنا ~~طرفا مما روي في هذا الباب وبينا أن كلامه (ع) في هذا المعنى ترتب في ~~الأحوال بحسب ترتبها في الشدة واللين وكان المسموع من كلامه (ع) في أيام ~~أبي بكر سيما في صدرها وعند ابتداء البيعة له ما لم يكن مسموعا في أيام عمر ~~ثم صرح (ع) وبين وقوى تعريضه في أيام عثمان ثم انتهت الحال في أيام تسليم ~~الأمر إليه إلى أنه (ع) ما كان يخطب خطبة ولا يقف موقفا إلا ويتظلم فيه ~~بالألفاظ المختلفة والوجوه المتباينة حتى أشرك في معرفة ما في نفسه الولي ~~والعدو والقريب والبعيد وفي بعض ما كان (ع) يبديه ويعيده إعذار وإفراغ ~~للوسع وقيام بما يجب على مثله ممن قل تمكنه وضعف ناصره فأما محاربة أهل ~~البصرة ثم أهل صفين فلا يجري مجرى التظاهر بالإنكار على المتقدمين عليه (ع) ~~لأنه وجد على هؤلاء أعوانا وأنصارا يكثر عددهم ويرجى النصر والظفر بمثلهم ~~لأن الشبهة ms132 في فعلهم وبغيهم كانت زائلة عن جميع الأماثل وذوي البصائر ولم ~~يشتبه أمرهم إلا على أغنام وطغام لا اعتبار بهم ولا فكر في نصرة مثلهم ~~فتعين الغرض في قتالهم ومجاهدتهم للأسباب التي ذكرناها وليس هذا ولا شيء ~~منه موجودا فيمن تقدم بل الأمر فيه بالعكس مما ذكرناه لأن الجمهور والعدد ~~الجم الكثير كانوا على موالاتهم وتعظيمهم وتفضيلهم وتصويبهم في أقوالهم ~~وأفعالهم فبعض للشبهة وبعض للانحراف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~والمحبة لخروج الأمر PageV01P137 # عنه وبعض لطلب الدنيا وحطامها ونيل الرئاسات فيها فمن جمع بين الحالتين ~~وسوى بين الوقتين كمن جمع بين المتضادين فكيف يقال هذا ويطلب منه (ع) من ~~الإنكار على من تقدم مثل ما وقع منه (ع) متأخرا في صفين والجمل وكل من حارب ~~معه (ع) في هذه الحروب إلا القليل كانوا قائلين بإمامة المتقدمين عليه (ع) ~~وفيهم من يعتقد تفضيلهم على سائر الأمة فكيف يستنصره ويتقوى في إظهاره ~~الإنكار على من تقدم بقوم هذه صفتهم وأين الإنكار على معاوية وطلحة وفلان ~~وفلان من الإنكار على أبي بكر وعمر وعثمان لو لا الغفلة والعصبية ولو أنه ~~(ع) لم يرج في حرب الجمل وصفين وسائر حروبه ظفرا أو خاف من ضرر في الدين ~~عظيم هو أعظم مما ينكره لما كان إلا ممسكا محجما كسنته فيمن تقدم. ### ||| فأما البيعة # فإن أريد بها الرضا والتسليم فلم يبايع أمير المؤمنين (ع) القوم بهذا ~~التفسير على وجه من الوجوه ومن ادعى ذلك كانت عليه الدلالة فإنه لا يجدها ~~وإن أريد بالبيعة الصفقة وإظهار الرضا فذلك مما وقع منه (ع) لكنها بعد مطل ~~شديد وتقاعد طويل علمهما الخاص والعام وإنما دعاه إلى الصفقة وإظهار ~~التسليم ما ذكرناه من الأمور التي بعضها يدعو إلى مثل ذلك. ### ||| فأما حضور مجالسهم # فما كان (ع) ممن يتعمدها ويقصدها وإنما كان يكثر الجلوس في مسجد الرسول ~~(ص) فيقع الاجتماع مع القوم هناك وذلك ليس بمجلس لهم مخصوص وبعد فلو تعمد ~~حضور مجالسهم لينهى عن بعض ما يجري فيها من منكر ms133 فإن القوم قد كانوا يرجعون ~~إليه في كثير من الأمور لجاز ولكان للحضور وجه صحيح له بالدين PageV01P138 # علقة قوية فأما الدخول في آرائهم فلم يكن (ع) ممن يدخل فيها إلا مرشدا ~~لهم ومنبها لما شذ عنهم والدخول بهذا الشرط الواجب. ### ||| فأما الصلاة خلفهم # فقد علمنا أن الصلاة على ضربين صلاة مقتد مؤتم بإمامه على الحقيقة وصلاة ~~مظهر للاقتداء والائتمام وإن كان لا ينو بها فإن ادعي على أمير المؤمنين ~~(ع) أنه صلى ناويا للاقتداء فيجب أن يدلوا على ذلك فإنا لا نسلمه ولا هو ~~الظاهر الذي لا يمكن النزاع فيه وإن ادعوا صلاة مظهر للاقتداء فذلك مسلم ~~لهم لأنه الظاهر إلا أنه غير نافع فيما يقصدونه ولا يدل على خلاف ما نذهب ~~إليه في أمره (ع) فلم يبق إلا أن يقال فما العلة في إظهار الاقتداء بمن لا ~~يجوز الاقتداء به فالعلة في ذلك غلبة القوم على الأمر وتمكنهم من الحل ~~والعقد لأن الامتناع من إظهار الاقتداء بهم مجاهرة ومنابذة وقد قلنا فيما ~~يؤدي ذلك إليه ما فيه كفاية. ### ||| فأما أخذه العطية # فما أخذ (ع) إلا حقه ولا سؤال على من أخذ ما يستحقه فيه اللهم إلا أن ~~يقال ذلك المال لم يكن وديعة له (ع) في أيديهم ولا دينا في ذمتهم فيتعين ~~حقه ويأخذه كيف شاء وأنى شاء لكن ذلك المال إنما يكون حقا له إذا كان ~~الجابي لذلك المال والمستفيد له ممن قد سوغت الشريعة جبايته وغنيمته إن كان ~~من الغنيمة والغاصب ليس له أن يغنم ولا أن يتصرف التصرف المخصوص الذي يفيد ~~المال الجواب عن ذلك أنا نقول إن تصرف الغاصب لأمر الأمة إذا كان عن قهر ~~وغلبته وسوغت الحال للأمة الإمساك عن النكير خوفا وتقية يجري في الشرع مجرى ~~تصرف المحق في باب جواز أخذ الأموال التي تضيء PageV01P139 # على يده ونكاح السبي وما شاكل ذلك وإن كان هو لذلك الفعل موزورا معاقبا ~~وهذا بعينه عليه نص عن أئمتنا (ع) لما سئلوا عن النكاح في دول الظالمين ms134 ~~والتصرف المخصوص. ### ||| فأما ما ذكر في السؤال من نكاح السبي- # فقد قلنا في هذا الباب ما فيه كفاية لو اقتصرنا عليه لكنا نزيد الأمر ~~وضوحا بأن نقول ليس المشار بذلك فيه إلا إلى الحنفية أم ابنه محمد رضي الله ~~تعالى عنه وقد كنا ذكرنا في كتابنا المعروف بالشافي أنه (ع) لم يستبحها ~~بالسبي بل نكحها ومهرها وقد وردت الرواية من طريق العامة فضلا عن طريق ~~الخاصة بهذا بعينه فإن # البلاذري روى في كتابه المعروف بتاريخ الأشراف عن علي بن المغيرة بن ~~الأثرم وعباس بن هشام الكلبي عن هشام بن خراش بن إسماعيل العجلي ~~قال@HAD050 : أغارت بنو أسد على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر وقدموا بها ~~المدينة في أول خلافة أبي بكر فباعوها من علي (ع) وبلغ الخبر قومها فقدموا ~~المدينة على علي (ع) فعرفوها وأخبروه بموضعها منهم فأعتقها ومهرها وتزوجها ~~فولدت له محمدا وكناه أبا القاسم # قال وهذا هو الثبت لا الخبر الأول يعني بذلك خبرا # رواه عن المدائني قال@HAD059 : بعث رسول الله (ص) عليا (ع) إلى اليمن ~~فأصاب خولة في بني زبيد وقد ارتدوا مع عمرو بن معديكرب وصارت في سهمه وذلك ~~على عهد رسول الله (ص) فقال له رسول الله (ص) إن ولدت منك غلاما فسمه باسمي ~~وكنه بكنيتي فولدت له (ع) بعد موت فاطمة (ع) فسماه محمدا وكناه أبا القاسم # وهذا الخبر إذا كان صحيحا لم يبق سؤال في باب الحنفية. PageV01P140 ### ||| فأما إنكاحه (ع) إياهم # فقد ذكرنا في كتابنا الشافي الجواب عن هذا الباب مشروحا وبينا أنه (ع) ما ~~أجاب عمر إلى إنكاح بنته (ع) إلا بعد توعد وتهدد ومراجعة ومنازعة وكلام ~~طويل مأثور أشفق معه من شروف الحال وظهور ما لا يزال يخفيه منها وأن العباس ~~رحمة الله عليه لما رأى أن الأمر يفضي إلى الوحشة ووقوع الفرقة سأله (ع) رد ~~أمرها إليه ففعل فزوجها منه وما يجري على هذا الوجه معلوم أنه لا على ~~اختيار ولا إيثار وبينا في الكتاب الذي ذكرناه أنه لا يمتنع أن يبيح ms135 الشرع ~~أن يناكح بالإكراه من لا يجوز مناكحته مع الاختيار لا سيما إذا كان المنكح ~~مظهرا للإسلام والتمسك بسائر الشريعة وبينا أن العقل لا يمنع من مناكحة ~~الكفار على سائر أنواع كفرهم وإنما المرجع فيما يحل من ذلك أو يحرم إلى ~~الشريعة وفعل أمير المؤمنين (ع) أقوى حجة في أحكام الشرع وبينا الجواب عن ~~إلزامهم لنا فلو أكره على إنكاح اليهود والنصارى لكان يجوز ذلك وفرقنا بين ~~الأمرين بأن قلنا إن كان السؤال عما في العقل فلا فرق بين الأمرين وإن كان ~~عما في الشرع فالإجماع يحظر أن تنكح اليهود على كل حال وما أجمعوا على حظر ~~إنكاح من ظاهره الإسلام وهو على نوع من القبيح لكفر به إذا اضطررنا إلى ذلك ~~وأكرهنا عليه فإذا قالوا فما الفرق بين كفر اليهودي وبين كفر من ذكرتم قلنا ~~لهم وأي فرق بين كفر اليهودية في جواز إنكاحها عندكم وكفر الوثنية. ### ||| فأما الدخول في الشورى # فقد بينا في كتابنا المقدم ذكره الكلام مستقصى وجملته أنه (ع) لو لا ~~الشورى لم يكن ليتمكن من الاحتجاج على القوم بفضائله ومناقبه والأخبار ~~الدالة على النص بالإمامة عليه وبما ذكره ع PageV01P141 # من الأمور التي تدل على أن أسبابه إلى الإمامة أقوى من أسبابهم وطرقه إلى ~~تناولها أقرب من طرقهم ومن كان يصغي لو لا الشورى إلى كلامه المستوفى في ~~هذا المعنى وأي حال لولاها كانت تقتضي ذكر ما ذكره من المقامات والفضائل ~~فلو لم يكن في الشورى من الغرض إلا هذا وحده لكان كافيا مغنيا وبعد فإن ~~المدخل له في الشورى هو الحامل له على إظهار البيعة للرجلين والرضا ~~بإمامتهما وإمضاء عقودهما فكيف يخالف في الشورى ويخرج منها وهي عقد من عقود ~~من لم يزل (ع) ممضيا في الظاهر لعقوده حافظا لعهوده وأول ما كان يقال له ~~أنك إنما لا تدخل في الشورى لاعتقادك أن الإمامة إليك وأن اختيار الأمة ~~للإمام بعد الرسول (ص) باطل وفي هذا ما فيه والامتناع من الدخول في الشورى ~~يقود إليه ويحمل ms136 عليه وقد قال قوم من أصحابنا إنه (ع) إنما دخل فيها تجويز ~~أن ينال الأمر منها ومعلوم أن كل سبب ظن معه أو جوز الوصول إلى الأمر الذي ~~قد تعين عليه القيام به يلزمه (ع) التوصل به وتحريه له وهذه الجملة كافية ~~في الجواب عن جميع ما تضمنه السؤال مسألة فإن قيل إذا كنتم تروون عنه (ع) ~~وتدعون عليه في أحكام الشريعة مذاهب كثيرة لا يعرفها الفقهاء له مذهبا وقد ~~كان (ع) عندكم يشاهد الأمر يجري بخلافها فألا أفتى بمذاهبه ونبه عليها ~~وأرشد إليها وليس لكم أن تقولوا إنه (ع) استعمل التقية كما استعملها فيما ~~تقدم لأنه (ع) قد خالفهم في مذاهب استبد بها وتفرد بالقول فيها مثل قطع ~~السارق من الأصابع وبيع أمهات الأولاد ومسائل في الحد وغير ذلك مما مذهبه ~~(ع) فيه إلى الآن معروف فكيف اتقى في بعض وأمن في آخر وحكم الجميع واحد في ~~أنه خلاف في أحكام شرعية لا تتعلق بإمامة ولا تصحيح نص ولا إبطال اختيار ~~الجواب قلنا لم يظهر أمير المؤمنين (ع) في أحكام الشريعة خلافا للقوم إلا ~~بحيث كان له موافق وإن قل عدده أو بحيث علم أن PageV01P142 # الخلاف يئول إلى الفساد ولا يقتضي مجاهرة ولا مظاهرة وهذه حال يعلمها ~~الحاضر بالمشاهدة أو يغلب على ظنه فيها ما لا يعلمه الغائب ولا يظنه ~~واستعمال القياس فيما يؤدي إلى الوحشة بين الناس ونفار بعضهم عن بعض لا ~~يسوغ لأنا قد نجد كثيرا من الناس يستوحشون من أن يخالفوا في مذهب من ~~المذاهب غاية الاستيحاش وإن لم يستوحشوا من الخلاف فيما هو أعظم منه وأجل ~~موقعا ويغضبهم في هذا الباب الصغير ولا يغضبهم الكبير وهذا إنما يكون ~~لعادات جرت وأسباب استحكمت ولاعتقادهم أن بعض الأمور وإن صغر في ظاهره فإنه ~~يؤدي إلى العظائم والكبائر أو لاعتقادهم أن الخلاف في بعض الأشياء وإن كان ~~في ظاهر الأمر كالخلاف في غيره لا يقع إلا من معاند منافس وإذا كان الأمر ~~على ما ذكرناه لم ينكر أن ms137 يكون أمير المؤمنين (ع) إنما لم يظهر في جميع ~~مذاهبه التي خالف فيها القوم إظهارا واحدا لأنه (ع) علم أو غلب في ظنه أن ~~إظهار ذلك يؤدي من الضرر في الدين إلى ما لا يؤدي إليه إظهار ما أظهره وهذا ~~واضح لمن تدبره وقد دخل في جملة ما ذكرناه الجواب عن قولهم لم لم يغير ~~الأحكام ولم يظهر مذاهبه وما كان مخبوا في نفسه عند إفضاء الأمر إليه وحصول ~~الخلافة في يده فإنه لا تقية على من هو أمير المؤمنين وإمام جميع المسلمين ~~لأنا قد بينا أن الأمر ما أفضى إليه (ع) إلا بالاسم دون المعنى وقد كان (ع) ~~معارضا منازعا مغصصا طول أيام ولايته إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنته وكيف ~~يأمن في ولايته الخلاف على المتقدمين عليه (ع) وجل من بايعه وجمهورهم شيعة ~~أعدائه (ع) ومن يرى أنهم مضوا على أعدل الأمور وأفضلها وأن غاية من يأتي ~~بعدهم أن يتبع آثارهم ويقتفي طرائقهم وما العجب من ترك أمير المؤمنين (ع) ~~ما ترك من إظهار بعض مذاهبه التي كان الجمهور يخالفه فيها PageV01P143 # وإنما العجب من إظهاره شيئا من ذلك مع ما كان عليه من شرف الفتنة وخوف ~~الفرقة وقد كان (ع) يجهر في كل مقام يقومه بما هو عليه من فقد التمكن ~~وتقاعد الأنصار وتخاذل الأعوان بما أن ذكرنا قليله طال به الشرح وهو (ع) ~~القائل # @HAD042 والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين ~~أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم ~~حتى يظهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول يا رب إن عليا قد قضى بقضائك # وهو القائل (ع) و# @HAD025 قد استأذنه قضاته فقالوا: بم نقضي يا أمير ~~المؤمنين (ع) فقال (ع) اقضوا بما كنتم تقضون حتى تكون الناس جماعة أو أموت ~~كما مات أصحابي # يعني (ع) من تقدم موته من أصحابه والمخلصين من شيعته الذين قبضهم الله ~~تعالى وهم على أحوال التقية والتمسك باطنا بما أوجب الله جل اسمه عليهم ms138 من ~~التمسك به وهذا واضح فيما قصدناه وقد تضمن كلامنا هذا الجواب عن سؤال من ~~يسأل عن السبب في امتناعه (ع) من رد فدك إلى يد مستحقها لما أفضى التصرف في ~~الإمامة إليه (ع) مسألة فإن قيل فما الوجه في تحكيمه (ع) أبا موسى الأشعري ~~وعمرو بن العاص وما العذر في أن حكم في الدين الرجال وهذا يدل على شكه في ~~إمامته وحاجته إلى علم بصحة طريقته ثم ما الوجه في تحكيمه فاسقين عنده ~~عدوين له أوليس قد تعرض بذلك لأن يخلع إمامته ويشككا الناس فيه وقد مكنهما ~~من ذلك بأن حكمهما وكانا غير متمكنين منه ولا أقوالهما حجة في مثله ثم ما ~~العذر في تأخيره جهاد المرقة الفسقة وتأجيله ذلك مع إمكانه واستظهاره وحضور ~~ناصره ثم ما الوجه في محو اسمه من الكتاب بالإمامة وتنظره بمعاوية في ذكر ~~نفسه بمجرد الاسم المضاف إلى الأب كأفعل ذلك به وأنتم تعلمون أن بهذه ~~الأمور ضلت الخوارج مع شدة PageV01P144 # تخشنها في الدين وتمسكها بعلائقه ووثائقه الجواب قلنا كل أمر ثبت بدليل ~~قاطع غير محتمل فليس يجوز أن نرجع عنه ونشكك فيه لأجل أمر محتمل وقد ثبتت ~~إمامة أمير المؤمنين (ع) وعصمته وطهارته من الخطاء وبراءته من الذنوب ~~والعيوب بأدلة عقلية وسمعية فليس يجوز أن نرجع عن ذلك أجمع ولا عن شيء منه ~~لما وقع من التحكيم المحتمل للصواب بظاهره وقبل النظر فيه كاحتماله للخطاء ~~ولو كان ظاهره أقرب إلى الخطاء وأدنى إلى مخالفة الصواب بل الواجب في ذلك ~~القطع على مطابقة ما ظهر من المحتمل لما ثبت بالدليل وصرف ما له ظاهر عن ~~ظاهره والعدول به إلى موافقة مدلول الدلالة التي لا يختلف مدلولها ولا ~~يتطرق عليها التأويل وهذا فعلنا فيما ورد من آي القرآن التي تخالف بظاهرها ~~الأدلة العقلية مما يتعلق به الملحدون أو المجبرة أو المشبهة وهذه جملة قد ~~كررنا ذكرها في كتابنا هذا لجلالة موقعها من الحجة ولو اقتصرنا في الشبهة ~~عليها لكانت مغنية كافية كما أنها كذلك فيما ms139 ذكرناه من الأصول لكنا نزيد ~~وضوحا في تفصيلها ولا نقتصر عليها كما لم نفعل ذلك فيما صدرنا به هذا ~~الكتاب من الكلام في تنزيه الأنبياء (ع) عن المعاصي فنقول إن أمير المؤمنين ~~(ع) ما حكم مختارا بل أحوج إلى التحكيم وألجئ إليه لأن أصحابه (ع) كانوا من ~~التخاذل والتقاعد والتواكل إلا القليل منهم على ما هو معروف مشهور ولما ~~طالت الحرب وكثر القتل وجل الخطب ملوا ذلك وطلبوا مخرجا من مقارعة السيوف ~~واتفق من رفع أهل الشام المصاحف والتماسهم الرجوع إليها وإظهارهم الرضا بما ~~فيها ما اتفق بالحيلة التي نصبها عدو الله عمرو بن العاص والمكيدة التي كاد ~~بها لما أحس بالبوار وعلو كلمة أهل الحق وأن معاوية وجنده مأخوذون قد علتهم ~~السيوف ودنت منهم الحتوف فعند ذلك وجد هؤلاء الأغنام PageV01P145 # طريقا إلى الفرار وسبيلا إلى وقوف أمر المناجزة ولعل منهم من دخلت عليه ~~الشبهة لبعده عن الحق وغلظ فهمه وظن أن الذي دعا إليه أهل الشام من التحكيم ~~وكف الحرب على سبيل البحث عن الحق والاستسلام للحجة لا على وجه المكيدة ~~والخديعة فطالبوه (ع) بكف الحرب والرضا بما بذله القوم فامتنع (ع) من ذلك ~~امتناع عالم بالمكيدة ظاهر على الحيلة وصرح لهم بأن ذلك مكر وخداع فأبوا ~~ولجوا فأشفق (ع) في الامتناع عليهم والخلاف لهم وهم جمة عسكره وجمهور ~~أصحابه من فتنة صماء هي أقرب إليه من حرب عدوه ولم يأمن أن يتعدى ما بينه ~~وبينهم إلى أن يسلموه إلى عدوه أو يسفكوا دمه فأجاب إلى التحكيم على مضض ~~ورد من كان قد أخذ بخناق معاوية وقارب تناوله وأشرف على التمكن منه حتى ~~أنهم قالوا للأشتر (رحمه الله تعالى) وقد امتنع من أن يكف عن القتال وقد ~~أحس بالظفر وأيقن بالنصر أتحب أنك ظفرت هاهنا وأمير المؤمنين (ع) بمكانه قد ~~سلم إلى عدوه وتفرق أصحابه عنه و# @HAD054 قال لهم أمير المؤمنين (ع) عند ~~رفعهم المصاحف: اتقوا الله وامضوا على حقكم فإن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا ~~قرآن وأنا أعرف ms140 بهم منكم قد صحبتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال ~~إنهم والله ما رفعوا المصاحف ليعملوا بها وإنما رفعوها خديعة ودهاء ومكيدة # فأجاب (ع) إلى التحكيم دفعا للشر القوي بالشر الضعيف وتلافيا للضرر ~~الأعظم بتحمل الضرر الأيسر وأراد أن يحكم من جهته عبد الله بن العباس رحمة ~~الله عليه فأبوا عليه ولجوا كما لجوا في أصل التحكيم وقالوا لا بد من يماني ~~مع مضري فقال (ع) فضموا الأشتر وهو يماني إلى عمرو فقال الأشعث بن قيس ~~الأشتر هو الذي طرحنا فيما نحن فيه واختاروا أبا موسى مقترحين له عليه (ع) ~~ملزمين له تحكيمه فحكمهما بشرط أن يحكما بكتاب الله تعالى ولا يتجاوزاه وأنهما PageV01P146 # متى تعدياه فلا حكم لهما وهذا غاية التحرز ونهاية التيقظ لأنا نعلم أنهما ~~لو حكما بما في الكتاب لأصابا الحق وعلما أن أمير المؤمنين (ع) أولى بالأمر ~~وأنه لا حظ لمعاوية وذويه في شيء منه ولما عدلا إلى طلب الدنيا ومكر ~~أحدهما بصاحبه ونبذا الكتاب وحكمه وراء ظهورهما خرجا من التحكيم وبطل ~~قولهما وحكمهما وهذا بعينه موجود في كلام أمير المؤمنين (ع) لما ناظر ~~الخوارج واحتجوا عليه في التحكيم وكل ما ذكرناه في هذا الفصل من ذكر ~~الإعذار في التحكيم والوجوه المحسنة له مأخوذ من كلامه (ع) وقد روي عنه (ع) ~~مفصلا مشروحا. ### ||| فأما تحكيمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فيه # إذ كنا قد بينا أن الإكراه وقع على أصل الاختيار وفرعه وأنه (ع) ألجئ ~~إليه جملة ثم إلى تفصيله ولو خلي (ع) واختياره ما أجاب إلى التحكيم أصلا ~~ولا رفع السيوف عن أعناق القوم لكنه أجاب إليه ملجأ كما أجاب إلى ما ~~اختاروه بعينه كذلك وقد صرح (ع) بذلك في كلامه حيث # يقول@HAD015 : لقد أمسيت أميرا وأصبحت مأمورا وكنت أمس ناهيا وأصبحت ~~اليوم منهيا # وكيف يكون التحكيم منه (ع) دالا على الشك وهو (ع) ناه عنه وغير راض به ~~ومصرح بما فيه من الخديعة وإنما يدل ذلك على شك من حمله عليه وقاده إليه ~~وإنما يقال ms141 إن التحكيم يدل على الشك إذا كنا لا نعرف سببه والحامل عليه أو ~~كان لا وجه له إلا ما يقتضي الشك فأما إذا كنا قد عرفنا ما اقتضاه وأدخل ~~فيه علمنا أنه (ع) ما أجاب إليه إلا لدفع الضرر العظيم ولأن تزول الشبهة عن ~~قلب من ظن به (ع) أنه لا يرضى بالكتاب ولا يجيب إلى تحكيمه فلا وجه لما ~~ذكروه وقد أجاب (ع) عن هذه الشبهة بعينها في مناظرتهم لما # @HAD09 قالوا له: أشككت؟ فقال (ع) أنا أولى بأن PageV01P147 # @HAD027 لا أشك في ديني أم النبي (ص) أوما قال الله تعالى لرسوله قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين # وأما قول السائل فإنه (ع) تعرض لخلع إمامته ومكن الفاسقين من أن يحكما ~~عليه بالباطل فمعاذ الله أن يكون كذلك لأنا قد بينا أنه (ع) إنما حكمهما ~~بشرط لو وفيا به وعملا عليه لأقرا إمامته وأوجبا طاعته لكنهما عدلا عنه ~~فبطل حكمهما فما مكنهما من خلع إمامته ولا تعرض منهما لذلك ونحن نعلم أن من ~~قلد حاكما أو ولى أميرا ليحكم بالحق ويعمل بالواجب فعدل عما شرطه وخالفه لا ~~يسوغ القول بأن من ولاه عرضه للباطل ومكنه من العدول عن الواجب ولم يلحقه ~~شيء من اللوم بذلك بل كان اللوم عائدا على من خالف ما شرط عليه. ### ||| فأما تأخيره جهاد الظالمين وتأجيل ما يأتي من استيصالهم # فقد بينا العذر فيه وأن أصحابه (ع) تخاذلوا وتواكلوا واختلفوا وأن الحرب ~~بلا أنصار وبغير أعوان لا يمكن والمتعرض لها مغرر بنفسه وأصحابه. ### ||| فأما عدوله عن التسمية بأمير المؤمنين # واقتصاره على التسمية المجردة فضرورة الحال دعت إليها وقد سبقه إلى مثل ~~ذلك سيد الأولين والآخرين رسول الله (ص) في عام الحديبية وقصته مع سهيل بن ~~عمرو وأنذره (ع) بأنه سيدعى إلى مثل ذلك ويجيب على مضض فكان كما أنذر وخبر ~~رسول الله (ص) واللوم بلا إشكال زائل عما اقتدى فيه بالرسول (ص) وهذه جملة ~~تفصيلها يطول وفيها لمن أنصف من ms142 نفسه بلاغ وكفاية مسألة فإن قيل فإذا كان ~~(ع) من أمر التحكيم على ثقة ويقين فلم # روي عنه (ع)@HAD03 أنه كان يقول PageV01P148 # @HAD021 بعد التحكم في مقام بعد آخر-: لقد عثرت عثرة لا أنجبر سوف أكيس ~~بعدها وأستمر وأجمع الرأي الشتيت المنتشر # أوليس هذا إذعانا بأن التحكيم جرى على خلاف الصواب الجواب قلنا قد علم كل ~~عاقل قد سمع الأخبار ضرورة أن أمير المؤمنين (ع) وأهله وخلصاء شيعته ~~وأصحابه كانوا من أشد الناس إظهارا لوقوع التحكيم من الصواب والسداد موقعه ~~وأن الذي دعا إليه حسن والتدبير أوجبه وأنه (ع) ما اعترف قط بخطاء فيه لا ~~أغضى عن الاحتجاج فيمن شك فيه وضعفه كيف والخوارج إنما ضلت عنه وعاصته ~~وخرجت عليه لأجل أنها إرادته على الاعتراف بالزلل في التحكيم فامتنع كل ~~امتناع وأبى أشد إباء وقد كانوا يقنعون منه ويعاودون طاعته ونصرته بدون هذا ~~الذي أضافوه إليه (ع) من الإقرار بالخطاء وإظهار التندم وكيف يمتنع من شيء ~~ويعترف بأكثر منه ويغضب من جزء ويجيب إلى كل هذا مما لا يظنه (ع) أحد ممن ~~يعرفه حق معرفة وهذا الخبر شاذ ضعيف فإما أن يكون باطلا موضوعا أو يكون ~~الغرض فيه غير ما ظنه القوم من الاعتراف بالخطاء في التحكيم فقد روي عنه ~~(ع) معنى هذا الخبر وتفسير مراده منه ونقل من طرق معروفة موجودة في كتب أهل ~~السير أنه (ع) لما سئل عن مراده بهذا الكلام قال كتب إلي محمد بن أبي بكر ~~بأن أكتب له كتابا في القضاء يعمل عليه فكتبت له ذلك وأنفذته إليه فاعترضه ~~معاوية فأخذه فأسف (ع) على ظفر عدوه بذلك وأشفق من أن يعمل بما فيه من ~~الأحكام ويوهم ضعفة أصحابه أن ذلك من علمه ومن عنده فتقوى الشبهة به عليهم ~~وهذا وجه صحيح يقتضي التأسف والتندم وليس في الخبر المتضمن للشعر ما يقتضي ~~أن تندمه كان على التحكيم دون غيره وإذا جاءت رواية بتفسير ذلك عنه (ع) كان ~~الأخذ بها أولى مسألة فإن قيل فما الوجه فيما فعله ms143 أمير المؤمنين ع PageV01P149 # عند حربه للخوارج عند النهروان من رفعه رأسه إلى السماء ناظرا إليها تارة ~~وإلى الأرض أخرى # وقوله ع@HAD052 : والله ما كذبت ولا كذبت فلما قتلهم وفرغ من الحرب قال ~~له ابنه الحسن (ع) يا أمير المؤمنين أكان رسول الله (ص) تقدم إليك في هؤلاء ~~بشيء فقال لا ولكن أمرني رسول الله (ص) بكل حق ومن الحق أن أقاتل المارقين ~~والناكثين والقاسطين # أوليس قد تعلق بهذا النظام في كتابه المعروف بالنكت وقال هذا توهيم منه ~~(ع) لأصحابه أن رسول الله قد تقدم إليه في أن الخوارج سيخالفونه ويقتلهم إذ ~~يقول الله ما كذبت ولا كذبت الجواب قلنا إنا لا ندري كيف ذهب على النظام ~~كذب هذه الرواية يعني المتضمنة لقوله (ع) إنه لم يتقدم الرسول (ص) إليه في ~~ذلك بشيء إن كان النظام رواها ونقلها أم كيف استجاز أن يضيفها إليه (ع) إن ~~كان تخرصها وكيف ظن أن مثل ذلك يخفى على أحد مع ظهور الحال وتواتر الروايات ~~عنه (ع) بالإنذار لقتال أهل النهروان وكيفيته والإشعار بقتل المخدج ذي ~~الثدية وإنما كان (ع) ينظر إلى السماء ثم إلى الأرض ويقول ما كذبت ولا كذبت ~~استبطاء لوجود المخدج لأنه (ع) عند قتل القوم أمر بطلبه في جملة القتلى لما ~~طال الأمر في وجوده وأشفق (ع) من وقوع شبهة من ضعفة أصحابه فيما كان يخبر ~~به وينذر من وجوده فقلق (ع) لذلك واشتد همه وكرر قوله ما كذبت ولا كذبت إلى ~~أن أتاح الله وجوده والظفر به بين القتلى على الهيئة التي كان (ع) ذكرها ~~فلما أحضروه إياه كبر (ع) واستبشر بزوال الشبهة في صحة خبره وقد روي من طرق ~~مختلفة وجهات كثيرة عنه (ع) الإنذار بقتال الخوارج وقتل المخدج على صفته ~~التي وجد عليها وأنه (ع) كان يقول لأصحابه إنهم لا يعبرون النهر حتى يصرعوا ~~دونه وإنه لا يقتل من أصحابه إلا دون العشرة ولا يبقى من الخوارج PageV01P150 # إلا دون العشرة حتى أن رجلا من أصحابه قال له (ع) يا ms144 أمير المؤمنين فذهب ~~القوم وقطعوا النهر فقال (ع) لا والله ما قطعوه ولا يقطعونه حتى يقتلوا ~~دونه عهدا من الله ورسوله (ص) فكيف يستشعر عاقل أن ذلك كان من غير علم ولا ~~اطلاع من الرسول (ص) على وقوعه وكونه وقد # روي @HAD039 أن عبيدة اليماني لما سمعه (ع) مخبرا عن النبي (ص) بقتال ~~الخوارج قبل ذلك بمدة طويلة وقتل المخدج شك فيه لضعف بصيرته فقال له (ع) ~~أنت سمعت من رسول الله (ص) ذلك فقال إي ورب الكعبة مرات # وقد روي أمر الخوارج وقتال أمير المؤمنين (ع) لهم وإنذار الرسول (ص) بذلك ~~جملة من الصحابة لو لا أن في ذكر ذلك خروجا عن غرض الكتاب لذكرناه حتى # أن عائشة روت ذلك فيما رفعه عامر عن مسروق قال@HAD064 : دخلت على عائشة ~~فقالت من قتل الخوارج؟ قلت قتلهم علي بن أبي طالب (ع) فسكتت فقلت لها يا ~~أمه أسألك بحق الله وحق نبيه (ص) وحقي فإني لك ولد إن كنت سمعت رسول الله ~~(ص) يقول فيهم شيئا لما أخبرتنيه فقالت سمعت رسول الله (ص) يقول هم شر ~~الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة # وعن مسروق أيضا عن عائشة أنها قالت@HAD047 : من قتل ذا الثدية؟ قلت علي ~~بن أبي طالب (ع) قالت لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي يخبرني أنه قتله ~~بالإسكندرية إلا أنه لا يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعت من رسول الله ~~(ص) فيه سمعته يقول يقتلهم خير أمتي من بعدي # وروى فضالة بن أبي فضلة وكان ممن شهد مع رسول الله (ص) بدرا قال@HAD041 ~~: اشتكى أمير المؤمنين (ع) بينبع شكاة ثقل منها فخرج أبي يعوده فخرجت معه ~~فلما دخل عليه قال لا تخرج إلى المدينة فإن أصابك أجلك شهدك أصحابك وصلوا ~~عليك وإنك هاهنا بين ظهراني أعراب جهينة فقال (ع) لا أموت PageV01P151 # @HAD035 من مرضي هذا لأنه فيما عهده إلى رسول الله (ص) أن لا أموت حتى ~~أومر وأقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين وحتى تخضب هذه من هذا ms145 وأشار (ع) ~~إلى لحيته ورأسه # وذكر المروي في هذا الباب يطول والأمر في إخباره (ع) بقصة الخوارج وقتاله ~~(ع) لهم وإنذاره بذلك ظاهر جدا مسألة فإن قيل فما الوجه فيما # روي عنه (ع) من قوله@HAD036 : إذا حدثتكم عن رسول الله (ص) فهو كما ~~حدثتكم فو الله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله (ص) ~~وإذا سمعتموني أحدث فيما بيني وبينكم فإنما الحرب خدعة # أوليس هذا مما نفاه النظام أيضا وقال لو لم يحدثهم عن رسول الله ~~بالمعاريض لما اعتذر من ذلك وذكر أن هذا يجري مجرى التدليس في الحديث ~~الجواب قلنا إن أمير المؤمنين (ع) لفرط احتياطه في الدين وتخشنه فيه وعلمه ~~بأن المخبر ربما دعته الضرورة إلى ترك التصريح واستعمال التعريض أراد أن ~~يميز السامعين بين الأمرين ويفصل لهم بين ما لا يدخل فيه التعريض من كلامه ~~مما باطنه كظاهره وبين ما يجوز أن يعرض فيه للضرورة وهذا نهاية الحكمة منه ~~(ع) وإزالة اللبس والشبهة ويجري مجرى البيان والإيضاح بالضد لما توهمه ~~النظام من دخوله في باب التدليس في الحديث لأن المدلس يقصد إلى الإبهام ~~ويعدل عن البيان والإيضاح طلبا لتمام غرضه وهو (ع) ميز بين كلامه وفرق بين ~~أنواعه حتى لا يدخل الشبهة فيه على أحد وأعجب من هذا كله قوله إنه لو لم ~~يحدث عن رسول الله (ص) بالمعاريض لما اعتذر من ذلك لأنه (ع) ما اعتذر كما ~~ظنه وإنما نفى أن يكون التعريض مما يدخل روايته عن رسول الله (ص) كما أنه ~~ربما دخل ما يخبر به عن نفسه قصدا للإيضاح ونفي الشبهة وليس كل من نفى عن ~~نفسه شيئا وأخبر عن براءته منه فقد فعله وقوله (ع) لأن أخر من السماء يدل ~~على أنه ما فعل ذلك PageV01P152 # ولا يفعله وإنما نفاه حتى لا يلبس على أحد خبره عن نفسه ومما يجوز فيه ~~مما يرويه ويسنده إلى الرسول (ص) مسألة فإن قيل فما الوجه # فيما روي عنه (ع) من أنه قال@HAD032 : كنت إذا ms146 حدثني أحد عن رسول الله ~~(ص) بحديث استحلفته بالله أنه سمعه عن رسول الله (ص) فإن حلف صدقته وإلا ~~فلا وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر # أوليس هذا الخبر مما طعن به النظام وقال لا يخلو المحدث عنده من أن يكون ~~ثقة أو متهما فإن كان ثقة فما معنى الاستحلاف وإن كان متهما فكيف يتحقق قول ~~المتهم بيمينه وإذا جاز أن يحدث عن رسول الله (ص) بالباطل جاز أن يحلف على ~~ذلك بالباطل الجواب قلنا هذا خبر ضعيف مطعون مدفوع على إسناده لأن عثمان بن ~~المغيرة رواه عن علي بن ربيعة الوالبي عن أسماء بن الحكم الفزاري قال سمعت ~~عليا (ع) يقول كذا وكذا وأسماء بن الحكم هذا مجهول عند أهل الرواية لا ~~يعرفونه ولا روي عنه شيء من الأحاديث غير هذا الخبر الواحد وقد روي أيضا ~~من طريق سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقري عن أخيه عن جده أبي سعيد رواه هشام ~~بن عمار والزبير بن بكار عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد عن أخيه عبد الله بن ~~سعيد عن جده عن أمير المؤمنين (ع) وقال الزبير عن سعد بن سعيد إنه ما أرى ~~أخبث منه وقال أبو عبد الرحمن الشيباني عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد ~~المقري متروك الحديث وقال يحيى بن معين إنه ضعيف ورووه عن طريق أبي المغيرة ~~المخزومي عن ابن نافع عن سليمان بن زيد عن المقري وأبو المغيرة المخزومي ~~مجهول لا يعرفه أكثر أهل الحديث ورووه من طريق عطاء بن مسلم عن عمارة عن ~~المحرز عن أبي هريرة عن أمير المؤمنين (ع) قالوا المحرز لم يسمع من أمير ~~المؤمنين (ع) بل لم يره PageV01P153 # وعمارة وهو عمارة بن جوير [حريز] وهو أبو هارون العبدي قيل إنه متروك ~~الحديث ومما ينبئ عن ضعف هذا الحديث واختلاله أن من المعروف الظاهر أن أمير ~~المؤمنين (ع) لم يرو عن أحد قط حرفا غير النبي (ص) وأكثر ما يدعى عليه من ~~ذلك هذا الذي نحن ms147 في الكلام عليه وقوله ما حدثني أحد عن رسول الله (ص) إلا ~~استحلفته يقتضي ظاهره أنه قد سمع أخبارا عنه (ع) من جماعة من الصحابة ~~والمعلوم خلاف ذلك وأما تعجب النظام من الاستحلاف ففي غير موضعه لأنا نعلم ~~أن في عرض اليمين تهييبا لمن عرضت عليه وتذكيرا بالله تعالى وتخويفا بعقابه ~~سواء كان من تعرض عليه ثقة أو ظنينا لأن بذل اليمين والإقدام عليها يزيدنا ~~في الثقة بصيرة وربما قوى ذلك حال الظنين لبعد الإقدام على اليمين الفاجرة ~~ولهذا نجد كثيرا من الجاحدين للحقوق متى عرضت عليهم اليمين امتنعوا منها ~~وأقروا بها بعد الجحود واللجاج ولهذا استظهر في الشريعة باليمين على المدعى ~~عليه وفي القاذف زوجته بالتلفظ باللعان ولو أن ملحدا أراد الطعن على ~~الشريعة واستعمل من الشبهة ما استعمله النظام فقال أي معنى لليمين في ~~الدعاوي والمستحلف إن كان ثقة فلا معنى لإحلافه وإن كان ظنينا متهما فهو ~~بأن يقدم على اليمين أولى وكذلك في القاذف زوجته لما كان له جواب إلا ما ~~أجبنا به النظام وقد ذكرناه وقد حكي عن الزبير بن بكار في هذا الخبر تأويل ~~قريب وهو أنه قال كان أبو بكر وعمر إذا جاءهما حديث عن رسول الله (ص) لا ~~يعرفانه لم يقبلاه حتى يأتي مع الذي ذكره آخر فيقوما مقام الشاهدين قال ~~فأقام أمير المؤمنين (ع) اليمين مع دعوى المحدث مقام الشاهد مع اليمين في ~~الحقوق كما أقاما الرواية في طلب شاهدين عليهما مقام باقي الحقوق فإن قيل ~~أوليس هذا الحديث إذا سلمتوه وأخذتم في تأويله يقتضي أن أمير المؤمنين ع PageV01P154 # ما كان يعلم الشيء الذي يخبر به عن رسول الله (ص) وأنه كان يستفيد من ~~المخبر ولو لا ذلك لما كان لاستحلافه معنى وهذا يوجب أنه (ع) كان غير محيط ~~بعلم الشريعة على ما تذهبون إليه قلنا قد بينا الجواب عن هذه الشبهة في ~~كتابنا الملقب الشافي في الإمامة وذكرنا أنه (ع) وإن كان عالما بصحة ما ~~أخبره المخبر وأنه من الشرع فقد ms148 يجوز أن يكون المخبر له به ما سمعه من ~~الرسول (ص) وإن كان من شرعه ويكون كاذبا في ادعائه السماع فكان يستحلفه ~~لهذه العلة وقلنا أيضا لا يمتنع أن يكون ذلك إنما كان منه (ع) في حياة ~~الرسول (ص) وفي تلك الأحوال لم يكن محيطا بجميع الأحكام بل كان يستفيدها ~~حالا بعد حال فإن قيل كيف خص أبا بكر في هذا الباب بما لم يخص به غيره قلنا ~~يحتمل أن يكون أبو بكر حدثه بما علم أنه سمعه من الرسول (ص) وحضر تلقيه له ~~من جهته (ص) فلم يحتج إلى استحلافه لهذا الوجه مسألة فإن قيل فما الوجه فيما # ذكره النظام في كتابه المعروف بالنكت من قوله العجب @HAD0140 مما حكم به ~~علي بن أبي طالب (ع) في حرب أصحاب الجمل لأنه (ع) قتل المقاتلة ولم يغنم ~~فقال له قوم من أصحابه إن كان قتلهم حلالا فغنيمتهم حلال وإن كان غنيمتهم ~~حراما فقتلهم حرام فكيف قتلت ولم تسب فقال (ع) فأيكم يأخذ عائشة في سهمه؟ ~~فقال قوم إن عائشة تصان لرسول الله (ص) فنحن لا نغنمها ونغنم من ليس سبيله ~~من رسول الله (ص) سبيلها قال فلم يجبهم إلى شيء من ذلك فقال له عبد الله ~~بن وهب الراسبي أليس قد جاز أن يقتل كل من حارب مع عائشة ولا تقتل عائشة؟ ~~قال بلى قد جاز ذلك وأحله الله عز وجل فقال له عبد الله بن وهب فلم ما جاز ~~أن نغنم غير عائشة ممن حاربنا ويكون غنيمة عائشة غير حلال لنا فيما تدفعنا ~~عن حقنا فأمسك (ع) عن جوابه # فكان PageV01P155 # هذا أول شيء حقدته الشراة على علي عليه الصلاة والسلام قلنا ليس يشنع ~~أمير المؤمنين (ع) ويعترضه في الأحكام إلا من قد أعمى الله قلبه وأضله عن ~~رشده لأنه المعصوم الموفق المسدد على ما دلت عليه الأدلة الواضحة ثم لو لم ~~يكن كذلك وكان على ما يعتقده المخالفون أليس هو الذي شهد له الرسول (ص) ~~بأنه (ع) أقضى الأمة وأعرفها ms149 بأحكام الشريعة وهو الذي شهد (ص) له بأن الحق ~~معه يدور كيف ما دار فينبغي لمن جهل وجه شيء فعله (ع) أن يعود على نفسه ~~باللوم ويقر عليها بالعجز والنقص ويعلم أن ذلك موافق للصواب والسداد وإن ~~جهل وجهه وضل عن علته وهذه جملة يغني التمسك بها عن كثير من التأويل وأمير ~~المؤمنين (ع) لم يقاتل أهل القبلة إلا بعهد من الرسول (ص) وقد صرح (ع) في ~~ذلك بكثير من كلامه الذي قد مضى حكاية بعضه ولم يسرفهم إلا بما عهده إليه ~~من السيرة وليس بمنكر أن يختلف أحكام المحاربين فيكون منهم من يقتل ويغنم ~~ومنهم من يقتل ولا يغنم لأن أحكام الكفار في الأصل مختلفة ومقاتلو أمير ~~المؤمنين (ع) عندنا كفار لقتالهم له وإذا كان في الكفار من يقر على كفر ~~ويؤخذ الجزية منه ومنهم من لا يقر على كفره ولا يقعد عن محاربته إلى غير ~~ذلك مما اختلفوا فيه من الأحكام جاز أن يكون أيضا فيهم من يغنم ومن لا يغنم ~~لأن الشرع لا ينكر فيه هذا الضرب من الاختلاف وقد روي أن مرتدا على عهد أبي ~~بكر يعرف بعلانة ارتد فلم يعرض أبو بكر لماله وقالت امرأته إن يكن علانة ~~ارتد فإنا لم نرتد وروي مثل ذلك في مرتد قتل في أيام عمر بن الخطاب فلم ~~يعرض لماله و# روي @HAD011 أن أمير المؤمنين (ع) قتل مستوردا العجلي ولم ~~يعرض لميراثه # فالقتل ووجوبه ليس بأمارة على تناول المال واستباحته على أن الذي رواه ~~النظام من القصة محرف معدول عن PageV01P156 # الصواب # والذي تظاهرت به الروايات ونقله أهل السير في هذا الباب من طرق مختلفة ~~@HAD0305 أن أمير المؤمنين (ع) لما خطب بالبصرة وأجاب عن مسائل شتى سئل ~~عنها وأخبر بملاحم وأشياء تكون بالبصرة قام إليه عمار بن ياسر رضي الله عنه ~~فقال يا أمير المؤمنين إن الناس يكثرون في أمر الفيء ويقولون من قاتلنا ~~فهو وماله وولده في النار وقام رجل من بكر بن وائل يقال له عباد بن قيس ms150 ~~فقال يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت في الرعية فقال (ع) ~~ولم ذلك ويحك؟ قال لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية ~~فقال أمير المؤمنين (ع) يا أيها الناس من كانت به جراحة فيداوها بالسمن ~~فقال عباد بن قيس جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات فقال عليه الصلاة ~~والسلام إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف فقال رجل يا أمير ~~المؤمنين ومن غلام ثقيف فقال رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها قال له الرجل ~~أيموت أو يقتل؟ فقال أمير المؤمنين (ع) بل يقصمه قاصم الجبارين يخترق سريره ~~لكثرة ما يحدث من بطنه يا أخا بكر أنت امرؤ ضعيف الرأي أما علمت أنا لا ~~نأخذ الصغير بذنب الكبير وأن الأموال كانت بينهم قبل الفرقة يقسم ما حواه ~~عسكرهم وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم فإن عدى علينا أحد أخذناه بذنبه ~~وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره يا أخا بكر والله لقد حكمت فيكم بحكم ~~رسول الله (ص) في أهل مكة قسم ما حواه العسكر ولم يعرض لما سوى ذلك وإنما ~~اقتفينا أثره حذو النعل بالنعل يا أخا بكر أما علمت أن دار الحرب يحل ما ~~فيها ودار الهجرة محرم ما فيها إلا يحق مهلا مهلا رحمكم الله فإن أنتم ~~أنكرتم ذلك علي فأيكم يأخذ أمه عائشة بسهمه قالوا يا أمير المؤمنين أصبت ~~وأخطأنا وعلمت وجهلنا أصاب الله بك الرشاد والسداد. PageV01P157 ### ||| فأما قول النظام # إن هذا أول ما حقدته الشراة عليه فباطل لأن الشراة ما شكوا قط فيه (ع) ~~ولا ارتابوا بشيء من أفعاله قبل التحكيم الذي منه دخلت الشبهة عليهم وكيف ~~يكون ذلك وهم الناصرون له بصفين والمجاهدون بين أيديه والسافكون دماءهم تحت ~~رايته وحرب صفين كانت بعد الجمل بمدة طويلة فكيف يدعي أن الشك منهم في أمره ~~كان ابتداؤه في حرب الجمل لو لا ضعف البصائر مسألة فإن قيل فما الوجه فيما # ذكره النظام من @HAD053 أن ابن جرموز لما ms151 أتى أمير المؤمنين (ع) برأس ~~الزبير وقد قتله بوادي السباع قال أمير المؤمنين (ع) والله ما كان ابن صفية ~~بجبان ولا لئيم لكن الحين ومصارع السوء فقال له ابن جرموز الجائزة يا أمير ~~المؤمنين فقال (ع) سمعت النبي (ص) يقول بشر قاتل ابن صفية بالنار # فخرج ابن جرموز هو يقول شعرا # أتيت عليا برأس الزبير %~% وكنت أرجو به الزلفة # فبشر بالنار قبل العيان %~% فبئس البشارة والتحفة # فقلت له إن قتل الزبير %~% لو لا رضاك من الكلفة # فإن ترض ذاك فمنك الرضا %~% وإلا فدونك لي حلفة # ورب المحلين والمحرمين %~% ورب الجماعة والألفة # لسيان عندي قتل الزبير %~% وضرطة عنز بذي الجحفة # قال النظام وقد كان يجب على علي (ع) أن يقيده بالزبير وكان يجب على ~~الزبير أن بان له أنه على خطاء أن يلحق بعلي (ع) فيجاهد معه الجواب أنه لا ~~شبهة في أن الواجب على الزبير أن يعدل إلى أمير المؤمنين (ع) وينحاز إليه ~~ويبذل نصرته لا سيما إذا كان رجوعه على طريق التوبة والإنابة ومن أظهر ما ~~أظهر من المباينة والمحاربة إذا تاب وتبين خطاؤه يجب عليه أن يظهر ضد ما ~~كان أظهره لا سيما وأمير المؤمنين (ع) في تلك الحال مصاف لعدوه ومحتاج إلى ~~نصرة من هو دون الزبير في الشجاعة والنجدة وليس هذا موضع استقصاء ما يتصل بهذا PageV01P158 # المعنى وقد ذكرناه في كتابنا الشافي المقدم ذكره. ### ||| فأما أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام # فإنما عدل أن يقتل ابن جرموز بالزبير لأحد أمرين إن كان ابن جرموز قتله ~~غدرا وبعد أن أمنه أو قتله بعد أن ولى مدبرا وقد كان أمير المؤمنين (ع) أمر ~~أصحابه أن لا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح فلما قتل ابن جرموز الزبير ~~مدبرا كان بذلك عاصيا مخالفا لأمر إمامه (ع) فالسبب في أنه لم يقيده به أن ~~أولياء الدم الذين هم أولاد الزبير لم يطالبوا بذلك ولا حكموا فيه وكان ~~أكبرهم والمنظور إليه منهم عبد الله محاربا لأمير المؤمنين (ع) مجاهرا له ~~بالعداوة والمشاقة ms152 فقد أبطل بذلك حقه لأنه لو أراد أن يطالب به لرجع عن ~~الحرب وبايع وسلم ثم طالب بعد ذلك فانتصف له منه وإن كان الأمر الآخر وهو ~~أن يكون ابن جرموز ما قتل الزبير إلا مبارزة بغير غدر ولا أمان نقدم على ما ~~ذهب إليه قوم فلا يستحق بذلك قودا ولا مسألة هاهنا في القود فإن قيل على ~~هذا الوجه ما معنى بشارته بالنار قلنا المعنى فيها الخبر عن عاقبة أمره لأن ~~الثواب والعقاب إنما يحصلان على عواقب الأعمال وخواتيمها وابن جرموز هذا ~~خرج مع أهل النهر على أمير المؤمنين (ع) فقتل هناك فكان بذلك الخروج من أهل ~~النار لا بقتل الزبير فإن قيل فأي فائدة لإضافة البشارة بالنار إلى قتل ~~الزبير وقتله طاعة وقربة وإنما يجب أن يضاف البشارة بالنار إلى ما يستحق به ~~النار قلنا عن هذا جوابان أحدهما أنه (ع) أراد التعريف والتنبيه وإنما يعرف ~~الإنسان بالمشهور من أفعاله والظاهر من أوصافه وابن جرموز كان غفلا خاملا ~~وكان فعله بالزبير من أشهر ما يعرف به مثله وهذا وجه في التعريف صحيح ~~والجواب الثاني أن قتل الزبير إذا PageV01P159 # كان باستحقاق على وجه الصواب من أعظم الطاعات وأكبر القربات ومن جرى على ~~يده يظن به الفوز بالجنة فأراد (ع) أن يعلم الناس أن هذه الطاعة العظيمة ~~التي يكثر ثوابها إذا لم تعقب بما يفسده غير نافعة لهذا القاتل وأنه سيأتي ~~من فعله في المستقبل ما يستحق به النار فلا تظنوا به لما اتفق على يده من ~~هذه الطاعة خيرا وهذا يجري مجرى أن يكون لأحدنا صاحب خصيص به خفيف في طاعته ~~مشهور بنصيحته فيقول هذا المصحوب بعد برهة من الزمان لمن يريد إطرافه ~~وتعجبه أوليس صاحبي فلان الذي كانت له من الحقوق كذا وكذا وبلغ من الاختصاص ~~بي إلى منزلة كذا قتلته وأبحت حريمه وسلبت ماله وإن كان ذلك إنما استحقه ~~بما تجدد منه في المستقبل وإنما عرف بالحسن من أعماله على سبيل التعجب وهذا ~~واضح مسألة فإن قيل ms153 فما الوجه فيما عابه النظام به (ع) من الأحكام التي ~~ادعى أنه خالف فيها جميع الأمة مثل بيع أمهات الأولاد وقطع يد السارق من ~~أصول الأصابع ودفع السارق إلى الشهود وجلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا في ~~خلافة عثمان وجهره بتسمية الرجال في القنوت وقبوله شهادة الصبيان بعضهم على ~~بعض والله تعالى يقول @QUR@05 وأشهدوا ذوي عدل منكم وأخذه (ع) نصف دية ~~الرجل من أولياء المرأة وأخذه نصف دية العين من المقتص من الأعور وتخليفه ~~رجلا يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الأعظم وأنه (ع) أحرق رجلا أتى غلاما ~~في دبره وأكثر ما أوجب على من فعل هذا الفعل الرجم وأنه (ع) أوتي بمال من ~~مهور البغايا فقال (ع) ارفعوه حتى يجيء عطاء غني وباهلة وقال النظام لم خص ~~بهذا غنيا وباهلة فإن كانوا مؤمنين فمن عداهم من المؤمنين كهم في جواز ~~تناول هذا المال وإن كانوا غير مؤمنين فكيف يأخذون العطاء مع المؤمنين قال ~~وذلك المال وإن كان من مهور البغايا أو لحوم الخنازير بعد أن يملكه الكفار ~~ثم يبيحه PageV01P160 # على المؤمنين فهو حلال طيب للمؤمن الجواب أنا قد بينا قبل هذا الموضع أنه ~~لا يعترض على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في أحكام الشريعة ويطمع ~~فيه في عثرة أو زلة إلا معاند لا يعرف قدره ومن شهد له النبي (ص) بأنه أقضى ~~الأمة وأن الحق معه كيف ما دار وضرب بيده على صدره وقال اللهم اهد قلبه ~~وثبت لسانه لما بعثه إلى اليمن حتى قال أمير المؤمنين (ع) فما شككت في قضاء ~~بين اثنين وقال فيه (ص) أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت ~~الباب لا يجوز أن يعرض أحكامه (ع) ولا يظن بها إلا الصحة والسداد وأعجب من ~~هذا كله الطعن على هذه الأحكام وأشباهها بأنها خلاف الإجماع وأي إجماع ليت ~~شعري يستقر وأمير المؤمنين (ع) خارج منه ولا أحد من الصحابة الذين لهم في ~~الأحكام مذاهب وفتاو وقيام إلا وقد تفرد بشيء لم يكن له عليه ms154 موافق وما عد ~~مذهبه خروجا عن الإجماع ولو لا التطويل لذكرنا شرح هذه الجملة ومعرفتها ~~وظهورها يغنيان عن تكلف ذلك ولو كان للطعن على أمير المؤمنين (ع) في هذه ~~الأحكام مجال وله وجه لكان أعداؤه من بني أمية والمتقربين إليهم من شيعتهم ~~بذلك أخبر وإليه أسبق وكانوا يعيبونه عليه ويدخلونه في جملة مثالبهم ~~ومعايبهم التي تمحلوها ولما تركوا ذلك حتى يستدركه النظام بعد السنين ~~الطويلة وفي أضرابهم عن ذلك دليل على أنه لا مطعن بذلك ولا معاب وبعد فكل ~~شيء فعله أمير المؤمنين (ع) من هذه الأحكام وكان له مذهبا ففعله (ع) ~~واعتقاده إياه هو الحجة فيه وأكبر البرهان على صحته لقيام الأدلة على أنه ~~(ع) لا يزل ولا يغلط ولا يحتاج إلى بيان وجوه زائدة على ما ذكرناه إلا على ~~سبيل الاستظهار والتقرير على الخصوم وتسهيل طريق الحجة عليهم. PageV01P161 ### ||| فأما بيع أمهات الأولاد # فلم يسر فيهن إلا بنص الكتاب وظاهره قال الله تعالى @QUR@022 والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ولا شبهة في أن أم الولد يطؤها سيدها ~~بملك اليمين لأنها ليست زوجة ولا هو عاد في وطئها إلى ما لا يحل وإذا كانت ~~مملوكة متسرية بطل ما يدعونه من أن ولدها أعتقها ويبين ذلك أيضا أنه لا ~~خلاف في أن لسيدها أن يعتقها ولو كان الولد قد أعتقها لم يصح ذلك لأن عتق ~~المعتق محال وهذه الجملة توضح عن بطلان ما يروونه من أن ولدها أعتقها ثم ~~يقال لهم أليس هذا الخبر لم يقتض أن لها جميع أحكام المعتقات لأنه لو اقتضى ~~ذلك لما جاز أن يعتقها السيد ولا أن يطأها إلا بعقد وإنما اقتضى بعض أحكام ~~المعتقات فلا بد من مزيل فيقال لهم فما أنكرتم من أن مخالفكم يمكنه أن ~~يستعمله أيضا على سبيل التخصيص كما استعملتموه فنقول إنه لو أراد بيعها لم ~~يجز إلا في دين وعند ضرورة وعند موت الولد فكأنها ms155 تجري مجرى المعتقات فيما ~~لا يجوز بيعها فيه وإن لم تجر من كل وجه كما أجريتموها مجراهن في وجه دون آخر. ### ||| فأما قطع السارق من أصول الأصابع # فهو الحق الواضح الجلي لأن الله تعالى قال @QUR@06 والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما واسم اليد يقع على جملة هذا العضو إلى المنكب ويقع أيضا ~~عليه إلى المرافق وإلى الزند وإلى الأشاجع كل ذلك على سبيل الحقيقة ولهذا ~~يقول أحدهم أدخلت يدي في الماء إلى أصول الأصابع وإلى الزند وإلى المرفق ~~وإلى المنكب فيجعل كل ذلك غاية وقال الله تعالى @QUR@05 فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم ومعلوم أن الكتابة تكون بالأصابع ولو يرى أحدنا قلما PageV01P162 # فعقرت السكين أصابعه لقيل قطع يده وعقرها ونحو ذلك وقال الله تعالى في ~~قصة يوسف (ع)@QUR@06 فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن ومعلوم أنهن ما قطعن ~~أكفهن إلى الزند بل على ما ذكرناه وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ولم يجز أن ~~يحمل اليد على كل ما تناولته هذه اللفظة حتى يقطع من الكتف على مذهب ~~الخوارج لأن هذا باطل عند جميع الفقهاء وجب أن نحمله على أدنى ما تناوله ~~وهو من أصول الأشاجع والقطع من الأصابع أولى بالحكمة وأرفق بالمقطوع لأنه ~~إذا قطع من الزند فاته من المنافع أكثر مما يفوته إذا قطع من الأشاجع وقد # روي @HAD036 أن علي بن أصمع [إصبع] سرق عيبة بسفوان فأتي به إلى أمير ~~المؤمنين (ع) فقطعه من أشاجعه فقيل له يا أمير المؤمنين أفلا من الرسغ فقال ~~(ع) فعلى أي شيء يتوكأ وبأي شيء يستنجي # ومهما شككنا فإنا لا نشك في أن أمير المؤمنين (ع) كان أعلم باللغة ~~العربية من النظام ومن جميع الفقهاء والذين خالفوه في القطع وأقرب إلى فهم ~~ما نطق به القرآن وأن قوله (ع) حجة في العربية وقدوة وقد سمع الآية وعرف ~~اللغة التي نزل بها القرآن فلم يذهب إلى ما ذهب إليه إلا عن خبرة ويقين. ### ||| فأما دفع السارق إلى الشهود # فلا أدري من أي وجه كان عيبا وهل دفعه إليهم ms156 ليقطعوه إلا كدفعه إلى غيرهم ~~ممن يتولى ذلك منه وفي هذا فضل استظهار عليهم وتهييب لهم من أن يكذبوا ~~فيعظم عليهم تولي ذلك ومباشرته بنفوسهم وهذا نهاية الحزم والاحتياط للدين. ### ||| فأما جلد الوليد بن عتبة أربعين سوطا # فإن المروي أنه (ع) جلده بتسعة لها رأسان فكان الحد ثمانين كاملا وهذا ~~مأخوذ من قوله تعالى @QUR@09 وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث . PageV01P163 ### ||| وأما الجهر بتسمية الرجال في القنوت # فقد سبقه (ع) إلى ذلك رسول الله (ص) وتظاهرت الرواية بأنه (ص) كان يقنت ~~في صلاة الصبح ويلعن قوما من أعدائه بأسمائهم فمن عاب ذلك أو طعن به فقد ~~طعن على أصل الإسلام وقدح في الرسول ص. ### ||| وأما قبول شهادة الصبيان # فالاحتياط للدين يقتضيه ولم ينفرد أمير المؤمنين (ع) بذلك بل قد قال ~~بقوله بعينه أو قريبا منه جماعة من الصحابة والتابعين روي عن عمر بن الخطاب ~~وعثمان بن عفان في شهادة الصبي يشهد بعد كبره والعبد بعد عتقه والنصراني ~~بعد إسلامه أنها جائزة وهذا قول جماعة من الفقهاء المتأخرين كالثوري وأبي ~~حنيفة وأصحابه وروى مالك بن أنس عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير كان ~~يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح وروي عن هشام بن عروة أنه قال ~~سمعت أبي يقول يجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض يؤخذ بأول قولهم وروي عن ~~مالك بن أنس أنه قال المجمع عليه عندنا يعني أهل المدينة أن شهادة الصبيان ~~تجوز فيما بينهم من الجراح ولا تجوز على غيرهم إذا كان ذلك قبل أن يتفرقوا ~~ويجيئوا ويعلموا فإن تفرقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا عدولا ~~على شهادتهم قبل أن يتفرقوا ويوشك أن يكون الوجه في الأخذ بأوائل أقوالهم ~~لأن من عادة الصبي وسجيته إذا أخبر بالبديهة أن يذكر الحق الذي عاينه ولا ~~يتعمل لتحريفه وليس جميع الشهادات تراعى فيها العدالة وجماعة من العلماء قد ~~أجازوا شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم وتأولوا لذلك ~~قول الله ms157 عز وجل @QUR@08 اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم وقد ~~أجازوا أيضا شهادة النساء وحدهن فيما لا يجوز أن ينظر إليه الرجال وقبلوا ~~شهادة القابلة وإنما أردنا بذكر PageV01P164 # قبول شهادة النساء أن قوله تعالى @QUR@05 وأشهدوا ذوي عدل منكم مخصوص ~~غير عام في جميع الشهادات ألا ترى أن ذلك غير مانع من قبول اليمين مع شهادة ~~الواحد وبعد فليس قوله تعالى @QUR@05 وأشهدوا ذوي عدل منكم بمقتض غير ~~الأمر بالشهادة على هذا الوجه وليس بمانع من قبول شهادة غير العدلين ولا ~~تعلق له بأحكام قبول الشهادات. ### ||| فأما أخذ نصف الدية من أولياء المرأة # إذا أرادوا قتل الرجل بها فهو الصحيح الواضح الذي لا يجوز خلافه لأن دية ~~الرجل عشرة آلاف درهم ودية المرأة نصفها فإذا أراد أولياء المرأة قتل الرجل ~~فإنما يقتلون نفسا ديتها الضعف من دية مقتولهم فلا بد إذا اختاروا ذلك من ~~رد فضل القيمتين ولهذا لو أرادوا أخذ الدية لم يأخذوا أكثر من خمسة آلاف ~~درهم وهكذا القول في أخذ نصف الدية من المقتص من الأعور لأن دية عين الأعور ~~عشرة آلاف درهم ودية إحدى عيني الصحيح خمسة آلاف فلا بد من الرجوع بالفضل ~~على ما ذكرناه وما أدري من أي وجه تطرق العيب في تخليفه (ع) رجلا يصلي ~~العيدين بالضعفاء في المسجد الأعظم وذلك من رأفته (ع) بالضعفاء ورفقه بهم ~~وتوصله إلى أن يحفظوا بفضل هذه الصلاة من غير تحمل مشقة الخروج إلى المصلى. ### ||| فأما ما حكاه من إحراقه اللوطي # فالمعروف أنه (ع) ألقى على الفاعل والمفعول به لما رآهما الجدار ولو صح ~~الإحراق لم ينكر أن يكون ذلك الشيء عرفه من الرسول (ص) وقد روى فهد بن ~~سليمان عن القاسم بن أمية العدوي عن عمر بن أبي حفص مولى الزبير عن شريك عن ~~إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة أن أبا بكر أتي برجل ينكح فأمر به ~~فضربت عنقه PageV01P165 # ثم أمر به فأحرق ولعل أمير المؤمنين (ع) أحرقه بالنار بعد القتل بالسيف ~~كما فعل ms158 أبو بكر وليس ما روى من الإحراق بمانع من أن يكون القتل متقدما له ~~وقد روي قتل المتلوطين من طرق مختلفة عن الرسول (ص) وكذلك روي رجمهما # روى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ص@HAD07 : ~~اقتلوا الفاعل والمفعول به- وروى عبد العزيز عن ابن جريح عن عكرمة عن ابن ~~عباس عن النبي ص@HAD03 : مثل ذلك # وعن عمر بن أبي عمير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال@HAD09 : ~~فيمن يوجد يعمل عمل قوم لوط مثل ذلك # روى أبو هريرة عن النبي (ص) قال@HAD012 : الذي يعمل عمل قوم لوط ارجموا ~~الأعلى والأسفل ارجموهما جميعا # @HAD020 وسئل ابن عباس ما حد اللوطي فقال ينظر إلى أرفع بناء في القرية ~~فيرمى به منكسا ثم يتبع بالحجارة # وروي أن عثمان أشرف على الناس يوم الدار فقال ألم تعلموا أنه لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا أربعة رجل قتل فقتل ورجل زنى بعد أن أحصن ورجل ارتد بعد ~~إسلام ورجل عمل عمل قوم لوط فلا شبهة على ما ترى في قتل اللوطي ولا ريب في ~~وجوب ذلك عليه وكيف يتهم بحيف في حد يقيمه من يتحرى فيما يخصه هذا التحري ~~المشهور # فيقول (ع)@HAD032 لما ضربه اللعين ابن ملجم أحسنوا أسره فإن عشت فأنا ولي ~~دمي وإن مت فضربه بضربة ولا تمثلوا بالرجل فإن رسول الله (ص) نهى عن المثلة ~~ولو بالكلب العقور # فمن ينهى عن التمثيل بقاتله مع الغيظ الذي يجده الإنسان على ظالمه وميله ~~إلى الاستيفاء والانتقام كيف يمثل بمن لا تره بينه وبينه ولا حسكة له في ~~قلبه وهذا ما لا يظنه بمثله (ع) إلا مئوف العقل. PageV01P166 ### ||| فأما حبسه (ع) المال المكتسب من مهور البغايا على غني وباهلة # فله إن كان صحيحا وجه واضح وهو أن ذلك المال دني الأصل خسيس السبب ومثله ~~ما ينزه عنه ذو الأقدار من جلة المؤمنين ووجوه المسلمين وإن كان حلالا طلقا ~~فليس كل حلال يتساوى الناس في التصرف فيه فإن من المكاسب والمهن والحرف ما ~~يحل ms159 ويطيب ويتنزه ذوو المروات والأقدار عنها وقد فعل النبي (ص) نظير ما ~~فعله أمير المؤمنين (ع) فإنه # روي عنه @HAD06 أنه (ص) نهى عن كسب الحجام # فلما روجع فيه أمر المراجع له أن يطعمه رقيقه ويعلفه ناضحه وإنما قصد (ص) ~~إلى الوجه الذي ذكرناه من التنزيه وإن كان ذلك الكسب حلالا طلقا وهاتان ~~القبيلتان معروفتان بالدناءة ولؤم الأصل مطعون عليهما في ديانتهما أيضا ~~فخصهما بالكسب اللئيم وعوض من له في ذلك المال سهم من الجلة والوجوه من غير ~~ذلك المال وهذا واضح لمن تدبره مسألة فإن قيل أليس # قد روي @HAD073 أن أمير المؤمنين (ع) خطب بنت أبي جهل بن هشام في حياة ~~الرسول (ص) حتى بلغ ذلك فاطمة (ع) وشكته إلى النبي (ص) فقام على المنبر ~~قائلا إن عليا (ع) آذاني يخطب بنت أبي جهل بن هشام ليجمع بينها وبين فاطمة ~~ولن يستقيم الجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدوه أما علمتم معشر الناس أن ~~من آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى # فما الوجه في ذلك الجواب قلنا هذا خبر باطل موضوع غير معروف ولا ثابت عند ~~أهل النقل وإنما ذكره الكرابيسي طاعنا به على أمير المؤمنين (ص) ومعارضا ~~بذكره لبعض ما يذكره شيعته من الأخبار في أعدائه وهيهات أن يشبه الحق ~~بالباطل ولو لم يكن في ضعفه إلا رواية PageV01P167 # الكرابيسي له واعتماده عليه وهو من العداوة لأهل البيت (ع) والمناصبة لهم ~~والإزراء على فضائلهم ومآثرهم على ما هو مشهور لكفى على أن هذا الخبر قد ~~تضمن ما يشهد ببطلانه ويقضي على كذبه من حيث ادعى فيه أن النبي (ص) ذم هذا ~~الفعل وخطب بإنكاره على المنابر ومعلوم أن أمير المؤمنين (ع) لو كان فعل ~~على ما حكى لما كان فاعلا لمحظور في الشريعة لأن نكاح الأربع حلال على لسان ~~نبينا محمد (ص) والمباح لا ينكره الرسول (ص) ويصرح بذمه وبأنه متأذ به وقد ~~رفعه الله عن هذه المنزلة وأعلاه عن كل منقصة ومذمة ولو كان ms160 (ع) نافرا من ~~الجمع بين بنته وبين غيرها بالطباع التي تنفر من الحسن والقبيح لما جاز أن ~~ينكره بلسانه ثم ما جاز أن يبالغ في الإنكار ويعلن به على المنابر وفوق ~~رءوس الأشهاد ولو بلغ من إيلامه لقلبه كل مبلغ فما هو اختص به (ع) من الحلم ~~والكظم ووصفه الله به من جميل الأخلاق وكريم الآداب ينافي ذلك ويحيله ويمنع ~~من إضافته إليه وتصديقه عليه وأكثر ما يفعله مثله (ع) في هذا الأمر إذا ثقل ~~عليه أن يعاتب سرا ويتكلم في العدول عنه خفيا على وجه جميل وبقول لطيف وهذا ~~المأمون الذي لا قياس بينه وبين الرسول (ص) وقد # @HAD041 أنكح أبا جعفر محمد بن علي (ع) بنته ونقلها معه إلى مدينة الرسول ~~(ص) لما ورد كتابها عليه تذكر أنه قد تزوج عليها أو تسرى يقول مجيبا لها ~~ومنكرا عليها إنا ما أنكحناه لنحظر عليه ما أباحه الله تعالى # والمأمون أولى بالامتعاض من غيره بنته وحاله أجمل للمنع من هذا الباب ~~والإنكار له فو الله إن الطعن على النبي (ص) بما تضمنه هذا الخبر الخبيث ~~أعظم من الطعن على أمير المؤمنين (ع) وما صنع هذا الخبر إلا ملحد قاصد ~~للطعن عليهما أو ناصب معاند لا يبالي أن يشفي غيظه بما يرجع على أصوله ~~بالقدح والهدم على أنه لا خلاف بين أهل النقل PageV01P168 # أن الله تعالى هو الذي اختار أمير المؤمنين (ع) لنكاح سيدة النساء (صلوات ~~الله وسلامه عليها) وأن النبي (ص) رد عنها جلة أصحابه وقد خطبوها وقال (ص) ~~إني لم أزوج فاطمة عليا (ع) حتى زوجها الله إياه في سمائه ونحن نعلم أن ~~الله سبحانه لا يختار لها من بين الخلائق من يغيرها ويؤذيها ويغمها فإن ذلك ~~من أدل دليل على كذب الراوي لهذا الخبر وبعد فإن الشيء إنما يحمل على ~~نظائره ويلحق بأمثاله وقد علم كل من سمع الأخبار أنه لم يعهد من أمير ~~المؤمنين (ع) خلاف على الرسول (ص) ولا كان قط بحيث يكره على اختلاف الأحوال ~~وتقلب ms161 الأزمان وطول الصحبة ولا عاتبه (ع) على شيء من أفعاله مع أن أحدا من ~~أصحابه لم يخل من عتاب على هفوة ونكير لأجل زلة فكيف خرق بهذا الفعل عادته ~~وفارق سجيته وسنته لو لا تخرص الأعداء وتعديهم وبعد فأين كان أعداؤه (ع) من ~~بني أمية وشيعتهم عن هذه الفرصة المنتهزة وكيف لم يجعلوها عنوانا لما ~~يتخرصونه من العيوب والقروف وكيف تمحلوا الكذب وعدلوا عن الحق وفي علمنا ~~بأن أحدا من الأعداء متقدما لم يذكر ذلك دليل على أنه باطل موضوع ### ||| أبو محمد الحسن بن علي ع # مسألة فإن قال قائل ما العذر له في خلع نفسه من الإمامة وتسليمها إلى ~~معاوية مع ظهور فجوره وبعده عن أسباب الإمامة وتعريه من صفات مستحقها ثم في ~~بيعته وأخذ عطائه وصلاته وإظهار موالاته والقول بإمامته هذا مع وفور أنصاره ~~واجتماع أصحابه ومتابعة من كان يبذل عنه دمه وماله حتى سموه مذل المؤمنين ~~وعاتبوه في وجهه (ع) الجواب قلنا قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام الإمام ~~المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة والأدلة القاهرة فلا بد من التسليم ~~لجميع أفعاله وحملها على الصحة PageV01P169 # وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفضيل أو كان له ظاهر ربما نفرت ~~النفوس عنه وقد مضى تلخيص هذه الجملة وتقريرها في مواضع من كتابنا هذا وبعد ~~فإن الذي جرى منه (ع) كان السبب فيه ظاهرا والحامل عليه بينا جليا أن ~~المجتمعين له من الأصحاب وإن كانوا كثيري العدد وقد كانت قلوب أكثرهم دغلة ~~بعلة غير صافية وقد كانوا صبوا إلي دنيا معاوية وأمراحه من أحب في الأموال ~~من غير مراقبة ولا مساترة فأظهروا له (ع) النصرة وحملوه على المحاربة ~~والاستعداد لها طمعا في أن يورطوه ويسلموه وأحس (ع) بهذا منهم قبل التولج ~~والتلبس فتخلى من الأمر وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من ~~الوقت وقد صرح بهذه الجملة وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة وبألفاظ ~~مختلفة وقال إنما هادنت حقنا للدماء وصيانتها وإشفاقا على نفسي وأهلي ms162 ~~والمخلصين من أصحابي فكيف لا يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله وهو (ع) ~~لما كتب إلى معاوية يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه (ع) ويدعوه إلى ~~طاعته فأجابه معاوية (لعنه الله) بالجواب المعروف التضمن للمعاطفة منه ~~والمواربة وقال له فيه لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر وأضبط للناس وأكيد ~~للعدو وأقوى على جميع الأهوال [الأحوال] مني لبايعتك لأني أراك لكل خير ~~أهلا وقال في كتابه إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد وفاة رسول ~~الله (ص) دعاه ذلك إلى أن خطب بأصحابه بالكوفة يحثهم على الجهاد ويعرفهم ~~فضله وما في الصبر عليه من الأجر وأمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم فما أجابه ~~أحد فقال لهم عدي بن حاتم سبحان الله ألا تجيبون إمامكم أين خطباء المصر ~~فقام قيس بن سعد وفلان وفلان فبذلوا الجهاد وأحسنوا القول ونحن نعلم أن من ~~ظن بكلامه أولى بأن يظن بفعاله أوليس أحدهم قد جلس له في مظلم ساباط وطعنه بمعول PageV01P170 # كان معه أصاب فخذه فشقه حتى وصل إلى العظم وانتزع من يده وحمل (ع) إلى ~~المدائن وعليها سعيد بن مسعود عم المختار وكان أمير المؤمنين (ع) ولاه ~~إياها فأدخل منزله فأشار المختار على عمه أن يوثقه ويسير به إلى معاوية على ~~أن يطعمه خراج جوخي سنة فأبى عليه وقال للمختار قبح الله رأيك وأنا عامل ~~أبيه (ع) وقد ائتمنني وشرفني وهبني نسيت بلاء أبيه أنسى رسول الله (ص) ولا ~~أحفظه في ابن بنته وحبيبه ثم إن سعيد بن مسعود أتاه (ع) بطبيب وقام عليه ~~حتى برئ وحوله إلى بعض المدائن فمن ذا الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر ~~هؤلاء القوم فضلا عن النصرة والمعونة وقد # @HAD032 أجاب (ع) حجر بن عدي الكندي لما قال له سودت وجوه المؤمنين فقال ~~(ع) ما كل أحد يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وإنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم- # و# روى ابن عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن أبي الكنود عبد الرحمن ~~بن عبيد قال@HAD0160 : لما ms163 بايع الحسن (ع) معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى ~~بإظهار الأسف والحسرة على ترك القتال فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع ~~معاوية فقال له (ع) سليمان بن صرد الخزاعي ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ~~ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء وهم على أبواب ~~منازلهم ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز ~~ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ولا حظا من العطية فلو كنت إذ فعلت ما فعلت ~~أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب وكتبت عليه كتابا بأن الأمر لك ~~بعده كان الأمر علينا أيسر ولكنه أعطاك شيئا بينك وبينه ثم لم يف به ثم لم ~~يلبث أن قال على رءوس الأشهاد إني كنت شرطت شروطا ووعدت عداة إرادة لإطفاء ~~نار الحرب ومداراة لقطع الفتنة فأما إذا جمع الله لنا الكلمة والألفة فإن ~~ذلك تحت قدمي والله ما عنى بذلك غيرك ولا أراد PageV01P171 # @HAD038 بذلك إلا ما كان بينه وبينك وقد نقض فإذا شئت فأعد للحرب عدة ~~وأذن لي في تقدمك إلى الكوفة فأخرج عنها عاملها وأظهر خلعه وننبذ إليه ~~على سواء إن الله لا يحب الخائنين @HAD@ وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان ~~فقال الحسن عليه الصلاة والسلام أنتم شيعتنا وأهل مودتنا ولو كنت بالحزم في ~~أمر الدنيا أعمل ولسلطانها أربض [أركض] وأنصب ما كان معاوية بأشد مني بأسا ~~ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة ولكني أرى غير ما رأيتم ولا أردت بما فعلت ~~إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله وسلموا لأمره والزموا بيوتكم وأمسكوا أو ~~قال كفوا أيديكم @HAD07 حتى يستريح برا ويستراح من فاجر # وهذا كلام منه (ع) يشفي الصدور ويذهب بكل شبهة # وقد روي @HAD0125 أنه (ع) لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس ويعلمهم ~~ما عنده في هذا الباب قام (ع) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن أكيس الكيس ~~التقى وأحمق الحمق الفجور أيها الناس إنكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابلس ~~رجلا جده رسول الله (ص) ما وجدتموه غيري ms164 وغير أخي الحسين (ع) وإن الله قد ~~هداكم بأولنا محمد (ص) وإن معاوية نازعني حقا هو لي فتركته لصلاح الأمة ~~وحقن دمائها وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وقد رأيت أن أسالمه وقد ~~رأيت أن ما حقن الدماء خير مما سفكها وأردت صلاحكم وأن يكون ما صنعت حجة ~~على من كان يتمنى هذا الأمر وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين # وكلامه (ع) في هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى ~~التسليم دافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين والمسلمين أشهر من الشمس ~~وأجلى من الصبح. ### ||| فأما قول السائل إنه خلع نفسه من الإمامة # فمعاذ الله لأن الإمامة بعد حصولها للإمام لا تخرج عنه بقوله PageV01P172 # وعند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة أن خلع الإمام نفسه لا يؤثر في خروجه ~~من الإمامة وإنما ينخلع من الإمامة عندهم وهو حي بالأحداث والكبائر ولو كان ~~خلعه نفسه مؤثرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا فأما مع الإلجاء والإكراه ~~فلا تأثير له لو كان مؤثرا في موضع من المواضع ولم يسلم أيضا الأمر إلى ~~معاوية بل كف عن المحاربة والمغالبة لفقدان الأعوان وإعواز النصار وتلافي ~~الفتنة على ما ذكرناه فتغلب عليه معاوية بالقهر والسلطان مع أنه كان متغلبا ~~على أكثره ولو أظهر (ع) التسليم قولا لما كان فيه شيء إذا كان عن إكراه ~~واضطهاد. ### ||| وأما البيعة # فإن أريد بها الصفقة وإظهار الرضا والكف عن المنازعة فقد كان ذلك لكنا قد ~~بينا جهة وقوعه والأسباب المحوجة إليه ولا حجة في ذلك (ع) كما لم يكن في ~~مثله حجة على أبيه (ع) لما بايع المتقدمين عليه وكف عن نزاعهم وأمسك عن ~~خلافهم وإن أريد بالبيعة الرضا وطيب النفس فالحال شاهدة بخلاف ذلك وكلامه ~~المشهور كله يدل على أنه (ع) أحوج وأخرج وأن الأمر له وهو (ع) أحق الناس به ~~وإنما كف عن المنازعة فيه للغلبة والقهر والخوف على الدين والمسلمين. ### ||| وأما أخذ العطاء # فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما ms165 فعله أمير المؤمنين (ع) من ذلك ~~أن أخذه من يد الجائر الظالم المتغلب جائز وأنه لا لوم فيه على الأخذ ولا حرج. ### ||| وأما أخذ الصلات # فسائغ بل واجب لأن كل مال في يد الجائر المتغلب على أمر الأمة يجب على ~~الإمام وعلى جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن بالطوع أو الإكراه ~~ووضعه في مواضعه فإذا لم يتمكن PageV01P173 # ع من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى وأخرج هو شيئا ~~منها إليه على سبيل الصلة فواجب عليه أن يتناوله من يده ويأخذ منه حقه ~~ويقسمه على مستحقه لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك ~~الحال إلا له (ع) وليس لأحد أن يقول إن الصلات التي كان يقبلها من معاوية ~~إنما كان ينفقها على نفسه وعياله ولا يخرجها إلى غيره وذلك أن هذا مما لا ~~يمكن أحد أن يدعي العلم به والقطع عليه ولا شك أنه (ع) كان ينفق منها لأن ~~فيها حقه وحق عياله وأهله ولا بد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين ~~حقوقهم وكيف يظهر ذلك وهو (ع) كان قاصدا إلى إخفائه وستره لمكان التقية ~~والمحوج إليه إلى قبول تلك الأموال على سبيل الصلة هو المحوج له إلى ستر ~~إخراجها وإخراج بعضها إلى مستحقها من المسلمين وقد كان (ع) يتصدق بكثير من ~~أمواله ويواسي الفقراء ويصل المحتاجين إليه ولعل في جملة ذلك هذه الحقوق. ### ||| فأما إظهاره (ع) موالاته # فما أظهر (ع) من ذلك شيئا كما لم يبطنه وكلامه فيه بمشهد معاوية ومغيبه ~~معروف ظاهر يشهد بذم معاوية ومعايبه ولو فعل ذلك خوفا واستصلاحا وتلافيا ~~للشر العظيم لكان واجبا فقد فعل أبوه (ع) مثله مع المتقدمين عليه وأعجب من ~~هذا كله دعوى القول بإمامته ومعلوم ضرورة منه (ع) خلاف ذلك وأنه (ع) كان ~~يعتقد ويصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الإمام ولا تباعه فضلا عن ~~الإمامة نفسها وليس يظن مثل هذه الأمور إلا عامي حشوي قد ms166 قعد به التقليد ~~وما سبق إلى اعتياده من تصويب القوم كلهم عن المتأمل وسماع الأخبار ~~المأثورة في هذا الباب فهو لا يسمع إلا ما يوافقه وإذا سمع لم يصدق إلا بما ~~أعجبه @QUR@03 والله المستعان PageV01P174 ### ||| أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) # مسألة فإن قيل ما العذر في خروجه (ع) من مكة بأهله وعياله إلى الكوفة ~~والمستولي عليها أعداؤه والمتأمر فيها من قبل يزيد اللعين منبسط الأمر ~~والنهي وقد رأى (ع) صنع أهل الكوفة بأبيه وأخيه وأنهم غدارون خوانون وكيف ~~خالف ظنه ظن جميع أصحابه في الخروج وابن عباس يشير بالعدول عن الخروج ويقطع ~~على العطب فيه وابن عمر لما ودعه (ع) يقول أستودعك الله من قتيل إلى غير ما ~~ذكرناه ممن تكلم في هذا الباب ثم لما علم بقتل مسلم بن عقيل (ع) وقد أنفذه ~~رائدا له كيف لم يرجع لما علم الغرور من القوم وتفطن بالحيلة والمكيدة ثم ~~كيف استجاز أن يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها مواد لها ثم لما عرض ابن ~~زياد اللعين الأمان وأن يبايع يزيد لعنه الله تعالى كيف لم يستجب حقنا لدمه ~~ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه ولم ألقى بيده إلى التهلكة وبدون هذا ~~الخوف سلم أخوه الحسن (ع) الأمر إلى معاوية فكيف يجمع بين فعليهما بالصحة ~~الجواب قلنا قد علمنا أن الإمام متى غلب في ظنه أنه يصل إلى حقه والقيام ~~بما فوض إليه بضرب من الفعل وجب عليه ذلك وإن كان فيه ضرب من المشقة يتحمل ~~مثلها تحملها وسيدنا أبو عبد الله (ع) لم يسر طالبا للكوفة إلا بعد توثق من ~~القوم وعهود وعقود وبعد أن كاتبوه (ع) طائعين غير مكرهين ومبتدءين غير ~~مجيبين وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرائها تقدمت إليه ~~(ع) في أيام معاوية وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن (ع) فدفعهم وقال في ~~الجواب ما وجب ثم كاتبوه بعد وفاة الحسن (ع) ومعاوية باق فوعدهم ومناهم ~~وكانت أياما صعبة لا يطمع في مثلها فلما ms167 مضى معاوية عادوا المكاتبة وبذلوا ~~الطاعة وكرروا PageV01P175 # الطلب والرغبة ورأى (ع) من قوتهم على من كان يليهم في الحال من قبل يزيد ~~اللعين وتشحنهم عليه وضعفه عنهم ما قوى في ظنه أن المسير هو الواجب تعين ~~عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبب ولم يكن في حسابه أن القوم يغدر بعضهم ~~ويضعف أهل الحق عن نصرته ويتفق ما اتفق من الأمور الغريبة فإن مسلم بن عقيل ~~رحمة الله عليه لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها ولما وردها عبيد ~~الله بن زياد لعنة الله عليه وقد سمع بخبر مسلم ودخوله الكوفة وحصوله في ~~دار هاني بن عروة المرادي رحمة الله عليه على ما شرح في السيرة وحصل شريك ~~بن الأعور بها جاءه ابن زياد عائدا وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ~~ابن زياد اللعين عند حضوره لعيادة شريك وأمكنه ذلك وتيسر له فما فعل واعتذر ~~بعد فوت الأمر إلى شريك بأن ذلك فتك # وأن النبي (ص) قال @HAD04 إن الإيمان قيد الفتك # ولو كان فعل مسلم بن عقيل بابن زياد ما تمكن منه ووافقه شريك عليه لبطل ~~الأمر ودخل الحسين (ع) الكوفة غير مدافع عنها وحسر كل أحد قناعة في نصرته ~~واجتمع له من كان في قلبه نصرته وظاهره مع أعدائه وقد كان مسلم بن عقيل ~~أيضا لما حبس ابن زياد هانيا سار إليه في جماعة من أهل الكوفة حتى حصره في ~~قصره وأخذ يكظمه وأغلق ابن زياد الأبواب دونه خوفا وجبنا حتى بث الناس في ~~كل وجه يرغبون الناس ويرهبونهم ويخذلونهم عن ابن عقيل فتقاعدوا عنه وتفرق ~~أكثرهم حتى أمسى في شرذمة ثم انصرف وكان من أمره ما كان وإنما أردنا بذكر ~~هذه الجملة أن أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجهة وأن الاتفاق عكس ~~الأمر وقلبه حتى تم فيه ما تم وقد هم سيدنا أبو عبد الله (ع) لما عرف بقتل ~~مسلم بن عقيل وأشير عليه بالعود فوثب إليه (ع) بنو عقيل وقالوا والله لا ~~ننصرف حتى ms168 تدرك ثارنا أو نذوق ما ذاق أبونا فقال (ع) لا خير في العيش بعد PageV01P176 # هؤلاء ثم لحقه الحر بن يزيد ومن معه من الرجال الذين أنفذهم ابن زياد ~~اللعين ومنعه من الانصراف وسامه أن يقدمه على ابن زياد اللعين نازلا على ~~حكمه فامتنع ولما رأى أن لا سبيل له إلى العود ولا إلى دخول الكوفة سلك ~~طريق الشام سائرا نحو يزيد بن معاوية اللعين لعلمه (ع) بأنه على ما به أرأف ~~من ابن زياد لعنه الله وأصحابه فسار (ع) حتى قدم عليه عمر بن سعد لعنة الله ~~عليه في العسكر العظيم وكان من أمره ما قد ذكر وسطر فكيف يقال إنه (ع) ألقى ~~بيده إلى التهلكة # وقد روي @HAD055 أنه (صلوات الله وسلامه عليه وآله) قال لعمر بن سعد ~~اللعين-: اختاروا مني إما الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه أو أن أضع يدي ~~في يد يزيد فهو ابن عمي ليرى في رأيه وإما أن تسيروني إلى ثغر من ثغور ~~المسلمين فأكون رجلا من أهله لي ما له وعلي ما عليه # وأن عمر كتب إلى عبيد الله بن زياد اللعين بما سئل فأبى عليه وكاتبه ~~بالمناجزة وتمثل بالبيت المعروف وهو # الآن قد علقت مخالبنا به %~% يرجو النجاة @QUR@04 ولات حين مناص # فلما رأى (ع) إقدام القوم عليه وأن الدين منبوذ وراء ظهورهم وعلم أنه إن ~~دخل تحت حكم ابن زياد اللعين تعجل الذل والعار وآل أمره من بعد إلى القتل ~~التجأ إلى المحاربة والمدافعة بنفسه وأهله ومن صبر من شيعته ووهب دمه له ~~ووقاه بنفسه وكان بين إحدى الحسنيين إما الظفر فربما ظفر الضعيف القليل أو ~~الشهادة والميتة الكريمة. ### ||| وأما مخالفة ظنه (ع) لظن جميع من أشار عليه من النصحاء كابن عباس وغيره # فالظنون إنما تغلب بحسب الأمارات وقد تقوى عند واحد وتضعف عند آخر ولعل ~~ابن عباس لم يقف على ما كوتب به من الكوفة وما تردد في ذلك من المكاتبات ~~والمراسلات والعهود والمواثيق وهذه أمور تختلف أحوال الناس فيها ولا يمكن ms169 ~~الإشارة إلا إلى جملتها دون تفصيلها. PageV01P177 ### ||| فأما السبب في أنه (ع) لم يعد بعد قتل مسلم بن عقيل # فقد بينا وذكرنا أن الرواية وردت بأنه (ع) هم بذلك فمنع منه وحيل بينه وبينه. ### ||| فأما محاربة الكثير بالنفر القليل # فقد بينا أن الضرورة دعت إليها وأن الدين والحزم ما اقتضى في تلك الحال ~~إلا ما فعله ولم يبذل ابن زياد اللعين من الأمان ما يوثق بمثله وإنما أراد ~~إذلاله (ع) والنقص من قدره بالنزول تحت حكمه ثم يفضي الأمر بعد الذل إلى ما ~~جرى من إتلاف النفس ولو أراد به (ع) الخير على وجه لا يلحقه فيه تبعه من ~~الطاغية يزيد اللعين لكان قد مكنه من التوجه نحوه واستظهر عليه بمن ينفذه ~~معه لكن الترات البدرية والأحقاد الوثنية ظهرت في هذه الأحوال وليس يمتنع ~~أن يكون (ع) من تلك الأحوال مجوزا أن يفيء إليه قوم ممن بايعه وعاهده وقعد ~~عنه ويحملهم ما يكون من صبره واستسلامه وقلة ناصره على الرجوع إلى الحق ~~دينا أو حمية فقد فعل ذلك نفر منهم حتى قتلوا بين يديه شهداء ومثل هذا يطمع ~~فيه ويتوقع في أحوال الشدة. ### ||| فأما الجمع بين فعله (ع) وفعل أخيه الحسن (ع) # فواضح صحيح لأن أخاه (ع) سلم كفا للفتنة وخوفا على نفسه وأهله وشيعته ~~وإحساسا بالغدر من أصحابه وهذا لما قوي (ع) في ظنه النصرة ممن كاتبه توثق ~~له ورأى من أسباب قوة نصار الحق وضعف نصار الباطل ما وجب عليه الطلب ~~والخروج فلما انعكس ذلك وظهرت أمارات الغدر فيه وسوء الاتفاق رام الرجوع ~~والمكافة والتسليم كما فعل أخوه (ع) فمنع ذلك وحيل بينه وبينه فالحالان ~~متفقان لأن التسليم والمكافة PageV01P178 # عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه ولم يجب إلى الموادعة وطلب نفسه (ع) ~~فمنع منها بجهده حتى مضى كريما إلى جنة الله ورضوانه وهذا واضح لمن تأمله ~~وإذا كنا قد بينا عذر أمير المؤمنين (ع) في الكف عن نزاع من استولى على ما ~~هو مردود إليه من أمر الأمة ms170 وأن الحزم والصواب فيما فعله فذلك بعينه عذر ~~لكل إمام من أبنائه (ع) في الكف عن طلب حقوقهم من الإمامة فلا وجه لتكرار ~~ذلك في كل إمام من الأئمة (ع) والوجه أن نتكلم على ما لم يمض الكلام على مثله ### ||| أبو الحسن علي بن موسى الرضا (ع) # إن قيل كيف تولى علي بن موسى الرضا (ع) العهد للمأمون وتلك جهة لا يستحق ~~الإمامة منها أوليس هذا إيهاما فيما يتعلق بالدين؟ الجواب قلنا قد مضى من ~~الكلام في سبب دخول أمير المؤمنين (ع) في الشورى ما هو أصل في هذا الباب ~~وجملته أن ذا الحق له أن يتوصل إليه من كل جهة وبكل سبب لا سيما إذا كان ~~يتعلق بذلك الحق تكليف عليه فإنه يصير واجبا عليه التوصل والتحمل والتصرف ~~في الإمامة مما يستحقه الرضا (صلوات الله عليه وآله) بالنص من آبائه (ع) ~~فإذا دفع عن ذلك وجعل إليه من وجه آخر أن يتصرف فيه وجب عليه أن يجيب إلى ~~ذلك الوجه ليصل منه إلى حقه وليس في هذا إيهام لأن الأدلة على استحقاقه (ع) ~~للإمامة بنفسه تمنع من دخول الشبهة بذلك وإن كان فيه بعض الإيهام لحسنة ~~إلجاء دفع الضرورة إليه كما حملته وآباءه (ع) على إظهار متابعة الظالمين ~~والقول بإمامتهم ولعله (ع) أجاب إلى ولاية العهد للتقية والخوف وأنه لم ~~يؤثر الامتناع على من ألزمه ذلك وحمله عليه فيفضي الأمر إلى المباينة ~~والمجاهرة PageV01P179 # والحال لا يقتضيها وهذا بين ### ||| القائم المهدي (صلوات الله وسلامه عليه) # إن قال قائل فما الوجه في غيبته (ع) واستتاره على الاستمرار والدوام حتى ~~أن ذلك قد صار سببا لنفي ولادته وإنكار وجوده وكيف يجوز أن يكون إماما ~~للخلق وهو لم يظهر قط لأحد منهم وآبائه (ع) وإن كانوا غير آمرين فيما يتعلق ~~بالإمامة ولا ناهين فقد كانوا ظاهرين بارزين يفتون في الأحكام ويرشدون عند ~~المعضلات لا يمكن أحد نفي وجودهم وإن نفى إمامتهم الجواب قلنا أما الاستتار ~~والغيبة فسببهما إخافة الظالمين ومن أخيف على نفسه ms171 فقد أحوج إلى الاستتار ~~ولم تكن الغيبة من ابتدائها على ما هي عليه الآن فإنه في ابتداء الأمر كان ~~ظاهرا لأوليائه غائبا عن أعدائه ولما اشتد الأمر وقوي الخوف وزاد الطلب ~~استتر عن الولي والعدو فليس ما ذكره السائل من أنه لم يظهر لأحد من الخلق صحيحا. ### ||| فأما كون ذلك سببا لنفي ولادته (ع) # فلم يكن سببا لشيء من ذلك إلا بالشبهة وضعف البصيرة والتقصير عن النظر ~~الصحيح وما كان التقصير داعيا إليه والشبهة سببه من الاعتقادات وعلى الحق ~~فيه دليل واضح باد لمن أراده ظاهر لمن قصده ليس يجب المنع في دار التكليف ~~والمحنة منه ألا ترى أن تكليف الله تعالى من علم أنه يكفر قد صار سببا ~~لاعتقادات كثيرة باطلة فالملحدون جعلوه طريقا إلى نفي الصانع والمجبرة ~~جعلته طريقا إلى أن القبح منا لا يقبح من فعله تعالى وآخرون جعلوه طريقا ~~إلى الشك والحيرة والدفع عن القطع على حكمه للقديم تعالى وكذلك الآلام ~~بالأطفال والبهائم قد شك كثير من الناس منهم الثنوية وأصحاب التناسخ ~~والبكرية والمجبرة ولم يكن دخول الشبهة بهذه الأمور على من قصر في النظر ~~وانقاد إلى PageV01P180 # الشبهة مع وضوح الحق له لو أراده موجبا على الله دفعها حتى لا يكلف إلا ~~المؤمنين ولا يؤلم إلا البالغين ولهذا الباب في الأصول نظائر كثيرة ذكرها ~~يطول والإشارة إليها كافية فأما الفرق بينه وبين آبائه (ع) فواضح لأن خوف ~~من يشار إليه بأنه القائم المهدي الذي يظهر بالسيف ويقهر الأعداء ويزيل ~~الدول والممالك لا يكون كخوف غيره ممن يجوز له مع الظهور التقية وملازمة ~~منزله وليس من تكليفه ولا مما سبق أنه يجري على يده الجهاد واستيصال ~~الظالمين مسألة فإن قيل إن كان الخوف قد اقتضى أن المصلحة في استتاره ~~وتباعده فقد تغيرت الحال إذا في المصلحة بالإمام واختلف وصار ما توجبونه من ~~كون المصلحة مستمرة بوجوده وأمره ونهيه مختلفا على ما ترون وهذا خلاف ~~مذهبكم الجواب قلنا المصلحة التي توجب استمرارها على الدوام بوجوده وأمره ~~ونهيه إنما ms172 هي للمكلفين وهذه المصلحة ما تغيرت ولا تتغير وإنما قلنا إن ~~الخوف من الظالمين اقتضى أن يكون من مصلحته هو (ع) في نفسه الاستتار ~~والتباعد وما يرجع إلى المكلفين به لم يختلف ومصلحتنا وإن كانت لا تتم إلا ~~بظهوره وبروزه فقد قلنا إن مصلحته الآن في نفسه في خلاف الظهور وذلك غير ~~متناقض لأن من أخاف الإمام وأحوجه إلى الغيبة وإلى أن يكون الاستتار من ~~مصلحته قادر على أن يزيل خوفه فيظهر ويبرز ويصل كل مكلف إلى مصلحته والتمكن ~~مما يسهل سبيل المصلحة تمكن من المصلحة فمن هذا الوجه لم يزل التكليف الذي ~~الإمام لطف فيه عن المكلفين بالغيبة منه والاستتار على أن هذا يلزم في ~~النبي (ص) لما استتر في الغار وغاب عن قومه بحيث لا يعرفونه لأنا نعلم أن ~~المصلحة بظهوره وبيانه كانت ثابتة غير متغيرة ومع هذه الحال فإن المصلحة له ~~في الاستتار والغيبة عند الخوف ولا جواب عن ذلك وبيان أنه لا تنافي فيه ولا PageV01P181 # تناقض إلا بمثل ما اعتمدناه بعينه مسألة فإن قيل فإذا كان الإمام (ع) ~~غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق ولا ينتفع به فما الفرق بين وجوده ~~وعدمه وإذا جاز أن يكون إخافة الظالمين سببا لغيبته بحيث لا يصل إلى ~~مصلحتنا به حتى إذا أزالت الإخافة ظهر فلم لا يجوز أن يكون إخافتهم له سببا ~~لأن يعدمه الله تعالى فإذا انقادوا وأذعنوا أوجده الله لهم الجواب قلنا أول ~~ما نقر له أنا غير قاطعين على أن الإمام (ع) لا يصل إليه أحد ولا يلقاه بشر ~~فهذا أمر غير معلوم ولا سبيل إلى القطع عليه ثم الفرق بين وجوده غائبا عن ~~أعدائه للتقية وهو في خلال ذلك منتظر أن يمكنوه فيظهر ويتصرف وبين عدمه ~~واضح لا خفاء به وهو الفرق بين أن تكون الحجة فيما فات من مصالح العباد ~~لازمة لله تعالى وبين أن تكون لازمة للبشر لأنه إذا أخيف فغيب شخصه عنهم ~~كان ما يفوتهم من مصلحة عقيب فعل سببوه ms173 وإلجائه إليه فكانت العهدة فيه ~~عليهم والذم لازما لهم وإذا أعدمه الله تعالى ومعلوم أن العدم لا يسببه ~~الظالمون بفعلهم وإنما يفعله الله تعالى اختيارا كان ما يفوت بالإعدام من ~~المصالح لازما له تعالى ومنسوبا إليه مسألة فإن قيل فالحدود التي تجب على ~~الجناة في حال الغيبة كيف حكمها وهل تسقط عن أهلها وهذا إن قلتموه صرحتم ~~بنسخ شريعة الرسول (ص) وإن أثبتموه فمن الذي يقيمها والإمام (ع) غائب مستتر ~~الجواب قلنا أما الحدود المستحقة بالأعمال القبيحة فواجبة في جنوب مرتكبي ~~القبائح وإن تعذر على الإمام (ع) في حال الغيبة إقامتها فالإثم فيما تعذر ~~من ذلك على من سبب الغيبة وأوجبها بفعله وليس هذا نسخا للشريعة لأن المتقرر ~~بالشرع وجوب إقامة الحد مع التمكن وارتفاع الموانع وسقوط فرض إقامته مع ~~الموانع وارتفاع التمكن لا يكون نسخا للشرع المتقرر لأن الشرط في الوجوب لم ~~يحصل وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط فرض إقامة PageV01P182 # الحدود عن الإمام مع تمكنه على أن هذا يلزم مخالفينا في الإمامة إذا قيل ~~لهم كيف الحكم في الحدود التي تستحق في الأحوال التي لا يتمكن فيها أهل ~~الحل والعقد من نصب إمام واختياره وهل تبطل الحدود أو تستحق مع تعذر ~~إقامتها وهل يقتضي هذا التعذر نسخ الشريعة فأي شيء اعتصموا به من ذلك فهو ~~جوابنا بعينه مسألة فإن قيل فالحق مع غيبة الإمام كيف يدرك وهذا يقتضي أن ~~يكون في حيرة مع الغيبة فإن قلتم إنه يدرك من جهة الأدلة المنصوبة عليه قيل ~~لكم هذا يقتضي الاستغناء عن الإمام بهذه الأدلة الجواب قلنا أما العلة ~~المحوجة إلى الإمام في كل عصر وعلى كل حال فهي كونه لطفا فيما أوجب علينا ~~فعله من العقليات من الإنصاف والعدل واجتناب الظلم والبغي لأن ما عدا هذه ~~العلة من الأمور المستندة إلى السمع والعبادة به جائز ارتفاعها لجواز خلو ~~المكلفين من العبادات الشرعية كلها وما يجوز على حال ارتفاعه لا يجوز أن ~~يكون علة في أمر مستمر لا يجوز زواله وقد ms174 استقصينا هذا المعنى في كتابنا ~~الشافي في الإمامة وأوضحناه ثم نقول من بعد أن الحق في زماننا هذا على ~~ضربين عقلي وسمعي فالعقلي ندركه بالعقل ولا يؤثر فيه وجود الإمام ولا فقده ~~والسمعي إنما يدرك بالعقل [بالسمع] الذي في مثله الحجة ولا حق يجب علينا ~~العلم به من الشرعيات إلا وعليه دليل شرعي وقد ورد النقل به عن النبي (ص) ~~والأئمة من ولده (صلوات الله عليهم) فنحن نصيب الحق بالرجوع إلى هذه الأدلة ~~والنظر فيها والحاجة مع ذلك كله إلى الإمام ثابتة لأن الناقلين يجوز أن ~~يعرضوا عن النقل إما لشبهة أو اعتماد فينقطع النقل أو يبقى فيمن ليس نقله ~~حجة ولا دليلا فيحتاج حينئذ المكلفون إلى دليل هو قول الإمام وبيانه وإنما ~~يثق المكلفون بما نقل إليهم وأنه جميع الشرع لعلمهم بأن وراء هذا النقل ~~إماما متى اختل استدرك PageV01P183 # عما شذ منه فالحاجة إلى الإمام ثابتة مع إدراك الحق في أحوال الغيبة من ~~الأدلة الشرعية على ما بيناه مسألة فإن قيل إذا كانت العلة في استتار ~~الإمام خوفه من الظالمين واتقاءه من المعاندين فهذه العلة زائلة في أوليائه ~~وشيعته فيجب أن يكون ظاهرا لهم أو يجب أن يكون التكليف الذي أوجب إمامته ~~لطفا فيه ساقطا عنهم لأنه لا يجوز أن يكلفوا بما فيه لطف ثم يحرموه بجناية ~~غيرهم الجواب قلنا قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الأعداء ~~هي الخوف منهم والتقية وعلة استتاره من الأولياء لا تمتنع أن يكون لئلا ~~يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه بما يؤدي إلى خوفه وإن كانوا غير قاصدين به ذلك ~~وقد ذكرنا في كتاب الإمامة جوابا آخر وهو أن الإمام (ع) عند ظهوره من ~~الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز الذي يظهر على يديه لأن ~~النص المتقدم من آبائه (ع) لا يميز شخصه من غيره كما ميز النص أشخاص آبائه ~~(ع) لما وقع على إمامتهم والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال ~~والشبه معترضة لذلك وداخلة فيه ms175 فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له ~~من أوليائه فلأن المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النصر في معجزة ~~وألحق به هذا التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الأعداء وقلنا أيضا ~~إنه غير ممتنع أن يكون الإمام (ع) يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته ~~شيئا من أسباب الخوف فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه وإنما ~~يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره ولو لا أن ~~استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا الكتاب لأشبعناه ~~هاهنا وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الإمامة ولعلنا نستقصي الكلام ~~فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب PageV01P184 # الإمامة في موضع نفرده له إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد ~~والمعونة فهو المسئول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من ~~عقابه @QUR@05 والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين PageV01P185 # ms176