######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_003689
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشريف المرتضى
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 436
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: تنزيه الأنبياء
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: مصادر سيرة النبي والائمة
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_003689
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3689_تنزيه-الأنبياء-الشريف-المرتضى
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: NODATA
#META# 041.EdNUMBER :: الثانية
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1409 - 1989 م
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# تنزيه الأنبياء PageV00P001
# الطبعة الثانية 1409 ه. - 1989 م PageV00P002
# تنزيه الأنبياء تصنيف أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي المعروف بالشريف
~~المرتضى " المتوفى سنة 436 ه " دار الأضواء PageV00P003
# بسم الله الرحمن الرحيم PageV00P004
# تقديم وترجمة للمؤلف بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين،
~~اللهم صل وسلم على سيدنا محمد خاتم المرسلين وعلى الأئمة المعصومين، وبارك
~~على آله ومن تبعهم على دينه إلى يوم الدين.
# وأما بعد..
# فإن الله أنعم على ذرية آدم بالبصيرة يهتدون بها إلى الحق لمن أراده،
~~وهيأ لهم أسباب الهداية بعد كل ميل عنها، فبعث فيهم رسله أنوارا تسطع في
~~سمائهم كلما حلت بهم ظلمة، وبث بينهم رسالاته سلسبيلا دائما كلما أصابهم
~~قحط من العلم ينهلون منها ما شاؤوا بركة ورحمة ومغفرة منه إنه هو الغفور
~~الرحيم. ثم ختم ذلك بخاتم رسله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وبكتابه
~~الكريم ليتم به نعمته على خلقه، وجعل فيهم ذرية محمد آل بيته المعصومين
~~مصابيح الهدى ومفاتيح الخلاص يهدون بدين جدهم من ضل، ويقيلون بسنته من عثر
~~أو زل، واختار بفضل حكمته ورعايته ممن سار على دربهم من العلماء والمؤمنين
~~نخبة صالحة تتواصل باستمرار من السلف إلى الخلف، تنفض غبار التآمر عن هذا
~~الدين الحنيف ليظل مصانا مشرقا إلى يوم القيامة بإذنه تعالى إنه هو السميع
~~المجيب.
# من هنا كانت الحاجة ملحة أن نلجأ دائما إلى المعين الذي لا ينضب
~~PageV00P005
# لنرفد منه سواقينا الجافة، أعني إلى صدر الاسلام وعصور نهضته، وما نحياه
~~اليوم ومنذ مئات السنين من ظلمات دامسة أريد لديننا فيها الهلاك والدثور.
# فبالرغم من الاعتداءات السافرة على تراثنا وخزائن علومنا وتعمد إحراقها
~~وإغراقها من جحافل الغزاة وتتار الماضي والحاضر، إلا أنه يظل سناها وهاجا
~~يبهر الأبصار والألباب.
# ويحضرني هنا هذا البيت الذي يقول:
# قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم فإنكار
~~البعض لتاريخنا لا يعني طمسه وزواله.
# فكلما توغلنا في الماضي استوقفتنا أطواد شامخة لعلماء ومفكرين أجلاء
~~حفروا في الذاكرة أسطرا لا يمكن أن ms001 تمحى. فكانت معلقات ذهبية تباهت بها
~~أجيالنا وتوارثتها عبر العصور حتى يومنا هذا.
# ولو أردنا أن نسترسل في تعداد كنوزنا تلك لما وسعنا ذلك، لما تحويه من
~~قلائد نفيسة. وحسبنا أن نختار منها علما عالما أديبا شاعرا يغني بمفرده فقر
~~مكتبات عصرنا الحاضر، ويزين صدرها فيكون بمثابة واسطة العقد لها، عنيت به
~~علم الهدى ذي المجدين الشريف المرتضى علي بن الحسين.
# لماذا؟ وكيف؟ نترك للقلم والقرطاس مجال التعريف به.
# اسمه ونسبه: - هو السيد الشريف أبو القاسم علي بن طاهر ذي المناقب أبي
~~أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر
~~الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب
~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. لقب بالمرتضى ذي المجدين PageV00P006
# علم الهدى. كان أوحد أهل زمانه علما وكلاما وحديثا وشعرا فكانت بذلك
~~مثالا للثقافة الكاملة.
# أما والده فيكنى بأبي أحمد ويلقب ب " الطاهر، الأجل، ذو المناقب، الأوحد
~~". كان نقيب الطالبيين وعالمهم وزعيمهم، جمع إلى رياسة الدين زعامة الدنيا
~~لعلو همته وسماحة نفسه وعظيم هيبته وجليل بركته. وكان قوي المنة شديد
~~العصبة يتلاعب بالدول، ويتجرأ على الأمور.
# وأما والدته فهي فاطمة بنت الحسن الملقب بالناصر الصغير نقيب العلويين في
~~بغداد وعالمهم وزاهدهم وشاعرهم.
# وقد ورد في كتاب بحر العلوم حول نسب الشريف المرتضى ما يلي:
# " أما النسب فهو أقصر الشرفاء نسبا، وأعلاهم حسبا، وأكرمهم أما وأبا،
~~وبينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام عشر وسائط من جهة الأم والأب معا،
~~وبينه وبين الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام خمسة آباء كرام ".
# ولادته ووفاته:
# ولد السيف الشريف المرتضى في رجب سنة 355 ه - 966 م في بغداد، وتوفي بها
~~في الخامس والعشرين من ربيع الأول من سنة 436 ه - 1044 م، وسنه يومئذ
~~ثمانون سنة وثمانية أشهر، ودفن في داره أولا ثم نقل إلى جوار جده الحسين
~~عليه السلام، حيث دفن في مشهده المقدس مع أبيه وأخيه وقبورهم ظاهرة مشهورة
~~(1).
# سماته الخلقية ms002 وصفاته الخلقية:
# كان الشريف المرتضى رحمه الله ربع القامة نحيف الجسم أبيض اللون
# PageV00P007
# حسن الصورة. اشتهر بالبذل والسخاء والاغضاء عن الحساد والأعداء، بالرغم
~~مما وصمه به هؤلاء من البخل وقلة الإنفاق. وخير دليل على سخائه وبذله ما
~~تعهد به مدرسته العلمية وتلامذته من إنفاق وبذل.
# وله في ذم الحرص والطمع قصائد ومقطوعات في ديوانه تذكر منها هذه الأبيات:
# لا در در الحرص والطمع * ومذلة تأتيك من نجع وإذا انتفعت بما ذللت به *
~~فلأنت حقا غير منتفع ومصارع الأحياء كلهم * في الدهر بين الري والشبع وإذا
~~علمت بفرقتي جدتي * فعلام فيما فاتني جزعي وكان رحمه الله ميالا إلى الزهد
~~في الدنيا راغبا عنها ذاما لها، داعيا إلى الاعتبار فيها، سالكا سبيل
~~أجداده الكرام، والصحابة العظام، من جعلها مجازا للآخرة، ومزادا لدار
~~القرار.
# ويختصر ذلك بهذه الأبيات من ديوانه:
# لا تقربن عضيهة * إن العضائه مخزيات واجعل صلاحك سرمدا * فالباقيات
~~الصالحات في هذه الدنيا ومن * فيها لنا أبدا عظات إما صروف مقبلا * ت أو
~~صروف مدبرات والذل موت للفتى * والعز في الدنيا حياة والذخر في الدارين إما
~~* طاعة أو مأثرات إلا أنه مع زهده في الدنيا وتقشفه فيها كان ذا مقام سياسي
~~في الدولة خطير، وذلك بفضل ما أوتي من أصالة الرأي ووقارة العلم والمال، مع
~~عز العشيرة وكثرة الرجال.
# وكان رحمه الله مشغوفا بالعلم منصرفا إليه بين دراسة وتدريس، محبا
~~PageV00P008
# لتلامذته وملازميه. وقد اتخذ من داره الواسعة مدرسة عظيمة تضم طلاب الفقه
~~والكلام والتفسير واللغة والشعر والعلوم كالفلك والحساب وغيره، حتى سميت
~~دار العلم، وكان له فيها مجلس للمناظرات.
# والملفت للنظر حسب ما روى المحققون أن مدرسته كانت جامعة إنسانية، اجتمع
~~فيها كثير من طلاب العلم من مختلف المذاهب والملل دون تفريق بين ملة وملة
~~ومذهب ومذهب.
# وهذا يدل على رحابة صدره وسعة أفقه وعمق نظرته الانسانية وترفعه عن
~~العصبية والطائفية والمذهبية التي كان يعتبرها نابعة من الجهل وضيق الأفق.
# كما أنه - قدس الله سره - شغف بجمع الكتب وولع باقتنائها، ويكفي ما ms003 ذكر
~~أن خزانته ضمت ثمانين ألف مجلد من مصنفاته ومحفوظاته ومقروءاته على ما حصره
~~وأحصاه صديقه وتلميذه أبو القاسم التنوخي.
# عصره ومعاصروه وأصحابه:
# عاش الشريف المرتضى في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجريين
~~وهي فترة انكماش الدولة العباسية وضعفها ووهنها أيام سيطرة أمراء الإقليم
~~على حكم أقاليمهم وتولي بني بويه شؤون السلطة في بغداد.
# وكان له بفضل ما أوتي من شرف العلم والنسب وما تحلى به من غزارة العلم
~~وقوة الشخصية وعزة النفس ووفارة المال وجميل الخصال وسمو الرتبة وجليل
~~المكانة أصدقاء كثر جلهم من أهل العلم والأدب والفضل والشرف، ويكفي أن نذكر
~~بعض أساتذته وتلامذته ممن كانت لهم المراكز والرتب العلمية والدينية
~~والدنيوية، إضافة إلى صلاته الوثيقة بالخلفاء والملوك والوزراء والأمراء
~~والقادة، لنتبين المكانة العالية التي كان يتمتع بها رحمه الله. ونذكر على
~~سبيل المثال: PageV00P009
# من أساتذته ومشايخه:
# - الشيخ المفيد العالم المتكلم المشهور، اشتهر بكثرة علمه. وهو محمد بن
~~محمد بن عبد السلام العكبري البغدادي المكنى بأبي عبد الله وابن المعلم.
# - ابن نباتة: الشاعر المشهور وهو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن
~~أحمد بن نباتة السعدي.
# - المرزباني: وهو أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى بن عبيد الله
~~المعروف بالمرزباني. كان راوية للأخبار والآداب والشعر.
# - ابن جنيقا: وهو أبو القاسم بن عبد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق
~~المعروف بابن جنيقا. كان قاضيا محدثا ثقة مأمونا حسن الخلق.
# - أبو عبد الله القمي: وهو الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه، أخو الشيخ
~~الصدوق، كان جليل القدر عظيم الشأن في الحديث. وقد وثقه أصحاب التراجم،
~~وأخباره مشهورة في كتبهم.
# من تلامذته:
# - الطوسي: وهو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، الفقيه الأصولي
~~والمحدث الشهير.
# - أبو يعلى الديلمي " سالار ": وهو محمد بن حمزة أو ابن عبد العزيز
~~الطبرستاني. وكان ينوب عن أستاذه المرتضى في التدريس، وهو فقيه متكلم.
# - أبو الصلاح الحلبي: وهو الشيخ تقي الدين بن النجم الحلبي خليفة المرتضى
~~في البلاد الحلبية ومن كبار ms004 علماء الإمامية. PageV00P010
# - ابن البراج: وهو أبو القاسم القاضي السعيد عبد العزيز بن نحرير بن عبد
~~العزيز بن البراج.
# - أبو الفتح الكراجكي: وهو الشيخ الإمام العلامة أبو الفتح محمد بن علي
~~بن عثمان الكراجكي، عالم، فاضل، متكلم، فقيه، محدث، ثقة جليل القدر.
# - عماد الدين ذو الفقار: وهو السيد الإمام عماد الدين ذو الفقار محمد بن
~~معبد بن الحسن بن أبي جعفر الملقب بحميدان، أمير اليمامة بن إسماعيل بن
~~يوسف بن محمد بن يوسف بن الأخيضر بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن
~~المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. كان فقيها
~~عالما متكلما ورعا.
# - الدوريستي: هو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد بن العباسي الرازي
~~الدوريستي. من أكابر علماء الإمامية اشتهر في جميع الفنون.
# من الخلفاء:
# الطائع لأمر الله، والقادر، وابنه القائم بأمر الله وأبو العباس محمد بن
~~القائم بأمر الله.
# من الملوك:
# بهاء الدولة البويهي وأبناؤه شرف الدولة، وسلطان الدولة، وركن الدين جلال
~~الدولة، وأبو كاليجار المرزبان.
# من الوزراء:
# أبو غالب محمد بن خلف، وأبو علي الرخجي: وأبو علي الحسن بن حمد، وأبو
~~سعيد بن عبد الرحيم، وأبو الفتح، وأبو الفرج محمد بن PageV00P011
# جعفر بن فسانجس، وأبو طالب محمد بن أيوب بن سليمان البغدادي، وأبو منصور
~~بهرام بن مافنة.
# من النقباء:
# والده الشريف أبو أحمد الموسوي، وخاله الشريف أحمد بن الحسن الناصر،
~~وأخوه الشريف أبو الحسن محمد الرضي، والشريف أبو علي عمر بن محمد بن عمر
~~العلوي، وأبو الحسن الزينبي، وأبو الحسين بن الشبيه العلوي.
# من الأمراء:
# أبو الغنائم محمد بن مزيد، وأبو علي أستاذ هرمز، وأبو منصور بويه بن بهاء
~~الدولة، وأبو شجاع بكران بن بلفوارس، وعنبر الملكي، وعقيل غريب بن مقفى.
# من العلماء والقضاة والأدباء:
# الشيخ أبو الحسن عبد الواحد بن عبد العزيز الشاهد، وسعد الأئمة أبو
~~القاسم وابنه معتمد الحضرة أبو محمد، وأبو الحسين لبن الحاجب، وأبو إسحاق
~~الصابي، وابن شجاع الصوفي، وأبو الحسين الأقساسي العلوي، وأبو الحسين ms005 البتي
~~أحمد بن علي الكاتب، والقاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، وأبو الحسن
~~السمسمي، والشاعر أبو بكر محمد بن عمر العنبري.
# قيل في الشريف المرتضى الكثير في تعداد مزاياه وفضائله ومراتبه، ومما قيل
~~فيه:
# - في مرآة الجنان: " إمام أئمة العراق بين الاختلاف والافتراق، إليه فزع
~~علماؤنا، وأخذ عنه عظماؤنا، صاحب مدارسها وجامع شاردها وآنسها، PageV00P012
# ممن سارت أخباره وعرفت بها أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره،
~~وتواليفه في أصول الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين مما يشهد أنه فرع تلك
~~الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل ".
# - في جامع الأصول قال ابن الأثير:
# " إن مروج المائة الرابعة بقول فقهاء الشافعية هو أبو حامد أحمد بن طاهر
~~الأسفرايني، وبقول علماء الحنفية أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، وباعتقاد
~~المالكية أبو محمد عبد الوهاب بن نصر، وبرواية الحنبلية هو أبو عبد الله
~~الحسين ابن علي بن حامد، وبرواية علماء الإمامية هو الشريف المرتضى الموسوي
~~".
# - في تتمة يتيمة الدهر قال الثعالبي:
# " قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم
~~والأدب والفضل والكرم، وله شعر في نهاية الحسن ".
# تصانيفه:
# وقد بلغت تصانيفه ورسائله ومؤلفاته مئة وسبعة عشر مصنفا كما ورد في كتابه
~~(رسائل الشريف المرتضى - المجموعة الأولى) المطبوعة في قم سنة 1405 ه.
~~لاحظ الصفحات من 33 إلى 39.
# وهكذا نجد الشريف المرتضى طيب الله ثراه، قد مخر عباب هذا البحر الزاخر
~~المتلاطم الأمواج الدينية منها والأدبية والفكرية والسياسية والاجتماعية،
~~فكان كالمارد تحدى العواصف والأعاصير ممتشقا ذهنا وقادا وقلبا كبيرا، وعلما
~~غزيزا، وعزيمة لا تلين.
# فكان بحق علما في حياته، وقدوة بعد مماته.
# دار الأضواء ت في 20 / 9 / 1988 9 / صفر / 1409 ه PageV00P013
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله ومستحقه، وصلى الله على
~~خيرته من خلقه، على عباده محمد وآله الأبرار الطاهرين، الذين أذهب الله
~~عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
# سألت أحسن الله توفيقك، إملاء كتاب في تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم
~~السلام عن الذنوب والقبائح كلها، ما سمي منها كبيرة ms006 أو صغيرة والرد على من
~~خالف في ذلك، على اختلافهم وضروب مذاهبهم وأنا أجيب إلى ما سألت على ضيق
~~الوقت، وتشعب الفكر، وأبتدئ بذكر الخلاف في هذا الباب، ثم بالدلالة على
~~مذهب الصحيح من جملة ما أذكره من المذاهب، ثم بتأويل ما تعلق به المخالف من
~~الآيات والأخبار، التي اشتبه عليه وجهها، وظن أنها تقتضي وقوع كبيرة أو
~~صغيرة من الأنبياء والأئمة عليهم السلام، ومن الله تعالى أستمد المعونة
~~والتوفيق، وإياه أسأل التأييد والتسديد.
# بيان الخلاف في نزاهة الأنبياء عن الذنوب:
# اختلف الناس في الأنبياء عليهم السلام. فقالت الشيعة الإمامية، لا يجوز
~~عليهم شئ من المعاصي والذنوب كبيرا كان أو صغيرا، لا قبل النبوة ولا بعدها،
~~ويقولون في الأئمة مثل ذلك، وجوز أصحاب الحديث PageV00P015
# والحشوية (1) على الأنبياء الكبائر قبل النبوة، ومنهم من جوزها في حال
~~النبوة سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة، ومنهم من جوزها كذلك في حال
~~النبوة بشرط الاستسرار دون الاعلان، ومنهم من جوزها على الأحوال كلها،
~~ومنعت المعتزلة (2). من وقوع الكبائر والصغائر المستخفة من الأنبياء عليهم
~~السلام قبل النبوة وفي حالها، وجوزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من
~~الصغاير، ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي صلى الله عليه وسلم الإقدام
~~على المعصية الصغيرة على سبيل العمد، ومنهم من منع من ذلك وقال إنهم لا
~~يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا، بل على سبيل التأويل.
# وحكي عن النظام (3)، وجعفر بن مبشر (4)، وجماعة ممن تبعهما، أن ذنوبهم لا
~~تكون إلا على سبيل السهو والغفلة، وأنهم مؤاخذون بذلك، وإن كان موضوعا من
~~أممهم لقوة معرفتهم وعلو مرتبتهم. وجوزوا كلهم ومن قدمنا ذكره من الحشوية
~~وأصحاب الحديث على الأئمة الكبائر والصغائر، إلا أنهم يقولون إن بوقوع
~~الكبيرة من الإمام تفسد إمامته ويجب عزله والاستبدال به.
# PageV00P016
# واعلم أن الخلاف بيننا وبين المعتزلة. في تجويزهم الصغاير على الأنبياء
~~صلوات الله عليهم يكاد يسقط عند التحقيق لأنهم إنما يجوزون من الذنوب ما لا
~~يستقر له استحقاق عقاب، وإنما يكون حظه نقص الثواب ms007 على اختلافهم أيضا في
~~ذلك، لأن أبا علي الجبائي (1) يقول: إن الصغيرة يسقط عقابها بغير موازنة،
~~فكأنهم معترفون بأنه لا يقع منهم ما يستحقون به الذم والعقاب. وهذه موافقة
~~للشيعة في المعنى، لأن الشيعة إنما تنفي عن الأنبياء عليهم السلام جميع
~~المعاصي من حيث كان كل شئ منها يستحق به فاعله الذم والعقاب، لأن الاحباط
~~باطل عندهم، وإذا بطل الاحباط فلا معصية إلا ويستحق فاعلها الذم والعقاب،
~~وإذا كان استحقاق الذم والعقاب منفيا عن الأنبياء عليهم السلام وجب أن
~~تنتفي عنهم ساير الذنوب، ويصير الخلاف بين الشيعة والمعتزلة متعلقا
~~بالاحباط، فإذا بطل الاحباط فلا بد من الاتفاق على أن شيئا من المعاصي لا
~~يقع من الأنبياء (ع) من حيث يلزمهم استحقاق الذم والعقاب، لكنه يجوز أن
~~نتكلم في هذه المسألة على سبيل التقدير ونفرض أن الأمر في الصغائر والكبائر
~~على ما تقوله المعتزلة، ومتى فرضنا ذلك لم نجوز أيضا عليهم الصغائر لما
~~سنذكره ونبينه إنشاء الله تعالى.
# تنزيه الأنبياء كافة عن الصغائر والكبائر:
# (واعلم) أن جميع ما تنزه الأنبياء عليهم السلام عنه، ونمنع من وقوعه منهم
~~من يستند إلى دلالة العلم المعجز إما بنفسه أو بواسطة، وتفسير هذه الجملة،
~~أن العلم المعجز إذا كان واقعا موقع التصديق لمدعي النبوة والرسالة، وجاريا
~~مجرى قوله تعالى له: صدقت في أنك رسولي ومؤد عني.
# فلا بد من أن يكون هذا المعجز مانعا من كذبه على الله سبحانه في ما يؤديه
~~عنه، لأنه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذاب، لأن تصديق الكذاب قبيح،
# PageV00P017
# كما قلنا إن الكذب قبيح، فأما الكذب في غير ما يؤديه عن الله وسائر
~~الكبائر فإنما دل المعجز على نفيها، من حيث كان دالا على وجوب اتباع الرسول
~~وتصديقه فيما يؤديه، وقبوله منه، لأن الغرض في بعثة الأنبياء عليهم السلام،
~~تصديقهم بالأعلام، المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به، فما قدح في الامتثال
~~والقبول وأثر فيهما، يجب أن يمنع المعجز منه، فلهذا قلنا: إنه يدل على نفي
~~الكذب والكبائر عنهم في ms008 غير ما يؤدونه بواسطة، وفي الأول يدل بنفسه، فإن
~~قيل: لم يبق إلا أن تدلوا على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة
~~من القبول والامتثال، قلنا: لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي ولا
~~نأمن منه الإقدام على الذنوب، لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو
~~استماع وعظه كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئا من ذلك، وهذا هو معنى قولنا
~~إن وقوع الكبائر منفر عن القبول، والمرجع فيما ينفر وما لا ينفر إلى
~~العادات واعتبار ما تقتضيه، وليس ذلك مما يستخرج بالأدلة والقياس، ومن رجع
~~إلى العادة علم ما ذكرناه، وأنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول، فإن حظ
~~الكبائر في هذا الباب لم يزد على حد السخف والمجون والخلاعة ولم ينقص منه.
# فإن قيل: أوليس قد جوز كثير من الناس على الأنبياء عليهم السلام الكبائر
~~مع أنهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرعوه من الشرايع، وهذا ينقض
~~قولكم إن الكبائر منفرة.
# قلنا: هذا سؤال من لا يفهم ما أوردناه، لأنا لم نرد بالتنفير ارتفاع
~~التصديق، وأن لا يقع امتثال الأمر جملة. وإنما أردنا ما فسرناه من أن سكون
~~النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا يجوز
~~ذلك عليه، وإنا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول. كما إنا مع
~~الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى قبول القول. وقد يقرب من الشئ ما لا يحصل
~~الشئ عنده، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده، ألا ترى أن PageV00P018
# عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجره وتبرمه منفر في العادة عن حضور دعوته
~~وتناول طعامه، وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول، ولا يخرجه من أن يكون
~~منفرا، وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من حضور دعوته وتناول
~~طعامه، وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه ولا يخرجه من أن يكون مقربا، فدل على
~~أن المعتبر في باب المنفر والمقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل ms009 المنفر عنه أو
~~ارتفاعه، فإن قيل: فهذا يقتضي أن الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة، فمن
~~أين أنها لا تقع منهم قبل النبوة، وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب
~~والذم، ولم يبق وجه يقتضي التنفير.
# قلنا: الطريقة في الأمرين واحدة، لأنا نعلم أن من يجوز عليه الكفر
~~والكبائر في حال من الأحوال وإن تاب منهما، لا يكون حال الواعظ لنا الداعي
~~إلى الله تعالى ونحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب، وإن كان قد
~~فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا، وفي نفوسنا كحال من لم نعهد منه إلا النزاهة
~~والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور،
~~ولهذا كثيرا ما يعير الناس. وخرج من استحقاق العقاب بها لا نسكن إلى قبول
~~قوله، كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الأحوال ولا على وجه من
~~الوجوه. ولهذا من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وإن وقعت التوبة منها،
~~ويجعلون ذلك عيبا ونقصا وقادحا ومؤثرا. وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل
~~النبوة منخفضا عن تجويزها في حال النبوة، وناقصا عن رتبته في باب التنفير،
~~وجب أن لا يكون فيه شئ من التنفير، لأن الشيئين قد يشتركان في التنفير، وإن
~~كان أحدهما أقوى من صاحبه. ألا ترى أن كثير السخف والمجون والاستمرار
~~عليهما والانهماك فيهما منفر لا محالة، وأن القليل من السخف الذي لا يقع
~~إلا في الأحيان والأوقات المتباعدة منفر أيضا، وإن فارق الأول في قوة
~~النفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب من الأول من أن يكون منفرا في نفسه.
~~PageV00P019
# فإن قيل: فمن أين قلتم إن الصغائر لا تجوز على الأنبياء في حال النبوة
~~وقبلها؟
# قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في
~~الحالتين عند التأمل، لأنا كما نعلم أن من يجوز كونه فاعلا لكبيرة متقدمة
~~قد تاب منها واقلع عنها ولم يبق معه شئ من استحقاق عقابها وذمها، لا يكون
~~سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك. ms010 وكذلك نعلم أن من يجوز عليه
~~الصغائر من الأنبياء (ع) أن يكون مقدما على القبائح مرتكبا للمعاصي في حال
~~نبوته أو قبلها، وإن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن
~~منه كل القبائح ولا نجوز عليه فعل شئ منها. فأما الاعتذار في تجويز الصغائر
~~بأن العقاب والذم عنها ساقطان فليس بشئ، لأنه لا معتبر في باب التنفير
~~بالذم والعقاب حتى يكون التنفير واقعا عليهما، ألا ترى أن كثيرا من
~~المباحات منفر ولا ذم عليه ولا عقاب وكثيرا من الخلق والهيئات منفر وهو
~~خارج عن باب الذم. على أن هذا القول يوجب على قائله تجويز الكبائر عليهم
~~قبل البعثة، لأن التوبة والاقلاع قد أزالا الذم والعقاب اللذين يقف التنفير
~~على هذا القول عليهما.
# فإن قيل: كيف تنفر الصغاير وإنما حظها تقليل الثواب وتنقيصه؟ لأنها
~~بكونها صغائر قد خرجت من اقتضاء الذم والعقاب، ومعلوم أن قلة الثواب غير
~~منفرة. ألا ترون أن كثيرا من الأنبياء عليهم السلام قد يتركون كثيرا من
~~النوافل مما لو فعلوه لاستحقوا كثيرا من الثواب، ولا يكون ذلك منفرا عنهم.
# قلنا: إن الصغاير لم تكن منفرة من حيث قلة الثواب معها، بل إنما كانت
~~كذلك من حيث كانت قبائح ومعاصي لله تعالى، وقد بينا أن الملجأ في باب
~~المنفر إلى العادة والشاهد. وقد دللنا على أنهما يقتضيان بتنفير جميع
~~الذنوب والقبائح على الوجه الذي بيناه. PageV00P020
# وبعد: فإن الصغاير في هذا الباب بخلاف الامتناع من النوافل، لأنها تنقص
~~ثوابا مستحقا ثابتا. وترك النوافل ليس كذلك. وفرق واضح في العادة بين
~~الانحطاط عن رتبة ثبتت واستحقت، وبين قوتها. وإن لا تكون حاصلة جملة. ألا
~~ترى أن من ولي ولاية جليلة وارتقى إلى رتبة عالية، يؤثر في حالة العزل عن
~~تلك الولاية والهبوط عن تلك الرتبة، ولا يكون حاله هذه كحاله لو لم ينل تلك
~~الولاية ولا ارتقى إلى تلك الرتبة. وهذا الكلام الذي ذكرناه يبطل قول من
~~جوز على الأنبياء عليهم السلام الصغائر على اختلاف مذاهبهم في ms011 تجويز ذلك
~~عليهم على سبيل العمد أو التأويل. إلا أن أبا علي الجبائي ومن وافقه في
~~قوله إن ذنوب الأنبياء لا تكون عمدا، وإنما يقدمون عليها تأويلا، ويمثل
~~لذلك بقصة آدم (ع)، فإنه نهي عن جنس الشجرة دون عينها فتأول فظن أن النهي
~~يتناول العين، فلم يقدم على المعصية مع العلم بأنها معصية قد ناقض، فإنه
~~إنما ذهب إلى هذا المذهب تنزيها للأنبياء عليهم السلام، واعتقادا أن تعمد
~~المعصية مع العلم يوجب كبرها، فنزهه عن معصية وأضاف إليه معصيتين، لأنه
~~مخطئ على مذهبه في الإعراض عن تأمل مقتضى النهي، وهل يتناول الجنس أو العين
~~لأن ذلك واجب عليه ومخطئ في التناول من الشجرة، وهاتان معصيتان.
# وبعد: فإن تعمد المعصية ليس يجب أن يكون مقتضيا لكبرها لا محالة، لأنها
~~لا يمتنع أن يكون مع التعمد لصاحبها من الخوف والوجل ما يوجب صغرها، ويمنع
~~من كبرها. وليس له أن يقول إن النظر فيما كلفه من الامتناع من الجنس أو
~~النوع لم يكن واجبا عليه، لأن ذلك إن لم يكن واجبا عليه فكيف يكون مكلفا،
~~وكيف يكون تناوله معصية؟ ولا بد على هذا من أن يخطر الله تعالى بباله ما
~~يقتضي وجوب النظر في ذلك عليه. وإذا وجب عليه النظر ولم يفعله فقد تعمد
~~الاخلال بالواجب، ولا فرق في باب التنفير بين الإقدام على المعصية والاخلال
~~بالواجب. فإذا جاز عنده أن يتعمد الاخلال PageV00P021
# بالواجب ولا يكون منه كبيرا، جاز أن يتعمد منه نفس التناول ولا يكون منه
~~كبيرا.
# فأما ما حكيناه عن النظام وجعفر بن مبشر ومن وافقهما، من أن ذنوب
~~الأنبياء عليهم السلام تقع منهم على سبيل السهو والغفلة، وأنهم مع ذلك
~~مؤاخذون بها، فليس بشئ، لأن السهو يزيل التكليف ويخرج الفعل من أن يكون
~~ذنبا مؤاخذا به، ولهذا لا يصح مؤاخذة المجنون والنائم. وحصول السهو في أنه
~~مؤثر في ارتفاع التكليف بمنزلة فقد القدرة والآلات والأدلة، فلو جاز أن
~~يخالف حال الأنبياء في صحة تكليفهم مع السهو، جاز أن يخالف حالهم ms012 لحال
~~أممهم في جواز التكليف مع فقد سائر ما ذكرناه وهذا واضح، فأما الطريق الذي
~~به يعلم أن الأئمة عليهم السلام لا يجوز عليهم الكبائر في حال الإمامة، فهو
~~أن الإمام إنما احتيج إليه لجهة معلومة، وهي أن يكون المكلفون عند وجوده
~~أبعد من فعل القبيح وأقرب من فعل الواجب على ما دللنا عليه في غير موضع،
~~فلو جازت عليه الكبائر لكانت علة الحاجة إليه ثابتة.
# فيه. وموجبة وجود إمام يكون إماما له، والكلام في إمامته كالكلام فيه،
~~وهذا يؤدي إلى وجود ما لا نهاية له من الأئمة وهو باطل أو الانتهاء إلى
~~إمام معصوم وهو المطلوب.
# ومما يدل أيضا على أن الكبائر لا تجوز عليهم، أن قولهم قد ثبت أنه حجة في
~~الشرع كقول الأنبياء (ع)، بل يجوز أن ينتهي الحال إلى أن الحق لا يعرف إلا
~~من جهتهم، ولا يكون الطريق إليه إلا من أقوالهم على ما بيناه في مواضع
~~كثيرة، وإذا ثبت هذا جملة جروا مجرى الأنبياء (ع) فيما يجوز عليهم وما لا
~~يجوز، فإذا كنا قد بينا أن الكبائر والصغائر لا يجوزان على الأنبياء (ع)
~~قبل النبوة ولا بعدها، لما في ذلك من التنفير عن قبول أقوالهم، ولما في
~~تنزيههم عن ذلك من السكون إليهم، فكذلك يجب أن يكون الأئمة PageV00P022
# عليهم السلام منزهين عن الكبائر والصغائر قبل الإمامة وبعدها، لأن الحال
~~واحدة.
# وإذ قد قدمنا ما أردنا تقديمه في هذا الباب فنحن نبتدئ بذكر الكلام على
~~ما تعلقوا به من جواز الكبائر على الأنبياء (ع) من الكتاب. PageV00P023
# تنزيه آدم عليه السلام تنزيه آدم عن الغواية:
# (مسألة) فمما تعلقوا به قوله تعالى في قصة آدم (ع): (وعصى آدم ربه فغوى)
~~" 1 ". قالوا وهذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلا قبيحة، وأكده
~~بقوله {فغوى}، وهذا تصريح بوقوع المعصية، والغي ضد الرشد.
# (الجواب): يقال لهم أما المعصية فهي مخالفة الأمر، والأمر من الحكيم
~~تعالى قد يكون بالواجب وبالمندوب معا، فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم عليه
~~السلام ms013 مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة، ويكون بمواقعتها تاركا نفلا
~~وفضلا وغير فاعل قبيحا، وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك
~~تارك الواجب. فإن تسمية من خالف ما أمر به سواه كان واجبا أو نفلا بأنه عاص
~~ظاهرة، ولهذا يقولون أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني، وإن لم
~~يكن ما أمره به واجبا، وأما قوله (فغوى)، فمعناه أنه خاب، لأنا نعلم أنه لو
~~فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم. فإذا خالف
~~الأمر ولم يصر إلى ما
# PageV00P024
# ندب إليه، فقد خاب لا محالة، من حيث أنه لم يصر إلى الثواب الذي كان
~~يستحق بالامتناع، ولا شبهة في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة. قال الشاعر:
# فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما فإن قيل:
~~كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية؟ أوليس هذا يوجب أن توصف الأنبياء (ع)
~~بأنهم عصاة في كل حال، وأنهم لا ينفكون من المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون
~~من ترك الندب؟
# قلنا: وصف تارك الندب بأنه عاص توسع وتجوز والمجاز لا يقاس عليه ولا يعدى
~~به عن موضعه. ولو قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح وتارك الأولى والأفضل، ولم
~~يجز إطلاقه أيضا في الأنبياء (ع) إلا مع التقييد لأن استعماله قد كثر في
~~القبائح، فإطلاقه بغير تقييد موهم، لكنا نقول: إن أردت بوصفهم بأنهم عصاة
~~أنهم فعلوا القبايح فلا يجوز ذلك، وإن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه استحقوا
~~الثواب وكان أولى فهم كذلك. فإن قيل:
# فأي معنى لقوله تعالى: (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (1) وأي معنى
~~لقوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) (2)
~~فكيف تقبل توبة من لم يذنب؟ أم كيف يتوب من لم يفعل القبيح؟
# قلنا: أما التوبة في اللغة: الرجوع، ويستعمل في واحد منا وفي القديم
~~تعالى. والثاني أن التوبة عندنا وعلى أصولنا فغير موجبة لا سقاط العقاب،
~~وإنما يسقط الله ms014 تعالى العقاب عندها تفضلا، والذي توجبه التوبة وتؤثره هو
~~استحقاق الثواب، فقبولها على هذا الوجه إنما هو ضمان الثواب عليها. فمعنى
~~قوله تعالى: (تاب عليه) أنه قبل توبته وضمن له ثوابها،
# PageV00P025
# ولا بد لمن ذهب إلى أن معصية آدم عليه السلام صغيرة من هذا الجواب، لأنه
~~إذا قيل له كيف تقبل توبته وتغفر له معصيته؟ قد وقعت في الأصل مكفرة لا
~~يستحق عليها شيئا من العقاب، لم يكن له بد من الرجوع إلى ما ذكرناه،
~~والتوبة قد تحسن أن تقع ممن لا يعهد من نفسه قبيحا على سبيل الانقطاع إلى
~~الله تعالى والرجوع إليه، ويكون وجه حسنها في هذا الموضع استحقاق الثواب
~~بها أو كونها لفظا، كما يحسن أن تقع ممن يقطع على أنه غير مستحق للعقاب،
~~وأن التوبة لا تؤثر في إسقاط شئ يستحقه من العقاب، ولهذا جوزوا التوبة من
~~الصغائر وإن لم تكن مؤثرة في إسقاط ذم ولا عقاب. فإن قيل: الظاهر من القرآن
~~بخلاف ما ذكرتموه، لأنه أخبر أن آدم عليه السلام منهي عن أكل الشجرة بقوله:
~~(ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (1) وبقوله: (ألم أنهكما عن
~~تلكما الشجرة) (2)؟ وهذا يوجب بأنه (ع) عصى بأن فعل منهيا عنه ولم يعص بأن
~~ترك مأمورا به.
# قلنا: أما النهي والأمر معا فليسا يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال
~~ولا اشتراك، وقد يؤمر عندنا بلفظ النهي وينهى بلفظ الأمر، فإنما يكون النهي
~~نهيا بكراهة المنهي عنه. فإذا قال تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة، ولم يكره
~~قربها، لم يكن في الحقيقة ناهيا، كما أنه تعالى لما قال: (اعملوا ما شئتم
~~وإذا حللتم فاصطادوا)، ولم يرد ذلك، لم يكن أمرا. فإذا كان قد صح قوله (ولا
~~تقربا هذه الشجرة) إرادة لترك التناول، فيجب أن يكون هذا القول أمرا، وإنما
~~سماه منهيا عنه، ويسمى أمره له بأنه نهي من حيث كان فيه معنى النهي، لأن
~~النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل، وتزهيدا في الفعل نفسه. ولما كان الأمر
~~ترغيبا في الفعل المأمور ms015 به وتزهيدا في تركه، جاز أن يسمى نهيا. وقد يتداخل
~~هذان الوصفان في الشاهد فيقول أحدنا قد
# PageV00P026
# أمرت فلانا بأن لا يلقى الأمير، وإنما يريد أنه نهاه عن لقائه، ويقول
~~نهيتك عن هجر زيد وإنما معناه أمرتك بمواصلته، فإن قيل ألا جعلتم النهي
~~منقسما إلى منهي قبيح ومنهي غير قبيح، بل يكون تركه أفضل من فعله، كما
~~جعلتم الأمر منقسما إلى واجب وغير واجب.
# قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر، لأن انقسام المأمور به في الشاهد إلى واجب
~~وغير واجب غير مدفوع، ولا خاف، وليس يمكن أحد أن يدفع أن في الأفعال الحسنة
~~التي يستحق بها المدح والثواب ما له صفة الوجوب، وفيها ما لا يكون كذلك.
~~فإذا كان الواجب مشاركا للندب في تناول الإرادة له واستحقاق الثواب والمدح
~~به، فليس يفارقه إلا بكراهة الترك. لأن الواجب تركه مكروه والنفل ليس كذلك.
~~فلو جعلنا الكراهة تتعلق بالقبيح وغير القبيح من الحكيم تعالى، وكذلك
~~النهي. كما جعلنا الأمر منه يتعلق بالواجب وغير الواجب، لارتفع الفرق بين
~~الواجب والندب مع ثبوت الفصل بينهما في العقول، فإن قيل: فما معنى حكايته
~~تعالى عنهما قولهما: (ربنا ظلمنا أنفسنا) وقوله تعالى: (فتكونا من
~~الظالمين).
# قلنا: معناه أنا نقصنا أنفسنا وبخسناها ما كنا نستحقه من الثواب بفعل ما
~~أريد منا من الطاعة، وحرمناها الفايدة الجليلة من التعظيم من ذلك الثواب،
~~وإن لم يكن مستحقا قبل أن يفعل الطاعة التي يستحق بها، فهو في حكم المستحق،
~~فيجوز أن يوصف بذلك من فوت نفسه بأنه ظالم لها، كما يوصف من فوت نفسه
~~المنافع المستحقة. وهذا معنى قوله تعالى: (فتكونا من الظالمين).
# فإن قيل فإذا لم تقع من آدم عليه السلام على قولكم معصية، فلم أخرج من
~~الجنة على سبيل العقوبة وسلب لباسه على هذا الوجه؟ ولولا أن الاخراج من
~~الجنة وسلب اللباس على سبيل الجزاء على الذنب، كما قال الله PageV00P027
# تعالى: (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما) (1)
~~وقال تعالى في موضع آخر: (فأخرجهما مما كانا ms016 فيه) (2)؟.
# قلنا: نفس الاخراج من الجنة لا يكون عقابا، لأن سلب اللذات والمنافع ليس
~~بعقوبة، وإنما العقوبة هي الضرب والألم الواقعان على سبيل الاستخفاف
~~والإهانة. وكذلك نزع اللباس وإبداء السوأة. فلو كانت هذه الأمور مما يجوز
~~أن تكون عقابا ويجوز أن يكون غيره لصرفناها عن باب العقاب إلى غيره، بدلالة
~~أن العقاب لا يجوز أن يستحقه الأنبياء عليهم السلام. فإذا فعلنا ذلك فيما
~~يجوز أن يكون واقعا على سبيل العقوبة، فهو أولى فيما لا يجوز أن يكون كذلك،
~~فإن قيل فما وجه ذلك إن لم تكن عقوبة؟.
# قلنا: لا يمتنع إن يكون الله تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية آدم عليه
~~السلام في الجنة وتكليفه فيها متى لم يتناول من الشجرة، فمتى تناول منها
~~تغيرت الحال في المصلحة وصار إخراجه عنها وتكليفه في دار غيرها هو المصلحة.
~~وكذلك القول في سلب اللباس حتى يكون نزعه بعد التناول من الشجرة هو المصلحة
~~كما كانت المصلحة في تبقيته قبل ذلك، وإنما وصف إبليس بأنه مخرج لهما من
~~الجنة من حيث وسوس إليهما وزين عندهما الفعل الذي يكون عنده الاخراج، وإن
~~لم يكن على سبيل الجزاء عليه لكنه يتعلق به تعلق الشرط في مصلحته، وكذلك
~~وصف بأنه مبدئ لسوأتهما من حيث أغواهما، حتى أقدما على ما سبق في علم الله
~~تعالى بأن اللباس معه ينزع عنهما، ولا بد لمن ذهب إلى أن معصية آدم عليه
~~السلام صغيرة لا يستحق بها العقاب من مثل هذا التأويل، وكيف يجوز أن يعاقب
~~الله تعالى نبيه بالاخراج من الجنة أو غيره من العقاب، والعقاب لا بد من أن
~~يكون مقرونا بالاستخفاف والإهانة، وكيف يكون من تعبدنا الله فيه بنهاية
~~التعظيم والتبجيل
# PageV00P028
# مستحقا منا ومنه تعالى الاستخفاف والإهانة: وأي نفس تسكن إلى مستخف بقدره
~~مهان موبخ مبكت؟ وما يجيز مثل ذلك على الأنبياء (ع) إلا من لا يعرف حقوقهم
~~ولا يعلم ما تقضيه منازلهم.
# حول أيحاء إبليس لحواء بتسمية ولدها عبد الحارث:
# (مسألة) فإن قال قائل فما قولكم ms017 في قوله تعالى ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن
~~إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن
~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما
~~آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾ (1) أوليس ظاهر هذه الآية يقتضي وقوع
~~المعصية من آدم (ع) لأنه لم يتقدم من يجوز صرف هذه الكناية في جميع الكلام
~~إليه إلا ذكر آدم (ع) وزوجته، لأن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق
~~منها هي حواء. فالظاهر على ما ترون ينبي عما ذكرناه، على أنه قد روي في
~~الحديث أن إبليس لعنه الله تعالى، لما أن حملت حواء عرض لها وكانت ممن لا
~~يعيش لها ولد. فقال لها أحببت أن يعيش ولدك فسميه عبد الحارث، وكان إبليس
~~قد سمي الحارث، فلما ولدت سمت ولدها بهذه التسمية. فلهذا قال تعالى: (جعلا
~~له شركاء فيما آتاهما).
# (الجواب): يقال له قد علمنا أن الدلالة العقلية التي قدمناها في باب أن
~~الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر والشرك والمعاصي غير محتملة،
~~ولا يصح دخول المجاز فيها. والكلام في الجملة يصح فيه الاحتمال وضروب
~~المجاز، فلا بد من بناء المحتمل على ما لا يحتمل، فلو لم نعلم تأويل هذه
~~الآية على سبيل التفصيل، لكنا نعلم في الجملة أن
# PageV00P029
# تأويلها مطابق لدلالة العقل. وقد قيل في تأويل هذه الآية ما يطابق دليل
~~العقل ومما يشهد له اللغة وجوه.
# (منها) أن الكناية في قوله سبحانه: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) غير
~~راجعة إلى آدم (ع) وحواء، بل إلى الذكور والإناث من أولادهما، أو إلى جنسين
~~ممن اشترك من نسلهما. وإن كانت الكناية الأولى تتعلق بهما ويكون تقدير
~~الكلام: فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح الذي تمنياه وطلباه جعل كفار
~~أولادهما ذلك مضافا إلى غير الله تعالى. ويقوى هذا التأويل قوله سبحانه:
~~(فتعالى الله عما يشركون). وهذا ينبئ على أن المراد بالتثنية ما أردناه من
~~الجنسين ms018 أو النوعين، وليس يجب من حيث كانت الكناية المتقدمة راجعة إلى آدم
~~(ع) وحواء، أن يكون جميع ما في الكلام راجعا إليهما، لأن الفصيح قد ينتقل
~~من خطاب مخاطب إلى خطاب غيره، ومن كناية إلى خلافها. قال الله تعالى: (إنا
~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله) (1) فانصرف من مخاطبة
~~الرسول صلى الله عليه وآله إلى مخاطبة المرسل إليهم، ثم قال: (وتعزروه
~~وتوقروه) (2) يعني الرسول، ثم قال (وتسبحوه) يعني مرسل الرسول. فالكلام
~~واحد متصل بعضه ببعض والكناية مختلفة كما ترى. وقال الهذلي:
# يا لهف نفسي كأن جدة خالد * وبياض وجهك للتراب الأعفر ولم يقل بياض وجهه.
# وقال كثير:
# أسيئ بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت فخاطب ثم ترك
~~الخطاب.
# PageV00P030
# وقال الآخر:
# فدى لك ناقتي وجميع أهلي * ومالي أنه منه أتاني ولم يقل منك أتاني.
# فإن قيل، كيف يكنى عمن لم يتقدم له ذكر؟.
# قلنا: لا يمتنع ذلك، قال الله تعالى: (حتى توارت بالحجاب) (1) ولم يتقدم
~~للشمس ذكر، وقال الشاعر:
# لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بي الصدر ولم يتقدم
~~للنفس ذكر.
# والشواهد على هذا المعنى كثيرة جدا على أنه قد تقدم ذكر ولد آدم (ع)،
~~وتقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) (2) ومعلوم
~~أن المراد بذلك جميع ولد آدم عليه السلام. وتقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى:
~~(فلما أتاهما صالحا) لأن المعنى أنه لما أتاهما ولدا صالحا. والمراد بذلك
~~الجنس، وإن كان اللفظ لفظ وحدة. وإذا تقدم مذكوران وعقبا بأمر لا يليق
~~بأحدهما، وجب أن يضاف إلى من يليق به.
# والشرك لا يليق بآدم عليه السلام، فيجب أن ننفيه عنه، وإن تقدم ذكره وهو
~~يليق بكفار ولده ونسله فيجب أن نعلقه بهم.
# (ومنها) ما ذكره أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني، فإنه يحمل الآية على أن
~~الكناية في جميعها غير متعلقة بآدم (ع) وحواء، فيجعل الهاء في (تغشيها)
~~والكناية في (دعوا الله ربهما) و (آتاهما صالحا) راجعين ms019 إلى من أشرك. ولم
~~يتعلق بآدم (ع) من الخطاب إلا قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) قال:
~~والإشارة في قوله: (خلقكم من نفس واحدة) إلى
# PageV00P031
# الخلق عامة. وكذلك قوله: (وجعل منها زوجها) ثم خص منها بعضهم، كما قال
~~الله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين
~~بهم بريح طيبة) (1) فخطاب الجماعة بالتسيير، ثم خص راكب البحر. وكذلك هذه
~~الآية أخبرت عن جملة أمر البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها، وهما
~~آدم وحواء. ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما أعطاه إياه،
~~أدعى له الشركاء في عطيته. قال وجايز أن يكون عنى بقوله: (هو الذي خلقكم من
~~نفس واحدة) المشركين خصوصا، إذا كان كل بني آدم مخلوقا من نفس واحدة
~~وزوجها، ويكون المعنى في قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة). وهذا قد يجئ
~~كثيرا في القرآن وفي كلام العرب.
# قال الله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء
~~فاجلدوهم ثمانين جلدة) (2) والمعنى فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة.
# وهذا الوجه يقارب الوجه الأول في المعنى وإن خالفه في الترتيب.
# (ومنها) أن تكون الهاء في قوله: (جعلا له شركاء) راجعة إلى الولد لا إلى
~~الله تعالى، ويكون المعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالا للولد الصالح،
~~فشركا بين الطلبتين. ويجري هذا القول مجرى قول القائل:
# طلبت مني درهما فلما أعطيتك شركته بآخر، أي طلبت آخر مضافا إليه.
# فعلى هذا الوجه لا يمتنع أن تكون الكناية من أول الكلام إلى آخره راجعة
~~إلى آدم وحواء عليهما السلام.
# فإن قيل: فأي معنى على هذا الوجه لقوله: (فتعالى الله عما يشركون) وكيف
~~يتعالى الله عن أن يطلب منه ولد بعد آخر.
# PageV00P032
# (قلنا) لم ينزه الله تعالى نفسه عن هذا الاشراك، وإنما نزهها عن الاشراك
~~به، وليس يمتنع أن ينقطع هذا الكلام عن حكم الأول، ويكون غير متعلق به،
~~لأنه تعالى قال: ﴿أيشركون ما لا يخلق
~~شيئا وهم ms020 يخلقون﴾ (1) فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك دون ما تقدم، وليس
~~يمتنع انقطاع اللفظ في الحكم عما يتصل به في الصورة، وهذا كثير في القرآن
~~وفي كلام العرب (2)، لأن من عادة العرب أن يراعوا الألفاظ أكثر من مراعاة
~~المعاني، فكأنه تعالى لما قال جعلا له شركاء فيما آتاهما، وأراد الاشتراك
~~في طلب الولد، جاء بقوله تعالى عما يشركون على مطابقة اللفظ الأول، وإن كان
~~الثاني راجعا إلى الله تعالى، لأنه يتعالى عن اتخاذ الولد وما أشبهه. ومثله
~~قول النبي قد سئل عن العقيقة فقال: " لا أحب العقوقة، ومن شاء منكم أن يعق
~~عن ولده فليفعل ". فطابق اللفظ وإن أختلف المعنيان وهذا كثير في كلامهم.
# فأما ما يدعي في هذا الباب من الحديث فلا يلتفت إليه، لأن الأخبار يجب أن
~~تبنى على أدلة العقول، ولا تقبل في خلال ما تقتضيه أدلة العقول.
# ولهذا لا تقبل أخبار الجبر والتشبيه، ونردها أو نتأولها إن كان لها مخرج
~~سهل. وكل هذا لو لم يكن الخبر الوارد مطعونا على سنده مقدوحا في طريقه، فإن
~~هذا الخبر يرويه قتادة عن الحسن عن سمرة وهو منقطع، لأن الحسن لم يسمع من
~~سمرة شيئا في قول البغداديين. وقد يدخل الوهن على هذا الحديث من وجه آخر،
~~لأن الحسن نفسه يقول بخلاف هذه الرواية فيما
# PageV00P033
# رواه خلف بن سالم عن إسحاق بن يوسف عن عوف عن الحسن في قوله تعالى: (فلما
~~أتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما أتاهما) قال هم المشركون. وبإزاء هذا
~~الحديث ما روي عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن وغيرهم، من أن الشرك غير
~~منسوب إلى آدم وزوجته عليهما السلام وأن المراد به غيرهما وهذه جملة واضحة.
~~PageV00P034
# تنزيه نوح عليه السلام تنزيه نوح عما لا يليق به (مسألة فإن سأل سائل عن
~~قوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب إن أبني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت
~~أحكم الحاكمين قال يا نوح أنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما
~~ليس لك به ms021 علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (1) فقال: ظاهر قوله تعالى
~~إنه ليس من أهلك، فيه تكذيب، لقوله عليه السلام إن ابني من أهلي. وإذا كان
~~النبي (ع) لا يجوز عليه الكذب فما الوجه في ذلك؟ قيل له في هذه الآية وجوه،
~~كل واحد منها صحيح مطابق لأدلة العقل (2).
# (أولها) أن نفيه لأن يكون من أهله لم يتناول فيه نفي النسب، وإنما نفى أن
~~يكون من أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم، لأنه عز وجل كان وعد نوحا
~~عليه السلام بأن ينجي أهله في قوله: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين
~~وأهلك إلا من سبق عليه القول) (3) فاستثنى من أهله من أراد إهلاكه بالغرق.
~~ويدل على صحة هذا التأويل قول نوح عليه السلام: إن ابني من
# PageV00P035
# أهلي وإن وعدك الحق. وعلى هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان. وقد
~~روي هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين.
# (والوجه الثاني) أن يكون المراد من قوله تعالى: (ليس من أهلك) أي إنه ليس
~~على دينك، وأراد أنه كان كافرا مخالفا لأبيه، فكأن كفره أخرجه من أن يكون
~~له أحكام أهله. ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى على سبيل التعليل: (إنه عمل
~~غير صالح) فتبين أنه إنما خرج عن أحكام أهله بكفره وقبيح عمله. وقد حكي هذا
~~الوجه أيضا عن جماعة من أهل التأويل.
# (والوجه الثالث) أنه لم يكن ابنه على الحقيقة، وإنما ولد على فراشه. فقال
~~(ع) إن ابني على ظاهر الأمر. فأعلمه الله تعالى أن الأمر بخلاف الظاهر،
~~ونبهه على خيانة امرأته، وليس في ذلك تكذيب خبره، لأنه إنما أخبر عن ظنه
~~وعما يقتضيه الحكم الشرعي، فأخبره الله تعالى بالغيب الذي لا يعلمه غيره.
~~وقد روي هذا الوجه عن الحسن ومجاهد وابن جريج.
# وفي هذا الوجه بعد، إذ فيه منافاة للقرآن لأنه تعالى قال: (ونادى نوح
~~ابنه) فأطلق عليه اسم البنوة. ولأنه تعالى أيضا استثناه من جملة أهله بقوله
~~تعالى: (وأهلك إلا من سبق عليه القول). ولأن الأنبياء عليهم السلام ms022 يجب أن
~~ينزهوا عن هذه الحال لأنها تعبير وتشيين ونقص في القدر، وقد جنبهم الله
~~تعالى ما دون ذلك تعظيما لهم وتوقيرا ونفيا لكل ما ينفر عن القبول منهم.
~~وقد حمل ابن عباس قوة ما ذكرناه من الدلالة على أن تأويل قوله تعالى في
~~امرأة نوح وامرأة لوط، فخانتاهما، أن الخيانة لم تكن منهما بالزنا، بل كانت
~~إحداهما تخبر الناس بأنه مجنون، والأخرى تدل على الأضياف. والوجهان الأولان
~~هما المعتمدان في الآية، فإن قيل أليس قد قال جماعة من المفسرين أن الهاء
~~في قوله تعالى: (إنه عمل غير صالح) راجعة إلى السؤال؟ والمعنى أن سؤالك
~~إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح، لأنه قد وقع من نوح (ع) السؤال
~~والرغبة في قوله: رب إن ابني من PageV00P036
# أهلي وإن وعدك الحق، ومعنى ذلك نجه كما نجيته. قلنا ليس يجب أن تكون
~~الهاء في قوله إنه عمل غير صالح، راجعة إلى السؤال بل إلى الابن يكون تقدير
~~الكلام: إن ابنك ذو عمل غير صالح، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه
~~ويشهد لصحة هذا التأويل، قول الخنساء (1):
# ما أم سقب على بو (2) تطيف به * قد ساعدتها على التحنان أظئار ترتع ما
~~رتعت حتى إذا ذكرت * فإنما هي إقبال وإدبار وإنما أراد أنها ذات إقبال وذات
~~إدبار، وقد قال قوم في هذا الوجه: إن المعنى في قوله: إنه عمل غير صالح، أن
~~أصله عمل غير صالح من حيث ولد على فراشه وليس بإبنه. وهذا جواب من يرى أنه
~~لم يكن ابنه على الحقيقة. والذي اخترناه خلاف ذلك، وقد قرئت هذه الآية بنصب
~~اللام وكسر الميم ونصب غير، ومع هذه القراءة لا شبهة في رجوع معنى الكلام
~~إلى الابن دون سؤال نوح (ع)، وقد ضعف قوم هذه القراءة فقالوا: كان يجب أن
~~يقول إنه عمل عملا غير صالح، لأن العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن، حتى
~~يقولوا عملا غير حسن. وليس هذا الوجه بضعيف، لأن من مذهبهم الظاهر إقامة
~~الصفة مقام ms023 الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس. فيقول القائل: قد فعلت
~~صوابا وقلت حسنا، بمعنى فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا. وقال عمر بن أبي
~~ربيعة المخزومي (3)؟.
# أيها القائل غير الصواب * أخر النصح واقلل عتابي وقال أيضا:
# وكم من قتيل ما يباء به دم * ومن علق رهنا إذا لفه الدما (4)
# PageV00P037
# ومن ما لي عينيه من شئ غيره * إذا راح نحو الحمرة البيض كالدما أرادوكم
~~من انسان قتيل.
# وقال رجل من بجيلة:
# كم من ضعيف العقل منتكث القوى * ما أن له نقض ولا إبرام أرادكم من انسان
~~ضعيف العقل والقوى.
# فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتم فلم قال الله تعالى: (فلا تسألني ما
~~ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) فكيف قال نوح عليه السلام من
~~بعد: (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن
~~من الخاسرين) (1). قلنا ليس يمتنع أن يكون نوح (ع) نهي عن سؤال ما ليس له
~~به علم، وإن لم يقع منه، وأن يكون هو (ع) تعوذ من ذلك، وإن لم يواقعه. ألا
~~ترى أن نبينا صلى الله عليه وآله قد نهي عن الشرك والكفر، وإن لم يقعا منه،
~~في قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك). وإنما سأل نوح عليه السلام نجاة
~~ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع. فلما بين الله تعالى أن المصلحة
~~في غير نجاته، لم يكن ذلك خارجا عما تضمنه السؤال. فأما قوله تعالى: (إني
~~أعظك أن تكون من الجاهلين)، فمعناه لئلا تكون منهم. ولا شك في أن وعظه
~~تعالى هو الذي يصرفه عن الجهل وينزهه عن فعله. وهذا كله واضح.
# PageV00P038
# تنزيه إبراهيم عليه السلام تنزيه إبراهيم (ع) عن الكفر والعصيان:
# فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام:
# (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين.
~~فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ms024 ربي لأكونن من
~~القوم الظالمين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال
~~يا قوم إني برئ مما تشركون) (1) أوليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنه عليه
~~السلام كان يعتقد في وقت من الأوقات الإلهية للكواكب، وهذا مما قلتم إنه لا
~~يجوز على الأنبياء عليهم السلام.
# (الجواب): قيل له في هذه الآية جوابان: أحدهما أن إبراهيم عليه السلام
~~إنما قال ذلك في زمان مهلة النظر، وعند كمال عقله وحضور ما يوجب عليه النظر
~~بقلبه وتحريك الدواعي على الفكر والتأمل له، لأن إبراهيم (ع) لم يخلق عارفا
~~بالله تعالى، وإنما اكتسب المعرفة لما أكمل الله تعالى عقله وخوفه من ترك
~~النظر بالخواطر والدواعي، فلما رأى الكواكب:
# وقد روي في التفسير أنه رأى الزهرة وأعظمه ما رآها عليه من النور
# PageV00P039
# وعجيب الخلق، وقد كان قومه يعبدون الكواكب ويزعمون أنها آلهة. قال هذا
~~ربي على سبيل الفكر والتأمل لذلك، فلما غابت وأفلت وعلم أن الأفول لا يجوز
~~على الإله، علم أنها محدثة متغيرة منتقلة. وكذلك كانت حالته في رؤية القمر
~~والشمس، وأنه لما رأى أن أفولهما قطع على حدوثهما واستحالة الهيتهما، وقال
~~في آخر الكلام: " يا قوم إني برئ مما تشركون، إني وجهت وجي للذي فطر
~~السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين ". وكان هذا القول منه
~~عقيب معرفته بالله تعالى، وعلمه بأن صفات المحدثين لا يجوز عليه تعالى.
# فإن قيل: كيف يجوز أن يقول عليه السلام هذا ربي، مخبرا، وهو غير عالم بما
~~يخبر به، والإخبار بما لا يأمن المخبر أن يكون كاذبا فيه قبيح.
# وفي حال كمال عقله ولزوم النظر لا بد من أن يلزمه التحرز من الكذب، وما
~~جرى مجراه من القبح.
# قلنا عن هذا جوابان: أحدهما: أنه لم يقل ذلك مخبرا، وإنما قال فارضا
~~ومقدرا على سبيل الفكر والتأمل، ألا ترى أنه قد يحسن من أحدنا إذا كان
~~ناظرا في شئ ومتأملا بين كونه على إحدى صفتيه، أن يفرضه على إحداهما لينظر
~~فيما يؤدي ذلك ms025 الفرض إليه من صحة أو فساد، ولا يكون بذلك مخبرا في الحقيقة.
~~ولهذا يصح من أحدنا إذا نظر في حدوث الأجسام وقدمها إن يفرض كونها قديمة،
~~ليتبين ما يؤدي إليه ذلك الفرض من الفساد.
# والجواب الآخر: أنه أخبر عن ظنه، وقد يجوز أنه يظن المفكر والمتأمل في
~~حال نظره وفكره ما لا أصل له، ثم يرجع عنه بالأدلة والعقل، ولا يكون ذلك
~~منه قبيحا.
# فإن قيل الآية تدل على أن إبراهيم عليه السلام ما كان رأى هذه الكواكب
~~قبل ذلك، لأن تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها، فكيف يجوز أن يكون إلى مدة
~~كمال عقله لم يشاهد السماء وما فيها من النجوم؟ قلنا لا PageV00P040
# يمتنع أن يكون ما رأى السماء إلا في ذلك الوقت، لأنه على ما روي كان قد
~~ولدته أمه في مغارة خوفا من أن يقتله النمرود، ومن يكون في المغارة لا يرى
~~السماء فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكر
~~فيها، وقد يجوز أيضا أن يكون قد رأى السماء قبل ذلك إلا أنه لم يفكر في
~~أعلامها، لأن الفكر لم يكن واجبا عليه. وحين كمل عقله وحركته الخواطر فكر
~~في الشئ الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه.
# والوجه الآخر في أصل المسألة: هو أن إبراهيم عليه السلام لم يقل ما
~~تضمنته الآيات على طريق الشك، ولا في زمان مهلة النظر والفكر، بل كان في
~~تلك الحال موقنا عالما بأن ربه تعالى لا يجوز أن يكون بصفة شئ من الكواكب،
~~وإنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه والتنبيه لهم على أن ما يغيب
~~ويأفل لا يجوز أن يكون إلها معبودا، ويكون قوله: (هذا ربي) محمولا على أحد
~~وجهين: أي هو كذلك عندكم وعلى مذاهبكم. كما يقول أحدنا للمشبه على سبيل
~~الإنكار لقوله هذا ربه جسم يتحرك ويسكن.
# والوجه الآخر:
# أن يكون قال ذلك مستفهما، وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، وقد جاء في
~~الشعر ذلك كثيرا:
# قال الأخطل (1):
# كذبتك ms026 عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا
# PageV00P041
# وقال الآخر:
# لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمان وأنشدوا قول
~~الهذلي:
# وقوني وقالوا يا خويلد لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم يعني أهم هم؟
# وقال ابن أبي ربيعة:
# ثم قالوا تحبها قلت بهرا * عدد الرمل والحصى والتراب فإن قيل: حذف حرف
~~الاستفهام إنما يحسن إذا كان في الكلام دلالة عليه وعوض عنه، وليس تستعمل
~~مع فقد العوض. وما أنشدتموه فيه عوض عن حرف الاستفهام المتقدم. والآية ليس
~~فيها ذلك.
# قلنا قد يحذف حرف الاستفهام مع إثبات العوض عنه ومع فقده إذا زال اللبس
~~في معنى الاستفهام، وبيت ابن أبي ربيعة خال من حرف الاستفهام ومن العوض
~~عنه. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى:
# (فلا اقتحم العقبة) (1) قال هو أفلا اقتحم العقبة. فألقيت ألف الاستفهام.
# وبعد فإذا جاز أن يلقوا ألف الاستفهام لدلالة الخطاب عليها. فهلا جاز أن
~~يلقوها لدلالة العقول عليها، لأن دلالة العقل أقوى من دلالة غيره.
# تنزيه إبراهيم (ع) عن الكذب:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخبرا عن إبراهيم عليه السلام لما
~~قال له قومه (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا
~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون) (2) وإنما عنى بالكبير الصنم الكبير. وهذا
# PageV00P042
# كذب لا شك فيه، لأن إبراهيم (ع) هو الذي كسر الأصنام، فإضافته تكسيرها
~~إلى غيره مما لا يجوز أن يفعل شيئا لا يكون إلا كذبا.
# (الجواب): قيل له الخبر مشروط غير مطلق، لأنه قال إن كانوا ينطقون ومعلوم
~~أن الأصنام لا تنطق، وأن النطق مستحيل عليها. فما علق بهذا المستحيل من
~~الفعل أيضا مستحيل، وإنما أراد إبراهيم بهذا القول تنبيه القوم وتوبيخهم
~~وتعنيفهم بعبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يقدر أن يخبر عن نفسه
~~بشئ. فقال إن كانت هذه الأصنام تنطق فهي الفاعلة للتكسير، لأن من يجوز أن
~~ينطق يجوز أن يفعل. وإذا علم استحالة النطق عليها ms027 علم استحالة الفعل عليها،
~~وعلم باستحالة الأمرين أنها لا يجوز أن تكون آلهة معبودة، وأن من عبدها ضال
~~مضل، ولا فرق بين قوله إنهم فعلوا ذلك إن كانوا ينطقون، وبين قوله إنهم ما
~~فعلوا ذلك ولا غيره لأنهم لا ينطقون ولا يقدرون.
# وأما قوله (ع) فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فإنما هو أمر بسؤالهم أيضا على
~~شرط، والنطق منهم شرط في الأمرين، فكأنه قال: إن كانوا ينطقون فاسألوهم،
~~فإنه لا يمتنع أن يكونوا فعلوه. وهذا يجري مجرى قول أحدنا لغيره: من فعل
~~هذا الفعل؟ فيقول زيد. إن كان فعل كذا وكذا. ويشير إلى فعل يضيفه السائل
~~إلى زيد، وليس في الحقيقة من فعله. ويكون غرض المسؤول نفي الأمرين جميعا عن
~~زيد، وتنبيه السائل على خطئه في إضافة ما أضافه إلى زيد، وقد قرأ بعض
~~القراء وهو محمد بن علي السهيفع اليماني: فعله كبيرهم بتشديد اللام،
~~والمعنى فلعله، أي فلعل فاعل ذلك كبيرهم. وقد جرت عادة العرب بحذف اللام
~~الأولى من لعل فيقولون عل، قال الشاعر:
# عل صروف الدهر أو دولاتها * تديلنا اللمة من لماتها فتستريح النفس من
~~زفراتها PageV00P043
# أي لعل صروف الدهر.
# وقال الآخر:
# يا أبتا علك أو عساكا * يسقيني الماء الذي سقاكا فإن قيل:
# فأي فايدة في أن يستفهم عن أمر يعلم استحالته، وأي فرق في المعنى بين
~~القراءتين؟.
# قلنا: لم يستفهم ولا شك في الحقيقة، وإنما نبههم بهذا القول على خطيئتهم
~~في عبادة الأصنام. فكأنه قال لهم إن كانت هذه الأصنام تضر وتنفع وتعطي
~~وتمنع، فلعلها هي الفاعلة لذلك التكسير، لأن من جاز منه ضرب من الأفعال جاز
~~منه ضرب آخر، وإذا كان ذلك الفعل الذي هو التكسير لا يجوز على الأصنام عند
~~القوم، فما هو أعظم منه أولى بأن لا يجوز عليها وأن لا يضاف إليها، والفرق
~~بين القراءتين ظاهر، لأن القراءة الأولى لها ظاهر الخبر، فاحتجنا إلى
~~تعليقه بالشرط ليخرج من أن يكون كذبا. والقراءة الثانية تتضمن حرف الشك
~~والاستفهام، فهما مختلفان على ما ترى.
# فإن قيل: ms028 أليس قد روى بشر بن مفضل عن عوف عن الحسن قال:
# " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال إن إبراهيم عليه السلام ما
~~كذب متعمدا قط إلا ثلاث مرات كلهن يجادل بهن عن دينه قوله إني سقيم، وإنما
~~تمارض عليهم لأن القوم خرجوا من قريتهم لعيدهم وتخلف هو ليفعل بآلهتهم ما
~~فعل. وقوله بل فعله كبيرهم، وقوله لسارة إنها أختي لجبار من الجبابرة لما
~~أراد أخذها ".
# قلنا: قد بينا بالأدلة العقلية التي لا يجوز فيها الاحتمال ولا خلاف
~~الظاهر، أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكذب. فما ورد بخلاف ذلك
~~من الأخبار لا يلتفت إليه، ويقطع على كذبه إن كان لا يحتمل تأويلا
~~PageV00P044
# صحيحا لايقا بأدلة العقل، فإن احتمل تأويلا يطابقها تأولناه ووفقنا بينه
~~وبينها. وهكذا نفعل فيما يروى من الأخبار التي تتضمن ظواهرها الجبر
~~والتشبيه.
# فأما قوله (ع) إني سقيم، فسنبين بعد هذه المسألة بلا فصل وجه ذلك، وأنه
~~ليس بكذب. وقوله بل فعله كبيرهم قد بينا معناه وأوضحنا عنه.
# وأما قوله (ع) لسارة أنها أختي، فإن صح فمعناه أنها أختي في الدين، ولم
~~يرد أخوة النسب. وأما ادعائهم على النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ما
~~كذب إبراهيم (ع) إلا ثلاث مرات، فالأولى أن يكون كذبا عليه (ع) لأنه صلى
~~الله عليه وآله كان أعرف بما يجوز على الأنبياء (ع) وما لا يجوز عليهم،
~~ويحتمل إن كان صحيحا أن يريد ما أخبر بما ظاهره الكذب إلا ثلاث دفعات،
~~فأطلق عليه اسم الكذب لأجل الظاهر، وإن لم يكن على الحقيقة كذلك.
# تنزيه إبراهيم عن الشك في الله:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى مخبرا عن إبراهيم عليه السلام:
~~(فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) (1) والسؤال عليكم في هذه الآية من
~~وجهين: أحدهما أنه حكي عن نبيه النظر في النجوم، وعندكم أن الذي يفعله
~~المنجمون من ذلك ضلال، والآخر قوله (ع) إني سقيم.
# وذلك كذب.
# (الجواب): قيل له في هذه الآية وجوه (منها): أن ms029 إبراهيم (ع) كانت به علة
~~تأتيه في أوقات مخصوصة، فلما دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى
# PageV00P045
# النجوم ليعرف منها قرب نوبة علته فقال: إني سقيم. وأراد أنه قد حضر وقت
~~العلة وزمان نوبتها وشارف الدخول فيها. وقد تسمي العرب المشارف للشئ باسم
~~الداخل فيه، ولهذا يقولون فيمن أدنفه المرض وخيف عليه الموت هو ميت. وقال
~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: (إنك ميت وإنهم ميتون) (1) فإن قيل:
~~فلو أراد ما ذكرتموه لقال: فنظر نظرة إلى النجوم ولم يقل في النجوم، لأن
~~لفظة في لا تستعمل إلا فيمن ينظر كما ينظر المنجم.
# قلنا ليس يمتنع أن يريد بقوله في النجوم، أنه نظر إليها لأن حروف الصفات
~~يقوم بعضها مقام بعض، قال الله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) (2) وإنما
~~أراد على جذوعها، وقال الشاعر:
# إسهري ما سهرت أم حكيم * واقعدي مرة لذاك وقومي وافتحي الباب وانظري في
~~النجوم * كم علينا من قطع ليل بهيم وإنما أراد انظري إليها لتعرفي الوقت.
# (ومنها): أنه يجوز أن يكون الله تعالى أعلمه بالوحي أنه سيمتحنه بالمرض
~~في وقت مستقبل، وإن لم يكن قد جرت بذلك المرض عادته، وجعل تعالى العلامة
~~على ذلك ظاهرة له من قبل النجوم، إما بطلوع نجم على وجه مخصوص أو أفول نجم
~~على وجه مخصوص أو اقترانه بآخر على وجه مخصوص. فلما نظر إبراهيم في الأمارة
~~التي نصبت له من النجوم قال إني سقيم، تصديقا بما أخبره الله تعالى.
# (ومنها): ما قال قوم في ذلك من أن كان آخر أمره الموت فهو سقيم، وهذا
~~حسن، لأن تشبيه الحياة المفضية إلى الموت بالسقم من أحسن التشبيه.
# PageV00P046
# (ومنها): أن يكون قوله إني سقيم القلب والرأي، حزنا من إصرار قومه على
~~عبادة الأصنام. وهي لا تسمع ولا تبصر. ويكون قوله فنظر نظرة في النجوم على
~~هذا المعنى، معناه أنه نظر وفكر في أنها محدثة مدبرة مصرفة مخلوقة. وعجب
~~كيف يذهب على العقلاء ذلك من حالها حتى يعبدوها.
# ويجوز أيضا أن يكون قوله تعالى: فنظر ms030 نظرة في النجوم، معناه أنه شخص
~~ببصره إلى السماء كما يفعل المفكر المتأمل، فإنه ربما أطرق إلى الأرض وربما
~~نظر إلى السماء استعانة في فكره. وقد قيل إن النجوم هاهنا هي نجوم النبت،
~~لأنه يقال لكل ما خرج من الأرض وغيرها وطلع، انه نجم ناجم، وقد نجم، ويقال
~~للجميع نجوم، ويقولون نجم قرن الظبي، ونجم ثدي المرأة، وعلى هذا الوجه يكون
~~إنما نظر في حال الفكر والاطراق إلى الأرض، فرأى ما نجم منها، وقيل أيضا
~~إنه أراد بالنجوم ما نجم له من رأيه وظهر له بعد أن لم يكن ظاهرا. وهذا وإن
~~كان يحتمله الكلام، فالظاهر بخلافه، لأن الإطلاق من قول القائل: نجوم. لا
~~يفهم من ظاهره إلا نجوم السماء دون نجوم الأرض، ونجوم الرأي، وليس كلما قيل
~~فيه إنه نجم، وهو ناجم على الحقيقة، يصلح أن يقال فيه نجوم بالاطلاق
~~والمرجع في هذا إلى تعارف أهل اللسان. وقد قال أبو مسلم محمد بن بحر
~~الأصفهاني:
# إن معنى قوله تعالى: فنظر نظرة في النجوم. أراد في القمر والشمس، لما ظن
~~أنهما آلهة في حال مهلة النظر على ما قصه الله تعالى في قصته في سورة
~~الأنعام. ولما استدل بأفولهما وغروبهما على أنهما محدثان غير قديمين، ولا
~~إلهين. وأراد بقوله إني سقيم. إني لست على يقين من الأمر ولا شفاء من
~~العلم، وقد يسمى الشك بأنه سقيم كما يسمى العلم بأنه شفاء. قال وإنما زال
~~عنه هذا السقم عند زوال الشك وكمال المعرفة. وهذا الوجه يضعف من جهة أن
~~القصة التي حكاها عن إبراهيم فيها هذا الكلام يشهد ظاهره بأنها غير
~~PageV00P047
# القصة المذكورة في سورة الأنعام، وأن القصة مختلفة لأن الله تعالى قال:
# (وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا
~~تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في
~~النجوم فقال إني سقيم) (1) فبين تعالى كما ترى أنه جاء ربه بقلب سليم،
~~وإنما أراد أنه كان سليما من الشك وخالصا ms031 للمعرفة واليقين. ثم ذكر أنه عاتب
~~قومه على عبادة الأصنام، فقال ماذا تعبدون؟ وسمى عبادتهم بأنها إفك وباطل.
~~ثم قال فما ظنكم برب العالمين؟ وهذا قول عارف بالله تعالى مثبت له على
~~صفاته غير ناظر ممثل ولا شاك، فكيف يجوز أن يكون قوله من بعد ذلك. فنظر
~~نظرة في النجوم، أنه ظنها أربابا وآلهة وكيف يكون قوله إني سقيم؟ أي لست
~~على يقين ولا شفاء، والمعتمد في تأويل ذلك ما قدمناه.
# تنزيه إبراهيم (ع) عن العجز:
# (مسألة): فإن قال قائل فما قولكم في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج
~~إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال
~~أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من
~~المغرب) (2) وهذا يدل على انقطاع إبراهيم (ع) وعجزه عن نصرة دليله الأول
~~ولهذا انتقل إلى حجة أخرى، وليس ينتقل المحتج من شئ إلى غيره إلا على وجه
~~القصور عن نصرته.
# (الجواب): قلنا ليس هذا بانقطاع من إبراهيم عليه السلام ولا عجز عن نصرة
~~حجته الأولى، وقد كان إبراهيم (ع) قادرا لما قال له الجبار الكافر أنا أحيي
~~وأميت في جواب قوله ربي الذي يحيي ويميت، ويقال إنه دعا رجلين فقتل أحدهما
~~واستحيى الآخر، فقال عند ذلك أنا أحيي وأميت. وموه
# PageV00P048
# بذلك على من بحضرته على أن يقول له: ما أردت بقولي إن ربي الذي يحيي
~~ويميت ما ظننته من استبقاء حي. وإنما أردت به أنه يحيي الميت الذي لا حياة
~~فيه. إلا أن إبراهيم (ع) علم أنه إن أورد ذلك عليه التبس الأمر على
~~الحاضرين وقويت الشبهة، لأجل اشتراك الاسم، فعدل إلى ما هو أوضح، واكشف
~~وأبين وأبعد من الشبهة، فقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من
~~المغرب، فبهت الذي كفر ولم يبق عنده شبهة.
# ومن كان قصده البيان والايضاح فله أن يعدل من طريق إلى آخر لوضوحه وبعده
~~عن الشبهة، وإن كان كلا الطريقين يفضي إلى الحق. ms032 على أنه بالكلام الثاني
~~ناصر للحجة الأولى وغير خارج عن سنن نصرتها، لأنه لما قال ربي الذي يحيي
~~ويميت، فقال له في الجواب أنا أحيي وأميت، فقال له إبراهيم: من شأن هذا
~~الذي يحيي ويميت أن يقدر على أن يأتي بالشمس من المشرق ويصرفها كيف يشاء.
~~فإن ادعيت أنت القادر على ما يقدر الرب عليه فائت بالشمس من المغرب كما
~~يأتي هو بها من المشرق، فإذا عجزت عن ذلك علمنا أنك عاجز عن الحياة والموت
~~ومدع فيهما ما لا أصل له، فإن قيل: فلو قال له في جواب هذا الكلام: وربك لا
~~يقدر أن يأتي بالشمس من المغرب، فكيف تلزمني أن آتي بها من المغرب؟
# قلنا: لو قال له ذلك لكان إبراهيم (ع) يدعو الله أن يأتي بالشمس من
~~المغرب فيجيبه إلى ذلك، وإن كان معجزا خارقا للعادة. ولعل الخصم إنما عدل
~~عن أن يقول له ذلك علما بأنه إذا سأل الله تعالى فيه أجابه إليه.
# تنزيه إبراهيم عن الشك في قدرة الله:
# (مسألة): فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم:
# (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن (1)
# PageV00P049
# قلبي). أوليس هذا الكلام والطلب من إبراهيم (ع) يدلان على أنه لم يكن
~~موقنا بأن الله تعالى يحيي الموتى؟ وكيف يكون نبيا من يشك في ذلك؟
# أوليس قد روى المفسرون أن إبراهيم (ع) مر بحوت نصفه في البر ونصفه في
~~البحر، ودواب البر والبحر تأكل منه، فأخطر الشيطان بباله استبعاد رجوع ذلك
~~حيا مؤلفا، مع تفرق أجزائه وانقسام أعضائه في بطون حيوان البر والبحر؟ فشك
~~فسأل الله تعالى ما تضمنته الآية، وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله أنه قال: نحن أحق بالشك من إبراهيم (ع).
# (الجواب): قيل له ليس في الآية دلالة على شك إبراهيم في إحياء الموتى،
~~وقد يجوز أن يكون (ع) إنما سأل الله تعالى ذلك ليعلمه على وجه يبعد عن
~~الشبهة، ولا يعترض فيه شك ولا ms033 ارتياب. وإن كان من قبل قد علمه على وجه
~~للشبهة فيه مجال، ونحن نعلم أن في مشاهدة ما شاهده إبراهيم من كون الطير
~~حيا ثم تفرقه وتقطعه وتباين أجزائه ثم رجوعه حيا كما كان في الحال الأولى،
~~من الوضوح وقوة العلم ونفي الشبهة ما ليس لغيره من وجوه الاستدلالات،
~~وللنبي (ع) أن يسأل ربه تخفيف محنته وتسهيل تكليفه.
# والذي يبين صحة ما ذكرناه قوله تعالى: (أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن
~~قلبي). فقد أجاب إبراهيم بمعنى جوابنا بعينه، لأنه بين أنه لم يسأل ذلك لشك
~~فيه وفقد إيمان به، وإنما أراد الطمأنينة، وهي ما أشرنا إليه من سكون النفس
~~وانتفاء الخواطر والوساوس والبعد عن اعتراض الشبهة.
# ووجه آخر: وهو أنه قد قيل إن الله تعالى لما بشر إبراهيم عليه السلام
~~بخلته واصطفائه واجتبائه، سأل الله تعالى أن يريه إحياء الموتى ليطمئن قلبه
~~بالخلة، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يعلمون صحة ما تضمنه الوحي إلا
~~بالاستدلال. فسأل إحياء الموتى لهذا الوجه لا للشك في قدرة الله تعالى على
~~ذلك. PageV00P050
# ووجه آخر: وهو أن نمرود بن كنعان (1) لما قال لإبراهيم عليه السلام:
# إنك تزعم أن ربك يحيي الموتى، وأنه قد قال: أرسلك إلي لتدعوني إلى
~~عبادته، فاسأله أن يحيي لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا، فإن لم يفعل قتلتك.
~~قال إبراهيم (ع): (رب أرني كيف تحيي الموتى) فيكون معنى قوله: (ولكن ليطمئن
~~قلبي) على هذا الوجه، أي لآمن من القتل ويطمئن قلبي بزوال الروع والخوف.
~~وهذا الوجه الذي ذكرناه وإن لم يكن مرويا على هذا الوجه فهو مجوز، وإن أجاز
~~صلح أن يكون وجها في تأويل الآية مستأنفا متابعا.
# ووجه آخر: وهو أنه يجوز أن يكون إبراهيم إنما سأل إحياء الموتى لقومه
~~ليزول شكهم في ذلك وشبهتهم. ويجري مجرى سؤال موسى (ع) الرؤية لقومه، ليصدر
~~منه تعالى الجواب على وجه يزيل منه شبهتهم في جواز الرؤية عليه تعالى.
~~ويكون قوله ليطمئن قلبي على هذا الوجه، معناه أن نفسي تسكن إلى زوال ms034 شكهم
~~وشبهتهم، أو ليطمئن قلبي إلى إجابتك إياي فيما أسألك فيه. وكل هذا جائز،
~~وليس في الظاهر ما يمنع منه، لأن قوله:
# (ولكن ليطمئن قلبي) ما تعلق في ظاهر الآية بأمر لا يسوغ العدول عنه مع
~~التمسك بالظاهر، وما تعلقت هذه الطمأنينة به غير مصرح بذكره، قلنا إن تعلقه
~~بكل أمر يجوز أن يتعلق به.
# فإن قيل: فما معنى قوله تعالى أولم تؤمن؟ وهذا اللفظ استقبال.
# وعندكم أنه كان مؤمنا فيما مضى. قلنا معنى ذلك أو لم تكن قد آمنت؟
# والعرب تأتي بهذا اللفظ، وإن كان في ظاهره الاستقبال، وتريد به الماضي.
# فيقول أحدهم لصاحبه: أولم تعاهدني على كذا وكذا، وتعاقدني على أن لا تفعل
~~كذا وكذا؟ وإنما يريد الماضي دون المستقبل.
# PageV00P051
# فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: (فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل
~~على كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم) (1)،
~~قلنا قد اختلف أهل العلم في معنى قوله تعالى (فصرهن إليك)، فقال قوم: معنى
~~قوله فصرهن: أدنهن وأملهن.
# قال الشاعر في وصف الإبل:
# تظل معقلات السوق خرصا * تصور أنوفها ريح الجنوب أراد أن ريح الجنوب تميل
~~أنوفها وتعطفها.
# وقال الطرماح (2):
# عفايف أذيال أوان يصرها * هوى والهوى للعاشقين صؤر ويقول القائل لغيره:
~~صر وجهك إلي، أي أقبل به علي.
# ومن حمل الآية على هذا الوجه لا بد أن يقدر محذوفا في الكلام يدل عليه
~~سياق اللفظ، ويكون تقدير الكلام: خذ أربعة من الطير فأملهن إليك ثم قطعهن
~~ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا.
# وقال قوم إن معنى صرهن أي قطعهن وفرقهن، واستشهدوا بقول توبة بن الحمير
~~(3):
# فلما جذبت الحبل لطت نسوعه * بأطراف عيدان شديد أسورها فأدنت لي الأسباب
~~حتى بلغتها * بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها وقال الآخر:
# يقولون أن الشام يقتل أهله * فمن لي أن لم آته بخلود تغرب آبائي فهلا
~~صراهم * من الموت أن لم يذهبوا وجدودي
# PageV00P052
# أراد: قطعهم. والأصل صرى يصري صريا، من قولهم يأت يصري في حوضه ms035 إذا
~~استسقى ثم قطع، والأصل صرى، فقدمت اللام وأخرت العين.
# هذا قول الكوفيين، وأما البصريون فإنهم يقولون إن صار يصير، ويصور بمعنى
~~واحد، أي قطع. ويستشهدون بالأبيات التي تقدمت، وبقول الخنساء: " فظلت الشم
~~منها وهي تنصار " وعلى هذا الوجه لا بد في الكلام من تقديم وتأخير، ويكون
~~التقدير: فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن أي قطعهن. فإليك من صلة خذلان
~~التقطيع لا يعدى بإلى.
# فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (ثم أدعهن يأتينك سعيا) وهل أمره بدعائهن
~~وهن أحياء أو أموات؟ وعلى كل حال فدعاؤهن قبيح، لأن أمر البهائم التي لا
~~تعقل ولا تفهم قبيح. وكذلك أمرهن وهن أعضاء متفرقة أظهر في القبح.
# قلنا لم يرد ذلك إلا حال الحياة دون التفرق والتمزق. فأراد بالدعاء
~~الإشارة إلى تلك الطيور. فإن الانسان قد يشير إلى البهيمة بالمجئ أو الذهاب
~~فتفهم عنه. ويجوز أن يسمي ذلك دعاء. إما على الحقيقة أو على المجاز. وقد
~~قال أبو جعفر الطبري أن ذلك ليس بأمر ولا دعاء، ولكنه عبارة عن تكوين الشئ
~~ووجوده، كما قال تعالى في الذين مسخهم: (كونوا قردة خاسئين) (1) وإنما أخبر
~~عن تكوينهم كذلك من غير أمر ولاء دعاء، فيكون المعنى على هذا التأويل. ثم
~~اجعل على كل جبل منهن جزءا، فإن الله تعالى يؤلف تلك الأجزاء ويعيد الحياة
~~فيها، فيأتينك سعيا، وهذا وجه قريب فإن قيل على الوجه الأول: كيف يصح أن
~~يدعوها وهي أحياء؟ وظاهر الآية يشهد بخلاف ذلك، لأنه تعالى قال: (ثم اجعل
~~على كل جبل منهن جزءا). وقال عقيب هذا الكلام من غير فصل: (ثم أدعهن يأتينك
# PageV00P053
# سعيا}. فدل ذلك على أن الدعاء توجه إليهن وهن أجزاء متفرقة. قلنا ليس
~~الأمر على ما ذكر في السؤال، لأن قوله: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} لا
~~بد من تقدير محذوف بعده، وهو: (فإن الله يؤلفهن ويحييهن ثم أدعهن يأتينك
~~سعيا}. ولا بد لمن حمل الدعاء لهن في حال التفرق وانتفاء الحياة من تقدير
~~محذوف في الكلام عقيب قوله: ms036 {ثم أدعهن} لأنا نعلم أن تلك الأجزاء والأعضاء
~~لا تأتي عقيب الدعاء بلا فصل، ولا بد من أن يقدر في الكلام عقيب قوله ثم
~~أدعهن، فإن الله تعالى يؤلفهن ويحييهن فيأتينك سعيا.
# فأما أبو مسلم الأصفهاني فإنه فرارا من هذا السؤال حمل الكلام على وجه
~~ظاهر الفساد. لأنه قال إن الله تعالى أمر إبراهيم (ع) بأن يأخذ أربعة من
~~الطيور، ويجعل على كل جبل طيرا، وعبر بالجزء عن الواحد من الأربعة، ثم أمره
~~بأن يدعوهن وهن أحياء من غير إماتة تقدمت ولا تفرق من الأعضاء، ويمرنهن على
~~الاستجابة لدعائه، والمجئ إليه في كل وقت يدعوها فيه.
# ونبه ذلك على أنه تعالى إذا أراد إحياء الموتى وحشرهم أتوه من الجهات
~~كلها مستجيبين غير ممتنعين كما تأتي هذه الطيور بالتمرين والتعويد. وهذا
~~الجواب ليس بشئ لأن إبراهيم عليه السلام إنما سأل الله أن يريه كيف يحيي
~~الموتى، وليس في مجئ الطيور وهن أحياء بالعادة والتمرين، دلالة على ما سئل
~~عنه ولا حجة فيه. وإنما يكون في ذلك بيانا لمسألته إذا كان على الوجه الذي
~~ذكرناه.
# فإن قيل إذا كان إنما أمره بدعائهن بعد حال التأليف والحياة، فأي فايدة
~~في الدعاء وهو قد علم لما رآها تتألف أعضاءها من بعد وتتركب أنها قد عادت
~~إلى حال الحياة؟ فلا معنى في الدعاء إلا أن يكون متناولا لها وهي متفرقة.
# قلنا للدعاء فائدة بينة، لأنه لا يتحقق من بعد رجوع الحياة إلى الطيور
~~وإن شاهدها متألفة، وإنما يتحقق ذلك بأن تسعى إليه وتقرب منه. PageV00P054
# تنزيه إبراهيم عن الاستغفار للكفار:
# (مسألة): فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم
~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه) (1) وكيف يجوز أن يستغفر لكافر أو أن يعده
~~بالاستغفار؟.
# (الجواب): قلنا: معنى هذه الآية إن أباه كان وعده بأن يؤمن وأظهر له
~~الإيمان على سبيل النفاق، حتى ظن أنه الخير، فاستغفر له الله تعالى على هذا
~~الظن. فلما تبين له أنه مقيم على كفره رجع عن الاستغفار له ms037 وتبرأ منه (2)
~~على ما نطق به القرآن. فكيف يجوز أن يجعل ذلك ذنبا لإبراهيم (ع) وقد عذره
~~الله تعالى في أن استغفاره إنما كان لأجل موعده، وبأنه تبرأ منه لما تبين
~~له منه المقام على عداوة الله تعالى.
# فإن قيل: فإن لم تكن هذه الآية دالة على إضافة الذنب إليه، فالآية التي
~~في صورة الممتحنة تدل على ذلك لأنه تعالى قال: (قد كانت لكم أسوة حسنة في
~~إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله
~~كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده
~~إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك) (3) فأمر بالتأسي والاقتداء به، إلا في
~~هذا الفعل. وهذا يقتضي أنه قبيح.
# قلنا: ليس يجب ما ذكر في السؤال، بل وجه استثناء إبراهيم عليه السلام
~~لأبيه عن جملة ما أمر الله تعالى بالتأسي به فيه، أنه لو أطلق الكلام لأوهم
~~الأمر بالتأسي به في ظاهر الاستغفار من غير علم بوجهه، والموعدة السابقة من
~~أبيه له بالإيمان، وأدى ذلك إلى حسن الاستغفار للكفار. فاستثنى الاستغفار
~~من جملة الكلام لهذا الوجه، ولأنه لم يكن ما أظهره أبوه من الإيمان ووعده
~~به
# PageV00P055
# معلوما لكل أحد، فيزول الإشكال في أنه استغفر لكافر مصر على كفره.
# ويمكن أيضا أن يكون قوله تعالى: (إلا قول إبراهيم لأبيه) استثناء من غير
~~التأسي، بل من الجملة الثانية التي تعقبها. هذا القول بلا فصل وهي قوله (إذ
~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم) إلى قوله (وبدا بيننا وبينكم العداوة
~~والبغضاء) أبدا، لأنه لما كان استغفار إبراهيم (ع) لأبيه مخالفا لما تضمنته
~~هذه الجملة، وجب استثناءه. ولا نوهم بظاهر الكلام أنه عامل أباه من العداوة
~~والبراءة بما عامل به غيره من الناس.
# فأما قوله تعالى: (إلا عن موعدة وعدها إياه) فقد قيل إن الموعدة إنما
~~كانت من الأب بالإيمان للابن، وهو الذي قدمناه. وقيل إنها كانت من الابن
~~بالاستغفار للأب في قوله: لاستغفرن لك. والأولى أن تكون الموعدة هي من الأب
~~بالإيمان ms038 للابن، لأنا إن حملناه على الوجه الثاني كانت المسألة قائمة.
~~ولقائل أن يقول: ولم أراد أن يعده بالاستغفار وهو كافر؟ وعند ذلك لا بد أن
~~يقال إنه أظهر له الإيمان حتى ظنه به. فيعود إلى معنى الجواب الأول.
# فإن قيل: فما تنكرون من ذلك، ولعل الوعد كان من الابن للأب بالاستغفار،
~~وإنما وعده به لأنه أظهر له الإيمان؟
# قلنا ظاهر الآية منع من ذلك، لأنه تعالى قال: (وما كان استغفار إبراهيم
~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه) فعلل حسن الاستغفار بالموعدة، ولا يكون
~~الموعدة مؤثرة في حسن الاستغفار إلا بأن يكون من الأب للابن بالإيمان،
~~لأنها إذا كانت من الابن لم يحسن له لها الاستغفار، لأنه إن قيل إنما وعده
~~الاستغفار لإظهاره له الإيمان، فالمؤثر في حسن الاستغفار هو إظهار الإيمان
~~لا الموعدة.
# فإن قيل: أفليس إسقاط عقاب الكفر والغفران لمرتكبه كانا جائزين من طريق
~~العقل، وإنما منع منه السمع، وإلا جاز أن يكون إبراهيم عليه السلام
~~PageV00P056
# إنما استغفر لأبيه لأن السمع لم يقطع له على عقاب الكفار. وكان باقيا على
~~حكم العقل، وليس يمكن أن يدعي أن ما في شرعنا من القطع على عقاب الكفار كان
~~في شرعه لأن هذا لا سبيل إليه؟.
# قلنا: هذا الوجه كان جائزا لولا ما نطق به القرآن من خلافه، لأنه تعالى
~~لما قال: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي
~~قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) (1) قال عاطفا على ذلك: (وما
~~كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو
~~لله تبرأ منه) فصرح بعلة حسن استغفاره، وأنها الموعدة.
# وكان الوجه في حسن الاستغفار على ما تضمنه السؤال، لوجب أن يعلل استغفاره
~~لأبيه بأنه لم يعلم أنه من أهل النار لا محالة، ولم يقطع في شرعه على عقاب
~~الكفار. والكلام يقتضي خلاف هذا، ويوجب أنه ليس لإبراهيم (ع) من ذلك ما ليس
~~لنا، وأن عذره فيه هو الموعدة دون غيرها.
# وقد ms039 قال أبو علي بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي في تأويل الآية التي في
~~التوبة، ما نحن ذاكروه ومنبهون على خلافه. قال بعد أن ذكر أن الاستغفار
~~إنما كان لأجل الموعدة من الأب بالإيمان: إن الله تعالى إنما ذكر قصة
~~إبراهيم (ع) بعد قوله (ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا
~~للمشركين) لئلا يتوهم أحد أن الله عز وجل كان جعل لإبراهيم عليه السلام من
~~ذلك ما لم يجعله للنبي صلى الله عليه وآله، لأن هذا الذي لم يجعله للنبي
~~صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يجعله لأحد، لأنه ترك الرضا بأفعال الله
~~تعالى وأحكامه.
# وهذا الذي ذكره غير صحيح على ظاهره، لأنه يجوز أن يجعل لغير نبينا صلى
~~الله عليه وآله ممن لم يقطع له، على أن الكفار معاقبون لا محالة، أن يستغفر
# PageV00P057
# للكفار، لأن العقل لا يمنع من ذلك. وإنما يمنع السمع الذي فرضنا ارتفاعه.
# فإن قال: أردت أنه ليس لأحد ذلك مع القطع على العقاب، قلنا:
# ليس هكذا يقتضي ظاهر كلامك. وقد كان يجب إذا أردت هذا المعنى أن تبينه
~~وتزيل الابهام عنه، وإنما لم يجز أن يستغفر للكفار مع ورود الوعيد القاطع
~~على عقابهم، زايدا على ما ذكره أبو علي من أنه ترك الرضا بأحكام الله، أن
~~فيه سؤالا له تعالى أن يكذب في أخباره، وأن يفعل القبيح من حيث أخبر بأنه
~~لا يغفر للكفار مع الاصرار.
# تكريم إبراهيم باستجابة دعائه:
# (مسألة): فإن قال: إذا كان من مذهبكم إن دعاء الأنبياء (ع) لا يكون إلا
~~مستجابا، وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربه فقال: (واجنبني وبني أن نعبد
~~الأصنام). وقد عبد كثير من بنيه الأصنام وكذلك السؤال عليكم في قوله: (رب
~~اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) (1).
# (الجواب): قيل له أما المفسرون فإنهم حملوا هذا الدعاء على الخصوص وجعلوه
~~متناولا لمن أعلمه الله تعالى أنه يؤمن ولا يعبد الأصنام حتى يكون الدعاء
~~مستجابا، وبينوا إن العدول عن ظاهره المقتضي للعموم إلى الخصوص بالدلالة
~~واجب، وهذا الجواب ms040 صحيح، ويمكن في الآية وجه آخر: وهو أن يريد بقوله:
~~(واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) أي افعل بي وبهم من الألطاف ما يباعدنا عن
~~عبادة الأصنام ويصرف دواعينا عنها. وقد يقال فيمن حذر من الشئ ورغب في تركه
~~وقويت صوارفه عن فعله: أنه قد جنبه. ألا ترى أن الوالد قد يقول لولده إذا
~~كان قد حذره من بعض الأفعال
# PageV00P058
# وبين له قبحه وما فيه من الضرر، وزين له تركه وكشف له عما فيه من النفع:
# إنني قد جنبتك كذا وكذا ومنعتك منه. وإنما يريد ما ذكرناه. وليس لأحد أن
~~يقول كيف يدعو إبراهيم (ع) بذلك وهو يعلم أن الله تعالى لا بد أن يفعل هذا
~~اللطف المقوى لدواعي الإيمان، لأن هذا السؤال أولا يتوجه على الجوابين
~~جميعا، لأنه تعالى لا بد أن يفعل هذا للطف الذي يقع الطاعة عنده لا محالة.
~~كما لا بد أن يفعل ما يقوي الداعي إلى الطاعات.
# والجواب عن هذه الشبهة أن النبي صلى الله عليه وآله لا يمتنع أن يدعو بما
~~يعلم أن الله تعالى سيفعله على كل حال، على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى
~~والتذلل له والتعبد. فأما قوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) فالشبهة
~~تقل فيه، لأن ظاهر الكلام يقتضي الخصوص في ذريته الكثير ممن أقام الصلاة.
# تنزيه إبراهيم عن المجادلة:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى
~~قالوا سلاما قال سلام) (1) فما لبث أن جاء بعجل حنيذ، وكيف يحضر إبراهيم
~~عليه السلام للملائكة الطعام وهو يعلم أنها لا تطعم؟
# ومن أي شئ كانت مخافته منهم لما امتنعوا من تناول الطعام؟ وكيف يجوز أن
~~يجادل ربه فيما قضاه وأمر به؟.
# (الجواب): قلنا أما وجه تقديم الطعام فلأنه (ع) لم يعلم في الحال أنهم
~~ملائكة لأنهم كانوا في صورة البشر فظنهم أضيافا، وكان من عادته (ع) أقراء
~~الضيف، فدعاهم إلى الطعام ليستأنسوا به وينبسطوا، فلما امتنعوا أنكر ذلك
~~منهم، وظن أن الامتناع لسوء يريدونه، حتى خبروه بأنهم رسل ms041 الله تعالى
~~أنفذهم لإهلاك قوم لوط عليه السلام (2).
# PageV00P059
# وأما الحنيذ: فهو المشوي بالأحجار. وقيل إن الحنيذ الذي يقطر ماؤه ودسمه.
~~وقد قيل إن الحنيذ هو النضيج.
# وأنشد أبو العباس:
# إذا ما اختبطنا اللحم للطالب القرى * حنذناه حتى يمكن اللحم آكله فإن
~~قيل: فكيف صدقهم في دعواهم أنهم ملائكة؟.
# قلنا: لا بد من أن يقترن بهذه الدعوى علم يقتضي التصديق. ويقال إنهم دعوا
~~الله بإحياء العجل الذي كان ذبحه وشواه لهم، فصار حيا يرعى.
# وأما قوله: يجادلنا، فقيل معناه يجادل رسلنا، وعلق المجادلة به تعالى من
~~حيث كانت لرسله، وإنما جادلهم مستفهما منهم هل العذاب نازل على سبيل
~~الاستيصال أو على سبيل التخويف؟ وهل هو عام للقوم أو خاص؟
# وعن طريق نجاة لوط (ع) وأهله المؤمنين بما لحق القوم؟ وسمى ذلك جدالا لما
~~كانت فيه من المراجعة والاستثبات على سبيل المجاز، وقيل إن معنى قوله
~~يجادلنا في قوم لوط (ع): يسائلنا أن تؤخر عذابهم رجاء أن يؤمنوا أو أن
~~يستأنفوا الصلاح. فخبره الله تعالى بأن المصلحة في إهلاكهم، وأن كلمة
~~العذاب قد حقت عليهم، وسمى المسألة جدالا على سبيل المجاز.
# فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى
~~يجادلنا في قوم لوط) (1) فأتى بفعل مستقبل بعد لما، ومن شأن ما يأتي بعدها
~~أن يكون ماضيا.
# قلنا عن ذلك جوابان.
# أحدهما أن في الكلام محذوفا، والمعنى: أقبل يجادلنا أو جعل يجادلنا،
~~وإنما حذفه لدلالة الكلام عليه واقتضائه له.
# PageV00P060
# والجواب الآخر: أن لفظه (لما) يطلب في جوابها الماضي، كطلب لفظه (إن) في
~~جوابها المستقبل. فلما استحسنوا أن يأتوا في جواب (إن) بالماضي، ومعناه
~~الاستقبال، لدلالة (أن) عليه، استحسنوا أن يأتوا بعد (لما) الاستقبال
~~تعويلا على أن اللفظة تدل على مضيه. فكما قالوا إن زرتني زرتك، وهم يريدون
~~إن تزرني أزرك. قالوا ولما تزرني أزرك، وهم يريدون لما زرتني زرتك. وأنشدوا
~~في دخول الماضي في جواب إن قول الشاعر.
# إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * مني وما سمعوا من ms042 صالح دفنوا وفي قول
~~الآخر في دخول المستقبل جوابا بالماضي:
# وميعاد قوم إن أرادوا لقاءنا * بجمع منى إن كان للناس مجمع يروا خارجيا
~~لم ير الناس مثله * تشير لهم عين إليه وإصبع ويمكن في هذا جواب آخر، هو أن
~~يجعل (يجادلنا) حالا لا جوابا للفظة لما. ويكون المعنى أن البشرى جاءته في
~~حال الجدال للرسل.
# فإن قيل: فأين جواب (لما) على هذا الوجه؟.
# قلنا يمكن أن نقدره في أحد موضعين: إما في قوله تعالى: (إن إبراهيم لحليم
~~أواه منيب) ويكون التقدير: قلنا إن إبراهيم كذلك.
# والموضع الآخر أن يكون أراد تعالى (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته
~~البشرى يجادلنا في قوم لوط) ناديناه يا إبراهيم. فجواب (لما) هو ناديناه،
~~وإن كان محذوفا ودل عليه لفظة النداء. وكل هذا جايز.
# تنزيه إبراهيم عن القول بخلق الله للأفعال:
# (مسألة): فإن قيل أليس قد حكى الله تعالى عن إبراهيم (ع) قوله إذ قال
~~لقومه: (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) (1) وظاهر هذا
# PageV00P061
# القول يقتضي أنه تعالى خلق أعمال العباد، فما الوجه فيما وما عذر إبراهيم
~~عليه السلام في إطلاقه؟.
# (الجواب): قلنا من تأمل هذه الآية حق التأمل، علم أن معناها بخلاف ما
~~يظنه المجبرة، لأن قوله تعالى خبر عن إبراهيم (ع) بأنه غير قومه بعبادة
~~الأصنام واتخاذها آلهة من دون الله تعالى، بقوله: (أتعبدون ما تنحتون)،
~~وإنما أراد منحوت وما حمله النحت دون عملهم الذي هو النحت، لأن القوم لم
~~يكونوا يعبدون النحت الذي هو فعلهم في الأجسام، وإنما كانوا يعبدون الأجسام
~~أنفسها. ثم قال: (والله خلقكم وما تعملون).
# وهذا الكلام لا بد من أن يكون متعلقا بالأول ومتضمنا لما يقتضي المنع من
~~عبادة الأصنام، ولا يكون بهذه الصفة إلا والمراد بقوله: وما تعملون الأصنام
~~التي كانوا ينحتونها. فكأنه تعالى قال: كيف تعبدون ما خلقه الله تعالى كما
~~خلقكم. وليس لهم أن يقولوا إن الكلام الثاني قد يتعلق بالكلام الأول على
~~خلاف ما قدرتموه، لأنه إذا أراد أن الله خلقكم وخلق أعمالكم، ms043 فقد تعلق
~~الثاني بالأول، لأن من خلقه الله لا يجوز أن يعبد غيره. وذلك أنه لو أراد
~~ما ظنوه، لكفى أن يقول الله تعالى: والله خلقكم. ويصير ما ضمنه إلى ذلك من
~~قوله: (وما تعملون) لغوا ولا فائدة فيه، ولا تعلق له بالأول ولا تأثير له
~~في المنع من عبادة الأصنام. فصح أنه أراد ما ذكرناه من المعمول فيه، ليطابق
~~قوله: (أتعبدون ما تنحتون).
# فإن قالوا هذا عدول عن الظاهر، لقوله تعالى: (وما تعملون) لأن هذه اللفظة
~~لا تستعمل على سبيل الحقيقة إلا في العمل دون المعمول فيه.
# ولهذا يقولون: أعجبني ما تعمل وما تفعل، مكان قولهم: أعجبني عملك وفعلك.
# قيل لهم: ليس نسلم لكم إن الظاهر ما ادعيتموه، لأن هذه اللفظة قد تستعمل
~~في المعمول فيه، والعمل على حد واحد. بل استعمالها في PageV00P062
# المعمول فيه أظهر وأكثر. ألا ترى أنه تعالى قال في العصا (تلقف ما
~~يأفكون) (1) وفي آية أخرى: (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) (2).
# ومعلوم أنه لم يرد أنها تلقف أعمالهم التي هي الحركات واعتمادات، وإنما
~~أراد أنها تلقف الحبال وغيرها مما حله الإفك. وقد قال الله تعالى:
# (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) (3)
~~فسمى المعمول فيه عملا.
# ويقول القائل في الباب أنه عمل النجار، ومما يعمل النجار، وكذلك في
~~الناسج والصايغ. وههنا مواضع لا يستعمل فيها (ما) مع الفعل إلا والمراد بها
~~الأجسام دون الأعراض التي هي فعلنا. لأن القائل إذا قال:
# أعجبني ما تأكل وما تشرب وما تلبس، لم يجز حمله إلا على المأكول والمشروب
~~والملبوس دون الأكل والشرب واللبس. فصح أن لفظة (ما) فيما ذكرناه أشبه بأن
~~تكون حقيقة، وفيما ذكروه أشبه بأن تكون مجازا. ولو لم يثبت فيها إلا أنها
~~مشتركة بين الأمرين، وحقيقة فيهما، لكان كافيا في إخراج الظاهر من أيديهم،
~~وإبطال ما تعلقوا به. وليس لهم أن يقولوا أن كل موضع استعملت فيه لفظة (ما)
~~مع الفعل، وأريد بها المفعول فيه، إنما علم بدليل، والظاهر ms044 بخلافه. وذلك
~~أنه لا فرق بينهم في هذه الدعوى وبين من عكسها، فادعى أن لفظة (ما) إذا
~~استعملت مع الفعل وأريد بها المصدر دون المفعول فيه كانت محمولة على ذلك
~~بالدليل، وعلى سبيل المجاز.
# والظاهر بخلافه، على أن التعليل وتعلق الكلام الثاني بالأول على ما بيناه
~~أيضا ظاهر، فيجب أن يكون مراعى. وقد بينا أيضا أنه متى حمل الكلام على ما
~~ظنوه لم يكن الثاني متعلقا بالأول ولا تعليلا فيه، والظاهر يقتضي ذلك.
# PageV00P063
# فقد صار فيما ادعوه عدول عن الظاهر الذي ذكرناه في معنى الآية، فلو سلم
~~ما ادعوه من الظاهر في معنى اللفظة معه لتعارضتا، فكيف وقد بينا أنه غير
~~سليم ولا صحيح؟.
# وبعد: فإن قوله: (وما تعملون) لا يستقل بالفائدة بنفسه، ولا بد من أن
~~يقدر محذوف، ويرجع إلى (ما) التي بمعنى (الذي)، وليس لهم أن يقدروا الهاء
~~ليسلم ما ادعوه بأولى منا إذا قدرنا لفظة فيه، لأن كلا الأمرين محذوف، وليس
~~تقدير أحدهما بأولى من الآخر، إلا بدليل هذا.
# على أنا قد بينا أن مع تقدير الهاء يكون الكلام محتملا لما ذكرناه،
~~كاحتماله لما ذكروه. ومع تقديرنا الذي بيناه يكون الكلام مختصا غير مشترك،
~~فصرنا بالظاهر أولى منهم، وصار للمعنى الذي ذهبنا إليه الرجحان على معناهم.
~~على أن معنى الآية والمقصود منها يدلان على ما ذكرناه، حتى أنا لو قدرنا ما
~~ظنه المخالف لكان ناقضا للغرض في الآية ومبطلا لفايدتها، لأنه تعالى خبر عن
~~إبراهيم (ع) بأنه قرعهم ووبخهم بعبادة الأصنام، واحتج عليهم بما يقتضي
~~العدول عن عبادته. ولو كان مراده بالآية ما ظنوه من أنه تعالى خلقهم وخلق
~~أعمالهم، وقد علمنا أن عبادتهم للأصنام من جملة أعمالهم، فكأنه قال الله
~~تعالى: والله خلقكم وخلق عبادة أصنامكم. لوجب أن يكون عاذرا لهم ومزيلا
~~للوم عنهم، لأن الانسان لا يذم على ما خلق فيه ولا يعاتب ولا يوبخ.
# وبعد فلو حملنا الآية على ما توهموه، لكان الكلام متناقضا من وجه آخر،
~~لأنه قد أضاف العمل إليهم بقوله (وما ms045 تعملون). وذلك يمنع من كونه خلقا لله
~~تعالى، لأن العامل للشئ هو من أحدثه وأخرجه من العدم إلى الوجود. والخلق في
~~هذا الوجه لا يفيد إلا هذا المعنى، فكيف يكون خالقا ومحدثا لما أحدثه غيره
~~وعمله؟ على أن الخلق إذا كان هو التقدير في اللغة، فقد يكون الخالق خالقا
~~لفعل غيره إذا كان مقدرا له ومدبرا. ولهذا يقولون PageV00P064
# خلق الأديم فيمن قدره ودبره، وإن كان ما أحدث الأديم نفسه. فلو حملنا
~~قوله: (وما تعملون) على أفعالهم دون ما فعلوا فيه من الأجسام، لكان الكلام
~~على هذا الوجه صحيحا. ويكون المعنى: والله دبركم ودبر أعمالكم. وإن لم يكن
~~محدثا لها وفاعلا. وكل هذه الوجوه واضح لا إشكال فيه بحمد الله تعالى ومنه.
~~PageV00P065
# يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (1) عليهم السلام تنزيه يعقوب عن إيقاع
~~التحاسد بين بنيه:
# (مسألة) فإن قيل: فما معنى تفضيل يعقوب عليه السلام ليوسف (ع) على إخوته
~~في البر والتقريب والمحبة، حتى أوقع ذلك التحاسد بينهم وبينه وأفضى إلى
~~الحال المكروهة التي نطق بها القرآن، حتى قالوا على ما حكاه الله تعالى
~~عنهم: (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين)
~~(2) فنسبوه إلى الضلال والخطأ. وليس لكم أن تقولوا إن يعقوب (ع) لم يعلم
~~بذلك من حالهم قبل أن يكون منه التفضيل ليوسف (ع). لأن ذلك لا بد من أن
~~يكون معلوما منه من حيث كان في طباع البشر من التنافس والتحاسد.
# (الجواب): قيل ليس فيما نطق به القرآن ما يدل على أن يعقوب عليه السلام
~~فضله بشئ من فعله وواقع من جهته، لأن المحبة التي هي ميل الطباع ليست مما
~~يكتسبه الانسان ويختاره، وإنما ذلك موقوف على فعل الله تعالى فيه. ولهذا
~~ربما يكون للرجل عدة أولاد فيحب أحدهم دون غيره، وربما يكون المحبوب دونهم
~~في الجمال والكمال. وقد قال الله تعالى:
# PageV00P066
# (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) (1) وإنما أراد ما بيناه
~~من ميل النفس الذي لا يمكن الانسان أن يعدل ms046 فيه بين نسائه، لأن ما عدا ذلك
~~من البر والعطاء والتقريب وما أشبهه، يستطيع الانسان أن يعدل بين النساء.
# فإن قيل فكأنكم قد نفيتم عن يعقوب عليه السلام القبيح والاستفساد
~~وأضفتموهما إلى الله تعالى فما الجواب عن المسألة من هذا الوجه؟.
# قلنا: عنها جوابان: أحدهما لا يمتنع أن يكون الله تعالى علم أن أخوة يوسف
~~عليه السلام سيكون بينهم ذلك التحاسد والفعل القبيح على كل حال، وإن لم
~~يفضل يوسف (ع) عليهم في محبة أبيه له، وإنما يكون ذلك استفسادا إذا وقع
~~عنده الفساد وارتفع عند ارتفاعه، ولم يكن تمكينا.
# والجواب الآخر أن يكون ذلك جاريا مجرى التمكين (الامتحان) والتكليف
~~الشاق، لأن هؤلاء الأخوة متى امتنعوا من حسد أخيهم والبغي عليه والإضرار به
~~وهو غير مفضل عليهم ولا مقدم ولا يستحقونه من الثواب ما يستحقونه إذا
~~امتنعوا من ذلك مع التقديم والتفضيل، فأراد الله تعالى منهم أن يمتنعوا على
~~هذا الوجه الشاق. وإذا كان مكلفا على هذا الوجه فلا استفساد في تمييله
~~بطباع أبيهم إلى محبة يوسف (ع)، لأن بذلك ينتظم هذا التكليف ويجري هذا
~~الباب مجرى خلق إبليس، مع علمه تعالى بضلال من ضل عند خلقه، ممن لو لم
~~يخلقه لم يكن ضالا. ومجرى زيادة الشهوة فيمن يعلم منه تعالى هذه الزيادة
~~أنه يفعل قبيحا لولاها لم يفعله.
# ووجه آخر في الجواب عن أصل المسألة: وهو أنه يجوز أن يكون يعقوب كان
~~مفضلا ليوسف (ع) في العطاء والتقريب والترحيب والبر الذي يصل إليه من جهته،
~~وليس ذلك بقبيح لأنه لا يمتنع أن يكون يعقوب (ع) لم يعلم أن ذلك يؤدي إلى
~~ما أدى إليه، ويجوز أن يكون رأى من سيرة أخوته
# PageV00P067
# وسدادهم وجميل ظاهرهم ما غلب في ظنه معهم أنهم لا يحسدونه، وإن فضله
~~عليهم. فإن الحسد وإن كان كثيرا ما يكون في الطباع، فإن كثيرا من الناس
~~يتنزهون عنه ويتجنبونه، ويظهر من أحوالهم أمارات يظن معها بهم ما ذكرناه.
~~وليس التفضيل لبعض الأولاد على بعض في العطاء محاباة، ms047 لأن المحاباة هي
~~المفاعلة من الحباء، ومعناها أن تحبو غيرك ليحبوك. وهذا خارج عن معنى
~~التفضيل بالبر، الذي لا يقصد به إذا ما ذكرناه.
# فأما قولهم: إن أبانا لفي ضلال مبين. فلم يريدوا به الضلال عن الدين.
~~وإنما أرادوا به الذهاب عن التسوية بينهم في العطية، لأنهم رأوا أن ذلك
~~أصوب في تدبيرهم. وأصل الضلال هو العدول. وكل من عدل عن شئ وذهب عنه فقد
~~ضل. ويجوز أيضا أن يريدوا بذلك الضلال عن الدين، لأنهم خبروا عن اعتقادهم.
~~ويجوز أن يعتقدوا في الصواب الخطأ.
# فإن قيل: كيف يجوز أن يقع من إخوة يوسف (ع) هذا الخطأ العظيم والفعل
~~القبيح وقد كانوا أنبياء في الحال؟ فإن قلتم لم يكونوا أنبياء في تلك
~~الحال، قيل لكم وأي منفعة في ذلك لكم وأنتم تذهبون إلى أن الأنبياء عليهم
~~السلام لا يوقعون القبائح قبل النبوة ولا بعدها؟.
# قلنا: لم تقم الحجة بأن إخوة يوسف (ع) الذين فعلوا به ما فعلوه كانوا
~~أنبياء في حال من الأحوال، وإذا لم تقم بذلك حجة جاز على هؤلاء الأخوة من
~~فعل القبيح ما يجوز على كل مكلف لم تقم حجة بعصمته، وليس لأحد أن يقول كيف
~~تدفعون نبوتهم. والظاهر أن الأسباط من بني يعقوب كانوا أنبياء، لأنه لا
~~يمتنع أن يكون الأسباط الذين كانوا أنبياء غير هؤلاء الأخوة الذين فعلوا
~~بيوسف (ع) ما قصه الله تعالى عنهم. وليس في ظاهر الكتاب أن جميع إخوة يوسف
~~(ع) وما ساير أسباط يعقوب (ع) كادوا يوسف (ع) بما حكاه الله تعالى من
~~الكيد. وقد قيل إن هؤلاء الأخوة في تلك الأحوال لم يكونوا بلغوا الحلم ولا
~~توجه إليهم التكليف. وقد يقع ممن PageV00P068
# قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الأفعال، وقد يلزمهم بعض العقاب واللوم
~~والذم، فإن ثبت هذا الوجه سقطت المسألة أيضا، مع تسليم أن هؤلاء الأخوة
~~كانوا أنبياء في المستقبل.
# تنزيه يعقوب عن التغرير بولده (مسألة) فإن قيل: فلم أرسل يعقوب (ع) يوسف
~~مع إخوته، مع خوفه عليه منهم، وقوله: ms048 (وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه
~~غافلون) (1) وهل هذا إلا تغرير به ومخاطرة؟.
# (الجواب): قيل له: ليس يمتنع أن يكون يعقوب (ع) لما رأى من بنيه ما رأى
~~من الإيمان والعهود والاجتهاد في الحفظ والرعاية لأخيهم، ظن مع ذلك السلامة
~~وغلبة النجاة، بعد أن كان خائفا مغلبا لغير السلامة. وقوي في نفسه أن يرسله
~~معهم إشفاقا من إيقاع الوحشة والعداوة بينهم، لأنه إذا لم يرسله مع الطلب
~~منهم والحرص، علموا أن سبب ذلك هو التهمة لهم والخوف من ناحيتهم فاستوحشوا
~~منه ومن يوسف (ع)، وانضاف هذا الداعي إلى ما ظنه من السلامة والنجاة،
~~فأرسله.
# تنزيه يعقوب عن تكذيب الصادق:
# (مسألة): فإن قالوا: فما معنى قولهم ليعقوب (ع): (وما أنت بمؤمن لنا ولو
~~كنا صادقين) (1) وكيف يجوز أن ينسبوه إلى أنه لا يصدق الصادق ويكذبه؟.
# (الجواب): إنهم لما علموا على مرور الأيام بشدة تهمة أبيهم لهم وخوفه على
~~أخيهم منهم لما كان يظهر منهم من أمارات الحسد والمنافسة، أيقنوا بأنه (ع)
~~يكذبهم فيما أخبروا به من أكل الذئب أخاهم، فقالوا له إنك
# PageV00P069
# لا تصدقنا في هذا الخبر لما سبق إلى قلبك من تهمتنا وإن كنا صادقين. وقد
~~يفعل مثل ذلك المخادع المماكر إذا أراد أن يوقع في قلب من يخبره بالشئ
~~صدقه، لأن القتل من أفظع مصائب الدنيا، فيقول أنا أعلم أنك لا تصدقني في
~~كذا وكذا. وإن كنت صادقا، وهذا بين.
# تنزيه يعقوب عن الحزن المكروه:
# (مسألة) فإن قيل: فلم أسرف يعقوب (ع) في الحزن والتهالك وترك التماسك حتى
~~ابيضت عيناه من البكاء والحزن، ومن شأن الأنبياء عليهم السلام التجلد
~~والتصبر وتحمل الأثقال، ولولا هذه الحال ما عظمت منازلهم وارتفعت درجاتهم؟
# الجواب: قيل له إن يعقوب عليه السلام بلي وامتحن في ابنه بما لم يمتحن به
~~أحد قبله، لأن الله تعالى رزقه مثل يوسف عليه السلام أحسن الناس وأجملهم
~~وأكملهم عقلا وفضلا وأدبا وعفافا ثم أصيب به أعجب مصيبة وأطرفها، لأنه لم
~~يمرض بين يديه مرضا يؤول إلى الموت فيسليه ms049 عنه تمريضه له ثم يأسه منه
~~بالموت، بل فقده فقدا لا يقطع معه على الهلاك فييأس منه، ولا يجد إمارة على
~~حياته وسلامته، فيرجو ويطمع. وكان متردد الفكر بين يأس وطمع، وهذا أغلظ ما
~~يكون على الانسان وأنكأ لقلبه، وقد يرد على الانسان من الحزن ما لا يملك
~~رده ولا يقوى على دفعه. ولهذا لم لا يكون أحدنا منهيا عن مجرد الحزن
~~والبكاء، وإنما نهي عن اللطم والنوح، وأن يطلق لسانه فيما يسخط ربه وقد بكى
~~نبينا صلى الله عليه وآله على ابنه إبراهيم عند وفاته. وقال: العين تدمع
~~والقلب يخشع ولا نقول ما يسخط الرب، وهو القدرة في جميع الآداب والفضائل
~~على أن يعقوب (ع) إنما أبدى من حزنه يسيرا من كثير، وكان ما يخفيه ويتصبر
~~عليه ويغالبه أكثر وأوسع مما
# PageV00P070
# أظهره.
# وبعد، فإن التجلد على المصائب وكظم الغيظ والحزن من المندوب إليه، وليس
~~بواجب ولا لازم، وقد يعدل الأنبياء عن كثير من المندوبات الشاقة، وأن كانوا
~~يفعلون من ذلك الكثير.
# حول الرؤيا التي رآها يوسف (ع):
# (مسألة) فإن قيل: كيف لم يتسل يعقوب (ع) ويخفف عنه الحزن ما يحققه من
~~رؤيا ابنه يوسف، ورؤيا الأنبياء (ع) لا تكون إلا صادقة؟.
# (الجواب) قيل له في ذلك جوابان: أحدهما أن يوسف (ع) رأى تلك الرؤيا وهو
~~صبي غير نبي ولا موحى إليه، فلا وجه في تلك الحال للقطع على صدقها وصحتها.
# والآخر أن أكثر ما في هذا الباب أن يكون يعقوب (ع) قاطعا على بقاء ابنه،
~~وأن الأمر سيؤول فيه إلى ما تضمنته الرؤيا، وهذا لا يوجب نفي الحزن والجزع،
~~لأنا نعلم أن طول المفارقة واستمرار الغيبة يقتضيان الحزن، مع القطع على أن
~~المفارق باق يجوز أن يؤول حال إلى القدوم؟ وقد جزع الأنبياء عليهم السلام
~~ومن جرى مجراهم من المؤمنين المطهرين من مفارقة أولادهم وأحبائهم، مع
~~يقينهم بالالتقاء بهم في الآخرة والحصول معهم في الجنة.
# والوجه في ذلك ما ذكرناه. PageV00P071
# يوسف بن يعقوب عليهما السلام (1) تنزيه يوسف عن الصبر ms050 على الاستعباد:
# مسألة: فإن قيل: كيف صبر يوسف عليه السلام على العبودية، ولم لم ينكرها
~~ويبرأ من الرزق، وكيف يجوز على النبي الصبر على أن يستعبد ويسترق؟
# (الجواب) قيل له: إن يوسف عليه السلام في تلك الحال لم يكن نبيا على ما
~~قاله كثير من الناس، ولما خاف على نفسه القتل جاز أن يصبر على الاسترقاق.
~~ومن ذهب إلى هذا الوجه يتناول قوله تعالى: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم
~~هذا وهم لا يشعرون) (2). على أن الوحي لم يكن في تلك الحال، بل كان في
~~غيرها. ويصرف ذلك إلى الحال المستقبلة المجمع على أنه كان فيها نبيا.
# ووجه آخر: وهو أن الله تعالى لا يمتنع أن يكون أمره بكتمان أمره والصبر
~~على مشقة العبودية امتحانا وتشديدا في التكليف، كما امتحن أبويه إبراهيم
~~وإسحق عليهما السلام، أحدهما بنمرود، والآخر بالذبح.
# PageV00P072
# ووجه آخر: وهو أنه يجوز أن يكون قد خبرهم بأنه غير عبد، وأنكر عليهم ما
~~فعلوا من استرقاقه، إلا أنهم لم يسمعوا منه ولا أصغوا إلى قوله، وإن لم
~~ينقل ذلك. فليس كل ما جرى في تلك الأزمان قد اتصل بنا.
# ووجه آخر: وهو أن قوما قالوا أنه خاف القتل، فكتم أمر نبوته وصبر على
~~العبودية. وهذا جواب فاسد لأن النبي (ع) لا يجوز أن يكتم ما أرسل به خوفا
~~من القتل، لأنه يعلم أن الله تعالى لم يبعثه للأداء إلا وهو عاصم له من
~~القتل حتى يقع الأداء وتسمع الدعوة، وإلا لكان ذلك نقضا للغرض.
# (مسألة): فإن قيل: فما تأويل قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام
~~وامرأة العزيز (ولقد همت به وهم بها لولا أن رآى برهان ربه كذلك لنصرف عنه
~~السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين) (1).
# (الجواب): إن الهم في اللغة ينقسم إلى وجوه: منها العزم على الفعل كقوله
~~تعالى: (إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم) (2) أي أرادوا
~~ذلك وعزموا عليه.
# قال الشاعر:
# هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله ومثله قول
~~الخنساء: ms051
# وفضل مرداسا على الناس حلمه * وإن كل هم همه فهو فاعله ومثله قول حاتم
~~الطائي:
# ولله صلعوك يساور همه * ويمضي على الأيام والدهر مقدما ومن وجوه الهم،
~~خطور الشئ بالبال وإن لم يقع العزم عليه. قال الله
# PageV00P073
# تعالى: ﴿إذ همت طائفتان منكم
~~أن تفشلا والله وليهما﴾ (1) وإنما أراد تعالى أن الفشل خطر ببالهم، ولو
~~كان الهم في هذا المكان عزما، لما كان الله تعالى ولا هما لأنه تعالى يقول:
~~(ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من
~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (2) وإرادة المعصية، والعزم عليها معصية.
~~وقد تجاوز ذلك قوم حتى قالوا إن العزم على الكبيرة كبيرة وعلى الصغيرة
~~صغيرة وعلى الكفر كفر. ولا يجوز أن يكون الله تعالى ولي من عزم على الفرار
~~عن نصرة نبيه صلى الله عليه وآله وإسلامه إلى السوء، ومما يشهد أيضا بذلك
~~قول كعب بن زهير:
# فكم فيهم من سيد متوسع * ومن فاعل للخير إن هم أو عزم ففرق كما ترى بين
~~الهم والعزم. وظاهر التفرقة قد يقتضي اختلاف المعنى.
# ومن وجوه الهم أن يستعمل بمعنى المقاربة، فيقولون هم بكذا وكذا أي كاد أن
~~يفعله. قال ذو الرمة:
# أقول لمسعود بجرعاء مالك * وقد هم دمعي أن يلج أوائله والدمع لا يجوز
~~عليه العزم، وإنما أراد أنه كاد وقرب.
# وقال أبو الأسود الدؤلي:
# وكنت متى تهمم يمينك مرة * لتفعل خيرا تقتفيها شمالكا وعلى هذا خرج قوله
~~تعالى جدارا يريد أن ينقض أي يكاد.
# قال الحارثي:
# يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل
# PageV00P074
# ومن وجوه الهم الشهوة وميل الطباع، لأن الانسان قد يقول فيما يشتهيه
~~ويميل طبعه إليه: ليس هذا من همي وهذا أهم الأشياء إلي. والتجوز باستعمال
~~الهمة مكان الشهوة ظاهر في اللغة. وقد روي هذا التأويل عن الحسن البصري
~~قال: أما همها فكان أخبث الهم، وأما همه (ع) فما طبع عليه الرجال من شهوة
~~النساء.
# فإذا كانت ms052 وجوه هذه اللفظة مختلفة متسعة على ما ذكرناه نفينا عن نبي الله
~~ما لا يليق به وهو العزم على القبيح، وأجزنا باقي الوجوه لأن كل واحد منها
~~يليق بحاله.
# فإن قيل: فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم والإرادة؟ ويكون مع ذلك
~~لها وجه صحيح يليق بالنبي (ع)؟.
# قلنا: نعم، متى حملنا الهم ههنا على العزم، جاز أن نعلقه بغير القبيح
~~ويجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه، كما يقول القائل: قد كنت هممت
~~بفلان، أي بأن أوقع به ضربا أو مكروها.
# تنزيه يوسف عن العزم على المعصية:
# فإن قيل: فأي فائدة على هذا التأويل في قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان
~~ربه) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها؟.
# قلنا: يجوز أن يكون لما هم بدفعها وضربها، أراه الله تعالى برهانا على
~~أنه إن أقدم على من هم به أهلكه أهلها وقتلوه، أو أنها تدعي عليه المراودة
~~على القبيح، وتقذفه بأنه دعاها إليه وضربها لامتناعها منه، فأخبر الله
~~تعالى أنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه، أو
~~ظن القبيح به أو اعتقاده فيه.
# فإن قيل: هذا الجواب يقضي لفظة (لولا) يتقدمها في ترتيب PageV00P075
# الكلام، ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها، وتقدم جواب
~~(لولا) قبيح، أو يقتضي أن يكون (لولا) بغير جواب.
# قلنا: أما جواب (لولا) فجائز مستعمل، وسنذكر ذلك فيما نستأنفه من الكلام
~~عند الجواب المختص بذلك، ونحن غير مفتقرين إليه في جوابنا هذا، لأن العزم
~~على الضرب والهم به قد وقع، إلا أنه انصرف عنه بالبرهان الذي رآه، ويكون
~~تقدير الكلام وتلخيصه: " ولقد همت به وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه
~~لفعل ذلك ". فالجواب المتعلق بلولا محذوف في الكلام، كما يحذف الجواب في
~~قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم)، معناها:
~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته، وأن الله رؤوف رحيم لهلكتم، ومثله ﴿كلا لو تعلمون علم اليقين لترون
~~الجحيم﴾ ms053 (1) معناها لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا ولم
~~تحرصوا على حطامها.
# وقال امرؤ القيس:
# فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا أراد فلو أنها نفس تموت
~~سوية لتقضت وفنيت، فحذف الجواب تعويلا على أن الكلام يقتضيه ويتعلق به.
# على أن من حمل هذه الآية على الوجه الذي لا يليق بنبي الله، وأضاف العزم
~~على المعصية إليه، لا بد له من تقدير جواب محذوف.
# ويكون التقدير على تأويله: ولقد همت بالزنى وهم بمثله، لولا أن رأى برهان
~~ربه لفعله.
# فإن قيل: متى علقتم العزم في الآية والهم بالضرب أو الدفع كان ذلك مخالفا
~~للظاهر.
# PageV00P076
# قلنا: ليس الأمر على ما ظنه هذا السائل، لأن الهم في هذه الآية متعلق بما
~~لا يصح أن يتعلق به العزم والإرادة على الحقيقة، لأنه تعالى قال:
# (ولقد همت به وهم بها) فتعلق الهم في ظاهر الكلام بذواتهما، والذات
~~الموجودة الباقية لا يصح أن تراد ويعزم عليها، فلا بد من تقدير أمر محذوف
~~يتعلق العزم به مما يرجع إليهما ويختصان به ورجوع الضرب والدفع إليهما
~~كرجوع ركوب الفاحشة فلا ظاهر للكلام يقتضي خلاف ما ذكرناه، ألا ترى أن
~~القائل إذا قال: قد هممت بفلان فظاهر الكلام يقتضي تعلق عزمه وهمه إلى أمر
~~يرجع إلى فلان، وليس بعض الأفعال بذلك أولى من بعض، فقد يجوز أن يريد أنه
~~هم بقصده أو بإكرامه أو بإهانته أو غير ذلك من ضروب الأفعال، على أنه لو
~~كان للكلام ظاهر يقتضي خلاف ما ذكرناه، وإن كنا قد بينا أن الأمر بخلاف ذلك
~~لجاز أن نعدل عنه ونحمله على خلاف الظاهر، للدليل العقلي الدال على تنزيه
~~الأنبياء عليهم السلام عن القبائح.
# فإن قيل: الكلام في قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها) خرج مخرجا واحدا.
~~فلم جعلتم همها به متعلقا بالقبح؟ وهمه بها متعلقا بالضرب والدفع على ما
~~ذكرتم؟
# قلنا: أما الظاهر، فلا يدل الأمر الذي تعلق به الهم والعزم منهما جميعا،
~~وإنما أثبتنا همها به متعلقا بالقبيح لشهادة ms054 الكتاب، والآثار بذلك.
# وهى ممن يجوز عليها فعل القبيح، ولم يؤمن دليل ذلك من جوازه عليها كما
~~أمن ذلك فيه (ع)، والموضع إلى يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى:
# (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا
~~إنا لنراها في ضلال مبين) (1) وقوله تعالى: (وراودته التي هو في بيتها عن
~~نفسه) (1) وقوله تعالى حاكيا عنها (الآن حصحص الحق أنا راودته عن
# PageV00P077
# نفسه وإنه لمن الصادقين) (1) وفي موضع آخر: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه
~~ولقد راودته عن نفسه فاستعصم). (1) والآثار واردة بإطباق مفسري القرآن
~~ومتأوليه، على أنها همت بالمعصية والفاحشة، وأما هو عليه السلام فقد تقدم
~~من الأدلة العقلية ما يدل على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه.
~~وقد استقصينا ذلك في صدر هذا الكتاب. فأما ما يدل من القرآن، على أنه عليه
~~السلام ما هم بالفاحشة ولا عزم عليها فمواضع كثيرة منها قوله تعالى:
# (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) (1) وقوله تعالى (ذلك ليعلم أني لم أخنه
~~بالغيب) (1) ولو كان الأمر كما قال الجهال من جلوسه منها مجلس الخائن
~~وانتهائه إلى حل السراويل وحوشي من ذلك، لم يكن السوء والفحشاء منصرفين
~~عنه، ولكان خائنا بالغيب، وقوله تعالى حاكيا عنها:
# (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) (1) وفي موضع آخر: (أنا راودته عن نفسه
~~وإنه لمن الصادقين) وقول العزيز لما رأى القميص قد من دبر (إنه من كيدكن إن
~~كيدكن عظيم) (1) فنسب الكيد إلى المرأة دونه، وقوله تعالى حاكيا عن زوجها
~~لما وقف على أن الذنب منها وبراءة يوسف (ع) منه: (يوسف أعرض عن هذا
~~واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) (7) وعلى مذهبهم الفاسد أن كل واحد
~~منهما مخطئ فيجب أن يستغفر فلم اختصت بالاستغفار دونه، وقوله تعالى حاكيا
~~عنه: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن
~~واكن من الجاهلين فاستجاب له ربه
# PageV00P078
# فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) (1) فالاستجابة تؤذن ببراءته من كل
~~سوء، وتنبئ أنه لو فعل ms055 ما ذكروه لكان قد يصرف عنه كيدهن. وقوله تعالى: (قلن
~~حاش لله ما علمنا عليه من سوء) (2) والعزم على المعصية من أكبر السوء،
~~وقوله تعالى حاكيا عن الملك: (ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك
~~اليوم لدينا مكين أمين) (3) ولا يقال ذلك فيمن فعل ما أدعوه عليه. فإن قيل:
~~فأي معنى لقول يوسف: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي
~~إن ربى غفور رحيم) (4).
# قلنا: إنما أراد الدعاء والمنازعة والشهوة ولم يرد العزم على المعصية،
~~وهو لا يبرئ نفسه مما لا تعرى منه طباع البشر. وفي ذلك جواب آخر اعتمده أبو
~~علي الجبائي واختاره، وإن كان قد سبق إليه جماعة من أهل التأويل وذكروه،
~~وهو أن هذا الكلام الذي هو " وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء " إنما
~~هو من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السلام.
# واستشهدوا على صحة هذا التأويل بأنه منسوق على الكلام المحكي عن المرأة
~~بلا شك. ألا ترى أنه تعالى قال: (قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق (5) أنا
~~راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله
~~لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) (6) فنسق
~~الكلام على كلام المرأة وعلى هذا التأويل يكون التبرؤ من الخيانة الذي هو
~~ذلك " ليعلم إني لم أخنه بالغيب " من كلام المرأة لا من كلام يوسف (ع)
~~ويكون المكنى عنه في قولها (إني لم أخنه بالغيب) هو
# PageV00P079
# يوسف (ع) دون زوجها، لأن زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب، وإنما أرادت
~~أني لم أخن يوسف (ع) وهو غائب في السجن، ولم أقل فيه لما سئلت عنه وعن قصتي
~~معه إلا الحق، ومن جعل ذلك من كلام يوسف (ع) جعله محمولا على إني لم أخن
~~العزيز في زوجته بالغيب، وهذا الجواب كأنه أشبه بالظاهر، لأن الكلام معه لا
~~ينقطع عن اتساقه وانتظامه.
# فإن قيل: فأي معنى لسجنه إذا كان عند القوم متبرئا من المعصية متنزها عن
~~الخيانة ms056 قلنا: قد قيل إن العلة في ذلك الستر على المرأة والتمويه والكتمان
~~لأمرها حتى لا تفتضح وينكشف أمرها لكل أحد، والذي يشهد بذلك قوله تعالى:
# (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين) (1) وجواب آخر في
~~الآية على أن الهم فيها هو العزم، وهو أن يحمل الكلام على التقديم
~~والتأخير، ويكون تلخيصه " ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها "
~~ويجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لولا أن تداركتك، وقتلت لولا أني قد
~~خلصتك. والمعنى لولا تداركي لهلكت ولولا تخليصي لقتلت، وإن لم يكن وقع في
~~هلاك ولا قتل. قال الشاعر:
# ولا يدعني قومي صريخا لحرة * لئن كنت مقتولا ويسلم عامر وقال الآخر:
# فلا يدعني قومي ليوم كريهة * لئن لم اعجل طعنه أو اعجل فقدم جواب لئن في
~~البيتين جميعا. وقد استبعد قوم تقديم جواب لولا عليها، وقالوا لو جاز ذلك
~~لجاز قولهم، قام زيد لولا عمرو، وقصدتك لولا بكر. وقد بينا بما أوردناه من
~~الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لولا، وأن القائل قد يقول قد كنت قمت
~~لولا كذا وكذا، وقد كنت قصدتك لولا أن
# PageV00P080
# صدني فلان، وإن لم يقع قيام ولا قصد. وهذا هو الذي يشبه الآية دون ما
~~ذكروه من المثال.
# وبعد، فإن في الكلام شرطا وهو قوله تعالى: (لولا أن رأى برهان ربه)، فكيف
~~يحمل على الإطلاق مع حصول الشرط؟ فليس لهم أن يجعلوا جواب لولا محذوفا، لأن
~~جعل جوابها موجودا أولى. وليس تقديم جواب لولا بأبعد من حذفه جملة من
~~الكلام. وإذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزم تقديم الجواب جاز لغيرهم تقديم
~~الجواب حتى لئن لا يلزم الحذف.
# فإن قيل: فما البرهان الذي رآه يوسف عليه السلام حتى انصرف لأجله عن
~~المعصية، وهل يصح أن يكون البرهان ما روي من أن الله تعالى أراه صورة أبيه
~~يعقوب (ع) عاضا على إصبعه متوعدا له على مقاربة المعصية، أو يكون ما روي من
~~أن الملائكة نادته بالنهي والزجر في الحال فانزجر. ms057
# قلنا: ليس يجوز أن يكون البرهان الذي رآه فانزجر به عن المعصية ما ظنه
~~العامة من الأمرين اللذين ذكرناهما، لأن ذلك يفضي إلى الالجاء وينافي
~~التكليف ويضاد المحنة، ولو كان الأمر على ما ظنوه لما كان يوسف عليه السلام
~~يستحق بتنزيهه عما دعته إليه المرأة من المعصية مدحا ولا ثوابا، وهذا من
~~أقبح القول فيه (ع)، لأن الله تعالى قد مدحه بالامتناع عن المعصية وأثنى
~~عليه بذلك فقال تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا
~~المخلصين)، فأما البرهان، فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى به في تلك
~~الحال أو قبلها، فاختار عنده الامتناع من المعاصي والتنزه عنها، وهو الذي
~~يقتضي كونه معصوما لأن العصمة هي ما اختير (ما اختار) عنده من الألطاف،
~~التنزه عن القيح والامتناع من فعله. ويجوز أن يكون معنى الرؤية ههنا بمعنى
~~العلم، كما يجوز أن يكون بمعنى الادراك، لأن كلا الوجهين يحتمله القول.
~~PageV00P081
# وذكر آخرون: إن البرهان ههنا إنما هو دلالة الله تعالى ليوسف (ع) على
~~تحريم ذلك الفعل، وعلى أن من فعله استحق العقاب لأن ذلك أيضا صارف عن الفعل
~~ومقو لدواعي الامتناع منه وهذا أيضا جايز.
# تنزيه يوسف عن محبة المعصية:
# (مسألة): فإن قيل: كيف يجوز أن يقول يوسف (ع): (رب السجن أحب إلي مما
~~يدعونني إليه)، ونحن نعلم أن سجنهم له معصية ومحنة، كما أن ما دعوه إليه
~~معصية، ومحبة المعصية عند كم لا تكون إلا قبيحة.
# (الجواب): قلنا: في تأويل هذه الآية جوابان:
# أحدهما: إنه أراد بقوله (أحب إلي) أخف علي وأسهل، ولم يرد المحبة التي هي
~~الإرادة على الحقيقة. وهذا يجري مجرى أن يخير أحدنا بين الفعلين ينزلان به
~~ويكرههما ويشقان (1) عليه، فيقول في الجواب كذا أحب إلي، وإنما يريد ما
~~ذكرناه من السهولة والخفة.
# والوجه الآخر: إنه أراد أن توطيني نفسي وتصبيري لها على السجن أحب إلي من
~~مواقعة المعصية.
# فإن قيل: هذا خلاف الظاهر لأنه مطلق وقد أضمرتم فيه.
# قلنا: لا بد من مخالفة الظاهر، لأن ms058 السجن نفسه لا يجوز أن يكون مرادا
~~ليوسف (ع)، وكيف يريده وإنما السجن البنيان المخصوص، وإنما يكون الكلام
~~ظاهره يخالف ما قلناه، إذا قرأ: رب السجن (بفتح السين) وإن كانت هذه
~~القراءة أيضا محتملة للمعنى الذي ذكرناه، فكأنه أراد أن سجني نفسي عن
~~المعصية أحب إلي من مواقعتها. فرجع معنى السجن إلى
# PageV00P082
# فعله دون أفعالهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه، فليس للمخالف أن يضمر
~~في الكلام أن كوني في السجن وجلوسي فيه أحب إلي، بأولى ممن أضمر ما ذكرنا،
~~لأن كلا الأمرين يعود إلى السجن ويتعلق به.
# فإن قيل: كيف يقول السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وهو لا يحب ما دعوه
~~إليه على وجه من الوجوه، ومن شأن هذه اللفظة أن تستعمل بين شيئين مشتركين
~~في معناها.
# قلنا: قد تستعمل هذه اللفظة فيما لا اشتراك فيه، ألا ترى أن من خير بين
~~ما يكرهه وما يحبه ساغ له أن يقول: هذا أحب إلي من هذا، وإن يخير هذا أحب
~~إلي من هذا، إذا كان في محبته، وإنما سوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر،
~~لأن المخير بين الشيئين في الأصل لا يخير بينهما إلا وهما مرادان له أو مما
~~يصح أن يريدهما. فموضوع التخيير يقتضي ذلك، وإن حصل فيما يخالف أصل موضوعه.
~~ومن قال وقد خير بين شيئين لا يحب أحدهما: هذا أحب إلي، إنما يكون مجيبا
~~بما يقتضيه أصل الموضوع في التخيير، ويقارب ذلك قوله تعالى (قل أذلك خير أم
~~جنة الخلد) (1) ونحن نعلم أنه لا خير في العقاب، وإنما حسن القول لوقوعه
~~التقريع والتوبيخ على اختيار المعاصي على الطاعات. وأنهم ما أثروها إلا
~~لاعتقادهم أن فيها خيرا ونفعا. فقيل أذلك خير على ما تظنوه وتعتقدونه أم
~~كذا وكذا، وقد قال قوم في قوله تعالى: (أذلك خير): أنه إنما حسن لاشتراك
~~الحالتين في باب المنزلة، وإن لم يشتركا في الخير والنفع كما قال تعالى:
~~(خير مستقرا وأحسن مقيلا) (2) ومثل هذا المعنى يتأتى في قوله:
# رب السجن أحب ms059 إلي، لأن الأمرين يعني: المعصية ودخول السجن،
# PageV00P083
# مشتركان في أن لكل منها داعيا وعليه باعثا، وإن لم يكن مشتركا في تناول
~~المحبة، فجعل اشتراكهما في دواعي المحبة اشتراكا في المحبة نفسها، وأجرى
~~اللفظ على ذلك.
# فإن قيل: كيف يقول وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن واكن من الجاهلين؟
~~وعندكم أن امتناع القبيح منه (ع) ليس مشروط بارتفاع الكيد عنه بل هو ممتنع
~~منه وإن وقع الكيد.
# قلنا أنما أراد يوسف (ع) إنك متى لم تلطف بي لما تدعوني إلى مجانبة
~~الفاحشة وتثبتني على تركها صبوت، وهذا منه انقطاع إلى الله تعالى وتسليم
~~لأمره، وأنه لولا معونته ولطفه ما نجي من الكيد، والكلام وإن تعلق في
~~الظاهر بالكيد نفسه فقال (ع) (وإلا تصرف عني كيدهن) فالمراد به إلا تصرف
~~عني ضرر كيدهن لأنهن إنما أجرين بالكيد إلى مساعدته لهن على المعصية، فإذا
~~عصم منها ولطف له في الانصراف عنها كان الكيد مصروفا عنه من حيث لم يقع
~~ضرره، وما أجري به إليه، ولهذا يقال لمن أجرى بكلامه إلى غرض لم يقع ما قلت
~~شيئا. ولمن فعل ما لا تأثير له: ما فعلت شيئا. وهذا بين والحمد الله تعالى.
# تنزيه يوسف (ع) عن التعويل على غير الله:
# (مسألة): فإن قيل: كيف يجوز على يوسف عليه السلام وهو نبي مرسل أن يعول
~~في إخراجه من السجن على غير الله تعالى ويتخذ سواه وكيلا في ذلك، في قوله
~~للذي كان معه: (أذكرني عند ربك) حتى وردت الروايات إن سبب طول حبسه (ع)
~~إنما كان لأنه عول على غير الله تعالى؟.
# (الجواب): قلنا: إن سجنه (ع) إذا كان قبيحا ومنكرا فعليه أن يتوصل إلى
~~إزالته بكل وجه وسبب، ويتشبث إليه بكل ما يظن أنه يزيله عنه، ويجمع فيه بين
~~الأسباب المختلفة، فلا يمتنع على هذا أن يضم إلى دعائه PageV00P084
# الله تعالى ورغبته إليه في خلاصه من السجن أن يقول لبعض من يظن أنه سيؤدي
~~قوله: (أذكرني ونبه على خلاصي) وإنما القبيح أن يدع التوكل ويقتصر ms060 على غيره
~~فإما أن يجمع بين التوكل والأخذ بالحزم فهو الصواب الذي يقتضيه الدين
~~والعقل. ويمكن أيضا أن يكون الله تعالى أوحى إليه بذلك وأمره بأن يقول
~~للرجل ما قاله.
# تنزيه يوسف عن إلحاق الأذى بأبيه:
# (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في طلب يوسف (ع) أخاه من إخوته ثم حبسه له
~~عن الرجوع إلى أبيه مع علمه بما يلحقه عليه من الحزن، وهل هذا إلا إضرارا
~~به وبأبيه؟.
# (الجواب): قلنا: الوجه في ذلك ظاهر لأن يوسف (ع) لم يفعل ذلك إلا بوحي من
~~الله إليه، وذلك امتحان منه لنبيه يعقوب عليه السلام وابتلاء لصبره، وتعريض
~~للعالي من منزلة الثواب، ونظير لك امتحانه له (ع) بأن صرف عنه خبر يوسف (ع)
~~طول تلك المدة حتى ذهب بالبكاء عليه، وإنما أمرهم يوسف (ع) بأن يلطفوا
~~بأبيهم في إرساله من غير أن يكذبوه ويخدعوه.
# فإن قيل: أليس قد قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون، والمراودة هي
~~الخداع والمكر.
# قلنا: ليس المراودة ما ظننتم، بل هي التلطف والتسبب والاحتيال، وقد يكون
~~ذلك من جهة الصدق والكذب جميعا، فإنما أمرهم بفعله على أحسن الوجوه فإن
~~خالفوه فلا لوم إلا عليهم.
# تنزيه يوسف عن الكذب وتهمة إخوته:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى جعل السقاية في رحل أخيه وذلك PageV00P085
# تعريض منه لأخيه بالتهمة، ثم إن أذن مؤذنه ونادى بأنهم سارقون ولم يسرقوا
~~على الحقيقة؟.
# (الجواب): قلنا: أما جعله السقاية في رحل أخيه، فالغرض فيه التسبب إلى
~~احتباس أخيه عنده، ويجوز أن يكون ذلك بأمر الله تعالى، وقد روي أنه (ع)
~~أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به، فقد خرج على هذا القول من أن
~~يكون مدخلا على أخيه غما وترويعا بما جعله من السقاية في رحله، وليس بمعرض
~~له للتهمة بالسرقة، لأن وجود السقاية في رحله يحتمل وجوها كثيرة غير
~~السرقة، وليس يجب صرفه إليها إلا بدليل.
# وعلى من صرف ذلك إلى السرقة من غير طريق اللوم في تقصيره وتسرعه، ولا
~~ظاهر أيضا لوجود السقاية في ms061 الرحل يقتضي السرقة، لأن الاشتراك في ذلك قائم،
~~وقرب هذا الفعل من سائر الوجوه التي يحتملها على حد واحد.
# فأما نداء المنادي بأنهم سارقون فلم يكن بأمره (ع)، وكيف يأمر بالكذب
~~وإنما نادى بذلك أحد القوم لما فقدوا الصواع، وسبق إلى قلوبهم أنهم سرقوه،
~~وقد قيل إن المراد بأنهم سارقون أنهم سرقوا يوسف (ع) من أبيه وأوهموه أنهم
~~يحفظونه فضيعوه، فالمنادي صادق على هذا الوجه، ولا يمتنع أن يكون النداء
~~بإذنه (ع). غير أن ظاهر القصة واتصال الكلام بعضه ببعض يقتضي أن يكون
~~المراد بالسرقة سرقة الصواع الذي تقدم ذكره وأحسوا فقده، وقد قيل إن الكلام
~~خارج مخرج الاستفهام، وإن كان ظاهره الخبر كأنه قال: (إنكم لسارقون) فاسقط
~~ألف الاستفهام كما سقطت في مواضع قد تقدم ذكرها في قصة إبراهيم (ع). وهذا
~~الوجه فيه بعض الضعف لأن ألف الاستفهام لا تكاد تسقط إلا في موضع يكون على
~~سقوطها دلالة في الكلام، مثل قول الشاعر:
# كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا PageV00P086
# تنزيه يوسف (ع) عن تعمده بعدم تسكين نفس أبيه:
# (مسألة): فإن قيل: فما بال يوسف (ع) لم يعلم أباه بخبره لتسكن نفسه ويزول
~~وجده وهمه مع علمه بشدة تحرقه وعظم قلقه؟.
# (الجواب): قلنا في ذلك وجهان:
# أحدهما: إن ذلك كان له ممكنا وكان عليه قادرا، فأوحى الله تعالى إليه بأن
~~يعدل عن اطلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه وتعريضا للمنزلة الرفيعة في
~~البلوى وله تعالى أن يصعب التكليف وأن يسهله.
# والوجه الآخر: إنه جائز أن يكون (ع) لم يتمكن من ذلك ولا قدر عليه فلذلك
~~عدل عنه.
# تنزيه يوسف (ع) عن الرضا بالسجود له:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: (ورفع أبويه على العرش وخروا له
~~سجدا) (1) وكيف يرضى بأن يسجدوا له والسجود لا يكون إلا لله تعالى؟.
# (الجواب): قلنا في ذلك وجوه:
# منها: أن يكون تعالى لم يرد بقوله إنهم سجدوا له إلى جهته، بل سجدوا لله
~~تعالى من أجله، لأنه تعالى جمع بينهم ms062 وبينه، كما يقول القائل:
# إنما صليت لوصولي إلى أهلي، وصمت لشفائي من مرضي. وإنما يريد من أجل ذلك.
# فإن قيل: هذا التأويل يفسده قوله تعالى: (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل
~~قد جعلها ربي حقا) (2)
# PageV00P087
# قلنا: ليس هذا التأويل بمانع من مطابقة الرؤيا المتقدمة في المعنى دون
~~الصورة، لأنه (ع) لما رأى سجود الكواكب والقمرين له كان تأويل ذلك بلوغه
~~أرفع المنازل وأعلى الدرجات ونيله أمانيه وأغراضه، فلما اجتمع مع أبويه
~~ورأياه في الحال الرفيعة العالية ونال ما كان يتمناه من اجتماع الشمل، كان
~~ذلك مصدقا لرؤياه المتقدمة. فلذلك قال: (هذا تأويل رؤياي من قبل). فلا بد
~~لمن ذهب إلى أنهم سجدوا له على الحقيقة من أن يجعل ذلك مطابقا للرؤيا
~~المتقدمة في المعنى دون الصورة، لأنه ما كان رأى في منامه أن إخوته وأبويه
~~سجدوا له، ولا رأى في يقظته الكواكب تسجد له. فقد صح أن التطابق في المعنى
~~دون الصورة.
# ومنها: أن يكون السجود لله تعالى، غير أنه كان إلى جهة يوسف (ع) ونحوه،
~~كما يقال: صلى فلان إلى القبلة وللقبلة. وهذا لا يخرج يوسف (ع) من التعظيم،
~~ألا ترى أن القبلة معظمة وإن كان السجود لله تعالى نحوها.
# ومنها: أن السجود ليس يكون بمجرده عبادة حتى يضاف إليه من الأفعال ما
~~يكون عبادة، فلا يمتنع أن يكون سجدوا له على سبيل التحية والاعظام
~~والاكرام، ولا يكون ذلك منكرا لأنه لم يقع على وجه العبادة التي يختص بها
~~القديم تعالى وكل هذا واضح.
# تنزيه يوسف (ع) عن طاعة الشيطان:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى حكاية عنه (ع) من بعد أن نزغ
~~الشيطان (1) بيني وبين أخوتي، وهذا يقتضي أن يكون قد أطاع الشيطان ونفذ فيه
~~كيده ونزغه؟.
# PageV00P088
# (الجواب): قلنا هذه الإضافة لا يقتضي ما تضمنه السؤال، بل النزغ والقبيح
~~كان منهم إليه لا منه إليهم. ويجري قول القائل: جرى بيني وبين فلان شر، وإن
~~كان من أحدهما ولم يشتركا فيه.
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله ms063 عليه السلام للعزيز (اجعلني على خزائن
~~الأرض إني حفيظ عليم) (1) وكيف يجوز أن يطلب الولاية من قبل الظالمين.
# (الجواب): قلنا إنما التمس تمكينه من خزائن الأرض ليحكم فيها بالعدل
~~وليصرفها إلى مستحقها، وكان ذلك له من غير ولاية. وإنما سئل الولاية للتمكن
~~من الحق الذي له أن يفعله. ولمن لا يتمكن من إقامة الحق أو الأمر بالمعروف
~~أن يتسبب إليه ويتصل إلى فعله، فلا لوم في ذلك على يوسف عليه السلام ولا
~~حرج.
# PageV00P089
# أيوب عليه السلام في أن أيوب عذب امتحانا ولم يعاقب:
# (مسألة): فإن قيل: فما قولكم في الأمراض والمحن التي لحقت أيوب (ع) أوليس
~~قد نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله:
# (إني مسني الشيطان بنصب وعذاب) والعذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب والآلام
~~الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمى عذابا ولا عقابا، أوليس قد روى جميع
~~المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لتركه الأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر وقصته مشهورة يطول شرحها؟.
# (الجواب): قلنا: أما ظاهر القرآن فليس يدل على أن أيوب عليه السلام عوقب
~~بما نزل به من المضار، وليس في ظاهره شئ مما ظنه السائل، لأنه تعالى قال:
~~(واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب) (1) والنصب هو
~~التعب، وفيه لغتان بفتح النون والصاد، وضم النون وتسكين الصاد. والتعب هو
~~المضرة التي لا تختص بالعقاب، وقد تكون على سبيل الامتحان والاختبار. وأما
~~العذاب فهو أيضا يجري مجرى المضار التي يختص إطلاق ذكرها بجهة دون جهة.
~~ولهذا يقال للظالم والمبتدئ بالظلم أنه معذب ومضر ومؤلم، وربما قيل معاقب
~~على
# PageV00P090
# سبيل المجاز. وليست لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب، لأن لفظة
~~العقاب يقتضي ظاهرها الجزاء لأنها من التعقيب والمعاقبة، ولفظة العذاب ليست
~~كذلك. فأما إضافته ذلك إلى الشيطان، وإنما ابتلاه به فله وجه صحيح، لأنه لم
~~يضف المرض والسقم إلى الشيطان، وإنما أضاف إليه ما كان يستضر به من وسوسته
~~ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم ms064 والعافية والرخاء، ودعائه له
~~إلى التضجر والتبرم مما هو عليه، ولأنه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن
~~يستقذروه ويتجنبوه ويستخفوه لما كان عليه من الأمراض الشنيعة المنتنة،
~~ويخرجوه من بينهم. وكل هذا ضرر من جهة اللعين إبليس، وقد روي أن زوجته (ع)
~~كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه بما يأكله ويشربه، وكان الشيطان
~~لعنه الله تعالى يلقي إليهم أن داءه (ع) يعدي، ويحسن إليهم تجنب خدمة زوجته
~~من حيث كانت تباشر قروحه وتمس جسده، وهذه مضار لا شبهة فيها. وأما قوله
~~تعالى في سورة الأنبياء:
# (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا
~~ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) (1)
~~فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه، لأن الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة
~~كما يكون عقوبة.
# فأما ما روي في هذا الباب عن جملة (جهلة) المفسرين فمما لا يلتفت إلى
~~مثله، لأن هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى وإلى رسله عليهم السلام
~~كل قبيح ومنكر، ويقذفونهم بكل عظيم. وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله
~~المتأمل علم أنه موضوع الباطل مصنوع، لأنهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس
~~على مال أيوب عليه السلام وغنمه وأهله، فلما أهلكهم ودمر عليهم ورأى من
~~صبره (ع) وتماسكه، قال إبليس لربه يا رب إن أيوب قد علم أنك ستخلف عليه
~~ماله وولده فسلطني على جسده، فقال تعالى قد
# PageV00P091
# سلطتك على جسده كله إلا قلبه وبصره، قال فأتاه فنفخه من لدن قرنه على
~~قدمه فصار قرحة واحدة، فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف
~~الدواب على جسده، إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله، فمن يقبل عقله
~~هذا الجهل والكفر كيف يوثق بروايته، ومن لا يعلم أن الله تعالى لا يسلط
~~إبليس على خلقه، وأن إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد ولا يفعل الأمراض
~~كيف يعتمد روايته؟.
# فأما هذه الأمراض العظيمة النازلة بأيوب عليه السلام فلم ms065 تكن إلا اختبارا
~~وامتحانا وتعريضا للثواب بالصبر عليها والعوض العظيم النفيس في مقابلتها،
~~وهذه سنة الله تعالى في أصفيائه وأوليائه عليهم السلام. فقد روي عن الرسول
~~صلى الله عليه وآله أنه قال وقد سئل أي الناس أشد بلاء فقال:
# " الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس " فنظهر من صبره (ع)
~~على محنته وتماسكه ما صار به إلى الآن مثلا، حتى روي أنه كان في خلال ذلك
~~كله صابرا شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه المنفعة والفايدة، وأنه ما سمعت
~~له شكوى ولا تفوه بتضجر ولا تبرم، فعوضه الله تعالى مع نعيم الآخرة العظيم
~~الدائم أن رد عليه ماله وأهله وضاعف عددهم في قوله تعالى:
# (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) وفي سورة ص (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم)
~~(1)، ثم مسح ما به من العلل وشفاه وعافاه وأمره على ما وردت به الرواية،
~~بأن أركض برجلك الأرض فظهرت له عين فاغتسل منها فتساقط ما كان على جسده من
~~الداء. قال الله تعالى: (أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) (2) والركض هو
~~التحريك ومنه ركضت الدابة.
# فإن قيل، أفتصححون ما روي أن الجذام أصابه حتى تساقطت أعضاؤه؟.
# PageV00P092
# قلنا: إن العمل المستقذرة التي ينفر من رآها وتوحشه كالبرص والجذام فلا
~~يجوز شئ منها على الأنبياء عليهم السلام لما تقدم ذكره في صدر هذا الكتاب،
~~لأن النفور ليس بواقف على الأمور القبيحة، بل قد يكون من الحسن والقبيح
~~معا. وليس ينكر أن يكون أمراض أيوب عليه السلام وأوجاعه. ومحنته في جسمه ثم
~~في أهله وماله بلغت مبلغا عظيما يزيد في الغم والألم على ما ينال المجذوم،
~~وليس ننكر تزايد الألم فيه (عليه السلام)، وإنما ننكر ما اقتضى التنفير.
# فإن قيل: أفتقولون أن الغرض مما ابتلي به أيوب عليه السلام كان الثواب أو
~~العوض أو هما على الاجتماع؟.
# وهل يجوز أن يكون ما في هذه الآلام من المصلحة واللطف حاصلا في غيرها مما
~~ليس بألم أم تمنعون من ذلك؟.
# قلنا: أما الآلام التي يفعلها الله تعالى لا ms066 على سبيل العقوبة فليس يجوز
~~أن يكون غرضه عز وجل فيها العوض من حيث كان قادرا على أن يبتدي بمثل العوض،
~~بل الغرض فيها المصلحة وما يؤدي إلى استحقاق الثواب. فالعوض تابع والمصلحة
~~أصل، وإنما يخرج بالعوض من أن يكون ظلما وبالغرض من أن يكون عبثا، فأما
~~الألم، إذا كان فيه مصلحة ولطف، وهناك في المعلوم ما يقوم مقامه فيهما، إلا
~~أنه ليس بألم. إما بأن يكون لذة أوليس بألم ولا لذة، ففي الناس من ذهب إلى
~~أن الألم لا يحسن في هذا الموضع، وإنما يحسن بحيث لا يقوم مقامه ما ليس
~~بألم في المصلحة، والصحيح أنه حسن. والله تعالى مخير في فعل أيهما شاء،
~~والدليل على صحة ما ذكرناه أنه لو قبح والحال هذه، لم يخل من أن يكون إنما
~~قبح من حيث كان ظلما أو من حيث كان عبثا. ومعلوم أنه ليس بظلم، لأن العوض
~~الزايد العظيم الذي يحصل عليه يخرجه من كونه ظلما. وليس أيضا بعبث لأن
~~العبث هو ما لا غرض فيه، أو ما ليس فيه غرض مثله. وهذا الألم فيه
~~PageV00P093
# غرض عظيم جليل، وهو الذي تقدم بيانه. ولو كان هذا الغرض غير كاف فيه ولا
~~يخرجه من العبث لما أخرجه من ذلك إذا لم يكن هناك ما يقوم مقامه، وليس لهم
~~أن يقولوا إنه إنما قبح وصار عبثا من حيث كان هناك ما يغني عنه، لأن ذلك
~~يؤدي إلى أن كل فعلين ألمين كانا أو لذتين، أو ليسا بألمين ولا لذتين، أو
~~أفعال تساوت في وجه المصلحة يقبح فعل كل واحد منهما، لأن العلة التي ادعيت
~~حاصلة. وليس له أن يقول إن الألم إنما يقبح إذا كان فيه من المصلحة، مثل ما
~~في فعل هو لذة من حيث كان يغني عنه ما ليس بألم، وذلك أن العوض الذي في
~~مقابلته يخرجه من كونه ضررا ويدخله في أن يكون نفعا، ويجريه على أقل
~~الأحوال مجرى ما ليس بضرر، فقد عاد الأمر إلى أن الألم بالعوض قد ms067 ساوى ما
~~ليس بألم وحصل فيه من الغرض المودي إلى المصلحة مثل ما فيه، فيجب أن يكون
~~مخيرا في الاستصلاح بأيهما شاء.
# فإن قيل: ما أنكرتم أيكون الفرق بين الأمرين إن اللذة قد يحسن أن يفعل
~~بمجرد كونها لذة، ولا يفتقر في حسن فعلها إلى أمر زايد، والألم ليس كذلك،
~~فإنه لا يحسن أن يكون مجردا ولا بد من أمر زايد يجعله حسنا.
# قلنا: هذا فرق بين الأمرين في غير الموضع الذي جمعنا بينهما فيه، لأن
~~غرضنا إنما كان في التسوية بين الألم واللذة إذا كان كل واحد منهما مثل في
~~صاحبه من المصلحة، وأن يحكم بصحة التخيير في الاستصلاح بكل واحد منهما، وإن
~~كنا لا ننكر أن بينهما فرقان من حيث كان أحدهما نفعا يجوز الابتداء به
~~واستحقاق الشكر عليه، والآخر ليس كذلك، إلا أن هذا الوجه وأن لم يكن في
~~الألم فليس يقتضي قبحه، ووجوب فعل اللذة. ألا ترى أن اللذة قد يساويها في
~~المصلحة فعل ما ليس بألم ولا لذة، فيكون المكلف تعالى مخيرا في الاستصلاح
~~بأيهما شاء، وإن كان يجوز ويحسن أن يفعل اللذة بمجردها من غير عوض زايد،
~~ولا يحسن ذلك الفعل الآخر الذي جعلناه في مقابلتها متى تجرد، وإنما يحسن
~~لغرض زايد ولم يخرجهما اختلافهما في هذا الوجه من تساويهما فيما ذكرناه من
~~الحكم. وإذا كانت اللذة قد تساوي PageV00P094
# في الحكم الذي ذكرناه من التخيير في الاستصلاح ما ليس بلذة، وبينا أن
~~العوض قد أخرج الألم من كونه ضررا، وجعله بمنزلة ما ليس بألم، فقد بان صحة
~~ما ذكرناه لأن التخيير بين اللذة وما ليس بلذة ولا ألم، إذا حسن متى اجتمعا
~~في المصلحة. فكذلك يحسن التخيير بين اللذة وما جرى مجرى ما ليس بألم ولا
~~ضرر من الألم الذي يقابله المنافع، وليس بعد هذا إلا قول من يوجب فعل اللذة
~~لكونها نفعا، وهذا مذهب ظاهر البطلان لا حاجة بنا إلى الكلام عليه من هذا
~~الموضوع:
# فإن قيل: ما أنكرتم ما يكون الاستصلاح بالألم ms068 إذا كان هناك ما يستصلح به،
~~وليس بألم يجري في القبيح والعبث مجرى من بذل المال لمن يحتمل عنه ضرب
~~المقارع، ولا غرض له إلا إيصال المال في أن ذلك عبث قبيح؟.
# قلنا: أما قبح ما ذكرته فالوجه فيه غير ما ظننته من أن هناك ما يقوم
~~مقامه في الغرض، لأنا قد بينا أن ذلك لو كان هو وجه القبح لكان كل فعل فيه
~~غرض يقوم غيره فيه مقامه عبثا وقبيحا، وقد علمنا خلاف ذلك. وإنما قبح بذل
~~المال لمن يحتمل الضرب، والغرض إيصال المال إليه من حيث حسن أن يبتدئ بدفع
~~المال الذي هو الغرض من غير تكلف الضرب، فصار عبثا وقبيحا من هذا الوجه
~~وليس يمكن مثل ذلك في الألم إذا قابله ما ليس بألم لأن ما فيه من العوض لا
~~يمكن الابتداء به. PageV00P095
# شعيب عليه السلام في قول شعيب (ع) استغفروا ربكم ثم توبوا:
# (مسألة): فإن قيل: ما معنى قوله تعالى في الحكاية عن شعيب عليه السلام:
~~(واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) (1) والشئ لا يعطف على نفسه لا سيما بالحرف
~~الذي يقتضي التراخي والمهلة وهو (ثم) وإذا كان الاستغفار هو التوبة فما وجه
~~هذا الكلام؟.
# (الجواب): قلنا في هذه الآية وجوه:
# أولها: أن يكون المعنى اجعلوا المغفرة غرضكم وقصدكم الذي فيه تجئرون
~~ونحوه يتوجهون، ثم توصلوا إليها بالتوبة إليه، فالمغفرة أول في الطلب وآخر
~~في السبب.
# وثانيها: أنه لا يمتنع أن يريد بقوله: (استغفروا ربكم) أي اسألوه التوفيق
~~للمغفرة والمعونة عليها ثم توبوا إليه، لأن المسألة للتوفيق ينبغي أن يكون
~~قبل التوبة.
# وثالثها: أنه أراد بثم الواو، والمعنى استغفروا ربكم وتوبوا إليه، وهذان
~~الحرفان قد يتداخلان فيقوم أحدهما مقام الآخرة.
# PageV00P096
# ورابعها: أن يريد استغفروه قولا ونطقا ثم توبوا إليه لتكونوا بالتوبة
~~فاعلين لما يسقط العقاب عنده.
# وخامسها: أنه خاطب المشركين بالله تعالى فقال لهم: استغفروه من الشرك
~~بمفارقته ثم توبوا إليه، أي ارجعوا إلى الله تعالى بالطاعات وأفعال الخير،
~~لأن الانتفاع بذلك. لأن ذلك لا يكون إلا ms069 بتقديم الاستغفار من الشرك
~~ومفارقته. والتائب والآئب والنايب والمنيب بمعنى واحد.
# وسادسها: ما أومى إليه أبو علي الجبائي في تفسير هذه الآية لأنه قال أراد
~~بقوله (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) أي أقيموا على التوبة إليه، لأن
~~التائب إلى الله تعالى من ذنوبه يجب أن يكون تائبا إلى الله في كل وقت يذكر
~~فيه ذنوبه بعد توبته الأولى، لأنه يجب أن يكون مقيما على الندم على ذلك،
~~وعلى العزم على أن لا يعود إلى مثله. لأنه لو نقض هذا العزم لكان عازما على
~~العود، وذلك لا يجوز. وكذلك لو نقض الندم لكان راضيا بالمعصية مسرورا بها
~~وهذا لا يجوز. وقد حكينا ألفاظه بأعيانها، حمله على هذا الوجه أنه أراد
~~التكرار والتأكيد والأمر بالتوبة بعد التوبة. كما يقول أحدنا لغيره: " اضرب
~~زيدا ثم اضربه " " وافعل هذا ثم افعل ". وهذا الذي حكينا عن أبي علي أولى
~~مما ذكره في صدر هذه السورة، لأنه قال هناك وأن استغفروا ربكم ثم توبوا
~~إليه، أن معناه استغفروا ربكم من ذنوبكم السالفة ثم توبوا إليه بعد ذلك من
~~كل ذنب يكون منكم أو معصية، وهذا ليس بشئ، لأنه إذا حمل الاستغفار المذكور
~~في الآية على التوبة فلا معنى لتخصيصه بما سلف دون ما يأتي، لأن التوبة من
~~ذلك أجمع واجبة، ولا معنى أيضا لتخصيص قوله ثم توبوا إليه بالمعاصي
~~المستقبلة دون الماضية، لأن الماضي والمستقبل مما يجب التوبة منه. فالذي
~~حكيناه أو لا عنه أشفى وأولى.
# حول إنكاح ابنته (ع):
# (مسألة): فإن قيل فما الوجه في عدول شعيب عليه السلام عن جواب
~~PageV00P097
# ابنته في قولها (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) (1) إلى
~~قوله لموسى عليه السلام (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) وهي لم تسأل
~~النكاح ولا عرضت به، فترك إجابتها عن كلامها وخرج إلى شئ لم يجر ما يقتضيه.
# (الجواب): إنها لما سألته أن يستأجره ومدحته بالقوة والأمانة، كان كلامها
~~دالا على الترغيب فيه والتقريب منه والمدح له بما يدعو إلى ms070 إنكاحه، فبذل له
~~النكاح الذي يقتضي غاية الاختصاص، فما فعله شعيب (ع) في غاية المطابقة
~~لجوابها ولما يقتضيه سؤالها.
# في قول شعيب (ع) فإن أتممت عشرا فمن عندك:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قول شعيب عليه السلام: (إني أريد أن أنكحك
~~إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما
~~أريد أن أشق عليك ستجدني إنشاء الله من الصالحين) (2) وكيف يجوز في الصداق
~~هذا التخيير والتفويض، وأي فايدة للبنت فيما شرط هو لنفسه وليس يعود عليها
~~من ذلك نفع؟.
# (الجواب): قلنا: يجوز أن تكون الغنم كانت لشعيب (ع)، وكانت الفايدة
~~باستيجار من يرعاها عائدة عليه، إلا أنه أراد أن يعوض بنته عن قيمة رعيها
~~فيكون ذلك مهرا لها. وأما التخيير فلم يكن إلا ما زاد على الثماني حجج ولم
~~يكن فيما شرطه مقترحا تخيير، وإنما كان فيما تجاوزه وتعداه.
# ووجه آخر أنه يجوز أن تكون الغنم كانت للبنت وكان الأب المتولي لأمرها
~~والقابض لصداقها، لأنه لا خلاف أن قبض الأب مهر بنته البكر البالغ جايز،
# PageV00P098
# وأنه ليس لأحد من الأولياء ذلك غيره، وأجمعوا أن بنت شعيب (ع) كانت بكرا.
# ووجه آخر: وهو أن يكون حذف ذكر الصداق، وذكر ما شرطه لنفسه مضافا إلى
~~الصداق، لأنه جائز أن يشترط الولي لنفسه ما يخرج عن الصداق.
# وهذا الجواب يخالف الظاهر، لأن قوله تعالى (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي
~~هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) يقتضي ظاهره أن أحدهما جزاء على الآخر.
# ووجه آخر: وهو أنه يجوز أن يكون من شريعته عليه السلام العقد بالتراضي من
~~غير صداق معين، ويكون قوله (على أن تأجرني) على غير وجه الصداق. وما تقدم
~~من الوجوه أقوى. PageV00P099
# موسى عليه السلام تنزيه موسى عن العصيان بالقتل:
# (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في قتل موسى عليه السلام للقبطي وليس يخلو
~~من أن يكون مستحقا للقتل أو غير مستحق، فإن كان مستحقا فلا معنى لندمه (ع)،
~~وقوله: (هذا من عمل الشيطان) وقوله: (رب إني ms071 ظلمت نفسي فاغفر لي) (1)، وإن
~~كان غير مستحق فهو عاص في قتله، وما بنا حاجة إلى أن نقول إن القتل لا يكون
~~صغيرة لأنكم تنفون الصغير والكبير من المعاصي عنهم عليهم السلام.
# (الجواب): قلنا مما يجاب به عن هذا السؤال إن موسى عليه السلام لم يعتمد
~~القتل ولا أراده، وإنما اجتاز فاستغاث به رجل من شيعته على رجل من عدوه بغى
~~عليه وظلمه وقصد إلى قتله، فأراد موسى (ع) أن يخلصه من يده ويدفع عنه
~~مكروهه، فأدى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه، فكل ألم يقع على سبيل
~~المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح ولا يستحق عليه
~~العوض به، ولا فرق بين أن تكون المدافعة من الانسان عن نفسه، وبين أن يكون
~~عن غيره في هذا الباب والشرط في الأمرين أن يكون
# PageV00P100
# الضرر غير مقصود، وأن يكون القصد كله إلى دفع المكروه والمنع من وقوع
~~الضرر. فإن أدى ذلك إلى ضرر فهو غير قبيح.
# ومن العجب، أن أبا علي الجبائي ذكر هذا الوجه في تفسيره، ثم نسب مع ذلك
~~موسى (ع) إلى أنه فعل معصية صغيرة، ونسب معصيته إلى الشيطان. وقد قال في
~~قوله (رب إني ظلمت نفسي) أي في هذا الفعل الذي لم تأمرني به، وندم على ذلك
~~وتاب إلى الله منه، فيا ليت شعري، ما الذي فعل بما لم يؤمر به، وهو إنما
~~دافع الظالم ومانعه، ووقعت الوكزة منه على وجه الممانعة من غير قصد. ولا
~~شبهة في أن الله تعالى أمره بدفع الظلم عن المظلوم، فكيف فعل ما لم يؤمر
~~به، وكيف يتوب من فعل الواجب؟
# وإذا كان يريد أن ينسب المعصية إليه فما الحاجة به إلى ذكر المدافعة
~~والممانعة، وله أن يجعل الوكزة مقصودة على وجه تكون المعصية به صغيرة.
# فإن قيل: أليس لا بد أن يكون قاصدا إلى الوكزة وإن لم يكن مريدا بها
~~إتلاف النفس؟.
# قلنا: ليس يجب ما ظننته، وكيف يجعل الوكزة مقصودة، وقد بينا الكلام علي ms072
~~أن القصد كان إلى التخليص والمدافعة، ومن كان إنما يريد المدافعة لا يجوز
~~أن يقصد إلى شئ من الضرر، وإنما وقعت الوكزة وهو لا يريدها، إنما أراد
~~التخليص، فأدى ذلك إلى الوكزة والقتل.
# ووجه آخر: وهو أن الله تعالى كان عرف موسى عليه السلام استحقاق القبطي
~~للقتل بكفره، وندبه إلى تأخير قتله إلى حال التمكن، فلما رأى موسى (ع) منه
~~الإقدام على رجل من شيعته تعمد قتله تاركا لما ندب إليه من تأخير قتله.
# فأما قوله: (هذا من عمل الشيطان) ففيه وجهان: PageV00P101
# أحدهما: أنه أراد أن تزيين قتلي له وتركي لما ندبت إليه من تأخيره
~~وتفويتي ما استحقه عليه من الثواب من عمل الشيطان.
# والوجه الآخر: أنه يريد أن عمل المقتول من عمل الشيطان، مفصحا بذلك عن
~~خلافه لله تعالى واستحقاقه للقتل.
# وأما قوله (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي)، فعلى معنى قول آدم عليه السلام
~~(ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (1)
~~والمعنى أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع والرجوع إلى الله تعالى
~~والاعتراف بالتقصير عن حقوق نعمه وإن لم يكن هناك ذنب، أو من حيث حرم نفسه
~~الثواب المستحق بفعل الندب.
# وأما قوله (فاغفر لي) فإنما أراد به: فاقبل مني هذه القربة والطاعة
~~والانقطاع. ألا ترى أن قبول الاستغفار والتوبة يسمى غفرانا؟ وإذا شارك هذا
~~القبول غيره في معنى استحقاق الثواب والمدح به جاز أن يسمى بذلك، ثم يقال
~~لم ذهب إلى أن القتل منه (ع) كان صغيرة، ليس يخلو من أن يكون قتله متعمدا
~~وهو مستحق للقتل، وقتله عمدا وهو غير مستحق، أو قتله خطأ، وهو مستحق.
~~والقسم الأول يقتضي أن لا يكون عاصيا جملة والثاني لا يجوز مثله على النبي
~~(ع)، لأن قتل النفس عمدا بغير استحقاق لو جاز أن يكون صغيرة على بعض الوجوه
~~جاز ذلك في الزنا وعظائم الذنوب، فإن ذكروا في الزنا وما أشبهه التنفير،
~~فهو في القتل أعظم. وإن كان قتله خطأ غير عمد وهو مستحق أو غير ms073 مستحق،
~~ففعله خارج من باب القبيح جملة. فما الحاجة إلى ذكر الصغيرة؟.
# PageV00P102
# تنزيه موسى عن الضلالة والاستغفار عن الرسالة:
# (مسألة): فإن قيل: كيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته
~~يستصرخه: (إنك لغوي مبين)؟.
# (الجواب): إن قوم موسى عليه السلام كانوا غلاظا جفاة، ألا ترى إلى قولهم
~~بعد مشاهدة الآيات لما رأوا من يعبد الأصنام (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)
~~وإنما خرج موسى (ع) خائفا على نفسه من قوم فرعون بسبب قتله القبطي، فرأى
~~ذلك الرجل يخاصم رجلا من أصحاب فرعون فاستنصر موسى (ع)، فقال له عند ذلك
~~إنك لغوي مبين. وأراد أنك خائب في طلب ما لا تدركه وتكلف ما لا تطيقه، ثم
~~قصد إلى نصرته كما نصره بالأمس على الأول، فظن أنه يريده بالبطش لبعد فهمه،
~~فقال له (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس، إن تريد إلا أن تكون جبارا
~~في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين) (1). فعدل عن قتله، وصار ذلك سببا
~~لشيوع خبر القبطي بالأمس.
# في تنزيه موسى (ع) عن الضلال:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قول فرعون لموسى (ع): (وفعلت فعلتك التي فعلت
~~وأنت من الكافرين) (2) إلى قوله (ع) (فعلتها إذا وأنا من الضالين) (3) وكيف
~~نسب (ع) الضلال إلى نفسه، ولم يكن عندكم في وقت من الأوقات ضالا؟.
# (الجواب): قلنا: أما قوله (وأنت من الكافرين) فإنما أراد به
# PageV00P103
# من الكافرين لنعمتي، فإن فرعون كان المربي لموسى (ع) إلى أن كبر وبلغ،
~~ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من
~~عمرك سنين) (1).
# وأما قول موسى (ع) (فعلتها إذا وأنا من الضالين)، فإنما أراد به الذاهبين
~~عن أن الوكزة تأتي على النفس، أو أن المدافعة تفضي إلى القتل.
# وقد يسمى الذاهب عن الشئ أنه ضال ويجوز أيضا أن يريد أنني ضللت عن فعل
~~المندوب إليه من الكف عن القتل في تلك الحال والفوز بمنزلة الثواب.
# بين خيفة موسى والوجه فيها:
# (مسألة): فإن قيل: كيف جاز لموسى ms074 عليه السلام وقد قال تعالى:
# (أن ائت القوم الظالمين) أن يقول في الجواب (إني أخاف أن يكذبون ويضيق
~~صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون) (2) وهذا استعفاء عن الرسالة.
# (الجواب): أن ذلك ليس باستعفاء كما تضمنه السؤال، بل كان (ع) قد أذن له
~~في أن يسأل ضم أخيه في الرسالة إليه قبل هذا الوقت، وضمنت له الإجابة، ألا
~~ترى إلى قوله تعالى (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نار فقال لأهله امكثوا) إلى
~~قوله (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون) (3) فأجابه الله تعالى إلى مسألته
~~بقوله (فقد أوتيت سؤلك يا موسى). وهذا يدل على أن ثقته بالإجابة إلى مسألته
~~التي قد تقدمت، وكان مأذونا له فيها. فقال: (إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري
~~ولا ينطلق
# PageV00P104
# لساني) شرحا لصورته وبيانا عن حاله المقتضية لضم أخيه إليه في الرسالة،
~~فلم يكن مسألته إلا عن أذن وعلم وثقة بالإجابة.
# في تنزيه موسى (ع) عن الكفر والسحر:
# (مسألة): فإن قيل: كيف جاز لموسى (ع) أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال
~~والعصي وذلك كفر وسحر وتلبيس وتمويه، والأمر بمثله لا يحسن؟.
# (الجواب): قلنا لا بد من أن يكون في أمره عليه السلام بذلك شرط، فكأنه
~~قال ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، وكانوا فيما يفعلونه حجة. وحذف
~~الشرط لدلالة الكلام عليه واقتضاء الحال له، وقد جرت العادة باستعمال هذا
~~الكلام محذوف الشرط، وإن كان الشرط مرادا، وليس يجري هذا مجرى قوله تعالى:
~~(فأتوا بسورة من مثله) (1) وهو يعلم أنهم لا يقدرون على ذلك وما أشبه هذا
~~الكلام من ألفاظ التحدي، لأن التحدي وإن كان بصورة الأمر لكنه ليس بأمر على
~~الحقيقة ولا تصاحبه إرادة الفعل، فكيف تصاحبه الإرادة والله تعالى يعلم
~~استحالة وقوع ذلك منهم وتعذره عليهم وإنما التحدي لفظ موضوع لإقامة الحجة
~~على المتحدي وإظهار عجزه وقصوره عما تحدى به، وليس هناك فعل يتناوله إرادة
~~الأمر بإلقاء الحبال والعصي بخلاف ذلك، لأنه مقدور ممكن. فليس يجوز أن يقال
~~أن المقصود به هو أن يعجزوا ms075 بها عن إلقائها ويتعذر عليهم ما دعوا إليه، فلم
~~يبق بعد ذلك إلا أنه أمر بشرط، ويمكن أن يكون على سبيل التحدي بأن يكون
~~دعاهم إلى الإلقاء على وجه يساوونه فيه، ولا يخيلون فيما ألقوه من السعي
~~والتصرف من غير أن يكون له حقيقة، لأن ذلك غير مساو لما ظهر على يده من
~~انقلاب الجماد حية على الحقيقة دون التخييل. وإذا كان ذلك ليس في مقدورهم
~~فإنما تحداهم به لتظهر حجته ويوجه دلالته وهذا واضح، وقد بين الله تعالى
# PageV00P105
# في القرآن ذلك بأوضح ما يكون فقال: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا
~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين، قال نعم وإنكم لمن المقربين قالوا يا موسى إما
~~أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس
~~واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما
~~يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين) (1).
# تنزيه موسى (ع) عن الخوف:
# (مسألة) فإن قيل: فمن أي شئ خاف موسى عليه السلام حتى حكى الله تعالى عنه
~~الخيفة في قوله عز وجل: (فأوجس في نفسه خيفة موسى) (2) أوليس خوفه يقتضي
~~شكه في صحة ما أتى به؟.
# (الجواب): قلنا: لم يخف من الوجه الذي تضمنه السؤال، وإنما رأى من قوة
~~التلبيس والتخييل ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم يمعن النظر، فأمنه
~~الله تعالى من ذلك وبين له أن حجته ستتضح للقوم بقوله تعالى: (لا تخف إنك
~~أنت الأعلى) (3).
# تنزيه موسى عن نسبة الاضلال لله تعالى:
# (مسألة): فإن قال: فما معنى قوله تعالى حاكيا عن موسى (ع):
# (ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا
~~عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا
~~العذاب الأليم) (4).
# PageV00P106
# (الجواب: قلنا: أما قوله تعالى (ليضلوا عن سبيلك) ففيه وجوه:
# أولها أنه أراد لئلا يضلوا عن سبيلك، فحذف (لا) وهذا له نظائر كثيرة في
~~القرآن، وكلام العرب ms076 فمن ذلك قوله تعالى: (وإن تضل إحداهما فتذكر إحداهما
~~الأخرى) وإنما أراد (لئلا تضل) وقوله تعالى: (أن تقولوا يوم القيامة إنا
~~كنا عن هذا غافلين)، وقوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم).
# وقال الشاعر:
# نزلتم منزل الأضياف منا * فعجلنا القرى أن تشتمونا والمعنى أن لا
~~تشتمونا.
# فإن قيل: ليس هذا نظيرا لقوله تعالى (ربنا ليضلوا عن سبيلك) لأنكم حذفتم
~~في الآية (أن) و (لا) معا وما استشهدتم به إنما حذف منه لفظة (لا) فقط.
# قلنا: كلما استشهدنا به فقد حذف فيه الكلام ولا معا، ألا ترى أن تقدير
~~الكلام لئلا تشتمونا. وفي الآية إنما حذف أيضا حرفان وهما أن ولا، وإنما
~~جعلنا حذف الكلام فيما استشهدنا به بإزاء حذف أن في الآية من حيث كانا
~~جميعا ينبئان عن الغرض ويدلان على المقصود ألا ترى أنهم يقولون جئتك
~~لتكرمني، كما تقولون جئتك أن تكرمني. والمعنى أن غرضي الكرامة، فإذا جاز أن
~~يحذفوا أحد الحرفين جاز أن يحذفوا الآخر.
# ثانيها: إن اللام ها هنا لام العاقبة وليست لام الغرض، ويجري مجرى قوله
~~تعالى (فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) (1) وهم لم يلتقطوه
# PageV00P107
# لذلك بل لخلافه، غير أن العاقبة لما كانت ما ذكره حسن إدخال اللام، ومثله
~~قول الشاعر:
# وللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدور تبنى المساكن ونظائر ذلك
~~كثيرة. فكأنه تعالى لما علم أن عاقبة أمرهم الكفر، وأنهم لا يموتون إلا
~~كفارا، وأعلم ذلك نبيه، حسن أن يقول إنك آتيتهم الأموال ليضلوا.
# وثالثها: أن يكون مخرج الكلام مخرج النفي والانكار على من زعم أن الله
~~تعالى فعل ذلك ليضلهم، ولا يمتنع أن يكون هناك من يذهب إلى مذهب المجبرة
~~(1) في أن الله تعالى يضل عن الدين، فرد بهذا الكلام عليه كما يقول أحدنا:
~~إنما آتيت عبدي من الأموال ما آتيته ليعصيني ولا يطيعني، وهو إنما يريد
~~الإنكار على من يظن ذلك به، ونفي إضافة المعصية إليه.
# وهذا الوجه لا يتصور إلا على الوجهين: إما بأن يقدر فيه الاستفهام ms077 وإن
~~حذف حرفه، أو بأن يكون اللام في قوله (ليعصيني) لام العاقبة التي قد تقدم
~~بيانها. ومتى رفعنا من أوهامنا هذين الوجهين، لم يتصور كيف يكون الكلام
~~خارجا مخرج النفي والانكار.
# ورابعها: أن يكون أراد الاستفهام، فحذف حرفه المختص به، وقد حذف حرف
~~الاستفهام في أماكن كثيرة من القرآن. وهذا الجواب يضعف لأن حرف الاستفهام
~~لا يكاد يحذف إلا وفي الكلام دلالة عليه وعوض عنه، مثل قول الشاعر:
# كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا لأن لفظة أم
~~يقتضي الاستفهام، وقد سأل أبو علي الجبائي نفسه عن هذا السؤال في التفسير،
~~وأجاب عنه بأن في الآية ما يدل على حذف حرف
# PageV00P108
# الاستفهام، وهو دليل العقل الدال على أن الله تعالى لا يضل العباد عن
~~الدين. ودليل العقل أقوى مما يكون في الكلام دالا على حرف الاستفهام.
# وهذا ليس بشئ، لأن دليل العقل وإن كان أقوى من كل دليل يصحب الكلام، فإنه
~~ليس يقتضي في الآية أن يكون حرف الاستفهام منها محذوفا لا محالة. لأن العقل
~~إنما يقتضي تنزيه الله تعالى عن أن يكون مجربا بشئ من أفعاله إلى إضلال
~~العباد عن الدين، وقد يمكن صرف الآية إلى ما يطابق دليل العقل من تنزيهه
~~تعالى عن القبيح، من غير أن يذكر الاستفهام ويحذف حرفه. وإذا كان ذلك ممكنا
~~لم يكن في العقل دليل على حذف حرف الاستفهام، وإنما يكون فيه دليل على ذلك
~~لو كان يتعذر تنزيهه تعالى عن إرادة الضلال، إلا بتقدير الاستفهام.
# فأما قوله تعالى: (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) (1) فأجود ما قيل
~~فيه أنه عطف على قوله (ليضلوا) وليس بجواب لقوله (ربنا اطمس على أموالهم
~~واشدد على قلوبهم) (2) وتقدير الكلام (ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة
~~وأموالا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم
~~واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.) وهذا الجواب يطابق
~~أن يكون اللام للعاقبة، وأن يكون المعنى فيها لئلا يضلوا أيضا.
# وقال قوم إنه ms078 أراد (فلن يؤمنوا) فأبدل الألف من النون الخفيفة.
# كما قال الأعشى:
# وصل علي حين العشيات والضحى * ولا تحمد المثرين والله فاحمدا أراد
~~فاحمدن، فأبدل النون ألفا، وكما قال عمر بن أبي ربيعة:
# وقمير بدا ابن خمس وعشرين * له قالت الفتاتان قوما
# PageV00P109
# أراد قومن. ومما استشهد به ممن أجاب بهذا الجواب الذي ذكرناه آنفا في أن
~~الكلام خبر، وإن خرج مخرج الدعاء. وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من
~~قوله: " لن يلدغ المؤمن من جحر مرتين ". وهذا نهي، وإن كان مخرجه مخرج
~~الخبر. وتقدير الكلام: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. لأنه لو كان خبرا لكان
~~كذبا. وإذا جاز أن يراد بما لفظه لفظ الخبر النهي، جاز أن يراد بما لفظه
~~لفظ الدعاء الخبر. فيكون المراد بالكلام " فلن يؤمنوا ".
# وقد ذكر أبو علي الجبائي أن قوما من أهل اللغة قالوا أنه تعالى نصب قوله
~~تعالى: (فلا يؤمنوا) وحذف منه النون. وهو يريد في المعنى " ولا يؤمنون "
~~على سبيل الخبر عنهم، لأن قوله تعالى (فلا يؤمنوا) وقع موقع جواب الأمر
~~الذي هو قوله: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم) فلما وقع موقع
~~جواب الأمر وفيه الفاء، نصبه بإضمار أن، لأن جواب الأمر بالفاء منصوب في
~~اللغة. فنصب هذا لما أجراه مجرى الجواب، وإن لم يكن في الحقيقة جوابا.
~~ومثله قول القائل " أنظر إلى الشمس تغرب " (بالجزم)، وتغرب ليس هو جواب
~~الأمر على الحقيقة، لأنها لا تغرب لنظر هذا الناظر، ولكن لما وقع موقع
~~الجواب أجراه مجراه في الجزم، وإن لم يكن جوابا في الحقيقة.
# وقد ذكر أبو مسلم محمد بن بحر في هذه الآية وجها آخر، وهو من أغرب ما ذكر
~~فيها، قال: إن الله تعالى إنما آتى فرعون وملأه الزينة والأموال في الدنيا
~~على طريق العذاب لهم والانتقام منهم لما كانوا عليه من الكفر والضلال،
~~وعلمه من أحوالهم في المستقبل من أنهم لا يؤمنون. ويجري ذلك مجرى قوله
~~تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ms079 بها في
~~الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) (1). فسأل موسى عليه
# PageV00P110
# السلام ربه وقال: رب إنك آتيتهم هذه الأموال والزينة في الحياة الدنيا
~~على طريق العذاب ولتضلهم في الآخرة عن سبيلك التي هي سبيل الجنة وتدخلهم
~~النار بكفرهم، ثم سأله أن يطمس على أموالهم بأن يسلبهم إياها ليزيد ذلك في
~~حسرتهم وعذابهم ومكروههم، ويشد على قلوبهم بأن يميتهم على هذه الحال
~~المكروهة. وهذا جواب قريب من الصواب والسداد.
# تنزيه موسى عن سؤال الرؤية لنفسه:
# (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في قوله تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر
~~إليك قال لن تراني﴾ (1) أوليس هذه الآية تدل على جواز الرؤية عليه
~~تعالى لأنها لو لم تجز لم يسغ أن يسألها موسى (ع) كما يجوز أن يسأله اتخاذ
~~الصاحبة والولد؟.
# (الجواب): قلنا: أولى ما أجيب به عن هذه الآية أن يكون موسى عليه السلام
~~لم يسأل الرؤية لنفسه، وإنما سألها لقومه. فقد روي أن قومه طلبوا ذلك منه،
~~فأجابهم بأن الرؤية لا تجوز عليه تعالى. فلجوا به وألحوا عليه في أن يسأل
~~الله تعالى أن يريهم نفسه، وغلب في ظنه أن الجواب إذا ورد من جهته جلت
~~عظمته كان أحسم للشبهة وأنفى لها، فاختار السبعين الذين حضروا للميقات
~~لتكون المسألة بمحضر منهم، فيعرفوا ما يرد من الجواب، فسئل عليه السلام على
~~ما نطق به القرآن، وأجيب بما يدل على أن الرؤية لا يجوز عليه عز وجل.
# ويقوي هذا الجواب أمور:
# منها: قوله تعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد
~~سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)
~~(2).
# PageV00P111
# ومنها: قوله تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى
~~لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون﴾ (1).
# ومنها: قوله تعالى: (فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل
~~وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك) (2) فأضاف ms080 ذلك إلى
~~السفهاء، وهذا يدل على أنه كان بسببهم من حيث سألوا ما لا يجوز عليه تعالى.
# ومنها: ذكر الجهرة في الرؤية وهي لا تليق إلا برؤية البصر دون العلم،
~~وهذا يقوي أن الطلب لم يكن للعلم الضروري على ما سنذكره في الجواب التالي
~~لهذا الكلام.
# ومنها: قوله تعالى: (أنظر إليك) لأنا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية
~~لقومه، أمكن أن يكون قوله أنظر إليك على حقيقته، وإذا حملنا الآية على
~~العلم الضروري احتيج إلى حذف في الكلام، فيصير تقديره أرني أنظر إلى الآيات
~~التي عندها أعرفك ضرورة. ويمكن في هذا الوجه الأخير خاصة أن يقال: إذا كان
~~المذهب الصحيح عندكم أن النظر في الحقيقة غير الرؤية، فكيف يكون قوله أنظر
~~إليك على حقيقته، في جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه، فإن قلتم: لا
~~يمتنع أن يكونوا إنما التمسوا الرؤية التي يكون معها النظر والتحديق إلى
~~الجهة فسأل على حسب ما التمسوا، قيل لكم: هذا ينقض قولكم في هذا الجواب بين
~~سؤال الرؤية وبين سؤال جميع ما يستحيل عليه من الصاحبة والولد، وما يقتضي
~~الجسمية بأن تقول: الشك في الرؤية لا يمنع من صحة معرفة السمع، والشك في
~~جميع ما ذكر يمنع من ذلك، لأن الشك الذي لا يمنع من معرفة السمع إنما هو في
~~الرؤية التي يكون معها نظر ولا يقتضي التشبيه.
# PageV00P112
# فإن قلتم يحمل ذكر النظر على أن المراد به نفس الرؤية على سبيل المجاز،
~~لأن عادة العرب أن يسموا الشئ باسم طريقه وما قاربه وما داناه، قيل لكم
~~فكأنكم قد عدلتم عن مجاز إلى مجاز، فلا قوة في هذا الوجه، والوجوه التي
~~ذكرناها في تقوية هذا الجواب المتقدمة أولى، وليس لأحد أن يقول: لو كان
~~موسى (ع) إنما سأل الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول أرني أنظر
~~إليك، ولا كان الجواب أيضا مختصا به في قوله: لن تراني، وذلك أنه غير ممتنع
~~وقوع الإضافة على هذا الوجه، مع أن المسألة كانت من أجل ms081 الغير إذا كان هناك
~~دلالة تؤمن من اللبس، فلهذا يقول أحدنا إذا شفع في حاجة غيره للمشفوع إليه:
~~أسألك أن تفعل بي كذا وكذا وتجيبني إلى كذا وكذا، ويحسن أن يقول المشفوع
~~إليه: قد أجبتك وشفعتك وما جرى مجرى هذه الألفاظ. وإنما حسن هذا لأن للسائل
~~في المسألة غرضا، وإن رجعت إلى الغير لتحققه بها وتكلفه كتكلفه إذا اختصه.
# فإن قيل: كيف يسأل الرؤية لقومه مع علمه باستحالتها، ولئن جاز ذلك ليجوز
~~أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه من كونه جسما وما أشبهه متى شكوا فيه.
# قلنا: إنما صحت المسألة في الرؤية ولم تصح فيما سألت عنه، لأن مع الشك في
~~جواز الرؤية التي لا يقتضي كونه جسما يمكن معرفة السمع، وإنه تعالى حكيم
~~صادق في أخباره، فيصح أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما
~~شكوا في جوازه، ومع الشك في كونه جسما لا يصح معرفة السمع فلا ينتفع بجوابه
~~ولا يثمر علما. وقد قال بعض من تكلم في هذه الآية: قد كان جايز أن يسأل
~~موسى (ع) لقومه ما يعلم استحالته وإن كان دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته
~~متى كان المعلوم أن في ذلك صلاحا للمكلفين في الدين، وأن ورود الجواب يكون
~~لطفا لهم في النظر في الأدلة وإصابة الحق منها، غير أن من أجاب بذلك شرط أن
~~يبين النبي (ع) أنه عالم باستحالة ما سأل فيه، وأن غرضه في السؤال أن يرد
~~الجواب فيكون لطفا. PageV00P113
# وجواب آخر في الآية: وهو أن يكون موسى عليه السلام إنما سأل ربه تعالى أن
~~يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة التي يضطر عندها إلى المعرفة،
~~فتزول عنه الخواطر ومنازعة الشكوك والشبهات، ويستغني عن الاستدلال، فتخف
~~المحنة. عنه بذلك، كما سأل إبراهيم عليه السلام ربه تعالى أن يريه كيف يحيي
~~الموتى طلبا لتخفيف المحنة، وإن كان قد عرف ذلك قبل أن يراه. والسؤال وإن
~~وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الادراك بالبصر.
# قال الشاعر:
# رأيت ms082 الله إذا سمى نزارا * واسكنهم بمكة قاطنينا واحتمال الرؤية للعلم
~~أظهر من أن يدل عليه لاشتهاره ووضوحه. فقال الله تعالى لن تراني أي لم
~~تعلمني على هذا الوجه الذي التمسته، ثم أكد ذلك بأن أظهر في الجبل من
~~الآيات والعجائب ما دل به على أن المعرفة الضرورية في الدنيا مع التكليف
~~وبيانه لا يجوز، فإن الحكمة تمنع منها، والوجه الأول أولى لما ذكرناه
~~متقدما من الوجوه، لأن موسى (ع) لا يخلو من أن يكون شاكا في أن المعرفة
~~الضرورية لا يصح حصولها في الدنيا أو غير شاك، فإن كان شاكا فالشك فيما
~~يرجع إلى أصول الديانات وقواعد التكليف لا يجوز على الأنبياء (ع)، لا سيما
~~وقد يجوز أن يعلم ذلك على حقيقته بعض أمتهم فيزيد عليهم في المعرفة، وهذا
~~أبلغ في التنفير عنهم من كل شئ يمنع منهم، وإن كان موسى عليه السلام عالما
~~بذلك وغير شاك فيه، فلا وجه لسؤاله إلا أن يقال إنه سأل لقومه، فيعود إلى
~~معنى الجواب الأول.
# فقد حكي جواب ثالث في هذه الآية عن بعض من تكلم في تأويلها من أهل
~~التوجيه، وهو أنه قال: يجوز أن يكون موسى عليه السلام في وقته مسألته ذلك
~~كان شاكا في جواز الرؤية عليه تعالى، فسأل عن ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم
~~لا، قال: وليس شكه في ذلك بمانع أن يعرف الله تعالى بصفاته، PageV00P114
# بل يجري مجرى شكه في جواز الرؤية على بعض ما لا يرى من الأعراض في أنه
~~غير مخل بما يحتاج إليه في معرفته تعالى، قال ولا يمتنع أن يكون غلطه في
~~ذلك ذنبا صغيرا وتكون التوبة الواقعة منه لأجله. وهذا الجواب يبعد من جهة
~~أن الشك في جواز الرؤية التي لا تقتضي تشبيها وإن كان لا يمتنع من معرفته
~~بصفاته، فإن الشك في ذلك لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام من حيث يجوز من
~~بعض من بعثوا إليه أن يعرف ذلك على حقيقته، فيكون النبي (ع) شاكا فيه وأمته
~~عارفون به مع ms083 رجوعهم في المعارف بالله تعالى، وما يجوز عليه تعالى وما لا
~~يجوز، وهذا يزيد في التنفير على كل ما يوجب تنزيه الأنبياء عليهم السلام
~~عنه.
# فإن قيل: فعن أي شئ كانت توبة موسى عليه السلام على الجوابين المتقدمين؟.
# قلنا: أما من ذهب إلى أن المسألة كانت لقومه، فإنه يقول إنما تاب لأنه
~~أقدم على أن يسأل عن لسان قومه يؤذن له وليس للأنبياء عليهم السلام ذلك،
~~لأنه لا يؤمن من أن يكون الصلاح في المنع منه، فيكون ترك إجابتهم منفرا
~~عنهم. وليس تجري مسألتهم على سبيل الاستسرار، وبغير حضور قومهم يجري مجرى
~~ما ذكرناه لأنه ليس يجوز أن يسألوا مستسرين ما لم يؤذن لهم فيه، لأن منعهم
~~منه لا يقتضي تنفيرا.
# ومن ذهب إلى أنه سأل المعرفة الضرورية يقول أنه تاب من حيث سأل معرفة لا
~~يقتضيها التكليف. وفي الناس من قال إنه تاب من حيث ذكر في الحال ذنبا صغيرا
~~مقدما. والذي يجب أن يقال في تلفظه بذكر التوبة إنه وقع على سبيل الانقطاع
~~إلى الله تعالى والرجوع إليه والتقرب منه وإن لم يكن هناك ذنب معروف. وقد
~~يجوز أن يكون أيضا الغرض في ذلك مضافا إلى ما ذكرناه من الاستكانة والخضوع
~~والعبادة وتعليمنا وتفهيمنا على ما نستعمله وندعو به عند نزول الشدائد
~~وظهور الأهوال وتنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة PageV00P115
# مما التمسوه من الرؤية المستحيلة عليه تعالى، فإن الأنبياء (ع) وإن لم
~~يقع منهم القبائح فقد يقع من غيرهم، ويحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة
~~والاستغفار والاستقالة وهذا بين بحمد الله ومنه.
# بيان الوجه في أخذ موسى برأس أخيه يجره:
# (مسألة): فإن قيل: فما وجه قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره
~~إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء
~~ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾ (1) أوليس ظاهر هذه الآية يدل على أن
~~هارون عليه السلام أحدث ما أوجب إيقاع ذلك الفعل ms084 منه؟ وبعد فما الاعتذار
~~لموسى (ع) من ذلك وهو فعل السخفاء والمتسرعين وليس من عادة الحكماء
~~المتماسكين؟.
# (الجواب) قلنا: ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى وأخيه عليهما
~~السلام ما يقتضي وقوع معصية ولا قبيح من واحد منهما، وذلك أن موسى (ع) أقبل
~~وهو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظما لفعلهم مفكرا منكرا ما كان
~~منهم، فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الانسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب
~~وشدة الفكر. ألا ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على شفيته ويفتل أصابعه
~~ويقبض على لحيته؟ فأجرى موسى (ع) أخاه هارون مجرى نفسه، لأنه كان أخاه
~~وشريكه وحريمه، ومن يمسه من الخير والشر ما يمسه، فصنع به ما يصنعه الرجل
~~بنفسه في أحوال الفكر والغضب، وهذه الأمور تختل أحكامها بالعادات، فيكون ما
~~هو إكرام في بعضها استخافا في غيرها، ويكون ما هو استخفاف في موضع إكراما
~~في آخر.
# وأما قوله: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، فليس يدل على أنه وقع على
# PageV00P116
# سبيل الاستخفاف، بل لا يمتنع أن يكون هارون (ع) خاف من أن يتوهم بنو
~~إسرائيل لسوء ظنهم أنه منكر عليه معاتب له، ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في
~~موضع آخر: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (1) وفي
~~موضع آخر: (ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) إلى آخر الآية،
~~ويمكن أن يكون قوله: (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) ليس على سبيل الامتعاظ
~~والأنفة (أي الغيرة)، لكن معنى كلامه:
# (لا تغضب ولا يشتد جزعك وأسفك) لأنا إذا كنا قد جعلنا فعله ذلك دلالة
~~الغضب والجزع فالنهي عنه في المعنى نهي عنهما.
# وقال قوم إن موسى عليه السلام لما جرى من قومه من بعده ما جرى اشتد حزنه
~~وجزعه، ورأى من أخيه هارون عليه السلام مثل ما كان عليه من الجزع والقلق،
~~أخذ برأسه إليه متوجعا له مسكنا له، كما يفعل أحدنا بمن تناله المصيبة
~~العظيمة فيجزع لها ويقلق منها. وعلى هذا الجواب يكون قوله ms085 " لا تشمت بي
~~الأعداء " لا يتعلق بهذا الفعل، بل يكون كلاما مستأنفا.
# وأما قوله على هذا الجواب " لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي "، فيحتمل أن يريد
~~أن لا تفعل ذلك وغرضك التسكين مني فيظن القوم أنك منكر علي.
# وقال قوم في هذه الآية إن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى
~~عليه السلام، حتى أن هارون (ع) كان غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى أنت قتلته،
~~فلما وعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة وأتمها له بعشر وكتب له في الألواح
~~كل شئ وخصه بأمور شريفة جليلة الخطر بما أراه من الآية في الجبل ومن كلام
~~الله تعالى له وغير ذلك من شريف الأمور، ثم رجع إلى أخيه، أخذ برأسه ليدنيه
~~إليه ويعلمه ما جدده الله تعالى له من ذلك ويبشره به، فخاف هارون (ع) أن
~~يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقا على موسى
# PageV00P117
# عليه السلام: لا تأخذ بلحيتي، ولا برأسي لتبشرني بما تريده بين أيدي
~~هؤلاء فيظنوا بك ما لا يجوز عليك ولا يليق بك والله تعالى أعلم بمراده من
~~كلامه.
# في قدرة موسى على الصبر وتنزيهه عن النسيان:
# (مسألة) فإن قيل: فما وجه قوله تعالى فيما حكاه عن موسى عليه السلام
~~والعالم الذي كان صحبه وقيل إنه الخضر عليه السلام من الآيات التي
~~ابتداؤها: ﴿فوجدا عبدا من عبادنا
~~آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل أتبعك على أن
~~تعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط
~~به خبرا قال ستجدني إنشاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا
~~تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا﴾ (1) إلى آخر الآيات المتضمنة لهذه
~~القصة. وأول ما تسألون عنه في هذه الآيات أن يقال لكم كيف يجوز أن يتبع
~~موسى عليه السلام غيره ويتعلم منه، وعندكم أن النبي (ع) لا يجوز أن يفتقر
~~إلى غيره؟
# وكيف يجوز أن يقول ms086 له إنك لن تستطيع معي صبرا والاستطاعة عندكم هي القدرة
~~وقد كان موسى عل مذهبكم قادرا على الصبر؟ وكيف قال موسى ستجدني إن شاء الله
~~صابرا ولا أعصي لك أمرا فاستثنى المشيئة في الصبر وأطلق فيما ضمنه من طاعته
~~واجتناب معصيته؟ وكيف قال لقد جئت شيئا أمرا وشيئا نكرا وما أتى العالم
~~منكرا في الحقيقة؟ وما معنى قوله لا تؤاخذني بما نسيت وعندكم أن النسيان لا
~~يجوز على الأنبياء عليهم السلام؟ ولم نعت موسى (ع) النفس بأنها زكية ولم
~~تكن كذلك على الحقيقة؟ ولم قال في الغلام: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا
~~وكفرا) (2) فإن كان الذي خشية الله تعالى على ما ظنه قوم، فالخشية لا يجوز
~~عليه تعالى؟ وإن كان هو
# PageV00P118
# الخضر (ع) فكيف يستبيح دم الغلام لأجل الخشية والخشية لا تقتضي علما ولا
~~يقينا؟.
# (الجواب): قلنا: إن العالم الذي نعته الله تعالى في هذه الآيات فلا يجوز
~~إلا أن يكون نبيا فاضلا، وقد قيل إنه الخضر عليه السلام، وأنكر أبو علي
~~الجبائي ذلك وزعم أنه ليس بصحيح قال: لأن الخضر (ع) يقال إنه كان نبيا من
~~أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا من بعد موسى (ع)، وليس يمتنع أن يكون الله
~~تعالى قد أعلم هذا العالم ما لم يعلمه موسى، وأرشد موسى (ع) إليه ليتعلم
~~منه، وإنما المنكر أن يحتاج النبي (ع) في العلم إلى بعض رعيته المبعوث
~~إليهم. فأما أن يفتقر إلى غيره ممن ليس له برعية فجائز، وما تعلمه من هذا
~~العالم إلا كتعلمه من الملك الذي يهبط عليه بالوحي، وليس في هذا دلالة على
~~أن ذلك العالم كان أفضل من موسى في العلم، لأنه لا يمتنع أن يزيد موسى في
~~سائر العلوم التي هي أفضل وأشرف مما علمه، فقد يعلم أحدنا شيئا من سائر
~~المعلومات وإن كان ذلك المعلوم يذهب إلى غيره ممن هو أفضل منه وأعلم.
# وأما نفي الاستطاعة فإنما أراد بها أن الصبر لا يخف عليك أنه يثقل على
~~طبيعتك، كما يقول أحدنا لغيره: إنك لا ms087 تستطيع أن تنظر إلي. وكما يقال
~~للمريض الذي يجهده الصوم وإن كان قادرا عليه: إنك لا تستطيع الصيام ولا
~~تطيقه، وربما عبر بالاستطاعة عن الفعل نفسه كما قال الله تعالى حكاية عن
~~الحواريين: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل
~~علينا مائدة من السماء﴾ (1) فكأنه على هذا الوجه قال: إنك لن تصبر ولن
~~يقع منك الصبر.
# ولو كان إنما نفى القدرة على ما ظنه الجهال، لكان العالم وهو في ذلك
~~سواء، فلا معنى لاختصاصه بنفي الاستطاعة، والذي يدل على أنه نفى عنه
# PageV00P119
# الصبر لاستطاعته قول موسى (ع) في جوابه: (ستجدني إن شاء الله صابرا) ولم
~~قل ستجدني إن شاء الله مستطيعا. ومن حق الجواب أن يطابق الابتداء، فدل
~~جوابه على أن الاستطاعة في الابتداء هي عبارة عن الفعل نفسه.
# وأما قوله: (فلا أعصي لك أمرا) فهو أيضا مشروط بالمشيئة، وليس بمطلق على
~~ما ذكر في السؤال، فكأنه قال ستجدني صابرا ولا أعصي لك أمرا إن شاء الله.
~~وإنما قدم الشرط على الأمرين جميعا وهذا ظاهر في الكلام.
# وأما قوله: (لقد جئت شيئا أمرا) فقد قيل أنه أراد شيئا عجبا، وقيل أنه
~~أراد شيئا منكرا، وقيل إن الأمر أيضا هو الداهية. فكأنه قال جئت داهية.
# وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن الأمر مشتق من الكثرة من أمر القوم إذا
~~كثروا، وجعل عبارة عما كثر عجبه، وإذا حملت هذه اللفظة على العجب فلا سؤال
~~فيها، وإن حملت على المنكر كان الجواب عنها وعن قوله لقد جئت شيئا نكرا
~~واحدا. وفي ذلك وجوه:
# منها: أن ظاهر ما أتيته المنكر ومن يشاهده ينكره قبل أن يعرف علته.
# ومنها: أن يكون حذف الشرط فكأنه قال إن كنت قتلته ظالما فقد جئت شيئا
~~نكرا.
# ومنها: أنه أراد أنك أتيت أمرا بديعا غريبا، فإنهم يقولون فيما يستغربونه
~~ويجهلون علته أنه نكر ومنكر، وليس يمكن إن يدفع خروج الكلام مخرج الاستفهام
~~والتقرير دون القطع. ألا ترى إلى قوله: (أخرقتها لتغرق أهلها) وإلى قوله:
~~(أقتلت ms088 نفسا زكية بغير نفس). ومعلوم أنه إن كان قصد بخرق السفينة إلى
~~التغريق، فقد أتى منكرا. وكذلك إن كان قتل النفس على سبيل الظلم.
~~PageV00P120
# وأما قوله: (لا تؤاخذني بما نسيت) فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة:
# أحدها: أنه أراد النسيان المعروف، وليس ذلك بعجب مع قصر المدة، فإن
~~الانسان قد ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب وغير ذلك.
# والوجه الثاني: إنه أراد لا تأخذني بما تركت. ويجري ذلك مجرى قوله تعالى:
~~﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ (1)
~~أي ترك، وقد روي هذا الوجه عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى
~~الله عليه وآله قال: " وقال موسى لا تؤاخذني بما نسيت ". يقول بما تركت من
~~عهدك.
# والوجه الثالث: إنه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسماه
~~نسيانا للمشابهة كما قال المؤذن لأخوة يوسف عليه السلام: إنكم لسارقون أي
~~إنكم تشبهون السراق. وكما يتأول الخبر الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى
~~الله عليه وآله أنه قال: " كذب إبراهيم (ع) ثلاث كذبات في قوله سارة أختي،
~~وفي قوله بل فعله كبيرهم هذا. وقوله إني سقيم "، والمراد بذلك إن كان هذا
~~الخبر صحيحا أنه فعل ما ظاهره الكذب. وإذا حملنا هذه اللفظة على غير
~~النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها. وإذا حملناها على النسيان في الحقيقة كان
~~الوجه فيه أن النبي صلى الله عليه وآله إنما لا يجوز عليه النسيان فيما
~~يؤديه عن الله تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه. فأما فيما هو
~~خارج عما ذكرناه فلا مانع من النسيان، ألا ترى أنه إذا نسي أو سهى في مأكله
~~أو مشربه على وجه لا يستمر ولا يتصل، فنسب إلى أنه مغفل، فإن ذلك غير
~~ممتنع، وأما وصف النفس بأنها زكية فقد قلنا إن ذاك خرج مخرج الاستفهام لا
~~على سبيل الإخبار. وإذا كان استفهاما فلا سؤال على هذا الموضع. وقد اختلف
~~المفسرون في هذه النفس، ms089 فقال أكثرهم إنه كان صبيا لم يبلغ
# PageV00P121
# الحلم، وأن الخضر وموسى عليهما السلام مرا بغلمان يلعبون، فأخذ الخضر (ع)
~~منهم غلاما فأضجعه وذبحه بالسكين. ومن ذهب إلى هذا الوجه يجب أن يحمل قوله
~~زكية على أنه من الزكاة الذي هو الزيادة والنماء، لأن الطهارة في الدين من
~~قولهم: زكت الأرض تزكو إذا زاد ريعها.
# وذهب قوم إلى أنه كان رجلا بالغا كافرا ولم يكن يعلم موسى (ع) باستحقاقه
~~القتل، فاستفهم عن حاله. ومن أجاب بهذا الجواب إذا سئل عن قوله تعالى: ﴿حتى إذا لقيا غلاما فقتله﴾ (1) يقول
~~لا يمتنع تسمية الرجل بأنه غلام على مذهب العرب وإن كان بالغا.
# فأما قوله: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) فالظاهر يشهد أن الخشية من
~~العالم لا منه تعالى. والخشية ههنا قيل: العلم. كما قال الله تعالى: (وإن
~~امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) (2) وقوله تعالى:
# (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) (3) وقوله عز وجل: (وإن خفتم علية)
~~(4) وكل ذلك بمعنى العلم.
# وعلى هذا الوجه كأنه يقول إنني علمت بإعلام الله تعالى لي أن هذا الغلام
~~متى بقي كفر أبويه (كفروا أبواه)، ومتى قتل بقيا على إيمانها.
# فصارت تبقيته مفسدة ووجب احترامه، ولا فرق بين أن يميته الله تعالى وبين
~~أن يأمر بقتله. وقد قيل أن الخشية هاهنا بمعنى الخوف الذي لا يكون معه يقين
~~ولا قطع. وهذا يطابق جواب من قال إن الغلام كان كافرا مستحقا للقتل بكفره،
~~وانضاف إلى استحقاقه ذلك بالكفر خشية إدخال أبويه في الكفر وتزيينه
~~(وترديده) لهما. قال قوم إن الخشية ههنا هي الكراهية. يقول القائل:
# PageV00P122
# فرقت بين الرجلين خشية أن يقتتلا، أي كراهة لذلك، وعلى هذا التأويل
~~والوجه الذي قلنا أنه بمعنى العلم لا يمتنع أن تضاف الخشية إلى الله تعالى.
# فإن قيل: فما معنى قوله تعالى ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ (1)
~~والسفينة البحرية تساوي المال الجزيل، وكيف يسمى مالكها بأنه مسكين
~~والمسكين عند ms090 قوم شر من الفقير؟ وكيف قال: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة
~~غصبا) (2) ومن كان وراءهم قد سلموا من شره ونجوا من مكروهة وإنما الحذر مما
~~يستقبل.
# قلنا أما قوله: لمساكين ففيه أوجه:
# منها أنه لم يعن بوصفهم بالمسكنة الفقر، وإنما أراد عدم الناصر وانقطاع
~~الحيلة. كما يقال لمن له عدو يظلمه ويهضمه أنه مسكين ومستضعف وإن كان كثير
~~المال واسع الحال. ويجري هذا مجرى ما روي عنه عليه السلام من قوله: " مسكين
~~مسكين رجل لا زوجة له ". وإنما أراد وصفه بالعجز وقلة الحيلة وإن كان ذا
~~مال واسع.
# ووجه آخر: وهو أن السفينة الواحدة البحرية التي لا يتعيش إلا بها ولا
~~يقدر على التكسب إلا من جهتها كالدار التي يسكنها الفقير هو وعياله ولا يجد
~~سواها، فهو مضطر إليها ومنقطع الحيلة إلا منها. فإذا انضاف إلى ذلك أن
~~يشاركه جماعة في السفينة حتى يكون له منها الجزء اليسير، كان أسوأ حالا
~~وأظهر فقرا.
# ووجه آخر: إن لفظة المساكين قد قرئت بتشديد السين وفتح النون، فإذا صحت
~~هذه الرواية فالمراد بها البخلاء. وقد سقط السؤال. فأما قوله
# PageV00P123
# تعالى: (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) فهذه اللفظة يعبر بها عن
~~الإمام والخلف معا. فهي ها هنا بمعنى الإمام. ويشهد بذلك قوله تعالى:
# (ومن ورائه جهنم) يعني من قدامه وبين يديه. وقال الشاعر:
# ليس على طول الحياة ندم * ومن وراء المرء ما لا يعلم وقال الآخر:
# أليس ورائي إن تراخت منيتي * لزوم العصى تحنى عليها الأصابع ولا شبهة في
~~أن المراد بجميع ذلك: القدام.
# وقال بعض أهل العربية إنما صلح أن يعبر بالوراء عن الإمام إذا كان الشئ
~~المخبر عنه بالوراء يعلم أنه لا بد من بلوغه ثم يسبقه ويخلفه. فتقول العرب:
~~البرد وراءك وهو يعني قدامك، لأنه قد علم أنه لا بد من أن يبلغ البرد ثم
~~يسبق.
# ووجه آخر: وهو أنه يجوز أن يريد أن ملكا ظالما كان خلفهم وفي طريقهم عند
~~رجوعهم على وجه لا انفكاك لهم منه ms091 ولا طريق لهم إلا المرور به، فخرق
~~السفينة حتى لا يأخذها إذا عادوا عليه. ويمكن أن يكون وراءهم على وجه
~~الاتباع والطلب والله أعلم بمراده.
# تنزيه موسى عن تبرئته بهتك عورته:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه
~~الله مما قالوا وكان عند الله وجيها﴾ (1) أوليس قد روي في الآثار أن
~~بني إسرائيل رموه (ع) بأنه أدر وبأنه أبرص، وأنه (ع) ألقى ثيابه على صخرة
~~ليغتسل، فأمر الله تعالى تلك الصخرة بأن تسير فسارت وبقي موسى (ع) مجردا
~~يدور على محافل بني إسرائيل حتى رأوه وعلموا أنه لا عاهة به.
# PageV00P124
# (الجواب): قلنا ما روي في هذا المعنى ليس بصحيح وليس يجوز أن يفعل الله
~~تعالى بنبيه عليه السلام ما ذكروه من هتك العورة ليبرئه من عاهة أخرى، فإنه
~~تعالى قادر على أن ينزهه مما قذفوه به على وجه لا يلحقه معه فضيحة أخرى،
~~وليس يرمي بذلك أنبياء الله تعالى من يعرف أقدارهم.
# والذي روي في ذلك من الصحيح معروف، وهو أن بني إسرائيل لما مات هارون
~~عليه السلام قذفوه بأنه قتله لأنهم كانوا إلى هارون (ع) أميل، فبرأه الله
~~تعالى من ذلك بأن أمر الملائكة بأن تحمل هارون (ع) ميتا، فمرت به على محافل
~~بني إسرائيل ناطقة بموته ومبرئة لموسى عليه السلام من قتله.
# وهذا الوجه يروى عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. وروي أيضا أن
~~موسى (ع) نادى أخاه هارون فخرج من قبره فسأله هل قتله قال لا؟ ثم عاد إلى
~~قبره. وكل هذا جائز والذي ذكره الجهال غير جائز. PageV00P125
# داود عليه السلام تنزيه داود عن المعصية (مسألة) فإن قيل فما الوجه في
~~قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع
~~منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط
~~واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ms092 واحدة فقال
~~أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من
~~الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم
~~وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) (1) أوليس قد روى أكثر
~~المفسرين أن داود عليه السلام قال رب قد أعطيت إبراهيم وإسحق ويعقوب من
~~الذكر ما وددت إنك أعطيتني مثله، قال الله تعالى إني ابتليتهم بما لم أبتلك
~~بمثله، وإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم وأعطيتك كما أعطيتهم، قال نعم،
~~فقال عز وجل له فاعمل حتى أرى بلاءك، فكان ما شاء الله أن يكون، وطال عليه
~~ذلك حتى كاد ينساه. فبينا هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن
~~يأخذها فطارت إلى كوة المحراب، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فاطلع من
~~الكوة فإذا امرأة
# PageV00P126
# تغتسل فهواها وهم بتزوجها، وكان لها بعل يقال له أوريا، فبعث به إلى بعض
~~السرايا وأمره أن يتقدم أمام التابوت الذي فيه السكينة، وكان غرضه أن يقتل
~~فيه فيتزوج بامرأته، فأرسل الله إليه الملكين في صورة خصمين ليبكتاه (1)
~~على خطيئته وكنيا عن النساء بالنعاج.
# وعليكم في هذه الآيات سؤال من وجه آخر وهو أن الملائكة لا تكذب فكيف
~~قالوا خصمان بغى بعضنا على بعض؟ وكيف قال أحدهما إن هذا أخي له تسع وتسعون
~~نعجة ولي نعجة واحدة إلى آخر الآية؟ ولم يكن من كل ذلك شئ؟.
# (الجواب): قلنا: نحن نجيب بمقتضى الآية ونبين أنه لا دلالة في شئ منها
~~على وقوع الخطأ من داود عليه السلام، فهو الذي يحتاج إليه، فأما الرواية
~~المدعاة، فساقطة مردودة، لتضمنها خلاف ما يقتضيه العقول في الأنبياء عليهم
~~السلام، قد طعن في رواتها بما هو معروف، فلا حاجة بنا إلى ما ذكره.
# وأما قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم) فالخصم مصدر لا يجمع ولا يثنى ولا
~~يؤنث. ثم قال (إذ تسوروا المحراب) فكنى عنهم بكناية الجماعة، وقيل في ذلك
~~أنه إخراج الكلام على المعنى دون اللفظ، لأن الخصمين ههنا ms093 كانا كالقبيلتين
~~أو الجنسين. وقيل بل جمع لأن الاثنين أقل الجمع، وأوله لأن فيهما معنى
~~الانضمام والاجتماع. وقيل بل كان مع هذين الخصمين غيرهما ممن يعنيهما
~~ويؤيدهما. فإن العادة جارية فيمن يأتي باب السلطان بأن يحضر معه الشفعاء
~~والمعاونون، فأما خوفه منهما فلأنه (ع) كان خاليا بالعبادة في وقت لا يدخل
~~عليه فيه أحد على مجرى عادته، فراعه منهما أنهما. أتيا في غير وقت الدخول،
~~أو لأنهما دخلا من غير المكان
# PageV00P127
# المعهود. وقولهما خصمان بغى بعضنا على بعض جرى على التقدير والتمثيل.
~~وهذا كلام مقطوع عن أو له، وتقديره: أرأيت لو كنا كذلك واحتكمنا إليك؟ ولا
~~بد لكل واحد من الاضمار في هذه الآية. وإلا لم يصح الكلام لأن خصمان لا
~~يجوز أن يبتدؤا به.
# وقال المفسرون تقدير الكلام: نحن خصمان. قالوا وهذا مما يضمره المتكلم
~~ويضمره المتكلم له أيضا. فيقول المتكلم سامع مطيع، أي أنا كذلك. ويقول
~~القافلون من الحج آئبون تائبون لربنا حامدون. أي نحن كذلك. وقال الشاعر:
# وقولا إذا جاوزتما أرض عامر * وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما فزيعان من جرم
~~بن ريان أنهم * أبوا أن يجيروا في الهزاهز محجما أي نحن فزيعان.
# ويقال للمتكلم مطاع معان. ويقال له أراحل أم مقيم؟ وقال الشاعر:
# تقول ابنة الكعبي لما لقيتها * أمنطلق في الجيش أم متثاقل أي أنت كذلك.
# فإذا كان لا بد في الكلام من اضمار فليس لهم أن يضمروا شيئا بأولى منا
~~إذا أضمرنا سواه.
# فأما قوله: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة} إلى آخر الآية.
# فإنما هو أيضا على جهة التقدير والتمثيل اللذين قدمناهما، وحذف من الكلام
~~ما يقتضي فيه التقدير.
# ومعنى قوله: {وعزتي في الخطاب} أي صار أعز مني. وقيل إنه أراد قهرني
~~وغلبني.
# وأما قوله لقد ظلمك من غير مسألة الخصم، فإن المراد به إن كان الأمر
~~PageV00P128
# كذلك. ومعنى ظلمك انتقصك، كما قال الله تعالى: {أتت أكلها ولم تظلم منه
~~شيئا} (1).
# ومعنى ظن قيل فيه وجهان:
# أحدهما: أنه أراد الظن المعروف الذي هو بخلاف اليقين. ms094
# والوجه الآخر: أنه أراد العلم واليقين، لأن الظن قد يرد بمعنى العلم قال
~~الله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} (2) وليس يجوز إن
~~يكون أهل الآخرة ظانين لدخول النار بل عالمين قاطعين.
# وقال الشاعر:
# فقلت لهم ظنوا بإلقاء مذحج * سراتهم في الفارسي المسرد أي أيقنوا.
~~والفتنة في قوله: {وظن داود إنما فتناه} هي الاختبار والامتحان لا وجه لها
~~إلا ذلك في هذا الموضع. كما قال تعالى: (وفتناك فتونا).
# فأما الاستغفار والسجود فلم يكونا لذنب كان في الحال، ولا فيما سلف على
~~ما ظنه بعض من تكلم في هذا الباب، بل على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى
~~والخضوع له والتذلل والعبادة والسجود. وقد يفعله الناس كثيرا عند النعم
~~التي تتجدد عليهم وتنزل وتؤول وترد إليهم شكرا لمواليها. فكذلك قد يسبحون
~~ويستغفرون الله تعالى تعظيما وشكرا وعبادة.
# وأما قوله تعالى: (وخر راكعا وأناب) فالإنابة هي الرجوع. ولما
# PageV00P129
# كان داود عليه السلام بما فعله راجعا إلى الله تعالى ومنقطعا إليه، قيل
~~فيه إنه أناب، كما يقال في التائب الراجع إلى التوبة والندم إنه منيب.
# فأما قوله تعالى: (فغفرنا له ذلك) فمعناه إنا قبلنا منه وكتبنا له الثواب
~~عليه فأخرج الجزاء على وجه المجازات به، كما قال تعالى:
# ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ (1)
~~وقال عز وجل: (الله يستهزئ بهم) فأخرج الجزاء على لفظ المجازي عليه.
# قال الشاعر:
# ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا ولما كان المقصود في
~~الاستغفار والتوبة إنما هو القبول، قيل في جوابه فغفرنا لك أي فعلنا
~~المقصود به. كذلك لما كان الاستغفار على طريق الخضوع والعبادة المقصود به
~~القربة والثواب، قيل في جوابه غفرنا مكان قبلنا.
# على أن من ذهب إلى أن داود عليه السلام فعل صغيرة، فلا بد من أن يحمل
~~قوله تعالى (غفرنا) على غير إسقاط العقاب، لأن العقاب قد سقط بما هناك من
~~الثواب الكثير من غير استغفار ولا توبة، ومن جوز على داود عليه السلام
~~الصغيرة، يقول إن استغفاره ms095 (ع) كان لأحد أمور:
# أحدها أن أوريا بن حنان لما أخرجه في بعض ثغوره قتل، وكان داود (ع) عالما
~~بجمال زوجته فمالت نفسه إلى نكاحها بعده، فقل غمه بقتله لميل طبعه إلى نكاح
~~زوجته، فعوتب على ذلك بنزول الملكين من حيث حمله ميل الطبع، على أن قل غمه
~~بمؤمن قتل من أصحابه.
# وثانيها: أنه روى أن امرأة خطبها أوريا بن حنان ليتزوجها، وبلغ
# PageV00P130
# داود (ع) جمالها فخطبها أيضا فزوجها أهلها بداود وقدموه على أوريا وغيره،
~~فعوتب (ع) على الحرص على الدنيا، بأنه خطب امرأة قد خطبها غيره حتى قدم
~~عليه.
# وثالثها: أنه روي أن امرأة تقدمت مع زوجها إليه في مخاصمة بينهما من غير
~~محاكمة لكن على سبيل الوساطة، وطال الكلام بينهما وتردد، فعرض داود (ع)
~~للرجل بالنزول عن المرأة لا على سبيل الحكم لكن على سبيل التوسط
~~والاستصلاح، كما يقول أحدنا لغيره: إذا كنت لا ترضى زوجتك هذه ولا تقوم
~~بالواجب من نفقتها فانزل عنها. فقدر الرجل أن ذلك حكم منه لا تعريض، فنزل
~~عنها وتزوجها داود (ع)، فأتاه الملكان ينبهانه على التقصير في ترك تبيين
~~مراده للرجل، وأنه كان على سبيل العرض لا الحكم.
# ورابعها: أن سبب ذلك أن داود (ع) كان متشاغلا بعبادته في محرابه، فأتاه
~~رجل وامرأة يتحاكمان، فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها فيحكم لها أو عليها،
~~وذلك نظر مباح على هذا الوجه، فمالت نفسه إليها ميل الخلقة والطباع، ففصل
~~بينهما وعاد إلى عبادته، فشغله الفكر في أمرها وتعلق القلب بها عن بعض
~~نوافله التي كان وظفها على نفسه فعوتب.
# وخامسها: أن المعصية منه إنما كانت بالعجلة في الحكم قبل التثبت، وقد كان
~~يجب عليه لما سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها، ولا
~~يقتضي عليه قبل المسألة. ومن أجاب بهذا الجواب قال: إن الفزع من دخولهما
~~عليه في غير وقت العادة نساه التثبت والتحفظ.
# وكل هذه الوجوه لا يجوز على الأنبياء (ع)، لأن فيها ما هو معصية، وقد
~~بينا أن المعاصي ms096 لا تجوز عليهم، وفيها ما هو منفر، وإن لم يكن معصية، مثل
~~أن يخطب امرأة قد خطبها رجل من أصحابه فتقدم عليه وتزوجها. ومثل التعريض
~~بالنزول عن المرأة وهو لا يريد الحكم. PageV00P131
# فأما الاشتغال عن النوافل فلا يجوز أن يقع عليه عتاب، لأنه ليس بمعصية
~~ولا هو أيضا منفر، فأما من زعم أنه عرض أوريا للقتل وقدمه أمام التابوت
~~عمدا حتى يقتل، فقوله أوضح فسادا من أن يتشاغل برده.
# وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: لا أوتي برجل يزعم أن
~~داود عليه السلام تزوج بامرأة أوريا إلا جلدته حدين، حدا للنبوة وحدا
~~للاسلام.
# فأما أبو مسلم فإنه قال: لا يمتنع أن يكون الداخلان على داود (ع) كانا
~~خصمين من البشر، وأن يكون ذكر النعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية،
~~وإنما ارتاع منهما لدخولهما من غير إذن وعلى غير مجرى العادة، قال وليس في
~~ظاهر التلاوة ما يقتضي أن يكونا ملكين. وهذا الجواب يستغنى معه عما تأولنا
~~به. قولهما ودعوى أحدهما على صاحبه وذكر النعاج. والله تعالى أعلم بالصواب.
~~PageV00P132
# سليمان عليه السلام تنزيه سليمان عن المعصية:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي
~~الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب
~~ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ (1) أوليس ظاهر هذه الآيات يدل
~~على أن مشاهدة الخيل الهاه واشغله عن ذكر ربه، حتى روي أن الصلاة فاتته
~~وقيل إنها صلاة العصر، ثم إنه عرقب الخيل وقطع سوقها وأعناقها غيظا عليها،
~~وهذا كله فعل يقتضي ظاهره القبح.
# (الجواب): قلنا أما ظاهر الآية فلا يدل على إضافة قبيح إلى النبي (ع)
~~والرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلة لا يلتفت إليها لو كانت قوية
~~صحيحة ظاهرة، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية؟ والذي يدل على ما ذكرناه على سبيل
~~الجملة أن الله تعالى ابتدأ الآية بمدحه وتعريفه والثناء عليه، فقال: نعم ms097
~~العبد إنه أواب، وليس يجوز أن يثني عليه بهذا الثناء ثم يتبعه من غير فصل
~~بإضافة القبيح إليه، وأنه تلهى بعرض الخيل عن فعل المفروض عليه من الصلاة
~~والذي يقتضيه الظاهر أن حبه للخيل وشغفه بها
# PageV00P133
# كان بإذن ربه وبأمره وتذكيره إياه لأن الله تعالى قد أمرنا بارتباط الخيل
~~وإعدادها لمحاربة الأعداء، فلا ينكر أن يكون سليمان عليه السلام مأمورا
~~بمثل ذلك. فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي، ليعلم من حضره أن اشتغاله
~~بها واستعداده لها لم يكن لهوا ولا لعبا، وإنما أتبع فيه أمر الله تعالى
~~وآثر طاعته.
# وأما قوله: أحببت حب الخير ففيه وجهان.
# أحدهما: أنه أراد أني أحببت حبا ثم أضاف الحب إلى الخير.
# والوجه الآخر: أنه أراد أحببت اتخاذ الخير. فجعل قوله بدل اتخاذ الخير حب
~~الخير.
# فأما قوله تعالى: (ردوها علي) فهو للخيل لا محالة على مذهب سائر أهل
~~التفسير.
# فأما قوله تعالى: (حتى توارت بالحجاب)، فإن أبا مسلم محمد بن بحر وحده
~~قال إنه عائد إلى الخيل دون الشمس، لأن الشمس لم يجر لها ذكر في القصة. وقد
~~جرى للخيل ذكر فرده إليها أولى إذا كانت له محتملة، وهذا التأويل يبرئ
~~النبي (ع) عن المعصية.
# فأما من قال إن قوله تعالى (حتى توارت بالحجاب) كناية عن الشمس، فليس في
~~ظاهر القرآن أيضا على هذا الوجه ما يدل على أن التواري كان سببا لفوت
~~الصلاة، ولا يمتنع أن يكون ذلك على سبيل الغاية لعرض الخيل عليه ثم
~~استعادته لها.
# فأما أبو علي الجبائي وغيره، فإنه ذهب إلى أن الشمس لما توارت بالحجاب
~~وغابت كان ذلك سببا لترك عبادة كان يتعبد بها بالعشي، وصلاة نافلة كان
~~يصليها فنسيها شغلا بهذه الخيل وإعجابا بتقليبها، فقال هذا القول
~~PageV00P134
# على سبيل الاغتمام لما فاته من الطاعة، وهذا الوجه أيضا لا يقتضي إضافة
~~قبيح إليه (ع) لأن ترك النافلة ليس بقبيح ولا معصية.
# وأما قوله تعالى: فطفق مسحا بالسوق والأعناق فقد قيل فيه وجوه:
# منها: أنه عرقبها ومسح ms098 أعناقها وسوقها بالسيف من حيث شغلته عن الطاعة،
~~ولم يكن ذلك على سبيل العقوبة لها لكن حتى لا يتشاغل في المستقبل بها عن
~~الطاعات، لأن للانسان أن يذبح فرسه لأكل لحمها، فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجه
~~آخر يحسنه. وقد قيل أنه يجوز أن يكون لما كانت الخيل أعز ما له عليه أراد
~~أن يكفر عن تفريطه في النافلة فذبحها وتصدق بلحمها على المساكين. قالوا
~~فلما رأى حسن الخيل راقته وأعجبته، أراد أن يقترب إلى الله تعالى بالمعجب
~~له الرائق في عينه، ويشهد بصحة هذا المذهب قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (1) فأما
~~أبو مسلم فإنه ضعف هذا الوجه وقال: لم يجر للسيف ذكر فيضاف إليه المسح، ولا
~~يسمى العرب الضرب بالسيف والقطع به مسحا، قال فإن ذهب ذاهب إلى قول الشاعر:
# مدمن يجلو بأطراف الذرى * دنس الأسوق بالعضب الأفل فإن هذا الشاعر يعني
~~أنه عرقب الإبل للأضياف فمسح بأسنمتها ما صار على سيفه من دنس عراقبها وهو
~~الدم الذي أصابه منها، وليس في الآية ما يوجب ذلك ولا ما يقاربه، وليس الذي
~~أنكره أبو مسلم بمنكر لأن أكثر أهل التأويل وفيهم من يشار إليه في اللغة،
~~روى أن المسح ههنا هو القطع وفي الاستعمال المعروف: مسحه بالسيف إذا قطعه
~~وبتره. والعرب تقول مسح علاوتها أي ضربها.
# ومنها: أن يكون معنى مسحها هو أنه أمر يده عليها صيانة لها وإكراما
# PageV00P135
# لما رأى من حسنها. فمن عادة من عرضت عليه الخيل أن يمر يده على أعرافها
~~وأعناقها وقوائمها.
# ومنها: أن يكون معنى المسح ههنا هو الغسل، فإن العرب تسمي الغسل مسحا،
~~فكأنه لما رأى حسنها أراد صيانتها وإكرامها فغسل قوائمها وأعناقها وكل هذا
~~واضح.
# تنزيه سليمان عن الفتنة:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ (1)
~~أوليس قد روي في تفسير هذه الآية أن جنيا كان اسمه صخرا تمثل ms099 على صورته
~~وجلس على سريره، وأنه أخذ خاتمه الذي فيه النبوة فألقاه في البحر، فذهبت
~~نبوته وأنكره قومه حتى عاد إليه من بطن السمكة.
# (الجواب): قلنا: أما ما رواه الجهال في القصص في هذا الباب فليس مما يذهب
~~على عاقل بطلانه، وأن مثله لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام، وأن النبوة
~~لا تكون في خاتم ولا يسلبها النبي (ع) ولا ينزع عنه، وأن الله تعالى لا
~~يمكن الجني من التمثيل بصورة النبي (ع) ولا غير ذلك مما افتروا به على
~~النبي (ع). وإنما الكلام على ما يقتضيه ظاهر القرآن، وليس في الظاهر أكثر
~~من أن جسدا القي على كرسيه على سبيل الفتنة له وهي الاختبار والامتحان، مثل
~~قوله تعالى: (آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد
~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (2)
~~والكلام في ذلك الجسد ما هو إنما يرجع فيه إلى الرواية الصحيحة التي لا
~~تقتضي إضافة قبيح إليه تعالى، وقد قيل في ذلك
# PageV00P136
# أشياء (منها): أن سليمان عليه السلام قال يوما في مجلسه وفيه جمع كثير:
# " لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في
~~سبيل الله " وكان له فيما روي عدد كثير من السراري، فأخرج كلامه على سبيل
~~المحبة بهذا الحال، فنزهه الله تعالى عن الكلام الذي ظاهره الحرص على
~~الدنيا والتثبت بها لئلا يقتدى به في ذلك، فلم تحمل من نسائه إلا امرأة
~~واحدة فألقت ولدا ميتا، فحمل حتى وضع على كرسيه جسدا بلا روح تنبيها له على
~~أنه ما كان يجب بأن يظهر منه ما ظهر، فاستغفر ربه وفزع إلى الصلاة والدعاء.
# وهذا الوجه إذا صح ليس يقتضي معصية صغيرة على ما ظنه بعضهم حتى نسب
~~الاستغفار والإنابة إلى ذلك، وذلك لأن محبة الدنيا على الوجه المباح ليس
~~بذنب وإن كان غيره أولى منه، والاستغفار عقيب هذه الحال لا يدل على وقوع
~~ذنب في الحال ولا قبلها، بل يكون محمولا على ما ms100 ذكرناه آنفا في قصة داود
~~عليه السلام من الانقطاع إلى الله تعالى وطلب ثوابه.
# فأما قول بعضهم: إن ذنبه من حيث لم يستثن بمشيئة الله تعالى لما قال: تلد
~~كل امرأة واحدة منهن غلاما. وهذا غلط لأنه (ع) وإن لم يستثن ذلك لفظا قد
~~استثناه ضميرا أو اعتقادا. إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول لكان كاذبا أو
~~مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا، وذلك لا يجوز عند من جوز الصغائر على
~~الأنبياء عليهم السلام.
# وأما قول بعضهم: إنه (ع) إنما عوتب واستغفر لأجل أن فريقين اختصما إليه،
~~أحدهما من أهل جرادة امرأة له كان يحبها، فأحب أن يقع القضاء لأهلها فحكم
~~بين الفريقين بالحق، وعوتب على محبة موافقة الحكم لأهل امرأته، فليس هذا
~~أيضا بشئ لأن هذا المقدار الذي ذكروه ليس بذنب يقتضي عتابا إذا كان لم يرد
~~القضاء بما يوافق امرأته على كل حال، بل مال طبعه إلى أن يكون الحق موافقا
~~لقول فريقها، وأن يتفق أن يكون في جهتها PageV00P137
# من غير أن يقتضي ذلك ميلا منه إلى الحكم أو عدولا عن الواجب.
# (ومنها): أنه روي عن الجن لما ولد لسليمان عليه السلام ولد قالوا لنلقين
~~من ولده مثل ما لقينا من أبيه، فلما ولد له غلام أشفق عليه منهم فاسترضعه
~~في المزن وهو السحاب فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا تنبيها له على أن
~~الحذر لا ينقطع مع القدر.
# (ومنها): أنهم ذكروا أنه كان لسليمان (ع) ولد شاب ذكي وكان يحبه حبا
~~شديدا فأماته الله تعالى على بساطه فجأة بلا مرض اختبارا من الله تعالى
~~لسليمان (ع) وابتلاء لصبره في إماتة ولده، وألقى جسده على كرسيه، وقيل إن
~~الله جل ثنائه أماته في حجره وهو على كرسيه فوضعه من حجره عليه.
# ومنها: ما ذكره أبو مسلم، فإنه قال جايز أن يكون الجسد المذكور هو جسد
~~سليمان (ع)، وأن يكون ذلك لمرض امتحنه تعالى به.
# وتلخيص الكلام:
# " ولقد فتنا سليمان وألقينا منه على كرسيه جسدا " وذلك ms101 لشدة المرض.
~~والعرب تقول في الانسان إذا كان ضعيفا " إنه لحم على وضم ".
# كما يقولون: " إنه جسد بلا روح " تغليظا للعلة ومبالغة في فرط الضعف.
# (ثم أناب) أي رجع إلى حال الصحة واستشهد على الاختصار والحذف في الآية
~~بقوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك
~~وجعلنا على قلوبهم أكنة إن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا
~~يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير
~~الأولين﴾ (1) ولو أتي بالكلام على شرحه لقول الذين كفروا منهم أي من
~~المجادلين. كما قال تعالى: (محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على
~~الكفار رحماء
# PageV00P138
# بينهم) إلى قوله: ﴿وعد الله الذين
~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ (١) وقال الأعشى في
~~معنى الاختصار والحذف:
# وكأن السموط علقها السلك * بعطفي جيداء أم غزال ولو أتي بالشرح لقال
~~علقها السلك منها.
# وقال كعب بن زهير:
# زالوا فما زال انعكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل وإنما أراد
~~فما زال منهم انعكاس ولا كشف وشواهد هذا المعنى كثيرة.
# تنزيه سليمان عن الشح وعدم القناعة:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قول سليمان عليه السلام: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت
~~الوهاب﴾ (2) أوليس ظاهر هذا القول منه (ع) يقتضي الشح والظن والمنافة
~~لأنه لم يقنع بمسألة الملك حتى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه؟.
# (الجواب) قلنا: قد ثبت أن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون إلا ما يؤذن
~~لهم في مسألته، لا سيما إذا كانت المسألة ظاهرة يعرفها قومهم. وجايز أن
~~يكون الله تعالى أعلم سليمان (ع) أنه إن سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح
~~له في الدين والاستكثار من الطاعات، وأعلمه أن غيره لو سأل ذلك لم يجب إليه
~~من حيث لا صلاح له فيه. ولو أن أحدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول
~~اللهم اجعلني ms102 أيسر أهل زماني وارزقني مالا يساويني فيه غيري إذا علمت أن
~~ذلك أصلح لي وأنه أدعى إلى ما تريده مني، لكان هذا
# PageV00P139
# الدعاء منه حسنا جميلا وهو غير منسوب به إلى بخل ولا شح. وليس يمتنع أن
~~يسأل النبي هذه المسألة من غير إذن إذا لم يكن شرط ذلك بحضرة قومه، بعد أن
~~يكون هذا الشرط مرادا فيها، وإن لم يكن منطوقا به، وعلى هذا الجواب اعتمد
~~أبو علي الجبائي.
# ووجه آخر: وهو أن يكون عليه السلام إنما التمس أن يكون ملكه آية لنبوته
~~ليتبين بها عن غيره ممن ليس نبيا. وقوله " لا ينبغي لأحد من بعدي " أراد به
~~لا ينبغي لأحد غيري ممن أتى مبعوث إليه، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة
~~من النبيين (ع). ونظير ذلك أنك تقول للرجل أنا أطيعك ثم لا أطيع أحدا بعدك،
~~تريد ولا أطيع أحدا سواك. ولا تريد بلفظة بعد المستقبل، وهذا وجه قريب.
# وقد ذكر أيضا في هذه الآية ومما لا يذكر فيها مما يحتمله الكلام أن يكون
~~(ع) إنما سأل ملك الآخرة وثواب الجنة التي لا يناله المستحق إلا بعد انقطاع
~~التكليف وزوال المحنة، فمعنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي أي لا يستحقه بعد
~~وصولي إليه أحد من حيث لا يصح أن يعمل ما يستحق به لانقطاع التكليف. ويقوي
~~هذا الجواب قوله " رب اغفر لي " وهو من أحكام الآخرة. وليس لأحد أن يقول إن
~~ظاهر الكلام بخلاف ما تأولتم، لأن لفظة بعدي لا يفهم منها بعد وصولي إلى
~~الثواب. وذلك أن الظاهر غير مانع من التأويل الذي ذكرناه، ولا مناف له.
~~لأنه لا بد من أن تعلق لفظة بعدي بشئ من أحواله المتعلقة به، وإذا علقناها
~~بوصوله إلى الملك كان ذلك في الفايدة ومطابقة الكلام كغيره مما يذكر في هذا
~~الباب. ألا ترى أنا إذا حملنا لفظة بعدي على نبوتي أو بعد مسألتي أو ملكي،
~~كان ذلك كله في حصول الفايدة به، يجري مجرى أن تحملها إلى بعد وصولي ms103 إلى
~~الملك. فإن ذلك مما يقال فيه أيضا بعدي. ألا ترى أن القائل يقول دخلت الدار
~~بعدي ووصلت إلى كذا وكذا بعدي، وإنما يريد بعد دخولي وبعد وصولي وهذا واضح
~~بحمد الله. PageV00P140
# يونس عليه السلام تنزيه يونس عليه السلام عن الظلم:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى
~~في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (1) وما
~~معنى غضبه وعلى من كان غضبه وكيف ظن أن الله تعالى لا يقدر عليه؟ وذلك مما
~~لا يظنه مثله؟ وكيف اعترف بأنه من الظالمين والظلم قبيح؟.
# (الجواب): قلنا أما من يونس عليه السلام خرج مغاضبا لربه من حيث لم ينزل
~~بقومه العذاب، فقد خرج في الافتراء على الأنبياء عليهم السلام وسوء الظن
~~بهم عن الحد، وليس يجوز أن يغاضب ربه إلا من كان معاديا له وجاهل بأن
~~الحكمة في سائر أفعاله، وهذا لا يليق باتباع الأنبياء (ع) من المؤمنين فضلا
~~عمن عصمه الله تعالى ورفع درجته، أقبح من ذلك ظن الجهال وإضافتهم إليه عليه
~~السلام أنه ظن أن ربه لا يقدر عليه من جهة القدرة التي يصح بها الفعل.
~~ويكاد يخرج عندنا من ظن بالأنبياء عليهم السلام مثل ذلك عن باب التمييز
~~والتكليف. وإنما كان غضبه (ع)
# PageV00P141
# على قومه لبقائهم على تكذيبه وإصرارهم على الكفر ويأسه من إقلاعهم
~~وتوبتهم، فخرج من بينهم خوفا من أن ينزل العذاب بهم وهو مقيم بينهم.
# وأما قوله تعالى: (فظن أن لن نقدر عليه)، فمعناه أن لا نضيق عليه المسلك
~~ونشدد عليه المحنة والتكليف، لأن ذلك مما يجوز أن يظنه النبي، ولا شبهة في
~~أن قول القائل قدرت وقدرت بالتخفيف والتشديد معناه التضييق.
# قال الله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه
~~فلينفق مما آتاه الله﴾ (1).
# وقال تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) (2). أي يوسع ويضيق.
# وقال تعالى: (وأما إذا ما ابتلاه فقدر ms104 عليه رزقه) (3) أي ضيق، والتضييق
~~الذي قدره الله عليه هو ما لحقه من الحصول في بطن الحوت وما ناله في ذلك من
~~المشقة الشديدة إلى أن نجاه الله تعالى منها.
# وأما قوله تعالى: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من
~~الظالمين) (4) فهو على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والخشوع له والخضوع
~~بين يديه، لأنه لما دعاه لكشف ما امتحنه به وسأله أن ينجيه من الظلمات التي
~~هي ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل، فعل ما يفعله الخاضع الخاشع من
~~الانقطاع والاعتراف بالتقصير، وليس لأحد أن يقول كيف يعترف بأنه كان من
~~الظالمين ولم يقع منه ظلم، وهل هذا إلا الكذب بعينه؟ وليس يجوز أن يكذب
~~النبي (ع) في حال خضوع ولا غيره،
# PageV00P142
# وذلك أنه يمكن أن يريد بقوله إني كنت من الظالمين، أي من الجنس الذي يقع
~~منهم الظلم، فيكون صدقا، وإن ورد على سبيل الخضوع والخشوع لأن جنس البشر لا
~~يمتنع منه وقوع الظلم.
# فإن قيل: فأي فايدة في أن يضيف نفسه إلى الجنس الذي يقع منهم الظلم إذا
~~كان الظلم منتفيا عنه في نفسه؟.
# قلنا: الفايدة في ذلك التطامن لله تعالى والتخاضع ونفي التكبر والتجبر،
~~لأن من كان مجتهدا في رغبة إلى مالك قدير، فلا بد من أن يتطأطأ، ويجتهد في
~~الخضوع بين يديه، ومن أكبر الخضوع أن يضيف نفسه إلى القبيل الذي يخطئون
~~ويصيبون كما يقول الانسان، إذا أراد أن يكسر نفسه وينفي عنها دواعي الكبر
~~والخيلاء: إنما أنا من البشر ولست من الملائكة، وأنا ممن يخطئ ويصيب. وهو
~~لا يريد إضافة الخطأ إلى نفسه في الحال، بل يكون الفايدة ما ذكرناها.
# ووجه آخر: وهو إنا قد بينا في قصة آدم عليه السلام لما تأولنا قوله
~~تعالى: (ربنا ظلمنا أنفسنا) أن المراد بذلك أنا نقصناها الثواب وبخسناها
~~حظها منه، لأن الظلم في أصل اللغة هو النقص والثلم، ومن ترك المندوب إليه.
~~وهو لو فعله لاستحق الثواب، يجوز أن يقال إنه ظلم ms105 نفسه من حيث نقصها ذلك
~~الثواب، وليس يمتنع أن يكون يونس عليه السلام أراد هذا المعنى لأنه لا
~~محالة قد ترك كثيرا من المندوب، فإن استيفاء جميع الندب يتعذر، وهذا أولي
~~مما ذكره من جوز الصغائر على الأنبياء عليهم السلام، لأنهم يدعون أن خروجه
~~كان بغير إذن من الله تعالى له. فكان قبيحا صغيرا، وليس ذلك بواجب على ما
~~ظنوه، لأن ظاهر القرآن لا يقتضيه. وإنما أوقعهم في هذه الشبهة قوله (إني
~~كنت من الظالمين). وقد بينا وجه ذلك وأنه ليس بواجب أن يكون خبرا عن
~~المعصية، وليس لهم أن يقولوا كيف يسمى من ترك النفل بأنه ظالم؟ وذلك أنا قد
~~بينا وجه هذه التسمية في اللغة وإن كان PageV00P143
# إطلاق اللفظة في العرف لا يقتضيه. وعلى من سأل عن ذلك مثله إذا قيل له
~~كيف يسمي كل من قبل معصية بأنه ظالم؟ وإنما الظلم المعروف هو الضرر المحض
~~الموصل إلى الغير؟ فإذا قالوا إن في المعصية معنى الظلم وإن لم يكن ضررا
~~يوصل إلى الغير من حيث نقصت ثواب فاعلها.
# قلنا: وهذا المعنى يصح في الندب، على أن يجري ما يستحق من الثواب مجرى
~~المستحق، وبعد فإن أبا علي الجبائي وكل من وافقه في الامتناع من القول
~~بالموازنة في الاحباط لا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب، فعلى أي وجه يا ليت
~~شعري يجعل معصية يونس (ع) ظلما. وليس فيها من معنى الظلم شئ.
# وأما قوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك
~~ولا تكن كصاحب الحوت﴾ (1) فليس على ما ظنه الجهال من أنه (ع) ثقل عليه
~~أعباء النبوة لضيق خلقه. فقذفها، وإنما الصحيح أن يونس لم يقو على الصبر
~~على تلك المحنة التي ابتلاه الله تعالى بها وعرضه لنزولها به لغاية الثواب
~~فشكى إلى الله تعالى منها وسأله الفرج والخلاص، ولو صبر لكان أفضل. فأراد
~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أفضل المنازل وأعلاها.
# PageV00P144
# عيسى عليه السلام تنزيه عيسى (ع) عن ادعائه الألوهية:
# (مسألة): فإن قيل ms106 فما معنى قوله تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني
~~وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن
~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام
~~الغيوب﴾ (1) وليس يخلو من أن يكون عيسى عليه السلام ممن قال ذلك، أو
~~يجوز أن يقوله. وهذا خلاف ما تذهبون إليه في الأنبياء عليهم السلام. أو
~~يكون ممن لم يقل ذلك ولا يجوز أن يقوله فلا معنى لاستفهامه تعالى منه
~~وتقريره، ثم أي معنى في قوله ولا أعلم ما في نفسك؟ وهذه اللفظة لا تكاد
~~تستعمل في الله تعالى.
# (الجواب): قلنا: إن قوله تعالى (أأنت قلت للناس) ليس باستفهام على
~~الحقيقة وإن كان خارجا مخرج الاستفهام، والمراد به تقريع من ادعى ذلك عليه
~~من النصارى وتوبيخهم وتأنيبهم وتكذيبهم، وهذا يجري مجرى قول أحدنا لغيره
~~أفعلت كذا وكذا؟ وهو يعلم أنه لم يفعله ويكون مراده تقريع من ادعى ذلك
~~عليه، وليقع الإنكار والجحود ممن خوطب بذلك فيبكت من ادعاه عليه.
# PageV00P145
# وفيه وجه آخر: وهو أنه تعالى. أراد بهذا القول تعريف عيسى عليه السلام أن
~~قوما قد اعتقدوا فيه وفي أمه أنهما إلهان، لأنه ممكن أن يكون عيسى (ع) لم
~~يعرف ذلك إلا في تلك الحال. ونظيره في التعارف أن يرسل الرجل رسولا إلى قوم
~~فيبلغ الرسول رسالته ويفارق القوم فيخالفونه بعده ويبدلون ما أتى به وهو لا
~~يعلم، ويعلم المرسل له ذلك، فإذا أحب أن يعلمه مخالفة القوم له جاز أن يقول
~~له أأنت أمرتهم بكذا وكذا على سبيل الإخبار له بما صنعوا.
# بيان معنى النفس في اللغة:
# فأما قوله (ع): تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، فإن لفظة النفس
~~تنقسم في اللغة إلى معان مختلفة.
# فالنفس نفس الانسان أو غيره من الحيوان، وهي التي إذا فقدها خرج عن كونه
~~حياء. ومنه قوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة
~~الموت﴾ (1) والنفس أيضا ذات الشئ الذي يخبر عنه كقولهم: فعل ذلك فلان
~~نفسه، إذا تولى فعله. وأعطى كذا وكذا بنفسه. والنفس أيضا الآنفة، كقولهم:
~~ليس لفلان نفس، أي لا أنفة له. والنفس أيضا الإرادة، يقولون نفس فلان في
~~كذا وكذا أي إرادته.
# قال الشاعر:
# فنفسان نفس قالت ائت ابن بجدل * تجد فرجا من كل غم تهابها ونفس تقول اجهد
~~بحال ولا تكن * كخاضبة لم يغن شيئا خضابها ومنه أن رجلا قال للحسن: يا أبا
~~سعيد لم أحجج قط إلا ولي نفسان،
# PageV00P146
# فنفس تقول لي أحجج، ونفس تقول لي تزوج. فقال الحسن: إنما النفس واحدة،
~~ولكن هم يقول أحجج، وهم يقول لك تزوج وأمره بالحج.
# وقال الممزق العبدي:
# ألا من لعين قد نآها حميمها * وأرقها بعد المنام همومها فباتت له نفسان
~~شتى همومها * فنفس تعزيها ونفس تلومها والنفس أيضا العين التي تصيب
~~الانسان، يقال أصابت فلانا نفس أي عين. وروي أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله كان يرقي فيقول: " بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء هو فيك من
~~عين عائن ونفس نافس وحسد حاسد ".
# وقال ابن الأعرابي: النفوس التي تصيب الناس بالنفس. وذكر رجلا فقال: كان
~~والله حسودا نفوسا كذوبا.
# وقال عبد الله بن قيس في الرقيات:
# يتقي أهلها النفوس عليها * فعلى نحرها الرقي والتميم والنفس أيضا من
~~الدباغ مقدار الدبغة، يقال أعطني نفسا من الدباغ أي قدر ما أدبغ به مرة.
# والنفس أيضا الغيب، يقول القائل: إني لا أعلم نفس فلان، أي غيبه. وهذا هو
~~تأويل قوله: (وتعلم ما في نفسي، ولا أعلم ما في نفسك). أي تعلم غيبي وما
~~عندي، ولا أعلم غيبك وما عندك.
# وقيل إن النفس أيضا العقوبة، من قولهم: أحذرك نفسي أي عقوبتي.
# وبعض المفسرين حمل قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) على هذا المعنى. كأنه
~~قال: يحذركم الله عقوبته. روي ذلك عن ابن عباس والحسن. وآخرون قالوا: معنى
~~الآية ويحذركم الله إياه. PageV00P147
# فإن قيل: ms108 فما وجه تسمية الغيب بأنه نفس؟.
# قلنا: لا يمتنع أن يكون الوجه في ذلك أن نفس الانسان لما كانت خفية
~~الموضع الذي يودعه سرها، أنزل ما يكتمه ويجهد في سره منزلتها فقيل فيه أنه
~~نفس مبالغة في وصفه بالكتمان والخفاء. وإنما حسن أن يقول مخبرا عن نبيه (ع)
~~(ولا أعلم ما في نفسك) من حيث تقدم قوله (تعلم ما في نفسي) ليزدوج الكلام.
~~فلهذا لا يحسن ابتداء أن يقول أنا لا أعلم ما في نفس الله تعالى، وإن حسن
~~على الوجه الأول. ولهذا نظائر في الكلام مشهورة.
# حول تفويضه الأمر لله تعالى:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى حاكيا عن عيسى (ع):
# ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم
~~فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (1) وكيف يجوز هذا المعنى مع علمه (ع) بأنه
~~تعالى لا يغفر للكفار؟.
# (الجواب): قلنا: المعنى بهذا الكلام تفويض الأمر إلى مالكه وتسليمه إلى
~~مديره، والتبري من أن يكون إليه شئ من أمور قومه. وعلى هذا يقول أحدنا إذا
~~أراد أن يتبرأ من تدبير أمر من الأمور ويسلم منه ويفوض أمره إلى غيره،
~~يقول: هذا الأمر لا مدخل لي فيه فإن شئت أن تفعله، وإن شئت أن تتركه، مع
~~علمه وقطعه على أن أحد الأمرين لا بد أن يكون منه.
# وإنما حسن منه ذلك لما أخرج كلامه مخرج التفويض والتسليم.
# وقد روي عن الحسن أنه قال: معنى الآية إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم،
~~وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم. فكأنه اشترط التوبة وإن لم يكن الشرط ظاهرا
~~في الكلام.
# PageV00P148
# فإن قيل: فلم لم يقل وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم؟ فهو أليق في
~~الكلام ومعناه من العزيز الحكيم؟.
# قلنا: هذا سؤال من لم يعرف معنى الآية، لأن الكلام لم يخرج مخرج مسألة
~~غفران، فيليق بما ذكر في السؤال. وإنما ورد على معنى تسليم الأمر إلى
~~مالكه. فلو قيل فإنك أنت الغفور الرحيم، لأوهم الدعاء لهم بالمغفرة. ولم
~~يقصد ذلك بالكلام. على ms109 أن قوله " العزيز الحكيم " أبلغ في المعنى وأشد
~~استيفاء من " الغفور الرحيم " وذلك أن الغفران والرحمة قد يكونان حكمة
~~وصوابا، ويكونا بخلاف ذلك. فهما بالاطلاق لا يدلان على الحكمة والحسن.
~~والوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على معنى الغفران والرحمة، وإذا كانا صوابين.
~~ويزيد عليهما باستيفاء معان كثيرة، لأن العزيز هو المنيع القادر الذي لا
~~يذل ولا يضام، وهذا المعنى لا يفهم من الغفور الرحيم البتة. وأما الحكيم
~~فهو الذي يضع الأشياء مواضعها ويصيب بها أغراضها، ولا يفعل إلا الحسن
~~الجميل. فالمغفرة والرحمة إذا أقضتهما الحكمة دخلتا في قوله العزيز الحكيم.
~~وزاد معنى هذه اللفظة عليهما من حيث اقتضاء وصفه بالحكمة في سائر أفعاله،
~~وإنما طعن بهذا الكلام من الملحدين من لا معرفة له بمعاني الكلام. وإلا
~~فبين ما تضمنه القرآن من اللفظة وبين ما ذكروه فرق ظاهر في البلاغة
~~واستيفاء المعاني والاشتمال عليها. PageV00P149
# سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله تنزيه محمد (ع) عن الضلال:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾ (1) أوليس هذا يقتضي إطلاقه الضلال
~~عن الدين؟ وذلك مما لا يجوز عندكم قبل النبوة ولا بعدها؟
# (الجواب): قلنا في معنى هذه الآية أجوبة:
# (أولها): أنه أراد: وجدك ضالا عن النبوة فهداك إليها، أو عن شريعة
~~الاسلام التي نزلت عليه وأمر بتبليغها إلى الخلق، وبإرشاده صلى الله عليه
~~وآله إلى ما ذكرناه أعظم النعم عليه. والكلام في الآية خارج مخرج الامتنان
~~والتذكير بالنعم، وليس لأحد أن يقول إن الظاهر بخلاف ذلك، لأنه لا بد في
~~الظاهر من تقدير محذوف يتعلق به الضلال، لأن الضلال هو الذهاب والانصراف
~~فلا بد من أمر يكون منصرفا عنه. فمن ذهب إلى أنه أراد الذهاب عن الدين فلا
~~بد له من أن يقدر هذه اللفظة ثم يحذفها ليتعلق بها لفظ الضلال، وليس هو
~~بذلك أولى منا فيما قدرناه وحذفناه.
# (وثانيها): أن يكون أراد الضلال عن المعيشة وطريق الكسب. يقال
# PageV00P150
# للرجل الذي لا يهتدي طريق معيشته ووجه مكسبه: ms110 هو ضال لا يدري ما يصنع ولا
~~أين يذهب. فامتن الله تعالى عليه بأن رزقه وأغناه وكفاه.
# (وثالثها): أن يكون أراد ووجدك ضالا بين مكة والمدينة عند الهجرة فهداك
~~وسلمك من أعدائك. وهذا الوجه قريب لولا أن السورة مكية وهي متقدمة للهجرة
~~إلى المدينة، اللهم إلا أن يحمل قوله تعالى " ووجدك " على أنه سيجدك على
~~مذهب العرب في حمل الماضي على معنى المستقبل فيكون له وجه.
# (ورابعها): أن يكون أراد بقوله " ووجدك ضالا فهدى " أي مضلولا عنه في قوم
~~لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك وأرشدهم إلى فضلك.
# وهذا له نظير في الاستعمال. يقال: فلان ضال في قومه وبين أهله إذا كان
~~مضلولا عنه.
# (وخامسها): أنه روي في قراءة هذه الآية الرفع " ألم يجدك يتيم فآوى ووجدك
~~ضال فهدى " على أن اليتيم وجده وكذلك الضال، وهذا الوجه ضعيف لأن القراءة
~~غير معروفة، ولأن هذا الكلام يسمج ويفسد أكثر معانيه.
# تنزيه سيدنا محمد (ع) عن مدح آلهة قريش:
# (مسألة): فإن قال فما معنى قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى
~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله
~~عليم حكيم﴾ (1) أوليس قد روي في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله
~~لما رأى تولي قومه عنه شق عليه ما هم عليه من المباعدة والمنافرة، وتمنى في
~~نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبينهم، وتمكن حب ذلك في قلبه،
~~فلما أنزل الله تعالى عليه (والنجم إذا
# PageV00P151
# هوى) (1) وتلاها عليهم، ألقى الشيطان على لسانه لما كان تمكن في نفسه من
~~محبة مقاربتهم تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي، فلما سمعت قريش ذلك
~~سرت به وأعجبهم ما زكى به آلهتهم، حتى انتهى إلى السجدة فسجد المؤمنون وسجد
~~أيضا المشركون لما سمعوا من ذكر آلهتهم بما أعجبهم، فلم يبق في المسجد مؤمن
~~ولا مشرك إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا ms111 لا يستطيع
~~السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد
~~وقريش مسرورة بما سمعت. وأتى جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه
~~وآله معاتبا على ذلك، فحزن له حزنا شديدا. فأنزل الله تعالى عليه معزيا له
~~ومسليا (وما أرسلنا من قبلك) الآية.
# (الجواب): قلنا أما الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التي
~~قصوها وليس يقتضي الظاهر إلا أحد أمرين، إما أن يريد بالتمني التلاوة كما
~~قال حسان بن ثابت:
# تمنى كتاب الله أول ليله * وآخره لاقى حمام المقادر أو أريد بالتمني تمني
~~القلب. فإن أراد التلاوة، كان المراد من أرسل قبلك من الرسل كان إذا تلا ما
~~يؤديه إلى قومه حرفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود في
~~الكذب على نبيهم، فأضاف ذلك إلى الشيطان لأنه يقع بوسوسته وغروره. ثم بين
~~أن الله تعالى يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه ويحسم مادة الشبهة به.
~~وإنما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له صلى الله عليه وآله لما
~~كذب المشركون عليه، وأضافوا إلى تلاوته مدح آلهتهم ما لم يكن فيها.
# وأن كان المراد تمني القلب، فالوجه في الآية إن الشيطان متى تمنى النبي
~~عليه السلام بقلبه بعض ما يتمناه من الأمور، يوسوس إليه بالباطل
# PageV00P152
# ويحدثه بالمعاصي ويغريه بها ويدعوه إليها. وأن الله تعالى ينسخ ذلك
~~ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان وعصيانه وترك إسماع غروره.
# وأما الأحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد
~~نزهت العقول الرسل عليهم السلام عنه. هذا لو لم يكن في أنفسها مطعونة ضعيفة
~~عند أصحاب الحديث بما يستغني عن ذكره. وكيف يجيز ذلك على النبي صلى الله
~~عليه وآله من يسمع الله تعالى يقول: (كذلك لنثبت به فؤادك (1) يعني القرآن.
~~وقوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا
~~منه الوتين) (2). وقوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) (3). على أن من يجيز
~~السهو على الأنبياء عليهم السلام يجب ms112 أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية
~~المنكرة لما فيها من غاية التنفير عن النبي صلى الله عليه وآله لأن الله
~~تعالى قد جنب نبيه من الأمور الخارجة عن باب المعاصي، كالغلظة والفظاظة
~~وقول الشعر وغير ذلك مما هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالى. على
~~أنه لا يخلو صلى الله عليه وآله وحوشي مما قذف به من أن يكون تعمد ما حكوه،
~~وفعله قاصدا أو فعله ساهيا ولا حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب
~~والعمد لظهوره، وإن كان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه
~~الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقها، ثم لمعنى ما تقدمها من الكلام. لأنا
~~نعلم ضرورة أن من كان ساهيا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه
~~بيت شعر في وزنها وفي معنى البيت الذي تقدمه وعلى الوجه الذي يقتضيه
~~فائدته، وهو مع ذلك يظن أنه من القصيدة التي ينشدها. وهذا ظاهر في بطلان
~~هذه الدعوى على النبي صلى الله عليه وآله على أن الموحى إليه من الله
~~النازل بالوحي وتلاوة القرآن
# PageV00P153
# جبرائيل (ع)، وكيف يجوز السهو عليه. على أن بعض أهل العلم قد قال يمكن أن
~~يكون وجه التباس الأمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما تلا هذه السورة
~~في ناد غاص بأهله وكان أكثر الحاضرين من قريش المشركين، فانتهى إلى قوله
~~تعالى: ﴿أفرأيتم اللات
~~والعزى﴾ (1) وعلم في قرب مكانه منه من قريش أنه سيورد بعدها ما يسوأهم
~~به فيهن، قال كالمعارض له والراد عليه: (تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن
~~لترتجي) فظن كثير ممن حضر أن ذلك من قوله صلى الله عليه وآله. واشتبه عليهم
~~الأمر لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته صلى الله عليه وآله، ويكثر كلامهم
~~وضجاجهم طلبا لتغليطه وإخفاء قراءته.
# ويمكن أن يكون هذا أيضا في الصلاة، لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته
~~عند الكعبة، ويسمعون قراءته ويلغون فيها. وقيل أيضا أنه صلى الله عليه وآله ms113
~~كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات وأتى بكلام على سبيل
~~الحجاج لهم، فلما تلا أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى قال تلك
~~الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى على سبيل الإنكار عليهم، وأن الأمر
~~بخلاف ما ظنوه من ذلك. وليس يمتنع إن يكون هذا في الصلاة لأن الكلام في
~~الصلاة حينئذ كان مباحا. وإنما نسخ من بعد، وقيل إن المراد بالغرانيق
~~الملائكة. وقد جاء مثل ذلك في بعض الحديث فتوهم المشركون أنه يريد آلهتهم.
~~وقيل إن ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة فتلاه الرسول صلى الله عليه
~~وآله، فلما ظن المشركون أن المراد به آلهتهم نسخت تلاوته.
# وكل هذا يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله: (إذا تمنى ألقى الشيطان في
~~أمنيته) لأن بغرور الشيطان ووسوسته أضيف إلى تلاوته صلى الله عليه وآله ما
~~لم يرده بها. وكل هذا واضح بحمد الله تعالى.
# PageV00P154
# تنزيه سيدنا محمد عن معاتبة الله له:
# (مسألة): فإن قيل فما تأويل قوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه امسك عليك
~~زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ان
~~تخشاه﴾ (1) أوليس هذا عتابا له صلى الله عليه وآله من حيث اضمر ما كان
~~ينبغي ان يظهره وراقب من لا يجب ان يراقبه فما الوجه في ذلك؟.
# (الجواب): قلنا: وجه هذه الآية معروف وهو ان الله تعالى لما أراد نسخ ما
~~كان عليه الجاهلية من تحريم نكاح زوجة الدعي، والدعي هو الذي كان أحدهم
~~يجتبيه ويربيه ويضيفه إلى نفسه على طريق البنوة، وكان من عادتهم ان يحرموا
~~على أنفسهم نكاح أزواج أدعيائهم كما يحرمون نكاح أزواج أبنائهم، فأوحى الله
~~تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله ان زيد بن حارثة وهو دعي رسول الله صلى
~~الله عليه وآله سيأتيه مطلقا زوجته، وأمره ان يتزوجها بعد فراق زيد لها
~~ليكون ذلك ناسخا لسنة الجاهلية التي تقدم ذكرها، فلما حضر زيد مخاصما زوجته ms114
~~عازما على طلاقها، أشفق الرسول من أن يمسك عن وعظه وتذكيره لا سيما وقد كان
~~يتصرف على امره وتدبيره، فرجف المنافقون به إذا تزوج المرأة يقذفونه بما قد
~~نزهه الله تعالى عنه فقال له (امسك عليك زوجك) تبرؤا مما ذكرناه وتنزها،
~~واخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها لينتهي إلى امر الله تعالى
~~فيها. ويشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرا
~~زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن
~~وطرا وكان امر الله مفعولا) (2) فدل على أن العلة في أمره في نكاحها ما
~~ذكرناه من نسخ السنة المتقدمة.
# PageV00P155
# فإن قيل العتاب باق على كل حال لأنه قد كان ينبغي ان يظهر ما أظهره ويخشى
~~الله ولا يخشى الناس.
# قلنا: أكثر ما في الآية إذا سلمنا نهاية الاقتراح فيها ان يكون صلى الله
~~عليه وآله فعل ما غيره أولى منه، وليس ان يكون صلى الله عليه وآله بترك
~~الأولى عاصيا. وليس يمتنع على هذا الوجه ان يكون صبره على قذف المنافقين
~~اهانته بقولهم أفضل وأكثر ثوابا، فيكون ابداء ما في نفسه أولى من اخفائه
~~على أنه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي العتاب، ولا ترك الأولى. وأما اخباره
~~بأنه (اخفى ما الله مبديه) فلا شئ فيه من الشبهة، وانما هو خير محض. وأما
~~قوله (وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه) ففيه أدنى شبهة، وإن كان الظاهر لا
~~يقتضي عند التحقيق ترك الأفضل، لأنه اخبر أنه يخشى الناس وان الله أحق
~~بالخشية، ولم يخبر انك لم تفعل إلا حق وعدلت إلى الأدون، ولو كان في الظاهر
~~بعض الشبهة لوجب ان نتركه ونعدل عنه للقاطع من الأدلة. وقد قيل إن زيد بن
~~حارثة لما خاصم زوجته زينب بنت جحش وهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وأشرف على طلاقها اضمر رسول الله صلى الله عليه وآله انه ان طلقها زيد
~~تزوجها من حيث كانت ابنة عمته. وكان يجب ضمها إلى نفسه ms115 كما يجب أحدنا ضم
~~قراباته إليه، حتى لا ينالهم بؤس ولا ضرر. فأخبر الله تعالى رسول الله صلى
~~الله عليه وآله والناس بما كان يضمره من ايثار ضمها إلى نفسه ليكون ظاهر
~~الأنبياء صلى الله عليه وآله وباطنهم سواء. ولهذا قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله للأنصار يوم فتح مكة وقد جاء عثمان بعبد الله بن أبي سرح وسأله
~~ان يرضى عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ذلك قد هدر دمه فأمر
~~بقتله، فلما رأى عثمان استحي من رده ونكس طويلا ليقتله بعض المؤمنين فلم
~~يفعل المؤمنون ذلك انتظارا منهم لامر رسول الله صلى الله عليه وآله مجددا،
~~فقال للأنصار: أما كان فيكم رجل يقوم إليه فيقتله؟ فقال له عباد بن بشر: يا
~~رسول الله صلى الله عليه وآله ان عيني ما زالت في عينك انتظارا ان تومئ إلي
~~فاقتله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: PageV00P156
# الأنبياء صلى الله عليه وآله لا يكون لهم خائنة أعين. وهذا الوجه يقارب
~~الأول في المعنى.
# فان قيل: فما المانع مما وردت به الرواية من أن رسول الله صلى الله عليه
~~وآله رأى في بعض الأحوال زينب بنت جحش فهواها فلما ان حضر زيد لطلاقها اخفى
~~في نفسه عزمه على نكاحها بعده وهواه لها، أوليس الشهوة عندكم التي قد تكون
~~عشقا على بعض الوجوه من فعل الله تعالى وأن العباد يقدرون عليها؟
# وعلى هذا الوجه يمكنكم انكار ما تضمنه السؤال.
# قلنا: لم ننكر ما وردت به هذه الرواية الخبيثة من جهة أن فعل الشهوة
~~يتعلق بفعل العباد وأنها معصية قبيحة، بل من جهة أن عشق الأنبياء عليهم
~~السلام لمن ليس يحل لهم من النساء منفر عنهم وحاط من مرتبتهم ومنزلتهم،
~~وهذا مما لا شبهة فيه، وليس كل شئ يجب ان يجتنبه الأنبياء صلى الله عليه
~~وآله مقصورا على افعالهم. الا ترى ان الله تعالى قد جنبهم الفظاظة والغلظة
~~والعجلة، وكل ذلك ليس من فعلهم، وأوجبنا أيضا ان يجتنبوا ms116 الأمراض المنفرة
~~والخلق المشينة كالجذام والبرص وتفاوت الصور واضطرابها، وكل ذلك ليس من
~~مقدورهم ولا فعلهم. وكيف يذهب على عاقل ان عشق الرجل زوجة غيره منفر عنه
~~معدود في جملة معائبه ومثالبه، ونحن نعلم أنه لو عرف بهذه الحال بعض
~~الامناء والشهود لكان ذلك قادحا في عدالته وخافضا في منزلته، وما يؤثر في
~~منزلة أحدنا أولى من أن يؤثر في منازل من طهره الله وعصمه وأكمله وأعلى
~~منزلته. وهذا بين لمن تدبره.
# تنزيه سيدنا محمد عن معاتبته في الاسرى:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض تريدون
~~عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ (1). وقوله: (لولا كتاب
~~من الله سبق لمسكم فيما أخذتم
# PageV00P157
# عذاب عظيم) (1) أوليس هذا يقتضي عتابه على استبقاء الأسارى وأخذ عرض
~~الدنيا عوض عن قتلهم؟.
# (الجواب): قلنا ليس في ظاهر الآية ما يدل على أنه صلى الله عليه وآله
~~عوتب في شأن الأسارى، بل لو قيل إن الظاهر يقتضي توجه الآية إلى غيره لكان
~~أولى، لان قوله تعالى: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة)، وقوله
~~تعالى:
# (ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، لا شك أنه لغيره،
~~فيجب ان يكون المعاتب سواه. والقصة في هذا الباب معروفة والرواية بها
~~متظافرة، لان الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يأمر أصحابه بأن
~~يثخنوا في قتل أعدائهم بقوله تعالى: (فاضروا فوق الأعناق واضربوا منهم كل
~~بنان) (2) وبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك إلى أصحابه فخالفوه، وأسروا
~~يوم بدر جماعة من المشركين طمعا في الفداء، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم
~~وبين ان الذي أمر به سواه.
# فإن قيل: فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله خارجا عن العتاب فما معنى
~~قوله تعالى: (ما كان لنبي ان يكون له اسرى)؟
# قلنا: الوجه في ذلك لان الأصحاب انما اسروهم ليكونوا في يده صلى الله
~~عليه وآله. فهم اسراؤه على ms117 الحقيقة ومضافون إليه، وإن كان لم يأمرهم بأسرهم
~~بل أمر بخلافه.
# فان قيل: أفما شاهدهم النبي صلى الله عليه وآله وقت الأسر فكيف لم ينههم
~~عنه؟.
# قلنا: ليس يجب ان يكون عليه السلام مشاهدا لحال الأسر، لأنه كان
# PageV00P158
# على ما وردت به الرواية يوم بدر جالسا في العريش، ولما تباعد أصحابه عنه
~~أسروا من أسروه من المشركين بغير علمه صلى الله عليه وآله فإن قيل: فما بال
~~النبي صلى الله عليه وآله لم يأمر بقتل الأسارى لما صاروا في يده وإن كان
~~خارجا من المعصية وموجب العتاب، أوليس لما استشار أصحابه فأشار عليه أبو
~~بكر باستبقائهم وعمر باستيصالهم رجع إلى رأي أبي بكر، حتى روي أن العتاب
~~كان من اجل ذلك؟.
# قلنا: أما الوجه في أنه عليه السلام لم يقتلهم فظاهر، لأنه غير ممتنع ان
~~تكن المصلحة في قتلهم وهم محاربون، وأن يكون القتل أولى من الأسر، فإذا
~~أسروا تغيرت المصلحة وكان استبقاؤهم أولى، والنبي صلى الله عليه وآله لم
~~يعمل برأي أبي بكر إلا بعد ان وافق ذلك ما نزل به الوحي عليه. وإذا كان
~~القرآن لا يدل بظاهر ولا فحوى على وقوع معصية منه صلى الله عليه وآله في
~~هذا الباب فالرواية الشاذة لا يعول عليها ولا يلتفت إليها.
# وبعد: فلسنا ندري من اي وجه تضاف المعصية إليه صلى الله عليه وآله في هذا
~~الباب، لأنه لا يخلو من أن يكون أوحى إليه صلى الله عليه وآله في باب
~~الأسارى بأن يقتلهم، أو لم يوح إليه فيه بشئ، ووكل ذلك إلى اجتهاده ومشورة
~~أصحابه، فإن كان الأول فليس يجوز ان يخالف ما أوحي إليه، ولم يقل أحد أيضا
~~في هذا الباب أنه صلى الله عليه وآله خالف النص في باب الأسارى، وإنما يدعى
~~عليه انه فعل ما كان الصواب عند الله خلافه، وكيف يكون قتلهم منصوصا عليه
~~بعد الأسر وهو يشاور فيه الأصحاب ويسمع فيه المختلف من الأقوال وليس لاحد
~~ان يقول إذا جاز أن يشاور في قتلهم ms118 واستحيائهم، وعنده نص بالاستحياء، فهلا
~~جاز ان يشاور وعنده نص في القتل، وذلك أنه لا يمتنع ان يكون أمر بالمشاورة
~~قبل ان ينص له على أحد الامرين، ثم أمر بما وافق احدى المشورتين فاتبعه.
~~وهذا لا يمكن المخالف ان يقول مثله، وإن كان لم يوح إليه في باب الأسارى شئ
~~ووكل إلى اجتهاده ومشورة أصحابه، فما PageV00P159
# باله يعاتب وقد فعل ما أداه إليه الاجتهاد والمشاورة، وأي لوم على من فعل
~~الواجب ولم يخرج عنه، وهذا يدل على أن من أضاف إليه المعصية قد ضل عن وجه
~~الصواب.
# تنزيه سيدنا محمد عن المعاتبة في امر المتخلفين:
# (مسألة): فإن قيل فما وجه قوله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله
~~لما استأذنه قوم في التخلف عن الخروج معه إلى الجهاد فأذن لهم:
# ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك
~~الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ (1) أوليس العفو لا يكون الا عن الذنب؟
~~وقوله (لم اذنت) ظاهر في العتاب لأنه من أخص ألفاظ العتاب؟.
# (الجواب): قلنا أما قوله تعالى (عفى الله عنك) فليس يقتضي وقوع معصية ولا
~~غفران عقاب، ولا يمتنع ان يكون المقصود به التعظيم والملاطفة في المخاطبة.
~~لان أحدنا قد يقول لغيره إذا خاطبه: أرأيت رحمك الله وغفر الله لك. وهو لا
~~يقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه، بل ربما لم يخطر بباله ان له ذنبا.
~~وانما الغرض الاجمالي في المخاطبة واستعمال ما قد صار في العادة علما على
~~تعظيم المخاطب وتوقيره. وأما قوله تعالى: (لم أذنت لهم) فظاهره الاستفهام
~~والمراد به التقريع واستخراج ذكر علة اذنه، وليس بواجب حمل ذلك على العتاب،
~~لان أحدنا قد يقول لغيره، لم فعلت كذا وكذا. تارة معاتبا وأخرى مستفهما،
~~وتارة مقررا. فليس هذه اللفظة خاصة للعتاب والانكار. وأكثر ما يقتضيه وغاية
~~ما يمكن ان يدعى فيها أن تكون دالة على أنه صلى الله عليه وآله ترك الأولى
~~والأفضل، وقد بينا ان ترك الأولى ليس بذنب، وإن كان الثواب ms119 ينقص معه. فإن
~~الأنبياء عليهم السلام يجوز ان يتركوا كثيرا من النوافل. وقد يقول
# PageV00P160
# أحدنا لغيره إذا ترك الندب: لم تركت الأفضل ولم عدلت عن الأولى؟ ولا
~~يقتضي ذلك انكارا ولا قبيحا.
# تنزيه سيدنا محمد عن الوزر:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك﴾
~~(1) أوليس هذا صريحا في وقوع المعاصي منه صلى الله عليه وآله؟.
# (الجواب): قلنا أما الوزر في أصل اللغة فهو الثقل، وانما سميت الذنوب
~~بأنها أوزارا لأنها تثقل كاسبها وحاملها.
# فإذا كان أصل الوزر ما ذكرناه، فكل شئ اثقل الانسان وغمه وكده وجهده جاز
~~ان يسمى وزرا، تشبيها بالوزر الذي هو الثقل الحقيقي. وليس يمتنع ان يكون
~~الوزر في الآية انما أراد به غمه صلى الله عليه وآله وهمه بما كان عليه
~~قومه من الشرك، وأنه كان هو وأصحابه بينهم مستضعفا مقهورا. فكل ذلك مما
~~يتعب الفكر ويكد النفس. فلما أن أعلى الله كلمته ونشر دعوته وبسط يده خاطبه
~~بهذا الخطاب تذكيرا له بمواقع النعمة عليه، ليقابله بالشكر والثناء والحمد.
# ويقوي هذا التأويل قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) وقوله عز وجل: (فإن مع
~~العسر يسرا ان مع العسر يسرا) والعسر بالشدائد والغموم أشبه، وكذلك اليسر
~~بتفريج الكرب وإزالة الهموم والغموم أشبه.
# فإن قيل: هذا التأويل يبطله ان هذه السورة مكية نزلت على النبي صلى الله
~~عليه وآله وهو في الحال الذي ذكرتم انها تغمه من ضعف الكلمة وشدة الخوف من
~~الاعداء، وقبل ان يعلي الله كلمة المسلمين على المشركين، فلا وجه لما
~~ذكرتموه.
# PageV00P161
# قلنا: عن هذا السؤال جوابان: أحدهما انه تعالى لما بشره بأنه يعلي دينه
~~على الدين كله ويظهره عليه ويشفى صلى الله عليه وآله من أعدائه وغيظه، وغيظ
~~المؤمنين به، كان بذلك وضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من قومه، ومطيبا
~~لنفسه ومبدلا عسره يسرا، لأنه يثق بأن وعد الله تعالى حق ما يخلف، فامتن
~~الله تعالى عليه بنعمة ms120 سبقت الامتنان وتقدمته.
# والجواب الآخر: ان يكون اللفظ وإن كان ظاهره الماضي، فالمراد به
~~الاستقبال. ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والاستعمال. قال الله تعالى:
# (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة) وقوله تعالى: (ونادوا يا مالك ليقض
~~علينا ربك)، إلى غير ذلك مما شهرته تغني عن ذكره.
# تنزيه سيدنا محمد عن الذنب:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (1) أوليس
~~هذا صريحا في أن له صلى الله عليه وآله ذنوبا وان كانت مغفورة.
# (الجواب): قلنا أما من نفى عنه صلى الله عليه وآله صغائر الذنوب مضافا
~~إلى كبائرها، فله عن هذه الآية أجوبة نحن نذكرها ونبين صحيحها من سقيمها.
# منها: انه أراد تعالى بإضافة الذنب إليه ذنب أبيه آدم عليه السلام.
# وحسنت هذه الإضافة لاتصال القربى، وعفوه لذلك، من حيث اقسم آدم على الله
~~تعالى به، فأبر قسمه، فهذا المتقدم. والذنب المتأخر هو ذنب شيعته وشيعة
~~أخيه عليه السلام. وهذا الجواب يعترضه ان صاحبه نفى عن نبي ذنبا واضافه إلى
~~آخر. والسؤال عليه فيمن اضافه إليه كالسؤال فيمن نفاه عنه.
# PageV00P162
# ويمكن إذا أردنا نصرة هذا الجواب ان نجعل الذنوب كلها لامته صلى الله
~~عليه وآله، ويكون ذكر التقدم والتأخر انما أراد به ما تقدم زمانه وما تأخر،
~~كما يقول القائل مؤكدا: " قد غفرت لك ما قدمت وما أخرت وصفحت عن السالف
~~والآنف من ذنوبك ". ولاضافه ذنوب أمته إليه وجه في الاستعمال معروف لان
~~القائل قد يقول لمن حضره من بني تميم أو غيرهم من القبائل أنتم فعلتم كذا
~~وكذا وقلتم فلانا وإن كان الحاضرون ما شهدوا ذلك ولا فعلوه وحسنت الإضافة
~~للاتصال والتسبب ولا سبب اوكد مما بين الرسول صلى الله عليه وآله وأمته فقد
~~يجوز توسعا وتجوزا ان تضاف ذنوبهم إليه (ومنها) انه سمى ترك الندب ذنبا
~~وحسن ذلك لأنه صلى الله عليه وآله ممن لا يخالف الأوامر الا هذا الضرب من
~~الخلاف ولعظم منزلته وقدره فجاز ms121 ان يسمي بالذنب منه ما إذا وقع من غيره لم
~~يسم ذنبا وهذا الوجه يضعفه على بعد هذه التسمية انه لا يكون معنى لقوله
~~انني اغفر ذنبك ولا وجه في معنى الغفران يليق بالعدول عن الندب (عن الذنب).
# ومنها: ان القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما قلناه في قوله تعالى:
~~(عفا الله عنك لم أذنت لهم). وهذا ليس بشئ لان العادة قد جرت فيما يخرج هذا
~~المخرج من الألفاظ أن يجري مجرى الدعاء، مثل قولهم: غفر الله لك، وليغفر
~~الله لك، وما أشبه ذلك. ولفظ الآية بخلاف هذا لان المغفرة جرت فيها مجرى
~~الجزاء والغرض في الفتح. وقد كنا ذكرنا في هذه الآية وجها اخترناه وهو أشبه
~~بالظاهر مما تقدم، وهو أن يكون المراد بقوله ما تقدم من ذنبك الذنوب إليك،
~~لان الذنب مصدر والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معا، ألا ترى أنهم
~~يقولون: أعجبني ضرب زيد عمرا إذا أضافوه إلى الفاعل، وأعجبني ضرب زيد عمرا
~~إذا أضافوه إلى المفعول. ومعنى المغفرة على هذا التأويل هي الإزالة والفسخ
~~والنسخ لاحكام PageV00P163
# أعدائه من المشركين عليه، وذنوبهم إليه في منعهم إياه عن مكة وصدهم له عن
~~المسجد الحرام.
# وهذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى تكون المغفرة غرضا في الفتح ووجها
~~له. وإلا فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا
~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) معنى معقول، لان المغفرة للذنوب
~~لا تعلق لها بالفتح، إذ ليست غرضا فيه.
# وأما قوله تعالى: (ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، فلا يمتنع ان يريد به ما
~~تقدم زمانه من فعلهم القبيح لك ولقومك وما تأخر، وليس لاحد ان يقول إن سورة
~~الفتح نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله بين مكة والمدينة وقد انصرف
~~من الحديبية.
# وقال قوم من المفسرين: ان الفتح أراد به فتح خيبر، لأنه كان تاليا لتلك
~~الحال، وقال آخرون: بل أراد به أنا قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا. فكيف ms122
~~يقولون ما لم يقله أحد من أن المراد بالآية فتح مكة، والسورة قد نزلت قبل
~~ذلك بمدة طويلة، وذلك أن السورة وان كانت نزلت في الوقت الذي ذكر وهو قبل
~~فتح مكة، فغير ممتنع ان يريد بقوله تعالى (انا فتحنا لك فتحا مبينا) فتح
~~مكة. ويكون ذلك على طريق البشارة له والحكم بأنه سيدخل مكة وينصره الله على
~~أهلها، ولهذا نظائر في القرآن، والكلام كثير.
# ومما يقوي أن الفتح في السورة أراد به فتح مكة قوله تعالى:
# ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين
~~محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا
~~قريبا﴾ (1) فالفتح القريب ههنا هو فتح خيبر. وأما حمل الفتح على القضاء
~~الذي قضاه في الحديبية فهو خلاف الظاهر. ومقتضى الآية لان الفتح بالاطلاق
~~الظاهر منه
# PageV00P164
# الظفر والنصر. ويشهد بأن المراد بالآية ما ذكرناه قوله تعالى: (وينصرك
~~الله نصرا عزيزا).
# فإن قيل: ليس يعرف إضافة المصدر إلى المفعول إلا إذا كان المصدر متعديا
~~بنفسه، مثل قولهم: أعجبني ضرب زيد عمرا. وإضافة مصدر غير متعد إلى مفعوله
~~غير معروفة.
# قلنا: هذا تحكم في اللسان وعلى أهله لأنهم في كتب العربية كلها أطلقوا ان
~~المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول معا، ولم يستثنوا متعديا من غيره، ولو كان
~~بينهما فرق لبينوه وفصلوه كما فعلوا في غيره وليس قلة الاستعمال معتبرة في
~~هذا الباب لان الكلام إذا كان له أصل في العربية استعمل عليه، وإن كان قليل
~~الاستعمال. وبعد فإن ذنبهم ههنا إليه انما هو صدهم له عن المسجد الحرام
~~ومنعهم إياه عن دخوله، فمعنى الذنب متعد، وإذا كان معنى المصدر متعديا جاز
~~أن يجري ما يتعدى بلفظه، فإن من عادتهم ان يحملوا الكلام تارة على معناه
~~وأخرى على لفظه، ألا ترى إلى قول الشاعر:
# جئني بمثل بني بدر لقومهم * أو مثل اخوة منظور بن سيار فاعمل الكلام على
~~المعنى دون اللفظ، لأنه لو أعمله على اللفظ دون المعنى لقال: أو ms123 مثل:
~~بالجر، لكنه لما كان معنى، جئني احضر، أو هات قوما مثلهم. حسن ان يقول أو
~~مثل بالفتح، وقال الشاعر:
# درست وغير آيهن مع البلى * الا رواكد جمرهن هباء ومشجج (1) اما سوار قذى
~~له * فبدا وغيب سارة المعزاء فقال: ومشجج بالرفع اعمالا للمعنى، لأنه لما
~~كان معنى قوله الا رواكد أنهن باقيات ثابتات عطف على ذلك المشجج بالرفع.
~~ولو اجرى
# PageV00P165
# الكلام على لفظه لنصب المعطوف به أو امثله هذا المعنى كثير. وفيما ذكرناه
~~كفاية بمشيئة الله تعالى.
# تنزيه سيدنا محمد عن المعاتبة في أمر الأعمى:
# (مسألة): فإن قيل: أليس قد عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله في
~~إعراضه عن ابن أم مكتوم لما جاءه واقبل على غيره بقوله: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر
~~فتنفعه الذكرى﴾ (1). وهذا أيسر ما فيه ان يكون صغيرا.
# (الجواب): قلنا: أما ظاهر الآية فغير دال على توجهها إلى النبي صلى الله
~~عليه وآله ولا فيها ما يدل على أنه خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرح بالمخبر
~~عنه. وفيها ما يدل عند التأمل على أن المعني بها غير النبي صلى الله عليه
~~وآله لأنه وصفه بالعبوس وليس هذا من صفات النبي صلى الله عليه وآله في قرآن
~~ولا خبر مع الاعداء المنابذين، فضلا عن المؤمنين المسترشدين. ثم وصفه بأنه
~~يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء، وهذا مما لا يوصف به نبينا عليه السلام
~~من يعرفه، فليس هذا مشبها مع أخلاقه الواسعة وتحننه على قومه وتعطفه، وكيف
~~يقول له وما عليك الا يزكى وهو صلى الله عليه وآله مبعوث للدعاء والتنبيه،
~~وكيف لا يكون ذلك عليه. وكان هذا القول اغراء بترك الحرص على ايمان قومه.
~~وقد قيل إن هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
~~كان منه هذا الفعل المنعوت فيها، ونحن وان شككنا في عين من نزلت فيه فلا
~~ينبغي ان نشك إلى أنها لم يعن بها ms124 النبي، واي تنفير أبلغ من العبوس في وجوه
~~المؤمنين والتلهي عنهم والاقبال على الأغنياء الكافرين والتصدي لهم، وقد
~~نزه الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله عما هو دون هذا في التنفير بكثير.
# PageV00P166
# تنزيه محمد (ع) عن الشرك:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى قوله تعالى مخاطبا لنبيه: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (1)
~~وكيف يوجه هذا الخطاب إلى من لا يجوز عليه الشرك ولا شي ء من المعاصي.
# (الجواب): قد قيل في هذه الآية ان الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله
~~والمراد به أمته، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: نزل القرآن
~~بإياك أعني واسمعي يا جارة. ومثل ذلك قوله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم
~~النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة) (2) فدل قوله تعالى فطلقوهن على أن
~~الخطاب توجه إلى غيره. وجواب آخر: ان هذا خبر يتضمن الوعيد، وليس يمتنع ان
~~يتوعد الله تعالى على العموم. وعلى سبيل الخصوص من يعلم أنه لا يقع منه ما
~~تناوله الوعيد، لكنه لابد من أن يكون مقدورا له وجائزا بمعنى الصحة لا
~~بمعنى الشك، ولهذا يجعل جميع وعيد القرآن عاما لمن يقع منه ما تناوله
~~الوعيد، ولمن علم الله تعالى أنه لا يقع منه. وليس قوله تعالى (لئن أشركت
~~ليحبطن عملك) على سبيل التقدير والشرط بأكثر من قوله تعالى:
# (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) لان استحالة وجود ثان معه تعالى:
~~إذا لم يمنع من تقدير ذلك، وبيان حكمه كأولى ان يسوغ تقدير وقوع الشرك الذي
~~هو مقدور لكن، وبيان حكمه. والشيعة لها في هذه الآية جواب تنفرد به وهو أن
~~النبي لما نص على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بالإمامة في ابتداء
~~الامر جاءه قوم من قريش فقالوا له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان
~~الناس قريبوا عهد بالاسلام لا يرضون أن تكون النبوة فيك والإمامة في ابن
~~عمك علي بن أبي طالب. فلو عدلت به إلى غيره لكان ms125 أولى. فقال لهم النبي صلى
~~الله عليه وآله: ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه، لكن الله تعالى أمرني به
# PageV00P167
# وفرضه علي. فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك تعالى
~~فأشرك معه في الخلافة رجلا من قريش تركن الناس إليه، ليتم لك امرك ولا
~~يخالف الناس عليك. فنزلت الآية والمعنى فيها لئن أشركت مع علي في الإمامة
~~غيره ليحبطن عملك، وعلى هذا التأويل. فالسؤال قائم لأنه إذا كان قد علم
~~الله تعالى انه صلى الله عليه وآله لا يفعل ذلك ولا يخالف امره لعصمته، فما
~~الوجه في الوعيد؟ فلابد من الرجوع إلى ما ذكرناه.
# تنزيه سيدنا محمد (ع) عن الذنب:
# (مسألة): فإن قيل: فما وجه قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة
~~أزواجك والله غفور رحيم﴾ (1) أوليس ظاهر هذا الخطاب يتضمن العتاب؟
~~والعتاب لا يكون إلا على ذنب كبير أو صغير.
# (الجواب): قلنا ليس في ظاهر الآية ما يقتضي عتابا وكيف يعاتبه الله تعالى
~~على ما ليس بذنب، لان تحريم الرجل بعض نسائه لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح
~~ولا داخل في جملة الذنوب، وأكثر ما فيه انه مباح. ولا يمتنع ان يكون قوله
~~تعالى: (لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) خرج مخرج التوجع من
~~حيث يتحمل المشقة في ارضاء زوجاته، وإن كان ما فعل قبيحا. ولو أن أحدنا
~~ارضى بعض نسائه بتطليق أخرى أو بتحريمها لحسن ان يقال له لم فعلت ذلك
~~وتحملت المشقة فيه، وإن كان ما فعل قبيحا. ويمكن أيضا إذا سلمنا ان القول
~~يقتضي ظاهره العتاب ان يكون ترك التحريم أفضل من فعله، فكأنه عدل بالتحريم
~~عن الأولى. ويحسن ان يقال لمن عدل عن النقل لم لم تفعله. وكيف عدلت عنه،
~~والظاهر الذي لا شبهة فيه قد يعدل عنه لدليل، فلو كان للآية ظاهر يقتضي
~~العتاب لجاز أن يصرفه إلى غيره لقيام الدلالة على أنه لا يفعل شيئا من
~~الذنوب ms126 ولان القصة التي خرجت الآية عليها لا يقتضي ماله تعلق بالذنب على
~~وجه من الوجوه.
# PageV00P168
# تنزيه محمد (ع) عن مراجعة أمر ربه:
# (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في الرواية المشهورة ان النبي صلى الله عليه
~~وآله ليلة المعراج لما خوطب بفرض الصلاة راجع ربه تعالى مرة بعد أخرى حتى
~~رجعت إلى خمس، وفي الرواية ان موسى عليه السلام هو القائل له ان أمتك لا
~~تطيق هذا. وكيف ذهب ذلك على النبي صلى الله عليه وآله حتى نبهه موسى (ع)؟
# وكيف يجوز المراجعة منه مع علمه بأن العبادة تابعة للمصلحة؟ وكيف يجاب عن
~~ذلك مع أن المصلحة بخلافه؟.
# (الجواب): قلنا أما هذه الرواية فمن طريق الآحاد التي لا توجب علما، وهي
~~مع ذلك مضعفة وليس يمتنع لو كانت صحيحة أن تكون المصلحة في الابتداء يقتضي
~~بالعبادة بالخمسين من الصلاة، فإذا وقعت المراجعة تغيرت المصلحة واقتضت أقل
~~من ذلك حتى ينتهي إلى هذا العدد المستقر، ويكون النبي صلى الله عليه وآله
~~قد اعلم بذلك، فراجع طلبا للتخفيف عن أمته والتسهيل، ونظير ما ذكرناه في
~~تغير المصلحة بالمراجعة وتركها أن فعل المنذور قبل النذر غير واجب، فإذا
~~تقدم النذر صار واجبا وداخلا في جملة العبادات المفترضات، وكذلك تسليم
~~المبيع غير واجب ولا داخل في جملة العبادات، فإذا تقدم عقد البيع وجب وصار
~~مصلحة. ونظائر ذلك في الشرعيات أكثر من أن تحصى، فأما قول موسى له صلى الله
~~عليه وآله ان أمتك لا تطيق فراجع، فليس ذلك تنبيها له صلى الله عليه وآله،
~~وليس يمتنع أن يكون النبي أراد أن يسأل مثل ذلك لو لم يقل له موسى. ويجوز
~~أن يكون قوله قوى دواعيه في المراجعة التي كانت أبيحت له. ومن الناس من
~~استبعد هذا الموضوع من حيث يقتضي ان يكون موسى (ع) في تلك الحال حيا كاملا،
~~وقد قبض منذ زمان. وهذا ليس ببعيد لان الله تعالى قد خبر أن أنبياءه عليهم
~~السلام والصالحين من عباده في الجنان يرزقون، فما المانع من أن ms127 يجمع الله
~~بين نبينا صلى الله عليه وآله وبين موسى. PageV00P169
# حول استئذان محمد (ع) لربه أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف:
# (مسألة): فإن قيل: فما الوجه فيما روي من أن الله تعالى لما أمر نبيه ان
~~يقرأ القرآن على حرف واحد قال له جبرئيل عليه السلام استزده يا محمد، فسأل
~~الله تعالى حتى اذن له ان يقرأه على سبعة أحرف؟.
# (الجواب): قلنا إن اللام في هذا الخبر يجري مجرى ما ذكرناه في المراجعة
~~عند فرض الصلاة، وليس يمتنع أن تكون المصلحة تختلف بالمراجعة والسؤال،
~~وإنما التمس الزيادة في الحروف للتسهيل والتخفيف.
# فإن في لاناس من يسهل عليه التفخيم وبعضهم لا يسهل عليه إلا الإمالة.
# وكذلك القول في الهمز وترك الهمز. فإن كان هذا الخبر صحيحا فوجه المراجعة
~~فيه هو طلب التخفيف ورفع المشقة.
# في وجه استثناء محمد (ع) في قول العباس ما لم يكن يريد أن يستثنيه:
# (مسألة): فإن قيل: فما الوجه في إجابة النبي صلى الله عليه وآله العباس
~~رضي الله عنه في قوله إلا الإذخر، إلى سؤاله وامضاء استثنائه وأنتم تعلمون
~~ان التحريم والتحليل انما يتبع المصالح فكيف يستثني بقول العباس ما لم يكن
~~يريد أن يستثنيه؟.
# (الجواب): قلنا: عن هذا جوابان: أحدهما ان يكون النبي صلى الله عليه وآله
~~أراد ان يستثني ما ذكره العباس من الإذخر لو لم يسابقه العباس إليه. وقد
~~نجد كثيرا من الناس يبتدئ بكلام وفي نيته أن يصله بكلام مخصوص فيسابقه إلى
~~ذلك الكلام بعض حاضريه، فيظن انه لما وصل كلامه الأول بالثاني لأجل تذكير
~~الحاضر له ولا يكون الامر كذلك.
# والجواب الثاني: أن يكون الله تعالى خير نبيه صلى الله عليه وآله في
~~الإذخر، PageV00P170
# فلما سأله العباس اختار أحد الامرين اللذين خير فيهما. وكل هذا غير
~~ممتنع.
# في وجه قول سيدنا محمد صلى الله عليه وآله عن وضع الرب قدمه في النار :
~~(مسألة): فإن قيل: فما قولكم في الخبر الذي رواه محمد بن جرير الطبري
~~بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ms128 صلى الله عليه وآله " ان النار تقول هل من
~~مزيد إذا القي فيها أهلها، حتى يضع الرب تعالى قدمه فيها.
# وتقول قط قط فحينئذ تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض. وقد روي مثل ذلك عن انس
~~بن مالك؟.
# (الجواب): قلنا لا شبهة في أن كل خبر اقتضى، ما تنفيه أدلة العقول فهو
~~باطل مردود، إلا أن يكون له تأويل سايغ غير متعسف، فيجوز ان يكون صحيحا،
~~ومعناه مطابقا للأدلة. وقد دلت العقول ومحكم القرآن والصحيح من السنة على
~~أن الله تعالى ليس بذي جوارح ولا يشبه شيئا من المخلوقات، وكل خبر نافى ما
~~ذكرناه وجب ان يكون إما مردودا أو محمولا على ما يطابق ما ذكرنا من الأدلة،
~~وخبر القدم يقتضي ظاهره التشبيه المحض، فكيف يكون مقبولا وقد قال قوم أنه
~~لا يمتنع ان يريد بذكر القدم القوم الذين قدمهم لها. واخبر أنهم يدخلون
~~إليها ممن استحقها باعماله.
# فأما قول النار فهل من مزيد؟ فقد قيل معنى ذلك انها صارت بحيث لا موضع
~~فيها للزيادة، وبحيث لو كانت ممن تقول لقالت قد امتلأت وما بقي في مزيد،
~~وأضاف القول إليها على سبيل المجاز كما أضاف الشاعر القول إلى الحوض:
# امتلا الحوض فقال فطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني وقد قال أبو علي
~~الجبائي ان القول الذي هو هل من مزيد، من قول الخزنة. كما يقال: قالت
~~البلدة الفلانية كذا اي قال أهلها. وكما قال PageV00P171
# تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا
~~صفا﴾ (1) وهذا أيضا غير ممتنع.
# في قول محمد (ع) يعذب الميت ببكاء الحي عليه:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله
~~أنه قال: " ان الميت ليعذب ببكاء الحي عليه ". وفي رواية أخرى " ان الميت
~~يعذب في قبره بالنياحة عليه ". وروى المغيرة بن شعبة عنه صلى الله عليه
~~وآله أنه قال : " من نيح عليه فإنه يعذب بما يناح عليه "؟.
# (الجواب): قلنا هذا الخبر منكر الظاهر لأنه يقتضي إضافة الظلم إلى الله
~~تعالى، ms129 وقد نزهت أدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والاتساع والمجاز
~~الله تعالى عن الظلم وكل قبيح. وقد نزه الله تعالى نفسه بمحكم القول عن ذلك
~~فقال عز وجل: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (2). ولابد من أن نصرف ما ظاهره
~~بخلاف هذه الأدلة إلى ما يطابقها إن أمكن، أو نرده ونبطله. وقد روي عن ابن
~~عباس في هذا الخبر أنه قال وهل ابن عمر: انما مر رسول الله صلى الله عليه
~~وآله على قبر يهودي أهله يبكون عليه فقال إنهم يبكون عليه وانه ليعذب. وقد
~~روى انكار هذا الخبر عن عائشة أيضا، وأنها قالت لما خبرت بروايته: وهل أبو
~~عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر، انما قال (ع) ان أهل البيت الميت ليبكون
~~عليه، وانه ليعذب بجرمه. فهذا الخبر مردود ومطعون عليه كما ترى. ومعنى
~~قولهما: وهل: اي ذهب وهمه إلى غير الصواب. يقال وهلت إلى الشئ أو هل وهلا:
~~إذا ذهب وهمك إليه.
# ووهلت عنه أو هل وهلا: إذا نسيته وغلطت فيه. ووهل الرجل يوهل وهلا:
# إذا فزع. والوهل: الفزع. وموضع وهله في ذكر القليب أنه روي أن النبي صلى
~~الله عليه وآله وقف على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا. ثم
# PageV00P172
# قال: إنهم ليسمعون ما أقول. فأنكر ذلك عليه، وقيل انما قال عليه السلام:
~~أنهم الآن ليعلمون ان الذي كنت أقول لهم هو الحق. واستشهد بقوله تعالى:
~~(انك لا تسمع الموتى)، ويمكن في الخبر إن كان صحيحا وجوه من التأويل:
# أولها: انه إن وصى موص بأن يناح عليه ففعل ذلك بأمره، فإنه يعذب
~~بالنياحة. وليس معنى يعذب بها أنه يؤاخذ بفعل النواح، وانما معناه أنه
~~يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها، وانما قال صلى الله عليه وآله ذلك لان
~~الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح ويأمرون به ويؤكدون الوصية بفعله،
~~وهذا مشهور عنهم. قال طرفة بن العبد:
# فان مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي عليه الجيب يا ابنة معبد وقال بشر بن
~~أبي حازم:
# فمن يك ms130 سائلا عن بيت بشر * فان له بجنب الردم بابا ثوى في ملحد لابد منه
~~* كفى بالموت نابا واغترابا رهين بلى وكل فتى سيبلى * فاذري الدمع وانتحبي
~~انتحابا وثانيها: ان العرب كانوا يبكون موتاهم ويذكرون غاراتهم وقتل
~~أعدائهم، وما كانوا يسلبونه من الأموال ويرونه من الأحوال، فيعدون ما هو
~~معاص في الحقيقة بعذاب الميت بها وإن كانوا يجعلون ذلك من مفاخره ومناقبه،
~~فذكر انكم تبكونهم بما يعذبون به.
# وثالثها: ان يكون المعنى ان الله تعالى إذا علم الميت ببكاء أهله واعزته
~~عليه تألم لذلك، فكان عذابا له. والعذاب ليس بجار مجرى العقاب الذي لا يكون
~~إلا على ذنب متقدم، بل قد يستعمل كثيرا بمعنى الألم والضرر. ألا ترى ان
~~القائل قد يقول لمن ابتدأه بضرر أو ألم: قد عذبتني بكذا وكذا وآذيتني، كما
~~يقول اضررت بي وآلمتني. وإنما لم يستعمل PageV00P173
# العقاب حقيقة في الآلام المبتدئة، من حيث كان اشتقاق لفظة العقاب من
~~المعاقبة التي لابد من تقدم سبب لها وليس هذا في العذاب.
# ورابعها: ان يكون أراد بالميت من حضره الموت ودنا منه. فقد يسمى بذلك
~~القوة المقاربة على سبيل المجاز. فكأنه صلى الله عليه وآله أراد أن من حضره
~~الموت يتأذى ببكاء أهله عنده، ويضعف نفسه، فيكون ذلك كالعذاب له. وكل هذا
~~بين بحمد الله ومنه.
# في قول سيدنا محمد صلى الله عليه وآله إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى الخبر المروي عن عبد الله بن عمر أنه قال
~~سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من
~~أصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء. ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وآله عند
~~ذلك:
# اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك. والخبر الذي يرويه أنس قال
~~رسول الله: ما من قلب آدمي إلا وهو بين إصبعين من أصابع الله تعالى، فإذا
~~شاء ان يثبته ثبته واذشاء ان يقلبه قلبه؟.
# (الجواب): قلنا إن لمن تكلم في تأويل هذه الأخبار ولم ms131 يدفعها لمنافاتها
~~لأدلة العقول ان يقول إن الإصبع في كلام العرب وان كانت هي الجارحة
~~المخصوصة، فهي أيضا الأثر الحسن. يقال لفلان على ماله وابله إصبع حسنة. اي
~~قيام واثر حسن. قال الراعي واسمه عبيد الله بن الحصين ويكنى بأبي جندل، يصف
~~راعيا حسن القيام على إبله:
# ضعيف العصى بادي العروق ترى له * عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا وقال
~~لبيد:
# من يبسط الله عليه إصبعا * بالخير والشر بأي أولعا يملا له منه ذنوبا
~~مترعا PageV00P174
# وقال الآخر:
# أكرم نزارا واسقه المشعشا * فإن فيه خصلات أربعا مجدا وجودا ويدا واصبعا
~~فإن الإصبع في كل ما أوردناه المراد به الأثر الحسن والنعمة، فيكون المعنى
~~ما من آدمي الا وقلبه بين نعمتين لله تعالى جليلتين.
# فإن قيل: فما معنى تثنية النعمتين ونعم الله تعالى على عباده لا تحصى
~~كثرة.
# قلنا: يحتمل ان يكون الوجه في ذلك نعم الدنيا ونعم الآخرة، وثناهما
~~لأنهما كالجنسين أو النوعين. وإن كان كل قبيل منهما في نفسه ذا عدد كثير.
# ويمكن ان يكون الوجه في تسميتهم الأثر الحسن بالإصبع هو من حيث يشار إليه
~~بالإصبع اعجابا وتنبيها عليه، وهذه عادتهم في تسمية الشئ بما يقع عنده وبما
~~له به علقة وقد قال قوم ان الراعي أراد ان يقول يدا في موضع إصبع، لان اليد
~~النعمة، فلم يمكنه. فعدل عن اليد إلى الإصبع لأنها من اليد.
# وفي هذه الأخبار وجه آخر وهو أوضح من الوجه الأول وأشبه بمذهب العرب
~~وتصرف ملاحن كلامها، وهو ان يكون الغرض في ذكر الأصابع الاخبار عن تيسير
~~تصريف القلوب وتقليبها والفعل فيها عليه عز وجل، ودخول ذلك تحت قدرته، ألا
~~ترى أنهم يقولون هذا الشئ في خنصري وإصبعي وفي يدي وقبضتي. كل ذلك إذا
~~أرادوا وصفه بالتيسير والتسهيل وارتفاع المشقة فيه والمؤونة وعلى هذا
~~المعنى يتأول المحققون قوله تعالى:
# ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة
~~والسماوات مطويات بيمينه﴾ (1) فكأنه صلى الله عليه وآله لما أراد
~~المبالغة في وصفه بالقدرة على ms132 تقليب
# PageV00P175
# القلوب وتصريفها بغير مشقة ولا كلفة، قال إنها بين أصابعه كناية عن هذا
~~المعنى واختصارا للفظ الطويل يه. وقد ذكر قوم في معنى الأصابع على أنها
~~المخلوقات من اللحم والدم استظهارا في الحجة على المخالف وجها آخر، وهو أنه
~~لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الإصبعين، يحركه الله بهما
~~ويقلبه بالفعل فيهما. ويكون وجه تسميتهما.
# بالإصبعين من حيث كانا على شكلهما. والوجه في اضافتهما إلى الله تعالى.
~~وان كانت جميع افعاله تضاف إليه بمعنى الملك والقدرة، لأنه لا يقدر على
~~الفعل فيهما وتحريكهما منفردين عما جاوزهما غيره تعالى، وقيل إنهما إصبعان
~~له من حيث اختص بالفعل فيهما على هذا الوجه. وهذا التأويل وإن كان دون ما
~~تقدمه فالكلام يحتمله، ولابد من ذكر القوي والضعيف إذا كان في الكلام له
~~أدنى احتمال.
# في قول سيدنا محمد إن الله خلق آدم على صورته:
# (مسألة): فإن قيل فما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه
~~قال : " ان الله خلق آدم على صورته "، أوليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه
~~وان له تعالى عن ذلك صورة.
# (الجواب): قلنا قد قيل في تأويل هذا الخبر أن الهاء في قوله في صورته،
~~إذا صح هذا الخبر راجعة إلى آدم (ع) دون الله، فكان المعنى انه تعالى خلقه
~~على الصورة التي قبض عليها، وأن حاله لم يتغير في الصورة بزيادة ولا نقصان
~~كما تتغير أحوال البشر.
# وذكر وجه ثان: وهو أن تكون الهاء راجعة إلى الله تعالى، ويكون المعنى انه
~~خلقه على الصورة التي اختارها واجتباها، لان الشئ قد يضاف على هذا الوجه
~~إلى مختاره ومصطفيه.
# وذكر أيضا وجه ثالث: وهو ان هذا الكلام خرج على سبب معروف لان
~~PageV00P176
# الزهري روي عن الحسن أنه كان يقول: مر رسول الله صلى الله عليه وآله برجل
~~من الأنصار وهو يضرب وجه غلام له ويقول قبح الله وجهك ووجه من تشبهه، فقال
~~النبي صلى الله عليه وآله بئس ما قلت، فإن الله خلق ms133 آدم على صورة المضروب.
# ويمكن في هذا الخبر وجه رابع: وهو ان يكون المراد ان الله تعالى خلق
~~صورته لينتفي بذلك الشك في أن تأليفه من فعل غيره، لان التأليف من جنس
~~مقدور البشر، والجواهر وما شكلها من الأجناس المخصوصة من الاعراض التي
~~ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليها. فيمكن قبل النظر ان يكون الجواهر من
~~فعله، وتأليفها من فعل غيره. ألا ترى انا نرجع في العلم من أن تأليف السماء
~~من فعله تعالى إلى السمع، لأنه لا دلالة في العقل على ذلك. لما نرجع في أن
~~تأليف الانسان من فعله تعالى في الموضوع الذي يستدل به على أنه عالم من حيف
~~ظهر منه الفعل المحكم، إلى أن يجعل الكلام في أول انسان خلقه، لأنه لا يمكن
~~ان يكون مؤلفه سواه إذا كان هو أول الاحياء من المخلوقات. فكأنه عليه
~~السلام اخبر بهذه الفائدة الجليلة وهو أن جواهر آدم عليه السلام وتأليفه من
~~فعل الله تعالى.
# ويمكن وجه خامس: وهو ان يكون المعنى ان الله تعالى أنشأه على هذه الصورة
~~التي شوهد عليها على سبيل الابتداء، وأنه لم ينتقل إليها ويتدرج كما جرت
~~العادة في البشر.
# وكل هذه الوجوه جائزة في معنى الخبر والله تعالى ورسوله أعلم بالمراد.
# في قول سيدنا محمد: سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر:
# (مسألة): فإن قيل: فما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه
~~PageV00P177
# وآله أنه قال: " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في
~~رؤيته " وهذا خبر مشهور لا يمكن تضعيفه ونسبته إلى الشذوذ؟.
# (الجواب): قلنا: أما هذا الخبر فمطعون عليه مقدوح في راويه، فإن راويه
~~قيس بن أبي حازم، وقد كان خولط في عقله في آخر عمره مع استمراره على رواية
~~الاخبار. وهذا قدح لا شبهة فيه لان كل خبر مروي عنه لا يعلم تاريخه يجب ان
~~يكون مردودا، لأنه لا يؤمن ان يكون مما سمع منه في حال الاختلال. وهذه
~~طريقة في قبول الاخبار وردها ينبغي ان يكون أصلا ms134 ومعتبرا فيمن علم منه
~~الخروج ولم يعلم تاريخ ما نقل عنه. على أن قيسا لو سلم من هذا القدح كان
~~مطعونا فيه من وجه آخر، وهو أن قيس بن أبي حازم كان مشهورا بالنصب
~~والمعاداة لأمير المؤمنين صلاة الله وسلامه عليه والانحراف عنه، وهو الذي
~~قال: رأيت علي بن أبي طالب (ع) على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقية
~~الأحزاب، فابغضته حتى اليوم في قلبي. إلى غير ذلك من تصريحه بالمناصبة
~~والمعاداة. وهذا قادح لا شك في عدالته.
# على أن للخبر وجها صحيحا يجوز ان يكون محمولا عليه إذا صح، لان الرؤية قد
~~تكون بمعنى العلم، وهذا ظاهر في اللغة ويدل عليه قوله تعالى:
# (ألم تر كيف فعل ربك بعاد)، وقوله: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل).
~~وقوله تعالى: (أولم ير الانسان انا خلقناه من نطفة). وقال الشاعر:
# رأيت الله إذ سمى نزارا * واسكنهم بمكة قاطنينا فيجوز ان يكون معنى الخبر
~~على هذا " انكم تعلمون ربكم علما ضروريا كما تعلمون القمر ليلة البدر من
~~غير مشقة ولا كد " نظر. وليس لاحد ان يقول إن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم
~~تعدت إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما على مذهب أهل اللسان،
~~والرؤية بالبصر تتعدى إلى مفعول واحد، فيجب ان يحمل الخبر مع فقد المفعول
~~الثاني على الرؤية PageV00P178
# بالبصر، وذلك أن العلم عند أهل اللغة على ضربين: علم يقين ومعرفة.
# والضرب الآخر يكون بمعنى الظن والحسبان. والذي هو بمعنى البصر لا يتعدى
~~إلى أكثر من مفعول واحد. ولهذا يقولون علمت زيدا بمعنى عرفته وتيقنته، ولا
~~يأتون بمفعول ثان وإذا كان بمعنى الظن احتاج إلى المفعول الثاني، وقد قيل
~~ليس يمتنع ان يكون المفعول الثاني في الخبر محذوفا يدل الكلام عليه، وإن لم
~~يكن مصرحا به.
# فان قيل: يجب على تأويلكم هذا ان يساوى أهل النار أهل الجنة في هذا الحكم
~~الذي هو المعرقة الضرورية بالله تعالى، لان معارف جميع أهل الآخرة عندكم لا
~~تكون الا اضطرارا. فإذا ثبت ان الخبر ms135 بشارة للمؤمنين دون الكافرين بطل
~~تأويلكم.
# قلنا: البشارة في هذا الخبر تخص المؤمنين على الحقيقة، لان الخبر بزوال
~~اليسير من الأذى لمن نعيمه خالص صاف يعد بشارة. ومثل ذلك لا يعد بشارة لمن
~~هو في غاية المكروه ونهاية الألم والعذاب وأيضا فإن علم أهل الجنة بالله
~~ضرورة يزيد في نعيمهم وسرورهم لأنهم يعلمون بذلك انه تعالى يقصد بما يفعله
~~لهم من النعيم التعظيم والتبجيل، وأنه يديم ذلك ولا يقطعه. وأهل النار إذا
~~علموه تعالى ضرورة علموا قصده إلى اهانتهم والاستخفاف بهم وإدامة مكروهم
~~وعذابهم. فاختلف العلمان في باب البشارة وان اتفقا في أنهما ضروريان:
# في حديث نفي الملل عن الله تعالى:
# (مسألة): فان قيل فما معنى الخبر الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله
~~عليه وآله أنه قال " ان أحب الاعمال إلى الله تعالى أدومها وان قل فعليكم
~~من الاعمال بما تطيقون فان الله لا يمل حتى تملوا ". PageV00P179
# (الجواب): قلنا في تأويل هذا الخبر وجوه كل واحد منها يخرج كلامه صلى
~~الله عليه وآله من حيز الشبهة:
# (أولها) انه أراد نفي الملل عنه تعالى، وأنه لا يمل ابدا، فعلقه بما لا
~~يقع على سبيل التبعيد كما قال عز وجل (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في
~~سم الخياط) وكما قال الشاعر:
# فإنك سوف تحكم أو تباهي * إذا ما شبت أو شاب الغراب أراد انك لا تحكم
~~ابدا.
# فان قيل ومن أين لكم ان الذي علقه به لا يقع، حتى حكمتم بأنه أراد نفي
~~الملل على سبيل التأبيد.
# قلنا: معلوم ان الملل لا يشمل البشر في جميع أمورهم وأطوارهم، وأنهم لا
~~يعرفون من حرص ورغبة وأمل وطمع، فلهذا جاز ان يعلق ما علم الله تعالى انه
~~لا يكون تمللهم.
# والوجه الثاني: أن يكون المعنى انه تعالى لا يغضب عليكم فيطرحكم ويخليكم
~~من فضله واحسانه حتى تتركوا العمل له وتعرضوا عن سؤاله والرغبة في حاجاتكم
~~إلى جوده. فسمى الفعلين مللا وان لم يكونا على الحقيقة كذلك على مذهب العرب
~~في تسميتها ms136 الشئ باسم غيره إذا وافق معناه من بعض الوجوه، قال عدي بن زيد
~~العبادي:
# ثم اضحوا لعب الدهر بهم * وكذاك الدهر يودى بالرجال وقال عبيد بن الأبرص
~~الأسدي:
# سائل بنا حجر بن أم قطام إذ * ظلت به السمر الذوابل تلعب فنسب اللعب إلى
~~الدهر والقنا تشبيها.
# PageV00P180
# وقال ذو الرمة:
# وابيض موشى القميص نصبته * على خصر مقلاة سفيه جديلها فسمى اضطراب زمامها
~~سفها، لان السفه في الأصل هو الطيش وسرعة الاضطراب والحركة، وانما وصف
~~ناقته بالذكاء والنشاط.
# والوجه الثالث: ان يكون المعنى انه تعالى لا يقطع عنكم خيره ونائله حتى
~~تملوا من سؤاله، ففعلهم ملل على الحقيقة، وسمي فعله تعالى مللا وليس على
~~الحقيقة. وكذلك للازدواج والتشاكل في الصورة، وإن كان المعنى مختلفا. ومثله
~~قوله تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم
~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (1) (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (2).
~~ومثله قول الشاعر:
# الا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا وانما أراد المجازاة
~~على الجهل، لان العاقل لا يفخر بالجهل ولا يتمدح به.
# واعلم أن لهذه الاخبار والمضافة إلى النبي صلى الله عليه وآله مما يقتضي
~~ظاهرها تشبيها لله تعالى بخلقه أو جورا له في حكمه أو ابطالا لأصل عقلي،
~~نظائر كثيرة، وان كانت لا تجري في الشهرة مجرى ما ذكرناه، ومتى تقصينا
~~الكلام على جميع ذلك طال الكتاب جدا وخرج عن الغرض المقصود به، لا بأشرطنا
~~ان لا نتكلم ولا نتأول فيما يضاف إلى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي إلا
~~على آية من الكتاب، أو خبر معلوم أو مشهور يجري في شهرته مجرى المعلوم
~~وفيما ذكرناه بلاغ وكفاية.
# نحن نبتدئ بالكلام على ما يضاف إلى الأئمة عليهم السلام مما ظن ظانون انه
~~قبيح ونرتب ذلك كما رتبناه في الأنبياء عليهم السلام، ومن الله نستمد حسن
~~المعونة والتوفيق.
# PageV00P181
# تنزيه الأئمة عليهم السلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
~~حول نص النبي صلى الله عليه وآله على خلافة علي (ع) وعدم منازعته
~~للمتآمرين:
# (مسألة): ms137 ان قال قائل إذا كان من مذهبكم يا معشر القائلين بالنص ان النبي
~~صلى الله عليه وآله نص على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام
~~بالخلافة بعده، وفوض إليه امر أمته، فما باله لم ينازع المتآمرين بعد النبي
~~في الامر الذي وكل إليه وعول في تدبيره عليه أوليس هذا منه اغفالا لواجب لا
~~يسوغ اغفاله؟ فإن قلتم انه لم يتمكن من ذلك فهلا اعذر وأبلى واجتهد، فإنه
~~إذا لم يصل إلى مراده بعد الاعذار والاجتهاد كان معذورا. أوليس هو عليه
~~السلام الذي حارب أهل البصرة وفيهم زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله،
~~وطلحة والزبير، ومكانهما من الصحبة والاختصاص والتقدم مكانهما، ولم يحشمه
~~ظواهر هذه الأحوال من كشف القناع في حربهم حتى اتى على نفوس أكثر أهل
~~العسكر، وهو المحارب لأهل صفين مرة بعد أخرى مع تخاذل أصحابه وتواكل
~~أنصاره، وانه (ع) كان في أكثر مقاماته تلك وموقفه لا يغلب في ظنه الظفر ولا
~~يرجو لضعف من معه النصر. وكان عليه السلام مع ذلك كله مصمما ماضيا قدما لا
~~PageV00P182
# تأخذه في الله لومة لائم، وقد وهب نفسه وماله وولده لخالقه تعالى، ورضي
~~بأن يكون دون الحق اما جريحا أو قتيلا، فكيف لم يظهر منه بعض هذه الأمور مع
~~من تقدم والحال عندكم واحدة، بل لو قلنا إنها كانت أغلظ وافحش لاصبنا لأنها
~~كانت مفتاح الشر واس الخلاف وسبب التبديل والتغيير؟.
# وبعد، فكيف لم يقنع بالكف عن التفكير والعدول عن المكاشفة والمجاهرة حتى
~~بايع القوم وحضر مجالسهم، ودخل في آرائهم وصلى مقتديا بهم، وأخذ عطيتهم
~~ونكح من سبيهم وانكحهم، ودخل في الشورى التي هي عندكم مبنية على غير تقوى،
~~فما الجواب عن جميع ذلك اذكروه، فإن الامر فيه مشتبه والخطب ملتبس؟.
# (الجواب): قلنا أما الكلام على ما تضمنه هذا السؤال فهو مما يخص الكلام
~~في الإمامة، وقد استقصيناه في كتابنا المعروف بالشافي في الإمامة، وبسطنا
~~القول فيه في هذه الأبواب ونظائرها بسطا يزيل الشبهة ويوضح الحجة، لكنا لا
~~نخلي ms138 هذا الكتاب من حيث تعلق غرضه بهذه المواضع من إشارة إلى طريقة الكلام
~~فيها.
# فنقول: قد بينا في صدر هذا الكتاب ان الأئمة عليهم السلام معصومون من
~~كبائر الذنوب وصغائرها، واعتمدنا في ذلك على دليل عقلي لا يدخله احتمال ولا
~~تأويل بشئ، فمتى ورد عن أحدهم عليهم السلام فعل له ظاهر الذنب، وجب ان
~~نصرفه عن ظاهره ونحمله على ما يطابق موجب الدليل العقلي فيهم، كما فعلنا
~~مثل ذلك في متشابه القرآن المقتضي ظاهره ما لا يجوز على الله تعالى، وما لا
~~يجوز على نبي من أنبيائه عليهم السلام.
# فإذا ثبت ان أمير المؤمنين عليه السلام إمام فقد ثبت بالدليل العقلي أنه
~~معصوم عن الخطأ والزلل، فلابد من حمل جميع افعاله على جهات الحسن ونفي
~~القبيح عن كل واحد منها. وما كان له منها ظاهر يقتضي الذنب علمنا
~~PageV00P183
# في الجملة انه على غير ظاهره، فإن عرفنا وجهه على التفصيل ذكرناه، وإلا
~~كفانا في تكليفنا ان نعلم أن الظاهر معدول عنه، وأنه لابد من وجه فيه يطابق
~~ما تقتضيه الأدلة. وهذه الجملة كافية في جميع المشتبهة من افعال الأئمة
~~عليهم السلام وأقوالهم، ونحن نزيد عليها فنقول: ان الله تعالى لم يكلف
~~انكار المنكر سواء اختص بالمنكر أو تعداه إلى غيره الا بشروط معروفة،
~~أقواها التمكن. وان لا يغلب في ظن المنكر ان إنكارة يؤدي إلى وقوع ضرر به
~~لا يحتمل مثله، وأن لا يخاف في انكاره من وقوع ما هو أفحش منه وأقبح من
~~المنكر. وهذه شروط قد دلت الأدلة عليها ووافقنا المخالفون لنا في الإمامة
~~فيها وإذا كان ما ذكرناه مراعي في وجوب انكار المنكر، فمن أين أن أمير
~~المؤمنين عليه السلام كان متمكنا من المنازعة في حقه والمجادلة، وما المنكر
~~من أن يكون عليه السلام خائفا متى نازع وحارب من ضرر عظيم يلحقه في نفسه
~~وولده وشيعته، ثم ما المنكر من أن يكون خاف من الانكار من ارتداد القوم عن
~~الدين وخروجهم عن الاسلام ونبذهم شعار الشريعة، فرأى أن ms139 الاغضاء اصلح في
~~الدين من حيث كان يجر الانكار ضررا فيه لا يتلافى.
# فان قيل: فما يمنع من أن يكون انكار المنكر مشروطا بما ذكرتم، إلا أنه
~~لابد لارتفاع التمكن وخوف الضرر عن الدين والنفس من امارات لايحة ظاهرة
~~يعرفها كل أحد، ولم يكن هناك شئ من امارات الخوف وعلامات وقوع الفساد في
~~الدين. وعلى هذا فليس تنفعكم الجملة التي ذكرتموها لان التفصيل لا يطابقها.
# قلنا: أول ما نقوله ان الامارات التي يغلب معها الظن بأن انكار المنكر
~~يؤدي إلى الضرر، انما يعرفها من شهد الحال وحضرها واثرت في ظنه، وليست مما
~~يجب ان يعلمها الغائبون عن تلك المشاهدة. ومن اتى بعد ذلك الحال بالسنين
~~المتطاولة. وليس من حيث لم تظهر لنا تلك الامارات ولم PageV00P184
# نحط بها علما، يجب القطع على من شهد تلك الحال لم تكن له ظاهرة، فإنا
~~نعلم أن للمشاهد وحضوره مزية في هذا الباب لا يمكن دفعها، والعادات تقتضي
~~بأن الحال على ما ذكرناه. فإنا نجد كثيرا ممن يحضر مجالس الظلمة من الملوك
~~يمتنع من انكار بعض ما يجري بحضرتهم من المناكير، وربما أنكر ما يجري مجراه
~~في الظاهر، فإذا سئل عن سبب اغضائه وكفه ذكر أنه خاف لامارة ظهرت له، ولا
~~يلزمه أن تكون تلك الامارة ظاهرة لكل أحد، حتى يطالب بأن يشاركه في الظن
~~والخوف كل من عرفه. بل ربما كان معه في ذلك المقام من لا يغلب على ظنه مثل
~~ما غلب على ظنه من حيث اختص بالامارة دونه. ثم قد ذكرنا في كتابنا في
~~الإمامة من أسباب الخوف وامارات الضرر التي تناصرت بها الروايات، ووردت من
~~الجهات المختلفة ما فيه مقنع للمتأمل، وانه (ع) غولط في الامر وسوبق إليه
~~وانتهزت غرته، واغتنمت الحال التي كان فيها متشاغلا بتجهيز النبي صلى الله
~~وآله عليه، وسعى القوم إلى سقيفة بني ساعدة، وجرى لهم فيها مع الأنصار ما
~~جرى، وتم لهم عليهم كما اتفق من بشير بن سعد ما تم وظهر، وانما توجه لهم من ms140
~~قهرهم الأنصار ما توجه ان الاجماع قد انعقد على البيعة، وأن الرضا وقع من
~~جميع الأمة وروسل أمير المؤمنين عليه السلام. ومن تأخر معه من بني هاشم
~~وغيرهم مراسلة من يلزمهم بيعة قد تمت ووجبت لا خيار فيها لاحد، ولا رأي في
~~التوقف عنها لذي رأي ثم تهددوه على التأخر، فتارة يقال له لا تقم مقام من
~~يظن فيه الحسد لابن عمه، إلى ما شاكل ذلك من الأقوال والافعال التي تقتضي
~~التكفل والتثبت، وتدل على التصميم والتتميم. وهذه امارات بل دلالات تدل على
~~أن الضرر في مخالفة القوم شديد.
# وبعد، فان الذي نذهب إليه من سبب التقية والخوف مما لابد منه، إذا فرضوا
~~ان مذهبنا في النص صحيح، لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد نص على
~~أمير المؤمنين (ع) بالإمامة في مقام بعد مقام وبكلام لا يحتمل PageV00P185
# التأويل، ثم رأى المنصوص عليه أكثر الأمة بعد الوفاة بلا فصل، اقبلوا
~~يتنازعون الامر تنازع من لم يعهد إليه بشئ فيه، ولا يسمع على الإمامة نصا
~~لان المهاجرين قالوا نحن أحق بالامر، لان الرسول صلى الله عليه وآله منا
~~ولكيت وكيت. وقال الأنصار نحن آويناه ونصرناه فمنا أمير ومنكم أمير. هذا،
~~والنص لا يذكر فيما بينهم. ومعلوم ان الزمان لم يبعد فيتناسوه ومثله لا
~~يتناسى، فلم يبق إلا أنه عملوا على التصميم ووطنوا نفوسهم على التجليح،
~~وأنهم لم يستيجزوا الاقدام على خلاف الرسول صلى الله عليه وآله في اجل
~~أوامره وأوثق عهوده، والتظاهر بالعدول عما أكده وعقده، إلا لداع قوي وامر
~~عظيم يخاف فيه من عظيم الضرر، ويتوقع منه شديد الفتنة. فأي طمع يبقى في
~~نزوعهم بوعظ وتذكير؟ وكيف يطمع في قبول وعظه والرجوع إلى تبصيره وارشاده من
~~رآهم لم يتعظوا بوعظ يخرجهم من الضلالة وينقذهم من الجهالة؟ وكيف لا يتهمهم
~~على نفسه ودينه من رأى فعلهم بسيدهم وسيد الناس أجمعين فيما عهده وأراده
~~وقصده؟ وهل يتمكن عاقل بعد هذا ان يقول اي امارة للخوف ظهرت؟ اللهم الا ان
~~يقولوا ms141 ان القوم ما خالفوا نصا ولا نبذوا عهدا، وإن كل ذلك تقول منكم عليهم
~~لا حجة فيه، ودعوى لا برهان عليها، فتسقط حينئذ المسألة من أصلها، ويصير
~~تقديرها إذا كان أمير المؤمنين (ع) غير منصوص عليه بالإمامة ولا مغلوب على
~~الخلافة، فكيف لم يطالب بها ولم ينازع فيها؟ ومعلوم انه لا مسألة في أن من
~~لم يطالب بما ليس له، ولم يجعل إليه، وإنما المسألة في أن لم يطالب بما جعل
~~إليه.
# وإذا فرضنا ان ذلك إليه، جاء منه كل الذي ذكرناه. ثم يقال لهم إذا سلمتم
~~ان وجوب انكار المنكر مشروط بما ذكرناه من الشروط، فلم أنكرتم ان يكون أمير
~~المؤمنين عليه السلام انما أحجم عن المجاهدة بالانكار، لان شروط انكار
~~المنكر لم تتكامل، إما لأنه كان خائفا على نفسه أو على من يجري مجرى نفسه،
~~أو مشفقا من وقوع ضرر في الدين هو أعظم مما أنكره. وما المانع من أن يكون
~~الامر جرى على ذلك؟. PageV00P186
# فان قالوا أن امارات الخوف لم تظهر.
# قلنا: وأي امارة للخوف هي أقوى من الاقدام على خلاف رسول الله صلى الله
~~عليه وآله في أوثق عهوده وأقوى عقوده، والاستبداد بأمر لاحظ لهم فيه. وهذه
~~الحال تخرج من أن يكون امارة في ارتفاع الحشمة من القبيح إلى أن يكون
~~دلالة، وإنما يسوغ أن يقال لا امارة هناك تقتضي الخوف وتدعو إلى سوء الظن
~~إذا فرضنا ان القوم كانوا على أحوال السلامة متضافرين متناصرين متمسكين
~~بأوامر الرسول صلى الله عليه وآله، جارين على سنته وطريقته. فلا يكون لسوء
~~الظن عليهم مجال ولا لخوف من جهتهم طريق.
# فأما إذا فرضنا انهم دفعوا النص الظاهر وخالفوه وعملوا بخلاف مقتضاه،
~~فالامر حينئذ منعكس منقلب وحسن الظن لا وجه له، وسوء الظن هو الواجب
~~اللازم. فلا ينبغي للمخالفين لنا في هذه المسألة ان يجمعوا بين المتضادات،
~~ويفرضوا ان القوم دفعوا النص وخالفوا موجبه، وهم مع ذلك على أحوال السلامة
~~المعهودة منهم التي تقتضي من الظنون بهم أحسنها وأجملها على ms142 أنا لا نسلم
~~انه (ع) لم يقع منه إنكار على وجه من الوجوه، فإن الرواية متظافرة بأنه
~~عليه السلام لم يزل يتظلم ويتألم ويشكو أنه مظلوم ومقهور في مقام بعد مقام
~~وخطاب بعد خطاب. وقد ذكرنا تفصيل هذه الجملة في كتابنا الشافي في الإمامة
~~وأوردنا طرفا مما روي في هذا الباب، وبينا ان كلامه (ع) في هذا المعنى
~~يترتب في الأحوال بحسب ترتبها في الشدة واللين، فكان المسموع من كلامه عليه
~~السلام في أيام أبي بكر لا سيما في صدرها، وعند ابتداء البيعة له ما لم يكن
~~مسموعا في أيام عمر، ثم صرح عليه السلام وبين وقوى تعريضه في أيام عثمان،
~~ثم انتهت الحال في أيام تسليم الامر إليه إلى أنه (ع) ما كان يخطب خطبة ولا
~~يقف موقفا الا ويتكلم فيه بالألفاظ المختلفة والوجوه المتباينة، حتى اشترك
~~في معرفة ما في نفسه الولي والعدو والقريب والبعيد. وفي بعض ما كان (ع)
~~بيديه ويعيده PageV00P187
# اعذار وافراغ للوسع، وقيام بما يجب على مثله ممن قل تمكنه وضعف ناصره.
# فأما محاربة أهل البصرة، ثم أهل صفين، فلا يجري مجرى التظاهر بالانكار
~~على المتقدمين عليه (ع)، لأنه وجد على هؤلاء أعوانا وأنصارا يكثر عددهم
~~ويرجي النصر والظفر بمثلهم، لان الشبهة في فعلهم وبغيهم كانت زايلة عن جميع
~~الأماثل وذوي البصائر، ولم يشتبه امرهم إلا على اغنام وطغام ولا اعتبار بهم
~~ولا فكر في نصرة مثلهم. فتعين الغرض في قتالهم ومجاهدتهم للأسباب التي
~~ذكرناها. وليس هذا ولا شئ منه موجودا فيمن تقدم، بل الامر فيه بالعكس مما
~~ذكرناه لان الجمهور والعدد الجم الكثير، كانوا على موالاتهم وتعظيمهم
~~وتفضيلهم وتصويبهم في أقوالهم وافعالهم. فبعض للشبهة وبعض للانحراف عن أمير
~~المؤمنين عليه السلام والحبة لخروج الامر عنه، وبعض لطلب الدنيا وحطامها
~~ونيل الرياسات فيها. فمن جمع بين الحالتين وسوى بين الوقتين كمن جمع بين
~~المتضادين. وكيف يقال هذا ويطلب منه (ع) من الانكار على من تقدم مثل ما وقع
~~منه (ع) متأخرا في صفين والجمل، وكل ms143 من حارب معه (ع) في هذه الحروب، إلا
~~القليل كانوا قائلين بامامة المتقدمين عليه (ع) ومنهم من يعتقد تفضيلهم على
~~سائر الأمة، فكيف يستنصر ويتقوى في اظهار الانكار على من تقدم بقوم هذه
~~صفتهم، وابن الانكار على معاوية وطلحة وفلان وفلان من الانكار على أبي بكر
~~وعمر وعثمان لولا الغفلة والعصبية، ولو أنه (ع) يرجو في حرب الجمل وصفين
~~وسائر حروبه ظفرا، وخاف من ضرر في الدين عظيم هو أعظم مما ينكره، لما كان
~~إلا ممسكا ومحجما كسنته فيمن تقدم.
# في بيعة علي للمتآمرين:
# فأما البيعة، فإن أريد بها الرضا والتسليم، فلم يبايع أمير المؤمنين عليه
~~السلام القوم بهذا التفسير على وجه من الوجوه. ومن ادعى ذلك كانت عليه
~~PageV00P188
# الدلالة، فإنه لا يجدها. وان أريد بالبيعة الصفقة واظهار الرضا، فذلك مما
~~وقع منه (ع)، لكن بعد مطل شديد وتقاعد طويل علمهما الخاص والعام.
# وانما دعاه إلى الصفقة واظهار التسليم ما ذكرناه من الأمور التي بعضها
~~يدعو إلى مثل ذلك.
# في حضوره مجالسهم:
# واما حضور مجالسهم فما كان عليه الصلاة والسلام ممن يتعمدها ويقصدها،
~~وانما كان يكثر الجلوس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فيقع الاجتماع
~~مع القوم هنا، وذلك ليس بمجلس لهم مخصوص.
# وبعد، فلو تعمد حضور مجالسهم لينهى عن بعض ما يجري فيها من منكر، فإن
~~القوم قد كانوا يرجعون إليه في كثير من الأمور، لجاز ولكان للحضور وجه صحيح
~~له بالدين علقه قوية. فأما الدخول في آرائهم، فلم يكن عليه السلام ممن يدخل
~~فيها إلا مرشدا لهم ومنبها على بعض ما شذ عنهم، والدخول بهذا الشرط واجب.
# في الصلاة خلفهم:
# وأما الصلاة خلفهم، فقد علمنا أن الصلاة على ضربين: صلاة مقتد مؤتم
~~بامامه على الحقيقة، وصلاة مظهر للاقتداء والائتمام وإن كان لا ينويها فإن
~~ادعي على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام انه صلى ناويا للاقتداء، فيجب
~~ان يدلوا على ذلك، فإنا لا نسلمه ولا هو الظاهر الذي لا يمكن النزاع فيه.
~~وان ادعوا صلاة مظهر للاقتداء ms144 فذلك مسلم لهم، لأنه الظاهر. إلا أنه غير
~~نافع فيما يقصدونه، ولا يدل على خلاف ما يذهب إليه في امره (ع)، فلم يبق
~~إلا أن يقال فما العلة في اظهار الاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به؟ فالعلة
~~في ذلك غلبة القوم على الامر وتمكنهم من الحل والعقد، لان الامتناع من
~~اظهار الاقتداء بهم مجاهرة ومنابذة، وقد قلنا فيما PageV00P189
# يؤدي ذلك إليه في ما فيه كفاية.
# في أخذه أعطيتهم:
# فأما أخذه الأعطية، فما اخذ عليه السلام إلا حقه ولا سأل على من اخذ ما
~~يستحقه، اللهم الا ان يقال إن ذلك المال لم يكن وديعة له (ع) في أيديهم ولا
~~دينا في ذممهم، فيتعين حقه ويأخذه كيف شاء وأنى شاء. لكن ذلك المال انما
~~يكون حقا له إذا كان الجابي لذلك المال والمستفيد له ممن قد سوغت الشريعة
~~جبايته وغنيمته، إن كان من غنيمة. والغاصب ليس له ان يغنم ولا ان يتصرف
~~التصرف المخصوص الذي يفيد المال.
# عن ذلك انا نقول: ان تصرف الغاصب لامر الأمة إذا كان عن قهر وغاية، وسوغت
~~الحال للأمة الامساك عن النكير خوفا وتقية يجري في الشرع مجرى تصرف المحق
~~في باب جواز اخذ الأموال التي تفئ على يده، ونكاح السبي وما شاكل ذلك. وإن
~~كان هو لذلك الفعل موزورا معاقبا، وهذا بعينه عليه نص عن أئمتنا عليهم
~~السلام لما سئلوا عن النكاح في دول الظالمين والتصرف في الأموال.
# في نكاح السبي:
# فأما ما ذكر في السؤال من نكاح السبي فقد قلنا في هذا الباب ما فيه كفاية
~~لو اقتصرنا عليه لكنا نزيد في الامر وضوحا، بأن نقول ليس المشار بذلك فيه
~~الا إلى الحنفية أم محمد رضي الله عنه، وقد ذكرنا في كتابنا المعروف
~~بالشافي انه عليه السلام لم يستبحها بالسبي بل نكحها ومهرها، وقد وردت
~~الرواية من طريق العامة فضلا عن طريق الخاصة بهذا بعينه فان البلاذري (1)
~~روى في كتابه المعروف بتاريخ الاشراف، عن علي بن المغيرة بن
# PageV00P190
# الأثرم وعباس بن هشام الكلبي، عن ms145 هشام عن خراش بن إسماعيل العجلي، قال
~~أغارت بنو أسد على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر وقدموا بها المدينة في
~~أول خلافة أبي بكر، فباعوها من علي عليه الصلاة والسلام، وبلغ الخبر قومها
~~فقدموا المدينة على علي عليه السلام فعرفوها وأخبروه بموضعها منهم، فاعتقها
~~ومهرها وتزوجها، فولدت له محمدا وكناه أبا القاسم. قال وهذا هو الثبت لا
~~الخبر الأول، يعني بذلك خبرا رواه عن المدايني، أنه قال بعث رسول الله صلى
~~الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى اليمن، فأصاب خولة في بني زبيدة وقد
~~ارتدوا مع عمرو بن معد يكرب، وصارت في سهمه، وذلك على عهد رسول الله صلى
~~الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ان ولدت منك غلاما
~~فسمه باسمي وكنه بكنيتي، فولدت له (ع) بعد موت فاطمة صلوات الله وسلامه
~~عليها فسماه محمدا وكناه أبا القاسم. وهذا الخبر إذا كان صحيحا لم يبق سؤال
~~في باب الحنفية.
# فأما انكاحه عليه السلام إياها، فقد ذكرنا في كتابنا الشافي، الجواب عن
~~هذا الباب مشروحا، وبينا انه (ع) ما أجاب عمر إلى انكاح بنته إلا بعد توعد
~~وتهدد ومراجعة ومنازعة بعد كلام طويل مأثور، اشفق معه من شؤون الحال ظهور
~~ما لا يزال يخفيه منها، وان العباس رحمة الله عليه لما رأى أن الامر يفضي
~~إلى الوحشة ووقوع الفرقة سأله (ع) رد أمرها إليه ففعل، فزوجها منه. وما
~~يجري على هذا الوجه معلوم معروف انه على غير اختيار ولا إيثار. وبينا في
~~الكتاب الذي ذكرناه انه لا يمتنع ان يبيح الشرع ان يناكح بالاكراه ممن لا
~~يجوز مناكحته مع الاختيار، لا سيما إذا كان المنكح مظهرا للاسلام والتمسك
~~بسائر الشريعة. وبينا أن العقل لا يمنع من مناكحة الكفار على سائر أنواع
~~كفرهم، وانما المرجع فيما يحل من ذلك أو يحرم إلى الشريعة. وفعل أمير
~~المؤمنين عليه السلام أقوى حجة في احكام الشرع، وبينا الجواب عن الزامهم
~~لنا، فلو اكره على انكاح اليهود والنصارى لكان ms146 PageV00P191
# يجوز ذلك، وفرقنا بين الامرين بأن قلنا إن كان السؤال عما في العقل فلا
~~فرق بين الامرين، وإن كان عما في الشرع فالاجماع يحظر ان تنكح اليهود على
~~كل حال. وما اجمعوا على حظر نكاح من ظاهره الاسلام وهو على نوع من القبيح
~~لكفر به، إذا اضطررنا إلى ذلك وأكرهنا عليه. فإذا قالوا فما الفرق بين كفر
~~اليهودي وكفر من ذكرتم؟ قلنا لهم: وأي فرق بين كفر اليهودية في جواز نكاحها
~~عندكم وكفر الوثنية.
# فأما الدخول في الشورى، فقد بينا في كتابنا المقدم ذكره الكلام فيه
~~مستقصى، ومن جملته انه عليه السلام لولا الشورى لم يكن ليتمكن من الاحتجاج
~~على القوم بفضائله ومناقبه. والأخبار الدالة على النص بالإمامة عليه، وبما
~~ذكرناه في الأمور التي تدل على أن أسبابه إلى الإمامة أقوى من أسبابهم،
~~وطرقه إلى تناولها أقرب من طرقهم، ومن كان يصغي لولا الشورى إلى كلامه
~~المستوفى في هذا المعنى. وأي حال لولاها لكانت يقتضي ذكر ما ذكره من
~~المقامات والفضائل، ولو لم يكن في الشورى من الغرض الا هذا وحده لكان كافيا
~~مغنيا.
# وبعد، فان المدخل له في الشورى هو الحامل له على اظهار البيعة للرجلين،
~~والرضا بإمامتهما وامضاء عقودهما، فكيف يخالف في الشورى ويخرج منها وهي عقد
~~من عقود من لم يزل (ع) ممضيا في الظاهر لعقوده حافظا لعهوده، وأول ما كان
~~يقال له انك انما لا تدخل في الشورى لاعتقادك ان الإمامة إليك، وان اختيار
~~الأمة للامام بعد الرسول باطل، وفي هذا ما فيه. والامتناع من الدخول يعود
~~إليه، ويحمل عليه. وقد قال قوم من أصحابنا انه انما دخل فيها تجويز ان ينال
~~الامر منها. ومعلوم ان كل سبب ظن معه، أو جواز الوصول إلى الامر الذي قد
~~تعين عليه القيام به يلزمه (ع) التوصل به الهجرة له. وهذه الجملة كافية في
~~الجواب عن جميع ما تضمنه السؤال. PageV00P192
# عن عدم افتائه بمذاهبه في أيام المتآمرين:
# (مسألة): فإن قيل: إذا كنتم تروون عنه (ع) وتدعون عليه في أحكام ms147 الشريعة
~~مذاهب كثيرة لا يعرفها الفقهاء له مذهبا، وقد كان عليه السلام عندكم يشاهد
~~الامر يجري بخلافها، فإلا أفتى بمذاهبه ونبه عليها وارشد إليها. وليس لكم
~~ان تقولوا انه (ع) استعمل التقية كما استعملها فيما تقدم، لأنه (ع) قد
~~خالفهم في مذاهب استبد بها وتفرد بالقول فيها، مثل قطع السارق من الأصابع،
~~وبيع أمهات الأولاد، ومسائل في الحدود، وغير ذلك مما مذهبه (ع) فيه إلى
~~الآن معروف. فكيف اتقى في بعض وأمن في آخر؟ وحكم الجميع واحد في أنه خلاف
~~في احكام شرعية لا يتعلق بإمامة ولا تصحيح نص ولا ابطال اختيار؟
# (الجواب): قلنا: لم يظهر أمير المؤمنين عليه السلام في أحكام الشريعة
~~خلافا للقوم إلا بحيث كان له موافق وان قل عدده، أو بحيث علم أن الخلاف لا
~~يؤول إلى فساد ولا يقتضي إلى مجاهرة ولا مظاهرة. وهذه حال يعلمها الحاضر
~~بالمشاهدة أو يغلب على ظنه فيها ما لا يعلمه الغائب ولا يظنه، واستعمال
~~القياس فيما يؤدي إلى الوحشة بين الناس ونفار بعضهم من بعض لا يسوغ، لأنا
~~قد نجد كثيرا من الناس يستوحشون في أن يخالفوا في مذهب من المذاهب غاية
~~الاستيحاش، وان لم يستوحشوا من الخلاف فيما هو أعظم منه وأجل موقعا،
~~ويغضبهم في هذا الباب الصغير ولا يغضبهم الكبير. وهذا انما يكون لعادات جرت
~~وأسباب استحكمت، ولاعتقادهم ان بعض الأمور وان صغر في ظاهره، فإنه يؤدي إلى
~~العظائم والكبائر. أو لاعتقادهم ان الخلاف في بعض الأشياء وإن كان في ظاهر
~~الامر كالخلاف في غيره، لا يقع الا مع معاند منافس. وإذا كان الامر على ما
~~ذكرناه لم ينكر أن يكون أمير المؤمنين (ع) انما لم يظهر في جميع مذاهبه
~~التي خالف فيها القوم اظهارا واحدا، لأنه (ع) علم أو غلب في ظنه ان اظهار
~~ذلك يؤدي من PageV00P193
# المحتمل الضرر في الدين إلى ما لا يؤدي إليه اظهار ما أظهره، وهذا واضح
~~لمن تدبره. وقد دخل في جملة ما ذكرناه الجواب عن قولهم: لم لم يغير الاحكام ms148
~~ويظهر مذاهبه، وما كان مخبوا في نفسه عند افضاء الامر إليه وحصول الخلافة
~~في يديه، فإنه لا تقية على من هو أمير المؤمنين وإمام جميع المسلمين، لأنا
~~قد بينا ان الامر ما افضى إليه (ع) إلا بالاسم دون المعنى، وقد كان عليه
~~السلام معارضا منازعا مغصصا طول أيام ولايته إلى أن قبضه الله تعالى إلى
~~جنته، وكيف يأمن في ولايته الخلاف على المتقدمين عليه (ع) رجل من تابعه
~~وجمهورهم شيعة أعدائه (ع). ومن يرى أنهم مضوا على اعدل الأمور وأفضلها، وأن
~~غاية من يأتي بعدهم ان يتبع آثارهم ويقتفي طرائقهم. وما العجب من ترك أمير
~~المؤمنين عليه السلام ما ترك من اظهار بعض مذاهبه التي كان الجمهور يخالفه
~~فيها، وانما العجب من اظهار شئ من ذلك مع ما كان عليه من شر الفتنة وخوف
~~الفرقة، وقد كان (ع) يجهر في كل مقام يقومه بما هو عليه من فقد التمكن
~~وتقاعد الأنصار وتخاذل الأعوان، بما ان ذكرنا قليله طال به الشرح وهو (ع)
~~القائل: " والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين
~~أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان
~~بفرقانهم، حتى يظهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول يا رب ان عليا قد قضى
~~بقضائك ". وهو القائل عليه السلام وقد استأذنه قضاته فقالوا بم نقضي يا
~~أمير المؤمنين فقال (ع):
# " اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي "
~~يعني (ع) من تقدم موته من أصحابه والمخلصين من شيعته الذين قبضهم الله
~~تعالى وهم على أحوال التقية والتمسك باطنا بما أوجب الله جل اسمه عليهم
~~التمسك به. وهذا واضح فيما قصدناه. وقد تضمن كلامنا هذا الجواب عن سؤال من
~~يسأل عن السبب في امتناعه عليه السلام من رد فدك إلى يد مستحقها لما افضى
~~التصرف في الإمامة إليه (ع). PageV00P194
# في مسألة التحكيم:
# (مسألة): فان قيل: فما الوجه في تحكيمه عليه السلام أبا موسى الأشعري
~~وعمرو بن العاص؟ وما العذر في أن ms149 حكم في الدين الرجال. وهذا يدل على شكه في
~~إمامته وحاجته إلى علمه بصحة طريقته؟ ثم ما الوجه في تحكيمه فاسقين عنده
~~عدوين له. أوليس قد تعرض لذلك ان يخلعا إمامته ويشككا الناس فيه وقد مكنهما
~~من ذلك بأن حكمهما، وكانا غير متمكنين منه ولا أقوالهما حجة في مثله؟ ثم ما
~~العذر في تأخره جهاد المرقة الفسقة وتأجيله ذلك مع امكانه واستظهاره وحضور
~~ناصره؟ ثم ما الوجه في محو اسمه من الكتاب بالإمامة وتنظيره لمعاوية في ذكر
~~نفسه بمجرد الاسم المضاف إلى الأب كما فعل ذلك به، وأنتم تعلمون ان بهذه
~~الأمور ضلت الخوارج مع شدة تخشنها في الدين وتمسكها بعلائقه ووثايقه؟.
# (الجواب): قلنا كل أمر ثبت بدليل قاطع غير محتمل فليس يجوز ان نرجع عنه
~~ونتشكك فيه لأجل امر محتمل، وقد ثبت امامة أمير المؤمنين عليه السلام
~~وعصمته وطهارته من الخطأ وبراءته من الذنوب والعيوب بأدله عقلية وسمعية،
~~فليس يجوز ان نرجع عن ذلك اجمع، ولا عن شئ منه، لما وقع من التحكيم للصواب
~~بظاهره، وقبل النظر فيه كاحتماله للخطأ ولو كان ظاهره أقرب إلى الخطأ وأدنى
~~إلى مخالفة الصواب، بل الواجب في ذلك القطع على مطابقة ما ظهر من المحتمل
~~لما ثبت بالدليل، أو صرف ماله ظاهر عن ظاهره، والعدول به إلى موافقة مدلول
~~الدلالة التي لا يختلف مدلولها ولا يتطرق عليها التأويل. وهذا فعلنا فيما
~~ورد من آي القرآن التي تخالف بظاهرها الأدلة العقلية مما يتعلق به الملحدون
~~أو المجبرة أو المشبهة، وهذه جملة قد كررنا ذكرها في كتابنا هذا لجلالة
~~موقعها من الحجة، ولو اقتصرنا في حل هذه الشبهة عليها لكانت مغنية كافية،
~~كما انها كذلك فيما ذكرناه من الأصول. لكننا نزيد وضوحا في تفصيلها ولا
~~نقتصر عليها كما لم نفعل ذلك PageV00P195
# فيما صدرنا به هذا الكتاب من الكلام في تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن
~~المعاصي.
# فنقول: إن أمير المؤمنين عليه السلام ما حكم مختارا، بل أحوج إلى التحكيم
~~وألجئ إليه لان أصحابه (ع) كانوا من ms150 التخاذل والتقاعد والتواكل إلا القليل
~~منهم على ما هو معروف مشهور، ولما طالت الحرب وكثر القتل وجل الخطب ملوا
~~ذلك وطلبوا مخرجا من مقارعة السيوف، واتفق من رفع أهل الشام المصاحف
~~والتماسهم الرجوع إليها واظهارهم الرضا بما فيها ما اتفق، بالحيلة التي
~~نصبها عدو الله عمرو بن العاص، والمكيدة التي كادبها لما أحس بالبوار وعلو
~~كلمة أهل الحق، وأن معاوية وجنده مأخوذون قد علتهم السيوف ودنت منهم
~~الحتوف، فعند ذلك وجد هؤلاء الأغنام طريقا إلى الفرار وسبيلا إلى وقوف أمر
~~المناجزة. ولعل فيهم من دخلت عليه الشبهة لبعده عن الحق وغلط فهمه، وظن أن
~~الذي دعى إليه أهل الشام من التحكيم وكف الحرب على سبيل البحث عن الحق
~~الاستسلام للحجة لا على وجه المكيدة والخديعة، فطالبوه عليه السلام بكف
~~الحرب والرضا بما بذله القوم فامتنع (ع) من ذلك امتناع عالم بالمكيدة ظاهر
~~على الحيلة، وصرح لهم بأن ذلك مكر وخداع، فأبوا ولجوا فأشفق (ع) في
~~الامتناع عليهم والخلاف لهم وهم جم عسكره وجمهور أصحابه من فتنة صماء هي
~~أقرب إليه من حرب عدوه، ولم يأمن ان يعتدى ما بينه وبينهم إلى أن يسلموه
~~إلى عدوه أو يسفكوا دمه، فأجاب إلى التحكيم على مضض. ورد من كان قد اخذ
~~بخناق معاوية وقارب تناوله وأشرف على التمكن منه، حتى أنهم قالوا للأشتر
~~رحمه الله تعالى وقد امتنع من أن يكف عن القتال وقد أحس بالظفر وأيقن
~~بالنصر، أتحب انك ظفرت ها هنا وأمير المؤمنين عليه السلام بمكانه قد سلم
~~إلى عدوه وتفرق أصحابه عنه. وقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام عند رفعهم
~~المصاحف اتقوا الله وامضوا على حقكم، فإن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن
~~وانا PageV00P196
# اعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، انهم
~~والله ما رفعوا المصاحف ليعملوا بها وانما رفعوها خديعة ودهاء ومكيدة.
# فأجاب (ع) إلى التحكيم دفعا للشر القوي بالشر الضعيف، وتلافيا للضرر
~~الأعظم بتحمل الضرر الأيسر، وأراد ان يحكم من جهته عبد الله ms151 بن العباس رحمة
~~الله عليه فأبوا عليه ولجوا كما لجوا في أصل التحكيم، وقالوا لابد من يماني
~~مع مضري. فقال (ع) فضموا الأشتر وهو يماني إلى عمرو، فقال الأشعث بن قيس:
~~الأشتر هو الذي طرحنا فيما نحن فيه. واختاروا أبا موسى مقترحين له (ع)
~~ملزمين له تحكيمه، فحكمهما بشرط ان يحكما بكتاب الله تعالى ولا يتجاوزاه،
~~وانهما متى تعدياه فلا حكم لهما.
# هذا غاية التحرز ونهاية التيقظ، لأنا نعلم أنهما لو حكما بما في الكتاب
~~لاصابا الحق. وعلمنا ان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أولى بالامر،
~~وانه لاحظ لمعاوية وذويه في شئ منه. ولما عدلا إلى طلب الدنيا ومكر أحدهما
~~بصاحبه ونبذا الكتاب وحكمه وراء ظهورهما، خرجا من التحكيم وبطل قولهما
~~وحكمهما، وهذا بعينه موجود في كلام أمير المؤمنين عليه السلام لما ناظر
~~الخوارج واحتجوا عليه في التحكيم. وكل ما ذكرناه في هذا الفصل من ذكر
~~الاعذار في التحكيم والوجوه المحسنة له مأخوذة من كلامه عليه السلام.
# وقد روي ذلك عنه عليه السلام مفصلا مشروحا.
# فأما تحكيمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فيه، إذ كنا قد بينا ان الاكراه
~~وقع على أصل الاختيار وفرعه، وأنه عليه السلام ألجئ إليه جملة ثم إلى
~~تفصيله، ولو خلى عليه السلام واختياره ما أجاب إلى التحكيم أصلا، ولا رفع
~~السيوف عن أعناق القوم. لكنه أجاب إليه ملجأ كما أجاب إلى ما اختاروه بعينه
~~كذلك. وقد صرح (ع) بذلك في كلامه حيث يقول: لقد أمسيت أميرا وأصبحت مأمورا،
~~وكنت أمس ناهيا وأصبحت اليوم منهيا. PageV00P197
# وكيف يكون التحكيم منه (ع) دالا على الشك، وهو (ع) ناه عنه وغير راض به
~~ومصرح بما فيه من الخديعة؟ وانما يدل على شك من حمله عليه وقاده إليه،
~~وانما يقال إن التحكيم يدل على الشك إذا كنا لا نعرف سببه والحامل عليه، أو
~~كان لا وجه له إلا ما يقتضي الشك. فأما إذا كنا قد عرفنا ما اقتضاه وادخل
~~فيه، وعلمنا انه (ع) ما أجاب عليه إلا لدفع الضرر العظيم، ms152 ولان تزول الشبهة
~~عن قلب من ظن به (ع) أنه لا يرضى بالكتاب ولا يجيب إلى تحكيمه، فلا وجه لما
~~ذكروه. وقد أجاب (ع) عن هذه الشبهة بعينها في مناظرتهم لما قالوا له:
~~اشككت؟ فقال عليه السلام: أنا أولى بأن لا أشك في ديني أم النبي صلى الله
~~عليه وآله؟ أو ما قال الله تعالى لرسوله: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو اهدى منهما أتبعه ان كنتم
~~صادقين﴾ (1).
# واما قول السائل، فإنه (ع) تعرض لخلع إمامته ومكن الفاسقين من أن يحكما
~~عليه بالباطل، فمعاذ الله ان يكون كذلك، لأنا قد بينا انه (ع) انما حكمهما
~~بشرط لو وفيا به وعملا عليه، لاقرا إمامته وأوجبا طاعته، لكنهما عدلا عنه
~~فبطل حكمهما، فما مكنهما من خلع إمامته ولا تعرض منهما لذلك. ونحن نعلم أن
~~من قلد حاكما أو ولى أميرا ليحكم بالحق ويعمل بالواجب فعدل عما شرط عليه
~~وخالفه، لا يسوغ القول بأن من ولاه عرضه لباطل ومكنه من العدول عن الواجب،
~~ولم يلحقه شئ من اللوم بذلك، بل كان اللوم عائدا على من خالف ما شرط عليه.
# فأما تأخيره جهاد الظالمين وتأجيل ما يأتي من استيصالهم، فقد بينا العذر
~~فيه، وان أصحابه (ع) تخاذلوا وتواكلوا واختلفوا، وان الحرب بلا أنصار وبغير
~~أعوان لا يمكن. والمتعرض لها مغرر بنفسه وأصحابه.
# PageV00P198
# فأما عدوله عن التسمية بأمير المؤمنين واقتصاره على التسمية المجردة،
~~فضرورة لحال دعت إليها. وقد سبق إلى مثل ذلك سيد الأولين والآخرين رسول
~~الله صلى الله عليه وآله في عام الحديبية، وقصته مع سهل بن عمرو، وأنذره
~~عليه السلام بأنه: ستدعى إلى مثل ذلك وتجيب على مضض. فكان كما أنذر وخبر
~~رسول الله صلى الله عليه وآله. واللوم بلا اشكال زايل عما اقتدى فيه
~~بالرسول صلى الله عليه وآله. وهذه جملة تفصيلها يطول، وفيها لمن انصف من
~~نفسه بلاغ وكفاية.
# في أن عليا لم يندم على التحكيم:
# (مسألة): فان قيل فإذا كان عليه السلام من أمر ms153 التحكيم على ثقة ويقين فلم
~~روي عنه (ع) انه كان يقول بعد التحكيم في مقام بعد آخر:
# لقد عثرت عثرة لا تنجبر * سوف أكيس بعدها واستمر واجمع الرأي الشتيت
~~المنتشر أوليس هذا اذعانا بأن التحكيم جرى على خلاف الصواب؟.
# (الجواب): قلنا قد علم كل عاقل قد سمع الاخبار ضرورة ان أمير المؤمنين
~~عليه السلام وأهله وخلصاء شيعته وأصحابه كانوا من أشد الناس اظهارا لوقوع
~~التحكيم من الصواب والسداد موقعه، وان الذي دعي إليه حسن، والتدبير أوجبه،
~~وأنه (ع) ما اعترف قط بخطأ فيه ولا اغضى عن الاحتجاج على من شك فيه وضعفه،
~~كيف والخوارج انما ضلت عنه وعصته وخرجت عليه، لأجل انها ارادته على
~~الاعتراف بالزلل في التحكيم فامتنع كل امتناع وأبي أشد اباء وقد كانوا
~~يقنعون منه ويعاودون طاعته ونصرته بدون هذا الذي أضافوه إليه (ع) من
~~الاقرار بالخطأ واظهار الندم. وكيف يمتنع من شئ ويعترف بأكثر منه، ويغصب من
~~جزء ويجيب إلى كل هذا مما لا يظن به أحد ممن يعرفه حق معرفته. وهذا الخبر
~~شاذ ضعيف، فإما ان يكون باطلا PageV00P199
# موضوعا أو يكون الغرض فيه غير ما ظنه القوم من الاعتراف بالخطأ في
~~التحكيم. فقد روي عنه عليه السلام معنى هذا الخبر وتفسير مراده منه، ونقل
~~من طرق معروفة موجودة في كتب أهل السير، انه عليه السلام لما سئل عن مراده
~~بهذا الكلام، قال كتب إلي محمد بن أبي بكر بأن اكتب له كتابا في القضاء
~~يعمل عليه، فكتبت له ذلك وانفذته إليه، فاعترضه معاوية فأخذه، فأسف (ع) على
~~ظفر عدوه بذلك، واشفق من أن يعمل بما فيه من الاحكام، وتوهم ضعفة أصحابه ان
~~ذلك من علمه ومن عنده، فتقوى الشبهة به عليهم. وهذا وجه صحيح يقتضي التأسف
~~والتندم، وليس في الخبر المتضمن للشعر ما يقتضي ان تندمه كان على التحكيم
~~دون غيره. فإذا جاءت رواية بتفسير ذلك عنه (ع)، كان الاخذ بها أولى.
# في أن قتله للخوارج كان بعهد من رسول الله:
# (مسألة): فإن قيل فما ms154 الوجه فيما فعله أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام
~~عند حربه للخوارج يوم النهروان من رفعه رأسه إلى السماء ناظرا إليها تارة
~~والى الأرض أخرى وقوله (ع): والله ما كذبت ولا كذبت. فلما قتلهم وفرغ من
~~الحرب، قال له ابنه الحسن (ع): يا أمير المؤمنين أكان رسول الله صلى الله
~~عليه وآله تقدم إليك في هؤلاء بشئ؟. قال: لا ولكن أمرني رسول الله صلى الله
~~عليه وآله بكل حق، ومن الحق أن أقاتل المارقين والناكثين والقاسطين. أوليس
~~قد تعلق بهذا النظام في كتابه المعروف بالنكت. وقال هذا توهيم منه (ع)
~~لأصحابه أن رسول الله قد تقدم إليه في أن الخوارج سيخالفوه ويقتلهم، إذ
~~يقول والله ما كذبت ولا كذبت.
# (الجواب): إنا لا ندري كيف ذهب على النظام كذب هذه الرواية، يعني التضمنة
~~لقوله (ع) انه لم يتقدم الرسول إليه في ذلك بشئ، إن كان النظام رواها
~~ونقلها، أم كيف استجاز ان يضيفها إليه (ع) إن كان تخرصها؟
# وكيف ظن أن مثل ذلك يخفى على أحد مع ظهور الحال وتواتر الروايات عنه
~~PageV00P200
# عليه السلام بالانذار لقتال أهل النهروان وكيفيته، والاشعار بقتل المخدج
~~ذي الثدية، وإنما كان عليه السلام ينظر إلى السماء ثم إلى الأرض ويقول ما
~~كذبت ولا كذبت استبطاء لوجود المخدج، لأنه (ع) عند قتل القوم أمر بطلبه في
~~جملة القتلى، فلما طال الامر في وجوده واشفق (ع) من وقوع شبهة من ضعفة
~~أصحابه فيما كان يخبر به وينذر من وجوده فقلق (ع) لذلك واشتد همه وكرر قوله
~~ما كذبت ولا كذبت، إلى أن أتاح الله وجوده والظفر به بين القتلى على الهيئة
~~التي كان (ع) ذكرها، فلما احضروه إياه كبر (ع) واستبشر بزوال الشبهة في صحة
~~خبره.
# وقد روى من طرق مختلفة وجهات كثيرة عنه (ع) الانذار بقتال الخوارج وقتل
~~المخدج على صفته التي وجد عليها، وأنه عليه السلام كان يقول لأصحابه أنهم
~~لا يعبرون النهر حتى يصرعوا دونه، وأنه لا يقتل من أصحابه إلا دون العشرة،
~~ولا يبقى من ms155 الخوارج إلا دون العشرة، حتى أن رجلا من أصحابه قال له يا أمير
~~المؤمنين ذهب القوم وقطعوا النهر.
# فقال (ع) لا والله ما قطعوه ولا يقطعونه حتى يقتلوا دونه عهدا من الله
~~ورسوله. فكيف يستشعر عاقل ان ذلك من غير علم ولا اطلاع من الرسول صلى الله
~~عليه وآله على وقوعه وكونه.
# وقد روي عن ابن أبي عبيدة اليماني لما سمعه (ع) يخبر عن النبي صلى الله
~~عليه وآله بقتال الخوارج قبل ذلك بمدة طويلة وقتل المخدج، شك فيه لضعف
~~بصيرته فقال له: أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك؟ فقال أي
~~ورب الكعبة مرات.
# وقد روي أمر الخوارج وقتال أمير المؤمنين عليه السلام لهم وانذار الرسول
~~صلى الله عليه وآله بذلك جماعة من الصحابة، لولا أن في ذكر ذلك خروجا عن
~~غرض الكتاب لذكرناه، حتى أن عائشة روت ذلك فيما رفعه عامر عن مسروق
~~PageV00P201
# قال: دخلت على عائشة، فقالت من قتل الخوارج؟ قلت قتلهم علي بن أبي طالب
~~عليه السلام. فسكتت. فقلت لها يا أمة أسألك بحق الله وحق نبيه وحقي، فإني
~~لك ولد إن كنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهم شيئا لما
~~اخبرتنيه. قالت سمعت رسول الله يقول هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق
~~والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة.
# وعن مسروق أيضا عن عائشة أنها قالت من قتل ذا الثدية؟ قلت علي بن أبي
~~طالب. قالت لعن الله عمرو بن العاص، فإنه كتب إلي يخبرني انه قتله
~~بالإسكندرية، إلا أنه لا يمنعني ما في نفسي ان أقول ما سمعت من رسول الله
~~صلى الله عليه وآله فيه سمعته يقول يقتلهم خير أمتي بعدي.
# وروى فضالة بن أبي فضيلة وهو ممن كان شهد مع رسول الله صلى الله عليه
~~وآله بدرا، قال اشتكى أمير المؤمنين عليه السلام بينبع شكاة ثقل منها، فخرج
~~أبي يعوده، فخرجت معه، فلما دخل عليه قال لا تخرج إلى المدينة، فإن أصابك
~~اجلك شهدك أصحابك وصلوا ms156 عليك وإنك هاهنا بين ظهراني اعراب جهينة. فقال عليه
~~السلام اني لا أموت من مرضي هذا لأنه فيما عهده إلي رسول الله صلى الله
~~عليه وآله اني لا أموت حتى أؤمر واقتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وحتى
~~تخضب هذه من هذا وأشار (ع) إلى لحيته ورأسه.
# وذكر المروي في هذا الباب يطول والامر في اخباره عليه السلام بقصة
~~الخوارج وقتاله (ع) لهم وانذاره بذلك ظاهرا جدا.
# بيان أن عليا قد يعرض في كلامه خدعة الحرب:
# (مسألة): فإن قيل فما الوجه فيما روي عنه عليه السلام من قوله: إذا
~~حدثتكم عن رسول الله بحديث فهو كما حدثتكم، فوالله لان أخر من السماء أحب
~~إلي من أن اكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله. وإذا سمعتموني احدث فيما
~~بيني وبينكم، فإنما الحرب خدعة. وأليس هذا مما نفاه النظام أيضا وقال لم
~~PageV00P202
# يحدثهم عن رسول الله بالمعاريض لما اعتذر من ذلك، وذكر ان هذا يجري مجرى
~~التدليس في الحديث.
# (الجواب): قلنا إن أمير المؤمنين عليه السلام لفرط احتياطه بالدين وتخشنه
~~فيه وعلمه بأن المخبر ربما دعته الضرورة إلى ترك التصريح واستعمال التعريض،
~~أراد ان يميز للسامعين بين الامرين ويفصل لهم بين ما لا يدخل فيه التعريض
~~من كلامه مما باطنه كظاهره، وبين ما يجوز ان يعرض فيه للضرورة، وهذا نهاية
~~الحكمة منه وإزالة اللبس والشبهة، ويجري البيان والايضاح بالضد فيما يوهمه
~~النظام من دخوله في باب التدليس في الحديث، لان المدلس يقصد إلى الابهام
~~ويعدل عن البيان والايضاح طلبا لتمام غرضه. وهو عليه السلام ميز بين كلامه
~~وفرق بين أنواعه حتى لا تدخل الشبهة فيه على أحد. واعجب من هذا كله قوله
~~انه لو لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالمعاريض لما اعتذر من
~~ذلك، لأنه ما اعتذر كما ظنه، وانما نفى ان يكون التعريض مما يدخل روايته عن
~~رسول الله. كما أنه ربما دخل ما يخبر به عن نفسه قصدا للايضاح، ونفي
~~الشبهة. وليس كل من نفى عن نفسه ms157 شيئا واخبر عن براءته منه فقد فعله. وقوله
~~عليه السلام لان أخر من السماء يدل على أنه ما فعل ذلك ولا يفعله، وإنما
~~نفاه حتى لا يلتبس على أحد خبره عن نفسه، ومما يجوز فيه مما يرويه ويسنده
~~إلى رسول الله.
# في قوله ما حدثني أحد عن الرسول إلا استحلفته:
# (مسألة): فإن قيل فما الوجه فيما روي عنه عليه الصلاة والسلام من أنه قال
~~كنت إذا حدثني أحد عن رسول الله صلى الله عليه وآله بحديث استحلفته بالله
~~أنه سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله فإن حلف صدقته وإلا فلا.
# وحدثني أبو بكر وصدقني، أوليس هذا الخبر مما طعن به النظام وقال لا يخلو
~~المحدث عنده من أن يكون ثقة أو متهما. فإن كان ثقة فما معنى PageV00P203
# الاستحلاف؟ وإن كان متهما فكيف يتحقق قول المتهم بيمينه؟ وإذا جاز ان
~~يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالباطل جاز ان يحلف على ذلك
~~بالباطل؟.
# (الجواب): قلنا هذا خبر ضعيف مدفوع مطعون على اسناده، لان عثمان بن
~~المغيرة رواه عن علي بن ربيعة الوالبي عن أسماء بن الحكم الفزاري. قال سمعت
~~عليا عليه السلام يقول كذا وكذا وأسماء بن الحكم هذا مجهول عند أهل الرواية
~~لا يعرفونه ولا روي عنه شئ من الأحاديث غير هذا الخبر الواحد.
# وقد روي أيضا من طريق سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقري عن أخيه عن جده أبي
~~سعيد رواه هشام بن عمار والزبير بن بكار عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد عن
~~أخيه عبد الله بن سعيد عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام. وقال الزبير
~~عن سعد بن سعيد أنه ما أرى أخبث منه. وقال أبو عبد الرحمن الشيباني: عبد
~~الله بن سعيد بن أبي سعيد المقري متروك الحديث. وقال يحيى بن معين انه
~~ضعيف. ورووه من طريق أبي المغيرة المخزومي عن ابن نافع عن سليمان بن يزيد
~~عن المقري وأبو مغيرة المخزومي مجهول لا يعرفه أكثر أهل الحديث. ورووه ms158 من
~~طريق عطا بن مسلم عن عمارة عن محرز عن أبي هريرة عن أمير المؤمنين عليه
~~السلام قالوا: محرز لم يسمع من أمير المؤمنين (ع) بل لم يره، وعمارة وهو
~~عمارة بن حريز وهو ابن هارون العبدي، قيل أنه متروك الحديث. ومما ينبئ عن
~~ضعف هذا الحديث واختلاله ان من المعروف الظاهر أن أمير المؤمنين عليه
~~السلام لم يرو عن أحد قط حرفا غير النبي صلى الله عليه وآله. وأكثر ما يدعى
~~عليه من ذلك هذا الخبر الذي نحن في الكلام عليه. وقوله ما حدثني أحد عن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله إلا استحلفته، يقتضي ظاهره أنه قد سمع اخبارا
~~عنه (ع) من جماعة من الصحابة. والمعلوم خلاف ذلك. واما تعجب النظام من
~~الاستحلاف ففي غير موضعه، لأنا نعلم أن في عرض اليمين تهيبا لمن
~~PageV00P204
# عرضت عليه وتذكيرا بالله تعالى وتخويفا من عقابه، سواء كان من تعرض
~~والاقدام عليها يزيدنا في الثقة بصيرة، وربما قوى ذلك حال الظنين لبعد
~~الاقدام على اليمين الفاجرة، ولهذا نجد كثيرا من الجاحدين للحقوق متى عرضت
~~عليهم اليمين امتنعوا منها وأقروا بها بعد الجحود واللجاج. ولهذا استظهر في
~~الشريعة باليمين على المدعى عليه، وفي القاذف زوجته بالتلفظ باللعان. ولو
~~أن ملحدا أراد الطعن على الشريعة واستعمل من الشبهة ما استعمله النظام،
~~فقال اي معنى لليمين في الدعاوى، والمستحلف إن كان ثقة فلا معنى لاحلافه،
~~وإن كان ظنينا متهما فهو بأن يقدم على اليمين أولى.
# وكذلك في القاذف زوجته لما كان له جواب إلا ما أجبنا به النظام، وقد
~~ذكرناه.
# وقد حكي عن الزبير بن بكار في هذا الخبر تأويل قريب وهو أنه قال:
# كان أبو بكر وعمر إذا جاءهما حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا
~~يعرفانه لا يقبلاه حتى يأتي مع الذي ذكره آخر، فيقوما مقام الشاهدين. قال
~~فأقام أمير المؤمنين عليه السلام اليمين مع دعوى المحدث مقام الشاهد مع
~~اليمين في الحقوق، كما أقاما الرواية في طلب شاهدين عليهما مقام ms159 باقي
~~الحقوق.
# فان قيل أوليس هذا الحديث إذا سلمتوه واخذتم في تأويله يقتضي ان أمير
~~المؤمنين عليه السلام ما كان يعلم الشئ الذي يخبر به عن رسول الله صلى الله
~~عليه وآله؟ وانه كان يستفيده إلا من المخبر، ولولا ذلك لما كان لاستحلافه
~~معنى؟ وهذا يوجب انه (ع) كان غير محيط بعلم الشريعة على ما يذهبون إليه؟.
# قلنا: قد بينا الجواب عن هذه الشبهة في كتابنا الملقب بالشافي في
~~الإمامة، وذكرنا انه (ع) وإن كان عالما بصحة ما اخبره به المخبر، وأنه من
~~الشرع، فقد يجوز ان يكون المخبر له به ما سمعه من الرسول صلى الله عليه
~~وآله، وإن PageV00P205
# كان من شرعه، ويكون كاذبا في ادعائه السماع، فكان يستحلفه لهذه العلة.
# وقلنا أيضا لا يمتنع ان يكون ذلك انما كان منه (ع) في حياة الرسول صلى
~~الله عليه وآله وفي تلك الأحوال لم يكن محيطا بجميع الاحكام، بل كان
~~يستفيدها حالا بعد حال.
# فان قيل: كيف خص أبا بكر في هذا الباب بما لم يخص به غيره؟
# قلنا: يحتمل ان يكون أبو بكر حدثه بما علم أنه سمعه من الرسول وحضر تلقيه
~~له من جهته صلى الله عليه وآله، فلم يحتج إلى استحلافه لهذا الوجه.
# في حكمه بعد غنيمة المال والذرية:
# (مسألة): فإن قيل فما الوجه فيما ذكره النظام في كتابه المعروف بالنكت من
~~قوله العجب مما حكم به علي بن أبي طالب في حرب أصحاب الجمل، لأنه (ع) قتل
~~المقاتلة ولم يغنم، فقال له قوم من أصحابه إن كان قتلهم حلالا فغنيمتهم
~~حلال، وإن كان قتلهم حراما فغنيمتهم حرام فكيف قتلت ولم تسب؟ فقال (ع)
~~فأيكم يأخذ عائشة في سهمه؟ فقال قوم إن عائشة تصان لرسول الله صلى الله
~~عليه وآله؟ فنحن لا نغنمها ونغنم من ليس سبيله من رسول الله صلى الله عليه
~~وآله سبيلها، قال فلم يجبهم إلى شئ من ذلك.
# فقال له عبد الله بن وهب الراسبي: أليس قد جاز ان يقتل كل من حارب ms160 مع
~~عائشة ولا تقتل عائشة؟ قال بلى قد جاز ذلك وأحله الله عز وجل. فقال له عبد
~~الله بن وهب: فلم لا جاز ان نغنم غير عايشة ممن حاربنا ويكون غنيمة عايشة
~~غير حلال لنا فيما تدفعنا عن حقنا. فأمسك (ع) عن جوابه وكان هذا أول شئ
~~حقدته الشراة على علي عليه الصلاة والسلام؟
# (الجواب): قلنا ليس يشنع أمير المؤمنين عليه السلام ويعترضه في الاحكام
~~الا من قد أعمى الله قلبه وأضله عن رشده، لأنه المعصوم الموفق المسدد على
~~ما دلت عليه الأدلة الواضحة. ثم لو لم يكن كذلك وكان على PageV00P206
# ما يعتقده المخالفون، أليس هو الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وآله
~~بأنه (ع) اقضي الأمة واعرفها بأحكام الشريعة؟ وهو الذي شهد صلى الله عليه
~~وآله له بأن الحق معه يدور كيف ما دار؟ فينبغي لمن جهل وجه شئ فعله (ع) ان
~~يعود على نفسه باللوم ويقر عليها بالعجز والنقص، ويعلم ان ذلك موافق للصواب
~~والسداد، وإن جهل وجهه وضل عن علته. وهذه جملة يغني التمسك بها عن كثير من
~~التفصيل، واستعمال كثير من التأويل. وأمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتل
~~أهل القبلة إلا بعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله.
# وقد صرح (ع) بذلك في كثير من كلامه الذي قد مضى حكاية بعضه، ولم يسر فيهم
~~إلا بما عهده إليه من السيرة. وليس بمنكر ان يختلف احكام المحاربين فيكون
~~منهم من يقتل ولا يغنم. ومنهم من يقتل ولا يغنم. لان احكام الكفار في الأصل
~~مختلفة مقاتلو أمير المؤمنين عليه السلام عندنا كفار لقتالهم له. وإذا كان
~~في الكفار من يقر على كفره ويؤخذ الجزية منه، ومنهم من لا يقر على كفره ولا
~~يقعد عن محاربته، إلى غير ذلك مما اختلفوا فيه من الاحكام جاز أيضا ان يكون
~~فيهم من يغنم ومن لا يغنم، لان الشرع لا ينكر فيه هذا الضرب من الاختلاف.
# وقد روي أن مرتدا على عهد أبي بكر يعرف بعلانة ارتد، فلم يعرض أبو ms161 بكر
~~لما له. وقالت امرأته ان يكن علانة ارتد فانا لم نرتد. وروي مثل ذلك في
~~مرتد قتل في أيام عمر بن الخطاب، فلم يعرض لما له. وروي ان أمير المؤمنين
~~عليه السلام قتل مستوردا العجلي ولم يعرض لميراثه.
# فالقتل ووجوبه ليس بامارة على تناول المال واستباحته، على أن الذي رواه
~~النظام من القصة محرف معدول عن الصواب، والذي تظاهرت به الروايات ونقله أهل
~~السير في هذا الباب من طرق مختلفة، أن أمير المؤمنين عليه السلام لما خطب
~~بالبصرة وأجاب عن مسائل شتى سئل عنها، واخبر بملاحم وأشياء تكون بالبصرة،
~~قام إليه عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال PageV00P207
# يا أمير المؤمنين، ان الناس يكثرون في أمر الفئ ويقولون من قاتلنا فهو
~~وماله وولده فئ لنا. وقام رجل من بكر بن وايل يقال له عباد بن قيس، فقال يا
~~أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت في الرعية، فقال عليه السلام
~~ولم ويحك؟ قال لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية. فقال
~~أمير المؤمنين (ع): يا أيها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن. فقال
~~عباد بن قيس جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات.
# فقال عليه السلام ان كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف. فقال
~~رجل يا أمير المؤمنين ومن غلام ثقيف؟ فقال رجل لا يدع لله حرمة الا
~~انتهكها. فقال له الرجل أيموت أو يقتل؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام بل
~~يقصمه قاصم الجبارين يخترق سريره لكثرة ما يحدث من بطنه، يا أخا بكر أنت
~~امرؤ ضعيف الرأي، أما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وان الأموال
~~كانت بينهم قبل الفرقة يقسم ما حواه عسكرهم، وما كان في دورهم فهو ميراث
~~لذريتهم، فإن عدا علينا أحد اخذناه بذنبه، وان كف عنا لم نحمل عليه ذنب
~~غيره. يا أخا بكر والله لقد حكمت فيكم بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله
~~من أهل مكة قسم ما حواه العسكر، ولم يعرض لما سوى ذلك. وانما ms162 اقتفينا اثره
~~حذو النعل بالنعل. يا أخا بكر، اما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها، ودار
~~الهجرة محرم ما فيها إلا بحق، مهلا مهلا رحمكم الله فإن أنتم أنكرتم ذلك
~~علي، فأيكم يأخذ أمه عايشة بسهمه؟ قالوا يا أمير المؤمنين أصبت واخطأنا
~~وعلمت وجهلنا، أصاب الله بك الرشاد والسداد.
# فاما قول النظام ان هذا أول ما حقدته الشراة عليه فباطل، لان الشراة ما
~~شكوا قط فيه عليه السلام ولا ارتابوا بشئ من افعاله قبل التحكيم الذي منه
~~دخلت الشبهة عليهم، وكيف يكون ذلك وهم الناصرون له بصفين والمجاهدون بين
~~يديه والسافكون دماءهم تحت رايته. وحرب صفين كانت PageV00P208
# بعد الجمل بمدة طويلة فكيف يدعى ان الشك منهم في أمره كان ابتداءه في حرب
~~الجمل لولا ضعف البصائر؟
# في أن الزبير لم يلحق بعلي وهو لم يقتل قاتله (مسألة): فإن قيل فما الوجه
~~ذكره النظام من أن ابن جرموز لما أتى أمير المؤمنين عليه السلام برأس
~~الزبير وقد قتله بوادي السباع، قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما
~~كان ابن صفية بجبان، ولا لئيم، لكن الحين ومصارع السوء. فقال ابن جرموز
~~الجائزة يا أمير المؤمنين. فقال (ع) سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول
~~بشر قاتل ابن صفية بالنار. فخرج ابن جرموز وهو يقول:
# أتيت عليا برأس الزبير * وكنت أرجى به الزلفة فبشر بالنار قبل العيان *
~~فبئس البشارة والتحفة فقلت له ان قتل الزبير * لولا رضاك من الكلفة فان ترض
~~ذاك فمنك الرضا * وإلا فدونك لي حلفة ورب المحلين والمحرمين * ورب الجماعة
~~والألفة لسيان عندي قتل الزبير * وضرطة عنز بذي الجحفة قال النظام، وقد كان
~~يجب على علي عليه السلام أن يقيده بالزبير وكان يجب على الزبير إذ بان أنه
~~على خطأ أن يلحق يعلي فيجاهد معه (الجواب): أنه لا شبهة في أن الواجب على
~~الزبير أن يعدل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أو ينحاز إليه ويبذل نصرته
~~لا سيما إن كان رجوعه على طريق التوبة والإنابة. ومن أظهر ما أظهر ms163 من
~~المباينة والمحاربة إذا تاب وتبين خطأه يجب عليه أن يظهر ضد ما كان أظهره
~~لا سيما وأمير المؤمنين عليه السلام في تلك الحال مصاف لعدوه ومحتاج إلى
~~نصرة من هو دون الزبير PageV00P209
# في الشجاعة والنجدة، وليس هذا موضع استقصاء ما يتصل بهذا المعنى وقد
~~ذكرناه في كتابنا الشافي المقدم ذكره.
# فأما أمير المؤمنين، فإنما عدل أن يقيد ابن جرموز بالزبير لاحد أمرين:
# إن كان ابن جرموز قتله غدرا وبعد أن آمنه وقتله بعد أن ولى مدبرا، وقد
~~كان أمير المؤمنين عليه السلام أمر أصحابه أن لا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا
~~على جريح فلما قتل ابن جرموز مدبرا كان بذلك عاصيا مخالفا لامر إمامه،
~~فالسبب في أنه لم يقيده به أن أولياء الدم الذين هم أولاد الزبير لم
~~يطالبوا بذلك ولا حكموا فيه وكان أكبرهم والمنظور إليه منهم عبد الله
~~محاربا لأمير المؤمنين عليه السلام، مجاهرا له بالعداوة والمشاقة فقد أبطل
~~بذلك حقه، لأنه لو أراد أن يطالب به لرجع عن الحرب وبايع وسلم ثم طالب بعد
~~ذلك فانتصف له منه.
# وإن كان الامر الآخر وهو ان يكون ابن جرموز ما قتل الزبير الا مبارزة من
~~غير غدر ولا أمان تقدم على ما ذهب إليه قوم، فلا يستحق بذلك قودا ولا مسألة
~~ها هنا في القود.
# فإن قيل فعلى هذا الوجه ما معنى بشارته بالنار؟
# قلنا، المعنى فيها الخبر عن عاقبة أمره، لان الثواب والعقاب إنما يحصلان
~~على عواقب الاعمال وخواتيمها، وابن جرموز هذا خرج مع أهل النهروان على أمير
~~المؤمنين عليه السلام، فقتل هناك. فكان بذلك الخروج من أهل النار لا بقتل
~~الزبير.
# فإن قيل: فأي فائدة لإضافة البشارة بالنار إلى قتل الزبير وقتله طاعة
~~وقربة، وإنما يجب ان تضاف البشارة بالنار إلى ما يستحق به النار قلنا: عن
~~هذا جوابان:
# أحدهما: أنه (عليه السلام) أراد التعريف والتنبيه، وإنما يعرف
~~PageV00P210
# الانسان بالمشهور من أفعاله، والظاهر من أوصافه، وابن جرموز كان غفلا
~~خاملا، وكان فعله بالزبير من أشهر ما يعرف ms164 به مثله وهذا وجه في التعريف
~~صحيح.
# والجواب الثاني: ان قتل الزبير إذا كان باستحقاق على وجه الصواب من أعظم
~~الطاعات وأكبر القربات، ومن جرى على يده يظن به الفوز بالجنة، فأراد (عليه
~~السلام) أن يعلم الناس أن هذه الطاعة العظيمة التي يكثر ثوابها إذا لم تعقب
~~بما يفسده غير نافعة لهذا القاتل، وأنه سيأتي من فعله في المستقبل ما يستحق
~~به النار، فلا تظنوا به لما اتفق على يده من هذه الطاعة خيرا. وهذا يجري
~~مجرى أن يكون لاحدنا صاحب خصيص به خفيف في طاعته مشهور بنصيحته، فيقول هذا
~~المصحوب بعد برهة من الزمان لمن يريد أطرافه وتعجبه: أوليس صاحبي فلان الذي
~~كانت له من الحقوق كذا وكذا، وبلغ من الاختصاص بي إلى منزلة كذا قتلته
~~وأبحت حريمه وسلبت ماله؟ وإن كان ذلك انما استحقه بما تجدد منه في
~~المستقبل، وانما عرف بالحسن من أعماله على سبيل التعجب وهذا واضح.
# في الاحكام المدعى مخالفة علي فيها لمن سواه (مسألة): فإن قيل فما الوجه
~~فيما عابه النظام به عليه السلام من الاحكام التي داعى أنه خالف فيها جميع
~~الأمة، مثل بيع أمهات الأولاد وقطع يد السارق من أصول الأصابع ودفع السارق
~~إلى الشهود، وجلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا في خلافة عثمان وجهره بتسمية
~~الرجال في القنوت وقبوله شهادة الصبيان بعضهم على بعض، والله تعالى يقول:
# (وأشهدوا ذوي عدل منكم) وأخذه (عليه السلام) نصف دية الرجل من أولياء
~~المرأة وأخذه نصف دية العين من المقتص من الأعور وتخليفه رجلا يصلى العيدين
~~بالضعفاء في المسجد الأعظم، وأنه (عليه السلام) أحرق رجلا أتى غلاما في
~~دبره، وأكثره ما أوجب على من فعل هذا الفعل الرجم، PageV00P211
# وأنه أوتى بمال من مهور البغايا فقال عليه السلام ارفعوه حتى يجئ عطاء
~~غني وباهلة. فقال النظام لم خص بهذا غنيا وباهلة؟ فان كانوا مؤمنين فمن
~~عداهم من المؤمنين كهم في جواز تناول هذا المال وان كانوا غير مؤمنين فكيف
~~يأخذون العطاء مع المؤمنين؟ قال وذلك المال ms165 وإن كان من مهور البغايا أو بيع
~~لحم الخنازير بعد أن تملكه الكفار ثم يبيحه الله على المؤمنين فهو حلال طيب
~~للمؤمنين.
# (الجواب): إنا قد بينا قبل هذا الموضع أنه لا يعترض على أمير المؤمنين
~~عليه السلام في أحكام الشريعة ويطمع فيه من عثرة أو زلة إلا معاند لا يعرف
~~قدره، ومن شهد له النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه أقضى الأمة وان الحق معه
~~كيف ما دار، وضرب بيده على صدره وقال: اللهم أهد قلبه وثبت لسانه لما بعثه
~~إلى اليمن حتى قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فما شككت في قضاء بين
~~اثنين. وقال النبي فيه: " انا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة
~~فليأت الباب " لا يجوز أن يعترض أحكامه عليه السلام، ولا يظن بها إلا الصحة
~~والسداد. وأعجب من هذا كله الطعن على هذه الأحكام وأشباهها بأنها خلاف
~~الاجماع وأي إجماع ليت شعري يكون وأمير المؤمنين عليه السلام خارج منه ولا
~~أحد من الصحابة الذين لهم في الاحكام مذاهب وفتاوى وقيام، إلا وقد تفرد بشئ
~~لم يكن له عليه موافق، وما عد مذهبه خروجا عن الاجماع ولولا التطويل لذكرنا
~~شرح هذه الجملة ومعرفتها وظهورها بغنينا عن تكلف ذلك ولو كان للطعن على
~~أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الأحكام مجال وله وجه لكان أعداؤه من بني
~~أمية والمتقربين إليهم من شيعتهم بذلك أخبر وإليه اسبق، وكانوا يعيبونه
~~عليه ويدخلونه في جملة مثالبهم ومعايبهم التي تمحلوها، ولما تركوا ذلك حتى
~~يستدركه النظام بعد السنين الطويلة وفى أضرابهم عن ذلك دليل على أنه لا
~~مطعن بذلك ولا معاب.
# وبعد، فكل شئ فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الأحكام
~~PageV00P212
# وكان له مذهبا، ففعله له واعتقاده إياه هو الحجة فيه، وأكبر البرهان على
~~صحته لقيام الأدلة على أنه عليه السلام لا يزل ولا يغلط ولا يحتاج إلى بيان
~~وجوه زايدة على ما ذكرناه إلا على سبيل الاستظهار والتقرير على الخصوم
~~وتسهيل طريق الحجة عليهم.
# فأما بيع أمهات الأولاد فلم يسر ms166 فيهن إلا بنص الكتاب وظاهره، قال الله
~~تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم
~~حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى
~~وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (1) ولا شبهة في أن أم الولد يطؤها سيدها
~~بملك اليمين، لأنها ليست زوجة ولا هو عاد في وطئها إلى ما لا يحل، وإذا
~~كانت مملوكة مسترقة بطل ما يدعونه من أن ولدها أعتقها، ويبين ذلك أيضا أنه
~~لا خلاف في أن لسيدها أن يعتقها.
# ولو كان الولد قد أعتقها لما صح ذلك، لان عتق المعتق محال. وهذه الجملة
~~توضح عن بطلان ما يروونه من أن ولدها أعتقها، ثم يقال لهم أليس هذا الخبر
~~لم يقتض أن لها جميع أحكام المعتقات، لأنه لو اقتضى ذلك لما جاز أن يعتقها
~~السيد، ولا أن يطأها إلا بعقد، وانما اقتضى بعض أحكام المعتقات. فلابد من
~~مزيل فيقال لهم: فما أنكرتم من أن مخالفكم يمكنه أن يستعمله أيضا على سبيل
~~التخصيص كما استعملتموه، فنقول انه لو أراد بيعها لم يجز إلا في دين، وعند
~~ضرورة، وعند موت الولد. فكأنها يجري مجرى المعتقات فيما لا يجوز بيعها فيه،
~~وان لم يجز من كل وجه كما أجريتموها مجراهن في وجه دون آخر.
# فأما قطع السارق من الأصابع فهو الحق الواضح الجلي، لان الله تعالى قال
~~(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (2) واسم اليد يقع على جملة هذا العضو
~~إلى المنكب، ويقع عليه أيضا إلى المرافق والى الزند والى
# PageV00P213
# الأصابع كل ذلك على سبيل الحقيقة. ولهذا يقول أحدهم أدخلت يدي في الماء
~~إلى أصول الأصابع والى الزند والى المرفق والى المنكب، فيجعل كل ذلك غاية.
~~وقال الله تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب
~~بأيديهم﴾ (1) ومعلوم أن الكتابة تكون بالأصابع، ولو يرى أحدنا قلما
~~فعقرت السكين أصابعه لقيل قطع يده وعقرها ونحو ذلك. وقال الله تعالى في قصة
~~يوسف عليه السلام (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن) (2) ومعلوم أنهن ما
~~قطعن اكفهن إلى الزند، ms167 بل على ما ذكرناه. وإذا كان الامر على ما ذكرناه ولم
~~يجز ان يحمل اليد على كل ما تناولته هذه اللفظة حتى يقطع من الكتف على مذهب
~~الخوارج، لان هذا باطل عند جميع الفقهاء، وجب ان نحمله على أدنى ما تناوله،
~~وهو من أصول الأشاجع، والقطع من الأصابع أولى بالحكمة وأرفق بالمقطوع، لأنه
~~إذا قطع من الزند فاته من المنافع أكثر مما يفوته إذا قطع من الأشاجع. وقد
~~روي أن علي بن أصمع سرق عيبة لصفوان، فأتى به إلى أمير المؤمنين عليه
~~السلام فقطعه من أشاجعه، فقيل له يا أمير المؤمنين أفلا من الرسغ. فقال
~~عليه السلام فعلى أي شئ يتوكأ وبأي شي يستنجي.
# ومهما شككنا فإنا لا نشك في أن أمير المؤمنين عليه السلام كان أعلم
~~باللغة العربية من النظام وجميع الفقهاء والذين خالفوه في القطع، وأقرب إلى
~~فهم ما نطق به القرآن. وان قوله (عليه السلام) حجة في العربية وقدوة، وقد
~~سمع الآية وعرف اللغة التي نزل بها القرآن، فلم يذهب إلى ما ذهب إليه إلا
~~عن خبرة ويقين.
# واما دفع السارق إلى الشهود، فلا أدري من أي وجه كان عيبا وهل دفعه إليهم
~~ليقطعوه إلا كدفعه إلى غيرهم ممن يتولى ذلك منه. وفي هذا فضل استظهار عليهم
~~وتهييب لهم من أن يكذبوا فيعظم عليهم تولي ذلك منه
# PageV00P214
# ومباشرته بنفوسهم، وهذا نهاية الحزم والاحتياط في الدين.
# وأما جلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا فإن المروي انه عليه السلام جلده
~~بنسعة لها رأسان فكان الحد ثمانين كاملة: وهذا مأخوذ من قوله تعالى:
# ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ (1).
# واما الجهر بتسمية الرجال في القنوت فقد سبقه (عليه السلام) إلى ذلك رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وتظاهرت الرواية بأنه (صلى الله عليه وآله) كان
~~يقنت في صلاة الصبح ويلعن قوما من أعدائه بأسمائهم فمن عاب ذلك أو طعن به
~~فقد طعن على أصل الاسلام وقدح في الرسول صلى الله عليه وآله.
# واما قبول ms168 شهادة الصبيان فالاحتياط للدين يقتضيه، ولم ينفرد أمير
~~المؤمنين عليه السلام بذلك، بل قد قال بقوله بعينه أو قريبا منه جماعة من
~~الصحابة والتابعين. وروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في شهادة الصبي
~~يشهد بعد كبره، والعبد بعد عتقه، والنصراني بعد إسلامه أنها جائزة. وهذا
~~قول جماعة من الفقهاء المتأخرين كالثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وروى مالك بن
~~انس عن هشام بن عروة ان عبد الله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما
~~بينهم من الجراح. وروي عن هشام بن عروة أنه قال سمعت أبي يقول يجوز شهادة
~~الصبيان بعضهم على بعض، يؤخذ بأول قولهم. وروي عن مالك بن أنس أنه قال:
~~المجمع عليه عندنا يعني أهل المدينة أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من
~~الجراح، ولا تجوز على غيرهم إذا كان ذلك قبل ان يتفرقوا ويجيئوا ويعلموا،
~~فإن تفرقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد اشهدوا عدولا على شهادتهم قبل
~~ان يتفرقوا، ويوشك أن يكون الوجه في الاخذ بأوائل أقوالهم لان من عادة
~~الصبي وسجيته إذا أخبر
# PageV00P215
# بالبديهة ان يذكر الحق الذي عاينه، ولا يتعمل لتحريفه. وليس جميع
~~الشهادات تراعى فيها العدالة. وجماعة من العلماء قد أجازوا شهادة أهل الذمة
~~في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم، وتأولوا لذلك قول الله عز وجل: ﴿اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من
~~غيركم﴾ (1) وقد أجازوا أيضا شهادة النساء وحدهن فيما لا يجوز أنت تنظر
~~إليه الرجال، وقبلوا شهادة القابلة. وانما أردنا بذكر قبول شهادة النساء،
~~أن قوله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم) مخصوص غير عام في جميع الشهادات. ألا
~~ترى ان ذلك غير مانع من قبول اليمين مع شهادة الواحد.
# وبعد فليس قوله تعالى (واشهدوا ذوي عدل منكم) بمقتض غير الامر بالشهادة
~~على هذا الوجه، وليس بمانع من قبول شهادة غير العدلين ولا تعلق له بأحكام
~~قبول الشهادات.
# فاما أخذ نصف الدية من أولياء المرأة إذ أرادوا قتل الرجل بها فهو الصحيح
~~الواضح ms169 الذي لا يجوز خلافه، لان دية المرأة (2) عشرة آلاف درهم ودية المرأة
~~نصفها فإذا أراد أولياء المرأة قتل الرجل، فإنما يقتلون نفسا ديتها الضعف
~~من دية مقتولهم، فلا بد إذا اختاروا ذلك من رد الفضل بين القيمتين ولهذا لو
~~أراد أخذ الدية لم يأخذوا أكثر من خمسة آلاف درهم. وهكذا القول في أخذ نصف
~~الدية من المقتص من الأعور، لان دية عين الأعور عشرة آلاف درهم ودية احدى
~~عيني الصحيح خمسة آلاف درهم. فلا بد من الرجوع بالفضل على ما ذكرناه، وما
~~أدري من أي وجه تطرق العيب في تخليفه عليه السلام من يصلي العيدين بالضعفاء
~~في المسجد الأعظم، وذلك من رأفته (عليه السلام) بالضعفاء ورفقه بهم، وتوصله
~~إلى أن يحظوا بفضل هذه الصلاة من غير تحمل مشقة الخروج إلى المصلى.
# PageV00P216
# فأما ما حكاه من أحراقه اللوطي، فالمعروف أنه عليه السلام القى على
~~الفاعل والمفعول به لما رآهما الجدار، ولو صح الاحراق لم ينكران يكون ذلك
~~الشئ عرفه من الرسول صلى الله عليه وآله. وقد روى فهد بن سليمان عن القاسم
~~بن أمية العدوي عن عمر بن أبي حفص مولى الزبير عن شريك عن إبراهيم بن عبد
~~الأعلى عن سويد بن غفلة، أن أبا بكر أتى برجل ينكح فأمر به فضربت عنقه، ثم
~~أمر به فأحرق ولعل أمير المؤمنين (عليه السلام) احرقه بالنار بعد القتل
~~بالسيف كما فعل أبو بكر، وليس ما روي من الاحراق بمانع من أن يكون القتل
~~متقدما له. وقد روي قتل المتلوطين من طرق مختلفة عن الرسول صلى الله عليه
~~وآله وكذلك روي رجمهما.
# روى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): اقتلوا الفاعل والمفعول به. وروي عبد العزيز عن ابن جريح عن
~~عكرمة عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) مثل ذلك. وعن عمر بن أبي
~~عمير عن عكرمة عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال فيمن يوجد
~~يعمل بعمل ms170 قوم لوط مثل ذلك. وروى أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~قال الذي يعمل عمل قوم لوط ارجموا الاعلى والأسفل ارجموهما جميعا. وسئل ابن
~~عباس ما حد اللوطي؟ ينظر إلى ارفع بناء في القرية فيرمى به منكسا. ثم يتبع
~~بالحجارة. وروي ان عثمان اشرف على الناس يوم الدار، فقال: ألم تعلموا أنه
~~لا يحل دم امرئ مسلم إلا أربعة: رجل قتل فقتل، ورجل زنى بعد ان أحصن، ورجل
~~ارتد بعد إسلام، ورجل عمل عمل قوم لوط.
# فلا شبهة على ما ترى في قتل اللوطي، ولا ريب في وجوب ذلك عليه. وكيف يتهم
~~بحيف في حد يقيمه من يتحرى فيما يخصه هذا التحري المشهور. فيقول عليه
~~السلام لما ضربه اللعين ابن ملجم أحسنوا أسره، فإن PageV00P217
# عشت فأنا ولي دمي، وان مت فضربة بضربة. ولا تمثلوا بالرجل فإن رسول الله
~~صلى الله عليه وآله نهى عن المثلة ولو بالكلب العقور. فمن ينهى عن التمثيل
~~بقاتله مع الغيظ الذي يجده الانسان على ظالمه وميله إلى الاستيفاء
~~والانتقام، كيف يمثل بمن لا ترة بينه وبينه ولا حسيكة له في قلبه؟ وهذا ما
~~لا يظنه به (عليه السلام) إلا مؤف العقل.
# فأما حبسه (عليه السلام) المال المكتسب من مهور البغايا على غنى وباهلة،
~~فله إن كان صحيحا وجه واضح، وهو ان ذلك المال دني الأصل خسيس السبب، ومثله
~~ما ينزه عنه ذو الاقدار من جلة المؤمنين ووجوه المسلمين. وإن كان حلالا
~~طلقا فليس كل حلال يتساوى الناس في التصرف فيه. فإن من المكاسب والمهن
~~والحرف ما يحل ويطيب ويتنزه ذوو المرؤات والاقدار عنها. وقد فعل النبي صلى
~~الله عليه وآله نظير ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام، فإنه روي عنه انه
~~(صلى الله عليه وآله) نهى عن كسب الحجام، فلما روجع فيه أمر المراجع له ان
~~يطعمه رقيقه ويعلفه ناضحه، وإنما قصد (صلى الله عليه وآله) إلى الوجه الذي
~~ذكرناه من التنزيه، وإن كان ذلك الكسب حلالا طلقا. وهاتان القبيلتان
~~معروفتان بالدناءة ولؤم ms171 الأصل مطعون عليهما في ديانتهما أيضا، فخصهما
~~بالكسب اللئيم وعوض من له في ذلك المال سهم من الجلة، والوجوه من غير ذلك
~~المال. وكل هذا واضح لمن تدبره.
# في كذب الخبر بأنه خطب بنت أبي جهل.
# (مسألة:) فإن قيل أليس قد روي أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب بنت أبي
~~جهل بن هشام في حياة الرسول صلى الله عليه وآله حتى بلغ ذلك فاطمة عليها
~~السلام وشكته إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقام على المنبر قائلا ان
~~عليا آذاني بخطب بنت أبي جهل بن هشام ليجمع بينها وبين ابنتي فاطمة، ولن
~~يستقيم الجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدوه. أما PageV00P218
# علمتم معشر الناس أن من آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله
~~تعالى، فما الوجه في ذلك؟
# (الجواب): قلنا هذا خبر باطل موضوع غير معروف ولا ثابت عند أهل النقل،
~~وانما ذكره الكرابيسي (1) طاعنا به أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله،
~~ومعارضا بذكره لبعض ما يذكره شيعته من الاخبار في أعدائه، وهيهات أن يشبه
~~الحق بالباطل، ولو لم يكن في ضعفه إلا رواية الكرابيسي له واعتماده عليه،
~~وهو من العداوة لأهل البيت عليهم السلام والمناصبة لهم والازراء على
~~فضائلهم ومآثرهم على ما هو مشهور، لكفى على أن هذا الخبر قد تضمن ما يشهد
~~ببطلانه ويقتضي على كذبه من حيث ادعى فيه أن النبي ذم هذا الفعل وخطب
~~بإنكاره على المنابر. ومعلوم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو كان فعل
~~ذلك على ما حكى، لما كان فاعلا لمحظور في الشريعة، لان نكاح الأربع حلال
~~على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وآله. والمباح لا ينكره الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) ويصرح بذمه، وبأنه متأذبه، وقد رفعه الله عن هذه المنزلة
~~وأعلاه عن كل منقصة ومذمة. ولو كان عليه السلام نافرا من الجمع بين بنته
~~وبين غيرها بالطباع التي تنفر من الحسن والقبيح، لما جاز أن ينكره بلسانه،
~~ثم ما جاز أن يبالغ في الانكار ويعلن به على ms172 المنابر وفوق رؤوس الاشهاد،
~~ولو بلغ من إيلامه لقلبه كل مبلغ. فما هو اختص به (عليه السلام) من الحلم
~~والكظم، ووصفه الله بأنه من جميل الاخلاق وكريم الآداب ينافي ذلك ويحيله
~~ويمنع من اضافته إليه وتصديقه عليه. وأكثر ما يفعله مثله (عليه السلام) في
~~هذا الامر إذا ثقل على قلبه ان يعاتب عليه سرا ويتكلم في العدول عنه خفيا
~~على وجه جميل وبقول لطيف. وهذا المأمون الذي لا قياس بينه وبين الرسول (صلى
~~الله عليه
# PageV00P219
# وآله). وقد انكح أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام بنته ونقلها معه إلى
~~مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) لما ورد كتابها عليه تذكر أنه قد تزوج
~~عليها أو تسرى، يقول مجيبا لها ومنكرا عليها: إنا ما انكحناه لنحظر عليه ما
~~أباحه الله له، والمأمون أولى بالامتعاض من غيرة بنته، وحاله أجمل للمنع من
~~هذا الباب والانكار له. فوالله ان الطعن على النبي صلى الله عليه وآله بما
~~تضمنه هذا الخبر الخبيث، أعظم من الطعن على أمير المؤمنين عليه السلام. وما
~~صنع هذا الخبر إلا ملحد قاصد للطعن عليهما، أو ناصب معاند لا يبالي ان يشفي
~~غيظه بما يرجع على أصوله بالقدح والهدم، على أنه لا خلاف بين أهل النقل أن
~~الله تعالى هو الذي اختار أمير المؤمنين عليه السلام لنكاح سيدة النساء
~~صلوات الله وسلامه عليها، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) رد عنها جلة
~~أصحابه وقد خطبوها وقال " صلى الله عليه وآله ":
# اني لم أزوج فاطمة عليا (عليه السلام) حتى زوجها الله إياه في سمائه،
~~ونحن نعلم أن الله سبحانه لا يختار لها من بين الخلائق من غيرها ويؤذيها
~~ويغمها، فإن ذلك من أدل دليل على كذب الراوي لهذا الخبر.
# وبعد، فإن الشئ إنما يحمل على نضائره ويلحق بأمثاله، وقد علم كل من سمع
~~الاخبار أنه لم يعهد من أمير المؤمنين (عليه السلام) خلاف على الرسول، ولا
~~كان قط بحيث يكره على اختلاف الأحوال وتقلب الأزمان وطول الصحبة، ولا عاتبه
~~(عليه السلام) ms173 على شئ من أفعاله، مع أن أحدا من أصحابه لم يخل من عتاب على
~~هفوة ونكير لأجل زلة، فكيف خرق بهذا الفعل عادته وفارق سجيته وسنته لولا
~~تخرص الاعداء وتعديهم.
# وبعد، فأين كان أعداؤه (عليه السلام) من بني أمية وشيعتهم عن هذه الفرصة
~~المنهزة؟ وكيف لم يجعلوها عنوانا لما يتخرصونه من العيوب والقروف؟ وكيف
~~تحملوا الكذب وعدلوا عن الحق وفى علمنا بأن أحدا من الاعداء متقدما لم يذكر
~~ذلك دليل على أنه باطل موضوع؟. PageV00P220
# أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام الوجه في مسالمة الحسن لمعاوية.
# (مسألة:) فإن قال قائل: ما العذر له في خلع نفسه من الإمامة وتسليمها إلى
~~معاوية مع ظهور فجوره وبعده عن أسباب الإمامة وتعريه من صفات مستحقها، ثم
~~في بيعته وأخذ عطائه وصلاته واظهار موالاته والقول بإمامته، هذا مع وفور
~~أنصاره واجتماع أصحابه ومتابعيه من كان يبذل عنه دمه وماله، حتى سموه مذل
~~المؤمنين وعاتبوه في وجهه عليه السلام؟
# (الجواب): قلنا قد ثبت انه عليه السلام الامام المعصوم المؤيد الموفق
~~بالحجج الظاهرة والأدلة القاهرة، فلابد من التسليم لجميع أفعاله وحملها على
~~الصحة، وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل، أو كان له ظاهر ربما
~~نفرت النفوس عنه وقد مضى تلخيص هذه الجملة وتقريرها في مواضع من كتابنا
~~هذا.
# وبعد، فإن الذي جرى منه عليه السلام كان السبب فيه ظاهرا والحامل عليه
~~بيا جليا لان المجتمعين له من الأصحاب وان كانوا كثيري العدد وقد كانت قلوب
~~أكثرهم دغلة غير صافية، وقد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية وامراحه من أحب في
~~الأموال من غير مراقبة ولا مساترة، فأظهروا له (عليه السلام) النصرة وحملوه
~~على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يورطوه ويسلموه، PageV00P221
# وأحس عليه السلام بهذا منهم قبل التولج والتلبس، فتخلى من الامر وتحرز من
~~المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت وقد صرح (عليه السلام) بهذه
~~الجملة وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة بألفاظ مختلفة، وقال إنما هادنت
~~حقنا للدماء وصيانتها وإشفاقا ms174 على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي، فكيف لا
~~يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله، وهو عليه السلام لما كتب إلى معاوية
~~يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه عليه السلام ويدعوه إلى طاعته، فأجابه
~~معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة فيه والمواربة وقال له فيه: لو
~~كنت أعلم أنك أقوم بالامر واضبط للناس وأكيد للعدو وأقوى على جميع الأحوال
~~مني لبايعتك، لأني أراك لكل خير أهلا.
# وقال في كتابه ان أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأبيك وأمركم بعد وفاة
~~رسول الله دعاه إلى أن خطب خطبة بأصحابه بالكوفة يحثهم على الجهاد ويعرفهم
~~فضله، وما في الصبر عليه من الاجر، وأمرهم أن يخرجوا إلى معسكر فما أجابه
~~أحد، فقال لهم عدي بن حاتم: سبحان الله ألا تجيبون إمامكم؟ أين خطباء مصر؟
~~فقام قيس بن سعد وفلان وفلان فبذلوا الجهاد وأحسنوا القول. ونحن نعلم أن من
~~ضمن بكلامه أولى بأن يضن بفعاله. أوليس أحدهم قد جلس له في مظلم ساباط
~~وطعنه بمغول كان معه أصاب فخذه، فشقه حتى وصل إلى العظم وانتزع من يده وحمل
~~عليه السلام إلى المداين وعليها سعيد بن مسعود عم المختار، وكان أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) ولاه إياها فأدخل منزله، فأشار المختار على عمه ان
~~يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخي سنة. فأبي عليه وقال
~~للمختار: قبح الله رأيك أنا عامل أبيه وقد أئتمنني وشرفني، وهبني نسيت بلاء
~~أبيه أأنسى رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أحفظه في ابن بنته وحبيبه ثم
~~أن سعد بن مسعود أتاه عليه السلام بطبيب وقام عليه حتى برئ وحوله إلى بعض
~~المدائن. فمن ذا الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم عن النصرة
~~والمعونة؟ وقد أجاب PageV00P222
# (عليه السلام) حجر بن عدي الكندي (1) لما قال له سودت وجوه المؤمنين،
~~فقال عليه السلام ما كل أحد يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وانما فعلت ما فعلت
~~إبقاء عليكم. وروى عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن ms175 أبي الكنود عبد
~~الرحمن بن عبيدة، قال لما بايع الحسن عليه السلام معاوية أقبلت الشيعة
~~تتلاقى بإظهار الأسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم
~~بايع معاوية فقال له (عليه السلام) سليمان بن صرد الخزاعي:
# ما ينقضي تعجبنا من بيعتك لمعاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة،
~~كلهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم
~~سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد ولا حظا
~~من العطية فلو كنت إذ فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق
~~والمغرب، وكتبت عليه كتابا بأن الامر لك بعده، كان الامر علينا أيسر. ولكنه
~~أعطاك شيئا بينك وبينه لم يف به ثم لم يلبث ان قال على رؤوس الاشهاد أني
~~كنت شرطت شروطا ووعدت عداة إرادة لاطفاء نار الحرب ومداراة لقطع الفتنة،
~~فأما إذا جمع الله لنا الكلمة والألفة فإن ذلك تحت قدمي، والله ما عنى بذلك
~~غيرك، ولا أراد بذلك إلا ما كان بينه وبينك، قد نقض. فإذا شئت فأعدت للحرب
~~عدة، وأذن لي في تقدمك إلى الكوفة، فأخرج عنها عاملها وأظهر خلعه نبذه، على
~~سواء أن الله لا يحب الخائنين.
# وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان، فقال الحسن عليه السلام: أنتم شيعتنا
~~وأهل مودتنا، ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل ولسلطانها أربض وأنصب، ما
~~كان معاوية بأشد مني بأسا ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكني أرى غير ما
~~رأيتم وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء، فارضوا بقضاء
# PageV00P223
# الله وسلموا لامره والزموا بيوتكم وامسكوا. أو قال: كفوا أيديكم حتى
~~يستريح برأ ويستراح من فاجر. وهذا كلام منه عليه السلام يشفي الصدور ويذهب
~~بكل شبهة.
# وقد روي أنه عليه السلام لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس ويعلمهم
~~ما عنده في هذا الباب، قام (عليه السلام) فحمد الله واثنى عليه ثم قال: ان
~~أكيس الكيس التقى، واحمق الحمق الفجور. أيها الناس انكم لو طلبتم ما بين
~~جابلق ms176 وجابلس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله ما وجدتموه غيري، وغير
~~أخي الحسين عليه السلام، وان الله قد هداكم بأولنا محمد صلى الله عليه
~~وآله، وان معاوية نازعني حقا هو لي فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها، وقد
~~بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وقد رأيت أن أسالمه ورأيت أن ما حقن
~~الدماء خير مما سفكها، واردت صلاحكم وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنى
~~هذا الامر، وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. وكلامه عليه السلام في
~~هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم دافع
~~بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين والمسلمين أشهر من الشمس وأجلى من الصبح.
# فأما قول السائل انه خلع نفسه من الإمامة فمعاذ الله، لان الإمامة بعد
~~حصولها للامام لا تخرج عنه بقوله. وعند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة أن
~~خلع الامام نفسه لا يؤثر في خروه من الإمامة، وإنما ينخلع من الإمامة عندهم
~~وهو حي بالاحداث والكبائر، ولو كان خلعه نفسه مؤثرا لكان انما يؤثر إذا وقع
~~اختيارا. فأما مع الالجاء والاكراه، فلا تأثير له لو كان مؤثرا في موضع من
~~المواضع، ولم يسلم أيضا الامر إلى معاوية بل كف عن المحاربة والمغالبة
~~لفقدان الأعوان واعواز النصار وتلافي الفتنة على ما ذكرناه، فتغلب عليه
~~معاوية بالقهر والسلطان مع أنه كان متغلبا على أكثره، ولو أظهر التسليم
~~قولا لما كان فيه شئ إذا كان عن اكراه واضطهاد. PageV00P224
# وأما البيعة فإن أريد به الصفقة واظهار الرضا والكف عن المنازعة فقد كان
~~ذلك لكنا قد بينا جهة وقوعه والأسباب المحوجة إليه، ولا حاجة في ذلك عليه
~~عليه السلام. كما لم يكن في مثله حجة على أبيه عليه السلام لما بايع
~~المتقدمين عليه، وكف عن نزاعهم وامسك عن خلافهم، وإن أريد بالبيعة الرضى
~~وطيب النفس، فالحال شاهدة بخلاف ذلك، وكلامه المشهور كله يدل على أنه (عليه
~~السلام) أحوج وأحرج، وأن الامر له وهو أحق الناس به. وانما كف عن المنازعة ms177
~~فيه للغلبة والقهر والخوف على الدين والمسلمين.
# وأما أخذ العطاء فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير
~~المؤمنين عليه السلام في ذلك من أخذه من يد الجائر الظالم المتغلب جائز،
~~وأنه لا لوم فيه على الاخذ ولا حرج.
# وأما أخذ الصلات فسايغ بل واجب لان لكل مال في يد الجائر المتغلب على أمر
~~الأمة يجب على الامام وعلى جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن
~~بالطوع أو الاكراه، ووضعه في مواضعه. فإذا لم يتمكن من انتزاع جميع ما في
~~يد معاوية من أموال الله تعالى وأخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة،
~~فواجب عليه أن يتناوله من يده ويأخذ منه حقه ويقسمه على مستحقه لان التصرف
~~في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له، وليس لاحد أن
~~يقول أن الصلات التي كان يقبلها من معاوية إنما كان ينفقها على نفسه
~~وعياله، ولا يخرجها إلى غيره وذلك أن هذا مما لا يمكن أحد أن يدعي العلم به
~~والقطع عليه ولا شك أنه عليه السلام كان ينفق منها لان فيها حقه وحق عياله
~~وأهله، ولا بد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم وكيف يظهر ذلك
~~وهو عليه السلام كان قاصدا إلى إخفائه ستره لمكان التقية، والمحوج إليه إلى
~~قبول تلك الأموال على سبيل الصلة هو المحوج له إلى ستر اخراجها واخراج
~~بعضها إلى مستحقها من PageV00P225
# المسلمين. وقد كان عليه السلام يتصدق بكثير من أمواله ويواسي الفقراء
~~ويصل المحتاجين. ولعل في جملة ذلك هذه الحقوق.
# فأما اظهاره (عليه السلام) موالاته، فما أظهر عليه السلام من ذلك شيئا
~~كما لم يبطنه. وكلامه فيه بمشهد معاوية ومغيبه معروف ظاهر يشهد بذم معاوية
~~ومعائبه، ولو فعل ذلك خوفا واستصلاحا وتلافيا للشر العظيم لكان واجبا، فقد
~~فعل أبوه عليه السلام مثله مع المتقدمين عليه واعجب من هذا كله دعوى القول
~~بإمامته ومعلوم ضرورة منه (عليه السلام) خلاف ذلك، وأنه كان يعتقد ويصرح
~~بأن معاوية ms178 لا يصلح أن يكون بعض ولاة الامام ولا تباعه فضلا عن الإمامة
~~نفسها، وليس يظن مثل هذه الأمور الا عامي حشوي قد قعد به التقليد. وما سبق
~~إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل وسماع الاخبار المأثورة في هذا
~~الباب فهو لا يسمع إلا بما يوافقه. وإذا سمع لم يصدق إلا بما اعجبه والله
~~المستعان. PageV00P226
# أبو عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام بيان الأسباب في قدوم الحسين
~~الكوفة وقتاله:
# (مسألة): فإن قيل: ما العذر في خروجه عليه السلام من مكة بأهله وعياله
~~إلى الكوفة والمستولى عليها أعداؤه، والمتامر فيها من قبل يزيد منبسط الأمر
~~والنهي ، وقد رأى عليه السلام صنع أهل الكوفة بأبيه وأخيه، وأنهم غدارون
~~خوانون، وكيف خالف ظنه ظن جميع أصحابه في الخروج وابن عباس يشير بالعدول عن
~~الخروج ويقطع على العطب فيه، وابن عمر لما ودعه يقول استودعك الله من قتيل،
~~إلى غير ما ذكرناه ممن تكلم في هذا الباب. ثم لما علم بقتل مسلم بن عقيل
~~(رضي) وقد انفذه رائدا له، كيف لم يرجع لما علم الغرور من القوم وتفطن
~~بالحيلة والمكيدة، ثم كيف استجاز ان يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها،
~~لها مواد كثيرة. ثم لما عرض عليه ابن زياد الأمان وأن يبايع يزيد، كيف لم
~~يستجب حقنا لدمه ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه. ولم القى بيده إلى
~~التهلكة وبدون هذا الخوف سلم أخوه الحسن عليه السلام الامر إلى معاوية،
~~فكيف يجمع بين فعليهما بالصحة؟
# (الجواب): قلنا قد علما أن الامام متى غلب في ظنه يصل إلى حقه والقيام
~~بما فوض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك وإن كان فيه ضرب من المشقة يتحمل
~~مثلها تحملها، وسيدنا أبو عبد الله عليه السلام لم PageV00P227
# يسر طالبا للكوفة الا بعد توثق من القوم وعهود وعقود، وبعد ان كاتبوه
~~عليه السلام طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين. وقد كانت المكاتبة من
~~وجوه أهل الكوفة واشرافها وقرائها، تقدمت إليه في أيام معاوية وبعد الصلح ms179
~~الواقع بينه وبين الحسن (عليه السلام) فدفعهم وقال في الجواب ما وجب. ثم
~~كاتبوه بعد وفاة الحسن (عليه السلام) ومعاوية باق فوعدهم ومناهم، وكانت
~~أياما صعبة لا يطمع في مثلها. فلما مضى معاوية وأعادوا المكاتبة بذلوا
~~الطاعة وكرروا الطلب والرغبة ورأى (عليه السلام) من قوتهم على من كان يليهم
~~في الحال من قبل يزيد، وتشحنهم عليه وضعفه عنهم، ما قوى في ظنه ان المسير
~~هو الواجب، تعين عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبب، ولم يكن في حسابه أن
~~القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته ويتفق بما اتفق من الأمور
~~الغريبة. فإن مسلم بن عقيل رحمة الله عليه لما دخل الكوفة أخذ البيعة على
~~أكثر أهلها. ولما وردها عبيد الله بن زياد وقد سمع بخبر مسلم ودخوله الكوفة
~~وحصوله في دار هاني بن عروة المرادي رحمة الله عليه على ما شرح في السير،
~~وحصل شريك بن الأعور بها جاءه ابن زياد عايدا وقد كان شريك وافق مسلم بن
~~عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك، وأمكنه ذلك وتيسر له، فما
~~فعل واعتذر بعد فوت الامر إلى شريك بأن ذلك فتك، وأن النبي صلى الله عليه
~~وآله قال أن الايمان قيد الفتك. ولو كان فعل مسلم بن عقيل من قتل ابن زياد
~~ما تمكن منه، ووافقه شريك عليه لبطل الامر. ودخل الحسين على السلام الكوفة
~~غير مدافع عنها، وحسر كل أحد قناعه في نصرته، واجتمع له من كان في قلبه
~~نصرته وظاهره مع أعدائه. وقد كان مسلم بن عقيل أيضا لما حبس ابن زياد هانيا
~~سار إليه في جماعة من أهل الكوفة، حتى حصره في قصره وأخذ بكظمه، وأغلق ابن
~~زياد الأبواب دونه خوفا وجبنا حتى بث الناس في كل وجه يرغبون الناس
~~ويرهبونهم ويخذلونهم عن ابن عقيل، فتقاعدوا عنه وتفرق أكثرهم، حتى أمسى في
~~شر ذمة، ثم انصرف وكان من أمره ما كان. وإنما أردنا بذكر هذه PageV00P228
# الجملة أن أسباب الظفر بالاعداء كانت لا يحة متوجهة، وان ms180 الاتفاق السئ
~~عكس الامر وقلبه حتى تم فيه ماتم. وقد هم سيدنا أبو عبد الله عليه السلام
~~لما عرف بقتل مسلم بن عقيل، وأشير عليه بالعود فوثب إليه بنو عقيل وقالوا
~~والله لا ننصرف حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أبونا. فقال عليه السلام: لا
~~خير في العيش بعد هؤلاء. ثم لحقه الحر بن يزيد ومن معه من الرجال الذين
~~انفذهم ابن زياد، ومنعه من الانصراف، وسامه ان يقدمه على ابن زياد نازلا
~~على حكمه، فامتنع. ولما رأى أن لا سبيل له إلى العود ولا إلى دخول الكوفة،
~~سلك طريق الشام سائرا نحو يزيد بن معاوية لعلمه عليه السلام بأنه على ما به
~~أرق من ابن زياد وأصحابه، فسار عليه السلام حتى قدم عليه عمر بن سعد في
~~العسكر العظيم، وكان من أمره ما قد ذكر وسطر، فكيف يقال إنه القى بيده إلى
~~التهلكة؟ وقد روى أنه صلوات الله وسلامه عليه وآله قال لعمر بن سعد:
~~اختاروا منى إما الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو ان أضع يدي في يد
~~يزيد ابن عمى ليرى في رأيه، وإما ان تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين،
~~فأكون رجلا من أهله لي ماله وعلي ما عليه. وان عمر كتب إلى عبيد الله بن
~~زياد بما سئل فأبى عليه وكاتبه بالمناجزة وتمثل بالبيت المعروف وهو:
# الآن علقت مخالبنا به * يرجو النجاة ولات حين مناص فلما رأى (ع) إقدام
~~القوم عليه وان الدين منبوذ وراء ظهورهم وعلم أنه إن دخل تحت حكم ابن زياد
~~تعجل الذل وآل امره من بعد إلى القتل، التجأ إلى المحاربة والمدافعة بنفسه
~~وأهله ومن صبر من شيعته، ووهب دمه ووقاه بنفسه. وكان بين إحدى الحسنيين:
~~إما الظفر فربما ظفر الضعيف القليل، أو الشهادة والميتة الكريمة.
# وأما مخالفة ظنه عليه السلام لظن جميع من أشار عليه من النصحاء
~~PageV00P229
# كابن عباس وغيره، فالظنون انما تغلب بحسب الامارات. وقد تقوى عند واحد
~~وتضعف عند آخر، لعل ابن عباس لم يقف على ms181 ما كوتب به من الكوفة، وما تردد في
~~ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق.
# وهذه أمور تختلف أحوال الناس فيها ولا يمكن الإشارة إلا إلى جملتها دون
~~تفصيلها.
# فأما السبب في أنه (ع) لم يعد بعد قتل مسلم بن عقيل، فقد بينا وذكرنا أن
~~الرواية وردت بأنه عليه السلام هم بذلك، فمنع منه وحيل بينه وبينه.
# فأما محاربة الكثير بالنفر القليل، فقد بينا أن الضرورة دعت إليها وان
~~الدين والحزم ما اقتضى في تلك الحال الا ما فعله، ولم يبذل ابن زياد من
~~الأمان ما يوثق بمثله. وإنما أراد إذلاله والغض من قدره بالنزول تحت حكمه،
~~ثم يفضي الامر بعد الذل إلى ما جرى من إتلاف النفس. ولو أراد به (ع) الخير
~~على وجه لا يلحقه فيه تبعة من الطاغية يزيد، لكان قد مكنه من التوجه نحوه
~~استظهر عليه بمن ينفذه معه. لكن التراث البدوية والاحقاد الوثنية ظهرت في
~~هذه الأحوال. وليس يمتنع أن يكون عليه السلام من تلك الأحوال مجوزا أن يفئ
~~إليه قوم ممن بايعه وعاهده وقعد عنه، ويحملهم ما يكون من صبره واستسلامه
~~وقلة ناصره على الرجوع إلى الحق دينا أو حمية، فقد فعل ذلك نفر منهم حتى
~~قتلوا بين يديه شهداء. ومثل هذا يطمع فيه ويتوقع في أحوال الشدة.
# فأما الجمع بين فعله (ع) وفعل أخيه الحسن فواضح صحيح، لان أخاه سلم كفا
~~للفتنة وخوفا على نفسه وأهله وشيعته، واحساسا بالغدر من أصحابه. وهذا لما
~~قوي في ظنه النصرة ممن كاتبه وتوثق له، ورأى من أسباب قوة أنصار الحق وضعف
~~أنصار الباطل ما وجب عليه الطلب والخروج. فلما انعكس ذلك وظهرت امارات
~~الغدر فيه وسوء الاتفاق رام PageV00P230
# الرجوع والمكافة والتسليم كما فعل أخوه، فمنع من ذلك وحيل بينه وبينه،
~~فالحالان متفقان. إلا أن التسليم والمكافة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا
~~منه، ولم يجب إلا إلى الموادعة، وطلب نفسه (ع) فمنع منها بجهده حتى مضى
~~كريما إلى جنة الله ورضوانه. وهذا واضح لمن تأمله، وإذا كنا ms182 قد بينا عذر
~~أمير المؤمنين عليه السلام في الكف عن نزاع من استولى على ما هو مردود إليه
~~من أمر الأمة، وأن الحزم والصواب فيما فعله، فذلك بعينه عذر لكل إمام من
~~أبنائه عليهم السلام في الكف عن طلب حقوقهم من الإمامة، فلا وجه لتكرار ذلك
~~في كل إمام من الأئمة (ع) والوجه أن نتكلم على ما لم يمض الكلام على مثله.
~~PageV00P231
# أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام في وجه قبول الرضا (ع) لولاية
~~العهد (مسألة): إن قيل كيف تولى علي بن موسى الرضا عليه السلام العهد
~~للمأمون، وتلك جهة لا يستحق الإمامة منها، أوليس هذا إيهاما فيما يتعلق
~~بالدين؟
# (الجواب): قلنا قد مضى من الكلام في سبب دخول أمير المؤمنين في الشورى ما
~~هو أصل في هذا الباب، وجملته ان ذا الحق له أن يتوصل إليه من كل جهة، وبكل
~~سبب، لا سيما إذا كان يتعلق بذلك الحق تكليف عليه، فإنه يصير واجبا عليه
~~التوصل والتحمل والتصرف في الإمامة مما يستحقه الرضا صلوات الله عليه وآله
~~بالنص من آبائه. فإذا دفع عن ذلك وجعل إليه من وجه آخر أن يتصرف فيه، وجب
~~عليه أن يجيب إلى ذلك الوجه ليصل منه إلى حقه. وليس في هذا إيهام لان
~~الأدلة الدالة على استحقاقه (ع) للإمامة بنفسه تمنع من دخول الشبهة بذلك،
~~وإن كان فيه بعض الايهام يحسنه دفع الضرورة إليه كما حملته وآبائه (ع) على
~~إظهار متابعة الظالمين والقول بإمامتهم، ولعله (ع) أجاب إلى ولاية العهد
~~للتقية والخوف، وأنه لم يؤثر الامتناع إلى من ألزمه ذلك وحمله عليه فيفضي
~~الامر إلى المباينة والمجاهرة والحال لا يقتضيها وهذا بين. PageV00P232
# القائم المهدي صلوات الله عليه بيان الوجه في غيبته:
# (مسألة): إن قال قائل فما الوجه في غيبته عليه السلام واستتاره على
~~الاستمرار والدوام حتى أن ذلك قد صار سببا لنفي ولادته وانكار وجوده؟
# وكيف يجوز أن يكون اماما للخلق وهو لم يظهر قط لاحد منهم، وآباؤه (ع) وان
~~كانوا غير آمرين ms183 فيما يتعلق بالإمامة ولا ناهين، فقد كانوا ظاهرين بارزين
~~يفتون في الاحكام ويرشدون عند المعضلات لا يمكن أحد نفي وجودهم وان نفي
~~إمامتهم؟
# (الجواب): قلنا اما الاستتار والغيبة فسببهما إخافة الظالمين له على
~~نفسه، ومن أخيف على نفسه فقد أحوج إلى الاستتار، ولم كن الغيبة من ابتدائها
~~على ما هي عليه الآن، فإنه في ابتداء الامر كان ظاهر لأوليائه غائبا عن
~~أعدائه، ولما اشتد الامر وقوي الخوف وزاد الطلب استتر عن الولي والعدو،
~~فليس ما ذكره السائل من أنه لم يظهر لاحد من الخلق صحيحا.
# فأما كون ذلك سببا لنفي ولادته (ع) فلم يكن سببا لشئ من ذلك إلا بالشبهة
~~وضعف البصيرة والتقصير عن النظر الصحيح، وما كان التقصير داعيا إليه
~~والشبهة سببه من الاعتقادات، وعلى الحق فيه دليل واضح باد لمن أراده، ظاهر
~~لمن قصده، ليس يجب المنع في دار التكليف والمحنة منه، PageV00P233
# ألا ترى أن تكليف الله تعالى من علم أنه يكفر قد صار سببا لا عتقادات
~~كثيرة باطلة، فالملحدون جعله طريقا إلى نفى الصانع، والمجبرة جعلته طريقا
~~إلى أن القبيح منا لا يقبح من فعله تعالى، وآخرون جعلوه طريقا إلى الشك
~~والحيرة الدفع عن القطع على حكمه القديم تعالى، وكذلك فعل الآلام بالأطفال
~~والبهائم قد شك كثير من الناس، منهم الثنوية وأصحاب التناسخ والبكرية
~~والمجبرة، ولم يكن دخول الشبهة بهذه الأمور على من قصر في النظر وانقاد إلى
~~الشبهة مع وضوح الحق له لو أراده، موجبا على الله دفعها، حتى لا يكلف إلا
~~المؤمنين ولا يؤل إلا البالغين. ولهذا الباب في الأصول نظائر كثيرة ذكرها
~~يطول، والإشارة إليها كافية. واما الفرق بينه وبين آبائه عليهم السلام
~~فواضح، لان خوف من يشار إليه بأنه القائم المهدي الذي يظهر بالسيف ويقهر
~~الاعداء ويزيل الدول والممالك، لا يكون كخوف غيره ممن يجوز له مع الظهور
~~التقية وملازمة منزله، وليس من تكليفه ولا مما سبق أنه يجري على يده الجهاد
~~واستيصال الظالمين.
# المصلحة بوجوده:
# (مسألة): فإن قيل: إذا كان الخوف قد ms184 اقتضى ان المصلحة في استتاره وتباعده
~~فقد تغيرت الحال إذا في المصلحة بالامام واختلف، وصار ما توجبونه من كون
~~المصلحة مستمرة بوجوده وأمره ونهيه مختلفا على ما ترون، وهذا خلاف مذهبكم.
# (الجواب): قلنا المصلحة التي توجب استمرارها على الدوام بوجوده وأمره
~~ونهيه، انما هي للمكلفين. وهذه المصلحة ما تغيرت ولا تتغير، وإنما قلنا إن
~~الخوف من الظالمين اقتضى أن يكون من مصلحته هو (ع) في نفسه الاستتار
~~والتباعد، وما يرجع إلى المكلفين به لم يختلف، ومصلحتنا وإن كانت لا تتم
~~إلا بظهوره وبروزه، فقد قلنا إن مصلحته الآن في نفسه في خلاف الظهور، وذلك
~~غير متناقض، لان من أخاف الامام واحوجه إلى الغيبة PageV00P234
# والى أن يكون الاستتار من مصلحته قادر على أن يزيل خوفه، فيظهر ويبرز
~~ويصل كل مكلف إلى مصلحته، والتمكن مما يسهل سبيل المصلحة تمكن من المصلحة
~~فمن هذا الوجه لم يزل التكليف الذي (به) الامام لطف فيه عن المكلفين
~~بالغيبة منه والاستتار، على أن هذا يلزم في النبي صلى الله عليه وآله لما
~~استتر في الغار وغاب عن قومه بحيث لا يعرفونه، لأنا نعلم أن المصلحة بظهوره
~~وبيانه كانت ثابتة غير متغيرة. ومع هذه الحال فإن المصلحة له في الاستتار
~~والغيبة عند الخوف، ولا جواب عن ذلك. وبيان أنه لا تنافي فيه ولا تناقض إلا
~~بمثل ما اعتمدناه بعينه.
# في الوجه في غيبته عن أوليائه وأعدائه:
# (مسألة): فإن قيل: فإذا كان الإمام (ع) غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من
~~الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه؟ وإذا جاز ان يكون إخافة
~~الظالمين سببا لغيبته بحيث لا يصل إلى مصلحتنا به حتى إذا زالت الإخافة
~~ظهر، فلم لا جاز أن يكون اخافتهم له سببا لان يعدمه الله تعالى، فإذا
~~انقادوا وأذعنوا أوجده الله لهم؟
# (الجواب): قلنا: أول ما نقول إنا غير قاطعين على أن الإمام (ع) لا يصل
~~إليه أحد ولا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم ولا سبيل إلى القطع عليه، ثم
~~الفرق بين ms185 وجوده غائبا عن أعدائه للتقية وهو في خلال ذلك منتظر أن يمكنوه
~~فيظهر ويتصرف، وبين عدمه واح لا خفاء به. وهو الفرق بين أن تكون الحجة فيما
~~فات من مصالح العباد لازمة لله تعالى، وبين أن تكون لازمة للبشر، لأنه إذا
~~اخيف فغيب شخصه عنهم كان ما يفهوتهم من مصلحة عقيب فعل سببوه وإلجائه إليه،
~~فكانت العهدة فيه عليهم والذم لازما لهم وإذا أعدمه الله تعالى، ومعلوم أن
~~العدم لا يسببه الظالمون بفعلهم، وانما يفعله الله تعالى اختيارا، كان ما
~~يفوت بالاعدام من المصالح لازما له تعالى ومنسوبا إليه. PageV00P235
# (مسألة): فإن قيل فالحدود التي تجب على الجناة في حال الغيبة كيف حكمها؟
~~وهل تسقط عن أهلها؟ وهذا ان قلتموه صرحتم بنسخ شريعة الرسول صلى الله عليه
~~وآله وان أثبتموه فمن الذي يقيمها والإمام (ع) غائب مستتر؟
# (الجواب): قلنا: أما الحدود المستحقة بالاعمال القبيحة فواجبة في جنوب
~~مرتكبي القبائح، فإن تعذر على الامام في حال الغيبة إقامتها فالاثم فيما
~~تعذر من ذلك على من سبب الغيبة وأوجبها بفعله، وليس هذا نسخا للشريعة، ولان
~~المتقرر بالشرع وجوب إقامة الحد مع التمكن وارتفاع الموانع، وسقوط فرض
~~إقامته مع الموانع وارتفاع التمكن لا يكون نسخا للشرع المتقرر، لان الشرط
~~في الوجوب لم يحصل. وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط فرض إقامة الحدود عن الامام
~~مع تمكنه، على أن هذا يلزم مخالفينا في الإمامة إذا قيل لهم كيف الحكم في
~~الحدود التي تستحق في الأحوال التي لا يتمكن فيها أهل الحل والعقد من نصب
~~إمام واختياره؟ وهل تبطل الحدود أو تستحق مع تعذر إقامتها؟ وهل يقتضي هذا
~~التعذر نسخ الشريعة فأي شئ اعتصموا به من ذلك فهو جوابنا بعينه.
# حاجة الناس للامام:
# (مسألة): فإن قيل فالحق مع غيبة الامام كيف يدرك وهذا يقتضي أن يكون
~~الناس في حيرة مع الغيبة؟ فان قلتم أنه يدرك من جهة الأدلة المنصوبة إليه
~~قيل لكم هذا يقتضي الاغتناء عن الامام بهذه الأدلة.
# (الجواب): قلنا: أما العلة المحوجة إلى الامام ms186 في كل عصر وعلى كل حال،
~~فهي كونه لطفا فيما أوجب علينا فعله من العقليات من الانصاف والعدل اجتناب
~~الظلم والبغي، لان ما عدا هذه العلة من الأمور المستندة إلى السمع والعبادة
~~به جايز ارتفاعها لجواز خلق المكلفين من العبادات الشرعية كلها، وما يجوز
~~على حال ارتفاعه لا يجوز أن يكون علته في أمر PageV00P236
# مستمر لا يجوز زواله. وقد استقصينا هذا المعنى في كتابنا الشافي في
~~الإمامة وأوضحناه، ثم نقول من بعده أن الحق في زماننا هذا على ضربين: عقلي
~~وسمعي: فالعقلي ندركه بالعقل ولا يؤثر فيه وجود الامام ولا فقده. والسمعي
~~انما يدرك بالنقل الذي في مثله الحجة. ولا حق علينا يجب العلم به من
~~الشرعيات إلا وعليه دليل شرعي. وقد ورد النقل به عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) والأئمة من ولده صلوات الله عليهم، فنحن نصيب الحق بالرجوع إلى هذه
~~الأدلة والنظر فيها. والحاجة مع ذلك كله إلى الامام ثابتة لان الناقلين
~~يجوز أن يعرضوا عن النقل إما بشبهة أو اعتماد فينقطع النقل أو يبقى فيمن
~~ليس نقله حجة ولا دليل، فيحتاج حينئذ المكلفون إلى دليل هو قول الإمام
~~وبيانه، وإنما يثق المكلفون بما نقل إليهم، وانه جميع الشرع لعلمهم بأن
~~وراء هذا النقل إماما متى اختل استدرك عما شذ منه، فالحاجة إلى الامام
~~ثابتة مع ادراك الحق في أحوال الغيبة من الأدلة الشرعية على ما بيناه.
# في بيان علة استتاره:
# (مسألة): فإن قيل: إذا كانت العلة في استتار الامام خوفه من الظالمين
~~واتقائه من المعاندين فهذه العلة زايلة في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون
~~ظاهرا لهم أو يجب أن يكون التكليف الذي أوجب إمامته لطفا فيه ساقطا عنهم،
~~لأنه لا يجوز أن يكلفوا بما فيه لطف لهم ثم يحرموه بجناية غيرهم.
# (الجواب): قلنا: قد أجاب أصحابنا عن هذا بأن العلة في استتاره من الاعداء
~~هي الخوف منهم والتقية. وعلة استتاره من الأولياء لا يمتنع أن يكون لئلا
~~يشيعوا خبره ويتحدثوا عنه مما يؤدي إلى خوفه وان ms187 كانوا غير قاصدين بذلك.
~~وقد ذكرنا في كتاب الإمامة جوابا آخر، وهو أن الإمام (عليه السلام) عند
~~ظهوره عن الغيبة إنما يعلم شخصه ويتميز عينه من جهة المعجز PageV00P237
# الذي يظهر على يديه لان النص المتقدم من آبائه عليهم السلام لا يميز شخصه
~~من غيره، كما يميز النص أشخاص آبائه (عليهم السلام) لما وقع على إمامتهم.
~~والمعجز إنما يعلم دلالة وحجة بضرب من الاستدلال، والشبهة معترضة لذلك
~~وداخلة عليه، فلا يمتنع على هذا أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فلان
~~المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق به هذا
~~التقصير عند دخول الشبهة لمن يخاف منه من الاعداء، وقلنا أيضا أنه غير
~~ممتنع أن يكون الإمام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته
~~شيئا من أسباب الخوف، فإن هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه،
~~وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره.
# ولولا أن استقصاء الكلام في مسائل الغيبة يطول ويخرج عن الغرض بهذا
~~الكتاب لاشبعناه ها هنا. وقد أوردنا منه الكثير في كتابنا في الإمامة
~~ولعلنا نستقصي الكلام فيه ونأتي على ما لعله لم نورده في كتاب الإمامة في
~~موضع نفرده له، إن أخر الله تعالى في المدة وتفضل بالتأييد والمعونة، فهو
~~المؤول ذلك والمأمول لكل فضل وخير قربا من ثوابه وبعدا من عقابه، والحمد
~~لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين#
~~PageV00P238
#####ENDNOTES#
(1) جاء ذلك في ترجمة في كتاب رسائل الشريف المرتضى المجموعة الأولى -
~~مطبعة سيد الشهداء - قم 1405 ه في الصفحة 39.
(١) الحشوية: هم المحدثون القائلون بنفي التأويل.
# (٢) المعتزلة: هم جماعة من المسلمين اعتمدوا على المنطق والقياس في
~~مناقشة القضايا الكلامية.
# أهم تعاليمهم:
# ١ - إن مقترف الكبيرة ليس بالكافر ولا بالمؤمن بل في منزلة بين
~~المنزلتين.
# ٢ - حرية الاختيار، أي أن الانسان ذو إرادة حرة وليس مجبرا على إتيان
~~أعماله.
# ٣ - خلق القرآن.
# كما ms188 ناقشوا قضايا التوحيد والعدل والصفات الإلهية.
# أشهر المعتزلة: واصل بن العطاء وعمرو بن عبيد، وهما انفصلا عن الحسن
~~البصري.
# (3) النظام: هو إبراهيم بن سيار (توفي 231 ه) تلميذ أبي الهذيل العلاف.
~~متكلم معتزلي، نشأ في البصرة وأقام في بغداد حيث توفي. وهو معلم الجاحظ.
~~عارض آراء الفقهاء وانتقد الجبرية والمرجئة. وإليه تنسب النظامية، وهي إحدى
~~فرق المعتزلة.
# (4) جعفر بن مبشر: وهو أحد المعتزلة أيضا.
(1) الجبائي: هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي يكنى بأبي علي وهو من أئمة
~~المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه تنسب الطائفة الجبائية.
(1) سورة طه الآية (121)
(1) سورة طه الآية 122 (2) سورة البقرة الآية 37
(1) البقرة الآية 35 (2) الأعراف الآية 22
(1) الأعراف الآية 20 (2) البقرة الآية 36
(١) الأعراف ١٨٩ - 190
(1) الفتح الآية 8 - 9 (2) الفتح الآية 9.
(1) ص الآية 32 (2) الأعراف الآية 189
(1) يونس الآية 22 (2) النور 4
(١) الأعراف ١٩١ (2) في نسخة زيادة هكذا قال الشريف
~~المرتضى في قوله تعالى: (جعلا له شركاء فيما أتاهما فتعالى الله عما
~~يشركون).
# فايدة: إذا كان الثاني غير الأول لأن من عاده: الخ.
(1) هود الآية 45 - 46.
# (2) راجع قصص الأنبياء - قصة نوح عليه السلام - المسألة الخامسة.
# (3) هود الآية 40
(1) شاعرة عربية (575 - 664 ه) اشتهرت برثاء أخويها.
# (2) هكذا وردت في الأصل ولعلها (بوق) كما يدل سياق المعنى.
# (3) شاعر غزلي شهير (644 - 711 ه) تزهد في آخر حياته.
# (4) ومن علق رهنا إذا ألفه غنما - خل.
(1) هود الآية 47
(1) الأنعام الآيات 76 - 78.
(1) الأخطل: شاعر الأمويين (640 - 710 ه) هو غياث التغلبي لقب بالأخطل
~~لطول لسانه أو لارتخاء أذنيه له ديوان كبير أكثره في الشعر السياسي مدح فيه
~~الأمويين وهجا أعداءهم.
(1) البلد الآية 11 (2) الأنبياء الآية 62 - 63
(1) الصافات الآية 88 - 89
(1) الزمر الآية 30 (2) طه الآية 71
(1) الصافات الآيات 83 - 89 (2) البقرة الآية 258
(1) البقرة الآية 260 أنظر قصص الأنبياء ص 96 و 97 الطبعة الثالثة - دار
~~إحياء التراث العربي - بيروت.
(1) هو ابن كوش بن حام ضرب به المثل بالجبروت.
(1) البقرة ms189 الآية 260 (2) الطرماح بن حكيم الطائي: من شعراء صدر الاسلام،
~~اعتنق مذهب الخوارج وصار من كبار شعرائهم.
# (3) من عشاق العرب المشهورين، اشتهر بحبه لليلى الأخيلية وقوله الشعر
~~فيها.
(1) البقرة الآية 65 والأعراف الآية 166
(1) التوبة الآية 114 (2) قصص الأنبياء ص 83 - الطبعة الثالثة - دار إحياء
~~التراث العربي - بيروت.
# (3) سورة الممتحنة الآية 4
(1) التوبة الآية 113
(1) إبراهيم الآية 40
(1) هود الآية 69 (2) قصص الأنبياء ص - 112 - 113 ط 3 - دار إحياء التراث
~~العربي - بيروت.
(1) هود الآية 74
(1) الصافات الآية 95 - 96
(1) الشعراء الآية 45 والأعراف الآية 117.
# (2) طه الآية 69 (3) سبأ الآية 13
(1) قصص الأنبياء ص 119 - 122.
# (2) يوسف الآية 8
(1) النساء الآية 129
(1) يوسف الآية 13
(1) يوسف الآية 17
(1) قصص الأنبياء ص 120 و 138 - 144 (2) يوسف الآية 15
(1) يوسف الآية 24 (2) المائدة الآية 11
(١) آل عمران ١٢٢ (2) الأنفال الآية 16
(١) التكاثر ٥ - 6
(1) يوسف الآية 30 (2) يوسف الآية 23
(1) يوسف الآية 51 (2) يوسف الآية 32 (3) يوسف 24 (4) يوسف 52 (5) يوسف 32
~~(6) يوسف 28 (7) يوسف 29
(١) يوسف ٣٣ - 34 (2) يوسف 51 (3) يوسف 54 (4) يوسف 53 (5)
~~حصحص الحق: بأن بعد كتمانه (6) يوسف الآية 51 - 53
(1) يوسف الآية 35
(1) ويشقان: بمعنى يثقلان
(1) الفرقان الآية 15 (2) الفرقان 24
(1) يوسف الآية 100 (2) يوسف الآية 100
(1) نزع الشيطان بينهم: أغرى بعضهم على بعض.
(1) يوسف الآية 55
(1) ص الآية 41.
(1) الآية (83 - 84) من سورة الأنبياء.
(1) ص الآية 43 (2) ص الآية 42
(1) هود الآية 90
(1) القصص الآية 26 (2) القصص الآية 27
(1) القصص الآية 16
(1) الأعراف الآية 23
(1) القصص الآية 19 (2) الشعراء الآية 19 (3) الشعراء الآية 20
(1) الشعراء الآية 18 (2) الشعراء الآية 12 - 13 (3) طه الآية 29 - 30
(1) البقرة الآية 23
(1) الأعراف الآيات 113 - 119 (2) طه الآية 67 (3) طه الآية 68 (4) يونس
~~الآية 88
(1) القصص الآية 8.
(1) المجبرة: أو الجبرية: فرقة تنسب إلى جهم بن صفوان تقول أن الانسان مجبر
~~في أعماله.
(1) يونس الآية 88 (2) يونس الآية 88
(1) التوبة الآية 55
(١) الأعراف ١٤٣ (2) النساء ms190 153
(١) البقرة ٥٥ (2) الأعراف 155
(١) الأعراف ١٥٠
(١) طه ٩٤
(١) الكهف ٦٥ - 70 (2) الكهف 80
(١) المائدة ١١٢
(١) طه ١١٥
(١) الكهف ٧٤ (2) النساء 128 (3) البقرة 229 (4) التوبة 28
~~0
(١) الكهف ٧٩ (2) الكهف 79
(١) الأحزاب ٦٩
(1) سورة ص. الآية (21 - 24). وقصص الأنبياء ص (312 - 313).
(1) يبكتاه: بكت (بالفتح): ضربه بسيف أو عصا - وكذلك بمعنى عنف وقرع.
(١) الكهف ٣٣ (2) الكهف 53
(١) النساء ١٤٢
(١) ص ٣٠ - 33
(١) آل عمران ٩٢
(١) ص ٣٤ (2) العنكبوت 1 - 3
(١) الأنعام ٢٥
(١) الفتح ٢٩.
# (٢) ص ٣٥
(١) الأنبياء ٨٧
(١) الطلاق ٧ (2) الرعد 26 (3) الفجر 16 (4) الأنبياء 87
(١) القلم ٤٨.
(١) المائدة ١١٦
(١) آل عمران ١٨٥ والأنبياء 35 والعنكبوت 57
(١) المائدة ١١٨
(١) الضحى ٧
(١) الحج ٥٢
(١) النجم ١
(١) الفرقان ٢٢ (2) الحاقة 44 - 46 (3) الأعلى 6
(١) النجم ١٩.
(١) الأحزاب ٣٧ (2) الأحزاب 37
(١) الأنفال ٦٧
(١) الأنفال ٦٨ (2) الأنفال 12
(١) التوبة ٤٣
(١) الشرح ١ - 3
(١) الفتح ٢
(١) الفتح ٢٧
(1) مشجج - وتد
(١) عبس ١ - 4
(١) الزمر ٦٥ (2) الطلاق 1
(١) التحريم ١
(١) الفجر ٢٢ (2) الانعام 164 - الاسراء 15 - فاطر 18.
# الزمر 7 - النجم 38
(١) الزمر ٦٧.
(١) الأعراف ٤٠
(١) البقرة ١٩٤ (2) الشورى 40
(١) البلاذري: (أحمد بن يحيى) مؤرخ عربي ولد في بغداد ودرس فيها، واشتهر
~~بالنقل عن الفارسية. أهم مصنفاته كتاب فتوح البلدان وكتاب أنساب الأشراف. اعترف له الجميع بصحة الرواية
~~والنقد.
(١) القصص ٤٩
(١) المعارج ٢٩ - 31 (2) المائدة 38
(١) البقرة ٧٩ (2) يوسف 31
(١) ص ٤٤
(١) المائدة ms191 ١٠٦ (2) هكذا وردت والأصوب (الرجل).
(1) الكرابيسي: أبو علي، الحسين بن علي، محدث، فقيه، أصولي، متكلم، من أهل
~~بغداد، صحب الشافعي، له تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، والجرح
~~والتعديل.
(1) حجر بن عدي الكندي: من صلحاء الصحابة. قاتل في فتوح فارس. كان مع علي
~~في الجمل والنهروان وصفين. قاوم معاوية. قبض عليه وأمر معاوية بقتله في مرج
~~عذراء شرقي دمشق. ms192