######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022593 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 437 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: 13 (12، ومجلد للفهارس) #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022593 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22593 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22593 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1429 هـ - 2008 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على [محمد وعلى آله وسلم تسليما] # قال أبو محمد مكي بن أبي طالب [القيسي المقرئ]: # نحمد الله جل ذكره بجميع محامده، ونثني عليه بتواتر آلائه ونعمه ونشكره ~~على ما خول وفهم من المعرفة به، ونرغب إليه في المزيد من مننه مع حسن ~~التوفيق المؤدي إلى رضوانه، ونستهديه طريق الصواب في القول والعمل بمننه ~~ونسأله العصمة من الخطأ، والعفو عن الزلل بفضله. ونصلي على خير خلقه محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وعلى أهله. ونقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، ~~عليه توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P071 # قال أبو محمد: هذا كتاب جمعته فيما وصل إلي من علوم كتاب الله [جل ذكره]، ~~واجتهدت في تلخيصه وبيانه واختياره، واختصاره، وتقصيت ذكر ما وصل إلي من ~~مشهور تأويل الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في التفسير دون الشاذ على حسب ~~مقدرتي، وما تذكرته في وقت تأليفي له. وذكرت المأثور من ذلك عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما وجدت إليه سبيلا من روايتي أو ما صح عندي من رواية ~~غيري، وأضربت عن الأسانيد ليخف حفظه على من أراده. # جمعت فيه علوما كثيرة، وفوائد عظيمة؛ من تفسير مأثور أو معنى مفسر، أو ~~حكم مبين، أو ناسخ، أو منسوخ، أو شرح مشكل، أو بيان غريب، أو إظهار معنى ~~خفي، مع غير ذلك من فنون علوم كتاب الله جل ذكره؛ من قراءة غريبة، أوإعراب ~~غامض، أو اشتقاق مشكل، أو تصريف خفي، أو تعليل نادر، أو تصرف فعل مسموع مع ~~ما يتعلق بذلك من أنواع علوم يكثر تعدادها ويطول ذكرها. جعلته: هداية إلى ~~بلوغ النهاية في كشف علم ما بلغ إلي من علم كتاب الله تعالى ذكره مما وقفت ~~على فهمه ووصل إلي علمه من ألفاظ العلماء، ومذاكرات الفقهاء ومجالس القراء، ~~ورواية الثقات من أهل النقل والروايات، ومباحثات أهل النظر والدراية. PageV01P072 # قدمت في أوله نبذا من علل النحو وغامضا من الإعراب، ثم خففت ذكر ذلك فيما ~~بعد لئلا يطول الكتاب، ولأنني ms0001 قد أفردت كتابا مختصرا في شرح مشكل الإعراب ~~خاصة، ولأن غرضي في هذا الكتاب إنما هو تفسير التلاوة، وبيان القصص ~~والأخبار، وكشف مشكل المعاني، وذكر الاختلاف في ذلك، وتبيين الناسخ ~~والمنسوخ وشرح وذكر الأسباب التي نزلت فيها الآي إن وجدت إلى ذكر ذلك سبيلا ~~من روايتي، أو ما صح عندي من رواية غيري. وترجمت عن معنى ما أشكل لفظه من ~~أقاويل المتقدمين بلفظي ليقرب ذلك إلى فهم دارسيه، وربما ذكرت ألفاظهم ~~بعينها ما لم يشكل/. وسميت هذا الكتاب: "الهداية إلى بلوغ النهاية في علم ~~معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه". أعني بقولي: بلوغ ~~النهاية: أي إلى ما وصل إلي من ذلك لأن علم كتاب الله لا يقدر أحد أن يبلغ ~~إلى نهايته إذ فوق كل ذي علم عليم. PageV01P073 # جمعت أكثر هذا الكتاب من كتاب شيخنا أبي بكر الأدفوي رحمه الله وهو ~~الكتاب المسمى بكتاب (الاستغناء) المشتمل على نحو ثلاثمائة جزء في علوم ~~القرآن. # اقتضيت في هذا الكتاب نوادره وغرائبه ومكنون علومه مع ما أضفت إلى ذلك من ~~الكتاب الجامع في تفسير القرآن، تأليف أبي جعفر الطبري وما تخيرته من كتب ~~أبي جعفر النحاس، وكتاب أبي إسحاق الزجاج، وتفسير ابن عباس، وابن/ سلام. PageV01P074 # ومن كتاب الفراء، ومن غير ذلك من الكتب في علوم القرآن والتفسير والمعاني ~~والغرائب والمشكل. انتخبته من نحو ألف جزء أو أكثر مؤلفة من علوم القرآن ~~مشهورة مروية. # أسأل الله ذا الفضل والمن ألا يحرمنا أجره، وأن يبارك لنا في ذكره، وأن ~~ينفع به، إنه ولي ذلك والقادر عليه لا إله إلا هو. # فواجب على كل ذي دين ومروءة كتب كتابنا هذا أو قرأه أن يغمض عن زلل كاتب ~~أو وهم ناسخ إن وجده فيه، ويشكر الله على ما يستفيده منه ويسمح في وهم أو ~~غلط إن وقع منا فيه، فالعصمة لا يدعيها أحد بعد الأنبياء صلوات الله عليهم. # أسأل الله التوفيق لما يزلف لديه ويقرب منه، وأرغب إليه جل ذكره أن يجعله ~~[لوجهه خالصا] (7)، وأن ms0002 يغفر لمن ترحم علينا ودعا لنا بالمغفرة. # فما أخرجت/ هذا الكتاب وبذلته للناس بعد أن كنت عملته في صدر العمر وجمام ~~الفهم لنفسي خاصة ولمذاكرتي مفردا، إلا طمعا أن يترحم علينا مع طول الزمان ~~مترحم، أو يستغفر لنا من أجله مستغفر، أو يذكرنا بالخير عليه ذاكر، مع ما PageV01P075 # [نرجو من ثواب الله]، عليه في انتفاع دارسيه واكتفائهم به عن سائر كتب ~~المفسرين، وأهل المعاني، وسائر أكثر علوم كتاب الله تعالى. PageV01P076 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة # الفاتحة ### | تفسير سورة الحمد # سورة الحمد مكية في قول ابن عباس. # وقيل: بل هي مدنية. وهو قول مجاهد. # واستدل من قال: إنها مكية، أن بمكة فرضت الصلوات بإجماع، ومحال أن تفرض ~~الصلوات، ولا ينزل ما هو تمامها وبه قوامها. وهي سورة الحمد، لقول النبي [- ~~عليه السلام -] من الخبر الثابت: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي ~~خداج". # قالها ثلاثا. والخدج النقص. PageV01P077 # فغير جائز أن تفرض علينا الصلوات، ولا ينزل ما يزيل عنها النقص. ويدل على ~~ذلك أيضا ما ذكر أهل التاريخ في حديث طويل لخديجة زوج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مع ورقة بن نوفل أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أول ما خاطبه بالوحي: "قل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم ~~قال له: قل: الحمد لله رب العالمين، حتى انتهى إلى آخرها، ثم قال له: قل ~~آمين. فقالها النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فهذا يدل على نزولها بمكة. وهو قول سعيد بن جبير أيضا وعطاء. PageV01P078 # وقال مجاهد: "نزلت الحمد بالمدينة"، وقال: "لما نزلت رن إبليس اللعين". # يريد رن من عظيم ثوابها وجلالة قدر ما خص الله به أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - من إنزالها على نبيهم - صلى الله عليه وسلم -. # وقد اختلف عن ابن/ عبالس في نزولها؛ فروي عنه بالمدينة، وروي عنه بمكة. # وحديث ورقة يدل على أنها أول ما نزل من القرآن. # وأكثر المفسرين على أن أول ما نزل من القرآن: (اقرأ باسم ربك) إلى قوله ~~تعالى: (ما ms0003 لم يعلم). # وقيل: أول ما نزل المدثر، والله أعلم بأي ذلك كان. # وسورة الحمد تسمى فاتحة الكتاب لأن بها تستفتح الصلاة، وتستفتح المصاحف، ~~وبها يستفتح المبتدئ بعد ختمه القرآن. # وتسمى أيضا أم القرآن لأنها ابتداء القرآن، وأم كل شيء ابتداؤه وأصله. PageV01P079 # ولذلك قيل لمكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها. # وقيل: إنما سميت الحمد أم القرآن لتضمنها معاني القرآن مجملا، لأن فيها ~~الثناء على الله جل ذكر، والإقرار له بالربوبية وذكر يوم القيامة، والإقرار ~~له بالعبادة، وأن المعونة من عنده، والقدرة له. وفيها الدعاء والرغبة إليه ~~في الهداية إلى الإسلام والثبات عليه. وفيها ذكر النبيين الذين أنعم الله ~~عليهم بالهداية والإسلام. وفيها ذكر من غضب الله عليهم -وهم اليهود-، وذكر ~~من ضل عن الدين وهم النصارى، وفيها من مفهوم الإشارة إلى أمور/ الديانة ~~والقدرة والتذلل والخضوع لله والتسليم لأمره، والرجوع إليه ما يكثر ذكره ~~ويطول شرحه. # وكتاب الله كله إنما نزل، في هذه المعاني التي ذكرنا أنها موجودة في ~~الحمد. # لكن ذلك في الحمد مشار إليه مجمل يفهمه من وفقه الله وشرح له / صدره، وهو ~~كله مشروح مبين مكرر مبسوط في سائر القرآن، فالحمد لله أصل مجمل وباقي ~~القرآن مفسر لما أجمل في الحمد، فهي على هذا المعنى أم القرآن، أي أصله. # / وتسمى الحمد السبع المثاني، وهو مروي عن النبي [- عليه السلام -]. PageV01P080 # ومعناه السبع الآيات من المثاني أي من القرآن. # والمثاني هو القرآن؛ يسمى بذلك، لأن القصص تثنى فيه وتكرر للإفهام وتسمى ~~الحمد أيضا السبع المثاني؛ سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، أي تعاد. # وقال ابن جبير عن ابن عباس: "إنما سميت الحمد السبع المثاني [لأن الله] ~~استثناها لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لم يعطها أحد قبل أمة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ". # وقد قيل: إن "من" زائدة، في القول الأول فيكون معناه كمعنى هذا القول. # وعن النبي [- عليه السلام -] أنه قال لأبي بن كعب: إنها السبع المثاني ~~والقرآن العظيم". فهي على هذا الحديث السبع المثاني وهي ms0004 القرآن العظيم، أي ~~هي أصله على ما ذكرنا. PageV01P081 # وروي عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم قسموا فصول القرآن إلى خمسة فصول: ~~الأول: السبع الطوال. والثاني: المئين. والثالث: المثاني. والرابع: آل ~~حميم. والخامس: المفصل. # وتفسير ذلك أن السبع الطوال من البقرة إلى براءة، كانوا يرون براءة ~~والأنفال سورة [واحدة، لأنهما نزلتا في مغازي] رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولذلك لم يفصل بينهما في المصاحف ب "بسم الله الرحمن الرحيم". # والسور التي تقرب من الطوال تسمى المئين؛ وهي من يونس فما بعدها مما هو ~~مائة آية فأكثر، وما يقرب من المائة. والذي يلي المئين من السور/ يسمى ~~المثاني، سميت بذلك لأنها ثانية للمئين. # فكان المئين مبادئ وما يليها مثاني. PageV01P082 # وقولهم: "آل حاميم": يروى أن: حاميم اسم من أسماء الله جل ذكره أضيفت ~~[إليه هذه السور]، فكأنه في المعنى سور لله تعالى ذكره وهي ديباج القرآن. # وسمي ما بعد ذلك مفصلا لكثرة فصوله ب "بسم الله الرحمان الرحيم". وليست ~~"بسم الله الرحمن الرحيم" بآية من الحمد عند أهل المدينة، وأهل العراق. # ويدل على ذلك من الخبر الثابت الذي لا مدفع لأحد فيه أن أنسا قال: PageV01P083 # "صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وخلف عمر، فكلهم ~~يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين". # ومن الخبر الصحيح أن عائشة رضي الله عنها وأنسا قالا: "كان النبي [- عليه ~~السلام -] يفتتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين". # وزاد فيه أنس: - "وأبو بكر وعمر وعثمان"، يعني في خلافتهم. # وقال جبير عن أنس: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ~~وعثمان، فما PageV01P084 # سمعت أحدا منهم يقرأ في صلاته (بسم الله الرحمن الرحيم) ". # وجاء من الخبر الثابت الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأيي ~~بن كعب: "لأعلمنك سورة [ما أنزل] في التوراة ولا في الإنجيل ولافي الزبور ~~مثلها. فلما دنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخروج من المسجد: قال له ~~أبي: يا رسول الله [السورة] (3) التي تعلمني؟. قال: كيف تقرأ أم الكتاب؟ ms0005 ~~قلت: (الحمد لله رب العالمين) حتى ختمتها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هي ~~هذه، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت". # ويدل على ذلك أيضا ما لا مدفع في حد فيه أن أهل المدينة بأسرهم/ نقلوا عن ~~آبائهم التابعين عن الصحابة المرضيين استفتاح الصلاة بالحمد رب العالمين ~~دون تسمية؛ نقل كافة عن كافة لا يجوز عليهم الخطأ فيما نقلوه ولا التواطؤ ~~على الكذب فيما رووه واستعملوه. # ويدل على ذلك أيضا من الخبر الصحيح ما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P085 # قال: # "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي شطرين ولعبدي ما سأل". # فإذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) .. الحديث" فلو كانت (بسم الله ~~الرحمن الرحيم) آية من الحمد لابتدأ بها. وفي قوله: "قسمت" وعده لآياتها ~~ولم يذكرها دليل واضح على أن (بسم الله الرحمن الرحيم) ليست منها. # ويدل على ذلك أيضا من طريق النظر الذي لا مدفع لأحد فيه أن القرآن لا ~~يثبت بخبر الآحاد، إنما يثبت بالإجماع، أو ربما يقطع على مغيبه من أخبار ~~التواتر. # ولا إجماع نعلمه ولا تواتر نعقله في أن (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من ~~الحمد، وإذا لم يصح/ إجماع ولا ثبت تواتر في أن (بسم الله الرحمن الرحيم) ~~آية من الحمد لم PageV01P086 # ذلك، إذ فيما ذكرناه كفاية لمن أنصف. # قال أبو محمد: نذكر في هذا الموضع جملة من علل النحويين في {بسم الله ~~الرحمن الرحيم}، ونستقصي إن شاء الله ذلك في سورة النمل إذ هي بعض آية هناك ~~بإجماع. # فمن ذلك أن في كسر الباء قولين: # - أحدهما: إنها كسرت لتكون حركتها مشبهة لعملها. # القول الثاني: إنها كسرت ليفرق بين ما لا يكون إلا " [حرفا وبين ما] قد ~~يكون اسما نحو الكاف، وكذلك لام الجر. # وأصل الحروف التي تدخل للمعاني أن تكون مفتوحة لخفة الفتحة نحو حروف ~~العطف وألف الاستفهام وشبهه. # ولكن خرجت الباء واللام عن الأصل للعلة التي ذكرنا. PageV01P087 # وقيل: إنما كسرت لام الجر للفرق بينها، وبين لام التأكيد ms0006 في قولك: " إن ~~هذا لزيد " إذا أردت أن المشار إليه هو زيد، وإذا أردت أن المشار إليه في ~~ملك زيد كسرت اللام. # ويدل على أن أصلها الفتح أنها تفتح مع المضمر إذ قد أمن اللبس لأن علامة ~~المجرور خلاف علامة المرفوع. تقول: " هذا له وهذا لك "، وأيضا فإن الإضمار ~~يرد الأشياء إلى أصولها. هذا أصل مجمع عليه في كلام العرب، وسترى منه أشياء ~~فيما بعد إن شاء الله. # ومن ذلك أن " اسما " فيه أربع لغات: " اسم " بكسر الألف وبضمها، و " سم " ~~بضم السين وبكسرها. فمن ضم الألف في الابتداء جعله من " سما يسمو " إذ ~~ارتفع " كدعا يدعو ". ومن كسرها جعله من [سمي يسمى] " كرضي يرضى ". PageV01P088 # قال ابن كيسان: " يقال: " سموت وسميت كعلوت وعليت، وأصله سمو أو سمو على ~~[وزن] فعل أو فعل، ثم حذفت الواو استخفافا لكثرة الاستعمال. # فلما تغير آخره غير أوله بالسكون، فاحتيج إلى ألف وصل ليوصل بها إلى ~~النطق بالساكن وهو السين المغيرة إلى السكون ". # واختلف في كسرة الألف المجتلبة. فقيل: اجتلبت ساكنة وبعدها ساكن فكسرت ~~لالتقاء الساكنين. # وقيل: بل اجتلبت مكسورة، وإنما ضمت إذا كان الثالث من الفعل مضموما ~~لاستثقال الخروج من كسر إلى ضم /، وضمت الألف إذا كان الثالث من الفعل ~~مضموما ليخرج الناطق من ضم إلى ضم، نحو: " أقتل، أخرج "، فذلك أسهل من ~~الخروج من كسر إلى ضم. PageV01P089 # وقيل: بل أصلها السكون لكن لا بد من حركتها إذ لا يبدأ بساكن فأتبعت ثالث ~~الفعل، فكسرت إذا كان الثالث مكسورا نحو " إضرب ". وضمت إذا كان الثالث ~~مضموما نحو " أقتل ". ولم تفتح إذا كان الثالث مفتوحا لئلا تشبه ألف ~~المتكلم فكسرت، وكان الكسر أولى بها / والثالث مفتوح لأن الخفض والنصب ~~أخوان، وذلك نحو: " اصنع ". # و" اسم " عند البصريين مشتق من السمو؛ يدل على ذلك قولهم في التصغير " ~~سمي ". فرجعت اللام المحذوفة إلى أصلها، ورجعت السين إلى حركتها لأن ~~التصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. # وقال الكوفيون: " هو مشتق من السمة وهي العلامة لأن صاحبه يعرف به، ms0007 وليس ~~يسمو به، كما ذكر البصريون أن اشتقاقه من السمو وهو العلو ". # قال أبو محمد: وقول الكوفيين قول يساعده المعنى ويبطله التصريف PageV01P090 # لأنهم يلزمهم أن يقولوا في التصغير " وسيم "، لأن فاء الفعل واو محذوفة ~~فيجب ردها في التصغير، وذلك لا يقوله أحد. وقد شرحنا هذه المسألة بأشبع من ~~هذا في غير هذا الكتاب. # والباء من {بسم الله} متعلقة بمحذوف. ذلك المحذوف خبر ابتداء مضمر قامت ~~الباء وما اتصل بها مقامه، فهي وما بعدها في موضع رفع إذ سدت مسد الخبر ~~للابتداء المحذوف، تقديره: " ابتدائي ثابت بسم الله " أو " مستقر بسم الله ~~"، ثم حذف الخبر وقامت الباء وما بعدها مقامه، وهذا مذهب البصريين. # وقال الكوفيون: " الباء متعلقة بفعل محذوف، وهي ما بعدها في موضع نصب ~~بذلك الفعل "، تقديره عندهم: " ابتدأت بسم الله ". # والاسم هو المسمى عند أهل السنة. قال أبو عبيدة: " معنى باسم الله: PageV01P091 # بالله ". # وقال: " اسم الشيء هو الشيء ". # ودل على ذلك قوله: " {سبح اسم ربك} [الأعلى: 1] أي سبح ربك، أي نزه ربك. # واختلف النحويون في علة حذف الألف من الخط في {بسم الله}؛ فقال الكسائي ~~والفراء: " حذفت لكثرة الاستعمال ". # وقال الأخفش " حذفت لعدمها من اللفظ. ويلزمه ذلك في كل ألف وصل لأنها ~~معدومة أبدا في اللفظ في الوصل، لكنه قال: " مع كثرة الاستعمال بجعل حذفها ~~لاجتماع العلتين ". PageV01P092 # وقيل [بل] حذفت لأن الباء دخلت على سين مكسورة أو مضمومة. # حكى ابن زيد أنه يقال: " سم " و " سم "، ثم أسكنت السين إذ ليس في الكلام ~~فعل على مذهب من ضم السين وأسكنت على مذهب من كسر السين استخفافا. # وقيل: حذفت الألف للزوم الباء هذا الاسم في الابتداء، فإن كتبت " بسم ~~الرحمن " أو " بسم الخالق " و {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1]، فالأخفش ~~والكسائي يكتبان هذا وما أشبهه بغير ألف " كبسم الله ". والفراء يكتبه بألف ~~إذ لم يكثر استعماله، ككثرة استعمال " بسم الله ". ولا يحسن الحذف للألف من ~~الخط عند جميعهم إلا مع الباء. # لو قلت: " لاسم الله حلاوة " أو قلت: " ليس اسم كاسم ms0008 الله "، لم يجز حذف ~~الألف مع غير الباء من حروف الجر، PageV01P093 # إلا على قول من قال: " سم " أو " سم " فأما من قال " اسم " بألف في ~~الابتداء بكسر الألف أو بضمها فلا يجوز حذف الألف من الخط مع غير الباء عند ~~أحد من النحويين إذ لم يكثر استعماله. # والحمد لله معناه الثناء الكامل. والشكر الشامل لله يكون لأفعاله الحسنة ~~وفضائله الكاملة، والحمد أعم من الشكر وأمدح. ورفعه بالابتداء، " ولله " في ~~موضع الخبر تقديره: " الحمد ثابت لله " أو " مستقر لله ". فاللام متعلقة ~~بهذا المحذوف الذي قامت اللام وما بعدها مقامه. # والنصب جائز في الحمد في الكلام على المصدر، لكن الرفع فيه أعم لأن معناه ~~إذا رفعته جميع " الحمد مني ومن جميع الخلق لله " وإذا نصبت فمعناه: " أحمد ~~الله حمدا "، فإنما هو حمد منك لله لا غير. فالرفع يدل على أن الحمد منك ~~ومن غيرك لله، فهو أعم وأكمل، فلذلك أجمع القراء على رفعه في جميع ما وقع ~~في القرآن من لفظ {الحمد لله}، إذ لم يكن قبله عامل فإذا كان " الحمد " ~~مبتدأ، و " لله " خبر، وهو في اللفظ بمنزلة قولك: " المال لزيد " في حكم ~~الإعراب، وليس مثله في المعنى لأنك إذا قلت: " الحمد لله " أخبرت بهذا، ~~وأنت معتمد أن تكون حامدا لله داخلا في جملة الحامدين طالبا للأجر على ~~قولك، مقرا إذا رفعته أن جميع الحمد منك ومن غيرك لله PageV01P094 # متقربا بذلك إلى الله، متعرضا لعفوه مظهرا ما في قلبك بلسانك، شاهدا بذلك ~~لله. ولست تخبر أحدا بشيء يجهله، فأنت غير مخبر على الحقيقة بشيء استقر ~~علمه عندك، وليس ذلك العلم عند غيرك. وإذا قلت: " المال لزيد "، فأنت مخبر ~~بما استقر علمه عندك مما ليس علمه عند غيرك. فاعرف الفرق بينهما. # فأما علة حذف الألف الثانية من " الله " في الخط ففيها أيضا اختلاف. # قال قطرب: " حذف استخفافا إذ كان طرحها من الخط لا يلبس. # وقيل: إنما حذفت الألف على لغة من يقول قال: " الله بغير مد، كقول ~~الشاعر: # أقبل سيل جاء من ms0009 عند الله. ... وقيل: حذفت الثانية لأن الأولى تكتفي ~~عنها، وتدل عليها. # وقيل: إنما حذفت لئلا يشبه خط " اللات " في قول من وقف عليه بالهاء. PageV01P095 # فأما حذف ألف {الرحمن} من الخط فلكثرة الاستعمال والاستخفاف، ولأن المعنى ~~لا يشكل بغيره. # وقدم {الرحمن} على {الرحيم} لأن " الرحمن " اسم شريف مبني للمبالغة لا ~~يتسمى به غير الله جل ذكره، والرحيم قد يوصف به الخلق فأخر لذلك. # وقيل: الرحيم، ولم يقل: الراحم، لأن فعيلا فيه مبالغة أيضا تقارب مبالغة ~~الرحمن، فقرن بالرحمن دون الراحم إذ الراحم لا مبالغة في بنيته لأنه يوصف ~~بالراحم من رحم مرة في عمره، ولا يوصف بالرحيم إلا من تكررت منه الرحمة. # وقيل: إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن النبي عليه السلام كان يكتب في ~~كتبه " باسمك اللهم " حتى نزل: {بسم الله مجراها} [هود: 41] فكتب {بسم ~~الله}، حتى نزل: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110]، فكتب ~~{بسم الله}، فسبق نزول الرحمن. ثم نزل: {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} ~~[النمل: 30]. فكتب ذلك على ترتيب ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم. PageV01P096 # وقال ابن مسعود " كنا نكتب زمانا باسمك اللهم " حتى نزلت: {أو ادعوا ~~الرحمن}، فكتبنا " بسم الله الرحمن " فلما نزلت " التي في النمل كتبناها ". # ومعنى {الرحمن}: الرفيق بخلقه، ومعنى: {الرحيم} العاطف على خلقه بالرزق ~~وغيره. # وقيل: إنما جيء بالرحيم ليعلم الخلق أن {الرحمن الرحيم} على اجتماعهما لم ~~يتسم بهما غير الله جل ذكره، لأن الرحمن على انفراده قد تسمى به مسيلمة ~~الكذاب لعنه الله، و {الرحيم} على انفراده قد يوصف به المخلوق. فكرر الرحيم ~~بعد الرحمن، وهما صفتان لله أو اسمان، ليعلم الخلق ما انفرد به الله تعالى ~~ذكره من PageV01P097 # اجتماعهما له، وما ادعى بعضه بعض خلقه. # وهذا القول هو معنى قول عطاء لأنه قال: " لما اختزل الرحمن من أسمائه - ~~أي تسمى به غيره -، صار لله الرحمن الرحيم ". # والألف واللام في {الرحيم} للتعريف، وإنما اختيرا للتعريف، لأن الهمزة ~~تختل بالتسهيل والحذف والبدل وبإلقاء حركتها على ما قبلها، واللام تدغم في ~~أكثر ms0010 الحروف وكلاهما من الحروف الزوائد. # في وصل {الرحيم} ب {الحمد}، عند النحويين ثلاثة أوجه: # - أحدهما: أن تقول " الرحيم. الحمد لله " فتكسر الميم وتقف عليها وتقطع ~~ألف الحمد. وهذا مستعمل عند القراء حسن، وهو مروي عن النبي PageV01P098 # صلى الله عليه وسلم روته أم سلمة. # - والثاني: أن تقول: " الرحيم الحمد لله "، فتصل الألف وتعرب الرحيم بحقه ~~من الإعراب فتكون الكسرة خفضا، وإن شئت قدرت أنك وقفت على الرحيم بالإسكان، ~~ثم وصلت فكسرت الميم لسكونها وسكون لام الحمد بعدها، ولا يعتد بألف الوصل ~~لسقوطها في درج الكلام. # وهذان الوجهان حسنان مستعملان في القراءة. # - والوجه الثالث: حكاه الكسائي سماعا من العرب، أن تقول: " الرحيم الحمد ~~" فتح الميم ووصل الألف وذلك أنك تقدر أنك أسكنت الميم للوقف عليها وقطعت ~~ألف الحمد للابتداء بها، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفتها فانفتحت الميم. ~~ولا يقرأ بهذا. # وقد ذكر الفراء هذا التقدير في قوله تعالى: {الم * الله} [آل عمران: 1 - ~~2] وذكره غيره. PageV01P099 # وستراه إن شاء الله ومثله قياس وصل " نستعين " ب " اهدنا ". # والألف الأول من اسم " الله " تحذف من الخط مع اللام، تقول: " لله الحجة، ~~ولله الأمر "، فإن قلت: " بالله أتق "، و " ليس كالله أحد "؛ لم يجز حذف ~~الألف من الخط، وعلة حذفها من الخط مع اللام، دون سائر حروف الجر، أن اللام ~~مع الألف يصيران حرفا واحدا في رأي العين. والألف مع اللام الثانية بمنزلة ~~" قد " لأنهما زيدا معا للتعريف لا يفترقان. فلو أثبتت الألف مع اللام ~~الأولى، كنت قد فصلتها مع اللام الأولى من اللام الثانية. # وقيل: إنما حذفت الألف من الخط مع اللام، لئلا تصير " لا " فتشبه النفي. ~~فإن كانت الألف مقطوعة لم تحذف الألف مع اللام، ولا مع غيرها من حروف الجر ~~في الخط نحو قولك: " لألواحك حسن، ولألواحك بياض "، وإنما ذلك، لأن الألف ~~في هذا ليست مع اللام للتعريف إذ اللام أصلية فجاز انفصالها من اللام ~~الثانية مع اللام الأولى. PageV01P100 # قوله: {رب العالمين}. # الرب المالك. فمعناه: مالك العالمين. # وقيل: الرب السيد. # وقيل: المصلح، ms0011 يقال: " ربه يربه ربا " إذا أصلحه. ويقال على التكثير: ~~ربته ورباه ورببه. # فالذين يقولون: " ربته " بالتاء، أصله عندهم رببه ثم أبدلوا من الباء ~~الثالثة " ياء "، كما يقال، تقضيت " في " تقضضت " ثم أبدلوا من الياء تاء. ~~كما أبدلوا من الواو تاء في " ترات "، و " تجاه " و " تولج " وأصله " وولج ~~" على " فوعل، من " ولجت ". وبدل التاء من الياء قليل شاذ، وهو في الواو ~~كثير. # و {العالمين} جمع عالم. والعالم هو جميع الخلق الموجود في كل زمان. وروى PageV01P101 # عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قول الله: # {الحمد لله رب العالمين}. قال: " العالمون ثمانية عشر ألف ملك في نواحي ~~الأرض الأربع، في كل ناحية أربعة آلاف ملك وخمسمائة ملك مع كل ملك منهم عدد ~~الجن والإنس، فبهم يدفع الله العذاب عن أهل الأرض ". # قد تقدم الكلام عليه في التسمية. وإنما كرر، وقد تقدم ذكره في التسمية، ~~لأن الأول ليس بآية من الحمد، وهذا آية، فلذلك وقع التكرير في آيتين ~~متجاورتين. وهذا مما يدل على أن {بسم الله الرحمن الرحيم} ليس بآية من ~~الحمد، إذ لو كانت آية كما يقول المخالف لكنا قد أتينا بآيتين متجاورتين ~~متكررتين بمعنى، وهذا لا يوجد في كتاب الله جل ذكره إلا بفصول تفصل بين ~~الأولى والثانية، أو بكلام يعترض بين الأولى والثانية. # - فإن قيل: قد فصل في هذا ب {الحمد لله رب العالمين}. # - فالجواب إن " الرحمن الرحيم " في الحمد مؤخر يراد به التقديم، وإنما ~~تقديره: " PageV01P102 # الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين "، فلا فاصل بين " الرحمن الرحيم " ~~الأول والثاني. فإن كان ذلك كذلك، دل على أن التسمية ليست بآية من الحمد إذ ~~لا نظير لها في كتاب الله جل ذكره، وإنما حكمنا على أن المراد " " بالرحمن ~~الرحيم " في " الحمد " التقديم، لأن قوله: {مالك يوم الدين} مثل قوله: {رب ~~العالمين} في المعنى، لأن معناه أنه إخبار من الله أنه يملك يوم الدين، و ~~{رب العالمين} هو إخبار من الله أنه يملك العالمين فاتصال الملك بالملك ~~أولى في الحكمة ومجاورة صفته ms0012 بالرحمة صفته بالحمد والثناء أولى. فكل واحد ~~مرتبط إلى نظيره في المعنى فدل على أن {الرحمن الرحيم} في " الحمد لله " ~~متصل به، يراد به التقديم. و {مالك يوم الدين} متصل ب {رب العالمين} إذ هو ~~نظيره في المعنى، وذلك أبلغ في الحكمة. والتقديم والتأخير كثير في القرآن. # الدين الجزاء في هذا الموضع. # وقد يكون الدين التوحيد، نحو قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل ~~عمران: 19]. # ويكون الدين الحكم، نحو قوله: {رأفة في دين الله} [النور: 2] أي في حكمه. ~~ويكون PageV01P103 # الدين الإسلام نحو قوله: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33]، و {إن ~~الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19]. # وقال مجاهد، " الدين الحساب "، كما قال: {غير مدينين} [الواقعة: 86]. أي ~~غير محاسبين. # ويكون الدين العادة، ولم يقع في القرآن. # وقد روى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (مالك) بألف. وأبو بكر، ~~وعمر، وعثمان، كذلك قرأوها وبذلك قرأ علي، وابن مسعود، وأبي، ومعاذ بن جبل ~~وطلحة، والزبير. PageV01P104 # وبذلك قرأ عاصم والكسائي. # وقد بينا كشف وجوه القراءات في كتاب: " الكشف عن وجوه القراءات "، ~~فأغنانا ذلك عن الكلام فيها في هذا الكتاب. # فأما من قرأ، {مالك يوم الدين}، فهم الأكثر من القراء وشاهده إجماعهم على ~~{ملك الناس} [الناس: 2] بغير ألف. # اختلف النحويون في " إياك وإياه وإياي "؛ فللبصريين فيها قولان: # - أحدهما: أن " إيا " اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف. ولا ~~يعرف في كلام العرب اسم مضمر مضاف إلى ما بعده غير هذا. # وحكى الخليل عن العرب: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب ". ~~فأضاف " إيا " إلى الشواب للبيان. PageV01P105 # - والقول الثاني: مروي عن المبرد قال: " إن " إيا " اسم مبهم أضيف ~~للتخصيص لا للتعريف، ولا يعرف في كلام العرب اسم مبهم أضيف إلى ما بعده غير ~~هذا ". # وللكوفيين في هذا أيضا ثلاثة أقوال. # - حكى ابن كيسان وغيره. عنهم أن " إياك " بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم ~~مضمر يتغير آخره غيره، فتقول: " إياه وإياك وإياي ". # - والقول الثاني: إن الكاف والهاء والياء، هن الاسم المضمر في " إياك ms0013 ~~وإياه وإياي "، لكنه اسم لا يقوم بنفسه ولا ينفرد ولا يكون إلا متصلا بما ~~قبله من الأفعال، فلما تقدم على الفعل لم يقم بنفسه فجعل " إيا " عمادا له ~~ليتصل به، ولو أخرت لا تصل المضمر بالفعل واستغنيت عن " إيا " فقلت: " ~~نعبده " PageV01P106 # و " نعبدك ". وهو اختيار ابن كيسان. # - والقول الثالث: حكاه أيضا ابن كيسان؛ وهو أن " إيا " اسم مبهم يكنى به ~~عن المنصوب وزيدت إليه الكاف والهاء والياء في: إياك وإياه وإياي ". " ~~ليعلم المخاطب من الغائب من المخبر عن نفسه ولا موضع للكاف والهاء والياء ~~من الإعراب، فهي كالكاف في " ذلك " وأرأيتك زيدا ما صنع ". ذكر معنى جميع ~~ذلك ابن كيسان في كتابه في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه. # والعبادة في اللغة التذلل بالطاعة والخضوع. # فمعنى {إياك نعبد وإياك نستعين}: نذل لك ونخضع بالعبادة لك ونستعين بك ~~على ذلك. # وإنما قدم {نعبد} على {نستعين} وقد علم أن الاستعانة قبل العبادة، والعمل ~~لا يقوم إلا بعون الله، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة، والمعان ~~على العبادة لا يكون إلا عابدا. فكل واحد مرتبط بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ~~ولا معونة إلا تتبعها عبادة، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر، وأيضا ~~فإن الواو لا توجب ترتيبا عند أكثر النحويين. # وأما علة تكرير {إياك} فمن أجل اختلاف الفعلين إذ أحدهما عبادة والآخر PageV01P107 # استعانة. # وقيل: كرر للتأكيد كما تقول: " المال بين زيد وعمرو، بين زيد وبين عمرو ~~"، فتعيد " بين " للتأكيد. # قوله: {نستعين}. # أصله " نستعون " على وزن " نستفعل " من العون. والمصدر منه استعانة، ~~وأصله استعوانا، فقلبت حركة الواو على العين، فلما انفتح ما قبل الواو - ~~وهي في نية حركة - انقلبت ألفا، فالتقى ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء ~~الساكنين. فقيل: المحذوفة الثانية لأنها زائدة، والأولى أصلية. وقيل: بل ~~المحذوفة الأولى لأن الثانية تدل على معنى ولزمته الهاء عوضا من الألف ~~المحذوفة. # والنون الأولى في {نستعين} يجوز فيها الكسر لغة مشهورة وكذلك التاء ~~والهمزة في قولك: " أنت تستعين وأنا أستعين ". وإنما ذلك في كل فعل سمي ~~فاعله فيه ms0014 زوائد أو مما يأتي من الثلاثي على " فعل، يفعل " بفتح العين في ~~المستقبل، PageV01P108 # وكسرها في الماضي نحو: " أنت تعلم وأنا أعلم ". # معناه ثبتنا، لأنهم كانوا مهتدين، وإنما هو رغبة إلى الله أن يثبتنا على ~~ذلك حتى يأتي الموت ونحن عليه. # وقيل: معناه ألهمنا الثبات على الصراط المستقيم، وهو دين الإسلام، وهو ~~مروي عن ابن عباس. # و" هدى " يكون بمعنى: " أرشد "، نحو قوله: {واهدنآ إلى سوآء الصراط} [ص: ~~22]، أي أرشدنا. # ويكون بمعنى " بين " كقوله: {وأما ثمود فهديناهم} [فصلت: 17]، أي بينا ~~لهم الصواب من الخطأ، فاستحبوا الخطأ. # ويكون بمعنى " ألهم " كقوله: {ثم هدى} [طه: 50]، أي ألهم الذكر من ~~الحيوان إلى إتيان الأنثى. PageV01P109 # وقيل: معناه ألهم المصلحة ويكون هدى بمعنى " وفق " كما قال " {لا يهدي ~~القوم الظالمين} [البقرة: 258] أي لا يوفقهم. # والصراط المستقيم كتاب الله. وهو مروي عن النبي [عليه السلام]. # وقال ابن عباس: " هو الطريق إلى الله عز وجل ". # وعن جماعة من الصحابة أنه الإسلام. # وقال جابر بن عبد الله: " هو الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض ". # وعن أبي العالية أنه: " رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه ابو بكر PageV01P110 # وعمر ". # وهو قول الحسن. # وأصله الطريق الواضح. # وقال ابن الحنفية: " هو دين الله تعالى ". # وسمي مستقيما لأنه لا عوج فيه ولا خطأ. # وقيل: سمي بذلك لاستقامته بأهله إلى الجنة. # وأصل {المستقيم}: " المستقوم "، فألقيت حركة الواو على القاف وبقيت الواو ~~ساكنة فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. كما قالوا ميزان، وهو من الوزن. ~~وأصله " موزان "، ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وكذلك يقلبون الياء ~~واوا PageV01P111 # إذا انضم ما قبلها نحو " موقن " و " موسر " لأنه من اليقين واليسار. # قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم}. # صراط بدل من الأول. # والذين أنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصديقون والصالحون ~~بدلالة قوله: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين} [النساء: 69]. # وقيل: هم أصحاب النبي [عليه السلام]، قاله الحسن. # وقيل: هم المؤمنون من بني إسرائيل الذين لم يغيروا ولا بدلوا، بدليل ~~قوله: ms0015 {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} [ # البقرة # : 40]. فلذلك قال هنا: {صراط الذين أنعمت عليهم}. # وقيل: هم المسلمون. # وقال أبو العالية: " هم محمد [عليه السلام] وأبو بكر وعمر ". PageV01P112 # وقال قتادة: " هم الأنبياء خاصة ". # وقال ابن عباس: " هم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا ". # وهذا دعاء أمر الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن ~~يدعوا به وألا يكونوا مثل المغضوب عليهم - وهم اليهود -، ولا مثل الضالين - ~~وهم النصارى -، ولا على صراطهم. # ودخلت " لا " في قوله: {ولا الضآلين} لئلا يتوهم أن {الضآلين} عطف على ~~{الذين} في قوله: {صراط الذين}. فبدخول " لا " امتنع أن يتوهم متوهم ذلك إذ ~~لا تقع " لا " إلا بعد نفي أو ما هو في معنى النفي. # وقيل: " لا " زائدة. # وقيل: هي تأكيد بمعنى: " غير ". PageV01P113 # ولم يجمع {المغضوب}، لأنه في معنى الذين غضب عليهم / فلا ضمير فيه إذ لا ~~يتعدى إلا بحرف جر. فلو قدرت فيه ضميرا، كنت قد عديته إلى مفعولين أحدهما ~~بحرف جر / وهذا ليس يحسن فيه. إنما تقول: " غضبت على زيد " و " غضب على زيد ~~". فالمخفوض يقوم مقام الفاعل. وكذلك {عليهم} في موضع رفع يقوم مقام ~~المفعول الذي لم يسم فاعله. والهاء والميم يعودان على الألف واللام. # والغضب من الله البعد من رحمته. والضلال الحيرة. # " و {غير المغضوب} " خفض على النعت " للذين " من قوله {صراط الذين}، وحسن ~~ذلك لأنه شائع لا يراد به جمع بعينه فصار كالنكرة، فجاز نعته " بغير "، و " ~~غير " نكرة وإن أضيفت إلى معرفة. ويجوز أن تخفض " غير " على البدل من ~~[الذين. وقد قرئ] بالنصب على الحال أو على الاستثناء، وقد شرحت هذا في ~~كتاب: " مشكل الإعراب " بأشبع من هذا. # ويقول المأموم إذا سمع {ولا الضآلين}: آمين. ويقولها وحده. واختلف في قول ~~الإمام إياها عن مالك. PageV01P114 # و (آمين)، قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. # وقيل: هو دعاء بمعنى: " اللهم استجب ". # وقال ابن عباس والحسن: " معنى " آمين ": كذلك يكون ". # وهي تمد وتقصر لغتان. # والمؤمن داع. فقد قال الله لموسى وهارون: {قد ms0016 أجيبت دعوتكما} [يونس: 89]. ~~وموسى كان هو الداعي، وهارون يؤمن، والمؤمن إذا قال: " اللهم استجب " فهو ~~داع بالإجابة، وهو مبني لوقوعه موقع الدعاء / وبني على حركة لالتقاء ~~الساكنين وكان / الفتح أولى به لأن قبل آخره ياء. # وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] قال: " إذا قال الإمام {غير PageV01P115 # المغضوب عليهم ولا الضآلين}، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول ~~الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه "، أي من وافقه في الإجابة. PageV01P116 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البقرة مدنية # روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أعطيت البقرة من الذكر ~~الأول وأعطيت طه # والطواسين من ألواح موسى. وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من ~~تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة ". # وروي عنه أنه قال: "تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان أو ~~غيايتان ". والغياية والغمامة واحد. # فبهذا الحديث وأمثاله، استجاز الناس أن يقولوا: سورة البقرة وسورة كذا # وسورة كذا. # وهذا إضافة لفظ، لا إضافة ملك، ولا إضافة نوع إلى جنسه، وهو بمنزلة # قولك. "باب الدار وسرج الدابة" ومثله قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم). # فأضاف القول إليه لأنه هو ينزل به، وهو جبريل - عليه السلام -. وهذا من ~~اتساع لغة العرب. PageV01P117 # وروى أبو هريرة ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لكل شيء سنام، ~~وسنام القرآن سورة البقرة، فيها آية سيدة آي القرآن/ لا تقرأ في بيت فيه ~~شيطان إلا خرج منه وهي آية الكرسي ". # ومعنى سيدة آي القرآن، عظيمة آي القرآن. وكل آي القرآن عظيم جليل، لا ~~يفضل بعضه بعضا لكن يعطي الله من الأجر والثواب على بعض ما لا يعطي على ~~بعض، يفعل ما يشاء. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل رجلا: "ما معك من القرآن؟ ~~فقال: سورة البقرة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وأي الخير ~~أبقت سورة البقرة؟ " # وقال الحسن: قال رسول الله [- عليه السلام -]: أي القرآن أعظم؟ قالوا: ~~الله ورسوله اعلم/ قال: سورة البقرة. قال فأيها أعظم؟، قالوا: الله ورسوله ~~أعلم. قال: ms0017 آية الكرسي ". PageV01P118 # واختلف العلماء في معاني أوائل السور: فعن ابن عباس أقوال، منها: أنه ~~قال: " الاما؛ أنا الله أعلم، الارا؛ أنا الله أرى ". # فالألف: يؤدي عن " أنا "، واللام: يؤدي عن اسم الله. والميم: تؤدي عن " ~~أعلم "، والراء: يؤدي عن " أرى ". # وعنه [أن] أوائل السور مأخوذة من أسماء الله. فيقول في {كهيعص} [مريم: ~~1]: " إن الكاف: من كاف، والهاء: من هاد ". # وعنه أيضا " أنها أقسام، أقسم الله بها، وهي من أسماء الله جل ذكره ". # وقد قال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء. # وروى عنه عطاء أنه قال في {الم}: " الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: ~~محمد صلى الله عليه وسلم " # [ وكذلك] روى الضحاك عنه. PageV01P119 # وقال قتادة: " الم، اسم من أسماء القرآن ". وروي مثله عن مجاهد. # وعن مجاهد أيضا أنه قال: " هي فواتح السور ". # وقال أبو عبيدة والأخفش: " هي افتتاح كلام ". # وقال زيد بن أسلم: " هي أسماء السور ". # وروى ابن جبير عن ابن عباس: " {كهيعص} [مريم: 1]: كبير، هاد، عزيز، صادق ~~". # وقال محمد بن كعب: {حم* عسق}: الحاء والميم: من الرحمان، والعين: من ~~العليم، والسين: من القدوس، والقاف: من القهار ". # / وقال في {المص}: " الألف واللام: الله، والصاد: من الصمد ". # وقال بعض أهل النظر: " هي تنبيه ". PageV01P120 # وقال قطرب في معناها: " كان المشركون ينفرون عند قراءة القرآن. فلما ~~سمعوا " {الم} و {المص} وقفوا ليفهموا ما هو وأنصتوا، فاتصلت تلاوة القرآن ~~بها / فسمعوه، وثبتت عليهم الحجة، وجحدوا بعد سماع ما هو حجة عليهم. وهذه ~~حكمة بالغة من الله، والله أعلم بذلك ". # وعن قطرب أيضا أنه قال: " هي حروف ذكرت لتدل على أن هذا القرآن مؤلف من ~~هذه الحروف المقطعة ". # وقال أبو العالية: " هي الحروف من التسعة وعشرين حرفا دارت بها الألسن ~~كلها، ليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في ~~آلائه ونعمائه، وليس منها (حرف) إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. الألف: ~~مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح / اسمه: لطيف، والميم مفتاح اسمه: مجيد. ~~الألف: آلاء الله، واللام: لطفه، والميم: ms0018 مجده. الألف: سنة، واللام: ثلاثون ~~سنة، والميم: أربعون سنة ". PageV01P121 # وقال جماعة: " هي مما لا يعلمه إلا الله، ولله في [كل كتاب] سر، وهذه ~~الحروف سره في كتابه ". # وقيل: هي اسم الله الأعظم. رواه السدي عن ابن عباس. # ويروى أن اليهود لما سمعت / {الم}، قالوا: " الألف واحد، واللام ثلاثون، ~~والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، وهي مدة ملك محمد. أفتدخلون في دين، ~~إنما مدة ملكه إحدى وسبعون سنة. فلما سمعوا {المص} [الأعراف: 1] قالوا: هذا ~~أثقل وأطول؛ الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون والصاد ستون فذلك ~~إحدى وثلاثون ومائة سنة، فلما سمعوا {الر} [يونس: 1] و {المر} [الرعد: 1] و ~~{حم* عسق} [الشورى: 1 - 2]، قالوا: قد لبس علينا الأمر، فما PageV01P122 # ندري ما يقيم ملكه. فأنزل الله عز وجل: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات} [آل عمران: 7]. # فهذا الذي اشتبه عليهم في هذا التأويل والله أعلم. # وهذه الحروف تسمى حروف المعجم، وإنما سميت بذلك لأنها مبينة للكلام فاشتق ~~لها هذا الاسم من قولهم: " أعجمت الكتاب " إذا بينته. # وقيل: إنما اشتق لها هذا من قولهم: " عجمت العود " إذا عضضته لتختبره. # فيكون " المعجم " من هذا أتى على توهم زيادة الهمزة، كما أتى " لواقع " ~~على توهم حذف الهمزة من " ألقحت "، وكان الأصل " ملاقح ". كذلك كان الأصل " ~~المعجوم "، إذا جعلته من " عجمت ". وقد قالوا: / " مسعود "، على تقدير حذف ~~الهمزة من " أسعده الله "، وقرئ: {وأما الذين سعدوا} [هود: 108]- بضم السين ~~- على ذلك التقدير. فكذلك المعجم من " عجمت " على تقدير حذف الهمزة من " ~~أعجمت "، فيكون معناه حروف الاختبار، وهي موقوفة مبنية على السكون أبدا، ~~إلا أن تخبر عن شيء منها، أو تعطف بعضها على بعض، فتعربها، تقول: هذه جاء ~~وياء ". وهي تؤنث وتذكر. PageV01P123 # قوله عز وجل: { ذلك الكتاب}. # أكثر أهل التفسير على أن " ذلك " بمعنى " هذا ". # كما تقول للرجل وهو يحدثك: " ذلك، والله الحق "، أي هذا والله الحق. # قال الله جل ذكره: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} [ق: ~~19]. أي هذا ما كنت منه تحيد. وقال: ms0019 {تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196]، أي ~~هذه عشرة كاملة. وقال: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: ~~196]. أي هذا الحكم لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. # وقال: {إن ذلك لحق} [ص: 64] أي إن هذا وهو كثير في كلام العرب والقرآن. # وقيل: إن {ذلك} / على بابها للإشارة إلى شيء / معلوم. واختلف في ذلك ~~المشار إليه. ما هو؟ # فقيل: إن {ذلك} إشارة إلى ما نزل من القرآن قبل سورة البقرة. PageV01P124 # وقال الكسائي: " {ذلك} إشارة إلى الرسالة والقرآن وعما في السماء ". # وقيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ. # وحكى الطبري أن بعض المفسرين قال: " {ذلك}: إشارة إلى التوراة والإنجيل ~~". وقيل: {ذلك}: إشارة إلى ما وعد به النبي صلى الله عليه وسلم من أنه ~~سينزل عليه كتاب فوقعت الإشارة على ما تقدم من الوعد. # وجيء باللام في {ذلك} للتأكيد في بعد الإشارة. # وقال الكسائي: " جيء بها لئلا يتوهم أن {ذلك} مضاف إلى الكاف ". # وقيل: جيء بها عوضا عن المحذوف من " ذا "، لأن أصل " ذا " أن يكون على ~~ثلاثة أحرف، لأن أقل الأسماء ما يأتي على ثلاثة أحرف. # وقال علي بن سليمان: " جيء باللام لتدل على شدة التراخي، وكسرت لئلا تشبه ~~لام الملك. # وقيل: كسرت لأنها بدل من همزة مكسورة لأن أصل " ذا " " ذاء " على ثلاثة PageV01P125 # أحرف بهمزة مكسورة، ومن العرب من يقول في " ذلك " " ذاءك " بالهمز حكاه ~~الفراء وغيره، قال: " وإنما أبدلوا من الهمزة لاما لأن " ذاء " خرج عن لفظ ~~المضاف، وليس بمضاف، واللام من أدوات المضاف، فأبدلوا من الهمزة لاما وكسرت ~~لأن الهمزة كانت مكسورة لالتقاء الساكنين ". # كان أصل ذا / أن يكون بألفين ليكون على ثلاثة أحرف إذ هي أقل أصول ~~الأسماء فأبدلت الألف الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون الألف قبلها. وقد ~~قال الكسائي: " إنما أبدلوا من الهمزة لاما لئلا تشبه المضاف " # وقيل: إنما كسرت اللام لالتقاء الساكنين لأنها اجتلبت ساكنة، وقبلها ~~الألف من " ذا " ساكنة، وكسرت اللام لالتقاء الساكنين. # والاسم من " ذلك "، ذا وقيل: الاسم الذال، وزيدت الألف للتقوية. PageV01P126 # ولا موضع للكاف ms0020 من الإعراب، إنما هي للخطاب، ولو كان لها موضع من الإعراب ~~لكانت في موضع خفض بالإضافة على ظاهر اللفظ. # و" ذا " لا يضاف في شيء من كلام العرب، لأنه معرفة، ولأن اللام تفصل ~~بينهما، ولأن المعنى على غير معنى الإضافة. # والكتاب مشتق من الكتيبة وهي الخيل المجتمعة، يقال: " تكتب القوم " إذا ~~اجتمعوا. فسمي المكتوب كتابا لاجتماع بعض الحروف إلى بعض. ومنه قول العرب: ~~" كتبت القربة " إذا جمعت خرزا إلى خرز، وكتبت البغلة " إذا جمعت بين ~~شفريها بحلقة. # قوله عز وجل: { لا ريب فيه}. # / الهاء تعود على (الكتاب) /. وقيل على {ذلك}. # وقيل: على {الم} على أن تكون {الم} إسما من أسماء القرآن. PageV01P127 # وقيل: هي راجعة على {هدى} مقدمة عليه، يراد به التقديم. أي ذلك الكتاب ~~هدى لا ريب فيه، أي في الهدى. ورجوعها على {الكتاب} أبينها. # والكتاب القرآن هو نفي عام نفى الله جل ذكره / أن يكون فيه شك عند من ~~وفقه الله، وقد ارتاب فيه من خذله الله ولم يوفقه، ولذلك قال: {وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: 23]. معناه: وإن كنتم على زعمكم في شك ~~من ذلك فأتوا ببرهان على ذلك، فقد أتيناكم بما لا ريب فيه لمن وفق. # والريب مصدر " رابني الأمر ريبا ". # وحكى المبرد: " رابني الشيء تبينت فيه الريبة، وأرابني إذا لم أتبينها ~~فيه ". # وحكى غيره: " أراب الرجل في نفسه، وراب غيره ". # وقوله: {هدى للمتقين}. # الهدى الرشد والبيان. PageV01P128 # والتقى: اسم جامع لكل خصلة محمودة العاقبة، ومن اتقى الشرك فهو من ~~المتقين، وهو أعظم التقى، وأصله من التوقي وهو التستر، فكأن التقي يستر على ~~جميع ما يذم عليه. وقد فسرنا إعراب هذا وما شابهه في كتاب " تفسير مشكل ~~الإعراب "، فأخلينا هذا الكتاب من بسط الإعراب لئلا يطول إلا أن يقع نادر ~~من الإعراب فنذكره على شرطنا المتقدم. فاعلم ذلك. # وقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} الآية. # " الذين ": اسم مبهم ناقص لا بد له من صلة وعائد، وهو مبني في الجمع ~~والواحد لمشابهة الحروف، ولأنه بعض اسم، فإن ثنيته ms0021 أعربته، لأن التثنية ~~تخرجه من مشابهة الحروف إذ الحروف لا تثنى. # فإن قيل: فأعربه في الجمع إذ الحروف لا تجمع. # فالجواب: إن الجمع مشبه بالواحد، لأنه يأتي إعرابه في آخره كالواحد، ~~ولأنه يأتي على صور وأبنية مختلفة كالواحد، فجرى مجرى الواحد في البناء، ~~والتثنية لا تختلف PageV01P129 # أبنيتها، ولا يقع إعرابها في آخرها، فخالفت الواحد والجمع فأعربت، هذه ~~لغة القرآن وأكثر كلام العرب. # ومن العرب من يعرب الجمع فيقول في الرفع " ألذون " فهؤلاء أعربوا الجمع ~~إذ الحروف لا تجمع، وأصل " الذي " تدغم الياء منه محذوفة للتنوين كما تحذف ~~في " عم " و " قاض " في الرفع والخفض. فلما دخلته الألف واللام رجعت الياء ~~لزوال التنوين، وكتب " الذي " بلام واحدة، وأصلها لامان، تخفيفا ولكثرة ~~الاستعمال. # وجرى " الذين " في الجمع على ذلك لقربه من الواحد في المشابهة / المتقدمة ~~الذكر، وكتبت " اللذين " في التثنية بلامين على الأصل، لأن التثنية لا ~~تختلف ولا تأتي في جمع الأسماء إلا على نظام واحد. فلما جرت على أصلها، ولم ~~تختلف كاختلاف الجمع جرت على أصلها في الخط. وأصل الإيمان: التصديق، فالعبد ~~المؤمن يصدق بما أتاه من ربه، والله يصدق عبده بانتظاره ما وعده به من ~~المجازاة على إيمانه، فالله جل ذكره مؤمن، ولا يقال: بكذا، والعبد مؤمن ~~بكذا. # وقد قيل: إن المؤمن مأخوذ من الأمان، وذلك أن العبد يؤمن نفسه من عذاب ~~الله بإيمانه. والله مؤمن: أي: يؤمن مطيعه من عذابه. # والهمز في " يؤمن " الأصل، وبدل الهمزة بواو لانضمام ما قبلها حسن PageV01P130 # فصيح. # والغيب: كل ما استتر عنك. وهو في هذه الآية البعث، والحساب، والجنة، ~~والنار، وشبهه. قاله سفيان وغيره. # وقيل: معنى {بالغيب}: بالقدر. # وقال عطاء: " {بالغيب}: بالله جل ذكره ". وقيل: بالقرآن. وقال بعض ~~المتصوفة: " الغيب: القلب، أي يؤمنون بقلوبهم، لأن المنافق يؤمن بلسانه لا ~~بقلبه ". # فالإيمان الصحيح / النافع ما اعتقده القلب. # وقال بعض العلماء: {يؤمنون بالغيب}، أي: يؤمنون إذا غابوا عن الناس، كما ~~يؤمنون إذا حضروا، أي ليسوا كمن يؤمن بالحضرة، ويكفر بالغيب. # وقوله: {ويقيمون الصلاة}. PageV01P131 # معناه يديمون أداءها ms0022 / بفروضها في أوقاتها. # وقال الضحاك: " إقامتها تمام سجودها وركوعها وخشوعها وتلاوتها وسنتها ". # وأصل " يقيمون، " يقومون " على وزن " يفعلون " فألقيت حركة الواو على ~~القاف وأبدل من الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. # / كما قالوا: ميزان وميعاد، وهما من الوعد والوزن. وأصل الصلاة في اللغة: ~~الدعاء، لكن سمي الركوع والسجود صلاة للدعاء المستعمل فيها. والعرب تسمي ~~الشيء باسم [ما لابسه وقاربه]. # والصلاة من الله: الرحمة لعباده، ومن الملائكة. والأنبياء: الدعاء، وكذلك ~~هي من الناس. # وروى أبو هريرة أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] قال: " إذا دعي أحدكم إلى ~~طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل " أي: فليدع. PageV01P132 # وقال الأعشى لابنته لما دعت له في قولها: # . . . . . . . . . . . . ... " يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا. # عليك مثل / الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا. # أي: دعوت. # وقيل: إنما سميت الصلاة صلاة لأنها مشتقة من الصلوين وهما عرقان في ~~الردف، ينحنيان في الصلاة. # / وكتبت الصلاة في المصاحف بالواو لتدل على أصلها، لأن أصل الألف الواو، ~~وأصلها صلوة. فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت في اللفظ ألفا؛ دليله ~~قولهم في الجمع: " صلوات ". وقد ذكرنا أن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها ~~ولذلك قلنا: إن أصل " ماء ": موه " وإن الألف بدل من الواو، والهمزة بدل من ~~الهاء. ودل على ذلك قولهم في الجمع: أمواء، فرد إلى أصله. # وقيل: إنما كتبت بالواو لأن بعض العرب يفخم اللام والألف حتى تظهر الألف ~~كأن لفظها يشوبه شيء من الواو. PageV01P133 # والقول الأول والآخر، به يعلل ما كتبوه من " الزكوة " و " الحيوة " وشبهه ~~بالواو، فأعلمه. وهاتان الآيتان نزلتا في مؤمني العرب دون غيرهم، بدلالة ~~قوله بعد ذلك: {والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك} يريد من آمن ~~من اليهود والنصارى. # وقيل: [بل الأربع] الآيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب. # وقيل: بل هي في جميع من آمن بمحمد عليه السلام. إذ لم يؤمن [أحد به] إلا ~~وهو مؤمن بالغيب مما أخبره به النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب. # واختار ms0023 الطبري القول الأول. # وقال مجاهد: " أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان بعدها في ~~نعت الكافرين وهم قادة الأحزاب و [ثلاث عشر] آية بعد ذلك في المنافقين ". # وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون}. # معناه: يتصدقون ويزكون. PageV01P134 # وقيل: " هي نفقة الرجل على عياله ". قاله السدي. # وأصل " ما " في قوله: {ومما} أن تكتب منفصلة، لأنها بمعنى " الذي ". ~~والهاء محذوفة من {رزقناهم}، أي وبعض الذي رزقناهم ينفقون منه. فحذفت من ~~صلة " ما " لطول الاسم. فإن كانت " ما " بغير معنى " الذي "، وإنما هي صلة، ~~كان أصلها أن تكتب متصلة بما قبلها نحو قوله: # {إنما الله إله واحد} [النساء: 171]، {إنمآ أنا لكم نذير مبين} [الحج: ~~49] وشبهه. وقد وقعت " ما " متصلة بما قبلها من الجار في الخط، وهي بمعنى " ~~الذي "، وأصلها الانفصال، وإنما جاز ذلك فيها لأن الجار والمجرور كالشيء ~~الواحد، وذلك نحو " مما " و " عما ". # وأيضا فإنه / لما كان حرف الجر الذي على حرف واحد لا ينفصل مما جرى ما ~~كان على حرفين على ذلك لأنها كلها حروف الجر، فوصلن بما قبلهن من الجار في ~~الخط لارتباط الجار بالمجرور مع كثرة الاستعمال. # وقيل: إنه لما أدغمت النون في الميم فلم يظهر للنون لفظ / لم يثبت في ~~الخط في مواضع وثبت في الخط في مواضع لبقاء الغنة ظاهرة، فمرة حمل على زوال ~~لفظ النون ومرة حمل على بقاء الغنة في اللفظ. # واعلم أن " كل ما "، إذا كانت بمعنى " إذا " و " متى "، وصلتها مع " ما ~~"، فإن PageV01P135 # كانت على غير ذلك فصلتها من " كل "، تقول: " كلما جاءني زيد أكرمني. أي " ~~إذا جاءني زيد "، فتصل " ما " " بكل ". وتقول " يسرني كل ما يسرك " فتفصل " ~~ما " من " كل " لأنها بمعنى " الذي ". وقد كتبت " بئسما " و " نعما " ~~موصولة وأصلها أن تفصل " ما " مما قبلها في الخط لأن " ما " اسم، وليست ~~بصلة / وكذلك وصلت " حينئذ " و " يؤمئذ ". # وأصل " إذا " الانفصال مما قبلها، لكن وصلت لكثرة الاستعمال والاختصار ~~والإيجاز. # وقوله: {بمآ أنزل إليك} أي: بالقرآن. {ومآ أنزل من قبلك}. أي: بالتوراة ~~والإنجيل والزبور وصحف ms0024 إبراهيم وبجميع ما أنزله الله على أنبيائه. # وقوله: {وبالآخرة هم يوقنون}. # أي: بالبعث والحشر والجنة والنار يصدقون. وسميت الآخرة آخرة لأنها بعد ~~الأولى وهي الدنيا. وقيل: سميت بذلك لتأخرها عن الناس. PageV01P136 # وقوله: {يوقنون} أي: يصدقون بالبعث / والحشر والجنة والنار. # وقوله: {أولئك على هدى من ربهم} أي على هداية ورشد وبيان. # قال محمد بن إسحاق: " على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم ". # و" أولاء " جمع " ذا " المبهم من غير لفظه، وهو مبني على الكسر لالتقاء ~~الساكنين. وعلة بنائه مشابهته للحروف، وإنما شابه الحروف لمخالفته لجميع ~~الأسماء إذ لا يستقر على مسمى، فلما خالف جميع الأسماء والحروف أيضا مخالفة ~~لجميع الأسماء إذ لا تفيد معنى في نفسها، إنما تفيده في غيرها، والأسماء ~~تفيد المعاني بأنفسها، فاتفقا في مخالفة الأسماء فبنيت هذه الأسماء لذلك. ~~وحق البناء السكون، لكن اجتمع في آخر " أولاء " ألفان فأبدل من الثانية ~~همزة وكسرت لسكونها وسكون ما قبلها والكاف لا موضع لها، إنما هي للمخاطب ~~ككاف " ذلك ". # وقوله: {هم المفلحون}. # {هم}: مبتدأ و {المفلحون}: الخبر، والجملة: خبر عن {أولئك} ويجوز أن تكون ~~{هم}: فاصلة لا موضع لها من الإعراب وهي وأخواتها يدخلن فواصل PageV01P137 # بين الابتداء والخبر دخل عليه عامل أم لم يدخل، ولا تكون إلا إذا كان ~~الخبر معرفة أو ما قارب المعرفة، فإن كان الخبر نكرة أو فعلا أو جملة لم ~~تكن إلا مبتدأة. # فهذا أصل الفاصلة فاعرفه، وهي تكون فاصلة على أحد ثلاثة أوجه: # - إما أن تكون فصلا بين المعرفة والنكرة، فيكون دخولها يدل على أن الخبر ~~معرفة أو ما قرب من المعرفة. # - والثاني: أن تدخل فصلا بين النعت والخبر، فدخولها فاصلة يدل على أن ما ~~بعدها خبر لما قبلها، وليس بنعت لما / قبلها، فإذا قلت: " إن زيدا هو ~~الظريف " علم بدخول " هو " أن " الظريف " خبر، وليس بنعت لزيد. # - والثالث: أن تدل بدخولها مع " كان "، على أن " كان " هي الناقصة التي ~~تحتاج إلى خبر، وليست ب " كان " التامة التي لا تحتاج إلى خبر، ولا تكون ~~الفاصلة ms0025 إلا وهي الأولى. # في المعنى تقول: " كان زيد هو العاقل ". " فهو ": هو / زيد في المعنى، ~~ولو قلت: " كان زيد أنت الضارب إياه "، لم تكن " أنت " فاصلة، لأنها ليست ~~هي الأولى في المعنى، ولا تكون هنا إلا مبتدأة. PageV01P138 # وأصل الفلاح البقاء في الخير، فالمعنى: وأولئك هم الباقون في النعيم ~~المقيم، والمؤمن مفلح لبقائه في الجنة، ثم اتسع فيه، فقيل لكل من قال خيرا: ~~مفلح. # قوله: {إن الذين كفروا سوآء عليهم}. # هذه الآية نزلت في قوم سبق في علم الله فيهم أنهم لا يؤمنون، فأعلم الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن الإنذار لا ينفعهم لما سبق لهم في علمه، وثم ~~كفار أخر نفعهم الإنذار فآمنوا لما سبق لهم في علم الله سبحانه من الإيمان ~~به، فالآية عامة في ظاهر اللفظ يراد به الخصوص، فهي في من تقدم له في علم ~~الله أنه لا يؤمن خاصة، ومثله {ولا أنتم عابدون مآ أعبد} [الكافرون: 3]. # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان جميع الخلق، ~~فأعلمه الله عز وجل في هذه الآية أن من سبق له في علم الله [سبحانه الكفر ~~والثبات عليه] إلى الموت لا يؤمن ولا ينفعه الإنذار، وأن الإنذار وتركه ~~سواء عليه. وهذا مما يدل على ثبات PageV01P139 # القدر بخلاف ما تقوله المعتزلة. وقيل: نزل ذلك في قادة الأحزاب، وهم ~~الذين نزل فيهم {ألم تر إلى الذين / بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] ~~الآية. وهم الذين قتلوا يوم بدر، قال ذلك الربيع بن أنس. # وقال ابن عباس: " نزلت في اليهود الذين جحدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~استكبارا وحسدا مع معرفتهم أنه نبي صلى الله عليه وسلم ". # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مع ~~أصحابهما من رؤساء اليهود الذين دخلوا على النبي [عليه السلام] وسألوه عن ~~{الم * ذلك الكتاب} ". # وقيل: هي عامة في كل كافر تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن. # وأصل الكفر التغطية. ومنه قيل لليل: كافر، لأنه ms0026 يستر بظلمته ما فيه. PageV01P140 # ويقال للزراع: كفار، لأنهم يسترون الحب في الأرض، ومنه قوله {يعجب ~~الزراع} {الفتح: 29]. ومنه قولهم: " كفارة اليمين ". لأنها تستر الإثم عن ~~الحالف، ومنه سمي الكافر لأنه يستر الإيمان بجحوده. # ومعنى لفظ الاستفهام في / {ءأنذرتهم} للتسوية، وهو في المعنى خبر، لكن ~~التسوية تجري في اللفظ مجرى لفظ الاستفهام، والمعنى [على الخبر]، تقول: " ~~سواء علي أقمت أم قعدت. وإنما صار لفظ التسوية مثل لفظ الاستفهام للمضارعة ~~التي بينهما، وذلك أنك إذا قلت: " قد علمت أزيد في الدار أم عمرو "، فقد ~~سويت علم المخاطب فيهما، فلا يدري أيهما في الدار، وقد استوى علمك في ذلك، ~~وتدري PageV01P141 # أحدهما في الدار ولا تدريه بعينه. فهذا تسوية. وتقول في الاستفهام: " ~~أزيد في الدار أم عمرو؟ "، فأنت لا تدري أيهما في الدار، وقد استوى علمك في ~~ذلك وتدري أن أحدهما في الدار، ولا تدري عينه منهما، فقد صار الاستفهام ~~كالتسوية في عواقب الأمور، غير أن التسوية إبهام على المخاطب وعلم يقين عند ~~المتكلم، والاستفهام إبهام على المتكلم. # ويجوز أن يكون المخاطب مثل المتكلم في ذلك، ويجوز أن يكون عنده يقين ما ~~سئل عنه. فاعرف الفرق بينهما. # وقوله: {ءأنذرتهم}، فيه عشرة أوجه. # - الأول: تحقيق الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف. وهي ~~لغة قريش وكنانة، وهي قراءة ورش عن نافع وابن كثير. PageV01P142 # - والثاني تحقيق الأولى وبدل الثانية بألف، وهو مروي عن ورش وفيه ضعف. # - والثالث: تحقيق الهمزيين وهي قراءة أهل الكوفة، وابن ذكوان عن ابن ~~عامر. # - والرابع: حذف الهمزة الأولى وتحقيق الثانية. وهو مروي عن الزهري، وهي ~~قراءة ابن محيصن، وذلك لأن " أم " تدل على الألف المحذوفة. PageV01P143 # - والخامس: تحقيقهما جميعا وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ ابن أبي إسحاق. # - والسادس: تحقيق الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف، وإدخال ألف ~~بينهما. وبذلك قرأ أبو عمرو، وقالون، وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وهشام بن ~~عمار عن ابن عامر. PageV01P144 # - والسابع: ذكره أبو حاتم قال: " يجوز أن تدخل بينهما أيضا، وتحذف ~~الثانية "، فيصير لفظ هذا الوجه كلفظ الوجه الثاني ms0027 المذكور. # - والثامن: ذكره الأخفش قال: " يجوز أن تخفف الأولى منهما وتحقق الثانية ~~"، ولم يقرأ بهذا أحد، وهو بعيد ضعيف لأن الاستثقال لا يقع في أول الكلام، ~~ولأن الهمزة المخففة بين بين، لا يبتدأ بها إلا أن تريد أن تصل الهمزة بما ~~قبلها وتلقي حركتها على الميم الساكنة قبلها، فهو قياس، وليس عليه عمل. # - والتاسع: ذكره أبو حاتم أيضا قال: " يجوز أن تخفف الهمزتين ". وهو ~~بعيد، ولم يقرأ به أحد، وله قياس إذا وصلت كلامك، فتلقي / حركة الأولى على ~~الميم الساكنة قبلها، وتخفف الثانية بين بين، وهو بعيد جدا. # - والعاشر: ذكره الأخفش أيضا؛ قال: " يجوز أن تبدل من الأولى هاء، فتقول: ~~" هانذرتهم ". ولم يقرأ به أحد ومخالف للخط، وقياسه في العربية جيد. ويجوز ~~مع PageV01P145 # بدل الأولى " بهاء " أن تحقق الثانية وأن تخففها، وتدخل بين الهمزة ~~والهاء ألفا، وأن تحقق الثانية وتدخل بينهما ألفا، فتبلغ الوجوه إلى أربعة ~~عشر وجها. # قوله: {ختم الله على قلوبهم}. # معناه طبع الله عليها مجازاة لهم بكفرهم. # وقيل: معناه: حكم الله عليهم بذلك لما سبق في / علمه من أنهم لا يؤمنون. # وقيل: معناه: أنهم [لما تجاهلوا عن] قبول أمر الله عز وجل وفهمه، وصموا ~~عن أمر الله سبحانه، جعل الله تعالى ذلك منسوبا إليهم عن فعلهم، كما يقال: ~~" أهلكه المال " أي هلك به. # وقيل: معناه: أن الله تعالى جعل ذلك علامة تعرفهم بها الملائكة. # وأصل الختم الطبع. والرين على القلب دون الطبع، والقفل أشد من الختم. # قال مجاهد: " القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبد قبض عليه - وأشار بقبض ~~الخنصر تمثيلا - ثم إذا أذنب قبض عليه، ومثل بقبض البنصر هكذا حتى ضم PageV01P146 # أصابعه كلها. ثم يطبع عليه أي يختم ". # وقال ابن عباس: " إنما سمي القلب قلبا لأنه يتقلب ". # وروى أبو موسى الأشعري أن النبي [عليه السلام] قال: " القلب مثل ريشة في ~~فلاة يقلبها الريح ". # وعنه في حديث آخر: " تقلبها الريح بأرض " فضاء ظهر البطن ". # قوله: {على قلوبهم}. تكتب " على " " وإلى " و " لدى " بالياء دون سائر ~~الحروف مثلها لأنها ms0028 أخف من الأفعال، وكثر استعمالها، ولأن ألفها يرجع إلى ~~الياء مع المضمر دون سائر الحروف فكتبت مع المظهر بالياء لذلك. # وتقع " على " بمعنى الباء، تقول: " آركب على اسم الله " أي باسم الله. # وتقع بمعنى " مع " نحو قولك: " جئت على زيد " أي معه. وتقع بمعنى " من " ~~نحو قوله: {على الناس / يستوفون} [المطففين: 2] أي من الناس. وتقع أيضا في ~~مواضع PageV01P147 # حروف أخر قد ذكرناها في كتاب مفرد للحروف. # وقوله: {وعلى سمعهم}. # إنما وحد السمع لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. # وقيل: وحد لأنه يؤدي عن الجمع. # وقيل: التقدير: " وعلى مواضع سمعهم "، ثم حذف المضاف وإنما أعيدت " على " ~~في قوله: " {وعلى سمعهم وعلى أبصارهم} للتأكيد في الوعيد. # وقيل: أعيدت لأجل مخالفة السمع للقلوب في أنه أتى / بلفظ التوحيد، وأتت ~~القلوب بالجمع. # وقيل: أعيدت لأن الفعل مضمر مع الحرف تقديره: " وختم على سمعهم ". فأما ~~إعادة الحرف في {وعلى أبصارهم}، فللعلل التي ذكرنا، ولأنه حرف متصل بفعل ~~مضمر غير الأول فقويت فيه الإعادة، والتقدير: " وجعل على أبصارهم غشاوة ". ~~وهذا، إنما هو على قراءة من نصب غشاوة، وهو مروي عن عاصم. # فأما من رفع، فإنما أعيد الحرف لأنه مخالف للأول، لأنه خبر ابتداء. PageV01P148 # ومعنى الغشاوة الغطاء، ومنه: " غاشية السيف والسرج " أي غطاؤه. # وفي {غشاوة}، لغات قرئ بها، وهي فتح الغين؛ وبه قرأ أبو حيوة، وضم الغين؛ ~~وبه قرأ الحسن. وقرأ الأعمش " غشوة " على فعلة. # وقوله: {ومن الناس من يقول} الآية. # أصل نون " من " أن تكسر لالتقاء الساكنين كنون " عن " إذا لقيها ساكن، ~~لكنها فتحت استثقالا لاجتماع كسرتين / في حرف على حرفين. # والهاءات من قوله: {سوآء عليهم} إلى قوله: {ولهم عذاب عظيم} تعود على ~~الكفار كلهم على من سبق في علم الله منهم أنه لا يؤمن. PageV01P149 # وقيل: تعود على كفار اليهود الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة، والسورة مدنية. # وقيل: عني بهذه الآية المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر. # قوله: {يخادعون الله}. # الخداع: إظهار خلاف الاعتقاد. # وقوله: {وما يخدعون إلا أنفسهم}. # أي وباله يرجع عليهم. واختار ms0029 جماعة من العلماء: (وما يخدعون) - بفتح ~~الياء وسكون الخاء - من غير ألف، وهي قراءة ابن عامر وأهل الكوفة، وإنما ~~اختاروا ذلك لأن الله جل ذكره أخبر عنهم أولا أنهم {يخادعون الله}. # ولفظ قوله: {وما يخدعون إلا أنفسهم}، نفي ذلك، فيصير في ظاهر اللفظ قد ~~أوجب شيئا ثم نفاه بعينه، فوجب أن يختاروا {وما يخدعون} PageV01P150 # ليكون المنفي على معنى مخالفا للموجب. # [فأما وجه] قراءة من قرأ الثاني " {وما يخدعون} بألف فهو على معنى: وما ~~يخادعون تلك المخادعة المذكورة عنهم إلا أنفسهم، إذ وبالها راجع عليهم. # و" خادع " في اللغة، يجوز أي يكون معناه / معنى " خدع " من واحد. ومعنى " ~~خدع " بلغ مراده. فلذلك أجمع القراء على {يخادعون} في الأول لأنه ليس ~~بواقع، وفي الثاني {يخادعون} بغير ألف لأنه أخبر تعالى أنه واقع بهم وراجع ~~عليهم. # وذكر القتبي أن معنى الأول: يخادعون بالله الذين آمنوا / وهو قولهم إذا ~~لقوا المؤمنين: آمنا ". # وأصل المفاعلة أن تكون من اثنين، لكن قد أتت من واحد، قالوا: " عاقبت ~~اللص "، " وطارقت النعل " و " جازيت فلانا وحاديته ووادعته وداريته ". # والمخادعة في هذا المعنى إنما هي للنبي / صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أي ~~يخادعون نبي الله وأولياءه. و " خدع " فعل واقع، و " خادع " فعل يجوز أن ~~يقع، ويجوز ألا يقع، PageV01P151 # فلذلك اختار بعض العلماء، {وما يخدعون} إلا أنفسهم لأنه فعل واقع بهم بلا ~~شك، " فيخدعون " أولى من " يخادعون " الذي يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع. # وقوله: {وما يشعرون}. # أي ليس يشعرون، أي يعلمون أن ضر مخادعتهم راجع عليهم. # وقوله: {ولهم عذاب أليم}، أي مؤلم. # وجمع " أليم " فيه ثلاثة أوجه: # إن شئت: " إلام " ككريم وكرام، وإن شئت: ألماء كظريف وظرفاء وإن شئت " ~~ألام " كشريف وأشراف. # و" فعيل " يأتي على ضربين: اسم وصفة؛ فإذا كان اسما، فجمعه في أقل العدد ~~على " أفعلة "، وفي أكثره على " فعل " كرغيف وأرغفة ورغف. وقد يأتي في ~~الكثير على " فعلان "، قالوا: " رغفان وقضبان وكثبان "، وقد أتى على " ~~أفعلاء "، نصيب وأنصباء، وخميس وأخمساء ". PageV01P152 # فإن كان " فعيل " صفة، فهو ms0030 على نوعين: سالم ومعتل: # - فالسالم يجمع على " فعلاء " نحو " كرماء "، و " علماء " وقد قالوا: ~~كرام وشراف. # - والمعتل يجمع على أفعلاء نحو " أولياء " و " أصفياء ". # وكذلك المضاعف نحو " أشداء " و " أشحاء "، وقد قالوا: أنبياء يجمع على ~~أفعلاء على تقدير لزوم تخفيف الهمزة فيصير " كتقي وأتقياء ". ومن همز قال: ~~نبئاء على " فعلاء " ويجوز على مذهب من همز أنبياء [بجعله نادرا] " كخميس ~~وأخمساء ". وقد قالوا: [في جمع] جليل: جلة، وهو نادر استغنوا به عن " أجلاء ~~". # وقوله: {في قلوبهم مرض}. أي: شك ونفاق. PageV01P153 # {فزادهم الله مرضا}. # الزيادة هنا هي نزول القرآن بالفروض فلا يتبعونها، فيزدادون شكا، ويزداد ~~المؤمنون بعمل الفرائض إيمانا كما قال: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا} [التوبة: 124 - ~~125]. # وقوله: {بما كانوا يكذبون}. أي بتكذيبهم الرسل. # وقيل: بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم. وهذا التفسير يدل على صحة ~~قراءة من قرأ {يكذبون} بالتشديد، ويدل على قوة التشديد أن الكذب لا يوجب ~~العذاب الأليم، إنما يوجبه التكذيب. وأيضا فإنه تعالى أخبر عنهم بالشك في ~~أول الكلام، ومن شك في شيء فقد كذب به، فالتكذيب أولى بآخر الآية على هذا ~~القول. # ومما استدل به من قرأه {يكذبون} / بالتخفيف؛ أن الله جل ذكره أخبر أنهم ~~يقولون: {آمنا} وقال: {وما هم بمؤمنين}. فأخبر عنهم بالكذب في قولهم: ~~{آمنا}. وتوعدهم عليه بالعذاب الأليم، وهو من الكذب أولى من أن يكون من ~~التكذيب إذ لم يتقدم في صدر الآية إلا الإخبار عنهم بالكذب، لا بالتكذيب. PageV01P154 # والقراءتان قويتان متداخلتان حسنتان لأن المرض الشك ومن شك في شيء فقد ~~كذب به. # قوله: {وإذا قيل لهم}. # كل النحويين على أن " إذا " ظرف زمان مستقبل. # وقال المبرد: " هي في المفاجأة ظرف مكان إذا قلت: " خرجت فإذا زيد ". ~~واستدل على ذلك بأنها قد تضمنت الجثة، وظروف الزمان لا تتضمن الجثة، لو قلت ~~" اليوم زيد " لم يجز إلا على حذف مضاف تقديره /: اليوم حدوث زيد. # وقال أكثر النحويين: " إذا ": في المفاجأة ظرف زمان على أصلها والتقدير: ms0031 ~~" خرجت فإذا حدوث زيد وظروف الزمان تتضمن المصادر كظروف المكان. # وأصل " قيل ": " قول " فألقيت حركة الواو على القاف وانقلبت الواو ياء ~~لسكونها / وانكسار ما قبلها. وكذلك " بيع " أصله " بيع "، فألقيت حركة ~~الياء PageV01P155 # على الباء، فصارت ذوات / الواو والياء بلفظ واحد، وهي اللغة المشهورة ~~المستعملة. ولك أن تشم القاف والياء بالضم الذي هو أصلها، وقد قرئ به. # ولك في غير القرآن أن تقول: " قول ": فتسكن الواو استثقالا للكسر عليها، ~~وتترك القاف على ضمتها، وكذلك يجوز لك فيما كان عينه ياء، نحو: " بوع ~~المتاع "، فيصير ذوات الواو والباء بلفظ واحد، كما صار في اللغة الأولى ~~المستعملة بالياء فيهما. # قوله: {لا تفسدوا}. # أي: لا تعبدوا إلا الله، وعبادة غير الله من أعظم الفساد. # وحكى الكسائي " اللرض " بتشديد اللام وعوض من الهمزة لاما، وإدغامها في ~~لام التعريف. وقال الفراء في هذه اللغة: " إن لام التعريف لما ألقي عليها ~~حركة الهمزة استكره ذلك فيها إذ أصلها السكون، فزيد بعدها لام أخرى وأسكن ~~الأولى فردها إلى أصلها وأدغمها في اللام المزيدة، فرجعت لام التعريف إلى PageV01P156 # أصلها وهو السكون ". # قوله: {قالوا إنما نحن مصلحون}. # هذا قولهم على دعواهم وليسوا كذلك، لأن من أبطن الكفر وأظهر الإيمان فهو ~~من أعظم المفسدين. وهذا كله خبر عن المنافقين. # قال مجاهد وغيره: " أربع آيات من أول سورة البقرة / نزلت في نعت المؤمنين ~~وآيتان بعد ذلك في نعت الكافرين، [وثلاث عشرة] آية بعد ذلك في نعت ~~المنافقين. # وقال مقاتل بن سليمان: " الآيتان الأوليان من سورة البقرة اللتان آخرهما ~~{ينفقون} نزلتا في المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المهاجرين. والآيتان اللتان آخرهما {المفلحون} نزلتا في المؤمنين من أهل ~~التوراة، والآيتان اللتان بعدهما، اللتان آخرهما {ولهم عذاب عظيم} نزلتا في ~~الكفار. [وثلاث عشرة] آية بعدهما نزلن في PageV01P157 # المنافقين من أهل الكتاب ". # قوله: {نحن}. # هو اسم مضمر يقع للواحد الجليل القدر، وللاثنين وللجماعة. # وحقه البناء على السكون لأنه مضمر، والمضمرات كلها مبنية؛ وإنما بنيت ~~لأنها مشابهة للحروف، إذ لا تخص شيئا بعينه، ms0032 ولأنها تكون على حرف واحد، ~~وحرف واحد لا يعرب. وإنما حرك " نحن " وحقه السكون لأن قبل آخره ساكن يحرك ~~الآخر لالتقاء الساكنين. واختير لها الضم في قول المبرد لأنها مشبهة ب " ~~قبل " و " بعد "، وذلك لأنها تتعلق بالإخبار عن اثنين فأكثر. # وقال هشام الكوفي: " أصل " نحن ": نحن، فردت حركة الحاء على النون بعدها ~~". PageV01P158 # وقال أحمد بن يحيى: " ضمت " نحن " لقوتها لأنها تضمنت التثنية [والجمع]، ~~وقد تكون للواحد فأعطيت أقوى الحركات وهي الضم ". # وقيل: إنما ضمت لتضمنها تثنية وجمعا، فصارت مشبهة ب " حيث " لانها تضمنت ~~مكائن. # وقال الزجاج: " لما كانت الواو من علامات الجماعة واحتيج إلى حركة النون ~~من " نحن " لسكونها وسكون ما قبلها، حركت بما يشبه الواو وما هو منها، وهي ~~الضمة. ولهذا ضموا واو الجمع إذا احتاجوا إلى حركتها في نحو قوله: {اشتروا ~~الضلالة} [البقرة: 16]. # وقال علي بن سليمان: " نحن " من علامات المضمر المرفوع فلما احتيج إلى PageV01P159 # حركته حركوه بأخت الرفع وهو الضم ". # ومعنى قولهم: {إنما نحن مصلحون} أي هذا الذي تسمونه / فسادا هو صلاح ~~عندنا. # وقيل: إن معناه: [أنهم قالوا]: نريد الإصلاح بين المؤمنين وأهل الكتاب. # وعن سلمان الفارسي أنه قال: " لم يجىء هؤلاء بعد ". # وأكثر المفسرين على أن هذا نزل في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: معنى قول سلمان: " لم يجئ هؤلاء بعد " أي لا يأتون لأنهم قد ~~انقرضوا. PageV01P160 # فإن قيل: ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، فقد أخبر الله عنهم أنهم ~~لا يعلمون أنهم مفسدون / فالجواب أن القوم كانوا يبطنون الفساد وهم يعلمون ~~به، ويظهرون / الصلاح الذي ادعوا، وهم لا يشعرون أن الله يظهر ما يبطنون، ~~فإنما معنى {ولكن لا يعلمون}: أي لا يعلمون أن الله يظهر ما يبطنون من ~~النفاق والكفر. # والهاءات من: {وإذا قيل لهم} إلى {يشعرون} يعدن على " من " في قوله: {من ~~يقول آمنا} وهم المنافقون. وعلى هذا أكثر الناس. # ودخلت الألف واللام في (المفسدين)، لأنه جواب كلام سبق منهم إذ قالوا: ~~محمد ms0033 وأصحابه مفسدون في الأرض. # فأخبر الله أنهم هم المفسدون، ولو كان على غير جواب لم يدخله الألف ~~واللام. ألا ترى لو أنك قال لك قائل: " أنت ظالم "، فأردت أن ترميه بغير ~~الظلم لقلت: " أنت كاذب أنت فاسق "، ولا تقوله بالألف واللام، لأنه غير ~~جواب قوله. # فإن أردت أن ترميه بمثل ما رماك به، قلت له: " أنت الظالم "، ولو أضمرت / ~~لقلت: " أنت هو ". ولو رميته بمثل ما رماك به لم يجز الإضمار في جوابك، PageV01P161 # إنما تضمر إذا رميته بمثل ما رماك به، لأنه معرفة، فالجواب معرف أبدا إذا ~~كان رد اللفظ / الأول. # قوله: {كمآ آمن السفهآء}. # أصل السفه قلة الحلم، فقيل للجاهل سفيه لقلة حلمه يقال: ثوب سفيه، أي بال ~~رقيق. # قول: {ألا إنهم هم السفهآء}. # رد الله عليهم قولهم وأعلم المؤمنين أنهم أحق بهذا الاسم، ولا عذر لهم ~~فيما وصفهم الله به من السفه لأنهم إنما لحقهم ذلك إذ عابوا الحق وخالفوه، ~~وسفهوا المؤمنين واستحقوا هذا الاسم لفعلهم، وكانوا به أولى من المؤمنين. # قوله: {ولكن لا يعلمون}. # معناه [أنهم لا يعلمون] أنهم أولى بهذا الاسم وهو السفه، وأن الله يطلع ~~المؤمنين على ما يبطنون. # قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا} الآية. PageV01P162 # أصل " لقوا ": " لقيوا "، فألقيت حركة الياء على القاف، وحذفت الياء ~~لسكونها وسكون الواو بعدها. [وهذه] صفة المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون ~~الكفر. # قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم}. # يعني أصحابهم، وقيل: رؤساؤهم في الكفر قال الله: {شياطين الإنس} ~~[الأنعام: 112] فسمى أهل الفسق من الإنس شياطين. # وقيل: الشياطين هنا الكهان. # وقيل: هم الكفار والمنافقون إذا لقوهم قالوا: {إنا معكم} أي على دينكم. # و" إلى " بمعنى " مع "، كما قال: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} ~~[النساء: 2]، أي مع أموالكم. PageV01P163 # وقيل: إلى على بابها. # [والعرب] تقول: " خلوت به "، و " خلوت إليه ومعه "، لكن الباء يجوز أن ~~تدل على أن معنى " خلوت به " من السخرية و " إلى " لا تدل إلا على " خلوت ~~إليه " في أمر ما. والآية ليست / على معنى السخرية، فلذلك لم يأت بالباء ~~لما فيها ms0034 من الإشكال إذ هي تحتمل معنى " إلى "، وتحتمل السخرية. وأيضا فإن ~~معنى " إلى " أنه على معنى: [وإذا صرفوا] إلى شياطينهم / قالوا: إنا معكم، ~~أي على دينكم [فالجالب ل إلى "] الانصراف الذي دل عليه الكلام، والباء لا ~~تدخل مع الانصراف الذي دل عليه الكلام، فلذلك أيضا لم تدخل مع " خلوا ". # وفي اشتقاق " شيطان " قولان: # - قيل: هو فعلان من " شيط " فلا ينصرف إذا سميت به في المعرفة للتعريف PageV01P164 # والزيادتين كعثمان، وينصرف في النكرة، وذلك المستعمل فيه في الكلام ~~والقرآن. أعني النكرة على أنه واحد من جنسه كسرحان اسم واحد " الذئاب ". # - وقيل: هو (فيعال) من الشطن وهو الحبل، فيكون معناه أنه ممتد في الشر، ~~ومنه " بئر شطون "، إذا كانت بعيدة الاستقاء. وهو عند القتبي فيعال " من ~~شطن " أي بعد من الخير يقال: " شطنت داره "، أي بعدت. # فهو ينصرف على هذين القولين في المعرفة والنكرة. وتصغيره على القول الأول ~~في المعرفة شيطان، ولا يجمع على شياطين إلا أن تجعله نكرة فيجمع على ~~شياطين. " كسرحان، وسراحين، ووزنه فعالين على مذهب من جعله من " شيط " ~~ووزنه (فياعيل) على مذهب من جعله من " شطن " وتصغيره على القولين الآخرين " ~~شييطين " في المعرفة والنكرة. # قوله: {إنما نحن مستهزئون}. # أي نستهزئ بالمؤمنين في قولنا / لهم: " آمنا ". وهمزة " مستهزئون " يجوز ~~في تخفيفها وجهان: أحدهما: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والواو PageV01P165 # الساكنة، وهو قول سيبويه. # والوجه الثاني: أن تجعلها بين الهمزة المضمومة والياء الساكنة لأجل ~~انكسار ما قبلها وهو قول الأخفش. وحكى بدلها بياء مضمومة وليس بقياس. # قوله: {الله يستهزىء بهم}. # معناه: الله يجازيهم على قولهم. والعرب تسمي جزاء الذنب باسمه. قال الله ~~جل ذكره: {وجزآء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40]. وقال: {فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194]. # فالأول من هذا استهزاء وسيئة، وعدوان، والثاني: جزاء عليه، فسمي باسمه ~~اتساعا لأن المعنى قد علم. # وقيل: معنى {الله يستهزىء بهم}: أي يقطع عنهم نورهم يوم القيامة إذا ~~أخلوا على الصراط [ويديم نور] المؤمنين وهو قوله: {فالتمسوا نورا فضرب ~~بينهم بسور} ms0035 [الحديد: 13]، فهو يعطيهم يوم القيامة نورا لا يتم لهم، ولا PageV01P166 # ينتفعون به / لانقطاعه عنهم. # وقال الحسن: " إن جهنم تجمد كما تجمد الإهالة في القدر، فيقال لهم: هذا ~~طريق، فيمضون فيه فيخسف بهم إلى الدرك الأسفل من النار. # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " يقال لأهل النار يوم القيامة: ~~أخرجوا من النار. وتفتح لهم أبواب النار فإذا رأوا الأبواب قد فتحت أقبلوا ~~إليها، يريدون الخروج منها، والمؤمنون ينظرون إليهم من الجنة - وهم على ~~الأرائك - فإذا انتهى أهل النار إلى أبوابها يريدون الخروج منها غلقت ~~[أبوابها دونهم]، فذلك قوله: {الله يستهزىء بهم}، قال: ويضحك المؤمنون عند ~~ذلك، وهو قوله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} [المطففين: 34]. # وقيل معنى: {الله يستهزىء بهم} أي يظهر لهم من أحكامه في الدنيا في حقن ~~دمائهم وسلامة أموالهم خلاف ما يظهر لهم من عذابه يوم القيامة جزاء على ~~إظهارهم للمؤمنين في الدنيا خلاف ما يبطنون. # وقيل: معناه: يملي لهم، كما قال: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [القلم: ~~44]. PageV01P167 # / قوله: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون}. # أي يطيل لهم في الأجل المكتوب لهم، وهم في طغيانهم يتحيرون. والطغيان ~~والعتو والعلو بغير الحق، والعمه التحير. # / وقيل: معنى {يعمهون} يركبون رؤوسهم، فلا يبصرون رشدهم كما قال: {أفمن ~~يمشي مكبا على وجهه} [الملك: 22] وهذا كله من صفات المنافقين عند أكثر ~~المفسرين. # وقال الضحاك: " هو في اليهود ". # قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} الآية. # أي هؤلاء الذين تقدمت صفاتهم هم الذين باعوا الهدى بالضلالة لأنهم لما ~~مالوا إلى الضلالة وتركوا الهدى، كانوا بمنزلة من باع شيئا بشيء، فوصفوا ~~بذلك. # وأصل الضلالة الحيرة، ويسمى الهالك التالف ضالا نحو قوله: {أءذا ضللنا في ~~الأرض} [السجدة: 10] أي هلكنا وتلفنا. ومنه قوله: {أضل أعمالهم} [محمد: 1]، ~~أي أتلفها PageV01P168 # وأهلكها وأبطلها. ومنه قوله: {فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4] أي لن يبطلها ~~ويتلفها ويهلكها. # فكأن هؤلاء لما أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى كانوا بمنزلة من لم يربح في ~~تجارته، وأضاف الربح إلى التجارة لأن المعنى مفهوم وهو من اتساع العرب ~~ومجازه. وهو ms0036 كثير في القرآن أي في كتاب الله، إذ هو من كلام العرب، والقرآن ~~نزل بكلامهم فلا ينكر أن يأتي القرآن بما هو في كلام العرب معروف مشهور إلا ~~من عدم حسه وفارق فطنته، ومثله قولهم: " نهارك صائم وليلك قائم "، / ومنه ~~قوله: {بل مكر اليل والنهار} [سبأ: 33]. وهو كثير في الكلام والقرآن. # وحركت الواو في " اشتروا " لسكونها، وسكون لام التعريف بعدها، وكان الضم ~~أولى بها لأنها واو جمع، ولأن الضمة عليها أخف من الكسرة، ولأن لام الفعل ~~المحذوفة قبلها كانت مضمومة. وأصله " اشتريوا " فقلبت / الياء ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها، وحذفت الألف لسكونها وسكون الواو بعدها. وبقيت الفتحة ~~تدل على الألف، ولم ترد الألف عند حركة الواو لأن حركتها عارضة ليست ~~بلازمة. # ويجوز في الواو الكسر والفتح. ويجوز الهمز، وهو بعيد جدا. PageV01P169 # وقوله: {وما كانوا مهتدين}. # أي لم يكونوا في علم الله السابق ممن يهتدي فيؤثر الهدى على الضلالة. # قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} الآية. # معناه مثل هؤلاء المنافقين في حقنهم دماءهم بما أظهروا من الإيمان وسترهم ~~على غير ذلك، كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله، ذهب الله بنورهم. ~~فضياء ما حولهم هو ما حقن إقرارهم من دمائهم ومنع من أموالهم في الدنيا. # وقوله: {ذهب الله بنورهم}. # هو ما يجدون يوم القيامة من عدم نورهم لأنهم لا ينتفعون بما أظهروا من ~~الإيمان إذ كان باطنهم خلاف [ما أظهروا]. # وقوله: {استوقد نارا}. أي استوقدها من غيره. # وقيل: معناه: أوقد، أي أوقدها هو. # واستفعل في كلام العرب يأتي على وجهين: # - يكون بمعنى استدعى الفعل من غيره نحو قوله: PageV01P170 # {وإذ استسقى موسى لقومه} [البقرة: 60]. أي استدعى أن يسقوا. # - ويكون بمعنى فعل، نحو قوله: {واستغنى الله} [التغابن: 6] فلم يستدع غني ~~من واحد، وبعده: {والله غني} [التغابن: 6] يدل على ذلك. # و" ما " في قوله: {أضآءت ما حوله} في موضع نصب ب " أضاءت ". # وقيل: هي زائدة / لا موضع لها من الإعراب. والمعنى: " فلما أضاءت النار، ~~الموضع الذي بحوله. " فما " غير زائدة. # قال قتادة: " هي ms0037 لا إله إلا الله، قالوها بأفواههم فسلموا بها من القتل ~~حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم ". # قال مجاهد: " هو إقبالهم على المؤمنين والهدى. وذهاب النور، هو إقبالهم ~~على الكفار. # وقيل: ذهب الله بنورهم، أي أظهر المؤمنين على ما أبطنوا من الكفر ~~والنفاق. PageV01P171 # فبعد أن كان لهم عند المؤمنين نور بما أظهروا من الإيمان صاروا لا نور ~~لهم عندهم، لما أعلمهم به من سوء / ما أبطنوا. # والقول الأول عليه أكثر المفسرين؛ أن ذهاب نورهم إنما يكون يوم القيامة ~~وهو الذي ذكره الله في قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13]. # والهاء والميم تعود على " الذي " لأنه بمعنى " الذين كما قال: {والذي جآء ~~بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} [الزمر: 33]. وفي هذا اختلاف ستراه في ~~موضعه إن شاء الله. # ومنه قول الشاعر: # إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا وأم خالد # وقيل: تعود على المنافقين المتقدمي الذكر. # وجواب " لما " محذوف تقديره: فلما أضاءت ما حوله طفئت، ذهب الله بنورهم. # قوله: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون}. # هذا تمثيل للكفر الذي هم فيه يسيرون. PageV01P172 # وقيل: هو شيء يكون في الآخرة، وهو قوله: {فضرب بينهم بسور} [الحديد: 13]. # فظلمات جمع ظلمة، ويجوز إسكان اللام من " ظلمات " استخفافا، ومن العرب من ~~يبدل من الضمة فتحة، فيقول ظلمات. # وقال الكسائي: " من قال: ظلمات بفتح اللام فهو جمع " ظلم "، و " ظلم " ~~جمع " ظلمة ". ولا يجوز الفتح في مثل هذا في الحرف الثاني مما لامه واو ~~ونحو خطوات. إنما / يجوز الإسكان لا غير. فإن كان اللام ياء لم يجز فيه إلا ~~الإسكان نحو [كلية وكليات]. # قوله: {صم بكم عمي}. # أي هم صم عن الحق وسماعه، وهم بكم عن قول الإيمان وهم عمي عن النظر / إلى ~~الآيات الدالات على الإيمان بالله ورسوله. وإنما وصفوا بذلك، ولم يكونوا ~~صما ولا بكما وعميا، لأنهم لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح كانوا بمنزلة من ~~عدمها، / فلم ينتفع بها. # وقوله: {فهم لا يرجعون} أي لا يرجعون عن ضلالتهم. ms0038 PageV01P173 # قوله: {أو كصيب من السمآء} الآية. # الصيب: المطر، وأصله " صيوب " عند البصريين من " صاب " يصوب "، والصوب: ~~نزول المطر. يقال: " صاب المطر " إذا نزل. # وقال الكوفيون: " أصله صويب على فعيل كرغيف، ويلزمهم ألا يعلوه كما لم ~~يعلوا " طويلا ". واعتل عند البصريين لأن الياء إذا أسكنت وأتت بعدها واو، ~~قلب من الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية " كميت " و " هين ". # وقيل: الصيب: السحاب الذي فيه المطر، لا المطر، روي عن ابن عباس. # ومعنى: صاب: نزل وقصد. والمعنى أن الله جل ذكره أباح للمؤمنين PageV01P174 # أن يمثلوا المنافقين بالذي استوقد نارا أو بالصيب. و " أو " للإباحة. ~~وجمع " صيب ": صيائب. # والرعد: مختلف فيه، فقال مجاهد: " هو ملك يزجر السحاب بصوته، فالمسموع ~~صوته ". # وقال شهر بن حوشب: " الرعد ملك يتوكل بالسحاب / يسوقه كما يسوق الحادي ~~الإبل يسبح كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه ~~فهي الصواعق ". # وقال ابن عباس: " الرعد ريح "، قيل: إنها تختنق تحت السحاب، فتتصاعد ~~فيكون منه ذلك الصوت. # وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: " الرعد اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، ~~فإذا اشتد زجره بالسحاب، اضطرم السحاب من خوفه فيحتك، فتخرج الصواعق PageV01P175 # من بينه ". # ومعنى الآية عند ابن عباس أنه مثل ضربه الله في المنافقين، فالظلمات ما ~~هم فيه من الكفر والحذر من القتل على ما أبطنوا. # ومعنى: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي يكاد الحق الذي دعوا إليه فخالفوه ~~أن يهلكهم. # وقوله: {محيط بالكافرين} أي جامعهم بقوة. # قوله: {كلما أضآء لهم مشوا فيه}. # هو مثل لما أظهروا من الإيمان الذي حقن دماءهم ومنع من أموالهم. {وإذآ ~~أظلم عليهم قاموا}: أي ثبتوا على ما أبطنوا من كفرهم. # وقال ابن مسعود: " كان رجلان من المنافقين هربا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، واشتد عليهم البرق ~~والصواعق وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، نضع بأيدينا في يده، PageV01P176 # فأصبحا فأتياه، وحسن إسلامهما. فضرب الله شأنهما وما نزل بهما ms0039 مثلا ~~للمنافقين الذين كانوا بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا مما ينزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيهم من نفي أو قتل كما فعل الرجلان خوفا من صوت الصواعق ". # ودل على ذلك قوله تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم} ~~[التوبة: 64]. # وعن ابن مسعود أيضا في الآية أن قوله: {كلما أضآء لهم مشوا فيه} معناه: ~~إذا كثرت أموالهم وغنموا ودامت سلامتهم قالوا: إن دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم دين صدق وتمادوا على إظهار الإيمان وهو قوله: {كلما أضآء لهم مشوا ~~فيه} أي تمادوا على حالهم، فإذا أحربوا وهلكت أموالهم، قالوا: هذا من أجل ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: {وإذآ أظلم عليهم قاموا} أي رجعوا ~~إلى كفرهم ونفاقهم. PageV01P177 # وقال الحسن: " معنى المثل الأول في قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} ~~أنه تعالى مثل المنافقين كمثل رجل يمشي في ليلة مظلمة وفي يده شعلة من نار ~~فهو يبصر بها موضع قدميه، فبينا هو كذلك أحوج ما كان إلى الضياء طفئت ناره ~~/ فلم يبصر كيف يمشي. وإن المنافق تكلم ب " لا إله إلا الله " فناكح بها ~~المسلمين وحقن دمه وأحرز ماله. فلما كان عند الموت والحاجة / إليها سلبه ~~الله إياها إذ لم تكن حقيقة، فبقي لا شيء معه كما بقي ذلك الرجل في ظلمة لا ~~ضوء معه ". # وقيل: هي مثل في اليهود إذ في كتابهم ذكر محمد [عليه السلام] وصفته، ~~فرأوه وعلموه فلم ينفعهم ذلك وكفروا به على علم منهم أنه نبي حق ". # وعلى أن الأمثال ضربها الله في المنافقين أكثر أهل التفسير. # قال الربيع بن أنس: معنى ذلك مثلهم كمثل قوم صاروا في ليلة مظلمة فيها ~~رعد ومطر وبرق على جادة ظلماء، فإذا [أبرق أبصروا] ومشوا، / وإذا أظلم PageV01P178 # تحيروا وشكوا في الجادة. وكذلك المنافق؛ إذا تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له ~~الأمر، وإذا شك تحير وانتكس فصار في ظلمة من أمره ". # قوله: {ولو شآء الله لذهب بسمعهم ms0040 وأبصارهم} الآية. # / خص الله جل ذكره ذكر السمع والبصر [لتقدم ذكرهما] قبل ذلك، ووحد السمع ~~لأنه مصدر يدل على القليل والكثير من جنسه. # وقيل: معنى الآية: " لو شاء الله لأطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~نفاقهم وكفرهم فيستحل دماءهم وأموالهم وأولادهم، وفيه تهديد ووعيد. # واختلف في البرق؛ فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " هو مخاريق ~~الملائكة ". # وعنه أنه قال: " يحدث من ضرب الملك السحاب بمخراق من حديد " # وقال " الرعد صوت الملك ". PageV01P179 # وعن ابن عباس: " أن البرق سوط من نور يزجي به الملك السحاب " يريد أن ~~البرق نور السوط إذا ضرب به. # وقال مجاهد: " البرق مصع الملك " والمصع الضرب، والمصاع عند العرب ~~المجالدة بالسيوف والمخاريق السياط، واحدها مخراق وهو السوط. # وروى مجاهد عن ابن عباس " أن البرق ملك يتراءى ". # وفي يخطف " أوجه وقراءات أفصحها " يخطف " بفتح الطاء مخففا. ولغة أخرى ~~بكسر الطاء مخففا، وبه قرأ علي بن الحسين وابن وثاب، فدل ذلك على أنه يقال: ~~خطف، يخطف، وخطف يخطف لغتان فيه. PageV01P180 # - ووجه ثالث: قرأ به الحسين وقتادة وعاصم الجحدري وهو كسر الخاء والطاء ~~والتشديد، وأصله، " يخطف "، فأدغم التاء في الطاء بعد أن أسكنها وكسر الخاء ~~لالتقاء الساكنين. # - ووجه رابع: وهو فتح الخاء وكسر الطاء مشددا وأصله أيضا " يختطف "، ثم ~~ألقى حركة التاء [على الخاء]، وأدغم التاء في الطاء، وهو مروي أيضا / عن ~~الحسن. # وحكى الفراء إسكان الخاء، والتشديد عن بعض أهل المدينة. كأنه أدغم التاء ~~في الطاء، وترك الخاء على سكونها في " يختطف "، وهو بعيد، لأنه جمع بين ~~ساكنين ليس أحدهما حرف لين. # - ووجه سادس: ذكره الأخفش والكسائي والفراء، وهو كسر الياء والخاء ~~والتشديد، وهو كالوجه الثالث إلا أنه كسر الياء للاتباع. # - ووجه سابع: قرأ به أبي، وهو " يتخطف " على " يتفعل " مثل PageV01P181 # " يتغسل ". # ومعنى يخطف يأخذ بسرعة. # وفي " أضاء " لغتان: ضاء وأضاء بمعنى حكاهما الفراء. # قوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} الآية. # قال ابن مسعود: " كل شيء في القرآن، {يا أيها الناس} فهو مكي، وكل شيء في ~~القرآن: ms0041 {ياأيها الذين آمنوا} فهو مدني ". وقاله عروة بن الزبير والضحاك. # قال أبو محمد: وهذا القول إنما هو على الأكثر وليس بعام، لأن البقرة ~~والنساء مدنيتان وفيهما {يا أيها الناس}. وفي كثير من السور المكية {ياأيها ~~الذين آمنوا} [البقرة: 104] ومعنى الآية يا أيها الناس، أخلصوا العبادة ~~لربكم الذي خلقكم، وخلق الذين كانوا من قبلكم، وإنما خاطب الله الكفار بهذا ~~لأنهم كانوا مقرين بأن الله PageV01P182 # خالقهم، دليل ذلك قوله: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: ~~87]. فقيل لهم: إذا كنتم مقرين بأن الله خالقكم فاعبدوه، ولا تجعلوا له ~~شركاء، ومعنى الخلق الاختراع. # وقيل: هو التقدير، تقول: " خلقت الأديم " إذا دبرته وقدرته. # / والخلق الذي هو الاختراع والابتداع على أربعة أوجه: # - الأول: خلق ما لم يكن كخلق الله العالم من غير شيء. # - والثاني: قلب عين إلى عين، كقلب الله النطفة علقة والعلقة مضغة، ~~والمضغة عظاما / فالثاني غير الأول. # - والخلق الثالث: تغيير العين وهي موجودة كرد الله الصغير كبيرا، والأبيض ~~أصفر، فالعين قائمة والصفة تغيرت. # - والرابع: تغير الحال والعين كما هو، نحو كون القائم قاعدا، والعاجز ~~قادرا، فلم تتغير العين ولا الصفة، إنما تغيرت الحال. PageV01P183 # قوله: {لعلكم تتقون}. # أي تتقون ما نهاكم الله عنه. # وقيل: معناه لعلكم تتقون " الذي جعل ". " فالذي " في موضع نصب ب {تتقون}. ~~و " لعل " مردودة إلى المخاطبين. والمعنى اعبدوه واتقوه على رجائكم وطمعكم. # وحكى الزجاج: أن " لعل " بمعنى " كي " في هذا الموضع، وهو بعيد. # قوله: {الذي جعل لكم الأرض فراشا}. # أي بساطا، وإنما سميت الأرض أرضا لارتعادها عند الزلازل. يقال: " رجل ما ~~روض " إذا / كانت به رعدة، " وأرض ماروضة " إذا كانت كثيرة الزلازل. # وقوله: (مهادا) هو خصوص مهد الله من الأرض ما بالناس إليه حاجة ومنفعة. ~~وإلا ففيها السهل والوعر والجبال والأودية والهبوط والصعود. # قوله: {والسماء بنآء}. # أي مرتفعة عليكم. والسماء تذكر وتؤنث. # وقال المبرد: " السماء هنا جمع [سماوة] (*) [كتمرة وتمر]، ودليله قوله: ~~PageV01P184 # {فسواهن} [البقرة: 29]. ولم يقل " فسواها ". # وتجمع السماء / إذا كانت واحدة على ستة أبنية: # - جمعان مسلمان، تقول: سماوات وسماءات. ms0042 # - وجمعان مكسران لأقل العدد، تقول: سماء واسم وأسمية. # - وجمعان مكسران لأكثر العدد، تقول سماء وسمايا وسمي، وإن شئت كسرت السين ~~في " سمي ". وقد جاء في الشعر " سماءيا ". وفيه اتساعات ثلاثة. قال: / ~~الشاعر: # سماء الإله فوق سبع سماءيا. ... فعلى هذا يجوز أن تجمع سماء على سماء ~~كصحار. فالشاعر شبه سماء برسالة لأن السماء فعال، ورسالة فعالة، وهما أختان ~~في عدد الحروف والحركات. # - والثالث فيها ألف بعدها كسرة، فكان يجب أن تقول " سمايا "، كما تقول: " ~~رسائل " و " خطايا "، فأتى به على الأصل، فقال " سمائي "، ثم لحقته ضرورة ~~أخرى PageV01P185 # فأجرى المعتل مجرى السالم فقال: سمائي، وكان [حقه إذ] أتى به على الأصل ~~أن يقول " سماء " كجوار وقاض لكنه أجراه للضرورة مجرى ما لا ينصرف من ~~السالم ففتح، ثم أطلق الفتحة فصارت ألفا، فقال " سماءيا ". ففيه ثلاثة ~~اتساعات. # وفي الوقف على السماء المنصوبة خمسة أوجه: # -[أولها: أن تقف] على همزة ساكنة بعد مدة. # - والثاني: أن تروم حركة الهمزة وتمد. # - والثالث: أن تجعل الهمزة بين بين، وتروم الحركة وتمد. # - والرابع: أن تبدل من الهمزة أيضا ثم تحذفها لسكونها وسكون الألف التي ~~قبلها ولا تمد. # - والخامس: أن تبدل أيضا وتحذف وتمد لتدل المدة على الأصل لأن الحذف ~~عارض. وفي الوقف على بناء المنصوب أوجه: # - " بناء " بهمزة مفتوحة بعدها ألف، وقبلها ألف، فتمد قبل الهمزة مدا ~~مشبعا، وبعدها مدا ممكنا، وعليه أكثر القراء. # - والثاني: أن تجعل الهمزة بين بين، وتمد. وهو مذهب حمزة في الوقف. # - والثالث: أن تحذف الهمزة، وتحذف الألف لالتقاء ألفين، ولا تمد، فيصير ~~بلفظ المقصور لغة للعرب، لم يقرأ به أحد. # - والرابع: أن تحذف الهمزة والألف على ما ذكرنا، وتمد لتدل على أن أصله ~~المد. PageV01P186 # - والخامس: أن تبدل من الهمزة ياء، فتقول " بنايا " لغة للعرب لم يقرأ ~~بها أحد / حكى عن العرب: " اشتريت مايا "، يريدون ماء يشبهونه ب " خطايا ". ~~وقد كان أصل خطاياءا، منقول من خطائي، ثم أبدلوا من الهمزة ياء. # وقد قال ابن كيسان: " لا يكتب هذا المثال إلا بألفين، وإن شئت بثلاث ms0043 ~~ألفات وهو الأصل فيها. وكتب في المصاحف بألف واحدة اختصارا ". # وقوله: {جعل لكم الأرض فراشا}. # أي مهادا، لا حزنة كلها، ولا جبال كلها. # وقال بعض الصحابة في قوله: {والسماء بنآء}، " بني السماء على الأرض / ~~كهيئة القبة، فهي سقف على الأرض ". PageV01P187 # وقوله: {وأنزل من السمآء} الآية. # في الوقف على " السماء " المخفوض و " ماء ". كالذي في الأول. " وبناء " ~~مثل " ماء " في النصب. # وقوله: {فأخرج به من الثمرات}. # " من " للتبعيض. و " السماء " في هذا الموضع يراد بها السحاب، لأن الماء ~~منها ينزل كما قال: {وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا} [النبأ: 14]. ~~والمعصرات السحائب وكل ما علا فوقك فهو سماء. وسقف البيت سماؤه، وهو سماء ~~لمن تحته. # وقوله: {فلا تجعلوا لله أندادا}. # أي أمثالا. وند الشيء مثله، والند خلاف الضد. # وقيل: شركاء. وقيل: أشباها. وقيل: أكفاء. # وروى ابن مسعود " أنه سأل النبي [عليه السلام] أي الذنب أعظم؟ قال: [أن ~~تجعل] لله ندا وهو خلقك " الحديث. PageV01P188 # وقال عكرمة: " هو قولهم: لولا كلبنا لدخل علينا اللص ". # وقال أبو عبيدة: " الند الضد ". # وقوله: {وأنتم تعلمون}. # أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض. # وقيل: معناه: وأنتم تعلمون أن الله لا شبيه له في التوراة والإنجيل، ~~فيكون الكلام مخاطبة لأهل الكتاب على هذا التأويل. وعلى القول الأول هو ~~مخاطبة لجميع الكفار. # ومعنى العلم الذي نسبه إليهم أنه علم تقوم به عليهم الحجة، وليس بالعلم ~~الذي هو ضد الجهل؛ دليله قوله: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ~~[الزمر: 64]. فثبت جهلهم لأنهم علموا أن الله خالقهم، وجعلوا له أندادا. ~~فأما قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]. فهذا هو ~~العلم الذي هو ضد الجهل. # قوله: {وإن كنتم في ريب} الآية. # أي إن كنتم أيها الناس في شك من القرآن أنه ليس من عند الله فأتوا بسورة PageV01P189 # من مثل القرآن. # وقيل: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم في صدقه وأمانته. وقال ابن كيسان: ~~" معناه أنهم زعموا أن محمدا شاعر وأنه ساحر، فقيل: إيتوا بسورة من مفتر أو ~~من ms0044 شاعر أو من ساحر. # وقيل: معنى: " من مثله " من مثل التوراة والإنجيل. # والاختيار / عند الطبري أن يكون معناه من مثل القرآن في بيانه، دليله ~~قوله تعالى في موضع آخر: {فأتوا بسورة مثله} [يونس: 38]. ولا يحسن هنا إلا ~~مثل القرآن. فحمل الآيتين على معنى واحد أولى. ولم يعن بقوله: {من مثله} ~~إذا جعلت / الهاء للقرآن في التأليف والمعاني لأنه لا مثل للقرآن إنما عني ~~{من مثله} في البيان لأن الله أنزله PageV01P190 # بلسان عربي مبين. فقيل لهم: كلامكم فيه البيان، وهذا القرآن فيه البيان ~~فأتوا من كلامكم بسورة مثل القرآن في البيان، فأما التأليف والمعاني ~~والرصف، فهي معان، باين القرآن فيها المخلوقات، فلا مثل له في ذلك، يضاف ~~إليه فاعلمه. # وفي اشتقاق السورة أربعة أقاويل: # - قيل: / سميت سورة لأنها يرتفع بها من منزلة إلى منزلة، ويشرف فيها / ~~قارئها وحافظها على ما لم يكن عنده من العلم كإشرافه على سور البناء، فهي ~~[منزلة رفعة]. # كما قال: # ألم تر أن الله أعطاك سورة. # أي منزلة في الشرف. # - والثاني: إنما قيل لها سورة: لتمامها وكمالها. يقال للناقة التامة: ~~السورة. # - والثالث: إنما سميت سورة لشرفها وارتفاعها في القدر، كما يقال لما ~~ارتفع من البناء على هيئة سور. PageV01P191 # - والرابع: إنما سميت سورة لأنها بقية من القرآن وقطعة منه: يقال: " ~~أسأرت في الإناء سؤرا، أي أبقيت فيه بقية، " ودخل فلان في سائر الناس " أي ~~في بقاياهم. فيكون أصله على هذا القول الرابع الهمز. # قوله: {وادعوا شهدآءكم}. # أي ادعوا آلهتكم للمعونة على الإتيان بسورة من مثل القرآن. # وقيل: شهداءكم. معناه: أعوانكم على ما أنتم عليه. # وقيل: معناه: ادعوا شهداءكم إذا أتيتم بالسورة يشهدون لكم أنها مثل ~~القرآن. ومعنى ادعوهم: استعينوا بهم. # وقيل: الشهداء / العلماء، أي استعينوا بهم على ذلك، وواحد الشهداء شهيد، ~~وواحد الشهود شاهد، وواحد الأشهاد شهيد وشاهد أيضا، وهو من نوادر الجموع. # فإن قيل لك: قد قال الله تعالى لهم في موضع آخر: {فأتوا بعشر سور مثله} ~~[هود: 13] PageV01P192 # وهم قد عجزوا عن الإتيان بسورة، وإنما يطالب من ms0045 عجز عن الشيء بأقل منه لا ~~بأكثر. # - فالجواب عن ذلك أن قوله تعالى: # {فأتوا بعشر سور مثله} [هود: 13]، نزل قبل: {فأتوا بسورة} لأن الأول مكي ~~وهذا مدني، فلما عجزوا عن عشر سور، قيل لهم: فأتوا بسورة. # وقيل: إنما طولبوا في البقرة بسورة من مثله غير محدودة / في مدح و [لا] ~~ذم ولا تعظيم ولا غيره، بل تجمع معاني كما تجمع ذلك سور القرآن، وكلفوا في ~~العشر السور أن تكون مفتريات، ومن كلف معنى واحدا أخف ممن كلف معاني لا ~~تحصى ولا تدرك. # فالتكليف في سورة البقرة أثقل وأضعف، وإن كانت سورة واحدة، PageV01P193 # وهو في هود أخف، وإن كان بعشر سور لأنها في معنى واحد وقع بها التكليف في ~~هود، وفي معان كثيرة وقع بها التكليف في البقرة. # قوله: {ولن تفعلوا}. # أعلمهم الله أنهم لا يقدرون على ذلك، فهو رد ونفي لما كلفوا، أي إن كنتم ~~صادقين. {ولن تفعلوا} أي لن تطيقوا ذلك أبدا. فعلى هذا التأويل لا يحسن ~~الوقف على " صادقين ". # قوله: {التي وقودها الناس والحجارة}. # و" الوقود " بفتح الواو: الحطب، وبضم الواو: التوقد. # وحكى الأخفش عن بعض العرب أن الفتح والضم معا بمعنى الحطب. # وقال الكسائي: " الفتح هو الحطب، والضم هو الفعل "، يعني المصدر. # فعلى هذا لا تحسن القراءة إلا بفتح الواو لأنه تعالى أخبر أن الذي تتوقد PageV01P194 # به النار هو الناس أعاذنا الله منها ووفقنا لما ينجينا منها، وختم لنا ~~بخير يبعدنا منها. {والحجارة}. قيل: يعني حجارة الكبريت. # وقيل: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض. # وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: " هي حجارة من كبريت أسود في النار ". # وروى أصبغ بن الفرج " أن عيسى بن مريم عليه السلام بينما هو في سياحته إذ ~~سمع أنينا فمضى إليه يؤمه حتى انتهى إليه، فإذا هو حجر يبكي، فقال له عيسى: ~~ألا أراك تبكي وأنت حجر؟ قال: نعم يا روح الله إني أسمع الله يقول: PageV01P195 # {نارا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6] / فادع [لي الله] يا روح الله ~~ألا ms0046 يجعلني منها ". # وعلى ذلك أكثر أهل اللغة أن " الوقود " بالفتح الحطب، وبالضم التلهب. # وقد روي عن الحسن وطلحة بن مصرف ومجاهد أنهم قرأوا بالضم فيكون ذلك على ~~اللغة التي حكاها الأخفش أن الفتح والضم بمعنى الحطب. # قوله: {وبشر الذين آمنوا}. # البشارة والبشرى في اللغة من البشرة؛ فإذا قيل: استبشر فلان، فمعناه ظهر ~~أمر في بشرته. وسميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها، أي تستره أشجارها ~~وثمارها. # والجنة عند العرب البستان ذو النخل والشجر. # وقوله: {من تحتها}. PageV01P196 # أي من تحت شجرها ومساكنها، أي من دونها. يقال: داري / تحت دارك، أي ~~دونها، أي بجوارها. # / قوله: {قالوا هذا الذي رزقنا من قبل}. # معناه: أنهم لما أتوا بثمار الجنة شبهوها بثمار الدنيا في المنظر، وهي ~~مخالفة لها في الطعم والرائحة، فمعنى {من قبل} أي في الدنيا. # وقيل: المعنى: قالوا: هذا الذي رزقنا وعدنا به في الدنيا. # وقيل: معناه: إنهم أتوا بثمار في الجنة فأكلوا، ثم أتوا بمثلها في المنظر ~~ومخالفا في الطعم، فقالوا عند نظرهم إلى الثانية: هذا الذي أكلنا من قبل، ~~أي من قبل هذا الوقت في الجنة. فيخبرون أن الطعم مختلف. # قوله: {وأتوا به متشابها}. # أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم والرائحة، وذلك PageV01P197 # أجل في الملك والنعيم. وهذا القول مروي عن ابن مسعود وابن عباس. وهو ~~مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: معنى {متشابها} أي أنه خيار حسن لا رذل فيه؛ يشبه بعضه بعضا في ~~الطيب والحسن. وهو قول الحسن. واحتج بأن ثمار الدنيا فيها الحسن والرذل ~~والوسط، وثمار الجنة خيار كله. # وقيل: معنى {متشابها}: أي يشبه اسمه اسم ثمار الدنيا، إلا أنه لا يشبهه ~~في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، وهو قول مروي عن عبد الرحمن بن زيد ~~وعن ابن عباس. # قوله: {ولهم فيهآ أزواج مطهرة}. PageV01P198 # أي مطهرة من أوساخ بني آدم؛ لا يحضن ولا يتمخطن ولا يتغوطن ولا يبلن، فهن ~~سالمات من جميع الأقذار ولا يلدن. # قوله: {إن الله لا يستحى أن يضرب ms0047 مثلا}. # حكى الطبري أن " يستحيي " بمعنى " يخشى "، كما وقع " يخشى " بمعنى " ~~يستحيي " في قوله: {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37]. أي ~~وتستحيي من الناس. # و" تستحيي " فعل عينه ولامه حرفا علة صحت عينه واعتلت لامه، فتقول في ~~الاسم: " هو مستحي " بحذف لام الفعل في الرفع والخفض كقاض، وإثبات عينه. ~~وتثبت اللام مع الغين في النصب، وتقول في التثنية: " رأيتهما مستحييين " ~~بثلاث ياءات فإن جمعت قلت: " هؤلاء مستحيون "، بياء واحدة في الرفع. وفي PageV01P199 # النصب والخفض، " مستحيين " بياءين. فالأولى عين الفعل، والثانية ياء ~~الجمع، ولام الفعل محذوفة في الجمع المنصوب والمرفوع والمخفوض لأن العلة ~~لحقتها، بأن استثقلت عليها الحركة وهي كسرة لأن أصلها " مستحيون ". فلما ~~سكنت حذفت لسكونها وسكون الحاء قبلها. وبنو تميم يحذفون لام الفعل، ويعلون ~~العين في الجمع، فيقولون: / هم مستحون ". # ومن العرب من يحذف إحدى الياءين في الفعل / فيقول: " يستحي "، فيلقي حركة ~~الياء الأولى على الحاء، فيكسرها ويحذف الياء لالتقاء الساكنين. # وقوله: {أن يضرب مثلا ما بعوضة}. # معناه: إن الله جل ذكره لما ضرب المثل بالصيب وبالذي استوقد نارا، قال ~~المنافقون: " الله أعظم من أن يضرب مثلا بهذا "، فأنزل الله: {إن الله لا ~~يستحى أن يضرب مثلا} الآية. # قال الربيع: " هو مثل ضربه الله للدنيا، وذلك أن البعوضة تحيا ما جاعت، ~~فإذا شبعت ماتت، فكذلك الكافر إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله، كما قال: ~~{فلما نسوا PageV01P200 # ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة} [الأنعام: 44]. # وقال قتادة: " معناه إن الله لا يستحيي أن يذكر شيئا من الحق قل أو كثر ~~". # وقيل: إن هذا المثل مردود على " ما " في غير هذه السورة، وذلك أن الله جل ~~ذكره لما ضرب المثل بالعنكبوت والذباب تكلموا وقالوا: ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا، كما حكى الله تعالى عنهم فأنزل الله {إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا} ~~الآية. # واختار الطبري أن يكون مردودا على إنكارهم للأمثال في هذه السورة دون ~~غيرها. # وقوله: {ماذآ أراد الله بهذا ms0048 مثلا}. # " ما " و " ذا " اسم واحد للاستفهام في موضع نصب ب " أراد " تقديره: أي ~~شيء أراد الله. # {مثلا}: نصب على التفسير. # ويجوز أن [تكون " ما "] استفهاما في موضع رفع بالابتداء. # و" ذا " بمعنى " الذي "، " وهو " الخبر وصلته ما بعده. وأراد " واقع على ~~هاء محذوفة، أي PageV01P201 # أراده الله. # ومعنى {فما فوقها} أي دونها في الصغر. # وقيل: معناه: فما أكبر منها، وهو اختيار الطبري، لأن البعوضة متناهية في ~~الصغر، وإن كان ثم ما هو أصغر منها. # قوله: {فيعلمون أنه الحق من ربهم}. # أي يعلمون أن هذا المثل حق. # قوله: {يضل به كثيرا}. # أي يضل بهذا المثل خلقا كثيرا، وهذا من قول المنافقين. # وقيل: هو من قول الله جل ذكره، ودل عليه قوله: {ويهدي به كثيرا}، وهذا لا ~~يكون من قول المنافقين لأنهم لا يقرون أن هذا المثل / يهدى به أحد، فهو من ~~قول الله بلا اختلاف. وكذلك قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} هو من قول ~~الله؛ إذ لا يجوز أن يكون من قول المنافقين، لأنهم قد ضلوا به، ولا يقرون ~~على أنفسهم بالفسق. فكذلك يجب أن يكون الذي قبله. / ويدل على أنه كله من ~~قول الله عز وجل / قوله في PageV01P202 # موضع آخر: {وليقول الذين في قلوبهم مرض} [المدثر: 31] يعني المنافقين ~~{والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشآء} [المدثر: 31]. # فقوله: {كذلك} يعني به مثل ما قالوا في سورة البقرة، كذلك قالوا في هذا. # وقال القتبي: " لما ضرب الله المثل بالعنكبوت والذبابة، قالت اليهود: ما ~~هذه الأمثال التي لا تليق بالله، فأنزل الله تعالى: {إن الله لا يستحى أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة} / الآية، فقالت اليهود: ماذا أراد الله بمثل ينكره ~~الناس، فيضل به فريقا، ويهدي به فريقا، فقال الله: {وما يضل به إلا ~~الفاسقين}. # فذكر الضلال والهدى في هذا القول من قول اليهود حكاه الله لنا عنهم. وأصل ~~الفسق الخروج عن الشيء؛ يقال: " فسقت الرطبة " إذا خرجت عن قشرها. # وقوله: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}. # العهد ms0049 هاهنا، هو ما أخذه الله عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم وبنيه PageV01P203 # كالذر، ودليله قوله: {وإذ أخذ ربك من بنيءادم من ظهورهم ذريتهم} ~~[الأعراف: 172]. # / وقيل: العهد هاهنا هو ما أخذه الله على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ودليله قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ~~آتيتكم من كتاب وحكمة} [آل عمران: 81]. # قوله: {ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل}. # معناه: يقطعون أمر دينه لئلا يتبع فيوصل الإيمان به. # وقيل: معناه: يقطعون الرحم والقرابة التي بينهم وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، لأنهم إذا كذبوه فقد قطعوه. ف " أن " في موضع خفض على البدل ~~من الهاء في " به " أو في موضع نصب على البدل من " ما " أو على أنه مفعول ~~من أجله. # قوله: {ويفسدون في الأرض}. # الفساد في الأرض في هذا الموضع عبادة غير الله تعالى: [وهي أعظم الفساد]. # وقوله: {أولئك هم الخاسرون}. PageV01P204 # أصل الخسران النقص. والخاسر الناقص نفسه حظها من رحمة الله [ عز وجل] ~~بمعصيته كما يخسر الرجل في تجارته. # وقيل: معنى " الخاسرين " الهالكون. # قوله: {كيف تكفرون بالله} الآية. # أي من أين يتجه لكم الكفر بالله مع نعمه عليكم إذ كنتم أمواتا فأحياكم. ~~أي لم تكونوا شيئا فأوجدكم. # وفي " كيف " معنى التعجب من فعلهم وليست باستفهام، ولكنها توبيخ / وتعجب. # والعرب تسمي الشيء الممتنع ميتا؛ يقولون: " هذا أمر ميت " إذا كان ~~ممتنعا. # وقيل: معناه كنتم ترابا، يعني به آدم صلى الله عليه وسلم فجعلكم ذوي ~~حياة. # وقيل: معناه فأحياكم يعني في القبر للمساءلة ثم يميتكم في القبر بعد PageV01P205 # المساءلة، ثم يحييكم يوم القيامة. ويلزم قائل هذا أن تكون الآية إنما ~~خوطب بها أهل القبور، وذلك بعيد إلا أن يحمل على أنه [خطاب لمن حضر]. ~~والمراد به آباؤهم وأسلافهم. # ويكون " تكفرون " بمعنى في موضع " كفرتم " وفيه بعد. و " قد " مضمرة مع " ~~كنتم " لأنه حال مما قبله. # وقيل: المعنى أنهم كانوا أمواتا في أصلاب الآباء ثم أحياهم في الأرحام، ~~ثم يميتهم في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم ms0050 يحييهم يوم القيامة. # وقيل: المعنى أنه أحياهم إذ أخرجهم من ظهر آدم لأخذ الميثاق، وقد كانوا ~~أمواتا لا حياة فيهم. # وقيل: أيضا: الموتة الأولى هي موتة النطفة في وقت خروجها من الرجل إلى ~~الرحم لأن كل ما في الحي فهو حي حتى [يفارقه فيكون] في عداد الأموات، PageV01P206 # وكذلك الأعضاء إذا فارقت الحي فهي ميتة، فكل ما في الإنسان من أعضائه وما ~~يلزم جسده حي حتى يفارقه فيكون ميتا. # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: " أماته ثم أحياه في قبره - يعني ~~للمساءلة - ثم أماته، ثم أحياه يوم القيامة ". وهذا قول قد تقدم نظيره. # وقال ابن مسعود: " هي مثل قوله: {ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} ~~[غافر: 11] ". # وسترى تفسير هذا في موضعه. # / وقد قيل: إن معنى الآية: وكنتم أموات الذكر، فأحياكم حتى ذكرتم، ثم ~~يميتكم، أي يردكم رفاتا لا تذكرون، ثم يحييكم للحساب والجزاء فتذكرون. # وهو مروي / عن ابن عباس. وهو اختيار الطبري. # والهاء في {إليه ترجعون} تعود على الله عز وجل. # وقيل: تعود على الأحياء للخلود في الجنة، أو في النار، أي ثم إلى الأحياء PageV01P207 # ترجعون. والأول أحسن. # قوله: {ثم استوى إلى السمآء}. # معناه: أقبل عليها. تقول العرب: " فلان مقبل على فلان، ثم استوى إلي يمشي ~~"، أي أقبل إلي. # وقيل: معناه / تحول أمره وفعله إلى السماء. # وقال القتبي: " استوى، عمد إليها ". # وقال ابن كيسان: " استوى قصد ". # قال غيره: " معناه قصد إلى خلقها بالإرادة لا بالانتقال ". # يقال: " لما استويت إلى موضع كذا، ظهر لي كذا "، / أي لما قصدت بإرادتي ~~إلى أمر كذا، ظهر لي كذا. # وقيل: استوى: استولى. تقول العرب: " استوى فلان على المملكة ". أي استولى ~~عليها واحتوى عليها. PageV01P208 # واختار الطبري وغيره أن يكون " استوى " بمعنى " علا " على المفهوم في ~~لسان العرب. قال أبو محمد: وليس: " علا " في هذا المعنى أنه تعالى علا من ~~سفل كان فيه إلى علو، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان، ولا علو بحركة ~~تعالى الله ربنا عن ذلك كله، لا يجوز أن يوصف بشيء ms0051 من ذلك، لأنها صفات توجب ~~الحدوث للموصوف بها، والله جل ذكره أول بلا نهاية / لكن نقول: إنه علو قدرة ~~واقتدار ولم يزل تعالى قادرا له الأسماء الحسنى والصفات العلا. # فإنما دخلت " ثم " في قوله: {ثم استوى} بمعنى القصد لخلق ما أراد أن يخلق ~~على ما تقدم في علمه قبل، بلا أمد. # والهاء في {فسواهن} تعود على السماء لأنها جمع سماوة. # وقيل: السماء تدل على الجمع. # وقيل: لما كانت السماء واسعة الأقطار، يقع على كل قطر منها اسم سماء جمع ~~على هذا المعنى. والمعنى فسوى منهن سبع سماوات. PageV01P209 # وقيل: سبع سماوات بدل من الهاء والنون، فلا تقدير حرف جر على هذا محذوف ~~منه. وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير ذلك: " أن الله جل ~~ذكره كان عرشه على الماء كما أخبرنا به في كتابه. قالوا: ثم أخرج من الماء ~~دخانا، فارتفع الدخان فوق الماء، فسما الدخان على الماء فسماه سماء. ثم إنه ~~تعالى بقدرته أيبس الماء، فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين ~~وذلك في يوم الأحد ويوم الاثنين، وجعل الأرض على حوت وهو النون، والحوت في ~~الماء، والماء على ظهر صفا، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة ~~على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان، فهي ليست في الأرض، ولا في السماء، ~~فتحرك الحوت واضطرب، فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال، فذلك قوله: {وجعلنا ~~في الأرض رواسي أن تميد بهم} [الأنبياء: 31]. وخلق الجبال في الأرض وجعل ~~فيها أقوات أهلها وشجرها ومصالحها في يومين، الثلاثاء والأربعاء، ودل على ~~ذلك قوله: # {خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها ~~رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام} [فصلت: 9 - ~~10]- يعني اليومين الأولين والآخرين -، ثم قال: PageV01P210 # {ثم استوى إلى السمآء وهي دخان} [فصلت: 11]. فجعل / الدخان سماء واحدة، ~~ثم فتقها سبع سماوات، وذلك في يومين الخميس والجمعة، ولذلك سمي يوم الجمعة ~~لأنه اجتمع فيه تمام خلق السماوات والأرضين ". # وقال مجاهد: " خلق الله الأرض ms0052 قبل السماء، فثار منها دخان، فخلق منه ~~السماوات ". وقد ذكر الله خلق الأرض قبل السماء في سورة السجدة، ثم ذكر في ~~" والنازعات " دحو الأرض بعد السماء، فقال: {والأرض بعد ذلك دحاها} ~~[النازعات: 30]، فقال ابن عباس في معنى ذلك: " إنه تعالى خلق الأرض ~~بأقواتها قبل السماء غير أنه لم يدحها، ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض بعد ~~ذلك ". # وقال ابن سلام: " بدأ الله الخلق يوم الأحد /، فخلق الأرضين يوم الأحد PageV01P211 # والاثنين، وخلق الأقوات والجبال في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في ~~الخميس والجمعة وخلق آدم صلى الله عليه وسلم في آخر ساعة من يوم الجمعة ". # قال أبو محمد: ولو شاء تعالى ذكره لخلق ذلك كله في أقل من طرف عين، يفعل ~~ما يشاء لا إله إلا هو، لا معقب لحكمه. # قوله: {وهو بكل شيء عليم} /. # أي عليم بكل شيء قبل خلقه له، وقبل حدوثه، لا أنه علم محدث مع حدوث ~~المعلومات تعالى عن ذلك، قد علم المعلومات كلها قبل حدوثها وكونها. # قوله: {وإذ قال ربك للملائكة}. # معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك. # وقيل: معناه: ابتدأ خلقكم {وإذ قال ربك للملائكة} لأنه ذكر معنى ذلك قبل ~~/ هذا فقال: {الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] أي خلقكم إذ قال ~~ربك. ودخلت الواو في " إذ " عطفا على ما قبلها لأنه تعالى ذكر خلقه نعمه في ~~إحيائهم بعد الموت، وأنه [خلق لهم] ما في الأرض جميعا، وسوى لهم السماوات ~~وغير ذلك من نعمه فعدد على خلقه نعمه. ثم قال: واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ ~~قلت للملائكة اسجدوا له PageV01P212 # تفضيلا له وابتلاء للملائكة. وإلى هذا المعنى ذهب الطبري في هذه الواو، ~~[وفي و " إذا "]. # وقوله: {للملائكة}، اختلف في اشتقاق " ملك " وتقديره ومعناه. # فقيل: واحدها ملك، وأصله " ملأك " على وزن " مفعل "، والهمزة بعد اللام ~~وهي عين الفعل فجمع على الأصل على مفاعل، فقيل: " ملائك " وزيدت الهاء ~~للمبالغة. وقيل لتأنيت الصيغة. # وقال ابن كيسان: " هو مشتق من " ملكت "، والهمزة في " ملأك " زائدة ~~كزيادتها في شمأل، إذ هو من ms0053 " شملت الريح " أي عمت ". PageV01P213 # وقال غيره: هو مشتق من الألوكة، وهي الرسالة بالهمزة بالفعل لكن قلبت ~~همزته وهي فاء، فصارت عينا فأخرت بعد اللام وأصلها " مألك " ثم نقلت الهمزة ~~بعد اللام فصارت " ملكا "، وجمع على ذلك، ولم يرد إلى أصله وكان حقه / أن ~~يرده الجمع إلى أصله، [فخرج عن الأصل في الجمع]. # وقيل: هو مشتق من الملأكة وهي الرسالة أيضا حكاها أبو عبيد، يقال: " لأك ~~إليه يلأك ملأكة " إذا أرسل إليه رسالة. # ويقال في لغة أخرى: " ألكت إليه أألك مألكة " إذا أرسلت. # فعلى / القول الأول من هذين القولين يكون " ملك " مخفف الهمزة، ألقيت ~~حركة الهمزة على اللام وأصله " ملأك "، وجمعه " ملائكة ". والهمزة عين ~~الفعل ولا قلب فيه، إنما فيه في الواحد تخفيف الهمزة [بنقل PageV01P214 # حركتها] إلى الساكن قبلها وهو اللام. # وعلى القول الثاني يكون " ملأك " مقلوبا وأصله: " مألك "، والهمزة فاء ~~الفعل، ثم قلبت الهمزة، فصارت بعد اللام، ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على ~~اللام قبلها كالأول فصار ملكا، فجمع على قلبه، ولم يرده الجمع إلى أصله ~~لقلة استعماله بالهمز في الواحد. ولو جمع على أصله لقال: " مآلكة "، ولكن ~~لم يسمع جمعه على الأصل. # قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة}. # معناه: إني جاعل في الأرض خلقا يخلف بعضهم بعضا لا بقاء لهم. # وقيل: معناه: إني جاعل في الأرض خلقا يخلفون من كان فيها ممن هلك، وذلك ~~أن أهل التفسير ذكروا أنه روي أن الأرض كان فيها خلق من الجن فأفسدوا فيها ~~فأهلكهم الله. والهاء في " خليفة " للمبالغة. # وقيل: دخلت لأنه بمعنى داهية في المدح والذم، بمعنى بهيمة. قاله الفراء. # وقيل: الهاء / [لتأنيث الصيغة]، وهي بمعنى فاعلة على هذا القول كرحيم ~~بمعنى راحم. وعلى القول الأول يكون خليفة: فعيلة، بمعنى مفعولة أي مخلوقة؛ PageV01P215 # أي يخلف بعضهم بعضا لا بقاء لهم، فكل واحد مخلوف، لأن من يأتي من بعده ~~يخلفه، فهو كجريح وقتيل، بمعنى مجروح ومقتول. # ومعنى " جاعل " خالق ومستخلف. # قال ابن عباس: " أخرج الله آدم صلى الله عليه وسلم من الجنة ms0054 قبل أن ~~يخلقه، وقرأ {إني جاعل في الأرض خليفة}. يريد أنه [قدر ذلك وعلمه وشاءه] ~~قبل أن يخلق آدم. # قوله: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} الآية. # روى كثير من المفسرين أن الملائكة علمت بفساد من سكن الأرض من الجن ~~وسفكهم للدماء، فقالوا على طريق الاسترشاد وطلب الفائدة: {أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك}؛ أي أيكونون مثل أولئك الذين أفسدوا؟، فسألوا مسترشدين لا ~~منكرين، إذ لا علم عندهم بما يكون من أمر الخليفة التي أعلمهم الله أنه ~~خالقها. # وقيل: إنهم قالوا ذلك / على طريق التعجب كما تقول العرب " أتحسن إلى فلان ~~وهو يسيء إليك! ". PageV01P216 # وقيل: إن الله جل ذكره أذن لهم في السؤال عن ذلك. وقيل: إن الله تعالى ~~ذكره / أعلمهم أنه يجعل في الأرض خليفة فسألوا على طريق الاسترشاد: ما يكون ~~ذلك الخليفة؟ فقال: تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. فقالوا ~~عند ذلك على طريق الاستعظام والاستثبات لا على طريق الإنكار: {أتجعل فيها ~~من يفسد فيها} الآية. # [قيل: قالوا] ذلك على التعجب مما أعلمهم الله به من إفساد ذرية الخليفة ~~في الأرض وسفكهم للدماء. # والله أعلم بأي ذلك كان. # فالألف في {أتجعل} لفظها لفظ الاستفهام ومعناها الاسترشاد أو التعجب على ~~قول من رأى ذلك على ما ذكرنا. # وعن ابن عباس أنه قال: " كان إبليس من / حي من أحياء الملائكة، يقال لهم ~~الجن وهم من الملائكة. خلق الله ذلك الحي من نار السموم، وخلق سائر ~~الملائكة غير هذا الحي PageV01P217 # من نور، وخلقت الجن غير هذا الحي الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، ~~والمارج هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وخلق الإنسان من ~~طين. فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فبعث الله إليهم إبليس في جند من ~~الملائكة وهم هذا الحي الذين في الأرض فقتلوا وطردوا حتى لحقوا بالبحار ~~وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اعتد في نفسه وقال: قد صنعت ما لم يصنع ~~غيري، وكان من خزان الجنة. # فاطلع الله على ذلك منه ms0055 فقال: إني جاعل في الأرض خليفة. فقالت الملائكة ~~غير إبليس وحيه: أتجعل فيها من يفسد فيها كأولئك، على طريق الاسترشاد. أي ~~هل يكونون مثل أولئك المفسدين أو يكونون مصلحين ". # وقيل: " قالوا ذلك على طريق التعجب، فقال الله لهم: {إني أعلم ما لا ~~تعلمون}، أي إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا أنتم عليه. فخلق آدم ~~صلى الله عليه وسلم من طين لازب، واللازب اللزج الملتصق من الحمأ المسنون، ~~والمسنون ذو الرائحة صار حمأ PageV01P218 # حمأ بعد أن كان طينا لزجا. فلما خلقه تعالى مكث آدم أربعين ليلة جسدا ~~ملقى، فكان إبليس اللعين يأتيه فيضربه برجله فيصلصل ويصوت، فهو قول الله عز ~~وجل: { خلق الإنسان من صلصال كالفخار} [الرحمن: 14]. ثم كان إبليس اللعين ~~يدخل في في آدم [عليه السلام] ويخرج من دبره، ثم يقول: لشيء ما خلقت، لئن ~~سلطت عليك لأهلكنك. فلما نفخ فيه الروح، أتت النفخة من قبل رأسه فلا تصل ~~إلى شيء، إلا صار لحما ودما /. فلما انتهت النفخة إلى سرته، نظر إلى جسده ~~فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله تعالى: {وكان الإنسان ~~عجولا} [الإسراء: 11] و {خلق الإنسان من عجل} [الأنبياء: 37] /. فلما تمت ~~النفخة في بدنه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، بإلهام الله له. فقال له ~~الله: يرحمك ربك يا آدم، ثم قال الله تعالى لإبليس وحيه من الملائكة خاصة ~~دون غيرهم: اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس تكبرا وعزة فأبلسه الله، أي PageV01P219 # أيأسه من الخير كله، وجعله شيطانا رجيما عقوبة له بالمعصية، ثم علم الله ~~آدم الأسماء كلها. # قال المفسرون: علمه اسم كل شيء حتى الضرطة. وقال الله للملائكة - جند ~~إبليس -: أنبئوني بأسماء هؤلاء: فقالوا لا علم لنا. فقال يا آدم: أنبئهم ~~بأسمائهم، فأنبأهم آدم بأسمائهم. # وقيل: إنما عني بقوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة} الملائكة الذين ~~كانوا في الأرض بعد هلاك من كان فيها دون غيرهم من ملائكة السماوات. والله ~~أعلم بأي ذلك كان، واللفظ على عمومه حتى [يأتي دليل ms0056 تخصيصه]. # قوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} [البقرة: 33]. # معناه: أعلم ما أسر إبليس في نفسه من الكبر والعزة. وهذا التأويل يدل على ~~أن الخطاب الذي تقدم في قوله: {أتجعل فيها من يفسد فيها} إنما كان من هذا / ~~النوع من الملائكة الذين حضروا مع إبليس قتال المفسدين في الأرض دون غيرهم ~~من الملائكة. وهو قول الطبري. PageV01P220 # وقد روي عن ابن عباس أنه قال: " إن هذه القبيلة من الملائكة سميت الجن ~~لأنهم كانوا من خزان الجنة ". # وهو من الاستجنان؛ وهو الاستتار. وإنما سميت الجنة جنة لأنها تجن من ~~دخلها؛ أي تستره بشجرها وثمارها وعروشها. # وروي عنه أيضا أنه قال: " إن إبليس كان ملك سماء الدنيا، وكان خازنا ~~للجنة مع ذلك. فلما تمكن دخله العجب والكبر، وقال: لم أعط هذا إلا ولي مزية ~~على الملائكة. فاطلع الله على ما في سره فقال: إني جاعل في الأرض خليفة، ~~فسألت الملائكة عن الخليفة فقال: تفسد ذريته في الأرض فتعجبوا وقالوا: ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء}. فبعث الله جبريل ليأخذ من طين ~~الأرض، فاستعاذت منه فرجع ولم يأخذ شيئا إجلالا لحق من استعاذت به، ثم بعث ~~الله ميكائيل فاستعاذت، فرجع ولم يأخذ شيئا. فبعث الله ملك الموت فاستعاذت ~~منه، فاستعاذ هو منها، وأخذ ما أراد من تربة بيضاء وحمراء وسوداء، فلذلك ~~بنو آدم مختلفو الألوان ". PageV01P221 # ثم مضى الحديث كالأول أو قريب منه، غير أن فيه: " فكان آدم جسدا من طين ~~أربعين سنة، ففزعت منه الملائكة وكان أشدهم فزعا إبليس / وفيه: أن آدم عليه ~~السلام لما دخل الروح رأسه، قال: الحمد لله. فقالت له الملائكة / رحمك ربك ~~يا آدم. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى ~~الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه ". # وهذه الرواية تدل على أن المخاطبين المأمورين بالسجود لآدم صلى الله عليه ~~وسلم هم الملائكة كلهم، وهو ظاهر القرآن. # وقد قيل: إن معنى قوله تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون} أي أعلم أنه سيكون ~~من ms0057 ذرية آدم أنبياء ورسل وصالحون وعباد وأخيار وساكنو الجنة. # قوله: {ونحن نسبح بحمدك}. # معناه: نعظمك بالحمد والشكر. PageV01P222 # وقيل: التسبيح الصلاة. # وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إن لله في السماوات السبع / ~~ملائكة يصلون، وإن عمر بن الخطاب قال له: يا رسول الله: ما صلاتهم؟ فلم يرد ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له: يا ~~نبي الله: سألك عمر عن صلاة أهل السماء. قال: نعم، فقال له: أقرئ على عمر ~~السلام وأخبره أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ~~ذي الملك والملكوت. وإن أهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون: ~~سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة، ~~يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت ". # وأصل التسبيح لله عند العرب التنزيه والتبرئة له سبحانه من إضافة ما ليس ~~من PageV01P223 # صفته إليه. # وقوله: {ونقدس لك}. # أصل التقديس التطهير. ومعناه نطهر أنفسنا لك. # وقيل: التقديس الصلاة. # وروي ذلك عن قتادة. وروي عن أبي صالح: " ونقدس لك، نعظمك ونمجدك. # قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون}. قد تقدم بيانه. # وقد قيل فيه: إن معناه إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه، ~~إني علمت ما أضمر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم صلى الله عليه وسلم [ ~~ومن] عداوته له ولذريته. # وقيل: معناه إني عليم من آدم المعصية ثم التوبة عليه / وإهباطه إلى PageV01P224 # الأرض، وما يكون من ذريته إلى يوم القيامة ومن هو سعيد، ومن هو شقي منهم. # وروي أن إبليس اللعين لما رأى صورة آدم وحسنها قال للملائكة: إني أرى ~~صورة مخلوق يكون له نبأ. أرأيتكم إن فضل عليكم ماذا تفعلون؟ قالوا: نطيع ~~أمر ربنا، ونفعل الذي يأمرنا به. فهذا قوله: {ما تبدون}. # وقال إبليس في نفسه: " لئن فضل علي لا أطيعه، ولئن فضلت عليه لأهلكنه، ~~وهذا قوله: {وما كنتم تكتمون}، فلما نفخ الله عز وجل / في آدم صلى الله ~~عليه وسلم الروح جلس فعطس، فقال آدم: الحمد لله ms0058 رب العالمين فكان ذلك أول ~~ما تكلم به آدم / عليه السلام فرد الله عليه: يرحمك الله لهذا خلقتك "، فهو ~~قوله: {ولذلك خلقهم} [هود: 119]، أي للرحمة خلقهم. # وقال مجاهد: " علم الله من إبليس المعصية وخلقه لها ". # تم الجزء [الأول] PageV01P225 # قوله: {وعلمءادم الأسمآء} الآية. # اختلف في اشتقاق آدم؛ فقال فيه ابن عباس: " سمي آدم لأنه خلق من أديم ~~الأرض ". # وقال قطرب: " آدم أفعل من الأدمة ". وقيل هو أفعل من " أدمت بين الشيئين ~~" أي خلطتهما. # وقال الطبري: " هو فعل ماض رباعي سمي به الشخص ". # وقال قطرب: " من قال هو من أديم الأرض، يلزمه صرفه لأنه فاعل ". # وذكر النحاس أنه أفعل من أديم الأرض وأدمتها، وهو ظاهر وجهها، ومنه سمي ~~الإدام لأنه وجه الطعام وأعلاه والعرب تسمي الجلد الظاهر أدمة، والباطن ~~بشرة. # وحكي عن الأصمعي أن باطنه الأدمة وظاهره البشرة، وهو أولى من PageV01P226 # الأولى. ويجمع آدم إذا كان صفة كحمر، وأوادم إذا كان اسما " كأحامد ". # قوله: {الأسمآء}. قيل: " وعلمه أسماء كل شيء حتى القصعة والفسوة ". قاله ~~قتادة. # وقيل: " علمه أسماء الملائكة خاصة " قاله الربيع بن خثيم. # قال مجاهد: " علمه الله اسم كل شيء: هذا جبل، هذا بحر، هذا كذا، هذا كذا، ~~لكل الأشياء ". # قال ابن جبير: " علمه اسم كل شيء حتى البعير والبقرة والشاة ". # قال عكرمة: " علمه اسم الغراب والحمامة وكل شيء ". # وقال غيرهم: " علمه أسماء الأجناس والأنواع ". PageV01P227 # وقال ابن زيد: " علمه أسماء ذريته كلهم ". # واختار الطبري أن يكون علمه أسماء ذريته والملائكة لقوله: {ثم عرضهم} ولم ~~يقل " عرضها " ولا " عرضهن " / الذي هو لما لا يعقل. # وقيل: علمه اسم كل شيء ومنفعته ولماذا يصلح. # وقال القتبي: " علمه أسماء ما خلق في الأرض ". # وفي قراءة أبي: " ثم عرضها "، " يريد عرض الأسماء ". # وقوله " عرضها " ولم يقل " عرضهم " يدل على أن الاسم هو المسمى، وهو مذهب ~~أهل السنة. وفي قراءة عبد الله " ثم عرضهن " على التأنيث لما لا يعقل من ~~الموات والأجناس. # / وقال ابن عباس: " إنما عرض الأسماء على الملائكة ". # وعن ابن مسعود: " أنه إنما عرض الخلق ms0059 ". PageV01P228 # فعلى الأول يكون " عرضها ". وعلى الثاني يكون " عرضهم ". # قال مجاهد: " عرض أصحاب الأسماء على الملائكة ". # وقال ابن زيد: " عرض أسماء ذريته كلها، أخذهم من ظهره، ثم عرضهم على ~~الملائكة ". # وقال ابن الأنباري: الهاء في " كلها " تعود على / الأسماء، والهاء في " ~~عرضهم " تعود على الأشخاص. # والهاء في " أنبئهم " وفي " بأسمائهم "، وفي " أنبأهم " وفي " بأسمائهم " ~~كلها تعود على الملائكة على قول من قال: إن الله تعالى علمه أسماء ~~الملائكة، ويعود على الأشخاص على القول الآخر. # قوله: {إن كنتم صادقين}. # جوابه عند المبرد محذوف، معناه: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في PageV01P229 # الأرض ويسفكون الدماء فأنبئوني. # قوله: {إني أعلم غيب السماوات}. # هو ما غاب عن الملائكة مما سبق في علمه مما ذكره في كتابه: {لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين} [السجدة: 13]. # قوله: {وأعلم ما تبدون}. هو قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها}. # و {وما كنتم تكتمون}: هو ما أضمر إبليس في نفسه من الكبر والعز. روي ذلك ~~عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة والتابعين. # وقال سفيان: " {وما كنتم تكتمون} هو ما أسر إبليس في نفسه من ترك السجود ~~لآدم [والكبر] ". # وقال قتادة: " كتمانهم هو قولهم فيما بينهم: يخلق الله ما يشاء، فلن يخلق ~~خلقا إلا ونحن أكرم منه ". PageV01P230 # وقيل: إنهم قالوا ذلك عند رؤيتهم لخلق آدم. # وعن ابن عباس " أنه عام فيما يظهرون وما يكتمون ". # وإبليس إفعيل من " أبلس " إذا يئس كأنه يئس من الرحمة، لم يصرف لقلة. # وقيل: هو أعجمي، ولذلك لم يصرف في المعرفة. # قال أبو عبيد: " لم يصرف لأنه لا نظير له في الأسماء "، وهو عنده " فعليل ~~" أو " إفعيل ". # قوله: (أبى): أتى مستقبله على " يفعل " على التشبيه ب " قرأ، يقرأ "، لأن ~~الهمزة تبدل منها الألف، وهي من حروف الحلق / مثلها. # وقالوا: " جبى، يجبي " من الجباية بالفتح، " وقلى يقلى " بالفتح على ~~التشبيه أيضا. # وإبليس [في قول] ابن عباس: كان من حي من أحياء يقال لهم الجن، خلقوا PageV01P231 # / من نار السموم، وكان اسمه الحارث، وكان من خزان الجنة. # وروي ms0060 عنه أيضا أنه قال: " كان إبليس من الملائكة واسمه عزرائيل، وكان من ~~سكان الأرض وكان شديد العبادة وواسع العلم، فدعاه ذلك إلى الكبر ". # وإنما سمي من الجن لأنه كان خازنا للجنة، فكأنه منسوب إليها، كما تقول: ~~مكي وبصري وشامي. # وقيل: سمي من الجن لأنه لا يرى، كما سمى الله الملائكة جنا، فقال: ~~{وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} [الصافات: 158]. وأصله كله الاستتار. # وقال شهر بن حوشب: " كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض / ~~حين أفسدوا فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء ". وهذا PageV01P232 # غير معروف. # وقال / سعد بن مسعود: " سما إبليس من الأرض وهو صغير، فكان مع الملائكة ~~فتعبد، فلما أمر بالسجود لآدم امتنع فذلك قوله # {كان من الجن} [الكهف: 50]. # وقال ابن زيد: " إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس ". # وروى عكرمة عن ابن عباس أن الله خلق خلقا فقال: " اسجدوا لآدم فأبوا ~~فأحرقهم، ثم [خلق خلقا] آخر فأبوا فأحرقهم ثم خلق هؤلاء فسجدوا إلا إبليس ~~كان من أولئك الذين أبو السجود لآدم ". # والسجود الذي أمروا به إنما هو على جهة التحية، لا على جهة العبادة. # وقيل: أمروا بذلك إكراما له. # وقيل: معناه: اسجدوا إليه كما يسجد إلى الكعبة فجعل قبلة إكراما له. PageV01P233 # وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن آدم صلى الله عليه ~~وسلم استوحش في الجنة قبل أن تخلق حواء بعد لعن إبليس وخروجه من الجنة، ~~فنام نومة فاستيقظ، فوجد امرأة عند رأسه قد خلقها الله من ضلعه من شقه ~~الأيسر فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. ~~فقالت له الملائكة - ينظرون مبلغ علمه -: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، ~~قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. فكان أصلها " حياء "، ثم ~~أبدل من الياء واو ". # قوله: {رغدا} إلى قوله: {مما كانا فيه}. # قوله: {رغدا} أي واسعا. وقيل: هنيئا. # وقال مجاهد: " رغدا لا حساب عليهما فيه "، وهو من السعة في المعيشة. # قال ابن عباس في رواية أبي ms0061 صالح عنه: " الشجرة شجرة العلم، فيها أنواع PageV01P234 # الثمار كلها ". # وعن ابن جريج أنه قال: " هي التينة ". # وعن ابن عباس أيضا وأبي مالك: " الشجرة السنبلة لكن الحبة منها ككلى ~~البقر ألين من الزبد وأحلى من العسل ". # وروى عن ابن مسعود أنها الكرمة. وذكر ذلك أيضا عن ابن عباس، وعليه أكثر ~~المفسرين، ولذلك حرم الله الخمر في قول بعضهم. # قال / أبو هريرة: " هي العنبة نهي آدم عنها، وجعلت فتنة لولده من بعده ". PageV01P235 # وتزعم اليهود عليها اللعنة أنها الحنطة. # قوله: {فأزلهما}. # أي استزلهما، ومن قرأ: (فأزالهما) وهو حمزة فمعناه نحاهما. # والهاء في " عنها " تعود على الشجرة، يعني حسدهما إبليس اللعين على ما ~~كانا فيه، فاستزلهما وتكبر عن السجود لآدم صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: " بلغني أن أول معصية كانت الحسد ~~والكبر والشح: حسد إبليس وتكبر على آدم، وشح آدم، فقيل له: كل من شجر الجنة ~~إلا التي نهى / عنها فشح فأكل منها ". # قال وهب بن منبه: " لما أراد إبليس من آدم عليه السلام ما أراد دخل في ~~جوف الحية، وكان لها أربع قوائم كالبختية، فدخلت الجنة، وخرج إبليس إلى ~~الشجرة وأخذ منها، وجاء إلى حواء فقال لها: انظري ما أطيب هذه الشجرة ~~وأحلاها وأحسن ريحها. PageV01P236 # فأكلت منها ثم مضت إلى آدم صلى الله عليه وسلم فقالت له مثل ما قال ~~إبليس، فأكل منها، فبدت له سوأته عند ذلك، وقام فدخل في جوف الشجرة. فقال ~~الله تعالى: يا حواء أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملا إلا حملتيه ~~كرها، ولا تضعين ما في بطنك إلا أشرفت على الموت مرارا. ثم لعن الحية لعنة ~~تحولت قوائمها في بطنها، ولا [رزق لها] إلا التراب، وجعلها عدوة لبني آدم، ~~تهلكهم إذا لدغت أحدهم ويقتلونها إذا ظفروا بها ". # وقال ابن عباس: " أتى إبليس اللعين ليدخل على آدم صلى الله عليه وسلم / ~~فمنعته الخزنة فقال للحية وهي كأحسن الدواب: أدخليني في فقمك، أي في جانب ~~فمك، حتى أدخل الجنة ففعلت ومرت بالملائكة ms0062 وهم لا يعلمون ما صنعت، فخرج إلى ~~آدم / PageV01P237 # فقال: {ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد} [طه: 120]، كما حكى الله جل ذكره. ~~وقال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها / كنت ملكا مثل الله سبحانه أو ~~تكون من الخالدين، وحلف لهما بالله إني لكما من الناصحين فأبى آدم عليه ~~السلام أن يأكل، فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم، كل، فإني قد أكلت فلم ~~تضرني، فلما أكل بدت لهما سوآتهما ". # وروي أنهما لما أكلا من الشجرة سقط عنهما لباسهما وهو النور الذي كان ~~ألبسهما الله إياهما، فهرب آدم من ربه عز وجل مستترا بورق الجنة، فناداه ~~ربه: أفرارا مني يا آدم؟ قال: بل حياء منك يا رب. ما ظننت أن أحدا يقسم ~~باسمك كاذبا، فقال له الله جل ذكره: أما خلقتك بيدي؟ أما أسجدت لك ملائكتي؟ ~~أما نفخت فيك من روحي؟ أما أسكنتك في جواري؟ فلم عصيتني؟ أخرج من جواري، ~~فلا يجاورني من عصاني، فقال آدم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله أنت رب، عملت PageV01P238 # سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا ~~إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني، إنك أرحم الراحمين. سبحانك ~~اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ربي عملت سوءا، وظلمت نفسي فتب علي / إنك أنت ~~التواب الرحيم ". فهذه الكلمات التي ألهمها الله عز وجل. # قوله: {فتاب عليه}. # وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " لم يحزن حزن آدم أحد قط؛ بكى ~~أربعين عاما، وسجد أربعين عاما تائبا حتى قبل الله منه ". # وقال الحسن: " بكى آدم عليه السلام على الجنة ثلاثمائة ". # وقال ابن زيد: " لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض عدل ببكاء آدم على ~~الجنة ما عدله ". PageV01P239 # وقال ابن إسحاق: " لما دخل إليهما إبليس بكى وناح عليهما كيدا منه، فقالا ~~له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان، وتفارقان ما أنتما فيه، فوقع ذلك ~~في أنفسهما، ثم وسوس إليهما وحلف لهما فأكلا منها "، قال: و " ذهب آدم عليه ~~السلام في الجنة هاربا ms0063 لما أكل، فقال له [ربه: يا آدم] أمني تفر؟ قال: لا ~~يا رب، ولكن حياء منك. قال الله: يا آدم: إنه أوتيت من قبل حواء. قال: أي ~~رب. قال الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر مرة، وأن أجعلها سفيهة وأن ~~أجعلها تحمل كرها وتضع كرها ". # وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، PageV01P240 # ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل. # وقال جماعة من أهل التأويل: " لم يدخل إبليس الجنة وإنما وسوس إليه ~~شيطانه الذي جعله الله ليبتلي به آدم وذريته ويأتي ابن آدم في يقظته ونومه، ~~وعلى كل حال. وقد قال تعالى: # {فوسوس لهما الشيطان} [الأعراف: 20]، وقال: {يابنيءادم لا يفتننكم ~~الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة} [الأعراف: 27] فأخبرنا أن الذي أخرج ~~أبانا هو الذي يوسوس في صدورنا ". # وعن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم ". # قوله: {بعضكم لبعض عدو}. # يعني آدم وحواء / والحية / وإبليس. فنزل إبليس أولا نحو الأبلة في ~~المشرق، PageV01P241 # ونزل آدم على جبل من جبال الهند ونزلت حواء بجدة، ونزلت الحية بأصبهان. # وروي أنه لما خرج آدم إلى شقاء الدنيا أتاه جبريل عليه السلام فعلمه كيف ~~يحرث فحرث، ثم زرع، ثم حصد، ثم درس، ثم خبز ثم أكل، فلما عرض له الخلاء جاء ~~وذهب وتردد، وهو لا يدري ما حدث به ولا ما يصنع، فقعد وتعصر فخرج منه الحدث ~~منتنا، فقال: يا رب ما هذا النتن؟ فقال: هذه ريح خطيئتك ". # قوله: {ولكم في الأرض مستقر}. # أي قرار إلى حين، وقيل: / القرار في القبور، وروي ذلك عن ابن عباس. قوله: ~~{ومتاع إلى حين}، أي إلى الموت. # وقيل: إلى قيام الساعة فتخرجون من القبور. # وقيل {إلى حين}: إلى أجل قد علمه تعالى. # وقال أبو موسى الأشعري: " إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه ~~صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثمركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه PageV01P242 # تتغير، ms0064 وتلك لا تتغير ". # قوله: {فتلقىءادم من ربه كلمات}. أي أخذها وقبلها. # وقيل: ألهمها فانتفع بها إذا رفعت، ومن نصب " آدم " فمعناه أن الكلمات ~~رحمة من ربه أدركته قاستنقذته. # فالكلمات فيما روي عن ابن عباس [قول آدم]: أي رب: ألم تخلقني بيدك؟ قال: ~~بلى، ثم قال: أي رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. ثم قال: أي رب ألم ~~تسكني جنتك؟ / قال: بلى، ثم قال: أي رب. أرأيت إن تبت وأصلحت، أراجعي أنت ~~إلى الجنة؟ قال: بلى. فذلك تلقيه ". # وزاد قتادة أنه قال: " وسبقت رحمتك إلي قبل غضبك، قيل له: بلى. قال: رب ~~هل كتبت هذا علي قبل أن تخلقني؟ قيل له: نعم. قال / رب إن تبت PageV01P243 # وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم ". # وقال الحسن: " هو قولهما: {ربنا ظلمنآ أنفسنا} الآية ". # وقال قتادة: " هي قول آدم عليه السلام: يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ ~~قال: إذا أدخلك الجنة ". # وقال عبيد بن عمير: " قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته ~~علي قبل أن تخلقني؟ [أو شيء أنا ابتدعته] من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته ~~عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته علي فاغفره لي، فذلك الذي تلقى آدم ". # وقال عبد الرحمن بن زيد بن معاوية: " قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك فتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فذلك PageV01P244 # الذي تلقى ". وروي عن مجاهد أنه قال: " هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. اللهم لا ~~إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. ~~اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم ". # وروي عنه أنه قال: " هو قول آدم: {ربنا ظلمنآ أنفسنا} الآية ". # وروى عنه ابن جريج أنه قال: " هي قول آدم: رب أتتوب علي إن تبت؟ قال: ~~نعم. فتاب عليه ربه ". # / روي أن آدم ms0065 رأى كلما في الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمد عبدي ~~ورسولي، فعلم آدم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق عليه، فقال حين ~~أخطأ: اللهم بحق PageV01P245 # محمد اغفر لي خطيئتي، فغفر الله له ". # وكانت كنيته أبا محمد، وقيل: أبا البشر. فذلك قوله: {فتلقىءادم من ربه ~~كلمات}. # قال ابن عباس: / " تاب الله على آدم يوم عاشوراء ". # قوله: {قلنا اهبطوا}. # يريد آدم وإبليس وذرية آدم. # وقيل: آدم وإبليس وحواء والحية. # وقيل: آدم وحواء فقط، وجمعا كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع لشرفه. # قال مجاهد: " أهبط آدم بأرض الهند فحج البيت على قدميه أربعين حجة، فقيل ~~له: ولم تكن معه دابة تحمله؟ فقال: وأي دابة تطيقه؟ كانت خطوته مسيرة ثلاثة ~~أيام، وموضع قدميه كالقرية ". # روى ابن وهب عن مالك أنه قال: " إن آدم لما أهبط إلى الأرض بالسند ~~والهند، قال: يا رب أهذه أحب الأرض إليك أن نعبدك فيها؟ فقال: بل مكة، فسار ~~آدم حتى أتى مكة فوجد عندها ملائكة يطوفون بالبيت، ويعبدون الله، PageV01P246 # فقالوا: مرحبا بآدم، أبي البشر، إنا منتظروك هنا منذ ألفي عام ". # قوله: {فإما يأتينكم مني هدى}. # أي رسل وأنبياء مخاطبة لذرية آدم. # وقيل: هدى بيان من أمري. # وقيل: الهدى محمد صلى الله عليه وسلم. # { فمن تبع هداي} أي من أطاعه وآمن به فلا خوف عليه في الآخرة. # وبنو إسرائيل هم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله ~~عليه وسلم. و " إسرا ": بمعنى عبد. و " إيل ": هو الله [ عز وجل] ~~بالعبرانية، وهو مخاطبة لبني قريظة والنضير ثم عام في جميع بني إسرائيل. # قوله: {نعمتي التي أنعمت عليكم}. # " هو أن جعلت منكم الرسل / والأنبياء، وأنزلت عليكم الكتاب ". قال ذلك ~~أبو العالية. PageV01P247 # وقال مجاهد: " النعمة تفجر الحجر وإنزال المن والسلوى عليهم، وإنجاؤهم من ~~آل فرعون ". # وقال ابن زيد: " نعمته الإسلام، ولا نعمة أعظم منها، وما سواها تبع لها ~~". # قوله: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}. # العهد هنا عن قتادة قوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا منهم ~~اثني عشر ms0066 نقيبا} [المائدة: 12]. من كل سبط شاهد على سبطه، إلى قوله: ~~{الأنهار} [المائدة: 12]. # وعن ابن عباس: " هو ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل من التصديق بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وطاعته واتباع أمره ". # {أوف بعهدكم}: الجنة والتجاوز عن الصغائر. # / واختيار الطبري أن يكون هو ما أخذ عليهم في التوراة من أن PageV01P248 # يبينوا للناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ظهورهم} [آل عمران: 187]. أي أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقال: {يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} [الأعراف: ~~157]. فالمعنى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وانصروه كما عهدت إليكم في ~~التوراة؛ أوف لكم بما عهدت لكم من دخولكم الجنة. # وروي أن في التوراة: " هو أحمد الضحوك القتول يركب البعير ويلبس الشملة ~~ويجتزي بالكسرة، سيفه على عاتقه ". # ومعنى {فارهبون} أي خافون واخشوني أن أنزل بكم ما أنزلت بمن / كان قبلكم ~~من النقمات. # قوله: {مصدقا لما معكم}. # أي هذا القرآن يصدق التوراة والإنجيل لأن فيها الأمر باتباع / محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وكذلك في القرآن. فمن لم يتبعه فقد كفر بالجميع؛ لأنهم ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. وكذلك حكى الله عنهم، فإذا جحدوا ~~به فقد جحدوا ما هو مكتوب عندهم، ومن جحد حرفا واحدا من كتاب الله فهو جاحد ~~للجميع. # قوله: {أول كافر به}. # أي أول من كفر. وقيل: أول فريق كافر. PageV01P249 # وقيل: معناه: لا تسبوا الكفر وأنتم علماء فيقتدى بكم. # وقيل: معناه: [ولا تكونوا] أول من كفر به من أهل الكتاب؛ يريد قريظة ~~والنضير خاصة، لأنه قد كفر به المشركون قبل ذلك / بمكة، وليس نهيه أن ~~تكونوا أول كافر يبيح لهم أن يكونوا ثانيا أو ثالثا فما بعده، لأن النهي عن ~~الشيء لا يكون دليلا على إباحة أضداده. وذلك في الأمر جائز، يكون الأمر ~~بالشيء دليلا عن النهي عن أضداده. # والهاء في " به " تعود على محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: على كتابهم لأنهم إذا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقد كفروا ms0067 ~~بكتابهم. # وقيل: الهاء تعود على القرآن لأنه جرى ذكره في أول الآية، ولم يجر ذكر ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا التوراة والإنجيل باللفظ، ولكن جرى ذلك ~~بالمعنى في قوله: {لما معكم}. PageV01P250 # وقيل: إن هذا خطاب لقريظة والنضير لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ~~عليهم فعصوه فكانوا أول من كفر به من اليهود. # قوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا}. # كان لأشراف اليهود مأكلة يأكلونها من أموال الناس كل عام على الدين فخشوا ~~أن يؤمنوا فتذهب مأكلتهم. # قوله: {ولا تلبسوا الحق بالباطل}. # أي: [لا تخلطوا الحق بالباطل، وهو إظهار] المنافق الإيمان بلسانه وجحوده ~~بقلبه. وقيل: هو قول بعض اليهود: " محمد نبي مرسل مبعوث إلا أنه لم يبعث ~~إلينا "، / فيقرون ثم يجحدون. # وقال مجاهد: " لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ". # وقال ابن زيد: " الحق التوراة، والباطل [ما كتبوه وغيروه] بأيديهم ". PageV01P251 # قوله: {وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}. # أي تكتمون أمر محمد وأنتم تعلمون أنه نبي مبعوث صلى الله عليه وسلم إلى ~~الخلق كافة، تجدونه مكتوبا عندكم كذلك في التوراة والإنجيل. # قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. # إنما أمروا بهذا لأنهم كانوا يأمرون الناس به ولا يفعلونه، دل عليه قوله: ~~{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} أي تتركون أنفسكم ". # والزكاة النماء والزيادة. سميت بذلك لأنها تنمي المال وتثمره. # وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت ليلة أسري بي ~~رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ~~خطباء يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ". # وقيل: كانوا ينهون الناس عن الكفر بشيء من التوراة والإنجيل ويقولون: ~~تمسكوا بما فيهما، وهم يكفرون بما يجدونه فيهما من أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم وينقضون ما PageV01P252 # عهد إليهم في ذلك. # وقيل: إنهم كانوا يخبرون الأنصار بصفة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويأمرونهم بالإيمان به، وهم يؤمنون به قبل مبعثه، فلما بعث آمنت به ~~الأنصار، وكفرت به اليهود. # ثم قال تعالى: {أفلا تعقلون}. # أي أفلا تعقلون / أن وبال ذلك راجع عليكم. # وأصل العقل ms0068 المنع. يقال: " عقلت نفسي عن كذا " أي منعتها، " وعقلت البعير ~~" إذا ربطته "، وعقلت عن الرجل " إذا لزمته دية فأعطيتها عنه. فهذا فرق بين ~~عقلته و " عقلت عنه ". # قوله: {بالصبر والصلاة}. # الصبر الصيام. وأصل الصيام الحبس. # وقيل: معناه اصبروا على ما تكرهه نفوسكم من الطاعة والعمل. # وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: " معناه بالصبر على أداء الفرائض، PageV01P253 # وبالصلاة على تمحيص الذنوب ". # وقال مقاتل: " معناه استعينوا بهما على طلب الآخرة ". # وقال مجاهد وغيره: " الصبر الصوم ". # وقيل: معناه: أصبروا أنفسكم عن المعاصي، أي أحبسوها. # وذكر الصلاة ها هنا لما فيها من الذكر والخشوع. وكان رسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم] " إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " وقال الله: {إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشآء والمنكر} [العنكبوت: 45] فهي مما / يستعان بها على / ترك ~~المعاصي وفعل الخير / كله. # وكان ابن عباس إذا أصيب بمصيبة توضأ، وصلى ركعتين ثم قال: " اللهم قد ~~فعلنا ما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا ". # وقال أبو العالية: " معناه واستعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، ~~فإنهما من PageV01P254 # طاعته ". # قوله: {وإنها لكبيرة}. # إنما وحد، وأتى بضمير الصلاة لأن المعنى قد عرف، وكانت الصلاة أولى ~~لقربها و " لجمعها الخير "، ولأنها أقرب إلى الضمير. # وقيل: المعنى: وإن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم لكبيرة، فالهاء تعود ~~على إجابته / لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه ويأمر به. # ومعنى " كبيرة " ثقيلة شديدة، إلا على الخاشعين وإلا على الذين هدى الله. # والخاشع الخائف من الله. وأصله التواضع، والتذلل، والاستكانة. # وقيل: الهاء في " إنها " تعود على تولية الكعبة. # وقيل: تعود على الاستعانة ودل عليه " استعينوا ". # قوله: {على العالمين}. PageV01P255 # أي على عالم [أهل ذلك الزمان] وذلك أنه فضلهم بالرسل والكتب. # قوله: {يظنون}. معناه: يوقنون. # والهاء في " إليه " تعود على اللقاء. # وقيل: على الله جل ذكره. # قوله: {لا تجزي}. # أي لا تقضي، " جزى عني الشيء "، قضى، و " أجزأني، كفاني، مهموز. # وقيل: هما بمعنى واحد. وأصل الجزاء القضاء والتعويض. # قوله: {نفس عن نفس}. # أي لا تقضي ولا تغني. وهي خاصة لقول ms0069 النبي [عليه السلام]: " شفاعتي لأهل ~~الكبائر من أمتي ". # ولقوله: " ليس من نبي، إلا وقد أعطي دعوة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة PageV01P256 # لأمتي وهي نائلة منهم من لا يشرك بالله شيئا ". # فألفاظ الآية عامة، ومعناها الخصوص، هي في الكفار خاصة، وفي هذه الآية رد ~~على اليهود لأنهم زعموا أنهم لا يعذبون يوم القيامة لأنهم أبناء الأنبياء، ~~وأن آباءهم يشفعون لهم عند الله، فرد الله ذلك عليهم في هذه الآية. # قوله: {منها عدل}. # أي: فداء. # وعن ابن عباس: " عدل: بدل ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " العدل: الفدية ". # وقولهم: " لا يقبل منه، صرف ولا عدل ". # وقيل: العدل: الفدية، والصرف: الحيلة. قاله ابن السكيت. # وقال المازني: " العدل: الفريضة، والصرف: النافلة ". PageV01P257 # وقيل: للفدية: عدل، لأنها مثل الشيء، وأصل " عدل الشيء " مثله. والعدل - ~~بكسر العين - ما حمل على الظهر. يقال: " عندي غلام عدل غلامك، وشاة عدل ~~شاتك "، بكسر العين، إذا كان أحدهما يعدل الآخر. وكذلك يفعل في كل شيء ~~يماثل الشيء من جنسه فإن أردت أن عندك / قيمته من غير جنسه فتحت العين ~~فقلت: " عندي عدل غلامك وعدل شاتك ". أي قيمتها بفتح العين. # وروي في " العدل " الذي بمعنى الفدية كسر العين لغة. # والضمير في " ولاهم " يعود على الكفار لأن النفسين [المذكورتين تدلان] ~~على ذلك. # وقيل: تعود على النفسين لأنهما بمعنى الجمع لم يقصد بهما قصد نفسين ~~بأعيانهما ولأن التثنية أول الجمع، فهي جمع. PageV01P258 # قوله: {وآل فرعون}. # أصله: أهله، وترجع الهاء في التصغير. وجمعه آلون. # وجمع " آل " الذي هو السراب " أأوال " كمال وأموال. # و" آل " المختار فيه ألا يضاف إلا إلى الأسماء المشهورة نحو آل هشام وآل ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإن أضفته إلى البلدان والأرضين لم يجز عند جماعة ~~من أهل العربية واللغة / لا يقال: آل المدينة ولا آل مصر، وإنما يقال ~~بالهاء، حكاها الكسائي. # وسمع الأخفش آل المدينة وآل مكة نادران لا يقاس عليهما. # واسم فرعون الوليد بن مصعب. # وقيل: مصعب بن الريان، وهو اسم كانت ملوك العمالقة تتسمى به. وكانت ملوك ~~الروم تتسمى ms0070 قيصرا وهرقلا، وملوك فارس تتسمى كسرى، PageV01P259 # وملوك اليمن تبع ". # قال مجاهد: " فرعون موسى فارسي من أهل اصطخر قدم مصر فكان بها ". # قوله: {يسومونكم} أي: يوردونكم. وقيل: يذيقونكم. # وقيل: يولونكم. وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة كذا، مرة كذا. # والعذاب هنا هو استخدام القبط الرجال من بني إسرائيل وقتل الأبناء؛ روي ~~عن ابن عباس أنه قال: " ذكر فرعون ما وعد الله خليله إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم أنه يجعل من ذريته / أنبياء ملوكا، فأجمع رأيه مع أصحابه على أن يذبح ~~/ كل مولود ولد في بني إسرائيل ففعل ثم رأى أن الكبار يموتون بآجالهم ~~والصغار يذبحون فخاف أن يضطر إلى أن يتولى الخدمة بنفسه ويغني الناس فأمر ~~أن يقتل الصغار سنة ويدعوهم سنة، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا ~~ذبح فيه، فولدته علانية، [وحملت] في العام المقبل بموسى صلى الله عليه ~~وسلم. PageV01P260 # وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: " قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا ~~العام مولود يذهب بملكك. فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل ~~مائة عشرة وعلى كل عشرة رجلا، وأمرهم بذبح الذكور إذا وضعن. # وقال السدي: " كان ذلك من فرعون لرؤيا رآها، فعبرت له أن يكون من بيت ~~المقدس مولود يكون خراب مصر على يديه. فأمر بذبح الغلمان / واستخدام الآباء ~~تحت أيدي القبط، فأسرع الموت في مشيخة / بني إسرائيل، فدخل كبراء القبط على ~~فرعون فقالوا له: إن هؤلاء القوم يسرع فيهم الموت فيوشك أن تبقى بغير خدمة، ~~فأمر بذبح الذكور سنة وبتركهم سنة ". # قوله: {بلاء من ربكم}. # أي نعمة إذ نجاكم مما كنتم فيه. # وقيل: معناه اختبار لكم من ربكم. PageV01P261 # قوله: {وإذ فرقنا بكم البحر}. # أي جعلناه اثني عشر طريقا على عدد الأسباط. ولما أتى موسى صلى الله عليه ~~وسلم البحر كناه أبا خالد وضربه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي ~~كالجبل العظيم. # {وأنتم تنظرون}. قيل: إنهم كانوا ينظرون إلى آل فرعون يغرقون وهم ينجون. # وقيل: أخرجوا لهم حتى رأوهم. # وقيل: كانوا ينظرون انفلاق ms0071 البحر لهم. # وقال الفراء: " تنظرون: تعلمون "، واستبعد أن ينظروا إليهم في ذلك الوقت ~~لأنهم كانوا في شغل عن ذلك. # وكان فرعون قد خرج في طلب موسى صلى الله عليه وسلم في سبعين ألفا من دهم ~~الخيل خاصة، وموسى صلى الله عليه وسلم بين يديه حتى قابله البحر، فقال ~~أصحاب موسى: {إنا لمدركون} [الشعراء: 61]. قال PageV01P262 # موسى صلى الله عليه وسلم: كلا إن معي ربي سهديني للنجاة قد وعدني ذلك، ~~وهو لا يخلف الميعاد. وكان قد أوحى الله إلى موسى صلى الله عليه وسلم أن ~~أضرب بعصاك البحر، وأمر البحر أن ينفلق إذا ضربه موسى صلى الله عليه وسلم ~~فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من الله تعالى، فضربه موسى صلى الله عليه ~~وسلم بالعصا فانفلق، فسلك موسى صلى الله عليه وسلم / ببني إسرائيل وأتبعه ~~فرعون وجنوده. ولما أتى فرعون في أثر موسى صلى الله عليه وسلم وهو على حصان ~~فأراد الدخول فهرب الحصان من البحر فعرض له جبريل على فرس أنثى فقربها منه ~~فشمها ثم تقدم معها [الحصان عليه فرعون حتى دخل، ثم دخل آل فرعون في أثره، ~~وجبريل صلى الله عليه وسلم أمامه]، وميكائيل من وراء القوم على فرس يستحثهم ~~حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس قدامه أحد. وبقي ميكائيل من الناحية الأخرى ~~ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر. فلما رأى فرعون ما رأى نادى: {لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] وكان ذلك يوم ~~عاشوراء. # وروي عن ابن عباس أن موسى صلى الله عليه وسلم سرى ليلا كما قال تعالى: ~~{فأسر بعبادي ليلا} PageV01P263 # [الدخان: 23]، فأتبعه فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى صلى ~~الله عليه وسلم في ستمائة ألف فاحتقرهم فرعون، وقال حين اطلع عليهم: {إن ~~هؤلاء لشرذمة قليلون} [الشعراء: 54] [الثلاث الآيات]، ولما دخلوا البحر ~~وتفرق كل سبط على طريق، قال السبط الذين مع موسى صلى الله عليه وسلم لموسى: ~~أين أصحابنا؟ قال: سيروا / فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا ms0072 نرضى حتى ~~نراهم. قال موسى صلى الله عليه وسلم: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. فأوحى ~~الله إلى موسى صلى الله عليه وسلم أن يزيد عصاه على البحر في الحيطان فصار ~~فيه كوى ينظر بعضهم إلى بعض. # وموسى اسم أعجمي، أصله فيما ذكر السدي: ماء وشجر، فهو ماء. وسمي بذلك لأن ~~أمه / حين ألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فوجده جواري آسية امرأة ~~فرعون، فسمي باسم ذلك المكان الذي PageV01P264 # أصيب فيه. # فأما موسى فمؤنثة عربية، مشتقة من أسوت إذا أصلحت، ويكون أصله الهمز. # وقيل: هي من " أوسوت " إذا حلقت. وهذا أشبه بها، وكلاهما قريب من الآخر. ~~و [الأصل] للواو في الهمز على هذا. # قوله: {أربعين ليلة}. أي: تمام أربعين ليلة. وقيل: معناه أربعين ليلة ~~بتمامها. فالأربعون داخلة في الميعاد. # قوله: {اتخذتم العجل من بعده}. # أي إلها، والأصل، اتخذ، يتخذ، وهو " افتعل " من الأخذ، وكثر في كلامهم ~~فجعلوه بمنزلة ذوات الواو والياء التي تكون في موضع الفاء من الفعل. وهي ~~تكون تاء في " افتعل " وما تصرف منه، وتدغم في تاء " افتعل ". فأصل التاء ~~الأولى همزة PageV01P265 # / وقد قيل: أصلها تاء من " تخذت ". # وقال الأخفش: " أصلها همزة حملت على ذوات الواو. لأن الهمزة قد تدخل على ~~الواو فيبدل كل واحدة من الأخرى ". # وقد قيل في لغة: " أخذته وأخذه الله بذلك، وواخذه ". فصارت " اتخذ " مثل ~~" اتعد ". # قال ابن عباس: " لما امتنع فرس فرعون أن يدخل به البحر، تمثل له جبريل ~~عليه السلام على فرس أنثى فتقحم خلفها ودخل بفرعون، وكان السامري قد عرف ~~جبريل لأن أمه خافت عليه الذبح، فخلفته في غار فانطبقت عليه الغار. فكان ~~جبريل عليه السلام يأتيه فيغدوه بأصابعه، فيجد في إحدى أصابعه لبنا وفي ~~الأخرى / عسلا وفي الأخرى سمنا. فلم يزل يغدوه حتى نشأ، فلما رأى جبريل ~~عليه السلام عرفه، / فأخذ من أثر فرسه قبضة من تراب، ورفعها عنده، وكان ~~موسى صلى الله عليه وسلم إذ أمر بني إسرائيل PageV01P266 # أن يخرجوا من أرض. مصر، أمرهم أن يستعيروا الحلي من ms0073 القبط ويخرجوا به ~~معهم. فلما تجاوز البحر وغرق آل فرعون استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، ~~ومضى لوعد ربه عز وجل، فقال لهم هارون: اجمعوا الحلي وادفنوه حتى يأتي ~~موسى، فإن أحلها لكم أخذتموها. فجمعوا الحلي في حفرة، وألقي [في روع] ~~السامري / أنه لا يلقي تلك القبضة على شيء فيقول: كن كذا إلا كان، فقذفها ~~في الحفرة وقال: كن عجلا جسدا له خوار، فصار الحلي كذلك، تدخل الريح من ~~دبره وتخرج من فيه، يسمع لها صوت، فقال لهم السامري: {هاذآ إلهكم وإله موسى ~~فنسي} [طه: 88]؛ أي نسي موسى صلى الله عليه وسلم إلهه عندكم، ومضى يطلبه ~~كأنه قد نسي. فعكفوا على العجل يعبدونه فنهاهم هارون صلى الله عليه وسلم ~~وقال: {إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني} [طه: 90]. فأبوا حتى يرجع ~~موسى [ صلى الله عليه وسلم] ". # وقيل: إنه كان يمشي ويخور. PageV01P267 # واسم السامري: موسى بن ظفر، واعتزل هارون بمن معه ممن لم يعبد العجل ~~فلذلك قال له موسى: {فرقت بين بني إسرآءيل} [طه: 94]. # قال ابن عباس: " إن موسى صلى الله عليه وسلم لما قطع البحر وأغرق الله آل ~~فرعون، قالت بنو إسرائيل لموسى: إئتنا بكتاب من ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك ~~تأتينا به إلى شهر. فاختار موسى سبعين رجلا لينطلقوا معه، فلما تجهزوا، قال ~~الله لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم أربعين ليلة وذلك حين تمت بعشر، وهي ~~عشر من ذي الحجة مع ذي القعدة. # والهاء [في] من " بعده " تعود على موسى صلى الله عليه وسلم. وقيل: تعود ~~على انطلاق موسى إلى الجبل. PageV01P268 # قوله: {من بعد ذلك}. # " ذلك " إشارة إلى اتخاذهم العجل إلها. # قيل: إنهم عبدوا العجل، فلذلك قال: اتخذتم العجل يعني إلها. وعن قتادة: " ~~إن السامري هو الذي اتخذ العجل إلها، ورضي بذلك بنو إسرائيل، فلذلك نسبه ~~إليهم ". # قوله: {الكتاب والفرقان}. # الكتاب: التوراة، والفرقان: انفراق البحر، قاله ابن زيد. و " يوم ~~الفرقان: يوم التقى الجمعان " هو يوم بدر فرق الله بين الأمرين بين الحق ~~والباطل. # وقيل: الفرقان: الفرق بين ms0074 الحق والباطل / من الكتاب. # وقيل: الفرقان القرآن، والتقدير على هذا: وآتينا محمدا الفرقان. قاله ~~الفراء وقطرب، وهو بعيد في العربية، لا يجوز مثل هذا الإضمار، وقد رده ~~جماعة. # وقال الزجاج: " الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره بغير لفظه للتأكيد، وسمي ~~فرقانا لأنه فرق بين الحق والباطل ". PageV01P269 # وقيل: الفرقان هو التفريق بينهم وبين قوم فرعون؛ غرق قوم فرعون ونجا قوم ~~موسى. # قوله: {فتوبوا إلى بارئكم} الآية. # قال السدي: " لما رجع موسى صلى الله عليه وسلم إلى قومه قال: {ياقوم ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا} [طه: 86] إلى قوله: {فكذلك ألقى السامري} [طه: 87]، ~~ثم أخذ العجل فحرقه [فأبرده] بالمبرد فذراه في اليم، ثم أمرهم موسى صلى ~~الله عليه وسلم أن يشربوا من اليم فشربوا. فمن كان في قلبه محبة من العجل ~~خرج على / شاربه الذهب، وهو قوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} ~~[البقرة: 93]. فلما / علموا أنهم قد ضلوا ندموا، فلم يقبل الله توبتهم إلا ~~أن يقتل بعضهم بعضا، فذلك قوله: {فاقتلوا أنفسكم} إلى {التواب الرحيم}. ~~فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف والخناجر، فكان من قتل شهيدا. # قال علي بن أبي طالب: " كان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قتل منهم سبعون PageV01P270 # ألفا، فأوحى الله إليه: (مرهم فليرفعوا) القتل فقد رحمت من قتل وتبت على ~~من بقي ". # وروي أنهم قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم: كيف يقتل الرجل أخاه وقريبه؟ ~~فقال موسى: إن الله [تعالى يأمر الذين عبدوا] العجل أن يجثوا، ويأخذ الذين ~~لم يعبدوا العجل السيوف. وقال الله جل ذكره لموسى عليه السلام: إني سأنزل ~~سحابة سوداء حتى لا يبصر بعضهم بعضا، ثم أمر الذين لم يعبدوا العجل أن ~~يضربوا بالسيوف ففعلوا فقتلوهم أجمعين /. فلما ارتفعت السحابة اشتد على ~~موسى وعليهم ما صنعوا، فقال الله جل ذكره: يا موسى أما يرضيك أني أدخلت ~~القاتل والمقتول الجنة؟ قال: بلى يا رب ". # وقال ابن شهاب: " لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى ~~فاضطربوا بالسيوف والخناجر، وموسى صلى الله عليه وسلم رافع يديه يدعو، حتى ~~إذا فتر ms0075 أتاه بعضهم فقال: با نبي الله: ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه يسندون ~~يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى قبل الله توبتهم وقبض أيديهم / فألقوا ~~السلاح. وأحزن PageV01P271 # موسى صلى الله عليه وسلم و [بني إسرائيل الذي] كان من القتل منهم، فأوحى ~~الله جل ذكره إلى موسى: ما يحزنك؟ أما من قتل، فحي عندي يرزق، وأما من بقي ~~فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى صلى الله عليه وسلم وبنو إسرائيل. # قوله: {وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} الآية. # قوله: {جهرة}: يجوز أن يكون حالا من قولهم، على معنى: أرنا الله علانية. ~~ويجوز أن يكون حالا منهم؛ أي قالوا ذلك مجاهرين به أي: معلنين. # والصاعقة الموت. وقيل: الفزع. # وقيل: [العذاب الذي] يموتون منه. # وأصل الصاعقة كل شيء هائل من عذاب أو زلزلة أو رجفة؛ قال الله تعالى: ~~{وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143]، أي مغشيا عليه ولم يمت. والرجفة التي أخذت ~~من معه كانت موتا وأنتم تنظرون إلى الصاعقة. PageV01P272 # قوله: {ثم بعثناكم}. # أي: أحييناكم. وأصل البعث إثارة الشيء من محله؛ تقول العرب: " بعثت ناقتي ~~" أثرتها. " وبعثت فلانا في كذا "، أي: أثرته للتوجه فيه. ويوم القيامة يوم ~~البعث لأنه [يثار فيه الناس] للحساب. ومعنى ذلك أن موسى صلى الله عليه وسلم ~~لما أحرق العجل وذراه في اليم اختار من قومه سبعين / رجلا وقال: انطلقوا ~~إلى الله عز وجل، وتوبوا إليه مما صنعتم وتطهروا وطهروا ثيابكم، وكان ذلك ~~عن أمر الله له، فخرجوا معه فقالوا لموسى: اطلب لنا إلى ربك أن نسمع كلامه ~~فقال: أفعل. فلما دنا موسى صلى الله عليه وسلم من الجبل وقع عليه عمود من ~~نور حتى تغشى الجبل كله فدخل فيه. وقال للقوم: ادنوا وكان موسى صلى الله ~~عليه وسلم إذا كلمه ربه عز وجل وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من ~~بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم حتى إذا PageV01P273 # دخلوا / في الغمام، وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى / صلى الله عليه ms0076 ~~وسلم يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ انكشف عن موسى الغمام فأقبل ~~إليهم فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة عند ~~ذلك فماتوا أجمعون. فقال موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، قد سفهوا، ~~أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟ يريد موسى صلى الله ~~عليه وسلم أن مضيي إلى بني إسرائيل بغير من اخترت منهم [هلاك لهم] لأنهم ~~بعد ذلك لا يأمنوني على أمر ولا يصدقوني. فلم يزل موسى - يطلب إلى ربه - ~~صلى الله عليه وسلم حتى رد عليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لهم من عبادتهم ~~العجل، فقال الله تعالى: لا. إلا أن يقتلوا أنفسهم. ذكر جميع ذلك عن السدي، ~~قال: " فالذين أخذتهم الصاعقة هم السبعون الذين اختارهم موسى صلى الله عليه ~~وسلم للميقات ". قال قتادة: " بعثهم الله عز وجل إلى بقية آجالهم ~~ليستوفوها، PageV01P274 # ولو تمت آجال القوم ما بعثوا ". # وقال ابن زيد: " لما أتاهم موسى صلى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل، ~~وقال لهم: خذوه، قالوا: لا نأخذه حتى نرى الله جهرة، فيقول: خذوه. فجاءتهم ~~صاعقة بعد التوبة فصعقوا أجمعين، ثم أحياهم الله بعد موتهم. فقال لهم موسى: ~~خذوا كتاب الله عز وجل فأبوا أن يأخذوه. فرفع فوقهم الجبل فأخذوا الكتاب، ~~وأخذ موسى عليهم الميثاق، وهو قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} ~~[البقرة: 83] الآية. # قوله: {[و] ظللنا عليكم الغمام}. # قيل: الغمام سحاب. # وقال مجاهد: " هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة وليس بسحاب ". ~~وروي ذلك عن ابن عباس، وهو الغمام الذي أتت فيه الملائكة يوم بدر، PageV01P275 # وذلك أنهم كانوا في التيه، [فشكوا حر] الشمس، فظلل الله عليهم الغمام وهو ~~أبرد من السحاب وأطيب. # وسمي الغمام غماما لأنه يعم ما حل به، أي يستره، وسمي السحاب غماما، لأنه ~~يغم السماء، أي يسترها. # وقيل / للسحاب سحاب لأنه ينسحب بمسيره. # والمن عن مجاهد: " صمغة ". # وقال قتادة: " كان ينزل، عليهم مثل الثلج ". # / وقال الربيع. بن أنس: " المن شراب كان ينزل ms0077 عليهم مثل العسل فيمزجونه ~~بالماء ثم يشربونه ". # وقال ابن زيد: " المن عسل كان ينزل عليهم من السماء ". ورواه ابن وهب ~~عنه. PageV01P276 # وقال وهب: " المن خبز رقاق الذرة أو مثل النقي ". # وقال السدي: " المن الزنجبيل ". # وقيل: " هو الترنجبين ". # وعن ابن عباس: " المن هو الذي " يسقط من الشجر، فيأكله الناس ". # وقال قتادة: " كان يسقط عليهم في مجلسهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ~~كسقوط الثلج فيؤخذ منه بقدر ما يكفي ذلك اليوم / فإن تعدى إلى أكثر فسد، ~~إلا يوم الجمعة فإنه يؤخذ ما يكفي فيه للجمعة وللسبت، لأن يوم السبت عندهم PageV01P277 # يوم عبادة ". وقيل: " المن: الترنجبين ". وقيل: " المن أصمغة ". # وقال النبي [عليه السلام]: " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " قال أهل ~~المعاني: " معنى: " من المن " أي مما من الله به على خلقه بلا زرع ولا تكلف ~~سقي ". # والسلوى: طائر يشبه السمانى كانت الجنوب تحشره عليهم. # والسلوى والسمانى واحده وجمعه بلفظ واحد. والمن: جمع لا واحد له مثل ~~الخير والشر. / وكان من قصة المن والسلوى أن الله عز وجل أمر PageV01P278 # موسى إلى بيت المقدس فيسكنها ويجاهد فيها من الجبارين، فأبوا القتال معه ~~وقالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا، فغضب موسى صلى الله عليه وسلم لذلك فدعا ~~عليهم وقال: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25]، فقال الله ~~عز وجل: { قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} [المائدة: ~~26]. فندم موسى عليه السلام على دعائه عليهم فأوحى الله عز وجل إليه: {فلا ~~تأس على القوم الفاسقين} [المائدة: 26] أي لا تحزن. فقالوا: يا موسى، فكيف ~~لنا بالطعام؟ فأنزل الله عز وجل عليهم المن والسلوى. فكان يأتي أحدهم فينظر ~~إلى الطير فإن وجده سمينا ذبحه، وإلا تركه، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا ~~الطعام، فأين الشراب؟ فأمر الله عز وجل موسى صلى الله عليه وسلم أن يضرب ~~بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين. فقالوا: فأين ~~الظل؟ فظللهم الله بالغمام فقالوا: فأين اللباس؟ [فجعل الله] ثيابهم تطول ~~معهم كما يطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب ms0078 ولا يتوسخ. # قوله: {من طيبات ما رزقناكم}. # أي من مشتهيات رزقنا وقيل: من حلاله. PageV01P279 # قوله: {وادخلوا الباب سجدا}. # أي ركعا. والباب باب حطة، معروف في بيت المقدس. # ومعنى حطة عند الحسن وقتادة وأكثر المفسرين: " احطط عنا ذنوبنا / وحط عنا ~~خطايانا ". # وعن ابن عباس وعكرمة قالا: " حطة: لا إله إلا الله. وسميت بذلك لأنها تحط ~~الذنوب ". # وقيل: كلمة أمروا بما تحط بها عنهم ذنوبهم. # وقيل معناه: قولوا قولا تحط به عنكم ذنوبكم. # وقيل: حطة بمعنى الاستغفار. وهو مثل الأول. # قوله: {فبدل الذين ظلموا}. PageV01P280 # روى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] أنه [قال]: " قال الله تعالى لبني ~~إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا، وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم، فبدلوا ودخلوا ~~الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعيرة ". # وقال ابن عباس عن النبي [عليه السلام] إنهم قالوا: " حنطة في شعير ". # وقيل: إنهم تكلموا بكلام بالنبطية على جهة الاستهزاء والخلاف. وقال ابن ~~مسعود: " قالوا حنطة حمراء فيها شعير ". # وعن ابن عباس أنه قال: " إنهم دخلوا الباب من قبل أستاههم، وكان بابا ~~صغيرا ويقولون حنطة ". # قال الفراء: " قال ابن عباس: " أمروا أن [يستغفروا الله فخالفوا] الكلام ~~بالنبطية. PageV01P281 # والزجر العذاب، والرجس النتن. # وقال أبو العالية: " الرجز الغضب ". # وذلك أنهم لما بدلوا نعمة الله، نزل عليهم الطاعون فلم يبق أحدا، فهو ~~الرجز. قاله ابن زيد. # وقال الأخفش: " الرجز هو الرجس ". كأن الزاي عنده بدل من السين كما يقال: ~~" السرع والزرع، والزراط والصراط، وليس مثله في القياس. # والرجز - بالضم - صنم كانوا يعبدونه. # وذكر يحيى أن الرجز: الطاعون، نزل بهم حين بدلوا، فمات منهم سبعون ألفا، ~~وقال قوم منهم: لا إله إلا الله، فهم المحسنون الذين ذكرهم الله في PageV01P282 # قوله: {وسنزيد المحسنين} [البقرة: 58]، فقوم منهم بدلوا وقوم لم يبدلوا. # وروي أن الذين بدلوا إنما قالوا بالعبرانية: " حبة سمراء "، يعنون الحبة. # وقال ابن عباس: " لما بدلوا، نزل بهم طاعون فمات منهم أربعة وعشرون ألفا ~~". # قال مقاتل: " هلك منهم / بفعلهم سبعون ألفا ". # قوله: {ولا تعثوا}. # أي لا يشتد فسادكم وهو أشد الفساد. ms0079 يقال: عثا يعثو عثوا. وعثي يعثى عثا. ~~وعاث يعيث عيثا وعياثا. ولغة القرآن عثي يعثى. # قوله: {اضرب بعصاك الحجر}. # لما اشتكوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم الظمأ في التيه، / وكانوا يحفرون ~~الآبار حيثما نزلوا، فشق ذلك عليهم، فأتى موسى [بحجر مربع] من الطور، وأمر ~~موسى صلى الله عليه وسلم أن يضربه بعصاه، فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ~~ضربه / موسى صلى الله عليه وسلم فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من كل ناحية ~~[ثلاث عيون]، لكل سبط عين PageV01P283 # معلومة. # قال ابن زيد: " سقوا من حجر مثل رأس الشاة يلقونه في جانب [الجوالق/ إذ] ~~ارتحلوا بعد أن يستمسك ماؤه عند رحلتهم فإذا نزلوا قرعه موسى بعصاه، فعادت ~~العيون بحسبها ". # قال مقاتل والكلبي: " انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا على عدد الأسباط، ~~وكانوا إذا أخذوا حاجتهم زالت العيون وانسدت مواضعها. فإذا احتاجوا إلى ~~الماء انفجرت العيون ". # قوله: {من بقلها وقثآئها} الآية. PageV01P284 # لما فقدوا أطعماتهم التي كانوا يأكلون بمصر، ولزموا شيئا واحدا [ملوا ~~وقالوا] ذلك. # ومن قال إن المن [خبز الحوارى]، كان قوله: " أدنى " بمعنى أقرب. وقال ~~عطاء ومجاهد: " الفوم: الخبز ". # وقال قتادة والحسن: " الفوم: الحب الذي يختبز الناس ". # وعن ابن عباس قال: " الفوم: الحنطة والخبز ". # وروي عن مجاهد قال: " هو الثوم ". وهو اختيار ابن قتيبة، وهو في مصحف ابن ~~مسعود: " وثومها " بالثاء. فهذا يدل على أنها الثوم. وذكر ابن قتيبة: " أن ~~الفوم: الحبوب ". # والعرب تبدل الثاء [من الفاء] يقولون: جدف وجدث، ومغافير PageV01P285 # ومغاثير. [فهذا] يدل على أنه الثوم. # وروي أن الفوم: القمح والعدس وسائر الحبوب؛ وذلك أنهم لما سلكوا التيه مع ~~موسى شكوا الحر، فظلل الله عليهم الغمام يقيهم الحر، وجعل لهم عمودا من نار ~~بالليل يضيء لهم مكان القمر، وأنزل الله عليهم المن والسلوى، فيأخذون منه ~~قوتهم للغذاء والعشاء، فمن زاد على ذلك فسدت عليه الزيادة. وكانوا يأخذون ~~يوم الجمعة للجمعة والسبت إذ لا يأتيهم يوم السبت، وكانوا يخبزون المن ~~قرصا، فيأكلون طعاما مثل الشهد المعجون بالسمن. # وروي أنهم نزل عليهم المن ms0080 أولا، فملوه لحلاوته، وسألوا لحما فأنزل الله ~~عليهم طيرا تجلبه عليهم ريح الجنوب، وأمر ألا يدخروا من لحمه فخالفوا ~~فادخروا، فخنز عليهم وفسد. # فيروى أنه لولا ذنوب بني إسرائيل ما فسد الطعام المدخر. # وقيل: كانت السلوى تقع في مجالسهم كهيئة السماني، فملوا ذلك وسألوا القمح PageV01P286 # والحبوب والبصل، فأمروا أن يهبطوا مصر وهي الشام، لأنهم من مصر خرجوا، ~~فهبطوا إلى الشام بعد انقضاء الأربعين عاما التي عوقبوا بها في التيه ~~لتخلفهم عن قتال الجبارين، ولقولهم لموسى صلى الله عليه وسلم: { فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24]. ولم يدخل الشام أحد ممن أمر ~~بقتال الجبارين، بل كلهم مات في التيه، وإنما دخلها أبناؤهم. # قوله: / {قال أتستبدلون}. # هو من قول موسى صلى الله عليه وسلم. و " أدنى " بمعنى أقرب أي أقل قيمة. # وقال علي / بن سليمان: " أدنى من ذوات الهمز من قولهم: " دنيء بين ~~الدناءة "، أبدل من الهمزة ألفا ". # وقيل: معنى " أدنى ": أقرب لكم في الدنيا مما هو لكم في الآخرة، فيكون PageV01P287 # من " دنا يدنو ". وقد قرئ بالهمز. # وقال مجاهد: " أدنى بمعنى: " أردأ ". # وقيل: أصله " أدون " من الدون [ثم قلبت] اللام في موضع العين، وانقلب ~~الواو ألفا لتطرفها. # قوله: {اهبطوا مصرا}. # قال مجاهد وقتادة وغيرهما: " مصرا من الأمصار ". # وقال أبو العالية: " مصر هي التي كان بها فرعون ". وقاله الكسائي، وفي ~~قراءة أبي وابن مسعود: " اهبطوا مصر " بغير صرف معرفة. وقيل: هي الشام. PageV01P288 # وروى أشهب عن مالك أنه قال له: " هي مصر قريتك في رأيي؛ هي بلاد فرعون ". # قوله: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة}. # أي فرضت ووضعت من قولهم: " ضربت على عبدي الخراج، وضرب علي الأمير الخراج ~~" أي [فرضه ووضعه] علي. وضرب الذلة عليهم هو إعطاء الجزية عن يد وهم ~~صاغرون. # والمسكنة الخشوع والذلة. وقيل: الحاجة. # وقيل: الفاقة والفقر. فلست ترى يهوديا إلا وعليه الذلة والمسكنة، وإن كان ~~معه قناطير الذهب والفضة. # قوله: {وبآءو بغضب}. أي: رجعوا به. PageV01P289 # وقال الضحاك: " استحقوا غضبا ". # قال أبو عبيدة: " يقال بؤت بالذنب أي: احتملته ولزمني، وتبوأت الدار ms0081 ~~لزمتها، وبؤت بالشي اعترفت به، وبوأت القوم منزلا إذا أنزلتهم إلى سند جبل ~~أو عند نهر. فالاسم المباءة ". # قوله: {بآيات الله}. # الآية طائفة من القرآن وجماعة /، يقال: " جئنا بآيتنا " أي: بجماعتنا. # وقيل: سميت آية لأنها علامة الانفصال مما قبلها. # ووزن آية عند الخليل / وسيبويه: " فعلة "، وأصلها " أيية، فقلبت الياء ~~ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وهو نادر، لأن أصله أن تعتل اللام وتسلم ~~العين، فاعتلت العين وسلمت اللام. # وقال الكسائي فيما حكى أبو بكر: " أصلها " آيية " مثل " ماضية "، فكان ~~يلزم PageV01P290 # الياءين الإدغام فتصير " آية " مثل " دابة "، فتثقل، فحذفوا الياء الأولى ~~". # وقال الفراء: " أصلها فعلة، وأصلها " آية " استثقلوا التضعيف فأبدلوا ~~الياء ألفا كما أبدلوا في التضعيف من " دوان " و " قراط " ياء ومثله دنار ~~". # وقد حكى غير أبي بكر عن بعض الكوفيين أن أصلها فعلة فاستثقل التضعيف ~~فأعلت الأولى لانكسارها، وتحرك ما قبلها فقلبت ألفا. # قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآية. # قال سفيان: " الذين آمنوا / هنا هم المنافقون الذين آمنوا في الظاهر، يدل ~~على ذلك قوله: {من آمن / منهم بالله}؛ أي من صدق منهم بقلبه ووافق ظاهره ~~باطنه ". # وقال غيره: " بل هم المؤمنون، وإنما أراد " بمن آمن "، من ثبت على ~~الإيمان كما قال: {يا أيها الذين آمنوا [آمنوا]} [النساء: 135] أي اثبتوا ~~على تصديقكم. PageV01P291 # وقيل: المراد بهم: من كان يؤمن بموسى صلى الله عليه وسلم، وعيسى صلى الله ~~عليه وسلم، والنصارى على هذا القول من خالف عيسى منهم، واليهود من خالف ~~موسى، والصابئون قوم بين اليهود والنصارى، فيهم اختلاف قد ذكرناه. # قوله: {من آمن بالله}. # أي جمع مع إيمانه المتقدم إيمانه / بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء ~~به. روي ذلك عن السدي. # وقال السدي: " نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي ". وذكر قصة طويلة ~~معناها أن سلمان كان قد تنسك مع قوم من الرهبان قبل مبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبروه أنه سيبعث نبي، فإذا لحقته فصدق به. فلما بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأتى المدينة أتاه سلمان فنظر إلى ms0082 الخاتم الذي هو علامة ~~النبوة، وقد كانوا قالوا له: علامته خاتم بين كتفيه وهو لا يقبل الصدقة ~~ويقبل الهدية. فلما رأى سلمان الخاتم مضى واشترى لحما وخبزا، وشوى اللحم ~~وأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما هذا؟ فقال له: صدقة. قال: ~~لا آخذه، أعطه للمسلمين. ثم مضى [فاشترى شيئا آخر فأتى] به النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال PageV01P292 # له: ما هذا؟ قال له: هدية. فقال له: اجلس فكل، فأكل مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسأله سلمان عن أولئك الرهبان ما حالهم في الآخرة وقد كانوا ~~يقولون: لو لحقناك لآمنا بك، فأنزل الله: {إن الذين آمنوا} الآية. أي من ~~مات على دين موسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم فله أجره عند ربه. # وروي عن ابن عباس، وسعيد بن عبد العزيز أنها منسوخة نسختها: {ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85]. أي من لحق بمبعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم فليس يقبل منه غير الإيمان. # وسميت اليهود يهودا لقولهم: {إنا هدنآ إليك} [الأعراف: 156] أي تبنا ~~ورجعنا. PageV01P293 # وقيل: سميت بذلك لانتسابهم إلى يهودا. # والنصارى: جمع نصران ونصرانة. وقيل: سموا نصارى لأنهم نزلوا أرضا يقال ~~لها: ناصرة. # وقيل: سموا نصارى لقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52]. # وقيل: سموا نصارى، لأن قرية عيسى [عليه السلام] كانت تسمى ناصرة، وكان ~~أصحابه يسمون الناصرين، وكان يقال لعيسى صلى الله عليه وسلم الناصري. # وقيل: سموا بذلك لأنهم نزلوا موضعا يسمى ناصرة. # والصابئين: قوم خرجوا من دين إلى دين. وقيل: هم قوم لا دين لهم. # وقيل: الصابئين: قوم بين المجوس واليهود. PageV01P294 # وقال الحسن: " هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون للقبلة، ويقرأون الزبور ". # ومعنى: {وعمل صالحا}. أي آمن بمحمد [عليه السلام]. # قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم} الآية. # / وقال ابن زيد: " لما رجع موسى صلى الله عليه وسلم من عند ربه بالألواح، ~~أمرهم باتباع ما فيها وقبوله والعمل به. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت، لا ~~والله حتى نرى الله جهرة وحتى يطلع علينا ويقول: ms0083 هذا كتابي فخذوه. قال: ~~فجاءته غضبة من الله فصعقوا فماتوا جميعا، ثم أحياهم الله من بعد ذلك. فقال ~~لهم موسى صلى الله عليه وسلم: خذوا كتاب الله قالوا: لا. قال: أي شيء ~~أصابكم؟ قالوا: أمتنا ثم حيينا. فقال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث ~~الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم فهو تأويل. {ورفعنا فوقكم الطور} فلما صار ~~فوقهم، قيل لهم: خذوا، وإلا طرح عليكم. فأخذوه بالميثاق /، PageV01P295 # فهو قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: ~~83] إلى {وما الله بغافل عما يعملون} [البقرة: 144]. ولو أخذوه أول مرة ~~لأخذوه بغير ميثاق، ولكن عسروا فشدد الله عليهم ". والطور: الجبل. # وقيل: هو اسم جبل بعينه معروف كلم الله سبحانه عليه / موسى صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: هو ما أنبت دون ما لم ينبت من الجبال. # وقال السدي: " لما نظروا إلى الجبل فوقهم خروا سجدا على شق، ونظروا إليه ~~[بالشق الآخر فرحمهم] الله وكشف عنهم فهم يسجدون لذلك على شق ". # / فقوله: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم} [الأعراف: 171] وقوله: {ورفعنا فوقكم ~~الطور} واحد. PageV01P296 # ومعنى: {بقوة} أي: بجد وعزيمة ورغبة وعمل، وهو التوراة. # وروي أنهم قالوا: لا نقبل التوراة، فرفع الله فوقهم الطور كأنه ظلة، ~~فأيقنوا أنه واقع عليهم، وبعث الله نارا من قبل وجوههم، وأتاهم بالبحر من ~~خلفهم، فقال لهم موسى صلى الله عليه وسلم: " إن أنتم لم تقبلوا التوراة بما ~~فيها أحرقكم الله بهذه النار، وغرقكم في هذا البحر، وأطبق عليكم هذا الجبل ~~". فأخذوها كارهين، وعاهدوا الله ليعملن بما فيها وسجدوا لله وهم ينظرون ~~إلى الجبل بعين واحد مخافة أن يقع عليهم فصارت سنة فيهم لا يصلون إلا هكذا. ~~ثم عصوا بعد ذلك وخالفوا العهد، فهو قوله: {ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل ~~الله عليكم ورحمته} لعاجلهم بالعقوبة، فيخسرون دنياهم وآخراهم. # قوله: {واذكروا ما فيه}. # أي أتلوه. وقيل: معناه: اذكروا ما فيه من أمر الآخرة وهو الثواب والعقاب ~~لعلكم تتقون ما تعاقبون عليه. PageV01P297 # وقوله: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت}. # قال ابن ms0084 عباس: " لم يبعث الله قط نبيا إلا عرفه فضل الجمعة وعظمها في ~~السماوات وأن الساعة / تقوم فيها، وتشريف الملائكة لها. وبلغت الرسل أممها ~~ذلك، فسمع أكثرهم وأطاع وعرف فضلها. فلما كان موسى أخبر بني إسرائيل بفضلها ~~على الأيام فقالوا: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام، ~~والسبت أفضل لأن كل شيء سبت لله مطيعا يوم السبت، وخلق الله السماوات ~~والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة. ويوم السبت كمل الأمر؟ ~~وقالت النصارى لعيسى صلى الله عليه وسلم إذ أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: ~~كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها، والله واحد، والواحد الأول، ~~والأحد أول؟ فأوحى الله عز وجل إلى عيسى صلى الله عليه وسلم أن دعهم ~~والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا فلم يفعلوا. وقال لموسى صلى الله عليه ~~وسلم كذلك في السبت. وأمرهم أن لا يصيدوا فيه سمكا ولا غيره، ولا يعملوا ~~فيه عملا. فكان يوم السبت تظهر فيه الحيتان على وجه الماء فهو قوله: {إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] ~~ثم إنهم تناولوها في السبت فلم ينكر بعضهم على بعض، ثم كفوا فلما رأوا ~~العقوبة لا تنزل بهم عادوا وأخذوا. وكان موسى قد حذرهم PageV01P298 # العقوبة إن تعدوا في السبت، فلما رأوا لا تنزل عليهم عقوبة ظنوا ما قال ~~لهم موسى صلى الله عليه وسلم باطلا، فمسخوا قردة وحيوا ثلاثة أيام وماتوا ~~". # قال ابن عباس: " لم يعش مسخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب ولا ~~ينسل. وكان الله تعالى قد خلق القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة ~~[الأيام التي ذكر، فمسخ أولئك في صور] القردة ". # قال الحسن: " كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت / فتبطح بأفنيتهم كأنها ~~المخاض ثم تذهب فلا ترى ". # قال ابن عباس: " لما طال عليهم أمر الحيتان وإتيانها يوم السبت ولا تأتي ~~في غيره، عمد رجل منهم فأخذ حوتا يوم السبت فحزمه بخيط وأرسله في الماء وتد ~~له وتدا في الساحل فأوثقه، حتى إذا كان الغد ms0085 أخذه فأكله، فلما كان السبت ~~الآخر فعل مثل ذلك، فوجد الناس ريح الحيتان، ثم علموا بما فعل ذلك الرجل ~~ففعلوا مثل PageV01P299 # ما [فعل وأكلوا زمنا طويلا، ولم] يعجل الله عليهم بالعقوبة حتى صادوا ~~علانية وباعوها في الأسواق. فقالت طائفة من أهل التقوى: " ويحكم اتقوا الله ~~" ونهوهم عما يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم يصنعوا مثل ما صنع أولئك: / {لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} # [الأعراف: 164]، فنجى الله الذين ينهون عن السوء ومسخ الفاعلين ". # واختلف في الذين / لم يعملوا ولم ينهوا وقالوا: {لم تعظون} الآية. # قيل: إنهم نجوا مع الناجين. وقيل: مسخوا مع من مسخ. [والسبت أصله] الراحة ~~والهدوء. والسبت ضرب من السير. والسبت [الحلق؛ / يقال سبت رأسه] حلقه. ~~والسبت القطع. وجمعه: " أسبت " و " سبتات " بالتحريك لأنه اسم. وفي الكثير ~~السبوت والسبات. # وقال السدي: / " كان الرجل منهم من شهوة الحوت يحفر الحفرة ويجعل نهرا ~~إلى البحر، فيدخله الماء يوم السبت بالحوت، ثم لا يقدر الحوت أن يرجع إلى PageV01P300 # البحر لقلة الماء، فيصبح يوم [الأحد ويأخذه]. فنهوهم علماؤهم عن ذلك فلم ~~ينتهوا ". # وروي عن مجاهد أنه قال: " مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ~~ضربه الله كمثل الحمار يحمل أسفارا ". # وجميع أهل التفسير على خلاف ذلك لأنهم مسخوا قردة حقيقة. # وقوله: {فقلنا لهم كونوا قردة}. # هو أمر، وتأويله الخبر. أي: فكوناهم قردة، وهذا هو الأمر الذي يكون به ~~الخلق، فحولهم من خلقة إلى خلقة أخرى، فهو مثل قوله: {إنما قولنا لشيء إذآ ~~أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40]. {خاسئين}. أي: مبعدين، أي ~~مطرودين. هذا قول أهل اللغة. # وقال مجاهد وقتادة: " خاسئين: صاغرين ". PageV01P301 # وقال الربيع: " أذلة صاغرين ". # وروي عن ابن عباس: " خاسئا ذليلا ". # قوله: {فجعلناها نكالا}. # أي: فجعلنا العقوبة نكالا وهي المسخة، وعليه أكثر أهل التفسير. وقيل: ~~الهاء للقردة. # وقيل: للأمة الذين اعتدوا. # وروي عن ابن عباس أنه قال: {جعلناها} [الحج: 36]. أي: جعلنا الحيتان ~~نكالا لأن العقوبة من أجلها كانت. فدل الكلام عليها نكالا لا عقوبة " عن ~~ابن عباس. ms0086 # ومعنى " نكلت به " عند أهل اللغة: فعلت به ما ينكل غيره أن يفعل مثله ~~فيصيبه مثل ما أصابه. # قوله: {لما بين يديها} أي: من بعدهم ليحذر ويتقي. PageV01P302 # {وما خلفها} لمن بقي منهم عبرة. قاله ابن عباس. # وقال الربيع: " لما خلا من ذنوبهم: أي عوقبوا [من أجل ما] خلا من ذنوبهم، ~~{وما خلفها}: أي: عبرة لمن بقي من الناس ". # وروى عكرمة عن ابن عباس: {لما بين يديها وما خلفها}: من / القرى ". # وقال قتادة: {لما بين يديها}: من ذنوبها التي مضت، {وما خلفها}: تعديهم ~~في السبت وأخذهم الحيتان ". وكذلك قال / مجاهد. # وقال السدي: " {لما بين يديها} ما سلف من ذنوبها، {وما خلفها}: للأمم ~~التي بعدها ألا يعصوا فيصنع بهم مثل ذلك ". # قوله: {وموعظة للمتقين}. # أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا ينتهكوا ما حرم الله عليهم فيصيبهم ~~مثل ذلك. # قوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}. # قالوا: إنما جاء الجواب بغير فاء لأنه تعالى إنما أذكرهم هذا الذي كان، ~~فجعل PageV01P303 # " قالوا " كالجواب لقوله على انقطاع الكلام وتمامه. فهو حكاية كانت من ~~كلامين: أحدهما جواب للآخر، وليس أحدها محمولا على الآخر. ولو أتى بالفاء ~~لحسن. ولو قلت: " قمت قام زيد "، لم يجز إلا بالفاء، لأنه كلام واحد، ~~الثاني محمول على الأول، فلم يتصلا إلا بحرف فاء أو واو، وليس مثل الآية ~~فافهمه. # قوله: {قال أعوذ بالله}. # ذكر السدي أنه كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال وله ابنة، وله ابن ~~أخ فقير من المال، فخطب إليه، فأبى أن يزوجه، فعمل على قتله، وقال: والله ~~لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فلما قتله ليلا جعله ~~في بعض السكك وأصبح يطلب عمه، فوجد أهل ذلك الموضع قياما عليه فأخذهم وقال: ~~قتلتم عمي فأدوا ديته وجعل يبكي [فرفعهم إلى موسى صلى الله عليه وسلم] فقضى ~~عليهم بالدية، فقالوا: يا نبي الله ادع لنا ربك يبين لنا من صاحبه. فقال: ~~اذبحوا بقرة. فقالوا: نحن نسألك عن القتيل، وأنت تأمرنا بذبح البقرة أتهزأ ~~بنا؟ ms0087 فقال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ". PageV01P304 # قال ابن عباس: " فلو اعترضوا بقرة ما، فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا ~~فشدد الله عليهم ". # وقيل: [إنه أخو المقتول كان]. # وقيل: كانوا جماعة ورثة استبطوا موته ليرثوه فقتلوه. # وقال مقاتل: " كان القاتلان اثنين قتلا ابن عم لهما وطرحاه بين قريتين، ~~فطولب أهل القريتين بالدية فحلفوا أنهم ما قتلوه ". # قوله: {لا فارض}: أي: لا هرمة. # {ولا بكر}: أي: لا صغيرة. # {عوان بين ذلك}: أي: هي بين الصغيرة والكبيرة. # {فاقع لونها}: أي: صاف تعجب من ينظر إليها. # و" ذلك " موحد يراد به بين ذلك الوصف الذي / ذكرنا. PageV01P305 # والصفراء السوداء عند أبي عبيدة، ومثله: {جمالت صفر} [المرسلات: 33] أي: ~~سود. وقال الحسن: " صفر الظلف والقرن ". # وقال ابن زيد: " هي صفراء كلها ". # وقال / القتبي: " لا يقال صفراء بمعنى سوداء في البقر. إنما يقال ذلك في ~~نعوت الإبل ". # قوله: {فاقع} يدل على أنها غير سوداء لأنه لا يقال أسود فاقع ويقال أصفر ~~فاقع. # وقيل: كانت صفراء كلها حتى الظلف والقرن ". PageV01P306 # وقرأ يحيى بن وثاب: " إن الباقر " بألف. " يشابه " بالياء والرفع ~~والتشديد؛ جعله فعلا مستقبلا. # قال الأصمعي: " الباقر جمع باقرة "، قال: " ويجمع بقر على باقورة ". ~~وقيل: كانت صفراء كلها حتى / القرن والظلف. # {لا ذلول} لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. # {مسلمة}: أي: من العيوب. # {لا شية فيها}: أي: لا بياض. # ولولا قولهم: {إن شآء الله} ما اهتدوا إليها أبدا، فوجدوا البقرة عند ~~عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى صلى الله عليه وسلم ~~فأخبروه. فقال لهم: أعطوها / رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى صلى الله ~~عليه وسلم بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمى قاتله ~~ومات فقتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى صلى الله عليه وسلم يشتكي ويطلب ~~الدية. # وروي أن رجلا صالحا من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى PageV01P307 # بالعجلة إلى غيضة وقال " اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. ~~فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا ms0088 يقدر عليها أحد؛ تثب على من ~~رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، ~~فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان برا بها. ~~فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها ~~منه بملء جلدها دنانير. # وعن ابن عباس قال: {لا شية فيها}: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة " أي: ~~لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ~~ظلفها وقرنها أصفران. # قال: " وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس ~~بأبيه، وأن رجلا مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائما تحت رأسه ~~المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا؟ ~~قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفا. PageV01P308 # قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ~~ثلاثين ألفا. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. ~~فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل ~~من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها ~~فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي ~~الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه ~~بوزنها عشر مرات ذهبا ". # وقيل: ضرب بفخذ البقرة الأيمن. # وقيل: ضرب بعظم من عظامها. # وقيل: بذنبها. PageV01P309 # وقيل: بلسانها. # وقوله: {كذلك يحيي الله الموتى}. # في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله ~~الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. # واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة ~~[بهذا القتيل المذكور / ضربوه] ببعضها فحيي وقال: " فلان قتلني "، فقتل، ~~بقوله. # قال مالك: " فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه ". PageV01P310 # وروي أنه قال: " ابن أخي قتلني " ومات، فقتل به ولم يرث ms0089 عمه. قال عبيدة ~~السلماني: " فسقط ميراث القاتل عمدا ممن قتل [من حينئذ] ". # وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: " فلان ~~قتلني "، ويقسم على قوله الأولياء. # قوله: {الآن جئت بالحق}: أي: بينت لنا. # وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف ~~لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت ~~بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، ~~لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. PageV01P311 # قوله: {وما كادوا يفعلون}. # أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها. # وقيل: أرادوا / أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من ~~قال: كانوا ورثة. # وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. # وروي عن ابن عباس أنه قال: " مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة " وقال طلحة ~~بن مصرف: " لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء ". # قوله: {فادارأتم فيها}. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. # وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم PageV01P312 # ذكرها. # / قوله: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك}. # روي عن ابن عباس أنه قال: " لما أخبر / المقتول بمن قتله مات، فأنكروا ~~أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم ". # قوله: {أو أشد قسوة}. # " أو " [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة / أو بأشد منها، لأنهم جحدوا ~~بعدما عاينوا، فأنتم مخيرون في تشبيههم. # وقيل: معنى {أو أشد قسوة}، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ~~ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل. # روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنينا فقال: " يا رب ائذن لهذا ~~الجبل حتى يكلمني ". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ صلى الله عليه ~~وسلم] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: {فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة} [البقرة: 24] فخفت أن PageV01P313 # أكون من تلك الحجارة ". # وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما ms0090 هو مثل الحجارة، ~~ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. # وقيل: " أو " بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: " بل ". # قوله: {لما يتفجر منه الأنهار}. # هو حجر موسى صلى الله عليه وسلم الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عينا. # قوله: {لما يهبط من خشية الله}. # هو الجبل الذي جعله الله دكا إذ تجلى إليه، خر له. # قوله: {لما يشقق}. # هو العيون التي تخرج من سائر الجبال. # قوله: {ويريكم آياته}. # يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى PageV01P314 # والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوبا، ولا أشد قسوة وتكذيبا ~~لنبيهم منهم في ذلك الوقت. # قوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}. # يخاطب المؤمنين بمحمد. والذين لا يؤمنون هم اليهود أعداء [الله. وهو ~~استفهام فيه معنى الإنكار فأيأسهم من إيمان] اليهود ثم أخبر عن أسلافهم وما ~~كانوا يفعلون كأنه يقول تعالى: إن كفر هؤلاء فلهم سابقة في ذلك؛ وهو أن ~~فريقا منهم كانوا {يسمعون كلام الله ثم يحرفونه} الآية. يريد به أسلافهم ~~وما فعلوا على عهد موسى صلى الله عليه وسلم. # قال السدي: " هي التوراة حرفوها فيجعلون الحلال حراما، والحرام حلالا ~~برشوة ". # وقال الربيع: " كانوا يسمعون من الوحي ما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ". # وروى محمد بن إسحاق أنهم خرجوا مع موسى صلى الله عليه وسلم يسمعون كلام ~~الله، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى صلى الله عليه وسلم بالسجود فسجدوا، ~~فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم وعقلوا ما سمعوا، فلما رجعوا حرف فريق منهم ما ~~سمع ". PageV01P315 # {وهم يعلمون} أي: يعلمون أنهم مبطلون فيه تحريفه. # وقال مقاتل: " هم السبعون الذين اختارهم موسى صلى الله عليه وسلم. # / قوله: {قالوا آمنا}. # أي: بأن صاحبكم نبي إليكم خاصة. # وروي عن ابن عباس: " أي: إذا لقوا محمدا. قالوا: آمنا، وإذا خلوا كفروا، ~~وهم المنافقون من اليهود ". # قوله: {بما فتح الله عليكم}. # كانوا يستفتحون بمحمد / صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا تقروا بأنه نبي، ~~وقد كنتم تستفتحون به، أي: تنظرون ms0091 إذ سألتم الله به نصركم على عدوكم فقد ~~علمتم أنه نبي، فإذا أقررتم لهم بنبوته حاجوكم بذلك عند ربكم. # وقال أبو العالية: {بما فتح الله عليكم} يعني ما أنزل عليكم في التوراة ~~من ذكر PageV01P316 # محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: " بما من الله عليكم في التوراة من ذكر محمد صلى الله عليه ~~وسلم فيحتجون عليكم بذلك ". # " وروي أن النبي [عليه السلام قال لهم: يا إخوة القردة] والخنازير، ~~فقالوا: من أخبر بهذا محمدا؟ ما جرى هذا إلا منكم. أفتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم؟ ". # وقال السدي: " كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون ~~المؤمنين بما مر على أسلافهم من العذاب، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به. أي: يقولون لكم: نحن أحب إلى الله ~~منكم وأكرم منكم؟ ". # وعن ابن زيد قال: " كانوا إذا قيل لهم: أتعلمون أن في التوراة كذا وكذا؟ ~~قالوا: نعم. فيقول لهم رؤساؤهم: لا تخبروهم بالذي أنزل عليكم، فيحاجوكم به ~~عند PageV01P317 # ربكم. وقال النبي [عليه السلام]: " لا يدخل علينا قصبة المدينة إلا مؤمن ~~". فقال رؤساؤهم: اذهبوا فقولوا: آمنا وادخلوا. فإذا رجعتم اكفروا، وهو ~~قوله: {وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار} [آل عمران: 72] الآية. فكانوا يؤمنون بالبكرة ويكفرون بالعشي ". # قوله: {ومنهم أميون}. # أي: ومن هؤلاء أميون. فهم أبعد من الإيمان من غيرهم. # وقال ابن عباس: " هم قوم لم يصدقوا رسولا ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا كتابا ~~وقالوا للعوام: هذا من عند الله ". # وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئا. PageV01P318 # وقيل: الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها ~~لا يحسن كما لا تحسن. # وقيل: / الأميون / في هذا الموضع نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك. # وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب أحدثوها فصاروا أميين [لا ~~كتاب] لهم. # وهم المجوس فيما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقيل: هم طائفة من اليهود. # / قوله: ms0092 {لا يعلمون الكتاب}. # أي: التوراة أي هم مثل البهائم. # قوله: {إلا أماني}. PageV01P319 # قال قتادة: " يتمنون على الله ما ليس لهم ". # وعن ابن عباس: " إلا أماني: إلا أحاديث]. # وقال مجاهد: " هم ناس كانوا لا يعلمون شيئا، يقولون على التوراة ما ليس ~~فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها ". وقال ابن زيد: " يقولون نحن ~~من أهل الكتاب وليسوا منهم تمنيا " وقال الفراء وأبو عبيدة: [إلا أماني]: ~~إلا تلاوة ". ومنه قوله: {إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] ~~أي إذا تلا ألقى في تلاوته. فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ولا يفهمونه ولا ~~يعملون به. # وقال جماعة: [إلا أماني]: إلا كذبا ". ومنه قول عثمان رضي الله عنه: " ما ~~تمنيت منذ أسلمت " أي: ما كذبت. PageV01P320 # قوله: {وإن هم إلا يظنون}. # أي: يجحدون نبوتك، وما جئتم به ظنا لا يقينا. # وقيل: معناه: لا يعلمون الكتاب إلا تخرصا وإن هم إلا يشكون فيه. # قوله: {فويل}. # قال سفيان وأبو عياض: " ويل ماء يسيل من صديد في أسفل جهنم ". # وروى عثمان بن عفان " عن النبي [عليه السلام أنه قال /: الويل] جبل في ~~النار ". # وروى عنه عليه السلام أبو سعيد الخدري أنه قال: " ويل واد في جهنم يهوي ~~فيه PageV01P321 # الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره ". # ومعنى " ويل " عند أهل اللغة: قبوح. وويح ترحم، وويس تصغير. # وهذه مصادر لا أفعال لها. والاختيار فيها الرفع على كل حال بالابتداء. ~~ويجوز فيها النصب على معنى: ألزمه الله ويلا. فإن كانت مضافة [حسن فيها] ~~النصب، قال الله تعالى: {ويلكم لا تفتروا} [طه: 61]. # فأما ما كان من المصادر جاريا على الفعل، فالاختيار / فيه الرفع إذا كان ~~معرفة على الابتداء نحو: الحمد. ويجوز النصب على المصدر. فإن كان نكرة، ~~فالاختيار في النصب على المصدر ويجوز الرفع على الابتداء، أو على معنى ثبت ~~ذلك له. فإن كان مضافا لم يجز إلا النصب كالأول. # قوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}. # هم اليهود الذين غيروا التوراة وبدلوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم فيها ~~وصفته ms0093 لئلا يؤمن به PageV01P322 # العوام، وأخذوا على ذلك الرشا. وقيل: هم قوم من اليهود كتبوا كتبا من عند ~~أنفسهم وقالوا: هذا من عند الله ليعطوا عليها الأجر. # وقال ابن عباس: " بل فعل ذلك قوم أميون لم يصدقوا رسولا، ولا آمنوا بكتاب ~~فكتبوا بأيديهم للجهال كتابا ليشتروا به ثمنا قليلا ". # قال ابن اسحاق: " كانت صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة أسمر ربعة ~~فبدلوا وكتبوا آدم طويلا ". # / وقوله تعالى: {بأيديهم}. # تأكيد ليعلم أنهم تولوا ذلك بأيديهم ولم يأمروا به غيرهم. ففي الإتيان ~~بلفظ " الأيدي " زوال الاحتمال، إذ لو قال: " يكتبون الكتاب " لجاز أن ~~يأمروا بكتابته وأن يتولوا ذلك بأنفسهم لأن العرب تقول: " كتبت إلى فلان "، ~~وإنما أمر من كتبه له " وكتب السلطان كتابا إلى عامله " ولم يكتبه بيده، ~~وإنما أمر من كتبه له. PageV01P323 # ففي ذكر " الأيدي رفع الاحتمال وبيان أنهم تولوا ذلك بأيديهم عن تعمد ~~منهم. # وقال ابن عباس: " هذا، كما تقول: حملت إلى بلد كذا قمحا، وإنما أمرت من ~~حمله ". # وقال تعالى في التابوت: {تحمله الملائكة} [البقرة: 248] وإنما حمل بأمر ~~الملائكة، ولم تحمله الملائكة [بأنفسها ولا ظهرت] للقوم في ذلك الوقت. ومن ~~هذا قوله تعالى: {يقولون بأفواههم} [آل عمران: 167]. إنما أكد بذكر الأفواه ~~لأن القول قد يترجم به عن الإشارة وعن الكتاب. تقول العرب: " قال الأمير ~~كذا " للفظ سمعه من كتاب أمر بكتابته الأمير. وقريب منه قوله تعالى: {فراغ ~~عليهم ضربا باليمين} [الصافات: 93] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة ~~والقوة والبطش، فدل بذكر اليمين على شدة الضرب. ولو لم يذكر اليمين لجاز أن ~~يكون ضربا شديدا أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة. PageV01P324 # ومن ذلك قوله تعالى: {يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] ومنه: {ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور} [الحج: 46]. # وقوله: {إلا أياما معدودة}. # أي قالوا: " لن نعذب إلا الأربعين ليلة التي عبدنا فيها العجل ثم لا نعذب ~~". قاله قتادة. # وقال السدي: " قالوا: نمكث في النار أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار ~~خطايانا واستنقينا، نادى / مناد: أخرجوا ms0094 كل مختون من بني إسرائيل، ولذلك ~~أمرنا أن نختتن ". # وقال أبو العالية: " قالت اليهود: أقسم ربنا ليعذبنا أربعين ليلة ثم ~~يخرجنا، فأكذبهم الله ". # وقال ابن عباس: " قالت اليهود: وجدنا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم ~~مسيرة PageV01P325 # أربعين سنة إلى أن ينتهوا / إلى شجرة الزقوم، فإنما نعذب حتى ننتهي إليها ~~". # وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس " أن اليهود قالت: إنما عمر الدنيا ~~سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس يوم القيامة سبعة أيام، لكل ألف سنة يوم ~~". ولم يحدد / الله تعالى الأيام لأنها عندهم معلومة على قولهم، فترك ذكر ~~عددها وبيانه لما تقدم عندهم. # قوله: {قل أتخذتم عند الله عهدا}. # أي: هل تقدم لكم عند الله ميثاق وعهد / بهذا التحديد الذي قد حددتم، فإن ~~الله لا يخلف وعده، فأتوا بما تدعون، أم قلتم ما قلتم تخرصا وكذبا. هذا ~~تأويل أكثر الناس. # وروى الضحاك عن ابن عباس: {قل أتخذتم عند الله عهدا}. أي: هل قلتم لا إله ~~إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا ولم تبدلوا ولم تغيروا، فيكون ذلك ذخرا لكم ~~عند PageV01P326 # الله ولا يخلف الله وعده لمن يفعل ذلك. أو قلتم ذلك تخرصا وإفكا، ولم ~~يتقدم لكم إيمان تدخرونه عند الله فيوفي لكم به ". # وروى ابن أبي فروة " أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] قال [لناس من ~~اليهود]: من أصحاب النار غدا؟ قالوا: نحن، سبعة أيام، ثم تخلفوننا فيها، ~~فنزل: {وقالوا لن تمسنا النار} إلى {خالدون} "، من حديث ابن وهب. # وقوله: {قل أتخذتم}. # وزنه " افتعلتم " فيجوز / أن يكون من " تخذ يتخذ "، ويجوز أن يكون من " PageV01P327 # أخذ "، وأصله " ايتخذتم " ثم أبدل من الياء تاء وأدغمت في الأخرى، وإنما ~~فعل ذلك لاستثقال الياء بعد كسرة الهمزة. # وقيل: فعل ذلك لما يلزم من تغيير الياء وكونها ألفا في المستقبل في " ~~يأتخذ " وكونها واوا في المفتعل تقول: " موتخذ " فأبدلوا من الياء حرفا ~~جلدا لا يتغير في جميع الأحوال، وكانت التاء أولى بذلك، لأنها قد تبدل من ~~الواو، فالواو أخت التاء. # وقيل: كانت أولى ms0095 لأن بعدها تاء فأبدلت للتجانس وليصح الإدغام، والمدغم ~~أخف من المظهر. # قوله: {بلى من كسب سيئة} الآية. # أي: من عمل بمثل ما عملتم، وكفر بمثل ما كفرتم وقال ما قلتم، {فأولئك ~~أصحاب النار} قاله ابن عباس. # وقال مجاهد وقتادة: " السيئة هنا الشرك ". وهو قول ابن جريج وعطاء PageV01P328 # والربيع. # وقد قال الله: {ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل: 90]. وهي ~~الشرك بلا اختلاف في ذلك. # وقال الربيع بن خثيم: (وأحاطت به خطيئاته): مات على كفره ". # وعنه: " مات على معصيته ". # وقال السدي: " هي الذنوب ". أي الكبائر. # والأول أولى لأن الله لم يتوعد في النار بالتخليد إلا أهل الشرك. # وقال النبي [عليه السلام]: " أهل الإيمان لا يخلدون في النار، ويخلد ~~الكفار ". # و" خطيئاته ": الذنوب، أي مات ولم يتب منها ولا أسلم. PageV01P329 # وقال ابن عباس: " أحاطت الخطيئة هو أن يحبط ما له من حسنة بكفره ". # وقال قتادة: " الخطيئة هنا الكبيرة الموجبة للنار ". # وقال عطاء: " الخطيئة الشرك ". # وهذا القول يدل على أن السيئة الذنوب، فيصح أن يتوعد الله من أذنب ~~الكبائر أو الصغائر ثم أضاف إلى ذلك الشرك /، وهي الخطيئة بالتخليد في ~~النار. ومن قرأ {خطيائته} بالجمع فهي الكبائر بلا اختلاف، والسيئة الشرك. ~~وهذا الخطاب لليهود / مرتبط بما قبله. # قوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية. # أي: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعملوا بما جاء به، فهي عامة في جميع ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قاله ابن عباس وغيره. # وقال ابن زيد: هي خاصة في محمد عليه السلام وأصحابه. PageV01P330 # قوله: {وقولوا للناس حسنا}. # من قرأه بالضم، فمعناه عند الزجاج قولا ذا حسن. # وقال الأخفش: " الضم والفتح بمعنى واحد بمنزلة البخل والبخل والسقم ~~والسقم ". # وقيل: إن من قرأ بالفتح فهو نعت لمصدر محذوف. واستقبح المبرد: " مررت ~~بحسن " على إقامة الصفة مقام الموصوف. وقد جاء هذا في القرآن بإجماع، قال ~~الله تعالى: {وجعل فيها رواسي} [فصلت: 10]، ولم يقل جبالا رواسي. وقال {أن ~~اعمل سابغات} [سبأ: 11]، ولم يقل: " دروعا سابغات ". # واختار بعض المتعقبين الضم لأن " الحسن ms0096 " الاسم الذي يحوي ما تحته ويعمه، ~~و " الحسن " إنما هو الشيء الحسن لا يعم غير ما هو نعت له، والعموم أكمل في ~~المعنى هنا، لأنها وصية بالخير. ففعله كله، والأمر به أولى من فعل بعضه، PageV01P331 # والأمر ببعضه دون بعض. # وحكى / الأخفش: " حسنى "، بغير تنوين. وهو لحن لا يجوز لأنه لا يقال إلا ~~بالألف واللام. # وقوله: {وبالوالدين}. # معطوف على المعنى لأن المعنى: " بأن لا تعبدون " ثم حذفت " أن " مع ~~الحرف، ودل على ذلك إعادة الباء فيما بعده. وهذا الميثاق هو الذي أخذ عليهم ~~إذ أخرجهم كالذر. # واليتم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، قاله الأصمعي. # {وقولوا للناس}: معطوف على المعنى في {لا تعبدون}، فلذلك أتى بلفظ الأمر ~~لأن صدر الكلام مبني على النهي. # ومعنى: {وقولوا للناس حسنا}: " مروهم بقول لا إله إلا الله ". رواه ~~الضحاك عن ابن عباس. PageV01P332 # وقال ابن جريج: " معناه: قولوا صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال سفيان الثوري: " مرورهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ". # وقال قتادة وغيره: " قولوا لهم حسنا من القول ". # وقال أبو عبيدة: " قولوا حسنا من القول للمسلم والكافر ". # وقال قتادة: " هي منسوخة بآية السيف ". # ولا يجوز أن تكون منسوخة إلا على قول من قال: إن المعنى: قولوا للجميع ~~حسنا من القول. وباقي الأقوال لا يمكن أن تكون فيه منسوخة لأن الأمر ~~بالمعروف لا ينسخ /، والأمر بإظهار / الصدق في النبي عليه السلام لا ينسخ. # قوله: {وآتوا الزكاة}. # هي زكاة كانت عليهم تأكلها نار من السماء ومن لم تأكل النار زكاته فهو ~~غير مقبول. # قوله: {ثم توليتم إلا قليلا منكم}. PageV01P333 # قال ابن عباس: " أعرضوا عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الفروض ~~إلا قليلا منهم ". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [عليه السلام]. # وقيل: هو إخبار عن أسلافهم، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلا منهم، ~~وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من ~~أسلافكم. ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء ms0097 أنه إخبار عن ~~أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة، ولم يسفك من بالحضرة الدماء، ولا أخرج بعضهم ~~بعضا من ديارهم، إنما ذلك فعل أسلافهم، فكون الكلام كله على سياق واحد أولى ~~وأحسن. # ومعنى: {تقتلون أنفسكم} / الآية أي يقتل بعضكم بعضا، ويخرج بعضكم بعضا. # {من ديارهم} يريد به أسلافهم. # وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب عليكم القصاص فتقتلوا فتكونوا سببا لقتل ~~أنفسكم. ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سببا لإخراجكم من دياركم. # قوله: {ثم أقررتم}. # أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم. # ومعناه: أقر أوائلكم بذلك. وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن في PageV01P334 # [كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود. # وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون، وذلك من بالحضرة من اليهود. # وقوله: {وأنتم تشهدون}. # لأوائلهم، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله {ثم ~~أنتم هؤلاء}، فوبخ من بالحضرة، وأشار إليهم بهاء التشبيه بعد أن مضى ذكر ~~أسلافهم، ورجع إلى ذكرهم. ومخاطبتهم بقوله لهم: {تقتلون أنفسكم} هو أنهم ~~كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع الأوس وفرقة مع الخزرج. فإذا جرى بين ~~الأوس والخزرج قتال أعانت كل فرقة منهم أصحابهم، فيقتل بعضهم بعضا، ويجلي ~~بعضهم بعضا في الحمية وهم في أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم، وكانت الأوس ~~والخزرج أهل شرك لا كتاب لهم يعبدون الأوثان، فإذا وضعت الحرب فدوا أسراهم ~~تصديقا لما PageV01P335 # في التوراة، كل ذلك مظاهرة لأهل الشرك، فذلك قوله: # {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}، يستحلون دماء بعضهم بعضا، فذلك ~~كفرهم. ويتحرجون أن يبقى الأسرى في أيديهم فيتفادوا؛ فذلك البعض الذي ~~يؤمنون به، وكان فرض عليهم أن لا يستعبدوا أحدا من بني إسرائيل / وفرض ~~عليهم ألا يقتلوا أحدا، ولا يخرجوا أحدا من ديارهم، فحللوا القتل والإخراج، ~~ولم يحلوا ترك الفداء والإخراج من الديار، ويؤمنون بالفداء وترك الاستعباد. ~~يعني بذلك كله بني [قينقاع وأعدائهم قريظة وبني] النضير وكانت الخزرج حلفاء ~~بني قينقاع، والأوس حلفاء قريظة والنضير. وكان بين الأوس والخزرج عداوات ~~وحروب، وهم مشركون، وبين بني قينقاع وقريظة والنضير عداوات وحروب، فيعاون ~~كل ms0098 قوم حلفاءهم إذا تحاربوا. # قوله: {وإن يأتوكم أسارى}. # في موضع الحال، والأكثر أن يكون على " أسرى " كقراءة حمزة، كقتيل PageV01P336 # وقتلى، وجريح وجرحى. # ومن قال: {أسارى} شبهه ب " سكارى "، كما قالوا " سكرى " على التشبيه " ~~بأسرى "، فكل واحد مشبه بالآخر في بابه، ولم يجز أبو حاتم " أسارى ". # وإنما يقال " فعلان " فيما كان آفة تدخل على العقل كما قال سيبويه. # والفتح في " سكارى " الأصل، والضم داخل عليه كأنه لغة، ويقال أسراء ~~كظرفاء. وفرق أبو عمرو / بين أسرى وأسارى: # فقال: " ما صار في أيديهم فهو أسارى كأنه آفة دخلت عليهم " كسكران "، وما ~~أتى مستأسرا فهم الأسرى. # وواحد " الأسرى " و " الأسارى " أسير؛ بمعنى مأسور، كجريح وقتيل. / قوله: ~~{محرم عليكم}. # هو راجع إلى الإخراج، دل عليه: " تخرجون ". PageV01P337 # وقيل: هو مجهول كناية عن الأمر أو الشأن. # وقال بعض الكوفيين: " هو فاصلة "، وذلك لا يجوز لأن حذفها يخل بالكلام، ~~والفاصلة يجوز / حذفها. # قوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}. # كفرهم هو قتل بعضهم بعضا ومعاونة الأوس والخزرج لهم، وهم يعلمون أن ذلك ~~محرم عليهم. وإيمانهم هو أنهم افترض عليهم ألا يستعبدوا أحدا من بني ~~إسرائيل وأن يفدوهم. وكانوا إذا فرغوا من الحرب فدوا من أسر منهم بعضهم [من ~~بعض]. # قوله: {إلا خزي}. # هو أخذ الجزية عن يد. # وقيل: هو أخذ القاتل بمن قتل. PageV01P338 # وقيل: هو إجلاء رسول الله [عليه السلام] بني النضير عن ديارهم لأول الحشر ~~إلى الشام. # وقيل: هو قتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم. # وأصل الخزي الذل والصغار. # وروي أن بني قينقاع من اليهود كانوا أعداء قريظة والنضير من اليهود، ~~وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء قريظة والنضير. وقريظة / ~~والنضير كانا أخوين من أهل الكتاب، والأوس والخزرج أخوان افترقا، وافترق ~~أيضا قريظة والنضير. فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس، فإذا اقتتل ~~الأوس والخزرج [أعانت النضير الخزرج / وقريظة الأوس]، فقتل بعضهم بعضا ~~فعيرهم الله بذلك. # قوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب}. # لام (لقد) حيث وقعت لام تأكيد، وقد تقع جوابا للقسم، وعيسى لا PageV01P339 # ينصرف لأنه أعجمي معرفة. # وقيل: ms0099 هو عربي من " عاسه يعوسه " إذا ساسه وقام عليه ولا ينصرف على هذا ~~للتعريف والتأنيث. # (القدس) أصله الطهر. وفيه لغة نادرة وهي فتح القاف والدال. والكتاب هو ~~التوراة. # {وقفينا}: أردفنا وأتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة، لأن ~~كل من بعث بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان عيسى صلى الله عليه وسلم ~~فإنما يأمر بني إسرائل بلزوم التوراة والعمل بما فيها، فلذلك قال: {من بعده ~~بالرسل}. أي: على منهاجه وطريقته. # ثم قال: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات}. # ابتداء كلام آخر. # وأصل " قفوت " من القفا " يقال: " قفوت فلانا " إذا صرت خلف قفاه. " ~~ودبرته " إذا صرت خلف دبره. # والبينات التي أوتيها عيسى عليه السلام هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~وخلق PageV01P340 # الطير. وغيره من الحجج والبينات. # {وأيدناه}: قويناه وأعناه ونصرناه [والأيد والأد] القوة. # وقرأ ابن محيصن: " وأيدناه " بالمد. # و" روح القدس ": جبريل. قاله قتادة والسدي والضحاك والربيع بن أنس. وروي ~~ذلك عن النبي [عليه السلام]. وقاله ابن عباس. # وقال ابن زيد: " هو الإنجيل سمي روحا كما سمي القرآن روحا، فقال تعالى: ~~{أوحينآ إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52]. # ويرد هذا القول قوله تعالى: {إذ أيدتك بروح القدس} [المائدة: 110]، ثم ~~قال تعالى: {وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} {المائدة: 110]. ~~فدل هذا [على] أن روح القدس غير الإنجيل /. فإن حمل على أنه أعيد للتأكيد ~~كما قال: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68]، وقال: PageV01P341 # {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98]، فهو وجه. # وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: " روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به ~~عيسى صلى الله عليه وسلم الموتى ". # وقال مجاهد: " القدس: الله جل ذكره، وسمي جبريل روحا لأنه كان بتكوين ~~الله له من غير ولادة كما سمي عيسى صلى الله عليه وسلم / روحا، فقال: {وروح ~~منه} [النساء: 171]. # وقال السدي: " القدس هنا البركة ". # وقال الربيع: القدس هو الله، ويدل عليه قوله: {الملك القدوس} [الحشر: ~~23]. والقدوس والقدس واحد ". ورواه ابن وهب عن مجاهد أيضا. # قوله: {أفكلما}. # معناه: التقرير والخبر، ms0100 ولفظه لفظ الاستفهام. # قوله: {قلوبنا غلف}. PageV01P342 # هو جمع أغلف كأنها في غلاف وغطاء. يقال: " سيف أغلف إذا كان في غلافه ". # وقال قتادة: " معناه قلوبنا لا تفقه ". # وقال ابن عباس وغيره: " معناه: قلوبنا في غطاء وغلاف فليس نفهم ما تقول ~~كما قال: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا} [فصلت: 5]. # ويجوز أن يكون " غلف " جمع " غلاف "، لكن أسكن تخفيفا. ومعناه: قلوبنا ~~أوعية للعلم لا تحتاج إلى / علم محمد صلى الله عليه وسلم. # وعلى ذلك قراءة من قرأ بضم اللام، وهي قراءة الأعرج / وابن محيصن ورويت ~~عن أبي عمرو وابن عباس. # قوله: {بل لعنهم الله}. # أي أبعدهم الله وطردهم وأخزاهم. وأصل اللعن الطرد والإبعاد والإقصاء. PageV01P343 # {فقليلا ما يؤمنون} نصبه على أنه نعت لمصدر محذوف أو لظرف محذوف. # وقيل: هو منصوب ب " يؤمنون "، و " ما " زائدة. # ومعناه أنهم يقرون بالله ويوحدونه، ويكفرون بالنبي [عليه السلام] كما قال ~~{وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106]. # ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم يؤمنوا البتة، تقول العرب " قل الشيء " إذا ~~لم يوجد. # ويقال: " قلما رأيت مثل هذا " أي: ما رأيت مثله. # وحكى الكسائي عن العرب: " مررت ببلاد قل ما تنبت إلا الكراث والبصل " أي: ~~ما تنبت سواهما. # وحكى سيبويه: " قل رجل يقول ذلك إلا زيدا ". # وقال أهل التفسير: " معناه: فقليلا منهم من يؤمن، لأن الذين آمنوا من PageV01P344 # المشركين أكثر كثيرا ممن آمن من اليهود ". وهذا مروي عن قتادة ويلزم منه ~~رفع " قليل ". # وقيل: المعنى: ليس يؤمنون مما في أيديهم إلا بقليل ". # والاختيار عند أكثرهم قول من قال: " إنهم قليلوا الإيمان بما أنزل على ~~النبي [عليه السلام]. # قوله: {ولما جآءهم كتاب من عند الله} الآية. # جواب " لما " محذوف، كأنه قال: كفروا، أو نحوه، كما قال: {فإذا جآء وعد ~~الآخرة ليسوءوا} [الإسراء: 7]. أي: خليناكم وإياهم، فحذف، ومثله قوله: ~~{وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم} [يس: 45] أي: أعرضوا، ثم حذف ~~جميعه لعلم السامع، وهو كثير في القرآن. # والكتاب هنا؛ القرآن، أي: يصدق التوراة والإنجيل. PageV01P345 # قوله: {وكانوا من ms0101 قبل يستفتحون} الآية. # قال ابن عباس: " كانت العرب في الجاهلية يمرون على اليهود / فيؤذونهم، ~~واليهود يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة فيسألون الله أن ~~يعجل ببعثه فينصروا به على العرب لما وصل إليهم من أذى العرب /. فلما جاءهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم الذي قد عرفوه وسألوا الله في بعثه كفروا به ". # وقال مجاهد: " كانوا يقولون: " اللهم ابعث لنا هذا النبي يفصل بيننا وبين ~~الناس، فلما بعث كفروا به ". # وقيل: إنهم كانوا يرغبون إلى الله في النصر عند حروبهم / بمحمد [عليه ~~السلام] ويستشفعون به فينصرون فلما جاءهم بنفسه كفروا به حسدا وبغيا وهم ~~يعلمون أنه رسول. وبمثل هذا القول قال السدي وعطاء وأبو العالية. # وهذا من أدل ما يكون [على أنهم جحدوا نبوة] محمد صلى الله عليه وسلم على ~~علم به وصحة أنه نبي مبعوث إلى الخلق حسدا وبغيا. # قوله: {بئسما اشتروا}. PageV01P346 # أي: باعوا أنفسهم بالكفر من أجل ما أنزل الله على عبده محمد [صلى الله ~~عليه سلم] حسدا وبغيا إذ لم يكن من بني إسرائيل. # والعرب تقول: " شريت " و " اشتريت " بمعنى بعت. والأكثر " شريت " بمعنى " ~~بعت "، و " اشتريت " بمعنى " ابتعت ". وربما استعمل كل واحد في موضع صاحبه. # قوله: {فبآءو بغضب}. # أي: لجحودهم بما قد تيقنوا أمره، وعلموا صحة نبوته فحسدوه وبغوه إذ لم ~~يكن من ولد إسرائيل، وكان من ولد إسماعيل. # {على غضب} متقدم، وهو بعبادتهم العجل [وكفرهم بعيسى عليه السلام]. # وقال ابن عباس: " الغضب الأول [لتضييعهم لما] في التوراة، والثاني ~~بجحودهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ". PageV01P347 # وقال عكرمة: " الأول بكفرهم بعيسى، والثاني بكفرهم بمحمد [ صلى الله عليه ~~وسلم] ". # وقال مجاهد: " الأول بكفرهم بعيسى [ صلى الله عليه وسلم] والإنجيل. ~~والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ". # قوله: {وللكافرين عذاب مهين}. # أي وللجاحدين بمحمد صلى الله عليه وسلم عذاب مهين. وسمي مهينا لأنه يذل ~~الكافر فلا يخرج من ذلته أبدا. # فأما العذاب الذي يعذب به أهل الكبائر فليس بمهين لأنه يتخلص منه برحمة ~~الله وشفاعة النبي ms0102 صلى الله عليه وسلم. # ووصف الله العذاب بالمهين يدل على أن ثم عذابا غير مهين، وهو ما ذكرنا. # قوله: {نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه}. PageV01P348 # معناه أنهم إذا قيل / لهم: آمنوا بالقرآن، قالوا: نؤمن بالتوراة، ويكفرون ~~بغيرها من جميع الكتب. # [" ووراء " هنا بمعنى: " سوى "]. وقيل: هي بمعنى " بعد ". # {وهو الحق}. أي والذي بعد التوراة الحق مصدقا للتوراة، وهو القرآن [لأن] ~~كتب الله يصدق بعضها بعضا، وفي كل واحد منها الأمر / بالتصديق بغيره من ~~الكتب. # قوله: {فلم تقتلون أنبيآء الله}. # أي: إن كنتم تؤمنون بالتوراة كما زعمتم، فلم قتلتم الأنبياء؟. # قال كعب: " كانت بنو إسرائيل يقتلون سبعين نبيا في يومهم، وتقوم PageV01P349 # سوق بقلهم في آخر النهار ". # فقال: فلم تقتلون أنبياء الله، وهو محرم عليكم في التوراة إن كنتم في / ~~ادعائكم أنكم تؤمنون بالتوراة صادقين. # والمراد بهذا آباؤهم، كل ذلك تكذيب لهم وتعيير. # " وتقتلون " بمعنى " قتلتم "، أي: فلم قتل أسلافكم ودل على ذلك قوله: {من ~~قبل} [البقرة: 25]. # وقال في موضع آخر: {قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم / إن كنتم صادقين} [آل عمران: 183]. فأتى بلفظ الماضي على معنى: ~~فلم قتلتم أسلافكم إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله كما زعمتم. # وقيل: إن " إن " بمعنى " ما " والمعنى ما كنتم مؤمنين إذ فعلكم هذا ~~ورضاكم به متماد. وإنما جاز أن يخاطبوا بذلك وهم لم يفعلوا لأنهم PageV01P350 # مقيمون على ما كان عليه أسلافهم من سفك الدماء وتغيير التوراة، فخوطبوا ~~بما يخاطب به الفاعل لأنهم مثلهم وإن لم يفعلوا، إذ كان اعتقادهم لا يختلف ~~فهم مشاركون لهم في الفعل راضون بما صنع أسلافهم. فألزموا ما لزم أسلافهم ~~من التقريع والمخاطبة. # قوله: {ولقد جآءكم موسى بالبينات} أي بالآيات الواضحات. # {ثم اتخذتم العجل من بعده} أي إلها. # والهاء في {من بعده} تعود على موسى صلى الله عليه وسلم. وقيل على المجيء. # قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} الآية. # أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بأن يعملوا بما في التوراة بقوة أي: بجد وعزم ~~ونشاط ms0103 وكان ذلك إذ رفع فوقهم الطور. PageV01P351 # قوله {واسمعوا}: أي: استمعوا ما أمرتم به، وتقبلوه بالطاعة. # {قالوا سمعنا}: أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك. # وخرج في هذا من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة كما قال: {حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم} [يونس: 22]. وقد يخرج من الغيبة إلى الخطاب كما قال ~~تعالى: {الحمد لله} [الفاتحة: 2]، ثم قال بعد ذلك: {إياك نعبد} [الفاتحة: ~~5]. # قوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم}. أي: حب العجل من أجل كفرهم. # وقيل: المعنى إنهم سقوا من الماء الذي ذري فيه براية العجل. # وقال السدي: " إنهم شربوا من الماء الذي ذري فيه سحالة العجل بأمر موسى ~~صلى الله عليه وسلم / لهم. فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب فذلك قوله: ~~{وأشربوا في قلوبهم العجل}. # وأولى هذه الأقوال قول من قال: حب العجل. لأن الماء لا يقال فيه: أشربته ~~بمعنى " سقيته ". # وروي أنهم قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم: " إن عبادة العجل أسهل علينا ~~من عبادة الرحمن، لأن العجل إن عصيناه لم يعذبنا، والرحمن إن عصيناه / ~~عذبنا ". فأنزل الله: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم}. PageV01P352 # قوله: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم}. # معناه أي: قل يا محمد: بئس الإيمان إيمان يأمركم بالكفر بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، لأن التوراة تنهى عن الجحود بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتنهى عن ~~القتل وعن تبديل ما أنزل الله وأنتم على ذلك مصرون. # {إن كنتم مؤمنين}: أي: في قولكم إن كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم. # وقيل: معناه: ما كنتم مؤمنين. # قوله: {فتمنوا الموت}. # معناه: إن كانت لكم الجنة على قولكم وأنتم إليها صائرون، فتمنوا الموت ~~فإن ذلك لا يضركم. ففضحهم الله تعالى في كذبهم ودعواهم، وعلم الناس أن ~~تأخرهم عن التمني يدل على كذبهم، وكذلك امتنع النصارى إذ دعاهم النبي [عليه ~~السلام] إلى المباهلة في عيسى صلى الله عليه وسلم فافتضحوا، وعلم أنهم ~~كاذبون في دعواهم. PageV01P353 # قال النبي [عليه السلام] " لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوأ ~~مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون لرجعوا / لا يجدون ms0104 أهلا ولا مالا ~~"، رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما دعوا إلى تمني الموت ~~لأنهم كانوا يقولون: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18]. ويقولون: {لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111]. فقال الله لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتم صادقين / فيما تقولون، فتمنوا الموت فلم ~~يفعلوا فبان كذبهم. # قال ابن عباس: " [قيل لهم]: ادعوا بالموت على أي: الفريقين أكذب فأبوا ". # وقوله: {من دون الناس}. # أي: من دون جميع الناس. وقيل: من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # قوله: {ولن يتمنوه أبدا}. # أي: لا يتمنونه لما يعلمون من ظلمهم وكذبهم وإنكارهم [لنبوة محمد] عليه ~~السلام. PageV01P354 # وهو عندهم في التوراة [فلو يتمنوا الموت] لهلكوا، فهم لا يفعلون ذلك ~~أبدا. # قوله: {بما قدمت أيديهم}. # أي: من تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم [ وتبديلهم للتوراة وعبادتهم ~~للعجل] وغير ذلك مما سلف لهم، فأضيفت الجناية إلى اليد، وإن كانت تكون بغير ~~اليد من لسان واعتقاد لأن معظم الجنايات باليد تكون، فجرت الإضافة في كلام ~~العرب إلى اليد في جميع ذلك من أجل أن بها يكون أعظم الجنايات. # قوله: {عليم بالظالمين}. # أي: عليم بمجازاتهم / على ما فعلوا. # تم الجزء [الثاني] PageV01P355 # قوله تعالى: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة}. # أي لتعلمنهم يا محمد حريصين على الحياة لما يعلمون ما لهم في الآخرة من ~~الخزي، لأنهم يعلمون أنك نبي ويجحدون ذلك. # قوله: {ومن الذين أشركوا} الآية. # أي: وأحرص من الذين / أشركوا وهم المجوس. # وقيل: هم قوم يعبدون النور والظلمة. # {يود أحدهم}: إخبار عن أحد الذين أشركوا لو يعمر ألف سنة، كان قد بلغ من ~~حبهم في الحياة أن جعلوا تحيتهم: " عش ألف سنة "، حرصا على الحياة، فهؤلاء ~~الذين يقولون أن لهم الجنة خالصة، هم أحب في الحياة من جميع الناس ومن ~~هؤلاء الذين أداهم [حرصهم على الحياة أن جعلوا تحيتهم]: عش ألف سنة " وذلك ~~لما قد علموا من سوء ما قدموا لأنفسهم. # وقيل: " إن [معنى: {يود أحدهم}: أي: أحد اليهود] ms0105 الذين قيل لهم تمنوا ~~الموت. PageV01P356 # والأول أشبه بالآية. # قال قتادة: " حببت إليهم الخطيئة طول العمر ". # قوله: {وما هو بمزحزحه} الآية. # أي: وما أحدهم بمباعده. ومنجيه من العذاب التعمير. # وقيل: المعنى وما التعمير بمباعده من العذاب (وأن يعمر)، بدل من التعمير. # وقيل: " التقدير: وما الحديث، أو ما الأمر بمزحزحه من العذاب أن يعمر ". ~~وهو مذهب الكوفيين من النحويين. ولا يجيزه البصريون، لأن الباء لا تدخل على ~~الجملة التي تفسر المجهول وهو الأمر أو الحديث أو الخبر ونحوه. # قوله: {قل من كان عدوا لجبريل} الآية. # قال ابن عباس: " جبرائيل وميكائيل مثل عبد الله وعبد الرحمان ". PageV01P357 # قال عكرمة: " جبر " و " ميك " و " إسراف " [عبد و " إيل ": الله عز وجل] ~~. # ومعنى الآية فيما قال ابن عباس: " إن عصابة من اليهود سألوا النبي [عليه ~~السلام] عن مسائل، منها أن قالوا: أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه، وعن ماء ~~الرجل وماء المرأة، وعن الذكر والأنثى، وقالوا أخبرنا من هذا النبي الأمي ~~في التوراة؟ ومن وليه من الملائكة؟ فأخذ [عليهم النبي عليه السلام عهودا] ~~أنهم يؤمنون إن أخبرهم وناشدهم الله على ذلك فأخبرهم أن إسرائيل مرض مرضا ~~شديدا فنذر إن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان ~~أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشهد، ثم ناشدهم الله وقال: " هل ~~تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له ~~الولد والشبه بإذن / الله عز وجل، وإذا علا ماء الرجل كان / الولد ذكرا، ~~وإن علا ماء المرأة / كان أنثى؟ قالوا: اللهم نعم. # قال: اللهم اشهد، ثم ناشدهم الله، وقال: هل تعلمون أن [هذا النبي الأمي PageV01P358 # تنام عيناه ولا ينام قلبه؟] قالوا: اللهم نعم. # قال: اللهم اشهد: [قالوا: وأنت] الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة ~~ونجامعك. / فقال: إن وليي جبريل ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه. ~~قالوا: فعندها نفارقك؛ لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك ms0106 فأنزل ~~الله: {قل من كان عدوا لجبريل} إلى {كأنهم لا يعلمون} ". # وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب جرت بينه وبين اليهود مناظرة طويلة، فأقسم ~~عليهم: هل تعلمون أن محمدا نبي فأقروا به. فقال: ولم أهلكتم أنفسكم، وأنتم ~~تعلمون أنه نبي؟ فقالوا: إنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة وهو PageV01P359 # جبريل، ولو قرن بها ميكائيل لآمنا به. فسألهم عمر عن هذه العدواة فقالوا: ~~إن جبريل ينزل بالعذاب والسخط والشدائد والغلظة، وإن ميكائيل ينزل بالرأفة ~~والرحمة والتخفيف. فقال لهم عمر: وما منزلتهما عند الله؟ قالوا: أحدهما على ~~يمينه، والآخر على يساره. فقال عمر: فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما - ~~والذي بينهما - لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن ~~يسالم عدو ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. ثم انصرف [عمر عنهم، ~~فوجد النبي [عليه السلام] خارجا من خوخة [لبني فلان، فقال لعمر]: ألا أقرئك ~~آيات نزلت قبل؟ فقرأ عليه: {قل من كان عدوا لجبريل} إلى {كأنهم لا يعلمون}. # فقال عمر: والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، فأسمع اللطيف ~~الخبير سبقني إليك بالخبر ". PageV01P360 # وروي عن عمر هذه القصة بغير هذه الألفاظ إلا أن المعنى يؤول إلى شيء ~~واحد. # ومعنى ما في هذا الحديث من ذكر اليمين واليسار، إنما يراد به القرب في ~~المنزلة من الله عز وجل على التمثيل فلا يحل لأحد أن يتمثل في هذا، وفيما ~~شابهه جارحة إذ ليس كمثله شيء. # قوله: {فإنه نزله على قلبك} الآية. # أي: نزل الفرقان من عند الله على قلب محمد، ولو قال قلبي لكان جيدا، ~~والعرب / تقول: " قل يا زيد للقوم عندي الخبر " " وقل لهم عندك الخبر ". كل ~~ذلك حسن جيد. ولا يقرأ إلا بما في المصحف. PageV01P361 # قوله: {لما بين يديه} أي: لما سلف من الكتب والرسل. # ثم قال: {من كان عدوا لله وملائكته} الآية. # روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: " لقي يهوديا عمر رضي الله عنه ~~فقال له اليهودي: إن الذي يذكره صاحبك هو عدو ms0107 لنا. فقال له عمر: {من كان ~~عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل} الآية، قال: ونزلت على لسان عمر. وكرر ذكر ~~جبريل وميكائيل على معنى التأكيد. # وقيل: لمعنى التفضيل والتخصيص. # وقيل: كرر لأن من أجلهما نزلت الآيات، فكرر ذكرهما للإفهام، ولئلا ~~يقولوا: إنهما غير داخلين في الملائكة المذكورين. # وكرر إظهار اسم " الله " لما في الإضمار من الاحتمال إذ لو قال: (فإنه ~~عدو للكافرين) لجاز لكافر أن يقول: إن المعنى الذي يعادي هؤلاء عدو PageV01P362 # للكافرين / فينقلب المعنى. ويجوز أن يقال: إن الهاء تعود على أحد ~~المذكورين جبريل أو ميكائيل فيشكل ذلك وظهر الاسم لارتفاع الاحتمال. # وميكائل بالسريانية، وهو بالعربية عبيد الله، وإسرافيل بالسريانية واسمه ~~بالعربية عبد الرحمن، وجبريل بالسريانية واسمه بالعربية عبد الله. هكذا وقع ~~في كثير من التفاسير، والله أعلم بذلك. # قوله: {ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات}. # روي عن ابن عباس " ان رجلا من اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها. ~~فأنزل الله عز وجل: { ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات} أي: علامات واضحات، ~~{وما يكفر بهآ إلا الفاسقون}. PageV01P363 # ثم قال: {أوكلما عاهدوا عهدا} الآية. # عهدهم هاهنا ما عقدوا على أنفسهم من اتباع التوراة، والعمل بما فيها، ~~وإظهار أمر محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به. ثم نقض ذلك فريق منهم، ~~وهم الأكثر بدلالة قوله: {بل أكثرهم لا يؤمنون}. # وفي قراءة عبد الله: " نقضه فريق منهم ". # قوله: {ولمآ جآءهم رسول من عند الله} الآية. # معناه: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يصدق التوراة / وتصدقه. # {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله}. # نبذوا التوراة إذ جحدوا ما فيها من صفة النبي والأمر باتباعه، لأن من جحد ~~آية من كتاب الله فقد جحد الجميع. # وقيل: إنهم نبذوه مرة واحدة، واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر. # {كأنهم لا يعلمون}. # أي: لا يعلمون أنه نبي صادق في قوله، فهم / يعلمون ذلك، ولكنهم جحدوا به ~~عن علم وكفروا بذلك عن قصد. ms0108 PageV01P364 # قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} الآية. # قوله: {ومآ أنزل على الملكين}. # يجو أن تكون " ما " نافية فيحسن الابتداء بها. وأن تكون بمعنى " الذي " ~~أي: واتبعوا الذي أنزل على الملكين، فلا يبتدأ بها. # وقيل: " ما " في موضع نصب ب " يعلمون "، أي: ويعلمون ما أنزل على الملكين ~~فيتعلمون أي فهم يتعلمون. # وقال الفراء: هو معطوف على {يعلمون الناس / السحر} {فيتعلمون} وأجاز أن ~~يكون مردودا على قوله: {إنما نحن فتنة} على إضمار تقديره. " فيأتون ~~فيتعلمون ". ويجوز أن يكون مردودا على {فلا تكفر} لأن معناه: " فلا تتعلم ~~السحر ". فيكون تقديره: " فلا تتعلم فيأتون فيتعلمون ". # قوله: {على ملك سليمان}. # أي: في حين ملكه، " فعلى " بمعنى " في " كما وقعت " في " بمعنى " على " ~~في قوله: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] أي على: جذوع النخل. PageV01P365 # ومعنى " تتلو " تقرأ، وقيل: تروي. # قوله: {لمن اشتراه}. # " من " بمعنى " الذي "، وأجاز الفراء أن تكون للشرط ولا يجوز ذلك عند ~~البصريين. والضمير في {واتبعوا} يعود على اليهود الذين وصفهم الله قبل، ~~بنبذ الكتاب والكفر والجحود وغير ذلك، وهم اليهود الذين هم بحضرة رسول الله ~~[عليه السلام] لأنهم تركوا كتابهم واتبعوا السحر. # {على ملك سليمان}: أي: على عهده. # قال السدي: " كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع ما أخبر به الملائكة ~~مما يحدث في الأرض / من موت أو جدب أو غير ذلك فيخبرون به الكهنة، فتحدث ~~الكهنة الناس ويزيدون فيه مع كل كلمة سبعين كلمة من الكذب. فاكتتب الناس ~~ذلك في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فجمع سليمان تلك ~~الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين PageV01P366 # يدنو من كرسيه إلا احترق. وانتهى الناس عن إضافة الغيب إلى الشياطين. ~~فلما مات سليمان صلى الله عليه وسلم وانقرض العلماء، تمثل الشيطان في صورة ~~الإنسان، وأتى نفرا من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه ~~أبدا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان ~~فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال: إن سليمان إنما ms0109 كان يملك الجن ~~والإنس والطير بهذا السحر. ثم ذهب عنهم، وفشا في الناس أن سليمان كان ~~ساحرا، فطلب بنو إسرائيل السحر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خاصموه ~~/ بها، فأنزل الله عز وجل: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} ". # وقال الربيع في خبر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن السحر فقال لهم النبي ~~[عليه السلام]: إنما عمدت الشياطين في عهد سليمان إلى السحر والكهانة ~~فوضعته في كتب ودفنته تحت كرسي سليمان، فلما مات سليمان استخرجوا الكتب ~~وخدعوا بها بني إسرائيل فاتبعوها ". PageV01P367 # وقال ابن جريج: " عني بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان ". # وقال ابن إسحاق: " إنما كتبت الشياطين ما كتبت حين علمت بموت سليمان صلى ~~الله عليه وسلم؛ / كتبت: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا. ~~فكتبوا أصنافا وختموا عليه وعنونوا: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك ~~سليمان بن داود. ثم دفنوه تحت الكرسي. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل ~~واتبعته، / وقالوا: ما ملك سليمان إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس، فليس ~~السحر في أحد أكثر منه في اليهود. وقد سحروا النبي صلى الله عليه وسلم ". # وبابل: موضع يقال الملكان فيه في سرب من الأرض معلقين في ضوء كضوء ~~النهار. # وقيل: إنما سمي بابلا لأن الألسنة فيه تبلبلت، وافترقت الأمم من ذلك ~~المكان في الآفاق لاختلاف ألسنتها. PageV01P368 # وقيل: إن ذلك إنما كان على عهد فرعون إذ جمع الناس لبنيان الصرح، ومن ذلك ~~الوقت لا تدع الريح بنيانا يبلغ ذراعا إلا دمرته. # وقال ابن عباس: " إن سليمان لما ذهب ملكه ارتد فئام من الناس من الجن ~~والإنس وأحدثوا سحرا، واتبعوا الشهوات. فلما رجع سليمان إلى ملكه، أخذ تلك ~~الكتب ودفنها. فلما مات ظهرت الإنس والجن على تلك الكتب، وقالوا: هذا كتاب ~~من عند الله أخفاه عنا سليمان فجعلوه دينا ". # ومعنى {تتلوا}: تحدث وتروي وتتكلم. # وقيل: معناه تتبع. # قوله: {على ملك سليمان}. # أي: في ملكه وعهده. ms0110 # قال ابن عباس: " كان سبب محنة سليمان صلى الله عليه وسلم أن أهل امرأة له ~~يقال لها جرادة اختصموا إليه مع خصماء لهم / فكان هوى سليمان أن يكون الحق ~~لأهل جرادة فيقضي لهم فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا. وكان سليمان صلى ~~الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يقضي حاجة أعطى خاتمه لجرادة، ~~فلما أراد الله منه ما أراد جاء الشيطان يوما في PageV01P369 # صورة سليمان إلى جرادة فقال: هاتي الخاتم. فأخذه فلبسه فدانت له الشياطين ~~والجن والإنس. فلما جاءها سليمان يطلب الخاتم، قالت له: كذبت لست سليمان ~~فعرف سليمان أنه ابتلي، فعند ذلك كتبت الشياطين سحرا ودفنوه تحت الكرسي، ~~وأخرجوه بعد موته، فضل الناس به، وتبرأ كثير منهم من سليمان صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله: {ومآ أنزل على الملكين}. # " ما " في موضع نصب عطفا على " ما " في قوله: {واتبعوا ما}. # وإن شئت عطفا على السحر أي: {يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين}. # وقيل: ما جحد قاله ابن عباس /. أي لم ينزل على الملكين السحر. # ومعنى {وما يعلمان من أحد} أي يخبرانه بالسحر ليتجنبه ولئلا يقع فيه وهو ~~لا يدري فيقولان: " السحر هو كذا وكذا، فاجتنبه فإنه كفر ". PageV01P370 # وتقدير قول من جعل " ما ". [نفيا أن يكون في] الكلام تقديم وتأخير على ~~ترتيب: " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، وما ~~أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمان الناس السحر ببابل هاروت ~~وماروت ". # وقيل: يعني بالملكين هنا: جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود ~~تزعم أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله بذلك ~~وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأن تعلم الناس ذلك ببابل وأن الذي ~~يعلمه رجلان اسمهما هاروت وماروت. فهو رد على الشياطين. # وقيل: الذي يتعلمه من الناس هاروت وماروت. فهو رد على الناس. # وقال قتادة والزهري عن عبد الله: " كانا ملكين أهبطا إلى الأرض للحكم PageV01P371 # بين الناس فحاكمت إليهما امرأة فحافا، فأتيا ينهضان إلى السماء فلم ~~[يقدرا، ms0111 وخيرا] بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فكانا ~~يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا: {إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر}. # وذكر ابن الأعرابي في " الياقوتة " أن معنى " يعلمان ": " يعلمان " ~~مخففا. قال: والعرب تقول: " تعلم مني " أي: اعلم. قال: ومعناه: أن الساحر ~~يأتي الملكين فيقول: أخبراني عما نهى الله عنه [فننتهي عنه]، فيقولان: نهى ~~عن الزنا، فيقول: وما الزنا؟ فيصفانه له. ويقولان: نهى عن اللواط ويصفانه. ~~ونهى عن السحر ويصفانه له / لينتهي عنه، فينصرف ويخالف ويكفر. PageV01P372 # فالمعنى: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: {إنما نحن فتنة [فلا تكفر]} " أي: ~~اختبار من الله فلا تكفر، فتعمل بما ينهاك عن العمل به. # وروي عن ابن عباس في قصة الملكين: " أن الله تعالى أطلع الملائكة على ~~أعمال بني آدم، فقالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، و [أسجدت له] ~~ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا. فقال الرب لهم: أما إنكم لو ~~كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. قال: ~~فأمروا أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا ~~إلى الأرض وأحل لهما كل شيء إلا الشرك والسرقة والزنا وشرب الخمر، وقتل ~~النفس. قال: فما أشهرا حتى عرض لهما بامرأة، قد قسم لها / بنصف الحسن، فلما ~~أبصراها تعرضا لها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله شيئا /، وتشربا الخمر ~~وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. # قالا: ما كنا لنشرك بالله شيئا. فقال PageV01P373 # أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ~~ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه. فلما وقعا فيما وقعا من الشر، أفرج الله ~~لملائكة السماء لينظروا إليهما فقالوا: سبحانك أنت أعلم. فأوحى الله تعالى ~~[إلى سليمان] بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا ~~عذاب الدنيا ". # وروي عن ابن عباس أنه قال: " نزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل ~~فارس، وكانت الملائكة من قبل يستغفرون للذين آمنوا: {ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما} [غافر: 7] فلما وقع ms0112 الملكان في الخطيئة استغفروا لمن في الأرض ". # وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل ~~فارس، فلما أراداها قالت: لا، إلا أن تعلماني الكلام الذي إذا تكلم به عرج ~~إلى السماء. فعلماها فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبا ". PageV01P374 # قال كعب: " والله ما أمسيا في الأرض من يومهما الذي أهبطا فيه حتى ~~استكملا فعل جميع ما نهيا عنه ". # وقال السدي /: " إن هاروت وماروت طعنا في بني آدم وأحكامهم. فقيل لهما: ~~إني أعطيت بني آدم عشرا من الشهوات فيها يعصون. فقالا: لو أعطينا تلك ~~الشهوات ونزلنا لحكمنا بالعدل. فأعطيا ذلك، ونزلا ببابل. فكانا يحكمان إلى ~~المساء، ثم يصعدان، فإذا أصبحا نزلا. فأتتهما امرأة تخاصم زوجها فأعجبهما ~~حسنها [فكلماها في نفسها]، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فحكما لها ~~عليه، ووعدتهما قرية خربة فأتياها. فلما أرادا منها الحاجة، قالت: لا، حتى ~~تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان، فأخبراها، [فتكلمت ~~فصعدت وأنساها الله] الاسم الذي تنزل PageV01P375 # به، فبقيت مكانها وجعلها الله تعالى كوكبا وهي الزهرة. فخيرا بين عذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ". # وكان ابن عمر يلعن الزهرة. رواه نافع عنه. # وكل هذه الأخبار تدل على أن " ما " في قوله: {ومآ أنزل على الملكين} ليست ~~بنفي. # وروى ابن وهب أن خالد بن أبي عمران ذكر عنده هاروت وماروت أنهما يعلمان ~~السحر، فقال: " ننزههما عن هذا ". فقرأ بعض القوم {ومآ أنزل على الملكين} PageV01P376 # فقال خالد: لم ينزل / عليهما. وقرأ الحسن " الملكين " بكسر اللام، وقال: ~~" هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وكذلك قرأه عبد الرحمن بن أبزى، لكنه ~~قال: " هما داود وسليمان ". # قال السدي: " إذا أتى الملكين أحد يتعلم السحر يقولان له: " لا تكفر إنما ~~نحن فتنة ". فإذا أبى قالا له: " إئت هذا الرماد فبل فيه. # فإذا بال عليه خرج منه نور ساطع فيسطع حتى يدخل السماء، فذلك الإيمان. ثم ~~أقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه فذلك غضب الله. فإذا ~~أخبرهما بما رأى ms0113 وبما / فعل علماه ". # / ومعنى {إنما نحن [فتنة]}: أي اختبار وابتلاء. # وروي أن الله جل ذكره أخذ على هاروت وماروت الميثاق ألا [يعلما PageV01P377 # أحدا] السحر حتى يقولا له: " إنما نحن فتنة فلا تكفر بفعل السحر ". # وهذا يدل على قتل الساحر إذا سحر وظفر به من غير استتابة، لأنه شيء يخفيه ~~فلا يعلم بصحة توبته منه لو تاب. # ويقال: إنهم كانا يعلمان من السحر ما يفرق به بين الزوجين خاصة كما ذكر ~~الله. # وقوله: {إلا بإذن الله}. # أي: بعلمه وقضائه لا بأمره لأن الله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، فلا تقع ~~الفحشاء من فاعلها، إلا بعلم الله وقضائه وقدره. هذا مذهب أهل السنة ~~والجماعة. وتعليمهم السحر هو فتنة أختبر بها الخلق. # وقيل: هو تعليم إنذار منه وتحذير منه، لا تعليم دعاء له ورغبة في العمل ~~به. PageV01P378 # قوله: {إلا بإذن الله}. # أي: بقضائه المتقدم أنهم يفعلونه ويضرون به. # وقيل: معناه بعلم الله. # وقوله: {ولقد علموا}. # قوله: {لمن اشتراه}. # أي: لمن استحبه وقبله وعمل به، ما له في الآخرة من خلاق. # / أي: علمت يهود في التوراة أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق. # أي: من نصيب وحظ. # وقيل: من دين. # وقيل: من قوام. # وقيل: إن (علموا) يراد به الشياطين لأنه لو رد إلى اليهود لكان قوله: PageV01P379 # {لو كانوا يعلمون} نفى عنهم العلم، وقد أخبر أنهم علموا. # وقيل: علموا هو للملكين لأنهم يقولون: لا تكفر، فقد علموا أنه لا خلاق ~~لمن اشتراه في الآخرة، وثني كما يقال: " الزيدان قاموا ". # وقال الزجاج: " علموا ": هم علماء اليهود ". # وقوله: {لو كانوا يعلمون}. # قيل لهم ذلك لأنهم صاروا في محل من لا علم عنده إذ لم ينتفعوا بعلمهم، ~~فصاروا بمنزلة الجاهل بهذا الأمر، فنفى عنهم العلم بعد أن أخبر أنهم علموا ~~من أجل ذلك. وهذا مشابه لقوله: {صم بكم عمي} [البقرة: 18] لأنهم لما لم ~~ينتفعوا بهذه الأعضاء كانوا بمنزلة من عدمها، فوصفوا بذلك وهم غير صم ولا ~~بكم ولا عمي. # {وشروا} هنا بمعنى باعوا. وتقدير الكلام عند ms0114 الطبري: وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم ~~لو كانوا يعلمون "، أي: يعلمون أنه يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم. يريد به ~~الذين PageV01P380 # يتعلمون السحر للتفريق بين المرء وزوجه. # ثم قال: {ولقد علموا لمن اشتراه}. # يريد به علماء اليهود. فإيجاب العلم لعلماء اليهود ونفيه هو عن الذين ~~يتعلمونه للتفريق. # وقتل الساحر عند مالك واجب بهذه الآية إذا سحر بنفسه لأنه كفر لقوله ~~تعالى: {فلا تكفر}. والكافر إذا ستر كفره [قتل إلا أن] يأتي قبل أن يعرف ~~به، فيخبر بما كان ستر، فإن توبته تقبل. ومثله الزنديق عند مالك يقتل إذا ~~قدر عليه ولا يستتاب. فإن أظهره قبل أن يظهر عليه استتيب، فإن تاب وإلا ~~قتل. وهو والزنديق سواء. # / والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويسر الكفر، فلا تقبل توبته لأنا لا ~~ندري ما في ضميره، وقد قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} ~~[غافر: 85]. فلا تنفع الساحر، [و] الزنديق توبتهما إذا ظفر بهما، وتنفعهما ~~إذا أتيا قبل أن يقدر عليهما، كما كان هؤلاء تنفعهم توبتهم قبل / إتيان ~~العذاب، ولا ينفعهم ذلك عند رؤية العذاب. وهو قول عثمان بن عفان، وابن عمر، ~~وحفصة، وجماعة من الصحابة PageV01P381 # والتابعين. # ولا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره فيقتل ~~أو يحدث حدثا فيؤخذ منه بقدر ذلك. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: " لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل ~~بسحره ضررا لم يعاهد عليه على مسلم ". # وكذلك روى ابن القاسم: قال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن ~~غيرها. قال: " ينكل بها ولا تقتل ". # وقال الشافعي: " لا يقتل الساحر ولكن يسأل عن سحره، فإن كان كفرا / ~~استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله فيئا ". PageV01P382 # قوله: {ولو أنهم آمنوا واتقوا}. # أي: لو أن الذين [يتعلمون السحر آمنوا أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما ~~أنزل الله، {واتقوا}] أي اتقوا الكفر وعمل السحر - لوجب ms0115 لهم عند الله ~~الثواب على ذلك. فهو خير لهم لو كانوا يعلمون قدر ذلك. # وقيل: {لو كانوا يعلمون}: أي لو علموا مبلغ ثواب الله / ورضاه ومقدار ~~ذلك. # وقيل: معنى: {لمثوبة}: لرجعة إلى الله خير. # وقيل معنى {لمثوبة}: أي: لأثيبوا على ذلك، فاستغني بالمثوبة عن الثواب، ~~لأن المثوبة مصدر يشتمل على الماضي وغيره. " ولو " تحتاج إلى جواب يكون ~~ماضيا، ودلت المثوبة على الماضي. # وقال ابن إسحاق: " معنى {لو كانوا يعلمون}، أي: يعملون بعلمهم. PageV01P383 # وقيل: يعلمون حقيقة الفضل في ذلك. # قوله: {لا تقولوا راعنا}. أي: خلافا. # وقيل: معناه أرعنا سمعك، أي: اسمع منا ونسمع منك. # قال الضحاك: " كان الرجل من المشركين يقول: " أرعني سمعك " ". # قال قتادة: " هي كلمة كانت اليهود تقولها على الاستهزاء، فنهى الله ~~المؤمنين أن يقولوا كقولهم ". # وقيل: إنها لغة كانت في الأنصار فنهوا عن قولها تعظيما للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وتبجيلا له، لأن معناها: " أرعنا نرعك "، فكأنهم لا يرعونه حتى ~~يرعاهم، بل يرعى صلى الله عليه وسلم على كل حال. ولا يعرف أهل اللغة: " ~~راعيت " بمعنى " خالفت " كما روى مجاهد. # وقرأ الحسن " راعنا " من " الرعونة " منونا ونصبها على المصدر: كأنه قال: PageV01P384 # رعونة. وقيل: بالقول انتصبت. # وقرأ الأعمش: " أنظرنا - بقطع الألف وكسر الظاء - أي: أخرنا، وذلك بعيد ~~لأنهم لم يؤمروا بالتأخير /، إنما أمروا بالقرب منه والتلطف في الخطاب. # وقيل: معنى قراءة الأعمش: أمهلنا. # وقوله: {واسمعوا} أي: واستمعوا ما يقال لكم، وعوه. # ثم قال: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب} الآية. # يعني بها اليهود والنصارى أنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من ~~الله. # {والله يختص برحمته من يشآء}. # أي: بنبوته ورسالته فيرسلها إلى من يشاء، ويهدي من يشاء. # قوله: {ما ننسخ من آية}. # أي: من حكم آية، قرأ ابن عامر: ما ننسخ - بضم النون الأولى وكسر السين، ~~بمعنى: " ننسخك ". PageV01P385 # قال أبو غانم: " يقال: نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [فقبرته دفنته، ~~وأقبرته جعلت له] قبرا ". # قوله: {أو ننسها}. # من ضم / النون الأولى وكسر السين، فمعناه: نتركها لا نبدلها. ms0116 وهو مروي عن ~~ابن عباس على معنى: نأمرك بتركها. # ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في ~~اللغة: أنسيت الشيء تركته، إنما يقال: " نسيت "، كما قال {نسوا الله ~~فنسيهم} [التوبة: 67]، أي: تركوه فتركهم. / وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ ~~" ننسها " بالفتح. PageV01P386 # والصواب في معنى: " ننسها " بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: " ~~ننسكها " يا محمد فتذهب من حفظك ". # وعن ابن عباس أن في الآية: [تقديما وتأخيرا]، والتقدير: ما نبدل من حكم ~~آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها. # ثم قال: {أو ننسها} أي نؤخرها فلا ننسخها ولا نبدلها. # وقيل: معناه: نأمرك بتركها كأنه: " أو ننسكها "، أي: نجعلك تتركها. # وقيل: معناه: ننسكها من النسيان أي: نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها. PageV01P387 # والفرق بين إباحة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم النسخ، وبين ~~إباحته الترك، أن النسخ أن تنسخ آية / بآية أخرى كنسخ قوله: {فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه} [البقرة: 185] لقوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ~~[البقرة: 184]. والترك هو ترك الآية من غير آية تنسخها كإباحة الله / ~~للمؤمنين ترك امتحان من أتاهم بعد أن قال: {فامتحنوهن} [الممتحنة: 10]. # فأما قراءة من قرأ " ننسأها " بالهمز، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها ~~البتة. # وقيل: معناه نؤخرها بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى. # وقيل: معناه نؤخر العمل بها [وننسخه ويبقى لفظه متلوا غير معمول] به. ~~ولكل واحد من هذه المعاني أمثلة في كتاب الله عز وجل قد بيناها في كتاب: PageV01P388 # " الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ". # فالنسخ يكون فيما نزل، والنسء فيما لم ينزل فيؤخر. يقال: " نسأ الله في ~~أجلك وأنسأ " أي: أخر فيه. # وقيل: معنى هذا القول: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على محمد ~~صلى الله عليه وسلم " أو ننسأها " أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، فالمنسوخ ~~جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم ينزل هذا على هذا التأويل. # وفيها قول ثان: وهو أن يكون معناه: {ما ننسخ من آية} أي: نرفعها، " أو ~~ننسأها ms0117 ": أي نؤخرها فلا نرفعها. # وفيها قول ثالث: وهو أن يكون " ننسأها " [معناه نؤخرها عن] التلاوة ويبقى ~~الحكم بها نحو آية الرجم. # وفيها قول رابع: وهو أن يكون " ننسأها " معناه نؤخره إلى وقت ما، نحو ما PageV01P389 # روي في قوله، {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]. # وقرأ الضحاك بن مزاحم " أو تنسها " - بالتاء مضمومة وفتح السين - على ما ~~لم يسم فاعله، أي: " ينسكها الله أو الشيطان " بدلالة قوله: {وإما ينسينك ~~الشيطان} [الأنعام: 68]. # / وقوله: {نأت بخير منها}. # معناه عند أبي إسحاق وقطرب: / " نأت منها بخير " وهو غلط عند النحويين. ~~لأن من حقها أن تكون بعد " أفعل " لا قبله " وخير " أفعل فإن جعلت " خيرا " ~~فعلا الذي هو ضد الشر، ولم تجعله أفعل، جاز ذلك. # وقيل: المعنى: نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في ~~الآخرة. # وقيل: معنى {نأت بخير منها} أي: بأنفع لكم منها في زيادة الأجر إذا صح من ~~الأصل إذا [عملتم بها]. # وقوله: {أو مثلها}. # أي: مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى ~~بيت المقدس، نسخت بالتوجه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت ~~المقدس PageV01P390 # فلذلك قال: {فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة: 144]. فنسخت القبلة بمثلها، ~~والناسحة أحب إليهم من المنسوخة. # وقيل: المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لحالكم في النفع ~~وصلاح الحال. # وقال السدي وغيره: " {نأت بخير منها} أي: من التي نسخنا، {أو مثلها}: أي: ~~مثل التي تركنا فلم ننزلها ". # وقيل: بخير من هذه أو هذه. # ولا يجوز لذي علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن ~~القرآن كلام الله جل ذكره / ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات ~~فاعلمه. # قوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} {ألم تعلم أن الله له ملك ~~السماوات والأرض}. # معناه أن النبي [عليه السلام] قد كان عالما بذلك فضلا من الله عليه، فخرج ~~هذا الكلام مخرج التقرير على عادة العرب. تقول العرب للرجل: " ألم ms0118 أكرمك، ~~ألم أفضل عليك " يخبره بذلك، وينبهه عليه، وهو عالم به. ومعناه: قد علمت ~~ذلك، فكذلك هذا. PageV01P391 # ومعناه: قد علمت يا محمد أن الله على كل شيء قدير وعلمت أن الله له ملك ~~السماوات والأرض. # وقال الطبري: " حرف الاستفهام في هذا داخل لمعنى الاستثبات والتنبيه ~~لأصحاب النبي [عليه السلام] الذين قيل لهم: لا تقولوا راعنا. ويدل على صحة ~~ذلك قوله بعد ذلك: {وما لكم من دون الله}، فأتى بلفظ / الجماعة. وقد قال ~~تعالى: # {يا أيها النبي} [الطلاق: 1]، ثم قال: {إذا طلقتم النسآء} [الطلاق: 1]. ~~وقال: {يا أيها النبي اتق الله} [الأحزاب: 1]. ثم قال: {إن الله كان عليما ~~حكيما} [الأحزاب: 1]. # ومعنى ذلك: " ألم تعلموا أن الله قادر على تعويض ما ينسخ من أحكامه ~~وفرائضه للتخفيف عليكم أو لزيادة أجر لكم ". وهذا كله إنما هو تنبيه لليهود ~~على أن أحكام التوراة جائز أن [تنسخ على يدي] نبي، أو بكتاب آخر لأنهم ~~أنكروا ما PageV01P392 # أتى به صلى الله عليه وسلم مما ليس في التوراة، فنبهوا على أن التوراة ~~يجوز نسخها على لسان نبي / غير موسى كما كانت التوراة ناسخة لما تقدمها من ~~الكتب. ومعنى " ينسخ بعض كتب الله بعضا ": أنه إنما ينسخ بعضها بعضا في ~~الشرائع لا غير، كما قال: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48]. ~~فالدين في الكتب كلها واحد وهو التوحيد، وهو دين الإسلام. والشرائع / ~~مختلفة يتعبد / الله جل ذكره أهل كل كتاب بما شاء وبما أراد لا معقب لحكمه ~~لا إله إلا هو. # قوله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم}. # " أم " تقع منقطعة بعد الخبر والاستفهام تقول: " جاءني زيد " ثم تقول: " ~~أم جاءني عمرو "، وتقول: " هل عندك زيد أم [عندك عمرو]، " و - أزيد عندك أم ~~لا؟ " كأنه في هذا كله أدركه الشك، بعد أن مضى صدر الكلام فاستدرك ب " أم ~~". PageV01P393 # وتكون " أم " عاطفة بعد الاستفهام خاصة، تدل على ثبوت أحد الشيئين غير ~~معين وعن عينه يسأل بها. فهي بمنزلة أيهما عندك " فتسأل عن العين بعد أن ~~يستقر عندك أن ثم شخصا ولا ms0119 تدري من هو، ولا يكون الجواب إلا بالعين. يقول ~~المجيب: " قلان أو فلان " ولا يجوز أن يقول: " لا، ولا نعم. وإنما لا ونعم ~~جواب. أو إذا قلت: " أذا عندك أو ذا؟ ". وتقول " سواء علي أقمت أم قعدت "، ~~فبالتسوية أجريته مجرى الاستفهام لأنك سويت الأمرين في علمك، كما استوى ~~علمك في قولك: " أزيد عندك أم عمرو؟ ". # فالتسوية تجري هذا على حروف الاستفهام، كما أجرى الاختصاص ما ليس بمنادى ~~على حروف النداء. # قال بعض النحويين في {أم تريدون}: " معناه: أتريدون ". # وقيل: هي منقطعة مما قبلها بمنزلة قول العرب: " إنها لإبل أم شاء ". وهذا ~~القول بعيد لأنه لا يصح في أكثر كلام العرب إلا على حدوث شك دخل المتكلم، ~~وذلك لا يليق بالقرآن. PageV01P394 # وقيل: إنها مردودة على الاستفهام الذي قبلها وهو {ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير} لأنه بمعنى: " ألم تعلموا "، ثم قال: {أم تريدون}. # قوله: {كما سئل موسى من قبل}. # قال ابن عباس: " [أتى رجلان من] اليهود إلى النبي [عليه السلام] فقالا ~~له: إئتنا بكتاب نقرأه، وفجر لنا أنهارا نتبعك. فأنزل الله عز وجل: { أم ~~تريدون أن تسألوا رسولكم} الآية. # ومعنى {سئل موسى}، هو قولهم: {أرنا الله جهرة}. # وقال مجاهد: " سألت قريش [النبي عليه السلام] أن يجعل لهم الصفا ذهبا، ~~فقال: نعم، هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا، فأنزل الله تعالى: ~~{أم تريدون} الآية ". # وقال أبو العالية: " جاء رجل إلى النبي / [عليه السلام] فقال: لو كانت ~~كفاراتنا كفارات بني إسرائيل. فقال النبي [عليه السلام لا نبغيها]: ما ~~أعطاكم الله خير مما أعطى PageV01P395 # بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على ~~بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا. وإن لم يفعل، كانت له ~~خزيا في الآخرة. فقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل قال: {ومن يعمل ~~سواءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} و " الصلوات ~~الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ". و " من هم بحسنة ولم يعملها ~~كتبت ms0120 [له حسنة، فإن] عملها كتبت له عشر أمثالها " ثم أنزل الله بعقب ذلك: ~~{أم تريدون} / الآية. # قوله: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان}. # / قال أبو العالية: " الشدة بالرخاء ". # وقيل: الجحود بالإيمان، وهو أولى. # قوله: {فقد ضل سوآء السبيل}. # أي: ذهب عنه وزاغ. PageV01P396 # والسواء هنا قصده ومنهجه. وأصل السواء الوسط. # قوله: {ود كثير من أهل الكتاب}. # قيل: " كثير " هنا واحد، وهو كعب بن الأشرف /. قاله الزهري. # وقيل: هما ابنا أخطب. قاله ابن عباس. # وقيل: هو عام في أكثرهم. # وفي الآية تقديم وتأخير، معناها: " ود كثير من أهل الكتاب من عند أنفسهم ~~لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ". # ومعنى: {من عند أنفسهم} أي: لم يؤمروا به، ولا وجدوه في كتاب إنما ~~اخترقوه واخترعوه من قبل أنفسهم. # {من بعد ما تبين لهم الحق} أي: من بعد ما ظهر لهم أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم في التوراة PageV01P397 # [وصفته وعلاماته] فكفروا به وأحبوا أن تكفروا معهم به بعد إيمانكم حسدا ~~وبغيا. # ثم قال: {فاعفوا واصفحوا}. # أمر الله عز وجل المؤمنين بالعفو عنهم إلى وقت يأتي فيه أمر الله تعالى ~~بترك العفو. فالآية منسوخة بالأمر بقتالهم وقتلهم وهو قوله: {فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5] وقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون} [التوبة: 29] ~~الآيتان. # وقوله: {واقتلوهم} [البقرة: 191]. # وقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. # إقامة الصلاة هو أداؤها بفروضها لوقتها وهي الخمس الصلوات المفروضة. # قال أنس بن مالك: " فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الإسراء خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمسا تخفيفا من الله، ثم نودي يا محمد: ~~إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين ". PageV01P398 # ويجمع أوقاتها قوله: {فسبحان الله حين تمسون} / [الروم: 17]. يريد المغرب ~~والعشاء الآخر / {وحين تصبحون} [الروم: 17] يريد الصبح. {وحين تظهرون} ~~[الروم: 18]. يريد الظهر {وعشيا} [الروم: 18]. العصر. فأما قوله تعالى: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78]. فقال علي بن أبي طالب " دلوكها ~~غروبها ". وهو قول ابن مسعود. # وروي عن ابن عباس: " دلوكها زوالها ". وقاله ابن عمر وأبو هريرة. {وقرآن ~~الفجر} [الإسراء: 78] صلاة الصبح. # وقال قتادة: ms0121 " {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس} [طه: 130]: هي صلاة الفجر ~~{وقبل غروبها} [طه: 130] صلاة العصر. {ومن آنآء الليل} [طه: 130] صلاة ~~المغرب والعشاء الآخرة. # وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر الزوال. PageV01P399 # وقال مالك: " آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال ". # وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور. # وقال عطاء: " لا تفريط في الظهر حتى تصفر الشمس ". # وقال طاوس: " لا تفوت حتى الليل ". # وقال النعمان: " آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين " وأول وقت العصر إذا ~~صار ظل كل شيء مثله ". هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد بن حنبل ~~وأبي / ثور. # وقال النعمان: " أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ولا تجزئ ~~الصلاة قبل ذلك ". PageV01P400 # وآخر وقتها أن يصير ظلك مثليه. # وقال أحمد وأبو ثور: " آخر وقتها ما لم تصفر الشمس على وجه الأرض ". # وقال إسحاق: " آخر وقتها أن يصلي منها ركعة قبل غروب الشمس لقول النبي ~~عليه السلام " من أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس، فقد أدركها ". # وهذا عند الشافعي وغيره إنما هو لأهل العذر. # وروي عن ابن عباس: " أن آخر وقتها غروب الشمس ". " ووقت المغرب غروب ~~الشمس وقتا واحدا "، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي. # وقال الثوري وأحمد وإسحاق: " وقتها إلى أن يغيب الشفق ". # ووقت العشاء مغيب الشفق. وهو الحمرة في قول ابن عمر وابن عباس ومالك ~~وسفيان وابن أبي ليلى والشافعي. PageV01P401 # وروي عن أبي هريرة " أنه البياض "، وهو قول زفر. وآخر وقتها عند النخعي ~~ربع الليل. # وروي عن عمر رضي الله عنه وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز " إلى ثلث ~~الليل " وهو قول مالك. وقال الثوري وابن المبارك وإسحاق " إلى نصف الليل ". ~~وروي ذلك عن عمر أيضا. ووقت صلاة الصبح انصداع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت ~~الجمعة بعد الزوال، ومن صلى الجمعة قبل الزوال لم تجزه عند الجميع إلا أحمد ~~بن حنبل فإنه أجازه قبل الزوال. # ومعنى قولهم في التشهد: " التحيات "، قال أبو عبيد " التحيات الملك، PageV01P402 # والصلوات هي الصلوات الخمس لله، والطيبات ms0122 هي الأعمال الزكيات لله ". # قوله: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى}. # معناه / قالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فأخبرنا الله أن ذلك هما ~~يتمنون، فقيل لهم: هاتوا برهانكم على ذلك، أي حجتكم وبينتكم إن كنتم ~~صادقين. وقد [أكذب الله تمنيهم وقولهم] ذلك بقوله: {فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين} [البقرة: 94]، إي إن كنتم من أهل الجنة كما زعمتم، فتمنوا الموت ~~لأنكم تنتقلون إلى ما هو خير لكم. فلما / لم يفعلوا علم أن قولهم / ذلك شيء ~~لا حقيقة له وكذب وبهتان. # ثم قال: {بلى من أسلم وجهه لله}. أي: أخلص عمله ونيته بالطاعة والإيمان. ~~وخص الوجه بالذكر دون سائر الأعضاء لأنه أشرف أعضاء بني آدم وأعظمها حرمة. ~~فإذا خضع وجهه الذي هو أكرم الأعضاء كان ما سواه أحرى أن يخضع. # قوله: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء}. نزلت في قوم من أهل الكتابين ~~تخاصموا عند النبي [عليه السلام] فكفر بعضهم بعضا، فأخبرنا الله أنه قد فعل ~~هذا من كان قبلهم ممن لا يعلم، وأنهم فعلوا ذلك وهم يجدون في كتبهم كذبهم ~~فيما يقولون لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا، فلذلك قال تعالى: PageV01P403 # {وهم يتلون الكتاب}. فهؤلاء قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون لأن في كتاب كل ~~واحد منهم الأمر بالإيمان بالآخر وبمن جاء به. و {الذين لا يعلمون} أمم ~~كانت قبلهم. # وقيل: عني بذلك الجاهلية في العرب، قالوا: ليس محمد على شيء. # وقيل: قالوا: ليست اليهود على شيء ولا النصارى على شيء. # وقيل: إنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فالذين من قبلهم ~~قالوه وهم غير عالمين، وهؤلاء / قالوا عن علم لأن ما قالوا كذب. # ومعنى قولهم: {ليست النصارى على شيء}، {ليست اليهود على شيء}: إنما ~~أرادوا أنهم ليسوا على شيء [مذ دانوا]، ولم يريدوا ليسوا على شيء الساعة ~~لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا صادقين في قولهم، إذ كل فريق منهم قد جحد / ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه نبي ويجده في ms0123 كتابه، فهو في ذلك ~~الوقت ليس على شيء لأن PageV01P404 # من جحد آية من كتاب الله فقد جحده كله. فإنما أراد: قال كل فريق منهم: ~~ليس هؤلاء على شيء منذ دانوا، ومنذ أنزل عليهم الكتاب [لا أنهم] أرادوا في ~~الوقت الذي وقع فيه التنازع خاصة لأن ذلك لو كان لكانوا صادقين فيما قالوا، ~~ولأنهم لو أرادوا ذلك لكفر كل واحد نفسه على لسانه، لأن جميعهم جاحد لنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا قال فريق: ليس هؤلاء على شيء، واعتقادهم / ~~واحد في محمد صلى الله عليه وسلم. فكأنه قال: ليس نحن على شيء. إلى هذا ~~يؤول الكلام لو حمل على أنهم أرادوا الوقت الذي تخاصموا فيه، وإنما أرادوا ~~من تقدم قبل محمد [ صلى الله عليه وسلم] فأكذبهم الله عز وجل لأن أوائلهم ~~قد كانوا على شيء. ولو أرادوا الزمان الذي بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~لم يكذبهم الله في ذلك لأنهم كانوا على غير شيء إذ جحدوا ما عرفوا وبدلوا ~~وغيروا وأنكروا ما في كتابهم، وجعل الله تعالى هذه الآية تحذيرا لئلا يختلف ~~في القرآن، لأن اختلافهم أخرجهم إلى الكفر، فحذر المسلمون من ذلك. # قوله: {فالله يحكم بينهم}: أي: يفصل. PageV01P405 # وقيل: معناه يريهم من يدخل الجنة عيانا، ومن يدخل النار عيانا. # وسميت الآخرة القيامة لأن فيها يقوم الخلق كلهم من قبورهم. # قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله} الآية. # عني بذلك النصارى منعوا الناس من بيت المقدس وكانوا يطرحون فيه الأوساخ ~~قاله ابن عباس وغيره. # وقال قتادة: " حمل بغض النصارى لليهود أن أعانوا عدو الله بختنصر المجوسي ~~البابلي على تخريب بيت المقدس ". # وقال السدي: " أعانت الروم بختنصر على خراب بيت المقدس عداوة منهم لليهود ~~إذ قتلوا يحيى بن زكريا ". PageV01P406 # وقال ابن زيد " عني بذلك مشركي العرب إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المسجد الحرام يوم الحديبية حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم. وكانوا ~~قد قالوا له: لا تدخل علينا وقد قتلت أباءنا يوم بدر، [ومنا طارف ms0124 يطرف] وقد ~~كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده عن البيت فصد النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن البيت ". # وقوله: {أن يدخلوهآ إلا خآئفين}. # قال قتادة: " هم اليوم لا يوجد أحد منهم في بيت المقدس إلا عوقب ". # وقال السدي: " لا يدخل رومي بيت المقدس إلا خائف أن تضرب عنقه مع أنهم / ~~أخيفوا بأداء الجزية ". # وقال ابن زيد: " معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى: ألا يحج ~~بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فخاف المشركون وانتهوا ". PageV01P407 # ومعنى {وسعى في خرابهآ} أي: في هدمها ونقضها. # وقيل: هو خلاؤها أي: المنع من ذكر الله فيها من الصلاة وذكر الله فيها. # وقال / ابن زيد: " هو منع المشركين المسلمين من الحج والعمرة ". # والخزي أخذ الجزية منهم وهم صاغرون، أي: من اليهود والنصارى. # وقال السدي: " الخزي هو قتل الروم عند قيام المهدي وفتح القسطنطينية ~~ورومية ". # قوله: {ولله المشرق والمغرب}. # معناه: إن له / ما بين مشرقها / كل يوم، ومغربها كل يوم، وإنما خص الله ~~تعالى ذكره ذا أنه له وإن كان كل الأشياء له لأنه نزل في أمر معين، وذلك أن ~~اليهود كانت تصلي نحو بيت المقدس، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم معهم ~~إليها ستة عشر شهرا، ثم رجع إلى الكعبة. فاستعظم اليهود ذلك، وقالوا: ما ~~ولاهم عن قبلتهم PageV01P408 # التي كانوا عليها؟ فقال الله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا ~~محمد، لله المشرق والمغرب يصرف من يشاء إلى أين يشاء، فحيثما تولوا فثم وجه ~~الله. فهذا أول ناسخ في القرآن لأنه نسخ التوجه إلى بيت المقدس. وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى، وكان يحب قبلة ~~إبراهيم [عليه السلام]، وكان يدعو أو ينظر إلى السماء فأنزل الله: {قد نرى ~~تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} ~~[البقرة: 144] فارتابت اليهود من ذلك فأنزل الله عز وجل: { ولله المشرق ~~والمغرب} الآية. # وقال قتادة: " هذا منسوخ، وذلك أن الله تعالى ms0125 أباح لهم أولا التوجه حيث ~~شاءوا، وأخبرهم أنه أينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله، لأن له المشارق ~~والمغارب، ثم نسخ ذلك بقوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}. # وقال ابن زيد: " لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم { ولله المشرق ~~والمغرب} وأباح له التوجه أين PageV01P409 # شاء. قال: هؤلاء يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله، فاستقبله النبي صلى ~~الله عليه وسلم معهم فبلغه أنهم قالوا: ما درى محمد ولا أصحابه أين قبلتهم ~~حتى هديناهم. فكره ذلك النبي / صلى الله عليه وسلم ورفع وجهه إلى السماء ~~فأنزل الله {قد نرى تقلب وجهك في السمآء} الآية، فاستقبل الكعبة ". # وقال ابن عمر: " الآية نزلت في التطوع، وكان يصلي حيثما توجهت به الراحلة ~~ويقول: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ". # وقيل: " نزلت في قوم عميت عليهم القبلة، فصلوا إلى جهات مختلفة، فأعلموا ~~أن صلاتهم ماضية ". # وروى عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قال: " كنا مع رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم] في سفر فتغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة. قال: فصلينا وعلمنا، فلما ~~طلعت PageV01P410 # الشمس، إذا نحن صلينا لغير القبلة، وذكرنا ذلك لرسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم] ، فأنزل الله هذه الآية: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ". # وقيل: إنها نزلت في أمر النجاشي؛ قال قتادة: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه: " إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه. فقالوا: نصلي على ~~رجل ليس بمسلم. فأنزل الله عز وجل: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ ~~أنزل إليكم}. فقالوا: وإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله {ولله المشرق ~~والمغرب} الآية " # /. وقد أفردنا كتابا للناسخ والمنسوخ مبسوطا / بأشبع من هذا. # ومعنى: {وجه الله}. أي جهته التي أمرتم باستقبالها. # وقيل: معناه فثم قبلة الله. PageV01P411 # وقيل: معناه: فثم الله جل ذكره. # وقوله: {فأينما تولوا}. أي: تستقبلوا بوجوهكم. # وقيل: معناه: تستدبروا من " وليت عنه ". وهو قول غريب. # وقوله: {واسع} أي واسع الرحمة، {عليم} بكم / وبما في قلب النجاشي من ~~الإيمان. # ثم قال: {وقالوا اتخذ الله ولدا}. # أي: وقال الذين ms0126 منعوا الذكر في مساجد الله وسعوا في خرابها: اتخذ الله ~~ولدا. # {سبحانه}: أي: براءة له من ذلك وتنزيها له. # قال أبو إسحاق: " يريد به النصارى واليهود والمشركين من العرب، لأنهم ~~قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: ~~المسيح ابن الله ". # وروي عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: ~~كذبني ابن PageV01P412 # آدم ولم يكن له ذلك. وشتمني ولم يكن له ذلك. أما تكذيبه إياي فيزعم أني ~~لا أقدر أن أعيده كما كان. وأما شتمه إياي فقوله لي ولد، [فسبحاني أن أتخذ ~~صاحبة أو] ولدا ". # قوله: {كل له قانتون}. أي: مطيعون. # وقيل: مطيعون يوم القيامة. # وقيل: مقرون بالعبودية. # وقال الفراء: " هو خصوص يراد به أهل الطاعة ". # وأصل القنوت في اللغة الطاعة، والقنوت القيام الطويل. # وقال الحسن: " يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ كل [له قائم] بالشهادة ~~بأنه عبد له ". PageV01P413 # قال يحيى: " إنما خص الحسن اليهود والنصارى ومشركي العرب، لأنهم هم الذين ~~كانوا بحضرة النبي [عليه السلام] يومئذ ". # وقال في آية أخرى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87]. من ~~تفسير ابن سلام. قوله: {بديع السماوات والأرض} [البقرة: 117]. {أنى يكون له ~~ولد} [الأنعام: 101]. # أي: كيف يكون له ولد وهو خلق السماوات والأرض بمن فيهما وابتدعهما من غير ~~مثال. # والمبدع المخترع للشيء، وبديع /: بمعنى مبدع. # ثم قال: {وإذا قضى أمرا}. # أي: إذا حتم أمرا، أو أحكم أمرا. ومنه قيل للقاضي: حاكم، لأن أصل كل قضاء ~~الإحكام له، والفراغ منه. PageV01P414 # قوله: {فإنما يقول له كن فيكون}. # زعم [قوم أن] هذا مخصوص في إحياء الميت ومسخ الكافر ونحوه لأن الأمر لا ~~يكون إلا لموجود ولا يكون لمعدوم. وهذا قول مرغوب عنه. # ومعنى الآية: أنه تعالى عالم بالأشياء التي ستكون وكانت فقوله لها: " كن ~~" إنما هو قول لموجود في علمه ليخرجه إلى العيان لنا. # وقد قيل: إن المعنى: فإنما يقول من أجله كن. ف " له " بمعنى من أجله. ~~وهذا أيضا قول لا يمتنع وهو عام، لا يقتضي الأمر ms0127 لموجود، لأن القول من أجله ~~وقع لا له. # وقال الطبري: " أمره للشيء " يكن "، لا يتقدم الموجود ولا يتأخر عن ~~الموجود، بل هو في حال يكون ذلك، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو ~~موجود بالأمر. ولا موجود إلا وهو مأمور بالوجود ". # قال: " ونظير ذلك قيام الأموات من قبورهم لا يتقدم / دعاء الله عز وجل ~~ولا يتأخر عنه، وقد قال تعالى: {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون} [الروم: 25]. فمعنى الآية أن الله PageV01P415 # مبدع الأشياء ومالكها، قد ابتدع المسيح صلى الله عليه وسلم وأنشأه إذ ~~أراد خلقه من غير ذكر ". # والهاء في " له " تعود على الأمر، و " له " بمعنى من أجله. # وقيل: تعود على القضاء الذي دل عليه " قضى ". # / وقيل تعود على المراد الذي عليه الكلام. # قوله: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} الآية. # قال مجاهد: " عني بذلك النصارى ". # / وعن ابن عباس قال: " قال رافع [بن حريملة] من اليهود لرسول الله صلى ~~الله عليه سلم: إن كنت رسولا من عند الله، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه، ~~فأنزل الله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله}، أي: هلا ~~يكلمنا. # وقال السدي والربيع وقتادة: " هم مشركو العرب، قالوا ذلك ". # قال مجاهد: " الذين من قبلهم هم اليهود لأنهم سألوا موسى صلى الله عليه ~~وسلم مثل ذلك من كلام الله ورؤيته سبحانه، فدل على أنهم النصارى ". PageV01P416 # وهو اختيار الطبري أن يكون الذين عنوا بالآية هم النصارى. # وقال قتادة: " الذين من قبلهم اليهود والنصارى ". # فعلى هذا يكون الذين عنوا بالآية مشركي العرب، وعلى هذا الاختيار يقع ~~الاختلاف في {تشابهت قلوبهم}. # قيل: هم اليهود والنصارى. # وقيل: هم العرب واليهود والنصارى. # وقيل: {الذين لا يعلمون} و {الذين من قبلهم}: هم قوم نوح وعاد وثمود ~~وفرعون وجميع الأمم الماضية المكذبة الكافرة. # قوله: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم}. # معناه التعظيم لما هم فيه كما تقول: " لا تسال عن فلان " أي قد بلغ فوق ~~ما تظن. # وقيل: هو نهي نهى الله عز وجل نبيه صلى الله ms0128 عليه وسلم عن ذلك لما روي أن ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم] . قال: " ليت شعري ما فعل أبواي "، فأنزل الله ~~عز وجل، { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} / فما سأل PageV01P417 # عنهم [ صلى الله عليه وسلم] حتى مات. # ومن قرأ بالرفع، فهو في موضع الحال، تقديره: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا} وغير مسؤول عن أصحاب الجحيم ". # وقيل: هو نفي، ولا " بمعنى " ليس كأنه قال: " ولست تسأل " كأنه أخبره أنه ~~لا يسأل عن ذلك. # واختار جماعة الرفع لأن الكلام المتقدم يدل عليه، لأنه تعالى قال بعد ~~الذكر اليهود والنصارى وما صنعوا: # {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا}. # أي: بشيرا لمن اتبعك، ونذيرا لمن كفر بك، " غير مسؤول عمن كفر بك. ولم ~~يجر ما يوجب النهي. فجري الكلام على أوله أولى من جريه على خبر آحاد يقطعه PageV01P418 # مما قبله لأن أوله قد ثبت نصه وصحته، وخبر الآحاد لا يحكم على / صحة ~~مغيبه. فرده على ما يقطع على صحته في الغيب أولى. ومع ذلك فقراءة أبي وعبد ~~الله تشهدان للرفع، لأن قراءة أبي، " وما تسأل "، وقراءة عبد الله: " ولن ~~تسأل " وذلك يشهد أن الرفع بمعنى النفي. # وقال المحتج للجزم: إن الجزم إذا حمل على التعظيم لأمر من تقدم كان ~~مردودا على ما قبله فيصير مثل الرفع، ويزيد الجزم مزية، وهو أن يحمل على ~~الخبر. فالجزم محتمل لمعنى الرفع وزيادة. # قوله: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى} الآية. # دعت كل فرقة منهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هم عليه فأخبر الله ~~تعالى أنهم لا يرضون عنه إلا أن يتبع ملتهم. # ثم قال له: {قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوآءهم}. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يراد به أمته. PageV01P419 # وقيل: / إنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة. وطمعوه أن يتبعوه / ~~إن هادنهم وأمهلهم، فأنزل الله عز وجل: { ولئن اتبعت أهوآءهم} الآية. # قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه}. # قال ابن مسعود: " ومعنى {حق تلاوته}، أي: يحل حلاله ويحرم حرامه، ويضعه ~~على مواضعه. فمن ms0129 قرأ منه شيئا كان له بكل حرف عشر حسنات ". # وعني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام]، فيكون " يتلون " الخبر. وإن شئت ~~" أولئك " الخبر، و " يتلون " حال. # وقيل: عني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام] من بني إسرائيل والنصارى، ~~فيكون " يتلون " الخبر، وهو اختيار الطبري. فيكون مردودا على ما قبله PageV01P420 # من ذكرهم ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذكر فيرد إليهم، ولآلهم ~~ذكر بعدها، فتجعل الآية مبتدأة فيهم، ولا جاء أثر بأن ذلك فيهم. فردها إلى ~~ما قبلها أولى وهو ذكر بني إسرائيل والنصارى. # وأجاز ابن كيسان أن يكون: {يتلونه حق تلاوته} خبرا عن " الذين " على أن ~~يكون " الذين " يراد بهم المرسلون والأنبياء صلوات الله عليهم. وأجاز أن ~~يراد " بالذين " العاملون بالكتاب خاصة منهم؛ فيكون " يتلون " الخبر أيضا. ~~ويجوز وجوه أخرى أيضا. # وروي أنها مخصصة نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران بعضهم، ومن الحبشة ~~بعضهم، ومن الروم منهم ثمانية؛ وهم الملاحون أصحاب السفينة الذين أقبلوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر بن أبي طالب أثنى الله تعالى عليهم ~~إذ آمنوا بكتابهم PageV01P421 # وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأثنى الله عز وجل عليهم في غير موضع من ~~كتابه، فيكون " يتلون " خبرا عنهم. . وإن جعلته عاما كان " يتلون " حالا لا ~~غير، لأنك إن جعلته خبرا أوجبت أن كل من أوتي الكتاب من النصارى ومن بني ~~إسرائيل يتلونه حق تلاوته، وليسوا كذلك. # قوله: {أولئك يؤمنون به}. # أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم إذا تلوا / التوراة حق تلاوتها وجدوه ~~مكتوبا فيها. فهم يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ضرورة / إذا أنصفوا في ~~التلاوة. # ومعنى {يتلونه حق تلاوته} أي: يتبعونه حق اتباعه. كذلك رواه مالك عن نافع ~~عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. أي: يتبعون ما فيه حق ~~اتباعه. وقيل: معناه: يقرأونه حق قراءته. # وقد قيل: إن الهاء في " به " عائدة على الكتاب كالهاء في " يتلونه " ~~والهاء في " ومن يكفر به ". PageV01P422 # قال ابن زيد: " تعود على محمد ms0130 صلى الله عليه وسلم ". وقيل تعود على ~~الكتاب. # قوله: {وأني فضلتكم على العالمين}. أي: على عالم زمانكم، وقد تقدم / ذكر ~~النعم وما فضلوا به، ومن أجل نعمة أنعم بها عليهم أن موسى [عليه السلام] ~~أخبرهم بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم باتباعهما، فلم يحتاجوا إلى ~~آية لو كانوا موفقين لأنهم قد سبق عندهم خبر / الصادق بذلك، ففضلوا على ~~سائر الخلق بما عندهم من العلم في أمر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ولم ~~يتبعوهما، واتبعهما من لم يكن عنده مقدمة ولا خبر عنهما. كل ذلك بخذلان ~~الله تعالى لهم وتوفيقه لغيرهم. # قوله: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن}. # قيل: فاعل " أتمهن ": الله عز وجل، أي أكملهن الله له. # وقيل: الفاعل إبراهيم صلى الله عليه وسلم أخبره الله عز وجل بما سبق في ~~علمه فيه ليكون الامتحان موجودا معقولا فتقع عليه المجازاة والثواب، إذ لا ~~يقع جزاء على ما في علم الله تعالى PageV01P423 # دون ظهوره من العبد. أخبر الله عز وجل أنه أتمهن هنا، وقال في غير هذا ~~الموضع: {وإبراهيم الذي وفى} [النجم: 37]. # واختلف في الكلمات؛ فقال ابن عباس: " هي ثلاثون سهما، عشر منها في براءة ~~{التائبون العابدون} [التوبة: 112]. وعشر في الأحزاب. {إن المسلمين ~~والمسلمات} [الأحزاب: 35]. في (المؤمنين) إلى قوله: {يحافظون} [المؤمنون: ~~9] وعشر في {سأل سآئل} [المعارج: 1] إلى {حافظون} [المعارج: 29]. أيضا. ~~وقيل: هي عشر خمس في الرأس، وخمس في البدن، فالتي في الرأس قص الشارب ~~والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر. # وروي في موضع الفرق: إعفاء اللحية. # وفي الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وغسل المخرجين ~~بالماء، والختان. # وعن ابن عباس أيضا قال: " هي عشرة: ستة في الإنسان وهي: حلق العانة، PageV01P424 # والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. ~~وأربع في المشاعر وهي: الطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة ". # وعن مجاهد قال: " هي أن الله تعالى قال لإبراهيم صلى الله عليه وسلم. إني ~~مبتليك بأمر، فما هو؟ قال: / تجعلني للناس إماما؟، قال الله: نعم. قال ~~إبراهيم: ومن ذريتي؟ ms0131 قال الله [ عز وجل] /: لا ينال عهدي الظالمين. قال ~~إبراهيم: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وأمنا؟ قال ~~الله: نعم. قال إبراهيم: [تجعلنا مسلمين لك] ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال ~~الله: نعم. قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال الله: نعم. قال ~~إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمنا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترزق أهله من ~~الثمرات من آمن؟ قال الله: نعم ". PageV01P425 # وقال جماعة: " تلك الكلمات مناسك الحج خاصة ". # وقال الحسن: " الكلمات هي الخلال الست التي ابتلي بها، وهي: الكوكب، ~~والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، ابتلي بهن فصبر عليهن ولم يزغ ~~". # وقيل: من ذلك الذبح. # وقال السدي: " الكلمات: {ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع العليم} {ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك}، {ربنا وابعث فيهم رسولا}. # وروي عن النبي [ صلى الله عليه وسلم] أنه قال: {وإبراهيم الذي وفى} ~~[النجم: 37] " عمل يومه أربع ركعات في النهار ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم ~~خليله {الذي وفى} الآية. قال: كان يقول كلما أصبح، وكلما أمسى: PageV01P426 # {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} ". # وروي أن الله جل ذكره أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أوحى الله / إليه أن ~~تطهر فاستنشق. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستاك. ثم أوحى الله إليه أن ~~تطهر فأخذ شاربه. ثم أوحى الله إليه أن تطهر ففرق شعره، ثم أوحى الله إليه ~~أن تطهر فاستنجى. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فحلق عانته، ثم أوحى الله إليه ~~أن تطهر فنتف إبطه، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أوحى الله ~~إليه أن تطهر فأقبل بوجهه على جسده ينظر ما يصنع، فردد البصر، فاختتن بعد ~~عشرين ومائة سنة، فأوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماما؛ أي: يقتدي بك PageV01P427 # الصالحون من بعدك. فأعجب ذلك إبراهيم صلى الله عليه سلم فقال: ومن ذريتي، ~~أي: اجعل يا رب منهم أئمة، فقال له الله: لا ينال عهدي الظالمين، أي: من ms0132 ~~كان من ولدك ظالما فلا يكون إماما. # / قوله: {للناس إماما}. # أي يقتدي بك من في عصرك ومن يأتي بعدك. # قوله: {لا ينال عهدي الظالمين}. # قال ابن عباس: " عهدي. نبوتي ". # وقال مجاهد: " العهد هنا: الإمامة، / لا يستحق الظالم الإمامة ". # وقيل: " معناه. لا عهد لظالم عليك أن تطيعه في ظلم، وإن عاهدته فانقضه ". # وقيل: " العهد الأمان. أي: لا أؤمن الظالم من الانتقام منه "، قاله ~~قتادة. # / قال: " ذلك يوم القيامة، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم ". PageV01P428 # وقيل: عهد الله هنا دينه. أي: لا ينال ديني الظالمين. # وقيل: العهد هنا الطاعة. أي: لا ينال طاعتي ظالم. # والظالم هنا المشرك عن مجاهد. وقد أخبر الله عز وجل بذلك فقال: {ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} [الصافات: 113] يريد إبراهيم وإسحاق. # وقال الضحاك: " معناه: طاعتي لا ينالها [عدو لي] ولا أنحلها إلا وليا لي ~~يطيعني ". # وقوله: {وإذ جعلنا البيت}. # " إذ " في موضع نصب عطف على " إذ " في قوله: {وإذ ابتلى إبراهيم}. و " إذ ~~" في: {وإذ ابتلى} معطوفة على النعمة في قوله {اذكروا نعمتي} أي واذكروا إذ ~~ابتلى، واذكروا إذ جعلنا. # والهاء في " مثابة " دخلت للمبالغة عند الأخفش مثل نسابة وعلامة. PageV01P429 # وقال الكوفيون: " أنث " لأنه أريد به البقعة التي يثاب إليها، أي: يرجع ~~إليها، كما قالوا: المقامة على تأنيث البقعة، والمقام على تذكير المكان. # ومعنى: {مثابة}: " لا يقضون منه وطرا ". قاله مجاهد: # وقال السدي: " إذا أتاه مرة لا يدعه حتى يعود إليه ". # وقيل: معناه: لا ينصرف عنه منصرف إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا. # قوله: {وأمنا}. هذا كان في الجاهلية لأنهم كانوا إذا لقي أحدهم قاتل أبيه ~~وأخيه في الحرم لم يؤذه حتى يخرج منه، قال تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا ~~حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67]. # ويروى أن عمر قال: " قلت يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلى، فأنزل الله PageV01P430 # عز وجل: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. فهذا على قراءة من كسر الخاء، ~~كأنه أمر من الله عز وجل بذلك. # فأما من فتح فهو ms0133 خبر معطوف على النعمة عند الأخفش كأنه قال: اذكروا ~~نعمتي، واذكروا إذ اتخذوا ". # وقال غيره: " هو معطوف على {جعلنا} ". # والمقام هو الذي يصلى إليه اليوم. وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم حين ارتفع بناؤه / وضعف عن حمل الحجارة، فكان إسماعيل صلى ~~الله عليه وسلم يناوله الحجارة ويقولان: {ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع ~~العليم}. قاله ابن / عباس. # وروي عن ابن عباس أيضا أن المقام هو الحج كله. وكذلك قال مجاهد وعلماء. # وقيل: هو عرفة والمزدلفة، والجمار. روي ذلك عن عطاء. PageV01P431 # وقيل: مقامه عرفة. # وعن مجاهد أن " مقامه الحرم كله ". # وقال الربيع بن أنس: " المقام هو الحجر الذي وضعت زوجة إسماعيل تحت قدم ~~إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع رجله عليه وهو راكب، فغسلت شقه ثم رفعته من ~~تحته وقد غابت رجله في الحجر، فوضعته تحت الشق الآخر / فغابت رجله أيضا فيه ~~". # وقال عمر بن الخطاب: " وافقني ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله، لو اتخذت ~~[مقام] إبراهيم مصلى. فأنزل الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم} وأشرت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فأنزل الله سبحانه آية الحجاب، ~~ووعظت نساء النبي فقلت لهن: لئن لم تنتهين ليبدلنه الله خيرا منكن، فأنزل ~~الله عز وجل: # { عسى ربه إن طلقكن} [التحريم: 5]. PageV01P432 # ومعنى {مصلى}: " مدعى يدعون عنده ". قاله مجاهد. # وقال قتادة: " مصلى يصلون إليه ". # قوله: {أن طهرا بيتي}. # أي: من الشرك والأوثان. # وقيل له بيت ولم يكن ثم بيت، لأنه كان بيتا في عهد نوح صلى الله عليه ~~وسلم فأمره أن يطهره قبل بنيانه من الأوساخ؛ من الأصنام وغيرها. # وقيل: معناه أنهما أمرا ببنيانه مطهرا من الشرك. و {للطائفين} هم ~~الغرباء. # وقيل: هم كل من يطوف حوله، وهو أبين. # و {والعاكفين}؛ قال عطاء: " هم الجالسون من غير طواف ". PageV01P433 # وقال مجاهد: " العاكفون المقيمون به، المجاورون له من الغرباء ". # وقال سعيد بن جبير: " العاكفون هم أهل البلد ". # وقال ابن عباس: " العاكفون المصلون ". # وقوله: {والركع السجود} يمنع من هذا القول. # والاختيار عند جماعة ms0134 أن يكون العاكف المجاور للبيت بغير / صلاة ولا طواف. ~~وهو قول عطاء وغيره. # قوله: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا}. # قيل: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يحرم مكة فحرمها، واحتج ~~من قال ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن إبراهيم كان عبد الله ~~وخليله وإني عبد الله ورسوله وإن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين ~~لابتيها ". PageV01P434 # وقال قائلون: " لم تحرم بسؤال إبراهيم صلى الله عليه وسلم، بل كانت ~~حراما، [واحتجوا بقول النبي عليه السلام] يوم افتتح مكة /: " هذه حرام ~~حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض: لم تحل لأحد من قبلي، ولا تحل لأحد ~~بعدي. . أحلت لي ساعة من نهار " واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم { ~~ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 37]. # وكان الطبري يجمع بين الخبرين، ويقول: " إن الله عز وجل حرم مكة وقضى ~~ذلك، ولم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم / أن يتعبد الخلق بذلك فأجابه. ~~فإبراهيم كان سبب تعبد الخلق بتحريمها والتعبد بذلك، والله تعالى قد حرمها ~~يوم خلق السماوات والأرض ". # وقوله: {عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 37]. معناه الذي حرمته عندك، ولم ~~تتعبد الخلق به. وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم / لما دعا فقال: ~~{وارزق أهله من الثمرات} أجاب الله عز وجل دعاءه: فبعث جبريل عليه السلام ~~إلى الشام، فاقتلع منها الطائف من موضع الأردن ثم PageV01P435 # طاف بها حول الكعبة أسبوعا، ولذلك سميت الطائف. ثم أنزلها تهامة ولم يكن ~~يومئذ بمكة غير إسماعيل صلى الله عليه وسلم، ثم نزلت جرهم مع إسماعيل صلى ~~الله عليه وسلم بمكة، فلم يزالوا على الإسلام حتى نشأ عمرو بن [لحي الجرهمي ~~فغير] دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعبد الأصنام، وسيب السوائب، وبحر ~~البحيرة وحمى الحامي، ووصل الوصيلة، وغلب مكة، وقهر أهلها. وهم ولد إسماعيل ~~صلى الله عليه وسلم - وهو [الذي قال فيه النبي عليه السلام]: " رأيته في ~~جهنم يجر قصبه في النار " أي: أمعاءه. ms0135 # قوله: {قال ومن كفر فأمتعه قليلا}. # ذلك إخبار من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم قاله أبي بن كعب. أي: ~~أنا أرزق البر والفاجر فأمتع الفاجر قليلا. # وقال ابن عباس: " هو من قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل ~~أن يرزق من كفر فيمتعه قليلا ". PageV01P436 # ويجب على هذا التأويل وصل ألف " أضطره "، وفتح ألف أمتعه ". ويجب أيضا ~~بناء الفعلين / على السكون لأن طلب كالأمر، ولأنه؟ سؤال من إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم لله عز وجل. وإن كان الخبر من عند الله سبحانه كانت الألف ~~في " أمتعه " ألف المتكلم، وكذلك هي في " أضطره "، ويرتفع الفعلان لأنهما ~~إخبار عن الله جل ذكره. # ومعنى: {أضطره} أكرهه وألجئه إلى ذلك. # قوله: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت}. # القواعد أساس البيت. # قال عطاء: هي قواعد آدم صلى الله عليه وسلم كانت قد اندرست وخفي أثرها ~~فبوأها الله [إبراهيم. قال عطاء: قال آدم] حين أهبط: ربي إني لأسمع أصوات ~~الملائكة. قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض فابن لي بيتا، ثم احفف به كما ~~رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فبناه من خمسة أجبل، من حراء، ~~وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس ". # وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: " أهبط الله مع آدم صلى الله عليه ~~وسلم من السماء إلى الأرض بيتا يطاف به كما يطاف بعرشه في السماء. ثم رفعه ~~أيام الطوفان، فرفع إبراهيم PageV01P437 # صلى الله عليه وسلم قواعد ذلك البيت. فكانت الأنبياء عليهم السلام يحجونه ~~ولا يعلمونه حتى بوأه الله إبراهيم فأعلمه مكانه ". # وقال عطاء: لما أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي: نقص، ~~شكا أنه استوحش لفقد أصوات الملائكة، فوجه إلى مكة / فكان موضع قدمه قرية، ~~وما بين / القدمين مفازة، فأنزل الله عز وجل عليه ياقوتة من ياقوت الجنة ~~فكانت في موضع البيت. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الطوفان، فرفعت إلى أن بعث ~~الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبناه ". # / وقال مجاهد: ms0136 " لما أراد الله خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء ~~كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى بوأها الله ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبناه على أساسه، وأساسه على أركان أربعة في ~~الأرض السابعة ". # وقال ابن عباس: " وضع البيت على أركان الماء؛ أربعة أركان قبل أن تخلق ~~الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت ". PageV01P438 # وفي حرف ابن مسعود: " وإسماعيل يقولان: ربنا " فدل على أنهما جميعا دعوا. ~~وقيل: القائل هو إسماعيل صلى الله عليه وسلم وحده. والمعنى إذ يقول إسماعيل ~~" ربنا ". # قال ابن عباس، " كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة، فلما انتهى ~~إلى موضع الحجر قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون علما للناس. فذهب إسماعيل ~~فأتى بحجر فقال له: جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل صلى الله عليه وسلم ~~يطلب فنادى أبو قبيس: " يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة ~~فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان قد نزل به آدم عليه السلام من ~~الجنة ". # وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة. وقال النبي [عليه السلام] # " الحجر ياقوتة / من ياقوت الجنة [بيضاء، ولولا ما لامسه] من أجناس ~~المشركين وأرجاسهم ما مسه ذو عاهة إلا شفاه الله عز وجل ". PageV01P439 # وقال عليه السلام: " الحجر يمين الله يصافح به عباده وليأتين يوم القيامة ~~والمقام، ولهما لسانان وشفتان يشهدان لمن وافاهما بالوفاء ". # وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لما أرادا البناء ~~لم يدريا أين البيت. فبعث الله عز وجل ريحا يقال لها الخجوج لها جناحان ~~ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، فوضعا ~~المعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك قوله: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان ~~البيت} [الحج: 26]، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل: ~~اطلب لي حجرا حسنا أضعه هنا. قال: يا أبت. إني كسلان تعب. قال: على ذلك. ~~فانطلق يطلب [حجرا فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن ms0137 من هذا، ~~فانطلق [يطلب حجرا] وجاء PageV01P440 # جبريل [عليه السلام] بالحجر الأسود / وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وكان ~~آدم صلى الله عليه وسلم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه ~~إسماعيل صلى الله عليه وسلم بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك ~~بهذا؟ فقال: جاء به من هو أنشط منك فبنياه ". # وقال عبيد بن عمير الليثي: أتى إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام / يبرى ~~نبلا قريبا من زمزم، فلما رآه [قام إليه]، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، ~~والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله [جل وعز] أمرني بأمر. قال: ~~فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن ~~أبني / هاهنا بيتا - وأشار إلى الكعبة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك ~~رفعا القواعد من البيت، PageV01P441 # فكان إسماعيل صلى الله على محمد [و] عليه وسلم يأتي بالحجارة وإبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم يبني، حتى ارتفع البناء، فجاء بهذا الحجر يعني المقام، ~~فقام [عليه إبراهيم] يبني، وهما يقولان: {ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع ~~العليم}. # فمعنى الآية: أنها خبر من الله عز وجل عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله على ~~محمد و [عليهما وسلم] وما كانا يفعلان في بناء البيت، وما كانا يقولان وهما ~~يبنيان. # وقوله: {ربنا واجعلنا مسلمين لك}. # أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا، فالمسلم ~~الذي قد استسلم لأمر الله [ عز وجل] . والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر ~~الله سبحانه فأضمر مثل ذلك. # فأما قوله: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ~~[الحجرات: 14]. فمعناه ولكن PageV01P442 # قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام. فالمسلم على ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر ~~/ فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، فهذا غير مؤمن. إنما هو مستسلم ~~في الظاهر ولذلك قال لهم: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14] أي: ~~إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم منه شيء. # وقوله في الدعاء: {ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك}. # دخول " من " يدل على التخصيص لبعض ms0138 الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن من ذريته من لا يناله عهده لظلمه وفجوره. ~~فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله ~~تعالى. # والأمة هنا عني بها الجماعة. # وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم صلى الله عليه وسلم { كان أمة} ~~[النحل: 120]، أي: إماما يقتدى به. # وتكون الأمة السنين كقوله: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة} [هود: 8]، ~~أي: إلى سنين. # وتكون الأمة الملة كقوله: {إنا وجدنآءابآءنا على أمة} [الزخرف: 22]. أي: ~~على ملة ودين. PageV01P443 # وقيل: الأمة هنا محمد وأمته صلى الله عليه وسلم. # [ قوله] / {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم}. # يعني [محمدا عليه السلام]. # وقول إبراهيم وإسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة ~~لك} يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف ~~المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام. # [قال] مالك: " لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن تأخري ~~عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: {وأرنا مناسكنا وتب علينآ} ~~إلى قوله: {لمن الصالحين}. معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من ~~رؤية العين. # وقيل: معناه علمناها وعرفناها. # والمناسك: مناسك الحج ومعالمه. # وقال قتادة: " فأراهما / الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا ~~والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين ". PageV01P444 # / قال السدي: " لما فرغ إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى محمد من بنيان ~~البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27]، ~~فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: ~~فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك، ~~لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه. # وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ ~~الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل ~~حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضا ms0139 فصده]، فرماه وكبر فطار ~~اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر. فلما رأى أنه لا يطيقه PageV01P445 # انطلق حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم صلى الله عليه وسلم أين يذهب ~~فلما أتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا ~~المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع ~~ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولا فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم ~~أقام بمنى حتى فرغ من الحج ". # وقيل: المناسك المذابح. فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب ~~نسائكنا، فنذبحها لك. # قال عطاء: " مناسكنا ذبحنا ". وعنه: " مذابحنا ". وكذلك قال مجاهد. # وقيل: مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك. # / قال ابن عباس: " لما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: " { ربنا وأرنا ~~مناسكنا}، أتاه [جبريل صلى الله عليه وسلم] PageV01P446 # وعلى محمد بهذا الحجر من الجنة الذي يقال له المقام - وهو ياقوتة بيضاء - ~~فأقامه عليه. ثم رفعه إلى السماء حتى أشرف به على البلاد كلها. فأراه أعلام ~~الحرم وجميع مناسك الحج كلها / عرفات، والمزدلفة، ومنى، وجميع المناسك. ثم ~~قال له: {وأذن في الناس بالحج}. # وواحد المناسك منسك مثل " مسجد ". # / وقيل: منسك وكان يجب أن يكون على " منسك " بالضم لأنه من " فعل يفعل " ~~إلا أنه ليس في الكلام " مفعل ". # وقيل: المنسك الموضع الذي ينسك فيه لله عز وجل، ويتقرب فيه إليه سبحانه ~~بما يرضيه من الأعمال الصالحة. # وأصله الموضع الذي يعتاده الإنسان يفعل فيه الخير، ولذلك [قيل: مناسك ~~الحج لأنها مواضع] قد اعتادها الناس لفعل الخير. # ثم قال: {وتب علينآ}. # التوبة الرجوع من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد / إلى ربه رجوعه مما هو ~~عليه من المكروه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العمود فيه. PageV01P447 # وتوبة الرب سبحانه على عبده عوده عليه بالعفو عنه عن جرمه وذنبه. # - فإن ms0140 قيل: وهل كانت لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟. # - فالجواب: أنه ليس أحد من خلق الله عز وجل إلا وله من العمل فيما بينه ~~وبين ربه عز وجل ما يجب عليه الإنابة [منه والتوبة، فخصا] الموضع الذي كانا ~~فيه بالدعاء ليستجاب لهما على طريق التبرك به، وليكون دعاؤهما في ذلك ~~المكان سنة لمن بعدهما، وليتخذ الناس بعدهما تلك البقعة موضع تنصل من ~~الذنوب ورجوع عن المكروه. # وقيل: عنيا بقولهما: {وتب علينآ}: وتب على الظلمة من ذريتنا الذين ~~أعلمتنا أن منهم ظالما. # وقوله: {إنك أنت التواب الرحيم}. # معناه إنك أنت العائد في الفضل على عبادك، المتفضل بالغفران لذنوبهم، ~~الرحيم بهم. # ثم قال: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم}. PageV01P448 # هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وكان النبي [عليه السلام يقول]: " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ". # قال قتادة: " [فأجاب] الله دعوتهما، فبعث الله فيهم رسولا من أنفسهم ~~يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم " قال الربيع: / " فقيل لإبراهيم: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان ". # وقوله: {يتلوا عليهم آياتك}. # من نعت الرسول. أي: يقرأ عليهم كتابك، وكذلك {ويعلمهم} {ويزكيهم}، كله من ~~نعت الرسول صلى الله عليه وسلم. # والكتاب القرآن. # قال قتادة: " الحكمة: السنة ". PageV01P449 # وقال ابن وهب: " قلت لمالك: ما الحكمة؟ فقال: المعرفة في الدين والفقه ~~فيه والاتباع له ". # وقال ابن زيد: " الحكمة. العقل في الدين ". # ومعنى {ويزكيهم}: ويطهرهم من الشرك بك ويكثرهم بطاعتهم لك. # ثم قال: {إنك أنت العزيز الحكيم}. # أي: أنت القوي الذي لا يعجزه شيء المنيع الغالب. وأصل العزة المنع ~~والغلبة، والعرب / تقول: " من [عز بز] "، أي: من غلب استلب. # وقولهم: " أدام الله عزك "، أي: غلبتك وظفرك. # والحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. # وقال الطبري: " الحكيم ذو الحكمة ". # وقيل: " الحكيم الحاكم ". PageV01P450 # وقيل: " الحكيم: معناه المحكم، أي المحكم ما خلق ". # وقال ابن عباس: " العليم الذي قد كمل ms0141 في علمه، والحكيم الذي قد كمل في ~~حكمته ". # ثم قال تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}. # أي: ومن يزهد في دين إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه ورغب عن ~~ملته. واتخاذ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من عند الله، هذا معنى قول ~~قتادة والربيع. # وقيل: المعنى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ~~ينفعها ويضرها في معادها. # قال ابن زيد: " {إلا من سفه نفسه}: معناه من أخطأ حظه ". PageV01P451 # ومذهب الفراء أن " نفسه " منصوب على التفسير مثل " ضقت به ذرعا ". # قال: وهو من المعرفة كالنكرة، ولا يجوز أن يكون التمييز / معرفة عند ~~البصريين ومثلها عنده: {بطرت معيشتها} [القصص: 58]. ولا يجوز عند الفراء ~~التقديم. # وقال الكسائي وهو أحد قولي الأخفش - / المعنى: إلا من سفه في نفسه، فلما ~~حذف الحرف نصب. ويجيزان التقديم. # ومذهب أهل التأويل أن معناه: سفه نفسه. فهو مفعول به. PageV01P452 # وقال يونس: " أراها لغة ". # وقال أبو عبيدة: " معناه: [أهلك نفسه ". # ومذهب] البصريين أنه مثل: " ضرب فلان الظهر والبطن " أي: في الظهر ~~[والبطن] فلا حذف في نصبه. كذلك معناه: سفه في نفسه، ثم نصب لما حذف " في ~~". # " وقال الزجاج ": معناه: جهل نفسه ". فهو مفعول به عنده بجهل " أي: لم ~~يفكر في نفسه. فالسفه والجهل سواء. PageV01P453 # وقيل: التقدير إلا من جهل رأي نفسه وقول نفسه، ثم حذف، مثل: / {وسئل ~~القرية} [يوسف: 82]. # وقيل: التقدير، إلا من جهل قوله نفسه، ثم حذف المؤكد وأقام التوكيد ~~مقامه. # ثم قال {ولقد اصطفيناه في الدنيا}. # أي اخترناه للخلة والإمامة. # [ثم قال]. {وإنه في الآخرة لمن الصالحين}. # أي: وإن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لمن المؤدين حقوق الله. وتقدير تعلق ~~حرف الجر: " وإنه صالح، في الآخرة، لمن الصالحين "، ثم حذف. # وقيل: إنه متعلق بالصالحين، والألف واللام ليستا بمعنى " الذي "، ولكنه ~~اسم على حدته كالرجل والغلام. # قوله: {إذ قال له ربه أسلم} إلى قوله {وما كان من المشركين}. PageV01P454 # أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة. ms0142 # {قال أسلمت لرب العالمين}: أي قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم [ و] على ~~محمد مجيبا لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لمالك جميع الخلق. ~~ومدبرهم. # ويجوز أن يكون العامل في: {ولقد اصطفيناه} أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ ~~قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: {ياقوم إني برياء مما ~~تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا} [الأنعام: 78 - ~~79]. # قال الطبري: " وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما ~~امتحنه بالكوكب والقمر والشمس ". # ثم قال تعالى: {ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب}. # أي: وأوصى بقوله: {أسلمت لرب العالمين} إبراهيم - صلى الله عليه وسلم [ ~~و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب صلى الله عليه وسلم [ و] على محمد ~~[بنيه]. PageV01P455 # والهاء في " بها " تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: {أسلمت}. # وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها. # [وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، ف " يعقوب " على هذا معطوف على " ~~إبراهيم ". # وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل. والتقدير " وقال يعقوب: يا بني إن الله ~~". # والمعنى في " أوصى " عهد إليهم بذلك، وأمرهم به. # قال ابن عباس: " وصاهم بالإسلام ". # وفي التشديد في " وصى " معنى تكرير الوصية. # وقوله: {إن الله اصطفى لكم الدين}. # معناه: اختاره لكم. ودخلت الألف واللام في " الدين " لتقدم علمهم به PageV01P456 # وتكرير الوصية عليهم. # ثم قال: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. # أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام. # والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحدا لا يدري متى تأتيه ~~منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى ~~يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت / لأن ذلك ليس إليهم. # وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. # وعرف المعنى كما عرف في قول العرب / " لا أرينك ها هنا ". فالنهي في ~~اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا ~~أراه. # قال الأخفش: " {بنيه}، قطع، ثم يبتدئ: {ويعقوب يابني}، أي: وقال يعقوب: ms0143 ~~يا بني ". # وقال أبو حاتم وغيره: " الوقف {ويعقوب}، ثم يبتدئ {يابني} ". أي: PageV01P457 # وقال كل واحد منهما: {يابني إن الله اصطفى لكم الدين}. # ثم قال: " عز وجل { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت}. # {أم} بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم / إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون ~~من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - ~~وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد. # وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق. # {إلها واحدا}؛ أي: معبودا واحدا، لا نشرك به شيئا. # {ونحن له مسلمون}: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له. # وروي أنه لم يقبض الله نبيا قط حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما PageV01P458 # خير يعقوب عليه السلام قال: أنظرني / حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ~~ذلك. فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال ~~لهم: إنه قد حضرت وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ ~~فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه ~~وعليهم أجمعين وعلى محمد. # فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم ~~بغير علم ولا يقين فادعيتم على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى ~~اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصوا ~~بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين. # وهذه الآيات نزلت تكذيبا من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم / ~~ويعقوب أنهما كانا على ملتهم. PageV01P459 # وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري " وإله أبيك " بلفظ ~~التوحيد. فيحتمل أن يكون جمعا مسلما، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة. ~~ويحتمل أن يكون موحدا وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما ~~في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما. # وجمع " إبراهيم " وإسماعيل " عند سيبويه والخليل: " براهيم " و " سماعيل ~~". # وحكى الكوفيون " براهمة " و " سماعلة "، فالهاء بدل من الياء كزنادقة ~~وزناديق. # وجمعهما عند المبرد: " أباره ms0144 " و " أسامع " و " أباريه " و " أساميع ". ~~قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها. PageV01P460 # وأجاز أحمد بن يحيى: " براه " / كما يجوز في التصغير " بريه ". # وجمع إسحاق أساحيق. وحكى الكوفيون أساحقة وأساحيق ويعقوب ويعاقيب، ~~ويعاقبة ويعاقب ". # ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من " إسرائيل "، ويقال في جمعه: " أساريل ". # وحكى الكوفيون " أسارلة " و " أسارل "، وجمعه كله مسلما أحسن. # وقوله: {إلها واحدا}. # نصب على الحال أو على البدل من " إله " الأول. # فإذا كان حالا كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته. # وأجاز يعقوب الوقف على {آبائك} ويبتدئ: {إبراهيم وإسماعيل}، ينصب PageV01P461 # ذلك على إضمار فعل. # ومن قرأ (أبيك) بالتوحيد وقف على (إسحاق). # ثم قال تعالى: {تلك أمة قد خلت}. # أي: قد مضت، أي: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب صلوات الله عليهم وعلى ~~محمد، وولدهم / قد مضوا، فدعوا ذكرهم والكذب عليهم يا معشر اليهود ~~والنصارى، ولا تنحلوهم الكفر واليهودية والنصرانية. والأمة الجماعة هاهنا. # وإنما قيل لمن مضى وانقرض: " قد خلا " لتخليه من الدنيا وانفراده من ~~الإنس والبشر. وأصله: من " خلا الرجل " إذا صار بالمكان الذي لا أنيس به. # ثم قال: {لها ما كسبت} أي: عملت. # {ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}. # أي: لا تؤاخذون بذنوبهم ولا يؤاخذون بذنوبكم، فدعوا ما تنحلونهم من ~~الأديان. PageV01P462 # قال الأخفش: " {قد خلت} وقف التمام ". # وقال أبو حاتم: " {لها ما كسبت} هذا الوقف الكافي الحسن ". # ثم قال تعالى: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا}. # أي: قالت اليهود: كونوا هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. # وقال بعض العلماء: " أو " هذه [يقال لها المصنفة] ليست التي للتخيير ولا ~~للإباحة ولا للشك ". # والمعنى: " وقال صنف: كونوا هودا، وقال صنف: كونوا نصارى. وروي أن ابن ~~صوريا الأعور قال لرسول الله [عليه السلام] ما الهدى إلا ما نحن عليه ~~فاتبعنا يا محمد تهتدي. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية، ثم قال PageV01P463 # لرسوله عليه السلام: {قل بل ملة إبراهيم حنيفا}، أي: بل نتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا لأن معنى {كونوا هودا}: اتبعوا دين ms0145 اليهودية]. والتقدير: بل نتبع أهل ~~ملة إبراهيم. # وقال أبو عبيدة: " هو نصب على الإغراء، و {حنيفا} نصب على الحال ". # وقيل: على " أعني "، لأن الحال لا يكون من المضاف إليه. # وقوله: {هودا} جمع هائد كحال وحول. # وقيل: هو مصدر يؤدي عن الجمع كقولك: " قوم صوم "، و " قوم عدل "، فيكون / ~~المعنى ذوي هود. # وقيل: الأصل يهود ثم حذفت الياء. # ومعنى {حنيفا} / مائلا عن الكفر إلى الإيمان. # وقيل: الحنيف الحاج. # وقيل: الحنيف المخلص. # ثم قال: {وما كان من المشركين}. PageV01P464 # أي: لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان. # قال ابن / مسعود: " سميت اليهود يهودا لقول موسى صلى الله عليه وسلم { ~~إنا هدنآ إليك} [الأعراف: 156]. # وسميت النصارى نصارى لقول عيسى صلى الله عليه وسلم: { من أنصاري إلى ~~الله} [آل عمران: 52]. # تم الجزء [الثالث] PageV01P465 # قوله {قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا} إلى قوله {عما كانوا يعملون} ~~معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا ~~هودا أو نصارى تهتدوا: " آمنا بالله "، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل ~~إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى ~~يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولدا ليعقوب أنبياء كلهم، ولد كل واحد ~~منهم أمة من الناس فسموا الأسباط. # والسبط في اللغة الشجرة. أي: هم في الكثرة مثل الشجر. # قال ابن عباس: " كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح ~~ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد صلى الله عليه وسلم وعيسى صلى ~~الله عليهم / أجمعين ". # ثم قال: {ومآ أوتي موسى وعيسى}. # أي: وصدقنا بما أوتي موسى وعيسى، يعني: التوراة والإنجيل، وصدقنا بما ~~أوتي النبيون من ربهم يعني: من [الكتب، كل ذلك حق] {لا نفرق بين أحد منهم} ~~أي: لا نفرق بين أحد من النبيين فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود ~~والنصارى، بل نؤمن PageV01P466 # بالكل وبما جاء به الكل. # وقال ابن عباس ووهب بن منبه: " الأنبياء كلهم مائة وأربعة وعشرون ألف / ~~نبي كلهم من بني إسرائيل إلا عشرين نبيا. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق ms0146 بن ~~إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين. وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر ~~كلهم من بني يعقوب إلا عشرين رسولا ". # وقال غير ابن عباس مثل قوله وزاد، فقال: " عدد الأنبياء صلوات الله عليهم ~~مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم أجمعين. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا، ذكر الله منهم في ~~القرآن ستة وعشرين وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون والأسباط واليسع وإلياس ويونس / ~~وأيوب وداود وسليمان وزكرياء وعزير ويحيى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم أجمعين. ومنهم خمسة لم تذكر أسماؤهم وذكروا بغير أسمائهم وهم: # الذي مر على القرية قيل هو أرميا، وصاحب موسى وهو الخضر، وقيل PageV01P467 # إنه ليس بنبي، وثلاثة ذكرهم الله في سورة " يس " ولم يذكر أسماؤهم، فأما ~~ذو القرنين، فأكثر الناس على أنه ليس بنبي. وكذلك اختلف في ذي الكفل. # ثم قال {ونحن له مسلمون}. # أي: خاضعون بالطاعة لله. # وروى ابن عباس أن النبي [عليه السلام] سأله نفر من اليهود: بمن تؤمن من ~~الرسل؟ فقرأ عليهم الآية. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن ~~بعيسى ولا بمن آمن بعيسى، فأنزل الله جل ذكره: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون ~~منآ إلا أن آمنا بالله} # [المائدة: 59] إلى {وأن أكثركم فاسقون} [المائدة: 59]. # [ثم قال]: {فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به فقد اهتدوا}. # إي: إن صدقوا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب التي أنزلها الله كما آمنتم ~~فقد اهتدوا إلى الحق، يعني به اليهود والنصارى. # {وإن تولوا}: أي: إن لم يؤمنوا بذلك وأعرضوا، {فإنما هم في شقاق}: أي: في ~~مشاقة ومباعدة من الحق وفراق له ومحاربة له. PageV01P468 # وقيل: المعنى: قد صاروا في شق غير شق المسلمين. # والمماثلة في الآية إنما وقعت بين التصديقين، أي: إن صدقوا بمثل تصديقكم ~~وأقروا بمثل إقراركم. ولم يقع التمثيل بين المؤمن به وهو الله عز وجل ~~وسبحانه وتعالى؛ هذا كفر لا يجوز. # فإن قيل: وهل للإيمان مثل، هو غير ms0147 الإيمان فتصح المماثلة به؟ # فالجواب: أنه محمول على المعنى، والتقدير: فإن أتوا بتصديق مثل تصديقكم ~~فقد اهتدوا: أي: صاروا مسلمين. وهذا من كلام العرب، يقول الرجل لمن يتلقاه: ~~" بشر استقبل مثلي بهذا ". وقد قال تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. ~~وتقول: " ليس كربنا شيء "، " وليس كمثل ربنا شيء ". والمعنى سواء. هذا قول ~~أبي حاتم وغيره. # ثم قال تعالى: {فسيكفيكهم الله} /. # أي: فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء المخالفين لك من اليهود والنصارى إما ~~بقتل وإما بجلاء عن جوارك. PageV01P469 # {وهو السميع العليم}: أي يسمع ما يقولون بألسنتهم ويعلم ما يبطنون لك ~~ولأصحابك من البغضاء والحسد. فأنجز الله لرسوله وعده في اليهود وفي غيرهم ~~وكفاه إياهم وسلطه عليهم وخذلهم، فقتل بعضا، وأجلى بعضا، وأذل بعضا ~~بالجزية. # ثم قال تعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله}. " صبغة " منصوب على البدل ~~من {ملة إبراهيم} / فيكون المعنى: " بل صبغة الله "، وذلك / أن النصارى إذا ~~أرادت / أن تنصر أطفالها جعلتهم في ماء لهم يزعمون أن ذلك تقديس " لهم ~~بمنزلة الختانة لأهل الإسلام، ويقولون: إن ذلك صبغة لهم في النصرانية. فلما ~~قالوا للمسلمين: {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} قال الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم: قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، صبغة الله التي هي أحسن الصبغ وهي ~~الحنيفية المسلمة، لا ما تغمسون فيه أبناءكم. # وأجاز الكسائي نصبه على الإغراء والتقدير: الزموا تطهير الله بالإسلام لا ~~ما تفعله اليهود والنصارى. # وقيل: هو محمول على المعنى لأن معنى: {ونحن له مسلمون} ونحن متبعون صبغة ~~الله. PageV01P470 # وقال قتادة: {صبغة الله}: " دين الله ". وكذا قال ابن عباس وغيره. # قال قتادة: " إن اليهود تصبغ أولادها يهودا، والنصارى تصبغ أولادها ~~نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، فلا صبغة أحسن من الإسلام / ولا أطهر، وهو ~~دين الله الذي بعث به نوحا والأنبياء بعده صلوات الله عليهم ". # وقال مجاهد: " صبغة الله: فطرة الله؛ وهي فطرة الإسلام التي فطر الناس ~~عليها ". والفطرة ابتداء ما خلق عليه الخلق وهو الإسلام، ثم غيروا دين ~~أنبيائهم بدين آخر. # وأصل الصبغ حدوث ms0148 شيء فكأنهم أحدثوا دينا غير ما خلقوا عليه. وقوله: {ونحن ~~له عابدون}، أي: خاضعون في اتباع أمره وتصديق كتبه ورسله. # ثم قال تعالى: {قل أتحآجوننا في الله وهو ربنا وربكم}، أي: قل يا محمد ~~لهؤلاء اليهود والنصارى: أتخاصموننا في دين الله وهو معبودنا ومعبودكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد، PageV01P471 # ونحن له مخلصون العبادة والطاعة، وأنتم قد عبدتم معه غيره، عبدت اليهود ~~العجل، وعبدت النصارى المسيح. فكيف تخاصموننا وتزعمون أنكم أولى به منا وقد ~~عبدتم غيره ونحن أخلصنا العبادة له. # ثم قال: {أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل} إلى قوله: {أو نصارى}. # أي: أتقول اليهود: إن هؤلاء الأنبياء كانوا هودا؟ أو أتقول النصارى: إن ~~هؤلاء الأنبياء كانوا نصارى؟ قل لهم يا محمد: أنتم أعلم أم الله؟ فإن الله ~~قد أعلمنا أنهم على الملة الحنيفية المسلمة. ومن قرأ بالتاء، جعله خطابا ~~لهم. ومن قرأه بالياء أجراه على الإخبار عنهم. # ثم قال: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله}. # أي: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة / عنده من الله. أي: لا أحد أظلم منه. PageV01P472 # وقيل: عني بذلك كتمانهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون ذلك ~~ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة وغيره. # وقيل: إنما كتموا ما في كتبهم من اتباع ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~ومن ذكر معه، وقد علموا أنهم كانوا حنفاء مسلمين فكتموا ذلك. وادعت اليهود ~~أنهم كانوا يهودا، وادعت النصارى أنهم كانوا نصارى، وهم مع ذلك قد علموا أن ~~اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد موت [هؤلاء] الأنبياء صلى الله عليهم ~~وسلم. # والهاء في {عنده} تعود على الظالم ودل عليه {أظلم}. # والأسباط من ولد يعقوب كالقبائل من ولد إسماعيل صلى الله عليه وسلم وهم ~~اثنا عشر سبطا من اثني عشر ولدا ليعقوب عليه السلام. # ثم قال تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون}. # أي: ليس الله بغافل عن فعلكم وكتمانكم / ما قد علمتموه، بل يحصيه عليكم ~~ويجازيكم به. # ثم قال تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت}. PageV01P473 # أي: إبراهيم ومن ذكر ms0149 معه من الأنبياء صلوات الله عليهم أمة قد مضت ~~بعملها. لها ما عملت، ولكم ما عملتم. # {ولا تسألون عما كانوا يعملون}: أي: لا يسأل أحد عن ذنب أحد. # قوله تعالى: {سيقول السفهآء من الناس} إلى قوله: {لرءوف رحيم}. # أي: سيقول الجهال / من الناس وهم اليهود والمنافقون: ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها، أي: ما حملهم على [ترك التوجه إلى بيت المقدس وما صرفهم] ~~عن ذلك، وذلك حين ترك النبي عليه السلام التوجه نحو بيت المقدس وتوجه إلى ~~الكعبة. # وقيل: هم كفار أهل مكة أعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ما هم ~~قائلون عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وأعلمه ما يقول لهم وما يجاوبهم به، ~~فقال: قل يا محمد [إذا قالوا ذلك]: {لله المشرق والمغرب يهدي من يشآء إلى ~~صراط مستقيم}، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس سبعة ~~عشر شهرا، وكان يتمنى أن يصرف إلى الكعبة ثم أراد الله PageV01P474 # جل ذكره صرف قبلته إلى نحو المسجد الحرام فأخبره عما سيقول المنافقون ~~واليهود وأخبره [ما الذي] ينبغي أن يرد عليهم من الجواب. فلما رده الله ~~تعالى إليها، أتاه نفر من اليهود فقالوا: " يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي ~~كنت عليها وأنت تزعم أنك / على ملة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك ونصدقك " ~~يريدون فتنته عن دينه. # وقيل: إنه صلى إلى بيت / المقدس ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة قبل بدر ~~بشهرين. قاله ابن المسيب. # وكان أول صلاة صرف فيها إلى الكعبة العصر، فلما صلاها إلى الكعبة خرج من ~~عنده رجل، فمر بقوم يصلون فقال: أشهد، لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت. # وروى أنس بن مالك " أن النبي [عليه السلام] صلى نحو بيت المقدس تسعة أشهر ~~وعشرة أيام بعد هجرته. قال: فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى PageV01P475 # ركعتين نحو بيت المقدس، انصرف بوجهه إلى الكعبة فقال السفهاء: {ما ولاهم ~~عن قبلتهم التي ms0150 كانوا عليها}. # وقال معاذ بن جبل: " صلى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهرا ". # وروي / عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: " صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~هجرته نحو بيت المقدس اختيارا منه من غير أن يفرض ذلك عليه طمعا من أن ~~يستميل اليهود إذ هي قبلتهم، فأنزل الله عز وجل: { ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115]. # وقال أبو العالية: " ان [نبي الله عليه السلام] خير أن يوجه وجهه حيث ~~يشاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألف أهل الكتابيين [وهو في ذلك يقلب وجهه في ~~السماء، ثم وجهه الله عز وجل إلى البيت] الحرام ". # وروي أنه صرف في رجب بعد مقدمه المدينة لسبعة عشر شهرا وكان بمكة ~~والمدينة يصلي نحو بيت المقدس. # فلما رجع سأله اليهود أن يرجع إلى قبلتهم يريدون فتنته، وقال كفار مكة: ~~قد برد / أمر محمد وهو راجع إلى دينكم عاجلا. فأنزل الله في PageV01P476 # الجميع: {سيقول السفهآء}، الآيات إلى قوله: {وهم يعلمون}. وروي " أن ~~الأنصار صلت قبل قدوم النبي عليه السلام إلى المدينة نحو بيت المقدس حولين. ~~فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صلى معهم نحو بيت المقدس بضعة ~~عشر شهرا، ثم نقله الله عز وجل إلى الكعبة. # وقال ابن عباس: " لما هاجر [النبي عليه السلام إلى المدينة وكان أكثر ~~أهلها] اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، ~~فاستقبلها بضعة عشر شهرا. وكان صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله جل ذكره: {قد نرى ~~تقلب وجهك في السمآء} الآية. ورجع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى ~~الكعبة فارتاب [من ذلك اليهود]. وقالوا: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها}، فأنزل الله عز وجل: { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشآء} الآية. # وقال ابن جريج: / كان النبي عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت ~~المقدس، وصلت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه المدينة بثلاث سنين، وصلى PageV01P477 # بعد ms0151 قدومه ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة. # ثم قال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}. أي: عدلا. # أي: كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءكم به ~~من الحق وفضلناكم بذلك، كذلك خصصناكم فجعلناكم أمة عدلا خيارا. والأمة ~~القرن من الناس. # {لتكونوا شهدآء على الناس}. # أي: تشهدون / للأنبياء الذين أخبر الله بخبرهم محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~فهو عام معناه الخصوص، إذ لم يطلع الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~[جميع النبيين وأخبارهم] بدلالة قوله: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك} [غافر: 78] فإنما تشهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم ~~الذين أخبر الله نبيه بهم وبكفرهم وجحودهم دون من لم يطلع الله نبيه على ~~خبرهم من أمم الأنبياء صلوات الله عليهم الذين لم يطلع الله نبيه عنهم، ولا ~~أخبره PageV01P478 # بهم. فأمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد للأنبياء الذين أخبر الله بهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أممها أنها قد بلغت ما أرسلت به إلى الأمم. # {ويكون الرسول عليكم شهيدا}. # بإيمانكم وبما جاءكم به من عند الله. # وقيل: " عليكم " بمعنى " لكم " مثل قوله: {وما ذبح على النصب} [المائدة: ~~3] أي: للنصب. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدعى بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت ما أرسلت به؟ فيقول: نعم. ~~فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقال له: من يعلم ذلك؟ ~~فيقول: محمد وأمته، فهو قوله: {لتكونوا شهدآء على الناس} ". # وفي حديث آخر رواه أبو هريرة: " فيقول قوم نوح صلى الله عليه وسلم: كيف ~~يشهدون علينا ونحن أول الأمم وهم آخر الأمم؟ فيقولون: نشهد أن الله تعالى ~~بعث إلينا رسولا وأنزل علينا كتابا وكان فيما أنزل علينا خبركم ". PageV01P479 # وهذا المعنى: أيضا / مروي عن زيد بن أسلم. # وروي أن أمة محمد [عليه السلام] تقول لهم: " كان فيما أنزل علينا: {كذبت ~~قوم نوح / المرسلين} [الشعراء: 105] إلى قوله: {العالمين} [الشعراء: 109]، ~~فكذلك نشهد أنكم كذبتم الرسل. ms0152 فتشهد للرسل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالتبليغ. # وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إذا جمع الله عباده يوم القيامة، ~~كان أول من يدعى إسرافيل، فيقول له: ما فعلت في عهدي؟، هل بلغت عهدي؟ ~~فيقول: نعم يا رب، قد بلغت جبريل، فيدعى / جبريل فيقول: قد بلغت الرسل. ~~فتدعى الرسل، فيقولون: قد بلغنا الأمم، فتدعى الأمم؛ فمنهم من يكذب الرسل، ~~فيشهد للرسل أمة محمد صلى الله عليه وسلم / بالتبليغ ". # وروى أشهب عن مالك أنه قال: " ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله عز وجل. ~~فإن عصي كان شهيدا على من عصاه ". # قال الله عز وجل: { لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}. # وروى أبو عامر " أن أول من يسأل يوم القيامة من الرسل عن البلاغ PageV01P480 # نوح صلى الله عليه وسلم، فيقال له: هل بلغت قومك الرسالة؟ فيقول: نعم. ~~فيقال لقومه: هل بلغكم نوح الرسالة؟ فيجحدون؛ فيقولون: لم يبلغنا الرسالة. ~~فيتنحى نوح من بين يدي الله عز وجل. فيكون بفناء العرش كئيبا حزينا، وأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم غر محجلون من أثر الوضوء، فيأتون نوحا عليه السلام ~~فيقولون: ما لك يا شيخ، من أنت؟ فيقول: أنا نوح. فيقولون: ما لك كئيبا ~~حزينا؟ فيقول: كذبني قومي، فيقولون له: ارجع إلى ربك فنحن نشهد لك بأنك قد ~~بلغت الرسالة، فيقول لهم: ومن أنتم؟ فيقولون: نحن أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. فيقول: كيف تشهدون لي وأنتم آخر الأمم؟ فيقولون: إن نبينا أتانا بذلك ~~فيقرأون عليه: {إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه} [نوح: 1] إلى آخرها، فيرجع نوح ~~إلى الله، فيقول: رب، إن أمة محمد يشهدون لي بالبلاغ. ثم يسأل نبيا نبيا ~~فتجحده أمته فتشهد له أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالبلاغ، فماذا سئل محمد ~~عن البلاغ شهدوا بأن محمدا قد بلغ الرسالة ". # ثم قال: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه}. PageV01P481 # قال ابن عباس: " إلا ليتميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة ". والتقدير: ~~وما ms0153 جعلنا صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة إلا لنعلم علم عيان تجب عليه ~~المجازاة، من يتبع الرسول على قبلته ممن يرجع عن إيمانه فيخالف الرسول. # وقيل: المعنى: إلا لنعلم / رسولي وأوليائي ذلك. # ومن شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس وحزبه إليه، يقولون: " جبى ~~الأمير الخراج وهزم العدو، وإنما فعله حزبه وأنصاره. # ومثله في المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: " مرضت ~~فلم يعدني عبدي، واستقرضته فلم يقرضني " يريد به عباده. # وقيل: " علم " هنا بمعنى " رأى "، فالمعنى: إلا لنرى من يتبع. # وقيل: إنهم خوطبوا على ما كانوا يسرون؛ كان اليهود والمنافقون والكفار ~~ينكرون أن يعلم الله عز وجل الشيء قبل كونه، فيكون المعنى /: إلا لنبين لكم ~~أنا نعلم PageV01P482 # الأشياء قبل كونها. # وقيل: إنما قال: " لنعلم " على طريق الرفق بعباده، واستمالتهم إلى الطاعة ~~كما قال: {وإنآ أو إياكم لعلى هدى} [سبأ: 24]. وقد علم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم على هدى /، وأن الكفار على ضلال. # فالمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ أنتم جهال به، فأضاف الفعل إلى نفسه، ~~والمراد خلافه رفقا به. # وقال الضحاك: " قالت اليهود للنبي [عليه السلام]: إن كنت نبيا كما تزعم، ~~فإن الأنبياء والرسل كانت قبلتهم نحو بيت المقدس، فإن صليت إلى بيت المقدس، ~~اتبعناك، فابتلاهم الله بذلك. وأمره أن يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه سبعة ~~عشر شهرا، فلم يتبعوه، ثم صرفه الله عز وجل إلى البيت الحرام فذلك قوله: ~~{وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ} يعني بيت المقدس. {إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول}: إلى أي ناحية شاء. {ممن ينقلب على عقبيه}: أي: لنعلم من يؤمن ~~بالرسول من اليهود ومن لا يؤمن. # وقيل: المعنى: وما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن، وهي الكعبة، إلا ~~لنعلم من يتبع الرسول عليها. فكنت " بمعنى " أنت "، مثل {كنتم خير أمة} [آل ~~عمران: 110] أي: أنتم خير PageV01P483 # أمة. فروي أنه لما استقبل الكعبة أظهر المنافقون نفاقهم [و] قالوا: ما ~~بال محمد يحولنا مرة إلى ها هنا ومرة إلى ها هنا، ms0154 وقال المسلمون في أنفسهم ~~وفيمن مضى من إخوانهم المسلمين: بطل أعمالنا وأعمالهم، / فأنزل الله تعالى ~~ذكره: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي: صلاتكم نحو بيت المقدس. وقالت ~~اليهود: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها}، وكذلك قال المنافقون، ~~فأنزل الله عز وجل، { قل لله المشرق والمغرب} الآية. # وقيل: إن اليهود قالت للنبي [عليه السلام: إن كنت في القبلة] على هدى، ~~فقد حولت عنه، وإن كنت على ضلالة، فقد مات أصحابك على ذلك. # فأنزل الله عز وجل: { وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي: صلاة من مات منكم ~~وهو يصلي إلى بيت المقدس. وقال المشركون من أهل مكة؛ تحير محمد في دينه. ~~فكان ذلك فتنة للناس واختبارا وتمحيصا للمؤمنين. # قال قتادة: " صلت الأنصار حولين نحو بيت المقدس قبل هجرة النبي عليه ~~السلام، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فصلى نحوها ستة عشر شهرا. ثم ~~وجهه الله / نحو الكعبة، فقال قائلون من الناس: {ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها}، وقالوا: لقد اشتاق الرجل إلى PageV01P484 # مولده. فابتلى الله عز وجل عباده بما شاء من أمره فأنزل الله تعالى في ~~اليهود والمنافقين /: {سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها} إلى قوله: {مستقيم}، وأنزل في المؤمنين: {وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم} إلى {رحيم}. # قال ابن جريج: " بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا عن الإسلام حين استقبل ~~النبي الكعبة، وقالوا مرة ها هنا ومرة ها هنا. فأظهر الله لخلقه من يرتد ~~فينافق ويخالف الرسول في القبلة ممن اتبعه وآمن بما جاء به " # ثم قال تعالى: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} أي وإن كانت ~~التولية لكبيرة. # وقيل: المعنى: وإن كانت القبلة لكبيرة: وإن كانت التحويلة لكبيرة. # وقيل: المعنى: وإن كانت الصلاة إلى بيت المقدس لكبيرة، أي: لعظيمة في ~~صدور الناس حين قالوا: ما لهم صلوا إلى هاهنا ستة عشر / شهرا ثم انحرفوا، PageV01P485 # فعظم على قوم ذلك حتى نافقوا وارتدوا وحتى أظهر أهل النفاق نفاقهم. # وقوله: {إلا على الذين هدى ms0155 الله}. # أي الذين وفق الله إلى الحق، فإنهم ثبتوا على إيمانهم، وقبلوا ما جاءهم ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم. # وقوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم}. # قال ابن عباس: " لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: ~~كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؛ فأنزل الله عز ~~وجل: { وما كان الله ليضيع إيمانكم}. وهذا معنى قول قتادة وغيره. # وإنما أتى الجواب على الخطاب لهم دون الأموات، لأن الأموات غيب والسائلون ~~عن ذلك مخاطبون. والعرب تغلب المخاطب على الغائب، فلذلك قال: {ليضيع ~~إيمانكم}. ولم يقل إيمانهم. # وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال في قول الله عز وجل: { وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم}: " هي الصلاة إلى بيت المقدس قبل أن تصرف القبلة إلى PageV01P486 # الكعبة ". # ثم قال: {إن الله بالناس لرءوف رحيم}. # أي: إن الله بجميع عباده لذو رأفة ورحمة، فكيف يضيع أعمالهم التي عملوها ~~فلا يثيبهم عليها وكيف يؤاخذهم على ما لم يفترض عليهم. # والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في ~~الآخرة. وتسمية الله [جل ذكره الصلاة إيمانا في هذه الآية] رد على المرجئة ~~الذين يقولون إن الصلاة ليست من الإيمان. # وقال أشهب: " وإني لأذكر بهذه الآية الرد على المرجئة وعلى أن الإيمان في ~~هذه الآية يراد به الصلاة نحو بيت المقدس ". وقاله البراء بن عازب، رفعه ~~إلى PageV01P487 # النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن ~~المسيب وزيد بن أسلم / ومالك وغيرهم. # / قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السمآء}. # إلى قوله: {وهم يعلمون}. # أي: قد نرى يا محمد تصرف نظرك نحو السماء. # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى ~~الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله الأمر بالتحويل إلى الكعبة. # قال قتادة: " كان النبي [ صلى الله عليه وسلم] يقلب وجهه إلى السماء، يحب ~~أن يصرفه الله تعالى إلى الكعبة حتى صرفه الله عز وجل ms0156 إليها ". # وهذا يدل على أنه لم يصل إلى بيت المقدس إلا بوحي، فكان ينتظر متى يؤمر PageV01P488 # بترك ما أمر به. ولو كان إنما صلى إلى بيت المقدس باختياره لم ينتظر ~~الأمر فيه، ولرجع إلى الكعبة باختياره أيضا. وقد قال تعالى: {وما ينطق عن ~~الهوى} [النجم: 3]. فكيف يأمرهم بالصلاة إلى بيت المقدس من عند نفسه. هذا ~~بعيد. # وقال بعض العلماء: " إنما أحب النبي [عليه السلام] أن يرد إلى الكعبة لأن ~~اليهود كانوا يقولون: يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا! / فلما رده الله إلى ~~الكعبة انقطع قول اليهود ". # وقال ابن زيد: " قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فأينما ~~تولوا فثم وجه الله} فقال النبي [عليه السلام] " هؤلاء قوم يهود يستقبلون ~~بيتا من بيوت الله عز وجل، فلو أنا استقبلناها " فاستقبل النبي [عليه ~~السلام] معهم بيت المقدس ستة عشر شهرا، فبلغه أن اليهود تقول: والله / ما ~~درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ورفع وجهه إلى السماء. فأنزل الله عليه {فلنولينك قبلة ترضاها فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام} الآية ". PageV01P489 # فهذا يدل على أنه استقبل بيت المقدس من غير أمر أتاه من عند الله، وأنه ~~إنما أتاه من الله الإباحة باستقبال أي موضع شاء. ثم نسخ الله فعله لأنه ~~كان صلى الله عليه وسلم يتبع آثار الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، فلذلك صلى ~~نحو بيت المقدس / مع ما طمع به من استمالة اليهود أن يؤمنوا به. # وقال ابن عباس: " كان النبي عليه السلام لما هاجر إلى المدينة - وكان ~~أكثر أهلها اليهود - أمره الله [جل وعز] أن يستقبل بيت المقدس ففرحت ~~اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا. فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة أبيه إبراهيم وكان يدعو وينظر إلى ~~السماء، فأنزل الله عز وجل: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء} إلى {صراط ~~مستقيم}. فهذا يدل على أن الله سبحانه أمره باستقبال بيت المقدس ثم نسخها ~~بالكعبة. # " وروي أن ms0157 النبي [عليه السلام] كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس مع استقباله PageV01P490 # الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلى نحو بيت المقدس أيضا / سبعة عشر شهرا، ~~ووقع في نفسه الصلاة نحو الكعبة، فأقبل يقلب وجهه إلى السماء كيف يستقبل ~~الكعبة. فأتاه جبريل عليه السلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~لوددت يا جبريل أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها "، فقال له جبريل ~~عليه السلام: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على الله، فادعه وسله، ثم ارتفع ~~جبريل، وجعل النبي يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، ~~فأنزل الله جل ذكره: {قد نرى تقلب وجهك} الآية ". # وقال إبراهيم بن اسحاق: " أول أمر الصلاة أنها فرضت ركعتين بمكة في أول ~~النهار، وركعتين في آخره. فلما كانت ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر قبل ~~الهجرة بسنة، أسري به صلى الله عليه وسلم وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت ~~إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم فأمه عند البيت، فأول ما ~~صلى به الظهر نحو بيت المقدس مع استقبال الكعبة. ثم قدم المدينة في شهر ~~ربيع الأول، فصلى إلى بيت PageV01P491 # المقدس تمام سنة إحدى عشرة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر ثم حولت القبلة ~~في رجب. # وروى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن القبلة صرفت في ~~جمادى. # وقال الواقدي: " في النصف من شعبان صرفت ". فوقع الاختلاف على مقدار ~~اختلافهم في عدة الأشهر التي صلى في المدينة إلى بيت المقدس. # وقيل: إنما نسخ الله باستقبال الكعبة قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~[البقرة: 115]. فأباح له أن يستقبل إلى أي ناحية شاء. ثم نسخ ذلك بقوله: ~~{فول وجهك شطر المسجد الحرام}. PageV01P492 # وقال ابن عباس: " أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة ". # قال الله عز وجل لنبيه: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله}. فصلى نبيه عليه السلام نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ثم صرفه ~~الله إلى البيت العتيق فقال: {ومن حيث ms0158 خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} /. # ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: " بينا الناس ~~بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد نزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت ~~وجوههم / إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ". # وحدث مالك عن ابن المسيب أنه كان يقول: " صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد أن قدم PageV01P493 # المدينة / ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين ~~". # وذكر البراء في ذلك كله نحوه. # وقال أنس: " مر بهم رجل وهم ركوع نحو بيت المقدس، فنادى: " ألا إن القبلة ~~قد صرفت إلى الكعبة ". فمالوا كما هم ركوعا ". # قال الواقدي: " صرفت / يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين ". # وقال ابن شعبان: " صرفت إلى الكعبة في رجب ". # وقال: {سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} ~~[البقرة: 142]. # يعنون بيت المقدس، فأنزل الله: {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشآء إلى ~~صراط مستقيم}. # وروى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " إن الصلاة ~~أول ما فرضت، إنما فرضت ركعتين، ثم أتم الله صلاة الحضر، وأقرت صلاة PageV01P494 # السفر على حالها ". قال ابن شهاب: فقلت لعروة: فما حمل عائشة على أن تصلي ~~في السفر أربع ركعات؟ فقال عروة: تأولت عائشة في ذلك ما تأول عثمان [بن ~~عفان] في إتمام الصلاة بمنى ". # قال أبو عبيد: تأول عثمان في إتمام الصلاة بمعنى ثلاثة أوجه: فيقال: إنه ~~اتخذ أهلا بمكة. ويقال: إنه تأول: إني الخليفة فحيثما كنت فهو عملي. والوجه ~~الثالث: أنه بلغه أن أعرابيا صلى معه ركعتين فظن أن الفريضة ركعتان فانصرف ~~إلى منزله فلم يزل يصلي ركعتين السنة كلها، فلما بلغه ذلك أتم الصلاة. / ~~وأما عائشة رضي الله عنها. فتأولت أنها أم المؤمنين فحيثما كانت فكأنها مع ~~ولدها مقيمة ". # " وروي أن أول من صلى إلى الكعبة ms0159 من المسلمين بالمدينة البراء بن PageV01P495 # معرور من بني سلمة، وذلك أنه كان قد بايع النبي [عليه السلام] على العقبة ~~وكان نقيبا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إني رمقتك فأحب أن تعود ~~إلي حتى تهاجر معي فتكون لك مع النصرة هجرة ". فلما توجه إلى المدينة مع ~~السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار على العقبة، ~~مرض بالمدينة فكان يصلي إلى الكعبة لموعدة النبي صلى الله عليه سلم. فلما ~~حضرته الوفاة، قال: اجعلوا مالي ثلاثة أثلاث: ثلثا لله وثلثا لرسوله وثلثا ~~لوليي، وإذا مت فحولوا وجهي نحو محمد صلى الله عليه وسلم لموعدي معه. فكان ~~أول من صلى إلى الكعبة، وأول من دفن نحوها، وأول من أوصى بثلثه. فلما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أخبر بوفاته وبالوصية، PageV01P496 # فقال: " أما ثلثي فرد على ولده، وأما / [ثلث الله] فأنفقه في سبيل الله ~~عز وجل ". وكان له ابن صالح من خيار النقباء اسمه بشر بن البراء، وفيه قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " هو سيد بني سلمة " # وهو الذي أكل من الشاة التي سمت للنبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك مات ~~يوم خيبر. # / وقوله: {فلنولينك قبلة ترضاها}: أي: فلنصرفنك إلى قبلة ترضاها وهي ~~الكعبة. ومعنى ترضاها: تهواها وتحبها. # ثم قال: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}. # أي: نحوه وقصده وتلقاءه. # قال عبد الله بن عمر: " صرفت قبلته حيال ميزاب الكعبة ". وكان يجلس في ~~المسجد الحرام حيال الميزاب، فإذا سئل عن ذلك تلا هذه الآية. # وقال ابن عباس: ولى وجهه نحن [البيت] كله "، وهو قول أكثر PageV01P497 # العلماء. وقد قال أسامة بن زيد: " رأيت النبي [عليه السلام] حين خرج من ~~البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال: " هذه القبلة هذه القبلة ". # " وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى ركعتين مستقبلا باب الكعبة وقال: ~~" هذه القبلة "، مرتين. " # ثم قال: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}. # أي: وأينما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم بصلاتكم نحو المسجد الحرام. # فالهاء في " شطره " عائدة ms0160 على المسجد الحرام. # فأوجب الله بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في ~~صلاتهم حيث ما كانوا من الأرض. # ثم قال تعالى: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم}. # أي: وإن أحبار اليهود وعلماء النصارى ليعلمون أن التوجه نحو المسجد PageV01P498 # الحرام الحق الذي فرض الله على إبراهيم [عليه السلام] وذريته وسائر عباده ~~بعده، فرض ذلك عليهم. # قال قتادة والضحاك: " يعرفون أن القبلة هي الكعبة ". # قال الضحاك: " كمعرفتهم أبناءهم ". # والهاء في " أنه " تعود على التولية إلى الكعبة، ودل على التولية قوله: ~~{فول}. # وعن الكسائي أنه قال: " الهاء تعود على الشطر ". # ثم قال: {وما الله بغافل عما يعملون}. # من قرأ بالتاء رده على الخطاب في قوله: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره}. ومن قرأه بالياء رده على الإخبار / عن الذين أوتوا الكتاب لتقدم ~~ذكرهم. # ثم قال: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك}. PageV01P499 # أي: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة بأن الحق ما جئتهم ~~به من فرض التحول إلى المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوه مع قيام الحجة ~~عليهم. # وقوله: {ومآ أنت بتابع قبلتهم}. # أي: ما لك من سبيل يا محمد إلى / اتباع قبلتهم لأن اليهود تستقبل بيت ~~المقدس بصلاتها، والنصارى تستقبل / المشرق. فمن أين يكون لك يا محمد السبيل ~~إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها، فالزم ما أمرت به من استقبال المسجد ~~الحرام. # ثم قال: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض}. # أي: وما اليهود بتابعين قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعين قبلة اليهود. ~~قاله السدي وغيره. # وقيل: معناه: وما الذين اتبعوك من اليهود بتابعين قبلة من لم يتبعك، ولا ~~الذين لم يتبعوك بتابعين قبلة من اتبعك منهم. وقال السدي: " أنزل الله ~~تعالى هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حول إلى الكعبة ~~قالت اليهود: إن محمدا اشتاق إلى قبلة إبراهيم ومولده، ولو ثبت على قبلتنا ~~لكنا نرجو أن يكون هو / صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله عز وجل: { وإن ms0161 ~~الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} إلى قوله: {ليكتمون الحق وهم ~~يعلمون}. PageV01P500 # وهو قول ابن زيد. # ثم قال: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين}. # أي: ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ~~ولأصحابك: {كان / هودا أو نصارى}، فاتبعت قبلتهم من بعد ما جاءك من العلم ~~أنهم على باطل وعلى عناد للحق، وأنهم يعرفون أن الحق ما أنت عليه إنك إذا ~~لمن الظالمين لنفسك. # وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] ولسائر أمته. # وقيل: المراد به أمته. # ثم قال: {الذين آتيناهم الكتاب}. يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى. # {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} أي: يعرفون أن البيت الحرام هو قبلة ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء كما يعرفون أبناءهم. # هذا قول قتادة وهو قول ابن عباس والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج. # وعن قتادة أيضا: {يعرفونه} أي: يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم أنه نبي ~~كما يعرفون PageV01P501 # أبناءهم. وهو قول الزجاج. # والهاء في {يعرفونه} على القول الأول تعود على الشطر أو على التولية. ~~وعلى القول الثاني تعود على محمد صلى الله عليه وسلم ويكون التأويل: " ~~يعرفونك يا محمد ". لكن صرف الكلام من المخاطبة إلى الغيبة على مذهب العرب. # وقال مقاتل: " الهاء في (يعرفونه) تعود على البيت الحرام ". # ثم قال: {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}. # أي وإن / طائفة من اليهود والنصارى ليكتمون أن القبلة هي المسجد الحرام ~~وهم يعلمون أنها حق. # وقال قتادة وغيره: " يكتمون أمر محمد صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه ~~حق يجدونه في التوراة والإنجيل ". # قوله: {وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} إلى قوله: ~~{وأولئك هم المهتدون}. # أي: هذا الحق من ربك. # {فلا تكونن من الممترين} أي: لا تكونن من الشاكين أن القبلة التي وجهت ~~إليها هي الحق وهي قبلة إبراهيم والأنبياء غيره صلوات الله عليهم. PageV01P502 # وهذا خطاب للنبي [عليه السلام] والمراد به أمته. # ثم قال تعالى: {ولكل وجهة هو موليها}. ms0162 # " هو " يرجع إلى " كل ". والهاء في " موليها " ترجع إلى القبلة. وقيل: " ~~هو " يرجع إلى الله جل ذكره. # فأما من قرأ " هو مولاها "، فهو يرجع إلى " كل " لا غير. # قال مجاهد: " معناه: ولكل صاحب ملة قبلة ". يعني لليهود قبلة وللنصارى ~~قبلة. # قال ابن عباس: " يعني بذلك أهل الأديان؛ لكل أهل دين قبلة يرضونها. ووجهة ~~الله عز وجل حيث توجه المؤمنون ". PageV01P503 # وقال الضحاك: " معناه ولكل صاحب ملة قبلة، وصاحب القبلة يوليها وجهه ". # وقال السدي: " المعنى ولكل قوم قبلة قد ولوها ". # والمعنى عند أهل العربية، هو موليها نفسه / أو وجهه. # فأما من قرأ: " مولاها " فالضمير على هذه القراءة لواحد، أي: ولكل واحد ~~من الناس قبلة، الواحد مولاها، أي: مصروف إليها. # وقال الأخفش: " المعنى: موليها الله إياه على ما يزعمون " / يريد على ~~قراءة موليها. # وقال علي بن سليمان: " المعنى هو متوليها، والوجهة والجهة والوجه واحد ". # وعن قتادة في قوله: {هو موليها}، قال: " هي صلاتهم إلى بيت المقدس ~~وصلاتهم إلى الكعبة ". PageV01P504 # فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وجهك إليها ربك يا محمد قبلة الله ~~موليها عباده ". وهو قول الأخفش الذي تقدم. # ومعنى " موليها " مول وجهه إليها ومستقبلها. # وقال الطبري: " التولية في الآية للكل، ووجدت للفظ " كل "، قال: " فمعنى ~~الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم. قال: وأما قراءة ابن عامر ~~فمعناه: هو موجه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله ~~لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها. # ورويت قراءة شاذة بإضافة " كل " إلى " وجهة "، وهي قراءة / لا تجوز لأنه ~~لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر ". # ولو ثنيت على قراءة الجماعة لقلت: " هما مولياها "، وفي الجمع [هم ~~مولوها] PageV01P505 # وعلى قراءة ابن عباس / في التثنية " هما مولياها ". # وفي الجمع [هم مولوها]. فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت ~~في التثنية: " هما [مولياها هما] وفي الجمع: " هم مولوها هم ". # ثم قال تعالى: {فاستبقوا الخيرات}. # أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله ms0163 ~~وهو المسجد الحرام. # ثم قال: {أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا}. # أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعا يوم القيامة. # {إن الله على كل شيء قدير}. أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير. # ثم قال تعالى: {ومن حيث خرجت} الآية. # وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر ~~الله التأكيد ليصل إلى الجميع. # ثم قال: {لئلا يكون للناس عليكم حجة}. # الناس هنا: مشركو العرب. والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا PageV01P506 # يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة / ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن ~~[لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، ~~وسيرجع إلى ديننا. هذا معنى قول مجاهد. # وقال قتادة: " هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى ~~الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم ". # قال الله تعالى: {فلا تخشوهم واخشوني}. # وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما ~~صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه ~~بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا، ويوشك أن يدخل في دينكم، ~~فأنزل الله فيهم: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا ~~تخشوهم واخشوني}. # وهو قول عطاء والسدي وغيرهما. فهو على هذا التاويل استثناء صحيح، PageV01P507 # وهو مذهب الطبري، قال: " نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن ~~لهم قبلكم خصومة باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى ~~منكم سبيلا وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس ". # وقال بعض النحويين: " هو استثناء ليس من الأول، / و " إلا " بمعنى " لكن ~~". # قال أبو عبيدة: / " " إلا " بمعنى الواو ". # وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام. و " ~~إلا " إذا كانت بمعنى " لكن "، فإنما هي إيجاب ms0164 لشيء بعدما تؤكده. # وقوله: {فلا تخشوهم واخشوني}. # أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي PageV01P508 # إن خالفتم أمري. وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى ~~الكعبة وترك التوجه إلى غيرها. # وقال السدي: " معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم ". # ثم قال: {ولأتم نعمتي عليكم}. # قال الأخفش: " هو معطوف على {لئلا يكون} أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي ~~عليكم. فالمعنى: / ولوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي ~~لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي ~~أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية. # وقال ابن جبير: " {ولأتم نعمتي عليكم}: " أي: ولأدخلكم الجنة ". قال: " ~~ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة ". # وقال الزجاج: " اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم ~~قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون PageV01P509 # عليكم] بالباطل ". # وقيل: التقدير: {لئلا يكون للناس عليكم حجة}، {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون}. ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير. وهو قول الأخفش المتقدم ~~الذكر. # ثم قال تعالى: {كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم}. # تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولا منكم تاليا عليكم ~~الكتاب ومطهرا لكم من الذنوب ومعلما لكم ما لم تكونوا تعلمون. # فكل ما بعد " رسول " نعوت له مكررة. # وقال الزجاج: " الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم ~~رسولا منكم ". # وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله ~~بجوابه؛ تقول: " كما أحسنت إليك فأكرمني ". فتكون الكاف من " كما " متعلقة ~~ب " أكرمني " إذ لا جواب له. فإن قلت: " كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك "، ~~لم تتعلق الكاف من " كما " ب " أكرمني " بأن له جوابا، ولكن تتعلق بشيء آخر ~~أو PageV01P510 # بمضمر. فكذلك قوله: {فاذكروني أذكركم} / هو أمر له جواب، فلا [تتعلق " ~~كما " به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو ~~قولك: " إذا أتاك فلان فأته ترضه "، فتكون " كما " و ms0165 " أذكركم " جوابين ~~[للأمر. والأول أفصح] وأشهر. # وقيل: هي متعلقة بقوله: {ولأتم نعمتي عليكم} أي: " ولأتم نعمتي عليكم ~~إتماما كما أرسلنا ". # وقيل: الكاف في موضع / نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه ~~الحال. # وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم ~~كما أرسلنا فيكم رسولا منكم تاليا عليكم آياتي، ومطهرا لكم ومعلما لكم ~~الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون. وكل ذلك بدعاء إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم [ في قوله]: {ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] وقوله: {ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة/ ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم} # [البقرة: 129]. PageV01P511 # فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: {ولأتم نعمتي عليكم} فتلخيص ~~المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، ~~فأرسلنا إليكم رسولا منكم. # ومعنى " يزكيكم " / يطهركم من دنس الذنوب. # {ويعلمكم الكتاب} أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين. {ويعلمكم ~~ما لم تكونوا تعلمون}. # أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور. # ومعنى {فاذكروني أذكركم}. # قال ابن عباس: " إذا ذكر الله العبد وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ~~ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته ". # وقال عكرمة: " يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد ~~صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما ". # وقال ابن جبير: " اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة ". # وقال الربيع في الآية: " إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من ~~كفره ". PageV01P512 # وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح. # وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكرا لها، أذكركم برحمتي ~~والزيادة من النعمة. # وقال السدي: " ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن ~~إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب ". والذكر فيما روي عن عمر ~~رضي الله عنه ذكران. أحدهما أفضل من الآخر وهما: / ذكر الله عند أوامره ~~ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه. فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل ~~وأجر وثواب، إلا أن ذكر الله عند أمره ms0166 ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما ~~نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه. والفضل كله والشرف ~~والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان. وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره ~~فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه. # وكذلك الصبر صبران. وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، / والصبر على ~~المصيبة. والأول أفضل. PageV01P513 # وقوله: {واشكروا لي ولا تكفرون}. # أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم. # والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة. # ومعنى الكفر التغطية للشي. # ثم قال: {يآأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة}. # هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله ~~عز وجل. فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما ~~يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضا بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله ~~سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم. # قال قتادة: " احتجوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في انصرافه إلى ~~الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله ~~تعالى أن يستعينوا بالصبر PageV01P514 # والصلاة ". # وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات. # وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي. # {إن الله مع الصابرين}: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر ~~الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب. # ثم قال / تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن ~~لا تشعرون}. # هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل. فالمعنى: هم ~~أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. قاله مجاهد. # قال قتادة: " كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارف في طير [خضر تأكل من ثمار] ~~الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: ~~من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حيا مرزوقا، ومن غلب آتاه الله أجرا PageV01P515 # عظيما، / ومن مات رزقه الله رزقا حسنا ". # قال الربيع: " هم أحياء في صور طير خضر ms0167 يطيرون في الجنة حيث شاءوا. منها ~~يأكلون، من حيث شاءوا ". # وقال عكرمة: " أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة ". # وروى ابن عباس عن النبي [ صلى الله عليه وسلم] أنه قال: " الشهداء على ~~نهر بباب الجنة في قبة خضراء ". # ويروى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة ~~وعشيا. [فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتا وأمرهم أن يسموهم شهداء. PageV01P516 # وعن النبي [ صلى الله عليه وسلم] أنه قال / في شهداء أحد: " هؤلاء ~~الشهداء، وأنا عليهم شهيد، جعل الله أرواحهم في طير خضر ترتع في رياض الجنة ~~". # وقيل: المعنى: لا تقولوا: " هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم ". ~~والقول الأول عليه أهل العلم. # ثم قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات}. # أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب ~~على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم باق، ممن ينقلب على عقبيه كما ~~ابتليتكم بتحويل القبلة. وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ~~{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين / خلوا من قبلكم} [البقرة: ~~214] الآية إلى {قريب} [البقرة: 214]. قال ابن عباس: " أخبر الله عز وجل ~~المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشرهم، ~~فقال: {وبشر الصابرين}. وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم ~~لتطيب أنفسهم فقال: {مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا} [البقرة: 214]. PageV01P517 # وقوله: {بشيء من الخوف}. يعني خوف العدو. # {والجوع}: يعني القحط. # ثم قال: {وبشر الصابرين}: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بينهم فقال: # {الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون}. # أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون. # وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ~~ما ابتلينا به. # ثم قال: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة}. # أي: مغفرة من ربهم. # وقيل: ترحم من ربهم ورحمة. {وأولئك هم المهتدون}. # قال الليث في قوله: {إنا لله} الآية " معناها: نحن والذي أصبنا به لله ~~ونحن وإياه إلى الله ms0168 راجعون ". PageV01P518 # / قال ابن جبير: " لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل ~~نبينا. ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: {يا أسفى على يوسف} [يوسف: ~~84]. # وقال عكرمة: " انطفأ مصباح / النبي [عليه السلام] ليلة فقال: {إنا لله ~~وإنآ إليه راجعون}. فقيل: يا نبي الله: أمصيبة هذه؟ فقال: نعم، كل شيء آذى ~~المؤمن فهو له مصيبة، / وله فيه أجر المصيبة ". # وروي أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] قال: " ما من أحد أصيب بمصيبة ~~فاسترجع إلا استوجب من الله ثلاث خصال؛ كل خصلة خير من الدنيا وما فيها ". # قال أبو عبيد: يعني قوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون}. # قوله: {إن الصفا والمروة من شعآئر الله}. PageV01P519 # إلى قوله: {لقوم يعقلون}. # الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام ~~فيهما للتعريف. # وجمع الصفا أصفاء كرحا وأرحاء. ويجوز في جمعه: صفي وصفي، كعصا وعصي وعصي. # وجمع مروة مرو [كتمرة وثمر]، وإن شئت مروات كتمرات. # والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئا. # والمروة الحصاة الصغيرة. # وقوله: {من شعآئر الله}. # أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعرا يعبدونه عندها إما بالدعاء ~~وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما. # وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، ~~والواحدة شعيرة من " شعرت به ". PageV01P520 # وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب ~~عليهم من طاعته، قال: " أشعرته بكذا "، أي: أعلمته به. وقال الطبري: " إنما ~~أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها الله ~~تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم إذ سأله أن يريه ~~مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم. # ثم قال: {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}. # هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا ms0169 في سبب أصنام كانوا ~~يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيما لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا ~~أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل / شرك بالله ~~سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل. فأنزل الله تعالى في ذلك ~~{فلا جناح عليه أن يطوف بهما} من أول الآية. PageV01P521 # والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: " جنح عليه " إذا مال، و " جنح عن الحق " ~~إذا مال عنه. ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله {واضمم إليك ~~جناحك} [القصص: 32]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح. والهاء في (عليه) ~~تعود على (من). و " من " تصلح للحاج أو المعتمر. # قال السدي: " ليس عليه إثم، ولكن له أجر ". # قال الشعبي: " كان على الصفا في الجاهلية صنم يسمى " إساف "، وعلى المروة ~~وثن يسمى " نائلة "، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين. ~~فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا / والمروة ~~لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل { إن الصفا والمروة} الآية. # وذكر الصفا لأن الصنم / الذي كان عليه مذكر - يعني إسافا - وأنث المروة PageV01P522 # لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -. # وقال أنس بن مالك: " كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر ~~الجاهلية حتى نزلت هذه الآية ". # وقال عروة: " قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت ~~قول الله عز وجل: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما}، فما أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما ". ~~قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " ~~إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، ~~وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا ~~[رسول الله] صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: {إن الصفا ~~والمروة} الآية. وهو قول مجاهد وابن زيد. PageV01P523 # وعن ابن عباس أنه قال: " كان في ms0170 الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين ~~الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول ~~الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك / كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل ~~الله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما}. # وقال قتادة: " كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، ~~فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله ". # والحج في اللغة القصد. يقال: " حججت إليه " بمعنى قصدت / إليه. وقيل: ~~الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة. فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج. ~~فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت ~~الإفاضة وفي غير ذلك. # وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته. فمعنى الاعتمار ~~الزيارة، وكل من زار إنسانا فهو له معتمر، يقال: " اعتمرت فلانا "، أي: ~~قصدته. # والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع PageV01P524 # وسعى، وإن بعد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه ~~إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي ~~بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك. # وقال عطاء: " هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك ". واحتج بأن في قراءة ~~ابن عباس: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما}. وكذلك هي في مصحف ابن مسعود. # وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: " هو تطوع ". وروي ذلك عن مجاهد. PageV01P525 # والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما ~~فيها من إسقاط " لا " منها كلها. # وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح. والإسناد عن أنس ضعيف. # وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير " لا ~~". وقد روى جابر عن النبي [ صلى الله عليه وسلم] أنه: " لما دنا من الصفا ~~في حجته قال: " إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به "، ~~فبدأ بالصفا فرقى عليه ". # ثم قال: {ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم}. أي: شاكر ms0171 له على تطوعه، ~~عليم بما تطوع. # وقال ابن زيد: " معناه: فمن تطوع خيرا فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، ~~والعمرة / تطوع، والحج فرض ". # ثم قال: {إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى}. PageV01P526 # يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكورا عندهم في التوراة والإنجيل موصوفا. # وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة ~~من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله صلى الله عليه وسلم: { ~~إن الذين يكتمون}. إلى: {اللاعنون}. وهو قول مجاهد. # وقال قتادة: " هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا ~~محمدا وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ". # / وقوله: {من بعد ما بيناه للناس في الكتاب}. # يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض ~~الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه. # وقال النبي [ صلى الله عليه وسلم] " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم ~~القيامة بلجام PageV01P527 # من النار ". # ثم قال: {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}. # أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم يلعنهم الله عز وجل ~~بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم. # وقوله: {ويلعنهم اللاعنون}. # قيل: معناه: ويسأل ربهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: " ~~اللهم العن هذا ". # وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسنتت السنة، قالت البهائم: " هذا من أجل ~~عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم ". # وقال عكرمة: " يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب / يقولون: منعنا PageV01P528 # القطر بذنوب بني آدم ". # وإنما جمع جمع السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم ~~بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم. # وقال قتادة: " اللاعنون هنا: " الملائكة والمؤمنون ". وقاله الربيع. # قال مقاتل " اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، ~~وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته / الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ~~ربك؟ فيقول: لا ms0172 أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن ~~والإنس، فلا تقر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه ". # قال مجاهد: " اللاعنون البهائم ". # ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل. وله ~~نظائر كثيرة. # وقيل: / اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار. والهاء في ~~{خالدين فيها} تعود على اللعنة. PageV01P529 # واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة. # قال مقاتل: " اللعنة النار ". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة ~~المصير إلى النار. # وقال السدي: " اللاعنون ما عدا بني آدم والجن ". # وروي عن البراء بن عازب: " أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن ~~عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، ~~فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن ~~والإنس ". / وهو قول الضحاك. # ويروى عن ابن مسعود أنه قال: " اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت ~~اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود ". # وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم / القيامة كما قال تعالى: PageV01P530 # {ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت: 25]. # ثم قال تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا}. # أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبينوا ~~للناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو عندهم في كتابهم موصوف. # وقيل: المعنى: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. # ثم قال: {فأولئك أتوب عليهم}: أي: أقبل توبتهم. {وأنا التواب}: أي على من ~~تاب. # {الرحيم} أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم. # ثم قال: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله}. # أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته. # {والملائكة}: أي ولعنة الملائكة. PageV01P531 # {والناس}: يعني قول الناس: {عليهم لعنة الله}. وعني بالناس أجمعين هنا ~~المؤمنون خاصة. قاله قتادة والربيع. # وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: " إن الكافر يوقف يوم ~~القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون ". وهو ~~اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: {ألا لعنة الله ms0173 على الظالمين} [هود: 18]. # وقال السدي في قوله: {والناس أجمعين}: " أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا ~~كافران فيقول أحدهما: " لعن الله الظالم " إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر ~~لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه ". # ثم قال تعالى: {خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون}. # أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ~~ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: # {هذا يوم لا ينطقون} [المرسلات: 35] {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: ~~36]. PageV01P532 # قاله أبو العالية. # [و] إنما جاء لفظ {والناس أجمعين} بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا ~~يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن ~~يقولوا: " لعن الله الظالم " أو " الظالمين " فيدخل في ذلك كل كافر كائنا ~~من كان. # ثم قال: {وإلهكم إله واحد}. أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره ~~يستحق العبادة. # {الرحمن الرحيم} / أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه. # ومعنى " واحد " في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير. وليس معناه ~~واحدا في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من ~~فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له. # ثم قال: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} الآية. # هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه. والآية دالة ~~على PageV01P533 # توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى. # والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ~~ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون. # وروي أن قوله: {وإلهكم إله واحد} الآية، لما نزلت، قال المشركون: " ما ~~البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: {إن ~~في خلق السماوات والأرض} الآية، احتجاجا عليهم فيما ادعوا. هذا قول عطاء. # والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة ~~إلا له. # وقال أبو الضحى: " لما نزلت: {وإلهكم إله واحد} الآية، قال المشركون: إن ~~كان هذه هكذا، ms0174 فليأتنا بآية. فأنزل الله: {إن في خلق السماوات والأرض} ~~الآية. # وروى ابن جبير " أن قريشا سألت / اليهود عما جاءهم به موسى / من الآيات PageV01P534 # / فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى صلى ~~الله عليه وسلم من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي ~~الموتى بإذن الله. فقالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: " ادع الله أن ~~يجعل لنا الصفا ذهبا، فنزداد يقينا ونتقوى به على / عدونا ". فسأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم ربه، فأوحى الله عز وجل إليه: " إني أعطيهم أن أجعل لهم ~~الصفا ذهبا، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذابا لم أعذبه أحدا من العالمين ". ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " دعني وقومي فأدعوهم يوما بيوم فأنزل الله ~~تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} " الآية. أي: إن في ذلك لآية لهم إن ~~كانوا يريدون أن أجعل لهم آية. وقاله السدي وغيره. # قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} إلى قوله: {ما لا ~~تعلمون}. # أي: ومن الناس من يعبد آلهة / وأصناما من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم ~~لله. أي يسوون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حبا لله من ~~الكفار لآلهتهم. # وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ~~ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم. PageV01P535 # قال ابن مسعود: " قال رسول الله [عليه السلام]: " من مات يجعل لله ندا، ~~أدخله الله النار "، وأنا أقول: " من مات لا يجعل لله ندا، أدخله الله ~~الجنة ". # وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حبا لله من ~~الكفار لآلهتهم. # وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها ~~أنزلوها منزلة من يعقل. # وقال السدي: " الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون ~~الله. # ثم قال: {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب}. # أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت ~~أمرا عظيما، ولعلمت أن القوة ms0175 لله جميعا. PageV01P536 # فجواب " لو " محذوف، وفتح " أن " على تقدير فعل محذوف وهو جواب " لو ". # وقيل: إن " أن " فتحت ب " ترى ". وهو قول المبرد والأخفش. # و" ترى " بمعنى تعلم، التقدير: " ولو يعلم الذين ظلموا جميعا لتبينوا ضرر ~~اتخاذهم الآلهة دون الله ". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء. # وقيل: معنى: " ترى " تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا ~~حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله. # وقيل: فتحت " إن " على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضا ~~محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه. # ومن كسر " إن " كسرها على الابتداء، وجواب " لو " محذوف أيضا. PageV01P537 # وقيل: إن كسرها على إضمار القول أي: " يقولون: إن القوة لله ". # ثم قال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا}. # والمعنى: وإن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتبعوا - وهم سادات الكفار ~~وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتبعوا - وهم أتباع السادات. # {ورأوا العذاب}: أي: ورأى الجميع / عذاب الله وذلك كله في القيامة. # {وتقطعت بهم الأسباب}. # يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا. هذا قول ~~قتادة وعطاء والربيع. # والهاء في " بهم " ترجع على التابعين والمتبوعين. # وكذلك الهاء في " يريهم " و " أعمالهم ". # وقال السدي: " الذين اتبعوا هم / الشياطين تبرأوا في القيامة ممن اتبعهم ~~من الإنس ". # وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم. # قال مجاهد: " الأسباب: الوصايل والمودة ". وقاله ابن عباس. PageV01P538 # قال قتادة: " صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة ". # قال تعالى ذكره: {يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت: 25]. # وقال: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67]. # وعن ابن عباس أيضا: " أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا ~~". وعنه أيضا: " الأسباب: الأرحام ". # وقال السدي: " الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا ". وقاله ~~ابن زيد. # {وتقطعت بهم الأسباب}: أعمال أهل التقوى. # وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى. ~~وأصل " السبب " الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا ms0176 يوصل إليها إلا PageV01P539 # بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلا. # ثم قال تعالى: {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم}. # أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة ~~الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن. # ثم قال {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} /. # أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم / أعمالهم ~~حسرات عليهم: أي ندامات. # والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها. قاله ~~الربيع وابن زيد. وهو اختيار الطبري. # وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في ~~/ الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها. # قال السدي: " يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو ~~أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين ~~المؤمنين فيريهم الله PageV01P540 # ذلك، فذلك حين يندمون ". وقال ابن مسعود: " ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى ~~بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في ~~الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة. ويرى أهل الجنة البيت الذي في ~~النار، فيقال لهم: لولا أن الله من عليكم ". # فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت / تلزمهم في ~~الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم. # والحسرة في اللغة: أشد الندامة. # ثم قال: {وما هم بخارجين من النار}. # أي: ليسوا يخرجون من النار أبدا، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ ~~بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا. # وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له ~~نهاية. # وقوله: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا}. # أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. PageV01P541 # قوله: / {ولا تتبعوا خطوات الشيطان}. # قال ابن عباس: " خطواته: عمله ". # وقال مجاهد: " خطاياه ". وهو قول قتادة والضحاك ms0177 وابن زيد. أي: خطاياه ~~التي يأمر بها ويدعو إليها. # وقال السدي: " خطوات الشيطان: طاعته ". # وقال أبو مجلز: " هي النذور في المعاصي ". # قوله: {إنه لكم عدو مبين}. # أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو ~~خلاف لطاعة الله عز وجل. # ثم قال تعالى: {إنما يأمركم بالسوء}. # أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته. # {والفحشآء}: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر. PageV01P542 # قال السدي: " السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا ". # ثم قال تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}. أي ويأمركم أن تقولوا ~~ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية ~~تحرمه، ولم يأمر الله بذلك. # قوله: {وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله}. # إلى قوله: {إن الله غفور رحيم}. # الهاء والميم في " لهم " تعودان على " من " في قوله {من يتخذ}. وقيل: ~~تعودان على " الناس " من قوله: {ومن الناس من يتخذ}. وهو اختيار الطبري. # وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفرا من اليهود إلى الإسلام، ~~ورغبهم وحذرهم عذاب الله. فقالوا: {بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ} أي: ~~وجدنا. PageV01P543 # فأنزل الله عز وجل في ذلك: {وإذا قيل لهم اتبعوا} الآية. # والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما حرم ~~الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما أحل ~~الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند ~~أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر واتباع ~~الكفر. # قال الله تعالى: / {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون}. # أي: لا يعقلون شيئا من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم. ~~فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي ~~للحق ولا يعقل الخير. # ثم قال: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع}. # أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى ~~إليه ويوعظ به، مثل البهيمة ms0178 التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال ~~لها. # قال عكرمة: " معناه: مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا PageV01P544 # يفقه ما تقول له ". # قال ابن عباس: " معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا ~~قلت لبعضها: كل، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت. كذلك الكافر إن ~~أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك ". # قال مجاهد: " هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع / ما يقال له، ولا ~~يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل ". # وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين. # وقوله: / {إلا دعآء وندآء}. # أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر. ~~والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ~~ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول / لهم محمد صلى الله عليه وسلم وما PageV01P545 # يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: {صم بكم عمي}. # أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه. # فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق]. ~~وإنما قدم " صم " في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء ~~مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل. ألا ترى إلى قوله تعالى: {أفأنت تسمع ~~الصم ولو كانوا لا يعقلون} [يونس: 42] فذكر ذهاب السمع [مع الصم]، وذكر ~~بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير. # وعن ابن عباس أن التقدير: " مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق ~~بالغنم، والمنعوق بهم ". # فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام ~~عليه. وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ~~ورسوله / كمثل / المنعوق بهم من البهائم. PageV01P546 # وقال ابن زيد: " معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا ~~تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، ~~فهو يصيح ms0179 بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة ". # وقيل: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل ~~الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله. فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن ~~تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته. # قال سيبويه: " تقديره: " مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق والمنعوق ~~به الذي لا يسمع. قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا بالمنعوق به ". ~~وكذا قال أبو عبيدة. # وقال قطرب: " معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، ~~كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي ". # وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود. وهو قول عطاء. ومعنى PageV01P547 # ينعق: يصوت. # ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم}. # أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم. {واشكروا ~~لله}. أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم. # {إن كنتم إياه تعبدون}: أي: إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين. # ثم قال: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل به لغير ~~الله}. # أي: لم يحرم عليكم شيئا مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل ~~والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ~~ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام ~~والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمدا، فإن تركه ناسيا فلا شيء عليه. # وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم ~~المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله. PageV01P548 # ومعنى: {ومآ أهل}: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام. # قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. # ف " ما " للأصنام. . . وقيل: هي للذبائح، للأصنام. # وقيل: للصياح؛ النداء الذي ينادى به لغير الله على الذبائح. وأصل الإهلال ~~رفع الصوت. # وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله. # ثم قال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد}. # أي ms0180 / فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، {غير باغ} ~~على المسلمين، ولا متعمد للأكل، {ولا عاد}، أي متعد على الناس. # وقيل: {ولا عاد} معناه: ولا عائد لأكلة أخرى لغير ضرورة فيكون / من ~~المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض. # قوله: {فلا إثم عليه}. أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه. PageV01P549 # وقيل: " معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إن أكله ~~مكرها ". قاله مجاهد. # وقال ابن عباس: " من أكل شيئا من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله ~~غير مضطر فقد بغى واعتدى ". # قال ابن جبير في قوله: {غير باغ ولا عاد}، قال: " هو أن يقطع الطريق فلا ~~رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر ". # وهو قول قتادة وعكرمة. # وقال ابن زيد: " لا يأكل ذلك بغيا ولا تعديا من الحلال إلى الحرام ". ~~وقال النخعي: " غير باغ على المسلمين ". # / قال مجاهد: {ولا عاد}: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم ~~فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر ". # فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق. والعادي قاطع الرحم. PageV01P550 # قال الحسن: " غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني ". # وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد. وله في تركها وجه. # وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه ~~معصية أخرى / فلا يأمره بها. # قال مسروق: " ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار ". # وقال مالك: " من اضطر، أكل شبعه منها ". PageV01P551 # وقال غيره: " إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق ". # وقيل: {غير باغ}: غير خارج على المسلمين بسيفه باغيا عليهم ولا عاديا ~~عليهم بحرب ظلما. # {فلا إثم} أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم. # قوله: {إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب}. [إلى قوله: {المتقون}. # هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله عز ~~وجل في كتابهم من أمر ms0181 محمد صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس: " هم اليهود كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وأخذوا ~~عليه طمعا قليلا ". وهو قول السدي والربيع. # وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا} [آل عمران: 77]: نزلت جميعا في يهود ". PageV01P552 # قال ابن مسعود: / " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من حلف على يمين ~~يقطع بها مالا لقي الله، وهو عليه غضبان " وتصديقه في كتاب الله عز وجل: { ~~إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا}. # ومعنى {يشترون} يبتاعون به. # والهاء في: " به " تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله ~~عز وجل في كتابهم / من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم. # { ثمنا قليلا}: أي: أخذوا عليه طمعا قليلا، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما ~~أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه. # ثم قال تعالى: {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار}. # أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: {إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] أي: ما يوردهم النار. ~~فاستغنى في الآيتين بذكر PageV01P553 # النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا ~~يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال {في بطونهم}، وقد علم أن ~~الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: " جعت في غير بطني " و " شبعت ~~في غير بطني ". فقيل في الآية: {في بطونهم} / للفرق والتأكيد. # وقوله: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة}. # أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد ~~أخبر بأنه يقول لهم {قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] وقيل: ~~معنى {ولا يكلمهم}: يغضب عليهم. يقال: " فلان لا يكلم فلانا " إذا غضب ~~عليه. # وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه. # وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية. # وقوله: {ولا يزكيهم}: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم. # {ولهم عذاب أليم}: أي موجع. # ثم قال تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}. PageV01P554 # أي: أولئك الذين ms0182 أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب ~~الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة ~~عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك. # ثم قال تعالى: {فمآ أصبرهم على النار}. # قال ابن عباس: " معناه: ما الذي صبرهم على النار ". # وقال أبو عبيدة: " معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس ~~بتعجب ". وهو قول السدي. # ف " ما " استفهام في القولين جميعا. # وقال مجاهد والحسن وقتادة: " هو تعجب ". # ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل ~~يوردهم النار. # وقال مجاهد: " معناه: / ما أعملهم بأعمال أهل النار ". أي: ما أشد جرأتهم PageV01P555 # على عمل يوجب لهم النار. # وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله. # وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار. # ثم قال تعالى: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق}. # أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله ~~نزل الكتاب بالحق. # وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. ف " ~~ذلك " في موضع رفع في القولين. # وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، ف " ذلك ~~" في موضع نصب في هذا القول. # ثم قال: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد}. # يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله ~~فيه من قصص عيسى صلى الله عليه وسلم وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] ~~كفروا جميعا بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق / محمد صلى الله عليه وسلم. PageV01P556 # / والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة من الصواب والرشد. # قال السدي: " {لفي شقاق بعيد}: لفي عداوة بعيدة ". # ثم قال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب}. # أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة ~~بعده. # قال ابن عباس: " هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود ". وقاله الضحاك ~~وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس. # وقال قتادة: " كانت ms0183 اليهود / تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، ~~فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي ~~بينها بعد ". # وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه ~~الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا PageV01P557 # الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما ~~فيها. # وقوله: {وآتى المال على حبه}. # أي: على محبته إياه وشحه عليه. # فالهاء في " حبه " تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. وقيل: ~~هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو ~~المفعول به. # كما تقول: " أعجبني أكل الخبز وشرب الماء "، أي: أكل الرجل الخبز وشرب ~~الرجل الماء. # وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: " وآتى "، والتقدير: على حب ~~الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء. # وقيل: / الهاء تعود على المؤمن، وتنصب " ذوي القربى " في هذا الوجه ~~بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب " ذوي " في الوجوه المتقدمة ب ~~" آتى ". PageV01P558 # وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حب / الله "، وتنصب ذوي ب " ~~آتى ". # قال ابن مسعود: " هو أن يؤتيه وهو صحيح شحيح يأمل العيش ويخاف الفقر ". ~~ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام]. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في المال حق سوى الزكاة " وتلا ~~هذه الآية. # قوله تعالى: {ذوي القربى}: أي ذوي الأرحام. # وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: " جهد المقل على ذي ~~القرابة الكاشح ". PageV01P559 # وقوله: {وابن السبيل}. قال قتادة: " هو الضيف ". # وقيل: " هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد ". قاله مجاهد وقتادة. # وقيل للمسافر: " ابن السبيل "، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال ~~لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: ~~هو ابن الأيام والليالي. # وعلى هذا يتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: " لا يدخل الجنة ولد ~~زنا "، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، ms0184 كما قيل: ابن السبيل، ~~وابن ماء، وابن الأيام. # وقوله: {والسآئلين}. يعني به المعترضين الطالبين للصدقة. # وقوله: {وفي الرقاب}. PageV01P560 # يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية. # وقوله: {وأقام الصلاة}. أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها. # قوله: {وآتى الزكاة}. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه. # وقوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا}. # رفعت {والموفون} على العطف على " من " في قوله: {ولكن البر من آمن}، أي: ~~" ولكن البار من آمن " على قراءة من خفف أو شدد. # وبعده: {والصابرين} هو نصب على المدح. # وقيل: {والموفون} رفع على إضمار مبتدأ " وهم الموفون "، تجعله مدحا ~~للمضمرين داخلا في صلة " من ". # وتنصب " الصابرين " على العطف على {ذوي القربى} أو على " أعني ". وأجاز ~~الكسائي رفع {والموفون} / على العطف على " من " في قوله: {ولكن البر من ~~آمن} PageV01P561 # على ما تقدم. # وتنصب {والصابرين} على العطف على {ذوي القربى}. وهو خطأ لأنه يفرق بين ~~الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم / يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق ~~بين الصلة وهي: {والصابرين} والموصول وهو: " من "، ب " الموفون ": وليس ~~بداخل في الصلة. # إنما هو معطوف على الموصول. # وقيل: إن " الموفون " عطف على المضمر في " آمن "، و " الصابرين " عطف على ~~" ذوي القربى " أو على " أعني " على المدح. # وقيل: إن " الصابرين " عطف على " السائلين "، ومعنى الكلام: والذين لا ~~ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به. PageV01P562 # وقوله: {والصابرين في البأسآء والضرآء}. # أصل الصبر الحبس عن الشيء. # فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي ~~الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود. # وعنه: " أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض ". وعنه: " البأساء: الحاجة ~~". وقال قتادة: " كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم " / ~~وهو قول الربيع. # وقال قتادة أيضا: " البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد ". # قال الضحاك: " البأساء: الفقر، والضراء: المرض ". # وقوله: {وحين البأس}. PageV01P563 # قال ابن مسعود: " وحين القتال ". # والضراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضراء بالفتح ضد النفع. و ~~" البأساء " و " الضراء " جاءا على " فعلاء " وليس لهما " أفعل ms0185 " لأنه اسم ~~وليس بصفة، كما جاء " أفعل " في الكلام وليس له " فعلاء " نحو " أحمد ". ~~وقد قالوا في الصفة: " أفعل "، ولم يأت منه " فعلاء "؛ قالوا: " أنت من ذلك ~~أوجل "، ولم يقولوا: " وجلاء ". # وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس ~~والضر، يقعان " لمؤنث ولمذكر ". # ثم قال: {أولئك الذين صدقوا}. # أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا من ولى وجهه قبل ~~المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويكذب رسله. PageV01P564 # ثم قال: {وأولئك هم المتقون}. أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا ~~معاصيه، ولم يتعدوا حدوده. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى}. إلى قوله: ~~{لعلكم تتقون}. # معناه: فرض عليكم القصاص في قتلاكم. # ف " كتب " بمعنى " فرض "، ومنه قوله: {فلما كتب عليهم القتال} [النساء: ~~77] أي: فرضته. # وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ. # ويكون " كتب " بمعنى " قضى ". من قوله: {قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله ~~لنا} [التوبة: 51]. / أي: قضى علينا. # ويكون " كتب " بمعنى جعل كقوله: {كتب في قلوبهم الإيمان} [المجادلة: 22]. # وكقوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران: 53]. و {فسأكتبها للذين يتقون} ~~[الأعراف: 156]. # ويكون " كتب " بمعنى " أمر " كقوله: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم} [المائدة: 21]. # والمعنى: فرض عليكم أن تقتصوا ممن قتل أولياءكم إن شئتم ذلك، وليس PageV01P565 # القصاص بفرض عليهم، إنما هو مباح لهم، وإن شاء الولي عفا وإن شاء أخذ ~~الدية. # قال ابن عباس: " كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، ثم بين ~~تعالى كيف القصاص، فقال: {الحر / بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}، ~~أي: يقتل هذا بهذا. # ولا يقتل حر في عبد عند مالك والشافعي. # وهذه الآية عند ابن عباس / منسوخة بقوله: {وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس ~~بالنفس} [المادة: 45]، لأن آية البقرة توجب ألا تقتل امرأة قتلت رجلا، ولا ~~رجل قتل امرأة، ولا عبد قتل حرا، وآية المائدة توجب قتل النفس بالنفس، ~~فيلزم منها يقتل الحر بالعبد. لكن فيها تخصيص. # قال ابن عباس: " كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فأنزل الله {النفس ms0186 ~~بالنفس} فجعل الله الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد، - رجالهم ~~ونساءهم - في النفس وفيما دون النفس ". PageV01P566 # وتأول أبو عبيد على ابن عباس أن مذهبه: أن آية المائدة ليست بناسخة لآية ~~البقرة، وكأن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، فبينت آية المائدة أن أنفس ~~الأحرار متساوية فيما بينهم دون العبيد ذكورا كانوا أو إناثا، وأن أنفس ~~المماليك متساوية أيضا فيما بينهم وأنه لا قصاص للمماليك على الأحرار، ~~فالآيتان محكمتان عنده إحداهما مبينة للأخرى مفسرة لها. # وقال الشعبي: " نزلت آية البقرة في قوم اقتتلوا فقتل بينهم خلق كثير، ~~فقالت الغالبة العزيزة من القبيلتين المتقاتلتين: " لا نقتل بالعبد منا إلا ~~الحر منهم ولا بالأنثى منا إلا الذكر منهم " فأنزل الله: {الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}. وقال السدي: " نزلت في فريقين وقعت بينهما ~~قتلى، فأمر النبي [عليه السلام] أن يقاص بينهما، ديات النساء بديات النساء، ~~والرجال بالرجال ". # فالآية على هذا محكمة مخصوصة. # / وقال الحسن: " الآية على التراجع: إذا قتل رجل امرأة، كان أولياء ~~المرأة PageV01P567 # بالخيار، إن شاؤا قتلوا الرجل وأدوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا نصف ~~الدية. # وإذا قتلت امرأة رجلا؛ فإن شاء أولياء الرجل قتلوا المرأة وأخذوا نصف ~~الدية، وإن شاؤا أخذوا الدية كاملة. وإذا قتل حر عبدا؛ فإن شاء مولى العبد ~~أن يقتل الرجل ويؤدي بقية الدية بعد قيمة العبد. # وإذا قتل عبد رجلا حرا، فإن شاء أولياء الرجل قتلوا العبد، ويأخذون بقية ~~الدية ". # وقال مالك: " أحسن ما سمعت في هذه الآية يراد بها الجنس: الذكر والأنثى PageV01P568 # فيه سواء "، يعني الأحرار وأعاد ذكر الأنثى إنكارا لما كان في الجاهلية. # ولا يقتل الحر بالعبد عنده، ولكن عليه قيمته. # ولا يقتل المسلم بالذمي، وعليه الدية في العمد والخطأ. وبذلك قال عمر بن ~~عبد العزيز والحسن وعطاء وعكرمة وابن دينار والشافعي. ودليل ذلك إجماعهم ~~أنه لا يقتص للعبد من الحر / فيما دون النفس، فكانت النفس كذلك. # / فأما قوله: {النفس بالنفس} فإنما هو إخبار عما فرضه الله على بني ~~إسرائيل. وقد أجمع على القصاص ms0187 بين الأحرار، فدخل في ذلك قتل الأنثى بالذكر، ~~والذكر بالأنثى من الأحرار. # وقد قال ابن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي: " يقتل ~~الحر بالعبد بدليل قوله: {أن النفس بالنفس} [المائدة: 45]، ولقول النبي ~~[عليه السلام]: " المؤمنون تتكافأ دماءهم وليسعى بذمتهم أدناهم "، والعبد ~~المؤمن كالحر، وقالوا: لما لم يكن قوله: (الأنثى بالأنثى) بمانع من قتل ~~الأنثى بالذكر والذكر PageV01P569 # بالأنثى، كذلك لا يمنع قوله: (العبد بالعبد) من قتل الحر بالعبد. وهذا ~~باب واسع يستقصى إن شاء الله في كتاب الأحكام. # ثم قال تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء}. # أي فمن ترك له ولي المقتول من الدية شيئا. # {فاتباع بالمعروف} أي فليتبع العافي القاتل بالمعروف. # وقوله: {وأدآء إليه بإحسان}. # أي: وليؤد القاتل إلى الولي ما قبله من الدية بإحسان. وهذا قول مروي عن ~~ابن عباس. # [فالهاء في " له " تعود على هذا القول] للقاتل. # والهاء في " أخيه " للقاتل أيضا. # والهاء في " إليه " لولي المقتول العافي. # و" من " اسم القاتل، و " الأخ " ولي الدم. # / قال ابن عباس: " كان القصاص في بني إسرائيل، ولم تكن الدية، فأباح الله PageV01P570 # لهذه الأمة أخذ الدية تخفيفا ". # وقيل: المعنى: " فمن قبل منه ولي المقتول في العمد الدية فليتبع الولي ~~أخذ الدية بمعروف، وليؤد القاتل إلى الولي الدية بإحسان إذا قبلها منه في ~~العمد، ولم يطالبه بالقصاص ". # وهو أيضا مروي عن ابن عباس، وعن جابر بن زيد، وهو أبين في نص الآية، ~~والهاءات على حالها. # قال مجاهد: " هو أن يعفو الولي عن الدم ويأخذ الدية ". وهو القول الذي ~~قبله. # وقال الحسن: " على هذا الطالب أن يطلب بمعروف، وعلى المطلوب أن يؤدي ~~بإحسان ". وهو قول الشعبي وقتادة وعطاء وغيرهم، وقالوا كلهم: " العفو أن ~~يأخذ الدية في العمد ". PageV01P571 # / وقيل: المعنى: فمن عفي له من الواجب له على أخيه من قصاص وليه شيء، ~~فاتباع من الولي بمعروف وأداء من القاتل إلى الولي بإحسان. وهو قول مالك. # فالهاء في " له " على هذا القول تعود على ولي المقتول، والهاء في " أخيه ~~" للولي. و " من " اسم ms0188 ولي الدم، و " الأخ " اسم القاتل. # وفي هذه الآية نظر يطول تقصيه. وجملة الاختلاف فيها أن المعفو له عند ~~مالك وغيره ولي الدم، والعافي القاتل، وعفى عنده بمعنى يسر، والمعفو له ~~[عند غير مالك القاتل، والعافي ولي] الدم. وعفا بمعنى ترك. # هذا اختصار معنى الاختلاف في الآية فافهمه. # و" الأخ " عند مالك القاتل، وهو عند غيره ولي الدم. # و" من " على قول مالك اسم ولي الدم. وعند غيره اسم القاتل. PageV01P572 # قال أبو محمد: انظر كيف سمى القاتل عمدا أخا الولي، ولم يخرجه بالقتل عن ~~أخوة الإسلام. # ثم قال تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة}. # أي: ذلك الذي حكمنا به في هذه الآية من إباحتي الدية في العمد ولم أبح ~~ذلك لغيركم من الأمم تخفيف من ربكم عليكم، خصصتكم به دون غيركم من الأمم، ~~ورحمة من ربكم لكم. # وذكر ابن بكير أن العافي هو القاتل، وأن أولياء المقتول مخيرون في قبول ~~الدية أو القتل. قال: " ألا تراه قال: {ولكم في القصاص حياوة}. # وقيل: إن هذه الآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من القصاص بغير دية. # ثم قال تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}. # أي: من قتل بعد أخذ الدية فله / عذاب مؤلم في الآخرة، وحكمه أن يقتل PageV01P573 # ولا تقبل منه الدية. # وقيل: العذاب الأليم هنا القتل. # / وقيل: هو شيء إلى السلطان يعاقبه بما شاء. # وقال الحسن: " تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يقتل ". # وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " نقسم ألا يعفى عن رجل عفا عن ~~الدم، وأخذ الدية، ثم عدا فقتل ". # وقيل: أمره إلى الإمام يفعل به ما رأى. # ثم قال: {ولكم في القصاص حياوة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}. # أي إذا علم من يريد أن يقتل أنه يقاصص فيقتل، أمسك عن القتل فصارت معرفته ~~بالقصاص فيها حياته، وحياة من أراد قتله. # وقوله: {لعلكم تتقون}. أي: تتقون القتل فلا تتعدون إليه لعلمكم بالقصاص. # قوله {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} إلى قوله: {إن الله غفور رحيم}. ms0189 PageV01P574 # معناه: فرض/ علكيم الوصية إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا - أي: مالا -/ ~~للوالدين والأقربين، كان الله عز وجل قد فرض علينا أن نوصي عند الموت ~~للوالدين والأقربين، ثم نسخ ذلك بآيات الميراث في النساء. # وقيل: هي محكمة واجبة لمن لا يرث من الوالدين والأقربين. وهو اختيار ~~الطبري. # وروي عن الضحاك أنه قال: " من مات ولم [يوص لذي] قرابته فقد ختم عمله ~~بمعصية ". # وقال الحسن: " إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث وباقي ~~الثلث لقرابته ". وقاله طاوس. PageV01P575 # وكونها منسوخة قول ابن عباس وقتادة. # وعن قتادة والحسن أنه " إنما نسخ منها الوالدان، وبقي الأقربون الذين لا ~~يرثون بالوصية لهم فرض ". # وقال ابن زيد: " نسخ الله ذلك كله، وفرض الفرائض ". وهو قول ابن عمر ~~وعكرمة ومجاهد والسدي. # واختلفوا في نسخها فقال أكثرهم: " نسختها آيات النساء في المواريث. # وقال بعضهم: " نسخها قول النبي [عليه السلام]: " لا وصية لوارث ". # وجواب الشرط عند الأخفش فاء محذوفة، والتقدير: " فالوصية ". فعلى هذا PageV01P576 # يبتدأ بها لأنها مرفوعة بالابتداء. ويجوز أن تجعل {الوصية للوالدين ~~والأقربين} جواب الشرط، وتقدر به التقديم لأن الشرط إذا كان فعلا ماضيا جاز ~~تقدم الجواب عليه، فيكون التقدير: " الوصية للوالدين والأقربين إن ترك ~~خيرا، فيحسن رفع الوصية / أيضا بالابتداء، ويحسن رفعها على ما لم يسم ~~فاعله. # وكلهم على أن {خيرا} في الآية: المال. # قال قتادة: " الخير: ألف دينار فما فوقه ". # وروى هشام بن عروة عن عروة، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل على ابن ~~عم له يعوده فقال: إني أريد أن أوصي، فقال: لا توص، فإنك لم تترك خيرا ~~فتوصي. قال: فكان ما ترك من السبعمائة إلى التسعمائة ". PageV01P577 # وقالت عائشة رضي الله عنها لرجل معه أربع مائة دينار وله ولد كثير: " لا ~~توص ". # وقال النخعي: " هو ما بين الخمسمائة درهم إلى الألف ". # وقال الزهري: " الوصية حق مما قل أو كثر ". وهو اختيار الطبري. # ويروى عن علي أنه قال: " أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ". # ومعنى {بالمعروف}: أي لا يضار ms0190 الورثة مما يوصي فيما يوصي، فيوصي بأكثر من ~~الثلث. # وقوله: {حقا على المتقين}: أي: على من اتقى الله فاتبع ما أمره. # ثم قال تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه}. # أي: فمن بدل الإيصاء ولمن أوصى به بعدما سمعه من الميت فإنما إثمه / على ~~[من بدله]. # {إن الله سميع عليم}. PageV01P578 # أي: يسمع ما يوصي به الموصي / ولمن يوصي وغير ذلك. # عليم بما تعملون وما تبدلون وغير ذلك. # " والهاء " في " بدله " تعود على الإيصاء والموصى له، وإن لم يجر له ذكر. ~~لكن الكلام الأول يدل عليه ويتضمنه لأن الوصية تدل على الإيصاء والإيصاء ~~يتضمن موصيا وموصى له. # والوصية عند أكثر أهل العلم غير واجبة، إنما هي مندوب إليها إلا الزهري ~~فإنه قال: " هي واجبة على من ترك خيرا ". وكلهم أجمعوا على أن من قبله ~~أمانات وودائع وديون ونحو ذلك الوصية فرض. # ثم قال تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم}. # أي: فمن حضر مريضا يوصي بوصية لا تجوز له في الدين، فلا حرج عليه أن يصلح ~~بينه وبين ورثته ويأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن منعه مما أذن الله له ~~فيه PageV01P579 # وأباحه له. # وقيل: المعنى: فمن خاف جنفا من الموصي فأصلح بين الورثة والموصى لهم فرد ~~الوصية إلى العدل والحق فلا حرج عليه. # قال ابن عباس: " إذا أخطأ الميت في وصيته وخاف فيها فليس على الأولياء ~~حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب ". وهو معنى قول قتادة والنخعي. # وقال عطاء: " معناها: من خاف من موص جنفا في عطيته عند موته بعض ورثته / ~~دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين الورثة ". # وقيل: معناه: من خاف من موص جنفا في وصيته لمن لا يرثه بما يرجع نفعه على ~~من يرثه فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه. # وهو معنى قول طاوس، قال: " جنفه توليجه بوصيته لبني ابنه ليكون PageV01P580 # المال إلى أبيهم، وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها، فيصلح ~~بينهم الوصي والأمير، ويوعظ هو في حياته ". # وقال السدي: " نزلت هذه الآية في ms0191 الوالدين والأقربين ". # فمعناها: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جنفا على بعضهم لبعض فأصلح بين ~~الآباء والأقربين، فلا إثم عليه. # واختيار الطبري أن يكون معناها: من خاف من موص جنفا أن يحيف في وصيته / ~~فيوصي بأكثر مما يجب له في وصيته، فلا حرج على الذي حضر أن يصلح بين الموصي ~~والورثة بأن يأمر الميت / بالمعروف والحق. # والضمير في " بينهم " يعود على الورثة والموصى لهم. أو على الورثة ~~والموصى على الاختلاف المتقدم. PageV01P581 # وجاز إضمارهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن معناهم في الخطاب وفحوى الكلام ~~مفهوم، لأن الميت وذكره يدل على الورثة، والوصية تدل على الموصى له والموصى ~~والموصي إليه. # قال ابن عباس: " جنفا: خطأ ". وقال عطاء: " ميلا ". # وقال الضحاك: " الجنف: الخطأ، والإثم: العمد " وهو قول النخعي. # ثم قال: {إن الله غفور رحيم}. # أي: " غفور " للموصي فيما حدث به نفسه من الجنف والخطأ والإثم العمد إذا ~~ترك ذلك ورجع إلى الحق، " رحيم " بالمصلح. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم} إلى قوله: {إن كنتم تعلمون}. # أي: فرض عليكم أن تصوموا أياما معدودات كما كتب على الذين من قبلكم ~~الصيام، يعني / النصارى. PageV01P582 # وقال الشعبي: " فرض على النصارى شهر رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى ~~الفصل، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ فعدوا ثلاثين يوما، ثم أتى قوم من ~~بعدهم، فأخذوا بالشقة لأنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما. ثم ~~لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله ويزيد يوما أولا ويوما آخر. حتى ~~صار إلى الخمسين يوما، وقال: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، ~~فيقال من شعبان، ويقال من رمضان ". # وقال السدي: " {الذين من قبلكم} هم النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم ~~ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء في شهر رمضان، فاشتد ~~عليهم شهر رمضان وجعل يصعب / عليهم في الصيف. فلما رأوا ذلك اجتمعوا على ~~صيام في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: " نزيد عشرين يوما. نكفر بها ما ~~صنعنا ". فجعلوا ms0192 صيامهم خمسين يوما، فلم يزل PageV01P583 # المسلمون يتركون الأكل بعد النوم وقرب النساء في ليل رمضان حتى كان من ~~أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ما كان، فأحل الله عز ~~وجل لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر ". # وقال قتادة: " كان قد كتب الله عز وجل على الناس صوم ثلاثة أيام من كل ~~شهر ثم فرض شهر رمضان ". # وقال جابر بن سمرة: " نسخ صوم رمضان صوم يوم عاشوراء، لأن النبي [عليه ~~السلام] كان أمر بصومه قبل أن يفرض رمضان. فمن شاء الآن صامه ومن شاء ~~أفطره. ". # وروى [أبو] قتادة أن النبي [عليه السلام] قال: " صوم يوم عاشوراء يكفر ~~سنة PageV01P584 # مستقبلة ". # قالت عائشة رضي الله عنها: " كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في ~~الجاهلية. وكان رسول الله يصومه. . فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه ~~فنزل صوم رمضان /، فكان رمضان هو الفريضة فمن شاء صام عاشوراء، ومن شاء ترك ~~". # وقال تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم} قال: " كان كتب عليهم صيام ~~ثلاثة أيام من كل شهر ". # والآية ناسخة لصيام ثلاثة أيام من كل شهر على هذا القول. # وقال أبو العالية والسدي: " هذه الآية منسوخة لأن الله تعالى كتب على من ~~كان قبلنا إذا نام بعد المغرب لم يأكل ولم يقرب النساء، ثم كتب علينا ذلك ~~في هذه الآية " فقال: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} ثم ~~نسخه بقوله: # {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم} [البقرة: 187] الآية ". PageV01P585 # وذكر الحسن عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " كان على النصارى صوم شهر، ~~فمرض رجل منهم فقال لئن الله شفاه ليزيدن عشرا، ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع ~~فاه، فقال: لئن الله شفاه ليزيدن سبعا، ثم كان ملك آخر فقال: " لتتمن هذه ~~السبعة عشرا، ولأجعلن صومنا في الربيع "، قال: فصار خمسين يوما " يعني: ب " ~~الرجال ": ملوكا سنوا سننا وزادوا وبدلوا الأوقات. # واختار الطبري قول من قال: " فرض على من كان قبلنا من أهل الكتاب صوم شهر ~~رمضان ms0193 ففرضه علينا ". وقال: {كما كتب على الذين من قبلكم}. واستدل على ذلك ~~أن من بعد إبراهيم - عليه السلام - من الأنبياء / كانوا مأمورين بالاتباع ~~له؛ وذلك أن الله تعالى جعله [إماما للناس] وأخبرنا أن دينه كان [الحنيفة ~~المسلمة]، وأمر نبينا عليه السلام باتباعه فدل على أن إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم ومن كان بعده من الأنبياء صلوات الله عليهم فرض / عليهم صوم شهر ~~/ رمضان كما فرضه / الله تعالى علينا الآن، فوقع التشبيه على الوقت. PageV01P586 # وقيل: إنما فرض الله علينا شهرا، كما فرضه على من كان قبلنا شهرا، وفرض ~~علينا ترك الأكل والوطء بعد النوم، ثم أباحه لنا إلى الفجر. # وقوله: {لعلكم تتقون}. # أي تتقون أكل الطعام وشرب الشراب، وجماع النساء فيه. وهو معنى قول السدي ~~وغيره. # وقيل: معناه: إن الصيام وصلة إلى التقى. فكأنه " صوموا ليقوى رجاؤكم في ~~التقوى ". # ثم قال تعالى: {أياما معدودات}. # قال عطاء: " كان على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض الله على ~~المسلمين صوم شهر رمضان ". # فهذا القول يدل على أن أياما منصوبة ب " كتب "، وهو قول الفراء. قال ابن ~~عباس: " كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخه الله بصوم شهر PageV01P587 # رمضان ". وهو قول قتادة. # وقيل: [الأيام المعدودات] هي أيام رمضان بعينها. فيكون نصب: " أيام " ~~بالصيام على هذا القول، وهو قول الأخفش، فتكون ظرفا. ولا يكون نصبها على ~~المفعول لأنك تفرق بين الصلة والموصول بالنعت وهو الكاف. وحسن ذلك في الظرف ~~لأن الظرف تعمل فيها المعاني إلا أن تجعل الكاف مفعولا للصيام، فيحسن أن ~~تنصب " الأيام " على أنها مفعول بها. # والكاف من " كما يجوز أن تكون نعتا لمصدر محذوف أي: [كتبا كما]، ويجوز أن ~~يكون " صوما كما "، فلا يدخل في الصلة على القول الأول، ويدخل على القول ~~الثاني. # ويجوز أن تكون الكاف نصبا على الحال من الصيام، أي: مشبها لصيام من PageV01P588 # كان قبلكم. # ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتا للصيام. # ثم قال تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر ms0194 فعدة من أيام أخر}. أي: ~~فمن لم يقدر على الصوم لمرض به أو لسفر فليفطر، وعليه أن يصوم مثل ما أفطر ~~من أيام أخر. # فمن الفقهاء من يرى أن الصوم في رمضان في السفر أفضل، ومنهم من يرى ~~الإفطار. # وكان أنس بن مالك يرى الصوم في السفر في رمضان، فقيل له: أين هذه الآية: ~~{أو على سفر فعدة من أيام أخر}، فقال: " إنها نزلت يوم نزلت، ونحن نرتحل ~~جياعا، وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شباعا، وننزل على شبع ". PageV01P589 # و " أخر " لا تنصرف لأنها معدولة عن الألف واللام عند سيبويه، وذلك أن " ~~فعل " سبيله أن يأتي بالألف واللام نحو " الكبر " و " الفضل ". وقال ~~الكسائي: " هي معدولة عن " أخراء " كما تقول " حمراء " و " حمر " / فامتنعت ~~من الصرف لذلك ". # وقيل: منع من الصرف لأنه على وزن " جمع "، والعرب لا تقول " يوم أخرى "، ~~إنما تقول: " يوم أخر "، وإنما جاء " أيام أخر " لأن نعت " الأيام " مؤنث، ~~فلذلك نعت بأخرى. # وقيل: " أخر " جمع " أخرى "، كأنه قال " أيام أخرى "، ثم كثرت الأيام ~~فجمع " أخرى " على " أخر ". # ثم قال تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}. قال معاذ بن جبل: PageV01P590 # " قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام ~~من كل شهر، ثم إن الله فرض شهر رمضان وقال: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين}، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا. ثم إن الله عز وجل ~~أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام على الكبير إذا أفطر ولم ~~يستطع الصوم، فأنزل الله عز وجل: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه} الآية. / ~~وهو قول عكرمة / والحسن. # وقال علقمة: " نسخها: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ". # وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهذه الآية في رواية ابن وهب عن مالك محكمة. # قال ابن وهب: " قال لي مالك: " إنما ذلك في الرجل يمرض فيفطر ثم يبرأ فلا ~~يقضي ما أفطر حتى يدركه رمضان آخر من قابل، فعليه أن يبدأ برمضان الذي PageV01P591 # أدركه فيصومه، ثم يقضي الذي ms0195 كان أفطر من رمضان الأول، ويطعم عن كل يوم ~~مسكينا / مدا من حنطة. # ولو اتصل به المرض إلى أن دخل عليه رمضان آخر، فليس عليه إطعام إذ لم ~~يفرط ". # فالمعنى على هذا القول: وعلى الذين يطيقونه القضاء لما عليهم فلا يقضون ~~حتى يأتي رمضان آخر فدية طعام مساكين مع القضاء. يعني يطعم مدا لمسكين عن ~~كل يوم فرط في قضائه. # وقال ابن أبي ليلى: " دخلت على عطاء وهو يأكل في رمضان فقال: إني شيخ ~~كبير، وإن الصوم نزل فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا حتى نزلت ~~هذه الآية: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} الآية، قال: فوجب الصوم على كل أحد ~~إلا مريضا أو مسافرا أو شيخا كبيرا مثلي يفتدي ". وهو قول ابن شهاب. # [وقال ابن عباس]: " جعل الله في الصوم الأول فدية طعام مساكين، فمن شاء ~~[من مسافر أو مقيم أن يفطر ويطعم مسكينا] كان ذلك رخصة لهم، ثم أنزل الله ~~في PageV01P592 # الصوم الأخير: {فعدة من أيام أخر}، ولم تدخل فيها الفدية، وثبت الصوم ~~الآخر ". # وروى / ابن سيرين عن عبيدة أنه قال في قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين}، قال: " نسختها التي تليها: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} الآية ~~". # وقال الضحاك: " فرض الله الصوم من العتمة إلى مثلها من القابلة؛ [وإذا ~~صلى الرجل العتمة، حرم عليه] الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من القابلة. ~~ثم نزل الصوم الآخر بإحلال الطعام والشراب والجماع في الليل كله، وهو قوله: ~~{وكلوا واشربوا} الآية، وأحل الجماع بقوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسآئكم} الآية. وكان في الصوم الأول فدية، فمن شاء من مسافر أو مقيم أن ~~يطعم مسكينا PageV01P593 # عن كل يوم ويفطر فعل ذلك. ولم يذكر الله عز وجل في الصوم الآخر الفدية ~~لكن قال: {فعدة من أيام أخر} فنسخ هذا الصوم الآخر الفدية ". # وقال ابن جبير: " كانت الفدية للشيخ الكبير والعجوز إذا أفطر وهما يطيقان ~~الصوم ثم نسختها الآية التي بعدها قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، ~~فنسخت الإطعام ms0196 عن الكبيرين إذا كانا يطيقان الصوم وأوجب عليهما الصوم، وثبت ~~للشيخ والعجوز الفدية إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا ~~خافتا. وكذلك قال عكرمة والربيع. # وقال السدي: " الآية محكمة ومعناها: " وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم في ~~صحتهم إذا مرضوا أو كبروا أو عرض لهم مانع من المقدرة على الصوم كالحامل ~~والمرضع، الفدية إطعام مسكين لكل يوم، وإن تكلف الصيام على ضره فصام / فهو ~~خير له ". قال ابن عباس: " إذا خافت الحامل والمرضع [أفطرتا PageV01P594 # وأطعمتا] ولا تقضيان صوما ". # وقرأ ابن جبير وعطاء وعكرمة: " يطوقونه " بواو مشددة، أي: يكلفون صومه ~~ولا يقدرون. يعني الشيخ والعجوز والحامل. # وهي قراءة تروى عن عائشة. وكان إسماعيل القاضي يضعف هذه القراءة ويقول: ~~كيف [يقرأ: " يطوقونه " على معنى " يكلفونه "]، وهم لا يقدرون على صومه ~~وبعده: {وأن تصوموا خير لكم}، وكيف يقال لمن لا يقدر على الصوم: {وأن ~~تصوموا خير لكم}؟ هذا معنى كلامه. وقد قرأ مجاهد به، أعني بالتشديد للواو. ~~وروي أيضا عن عكرمة: {وعلى الذين يطيقونه} بالتشديد في الياء والطاء على ~~معنى: PageV01P595 # " يتطيقونه ". # وعن ابن عباس أنه قرأ: " يطيقونه " بضم الياء الأولى وتشديد الثانية. # قال ابن [الأنباري: في هاتين القراءتين] لحن، لأن الفعل من الواو مأخوذ ~~من الطوق، فلا معنى لقلب الواو ياء بغير علة / ولا أصل ". وروي أيضا عن ~~مجاهد: " يطوقونه " بفتح الياء وتشديد الطاء والواو بمعنى " يتكلفونه ". ~~يعني الشيخ الكبير والعجوز لا يقدران على ذلك، فتكون الآية على هاتين ~~القراءتين محكمة في الشيخ والعجوز والحامل ومن لا يقدر على الصوم لعذر يعرض ~~له، وتكون الآية الثانية لجميع الأصحاء، فهما محكمتان. # قال مالك: " إذا خافت الحامل على نفسها أفطرت ولا إطعام عليها لأنه مرض، PageV01P596 # وعليها القضاء إذا صحت وقويت ". # وروي عنه أنه قال: " تفطر وتطعم لكل يوم مدا بمد النبي عليه السلام. ~~وذكره عن ابن عمر. # وتفطر المرضع إذا خافت على ولدها ولم تجد من يرضعه لها وتطعم وتقضي. # فمالك يفرق بين الحامل والمرضع، فيلزم المرضع الإطعام ولا يلزمه الحامل، ~~لأنها مريضة. # وروي عن ms0197 ابن عباس وابن عمر أنهما يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما. وقيل: ~~بل يفطران ويقضيان، [ولا إطعام] عليهما، وهو قول الحسن وعطاء / والضحاك ~~والزهري وربيعة والأوزاعي وأهل العراق. وقيل: بل يفطران / ويطعمان PageV01P597 # ويقضيان. وهو قول مجاهد والشافعي وأحمد بن حنبل. # وأجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير والعجوز يفطران إذا لم يقدرا على ~~الصوم. ولا إطعام عليهما عند مالك. وهو قول ربيعة ومكحول وأبي ثور. # وقال ابن جبير وطاوس والأوزاعي والشافعي وأهل الرأي: " يطعم كل واحد ~~منهما عن كل يوم أفطره مسكينا واحدا ". # والهاء في " يطيقونه " تعود على الصيام. # وقال بعضهم: " تعود على الإطعام "، وليس بشيء. # ثم قال تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو خير له}. # أي: فمن زاد فأطعم عن كل يوم أكثر من مسكين فهو خير وأجر PageV01P598 # مدخر له. قاله ابن عباس وغيره. # وعن مجاهد أن معناه: " فمن أطعم المسكين أكثر من مد، فهو أجر مدخر له، ~~إنما عليه مد ". # وقال ابن شهاب: " معناه من صام مع الفدية فهو خير له في أخراه ". # ثم قال: {وأن تصوموا خير لكم} أي: والصيام خير لكم من أن تفطروا وتفتدوا. # قال السدي: " معناه: من تكلف الصيام فصام، فهو خير له من الفدية والإفطار ~~". # وقال من جعل الآية الأولى غير منسوخة: هذا للشيخ الكبير / والعجوز: ~~اعلموا أن التكلف في الصيام خير لهم من الإفطار والفدية ". # ثم قال: {إن كنتم تعلمون}. # أي: إن علمتم أنكم تقدرون / على الصوم، فالصوم خير لكم. # وقيل: معناه: إن كنتم تعلمون أيها المؤمنون خير الأمرين. # قوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} إلى قوله: {ولعلكم تشكرون}. PageV01P599 # أي: المفترض عليكم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا وذلك ~~ليلة أنزل الله جل ذكره القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ثم ~~نزل بعد ذلك نجوما على ما شاء الله. كذلك أتت الرواية عن النبي [عليه ~~السلام]. # قال ابن عباس: " أنزل الله القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من ~~شهر رمضان فجعل في بيت العزة ". # وروى واثلة ms0198 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نزلت صحف إبراهيم أول ~~ليلة من رمضان، ونزلت التوراة لست مضين من رمضان. [ونزل الإنجيل لثلاث عشرة ~~ليلة خلت منه. ونزل الزبور لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان. ونزل القرآن ~~لأربع PageV01P600 # وعشرين من رمضان]. وكان بين نزول أول القرآن وآخره عشرون سنة ". # وقيل: معناه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن بفرضه على الناس. فأما ~~إعرابه على هذا المعنى، فيكون فيه معدى إليه الفعل بحرف جر، لا ظرفا. وعلى ~~القول الأول، يكون فيه ظرفا للنزول. # وروى جابر بن عبد الله أن النبي [عليه السلام] قال: " أنزل الله أول ليلة ~~من رمضان صحف [إبراهيم، وأنزل التوراة على موسى] لست خلون من رمضان، وأنزل ~~الزبور على داود لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى ~~لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين PageV01P601 # [ليلة خلت من رمضان ". # / وأكثر الناس على أن القرآن أنزل] ليلة القدر من رمضان، والله أعلم أي ~~ليلة كانت، وذلك كله إلى سماء الدنيا، ثم نزل متفرقا على ما ذكرنا. # فأما إعراب {شهر رمضان}؛ فيجوز أن يكون " شهر " رفع بالابتداء، و (الذي ~~أنزل) الخبر. # ويجوز أن يكون التقدير: الأيام التي تصام شهر رمضان وشبهه. # وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب: " شهر. " بالنصب. ورويت عن عاصم ونصبه عند ~~البصريين على الإغراء، وعند الكوفيين بالصيام، وهو قبيح للتفرقة بين الصلة ~~والموصول. # وإنما سمي الشهر شهرا لشهرته ودخوله وخروجه، ومنه " شهر فلان سيفه " PageV01P602 # إذا أخرجه من غمده. # فمن قال: " شهر رمضان " قال في التثنية " شهرا رمضان " / وفي الجمع " ~~أشهر رمضان "، و " شهرات رمضان ". # ومن قال: " رمضان " بغير شهر قال في الجميع " رمضانات ". وحكى الكوفيون " ~~رماضين "، وحكوا " أرمضة "، وحكي " رماض ". ولم ينصرف لأن فيه ألفا ونونا ~~زائدتان، وهو معرفة. # قال قطرب: " سمي رمضان رمضان لأنهم كانوا يصومونه في الحر. # فهو مشتق من الرمضاء، والرمضاء الرمل الحامي من الشمس ". # وكره مجاهد أن يقال رمضان للشهر، ولا يقال إلا " شهر رمضان "، كما قال ~~الله. وقال: ms0199 " لعل رمضان اسم من أسماء الله ". / وقاله عطاء. / وقد أتت ~~الآثار عن النبي عليه السلام بذكر رمضان من غير لفظ شهر. PageV01P603 # روى مالك أن ابن عباس قال: " إن رسول الله ذكر رمضان، فقال: " لا تصوموا ~~حتى تروا الهلال ". # وقال أنس بن مالك: " سافرنا مع رسول الله [عليه السلام] في رمضان كثيرا ~~". # وإنما سمي القرآن قرآنا لأنه يجمع السور الكثيرة من قولهم: " قرات الماء ~~في الإناء "، أي جمعته وضممته. # وقيل: إنما سمي بذلك لأنهم يقولون: " قرأت المرأة "، و " قرأت " إذا حاضت ~~وإذا ولدت، فكأنها / تظهر شيئا كان مستورا. والقارئ إذا أظهر شيئا وبينه، ~~فهو من إظهار الشي وتبيينه. # وقوله: {هدى للناس}. أي رشاد للناس إلى طريق النجاة. # وقوله: {وبينات من الهدى والفرقان}. PageV01P604 # أي: والقرآن أيضا آيات واضحات من الرشاد، والفرق بين الحق والباطل. # ثم قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. # أي فمن شهد منكم الشهر في المصر وهو صحيح فليصمه. و " شهد " بمعنى " حضر ~~". ومن كان مريضا في المصر أو على سفر، فليفطر إن شاء، وعليه عدة من أيام ~~أخر. # وقيل: المعنى: فمن دخل عليه الشهر وهو مقيم في المصر لزمه الصوم [سافر ~~بعد ذلك أو أقام]. رواه الضحاك عن ابن عباس قال: " إذا شهدت أوله في المصر ~~فصم وإن سافرت ". # وكذلك قال السدي. ورواه أيضا قتادة عن علي رضي الله عنه، وقاله عبيدة. ~~وروي أيضا / عن عائشة رضي الله عنها. # وعلى القول الأول كل العلماء: إن للمسافر الإفطار، وإن أخذه أول الشهر في ~~المصر، ولا يجزي صيام إلا بتبييت قبل الفجر. # ومذهب [مالك أنه إذا بيت الصيام] في أول الشهر أجزأه عن أن يبيته في PageV01P605 # كل ليلة من بقية الشهر. # وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: " لا بد من تبييت الصوم في كل ليلة " وثبت ~~عن / حفصة أنها قالت: " لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر " وأسندته ~~إلى النبي [عليه السلام]. # ثم قال تعالى: {[ومن كان] مريضا}. # أي مريضا بمرض يشق عليه الصوم ويشتد عليه أفطر، وكذلك المسافر، لهما أن ms0200 ~~يفطرا ويقضيا جميعا، ولا إطعام عليهما. # ومن أكل أو شرب ناسيا في رمضان فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول ~~مالك وربيعة بن عبد الرحمن وأهل المدينة. # وعن علي وأبي هريرة وابن عمر أنه: " لا قضاء عليه ". PageV01P606 # و [به] قال عطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وابن أبي ذيب والشافعي ~~وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي. # ومن وطىء نهارا في رمضان ناسيا فعليه القضاء عند مالك ولا كفارة عليه، ~~وهو قول عطاء والليث بن سعد والأوزاعي. # وقال مجاهد والحسن والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: " لا ~~قضاء عليه ولا كفارة ". # وقال أحمد بن حنبل: " عليه القضاء والكفارة ". # وأجمعوا على أن من أكل ناسيا فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامدا أن عليه ~~القضاء ولا كفارة عليه. # ومن أكل أو شرب عامدا في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة كالمجامع ~~عامدا. PageV01P607 # وهو قول مالك والزهري، وبه قال الحسن وعطاء. وهو قول الثوري والأوزاعي ~~وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي. # وقال ابن المسيب: " عليه صوم شهر ". # وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: " عليه صوم اثني عشر يوما على عدة الشهور ~~". # وعن عطاء أنه " لا قضاء عليه، وعليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة، أو ~~بقرة، أو عشرون صاعا طعاما للمساكين ". # وعن النخعي أن " عليه ثلاثة آلاف يوم ". # وعن ابن عباس / أن " عليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو إطعام ثلاثين مسكينا ~~". # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " من أفطر يوما في رمضان متعمدا لم ~~يقضه أبدا طول الدهر ". وروي ذلك عن ابن مسعود. # وعن الزهري أيضا أنه قال: " إن كان فعل ذلك ابتداعا لدين غير الإسلام، ~~ضربت عنقه، وإن كان فعل ذلك فسقا جلد ". PageV01P608 # ومن استقاء فقاء، فعليه القضاء ولا كفارة عليه. # وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم، وابن عمر وعلقمة، وهو قول الزهري ~~ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. # وقال عطاء وأبو ثور: " عليه الكفارة مع القضاء ". فإن درعه القيء فقاء ~~فلا شيء عليه عند الجميع. # ثم قال: ms0201 {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. # أي يرخص الله عليكم إرادة التيسير، ولا يريد بكم العسر في دينكم. # ثم قال: {ولتكملوا العدة}: أي تكملوا عدة ما أفطرتم / فتقضوه في أيام ~~أخر. # ثم قال: {ولتكبروا الله على ما هداكم}. PageV01P609 # قال ابن عباس: " حق على المسلمين أن يكبروا إذا نظروا إلى هلال شوال ". # وقيل: هو التكبير في العيد عند الغدو إلى المصلى. قاله علي بن أبي طالب، ~~وزيد بن أسلم. # وكذلك كان النبي [عليه السلام] يفعل إذا خرج إلى المصلى. فهو سنة عند ~~الزهري وغيره. يقول الرجل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. # ثم قال: {ولعلكم تشكرون}. أي [تشكرون على تسهيله عليكم وهدايته] لكم. # قوله: {وإذا سألك عبادي عني} إلى قوله: {وأنتم تعلمون}. # قال الحسن: " هذه الآية نزلت في سائل سأل النبي [عليه السلام] فقال: أين ~~ربنا؟ فأنزل الله عز وجل: { وإذا سألك عبادي عني} الآية ". PageV01P610 # وروي أن / سائلا سأل [النبي عليه السلام] فقال: يا محمد: أقريب ربنا ~~فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله [جل ذكره]: {وإذا سألك عبادي عني}. ~~الآية. # وروي أن المشركين قالوا: كيف يكون الله قريبا وبيننا وبينه سبع سماوات ~~غلاظ، كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين كذلك؟ فأنزل الله سبحانه: ~~{وإذا سألك عبادي عني}. الآية. # وقال عطاء: " لما نزلت: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]، قالوا: ~~يا رسول الله، في أي ساعة؟ قال: فنزلت: {وإذا سألك عبادي عني}. الآية. # قال السدي: " ليس من عبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي ~~يدعو به رزقه في الدنيا، وإن لم يكن له رزقا في الدنيا، ادخر له إلى يوم ~~القيامة أو دفع [به عنه] مكروه. وكذلك قال ابن عباس. # وعن النبي عليه السلام: أنه قال: " ما أعطي أحد الدعاء فمنع الإجابة لأن ~~الله يقول: {ادعوني أستجب لكم} ". PageV01P611 # والمعنى عند الطبري: " فإني قريب في كل / وقت أجيب دعوة الداعي إذا دعان ~~". # وقال مجاهد: " لما نزلت: {ادعوني أستجب لكم}، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ~~{فأينما تولوا فثم ms0202 وجه الله} [البقرة: 115]. ". # وقال قتادة: " لما نزلت: {ادعوني أستجب لكم}، قال قوم: كيف ندعو يا رسول ~~الله؟ فنزلت: {وإذا سألك} " الآية. # وقوله: {أجيب دعوة الداع إذا دعان}. # فمعناه: إذا شئت كما قال: {فيكشف ما تدعون إليه إن شآء} [الأنعام: 41]. # وقوله: {فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي}. # أي فليستجيبوا إلى طاعتي، يقال: " استجبت له واستجبته " بمعنى أجبته. # وقال أبو عبيدة: " معناه: فليجيبوني ". PageV01P612 # وتحقيق اللفظ عند / أهل العلم: فليستدعوا الإجابة، / كما يقال: " استنصر ~~"، إذا استدعى النصر. # وعن أبي رجاء الخراساني أنه قال: " {فليستجيبوا لي} فليدعوني ". وقيل: هو ~~التلبية. # وقوله: {وليؤمنوا بي}: أي وليصدقوا بي إذا هم استجابوا لي بالطاعة أني ~~لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزال الكرامة عليها. # وقال أبو رجاء: {وليؤمنوا بي}: معناه: و " ليصدقوا بي " أني أستجيب لهم. # وقوله: {لعلهم يرشدون}. معناه: لعلهم يهتدون. و " لعل " من الله واجبة. # وقيل: معنى الإجابة هنا، هو الإجابة بالثواب على الأعمال [والطاعات]، ~~فمعنى الدعاء هنا مسألة العبد ربه، إتمام ما وعده إياه من الجزاء على ~~الطاعة. # وروي عن النبي [عليه السلام]. أنه قال: " " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ ~~{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60] ". PageV01P613 # وقيل: معناه: أجيب دعوة الداعي إن شئت. # وقال الحسن في قوله تعالى: {ادعوني أستجب لكم}: " اعملوا وأبشروا فإنه حق ~~على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ". # وقوله: {فإني قريب}. وقف عند يعقوب. وقال نصير: الوقف " دعان " و " ~~يرشدون ". # والفعل من " يرشدون ": رشد يرشد رشدا، ويقال: رشد يرشد رشدا، فيقال: ~~الرشد والرشد، كما يقال: البخل والبخل، والشغل والشغل، والسقم والسقم، ~~والعدم والعدم، والحزن والحزن، والسخط والسخط، والخبر والخبر، والعرب ~~والعرب، والعجم والعجم. # ثم قال: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم}. # أي أبيح لكم أيها المؤمنون أن تجامعوا نساءكم في ليالي الصيام قبل النوم ~~وبعد PageV01P614 # النوم ما لم / يطلع الفجر. وحد [الليل من مغيب الشمس] إلى طلوع الفجر ~~الثاني. وحد النهار من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس. # والرفث هنا ms0203 كناية عن الجماع. # قال ابن عباس: " الرفث الجماع ولكن الله كريم يكني ". وهو قول جميع ~~المفسرين. # وقال الزجاج: " الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من امرأته ". # والرفث في غير هذا الموضع الإفحاش في المنطق، ومنه قوله: {فلا رفث ولا ~~فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197]. # قوله: {فالآن باشروهن}. # المباشرة في هذا الموضع الجماع بدليل قوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم}، ~~يريد الولد PageV01P615 # بإجماع من المفسرين. # وقد تكون المباشرة في غير هذا الموضع غير الجماع، وذلك المماسة / ويدل ~~[أيضا على ذلك] أن الرفث عند جميع المفسرين كناية عن الجماع. # ثم قال تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}. # سمى كل واحد لباسا لصاحبه لتجردهما عند النوم وتضامهما واجتماعهما في ثوب ~~واحد، حتى يصير كل واحد منهما في التصاقه إلى الآخر بمنزلة الثوب الذي ~~يلبسه الإنسان. # وقال الربيع: " معناه: هن لحاف لكم، وأنتم لحاف لهن ". # وقد [سمي الفرش] لباسا والخاتم لباسا، وتقلد السيف لباسا. وهذا يدل على ~~تحريم استعمال الحرير في الوطئ لتحريم النبي [عليه السلام] لباس الحرير. # وقيل: إنما / جعل كل واحد منهما لصاحبه لباسا لأنه يسكن إليه، كما قال ~~تعالى: {جعل لكم / اليل لباسا} [الفرقان: 47]، أي سكنا تسكنون فيه، فكذلك ~~زوجة PageV01P616 # الرجل سكنه [يسكن إليها كما قال] {وجعل منها زوجها ليسكن إليها} ~~[الأعراف: 189]. فيكون كل واحد منهما لباسا لصاحبه لسكونه إليه. وهو معنى ~~قول مجاهد. # والعرب تقول لما يستر الشيء ويواريه عن أبصار الناظرين: " هو لباسه ~~وغشاؤه " فيكون قد قيل لكل [واحد] من الزوجين لباس للآخر لأنه يستر له فيما ~~يكون بينهم من الجماع عن أبصار الناظرين. # قال مجاهد وقتادة: " معناه: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن ". وقال ابن عباس ~~أيضا. # وقوله: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم}. # أي علم الله أيها المؤمنون أنكم كنتم تريدون أن تجامعوا النساء بعد النوم ~~وتأكلوا وتشربوا بعد النوم، وذلك محرم عليكم فتاب مما [أضمرتم من مواقعة] ~~الذنب / وعفا عنكم. وذلك أن الله قال: {كتب عليكم الصيام كما كتب ms0204 على الذين ~~من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] يعني أهل الكتاب. وكانوا لا يجامعون ~~في ليالي الصيام ولا يأكلون ولا يشربون بعد النوم، فصعب ذلك على المسلمين؛ ~~حتى إن عمر بن الخطاب PageV01P617 # رضي الله عنه جاء يريد امرأته فقالت له: قد كنت نمت. فظن أنها تعتل، فوقع ~~بها، وجاء رجل من الأنصار فأراد أن يطعم، فقالت له امرأته: نسخن لك شيئا. ~~فغلبته عينه فنام، فلما انتبه امتنع من الطعام لنومه فجعل يغشى عليه، فنزلت ~~هذه الآية ناسخة لذلك، فأبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام ما لم ~~يطلع الفجر. # وقال معاذ بن جبل: " كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، ~~فإذا ناموا لم يحل لهم شيء من / ذلك. فكان رجل من الأنصار يدعى أبا صرمة ~~يعمل في أرض له، فلما كان عند فطره نام فأصبح صائما قد جهد، فلما رآه النبي ~~[ صلى الله عليه وسلم] قال: ما لي أرى بك جهدا؟. فأخبره بما كان من أمره. ~~واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} ~~الآية. PageV01P618 # وقال ابن عباس في الآية: " كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، ~~حرم عليهم الطعام والنساء إلى مثلها من القابلة. ثم إن ناسا من المسلمين ~~أصابوا الطعام [والنساء] في رمضان بعد النوم، منهم عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم} الآية. # وقال كعب بن مالك: " كان الناس في رمضان إذا صام الرجل منهم فأمسى فنام، ~~/ حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد. وإن عمر بن الخطاب ~~رجع من عند النبي [عليه السلام] ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد ~~نامت فأرادها، فقالت: [إني قد نمت، فقال: ما] نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن ~~مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله ~~عز وجل: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} الآية. PageV01P619 # وعن ابن عباس أيضا أنه ms0205 قال: " كان الناس أول ما أسلموا يصوم أحدهم يومه، ~~حتى إذا أمسى طعم من الطعام، وجامع فيما بينه وبين العتمة، حتى إذا صليت ~~العتمة حرم ذلك عليهم إلى الليلة القابلة وإن عمر بن الخطاب بينما هو نائم ~~إذ سولت له نفسه فأتى أهله ليقضي حاجته، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه ~~كأشد ما رأيت من الملامة، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك مع نفسي هذه الخاطئة؛ فإنها زينت لي ~~فواقعت أهلي. # هل تجد لي من رخصة يا رسول الله؟ [قال: لم تكن حقيقا] بذلك يا عمر، فلما ~~بلغ بيته أرسل إليه [فأنبأه الله بعذره] في آية من القرآن، وأمره الله أن ~~يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة وهي قوله: {أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث} الآية ". # وبهذه المعاني فسرها مجاهد وعكرمة وقتادة. PageV01P620 # وقال قتادة: " [كان بدء الصيام أنهم] أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ~~وركعتين غدوة، وركعتين عشية، ثم افترض عليهم رمضان وخمس صلوات، وكان الأكل ~~والشرب والجماع [لهم مباحا] ما لم يرقدوا، فإذا رقدوا حرم ذلك عليهم / إلى ~~مثلها من القابلة. وكانت خيانة القوم أنهم يأكلون ويشربون ويغشون نساءهم ~~بعد النوم، ثم أباح الله عز وجل ذلك لهم إلى طلوع الفجر ". # وقال السدي: " كتب الله على النصارى صوم شهر رمضان، وكتب عليهم ألا ~~يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا النساء بعد النوم. وكتب على المؤمنين مثل ~~ذلك، فوقع قوم من المؤمنين في الأكل والشرب والجماع بعد النوم فشكوا ذلك ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنسخ الله عز وجل ذلك عنهم فقال: {أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث} الآية. # قال أبو العالية وعطاء: " هذه ناسخة لقوله: {كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون}. # وقوله: {فالآن باشروهن}. # أي جامعوهن في ليل / الصيام ما لم يطلع الفجر إذا شئتم. فباشروهن كناية ~~عن الجماع. PageV01P621 # وقوله: {وابتغوا ما كتب الله لكم}. هذا لفظه لفظ أمر، ومعناه التأديب ~~والندب. # قال ابن عباس ومجاهد ms0206 وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: {وابتغوا ما ~~كتب الله لكم}: هو الولد ". وقاله أنس بن مالك. وعن ابن عباس أيضا أن ~~معناه: " وابتغوا ما كتب الله لكم من ليلة القدر ". # وقال قتادة: " معناه: وابتغوا ما رخص الله لكم وأحل لكم، يعني الجماع ". # وقيل معناه: " ابتغوا الذي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح / لكم ~~وهو الوطء بعد النوم في ليالي الصيام. والولد هو [مما كتبه الله في اللوح] ~~المحفوظ أيضا. # وقوله: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}. PageV01P622 # أي بياض النهار من سواد الليل بطلوع الفجر. # وقال الحسن: " معناه: حتى يتبين لكم النهار من الليل ". # وقاله ابن عباس أيضا. وهو مروي عن النبي [عليه السلام]. # ويروى " أن عدي بن حاتم أخذ / خيطين أسود وأبيض فنظر فيهما عند الفجر ~~فرآهما سواء، فأتى النبي [عليه السلام] فقال له: يا رسول الله: فتلت خيطين ~~من أسود وأبيض فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى رأى نواجذه، ثم قال له: " ألم أقل لك من الفجر، إنما هو ~~ضوء النهار من ظلمة الليل ". # وقال سهل بن سعد. " نزلت هذه الآية: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود}، PageV01P623 # ولم ينزل {من الفجر}. قال: فكان رجال إذا أراد أحدهم الصوم ربط في رجله ~~الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له أحدهما من ~~الآخر، / فأنزل الله عز وجل بعد ذلك (من الفجر) فعلموا أنه إنما عني بذلك ~~من الليل والنهار ". # وفي الكلام حذف وتقديم وتأخير / والتقدير: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الفجر من الخيط الأسود من الليل ". # وفي هذا دليل بالنص على أن الصائم إذا أصبح جنبا لا يضر ذلك صيامه. لأن ~~له الوطء ما كان له الأكل والشرب، فإذا وطىء إلى الفجر أصبح جنبا ضرورة لا ~~شك فيه، وصيامه تام بهذا النص من القرآن والسنة. # والفجر فجران: فجر [أول وهو الضوء] الساطع في السماء، يقال له الصبح ~~الكاذب، ms0207 فلا يمنع ذلك أكلا ولا جماعا. والفجر الثاني هو المنتشر الذي يملأ ~~ببياضه وضوئه الطرق، فذلك يمنع الأكل والجماع، يسمى الفجر الصادق. PageV01P624 # والفجر الأول يذهب في السماء طولا كأنه ذنب السرحان مستدق صاعد في غير ~~اعتراض. # والثاني يضرب إلى حمرة، وينتشر ضوؤه على الجبال، يقال له: المستطير أو ~~المنتشر في الأفق وهو معترض. وكل شيء انتشر فقط استطار، ومنه قوله تعالى: ~~{يوما كان شره مستطيرا} [الإنسان: 7]: أي منتشرا فاشيا. # والفجر في اللغة مصدر، " فجر الماء، يفجر فجرا " إذا بعثه وأجراه فكأنه ~~اسم للمصدر، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: " فجر "، لانبعاث ~~ضوئه ونوره عليهم. والخيط في اللغة: اللون. # وقوله: {من الفجر} معناه الذي هو من الفجر، وليس هو جميع الفجر. وقال ~~التيمي: " هو ضوء الشمس من سواد الليل ". PageV01P625 # وحكي عن حذيفة أنه كان يتسحر بعد طلوع الفجر. # وحكى سالم مولى أبي حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يتسحر ~~بعد طلوع الفجر. وكذلك ذكره البراء عن ابن مسعود قال: " تسحرت أنا وابن ~~مسعود ثم خرجنا والناس في صلاة الصبح ". # وليس العمل عند جميع الفقهاء على شيء من هذه الأقوال. # وعن التيمي أنه قال: " الوتر بالليل والسحور بالنهار ". # وعنه: " السحور بالليل والوتر بالليل ". # وبهذا العمل عند فقهاء الأمصار. PageV01P626 # وقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}. # إلى النهاية وليس بحد وإذا كانت نهاية، انتهى العمل إلى ما بعدها، ولا ~~يدخل ما بعدها فيما قبلها، ولا صوم في شيء من الليل. والذي عليه / أهل ~~النظر أن " إلى " إذا كان الذي بعدها من صنف ما قبلها، دخل في حكم ما قبلها ~~كقوله: {إلى المرافق} [المائدة: 6] و {إلى الكعبين} [المائدة: 6]. ~~والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل. وإذا كان ما بعدها ليس من جنس ما ~~قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها نحو: {إلى الليل}. وقد بينا هذا / في ~~المائدة بأشرح من هذا. # وقوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}. # أي لا تجامعوا أو تلامسوا وأنتم معتكفون. فهذا يدل على جواز الاعتكاف. ~~وفيه ms0208 دليل عند قوم على أن الاعتكاف جائز في كل مسجد تقام فيه الصلاة وفي كل ~~وقت، مفطرا كان أو صائما، لأن الخطاب خرج مطلقا. # ولا يعتكف عند مالك وغيره إلا صائم، ولا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه ~~الجمعة. PageV01P627 # ثم قال: {تلك حدود / الله فلا تقربوها}. أي لا تقربوا ما نهاكم عنه من ~~حدوده. # ثم قال: {كذلك يبين الله ءاياته للناس لعلهم يتقون}. أي يبين لهم ما حرم ~~عليهم مما أحل لهم لعلهم يتقون حدوده ويخافون عذابه. # ثم قال: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}، أي: لا يأكل بعضكم مال بعض ~~بالباطل. # {وتدلوا بها} أي: وتخاصموا بالأموال إلى الحكام. # {لتأكلوا فريقا من أموال الناس} أي: من طائفة من أموالهم. # {بالإثم} أي: بالحرام. # {وأنتم تعلمون} أي: تعلمون أنكم ظالمون وأنه حرام عليكم. # قال ابن عباس: " هذا في الرجل يكون عليه مال، ولا بينة عليه فيجحد المال ~~ويخاصم صاحبه وهو يعلم أنه إثم ". # ويقال: من مشى مع خصمه وهو ظالم فهو آثم / حتى يرجع إلى الحق. وقال ~~عكرمة: " هو الرجل يشتري السلعة فيردها ويرد معه دراهم ". # يقال: أدلى فلان إلى فلان بمال: خاصم. كأنه جعله كالرسالة. PageV01P628 # ويقال: " أدلى فلان بحجته " إذا بينها كأنه يرسلها إرسالا. وأصله من ~~إرسال الرجل الدلو في حبل؛ يقال: " أدليت الدلو " إذا أرسلتها، و " دلوتها ~~" إذا رفعتها وأخرجتها. # قوله: {يسألونك / عن الأهلة}. # الهلال مشتق من استهلال الصبي إذا بكى، فقيل له: هلال لأن الناس حين ~~يرونه يرفعون أصواتهم بذكره. # ويقال: أهل الهلال واستهل. وسمي هلالا لليلتين. وقيل: إلى الليلة ~~السابعة. ومعنى الآية أنها سؤال من المشركين للنبي [ صلى الله عليه وسلم] ~~سألوه عن نقصان القمر وزيادته ما هو، فقيل له: قل يا محمد: {هي مواقيت ~~للناس والحج}. # معناه عند الطبري: يسألونك يا محمد عن الأهلة واختلافها وتغيرها في PageV01P629 # محاقها وسرارها وتمامها واستوائها واستسرارها، وما المعنى الذي خالف له ~~حالها حال الشمس التي لا تغير ولا تنتقل من حال إلى حال. # فقيل يا محمد: فعل الله ذلك تعالى لتعلم عدة ms0209 الآجال لمن استوجر وتصرم عدة ~~النساء ووقت الصوم والإفطار وحلول ديونكم وأشباه / هذا. # فهذا معنى قوله: {قل هي مواقيت للناس والحج}. # ومعنى: " والحج " أي وهي مواقيت للحج تعرفون بها وقت حجكم ونسككم ~~وإحرامكم وغير ذلك. فمن أجل هذا خالف الله بين القمر والشمس. وكان ذلك ~~لسؤال سائل سأل النبي [عليه السلام] عن الأهلة. قال ابن جريج: PageV01P630 # " سأل الناس: لم خلقت هذه الأهلة، فأجيبوا بذلك ". وكذلك / قال ابن عباس ~~وقتادة. # وقوله: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها}. # قال البراء: " كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ~~ظهورها. فجاء رجل من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه ~~الآية إنذارا لهم أن الدخول من ظهر البيت ليس من البر. فانتهوا عن ذلك ". # وقال إبراهيم النخعي: " هم ناس من أهل الحجاز كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا ~~من أبواب البيوت، فنهوا عن ذلك ". # وقال مجاهد: " كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثقب كوة في ظهر بيته ~~وجعل سلما، ولم يدخل إلا من الكوة فنهوا في الإسلام عن ذلك ". # وقال الزهري: " كان الناس من الأنصار إذا أحرموا لم يحل بينهم وبين ~~السماء PageV01P631 # شيء، يتحرجون. وكان الرجل تبدو له الحاجة بعد خروجه فيرجع ولا يدخل من ~~باب الحجرة من أجل سقيفة الباب أن تحول بينه وبين السماء، فيفتح في الجدار ~~من وراء الحجرة ثم يدخل من ذلك الفتح. وكان الحمس لا يفعلون ذلك، فدخل ~~النبي [عليه السلام من الباب وهو محرم، ودخل في إثره أنصاري]، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إني أحمس، فقال [الأنصاري: وأنا] أحمس أي على ~~دينك. فأنزل الله الآية ". # وقال السدي: " كان أولئك الذين يفعلون هذا يسمون الحمس ". # وقال قوم من أهل اللغة: كان قوم من قريش وجماعة من العرب إذا توجه الرجل ~~في حاجة فلم يقضها ولا تيسرت له، تطير بذلك ورجع، فلم يدخل من باب بيته، ~~فنهوا عن ذلك. # وقال جماعة من أهل التفسير: " الحمس هم قريش وبنو عامر بن صعصعة وثقيف، ms0210 ~~وكان أحدهم إذا [أحرم لم يسأل السمن] ولم يبع الوبر ولم يدخل من باب بيته. ~~وسموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا ". PageV01P632 # والحملة الشدة في الغضب وغيره. فأعلمهم الله أن ذلك ليس من البر، وأن ~~البر التقوى. # وذكر ابن الأنباري أن بعض الناس فسر البيوت بإتيان النساء في الأدبار ~~منعوا من ذلك، وقيل لهم: إئتوا البيوت من أبوابها، أي ائتوا المرأة من ~~الباب / المحل لكم الذي منه يكون الولد، ولا تأتوها من غير هذا الباب ~~فتجوروا وتعصوا. وهو قول شاذ. # وقال أبو عبيدة: " {وأتوا البيوت من أبوابها}: اطلبوا الخير من بابه ومن ~~أهله ولا تطلبوه من الجهال المشركين ". # وأكثر الناس على القول الأول. # وقوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}. # هذه أول آية نزلت في القتال أمروا أن يقاتلوا من/ يقاتلهم PageV01P633 # {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}. # أي لا تقاتلوا من لم يقاتلكم. وقد ن سخ الله ذلك في براءة بقوله: ~~{وقاتلوا المشركين كآفة} [التوبة: 36]، وبقوله: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] و {وقاتلوا المشركين كآفة}. قال ابن زيد. # وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز/ وغيرهم: " الآية محكمة غير منسوخة ". # وقوله: {ولا تعتدوا} أي: لا تقتلوا الشيخ/ الكبير والنساء والذرية، ولا ~~من ألقى إليكم السلام، فإن فعلتم اعتديتم. # ومعنى {الذين يقاتلونكم} على قولهم: أي الذين فيهم مقدرة على قتالكم ومن ~~عادتهم القتال. ولا تقاتلوا من ليس ذلك من شأنه كالرهبان [ومن أدى] / ~~الجزية، ولهذا نهى عن قتل الرهبان. PageV01P634 # وقد قال بعض الفقهاء: ولا تؤخذ من الرهبان الجية، وكذلك لا يحل قتل من ~~أدى الجزية. # قوله: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: في أي مكان تمكنتم بهم. ومعنى " ~~الثقافة بالأمر ": الحذق به والبصر. ومعنى " التثقيف ": التقويم. # ثم قال: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم}. # هذا خطاب للمهاجرين أمروا أن يخرجوا الكفار من مكة، وهو الموضع الذي ~~هاجروا - هم - منه، وأخرجوا. # {والفتنة أشد من القتل}. # أي الشرك الكفر. هذا قول قتادة؛ أي أن يقتل أحب إليه من أن يكفر. وأصل ~~الفتنة الاختبار والابتلاء. فمعناه ms0211 الاختبار الذي يؤذي إلى الكفر أشد من ~~القتل. PageV01P635 # قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} الآية. # وجه قراءة حمزة والكسائي: " ولا تقتلوهم " بغير ألف، من القتل حتى ~~[يقتلوكم مثله، فإن قتلوكم] مثله، أنهم أمروا ألا يقتلوا أحدا عند المسجد ~~الحرام حتى يقتل بعضهم فقال: [ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم] أي يقتلوا بعضكم. ~~والعرب تقول: " قد قتل بنو فلان " ولم يقتل إلا الأقل منهم. " ومات الناس " ~~ولم يمت إلا الأقل منهم. فأمام عنى قراءة الجماعة بالألف في الثلاثة من ~~القتال، فهو أمروا ألا يبدأوا بالقتال في المسجد الحرام حتى يبدأوهم، فإن ~~بدأوهم به، قاتلوهم وقتلوهم. # وقال قتادة: " أمروا ألا يقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى PageV01P636 # يبدأوهم/ ثم نسخ ذلك قوله: {وقاتلوهم} {حتى لا تكون فتنة} أي: لا يكون ~~شرك {ويكون الدين لله} أي يقال: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ". # وروي عن قتادة أيضا أنها منسوخة بقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين}، [التوبة: 5]. فأمروا بالقتال، {حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] عند ~~[انسلاخ الأشهر في الحل و] الحرم حتى يشهدوا [أن لا إلا الله وأن] محمدا ~~رسول الله ". # وقال مجاهد: " الآية غير منسوخة، ولا يحل لأحد أن يقاتل في الحرم أحدا ~~إلا أن يبدأه بذلك فيقاتله "، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~فتح مكة: " إن مكة حرام بحرمة الله لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي ". # وأكثر الناس على أنها منسوخة، وأن المشركين يقاتلون في كل موضع بقوله: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} - وبراءة نزلت بعد البقرة - وبقوله: PageV01P637 # {وقاتلوا المشركين كآفة} [التوبة: 36]، والحجة بما ثبت نصه وتلاوته أولى ~~من غيره. # قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}، أي: شرك. الدين العبادة والطاعة. # قوله: {فلا عدوان إلا على الظالمين} أي: لا يجازى إلا هم. # وسيمت مجازاتهم عدوانا لأنها جزاء للاعتداء، وهو مذهب العرب. ومنه: {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194]. # ومنه: {الله يستهزىء بهم} [البقرة: 15]، ومنه: {وجزآء سيئة سيئة مثلها} ~~[الشورى: 40]، ومنه: {سخر الله منهم} [التوبة: 79]. # ومعنى: {فلا عدوان}، أي لا ms0212 يقاتل إلا من قاتل. # قال الأخفش: " المعنى: فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الذي لم ينته، ~~وهو الظالم منهم ". PageV01P638 # قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام}. # هو ذو القعدة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صده المشركون عام ~~الحديبية في ذي القعدة وهو محرم بعمرة، وذلك ي سنة ست/ من هجرته، فرجع من ~~الحديبية ونحر - ثم - هديه وحلقوا وقصر واثم، وصالحهم في تلك السنة على أن ~~يعود من الام المقبل، وهو سنة سبع من هجرته. فخرج النبي معتمرا في العام ~~المقبل، وأخلى له المشركون مشكة، فأتم عمرته، وأقام ثلاثة أيام، فقال الله ~~له وللمسلمين: هذا الشهر الحرام الذي قضيتم فيه عمرتكم عوض عن ذلك الشهر ~~الذي صدكم فيه المشركون. # {والحرمات قصاص}: بعضها قصاص لبعض؛ شهر حرام بشهر حرام. # وإنما جمع في قوله: {والحرمات} وليس ثم الأشهر بدل من شهر لأنه أراد ~~الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الحرم، فصارت حرمات/ قضاء الوقوف بها/ ~~في عام سبع عوض من حرمات، صدوا عنها في عام ست. # وقال ابن عباس: " معناه: أن الله أطلق للمسلمين أن يقتصوا ممن اعتدى ~~عليهم ". # فتقديره: والحرمات منكم - إذا تعدي عليكم فيها - قصاص. # وكان الإنسان حراما ضربه وشتمه وجرحه وغير ذلك، فأبيح لهم القصاص. PageV01P639 # قال: ثم نسخ ذلك، وصير الحكم إلى السلطان، فليس لأحد أن يقتص دون أن يرفع ~~إلى السطان ". # قوله: {فمن اعتدى عليكم}. # قال ابن عباس: " أمروا/ في/ أول الإسلام أن ينتقموا ممن آذاهم مثل ما صنع ~~بهم، ثم نسخ ذلك، فرد الأمر إلى السلطان ". # وقال أكثر أهل التفسير: " الآية في القتال: أي: فمن قاتلكم في الشهر ~~الحرام فقاتلوه بدلالة ما قبله من الأمر بالقتال، والنهي عنه في المسجد ~~الحرام، وهو نظير قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}. والآية ~~منسوخة بالأمر بالقتال في الحرم وإن لم يبدأوا، بقوله: {فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم}، وبقوله: {وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة}. # وبهذه الآية ونظيرها أجاز الشافعي أن يأخذ الرجل من مال من خانه بقدر ما ~~خانه من غير ms0213 رأيه. وقاله أصحاب الرأي. ولم يجزه مالك. PageV01P640 # قوله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا}. # قال النبي [عليه السلام]: " من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ~~ضعف ". # و" إلى " متعلقة ب {تلقوا}. والباء متعلقة بالمصدر عند المبرد، وهي زائدة ~~عند الأخفش. # والتهلكة: الهلاك. حض الله المسلمين على النفقة في سبيله والجهاد لئلا ~~يقوى العدو، فتصير عاقبة أمرهم إلى الهلاك. # والتهلكة عند سفيان: ترك النفقة في سبيل الله عز وجل. # وقال ابن عباس: " التهلكة الإمساك عن النفقة في سبيل الله تعالى " وقال ~~ابن زيد وغيره: " معناه: لا تخرجوا إلى الغزو بغير نفقة، أمروا أن ينفقوا ~~في سبيل الله وأن لا يخرجوا بغير نفقة، فيهلكوا أنفسهم ". PageV01P641 # وقال زيد بن أسلم: " كان رجال يخرجون إلى البعوث بغير نفقة، فإما أن يقطع ~~بهم، وإما أن يكونوا عالة على الناس، فأمروا ألا يخرجوا على تلك الحال ". # وقال البراء بن عازب: " {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}: هو الرجل يصيب ~~الذنب فيلقي بيده إلى التهكلة، يقول: " لا توبة لي ". فأمروا ألا ييأسوا من ~~رحمة الله عزو جل ". # وقال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنوب، فيقول: " لا توبة لي "، فينهمك في ~~المعاصي، [فأمر/ ألا ييأس] من رحمة الله سبحانه ". وقال أبو أيوب الأنصاري: PageV01P642 # " فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا/ معشر الأنصار لما أعز الله دينه قلنا ~~سرا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها نصلحها ". فأنزل الله عز وجل يرد ~~علينا ما قد هممنا به من التخلف عن الجهاد ". # فمعناه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} أي: لا تتأخروا عما هو أنفع لكم ~~وهو الغزو. والعرب تقول: " ألقى فلان بيديه " إذا استسلم. # قوله: {وأحسنوا}. # قيل: معناه: أحسنوا الظن بالله عز وجل في المغفرة لمن تاب. هذا على قول ~~من قال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}. معناه في الذنوب، وألا ييأس من ~~رحمة الله عز وجل. # وقيل معناه: أحسنوا الإنفاق. # وقيل: معناه: أداء الفرائض. PageV01P643 # وقيل: معناه: أحسنوا الظن بالله تعالى أنه يضاعف الحسنات ويخلف النفقة. # قوله: {فما استيسر من ms0214 الهدي}. # " ما " ي موضع رفع، أي: فعليه ذلك. # وقيل: فوجب عليه ما استيسر. ولمعنى واحد. # وقيل: هي في موضع نصب تقديره: " فليهد ما استيسر من الهدي. # قال أبو عمرو: " الهدي جمع. واحده: هدية، كتمرة وتمر ". # وقيل: هو مصدر لا واحد له كرجال صوم. فهو يقع للواحد والجمع والتأنيث ~~كأنه مصدر " هدى إلى البيت هديا " وبنو تميم يثقلون ياء الهدي. PageV01P644 # وقال الفراء: " لا واحد له ". # قوله: {ففدية} أي فعلهي فدية. # ويجوز النصب على معنى: فليفد فدية، وفليأت فدية. # قوله: {فما استيسر من الهدي}. الثاني يجوز فيه ما جاز في الأول. # قوله: {ذلك لمن لم يكن} أي ذلك الفرض على من هذه حالته. # قوله: {وأتموا الحج والعمرة}. # أي: أتموا الحج إلى أقصى مناسكه، والعمرة إلى البيت، وفي قراءة عبد الله: ~~" وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله عز وجل ". # وقرأ الشعبي: " والعمرة لله " بالرفع/ وكأنه تأول أن النصب يوجب فرض ~~العمرة، وليس كذلك عند أكثر العلماء، وإنما معنى النصب هو الفرض بإتمام ما ~~قد دخل فيه الرجل. فالعمرة ليست بفرض، وإتمامها إذا دخل فيها الداخل فرض. # فالقراءة بالرفع تخرج وجوب إتمام العمرة عند الدخول فيها أن يكون فرضا ~~بالآية. PageV01P645 # ومعنى النصب: " أتموا الفرض والتطوع. والفرض قد بين بقوله: {ولله على ~~الناس حج البيت} [آل عمران: 97]. # قال ابن عباس: " من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما ". # وقال مجاهد: " إتمامهما ان يقضي مناسكهما ". # وقال علي بن أبي طالب: إتمامها أنتحرم من دويرة أهلك ". # ويرد هذا فعل النبي [عليه السلام] إذا لم يحرم إلا من الميقات. # وقال طاوس: " إتمامها أن تفرد/ ولا تقرن ". # وقال قتادة: " إتمام العمرة/ أن يحرم بها في غير أشهر الحج ". # وإتمام الحج: أن تأتي بمناسكه حتى لا يلزمك دم القران ولا متعة لأن PageV01P646 # من أحرم من غيرها بعمرة في أشهر الحج، ثم حج عامة فهو متمتع وعليه دم. # وقال سفيان: " إتمامها أن تخرج من بيتك لا تريد غيرهما، وتهل من الميقات. ~~ليس أن تخرج لتجارة أو لحاجة/ حتى ms0215 إذا صرت قريبا من مكة قلت: لو حججت أو ~~اعتمرت ". # وروي عن عثمان أنه قال: " إتمامها ترك الفسخ وأن تكون النفقة حلالا. ~~وليست/ العمرة بواجبة عند مالك وأبي حنيفة، وهي واجبة عند الشافعي. # وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " العمرة فرض كالحج ". # وهو قول ابن جبير وعلي بن الحسين. وروي ذلك عن ابن عباس وعن ابن عمر. # وروى جابر أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ ~~فقال: " لا، وأن تعتمر خير لك ". # وعنه أنه قال: " الحج جهاد، والعمرةو تطوع ". # وهو قول نافع، والقاسم بن محمد. # وقال ابن مسعود: " الحج فريضة، والعمرة تطوع ". PageV01P647 # وليس في هذا دليل على فرض الحج، ولا العمرة، إنما افترض في قوله: {ولله ~~على الناس حج البيت} [آل عمران: 97]. إنما في هذه الآية فرض إتمام ما دخل ~~فيه من حج أو عمرة. وهو داخل تحت قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود} {المائدة: 1]. فمن عقد عقدا من حج أو عمرة أو غير ذلك من الطاعات ~~فعليه إتمامه فرضا من الله بآية العقود. # فبان من هذا أن العمرة غير فرض إذ لم تأت بذلك آية، كما أتت في الحج. ~~ومعنى " اعتمر ": قصد، كأنه افتعلمن " عمر ". والحج القصد. # وقيل: اعتمر، معناه: زار. PageV01P648 # والإحصار عند مجاهد الحبس بمرض. وهو عند عطاء الحبس من كل شيء مرض أو خوف ~~أو غيره. # وقال ابن عباس: " هو منع العدو لا غير ". # وإنما أنزل الله الآية في إحصار العدو لرسول الله [عليه السلام] ومنعهم ~~إياه أن يتم عمرته حين رجع، و [أحل في موضعه وعاد] في العام المقابل. # وأكثر الناس على أن العلل العارضة المانعة من الحج غير داخلة في الإحصار، ~~وحكمها حكم من فاته الحج، وليس حكم من منعه العدو حكم من فاته الحج. # قوله: فما استيسر من الهدي}. # " هو شاة " قال ذلك علي وابن عباس. # وقال قتادة: " أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة ". PageV01P649 # وقال ابن عمر: " هو البقرة دون البقرة في السن، والبعير دون البعير ". ~~وهو قول ابن الزبير وعائشة. # فمعنى ms0216 ذلك أن حبسه شيء عن إتمام حجة أو عمرته، فعليه إذا أراد أن يحل ~~شاة/ أو بقرة أو بعير على مذكرنا من الاختلاف. # ومذهب مالك أن الشاة تجزي. ولا هدي عند مالك على من أحصر بعدو، ولا قضاء ~~لحجه ولا لعمرته إلا أن يكون ضرورة فعليه الحج. فإن كان الإحصار بمرض ونحوه ~~فلا يحله إلا البيت، وعليه الهدي، إذا فاته الحج ويفسخ حجه في عمرة، وعليه ~~حج قابل يكون معه الهدي الذي لزمه لفوات الحج. # قوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}. # أي من أراد أن يحل، فلا [يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي] محله لأن حلقه إحلال. PageV01P650 # وبلوغ الهدي محله هو نحره أو ذبحه في أي موضع كان، إذا أحصر بخوف أو عدو، ~~لأن النبي [عليه السلام] حل بالحديبية ونحر بها حين صد، وحلقوا رؤوسهم. # والحديبية ليست من الحرم. فالنحر مقدم على حلق الرأس بهذه الآية. # قوله: {فإن أحصرتم} أي بمرض أو نحوه، فمحله بعد الطواف بالبيت، والسعي ~~بين الصفا/ والمروة. وليس على من أحصر بعدو أو خوف قضاء ولا هدي، ويحل في ~~موضعه، [وينحر في مضعه من حل] أو حرم إذا فاته الحج بحصر العدو بخلاف حصر ~~المرض ونحوه الذي يلزم/ فيه القضاء ولا يحله إلا البيت، ويلزمه الهدي عند ~~قضاء ما فاته من حج أو عمرة؛ هذا مذهب مالك. إنما القضاء على من فاته الحج ~~من غير إحصار عدو بمرض أو فوات. فإن كان الذي أحصر لم PageV01P651 # يحج فعليه الحج لازم، وإن كان الذين أحصر بمرض لا يقدر على الوصول، ويخاف ~~على الهدي أن يعطب، أرسله ينحر بمكة، ويبقى هو على إحرامه حتى يطوف ويسعى ~~وإن أقام سنين. # قوله: {أو به أذى من رأسه}. أي شقيقة أو وجع أو كثرة قلم. # " وهذه الآية نزلت في كعب بن عجرة إذ شكا إلى النبي [عليه السلام] كثرة ~~قمله وذلك عام الحديبية، فأمره النبي [ صلى الله عليه وسلم] بحلقه، وأمره ~~بالهدي، فقال: لا أجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ms0217 " صم ثلاثة أيام أو ~~[أطعم ستة مساكين]. لكل مسكين نصف صاع "، ففي ذلك نزلت الآية ". # وقال الحسن: " عليه صوم عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين ". وقاله PageV01P652 # عكرمة قياسا على المتمتع. # قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}. # ومعنى التمتع عند الفقهاء المدنيين والكوفيين أن يعتمر الرجل الذي ليس من ~~أهل مكة، ويحل من عمرته في أشهر الحج ثم يجج من عامة ولم يرجع إلى أفقه، أو ~~أفق مثل أفقه/ بين الحج والعمرة. فمن حصل له ذلك فهومتمتع، وعليه شاة. ~~وقيل: بقرة، وقيل: / بدنة. # فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وهو معنى ~~قوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} أي هذا الحكم يجب على ~~الغرباء إذا حلوا من عمرتهم في أشهر الحج ثم حجوا من عامهم. يعني من ليس ~~بقاطن من الغرباء بمكة/ يلزمه ذلك، خاصة على ما فسرنا. # قال ابن عباس: " الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى عرفة ". PageV01P653 # وعن ابن عمر: " هن [يوم قبل] التروية، ويوم التروية ويوم عرفة ". وروي ~~ذلك عن علي. # وروي عن علي أنه قال: " أخرها انقضاء أيام منى ". # وقالت عائشة رضي الله عنها: " يصوم أيام منى ". # وقال مالك: " يصوم ثلاثة أيام قبل النحر، فإن لم يصم صام أيام التشريق و ~~[هي ثلاثة أيام] بعد يوم النحر، فإن لم يصبها صام بعد ذلك ". # ولا اختلاف بين الفقهاء أن يوم النحر ويوم الفطر لا يجوز صومهما لأحد. # وقال ابن عباس: " إذا فاته الصوم في العشر، فعليه دم ". وهو قول سعيدي بن ~~جبير. وهو قول أصحاب الرأي. PageV01P654 # وقال ابن عباس: " صيامه الثلاثة الأيم ما بين إحرامه إلى يوم عرفة وليس ~~له صوم، قبل إحرامه. # وقال مالك: " يصومهن إذا أهل متى ما أهل ". # وقال مجاهد وطاوس: " له صومهن في أشهر الحج متى صام، وإذا دخل في الصوم ~~ثم وجد هديا، وتمادى على الصوم أجزأ ". # واستحب مالك أن يهدي إذا وجد قبل أن يتم قبل الصوم، إن كان صام يوما أو ~~يومين. فإذا ms0218 صام أكثر من ذلك استحب أن يهدي. فإن لم يفعل فلا شيء عليه. # وروي عنه إيجاب الهدي إذا وجده، وقد صام يوما أو يومين، ويصوم السبعة متى ~~شاء؛ إن شاء أخرها حتى يعود إلى مصره، وإن شاء عجل صيامها. # وقوله: {تلك عشرة كاملة}. # إما قال تعالى: " عشرة " لجواز أن يظن أن عليه ثلاثة أو سبعة فبين إيجاب ~~العددين بقوله: {تلك عشرة كاملة}. PageV01P655 # وقال المبرد: " إنما قيل: {تلك عشرة} / لأنه يجوز أن يظن السامع أن ثم ~~شيئا آخر بعد السبعة، فأزال اللبس ". # فأما قوله: {كاملة}، فقال الحسن: " معناه: كاملة من الهدي ". أي قد كملت ~~في المعنى الذي جعلت بدلا منه. # وقيل: معناه الأمر، كأن معناه: " تلك عشرة فأكملوا صومها ولا تقصروا ~~فيها. # وقيل: معنى " كاملة " التوكيد، كما تقول: " سمعته بأذني، ورأيته بعيني "، ~~وكما قال: / {فخر عليهم السقف من فوقهم} [النحل: 26]. وقيل: معناه: تلك ~~عشرة وافية للهدي. # وقيل: إنه قد كان جائزا أن يقول: " وعليكم عشرة من قابل ونحوها " فلما ~~قال: {كاملة}، علم أنه لا فرض بعد ذلك، كما تقول في آخر الحساب: " فذلك كذا ~~وكذا " لتدل على أنه لم يبق شيء. # وقيل: لما كانت العشرة/ تتركب من عددين عين الثلاثة والسبعة، ولو صامها ~~أحد على غير [ثلاثة وسبعة] لم يكن يمكن بمكمل لما أراد الله عز وجل من ~~الترتيب، فقال: {كاملة}، أي إذا صامها أحدهم على هذا الترتيب كانت كاملة. ~~وإن لم يفعل، PageV01P656 # فليست بكاملة في الفرض، وهي كاملة في العدد. # ف " كاملة " ليس بتأكيد للعشرة، وإنما هو تأكيد للكيفية في صومها ~~وترتيبها. # وقيل: لما كانت الواو قد تقع بمعنى " أو "، فتكون مخيرة في صيام سبعة أو ~~ثلاثة. أتى ب {عشرة كاملة} ليبين أن الواو ليست بمعنى " أو "، وأن السبعة ~~والثلاثة يلزم صيامها، فبين ب " عشرة " ذلك، وأزال اللبس والاحتمال. # وهذا مبني على مذهب الكوفيين في إجازتهم لوقوع الواو بمعنى " أو "، وليس ~~هو مذهب البصريين، لا تقع عندهم الواو بمعنى " أو " لاختلاف معنيهما ~~وحكميهما. # قوله: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ms0219 المسجد الحرام}. # قيل: اللام بمعنى " على " أي ذلك الحكم على من لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام، كما قال: {لهم اللعنة} [الرعد: 25] أي [و] عليهم. ومنه قول النبي ~~[عليه السلام لعائشة]: " اشترطي لهم الولاء " أي عليهم. # وقيل: اللام على بابها، وأن المعنى: أن التمتع لم هو من غير أهل مكة PageV01P657 # ليس بقاطن بها، لأنهم تمتعوا بأحد السفرين إذا اعتمروا وحجوا في سفر واحد ~~وانتقال واحد في أشهر الحج. # وقيلأ: يراد بذلك أهل الحرم كلهم، لا متعة عليهم. # وقال مالك: " هم أهل مكة وأهل ذي طوى لا متعة عليهم، وليس أهل منى منهم، ~~بلا يكونون متمتعين كغيرهم من غير أهل مكة والحرم ". # وقيل: هم من منزله دون الميقات في حرم أو غيره. رواه ابن جريح عن عطاء. # وقال الزهري: " هو الذي بينه وبين مكة اليوم واليومان لا متعة عليه ". ~~وكان الطبري يقول: " هو الذي ليس بينه/ وبين مكة ما تقصر فيه الصلاة ". # وقيل: التمتع لبس الثياب وأخذ الطيب فيما بين العمرة والحج. وفعله، فعليه ~~ما استيسر من الهدي، وذلك إذا كانت عمرته في أشهر الحج، فتمتع؛ فلبس الثياب ~~وأخذ الطيب، ثم حج/ من عامة، فهو متمتع إذا كان من غير أهل مكة. وهو خلاف PageV01P658 # قول أهل المدينة. # قوله: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}. # فرق أبو عمرو بين الجدال والرفث والفسوق فجعل " لا " مع الجدال للتبرئة، ~~وفتح وجعلها مع الرفث والفسوق، بمعنى " ليس " / فرفع/ وذلك لأن الجدال أتى ~~على غير معنى ما قبله، لأن معنى الأول النفي الذي ليس بعام إذ قد يقع فيه ~~الرفث والفسوق من أهل الخطايا، فجعلت " لا " بمعنى " ليس ". # ومعنى الثاني أنه نفي عام إذ قد استقرت معالم الحج وثبت فرضه واستقام ~~أداؤه، فلا جدال في إيجابه لأحد من الناس، ففتحه على ذلك. # وقيل: المعنى: ولا جدال في كون الحج في ذي الحجة لأنهم كانوا يقدموا ~~فيحجون في غير أشهر الحج ويؤخرون مثل ذلك. # وروي عن ابن عباس أنه قال: " الجدال أن تماري صاحبك ". # فهذا ms0220 التفسير يوجب أن تجري الثلاثة مجرى واحدا. # ويجوز في الكلام النصب في الثاني والثالث والتنوين، [تعطفه على موضع لفظ PageV01P659 # لا]، وما عملت فيه. ويجوز فتح الأول ورفع الثاني والثالث والتنوين؛ تعطفه ~~على موضع " رفث " قبل دخول " لا ". وقرأ أبو جعفر يزيد برفع الثلاثة ~~والتنوين، أجراها مجرا واحدا. # قوله: {الحج أشهر معلومات}. # معناه: أشهر الحج أشهر معلومات ثم حذف، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي ~~الحجة. # وقيل: ذو الحجة كامل. وهما مرويان عن مالك. # قوله: {فمن فرض فيهن الحج} أي من أوجبه. # وقيل: من أحرم فيهن. # والرفث هو الإفحاش للمرأة بالكلام في الجماع. # وقال ابن عمر: " الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال PageV01P660 # والنساء ". وهو مروي عن ابن عباس. # وقال مالك: " الرفث إصابة النساء "، قال: " والفسوق: الذبح للأصنام، ~~والجدال هو تخاصم في المواقف ". # قوله: {ولا فسوق}. # لا معاصي فيما نهى عنه من قتل صيد أو أخذ شعر أو تقليم ظفر، ونحوه. # وروى مجاهد عن ابن عمر: " {ولا فسوق}: لا سباب ". وكذلك روى عن ابن عباس. # وقال ابن زيد: {ولا فسوق} لا ذبح للأصنام، وقرأ: {أو فسقا أهل لغير الله} ~~[الأنعام: 145]. # وقوله: {ولا جدال في الحج}: أي لا يماري المحرم أحدا. # وقيل: لا مراء فيه، أنه في ذي الحجة. PageV01P661 # وقيل: معناه: لا يقال: / حجي أتم من حجك. # وقيل: نهو أن يختلفوا في اليوم الذي يكون فيه الحج. # وقيل: إنهم نهوا أن يتماروا في المناسك، فيقول هؤلاء: هذا موقف [إبراهيم ~~ويقول الآخرون]: بل هذا. # وقيل: بل ذلك إخبار من الله أن الحج/ قد استقامت أوقاته لا تتقدم ولا ~~تتأخر وأن [النسيء باطل لا نسئ] فيه، قد استقام وثبتت أوقاته. # فهذا على قراءة أبي عمرو حسن لأنه مخالف لما قبله في المعنى فخالف بين ~~إعرابه. والأقاويل الأول تجري على قراءة فتحها كلها. أو من نونها كلها، ~~لأنها منهاج واحد. # قوله: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}. PageV01P662 # نزلت هذه الآية في قوم كانوا يحجون بغير زاد، وكان بضعهم إذا أحرم رمى ~~بما معه من الزاد، فأمروا ms0221 بالزاد. # قال ابن جبر: " هو الكعك والسويق ". # وقال الشعبي: " هو التمر والسويق ". # وقال ابن جبير: " هو الكعك والزبيب ". # وقال سفيان: " حجوا فسألوا في الطريق، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد ". # وقال ابن عباس: " كان ناس يخرجون ولا يتزودون، ويقولون: نحج ولا يطعمنا ~~الله كأنهم يمتحنون الأمر، فأمروا بالزاد ". # وقيل: هم قوم كانوا يخرجون بلا زاد، يقولون: نتوكل. فأمروا بالزاد ". # قوله: {يا أولي/ الألباب}. أي أولي العقول. # [يقال: " لببت] ألب، وليس في كلام العرب فعل يفعل في المضاعف غير هذا ~~الحرف. PageV01P663 # قوله: {ليس عليكم جناح}. أي لا حرج ولا ضيف في الشراء والبيع قبل الإحرام ~~وبعده. ونزلت هذه الآية في القوم كانوا لا يتجرون إذا أحرموا، يرونه من ~~البر، فأعلمهم الله أنه لا حرج فيه وليس من البر. # وقيل: إن قوما كانوا يزعمون أنه ليس لتاجر ولا جمال ولا أجير حج، فأعلمهم ~~الله أن ذلك مباح. # قوله: {فإذآ أفضتم من عرفات}: أي اندفعتم. # وسميت عرفات بهذا الاسم، لأن نعتها كان عند إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ~~فلما رآها عرفها، فقال: " قد عرفت " فسميت " عرفات ". # وق السدي: " لما أذن [إبراهيم في الناس بالحج] أجابوه بالتلبية، فأمره ~~الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند ~~العقبة، استقبله PageV01P664 # الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات/ يكبر مع كل حصاة فطار، فوع على الجمرة ~~الثانية وهي [عقبة الثنية] فصدوه فرماه وكبر، فطار، فوقع على الجمرة ~~الثالثة فرماه وكبر، فلما رأى أنه لا يطيقه ذهب، فلم يدر إبراهيم أين يذهب ~~حتى أتى ذا الجاز رآه. فلما انظر إليه، لم يعرفه وهو مكان، فسمي ذلك " ~~المجاز ". ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، فقال: قد ~~عرفت فسمي " عرفات "، فوقف بها حتى إذا أمسى ازدلف إلى " جمع "، فسمي " ~~المزدلفة " / فوقف " بمجمع ". # وقال ابن عباس: " كان جبريل يعلم إبراهيم المناسك، وإبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم يقول: قد عرفت، فلذلك سميت عرفات. وسمي الموسم موسما لأن الناس ~~يسم فيه بعضهم بعضا أي يعرف ". # والمشعر ms0222 هو ما بين جبلي المزدلفة من حد منتهى مأزمي عرفة إلى محسر، وليس ~~مأزما عرفة من المشعر. # وموضع المصلى اليوم في بطن عرفة، فإذا خرج الإنسان عرفة فإذا خرج الإنسان ~~منه صار بعرفة. PageV01P665 # قوله: {وإن كنتم من قبله لمن الضآلين}. # معناه: وما كنتم من قبل الهدى إلا من الضالين، " فإن " بمعنى " ما " ~~واللام بمعنى " إلا ". # وقد قيل: إن " إن " بمعنى " قد " ذكره الطبري، وليس بجيد في اللغة. # قوله: / {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}. # أمر الحمس وهم قريش أن يفيضوا من حيث أفاض جميع الناس لأنهم كانوا لا ~~يقفون مع الناس بعرفة افتخارا وتعاليا، ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج ~~منه إلى عرفات. فأمروا أن يقفوا مع الناس. ويفيضوا من حيث أفاض الناس أي من ~~عرفة. # قالت عائشة رضي الله عنها: " كانت قريش ومن دانها يفقون بالمزدلفة، ويقف ~~الناس بعرفة فأمروا أن يقفوا مع الناس ". وقال الضحاك: " معنى الآية: أن ~~الله تعالى أمر جميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس قبلهم ". PageV01P666 # والناس هم إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن كان معه وذلك/ من جمع. # وتقدير {ثم أفيضوا}: ثم أمرهم بذلك على معنى التأكيد لما أمر الله به ~~أولا، لأنه تعالى قد ذكر المعشر والإفاضة من عرفات قبل ذلك ثم قال: {ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس}. فإن كان/ عرفات فليس الإفاضة من عرفات بعد ~~الذكر في المشعر الحرام، فالمعنى هو التأكيد لا أنه اتباع حكم لحكم تقدم. # وروي أن قريشا كانت قد اتبدعت أشياء منها أنهم امتنعوا أن يقفوا بعرفات ~~لأجل أنها في الحل، فقالوا: لا ينبغي لنا أن نعظم إلا الحرم، فكانوا ~~وحلفاؤهم يقفون يوم عرفة بمزدلفة، ويقف سائر العرب بعرفات وسما أنفسهم ومن ~~والاهم على ذلك الحمس، وابتدعوا ألا يأتقطوا الأقط ولا يسألوا السمن وهم ~~محرمون، ولا يدخلوا بيتا من شعر وهم حرم، ولا يستظلوا وهم حرم إلا في بيوت ~~الأدم، ولا يأكلوا وهم حرم من طعام جيء به في من الحل، وابتدعوا ألا [يطوف ~~القادم إلى ms0223 البيت إلا في ثياب] الحمس، فإن لم يجد ذلك طاف عريانا. فإذا تم ~~طوافه أخذ ثيابه، فإن PageV01P667 # طاف أحد بثيابه ألقاها إذا فرغ/ من طوافه، فلا يأخذها أبدا هو ولا غيره. ~~وكانت العرب تسمي لك الثياب اللقى، وسمحوا للمرأة أن تدع عليها درعها. فلم ~~يزل الأمر ذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس}. يعني قريشا إذ كانت تفيض من مزدلفة. # وقيل: يعني سائر العرب، إذ كانوا يفيضون من عرفات، فيكون في الكلام على ~~هذا القول تقديم وتأخير، وفي ذلك أنزل: {يابنيءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~وكلوا واشربوا} [الأعراف: 31] فأباح لهم ما حرموا على أنفسهم من لبس ~~الثياب، والطعام والشراب. وقد قيل: إن " ثم " بمعنى الواو في هذا. # فأما المعنى على قول الضحاك: فثم على بابها، لأنه يقول: أمرهم أن يفيضوا ~~من جمع، والإفاضة من جمع لا شك أنها بعد الوقوف بمزدلفة وبعد الإفاضة من ~~عرفات. # وقد قال الطبري: " إن من قال: إنه عرفات، ففي الكلام تقديرم وتأخير، ~~وتقدير. ومعناه: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}، ~~{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}، {وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله}، قال: " ولولا الإجماع من أهل التأويل على أن ~~المراد بقوله {ثم أفيضوا} من عرفات، لكان قول الضحاك هو لوجه PageV01P668 # البين؛ إن المراد به " جمع " لأنه على ترتيب الكلام وسياقه ولا تقديم فيه ~~ولا تأخير ". # ويدل على أن المراد به " جمع " قوله: {واستغفروا الله} وذلك أن النبي ~~[عليه السلام] قال: " دعوت الله أن يغفر لأمتي ذنوبها، فأجابني: أني قد غفت ~~إلا ذنوبها/ فيما بينها وبين خلقي، فأعدت الدعاء يومئذ، فلم أجب شيئا، فلما ~~كان يوم المزدلفة قلت: يا رب، إنك قادر أن تعوض هذا المظلوم من ظلامته، ~~وتغفر لهذا الظالم، فأجابني أني قد غفرت، فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسئل عن ذلك، فقال: ضحكت من عدو الله إبليس لما ms0224 سمع ما سمع، أهوى يدعو ~~بالويل والثبور ويضع التراب على رأسه ". # فأمر/ المسلمون أن يستغفروا في ذلك الموضع الذي غفر الله [لهم فيه] ~~التبعات فيما بينهم وهي أعظم من التبعات فيما بينهم وبين الله. # ومعنى: {واستغفروا الله}. استدعوا المغفرة. # قوله: {فإذا قضيتم مناسككم}. أي أهراقة الدماء. قاله مجاهد. # وقيل: متعبداتكم التي أمر بها في الحج/ وكان القوم في الجاهلية إذ فرغوا PageV01P669 # من حجهم وقفوا فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمروا أن يكون ذلك الثناء على ~~الله أو أشد منه، والخلاق: النصيب. # وقال عطاء: {كذكركم آبآءكم}، هو قول الصبيان: " أبا، أبا " يلهج بذكر ~~أبيه ". # قوله: {ربنآ آتنا في الدنيا}. # قال مجاهد غيره: " كانوا يسألون الله لأمر دنياهم والظفر على عدوهم، ولا ~~يسألونه إلى الآخرة شيئا ". # قوله: {ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق}. # أي عافية في الدنيا، وعافية في الآخرة. قاله قتادة. PageV01P670 # وقيل: " الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة. وفي الآخرة: الجنة ". قاله ~~الحسن وسفيان. # وقال ابن زيد: " الحسنة في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة "، وقاله ~~السدي. # ومعنى: {سريع الحساب}. # أي يحصي ما يحصيه بغير كلفة ولا تكلف، وليس مثل ما يتكلف له بنو آدم من ~~العقد/ وغيره. # وقيل: معناه: يحاسبه بغير تذكر ولا كتاب. # وقيل: معناه: مجاز للفريقين على أعمالهم. # وقيل: معنى: " السرعة ": أنه يغفر السيئات ويضعف الحسنات بلا حساب على من ~~فعل به ذلك ولا كلفة. # قوله: {واذكروا الله/ في أيام معدودات}. PageV01P671 # هذه الآيام هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهي أيام منى ~~عند مالك. # وقال زيد بن أسلم: " المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ~~والمعدودات: أيام التشريق ". # وعن مجاهد وابن عباس: " المعلومات: " العشر. والمعدودات: " أيام التشريق ~~". # وإنما سميت أيام التشريق لأن الناس يشرحون فيها للحم ويقددونه، فالتشريق ~~التشريح. فكأنها سميت أيام التشريح، فأمروا بالذكر فيها عند رمي الجمار ~~وغيرها. # وقال النبي [عليه السلام] في أيام منى - وهي أيام التشريق -: " هي أيام ~~أكل وشرب وذكر ". # والأيام المعلومات هي: يوم النحر، ويومان، بعده. فيوم النحر معلوم، ms0225 ~~ويومان PageV01P672 # بعده معلومان معدودات، واليوم الثالث بعد يوم النحر معدود. قوله: {فمن ~~تعجل في يومين}. # أرخص الله تعالى أن ينفر الناس اليوم الثاني من الأيام المعدودات وأعلمهم ~~أن من تأخر إلى اليوم الثالث أنه لا إثم عليه، أي لا حرج ولا ضيق في تركه ~~الرخصة، ومن تعجل فلا إثم عليه في تركه الاتمام إلى اليوم الثالث. # وروي عن ابن مسعود وابن عمر: " لا إثم عليه: أي قد غفر له، ومن تأخر قد ~~غفر له ". # وقل/ ابن عباس: " لا إثم عليه: أي رجع مغفورا له "، وقال: " إن العمرة ~~لتكفر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج ". # واستبعد جماعة تأويل من قال: " لا حرج عليه "، لأن من جلس إلى الثالث PageV01P673 # فقد أتى بالغاية، فليس يقال لمن أدى فرضه: " لا حرج عليك فيما صنعت ". # وقيل: معناه: لا حرج عليك في تركك الرخصة. # ومن قال: " غفر له " معناه. فهو أبين وأحسن/ وعليه [أكثر] الناس. وقال ~~مجاهد: " معناه: لا إثم عليه إلى الحج القابل ". # {ومن تأخر فلا إثم عليه}. # أي لا حرج عليه إلى الحج القابل، أي مغفور له إلى ذلك الوقت. وقال أبو ~~العالية: " معناه: غفر له ما تقدم "، وفي مصحف عبد الله: " لمن اتقى الله ~~". # قال ابن عباس: " معناه: لا حرج عليه لمن اتقى المعاصي فيما يستقبل، أي PageV01P674 # غفر له ". # وقيل: معنى {لمن اتقى} أي: اتقى قتال الصيد في الحرم. # وقال ابن مسعود أيضا: " {إثم} أي: مغفور له إن اتقى ما حرم عليه في الحج ~~". # وروى أبو حازم عن أبي هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: " من حج فلم ~~يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه ". # وروي أن عمر قال لما سمع الآية: " خرج القوم من ذنوبهم، ورب الكعبة ". # وعن أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الحج المبرور ليس ~~له/ جزاء إلا الجنة. والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " ومعنى اللام في ~~{لمن اتقى}: أي: هذا لمن اتقى. # وقيل: المعنى: قلنا فلا إثم عليه لمن اتقى. واللام متعلقة بالقول. وقال ms0226 PageV01P675 # الأخفض: " ذلك لمن اتقى ". # وقيل: معنى: {فلا إثم عليه} أي: لا يقل المتعجل للمتأخر: أنت آثم، ولا ~~المتأخر للمتعجل: أنت آثم. # تم الجزء الرابع PageV01P676 # قوله: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياوة الدنيا} الآية. # نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، واسم الأخنس أبي، وأمه ضبيعة عمة ~~عثمان رضي الله عنه، كان حليفا لبني زهرة، وكان قد أتى مع قومه بني زهرة ~~إلى بدر مع المشركين يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا ~~الجحفة، أشار على بني زهرة بترك القتال فأطاعوه، فأخنس بهم من المشركين، ~~ورجع فسمي الأخنس فلما بلغ النبي [عليه السلام] قوله وما أشار به على بني ~~زهرة عجب من ذلك، ففيه نزلت: {ومن الناس من يعجبك قوله} الآية. ثم إنه قعد ~~ذلك قدم على النبي [عليه السلام] فأظهر المحبة للإسلام، وحلف أنه ما قدم ~~إلا لذلك، وأنه صادق في قوله، فأعجب النبي [عليه السلام] منه ذلك وكان يبطن ~~الغش والنفاق، فلما خرج أفسد زرع/ الناس بالنار وأهلك مواشيهم، فذلك قوله: ~~{وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث} أي: بالنار والنسل. وري ~~أنه PageV01P677 # عقر حمرا، وفيه نزلت: {ويل لكل همزة/ لمزة} [الهمزة: 1]. وفيه نزلت: {ولا ~~تطع كل حلاف مهين} [القلم: 10] إلى {الخرطوم} [القلم: 16]، لأنه حلف أنه ~~ماقدم إلا رغبة في الإسلام وأنه صادق في يمينه، فقال الله عز وجل: { ويشهد ~~الله على ما في قلبه} أي أنه صادق فيه قوله. # وقوله: {ألد الخصام}. أي شديد الخصومة. # وقيل: معناه أنه كاذب في قوله. # والخصام مصدر " خاصم ". # وقال الزجاج والقتبي: " هو جمع خصم. يقال: خصم، وخصوم، وخصام ". # وعن ابن عباس أنه قال: " نزلت في السرية التي أصيبت للنبي عليه السلام ~~تكلم قوم من المنافقين فيها، فأخبر الله عن اختلاف سريرتهم وعلانيتهم ". # وقيل: إن الآية عامة في كل منافق أخبر الله أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد ~~بقلبه. وقد PageV01P678 # قال في موضع آخر، {وإذا/ لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 14]، ~~وقال: {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا ms0227 عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} [آل ~~عمران: 119]. فأخبر الله أنه يشهد على ما في قلبه. يريد أنه يقول ما يقول، ~~ويستشهد بالله أنه صادق في قوله؛ يقول: الله يشهد أني صادق فيما أقول وهو ~~كاذب. فأخبرنا الله تعالى أنه شديد الخصومة، وأنه إذا تولى سعى في الأرض ~~بالفساد الذي هو سبب هلاك زرع الناس لأنه إذا أفسد اشتغل بالحرب والقتال عن ~~الزرع، وإذا لم يكن زرع لم تجد البهائم ما تأكل، فيذهب النسل/ وقوله: ~~{ويشهد الله}. أي يقول: اللهم إنك تشهد أني صادق: " وهو كاذب ". وقرأ ابن ~~محيصن: " ويشهد الله " بفتح الياء، ورفع الاسم على معنى: [والله] يشهد أنه ~~كاذب في قوله. # وقيل: معنى، {وإذا تولى} إذا غضب، فعل ذلك. PageV01P679 # وقال مجاهد: " إنه إذا أفسد وتعدى، كان ذلك سبب إمساك الله القطر، ~~وإمساكه هلاك الحرب والبهائم، وقرأ مجاهد: {ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدي الناس} [الروم: 41]. # وقرأ الحسن وقتادة: {ويهلك} بالرفع عطفاه على يعجبك. # وقال أبو حاتم: " عطف على {سعى}، أي يسعى ويهلك، وقال الزجاج: " معناه: ~~وهو يهلك ". # وعن ابن كثير أنه قرأ: " ويهلك " بتح الياء والنصب، الحرب والنسيل ~~بالرفع. ومثل الجماعة أشهر عنه. # قوله: {ومن الناس من يشري نفسه} الآية. # أي يبيع نفسه من أجل مرضاة الله، ونزلت في المهاجرين والأنصار PageV01P680 # المجاهدين منهم. # وقال عكرمة: " نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري وهو جندب ابن السكن ~~خرجوا/ مهاجرين وطلبهم أهلوهم، فأما أبو ذر فانفلت منهم، وأما صهيب فأخذوه ~~أهله، وافتدى بأهله وماله من مولاه وكان مملوكا لزيد بن جدعان. وروي أنه ~~كان يعرف بالرومي وأصله من العرب، وإنما سمي بذلك لأنه سبي وهو صغير، فسار ~~إلى الشام، فتغير لسانه ثم صار مملوكا لزيد بن جدعان، فلما أمر النبي [عليه ~~السلام] بالهجرة آمن وافتدى من مولاه بماله كله، وخلى سبيله/، فخرجت بنو ~~تميم في طلبه، فلما أدركوه أخذ PageV01P681 # قوسه وخوفهم من قبله، وتواعدهم، فخافوا رميه ونبله وكان راميا مجودا ~~فرجعوا وتركوه، فلما وصل المدينة قال له عمر: ms0228 " ربح بيعك لا تقيل ولا تقال ~~". وشهد بدرا، ففيه نزلت {ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء} الآية. فيشري على ~~هذا القول بمعنى يشتري، وعلى القول الأول بمعنى " يبيع ". # وقال الربيع: " نزلت في رجل منع الخروج إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم] ~~فافتدى منهم بداره وماله، وخلوه فخرج إلى النبي عليه السلام فلقيه عمر في ~~رجال فقال: ربح بيعك، قال: وبيعك، فلا خسر، فما ذاك؟ قال له: أنزل فيهك كذا ~~وكذا ". # وقيل: نزلت الآية في رجل مسلم حمل على المشركين، بسيفه غضبا لله إذ PageV01P682 # سمع الكفر به من رجل من المشركين، فقاتل حتى قتل. # فيشري على هذا بمعنى/ يبيع. # وقيل: نزلت في رجل مسلم قال لمشرك: قل: لا إلا الله. فأبى أن يقولها، ~~فقال المسلم: والله لأشربن نفسي من الله ". أي لأبيعنها، ثم تقدم فقاتل حتى ~~قتل رحمه الله. # وقال ابن المسيب: " أقبل صهيب مهاجرا فاتبعه نفر من المشركين. فنزل عن ~~راحلته وانتشر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم ~~رجلا وأيم الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما ~~بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فعادهوه على أن يدلهم على بيته ~~ماله بمكة ويدعوه PageV01P683 # ففعل، وقدم على النبي [عليه السلام] فقال له: أبا يحيى، رح البيع، فأنزل ~~الله {ومن الناس} الآية. # وقيل: إنه عني بها كل من باع نفسه من الله، روي ذلك عن عمر وغيره. وهو ~~أولى بظاهر الآية عند الطبري وغيره. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم}. # / قال ابن عباس: " السلم - بالكسر - الإسلام " وهو قول أبي عمرو. PageV01P684 # والسلم - بالفتح - المسالمة والصلح. فعلى هذا يكون الكسر هنا أقوى وأحسن ~~لأن الخطاب للمؤمنين، فليس للصلح وجه. وأهل اللغة يسوون بينهما، / قاله ~~الكسائي وغيره، ومعنى أمره إياهم بالدخول في الإسلام وهم مؤمنون على قول ~~الضحاك، إنه إنما خاطب من آمن بالأنبياء أن يؤمنوا بمحمد [عليه السلام]. # وقال عكرمة: " نزلت في ابن سلام وابني كعب: أسد وأسيد، ms0229 قالوا بعد إسلامهم ~~لرسول الله [عليه السلام]: إن السبت كان مفروضا فأذن لنا أن نسبت وإن ~~التوراة كتاب الله، فأذن لنا أن نحكم بها فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم}، أي في الإسلام. # {كآفة}: أي في جميعه، فيكون " {كآفة} " على هذا القول حالا من السلم. PageV01P685 # وقيل: هي مخاطبة لجميع من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومعناها: ادخلوا ~~في جميع شرائع الإسلام وحدوده. # وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام كان يقيم شرائع التوراة وشرائع القرى،، ~~فأنكر ذلك [عليه المسملون]، فقال: أنا أقوى على هذا، فنزلت الآية فترك ما ~~كان عليه ورجع إلى شرائع الإسلام وما في القرآن. # واختار الطبري قراءة الكسر في السلم. # ويختار أن يكون مخاطبة للمؤمنين بمحمد [عليه السلام] وأن الصلح لا معنى ~~له على هذا، واختار {وإن جنحوا للسلم} [الأنفال: 61] لأنهم دعوه إلى الصلح، ~~وليس في القرآن موضع أمر الله فيه المؤمنين بأن يبتدئوا بالصلح، إنما أمرهم ~~بذلك إذا بدأهم به المشركون ورغبوا فيه، فلذلك يختار الكسر في البقرة لأنا ~~لو فتحنا لأوجبنا أن الله أمر المؤمنين أن يبدأوا PageV01P686 # المشركين بالصلح، ويختار الفتح في " الأنفال " لأنه قلا: {وإن جنحوا ~~للسلم} [الأنفال: 61] / أي ابتدأوا وطلبوا ذلك منك، فافعل ما سألوا وتوكل ~~على الله. # وإذا كان التأويل أن المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أمروا بذلك أو ~~بضعهم، فيكون {كآفة} حالا من السلم على معنى: " ادخلوا في الشرائع كافة "، ~~أي في جميعها. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بالأنبياء - صلوا الله عليهم - ~~الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أمروا بالإيمان لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، فيكون " كافة " حالا من المأمورين، أي ادخلوا جميعا. # وقال ابن عباس: " هم أهل الكتاب أمروا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~بالدخول في شرائعه ". # ومعنى " كافة " الإحاطة والعموم، من " كففت فلانا عن/ كذا "، منعته، ومنه ~~" رجل مكفوف " أي ممنوع من النظر، ومنه " كفه الميزان لأنها تكف الأخرى، أي ~~تمنعها من أن تميل بها. ومنه سمي الكف لأنه يمتنع بها. ms0230 # فمعناه على هذا إذا جعلت حالا من الضمير: لا يمتنع منكم أحد أن يكف بعضهم ~~بعضا من الامتناع. PageV01P687 # وجعله حالاص من " السلم "، فمعناه: تمنعكم هذه الشرائع من اتباع غيرها. # قوله/: {خطوات الشيطان}. أي آثاره. # وقال الضحاك: " هي الخطايا التي يأمر بها ". # قوله: {فإن زللتم}. أي أخطأتم. وقيل: ضللتم. # وقال ابن عباس: " هو الشرك ". # والبينات محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # وقوله: {عزيز} أي ذو عز لا يمنعه من الانتقام منكم مانع {حكيم} فيما ~~يفعله بكم من العقوبة على زللكم بعد إقامة الحجة وظهور البراهين. # قوله: {في ظلل من الغمام والملائكة}. # من خفض " الملائكة " عطف على " {ظلل} ". PageV01P688 # وقال أبو إسحاق: " هي عطف على الغمام "، وهي قراءة أبي جعفر، وقراءة ~~الجماعة [الرفع على العطف] على الاسم المرفوع بعد " يأتيهم ". # وقرأ أبو جعفر " في ظلال وقضاء الأمر " بالمد والخفض. # وفي قراءة أبي: " إلا أن يأتيهم الله والغمام في ظلل من الملائكة ". # وهذا الإتيان عند أكثرهم يوم القيامة يكون. # وقال قتادة: " ذلك عند الموت ". وهو قول شاذ. # وقيل: معنى {في ظلل من الغمام}، " بظلل "، ففي بمعنى " الباء ". وهذا قول ~~حسن بين. PageV01P689 # قال عكرمة: {ظلل من الغمام} " طاقات منه والملائكة حوله ". # وأكثر أهل التفسير على أن في الكلام تدقديما وتأخيرا في قراءة من رفع ~~الملائكة، والمعنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام. قالوا: ~~والرب يأتي كيف شاء، و {في ظلل من الغمام} من حال الملائكة. وجماعة منهم ~~على أنه تعالى يأتي في ظلل من الغمام، وتأتي الملائكة/ كيف شاء. وهذا ~~اختيار الطبري. # وروى ابن عباس عن الن بي [عليه السلام] أنه قال: " إن الغمامة [طاقات ~~يأتي الله جل وعز] فيها محفوفا ". # قال أبو محمد رضي الله عنه: [ويجب] أن تعتقد أن صفات الله جل ذكره بخلاف ~~صفات المخلوقين، فلا تعتقد إلا أن الإتيان والمجيء من الله تبارك وتعالى ~~صفة وصف بها نفسه لا إتيان انتقال وتغير حال، تعالى الله عن ذلك. PageV01P690 # وقد قدره قوم على حذف كأنه " إلا أن يأتيهم أمر الله ms0231 ". # وقيل: معناه: ثواب الله وعقابه. # وهذا كله توعد لمن تقدم ذكره من التاركين للدخول في الإسلام ولسعيهم ~~بالفساد في الأرض. # ومعنى: {وقضي الأمر}: فرغ منه. # قوله: {وإلى الله ترجع الأمور}. # أعلمنا تعالى برد الحساب والعقاب إليه والأمور الآن وفي كل وقت إليه ~~مصيرها، وبيده تصرفها، وعن مراده كونها. وإنما خص ذلك الوقت بالذكر لأنه ~~وقت لا يدعي فيه أحد أمرا ولا نهيا ولا ملكا ولا مقدرة، والدنيا يها ~~الجبارون والكافرون يدعون ذلك لأنفسهم، والآخرة لا يدعي فيها أحدا شيئا، ~~فلذلك خص الله رد الأمور إليه/ في الآخرة مع كونها مردودة إليه في الدنيا. # قوله: {سل بني إسرائيل} الآية. PageV01P691 # كتبوا في المصحف {نعمة الله} هاهنا بالهاء، وكذلك في سائر القرآن إلا أحد ~~عشر موضعا كتبت بالتاء: # في البقرة: {واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم} [الآية: 231]. # وفي آل عمران {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم} [الآية: 103]. # وفي المائدة: {اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم} [الآية: 11]. # وفي إبراهيم: {نعمة الله كفرا} [الآية: 28]. # وفيها: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34]. # وفي النحل: {وبنعمت الله هم يكفرون} [الآية: 72]. # / وفيها: {نعمت الله ثم ينكرونها} [النحل: 83]. # وفيها {واشكروا نعمت الله} [النحل: 114]. # وفي لقمان: {تجري في البحر بنعمة الله} [الآية: 31]. # وفي فاطر: {نعمت الله عليكم هل من خالق} [الآية: 3]. # وفي: والطور: {فمآ أنت بنعمة ربك} [الآية: 29]. # والأصل في جميعها التاء، ولكن من موقف بالهاء فإنما ذلك للفرق بين ~~الأفعال PageV01P692 # والأسماء نحو " قامت " و " شجرة ". # [وقال] سيبويه: فعل ذلك للفرق بين التاء الأصلية والملحقة والزائدة في " ~~العنت " و " ألفت "، و " عفريت "، و " ملكوت " و " شجرة ". وهذه هي التاء ~~الزائدة. ولغة طيء الوقف بالتاء. # وقال الفراء: " من وقف بالتاء، أراد الوصل، ومن قف بالهاء أراد الوقف ~~الصحيح ". وأنكر ذلك ابن كيسان وغيره. # [وكل ما] كتب منه بالتاء، فمذهب المدنيين الوقف بالتاء على ما في المصحف. ~~ومذهب أبي عمرو والكسائي وخلف وابن كيسان الوقف بالهاء على الأصل المشهور ~~وقد قال ابن كيسان: " من وقف بالتاء فإنما نوى أصلها لأن ms0232 أصلها التاء ". # وقوله: {كم آتيناهم من آية بينة}. # يعني العصا وانفجار الحجر وانفلاق البحر ونحوه، ثم كفروا بعد ذلك وبدلوا ~~هذه النعم، فأمر الله نبيه عليه السلام/ بالصبر وأخبره بفعل من قبله في ~~سالف الدهر، وقال PageV01P693 # له: سلهم كم أعطوا من الآيات ثم لم ينفعهم ذلك. # ومعنى {ومن يبدل نعمة الله} أي: من يغير ما عاهد الله عليه من قبول/ ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الإسلام فيكفر، فإن الله يعاقبه. # قوله: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا}. # أخبرنا الله تعالى أنه زين لهم حب الدنيا واتباعها، وأنهم يسخرون ممن ~~اتبع الآخرة، وذلك أ، هم قالوا: " لو كان محمد نبيا لا تبعه أشرافنا، وما ~~نرى اتبعه إلا أهل الحاجة ". # وقال الزجاج: " معنى {زين للذين كفروا} أي زينها لهم إبليس لأن الله ~~تعالى قد زهد فيها ". # وقيل: معناه خلق الأشياء الحسنة المعجبة، فنظر إليها الكفار بأكثر من ~~مقدارها، ومثله: {زين للناس/ حب الشهوات} [آل عمران: 14]. # قوله: {بغير حساب}. PageV01P694 # قال قطرب: " معناه يعطي العدد، لا من عدد أكثر منه، فيوجب بذلك بقاء ~~الكثير ". # وقيل: معناه أن ثمة أشياء لا يحاسب بها ويغفرها. # وقيل: معناه: ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، والكافر على قدر كفره، أي ~~ليس يرزق في الدنيا على قدر العمل. # وقيل: معناه: نحو محاسبة أي ما يخاف أحدا/، يحاسبه عليه. # وقيل: معناه: بغير حساب للمعطي. أي يعطيه من حيث لا يحتسب. # قوله: {كان الناس أمة واحدة}. # الآمة هنا قول ابن عباس وعكرمة: من كان بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، ~~وكانوا على دين من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين. قال ذلك ابن عباس وغيره. وول من بعث الله نوحا عليه السلام. PageV01P695 # والأمة هنا معنها الأمم، ودل الواحد على الجماعة. وأصل الأمة الجماعة ~~[تجتمع على دين] واحد قال تعالى: {ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة} ~~[المائدة: 48] أي على دين واحد. # وقيل: معناه: كان آدم وحواء عليهما السلام أمة واحدة في ms0233 الطاعة. وسيما ~~بالجماعة لأنهما أصل لها. # وقال ابي بن كعب: " معناه كان جميع الخلق أمة واحدة إذا استخرجهم من [صلب ~~آدم] وقال: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172]. فأقروا كلهم فكانوا ~~كلهم أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا/ إذ ظهروا إلى الدنيا فبعث الله النبيين ~~مبشرين من أقام على عهده بالجنة. ومنذرين من خالف ما عهده إليه بالنار ". PageV01P696 # وقال ابن زيد عن أبيه " لم يكن الناس أمة واحدة قط، إلا حين أخرجهم الله ~~من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ". # وقيل: الناس هنا: نوح ومن كان معه في السفينة. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: " كانوا على الكفر فبعث الله النبيين ". # قوله: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه}. # أي لم يختلف في التوراة إلا الذين نزلت عليهم. # {من بعد ما جآءتهم البينات} الآية. # أي الحجج أنه من عند الله، فكان خلافهم تعمدا للبغي بينهم لحب الدنيا ~~وملكها والتنافس فيها فبغى بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضا على ذلك. # وقال زيد بن أسلم: " اختلفوا في يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود السبت، / ~~والنصارى الأحد فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ ~~فاستقبلت النصارى المشرق، PageV01P697 # واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه [وسلم] للقبلة. ~~واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنه من يسجد ولا يركع ومنهم ~~من يصلي ويتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. ~~واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض ~~الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم؛ فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: كان نصرانيا، وجعله ~~الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك، ~~واختلفوا في عيسى صلى الله عليه وسلم؛ فكفرت به اليهود، وقالوا في أمه ~~بهتانا عظيما، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى ~~الله أمة محمد صلى الليه عليه وسلم للحق من ذلك ". PageV01P698 # والبغي: الاعتداء ms0234 والطغيان، يقال للبحر إذا فاض وكثر ماؤه: " بغى البحر " ~~أي طغى. وتقدير الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم من بعد ~~ما جاءتهم البينات. # وقد أنكر هذا قوم لأن المصدر لا يتقدم عليه ما تعلق به، وهذا الا عتراض ~~لا يلزم لأن " من " متعلقة " بأوتوه " لا " بالبغي ". # ومعنى: {وأنزل معهم الكتاب} أي الكتب. # قوله: {ليحكم بين الناس}. # وقرأ الجحدري. " لنحكم " بالنون. # وقالوا أبو إسحاق: " معنى {وما/ اختلف فيه}. أي في النبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم { إلا الذين أوتوه}، أي أعطوا علم نبوته، فعلوا ذلك للبغي. # قوله: {فهدى الله الذين آمنوا}. PageV01P699 # أي هداهم الله لمعرفة ما اختلفوا فيه من الحق إذ هداهم للإيمان بما اختلف ~~فيه الأولون من الحق. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نحن الآخرون الأولون/ يوم القيامة؛ نحن ~~أول/ الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتو الكتاب من قبلنا وأتيناه من بعدهم ~~فهدانا الله لما/ اختلفوا فيه من الحق بإذنه " فهذا اليوم الذي هدانتا الله ~~له والناس لنا فيه تبع، غدا لليهود، وبعد غد للنصارى ". # وهذا الاختلاف الذي هدى الله المؤمنين إليه، ووفقهم لإصابته وهي الجمعة ~~ضلوا عنها، وقد فرضت عليهم كما فرضت علينا فجعلوها السبت، وجعلها النصارى ~~الأحد. # وقال ابن زيد: " اختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من ~~صلى إلى بيت المقدس، فهدانا إلى الكعبة. واختلفوا في الصيام؛ فمنهم من يصوم ~~بعض يوم، ومنهم من/ يصوم بعض ليلة، فهدانا الله له. واختلفوا في الجمعة؛ ~~فأخذ اليهود السبت، PageV01P700 # وأخذ النصارى الأحد، فهدانا الله له. واختلفوا في إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم؛ فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: كان نصرانيا، فهدانا الله ~~إلى إنه كان حنيفا مسلما، وكذلك اختلفوا في عيسى صلى الله عليه وسلم؛ ~~فهدانا الله لجميع ذلك على الحق بمحمد صلى الله عليه وسلم ". # وهذا عند أكثر أهل العلم فيه قلب، والمعنى: فهدى الله الذين آمنوا للحق ~~مما اختلفوا فيه، كما قال: # كان الزنا فريضة الرجم ... فالهداية إنما هي للحق ولم يهدهم ms0235 للاختلاف. # وظاهر الآية يعطي الهداية للاختلاف لأنه قال: {فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق}. ولكن الكلام فيه قلب أتى على لغة العرب وعادتها في ~~كلامها. وهذا قول الطبري واختياره. PageV01P701 # وقد قيل: إن المعنى: إن الله هداهم للاختلاف أنه باطل، فآمنوا بما كفر به ~~غيرهم. # قوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة}. # " أم " للخروج من حديث إلى حديث. # وقال الطبري: " أم " للاستفهام، ومعنى اللام " أحسبتم ". قال: وإنما تكون ~~" أم " للاستفهام إذا تقدمها كلام، فإن لم يتقدمها كلام لم تقع كذلك ". # قوله: {حتى يقول الرسول}. # النصب فيه على الغاية كأنك قلت: " وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ". فيكون ~~الفعلان قد مضيا. ويجوز النصب في غير القرآن على أن تجعل الثاني من أجله ~~وقع الأول، PageV01P702 # كأنك قلت: " كي يقول "، فالأول حدث كي يكون الثاني، ولا يحسن هذا في ~~الآية. # والرفع في الآية على أن يكون ما بعدها جملة لا تعمل " حتى " فيه، أي " ~~زلزلوا، فقال الرسول "، ويكون الفعلان أيضا مضيا أي حتى هذه حال الرسول، ~~ويجوز الرفع في الكلام على أن يكون الأول قد مضى، والثاني في الحال؛ تقول: ~~" سرت حتى أدخلها " أي حتى أنا الآن أدخلها، فالسير مضى، والدخول الآن، ولا ~~يجوز هذا في الآية. # وقال أبو عمرو: " لما اختلف الفعلان في الآية، كان الوجه في الثاني النصب ~~". # قوله: {ألا إن نصر الله قريب}. # يجوز في " قريب " النصب على أنه نعت لظرف محذوف. ولا يثنى قريب PageV01P703 # ولا يجمع ولا يؤنث إلا أن يكون للنسب والقرابة، فيجوز ذلك فيه. # ومعنى الآية: أحسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما ~~أصاب من كان قبلكم من اتباع الأنبياء من الشدائد والخوف حتى قال الرسول ~~والذين معه: {متى نصر الله}، كأنهم استبطأوا النصر فأخبرهم الله تعالى أن/ ~~نصر الله قريب. # وقيل: إن في الآية تقديما وتأخيرا وحذفا للاختصار والتقدير: وزلزلوا حتى ~~يقولوا؟ {متى نصر الله}، ويقول لهم/ الرسول: {ألا إن نصر الله قريب} ~~اسبتطأوا النصر وزاد عليهم الخوف، فقالوا: متى نصر الله؟ فقال ms0236 لهم الرسول: ~~{ألا إن نصر الله قريب}. # فقوله: {ألا إن نصر الله قريب} من قول الرسول، وقوله: {متى نصر الله} من ~~قول المؤمنين من أمة الرسول. # وهذه الآية في قول السدي وقتادة نزلت يوم الخندق حين اشتد على المؤمنين ~~أمر الأحزاب وآذاهم البرد وضيق العيش، وفيه نزل: {يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا PageV01P704 # نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود} [الأحزاب: 9 إلى {قديرا} [الأحزاب: 27]. # قال السدي: [اشتد على/المؤمنين الأمر] حتى قال قائلهم: {ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12]. يريد قاله بعض المنافقين. # {والذين في قلوبهم مرض} [الأنفال: 49]. أي شك. قالوا ذلك أيضا/ كذلك حكى ~~الله عنهم في سورة الأحزاب. وقيل: " إنها نزلت في المهاجرين إذ تركوا ~~أموالهم ودورهم بمكة، فحكم فيها المشركون، فضاقت بهم الحال في المدينة فآخى ~~النبي [عليه السلام] بينهم وبين الأنصار فواسوهم فنزلت الآية تعزية لهم ~~وتصبيرا. # وذكر وهب بن منبه: " أن سبيعن نبيا دفنوا في مسجد الخيف، كلهم ماتوا PageV01P705 # من الجوع والقمل # وقال النبي [ صلى الله عليه وسلم] : " سأل نبي من الأنبياء سعة الرزق ~~فأوحى الله إليه: (أما يكفيك أني عصمتك من الكفر) ". # فلو رضي الله الدنيا لأحد من أوليائه ما نال منها الكافر جرعة ماء، ولكن ~~الله لم يجعلها ثوبا لمؤمن ولا عقابا لكافر. # قوله: {البأسآء والضرآء} الفقر والمرض. # وقيل: القتل والفقر. # وقال القتبي: " البأساء: الشدة والضراء: البلاء ". # ومعنى {وزلزلوا} خوفوا وحركوا. # وأصله من " زال الشيء من مكانه ". ومعنى " زلزلته " كررت زلزلته. PageV01P706 # قوله: {يسألونك ماذا ينفقون}. # سأل/ أصحاب النبي [عليه السلام] على من ينبغي أن يفضلوا، فأنزل الله ~~الآية، وهذا قبل أن تفرض الزكاة. # وقيل: هي منسوخة بالزكاة. # وقيل: هي محكمة فيها صفة أين يوضع التطوع، والزكاة مفروضة على بابها. # وهذه الآية تدل على أن النفقة على الوالدين من الصدقة. # قوله: {كتب عليكم القتال}. # أكثر العلماء على أن الجهاد فرض يحمله الإمام ومن معه عن الناس، وليس على ~~كل رجل ذلك فرض. # ومعنى {كتب عليكم} فرض عليكم، وهو كالصلاة على الموتى ودفنهم، دليله ~~قوله: {فضل ms0237 الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد ~~الله الحسنى} [النساء: 95]. فأخبر أن الكل له الحسنى وهي الجنة، وأن ~~المجاهدين أفضل له. # وقال ابن جبير: " هو فرض على جميع المسلمين ". PageV01P707 # وقد قيل: هي ناسخة واجبة لما أمروا به من العفو والصفح بمكة. # وقيل: هي منسوخة بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة} [التوبة: 122]. # وقيل: هي على الندب لا على الوجوب. # وقد قال عطاء: " هي فرض على الصحابة خاصة ". وهو قول مطعون فيه. # قوله: {وهو كره لكم}. # الكره بضم الكاف ما كان من نفسك، وبالفتح ما أكرهت عليه فيه. # وقال معاذ بن مسلم: " الكره المشقة، والكره الإجبار ". # وقيل: هما لغتان: كالضعف والضعف. PageV01P708 # وقيل: الكره بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. # قوله: {وعسى أن/ تكرهوا شيئا وهو خير لكم}. # معناه: إن كرهتم القتال فهو خير لكم، لأن فيه الظفر والغنيمة والشهادة. ~~{وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم}. # أي إنكم إن تحبوا القعود عن الجهاد فهو شر لكم لأنكم تحرمون الظفر ~~والغنيمة و [الأجر. أو] الشهادة. # {والله يعلم}: أي يعلم ما هو خير مما هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتب عليكم ~~من جهاد عدوكم فإنكم لا تعلمون. # قوله: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه}. # قال السدي: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية في سبعة نفر فبينما ~~هم سائرون إذا بنفر من المشركين ببطن نخلة فاقتتلوا، فأسر المسلمون منهم ~~وقتلوا وغنموا، PageV01P709 # وكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي [عليه السلام. وكان] ذلك في الشهر ~~الحرام فتكلم الناس في القتل في الشهر الحرام. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: " ما أمرتكم أن تقتلوا في ~~الشهر الحرام " فسقط في أيدي القوم [وأخذوهم الناس باللائمة]، فأنزل الله ~~عز وجل: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه [كبير]} " فأخبرهم ~~أنه منكر عظيم. # ثم ق ل: {وصد عن سبيل الله}. # أي وصدكم أيها المشركون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفركم بالله ~~تعالى وأخراجكم أهل المسجد الحرام منه. يريد الله النبي صلى الله ms0238 عليه وسلم ~~وأصحابه ذلك كله من فعلكم أكبر عند الله من القتل، أي الشرك الذي أنتم عليه ~~أكبر من القتل في الشهر الحرام. / وكذلك قال ابن عباس. # وقال الضحاك: " لما قتل عمرو بن الحضرمي في سرية بعثها رسول PageV01P710 # الله [عليه السلام] إلى بطن نخلة وأمر عليها عبد الله بن جحش، عير ~~المشركون المسلمين بالقتل في الشهر الحرام فأنزل الله الآية فأخبرهم/ أن ~~ذلك كبير، وأن صد المشركين محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن سبيل الله ~~عز وجل وعن المسجد الحرام والكفر بالله تعالى أكبر عند الله سبحانه من ~~القتل الذي أنكروه. والآية عند أكثر العلماء والصحابة منسوخة لأنه تعالى ~~قال: {قتال فيه كبير} أي عظيم فأخبر أنه شيء عظيم منكر في الشهر الحرام ~~وأنه محظور ثم نسخته آية/ السيف في براءة: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5]. فأبيح ذلك في الحرام وغيره، ونسخه أيضا قوله: {وقاتلوا ~~المشركين كآفة} [التوبة: 36]. # والأشهر الحرم المذكورة في براءة ليست المعلومة، إنما هي أشهر كان فيها ~~عهد بينهم وبين النبي [عليه السلام] فأمر بقتلهم حيث وجدوا إذا انسلخت تلك ~~الأشهر وهي أربعة أشهر بعد يوم النحر لمن كان له عهد، ومن لم يكن له عهد ~~فإلى انسلاخ PageV01P711 # الحرم عهده. # وقال عطاء: " الآية محكمة، والقتال محظور في الأشهر الحرم ". # ورويى ابن وهب أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] رد الغنيمة والأسى وودى ~~القتيل. # قوله: {يرجون رحمت الله}. # كتبت " رحمت " بالتاء وذلك في سبعة مواضع؛ هذا، وفي الأعراف: {إن رحمت ~~الله قريب} [الآيه: 56]، وفي هود: {رحمت الله وبركاته} [الآية: 73]، وفي ~~مريم: {ذكر رحمت ربك} [الآية: 1]، وفي الروم: {إلى آثار رحمت الله} [الآية: ~~50]. وفي الزخرف: {أهم يقسمون رحمت ربك} [الآية: 32]. وفيها {ورحمت ربك ~~خير} [الزخرف: 32] وما عداها كتبت بالهاء. PageV01P712 # / قوله: {إن الذينءامنوا والذين هاجروا وجاهدوا} الآية. # نزلت هذه الآية حين قتلت السرية عمرو بن الحضرمي وأنكر عليهم القتل في ~~الشهر الحارم الحرام، وقال بعض المسلمين في السرية، قد أصابوا وزرا، فأعلم ~~الله أن من هاجر وجاهد فهو يرجو ms0239 رحمة الله، وأنه غفور لما وقع منهم من ~~القتل في الشهر الحرام ورحيم بهم. # وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه قالوا: يا رسول الله، أنطمع أن يكون ~~خروجنا [غزوة نعطى] فيها أجر المجاهد، فأنزل الله: / {إن الذينءامنوا PageV01P713 # والذين هاجروا}، الآية. # قوله: {قل فيهمآ إثم كبير}. # من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم واكبر، والكبر ~~والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ~~ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى: ~~{وادعوا ثبورا كثيرا} [الفرقان: 14] وأيضا فإن الإثم الأول بمعنى الأثام ~~لقوله: " ومنافع " ولم يقرأ " ومنفعة ". والآثام فالبكثرة توصف أولى من ~~العظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع. # ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على {أكبر من نفعهما} بالباء، أي PageV01P714 # أعظم. وقوله: {حوبا كبيرا} [النساء: 2]، وقول العرب: " إثم صغير "، يدل ~~على جواز " كبير " وحسنه وترك استعمالهم " الإثم قليل "، يدل على بعد " ~~كثير ". وأجماع المسلمين على قولهم: " صغائر وكبائر "، يدل على حسن " كبير ~~". ونزلت الآية جوابا لمن سأل النبي [عليه السلام] عن الخمر والميسر. # / والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، ~~يقال: " دخل في خمار الناس " أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: " خامري ~~أم عامر "، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقوله: " اختمر ~~العجين "، أي غطى فطورته الاختمار. # والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار ~~عليها. # وقال مجاهد: " كل القمار من الميسر حتى لغب الصبيان بالجوز ". # وقال عطاء: " حتى لعب الصبيان بالكعاب ". PageV01P715 # وقال القاسم: " كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر ". # قال ابن عباس: " كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر ~~صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله ". # وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قمارا بينهم في الجزور خاصة. # وقيل: سمي ميسرا لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل/ شيء جرزته فقد يسرته ~~والياسر الجازر. وفقيل للضاربين ms0240 بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور. # ويقال للضارب بالقداح " يسر وأيسار ". # وقيل: إن " يسرا " جمع " لياسر "، ثم يجمع " يسر " على " أيسار " وكانت ~~العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها ~~للفقراء/ منهم لتعدل PageV01P716 # أحوال الناس، ولذلك قال: {ومنافع للناس} ". # والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد ~~علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، ~~والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: " الأغفال/ والغفل من الدواب ~~الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. # والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس ~~أربعة، وللنافس خمسة، وللمبسل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة ~~على قدر ما له من الأنصباء. # وقوله: {ومنافع للناس}. # هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور. # {وإثمهمآ أكبر من نفعهما}. # أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن PageV01P717 # جبير " لما نزلت: {قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس} كره الخمر قوم للإثم، ~~وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى} [النساء: 43]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت/ {إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] فحرمت ". # فهذا يدل على أنها منسوخة بما في " المائدة ". # وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقول: " اللهم بين لنا في الخمر "، فنزلت: ~~{يسألونك عن الخمر} الآية، فقرئت ع ليه، فقال: [اللهم بين لنا في ال خمر ~~بيانا شافيا، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت {لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى}، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت: ~~{إنما الخمر والميسر} الآية التي في المائدة فقال عمر: انتهينا، انتهينا ". # فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه PageV01P718 # السورة أن فيها إثما كبيرا، وحرم تعالى اكتساب الإثم بقوله تعالى: {قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} [الأعراف: 33] أي ~~واكتساب الإثم. فهذا النص ظاهر في التحريم ms0241 مع قوله: {فهل أنتم منتهون} ~~[المائدة: 91]. فهذا تهدد ووعيد؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله: ~~{لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43]، فتحريم المسكر منصوص بين في ~~كتاب الله [جل وعز]، وكل ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما ~~خامر العقل فهو خمر وهو مسكر. # وإنما سميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل، أي تخالطه. # وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به. # وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره من الخمار الذي يغطى به ~~الرأس. PageV01P719 # قوله: {قل العفو}. أي تتصدق بما فضل عن أهلك. # قال السدي: " كانوا يعملون كل يوم فيما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضل عن ~~العيال قدموه ". # وقال ابن عباس: " العفو ما لا يتبين/ خروجه من المال ". # وقال طاوس: " العفو اليسير من كل شيء ". # وقال اليزيدي: العفو هو ما أطلقته من غير أن تجهد فيه نفسك ". # وقيل: ما فضل عن أهلك. # وروي أن هذه الآية {ويسألونك ماذا ينفقون} نزل في رجل أتى إلى النبي [ ~~صلى الله عليه وسلم] فقال: " إن لي دينارا "، فقال: أنفقه على نفسك. فقال: ~~إن لي دينارين. فقال: أنفقهما على أهلك، فقال: إن لي ثلاثة، قال أنفقها على PageV01P720 # خادمك. [قال: إن] لي أربعة، قال: أنفقها على والديك، قال: إن لي خمسة. ~~قال: أنفقها على قرابتك قال: إن لي ستة، قال أنفقها في سبيل الله ". # يريد لي بالدينار غير الدينار، ولي اثنان غير الاثنين// وثلاثة غير ~~الثلاثة، وكذلك ما بعده. # وقيل: العفو ما لا يكون إسرافا ولا إقتارا. قاله عطاء والحسن وقال مجاهد: ~~" العفو الصدقة عن ظهر غنى ". # وروي عن ابن عباس في حد العفو: " أمر النبي صلى الله عليه وسلم [ أن ~~يأخذ] ما أتوا به من قليل أو كثير. # وقال الربيع: " العفو/ ما طاب من المال ". # / وقال قتادة: " العفو أفضل المال، وأطيبه أفضله ". PageV01P721 # قال ابن عباس: " هي منسوخة بالزكاة ". # وقيل: إنما هي الزكاة، وليست منسوخة. # وقيل: إنما في التطوع، سألوا عنه فأجيبوا، فهي ms0242 محكمة وليست بغرض. # قوله {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة}. # معناه: مثل ما بيك لكم الخمر والميسر وما فيهما يبين لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون في نفاذ الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ونعيمها فتعملون للباقية ~~منهما. # وقيل: معناه: لعلكم تتفكرون في فضل ما بينهما. # وقيل: / في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: " يبين الله لكم الآيات في ~~الدنيا والآخرة "، أي في أمرهما لعلكم تتفكرون. # قوله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير}. PageV01P722 # كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما} [النساء: 10]، انطلق من كان معه يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من ~~شرابه، فكان يفضل الشيء من طعام اليتيم فيحبس له حتى يفسد فاشتد عليهم ذلك، ~~فذكروا ذلك للنبي [عليه السلام]، فأنزل الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى ~~قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم}. قاله ابن عباس وغيره. # وقيل: إنه لما نزل: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: ~~152]، اجتنب الناس مخالطتهم فنزلت {وإن تخالطوهم فإخوانكم}، فخالطوهم. # {والله يعلم المفسد من المصلح}. أي يعلم حين تخلط مالك إلى مالك بماله، ~~أتريد بذلك إصلاح ماله أو إفساده يريد الجنسين. # قوله: {ولو شآء الله لأعنتكم}. أي: لحرم عليكم مخالطتهم PageV01P723 # فتتبعون ويشق ذلك عليكم. # وقيل: معناه: لأويقكم فأهلككم بما قد أصبتم من أموالهم. # قال أبو إسحاق: " معناه: لكلفكم ما يشتد عليكم، فتعنتون ". # وأصله من: " عنت البعير " إذا حدث في رجله كسر بعد جبر. # قوله: {أن الله عزيز حكيم} [البقرة: 209]. # أي: عزيز في سلطانه، حكيم في فعله وأحكامه وتدبيره. # قوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}. # قال ابن عباس: " عم تحريم كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5]. # وقال عكرمة والحسن: " نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب ". PageV01P724 # وكذلك قال مالك: " هي منسوخة "، وهو قول سفيان. # وقال ابن جبير: " الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يع ن بها/ ~~غيرهن ". # وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك ms0243 عن ابن عباس، وابن ~~عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم ~~فيها ضعف. # وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ~~ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما. # وقال/ ابن عمر: " حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف ~~شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى ". وقد سمى الله اليهود ~~والنصارى مشركين في كتابه في " براءة " وغيرها؛ قال: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31]. فهذا هو الشرك بعينه. PageV01P725 # وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم ~~يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه ~~أجازه. # وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: " أنكحت الأرض البر " إذا بذرته ~~فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] يراد به ~~الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسما للعقد إذ هو ~~سبب الوطء. # وجاز أن تقول: {ولعبد مؤمن خير من مشرك}، والمشرك لا خير فيه، كما تقول ~~العرب: " الآباء أحق بالميراث من الخال ". ولا حق للخال في الميراث. # وحكى نفطويه في كتاب " التوبة " له أن العرب تأتي بأفعال على ضربين: ~~أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. / والثاني أن يكون إيجابا PageV01P726 # للأول ونفيا عن الثاني كقوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا} ~~[الفرقان: 24] فهو نفي عن أن يكون في النار خير. # وقيل: / المعنى: ولإنكاح عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك. # وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] ~~تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن " أمة ~~مؤمنة خير من مشركة ولو أعجتكم "، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها. # ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، ~~فأعلمنا أن عبدا مؤمنا خير من مشرك. # وبهذا يحتج من جعل الأول عاما في الكتابية وغيرها. PageV01P727 # ثم قال تعالى: ms0244 {أولئك يدعون إلى النار}. أي يعملون بأعمالهم. {والله ~~يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه}. # أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده. # وروي أن هذه الآية نزل في كناز بين الحصين/ [الغنوي أبي] مرثد بعثه/ رسول ~~الله [ صلى الله عليه وسلم] إلى مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه أسر، وكان له ~~بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقل لها: إن الإسلام قد حرم ~~ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقالظ: لا، حتى آتي رسول الله ~~فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله هل يحل له ~~تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات} الآية، فهي في ~~غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل. # قوله: {ويسألونك عن المحيض}. PageV01P728 # كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في ~~المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفتهم الله ~~تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ~~ذلك حلال. # ثم قال: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله}. # أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل على منع إتيانهن في الأدبار. # وقيل: معنى: {من حيث أمركم الله} طهرا غير حيض. # ومعنى: {قل هو أذى}. # قال السدي: " قل يا محمد: قل هو قذر/ "، وكذلك قال قتادة. # وقال مجاهد: " {قل هو أذى} قل هو دم ". PageV01P729 # والآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من شريعتهم لأنهم كانوا لا ~~يجتمعون مع الحائض فبي بيت ولا يواكلونها، فنسخت الآية ذلك. فقالت اليهود ~~عند نزولها: " ما يدعمحمد شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه ". # فللرجل أن يستمتع [من الحائض] بما دون الفرج غير الدبر. وهو قل عائشة وأم ~~سلمة وابن عباس والحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. وهو قول ~~الشافعي الصحيح. # ويروى عن ميمونة وسعيد بن المسيب أنها تعتزل فيما بين السرة والركبة، ~~ويستمتع بها فيما دون ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة. # وقال عكرمة والشعبي: " لا بأس بإتيانها ms0245 دون الفرج " [يريدان الفخذ]. PageV01P730 # وقال الثوري: " لا بأس أن يباشرها إذا اتقى موضع الدم ". # فإن أتاها وهي حائض؛ فقال ابن عباس: " يتصدق بدينار أو بنصف ". # وقيل: إن كان في فور الدم وقوته يتصدق بدينار، وإن كان في آخره وضعفه ~~تصدق بنصف. قاله النخعي وغيره. # وقال الأوزاعي: " إن كان وطئها في الدم تصدق بدينار، وإن وطئها بعد ~~انقطاع الدم وقبل الطهر بالماء، تصدق بنصف دينار ". # وقال سعيد بن جبير: " عليه عتق رقبة ". # وقال الحسن: " عليه مثل الذي على من وطئ في رمضان ". وجماعة/ الفقهاء ~~التابعين يقولون: لا شيء عليه ويستغفر الله من ذلك ولا يعد، وقد أخطأ. # قال مالك والشافعي وأبو حنيفة. وهو قول الشعبي والزهري وربيعة وأبي ~~الزناد والليث بن سعد الثوري. PageV01P731 # وقال مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم: " لا يطأها حتى تغتسل بالماء، فإن ~~فعل قبل ذلك، وقد انقطع الدمع، لم يكن عليه شيء، وقد أخطأ ويستغفر الله ". # وهو قول سالم/ بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والثوري. # وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " إذا احتاج إلى وطئها قبل أن تغتسل، أمرها أن ~~تتوضأ، ثم أصاب منها ما شاء ". # وهو معنى قراءة من قرأ: " حتى يطهرن " مخففا، أي ينقطع عنهن الدم. # وفي مصحف أبي وابن مسعود: " حتى يتطهرن " بالتاء أي بالماء PageV01P732 # {فإذا تطهرن} أي اغتسلن. هذا قول الجماعة. # وقال مجاهد وطاوس: " إذا تطهرن للصلاة ". # فليس يجب للقارئ أن يقف على " يطهرن " في قراءة من خففه لئلا يبيح وطء ~~الحائض إذا انقطع عنها الدم ولم تتطهر بالماء. فأما من قرأه بالتشديد، ~~فالوقف عليه حسن لأن معناه: " يتطهرن بالماء " وقربها بعد التطهر بالماء ~~إجماع. # قوله: {من حيث أمركم الله}. أي: من الوجه الذي نهيتهم عنه وهو الفرج. # وقال مجاهد: " {من حيث أمركم الله} أمروا أن يأتوهن من حيث نهو عنه ". ~~يعني ياتونهن بعد التطهر في الموضع الذي أمروا أن يتعتزلوه في الحيض وهو ~~الفرج. PageV01P733 # فهذا نص من الله على إتيان النساء في طهورهن في/ الفرج دون غيره. وقيل: ~~معناه: من قبل طهرهن، ms0246 لا من قبل حيضهن. # وقيل: معناه إيتوهن من قبل النكاح الذي أمرتم بهن وحل لكم لا من قبل ~~الزنا الذي نهيتم عنه، وحرم عليكم. # قوله: {يحب التوابين}. # أي الراجعين/ عن الذنوب، والمتطهرين بالماء للصلاة. وهو/ ظاهر اللفظ، ~~وعليه أكثر أهل التأويل. # وقال مجاهد: " {ويحب المتطهرين}: أي الذي لا يأتون النساء في أدبارهن ". # وقيل: معناه: ويحب المتطهرين من الذنوب أن يعودا بعد التوبة. و ~~{المتطهرين} يعني به النساء والرجال، غلب المذكر على المؤنث، ولم يقل ~~المتطهرات، لأنه يخص النساء خاصة إذ لا يغلب المؤنث على المذكر. PageV01P734 # وقيل: عني بالمتطهرين اللواتي يتطهرن من الحيضة بالماء، وهذا يدل على أن ~~الحائض لا توطأ إلا بعد التطهر بالماء/ لأن من وطئها قبل التطهر بالماء، ~~فقد وطئ من لا يحبه الله، وذلك ممنوع. # ومن وطئ بعد التطهر بالماء، فقد وطئ من يحب الله. وذلك حسن لأن الله إنما ~~أحبهن على فعلهن وهو التطهر بالماء، ولم يحبهن على غير فعلهن، وهو انقطاع ~~دم الحيض، فشكر الله لهن تطهرهن بالماء. # وأتى " المتطهرين " بلفظ التذكير لأنه يكون من الرجال والنساء، فغلب ~~المذكر. # وقوله: {أنى شئتم}. أي مقبلة ومدبرة في الفرج. # ومعنى: {نسآؤكم حرث لكم}. # أي هن مزدرع للولد، بمنزلة الأرض هي مزدرع للحب فتقديره: " نساؤكم موضع ~~حرث لكم ". PageV01P735 # وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت لما كان اليهود يجتنبون، وذلك أنهم ~~يقولون، من أتى امرأته في فرجها من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله: ~~{فأتوا حرثكم أنى شئتم}. أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج. ورواه مالك عن ~~ابن المنكدر عن جابر. # [وروى] ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال في قوله: {أنى شئتم}: هو العزل، إن ~~شئت عزلتم وإن شئت لم تعزل، وإن شئت سقيته، وإن شئت أظميته ". # وروي عن ابن عباس أنه قال: " كانت قريش تتلذذ بالنساء مقبلات ومدبرات في ~~الفرج، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فامتنعن عليهم من ذلك، وقلن: ~~[لا نعرف] هذا، فبلغ ذلك النبي [عليه السلام]. فأنزل الله الآية وأصح ~~الوجوه في ms0247 PageV01P736 # العربية أن يكون {أنى شئتم} بمعنى من أي وجه شئتم. # قال أبو محمد مكي: يجب لأهل المروءة والدين والفضل ألا يتعلقوا في جواز ~~إتيان النساء في أدبارهن بشيء من الروايات، فكلها مطعون فيه ضع يف. وإنما ~~ذكرناها لأن غيرنا من أهل العلم ذكرها، وواجب على أهل الدين أن ينزهوا ~~أنفسهم عن فعل ذلك، ويأخذوا في دينهم بالأحوط فإني أخاف من العقوبة على ~~فعله، ولا أخاف من العقوبة على تركه، وقد روي في ذلك أخبلار كثيرة، وأضيف ~~جوازه إلى مالك وروي عنه وليس ذلك بخبر صحيح ولا مختار عند أهل الدين ~~والفضل. وقد أضر بنا عما روي فيه لئلا يتعلق به متعلق، وأسقطنا ذكر ما روي ~~فيه من كتابنا لئلا يستن به جاهل أو يميل إليه غافل وأسأل الله التوفيق في ~~القول والعمل بمنه. # وقد قال مسروق: " قلت لعائشة رضي الله عنها: " ما يحل للرجل من امرأته ~~إذا كانت حائضا فقالت: كل شيء إلا/ الجماع ". # ويدل على منعه قوله: {فأتوا حرثكم/ أنى شئتم} والحرث للولد يكون لأنه ~~كالبذر للزرع، والولد لا يكون/ إلا جهة الفرج والإباحة إنما هي في الفرج لا ~~غير، لذكره الحرب الذي به يكون الولد. فهذا نص ظاهر. PageV01P737 # وقد روى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: " سألت مالك بن أنس ~~فقلت: إنهم قد ذكروا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن. فقال: معاذ ~~الله، أليس أنتم [قوما عربا]. فقلت: بلى فقال: قال الله عز وجل: { نسآؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، وهل يكون الحرب إلا في موضع الزرع أو في ~~موضع المنبت ". # وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكا، ~~فقلت: يا أباع عبد الكله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما ~~أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرب إلا في موضع الزرع؟. # أتسمعون الله يقول: {نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} قائمة فقاعدة ~~وعلى PageV01P738 # جنبيها لا تتعدى الفرج. قلت يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك ms0248 تقول بذلك، ~~فقال: " يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي ". # قال أبو أحمد مكي: " [وهذا] الأشبه بورع مالك، وتحفظه بدينه ". # وروى الدارقطني أيضا عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت/ مالكا، ~~وعلي بن زياد يسأله، فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يتحدثون عنك أنك ~~تجيز الوطء في الدبر. فقال مالك: " كذبوا علي، عافاك الله ". # وقد روي في منعه آثار كثيرة؛ فمنه ما روي عن عكرمة أنه قال: " أنى شئتم ~~من قبل الفرج ". قاله ابن جبير ومجاهد. # وعن/ ابن عباس أن النبي عليه السلام قال في حديث له طويل: " يأتي الرجل ~~امرأته PageV01P739 # مقبلة ومدبرة إذا كن ذلك في الفرج ". # وروى عمارة بن خزامة بن ثابت عن أبيه أن البي [عليه السلام] قال: " إن ~~الله لا يستحيي من الحق، فلا تأتوا النساء في أدبارهن ". # وقال أبي بن كعب: " من أتى امرأته في دبرها فليس من التوابين ولا من ~~المتطهرين ". # وقال ابن مسعود: " محاش النساء عليكم حرام ". # وروى عبد الله بن أبي الدرداء عن أبيه أنه قال: " الذي يطأ امرأته في ~~دبرها هو أعظم الفواحش ". PageV01P740 # قوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله}. # يدل على منع الإتيان في الدبر لأن الله لا يأمر بالفحشاء وقد سمى الله ~~الإتيان في الدبر فاحشة بقوله: {أتأتون الفاحشة} [الأعراف: 80]، فكيف يبيح ~~الفاحشة؟ / وإنما معناه في الفرج الذي أبيح لطلب الولد. # وفي قول الله تعالى لقوم لوط: {أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما ~~خلق لكم ربكم من أزواجكم} [الشعراء: 165 - 166] دلالة على المباح الإتيان ~~في الفرج دون الدبر وفي الآية دليل على منع الإتيان في الدبر من الرجال ~~والنساء لأن قوله: # {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} يراد به الفرج، لأن " ما " بمعنى " ~~الذي ". " والذي " لا يقع إلا على معهود مشار إليه، وهو الفرج الذي خلقه في ~~النساء. ولو قال: " من خلق لكم، لكان المراد النساء لأن " من " لمن يعقل ~~فلما جاءت " ما " وهي تقع لما لا يعقل علم أنه شيء في: النساء خاص/خلق ~~الأزواج وهو ms0249 الفرج. # وقد قال ابن عباس في قوله: {من حيث أمركم الله} " معناه: من حيث أمركم ~~الله أن تعتزلوهن ". PageV01P741 # وقد كثرت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك. وقوله: ~~{وقدموا لأنفسكم}. # قال ابن عباس: " اذكروا الله عند الجماع ". # وقيل: معناه طلب الولد. # وقيل: معناه أنهم أمروا بتقديم الأعمال الصالحة. # وهو الخير هو المفعول الثاني " لقدموا ". فهو مردود على ماقبله من قوله، ~~{قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين} [البقرة: 215] الآية. # قوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم}. # معناه: أن يقول الرجل إ ذا سئل في خير أو صلاح: علي يمين أن لا أفعل. ~~فيجعل اليمين علة لترك فعل الخير. فأمرهم الله بأن يبروا أيمانهم ويتقوه في ~~فعل الخير ويصلحوا بين الناس، قاله ط طاوس وغيره. PageV01P742 # وقال ابن عباس: " هو الرجل يحلف ألا يكلم قرابته، ولا يتصدق عليهم، أو ~~يكون بينه وبين رجل مغاضبة فيحلف ألا يصلح بينه وبين خصمه، فأمر أن يكفر ~~ويفعل ما حلف عليه ". # وقال الضحاك: " هو الرجل يحرم ما أحل الله له على نفسه ويحلف، فأمره الله ~~أن يكفر ويأتي الحلال ". # وقال السدي: " {عرضة لأيمانكم}: هو أن يعرض بينك وبين الرجل أمر فتحلف ~~ألا تكلمه/ ولا تصله ". # وقال مالك: " بلغني أنه حيلف بالله في كل شيء. # قال ابن عباس: " معناه لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تصنعوا الخير، ~~ولكن كفروا إيمانكم واصنعوا الخير ". # وقوله: {أن تبروا} هو الرجل يحلف ألا يبر رحمه. # ثم قال: {وتصلحوا} هو الرجل يحلف ألا يصلح بين اثنين/ إذا عصياه، غضبا ~~عليهما في مخالفته، فأمر أن يكفر ويأتي ما حلف عليه. # وجامع القول في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: " هو الرجل يحلف على PageV01P743 # شيء من الخير والبر ألا يفعله، فأمر أن يفعل ويكفر ". # وقالت عائشة رضي الله عنها: " لا تحلفوا بالله وإن بررتم ". # وقال ابن جريح: " نزلت الآية في أمر أبي بكر حيث حلف ألا يتصدق على مسطح ~~ولا يعطيه شيئا ". # والعرضة في كلام العرب القوة والشدة؛ يقال: " هذا ms0250 الأمر عرضة لك " أي قوة ~~لك على أسبابك. فمعناه على هذا: لا تجعلوا يمينكم قوة لكم في ترك فعل ~~الخير. # وقال السدي: " نزلت هذه الآية قبل نزول الكفارات ". # وقال غيره: " نزلت بعد نزولها ". # قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}. # قال ابن عباس: " هو ما سبق به اللسان على عجلة كقولك: " لا والله، بل PageV01P744 # والله ". وكذلك قالت عائشة رضي الله عنه. # وقال مجاهد: " هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا. ~~ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا وكذا، فهو اللغو ". # وقال أبو هريرة: " لغو اليمين أن يحلف الرجل على الشيء يظن أنه هو يقين ~~منه، ثم يظهر له خلاف ظنه ". وهذا القول أحسن الأقوال في لغو اليمين ~~المعفو/ عنها. وروي مثله عن ابن عباس. # وروي عنه أيضا أنه قال: " هو الرجل يحلف على الشيء فيرى الذي هو خير منه ~~فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويفعله/، وأعلمه أنه لا يؤخذه على ذلك ". فهذه ~~ثلاثة أقوال عن ابن عباس. PageV01P745 # وقال عطاء بن يسار: " هو الخطأ في اليمين ". # وقال الحسن وغيره: " هو الرجل يحلف على الشيء، وهو يظن أنه صادق، ثم يظهر ~~له خلاف ذلك، فلا كفاركة عليه ولا إثم "، وهو قول أبي هريرة المختار. # وقال طاوس: " هو الرجل يحلف في الغضب، فلا كفارة عليه ولا إثم "، وذكر ~~قول النبي [عليه السلام]: " لا يمين في غضب ". # وقال: ابن جبير: " هو الرجل يحلف أن يعفعل ما نهى الله عنه أو يترك ما ~~أمر الله به، فيمينه لغو، ولا كفارة عليه ". # وقد قال ابن المسيب وابن الزبير: " لا كفارة في معصية ". وكذلك قال ابن ~~عباس. # وقال الشعبي: " كفارة من حلف على المعصية أن يتوب منها ". PageV01P746 # وقال: [زيد بن] أسلم: " هو الرجل يقول: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا ~~وكذا، وأخرجني الله من مالي إن لم أصنع كذا، وشبهه مما يدعو به على نفسه. ~~فهو لغو ولا كفارة/ فيه ". # وقال: ابن زيد: " هو قول الرجل: " أنا كافر إن فعلت كذا، وجعلت مع الله ms0251 ~~إلاها إن صنعت كذا، وشبهه، فلا كفارة فيه ". # وقال الضحاك: " اللغو من الأيمان، هي اليمين المكفرة يحلف ألا يفعل فيكفر ~~ويفعل، ولا يؤاخذه الله بذلك، ولكن يؤاخذه بما يحلف عليه وقلبه يتيقن أن ~~يمينه كذبة. فتلك اليمين لا كفارة فيها، وهي اليمين الغموس، وهي أعظم من أن ~~تكفر ". # وقيل: لغو اليمين الحنث، لا يؤاخذ الله من حنث في يمينه وكفر، لأن ~~التكفير يسقط الإثم ". # وقال إبراهيم: " هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء، ثم ينسى فيفعله، فيمينه ~~لغو ". PageV01P747 # واللغو في كلام العرب ما لا يحتاج إليه. # قال نفطويه: " اللغو في نفس اللغة الشيء المطرح يقال: ألغيت هذا، أي ~~طرحته ". واللغة في الأيمان ما لم تكن النية معتقدة له، إنما في عرض ~~الكلام. وهو معنى قول ابن عباس وعائشة. # والسهو داخل في هذه الآية بغير نية، ويدخل فيه أيضا ما ليس بيمين نحو قول ~~الرجل: " لا وحياتك " وشبهه، وهذا يرجع إلى قول أبي هريرة وقول الحسن ~~المتقدمي الذكر. # وكان ابن عباس لا يرى الكفارة إلا في الإيمان التي تكون لغوا. فأما ما ~~كسبت القلوب، وعقدت اليمين فيه وهي تعلم أنها كاذبة، فلا كفارة فيه، والله ~~يؤخذ على ذلك بما شاء إن شاء. PageV01P748 # وتقدير الآية التي في المائدة على هذا القول: " لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة/ مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم ~~يجد فيصام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان ". أي حلفتم وأنتم تعلمون أنكم كاذبون. # [كذلك التقدير] عند ابن عباس وابن جبير والضحاك وغيرهم. # وقال قتادة: " المؤاخذة هنا في الإيمان الفاجرة إنما هي الزام الرجل ~~الكفارة على يمينه؛ فمن حلف وهو يعلم أنه كاذب وجبت عليه الكفارة، وهي ~~المؤاخذة التي ذكر الله. ومن حلف وهو يظن أنه/ صادق، فهو لغو يمين ولا ~~كفارة فيه، ولا إثم ". # وروي عن الربيع مثله. وهو قول عطاء والحكم. # وقال السدي مثل ذلك إلا أنه قال: " يؤخذه في الدنيا بالكفارة على يمينه PageV01P749 # الفاجرة ويؤاخذه في ms0252 الآخرة إن شاء الله عليها إ ذ حلف وهو يعلم أنه كاذب ~~". # والأيمان/ عند أكثر الفقهاء ثلاثة: # - اللغو؛ وهو قوله: " لا والله وبلى والله فلا شيء فيها ". # - والثانية: العمد؛ وهو أن يحلف متعمدا ألا يفعل الشيء، ثم يريد أن يفعله ~~ويرى أن ذلك خير فيكفر ويفعل ولا شيء عليه. وهي التي في قوله: {بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته} [المائدة: 89]. # - والثالثة: الغموس؛ وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كذاب فلا كفارة ~~فيها لعظمها، والله يفعل بفاعلها ما شاء. وهي التي في قوله: {ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم}. # وقل زيد بن أسلم: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}. قال: " هو الشرك PageV01P750 # بالله والكفر لا اليمين ". يريد قول الرجل: أنا كافر بالله إن فعلت وأنا ~~مشرك إن فعلت، يؤاخذ عليه إن اعتقده بقلبه. فإن لم يعتقده بقلبه، فهو اللغو ~~الذي قال فيه: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}. # ومن قال: " أقسمت ألا أفعل "، فإن أراد بالله وفعل كفر، وإن لم يرد ذلك ~~فلا شيء عليه، وكل/ أسماء الله يجب فيها الكفارة، وكذلك صفاته. # وإذا حلف بالقرآن وحنث، فقال ابن مسعود: " عليه لكل آية كفارة "، وبه قال ~~الحسن البصري. # وأكثر الفقهاء على أن: فيه كفارة يمين، ومنهم من قال: " لا كفارة فيه ~~لعظمه، وجلالة قدره ". # والعهد والميثاق والكفالة إذا أضيف ذلك إلى الله جل ذكره وحلف به، فيه ~~كفارة يمين عند مالك وغيره. # ومن قال: " حلفت " ولم يحلف، فإن أراد اليمين كفر. وإن أراد الكذب لم يكن ~~عليه شيء. PageV01P751 # هذا قول مالك وغيره. # ومن حلف بصدقة ماله أو بهديه أن يجعله في سبيل الله؛ فقال عطاء والشعبي ~~وغيره: " لا شيء عليه ". # وروي عن عمر رضي الله عنه، وعائشة أن عليه كفارة يمين وهو قول جماعة من ~~التابعين. # وقال مالك: " يخرج ثلث ماله " وهو قول الزهري وغيره. وروي عن ابن عمر ~~وابن عباس أنه: يتصدق من ماله بمقدار الزكاة. وقد قبل: يعني بما جعل على ~~نفسه. روي ذلك عن ابن عمر. وقال قتادة: " يهدي بدنة ms0253 ". # وقال/ جابر بن زيد: " إن كان ماله كثيرا نحو ألفين فعشرة، وإن كان وسطا ~~نحو ألف، فسبعة، وإن كان قليلا نحو خمسمائة فخمسه. # ومن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث فلا شيء عليه عند أبن المسيب والقاسم ~~بن محمد. PageV01P752 # وقال الحسن وجابر بن زيد وطاوس والنخعي وعطاء وقتادة/ وغيرهم/ " عليه ~~كفارة يمين ". وهو قول الشافعي. # وقال الشعبي ومالك وأبو حنيفة: " يمشي كما حلف ". # وقال ابن شبرمة: " يحرم من يومه ". # وقال مالك رضي الله عنه: " إن حنث في غير البلد الذي حلف فيه فعليه أن ~~يأتي إلى ذلك البلد، فيمشي منه ". # ومن حلف بعتق رقبة فحنث، فأكثر الناس [على أن عليه] كفارة يمين، وهو قول ~~ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة، وحفصة وقاله الحسن. # وقال عطاء: " يتصدق بشيء من حنث في العتق ". # وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وجماعة من الفقهاء: " يعتق من حلف ~~إذا حنث ". # وقوله: {والله غفور حليم}. # أي غفور لأهل اللغو في الأيمان، حليم [في تركه]. العقوبة على أهل PageV01P753 # اعتقاد الأيمان/ الكاذبة فلا يعاجلهم بها. # وقوله: {للذين يؤلون من نسآئهم} الآية. # الإيلاء عند ابن عباس هو: أن يحلف الرجل في الغضب ألا يجامع امرأته. ~~وكذلك روي عن علي رضي الله عنه، وهو قول النخعي وقتادة والحسن. فإن حلف في ~~غير غضب، فليس بمولي لأنه إصلاح. # وقد ق ل مالك رضي الله عنه: " من حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها فليس ~~بمولي ". # وقال ابن مسعود: " يكون موليا إذا حلف في الرضا والغضب ألا يطأ ". وبه ~~قال الثوري وأهل العراق والشافعي وابن حنبل، وهو قول PageV01P754 # مالك. كما أن سائر الأيمان من طلاق وغيره سواء في الرضا والغضب. # وروي عن ابن عباس أنه قال: " لا يكون موليا حتى يحلف ألا يطأها أبدا ". # وقال مالك رضي الله عنه والشافعي: " إذا حلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر، ~~وتمت الأربعة أخذ بالوطء أو الطلاق؛ يطلق طلقة بائنة تملك بها نفسها، وله ~~مراجعتها إن شاء بعقد مجدد وصداق ". # وقد قال جماعة: ms0254 " إن الطلاق يقع بمضي الأربعة أشهر ولا يوقف بعدها "، وهو ~~قول ابن مسعود وابن عباس وجماعة معهما. # وإيجاب توقيفه بعد الأربعة الأشهر هو قول عمر وعثمان وعلي وابن عمر ~~وعائشة وأبي الدرداء وغيرهم من الصحابة، وعليه أكثر الفقهاء: مالك والشافعي ~~وغيرهما. PageV01P755 # والإجماع على أن الطلاق بكلام يسمع يدل على تمام الأربعة أشهر لا يكون ~~طلاقا حتى يتكلم به، وهو قول عمر وأبي الدرداء. # وكل يمين عند مالك لا يقدر صاحبها عند الوطء من أجلها فهو مول بها/ لو ~~حلف لغريمه ألا يطأ امرأته حتى يوفيه حقه فهو مول عند مالك. فكل يمين منعت ~~من الوطء فصاحبها مول عند مالك والشافعي والشعبي والنخعي وسفيان وأصحاب ~~الرأي/، وأبي ثور وأبي عبيد، وهو مروي عن ابن عباس. # إلا أن مذهب مالك أنه إذا حلف ألا يطأ فتمضي أربعة أشهر من يوم حلف، ~~يوقف، فإما فاء، و [إما طلق]، سواء رفع إلى السلطان بعد الأربعة أشهر ~~وقبلها، إنما يحسب من يوم حلف، وإذا حلف على أمر يفعله بالطلاق منع من ~~الوطء حتى يفعل ودخل عليه الإيلاء، لكن لا يوقف إلا بمضي الأربعة الأشهر من ~~يوم يرفع إلى السلطان، ولا يحسب له من يوم حلف. PageV01P756 # ومن قال لامرأته: " [إن قربتك فأنت] علي كظهر أمي "، فهو مول عند مالك. ~~فإذا انقضت أربعة أشهر، فإما أن يطلق وإما أن يكفر ويطأ. # وقوله: {يؤلون من نسآئهم}. # قيل/ معناه: على وطء نسائهم، " فمن " بمعنى " على " وفيه حذف مضاف معناه: ~~" على وطء نسائهم "، ثم حذف الوطء كما قال: {ما وعدتنا على رسلك} [آل ~~عمران: 194] أي " ألسنة وسلك "، ثم حذف الألسنة. # وقوله: {فإن فآءو}. # أي رجعوا إلى الوطء، وكفروا عن عن إيمانهم، فإن الله غفور لهم على ~~يمينهم، رحيم بهم أن يعاقبهم بعد كفارتهم. # قوله: {وإن عزموا الطلاق}. # أي إن لم يكفروا ولا فاءوا إلى الطوء؛ أي رجعوا إليه وأرادوا الطلاق، فإن ~~الله سميع لقولهم، عليم باعتقادهم وعزيمتهم. # قوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}. PageV01P757 # ومعناه: المطلقات المدخول بهن ذوات الحيض - غير ms0255 الحوامل - يتربصن عن ~~التزويج ثلاثة أطهار، وقيل: ثلاثة حيض. # والقرء في اللغة: الوقت، فيصلح للطهر، ويصلح للحيض. والحيض عند أبي حنيفة ~~وغيره أولى به. وهو يقول أحد عشر من الصحابة وجماعة من التابعين والفقهاء. # وهو عند مالك الطهر، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. فإذا طلقها وهي ~~طاهر في طهر لم يمسها فيه فهو قرء تعتد به، وإن لم يبق منه إلا أقله. فإذا ~~رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج، وهو قول عائشة. وابن عمر وزيد بن ~~ثابت والقاسم وسالم وسليمان بن يسار/. PageV01P758 # وبه قال الشافعي وغيره من الفقهاء. ويدل على أن المراد/ بالأقراء في هذه ~~الآية الأطهار قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]، فلهن أن يعتدن ~~بما يطلقن فيه وهو الطهر الذي لم تمس فيه. # والطلاق في الحيض عند أهل العلم مكروه، فدل ذلك على أن الطلاق إنما يكون ~~في الطهر لا في الحيض: [وهو قول النبي عليه السلام]: " فليطلقها طاهرا من ~~غير جماع " فإذا طلقت/ في الطهر اعتدت به قرءا. # ودخول الهاء في ثلاثة يدل على أنه الأطهار، لأن الطهر ما ذكر والحيض ~~مؤنث، فلو أريد به الحيض لم تدخله الهاء. # قال ابن عباس: " استثنى الله من هذه الآية اللواتي لم يدخل بهن والحوامل ~~". # وقال قتادة: " هو نسخ ". # وقال غيرهما: " هو تبيين، لأن هذه الآية يراد بها الخصوص فبين المراد في PageV01P759 # " الأحزاب " وسورة الطلاق، فهي مبينة لا منسوخة. # قوله: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن}. # / أكثر أهل التفسير على أن الذي نهين عنه أن يكتمن هو الحيض والولد وذلك ~~أن تقول: " إني قد حضت الثلاثة، وهي لم تحض لتذهب ما يجب لزوجها من الرجعة، ~~أو تكتم الولد ليذهب حقه من الرجعة حتى تلد وهو لا يعلم، فلا يكون له في ~~الرجعة بعد الولادة حق. # وقيل: هو الحمل خاصة؛ وذلك أنهن كن في الجاهلية يكتمن الولد خوفا ألا ~~يراجعهن أزواجهن، فيتزوجن وهن حوامل، فيلحقن الولد بالزوج الثاني، PageV01P760 # فحرم ذلك عليهن. قال ذلك قتادة وغيره. # وقال ms0256 السدي: " كان الرجل في الجاهلية إذا أراد الطلاق سأل امرأته هل بها ~~حمل خوف أن يطلقها وهي حامل، فتلحق ولده غيره، فإن كانت تكرهه كتمت حملها ~~ليطلقها، فتلحق الولد غيره، فحرم ذلك. # وهذا القول يدفعه قوله: {ولا يحل لهن} بعد ذكر الطلاق ووقوعه، فإنما ظاهر ~~القرآن يدل على النهي أن يكتمن ذلك في العدة ليذهب حق الرجل من الرجعة؛ إما ~~أن تقول: " قد حضت "، ولم تحض، وأما أنو تقول " لست بحامل "، وهي حامل، ~~فتجحد حتى تضع فتذهب رجعته. # وهذه الآية تدل على أن المرأة مؤتمنة على عدتها وحملها. # ومعنى: {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر}. # أي: يحجزهن إيمانهن عن فعل ذلك، وليس ذلك يجوز أن يفعله من لا يؤمن. # قوله: {وبعولتهن أحق/ بردهن في ذلك}. # أي: أزواج المطلقات أحق بردهن في العدة إن أرادوا بالرد الإصلاح. فإن ~~أراد المضارة، لا يحل له ذلك. # قوله: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}. PageV01P761 # أي للزوجات على الأزواج من الأحسان والصحبة الجميلة مثل ما للأزواج على ~~الزوجات. # وقيل: معناه: يتزين الرجل للمرأة كما تتزين له. روي ذلك عن ابن عباس. # قوله: {وللرجال عليهن درجة}. # أي في الميراث والجهاد والشهادة ونحو ذلك، وأن فراقهن بيد الأزواج. # وقال الشعبي: " الدرجة هو ما ساق إليها من الصداق، وأنها إذا قذفته حدت، ~~وإذا قذفها لم يحد، ولاعن. # وعن ابن عباس: (درجة): أداء/ حقها إليها ومؤنتها وتركه الواجب له عليها ~~إحسانا ". # وقيل: " الدرجة هو ما زين الله به الرجل من اللحية ". رواه عبيد بن ~~الصباح عن حميد. PageV01P762 # وقال ابن إسحاق: " المرأة تنال من اللذة مثل ما ينال الرجل، وله الفضل ~~بنفقته وقيامه، وما ساق من الصداق فهي الدرجة ". # قوله: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف} أي: فعليكم إمساك، هذه الآية ناسخة ~~لما كانوا عليه؛ وذلك أن الرجل كان يطلق امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا ~~كادت تحل راجعها، فنسخ الله ذلك بأنه إذا طلق ثلاثا، لم تحل له إلا بعد ~~نكاح زوج آخر. # وقيل: إنها منسوخة بقوله: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] وقيل: هي ms0257 محكمة، ~~وقوله: {فطلقوهن لعدتهن} تبيين لقوله: {الطلاق مرتان}. # ومن قال: إنها محكمة منهم، قال: " لا ينبغي أن يطلق إلا اثنتين، ثم إن ~~شاء طلق الثالثة أو أمسك لقوله: {الطلاق مرتان}. قاله عكرمة. # وقال الشافعي: " يطلقها في كل ظهر لم يجامعها فيه ما شاء ". PageV01P763 # وقال أكثر الناس: " يطلقها في كل طهر طلقة واحدة ". # ومعنى {الطلاق مرتان}: أي: الطلاق الذي يجوز معه الرجعة وتملك المرأة ~~بعده مرتان، فهو تبيين للعدد. # / [وقوله]: {أو تسريح بإحسان}. # هي الثالثة التي لا أملك للرجل على المرأة بعدها، روي ذلك عن النبي [عليه ~~السلام]. # وقيل: / معنى {تسريح بإحسان}: يتركها فلا يراجعها حتى توفي عدتها. # وعن ابن عباس: {أو تسريح بإحسان}: " لا يظلمها من حقها شيئا ". # قال ابن عباس: " {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} [النساء: 21] هو {فإمساك ~~بمعروف}، أي صحبة حسنة، أو {تسريح بإحسان}، لا يظلمها من حقها شيئا ". # قوله: {ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا}. PageV01P764 # أي مما أعطيتموهن إذا أردتم/ فراقهن. # قوله: {إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله}. # اختار أبو عبيد الضم في {يخافآ} على قراءة حمزة، واحتج بقوله: {فإن ~~خفتم}، فجعل الخوف لغيرهما، ولم يقل: " فإن خافا " وفيه حجة لمن جعل الخلع ~~إلى السلطان ". # والخوف هنا عند إبي عبيدة بمعنى اليقين. وهذا النص إنما هو في الخلع الذي ~~يكون بين الزوجين، فيأخذ منها ما اتفقا عليه، ويتركها لقوله: {فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به}. # ولا يحل للزوج أن يأخذ من المرأة شيئا على طلاقها إذا كانت المضارة من ~~قبله، وإنما يأخذ منها على الطلاق إذا كانت هي التي كرهته، وأحبت فراقه من ~~غير مضارة منه لها. PageV01P765 # وهذه لآية عند بعضهم منسوخة، ولا يجوز أن يأخذ منها شيئا نسخها قوله: ~~{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا} [النساء: 20]. # وأكثر الناس على أنها محكمة، وأن له أن يأخذ منها ما اتفقا عليه، وتلك ~~الآية في النساء إنما هي لمن أراد الاستبدال، وهذه لمن خيف منهما ألا يقيما ~~حدود الله، فهما ms0258 محكمتان. # " وروي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي [بن] سلول وفي ~~زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه ويحبها، فأتت أباها فردها ولم ~~يشكها، فصارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: " إن ثابتا [يظلمني ~~ويضربني]. فأحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال: " والله يا رسول ~~الله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي منها سواك ". فقال للمرأة: " ما ~~تقولين؟. فقالت: " يا رسول الله، ما كنت لأخبرك بخبر ينزل عليك الوحي ~~بإبطاله، هو كما وصف، وفرق بيني وبينه ". فقال ثابت: " فترد إلي الحديقة ~~التي جعلتها لها ". فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بردها، ثم طلقها " # ، كان ذلك أو خلع كان في الإسلام. والخلع PageV01P766 # جائر بغير سلطان، وإنما يكون الخلع والافتداء إذا كان النشوز من قبل ~~المرأة. # قال ابن عباس: " هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة للرجل، فله أن ~~يأخذ ما أعطته ويفارقها، فإن كانت راضية به، فلا يحل له أن يضارر بها حتى ~~تفتدي منه، فإن فعل كان ما أخذ حراما ". # وإنما الخلع إذا كان الشيء المنكر من قبلها؛ / فتقول: " لا أغتسل لك من ~~جنابة، ولا أبر لك قسما " ثم افتدت منه وخالعها، فذلك جائز حسن. # وقال القاسم بن محمد: " لا يحل الخلع حتى يخافا جميعا ألا يقيما حدود ~~الله في العشرة الواجبة بينهما ". # وقال زيد بن أسلم: " إذا خافت المرأة ألا تؤدي حق زوجها/ وخاف الرجل ألا ~~يؤدي حق زوجته، فلا جناح في الفدية ". # قال مالك: " الأمر عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم تؤت من قبله ~~وأحبت PageV01P767 # فراقه فحلال ما افتدت به ". # قال: " ولم أر أحدا ممن/ يقتدى به، يكره أن يفتدى بأكثر من صداقها ". # وقال أبو حنيفة: " لا يكون بأكثر مما ساق إليها ". # والخلع طلقة بائنة عند جماعة من الصحابة والتابعين، وهي قول مالك ~~والشافعي وغيرهما من الفقهاء. # وعدتها عدة المطلقة عند مالك والشافعي وغيرهما. # وهو مروي عند جماعة من الصحابة والتابعين. # ولا سبيل لزوج المختلعة ms0259 إليها إلا بخطبة ونكاح جديد عند مالك والأوزاعي. ~~وهو قول عطاء وطاوس والحسن النخعي والثوري. # وقال ابن المسيب: " يرد عليها ما أخذ منها، وليشهد على رجعتها ". وكذلك PageV01P768 # قال الزهري. # قال مالك: " عليها أن تكمل بقية عدتها ". وكذلك قال الحسن وعطاء، ثم بعد ~~ذلك يراجعها بنكاح جديد إن شاء. # وقوله: {فلا جناح عليهما}. # أي لا جناح عليها فيما أعطت إذا كان النشوز من قبلها. ولا جناح عليه فيما ~~أخذ إذا كان الضرر من قبلها. # وقيل: {فلا جناح/ عليهما}: هو مخاطبة للزوج وحده فيما أخذ منها ليتركها، ~~وهذا كما قال: {يخرج منهما اللؤلؤ} [الرحمن: 22]، وإنما يخرج من الملح لا ~~من العذب. وكما قال: {فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما} [الكهف: 61]، ~~وإنما الناسي صاحب موسى. وتقول: " عندي دابتان أركبهما وأسقي عليهما "، ~~وإنما تركب إحداهما. # وقوله: {فيما افتدت به}. # قيل: من صداقها الذي كان أعطاها، لقوله: {ممآ آتيتموهن شيئا} والذي ~~أعطاها هو الصداق فرجع آخر الآية على أولها وكان ذلك أبين وأليق بالكلام. ~~قال ذلك الأوزاعي. PageV01P769 # وكره الشعبي أن يأخذ منها إلا ما ساق أو دونه " (روي) ذلك عن علي رضي ~~الله عنه. وأكثر الناس على أنه له أن يأخذ ما رضيت به من قليل كان أو كثير ~~لعموم الآية. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة. # قوله: {تلك حدود الله}. أي هذه حدوده. # " وتلك " إشارة إلى الآيات التي تقدمت/ من قوله: {ولا تنكحوا المشركات ~~حتى يؤمن} إلى {فيما افتدت به}. # فمعنى: {فلا تعتدوها} أي لا [{تجاوزنها إلى ما لم يأمركم به، ومن ~~تجاوزها}] فهو ظالم. # وقد قال الضحاك: " معناه: من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم " وأنكر ذلك ~~غيره. # قوله: / {فإن طلقها} الآية. PageV01P770 # قال ابن عباس: " إن طلقها ثلاثا لم تحل إلا بعد زوج ونكاح جديد ". # وقال الضحاك: " وغيره - كل الفقهاء -: " إن طلقها واحدة بعد اثنتين لم ~~تحل له إلا بعد زواج ". # قوله: {حتى تنكح زوجا غيره}. # يريد الوطء بالعقد الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: " حتى تذوق العسيلة ~~" ومعنى: {فلا تحل له ms0260 من بعد} أي من بعد الثالثة، ولذلك بنيت " بعد " للحذف ~~والذي بعدها. # وعن ابن المسيب: " أنها إذا نكحت نكاحا صحيحا لا يراد به تحليل حلت [به ~~له]، وإن لم يقع وطء ". / وهو شاذ. # قوله: {وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن} الآية. PageV01P771 # هذا مخاطبة للأزواج، ويكون البلوغ المقاربة. # وقيل: هو خطاب للأولياء، ويكون البلوغ التمام. # وكونه خطابا للأزواج أولى لقوله: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}. ~~وهذا لا يكون للأزواج. # ومعناه إذا كان للأزواج: وإذا طلقتم النساء فبلغن ميقاتهن من انقضاء ~~العدة، أي قربن منها كما تقول: " إذا بلغت مكة فاغتسل " أي إذا قربت منها. ~~أي إذا قربن منها فأمسكوهن. # ومن قال: هو مخاطبة للأولياء قال: نزلت في أخت معقل بن يسار عضلها معقل ~~عن مراجعة زوجها بعد انقضاء عدتها، وكان قد طلقها طلقة واحدة ". # وقيل: هو خطاب للزوج يطلق امرأته طلقة واحدة. فإذا قرب انقضاء عدتها ~~راجعها ثم يطلقها ليطول عليها، فنهى عن ذلك، وأصل العضل الحبس والمنع. ~~وظاهر الآية يدل على أنه مخاطبة للأزواج. وبلوغ الأجل المقاربة؛ نهى الزوج ~~أن PageV01P772 # يراجعها إذا قرب تمام عدتها، ثم يطلقها ليضار بها ويطول عليها، وهو ظاهر ~~الخطاب. # وأكثر المفسرين على أنها مخاطبة للأولياء؛ ويكون بلوغ الأجل تمامه. وملك ~~المرأة لنفسها، إذا جعلته خطابا للأولياء. # وإن جعلته خطابا للأزواج فبلوغ الأجل المقاربة. # فالمعنى: فراجعوهن إن أردتم مراجعتهن. # {أو سرحوهن} أي اتركوهن حتى تتم العدة. # {ولا تمسكوهن ضرارا}. أي: لا يحل لكم أن تراجعوهن مضارة لتطول العدة ~~عليها فيضر بها. وقال الضحاك وغيره: " {ولا تمسكوهن ضرارا}: " هو أن يطلقها ~~حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعها، فإذا كادت أن تنقضي راجعها مضارة، وهو ~~لا يريد / إمساكها، فنهى الله عن ذلك ". وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع ~~وغيرهم. PageV01P773 # وقال السدي: " نزلت في رجل من الأنصار وهو ثابت بن يسار، طلق امرأته، حتى ~~إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها. ففعل ذلك حتى مضت لها ~~تسعة أشهر مضارة، / فأنزل الله الآية ". # قوله: {ومن يفعل ذلك ms0261 فقد ظلم نفسه}. # أي من يضارر برجعته فإنما يضر / نفسه لأنه يأثم. # قوله: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا}. # قال الحسن: كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يطلق الرجل أو يعتق، ~~فيقال له: ما صنعت؟ فيقول: " إني كنت لاعبا "، فأنزل الله: {ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا}. # وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام]: أنه قال: " ثلاث جدهن جد، وهزلهن ~~جد: الطلاق والعتاق والرجعة ". PageV01P774 # وقالت عائشة رضي الله عنها: " كان الرجل يطلق امرأته ويقول: " والله لا ~~أؤويك ولا أدعك؟ قالت: وكيف ذلك؟ قال: إذا كدت تقضين عدتك راجعتك. فنزلت: ~~{ولا تتخذوا آيات الله هزوا}. # قوله: {واذكروا نعمت الله عليكم}. يعني الإسلام. # {ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة}. يعني القرآن. # {يعظكم به}: أي بالقرآن. # {واتقوا الله} أي خافوه فيما أمركم به مما أنزل عليكم ووعظكم به. # قوله: / {وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} الآية. # نزلت في رجل كان له أخت، زوجها من ابن عم له، فطلقها ولم يراجعها حتى ~~انقضت عدتها، فأراد أن يتزوجها المطلق لها وهي فيه راغبة، فمنعها أخوها من ~~ذلك. PageV01P775 # ولما نزلت هذه الآية دعا النبي [عليه السلام] معقلا فنهاه عن ذلك وتلاها ~~عليه، فترك الحمية وزوجها من زوجها الأول على التراضي، كما قال: {إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف}. فقيل: إن أخا المرأة كان جابر بن عبد الله ~~الأنصاري. # وقيل: معقل بن يسار. وقيل: ابن سنان. # وقيل: إن جابر بن عبد الله كان أبا المرأة المطلقة فمنعها من أن ترجع إلى ~~زوجها بعد انقضاء العدة أنفة، فنزلت الآية. # وقال ابن عباس: " نزلت في أولياء المرأة يمنعونها من مراجعة زوجها بعد PageV01P776 # انقضاء العدة ". # وقوله: {فلا تعضلوهن}. أي لا تحبسوهن. # وقيل: لا تضيقوا عليهن. # وحكى الخليل: دجاجة معضل؛ إذا احتبس بيضها. # وأصل العضل الضيق والمنع، ومنه الداء العضال، وهو الذي لا يطاق لضيقه عن ~~العلاج. # وهذه الآية تدل على أنه لا نكاح إلا بولي، إذ لو جاز أن تنكح نفسها لم ~~يخاطب الله الأولياء في المنع لها من الزواج. # قوله: ms0262 {ذلك يوعظ به من كان}. # أي هذا المذكور في الآية. و " ذلك " محمول على معنى الجمع ولو قال: " ~~ذلكم " لجاز وهو الأصل. # وقيل: إن ذلك / خطاب للنبي [عليه السلام] فلذلك وحد، ثم رجع إلى مخاطبة / PageV01P777 # المؤمنين فقال {منكم} وقال في آخر الآية: {ذلكم أزكى لكم}. # ومعنى: {وأطهر}، أي أطهر للقلوب من الريبة لأنه إذا كان في قلوب الزوجين ~~كل واحد من صاحبه شيء، ثم منعا من النكاح الذي هو حلال لهما، لم يؤمن أن ~~يتجاوزا إلى ما لا يحل أو يتهما بذلك. # {والله يعلم}. أي يعلم أسراركم، وما فيه حسن العاقبة لكم، وأنتم لا ~~تعلمون ذلك. # وقوله: {فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن}. # هذا خطاب للأولياء بلا اختلاف، فلا يكون البلوغ في هذا إلا تمام العدة. ~~ولو كان على معنى المقاربة، لم يكن للولي حكم في منعها من المراجعة إلا أن ~~يكون الطلاق بائنا فيحتمل البلوغ الوجهين: المقاربة والتمام. فإنما هو في ~~هذا الخروج من العدة، فعند ذلك يقدر الوالي على منع المراجعة. وبهذا علمنا ~~أنه لا نكاح إلا بولي؛ إذ لو كان لها أن تراجع زوجها بغير إذن وليها لم ~~يخاطب الله الأولياء في ترك المنع، فعلم أن للأولياء المنع من المراجعة ~~والإجازة في الطلاق البائن وبعد إتمام العدة في الطلاق الرجعي بهذه الآية. # [ولو] كان قوله: {فبلغن أجلهن} يريد به المقاربة لكان الحكم للزوج، يردها PageV01P778 # إذا شاء، وكان الطلاق رجعيا، ولا يسأل عن وليها أجاز، أو لم يجز. فلا بد ~~أن يكون بلوغ الأجل تمام العدة إذا جعلت الخطاب للأولياء. # قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن} الآية. # قرأ مجاهد وحميد بن قيس، وابن محيصن / " لمن أراد أن تتم الرضاعة " ~~بالرفع بالتاء. # وقرأ أبو رجاء / " الرضاعة " بكسر الراء. وقرأ: " لا تكلف " بفتح التاء ~~أراد تتكلف. # قوله: {لا تضآر}. # من رفع فهو خبر عن الله، معنى الأمر، ومعناه: / لا تضار والدة PageV01P779 # في علم الله، ولا تكلف نفس إلا وسعها. # والفتح أبين على النهي. ويجوز الكسر، لالتقاء الساكنين والفتح أخف. # وروى أبان عن عاصم " لا ms0263 تضارر " بالجزم والإظهار، وهي لغة أهل الحجاز، ~~وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، غير أن ابن مسعود يفتح الراء الأولى. # وإجماع المسلمين أن تحريم المضارة للطفل من أبويه يدل على الجزم على ~~النهي. كان اليزيدي يقول: " الرفع فيه معنى النهي " كأنه يريد أن الضمة ~~ليست بإعراب، إنما هي لالتقاء الساكنين. وهذا بعيد لأنه يشبه النهي بالنفي. PageV01P780 # ومعنى الآية / أن لفظها لفظ الخبر، ومعناها الإلزام، كما تقول: " حسبك ~~درهم ". فلفظه لفظ خبر، ومعناه الأمر، فكذلك: {والوالدات يرضعن} هو على ~~الإلزام ولفظه لفظ الخبر. # وقوله: {حولين كاملين}. # أكد " بكاملين " لجواز أن يكون " حولان " معناه حول وبعض آخر، لأن العرب ~~تقول: " أقام فلان شهرين "، وإن كان أقام شهرا أو بعض آخر. وهذا كما قال: ~~{فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203]. والمتعجل إنما يتعجل في ~~[يوم ونصف]، وكذلك اليوم الثالث. # والعرب تقول: " لم أرك مذ يومان "، تقوله في اليوم الثاني، وهو لم يتم ~~يومان. ومعنى ذلك: " لا ينزع الولد من أمه وهي تحب رضاعه وتأخذ كغيرها، ~~فيكون " تضار " فعلا لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون فعلا سمي فاعله. PageV01P781 # ومعناه: لا تترك رضاع ولدها وأخذ الأجرة، والصبي لا يقبل غيرها فتضارر ~~بالأب والصبي. # قوله: {ولا مولود له بولده}. # معناه: لا يضارر الوالد فيلقى إليه الطفل بعد ما عرف أمه وألفها؛ تفعل ~~ذلك لتقرب عدتها فتتزوج، لأنها إذا كانت ترضع، أبطأ عندها المحيض فتلقي ~~الصبي، وهو لا يقبل غيرها فتضارر بالوالد والولد في ذلك. فنهى الله النساء ~~عن ذلك. # فيجوز أن يكون أيضا " مولود " رفع على ما لم يسم فاعله على هذا التفسير. ~~ويجوز أن يكون فاعلا، ويكون المعنى: ولا يضارر الوالد بولده فيمنعه من أن ~~يرضع أمه، وقد ألفها ولا يقبل غيرها، وهي تأخذ كما يأخذ غيرها فنهى الأب عن ~~ذلك. # قوله: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما}. # أي إن أرادا أن يفطما قبل الحولين عن تراض من الأبوين فلا جناح عليهما PageV01P782 # في ذلك، وليس لأحدهما فعل ذلك حتى يرد الآخر عند الثوري. ms0264 # قوله: {وعلى المولود له رزقهن}. # أي على الأب رزق المرضعة وكسوتها بالمعروف، ورزق الولد على قدر الجدة، لا ~~يكلف فوق ما يطيق. # {لا تضآر والدة بولدها}. # أي لا [تمتنع من رضاعه]، وتقذفه [إلى أبيه] لتنكي به الأب. # {ولا مولود / له بولده} لا يمنع أمه من أن ترضعه ليحزنها. # قوله: {وعلى الوارث مثل ذلك}. # أي على وارث الصبي مثل الذي على الأب لو كان حيا، أي عليه ألا يضارر بها PageV01P783 # كما كان على الأب. قال السدي وقتادة. # قال الحسن: " على عصبته نفقته إن لم يكن له أب ولا مال ". # وقال الضحاك: {وعلى الوارث} " هو الصبي المرضع، عليه نفقة أمه من ماله إن ~~لم يكن له أب ". وهو اختيار الطبري وغيره. # وقال ابن عباس: " على وارث / الصبي من أجر الرضاع مثل ما كان على الأب ~~إذا لم يكن له مال ". # وقال الشعبي ومجاهد وسفيان: {وعلى الوارث مثل ذلك}: أي: وعلى وارث الصبي ~~ألا يضار بالأم. وهو مروي عن ابن عباس. فلا يكون {لا تضآر والدة} على هذا ~~القول إلا " تفاعل " بكسر / العين لأن: {وعلى الوارث} معطوف عليه، وهو ~~فاعل، ولا تكون {والدة} إلا فاعلة. PageV01P784 # فأما على القول الآخر، فيحتمل {تضآر والدة} أن يكون: " تفاعل "، و " ~~تفاعل "، لأن، {وعلى الوارث} ليس بمعطوف عليها إنما هو معطوف على قوله: ~~{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف وعلى الوارث مثل ذلك "، فهو عطف جملة على جملة كلاهما من ابتداء ~~وخبر، فيحسن على هذا في {تضآر والدة} الوجهان جميعا. ولا يحسن في الآخر إلا ~~أن تكون فاعلة. # وقال مالك: " هو منسوخ لا يلزم عصبة نفقة صبي / ولم يبين الناسخ لها. ~~حكاه ابن القاسم في " الأسدية " عن مالك. # وعن مالك أيضا أن المعنى: " وعلى الوارث ألا يضار " فهو محكم، وهي رواية ~~ابن وهب وأشهب عن مالك. # وقيل: إن ورثة الصبي ينفقون عليه على قدر / ميراثهم منه لو مات. قاله ~~قتادة، وهو قول أبي حنيفة. PageV01P785 # قوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم}. # أي إن ms0265 أبت أمه أن ترضعه أو انقطع لبنها، فأردتم أن ترضعه أجنبية فلا حرج. # قوله: {إذا سلمتم} أي إذا سلمتم للأم ما [فرضتموه] عليه من الأجرة ~~بالحساب. # وقيل: معناه: إذا سلمتم للاسترضاع، عن مشورة من الأب والأم، قاله قتادة. # وقيل: معناه: وإذا سلمتم إلى الأم الذي أعطيتموها على الأجرة بالمعروف. # وقال سفيان: " إذا سلمتم إلى هذه التي تستأجرونها حقها بالمعروف، فليس ~~عليكم جناح فيما صنعتم من الاسترضاع إذا أبت الأم رضاعه أو انقطع لبنها ". # وقيل: معناه: إذا سلمت أم الولد، فرضيت برضاعه من غيرها، لتعتد PageV01P786 # هي وتتزوج ورضي الأب بذلك. # قوله: {والذين يتوفون منكم} الآية. # هي ناسخة لقوله: {وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول} [البقرة: 240] قاله ~~عثمان بن عفان وابن الزبير، فنسخ أربعة أشهر وعشر الحول. # وأما الوصية فنسخها آية الميراث. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: " نسخ منها الحوامل ". # قيل: ليس هو بنسخ، وإنما هو بيان أن الذي في " البقرة " لغير الحوامل ~~وغير المدخول بهن، وزيدت العشرة / على الأربعة أشهر لأن في ذلك يتبين ~~الحمل. # وقال سعيد: " في العشر ينفخ فيه الروح ". # قوله: {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم}. PageV01P787 # أي إذا تمت العدة فلها أن تتزوج من شاءت. # / {بالمعروف} أي بولي وصداق. # قوله: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء}. # هو أن يعرض لها في العدة، فيقول: " إنك لجميلة، وإن النساء من حاجتي، ~~وإني فيك لراغب حريص، ولأحسنن إليك " ونحوه. # قوله: {أو أكننتم في أنفسكم}. # أي أخفيتم الخطبة ولم تبدوها، لا حرج في جميع ذلك. # قال جابر بن زيد: " {لا تواعدوهن سرا}: قال: هو الزنا ". # وقاله الحسن وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: " سرا نكاحا ". # وأصل السر الغشيان من غير وجهه. # وقال ابن عباس: لا تواعدوهن سرا، ألا ينكحن غيركم، ولا تعاهدوهن PageV01P788 # على ذلك. # وقال مجاهد وعكرمة: " لا تعاهدها على النكاح و [تأخذ ميثاقها ألا] [تتزوج ~~غيرك، تفعل ذلك معها] سرا ". # وقال ابن زيد: " {لا تواعدوهن سرا}: لا تنكحوهن وتخفوا النكاح، فإذا خرجت ~~من العدة، أظهرتموه ". # واختار الطبري أن يكون ms0266 السر الزنا. # قوله: {إلا أن تقولوا قولا معروفا}، هو التعريض المذكور. # قال ابن زيد: " نسخ هذا كله بقوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله}. # وأكثر الناس على أنه محكم، وأنه كله نهي عن عقد النكاح في العدة، ثم أرخص ~~في التعريض الذي [ليس هو] بوعد ولا عقد. PageV01P789 # ومعنى {يبلغ الكتاب أجله}: تنقضي العدة. # وقال السدي: " حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر وهو الكتاب الذي ينقضي ". وقاله ~~قتادة، وهو قول ابن عباس والضحاك. # قوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن} الآية. # رفع الله الحرج عمن طلق المفروض لها الصداق قبل أن يدخل بها. # ومعنى {تمسوهن}: تجامعوهن. قاله ابن عباس وغيره. # ومعنى: {أو تفرضوا لهن}: رفع الجناح أيضا عمن طلق التي لم يفرض لها قبل ~~الفرض، فمعناه: أو توجبوا لهن فريضة. # قوله: {ومتعوهن}. # قال ابن عباس وغيره: " هو واجب للتي لم يفرض لها؛ يمتع الموسر PageV01P790 # بخادم، والوسط بالورق، ودون ذلك بالكسوة والنفقة ". وقاله قتادة. # وقال أبو حنيفة: " يمتع التي لم يفرض لها، إذا طلق قبل الدخول بنصف مقدار ~~صداقها ". وبه قال الشافعي، ولم يجد / نصفا من غيره. # وأوجب علي بن أبي طالب رضي الله عنه المتعة لكل مطلقة. # وبه قال الحسين فرض لها أو لم يفرض دخل بها أو لم يدخل. # وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: " لكل مطلقة متعة إلا التي سمى ~~لها صداقا ولم تمس، فحسبها نصف ما فرض لها ". # ومذهب مالك أنه لا يجبر على المتعة أحد من المطلقين إنما هو ندب، وبه قال ~~شريح. PageV01P791 # وقال ابن المسيب: / " كانت المتعة واجبة بالآية التي في الأحزاب لقوله: ~~{فمتعوهن وسرحوهن / سراحا جميلا} [الأحزاب: 49]، قال: " ثم نسختها التي في ~~البقرة لقوله: {حقا على المحسنين} ولم يقل: " حقا عليكم " ولا " واجبا ~~عليكم ". # وقد أجمعوا / أن المطلقة قبل الدخول لا تضرب بالمتعة مع الغرباء كان قد ~~فرض لها أم لم يفرض، فدل على أنها غير واجبة، فصارت المتعة في البقرة ندبا ~~لمن أحسن واتقى لا فرضا. # وروي ms0267 عن ابن عباس أنه قال: {على الموسع قدره} أي على قدر يسره، {وعلى ~~المقتر قدره}: أي على قدر عسره للتي لم يسم لها صداقا، ولم يدخل بها خاصة ~~". # ومعنى: {لا جناح عليكم}، أي الجناح مرفوع / عنكم في الطلاق قبل المسيس ~~لأنه يجوز أن يقع بعد المسيس الجناح على المطلق، وذلك الذي يتزوج للذوق. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات " ~~فرفع الجناح في الطلاق قبل المس يدل على أنه قد يقع في الطلاق بعد المس وهو ~~ما ذكرنا. # وقيل: إنما رفع الجناح عن طلاق التي لم يدخل بها، لأن الرجل يطلق متى شاء PageV01P792 # [حائضا كانت أو طاهرا]، ولا عدة ولا سنة في طلاقهن، وليس ذلك في المدخول ~~بها، لأنه إن طلق وهي حائض وجب عليه مراجعتها، ولحقه ضيق وإثم إن تعمد ~~مخالفة السنة، ولزمت العدة. # قوله: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} الآية. # بين الله في الآية التي قبلها حال من لم يفرض لها، وحض على المتعة لها ~~على قول من قال: هو ندب، وفرضها على قول من قال: هو فرض، ثم بين في هذه ~~الآية حال المطلقة قبل الدخول التي قد فرض لها فرضا أن تعطى نصف الطلاق ~~الذي فرض لها. # وهذه الآية تبيين لصدر الآية التي قبلها لأن قوله: {لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النسآء ما لم تمسوهن} هي المفروض لها. # وقوله: {أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236]. # أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، فهي غير المفروض لها، فكرر هذه الآية في PageV01P793 # التي قد فرض لها للبيان والتأكيد. # وقال قتادة: هذه الآية/ نخست التي قبلها لأنه لم يفرض لها أولا شيئا، ~~وجعل لها متعة، ثم فرض لها الآن نصف الصداق ولا متعة لها ". # وهو قول الربيع وجماعة معه. # قوله: {إلا أن يعفون}. # يريد إلا أن تعفو الثيب أو البكر التي زوجها غير أبيها التي لا ولي لها ~~عن أخذ نصف الصداق. # قال ذلك ابن عباس، وهو قول الجماعة من ms0268 التابعين والفقهاء. # قوله: {أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح}. # قال ابن عباس: " هو ولي البكر إذ كانت لا يجوز أمرها في مالها فله أن ~~يعفو عن النصف إن شاء، فإن أبت جاز فعل الولي ". PageV01P794 # وهو قول الحسن وعطاء وإبراهيم وعكرمة وطاوس وربيعة وزيد بن أسلم ومحمد بن ~~كعب القرظي ويشريح وأصحاب ابن مسعود والشعبي وقتادة والسدي وغيرهم. # وقال الزهري وغيره: " هو الأب في انبته البكر، أو السيد في أمته لهما أن ~~يعفوا، وإن أبت ". وهو قول مالك. # قال مالك: " هو الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته ". # وليس له أن يعفو ولم يقع طلاق، إنما العفو طلاق، وكل ذلك في التي لم يدخل ~~بها. # وقاله علي بن أبي طالب ومجاهد وسعيد بن جبير. # وروي أيضا عن ابن عباس: " أن الذي بيده عقده النكاح هو الزوج المطلق ". PageV01P795 # ومعنى: {أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح}: أي يعفو الزوج فيعطي الصداق ~~كله. # والذي يرد هذا أن العفو إنما هو ترك ما يجب للعافي. هذا أصله في اللغة. ~~وليس هو موضوعا على إعطاء الرجل ما لا يلزمه فإضافته إلى الولي أولى به ~~وأبين في الخطاب، لأنه ندب إلى أن يترك ما وجب لوليته. # ومن كلام العرب: " عفا ولي المقتول عن القاتل "، أي ترك له حقه من الدية. ~~وليس/ يقال: " عفا القاتل "، إذا أعطى أكثر من الدية التي تلزمه ولو كان ~~العافي الزوج يعطي الصداق كله، لكانت الترجمة عن هذا بالهبة أولى منه ~~بالعفو لأنه إذا أعطى الصداق كله فهو واهب، وليس بعاف إنما العافي من يترك ~~حقه، ليس هو من يهب ماله. # وأيضا فإنه قال: {فنصف ما فرضتم} يريد الزوجات المالكات لأنفسهن، ثم قال: ~~{أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح}، فهذا ثالث غير الأول والثاني ولا ثالث ~~إلا الولي. # وأيضا فإن الله إنما ذكر العفو بعد/ وقوع الطلاق، فكيف يقال لمن طلق ولا PageV01P796 # شيء في يديه/ أنه هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الآن [لا] عقدة في يديه ~~إذ قد طلق. # وقيل: إنما ms0269 هو مخاطبة للأزواج الذين دفعوا الصداق/ كله، ثم طلقوا قبل ~~الدخول فندبوا [إلى أن يعفوا] عن نصف الصداق ولا يرجعون به على الزوجات. # وهذا القول يدل على أن الآية خاصة في بعض الأزواج، وليست الآية كذلك، ~~إنما هي عامة اللفظ. # ويدل على أيضا على أن المراد به غير الأزواج قوله: {بيده عقدة النكاح}، ~~والمطلق لا عقدة بيده من إثبات نكاح التي طلق قبل الدخول/ إنما عقدة نكاحها ~~بيد الولي، فهو المراد. وكذلك غير المطلق لا عقدة بيده، إنما عقدة النكاح ~~للولي، وإنما بيد الزوج عقدة نكاح نفسه، وبيد الولي عقدة نكاح المرأة. ~~وأيضا فإن معنى: {عقدة النكاح} أي نكاحها. # والألف واللام عوض من الهاء كما قال: {فإن الجنة هي المأوى} [النزعات: ~~41]. أي: مأواه، فكان رد الضمير المحذوف إليهن، لأنهن أقرب ذكر في قوله: PageV01P797 # {إلا أن يعفون} أولى به. # قوله: {وأن تعفوا أقرب للتقوى}. # هذا مخاطبة للأولياء والمطلقات المالكات أمرهن. # وقيل: خوطب بذلك أزواج المطلقات في أن يتركوا الصداق كله إن كان قد ساقوه ~~قبل الطلاق إلى الزوجة. # قوله: {ولا تنسوا الفضل}. # أي لا تتركوا فعل الخير فيما بينكم؛ يتفضل الزوج على المرأة بإعطاء ~~الصداق كله فإن لم يفعل فتنفصل برد نصف الصداق الذي وصل إليها، أو تترك ~~الكل فذللاك فضلها. # قال مجاهد: " هو إتمام الزوج الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها ~~واجب ". # وقال السدي وعكرمة وسفيان وابن زيد مثله. # قوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}. PageV01P798 # قال ابن عباس وأبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد الخدري وعائشة وسعيد بن جبير ~~والضحاك ومجاهد وغيرهم: " الوسطى صلاة العصر " وروي ذلك عن النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم] . # وقال زيد بن ثابت وابن أبي ذئب: " هي الظهر ". وروي ذلك عن ابن عمر. # وروي أن النبي عليه السلام كان يصلي في الهاجرة والناس في هاجرتهم، فلا ~~يجتمع إليه أحد، فتكلم في ذلك فأنزل الله: {والصلاة الوسطى}، يريد الظهر. # وقال قبيصة بن ذؤيب: " هي المغرب لكونها بين الليل والنهار ". PageV01P799 # وقال جابر بن عبد الله وعطاء ms0270 وعكرمة: " هي الصبح/ لكونها أيضا بين الليل ~~والنهار ". ولقوله: {وقوموا لله قانتين}. والقنوت إنما يكون في الصبح. وهو ~~[أيضا مروي] عن ابن عباس [وعلي بن أبي طالب] / وهو قول الربيع وعبد الله بن ~~شداد بن الهاد، وروي ذلك عن مجاهد، وهو قول مالك. # وهو قول أبي أمامة الباهلي وزيد بن أسلم وعبد الله بن عمر. # وقد تظاهرت الأخبار عن النبي [عليه السلام] أنها العصر. # وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح. PageV01P800 # قال مالك: " الظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح ~~فيما بين ذلك ". # قال مالك: " والصبح لا تجمع إلى غيرها، وقد يجمع بين الظهر والعصر وبين ~~المغرب والعشاء ". # قال مالك: " وهي كثيرا ما تفوت الناس ويتلهون عنها ". # قلت: وصلاة الصبح أفضل الصلوات، ولذلك أكد الله في المحافظة عليها، يدل ~~على ذلك قول النبي عليه السلام: " من شهد الصبح فكأنما قام ليلة، ومن شهد ~~العشاء فكأنما قام نصف ليلة ". # وقال: " بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح، لا يستطيعونهما ". # وقال: " لو يعلمو ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ". # ففضل العتمة والصبح على سائر الصلوات، ثم فضل الصبح على العتمة PageV01P801 # فدل على أنها أفضل الصلوات، فهي الوسطى. # وقد قال عمر: " لأن أشهد صلاة أحب إلي من أن أقوم ليلة ". # وقد قرأ الرؤاسي: {والصلاة الوسطى} بالنصب، بمعنى: وألزموا الصلاة، وقد ~~روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أثبتت في المصحف: " والصلاة الوسطى، وصلاة ~~العصر "، بالواو. # وكذلك روى نافع أن حفصة أمرت أن يكتب ذلك في مصحفها، وقالت سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك ". # وليست هذه الزيادة توجب أن تكون الوسطى/ غير العصر، لأن سيبويه قد حكى: " ~~مررت بأخيك وصاحبك " والصاحب هو الأخ، فكذلك الوسطى هي العصر، وإن عطفت ~~بالواو. PageV01P802 # الصلاة الوسطى هي أفضل الصلوات إعادتها بلفظها بعد أن دخلت في جملة ~~الصلوات كما قال: {وملائكته} [البقرة: 98]. ثم قال: {وجبريل وميكال} ~~[البقرة: 98]، وكما قال: {فيهما فاكهة ونخل/ ورمان} [الرحمن: 68]. فأعاد " ~~جبريل وميكائيل " وقد دخلا ms0271 في جملة الملائكة، وأعاد " النخل والرمان "، وقد ~~دخلا في جملة الفاكهة، وذلك لفضل فيهما، فأعيدا للتنبيه على الفضل، فكذلك ~~الصلاة الوسطى أعيدت لأنها أفضل الصلوات. # وقد بينا أن صلاة الصبح أفضل الصلوات فهي هي بغير شك. # وقرأ ابن عباس: " والصلاة الوسطى صلاة العصر " على التقدير. # وذكر ابن حبيب عن بعضهم أنها صلاة الجمعة، وهو قول شاذ. # وأصل القنوت/ الطاعة، وهو أيضا طول القيام. # وقيل: هو هنا السكوت لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة. PageV01P803 # قال زيد بن أرقم: " كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين}، ~~فأمرنا بالسكوت. # وقيل: القنوت هنا الدعاء. # وقيل: هو الركوع/ والخشوع في الصلاة. # وقال مجاهد: " هو غض البصر/ في الصلاة وضم الجناح وطول الركوع وأصله كله ~~يرجع إلى الطاعة ". # قوله: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا}. # نصبهما على الحال. والمعنى: فصلوا في هذا الحال. والرجال جمع راجل، ~~والمعنى: " فرجالا " أي مشاة على أرجلكم " أو ركبانا " وهو جمع راكب. وزذلك ~~في الخوف من العدو، وقال: يصلي كيف قدر ماش وراكب. # فمعناه: وإن خفتم من العدو أن تصلوا قياما في الأرض فصلوا ماشين وركبانا، PageV01P804 # وكيف قدرتم إيماء وغير إيماء، وذلك على قدر شدة الخوف والمسايفة. # قوله: {فإذآ أمنتم فاذكروا الله}. # أي إذا أمنتم من عدوكم فاشكروا الله كما خفف عنكم وعلمكم ما لم تعلموا من ~~أحكامه. # وقال ابن زيد: " معناه إذا أمنتم من العدو فصلوا كما افترض عليكم. # تم الجزء الخامس. PageV01P805 # قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية} الآية. # في هذه الآية نسخان، نسخت آية المواريث الوصية. # وقيل: الوصية منسوخة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا وصية لوارث "، ~~ونسخت {أربعة أشهر وعشرا} الحول. # وقد قيل: إن هذا ليس بنسخ، إنما هو تخصيص ونقص؛ وذلك أن المرأة كانت إذا ~~توفي زوجها سكنت، وأنفق عليها حولا إن شاءت. فنسخ ذلك آية الميراث. مقاله ~~الربيع وغيره. # وقال مجاهد: " الآية محكمة، ولها السكنى والنفقة من مال زوجها إن شاءت ". # ومعنى {غير إخراج} أي لا تخرج إلا أن تشاء الخروج، فيبطل حقها بخروجها ms0272 ~~وهو قوله: {فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن} أي ليس لها شيء ~~إذا خرجت، وكان ذلك المقام عليها إباحة وندبا ولمي يكن فرضا، فلها الخروج ~~متى أحبت. PageV01P806 # قوله: {وللمطلقات متاع بالمعروف}. # عني بهن اللواتي دخل بهن لأن الآية الأولى عني بها من لم يمدخل بهن وهي ~~ندب لا فرض عند أكثر العلماء. وهو مذهب مالك والشافعي. # وقال عطاء: " عني بها كل مطلقة أن لها متاعا حقا على المتقين كالثياب ~~والنفقة والخادم ونحوها على قدر الطاقة ". # وقال ابن زيد: " هذا يوجب المتعة/ لكل مطلقة ". هذا معنى قوله. # قوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت}. # قال ابن عباس: كانوا أربعة ألاف خرجوا فرارا من الطاعون ". # وقيل: فرارا من الحمى، حتى إذا كانوا بموضع شاء الله فيه موتهم أماتهم، ~~فمر بهم نبي فدعا ربه أن يحميهم فأحياهم. PageV01P807 # وروي أن نبيا من أنبياء الله أمر قومه أن يخرجوا إلى عدوهم فجبنوا وكرهوا ~~الخروج، وقالوا: إن الأرض التي تخرجنا إليها فيها الطاعون، وكانوا سبعين ~~ألفا، ففروا من الطاعون أن يأتيهم في بلادهم، فلما توسطوا البلاد أماتهم ~~الله، فسمي ذلك الموضع واسطا، وهي واسط العراق، فخرج نبيهم في طلبهم فوجدهم ~~بعد ثمانية أيام موتى قد أنتنوا فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب، كنت في ~~قوم يحمدونك ويكذرونك فبقيت وحيدا. فأوحى الله إليه أني قد جعلت/ حياتهم ~~إليك. فقال: # / أحيوا بإذن الله، فحيوا. فتلك الرائحة فيهم. # وقيل: إن اسم ذلك النبي حزقيل. # وقال وهب بن منبه: " أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة فشكو ما أصابهم ~~إلى نبيهم وتمنوا الموت لما هم فيه. فأوحى الله إليه: أي راحة لهم في ~~الموت، أيظنون أنني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت، فاطلق إلى جبانة كذا، فإن ~~فيها أربعة PageV01P808 # آلاف وهم الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت، فقم فيهم [وناجهم. / وكانت] ~~عظامهم قد تمزقت وتفرقت، فنادى النبي على نبينا وعليه السلام: يا أيتها ~~العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع ms0273 عظام كل إنسان منهم، ثم نادى: ~~أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم ~~الجلد. ثم نادى: يا أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك، ~~فقاموا فكبروا تكبيرة واحدة ". # وقال الضحاك: " هم ألوف كثيرة أمروا أن يقاتلوا في سبيل الله ففروا من ~~الجهاد، فأماتهم الله ثم أحياهم، وأمرهم أن يعاودوا الجهاد، ودل على ذلك ~~قوله: {وقاتلوا في سبيل الله}. # وقيل: كانوا أربعة آلاف من بني إسرائيل عصوا الله، وصرفوا عن PageV01P809 # الجهاد، وقالوا: البلاد التي تقصدها بلاد طاعون. فأماتهم الله عقابا لهم، ~~ثم أحياهم بدعاء نبيهم وتضرعه إليه. # وقال السدي: " كانت قرية عند واسط وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها ~~فنزلوا ناحية، وهلك أكثر من بقي في القرية، فلما ارتفع الطاعون/ رجع ~~الهاربون إلى القرية. فقال الذين بقوا من أهل القرية: لو صنعنا مثل ماصنع ~~أصحابنا بقينا ولئن وقع الطاعون مرة أخرى لنخرجن معهم، فوقع من قابل، ~~فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا ثم نزلوا بواد أفيح فناداهم ملك من أسفله، ~~وآخر من أعلاه أن موتوا، فماتوا. فمر بهم نبي، فوقف عليهم، وجعل يفكر في ~~أمرهم، فأوحى الله تعالى إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وقيل ~~له: فناد فيهم. # فنادى: يا أيتها العظام: إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير ~~بعضها إلى بعض، فاجتمعت، ثم/ ناداها فاكتست اللحم ثم ناداها فقامت ". PageV01P810 # وقد قيل: إن معنى ألوف مؤتلفون. # قوله: {وقاتلوا في سبيل الله}. # قيل: هو أمر مراد للذين أحياهم الله بعد موتهم لأنهم فروا من الجهاد ~~فماتوا. # وقيل: هو عام لجميع الخلق. # قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له} الآية. # قال ابن زيد: " هذا في الجهاد يضاعف له بالواحد سبعمائة. # ولما نزلت الآية، قالت اليهود: " هو فقير يستقرض "، يموهون بذلك على ~~الضعفاء، فأنزل الله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنيآء} [آل عمران: 181]. PageV01P811 # وقال السدي: " هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو؟ ". # " وروي أن هذه الآية نزلت ms0274 في أبي [الدحدح الأنصاري كان من أفاضل الأنصار ~~رحمه/ الله. ولما حض الله المؤمنين على الصدقة، قال: يا رسول الله، ربنا ~~يستقرض منا؟ قال رسول الله [عليه السلام]: نعم، ليعظم بذلك ثوابك، فقال يا ~~رسول الله، والله ما أملك غير حائطي، وقد جعلته لله عز وجل وأرضى بثوابه. ~~ثم مضى إلى الحائط وفيه امرأته وصبيانه، فصاح من خارج بامراته: خذي بيد ~~الصبية فاخرجي، فإني سمعت الله يستقرض خلقه ليعظم بذلك ثوابهم فأقرضته ~~حائطي. فقالت له امرأته: لا تقيل ولا تقال، ربح بيعك. وأخذت بيد الصبية، ~~وخرجت والنخيل موقورة رطبا وزهوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم ~~من غدق مذلل في الجنة لأبي الدحداح ". PageV01P812 # وقالت اليهود: " إنما ربنا فقير يستقرض منا، ولم نر غنيا يستقرض من فقير. ~~فأنزل الله، {لقد [سمع الله قول] الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء} ~~[آل عمران: 181] الآيات. # وعن الحسن أنه قال في حديث له طول: " لما نزلت الآية أتى أبو الدحداح ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا نبي/ الله إني قد أقرضت الله حائطي. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم /: أي أحدهما يا أبا الدحداح؟ قال: ~~اختر خيرهما. قال: أبشر يا أبا الدحداح، فإتن الله قد أضعف لك ذلك في الجنة ~~بألف ألف. قال: فمضى أبو الدحداح وأخرج أولاده من الحائط وجعل يخرج التمرة ~~من فم هذا ومن حجر هذا، ومن كم هذا، ويلقيها في الحائط وأنشأ يقول: " # يا أم دحداح هداك الهادي ... إلى سبيل الخير والرشاد # بيني من الحائط وسط الوادي ... فقد مضى قرضا إلى التناد # أقرضته اله على اعتماد ... طوعا بلا من ولا ارتداد PageV01P813 # إلا رجاء الضعف في المعاد ... فورطي الحائط قبل الغاد # وارتجلي بالفقر والأولاد/ ... قبل تداعيهم إلى الجداد # واستبقي وفقت للرشاد ... إن التقى والبر خير زاد # قدمه المرء إلى المعاد ... # " فأجابته أم الدحداح: " # بشرك الله بخير وفلاح ... مثلك أجرى ما لديه ونصح # وانتهز الحظ إذا الحظ وضح ... قد متع الله عيالي ما صلح # بالعجوة السوداء والزهو ms0275 البلح ... والله أولى بالذي كان منح PageV01P814 # مع عاجل التضعيف فيما قد شرح ... والمرء يسعى وله ما قد كدح # طول الليالي وعليه ما أجترع ... " فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: " إن الله قد أضعفه له في الجنة بألفي ألف ". # ومعنى {يقبض ويبسط} - بالصاد - أي يقبض الأرزاق فيضيقها على من يشاء ~~ويبسطها فيوسعها على من يشاء. # {وإليه ترجعون}. أي إليه مرجعكم في معادكم. # قوله: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل/ من بعد موسى} الآية. معنى ألم ~~تر، في جمع القرآن: ألم تعلم، ألم يبلغك خبرهم يا محمد. # والملأ هنا أشرف القوم ووجوهم، جمع لا واحد له من لفظه. والنبي، قال PageV01P815 # السدي: اسمه سمعون، سمي بذلك لأن الله سمع دعاء أمه وأجابها في أن وهبها ~~إياه فسمته سمعون إذ قد سمع دعاءها. # وقال وهب: اسمه إسمويل. # وقيل: هو يوشع بن نون، قاله قتادة: وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله ~~عليهما وذلك بعد موت موسى. # قال السدي: " كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة/ وكان ملك العمالقة ~~جالوت، فظهرت العمالقة على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية فسألوا الله أن ~~يبعث إليهم/ نبيا يقاتلون معه. وكان سبط النبوة قد هلك من عندهم، فلم يبق ~~إلا أمرأة حبلى من شيخ من سبط النبوة، فأخذوها وحبسوها في بيت خوفا أن تلد ~~جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبتهم في ولد ذكر منها، فجعلت المرأة تدعو ~~الله أن يزرقها غلاما، فولدت غلاما، فسمته سمعون إذ قد سمع الله دعاءها فيه ~~فكبر وتعلم التوراة فأتى جبريل عليه السلام، والغلام نائم إلى جنب الشيخ ~~فدعاه بلحن الشيخ، PageV01P816 # فقام الغلام وقال: يا أبتاه، أنت دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: لا، فيفزع ~~الغلام. فقال با بني، أرجع فننم. فدعاه جبريل الثانية. فأتى الغلام الشيخ ~~فقال: دعوتني؟ فقال له: ارجع فنم، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلما كان ~~الثالثة ظهر جبريل عليه السلام، فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، ~~فإن الله قد بعثك نبيا. فأتاهم فكذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة، ms0276 وقالوا: إن ~~كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية نبوتك. # فقال لهم سمعون: عسى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا. # فقالوا وكيف لا نقاتل، وقد غلب علينا وأخرجنا من ديارنا وأبنائنا ". أي ~~أسر منهم من أسر فأخرج من دياره وأبنائه، وهم في وقت قولهم قد كانوا في ~~ديارهم وأبنائهم، ولكن المعنى: أن من أسر منهم قد فعل به ذلك، فأخبروا عن ~~أنفسهم والمراد به بعضهم، فهو عام يراد به الخصوص. # فأما قوله: {عسيتم}، فقد ضعف قراءة من كسر السين لأنه يلزم أن يجيز " عسي ~~أن أقوم "، وذلك لا يقال. PageV01P817 # قال أبو حاتم، " لا وجه للكسر، ويلزم منه فعسي {أن يأتي بالفتح} ~~[المائدة: 52]. # وقد حكى أهل اللغة؛ يعقوب وغيره/، " أن الكسر مع المضمر خاصة، لغة ". # قال أبو غانم: " هي لغة أهل الحجاز يكسرون مع المضمر خاصة ". # قوله: {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا}. # قال لهم ذلك سمعون بأمر الله له، [فلم يرضوا] به، وكان طالوت هو من سبط ~~ابن يامين بن يعقوب، فقالوا: أنى يكون له الملك علينا، وهو من سبط ابن ~~يامين، ولا ملك فيه. # {ونحن أحق بالملك}. لأنا من سبط يهوذا بن يعقوب. # {ولم يؤت سعة من المال}: عابوه/ بفقره. # قيل: طالوت كان سقاء وكان دباغا. PageV01P818 # قال وهب بن منبه: " لما سألوا نبيهم أن يبعث الله إليهم ملكا يقاتلون معه ~~سأل نبي الله في ذلك، فأمره أن ينظر إلى قرن في بيت فيه دهن، فقيل له: هذا ~~الدهن/ إذا نش عند دخول رجل فهو الملك، فأدهن رأسه منه وملكه عليهم، فأقام ~~النبي ينتظر متى يدخل ذلك الرجل عليه. فخرج طالوت يوما في طلب دابة له، ~~ومعه/ غلام له فمر ببيت النبي فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا ~~النبي فسألناه عن دابتنا ليرشدنا إليها، ويدعو لنا بخير، فدخلا عليه، ~~فبينما هما عنده يذكران شأن دابتهما ويسألانه الدعاء، إذ نش الدهن الذي في ~~القرن، فأخذه النبي وقال لطالوت: قرب رأسك فدهنه ms0277 من الدهن، [ثم قال] له: ~~أنت ملك بني إسرائيل. فشاع الأمر في بني إسرائيل [وأتت] عظماء بني إسرائيل ~~لنبيهم وقالوا: ما لطالوت يملك علينا ونحن أحق بالملك منه لأنك قد علمت أن ~~الملك والنبوة في آل لاوي وآل يهوذا فقال لهم: {إن الله اصطفاه عليكم}: أي ~~اختاره وزاده بسطة في العلم والجسم ". PageV01P819 # وقال السدي: " لما سألوه ملكا يقاتلون معه أتاهم بعصا، وقال: إن صاحبكم ~~طوله طول هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها، فقال لهم: إن ~~الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا ما كنت قط أكذب منك الساعة ". # قال ابن عباس: " كان من بني إسرائيل سبط نبوة وسبط خلافة، ولم يكن طالوت ~~من أحد السبطين، فلذلك قالوا: {أنى يكون له الملك علينا} أي من أين له ~~ذلك؟، وليس هو [من أحد] السبطين {ونحن أحق بالملك منه}، لأنا من أحد ~~السبطين ". # وقال غيره: " [كان طالوت من سبط قد أتوا] ذنبا فنزع منهم الملك، فلذلك ~~أنكروا أن يكون ملكا إذ هو من سبط قد أتوا ذنبا، ونزع منهم الملك ". # قال وهب بن منبه: " كان طالوت يطول بني إسرائيل من منكبيه إلى فوق؛ PageV01P820 # يزيد ذلك على أطولهم ". # قوله: {والله يؤتي ملكه من يشآء}. أي: يضعه حيث يشاء. # {والله واسع}. أي: يوسع من فضله على من يشاء. # {عليم} بمن هو أحق بالمملكة، وبما فيه حسن العاقبة وهذه الآية تدل على ~~جواز إقامة المفضول لأن نبيهم كان أفضل من طالوت فقد قدم المفضول على ~~الفاضل. # قوله: {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم} ~~الآية. # دلت هذه الآية على أن في الكلام حذفا واختصارا كأنهم قالوا: ما آية ملكه ~~وما علامته؟ فقال: آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة. وهذا التابوت كان ~~عندهم من عهد موسى صلى الله عليه وسلم وهارون/، فسلبهم إياه ملوك من أهل ~~الكفر، فجعل الله رده عليهم آية لملك طالوت. PageV01P821 # قال ذلك/ قتادة والربيع، قالا: " كان التابوت في البرية، وكان موسى صلى ~~الله عليه ms0278 وسلم / خلفه عند فتاة يوشع بن نون، فحملته الملائكة حتى وضعته في ~~دار طالوت. # وقال أهل التفسير: كان بنو إسرائيل ينبهون بالتابوت ويستنصرون به على ~~الأعداء، ويقدمونه أمامه إذا قاتلوا أهل الكفر. فلما عصوا الله عز وجل ~~وخالفوا أنبياءه، أظهر الله عليهم أهل الكفر، فسلبوهم التابوت وجعلوه في ~~مخرأة عنادا وتصغيرا له. فلما تقذر الموضع الذي هو فيه، ابتلاهم الله ~~بالواسير، فضاقوا بها ذرعا وعلموا السبب الذي من أجله ابتلوا بها، فأجمع ~~رأيهم على أخراج التابوت، فأخرجوه وجعلوه على بقرة ذات لبت، فحملته ~~الملائكة حتى وضعته بين بين إسرائيل، فرضوا بطالوت ملكا. # وكان لهم في هذا التابوت آية عظيمة كانوا يهزمون به العدو ويظهرون به على ~~الكفار. فقالوا: إن جاءنا التابوت آمنا وسلمنا، وكان العدو الذين أخذوه ~~أسفل PageV01P822 # الجبل - جبل إيلياء عبدة أوثان - وكان ملكهم/ جالوت، وكان طالوت قد أعطاه ~~الله شجاعة وقوة وشدة وبطشا، وكان الكفار قد جعلو التابوت في كنيسة لهم ~~فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح مكنسة رؤوسها، وبعث الله عز وجل على أهل ~~تلك القرية فأرا يبيت الرجل الفأرة فيصبح ميتا قد أكلت ما جوفه، فاستشأموا ~~بالتابوت، وقالوا: هذا بلاء قد أصابكم مذ كان هذا التابوت بين أظهركم، قد ~~رأيت أصنامكم تصبح كل غداة منكسة،، ولم تكن تصنع هذا إلا مذ كان التابوت ~~معها فأخرجوه من بين أظهركم. فدعوا بعجلة فحلموا التابوت عليها ثم علقوها ~~بثورين ثم ضربوا على جنوبها. فمرت الملائكة تسوق الثورين حتى وقفوا على بني ~~إسرائيل فكبروا، وحمدوا الله وجدوا في الحرب ". # وقال ابن عباس: " لم يبق من الألواح إلا سدسها، وكانت العمالقة PageV01P823 # أخذت التابوت وهم فرقة من عاد، فحملت/ الملائكة التابوت بين السماء ~~والأرض وهم ينظرون حتى وضعته عند طالوت، فسلموا له الأمر وملكوه. وكانت ~~الأنبياء إذا حضروا قتالا قدموا بين أيديهم التباوت ". # قال ابن عباس: " بلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما ~~يخرجان قبل يوم القيامة ". # قال وهب: " كان نحو ثلاثة أذرع في ذراعين ". # / قوله: {فيه سكينة}. # قيل: هي ريح ms0279 هفافة لها وجه كوجه الإنسان. قال ذلك على بين أبي طالب. # وروي عنه أنه قال: " هي ريح خجوج ولها رأسان ". PageV01P824 # وقال مجاهد: "السكينة لها رأس كرأس الهر، وجناحان وذنبا كذنب الهر ". # وقال السدي: " هي طست من ذهب من الجنة تغسل فيه قلوب الأنبياء، وفيها ~~رضاض الألواح. وكانت الألواح من درر وياقوت وزبرجد ". # وروي عن وهب بن منبه " أن السكينة روح/ من الله يتكلم، إذا اختلفوا في ~~شيء، بين لهم ما يريدون ". # وقال ابن جريج: " سألت عطاء عن السكينة فقال: هي ما يعرفون من الآيات ~~فيسكنون إليها ". # وقال الربيع: " السكينة الرحمة ". # وقال قتادة: " السكينة الوقار ". # وروى الضحاك عن ابن عباس أن السكينة دابة مثل الهر PageV01P825 # لعينيها إشعاع، فإذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم، فنهزم ذلك ~~الجيش من الرعب. # وقال بعض بني إسرائيل من علمائهم: " السكينة رأس هرة ميتة كانت إذ صرخت ~~في التابوت صراخ الهر، أيقنوا بالنصر ". # واختار الطبري أن تكون السكينة ما يسكنوه إليه من الآيات، وهو قول عطاء، ~~وكل ما ذكرنا من الأقوال فهي آيات تسكن إليها النفوس، فهي داخلة تحت هذا ~~القول. # وقوله: {وبقية مما ترك آل موسى}. # قيل: هي عصا موسى، ورضاض الألواح لأن موسى صلى الله عليه وسلم حين ألقى PageV01P826 # الألواح تكسرت، فوقع منها رضاض، فجعل في التابوت. قاله عكرمة وقتادة ~~والسدي. وروي عن ابن عباس. وقال مقاتل: " البقية رضاض الألواح، وصر في طست ~~من ذهب وعمامة موسى وعصاه ". # وعن السدي أنه قال: " هي التوراة ورضاض الألواح والعصا ". # وقال أبو صالح: " هي لوحان من التوراة وثياب موسى وهارون صلى الله عليهما ~~وسلم وعصاهما وكلمة الفرج، لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب ~~السماوات والأرض ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين ". # وقيل: هي عصا موسى وعصا هارون ورضاض الألواح. قاله أبو صالح وعطية بن ~~سعد. PageV01P827 # وقال الثوري: " هي العصا والنعلان ". # وقيل: " هي العصا وحدها. # وقال القتبي: " هو من المن الذي كان ينزل عليهم ورضاض الألواح. # قوله: {تحمله الملائكة}. # قيل: حملته إليهم عيانا حتى ms0280 وضعته بين أظهرهم. # وقيل: حملته حتى وضعته في دار طالوت. # وقيل: حمل إليه التابوت بأمر الملائكة، كما تقول: " حمل السلطان الأمير ~~إلى بلد كذا "، وإنما/ أمر بحمله ولم يحمله هو/ بنفسه، فلما وصل إليهم ~~التابوت أقروا غير راضين، وخرجوا للقتال ساخطين. قال ابن زيد. # وقيل: معنى {تحمله} تسوقه علجة تجرها بقر. وقد ذكرنا ذلك. PageV01P828 # ومعنى {إن كنتم مؤمنين}. # إن كنتم تصدقون إذا جاء التابوت، ولم يكونوا مؤمنين قبل مجيء التابوت ~~لأنهم كذبوا بنبيهم/ فيما قال لهم وسألوه أن يبين صدقه بآية. # قوله: {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر} الآية. # أي مختبركم، وذلك أنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين العدو [وكان ~~قد أخرجوا] في ثمانين ألفا، ولم تخلف منهم إلا ذو عذر. والنهر بن الأردن ~~وفلسطين، امتحنهم الله به على عطش كانوا فيه. # فقال: " من شرب منه فليس مني:، أي ليس من أهل ولايتي ". # {إلا من اغترف غرفة بيده} سمح الله لهم في الغرفة. # / {ومن لم يطعمه}، أي من تركه، ولم يشرب منه فهو مني. # فلما جاوزوا النهر شربه أكثرهم، ولم يقنعوا بغرفة، فكان من شرب عطش، ومن ~~اغترف غرفة روى. وجعل الكفار منهم يشربون فلا يروون، والمؤمن يغترف PageV01P829 # بيده فترويه. فعبر معه منهم أربعة آلاف، وهم الذين اغترفوا، ورجع ستة ~~وسبعون ألفا "، وهم الذين شربوا. # وقال ابن زيد: " قال طالوت حين فصل، لا يصحبني إلا من نية في الجهاد، فلم ~~يتخلف عنه مؤمن، ولم يصحبه منافق رجعوا كفارا، وأخذ من بقي منهم غرفة، ~~ومنهم من لم يمسه ". # وكان البراء يقول: " إن أصحاب النبي عليه السلام يوم بدر، على عدة من جاز ~~مع طالوت النهر، وذلك ثلاثمائة وبضعة عشر ". # وقال السدي: " عبر/ النهر معه أربعة ألاف، ورجع ستة وسبعون ألفا، فلما ~~نظروا إلى جالوت وجنوده، قال المنافقون منهم: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده}، فرجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وخلص طالوت في ~~ثلاثمائة وبضعة عشر، - عدة أهل بدر -، وهم الذين قالوا: {كم من فئة ms0281 قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله}. PageV01P830 # ومعنى {يظنون} يوقنون، ويجوز أن يكون " يشكون " أي يشكون هل يقتلون [في ~~تلك الغزاة، أو يسلمون، ليس هو شك في البعث. # قال أكثر المفسرين: واختبرهم الله بالنهر، وامتحنهم/ بالعطش الشديد ~~فشربوا إلا قليلا منهم اغترفوا ولم يكثروا وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان ~~جالوت في مائة ألف. # قوله: {والله مع الصابرين} أي إذا صبروا في طاعته. # وذكر ابن وهب أن ابن عباس قال لكعب: أخبرني عن ست آيات في القرآن لم أكن ~~علمتهن، ولا تخبرني عنهم إلا بما تجد في كتاب الله المنزل: ما سجين؟ ~~[المطففين: 8] وما عليين؟ [المطففين: 18] وما سدرة المنتهى؟ [النجم: 14]، ~~وما جنة المأوى؟ [النجم: 15] وما بال أصحاب الرس ذكرهم الله في الكتاب؟ [ق: ~~12] PageV01P831 # وما بال طالوت رغب عنه قومه؟، وما بال إدريس ذكره الله فقال {ورفعناه ~~مكانا عليا} [مريم: 57]. # قال كعب: " والذي نفسي بيده لا أخبرك عنهن إلا بما أجد في كتاب الله ~~المنزل. # أما " سجين "، فإنها صخرة سوداء تحت الأرضين السبع مكتوب فيها اسم كل ~~شيطان. فإذا فبضت نفس الكافر، عرج بها إلى السماء، فغلقت أبواب السماء ~~دونها ثم رمي بها إلى سجين فذلك سجين. # وأما " عليون "، فإنه إذا قبضت نفس المسلم عرج بها إلى السماء، وفتحت لها ~~أبواب السماء، حتى تنتهي إلى العرش، فتخرج كف من العرش فتكتب له: نزله ~~وكرامته فذلك " عليون ". # وأما سدة المنتهى، فإنها سدرة عن يمين العرش، انتهى إليها علم العلماء ~~فلا يعلم العلماء ما وراء تلك السدرة. # وأما " جنة المأوى "، فإنها جنة تأوي إليها أرواح المؤمنين. # وأما " أصحاب الرس "، فإنهم كانوا قوما مؤمنين يعبدون الله في ملك جبار ~~لا يعبد الله فخيرهم أن يكفروا أو يقتلهم، فاختاروا/ القتل على الكفر، ~~فقتلهم ثم PageV01P832 # رمى بهم في قليب فلذلك سموا اصحاب الرس ". # وأما " طالوت "، فإنه كان من غير السبط الذي الملك فيه فلذلك رغب عنه ~~قومه. # وأما " إدريس "، فإنه كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله على جميع ~~أهل الأرض، فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه ms0282 فأذن الله له أن يؤاخيه. ~~. الحديث " وهو مذكور في مريم بتمامه والله المستعان. # / قوله: {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا} الآية. # أي أنزل علينا الصبر لقتالهم وانصرها عليهم. # قوله: {فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك}. # أي أتى داود، وذلك أن جالوت برز وقال: من يبرز فيقتلني، فلكم ملكي، وإن ~~قتلته فلي ملككم، فأتى بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته، ~~وأن يحكمه في ماله فألبسه/ طالوت سلاحا، فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال: ~~إن الله إن لم ينصرني عليه، فلا تغني السلاح شيئا، فخرج بالمقلاع ومخلاة ~~فيها أحجار، ثم PageV01P833 # برز إليه. فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ فقال داود: نعم. فقال جالوت: ويحك ~~ما خرجت/ إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة، لأبددن لحمك ولأطعمنك ~~اليوم الطير والسباع ". # فقال له داود: " بل أنت عدو الله شر من الكلب ". فأخذ داود حجرا فرماه ~~بالمقلاغ، فأصاب بين عينيه حتى نفذ في دماغه، وصرع جالوت وانهز من معه، ~~وأخذ رأسه. ورجع الناس إلى طالوت، فادعوا قتل جالوت، فأتى بعضهم بسيف ~~وبضعهم بشيء من جسده، والرأس مع داود. # فقال طالوت: " من جاء بالرأس فهو الذي قتله. فجاء داود به، وطالب طالوت ~~بما وعده. فندم طالوت على ما جرى بينهما من الشرط، فقال طالوت: إن بنات ~~الملوك لا بد لهن من صداق وأنت رجل جريء شجاع، فاجعل صداقها ثلاثمائة غلفة ~~من أعدائنا - يرجو بذلك أن يتقل داود -: فغزا معه داود، وأسر ثلاثمائة وقطع ~~غلفهم وجاء بها، فلم يجد بدا من تزويجه وأدركته الندامة، فأراد قتل داود ~~حتى PageV01P834 # هرب منه إلى الجبل، وحاضره طالوت، فلما كان ذات ليلة تسلط عليهم النوم ~~فنزل داود/ فأخذق إبريق طالوت الذي كان يشرب فيه، وقطع شعرات من لحيته ~~وشيئا من هدبة ثيابته ورجع إلى كانه، وناداه: أن تعهد حرسك، فإني لو شئت ~~قتلتك البارحة، وهذا إبريقكم وشيء من شعر لحيتك، وشيء من هذبة ثيابك، وبعث ~~به إليه. فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، ms0283 فعطفه ذلك عليه فأمنه وعاهده ألا يرى ~~بأسا ثم انصرف ". # قال ابن إسحاق: " إن داود كان له أربعة إخوة خرجوا مع طالوت، وبقي داود ~~في الغنم يرعاها لهم، وكان أصغرهم، فأمره أبوهأن يحمل إليهم زادا ويرجع، ~~وفخرج داود ومعه زاد إخوته ومخلاته فيها حجارة، ومقلاعه الذي يرمي به فمر ~~بحجر فناداه يا داود، خذني فاجعلني في مخلاتك/ تقتل بي جالوت، فإني حجر ~~يقعوب، فأخذه [وجعله] في مخلاته ومضى فناداه حجر أخر مثل ذلك، وقال: أنا ~~حجر إسحاق، فأخذه ومضى، فنادي ثالث مثل ذلك، وقال: أنا حجر إبراهيم فأخذه/ ~~ووصل إلى الوقوم فدفع إليهم أزودتهم، فسمع داود خوض الناس في العسكر ~~وتعظيمهم لأمر PageV01P835 # جالوت فقال لههم: " إنكم لتعظمون من أمره، والله لو أراد الملك لقتلته ~~فأدخلوني على الملك طالوت. # / فأدخل عليه فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون أمر هذا العدو ووا لله ~~لو أردته لقتلته. فقال له طالوت: يا فتى، ما عندك من القوة على ذلك، وفيمن ~~جربت نفسك؟ # قال داود: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه وآخذ برأسه فأفك ~~لحييه عنها، فآخذها من فيه، فادع لي بدرعك حتى ألبسها، فدعا بالدرع فلبسها. ~~فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت فلما التقى الناس، قال داود: أروني جالوت. ~~فأروه إياه على فرس، فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تتواثب في مخلاته ~~[ويقول] هذا: خذني، وهذا خذني. فأخذ أحدها وجعله في مقلاعه، ثم أرسله فصك ~~به بين عينيه، ورفعه، وتنكس عن دابته فقتله. وانهزم وقال الناس: قتل داود ~~جالوت، وخلع طالوت حتى لم/ يسمع له ذلك ". # {وآتاه الله الملك والحكمة}. # أي داود. والحكمة: النبوة. PageV01P836 # قوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} الآية. # أي بدفع أهل الطاعة عن أهل المعصية، وبالبر عن الفاجر. # {لفسدت الأرض}. أي بهلاك أهلها. # وروى ان عمر عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إن الله ليدفع بالمسلم ~~الصالح عن مائة من أهل بيت من جيرانه البلاء " ثم قرأ ابن عمر {ولولا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}. # وعن جابر ms0284 بن عبد الله، قال: قال [النبي عليه السلام]: # " إن الله ليصلح بصلاح المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته ودويرات ~~جيرانه. ولا يزالون في حفظ ما دام فيهم ". PageV01P837 # وأكثر أهل التفسير على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلي عن من لا ~~يصلي، وبمن يتقي عن من لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم. # وقيل المعنى: لولا أن الله أمر بحرب الكفار، لكان إفسادهم في الأرض أكثر، ~~ولولا أمره في الحرب لعمل بالكفر، فيهلك الناس بذنوبهم. # قوله: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق}. # أي هذه آيات الله، أي علاماته تتلى عليك يا محمد. # {وإنك لمن المرسلين}. # أي ما تلي عليك من إماتة من ذكر وإحيائه، وبعث طالوت ملكا وقتل داود ~~جالوت، وشبه ذلك مما تقدم من الآيات/ التي لا يخبر بمثلها إلا نبي، وإنك إذ ~~جئتهم بهذه الآيات والحجج وأنت أمي لا تقرأ الكتاب لمن المرسلين إذ لا يأتي ~~بهذه الآيات المعجزات إلا مرسل. # قوله: {تلك الرسل فضلنا/ بعضهم على بعض}. PageV01P838 # " تلك " إشارة إلى ما تقدم ذكره من الرسل: موسى وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل ~~وإسحاق وداود ممن تضمنه ما تقدم. # قال أبو العزم " {منهم من كلم الله} هو موسى، ورفع بعضهم درجات: هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم أرسله إلى الناس كافة، وكلمته الشجرة، وأنشق له القمر ~~وأطعم الخلق الكثير ومن اليسير من الطعام في أشباه لهذا لا تحصى، رفع الله ~~بها درجة محمد صلى الله عليه [وسلم]. # وروى أبو موسى الاشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعطيت خمسا/ ~~لم يعطهن [أحد كان قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي كان قبلي ~~وأعطيت الشفاعة، وإنه ليس من نبي إلا قد سأل الشفاعة وإني أخرت شفاعتي ~~فجعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا ". PageV01P839 # قوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات}. # أي أعطيناه الحجج والدالة على نبوته، وهي: إبراء الأكمة، وأحياء الموتى ~~ونفخه في الط ين فيكو طائرا، وشبه ms0285 ذلك. # {وأيدناه بروح القدس}. # أي قويناه بجبريل، وقد تقدم الاختلاف في روح القدس. # وهو جبريل عند الضحاك وغيره. # قوله: {ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم}. # أي من بعد الرسل. # وقال قتادة: " من بعد [عيسى وموسى صلى الله على محمد وعليهما [وسلم خاصة. ~~" وهو قول الربيع. # {ولو شآء الله ما اقتتلوا}. PageV01P840 # أي لحجزهم عن القتال ومنعهم منه. # {ولكن الله يفعل ما يريد}. # أي يوقفق من يشاء فيطيع، ويخذل من يشاء فيعصي. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا ~~بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة}. # أي يأتي يوم هذه صفته، أنه لا بيع يه ولا خلة ولا شفاعة. أي يأتون يوم ~~هذه صفته. # وعني بالنفقة هنا الزكاة [و] التطوع. # أمرهم تعالى أن يدخروا لأنفسهم من ذلك من قبل أن يأتي يوم صفته أنه {لا ~~بيع فيه}: أي لاتباع [فيه] الأعمال فلا كسب {ولا خلة}: أي لا صداقة. # {ولا شفاعة}: أي لا شفاعة للكافرين. PageV01P841 # فالآية عامة، أي لا صداقة ولا شفاعة للكافرين. # فالآية عامة الظاهر خاصة، قد بينت أنها خاصة/ للكافر السنة. ويجوز أن ~~يكون/ المعنى: ولا شفاعة إلا بإذن الله بدليل قوله بعد هذا: {من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255]. وقوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له} [سبأ: 23]. # وفي القرآن جواز الشفاعة لمن شاء الله لأنه قد قال: {ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى} [الأنبياء: 28]، وقال عز وجل: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}. # فهذا كثير يدل على جواز الشفاعة يوم القيامة/ ممن شاء الله عزو جل ولمن ~~شاء الله سبحانه فالآية مخصوصة [في الكفار]، لا شفاعة لهم ولا فيهم. # قوله: {والكافرون هم الظالمون}. # كما تقدم في أول الآية/، ذكر صنفين كافرين ومؤمنين في قوله: {فمنهم من ~~آمن ومنهم من كفر}. صرف آخر الآية إلى الكفار بعد أن خص ذكر أهل الإيمان في ~~وسط الآية بما ذكر تعالى. # قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} الآية. # أجاز ms0286 النحاس: لا إله إلا إياه على الاستثناء. PageV01P842 # وروي عن أبي ذر أنه سأل النبي [عليه السلام] فقال له: أي ما أنزل عليك من ~~القرآن أعظم "، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} ". # وقال ابن عباس: " أشرف آية في القرآن الكرسي ". نبه الله تعالى ذكره ~~عباده بهذه الآية ألا يعبد غيره، وأن يحذر مما وقع فيه من تقدم ذكره، في ~~قوله: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} واختلفوا فاقتتلوا وشبهه. # وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " من قرأ آية الكرسي إذا نام، لم يزل في أمان الله حتى ~~ينتبه. ومن قرأها إذا انتبه، لم يزل في أمان الله حتى يعود، ومن قرأها إذا ~~خرج من منزله لم يزل في أمان الله عز وجل حتى يعود. ومن قرأها عند حجامة ~~كانت له منفعتان: منفعة للحجامة التي هو فيها، ومنفعة للحجامة PageV01P843 # التي تكون بعدها. ومن قرأها كل صلاة، أدخله الله الجنة ". # وروى أبو هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: " لكل شيء سنام، وسنام ~~القرآن سورة البقرة، منها آية لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه، وهي ~~آية الكرسي ". # وقوله: {الحي القيوم}. الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا يزول. # وقيل: بل هو اسم من أسمائه تسمى به، فقلناه تسليما لأمره. # وقوله: {القيوم}. # قال ابن عباس: " معناه: الذي لا يزول ". # وقال مجاهد: " معناه القائم على كل شيء ". PageV01P844 # وهو " فيعول " من " قام "، ولا يحسن أن يكون " فعولا " لأنه يلزم منه أن ~~يقال: " قووم ". # وقال ابن كيسان: " ليس في كلام العرب، فعول من الواو ". # وروي عن عمر أنه/ قرأ " القيام " ووزنه " فيعال " من " قام ". # وقرأ علقمة " القيم "، ووزنه عند البصريين " فعيل "، ثم أدغم فكان أصله ~~قيوما، وأصل عند الكوفيين " قويم " مثل فعيل، ويلزمهم ألا يعل كما لم يعل " ~~طويل " وشبهه. # وصفات/ الله مطلقة في غاية الكمال والتمام، لا يجوز عليها حوالة ولا ~~تغيير، بخلاف صفات المخلوقين. ms0287 # قوله: {لا تأخذه سنة}. # أي نعاس. قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم. ولا نوم فيستثقل. # وأصل " سنة " وسنة، كزنة وعدة. PageV01P845 # قال السدي: " السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان ". # وقال الربيع: " السنة هو الذي كون به الإنسان بين النائم واليقظان، وهو ~~الوسنان، والنوم الاستثقال ". # نفى الله تعالى عن نفسه الآفات التي تدخل على المخلوقين، فتذهب حسهم ~~تعالى عن ذلك. # وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وقع نفس موسى صلى ~~الله عليه وسلم: هل ينام الله جل ثناؤه؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ~~ثم أعطاه قرورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يتحفظ بهما. فجعل ينام وتكاد ~~يداه/ تلتقيان ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومه فاصطفقت ~~يداه فانكسرت القارورتان، فجعل الله له ذلك مثلا "، أي أن الله لو كان ينام ~~لم تمتسك السموات والأرضون PageV01P846 # كما لم تمتسك القارورتان في يدي موسى عليه السلام. # قوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}. # أي من يشفع لمن أراد الله عقوبته إلا بأمره لهم بالشفاعة. وهذا دليل على ~~جواز الشفاعة بإذنه لمن شاء من رسله وأوليائه. وقيل: معناه: من ذا الذي ~~يذكر الله بقلبه حتى يأذن له، لا إله إلا هو. # قوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}. # قال ابن جريج: " يعلم ما مضى أمامهم من الدنيا {وما خلفهم} ما يكون بعدهم ~~من أمر الدنيا والآخرة ". # وهذا يدل على/ قدم علم الله تعالى، وأنه لم يزل/ عالما ولا يزال. # {إلا بما شآء}. ما شاء هو أن يعلمه. # قوله: {وسع كرسيه السماوات والأرض}. # قال ابن جبير عن ابن عباس: " كرسيه: علمه "، ودل على ذلك قوله: {ولا ~~يؤوده حفظهما}. # قال أبو هريرة: " الكرسي بين يدي العرش ". PageV01P847 # قال مجاهد: " ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ". # قال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه ~~". # قال ابن زيد: " حدثني أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم /: " ~~ما السموات ms0288 السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس ". # وقال أبو ذر: سمعت النبي [عليه السلام] يقول: " ما الكرسي في العرش إلا ~~كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض ". # وروى ليث عن مجاهد أنه قال: " ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ~~بأرض فلاة ". # وروى الأعمش عن مجاهد أنه قال: " مثل السموات تحت الكرسي كحلقة ملقاة في ~~الفلاة ". # وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: " الكرسي الذي وسع السموات والأرض ~~موضعه من العرض موضعه من السرير، ولا يقدر قدر العرش إلا PageV01P848 # الذي خلقه ". # وقال الحسن: " الكرسي هو العرش نفسه ". # وقال الضحاك: " كرسيه الذي يوضع تحت العرش ". # وقيل: " كرسيه: قدرته ". # اختار الطبري أن يكون علمه لقوله: {ولا يؤوده حفظهما}، ولقوله: {وسعت كل ~~شيء رحمة وعلما} [غافر: 7]. # وفيه لغتان: ضم الكاف وكسرها. # قوله: {ولا يؤوده}. # أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: ما آدك هو لي آئد ". # وقال القتبي:: يقال: آداه يؤوده، [وأده] يئده، والوأد الثقل ". والهاء في PageV01P849 # {يؤوده} لله جل ذكره. # وقال أبو إسحاق: " يجوز أن تكون للكرسي ". # وقوله: {حفظهما}. أي حفظ السموات والأرض. # {وهو العلي}. أي ذو الارتفاع عن شبه خلقه بقدرته. # {العظيم}. # أي لاشيء أعظم منه جلالة وهيبة وسلطانا. ولا يحسن أن يكون بمعنى العلو في ~~المسافة والارتفاع من مكان إلى مكان تعالى الله عن ذلك - إنما هو علو قدرة ~~وجلالة وهيبة وسلطان، لا علو ارتفاع من مكان إلى مكان، ليس كمثله شيء. لا ~~يجوز عليه الحركة ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال، فافهمه. # وقيل: معنى {العلي}: العلي عن النظراء والأشباه، لا علو مكان. # وقيل: إن {العظيم} هنا بمعنى المعظم، الذي يعظمه خلقه لم يزل على ذلك. ~~ولا يحسن أن يتأول أن تعظيمه محدث. / بل لم يزل معظما قبل كون الخلق كما PageV01P850 # لم يزل قادرا وعالما قبل كون المعلوم والمقدور، ولا يزال معظما بعد فناء ~~الخلق. # وقد طعن/ في هذا القول. # وقيل: يلزم ألا يكون معظما قبل الخلق ولا بعدهم، إلا معظم له. فالجواب ms0289 عن ~~ذلك ما ذكرنا أنه لم يزل ولا يزال كذلك كالعلم والقدرة وشبههما. تقول ~~العرب: " هذه خمر عتيقة "، بمعنى معتقة. وقيل: معنى " العظيم ": أن له عظمة ~~هي صفة له/ لا تكيف. # قوله: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}. # أكثر الناس على أن هذه الآية مخصوصة نزلت في أهل الكتاب ألا يكرهوا على ~~الدين، إذا أدوا الجزية. فأما أهل الأوثان فلا تؤخذ منه الجزية ويكرهون على ~~الدين. قاله ابن عباس؛ قال: " كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد ~~أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت ~~الأنصار: لا ندع PageV01P851 # أبناءنا، فأنزل الله: {لا إكراه في الدين} الآية، فمن شاء لحق، ومن شاء ~~لم يلحق ". # وقد قيل: إن الآية منسوخة منسخها: {يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين} [التوبة: 73]. # وأكثر الناس على أن هذه الآية نزلت في غير عبدة الأوثان، ومن [لاكتاب ~~له]، ومن لا يؤدي الجزية من أهل الكتاب. # والألف واللام في " الدين " عوض من ضمير يعود على الله. والمعنى: " وهو ~~العلي العظيم لا إكراه في دينه ". # وقيل: هما للتعريف. والدين: الإسلام. # قوله: {قد تبين الرشد من الغي}. # قرأ أبو عبد الرحمن " الرشد " بفتحتين، وهما لغتان، كالبخل والبخل والشغل ~~والشغل والسقم والسقم والعدم والعدم/ والعرب والعرب، والعجم والعجم، والسخط ~~والسخط، والحزن والحزن، والولد والولد. PageV01P852 # والرشد إصابة الحق، والغي ضده. وهو مصدر غوي يغو غيا، وأصله " غويا ". ~~وبعضهم يقول: غوى، يغوى بالفتح فيهما. # وقال بعضهم: غوى يغو/ إذا عدا الحق فضل، فمعناه: استبان الإيمان من ~~الكفر. # قوله: {فمن يكفر بالطاغوت} أي بالشيطان، والجبت: السحر. # وقيل: الكاهن. # وقال مجاهد في قوله {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60]، هو ~~كعب بن الأشرف، وهو مشتق من " طغى " مقلوب وأصله طغووت مثل جبرت. # وقيل أصله طيغوت لأنه يقال: طغوت وطغيت. # وقيل: هو في معنى الطغيان وليس بمشتق منه، إنما يؤدي عن معناه، كما PageV01P853 # قيل: رجل لآل من اللؤلو، يؤدي عن معناه، وليس بمشتق منه. # قوله: {بالعروة الوثقى}. # أي ms0290 تمسك بأويثق ما يستوثق به ويتمسك به. # وقيل: الجبت والطاغوت كل ما يعبد من دون الله. # قال سيبويه: " الطاغوت واحد مؤنث يقع على الجميع ". # وقال المبرد: " هو جماعة "، ويريد الشياطين. # وقال أنس: " العروة الوثقى: القرآن ". ذكره عنه ابن أبي شيبة. # / وقيل: العروة الوثقى: العهد الوثيق. # وقال ابن عباس: " العروة الوثقى: لا إله إلا الله. # قوله: {لا انفصام لها}. أي لا انكسار لها. # وقال/ السدي: " لا انقطاع لها ". PageV01P854 # {والله سميع}. أي يسمع إيمان المؤمن وكفر الكافر. # {عليم}. أي عليم بمن وافق قلبه في الإيمان لسانه وأخلص في قوله. # قوله: {الله ولي الذين آمنوا}. # أي يتولاهم بتوفيقه فيخلصون ويثبتون على الإيمان ويعينهم على عدوهم ~~ويتولى ثوابهم. # قوله: {من الظلمات إلى النور}. أي: من الكفر إلى الإيمان. # نزلت هذه الآية في قوم كانوا قد كفروا بعيسى فلما جاءهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم آمنوا به، فكانوا في ظلمة ثم صاروا في نور، وهم العرب وعبدة ~~الأوثان والجاهلية، كلهم من آمن منهم، وكان قوم آخرون آمنوا بعيسى فكانوا ~~في نور، فلما جاءهم محمد كفروا به فصاروا في ظلمة وهم النصارى. روى ذلك عن ~~ابن عباس ومجاهد. # قوله: {أوليآؤهم الطاغوت}. أي الشياطين. وهذا مما يدل على أن الطاغوت ~~جمع. PageV01P855 # قوله: {يخرجونهم من النور إلى الظلمات}. # أي من الإيمان إلى الكفر، وهم الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم يعني ~~قريشا وكفار العرب. وقيل: هم اليهود. # وقيل: هم النصارى كانوا مؤمنين بعيسى صلى الله على محمد وعليه وسلم. # هذا قول مجاهد وغيره. وإنما مثل الكفر بالظلمة، لأن الظلمة تحجب البصر عن ~~إدراك الأشياء، كذلك الكفر يحجب القلب عن إدراك الحقائق، حقائ الإيمان. # {أولئك أصحاب النار}. هو إشارة إلى الكفر. # قوله: {ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه}. # ألف {ألم} ألف توقيف لفظها. لفظ الاستفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه ~~على ما يتعجب منه. # والهاء في {ربه} تعود على {الذي}، أو على إبراهيم صلى الله عليه وسلم. # ومعنى: ألم تعلم، ألم تر بقلبك يا محمد. PageV01P856 # قوله: {أن ms0291 آتاه الله الملك}. # الهاء تعود على [الكافر الملك] وعليه أكثر الناس. # وقيل: هي تعود على إبراهيم صلى الله عليه وسلم. # / والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان بن كوشب بن سا بن نوح. قاله ~~مجاهد. # قال قتادة: " نمروذ، صاحب الصرح، وهو أول من تجبر في الأرض ببابل ". أخبر ~~الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه القصص ليكون ذلك عبرة وتعجبا مما ~~كان، وليكون حجة على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يعلمه إلا من قرأ ~~الكتب ودرسها، أو من يوحى إليه، فلما لم يكن محمد عليه السلام عندهم/ ممن PageV01P857 # يقرأ [الكتاب فينقل منهان وجب أن يكون ذلك] بوحي، فيجب قبول قوله، ~~والإيمان به ضرورة لمن وفق. # قال مجاهد: " نمروذ، هو أحد الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها: كافرين ~~ومؤمنين، فالمؤمنان: سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم، وذو القرنين عليه ~~السلام. والكافران: نمروذ، وبخت نصر البابلي ". # قوله: {إذ قال إبراهيم}. # أي حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت: أي يملك ذلك ولا يملكه أحد ~~غيره، قال نمروذ: " أنا أحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله وأقتل آخر ". # قال له إبراهيم: " فإن الله يأت بالشمس من مشرقها، فأت بها/ إن كنت صادقا ~~من مغربها ". PageV01P858 # قال الله: {فبهت الذي كفر}. # أي الكافر، أي انقطع وعجز عن الجواب. وقرىء: " فبهت الذي كفر " أي فبهت ~~إبراهيم الكافر ف " الذي " في موضع نصب، على هذه القراءة. # قال قتادة: " دعا نمروذ/ برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر، وقال: أنا ~~أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: " فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها ~~من المغرب. / فبهت الذي كفر " فلم يجب لأنه لو ادعى أنه [هو الذي يأتي] ~~بالشمس من المشرق لكذبه جميع أهل مملكته، لأنهم يعرفون أنه محدث، والشمس ~~كانت على حالها قبل حدوثه، فليس يقدر أن يقول: " أنا أتيت بها من المشرق ~~قبل حدوثي، ولو ق ل: أنا آتي بها من المغرب لعجز عن ذلك. فلما رآى أنه لا ~~مخرج له سكت وانقطع فبهت. PageV01P859 # قال زيد ms0292 بن أسلم: " كان الناس يمتارون من عند نمروذ طعاما، وكان أول جبار ~~في الأرض، فخرج إبراهيم يمتار مع الناس فكلما مر بنمروذ ناس قال لهم: من ~~ربكم؟ قالوا: أنت. # حتى مر به إبراهيم عليه السلام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: الذي يحيي ~~ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، ~~فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر، ورد إبراهيم بغير طعام. فرجع إبراهيم ~~عليه السلام إلى أهله، فمر على كثيب أعفر - يعني من رمل - فقال: ألا آخذ من ~~هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم. فأخذ منه فأتى أهله فوضع ~~متاعه ثم نام. فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأى أحد، ~~فصنعت له منه، فقربته إليه. وكان قد عهد أهله ليس عندهم طعام، فقال من أين ~~هذا؟ قالوا: من الطعام الذي/ جئت به. فعلم أن الله عز وجل قد رزقه [فحمد ~~الله PageV01P860 # تعالى]، ثم بعث الله جل وعز ذكره إلى نمروذ ملكا يقول له: أن آمن بي ~~[وأتركك] على ملكك، قال: وهل رب غيري؟، فجاء الثانية فقال له فأبى عليه، ثم ~~أتاه الثالثة فأبى عليه. فقال له الملك: أجمع جموعك إلى ثلاثة أيام. فجمع ~~الجبار جمعه، وأمر الله عز وجل الملك ففتح عليهم بابا من البعوض، فطلعت ~~الشمس ولم يروها من كثرتها، فبعثها الله سبحانه عليهم، فأكلت لحومهم وشربت ~~دماءهم، ولم يبقى إلا [العظام، والملك كما هو لم يصبه] من ذلك شيء، فبعث ~~الله عز وجل عيه بعوضة فدخلت في منخره، فمكمث أربعمائة سنة يضرب رأسه ~~بالمطارق، فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه، وكان قد تجبر ~~أربعمائة سنة فعذبه الله بها أربعمائة سنة وأماته. # وقال السدي: " لما أخرج إبراهيم صلى الله عليه وسلم من النار، أدخل على ~~الملك، ولم يره PageV01P861 # قبل ذلك، فقال له: من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. فلما قال ~~له إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من ms0293 المغرب فبهت وقال: ~~إن هذا إنسان مجنون، فأخرجوه، ألا ترون أنه اجترأ على ألهتكم، وأن النار لا ~~تأكله. وخشي الملعون الفضيحة من قومه فأخرجوه، وهو قوله {وتلك حجتنآ ~~ءاتيناهآ إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83]. # قوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين}. # أي لا يهديهم للحجة عند الخصومة لما هم/ عليه من الضلالة قاله ابن اسحاق. ~~وليس (الظالمين) بوقف، لأن (أو كالذي) معطوف عليه. # / قال الفراء والكسائي: " معنى {ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم}: هل رأيت ~~كالذي حاج، أي كالذي مر على قرية، فهو معطوف عليه ". وقيل: الكاف زائدة، ~~والمعنى: " الم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية. # قوله: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها}. PageV01P862 # قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والربيع والسدي: " وهو عزير ". # وقيل: هو أرميا. وروي أن اسمه أرميا، وهو الخضر. # وقال مجاهد: " هو رجل من بني إسرائيل ". # وقال وهب بن منبه: " القرية بيت المقدس. لما خربت وحرقت، وقف أروميا على ~~ناحية الجبل، فقال: أنى يحيى/ هذه الله بعد موتها ". على معنى: التطلع على ~~مشاهدة قدرة الله، لا على الإنكار لإحياء الله إياها فأراه الله ذلك. والذي ~~خربها بخت نصر البابلي. # وكذلك قال قتادة/ وعكرمة والضحاك غير أنهم قالوا: " وقف عليها عزير ". # وقال ابن زيد: " هي القرية التي خرج منها ألوف حذر الموت، فقال [لهم] PageV01P863 # الله: موتوا. قال: فمر بها رجل وهي عظام تلوح، فنظر وقال: أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها ". # {وهي خاوية}. أي خالية من أهلها. # {على عروشها}. [أي على أبنيتها]، سقوفها وبيوتها. # وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: " قربت الماء " إذا ~~جمعته. # وقال السدي: معنى {خاوية على عروشها}: ساقطة على سقفها. # وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها. # قال وهب بن منبه: " أوحى الله إلى أرميا، وهو بأرض مصر بعد أن خرب بخت ~~نصر بيت المقدس: أن الحق بأرض الشام، فركب حماره حتى كان ببعض الطريق ومعه ~~سلة من تين وعنب، وكان معه سقاء جديد فملأه ماء، فلما بدا ms0294 شخص PageV01P864 # بيت المقدس وما حوله نظر إلى خراب لا يوصف، قال: أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها؟ ثم سار حتى تبوأ منزلا، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى ~~الله عليه السبات، فلما نام نزع الله روحه مائة عام. فلما مرت من المائة ~~سبعون عاما أرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس عظيم، فقال: إن الله يأمرك ~~أن تسير بقومك فتعمر بيت المقدس إيليا وأرضها، حتى تعود أعمر ما كانت. فقال ~~له الملك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب/ لهذا العمل. فأنظره، فانتدب ثلاثة ~~آلاف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل، فسار ~~إليها قهارمته، فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عين أرميا ~~خاصة، وأخر جسده ميتا، فنظر إلى إيليا وما حوليها تعمل وتعمر وتجدد حتى ~~صارت كما كانت بعد ثلاثين سنة تمام المائة، فرد الله إليه روحه، فنظر إلى ~~طعامه وشرابه لم يتسنه؛ أي لم يتغير. ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه ~~لم يطعم ولم يشرب، أحياه الله له وهو يرى. ونظر إلى الحبل لم يتغير، وقد ~~أتى عليه ريح مائة عام ومطرها وشمسها وبردها، فعندها قال له: كم PageV01P865 # لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم. # قال: بل لبثت مائة/ عام ". # وإنما قال: يوما أو بعض يوم، لأنه فيما ذكر قتادة وغيره: أميت ضحى، وبعث ~~آخر النهار، فظن أنه يومه الذي كان فيه ". # قوله: {فانظر إلى/ طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية ~~للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها}. # من قرأ " ننشرها " بالراء، فمعناه كيف نحييها، من: " أنشر الله الميت: ~~أحياه ". ومن قرأ بالزاي، فمعناه: كيف نرفع بعضها إلى بعض من النشز، وهو ~~المرتفع، ومنه نشوز المرأة وهو ارتفاعها عن موافقة زوجها. ومنه قوله: PageV01P866 # {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} [المجادلة: 11]، أي ارتفعوا وانضموا. # قال وهب بن منبه وغيره: " معناه: وانظر إلى إحياء حمارك وإلى عظامه كيف ~~أنشرها ثم أكسوها لحما. # قال وهب: " كان ينظر إلى حماره يتصل بعضه ببعض، ms0295 ثم كسي لحما ثم جرى فيه ~~الروح فقام [ينهق. ونظر إلى عنبه] وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه. فلما ~~عاين ما عاين، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير ". # قال السدي: " كانت الطير قد ذهبت بعظام الحمار إلى كل سهل وجبل فبعث الله ~~ريحا، فجاءت بها واجتمعت/ وهو ينظر. فركب بعضها في بعض فصار حمارا من عظام ~~لا لحم فيه ولا دم، ثم كسى اللحم والدم، ثم أقبل ملك يمشي فأخذ بمنخر PageV01P867 # الحمار فنفخ فيه فنهق. فقال عندما عاين: أعلم أن الله على كل شيء قدير ". # ومن قرأ [بوصل ألف " أعلم " جعل الفعل] لله والقول لله، والله هو القائل ~~له بعدما أراه من البراهين: " اعلم يا أرميا أن الله على كل شيء قدير ". # قال الضحاك: / " أول ما نفخ الله الروح، ففي رأسه وبصره، وبقي جسده ميتا، ~~فرأى حماره قائما كهيئته يوم تركه وطعامه وشرابه كهئته، فقال له الله جل ~~ذكره: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} أي عظامك، فأراه التئام عظامه، وكون ~~اللحم عليها، ونفخ الروح في باقي جسده. [والعبرة] في نفسه أعظم. فلما رأى ~~ذلك وحيي كله قال: {أعلم أن الله على كل شيء قدير} ". وكذلك قال قتادة. PageV01P868 # وقال: ابن زيد: " أراه إحياء جسده، والتئام عظامه وهو ينظر، والحياة في ~~عينيه ورأسه فقط ". # قال ابن زيد: " جعل الله الروح في بصره ولسانه، فنظر إلى خلقه والتئام ~~عظامه، وأمره أن يدعو بلسانه إلى عظامه وأعضائه أن تلتئم فنادى بلسانه ~~ليلحق كل عضو بآلفه فجاء كل عظم إلى صاحبه حتى اتصلت وهو يراها، / حتى إن ~~الكسرة من العظم لتأتي إلى الكسرة الأخرى فتتصل بها، ثم شدت بالعروق ~~والأعصاب وهو يرى. # ثم التحمت وهو يرى، ثم كسيت بالجلد وهو يرى، ثم جرى [فيها الروح، فقال ~~عند ذلك]: {أعلم أن الله على كل شيء قدير} ". وقال الله له ذلك يأمره به. ~~ويجوز أن يكون الأمر منه لنفسه فتستوي القراءتان. وقد قاله الطبري. PageV01P869 # فالعطف في قوله: {أو كالذي} مردود على معنى: {ألم تر ms0296 إلى الذي حآج ~~إبراهيم} لأن معناه: هل رأتي مثل الذي حاج إبراهيم. فعطف على المعنى فقال: ~~{أو كالذي مر على قرية}، تقديره: " أو رأيت مثل الذي مر ". [و] العطف على ~~المعنى كثير كما قال: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق} [آل عمران: 86]، ف " شهدوا " معطوف على معنى إيمانهم لا على ~~كفرهم، تقديره: " بعد أن/ آمنوا وشهدوا ". # وقوله: {ولنجعلك آية للناس}. # قال الأعمش: " جاء شابا وولده شيوخ ". # وقال السدي: " جاء فوجد داره قد بيعت وبليت، وهلك من كان يعرفه. فقال: ~~اخرجوا من داري، قالوا: من أنت؟ قال: أنا عزير. # قالوا: هلك عزير منذ كذا وكذا سنة. فأخبرهم بما جرى عليه، فخرجوا له من ~~الدار ". PageV01P870 # وروي أن عزيرا كان ممن سباه بخت تنصر ومضى به إلى إرض بابل فرأى عزير دير ~~هرقل قد خرب، ومضى عليه حين من الدهر، فقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ~~فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد عمر الدير وذلك كله بأرض بابل. # وعلى [أن] القرية بيت المقدس أكثر أهل التفسير. # وقوله: {لم يتسنه} من أثبت الهاء في الوصل، فهو من سانهت فسكون الهاء علم ~~الجزم، والهاء أصلية، وهو أحسن. ومعناه: أنه مأخوذ من " السنة "، أي لم ~~تأخذه السنون وتحله. # ومن قرأ " يتسنه " فأصله يتسنن، من " سن الماء " إذا تغير. فمعناه لم ~~يتغير PageV01P871 # فأبدلوا من النون/ الآخيرة ياء، فقالوا: يتسنى كما قالوا: " تقضيت " في " ~~تقضضت "، ثم حذفت الألف للجزم [و] زيدت الهاء في الوقف لبيان الحركة. # وقرأ طلحة من مصرف: " لم يسن " أدغم التاء في السين. # وقد قال بعض أهل اللغة: " لم يتسن " من أسن الماء إذا أنتن. ويلزمهم من ~~هذا " يتأسن ". # وقال الشيباني: " هو من قولهم: " حمأ مسنون ". # ومعنى " يتسن ": يتغير. ولا يجوز عند أأبي إسحاق أن يكون من " مسنون " ~~لأن معنى " مسنون "، مصبوب. والصحيح أنه من السنة، فتكون الهاء أصلية/ تقول ~~في تصغيرها: " سنيهة " على قول من قال: " يتسنه ". و " سيينة " على قول من PageV01P872 # قال: " يتسن ". # قوله: {وإذ قال ms0297 إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى}. # " إذا " في موضع نصب بمعنى: " واذكر ". # وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: {ألم تر إلى الذي حآج}: " ألم تر ~~بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم ". قال قتادة: " مر ~~إبراهيم عليه السلام على دابة قد تقسمتها السباع والدواب والطير والرياح، ~~فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ ". وكذلك قال الضحاك. # وقال ابن زيد: " مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما ~~كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله. فقال ~~له الخبيث الشيطان/ يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال ~~إبراهيم: {رب أرني كيف تحيي الموتى}؟، ليرى ذلك/ عيانا ". # ومعنى {ليطمئن قلبي}: أي ليطمئن إلى ما تاق إليه من العيان لا أنه شك PageV01P873 # دخل عليه. # وقال السدي: " لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه عز وجل أن ~~يأذن له فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس هو في ~~البيت فدخل داره. وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أغير الناس يغلق بابه ~~إذا خرج، فلما جاء وجد في داره رجلا ثانيا، فبادر إليه ليأخذه، / وقال له: ~~من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار فقال ~~إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ ق ل: ملك الموت، جئت أبشرك ~~أن الله قد اتخذك خليلا، فحمد الله تعالى، وقال: يا ملك الموت. أرني الصورة ~~التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، لا تطيق] ذلك، قال: بلى. ~~فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، ~~وليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. ~~فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق، وقد تحول ملك الموت في الصورة PageV01P874 # الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك ~~لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس ms0298 المؤمنين، قال: فأعرض. فأعرض إبراهيم عليه ~~السلام ثم التفت فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا في ثياب ~~بيض. قال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمني عند ربه عز وجل من قرة العين ~~والكرامة إلا صورتك/ هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى ~~الله " عكلى محمد " وعليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى ~~حين أعلم أني خليلك. # قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك ". # وقال ابن عباس: " ما في القرآن آية أرجى عندي منها "، يريد أن إبراهيم ~~دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك. # وقال عطاء بن أبي رباح: " دخل قلب إبراهيم صلى الله عليه وسلم بعض ما ~~يدخل PageV01P875 # قلوب الناس ". # وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رحم الله إبراهيم، نحن أحق بالشك منه، إذ ~~قال إبراهيم: {رب أرني كيف تحيي الموتى}، وقال: {ليطمئن قلبي} ". # واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [عليه ~~السلام] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق. # وقد قال النبي [عليه السلام]: " ذلك من محض الإيمان ". # وهذا القول من نبي الله صلى الله عليه وسلم إنما هو على التواضع والتذل ~~لله، ونفى التكبر كما قال: " لا تفضلوني على يونس " ويعيذه الله من الشك ~~الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين. # ويجوز أن يكون قوله: " نحن أحق بالشك من إبراهيم "، يعني به أمته، كأنه PageV01P876 # صلى الله عليه وسلم يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم الشيطان]. وقد عفا الله ~~عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم يبدوه ولم يعتقدوه. # وقال قال سعيد بن جبير: " معنى {ليطمئن قلبي}: ليزداد يقينا ". # وعن ابن عباس: " ليطمئن قلبي " في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمر وسألتك فيه ~~". ولم يرد أن إحياء المتى يطمئن به. # قال أبو إسحاق: " ولم يكن شاكا، ولكن أراد مشاهدة ذلك عيانا ليزداد ~~يقينا، فليس الخبر كالمعاينة ". # قوله: {فخذ أربعة ms0299 من الطير}. # قال مجاهد/ وابن جريج وابن زيد: " أخذ طاووسا وديكا وغرابا وحمامة ". PageV01P877 # وجعل ابن عباس الكركي في موضع الغراب. # قوله: {فصرهن إليك}. # من ضم فمعناه: أضممهن إليك ووجههن إليك، يقال: / " صر وجهك إلي " أي أقبل ~~به إلي، ووجهه إلي. قال ذلك الكسائي. # وفي الكلام حذف: " وقطعهن بعد الضم ". # وقال مجاهد: " {فصرهن}: انتفهن بريشهن ولحومهن ". # وقال أبو عبيدة: " صرت [بالكسر: قطعت، وصرت] بالضم: جمعت ". # وقيل: الكسر والضم بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا. # وقيل: معنى الكسر: قطعهن. PageV01P878 # / قال أبو حاتم: يقال: صار، إذا قطع. # ويكون في الكلام تقديم/ وتأخير على هذا التفسير. ومعناه: {فخذ أربعة من ~~الطير فصرهن إليك}، أي فقطعهن. # وقد قال عطاء: " {فصرهن إليك}: / أضممهن إليك ". # وقال ابن زيد: " أجمعهن ". # وقال قتادة: " أمر أن يذبحن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن ثم يجزئهن ~~على أربعة أجبل ". # قال ابن جريج: " جعل لحومهن وريشهن على سبعة أجبل وهي الأجبال التي رأى ~~الطير والسباع [ذهبت فيها، وهن] اللواتي أكلن من لحم الجيفة التي كانت سبب ~~سؤاله، وأمسك إبراهيم [ صلى الله عليه وسلم] عند نفسه رؤوسهن ثم دعاهن بإذن ~~الله عز وجل، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الآخرى، وكل ريشة ~~تطير إلى الريشة PageV01P879 # الأخرى، وكل بضعة وكل عظم بعضها إلى بعض. فلما تتامت عليه في الهواء ~~انقضت عليه فوصلت كل جثة إ لى الرأس الذي [في يده] ". # قوله: {واعلم أن الله عزيز حكيم}. # أي لا يمتنع [عليه ما أراد، حكيم في تدبيره. # قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله}. # قال الطبري: " هذه الآية مردودة إلى قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} وإلى الآيات التي بعدها ". # قال السدي: " نزلت في الذي ينفق على نفسه في سبيل الله عز وجل ويخرج ". ~~والمثل في هذه الآية إنما هو للنفقة لا للمنفق، وفي الكلام حذف، والتقدير: ~~" مثل نفقة الذين ينفقون "، ودل " ينفقون " على النفقة فحسن حذفها. # وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: " لما نزلت: {مثل ms0300 الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله PageV01P880 # كمثل حبة} الآية، قال النبي عليه السلام: " اللهم زد أمتي "، فنزلت: # {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة}. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " رب زد أمتي " فنزلت: {إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب} ". # قال مالك في قوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: ~~10] " هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها ". # قال مالك: " وبلغني أن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ". # قلت: والصبر على طاعة الله عز وجل وعن محارم الله تعالى أفضل من الصبر ~~على المصائب والفجائع. كذا، قال عمر وغيره. # ثم قال: {والله يضاعف لمن يشآء}. # أي ممن أنفق في غير سبيل الله، يضاعف أيضا إن شاء. # وقيل: {لمن يشآء} هو المنفق في سبيل الله عز وجل، يزيد على سبعمائة ضعف ~~إلى ألفي ألف ضعف إن شاء. روي ذلك/ عن ابن عباس. # قوله: {والله واسع}. PageV01P881 # أي يزيد من يشاء من خلقه على السبعمائة ما شاء. # {عليم}. أي عليم بما ينفق المنفقون في سبيله. # وقيل: عليم بمن يزيده على السبعمائة ضعف ومن لا يزيده. # / قوله: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ~~ولا أذى لهم}. # قال الكلبي وغيره: " أصل نزول هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ~~ابن عوف، أتى عبد الرحمن بن عوف إلى النبي صلى عليه السلام بأربعة آلاف ~~دينار. وقال: يا رسول الله، اجتمع عندي ثمانية آلاف فعزلت لنفسي وعيالي ~~نصفها، PageV01P882 # وجعلت لله نصفها، فجزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا. وقال عثمان ~~بن عفان: يا رسول الله، علي تجهيز كل عاجز عن النهوض معك لفقره إلى تبوك، ~~واشترى رومة يبرأ بوقفها للمسلمين ". ثم " الآيات لكل " من فعل مثل فعلهما. # وهذه الآيات فيما قال ابن زيد:: هي لمن ينفق، وليس يجاهد، ولم يقل ~~للمجاهدين شيئا ". # وقيل: هي عامة، علم الله عز وجل أقوما يمنون بعطيتهم فقدم في ذلك. # قال زيد بن أسلم: " إن ظننت أنه يثقل عليه ms0301 سلامك، فكي سلامك عنه ". يعني ~~الذي تصدق عليه. # قوله: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى}. # " قول " مبتدأ، و " معروف " نعته، والخبر محذوف كأنه " أمثل " و " أولى ~~". و " مغفرة ": مبتدأ و " خير من صدقة " الخبر. PageV01P883 # قال الضحاك: " إن تمسك مالك خير من أن تنفقه، ثم تتبعه المن والأذى ". # قوله: {والله غني}. # أي عنى عن ما يتصدق به بالمن والأذى. # {حليم}. # لا يعجل بالعقوبة على من يتبع صدقته المن والأذة، وقيل: المعنى: قول ~~جميل، ودعاء للسائل خير من أن تعطي صدقة [يتبعها أى ومن ". # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم} الآية/. # أمروا أن يكفوا عن المن والأذى اللذين يبطلان ثواب الصدقة، كما يبطل ~~الرياء صدقة المتصدق المافق/ الذي يوهم بصدقته أنه مؤمن فيرائي. # والمراد في قوله: {ولا يؤمن بالله}. PageV01P884 # هو المنافق، وإنما ذلك لأنه أضاف إليه الرياء. وذلك من فعل المنافق ~~الساتر لكفره. فأما الكافر فليس عنده رياء، لأنه مناصب للدين مجاهر بذلك. # وقيل: المراد به الكافر المجاهر. وذلك أن الكافر قد ينفق ماله، ليقول ~~الناس: " ما أكرمه! ما أفضله "، ولا يريد بإنفاقه إلا الثناء، لا غير. ~~فنهاهم الله أن يكونوا مثله إذا منوا أو آذوا. # وقوله: {فمثله كمثل صفوان عليه تراب}. # الصفوان: الحجر الأملس. # وقرأ ابن المسيب والزهري: " صفوان " بفتح الفاء. # وحكى قطرب " صفوان " بكسر الصاد. # قال الأخفش: " صفوان، جماعة صفوانة ". # وقال غيره: " هو واحد والصلد هو الذي لا شيء عليه من نباته PageV01P885 # ولا غيره ". # مثل الله المنافقين وأعمالهم بالحجر الأملس عليه تراب، وأصابه مطر وابل؛ ~~وهو العظيم القطر، فتركه لا شيء عليه. فكذلك صدقات المنافقين للرياء. # ومعنى: {لا يقدرون على شيء مما كسبوا}. # أي لا يقدرون يوم القيامة على وجود شيء مما كسبوا، أي من ثواب ما كسبوا ~~في الدنيا لأنه كان لغير الله. # {والله لا يهدي القوم الكافرين}. # أي لا يسددهم لإصابة الهدى في فعلهم وقولهم. وهذا يقوي قول من ق ل: أراد ~~بما تقدم الكافر لا المنافق. قال معنى ما ذكرنا: قتادة والربيع/ وغيرهما. ms0302 # قوله: {ومثل الذين ينفقون [أموالهم] ابتغآء مرضات الله}. # ضرب الله الآية الأولى مثلا لأعمال الكافرين يوم القيامة، وشبه صدقة أهل ~~الرياء والكفر بالصفوان الذي عليه تراب فأصابه مطر شديد، ثم ضرب هذه الآية PageV01P886 # مثلا لأعمال المؤمنين وصدقاتهم. فمعنى قوله: {وتثبيتا من أنفسهم}، أي ~~يقينا وثقة. قاله السدي وقتادة وأبو صالح. # وقال مجاهد: " يثبتون: أين يضعون أموالهم ". # قال الحسن: " يعني زكاتهم ". # وروي عن قتادة: " {وتثبيتا}: احتسابا من أنفسهم ". # وعن الحسن أنه قال: " يثبت إذا أراد أن ينفق، فإن كان لله أنفق وإلا أمسك ~~". # قوله: {كمثل جنة بربوة أصابها وابل}. # شبه فعل هؤلاء في صدقاتهم بجنة بربوة، وهي الترعة أصابها وابل وهو المطر ~~الشديد العظيم القطر، فإن أخطأها الوابل أصابها الطل وهو الندى. PageV01P887 # وقال الضحاك: " هو الرذاذ من المطر، يعني اللين منه ". # والهاء في {أصابها} تعود على الجنة أو على الربوة، وكذلك الهاء في " ~~يصبها ". # قوله: {فآتت أكلها ضعفين}. # أي فهي لا تخلف؛ لابد من إتيان الأكل. فكذلك عمل المؤمن لا خلف لخيره. # وسميت الربوة ربوة لأنها ربت على وجه الأرض. / أي ارتفعت من: " ربا " إذا ~~زاد. # قال مجاهد: " الربوة المكان الظاهر المستوي ". وكذلك قال الحسن. وقال ~~الضحاك: " الربوة المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار ". وقال السدي: " ~~{بربوة}: برابية من الأرض " يريد المنخفض. # وقال ابن عباس: " الربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه PageV01P888 # الأنهار " / وتقدير الكلام عند المبرد: " فطل يكفيها ". # وعلى ذلك يستحسن الوقف على {فطل}. وقدره غيره. " فهو طل " أو " أصابها طل ~~". # قوله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة} الآية. # قوله: {وأصابه الكبر}. # على تقدير: " وقد أصابه الكبر "، ولذلك عطفه على " أيود " وهو مخالف له. # وقيل: هو محمول على المعنى، تقديره: " أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه ~~الكبر ". # وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي. ينفقانهما رياء الناس، فهو ~~يحمد على ما ظهر منه في الدنيا ولا حاجة به إلى ذلك في الآخرة كالرجل الذي ~~له جنة من نخيل وأعناب ولا كبر معه ولا ذرية. فلما كبر، وصارت له ذرية ms0303 ~~ضعفاء. وضعف عن الكسب والتصرف، ولا طاقة لذريته على التكسب لضعفهم وصغرهم، ~~فعند ذلك PageV01P889 # احترقت جنته، فانطقع في أحوج ما كان إليها، ولم ينتفع بها في شيببته وقلة ~~عياله إذ كانت سالمة. كذلك المنافق أو المرائي، إذا أتى في الآخرة لم يجد ~~شيئا من عمله، وهو أحوج ما يكون إليه، ولم ينفعه حمد الناس على ما ظهر لهم ~~من عمله. فحاجته إلى العمل الصالح، كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء ~~إلى جنته. # قوله {إعصار}. # أي ريح فيها سموم فاحترقت، وهي ريح عاصفة تهب من الأرض إلى السماء كأنها ~~عمود/ والجمع أعاصير، وهي التي تسميها الناس: الزوابعة. # وقال الحسن: " {إعصار فيه نار}: ريح فيها برد شديد ". # {كذلك يبين الله لكم}. # أي هكذا البيان المتقدم في الصدقة، والجهاد، وقصة إبراهيم، وجميع ما سلف. PageV01P890 # {يبين الله لكم الآيات} أي العلامات. # {لعلكم تتفكرون}. # قال/ ابن عباس: " تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها ~~". # وقال مجاهد: {لعلكم تتفكرون}: أي تطعون ". # قوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم}. # قال علي رضي الله عنه: " من الذهب والفضة، الجياد منها ". أي زكوا من ~~ذلك. # وقيل: من الحلال. # وقال مجاهد: " ما كسبتم من التجارة، {وممآ أخرجنا لكم من الأرض}: يعني ما ~~فيه زكاة مما بينته السنة ". # {ولا تيمموا الخبيث}: # أي الرديء، اي لا تعمدوا إلى الرديء تتصدقون به فتجعلوه PageV01P891 # زكاتكم. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، علق قنوا من حشف للصدقة ~~وكانوا يعلقون في أيام الجداد في مسجد النبي [عليه السلام] / بين كل ~~أسطوانتين أقناء يأكل منها المهاجرون والأنصار، فعلق هذا الرجل قنوا من حشف ~~فنهوا عن ذلك، وهو الخبيث يراد به الرديء. وقال علي: " كان الرجل يعزل ~~الرديء من التمر للصدقة، فنزلت الآية ". وهو قول الحسن ومجاهد وعطاء. # وقال ابن زيد: " الخبيث: / الحرام ". # أي لاتتدصقوا من الحرام. وتصدقوا من الحلال. PageV01P892 # قوله: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا}. # أي لستم بآخذين الرديء من المال من غرمائكم إلا عن إغماض منكم؛ أي ~~كراهية، فتأخذونه كأنكم ms0304 قد أغمضتم أعينكم، فلا ترونه كراهة فيما أعطيتم. # وقرأ الحسن " أن تغمضوا " بفتح الميم وضم التاء. أي لستم تأخذونه حتى ~~تنقصوا من سعر غيره. وكذلك قرأ قتادة. # قيل: معناه: لستم تأخذونه إلا أن يهضم لكم من ثمنه أي ينقص. وقرأ الزهري: ~~" تغمضوا " بفتح التاء، وكسر الميم. # وعنه أيضا بضم التاء، وتشديد الميم. PageV01P893 # وقال علي: " لستم ممن يأخذ الرديء حتى يهضم لكم "، أي يرخص عليكم من ~~ثمنه، فيقول تعالى: " ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم إلا عن تغمض وترخص في ~~أخذه وكراهة ". # وقال ابن زيد: " لستم ممن يأخذ الحرام حتى يغمض لكم في من الإ ثم ". # قوله: {واعلموا أن الله غني}. # أي غني عن أن تتصدقوا بالرديء والدنيء، وتأخذوا لأنفسكم الجيد. # / {حميد} لمن تصدق بطيب ماله. # قوله: {الشيطان يعدكم الفقر}. # أي يخوفكم به ويوسوس إليكم، فلا تخرجون الزكاة. # {ويأمركم بالفحشآء} أي [بترك الصدقة فتكونون عاصين]. # {والله يعدكم مغفرة} أي يجازيكم على صدقاتكم بالمغفرة. # وقال ابن عباس: " الشيطان يقول: " لا تنفق مالك، أمسكه PageV01P894 # عليك "، والله يعدل مغفرة على تركك هذه المعاصي، وفضلا في الرزق ". # وقال قتادة: " والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلا لفقركم ". # {والله واسع} يعطيكم من سعته، ما شاء لمن شاء. # {عليم} بمن [يطيعه فيتفضل] عليه، ومن يعصيه فيغفر له أو يعاقبه. # وروي أن في التوراة مكتوبا: " عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي، فإن ~~يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ". # وفي القرآن نظير/ هذا، {ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} ~~[سبأ: 39]. # قوله: {يؤتي الحكمة من يشآء}. # قال ابن عباس: " الحكمة علوم القرآن/ مقدمة ومؤخرة وناسخة ومنسوخة، PageV01P895 # ومحكمة ومتشابهة ". # وقال قتادة: " الحكمة: الفقه في القرآن ". # وقال مجاهد: " الحكمة: الإصابة في القول ". # وقال ابن زيد: " الحكمة: العلم بالدين ". # قال مالك: " الحكمة: المعرفة بدين الله، والفقة فيه، والاتباع له ". # وروى عنه ابن القاسم أنه قال في الآية: " الحكمة: التفكر في أمر الله ~~والاتباع له ". # وعنه أيضا أنه قال: " الحكمة: طاعة الله والاتباع له، والفقه في الدين ~~والعمل به ". # وقال مالك: ms0305 " إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في الدين يدخل الله في ~~القلوب من رحمته وفضله ". PageV01P896 # وقال الربيع بن أنس: " الحكمة: الخشية ". # وقال السدي: " الحكمة: النبوءة ". # وقال زيد بن أسلم: " الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه ". # وقال ابن زيد بن أسلم: " الحكمة: العقل في الدين ". # وقال مجاهد أيضا: الحكمة: القرآن ". وقاله الضحاك. # قوله: {وما يذكر إلا أولوا الألباب}. # أي لا يتذكر ولا يتعظ بهذه الآيات إلا أولوا العقول وهم المؤمنون. قاله ~~ابن سلام. # قوله: {ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه}. PageV01P897 # الهاء " في {يعلمه} تعود على الإنفاق أو على النذر. أي ما تصدقتم من صدقة ~~لم تعقدوها على أنفسكم أو نذرتم من نذر، فعقدتموه على أنفسكم، فإن الله ~~يعلم ذلك، أي يعلم من تصدق ونذر لوجه الله، ومن فعل ذلك للرياء. # و" ما " لمن ظلم نفسه فتصدق لغير الله، ونذر لغير الله. # قال الحسن: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أنفق الناس/ من ~~نفقة أعظم إلى الله من قول ". # وقال الحسن أيضا عن النبي عليه السلام أنه قال: " ما أنفق الناس من نفقة ~~أحب إلى الله من قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقراءة القرآن ". # وقال: " أفضل النفقة ما تنفقه على والديك، ثم بعد ذلك ما تنفقه على ولدك ~~وزوجتك وعيالك، ثم بعد ذلك ما تنفقه على قرابتك، ثم بعد ذلك ما تنفقه في ~~سبيل الله " هذا معنى الحديث. PageV01P898 # قوله: {من أنصار}. أي ما للظالم من نصير ينصره يوم القيامة. # قوله: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} الآية. # قال الربيع: " كل مقبول، إذا كانت النبية خالصة، والسر أفضل ". # وكذلك قال ابن جبير وغيره. وهذا في التطوع. # قال [ابن عباس: " صدقة التطوع في السر أفضل من العلانية، يقال: بسبعين ~~ضعفا. وصدقة الفريضة في العلانية/ أفضل من السر بخمسة وعشرين ضعفا ". # وكذلك جميع الفرائض والنوافل على هذا القياس. ومن قرأ: " يكفر " بالياء، ~~فمعناه: ويكفر ms0306 الإعطاء. # وقيل: معناه: ويكفر الله، و " من " للتعبيض. # ومعنى {سيئاتكم} أي يكفر منها ما شاء لمن يشاء، ليكون العباد على وجل PageV01P899 # من الله، لئلا يتكلوا على الصدقات أنها تكفر الذنوب كلها. # وقيل: " من " زائدة، فتكون الكفارات للسيئات كلها. # قوله: {والله بما تعملون خبير}. # أي خبير بما تصنعون في صدقاتكم من أخفائها وإعلانها. # ومعنى {خبير} / ذو خبر. # قوله: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء}. # هذا مثل/ {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119]، على قراءة من رفع، ~~أي ليس عليك سوى البلاغ المبين، ولست عليهم بمسيطر. {ولكن الله يهدي من ~~يشآء}، أي يوفقه للهداية. # وهذا الآية نزلت في المشركين لأن المؤمنين كانوا لا يتصدقون عليهم ~~ليدخلوا في الإسلام، فنزلت: {ليس عليك هداهم} إلى {وما تنفقون إلا ابتغآء ~~وجه الله}. PageV01P900 # وقيل: " نزلت في أسماء بنت أبي بكر امتنعت من بر جدها [أبي قحافة] إذ لم ~~يسلم/ وغيره، فتصدق عليهم ". # قال ذلك ابن عباس وابن جبير، قالا: " كان ناس من الأنصار لهم قرابة ضعفاء ~~مشركون فلا يتصدقون عليهم، فنزلت الآية، فتصدقوا عليهم ". # وروى ابن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان لا يتصدق على المشركين ~~حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم. # وقال ابن زيد: " لك ثواب نفقتك، وليس علكيم من عمله شيء ". # وهذا إنما هو في التطوع، فأما في الواجب فلا يعطى منه إلا المسلمون. # قال مالك: " يتصدق على اليهود والنصارى من التطوع، ولا يعطون من الواجبات ~~لا من الزكاة ولا من صدقة الفطر، ولا مما أشبههما ". # قوله: {وما تنفقوا من خير}. PageV01P901 # أي ما تتصدقوا من مال - والخير المال - فإنه لأنفسكم تجزون به. [روى أبو ~~هريرة أن النبي عليه السلام قال: " إذا تصدق العبد بالصدقة وقعت في يد الله ~~قبل أن تقع في كف السائل فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى ~~إن اللقمة لتصير مثل أحد ". # وتصديق ذلك في كتاب الله: {يمحق الله الرباوا ويربي الصدقات} [البقرة: ~~276]، وقال: {ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104]. # قوله: {للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله}. ms0307 # اللام متعلقة بقوله: {وما تنفقوا من خير} للفقراء الذين من حالهم وقصتهم ~~- {يوف إليكم}. وعني به فقراء المهاجرين بالمدينة. ومعنى {أحصروا في سبيل ~~الله}: منعوا أنفسهم من التصرف وحبسوها على جهاد عدوهم. قاله قتادة وغيره. # وقال ابن زيد: " كانت الأرض للعدو، فلا يستطيعون تصرفا فهم محصرون ". PageV01P902 # وقال السدي: " معناه: حصرهم المشركون بالمدينة ". # {لا يستطيعون ضربا في الأرض}. # أي تقلبا ولا تصرفا في المعاش والتجارات. # وقال ابن جبير: " نزلت في قوم أصابتهم جراحات في سبيل الله، فصاروا زمنى ~~من أجل عدوهم، أو من أجل حرصهم على الجهاد والغزو. # قوله: {يحسبهم}. بكسر السين وفتحها لغتان، ونظيره " نعم " و " يئس "، ~~يأتي المستقبل بالفتح والكسر. # وحكى أبو إسحاق أن مثله عهد، يقال: " يعهد ويعهد. # ومعنى: {يحسبهم الجاهل}. # أي الجاهل بأمرهم وحالهم، أغنياء من تعففهم عن المسألة والتعرض لها. # تعرفهم يا محمد بعلاماتهم وهي السيماء وهي أثر السجود. PageV01P903 # وقيل: هي الخشوع والتواضع. قاله مجاهد. # وقيل: هي أثر الفاقة والحاجة. قال السدي. # وقال ابن زيد: " هي رثاثة ثيابهم، / لأن الجوع خفي ". # ومن العرب من يمد السيماء، ومنهم من يقول سيماء بالمد وزيادة ياء بعد ~~الميم. # قوله: {لا يسألون الناس إلحافا/}. # أي إلحاحا، أي لا يشملون الناس بالسوال، ومنه اللحاف. # والمعنى: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحافا. # وهو كقول امرئ القيس: PageV01P904 # " على لا حب لا يهتدي لمناره ". # أي ليس فيه منار فيهتدي به. # ويقال: قد ألحف السائل إذا ألح. # ويقال: " ألحف الرجل " و " ألح " و " أخفى "، بمعنى واحد. # قوله: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية}. # قال ابن عباس: " نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ كانت معه أربعة ~~دراهم فأنفق بالليل درهما. وبالنهار درهما، وسراص درهما، وعلانية درهما ". # وقيل: " إنها نزلت في علف الخيل في سبيل الله ". # ذكر ذلك أيضا عن ابن عباس، وعن أبي ذر الغفاري. PageV01P905 # / وقال أبو أمامة: " نزلت في أصحاب الخيل ". # وكذلك قال الأوزاعي: " هي في الذين يربطون الخيل في سبيل الله ينفقون ~~عليها بالليل والنهار " وروي ذلك عن أبي الدرداء. ms0308 وعلى أنها في الخيل أكثر ~~أهل التفسير. # قوله: {الذين يأكلون الرباوا لا يقومون}. # معناها: الذين يأكلون الربا في الدنيا لا يقومون في الآخرة إذا بعثوا من ~~قبورهم إلا مثل قيام المجنون. # والمس: الجنون. قاله مجاهد وقتادة وابن جبير وغيرهم؛ قاوا: " يقوم الخلق ~~من قبورهم مسرعين كما قال تعالى: {يخرجون من الأجداث سراعا} [المعارج: 43] ~~إلا أكله الربا، فإن الربا يربو في بطونهم فيقومون ويقسطون، يريدون الإسراع ~~فلا يقدرون، فهم بمنزلة المتخبط من الجنون ". # قال ابن جبير: / " يبعث أحدهم حين يبعث، وشيطان يخنقه ". PageV01P906 # والقصد بالنهي في هذه الآية: كل من أخذ الربا أكله أو لم يأكله. # وكان أهل الجاهلية إذا حل أحدهم الأجل في دين/ عليه، يقول الذي عليه ~~الدين: " زدني في الأجل وأزيدك في دينك "، فنهى الله عن ذلك، وقال: {اتقوا ~~الله وذروا ما بقي من الرباوا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب ~~من الله ورسوله} [البقرة: 278 - 279]. # وأصل الربا الزيادة، وهو في التجارة والبيع والشراء جائز إذا كان على ~~وجهه الذي قد بينته السنة والكتاب. فأصل الربا المحرم أن يقول الذي عليه ~~الدين: " أخرني وأزيدك في دينك "، ثم جرى مجراه كل ما شابهه في البيوع ~~والدين، وغير ذلك ما قد أحكمته السنة وفسره العلماء. # وقد روى محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل قرض ~~جر منفعة فهو ربا ". # قوله: {فله ما سلف}. # أي ما أكل وأخذ قبل مجيء الموعظة فذلك مغفور له. PageV01P907 # {وأمره إلى الله}. # أي في المستقبل، إن شاء ثبته وإن شاء رده إلى ما نهاه عنه. # والموعظة: القرآن. # ومن عاد فعمل بالربا حتى يموت فأولئك أصحاب النار. قال ذلك سفيان. وقال ~~غيره: " من عاد فقال: إنما البيع مثل الربا، وتمادى عليه، فهو من أصحاب ~~النار ". # قوله: {يمحق الله الرباوا ويربي الصدقات}. # معناه: ينقص الله الربا ويذهبه، ويضاعف الصدقات وينميها. # قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية. # أي إن الذين تابوا من أكل الربا فآمنوا بما أنزل عليهم، وانتهوا عما/ نهو ~~عنه ms0309 وعملوا الصالحات، فهم أصحاب الجنة. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرباوا}. # معناه: / يا أيها الذين صدقوا محمدا: ذروا ما بقي لكم من الربا زيادة على ~~رؤوس أموالكم. # ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوا ~~عليهم فقبضوا بعضا، وبقي بعض، فعفا لهم عما كانوا قبضوا وحرم عليهم ما بقي PageV01P908 # مما زاد على رأس المال. # قال ابن المسيب: " لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما [يكال و] يوزن مما ~~يؤكل ويشرب ". يعني في المبايعة. # وفسره بعض العلماء فقال: " ما كان مما يكال أو يوزن من نوع من الطعام، ~~فلا تأخذ إلا وزنا بوزن، ومثلا بمثل، يدا بيد، وكذلك الذهب بالذهب، والفضة ~~بالفضة، فإن اختلف النوعان فزد واستزد يدا بيد ". # قال عبد الله بن سلام: " أكل الربا يعدل سبعين فجرة، أدنى فجرى منها مثل ~~أن يضطجع الرجل مع أمه ". # وروى الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عنه أنه قال: " درهم ربا أشد من/ ست ~~وثلاثين زنية ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الربا سبعون حوبا، ~~أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ". PageV01P909 # قال ابن مسعود: " الربا بضع وسبعون بابا ". # قوله: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله}. # أي فأيقنوا بحرب. # وقال الأصمعي: " معناه: كونوا على علم ". # ومن قرأ بالمد فمعناه: فأعلموا أصحابكم بالحرب. # {وإن تبتم}. أي تركتم الربا. # {فلكم رؤوس أموالكم}. بلا زيادة. # {لا تظلمون}. فتأخذون ما ليس لكم. # {ولا تظلمون}. فتنقصون من رؤوس أموالكم. # وروى المفضل عن عاصم: " لا تظلمون ولاتظلمون "، المفعول قبل PageV01P910 # الفاعل. # قوله: {وإن كان ذو عسرة}. أي إن وقع ذلك. # ولا خبر ل " كان "، هي " كان " التامة تستغني باسمها عن الخبر. فليست ~~بالداخلة على الابتداء والخبر، تلك هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر. # وقد قيل: إن الخبر محذوف، والتقدير: " وإن كان ذو عسرة في الدين فظرة إ ~~لى ميسرة ". # وفي مصحف عبد الله: " وإن كان ذا " بالألف على تقدير: وإن ms0310 كان الذي عليه ~~الدين ذا عسرة، فهي " كان " الناقصة على هذا. # وقرأ مجاهد: " فناظره إلى ميسر هي "، بضم السين، وصلت الهاء بياء. # وهو لحن عتد أهل العربية: ليس في الكلام مفعل بتغيير هاء التأنيث. PageV01P911 # قال الأخفش: / " ولو قرأوا بفتح السين لكان حسنا، لأن " مفعلا " في ~~الكلام كثير ". # وقوله: {فنظرة}. هو من التأخير. ورفعها على معنى: " فعليكم نظرة ". # / وحكى أبو إسحاق: " فناظرة " من التأخير. # وقيل: [هو من أسماء المصادر كقوله: {ليس لوقعتها كاذبة} [الواقعة: 2]. ~~ورد أو حاتم ذلك وقال: " إنما يجوز هذا في نظر العين، مثل الذي في النمل ~~قوله: {بم يرجع المرسلون} [النمل: 35]. # والمعنى: " إن كان الذين لكم أن ترجعوا عليهم برؤوس أموالكم ذوي عسرة، ~~فعليكم أن تنظروهم إلى مسيرة ". # وفتح السين وضمها لغتان. وأجاز النحاس النصب على PageV01P912 # المصدر. وهذه الآية ناسخة لما كان في أول الإسلام. كان الرجل إذا اتبع في ~~دين ولم يكن معه ما يقضيه بيع في الدين. # روي عن النبي عليه السلام: " أنه أمر أعرابيا ببيع رجل له عليه دين، ولا ~~مال معه ". # وقال قوم: " إنما هذا الإنظار في الربا خاصة، وليس لمن عليه دين لا يؤديه ~~إلا السجن حتى يؤديه كان معه أو لم يكن لقوله: {إن الله/ يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58]. # قال ابن عباس: " نزلت في الربا ". # / وأكثر الفقهاء على أن الآية عامة في كل من عليه دين، ولا شيء معه، ينظر ~~إلى يسره إذا صح فقره وثبت. PageV01P913 # قوله: {وأن تصدقوا خير لكم}. # أي وصدقه رؤوس أموالكم على المعسر خير لكم إن كنتم تعلمون الفضل. # وقال قتادة: " ندبوا أن يتصدقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير ". # وقال غيره: " ذلك على المعسر خاصة ". # قال عمر بن الخطاب رضي لله عنه: " آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن ~~نبي الله قبض من قبل أن يفسرها ". # قال ابن عباس: " آخر آية نزلت: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله}. # كذلك قال السدي وعطية وابن جريج. # واليوم في هذا يوم القيامة. PageV01P914 # وقيل: هو يوم موت الإنسان ms0311 لأنه وقت قدومه على الله. # ويروى أن النبي عليه السلام قال: " أتاني جبريل عليه السلام بهذه الآية، ~~فقال: اجعلها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة ". # ومعنى الآية: التحذير والتخويف في أخذ الربا وارتكاب ما نهي عنه. # وروي أنها نزل على النبي عليه السلام قبل موته بثلاث ساعات فقال النبي ~~عليه السلام: " اجعلوها بين آية الدين وآية الربا ". # وقال مقاتل: " نزلت قبل/ وفاته بتسع ليال ". # قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين}. # قال ابن عباس: " نزلت في السلم خاصة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم ". يريد ~~بثمن نقد معلوم من غير أن يكون طعام في طعام. PageV01P915 # وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري " أنه واجب أن يكتب إذا باع بدين ". ~~وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة والضحاك وجابر بن زيد ومجاهد. # / وقال عطاء: " أشهد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو بثلث ~~درهم أو أقل من ذلك، فإن الله يقول: {وأشهدوا إذا تبايعتم}. وهو مذهب ~~الطبري. # وقال أبو سعيد الخدري: " كان ذلك فرضا ثم نسخه {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283]. # وبه قال الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد والشعبي. # وأكثر الفقهاء على أنه ندب وإرشاد لا على الحكم. وهو قول مالك والشافعي. PageV01P916 # وقال الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على أنها ندب وإرشاد ~~". وقال: " من جعل الإشهاد فرضا، لا يجوز أن يكون هذا منسوخا لأنه يلزم منه ~~رفع حكم الإ شهاد. والإشهاد جائز بإجماع. وفي تركه وقع الاختلاف فلو كانت ~~منسوخة لم يجز الإشهاد لأن حكم المنسوخ ألا يبقى حكمه ولم تأت آية فيها/: " ~~لا تكتبوا ولا تشهدوا ". بل لك حسن جائز بإجماع وواجب عندنا. وإنما معنى: ~~{فإن أمن بعضكم بعضا} عند عدم الكاتب والشهود ". # قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الاعتراض لا يلزم لأنه يجب منه ألا يعمل ~~بما نسخ البتة. وقد نسخ فرض صوم عاشوراء وفرض صوم ثلاثة أيام من كل شهر. ~~ونسخ فرض قيام الليل، وفعل ذلك حسن ms0312 مرغب فيه. كذلك فرض الإشهاد، هو منسوخ، ~~وفعله حسن جائز. وقول الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على ~~الندب ". # جوابه: أن الدليل على أنه صار ندبا قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا}. ولا يحمل PageV01P917 # على معنى عدم الكاتب والشهود إلا بدليل. # قوله: / {ولا يأب كاتب}. # قيل: هو واجب عليه أن يكتب إذا دعي إلى ذلك. # قال الضحاك: " نسخها: {ولا يضآر كاتب}. # وقال السدي: " لا يأب كاتب أن يكتب إذا كان فارغا ". # {ولا يبخس منه شيئا}. # أي لا يظلم ولا ينقص من حق الرجل/ الذي له الحق شيئا. # قوله: {فإن كان الذي عليه الحق}. أي من عليه الدين. # {سفيها}. أي جاهل بالصواب الذي يمليه عليه الكاتب. # {أو ضعيفا}. أي أخرق. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وغيره. # وقال السدي: " السفيه الصغير ". PageV01P918 # وأصل " السفيه " الخفيف العقل من قولهم: " تسفهت الريح الشيء " إذا ~~استخفته فحركته. # قال السدي: " الضعيف الأحمق ". # {فليملل وليه بالعدل}: أي ولي السفيه والضعيف. قاله الضحاك. # وقال ابن عباس: " ولي الدين هو الذي هو عليه " أي فليقر وليه بما عليه ~~وليشهد. # وقيل: ولي الدين هو العيي واليتيم. # فالهاء في {وليه} تعود على الدين أو على صاحب الدين أو على المطلوب. # قوله: {واستشهدوا شهيدين}. # اختير " فعيل " لأنه للتكثير، فمعناه: استشهدوا من عرف بالشهادة والشاهد ~~يقع لغير التكثير، يقال: " فلان شهيدي وشاهدي ". PageV01P919 # قوله: {من رجالكم} أي من الأحرار المسلمين. # قوله: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان}. # قال ابن بكير: " هذا مخاطبة للحكام "، أي إن لم يأت صاحب الحق برجلين أتى ~~برجل وامرأتين، فليس معناها أنه لا يشهد الرجل والامرأتان إلا عند عدم ~~الرجلين. لأن فاعلا لو فعله وهو واحد الرجلين لتم إشهاده ". # ومعنى الآية/ عند غيره أنها مخاطبة لصاحب الدين، أي فاستشهدوا [من حضر]؛ ~~رجلين، أو رجلا وامرأتين. # ومعنى: {ممن ترضون من الشهدآء}. # أي من العدول المرضيين، وإنما تجوز شهادة النساء عند مالك، ومن قال بقوله ~~في الأموال خاصة؛ لأنه المكان الذي تكون فيه لا يتعدى إلى غيره. # قوله: {فتذكر إحداهما الأخرى}. # أي ms0313 فتصير إحداهما ذكرا باجتماعهما. تقول العرب " اذكرت المرأة " إذا PageV01P920 # ولدت ذكرا، قال ذلك ابن عيينة. وليس هو عنده من الذكر بعد النيسان. # وأكثر الناس على أنه من الذكر بعد النسيان لقوله تعالى: {أن تضل إحداهما} ~~أي إن تنسى فتذكرها الأخرى ما نيست. # قوله: {ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا}. # أي لا يتخلفوا عن أداء الشهادة إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق. ~~قاله قتادة والحسن. # وقيل: معناه: لا يتأخروا إذا دعوا ليؤدوا ما قد شهدوا عليه، وذلك إذا لم ~~يجد غيره، فإن وجد غيره فهو مخير/ فأما إذا دعيت إلى شهادة لم تشهد بعد ~~بها، فأنت مخير في ذلك. # هذا/ قول مجاهد وعطاء وغيرهما. وهو قول مالك. PageV01P921 # والألف واللام في {الشهدآء} يدلان على أنه لشهادة متقدمة إذا دعوا ~~[ليوصلوها إلى] حكم، فلا يتخلفوا إذا لم يوجد غيرهم. # وعن عطاء أنه إذا دعي ليشهد لزمه ذلك. # قوله: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله}. # أي لا تملوا أن تكتبوا صغير حقوقكم وكبيرها إلى أجله، فإن الكتاب أحضر ~~للأجل والمال. # {ذلكم أقسط} أي أعدل. # {وأقوم} أي أصوب. # {وأدنى ألا ترتابوا}. # أي أقرب ألا تشكوا في الدين والأجل. ثم أرخص في التجارة الحاضرة التي هي ~~يدا بيد غير أن يكون طعام في طعام متفاضلا ألا تكتبوها. PageV01P922 # ثم قال: {وأشهدوا إذا تبايعتم}. # قال الضحاك: " ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد وإن شاء ترك. وما كان من ~~بيع إلى أجل فليشهد ". # قال مالك: " هو مخير في الإشهاد، وتركه ". # / ويروى عن ابن عمر أنه قال: " الشهادة واجبة في كل ما يباع من قليل أو ~~كثير بقوله عز وجل: { وأشهدوا إذا تبايعتم}. # وهذا عند جماعة منسوخ بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته}، وهو نسخ/ فرض إلى ندب، كنسخ رمضان ليوم عاشوراء؛ من شاء صامه، ومن ~~شاء تركه. وكالامتحان؛ من شاء امتحن، ومن شاء ترك، بعد قوله: {فامتحنوهن} ~~[الممتحنة: 10]. فكان الإشهاد واجبا ثم صار ندبا بقوله: {فإن أمن بعضكم ~~بعضا}. ففي هذا ms0314 الحكم ثلاثة أقوال: الأول: أنه محكم يعمل به، والثاني: أنه ~~منسوخ، والثالث: أنه ندب وترغيب. # تم الجزء السابع PageV01P923 # قوله: {ولا يضآر كاتب ولا شهيد}. # قال الحسن وغيره: " معناه لا يضار كاتب فيزيد ما لم يملل عليه في الكتاب ~~أو يحرف، ولا شهيد فيكتم الشهادة أو بغيرها ". # وقال ابن عباس وغيره: " معناه لا يضارا فيتخلفا عن الكتابة والشهادة ~~ويقولان: علينا شغل ولنا حاجة ". # وقيل: المعنى: لا [يضار فيما قد شهدا] فيه فيتخلفا عن أدائه إلى الحاكم. # وفي كل هذه الأقوال يرتفع [الكاتب والشهيد/ معا بفعلهما]. # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ: " ولا يضارر " برأءين ظاهرتين ~~الأولى مفتوحة. PageV01P924 # وكذلك روى الضحاك عن ابن مسعود. وكذلك روى ابن كثير عن مجاهد. وتأويله: ~~أن يضارا في أن يدعيا وعنهم غنى، ويشغلا عن أشغلالهما، ويعنفا تعمدا. # وقال الضحاك: " هو أن يكونا على حاجة مهمة فيقولان: اطلب غيرنا، فيقول: ~~إن الله أمركما بذلك، ليؤثمهما ". # وكذلك قال السدي وطاوس، وهو اختيار الطبري، لأن الخطاب من أول الآية إنما ~~هو للمكتوب له والمشهود له، وليس للكاتب والشاهد خطاب تقدم فيرد هذا عليه، ~~ويبين هذا قوله: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم}، ولم يقل: " وإن تفعلا "، فيرد ~~على الكاتب والشاهد، إنما رده على أهل الكتابة/ والشهادة فالنهي لهم أبين، ~~ألا يضاروا الكاتب والشهيد فيشغلوهما عن شغلهما وهم يجدون غيرهما. PageV01P925 # ومعناه: وإن تضاروهما فإنه إثم حال بكم. فيكون الكاتب والشهيد على هذا ~~التأويل مرفوعين على أنهما مفعولان لم يسم فاعلهما. # وكان الزجاج يختار أن يكون النهي للكاتب ألا يزيد في كتابته ولا يحرف، و ~~[للشهيد ألا] يتخلف ولا يغير، ويكون قوله: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} ردا ~~إلى الكاتب والشهداء؛ أي إن حرفتم أو زدتم أو تخلفتم من غير عذر فإنه إثم ~~وخروج عن الحق. # والهاء في {فإنه} عائدة على الضرار. # وقيل: على الفعل، أي فإن هذا الفعل فسوق بكم. # وقيل: الفسوق هنا الكذب في الشهادة والكتاب. # قوله: {واتقوا الله}. # أي في ترك المضارة، وفيما تقدم ذكره من ms0315 حدوده. # قوله: {ويعلمكم الله}. # أي يبين الله لكم الواجب لكم وعليكم لتعملوا به. PageV01P926 # {والله بكل شيء عليم}. # أي علم جميع ما تعملون ويحصيها عليكم ليجازيكم بها، فاحذروا المخالفة. # قوله: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا} الآية. # قوله: {فرهان} هو جمع رهن، كبغل وبغال وكبش وكباش. # ومن قرأ: " فرهن " فهو جمع الجمع. هو جمع " رهان ": ك " كتاب ": و " كتب ~~"، / و " حمار " و " حمر ". # وقيل: هو جمع " رهن "، ك " سقف " و " سقف ". # ومن قرأ " فرهن " بالإسكان/ فإنما أسكن الضمة لثقلها. # وقرأ ابن عباس " كتابا "، وقال: " قد لا توجد الصحيفة "، وكذلك قرأ PageV01P927 # أبو العالية وعكرمة والضحاك ومجاهد. وهو واحد الكتب. # وقيل: هو جمع " كاتب "، كما يقال: " قائم " و " قيام ". # وروي أيضا عن ابن عباس: {ولم تجدوا} " كتابا "، على وزن " فعال " وهو جمع ~~" كاتب "، " كضارب " و " ضراب ". # وهذه الآية أرخص الله فيها في قبض الرهان عند عدم الكاتب، والرهن لا يكون ~~رهنا حتى يقبض من مالكه بقوله: {مقبوضة}، سواء قبضه المرتهن عنده أو جعله ~~على يدي عدل عند مالك. # قوله: / {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن}. # أي إن ترك صاحب الدين، أخذ الرهن، وأمن الذي عليه الدين، فليؤد ما عليه ~~لأنها أمانة، وليتق الله ربه فيما قد اؤتمن به. PageV01P928 # وقال الضحاك: " هذه الأمانة التي فسخ فيها إنما في السفر، دون الحضر ". # قوله: {ولا تكتموا الشهادة}. هو نهي للشهداء وتحذير لهم. # {فإنه آثم قلبه}. أي فاجر قلبه. # {والله بما تعملون عليم}. # أي يعلم ما تصنعون في شهاداتكم من أحالتها، والإتيان بها على وجهها فيحصي ~~ذلك عليكم/ ويجازيكم به. # قوله: {لله ما في السماوات وما في الأرض}. # قال ابن عباس: " قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله}، منسوخة بقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت}. # ومعنى قول: " إنها منسوخة "، أي نزلت على نسختها لأنها خبر، والأخبار لا ~~تنسخ. PageV01P929 # وقيل قي: إن الآية محكمة، وإن المؤمن والكافر يحاسبان بما أبديا وأخفيا، ~~فيغفر للمؤمن، ويعاقب الكافر. ms0316 # وقيل: إن الآية مخصوصة في كتمان الشهادة خاصة وإظهارها. # روي ذلك عن ابن عباس. # وروي عن عائشة أنها قالت: / " ما هم به العبد من خطيئة عوقب على ذلك بما ~~يلحقه من الهم والحزن في الدنيا ". # قال ابن عباس " إذا جمع الله الخلائق يقول: أنا أخبركم بما أكننتم في ~~أنفسكم. فأما المؤمنون فيغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا ~~من شكهم وتكذيبهم، فذلك قوله: {فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء}. # قال ابن عباس: " لما نزلت هذه/ الآية وقع في قلوبهم شيء، فقال لهم النبي ~~عليه السلام: " قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا "، فألقى الله الإيمان في ~~قلوبهم، وأنزل: PageV01P930 # {ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون} إلى {أو أخطأنا}. قال " قد ~~فعلت " {ربنا ولا تحمل علينآ إصرا}، قال: " قد فعلت "، {واعف عنا} إلى آخر ~~السورة. قال: قد فعلت ". # وقال السدي: " وقعت عليهم شدة عند نزول: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه} حتى نسخها ما بعدها ". # أي أزالت الشدة، من قولهم: " نسخت الشمس الظل " أي أزالته. # {والله على كل شيء قدير}. # أي يقدر على العفو لما أخفته نفس المؤمن، وعلى العقاب فيما أخفته نفس ~~الكافر من الكفر والشك في الدين. # وقال حذيفة: " سمعت النبي عليه السلام يقول: " أعطيت آيات من كنز من تحت ~~العرش، لم يعطها نبي قبلي، ولا يعطاها أحد من بعدي، ثم قرأ: {لله ما في ~~السماوات PageV01P931 # وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم} حتى ختم السورة ". # وروى أبو هريرة أنه: " لما نزلت على النبي عليه السلام هذه الآية: {لله ~~ما في السماوات وما في الأرض}، وسمعوا فيها: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله} أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجثوا على الركب ~~فقالوا: " لا نطيق، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: ~~{ءامن الرسول} إلى آخرها. # وقال محمد بن كعب القرظي: " ما بعث الله نبيا إلا أمره أن يعرض على قومه، ~~{لله ما في السماوات وما في الأرض} إلى قوله: ms0317 {ويعذب من يشآء} إلا قالوا: ~~لا نطيق أن نؤاخذ بما نوسوس في قلوبنا، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أنزلها عليه فآمن بها، وعرضها على قومه، فآمنوا بها، وقالوا: {سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا}، قال: فخفف الله عنهم، فأنزل: {ءامن الرسول}. # وحكى عنهم " أنهم قالوا: {سمعنا وأطعنا} وأنزل الله: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}، فنسخ المؤاخذة بالوسوسة. وقاله ~~ابن مسعود. وقالت عائشة: هو الرجل يهم بالمعصية، ولا يعملها، فيرسل عليه من ~~الهم PageV01P932 # والحزن بقدر ما هم به من/ المعصية، فذلك محاسبته ". # وروي أنها لما نزلت قال النبي [عليه السلام]: " ويحق له أن يؤمن " يعني ~~نفسه. # " وروي أنهم شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة ما يلقون من قوله: ~~{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله}، / فقال لهم النبي ~~[عليه السلام]: " لعلكم تقولون: سمعنا وعصينا " كما قالت بنو إسرائيل. بل ~~قولوا: سمعنا وأطعنا " فأنزل الله ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ". # وقرأ ابن عباس وابن مسعود: " لا يفرق " بالياء، رد على (كل) أي " كل لا ~~يفرق ". # وقوله: {غفرانك ربنا} أي سترك علينا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه: {ءامن الرسول} / إلى ~~{وإليك المصير}. قال له PageV01P933 # جبريل: " إن الله قد أجل الثناء عليك/ وعلى أمتك، فسل تعطه ". فسأل إلى ~~آخر السورة: " ربنا ربنا ". # قوله: {إلا وسعها}: أي طاقتها فيما تعبدنا به. # فهذا توسيع ورخصة من الله وهو/ مثل قوله: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} [الحج: 78]، ومثل: {يريد الله بكم اليسر} [البقرة: 185]، ومثل: ~~{فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. # قوله: {إن نسينآ}. أي: نسينا فرضا فرضته علينا، فلم نفعله. # {أو أخطأنا}. # أي: في فعل شيء نهيتنا عنه، ففعلناه على غير قصد إلى معصيتك. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تجاوز الله لهذه الأمة عن نسيانها وما ~~حدثت به أنفسها ". # وكان النحاس يقول: النيسان هنا الترك لأن الله تعالى لا يوصف بأن يعاقب PageV01P934 # على النيسان ms0318 فيسأل في العفو عنه، لأنه ليس من تعمد العبد. إنما هي آفة ~~تدخل عليه. وهو قول قطرب. # قوله: {إصرا}. # أي: عهدا. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. # وقال غيره: " لا تحمل علينا ذنوبنا، فتعاقبنا بمسخ أو عذاب كما كان من ~~قبلنا ". # وقال الضحاك: في قوله: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله}، قال: " إذا دعي الناس ليوم الحساب أخبرهم الله بما كانوا يسرون في ~~أنفسهم، فيقول: " إنه لم يغب عني شيء وإن كتابي من الملائكة لم يكونوا ~~يطلعون على ما تسرون في أنفسكم، وإني لا أحاسبكم به اليوم ". # قال الضحاك: هذا قول ابن عباس. # وعن ابن عباس أن الله جل ذكره نسخ هذه الآية بقوله: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها}، قال: لما نزلت: {وإن تبدوا ما في أنفسكم} الآية، وجدوا في ~~أنفسهم منها وجدا PageV01P935 # شديدا فنسخ الله ذلك وأجارهم. منها، ثم علمهم أن يقولوا إذا عملوا سيئة: ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا} إلى قوله: {من قبلنا}. # قال: " وكان الذين من قبلهم، إذا عملوا سيئة حرم الله عليهم طيبات أحلت ~~لهم، وذلك قوله: {فبظلم من الذين هادوا/ حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} ~~[النساء: 160]. # وقال للمؤمنين: قولوا: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} إلى قوله: ~~{الكافرين}. # قال: " فهذا شيء أعطاه الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يعطه أحدا ~~ممن كان قبلهم من الأمم ألا يؤاخذوا بنسيان ولا خطأ غيرهم ". وقال الحسن: " ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تجاوز الله لابن آدم عما نسي وعما أخطأ ~~وعما أكره عليه وعما غلب عليه ". PageV01P936 # وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي عليه السلام قال: " إن الله تجاوز ~~لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به ". # وروي أن ابن عمر قرأ هذه الآية وبكى بكاء شديدا، ثم ق ل: " والله لئن ~~آخذنا الله بهذا لنهلكن "، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: " يرحم الله أبا عبد ~~الرحمن؛ لقد وجد المسلمون منها مثل ما ms0319 وجد حتى أنزل الله بعدها: {لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت}. # قال ابن جبير: " لما نزل: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به}، ~~شق ذلك على الناس حتى نزلت بعدها: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ". # قال مجاهد: " معنى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه}: يعني من الشك ~~واليقين ". PageV01P937 # قال ابن جبير: " نسخت {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} قوله: {وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم} أو تخفوه الآية ". وقاله إبراهيم/ والشعبي. # قال الضحاك: " لما نزلت {ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه}، إلى آخر/ ~~السورة، قال الله جل ذكره: " قد فعلت ". # وروي عن الحسن والضحاك - أو عن أحدهما - أنه قال في قوله تعالى: {وقالوا ~~سمعنا وأطعنا}: " معناه: سمعنا القرآن أنه جاء من عند الله وأطعنا ". يقول: ~~" أقروا على أنفسهم بالطاعة لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه ". # وروى حذيفة أن النبي عليه السلام قال: " أوتيت هؤلاء الآيات من [آخر ~~سورة] البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يعط أحد منه قبلي، ولا يعطى أحد منه ~~بعدي ". PageV01P938 # وروى النعمان بن بشير أن النبي عليه السلام قال: " إن الله تعالى كتب ~~كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل الله منه آيتين ختم ~~بهما سورة البقرة ولا تقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إن خواتم سورة البقرة وفواتحها من ~~كنز تحت العرش ". # وروي أنها لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ويحق له أن يؤمن " ~~يعني نفسه. # وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال: إن الله تعالى يعاقب ~~الذي يحدث/ نفسه بالمعصية، ولا يعلمها، بهم أو حزن وبشبهه، ثم لا يحاسبه ~~على PageV01P939 # ذلك يوم القيامة وهو معنى قول عائشة رضي الله عنها. # / والقول الثاني: إن الله يقبل على العبد يوم القيامة فيخبره بما حدث به ~~نفسه من خير وشر، ثم لا يجزيه بما لم يظهر منه من عمل، وهو معنى قول ~~الضحاك. # والقول الثالث: إنه منسوخ بقوله: ms0320 {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. ~~فالوسوسة وحديث النفس لا يملك الإنسان صرفه، ولا قدرة له على دفعه. # قوله: {لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا}. # روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: / " ~~أتاني جبريل، فقال لي: يا محمد، الله يقرئك السلام ويقول لك: إني قد تجاوزت ~~لك عن أمتك الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". # وقال ابن زيد: " {ولا تحمل علينآ إصرا}، اي ذنبا لا توبة منه ولا كفارة ~~فيه ". # وقال ابن وهب عن مالك: " الإصر: الأمر الغليظ ". # وقال أهل اللغة: " الإصر: الثقل ". PageV01P940 # وقيل: معناه: لا تحمل علينا فرضا يصعب علينا أداؤه، كما حملت على بني ~~إسرائيل بعضهم يقتل بعضا، وشبهه. # قوله: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}: أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا ~~نطيق. # وقال قتادة: معناه: لا تشدد علينا كما شددت على] من كان قبلنا. # ومعنى: {ما لا طاقة لنا به} أي: ما لا نستطيعه إلا بمشقة شديدة وكلفه ~~عظيمة. فإنما سألوا دفع ما في طاقاتهم لو كلفوه، ولكن له مشقة كلفة. ولم ~~يسألوا دفع ما لا يطيقونه لو كلفوه، لأن ذلك لا يوصف به الله عز وجل فيجوز ~~أن يسألوا في دفعه عنهم. # قوله: {واعف عنا}: أي امح ذنوبنا. والعافي الدارس. # {واغفر لنا}: أي حط عنا ذنوبنا. # {أنت مولانا}: أي ولينا. # وروت أم سلمة أن النبي عليه السلام قال: " إن الله تجاوز لكم عن ثلاث: عن ~~الخطأ PageV01P941 # والنسيان والاستكراه ". # وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: " إن الله تجاوز لأمتي عن كل ~~شيء حدثت به أنفسها ما لم تعمل به ". PageV01P942 ### |EDITOR| # الهداية إلى بلوغ النهاية # لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 347 ه # المجلد الثاني # آل عمران - النساء # 1429 ه - 2008 م PageV01P943 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة آل عمران # وهي مدنية # قوله: {الم * الله لا إله إلا هو}. # قد تقدم ذكر {الم} في أول البقرة، وذكر {لا إله إلا هو الحي القيوم} عند ~~ذكر ms0321 آية الكرسي. # وأجاز الأخفش كسر الميم في {الم * الله} لالتقاء الساكنين. PageV02P945 # ومن أسكن الميم وقطع فعلى نية الوقف، وكذلك إسكان الميم في {الم * ذلك ~~الكتاب} [البقرة: 1 - 2] و {الم * غلبت الروم} [الروم: 1] وشبههما. # ومن فتح فإنه حرك الميم لسكونها وسكون الياء قبلها، ولم يكسر لاستثقال ~~الكسر بعد الياء وقد قال الفراء: " من فتح ألقى حركة الهمزة على الميم ". PageV02P946 # وفي " القيوم " من القراءات والمعاني مثلما ذكر في آية الكرسي. # وأحسن ما قيل فيه: إنه القائم على كل شيء، الذي لا يزول، الدائم. # قوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} يعني القرآن. {مصدقا لما بين يديه} أي: ~~يصدق ما تقدمه من كتب الله. # وقوله: {وأنزل التوراة والإنجيل} أي: من قبل نزول القرآن. # وقوله {هدى للناس}: يعني اليهود والنصارى، وهذا كله رد على من جحد ~~القرآن. # وكان سبب هذه السورة في نزولها بالتوحيد، وذكر يحيى وعيسى: أن طائفة من ~~النصارى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم من نجران فحاجوه في عيسى ~~وألحدوا، فأنزل الله في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفا وثمانين آية من ~~أولها، احتجاجا عليهم، ودعاهم النبي عليه السلام إلى الإسلام فقالوا: قد ~~أسلمنا فقال صلى الله عليه وسلم: كذبتم. PageV02P947 # يمنعكم من الإسلام ادعاؤكم لله ولدا، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، ~~فأبوا إلا المقام على كفرهم، فدعاهم إلى المباهلة، فأبوا ذلك وسألوه أخذ ~~الجزية فقبلها، وانصرفوا إلى بلادهم. # وكان من أول ما سألوه أن قالوا: من أبو عيسى عليه السلام؟ فسكت النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فأنزل الله صدر السورة بتوحيده وتعظيمه ردا عليهم، ووصف ~~نفسه بالحياة تقريعا لهم، لأنهم يعبدون عيسى وهو عندهم قد مات وقال: {هو ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء} [آل عمران: 6]. وقال: {إن مثل عيسى عند ~~الله كمثلءادم} [آل عمران: 59]. # وكان ممن قدم عليه ثلاثة رؤساء (لهم) منهم: أحدهم العاقب، وهو PageV02P948 # عبد المسيح. # والآخر: السيد، وهو الأيهم. # والثالث أبو حارثة بن علقمة، أخو بكر بن وائل. # والإنجيل " الأصل من: نجلته " الشيء: أخرجته، ويقال نجله أبوه أي: جاء ms0322 به ~~وجمعه أناجيل، وهو إفعيل وجمع التوراة: توار. # قوله: {مصدقا لما بين يديه}، (أي) لما قبله من كتاب ورسول ". # قوله: {وأنزل الفرقان}. # هو ما يفرق به بين الحق والباطل في أمر عيسى. PageV02P949 # وقيل: في أحكام الشرائع، وقيل: فيهما. # قوله: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد}. # أي: إن الذين حجدوا بآيات الله وقالوا: إن عيسى ولده واتخذوه إلأها {لهم ~~عذاب شديد}. # معناه: من كان بهذه الحال يا محمد كيف يخفى عليه ما يضاهي به هؤلاء في ~~عيسى. # قوله: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء}. # أي: يجعل هذا ذكرا وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر فلذلك خلق عيسى لا من ~~رجل كيف شاء، ولو كان إلها ما اشتملت عليه الآرحام، وانتقل من حالة إلى ~~حالة. # قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات}. # قال ابن عباس: [هي]: PageV02P950 # {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} [الأنعام: 151] إلى ثلاث آيات، وفي ~~بني إسرائيل {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين} [الإسراء: 23]، ~~قال: والمتشابه نحو: آلم، والروح وشبهه. # وقال مجاهد وعكرمة، ويحيى بن يعمر: المحكمات: الحلال والحرام والأمر ~~والنهي، وما سوى ذلك فمتشابه يصدق بعضه بعضا. # وقال الضحاك: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. # وأهل المعاني على (أن) المحكم ما قام بنفسه، وفهم في ظاهر لفظه، ولم ~~يحتمل إلآ ذلك، والمتشابه ما احتاج إلى تأويل وتفسير واحتمل المعاني. PageV02P951 # وسمى المحكمات أم الكتاب لأنهن معظمه، وأكثره. # وقيل: سماهن أم الكتاب لأن فيهن الدين من: حلال وحرام وأمر ونهي وفرض ~~وغير ذلك، فهذا الأصل الذي تعبدنا به. # وإنما وحد الأم لأن معناه: هن أصل الكتاب. # وقيل: المعنى هن الشيء الذي كل واحدة منهن أم الكتاب. # قوله: {وأخر متشابهات}. قيل معناه: اشتبهت على اليهود إذ سمعوها وهي ~~أوائل السور: حروف التهجي، متشابهات في التلاوة مختلفات في المعاني. # وقال ابن عباس: متشابهات: هو المنسوخ، والمقدم والمؤخر. PageV02P952 # وقال قتادة وغيره: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. # وقيل: المحكمات ما حكمت في ألفاظ قصص الأنبياء والأمم، والمتشابهات ما ~~حكمت فيه ألفاظ ms0323 القص والأخبار، قاله، قاله ابن زيد. # [قال:]: نحو {فاسلك فيها} [المؤمنون: 27]، {احمل فيها} هود: 40]، {اسلك ~~يدك} [القصص: 32]. . . . . . . [ادخل يدك]، {حية تسعى} [طه: 20]، {ثعبان ~~مبين} [الشعراء: 32]، ونحوه، فهذا المتشابه. # وقيل: المحكم ما علم تأويله العلماء، والمتشابه ما لم يعلم تأويله أحد، ~~وقد أفردنا الكلام على هذه الآية في كتاب مفرد متقصى فيه PageV02P953 # الاختلاف فيها وموضع الوقف. # قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ}. # أي: ميل عن الحق وهو الشك {فيتبعون ما تشابه منه} وهو ما احتمل التأويلات ~~" يبتغون بذلك الفتنة " أي: الكفر. # قال ابن عباس: يحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم يلبسون ~~على الناس. # وقال السدي: يعترضون في الناسخ والمنسوخ فيقولون: ما بال هذه وما بال ~~هذه. وعنى بهذا الوفد من نصارى نجران ومن هو مثلهم. لأنهم خاصموا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في عيسى. # وقال قتادة: إن لم يكونوا الحرورية فما أدري من هم؟. PageV02P954 # وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رأيتم الذين يجادلون ~~فيه فهم الذين عنوا بقوله: {فيتبعون ما تشابه منه} ". # قال السدي والربيع {ابتغاء الفتنة} أي: الشرك # وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات. # قال ابن عباس معنى: {ابتغاء تأويله} هو طلب الأجل في مدة محمد وأمته من ~~قبل الحروف التي في أوائل السور وذلك أنهم حسبوها على حروف الجمل بالعدد ~~فقالوا: هذه مدة محمد وأمته. # قال السدي: أرادوا أن يعلموا عواقب القرآن وهو تأويله متى ينسخ منه شيء. PageV02P955 # وقيل معناه: وابتغاء تأويل المتشابه على ما يريدون من الزيغ. # قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله}. # أي: ليس يعلم متى تقوم الساعة وتنقضي مدة أمة محمد عليه السلام إلا الله. # {والراسخون في العلم يقولون آمنا به}. # أي: يسلمون ويقولون صدقنا، وهو قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود، وجماعة ~~من التابعين، وهو قول مالك. # وروى عن نافع ويعقوب والكسائي، إن الوقف {إلا الله} وهو قول PageV02P956 # الأخفش والفراء وأبي حاتم، وأبي إسحاق، وابن كيسان، وهو اختيار الطبري. # ومعنى التأويل: التفسير وهو عند أكثرهم قيام الساعة لأنه ما تؤول إليه ~~الأمور. ms0324 # ومعنى: {والراسخون في العلم} الذين قد أتقنوا علمهم، وأله من: رسخ إذا ~~ثبت. PageV02P957 # وروي عن ابن القاسم أن مالكا سئل عن الراسخون في العلم: من هم؟ فقال: ~~العامل بما علم، المتبع له. # (وقال في رواية ابن وهب عنه: العالم العامل بما علم المتبع له). # وعن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخون في العلم فقال: " ~~من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين ~~في العلم ". # وقيل: الراسخ في العلم من وقف حيث انتهى به علمه. # قوله: {كل من عند ربنا}. # أي: ما نسخ وما لم ينسخ من عند الله. PageV02P958 # وقول أكثر العلماء: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه. # قال عروة بن الزبير: الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله ولكن يقولون: ~~{آمنا به كل من عند ربنا}. # قوله: {وما يذكر إلا أولوا الألباب}. # أي ما يتذكر فيعلم الحق فيؤمن به إلا أولو العقول. # قوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا}. # أي: لا تملها عن إيمانها بالمتشابه والمحكم فأنت هديتنا. # قوله: {ربنآ إنك جامع الناس. . .}. # أي: ويقولون أيضا مع قولهم: {ربنا لا تزغ}، ومع قولهم {آمنا به}: {ربنآ ~~إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه}. لا شك فيه. # قوله: {إن الذين كفروا. . . .}. PageV02P959 # يعني: من حاج محمدا ( صلى الله عليه وسلم) في عيسى لا تغني عنهم الأموال ~~والأولاد يوم القيامة في شيء. # قوله: {كدأب آل فرعون}. # أي: كعادتهم، وقيل كصنعهم: وقيل كشأنهم. # وقيل: كسنتهم في التكذيب والكفر، أي: تكذيب هؤلاء (كتكذيب هؤلاء) وصنعهم ~~كصنعهم، وسنتهم كسنتهم والدأب: العادة # قوله: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون}. # من قرأ بالتاء فعلى الخطاب لهم لقوله: {قد كان لكم آية} كأنه قال: [قل] ~~يا محمد للذين PageV02P960 # (يتبعون) ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة: {ستغلبون وتحشرون إلى جهنم} ~~يعني اليهود، فهم المغلوبون. # ومن قرأ بالياء فعلى معنى، قل لليهود سيغلب المشركون. # فمن قرأ بالتاء كان المعنى: إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول لهم هذا القول بعينه. # [ومن ms0325 قرأ بالياء فالمعنى: إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ~~لغيرهم هذا القول وهم اليهود. # واحتج] من قرأ بالتاء أن النبي عليه السلام جمع يهود بعد وقعة بدر، فقال ~~لهم: أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشا يوم بدر، فأبوا، وقالوا: لا ~~تغرنك نفسك أنك قاتلت قريشا وكانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو ~~قاتلتنا لعرفت ما نحن عليه فأنزل الله [تعالى] {قل للذين كفروا ستغلبون ~~وتحشرون} إلى قوله {الأبصار}. PageV02P961 # وحجة من قرأ بالياء ما روي أن اليهود تضعضعوا، وخافوا مثل يوم بدر ~~وقالوا: هذا لا تزيح له راية فقال بعضهم لا تعجلوا بتصديقه حتى تكون وقعة ~~أخرى فلما نكب المسلمون يوم أحد كذبت اليهود وفرحت فأنزل الله: قل يا محمد ~~لليهود سيغلب المشركون ويحشرون إلى جهنم # قوله: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا. . . .} الآية. # قرأ الحسن {فئة}، {كافرة} بالخفض فيهما على البدل، من {فئتين}. # ومن رفع فعلى إضمار مبتدأ. PageV02P962 # وقال أحمد بن يحيى: يجوز النصب على الحال. # وقال الزجاج: النصب بمعنى أعني. # ومن قرأ {يرونهم} بالتاء فعلى المخاطبة لليهود، أي ترون أيها اليهود ~~المشركين مثلي المؤمنين. # ومن قرأ بالياء جعل الرؤية للمسلمين، أي: يرى المؤمنون المشركين مثلي ~~أنفسهم. # وكان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا. وقيل ثلاثة عشر، ~~والمشركون تسعمائة وخمسون. # وقيل: كانوا ألفا. PageV02P963 # وقيل: كانوا ما بين ألف إلى تسعمائة. # وقد وعد الله المؤمنين بأن الرجل منهم يغلب الرجلين فأراهم الله المشركين ~~مثليهم لتقوى نفوسهم، وكانت تلك آية أن رأوا الكثير قليلا كما قال: {وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم} [الأنفال: 44]. # وأنكر أبو عمرو قراءة من قرأ بالتاء وقال لا يلزم أن يقرأ مثليكم، هذا ~~الرد إنما يلزم لو كانت الرؤية تنصرف على المسلمين، ولا يمكن إلا ذلك. # وقراءة التاء تنصرف على اليهود الذين تقدم ذكرهم. # والمعنى: قد كانت لكم أيها اليهود علامة في صدق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصحة ما دعاكم إليه بنصر (الله) تعالى إياه يوم ms0326 بدر وأعداؤه مثلا من معه. PageV02P964 # وقيل: [المعنى] على قراءة التاء في ترونهم أيها المؤمنون مثلي أصحابكم. # وقال ابن كيسان: الضمير في {يرونهم} يعود على {أخرى كافرة}. والهاء ~~والميم في {مثليهم} يعودان على فئة. # وقال الفراء: معنى " مثليهم " ثلاثة أمثالهم. # قال ابن كيسان: كأنه جعل ترونهم يرجع إلى الكل أي: ترون الكل ثلاثة أمثال ~~أصحابكم: هذا على [معنى] من قرأ بالتاء ". # [ومن قرأ بالياء فعلى معنى يرى المؤمنون الكل ثلاثة أمثالهم، # وتكون التاء مخاطبة لليهود فيكون المعنى ترون أيها اليهود الكل ثلاثة ~~أمثال المؤمنين] وهذه كله يوم بدر. # {والله يؤيد} اي: يقوي {بنصره من يشآء}. PageV02P965 # وقوله: {زين للناس حب الشهوات من النساء} الآية. # هذا توبيخ لليهود إذ آثروا الدنيا على الآخرة، فنبذوا اتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم خوف أن تذهب رياستهم. # وروي عن عمر أنه قال لما نزلت هذه الآية: {زين للناس حب الشهوات}: " الآن ~~يا رب حين زينتها " فنزل {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} الآية. # فالمعنى: زين الله للناس ذلك ابتلاء واختبارا منه كما قال: # {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} [الكهف: 7]، ~~فأخبر بالعلة التي من أجلها جعل ما في الأرض زينة لها. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ". PageV02P966 # وقيل عنه: " القنطار ألف دينار ومائتان ". # وقال ابن عباس: القنطار اثنا عشر ألف درهم. # وقال ابن المسيب: القنطار ثمانون ألفا. # وعن أبي هريرة: أنه اثنا عشر ألف أوقية. # وعن ابن عباس أنه قال: " هو دية أحدكم " وعنه: ثمانون ألف درهم [وعنه ~~سبعون] ألفا. # وقال قتادة: القنطار ثمانون ألف درهم. # وقيل: هو مائة رطل من ذهب، وهو قول قتادة. # وعن مجاهد: القنطار سبعون ألف دينار. PageV02P967 # وقيل: هو المال الكثير. # وقيل: [هو] أربعون أوقية من ذهب أو فضة. # وقال القتبي وغيره: هو ملء مسك ثور من ذهب، والمقنطرة المكملة. # وقال الفراء: المقنطرة: المضعفة. # وقال ابن كيسان: لا تكون المقنطرة أقل من تسعة قناطير. # وقال السدي معنى المقنطرة: المضروبة دراهم ودنانير. # وواحد ms0327 الخيل عند أبي عبيدة: خايل. سمي بذلك لأنه يختال في مشيته وهو PageV02P968 # كطير وطائر. # وقيل: هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه. # والمسومة: الراعية، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة ومجاهد. # وعن مجاهد أيضا: هي الحسان المطهمة الحسنة الصورة. # وعن ابن عباس أيضا: المسومة: الممرجة، يريد الراعية في المروج. # وقال ابن زيد: المسومة: المعدة للجهاد. PageV02P969 # وواحد الأنعام: نعم ونعم، لا واحد [له من] لفظه قوله: {ذلك متاع الحياة ~~الدنيا}: أي: هذا الذي ذكر متاع الحياة الدنيا {والله عنده حسن المآب} أي: ~~حسن المرجع للذين اتقوا ربهم، وهي الجنة والخلود فيها. # والمآب: المفعل، من آب يؤوب، وأصله المأوب، ثم نقلت فتحة الواو على ~~الهمزة، وانقلب [الواو] ألفا كالمقال والمجال. # قوله: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} الآية. # (رفع {جنات} على) الابتداء. # ويجوز الخفض على البدل من {بخير}. PageV02P970 # ويجوز النصب على إعادة الفعل # ويكون للذين متعلق ب {أؤنبئكم}. # وقوله: {ورضوان} أي زيادة الرضا بعد دخول الجنة. # وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، ~~قال الله: أعطيكم أفضل من هذا؟ فيقولون أي ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ ~~فيقول: أحل لكم رضواني ". # وهذه الآية نزلت تعزية للمهاجرين الذين أخرجوا وتركوا ديارهم وأموالهم ~~[فأعلمهم الله أن خيرا مما تركوا من الدنيا الجنة للذين اتقوا. # قوله: {والله بصير بالعباد} أي: ذو بصر بمن يتقيه ويخافه ممن PageV02P971 # لا يتقيه ويتبع الشهوات. # وروي أن هذه الآية نزلت تعزية وتصبيرا للمهاجرين إذ فارقوا ديارهم ~~وأموالهم] قدموا بلدا لا مال لهم فيه [ولا] ديار، فأعلموا أن خيرا مما ~~تركوا من الدنيا: الجنة، ثم مدحهم الله فقال: {الذين يقولون ربنآ. . . .} ~~الآية. # قوله: {الذين يقولون ربنآ إننآ. . . .} الآية. # في هذه الآية صفة من يتقيه ويخافه. # ومعنى {فاغفر لنا}: استر علينا ذنوبنا. # ثم وصفهم فقال: {الصابرين والقانتين}. الآية. # ومعنى {الصابرين} الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس أي: في ~~القتال. # وقال قتادة: صبروا عن محارم الله، وصبروا على طاعة الله ( عز وجل) . # وقيل: الصابرون هم ms0328 الصائمون، يقال لشهر رمضان شهر الصبر. PageV02P972 # وقيل هم الذين يصبرون على طاعة الله عز وجل ويصبرون عن المعاصي وهو قول ~~قتادة. # ومعنى {والصادقين} في قول قتادة: هم قوم صدقت نياتهم. وعنه (هم) قوم صدقت ~~أفواههم واستقامت قلوبهم وألسنتهم. # والقانتون: المطيعون، وقيل: المصلون. # والمنفقون: الذين يزكون كما أمر الله. # ومعنى: {والمستغفرين بالأسحار}. # قال قتادة: هم الذين يصلون بالأسحار. # وروي عن ابن مسعود أنه الاستغفار بعينه. # (و) عنه: أنه سمع رجلا بالسحر يقول: أمرتني فأطعتك وهذا سحرك، PageV02P973 # فاغفر لي. # قال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة. # وقال زيد بن أسلم: " والمستغفرون بالأسحار " هم الذين يشهدون صلاة الصبح. # وقيل: هو الاستغفار بعينه. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن الله يتنزل في ثلث الليل الأخير ~~إلى السماء الدنيا يقول من يدعوني أستجب له من يستغفرني أغفر له ". # قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو. . .} الآية. # نفى الله عز وجل بهذه الآية ما أضافته إليه النصارى الذين حاجوا النبي ~~عليه السلام - في عيسى - وغيرهم، أنه إله فأخبرهم أنه {لا إله إلا هو}، وأن ~~ذلك شهد به هو، PageV02P974 # وملائكته وأهل العلم من خلقه. # قال أبو عبيدة: معنى شهد الله: قضى الله، أي: علم. وأنكر ذلك جماعة، ~~ومعنى {قآئما بالقسط} أي: بالعدل. # وقرأ أبو المهلب: " شهدآء الله " رده على ما قبله، ونصبه على الحال. # وروى عنه: شهداء الله على الحال أيضا. # وعنه: شهداء الله، رفع بالابتداء. # قوله: {إن الدين عند الله الإسلام. . .} الآية. # {بغيا بينهم} منصوب بفعل دل عليه (اختلف) كأنه: اختلفوا بغيا بينهم، # وقال الأخفش: [نصبه] باختلف، هذا الظاهر تقديره: (وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب بغيا بينهم). PageV02P975 # وهو حال عند الجميع. # وقيل: مفعول من أجله. # ومن كسر إن فعلى الابتداء، ومن فتح رده على شهداء أي: ويشهد بأن الدين. # وقال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى، لأن الإسلام تفسير بمعنى ~~[الدين] الذي هو التوحيد. # وعن ابن عباس: شهد الله إنه، بالكسر فجعله خبرا وتفتح أن الدين برفع ~~الشهادة ms0329 عليها. # وقد ألزم من قرأ بالفتح في أن الدين أن يقرأ: أن الدين عنده الإسلام، PageV02P976 # لأن الإظهار يستغنى عنه، وقد منع النحويون: شهدت أن زيدا عالم، وأن زيدا ~~بصير، والثاني هو الأول. # وقال المحتج للكسائي: وقع الإظهار هنا للتعظيم والتفخيم كما قال: لا أرى ~~الموت يسبق الموت (شيء). # على التعظيم للموت. # والذي هو أحسن من هذا، أن النحويين إنما منعوا الإظهار [فيما يمكن أن ~~يتوهم أن الثاني غير الأول فيخاف الالتباس عند الإظهار]، والآية لا يمكن ~~ذلك فيها، لأن هذا الاسم ليس هو إلا لواحد لم يتسم به غيره، لا إله إلا هو، ~~فإظهاره مرة بعد مرة لا يوهم أن الثاني غير الأول، وإظهار زيد مرة [بعد PageV02P977 # مرة] يوهم أن الثاني غير الأول. # فليست الآية تشبه ما يقع في الكلام من غلإظهار بعد الإظهار، إذ زيد وغيره ~~يصلح لكل أحد، وأما الموت فإنما ظهر في الثاني لأنه لا لبس فيه، إذ ليس ثم ~~غير موت واحد، فليس يتوهم أن الثاني غير الأول وفي الإظهار مع زوال ~~الالتباس معنى التعظيم والتفخيم كما تقدم. # والدين: الطاعة # ومعنى الإسلام: شهادة أن لا إلأه إلا الله، والإقرار بما جاء من عند ~~الله. # وأصل الإسلام: الخشوع والانقياد. # وروى ابن عمر عن النبي عليه السلام أنه قال: " بني الإسلام على خمس: ~~شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم ~~رمضان ". PageV02P978 # وفي هذه الآية دلالة على ضعف قول من يفرق بين الإسلام والإيمان، ويجعل ~~الإيمان أفضل من الإسلام، إذ أخبر الله جل ذكره {إن الدين عند الله ~~الإسلام} فهو الإيمان بعينه، إذ لا يرضى الله من خلقه بما هو أدون، ويدل ~~على ذلك قوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85]. # فالإسلام: هو الإيمان إذا استوى الباطن والظاهر، فإن خالف الظاهر الباطن ~~فيهما فليسا بدين يتقبله الله، نحو قوله: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ~~[الحجرات: 14] ونحو قوله {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما ~~هم بمؤمنين} ms0330 # [البقرة: 8] لم يحصلوا على شيء لما خالف باطنهم ظاهرهم. # وقد قيل: " إن الإسلام أعم من الإيمان، لأن الإيمان ما صدق به الباطن، ~~والإسلام ما صدق به الباطن ونطق به الظاهر. # ومعنى {الذين أوتوا الكتاب} أي: الإنجيل، وهم النصارى الذين اختلفوا في ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: في عيسى للبغي من بعدما جاءهم العلم، فعلوا ~~ذلك طلبا للرياسة والدنيا، قوله: {سريع الحساب} أي: أحصى كل شيء بلا معاناة ~~ولا عدد. PageV02P979 # وقال الربيع: {الذين أوتوا الكتاب} هم اليهود، و {الكتاب}: التوراة، وذلك ~~أن موسى على نبينا وعليه السلام، لما حضرته الوفاة دعا سبعين حبرا من أحبار ~~" بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، واستخلف عليهم يوشع بن نون، فلما مضت ~~ثلاثة قرون بعد موسى صلى الله عليه وسلم وقعت الفرقة والاختلاف بين أبناء ~~أولئك السبعين تنافسا في الدنيا، وطلبا للملك والرياسة. # قوله: {فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله. . .} # (أي): فإن حاجك يا محمد، النفر من نصارى نجران في أمر عيسى، فقل: أخلصت ~~وجهي لله، أي: عبادتي لله، {ومن اتبعن} أخلص أيضا، # " من " في موضع رفع عطف على التاء في {أسلمت} أي ": أسلمت أنا ومن تبعني ~~وجوهنا لله. # وقيل: هي موضع خفض عطف على " الله " ومعنى الكلام أخلصت نفسي لله ول: " ~~من اتبعني " PageV02P980 # قوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب} يعني: اليهود والنصارى و {الأميين} يعني: ~~" الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، كأنهم نسبوا إلى الأم لجهلهم بالكتابة ~~كالأم. # وقيل: نسبوا إلى مكة، وهي أم القرى. # أسلمتم أي: أقررتم بالتوحيد، {فإن أسلموا} أي: انقادوا وخضعوا لله ولدينه ~~{فقد اهتدوا} والكلام يراد به الأمر وأخرج مخرج الاستفهام. # والمعنى: قل لهم أسلموا، ولذلك دخلت الفاء في الجواب وهي مثل قوله: {فهل ~~أنتم منتهون} [المائدة: 91] أي: انتهوا. # [قوله: {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} هذا منسوخ. # بالأمر بالقتال]. PageV02P981 # قوله: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق} الآية. # قال أبو العالية: جاء النبيون إلى ناس من بني إسرائيل يدعونهم إلى الله ~~فقتلوهم، فقام ناس من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم. ms0331 # وعن عبد الله: إن بني إسرائيل كانت تقتل في اليوم سبعين نبيا، ثم تقوم ~~سوق بقلهم في آخر النهار. # وروي أن النبي عليه السلام قال: " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا ~~من (أول) النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل منهم، واثنا عشر رجلا من ~~عبادهم، فأنكروا عليهم، فقتلوا جميعا في آخر النهار في ذلك اليوم " ثم تلا ~~الآية. # دخلت الفاء في الخبر من أجل: إن الذي فيه إبهام فدخل به في حيز المجازات، ~~فجاز دخول الفاء في الخبر وحسن مع " إن " لأنها للتأكيد لا تغير PageV02P982 # معنى الابتداء، ولو دخلت لعل، أو ليت، أو كأن، لم يجز دخول الفاء في ~~الخبر مع الذين لأن الكلام يتغير معناه بهن. # وخوطب من كان بالحضرة بالآية، وهم لم يقتلوا، وإنما ذلك لأنهم على مذهب ~~من فعل ذلك في آبائهم، راضون بفعلهم، مصرون على ذلك إن وجدوا إلى ذلك ~~سبيلا، فلو وجدوا إلى قتل النبي صلى الله عليه وسلم ما تركوه، فخوطبوا بذلك ~~لأنهم وآباؤهم سواء. # قوله: {أولئك الذين حبطت أعمالهم} أي: بطلت، فلا ثناء عليهم في الدنيا ~~ولا محمدة، ولا خير لهم في الآخرة ولا رحمة، وما لهم من ينصرهم من عذاب ~~الله، وعقابه. # وقرأ أبو السمال: {حبطت أعمالهم}، بالفتح وهي لغة شاذة. # قوله: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} [أي إنما أبوا ~~أن يحكم بينهم كتاب الله، PageV02P983 # لأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات "] وهي أربعون يوما، عدد ~~الأيام التي عبدوا فيها العجل. # {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون}، أي: غرهم افتراؤهم وهو كذبهم وهو ~~قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] وقولهم: {لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودات}. # قوله: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب}. # أي: فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت، وقد قدموا الافتراء والكذب والكفر، ~~والتبديل واتباع المتشابه، وفضلوا الدنيا وزينتها على الآخرة. # والمعنى: جمعناهم لحساب يوم لا شك فيه. # وقال الكسائي: اللام بمعنى: في، والمعنى عنده: في يوم. # قوله: {قل اللهم مالك الملك} الآية. # ذكر ms0332 أن النبي عليه السلام سأل الله أن يجعل ملك فارس والروم لأمته، فأنزل ~~الله: PageV02P984 # قل يا محمد: {اللهم مالك الملك} الآية. # وروي أن النبي عليه السلام، بشر أصحابه بفتح الشام وملك قيصر وكسرى، فبلغ ~~ذلك اليهود فقالوا: هيهات، هيهات، فعظموا ما صغر الله من ملك الكفار، فقال ~~الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد {اللهم مالك الملك} الآية. # فلما سمعوا بذلك ذلوا، (طلبوا الموادعة)، فكانوا في رفاهية من العيش حتى ~~بغوا، فرد الله بغيهم عليهم، فقتلوا، وأجلوا. # قال مجاهد: {تؤتي الملك من تشآء}: النبوة # وقيل: الملك، والمال، والعبيد. # وقيل: هو الغلبة. PageV02P985 # {وتعز من تشآء} " أي: بالغلبة، يقال: عزه إذا غلبه. # قوله: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل. . .}. # قال ابن عباس: ما ينقص في (ذا) يزيد في ذا # ومعنى تولج: تدخل # قوله: {وتخرج الحي من الميت}. # قال مجاهد: الإنسان الحي من النطفة الميتة (ويخرج الميت من الحي): النطفة ~~الميتة من الإنسان الحي، وكذلك قال: الضحاك والسدي: وقتادة وغيرهم. # وقيل المعنى: يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة والسنبل من الحب ~~والحب من السنبل، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، قال ذلك عكرمة ~~والسدي. # وقال الحسن: معنا: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن روي ذلك PageV02P986 # عن ابن مسعود ورفعه الزهري إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # فالمؤمن حي القلب والكافر ميت القلب. # قوله: {بغير حساب} أي: ليس يخاف نقصا فيخرج الأشياء بالحساب والتحصيل. # قوله: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء. . .}. # قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار يتخذوهم أولياء، إلا ~~أن يكون الكفار لهم القوة والغلبة، فيظهر لهم اللطف بالقول لا غير وهو ~~قوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة}. # قال الضحاك: التقية أن يحمل على أمر يتكلم به بلسانه من معصية الله فيفعل PageV02P987 # وهو مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه. # قال الحسن: ذلك في المشركين يكرهون المؤمنين على الكفر وقلوبهم كارهة. # وقال قتادة: التقاة: أن تصل رحمك من الكفار من غير أن توليهم على ~~المؤمنين فتصله لقرابة ms0333 منك ولا تواليه في الدين. # ويقال: إنها نزلت في عمار بن ياسر، وحاطب بن أبي بلتعة، أما عمار فخاف أن ~~يقتله المشركون فكلمهم ببعض ما أحبوا، وأما حاطب فكتب إلى المشركين يعلمهم ~~بأخبار النبي عليه السلام ليحفظوه في أهله بمكة وهو مطمئن بالإيمان. # وقرأ مجاهد وجابر بن زيد وحميد والضحاك: تقية PageV02P988 # وهي فعلية، وتقاة: فعله، وهما مصدران. # {ويحذركم الله نفسه} (أي) من نفسه، أي: تركبوا ما نهيتم عنه. # قوله: {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه} الآية. # معناه: قل يا محمد للذين نهوا أن يتخذوا الكافرين أولياء {أوليآء من دون ~~المؤمنين}: إن تخفوا ما في أنفسكم من ولاية الكافرين أو تبدوه فذلك سواء، ~~الله يعلم الجميع فيجازيكم عليه، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء ". # قوله: {يوم تجد كل نفس} الآية. # أي: هو على كل شيء قدير ذلك اليوم. # وقيل المعنى: واذكر يوم تجد. # وقيل (المعنى): ويحذركم الله نفسه يوم تجد. PageV02P989 # ومعنى {محضرا}: موقرا، {أمدا بعيدا} " قال السدي: مكانا بعيدا ". # وقال ابن جريج: أجلا بعيدا. # وقال الحسن: لا يسر أحدكم أن يلقى عمله أبدا. # وقال الزجاج معناه: ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عنه بالنفس. # وقال غيره: المعنى: عقابه، ثم حذفت. # قوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} الآية. # قال الحسن: قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنا نحب ربنا فأنزل ~~الله: " قل (يا محمد) {إن كنتم تحبون الله} (كما زعمتم) {فاتبعوني يحببكم ~~الله}. # وقيل إنها نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم ادعوا في عيسى صلى الله عليه ~~وسلم ما PageV02P990 # اخترقوا، وقالوا: نقوله حبا لله وتعظيما له فقيل لهم: إن كنتم صادقين في ~~قولكم فاتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيحببكم الله. # ثم قال: قل [يا] محمد اطيعوا الله في اتباعي، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم ~~به، كله مخاطبة للنصارى من وفد نجران. # وعن مالك أنه قال: معناه من أحب طاعة الله أحبه وحببه إلى خلقه. # " قوله: {إن الله اصطفىءادم ونوحا} الآية. # نصب {ذرية} عند الأخفش على الحال، وعلى ms0334 القطع عند الكوفيين. # وأجاز الزجاج نصبها على البدل مما قبلها فيعمل فيها {اصطفى} والذرية PageV02P991 # هنا الجماعة، ويقع للواحد، قال الله تعالى: {هب لي من لدنك ذرية طيبة} ~~[آل عمران: 38] فهو واحد كما قال: {فهب لي من لدنك وليا} [مريم: 5]. # فذكر الله في هذه الآية رجلين، وأهل بيتين، وفضلهم على العالمين فمحمد ~~صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، وآل الرجل قد يكون أتباعه. # قال مالك: [آل محمد صلى الله عليه وسلم: أهل الاتباع له. وعنه أنه قال]: ~~آل محمد صلى الله عليه وسلم كل تقي، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعنى، بعضها من بعض أي: في الدين والمعاونة على الإسلام والنية ~~والإخلاص. # وقيل معناه: متقاربون في النسب مجتمعون. # قوله: {إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت} الآية. PageV02P992 # المعنى سميع عليم إذ قالت. # وقيل: واذكر إذ قالت. # وقال أبو عبيدة: {إذ} زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. # وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. # واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما ~~من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم ويلم أجمعين. # وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى ~~عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك ~~عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات ~~يوم PageV02P993 # في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخا، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله ~~أن يهب لها ولدا، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنينا حسبته ~~ذكرا فنذرته ليكون حبيسا لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس. # قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، ~~فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. # فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذرها لي. # فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع ~~عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]، يكتبون بها ms0335 الوحي، فقرعهم زكريا ~~عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محرابا في المسجد على الباب ~~فلا يرقى إليها إلا بسلم. # ومعنى {محررا} عتيقا لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا. PageV02P994 # وقال مجاهد " محررا خادما للكنيسة. # ونصب {محررا} على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاما محررا. # وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنه تلد غلاما فلما وضعت أنثى قالت: ~~{رب إني وضعتهآ أنثى} تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة. # وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. # ثم دعت لها فقالت: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} فاستجاب ~~الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في " ~~وضعتها لما على المعنى. # وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ {وضعت} ~~بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: {قالت رب إني وضعتهآ أنثى} ~~{وليس الذكر كالأنثى} فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخبارا منه {والله أعلم ~~بما وضعت}. PageV02P995 # ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. # وقرأ ابن عباس: " وضعت " بكسر التاء ومعناه إنه خطاب من الله لها. # قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم صلى الله ~~عليه وسلم فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ~~{وإني أعيذها بك} الآية. # قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى صلى الله عليه وسلم أتت الشياطين إبليس ~~فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: ~~مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئا، ثم جاء البحار فلم يجد ~~شيئا، ثم طار ثانية فوجد عيسى صلى الله عليه وسلم قد ولد عند مدوذ حمار، ~~والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبيا قد ولد البارحة مت حملت ~~أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها PageV02P996 # إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من ~~قبل الخفة ms0336 والعجلة. # وقال النبي عليه السلام " كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم ~~وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مولود يولد إلا ~~والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها ~~" (ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم {وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم}. # قوله: {فتقبلها ربها}: أي: رضيها مكان المحرر {وأنبتها نباتا حسنا} من ~~غذائه. # وقرأ مجاهد: وتقبلها بالإسكان، {ربها} بالنصب عن النداء و " أنبتها " ~~بكسر الباء والإسكان، و " كفلها " بالإسكان " زكرياء " بالنصب. # وقوله: {بقبول} أتى مصدرا على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف PageV02P997 # كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. # وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. # قوله: {وكفلها زكريا} المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو ~~حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف ~~في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه ~~تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. # وكان زكريا زوج خالتها. # وقيل زوج أختها كان. # وامرأة زكريا بني امرأة عمران، فهي أخت مريم. PageV02P998 # وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضا. # فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن ~~يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار ~~والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت ~~سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. # وقوله: {وجد عندها رزقا}. # قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في ~~الصيف. # وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى ~~حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل ضدة، فضعف ~~زكرياء عن ms0337 حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من ~~الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها ~~على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ~~ذلك عليه، PageV02P999 # فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق ~~بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، ~~فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلا من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، ~~فيقول: {يامريم أنى لك هذا} أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: {هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشآء بغير حساب}. # قد تقدم في البقرة تفسير قوله {بغير حساب} والاختلاف في ذلك. # والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. # وهو أيضا: المكان العالي. # فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة ~~العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: {هنالك دعا زكريا ~~ربه} فبشر وهو يصلي بالمحراب. # وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: {رب ~~أنى يكون لي غلام} لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي بين الدعاء والإجابة. PageV02P1000 # والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. # وقال الطبري: المحراب: " مقدم كل مجلس ومصلى " وهو سيد المجالس وأشرفها ~~وأكرمها. # والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. # قوله: {من لدنك} أي: من عندك. # ومعنى: {طيبة} زكية مباركة. # {إنك سميع الدعآء} أي: تسمع من دعاك. # قوله: {فنادته الملائكة}. # قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. # وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه. PageV02P1001 # ومن أنث فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. # ومن ذكر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. # ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. # [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. # ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. # وسمي بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. # قوله: {مصدقا بكلمة من الله}، أي: بعيسى ابن بنت ms0338 خالته ". # وقيل: بابن خالته هو. PageV02P1002 # قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. # قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي ~~في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. # وقال أبو عبيدة: {بكلمة من الله}، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على ~~أن الكلمة عيسى. # وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. # ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: " كن " أي: فهذه الكلمة. # والسيد: الشريف في العلم والعبادة. # وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. # وقال مجاهد السيد: الكريم. PageV02P1003 # وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب {وحصورا} ممتنعا من ~~جماع النساء لا يشتهيهن. # وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. # وقيل: الهيوب. # وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. # وقال ابن المسيب: كان يحيى حصورا معه مثل الهدبة. # وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعا ~~منها. PageV02P1004 # قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت ~~المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار ~~فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا ~~بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه ~~سبعين ألفا من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. # وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. # وروي أن جبارا من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، ~~فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. # قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان ~~طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه ~~يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خده. # وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون PageV02P1005 # عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، ms0339 وكلمة الله غير مخلوقة. # قوله {قال رب أنى يكون لي غلام} أي: من أي وجه وأنا كبير {وقد بلغني ~~الكبر} أي: بلغته {وامرأتي عاقر}. # والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: {أنى يكون لي غلام} فإنه روي أنه ~~لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس ~~من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق ~~الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك. # وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من ~~غيرها؟. وقيل: إنما سألأ عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي ~~منزلة أستوجب هذا عندك يا رب. . .! # وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شابا، وامرأته PageV02P1006 # كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال {كذلك ~~الله يفعل ما يشآء}، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. # وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاما، وكان بين دعائه ~~والبشارة بيحيى أربعين عاما. # قوله: {قال رب اجعل [ليا] آية}. . . الآية. # معناه: قال زكريا: رب كان هذا الصوت من عندك فاجعل لي علامة تدل على أن ~~ذلك من عندك، فجعل الله آيته أن منعه من الكلام ثلاثة أيام إلا إيماء أو ~~إشارة. # قال قتادة: عوقب بذلك لسؤاله بعد مشافهة الملائكة بالبشارة فسأل الآية ~~على ذلك. # ويروى أن لسانه ربا في فيه حتى أطلقه الله بعد ثلاث. وأكثر أهل التفسير ~~على أن الله جعل احتباس لسانه عن الكلام علامة يعلم بها الوقت الذي يهب له ~~فيه الغلام، وليس بعقوبة. PageV02P1007 # والرمز: الإشارة بالعينين والحاجبين. # وقيل: هو تحريك الشفتين من غير صوت. # وقال الضحاك: هو تحريك اليدين. # وقرأ علقمة بن قيس " إلا رمزا " بالضم فيهما. # وقرأ الأعمش " رمزا " بفتحتين، وهما اسمان. # وقراءة الجماعة على المصدر. # وقيل: إنما منعه الكلام وهو يقدر على ذلك، وأباح له الإشارة باليد، أو ~~بالرأس، ثم ms0340 نسخ الله ذلك بقول النبي " لا صمت يوما إلى الليل " وهذا على ~~قول PageV02P1008 # من أجاز النسخ القرآني بالسنة. # وقيل: إنما منع النبي الصمت عن ذكر الله، فأما عن الهدر، وما لا فائدة ~~فيه' فالصمت عنه حسن. # ودل على هذا القول أمره تعالى [زكرياء] بالذكر والتسبيح فلو منعه الكلام ~~كافة لم يأمره بالذكر والتسبيح اللذين لا يكونان مع الآفة. # وقد قال: إنها آفة دخلت عليه في الثلاثة الأيام، جماعة من المفسرين. # وقيل: فعل به ذلك عقوبة له إذ سأل فقال: {أنى يكون لي غلام} وهذا قول ~~مرغوب عنه. # ومعنى: " [و] سبح " نزه ربك من السوء بالعشي والإبكار. # وقرىء {بالعشي والإبكار} جمع بكر. # والكسر مصدر أبكر. PageV02P1009 # وفي زكريا أربع لغات " زكرياء ممدود ومقصور وقد قرئ بهما وزكري مشدد ~~الياء معرب، وزكري مخفف الياء. # قوله: {وإذ قالت الملائكة يامريم. . .} الآية (إذ) عطف على ما تقدم. # وقيل: المعنى واذكر إذ قالت. {اصطفاك} اختارك، {وطهرك} " أي: طهر دينك من ~~الريب والشكوك، وقاله مجاهد وقيل معناه: طهرك من الحيض والنفاس. # {واصطفاك على نسآء العالمين} أي اختارك على نساء عالم زمانك. # وقيل {على} جميع العالم وذلك بعيسى إذ ولدته من غير ذكر. وروي عن النبي ~~عليه السلام أنه قال: " فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء ~~العالمين ". PageV02P1010 # وروي عن أنس بن مالك أنه قال " خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، ~~وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم) . # ومعنى {اقنتي}: أخلصي الطاعة. # وقيل معناه: أطيعي القيام والركوع. # وقال النبي عليه السلام " أفضل الصلاة طول القنوت " أي: القيام. # وقال مجاهد: لما قيل لمريم ذلك قامت حتى ورم قدماها. # قوله: {" ذلك " نوحيه إليك} الآية. # أي هذه الأشياء التي أخبرناك بها من الغيب الذي كنت لا تعلمه، وهو أدل ما ~~يكون على نبوتك، إذ لست ممن يقرأ الكتب وتخبر بما فيها، ولا صاحبت أهل ~~الكتاب فتنقل عنهم، إنما ذلك عندك بوحي من عندي. PageV02P1011 # قوله: {أيهم يكفل مريم}. # معناه ينظرون ms0341 أيهم كما تقول: اذهب، فانظر أيهم قائم {إذ يلقون أقلامهم} ~~أي: سهامهم على مريم من يكفلها. # وقال ابن عباس: اقترعوا بأقلامهم التي [كانوا] يكتبون [بها] الوحي، ~~فقرعهم زكرياء، فما كنت يا محمد عندهم في جميع ذلك فإخبارك بما لم تشهده ~~دليل على صدقك في النبوة وأنه وحي من عندي. # وقال عكرمة: ألقوا أقلامهم في الماء فذهب [ت] أقلامهم مع الجرية، وأصعد ~~قلم زكرياء يغالب الجرية فذهب [ت] بأقلامهم غير قلم زكرياء، فكفلها. # وقيل: هي أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. # وقيل: هي السهام التي يقترع بها. # قوله: {إذ قالت الملائكة يامريم} الآية معناه: لم تكن يا محمد عندهم إذ PageV02P1012 # يختصمون في أمر مريم من يكفلها حين قالت الملائكة. # وقيل: المعنى وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة كذا وكذا إذ يختصمون، فلم ~~تكن يا محمد عندهم وقت بشارة الملائكة لمريم، وما قالت وما قيل لها، ~~فإخبارك به يصحح دعواك في نبوتك. # ومعنى {بكلمة منه} هو بشارته التي بشرت بها مريم. # وقيل: {بكلمة [منه]} هو قوله {كن} فسماه كلمة لأنه عن كلمته (كان). وقال ~~ابن عباس: الكلمة هو عيسى اسم له. والهاء في {اسمه} تعود على الكلمة لأنها ~~عيسى في المعنى. وفي الظاهر على قول ابن عباس. والمسيح: فعيل: فنقول في ~~مفعول: أصله ممسوح أي: مسحه الله فطهره من الذنوب. # وقيل: مسحه بالبركة. PageV02P1013 # وقيل: مسح بدهان كانت الأنبياء تمسح به، فيعلم أنها أنبياء. # وقال النخعي: المسيح الصديق # وقيل: سمي المسيح لأنه كان إذا مسح بيده على أهل العاهة أفاقوا كما ذكر ~~الله فيكون فاعلا غير منقول عن مفعول. # وذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: المسيح تفسيره الملك. وفسره ابن حبيب ~~فقال: سمي ملكا لأنه ملك إبراء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى، وغير ذلك من ~~الآيات. # قوله: {قالت رب أنى يكون لي ولد}. # أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر ~~أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ms0342 ~~ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمرا {فإنما يقول له كن فيكون}، والهاء في " ~~له " تعود على الأمر. # [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله {كن فيكون} أي: من أجل، الأمر] PageV02P1014 # الذي يقضي به ويريد. # قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من ~~(ولد) لثمانية أشهر. # قوله: {ويعلمه الكتاب} أي: يكتب بيده، {والحكمة}: السنة التي توحى إليه، ~~{والتوراة}: هي التي أنزلت فبله على موسى عليه السلام و {والإنجيل} أي: ~~الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه ~~بذلك، و {رسولا} أي: ويجعله رسولا، فالابتداء به حسن # وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا # وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. # ومن فتح {أني قد جئتكم} فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني ~~أني رسول. PageV02P1015 # والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث ~~الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. # قوله: {أني أخلق} من فتح أني جعلها بدلا من (أن) الأولى، وإن شئت بدلا من ~~(آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. # وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائرا. # وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوما مع غلمان في الكتاب [فأخذ ~~طينا] PageV02P1016 # ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائرا؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن ~~الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن ~~طائرا بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم ~~فأفشوه في الناس، وترعرع، فعمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته ~~على حمير ثم خرجت به هاربة. # قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أي الطير أشد خلقا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو ~~لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصمورة {فأنفخ فيه} رده على الطير، ~~وفي المائدة {فتنفخ فيها} [المائدة: 110] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء ~~في هذه السورة] على ms0343 الهيأة لأنها PageV02P1017 # (بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ. # ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. # وقوله: {وأبرىء الأكمه}. # قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. # وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. # وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. # وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حدث به ذلك، أو ولد [به] # وقال عكرمة: هو الأعمش. # وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها PageV02P1018 # فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله عز وجل إليها أن انطلقي إلى الشام، ~~ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ~~ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. # وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: " أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ ~~سنة ستين سنة وقال: " ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى ~~عمر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتا في هذا العام " أو كلام ~~هذا معناه " ". # قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفا من أطاق ~~أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم ~~بالدعاء وكان يحيي الموتى. PageV02P1019 # قوله {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون}. # أصل تدخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفا ~~مجهورا، والتاء حرفا مهموسا أبدل من التاء حرفا مجهورا يشبه الدال في ~~الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال. # قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشرا، أدخلته أمه الكتاب، فلا ~~يذهب المؤدب يعلمه شيئا إلا بادره عيسى صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلمه ~~إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئا إلا ~~وجدته أعلم به مني. # قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما ms0344 صنع ~~آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول ~~للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا ~~وكذا. فينطلق PageV02P1020 # الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا ~~فيقول: عيسى. # فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، ~~وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم فقالوا: ~~ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! ~~فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك ~~قوله (تعالى): {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن ~~مريم} [المائدة: 78] # قال قتادة: معنى قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} ذلك في ~~أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خوانا تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار ~~الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا ~~إذا فعلوا من ذلك شيئا، وادخروا لغد انبأهم عيسى صلى الله عليه وسلم به، ~~فهو قوله: {بما تأكلون وما تدخرون} أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما PageV02P1021 # ينزل عليهم فيها. # وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. # {إن في ذلك لآية}، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى. # وقوله {ومصدقا لما بين يدي من التوراة} أي: ما قبلي من التوراة إيمانا ~~بها، وتصديقا بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح ~~منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان عاملا ~~بالتوراة لم يخالف فيها شيئا إلا ما خفف الله أشياء كانت حراما فيها وهو ~~قوله {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب ~~وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة. # واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم. # وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن ms0345 يحل لكم ~~القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرما عليهم في الوراة، فلا يجوز PageV02P1022 # ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. # وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى صلى الله عليه وسلم أشياء حرمتها عليهم ~~الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. # وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة ~~تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. # قوله: {وجئتكم بآية} أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم ~~{فاتقوا الله وأطيعون}. # قوله: {فلمآ أحس عيسى منهم الكفر. . .} الآية معناه: فلما (علم) عيسى صلى ~~الله عليه وسلم أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. # يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، ~~والحس ضد البرد. PageV02P1023 # وقيل معناه: فلما علم عيسى صلى الله عليه وسلم الجحود به، والتكذيب له. # {من أنصاري إلى الله} أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: " ~~مع ". # وكان من قصة عيسى صلى الله عليه وسلم ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر ~~معناها مختصرا، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى صلى الله عليه وسلم، وأخرجته ~~حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن ~~إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوما وعليه، حزن ~~وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزينا؟ فأبت أن تخبرها بشيء، ~~فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: ~~إن لنا ملكا جبارا يجعل على كل رجل منا يوما يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من ~~الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، ~~فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر لبني [أن] يدعو له، فيكفى]. ~~فقالت مريم لعيسى صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال عيسى صلى الله عليه ~~وسلم: " يا أمه إني إن PageV02P1024 # فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، ms0346 فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال ~~عيسى صلى الله عليه وسلم فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ~~ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى صلى الله عليه وسلم الله عز وجل ~~فحول ما في القدور لحما ومرقا وخبزا وما في الخوابي خمرا لم ير مثله، فلما ~~جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي ~~غلام لا يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمرا، ~~وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلا دعا الله حتى رد الماء خمرا ~~ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى صلى الله عليه وسلم، فكلمه وسأله أن ~~يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى صلى الله عليه وسلم: " لا تفعل [فإنه إن] ~~عاش كان شرا، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى صلى الله ~~عليه وسلم أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله ~~تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى صلى الله عليه وسلم. # فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا ~~حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. # ومر عيسى صلى الله عليه وسلم وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ~~ومع عيسى صلى الله عليه وسلم رغيف فقال له عيسى صلى الله عليه وسلم: ~~تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم ~~فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى صلى الله ~~عليه وسلم: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى PageV02P1025 # فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى صلى الله عليه وسلم: طعامك ~~فجاء برغيف، فقال له عيسى صلى الله عليه وسلم: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما ~~كان معي إلا واحد. # ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى صلى الله عليه وسلم: يا صاحب ~~الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل ms0347 صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ~~صلى الله عليه وسلم اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: ~~كل ولا تكسر عظما. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى صلى الله عليه وسلم العظام في ~~الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب ~~الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: ~~أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى صلى الله عليه وسلم لليهودي: بالذي أحيى ~~هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفا؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف ~~واحد. # فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى صلى الله عليه وسلم عجلا فأعطاه عجلا فذبحه، ~~وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى صلى الله عليه وسلم العظام في ~~الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك ~~فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى صلى ~~الله عليه وسلم لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما PageV02P1026 # أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفا؟ فحلف بالله ما كان معه ~~إلا رغيف واحد. # ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى صلى الله عليه وسلم في أسفلها ~~واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى صلى الله عليه وسلم ~~وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي ~~من يبتغي طبيبا؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه ~~فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى صلى الله ~~عليه وسلم يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى صلى ~~الله عليه وسلم الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن ~~أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى صلى الله عليه ~~وسلم الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا ~~أفارقك أبدا، قال له عيسى صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذين أحيى الشاة ~~والعجلة بعدما ms0348 أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت ~~عليه كم كان معك رغيفا؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. # فانطلقا حتى مرا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا ~~المال؟ فقال له عيسى صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له أهلا يهلكون عليه وجعل ~~اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى صلى الله عليه وسلم، فانطلقا. PageV02P1027 # ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان ~~لصاحبهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاما ودوابا نحمل عليها هذا المال، فانطلق ~~الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في ~~طعامهما سما؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ~~ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا ~~إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. # فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع ~~عيسى صلى الله عليه وسلم إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: ~~أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى صلى الله عليه وسلم يقسمه على ~~ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه ~~الثلاثة؟ فقال له عيسى صلى الله عليه وسلم: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب ~~الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال ~~[عيسى] صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى صلى الله عليه ~~وسلم: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله ~~مشى [به] شيئا PageV02P1028 # فخسف به. # وانطلق عيسى صلى الله عليه وسلم فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك ~~فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: {من أنصاري إلى الله}. # وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. # وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. # وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. # وقال قتادة: " الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. # وقال ms0349 الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. # وروي أن مريم دفعت عيسى صلى الله عليه وسلم في صغره في أعمال شتى، وكان ~~آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم ~~آيات وصبغ لهم ألأوانا شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. PageV02P1029 # وروي أنه أدخل ثيابا كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان ~~كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. # قوله: {واشهد بأنا مسلمون} هذا قول الحواريين لعيسى صلى الله عليه وسلم، ~~فدل ذلك أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على ~~النصرانية ولكن كان مسلما وكذلك برأ الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم من ~~سائر الأديان إلا من الإسلام. # قول: {فاكتبنا مع الشاهدين} أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، ~~وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين ~~خالفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى صلى الله عليه وسلم، فأخبروا ~~أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. # وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وأمته الذين شهدوا له أنه ققد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم ~~قد بلغوا. # وقوله: {ومكروا ومكر الله والله}: هذا إخبار عن الذي أحس عيسى منهم الكفر ~~وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى صلى الله عليه وسلم، وتكذيبه فيما أتى به، ~~فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض ~~أتباع عيسى صلى الله عليه وسلم حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى صلى الله ~~عليه وسلم، ثم رفع الله عيسى صلى الله عليه وسلم. PageV02P1030 # وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل ~~حصروا عيسى صلى الله عليه وسلم، ومعه تسعة عشرة رجلا من الحواريين في بيت، ~~فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع ~~الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون ms0350 فأخبروا أن عيسى صلى الله عليه وسلم ~~رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدة ويرون، ~~صورة عيسى صلى الله عليه وسلم فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ~~صلى الله عليه وسلم، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى صلى الله عليه وسلم، ~~وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله ~~[الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه ~~عيسى صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: {ولكن شبه لهم}. # والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا ~~يعلم العبد. # قوله: {إني متوفيك} قيل هي وفاة نوم. PageV02P1031 # {ورافعك إلي} في نوم قال ذلك الربيع. # وقيل معناه إني قابضك من الأرض حيا ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى ~~كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ~~{إني متوفيك ورافعك إلي}. # وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. # وقال كعب: (يبعث) عيسى صلى الله عليه وسلم على الأعور الدجال فيقتله ثم ~~يعيش بعد ذلك أربعا وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. # وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى صلى الله عليه وسلم مع قوله: {إني ~~متوفيك ورافعك إلي} # وقال ابن زيد في قوله: {تكلم الناس في المهد وكهلا} أن كلامه وهو كهل حين ~~ينزل PageV02P1032 # بقتل الدجال. # وقيل معنى {متوفيك}: قابل عملك ومتقبله منك. # وقال ابن عباس، معنى {متوفيك} هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. # وقال وهب بن منبه: توفي عيسى صلى الله عليه وسلم ثلاث ساعات ثم أحيي ~~ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. ~~وقيل: 'ن الكلام تقديما وتأخيرا. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن ~~فيها ذلك. PageV02P1033 # وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم ms0351 ~~شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه ~~خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، ~~إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق ~~الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك ~~الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذاب، وتقع في الأرض ~~الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ~~ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضا، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ~~ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. # قوله: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا}: هذا خطاب لعيسى صلى الله ~~عليه وسلم وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان ~~بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. # وقيل: هو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. # قوله: {فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا} هو القتل والسبي وأداء الجزية ~~{والآخرة} هو PageV02P1034 # عذاب النار. # قوله: {ذلك نتلوه عليك من الآيات}: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص ~~الأنبياء والحجج {والذكر} القرآن {الحكيم} المحكم أي: ذو الحكمة. # قوله {إن مثل عيسى عند الله كمثلءادم خلقه. . .} (و) هذا احتجاج على ~~نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، ~~وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله {إن مثل عيسى عند الله ~~كمثلءادم} الآية. . أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. # وقيل: إنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ~~صلى الله عليه وسلم ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله {خلقه من ~~تراب} ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم صلى الله عليه وسلم إنما هو تبيين ~~قصة آدم صلى الله عليه وسلم، لأن الماضي لا يكون حالا. # قوله: {ثم قال له كن فيكون} # قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على PageV02P1035 # خبر واحد لكان خلقه له من تراب ms0352 بغير {كن} ويكون خلقه ب {كن} بعد خلقه له ~~من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ~~ثم أخبر آخر أنه قال له: {كن} فكان، أي: قال له: كن خلقا من تراب فكان ما ~~أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى {لما خلقت [بيدي]} ~~[ص: 75]، ثم قال له {كن} بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ~~ولهذا نظائر كثيرة. # وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره ~~إظهار ما قدر قال: {كن} فكان ما قدر بقوله {كن}. # قوله: {الحق من ربك} أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق {فلا ~~تكن من الممترين} أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن ~~من الممترين). PageV02P1036 # وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد غيره. # قوله: {فمن حآجك فيه} أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، {من بعد ما ~~جآءك من العلم} أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي ~~نجتهد في الدعاء باللعنة {فنجعل لعنت الله} على من كذب في أمر عيسى صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله: {وأنفسنا وأنفسكم} أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء ~~شرطها عليهم يؤدونها. # وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي وفاطمة ~~والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا ~~بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما ~~لاعن نبي قوما فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا ~~محمدا وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. PageV02P1037 # قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلا ولا ولدا. # قوله: {إن هذا لهو القصص الحق} أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى صلى ~~الله ms0353 عليه وسلم أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ~~{وما من إله إلا الله} هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم. # قوله: {قل يا أهل الكتاب تعالوا} # الكلمة {ألا نعبد إلا الله} وما بعده. # وقيل: الكلمة لا إله إلا الله # والسواء: النصفة والعدل والقصد. # ونزلت هذه الآية فيمن كان حول المدينة من اليهود، وهم الذين حاجوه في ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم. # وقيل: نزلت في الوفد من نصارى نجران لأنه دعاهم فأخبرهم بالقصص الحق في ~~أمر عيسى صلى الله عليه وسلم، فأبوا أن يبلوه، فأمر أن يدعوهم إلى المباهلة ~~فأبوا، فأمر أن يدعوهم إلى ما ذكر آخرا فأبوا، فأمر الله المؤمنين أن ~~يقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون. PageV02P1038 # وإن في موضع خفض على البدل من (كلمة). # وقيل: هي في موضع رفع، وذلك على التأويل الأول أي: هي ألا نعبد، ولا ~~نفعل، ولا نصنع. # {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا}: هو طاعة العوام الرؤساء فيما يأمرونهم به ~~من المعاصي كما قال {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: ~~31] يأمرونهم بالمعصية وينهونهم عن الطاعة فيسمعون ويطيعون. # وقيل {أربابا}: هو سجود بعضهم لبعض قاله عكرمة. # وقيل معناه: لا نعبد عيسى من دون الله كما عبدت النصارى، ولا عزيرا كما ~~عبدت اليهود، ولا الملائكة كما عبدت جماعة المشركين، ولا نقبل من الرهبان ~~تحريمهم علينا ما لم يحرمه الله كما فعلت اليهود والنصارى والمشركون. # قوله: {يا أهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم} هذا خطاب لليهود والنصارى ~~ولأنهم ادعاه كل فريق منهم، وأنه على دينهم فرد الله ذلك عليهم، وأراهم ~~المناقضة فيما يدعون لأن اليهود تدعي أنه على ما في التوراة دينه، والنصارى ~~تدعي أنه على ما في الإنجيل دينه، وفي الكتابين إنما أنزل بعد إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم فهذا تناقض أن يكون دينه على شيء لم يكن بعده. PageV02P1039 # وذلك أن نصارى نجران وأحبار يهود اجتمعوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتنازعوا في أمر إبراهيم صلى الله عليه ms0354 وسلم، فادعاه كل فريق منهم، فأنزل ~~الله ذلك يعلمهم أن اليهودية والنصراينة إنما حدثت بعد إبراهيم فكيف يكون ~~على دين لم يكن، ولا أوله أن يكون، فذلك جهل عظيم، ولذلك قال تعالى: {أفلا ~~تعقلون}. # قوله: {هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. . .}. # معناه: أنتم القوم الذين خاصمتم فيما لكم به علم من أمر دينكم، وما لحقتم ~~من زمانكم، وجاز ذلك بينكم، فلم تخاصمون فيما لا علم عندكم فيه؟ وهو دين ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في زمانكم. {والله يعلم} أي: يعلم ما ~~غاب عنكم فلم تشاهدوه {وأنتم لا تعلمون} ذلك فتخاصموه فيه. # قوله: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا. . .}. # ذلك رد لقولهم وادعائهم {ولكن كان حنيفا} أي: حاجا وأصل PageV02P1040 # الحنف: (إقبال صدر الرجل على الأخرى إذا كان ذلك خلقة)، فالحنيف: المائل ~~إلى الإسلام. # والمسلم: المتذلل لأمر الله عز وجل. # فأما معنى قوله: {يحكم بها النبيون} [المائدة: 44] {الذين أسلموا} ~~[المائدة: 44] ولا يكون نبي إلا مسلم # فإنه يريد النبيين الذين استسلموا أو سلموا لما في التوراة من أحكام الله ~~عز وجل التاركون التعقب وكثرة السؤال عما فيها. # وروي أن عزيرا أكثر السؤال عن القدر، فمحي من ديوان النبوة. # ومن هذا قول ابراهيم صلى الله عليه وسلم: { واجعلنا مسلمين} [البقرة: ~~128]. أي: مسلمين لأمرك، PageV02P1041 # منقادين لحكمك بالنية والعمل وكذلك {أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 128] ~~أي: [انقدت لأمره]. # قوله: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه}. # أي أخفهم بولايته ونصرته من اتبع دينه {وهذا النبي} هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم { والذين آمنوا} أي: الذين صدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي ~~وخليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم " ثم قرأ الآية " ". # قوله: {ودت طآئفة من أهل الكتاب}. # أي: جماعة من أهل نجران ومن اليهود لو يصدونكم عن الإسلام فتهلكوا، وما ~~يهلكون إلا أنفسهم أي أتباعهم وأنفسهم وكلهم يود ذلك، و [من] ليست للتبعيض، ~~وإنما هي للإبانة والجنس. # ومعنى {وما يشعرون} (ليس ms0355 هو أنهم يجهلون ما يفعلون فيكون ذلك عذرا لهم PageV02P1042 # وإنما معناه وما يشعرون) أنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: معناه، ~~وما يشعرون بصحة الإسلام. وقيل: عنى به قريظة، والنضير، وبنو قينقاع. # قوله {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} أي بالتوراة والإنجيل {وأنتم ~~تشهدون}، هذا توبيخ لهم، لأنهم جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم ~~يعلمون أنه نبي مكتوب عندهم في كتابهم في التوراة والإنجيل، فهو قوله ~~{وأنتم تشهدون} أي: تشهدون أنه نبي حق، ثم تكفرون حسدا وبغيا. # وقيل: المعنى: وأنتم تشهدون أن آية الله حق وأن ما جاء به حق. # قوله: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل}. # أي تظهرون من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم خلاف ما تعتقدون فتخلطون ~~الحق بالباطل. # وقيل: [لم] تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن الدين الذي ~~لا يقبل غيره: الإسلام. PageV02P1043 # وقال ابن زيد: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه بأيديهم {وتكتمون الحق} ~~هو أمر النبي عليه السلام يجدونه في كتبهم ويكتمونه {وأنتم تعلمون} أنه نبي ~~حق، وأن ما جاء به من عند الله حق. # قوله: {وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا} الآية. # معناها أن اليهود قال بعضهم لبعض: آمنو بالنبي وما أنزل إليه أول النهار، ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون معكم. # وقال ابن عباس: نظر اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح إلى ~~بيت المقدس، فأعجبهم ذلك، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر إلى الكعبة، فقالت ~~اليهود: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} أي بصلاة الصبح إذا ~~صلوها إلى بيت المقدس {واكفروا آخره} أي: بصلاة الظهر لأنهم صلوها إلى ~~الكعبة {لعلهم يرجعون} إلى قبلتكم. # وقال السدي: قالت اليهود لضعفائها: آمنوا بمحمد أول النهار، فإذا كان ~~بالعشي قولوا: قد عرفنا علماؤنا أنكم لستم على شيء لعلهم يرجعون عن دينهم ~~ويشكون فيه. PageV02P1044 # قوله {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} الآية. # قال المبرد: فيها تقديم وتأخير، وتقديرها عنده: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم أن يؤتى مثلما أوتيتم {أو يحآجوكم ms0356 عند ربكم قل إن الهدى هدى الله} # وقيل تقديرها: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لمن تبع [دينكم] ~~واللام زائدة. # ومعنى ذلك أنهم قالوا لضعفائهم: لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من ~~علم ورسالة وشرف، إلا لمن تبع دينكم، فصدقوا أن يؤتى مثلما أوتيتم. # وقيل معناها على هذا التقدير: ولا تصدقوا أن تكون الرسالة إلا فيكم. ~~وقيل: تقديرها قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أي كراهة أن ~~يؤتى كأنه بعد أن يؤتى اليهود مثلما أوتي المؤمنون، فتكون على هذا المخاطبة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته. PageV02P1045 # وقرأ ابن عباس ومجاهد وعيسى بن عمرو، وابن كثير أن يؤتى بالاستفهام معناه ~~أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا يؤمنون؟ مثل {أن كان ذا مال وبنين * إذا ~~تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} [القلم: 14 - 15] أي: من أجل هذا قال ~~كذا وكذا. # وقرأ الأعمش (إن يؤتي بكسر إن فجعلها بمعنى " ما " على معنى ما يؤنى أحد ~~مثلما أوتيتم. # وقد زعم قوم أنه لحن لحذف النون من يحاجوكم وليس هو لحن عند أهل النظر ~~لأن (أن) تضمر مع أو، فهي مضمرة ناصبة للفعل، ومن جعل في الكلام تقديما PageV02P1046 # وتأخيرا فاللام زائدة، ومن في موضع نصب استثناء ليس من الأول. # ومن قدر الآية على وجهها، ولم يقدر تقديما ولا تأخيرا جعل اللام أيضا ~~زائدة أو متعلقة بمصدر، كأنه: لا تجعل تصديقكم إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى ~~أحد. # وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله " دينكم " ثم ~~قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { قل إن الهدى هدى الله} أي: البيان بيان ~~الله {أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم}، أو: لا يؤتى أحد، " وإن عنده بمعنى لا، ~~ولذلك دخلت " أحد " في الكلام هنده. # وقوله: {إن الهدى هدى} معناه: الهدى إلى الخير بيد الله يؤتيه من يشاء، ~~فلا تتنكروا أيها اليهود أن يؤتى أحد سواكم مثلما أوتيتم، فإن أنكروا وهو ~~معنى " يحاجوكم عند ربكم " فقل يا ms0357 محمد: {إن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشآء}. # وقال الأخفش: {أو يحآجوكم} معطوف على {تؤمنوا} معناه ولا تصدقوا أن ~~يحاجوكم، أي: قالت اليهود لضعفائها: لا تصدقوا بأن يحتجوكم أحد عند ربكم ~~فيما أنكرتم من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال الفراء: أو بمعنى حتى (و) إلا: أن. PageV02P1047 # وقال مجاهد: {قل إن الهدى هدى الله} اعتراض في الكلام وسائر الكلام متصل. ~~فالأول خبر عن اليهود ومعناه {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم}، ولا تؤمنوا ~~أن يؤتى أحد مثلما أتيتم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم، أي: ليس يحاجوكم ~~أحد عند ربكم ثم قال تعالى بعد ذلك: قل يا محمد: {إن الفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشآء}. # وقوله {أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم}. # قيل: هو إخبار عما قالت اليهود لضعفائها، أي: لا تكون النبوة إلا فيكم. # وقيل معناه: لا يكون العلم والشرف إلا فيكم. # وقيل: هو إخبار من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم معناه: لا يؤتي ~~أحد من الأمم مثلما أوتيت يا محمد وأمتك من الإسلام والهدى، وهذا قول ~~السدي. # ومعنى: {أو يحآجوكم} إلا أن يحاجوكم، وهذا التأويل لا اعتراض فيه، ولا ~~تقديم ولا تأخير، وأن في موضع رفع خبر عن الهدى، والتأويل الأول يقع فيه ~~التقديم والتأخير وأن في موضع نصب على ما ذكرنا، وذلك حسدا، قالوا لضعفائهم ~~من PageV02P1048 # اليهود: لا يكون نبي مثل نبيكم ولا كتاب مثل كتابكم. # وقال الزجاج: معنى الآية: أن اليهود قالت لا تجعلوا تصديقكم لنبي في شيء ~~مما جاء به إلا اليهود، ولا تقولوه للمشركين، فإن ذلك إن قلتموه لهم كان ~~عونا لهم على تصديقه. # وقال أكثر المفسرين: معناه لا تصدقوا أن يعطى أحد مثلما أوتيتم من علم، ~~ولا تصدقوا أن يحاجوكم أحد: لا يكونوا لأحد حجة عند الله إلا من كان مثلكم. # قوله: {يختص برحمته من يشآء}. # بمعنى: النبوة، وقيل: الإسلام والقرآن. # قوله: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار} الآية. # وجه من قرأ بالإسكان في يؤده وشبهه أنها لغة العرب ms0358 يسكنون الهاء كما PageV02P1049 # يسكنون الميم في أنتم، ورأيتم، وأنشد الفراء: " فيصلح اليوم ويفسده غدا " ~~وأنشد الأخفش وغيره: # بيت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتقاقان له ارقان # وبعض النحويين لا يجيزه إلا في الشعر، وبعضهم يمنعهم البتة. وعد المبرد ~~إسكان الهاء لحنا. # وقيل: اسكنت الهاء على التوهم أن الجزم عليها وقع. PageV02P1050 # وقد روي عن أبي عمرو: الاختلاس، وهو اختيار أهل النظر. # ومعنى الآية أن الله أخبر أن من أهل الكتاب المؤتمن ومنهم الخائن، والناس ~~لا يميزون الخائن منهم، فصارت الفائدة أنها تحذير من الله للمؤمنين أن ~~يأتمنوهم لأن منهم الخائن وغيره، وهم لا يميزون ذلك فاجتنابهم أخلص. # ومعنى {إلا ما دمت عليه قآئما}: إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة. # والباء في بقنطار " و " بدينار بمعنى على، وهما يتعاقبان في مثل هذا. # وقيل: معنى {إلا ما دمت عليه قآئما} أي: يقر بالأمانة ما دمت قائما على ~~رأسه في وقت عطائها، فإذا ذهب ثم جئت تطلبها كابرك وجحدك. # وقيل: قائما بمعنى ثابتا لازما له، حكى سيبويه: قام بمعنى ثبت. PageV02P1051 # قوله [ذلك] لأنهم قالوا: أي: فعلهم ذلك (و) أمرهم ذلك ومعناه، فعلوا ذلك ~~لأنهم يقولون: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب لأنهم على غير حق، ~~قال ذلك قتادة. # وقال ابن جريج: كان لرجل من المسلمين على اليهود ديون داينهم بها قبل أن ~~يسلموا، فلما أسلموا طالبوهم بها فقال اليهود: ليس لكم علينا أمانة، ولا ~~قضاء لأنكم تركتم دينكم الذي (كنتم) عليه، وإنما كان حقوقكم واجبة علينا في ~~الأمانة، وغيرها قبل أن ترجعوا عن دينكم، فلما تركتم دينكم ورجعتم إلى ~~الإسلام لم تلزمنا لكم حقوق ولا أداء أمانة، وادعوا أنهم يجدون ذلك في ~~كتابهم، فرد الله عليه قولهم بقوله عقب الآية: {ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون} # وعنوا بالأميين العرب، نسبوا إلى ما عليه الأمة قبل أن يتعلموا الكتابة. # وقيل: نسبوا إلى الأم لأنها لا تعرف تكتب. PageV02P1052 # وقيل: نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة. # قوله: {بلى من أوفى بعهده} الآية. # معناها ليس الأمر ms0359 كما يقول هؤلاء من أنه ليس في أموال الأميين حرج لكن من ~~أوفى بعهد الله وهي وصيته إياهم في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وما جاء به. # فالهاء في {بعهده} تعود على الله جل ذكره. # ومعنى {واتقى} أي: واتقى الشرك قاله ابن عباس وقيل: المعنى، واتقى الله ~~ولم يكذب. # قوله: {إن الذين يشترون بعهد الله}. . . الآية. # معنى الآية: إن الذين يستبدلون بعهد الله الذي عهد إليهم في كتابهم ~~وبإيمانهم الكاذب عوضا قليلا أي: خسيسا من عرض الدنيا، {لا خلاق لهم في ~~الآخرة} أي: لا حظ لهم فيها أي: لا نصيب {ولا يكلمهم الله} معناه: لا ~~يكلمهم بما يسرهم. PageV02P1053 # وقيل: لا يسمعهم كلامه بلا سفير. # وقيل معناه: غضب عليهم كما يقال: فلان لا يكلم فلانا أي: هو غاضب عليه. # {ولا ينظر إليهم}، أي: لا يعطف عليهم بخير، كما يقال: انظر إلي نظر الله ~~إليك أي: اعطف علي عطف الله عليك. # ما زالت هذه الآية في أحبار اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بم الأخطب. # وقيل: " إنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له اختصما في أرض، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لليهودي: احلف، فقال الأشعت: إذن يحلف فيذهب حقي "، ~~فأنزل الله الآية، وقال النبي عليه السلام بعقب ذلك: " من حلف بيمين كاذبة ~~ليقطع بها حق أخيه PageV02P1054 # لقي الله عز وجل ( وهو عليه غضبان) ". # وروي عن مجاهد أنه قال: نزلت في رجل أقام سلعة في أول النهار، فلما كان ~~آخره جاء رجل يساومه فيها، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا وكذا، ولولا ~~المساء ما باعها بهذا العطاء فأنزل الله الآية. # وقال ابن المسيب: اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية. # وقال قتادة: من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها حق أخيه فليتبوأ مقعده من ~~النار، ثم تلا هذه الآية. # وقال ابن مسعود: كنا نرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من ~~الذنب الذي لا يغفر: يمين الصبر إذا فجر فيها صاحبها. # وعن مجاهد أنه ms0360 قال: هو الرجل يقول أعطيت بسلعتي كذا وكذا كذبا. PageV02P1055 # وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود ضاقت عليهم معاشهم، فخرجوا إلى ~~المدينة، فلما رجعوا رؤساءهم سألوهم عن النبي عليه السلام فقالوا: هو ~~الصادق لا شك فيه، فقال الرؤساء: الآن حرمتم أنفسكم برنا ونفعنا. فانقلب ~~القوم، إلى منازلهم، وأخرجوا كتبهم فحكوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأثبتوا صفة غيره، وراحوا إلى رؤسائهم فقالوا: إنا فتحنا كتبنا فرأينا ~~الأمر فيها على ما تصفون في محمد صلى الله عليه وسلم فنفعوهم وأعطوهم، ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية فيهم. # وروى ابن مسعود بأن النبي عليه السلام قال " من حلف بيمين صبر ليقتطع بها ~~مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك {إن الذين ~~يشترون} الآية ". # قوله: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} الآية. # ومعناها وإن من اليهود الذين جرى ذكرهم لفريقا يحرفون ألسنتهم بالكتاب ~~لتظنوا أنه من الكتاب وما ذلك من الكتاب أي: وما ذلك الذي حرفوا من الكتاب، ~~ويزعمون أن الذي حرفوا من عند الله: أي ما نزل على أنبيائه {وما هو من عند ~~الله} وإنما PageV02P1056 # أحدثوه من عند أنفسهم فيكذبون على الله وهم يعلمون أنهم كاذبون. # يقال: لويته عدلته عن قصده. # وقال القتبي: يلوون: يقلبون ألسنتهم بالتحريف والزيادة # قوله: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة} أي: ما ينبغي ~~لبشر أن ينزل الله عليه الكتاب ويعطيه الحكم، وهو الفقه في الدين، ويعطيه ~~النبوءة ثم يدعو الناس إلى عبادته، بل يدعوهم إلى الله وإلى عبادته. # وروي أنها نزلت في النفر من اليهود والنصارى الذين دعاهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى الإسلام. " وروي أن اليهود قالت له: تريد يا محمد أن نعبدك ~~كما عبدت النصارى عيسى؟ # وقال الرئيس من نصارى نجران: ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثت ~~فأنزل الله جل ذكره {ما كان لبشر} الآية ". PageV02P1057 # ثم قال: ms0361 {ولكن كونوا ربانيين} أي. . . حكماء علماء {بما كنتم تعلمون} من ~~شد فهو مشتمل على معنى التخفيف لأن من علمنا شيئا فقد علم. # قال الضحاك: لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده، فإن الله تعالى يقول: ~~{ولكن كونوا ربانيين} فقهاء علماء بعلم الكتاب ودرسكم إياه. # هذا على قراءة من خفف. # (ومن شدد فمعناه: بتعليمكم الكتاب وبدرسكم إياه ") وكل معلم عالم، وليس ~~كل عالم معلما، فالتشديد أعم وأبلغ وأمدح. " ونزلت هذه الآية حين قالت ~~اليهود من أهل نجران وغيرهم: أتريد يا محمد أن نعبدك فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: معاذ الله أن PageV02P1058 # نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني " ~~أو كما قال فأنزل الله عز وجل { ما كان لبشر} الآية ". # ومعنى {ولكن كونوا ربانيين} أي: ما ينبغي لبشر أن يفعل ذلك مع الناس وأن ~~يقول لهم ذلك، ولكن يقول لهم كونوا ربانيين " # . أي حكماء علماء. # وقيل: فقهاء علماء فتركوا القول لدلالة الكلام عليه. # وقال ابن زيد: الربانيون ولاة الأمر، وقرأ {لولا ينهاهم الربانيون}، ~~وقال: هم ولاة الأمر. # والألف والنون في " ربانيين " دخلت للمبالغة كجماني للعظيم الجمة، وكذلك ~~غضبان للمتلئ غيظا ومعنى الرباني العالم بدين الرب، وكأنه في الأصل الربي ~~منسوب إلى الرب ثم دخلت الألف والنون للمبالغة، وجمع جمع السلامة بالياء ~~والنون والألف والنون. # قال مجاهد: الربانيون، فوق الأحبار. PageV02P1059 # قال النحاس: الأحبار العلماء، والربانيون الذين جمعوا مع العلم السياسة ~~والصلاح. # من قولهم: رب فلان الأمر إذا أصلحه. # وقد قيل في {وبما كنتم تدرسون} أي: الفقه. # والأحسن أن يكون مردودا على ما قبله فتكون الدراسة للكتاب الذي جرى ذكره، ~~ولم يجر ذكر للفقه. # والكتاب هنا القرآن، قاله عاصم. # قوله {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين} الآية من نصب يأمركم عطفه ~~على الأول على {يؤتيه} كأنه وما كان لبشر أن يأمركم. ومن رفع قطعه من الأول ~~وتقديره عند سيبويه: ولا يأمركم الله، وعند الأخفش: وهو لا يأمركم. PageV02P1060 # والتفسير يدل على النصب لأنهم قالوا للنبي صلى ms0362 الله عليه وسلم: أتريد أن ~~نعبدك، فأنزل الله {ما كان لبشر} أن يفعل كذا وكذا، ولا أن يأمركم بكذا ~~فنفى عنه ما أسندوا إليه، ثم قال: ولكن له أن يقول ويأمر {كونوا ربانيين}. # ثم قال: {أيأمركم بالكفر} أي أيأمركم نبيكم بالكفر فهذا ظاهر الآية ~~والتفسير، وهو تابع لقراءة النصب في المعنى. # وقيل المعنى أيأمركم الله بالكفر فهذا رد على قراءة من قراء بالرفع. # قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم}. # أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في " لما " لام تأكيد " وما " بمعنى الذي ~~في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، ~~{من كتاب وحكمة} الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه. PageV02P1061 # وأجاز الأخفش أن يكون الخبر {لتؤمنن به} وهذا لام قسم كأنه قال: والله ~~لتؤمنن به. # وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول ~~والله لئن زيد ضربت لأضربنك به. # ومن كسر اللام في " لما " فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من ~~كتاب وحكمة، ويكون {لتؤمنن} من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ميثاقك لا ~~تفعلن. # وفي قراءة ابن مسعود {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين}، وكذلك قرأها أبي بن ~~كعب، ودليله قوله: {ثم جآءكم رسول} وهو محمد صلى الله عليه وسلم ولم يأت ~~إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم {لتؤمنن به ولتنصرنه} فليس في هذا ~~أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، ~~وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل ~~الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ~~ولا إيمان بقومهم. # وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: ~~أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا. PageV02P1062 # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا ~~أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ~~ولينصرنه ms0363 ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك. # وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضا وأن يبلغوا كتاب ~~الله عز وجل ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت ~~إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والتصديق به، والنصر له. # وقال السدي: لم يبعث الله نبيا من لدن نوح صلى الله عليه وسلم إلا أخذ ~~ميثاقه أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ ~~الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء. # وقوله: {أأقررتم} أي: بالميثاق على نحو ما تقدم " {وأخذتم على ذلكم إصري} ~~أي: عهدي {قالوا أقررنا}. # قيل: الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من ~~الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب. # {قال فاشهدوا} أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم عليكم، وعلى PageV02P1063 # أممكم {وأنا معكم من الشاهدين} أي: أشهد عليكم وعليهم بذلك. # وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف ~~المذكور. # {فمن تولى بعد ذلك}: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ عليه، فهو فاسق أي ~~خارج من دين الله. # وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أهل الكتاب - وتخويف. # قوله: {أفغير دين الله يبغون} أي: أفغير طاعة الله يا أهل الكتاب تطلبون، ~~وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم طائعا، وهم: الملائكة، ~~والنبيون والمؤمنون {وكرها} وهم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما ~~قال: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87]. # وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق. # وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله. # والطائع: المؤمن. PageV02P1064 # وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه. # وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين ~~رأى الموت، قال الله تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: ~~85]. # وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه ms0364 جبلهم على ذلك، وخلقهم ~~كذلك. # وفي تفسير الحسن {وله أسلم من في السماوات} انقطع الكلام. ثم قال: ~~{والأرض} طوعا أو ركها أي أسلم من في الأرض طوعا وكرها، فالكاره المنافق لا ~~ينفعه إيمانه. # وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم من ~~ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله تعالى ~~محمدا عليه السلام وأمته أن يقولوا: {آمنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ أنزل ~~على إبراهيم} ومن ذكر بعده [وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله ~~تعالى أنه لا يقبل دينا غير الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في ~~الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك الخسران المبين. PageV02P1065 # ولما نزلت {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} ادعى كل قبيل، وكل ~~أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [ عز وجل] { ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97]، ~~فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا ~~المسلمون. # قوله {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} الآية. قال ابن عباس: كان ~~رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، وهو الحارث بن سويد فأرسل إلى قومه أن ~~يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ فأنزل الله عز وجل { كيف ~~يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} ثم أنزل الله {إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} فأرسل إليه قومه وأسلم. # وقال مجاهد: نزلت الآيتان بعد ارتداد الحارث بن سويد فحملهما إليه رجل ~~فقرأ عليه الآية الأولى ثم قرأ عليه الآية {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} ~~الآية فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصدق منك. وإن الله سبحانه لأصدق الثلاثة ثم رجع فأسلم وحسن ~~إسلامه. # قال السدي: نزلت في الحارث بن سويد حين ارتد ثم نسخها الله بقوله: PageV02P1066 # {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا}. # وروي ms0365 أنه كان يظهر الإسلام فلما كان يوم أحد قتل المجذر بن زياد بدم كان ~~له عليه، وقتل قيس بن زيد، وارتد ولحق بمشرك، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمر أن يقتله إن ظفر به، ففاته، ثم بعث إلى أخيه من مكة يطلب التوبة، ~~فأنزل الله عز وجل { كيف يهدي الله} الآيتين. # وقال كثير من المفسرين: إنما نزلت في اليهود لأنهم وجدوا في التوراة إن ~~الله جل ذكره ناجى موسى عليه السلام وكان في مناجاته " يا أمة محمد قد ~~أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني، ~~فقال موسى عليه السلام: جعلت وفادتي لغيري "، وذلك قوله تعالى لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} [القصص: 46] " أي: إذ ~~ناجينا موسى بهذا أن: يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني إلى آخر القصة. # وقيل: نزلت في قوم ارتدوا. # وقيل: نزلت في أهل الكتاب لأنهم عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم وصفته، ~~ثم كفروا به عن PageV02P1067 # علم بصحة نبوته. # وقال القرظي: [كان] ناس من أهل مكة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فآمنوا، فمكثوا ما شاء الله في المدينة، ثم خرجوا وارتدوا ولحقوا بالمشركين ~~فأنزل الله ذلك فيهم ثم تعطف عليهم فأنزل الله {إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا} الآية. # قوله: {وشهدوا أن الرسول حق}: معطوف على الفعل الذي تضمنه المصدر وهو ~~إيمانهم، تقديره بعد أن آمنوا وشهدوا ولا يجوز عطفه على {كفروا} لفساد ~~المعنى. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى عرفوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~عندهم وشهدوا أنه حق قبل مبعثه فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك ~~وكذبوه وأنكروا حسدا وبغيا، وقلوبهم تشهد أنهم مبطلون في ذلك. # قوله {أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله} الآية. # معناه: جزاء من هذه حاله بعنة الله، أي: يبعده من الرحمة ولعنة الملائكة ~~والناس أي: يلعنهم كل من خالفهم يوم القيامة من المخلوقين كما قال: {ويلعن ~~بعضكم بعضا} [العنكبوت: 25]: # ويجوز أن يكون الناس ms0366 يراد بهم من كان مؤمنا. ويجوز أن يكون أراد بهم: لعن PageV02P1068 # بعضهم بعضا في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها. # {لا يخفف عنهم العذاب} أي: لا ينقص عنهم: {ولا هم ينظرون} أي: لا يؤخرون ~~عن الوقت. وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون بها. # وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين ~~كتبت بالتاء: في آل عمران {فنجعل لعنت الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] و ~~[في] النور {والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين} [النور: 7] ~~هذان بالتاء لا غير. # قوله {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} أي: استثنى من تاب ممن ذكر قبله. # وقيل: هو ناسخ ل {كيف يهدي الله قوما كفروا} الآية وقد ذكرناه. # ومعنى: {وأصلحوا} أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا الصالحات. # قوله: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم} عنى بها من كفر ببعض الأنبياء قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم ثم PageV02P1069 # كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته. # قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى عليه السلام ~~{ثم ازدادوا كفرا} بمحمد صلى الله عليه وسلم - والقرآن. # وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، {ثم ازدادوا كفرا} ~~بمحمد عليه السلام. وقيل: كفرهم الأول هو حجدهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وازدادوا كفرا [أي: ذنوبا]. # وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، [ وازدادوا ~~كفرا] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت. # وقيل: {ثم ازدادوا كفرا} ماتوا على الكفر. # [و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفرا بما أصابوا من الذنوب، ~~لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم PageV02P1070 # بمحمد صلى الله عليه وسلم والآية عنده عنى بها اليهود. # قوله: {إن الذين كفروا وماتوا} الآية. # معناه: لن يقبل ممن كان بهذه الصفة جزاء ولا فدية ولو كانت ملء الأرض ~~ذهبا، روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يجاء ~~بالكافر يوم القيامة ms0367 فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا ~~به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك ". # وقال الزجاج معناه: لو عمل من الخير فتصدق بملء الأرض ذهبا - وهو كافر - ~~لم ينفعه ذلك مع كفره. # قوله: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}. # قال ابن مسعود وغيره: البر هنا الجنة. PageV02P1071 # {لن تنالوا} حتى تتصدقوا {مما تحبون} أي: تهوون، ومثله {ويطعمون الطعام ~~على حبه} [الإنسان: 8] [وقوله] {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ~~[الحشر: 9]. # ولما نزلت هذه الآية " جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: يا رسول ~~الله، هذه في سبيل الله، فحمل النبي (عليه السلام) [عليها] أسامة بن زيد ~~وهو ولده فوجد زيد في نفسه فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما ~~إن الله قد تقبلها منك ". # وقيل: إن البر العمل الصالح الذي يدهو إلى الجنة. # وفي الحديث " عليكم بالصدق فإنه يدعوا إلى البر، والبر يدعو إلى الجنة، ~~وإياكم والكذب، فإنه يدعو إلى الفجور والفجور يدعو إلى النار ". PageV02P1072 # قوله: {وما تنفقوا من شيء} أي: فتصدقوا بشيء فإنه محفظ لكم. # وقال الحسن: النفقة هنا يعني بها الزكاة الواجبة. # قوله: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل} الآية. # إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أخبرنا الله ~~تعالى أن الأطعمة كلها كانت حلالا لولده يعقوب إلا ما حرم يعقوب على نفسه ~~قبل نزول التوراة، وحرمه ولده على أنفسهم من غير فرض من الله تعالى عليهم، ~~وكان بيعقوب صلى الله عليه وسلم عرق يسمى النساء، فيأخذه بالليل ويتركه ~~بالنهار فحلف: إن الله عافاه منه ألا يأكل عرقا أبدا، فحرم الله عليهم ~~لبغيهم فنزلت التوراة بتحريم ما كانوا حرموه على أنفسهم، فذلك قوله: {فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} ثم قال: إن أنكرتم ذلك فاتوا ~~بالتوراة فاتلوها فإنكم تجدون ذلك فهذا قول السدي. # وقيل: إن الذي حرموه على أنفسهم إنما تبعوا فيه يعقوب صلى الله عليه ~~وسلم، ms0368 ولم تنزل التوراة بشيء منه، ولكنهم ادعوا أنه في التوراة فقال الله: ~~قل يا محمد ايتوا بالتوراة فإنه لا شيء فيها مما يقولون. # وقال ابن عباس: حرم إسرائيل على نفسه وعلى ولده العرق وليس PageV02P1073 # بمكتوب في التوراة. # فمجاهد وقتادة وابن عباس وغيرهم يقولون: الذي حرم إسرائيل على نفسه هو ~~العرق لعرق كان به يؤذيه. # [وقال عطاء] وابن جريج: حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وهو قول ~~الحسن. # " ويروى أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~يا أبا القاسم، أخبرنا أي شيء حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدكم بالذي أنزل التوراة هل ~~تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضا شديدا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرا ~~لئن عافاه الله منه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه ~~لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم ". # وروي انه حرم على نفسه أحب الطعام إليه إن برئ، وكان أحب الطعام إليه ~~لحوم الإبل وشحومها، وشحوم الضأن والبقر والمعز، فحرم ذلك على نفسه. # قوله: {فمن افترى على الله الكذب} الآية. # أي: فمن ادعى بعد قراءة التوراة - وعدم ما ادعيتم من تحريم العروق ولحوم PageV02P1074 # الإبل وألبانها فيها -: إن ذلك في التوراة، وأن الله أنزل تحريم ذلك فيها ~~فهو ظالم. # قوله: {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا} معناه: قل يا محمد صدق ~~الله في جميع ما أخبرنا به وأن إسرائيل حرم لحوم الإبل وألبانها من غير ~~تحريم من الله في كتابه، فإن كنتم أيها اليهود على حق في قولكم {فاتبعوا ~~ملة إبراهيم حنيفا} فإنه لم يكن مشركا. # والوقف على قوله {قل صدق الله} حسن. # قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة. . .} الآية. # أخبر الله تعالى: أن أول بيت وضع للناس مبارك وهدى للعالمين هو الذي ~~ببكة، وكان قبله بيوت إلا أنه ليس لهن هذه الصفة، هذا قول علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه فهو على قوله ms0369 أول بيت وضعت فيه البركة والهدى مقام إبراهيم. ~~وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض. # وقال ابن عمر: هو أول بيت وضع في الأرض، خلق الله البيت قبل الأرض بألفي ~~سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء على زبد وبيضاء فدحيت الأرض من تحته. # وقال مجاهد: أو بيت خلق الله: الكعبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وقال ~~السدي. # وقيل: إن موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. وقال قتادة: PageV02P1075 # هبط البيت مع آدم حين هبط، يطوف حوله كما يطاف حول العرش ثم رفعه الله في ~~الطواف فصار معمورا في السماء، ثم إن إبراهيم تتبع منه أساسا حين أمره ~~تعالى ببنائه فبناه على أساس قديم. # ومعنى وضع للناس [أي]: لعبادة الله. # وسئل النبي عليه السلام عن أول مسجد وضع؟ فقال: " المسجد الحرام، ثم مسجد ~~بيت المقدس وكان بينهما أربعون سنة ". # وبكة: حول البيت مع الطواف (من) قولهم بكة: إذا زحمه، فسميت بذلك البقعة ~~للازدحام [الذي يكون] فيها وما عدا ذلك في خارج المسجد: مكة. # قال ابن شهاب: بكة البيت والمسجد، ومكة الحرم كله. # وقال مالك: بكة موضع البيت، ومكة غيره من المواضع. # قال ابن القاسم: يريد القرية. # وروي عن ابن وهب أنه قال: بكة موضع البيت، ومكة ما حول البيت PageV02P1076 # من المواضع. # وقيل: إنما سميت مكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها. # قال مقاتل: بكة ما بين الجبلين، ومكة الحرم كله وإنما سميت بمكة لأنها ~~تمك المخ من العظم أي تمحقه لما يحتاج (إليه) الإنسان من السعي والطواف ~~والعمل. # يقال: مككت العظم إذا أخرجت ما فيه. # وقيل: سميت مكة لأن الناس كانوا يمكون، ويضجون فيها من قوله: # {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية} [الأنفال: 35] يقول: تصفيق ~~وصفير. # وقال الضحاك: بكة هي مكة، وعلى ذلك أهل اللغة أن الميم بدل من الباء كما ~~يقال: لازب، ولازم وسبل شعره وسمله إذا استأصله. # وسميت بكة لأن الناس يتباكون حولها الرجال والنساء يعني يزدحمون، وقيل ~~سميت بذلك ms0370 لأنها تبك أعناق الجبابرة. # قوله {فيه ءايات بينات. . .} الآية. # هي: مقام إبراهيم، المشعر الحرام {ومن دخله كان آمنا}. # وقال مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، وهي آيات كثيرة. # منها: الصفا والمروة والركن والحطيم والملتزم والحجر وغير ذلك، ومنها: أن ~~الطائر لا يعلو البيت صحيحا ويعلوه مريضا للتشفي [به] ومنها: أن الجارح ~~يتبع PageV02P1077 # الصيد فإذا دخل الحرم تركه. ومنها: أن الغيث إذا كان من ناحية الركن ~~اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان من ناحية الشامي كان الخصب بالشامي، ~~والعراقي كذلك، وإن عم الأركان عم الخصب الدنيا. # ومنها: أن الجمار تزداد فيه كل عام لا يحصى كثرة وهي ترى على قدر واحد. ~~وأمثال ذلك كثيرة لا تحصى. # وعلى هذا القول يكون {ومن دخله كان آمنا} خبر مبتدأ. # وقد قرأ " فيه آيات بينة " على أنها المقام الموجود الساعة ويكون أيضا ما ~~بعد مبتدأ. # ومعنى: {ومن دخله كان آمنا} كان أهل الجاهلية من جنى منهم جناية ثم لجأ ~~إلى حرم الله لم يطلب، ولم ينتصف وأما في الإسلام فليس يمنع من حدود الله ~~عز وجل مانع. # وعن يحيى بن جعدة {ومن دخله كان آمنا} قيل: كان آمنا من النار. # وأهل التفسير على أن المعنى: ومن دخله فارا من غيره مستجيرا به أمن ممن ~~يطلبه. # وقيل: [المقام] هو الحجر الذي فيه أثر رجلي إبراهيم عليه السلام. PageV02P1078 # وروي أن الله عز وجل أمره أن يؤذن بالحج كما قال تعالى: {وأذن في الناس ~~بالحج} [الحج: 27] فوقف على المقام وهو الحجر، فأعطاه الله في صوته ما ~~يسمعه كل من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأعطاه من القوة حتى رسخت ~~رجلاه مقر الحجر فنادى يا عباد الله، أجيبوا داعي الله، والحج إلى بيته ~~الحرام يخرجك من النار، ويسكنكم الجنة " فالناس اليوم يلبون دعوة إبراهيم ~~فمن أجابه مرة حج مرة ومن أجابه مرتين حج مرتين، وكذلك (أكثر) من ذلك. # قوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. . .}. # هذا فرض من الله واجب علينا مع وجود الاستطاعة. # قال ابن الخطاب ms0371 وابن عباس رضي الله عنه: الاستطاعة: الزاد والراحلة، وهو ~~قول ابن جبير والحسن. # وعن ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل. # وقال الضحاك: إن قدر [أن] يؤاجر نفسه ويمشي فهو مستطيع. PageV02P1079 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " السبيل الزاد والراحلة ". # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من ملك زادا وراحلة يبلغانه إلى بيت الله ~~عز وجل فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا. # وقال عكرمة: السبيل: الصحة. # وقال ابن زيد: السبيل القوة في النفقة والجسم والحملان. # وقيل السبيل الطاقة بأي وجه. وهو اختيار (الطبري) وجماعة من العلماء، وهو ~~مذهب مالك وأصحابه. # والهاء في " إليه " تعود على البيت " وقيل على الحج ". PageV02P1080 # قوله: {ومن كفر} أي: من لم يحج وهو يقدر عليه. # وقيل: معناه من لزمه فرض الحج فأنكره فإن الله غني عن حجه. # وقال ابن عباس: من كفر من قال الحج ليس بفرض. # وقيل: معناه من اعتقد أنه لا أجر له في سعيه وحجه، ولا إثم عليه في ~~تأخيره قاله مجاهد. " وسأل رجل من هذيل النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا ~~نبي الله من تركه كفر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من تركه لا يخاف ~~عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذلك " أي: كافر. # وعن مجاهد أيضا أنه قال: معنى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} أي: ~~وكفر بالله واليوم الآخر، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس عند ~~نزول فرض الحج، وخطبهم وأمرهم بالحج وأنه فرض عليهم. فحج البيت هو ملة ~~واحدة وهي: من آمن بالله، وتركه خمس ملل، وهم الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل عز وجل: { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}. # وعن ابن عباس أنه قال لما نزلت: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} الآية، ~~قالت: الملل كلها نحن مسلمون فأنزل الله {ولله على الناس حج البيت} فحج ~~المؤمنون وقعد الكافرون. # قال ابن زيد معناه ومن كفر بهذه الآية يعني التي ms0372 تقدم ذكرها وهي: مقام PageV02P1081 # إبراهيم {ومن دخله كان آمنا}. # قال عطاء: {ومن كفر} بالبيت. # وقال السدي: {ومن كفر} معناه: من وجد ما يحج به ثم لم يحج فهو كافر. # ويروى عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى ~~كل رجل لم يحج وهو واجد فيضربون عليه الجزية ما هم بمسلمين. # وعنه أنه قال: لو أن ناسا تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما قاتلناهم على ~~الصلاة والزكاة. # واختار بعضهم أن يكون المعنى: ومن كفر فأنكر فرض الله ووجوبه. # قوله: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله}. # هذا خطاب لليهود والنصارى وتوبيخ لهم لأنهم كفروا بمحمد وهم يشهدون أنه ~~حق يجدونه عندهم في التوراة مكتوبا والله يشهد عليهم بأنهم على باطل في ~~إنكارهم له وهم يعلمون أنه نبي حق. # قوله {قل يا أهل الكتاب لم تصدون} الآية. # هو أيضا لليهود والنصارى، ومعنى صدهم عن سبيل الله هو جحدهم PageV02P1082 # بمحمد وما جاء به من الدين، والسبيل: الطريق. # {تبغونها عوجا} " أي يبغون لها أي: السبيل أي: يطلبون السبيل المعوج وهو ~~الميل عن الحق في الدين. # العوج بالفتح يكون في الحائط والعود ونحوه. # قال السدي: وكانوا إذا سألهم أحد هل يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في ~~التوراة؟ قالوا: لا، فيصدون عن الإيمان به، والإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم هو السبيل إلى الله سبحانه. # قوله {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا} الآية. # نزلت هذه الآية في قوم من اليهود أرادوا أن يحدثوا الفتنة بين الأوس ~~والخزرج، وقد كان بين القبيلتين فتنة فذهبت بالنبي عليه السلام، فأراد قوم ~~من اليهود أن يحدثوها بينهم، فنهى الله عز وجل عن ذلك وأخبرهم أنهم إن ~~أطاعوهم كفروا، ثم قال: # {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} [معناه: وعلى أي ~~حال تكفرون أيها المؤمنون وآية الله تقرأ عليكم ورسوله] بين أظهركم يدعوكم ~~إلى الحق ويبينه لكم، فليس لكم عذر في ارتدادكم عن الحق {ومن يعتصم بالله} ~~أي: يمتنع PageV02P1083 # به {فقد هدي ms0373 إلى صراط مستقيم}. # قال ابن جريج: {ومن يعتصم بالله}: من يؤمن بالله. # قال ابن العباس: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، ~~فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا فقام بعضهم إلى بعض ~~بالسلاح، فنزلت هذه الآية {وكيف تكفرون}، ونزلت {واذكروا نعمت الله عليكم ~~إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم}. # وروي أن شاس بن قيس كبير اليهود دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان ~~بينهم من الحروب والدعاء طمعا أن يقرف إلفتهم، فلما ذكروا بذلك ثار بينهم ~~سر حتى أخذوا السلاح، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووعظهم وذكرهم ~~بالله والإسلام، فرجع القوم، وعلموا أنها نزعة من الشيطان، فبكوا وتعانقوا ~~[وانصرفوا] مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآيات في توبيخ أهل الكتاب ~~على فعلهم وتذكير الأنصار ووعظهم. # قوله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}. # هذا خطاب للمؤمنين، ومعنى {اتقوا الله} راقبوه ودوموا: على طاعته. ومعنى ~~{حق تقاته} أي: حق خوفه وهو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا ~~يكفر، PageV02P1084 # قال السدي وطاووس وقتادة، وغيرهم. # {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}: لربكم. # وعن ابن عباس {حق تقاته}: أن يجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذه في الله ~~لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. # وعن قتادة إنها منسوخة بقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} وكذلك قاله ~~الربيع ابن أنس، وقاله السدي وابن زيد. # وأهل النظر على أن هذا لا نسخ فيه لأن الأمر بالتقوى لا ينسخ ولكنه خفف ~~بالآية الأخرى. ومعنى {ولا تموتن} أي: كونوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت، ~~وليس ينهاهم عما لا يملكون ولكن هذا معناه. # وحكى سيبويه: لا أرينك هاهنا، وهو لم ينه نفسه، وإنما المعنى لا يكن ها ~~هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه. # قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}. PageV02P1085 # أي: تعلقوا بأسباب الله {ولا تفرقوا} أي: تمسكوا بدين الله. والحبل في ~~اللغة الذي يتوصل به إلى البغية. # قال ابن مسعود: حبل ms0374 الله الجماعة. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كتاب الله حبل الله الممدود من ~~السماء إلى الأرض ". # وقيل: حبله، عهده وأمره، وأكثر المفسرين على أنه القرآن، وقال أبو ~~العالية حبل الله الإخلاص والتوحيد. # وقال ابن زيد: حبل الله: الإسلام. # وقال القتبي: حبل الله: دينه. # وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " أيها الناس ~~عليكم بالطاعة، والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في ~~الطاعة والجماعة هو خير مما PageV02P1086 # تحبون في الفرقة " # وهذا تذكير للأنصار إذ كانوا يقتتلون في كل شهر فلما أتى الإسلام ~~واجتمعوا عليه ألف الله بينهم وزالت العداوة التي كانت بينهم عشرين ومائة ~~سنة، وقد كانوا بني عم. # ومذهب البصريين أن {واذكروا نعمت الله عليكم} تمام الكلام، ومذهب ~~الكوفيين أن {إذ كنتم} متصل ب {واذكروا}. # {وكنتم على شفا حفرة من النار}، هذا مثل لما كانوا عليه من الكفر، أنقذهم ~~الله من ذلك بالإسلام. # وشفا الحفرة: طرفها. # وقيل: {فأنقذكم منها} بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله السدي، فالآية ~~للأنصار خاصة لما أزال الله عنهم من القتل الذي كان بينهم. # وقيل: هي لقريش لأن بعضهم كان يغير على بعض فلما دخلوا في الإسلام حرمت ~~عليهم الأموال والدماء فأصبحوا إخوانا. # والهاء في {منها} تعود على النار، وقيل على الحفرة. PageV02P1087 # قوله {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} الآية. # معناها: ولتكن منك أيها المؤمنون جماعة مستقيمة يدعون [الناس] إلى الخير، ~~وهو الإسلام، ويأمرونهم بالمعروف أي: باتباع محمد عليه السلام. وما جاء به، ~~وينهونهم عن المنكر، وهو التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ~~أولئك الذين يكونون هكذا من المفلحين. # وقيل: إن [من] هاهنا لبيان الجنس، ولأن المعنى ولتكونوا كلكم أمة مستقيمة ~~يدعون إلى الخير. [ومن] مؤكدة أن الأمر للمخاطبين ومثله {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} [الحج: 30] فلم يأمرهم باجتناب بعض الأوثان وإنما المعنى: ~~فاجتنبوا الأوثان فإنها رجس، فكذلك لم يأمر بعض المؤمنون بالدعاء إلى الخير ~~دون البعض إنما أمرهم كلهم، ودل على ذلك ms0375 قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110]. # وقال من زعم أن [من] للتبعيض، إنما أمر الله بعض المؤمنين بالدعاء إلى ~~الخير، لأن الدعاء ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون الناس إليه، وليس كل ~~الخلق علماء، فالأمر واقع لمن فيه علم، وهو بعض الناس، فمن للتبعيض على ~~أصلها. # والأمة: الجمعة، والقائمة: المستقيمة، الطريقة الصحيحة: الديانة. PageV02P1088 # وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه: [وينهون عن المنكر ويستعينون بالله ~~[على] ما أصابهم " زاد خمس كلمات، وما يقرأ بذلك اليوم لأنه خلاف لخط ~~المصحف المجمع عليه] ". # قوله: {(ولا تكونوا) كالذين تفرقوا واختلفوا} حذر الله المؤمنين أن ~~يكونوا مثل اليهود الذين اختلفوا في كتابهم وتفرقوا فرقا. # أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالجماعة، وينهاهم عن الاختلاف ~~والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالاختلاف والمراء والخصومات في ~~دين الله. # وقال الحسن: هم اليهود والنصارى اختلفوا في دينهم فنهانا الله عن مثل ~~ذلك. # ثم أخبر أن هؤلاء المختلفين لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه أي: عذاب عظيم ~~في هذا: اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه. # ويجوز في غير القرآن كسر التاء في {تبيض} و {وتسود}. PageV02P1089 # ومعنى تبيض: تشرق كما قال: {وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة} [عبس: 38 ~~- 39] فهي تشرق لما تصير إليه من [النعيم، وتسود وجوه من أجل ما تصير إليه] ~~من العذاب. # قوله {أكفرتم} معناه: فيقال لهم أكفرتم؟ قال جماعة من العلماء: عنى بهذا ~~بعض أهل القبلة من المسلمين وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي ~~نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم ~~اختلجوا دوني فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك ". # قال أبو أمامة {فأما الذين اسودت وجوههم}: (هم) الخوارج. # وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه: PageV02P1090 # أكفرتم بعد إيمانكم وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ~~ظهور آدم وأخذ ms0376 منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: {ألست بربكم قالوا بلى} ~~[الأعراف: 172] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما خرجوا ~~إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: {أكفرتم بعد إيمانكم} فالآية ~~عنده للكفار خاصة. قال: والآخرون فقاموا على إيمانهم المتقدم فهم في رحمة ~~الله خلودا. # وقال الحسن: {فأما الذين اسودت وجوههم} هم المنافقون أظهروا الإيمان ~~وأسروا الكفر. واختار الطبري قول أبي بن كعب أن يكون للكفار، ويكون الإيمان ~~هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم ~~كفروا بعد ذلك. # وذكر النحاس في قوله: {أكفرتم بعد إيمانكم} قال: عنى بها اليهود بشروا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم واستفتحوا به قبل بعثه فكان ذلك منهم إيمانا، ~~فلما بعث كفروا به هذا معنى قوله. # قوله: {ففي رحمة الله} أي: في ثواب رحمة الله وهي الجنة وتأولها مالك في ~~أهل الأهواء. # وروى أبو أمامة: أنها في الحرورية، سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غير مرة، ولا PageV02P1091 # اثنتين، ولا ثلاثا، ولا أربعا، حتى بلغ سبعا. # وروى عبد الملك بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند ~~الله تبارك وتعالى: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية مسودة وجوههم زرقا ~~عيونهم قد دلعوا ألسنتهم يسيل لعابهم على صدورهم يقذرهم كل من في القيامة ~~فيقولون: ما لنا؟ ما عبدنا شمسا، ولا قمرا، ولا وثنا، فيأتيهم النداء من ~~عند الله صدقتم ما عبدتم شمسا ولا قمرا # ولا وثنا ولكن جاءكم الكفر من حيث لا تحتسبون ". # قوله {تلك آيات الله نتلوها عليك} أي: هذه آيات الله تتلى عليكم يا محمد ~~بالحق. . . PageV02P1092 # وليس يريد الله أن يظلم أحدا من خلقه. # أعيد ذكر الاسم في الآية لأنه أفخم ولأنه لا يقع فيه أشكال إذ هذا الاسم ~~إنما هو للرب لا يشركه فيه أحد. وقال الكوفيون: إنما أعيد ظاهرا، لأن كل ~~واحد من الاثنين في قصة مفارق ms0377 معناها للأخرى وليس مثل قول البيت في قول ~~الشاعر: # " لا أرى الموت يسبق الموت شيء ". ... لأن الثاني من تمام الأول وإنما ~~أظهر في البيت اضطرارا وليس كذلك الآية. # قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} الآية. # قال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وقيل: هو خطاب لأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم. # وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ ~~ابن جبل. # وقال الحسن وغيره: الخطاب لأمه سيدنا محمد عليه السلام كلهم وكانوا ~~يقولون نحن آخرها وأكرمها على الله. # وعن الحسن أنه قال: معناها كنتم خير الناس للناس. PageV02P1093 # وقال أبو هريرة في معناها: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في ~~أعماقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وروي أن النبي عليه السلام قال " ألا إنكم ~~وفيتم سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله " وقال يوما وهو مسند ظهره ~~إلى الكعبة: " نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها ". # وقيل: كان زائدة، والمعنى أنتم خير أمة بمنزلة قوله: {وما جعلنا القبلة ~~التي كنت عليهآ} [البقرة: 142] أي: أنت عليها وبمنزلة {قال سننظر أصدقت أم ~~كنت من الكاذبين} [النمل: 142]، وقد ذكر هذا كله في مواضعه وفي بعضه ~~اختلاف. # وقيل: المعنى كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة، ومثله # {واذكروا إذ كنتم قليلا} [الأعراف: 85] أي إذ أنتم. # وقيل المعنى: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف أي: إذا كان هذا ~~حالكم PageV02P1094 # فأنتم خير أمة. # ومعنى: {تأمرون بالمعروف} تشهدون ألا إله إلا الله وتقرون بما أنزل الله ~~وتنهون عن المنكر تقاتلون على ذلك. # والمنكر: هو التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به هذا قول ابن ~~عباس. وأصل المعروف هو فعل كل ما كان مستحسنا جميلا غير مستقبح. # قوله: {لن يضروكم إلا أذى} الآية هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~معناه لم يضروكم أيها المؤمنون أهل الكتابين {إلا أذى} بألسنتهم لا غير ~~يسمعونكم تكذيب نبيكم صلى الله عليه وسلم وقوله البهتان في عيسى وعزير ms0378 صلى ~~الله عليهما وسلم، وهو استثناء منقطع. PageV02P1095 # وإن قاتلوكم ولو الأدبار وانهزموا {ثم لا ينصرون}، فهذا وعد من الله أن ~~أعداء [هم] لا ينصرون، وأنهم هم المنصورون. # قوله {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله} الآية. معناها: ~~ألزم الله المكذبين بمحمد الذلة وهي الصغار حيثما وجدوا، فهم تحت أقدام ~~المسلمين لا منعة لهم فهم في ذلة وخوف {إلا بحبل من الله} [أي بسبب من ~~الله]. أو بسبب من المؤمنين، فإنهم يأمنون على أنفسهم، وذرياتهم، والذلة لا ~~تفارقهم، والسبب هو العهد إذ عوهدوا. # وتقدير الآية عند الكوفيين إلا أن يعتصموا بحبل من الله وحبل من ~~المؤمنين، ولذلك دخلت الباء وهي متعلقة بهذا الفعل المحذوف. وقال بعض ~~الكوفيين - أيضا -: هو استثناء من الأول محمول على المعنى لأن المعنى ضربت ~~عليهم الذلة بكل مكان إلا بموضع من الله. # وقال بعض البصريين: هو استثناء ليس من الأول. PageV02P1096 # وقوله: {أين ما ثقفوا} تمام، ثم قال: {إلا بحبل من الله} أي: لكنهم ~~(يعتصمون) بحبل من الله. # قوله: {وبآءوا بغضب من الله}، أي: تحملوا وانصرفوا ورجعوا به، وحقيقته: ~~لزمهم ذلك، يقال: تبوأت الدار أي: لزمتها. # (تم السفر الأول من كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية والحمد لله الذي ~~بعونه. .). # قوله: [ عز وجل] { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} أي: تبوءهم الذي ~~باءوا به من غضب الله، وضرب الذلة بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق، فكأنهم ألزموا الذلة، والغضب لفعلهم هذا، ثم قال: {ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون} أي: فعل بهم ذلك بعصيانهم واعتدائهم كذلك في موضع ~~نصب وهو ذلك الثاني. # قوله: {ليسوا سوآء من أهل الكتاب}. # هذا مردود على [قوله] {منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} ثم قال: {ليسوا ~~سوآء} أي: ليس المؤمنون والفاسقون سواء وتم الكلام، ويعني بذلك من آمن من ~~أهل الكتاب ومن لم يؤمن. PageV02P1097 # والفراء يقدره بمعنى ليست تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة من حالها كذا ~~وأمة على غير ذلك، وهو غلط من وجوه: أحدها أنه يقدر محذوفا ولا ms0379 يحل التمام ~~سواء، وترتفع أمة بسواء، وإذا فعل ذلك لم يعد على اسم ليس ذكر وساء ليس ~~بجار على الفعل فيرفع الظاهر، والمضمر الذي يضمر لا يدل على شيء من الكلام. # وأبو عبيدة يجعل {ليسوا} على لغة من قال: أكلوني البراغيث، ويجعل {أمة} ~~اسم ليس و {سوآء} الخبر ويقدر محذوفا، وهو ذكر الكفار من أهل الكتاب، وهو ~~بعيد لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم، فليس [هو] مثل أكلوني البراغيث لأنه لم ~~يتقدم [له] ذكر. # وتصغير {آنآء} أوينا تبدل من الألف التي هي فاء الفعل واوا كما تقول: ~~أويد في آدم، ومعنى الآية: أنه تعالى أعلمنا أنه ليس أهل الإيمان من أهل ~~الكتاب والكفر سواء، والضمير في {ليسوا} يعود على ما تقدم من ذكر المؤمنين ~~والفاسقين (من أهل الكتاب فقال): من أهل الكتاب {أمة} شأنها بالمدح والثناء ~~هذا PageV02P1098 # مذهب البصريين. # والكوفيون يجعلون أمة مرفوعة بسواء والكلام عندهم متصل، وقد تقدم ما يدخل ~~عليهم كأن تقديره عندهم لا يستوون من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله ~~آناء الليل وأخرى كافرة، قالوا: وترك ذكر الأخرى لدلالة ذكر المؤمنة عليها ~~ومن مذهبهم ألا يجوز سواء [علي] قمت حتى تقول أم قعدت، وأجازوا هنا الحذف، ~~ويجيزون الحذف إذا كان الكلام مكتفيا بواحد نحو ما أبالي، وما أدري لاكتفاء ~~ما أبالي بواحد، أجازوا ما أبالي أقمت، وما أدري أجليت يريدون أم فعلت كذا ~~ويحذفونه، ويلزمهم الا يجيزوا الآية على تأويلهم لأنهم لا يجيزون الحذف مع ~~سواء لنقصانه، وقد أجازوه في الآية، وهذا تناقض لأنهم أجازوا في الآية ما ~~لا يجوز في الكلام. # روى ابن وهب عن مالك: أمة قائمة أي قائمة بالحق وهو قول مجاهد والسدي ~~وقتادة والربيع بن أنس وروي مثله عن ابن عباس. # ونزلت هذه الآية في قول عكرمة وابن جبير وابن عباس في عبد الله بن سلام PageV02P1099 # وثعلبة بن سعية، وأسيد بن عبيد وهم أخيار أهل الكتاب في الوقت، وأسلم ~~معهم غيرهم فقال: من بقي من أحبار يهود: ما آمن بمحمد - صلى ms0380 الله عليه وسلم ~~- إلا شرارنا فأنزل الله الآية يفضل فيها من آمن منهم على من لا يؤمن. # وقال الحسن: إن قوله: {يتلون آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون} يريد ما ~~بين المغرب والعشاء. # وقال ابن مسعود: معناها ليس أهل الكتاب سواء وأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، القائمة يتلون آيات الله ويؤمنون بالله، ويفعلون كذا وكذا. قال ~~مجاهد: قائمة عادلة. # وقال قتادة: قائمة على كتاب الله عز وجل وفرائضه وحدوده. # وقال ابن عباس: قائمة أي: مهتدية على أمر الله سبحانه مستقيمة. # وقال السدي: قائمة مطيعة. وقال الأخفش: من أهل الكتاب أمة (أي: ذو أمة) ~~بمعنى: ذو طريقة حسنة. # وواحد آناء الليل اني: كقنو وأقناء، وقيل واحد أني كمعي وأمعاء وحكى PageV02P1100 # الأخفش أني. # وقال قتادة: آناء الليل ساعاته أي: يتلون في ساعات الليل. وقال السدي: هي ~~جوف الليل. وقال ابن مسعود: [آيات الله] آناء الليل صلاة العتمة يصلونها، ~~وما سواهم لا يصليها وروى ابن مسعود " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ~~عليهم ليلة، وقد أخر الصلاة قال: فجاء النبي عليه السلام ومنا المصلي ومنا ~~المضطجع فبشرنا، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب: فأنزل ~~الله عز وجل { ليسوا سوآء} الآية ". # وروى الثوري عن منصور أنه نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب ~~والعشاء. # ومعنى يتلون آناء الليل: يتبعون بعضها بعضا، (ومعنى) {وهم يسجدون} أي: ~~يصلون. PageV02P1101 # وقيل: المعنى يتلون الآيات في الصلاة، وهم مع ذلك يسجدون في الصلاة يعني ~~السجود المعروف في الصلاة. # ثم وصفهم الله فقال: {يؤمنون بالله} أي: يصدقون به وبما أنزل على أنبيائه ~~من غيب الآخرة {ويأمرون بالمعروف} أي: بالإيمان بالله ورسوله {وينهون عن ~~المنكر} أي: ينهون الناس عن الكفر بالله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، ودل ~~هذا من وصفهم على أن غيرهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر. # قوله: {من الصالحين}. أي: من عداد الصالحين. # قوله: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} الآية. # من قرأ بالتاء رده على ms0381 المخاطبة في {كنتم خير أمة} تفعلون وتصنعون. ومن ~~قرأ بالياء رده على الإخبار في قوله: {أمة قآئمة يتلون آيات الله} ويفعلون ~~كذا وكذا ثم قال {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه}. # والياء فيها تخصيص لهؤلاء المذكورين. # والتاء فيها عموم لجميع الأمة واختار الطبري وغيره التاء. PageV02P1102 # ومعنى [فلن تكفروه] فلن يغطى عليه، فتتركوا بلا مجازات عليه، وقال قتادة: ~~" فلن تكفروه " فلن يضل عنكم. # قوله: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم} الآية. هذه ~~الآية وعيد بالأمة الفاسقة من أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم، ومعنى الكفر ~~هنا تغطية ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم وجحوده، ومعنى (ذلك) أن ~~أموالهم لم تمنع عنهم ما ينزل بهم من العذاب في الآخرة شيئا. # قوله: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا} الآية. # المثل هنا بمعنى الشبه ومعناها: شبه ما يتصدق به الكافر يا محمد كشبه ريح ~~فيها صر، وهو البرد الشديد {أصابت حرث قوم} أي: زرعهم الذي أملوا إدراكه ~~كما أمل الكفار وجود عملهم في الآخرة. # ومعنى {ظلموا أنفسهم}: عصوا الله ورسوله فأهلكته فصدقة الكافر كزرع هذا ~~الظالم لنفسه، ونفقة الكافر هنا: صدقاتهم على أقربائهم تقربا إلى الله عز ~~وجل. # وقيل: نفقتهم هو ما ينفقون على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه. # وقيل: هي نفقة الكافر في الدنيا. PageV02P1103 # وقيل: هي قوله بلسانه ما ليس في قلبه فهو لا ينفعه [كما لا ينتفع] بالزرع ~~الذي أصابته الريح التي فيها برد شديد. # ومعنى {كمثل ريح} أي: كمثل مهلك ريح، فتحقيق المثل إنما هو للحرث. # والتقدير: مثل نفقة هؤلاء كمثل حرث أصابته ريح فيها صر فأهلكته، فهو ~~بمنزلة قوله: {كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعآء} [البقرة: 171] ~~والمعنى: [كمثل] المتعوق به أي: مثلهم في أنهم لا يعقلون ما يقال لهم كمثل ~~الغنم لا تعقل بما يقال لها. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم. . .}. # نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين والمنافقين أولياء في هذه الآية. ~~والبطانة: الدخيلة الذين يطلعهم ms0382 الرجل على سره لأنهم كانوا لا يبقون غاية ~~في التلبيس على المؤمنين، فأمر الله المؤمنين ألا يداخلوهم. # وقيل: البطانة: الأصدقاء، وقيل: للأخلاء، والمعنى في ذلك متقارب ومعنى ~~{من دونكم} أي: من دون أهل دينكم كما قال: {فسلموا على أنفسكم} أي: على أهل ~~دينكم # {لا يألونكم خبالا} أي: لا يقصرون في السوء والشتات بينكم، وهي البطانة PageV02P1104 # المنهي عنها. {ودوا ما عنتم} أي: يتمنون لكم العنت والشر في أنفسكم ~~ودينكم. # وقيل: " ودوا عنتكم، أي: ما شق عليكم، وما نزل بكم من مكروه وضر. وأصل ~~هذا أن يقال: أكمة عنوت: إذا كانت طويلة شاقة. # ويقال: عنت العظم: إذا انكسر بعد جبر، ومنه قوله {ذلك لمن خشي العنت ~~[منكم]} [النساء: 25] أي: المشقة. # ونزلت هذه الآية في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود ~~وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة قال ذلك ابن عباس. فنهاهم الله أن ~~يصادقوهم دون المؤمنين وأن يستهجوهم في شيء من أمر دينهم فإنهم لا يقصرون ~~في الخبال والشر لهم. # وأكثر أهل التفسير على أنها نزلت في النهي عن مصافاة اليهود والمنافقين PageV02P1105 # ومخالطتهم ومصادقتهم وإنشاء الشر إليهم وأخبرهم أنهم يودون كفرهم ~~وإضلالهم وما ينزل بهم من شر. # وقوله: {ودوا ما عنتم} هو خبر مستأنف وليس بحال من البطانة. # وقد قيل: إن {ودوا ما عنتم} صفة ثانية للبطانة والصفة الأولى {لا يألونكم ~~خبالا}. # {قد بدت البغضآء من أفواههم} أي: ظهرت بألسنتهم وهو إقامتهم على الكفر، ~~أو النفاق، والذي تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة لكم مما بدا لكم ~~بألسنتهم {قد بينا لكم الآيات} أي: العبارات من أمر هؤلاء {إن كنتم تعقلون} ~~عن الله آياته ومواعظه. # {هآأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} الآية. # معناها: " أنتم أيها المؤمنون تحبون الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم ~~بطانة من دون المؤمنين. # وقيل [هم] المنافقون نهى الله المؤمنين عن محبتهم لأن المؤمنين أحبوهم ~~لما أظهروا الإيمان، فأخبر الله بما يسرون من العداوة والبغضاء لهم، ولأنهم ~~لا يحبونهم، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ فقال: {ولا يحبونكم} أي: بل ~~يبطنون لكم PageV02P1106 # العداوة ms0383 والغش. # وأولاء عند الطبري بمعنى: الذين، وهي على بابها عند غيره وأنتم: ابتداء، ~~وأولاء: الخبر. # وذهب القتبي إلى أنه نداء والمعنى: أنتم يا هؤلاء. # وقيل: الضمير للمنافقين بدليل قوله: {وإذا لقوكم قالوا آمنا} # وقوله: {وتؤمنون بالكتاب كله} الكتاب هنا بمهنى: الكتب كما يقال: كثر ~~الدرهم في أيدي الناس، يريد الدراهم. # وقال ابن عباس: {وتؤمنون بالكتاب كله} أي: بكتابكم وبكتابهم، وبما مضى من ~~الكتب قبل ذلك. وهذا يدل على أن الآية التي قبلها في اليهود دون المنافقين ~~لأنهم أهل كتاب، ولا كتاب للمنافقين. # قوله: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} أي: عضوا على ما يرون من ~~ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم - والأنامل أطراف الأصابع - {قل موتوا ~~بغيظكم} أي: بالغيظ PageV02P1107 # الذي بكم أي: اهلكوا به، وهو دعاء في لفظ الأمر. # [قوله] {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة}. # معناها أي: إن تنالوا سرورا، [وظفر] بعدوكم وزيادة الناس في الدخول في ~~الإسلام، وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم ساء ذلك اليهود. وقيل: يعني ~~المنافقين - وإن يصبكم ضرر من عدوكم واختلاف بينكم فرح بذلك اليهود. # وقيل: هم المنافقون. # {لا يضركم كيدهم شيئا}. # من قرأ بكسر الضاد، والتخفيف، فهو من ضاره يضيره، وجزمه لأنه جواب الشرط. ~~ومن قرأ يضركم فهو يحتمل ثلاثة أوجه: يجوز أن يكون ضم لالتقاء الساكنين مع ~~الإدغام، وأصله يضرركم من ضره يضره فيم على لغة من قال: مد يا في كمن قال ~~مديا. PageV02P1108 # وأهل الحجاز يظهرون في مثل هذا التضعيف، وقوله {إن تمسسكم} أظهر على لغة ~~أهل الحجاز، ولا يضركم أدغم على لغة غيرهم. # وقال الكسائي والفراء: رفعه على إضمار الفاء على معنى فليس [يضركم]. # وقيل: هو مرفوع على تقدير التقديم والمعنى لا يضركم كيدهم إن تصبروا كما ~~قال: # يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع # وإجماعهم على الأخير يدل على قراءة من قرأ بالتخفيف. # وروى المفضل عن عاصم لا يضركم بالتشديد والفتح، وهو أحسن من PageV02P1109 # الضم لأن الضم فيه إشكال. # قوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوىء ms0384 المؤمنين} الآية. معناه واذكر إذ غدوت. # واليوم الذي عنى به ذلك: يوم أحد عند مجاهد، وهو قول ابن عباس والسدي. ~~وقال الحسن: هو يوم الأحزاب. # واستدل من قال يوم أحد بقوله: {إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا} ولم يختلف ~~المفسرون، وأهل السير أن الطائفتين هم بنو سلمة وبنو حارثة، وأن الذي ذكر ~~من أمرهما إنما كان يوم أحد. # واحتج من قال هو [يوم] الأحزاب بأن أهل الأخبار والتواريخ يقولون: إنما ~~راح النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعدما صلى ~~الجمعة بالناس في المدينة والله يقول: {وإذ غدوت} ولم يقل: وإذ رحت. وقيل: ~~" إنما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة غدوة أن يفتقدوا مواضع ~~لنفسهم وجلس حتى صلى عليه السلام ثم خرج، فتبوؤه كان بالغداة بأمره لهم ~~ومشورته إياهم ". # و" لما شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما يصنع أتاه النعمان بن مالك ~~الأنصاري فقال: يا رسول الله، لا تحرمني الجنة فوالذي بعثك بالحق، لأدخلن ~~الجنة. فقال: بم؟ قال: يا PageV02P1110 # نبي الله بأني أشهد ألا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله وأني (لا) أفر ~~من الزحف، قال: " صدقت " فقتل يومئذ. وقالت: الأنصار: يا رسول الله، ما ~~علمنا عدوا لنا أتانا في دارنا قط فكيف وأنت فينا؟ وسألوه الخروج إليهم ~~وكان رأي عبد الله هذا اسم أبيه أبي واسمه عبد الله بن أبي بن سلول ألا ~~يخرج ويدعهم يدخلون وأكثر عليه الأنصار بالخروج إليهم فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبسها ندموا وقالوا: كيف نشير ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوحي يأتيه، فقاموا، واعتذروا إليه ~~وقالوا: اصنع ما رأيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لنبي ~~أن يلبس لامته، فيضعها حتى يقاتل " ". # قوله: {إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا}. # معناه: {والله سميع عليم * إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا}. والعامل في " ~~إذ " ما قبله. والفشل: الجبن والضعف. والطائفتان هم بنو حارثة وبنو ms0385 سلمة ~~وذلك يوم أحد هموا بأمر فعصم الله منه، وهم خيار الأنصار. PageV02P1111 # وقد قال مجاهد: أما بنو سلمة فهو نحو سلع يوم الخندق قال السدي: خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل فلما خرج رجع عبد الله بن أبي ~~بن سلول في ثلاثمائة فهم بنو حارثة، وبنو سلمة بالرجوع حين رجع عبد الله ~~فعصمهم الله، وبقي رسول الله في سبعمائة وبنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من ~~الأوس. # قال جابر بن عبد الله: نحوهم بنو سلمة وما يسرنا أنها لم تكن. # فمعنى: إذ همت طائفتان منك أن تفشلا [لقول الله] والله وليهما. # قوله: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة. . .}. # هذا تذكير من الله لنبيه عليه السلام وللمؤمنين بنصره لهم في بدر، ~~فالمعنى: فكذلك ينصركم فيما بقي. PageV02P1112 # ومعنى {أذلة}: قليلون، فقد نصركم الله وأنتم قليلون فهو إلى نصركم وأنتم ~~كثيرون أقرب، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، ويوم أحد ثلاثة آلاف ~~ويوم حنين اثني عشر ألفا. وكانت بدر في سبع عشرة ليلة خلت من رمضان لثمانية ~~عشر [شهرا] من الهجرة بعد تحويل القبلة بشهرين، كذلك رواه مالك وكانت أحد ~~على رأس واحد وثلاثين شهرا من مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ~~شوال يوم السبت للنصف من شوال من سنة ثلاث. # قال مالك: فقتل من المهاجرين يوم أحد أربعة ومن الأنصار سبعون. # قال مالك: " بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يوم أحد كسرت ~~رباعيته وأصيبت وجنته، وجرح في وجهه وتهشمت البيضة على رأسه وأنه أتى بماء ~~في جحفة فكان يغسل به عنه الدم، وأحرق له حصير فأتى به فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: اشتد غضب [الله] على قوم أدموا وجه رسوله " فأنزل الله {ليس لك ~~من الأمر شيء} الآية ". PageV02P1113 # وقال أنس: كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، ~~وهو يدعوهم إلى ربهم " فأنزل {ليس لك من الأمر شيء}. # قال أبو سعيد الخدري: " رمى عتبة بن أبي وقاص يومئذ ms0386 رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم] فكسرت رباعيته اليمنى وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب ~~شجه في جبهته، وأن ابن قميئة جرح وجنته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في ~~وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو ~~عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، وأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه ~~طلحة حتى استوى PageV02P1114 # قائما، ومص ما لك بن سنان، ابو أبي سعيد الخدري الدم عن وجهه ثم ازدرده، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من مس دمه دمي لا تصيبه النار " ". # وسمي الموضع بدرا لأنه كان لرجل يسمى بدرا، فسمي الموضع باسم صاحبه. ~~وقيل: كان هناك بير يسمى صاحبه بدرا، فسمي الموضع باسم صاحب البير، وقيل هو ~~اسم للموضع وهي قرية بين المدينة والجار، وهو أول قتال قاتله النبي عليه ~~السلام، اجتمع فيه مع المشركين على غير تواعد. # وقوله: {فاتقوا الله} أي: قد كنتم قليلين فنصرتم بلزومكم الطاعة، وقد نزل ~~بكم ما نزل يوم أحد وأنتم كثرة، وذلك لمخالفتكم لأمر نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم وهو ما فعل الرماة جعل الله عز وجل # " ما أصيب من المشركين يوم أحد عقوبة لما فعل الرماة، إذ عهد إليهم النبي ~~عليه السلام ألا يبرحوا من مكانهم فمضوا للنهب وظنوا أن المشركين قد فرغ ~~منهم، وقد كان قال لهم النبي عليه السلام: " لا تبرحوا، فلن يزال النصر لنا ~~ما ثبتم في مكانكم " فلما رأوا المشركين قد انهزموا اطمأنوا وزالوا من ~~مكانهم طمعا في النهب فرجعت الهزيمة على المسلمين، فأصيب خلق كثير كل ذلك ~~بذنوب الرماة ومخالفتهم ما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم فذلك قوله: ~~{فاتقوا الله} أي: لا تعصوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمره لكم. PageV02P1115 # قوله {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم}. إذ متعلقة بتشكون. ~~والمعنى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم، ~~وذلك كله يوم بدر، وذلك أن المسلمين حدثوا أن كرز بن ms0387 جابر الحارثي بمد ~~المشركين فاغتنموا لذلك، فقيل لهم {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالاف ~~من الملائكة منزلين} {بلى إن تصبروا} على عدوكم {وتتقوا} أمر دينكم {يمددكم ~~ربكم بخمسة ءالاف من الملائكة مسومين} ثم لم يأت كرز، ولم يمددهم الله ~~بخمسة آلاف. وقال أبو أسيد مالك بن ربيعة وكان شاهد بدر وقد ذهب بصره: لو ~~كنت معكم اليوم [ببدر] ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، ~~فعلى هذا يكون الله قد أمدهم وفعل بهم ما وعدهم به. # وقال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى ~~أصعدنا في جبل يشرف على بدر، ونحن مشركان ننتظر الواقعة على من تكون. قال: ~~فبينما نحن على الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت ~~قائلا يقول: أقدم حيزوم قال: أما ابن عمي فأكشف قناع فلبه فمات مكانه، أما ~~أنا فكدت PageV02P1116 # أهلك، وتماسكت. # وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وإنما ~~كانوا في غيره من الأيام عددا ومددا لا يضربون. # وحكى أبو داود المازني وكان شهد بدرا قال: إني لأتبع رجلا من المشركين ~~يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري. # وحكى ابن عباس عن أبي رافع أنه قال: كنت أسلمت مع العباس بمكة، وكان ~~العباس يكتم إسلامه، وكان قد خرج مع القوم وكنت أجلس في حجرة زمزم أنحت ~~القداح، فوصل إلينا خبر أهل بدر وما نزل بهم، فسرنا، فدخل أبو لهب يجر ~~رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: ~~هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم فقال أبو لهب: هلم يا ابن ~~أخي فعندك الخبر، فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال له: أخبرني كيف كان ~~أمر PageV02P1117 # الناس؟ قال: لا شيء، والله إن كان إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا ~~يقتلوننا، ويأسروننا كيف شاؤوا! لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين ms0388 السماء ~~والأرض، وما تلين شيئا، وما يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة. ~~ثم قلت: تلك الملائكة. # قال ابن عباس: " أسر أبو اليسر كعب بن عمرو العباس وكان أبو اليسر رجلا ~~مجموا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أسرت ~~العباس؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك، ولا ~~بعده هيأته كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليه ~~والله ملك كريم ". # وقيل: إن قوله: {إذ تقول} وما بعده في قصة يوم أحد هو كله وإنما وعدوا ~~يوم بدر بأن يمدهم الله بألف من الملائكة مردفين. # قال قتادة: قوله: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} أي: قليلون. ثم رجع ~~إلى قصة أحد فقال: إذ تقول للمؤمنين الآيات ووعد الله [تعالى] المؤمنين يوم ~~أحد أنهم إن ثبروا واتقوا بعد هذا اليوم أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسمين ففروا يوم أخد، ولم يتقوا النبي صلى الله عليه وسلم [ في أمره، فلم ~~يمدهم بشيء. PageV02P1118 # وقال ابن زيد: " سألوا النبي صلى الله عليه وسلم] فقالوا يا رسول الله: ~~هل يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟ وذلك يوم أحد، فقال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم: { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالاف من الملائكة منزلين} " قال ~~الشعبي وغيره: وعدهم بخمسة آلاف، إن جاءوا من ذلك الفور، فلم يجيئوا ولم ~~يمدهم بخمسة آلاف وأمدهم يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، يوم أحد بثلاثة ~~آلاف من الملائكة منزلين فهم أربعة آلاف وهم اليوم في جنود المسلمين. # ومعنى {من فورهم هذا} أي: من وجههم هذا. # وقيل: من غضبهم هذا لأنهم غضبوا يوم بدر. # واستدل من قال أنه تعالى قد أمدهم بقوله: {إذ تستغيثون ربكم}. # وقال مجاهد: معنى مسومين " معلمين مجززة أذناب خيلهم ونواصيها [فيها] ~~الصوف العهن، وذلك التسويم. # وقال قتادة: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها وأنهم PageV02P1119 # كانوا على خيل بلق وقد سوم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ms0389 بالصوف. # وقيل: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليها عمائم صفر، وكذلك كانت ~~عمامة الزبير. # وهذا كله يوم بدر، على كسر الواو لأنها سومت أنفسها، ومن فتح أضاف ~~تسويمها إلى الله [تعالى ذكره. ومن فتح الواو أيضا احتج بقوله {منزلين} ~~بإضافة النزول إلى الله] سبحانه فكذلك التسوم، كانوا أنزلوا مسومين. # وقيل: معنى مسومين: مرسلين من سومت الخيل: أرسلتها إلى السائمة. وحكى بعض ~~النحويين سوم الرجل غلامه أرسله، وخلا سبيله فيكون المعنى على هذا مرسلين ~~إلى الكفار وكذلك (قال) الأخفش معناه: مرسلين. # وأكثر الناس على أن معنى مسومين معلمين: من السومة. PageV02P1120 # وقال مجاهد: لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وقال: مسومين معلمين بالصوف في ~~أذناب خيلهم. # قوله: {وما جعله الله إلا بشرى لكم} الآية. # أي: ما جعل الله النصر والمدد والوعد بذلك إلا بشرى لكم ولتسكن إليه ~~قلوبكم. # وقال مجاهد: لم يقاتلوا معهم يوم أحد، ولا قبله ولا بعده إلا في يوم بدر. # {وما النصر إلا من عند الله}. قال ابن زيد: لو شاء أن ينصركم بغير ~~الملائكة فعل لأنه عزيز في انتقامه حكيم في تدبيره. # فالهاء في {جعله} تعود على الإمداد، ودل عليه {يمدكم} وقيل: تعود على ~~المدد، وهم الملائكة لدلالة يمددكم على الملائكة الين يمد السلمون بهم، ~~وقيل: تعود على التسويم. # وقيل: تعود على الإنزال لدلالة [منزلين] على ذلك. # وقيل: تعود على العدد لأن خمسة آلاف عدد، فرجعت الهاء على المعنى. # قوله: {ليقطع طرفا من الذين كفروا} الآية. المعنى: ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا PageV02P1121 # نصركم، فبهذا تتعلق اللام. ويجوز أن تكون متعلقة ب " يمددكم ". # والطرف: الطائفة [من الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم] . # [ وتقدير الآية {ولقد نصركم الله ببدر} فيهلك من الذين كفروا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم] . # قال قتادة: قطع الله بدر طرفا من الذين كفروا، وقتل صناديد رؤسائهم في ~~الشر. وقال السدي: عنى بذلك يوم أحد قتل منهم ثمانية عشر رجلا، فذكرهم الله ~~في قوله: {ليقطع طرفا}، ثم ذكر الشهداء فقال بعد ذلك {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا ms0390 في سبيل الله} [آل عمران: 169] ومعنى: {أو يكبتهم} أو يخزيهم بالخيبة ~~مما رجوا من الظفر {فينقلبوا خآئبين}. # وقيل: معناه: أو يصرعهم لوجوههم سمع من العرب كبته الله لوجهه بمعنى ~~صرعه. ذكره أبو عبيدة، وعن أبي عبيدة أيضا، الكبت: الهلاك، وقيل: معناه: ~~يغيظهم ويخزيهم ومنه {كبتوا كما كبت الذين من قبلهم} [المجادلة: 5]. # والأصل فيه عند أهل النظر يكبدهم من أصاب كبده بشر وحزن وغيظ، ثم أبدل من ~~الدال تاء لقرب مخرجهما كما قال: هرت التوب وهردت إذا حرضه يقال قد PageV02P1122 # أخرق الحزن كبده، والخائب الذي لم ينل ما أمل. # قوله {ليس لك من الأمر شيء} الآية. # هذا معطوف عند الطبري وغيره على {ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم}، ~~والمعنى عنده: {ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم} {أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظالمون} {ليس لك من الأمر شيء} ففي الكلام في قوله تقديم ~~وتأخير. وعند غيره أو بمعنى إلا، فهي الناصبة بإضمار إن، ولا تقديم ولا ~~تأخير في الكلام. # ومعنى الآية: ليس لك يا محمد من الحكم في عبادي شيء، أو أتوب عليهم ~~برحمتي إن شئت، فيؤمنوا أو أعذبهم فيموتوا على كفرهم {فإنهم ظالمون} أي: قد ~~استحقوا العذاب بظلمهم. وكان سبب نزول هذه الآية " أن النبي عليه السلام ~~لما أصابه بأحد ما أصابه قال كالآيس منهم أن يؤمنوا: " كيف يفلح قوم فعلوا ~~[هذا] بنبيهم " وقد كانوا كسروا رباعيته، وشج، فجعل يمسح الدم عن وجهه ~~ويقول " كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم "؟ فأنزل الله ~~{ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم} الآية فكف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الدعاء حين نزلت عليه الآية، وكان قد دعا عليهم قبل الآية وقال، في ~~عتبة بن أبي وقاص حين كسرت رباعيته، ووشاء وجهه فقال PageV02P1123 # " اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا " فما حال عليه [الحول] حتى ~~مات كافرا ". # وقال ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم العن أبا ~~سفيان، اللهم العن الحارث ms0391 بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية فنزلت {ليس لك ~~من الأمر شيء} الآية ". # وروى أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى الفجر فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قال: اللهم انج عياش بن ~~أبي ربيعة وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من ~~المسلمين، اللهم اشدد وطأتك PageV02P1124 # على مضر اللهم سنين كسني يوسف فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية " ~~وروى ذلك أبو هريرة أيضا - عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أنه قال: " ~~واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وزاد فيها الدعاء على قوم آخرين "، فلما ~~نزلت {ليس لك من الأمر شيء} ترك ذلك. # وروى ابن وهب عن رجاله يرفعه إلى النبي عليه السلام " أنه كان يدعو على ~~مضر إذ جاء جبريل صلى الله عليه وسلم فأومأ إليه أن اسكت، فسكت فقال يا ~~محمد: إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابا ~~{ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} قال: ثم علمه ~~القنوت " اللهم إنا نستعينك. . . إلى آخره ملحق ". # وقال بعض الكوفيين: إن هذه ناسخة للقنوت الذي كان النبي عليه السلام جعله ~~في صلاة الصبح، وأكثر الناس على أنه ليس بمنسوخ. # قوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء}. ~~هذا تأكيد لما قبله أن الله له كل الأشياء يفعل ما يريد ويحكم ما يريد ~~فيغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء ويعذب من يشاء. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الرباوا أضعافا مضاعفة} [أضعافا]: ~~حال من الربا. PageV02P1125 # قال النحاس: هو مصدر، وهو غلط منه، وهذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين أن ~~يأكلول الربا بعد إسلامهم. # ومعنى {أضعافا} أي: تضعفون الدين إذا أخرتم الأجل، كان الذي عليه الدين ~~يقول: أخرني، وأزيدك فإذا حان قال: أخرني وأزيدك، فيتضاعف الدين عليه. # {واتقوا الله لعلكم تفلحون} أي: تنجون. والمفلح الذي أدرك ما أمل ms0392 ونجا ~~مما خاف. # {وأطيعوا الله والرسول} أي: أطيعوه فيما نهاكم عنه من أكل الربا، وأطيعوا ~~الرسول أن تخالفوه كما خالفتموه يوم أحد فهذه معاتبة من الله عز وجل للذين ~~عصوا يوم أحد، قال ابن عباس. # قوله: {سارعوا إلى مغفرة} الآية. معناه: بادروا بالأعمال الصالحات، أي: ~~إلى ستر ذنوبكم من ربكم، والمغفرة الستر - ومنها المغفر. وسارعوا أيضا إلى ~~جنة هذه صفتها. # ومعنى {عرضها السماوات والأرض}.: أي عرضها كعرض السماوات السبع، ~~والآراضين السبع إذا ضم بعضها إلى بعض. قال ابن عباس: تقرن السماوات السبع، ~~والآرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذلك عرض الجنة ولا يصف أحد ~~طولها لاتساعه، والله أعلم بذلك. وعن ابن عباس أيضا أنه قال: لو أن ~~السماوات بسطن، ثم وصل بعضها إلى بعض ما كن في سعة خلق الله إلا بمنزلة PageV02P1126 # الحلقة في المفازة. وكم لله من عالم أعظم من السماوات والأرض! # [وروي أن لله تعالى اثني عشر عالما السماوات والأرض] منها عالم واحد. # قال أبو محمد رضي الله عنه: والله أعظم من ذلك كله، ويقدر على أكثر من ~~ذلك كله لا إله إلا هو. # وقد قيل معنى {عرضها السماوات والأرض} أي: سعتها كسعتهن ومن قول العربي ~~أرض عريضة أي: واسعة، وليس يريد العرض الذي هو خلاف الطول. # قال أنس بن مالك: يعني بالمسارعة: التكبيرة الأولى. # وسئل النبي عليه السلام وقيل له: " هذه الجنة عرضها السموات والأرض فأين ~~النار؟ فقال: هذا النهار إذا جاء فأين الليل؟ " وروي أن بعض أهل نجران ~~سألوا عمر عن ذلك فأجابهم بذلك فقالوا: لقد نازعت بمثل ما في التوراة. # قوله: {الذين ينفقون في السرآء والضرآء} الآية. # هذه صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة ينفقون أموالهم في الله في حال ~~السرور. # والسراء مصدر سرني مسرة وسرورا. # والضراء مصدر، قد ضر فلان إذا أصابه الضر، وهو الضيق والجهد. قال ابن PageV02P1127 # عباس: في السراء والضراء في اليسر، والعسر. # {والكاظمين الغيظ} أي: الذين يتجرعون غيظهم عند امتلاء أنفسهم. وقيل ~~الكظم: الحبس، فمعناه: والحابسين غيظهم {والعافين} أي: ms0393 الصافحين عن جنايات ~~الناس وذنوبهم وهم على الانتقام قادرون. # قال أبو العالية: {عن الناس} أي: عن المماليك. # وقال النبي صلى الله عليه سلم " من كظم غيظا، وهو يقدر على إنفاذه ملأه ~~الله أمنا وإيمانا " وقال ابن عباس: هذا كقوله: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} ~~[الشورى 34] {والعافين عن الناس} مثل قوله: # {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} [النور: 22]. . . إلى قوله: {ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم} [النور: 22] الآية. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما تجرع عبد جرعة خير له من ~~جرعة غيظ ". PageV02P1128 # وقال " أفضل أخلاق المسلمين العفو ". # {والله يحب المحسنين} أي: يحب من عمل بهذه الصفات. وعن الحسن أنه قال: ~~{والكاظمين الغيظ} عن الأرقاء {والعافين عن الناس} إذا ما جهلوا عليهم. # قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة} الآية. # هذا كله من نعت المتقين الذين أعدت لهم جنة عرضها السماوات والأرض. وروي ~~عن جابر أنه قال: الفاحشة هنا: الزنا وكذلك (قال) السدي. # وقيل: هي كل فعل قبح [في] الشر [ع]. # ومعنى {أو ظلموا أنفسهم}: فعلوا غير الذي ينبغي. # قال النخعي: الظلم من الفاحشة والفاحشة من الظلم. # ومعنى {فاستغفروا} أي: استدعوا الغفران من الله عز وجل وهو الستر على ~~فعلهم {ومن يغفر الذنوب إلا الله} أي: من يسترها على فاعلها إلا الله. # وقال عطاء بن أبي رباح: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " يا نبي ~~الله، بنو إسرائيل PageV02P1129 # أكرم على الله منا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه [على بابه] مكتوبة: ~~أجدع أنفك، افعل كذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت {سارعوا ~~إلى مغفرة من ربكم}. . . إلى قوله: {وهم يعلمون} فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلكم؟ ثم قرأ الآيات. فقيل: إنها خصوص أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، لأن بني إسرائيل كانت تمتحن على ذنوبها، وتعاقب عليها ~~في الدنيا ". # قال ثابت البناني لما نزلت. {ومن يعمل سواءا أو يظلم نفسه} الآية: بكى ~~إبليس فزعا منها، قال: وبلغني أنه بكى حين نزلت {والذين إذا ms0394 فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم} الآية. # قال علي بن أبي طالب: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا ينفعني الله منه بما يشاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه ~~استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر قال: " سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل يذنب ذنبا، ثم يقوم فيتطهر، ~~فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله إلا غفر له " ثم تلى هذه الآية {والذين إذا ~~فعلوا فاحشة}. # وروي عنه زيادة في هذا الحديث وهو أنه قال: ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر. PageV02P1130 # وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه ثمرا ~~فضرب على عجزها فقالت: والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك؟ فأسقط في ~~يده، فذهب إلى أبي بكر فقال له: إياك أن تكون امرأة غاز. ثم قال له عمر مثل ~~ذلك، وقال النبي عليه السلام مثل ذلك، فذهب يبكي فنزلت في اليوم الرابع ~~{والذين إذا فعلوا فاحشة} الآية. # وقال النبي عليه السلام: " إن الله يغضب للغزاة كما يغضب للمرسلين ~~ويستجيب لهم كما يستجيب للمرسلين ". # وروي أن نبهان التمار أقام ثلاثة أيام صائما حزينا يبكي على ذنبه، فلما ~~نزلت الآية أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بها فشكر الله، ثم قال: يا نبي ~~الله هذه توبتي قبلها الله مني، فكيف حتى يتقبل شكري؟ فأنزل الله # {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل} [هود: 114] الآية. ومعنى {ذكروا ~~الله} [أي]: ذكروا نهي الله عما ركبوا وما أحدثوا فاستغفروا {لم يصروا} أي: ~~لم يتمادوا ولم يثبتوا على ما فعلوا. # وقيل {لم يصروا} أي: لم يسكتوا عن الاستغفار قاله السدي. # والمعنى عند أكثر المفسرين، وأهل اللغة لم يقيموا متعمدين على الذنب، ~~وترك التوبة منه. PageV02P1131 # وقال الحسن: المعنى لم يواقعوه إذ هموا به، جعل الآتي للذنب مصرا في حال ~~إتيانه، وهو بعيد عند أهل اللغة، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " ~~ما أصر من استغفر وإن عاد ms0395 في اليوم سبعين مرة ". # وقال السدي: معنى {وهم يعلمون} أي: لم يقيموا على ترك الاستغفار وهم ~~يعلمون [أنهم اذنبوا. وقيل: المعنى يعلمون أن الذي أتوا معصية. وقيل المعنى ~~{وهم يعلمون}] أنهم إن تابوا تاب الله عليهم. وقيل المعنى: {وهم يعلمون} ~~إني معاقب على الإصرار. وقيل: المعنى: وهم يذكرون ذنوبهم. # قوله {أولئك جزآؤهم مغفرة} الآية. # المعنى: أولئك الذين مضت صفتهم جزاؤهم مغفرة أي: ثوابهم مع ما ذكر مما ~~أعد لهم {ونعم أجر العاملين} أي: ثواب المطيعين. # قوله: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض}. PageV02P1132 # المعنى: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا أصحاب محمد سنن وسير نحو: ~~إهلاك عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم فتركتهم عبرا {فسيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين} للرسل الجاحدين للكتب. وهذا إعلام من الله تبارك ~~وتعالى للمؤمنين أنه سيهلك من أدال له على المسلمين للمشركين يوم أحد، وأنه ~~إنما فعل لهم ذلك استدراجا منه لهم، وإمهالا حتى يبلغ الكتاب أجله. وأصل ~~السنة الطريقة المستقيمة. # وقيل: {سنن} هنا أمثال فيمن كان قبلكم. # قوله: {هذا بيان للناس} الآية. # وقال الحسن: {هذا} إشارة إلى القرآن، وقاله قتادة. # وقال الربيع: {هذا بيان للناس} عامة وهو القرآن {وهدى وموعظة للمتقين} ~~خاصة. # وقال ابن اسحاق: {هذا} إشارة إلى قوله {قد خلت} الآية. # وقال الشعبي: {وهدى} من الضلال {وموعظة} من الجهل وذلك لمن اتقى المحارم. # قوله: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} الآية هذه الآية تعزية لأصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيما PageV02P1133 # أصابهم يوم أحد من الجراح، والقتل فعزاهم الله، وبشرهم أنهم الأعلون. ~~ومعنى {ولا تهنوا}: لا تضعفوا عن قتال عدوكم {ولا تحزنوا} على ما فات، فإلى ~~النعيم المقيم صار، وأنتم مع ذلك الظافرون فيما تستقبلون {إن كنتم مؤمنين} ~~أي: مصدقين لمحمد صلى الله عليه وسلم وما أتى به. # قال ابن جريج: " لما انهزم أصحاب النبي عليه السلام يوم أحد في الشعب ~~قالوا: ما فعل فلان، ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضا، وتحدثوا أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم [ قتل، فكانوا ms0396 في هم وحزن على النبي صلى الله عليه وسلم] ~~فبينا هم كذلك إذ علا خالد بن الوليد [الجبل] بخيل من المشركين فلما رأى ~~المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم فرحوا، وثاب قوم من الرماة [من المسلمين ~~فصعدوا الجبل فرموا المشركين حتى انهزموا وعلا المسلمون الجبل فنزل {وأنتم ~~الأعلون} فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا قوة إلا بك وليس يعبدك ~~بهذه البلدة غير هؤلاء النفر " ". # قال ابن عباس: لما أتى خالد بن الوليد يريد أن يعلو الجبل بخيل معه، قال ~~النبي عليه السلام: " اللهم لا يعلون علينا " فأنزل الله: {ولا تهنوا} ~~الآية. # قوله {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح} الآية. # هذا تعزية للمسلمين فيما أصابهم من الجراح والقتل يوم أحد وأنهم إن كان PageV02P1134 # أصابهم ذلك فقد أصاب المشركين مثله يوم بدر، ثم قال: {وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس} أي: إن ظفرتم يوم بدر فكانت لكم دولة، ثم كانت الدولة ~~للمشركين يوم أحد غليكم بمعصيتكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم كل ذلك ~~ليبتلي الله المؤمنين، وليبلغ الكتاب أجله. وروي أن المسلمين قتلوا من ~~المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين يوم أحد سبعون، ~~وكثر الجراح في الباقين حتى شج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت ~~رباعيته والقرح والقرح لغتان عند الكسائي والأخفش وقطرب كالضعف والضعف. # وقال الفراء: الفتح اسم الجرح، والضم اسم الألم. # ولم يعرف أبو عمر الضمن. وقال يعقوب الحضرمي: المفتوح ما كان بسلاح، ~~والمضموم الجهاد كذا وقع عنه. # قال ابن عباس: " لما كان يوم أحد وأصاب المسلمين ما أصاب صعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم الجبل فجاء أبو سفيان فقال يا محمد: الحرب سجال يوم لنا، ~~ويوم لكم فقال النبي عليه السلام: أجيبوه فقالوا له: لا سواء لا سواء، ~~قتلانا في الجنة وقتلاكم في الناؤ. فقال له أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى ~~لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه. فقالوا: الله مولانا ولا مولى PageV02P1135 # لكم [فقال أبو سفيلن: أعل هبل أعل ms0397 هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~قولوا: الله أعلى وأجل]. فقال أبو سفيان: موعدنا، وموعدكم بدر الصغرى، ~~فنزلت {وتلك الأيام نداولها بين الناس} ". # قوله: {وليعلم الله الذين} أي: داوها ليعلم الله المؤمنين من المنافقين ~~علم مشاهدة، وهو عالم بهم قبل أن يخلقهم الله ولكن أراد العلم الذي يقع ~~عليه الجزاء {ويتخذ منكم شهدآء} أي: يكرم من أراد بالشهادة. # والشهداء جمع شهيد، وسمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة. # قال ابن جريج: كان المسلمون يسألون الله أن يريهم مثل يوم بدر، فيقاتلون ~~ويلتمسون فيه الشهادة، فابتلوا بيوم أحد، فخالف الرماة، فقتل من المسلمين، ~~واتخذهم الله شهداء، فبلغهم أملهم الذي كانوا قد أملوا وسألأوا. # وقال ابن عباس: يسألون الشهادة فقتلوا يوم أحد. # تم الجزء التاسع PageV02P1136 # قوله: {وليمحص الله الذين آمنوا}. # المعنى: داول الله [الأيام] بين الناس، فيعلم المؤمنين من المنافقين، ~~وليمحص ذنوب المؤمنين. يقال: محصه إذا خلصه فمعناه على هذا: وليخلص الله ~~المؤمنين من ذنوبهم داول الأيام بين الناس، ومنه قولهم: اللهم محص عنا ~~ذنوبنا أي خلصنا من عقوبتها. وقيل: معنى ليمحص ليبتلي. # ومعنى: {ويمحق الكافرين} أي: يستأصلهم. وقيل يمحق أعمالهم. وقيل: ينقصهم ~~ويفنيهم. # يقال: محق فلان الطعام إذا نقصه وأفناه. # وقال مجاهد: وليمحص وليختبر. # قوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا} الآية. # قرأ الحسن ويحيى بن يعمر {ويعلم الصابرين} عطفا على {ولما يعلم الله}. # ومن نصب في ظهر " أن " عند الخليل وسيبويه، وعلى الصرف عند الكوفيين، PageV02P1137 # ومعنى الصرف عندهم أن يكون في أول الكلام جحد، أو استفهام أو نهي، ولا ~~تمكن إعادته مع حرف العطف فإذا لم تمكن إعادته لم يعطف بالثاني على الأول، ~~ولكن يصرف على العطف على النصب. # والمعنى: أم حسبتم أيها المؤمنون أت تنالوا الكرامة، ولم تختبروا بالشدة ~~والبأساء، فيعلم منه صدقكم وصبركم واقعا وقد كان تعالى ذكره، علمه غيبا، ~~ولكن لا تقع المجازاة إلا على ما خرج من الأفعال إلى الوجود. # قوله: {ولقد كنتم تمنون الموت} الآية. # المعنى: لقد كنتم يا أصحاب محمد ms0398 تتمنون الموت، وذلك أن أناسا فاتهم حضور ~~بدر، وما أ'طي أهل بدر من الفضل، فكانوا يتمنون الموت أن يجاهدوا، فيبلوا ~~العذر في القتال في الله عز وجل. # ومعنى: {تمنون الموت} أي: القتل الذي هو سبب الموت {فقد رأيتموه} أي: ~~رأيتم سبب الموت {وأنتم تنظرون} أي: بصراء تشهدون ذلك عن قرب. # قال القتبي {فقد رأيتموه}: يعني أسباب الموت وهي السيف والسلاح. # وقيل: الهاء في رأيتموه تعود على محمد صلى الله عليه وسلم. # فلما كان يوم أحد حضروا القتال، فولى قوم وأبلى [قوم] العذر، وأوفوا بما PageV02P1138 # عاهدوا، وهم الذين قال الله فيهم: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه} [الأحزاب: 23] أي: استشهد فقتل، {ومنهم من ~~ينتظر} أي: الشهادة {وما بدلوا تبديلا} أي: ما بدلوا العهد الذي عاهدوا ~~الله عليه من ابتلاء العذر في الجهاد في الله عز وجل. # وقيل: إنهم كانوا يتمنون الشهادة في القتال فقتلوا يوم أحد. # قال الحسن: لما سألوا، ابتلوا بيوم أحد [فلا] والله ما كلهام صدق. # قوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} الآية. # معنى الآية أن الله أخبرهم أن محمدا كبعض رسله المتقدمين في الرسالة ~~والدعاء، الذين قد مضوا وخلوا، فلما حضرت آجالهم ماتوا فمحمد صلى الله عليه ~~وسلم مثلهم ميت عند انقضاء أجله، وهذا إنما هو معاتبة من الله للمؤمنين على ~~ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل فب أحد إن محمد صلى الله عليه وسلم قد ~~قتل، ومقبحا لهم انهزام من انهزم منهم حين سمع ذلك. # ومعنى: {انقلبتم على أعقابكم} أي: ارتددتم عن دينكم لو مات، وهل هو إلا ~~مثل من تقدمه من الرسل ميت عند انقضاء أجله؟ فلو مات أكنتم تكفرون؟ # {ومن ينقلب على عقبيه} أي: من يرتدد عن دينه {فلن يضر الله شيئا} سبحانه ~~ارتداده. وفي PageV02P1139 # لفظ الاستفهام تقديم وتأخير، وذلك أنهم إنما وبخوا وعوذلوا على الانقلاب ~~على العقبين، فهم لم ينكروا موت محمد صلى الله عليه وسلم فيقع عليه لفظ ~~الاستفهام الذي يدل ms0399 على التوبيخ، ولا أنكر عليهم ذلك، إنما أنكر عليهم ~~انقلابهم، فحق الاستفهام الذي للتوبيخ أن يقع على ما أنكر عليهم وهو ~~انقلابهم، ومثله {أفإن مت فهم الخالدون} [الأنبياء: 34] لم يستفهم عن الموت ~~وإنما استفهم عن خلودهم بعد موت محمد صلى الله عليه وسلم؟ أيكون أم لا؟ فحق ~~الاستفهام أن يقع عليهم، فيكون: أفهم الخالدون إن مت؟ وكذلك هذا حقه. ~~أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟ ففيه اتساع معروف في كلام العرب ~~مشهور قد علم معناه. والأصل في ذلك أن كل استفهام دخل على حرف الجزاء، ~~فالاستفهام في غير موضعه وحقه، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط داخلا على ~~الجواب، فهذا تقديره حيث وقع. # أو قولهم {وسيجزي الله الشاكرين} أي: وسيثيب الله عز وجل من شكره على ~~هدايته له، وتوفيقه إياه. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أبو بكر أمير الشاكرين، فالآية إنما ~~نزلت فيمن انهزم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: لما كان ~~يوم أحد من الشناعة ما PageV02P1140 # كانت في قتل النبي صلى الله عليه وسلم قال ناس: لو كان نبيا ما قتل. # وقال ناس من عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلوا على ما قاتل ~~عليه نبيكم حتى يفتح الله، أو تلحقوا به، فأنزل الله تبارك وتعالى في عتاب ~~من قال: لو كان نبيا ما قتل {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل}. # وذكر الربيع أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في ~~دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال ~~الأنصاري: وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن ~~دينكم. # قال السدي: " لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يوم أحد بعد ~~صلاة لجمعة يوم الجمعة، أمر الرماة فقاموا في أصل الجبل في وجوه خيل ~~المشركين. وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن ~~نزال غالبين ما ثبتم ms0400 مكانكم، وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات، ثم شد ~~الزبير بن العوام والمقداد بن لأسود على المشركين فهزموهم وحمل صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه فهزموهم وهزموا أبا سفيان. PageV02P1141 # فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة من ~~المسلمين، فانقطع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينهبونه بادروا الغنيمة، فقال بعضهم لبعض: لا ~~تتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق عامتهم فلحقوا بالمعسكر ~~فلما رأى خالد قلة من بقي من الرماة صاح فيه خيله، ثم حمل فقتل الرماة، ~~وحمل على أصحاب محمد، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل شدوا على المسلمين ~~وتنادوا فقتلوا من المسلمين عددا، وأتى ابن قميئة الحاري فرمى [رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته، وشجه في وجهه، وتفرق عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وصعد بعضهم الجبل إلى الصخرة ~~فقاموا عليها وجعل] رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا الناس ويقول: [إلي ~~عباد الله] فاجتمع إليه ثلاثنون رجلا، وجعلوا يسيرون بين يديه، ولم يقف أحد ~~إلا طلحة وسهل بن حنيف، وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك فقال: يا ~~كذاب، أين تفر؟ فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم طعنة في الدرع، ~~فجرحة فوقه يخور خوار الثور، فحماه المشركون وقالوا: ليس بك بأس، فما PageV02P1142 # يجزعك؟ فقال: أليس قال: لأقتلنك، لو كانت الضربة لجميع ربيعة ومضر ~~لقتلتهم فلم يلبث حتى مات [و] فشا في الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد ~~قتل فقال بعض أحصاب الصخرة: ليتنا أخذنا من المشركين أمانا، وضعفوا، وقال ~~بعضهم: يا قوم إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل، فإن رب محمد صلى ~~الله عليه وسلم لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم اللهم إنا نعتذر ms0401 إليك مما قال هؤلاء ". # ويروى " أن الذي قال ذلك واعتذر: أنس بن النضر، ثم شد بسيفه فقاتل حتى ~~قتل. وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو حتى أتى أصحاب الصخرة فلما ~~رأوه أراد رجل منهم أن يرميه، ولم يعرفه فقال: أنا رسول الله، ففرحوا وفرح ~~رسول الله بهم، وذهب عنهم الحزن وأنزل الله تعالى {وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل} الآية ". # وقال الضحاك: نادى مناد يوم أحد: ألا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى دينكم ~~الأول فأنزل الله {وما محمد} الآية. # قوله {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} الآية معناه: لا تموت نفس إلا ~~بإذن الله، وليس هو نهي للنفس، لأن ذلك ليس هو في يديها وهو بمنزلة PageV02P1143 # {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] أي: كونوا مسلمين حتى ~~يصادفكم الموت عليه، وليس هو نهي عن شيء لأن ذلك ليس إليهم ليس الموت في ~~أيديهم، وله نظائر كثيرة ليس معناها النهي عن المذكور إنما معناها النفي، ~~كأنه قال: لا تفارق الإسلام حتى يأتيكم الموت، وأنتم عليه كذلك. # هذا نعنى لا تموت نفس إلا بإذن الله، أخبرهم الله في هذه الآية أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وغيره لا يموت إلا بإذن الله، وإذا أتى أجله. " وكتابا ~~" منصوب على المصدر أي كتب الله ذلك كتابا. # قوله: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} أي: من يرد بعمله أعراض الدنيا ~~دون ما عند الله يعطه ما قسم الله منها يرزق أيام حياته، ولا حظ له في ~~الآخرة، {ومن يرد ثواب الآخرة}، أي ما عند الله من الكرامة {نؤته منها ~~وسنجزي الشاكرين} أي: سنتيب من أطاعني وقبل أمري، لأن اتباع أمر الله ~~والعمل بطاعته من أعظم الشكر. # قوله: {وكأين من نبي قاتل} الآية. PageV02P1144 # قال الخليل: من قرأ كأين بهمزة بعد ألف وهي قراءة أهل مكة فإنما قدم ~~الياء قبل الهمزة ثم جعلها ألفا وسكنت الياء الثانية لأنها بعد همزة ~~مكسورة. # وأما من قرأ وكأي فإنها عند الخليل (أي): دخلت ms0402 عليه كاف التشبيه فصار في ~~الكلام معنى كم، فيجب على قوله أن تقف بغير نون في قراءة الجماعة كما تقف ~~على (أي): وهو مذهب سيبويه وكذلك حكى عن أبي عمرو، والكسائي، وروي عنهما ~~الوقف على النون. # فمن وقف بالنون في هذه القراءة، فإنما ذلك لأنه اتبع السواد وهو في ~~المصحف بالنون على قراءة من قدم الألف قبل الهمزة وهي قراءة ابن كثير ومن ~~قرأ: " قتل ": فالمعنى عند عكرمة أن القتل إخبار عما فعل بالأنبياء عليهم ~~السلام، وأنهم قتلوا فيما مضى، وأن من كان معهم لم يضعف بعده ولا تضعضع. # ثم أخبر عن قولهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، وثباتهم على دينهم، ~~فيكون التمام على هذا قتل وفيه بعد لأن ما بعده من صفة نبي ويكون معنى ~~الآية: أن الله وبخ بذلك PageV02P1145 # أصحاب النبي الذين ضعفوا يوم أحد حين قيل: قتل محمد! فأخبرهم أن كثيرا من ~~الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان معهم ليتأسوا بهم. # وقيل: المعنى أن الله عز وجل أخبر أنه قد قتل مع الأنبياء عليهم السلام ~~{ربيون كثير} فما وهن من بقي ولا ضعف ولا ذل، فيتأسى المسلمون بهذا، فلا ~~يضعفون لما أصاب أصحابهم من القتل يوم أحد، فلا يكون التمام على هذا قتل ~~لأن " الربيون " مرفوع بقتل، والأول أحسن لأن كعب بن مالك قال: أول من عرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أنه لم يقتل: أنا، رأيت عينيه تحت ~~المغفر فناديت بأعلى صوتي هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ إلي ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن: اسكت. # وكان قد صاح الشيطان يوم أحد قتل محمد فانهزم المسلمون إلا قليلا منهم، ~~فأنزل الله عز وجل { وكأين من نبي قاتل} أي: كثير من الأنبياء قتلوا فلم ~~يضعف من كان بعده ولا ذل، فكيف اردتم أيها المؤمنون أن تضعفوا حين سمعتم ~~الشناعة بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، فتأسوا أيها المؤمنون بمن ~~كان قبلكم من أصحاب الأنبياء صلوات الله عليهم، الربيين. PageV02P1146 # وعلى ms0403 تأويل اختار قوم من العلماء قراءة من قرأ قتل لأنهم عوقبوا على ضعف ~~بعضهم لما سمعوا لقتل النبي صلى الله عليه وسلم. # ومن قرأ قاتل حمله على معنى أنهم وهنوا لقتل أصحابهم وجراحم، فأنزل الله ~~عز وجل عليهم يعلمهم أن كثيرا من الأنبياء قاتل مع أصحابه وأتباعه، فلم ~~يضعفوا لما أصابهم من قتل وجراح فتأسوا بهم. # واختار بعض أهل اللغة قاتل لأنه أبلغ في المدح من قتل لأن الله تعالى إذا ~~مدح من قاتل كان من قتل أدخل في المدح لأنه لم يقتل إلا بعد القتال، ~~فالقاتل والمقتول ممدوحان في قراءة من قرأ قاتل وهو إذا مدح من قتل فليس من ~~قاتل، ولم يقتل بالممدوح، فقاتل أبلغ في المدح للجميع. # " والربيون " الذين يعبدون الرب نسبوا إليه لعبادتهم إياه وإقرارهم له، ~~وهو معنى مروي عن الحسن وغيره. # واحدهم ربي منسوب إلى الرب ولكن كسرت الراء اتباعا للكسرة التي بعدها كما ~~قالوا: نسي وعصي فكسروا الأول للاتباع، وقيل: الربانيون الجماعات. # وقيل: هم العلماء الألوف. PageV02P1147 # قال ابن عباس: ربيون جموع كثيرة. # وقال ابن جبير: علماء كثير. # وقال الحسن: فقهاء وعلماء. # وقال ابن المبارك: أتقياء صبر. # وقال ابن زيد: الربانيون الأتباع، والربانيون الولاة. # وقيل الربانيون: منسوب إلى الرب أيضا واحد ربي وزيدت الألف والنون ~~للمبالغة كالنسبة إلى الجهة: جهاتي ثم جمع بعد الزيادة وقد مضى ذكره. # وقال ابن زيد: هذا عتاب من الله عز وجل لأصحاب النبي عليه السلام حين صاح ~~إليهم الشيطان يوم أحد أن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمنوكم. وقرأ ~~الحسن وعكرمة وأبو رجاء: رقبيون بضم الراء غير أوله بالضم كما قالوا في ~~النسب إلى الدهر دهري. # قوله: {فما وهنوا} أي: ما ضعفوا، ولا عجزوا لما أصابهم من آلام الجراح، ~~وقتل أصحابهم: وقيل: لم يعجزوا لما أصابهم من قتل نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~ولا آلام جراحهم، ولم يعجزوا عن القتال في سبيل الله تعالى بعد نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم. PageV02P1148 # والوهن أشد الضعف. # وكان سعيد بن جبير يقول: لم ms0404 أسمع بنبي قتل في الحرب، فلا يكون الوقف على ~~قوله: قتل البتة. # قوله: {وما استكانوا} أي: ما خشعوا لعدوهم بالدخول في دينهم، ولكن مضوا ~~على بصيرتهم في نصر دينهم وصبروا. قال ابن اسحاق: ما وهنو لفقد نبيهم، # وما ضعفوا عن قتال عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الحرب. # قوله: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا}. # حكى الله عز وجل للمؤمنين قول الربيين الذين ذكرهم ليتأسوا بهم، فأخبرهم ~~أنهم لم يعتصموا إلا بالصبر ومجاهدة عدوهم، ومسألة ربهم المغفرة والنصرة ~~على عدوهم. # ومعنى: {وإسرافنا في أمرنا} أي: خطايانا وظلمنا لأنفسنا. # وقال الضحاك: هي الكبائر وسألوه المغفرة فيها. # قوله: {فآتاهم الله ثواب الدنيا} الآية]، المعنى: فأعطى الله المؤمنين ~~الربيين ثواب الدنيا أي: النصر على عدوهم والظفر والغنيمة {وحسن ثواب ~~الآخرة} أي: خير PageV02P1149 # جزاء الآخرة وهو الرضوان من الله: {والله يحب المحسنين} أثنى عليهم أنهم ~~محسنون وأن الله يحبهم. # قوله {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} الآية. هذه الآية ~~تحذير من الله تعالى للمؤمنين أن يطيعوا المنافقين والكافرين بمحمد في أمر، ~~أو يقبلوا منهم نصيحة، وأ'لمهم أنهم إن قبلوا منهم ردوهم كافرين مثلهم، ~~فيخسرون دنياهم وآخرتهم. قوله {بل الله مولاكم} أي: بل الله وليكم ينقذكم ~~من طاعة الكافرين التي ترديكم فأطيعوه ولا تستنصروا بغيره فهو خير من ~~استنصرتم به. # قوله: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الآية. # بشر الله تعالى المؤمنين بما صنع بالمشركين، ويصنع بهم. # قال السدي: " ارتحل المشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة إذا بلغوا بعض ~~الطريق ندموا فقال لهم أبو سفيان: بئس ما صنعنا، قاتلناهم حتى إذا لم يبق ~~إلا الشديد تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب ~~وانهزموا، فلقوا أعرابيا فجعلوا له جعلا فقالوا له: إذا لقيت محمدا، ~~وأصحابه فأخبرهم بما قد جمعنا لهم. كذبا منهم لما قد جعل في قلوبهم من ~~الرعب، وأعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأمرهم ورعبهم، فخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ms0405 طلبهم فلم يلحقهم، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " نصرت بالرعب " ". PageV02P1150 # قوله: {ولقد صدقكم الله وعده} الآية. # أعلم الله عز وجل المؤمنين أنه قد صدقهم وعده الذي أتاهم على لسان نبيه، ~~وهو قوله للرماة بأحد: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا هزمناهم، ~~فإن لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، ووعدهم بالنصر إن انتهوا إلى أمره. # وقال لمن معه غير الرماة: إذا هزمناهم فلا تتبعوهم فقام الرماة بأصل ~~الجبل. # ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، ~~إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى ~~الجنة، فهل منكم من أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى ~~النار، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: والذي نفسي بيده لا ~~أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه ~~علي فقطع رجله فسقط، وانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم ابن عم، فتركه ~~وكبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجيز عليه؟ ~~فقال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه، [ثم شد الزبير ~~بين العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزمهم، وحمل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه وهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على ~~خيل المشركين حمل فرمته الرماة فنقمع، ثم أيقن الرماة بأن المشركين ~~انهزموا، وأن PageV02P1151 # رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وأصحابه] ينهبونهم، فلحق أكثرهم بالعسكر ~~من نهب وثبت [الأقل] لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى خالد بن ~~الوليد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل على من بقي من الرماة فقتلهم، وحمل ~~على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل تراجعوا ~~فشدوا على المسلمين فهزموهم، وقتلوا وجرحوا فأصيب من المسلمين سبعون رجلا، ~~وكان أبو سفيان أقبل إلى المدينة في ثلاث خلون من شوال، فنزل بأحد، وكانوا ~~في ثلاثة آلاف معهم مائتا فارس، ms0406 فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم [ في ~~سبعمائة رجل، فمعنى: {ولقد صدقكم الله وعده} أي: الذي وعدكم على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم] من النصر إذا ثبت الرماة حق، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبرهم [أنهم] سيهزمون المشركين، فكان ما أخبرهم الله تعالى على لسان ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم حق، فهو الوعد الذي صدقهم الله تعالى. فلما ~~(فشلتم وتنازعتم وعصيتم) طلبا للغنيمة يعني ما فعله الرماة والذين اتبعوا ~~الهزيمة {بعد مآ أراكم ما تحبون} وهو هزيمة المشركين. ومعنى {إذ تحسونهم ~~بإذنه} أي: تقتلونهم بعلمه، والحسن: القتل الذريع وذلك في أول الهزيمة التي ~~كانت على المشركين قبل أن يزول الرماة من مكانهم. PageV02P1152 # وقيل: بإذنه بحكمه. وقيل: بتسليطه إياكم عليهم. # ومعنى: {وتنازعتم في الأمر} هو اختلاف الرماة قال قائلون: نمضي للغنيمة. ~~وقال آخرون: لا نبرح ولا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ~~الأكثر وكان ذلك سبب قتل من بقي. # ومعنى: {فشلتم} جبنتم، وتخاذلتم، وعصيتم النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~أمركم به وقد كان الله تعالى: صدقكم وعده الذي أخبركم به نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم { أراكم ما تحبون} من النصر إذ هزم عدوكم ولكنكم اخترتم الدنيا ~~وهي الغنيمة. # قال مالك: لما نزلت يوم أحد: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} ~~قال عبد الله بن مسعود: والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ما ظننت ~~أن فينا أحدا يريد الدنيا. # ومعنى: {منكم من يريد الدنيا} أي: يريد الغنيمة، وأخذ الأموال وقوله: {ثم ~~صرفكم عنهم ليبتليكم} أي: ثم صرفكم أيها المؤمنون عن المشركين بعد أن ~~استوليتم عليهم، ورأيتم ما تحبون من هزيمتهم، وقتل صاحب رايتهم فعل ذلك بكم ~~{ليبتليكم} أي يختبركم {ولقد عفا عنكم} هذا لمن عصى من الرماة خاصة. وقال ~~ابن جريج: معنى PageV02P1153 # {ولقد عفا عنكم} إذ لم يستأصلكم بالقتل، وقاله غيره. # قوله: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد} الآية. # العامل في إذ عفا، كأنه قد عفا الله عنكم أيها المؤمنون {إذ ms0407 تصعدون} أي: ~~تلوون منهزمين في الوادي والرسول يدعوكم إلي عباد الله، فالهرب في مستوى ~~الأرض وبطون الأودية اصتعاد، وفي الجبل صعود لأنه كالسلالم والدرج. # وقرأ الحسن " إذ تصعدون " بفتح التاء والعين على تأويل إنهم صعدوا الجبل ~~منهزمين، وقد روي أن بعضهم صعد الجبل. # قال السدي: " لما وقعت الهزيمة على المسلمين دخل بعضهم المدينة، وانطلق ~~بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: إلي عباد الله إلي عباد الله ". # وقال القتبي: {إذ تصعدون} تبعدون في الهزيمة يقال: اصتعد في الأرض إذا ~~أمعن PageV02P1154 # في الذهاب. # {ولا تلوون على أحد} أي: لا ترجعون ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا من ~~عدوكم {فأثابكم غما بغم} أي: جزاكم بفراركم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم، ~~وفشلكم عن عدوكم، ومخالفتكم غما على غم، الباء في موضع على. ومعنى: ~~{فأثابكم} جعل ما يقوم مقام الثواب لكم غما بعد غم مثل: {فبشرهم بعذاب ~~أليم} [آل عمران: 21، التوبة: 34، والانشقاق: 24]. فالغم الأول: ما لحقهم ~~على نبيهم صلى الله عليه وسلم حين سمعوا أنه قتل. والثاني: ما لحقهم من ~~الجراح، وقتل أصحابهم لأنه قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من ~~المهاجرين. # قوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي: من الغنيمة {ولا مآ أصابكم} من ~~ألم الجراح والقتل. وقيل: الغم الأول: ما صاحبهم على قتل أصحابهم، وجراحهم. ~~والثاني: ما أصابهم حين سمعوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قتل. وقيل: الغم ~~الأول: أسفهم على ما فات من الغنيمة. والثاني: اطلاع أبي سفيان عليهم في ~~الجبل، فخافوا حين أتاهم، فرموه، فرجع عنهم وقد كانوا فزعوا منه أن يميل ~~عليهم فيقتلهم فهو الغم الثاني. # وكان من قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين. PageV02P1155 # قوله: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} الآية. # النعاس: بدل من أمنة. ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. وأمنة مصدر في ~~الأصل. وقيل: هو اسم فاعل. # أخبرهم الله تعالى أنه جعلهم طائفتين طائفة أمنة حتى نعست، وطائفة أهمتها ~~نفسها حين ms0408 ظنت بالله غير الحق: أي ساء ظنها بالله سبحانه. # وسبب ذلك فيما ذكر السدي: " أن المشركين انصرفوا [من أحد] بعدما كان ~~منهم، واعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدرا من قابل فقال لهم: نعم، فتخوف ~~المسلمون أن ينزل المشركون المدينة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلا: ~~أنظر، فإن رأيتهم قعودا على أثقالهم، وجنبوا خيلهم، فإن القوم ينزلون ~~المدينة، فاتقوا الله، واصبروا ووطنهم على القتال، وإن رأيتهم سراعا عجالا، ~~فليس ينزلون المدينة، فلما أبصرهم الرسول - قعود على الآثقال - سراعا عجالا ~~نادى بأعلى صوته بذهابهم، فلما رأى المؤمنون ذلك أمنوا وناموا، وبقي أناس ~~من المنافقين يظنون أن القوم يأتوهم فطار عنهم النوم، ولم يركنوا إلى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما أخبرهم به: أنهم لا ينزلون المدينة ". PageV02P1156 # قال أبو طلحة: كنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي. # ثم أخبر عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء المنافقين يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن الذي يخفون منه قولهم: ~~{لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول لهم: {لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين} قدر الله عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم التي سبق في علمه أنهم يقتلون بها. ومعنى: {لبرز الذين} [أي]: ~~لصاروا إلى براز من الأرض، وهو المكان المنكشف. # وقرأ أبو حياة: لبرز الذين. مشددا على ما لم يسم فاعله. # قوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم} يعني به: المنافقون يبرزون من بيوتهم ~~إلى مضاجعهم التي يموتون بها. # وقيل المعنى: {وليبتلي الله ما في صدوركم} فرض عليكم القتال. وقال ~~الطبري: معناه وليختبر الذي في صدوركم من الشك فيميزكم بما يظهر للمؤمنين ~~من نفاقكم، فيميزكم المؤمنون. PageV02P1157 # {وليمحص ما في قلوبكم} أي: يكفر عنكم سيئاتكم إن كنتم على يقين من دينكم ~~{والله عليم} بما في صدوركم. # قوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} الاية. # هذه الآية إعلام من الله تعالى أنه قد غفر لهم انهزان بوم أحد ms0409 من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرنا تعالى أنهم إنما دعاهم إلى الزلة ~~الشيطان ببعض ما تقدم لهم من أمرهم فانهزموا. # قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله - عز وجل - ~~على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم. # وقال السدي: عنى بذلك من دخل المدينة منهزما خاصة دون أن يصعد الجبل. ~~وقيل: " نزلت في رجال لأعيانهم فروا، منهم: عثمان بن عفان وغيره، فروا ~~وأقاموا على فرارهم ثلاثا، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~لهم: لقد ذهبتم في أرض عريضة، فاعلمنا الله عز وجل أنه عفا عنهم ". # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} الآية. نهى الله ~~المؤمنين أن يكونوا مثل المنافقين {كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض} أي: إذا خرجوا إلى سفر في تجارة {أو كانوا غزى} أي: خرجوا لغزو، ~~فهلكوا في سفرهم أو غزوهم، {لو كانوا عندنا ما ماتو} في سفرهم {وما قتلوا} ~~في غزوهم، جعل الله قولهم ذلك حسرة في قلوبهم. روي أن المنافقين قالوا في ~~من بعثه النبي صلى الله عليه وسلم من السرايا إلى بئر معونة، فقتلوا رحمة ~~الله PageV02P1158 # عليهم {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} وهم عبد الله بن أبي بن سلول، ~~وأصحابه قالوا ذلك، وأصل الضرب في أرض الإبعاد. وأصل الكلام أن يكون في ~~موضع (إذا): (إذ) لأن في الكلام معنى الشرط، إذ فيه الذين، وإنما وقعت إذا ~~موضع إذ كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل، فتقول إن تزرني زرتك. # أي: أزورك، فكذلك وقعت إذا وهي للمستقبل موضع إذ، ومثله {إن الذين كفروا ~~ويصدون} [الحج: 25] وقع [كفروا] موضع يكفرون لأن الذي فيه معنى الجزاء، ~~فجاز فيه ما يجوز في الجزاء، ودل على يكفرون قوله: {ويصدون}. ثم أخبر تعالى ~~[أنه] يحيي من يشاء ويميت من يشاء ليس جلوسهم عندهم بمنجيهم من الموت، ولا ~~مسيرهم لسفر أو غزاة بمقرب لما بعد من آجالهم {والله بما تعملون بصير} ms0410 أي: ~~بعمل هؤلاء المنفقين بصير، فهذا على قراءة من قرأ بالياء، فذكر المنافقين ~~أقرب. ومن قرأ بالتاء رده على أول الكلام في قوله {لا تكونوا كالذين} وكان ~~الياء أقوى لأن الذين وضع عليهم الدم أولى بالتهديد من غيرهم، وكلا الأمرين ~~حسن. PageV02P1159 # قوله {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من} الآية. # هذا خطاب للمؤمنين خاصة، لأنهم إن ماتوا في سبيل الله أوم قتلوا فإنهم ~~يصيرون إلى مغفرة ورحمة، وذلك خير مما يجمع المنافقون هذا على قراءة من قرأ ~~يجمعون بالياء. ومن قرأ بالتاء، رده على المخاطبة، وأن المغفرة والرحمة خير ~~مما تجمعون أيها المؤمنون من حطام الدنيا الذي يمنع من الجهاد. # وقال ابن اسحاق معناها: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله خير ~~لو علموا وأيقنوا. وتأويل الكلام: ليغفرن الله لكم وليرحمنكم. ثم أعلمهم أن ~~الرجوع إليه في كل حال من موت، أو قتل فقال: {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله ~~تحشرون} وهذا الأمر خطاب للمؤمنين والمشركين أعلمهم أن مصير الجميع إليه، ~~فيجازي كل صنف بعمله. # قوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم} الآية. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فبرحمة من الله لنت ~~للمؤمنين حتى آمنوا بك فسهلت عليهم الأمر، وبينت لهم الحجج، وحسنت خلقك، ~~وصبرت على الأذى {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} أي: لتركوك ~~{فاعف عنهم} أي: تجاوز عنهم، واصفح فيما نالك منهم، ثم قال: {واستغفر لهم} ~~أي: ادع ربك لهم بالمغفرة. وقوله {وشاورهم في الأمر} أمر الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه عند الحرب ولقاء العدو، PageV02P1160 # وتطييبا لأنفسهم، وتأليفا لهم على دينهم. # قال أبو اسحاق: {وشاورهم في الأمر} معناه: ليريهم أنه يستعين بهم، ويسمع ~~من آرائهم، فيكون أطيب لأنفسهم وقد كان عنهم غنيا لتوفيق الله عز وجل له ~~بالوحي. # وقيل: إنما أمره بذلك لما فيه من الفضل وليتأسى أمته صلى الله عليه وسلم ~~بذلك بعده. روى ابن وهب أن مالكا قال: ما تشاور قوم ms0411 قط إلا هدوا. و " سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزم فقال " تستشيروا الرجل ذا الرأي ثم تمضي ~~إلى أمرك به " ويقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد بتوحيد رأي. وقال ~~النبي عليه السلام " المستشار بالخيار ما لم يتكلم، فإذا تكلم فحق عليه أن ~~ينصح ". # قال الحسن والله ما تشاور [قوم] قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما ~~بحضرتهم. # قال أبو هريرة رضي الله عنه: ما رأيت من الناس أحدا أكثر مشورة لأصحابه ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن شهاب: بلغني أن عمر بن الخطاب ~~قال: واستشر في أمرك الذين يخشون الله. PageV02P1161 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما شقي عبد بمشورة ولا سعد عبد ~~باستغناء رأي ". # وقال الشعبي: مكتوب في التوراة من لم يستشر يندم. # أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما خاب من استخار، ~~ولا ندم من استشار ". # وقال ابن عباس: {وشاورهم في الأمر} أبو بكر وعمر رضي الله عنه. # وقيل: إنما أمر أن يشاورهم فيما لم يكن عنده علم فيه وحي لأنه قد يكون ~~عند بعضهم فيه علم، والناس قد يعرفون من أمور الدنيا ما لا تعرف الأنبياء ~~صلوات الله عليهم. # {فإذا عزمت} أي: إذا ثبت الرأي على أمر {فتوكل على الله} فيه، وامض فيه، ~~إن الله يحب من يتوكل عليه ويفوض الأمر إليه. # قوله: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم} الآية. # هذا خطاب للمؤمنين أن الله تعالى إن نصرهم لم يغلبهم أحد، وإن خذلهم لم ~~ينصرهم أحد، فجميع الأمور إليه ترجع، والهاء في {من بعده} تعود على الله عز ~~وجل ذكره. وقيل: تعود على الخذلان لدلالة يخذلهم عليه. # قوله: {وما كان لنبي أن يغل} الآية. PageV02P1162 # من قرأ بضم الياء فهو على معنى ما كان لنبي أن يوجد خائنا كما يقال أحمد ~~الرجل وجدته محمودا، وأحمقته وجدته أحمق. # وروى الضحاك أنهم قالوا: بادروا الغنائم لئلا تؤخذ فقال الله عز وجل: ما ~~كان لنبي أن يوجد ms0412 خائنا # أي: ما ينبغي ذلم ولا يكون. # وقيل: المعنى: ما ينبغي لنبي أن يغل منه أي: يخان منه. وقد قيل: إن ~~المعنى: أن يخون، وهذا لا يصلح لأنه يلزم أن يكون يغل. وقد قيل: إنه لما ~~اجتمعت ثلاث لامات حذفت الواحدة. ومن قرأ بفتح الياء فمعناه أن يخون: أي: ~~لا ينبغي أن يخون النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ولا يكون ذلك. # قال محمد بن كعب معناه: ما كان له أن يكتم شيئا من كتاب الله عز وجل، وما ~~أمر به. وقيل: إن قوما من المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~شيء من المغنم، فأنزل الله جل ذكره ذلك، وعليه أكثر المفسرين. # فالقراءة [على الفتح] بمعنى: لا ينبغي أن يخون هو، وبالضم: ما كان لنبي ~~أن يوجد خائنا، ولا يمكن ذلك مثل أحمدته. أو يكون المعنى: ما كان لنبي أن ~~يخون، فيتهم PageV02P1163 # بما لا يليق بالأنبياء صلوات الله عليهم، أو يكون المعنى: ما كان لنبي أن ~~يخان منه. # وقد قوى قراءة الضم بأن الآية نزلت في قوم غلوا فنفى الله أن يخان النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأنه لا ينبغي أن يخان. وقوى آخرون قراءة الفتح بأن ~~الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت من الغنائم يوم بدر فقال بعض المنافقين: ~~لعل رسول الله أخذها، وأكثر في ذلك فأنزل الله عز وجل { وما كان لنبي أن ~~يغل} أي: يخون أصحابه. # وقال سعيد بن جبير القراء [ة] {يغل} بفتح الياء قال: وأما يغل فقد كان، ~~والله يغل ويغتل. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره أنه قال: نزلت الآية في طلائع كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم في أمر فلم يقسم لهم، فأعلمه الله عز ~~وجل في هذه الآية أنه ليس له أن يقسم لطائفة دون آخرين فيخون في أنفسهم. ~~وقال الضحاك: يغل بالفتح معناه أن يعطي بعضا، ويترك بعضا وبالفتح كان يقرأ. ~~وقال ابن اسحاق: نرى ذلك في النفي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms0413 لا ~~ينبغي له أن يكتم من الوحي شيئا فالفتح أولى به على هذا. # {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أي: من يخن من غنائم المسلمين شيئا ~~يأتي به يوم القيامة. # قال ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أعرف ~~أحدكم يأتي يوم القيامة PageV02P1164 # يحمل شاة لها ثغاء فينادون: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله ~~شيئا فقد بلغتك " ثم قال في الجمل مثل ذلك، وفي الفرس مثل ذلك غير أنه قال: ~~جمل له رغاء، أو فرس له حمحمة. # قوله: {أفمن اتبع رضوان الله} الآية. # معناها أفمن ترك الغلول، فاتبع رضوان الله بذلك كمن غل فرجع بسخط، من ~~الله على غلوله قال معناه الضحاك، وقيل الآية عامة في كل من عمل خيرا، ومن ~~عمل شرا. # قوله: {هم درجات عند الله والله} الآية. # قيل المعنى: أن الغال، وغير الغال، والصالح وغير الصالح، أصحاب درجات عند ~~الله، ردا على ما قبله. # والدرجات: الجنة والنار. # وقيل المعنى: {هم درجات عند الله}: يعني من اتبع رضوانه خاصة قاله مجاهد ~~والسدي. وقيل: المعنى هم طبقات عند الله أي: أهل الرضوان طبقات. وقيل: ~~المعنى: هم ذوو درجات، يعني المؤمنين، وذلك في الفضل بعضهم أرفع من بعض، ~~كذلك قال القتيبي وغيره. قوله: {والله بصير} أي: بما يعمل الجميع، فيوفي ~~كلا بقسطه. PageV02P1165 # قوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا} الآية. # {من أنفسهم} منهم، والكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، قاله قتادة وغيره، ~~وقيل: معنى {من أنفسهم}: بشر مثلهم يظهر البراهين، فيعلم أنه نبي إذ هو بشر ~~مثلهم يأتي بما لا يمكن أن يأتوا بمثله هم، وما كانوا من قبله إلا في ضلال ~~مبين أي: في جهالة وحية ظاهرة. فإن بمعنى: ما، واللام في {لفي} بمعنى: إلا ~~هذا قول الكوفيين. ومذهب سيبويه أن أن مخففة من الثقيلة، واسمها [مضمر] ~~والتقدير على قوله: وأنهم كانوا من قبل محمد صلى الله عليه وسلم لفي ضلال ~~مبين أي: أنهم لفي ضلال مبين ms0414 كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا ~~نظائر كثيرة في القرآن على نحو هذا الاختلاف من تقدير أن وتقدير الكلام، ~~فاعرف الأصل فيها إن تركنا ذكرها اكتفاء بما ذكرنا. # قوله: {أو لما أصابتكم مصيبة}. # المعنى: أحين أصابكم أيها المؤمنون مصيبة، وهي ما قتل يوم أحد - وأنتم قد ~~أصبتم مثليها أي: مثل المصيبة يعني يوم بدر إذ قتل المسلمون للمشركين ~~سبعين، PageV02P1166 # وأسروا سبعين وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد سبعسن، فالذين ظفر بهم ~~المسلمون مثلا، ما ظفر به المشركون، فمن أين قلتم كيف هذا؟ ومن أي وجه هذا؟ ~~أي: من أين أصابنا هذا؟ كل هذا توبيخ للمؤمنين لقولهم: كيف أصابنا هذا ~~القتل يوم أحد " فقيل له: أتقولون هذا، وأنتم قد أصبتم يوم بدر مثلي ما ~~أصابكم يوم أحد " ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: كل الذي أصابكم ~~يوم أحد هو من عند أنفسكم. أي: بذنوبكم، ومخالفتكم أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذ ترك الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومضوا في طلب النهب. # قال قتادة: " لما قدم أبو سفيان بالمشركين رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رؤيا، رأى بقرا تنحر، فتأولها قتلى في أصحابه، ورأى سيفه ذا الفقار ~~انقسم، فكان قتل عمه حمزة، كان يقال: أسد الله، ورأى أن كبشا أغبر قتل، ~~فكان قتل صاحب لواء المشركين: عثمان ابن أبي طلحة أصيب يومئذ وكان معه لواء ~~المشركين وهو منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد هذه الرؤية: ~~إنا في جنة حصينة يعني المدينة فدعوهم يدخلون نقاتلهم، فقال أناس من ~~الأنصار: يا نبي الله إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع PageV02P1167 # من العرب في الجاهلية، والإسلام أحق نمتنع فيه فأبرز بنا إلى القوم، فمضى ~~النبي عليه السلام ولبس لامته وندم القوم على ما كسروا به على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما أشاروا به فاعتذروا إليه فقال: " إنه ليس للنبي إذا ~~لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل ستكون فيكم مصيبة، قالوا: ms0415 يا رسول الله خاصة ~~أو عامة؟ قال سترونها " ". # فقتادة يذهب إلى [أن] الذنب الذي عدده الله عليهم في قوله {قل هو من عند ~~أنفسكم} هو ما أشاروا به من رأي أنفسهم على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الخروج وكان قد قتل من الأنصار يومئذ ستة وستون، ومن المهاجرين أربعة. # " وروى ابن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين في أسارى ~~بدر: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء، وتقووا به على عدوكم، فإن قبلتموه قتل ~~منكم سبعون، أو تقتلوهم، فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، ويقتل منا سبعون، ~~فأخذوا الفدية وقتل منهم يوم أحد سبعون. فيكون المعنى على هذا: قل يا محمد ~~ما أصابكم يوم أحد من القتل فمن عند أنفسكم أي باختياركم أخذ الفدية من ~~السبعين الذين أسرتم ببدر، ورضاكم أن يقتل فيكم بعددهم وتركتم قتلهم ". # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: " إن جبريل أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا محمد، إن الله PageV02P1168 # قد كره ما فعل قومك في أخذه الأسارى، وقد أمرك أن تخبرهم بين أمرين: إما ~~أن يقدموا، فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا منهم الفدية على أن يقتل من المؤمنين ~~مثل عدة من أخذت الفدية منه من المشركين، فقال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا، بل نأخذ منهم الفدية ~~فتتقوى بها على عدونا، ويستشهدوا منا بعدتهم، فليس في ذلك ما نكره فأخذوا ~~الفدية وقتل منهم سبعون يوم أحد، فذلك قوله {قل هو من عند أنفسكم} " أي: ~~باختياركم، ورضاكم، وفي ذلك نزلت. # {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: 67] [أي]: ليس له إلا القتل حتى ~~يتمكن في الأرض، ثم وبخ الله المؤمنين في أخذ الفدية فقال: {تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة}. # قوله: {ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} الآية. # هذا خطاب للمؤمنين والمعني: الذي أصابكم أيها المؤمنون من القتل والجرح ~~يوم أحد فبإذن [الله] [أي]: بقدره وقضائه وقيل: بعلمه. قوله: {وليعلم ~~المؤمنين}. أي: ليظهروا ms0416 إيمان المؤمنين من نفاق المنافقين في قلة الصبر، ~~وتحقيق معناها: أنه قد دار عليهم ما PageV02P1169 # أصابهم يوم أحد ليميز المؤمن من المنافق. # قوله: {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا} يعني به عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين رجعوا من خلف رسول ~~الله عليه السلام حين خرج إلى أحد فقال لهم المسلمون حين رأوهم راجعين: ~~تعالى قاتلوا المشركين معنا أو ادفعوا بتكثير سوادنا {قالوا لو نعلم} إنكم ~~تقاتلون لسرنا معكم، ولكن لا نرى أن يكون بينكم وبين القوم قتال فأظهروا من ~~كلامهم ما ليس يعتثدون، وكان عبد الله بن أبي بن سلول انخذل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد بنحو ثلث الناس، واتبعهم عبد الله بن عمرو ~~ابن حزام وهو يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم، وقومكم فقالوا: ~~لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولك لا نرى أن يكون قتالا فلما استعصوا ~~عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله، وسيغني الله عنكم، ومضى ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم. # [ وقال السدي: رجع] عبد الله بن أبي " بن سلول " من وراء النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومعه PageV02P1170 # ثلاثمائة. # {والله أعلم بما يكتمون} أي: يعلم ما يكتمون من النفاق، وأن قولهم خلاف ~~ما يسرون. # قوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا} الآية. # أي: وليعلم الله الذين نافقوا، وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين ~~{وقعدوا} أي: قالوا ذلك وهم قعود عن الحرب مع النبي عليه السلام {لو ~~أطاعونا} (أي): لو تأخروا معنا ما قتلوا هناك، قال الله عز وجل لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: {فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} ~~" في قولكم إن إخوانكم لو قعدوا عندكم ما قتلوا " أي: ادفعوا عن أنفسكم ~~الموت، وهذا أقرب لأن من قدر أن يدفع الموت عن غيره فهو إلى دفعه عن نفسه ~~أقرب. # قال قتادة: نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول قال ذلك فيمن قتل ms0417 ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم بأحد من قرابته وأهل معرفته. # قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله}. # معناها: ولا تظنن أن من قتل بأحد من أصحابكم أمواتا لا يلتذون، ولا يحسون ~~شيئا بل هم أحياء بما آتاهم الله من فضله مستبشرين بثوابه وعطائه. PageV02P1171 # وقال ابن عباس رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " " لما أصيب ~~إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ~~ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش معلقة يجاوب بعضها بعضا عملوا ~~مثل الذي عملنا، فيسارعوا إلى مثل الذي سارعنا فيه، فإنا قد لقينا ربنا، ~~فرضي عنا، وأرضانا، فوعدهم الله عز وجل ليخبرن نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بذلك، فيخبرهم فأنزل الله {ولا تحسبن} الآية # وقيل: إنهم لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت ~~إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن ~~الحرب قال الله تعالى: أنا أبلغكم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات. # قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله رضي الله عنه وكان قد ~~قتل أبوه عبد الله بأحد: " يا جابر ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه ~~الله فقال: ما تحب يا عبد الله بن عمر أن أفعل بك؟ فقال: يا رب أحب أن ~~تردني في الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى ". ولما أتى جابر بن عبد الله ~~رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم حزينا قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أتحزن على رجل نظر الله إليه كفاحا؟ ثم عاد فأقعده بين يديه فقال له: ~~سلني ما شئت؟ فقال: PageV02P1172 # أسألك يا رب أن تعيدني إلى الدنيا حتى أقاتل في سبيلك فأقتل، قالها ~~ثلاثا، فقال له الله إني قضيت على نفسي ألا أرد خليقة قبضتها إلى الدنيا ~~فقال أبو جابر: يا رب، فمن يبلغ قومي ما صنعت بي فقال الله عز وجل: أنا ~~أبلغ قومك، فأنزل الله عز وجل ms0418 { ولا تحسبن الذين قتلوا} الآية. # ودفن عبد الله بن جابر يوم أحد مع عمرو بن الجمح بقبر واحد، فروي أنهما ~~أخرجا بعد خمسين سنة، فإذا هما وطاب لم ينثنوا ولم يتغيروا، ويد عبد الله ~~على جرحه في وجهه إذا نزعت يده على وجهه يشخب الجرح دما، وإذا تركت رجعت ~~إلى الجرح، فحبست الدم، ووجد عمرو بن الجموح ويده على رأسه إذا نزعت يشخب ~~الجرح دما، وإذا تركت رجعت على الجرح. قال ابن مسعود رضي الله عنه: " ~~أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة في أيتها شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة ~~بالعرش قال: بينما هم كذلك اطلع عليهم ربك اطلاعه فقال: سلوني ما شئتم؟ ~~فقالوا: يا ربنا ماذا نسألك " ونحن في الجنة نسرح في أيها شئنا، فلما رأوا ~~أنهم لم يتركوا من [غير] أن يسألوا PageV02P1173 # قالوا: نسألك " أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا حتى نقتل في سبيلك. ~~فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا، تركوا " ". # وقال قتادة: قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا ليتنا نعلم ~~ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله عز وجل { ولا تحسبن الذين ~~قتلوا} الآية. # قال الضحاك: [كان] المسلمون يسألون الله عز وجل يوما كيوم بدر، فيبلون ~~فيه خيرا، ويرزقون فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم ~~شهداء وهم الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا} ~~الآيات. # قيل معناه: {أمواتا} أي: في دينهم بل هم أحياء كما قال: {أو من كان ميتا ~~فأحييناه} [الأنعام: 122]. # وروي: أن عبد الله بن عمرو أبا جابر رضي الله عنه قال لابنه جابر يوم ~~أحد: يا بني كن مع أخوتك، - وكن تسعا - فلا ندري ما يكون، فإن رزقت الشهادة ~~كنت أنت معهن وإن سلمت رجوت أن يثيبك الله عز وجل ثواب من حضر، واستشهد ~~رحمه الله بأحد، PageV02P1174 # قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} أي: يفرحون بهم وبكونهم ~~على الجهاد في ذات الله عز وجل، وأنهم إن ms0419 قتلوا نالوا من الكرامة مثلما نال ~~هؤلاء. # وقال ابن اسحاق: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم} أي: يفرحون بهم إذا ~~لحقوهم على ما تركوهم عليه من جهاد عدوهم فهم شهداء مثلهم لا خوف عليهم ولا ~~حزن. # وروي أنهم يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلانا وفلانا يقاتلون العدو، ~~فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن ما لنا. # قوله: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} الآية أي: يفرحون لما عاينوه من ~~وفاء الوعد، وعظيم [الثواب] ويستبشرون بأن الله تعالى لا يضيع أجر ~~المؤمنين: أي لا يبطل جزاء أعمالهم. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: " أرواحهم كطير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت PageV02P1175 # تأوي إلى قناديل تحت العرش، اطلع عليهم ربهم اطلاعه فقال: سلوني. فقالوا: ~~يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، ثم اطلع عليهم ثانية فقالوا مثل ذلك ثم ~~اطلع عليهم ثالثة فقال: سلوني: فقالوا: يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، ~~فلما رأوا أن لا بد لهم من الجواب قالوا: يا ربنا رد أرواحنا في أجسادنا ~~حتى نقتل ثانية ". # قوله: {الذين استجابوا لله والرسول} الآية. # المعنى: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله من بعد ما ~~أصابه الجرح والألم، وعنى بهذا من خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~طلب أبي سفيان، وأصحابه بعد انصؤافه من أحد وبعدما نال من المسلمين من ~~القتل والجرح. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من أحد، وقد ~~قتل من أصحابه سبعون، وجرح خلق كثير، أمر بلالا أن ينادي في الناس لينفروا ~~في طلب عدوهم، فنفروا معه على ما بهم من ألم الجراح، والحزن على من قتل ~~منهم، وكان أخوان من بني عبد الأشهل مثخنين بالجراح، فقال أحدهما للآخر: ~~تفوتنا غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأخر: والله ما بي ~~حراك! فقال له أخوه: غفر الله لك، توكأ علي، وأتوكأ عليك حتى نبلغ، فخرجا ~~مجروحين. PageV02P1176 # فأنزل الله عز وجل { الذين استجابوا لله والرسول} ms0420 الآية إذ خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم في طلب أبي سفيان وأصحابه حتى بلغ إلى خمراء الأسد، وهي على ~~ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها [ثلاثا]، ثم رجع إلى المدينة، وفعل ذلك ~~عليه السلام ليرى الناس أن به وبأصحابه قوة على عدوهم. وكان يوم أحد في قول ~~عكرمة يوم السبت للنصف من شوال. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت أحد في شوال لإحدى وثلاثين شهرا من ~~الهجرة. # فلما كان يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب ~~العدو فقال: لا يخرجن معنا إلا من حضر بالأمس فكلمه جلبر بن عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنهما فقال يا رسول الله: إن أبي كان خلفني على أخواتي لي ~~تسع وقال لي: يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ~~ولست بالذي أترك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على ~~أخواتك، فتخلفت [معهن] فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في طلب ~~المشركين، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليرهب المشركين، ويبلغهم أنه ~~لم PageV02P1177 # يضعف وأنه خرج في طلبهم، وأن الذي أصاب أصحابه لم يوهنهم فالذين خرجوا هم ~~الذين عنوا في هذه الآية. # قال السدي: قال أبو سفيان لأصحابه حين انصرفوا [من أحد]: بئس ما صنعتم ~~قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشديد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف ~~الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله عز ذكره رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد رأس ثمانية أميال عن المدينة، ~~فالذين خرجوا معه هم الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم الجراح ~~بأحد. # ثم قال: {للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} معناه: للذين أحسنوا، ~~فداموا على الطاعة، وأداء الفرائض، واتقوا المحارم حتى لحقوا بالله عز وجل ~~{ أجر عظيم}. # قوله: {الذين قال لهم الناس} الآية. # المعنى: للذين أحسنوا أجر عظيم القائلين لهم الناس. # وقيل المعنى: وإن الله لا يضيع ms0421 أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس. # فالناس الأول قوم سألهم أبو سفيان أن يثبطوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، إذ خرجوا في طلبه لما دخله من فزع، [والناس] الثاني أبو سفيان ~~وأصحابه. PageV02P1178 # {قد جمعوا لكم} أي: قد أعدوا للقائكم فاحضروهم {فزادهم إيمانا} أي: زاد ~~التخويف تطريقا لله عز وجل، ولوعده سبحانه، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي ~~خرجوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صاروا إلى موضع ردهم منه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا عند التخويف لصحة صدقهم: {حسبنا الله ~~ونعم الوكيل} أي: كافينا الله، ونعم القيم الحافظ والناصر الله. يقال حسبه ~~إذا كفاه. # وقيل: إن الناس الأول: نعيم بن مسعود، بعثه أبو سفيان، وأصحابه [أن يثبط ~~النبي عليه السلام وأصحابه، ويخوفهم من المشركين ووعده بعشرة من الإبل إن ~~هو ثبط النبي صلى الله عليه وسلم وخوفهم. والناس الثاني أبو سفيان ~~وأصحابه]. # {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} أي: فرجعوا سالمين مما خوفوا به، وهرب ~~منهم عدوهم وأمنوا. # وقيل: إنهم اشتروا أدما وزبيبا، فربحوا فيه، وأقاموا ثلاثا بحمراء الأسد ~~" وهي PageV02P1179 # على ثمانية أميال من المدينة ". # وقال السدي: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه عن أحد ندموا إذ لم يستأصلوا ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويقتلوهم، وأداروا الرأي في الرجوع، فقذف ~~الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا فلقوا أعرابيا، وجعلوا له جعلا، ~~وقالوا له: إذا لقيت محمدا وأحابه، فأخبرهم أنا قد جمهنا لهم، فأخبر الله ~~عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج في طبلهم حتى بلغ حمراء الأسد، ~~فلقوا أعرابيا هنالك فأخبرهم ما قال له أبو سفيان من الكذب والتخويف، ~~فقالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، أي: كافينا الله ونعم الكافي. # قال ابن عباس رضي الله عنه: كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ~~ألقي في النار: [حسبي الله ونعم الوكيل] " فالناس الأول هو الأعرابي، ~~والثاني أبو سفيان وأصحابه. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وافى [أبو س]فيان عيرا واردة المدينة PageV02P1180 # ببضاعة ms0422 لهم، فسألهم أبو سفيان ووعدهم، وقال لهم: إن لقيتم محمدا وأصحابه، ~~فأخبروهم أني جمعت لهم جموعا كثيرة خوفا منه أن يتبعه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ففعلت العير ذلك، فأنزل الله عز وجل الآية. # فالناس الأول [أهل] العير، والثاني أبو سفيان وأصحابه. # وقال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد واعد أبا سفيان، وأصحابه من ~~عام قابل من عام أحد: اللقاء بدر الصغرى، قال أبو سفيان: موعدكم ببدر حيث ~~قتلتم أصحابنا. # فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعده حتى أتوا بدرا الصغرى ~~فوافقوا السوق فيها، ولم يأت المشركون فابتاعوا مما كان في السوق فذلك ~~قوله: {فانقلبوا بنعمة من الله} يعني الأجر {وفضل لم يمسسهم [سواء]} وهي ~~غزوة بدر الصغرى. PageV02P1181 # قال مجاهد: فالفضل ما أصابوا في التجارة. # قوله: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} الآية. # [يقال] خوفت الرجل إذا صيرته خائفا، وخوفته أيضا إذا صيرته بحال يخافه ~~الناس. فالمعنى: يخوفوكموهم {فلا تخافوهم وخافون}. وقيل المعنى: إنما خوفتم ~~به من عند الشيطان يخوفكم بأوليائه، وأولياؤه أبو سفيان وأصحابه. # والمفعول الأول محذوف، والياء محذوفة كما قال: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب # وقيل: أولياؤه هنا الشيطان. PageV02P1182 # وقيل المعنى: يخوفكم من أوليائه الكفار، أو الشياطين. ومثله في القرآن # {لينذر بأسا شديدا} [الكهف: 2] أي: لينذركم [ببأس] ومن بأس ثم حذف ~~المفعول الأول وحذف حرف الجر. # وقال أبو إسحاق: أولياؤه: الرهط الذين أتوا بالرسالة والتخويف من عند أبي ~~سفيان. وقال السدي: إنما ذلكم أيها المؤمنون الشيطان يعظمكم أولياءه في ~~أنفسكم فتخافوهم {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} أي: مصدقين حقا. # قوله {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} الآية. # المعنى: ولا يحزنك يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر وهذا خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولأصحابه {إنهم لن يضروا الله شيئا} كما أن مسارعتهم ~~إلى الإيمان لو سارعوا لم تكن نافعة لله تعالى، قال مجاهد: يعني بذلك ~~المنافقين. وهذه الآية نزلت في قوم أسلموا ثم ارتدوا، فاغتم النبي صلى ms0423 الله ~~عليه وسلم وأصحابه لذلك فأنزل الله عز وجل { ولا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر} الآية. PageV02P1183 # قوله {ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} أي: يريد أن يحبط أعمالهم بالكفر. # قوله: {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا}. هذا أيضا في ~~المنافقين الذين ذكرهم لما استبدلوا الكفر بعد الإيمان صاروا بمنزلة من باع ~~شيئا بشيء، ثم كرر نفي الضرر عن نفسه تعالى [بكفرهم للتأكيد] تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا. # قوله {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم} الآية. # من قرأ بالياء الذين هم الفاعلون و {أنما} في موضع المفعولين وما مع نملي ~~مصدر ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي، والهاء محذوفة من {أنما}، والمعنى: ~~ولا يحسبن يا محمد الكافرون الإملاء خيرا لهم، فلما دخلت إن قامت مقام ~~المفعولين فارتفع خير على خبر أن. # ومن قرأ بالتاء، فقد زعم أبو حاتم أنه لحن، وتابعه على ذلك غيره " لأن ~~الذين كفروا " يكونون في موضع نصب، والمخاطب هو الفاعل وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم فلا PageV02P1184 # معنى لفتح " أن " على هذا. وقال الزجاج: " إن " بدل من {الذين كفروا} وهي ~~تسد مسد المفعولين كأنه قال: ولا تحسبن يا محمد أن إملاءنا للذين كفروا ~~[خير لهم. والكسائي الفراء يقدران الكلام على حد كأنه: ولا تحسبن الذين ~~كفروا] لا تحسبن أن ما نملي لهم، وحذف المفعول الثاني من هذه الأفعال لا ~~يجوز عند أحد فهو غلط منهما. # وقد قرأ يحيى بن وثاب بكسر إن والياء كأنه ليبطل عمل حسب مع أن كما ~~أبطلها مع اللام وهو قبيح. # وتأويل قول النحاس فيها يدل على أن يحيى قرأه بالتاء وكسر إن وذلك قبيح PageV02P1185 # أيضا أبعد مما قبله. # قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر: إن " يحتج به لأهل القدر لأنه كان ~~منهم، ويجعلهم على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولا تحسبن الذين [كفروا] ~~أنما نملي لهم ليزدادوا إثما، إنما نملي خيرا لأنفسهم. قال: ورأيت في مصحف ~~في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار: إن ms0424 ما نملي لهم ليزدادوا إيمانا، ~~فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن، فحكه. ومعنى: نملي لهم نؤخر لهم في ~~الأجل. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: الموت خير للكافر، ثم تلا {إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما}، وقال الموت خير للمؤمن ثم تلا: {وما عند الله خير للأبرار} ~~[آل عمران: 198]. # وقيل: إن الآية مخصوصة أريد بها قوم بأعيانهم علم الله تعالى منهم أنهم ~~لا يسلمون أبدا، وليست في كل كافر إذ قد يكون الإملاء له مما يدخله في ~~الإيمان، فيكون PageV02P1186 # أحسن له وهو الصحيح في المعاني. # قوله {ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه} الآية. # معناها: إن الله تعالى ذكره أخبرهم أنه لم يكن ليدع المؤمن ملتبسا ~~بالمنافق وما يعرف بعضهم بعضا ولكن ميزهم يوم أحد فعرف نفاق من رجع، وإيمان ~~من ثبت فالخبيث المنافق والطيب المؤمن. وقيل المعنى: يميز المؤمن [من] ~~الكافر. وقيل: يميزهم بالهجرة فيعلم المؤمن من الكافر. # قال السدي: قالوا إن كان محمد صادقا، فليخبرنا بمن يؤمن [منا] ممن يكفر ~~به. # وقيل المعنى: حتى يميزهم بالفرائض [ولا] يدعهم على الإقرار فقط. # ثم قال: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} أي: وما كان الله ليطلع ~~المؤمنين على الغيب فيما يريد أن يبتليكم به فتحذروا منه {ولكن الله يجتبي ~~من رسله من يشآء} فيطلعه على ذلك. وقيل: PageV02P1187 # المعنى ما كان الله أيها المؤمنون ليطلعكم على ضمائر عباده، فتعرفوا ~~المؤمن من المنافق، ولكنه يميز بينكم بالمحن والابتلاء {ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشآء} فيطلعه على بعض ضمائر من يشاء بوحي. # ومعنى يجتبي: يستخلص ويختار. وقيل المعنى: {وما كان الله ليطلعكم} من ~~يصير كافرا بعد إيمانه، ومن يثبت على إيمانه، ولكن الله يطلع على ذلك من ~~رسله من يشاء. وقيل: إنهم قالوا ما بالنا نحن لا نكون أنبياء؟ أي: ~~المنافقين، فأنزل الله ذلك. # قوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله} الآية. # من قرأ بالياء فالذين فاعلون، والمفعول الأول محذوف دل عليه يبخلون و " ~~خبرا " مفعول ثان، والتقدير ms0425 ولا يحسبن الباخلون [البخل] هو خير لهم، وهو ~~فاصلة عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، ودل يبخلون على البخل، لأنه منه ~~أخذ. PageV02P1188 # ومن قرأ بالتاء ففي الكلام حذف مضاف دل عليه ما يتصل بالمضاف إليه، ~~تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم، فخيرا مفعول ثان، ~~وبخل مفعول أول، ومعنى الآية: ولا يحسبن الباخلون ولا ينفقون في سبيل الله: ~~البخل خيرا لهم بل هو شر لهم في الآخرة. # [ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: ولا تحسبن ~~يا محمد بخل الباخلين عن الإنفاق في سبيل الله خيرا لهم بل هو شر لهم في ~~الآخرة]. # وقيل: عنى بذلك الزكاة وهو إخبار عمن لم يؤد الزكاة: وقيل: إخبار عن ~~اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما نزل عليهم من التوراة من أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس ومجاهد رضي الله عنه. # {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} أي: سيجعل ما بخل به المانعون الزكاة ~~طوقا من نار في أعناقهم يوم القيامة أي: كهيأة الطير، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ما من ذي رحم يأتي [ذا] رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه ~~الله إياه، فيبخل عليه إلا أخرج [له] يوم PageV02P1189 # القيامة شجاع من النار يتلبط حتى يطوقه " وقرأ {ولا يحسبن الذين يبخلون ~~بمآ آتاهم الله من فضله} الآية " وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له شجاع ~~أقرع يطوقه " ثم قرأ {ولا يحسبن الذين يبخلون} الآية. قال الشعبي: {سيطوقون ~~ما بخلوا به يوم القيامة} قال: شجاع يلتوي على عنقه. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أتاه الله مالا ~~فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم ~~القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول له: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا ~~هذه الآية {ولا يحسبن الذين يبخلون} ". # وقيل: يجعل ms0426 الذي بخلوا به طوقا من نار في أعناقهم. PageV02P1190 # وقال أبو وائل: هو الرجل يرزقه الله مالا فيمنع منه قرابته الحق الذي جعل ~~الله لهم في ماله، فيجعل حية يطوقها، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أنا مالك. # وقال مجاهد: {سيطوقون} سيكلفون أن يأتوا يوم القيامة بمثل الذي بخلوا به. # وقيل: المعنى سيطوقون جزاء ما بخلوا به وعقاب ما بخلوا به. # والتطوق: إلزام الله تعالى لهم ذلك، ومنعهم من التخلص منه. وقيل: المعنى ~~سيكلفون يوم القيامة إحضار الأموال التي بخلوا بها، وهم لذلك غير مستطيعين، ~~قال ابن مجاهد وغيره. وقيل: المعنى: سيطوق اليهود ثم الذين بخلوا [به]، هو ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم، والنبوة فيه كتموا ذلك، وهو عندهم في كتابهم. # قوله {ولله ميراث السماوات والأرض} أعلم الله الخلق في هذه الآية أنهم ~~سيفنون كلهم، فصار ما بقي بعدهم بمنزلة الميراث الذي يبقى بعد الميت فسماه ~~ميراثا على ذلك، وإلا فكل شيء له، أولا وآخرا، ولكن سماه هنا ميراثا إعلاما ~~منه أنهم سيفنون، وأن PageV02P1191 # الأمور كلها ترجع إليه، والعرب تسمي كل ما بقي في يد الإنسان، فصار إلى ~~غيره بعد موته: ميراثا، فخوطبوا على ما يعقلون ولذلك قال (وهو خير ~~الوارثين). # قوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله} الآية. # " نزلت هذه الآية في بعض اليهود، قالوا لأبي بكر وقد عرض عليهم الإيمان ~~وقال لهم: قد علمتم أن محمدا صلى الله عليه وسلم مكتوب عندكم في التوراة، ~~فآمنوا به؟ فقالوا: ما بنا إلى الله من فقر، وإنه لفقير إلينا وما نتضرع ~~إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنيا ما استقرض من ~~أموالنا، فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه رئيس لهم ضربة شديدة، وقال: ~~والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله. ~~فذهب المضروب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه بأبي بكر فخاطب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أبا بكر وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول ms0427 ~~الله، قال: قولا شديدا، زعم عدو الله كيت كيت، وحكى ما سمع، فجحد اليهودي ~~ذلك وقال: ما قلت من ذلك شيئا، فأنزل الله عز وجل تصديقا لقول أبي بكر ~~وتكذيبا لهم وإنكارا لكفرهم {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير} ~~الآية. وقال لأبي بكر [حين] اشتد غضبه مما سمع، وللمؤمنين: {ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا} الآية ~~". # وقال الحسن لما نزلت {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245، ~~الحديد: 11] الآية قالت اليهود: إن ربكم PageV02P1192 # يستقرض منكم، فنزلت {لقد سمع الله قول الذين قالوا} الآية وروي أن الذي ~~قال ذلك من اليهود حيي بن أخطب، وقيل: فنحاص. # قوله: {سنكتب ما قالوا} أي: سنكتب قولهم، فنجازيهم عليه ونكتب قتلهم ~~الأنبياء، فالقول كان ممن هو على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والقتل كان ~~لآبائهم، وقد مضى مثله في سورة البقرة، وإنما أضيف إليهم لأنهم راضون بما ~~فعل آباؤهم فكأنهم فعلوا ذلك [فأضيف إليهم] لرضاهم به واتباعهم لما كان ~~عليه سلفهم الذين قتلوا الأنبياء مثل زكرياء ويحيى وغيرهم. # قوله: {ونقول ذوقوا عذاب الحريق} أي: نقول لمن قال ذلك ورضي بقتل ~~الأنبياء: ذق # عذاب النار المحرقة أي: الملهية {ذلك بما قدمت أيديكم} أي: ذلك العذاب ~~بذنوبكم المتقدمة وبأن الله عدل لا يظلم عبيده. # قوله: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} الآية. # المعنى: لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء الذين ~~قالوا PageV02P1193 # {إن الله عهد إلينا}. والمعنى: الذين قالوا: إن الله أوصانا، وتقدم في ~~كتبه إلينا ألا نصدق رسولا {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} فقال الله ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد {قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم} أي: الآيات الظاهرات {بقربان تأكله النار} كما قلتم {فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين} في قولكم الآن {إن الله عهد إلينا} بذلك، ~~والمخاطبة لهم في القتال، والمراد آباؤهم وأسلافهم. # روي أن بني إسرائيل كانوا يذبحون لله إذا أرادوا أن ms0428 يفعلوا شيئا، ثم ~~يأخذون الثوب، وأطايب اللحم فيضعه على موضع لهم في بيت كبير والسقف في ذلك ~~الموضع مكشوف ثم يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك الموضع يناجي ~~ربه، وبنو إسرائيل دارجون حول البيت فلا يزال كذلك حتى تنزل نار فتأخذ ذلك ~~الثوب، واللحم فهو القربان فيخر النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا ثم يوحى ~~إليه بأمر قومه يفعلوا ما سألوا. # قوله: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} الآية. # هذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم أنه إن كذبه من أرسل إليه فقد كذب ~~رسل من قبله جاؤوا إلى أممهم بالآيات والزبر - وهو جمع زبور وهو الكتاب وكل ~~كتاب زبور PageV02P1194 # يمعنى مزبور أي: مكتوب يقال زبرت: إذا كتبت {والكتاب المنير} التوراة ~~والإنجيل. # قوله: {كل نفس ذآئقة الموت}. # المعنى أن الآية: تهديد ووعيد لهؤلاء المفترين. # قوله {فمن زحزح عن النار} أي: نجا {فقد فاز} أي: نجا وظفر {وما الحياة ~~الدنيا} أي: لذتها وشهوتها إلا متعة متعتكموها، و {الغرور}: الخداع ~~المضمحل. # وقال ابن سابط: الدنيا كزاد الراعي تزوده الكف من التمر أو شيء من ~~الدقيق. # والغرور مصدر: غره، فإن فتحت العين فهو صفة الشيطان، لأنه يغر ابن آدم ~~حتى يوقعه في المعصية. # روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " موضع ~~سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " واقرؤوا إن شئتم {وما الحياة الدنيا ~~إلا متاع الغرور}. # قوله: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} الآية. المعنى: لتختبرن بالمصائب في ~~أموالكم، PageV02P1195 # وأنفكسم وهو موت الأقارب والعشائر {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا}، الذين أوتوا الكتاب هنا: هم اليهود ~~والمشركون هم النصارى، وأما اليهود فسمعوا منهم {إن الله فقير ونحن أغنيآء} ~~[آل عمران: 181] وقولهم {يد الله مغلولة} [المائدة: 64]، وقولهم: {عزير ابن ~~الله} [التوبة: 30] في أشباه لهذا، وأما النصارى فقولهم: {المسيح ابن الله} ~~[التوبة: 30]. # وقيل: إنها نزلت في كعب بن الأشرف كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويشبب بنساء المسلمين، ms0429 ذكر ذلك الزهري. # {وإن تصبروا} على أذاهم {وتتقوا} الله {فإن ذلك من عزم الأمور}. وقيل: ~~المعنى أنه أخبرهم بأنه قد فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وفرض عليهم ~~الزكاة فذلك ابتداؤه إياهم. # قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه} الآية. # من قرأه بالياء رده على ما قبله من اللفظ وهو قوله: {الذين أوتوا الكتاب} ~~ورده أيضا على ما بعده وهو قوله: فنبذوه وراء دبورهم واشتروا فالذي قبله ~~والذي بعده يدل على الخبر عن غائب فكانت الياء أولى به. PageV02P1196 # ومن قرأ بالتاء أجراه على الحكاية عن الميثاق، وما هو كان المعنى قلنا ~~لهم لتبيننه، واختار الطبري وغيره الياء لقوله {فنبذوه} ولم يقل فنبذتموه. ~~والمعنى اذكر يا محمد إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب من اليهود ~~وغيرهم ليبينن أمرك الذي في كتابهم للناس ولا يكتمونه، {فنبذوه ورآء ~~ظهورهم} إن كتموا أمر الله عز وجل وضيعوه، ونقضوا ميثاقه {واشتروا به ثمنا ~~قليلا} أي: عرضا رخيصا من عرض الدنيا: قبلوا [الرشا] على تركه وكتمانه، ~~ورضوا بالرياسة في الدنيا، [وكتبوا ما كتبوا بأيديهم، وقالوا هذا من عند ~~الله، وحرفوها بثمن قليل أخذوه عليها، وكل ما في الدنيا] قليل {فبئس ما ~~يشترون} به والذي عنى به في هذه الآية: اليهود. # وقيل: عنى بها كل من اوتي علما بأمر الدين. # قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله عز وجل على أهل العلم فمن علم شيئا، ~~فليعلمه، وإياكم كتمان العلم فإن كتمانه هلكة. PageV02P1197 # قال ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: إنه كان يقرأ وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين ويقول: والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ألا يكتموهم ~~شيئا، فنبذه القوم وراء ظهورهم أي تركوا ما بلغت إليهم الرسل. فالذين أوتوا ~~الكتاب هم الرسل في قوله، والضمير في {فنبذوه} يعود على الناس. # قوله: {لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا} الآية. # من قرأ بالتاء جعله خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم و {الذين} مفعول أول ~~{فلا تحسبنهم} مكرر للتأكيد و {بمفازة} المفعول الثاني لحسب الأول، ms0430 وحسب ~~الثاني مع المصدر للتأكيد، ولطول القصة. وقيل: إنه ليس بتأكيد وأن {بمفازة} ~~مفعول حسب الثاني محذوف لعلم السامع كما تقول في الكلام ظننت زيدا ذاهبا ~~وظننت عمرا، يريد ذاهبا، ثم تحذف لدلالة الأول عليه كما قال: {والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] فحذف لدلالة الكلام على المحذوف. # ومن قرأ بالياء فقوله {فلا تحسبنهم} للتأكيد، والهاء والميم مفعول أول. و ~~{بمفازة} الثاني كأنه قال: لا يحسبن الكافرون أنفسهم بمنجاة من العذاب. PageV02P1198 # ومن ضم الباء أراد الجميع، وحسب وأخواتها تتعدى إلى الفاعل نفسه. ولم ~~يقرأ أحد الأول بالتاء والثاني بالياء مكررا للتأكيد. أجاز أبو إسحاق: لا ~~تظن أخاك إذا أتاك بخبر، فلا تظنه صادقا تعيد الفاعل للتأكيد. ونزلت الآية ~~في قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في رجال تخلفوا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم [ وفرحوا لمقعدهم خلاف رسول الله، ثم إذا قدم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم] أقبلوا يعتذرون إليه، ويحلفون أنهم لا يتخلفون عنه بعد ~~ذلك، {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}. # وقال مروان لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وقرأ هذه الآية: يا أبا سعيد ~~إنا لنحب أن نحمد بما لم نفعل، ونفرح بما آتينا. فقال أبو سعيد: إن ذلك ليس ~~كذلك، إنما ذلك أن أناسا من المنافقين كانوا يتخلفون عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فإذا رجع على ما يحب حلفوا له ألا يتخلفوا عنه بعد ذلك، وأحبوا ~~أن يحمدوا على هذا، وإن رجع النبي صلى الله عليه وسلم على ما PageV02P1199 # يكره، فرحوا بتخلفهم عنه، وقاله زيد بن ثابت، وروى مثله مالك عن نافع. ~~قال نافع: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا واعتذروا. # فقال ابن زيد: هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لو خرجت ~~لخرجنا معك، فإذا خرج تخلفوا ورأوا أنهم قد احتالوا حيلة، وفرحوا بفعلهم ~~ذلك. # وقال ابن جبير: نزلت في أحبار اليهود يفرحون بما جاءهم من الدنيا من ~~الرشا على إضلال الناس، ويحبون أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بعلماء. ms0431 # وقال الضحاك: نزلت في قوم من اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على الكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أهل الصلاة ~~والصيام، فأحبوا أن يحمدوا بذلك وليسوا بأهل له. # وقال السدي: كتموا محمد صلى الله عليه وسلم ففرحوا بذلك وقالوا: نحن على ~~دين إبراهيم، ونحن أهل الصلاة والزكاة، وهم ليسوا كذلك، فأحبوا أن يزكوا ~~أنفسهم بما لم يفعلوا. PageV02P1200 # وقال ابن عباس رضي الله عنه: هم أهل الكتاب حرفوه، وحكموا بمال سفيه ~~وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أيضا: أنها نزلت في قوم من اليهود سألهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره ففرحوا بكتمانهم، ~~وطلبوا المحمدة على ما أخبروه به من الكذب فقال {ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا} وقال قتادة: نزلت في يهود، حين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فزعموا أنهم متبعوه وأخفوا الضلالة، ففعلوا ذلك ليحمدهم الله على إيمانهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فأنزل ~~الله الآية. # قوله: {ولله ملك السماوات والأرض}. # هذا تكذيب للذين قالوا {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} فأعلمهم الله أن ~~له ما في السموات والأرض، فكيف يكون فقيرا؟ وله كل شيء. # قوله: {إن في خلق السماوات والأرض} الآية. # معنى الآية: أنها تنبيه لخلق أولي العقول على قدرة الله عز وجل، وإحكامه ~~لما خلق من السماوات والأرض، وما دبر فيهما من المعايش واختلاف الليل ~~والنهار، وأن ذلك علامات ظاهرات لأولي العقول، فكيف ينسب إلى من كان بهذه ~~الصفة فقر أو نقص، ثم مدح أولي العقول ووصفهم فقال: PageV02P1201 # {الذين يذكرون الله قياما وقعودا} الآية. # المعنى: قياما في صلاتهم، وقعودا في تشهدهم وغيره، وعلى جنوبهم مضطجعين. # وقال ابن جريج: هو ذكر الله تعالى في الصلاة وغيرها وقراءة القرآن. قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه في معنى الآية: من لم يستطع أن يصلي قائما فليصل ~~جالسا، أو مضطجعا. # وقيل: المعنى: أنهم كانوا ms0432 يذكرون الله على كل حال. # وفي حكاية ابن عباس رضي الله عنه: " إذ بات عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فاستوى عليه السلام قاعدا - يريد من نومه - ثم رفع رأسه إلى السماء ~~فقال: " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات، ثم قرأ {إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف اليل والنهار} حتى ختم السورة ". # قوله: {ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك} أي: يقولون ربنا ما خلقت هذا من ~~أجل الباطل أي عبثا، {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} أي: في عظمة الله ~~{سبحانك} أي: تنزيها لك من السوء أن تكون خلقت هذا باطلا، والتفكر في عظمة ~~الله عز وجل من أعظم العبادة. PageV02P1202 # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. # وقيل لأم الدرداء: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر. وقال كعب: ~~من أراد أن يبلغ شرف الآخرة فليكثر التفكر يكن عالما. # قوله: {ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته} الآية. # أي: يقولون: ربنا إنك من تدخل النار فقد أبعدته من رحمتك، وهذا الكافر، ~~ولا يخلو مؤمن فيخزى، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: المؤمنون هم العجاجون ~~بالليل والنهار والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم. # وقيل: عنى بذلك كل من يدخل النار من مخلدين وغير مخلدين لأن كل من عذب ~~بالنار فقد أخزي. # والخزي: هتك ستر المخزي وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه فقد فضحه. ~~يقال: أخزيته أذللته، وأشد الخزي أشد الذلة وأبلغها. PageV02P1203 # قوله: {ربنآ إننآ سمعنا مناديا} الآية. # المعنى: يقولون ربنا إننا سمعنا، والمنادي القرآن. # وقال محمد بن كعب: هو القرآن وليس كلهم لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم، ~~وليس كلهم بلغ إليه القرآن. # وقال ابن جريج: المنادي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى سمعنا ~~نداء مناد، المنادي غير مسموع وإنما المسموع نداؤه. # وقال قتادة: سمعوا دعوة الله عز وجل فأجابوها. # قوله {وتوفنا مع الأبرار} أي: في عددهم، وفي زمرتهم وقيل: المعنى وتوفنا ~~أبرارا مع الأبرار، والأبرار جمع بر وهو فعل ككتف ms0433 أكتاف، وهم الذين بروا ~~الله بطاعتهم إياه وخدمتهم له رضي الله عنهم. وقيل واحدهم بربار على فاعل ~~كصاحب وأصحاب. # قوله {ربنا وآتنا ما وعدتنا} الآية. PageV02P1204 # أي: يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على لسان رسلك: وهو الجنة وهذا سؤال ~~وطلب، ومعناه الخبر، لأن الله تعالى منجز وعده من غير سؤال، ومعناه وتوفنا ~~مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا فهذا معناه، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف ~~الميعاد، ولكنه خبر. وقيل: إنه خرج منهم على طريق الطلب أن يجعلهم ممن ~~يؤتيه ما وعده من الكرامة. وقيل: إنهم سألوا الله عز وجل أن يؤتيهم ما ~~وعدهم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم من النصر على أعدائهم. # {ولا تخزنا} أي: لا تذلنا {إنك لا تخلف الميعاد} أي: أنك قد وعدت من آمن ~~بك ووحدك: الجنة في الآخرة والنصر في الدنيا على أعدائك. # قوله: {فاستجاب لهم ربهم} الآية. # المعنى: فأجابهم ربهم {أني لا أضيع عمل عامل منكم} عمل خيرا، روي عن أم ~~سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء؟ ~~فأنزل الله عز وجل { أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} أي ذكرا ~~كان أو أنثى. PageV02P1205 # قال الكوفيون: دخلت {من} في قوله {من ذكر} على التفسير لقوله {منكم} أي: ~~منكم من الذكور والإناث، قال: وليست من هناهنا يجوز حذفها لأنها دخلت لمعنى ~~لا يصلح الكلام إلا بها وإنما يجوز حذفها إذا كانت تأكيدا للجحد. وقال بعض ~~البصريين: دخلت {من} هناهنا كما دخلت في قولك: قد كان من حديث فلان كذا، ~~قال: وحرف النفي قد تقدم في قوله {أني لا أضيع} قد دخلت للتأكيد، والأحسن ~~أن تكون من للتفسير كما تقدم. # ومعنى: {بعضكم من بعض} أن بعضكم في النصر والمذلة والجزاء من بعض أي حكم ~~الجميع الذكر والأنثى سواء {لأكفرن عنهم سيئاتهم} أي لأمحونها عنهم ~~ولأسترنها عليه {ثوابا} مصدر لأنه كما قال {ولأدخلنهم جنات تجري} كان بمعنى ~~لأثيبنهم ثوابا. # قوله: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا} الآية. ms0434 المعنى: لا يغرنك يا محمد تصرف ~~الذين كفروا في البلاد أي: بالتجارات، والأموال بغير عذاب فالخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته {متاع قليل} أي: كسبهم وربحهم متاع ~~قليل أي متعة يتمتعون بها PageV02P1206 # قليلا {ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} أي الفراش. # قوله: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري} الآية. # لكن الذين اتقوا الله، فعملوا بطاعته لهم جنات أي: بساتين {تجري من تحتها ~~الأنهار}، و {نزلا} منصوب على التفسير. وقيل: هو في موضع إنزال، لأن الكلام ~~يدل على أنزلتموها {وما عند الله} أي: ما عنده من كرتمة والرضوان خير ~~للأبرار. # قوله: {وإن من أهل الكتاب لمن بالله} الآية. # {خاشعين} نصب على الحال من المضمر في {يؤمن} عند البصريين والفراء ومن ~~{من} عند الكسائي. وقال نصير: هو حال من المضمر في إليكم أو في إليهم، وهذه ~~الآية نزلت في الأربعين رجلا من أهل نجران منهم: اثنان وثلاثون من بني ~~الحارث من الحبشة، وثمانية من الروم على دين عيسى صلى الله عليه وسلم آمنوا ~~بالنبي عليه السلام، وقيل: نزلت في النجاشي. PageV02P1207 # وروى ابن المسيب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه " أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " اخرجوا فصلوا على أخيكم " فقال فصلى بنا فكبر أربع ~~تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون انظروا كيف يصلي على علج ~~نصراني لم يره قط، فأنزل الله عز وجل { وإن من أهل الكتاب} الآية ". # قال قتادة: " قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إن أخاكم النجاسي قد مات ~~فصلوا عليه قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم قال فنزلت {وإن من أهل الكتاب} ~~قال: وقالوا فإنه كان يصلي إلى القبلة، فأنزل الله {ولله المشرق والمغرب} ~~الآية ". # وأصحمة بالعربية: عطية. # وقيل عنى بالآية عبد الله بن سلام ومن آمن معه قاله ابن جريج. # قال مجاهد وغيره: عنى بذلك من آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى، وهو ~~مثل القول الأول، والآية تدل على هذا لأنها عامة اللفظ في أهل الكتاب. PageV02P1208 # قوله: {لا يشترون بآيات ms0435 الله ثمنا قليلا} الآية. # أي: لا يحرفون أمر محمد صلى الله عليه وسلم فيقبلون على تحريفه وإنكاره - ~~الرشا فهم يؤمنون بالله، وما أنزل إليكم وهو القرآن، وما أنزل إليهم وهو ~~التوراة والإنجيل {خاشعين لله} أي: متذللين خائفين، و {لا يشترون}: في موضع ~~الحال أيضا لأن غير مشترين بآيات الله ثمنا قليلا {أولائك لهم أجرهم} أي ~~عوض أعمالهم {إن الله سريع الحساب} أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فهو ~~يحتاج إلى حساب ذلك وإحصائه لئلا يبقى منه شيء. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} الآية. # {اصبروا} على دينكم {وصابروا} عدوكم {ورابطوا} في سبيل الله. # وقيل: المعنى وصابروا وعدي إياكم على طاعتكم لي، ورابطوا على أعدائكم حتى ~~يرجعوا إلى دينكم، ويتركوا دينهم. # وقيل المعنى: ورابطوا على الصلوات: أي: انتظروها واحدة بعد واحدة، قاله ~~أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غزو يرابط فيه، قال: ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة. PageV02P1209 ### | سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم}. # قوله: {وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء} يدل على أن الخنثى لا بد أن يكون ~~رجلا أو امرأة، إذ لم يخلق الله عز وجل من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ' لا ~~رجلا أو امرأة لا ثالث. # ومن قرأ " الأرحام " بالخفض، فهو غير جائز عند البصريين، وقبيح عند ~~الكوفيين، لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض. PageV02P1211 # وقد قيل: إن الخفض على القسم، وقد قيل: إن المعنى ورب الأرحام. # وفي واحد الأرحام لغات: رحم ورحم، ورحم [ورحم]. # والرحم مؤنثة، ومعنى الآية: أن الله تعالى نبه خلقه على قدرته وأمرهم ~~بتقواه، والنفس هنا: آدم صلى الله عليه وسلم. # [ وقوله]: {وخلق منها زوجها} الآية. # قال مجاهد: خلق حواء عن قصيري آدم وهو نائم، استيقظ فقال " أثا " ~~بالنبطية: امرأة. # قال السدي: أسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحيشا ليس له زوج يسكن إليها، ~~فنام نومة فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله تعالى من ms0436 ضلعه، ~~فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. PageV02P1212 # قال ابن إسحاق: ألقى الله عز وجل على آدم السنة فنام فأخذ ضلعا من أضلاعه ~~من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحما، فخلق منه حواء ليسكن إليها، فلما انتبه ~~رآها إلى جنبه فقال: لحمي ودمي، وزوجي، فسكن إليها. # وعن ابن عباس أنه قال: إن الله جل ذكره خلق آدم صلى الله عليه وسلم بيده ~~سبحانه وتعالى في جنات عدن، فرأى آدم صلى الله عليه وسلم كل شيء يشبه بعضه ~~بعضا، ولم ير في الجنة شيئا يشبهه، وأحب أن يكون معه من يشبهه ليأنس به، ~~وأحب الله عز وجل أن يؤنسه بزوجته ليكون منهما النسل، فأسبته الله عز وجل، ~~والجنة لا نوم فيها، ولا نعاس ولا سبات، فخلق حواء من ضلع من أضلاعه وهي: ~~القصيري فلما ذهب عنه السبات رأى من يأنس به، ويشبهه فسمي إنسانا حيث أنس، ~~فقال لها: ما أنت؟ قالت: أثا، وأثا بالسريانية أنثى، وقيل: معناه امرأة. # قال جماعة من المفسرين: لما خلق الله عز وجل ( وتعالى) آدم صلى الله عليه ~~وسلم، ألقى عليه النوم، فلما نام خلق حواء من أحد أضلاعه، وهو لا يشعر ولا ~~يألم، فلما انتبه فرآها قال: من هذه؟ قيل: هي زوجتك، فعطف عليها، وأحبها ~~ولو ألم لخلقها لم يحن عليها، ولم PageV02P1213 # يعطف أبدا، وإنما سميت حواء لأنها خلقت من حي. # قال ابن عباس: خلق الرجل من الأرض فجعلت همته في الأرض، وخلقت المرأة من ~~الرجل فجعلت همتها في الرجل، فاحبسوا نساءكم. # قوله: {وبث منهما [رجالا]} أي: نشر من آدم وحواء خلقا كثيرا. # ومعنى {تسآءلون} أي: اتقوا الله الذي إذا سأل بعضكم بعضا سأل به وجعله ~~وسيلة، يقول السائل أسألك بالله، أنشدك بالله وشبهه، فكما تعظمونه ~~بألسنتكم، عظموه بالطاعة فيما أمركم به ونهاكم عنه. # وقال الضحاك: {تسآءلون به} أي تعاقدون به، وتعاهدون به. # وقال ابن عباس: {تسآءلون به} فتتعاطفون به. # {والأرحام} أي اتقوا الأرحام، هذا على قراءة من قرأ بالنصب. ومن قرأ ~~بالخفض. ms0437 فمعناه: تساءلون به وبالأرحام (تقولون أسألك بالله وبالرحم). # قال ابن عباس والمعنى: واتقوا الله في الأرحام فصلوها. PageV02P1214 # {إن الله كان عليكم رقيبا} أي: حفيظا محيصا لأعمالكم ومجازيكم عليها. # قال يعقوب: الوقف {تسآءلون به} على قراءة النصب و " الأرحام " على قراءة ~~الخفض. # قوله: {وآتوا اليتامى أموالهم} الآية. # هذه الآية عنى بها أوصياء اليتامى أن يعطوهم ما لهم إذا بلغوا الحلم وأنس ~~منهم الرشد، ولا يقال يتيم إلا لمن (لم) يبلغ الحلم. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " لا يتم بعد البلوغ "، وسموا يتامى في الآية وإن كان قد بلغوا ~~الحلم على الاسم الأول. # {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} أي الحرام عليكم من أموالهم بالحلال من ~~أموالكم. # قال الزهري: تعطي لهم مهزولا وتأخذ سمينا أي: لا تأخذ الجيد من أموالهم ~~وتعطي مكانه الرديء تقول شيئا بشيء ودرهما بدرهم وشاة بشاة والذي تأخذ خير ~~من الذي تعطي والاسم واحد. PageV02P1215 # قوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} معناه: لا تخلطوا أموالهم مع ~~أموالكم فتأكلوا الجميع فنهموا عن أكلها، وأحل الله لهم المخالطة بقوله: ~~{وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 218] وذلك أنهم اشتد عليهم عزل أموال ~~اليتامى، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم}. وحذرهم هنا من أكلها عند المخالطة. (وإلى) بمعنى: مع، ~~وقيل: (إلى) على بابها، والمعنى لا تجمعوا أموالهم إلى أموالكم (إنه كان) ~~أي: إن أكلكم أكوال اليتامى إثم كبير. # وقيل معنى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} لا تربح على يتيمك يهوى ~~عندك دابة أو ثوبا أو غير ذلك وهو غير جاهل فتزداد عليه في الثمن. # وكون (إلى) بمعنى مع أولى، وعليه أكثر الناس، وذلك أن (إلى) أصلها أن ~~تكون نهاية أو تكون حدا نحو {إلى الليل} [البقرة: 187] فهذا نهاية لا يدخل ~~[ما] بعدها فيما قبلها ونحو قوله: {إلى الكعبين} [المائدة: 6] فهذا حد تدخل ~~الكعبان في الغسل ومثله (إلى المرافين) فإن خرجت إلى عن هذين الأصلين كانت ~~بمعنى حرف آخر، فلما لم يحسن فيها في هذا PageV02P1216 # الموضع النهاية ولا الحد ms0438 كانت بمعنى مع. # والهاء في (إنه كان) قيل: تعود على الأكل. وقيل: تعود على التبدل. # [وقيل: على المال]. # والحوب: الإثم. # وقال نافع: {بالطيب} تمام، [وقال أحمد بن موسى {إلى أموالكم} تمام]. # قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى. . .} الآية. # إنما جاز أن تقع (ما) لمن يعقل، لأنها، والفعل: مصدر، وهي تقع للنعوت ~~فكأنه قال: فانحكوا الطيب من النساء أي: الحلال، {فواحدة} أي: فانكحوا ~~واحدة. # وقرأ الأعرج بالرفع على معنى: فواحدة تقنع يرفع بالابتداء PageV02P1217 # ويضمر الخبر. # وهذا أيضا خطاب للأولياء في صداق اليتامى، والمعنى: فإن خفتم يا أولياء ~~ألا تعدلوا في صداقهن، فتبلغوا صدقات أمثالهن فلا تنكحوهن {فانكحوا ما طاب ~~لكم من النسآء} أي: الطيب يعني الحلال من غيرهن من واحدة إلى أربع {فإن ~~خفتم} أن تجوروا إذا نكحتم أكثر من واحدة، فانكحوا واحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم. # قالت عائشة رضي الله عنه: هي اليتيمة تكون في حجر وليها يعجبه مالها ~~ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهى أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ~~في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا من سواهن من النساء. # وقيل: معناها إنهم نهوا عن نكاح ما فوق الأربع لأن قريشا كانت تتزوج ~~العشرين من النساء والأكثر، فإذا صار الرجل معدما رجع إلى مال يتيمه فأنفقه ~~أو تزوج به فنهوا عن ذلك. # وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال اليتامى ألا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم ~~إليها، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من النساء أربعا، فإن خفتم أيضا مع الأربع ~~ألا تعدلوا في أموال يتاماكم، فاقتصروا على واحدة أو على ما ملكت أيمانكم ~~قاله عكرمة. PageV02P1218 # وقيل: إن معناها أنهم كانوا يتحرون في أموال اليتامى ولا يتحرون في العدل ~~بين النساء فلا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى أربع، ولا تزيدوا على ذلك. # {فإن خفتم ألا تعدلوا} في الأربع فانكحوا واحدة {أو ما ملكت أيمانكم} ~~قاله ابن جبير والسدي، وقاله ابن عباس والضحاك وغيرهم، وهو اختيار الطبري. # وقال الحسن المعنى: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتاماكم إذا نكحتموهن، ms0439 ~~فانكحوا ما طاب لكم منهن: اثنين أو ثلاثة أو أربعا {فإن خفتم ألا تعدلوا} ~~فانكحوا واحدة، أو فاقنعوا بما ملكت أيمانكم. # ومعنى: {تقسطوا في اليتامى} أي: في نكاح اليتامى ثم حذف. ومعنى {وإن ~~خفتم} عند أبي عبيدة: وإن أيقنتم. # وقال القتبي معناه: وإن علمتم. # ومعنى: {ما طاب لكم}: ما حل لكم، وهذه الآية ناسخة لما كانوا عليه في ~~الجاهلية PageV02P1219 # من تزويج ما شاء الرجل من النساء. # {ذلك أدنى ألا تعولوا} أي أقرب ألا تجوروا، وتميلوا. يقال: عال إذا جار، ~~يعول عولا، ويقال: من الحاجة عال يعيل عيلة إذا احتاج، وأعال يعيل إذا كثر ~~عياله. # قال الحسن: العول الميل في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ~~وغيرهم. # وقال مجاهد: ألا تعولوا: ألا تضلوا. # وعن عائشة: ألا تجوروا. # وعول الفرائض من هذا لأنها تميل عن وجهها وحقها. PageV02P1220 # وقال الشافعي: {ألا تعولوا}، ألا يكثر من {ألا تعولوا}، وخطأه (في) هذا ~~جميع النحويين وأهل اللغة، وإنما كان يجب على قوله: أن تعيلوا. # وأيضا، فإنه قد أحل لنا ملك اليمين، وإن كثروا وهو مما يعال. # وقوله: {مثنى وثلاث ورباع} معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع ~~دل عليه، ولا تتجاوز العرب في العدل إلى ما بعد الأربع. # قوله: {وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة} الآية. # {نحلة} مصدر لأن قوله {وآتوا النسآء} بمنزلة انحلوهن، فعمل في نحلة، ~~وقيل: هي مصدر في موضع الحال. PageV02P1221 # قوله: {هنيئا مريئا} حال من الهاء في {فكلوه} يقال: قد هناني ومراني، ~~فإذا أفردت قلت: أمراني ومعناه: فكلوه دواء شافيا. يقال قد هناني الطعام، ~~ومراني إذا صار لي دواء، وعلاجا شافيا. # ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين أن يعطوا النساء مهورهن عطية ~~واجبة. # قال قتادة: {صدقاتهن نحلة} فريضة. وقيل: ديانة. # وقيل: المعنى: " نحلة " من الله عز وجل للنساء دون الرجال إذ جعل على ~~الرجل الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئا فينحي لها ذلك. وقيل: نحلة عن طيب ~~نفس. # وواحد الصدقات: صدقة، والصداق يفتح ويكسر عند يعقوب، وقال PageV02P1222 # المازني يفتح ولا يكسر. # وقال ms0440 ابن زيد في معنى الآية: إنها أمر من الله ألا تنكح امرأة إلا بشيء ~~واجب، والمخاطب بهذ الأزواج، قيل لهم: أعطوا من نكحتم صداقها [ولا] تنكحوا ~~بغير صداق. # وقيل: إن المخاطب بهذا الأولياء لأنهم كانوا لا يعطونهن من صداقهن شيئا ~~يأخذه الولي نفسه، فنهى الله عز وجل عن ذلك. وقيل: بل المخاطب الأولياء ~~أيضا، لأنهم كانوا يعطي الرجل منهم أخته للآخر على أن يعطيه الآخر أخته، ~~وهذا نكاح الشغار الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وعنه نهى الله عز ~~وجل في هذه الآية. # قوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} أي: من الصداق إن تركن ذلك من غير PageV02P1223 # مضارة منكم لهن: {فكلوه} فهو مخاطبة للأزواج، وقيل: هو مخاطبة للأولياء ~~إن وهبن من هن في حجورهم شيئا من الصداق فهو حلال لهم لهم وأن تكون الآية ~~خوطب بها الأزواج أولى وعليه أكثر الناس. # والهاء في {منه} تعود على المال، لأن المعنى: وآتوا النساء هذا المال ~~الذي اسمه: صدقات فرجعت الهاء على المعنى الذي دل عليه الكلام. # وقيل: تعود على الإيتاء. وقيل: على الصداق. # وقال نافع: {صدقاتهن}، تمام. وهذا يدل على أن نحلة لا يعمل فيه ما قبله ~~وأن المعنى أنحلهن الله عز وجل نحلة، أضمر الفعل. والأحسن في التمام أن تقف ~~على " مريئا ". # قوله: {ولا تؤتوا السفهآء أموالكم} الآية. # من قرأ: قياما فهو مصدر، والمعنى الذي تصلح به أموركم فتقومون بها قياما، PageV02P1224 # وجعله الأخفش جمع قائمة. # ومن قرأ: قيما فهو عند البصريين جمع قيمة أي: جعلها الله قيمة للأشياء. # وقرأ النخعي {التي} بالجمع. # قال الفراء الأكثر في كلام العرب: النساء اللواتي، والأموال التي. # والسفهاء هنا: النساء والصبيان، وهو قول قتادة وابن جبير والحسن والسدي ~~والضحاك. وقيل: هم الصبيان خاصة قاله ابن عباس. وقيل: هم الصغار ولد الرجل ~~خاصة. # وقيل: هم النساء خاصة. وقيل: هم اليتامى الذين لم يبلغوا الرشد وهذا قول ~~حسن والمعنى: لا تسلطوهم على اموالكم التي جعلها الله قيام معاشكم، ~~فيفسدوها ولكن ارزقوهم، واكسوهم، وإن كانوا ms0441 ممن تلزمكم نفقتهم، وهذا قول من ~~قال: السفهاء ولد الرجل وامرأته. PageV02P1225 # ومن قال: إن السفاهء المولى عليهم: فمعناه أنه أضاف الأموال إلى الأولياء ~~لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها وأمرهم أن يرزقوهم منها ويكسوهم. # قوله: {وقولوا لهم قولا معروف} أي: عدوهم وعدا حسنا من البر والصلة، ~~وقيل: المعنى ادعوا لهم بالصلاح. # وقيل: المعنى علموهم أمر دينهم. # وقال ابن جريج: المعنى: قولوا لهم إن صلحتم ورشدنم سلمنا إليكم أموالكم، ~~وخلينا بينكم وبينها. # قوله: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} الآية. # والمعنى اختبروهم في عقولهم وصلاحهم، وتثمر أموالهم وذلك بعد الاحتلام ~~{فإن آنستم منهم} الرشد {فادفعوا إليهم أموالهم}. وقد قال أبو حنيفة: لا ~~حجر على بالغ. وعامة الفقهاء على خلافه. PageV02P1226 # ومعنى {إذا بلغوا النكاح} أي الحلم، قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وابن ~~زيد، ومعنى {آنستم} وجدتم وعلمتم وأحسستم منهم الرشد، وأصل آنست في قول ~~القتبي: أبصرت، والرشد هنا العقل والصلاح في الدين. # وقيل: الرشد: الصلاح في الدين والمال، وقال مجاهد: الرشد هنا العقل. ~~{فادفعوا إليهم أموالهم} هذا كلام يدل [على] أن الآية في المولى عليهم من ~~يتامى الصبيان الإناث والذكور، وقال الحسن: رشدا في أموالهم وصلاحا في ~~دينهم. # قال زيد بن أسلم: وذلك بعد الاحتلام. # قوله: {ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا} أي: لا تأكلوا أموال اليتامى بغير ما ~~أباح الله عز وجل. # وقيل: لا تسرفوا في أكلها، والإسراف في كلام العرب تجاوز الحد المباح إلى PageV02P1227 # غيره بنقص أو زيادة، وهي في الزيادة أكثر إسرافا. يقال سرف يسرف، ويقال ~~مررت بكم فسرفتكم أي: فسهوت عنكم وأخطأتكم. # وقوله: {بدارا} أي: مبادرة أن يكبروا، وهو مصدر بادرت. أي: لا تأكلوها ~~مبادرة منكم (بلوغهم وإيناس الرشد منهم فيأكلوها لئلا يرشدوا فيأخذوها ~~منكم). # قوله: {ومن كان غنيا فليستعفف} أي: عن أموال اليتامى بماله. # {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} أي: يستقرض من مال يتيمه، ثم يؤديه إذا PageV02P1228 # أيسر، قاله عمر رضي الله عنه وابن جبير وعبيدة وأبو العالية. # وروي أن ابن عباس والشعبي وغيرهم: أن له أن يأكل منه إذا ms0442 احتاج قرضا ~~ويؤديه إذا أيسر مثلما أكل. # وقال السدي: إذا كان الولي فقيرا أكل من يتيمه بأطراف أصابعه، ولا قضاء ~~عليه، وقاله الشعبي، وروي مثله عن ابن عباس بأنه لا قضاء عليه. # وعن عائشة: إن الوصي يأكل من مال اليتيم مكان قيامه عليه إذا كان فقيرا ~~(أكل بالمعروف، ولم يذكر قرضا ولا ردا وقال النخعي إذا كان الولي فقيرا) ~~أخذ من مال يتيمه ما يسد به جوعته ويستر عورته، ولم تذكر قضاء. PageV02P1229 # وقال عطاء: يأكل إذا افتقر ولا قضاء. # وقال ابن زيد: يأكل إذا احتاج لقيامه عليهم وحفظه لأموالهم ولا قضاء ~~عليه. # وقيل: المعنى أكل الولي مع اليتيم هو في التمر وشرب رسل الماشية خاصة دون ~~غيره، ولا قضاء عليه، وقد توقف بعض أهل العلم فيها وقال: لا أدري لعلها ~~منسوخة بقوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} الآية [10]. # قال أبو حنيفة: لا يأكل معه شيئا إلا أن يسافر من أجله فيأخذ القوت. PageV02P1230 # وقد روي عن ابن عباس أنه قال {فليأكل بالمعروف}: يقوت نفسه يعني من مال ~~نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه. وهذا نختار عند العلماء، وحكى معناه ~~الشافعي. # وقال نافع بن أبي نعيم: سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قول الله عز وجل: { ~~ومن كان غنيا فليستعفف} فقال: أنفق عليه بقدر فقره، وإن كان غنيا أنفق عليه ~~بقدر غناه، ولم يكن للولي منه شيء. # ثم أمر الله تعالى الأولياء بالإشهاد على اليتامى إذا رشدوا ودفعوا إليهم ~~أموالهم فقال: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا} ~~الآية. # أي: كافيا من الشهود الذين يشهدون على القبض، ونصب (حسيبا) على الحال. # قوله: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية. PageV02P1231 # {نصيبا} الأخير منصوب على الحال عند الزجاج وفيه معنى التأكيد كأنه قال ~~مفروضا، وهو نصب على المصدر عند الأخفش والفراء كأنه قال فرضا لازما، وما ~~وقبله يدل على أنه فرض ذلك عليهم. # وهذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، كانوا يورثون الذكر دون الإناث، ~~وكان الكبير من ولد الذكور ms0443 (يرث) دون الصغير يقولون: لا يرث، إلا من طاعن ~~بالرمح، فنسخ الله عز وجل ذلك، وأعلمنا أنه لكل واحد نصيب مفروض أي واجب ~~مما قل ومما كثر من التركة. # قوله: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى} الآية. # هذه الآية في قول ابن عباس، وابن حبيب، ومجاهد محكمة واجبة، يعطي الورثة ~~للقرابة الذين لا ميراث لهم ما طابت به أنفس الورثة، كأنهم ينحون إلى أنها ~~ندب وليس بفرض. PageV02P1232 # وقال السدي وابن المسيب والضحاك: هي منسوخة بالمواريث وقد روي مثل ذلك عن ~~ابن عباس أيضا، قالوا: كان هذا فرضا قبل نزول المواريث، ثم نزلت المواريث ~~فنسخت ذلك. # وقيل: إنها محكمة عنى بها الميت يقسم وصيته وهو حي، فيوضي بها فهو ندب ~~أيضا. # قوله: {وقولوا لهم قولا معروفا} أي يعتذر إليهم إن لم يعطوا شيئا، يقول ~~الولي: ما لي في هذا المال شيء، وهو مال اليتامى، وقيل: القسمة في هذا قسمة ~~الوصية أمر أن يعطى منها من لا يرث من القرابة على الندب لذلك. # قوله: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا} الآية. # لم يأت ليخش مفعول لذكره بعد ذلك الخوف، وإتيانه بمفعوله فسد ذلك مسد ~~مفعول يخشى (لأن الخوف والخشية سواء، ومثلهما معنى الاتقاء فسد مفعول يخشى) ~~مفعول الخوف ومفعول الاتقاء، كما قال: {إن ربك من بعدها} [النحل: 110] فسد ~~خبر إن الثانية مسد خبر الأولى في قوله {ثم إن ربك للذين} [النحل: 110]. PageV02P1233 # وقيل: مفعول يخشى محذوف كأنه قال: وليخشى الله الذين. # والمعنى: وليخف الذين يحضرون وصية الموصي أن يأمروا الموصي أن يفرق ماله ~~على غير ولده، ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو أنه كان هون الموصي ~~يسره أن يحثه من يحضره على توفير ماله لولده لضعفهم وعجزهم قال ذلك ابن ~~عباس. # وقال قتادة: معناه: من حضر ميتا فلينهه عن الحيف وليأمره بإحسان، وليخش ~~على عيال المتوفى ما كان يخشى على عياله لو حضره الموت، وهو مثل القول ~~الأول ومثل هذه المعنى قال السدي. # وقال الضحاك قولا قريبا من الأول: قال ms0444 هذا عند الموت لا يقول أحدكم لرجل ~~عند وصيته: اعتق وتصدق حتى يفرق ناله، ويدع ورثته عالة لعياله كما كان يحب ~~هو أن يفعل به لو حضرته الوفاة وعنده ذرية ضعفاء. # قوله: {وليقولوا قولا سديدا} أي يأمرون الميت في وصيته بما لا ضرر فيه ~~على ورثته كما يحب هو أن يفعل في ورثته بما يأمر به نفسه. # وقال مجاهد: هذا عند تفريق المال وقسمته، يقول الذين يحضرون: زد فلانا ~~وأعط فلانا، فأمرهم الله عز وجل أن يقولوا مثلما كان يحبون أن يقال لولده ~~بعدهم. وكل هذه الأقوال لا تمنع الوصية أن يوصي لقرابته بخمس ماله أو بربعه ~~أو بثلثه كذا PageV02P1234 # ذكر أكثرهم. # وقيل: إنهم لا يأمرونه أن يوصي لأحد البتة إذا كان له أولاد ضعفاء يخاف ~~عليهم الضيعة كما كنتم تصنعون لو حضركم الموت أيها الحاضرون وعندكم أولاد ~~ضعفاء تخافون عليهم الضيعة. # وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان من اجتهادهم في الخير والعمل ~~الصالح إذا حضروا مريضا منهم قالوا له: انظر لنفسك فليس ينفعك ولدك ولا ~~يغنون عنك من الله شيئا، ويقدم جل ماله ويجحف بولده، وكل هذا قبل الوصية ~~بالثلث، وتحديدها من النبي صلى الله عليه وسلم فكره الله سبحانه ذلك وأمرهم ~~أن يأمروا الذي حضرته الوفاة بما يحبون أن يأمروهم به إذا حضرتهم الوفاة ~~ولهم ذرية ضعفاء. وقد قيل: إن هذا أمر للموصي على الأيتام أن يفعل فيهم ما ~~يحب [أن يفعل] بعده في أولاده. # وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الوصية لولاة اليتامى ألا يأكلوا ~~أموالهم كما يحبون لو ماتوا وتركوا أولادا ضعفاء أن يحتاط على أموال ~~أولادهم كما يحتاطون هم على مال يتاماهم، أي: لتفعلوا بهم ما تحبون أن يفعل ~~بولدكم بعدهم. # قوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} الآية. PageV02P1235 # هذا تحذير ووعيد من الله عز وجل لمن يأكل مال يتيمه. قال السدي: إذا قام ~~من أكل مال اليتيم من قبره بعث ولهب النار يخرج من فيه، ومسامعه وأذنيه ~~وأنفه وعينيه ms0445 يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى الخدري عنه من خبر ليلة الإسراء: ~~" نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ ~~بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار تخرج من أسافلهم، قلت: يا جبرئيل ~~من هؤلاء؟ قال: هؤلاء {الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} ". # وقال ابن [زيد] عن أبيه: هي لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون ~~أموالهم، وإنما جاز أن يخبر عنهم بأكل الناس لأنهم لما أكلوا ما يؤديهم إلى ~~النار كانوا بمنزلة من يأكل النار، وإن كان يأكل الطيب في الدنيا. # قوله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر} الآية. # ومعنى قوله {إن الله كان عليما حكيما} معناه: لم يزل كذلك، كأن القوم ~~عاينوا PageV02P1236 # حكمة وعلما، فأعلمهم الله أنه لم يزل كذلك هذا مذهب سيبويه. وقال المبرد: ~~ليس في قوله: (كان) دليل على نفي أنه كان ذلك في الحال وفي الاستبقال. # وفيها قول ثالث وهو: أن كان يخبر بها عن الحال كما قال: {كيف نكلم من كان ~~في المهد صبيا} [مريم: 29]، وقول رابع: أن الإخبار من الله عز وجل في ~~الماضي والمستقبل واحد لأنه عنه معلوم. # ومعنى {يوصيكم} يفرض عليكم فلفظه لفظ الخبر، ومعناه الإلزام كما قال: -[" ~~ذلكم وصاكم به أي فرضه عليكم ". وقيل معناه: يعهد إليكم إذا مات منكم ميت ~~وخلف] أولادا أن يقسم عليهم على كذا وكذا. # وقوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} وما بعده هو تفسير ما وصاهم به، بين الله ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته الواجب في مواريث من مات منهم في هذه ~~السورة ونسخ به ما كان عليه أهل الجاهلية من توريث الأولاد المقاتلة دون ~~الصغار وتوريث الذكور دون الإناث. # وقال مجاهد وغيره كانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله تعالى بما ~~أحب PageV02P1237 # وفرض هذه السورة ما قد نص عليه. # وروي أن هذه الآية نزلت لما استشهد سعد بن الربيع يوم أحد، وترك بنتين ~~وامرأة، وأباه الربيع، فأخذ أبوه جميع ما ترك على ما ms0446 كانوا عليه في ~~الجاهلية، فأتت امرأة سعد النبي صلى الله عليه وسلم فشكت ذلك إليه مرتين ~~وهي تبكي، وتذكر فقر بنيها، وأنه لا أحد يرغب فيهما لفقرهما، فنزلت آية ~~المواريث {يوصيكم الله في أولادكم}. # قال أبو محمد: وقد كان هذا في علم الله عز وجل أنه سيفرضه علينا، ويجعل ~~لإنزاله علينا سببا، وكذلك جميع ما أنزله علينا من الفرائض وغيرها، قد تقدم ~~علمه بذلك لا إله إلا هو. # قوله: {فإن كن نسآء} أي فإن كان المتروكات نساء. # وقوله: {فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} (فرض الله تعالى لما فوق الاثنين ~~من النساء: PageV02P1238 # الثلثين، وليس للاثنين فرض مسمى، فقال قوم " فوق " هاهنا زائدة والمعنى ~~فإن كان المتروكات نساء اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) كما قال: {فاضربوا فوق ~~الأعناق} [الأنفال: 12] فيكون على هذا القول لا فرض لما فوق الاثنين، ~~والقول فيها إن فرض الاثنين غير منصوص عليه لكن يعطين بالإجماع بدليل النص ~~(الثلثين). # والدليل: هو أن الله تعالى جعل فرض الاثنين من الأخوات: الثلثين بالنص، ~~والابنتان أمس قرابة، وأقرب من الأختين، فوجب ألا ينقص عن فرض الأختين، ~~وأيضا فإن الله تعالى جعل [فرض] الأختين للأم كفرض ما فوق ذلك، (فكذلك يجب ~~أن يكون فرض الابنتين كفرض [الأختين] فما فوق). # ودليل آخر وهو أنه جعل فرض الأخت كفرض البنت، فيجب أن يكون فرض البنتين ~~كفرض الأختين، وكذلك أعطى الأخوات الجماعة الثلثين قياسا على فرض البنات ~~المنصوص عليه، وكان المبرد يقول: إن في الاية دليلا على أن فرض البنتين: ~~الثلثان، وهو أنه قال: {للذكر مثل حظ الأنثيين} (فأقل العدد ذكر وأنثى، ~~فإذا كان PageV02P1239 # للواحدة الثلث دل ذلك على أن للاثنتين) الثلثين. # وقيل: (إن) الابنة لما وجب لها مع أخيها في مال أبيها الثلث، كانت أحرى ~~أن يجب لها في مال أبيها مع أختها أيضا الثلث، ويكون لأختها معها مثلما وجب ~~لها وهو الثلث، فوجب للابنتين الثلثان بهذا الاستدلال. # والهاء في {لأبويه} تعود على الميت، ولم يجر له ذكر، لكن الكلام يدل ~~عليه، والأولى من ms0447 هذا كله أن تكون الابنتان أعطيتا الثلثين لفعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقد روي عنه أنه أعطى للابنتين الثلثين. # وقيل: أعطيتا الثلثين بالإجماع. # والأولاد فيما ذكر الله تعالى هم أولاد الصلب الذكور والإناث وولد الابن ~~خاصة وإن سفلوا الذكور والإناث، وكذلك ولد ابن الابن ابن الابن إذا نسب إلى ~~الميت من قبل آبائه والأعلى يحجب الأسفل إلا أن يكون الأعلى أنثى، فإن لها ~~ما للبنت، والباقي لمن هو أسفل منهما من ولد الابن إذا كان فيهم ذكر، ولهذا ~~تبيين يطول ذكره، وهو مذكور في كتاب الفرائض، وكذلك الابنتان لهم الثلثان ~~والباقي لمن هو PageV02P1240 # أسفل منهما إذا كان فيهم ذكر. # قوله: {فإن كان له إخوة} الآية. # مذهب بعض الصحابة وبعض الفقهاء أن الإخوة الذين يحجبون الأم عن الثلث إلى ~~السدس هم ثلاثة فما فوق ذلك لقوله (إخوة فأتى بلفظ الجمع)، وقال أكثرهم، ~~وكثير من الفقهاء (وإن كانوا أخوة، رجالا ونساء) وهو مذهب زيد الاثنان ~~يحجبان الأم كالثلاثة والإخوة في الآية يراد بهم اثنين فما فوقهما، وإنما ~~جاز أن يقع لفظ الجماعة للاثنين لأنهما شبها بالشيء الذي ليس في الإنسان ~~منه غير عضو (واحد) كقولك: الزيدان صغت قلوبهما وخرجت أنفسهما، وفقئت ~~أعينهما، فلما جمع في موضع التثنية كان هو المشهور عن العرب، وأتى به ~~القرآن، شبه الشخصان بالأعضاء التي في كل واحد منهما عضو واحد في موضع ~~التثنية (كما يجمع الأعضاء في موضع التثنية). # والشبه الذي بينهم أن الشخصين كل واحد غير صاحبه كذلك الأعضاء كل واحد ~~غير الآخر، فأخرج تثنيتهما بلفظ تثنية العضوين. وقال بعض النحويين: PageV02P1241 # ضمك واحد إلى اثنين كضمك واحدا، إلى واحد. وقال: [الخليل]: الاثنان ~~جماعة، وقولهما فعلنا حقيقة، وقول الواحد فعلنا مجاز، وقد قال تعالى: {وإن ~~كانوا إخوة رجالا ونسآء} ولا اختلاف أن هذا يصلح لاثنين فصاعدا. والاثنان ~~جماعة لأنه ضم واحد إلى واحد وجمع واحد إلى واحد وقد قال تعالى: # {وأطراف النهار} [طه: 130] يريد طرفيه إذ ليس له سوى طرفين، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه ms0448 وسلم " ( صلاة) الاثنين جماعة " وقال PageV02P1242 # تعالى: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} ~~[الأنبياء: 78] ثم قال بعقب ذلك {وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء: 78] فأخبر ~~أولا عن اثنين ثم أتى بلفظ الجمع آخرا لأن الاثنين جماعة. # وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {إنا معكم مستمعون} [الشعراء: 15]. # أراد به موسى وهارون المتقدم ذكرهما، وقال في قوله: {أفمن كان مؤمنا كمن ~~كان فاسقا لا يستوون} [السجدة: 18] وإنما أراد به عليا رضي الله عنه ~~والوليد، فجمع (يستوون). # وقالوا في قوله: {وألقى الألواح} [الأعراف: 150] أنهما كانا لوحين فجمع ~~في موضع التثنية، PageV02P1243 # وقالوا في قوله: {أولئك مبرءون مما يقولون} [النور: 26] أنهما عائشة رضي ~~الله عنه وصفوان ابن المعطل، فجمع، والناس يقولون: شهد الشهود على فلان وإن ~~كان إنما شهد عليه شاهدان. ويقولون: أعط هذا لأولادك وإن كان ليس له ولدان، ~~وأهل الحساب على تسمية الاثنين عددا والعدد كثير في المعنى. # وإنما نقصت الأم بالإخوة (وزيدت للأب) لأن على الأب مؤنتهم دون الأم. # قوله: {من بعد وصية يوصي بهآ أو دين} الآية. # " أو " هنا للإباحة، والكلام فيه تقديم وتأخير، والدين هو المتقدم على ~~الوصية وليست " أو " بمعنى الواو، لأن الواو لو كانت لجاز أن يتوهم أن ~~الحكم لا ينفذ إلا باجتماع الدين والوصية. # قوله: {آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} المعنى لا يعلمون ~~أيهم أقرب لهم نفعا في الدنيا والآخرة. # وقال ابن عباس: لا تدرون أيهم أرفع درجة في الجنة، لأن الآباء يشفعون في PageV02P1244 # الأبناء والأبناء يشفعون في الآباء إذا كان [بعضهم] أعلى درجة من بعض رفع ~~الأفل إلى الأعلى. # فالمعنى على هذا لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعا في الآخرة. # وفرض الزوج والزوجة ظاهر في النص غير خفي، فلذلك لم يذكر. # قوله: {فريضة} منصوب على الحال المؤكدة لما قبلها من الفرض، وقيل: هو ~~مصدر لأن معنى قوله {يوصيكم} يفرض عليكم. ثم قال: {فريضة} فأعمل فيه المعنى ~~الذي دل عليه يوصيكم، وهذا قول حسن. # قوله: {وإن كان رجل يورث كلالة ms0449 أو امرأة} الآية. # " نصب (كلالة) على أنه خبر كان عند الأخفش، وإن شئت على الحال يجعل كان ~~بمعنى وقع " ويورث " صفة رجل، وهذا على أن الكلالة هو الميت، وهو قوله ~~البصريين لأنهم يقولون الكلالة الميت الذي لا ولد له، ولا والد وقد روي ذلك PageV02P1245 # عن أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك قال علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن ~~عباس وجابر ابن زيد. # قال البصريون: هو كما تقول رجل عقيم: إذا لو يولد له، مشتق من الإكليل ~~كأن الورثة غير الولد، والولد قد أحاطوا به فحازوا المال. # وقرأ الحسن وأبو رجاء (يورث كلالة) بكسر الراء جعل الكلالة مفعول به. # وقرأ بعض الكوفيين (يورث كلالة) بكسر الراء وتشديد نصب كلالة على أنه ~~مفعول بها. # والكلالة في عاتين الروايتين: الورثة أو المال. PageV02P1246 # وقال أبو عبيدة: كلالة أصله مصدر من كلالة النسب إذا أحاط به، والأب ~~والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلقهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ~~ذهاب الطرفين كلالة كأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب. # وقد قيل: الكلالة الورثة لا ولد فيهم ولا أب وهو قول أهل المدينة وأهل ~~الكوفة، وشاهد هذا القول قراءة الحسن وأبي رجاء المتقدم ذكرهما، ويبعد هذا ~~القول لأجل نصب كلالة لأنه يجب على هذا القول أن ترتفع على معنى يورث منه ~~كلالة. # وقال عطاء: الكلالة المال الذي لا يرثه ولد ولا والد، وهو قول شاذ، فيكون ~~نصبها على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير: يورث وارثه كلالة. # وقال ابن زيد: الكلالة الحي والميت الذي لا ولد له ولا والد. # والكلالة مشتق من الإكليل المنعطف على جبين الملك، ومن الروضة المكللة ~~وهي التي قد حف بها النور، وشبه ذلك بالقمر إذا حا بالإكليل وهو منزلة من ~~منازل القمر ذات نجوم، يقال يتكلله النسب إذا أحاط به، وإنما سمي الميت ~~الذي لا ولد له، ولا والد كلالة لأن كل واحد من الولد والوالد إذا انفرد ~~يحيط بالميراث كله. PageV02P1247 # قوله: {غير مضآر} نصب غير على الحال أي: يوصي بها ms0450 غير مضار. # وقرأ الحسن غير مضار وصية، بالإضافة ولحن في ذلك لأن اسم الفاعل لا يضاف ~~إلى المصدر، ووجهه غير مضار بوصية أي: غير مضار بها ورثته في ميراقهم لا ~~يقدر بما ليس (عليه) ولا يوصي بأكثر من الثلث. # و" وصية " نصب على المصدر. # وأكثر العلماء على أن الكلالة في أول هذه السورة يراد بها الإخوة [من ~~الأم والكلالة في آخر السورة يراد بها الاخوة] من الأب والأم. # قوله: {وله أخ أو أخت} إنما وحد في أوله وقد تقدم ذكر رجل وامرأة، لأن ~~الاسمين إذا تقدما وعطف أحدهما على الآخر بأو، جاز أن تضيف الخبر إليهما أو ~~لأحدهما، إن شئت أن تقول: من كان عنده غلام أو جارية، فيحسن إليه، وإن شئت: ~~إليها وإن شئت إليهما. # قوله تعالى: {تلك حدود الله ومن يطع الله}. الآية. PageV02P1248 # المعنى: تلك فرائض الله. وقيل سنة الله وأمره. وقيل شروط الله، والإشارة ~~بتلك إلى ما تقدم من الحكام في الفراض، والتقدير تلك القسمة حدود الله لكم ~~يبين الحق والباطل تنتهون إليها، فمن يطع الله ورسوله في تنفيذها وغير ذلك ~~يدخله الجنة، ومن يعصيه ويتعد حدوده في ترك تنفيذها يدخله النار، ويخلده ~~فيها إذا مات مصرا على ذلك، والهاء في " حدوده " تعود على الرسول لأنه ~~المبلغ لحدود الله. # قوله: {واللاتي يأتين الفاحشة} الآية. # " اللاتي " لا تكون إلا للنساء. والمعنى: والنساء اللاتي يأتين الفاحشة، ~~فاستشهدوا عليهن فيما آتين أربعة رجال، فإن شهدوا عليهن بالفاحشة {فأمسكوهن ~~في البيوت} حتى يمتن {أو يجعل الله لهن سبيلا} أي: طريقا إلى النجاة فكانت ~~المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان هذا قبل نزول الحدود، فلما ~~نزل: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} [النور: 2]، نسخ ~~ذلك. PageV02P1249 # قال عطاء: السبيل: الحدود والرجم، والجلد. # قال السدي: نزلت هذه الآية في التي دخل بها إذا زنت، فإنها تحبس في البيت ~~ويأخذ زوجها مهرها. # قال الله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة} قال: هي الزنا، ثم ms0451 جاءت الحدود فنسختها فجلدت ورجمت وصار ~~مهرها ميراثا فكان السبيل هو الحد الذي نزل. # وقيل: إن حكم الزاني والزانية الثيبين والبكرين كان أن يحبسا حتى يموتا، ~~فنسخ الله ذلك بالآية التي بعدها وصار حكمهما أن يؤذيا بالسب والتعيير ~~لقوله " فآذوهما " ثم نسخ ذلك بالحدود، هذا قول الحسن وعكرمة وروي عن عبادة ~~بن الصامت. # وقال قتادة كان حكم البكرين الزانيين أن يؤذيا بالتعيير، وحكم المحصنيين ~~أن يحبسا حتى يموتا، فنسخ بالحدود،: الجلد للبكرين ونفي الرجل بعد الجلد ~~عاما، PageV02P1250 # والرجم على الثيبين بعد الجلد، والجلد في جميعهم مائة. # وقال مجاهد: {واللاتي يأتين الفاحشة} عام لكل ثيب وبكر من النساء ~~{واللذان يأتيانها منكم} عام لكل من زنى من الرجال خاصة ثيبا كان أو بكرا، ~~وهو مروي عن ابن عباس. واختاره النحاس وغيره، لأنه قال {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسآئكم} ولم يقل منكم، وقال {واللذان يأتيانها منكم} أي يأتين ~~الفاحشة منكم يريد الرجال بعد ذكر النساء، ثم نسخت الآيتان بالحدود. # وقد اختلف في الحد على الثيب فقال علي رضي الله عنه: الجلد ثم الرجم، ~~وقال: أجلد بكتاب الله، وأرجم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبه قال ~~الحسن وإسحاق. وأكثر العلماء على ان عليه الرجم دون الجلد، وهو مروي عن عمر ~~رضي الله عنه وهو [قول] PageV02P1251 # مالك، والشافعي، والكوفيين والأوزاعي والنخعي، فمنهم من قال: إن الجلد ~~منسوخ عن المحصن بالرجم جعل سنة تنسخ القرآن، ومنهم من قال هو منسوخ بما ~~حفظ لفظه ونسخ رسمه في المصحف من قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~البتة. # واختلف في نفي البكر: فقال العمران ما: يجلد ولا ينفى، وكذلك قال عثمان ~~وعلي وابن عمر رضي الله عنهما وهو قول عطاء وسفيان ومالك، والشافعي، وابن ~~أبي ليلى، وأحمد وإسحاق وغيرهم. PageV02P1252 # واختلف في المعترف في الزنا. فقال الحسن إذا اعترف (يحد) وهو قول الشافعي ~~وأبي ثور، وروي عن مالك أنه قال: إذا اعترف من غير محنة يحد، وإن اعتذر، ~~وذكر عذرا يمكن قبل منه، وإن اعترف بمحنة قبل منه ms0452 الرجوع عن اعترافه. # وقال قوم: لا يحد حتى يعترف أربع مرات في موضع أو في مواضع قال مالك: لا ~~يقام عليه الحد إن كان بعذر وهو مذهب الأوزاعي. # وأما الإحصان الذي يجب معه الرجم فهو الوطء للمسلمة الحرة بنكاح صحيح، ~~فإن كان فاسدا لم يكن محصنا بذلك النكاح في قول عطاء وقتادة والليثي PageV02P1253 # ومالك، والشافعي وغيرهم، وقال غيرهم من الفقهاء: يحصن بذلك النكاح. # وروي عن علي وجابر بن عبد الله في الذمية إذا دخل بها، والمسلمة سواء، ~~وعند الحسن البصري وعطاء والزهري، وقتادة ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ~~يحصن (المسلم)، ولا يحصن المسلم الذمية. # وروي عن ابن عمر أنها لا تحصنه (وهو قول الشعبي وعطاء والنخعي ومجاهد ~~والثوري. # والأمة يدخل بها الحر تحصنه عند ابن المسيب والزهري، ومالك، والشافعي. ~~وقال عطاء والحسن البصري وابن سيرين، وقتادة، والثوري وغيرهم: لا تحصنه ~~فأما الحرة تكون تحت العبد فهو يحصنها عند (ابن) المسيب والحسن البصري، PageV02P1254 # ومالك، والشافعي، وأبي ثور وغيرهم. # وقال عطاء والنخعي، وأصحاب الرأي: لا يحصنها. # ومذهب مالك والشافعي والأوزاعي في الصبية التي لم تبلغ (يدخل بها البالغ ~~الحر: أنها تحصنه، ولا يحصنها، وقال أصحاب الرأي لا تحصنه الصبية، ولا ~~المجنونة). # وقال الشافعي تحصنه المجنونة إذا دخل بها. # وقال مالك في الصبي: إذا جامع امرأته لا يحصنها. PageV02P1255 # وقال ابن عبد الحكم: لا يحفر للمرجوم ويرجم على وجه الأرض وهو قول أصحاب ~~الرأي، وقال غيره: يحفر له، وكلهم قالوا: يرجم حتى يموت. # قوله: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} الآية. # المعنى عند الطبري: الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة منكم أي: من ~~رجالكم {فآذوهما}، قيل: يعني بذلك غير المحصن، وبالذي قبلها: المحصنان. ~~وقيل: عنى بذلك الرجلان الزانيان. # وقيل: هذه الآية والتي قبلها منسوخة بالحدود، وعليه العمل عند الصحابة ~~والعلماء. وقيل: هي ناسخة لما قبلها ومنسوخة بالحدود. PageV02P1256 # ومعنى {فآذوهما} فسبوهما وعيروهما، ونحوهما. # وقال ابن عباس: معناها: يؤذيان باللسان ويضربان بالنعال. # والسبيل في الآية التي قبلها هي الحدود التي نزلت في النور. # قوله: {إنما التوبة على الله للذين يعملون ms0453 السوء بجهالة} الآية. # معناها عندها الطبري: أن التوبة ليست لأحد إلا الذين يعملون السوء، وهم ~~جهال: ثم يتوبون قبل الموت، فإن الله يتوب عليهم، وأكثر الصحابة على أن كل ~~ذنب فعله الإنسان فعل جهالة عمدا كان أو غير عمد. # قال مجاهد: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى يتوب عن ذلك، وعلى ذلك أكثر ~~التابعين وأهل التفسير. # وقد قال الضحاك: إن الجهالة: العمد خاصة وروي مثله عن مجاهد. # وقال عكرمة: الجهالة: الدنيا. فالمعنى على قوله: للذين يعملون السوء في PageV02P1257 # الدنيا، وقال: الدنيا كلها جهالة. # وقيل معنى: {بجهالة} أي: بجهالة منهم لما في الذنب من العقاب عمدوا ذلك ~~أو جهلوه. وقيل: الجهالة أن يعمل المعصية وهو يعلم أنها معصية، فإن لم يعلم ~~ذلك، فهو خطأ وليست بجهالة. # قوله: {ثم يتوبون من قريب} الآية. # أي: في صحة لا مرض فيها قبل نزول إمارات الموت، قاله ابن عباس والسدي ~~وغيرهما، وقيل: المعنى من قبل معاينة الموت (وروي ذلك عن ابن عباس، وقاله ~~الضحاك، وقال عكرمة وابن زيد " من قريب " من قبل الموت). # وقد روي قتادة عن أبي قلابة أنه قال: ذكر لنا أن إبليس لعنه الله لما لعن ~~وأنظر قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، قال الله عز ~~وجل: لا PageV02P1258 # أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ~~". # وقال أهل المعاني: " ثم يثوبون " قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها ~~أمر الله عز وجل ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم {فأولئك يتوب ~~الله عليهم} أي: يرزقهم إنابة إلى طاعته ويتقبل منهم توبتهم إليه. # قال الأخفش: قال إني تبت الآن " تمام وخولف في ذلك لأن و {الذين يموتون} ~~عطف على " الذين " الأول. # قوله: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات} الآية. PageV02P1259 # المعنى: ليست لمن يصر على معاصي الله حتى إذا حشرج بنفسه وعاين ملائكة ~~ربه قد أتوا لقبض روحه قال في نفسه أتوب الآن وهو موقن من ms0454 الموت لا يطمع في ~~حياة، هذا لا توبة له يضمرها، لأنه غير مستطيع لإظهارها. # قال ابن عمر: التوبة مبسوطة ما لم يسق. وعنى بذلك أهل النفاق. # وقال ابن الربيع: نزلت الأولى في المؤمنين يعني قوله: {إنما التوبة على ~~الله} ونزلت الثانية - الوسطى - في المنافقين وهي قوله: {وليست التوبة} ~~ونزلت الآخرة في الكفار يعني قوله: {ولا الذين يموتون وهم كفار} لا توبة ~~لهم في الآخرة إذ ليست بدار عمل. # وقيل: هي في أهل الإسلام، وذكر عن ابن عباس أنه منسوخة بقوله: {إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} [النساء: 48 و116]، قال: ~~فحرم الله المغفرة على من مات، وهو PageV02P1260 # كافر، وإرجاء أهل التوحيد إلى مشيئته ولم يؤيئسهم من المغفرة. والسيئات ~~هنا: ما دون الكفر. # ومعنى {أعتدنا} - وهو أفعلنا - من العتاد. # قولهم: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها} الآية. # الكره والكره لغتان بمعنى عند البصريين والكسائي. # وقال الفراء: الكره بالفتح أن يكون على الشيء، والكره المشقة، هذا معنى ~~قوله. # وقال القتبي: الكره بالفتح بمعنى القهر والضم بمعنى المشقة. # ومعنى الآية عند أبي بكير وغيره: أنها نهي للرجل يحبس المرأة، وليس له ~~بها حاجة رجاء أن يرثها، ونهاه أن يعضلها حتى تفتدي منه بما أخذت منه، أو ~~ببعضه. # وقوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}، معناه أن تشتم عرضه، أو تخالف أمره ~~وتبذو PageV02P1261 # عليه، فكل فاحشة (نعتت) مبينة فهي من البذاء باللسان، وكل فاحشة مطلقة ~~فهو الزنا، والزنا يستر ويخفى، فلا تكون مبينة، والنطق بالبذاء يظهر، فهو ~~مبين من لسان فاعله، ودل (على) ذلك قوله: {يانسآء النبي من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة} [الأحزاب: 30] عنى بذلك مخالفة (أمر) الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والأذى بالنطق ونعوذ بالله من أن يعني بذلك أنه كانت المرأة في الجاهلية ~~إذا مات زوجها كان ابنه من غيرها، أو قريبه أولى بها من غيرهما، ومنه ~~بنفسها، فإن شاء نكحها وإن شاء منعها من التكاح وهو العضل فحرم الله ذلك ms0455 ~~على المؤمنين بهذه الآية. # فمعنى الوراثة هو أن يأخذها لنفسه، ويكون بها أولى من ولي نفسها، ومن ~~غيره، ومعنى العضل: أن ياخذها ويمنعها من تزوج غيره، كذلك قال جماعة أهل ~~التفسير، PageV02P1262 # ولكن اختلفوا (فقبل كان ذلك سنة قريش في الجاهلية). # وقيل: كان ذلك سنة الأنصار. # وقيل: كان ذلك سنة الجميع يمنع امرأة قريبه أن تتزوج ويغصبها نفسها إن ~~شاء. # قال الضحاك: كان الرجل إذا مات وترك امرأته أتى حميمه، فألقى ثوبه عليها، ~~فورث نكاحها وكان أحق بها، وكان ذلك عندهم نكاحا، فإن شاء أمسك حتى تفتدي ~~منه، وقال ابن عباس: كان حميم الميت يلقي ثوبه على امرأته فإن شاء تزوجها ~~بذلك، وإن شاء حبسها حتى تموت، فيرثها فذلك. # قوله: {لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها} لأنهم يمنعونها من التزويج حتى ~~تموت، فيرثها بذلك إلا أن تذهب إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبه فتكون أحق ~~بنفسها، كذلك حكمهم فيها. وقال زيد بن أسلم: كان الرجل إذا مات في الجاهلية ~~ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد. وكان ~~أهل تهامة يسيء الرجل صحبة (المرأة) حتى يطلقها، أو يشترط عليها ألا تنكح ~~إلا من PageV02P1263 # أراد حتى تفتدي ببعض ما أعطاها، فنهى الله عن ذلك. # وقال مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها كان نكاحها بيد ابن ~~زوجها، يعني من غيرها، فإذا ماتت قبل أن تنكح كان ميراثها له، فكان الرجل ~~يعضل امرأة أبيه عن النكاح حتى تموت فيرثها فنهى الله عن ذلك ونسخه. # قوله: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض} الآية. # أي: تحبسوهن عن النكاح لتأخذوا من أموالهن إذا متن ما كان موتاكم ساقوا ~~لهن من صدقاتهن، قال ذلك ابن عباس والحسن وعكرمة فهو خطاب عند هؤلاء لورثة ~~الميت. # وروي عن ابن عباس في معناها أيضا أنها في مخاطبة الأزواج ألا يحبسوا ~~النساء وهم كارهون لهن ليأخذوا منهن ما دفعوا إليهن. # قال قتادة المعنى: لا ينبغي لك أن تحبس امرأتك وأنت كاره لها لتفتدي منك. ~~وقال ms0456 بعض أهل التفسير نزل صدر الآية في الجاهلية، وآخرها في أمر الإسلام ~~فقوله: {لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها} في الجاهلية. # وقوله: {ولا تعضلوهن} في الإسلام وهو ما ذكرنا من قول قتادة وما روي عن PageV02P1264 # ابن عباس. وقال الضحاك: العضل أن يكره الرجل المرأة حتى تفتدي منه قال ~~الله: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض}. وقيل: إن المنهي عن العضل ~~هنا أولياء النساء، قاله مجاهد، وقال ابن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ~~ينكح الرجل المرأة الشريفة ثم لا توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، ~~فيشهد بذلك عليها، فإذا خطبها الخاطب لم تتزوج حتى تعطي الأول، وترضيه ~~فيأذن لها وإلا منعها. # وقوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} الآية. # سمح للأزواج في المضارة إذا أتين بفاحشة ظاهرة يفتدين ببعض ما أعطوهن قال ~~ذلك الحسن. # وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة سلمت إليه ما أخذت منه، ~~وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. # وقال أبو قلابة: للرجل أن يضار بالمرأة إذا أتت بفاحشة، ويضيق عليها حتى ~~تختلع منه. # وقال ابن عباس: الفاحشة هنا النشوز، إذا نشزت وجاز له أن يأخذ منها PageV02P1265 # الفدية. وقيل: الفاحشة هو بذاء اللسان على زوجها، والزنى، والنشوز، فله ~~إذا فعلت شيئا من ذلك أن يأخذ منها الفدية ويضارر بها حتى تفتدي منه، وإذا ~~كانت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنا واللواط. # قوله: {وعاشروهن بالمعروف} الآية. # أي: صاحبوهن بالمعروف في المبيت والكلام. وقيل: المعروف إمساكهن بأداء ~~حقوقهن التي لهن عليكم أو تسرحوهن بإحسان. قوله: {فإن كرهتموهن} الآية. # {خيرا كثيرا} أي: في إمساكه {خيرا كثيرا} أي: في الصبر على إمساك ما ~~تكرهون. # فالهاء في " فيه " تعود على الإمساك. قال مجاهد المعنى: ويجعل الله في ~~الكراهة خيرا كثيرا. قال السدي: {ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} أي: الولد. # قال ابن عباس: خيرا كثيرا أي: يعطف عليها، ويرزق منها ولدا ويجعل الله في ~~ولدها خيرا كثيرا. # فالهاء في (فيه) على قول مجاهد تعود على الكراهة. PageV02P1266 # قوله: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} ms0457 الآية. # نهى الله المؤمنين أن يأخذوا من أزواجهم شيئا، وإذا أرادوا طلاقهن ~~ليستبدلوا بهن غيرهن. والقنطار: المال الكثير وفي تحديد عدده اختلاف قد ~~ذكرناه في آل عمران، والبهتان: الباطل: # {أتأخذونه} كله على طريق التحذير والتوبيخ ألا يؤخذ منهن شيء، وإن كثر ما ~~عندهن، وهو تحذير لمن فعله ومعنى {أفضى بعضكم إلى بعض} الملامسة والمباشرة ~~أي: تلامستم وتباشرتم، وأصل الإفضاء في اللغة: المباشرة والمخاطبة، يقال: ~~القوم فوضى فضا أي: مختلطون لا أمير لهم، فالإفضاء في هذه المواضع عند أكثر ~~العلماء PageV02P1267 # الجماع في الفرج. # {وأخذن منكم ميثاقا غليظا}: هو الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، ~~وهذا قول عامة الفقهاء. وكان في عقد النكاح قديما أن يقال للناكح: " الله ~~عليك " أي: " لتمسك بالمعروف أو تسرح بإحسان ". # وقال ابن زيد: رخص عليهم بعد ذلك فقال: {إلا [أن] يخافآ ألا يقيما حدود ~~الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ~~[البقرة: 229] وهذه ناسخة لتلك في قوله. وأكثر الناس على أنها محكمة فليس ~~له أن يأخذ منها إذا أراد أن يستبدل بغيرها شيئا مما أعطاها، وأجاز له في ~~البقرة أن يأخذ منها إذا أرادت هي طلاقها لتفتدي منه إذا كان كارها للطلاق، ~~وليس في حكم إحدى الآيتين نفي للأخرى فكلاهما محكم، تلك يجوز أن يأخذ منها ~~لأنها مريدة للطلاق وهو كاره، وهذه لا يجوز أن يأخذ منها لأنه هو المريد ~~للطلاق ليستبدل غيرها. # {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} الآية. PageV02P1268 # قوله: {إنه كان فاحشة} إنما دخلت كان عند المبرد هاهنا زائدة، والمعنى ~~أنه كان فاحشة على كل حال ويكون. وقال الزجاج: لا يجوز زيادة كان هاهنا ~~لأنها قد عملت، ولكنها غير جائزة، ومعناها أنه كان مستقبحا عندهم، ~~والجاهلية يسمونه فاحشة فخوطبوا بما كان عندهم. # وقوله: {إلا ما قد سلف} هو أن الأبناء كانوا في الجاهلية ينكحون نساء ~~آبائهم وهو من الاستثناء المنقطع، المعنى لكن ما سلف دعوة فإنه مغفور، وقيل ~~المعنى {إلا ما قد سلف}. فإنكم لا تؤاخذون به. # قال ابن بكير: نهى ms0458 الله عز وجل أن يفعلوا (ما كان) أهل الجاهلية يفعلونه ~~كان الرجل يخلف أباه على زوجته إذا توفي الأب، وقوله: {إلا ما قد سلف} ~~معناه لكن ما قد سلف في الجاهلية و {إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا} فهو ~~ذم لما كانوا عليه. # ذم الله تعالى ما كانوا عليه في آخر الآية، ونهى عنه في أولها هذا معنى ~~قول ابن بكير، ف، " ما " بمعنى من في هذه الأقوال، والمعنى: ولا تتزوجوا ~~النساء اللواتي تزوجهن آباءكم، فحرم الله أن يتزوج الرجل المرأة التي ~~تزوجها أبوه دخل بها أو لم يدخل، لأنه إذا عقد عليها فهو نكاح، وحرم أن ~~يتزوج الرجل زوجة ابنه مثل قوله PageV02P1269 # تعالى: {وحلائل أبنائكم} دخل الابن بها، أو لم يدخل تحرم على الأب ~~بالعقد. # وقيل: معنى الآية: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم}: كنكاح آبائكم الفاسد الذي ~~لا يجوز مثله في الإسلام، لكن ما سلف فإنه معفو عنه. والمعنى عند الطبري، ~~ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم، إلا ما قد سلف في الجاهلية، ومضى ب {إنه ~~كان فاحشة ومقتا}، فمن متعلقة عنده بتنكحوا {ما نكح} بمعنى استثناء منقطع، ~~وهو قول أهل التأويل فيما ذكره الطبري لأن " ما " لا تكون لمن يعقل، فقال: ~~ولو كان المعنى لا تنكح النساء اللواتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع (ما) ~~من وهو معنى قوله الزجاج، فالنهي إنما وقع على ألا ينكحوا مثل (نكاح) ~~آبائهم، ولم يقع على ألا ينكحوا حلائل الأبناء، والقول الأول يكون النهي ~~إنما وقع على ألا ينكحوا حلائل الأبناء (فتكون)، " ما " لمن يعقل. # وقيل: المعنى {إلا ما قد سلف} من فعلكم ذلك، فإنه كان فاحشة ومقتا، فلا PageV02P1270 # تفعلوه، فحرم الله نكاح ما نكحه الآباء ومثله {وأن تجمعوا بين الأختين ~~إلا ما قد سلف} أي ما سلف من فعلكم، فإنه مغفور لكم، فلا تفعلوه الآن، فهو ~~حرام. # وقوله: {إنه كان فاحشة ومقتا} أي لم يزل كذلك. # وقيل: كان زائدة والمعنى إنه فاحشة. # وعقد الأب على الابن، وكذلك عقد الابن يحرم على ms0459 الأب بإجماع. # ومعنى: {إنه كان فاحشة} أنهم كانوا يفعلونه، ويعلمون قبحه. # ومعنى {ومقتا} هو أنهم كانوا إذا ولد للرجل ولد من امرأة أبيه سمي ولد ~~مقت، وأولاده المقت معروفون عند أهل النسب يقولون: فلان مقتي النسب، والمقت ~~أشد البغض. # {وسآء سبيلا} أي: ساء فعلهم طريقا، ونصبه على التفسير والبيان. PageV02P1271 # قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} الآية. # حرم عليكم نكاح أمهاتكم، حرم الله تعالى في هذه الآية من النسب سبعا، ومن ~~الصهر سبعا: فالتي من النسب: الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ ~~وبنت الأخت، والتي من الصهر: الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، وأم ~~الزوجة، وبنت الزوجة المدخول بها، وامرأة الابن من نسب، أو رضاعة، والجمع ~~بين الأختين، والسابعة قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء} والعمات ~~وإن بعدن مثل العمات وإن قربن، وبنات الأخ والأخت وإن بعدن مثل من قرب ~~منهن. # واختلف في أمهات النساء اللوتي لم يدخل بهن إذا ماتت البنت قبل الدخول. ~~يروى عن علي رضي الله عنه: جواز نكاحها وعن زيد بن ثابت مثله، جعلها ~~كالربيبة تحرم إذا دخل بأمها، ولا تحرم إذا لم يدخل بالأم وإن كان عقد. # وقال جماعة من العلماء والصحابة والتابعين غير ما ذكرنا أنها تحرم، وإن ~~لم يدخل بالبنت، وليس مثل الربيبة لأنها قد نص عليها أنها لا تحرم إلا ~~بالدخول بالأم، فنعتها بقوله: {الاتي دخلتم بهن}. فهو نعت للنساء اللاتي ~~خفضن " بمن " ولا يحسن أن يكون نعتا للنساء المخفوضات بالإضافة، لاختلاف ~~العاملين، فقد أجازه الكوفيون PageV02P1272 # وهو تأويل على قول علي وزيد بن ثابت إذ جعل أم الزوجة لا تحرم إلا ~~بالدخول بالبنت. وقد بينا هذه المسائل مفردة في غير هذا الكتاب وفيما أشرنا ~~إليه في هذا كفاية. # وكل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا والأخرى (أنثى) ولا يحل أحدهما لصاحبه، ~~فلا يجوز الجمع بينهما، هذا أصل جامع في تحريم الجمع بين امرأتين، ومعنى ~~الدخول هنا الجماع، وقيل الدخول: هو التجرد للفعل، وإن لم يفعل. # وقال الزهري في الرجل يلمس أو يقبل أو ms0460 يباشر ينهى عن ابنتها. # (وحلائل الأبناء) أزواجهم، وسميت حليلة لأنها تحل معه في فراش واحد، وكل ~~العلماء أجمع على أن حليلة ابن الرجل تحرم عليه بعقد ولده عليها، وإن لم ~~يدخل. # ومعنى قوله: {الذين من أصلابكم} أي: الذين ولدتموهم دون الذين تبنيتموهم، ~~فإما حلائل الأبناء من الرضاع فبمنزلة حلائل الأبناء من الأصلاب لأن الله ~~تعالى قد جعل الأختين من الرضاعة كالأخت من النسب، والأم من الرضاعة PageV02P1273 # كالأم من النسب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يحرم من الرضاع ما ~~يحرم من النسب "، فزوجة الابن من الرضاعة تحرم على الأب بالعقد كزوجة الابن ~~من البنت قال عطاء: كنا نتحدث أنها نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~نكح امرأة زيد بن حارثة، وقال (كان) النبي صلى الله عليه وسلم تبناه، فتكلم ~~المشركون في ذلك فنزلت {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [أي] لا الذين ~~تبنيتموهم، ونزلت # {وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم} [الأحزاب: 4]، ونزلت {ما كان محمد أبآ أحد من ~~رجالكم} [الأحزاب: 40]. # وإذا اشترى الرجل الجارية فباشرها، أو عشرها، أو قبل، ولم يجامع حرمت على ~~ابنه، وعلى أبيه في قول مالك، وأكثر العلماء، وابن الابن وإن سفل بمنزلة ~~الابن في هذا كله والجد بمنزلة الأب وإن علا في هذا كله فاعلمه، والوطء في ~~النكاح الفاسد PageV02P1274 # حكمه في التحريم كحكم النكاح الصحيح يحرم ما يحرم الصحيح، هذا مذهب مالك ~~زالشافعي وسفيان، وغيرهم من الفقهاء، والجمع بين الأختين في النكاح حرام ~~بالنص فأما بالملك فإن عثمان قال: أحلتهما آية وحرمتهما أخرى أما أنا فلا ~~أحب أن أصنع ذلك. # قوله: {وربائبكم الاتي في حجوركم} كل العلماء على تحريم الربيبة التي دخل ~~بأمها كانت في حجر الزوج أو لم تكن في حجره إلا ما روي عن علي رضي الله ~~عنه: أنه أجاز نكاح الربيبة بعد موت أمها إذا لم تكن في حجر الزوج اتباعا ~~لظاهر الآية لأن الله قال: {الاتي في حجوركم} أي في بيوتكم. وسئل عمر عن ~~المرأة وابنتها من ملك اليمين هل يطأ إحداهما بعد ms0461 الأخرى، فنهى عن ذلك ~~وحرمه. وقال علي رضي الله عنه: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا ~~العدد. # وكره ابن مسعود رضي الله عنه الجمع بينهما من ملك اليمين فقال له رجل: ~~يقول الله: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] فقال له ابن مسعود: وبعيرك ~~مما ملكت يمينك. PageV02P1275 # وأكثر العلماء على كراهة ذلك، ولم يحرموه. لكن من أراد وطأ الأخرى ~~(فليخرج الأولى من ملكه بما يحرم على نفسه فرجها، بعتق أو بيع أو هبة، ويطأ ~~الأخرى). هذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وفعله ابن ~~عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن والأوزاعي، وقال قتادة: إذا أراد أن يطأ ~~الأخرى اعتزل الأولى، فإذا نفقت عدتها وطئ الثانية، ويضمر في نفسه ألا يقرب ~~الأولى. # وقال النخعي: إذا كانت عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما حتى يخرج الأولى ~~عن ملكه، وقال الحكم وحماد. # وقوله: {إلا ما قد سلف} أي: ما مضى في الزمن الأول فإنه كان حلالا، وروي ~~أن يعقوب عليه السلام تزوج أختين أم يوسف وأم يهودا، وكان ذلك لجميع المم ~~فيما ذكر [فحر] م الله عز وجل على هذه الأمة رحمة منه لهم لما يلحق النساء ~~من الغيرة، فيوجب التقاطع والعداوة بين الأختين. # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، ~~وقال: " يحرم من الرضاع PageV02P1276 # ما يحرم من النسب " فإذا أرضعت المرأة غلاما بم يتزوج شيئا من أولادها ~~إلا ما ولدت قبل الرضاع لا بعده، وجائز أن يتزوج إخوته من أولاد المرأة إن ~~شاءوا. وكذلك إن أرضعته جارية لم يحل لها أن تتزوج أحدا من أولادها، ~~ولأخواتها أن يتزوجن أولاد المرأة المرضعة إن شاؤوا. # وكره الحسن وعكرمة أن يتزوج الرجل (امرأة رجل وابنته من غير المرأة ويجمع ~~بينهما، وكل الفقهاء على جوازه. # وكره طاوس أن ينكح الرجل) المرأة وينكح ابنه ابنتها إذا كانت ولدتها بعد ~~وطء الأب لها (وكل الفقهاء على جوازه، فإن كانت ولدتها قبل وطء الأب لها) ~~فلم يكرهه ms0462 أحد. # قوله: {والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم} الآية. PageV02P1277 # قال مالك في قوله {إلا ما ملكت أيمانكم}: هن السبايا ذوات الأزواج، أي: ~~وطؤهن جائز لكم يعني لهن أزواج بأرض الشرك أحلهن الله لنا، يعني بعد ~~الاستبراء والمحصنات هنا ذوات الأزواج وقوله {إلا ما ملكت أيمانكم} يريد به ~~إلا ما ملكت من ذوات الأزواج التي فرق بينهن وبين أزواجهن السباء. # قال ابن عباس: وطء كل ذات زوج زنا إلا ما سبي، وكذلك قال ابن زيد وابو ~~قلابة ومكحول والزهري. # فالمعنى: حرمت عليكم النساء اللواتي أحصنهن الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم ~~من ذوات الأزواج السبايا فإنه حلال لكم، ونزل ذلك في سبي (أصاب) المسلمون ~~بأوطاس لهن أزواج فكرهوا أن يقعوا عليه ولهن أزواج، فسألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فنزلت {إلا ما ملكت أيمانكم} من السبايا ولهن أزواج في ~~بلد الشرك، وإنهن حلال لكم يعني: بعد الاستبراء. وقال آخرون: المعنى في ~~{إلا ما ملكت أيمانكم} أي: وطئهن جائز لكم يعني بعد الاستبراء، إن الله حرم ~~نكاح المحصنات بالأزواج، واستثنى ملك اليمين، وهي المملوكة، ذوات الزوج ~~يبيعها مولاها سيكون بيعها طلاقها PageV02P1278 # وتحل للمشتري. # قال ابن عباس وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله: بيع المملوكة طلاقها. # وقال أبو العالية " والمحصنات هنا العفائف التي أحصنهن عفافهن، وهو مردود ~~إلى أول السورة، والمعنى عنده {فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ~~ورباع} [النساء: 3] ثم حرم ما حرم من النسب والصهر، ثم قال: (والمحصنات من ~~النساء) أي: إنهن حرام إلا بصداق وولي وشهود، ويجب على هذا القول نصب ~~المحصنات لأنه عطف على مثنى وما بعده. # وقال ابن جبير وعطاء: {والمحصنات من النسآء} حرم الله المحصنات فوق ~~الأربع مع تحريم القرابة المذكورة. # وقيل المعنى: {إلا ما ملكت أيمانكم} بنكاح أو ملك، فحرم الله ذوات ~~الأزواج من النساء ما حرم قبله من ذوي الأرحام، واستثنى ما ملكت اليمين ~~بعقد نكاح صحيح أو بثمن، قال ذلك مجاهد، وقيل: المحصنات: الحرائر، وقال أبو ~~سعيد الخدري رضي ms0463 الله عنه: إن الآية نزلت في نساء مهاجرات قدمن المدينة، ~~فتزوجهن بعض PageV02P1279 # المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن. # وروي أن ابن عباس كان يتوقف في تفسير هذه الآية، قال ابن جبير: كان ابن ~~عباس لا يعلمها. # وروي عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إ'ليه أكباد ~~الإبل يعني {والمحصنات من النسآء}. # والإحصان: يكون بالحرية كقوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} ~~[المائدة: 5] يريد الحرائر من أهل الكتاب ويكون بالإسلام كقوله: {فإذآ أحصن ~~فإن أتين بفاحشة} [النساء: 25] على قراءة من فتح الهمزة يريد أسلمن، ويكون ~~بالعفة كقوله: # {والذين يرمون المحصنات} [النور: 4]، يريد العفائف، ويكون بالزوج. # والفائدة في قوله: {من النسآء} أن المحصنات يقع على معنى: والأنفس ~~المحصنات فيكون للرجال والنساء، فبين أنه للنساء بقوله {من النسآء} دليل ~~ذلك أنه قال: {والذين يرمون المحصنات} فلولا أنه يراد به الأنفس المحصنات ~~لم يحد من قذف رجلا بالنص على ما ذكرنا. PageV02P1280 # قوله {كتاب الله عليكم} نصب: كتاب (الله) عليكم: المصدر عند سيبويه، لأنه ~~لما قال {حرمت عليكم} على أنه كتب ذلك، فالمعنى كتب الله عليكم ذلك كتابا، ~~وقيل نصبه على الإغراء أي: الزموا كتاب الله، وهذا قول ضعيف مردود، وهو قول ~~الكوفيين لأن عليكم هو الذي يقوم مقام الفعل في الإغراء، وهو لا ينصرف ولا ~~يجوز تقديم المفعول عليه عند أحد، لا يجوز زيد عليك، ونصبه عند بعض ~~الطوفيين على الحال كأنه قال: كتاب الله عليكم. # ومعنى {كتاب الله عليكم} قال عطاء والنخعي هو الأربع لا يزيد عليهن، ~~وقاله السدي، وقال ابن زيد: معناه أمر الله عليكم، يريد ما حرم الله من ~~هؤلاء وما أحل لهم، وقرأ {وأحل لكم ما وراء ذلكم} الآية. # ومن فتح الهمزة، فلقرب اسم الله تعالى من الفعل، فأسنده إليه، فتقديره ~~كتاب الله ذلك عليكم، وأحل لكم. ومن ضم فإنه أجراه على أول الآية، لأنه جرى ~~على ترك PageV02P1281 # تسمية الفاعل وهو قوله {حرمت عليكم} فأجرى التحليل على لفظ التحريم ~~لتسابق الألفاظ ولئلا تختلف، ms0464 فكأنه حرم عليكم كذا وأحل لكم كذا، ومعنى {ما ~~وراء ذلكم} ما دون الخمس {أن تبتغوا بأموالكم}، على وجه النكاح، وقال ~~السدي: ما دون الأربع وقال عطاء: {ما وراء ذلكم} ما وراء القرابة التي قد ~~حرمت عليكم أن تبتغوا بأموالكم: المحصنات من الحرائر الأربع والمماليك. # وقال قتادة {ما وراء ذلكم}؛ ما ملكت يمينكم " # وقال الطبري: بين الله لنا المحرمات بالنسب والصهر، ثم أخبرنا أنه قد أحل ~~لنا ما وراء هؤلاء المحرمات في هاتين الآيتين بأن نبتغيهما بأموالنا نكاحا، ~~وملك يمين لا سفاحا، وقد أعلمنا أن ما زاد على أربع حرام، وما كان من ~~الإماء ذوات الأزواج حرام ما لم ينتقل الملك. # قوله: {محصنين غير مسافحين} معناه: أعفاء غير مزانين والسفاح: الزنا، ~~والإحصان هنا العفاف، وقال مجاهد: محصنين متناكحين. PageV02P1282 # قوله: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة}: يقول: فالشيء الذي ~~استمتعتم به من النساء فأعطوهن أجورهن أي صدقاتهم فريضة معلومة، وقال ابن ~~عباس: معناها إذا نكح الرجل المرأة مرة واحدة فقد وجب الصداق، فالمعنى فأي ~~شيء استمتعتم به، وإن قل فآتوهن أجورهن أي صدقاتهن والاستمتاع النكاح، ~~وقاله: الحسن ومجاهد. # وقال السدي: وغير الاستمتاع هنا أن يتزوجها إلى أجل مسمى بإذن وليها، ~~ويشهد شاهدين، فإذا تم الأجل أمر أن يدفع إليها ما شرط لها، وليس له عليها ~~سبيل وتعتد، ولا ميراث بينهما. # وسئل ابن عباس عن متعة النساء فقال: أما تقرؤون فما استمتعتم به منهن إلى ~~أجل مسمى فقيل له لو قرأناها هكذا لكان الأمر على ذلك. فقال: فإنها كذلك. # وفي قراءة أبي زيادة: إلى أجل مسمى، وكذلك ابن جبير. # وقالت عائشة رضي الله عنها كانت المتعة حلالا، ثم نسخ الله ذلك بالقرآن، ~~وروي ذلك PageV02P1283 # عن ابن عباس وهو قول ابن المسيب والقاسم وسالم وعروة. قال ابن عباس: ~~نسخها {يا أيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]. # وقال ابن المسيب: نسخت المتعة بآية الميراث يعني: {ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم} [النساء: 12] لأن المتعة كانت لا ميراث بها. # وروي عن عائشة رضي ms0465 الله عنها قالت حرم الله المتعة بقوله {والذين هم ~~لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~[المؤمنون: 5 والمعارج: 29]. وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل ~~معلوم، وشرط (ألا) طلاق بينهما، ولا ميراث ولا عدة. # [وقال أبو عبيدة: نسخت المتعة بالقرآن والسنة لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حرم المتعة يوم الفتح وغيره. PageV02P1284 # ومن قال: إن المعنى إذا تزوجتم المرأة، فنكحتموها ولو مرة واحدة] فأعطوها ~~صداقها، فهي عنده محكمة لا نسخ فيه، والتقدير: فما استمتعتم به من الدخول ~~بالمرأة فلها الصداق كاملا فأعطوها إياه، ودل على ذلك قوله {ولا جناح عليكم ~~فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} أي: إن وهبت لك النصف، أو ما كان فلا ~~جناح، وإن وهبت لها النصف، فأعطيتها الكل، ولم تدخل بها فلا جناج. # وقيل: المعنى: إن أدركتم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن {ولا جناح ~~عليكم فيما تراضيتم به}. # وقيل المعنى: لا جناح عليكم إذا تم الأجل الذي اشترطتم في الاستمتاع أن ~~يزدنكم في الأجل، وتزيدهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهو منسوخ. ~~وقال السدي: إن شاء أرضاها بعد الفريضة بأجرة، ثم تقيم معه إلى الوقت الذي ~~يتراضون أيضا عليه، وهو منسوخ. وقيل: المعنى: لا جناح عليكم فيما وصعه ~~نساؤكم عنكم من صدقاتهن بعد الفريضة. PageV02P1285 # قال ابن زيد: إن وضعت لكم من صداقها فهو سائغ فالمعنى على هذا لا إثم على ~~الرجل أن تضع المرأة عليه مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف ~~الصداق، فيدفعه إليها كاملا. # قال الأخفش {إلا ما ملكت أيمانكم} تمام. # وقال غيره {كتاب الله عليكم} التمام، وهو أحسن لأن العامل فيه ما قبله من ~~المعنى الذي دل عليه كتاب، وإنما يصح قول الأخفش إذا نصبت {كتاب الله} على ~~الإغراء، وهو بعيد. # (وفريضة) مصدر كأنه قال: فرض ذلك عليكم فريضة وهو التمام. # قوله {ومن لم يستطع منكم طولا} الآية. # قرأ الكسائي المحصنات في كل القرآن - بكسر الصاد، إلا قوله {والمحصنات من ~~النسآء} ms0466 قال: لأنه أراد به ذوات الأزواج من السبايا أحلهن الله بعد ~~استبرائهن بالحيض، فالأزواج أحصنوهن، قال: وغير ذلك يكون المراد به غير ~~التزوج، إما إحصان إسلام، أو عفة أو بلوغ، فتكون هي التي أحصنت نفسها ~~بإسلامها أو بعفتها أو ببلوغها، ولا يحتمل عنده {والمحصنات من النسآء} إلا ~~إحصان PageV02P1286 # التزويج، وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن المسيب وغيرهم. # ومن فتح الصاد في جميع ذلك قال: إن الإسلام يحصنهن كما يحصنهن التزويج، ~~وكذلك العفاف والبلوغ والحرية وشبهه. وحكى أصحاب أبي عمرو (أن العرب) لا ~~تقول: هذا قاذف محصنة، ولكن تفتح، ومن ضم " أحصن " أجراه على محصنات جعلهن ~~مفعولات في الموضعين، فأما من فتح الهمزة، فحجته أن التفسير ورد على إضافة ~~الإحصان إليهن، ولأن من قرأ بضم الهمزة يلزمه في الحكم ألا يوجب الحد على ~~المملوكة إلا إذا كانت ذات زوج دون الأيم، وفي إجماع الجميع على إيجاب الحد ~~(على) المملوكة الأيم دليل واضح على فتح الهمزة بمعنى: فإذا أحصن أي: أحصن ~~أنفسهن بالعفاف أو بالإسلام. # والاختيار عند أهل اللغة: الضم لأنه قد تقدم ذكر إسلامهن في قوله {أن ~~ينكح المحصنات} فدل على أن الثاني غير الإسلام فيكون أحصن بمعنى تزوجن، ~~فالمعنى فإذا أحصنهن الأزواج، ويكون حدها إن زنت بالكتاب، وحد الأيم ~~بالسنة، PageV02P1287 # ومعنى الآية: أن الطول: السعة في المال عند أكثر أهل التفسير وقال ابن ~~زيد: الطول أن يجد ما ينكح به حرة. # وقال بعضهم: الطول الهوى قاله ربيعة، إذا هوى أمته، وخشي على نفسه، وهو ~~يقدر على نكاح الحرة فأرى أن ينكح الأمة. وقال جابر: لا يتزوج الحر الأمة ~~إلا أن يخشى على نفسه العنت، فليتزوجها. وقال عطاء: لا يفعل ذو الطول إلا ~~أن يخشى على نفسه البغي. # وأكثر الناس على أن ذا الطول لا يتزوج الأمة وإن خشي على نفسه لأن وجود ~~الطول إلى الحرة فيه قضاء شهوة، ولذة وليس هو كالمضطر إلى الميتة، والله عز ~~وجل قد حرم نكاح الأمة إلا لمن (لم) يجد طولا إلى الحرة، ms0467 فلا يخرج عن ~~التحريم فيخلص PageV02P1288 # لقضاء لذة، فمعناها: وإن لم يقدر أن ينكح الحرائر المؤمنات لقلة ما بيده، ~~فلينكح الأمة المؤمنة إذا خاف العنت، فيتعفف بها ويكفيه أهلها مؤنتها. # قال الشافعي وغيره: لا ينكح الأمة حتى يعدم ما يتزوج به الحرة ويخاف ~~الزنا، فإن لم يجتمع الأمران عليه فلا يتزوج الأمة. # وإذا نكح الأمة على الحرة فإن مالكا قال: لا يفعل فإن فعل جاز النكاح، ~~وكانت الحرة مخيرة إن شاءت أقامت وإن شاءت اختارت نفسها. # وقال الشافعي: النكاح باطل. # وقال الزهري: يفرق بينه وبين الأمة، ويعاقب. # وقال عطاء: لا ينكح المة على الحرة إلا بأمرها، فإن اجتمعا كان للحرة ~~ثلثا النفقة. وكان مجاهد يقول: مما وسع الله به على هذه الأمة نكاح الأمة، ~~واليهودية والنصرانية وإن كان هو شرا، يعني إذا خاف العنت على نفسه في ~~الأمة لهوى نزل به. وقال مسروق الشعبي: نكاح الأمة لا يحل إلا لمضطر ~~كالميتة، فإذا تزوج حرة على أمة حرمت عليه الأمة كالرجل يجد طعاما ومعه ~~ميتة. # والمحصنات هنا العفائف (وقيل الحرائر) وهو الأشبه لذكر المماليك PageV02P1289 # بعدهن. والفتيات جمع فتاة وهن الشواب. # وقوله {من فتياتكم المؤمنات} يدل على أن تحريم نكاح غلإماء المشركات واجب ~~وهو محرم عند مالك وجماعة من العلماء. # قال أهل العراق: ذلك على الإرشاد، وليس بمحرم، وإنما هو ندب. # فأما نكاح الحرة على الأمة فهو جائز عند ابن المسيب وعطاء والشافعي، وأبي ~~ثور وأصحاب الرأي. # وروي عن علي رضي الله عنه جوازه، وقال: يفرض للحرة يومان وللأمة يوم. ~~وقال مالك والزهري: للحرة الخيار إذا علمت بذلك إن شاءت أقامت، وإن شاءت ~~فارقته. # وقال ابن عباس: نكاح الحرة طلاق الأمة، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال ~~النخعي: يفارق الأمة إذا تزوج الحرة أن يكون له من الأمة ولد، فلا يفارقها، PageV02P1290 # ويكون للحرة يومان وللأمة يوم. وقال مالك: إذا خشي على نفسه العنت يتزوج ~~من الإماء حتى يبلغ أربعا، وهو قوله أصحاب الرأي. # وروي عن الزهري أنه قال: يتزوج أربعا، ولم يذكر عنتا. # وروي ms0468 عن ابن عباس أنه لا يتزوج إلا واحدة، وبه قال قتادة والشافعي. # وقال أحمد: يتزوج من الإماء اثنتين لا غير. # وقوله: {بعضكم من بعض} أي: أنتم بنو آدم. # وقيل: معناه أنتم مؤمنون كلكم إخوة. # وقيل: نزل ذلك لما كانت العرب تعير ابن الأمة وتسميه هجينا. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات} PageV02P1291 # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات " فلينكح بعضكم من بعض ~~" هذا فتاة هذا (وهذا) فتاة هذا وعلى هذا القول مرفوعون بفعلهم في التأويل ~~لأن المعنى {ما ملكت أيمانكم} فلينكح مما ملكت فرد بعضكم على ذلك. # وقوله {والله أعلم بإيمانكم}، أي: يعلم من آمن منكم وصدق بما جاء من عند ~~الله عز وجل ( ورسوله) صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فانكحوهن بإذن أهلهن} ~~أي تزوجوهن بإذن مواليهن، ورضاهن {وآتوهن أجورهن} أي: أعطوهن مهورهن ~~بالمعروف على ما تراضيتم به مما أحل الله لكم أن تجعلوه مهورا {محصنات غير ~~مسافحات} أي: عفائف غير زناة. # {ولا متخذات أخدان} وليس ممن لهن أصدقاء على السفاح لأنهن في الجاهلية ~~كان لهن الخليل، والصديق يحبسن أنفسهن للفجور عليه سرا، وكانوا في الجاهلية PageV02P1292 # يحرمون الزنا ما ظهر منه، ويسمحون فيما أسر، يقولون: ما ظهر منه لؤم، وما ~~خفي منه فلا بأس به، فأنزل الله # {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [الأنعام: 152]. # وقال السدي وغيره: ولا مسافحات معلنات بالزنا. # قوله: {فإذآ أحصن} أي: صرن ممنوعات الفروج بالأزواج وهذا المعنى يدل على ~~الضم في الهمزة. # وقيل: أحصن: أسلمن قاله السدي وهذا المعى يدل على القراءة بفتح الهمزة. # وقال سالم والقاسم: إحصانها عفافها، وإسلامها. وأكثر الناس على أن المعنى ~~فإذا تزوجن. # {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات} معنى ذلك: إذا أتت الأمة ~~بزنى بعدما أحصنت بالزوج فعليها {نصف ما على المحصنات} أي الحرائر الأبكار. # وقيل: ذوات الإسلام التي أحصنهن دينهن غير محصنات بأزواج. وقوله PageV02P1293 # {من العذاب} أي: من الحد إذا زنيت. # وسميت البكر محصنة لأنه ms0469 يكون بها فيما يستقبل كما يقال: ضحته قبل أن يضحي ~~بها، وقيل: المحصنات هنا المتزوجات، فعلى الإماء المتزوجات نصف حد الحرة ~~وهو خمسون، والرجم لا يتبعض لأن المرجوم قد يموت بحجر واحد، وربما لم يمت ~~بألف حجر، فنصف الرجم متعذر حده، فلا بد من الرجوع إلى نصف الجلد. # وق قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا زنت الأمة فاجلدوها " وإحصان ~~الأمة إسلامها، وقد يجوز أن يكون معنى قوله {نصف ما على المحصنات} يعني من ~~الأبكار لأن إحصان الحرة قد يكون العفاف، وقد يكون الإسلام، وقد يكون ~~التزويج، ولا يحصن الأمة لا تزويج ولا غيره إلا: الإسلام. # و {العذاب} الحد غير الرجم، قال ابن عباس: على الأمة إذا زنت وهي مع حر ~~نصف حد الحرة، وهو خمسون والمعنى فلازم لهن نصف حد الحرة. # قوله {ذلك لمن خشي العنت منكم} معناه ذلك الذي أبيح من نكاح الأمة لمن ~~خشي العنت، وهو الزنا. # وقيل: هو الإثم. وقيل: العقوبة. PageV02P1294 # وقيل: الهلاك. # وأصل العنت في اللغة المشقة يقال: أكمة عنوت إذا كانت شاقة، فهذا يدل على ~~جواز نكاح الإماء إنما يكون باجتماع الشرطين المذكورين، وهما: عدم الطول، ~~وخوف العنت وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة ~~وهو يجد الطول إلى الحرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر. # قوله: {وأن تصبروا خير لكم} أي: عن نكاح الإماء خير لكم {والله غفور} أي: ~~غفور لكم عن نكاحهن على ما نصه لكم، وأذن لكم فيه قال ذلك السدي وابن عباس ~~وطاوس وغيرهم. # قوله: {رحيم} أي: رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند الاقتدار وعدم الطول ~~للحرة. # قوله {يريد الله ليبين لكم} الآية. # المعنى يريد الله أن يبين لكم حلاله من حرامه، ويبين لكم طرق الإيمان من ~~قبلكم لتتبعوه، {ويتوب عليكم} أي: يرجع بكم إلى طاعته {والله عليم} عليم ~~بمصلحة عباده حكيم في تدبيره فيهم. # والمعنى عند النحويين يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ومثله PageV02P1295 # {وأمرت لأعدل بينكم} [الشورى: 13] أي: ms0470 أمرت بهذا لأعدل بينكم، وفي هذه ~~الآية عند أهل النظر دليل على أن ما حرم علينا قد حرم على من قبلنا لقوله ~~{ويهديكم سنن الذين من قبلكم}، وقيل: المعنى سنن من قبلكم من المؤمنين ~~خاصة. # قوله {والله يريد أن يتوب عليكم} الآية. # والمعنى والله يريد أن يرجع بكم إلى طاعته ليغفر لكم ما سلف لكم من ~~ذنوبكم في جاهليتكم من نكاحكم حلائل آبائكم وأبنائكم، وغير ذلك مما ركبتموه ~~{ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا} أي: ترجعوا عن الحق وهو الزنا. # قال مجاهد: يريدون أن تزنوا مثلهم. # ومعنى الشهوات: شهوات الدنيا ولذاتها. # وقيل: هم اليهود والنصارى قاله السدي، وقيل: هم اليهود خاصة يريدون أن ~~تنكحوا الأخوات من الأب مثلهم لأنهم يحلون ذلك. PageV02P1296 # وقال ابن زيد: هم طلاب الباطل، وأهل الزنا. # قوله {يريد الله أن يخفف عنكم} الآية. # أي: يريد أن يوسع عليكم في نكاح الفتيات المؤمنات عند عدم الطول، وخوف ~~العنت: {وخلق الإنسان ضعيفا} أي لا يستطيع الصبر عن شهوة النساء. # وقرأ ابن عباس: وخلق الإنسان بالفتح أي: وخلق الله الإنسان شعيفا، يعني ~~ضعيفا في أمر النساء لا يقدر على الصبر عن الجماع. # قال أبو محمد رضي الله عنه: وتخفيف الله (تعالى) عن عباده أعظم من أن ~~يحصى، لم يكلفهم ما ليس في وسعهم ولا ما يطيقون، وضاعف حسناتهم بعشر ~~أمثالها، إلى سبعمائة مثل " وإذا هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن ~~عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم يكتب ~~عليه شيء وتكتب له حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة فإن استغفر منها محيت ~~عنه " وفضل الله PageV02P1297 # ورأفته بخلقه أكثر من أن يحصى. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم} الآية. # {إلا أن تكون تجارة} الأكثر في كلام العرب أن تستعمل إلا أن يكون في ~~الاستثناء لغير ضمير فيها على معنى إلا يحدث أو يقع وإن في موضع نصب ~~استثناء ليس من الأول واختار أبو عبيدة النصب على إضمار الأموال في تكون، ms0471 ~~وغير مختار عند أهل اللغة لأن أكثر كلام العرب في هذا لا يضمرون فيها شيئا. # ومعنى الآية إنهم نهوا عن أكل الأموال بالربا، والقمار والظلم والبخس ~~{إلا أن تكون تجارة} فليربح ما شاء فيها قال ذلك السدي، وغيره وهو اختيار ~~الطبري فهي محكمة. # وقيل: نزلت في ألا يأكل أحد متاع أحد إلا بشراء، أو بقيود، ثم نسخ ذلك ~~بقوله: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] الآية. PageV02P1298 # قال ذلك الحسن وعكرمة وغيرهما. # قال الطبري: في هذه الآية دليل على فساد قوله من ينكر طلب الأقوات ~~والتجارات، والصناعات من المتصوفة الجهلة لأنه حرم أكل الأموال بالباطل، ~~وأباح أكلها بالتجارات عن تراض من البائع والمشتري، ومعنى {عن تراض} هو ~~الخيار فيما تبايعا فيه ما لم يفترقا من مجلسهما الذي تبايعا فيه، وهو قول ~~الشافعي. # وقيل: التراضي هو الرضى بعقد البيع والشراء، فإذا تراضيا فقد تم البيع ~~افترقا أو لم يفترقا، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. # وقال القتبي {عن تراض} [عن] موافقة منكم لما أحله الله تعالى وتورع عما PageV02P1299 # حرمه من القمار والربا والبيوع الفاسدة. # وقيل: {عن تراض} عن رضى من البائع والمشتري. # قوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي: لا يقتل بعضكم بعضا، وهو معنى قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ". # وقيل معناه: لا تتجروا في بلاد العدو فتغدروا بأنفسكم. وقرأ الحسن " ولا ~~تقتلوا " بالتشديد على التكثير. # {إن الله كان بكم رحيما}، أي: رحمكم الله بأن حرم دماءكم، بعضكم على بعض. # قوله {ومن يفعل ذلك عدوانا} الآية. # المعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن اعتداء وظلما {فسوف نصليه نارا}. وقيل: ~~المعنى ومن يفعل ما قد حرم الله عليه مما ذكر في أول السورة إلى {ومن يفعل ~~ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا}. PageV02P1300 # وقيل: المعنى من يأكل مال أخيه بالباطل {فسوف نصليه نارا}. والعدوان ~~المجاوزة للشيء {نصليه} نورده نارا فيصلاها. # قوله: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه} الآية. # الكبائر هي: من أول السورة إلى ثلاثين آية منها في ms0472 قول جماعة من العلماء. ~~وقال علي رضي الله عنه على المنبر في الكوفة: والكبائر سبع فسئل عنها، ~~فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة، وأكل مال ~~اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، يريد أن يرجع ~~الرجل أعرابيا بعدما هاجر إلى الله (تعالى) ورسوله. # وقيل: الكبائر منصوصة في كتاب الله عز وجل على ما روي عن علي رضي الله ~~عنه وهي سبع قوله: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء} [الحج: 31] وقوله: ~~{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] وقوله: {الذين يأكلون ~~الرباوا لا يقومون} [البقرة: 275]. PageV02P1301 # وقوله: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23]. # وقوله: {فلا تولوهم الأدبار} قال فيمن ولي {فقد بآء بغضب من الله} ~~[الأنفال: 16] وقوله: {ومن قتل مؤمنا خطئا} [النساء: 92]. # وقوله: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} [محمد: 25]. # وقال عطاء: الكبائر سبع وهي: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ~~ورمي المحصنات، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وروي أن ~~ابن عمر قال: تسع زاد على ما قال عطاء: السحر، والإلحاد في البيت الحرام. # وقال ابن مسعود: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، ~~واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، قال الله عز وجل: { ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السمآء} [الحج: 31]. # وقال: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون} [الحجر: 56] وقال: # {لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87] وقال {فلا يأمن مكر ~~الله إلا القوم الخاسرون} [الأعراف: 99]. PageV02P1302 # وقال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو (كبيرة)، وروي عنه أنه قيل له: ~~أسبع هي، قال: هي إلى السبعين أقرب. وأنه قال هي إلى سبع مائة أقرب. # وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وقاله عمر رضي الله ~~عنه وروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو ~~عذاب وهذا قوله جامع. # وقال الحسن: الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار في كتابه: كالشرك، وهو ~~أكبر الكبائر، وقتل النفس، ms0473 وأكل الربا، والزنا، وعقوق الوالدين، واليمين ~~الغموس، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، ~~والإدمان على الخمخر وشبهه. # وقد يكون الذنب صغيرا فإذا أصر عليه صار كبيرا بالإصرار عليه، وترك ~~التوبة، والإقلاع عنه، فالإصرار على الذنب ذنب عظيم. # (وقيل: الكبائر كل ما لا يقبل معه عمل، نحو الشرك بالله سبحانه، وقيل ~~الأولاد، والسحر، والكفر برسول الله عليه السلام وبآبائه، وشبهه). # وقال زيد بن أسلم: كل ذنب يصلح معه عمل فليس بكبيرة والله يغفر PageV02P1303 # السيئات والحسنات. # وقد قال بكر القاضي: من أعظم الكبائر سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور عند ~~الحكام، وعدول الحكام على الحق، واتباعهم للهوى. # ومن الكبائر: اللواط، والإصرار على الصغائر من الكبائر. " والندم توبة " ~~والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة والجماعات. # وقال أبو بكر رضي الله عنه: إن الله يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على ~~الصغير فلا تغتروا. # وقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. و " سئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق ~~الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قوله الزور (أو) قال ~~وشهادة الزور " وروي أنه قال: " اليمين الغموس ". # وروي عنه أنه قال: " من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب PageV02P1304 # الكبائر، فله الجنة، قيل: وما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق ~~الوالدين، والفرار من الزحف ". # وقال ابن مسعود " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر؟ فقال: " أن ~~تدعو لله ندا وقد خلقك، (وأن تقتل ولدك) من أجل أن يأكل معك، أو تزني ~~بحليلة جارك، وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم { والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} ~~[الفرقان: 68] ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هو الإشراك بالله، وعقوق ~~الوالدين، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف وقذف المحصنة، وقل الزور، ~~والغلول، والسحر وأكل الربا واليمين الغموس ". # ومعنى قوله {نكفر عنكم سيئاتكم} أنه تعالى وعد أن يكفر الصغائر باجتناب ~~الكبائر وقال النبي عليه ms0474 السلام: " اجتنبوا الكبائر وسددوا وابشروا ". # وقال ابن مسعود: في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا # قوله: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} PageV02P1305 # وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما} [النساء: 40] # وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} [النساء: ~~48 - 116] # وقوله: {ومن يعمل سواءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما} [النساء: 110] وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد ~~منهم} [النساء: 151] الآية. # قال (ابن عباس): ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة لما ~~طلعت عليه الشمس وغربت أولها {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم ويتوب عليكم} [النساء: 26]. الآية، والثانية {والله يريد أن يتوب ~~عليكم} [النساء: 27] الآية، والثالثة {يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: ~~28] الآية ثم ذكر الخمس التي ذكرها ابن مسعود. # وقيل: إن السيئات تكفرها الصلوات الخمس ما اجتنبت الكبائر. # ومن فتح الميم من (مدخلا) احتمل أن يكون مصدر دخل، وأن يكون PageV02P1306 # اسما للمكان من أدخل، والمدخل الكريم هو المكان الحسن في الجنة. # قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} الآية. # نهى المؤمنين أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض وأمرهم أن يسألوه ~~من فضله، وروي أن أم سلمة قالت يا رسول الله: لا نعطى الميراث؟ ولا نغزو في ~~سبيل الله تعالى فنقتل؟ فأنزل الله عز وجل { ولا تتمنوا} الآية. # قال ابن عباس: هو الرجل يقول: وددت لو أن لي مال فلان، فنهى الله تعالى ~~عن ذلك، وأمرهم أن يسألوه من فضله لأن التمني يورث الحسد والبغي. # وقال السدي: نزلت في الرجال والنساء. وقال الرجال: لو كان لنا من الأجر ~~مثلا ما للنساء كما لنا من الميراث مثلا ما لهن، وقال النساء: لو كان لنا ~~أجر مثل الرجال الشهداء، فلو كتب علينا القتال لقاتلنا، فقال الله تعالى: ~~{ولا تتمنوا ما فضل الله ms0475 به بعضكم على بعض} وقال {واسألوا الله من فضله}. # وقال ابن جبير: {واسألوا الله من فضله} العبادة. # وقيل: اسألوه التوفيق، والعمل بما يرضيه. PageV02P1307 # {إن الله كان بكل شيء عليما}. أي: لم يزل عالما بما يصلح عباده، فلا يحسد ~~بعضهم بعضا. # قوله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب مما اكتسبن} المعنى: للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا من الأبواب على الطاعة، والعقاب على المعصية وللنساء مثل ~~(ذلك). # وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء شيئا، فلما أنزل الله ~~ميراثهم، قال النساء: لو جعل أنصباءنا (في الميراث كالرجال، وقال الرجال: ~~إنا لنرجو أن نفضل النساء في الحسنات في الآخرة كما فضلنا) في الدنيا عليهن ~~بالميراث فأنزل الله تعالى {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب مما ~~اكتسبن} يقول: المرأة تجزى بحسنتها {عشر أمثالها}. # وقيل: إنه لما نزل {للذكر مثل حظ الأنثيين} قالت النساء: كذلك عليهم ~~نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث فأنزل الله عز وجل { للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا} أي: من الذنوب وللنساء مثل ذلك {واسألوا الله من فضله}. PageV02P1308 # وقيل: المعنى: للجميع نصيب من موتاهم. # وقيل: المعنى: للرجال نصيب من موتاهم. # وقيل: المعنى: للرجال نصيب من الأجر وهو الجهاد، وخصوا به وبأجره، ~~وللنساء نصيب من الأجر خصصن به، وهو حفظها لزوجها في السر والعلانية، ~~ونظرها لزوجها، وطاعتها له وإصلاحها عليه كل لها فيه أجر خصت به. # قوله {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} الآية. # الموالي: الورثة، يعني العصبة، كذلك قال ابن جبير عن ابن عباس، وقال ~~مجاهد وقتادة: فالمعنى ولكلكم جعلنا عصبة يرثون ما تركتم، ولفظ الآية عام ~~يراد به الخصوص إذ ليس [كل إنسان له عصبة معلومة ترثه، وكل إنسان له عصبة ~~غير معلومة. وقد قال مالك: كل] من هلك من العرب فلا يخلوا أن يكون له وارث ~~بهذه الآية وإن لم تعرف عينه. # قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} كان الرجل يحالف الرجل وليس ~~بينه PageV02P1309 # وبينه نسب يرث أحدهما الآخر، فأمروا أن يعطوهم نصيبهم. ثم نسخ الله ذلك ~~بالميراث ms0476 بقوله {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: ~~75، والأحزاب: 6] وقال ابن عباس: " كانت الأنصار ترث المهاجرين للأخوة التي ~~آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم حين نزلت {ولكل جعلنا موالي مما ترك ~~الوالدان والأقربون} فنسخت ما كانوا عليه. # قوله {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} يعني من النصر والنصيحة والرفد ~~ويوصى لهم. # وقال ابن عباس وغيره: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات قبل صاحبه ورثه، ~~فأنزل الله عز وجل { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين} [الأحزاب: 6] ثم قال: # {إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم} [الأحزاب: 6] أي: إلا أن ترضوا للذين ~~عاقدتم وصية، فهي لهم جائزة من الثلث. # والمعاقدة التي كانت بينهم هو أن يقول: دمي ودمك، وتطلب بي وأطلب بك، ~~وتورثني وأرث بك، فجعل في أول الإسلام السدس من المال، ويقسم الباقي في ~~الورثة ثم نسخ ذلك في الأنفال. PageV02P1310 # وقيل: نزلت في الذين كانوا يتبنون في الجاهلية، فأمروا أن يوصوا لهم ونسخ ~~فرضهم. # وقال ابن إسحاق: كان الرجل الذليل يأتي العزيز فيعاقده باليمين ويقول له: ~~أنا ابنك، ترثني وأرثك، وحرمتي وحرمتك، ودمي ودمك، وثأري ثأرك، فأمر الله ~~عز وجل بالوفاء لهم قبل تسمية الميراث، ثم نسخ بالميراث في الأنفال. # قوله: {الرجال قوامون على النسآء} الآية. # قال ابن عباس: الرجل أمين على المرأة تطيعه فيما أمرها به، فهو قائم ~~عليها يقوم بنفقتها، ومؤنتها ويسوق مهرها، فهو فضله (الذي فضله) الله عز ~~وجل عليها. # وقال السدي: معنى قوله: " قوامون يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن. وهذه الآية ~~نزلت في رجل من الأنصار، لطم امرأته فخوصم، إلى النبي عليه السلام فقضى لها ~~بالقصاص فأنزل الله عز وجل { الرجال قوامون على النسآء} الآية: فلم يقتص ~~منه، قاله الحسن وقتادة. PageV02P1311 # وقيل: إن قوله {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} [طه: 114] ~~نزل في أمر الرجال حين جعل عليه القصاص، وعلى ذلك أهل التفسير. # كان الزهري يقول: ليس بين الرجل، وامرأته قصاص فيما دون النفس. وروي أن ~~أم سلمة رضي الله ms0477 عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما بال النساء ~~لهن نصيب وللرجال نصيبان؟ ما بال شهادة امرأتين مثل شهادة رجل؟ وذكرت أشياء ~~في فضل الرجال، فأنزل الله عز وجل { الرجال قوامون على النسآء}. # وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: " قدمت الشام، فرأيت النصارى يسجدون ~~لأساقفتهم وبطارقتهم فوقع في نفسي أنا أحق أن نفعل هذا بالنبي فلما قدمت ~~المدينة سجدت له، فقال ما هذا فأخبر (ته) بما رأيت فقال: " لو كنت آمرا أن ~~يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي امرأة ~~حق الله عليها حتى تؤدي حق زوجها " ". # ومعنى: {بما فضل الله بعضهم على بعض} الآية. PageV02P1312 # أي: بفضل الرجل على النساء، كانوا قوامين عليهن بما فضل، هو جودة العقل ~~والتمييز والإنفاق، وسوق المهر والجهاد وجواز الشهادة وغير ذلك، كله فضل به ~~الرجل على المرأة. # قوله: {وبمآ أنفقوا من أموالهم}: " فضل الرجال على النساء بما ذكرنا، ~~{وبمآ} ساققوا من أموالهم إلى النساء من مهور ونفقة {فالصالحات} هن ~~المستقيمات لأزواجهن " {قانتات} أي: طائعات لله ولأزواجهن {حافظات للغيب} ~~أي يحفظن أنفسهن عند غيبة أزواجهن [في فروجهن وأموال أزواجهن. # وقيل: المعنى: طائعات لأزواجهن] ما غاب عنهم من سرهن وشأنهن. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها ~~سرتك. وإذا أمرتها أطاهتك وإذا غبت عنها حفظتك، في مالك ونفسها " ثم قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { فالصالحات قانتات} الآية ". # ومعنى {بما حفظ الله} أي: يحفظ الله إياهن: أي صيرهن كذلك قال سفيان: PageV02P1313 # لحفظ الله إياها إذ جعلها كذلك. # ومن نصب " الله " وهي قراءة جعفر، فالمعنى: فيهن يحفظهن الله في طاعته، ~~وأداء حقه فيما لزمهن به في حفظ غيبة أزواجهن، كقولك للرجل: ما حفظت الله ~~في كذا وكذا والمعنى: بمراقبتهن في حفظ أزواجهن. # وفي قراءة ابن مسعود: بما حفظ الله فأحسنوا إليهن وأجملوا. # والرجل له الحجر على المرأة بنفسها، ومالها إذا تجاوزت الثلث ولا تفعل ~~شيئا إلا بإذنه إلا في الفرائض التي فرض ms0478 الله عليها، فلا طاعة له غليها في ~~ذلك من الصلوات وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، هذا مذهب مالك، وله ~~أن PageV02P1314 # يؤدبها تأديبا غير مبرح. # قوله: {والاتي تخافون نشوزهن} الآية. # " واللاتي " في موضع رفع بالابتداء، وتقديره عند سيبويه: وفيما يتلى ~~عليكم الألاتي، والمحذوف: الخبر، وعند غيره: الخبر: {فعظوهن}، ويجوز أن ~~تكون " اللاتي " في موضع نصب على قول من قرأ: {والسارق والسارقة} [المائدة: ~~38] بالنصب. # و {تخافون} عند الفراء وأبو عبيدة بمعنى توقنون وتعلمون، (وهو) على بابه ~~عند غيرهما. # والنشوز هو: امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها من ~~طاعته. وأصل النشوز الارتفاع والانزعاج، فكأنهن ارتفعن عن أداء حق الأزواج، ~~وطاعتهم يقال: نشزت ونشصت. وقيل: النشوز البعض قاله السدي. # وقال ابن زيد: النشوز المعصية والخلاف. وقال عطاء: النشوز أن تحب فراقه. PageV02P1315 # وقال ابن عباس: هو أن تستخف بحقه، ولا تطيع أمره " فعظوهن " أي: خوفوهن، ~~وذكروهن الله. # وقال ابن عباس: فعظوهن بكتاب الله وبطاعته، وهو قول الجماعة. # {واهجروهن في المضاجع} إذا لم يرجعن مع الوعظ فاهجروهن بترك جماعهن ~~ومضاجعتهن. # وقال السدي: وغيره: " يرقد عندها ويوليها ظهره، ويطؤها ولا يكلمها ". # روي عن ابن عباس أنه قال: يهجرها في المضجع من غير أن يذكر نكاحا، وذلك ~~عليها شديد. # (وقيل: المعنى [اهجروهن في الكلام حتى يرجعن إلى مضاجعتكم كأنه قال]: ~~اهجروهن من أجل المضاجع. # وقال ابن عباس الهجران إنما هو في أمر المضجع، وأنها لو تركت لم تضاجع، ~~وقال ابن جبير اهجروهن يأتين مضاجعكم). # وقال عكرمة وغيره: إنما الهجران بالمنطق، ويلزم من قال هذا أن يقطع الألف ~~لأنه إنما يقال في هذا المعنى الإهجار، يقال: أهجر فلان في منطقه إذا تكلم ~~بالقبيح. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~إذا باتت المرأة مهاجرة لزوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع ". PageV02P1316 # وقوله {واضربوهن} أي: إن لم يرجعن بالهجران في المضاجع، فيضربن ضربا غير ~~مبرح، كذلك قال المفسرون: وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة له " ضربا ~~غير مبرح " وعنه " غير ms0479 مؤثر ". # واختار الطبري في الآية أن يكون المعنى: واضربوهن من أجل المضاجع. # {فإن أطعنكم} إلى ما يجب عليهن {فلا تبغوا عليهن سبيلا} أي: فلا تلتمسوا ~~عليهن طريقا في الظلم، وهو التعالي عليهن {إن الله كان عليا} المعنى لا ~~تبغوا عليهن العلل فتعلوا أيديكم عليهن، فإن الله ذو علم فوقكم وفوق كل ~~شيء، فأيديكم وإن كانت عالية، فليس من أجلها علوا تبغوا عليهن، وتطلبوا ~~العلل فإن الله أعلى يدا وأكبر من كل شيء. وقيل: المعنى: لا تبغوا عليهن ~~سبيلا لا تكلفوهن الحب لكم إنما لكم عليهن المساعدة في الجماع أما القلب ~~فليس بيدها منه شيء. # قوله {وإن خفتم شقاق بينهما} الآية. # خفتم عند أبي عبيدة بمعنى أيقنتم، ورد ذلك الزجاج وقال: لو أيقنا لم نحتج ~~إلى الحكمين، وخفتم على بابه. والمعنى: وإن خفتم أيها الناس مشاقة أحد ~~الزوجين لصاحبه، وهو إتيان كل واحد منهما ما يشق على الآخر فالمرأة تقصر عن ~~أداء حقه، PageV02P1317 # والزوج أن يمسك بغير معروف {فابعثوا حكما} هذا مخاطبة للسلطان الذي يرفع ~~إليه أمرهما قال: وإذا نشزت المرأة يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت ~~وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكما من أهله ~~وحكما من أهلها فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل بها كذا وكذا، ويشتكي بما ~~تشتكي منه، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا، فيشتكي أيضا بما يشتكي ~~الزوج منه، فأيهما كان أظلم رده السلطان وأخذ عليه. # وقال السدي: " المرأة تبعث حكما من أهلها، والرجل نفسه يبعث حكما من أهله ~~بتوكيل كل واحد منهما، لكنها بالنظر لهما، فيعملان ما وكل به، وروي ذلك عن ~~علي رضي الله عنه. # وروي عنه أنه قال لحكمين وجه بهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن ~~رأيتما أن تفرقا فرقتما. # وقال ابن عباس: (بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا PageV02P1318 # جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما) فإن عثمان قد بعثهما. # قال مالك: أحسن ما سمعت من أهل العلم أن الحكمين يجوز قولهما ms0480 بين الرجل ~~والمرأة في الفرقة والاجتماع. # وقال قتادة: يبعث السلطان الحكمين ليعرفا الظالم من المظلوم، فيحملاهما ~~على الواجب فلا يفرقان بينهما. # وقال الشافعي: لا يفرقان إلا بأمر الزوج. # وقال جماعة: حكم الحكمين ماذ في التفرقة وغيره، وإنما يأتي الحكمان فيخلو ~~حكم الرجل به ويسأله عما يشتكي. ويخلو حكم المرأة بها، ويسألها عما تشتكي؟ ~~ثم يجتمعان، فيجتهدان، فإن رأيا التفريق فرقا، وإن رأيا الترك تركا، ~~وأصلحا. # وقيل: إنهما ينظران الظالم منهما، فإن كانت المرأة وعظها، وجبرها على ~~طاعة زوجها، وإن كان الرجل وعظاه وجبراه أن يتقي الله تعالى فيها، فيمسك ~~بمعروف أو يسرح بإحسان، والحكم هنا الناظر بالعدل، قاله الضحاك وغيره. PageV02P1319 # وقيل: هما القاضيان بينهما يقضيان بما فوض إليهما الزوجان. # وقوله: {إن يريدآ} قيل: الضمير للحكمين إن يريدا أن يصلحا بين الرجل ~~والمرأة {يوفق الله بينهمآ} أي " بين الرجل والمرأة، قال ابن عباس وابن ~~جبير ومجاهد. # وقيل الضمير للزوجين لأنه لا يقال حكم إلا لمن يريد الإصلاح فغير جائز أن ~~يقال: إن يرد الحكمان إصلاحا وهما لا يسميان بهذا الاسم إلا وهما يريدان ~~الإصلاح {إن الله كان عليما} بما يريد الزوجان أو الحكمان من إصلاح خبيرا ~~بذلك. # قوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} الآية. # قوله: {وبالوالدين إحسانا} أي: وأحسنوا بهم إحسانا كقولك ضربا زيدا، ~~بمعنى اضرب زيدا، وأجاز الفراء رفع إحسانا بالابتداء، والمخفوض الخبر كأنه ~~قال: وعليكم بالوالدين إحسان. ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر عباده ~~بالتذلل له والطاعة ولا PageV02P1320 # يشركوا به، وأمرهم بالإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، ~~والمساكين وإلى الجار ذي القربى، وهو ذو القرابة، والرحم منك، قاله ابن ~~عباس وغيره. وقيل: هو الذي جمع الجوار والقرابة فله حقان، قاله الضحاك ~~وقتادة وابن زيد. # وقيل: هو الذي تقرب منك بالإسلام والجوار، لا بالرحم. # {والجار الجنب} هو الذي يبعد منك لا قرابة بينك وبينه، [قاله ابن عباس، ~~وقال قتادة ومجاهد: هو جارك الذي ليس بينك وبينه] قرابة فله حق الجوار. # وقال السدي: هو الغريب يكون بين القوم، ms0481 وقال: الجار الجنب: الزوجة، ذكره ~~ابن وهب عن بعض رجاله. # وقيل: هو اليهودي والنصراني. # {الجنب} البعد، ومنه اجتنب فلان فلانا إذا بعد منه، ومنه قيل للجنب: جنب ~~لبعده من الطهر، والصلاة حتى يغتسل، ومن قيل: رجل أجنبي أي بعيد غريب، ~~فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة أي: البعيد منها. PageV02P1321 # وسئل أعرابي عن الجار الجنب فقال: هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عليه عينك. # وقال القتبي: الجيران على أربعة أقسام أحدهم: من ساكنك في الدار ولهذا ~~سمت العرب الزوجة جارة، وقال الأعشى لامرأته: # أي جارتنا بيني فإنك طالقة كذاك أمور الناس غاد وطارقة. # والثاني: الملاصق منزلك، والثالث: الذي معك في المحلة، وإن لم يلاصقك ~~وعلى هؤلاء الثلاثة وقعت الوصية من الله عز وجل والرابع: هو الذي جمعك ~~وإياه بلد واحد يقول الله تعالى في المنافقين: {ثم لا يجاورونك فيهآ إلا ~~قليلا} [الأحزاب: 60] يعني المدينة. # وكان الأوزاعي يقول: الجوار أربعون دار من كل ناحية. وقيل من سمع الإقامة ~~فهو جار. # قال علي رضي الله عنه: من سمع النداء فهو جار المسجد. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الجيران ثلاثة: جار (له) ~~عليك حق وهو PageV02P1322 # (غير) المسلم، له عليك حق الجوار، وجار له عليك حقان هو المسلم، له حق ~~الجوار وحق الإسلام، وجار له عليك ثلاثة حقوق، وهو المسلم ذو القرابة له حق ~~الجوار وحق الإسلام وحق القرابة ". # قوله: {والصاحب بالجنب} الآية. # قال ابن عباس وغيره: هو رفيق الرجل في سفره، وكذلك قال قتادة ومجاهد ~~وعكرمة. # وعن ابن عباس: هو الرجل الصالح. # وكذلك روي عن علي رضي الله عنه، والحسن بن علي: أنه امرأة الرجل. وعن ابن ~~عباس مثله، وهو قول النخعي وابن أبي ليلى. وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي ~~يلزمك ويصحبك رجاء نفعك ورفقك. # {وابن السبيل} المسافر يجتاز بك مارا، قاله مجاهد وقال الضحاك: هو ~~الضعيف. والسبيل: الطريق، وابنه صاحبه الماشي فيه فله حق على من يمر به إذا ~~كان مستقره في غير معصية، وأضيف إلى الطريق لأنه ms0482 إليها يأوي وفيها يبيت. PageV02P1323 # قوله: {وما ملكت أيمانكم} يعني حض الله تعالى [خلقه] بجميع ما ذكر أن ~~يحسنوا إليهم، قوله: {مختالا} أي: ذو خيلاء وهو المفتعل من خال الرجل يخول: # " والخال ثوب من. . . . . . . . . . . " # والفخور المفتخر على عباد الله عز وجل بما أنعم الله تعالى عليه من رزقه، ~~وهو مع ذلك كفور لربه عز وجل لا يشكره، فهو مستكبر على ربه سبحانه، مستطيل ~~مفتخر على عباد الله جلت عظمته، وقال مجاهد المختال: المتكبر. # قوله: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} الآية. # {الذين} " بدل من " من وقيل: هم في موضع رفع بالابتداء، والخبر # {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} [النساء: 40] أي لا يظلم. وقال الأخفش: ~~الذين في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف دل عليه ما بعده، وتقديره الذين ~~يبخلون قرناء الشيطان ودل PageV02P1324 # على هذا قوله: {ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا} [النساء: 38] وقد ~~أغفل النحاس في الإعراب هذا القول فلم يذكره وهو في كتاب الأخفش. وقيل: ~~الذين في موضع (رفع) بدل من الضمير في فخور، ويجوز أن يكون في موضع رفع على ~~إضمار مبتدأ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني. # والبخل لغتان، وفيه [لغتان] غير هاتين، ويقال: البخل والبخل، ومعنى ~~الآية: إن الله لا يحب المختال الفخور الذي يبخل بماله ويأمر الناس بالبخل. # وقد روي أن البخل هنا: كتمان أمر محمد عليه السلام، وعنى به اليهود ~~والنصارى وهم يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل. PageV02P1325 # ومعنى {ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله} هم اليهود كتموا و {مآ آتاهم ~~الله} من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما عندهم من علمه. # وقال ابن زيد: هم اليهود بخلوا بما آتاهم الله من الرزق، وكتموا ما آتاهم ~~من العلم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. # وقال ابن عباس: كان الرجل من أشراف يهود يأتون رجالا من الأنصار، ~~ويخالطوهم، ويستنصحون لهم، لا تنفقوا أموالكم فإنا نخاف عليكم الفقر في ~~ذهابها، فأنزل الله عز وجل { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون مآ ~~آتاهم الله ms0483 من فضله} أي: يكتمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمره وذلك ~~كله في التوراة. # وروي أن فيها: خاتم النبيين، وسيد العاملين، وأمته الحمادون، ويشدون ~~أوساطهم، ويفترسون جبالهم، تسيل دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك ~~رقابهم. # قوله: {وأعتدنا للكافرين} أي للجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { ~~عذابا مهينا} أي مذلا. PageV02P1326 # قوله: {والذين ينفقون أموالهم} الآية. # {والذين} في موضع جر عطف على الكافرين، ويجوز أن يعطف على {الذين يبخلون} ~~و {رئآء الناس} مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال: # {ولا يؤمنون} حال كأنه: مرائين غير مؤمنين. # ويجوز أن يكون مؤمنون مرفوعا على القطع أي: وهم لا يؤمنون. # ومعنى الآية: {وأعتدنا للكافرين} {والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس ولا ~~يؤمنون بالله} {عذابا مهينا} هذا من صفة المنافقين. # وقيل: هو صفة اليهود أيضا، وهو بصفة المنافقين أليق وأحسن، لأنهم لا ~~يؤمنون بالبعث، واليهود يؤمنون بالبعث، وقد وصفهم الله تعالى أنهم لا ~~يؤمنون باليوم الآخر فهو إلى المنافقين أقرب. # قوله: {ومن يكن الشيطان له قرينا} أي: خليلا يعمل بطاعته، ويتبع أمره، ~~ويترك أمر الله تعالى، فبئس الخليل خليله. # قوله: {وماذا عليهم لو آمنوا} المعنى: أي الشيئين على الذين يبخلون إذا ~~أنفقوا PageV02P1327 # رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لو آمنوا وصدقوا وأنفقوا ~~مما رزقهم الله لوجه الله، ولم يبخلوا مما رزقهم الله {وكان الله بهم ~~عليما} أي هو ذو علم بما يعملون لم يزل كذلك ولا يزال. # قوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} الآية. # قوله: {يضاعفها} يدل على أضعاف كثيرة إذ لو أراد مرة لقال: يضاعفها، ~~ومعنى الآية: إن الله تعالى لا يبخس واحدا فعل خيرا مثقال ذرة أي: قدر وزن ~~الذرة فما فوق ذلك، والذرة في قول ابن عباس: رأس النملة الحمراء. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب ~~عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيعظم بها في ~~الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم تكن له ms0484 حسنة " وقال صلى الله عليه وسلم: " ~~يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، وقال الخدري: حين حدث ~~بهذا الحديث عن النبي عليه السلام فإن شككتم (فاقرءوا) {إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة}. PageV02P1328 # وأتى رجل إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال له: بلغني أنك تقول الحسنة ~~تضاعف ألف ألف ضعف، وقال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت تضاعف الحسنة ~~ألفي ألف ضعف. # والذرة هنا عند أهل العلم النملة الصغيرة وقال يزيد بن هارون: زعموا أنه ~~لا وزن لها. # وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى ~~مناد من عند الله تعالى: ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه فيأخذه " ~~قال فيفرح والله المرء أن له الحق على ولده وولده أو زوجته وأخته فيأخذه ~~منه، وإن كان صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتسآءلون} [المؤمنون: 101]. # فيقال له: إيت هؤلاء حقوقا؟ فيقول: يا رب من أين يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ ~~فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا [في] أعمله الصالحة فأعطوهم منها، فإن ~~بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة: يا ربنا - وهو أعلم بذلك منها - ~~أعطينا كل ذي حق حقه، وبقي له مثقال ذرة من حسنة، فيقول الله عز وجل ~~لملائكته: ضعفوها لعبدي وأدخلوه برحمتي الجنة " ومصداق ذلك في كتابه {إن ~~الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك PageV02P1329 # حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه} أي: من عنده {أجرا عظيما} أي: الجنة يعطيها ~~تفضلا منه لا إله إلا هو، وإن فنيت الحسنات، وبقيت السيئات وبقي طالبون قال ~~الله تعالى: ضعوا عليهم من أوزانهم واكتبوا له كتابا إلى النار. # قوله: {وإن تك حسنة يضاعفها} هذا لأهل الإيمان كلهم، وروي عن ابن عمر: ~~أنها في المهاجرين خاصة، قال: " نزلت الآية في الأعراب {من جآء بالحسنة فله ~~عشر أمثالها} [الأنعام: 160] قال: فقال رجل: ما للمهاجرين؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما هو أعظم من ذلك ms0485 وقرأ # {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} الآية ". # واختار الطبري أن تكون المضاعفة أكثر من عشرة للمهاجرين خاصة، وقال: هو ~~في معنى حديث أبي هريرة، تضاعف بألفي ضعف أي للمهاجرين، واحتج بأن الله عز ~~وجل قد اخبرنا أن الله يجزي بالحسنة عشر أمثالها، فلا يجوز أن يكون في خبره ~~اختلاف، ولكن ذلك للمهاجرين وهذا لغيرهم. # قوله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} الآية. # العامل في " كيف " " جئنا " # المعنى: فكيف يكون حالهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد على أعمالهم، ~~وجئنا بك يا محمد على أمتك شهيدا، وكان النبي عليه السلام إذا أتى على هذه ~~الآية فاضت PageV02P1330 # عيناه، وقال ابن مسعود: أمرني رسول الله عليه السلام أن أقرأ عليه سورة ~~النساء حتى بلغت {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} فاضت عينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالدموع فسكت. # قال السدي يأتي النبي يوم القيامة منهم من أسلم معه من قومه واحد ~~والاثنان، والعشرة، وأقل وأكثر من ذلك حتى ياتي لوط صلوات الله عليه وسلم ~~لم يؤمن معه إلا بنتاه فيقال للنبيين: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: نعم ~~فيقال له: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد عليه السلام. فتدعى أمة محمد ~~عليه السلام فيقال لهم: إن الرسل ادعوا عندكم شهادة فبم تشهدون؟ فيقولون: ~~يا ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا في التبليغ، فيقال: من ~~يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد صلى الله عليه وسلم، فيشهد محمد صلى الله عليه ~~وسلم أن أمته قد صدقت، وأن الرسل قد بلغوا فذلك قوله {لتكونوا شهدآء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}. # ومن رواية يونس عن ابن وهب عن إبراهيم عن حيان بن أبي جيلة بسنده إلى ~~النبي عليه السلام أنه قال: " إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من ~~يدعى إسرافيل فيقول الله عز وجل: ماذا فعلت في. . . هل بلغت عهدي؟ فيقول: ~~نعم، أي رب، قد بلغت جبريل، فيدعى جبريل فيقول له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ ms0486 ~~فيقول: نعم يا رب، قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، فيقال لجبريل: هل بلغت ~~عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغته الرسل، فيدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ ~~فيقولون: نعم، فيخلى عن جبريل ثم، يقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: ~~بلغنا أممنا، فيدعى الأمم، فيقال لهم: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب، ~~ومنهم المصدق، فيقول الرسل: إن PageV02P1331 # لكم علينا شهداء يشهدون أنا قد بلغنا مع شهادة، فيقول الله عز وجل: من ~~يشهد لكم؟ فيقول الرسل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتدعى أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فيقول الله عز وجل: أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي ~~إلى من أرسلوا إليهم؟ فيقولون: نعم، رب شهدنا أنهم قد بلغوا، فتقول تلك ~~الأمم: (لا). كيف يشهدون علينا ولم يدركنا؟ فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على ~~من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، ~~فقصصت علينا قصصهم، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب تعالى ذكره: صدقوا، ~~فكذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس} الآية ". # وقد مضى في هذه الآية ما فيه كفاية وهذه زيادة إن لم يتقدم لفظها وإن كان ~~قد تقدم معناها. # وفي رواية أخرى عن الأوزاعي قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أول من يسأل ~~يوم القيامة عن البلاغ: اللوح المحفوظ. يقال: هل بلغت إسرافيل ما أمرت به؟ ~~فيقول: نعم، قيل لإسرافيل: هل بلغك اللوح المحفوظ ما أمر به؟ فيقول: نعم، ~~فما أرى شيئا أشد فرحا يوم القيامة من اللوح المحفوظ حين صدقه إسرافيل، ثم ~~كذلك إسرافيل وجبريل والأنبياء ". PageV02P1332 # قال في الحديث: فما أرى شيئا (أشد فرحا) من كل واحد إذا صدقه من أرسل ~~إليه ثم قرأ الأوزاعي: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} الآية. # قال الضحاك هو قول الله تعالى {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس} [الحج: 76]. # قوله: {يومئذ يود الذين كفروا} الآية. # يوم يجيء من كل أمة شهيد يتمنى الكافرون {لو تسوى ms0487 بهم الأرض} أي: يصيرون ~~ترابا مثلها كما قال: {ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا} [النبأ: 40]. ومن ~~قرأ " تسوى " (بالضم)، فالمعنى يتمنون لو سواهم الله والأرض سواء، ومن قرأ ~~" تسوى " بالفتح والتخفيف، فهو مثل المشددة، إلا أنه حذف إحدى التاءين. # وقيل المعنى: لو انقسمت بهم الأرض فيصاروا في بطنها. وقال الحسن في فراءة ~~الضم: إن المعنى " لو تسوى " بالتخفيف عليهم، والباء بمعنى على، فالمعنى PageV02P1333 # تنشق فتسوى عليهم. # قوله: {ولا يكتمون الله حديثا} أي: لا تكتم جوارحهم حديثا من الله. # قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام جحدوا فقالوا: ~~{والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] فختم الله على أفواههم وتكلمت ~~(أيديهم)، وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثا، وعنه هذا التفسير باختلاف ألفاظ. # وسبب تفسيره لهذا الهذا القول من له يقول الله عن الكافرين أنهم قالوا: ~~{والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] وقد كتموا ويخبر أنهم لا يكتمون ~~الله حديثا ففسره بما ذكرنا، وقوله {ولا يكتمون الله حديثا} على قول غير ~~ابن عباس أنهم يودون لو استووا بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثا لما ~~عاينوا جوارحهم تشهد عليهم. # وقيل: المعنى يومئذ لا يكتمون الله حديثا، ويودون لو تسوى بهم الأرض، وهو PageV02P1334 # معنى تفسير ابن عباس لأن السائل سأل كيف أخبر أنهم لم يكتموا الله حديثا، ~~وقد أخبر أنهم كتموا في قولهم {والله ربنا ما كنا مشركين}. # وقيل: المعنى يتمنون لأو استووا مع الأرض، وليس يكتمون الله حديثا أي هو ~~عالم بهم وبما أسروا مما يودون ويتمنون بهم، وإن لم ينطقوا به، فليس ذلك ~~بكتمان على الله [تعالى - كأن الكلام قد تم على قوله - لو تسوى بهم الأرض، ~~ثم قال: وليس يخفى على الله] من حديثهم شيء وهذا جواب ثالث عن الآيتين. # وقيل: المعنى أنهم يتمنون إذ عصوا الرسول أن يسووا مع الأرض ويودون لا ~~يكتمون الله حديثا. # وكتمانهم الذي ندموا عليه هو قولهم {والله ربنا ما كنا مشركين} وهو جواب ~~ثالث PageV02P1335 # لمن سأل عن الآيتين. # وقال قتادة: هي مواطن في ms0488 يوم القيامة، فمواطن يجحدون، ومواطن يقرون. # وجاء رجل إلى ابن عباس فقال له: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن، فقال: ~~ما هو؟ أشك في القرآن؟ فقال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف ~~عليك من ذلك، فقال: أسمع الله عز وجل يقول: # {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ~~وقال {ولا يكتمون الله حديثا} فقد كذبوا إذا ادعوا الإسلام. # فقال ابن عباس: وماذا؟ قال أسمعه يقول: # {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون} [المؤمنون: 101] وقال: {فأقبل ~~بعضهم على بعض يتسآءلون} [الصافات: 50] # وقال: {أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا} ~~[فصلت: 9]. # إلى قوله: {ثم استوى إلى السمآء وهي دخان} [فصلت: 11] الآية. # وقال في آية أخرى: {أم السمآء بناها * رفع سمكها * [وأغطش ليلها وأخرج ~~ضحاها]} [النازعات: 27 - 29] # {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30]. وأسمعه يقول: {[وكان] الله عليما ~~حكيما} الآية [النساء: 17]. PageV02P1336 # فقال ابن عباس: " أما قولهم {والله ربنا ما كنا مشركين} فإنهم لما رأوا ~~يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، يغفر لهم الذنوب جميعا، ولا ~~يتعاظم ذنب يغفره، ولا يغفر شركا، جحدوا وقالوا: {والله ربنا ما كنا ~~مشركين} رجاء أن يغفر لهم، فختم الله عز وجل على أفواههم وتكلمت أيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك {يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى ~~بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا} يريد أنهم ندموا في جحدهم وقالوا: {والله ~~ربنا ما كنا مشركين}. # وأما قوله: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون} فإنه ينفخ في الصور، ~~فيصعق من في السموات، ومن في الأرض إلا من شاء الله {فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون}. # {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] {فأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون} [الصافات: 50]. # وأما قوله {أإنكم لتكفرون. . .} الآية فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت ~~السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله: {والأرض ~~بعد ذلك دحاها} فإنه تعالى دحاها بعد خلق السموات، وجعل فيها جبالا وأنهارا ms0489 ~~وبحورا. # وأما قوله: {وكان الله} فإن الله لم يزل كذلك عزيرا حكيما قديرا لم يزل ~~كذلك وما اختلف عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك. # وقال مجاهد: {والأرض بعد ذلك} أي: مع ذلك. PageV02P1337 # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الآية. # {جنبا} و {عابري سبيل} نصب على الحال. # ومعنى {سكارى} أي: من الخمر، وهذا قبل تحريم الخمر فأمرهم الله ألا ~~يقربوها، وهو سكارى حتى يعلموا ما يقولون. # وقيل: إن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر قبل ~~تحريمها، فصلى بهم أحدهم فقرأ: {قل يا أيها الكافرون} فخلط فيها، فنزلت ~~الآية، ينهاهم عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلموا ما يقرأون ثم نسخ ~~شربها بالتي في المائدة. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " في أنزلت الآية " {لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى} قال: دعانا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طلحة وغيره ~~فأكلنا وشربنا. فقدموني إلى الصلاة فقرأت فيها: (قل يا أيها الكافرون، أعبد ~~ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما تعبدون) فكان هذا قبل تحريم ~~الخمر. وقيل هي محكمة. # ومعنى السكر هنا: " السكر من النوم "، قاله الضحاك. PageV02P1338 # وعلى القول الأول أكثر أهل التفسير والعلماء لتواتر الأخبار أنها نزلت في ~~الخمر قبل تحريمه. # قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} أي: لا تقربوها جنبا إلا أن تمروا [ب] ~~موضعها مجتازين حتى تغتسلوا. # وقيل المعنى: في {إلا عابري سبيل} أي: إلا أن تكونوا مسافرين فتتيمموا ~~لها. وقال علي بن أبي طالب وقاله مجاهد وابن جبير قال: هو الرجل يكون في ~~السفر تصيبه جنابة فيتيمم ويصلي. وعليه جماعة من أهل التفكير فيكون المعنى ~~لا تصلوا وأنتم جنب إلا تكونوا مسافرين غير واجدين للماء، وقيل: معنى لا ~~تقربوا مواضع الصلاة جنبا إلا عابري سبيل أي: أن تكونوا مجتازين في المسجد. # [قال ابن عباس {إلا عابري سبيل}. قال لا تقربوا المسجد إلا أن يكون PageV02P1339 # طريقك فتمر فيه مرا ولا تجلس، وقال النخعي: يمر ms0490 فيه إذا لم يجد طريقا ~~غيره. # وقال ابن زيد: نزلت في رجل من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكانت ~~تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، يريدون الماء فلا يجدون ممرا، إلا المسجد، ~~فأنزل الله عز وجل { ولا جنبا إلا عابري سبيل} رخصة لهم. # وذهب مالك والشافعي أن الجنب يمر في المسجد عابر سبيل. # قال مالك: لا تدخل الحائض المسجد، وأرخص له غيره أن تمر فيه كالجنب. # وقال ابن حنبل: إذا توضأ الجنب فلا بأس أن يجلس في المسجد. # وكذلك قال إسحاق. # والجنب هنا من أنزل في قول جماعة من العلماء دون أن يجامع ولا ينزل، روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الماء من الماء " فلا غسل عليه إلا بإنزال الماء عند جماعة من الصحابة ~~هو قوله PageV02P1340 # علي وابن مسعود والخدري وابن عباس وأبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، ورافع ~~بن خديج، وأبي أيوب الأنصاري. # قال غيرهم: والجنب في الآية من أنزل، أو التقى منه الختانان، وإن ينزل ~~لأن في كلاهما الطهر عندهم، فمن أولج، ولم ينزل بمنزلة من أنزل في الحكم ~~فكلاهما لا يقرب المسجد إلا عابري سبيل. # وإيجاب الطهر من التقاء الختانين، وإن لم ينزل قوله عامة الفقهاء، وهو ~~قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم وهو مذهب مالك ~~والشافعي والثوري وأهل العراق، وجماعة من الفقهاء، وقد تراترت الأخبار ~~بإيجاب الغسل من التقاء الختانين عن النبي صلى الله عليه وسلم. PageV02P1341 # قوله: {وإن كنتم مرضى} أي: بجرح أو جدري أو غير ذلك من الأمراض المانعة ~~من الغسل فتيمموا. # قال مالك: المرض هنا هو المريض الذي به جراحه رخص له في التيمم. # وقيل: المريض هنا هو الذي لا يجد من يأتيه بالماء. # {أو على سفر} أي: مسافرين غير واجدين الماء وأنتم جنب فتيمموا. # قوله: {أو جآء أحد منكم من الغآئط} أي: من قضى حاجته فلم يجد ماء ~~فليتيمم، والغائط: ما اتسع من الأرض، وقيل: هو الموضع المنخفض المستور وكثر ~~ذلك حتى قيل لمن قضى حاجته متغوط. ms0491 قال أبو عبيدة: " أصل الغائط المكان ~~المطمئن من الأرض ". # قةله: {أو لامستم النسآء} اللمس هنا الجماع، وقيل: هو ما دون الجماع، ~~أرخص الله لهم أن يتيمموا إذا لم يجدوا ماء، والمقيم والمسافر في جواز ~~التيمم له عند عدم الماء سواء، وعلى من عدم الماء التيمم لكل صلاة لأنه ~~يطلب الماء لكل صلاة وعند عدمه يتيمم. ومعنى لمستم أو لامستم واحد. PageV02P1342 # وقيل: لامستم يريد به الجماع، ولمستم: القبلة والمباشرة. # وقال المبرد: " لمستم الأولى أن يكون بمعنى قبلتم، لأن لكل واحد منهما ~~فعلا، ولمستم بمعنى غشيتم، ومسستم أن المرأة ليس لها في هذا الفعل شيء ~~فلمستم بمعنى غشيتم. وقال أبو عمرو: " لامستم بمعنى: الجماع ". ومذهب ~~الكسائي: أن اللمس بمعنى الغمز والإفضاء ببعض الجسد إليها. # والصعيد: الأرض الملساء التي لا نبت فيها قاله قتادة. وقيل: هو الأرض ~~المستوية، قاله ابن زيد. وقيل: الصعيد التراب، وقيل: وجه الأرض. # والصعيد في اللغة وجه الأرض، والطيب هنا النظيف الطاهر، وقال PageV02P1343 # سفيان: " معنى طيبا " أي حلال لكم، كما تقول هنالك ذلك. # قوله: {بوجوهكم وأيديكم} أي منه، ومسح الأيدي في التيمم هو إلى حد الوضوء ~~إلى المرفقين، وهو قول ابن عمر والحسن والشعبي وسالم بن عبد الله، وهو قول ~~مالك والليث والثوري والشافعي وعبد العزيز بن أبي سلمة وأصحاب الرأي. # وقيل: التيمم إلى الكفين إلى الزندين، وهو موضع قطع السارق، وهو مذهب ~~عكرمة، والأوزاعي وابن جبير ومكحول وعطاء، وروي ذلك عن ابن المسيب والنخعي ~~وغيرهم. # وقيل التيمم إلى الآباط، وهو قول الزهري. PageV02P1344 # وهذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نزلت بهم ~~جنابة في سفر فلم يجدوا ماء، وشاهد هذا القول ما قالت عائشة رضي الله عنها ~~في قصة العقد فكانت الآية، والرخصة من بركتها رضوان الله عليها. # قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} الآية. # {ألم تر}: ألم تعلم، وقيل: ألم تخبر يا محمد. وقيل: ألم تر بقلبك، يا ~~محمد إلى الذين أعطوا حظا من كتاب الله، والنصيب الحظ - وهو اليهود. ms0492 # {ويريدون أن تضلوا السبيل} أي تعدوا عن الحق والطريق المستقيم {يشترون ~~الضلالة} أي: يختارون الضلالة على الهدى {والله أعلم بأعدائكم} أي: أعلم ~~منكم بأمرهم وبما يسرون من آرائهم، {وكفى بالله وليا} أي: [به] فاكتفوا، ~~وله فانتصروا على أعدائكم. # قوله: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه} الآية. # المعنى أن " من " متعلقة ب {الذين أوتوا نصيبا} أي هم من الذين هادوا. ~~وقيل: المعنى من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم. وقيل: المعنى من الذين ~~هادوا من يحرفون PageV02P1345 # الكلم. حكي هن العزيز يقول أي: من يقول ذلك. # وقيل: " من " متعلقة بنصير، أي: وكفى بالله نصيرا من هؤلاء القوم، أي: ~~ينتصر منهم في الآخرة، فاكتفوا بنصرته منهم أيها المؤمنون. # واختار قوم أن يكون المحذوف من كما قال: {وما منآ إلا له مقام معلوم} ~~[الصافات: 164] أي: من له، كما يقول له: منا يقول ذلك ومنا لا يقوله، أي: ~~من يقوله ومن لا يقوله ومذهب سيبويه تقدير قوم كما ذكرنا أولا. # واختار أهل التفسير أن يكون " من " متعلقة بالذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~". # ومعنى {يحرفون الكلم} أي: يتأولونها على غير وجهها، ويعدلونها عن ظاهرها، ~~والكلم هنا كلام النبي عليه السلام، وقال مجاهد: الكلم كلم التوراة ~~يبدلونها، وهو جمع كلمة. # {ويقولون سمعنا وعصينا}: يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم: سمعنا قولك، ~~وعصينا أمرك، PageV02P1346 # يخفون العصيان، ويظهرون السمع والطاعة إذا أرادوا أن يكلموه، قال: {واسمع ~~غير مسمع} أي: يقولون في أنفسهم: لا سمعت، يقولون {راعنا} يوهمونهم أنهم ~~يريدون: أرعنا سمعك، وهم يريدون به الرعونة في لغتهم. # وقيل معنى {واسمع غير مسمع} أي: اسمع غير مقبول منك، ويلزم قائل هذا أن ~~يقول غير مسموع منك. ومعنى {ليا بألسنتهم} أي: تحريفا إلى السب والاستخفاف. # وقيل: كانوا يريدون بقولهم {راعنا} أي: راعينا مواشينا، ويوهمون أنهم ~~يريدون راعنا، أي: انتظرنا وارفق بنا، وإنما يريدون الرعي رعي المواشي عن ~~طريق الهزء والاستخفاف والمغالطة. # قوله: {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا} أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك {واسمع} ~~أي: اسمع منا {وانظرنا} أي: انتظرنا نفهم عنك ms0493 ما تقول لكان ذلك [{خيرا لهم] ~~وأقوم} أي وأعدل. # قوله: {يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} الآية. # هذا خطاب لليهود الذين كانوا حوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم ~~الله تعالى أن يؤمنوا بالقرآن الذي هو مصدق للتوراة ومحقق لها. PageV02P1347 # وروي " أنها نزلت في نفر من اليهود، خاطبهم النبي عليه السلام، ودعاهم ~~إلى الإسلام وقال لهم: والله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به حق، فقالوا: ما ~~نعرف ذلك يا محمد فتوعدهم الله جل ذكره بقوله: {يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب ~~آمنوا} ". # وروي أن عبد الله بن سلام كان بالشام، فأقبل حتى أتى النبي عليه السلام ~~قبل أن يدخل هلى أهله فأسلم - وقال: لقد خفت، وأنا مقبل ألا أصل إليك حتى ~~يصير وجهي خلفي. وقيل: معنى {من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ} أي: ~~آمنوا من قبل أن تمحق صورة الوجوه حتى تصير كالأفقية تذهب بالأنف والعين ~~والحاجب وغير ذلك من أدوات الوجه ويصير كالقفا. # وقيل المعنى: {من قبل أن نطمس} أبصار الوجوه فتصير لا تنظر شيئا كالقفا. # ومعنى {فنردها على أدبارهآ} يرجع الوجه في موضع القفى، فيصير يمشي ~~القهقري، قال قتادة: {فنردها على أدبارهآ} تحول وجوهها قبل ظهورها. # وقال مجاهد والحسن: المعنى من قبل أن نعمي قوما عن الحق فنردهم على ~~أدبارهم في الصلاة والكفر. # وقيل: المعنى: {من قبل أن نطمس وجوها} أي: نمحو آثارها، فنردها على ~~أدبارها PageV02P1348 # أي: نجعلها منابت للشعر كوجوه القردة. واختار الطبري قول ابن عباس أن ~~المعنى من قبل أن نعمي أبصارها، فنردها في موضع القفى، وتصير الوجوه في ~~موضع القفى فيمشي القهقري، ولا معنى لقول من قال: معناه أن نعمي قوما ~~فنردهم عن الحق إلى الضلالة لأن المخاطبين بهذا هم اليهود، وهم ضالون ~~كافرون، فلا معنى لتوعدهم أن يجعلوا ضالين كافرين وهم كذلك. وقد قيل: معناه ~~من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها يريد مواضعهم وترددهم إلى الشام وهو ~~بعيد، والطمس في اللغة العفو والدثور. # وقال مالك: كان أول إسلام ms0494 كعب أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ {يا أيهآ ~~الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا} الآية فوضع كعب يده على وجهه ~~ورجع القهقري إلى بيته، فأسلم مكانه وقال: والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى ~~يطمس وجهي. # قوله: {أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت} معناه أن نخزيهم، فنجعلهم قردة ~~كما أخزينا أصحاب السبت الذين اعتدوا فيه. # قاله قتادة والحسن والسدي وابن زيد، وهذا من الرجوع إلى الغيبة بعد ~~المخاطبة مثل {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح} [يونس: 22]. PageV02P1349 # وقد قيل: معناه: أو نلعن أصحاب الوجوه، فلا يكون فيه خروج من خطاب إلى ~~غيبة على هذا. # قوله: {وكان أمر الله مفعولا} أي: كائنا موجودا، والأمر في هذا الموضع: ~~المأمور، وسمي بالأمر عن الأمر كان (فمعناه): ولم يزل مأمور الله موجودا ~~كائنا إذا أراده وجده لا إله إلا هو، فهو مصدر وقع موقع المفعول كما قال ~~{هذا خلق الله} [لقمان: 11] أي: مخلوقه. # قوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الآية. # قال ابن عمر: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نشك في ~~قاتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني في الشهادة ~~له بالنار حتى نزلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشآء} فأمسكنا عن الشهادة. # وروي عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} ~~[الزمر: 53] إلى قوله # {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 50] قام رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: والشرك يا رسول الله. فنزلت {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} فكان قوله PageV02P1350 # {إن الله يغفر الذنوب جميعا} أنه ما دون الشرك. # وقيل: المعنى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بعد التوبة ولا يحسن هذا لأنه ~~يجب منه أن يكون من تاب، ومات على توبته موقوفا على المشيئة إن شاء غفر له ~~وإن شاء لم يغفر له، وهذا قول لم يقله أحد، ms0495 ولا يجوز اعتقاده بل الميت على ~~توبته مغفور له بإجماع. # قوله: {ومن يشرك بالله}: أي: يشرك في عبادته غيره {فقد افترى} أي: اختلق: ~~{إثما عظيما}. # روى جابر بن عبد الله أنه قال: " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الموجبتين، فقال: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك ~~بالله دخل النار " ". # قوله {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} الآية. # معناه ألم تر بقلبك يا محمد، إلى اليهود الذين يطهرون أنفسهم من الذنوب ~~ويمتدحونها، وهو قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] فلا ذنوب ~~لنا، قاله قتادة. # وقال الحسن وابن زيد: هم اليهود والنصارى قالوا: # {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] وقالوا: ~~{نحن أبناء الله وأحباؤه}. PageV02P1351 # قال الضحاك والسدي: قالت اليهود ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم ~~يولدون إنما نحن مثلهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل، وقال الله عز وجل: ~~{ انظر كيف يفترون على الله الكذب} الآية [النساء: 50]. # وقال مجاهد: تزكيتهم تقديم أولادهم لإمامتهم ولدعائهم يزعمون أنهم لا ~~ذنوب لهم. # وقال عكرمة: كانوا يقدمون الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم يصلون بهم، ~~يقولون: ليست لهم ذنوب. # وقال ابن عباس كانوا يقولون: إن أبنائنا إن توفوا فهم لنا قربة عند الله ~~يستشفعون لنا ويزكوننا. # وقال: ابن مسعود: " كانوا يقولون: كان بعضهم يزكي بعضا، فقال الله تعالى: ~~{يزكون أنفسهم} أي: يزكي بعضهم بعضا، كما قال {تقتلون أنفسكم} [البقرة: 84] ~~أي: يقتل بعضكم بعضا. # قوله: {بل الله يزكي من يشآء}. أي: يوفق من يشاء للطاعة، والعمل بما ~~يزكيه PageV02P1352 # أي: يزكي عمله. والزكاة: النماء. # قوله: {ولا يظلمون فتيلا} أي: ليس ينقصون من حقوقهم مقدار الفتيل، وروي ~~عن ابن عباس انه قال: الفتيل ما خرج بين أصابعك من الوسخ إذا فتلتهما. # وقيل: ما خرج بين الكفين إذا فتلتهما. وعن ابن عباس أيضا: الفتيل الذي في ~~بطن النواة، يعني في شق النواة كالخيط، ومثله عن مجاهد، وهو فعيل بمعنى: ~~مفعول: وقيل: الفتيل ما في (بطن) النواة. # والنقير: (النقرة) التي ms0496 في ظهرها منها تنبت [النخلة]. والقطمير: القشرة ~~الملفوفة عليها. # قال الأخفش: يزكون أنفسهم تمام، وخولف في هذا لأن ما بعده متصل به. # قوله: {انظر كيف يفترون على الله الكذب} الآية. # معناها: انظر يا محمد، كيف يختلقون الكذب على الله في تزكيته لأنفسهم PageV02P1353 # وقولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 20] وكفى بفعلهم {إثما ~~مبينا} أي: ظاهرا. # قوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} الآية. # معناها: ألم تر يا محمد بقلبك إلى الذين أعطوا حظا من الكتاب يعني: علماء ~~بني إسرائيل أعطوا في كتابهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وصفته فكتموه. # قال عكرمة: الجبت والطاغوت صنمان كان المشركون يعبدونهما. وقال ابن عباس: ~~الأصنام هي الجبت والطاغوت الذين يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس. # وروي عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: الجبت الساحر والطاغوت ~~الشيطان. # وقال ابن جبير: الجبت بلسان الجبشة الساحر، والطاغوت الكاهن، وكذبلك قال ~~أبو العالية. وقال قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وكذلك قال السدي. ~~وعن ابن جبير أيضا: الجبت الكاهن والطاغوت الشيطان. PageV02P1354 # وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وهما رئيسان ~~من رؤساء اليهود، وكذلك قال الضحاك والفراء. # والجبت والطاغوت عند أهل اللغة كل ما عبد من دون الله [ عز وجل، وروي عن ~~ابن وهب عن مالك أنه قال: الطاغوت ما عبد من دون الله] سبحانه، قال الله عز ~~وجل: { اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} [الزمر: 17]، قال: فقلت لمالك: وما ~~الجبت قال: سمعت من يقول: هو الشيطان. # قال قطرب: الجبت أصله عند العرب الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير فيه ولا ~~عنده، فأبدلت التاء عن السين، وهي لغة رديئة لا يجب أن يحمل القرآن عليها. # وعن عمر: أن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. # وقوله: {ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} أي: يقول ~~اليهود لبعض الكفار، هؤلاء أصحابكم أهدى من المؤمنين بالله ورسوله طريقا، ~~يغبطونهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وذكر أن ذلك من قول ~~كعب بن الأشرف. # وقال ms0497 ابن عباس: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل PageV02P1355 # المدينة وسيدهم، قال: نعم، ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه ~~خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السداة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير منه، ~~فأنزل الله {إن شانئك هو الأبتر} [الكوثر: 3] وأنزل {ألم تر إلى الذين ~~أوتوا. . .} الآية. # قال عكرمة: انطلق كعب بن الأشرف إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يغزوه، وقال: أنا معكم نقاتله فقالوا: ~~أنتم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت أن ~~نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل، وقال: أنتم خير من محمد، ~~فأنزل الله عز وجل { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} الآية. # فالجبت والطاغوت على هذا الخبر هما الصنمان. وقال ابن زيد: فاعل ذلك حيي ~~بن أخطب. وقيل: هو كعب، وحيي ورجلان من اليهود من بني النضير لقوا قريشا ~~بالموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ إن أهل PageV02P1356 # السقاية والسدانة وأهل الحرم، فقال له: لا أنتم أهدى من محمد وأصحابه، ~~وهم يعلمون أنهم كاذبون حملهم على ذلك الحسد، فأنزل الله عز وجل { ألم تر}، ~~الآية. قوله {أولئك الذين لعنهم الله} أي: أخزاهم وأبعدهم من رحمته {ومن ~~يلعن الله} أي: يخزيه ويبعده عن توفيقه ورحمته {فلن تجد له} من ينصره من ~~عقوبة الله ولعنته سبحانه. # قوله: {أم لهم نصيب من الملك} الآية. # أم هاهنا بمعنى: بل أي: بل لهم نصيب. وقيل: أم عاطفة على شيء محذوف قبلها ~~تقديره: أهم أولى بالنبوة ممن أرسلت أم لهم نصيب؟. والمعنى: ليس لهم حظ من ~~الملك، ولو كان لهم لم يعطوا الناس منه نقيرا لبخلهم. وقيل: الناس هنا: ~~محمد صلى الله عليه وسلم. والنقير النقطة في ظهر النواة وقيل: النقير هنا ~~نقر الإنسان بأطراف أصابعه، والفائدة فيها: وصفهم بالبخل وأنهم لو كانوا ~~ملوكا لبخلوا بالشيء الحقير اليسير. # قوله: {أم يحسدون الناس} الآية. # المعنى: ms0498 أن اليهود حسدوا قريشا إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم منهم، ~~فوبخهم الله عز وجل وقال: {فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة} فيجب أن ~~يحسدوهم أيضا، {وآتيناهم ملكا عظيما} وهو ما أعطى سليمان صلى الله عليه ~~وسلم فكيف لم يحسدوا هؤلاء. # وقال ابن عباس: عنى بالناس: محمد صلى الله عليه وسلم ومن آمن به. وعنه ~~أنه قال: نحن PageV02P1357 # الناس: يعني قريشا، وهو قول عكرمة والسدي ومجاهد والضحاك. . . حسدوه في ~~أمر النساء، وقالوا: قد أحل الله له من النساء ما شاء، فأنزل الله عز وجل: ~~{ يحسدون الناس} أي: محمدا صلى الله عليه وسلم على ما أحل الله له من ~~النساء، وهو الفضل فوق أربع، فأم بمعنى بل هنا، {وآتيناهم ملكا عظيما} قال ~~السدي: كانت لداود مائة امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. وقال القتبي: كانت ~~لسليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية. # قال همام: {ملكا عظيما} أيدوا بالملائكة والجنود. # قال أبو عبيدة: معنى {أم يحسدون}: (أيحسدون). # وقيل الناس هنا: العرب، حسدهم اليهود إذ كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~منهم فهو الفضل. وقيل: الملك العظيم النبوة. وقيل: هو تحليل النساء لهم. ~~وقيل: هو ما PageV02P1358 # أعطي سليمان. وقيل: " الملك العظيم ": هو تأييدهم بالملائكة. # واختار الطبري أن يكون {ملكا عظيما} هو ما أوتي سليمان صلى الله عليه ~~وسلم من الملك وتحليل النساء. # قوله: {فمنهم من آمن به} الآية. # المعنى: فمن أهل الكتاب الذين قيل لهم آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم: ~~من آمن بالله عز وجل. وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: بالقرآن وهو ~~أبينها لقوله: {آمنوا بما نزلنا مصدقا} ثم قال {فمنهم من آمن به} أي: بما ~~نزلنا، وهو القرآن، {ومنهم من صد عنه} أي: لم يؤمن به. # وقيل: {ومنهم من صد عنه} أي: عن محمد صلى الله عليه وسلم ( أي): أعرض ~~عنه، وقيل: {من آمن به}: القرآن. قاله مجاهد، وقيل: " به " بهذا الخبر. ~~وذكر السدي في قصة طويلة أن إبراهيم صلوات الله عليه، كان عنده طعام كثير ~~بورك له فيه كسبه من ms0499 زرع زرعه من قمح كونه من عند الله تعالى، فكان الناس ~~يأتونه في مجاعة يطلبون PageV02P1359 # منهم شراء الطعام، فيقول: هذا الطعام من آمن بالله فليأخذ منه، ومن لا ~~يؤمن بالله فلا شيء له، وآمن بعض وأخذوا، وامتنع قوم من الإيمان فلم ~~يأخذوا، فهو قوله تعالى: {فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه}. # وفي هذه الآية دليل علي أن من لم يؤمن قد أخرت عقوبته التي توعد بها في ~~قوله: {من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ} إلى يوم القيامة لإيمان ~~من آمن منهم وهو قوله: {وكفى بجهنم سعيرا} وإنما كان الوعيد لهم من الله ~~جلت عظمته بالعقوبة على مقام جميعهم على الكفر، فلما آمن بعضهم خرجوا عن ~~الوعيد الذي توعدوا به في دار الدنيا، وهو الطمس وأخرت عقوبة المقيمين على ~~الكفر. # وسعير: فعيل، مصروف عن مفعوله كما قال: كف خضيب، ولحية دهين، والمسعورة: ~~الموقودة بشدة التوقد، والمعنى وكفى بجهنم سعيرا لمن صد عنه، أي: أعرض عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به. # قوله: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا} الآية. # هذا وعيد من الله عز وجل لمن أقام على الكفر وأعرض عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به {سوف نصليهم نارا} أي نلقيهم في النار. PageV02P1360 # وقيل المعنى: سوف نشويهم بنار. يقال أصليته: ألقيته في النار وصليته ~~شويته، فنلقيهم أولى بالمعنى لأنه رباعي. # قوله: {كلما نضجت جلودهم} أي احترقت واشتوت. # قال ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودا غيرها بيضاء مثل القراطيس. # قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم ~~عودوا فيكونون كما كانوا. قال الربيع: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن ~~جلد أحدهم أربعون ذراعا، ومنه تسعون ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل وسعه، ~~فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها. قال الحسن: تنضجهم في اليوم ~~سبعين ألف مرة. قال: وغلظ جلد الكفار أربعون ذراعا، والله أعلم بأي ذراع. # وإنما جاز أن يبدلوا جلودا غير جلودهم التي ms0500 كانت في الدنيا فيعذبون منها PageV02P1361 # وهي لم تذنب، لأن الألم إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، ~~وإنما تحرق النار الجلد ليصل الألم إلى الإنسان، وينعم ليصل النعيم إلى ~~الإنسان، وليس بألم الجلد ولا اللحم وإنما يألم الإنسان، ألا ترى أنه لو ~~مات وحرق الجلد واللحم لم يكن ألم ثابت يحس، وإنما بمنزلة الجندل إذا زالت ~~الإنسانية منه. # وقيل: المعنى: بدلناهم جلودا غير محرقة، أي يصير الجلد (غير) محرق، وهو ~~كما تقول: صغ لي خاتما من هذه الفضة، فإذا تم الخاتم فهو الفضة بعينها. # وقيل: المعنى: كلما نضجت سرابيلهم بدلوا سرابيل من قطران غيرها، فجعلت ~~السرابيل لهم جلودا لملازمتهم لها كما يقال: الشيء الخاص بالإنسان هو ~~الجلدة ما بين عينيه لملازمته لها. وقد أخبر الله بلباسه السرابيل من قطران ~~فقال # {سرابيلهم من قطران} [إبراهيم: 50] فأما جلودهم فليس تحرق لأن في ~~احتراقها فناءها، وفي فنائها راحتها وجواز فناء غيرها من أجسامهم ولحومهم. ~~وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يخفف عنهم ولا يموتون. PageV02P1362 # والاختيار عند أهل النظر أن يكون الجلد الأول أعيد جديدا كما كان، كما ~~تقول صغت من خاتمي خاتما فأنت وإن غيرت المصوغة، فالفضة واحدة لم تبدلها. # قوله: {ليذوقوا العذاب} أي: فعلنا ذلك ليذوقوا العذاب أي: ألمه وشدته {إن ~~الله كان عزيزا} أي: لم يزل عزيزا في انتقامه لا يقدر على الامتناع منه أحد ~~{حكيما} في تدبيره وقضائه. # قوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات} الآية. # المعنى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وأدوا العمل ~~الصالح فندخلهم يوم القيامة بساتين تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~أي: بغير نهاية ولا انقطاع {لهم فيهآ أزواج مطهرة} أي بريئا من الأدناس ~~والريب والحيض والغائط والبول والمخاط، وغير ذلك من أقذار بني آدم {وندخلهم ~~ظلا ظليلا} (أي): كثيفا كما قال {وظل ممدود} [الواقعة: 32]. # وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة شجرة يسير ~~الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". # وقيل: معنى ms0501 {ظلا ظليلا} أي: يظل من الحر والبرد وليس كذلك كل ظل PageV02P1363 # فأعلمهم الله تعالى أن ظل الجنة لا حر معه ولا برد. # قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} الآية. # قال زيد بن أسلم: نزلت الآية في ولاة أمور المسلمين. # قال مكحول في وقوله: {وأولي الأمر منكم}: هم أهل الآية التي قبلها في ~~قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}. # وقال ابن زيد: قال أبي: هم الولاة أمرهم الله عز وجل أن يؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها. # وقال ابن جريج: خوطب بهذا النبي عليه السلام أن يرد مفاتيح الكعبة على ~~عثمان بن طلحة كان المفتاح لآبائه من قصي، وكان أبوه قتل يوم بدر فورثه من ~~أبيه PageV02P1364 # طلحة. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا عثمان خذ المفاتيح على أن ~~للعباد معك نصيبا، فأبى أن يأخذه حتى نزلت الآية، فدفعه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يشرك معه أحدا، فهو اليوم في ذريته الأمثال فالأمثال. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذها منه يوم فتح مكة، ففتح البيت ~~ودخله، ثم خرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفاتيح ~~". # وقيل: نزلت لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة من شيبة بن ~~عثمان. # وروى أهل التفسير أن العباس عم النبي عليه السلام سأل النبي عليه السلام ~~أن يجمع له السقاية والسدانة، وهي الحجابة، وهو أن يجعل له مع السقاية فتح ~~البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال: " يا رسول الله: اردد علي ما ~~أخذت مني "، يعني مفاتيح الكعبة فرده صلى الله عليه وسلم على شيبة. # وقال الحسن: " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن ~~طلحة فقال: " أرنا المفتاح "، فلما أتاه به قال عباس: " يا رسول الله اجمعه ~~لي مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم PageV02P1365 # الآخر فأرني المفتاح ". # فقال: ms0502 هاك في أمانة الله عز وجل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ففتح باب الكعبة، ثم دخل، فأفسدها ما كان في البيت من التماثيل، وأخرج مقام ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم فوضعه حيث وصعه، ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين، ~~ونزل جبرئيل عليه السلام بالآية يأمره أن يرد المفتاح إلى أهله، فدعا عثمان ~~فقال: هاك المفتاح إن الله يقول: " أدوا الأمانات إلى أهلها وقرأ الآية ~~كلها ". # وقال ابن عباس: الآية على العموم في كل من ائتمن على شيء فعليه رده إلى ~~أهله. # واختار أهل النظر أن يكون خطابا لولاة أمور المسلمين أن يؤدوا الأمانة. # يما ائتمنوا عليه من أمور المسلمين في أحكامهم والقضاء في حقوقهم بكتاب ~~الله، والقسم بينهم بالسوية، ويدل على صحة ذلك أن الله تعالى أمر المسلمين ~~بطاعتهم بعد ذلك فقال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم} فحض الولاة على العدل والإنصاف بين المسلمين، وحض ~~المسلمين على طاعة الولاة. # قوله: {إن الله نعما يعظكم به} أي: نعمه العظيمة يعظكم بها يا ولاة أمور ~~المسلمين، في أداء ما ائتمنتم عليه من أموال المسلمين {إن الله كان سميعا} ~~أي: لم يزل PageV02P1366 # سميعا لما تقولون وتنطقون وتحكمون في رعيتكم {بصيرا} بما تعملون فيما ~~أئتمنكم عليه من الحكم والإنصاف، لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. وهذا كان ~~لولاة أمور المسلمين ومن قام مقامهم من الحكام، وقد حض على ذلك في غير موضع ~~من كتابه فقال: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى} [النحل: ~~90]. # وقال: {ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26]. # وقال: {ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47]، ~~{فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47]، و {فأولئك هم الظالمون} [المائدة: ~~45]. # وقال: {كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين} [النساء: 135]. # وقال صلى الله عليه وسلم " المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن ~~يمين الرحمان، وكلتا يديه - جلت عظمته - يمين ms0503 هم الذين يعدلون في حكمهم ~~وأهليهم وأموالهم ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أحب الناس إلى الله عز وجل وأقربهم إليه ~~سبحانه وتعالى - إمام PageV02P1367 # عادل " وقال: " إن أبغض الناس إلى الله جل ذكره وأشدهم عذابا إمام جائر " ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل عباد الله منزلة إمام عادل رقيق، وإن ~~شر عباد الله تعالى منزلة يوم القيامة إمام جائر ". # وقال معقل المزني عند موته: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~"ليس من ولي أمة قلت أوكثرت لم يعدل فيهم إلا كبه الله على وجهه في النار". # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ما من أمير عشرة إلا وهو ~~يجيء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو ~~يوبقه، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام ~~مقسط، وشاب نشأ في عبادة الله - عز وجل - حتى توفاه الله على ذلك، ورجل ذكر ~~الله في خلا، ففاضت عيناه من خشية الله - عز وجل -، ورجل كان قلبه متعلقا ~~بالمسجد حين يخرج منه حتى يرجع إليه، ورجل قال أحدهما للآخر: إني أحبك في ~~الله، وقال الآخر: إني أحبك في الله، فتصادرا على ذلك، ورجل دعته امرأة ذات ~~جمال ومنصب إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة ~~فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". PageV02P1368 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فى خطبته: "اصحاب الجنه ثلاثة: ذو ~~سلطان مقسط ,ومصدق مؤمن , ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذى قربى ومسلم , ورجل ~~عفيف فقير. # قال ابن مسعود, إذا كان الإمام عادلا فله الأجر , وعليكم الشكر وإذا كان ~~جائرا فعليه الوزر وعليكم الصبر. # وقال بعض الحكماء انفع من خصب الزمان. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله. . .} الآية. # أي: دوموا على طاعته {وأطيعوا الرسول} في سنته، وما أتاكم به {وأولي ~~الأمر منكم} أي: ولاة أموركم، وهم الأمراء، قال ذلك أبو هريرة، ms0504 وابن عباس ~~وغيرهما. # وقيل: هم أصحاب السرايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال زيد بن زيد أسلم: هم السلاطين. # وقال جابر بن عبد الله " هم أهل العلم والفقه والخير، قاله مجاهد وقتادة، ~~وأبو العالية، وروي عن ابن عباس مثله وقاله عطاء، ولذلك قيل، إن الأمر في ~~هذا: القرآن: فمعناه: وأولي القرآن، وأولي العلم بالقرآن، ودل على أن ~~الأمر: القرآن PageV02P1369 # قوله: {ذلك أمر الله أنزله إليكم} [الطلاق: 5]. # وعن ابن عباس أنه قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في سرية. وروي عن مجاهد أنه قال: هم أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # وقال عكرمة: هم أبو بكر وعمر. # واختار أهل النظر أن يكون المراد أمراء مسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~" سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لهم، ~~وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا ~~فلكم وعليهم ". # قال صلى الله عليه وسلم: " على المرء المسلم الطاعة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هذاتهم ~~وولاتهم " والهداة العلماء العاملون بعلمهم. # قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله} الآية. PageV02P1370 # المعنى: إن اختلفتم في شيء من أمور دينكم فردوه إلى كتاب الله وإلى سنة ~~رسوله، وحكمه. # وقيل: المعنى إن اختلفتم في شيء فقولوا: الله أعلم، على التغليظ في ~~الاختلاف والنهي عنه، قوله: {ذلك خير وأحسن تأويلا} أي هذا الفعل خير لكم ~~في دنياكم وأخراكم، وأحسن عاقبة، لأنه يدعوكم إلى الإلفة وترك الاختلاف ~~والتنازع، والفرقة. # وقال مجاهد {وأحسن تأويلا}: أحسن جزاء. # وقيل: أحسن ثوابا وخير عاقبة. # قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمو} الآية: معناه ألم تعلم بقلبك الذين ~~يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك من الكتاب، وهم يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا به: أي: بما جاء به ~~الطاغوت. # والطاغوت كل ما عبد من دون الله عز ms0505 وجل فهو جماعة، وهو يذكر ويؤنث، فإذا ~~ذكر ذهب به إلى [معنى] الشيطان وإذا أنث ذهب [به] إلى معنى الألوهية، وإذا ~~جمع ذهب به إلى [معنى] الأصنام. PageV02P1371 # قال الله في التذكير: {وقد أمروا أن يكفروا به} فذكر على معنى الشيطان، ~~وقيل: هو كعب بن الأشرف. # قال الله جل ذكره: {اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} [الزمر: 17] فأنث على ~~معنى الألوهية. وقال في الجمع: {أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم} [البقرة: 257] ~~فجمع على معنى: أوليلؤهم الأصنام. # قوله: {يريد الشيطان أن يضلهم} أن يضلهم أي: يضل هؤلاء المتحاكمين إلى ~~الطاغوت عن الحق أي: يصدهم عنه. # وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود في خصومة ~~كانت بينهما، فكان المنافق يدعوه إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، ~~واصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن جهينة ليحكم بينهم، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين أظهرهم، فأنزل الله هذه الآية فقوله: {يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل ~~إليك} يعني به المنافق {ومآ أنزل من قبلك} يعني به اليهود {يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت} وهو الكاهن {وقد أمروا أن يكفروا به} أمر هذا في ~~كتابه، وهذا في كتابه أن يكفروا بالكاهن. وقيل: إنهما رجلان من اليهود ~~تخاصما فدعا أحدهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يدعو إلى الكاهن ~~فمضيا، فأنزل الله هذه الآية. PageV02P1372 # وقال ابن عباس: كانت اليهود إذا دعيت إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أبوا، ~~وقالوا: بل نتخاصم إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله هذه الآية. # وقوله {ضلالا} مصدر لفعل دل عليه {يضلهم} كأنه فيضلهم {ضلالا} مثل: ~~{أنبتكم من الأرض نباتا} [نوح: 17]. قوله: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ ~~أنزل الله وإلى الرسول} هذا ذم لفعل المذكورين أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ~~فأخبر الله تعالى أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله " أي: إلى ~~كتابه جلت عظمته وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم { رأيت المنافقين يصدون} ~~أي: يمتنعون عنك. # و {صدودا}: هو اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر عنده الصد، وهو مصدر عند ~~الكوفيين، والصد ms0506 أيضا مصدر عندهم. # ووقع الإخبار عن المنافق بالصد لأنه هو الذي دعا إلى الكاهن، ولم يمض إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن جريج: دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: " دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~المنافق: بيني وبينك الكاهن، فلم يرض اليهودي بالكاهن، ومضيا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فحكم لليهودي على PageV02P1373 # المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، وقال: بيني وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر ~~لليهودي، فلم يرض المنافق، فقال: بيني وبينك عمر، فمضيا إلى عمر فأخبره ~~اليهودي أن المنافق قد حكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر فلم ~~يرض بحكمهما، فقال عمر للمنفق: كذلك؟: قال: نعم، قال عمر اصبر، فإن لي حاجة ~~ادخل فأقضيها وأخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج إلى المنافق فضاربه بالسيف ~~فقتله، فجاء أهله فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن قصته فقال ~~عمر: رد حكمك يا رسول الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت الفاروق ". # ومعنى: يصدون عنك أي: عن حكمك. # قوله: {فكيف إذآ أصابتهم مصيبة} الآية. # معنى: كيف في هذا: الاستفهام، ولها معان أخرى. # تكون بمعنى التحذير، والتخويف نحو قوله {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم} ~~[النمل: 51]. # وتكون بمعنى الجحود فتتبعها إلى نحو قوله {كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله} [التوبة: 7] ألا ترى بعده {إلا الذين} [التوبة: 7] تقديره ما يكون ~~للمشركين عهد. # وتكون كيف استفهام بمعنى التوبيخ والتعجب، نحو قوله {كيف تكفرون بالله ~~وكنتم أمواتا} [البقرة: 28] {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله} [آل ~~عمران: 101] وتكون تنبيها نحو قوله: PageV02P1374 # {انظر كيف فضلنا} [الإسراء: 21]، {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} [الإسراء: ~~48]. # وتكون توكيدا لما قبلها، وتحقيقا له، نحو قوله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد} [النساء: 41] فهذا كله من تفسير الكوفيين النحويين وهو صحيح. # والمعنى كيف يكون حال هؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت ويزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك، ويمتنعون أن يأتوا حكمك إذا أصابتهم مصيبة أي: ms0507 نزلت ~~بهم نقمة من الله تعالى {بما قدمت أيديهم} أي: بذنوبهم التي تلفت منهم {ثم ~~جآءوك} حالفين بالله {إن أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا}. # أخبر الله عنهم أنهم لا يردعهم عن النفاق: والعبر والنقمات وأنهم إذا ~~أصابتهم مصيبة بذنوبهم أخذوا يحلفون كاذبين أنا لم نرد إلا الإحسان ~~والتوفيق أي: لم نرد باحتكامنا إلى الكاهن إلا الإحسان من بعضنا البعض، ولم ~~يرجعوا إلى التوبة والاعتراف. # وقيل: أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر القتيل الذي قتله عمر ~~وحلفوا، أنا أردنا بطلب الدم إلا إحسانا وموافقة الحق. PageV02P1375 # قوله: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} أي: يعلم ما أضمروا من ~~احتكامهم إلى الكاهن، وتركهم الاحتكام إلى كتاب الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم، فهو يعلم ذلك منهم، وإن حلفوا أنا أردنا إلا الإحسان والتوفيق {فأعرض ~~عنهم} (أي): فدعوهم ولا تعاقبهم في أبدانهم ولكن {عظهم} بالتخويف من الله ~~عز وجل أن تحل بهم عقوبة منه {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} هذا التوعد ~~بالقتل لمن خالف حكم الله وكفر به. # وقيل: قوله {في أنفسهم} مؤخر عن موضعه يراد به التقديم، فكيف إذا أصابتهم ~~مصيبة في أنفسهم بما قدمت أيديهم. # وكونه في غير موضعه من غير تقديم ولا تأخير، أحسن لتمام المعنى بذلك، ~~إنما يحسن تقدير التقديم والتأخير إذا لم يكمل معنى الآية، وتقدير التقديم ~~والتأخير مروي عن مجاهد. # قوله: {ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} الآية. # المعنى {ومآ أرسلنا} رسولا إلا افترضنا طاعته على أمر من أرسل إليهم، ~~فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليهم فهذا توبيخ ~~لمن احتكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: {بإذن الله} أي: بعلمه، فدل هذا، أن هؤلاء الذين لم يتحاكموا إلى PageV02P1376 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا طاعته إنما ذلك لشيء سبق في علم ~~الله عز وجل، فطاعته تكون ممن سبق في علم الله أنه يطيعه، وكذلك خلافه. # قوله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} لو أن ms0508 هؤلاء المنافقين إذ تحاكموا إلى ~~الكاهن، فظلموا أنفسهم بذلك {جآءوك} تائبين مستغفرين مما فعلوا، فسألت الله ~~العفو عن جرمهم {لوجدوا الله توابا رحيما} ومعنى توابا راجعا عما يكرهون ~~إلى ما يحبون، رحيما بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم. # قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الآية. # المعنى في قوله: {فلا} أي: ليس الأمر على ما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل ~~إليك، وما أنزل من قبلك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا ~~إليك، ثم استأنف القسم فقال: {وربك لا يؤمنون} أي: وربك يا محمد، لا يؤمنون ~~أي: لا يصدقون بالله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وسلم { حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم}، أي: يحكمونك حكما بينهم في خصوماتهم. وقرأ أبو السمأل: {شجر ~~بينهم} بإسكان الجيم وهو بعيد لخفة الفتحة. # قوله: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} أي: ضيقا من حكمك أي لا ~~تأثم أنفسهم بإنكارها حكمك، وشكها في طاعتك لأن الحرج الإثم، وكأنه قال: ثم ~~لا PageV02P1377 # تحرج أنفسهم بإنكارها حكمك، قال: معنى ذلك مجاهد والضحاك. # وقيل: الحرج: الشك وكله يرجع إ'لى الإثم. # {ويسلموا تسليما} أي: يسلموا لحكمك إقرارا بنبوتك. # ويروى أن هذه الآية نزلت في الزبير بن العوام وخصم له، " ذكر عن الزبير ~~أنه خاصم رجلا من الأنصار وهو حاطب بن أبي بلتعة في شريج من الحرة كانا ~~يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر، وكانت أرضه أسفل من ~~أرض الزبير فأبى عليه، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك. فغضب الأنصاري ~~فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قال: يا زبير اسق، ثم تحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل ~~الماء إلى جارك، فاستوعب رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح ~~الحكم وكان PageV02P1378 # أولا أراد النبي صلى الله عليه وسلم الرفوت والسعة لهما ms0509 فنزلت الآية ". # وقيل: نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تقدم ذكرهما قاله مجاهد وغيره، ~~وهو أولى بسياق الكلام. # قال الطبري: ولا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع فيكون حكم المتحاكمين ~~إلى الطاغوت، وحكم الزبير وخصمه. # ومن قال إنها في الزبير وخصمه ما زالت أحسن الوقف على ما [قبل الآية، ومن ~~قال: إنها في اليهود والمنافق ما زالت، فليس الوقوف على ما] قبلها بتمام، ~~لأن القصة واحدة. # وروي " أنها نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى ~~بينهما، فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الذي له الخق: يا ابن الخطاب قضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك، قال: ~~كذلك؟ قال: نعم! قال عمر: مكانكما حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج إليهما ~~مشتملا على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى PageV02P1379 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: " ما كنت ~~أطن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن "! فأنزل الله عز وجل: { فلا وربك لا ~~يؤمنون} الآية ". # قوله {ولو أنا كتبنا عليهم} الآية. # فالمعنى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ~~المتحاكمين إلى الطاغوت أي: فرضنا عليهم قتل أنفسهم، والخروج من ديارهم ما ~~فعل ذلك إلا قليل منهم. # ومعنى: قتل أنفسهم قتل بعضهم بعضا كما أمر أصحاب موسى صلى الله عليه ~~وسلم، ولما نزل ذلك افتخر ثابت بن قيس ورجل من اليهود، فقال اليهودي، والله ~~لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا وبلغت القتلى منا سبعون ~~ألفا، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، ~~فأنزل الله عز وجل { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا} وقيل: " إن الآية لما نزلت قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم قيل: هو أبو بكر ms0510 رضي الله عنه لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي ~~عافانا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إن من أمتي لرجالا ~~الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ". PageV02P1380 # ومعنى {وأشد تثبيتا} أي: أثبت لهم في أمورهم وأقوى. # وقال السدي: وأشد تثبيتا أي تصديقا. # قوله: {وإذا لأتيناهم من لدنآ أجرا عظيما} المعنى: ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، {وإذا لأتيناهم من لدنآ أجرا عظيما}، ~~أي ثوابا في الآخرة {ولهديناهم} أي لوفقناهم للصراط المستقيم وهو طريق ~~الجنة. # قولهم: {ومن يطع الله والرسو} الآية. # المعنى من يطع الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم بتسليم لأمرهما ~~والرضا بحكمهما، فهو مع الذين أنعم الله عليهم لأنبيائه، وأهل طاعته في ~~الآخرة {وحسن أولئك رفيقا} أي: وحسن الأنبياء ومن معهم رفيقا. # و {رفيقا} منصوب على الحال عند الأخفش، بمعنى رفقاء، وقال الكوفيون: نصبه ~~على التفسير، وقال بعض البصريين نصبه على التمييز. # والصديقون: أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، صدقوهم فهو فعيل من الصدق ~~وقد كثر ذلك عنه. PageV02P1381 # وقيل: هو فعيل من الصدقة كأنه (كثر) ذلك منه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حكاية أنه قال: " الصديقون ~~المتصدقون ". # وفعيل أصله المبالغة في ذم أو مدح. # {والشهدآء} جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل لله [شهد لله عز وجل بالحق، ~~فسمي شهيدا لذلك. وقيل: سمي شهيدا لأنه يشهد كرامة الله] سبحانه وقيل: لأنه ~~يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، وقيل: هم الذين قاموا وشهدوا لله ~~بالحق. ويقال: الشهداء عدول يوم القيامة. # {والصالحين} كل من صلحت سريرته وعلانيته. {وحسن أولئك رفيقا} في الجنة. ~~والرزق لفظه لفظ واحد وهو في معنى الجمع. # ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم حزنوا على فقد النبي صلى الله عليه وسلم ~~حذر ألا يروه في الآخرة، فأخبرهم الله عز وجل أن من أطاعه، وأطاع رسوله مع ~~النبيين في الجنة. PageV02P1382 # وقال ابن جبير: " جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~محزون: قيل: هو عبد ms0511 الله بن زيد الذي رأى الآذان في منامه، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " مالي أراك محزونا؟ " فقال: يا نبي الله، شيء فكرت ~~فيه يقال: " ما هو؟ " فقال: نحن نغدر ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغدا ~~ترفع مع النبيين فلا تصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: {ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين} الآية. # فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره ". # وقال مسروق: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له: ما ينبغي لنا أن ~~نفارقك في الدنيا فإنك لو قدمت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله عز وجل { ~~ومن يطع الله والرسول} الآية: وروي نحو ذلك قتادة والسدي وغيرهما. # وقال عطاء: " جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، ~~فقال: " ما يبكيك يا فلان؟ " فقال: يا نبي الله والله الذي لا إله 'لا هو، ~~لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو، لأنت أحب إلي من ~~نفسي، وأنا أذكرك وأنا في أهلي، PageV02P1383 # فيأخذني الجنون حتى أراك، فذكرت موتك وموتي، فعرفت ألا اجتمع معك، إلا في ~~الدنيا، وأنت ترفع مع النبيين وعرفت أني إن دخلت الجنة منزلتي أدنى من ~~منزلتك، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فأنزل الله عز وجل { ومن ~~يطع الله والرسول} الآية ". # قيل هو عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام وروي أنه لما بلغه موت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اعمني حتى لا أرى شيئا بعد حبيبي ~~صلى الله عليه وسلم فعمي من وقته. # قوله: {ذلك الفضل} أي ذلك العطاء بأن يكونوا مع النبيين صلوات الله ~~عليهم، فضل من الله عز وجل عليهم، بأن وفقهم للطاعة، فجعلهم من النبيين ~~والصديقين في الجنة، فهو سابقة منه لهم، لم يطيعوا إلا بفضله، وبالطاعة ~~التي هي بفضله وصلوا إلى فضله، فكل من عنده، ms0512 وبفضل منه، لا إله إلا هو، لا ~~خير إلا من عنده، ولا توفيق إلا به يوفق للخير ويجازي عليه بخير، فهذا ~~الفضل العظيم الظاهر {وكفى بالله عليما} أي اكتفوا به. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم. . .} الآية. # هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين ~~أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين. PageV02P1384 # فقوله: {ثبات} جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ثبية، وثبت ~~الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين وهو واو، لأنها ~~من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثبات هنا: الجماعة المتفرقة. # قوله: {وإن منكم لمن ليبطئن}: لام " لام " تأكيد وليبطئن لام قسم، كان ~~التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] بمعنى التكثير. # وقرأ مجاهد: " ليبطئن " بإسكان الباء، وتخفيف الطاء. # ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة. # ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود. لأن المودة والود بمعنى واحد. وقرأ ~~الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فضم، لتدل على الواو ~~المحذوفة. # ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى ~~جهاد PageV02P1385 # العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة. أي: ~~هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: {قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا} أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن أصابكم فضل من الله " اللام في " ~~لئن لام اليمين و " فضل " أي: ظفر على عدوكم أو غنيمة. {ليقولن} هذا الذي ~~أبطأ عنكم، وجلس عن قتال عدوكم: {ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} هذا ~~كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعا وظفرا، ~~فهو غير راج ثوابا، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن ~~جريج وابن زيد وغيرهم. # والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة " أن يكون مؤخر المعنى " ~~[فأفوز فوزا عظيما كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على ~~الجهاد. # وقيل: التقدير {قد ms0513 أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا} كأن لم يكن بينكم ~~وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من الله ". # قوله: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة} الآية. # حض الله عز وجل المؤمنين على القتال في هذه الآية غالبين أو مغلوبين، ~~ومعنى، {في سبيل الله} أي: في ذات الله ودينه، ومعنى {يشرون} يبيعون حياتهم ~~الدنيا بنعيم الآخرة، يقال: شربت الشيء بعته، وشريته اشتريته {فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما} أي: PageV02P1386 # نعطيه في الآخرة ثوابا عظيما [ال] معظمه مقدار يبلغ إليه الخلق. # قوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين} الآية. # {المستضعفين} عطف على السبيل كأنه قال: " وفي المستضعفين أي: في خلاصهم. # وقيل: المعنى: وفي سبيل المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة وغلبوا على ~~أنفسهم بالقهر، وعذبوا في أبدانهم ليرجعوا عن دينهم. # حض الله عز وجل المؤمنين على القتال من أجل دين الله سبحانه [ومن أجل] ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، عذرهم الله، وأخبر أنهم يقولون ~~{ربنآ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} أي: التي ظلم أهلها. # روى الحسن وقتادة: أن رجلا من بني إسرائيل خرج من القرية الظالمة إلى ~~القرية الصالحة فأدركه الموت في الطريق فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، ~~فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يعدوا أقرب القريتين ~~إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فتوفته ملائكة الرحمة، وقيل: ~~أن الله قرب إليه القرية الصالحة والقرية الصالحة هي مكة. # قوله: {واجعل لنا من لدنك وليا} أي: من عندك وليا يلي خلاصنا. PageV02P1387 # {واجعل لنا من لدنك نصيرا} أي: من عندك من ينصرنا على أعدائك، وينصرنا ~~على الخلاص منهم، والذين في موضع خفض على البدل من المستضعفين، أو نعت لهم، ~~أو نعت للجميع المذكور من الرجال وغيرهم. # قوله: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} الآية. # أخبر الله عز وجل أن: {الذين} صدقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء ~~به يقاتلون في سبيل الله. # وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهو الشيطان هاهنا بدليل قوله: ~~{فقاتلوا أولياء الشيطان} أي: الذين ms0514 يتولونه ويطيعون أمره {إن كيد الشيطان ~~كان ضعيفا}: لأولياؤه ضعاف لأنهم يقاتلون لغير الثواب، والمؤمنون يقاتلون ~~رجاء الثواب. # قوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} الآية. # هذه الآية نزلت في ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تسرعوا إلى ~~قتال المشركين بمكة قبل الهجرة، بما يلقون منهم من الأذى، فقيل لهم: كفوا ~~أيديكم عن القتال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فكانوا يتمنون القتال {فلما ~~كتب عليهم} كرهه جماعة منهم، ومعنى كتب فرض، ومعنى {لولا أخرتنا إلى أجل ~~قريب} أي: إلى أن نموت PageV02P1388 # بآجالنا، ولا نتعرض للقتال فنقتل، حبا للدنيا فقال الله تعالى {قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى}. # قال ابن عباس: هو عبد الرحمن بن عوف وأصحابه سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم القتال ثم كرهه جماعة منهم لما فرض غليهم. # وقال السدي: قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال فسألوا القتال، فلما فرض ~~عليهم كرهه جماعة منهم وخاف منه كما يخاف الله وأشد من ذلك. # وقيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه. # وقيل: نزلت في يهود فعلوا ذلك، فنهى الله هذه الأمة أن تصنع صنيعهم. # ويجوز - والله أعلم - أن يكون هؤلاء اليهود الذين فعلوا ذلك هم الذين ~~ذكرهم الله في البقرة في قوله {إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله} [البقرة: 246] ثم قال: {فلما كتب عليهم القتال} [البقرة: 246] ~~أي فرض {تولوا إلا قليلا منهم} [البقرة: 246]. # ومن قراء {ولا تظلمون} بالتاء أجراه على الخطاب لأن بعده {أينما تكونوا}. PageV02P1389 # ومن قرأ بالياء أجراه على ما قبله وهو قوله: {إذا فريق منهم} وقوله ~~{وقالوا} وقوله {لهم} وقوله {كفوا} وشبهه. # {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} الآية. # هذا توبيخ من الله عز وجل لهؤلاء الذين يخشون الناس كخشية الله فرارا من ~~الموت، فقال الله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج ~~مشيدة}. # قال مالك: في قصور السماء، ألا تسمع قوله: {والسمآء ذات البروج} [البروج: ~~1] وقيل: معناه: " في قصور محصنة قاله ms0515 قتادة. وقيل المعنى: في قصور السماء، ~~قاله أبو العالية. # والمشيدة عند أهل اللغة المطولة، والمشيدة بالتخفيف المزينة، وقيل: هي ~~المعمولة بالشيد وهو الجص. # وقال بعض الكوفيين: التخفيف والتثقيل أصلحهما واحد. # والتشديد يراد به الجمع كقولهم: غنم مذبحة، وقباب مصنعة، فيقال: " قصور PageV02P1390 # مشيدة " على ذلك {وقصر مشيد} [الحج: 45] مثل: كبش مذبوح وكباش مذبحة. # (ومشيد) مفعول: فالمشيدة على هذا المعمولة بالشيد وهو الجص وكذلك قال ~~عكرمة. # قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} أي: رضاء أو ظفر أو غنيمة ~~{وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} أي: شدة وهزيمة أو جراح (يقولوا هذه ~~من سوء تدبيرك) {قل} يا محمد {كل من عند الله} أي: الشدة والرخاء، والظفر ~~والهزيمة {من عند الله} أي: بقضائه وقدره {فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا} أي: ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من عند الله سبحانه. # والوقف على {فمال هؤلاء} لا يحسن، لأنه إن خالف خط المصحف لم يحسن، وإن ~~وقف على الكلام قبح لأنه لام خفض وقد روي عن بعضهم الوقف على اللام وهو ~~حمزة والكسائي وعاصم قياسا على أصولهم في اتباع السواد، وروي عن غيرهم من ~~القراء الوقف على {فما} على الأصل، والاختيار ألا يوقف عليه فهو PageV02P1391 # أسلم وأحسن، وليس بموضع تمام، وإنما تكلم فيه الناس على الاضطرار وانقطاع ~~النفس، ووقع ذلك كيف يكون الوقف، فأما أن يتعمد الوقف على هذا فلا يجوز. # قوله: {مآ أصابك من حسنة فمن الله. . .} الآية. # قال الأخفش: {مآ} بمعنى الذي. # وقيل: {مآ} للشرط. # والمعنى: ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة، فبفضل الله عليك ~~وإحسانه، وما أصابك من جدب وشدة وسقم وألم، فبذنب أتيته قوقبت به، والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " ما يصيب الرجل من خدش من عود ولا غيره إلا بذنب، وما يغفر الله عز ~~وجل أكثر ". # وقال ابن عباس: الحسنة هنا فتح بدر وغنيمتها، والسيئة ما أصابه يوم أحد ~~عوقبوا عند خلاف ms0516 الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ما عوقب به ~~بذنوبهم التي اجترحوها، فهو قوله {فمن نفسك} قال أبو زيد: " وقوله في آل ~~عمران ": PageV02P1392 # {قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] معناه بذنوبكم وهو بهذا المعنى. # وقرأ ابن عباس: فمن نفسك وأنا كتبتها عليك وكذلك هي قراءة عبد الله بن ~~مسعود. # وعن ابن عباس أن الآية نزلت في قصة أحد تقول: ما فتحت عليك يا محمد من ~~فتح فمني وما كانت من نكبة فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك. # وقد ذكر النحاس: أن القول محذوف من الآية والتقدير {لا يكادون يفقهون ~~حديثا} يقول ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة من نفسك [أي: ~~بشؤمك]. # وذكر ابن الأنباري قولا ثالثا: أن المعنى: ما أصابك الله به من حسنة ~~فمنه، PageV02P1393 # وما أصابك من سيئة فمن نفسك] أي: بذنبك فالفعلان من الله عز وجل، وهذا ~~يرجع إلى القول الأول. وذكر فيه قولا رابعا: وهو أن يقدر ألف الاستفهام ~~محذوفة والتقدير: وما أصابك من سيئة. أفمن نفسك؟ كما قال: {وتلك نعمة تمنها ~~(علي)} [الشعراء: 22] على معنى: وتلك نعمة كما قال في قوله تعالى: {فلما ~~رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} [الأنعام: 78] أي: هذا ربي لأنه لم يوجب أنه ~~ربه وإنما قال هذا ربي على سبيل الاستخبار. # قال نفطوية: أصل السيئة ما يسوؤك، فالمعنى وما أصابك من أمر يسوؤك فهو ~~بذنبك وذلك أمر من الله. # وقال الضحاك عن ابن عباس: الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظفر يوم بدر، ~~والسيئات ما نكبوا به يوم أحد. # قوله: {وأرسلناك للناس رسولا} الآية. # رسولا: مصدر مؤكد لأرسلناك، ودخلت " من " في قوله: {مآ أصابك من حسنة} PageV02P1394 # كما تدخل مع حروف الشرط تقول: إن يكرمني من أحد أكرمه، فتدخل من لأنه غير ~~واجب كما تدخل في النفي إذا هو غير واجب، ولكنها تلزم في الشرط في مثل هذا. # قوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} الآية. # هذا إعذار من الله عز وجل إلى خلقه في طاعة ms0517 نبيه عليه السلام فإنه عن ~~الله يأمر وينهى، وهو رد إلى قوله: {وأرسلناك} للناس رسولا، ثم قال: ومن ~~يطعك فقد أطاع الله، لكنه خرج من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة، كما قال: {حتى ~~إذا كنتم في الفلك} [يونس: 22] ثم قال: {وجرين بهم} [يونس: 22]، {ومن تولى} ~~أي: من طاعتك يا محمد {فمآ أرسلناك عليهم حفيظا}، رجع الكلام إلى الخطاب ~~ولو جرى على الغيبة لقال: فما أرسلناه. # وقيل: معنى الآية: من يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فرائضه، وهذه ~~الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين، لأن قوله فما أرسلناك عليهم حفيظا. ~~يدل على الإعراض عنهم وتركهم إذا تولوا عنه، وهذا مثل " {إن عليك إلا ~~البلاغ} [الشورى: 48] " ثم PageV02P1395 # أتى بعد ذلك الغلظة والأمر بالقتال، قال ذلك ابن زيد. # وقال أبو عبيدة: معنى " حفيظا " محتسبا. # قوله: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك} الآية. # " طاعة " رفعت على معنى: أمرنا طاعة، فالمبتدأ مضمر وأجاز الأخفش النصب ~~[على] المصدر كأنهم يقولون نطيع طاعة، وهذه الآية، نزلت في الذين تقدم ~~ذكرهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا {الناس كخشية الله أو أشد خشية} ~~[النساء: 77]. # فالمعنى: يقولون أمرنا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه يا محمد، فإذا ~~خرجوا من عندك يا محمد {بيت طآئفة منهم غير الذي تقول} أي: غير جماعة منهم ~~ليلا الذي تقول أي: تقول الطائفة. # ويجوز أن يكون المعنى غير الذي تقول يا محمد من القرآن وغير ذلك، وكل من PageV02P1396 # عمل عملا فقد بيته، {والله يكتب ما يبيتون} أي: يثبت ما يغيرون من قولك ~~في كتب أعمالهم التي تحصى عليهم. # قال السدي: هم المنافقون يطيعون، إذا حضروا، فإذا خرجوا غيروا وبدلوا، ~~وقال ابن عباس وغيره. # وقيل معنى: يكتب ما يبيتون أي ينزله في كتابه إليك يا محمد ويخبرك به، ~~وفي ذلك أعظم الآيات للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه يخبرهم بما يسرون ليلا. # قوله: {فأعرض عنهم} أي: دعهم قال الضحاك: المعنى لا تخبرهم بأسمائهم. # {وتوكل على الله} فوض أمرك إليه، {وكفى بالله وكيلا}، أي: ms0518 حسبك ناصرا على ~~عدوك. # قوله: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} الآية. # [المعنى]: {أفلا يتدبرون} المبيتون غير ما تقول {القرآن} فيعلمون حجة ~~الله عليهم، وأنك أتيتهم بالحق من عند الله متسق المعاني مختلف الأحكام ~~بعضه يشهد على بعض بالتحقيق وأن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه ~~وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، فليس من كلام آدمي إلا وفيه ~~اختلاف، إما في PageV02P1397 # وصفه، وإما في معناه، وإما في بلاغته، وإما في غير ذلك، من أنواع فنونه، ~~والقرآن لا يدخله شيء من ذلك كله. # وقوله: {ولو كان من عند غير الله} معناه على قولكم ودعواكم إذ ليس يجوز ~~أن يأتي من عند غير الله مثله، ومعنى {أفلا يتدبرون القرآن} ألا ينظرون في ~~عاقبته، يقال: " تدبرت الشيء فكرت في عاقبته ". # قوله: {وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} الآية. # هذا خبر من الله عز وجل هؤلاء المنافقين الذين يبيتون غير ما يقول القرآن ~~إذا جاءهم [خبر] من سرية غزت للمسلمين أنهم آمنون من عندهم، (أو) أنهم ~~خائفون: صحيح أو غير صحيح، لم يتوقفوا حتى يصح، ويثبت، وأفشوه في الناس. # وقوله: {أذاعوا به} أي: أفشوا (ونشروا) وأسمعوا به، وأعلنوه كان خيرا PageV02P1398 # أو شرا فبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ولو ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم} أي: ولو ردوا الأمر الذي جاءهم إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يكون هو الذي يخبر الناس به إن كان صحيحا، ~~ويسكت عنه إن كان سقيما {وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه} أي: ~~ليعلموا صحته وسقمه فيخبرون الناس بالصحيح. # والهاء في {به} وفي {لعلمه} و {يستنبطونه} للأمر، وقيل: للخوف، وقيل: ~~عليهما جميعا، واكتفى بالتوحيد عن التثنية. # ومعنى: {يستنبطونه} أي: يبحثون عن صحته، ويستخرجونه. والهاء والميم في " ~~منهم " تعود على أولي الأمر أي: ليعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه أي: ~~يبحث عن صحته ويستخرجها. # يقال: استنبطت الركية: استخرجت ماءها وسمي النبط ms0519 نبطا لاستنباط الماء. ~~أي: استخراجهم الماء، والنبط: الماء المستخرج من الأرض. # وقيل: إن الذين عنوا بذلك ضعفة المسلمين كانوا يسمعون من المنافقين ~~أخبارا غير صحيحة فيفشونها فعذلهم الله على ذلك، وأمرهم برد ما سمعوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر فيعلمون صحة ما قيل من سقمه، ~~ويعرفون كذبه من صحته PageV02P1399 # بالاستنباط. # وقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} أي: لولا نعمته عليكم بأن عافاكم ~~مما ابتلي ب هؤلاء المنافقون الذين وصفهم بالتبييت والخلاف {لاتبعتم ~~الشيطان} وهو خطاب للذين قال لهم {خذوا حذركم فانفروا ثبات}. # وقوله: {إلا قليلا} الآية. # هو استثناء من المستنبطين قاله قتادة، وهو قول الزجاج واختياره. # وقال ابن عباس هو استثناء من قوله: {أذاعوا به} {إلا قليلا} فهو استثناء ~~من الإذاعة، وهو قول الأخفش والكسائي وأبي عبيدة، وأبي حاتم [وأبي عبيد] ~~وجماعة من النحويين، وهو اختيار الطبري. PageV02P1400 # وقال الضحاك: هو استثناء من {لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} وهم أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، الذي لم يهموا باتباع الشيطان كما هم الذين استنقدهم ~~الله. # ومعنى {أذاعوا به} وأذاعواه سواء، قاله الكسائي. # قوله: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} الآية. # المعنى: جاهد يا محمد أعداء الله {لا تكلف إلا نفسك} أي: لا يلزمك إلا أن ~~تقاتل بنفسك {وحرض المؤمنين} أي: حضهم على القتال معك، وأعلمهم ثواب الله ~~في الآخرة للشهداء، {عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} أي: يكف قتاهم، وعسى ~~من الله واجبة، {والله أشد بأسا} أي: نكاية في الكفار {وأشد تنكيلا} أي: ~~عقوبة، وهذه الفاء في {فقاتل} متعلقة بقوله {فسوف نؤتيه أجرا عظيما} ~~{فقاتل} أي: من أجل هذا فقاتل. # وقيل: هي متعلقة بقوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله} [النساء: 75] ~~وإنما أمره تعالى بالقتل وحده لأنه وعده بالنصر، ولما أمره الله عز وجل ~~بالقتل بنفسه لبس يوم أحد PageV02P1401 # درعيم، وركب فرسه وأسكب نبله، فلما نزعه انكسرت بينية القوس من قوته، ~~فأكب نبله، وجعل يناول سعدا سهما ويقول: ارم فداك أبي وأمي، ولم يقلها لأحد ms0520 ~~قبله، ولا بعده، فهو من فضائل سعد، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم رمحا ~~صغيرا أعطاه له قتادة ابن النعمان، فيه قتل أبي بن خلف الجمحي. # قوله: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} الآية. # المعنى: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة يكن له نصيب منها في الآخرة، أي: حظ ~~{ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} أي: إثم منها في الآخرة. # وقال مجاهد: هو شفاعة الناس بعضهم لبعض، وقاله الحسن وابن زيد وغيرهم. PageV02P1402 # وقال الطبري: " المعنى: من يشفع وترا لأصحابك يا محمد في جهاد عدوهم يكن ~~له نصيب منها: حظا في الآخرة، ومن يشفع وترا لكافرين يكن له كفل منها أي: ~~وزر وإثم في الآخرة. # وإنما اختار ذلك لأنه في سياق الآية التي حض الله عز وجل النبي صلى الله ~~عليه وسلم على القتال فيهت، وحضه على أن يحرض المؤمنين على القتال معه، ~~فصارت هذه الآية وعدا لمن أجاب تحريض رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~القتال، وكان ذلك أشبه عنده من شفاعة الناس بعضهم لبعض إذ لم يجر له ذكر ~~قبل ولا بعد. # والكفل والنصيب عند أهل اللغة سواء، قال تعالى: {يؤتكم كفلين من رحمته} ~~[الحديد: 27] أي: نصيبين، والنصيب قد يكون خيرا أو شرا. # وقال الحسن: الشفاعة الحسنة ما يجوز في الذين، والشفاعة السيئة ما لا ~~يجوز في الدين. # وقال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يشفع. # وروي أن قوله: {ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} نزل في اليهود ~~كانوا يدعون على المؤمنين في الغيبة بالهلاك، ويقولون لهم في الحضور: السام ~~عليكم، وهو دعاء أيضا، ثم اتبع ذلك بقوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منهآ} وهو: السلام. # والمقيت: الحفيظ عند ابن عباس. PageV02P1403 # وقيل: الشهيد، قاله مجاهد. # وقال السدي: المقيت: القدير وهو اختيار الطبري. # وقال الكسائي: مقيتا مقتدرا. # وقال أبو عبيدة: المقيت: الحافظ المحيط. # وقال ابن جريج: المقيت القائم على كل شيء رواه عن ابن كثير. # وقال بعضهم: # وذي ضغن ms0521 كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا # قوله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ} الآية PageV02P1404 # المعنى: إذا دعي لأحدكم بطول الحياة والبقاء والسلامة فردوا ذلك بأحسن ~~منه، أو ردوا التحية. # وقيل: المعنى: إذا قيل لكم السلام عليكم، فقولوا السلام عليكم ورحمة ~~الله، فهذا خير من التحية، أو يردها فيقول: السلام عليكم، كما قيل له، قال ~~ذلك السدي، وروي عن ابن عمر أنه يرد: وعليكم السلام. # وقال ابن عباس: {فحيوا بأحسن منهآ} على أهل الإسلام أو ردوها على أهل ~~الكفر، وقال: من سلم عليك من خلق الله فأردده عليه، وإن كان مجوسيا، وقال ~~ذلك قتادة. # وقال ابن زيد: قال أبي: " حق على كل مسلم (حيي) بتحية أن يحيي PageV02P1405 # بأحسن منها " للمسلمين {أو ردوهآ} على الكفار. # وروي عن ابن عباس: {أو ردوهآ} يقول: وعليكم: على الكفار. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا ~~وعليكم ". # واختار الطبري أن يكون المعنى للمسليمن، يرد عليهم أحسن من تحيتهم بزيادة ~~الرحمة والبركة، أو يرد عليهم تحيتهم بعينها بغير زيادة، ويكون الرد على ~~أهل الكتاب معمولا به بقوله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزاد على ذلك. # فقول النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا لهم: وعليكم يظن على أن يقال لهم ~~مثل ما قتالوا، فيجب أن تكون الآية كلها في المسلمين وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه لا يجوز أن يبدأوا بالسلام، والسلام عند الجماعة تطوع والرد ~~فريضة، وقال مالك في معنى الآية: إن ذلك على المشمت في PageV02P1406 # العطاس. # وقال: مجاهد الحسيب: الحفيظ. وقال أبو عبيدة: كافيا. # وقيل معنى حسيب: محاسب كما يقال: أكيل بمعنى: مواكل. # والحسيب عند أهل اللغة الكافي. يقال حسبه إذا كفاه، ومنه {عطآء حسابا} ~~[النبأ: 36] أي: كافيا: ومنه {حسبك الله} [الأنفال: 64] أي: يكفيك الله. # قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم}. # (معنى الآية) أنه تخويف وتحقيق للبعث والحشر وأن ذلك لا ريب فيه أي لا شك ~~فيه {يوم القيامة} يوم القيام لرب العالمين، ms0522 والهاء زيدت للمبالغة، وقيل: ~~سميت بذلك لأنه يوم يقوم الناس من قبورهم فيه، والهاء للمبالغة أيضا. # ومعنى: {ومن أصدق من الله حديثا} أي: لا أحد أصدق حديثا من الله. PageV02P1407 # قوله: {فما لكم في المنافقين فئتين} الآية. # هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد، رجعوا إلى المدينة، وقالوا لأصحاب النبي عليه السلام: {لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم} [آل عمران: 167] فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ~~فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فنزلت: {فما لكم في المنافقين ~~فئتين} أي: فرقتين {والله أركسهم} أي: ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة ~~دمائهم، وذلك بما كسبوا من خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد وغيره: نزلت في قوم أتوا مكة: زعموا أنهم مهاجرون، ارتدوا بعد ~~ذلك، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى مكة ليأتوا ~~ببضائع لهم، فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ففرقة تقول: إنهم ~~منافقون، وفرقة تقول: هم مؤمنون، فأنزل الله الآية. # وقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة مسلمين فأقاموا ما شاء الله، ثم ~~استوخموا المدينة، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى البادية، ~~فأذن لهم، فتكلم الناس فيهم، PageV02P1408 # واختلفوا في نفاقهم وإيمانهم فأعلمهم الله بنفاقهم وأعلمهم أنه أركسهم ~~بما كسبوا من المعاصي: أركسهم في النفاق بذنوبهم. # وقيل: {أركسهم} معناه أضلهم. # ثم قال مخبرا عنهم {ودوا لو تكفرون كما كفروا} فدل على أنهم ارتدوا، وأن ~~النفاق كفر، وقوله تعالى {فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل ~~الله} يدل على أنهم قوم كانوا بمكة يدعون الإيمان، وليسوا بمؤمنين وهو قول ~~ابن عباس وعمر وغيرهما. # وقيل: إنهم لما خرجوا يريدون البادية مضوا إلى مكة فاختلف أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أمرهم، فأوضح الله عز وجل خبرهم، وحكمهم في هذه ~~الآية. # وقال معمر: كتب ناس من أهل مكة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون لهم: إنهم قد أسلموا، وكان ms0523 ذلك منهم كذبا، فلقيهم المسلمون بعد ذلك، ~~فاختلفوا فيهم، فقالت طائفة: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرام فأنزل ~~الله الآية، وهم ناس لم يهاجروا وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان فاختلف فيهم ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. PageV02P1409 # وقال ابن عباد: هم قوم كانوا بمكة فكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون ~~المشركين على المسلمين فخرجوا من مكة في حاجة، فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت الآية. وقال ابن زيد: هذا نزل في شأن ابن أبي حين ~~تكلم في عائشة بما تكلم به. # وأركسهم: ردهم، وقيل: أوقعهم وقيل: أضلهم وأهلكهم. # وقال القتبي: أركسهم نكسهم وردهم في كفرهم،، وحكى الفراء أركسهم وركسهم ~~بمعنى ردهم إلى الكفر. # قوله: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} الآية. # هذا تبعيد لهدي من أضل الله {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} أي: طريقا ~~مستقيما، وقيل: سبيلا إلى الحجة. # قولهم: {ودوا لو تكفرون كما كفروا} الآية. # المعنى: تمنى المنافقون الذين بمكة، الذين اختلفتم فيهم فرقتين لو تكفرون ~~مثلهم، فتكونون أنتم وهم في الكفر سواء {فلا تتخذوا منهم أوليآء} أي: أخلاء ~~{حتى يهاجروا} أي: يخرجوا من ديار الشرك إلى ديار الإسلام، ويكون خروجهم ~~ابتغاء وجه الله {فإن تولوا} أي: أدبروا عن الله ورسوله والهجرة إليكم، ~~{فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم} أي: أين اصبتموهم من أرض الله، {ولا تتخذوا ~~منهم}: PageV02P1410 # أي: خليلا {ولا نصيرا} أي: تناصرا في دينكم على أعدائكم فإنهم {لا ~~يألونكم خبالا} [آل عمران: 118] # قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} الآية. # المعنى اقتلوا من وجدتم من المنافقين الذين اختلفتم فيهم إن لم يهاجروا ~~إلا أن يتصل قوم منهم بمن بينكم وبينهم عهد فيدخلون فيما دخلوا فيه، ويرضون ~~بما رضوا، فلا يقتل من كانت هذه حاله منهم فإن لهم حكمهم. # قال السدي: المعنى إذا أظهروا كفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلا أن يكون ~~أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثلما تجرون على ~~القوم واحكموا في الجميع بحكم واحد. # ومعنى: {يصلون} يتصلون. # وقال أبو عبيدة: ms0524 معنى: {يصلون إلى قوم}: ينتسبون إليهم. وهو بعيد، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد قاتل من ينتسب إلى من بينهم وبينه عهد، وليس ~~النسب مما يمنع قتال الكفار لعهد بيننا وبين قرابتهم. PageV02P1411 # وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] وقال قتادة: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم [ميثاق]} ~~نسخ بعد ذلك، فنبذ إلى كل ذي عهد عهده، ثم أمرنا بالقتال في براءة. # وقال ابن زيد: نسخها الجهاد. # قوله: {أو جآءوكم حصرت صدورهم} الآية. # المعنى: إلا الذين جاؤوكم قد ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا ~~قومهم، فدخلوا فيكم، فلا تقتلوهم، {ولو شآء الله لسلطهم عليكم} أي: لسلط ~~عليكم هؤلاء الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يجيئونكم قد ~~{حصرت صدورهم} أي: ضاقت عن قتالكم، وقتال قومهم، فيقاتلوكم مع اعدائكم من ~~المشركين، ولكن الله كفهم عنكم. # وقوله: {فلقاتلوكم} ليست اللام بجواب للقسم [كاللام في {لسلطهم}، وإنما ~~دخلت للمجاءاة لا للقسم]، ومثله قوله: {أو ليأتيني بسلطان مبين} [النمل: ~~21]. ليست اللام PageV02P1412 # بجواب للقسم وإنما دخلت للمحاذاة للامين اللتين قبلها، اللتين هما جواب ~~قسم سليمان في قوله {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه} [النمل: 21] ولهذا ~~نظائر ستراها. # قوله: {فإن اعتزلوكم} أي: اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم ~~فلم يقاتلوكم {وألقوا إليكم السلم}. أي: صالحوكم، وقيل المعنى: استسلموا ~~إليكم. # {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} أي: ليس لكم إليهم طريق فتستحلونهم بما ~~في أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وهذا كله منسوخ بقوله: {فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} ~~[التوبة: 5]. # وقال الحسن وعكرمة: قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم} إلى قوله {سلطانا ~~مبينا} [النساء: 91] وقوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين} [الممتحنة: 8] إلى {يحب المقسطين} [الممتحنة: 8] قالا: بنسخ ذلك في ~~براءة فجعل لهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر. PageV02P1413 # قال قتادة: {إلا الذين يصلون} إلى {مبينا} منسوخ ببراءة، وقال ابن زيد: ~~نسخ هذا كله، نسخة الجهاد وضرب لهم أجل أربعة ms0525 أشهر إما أن يسلموا وإما أن ~~يكون الجهاد. # واختلف في {حصرت صدورهم}، فقال المبرد المعنى: الدعاء، لأنه قال: {أو ~~جآءوكم} أحصر الله صدوركم أي: ضيقها عن قتالكم، وقتال قومهم. وقال الزجاج: ~~يجوز أن يكون خبرا بعد خبر، فالمعنى أو جاءكم ثم خبر بعد فقال: {حصرت ~~صدورهم}، وأكثر النحويين على أنه حال، وقد مضمرة والتقدير: أو جاؤوكم قد ~~حصرت أي: ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم. أي: جاؤوكم في هذه الحال فلا ~~تقاتلوهم. # وقال الطبري: المعنى: أو جاؤوكم قد حصرت. PageV02P1414 # وقرأ الحسن حصرة بالتنوين والنصب على الحال أي: ضيقت صدورهم، واستحسن هذا ~~المبرد، ويجوز على قراءة الحسن الخفض على النعت، والرفع على الابتداء. # وقرأ أبي بن كعب: {بينكم وبينهم ميثاق}، وحصرت صدورهم بإسقاط أو ~~{جآءوكم}، ولا يقرأ به الآن. # قوله: {ستجدون آخرين} الآية. # المعنى: إن هؤلاء قوم كانوا يظهرون الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ليأمنوا منهم، ويظهرون الكفر لأهل مكة إذا رجعوا إليهم ليأمنوهم، ~~{كل ما ردوا} أن يخرجوا من {الفتنة} - وهي الشرك - {أركسوا فيها}. أي: ردوا ~~فيها. وأصل الفتنة الاختبار فالمعنى فلما ردوا إلى الاختبار. {أركسوا} أي: ~~نكسوا. # قيل: هم أسد، وغطفان قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، ثم ~~رجعوا إلى PageV02P1415 # ديارهم، فأظهروا الكفر. # وقيل: نزلت في قوم من المشركين [طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين] قاله قتادة. # وقال: {كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها} أي: كلما عرض عليهم بلاء ~~هلكوا فيه. # وقال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان يأمن في المسلمين ~~والمشركين. # قوله: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم} أي: فإن لم يعتزلكم هؤلاء ~~الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ويساسلموا [إليكم] ويعطونكم القيادة ~~في الصلح {ويكفوا أيديهم} يعني عن القتال. {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} ~~أي: اقتلوهم أين أصبتموهم أي: إن لم يفعلوا ذلك {وأولئكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا} أي: حجة {مبينا} أي: ظاهرة. # قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا} ms0526 الآية. PageV02P1416 # قوله: {إلا خطئا} استثناء ليس من الأول. # وإلا عند البصريين في هذا النوع بمعنى لكن. # وهذا كلام أوله حظر، وآخره في الظاهر إباحة، وقتل المؤمن لا يباح لكنه ~~محمول على المعنى الباطن، ومعناه ما كان مؤمن ليقتل مؤمنا على النفي، ~~والنفي يستثنى منه الإثبات، فهو محمول على معنى الأول وباطنه، فالمعنى أن ~~المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ فهو خبر، خبر بأنه قد يقع، وليس بإطلاق ولا ~~إباحة قتل، ومثله {ما كان لله أن يتخذ من ولد} [مريم: 35] فظاهر هذا الحظر، ~~والله لا يحظر عليه. # ومعنى الآية: أنه ليس لمؤمن قتل مؤمن البتة إلا أن يقتله خطأ، فإن قتله ~~خطأ، فعليه تحرير رقبة في ماله، ودية مسلمة إلى أهل المقتول يؤديها عاقلة ~~القاتل {إلا أن يصدقوا} أي: أن يتصدق أولياء المقتول على عاقلة القاتل ~~بديته فيسقط عنهم الدية. # وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي: PageV02P1417 # {إلا أن يصدقوا} بالتاء أراد: تتصدقوا ثم أدغم. # قال مجاهد وغيره: هذه الآية نزلت في عيا [ش] ابن أبي ربيعة قتل رجلا ~~مؤمنا يحسب أنه كافر، وقد كان ذلك الرجل يعذب عياشا بمكة، أخبر عياش النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا}. # قال ابن زيد: نزلت في أبي عامر، والد أبي الدرداء خرج في سرية فعدل إلى ~~شعب يريد حاجة، فوجد رجلا في غنم، فقتله، وكان يقول: لا إله لا الله، وأخذ ~~غنمه فوجد من ذلك في نفسه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنكر عليه ~~النبي (عليه السلام) قتله، إذ قال: لا إله إلا الله فنزلت الآية: وقيل: ~~نزلت في اليمان والد حذيفة، PageV02P1418 # واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد. # وروي أن حذيفة وأبا الدرداء تصدقا بدية أبويهما على من قتلهما، وكذلك قتل ~~هشام بن صبابة الكناني خطأ فنزلت الآية في ذلك. # والآية عند جماعة العلماء عامة في كل من قتل خطأ واختلف في الرقبة، فقيل: ~~لا يعتق إلا مؤمن قد صام وصلى وعقل وبلغ، وقيل: ms0527 كل مؤمن يجزئ وإن لم يبلغ. # ومعنى {ودية مسلمة} أي موفرة، والدية مائة من الإبل على أهل الإبل. # وروي عن عمر أن على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشرة آلاف ~~درهم. PageV02P1419 # قال مالك: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثني عشر ألف درهم. # وقيل: دية الحر مائة من الإبل لا يجزئ غيرها، وبه قال الشافعي، قال إلا ~~ألا توجد فيأخذ الفدية، ويجعل [الإبل] خمسة أخماس خمس جذاع وخمس حقاق وخمس ~~بنات لبون. # وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون، وهو قول لمالك والشافعي وغيرهما. # ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول جماعة الصحابة والتابعين، والفقهاء، ~~إلا الشاذ منهم. PageV02P1420 # وأهل الذهب: الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق وأهل الإبل أهل البوادي. # وكل ما جناه جان خطأ فعلى عاقلته الدية، إلى أن يكون الذي يجب في ذلك أقل ~~من ثلث الدية، فليس على العاقلة شيء، وذلك في مال الجاني، وتؤجل دية الخطأ ~~في ثلاث سنين، وثلث الدية تؤديها العاقلة في سنة، ونصف الدية يجتهد فيها ~~الإمام، فيجعلها في سنتين أو في ستة ونصف وثلاثة أرباع الدية في ثلاث سنين، ~~وهي على الرجال البالغين دون النساء والصبيان، وليس على كل واحد شيء معلوم ~~ولكن على كل واحد قدر يسره، فأما دية العمد فهي على القاتل خاصة إذا قبلت ~~منه. # وقوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} أي: فإن كان المقتول خطأ من ~~قوم كفار أعداء لكم {وهو مؤمن} أي: والمقتول مؤمن فقتله مؤمن يظن أنه كافر ~~{فتحرير رقبة مؤمنة} أي: فعليه ذلك. # قال عكرمة: هو الرجل يسلم في دار الحرب، فيقتل يظن أنه كافر، فليس فيه ~~دية، وفيه الكفارة: تحرير رقبة مؤمنة. # وروي ابن القاسم عن مالك أنه قال: إنما ذلك في حرب رسول الله عليه السلام ~~أهل مكة، يكون فيهم الرجل المؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون ~~خطأ، فليس على المسلمين فيه دية لأنه تعالى (يقول): {والذين آووا ونصروا ~~أولئك بعضهم PageV02P1421 # أوليآء بعض والذين آمنوا ms0528 ولم يهاجروا} [الأنفال: 72]، وعليهم الكفارة ~~تحرير رقبة على كل نفس. # وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: هو أن يكون الرجل مؤمنا، وقومه كفار لا ~~عهد لهم، فيقتل خطأ، فليس لأهله دية لأنهم كفار، وعلى القاتل الكفارة تحرير ~~رقبة، وقاله قتادة. # وقال الحسن البصري، وجابر بن زيد: هو مؤمن من قوم معاهدين، وهو قول مالك. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه، فيقيم ~~فيهم، وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقتل ~~فيمن قتل فلا دية فيه، وفيه الكفارة. # وجماعة أهل التفسير على أن المعنى إن كان المقتول في دار الحرب مؤمنا، ~~وهو من قوم كفار وهو بينهم فلا دية فيه وفيه الكفارة. # قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير ~~رقبة مؤمنة}. # المعنى: وإن كان المقتول خطأ بين أظهرهم من قوم كفار بينكم وبينهم عهد، ~~ففيه الدية إلى أهله، والكفارة تحرير رقبة مؤمنة. # وقيل: المعنى: إن كان المقتول خطأ في دار قومه من قوم كفار بينكم وبينهم ~~عهد PageV02P1422 # ففيه الدية والكفارة [كسائر المؤمنين، واختلف في المقتول هنا: فقيل عن ~~ابن عباس أنه إن كان كافرا، ففيه الدية والكفارة] كالمؤمن لأن له عهدا ~~وميثاقا. # وقال الزهري: دية الذمي دية المسلم. # وقيل: المراد به إن كان المقتول مؤمنا قتل خطأ، وهو من قوم كفار بينكم ~~وبينهم عهد ففيه الدية إلى قومه الكفار، وفيه تحرير الرقبة المؤمنة قاله ~~النخعي ومثله روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: ذلك في الهدنة التي كانت بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين أنه إن أصيب مسلم كان بين أظهركم ~~لم يهاجر وأصيب خطأ فإن ديته على المسلمين يردونها إلى قومه الذين كان بين ~~أظهركم الكفار، ومما يبين ذلك أن أبا جندل ورجل آخر أتيا النبي صلى الله ~~عليه وسلم مسلمين في الهدنة، فردهما إليهم فكما كان لهم أن يردوا PageV02P1423 # إليهم، فكذلك كانت ديته لهم إذا قتل خطأ، ودية الخطأ عند مالك ms0529 والشافعي ~~في هذا تؤدى في ثلاث سنين على كل رجل ربع دينار، وروي ذلك عن جابر بن عبد ~~الله، وقاله الحسن. # وكان الطبري يختار أن يكون المقتول من أهل الذمة لأن الله سبحانه وتعالى ~~لم يقل: " وهو مؤمن " كما قال في الأول {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} ~~وقد قال جماعة: إن دية الذمي والمسلم سواء، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان ~~وابن مسعود ومعاوية. وقال عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير: دية الكتابي ~~نصف دية المسلم، وبه قال عطاء وابن المسيب والحكم وعكرمة، وهو قول الشافعي. PageV02P1424 # فأما دية المجوسي فثمان مائة درهم روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ابن ~~المسيب وعطاء وسليمان بن يسار، والحسن وعكرمة ومالك والشافعي. # وقال عمر بن عبد العزيز: دية المجوسي نصف دية المسلم. # وروى عن النخعي والشعبي والثوري أن ديته مثل دية المسلم. PageV02P1425 # وإذا قتل العبد المؤمن حرا مؤمنا خطأ، فدمه في رقة العبد وأن لا دية فيه ~~لأن العبد لا عاقلة له وعلى العبد الكفارة، فعتق رقبة على قول من قال: إن ~~العبد يملك ما لم يمنعه سيده، ومن قال: لا يملك العبد، فعليه صيام شهرين ~~متتابعين، وكذلك حكمه في الظهار لا يجزئه الصيام في قول مالك لأنه عنده ~~يملك. # قوله: {فمن لم يجد فصيام} أي: لم يجد رقبة مؤمنة لعسرته، وقلة ما في يده، ~~فعليه صيام شهرين متتابعين. # وقال الشعبي: صوم الشهرين عن الدية والرقبة جميعا إذا لو يجدها لفقره، ~~وفقر عاقلته. # وقال الطبري: عن الرقبة خاصة لأن الدية على العاقلة، وهو قول جماعة ~~العلماء. # قوله: {توبة من الله} مصدر، وقيل مفعول من أجله. # {وكان الله} أي: لم يزل بما يصلح عباده {حكيما} " فيما يقضي به ويأمر ". # تم الجزء الحادي عشر # قوله: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} الآية. PageV02P1426 # قيل: معناه: من لم يجد الدية، ولا الرقبة، فليصم شهرين متتابعين. وقيل: ~~معناه: من لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين، وهذا القول أولى لأن ~~الدية لم تجب ms0530 على القاتل خطأ فيكون الصيام يقوم مقامها، وإنما وجبت الدية ~~في الخطأ على العاقلة، فلا يجزئ عنها صوم القاتل. # قوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} الآية. # وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله للدنيا وما ~~فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق ". # وروى عنه أيضا أنه قال: " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم ~~القيامة مكتوب على جبهته: آيس من رحمة الله " وعنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " كل ذنب عسى [الله] أن يغفره إلا لمن مات مشركا، أو من قتل مؤمنا ~~متعمدا " المعنى: من يتعمد قتل مؤمن فجزاؤه جهنم. PageV02P1427 # وقتل العمد عند مالك سواء كان بحجر أو عصا أو حديدة فيه القود. وقال ~~غيره: لا يكون قتل العمد إلا بحديد، وأثبت جماعة شبه العكد وهو قول ~~الشافعي، وهو الضرب بالخشبة الضخمة والحجر، فجعلوا فيه ثلاثين حقة، وثلاثين ~~جذعة وأربعين خليفة. # وليس عند أكثرهم في القتل غير الخطأ أو العمد، فأما شبه العمد فليس له نص ~~في كتاب الله، ولا تواترت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم. .. # مذهب مالك: ومن أحرق رجلا قتل به، وهو عمد، ولو أطعمه شيئا فقتله، وقال: ~~لم أرد قتله إنما أردت أن أسكره، فقال مالك: يقتل، ولا يقبل منه، PageV02P1428 # وهو عمد. ومن قتل رجلا بخنق فهو عمد، وقال محمد بن الحسن: إذا خنقه، ~~وألقاه من ظهر جبل أو سلم (فمات) فهو خطأ. وإذا أمسكه واحد وقتله الآخر ~~قتلا به جميعا عند مالك، إلا أن يكون الممسك أمسكه وهو لا يظن أن الآخر ~~يقتله، فيعاقب ولا يقتل الممسك، وإذا أمر الرجل عبده بقتل رجل فقتله العبد ~~فيقتلان جميعا عند مالك، وهو قول قتادة. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أما العبد فيسجن، وأما السيد فيقتل. ~~وقال أبو هريرة: يقتل الآمر دون العبد وكذلك قال الحسن وعكرمة، وقال الشعبي ~~يقتل العبد ويضرب السيد. وقال الشافعي: إن كان العبد أعجميا، أو صبيا فعلى ~~السيد القود ms0531 دون العبد، وإن كان يعقل ويفهم، فعلى العبد القود، وعلى السيد ~~العقوبة. فإن أمره رجل بقتل آخر، فقتله فعلى القاتل القود عند مالك، ~~والشافعي، وجماعة من التابعين. # وقوله: {فجزآؤه جهنم خالدا فيها} معناه: فجزاؤه إن جازاه، قاله التميمي PageV02P1429 # وغيره، ورواه ابن جبير عن ابن عباس. وهو كما يقول الرجل لعبد قد جنى ~~عليه: ما جزاؤك إلا كذا وكذا، وهو لا يفعل به ذلك، فمعناه هذا جزاؤك إن ~~جوزيت على ذنبك، كذلك الآية، معناها: فجزاؤه إن جوزي على فعله جهنم، والله ~~أكرم الأكرمين، له العفو وله العقوبة بفعل ما يشاء لا معقب لحكمه. # وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} # [النساء: 48] يدل على جواز العفو على القاتل عمدا. # وقيل: إنها نزلت في رجل بعينه أسلم، ثم ارتد، وقتل رجلا مؤمنا، فمعنى ~~الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلا قتله فجزاؤه جهنم، فالكافر يقتل ~~المؤمن مستحلا وليس كذلك المؤمن، بل إن قتل فإنما يقتل وهو يعلم أن قتله ~~حرام. # وقيل: نزلت في رجل من الأنصار قتل ولي له. وقبل الدية، ثم وثب على قاتل ~~وليه فقتله وارتد، قال ذلك ابن جريج وغيره. # وقال مجاهد: إلا من تاب يعني ان العفو من الله جائز للقاتل عمدا إذا PageV02P1430 # تاب، وهو قول ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجماعة من العلماء. # وعن ابن عباس أنه لا توبة له، وأنها محكمة لم تنسخ. # وقال زيد بن ثابت: نزلت {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} الآية بعد أن نزلت # {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الآية بأربعة أشهر. # وقال ابن عباس: هذه الآية التي في النساء مدنية نسخت التي في الفرقان ~~{إلا من تاب وآمن} [الفرقان: 70] لأنها مكية. # وعن ابن عمر وزيد بن ثابت: إن للقاتل توبة وهو قول جماعة من العلماء ~~لقوله: {إلا من تاب} وقوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن} [طه: 80] وقوله: ~~{وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} [الشورى: 23]. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~التي في الفرقان نزلت في PageV02P1431 # أهل ms0532 الشرك. # وعن زيد بن ثابت أنه قال: نزلت سورة النساء بعد الفرقان بستة أشهر. # وكان الطبري يقول: جزاؤه جهنم حقا، ولكن الله يعفو ويتفضل على أهل ~~الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيه بالخلود فيها إما أن يعفو، فلا يدخلهم ~~النار، وإما أن يدخلهم، ثم يخرجهم بفضل رحمته لقوله {إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا} [الزمر: 30]. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} الآية. # من قرأ بالتاء، فمعناه: فتثبتوا حتى يتبين لكم الفاسق من غيره، والمأمور ~~بالتثبت في فسحة أوسع من المأمور بالتبيين، لأن المأمور بالتبيين قد لا ~~يعذر على ذلك، والمأمور بالتثبت لا شك أنه يقدر على ذلك، فهو في فسحة من ~~أمره، ومقدرة على فعل ما أمر به، وليس كذلك المأمور بالتبين لأنه قد لا ~~يتبين له ما يريد إذا تبين، والتثبت لا يمنع عليه من نفسه. # ومن قرأ بالياء فمعناه: تبينوا الفاسق من غيره، ولا تعجلوا حتى تتبينوا، ~~فإن العجلة من الشيطان. وقال أبو عبيدة: إحداهما قريبة من (الأخرى). PageV02P1432 # وقال النحاس وغيره: فتبينوا أؤكد لأن الإنسان قد يتثبت ولا يتبين. وهو لا ~~يتبين إلا مع التثبت، ففي البيان يقع التثبت وليس بالتثبت يقع البيان. ~~[فالبيان] لا بد منه فكل من تبين أمرا فبعد أن يتثبت فيه بان له، وليس كل ~~من تثبت في أمر تبينه، فالبيان على هذا أوكد وأعلم، ولكنه أشد كلفة في ~~التثبت. # ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين إذا ضربوا في الأرض أي: ساروا في ~~الجهاد أن يتثبتوا في القتل، إذا أشكل عليهم الأمر، فلم يعرفوا حقيقة إسلام ~~من أرادوا قتله، وأن لا يقولوا لمن ألقى إليهم السلم، أي: من استسلم في ~~أيديهم {لست مؤمنا} ليأخذوا ما معه. # ومن قرأ السلام: فمعناه لا تقولوا لمن سلم عليكم {لست مؤمنا} لتأخذوا ما ~~معه، فعند الله مغانم كثيرة من رزقه، فلا يغرنكم سلب من استسلم في أيديكم. ~~{كذلك كنتم من قبل} أي: كنتم من قبل مثل هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله ~~استخفى بدينه من ms0533 قومه حذرا على نفسه منهم، وكذلك كنتم. # وقيل: معناه، وكذلك كنتم كفارا مثله، فهداكم الله وأعز دينكم، ومن عليكم PageV02P1433 # بالإسلام والتوبة. # وقيل: معنى: {فمن الله عليكم} فقد من الله عليكم بالتوبة من قتيلكم هذا ~~الذي استسلم إليكم، ثم قتلتموه وأخذتم ماله، فتثبتوا أي: لا تعجلوا في قتل ~~من التبس عليكم أمر إسلامه. # وقرأ أبو رجاء: السلم بكسر السين. # وقرأ أبو جعفر: (لست مؤمنا) بفتح الميم أي: لسنا نؤمنك. # وهذه الآية نزلت في قتيل من غطفان اسمه مرداس كان قد أسلم، فقتلته سرية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قال: إني مسلم، وقيل: بعدما سلم ~~عليهم. وقيل: بعدما قال: إني مسلم لا إله إلا الله، وكانت معه غنيمة ~~فأخذوها. # ويروى أن الذي قتله مات ودفن، فلفظته الأرض ثلاث مرات، يدفن وتلفظه الأرض ~~فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقوه في غار من الغيران، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: " إن الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة ". PageV02P1434 # وقراءة من قرأ السلام يدل على أن ما روي أنه كان رجل معه غنيمة لقيه سرية ~~من المسلمين، فقال: السلام عليكم، وكانت جنة لا يقتل من قالها، فقتل الرجل ~~وأخذ ما معه. # وحجة من قرأ السلام ما روي أنه قال لهم: إني مسلم وما روي أنه قال: إني ~~مسلم لا إله إلا الله. # قوله: {[إن الله] كان بما تعملون خبيرا} أي: خبيرا بما تصنعون في طلبكم ~~الغنيمة، ولم تقبلوا منه ما قال لكم. # قوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} الآية. # من قرأ: غير بالنصب فعلى الاستثناء بمعنى [إلا] أولي الضرر، فإنهم يستوون ~~مع المجاهدين، ويجوز النصب على الحال بمعنى لا يستوي القاعدون في حال ~~صحتهم. # ومن رفع على النعت للقاعدين بمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء عن PageV02P1435 # الجهاد يوم بدر والمجاهدون. # وقدره أبو إسحاق: {لا يستوي القاعدون} الذين هم {غير أولي الضرر}، وهو ~~بمعنى [الصفة] التي ذكرنا وقرأه أبو حيوة غير مخفوض على النعت للمؤمنين. ~~وقال ms0534 المبرد: هو بدل لأنه نكرة والأول معرفة. # {درجة} نصب على البدل من قوله {أجرا}. # وقيل: إن فيه معنى التأكيد كما تقول علي ألف درهم عرفا. # ومعنى الآية: لا يعتدل من جاهد في ذات الله، ومن قعد عن ذلك، إلا أن يكون ~~القاعدون من أولي الضرر، فإنه يستوي مع المجاهد. هذا على قراءة النصب، ~~والنصب في الآية أحسن لما روى البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " " إيتوني بكتف أو لوح فكتب " لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون " وعمر بن أم مكتوم خلف PageV02P1436 # ظهره فقال: هل لي من رخصة يا رسول الله؟ فنزلت {غير أولي الضرر} " على ~~الاستثناء. # وقال زيد بن ثابت: املى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل ~~الله}. # قال: فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: يا رسول الله لو أستطيع ~~الجهاد لجاهدت، قال: فأنزل الله عليه، وفخذه على فخذه، فثقلت حتى خشيت أن ~~تسترض فخده [ثم] سرى عنه فقال: {غير أولي الضرر}. # وهذا في غزاة بدر، وقد قال ذلك عطاء وقتادة والسدي والزهري ذكروا أن ~~الاستثناء نزل في ابن أم مكتوم. # قوله: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة}، أي: ~~فضيلة يريد القاعدين من أولى الضرر، فضل الله المجاهدين على القاعد للضرر ~~درجة واحدة لجهاده بنفسه وماله {وكلا وعد الله الحسنى} أي: المجاهد والقاعد ~~من أولي الضرر، وعدهم الله الحسنى، وهي الجنة لأنهم كلهم مؤمنون. # وذكر الأموال في هذا الموضع، وتفضيل الذين ينفقونها في سبيل الله يدل على ~~تفضيل الغنى على الفقر، وهو في القرآن كثير، فلا يستوي في الفضل من أعطاه ~~الله PageV02P1437 # مالا، فأنفقه في سبيله، ومن لم يعطه الله مالا، فود لو كان معه مال ~~فأنفقه في سبيل الله، لا يستوي [من نوى] ففعل، مع من نوى ولم يفعل، فقد ~~أنفق عثمان رضي الله عنه على جيش العسرة وبان بفضل ذلك، وود أصحابه أن ~~يقدروا على مثل ms0535 فعله. وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أيسر من ~~كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأجمع المسلمون أنهم أفضل ممن هو أفقر منهم في ذلك الوقت من الصحابة. # وحديث النبي صلى الله عليه وسلم " إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل ~~اغنيائهم بنصف يوم من أيام الآخرة " معناه الفقراء من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدخلون الجنة قبل الأغنياء من غير أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~لفضل الصحابة لا للفقر. # ويدل على ذلك ما " روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل: من أول ~~الناس ورودا الحوض؟ فقال: " نفر من المهاجرين الشعثة رؤوسهم الدنسة ثيابهم، ~~الذين لا PageV02P1438 # تفتح لهم السدود، ولا ينكحون المتنعمات " ". # قوله: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} يعني: على القاعدين ~~من المؤمنين من غير أولي الضرر. # وقوله: و " درجات منه " أي فضائل منه، ومنازل من منازل الكرامة. # وقال قتادة: الدرجات كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، ~~والجهاد في الإسلام درجة، والقتل في الجهاد درجة. # وقال [ابن] زيد: الدرجات التي فضل بها المجاهد على القاعد تسع، وهي التي ~~ذكرها الله عز وجل في براءة، قوله: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: 120]. ~~فذلك خمسة، والسادسة والسابعة قوله تعالى: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} ~~[التوبة: 121]. # وقيل الدرجات: سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد PageV02P1439 # المضمر سبعين سنة. # قوله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم} الآية. # المعنى: إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم ظالمين أنفسهم أي مكتسبين غضب ~~الله عز وجل وسخطه {قالوا}: أي: قال لهم الملائكة {فيم كنتم} أي: أي شيء ~~كنتم من دينكم؟ # وقيل المعنى: قالت لهم الملائكة: أكنتم في المشركين، أم ms0536 في أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم؟ فأجابوا الملائكة بأن قالوا: {كنا مستضعفين} في أرضنا ~~بكثرة العدو، وقوته قالت لهم الملائكة، {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها} أي: تخرجوا من بين أظهر المشركين إلى أرض الإيمان. # {فأولئك مأواهم جهنم} أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم مصيرهم إلى جهنم وهي ~~سكناهم {وسآءت مصيرا} أي: ساءت جهنم مصيرا لأهلها. # وروي أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا أسلموا والنبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، فلما هاجر النبي عليه السلام أقاموا بمكة، فمنهم من ارتد إلى الشرك ~~فتنه أبوه وعشيرته حتى ارتد، ومنهم من بقي على حاله. # فلما خرج المشركون لنصرة غيرهم إلى بدر خرجوا مع المشركين، وقالوا إن PageV02P1440 # كان محمد في كثرة ذهبنا إليه، وإن كان في قلة بقينا في قومنا. # فلما التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، في بدر نظروه في قلة فبقوا في ~~قومهم فقتلوا، فتوفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فاعتذروا بأنهم استضعفوا ~~بمكة، ثم استثنى فقال: {إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان} وهو من ~~عجز عن الهجرة، ولا طاقة له بالخروج قد استضعفهم المشركون {لا يستطيعون ~~حيلة ولا يهتدون سبيلا} أي لا يعرفون طريقا يخلصهم من المشركين، لا قوة لهم ~~ولا معرفة طريق {فأولئك عسى الله أن يعفو [عنهم]} أي إن هؤلاء المستضعفين ~~لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون. # {وكان الله عفوا غفورا} أي: بعباده قبل أن يخلقهم ومعناه: لم يزل كذلك. # وقيل: إن (كان) من الله بمنزلة ما في الحال. فالمعنى والله عفو غفور. # وروي أن هاتين الآيتين، والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد ~~أسلموا، وآمنوا، وتخلفوا عن الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر، ~~وعرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المؤمنين، فلم يقبل ~~الله تعالى معذرتهم وقولهم PageV02P1441 # " كنا مستضعفين في الأرض ". # وقال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وأخفوا الإسلام فأخرجهم ~~المشركون يوم بدر معهم لقتال المسلمين، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان ms0537 ~~أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فأنزل الله عز وجل: { إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية فكتب المسلمون إلى من بقي بمكة: ~~ألا عذر لهم بهذه الآية، فخرجوا من مكة فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة ~~فنزلت فيهم # {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله} [العنكبوت: 10] فكتب بها المسلمون إليهم، فخرجوا، ويئسوا من كل خبر ~~فنزل فيهم {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا} ~~[النحل: 110] الآية، فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجا، فخرجوا، ~~فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. # ومعنى: {المستضعفين من الرجال} يعني الشيخ الكبير. # قال السدي: " لما أسر العباس، وعقيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للعباس: " افد PageV02P1442 # نفسك، وابن أخيك " فقال: يا رسول الله، ألم نصل [ل] قبلتك ونشهد شهادتك؟ ~~قال: " يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم "، ثم تلا عليه هذه الآية: {ألم تكن ~~أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا} " فيوم نزلت ~~هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجروا {إلا المستضعفين من ~~الرجال والنسآء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} أي: لا يعرفون ~~طريقا إلى المدينة. # قال ابن عباس: كنت أنا من الولدان. # وروى عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. # قال السدي: الحلية المال، والسبيل الطريق إلى المدينة. # قوله: {ومن يهاجر في سبيل الله} الآية. # المعنى أن من يفارق أرض الشرك، ويمضي إلى أرض الإسلام فإنه يجد مذهبا، ~~ومسلكا إلى أرض الإسلام، فالمراغم: المذهب. # قال مالك: المراغم الذهاب في الأرض، والسعة سعة البلاد. # قال مالك: لا ينبغي المقام في أرض يسب فيها السلف، ويعمل فيها بغير الحق، ~~والله يقول: {يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة}. PageV02P1443 # وقال الثوري: ومعنى " وسعة " أي: سعة من الرزق. # وقال ابن عباس: المراغم: المتجول من أرض إلى أرض. # وقال مجاهد: المراغم: المندوحة عما يكره. # وقال ابن زيد: المراغم: المهاجر. # وقال أهل اللغة: المراغم: ms0538 المضطرب والمذهب. # قوله: {وسعة} يريد سعة في الرزق. # وقال قتادة: " وسعة " أي " سعة من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى ~~الغنى. # والمراغم: مشتق من الرغام وهو التراب، يقال: رغم أنف فلان: إذا ألصق ~~بالتراب، يستعار ذلك لمن ذل وصغر. يقال راغمت فلانا: إذا عاديته. فسمي ~~المهاجر مراغما، لأن المهاجر يعادي من يخرج عنه من أهل الكفر. # وقوله: {ومن يخرج من بيته مهاجرا} الآية. # المعنى: إنه لما نزل {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية. PageV02P1444 # قال ضمرة بن نعيم وكان بمكة عليلا: لي مال ولي رقيق، ولي خليلة، فاحملوني ~~فخرج، وهو مريض أو هاجر، فأدركه الموت، عند التنعيم فدفن، ثم نزلت فيه {ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله}. # وقيل: اسم أبيه جندب، وقيل زنباع، وقيل العيص. # وقال ابن زيد: هو رجل من بني كنانة هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ~~مكة، فمات في الطريق، فسخر به قومه واستهزءوا وقالوا: لا هو بلغ الذي يريد، ~~ولا هو أقام في أهله يقومون عليه، فأنزل الله {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله} الآية. # ومعنى: {وقع أجره على الله} قال ابن جبير: هو رجل من خزاعة يقال له ضمرة ~~بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، كان مريضا فأمر أهله أن يحملوه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرير ففعلوا، فأتاه الموت بالتنعيم فنزلت ~~فيه الآية وفي من كان مثله. # وقيل: نزلت في رجل من كنانة من بني ضمرة مرض بمكة بعد إسلامه، PageV02P1445 # فقال: أخرجوا بي إلى الروح، يريد المدينة، فخرجوا به، فلما كان بالحصاص ~~مات قال عكرمة. # وبهذه الآية أوجب العلماء للغازي إذا خرج للغزو ثم مات قبل القتال أن ~~يعطى سهمه، وإن لم يشهد الحرب وذلك مذهب أهل المدينة فيما ذكر يزيد بن ~~[أبي] حبيب، ذكر ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد. # قوله: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح} الآية. PageV02P1446 # ذكر بعض أهل المعاني [أن الآية] في قصتين وحكمين. # فقوله: {وإذا ضربتم ms0539 في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} في ~~الإقصار في السفر، وتم الكلام عند قوله: {من الصلاة}. # ثم ابتدأ قصة أخرى في إباحة صلاة الخوف وصفتها. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأل قوم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فقالوا يا رسول الله: أنضرب الأرض؟ أي: نسير، فأنزل الله عز وجل { ~~وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ثم انقطع الوحي ~~فلما كان بعد ذلك بحول وغزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر، فقال ~~المشركون: لقد أمكنكم هو وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل: إن ~~لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله عز وجل { إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا} - إلى قوله - {عذابا مهينا} فنزلت صلاة الخوف بكيفيتها. # وقال ابن عباس: معنى القصر هنا هو أن يقصروا من ركوعها وسجودها في حال ~~الخوف، ويصلي كيف ما أمكن إلى القبلة وإلى غيرها ماشيا أو راكبا، كما قال: ~~{فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] وهو اختيار الطبري، قال: ودليله قوله ~~{فإذا اطمأننتم} وإقامتها إتمام ركوعها وسجودها، وفرائضها من قبلة وغيرها. # فقد قال جماعة من التابعين والصحابة منهم: حذيفة وجابر بن عبد الله وابن PageV02P1447 # جبير، وروى مجاهد عن ابن عباس، وقالوا: فرض الله على المقيم أربعا، وعلى ~~المسافر ركعتين وفي الخوف الخوف ركعة، قالوا: فقصر الصلاة في الخوف أن تصلي ~~ركعة لأنهم مسافرون، فصلاتهم ركعتان، وقصر الركعيتن لا يكون إلى ركعتين ~~إنما ذلك أن يصلوا ركعة واحدة، وتواترت الأخبار عن عائشة رضي الله عنها أنه ~~قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم أتمت صلاة المقيم، وأقرت صلاة المسافر ~~بحالها. # وقرأ أبي بن كعب " أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " بحذف {إن ~~خفتم} على معنى كراهة أن يفتنكم. # وروي عن عائشة أنها قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها إلا صلاة المغرب ~~فإنها وتر، وإلا صلاة الصبح لطول قراءتها، فكان رسول ms0540 الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى ركعتين. # قال ابن عباس: من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين. PageV02P1448 # (وقال عمر بن عبد العزيز: صلاة السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما)، وروى ~~عن مالك الإعادة على من أتم في السفر. # قال ابن القاسم: في الوقت يعيد. # وقال أصحاب الرأي: إذا صلى المسافر أربعا، فقعد في الثانية قدر التشهد ~~فصلاته تامة، وإن لم يقعد قدر التشهد، فصلاته فاسدة وقال الشافعي وأبو ثور: ~~المسافر بالخيار في الإتمام والقصر. # قوله: {وإذا كنت فيهم} الآية. # المعنى: وإذا كنت يا محمد في الضاربين في الأرض من أصحابك، وثم خوف من ~~عدو فأقمت لهم الصلاة {فلتقم طآئفة [منهم]} معك في الصلاة وباقيهم في وجاه ~~العدو {وليأخذوا أسلحتهم} أي: ولتأخذ الطائفة المصلية معك أسلحتهم من سيف ~~يتقلد به الرجل، وخنجر يشده إلى وسطه، ودرع يلقيه على نفسه (ونحوه). # وقال ابن عباس: الطائفة المأمورة بأخذ السلاح التي وجاه العدو، وليست ~~المصلية، لأن المصلي لا يحارب. PageV02P1449 # وقال النحاس: " يجوز أن يكون الجميع هو المأمور بأخذ السلام لأن ذلك أهيب ~~للعدو، ويجوز أن يكون المأمور بذلك هو الذي وجاه العدو، لأن الذي في الصلاة ~~لا يقاتل ". # قوله: {فإذا سجدوا} أي: سجد الذين معك " {فليكونوا من ورآئكم} أي: ~~فلينصرفوا بعد سجودهم خلفكم في موضع الذين لم يصلوا. # فمن قال إن صلاة الخوف ركعة قال: ينصرفون بسلام فيقفون بإزاء العدو ولا ~~قضاء عليهم، وتأتي طائفة أخرى فيصلي بهم ركعة ويسلمون بسلام الإمام، ولا ~~قضاء عليهم، وكذلك وصف حذيفة أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة بكل ~~طائفة، ولم يقضوا شيئا. # وقد روى عن جابر بن عبد الله، وعمر وابن عمر أن الركعتين ليستا بقصر. # وروي عن جابر أنه قال: ليست الركعتان في السفر بقصر إنما القصر واحدة عن ~~القتال وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وحماد في شدة الحرب قالوا: يؤمنون بها. # وقال الضحاك: فإن لم يقدروا يكبروا تكبيرتين حيث كان وجهه. # وروى الزهرى عن ms0541 سالم عن ابن عمر أنهم يصلون ركعتين كيفما تيسر، وحيثما PageV02P1450 # توجهوا، وهو مذهب مالك، والشافعي والنخعي والثوري وأكثر الفقهاء. # وصفة ذلك أن يقوم الإمام بطائفة، والأخرى وجاء العدو، فيركع بالطائفة ~~التي معه، ركعة بسجدتيها ثم يقوم ويثبت قائما ويتمون لأنفسهم الركعة ~~الثانية. ثم يسلمون وينصرفون وجاه العدو والإمام قائم وتأتي الطائفة الأخرى ~~فيكبرون مع الإمام ويركع بهم الركعة الأخرى بسجدتيها ثم يسلم، ويقومون ~~فيأتون بركعتهم لأنفسهم بسجدتيها، ثم يسلمون وفيها أقوال غير ما ذكرنا. # ولا يصلي صلاة الخوف إلا من كان في سفر عند مالك. # فأما الخائفون في الحضر فإنهم يصلون أربعا على سنة صلاة الخوف إذا خافوا ~~العدو، ويصلى الإمام في الخوف لأهل الحضر والسفر المغرب بالطائفة الأولى ~~ركعتين ثم يتشهد بهم، ويثبت قائما. ويتمون لأنفسهم ويسلمون، وتأتي الطائفة ~~الأخرى فيصلي بهم ركعة ويتشهد ويسلم، ويقومون هم لتمام ما بقي عليهم، ~~ويقرأون فيما يقضون بأم القرآن وسوره. PageV02P1451 # وفي حديث يزيد بن رومان: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الأخرى لنفسها ~~ما بقي عليها، ثم يسلم بهم. # وفي حديث ابن القاسم أنه يسلم ويقومون يتمون ما بقي عليهم، وإليه رجع ~~مالك، وقد كان يقول بحديث يزيد بن رومان ثم رجع عنه لحديث القاسم. # فإن سها الإمام بنقص سجدت الطائفة الأولى قبل السلام بعد قضاء ما عليها، ~~وإن زاد سجدت بع السلام، والإمام قائم لا يسجد، فإذا أتت الطائفة الأخرى ~~صلى بهم الركعة الباقية. # فعلى حديث القاسم يسجد ويسلم إن كان نقصا، ولا يسجدون حتى يتموا لأنفسهم. ~~وسجدوا بع السلام إن كان زيادة، ويسجدون هم أيضا إذا أتموا، وعلى قول ابن ~~رومان يثبت حتى يتموا لأنفسهم ثم يسجد بهم، ويسلم أو يسلم ويسجد. # قوله: {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة} الآية. # معناها: تمنى الكافرون [لو] تشتغلون بصلاتكم عن سلاحكم وأمتعتكم PageV02P1452 # التي بها بلاغكم في أسفاركم، فيحملون عليكم حملة واحدة فيقتلونكم، فحذر ~~الله المؤمنين وأعلم بما تمنى به المشركون وأمرهم أن يقترفوا عند الصلاة، ~~فتقوم طائفة ms0542 مع الإمام وطائفة تمنع العدو، على الترتيب الذي ذكرنا رفقا منه ~~تعالى بالمؤمنين وتيسيرا عليهم. # قوله: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا ~~أسلحتكم} الآية. # (أي: ليس عليكم إثم إن نالكم ضرر من مطر، وأنتم وجاه العدو، وإن كنتم ~~مرضى أي: جرحى أو أعلاه، {أن تضعوا أسلحتكم} أي: ضعفتم عن التمادي في حملها ~~فأباح تعالى للمؤمنين أن يضعوا السلاح إذا وجدوا ضررا في حملها، ولكن حذرهم ~~عند وضعها فقال: {خذوا حذركم} لئلا يميلوا عليكم وأنتم غير مسلحين غافلين. # وأصل الجناح: العدل، ومنه جناح الطائر لأنه غير معتدل والإثم غير مستو ~~فسمي به. # قوله: {عذابا مهينا} أي مذلا. # وذكر ابن عباس أن قوله {أو كنتم مرضى} نزل في عبد الرحمن بن عوف كان ~~جريحا. # قوله: {فإذا قضيتم الصلاة. . .} الآية. # المعنى: إن الله تعالى أمرهم بذكره بعد الفرائض من الصلاة التي قد بينها ~~لهم PageV02P1453 # إرادة البركة بالذكر ليكون سبب النصر على الأعداء والفتح، ونظيره قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون} [الأنفال: 45]. # قوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [أي: فإذا سكن خوفكم، فأقيموا ~~الصلاة] بتمامها في أوقاتها كما فرضت عليكم. # فالمعنى: عند من جعل القصر في صلاة الخوف هو النقص من تمام السجود ~~والركوع لا من العدد: فإذا أمنتم في سفركم، فأتموا الركوع والسجود، قاله ~~السدي وهو اختيار الطبري. # والمعنى عند من لم ير ذلك: فإذا اطمأننتم في أمصاركم ودوركم، فأقيموا ~~الصلاة التي أمرتم أن تقصروها في حال خوفكم وسفركم، قال ذلك مجاهد وقتادة. # وقال ابن يزيد: المعنى: فإذا اطمأننتم من عدوكم فصلوا الصلاة، ولا تصلوها ~~ركبانا، ولا مشاة ولا جلوسا فهو إقامتها. # قوله: {كتابا موقوتا} أي: فريضة مفروضة قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. # وقال قتادة: {كتابا موقوتا} منجما يؤديها في أنجمها أي: في أوقاتها. # وقيل: معنى {موقوتا} محتوما لا بد من أدائها بتمامها في أوقاتها. PageV02P1454 # وقال ابن مسعود: إن للصلاة وقتا كوقت الحج. # وقال ابن زيد بن أسلم: ms0543 " كتابا موقتا " أي منجما. كلما [مضى] نجم أي: ~~كلما [مضى] وقت جاء وقت. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس بين العبد والكافر إلا ترك ~~الصلاة ". # وقال: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر ". # وقال النخعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق: من ترك الصلاة عامدا حتى خرج ~~وقتها بغير [عذر] فهو كافر، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولم يسمعه مالك ~~كافرا، ولكن قال: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك قال الشافعي. # وروي أنه يستتاب ثلاثا فإن صلى وإلا قتل. # وقال الزهري: يضرب ويسجن إلا أن يكون ابتدع دينا غير دين الإسلام، فإنه PageV02P1455 # يقتل إن لم يتب. # قوله: {ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا. . .} الآية. # قرأ عبد الرحمن الأعرج: أن تكونوا تالمون بفتح إن على معنى لأن تكونوا ~~أي: لا تهنوا من [أجل] ألمكم،، أي لا تضعفوا عن عدوكم من أجل ما أصابكم من ~~الجراح، والتعب فإنهم قد أصابهم مثل ما أصابكم، ولكم عليهم فضيلة، وهي أنكم ~~ترجون من الله الجنة في الآخرة، والأجر والخلاص من النار، وترجون الغنيمة ~~في الدنيا وهم لا يرجون جنة ولا أجرا، ولا يأمنون من عذاب، فأنتم أيها ~~المؤمنون أولى ألا تضعفوا وأن تصبروا على عدوكم. # وقيل: معنى ترجون هنا: تخافون. PageV02P1456 # وقيل: لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا إذا تقدمه جحد، كقوله: {ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا} [نوح: 13] أي: لا تخافون الله عظمة. # والرجاء هنا بمعنى الأمل أحسن وأقوم. # ومعنى: {ابتغآء القوم} في طلبهم. # فقال عكرمة نزلت يوم أحد {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} [آل ~~عمران: 140] ونزلت {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون}. # قال ابن عباس: " لما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد الجبل جاء ~~أبو سفيان فقال: يا محمد: ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سجال، يوم لما ويوم ~~لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجيبوا- "، فقالوا: لا سواء، لا ~~سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: عزى لنا ولا ms0544 عزى ~~لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: إن الله مولانا ولا مولى ~~لكم. PageV02P1457 # قال أبو سفيان: أعل هبل، أعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~قولوا): [الله] أعلى وأجل ". # قال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، وكان بالمسلمين جراح. فقاموا ~~وبهم الجراح. # قوله: {وكان الله عليما} أي: لم يزل عالما بمصالح خلقه. {حكيما} أي: ~~حكيما في تدبيره وتقديره. # قوله: {إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله} ~~الآية. # المعنى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن {لتحكم بين الناس بمآ أراك الله} ~~أي: بما أنزلنا إليك من كتابه {ولا تكن للخآئنين خصيما} أي: لا تكن لمن خان ~~مسلما أو معاهدا خصيما. # وقد كثرت الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية. غير أنها، وإن ~~اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد. # واختصار القصة أن رجلا من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقا، سرق ~~درعا لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على يهودي، ~~وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ~~بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، فلما رأوا ذلك ~~بنو عم طعمة جاءوا إلى PageV02P1458 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه ~~منها، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئه من السرقة حتى نزل {ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يريد طعمة وبني عمه. # وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برأه بقولهم على رؤوس الناس. # فقال الله عز وجل: { استغفر الله} أي: مما هممت به، ومما فعلته {ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يريد طعمة ومن أعانه وهو يعلم بسرقته. # وقال السدي: بل الخيانة التي ذكرها الله عز وجل هي وديعة كان قد استودعها ~~يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم رماها في دار ~~رجل آخر من اليهود. فأتى اليهودي إلى النبي صلى الله ms0545 عليه وسلم فأخبره أنها ~~رميت في داره. # وروي أن طعمة قال لليهودي صاحب الدرع: إنك إنما استودعت درعك عند فلان، ~~وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن يشهد ~~عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئا، وأتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يفعل فأنزل الله عز وجل { ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم} إلى رأس ثلاث آيات. PageV02P1459 # ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد، إلى مشربة الحجاج حليف ~~لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه ~~من مكة فخرج فلقي ركبا فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا ~~جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه ~~بالحجارة حتى مات. # قال ابن جريج: فهذه الآيات كلها فيه نزلت. # ومعنى: {يختانون أنفسهم} أي: يخونونها، أي: يجعلونها خونة أي: يلزمون ~~الخيانة. # {إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما} أي: لا يحب من كانت هذه صفته. # قوله: {يستخفون من الناس} أي يخفون أمر خيانتهم من الناس الذين لا يملكون ~~لهم ضرا ولا نفعا. # و {ولا يستخفون من الله} الذي هو مطلع عليهم، ويعلم ما تخفون فهو أحق أن PageV02P1460 # يستخفى منه {إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} وذلك أنهم قالوا: تقول إن ~~اليهودي سرقها، ويحلف طعمة على ذلك، فيقبل من طعمة بيمينه، لأنه على دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل من اليهودي لأنه على غير دينه فهذا ما ~~أعدوا في الليل. # وقيل: يبيتون " يبدلون، وقيل يؤلفون ". # وهذا كله في الرهط الذي مشوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن طعمة ~~يبرئونه وهم يعلمون أنه سارق الدرع. # وعن ابن عباس: " أن طعمة دفن الدرع فأتي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال له: إذا غدوت من منزلك، فإنك سترى أثرا بينا، ms0546 فاتبعه حتى إذا انقطع، ~~فأمر من يحفر، فإن الدرع مدفون ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فاستخرج ~~الدرع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشر فمن كان ألحن بحجته ~~من صاحبه فقضيت له بحق ليس له، فإنما أقطع له قطعة من النار: وهرب المنافق ~~إلى مكة ". # قوله: {وكان الله بما يعملون محيطا} أي لم يزل محيطا بما يصنعون وما ~~يبيتون لها، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها. # قوله: {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا} الآية. PageV02P1461 # أم في قوله: {أم من يكون} منفصلة من " من " في أربعة مواصع فقط في ~~السواد. # {أم من يكون عليهم وكيلا}. # {أفمن أسس بنيانه} [التوبة: 110]. # {أم من خلقنآ} [الصافات: 11]. # {أم من يأتي آمنا} [فصلت: 39]. # وسائره في القرآن " أمن " غير منفصل والانفصال هو الأصل، والاتصال ~~استخفاف إذ وجب الأدغام، والمدغم بمنزلة حرف واحد فكتب على ذلك. # و" هؤلاء " بمعنى الذين خبروا الابتداء. PageV02P1462 # وقيل: " هؤلاء " نداء ولم يجزه سيبويه [لأنه] لا يجيز حذف حرف من المبهم، ~~ولا من النكرة، ويجيزه الكوفيون وكلهم أجازوا الحذف من غير هذين النوعين ~~كقوله: {يوسف أعرض عن هذا} [يوسف: 29] وكقوله: {قال رب أنى يكون لي} [آل ~~عمران: 40] وحذفه من المضاف كثير في القرآن والكلام. # والمعنى أنتم الذين جادلتم عنهم أي: عن بني أبيرق في الحياة الدنيا {فمن ~~يجادل الله عنهم يوم القيامة} أي: فمن يخاصم الله في الآخرة؟ " أم من يكون ~~عليهم وكيلا "؟ أي من ذا الذي يتوكل لها، ولا الخائنين يوم القيامة في ~~خصومتهم بين يدي ربهم، الذي يعلم الغيوب، ولا يستر عليه شيء مما بيتم وما ~~صنعتم. # قوله: {ومن يعمل سواءا أو يظلم نفسه} الآية. # هذه الآية نزلت في الذين يختانون أنفسهم الذين ذكرهم الله أولا [و] أخبر ~~أنه من عمل سوءا [أ] وذنبا أو ظلم نفسه بأن ألزمها ما يستحق عليه العقوبة ~~{ثم يستغفر الله} أي: يستدعي المغفرة من الله فإنه يجد الله غفورا لذنبه، ~~رحيما به، وهي عامة في كل من أصاب ms0547 ذنبا. PageV02P1463 # قوله: {ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه} الآية. # المعنى: من يكسب ذنبا فإنما وباله على نفسه دون غيره، فالمعنى، لا ~~تجادلوا عن من اختان نفسه، فإن من كسب ذنبا فإنما هو راجع عليه {وكان الله ~~عليما} أي: عالما بما تصنعون أيها المجادلون وجميع خلقه. # و {حكيما} بسياستكم وجميع خلقه. # قوله: {ومن يكسب خطيائة أو إثما ثم يرم به بريئا} الآية. # الخطيئة ما أتاه الإنسان [من ذنب] متعمدا، وغير متعمد والإثم ما أتاه ~~متعمدا فقط. ومن أجل ذلك فصل بينهما في الاكتساب. # فالمعنى: ومن يكسب خطيئة على غير عقد منه لها، أو إثما على عمد منه، {ثم ~~يرم به بريئا} أي يضيف ذلك إلى بريء {فقد احتمل بهتانا} أي تحمل بفعله ذلك ~~فرية وكذبا وإثما عظيما. # وقيل: إن الخطيئة والإثم واحد، ولكن لما اختلف اللفظان جاز. # وقيل: إن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم في الكبيرة ولذلك انفصلا. # وقال أبو إسحاق: سمى الله تعالى بعض المعاصي خطايا، وسمى بعضا إثما فأعلم ~~أن من اكتسب معصية تسمى خطيئة، أو كسب معصية تسمى إثما، ثم رمى PageV02P1464 # بها من لم يعملها {فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا}. # والبهتان: الكذب. # وهذا نزل في شأن طعمة وما رمى به اليهودي أو غيره من سرقة الدروع، والهاء ~~في " به " تعود على الإثم، ولا يجوز أن تعود على الإثم والخطيئة، لأنها ~~بمعنى الجرم والذنب، ولأن الأفعال، وإن اختلفت العبارات منها فهي راجعة، ~~إلى معنى واحد، فرجعت الهاء على ذلك، هذا قول من قال: لما اختلف اللفظان ~~جاز أن يكررا، والمعنى فيهما سواء. # ويجوز أن تعود على الخطيئة لأنها بمعنى الذنب. # وقيل: تعود على الكسب [ودب] عليه يكسب. # وقوله: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك}. # المعنى: {ولولا فضل الله عليك ورحمته} بأن نبهك على الحق، وعصمك بتوفيقه، ~~وبين لك من الخائن {لهمت طآئفة منهم أن يضلوك} بمساعدتهم، فتبرئ طعمة من ~~سرقة الدروع على رؤوس الملأ، وتلحقها باليهودي لأنهم سألوه في ذلك، فهم به ~~حتى نزلت عليه ms0548 الآية، {وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} أي ليس ~~يضرك هؤلاء الخائنون شيئا، إنما يضلون أنفسهم ويضرونها. PageV02P1465 # قوله: عز وجل { لا خير في كثير من نجواهم} الآية. # المعنى: لا خير في كثير من نجوى المتناجين من الناس إلا في من أمر بصدقة، ~~أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير، فنجوى على هذا اسم ~~للناس المتناجين. # والصدقة: معروف. # وقوله: {أو معروف} هو جميع فعل الخير غير الصدقة. # وقد قيل: المعروف في هذا: القرض يقرضه الإنسان المحتاج فقد أتى: " أن ~~القرض كالصدقة " وأن فيه أجرا عظيما. # وقيل: المعنى: لا خير في كثير من نجوى الناس إلا في نجوى من أمر بصدقة. # فتكون على القول الأول النجوى هم الناس، ولكنه خرج على جمع جرحى، PageV02P1466 # وشكرى، ويكون في القول الثاني على بابها: اسم للسر لكن تقدر في الثاني ~~حرف تقديره " إلا في نجوى من أمر بصدقة ". # قوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى. . .} الآية. # المعنى: من يباين الرسول من بعدما تبين له أنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأن ما جاء به الحق {ويتبع غير سبيل المؤمنين} أي غير طريقهم، ~~ومنهاجهم، وهو التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما [جاء به] {نوله ما ~~تولى} أي: نجعل ناصره من استنصر به واستعان به الأوثان والأصنام. # وقال مجاهد: {نوله ما تولى}: نتركه وما يعبد. # وقيل: نتركه واختياره. # {ونصله جهنم} أي نجزه بها. # {وسآءت مصيرا} أي ساءت جهنم مصيرا، وهو الموضع الذي يصير إليه. PageV02P1467 # ونزلت هذه الآية أيضا في الخائنين الذين تقدم ذكرهم لما أبى التوبة طعمة ~~بن الأبيرق، لحق بالمشركين من عبدة الأوثان مرتدا عن الإسلام، فهو [من] ~~الذين شاقوا الرسول من بعد أن كان مؤمنا، واتبع غير طريق المؤمنين. ورجع ~~إلى عبادة الأصنام، فقال الله عز وجل: { نوله ما تولى}. # " وجهنم ": في قول بعض اللغويين اسم مختلق للنار، لا يعرف له اشتقاق، ~~ومنع من الصرف للتعريف والعجمة. # وقال أكثرهم: هو اسم عربي مشتق من قول العرب: ms0549 هذه ركية جهنام: إذا كانت ~~بعيدة القعر، فسميت النار جهنم لبعد قعرها، ومنعت من الصرف على هذا القول ~~للتعريف والتأنيث. # ولما مات ابن الأبيرق مقتولا من أجل السرق الذي سرق بعد ارتداده، أنزل ~~الله عز وجل { إن الله لا يغفر أن يشرك به} إلى قوله: {فقد ضل ضلالا بعيدا} ~~معناه: إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك به، ومات على شركه، ولا لمن هو مثله، ~~{ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} يعني أن طعمة لولا أنه أشرك ومات على شركه ~~لكان في مشيئة الله سبحانه على ما سلف من PageV02P1468 # خيانته ومعصيته. # {ومن يشرك بالله} أي: من يجعل له في عبادته شريكا فقد ذهب عن طريق الحق، ~~وزال عن قصد السبيل ذهابا بعيدا. # قوله: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا. . .} ~~الآية. # المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم وهم ~~كفار قريش. # ومعنى: {إناثا} اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثا لأن المشركين ~~سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد. # وقال الحسن: الإناث هنا. المرأة حجر أو خشب. # وقال الضحاك: قوله: {إناثا} هو أن المشركين كانوا يدعون أن الملائكة بنات ~~الله تعالى الله أن يكون له ولد. # وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك ~~على نحو تسميتهم لها. # وقال مجاهد: {إناثا} أي إلا أوثانا. وفي مصحف عائشة إلا أوثانا. # وكان ابن عباس يقرأ [أثنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل PageV02P1469 # إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع وثانا ~~على وثن كمثال ومثل ثم أبدل من الواو همزة. # قوله: {وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} أي ما يدعون إلا شيطانا متمردا على ~~الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير. # والمريد: العاتي {لعنه الله} أي قد لعنه الله أي: أخزاه وأبعده من كل ~~خير. # وقال {لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا} أي معلوما. قال الشيطان إذ لعنه ~~الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن ms0550 طريق الحق نصيبا مفروضا، أي: معلوما، ~~وقال الشيطان أيضا: {ولأضلنهم} أي: عن الحق إلى الكفر {ولأمنينهم} أي ~~ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى طاعتي. # وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي. # {ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} أي: لآمرنهم أن يشرعوا غير ما شرعت لهم PageV02P1470 # فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البحيرة كانوا يقطعون] آذانها ~~لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس. # والبحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن شقوا آذانها، ~~ولم ينتفعوا بها. # والبتك: القطع. # {ولأمرنهم فليغيرن خلق الله} الآية. # (قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان). # وقال ابن عباس: {فليغيرن خلق الله} دين الله، قاله مجاهد. وروي عن قتادة ~~والحسن والضحاك {خلق الله} الفطرة دين الله. # وقيل: {فليغيرن خلق الله} هو: الوشم. # وقيل: معنى: {فليغيرن خلق الله} هو أن الله خلق الشمس والقمر، والحجارة PageV02P1471 # للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله. # وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: ~~{فطرت الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] وقوله {لا تبديل لخلق ~~[الله]} [الروم: 30] أي: دينه يدل عليه قوله: {ذلك الدين القيم} [الروم: ~~30]. # قوله: {ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله} أي: يطيعه في معصية الله ~~سبحانه {فقد خسر خسرانا مبينا} أي: هلك هلاكا ظاهرا. # وقوله: {يعدهم ويمنيهم} أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر [على] من حاول ~~خلافهم {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} أي: باطلا لأنه يقول لهم يوم القيامة ~~{إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي. .} [إبراهيم: 24] ~~الآية. # وقيل معنى: {يعدهم} أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال. # قوله: {فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا} أي: أولئك الذين اتخذوا الشيطان ~~وليا {مأواهم} أي: مصيرهم إليها {جهنم ولا يجدون عنها محيصا} أي: لا يجدون ~~عن جهنم إذا PageV02P1472 # صيرهم إليها معدلا يعدلون إليه، ولا محيدا. # يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد. # وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن. # قوله: {والذين ms0551 آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري} الآية. # المعنى: إن الله يدخل المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار وعدا حقا لا ~~كعدة الشيطان لأوليائه، وتمنيه الذي هو غرور {ومن أصدق من الله قيلا} أي: ~~لا أحد أصدق منه قيلا والقول والقيل سواء. # وقيل: تمام إن جعلت قوله: {ليس بأمانيكم} مخاطبة للمسلمين، مقطوعا عما ~~قبله وإن جعلته مخاطبة للكفار الذي تقدم ذكرهم لم يكن {قيلا} تمام وكان ~~قطعا. # قوله: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سواءا يجز به} الآية. # قال مسروق: تفاخر النصارى والمسلمون، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: ~~نحن أفضل منكم. PageV02P1473 # فأنزل الله عز وجل: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} الآية. # ثم أفلح الله تعالى حجة المؤمنين فقال: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة} ثم زاد في الفضل فقال: {ومن أحسن دينا ~~ممن أسلم وجهه لله وهو محسن} الآية. # وقال قتادة: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل ~~نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أحق بالله منكم، وقال المسلمون: نبينا ~~خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله {ليس ~~بأمانيكم} الآية. # أي: ليس ذلك الي قلتم بأمانيكم ففي ليس اسمها في جميع هذه الأقوال. # {من يعمل سواءا} ابتداء شرط، وجوابه خبره وهو: {يجز به}. # وقال الضحاك: تخاصم أهل الأديان: اليهود والنصارى والمسلمون فأنزل الله ~~{ليس بأمانيكم} الآية. # وقال مجاهد: عنى بذلك أهل الشرك من عبدة الأوثان، قالوا: لن نبعث ولن ~~نعذب، وقالت اليهود والنصارى {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} ~~[البقرة: 111]. # فأنزل الله {ليس بأمانيكم} يعني المشركين في قولهم: لن نبعث ولن نعذب. PageV02P1474 # {ولا أماني أهل الكتاب} يعني قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى {من يعمل سواءا يجز به} خلافا لمن أدعى الجميع. # والمعنى: ليس الكائن من أمركم بما تتمنون يا أهل الشرك ولا بما يتمنى أهل ~~الكتاب، وهو اليهود والنصارى بل {من يعمل سواءا يجز به}. # وقيل: التقدير: ms0552 ليس ثواب الله بأمانيكم لأنه قد جرى ذكر ذلك في قوله: ~~{والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم} الآية {ولا يظلمون نقيرا} أي: ~~مقدار النقير وهو النقطة في ظهر النواة وهي منبت النخلة. # وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله: {من يعمل سواءا يجز به} ذلك ما ~~يصيبهم في الدنيا، وقاله مجاهد وغيره. # وقال الحسن: {من يعمل سواءا يجز به} الكافر وقرأ {وهل نجازي إلا الكفور} ~~[سبأ: 17]، وقال في قوله {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا} [النجم: 31]: " هم ~~الكفار " {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] قال: كانت والله لهم ~~ذنوب، ولكنه غفرها لهم، ولم يجازهم بها. # وقال ابن زيد: يعني المشركين يريد بالآية قال: وعد الله المؤمنين أن يكفر ~~عنهم PageV02P1475 # سيئاتهم. # وقال الضحاك: {من يعمل سواءا يجز به} يعني بذلك اليهود والنصارى، والمجوس ~~وكفار العرب. # قوله: {ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا}. # وروي أن هذه الآية لما نزلت قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: " يا رسول ~~الله: وإن لمجزون بأعمالنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ~~المؤمن فيجزى بها في الدنيا، وأما الكافر فيجزى بها يوم القيامة " ". # وقال الحسن وابن أبي كثير {من يعمل سواءا يجز به} أي يعمل شركا يجز به ~~بدلالة قوله: {وهل نجازي إلا الكفور} وتلاها الحسن مع هذه (الاية) استشهادا ~~بها. PageV02P1476 # وروى عن ابن عباس أنه قال: السوء هنا: الشرك، ومعنى من يشرك: يجز به. # وقال ابن جبير: {من يعمل سواءا يجز به} أي: من يشرك. # قالت عائشة وأبي بن كعب: إن المعنى: من عمل سوءا من مؤمن، أو كافر جوزي ~~به، وهو اختيار الطبري، واحتج بما روى أبو هريرة قال: " لما نزلت هذه الآية ~~شقت على المسلمين منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ~~ينكبها، أو الشوكة يشاكها ". # وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: " لما نزلت هذه الآية: يا ~~رسول ms0553 الله {من يعمل سواءا يجز به} فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~أوليس يصيبك كذا (ويصيبك كذا) فهو كفارة " ". # وقال ابن عمر: سمعت أبا بكر يقول: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~{من يعمل سواءا يجز به} في الدنيا ". # وروى عن ابن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: " يا نبي الله: كيف الصلاح ~~بعد هذه الآية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " غفر الله لك يا أبا بكر، ~~ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك PageV02P1477 # اللاواء؟ فهو ما تجزون به " ". # وروي أن أبا بكر قال: " لما نزلت هذه الآية، جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إنما هي المضائق في الدنيا ". # قوله: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه} الآية. # روي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. # والمعنى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم} أي: استسلم لله، وانقاد له {ومن أحسن} ~~أي: عمل بما أمر به {واتبع ملة إبراهيم} أي: دينه {حنيفا} مستقيما. # وقيل: {حنيفا} مائلا عن سائر الأديان غير دين إبراهيم. # {واتخذ الله إبراهيم خليلا} أي: اتخذ [ه] يعادى فيه، ويحب فيه، ويوالي ~~فيه، والخلة التي في إبراهيم النبي، والخلة التي في الله لإبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم هي نصره له على من حاوله بشر كالذي فعل به إذ أراده نمرود ~~بالإحراق، وكالذي فعل به إذ أعانه على ملك مصر إذ أراده عن أهله، ومن ذلك ~~تصييره إماما لمن بعده من عباده وشبه ذلك. PageV02P1478 # وقيل: سمي خليلا للفظة خرجت منه صلى الله عليه وسلم فسمي بها خليلا. # وذلك أنه أصاب أهل ناحيته جدب فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقيل: ~~من أهل مصر يمتار طعاما من عنده لأهله فلم يصب عنده حاجته. # فرجع فلما قرب من أهله مر بمغارة فيها رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا ~~الرمل لئلا أغم أهلي بدخولي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني قد أتيتهم بما ~~يحبون، ففعل ذلك فحول الله ما في غرائره من الرمل دقيقا. ms0554 # فلما صار إلى منزله، نام، وقام ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا فعجنوا منه ~~وخبزوا، واستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا من أين هو؟ فقالوا من ~~الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فعلم ما صنع الله عز وجل له، فقال نعم. ~~هو من عند خليلي فسماه الله عز وجل بذلك خليلا. PageV02P1479 # والخليل في اللغة يكون للفقير كأنه به اختلال. # وقد قيل: في قوله {واتخذ الله إبراهيم خليلا} معناه فقيرا محتاجا إليه، ~~ويكون الخليل المحب المنقطع إلى الله عز وجل الذي ليس في انقطاعه إلأيه ~~اختلال، فيكون سمي (خليلا) لانقطاعه إلى الله سبحانه، ومحبته له من غير خلل ~~يدخل ذلك. # ويكون الخليل أيضا الذي يختص الإنسان فيكون سمي بذلك لأن الله عز وجل قد ~~اختصه في الوقت بالرسالة دون غيره. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " واتخذ الله صاحبكم خليلا يعني نفسه ~~"، أي: اختصه بالرسالة، وهذا القول قول مختار. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا " أي: لو اختصصت أحدا بشيء من الدنيا لاختصصت أبا بكر. # وقد قال بعض أهل اللغة: الخليل الذي ليس في محبته خلل فسمي إبراهيم PageV02P1480 # خليلا لذلك. # قوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} أي له ما فيهن، فلم يتخذه ~~خليلا لحاجة إليه، لأن له ما في السموات وما في الأرض، ولكنه اتخذه خليلا ~~لمسارعته إلى رضاه فكذلك سارعوا أنتم إلى ذلك فيتخذكم أولياء. # {وكان الله بكل شيء محيطا} أي: يحيط بما يعمله الخلق، لا يخفى عليه شيء. # قوله: {ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن. . .} الآية. # " ما " في قوله: {وما يتلى عليكم} في موضع رفع عطف على اسم الله عز وجل. # " وما " هو القرآن. أي الله يفتيكم فيهن، والقرآن يفتيكم فيهن أيضا، وهو ~~قول ابن عباس وغيره. # وقال الفراء، {ما} في موضع خفض عطف على الضمير في {فيهن} أي: الله يفتيكم ~~في النساء، وفيما يتلى عليكم يفتيكم، وهو غلط عند البصريين لأنه عطف ظاهر ~~على مضمر ms0555 مخفوض. # وقيل {ما} في موضع رفع بالابتداء، و {ما} القرآن أيضا على معنى: (ما PageV02P1481 # يتلى عليكم يفتيكم). # قوله: {وترغبون أن تنكحوهن}. # المعنى عن أن، وأن في موضع نصب بحذف الخافض. # وقيل المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، والإعراب واحد، والمعنى مختلف معنى ~~قول من أضمر " عن " إنهم لا يريدون نكاحهن ومن أضمر " في " فمعناه أنهم ~~يريدون نكاحهن ويرغبون في ذلك. # قوله: {والمستضعفين} عطف على يتامى النساء، أي يتلى عليكم في يتامى ~~النساء، وفي المستضعفين. # ومعنى الآية: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا ~~يورثون المرأة، فلما كان الإسلام سأل المؤمنون النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك، فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب} يفتيكم أيضا يعني ما في أول السورة من الفرائض ~~في اليتامى. # قالت عائشة: " هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ~~ماله، وهو أولى بها من غيره فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لما لها فلا ~~ينكحها غيره كراهة أن يشركه أحد في مالها ". PageV02P1482 # فهذا التفسير يحري على قول من أضمر " عن " مع " أن ". # وقال ابن جبير: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، ولا يرث الصغير ولا ~~المرأة، فلما نزلت المواريث في أول النساء توقفوا، ثم سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل { قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ~~في الكتاب} أي: في أول السورة، قال وكان الولي إذا كانت عنده المرأة ذات ~~الجمال والمال رغب فيها ونكحها، وإن لم تكن ذات جمال ومال أنكحها غيره. # وقال النخعي: كان الرجل إذا كانت عنده يتيمة دميمة لم يعطها ميراثها ~~وحبسها عن التزويج حتى تموت فيرثها فنهى الله عز وجل عن ذلك {وما يتلى ~~عليكم في الكتاب في يتامى النسآء الاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن} أي: عن أن تنكحوهن، وذلك كله كان في الجاهلية. # وقال ابن جبير {وما يتلى عليكم في ms0556 الكتاب} هو ما أتى في آخر السورة قوله: # {إن امرؤ هلك ليس له ولد} [النساء: 175]. # روى أن عمرة بنت عمرو بن حزم، كانت تحت سعد بن الربيع، فقتل يوم أحد، ~~فكانت لها منه ابنة، فأتت عمرة النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها ~~من أبيها، فنزلت الآية في ابنتها، وكان أمرهم في الجاهلية، أن الرجل إذا ~~مات ورث أكبر ولده ماله PageV02P1483 # كله. # وقيل: المعنى: {قل الله يفتيكم فيهن} وفيما {وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النسآء} والذي يتلى هو قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النسآء} [النساء: 3]. فما في موضع خفض على هذا ~~التأويل. # وقيل: المعنى {قل الله يفتيكم فيهن} والقرآن يفتيكم وهو قوله: # {فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع}. # {وترغبون أن تنكحوهن} أي ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وفقرهن. # وقيل: المعنى وترفبون في نكاحهن وذلك لمالهن وحسنهن. # واختار الطبري أن يكون المعنى: وترغبون عن نكاحهن لأنهم إنما عيب عليهم ~~أن يأخذوا مالها ويحبسوها ولا ينكحوها، ولم يعب عليهم نكاحها إلا إذا لم ~~يعطوها صداق مثلها، ولم يذكر هنا الصداق فالمعنى أنهم لا يعطونهم ميراثهن ~~ويرغبون عن نكاحهن. # قوله: {والمستضعفين من الولدان} أي: {وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى ~~النسآء} وهي اليتيمة يأخذ مالها ولا يتزوجها ولا يزوجها، وفي المستضعفين من ~~الصبيان كانوا لا يورثون إلا بالغا. # {وأن تقوموا} أي: وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط تعطوا الصغير والكبير ~~حقه، PageV02P1484 # وفرضه الذي نص الله عز وجل عليه لكم هو {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: ~~11] والذي أفتاهم في اليتامى قوله {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} ~~[النساء: 2]. # وقيل هو: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} [النساء: ~~2]. والذي يتلى عليكم في التزويج هو قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النسآء ~~مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3]. # قوله: {وما تفعلوا من خير} أي: ما تفعلوا من عدل في اليتامى، فإن الله لم ~~يزل عالما بما هو كائن منكم من ذلك. # قوله {وإن امرأة خافت من ms0557 بعلها [نشوزا] أو إعراضا. . .} الآية. # قرأ الجحدري {أن يصلحا} بتشديد الصاد وكسر اللام. # وأصله أن يصطلحا ثم أدغم الثاني في الأول أعني: دغم الطاء في الصاد. PageV02P1485 # (وصلحا) منصوب على معنى فيصلح الأمر بينهما صلحا. # وفي قراءة عبد الله: فلا جناح عليهما [إن أصلحا]. # ولذلك اعتبر الكوفيون قراءتهم فقرأ وا " يصلحا " ولقوله: " صلحا ". # والصلح الاسم، والعرب تضع الاسم موضع المصدر كقولهم المطية لمطاء. # فأما من قرأ " يصلحا " فليس " صلحا " باسم له ولا مصدر، فقراءة الكوفيين ~~أقرب إلى {صلحا} من قراءة غيرهم لأن {صلحا} اسم الفعل لأصلح. # ومعنى الآية فيما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " خشيت سودة أن يطلقها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك ولا تقسم ~~لي ففعل " فنزلت " {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} الآية. PageV02P1486 # فالمعنى أنه إن علمت امرأة من بعلها ميلا إلى غيرها وهو النشوز أو " ~~إعراضا " أي: إن أعرض عنها بوجهه وبمنفعته فلا جناح عليهما أن يصالحا أي: ~~لا إثم عليهما في الصلح وهو أن ترضى المرأة أن تترك له يومها أو تسمح له ~~ببعض ما يجب لها من المنفعة لتستديم المقام عنده وتستعطفه بذلك. # {والصلح خير} أي: جرب تسمح فبقى في حرمتها أولى وأحسن من الطلاق والفرقة. # وقيل: المعنى {والصلح خير} من الفرقة ولكن حذف لدلالة الكلام عليه. # قال ابن عباس: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر فيريد أن يتزوجها عليها ~~فيتصالحا على أن لهذه يوما ولهذه يومين أو ثلاثة أو أكثر. # وقالت عائشة رضي الله عنها: هي المرأة تكون عند الرجل ولعله لا يستكثر ~~منها، ولا يكون لها ولد وتكون له صاحبة فتقول له: لا تطلقني وأنت في حل من ~~شأني. # وعلى هذه المعنى في الآية جميع أهل التفسير. # وروي أن هذه الآية نزلت في خولة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري، والبعل PageV02P1487 # رافع بن خديج الأنصاري ثم هي عامة. # قوله: {وأحضرت الأنفس الشح} أي: أنفس النساء. حريصة في الشح على الأيام، ~~وقيل: هو على نصيبها من ms0558 الرجل، ونفس الرجل في حرصه على الميت عند من تميل ~~نفسه إليها. # وقال عطاء: [هو] في الأيام والنفقة. # وقال ابن جبير: نزلت الآية في صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت قد ~~كبرت، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها، فاصطلحا على أن يمسكها، ~~ويجعل يومها لعائشة شحا منها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن زيد وغيره معنى: {وأحضرت الأنفس الشح} يعني نفس الزوجة، والزوج ~~لا يترك أحد حقه لصاحبه. PageV02P1488 # قوله: {وإن تحسنوا وتتقوا} أي: إن تحسنوا أيها الأزواج إلى النساء إذا ~~كرهتم منهن شيئا، وتتقوا الله فيهن في الصحبة بالمعروف، فإن الله لم يزل ~~حبيرا بما تعملون. # قوله: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو حرصتم. . .} الآية. # المعنى: ولن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين النساء في حبهن بقاؤكم حتى ~~تعدلوا بينهن، فلا تكون لبعضهن مزية على بعض {ولو حرصتم} فإن ذلك مما لا ~~تقدرون عليه {فلا تميلوا كل الميل} أي: لا تميلوا على من لم تملكوا صحبته ~~من قلوبكم فتجوروا عليها بترك أداء الواجب لها {فتذروها كالمعلقة} أي كالتي ~~هي لا ذات زوج، ولا هي أيم. # وليس في قوله: {فلا تميلوا كل الميل} دليل على جواز بعض الميل، إنما ~~معناه لا تميلوا بما تقدرون على تركه ميل الميل فهو أمر يغلب الإنسان عليه، ~~ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: " اللهم أما قلبي أملك، وأما غير ذلك ~~فأرجو أن أعدل ". # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: " اللهم هذه ~~قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ". # قال ابن أبي مليكة: " نزل ذلك في عائشة رضي الله عنها. يعني كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحبها PageV02P1489 # أكثر من غيرها ". # قال سفين: " نزلت في الحب والجماع ". # وقال السدي: {فلا تميلوا كل الميل} قال: " يجوز عليها فلا تنفق ولا تقسم ~~". # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كانت له ~~امرأتان يميل [مع] إحداهما على الأخرى ms0559 جاء يوم القيامة أحد شقيه ساقط ". # وقال قتادة: " المعلقة ": المحبوسة. # وقال ابن جبير: " لا مطلقة ولا ذات بعل. # قوله: {وإن تصلحوا وتتقوا} أي تصلحوا أعمالكم، فتعدلوا في أزواجكم، ~~وتتقوا الله فيهن {فإن الله} لم يزل {غفورا رحيما} لكم أي يستر عليكم ما ~~سلف منك (رحيما بكم). # قوله: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته. . .} الآية. # المعنى: وإن رأت المرأة التي مال عنها زوجها، إلا أن تفارقه، ولا تسمح له ~~بشيء من حقها، وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان، فتفرقا بطلاق الزوج إياها ~~{يغن الله كلا من سعته} أي: الزوج والمرأة أن تتزوج من هو أصلح لها من ~~الأول، ويتزوج هو من هي أصلح له منها في رزقه وعصمته. # {وكان الله واسعا} أي: ذا سعة في الرزق لخلقه {حكيما} فيما قضى به بينهما PageV02P1490 # والواسع: الكثير العطايا. # وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، ومنه قوله تعالى: {وسع كل شيء علما} [طه: ~~96] أي أحاط به. # وقال أبو عمرو في " واسع كريم " قال الواسع الغني والكريم الجواد. # قوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا} الآية. # كرر تعالى ذكره، ذكر كون ما في السموات وما في الأرض أنه له، في ثلاثة ~~مواضع متوالية، وفي كل آية معنى من أجله وقع التكرير: # 1 - # أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله {وكان الله ~~واسعا}، فأخبر أن من سعته أن له ما في السموات والأرض، وفي هذا تقوية لقول ~~أبي عمرو أن الواسع الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه إيانا، وتنبيهه على ~~ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا بتقواه كما وصانا بالتقوى ~~في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل الكتاب وصاهم بذلك في التوراة ~~والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى أيضا، فقال: {أن اتقوا الله}. # 2 - # ثم قال: {وإن تكفروا} كما كفر أهل الكتاب {فإن لله ما في السماوات [وما ~~في الأرض]} إنه لا يضره كفرهم إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب ms0560 ~~في مخالفتهم أمره، {وكان الله غنيا} أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية ~~بغناه عنا، PageV02P1491 # وحاجتنا إليه. # 3 - # [ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال {ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} أي كفى به حفيظا. # فهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله {وكان الله ~~واسعا}. فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السموات وما في الأرض. # وأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا. # وفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا. # وتقدم قوله: {غنيا حميدا} على {وكفى بالله وكيلا} لأنه خاطبهم أولا ~~فأخبرهم أنه لا يحتاج إليهم، إن كفروا، وأنهم مضطرون إليه، إذ له ما في ~~السموات وما في الأرض. # قوله: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين. . .} الآية. # هذه الآية مردودة على وقوله: {وإن تكفروا} فقال تعالى: {إن يشأ يذهبكم} ~~بالفناء {ويأت بآخرين} من غيركم وهو قادر على ذلك. # وقيل: إنها ترجع على طعمة، وأصحابه الذين تقدم ذكر نياتهم توبيخا لهم، ~~وقد روى النبي صلى الله عليه وسلم " لما نزلت هذه الآية ضرب على ظهر سلمان ~~بيده وقال: " هم PageV02P1492 # قوم هذا " " يعني عجم الفرس. # هذه الآية نزلت في المنافقين الذين أظهروا [الإيمان ليدفعوا عن أنفسهم ~~الضرر في الدنيا، والمعنى من كان أظهر الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~أهل النفاق لغرض {فعند الله ثواب الدنيا} يعني جزاؤه في الدنيا ما يأخذ من ~~الغنم إذا شهد مع المسلمين، وثواب الآخرة، وهو نار يصلاها أبدا، ومثل هذا ~~قوله {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها ~~لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 15 - 16] ~~الآية. # وقيل: إن الآية نزلت في أمر الذين سعوا في أمر طعمة وعذروه، وهم يعلمون ~~أنه سرق. # قوله: {وكان الله} أي: يسمع قوله هؤلاء الذين يريدون ثواب الدنيا ~~بأعمالهم، ويقولون آمنا إذا لقوا المؤمنين {سميعا بصيرا} بهم فيما يكتمون. # وقيل: إن الآية نزلت في الكفار، ms0561 وذلك أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ~~ويتقربون إلى الله ليوسع عليهم في الدنيا، ويدفع عنهم مكروها، فأنزل الله ~~عز وجل: { من كان يريد ثواب الدنيا. . .} الآية. PageV02P1493 # قوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} الآية. # قوله: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} وقال الأخفش: " أو " بمعنى ~~الواو، فلذلك قال: " بهما " ولم يقل به. # وقيل: المعنى: إن يكن المتخاصمان غنيين أو فقيرين. # وقيل: هو مثل قوله {وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} [النساء: 12]. # وقيل: لما كان المعنى فالله أولى بغنى الغني، وفقر الفقير، رد الضمير ~~عليهما. # وقيل: إنما ردع الضمير إليهما لأنه لم يقصد فقيرا بغني، فجاء الرد ~~عليهما: بالتثنية، وبالتوحيد وبالجمع. # ومعنى الآية: " إن الله تعالى تقدم إلى عباده أن يقوموا بالقسط أي: ~~بالعدل، ولو على أنفسهم أو والديهم أو قرابتهم ولا يكونوا كالذين قالوا ~~لطعمة بغير القسط لقرابته منهم. PageV02P1494 # والقسط: العدل. # وأن لا يميلوا لفقر فقير، ولا لغنى غني، فيجوروا. # {فالله أولى بهما} أي أحق بهما لأنه خالقهما، ومالكهما دونكم {فلا تتبعوا ~~الهوى} في الميل مع أحدهما. والشهادة على نفسه هو أن يقر بها عليه. # وقيل: إن الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، تخاصم إليه غمي وفقير، ~~فكان ميله مع الفقير يروى أنه لا يظلم الغني لفقره. # وقيل: نزلت في الأمر بالشهادة بالحق، وترك الميل مع الغني لغناه، أو مع ~~فقير لفقره. # قال ابن شهاب: كان فيما مضى من السلف الصالح تجوز شهادة الوالد لولده ~~والأخ لأخيه ويتأولون في ذلك قول الله {كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو ~~على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} فلم يكن يتهم أحد في ذلك من السلف ~~الصالح ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من ~~يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة. # ومذهب الحسن البصري والنخعي والشعبي، وشريح ومالك والثوري PageV02P1495 # والشافعي وأحمد بن حنبل أنه: لا تجوز شهادة الوالد لولده. # وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا. # وروي ms0562 عن عمر رضي الله عنه أنه أجازه، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، ~~وبه قال إسحاق وأبو ثور والمزني. # ومذهب مالك رضي الله عنه جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا [إلا] في ~~النسب. # وروى ابن وهب هنه: أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيبه مال يرثه. # ولا تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر، وأجازه الشافعي. ~~ولا تجوز شهادة الرجل المصاحب له بصلة، أو بعطف عليه عند مالك. وكذلك لا ~~تجوز شهادة رجل لرجل، والشاهد [في عيال] المشهود له، قوله PageV02P1496 # {وإن تلووا} هي مخاطبة للحكام، فالمعنى: وإن تلووا أيها الحكام، في الحكم ~~لأحد الخصمين على الآخر أو تعرضوا، فإن الله لم يزل خبيرا بما تعملون. # وقال ابن عباس: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي ~~وإعراضه لأحدهما على الآخر. # وقيل: هي مخاطبة للشهداء، والمعنى أن تلووا أيها الشهداء ألسنتكم بغير ~~الحق، أو تعرضوا عن الحق. # وقيل: أو " تعرضوا " عن الشهادة فتتركوها. # وقال مجاهد: {وإن تلووا} تبدلوا الشهادة: {أو تعرضوا} أي: تكتموها كذلك ~~قال قتادة والسدي. # قال ابن زيد: {وإن تلووا} تكتموا بعضها، أو تعرضوا [تكتموها] فتأتوا ~~الشهادة، تقول: أكتم عن هذا أنه مسكين، رحمة به، ويقول: هذا غني أتقيه، ~~وأرجو ما قبله، فهو قوله {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} أي: إن ~~يكن المشهود عليه غنيا أو PageV02P1497 # فقيرا، فأقيموا الشهادة عليه لأن الله أولى به. # {فلا تتبعوا الهوى} في ألا تعدلوا: {وإن تلووا} تغيروا الشهادة {أو ~~تعرضوا} تكتموها {والله خبير بما تعملون} مجازيكم ومن قرأ {وإن تلووا} بواو ~~فيحتمل أن تكون مثل تلوا من اللي ولكن أبدلت من الواو المضمومة همزة، ثم ~~ألغيت حركتها على اللام على أصل التسهيل، ويكون المعنى واحدا. # ويجوز أن يكون من الولاية، قال ذلك الكسائي، فيكون المعنى وإن تلوا شيئا ~~من الشهادة، فتبلغوه على حقه، ولا تجوروا فيه {أو تعرضوا} أي: تتركوا ~~تبليغه PageV02P1498 # فتكتموه، فإن الله لم يزل خبيرا بأعمالكم. # قوله {يا أيها الذين آمنوا ms0563 آمنوا بالله ورسوله. . .} الآية. # المعنى: يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من ~~الأنبياء، والرسل وصدقوا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي ~~أنزل من قبل وهو التوراة والإنجيل. # {ومن يكفر بالله} أو بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله ~~وملائكته وكتبه ورسله {فقد ضل} أي: ذهب عن الحق وجار جورا بعيدا، فهو خطاب ~~لمن آمن بما قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: هو خطاب للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. # والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم آمنوا أي اثبتوا ~~على الإيمان به، وبما جاء من عند الله. # وقيل: هو خطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم آمنوا بالله ورسوله، أي صدقوا به بقلوبكم إيمانا يقينا يوافق اللسان ~~القلب. # قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا. . .} الآية. # المعنى: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به، ثم آمنوا بعيسى يعني النصارى ~~ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بموسى ~~وعيسى عليه السلام [هو] PageV02P1499 # تغيير ما أتى به كل واحد منهما من عند الله عز وجل، وتبديله وقبول الرشا ~~عليه {لم يكن الله ليغفر لهم} إذ كفروا بكتبه ورسله {ولا ليهديهم [سبيلا]} ~~أي طريق هدى. # وقيل: عني بذلك المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين، ثم ازدادوا كفرا بعد ~~ذلك. # وقيل: هم اليهود والنصارى. # وقال قتادة: هم اليهود والنصارى: آمنت اليهود بالتوراة، وكفرت بالإنجيل، ~~ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا [كفرا] بكفرهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. وآمنت النصارى بالإنجيل ثم تركت العمل بما فيه، فكفرت بذلك، ثم ~~ازدادوا كفرا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم { لم يكن الله ليغفر لهم} ~~أي: لا يغفر لهم كفرهم الأول والآخر، وذلك أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، ~~فإن رجع إلى الكفر لم يغفر له كفره الأول. # وقال ابن عمر: يستتاب ms0564 المرتد ثلاثا، أي كلما ارتد يستتاب، فإن آمن، ثم ~~ارتد استتيب، فإن تاب، ثم ارتد استتب، فإن تاب ثم ارتد قتل، فإنما يستتاب ~~ثلاث PageV02P1500 # مرات قياسا على هذه الآية. # وقيل: يستتاب، كلما ارتد. # قوله: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخذون الكافرين ~~أوليآء من دون المؤمنين} الآية. # المعنى اجعل ما يقوم لهم مقام البشارة بالعذاب الأليم {أيبتغون عندهم ~~العزة} أي: المنعة باتخاذهم لهم أولياء {فإن العزة لله جميعا} أي: المنعة ~~لله، والنصر من عنده. # يقال أرض عزاز وعزاز إذا كانت صلبة شديدة، ومنه قولهم: عز الشيء إذا لم ~~يوجد أي: اشتد وجوده، أي: صعب. # وقال النحاس: " هذا يدل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق لأنه ~~لا يتولى الكافرين. # قوله: {وقد نزل عليكم في الكتاب} الآية. # المعنى قد أخبرتم أيها المنافقون في القرآن {أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره}. PageV02P1501 # فاتخذتموهم أولياء {إنكم إذا مثلهم} كفار، إذا جالستموهم على تلك الحال، ~~لأن من لم يجتنبهم، فهو راض بفعلهم، فالرضا بالكفر كفر. # وهذه الآية تدل على اجتناب أهل المعاصي إذ ظهر منهم منكر، ومجانبة أهل ~~الباطل من كل نوع من المبتدعة والقدرية وغيرهم إذا خاضوا في فسقهم. # وروى إبراهيم التيمي عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس ~~من الكذب ليضحك بها جلساؤه فيسخط الله عليهم. # وقال إبراهيم النخعي: إذ سمع هذا عن أبي وائل، صدق أبو وائل، أو ليس ذلك ~~في كتاب الله عز وجل { أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا PageV02P1502 # في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ~~جميعا} أي: يجمعهم بموالاة بعضهم بعضا فكلهم كافر. # قوله: {الذين يتربصون بكم} الآية. # في قراءة أبي: ومنعناكم في موضع: نمنعكم. # وأجاز الفراء: ونمنعكم بالنصب على الصرف. # ومعنى الآية: أنها صفة للمنفقين لأنهم كانوا يتربصون بالمؤمنين، فإن كان ~~فتح من الله جل وعز للمؤمنين، ms0565 قالوا للمؤمنين: ألم نمنعكم في جهادكم، ~~فطلبوا الفيء من الغنيمة {وإن كان للكافرين} ظفر على المؤمنين قالوا ~~للكافرين {ألم نستحوذ عليكم} أي: نغلب عليكم حتى قهرتم المؤمنين {ونمنعكم} ~~من المؤمنين، أي: كنا عيونا لكم نأتيكم بالأخبار في السر، ونخذل المؤمنين ~~حتى غلبتموهم {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} أي: بين المؤمنين والمنافقين ~~{ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} أي: حجة يوم القيامة. # وهذا وعد من الله جل ذكره للمؤمنين يكون في القيامة فأما في الدنيا فقد ~~يغلبون ويغلبون، ودل على ذلك قوله {فالله يحكم بينكم يوم القيامة}. # وقيل: معناه: لا يجعل الله الكافرين على المؤمنين سبيلا يوم القيامة في ~~قتلهم لهم، وسبيهم لذراريهم، ذلك مباح للمؤمنين في الدنيا، ولا درك عليهم ~~في PageV02P1503 # ذلك في الآخرة. # وقال ابن جريج: معن: {ألم نستحوذ عليكم} ألم يتبين لكم أنا معكم. # وأصل الاستحواذ الغلبة والاستيلاء. # قوله: {إن المنافقين يخادعون الله} الآية. # معنى الآية أن المنافقين يخادعون الله بإحرازهم لإيمانهم دماءهم ~~وأموالهم، {وهو خادعهم} هو ما حكم فيهم من منع دمائهم وأموالهم بما ظهر من ~~إيمانهم مع علمه بباطن اعتقادهم استدراجا للانتقام منهم في الآخرة. # وقال السدي: {وهو خادعهم} يعطيهم الله يوم القيامة نورا يمشون به مع ~~المؤمنين كما كان معهم في الدنيا إيمان يمنع من دمائهم ثم يسلبهم ذلك النور ~~فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بسور. # وقال ابن جريج: إخداع الله لهم هو ما ذكر من قولهم {انظرونا نقتبس من ~~نوركم} [الحديد: 13]. # وقال الحسن: يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به حتى إذا انتهوا إلى PageV02P1504 # الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم فينادونهم # {انظرونا نقتبس من نوركم} ألم نكن معكم في المسجد والحج والغزو؟ # {قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم} باعتقادكم خلاف ما أظهرتم {وتربصتم} عن ~~التوبة {وارتبتم} أي: شككتم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وثواب الله عز ~~وجل وعقابه سبحانه. # قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم. # وقيل: المعنى: يخادعون أولياء الله وهو أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون {وهو ~~خادعهم} أي ms0566 معاقبتهم، وسمي الثاني خداعا لأنه مجازاة للأول، وقيل: لازدواج ~~الكلام. # وقيل: معنى: {يخادعون الله} أي نبيه صلى الله عليه وسلم لأن من خادع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقد خادع الله سبحانه كما قال {إنما يبايعون ~~الله} [الفتح: 10]. # قوله: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} الآية. # هذا إعلام من الله تعالى أن المنافقين لا يعملون شيئا من الفروض إلا ~~رياء، وإبقاء على [أنفسهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، إذ ليست ~~عندهم بفرض. إنما يقومون للناس] رياء إذ لا يرجون ثوابا، ولا يخافون عقابا. PageV02P1505 # ثم يقال: {ولا يذكرون الله إلا قليلا} أي إلا ذكرا قليلا. # والمعنى: أنهم يذكرون الله رياء لا ذكر مؤمن موقن بتوحيد الله عز وجل ~~فلذلك سمي قليلا، إذ هو غير مقصود به الله سبحانه، وما عنده تعالى، فمن أجل ~~هذا وصف بالقلة، مع أنه ليس في ذكر الله عز وجل قليل، إنما قل من أجل ~~اعتقادهم لا من أجل قلة ذكرهم. # قال الحسن: إنما قل لأنه كان لغير الله سبحانه. # وقال علي رضي الله عنه " ما قل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل! يريد ~~قوله {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] فمن تقبل شيء من عمله، ~~فهو من المتقين، ومن كان من المتقين فهو من أهل الجنة، يقول الله: {إن ~~المتقين في جنات} [القمر: 54]. # قوله: {مذبذبين} أي: متحيرين في دينهم مضطربين، وأصل التذبذب التحرك ~~والاضطراب، فهم يتحيرون في دينهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع ~~المشركين على جهالة، فهم حيارى. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين ~~الغنمين تعير إلى هذه مرة، PageV02P1506 # وإلى هذه مرة ولا تدري لأيهما تتبع ". # قال قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين. # وقيل: إلى المؤمنين ولا [إلى] أهل الكتاب # {ومن يضلل الله} أي: ومن يخذله الله {فلن تجد له} يا محمد {سبيلا} أي: ~~طريقا يسلكه إلى الحق. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أوليآء} الآية. # المعنى: إن الله نهى المؤمنين أن ms0567 يوالوا الكافرين، فيجعلون على أنفسهم ~~الحجة لله، والسلطان: الحجة، وهو يذكر ويؤنث وبالتذكير أتى القرآن. # فمن ذكر ذهب إلى معنى صاحب السلطان، أي صاحب الحجة، وقيل ذهب إلى البرهان ~~والاحتجاج. # ومن أنث فلتأنيث الحجة، والعرب تقول: قضت به عليك السلطان أي الحجة. # قوله: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} الآية. PageV02P1507 # معنى الدرك الأسفل: القعر الأسفل # والنار أدراك سبعة، فهم في القعر السابع، نعوذ بالله منها. # والدرك والدرك لغتان بمعنى. # والفتح: الاختيار عند بعض العلماء لقولهم: أدراك كجمل وأجمال وجمعة في ~~الكثير: الدروك. # ومن أسكن الراء جمعه في القليل على أدرك، والكثير الدروك، وقال عاصم: " ~~لو كانت الدروك بالفتح لقيل السفلى " ذهب إلى أن الفتح إنما هو على أنه جمع ~~دركة ودرك، كبقرة وبقر. # وطبقات النار سفل سفل، يقال لها أدراك. # ومنازل الجنة يقال لها درجات وهو علو علو. # وقوله: {وسوف يؤت} كتب بغير ياء على لفظ الوصل. PageV02P1508 # والوقف عند سائر القراء على ما في السواد. # ومذهب النحويين في هذا: الوقف على الياء. # ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أن المنافقين في الطبق الأسفل من ~~النار، وأنهم لا ناصر لهم ينقذهم منها. # والعرب تقول لكل ما تسافل درك، ولكل ما تعالى درج. وقال ابن مسعود: إن ~~المنافقين في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار. # وقال أبو هريرة: {في الدرك الأسفل} في توابيت ترتج عليهم. # وقال ابن عباس: في أسفل النار. # ثم استثنى تعالى التائبين فقال {إلا الذين تابوا} أي: رجعوا عن نفاقهم ~~وشكهم إلى اليقين بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وأصلحوا ~~أعمالهم فعملوا بما أمرهم الله عز وجل { واعتصموا بالله} عز وجل أي: تمسكوا ~~بما أمرهم الله به {وأخلصوا} طاعتهم له عز وجل، ولم يعملوا رياء الناس ~~{فأولئك مع المؤمنين} في الجنة {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما}. # وقال الفراء: {مع المؤمنين} أي: من المؤمنين. # قوله: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم. . .} الآية. # المعنى: ما يفعل الله بعذابكم أيها المنافقون إن تبتم، ورجعتم وآمنتم، ~~بمعنى ms0568 أي PageV02P1509 # شيء يصنع الله بعذابكم، وما حاجته إلى ذلك بل سيشكر لكم ما يكون منكم من ~~الطاعة، والإيمان فيجازيكم عليه، بأن يعافيكم من الدرك الأسفل من النار، ~~ويدخلكم الجنة خالدين. # قال قتادة: في هذه الآية: " إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا ". # وقيل: معنى: {شاكرا} مشكورا على كل حال. # قوله: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} الآية. # قرأ زيد بن أسلم، والضحاك وابن أبي إسحاق {إلا من ظلم} بفتح الظاء. # ومعنى الآية: لا يحب الله أن يجهر أحد بالدعاء [على أحد] إلا من ظلم ~~فيدعو على ظالمه. أي: لكن من ظلم فله أن يدعو على ظالمه، ولا يكره الله ~~ذلك. # قال ابن عباس: أرخص للمظلوم أن يدعو على ظالمه، وإن صبر فهو خير له. # قال قتادة: عذر الله سبحانه المظلوم. PageV02P1510 # وقال الحسن: هو الرجل يظلم يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم ~~أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، ونحو ذلك. # و" من " في موضع رفع بالهجر، كأنه: لا يحب الله أن يجهر بالسوء إلا ~~المظلوم وإن شئت في موضع نصب كما قال تعالى: {لست عليهم بمصيطر * إلا من ~~تولى وكفر} [الغاشية: 22 - 23] وكقولهم: إني لا أكره الخصومة، والمراء إلا ~~رجلا يريد الله بذلك، فهذا محمول على المعنى وأن لم يكن قبله أسماء. # وأصل الاستثناء المنقطع أن يكون منصوبا، وهذا من ذلك. # وقال مجاهد في الآية: هو الرجل لا تحسن ضيافته، فيخرج فيقول أساء ضيافتي، ~~رخص له أن يقول ذلك. # وقال السدي: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد ولكن من ظلم فانتصر بمثل ~~ما ظلم فليس عليه جناح. # ومن قرأ بفتح الظاء، فمعناه إلا من ظلم فلا بأس أن يجهر له بالقول. # قيل: إن هذه الآية: نزلت في الرجل ينزل بالرجل وعند المنزول به سعة، ~~يضيفه، فإن تناوله بلسانه في تأخره عن ضيافته فقد عذره الله عز وجل، وسمى ~~الله سبحانه ترك PageV02P1511 # الضيافة ظلما. # وقال ابن زيد معنى الفتح: لا يحب الله أن يقول ms0569 لمن تاب عن النفاق: ألست ~~نافقت؟ ألست الذي ظلمت وفعلت؟ {إلا من ظلم} أي: إلا من أقام على النفاق، ~~فإنه يقال له ذلك، ودل على هذا قوله تعالى {إلا الذين تابوا}. # وقيل: المعنى {إلا من ظلم} فقال سوءا، فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه. # وقال قطرب: {إلا من ظلم} أي: إلا المكره لأنه مظلوم. # {وكان الله سميعا} أي: لما تجهرون به {عليما} أي بما تسرون وبغير ذلك. # قوله: {إن تبدوا خيرا أو تخفوه. . .} الآية. # المعنى: إن تقولوا جميلا لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك وتخفوه. أي: تتركوا ~~إظهاره، فلا تبدوه {أو تعفوا عن سواء} أي: تصفحوا لمن أساء إليكم عن ~~إساءته، فلا تجهروا له بالسوء، أي: الذي قد أذن لكم أن تجهروا به وهو قوله ~~{إلا من ظلم} فإن الله كان عفوا، أي: لم يزل عفوا عن خلقه مع قدرته على ~~الانتقام منهم. وهذا PageV02P1512 # التأويل يدل على خلاف قول من تأول لقوله {لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول إلا من ظلم} أنه في المنافق التائب، والذي لم يتب، لأن الله عز وجل ~~لم يأمر المؤمنين بالعفو عن نفاقهم ولا نهاهم أن يسبوا من كان منهم معلنا ~~النفاق. # قوله: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} ~~الآية. # معنى الآية أنها في اليهود والنصارى يكفرون بالله بكفرهم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. { ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} أي: يزعمون أنهم ~~افتروا على ربهم {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} آمنت اليهود بموسى، وكفرت ~~بعيسى، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بموسى، ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم، { أولئك هم الكافرون} أي: من، هذه صفته كافر ~~{ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} أي: طريقا لا مع المؤمنين ولا مع غيرهم ~~وقيل بين الإيمان والجحد طريقا. # قوله: {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} الآية. # المعنى: الذين صدقوا بواحدانية الله عز وجل، وأقروا برسله [صلوات الله ~~عليهم] {ولم يفرقوا بين أحد منهم} [أي لم يكذبوا ببعض وآمنوا ببعض ms0570 {أولئك ~~سوف يؤتيهم أجورهم} أي من هذه صفته سوف نؤتيهم أجورهم أي يعطيهم PageV02P1513 # أجورهم] على تصديقهم للجميع {وكان الله غفورا رحيما} أي: يغفر لمن فعل ~~ذلك من خلقه أي يستر ذنوبه، وكان {رحيما} بهم أي: لم يزل كذلك. # قوله: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء. . .} الآية. # قوله: {جهرة} حال من الضمير في قالوا، وهو العامل فيه، أي: قالوا مجاهرين ~~بذلك، قال ذلك أبو عبيدة. # وقيل: هو نعت بمصدر محذوف [تقديره] رؤية جهرة. # ومعنى الآية: أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ~~كتابا من السماء مكتوبا كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة، قالوا له: إن ~~موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، ~~فأنزل الله {يسألك أهل الكتاب} الآية. # قال ابن جريج: سألوا أن ينزل عليهم رجال منهم كتابا من السماء بتصديقه ~~واتباعه وهم اليهود والنصارى. # وقيل: هم اليهود خاصة سألوا النبي عليه السلام أن يصعد إلى السماء وهم ~~يرونه بلا كتاب، وينزل ومعه كتاب تعنتا. فأعلمه الله عز وجل أنهم قد سألوا ~~موسى عليه السلام أكبر من هذا {فقالوا أرنا الله جهرة} أي: رؤية منكشفه ~~{فأخذتهم الصاعقة} أي صعقوا بظلمهم أنفسهم، في عظيم ما سألوا موسى صلى الله ~~عليه وسلم مما ليس لهم أن يسألوا مثله {ثم اتخذوا العجل} أي PageV02P1514 # اتخذوه إلها بعد إحيائهم من صعقتهم {من بعد ما جآءتهم البينات} أي ~~الدلالات الواضحات أنهم لا يرون الله عيانا في الدنيا، وأنه لا معبود إلا ~~الله، فمن الآيات إصعاق الله إياهم عند مسألتهم ثم أحياؤهم. # قوله: {فعفونا عن ذلك} أي: عفونا عن عبادتهم العجل {وآتينا موسى سلطانا ~~مبينا} أي: أعطيناه حجة تبين عن صدقه وصحة نبوته. # قوله: {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم. . .} الآية. # المعنى: ورفعنا فوقهم الجبل لما امتنعوا من العمل بما في التوراة، وقبول ~~ما جاءهم به موسى صلى الله عليه وسلم { بميثاقهم} أي ما أعطوا الله من ~~الميثاق ليعملوا بما في التوراة {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا} ms0571 يعني باب ~~حطة أمروا بذلك، فدخلوا يزحفون على أستاههم {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} ~~أي لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم، وذلك أنهم أمروا ألا يأكلوا ~~الحيتان يوم السبت، ولا يتعرضوا لها. {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} أي شديدا ~~أنهم يعظمون ما أمرهم الله، وينتهون عما نهاهم عنه. # قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله} الآية. # المعنى: وينقض هؤلاء الذين تقدمت صفتهم: الميثاق - وهو كتمانهم أمر PageV02P1515 # النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ عليهم {لتبيننه للناس ولا تكتمونه ~~فنبذوه ورآء ظهورهم} [آل عمران: 187] وكفرهم بآيات الله أي: بإعلامه وأدلته ~~وب {وقتلهم الأنبيآء بغير حق} وب {وقولهم قلوبنا غلف} أي: عليها غشاوة ~~وأغطية عما يقول، فلا نفهمه عنك، فأخبر الله عز وجل بكذبهم في قولهم، وقال ~~{بل طبع الله عليها بكفرهم} أي: ليست بغلف، ولكن طبع الله عليها طابعا من ~~أجل كفرهم بالله {فلا يؤمنون إلا قليلا} لأنهم إنما صدقوا ببعض الأنبياء، ~~فإيمانهم قليل لأنهم قد كذبوا بأكثر الأنبياء فيما جاءوا به، ومن كذب ~~بالبعض، فهو مكذب بالكل من جهة أن الذي صدق به من نبي وكتاب يصدق ما كذب به ~~هو ويقرب بصحته وهذا كلام متصل بما قبله. # والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم وبكفرهم، وبكذا وبكذا أخذتهم الصعقة. # قال الطبري: هذا غلط لأن الذين أخذتهم الصاعقة قوم موسى صلى الله عليه ~~وسلم، والذين رموا مريم بالبهتان بعدهم بدهر طويل، فهؤلاء غير هؤلاء. # والذي قال الطبري لا يلزم، لأن اليهود قد تأخروا، وهم الذين طالبوا عيسى ~~صلى الله عليه وسلم بالصاعقة، وإن لم تأخذهم بأعيانهم، فقد أخذت آباءهم. ~~فالمراد آباؤهم على ما مضى في البقرة وفي غيرها لأنهم راضون بما كان عليه ~~آباؤهم من الكفر فلهم من الحكم ما لآبائهم إذ هم على مذهبهم. # وقال قتادة: {لعناهم} محذوف من الكلام كأنه: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم PageV02P1516 # كذا وكذا لعناهم وهو اختيار الطبري. قال: ودل على المحذوف قوله: {بل طبع ~~الله عليها بكفرهم} لأن من طبع الله على قلبه فقد لعنه الله وغضب عليه. ms0572 # وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم كذا (وقولهم كذا). طبع الله عليها. # وقال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. # قوله: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} أي: بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم { وبكفرهم} هو أنهم رموها بالزنا {وقولهم إنا قتلنا المسيح} أي: ~~بدعواهم ذلك، فأكذبهم الله في ذلك، فقال: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ~~لهم}. # قيل: إن اليهود أحاطوا بعيسى ومن معه وهم لا يشبهون عيسى بعينه فحولوا ~~جميعا في صورة عيسى، فأشكل عليهم أمر عيسى، فخرج إليهم بعض من كان في البيت ~~مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبون أنه عيسى. PageV02P1517 # قال وهب بن منبه: أتى عيسى ومن معه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاط ~~بهم اليهود، فكلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: ~~سحرتمونا لترزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا، قال عيسى لأصحابه: من يشتري ~~اليوم نفسه بالجنة؟ قال رجل منهم: أنا فخرج إليهم. # فقال: أنا عيسى، فأخذوه وقتلوه، وهو على صورة عيسى، وصلبوه وظنوا أنه ~~عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك، إذا الصورة مشبهة، ورفع الله عيسى من يومه ~~ذلك. # وقيل: إنه كان محبوسا عند خليفة قيصر، فاجتمعت اليهود إليه فتوهم يريدون ~~خلاصه، فقال: أنا أخليه لكم، فقالوا: بل نريد قتله، فرفعه الله إليه، فأخذ ~~خليفة قيصر رجلا فقتله، وقال لهم: قد قتلته، خوفا منهم، وهو الذي شبه لهم. # قوله: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه} يعني اليهود الذين أحاطوا ~~بعيسى، ومن معه وأرادوا قتله، وذلك أنهم كانوا عرفوا عدد من كان في البيت، ~~قبل دخلوهم فيما ذكر بعض أهل التأويل: فلما دخلوا فقدوا واحدا من العدد، ~~ووجدوا الشبه فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحدا من العدد، فقتلوا الذي ~~عليه الشبه على شك. # وقيل: إن شكهم فيه هو أن بعضهم زعم أنه الله وما قتل. # وزعم بعضهم أنه ما قتل، فهم شاكون فيه. ودل على صحة شكهم قوله تعالى: PageV02P1518 # {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} فقتلوا من قتلوا على شك ms0573 لا على يقين ~~وعلم. # {وما قتلوه يقينا} أي: ما قتلوا لظنهم في المقتول أنه عيسى يقينا، ولكنهم ~~قتلوه على شك، فالهاء عائدة على الظن. # قال ابن عباس: المعنى ما قتلوه ظنهم به يقينا. # وقال السدي: وما قتلوا أمره يقينا أنه هو عيسى. # وقال الفراء: المعنى: ما قتلوا العلم به يقينا. # وقيل المعنى: الذي شبه لهم إنه عيسى يقينا، بل قتلوه على شك {بل رفعه ~~الله إليه} أي عيسى. # " ومن جعل الهاء تعود على العلم أو الظن أو النفس أو المشبه بعيسى وقف ~~على يقينا ". # " ومن جعلها تعود على عيسى وقف على قتلوه على النفي، ويكون يقينا نعت ~~لمصدر محذوف المعنى: قال هذا قولا يقينا ". # قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى: " بل رفعه الله إليه يقينا " فهو ~~خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل،. . . وكون الهاء تعود على ~~عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل. # وقال بعض أصحاب حمزة ": عيسى ابن مريم تمام. لأنهم لم يقروا بأنه رسول PageV02P1519 # فليس بمتصل بما قبله. # وقال نافع: {لفي شك منه} تمام. # وأجاز ابن الأنباري الوقف على " قتلوه " على أن ينصب " يقينا بإضمار فعل ~~هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقينا، ولقد أوضح لكم يقينه إيضاحا ~~يقينا، ثم تبتدئ {بل رفعه الله إليه} مستأنفا. # قوله: {وما قتلوه يقينا} أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه أريد به ~~تحقيق الأمر واستيقانه. # والاستعارة في كلام العرب باب، وهذا فصل نبين فيه نبذا من معاني ~~الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها أو ~~ما هو سببها، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك " النبات نوء " ~~لأنه [عنه] يكون، والمطر سماء، لأنه منها ينزل، ويقولون " ضحكت الأرض " ~~لأنها تبدي عن حسن النبات. # وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر. ويقولون " لقيت من فلان عرق القربة ~~" أي: شدة، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير ~~عرقه في موضع. # ومن ذلك قول الله تعالى: {يوم ms0574 يكشف عن ساق} [القلم: 42] أي: شدة الأمر، ~~وذلك أن PageV02P1520 # الرجل إذا وقع في أمر يحتاج إلى معاناة، شمر عن ساقه، فاستعير الساق في ~~موضع الشدة، وهو كثير في القرآن، وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم ~~الله على ما يعقلون في كلامهم وما اعتادوا منه. # ومنه قوله: {ولا يظلمون فتيلا} [النساء: 49] {ولا يظلمون نقيرا} [النساء: ~~124] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، إنما أراد مقدار هذين الحقيرين ~~والعرب تقول: ما رزانه، زبالا، فالزبال ما تحمله النملة بفيها. # ومنه قوله: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] يريد به التقليل أي ما ~~يملكون من شيء. # ومنه {فجعلناه هبآء منثورا} [الفرقان: 23] أراد به أبطلناه، كما أن ~~الهباء المنثور مبطل لا فائدة فيه، وهو ما سطع في شعاع الشمس من كوة البيت، ~~والمنبث ما سطع من سنابك الخيل. # ومنه: {وأفئدتهم هوآء} [إبراهيم: 43] أي: لا تغني خيرا، لأن المكان إذا ~~كان خاليا فهو هواء لا شيء فيه. # ومنه: {وكذلك أعثرنا عليهم} [الكهف: 21] أي أطلعنا، وأصله من عثر بشيء ~~وهو غافل ثم PageV02P1521 # نظر إليه فاطلع عليه فصار العثار سببا للتبين فاستعير مكان التبيين ~~والاطلاع. # ومنه: {حب الخير} [ص: 32] يريد الخيل سميت خيرا لما فيها من الخير وهو ~~منافعها. # ومنه: {أو من كان ميتا فأحييناه} [الأنعام: 122] أي كافرا فهديناه ~~{وجعلنا له نورا} [الأنعام: 122] أي إيمانا {كمن مثله في الظلمات} ~~[الأنعام: 122] أي في الكفر فاستعير الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهدى ~~والنور مكان الإيمان. # ومنه: {ووضعنا عنك وزرك} [الشرح: 2] أي: إثمك وأصل الوزر ما حمل على ~~الظهر فشبه الإثم بالحمل، وشبه بالثقل، لأن الحمل والثقل سواء فقال: ~~{وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13] أي آثاما مع آثامهم. # ومنه: {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] أي نكاحا لأن النكاح يمون ~~سرا، ولا يظهر فاستعير له السر. # ومنه: {نسآؤكم حرث لكم} [البقرة: 223] كما تزرع الأرض، فشبه الولد بالزرع ~~والبطن بالأرض. # ومنه: {إلا أن تغمضوا فيه} [البقرة: 266] أي ترخصوا وأصله أن يصرف المرء، ~~بصره عن PageV02P1522 # الشيء ويغمضه فسمي الترخيص إغماضا. # ومنه: ms0575 {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [البقرة: 187] جعل كل واحد لصاحبه ~~كالثوب للإنسان يتضامان، ويلتصقان كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، ~~وقد قيل معنى # {لباسا} سكنا، كما قال {ليسكن إليها} [الأعراف: 189] {لتسكنوا فيه} ~~[يونس: 67 - القصص: 73]. # ومنه: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، ~~لأنه يشتمل عليها، وشبه ذلك كثير. # قوله: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته. . .} الآية. # التقدير عند سيبويه، (وإن من أهل الكتاب أحد). # وعند الكوفيين (وإن من أهل الكتاب إلا (من) ليؤمنن [به]) حذفوا الموصول ~~وهو قبيح. # وسيبويه إنما قدر حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، وذلك كثير في PageV02P1523 # القرآن والكلام، قال الله: {أن اعمل سابغات وقدر} [سبأ: 11] أي: دروع ~~سابغات فحذف الموصوف، فقول سيبويه أحسن واختيار جيد. # وحذف الموصول وإقامة الصلة مقامه على قول الكوفيين غير جائز ولا موجود ~~لأن الصلة كبعض الموصول، ولا يحسن حذف بعض الاسم، ولأن الصلة لا بد منها ~~للموصول وليس الصفة كذلك فقد يستغنى عنها. # والمعنى: إنهم كلهم يؤمنون بعيسى إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الأمم كلها ~~واحدة ملة الإسلام، كذلك قال ابن عباس، والحسن وقتادة. # قال ابن زيد: إذا نزل عيسى لقتل الدجال لم يبق يهودي إلا آمن، وذلك حين ~~لا ينفعهم إيمانهم، فالهاء في " به " يعود على عيسى صلى الله عليه وسلم في ~~هذين القولين. # وروى عن ابن عباس أنه قال: ليس من أهل [الكتاب] أحد إلا يؤمن PageV02P1524 # بعيسى قبل موته " أي موت الكتابي إذا عاين الحق ". # وقال [مجاهد]: لا تخرج نفس الكتابي حتى يؤمن بعيسى قال وإن غرق، وإن تردى ~~من حائط لا بد أن يؤمن بعيسى. # وقد قرأ أبي: " قبل موتهم " فهذا يدل على أنها لأهل الكتاب وهو قول أكثر ~~المفسرين. # وقال ابن عباس: " لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وإن ~~عجل عليه بالسلاح. # وقال عكرمة: لو وقع يهودي من فوق القصر لم يبلغ الأرض حتى يؤمن بعيسى، ~~فالهاء تعود على الكتابي على هذه الأقوال ويجوز أن تكون ms0576 لعيسى. # وروي عن عكرمة أيضا، لا يموت اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد عليه ~~السلام. فالهاء في " به " تعود على محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي حرف أبي ومصحفه " قبل موتهم " يعني: أهل الكتاب. PageV02P1525 # واختار الطبري أن تكون لعيسى، وأن يكون المعنى ليس أحد من أهل الكتاب ~~الحاضرين عند نزول عيسى إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الأنبياء أخوات ~~لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم ~~يكن بينه وبيني نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق ~~إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، بين ~~ممصرتين، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال ويقاتل ~~الناس على الإسلام حتى يهلك الله عز وجل في زمانه الملل كلها غير الإسلام، ~~ويهلك الله في زمانه المسيح الكذاب الدجال وتقع الأمنة في زمانه حتى ترتع ~~الأسود مع الإبل، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان والصبيان بالحيات، لا ~~يضر بعضهم بعضا، ثم يلبث في الأرض ما شاء الله - وربما قال - أربعين سنة، ~~ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ". # قوله: {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} أي: شاهدا على تكذيب من كذبه، ~~وتصديق من صدقه، وأنه بلغ الرسالة وأقر بالعبودية. # قوله: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} الآية. # قال ابن إسحاق: هذا بدل من {فبما نقضهم ميثاقهم} {حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم} والذي حرم عليهم هو قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا PageV02P1526 # كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] الآية. # والظلم هنا هو نقضهم الميثاق {وكفرهم بآيات الله} {وقولهم قلوبنا غلف}. # {وقولهم على مريم بهتانا عظيما} وعلى عيسى. فهذا هو الظلم، فمن أجله حرمت ~~عليهم الطيبات وهي كل ذي ظفر والشحوم من البقر والغنم. # وقوله: {وبصدهم عن سبيل الله} أي صدوا أنفسهم، وغيرهم عن الحق {وأخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه} هو قولهم أؤخرك بديني وتزيدني {وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل} هو ما يأكلون من ms0577 الرشا في الحكم، وعلى تغيير الدين يأخذون أثمان ~~الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، فسمي ذلك ~~باطلا لأنه أخذ بغير استحقاق. # {وأعتدنا للكافرين منهم} أي من هؤلاء اليهود {عذابا أليما} أي موجع أي ~~مؤلما. # قوله: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون} الآية: نصب {والمقيمين ~~الصلاة} عند سيبويه على التعظيم. # وقال الكسائي: هو في موضع خفض عطف على " ما " جعل المقيمين هم الملائكة ~~عليهم السلام، وهو اختيار المبرد، والطبري. # واستبعد المبرد النصب على المدح لأن المدح إنما يكون بعد تمام الخبر، ~~والخبر لم PageV02P1527 # يأت بعد. # ومذهب سيبويه أن " يؤمنون " الخبر فقد أتى قبل الراسخون. ومذهب المبرد أن ~~أولئك الخبر، فهو لم يأت بعد. # وقيل: هو معطوف على قبلك. # وقيل: على الكاف في قبلك. # وقيل: على الكاف في أولئك. # وقيل: على الهاء، والميم في منهم. # وهذه الأقوال الثلاثة عطف فيها على مضمر مخفوض على مذهب الكوفيين، وهو لا ~~يجوز عند البصريين. # قوله: {والمؤمنون} في رفعه خمسة أقوال: # رفعه عند سيبويه على الابتداء. # وقيل: رفع على إضمار مبتدأ. # وقيل: عطف على المضمر في المقيمين. # وقيل: عطف على المضمر في " يؤمنون ". PageV02P1528 # وقيل: هو معطوف على الراسخين. # ومعنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم سألوا محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء، ثم بين أنهم ليسوا كلهم قالوا ~~ذلك، فأخبر أن الراسخين في العلم منهم أي: من أهل الكتاب والمؤمنون أي منهم ~~أيضا يؤمنون بالقرآن، والتوراة والإنجيل، وجميع كتب الله، وهو ما أنزل من ~~قبل محمد صلى الله عليه وسلم فهم لا يسألون ما سأل أولئك. # وقوله: {والمقيمين الصلاة} هم من أهل الكتاب أيضا. # قال أبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب يعني كونه بالياء وإنما حقه الرفع ~~بالواو وهي قراءة ابن مسعود. # وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة إذ سألها عن اختلاف الإعراب في ~~{والمقيمين الصلاة} وفي # {والصابئون} [المائدة: 71] في المائدة وفي {إن هذان لساحران} [طه: 63] في ~~طه، يا ابن أختي، هذا عمل ms0578 PageV02P1529 # الكاتب غلطوا في الكتاب. # وفي قراءة عبد الله " والمقيمون " بالرفع. # وقال عثمان رضي الله عنه أرى فيه لحنا، وستقيمه العرب بألسنتها، يريد ~~المصحف، وهذه الأحاديث مطعون فيها عند العلماء لصحة جواز المصحف على لغة ~~العرب. # وإذا كان للشيء وجه لم يجز أن يحمل على الغلط، وقد ذكرنا أن كونه بالياء ~~له وجوه سائغة في لغة العرب، ويدل على أنه ليس بخطأ من الكاتب إن في مصحف ~~أبي {والمقيمين} أيضا فلو كان الرفع الصواب لم تجتمع المصاحف على تركه. # قوله: {إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح. . .} الآية. # قرأ الحسن: يونس ويوسف بالكسر جعله فعلا مستقبلا سمي به من آسف وآنس، ~~وعلى هذا يجب أن يصرفا في النكرة، ويهمزا، ويكون جمعهما: يا أنس ويا أسف. # ومن لم يهمز قال في الجمع: يوانس ويواسف. PageV02P1530 # وحكى أبو زيد: يونس ويوسف بالفتح لغة. # ومعنى الآية إن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه أرسل إليه ~~بالرسالة كما أرسل إلى من ذكر من الأنبياء وإلى من لم يسم. # وقيل: معناه: أوحى إلى جميعهم وإلى محمد صلى الله عليه وسلم { أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13]. # وكان سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بما ~~أوحى الله إليه من سؤالهم إياه أن ينزل عليهم كتابا فتلا ذلك عليهم وفضحهم: ~~{مآ أنزل الله على بشر من شيء} بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم. # وقيل: إنهم قالوا عند نزول هذه الآية {مآ أنزل الله على بشر من شيء} ~~[الأنعام: 91] ولا على عيسى، ولا على موسى، فأنزل الله {وما قدروا الله حق ~~قدره} [الأنعام: 91] الآية. # وروي أن سكين بن عدي بن زيد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله، يا ~~محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية. PageV02P1531 # وروى [أبو] ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الأنبياء مائة ألف ~~وعشرون ألف. والرسل منهم ثلاثة مائة وثلاثة عشر منهم أربعة ms0579 سريانيون وهم ~~آدم، وشيث وإدريس، ونوح، ومنهم أربعة من العرب: هو وشعيب وصالح ونبيكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم ". # وأول أنبياء بني إسرائيل بعد أولاد إسرائيل وإسرافيل يعقوب موسى، وآخرهم ~~عيسى صلى الله عليهم وسلم أجمعين. # وروى أيضا عنه أنه (قال): جميع كتب الله التي أنزل مائة كتاب، وأربعة ~~كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى ~~إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة ~~والإنجيل، PageV02P1532 # والزبور والقرآن، فكانت صحائف إبراهيم أمثالا كلها: يا أيها الملك المسلط ~~المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك ~~لترد عني دعوة مظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر. . . " وكان فيها: " ~~وعلى العاقل أن تكون له ساعات: [ساعة] يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها ~~نفسه، وساعة يفكر فيها في صنيع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم ~~والمشرب. ". " وعلى العاقل ألا يكون صاحبا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة ~~لمعاش، أو لذة في غير محرم. . . " وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا ~~على شأنه، حافظا للسانه. # ومن حسب كلامه: " من عمله قل كلامه ". # قال: وكانت صحف موسى كلها عبرا. # " عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح ". # " وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو يسخط ". # " وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها ". # " وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل ". # ويروى أن آدم عاش ألف سنة وفي التوراة عاش ألأف سنة إلا سبعين عاما. # وكان بين آدم والطوفان ألفا سنة ومائتا وإثنان وأربعون سنة. PageV02P1533 # وبين الطوفان وبين موت نوح ثلاثمائة وخمسون سنة. # وبين نوح وإبراهيم ألفا سنة ومائة سنة وأربعون سنة. # وبين إبراهيم وموسى سبعملئة سنة. # وبين موسى وداود خمسائة سنة. # وبين داود وعيسى ألف سنة ومائتا سنة. # قال وهب بن منبه: كان بين آدم ونوح عشرة آباء، وبين نوح وإبراهيم عشرة ~~آباء. # قال عكرمة: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. # قال القتيبي: قرأت في الإنجيل: أن بين إبراهيم وداود ms0580 أربعة عشر قرنا، ومن ~~داود إلى جالية بابل أربعة عشر قرنا، ومن جالية بابل إلى عيسى أربعة عشر ~~قرن. # قوله: {ورسلا قد قصصناهم عليك} الآية. # [رسلا] نصب عطفا على معنى {إنآ أوحينآ إليك}، لأن معناه إنا بعثناك ~~وبعثنا رسلا. # وقيل: هو منصوب بفعل يفسره ما بعده كأنه: وأرسلنا رسلا قصصناهم عليك. # وقيل: المعنى: وقصصنا رسلا قصصناهم عليك، والمعنى إنها معطوفة على ما PageV02P1534 # قبلها. # ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى إليه ~~كما أوحى إلى من ذكر من الأنبياء، وكما أوحى إلى رسل قد قصهم عليه، وإلى ~~رسل لم يقصهم عليه، تكذيبا لليهود إذ قالوا {مآ أنزل الله على بشر من شيء} ~~ثم أعلمه أنه خص موسى بالكلام، وأكده بقوله {تكليما} ليعلم أنه حقيقة لا ~~مجاز، ولأن الفعل في كلام العرب إذا أكد بالمصدر علم أنه حقيقة لا مجاز. # قال كعب: كلم الله موسى بالألسنة كلها، فجعل موسى يقول: يا رب لا أفهم، ~~حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة. # وقوله: {رسلا مبشرين} نصب على الحال من أسماء الأنبياء. # {لئلا يكون للناس على الله حجة} أي كيلا يقولوا: هلا {أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك} [طه: 134 - القصص: 47]. # قوله: {لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك. . .} الآية. # المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: {مآ أنزل الله على بشر ~~من شيء} فإن الله يشهد أنه أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه ويشهد ~~بذلك ملائكته PageV02P1535 # {وكفى بالله شهيدا} أي اكتفوا به شهيدا على صدق نبيكم، أي: حسبكم ذلك. # وقيل معنى: {بعلمه} أي وفيه علمه، كما تقول: جائنا فلان بالسيف أي ومعه. # قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في جماعة من يهود دخل عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إني والله أعلم، أنكم لتعلمون أني رسول الله ~~فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله {لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك} ". # المعنى: إن الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها {وصدوا عن سبيل الله} أي: ms0581 عن ~~الدين الذي بعثك الله به، وهو الإسلام وهو قولهم: لمن سألهم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما نجد صفته في كتابنا، وقولهم: إن النبوة لا تكون إلا في ~~ولد هارون، وذرية داود {قد ضلوا ضلالا بعيدا} أي قد جاروا عن قصد الطريق ~~جورا شديدا. # قوله: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم. . .}. الآية. # المعنى: إن الذين جحدوا نبوة محمد، ووضعوا الحق في غير محله، ليس يغفر ~~لهم الله ذلك، إذا ماتوا عليه، ولم يكن ليهديهم طريقا إلى الحق، ولكن ~~يخذلهم حتى يسلكوا طريق جهنم فيقيمون فيها، خالدين [فيها] أبدا. PageV02P1536 # وقيل معنى: {[ولا] ليهديهم} أي لا يوفقهم إلى الإسلام. {وكان ذلك على ~~الله يسيرا} اي الخلق خلقه، والأمر أمره يفعل ما يشاء. # قوله: {يا أيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم. . ~~.} الآية. # {خيرا لكم} نصب عند سيبويه بإضمار فعل التقدير (وأتوا خير لكم). # وهو عند الفراء: نعت لمصدر محذوف. # وعند أبي عبيدة خبر كان، التقدير: يكن خيرا لكم. # وقيل: نصبه على الحال. لأن التقدير: وآمنوا خيرا لكم، فلما حذف هو، الذي ~~هو كناية عن مصدر يرتفع خير به، اتصل خبر بمعرفة قبله فنصب على الحال، وفي ~~بعد، لأن خيرا غير جار على الفعل، ولا هو بمعنى الجار. # والمعنى: أنه خطاب لمشركي العرب وسائر أصناف الكفر. والحق هو الإسلام. # والمعنى: {وإن تكفروا} أي: تجحدوا، رسالة صلى الله عليه وسلم وتردوها فعن ~~ذلك لا يضر الله شيئا. لأن له ما في السموات والأرضين، فلن ينقصه كفركم ~~شيئا، ولم يزل الله عليما بكم، وبما أنتم إليه صائرون وعاملون حكيما في ~~أمره إياكم. # قوله: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق. . ~~.} الآية. PageV02P1537 # معنى {ولا تقولوا ثلاثة}: أي: آلهتنا ثلاثة. # {انتهوا خيرا لكم} نصب {خيرا} عند سيبويه على إضمار فعل دل عليه الكلام ~~لأنه أمرهم بالانتهاء عن الكفر والدخول في الإيمان، فالمعنى: وأوا خيرا ~~لكم. قال: لأنك إذا قلت أنتم فأنت تخرجه ms0582 من شيء، وتدخله في آخر، ومثله ~~عنده. # قواعد من سر حتى ملك ... أو الربا بينهما أسهلا # والمعنى: وآت أسهلا. # ومذهب أبي عبيدة أنه خبر كان، والتقدير يكن خيرا لكم، ورد ذلك المبرد PageV02P1538 # لأنه يضمر الشرط وإضماره لا يحسن. # ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف كأنه قال: انتهوا انتهاء خيرا لكم. # قوله: {سبحانه} انتصب انتصاب المصدر. # و {أن يكون} إن في موضع [نضب] بحذف الخافض المحذوف، [والتقدير على أن ~~يكون، وقد قيل: في موضع خفض بإعمال الخافض المحذوف]. # ومعنى الآية: أنها خطاب للنصارى. # فمعنى: {لا تغلوا في دينكم} أي: " لا تجاوزوا الحق في دينكم. # {ولا تقولوا على الله [إلا الحق]} أي: لا تقولوا في عيسى إلا الحق فإن ~~قولكم في عيسى غير الحق إذ تقولون إنه: ابن الله، فهذا قولهم على الله غير ~~الحق. # و {المسيح} فعيل بمعنى مفعول بمعنى ممسوح وسمي بذلك لأن الله مسحه من ~~الذنوب والأدناس. # وقد قيل: إنها لفظة أعجمية أصلها مشيحا فأعرب فقيل المسيح، وقد ذكرنا PageV02P1539 # ذلك في غير هذا الموضع بأشبع من هذا التفسير. # ومعنى: {وكلمته ألقاها إلى مريم} الكلمة هنا الرسالة التي أمر الله ~~ملائكته أن تأتي بها مريم مبشرة من الله لها التي ذكرها الله في آل عمران. # قال قتادة: كلمة [قوله] {كن فيكون}. # ومعنى: {ألقاها إلى مريم} أعلمها بها وأخبرها، كما تقول: ألقيت إليك كلمة ~~حسنة، بمعنى أعلمتك، بها. # ومعنى: {وروح منه} أي: ونفخ منه، وذلك أنه حدث عيسى في بطن أمه بأمر ~~الله، وتقديره من غير ذكر من نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم بأمر الله ~~إياه، فنسبه تعالى إليه لأنه عن أمره كان. # وسمي النفخ روحاص: لأنه ريح تخرج من الروح. # وقيل: معنى: {وروح منه}: أنه كان بإحياء الله إياه بقوله {كن} فمعناه ~~وحياة منه. # وقيل: معنى: {وروح منه} ورحمة منه كما قال {وأيدهم بروح منه} [المجادلة: ~~22] فمعنى برحمة منه أي جعله رحمة لمن تبعه وصدقه. # كما قال: {ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا} [مريم: 20]. PageV02P1540 # وقال أبي ms0583 بن كعب [في قوله] {وإذ أخذ ربك من بنيءادم من ظهورهم ذريتهم} ~~[الأعراف: 172] الآية. # قال: أخذهم فجعلهم أرواحا، ثم صورهم ثم، استنطقهم، فكان روح عيسى عليه ~~السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، والميثاق فأرسل تلك الروح إلى ~~مريم، فدخل في فيها فحملت فهو قوله {وروح منه}. # وقيل: الروح في الآية معطوف على المضمر في {ألقاها} والمضمر اسم الله، ~~والروح اسم جبريل كان تقديره: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم، كما قال: # {نزل به الروح الأمين} [الشعرا: 193] وهو جبريل عليه السلام. # وقيل معنى: {وروح منه} وبرهان منه لمن اتبعه، وذلك ما أنزل عليه من ~~كتابه، وسمي البرهان روحا، لأنه يحيى به من قبله # قوله: {لن يستنكف المسيح. . .} الآية. # {أن} في موضع نصب، أي: من إن، أو: عن إن. # والمعنى: {لن يستنكف المسيح} و {لا الملائكة المقربون} أن يقروا ~~بالعبودية لله والإذعان له. PageV02P1541 # و {المقربون} هم من قرب منهم من الله في المنزلة لا قرب المسافة. # وقيل: هم من قرب منهم من السماء السابعة قاله الضحاك. # وفي هذا اللفظ دليل على فضل الملائكة على بني آدم. # ومعنى: {لن يستنكف} لن يتعظم ويستكبر. # {ومن يستنكف} أي يتعظم من عبادته ويستكبر عنها. # {فسيحشرهم إليه جميعا} أي يبعثهم، فأما المؤمنون وهم المقرون بالوحدانية ~~{ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} [بعد ذلك] تفضلا منه. [وذلك أنه تعالى ~~[وعد] المؤمنين للحسنة عشر أمثالها، ثم يزيدهم تفضلا منه] ما شاء غير ~~محدود. # وقيل: الزيادة إلى سبعمائة ضعف، وقيل إلى ألفين. # قوله: {وأما الذين استنكفوا} أي " تعظموا عن عبادته " {واستكبروا فيعذبهم ~~عذابا أليما} أي مؤلما. # {ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} أي: يستنقذهم من عذاب الله. PageV02P1542 # قوله: {يا أيها الناس قد جآءكم برهان. . .} الآية. # المعنى: إنه خطاب لجميع الملل. # ومعنى: {برهان} أي حجة. ومن أجل تذكير البرهان في اللفظ قال {قد جآءكم} ~~ولم يقل قد جاءتكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم هو حجة على جميع الخلق. # {وأنزلنآ إليكم نورا مبينا} أي القرآن. # قوله: {فأما ms0584 الذين آمنوا بالله واعتصموا به} أي تمسكوا بالنور وهو القرآن ~~فالهاء تعود على القرآن. # وقيل: معنى {واعتصموا به} أي اقتنعوا بكتابه عن معاصيه. # {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} أي: يوفقهم ~~لإصابه فضله، ويهديهم لسلوك طريق من أنعم عليه من أهل طاعته. # وقال بعض الكوفيين في نصب الصراط: إنه على القطع من الهاء في إليه. # وقيل: معنى {ويهديهم إليه} أي: إلى ثوابه. # والهاء في إليه تعود على الله جل ذكره. # وقيل: تعود على الفضل. # وقيل: على الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب والرحمة في قول مقاتل: ~~الجنة. # قوله: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة. . .} الآية. PageV02P1543 # قوله: {يبين الله لكم} أي: كراهة أن تضلوا قاله المبرد. # وقال الكسائي والفراء: المعنى: لئلا تضلوا. # وروى ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يدعون أحدكم على ~~ولده، أن يوافق من الله إجابة " المعنى: لئلا يوافق. # وقيل: المعنى: يبين الله لكم الضلالة لتجتنبوه. # ومعنى الآية: أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، ~~فنزلت {يستفتونك. . .} الآية. # والكلالة من لا ولد له ولا والد من الموتى، فهو اسم للميت الذي لم يترك ~~ولدا ولا والدا. # وقيل: الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، وقد مضى ذكر هذا ~~بأشبع من هذا. # وقيل: إنها نزلت في جابر بن عبد الله عاده النبي صلى الله عليه وسلم في ~~مرضه، قال جابر: فقلت يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ وكان له تسع أخوات ~~ولم يكن له ولد ولا PageV02P1544 # والد، قال: فلم يجبني النبي صلى الله عليه وسلم بشيء حتى نزلت آية ~~الميراث {يستفتونك} الآية. # وقال الفراء وأنس: هي آخر آية نزلت من القرآن. # وقال جابر: نزلت في المدينة. # وقيل نزلت في سفر كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى حكمها: أن من ~~مات لا ولد له ولا والد {وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ} إن مات وليس ~~لها ولد ولا والد، وللاثنين فأكثر من أخيهما ms0585 الثلثان. # فإن ترك إخوة ذكورا وإناثا {فللذكر مثل حظ الأنثيين} والأخ للأب يقوم ~~مقام الأخ للأب والأم عند عدمه، وكذلك الأخت. # وقوله: {فإن كانتا اثنتين} فيه قولان: # قال الأخفش: التقدير: فإن كان من ترك اثنتين ثم ثنى الضمير على معنى من. # وقال المازني: فائدة الخبر هنا أنه لما قال {كانتا} كان يجوز أن يكون ~~الخبر صغيرين، أو كبيرين، فلما قال {اثنتين} اشتمل على الصغير والكبير ~~فأفاد ذلك. PageV02P1545 ### |EDITOR| # الهداية إلى بلوغ النهاية # لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 347 ه # المجلد الثالث # المائدة - الأنعام # 1429 ه - 2008 م PageV02P1546 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المائدة # قال علقمة: ما كان في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فهو نزل بالمدينة، ~~وما كان {يا أيها الناس} فهو نزل بمكة. # وهذا قول جرى من علقمة على معنى أن الأكثر كذلك، وليس يصحب ذلك في كل ~~القرآن، بل " قد " يكون في المدني {يا أيها الناس} وفي المكي {يا أيها ~~الذين آمنوا}. PageV03P1551 # ولكن ما كان فيه {يا أيها الذين آمنوا} فهو مدني، وما كان (فيه) {يا أيها ~~الناس} وليس فيه {يا أيها الذين آمنوا} فهو مكي، وفي " النور " اختلاف. # قوله {غير محلي الصيد} نصب على الحال من المضمر في {أوفوا} يراد به ~~التقديم، وقيل: هو حال من الكاف والميم " في قوله {أحلت لكم}. وقيل: من PageV03P1552 # الكاف والميم " في {عليكم}. # ومعنى الآية الأولى - من هذه السورة - أن العقود: العهود التي (قد) كان ~~عاهد بعضهم بعضا بها في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا في الإسلام أن ~~يوفوا بها، قال ذلك ابن عباس ومجاهد والضحاك / وقتادة والسدي والثوري. PageV03P1553 # وروي أن النبي عليه السلام قال: " أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا ~~في الإسلام ". # وقال الكلبي: العقود هنا الفرائض وما أحل لهم وما حرم عليهم. # وقيل: هو كل شيء عقده الإنسان على نفسه: من حج أو يمين أو هبة أو عتق أو ~~نكاح أو طلاق أو شبه ذلك. PageV03P1554 # وكل طاعة ألزمها الإنسان نفسه، فليس له أن يخرج منها حتى ms0586 يتمها، وعليه ~~القضاء إن قطعها من غير عذر. # " و " قال ابن جريج: هي العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من العمل ~~بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد، فهي لأهل الكتاب خاصة، وكان في ~~كتاب رسول الله الذي بعثه إلى نجران: هذا بيان من الله ورسوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا أوفوا بالعقود} إلى {سريع الحساب}. PageV03P1555 # وقال زيد بن أسلم: العقود - في هذه الآية - " ستة ": " عهد الله وعقد ~~الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين ". # (و) قوله {أحلت لكم بهيمة الأنعام} " الآية. # " قال الحسن: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم ". وقال قتادة والسدي ~~والضحاك: بهيمة الأنعام: {الأنعام} كلها. وقال ابن عمر: بهيمة الأنعام: ما ~~في PageV03P1556 # بطونها. # قال عطية: هو بمنزلة كبدها يؤكل، وسئل ابن عمر عنه يخرج ميتا، فأجاز ~~أكله، يريد بعد ذكاة أمه، (لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ذكاة الجنين ~~ذكاة أمه "). فأما إن خرج ميتا - والأم حية - فلا يؤكل ألبتة، وقال ابن ~~عباس مثل ذلك. # وروي " عن " الضحاك أن بهيمة الأنعام الوحش مثل (الظباء والحمر) وشبهه. PageV03P1557 # والأنعام - في اللغة - يشتمل على الإبل والبقر والغنم، وسميت الأنعام ~~بهيمة، لأنها أبهمت عن التمييز. # وقوله {إلا ما يتلى عليكم} أي: فإنه حرام، وهو قوله: {حرمت عليكم الميتة ~~(والدم)} [المائدة: 3] وما بعدها. # وقيل: {إلا ما يتلى عليكم} هو الخنزير. # وقيل: {إلا ما يتلى عليكم} هو الدم المسفوح، لأنه أحلها ثم حرم دمها. # {وأنتم حرم}: الحرم جمع حرام، " وحرام " بمعنى محرم. PageV03P1558 # وهذه الآية - على عدد المدني، من أول السورة إلى {يريد} - فيها خمسة ~~أحكام: # - الأول قوله: {أوفوا بالعقود}. # - والثاني قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام}. # - والثالث قوله: {إلا ما يتلى عليكم}. # - والرابع قوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم}. # - ودل على أن الصيد حلال لغير المحرم، فهو الحكم الخامس. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله} الآية. PageV03P1559 # قوله: {شنآن قوم} مصدر أصله الفتح، و [لكن] من أسكن جعله اسما. وقد توهم ~~أبو عبيدة وأبو حاتم أن من أسكنه جعله مصدرا، فأنكراه ms0587 على ذلك، وليس هو عند ~~من أسكن مصدرا، بل هو اسم " ككسلان " و " غضبان ". # وقرأ يحيى بن وثاب {ولا يجرمنكم} بالضم. PageV03P1560 # وهي عند الكسائي لغتان: " أجرم " و " جرم "، ولا يعرف البصريون " أجرم " ~~إلا في الجنابة. # ومن قرأ {أن صدوكم} بالكسر، فالمعنى: " ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا ~~إن صدوكم "، فالصد لم يكن بعد. وفي حرف ابن مسعود شاهد للكسر، لأنه قرأ (إن ~~يصدوكم)، ومثله: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا} [محمد: 22]. PageV03P1561 # ومن قرأ بالفتح، احتج أن الصد قد كان، وذلك أن الآية نزلت عام الفتح، سنة ~~ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست /، فالصد كان قبل ~~الآية. # وقيل: " إن " بمعنى " إذ "، فهو صد قد كان، فالكسر أولى به، ويدل على ~~الكسر قوله: {لا تحلوا شعآئر الله [ولا الشهر الحرام] ولا الهدي ولا ~~القلائد} ولا كذا ولا كذا، فهو أمر للمؤمنين ألا يعتدوا إن صد لهم، ولو كان ~~الفتح الصواب لكان نهيا للمشركين ولم يقل {يا أيها الذين آمنوا}، وقد جعل ~~النحاس هذه الحجة حجة للفتح، وهو خطأ، إنما PageV03P1562 # تكون حجة للكسر. # ومعنى الآية: أن الله نهى المؤمنين أن يحلوا شعائره، وهي معالمه وحدوده ~~التي جعلها علما لطاعته في الحج. # وقال عطاء: شعائر الله حرماته، حضهم على اجتناب سخطه واتباع طاعته. PageV03P1563 # وقال السدي: شعائر الله حرم الله. # وقال ابن عباس: " شعائر الله مناسك الحج ". # وعن ابن عباس أيضا: {لا تحلوا شعآئر الله} نهاهم أن يرتكبوا ما نهى عنه ~~المحرم أن يصيبه. # وواحد الشعائر: شعيرة، وقيل: هي " فعيلة " بمعنى: " مفعلة ". # قال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا. قال الأصمعي: أشعرتها: أعلمتها. PageV03P1564 # ابن قتيبة: الإشعار أن [يجلل] ويقلد ويطعن في سنامه ليعلم بذلك أنه هدي، ~~فنهى الله أن يستحلوه قبل أن يبلغ محله. # وقيل: الشعائر العلامات بين الحل والحرم، فنهوا أن يجاوزوها غير محرمين، ~~وهو مشتق من قولهم " شعر فلان بالأمر " إذا علم به. # قال زيد [بن] أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر ~~الحرام، وعرفة، والركن. قال: والحرمات خمس: الكعبة الحرام، ms0588 والبلد ~~[الحرام]، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمحرم حتى يحل. # وقال الكلبي: كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من الشعائر، ولا PageV03P1565 # يقفون في حجهم (عليهما، وكانت الحمس لا يرون عرفات من الشعائر ولا يقفون ~~بها في حجهم)، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وغيرها. # وقوله: {ولا الشهر الحرام} أي: لا تستحلوه بأن تقاتلوا فيه [أعداؤكم]، ~~وهو مثل قوله: {قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217]. # وعنى بالشهر الحرام رجب مضر، كانت مضر تحرم فيه القتال. # وقيل: عنى به ذا القعدة. وقيل: إنهم كانوا يحرمونه مرة ويحلونه مرة، ~~فنهوا PageV03P1566 # عن تحليله. # وقوله {ولا الهدي ولا القلائد}: أما الهدي فهو ما أهداه المؤمن من بعير " ~~أو بقرة " أو شاة إلى بيت الله، حرم الله سبحانه أن يغصب أهله عليه أو ~~يمنعوا أن يبلغوه محله. وقوله {القلائد} أي: لا تحلوا الهدايا المقلدات ولا ~~غير المقلدات، فقوله {الهدى} هو ما لم يقلد، وقوله {القلائد} هو ما قلد ~~منها. وقيل: القلائد هو ما كان المشركون يتقلدون به - إذا أرادوا الحج ~~مقبلين إلى مكة - من لحاء السمر فإذا انصرف تقلد من الشعر، فلا يعرض له ~~أحد. PageV03P1567 # وقيل: إنه كان يأخذ معه من شوك الحرم فلا يعرض له أحد. قال قتادة: كان ~~الرجل - في الجاهلية - إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من السمر فلم يعرض ~~له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد. # وقال عطاء وغيره: كان الرجل إذا خرج من الحرم تقلد من لحاء شجر الحرم ~~فيأمن، فأمر الله المؤمنين ألا [يحلوا] من تقلد بذلك. # وهو منسوخ، وكذلك / قال السدي وابن زيد. وقيل: إنما نهى الله أن ينزع شجر ~~الحرم فيتقلد به على ما كانت الجاهلية تصنع. فالتقدير على هذه الأقوال: ولا ~~أصحاب القلائد. PageV03P1568 # وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجا أو معتمرا - وليس معه هدي جعل في ~~عنقه قلادة من شعر أو وبر فأمن بها إلى مكة، وإذا خرج من مكة علق في عنقه ~~من لحاء شجر مكة فيأمن بها إلى ms0589 أهله. # وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا ~~يطوفون بينهما: فأنزل الله {لا تحلوا شعآئر الله} أي: لا تستحلوا ترك ذلك، ~~{ولا الهدي} أي: لا تعرضوا لهدي المشركين، {ولا القلائد} أي: لا تستحلوا من ~~قلد بعيره، وكان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوبر، ~~وقوله {ولا آمين البيت الحرام} أي: لا تستحلوا منع القاصدين للبيت الحرام. # وقرأ الأعمش (ولا آمي البيت) بالإضافة. PageV03P1569 # وقيل: المعنى: ولا تستحلوا منع قصد القاصدين البيت. # و" هذه الآية [نزلت] في رجل من ربيعة يقال له الحطم " بن هند - كافر، أتى ~~حاجا، قد قلد هديه، فأراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إليه ~~فنزلت الآية، فنهاهم الله (عن) ذلك. # قال ابن جريج: " قدم الحطم البكري على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إني داعية قومي وسيد قومي، فأعرض علي ما تقول، فقال له النبي: أدعوك إلى ~~الله أن تعبده: لا تشرك به (شيئا) وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم ~~رمضان، وتحج البيت. PageV03P1570 # قال الحطم: في أمرك غلظة، أرجع إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرت، فإن قبلوا ~~أقبلت معهم، وإن أدبروا كنت معهم. # قال له النبي: ارجع. فلما خرج قال: لقد دخل علي بوجه كافر وخرج عني بقفا ~~غادر، وما الرجل بمسلم. فمر على سرح لأهل المدينة، فانطلق به وقدم اليمامة ~~وحضر الحج، فتجهز [خارجا]- وكان عظيم التجارة - فاستأذن أصحاب النبي أن ~~يتلقوه ويأخذوا ما معه "، فأنزل الله عز وجل { لا تحلوا شعآئر الله} الآية. # والحطم هذا هو القائل: # قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم PageV03P1571 # ولا بجزار على ظهر وضم ... باتوا نياما وابن (هند لم) ينم # (بات يقاسيها) غلام كالزلم ... خدلج (الساقين) ممسوح القدم # وقيل: اسم الحطم [ضبيعة] بن شرحبيل البكري، قال ذلك إذ ساق السرح وهرب ~~به. وقال ابن زيد: جاء ناس يوم الفتح يؤمون البيت بعمرة وهم مشركون، فقال ~~المسلمون: نغير عليهم، فنزل {ولا آمين البيت الحرام}. PageV03P1572 # قال الشعبي: هذه الخمسة الأحكام منسوخة، كأنه ms0590 يريد [أنها] نسختها ~~{[فاقتلوا] المشركين} [التوبة: 5]، قال الشعبي: ولم ينسخ من سورة المائدة ~~غير هذه. # وكذلك قال ابن عباس وقتادة في {ولا آمين البيت الحرام}: أمر ألا يمنع ~~مشرك من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل. # وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ بالأمر بقتالهم كافة. # (و) قال قتادة: نسخ من المائدة {لا آمين البيت الحرام}، نسخه آية القتل PageV03P1573 # في " براءة ". # ومن قال: نزلت كلها في شأن الحطم، قال: هي منسوخة. ومن قال: الشعائر حدود ~~الله ومعالمه، قال: هي محكمة. # وأما (الشهر الحرام) فهو منسوخ أيضا، لأن الجميع قد أجمعوا على أن الله ~~تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها. # (و) قوله / {ولا القلائد} منسوخ، لأن المشرك لو تقلد بجميع شجر الحرم لم ~~نؤمنه الآن: إجماع من الأمة، فهو منسوخ. PageV03P1574 # وقد قيل: إن المائدة لم ينسخ منها شيء، لأنها آخر ما نزل فيما ذكرت عائشة ~~رضي الله عنها. وقد قال البراء: آخر سورة نزلت " براءة " وآخر آية نزلت ~~{يستفتونك} آخر النساء. # وقوله: {يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} # قال قتادة: هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضوانه عند أنفسهم وفيما يصلح ~~شأنهم في الدنيا خاصة. # قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم عند أنفسهم، وقال مجاهد: يبتغون الأجر ~~والتجارة. PageV03P1575 # وقيل: هي للمسلمين، فهي محكمة، لأن المشرك لا يبتغي رضوان الله وفضله ~~بحجه. # وكونها في المشركين أبين في أقوال المفسرين وأكثر. # قوله {وإذا حللتم فاصطادوا} هذا إباحة (وليس بحتم). # قال عطاء بن (أبي رباح): [أربع رخصة وليس بعزيمة]: # {وإذا حللتم فاصطادوا}، {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر} [البقرة: 184]. # {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها} [الحج: 36]، {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ~~في الأرض} [الجمعة: 10]. # قوله {ولا يجرمنكم شنآن قوم} المعنى: لا يحملنكم بغض قوم أن PageV03P1576 # تعتدوا من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، هذا على قراءة الفتح، ومن كسر ~~فمعناه: إن فعلوا ذلك بكم فيما تستقبلون. # والقوم - هنا - أهل مكة صدوا النبي عليه السلام ومن معه عن المسجد الحرام ~~يوم الحديبية. ms0591 وقيل: معنى {" و " لا يجرمنكم} لا يكسبنكم. # وقوله {أن تعتدوا} قيل: إنها نزلت في النهي عن الطلب بنحول الجاهلية ~~أمروا ألا يطالبوا بما (مضى من أجل أنهم صدوا عن البيت، فيحملهم البغض [أن] ~~يطالبوا بما) تقدم في الجاهلية من قتل أو غيره. ثم أمروا أن يتعاونوا على PageV03P1577 # البر والتقوى، والبر: ما أمرت به، والتقوى: ما نهيت عنه: قاله ابن عباس. # وقال سهل بن عبد الله: " البر: الإيمان، والتقوى: السنة ". {ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان} {الإثم}: الكفر، {والعدوان}: البدعة. # {واتقوا الله} أي: خافوه إنه شديد العقاب. # قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} الآية. # المعنى: أن الله تعالى حرم [أكل كل] ما مات من الأنعام وغيرها قبل ~~التذكية، وحرم الدم المسفوح ولحم الخنزير [مذكى] أو غير [مذكى] وحرم {ومآ ~~أهل لغير الله به} وهو (ما ذبح) للأصنام والأزلام وشبهها مما أريد به غير ~~الله، ومما تعمد في وقت ذبحه ترك ذكر اسم الله عليه، وحرم {المنخنقة} وهي ~~التي PageV03P1578 # تختنق بحبل أو بين حجرين أو عودين - ونحو ذلك - فتموت قبل التذكية، وحرم ~~{والموقوذة} وهي التي تموت من ضرب عصا أو حجر أو [غير] ذلك فتموت قبل ~~التذكية، وحرم {والمتردية} وهي التي تسقط من جبل أو في بئر ونحو ذلك فتموت ~~قبل التذكية، وحرم {النطيحة} وهي التي تموت من نطح شاة أخرى لها، أو من ~~نطحها لشاة أخرى، وكانوا يأكلون ذلك في الجاهلية من غير تذكية. # واختلف في {النطيحة} فقيل: (هي) " فعلية " (بمعنى " مفعولة " وقيل هي) ~~بمعنى " فاعلة "، ولذلك ثبتت الهاء (فيها). PageV03P1579 # وقال الفراء: إنما ثبتت الهاء، لأنه ليس قبلها مؤنث فتحذف الهاء لدلالة ~~المؤنث على التأنيث، إنما تحذف إذا كان قبلها ما يدل على التأنيث. # وحرم {ومآ أكل السبع} وهو أن [يؤخذ] منه وقد أكل بعضها وليس مما علم / ~~للصيد. # وكان سبب ذكر هذه الأشياء أن العرب الجاهلية كانت تضرب الشاة بالعصا حتى ~~تموت وتأكلها، وكانت تأكل ما لحقت من الشاة وغيرها في فم الأسد، وكانت تخنق ~~الشاة بالحبل حتى تموت وتأكلها، ms0592 وكانت تأكل جميع ما ذكر الله تحريمه، ~~فأنبأنا الله بتحريمه، وهذه حجة من أجاز أكل جميع ذلك إذا ذكى وفيه حياة ~~على أي: حال كان. PageV03P1580 # قوله {إلا ما ذكيتم} اختلف العلماء في هذا الاستثناء: فأكثرهم على أنه ~~مستثنى ذكر تحريمه، كأنه حرم علينا جميع ما ذكره إلا ما أدركنا ذكاته وفيه ~~شيء من روح. وأكثر الفقهاء على أن ما أدرك من جميعه فذكي وتحركت رجله أو ~~طرف بعينه أو علم أنه بقيت (فيه) حياة، فإنه يؤكل. # ومنهم من يرى أن هذا الاستثناء إنما هو من التحريم، لا من المحرمات ~~المذكورة، كأن تقديره: إلا ما أحله الله لكم بالتذكية، وهو مذهب أهل ~~المدينة، فيكون المعنى: إلا ما ذكيتم مما ذكر مما ترجى له الحياة لو ترك، ~~لا ما ذكيتم مما لا ترجى (له) الحياة لو ترك، فكل ما أصيب من ذلك في مقتل، ~~فلا تنفع فيه الذكاة وإن أدرك PageV03P1581 # وفيه حياة، هذا مذهب مالك وأهل المدينة. # ويدل على صحة هذا القول أن هذه الأشياء المذكورات بالتحريم لو كانت لا ~~تحرم إلا بالموت قبل الذكاة، لكان قوله {حرمت عليكم الميتة} يغني عن ذكر ما ~~بعده، ولا يكون لذكر ما بعد الميتة فائدة. # وقد قال المخالف: الفائدة في ذكر ما بعد الميتة وهو من الميتة ما تقدم ~~ذكره من أن (أهل) الجاهلية كانت تخنق الشاة حتى تموت وتأكلها وتضرب الشاة ~~حتى تموت وتأكلها، فأعيد ذكرها بعد الميتة لهذا السبب. PageV03P1582 # وقد سئل مالك عن الشاة يخرق بطنها وتدرك (و) فيها حياة، قال: لا أرى أن ~~تذكى ولا تؤكل، وكذلك مذهبه في كل ما تيقن أنه لا يعيش مما نزل به: أنه لا ~~يذكى ولا يؤكل إن ذكي وفيه بعض حياة. # وأصل التذكية - في اللغة - التمام، يقال: " لفلان ذكاء " أي: تمام الفهم، ~~" وذكيت النار ". أتممت إيقادها. # وقرأ الحسن: (السبع) بالإسكان، وهي لغة أهل نجد. وأجاز مالك أكل ذبيحة ~~السارق، ومنعه غيره. ولا يؤكل ما ذبحه المحرم من صيد، لا يأكله هو ولا غيره ~~عند مالك ms0593 وغيره، بخلاف ما ذبح السارق. وقوله: {حرمت عليكم الميتة والدم} ~~مخصوص، لأن الدم الذي هو غير مسفوح - كالكبد وما أشبهه - حلال، PageV03P1583 # " وأحل النبي صلى الله عليه وسلم أكل الحيتان والجراد والميتة "، فالدم ~~خصصه قوله في " الأنعام " {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145]، والميتة خصصتها ~~السنة. # وقوله {وما ذبح على النصب} حرم الله ما ذبح ليقرب إلى الأصنام، وقيل: ~~النصب حجارة يذبح عليها أهل الجاهلية ويعبدونها. # قوله {وأن تستقسموا بالأزلام}: أي وحرم ذلك عليكم، وهو أن أحدهم PageV03P1584 # (كان) إذا أراد سفرا أو غزوا أجال القداح - وهي الأزلام - وكانت مكتوبا ~~على بعضها " نهاني ربي "، وعلى بعضها، " أمرني ربي "، فإذا خرج القدح الذي ~~عليه النهي لم يسافر، وإذا خرج الذي عليه الأمر سافر. وقيل: الأزلام حصى ~~بيض كانوا يضربون بها. # وقيل: الأزلام كعاب فارس كانوا يتقامرون بها. # وقيل: هي الشطرنج. # ومعنى {تستقسموا} تستدعوا القسم، كما تقول: استسقى إذا استدعى PageV03P1585 # السقي، والاستقسام من القسم، كأنهم يطلبون بها النصيب من سفر أو بركة على ~~ما يريدون. # وقال ابن إسحاق: كانت هبل أعظم صنما لقريش بمكة، وكانت على بئر في جوف ~~الكعبة يروى أن إبراهيم وإسماعيل حفراها ليكون فيها ما يهدى إلى الكعبة من ~~حلي وغيره، وكانت عند هبل سبعة أقداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه " ~~العقل " إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، وقدح ~~فيه " نعم "، إذا ضربوا به فخرج " نعم " عملوا به، وقدح فيه " لا " فإذا ~~أرادوا PageV03P1586 # أمرا فضربوا (به) فخرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك، وقدح فيه " منكم "، وقدح ~~فيه " ملصق "، وقدح فيه " من غيركم "، وقدح فيه " المياه "، فإذا أرادوا أن ~~يحفروا للماء ضربوا بالقداح - وفيها ذلك القدح - فإذا خرج عملوا به، وكانوا ~~يستعملون ذلك في نكاحهم وجميع أمورهم، وكانوا إذا شكوا في نسب أحد [منهم] ~~ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم ~~قربوا صاحبهم وقالوا: يا إلهنا، هذا فلان (بن فلان) أخرج لنا الحق فيه، ثم ~~يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب، فإن خرج ms0594 عليه " منكم " كان من أوسطهم، ~~(وإن خرج عليه " من غيركم " كان حليفا)، وإن خرج [عليه] " ملصق " كان لا ~~نسب له ولا حلف، وإن خرج " لا " أخروه عامهم ذلك وأتوا به عاما آخر: أحكاما ~~لم يأمر (الله بها) ولا رضيها. PageV03P1587 # قوله {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} الآية، المعنى: الآن يئس الكفار ~~منكم أن تتركوا دينكم وترتدوا إلى دينهم، وذلك اليوم (يوم) عرفة، عام حج ~~النبي عليه السلام حجة الوداع، بعد دخول العرب في الإسلام. # وقيل: ذلك يوم جمعة، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس فلم ير إلا ~~موحدا فحمد الله على ذلك، فنزلت الآية. # وقيل: المعنى: الآن، والعرب تقول: " أنا اليوم قد كبرت عن هذا " أي: ~~الآن. # وقال الحسن: يئسوا أن تستحلوا في دينكم ما استحلوا في دينهم. # {فلا تخشوهم} أي: لا تخافوهم أن يقهروكم فيردوكم عن دينكم، وخافون أي: إن ~~خالفتم أمري. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: المائدة آخر سورة نزلت، فما ~~وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. PageV03P1588 # فهذا يقوي قول من (قال): " لا منسوخ فيها "، وهو قول الحسن وغيره، وليس ~~عليه العمل، بل فيها ناسخ ومنسوخ عند أكثر العلماء. # قوله {اليوم أكملت لكم دينكم} أي: أتممت فرائضي عليكم وحدودي، ونزل ذلك ~~يوم عرفة في حجة الوداع، ولم يعش النبي عليه السلام - بعد نزول هذه الآية - ~~إلا إحدى وثمانين ليلة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، " ولما نزلت هذه ~~الآية بكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ # فقال: كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص. ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت ". PageV03P1589 # قال عمر: نزلت يوم جمعة يوم عرفة. # وقيل: معنى كمال الدين: أنه منع أن يحج مشرك وكمل الحج للمسلمين ونفي ~~المشركون من البيت الحرام والحج، قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما # وقيل: المعنى: اليوم أظهرت دينكم على سائر الأديان وأهلكت عدوكم. # وذكر بعض العلماء أن ms0595 في المائدة (ثمان عشرة) فريضة ليست في غيرها (وهي): # تحريم الميتة / والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، ~~والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، ~~والاستقسام بالأزلام، وتحليل طعام أهل الكتاب، وتحليل المحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب، والجوارح PageV03P1590 # مكلبين، وتمام الطهور: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: ~~6]، وحكم السارق والسارقة، ونفي (فرض) البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ~~وهي آخر سورة نزلت. # واختيار الطبري أن يكون المعنى أن الله أعلم نبيه أنه أكمل لهم دينهم PageV03P1591 # بانفرادهم بالبلد الحرام وإجلائه عنه المشركين حتى حج المسلمون، لا مشرك ~~يخالطهم، فأما إكماله بتمام الفرائض فيعارضه ما روى البراء بن عازب أن آخر ~~آية نزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] الآية، (و) ~~أيضا فإن قول من قال: " نزل بعد ذلك فرائض "، أولى من قول من قال: " لم ~~ينزل "، لأن الذي نفى يخبر أنه لا علم عنده، والنفي لا يكون شهادة مع خبر ~~الصادق بالإيجاب. # وقوله {[و] أتممت عليكم نعمتي} هو منع المشركين الحرام وانفراد المسلمين ~~به. # (وقوله) {ورضيت لكم الإسلام دينا} أي: رضيت لكم أن تستسلموا لأمري PageV03P1592 # وطاعتي، {دينا}: ولم يزل تعالى راضيا به لهم، ولكن لما تم وكمل ذكر الرضى ~~به. # وقيل: إن هذه الآية نزلت بالمدينة يوم الاثنين. # وقوله {فمن اضطر في مخمصة} أي: من أصابه ضر في مجاعة، فالميتة حلال له. # والمخمصة: من خمص البطن، وهو ضموره من الجوع، وذكر بعضهم أنه مصدر من: " ~~خمصه الجوع " وقيل: هو اسم للمصدر. # ومعنى {غير متجانف لإثم} أي: غير مائل ولا متحرف إلى أكلها يريد به PageV03P1593 # التعمد - من غير ضرورة - (واتباع الشهوة) وقيل: معناه: غير متعمد لاكتساب ~~الإثم بأكله من غير ضرورة، يقال: " جنف القوم "، إذا مالوا وكل أعرج فهو ~~أجنف. # قوله {فإن الله غفور رحيم} أي: له، وفي الكلام حذف، والمعنى غير متجانف ~~لإثم فأكله. [والمعنى]: فإن الله يستر له عن أكله ويرحمه، ومن رحمته أنه ~~أباح له ما حرم عليه عند الضرورة. PageV03P1594 # قال الحسن والنخعي والشعبي: ms0596 إنما يأكل المضطر من الميتة قدر ما يقيمه. # وقال عطاء: يأكل منها قدر ما يرد نفسه، ولا يشبع. # وقال مسروق: من اضطر إلى الميتة فتحرج أن يأكل منها حتى مات، دخل النار. # قال مسروق: (و) ليس في الخمر رخصة، إذا اضطر إليها [مضطر] لأنها لا تروي. PageV03P1595 # ولا يحل أكل الميتة لمضطر خرج لفساد الطرق وقطعها، قاله مجاهد. # قوله {يسألونك ماذآ أحل لهم} الآية. # المعنى: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي أحل الله لهم، فقال ~~الله له {[قل] أحل لكم الطيبات} وهو الحلال الذي أذن فيه من الذبائح، ~~وأعلمهم أنه أحل لهم (مع ذلك) أكل صيد ما علموا من الجوارح، وهي سباع ~~البهائم والطير، سميت " جوارح " (لكسبها لأربابها) أقواتهم، فالجوارح: ~~الكواسب، (و) واحدها: جارحة يقال: جرح فلان أهله خيرا "، إذا أكسبهم خيرا، ~~و " فلان جارحة أهله " أي: كاسبهم، و " لا جارح لفلان " أي: ليس له كاسب، و ~~" فلان يجترح " أي: يكتسب، ومنه قوله تعالى: / {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات} [الجاثية: 21] أي: PageV03P1596 # اكتسبوها، ومنه قوله تعالى {ويعلم ما جرحتم بالنهار} [الأنعام: 60] أي: ~~ما اكتسبتم. # وفي الكلام حذف، والتقدير: قل أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح. # وكان النبي قد أمر بقتل الكلاب، فسألوا عما يحل اتخاذه منها وصيده، فنزل ~~{وما علمتم من الجوارح} فعلم أنه مباح اكتساب كلاب الصيد سلوقية أو غير ~~سلوقية. # ومعنى {مكلبين}: أصحاب كلاب، قال مجاهد: الفهد من الجوارح، وكلهم على أن ~~الصقر والبازي من الجوارح، وكذلك العقاب. # والجوارح هي المعلمة من هذه الأنواع، إذا دعيت أجابت وإذا زجرت أطاعت، PageV03P1597 # فكل من أرسل منها شيئا فسمى الله عز وجل فأصابت صيدا أكل، وإن قتلته فهو ~~حلال، غير أن الضحاك قال: الجوارح: الكلاب المعلمة دون غيرها لقوله ~~{مكلبين}، وقد " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيد البازي، فقال: ~~" ما أمسك عليك فكل " ". # وما صاد غير المعلم لا يؤكل إلا أن تدرك ذكاته وهو حي صحيح، لم يحدث فيه ~~ما إن ترك لم يعش. ms0597 وإذا أكل الكلب المعلم من الصيد، أكل باقيه عند مالك. # ومعنى {مكلبين} أصحاب كلاب، ويقال: أكلب الرجل، إذا كثرت عنده الكلاب، ~~فهو مكلب. PageV03P1598 # وقد قرأ ابن مسعود (مكلبين) بإسكان الكاف، يريد كثرة كلابهم، وقيل معنى ~~{مكلبين} معلمين محرشين. # وقوله {تعلمونهن مما علمكم الله} أي: تؤدبوهن من التأديب الذي أدبكم الله ~~به والعلم الذي علمكم، وهو الطاعة إذا زجر والأخذ إذا أمر. # قال ابن عباس: التعليم: أن يمسك الصيد فلا يأكل حتى يأتيه صاحبه فيدرك ~~ذكاته، فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه فلا يؤكل، وهو قول سعيد بن جبير ~~والنخعي والشعبي وقتادة وعطاء وعكرمة والشافعي، وروي عن أبي هريرة. PageV03P1599 # وقال ابن عمر: يؤكل وإن أكل وبه قال (مالك وجماعة معه). # ومن أرسل كلبا غير معلم فأخذ، فلا يؤكل ما أخذ إلا أن يدرك ذكاته فإن ~~أرسل معلما فأخذ ولحقه قبل أن يموت - فاشتغل عن تذكيته حتى مات - فلا يؤكل، ~~لأنه أدركه حيا وفرط في تذكيته، فإن (كان) أدركه (حيا) وقد أنفذ الكلب - أو ~~البازي - مقاتله فلم يذكه حتى مات، أكل، لأن الذكاة ليست بشيء إذ هو ميت لا ~~محالة لو ترك. PageV03P1600 # فإن أرسل المعلم فوجد معه كلبا آخر - معلما أو غير معلم - فلا يؤكل، لأنه ~~لا يدري لعل الآخر قتله وهو لم يرسله ولا سمى الله عليه، كذلك قال مالك ~~والشافعي وغيرهما، وقال الأوزاعي: إن كان الثاني معلما أكل، وإن كان غير ~~معلم لم يؤكل، وكذلك قياس البازي. فإن أرسله على صيد فأخذ غيره، فإن مالكا ~~يكره أكله، فإن أرسله في جماعة: فأيها أخذ أكل. # ولا بأس عند مالك بلعاب الكلب الصائد يصيب ثوب الإنسان، وقال الشافعي: هو ~~نجس. # فإن انفلت المعلم من يد صاحبه - ولم يرسله - فأخذ، فلا يؤكل ما أخذ عند PageV03P1601 # مالك والشافعي، وقال عطاء والأوزاعي: يؤكل. # ولا يؤكل صيد أهل الكتاب عند مالك، لأن الله تبارك اسمه قال {تناله ~~أيديكم ورماحكم} [المائدة: 94] وتؤكل ذبائحهم. وأجاز الشافعي وعطاء وغيرهما ~~أكل ما صاد كلب الكتابي المعلم. # وأما صيد المجوسي ms0598 فأكثرهم منعه ولم يجز أكله، فأما صيد الكتابي والمجوسي ~~للحيتان والجراد فهو / حلال أكله عند أكثر العلماء، وكره مالك صيد المجوسي ~~الجراد، ولم يكره الحيتان، فرق بين صيد البر والبحر، وكذلك قال النخعي. PageV03P1602 # وكل ما أصاب المعراض يؤكل إذا كان بغير عرضه عند مالك والشافعي. فأما صيد ~~البندقة فكرهه مالك والشافعي وغيرهما. ولم ير مالك رضي الله عنه بأسا بأكل ~~الصيد يغيب عن عين صاحب الكلب إذا وجد فيه أثرا من كلبه، وكذلك السهم ما لم ~~يبت عنه. ولم يجز ابن القاسم أكل الصيد إذا بات عن المرسل. # وقال ابن الماجشون: إذا أنفذ سهمك - أو كلبك - مقتل الصيد PageV03P1603 # فكله. وإن بات عنك، وإذا لم ينفذ مقتله فلا تأكل إذا بات عنك، لعل غير ~~كلبك قتله، وقاله أشهب وأصبغ. # وقوله {[ممآ] أمسكن} من: للتبعيض. وقيل: هي زائدة. # ومعنى التبعيض أنه يؤكل، لحمه حلال، ويترك دمه [وفرثه]، لأن الدم حرام. # وقوله: {واذكروا اسم الله " عليه "} أي: حين الإرسال. وقيل: حين PageV03P1604 # الأكل. # ومن نسي فلا شيء عليه، فإن تركها عامدا لم [يؤكل] ما أخذ، كما لا يؤكل ما ~~ذبح إذا ترك التسمية عامدا. # قوله: {واتقوا الله} أي: اتقوه فيما أمركم به، وأن لا تأكلوا صيد غير ~~معلم، {إن الله سريع الحساب} أي: لمن حاسبه، حافظ لجميع ما تعملون. # قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات} الآية. # الطيبات - هنا - الحلال من الذبائح. وقيل: هي كل ما تلذذ به من الحلال. ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} أي: ذبائحهم، {وطعامكم حل لهم} (أي) ~~ذبائحنا جائز (لنا) PageV03P1605 # أن نطعمهم إياها، فتحليل ذلك هو لنا لا لهم، ومثله قوله {وليسألوا مآ ~~أنفقوا} [الممتحنة: 10] أي: أعطوهم ما أنفقوا، فالأمر لنا لا لهم، لأنهم ~~ليسوا ممن يؤمن بالقرآن فيكون الأمر لهم. # ومذهب الشعبي وعطاء وغيرهما أنه تؤكل ذبائحهم وإن سموا عليها غير اسم ~~الله، وهذا عندهم ناسخ لقوله {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 121]، ويروى ذلك عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. # ومن العلماء من قال: هذا استثناء ms0599 وليس بناسخ لما في الأنعام، تؤكل ذبائح PageV03P1606 # أهل الكتاب وإن ذكر عليها اسم المسيح. # ومذهب عائشة رضي الله عنها وعلي بن أبي طالب وابن عمر أنه لا تؤكل ذبيحة ~~الكتابي [إذا] لم يسم عليها. # و" كان " مالك يكره ذلك ولم يحرمه. وأما إن ذكر عليه اسم المسيح فلا تؤكل ~~عند مالك. وكره مالك ذبائح أهل الكتاب لكنائسهم ولم يحرمه. فأما ذبيحة ~~المجوسي فلا تؤكل. PageV03P1607 # وذبيحة نصارى تغلب لا تؤكل. وقال ابن عباس: تؤكل ذبائحهم، وهم بمنزلة ~~غيرهم، وقال بذلك غيره من الفقهاء. # وقال علي بن أبي طالب: لا تؤكل ذبائحهم، وبه قال الشافعي: فأما الحديث ~~الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس: " سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب " فإنه غير متصل الإسناد، (و) أيضا فإن الحديث إنما جرى على سبب ~~الجزية لا غير، وقوله " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " يدل على أنهم ليسوا ~~منهم. PageV03P1608 # وقوله {والمحصنات من المؤمنات} أي: أحل لكم الحرائر من المؤمنات والحرائر ~~من الذين أوتوا الكتاب - نصرانية أو يهودية -، إذا أعطيتها صداقها وهو ~~{أجورهن}. # وقيل: المحصنات - هنا - العفائف من هؤلاء ومن هؤلاء، فأجاز قائل هذا / ~~نكاح الإماء من أهل الكتاب وتحريم غير العفائف من الجميع، قال ذلك مجاهد، ~~وقاله سفيان والسدي. # والحربية من أهل الكتاب - وغيرها سواء - جائز نكاحها. ومن قال: المحصنات ~~العفائف، فالحربية - من الإماء والحرائر - جائز نكاحها عنده، ومذهب مالك ~~وغيره أن إماء أهل الكتاب لا يجوز نكاحهن. # وروي أن ثواب الرجل مع الزوجة المؤمنة أفضل من ثوابه مع الزوجة الكتابية، ~~وروي أن الرجل إذا قبل زوجته المؤمنة، كتب له عشرون حسنة، وإذا جامعها PageV03P1609 # كتب له عشرون ومائة حسنة، فإذا اغتسل منها، لم يمر الماء بشعرة من جسده ~~إلا كتبت (له (عشر)) حسنات ومحي عنه عشر سيئات، وباهى الله به الملائكة ~~فقال: انظروا إلى عبدي قام في ليلة [قرة] يغتسل من خشيتي، ورأى أن ذلك (حق ~~لي) عليه، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له. # وروي أن المرأة لا تضع شيئا من بيت ms0600 زوجها، تريد بذلك إصلاحه، ولا ترفعه ~~إلا كتب لها عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا حملت ثم طلقت، فلها بكل ~~طلقة كأنما أعتقت نسمة (من ولد إسماعيل) خير النسم، PageV03P1610 # فإذا أرضعت كان لها بكل مصة عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا أفطمته ~~نادى مناد من السماء: أيتها المرأة قد غفر لك فاستأنفي العمل. # وروي عن (ابن المسيب) والحسن أنهما كانا لا يريان بأسا بنكاح إماء اليهود ~~والنصارى. # و (قد) قيل: عنى بذلك نساء أهل الذمة من أهل الكتاب خاصة، ونساء PageV03P1611 # أهل الحرب حرام، روي ذلك عن ابن عباس. # قوله {محصنين} أي: أعفاء، {غير مسافحين} أي: غير مزانين، {ولا متخذي ~~أخدان} أي: أخلاء على الزنى، والخدن: الخليل للمرأة يزانيها. # قوله {ومن يكفر بالإيمان} أي: بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: ~~بالإيمان بالله عز وجل وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: بالإيمان: بما نزل من الحرام والحلال والفرائض. # ونزل ذلك في قوم تحرجوا نكاح [نساء] أهل الكتاب، فأنزل الله {ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}، أي من يرد من أتى PageV03P1612 # به محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: الإيمان - هنا - التوحيد، وهو مثل قوله {لئن أشركت ليحبطن عملك} ~~[الزمر: 65] ومثل قوله {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} [آل عمران: 85] الآية. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} الآية. # قوله {وأرجلكم}: من خفض. # (فهو) عند الأخفش وأبي عبيدة على الجوار، والمعنى للغسل، شبه PageV03P1613 # الأخفش بقولهم " هذا جحر ضب خرب "، وهذا قول مردود، لأن الجوار لا يقاس ~~عليه، إنما يسمع ما جاء منه ولا يقاس عليه. # وأيضا فإن الأرجل معها حرف العطف، ولا يكون الإتباع مع حرف العطف. # وقيل: إنه إنما خفض لاشتراك الغسل والمسح في باب الوضوء، كما قال {وحور ~~عين} [الواقعة: 22] فخفض وعطفه على الفاكهة التي يطاف بها، وهذا مما لا ~~يطاف PageV03P1614 # به، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في التنعم بهما، وكما قال الشاعر: # شراب ألبان وتمر وأقط. ... فعطف التمر والأقط على ms0601 ما يشرب، وليس يشربان، ~~ولكن فعل ذلك لاشتراكهما في التغدي بهما، ومثله قوله: # ورأيت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا # فعطف الرمح على / السيف وليس الرمح مما يتقلد به، ولكن عطفه عليه ~~لاشتراكهما في الحمل وفي أنهما سلاح، ومثله: # علفتها تبنا وماء باردا. ... فعطف الماء على التبن وليس مما يوصف بالعلف، ~~ولكن فعل ذلك لاشتراكهما PageV03P1615 # في أنهما غذاء لها. ومثله قوله: # وزججن الحواجب والعيونا. ... فعطف العيون على الحواجب وليست مما يزجج ~~إنما تكحل، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في التزين بهما، فكذلك يحمل الغسل ~~على المسح لاشتراكهما في باب الوضوء. # وتقدير ما ذكرنا - عند النحويين - على حذف فعل فيه (كله) على قدر معانيه، ~~كأنه قال [وأكال تمر]، (وحاملا رمحا)، (وسقيتها ماء)، (وكحلن العيون) ونحو ~~ذلك من التقدير. PageV03P1616 # وقال علي بن سليمان تقديره: وأرجلكم غسلا. # وقيل: المسح - في كلام العرب - يكون بمعنى الغسل يقال: تمسحت للصلاة أي: ~~توضأت لها فاحتمل المسح للأرجل أن يكون بمعنى الغسل وبغير معنى الغسل، ~~فبينت السنة أن المسح للرؤوس بغير معنى الغسل، وأن المسح للأرجل بمعنى ~~الغسل. # وقال قوم من العلماء - منهم الشعبي -: من قرأ بالخفض [فقراءته] منسوخة ~~بالسنة. # واستدل من قال: أن معنى الخفض النصب، بقوله {إلى الكعبين}، فحدد كما PageV03P1617 # حدد اليدين إلى المرفقين، ولما كانت اليدان مغسولتين بالإجماع وجب أن ~~تكون الرجلان كذلك لاشتراكهما في التحديد. # وقال ابن عباس: [قراءة] النصب ناسخة للمسح على الخفين وهو مذهب عائشة ~~وأبي هريرة. قال ابن عباس: ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين ~~بعد نزول المائدة. وقد أجاز المسح على الخفين جماعة من الصحابة ورووه عن ~~النبي عليه السلام أنه مسح بعد (نزول) المائدة، ومن أوجب شيئا أولى بالقبول ~~ممن نفى، PageV03P1618 # وعليه جماعة الفقهاء، وهو قول علي وسعد وبلال و (عمرو بن) أمية وحذيفة ~~وبريدة وغيرهم. PageV03P1619 # وهذه الآية ناسخة لقوله: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} # [النساء: 43]، وهو قول جماعة. # وقيل: هي ناسخة لما كانوا عليه: روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا أحدث ms0602 (لم يكلم أحدا) حتى يتوضأ فنسخ ذلك بالوضوء عند افتتاح الصلاة " ~~وقيل: هي منسوخة، لأنها لو لم تنسخ لوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء، ~~فنسخها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وجمعه صلاتين وصلوات بوضوء واحد. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هي على الندب، ندب كل قائم إلى الصلاة ~~إلى الوضوء وإن كان (على وضوء) وقيل: يجب على كل من قام إلى الصلاة الوضوء ~~- PageV03P1620 # وإن كان) متوضئا - بظاهر الآية، وهذا قول خارج عن قول الجماعة، وهو قول ~~عكرمة وابن سيرين. وروي أن عليا رضي الله عنه كان يتوضأ لكل صلاة. # وقال زيد بن أسلم وأهل المدينة: الآية مخصوصة فيمن قام من النوم. # وقيل: الآية مخصوصة يراد بها من كان على غير طهارة، وهو قول الشافعي، ~~قال: المعنى: إذا قمتم - وقد أحدثتم - فافعلوا كذا. # ومعنى {إذا قمتم}، إذا أردتم القيام، كقوله: {فإذا قرأت القرآن PageV03P1621 # فاستعذ بالله} [النحل: 98] أي: إذا أردت [قراءة] القرآن. # وقوله {وامسحوا برؤوسكم}: الباء للتوكيد / لا للتعدية، والمعنى: (و) ~~امسحوا رؤوسكم، ولا يجزئ مسح بعض الرأس لأجل دخول الباء، كما لا يجزئ مسح ~~بعض الوجه في التيمم لدخول الباء في قوله: {فامسحوا بوجوهكم} [النساء: 43]، ~~وهذا إجماع، فالرأس مثله. # وقوله: {إلى المرافق}: روى أشهب عن مالك أنه قال: الغسل إليهما ولا ~~يدخلان في الغسل، وروى غير أشهب عنه أن غسلهما واجب مثل الكعبين اللذين ~~أجمع على غسلهما، وهو قول عطاء والشافعي. PageV03P1622 # وأصل (إلى) - في اللغة - الانتهاء، كقوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ~~[البقرة: 187]، فالليل آخر الصوم غير داخل في الصوم، وكذلك المرفقان غير ~~داخلين في الوضوء. # ومن أدخل المرفقين في الغسل، فإنما هو على أن يجعل " إلى " بمعنى " مع " ~~كما قال: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] أي: " مع "، وكما ~~قال: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52، الصف: 14] أي: مع الله، هذا قول ~~بعض أهل اللغة. ومنع ذلك المبرد وغيره من النحويين لأن اليد - عند العرب - ~~حدها إلى الكتف فلو كانت " إلى " بمعنى " مع " وجب غسل ms0603 اليد كلها إلى ~~الكتف، لأنه آخرها، و " إلى " عنده على بابها، قال المبرد: إذا كان ما بعد ~~" إلى " PageV03P1623 # مما قبلها، فما بعدها داخل فيما قبلها كآية (الوضوء)، وإذا كان بعدها ~~مخالفا لما قبلها، فالثاني غير داخل فيما دخل فيه الأول، كقوله {إلى ~~الليل}، فلو قلت " بعت هذا الفدان إلى هذه الدار "، لم تدخل الدار في ~~البيع، لأن الدار مخالفة للفدان، ولو قلت " بعت هذا الثوب من هذا الطرف إلى ~~هذا الطرف "، دخل الطرف الثاني في البيع، كذلك لما كانت المرفقان من جنس ~~اليد، دخلتا في الغسل مع اليد، فإذا كان الحد من جنس المحدود دخل معه، وإذا ~~كان من غير جنسه لم يدخل معه، هذا التفسير قول المبرد، وهو حسن جيد، ولذلك ~~يقول الموثقون: " اشترى الدار بحدودها "، فالحدود داخلة في البيع. PageV03P1624 # (وكان الطبري يقول): ليس غسلهما بواجب، فهو ندب من النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقوله: " أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته ~~فليفعل ". # قوله: {وإن كنتم جنبا} أي: [ذوو] جنب، " وجنب " مصدر لا يثنى ولا يجمع، ~~كعدل ورضى وصوم، يقال: قوم صوم، ورجل صوم، يقال: أجنب PageV03P1625 # الرجل وجنب وجنب. # (و) قوله: {وإن كنتم مرضى} أي: جرحى أو مجدورين وأنتم جنب، {أو على سفر} ~~أي: مسافرين وأنتم جنب. # وقوله: {أو لامستم النسآء} قيل: اللمس: الجماع. (وقيل): هو المس دون ~~الجماع، كالقبلة والمباشرة. # ويسأل من قال: هو الجماع، ما وجه تكريره وقد مضى حكم الجنب في قوله: {وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا}؟ فالجواب: أن الأول بين حكمه وأمره بالطهر إذا وجد ~~الماء، ففرض عليه الاغتسال، ثم بين - ثانية - حكمه إذا أعوزه الماء، فأعلمه ~~أن التيمم PageV03P1626 # بالصعيد طهور حينئذ. والتيمم: القصد والتوخي إلى الشيء. # قوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم (من حرج)} أي: ضيق في فروضكم، {ولكن ~~يريد ليطهركم} أي: يطهركم بما فرض عليكم فتطهرون من الذنوب، " وروى شهر بن ~~حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الوضوء يكفر ما ~~قبله، ثم تصير ms0604 الصلاة نافلة، قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ قال: نعم، / ~~غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ". # وقال ابن جبير: معنى {وليتم نعمته عليكم}: ليدخلكم الجنة، (أي) فإنها لم ~~تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة، ولن يدخله الجنة حتى يغفر له، كذلك PageV03P1627 # قال لنبيه: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك} ~~[الفتح: 2] فلم تتم النعمة إلا بعد المغفرة، وهو قول زيد بن أسلم ذكر جميع ~~ذلك ابن وهب وغيره. # قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم} الآية. # قوله: {بذات الصدور}: قال الأخفش والفراء وابن كيسان: الوقف بالتاء على ~~(ذات) وهو خط المصحف، لأن التاء كأنها متوسطة. # ومذهب الكسائي والجرمي أن تقف بالهاء، وهو اختيار أبي غانم، لأن هذا ~~تأنيث الأسماء. PageV03P1628 # ومعنى الآية أن الله تعالى ذكرهم بنعمته أن هداهم لما فيه النجاة لهم. # ومعنى {وميثاقه} هو ما بايعوا عليه النبي عليه السلام من السمع والطاعة ~~فيما (أحبوا) وكرهوا والعمل بكل ما أمرهم به، قال ذلك ابن عباس وغيره وقال ~~مجاهد: الميثاق - هنا - ما أخذه الله عز وجل على عباده إذ أخرجهم من صلب ~~آدم فقال: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172]، فأقروا بأن الله ربهم، ~~وصار ذلك ميثاقا عليهم، فمن آمن بالله وأسلم فقد تمسك بالميثاق، ومن كفر ~~فهو نقض الميثاق. وقيل: هي بيعة الرضوان. # قوله: {واتقوا الله} أي: خافوا الله أن تضمروا لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~خلاف ما تبدون، فإنه يعلم ما في الصدور. # قوله: {يا أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين} الآية. # المعنى: أن الله عز وجل حض المؤمنين أن يكونوا شهداء بالعدل في أوليائهم PageV03P1629 # وأعدائهم. # قوله {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} أي لا يحملنكم بغض قوم على ~~ألا تشهدوا بالحق وعلى ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، والمعنى: لا يحملنكم بغض ~~المشركين على ترك العدل. وهذه الآية نزلت حين هم اليهود بقتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ثم أمرهم بالعدل فقال: {اعدلوا} أي: اعدلوا في الأعداء ~~وغيرهم، فالعدل ms0605 أقرب إلى التقوى، أي: أن تكونوا من أهل التقوى لا من أهل ~~الجور، وهو كناية عن العدل. # قوله {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية. # يقال " وعدت الرجل " تريد: " وعدته خيرا "، و " أوعدته " تريد: " أوعدته ~~شرا "، فإذا ذكرت الموعود قلت فيهما جميعا " وعدته " و " أوعدته " فإذا لم ~~تذكر الموعود قلت في الخير " وعدته "، وفي الشر " أوعدته "، هذا قول أكثر ~~العلماء. PageV03P1630 # وقوله {لهم مغفرة وأجر عظيم} هو على الحكاية، (لأنه لا يجوز في الكلام " ~~وعدت لك درهما "، وإنما جاء في القرآن على الحكاية)، كأن تقديره: قال الله ~~جل ذكره: للذين آمنوا عندي جنات، ثم أمر النبي عليه السلام أن يخبرهم، ثم ~~أخبر ما قال فحكاه، فقوله {لهم مغفرة} يقوم مقام الموعود، وهو تفسير للوعد. # قوله {والذين كفروا وكذبوا (بآياتنآ)} الآية. # أي الذين جحدوا وحدانية الله ونقضوا ميثاقه وعهوده وكذبوا بآياته وجحدوا ~~[أنبياءه]: (هم) أصحاب الجحيم. # قوله: {يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم} الآية. PageV03P1631 # معنى الآية: أن الله جل ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم المؤمنين ~~بالشكر على نعمه (إذ دفع) عنهم كيد اليهود عليهم اللعنة. وكان / سبب نزول ~~هذه الآية أن النبي عليه السلام أمن رجلين مشركين من بني كلاب وأعطاهما ~~سهمين من سهامه أمانا لهما، فلقيهما عمرو بن أمية الضمري وهو مقبل من بئر ~~معونة فقتلهما ولم يعلم أن معهما أمانا من النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~قدم عمرو على النبي عليه السلام قال له: قتلتهما (و) معهما أماني؟! قال: لم ~~أعلم، فوداهما النبي عليه السلام ومضى إلى بني النضير من اليهود ومعه أبو ~~بكر وعمر وعلي وعثمان رضي الله عنهم، يستعينهم على دية الكلابيين PageV03P1632 # اللذين قتلهما عمرو فلما قرب من مدينتهم، خرجوا إليه فتلقوه وقالوا: ~~مرحبا بك يا أبا القاسم، ماذا جئت له؟، فقال: رجل من أصحابي أصاب رجلين من ~~بني كلاب - معهما أمان مني - فقتلهما فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني ~~قالوا: نعم والحب لك والكرامة يا أبا القاسم، اقعد حتى نجمع ms0606 لك، فقعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه تحت الحصن، فلما خلا بنو النضير - بعضهم (إلى ~~بعض) - قالوا: لن نجد محمدا أقرب منه الآن، فمن رجل يظهر على هذا الجدار ~~فيطرح عليه رحى أو حجرا فيريحنا منه؟، فقال رجل منهم: أنا، وهو عمرو بن ~~جحاش، فأتى جبريل النبي صلى الله عليهما فأعلمه الخبر، فقام وتبعه PageV03P1633 # أصحابه، فأنزل الله جل ذكره {يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله ~~عليكم} الآية، وفي ذلك نزل {ولا تزال تطلع على خآئنة منهم (إلا قليلا ~~منهم)} [المائدة: 13]، فعند ذلك بعث (إليهم النبي) محمد بن مسلمة الأوسي، ~~وأمره أن يأمرهم بالرحيل والخروج من جواره، فلما أتاهم محمد بن مسلمة، ~~تلقوه وسلموا عليه، فقال [لهم]: إني أرسلت إليكم برسالة، ولست أبلغكموها ~~حتى أسألكم عن شيء قلتموه لي قبل اليوم، قالوا: (سلنا عما بدا لك)، فقال ~~لهم محمد بن مسلمة: أليس قد أتيتكم سنة كذا وكذا فقلتم لي: يا ابن مسلمة، ~~إن (شئت هديناك وإن شئت غديناك)، فقلت: والله PageV03P1634 # ما لي حاجة بهداكم، فقربتم إلي طعاما في صحفة جزع - كأني انظر: إليها -، ~~فلما فرغت من [غذائي]، قلتم لي: ما الذي أرغبك عن التوراة؟، فقلت: ما لي ~~بها حاجة، فقلتم كأنك تريد الحنيفية؟، فقلت: إيها والله أريدها، فقلتم لي: ~~أما إن صاحبها قد [رهنك] خروجه، وأشرتم نحو مكة وقلتم لي: ذلك الضحوك ~~القتال يركب البعير ويلبس الشملة و [يجتزئ] بالكسوة، سيفه على عاتقه، ~~(لتكونن - على يديه - في هذه البلاد) ملاحم وملاحم وملاحم، قالوا: قد قلنا ~~لك ذلك، ولكن ليس هو هذا. # قال: أشهد (أن PageV03P1635 # لا) إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، هو - والله - ~~هذا، وقد بعثني إليكم وقال: قد غدرتم مرة ومرة ومرة، فارتحلوا من بلدي ~~وارتحلوا من جواري، فقالوا: أخرنا عشرة أيام نتجهز ونخرج، ففعل، ثم أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فصوب أمره، وأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحراسة المدينة، فدب إليهم المنافقون وقالوا: لم ترتحلون، وإنما أنتم ~~أهل ms0607 الثمار والأموال، وقد نزل بكم محمد ولم تنزلوا به؟، فبعثوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم: اصنع ما أنت صانع فلسنا بمرتحلين، فكبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث تكبيرات ثم قال: خابت يهود، لا تصلوا الظهر إلا عندهم، ~~فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم فصالحوه / على ما حمل (الحافر والخف): PageV03P1636 # الجمل بين رجلين، والحافر لرجل واحد، وارتحلوا. # قال قتادة: هذه الآية نزلت على النبي عليه السلام وهو بنخل في الغزوة ~~السابعة، أراد بنو ثعلبة أن يفتكوا بالنبي عليه السلام فأطلعه الله على ~~ذلك. # وقيل: النعمة التي أمر الله بالشكر عليها - هنا - هي أن اليهود كانت همت ~~بقتل النبي صلى الله عليه وسلم في طعام دعوه إليه، فأعلم الله نبيه بما ~~هموا به، فلم يأتهم. # وقيل: هي ما أطلع الله نبيه من أمر المشركين إذ هموا أن يميلوا على ~~المسلمين - وهم في صلاتهم - ميلة واحدة، وذلك يوم بطن [نخل]، فعلم الله ~~نبيه صلاة PageV03P1637 # الخوف والحذر منهم، وهي الغزوة السابعة. # وقيل: هي ما فعل الأعرابي، وذلك " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مستظلا تحت شجرة - وأصحابه متفرقون - إذ جاء أعرابي إلى سلاح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - وهو معلق في شجرة - فأخذ السيف وسله، ثم أقبل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟، قال: الله، قال الأعرابي - مرتين ~~أو ثلاثا -: من يمنعك مني؟، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله، فشام ~~الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر ~~الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه "، قال قتادة: كان قوم أرادوا أن ~~يفتكوا برسول الله عليه السلام، فأرسلوا هذا الأعرابي. # وقيل: " هم قريش بعثت رجلا ليفتك برسول الله، فأتى وسل سيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم قال: من يمنعك مني يا محمد؟، [قال: الله]، ثم رد السيف ~~في غمده ". PageV03P1638 # قوله {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل} الآية. # أخبر الله تعالى في هذه الآية بما كان من أسلاف هؤلاء الذين أرادوا كيد ms0608 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ( و) قوله: {اثني عشر نقيبا}: النقيب - في اللغة - كالأمين والكفيل ~~والعريف. # قال قتادة: جعل من كل سبط (رجلا شاهدا) عليهم. # والأسباط: نسل (اثني عشر ولدا) ليعقوب، (فنسل كل ولد ليعقوب) سبط، (فجعل ~~من كل سبط) رجل أمين عليهم. # قال السدي: أمر الله موسى وبني إسرائيل بالسير إلى بيت المقدس - وفيها PageV03P1639 # جبارون - فلما (قربوا) بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني ~~إسرائيل ليأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين - يقال له عاج - ~~فأخذ (الإثني عشر) فجعلهم في حجزته، وعلى رأسه حملة حطب، فانطلق بهم إلى ~~امرأته (وقال): انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يقاتلوننا، فطرحهم ~~بين يديها وقال: (ألا أطحنهم) برجلي، فقالت له امرأته: لا بل خل عنهم حتى ~~يخبروا قومهم بما قد رأوا، ففعل ذلك، فقال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن ~~أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم، ارتدوا عن نبي الله، ولكن اكتموه وأخبروه ~~[نبيي] الله فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ثم ~~رجعوا، PageV03P1640 # فنكث عشرة منهم العهد، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى من عاج، وكتم ~~رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم فأخبروهما الخبر. # وقال مجاهد: أرسل موسى النقباء - من كل سبط رجلا - إلى الجبارين، فوجدوهم ~~يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس، ويدخل ~~في شطر [الرمانة]- إذا نزع حبها - خمسة أنفس، فرجع النقباء، كلهم ينهى سبطه ~~عن قتالهم إلا يوشع بن نون وآخر معه فإنهما / أمرا بقتالهم، فعصوا وأطاعوا ~~أمر الآخرين، فعند ذلك قالوا: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا PageV03P1641 # هاهنا قاعدون} [المائدة: 24]. # قال ابن عباس: جاء النقباء بحبة من فاكهتهم يحملها رجل، فقالوا: اقدروا ~~قوة قوم هذه فاكهتهم. # {وقال الله إني معكم} أي: " ناصركم على عدوكم "، قيل: هو للنقباء. وقيل ~~لجميعهم. # (ومعنى) {(و) عزرتموهم} أي: نصرتموهم. وقيل معناه [وقرتموهم] بالطاعة ~~(لهم). PageV03P1642 # وأصل التعزير المنع. # ومعنى {وأقرضتم الله قرضا حسنا} أي: " أنفقتم في سبيل الله ". # وقوله: {قرضا} ms0609 خرج مصدرا على " قرض "، كما قال {نباتا} [نوح: 17] وقبله ~~{أنبتكم} [نوح: 17]. # وقوله تعالى {لئن أقمتم الصلاة} وما بعده: تفسير لأخذ الميثاق كيف هو وما ~~هو. # وقوله: {وبعثنا منهم} إلى قوله {معكم}: اعتراض بين الميثاق وتفسيره، غير ~~داخل في الميثاق الذي نقضه بنو إسرائيل دون النقباء، لأن الله تعالى قال ~~للنقباء: {إني معكم}، ومن كان الله معه لم ينقض ميثاقه. # قوله {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} الآية. # (ما) زائدة مؤكدة للقصة، أو نكرة. و {نقضهم} بدل منها. PageV03P1643 # و {قاسية} و (قسية) لغتان، كعالم وعليم، ويؤيد قراءة {قاسية} قوله: {فويل ~~للقاسية قلوبهم} [الزمر: 22]. ويؤيد قرأة (قسية) أن " فعيلا " أبلغ - في ~~المدح والذم - من " فاعل "، فعليم أبلغ من عالم، وسميع أبلغ من سامع، ~~فالمعنى: من أجل نقضهم للميثاق - للذي أخذ عليهم - لعنهم الله، أي: أبعدهم ~~من رحمته، وجعل (الله) قلوبهم قسية، أي: غليظة [نابية] عن الإيمان والتوفيق ~~بطاعة الله. PageV03P1644 # والقاسية والعاتية: واحد. # وقوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه} أخبر الله عز وجل عن فعلهم أنهم يبدلون ~~ما في التوراة ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله، ويقولون لجهالهم: هذا ~~كلام الله. وهذا من صفة القرون (التي) كانت بعد موسى من اليهود، ومنهم من ~~أدرك عصر نبينا، فأخبره الله عنهم بما [يعملون]، وأدخلهم في ذكر ما كانوا ~~قبلهم إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم. # وقيل: معنى {يحرفون الكلم عن مواضعه} يتأولونه على غير تأويله. # وقيل: معنى {[وجعلنا] قلوبهم قاسية}: (أي وصفناهم بهذا). # وقوله: " {ونسوا حظا مما ذكروا به} أي: تركوا نصيبا مما أمروا به ". # قال الحسن: تركوا عرى دينهم، أي: تركوا (الأخذ والعمل) بالتوراة. PageV03P1645 # وقوله: {ولا تزال تطلع على خآئنة منهم} أي: لا تزال يا محمد تطلع من ~~اليهود - الذين نقضوا الميثاق - على خيانة {إلا قليلا منهم}، والخائنة، ~~الخيانة، وضع الاسم موضع المصدر، كقولهم " خاطئة " في موضع " خطيئة " و " ~~قائلة " في " قيلولة ". وقيل: (التقدير): على فرقة خائنة. وقيل على رجل ~~خائنة، كما يقال: رجل راوية، يريد: لا تزال يا محمد تطلع على مثل الذين ~~هموا بقتلك. # وقيل: ms0610 المعنى على نسمة خائنة منهم. ويجوز أن يكون التقدير: على فرقة ~~خائنة، أو: على طائفة خائنة. وقيل: الهاء للمبالغة، وقيل: (المعنى): على ~~خائن PageV03P1646 # منهم. # {فاعف عنهم واصفح}: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عن هؤلاء الذين ~~أرادوا قتله من اليهود. وقال قتادة: هي منسوخة بآية القتال في " براءة ". ~~وقيل: هي منسوخة بقوله: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء} ~~[الأنفال: 58]. وقيل: المعنى: فاعف عنهم واصفح ما دام / بينك وبينهم ذمة ~~وعهد. # قوله {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} الآية. # هذا في الإعراب كقولك " من زيد أخذت درهمه " وهو حسن، ولو قلت: " درهمه ~~من زيد (" أخذت "، و " ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا "، و " أخذت ~~درهمه من زيد ")، و " (ألينها لبست من الثياب) "، لم يجز [لتقدم] المضمر ~~على PageV03P1647 # المظهر. # ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أنه أخذ أيضا من النصارى ميثاقهم، ~~فسلكوا مسلك اليهود، فبدلوا ونقضوا وتركوا حظهم الذي ذكروا به من الإنجيل ~~مثل اليهود. # وقوله: {فأغرينا بينهم العداوة} أي: حرضنا وألقينا. وهي الأهواء المختلفة ~~والتباغض والخصومات في الدين التي بين اليهود والنصارى. # وقيل: بين النصارى بعضهم مع بعض، وبين اليهود بعضهم مع بعض. والهاء ~~والميم في {بينهم} تعود على اليهود والنصارى. # وقيل: على النصارى، لأنهم قد افترقوا فرقا منهم: النسطورية PageV03P1648 # واليعقوبية و [الملكانية] وغير ذلك، فالعداوة بين بعضهم مع بعض. # قوله {يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا} الآية. # المعنى: أن الله عز وجل أعلم أهل الكتاب أنه أرسل إليهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يبين لهم كثيرا مما أخفوا من الكتاب - وهو التوراة والإنجيل -، ~~وكان ذلك من أدل ما يكون على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ أعلم الناس ~~بما فعل أهل الكتاب، فمما بينه: رجم الزانيين المحصنين - وقد أخفوه وغيروه ~~-، وقتل النفس بالنفس وغيره. PageV03P1649 # وقال [القرظي]: أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن - حين ~~قدم المدينة - هاتان الآيتان وكانت اليهود بها يومئذ، ثم نزلت السورة كلها ms0611 ~~جملة (واحدة) عليه بعرفات. # ومعنى {ويعفوا عن كثير} أي: (و) يترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من ~~كتابكم، فلا يأمركم بالعمل به، إلا أن يأمره الله بذلك. وقيل: هو ما جاؤهم ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخفيف ما كان الله شدده عليهم وتحليل ~~ما كان حرم عليهم. # قوله {قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين} إلى {صراط مستقيم}. # والمعنى: يا أهل التوراة والإنجيل {قد جآءكم من الله نور} وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم. هو نور لمن استنار به، {وكتاب مبين} هو القرآن. # [وقيل: النور: التوراة، والكتاب المبين: القرآن]. {يهدي به} أي: PageV03P1650 # بالكتاب، {من اتبع رضوانه} أي: يهدي الله بالكتاب {سبل السلام} من اتبع ~~رضى الله عز وجل في قبول ما أتاه من ربه. # و [{السلام}] هنا: اسم الله جلت عظمته، أي: سبل الله. # وقيل [السلام]- هنا - السلامة، أي: طرق السلامة، والرضى من الله القبول ~~للعبد. وقيل: هو خلاف السخط. # {ويخرجهم من الظلمات} أي: من الكفر {إلى النور} أي: إلى الإسلام، {بإذنه} ~~أي: بأمره، أي: [بأمر] الله له بذلك. # قوله: {لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك} ~~الآية. # معنى الآية أنها ذم للنصارى في قولهم واحتجاج عليهم في قولهم. # ومعنى {قل فمن يملك} أي: (من) يقدر ويطيق رد ما أراد الله عز وجل، فلو ~~كان PageV03P1651 # المسيح إلها، لقدر على رد ما يأتيه من أمر الله سبحانه، وفي عجزه عن ذلك ~~دليل على أنه ليس بإله، إذ الإله لا يكون عاجزا مقهورا تلحقه الآفات، فعيسى ~~كسائر ولد آدم. # قوله تعالى: {ولله ملك السماوات والأرض} أي: تصريف ما فيهما وما بينهما، ~~فهو يهلك من يشاء ويبقي من يشاء. (ووحد) الأرض، لأنها تدل على النوع. # / قوله: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله} الآية. # معنى الآية أن قوما من اليهود والنصارى كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وخوفهم فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال الله ~~لنبيه: {قل فلم يعذبكم (بذنوبكم)} إن كنتم ms0612 كما زعمتم، وذلك أن اليهود قالت: PageV03P1652 # {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80]، فأقروا بالعذاب ~~وادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه. # ثم قال: قل لهم يا محمد {بل أنتم بشر ممن خلق} أي: أنتم مثل سائر بني ~~آدم، لا فضل لكم عليهم إلا بالطاعة. # {يغفر لمن يشآء} أي: يستر ذنوبه، وهم المؤمنون، {ويعذب من يشآء} أي: ~~يميته على الضلالة فيعذبه. وقال السدي في معنى {يغفر لمن يشآء} أي: يهدي من ~~يشاء في الدنيا فيغفر له، {ويعذب من يشآء} (أي يميته على الضلالة) فيعذبه. # {و [لله] ملك السماوات والأرض} أي: تدبيرها وتدبير ما بينهما، وإليه ~~مصيركم فيجازيكم بأعمالكم. # وقوله {فلم يعذبكم} معناه: فلم عذبكم بذنوبكم فمسخكم قردة وخنازير؟ وإنما ~~احتج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما قد كان وعلم، ولم يحتج عليهم بما ~~لم يقع بعد، لأنهم ينكرون ذلك ويدعون أنهم لا يعذبون فيما يستقبلون، ~~فالماضي [أولى] به وعليه PageV03P1653 # المعنى. # قوله {يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل} الآية. # قوله {أن تقولوا ما جآءنا}: {أن} في موضع نصب أي: [كراهة] أن تقولوا. # وقال الفراء: المعنى: (لأن لا) تقولوا. # ومعنى الآية أنها مخاطبة لليهود الذين كانوا بين ظهراني (مهاجر النبي) ~~صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم لما دعاهم النبي إلى الإيمان به وبما جاءهم ~~به، قالوا: ما بعث الله من نبي بعد موسى، ولا أنزل كتابا بعد التوراة. # (و) قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن PageV03P1654 # وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول ~~الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فأنكروا ما قالوا ~~لهم، وقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا ~~بعده، فأنزل الله الآية. # ومعنى {على فترة من الرسل}: على انقطاع من الرسل وسكون، وذلك أنه كانت ~~الرسل بين موسى وعيسى متواترين. # وقد اختلف في الفترة التي كانت بين محمد وعيسى عليهما السلام: فقال ~~قتادة: هي ms0613 خمس مائة سنة وستون سنة. # وقيل عنه: خمس مائة وأربعون، وقيل عنه: ست مائة وزيادة سنين. PageV03P1655 # وقال الضحاك: هي أربع مائة سنة وبضع وثلاثون سنة. # وقال ابن عباس: هي أربع مائة سنة فترة لا نبي فيها، وكانت مائة سنة بعث ~~الله فيها أربعة أنبياء، منهم ثلاثة رسل، وهم الذين ذكروا في " يس "، فبين ~~ميلاد عيسى وميلاد محمد خمس مائة سنة. # وقيل: هو ما جاءهم به رسول الله من تخفيف ما كان الله شدد عليهم وتحليل ~~ما كان حرم عليهم. # ومعنى {أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير} أي: أعذرنا إليكم برسول ~~وكتاب كراهة أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. # قوله {وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم} الآية. # روي عن ابن كثير أنه قرأ {ياقوم} بالرفع على معنى: يا أيها القوم، رواه PageV03P1656 # شبل بن عباد عنه. # وهذه الآية إعلام من الله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم، / فقديم فسق ~~اليهود وغيهم، وإن موسى صلى الله عليه وسلم ذكرهم بنعم الله تعالى عليهم، ~~إذ أرسل (إليهم) الأنبياء يأتونهم بالوحي، وأنه حرضهم على الجهاد، وأن لا ~~يرتدوا على أدبارهم في قتال الجبارين الذين أمرهم الله عز وجل بقتالهم. # وقيل: الأنبياء - الذين جعلهم الله عز وجل فيهم - هم الذين اختارهم موسى ~~للميقات، وهم السبعون الذين ذكرهم الله في " الأعراف ". PageV03P1657 # {وجعلكم ملوكا} أي: تخدمون، ولم يكن في ذلك الوقت من بني آدم من يخدم ~~سواهم، قال قتادة: هم أول من سخر له الخدم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان له بيت وخادم فهو ~~ملك ". # وقيل: المعنى: جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم فيها إلا بإذن. # وقيل: المعنى: (جعلكم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب). # (وقال ابن وهب: سمعت مالكا يذكر عن عبد ربه) بن سعيد أن معنى {وجعلكم ~~ملوكا} هو أن يكون للرجل المسكن يأوي إليه والمرأة يتزوجها والخادم PageV03P1658 # تخدمه، هو أحد الملوك. # وقوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} الذي آتاهم ms0614 هم المن والسلوى ~~والبحر والحجر والغمام، قاله مجاهد. وقيل: هو الدار والخادم والزوجة. # ومعنى {من العالمين} من عالمي زمانكم. وقال ابن جبير: {وآتاكم ما لم يؤت ~~أحدا} هذه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله: {ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة} الآية. # قال ابن عباس: هي فلسطين والأردن (و) عنه وعن مجاهد: الأرض المقدسة: ~~الطور وما حوله أمرهم موسى بدخولها عن أمر الله لهم. وقيل: هي PageV03P1659 # الشام، قاله قتادة. # وقيل: هي دمشق (و) فلسطين، (و) قال مقاتل: هي أريحا أرض الأردن. # والمقدسة: المطهرة، وقيل: المباركة. # وقوله: {التي كتب الله لكم} أي: التي كتبها الله لبني إسرائيل، وقد سكنها ~~بنو إسرائيل ولم يسكنها هؤلاء الذين خاطبهم موسى صلى الله عليه وسلم لقوله ~~{فإنها محرمة عليهم}، PageV03P1660 # ولم يعن موسى صلى الله عليه وسلم أن الله كتبها للذين خاطبهم، وإنما عنى ~~أن الله تعالى كتبها لبني إسرائيل وقيل: معناه: التي وهب الله لكم وأعلم ~~بها أباكم إبراهيم. # وقال السدي: التي أمركم الله بدخولها. # {ولا ترتدوا على أدباركم} أي: امضوا لأمر الله في قتالهم ولا ترجعوا ~~القهقري، {فتنقلبوا خاسرين} لنكولكم عن قتال عدوكم الذي أمركم الله به. # قوله: {قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين} الآية. # المعنى: أن الله تعالى ذكره أخبر عن (قول) قوم موسى له إذا أمرهم بدخول ~~الأرض المقدسة، وأنهم قالوا: إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم. PageV03P1661 # سموا " جبارين " لشدتهم وعظم خلقهم وقوتهم. # وأصل الجبار: أن يكون المصلح أمر نفسه ومن يلزمه أمره، ثم استعمل في كل ~~من جر إلى نفسه نفعا بباطل أو حق، حتى قيل للمعتدي: جبار وقال بعض أهل ~~اللغة: " الجبار - من الآدميين - (العاتي) الذي يجبر الناس على ما يريد ". # وقولهم {لن ندخلها} لم تدخل (لن) للعصيان منهم وللامتناع من أمر الله ~~لهم، ولو كان كذلك لكفروا، إنما دخلت لتدل على امتناع الدخول للخوف من ~~الجبارين ودل على ذلك قولهم {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون}، ومن أسماء الله ~~جل وعز: الجبار، لأنه المصلح أمر / عباده. # قال ابن عباس: لما ms0615 قرب منهم موسى، بعث إليهم اثني عشر نقيبا ليأتوه PageV03P1662 # بخبرهم، فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما (من) هيئتهم وأسجامهم فدخلوا ~~حائطا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط يجتني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعها، ~~فوجدهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط ~~الإثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، ~~فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. فرجعوا إلى ~~موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. # وقال الضحاك: {اإن فيها قوما جبارين} قال: سفلة لا خلاق لهم ". # فعند ذلك قالوا لموسى {(إنا) لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها ~~فإنا داخلون}. # قوله: {قال رجلان من الذين يخافون} الآية. # قرأ سعيد بن جبير {الذين يخافون} على ما لم يسم فاعله، فأخبر الله تعالى ~~نبيه بما PageV03P1663 # قال رجلان صالحان من بني إسرائيل وهما يوشع بن نون وكلاب بن [يافنا]- ~~وقيل: كالب، وقيل: اسمه كالوب بن مافنة - فوفيا موسى بما عهد إليهما. # وقال ابن عباس: لما نزل موسى بمدينة الجبارين بعث من بني إسرائيل اثني ~~عشر نقيبا ليأتوا بخبره فصاروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه ~~(فحملهم) حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه [فقالوا]: من ~~أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى بعثنا إليكم لنأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة عنب ~~[بوقر] الرجل: فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قدر ~~قوم هذه فاكهتهم، فلما أتوهم قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، PageV03P1664 # {قال رجلان من الذين يخافون} وهما رجلان - كانا من أهل المدينة - أسلما ~~واتبعا موسى وهارون فقالا لموسى {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم ~~غالبون وعلى الله فتوكلوا (إن كنتم مؤمنين)} الآية. # قال الكلبي: كانوا [بجبال] أريحا من الأردن فجبن القوم أن يدخلوها ~~فأرسلوا جواسيسهم - من كل سبط رجلا - يأتوهم بخبر الأرض المقدسة فدخل ~~الإثنا عشر فمكثوا بها [أربعين] ليلة ثم خرجوا، فصدق اثنان وكذب عشرة، ~~فقالت العشرة: رأينا أرضا تأكل أهلها ورأينا حصونا منيعة، ورأينا رجالا ~~جبابرة ينبغي لرجل منهم مائة ms0616 منا، فجبنت بنو إسرائيل وقالوا: لا ندخلها حتى ~~يخرجوا منها، فقال يوشع بن نون وكالوب وهما الرجلان [اللذان] أنعم الله ~~عليهما بالإيمان -: PageV03P1665 # نحن أعلم بالقوم من هؤلاء، إن القوم قد (ملئوا منا) رعبا، ادخلوا عليهم ~~الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ~~قالوا: يا موسى أيكذب منا عشرة ويصدق اثنان؟ إنا لن ندخلها أبدا ما داموا ~~فيها. # قال الله عند ذلك: فإنها محرمة عليهم أبدا، وهم مع ذلك يتيهون في الأرض ~~أربعين سنة. فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى، هلكوا كلهم في التيه، إلا ~~الرجلين فإنهما دخلاها، ودخلها (مع) موسى أبناء القوم الهالكين في التيه، ~~وهذا على [قراءة] من قرأ: (يخافون) بالضم. # ومعنى / {أنعم الله عليهما} أي: بطاعته واتباع نبيه. وقيل: أنعم الله ~~عليهما بالخوف. وقال الضحاك: أنعم الله عليهما بالهدى، وكانا من مدينة ~~الجبارين. # قوله: {قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها} الآية. # (و) هذا أيضا خبر من الله عن قول القوم لموسى، ومعنى (أبدا): أيام حياتنا ~~ومقامهم. PageV03P1666 # ومعنى {فاذهب أنت وربك} أي: وليعنك ربك، لأن الله لا يجوز عليه الذهاب ~~وإنما الذي سألوه الذهاب موسى وهذا إعلام من الله نبيه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أن بني إسرائيل لم يزالوا يعصون الأنبياء وأن [الذين] بحضرتك أسوة في ~~العصيان. # قوله: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} الآية. # المعنى: قال موسى - عند قولهم له ما حكى عنهم، ونكولهم عن قتال عدوهم -: ~~رب إني لا أملك إلا نفسي، وأخي كذلك، أي: وأخي [أيضا لا يملك] إلا نفسه. # (وقيل: المعنى لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، فيكون نسقا على ~~نفسي). # فالأخ - على القول الأول - في موضع رفع، عطف على موضع {إني}، وعلى PageV03P1667 # الثاني في موضع نصب. # ويجوز الرفع في الأخ من وجه آخر: وهو أن يكون معطوفا على المضمر في ~~{أملك}، كأنه قال: إني لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا. ويجوز النصب على أن ~~[يكون] نسقا على الياء التي هي اسم ms0617 (أن)، بمعنى قال: إني وأخي لا أملك إلا ~~أنفسنا. # ومعنى الآية: أنه خبر من الله عن موسى وما قال عندما قال له قومه. # ومعنى {فافرق بيننا} (أي فافصل بيننا) {وبين القوم الفاسقين} أي: افصل ~~بيننا بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم، يقال " فرقت بين الشيئين " بمعنى: فصلت ~~بينهما، قال ابن عباس: اقض بيننا. # وقيل: المعنى: اجعل الجنة دارنا ليكون بيننا وبينهم فرق. # وأجاز أبو حاتم الوقف على {إلا نفسي}، قال: لأن المعنى: وأخي لا يملك إلا PageV03P1668 # نفسه، وهذا قول مردود، لأن كل إنسان يملك نفسه فلا فائدة في الكلام على ~~هذا، ولو كان موسى لا يملك أخاه، لم يكن في تخصيص ذكره فائدة، لأنه أيضا لا ~~يملك قومه، فهم بمنزلة الأخ على هذا القول. (وقد أنكر هذا القول) المبرد ~~وغيره. # قوله: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} الآية. # {أربعين سنة} منصوب ب {يتيهون}، لأن موسى غضب عليهم لما قالوا، فدعا ~~عليهم، فحرمها الله عليهم أبدا وألزمهم أن يتيهوا أربعين سنة عقوبة ولم ~~يدخلوها. # وقيل: وهو منصوب ب {محرمة} وأنهم عوقبوا بأن حرمت عليهم أربعين PageV03P1669 # سنة، و {يتيهون}، حال العامل فيه {محرمة}، ثم بعد الأربعين فتحها لهم ~~وأسكنهم إياها وكانوا يومئذ ست مائة ألف مقاتل، فلبثوا أربعين {سنة} في ستة ~~فراسخ جادين في السير، فإذا سئموا ونزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ~~ارتحلوا، فاشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فأنزل الله عز وجل عليهم المن ~~والسلوى و (ظللهم بالغمام)، وانفجر لهم حجر أبيض عن اثنتي عشرة عينا، لكل ~~سبط منهم عين، فلما تمت الأربعون سنة أمرهم الله أن يأتوا المدينة، فقد ~~كفوا أمر عدوهم، وقال لهم: إذا أتيتم المسجد فأتوا الباب واسجدوا وقولوا " ~~حطة "، بمعنى: حط عنا ذنوبنا، فأتى عامة القوم وسجدوا على خدودهم وقالوا: ~~حنطة. # قال السدي: / لما ضرب عليهم التيه، ندم موسى فمكثوا أربعين سنة، ثم إن PageV03P1670 # موسى اجتمع بعاج، [فنزا] موسى في السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة ~~أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عاج فقتله، ولم يبق ms0618 أحد ممن أبى (أن ~~يدخل) قرية الجبارين - ممن كان مع موسى - إلا مات ولم يشهد الفتح، وإنما ~~كان معه أبناؤهم، ثم إن الله [نبأ] يوشع بن نون وأمره بقتال الجبارين، فآمن ~~به بنو إسرائيل، فهزموا الجبارين، قال: فكانت العصابة من بني إسرائيل تجتمع ~~على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها. # قال ابن عباس: كل من دخل التيه - ممن جاز العشرين سنة - مات في التيه، ~~ومات موسى عليه السلام في التيه، ومات هارون قبله، وبرز يوشع [بمن بقي] معه ~~مدينة الجبارين فافتتحها. PageV03P1671 # قال قتادة: مات موسى في الأربعين سنة ولم يدخل بيت المقدس إلا أبناؤهم ~~والرجلان اللذان قالا ما قالا. # قال الطبري: ثبتت الأخبار أن موسى قتل عاج بن عناق وهو من أعظم الجبارين، ~~وموسى صلى الله عليه وسلم هو الذي افتتح مدينة الجبارين والرجلان على ~~مقدمته. # وروي أن طول عاج ثمان مائة ذراع، وأنه لما ضربه موسى بعصاه [في] الكعب ~~[سقط] ميتا، فكان جسرا للناس يمرون عليه. # وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: " كان طول موسى عشرة ~~أذرع، وطول عصاه عشرة أذرع، ونزا موسى عشرة أذرع (فما نال من عوج إلا ~~العرق) - الذي تحت الكعب - فقتله بتلك الضربة " قال زيد: فبلغني أن جيفته ~~سدت بطن وادي الأردن. PageV03P1672 # قال نوف البكالي: كان طول عوج ثمان مائة ذراع، وعرضه أربع مائة ذراع. # وقال وهب بن منبه: لما نظر عوج إلى عسكر موسى - وكانوا ستمائة (ألف ~~مقاتل) ونيفا - اقتلع من الجبل صخرة - على قدرهم من الأرض - فاحتملها رافعا ~~بها يديه ليرسلها على العسكر، فبعث الله عز وجل الهدهد - ومعه قطعة من ماس ~~- فأداره على الصخرة تلقاء رأسه، فما نزا موسى فأصاب عرق عوج، سقط موضع ~~التقوير من الصخرة في عنق عوج فسقط ميتا. PageV03P1673 # وقوله: {يتيهون} أي: يحارون. # وقوله: {فلا تأس} خطاب لموسى. وقيل: لمحمد عليهما السلام. # والتمام عند الأخفش وأبي حاتم ونافع ويعقوب: {محرمة عليهم} على أن نصب " ~~الأربعين " ب {يتيهون}. # " قال أبو العالية: كانوا ست مائة ألف، سماهم الله ms0619 " فاسقين " بهذه PageV03P1674 # المعصية ". # قوله: {واتل عليهم نبأ ابنيءادم بالحق} الآية. # المعنى: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو (خبر ابني) ~~آدم على اليهود الذين ذكر قصتهم فيما تقدم، فيخبرهم عاقبة الظلم ونكث ~~العهد، وما جزاء المطيع منهما وما آل إليه أمر العاصي منهما. وابنا آدم ~~هما: هابيل وقابيل، أمرهما الله عز وجل أن يقربا قربانا، وكان أحدهما صاحب ~~غنم وكان له حمل يحبه - ولم يكن له مال أحب إليه منه - فقربه وقبله الله ~~منه، وهو الذي فدى به إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ( لم يزل يرتع في الجنة ~~حتى فدى به الذبيح، وقرب الآخر شر حرثه - وكان صاحب حرث - / فلم يتقبل منه، ~~قال ابن عمر: وأيم الله، لقد كان المقتول أشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن ~~يبسط يده إلى أخيه. # قال ابن عباس: كان قبول القربان أن تأتي نار فتأكل المتقبل وتترك الذي لم PageV03P1675 # يتقبل - ولم يكن في الوقت مسكين يتصدق عليه، فحسد الذي لم يتقبل منه ~~المتقبل منه، فقال: {لأقتلنك}، قال له أخوه: وما ذنبي؟، {إنما يتقبل الله ~~من المتقين}. # قال مجاهد: لما قتله عقل الله إحدى رجليه بساقها إلى يوم القيامة، وجعل ~~وجهه إلى الشمس، حيث ما دارت [دار] عليه حظيرة من ثلج في الشتاء، وفي الصيف ~~حظيرة من نار، معه سبعة أملاك، كلما ذهب ملك جاء آخر. # وقابيل هو القاتل لهابيل - فيما ذكر المفسرون -، وقابيل هو الأكبر. # وذكر ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آدم كان ~~يولد له غلام وجارية، فإذا ولد له بطنان، زوج أخت هذا لهذا وأخت هذا لهذا، ~~وإن قابيل كان له أخت حسنة أحسن من أخت هابيل، فأبى أن يزوجها لهابيل، ~~وقال: أنا أحق بها، فأمره آدم أن يزوجها منه فأبى، وإنهما قربا قربانا إلى ~~الله: أيهما أحق بالجارية، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، وكان ~~قد قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال للأرض، فأبت، وقال ~~للجبال ms0620 فأبت، وقال لقابيل فقال: نعم، PageV03P1676 # فاذهب تجد أهلك كما يسرك. فلما قربا قربانا، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب ~~قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها وأكلها، فنزلت النار فأكلت ~~قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وقد كان قابيل يفخر بأنه الأكبر وأنه وصي ~~آدم، فغضب قابيل وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. # قال الحسن: كانا رجلين من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه. # وقيل: إنهما لما امتنع قابيل أن يزوج أخته لهابيل، غضب آدم وقال: اذهبا ~~فتحاكما إلى الله وقربا قربانا، فأيكما قبل قربانه فهو أحق بها، فقربا ~~القربان بمنى - فمن ثم صار مذبح الناس اليوم بمنى - فنزلت نار فأحرقت قربان ~~هابيل، ولم تأكل قربان قابيل، فقتله قابيل بحجر: رضخ رأسه (به)، واحتمل ~~أخته حتى PageV03P1677 # أتى بها واديا من أودية اليمن - في شرقي عدن - (فكمن) فيه، وبلغ آدم ~~الخبر فأتى فوجد هابيل قتيلا. # قال ابن جريج: لم يدر كيف يقتله، يلوي برقبته ويأخذ برأسه، فنزل إبليس ~~فأخذ طيرا، فوضع رأسه على صخرة ثم أخذ حجرا، فرضخ به رأسه (وقابيل ينظر ~~ففعل [ذلك] بأخيه فرضخ رأسه). # ومكث آدم مائة سنة حزينا لا يضحك، ثم أتي (فقيل له) (حياك الله) وبياك. ~~معنى " بياك ": أضحكك. # وروي عن علي أنه [قال]: بكاه آدم وقال: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح PageV03P1678 # تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح. # " بشاشة ": نصب على التفسير، لكن حذف التنوين لالتقاء الساكنين. ومن ~~الناس من يرويه بخفض " الوجه المليح " على أنه [مقو]. # / و {المتقين} - هنا -: " الذين اتقوا الله وخافوه ". وقيل: هم من اتقى ~~الشرك، قاله الضحاك وغيره. # وروي أن الذي قرب هابيل كان كبشا سمينا من خيار غنمه، وأن الله تعالى PageV03P1679 # أدخل ذلك الكبش الجنة، فلم يزل حتى فدي به ولد إبراهيم. # قوله: {لئن بسطت (إلي) يدك لتقتلني} الآية. # أخبر الله - في هذه الآية - بتحرج المقتول عن القتل، وقال ابن عمر: وأيم ~~الله - إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه ms0621 ~~يده. # قال مجاهد وغيره: كان فرض الله عليهم ألا يمتنعوا ممن أراد قتلهم. # {إني أخاف (الله) رب العالمين} أي: أخافه إن خالفت أمره فمددت يدي إليك. # قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي} الآية. # ومعنى إرادته لأن يبوأ أخوه بإثمه: أن المؤمن يريد الثواب ولا ينبسط ~~إليه، PageV03P1680 # فصار في كف يده - عمن يقتله - بمنزلة من يريده، فهو مجاز على هذا، وهو ~~قول المبرد. # وقيل: هو حقيقة، لأنه لما قال {لأقتلك}، استوجب النار بما تقدم في علم ~~الله عز وجل أنه سيفعل، فعلى المؤمن أن يريد ما أراد الله. # وقال ابن كيسان: إنما وقعت الإدارة بعدما بسط يده بالقتل. # وقيل: المعنى: بإثم قتلي إن قتلتني. وقيل: المعنى: إذا قتلتني أردت ذلك " ~~لك "، لأنه إرادة الله للقاتل. PageV03P1681 # ومعنى {بإثمي} أي: بإثم قتلي، ومعنى {وإثمك} (أي وإثمك) الذي من أجله لم ~~يتقبل منك، وهو قول مجاهد. وقيل: معناه: بإثم قتلي وإثم اعتدائك علي، لأنه ~~يأثم في الاعتداء وإن لم يقتل. # وقيل: المعنى: {بإثمي} الذي كان يلحقني لو بسطت يدي إليك، وإثمك في تحملك ~~قتلي. وعن ابن عباس: بإثم قتلي وإثم معاصيك المتقدمة لك. # وقال إبراهيم بن عرفة: (أراده عن) غير محبة ولا شهوة، لأنه لما لم يكن بد ~~من أن يكون قاتلا أو مقتولا، اختار - عن ضرورة وعن غير محبة لذلك - أن ~~يقتل، كما تقول للرجل - يحاول ظلمك -: " أريد أن أفدي نفسي منك " وأنت لا ~~تحب ذلك ولكن الضرورة ألجأتك إلى هذه الإرادة. PageV03P1682 # (و) قوله: {وذلك جزآء الظالمين} قيل: هو (من) قول المقتول. وقيل: هو ~~إخبار من الله لنا. وهذا يدل على أن الله عز وجل قد كان أمر آدم ونهاه ~~وولده " ووعدهم " وأوعدهم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما من نفس تقتل ظلما إلا على ابن آدم ~~الأول كفل منها، ذلك بأنه أول من سن القتل ". # ومعنى {تبوء} أي: تحمل وتلزم وتنصرف به. # قوله: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} الآية. # معنى " طوعت ": أجابته إلى ذلك وانقادت (له إلى ذلك ففعل). # وقيل: معناه: ms0622 زينت. وذلك أنه وجده نائما فشدخ رأسه بصخرة: وذلك أن PageV03P1683 # الغلام فر منه فطلبه فوجده نائما عند غنم له يرعاها فشدخ رأسه. وذكر (. . ~~.) ابن جريج أن إبليس علمه ذلك. # قوله: {فبعث الله غرابا} الآية. # قرأ الحسن: (أعجزت) بكسر الجيم، وهي لغة شاذة، إنما يقال: " عجزت المرأة ~~": إذا كبرت عجيزتها. # ومعنى الآية: أن القاتل لم يدر ما يصنع به. # قال ابن عباس: فمكث يحمل أخاه في خوان على رقبته سنة، فبعث الله غرابين، ~~فرآهما يبحثان. فقال: أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي؟. / ~~وقيل: بعث الله غرابا حيا إلى غراب ميت، فجعل الحي يواري الميت فتعلم منه ~~ابن آدم. وقيل: بعث الله غرابين أخوين فاقتتلا قدامه، فقتل أحدهما الآخر، PageV03P1684 # فأقبل القاتل يواري المقتول فتعلم ابن آدم القاتل منه، فوارى أخاه. # وقال مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به حتى رأى ~~الغراب يدفن الغراب، فقال: {ياويلتا} أعجزت أن {أكون} أفعل مثل ما فعل ~~هذا؟. # وهذا كله مثل ضربه الله لابن آدم وحرصه في الدنيا. # ومعنى {من النادمين} أي: من النادمين على قتل أخيه. # قال نافع: {من أجل ذلك} التمام، وخالفه في ذلك جماعة العلماء باللغة، ~~وقالوا التمام {من النادمين}، لأن الذي كتب على بني إسرائيل إنما كان من ~~أجل قتل ابني آدم: أحدهما الآخر. وإذا وقف على {من أجل ذلك}، صار إنما كتب ~~عليهم لغير علة، PageV03P1685 # وليس التفسير على ذلك. # قوله: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} الآية. # قرأ الحسن: {أو فساد} بالنصب، على معنى: أو تحمل فسادا، ويجوز أن يكون ~~مصدرا على معنى: أو أفسد فسادا. # و [قراءة] الجماعة بالخفض على معنى: أو بغير فساد في الأرض. # ومعنى الآية: من أجل هذا القتل كتبنا - أي: [حكمنا]- على بني إسرائيل أنه ~~من قتل نفسا ظلما - لم تقتل نفسا - أو قتلها بغير فساد كان منها في الأرض، ~~وفسادها: إخافة السبل. # وقوله: {فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}. # قال ابن عباس: معناه من ms0623 قتل نبيا أو إماما عدلا فكأنما قتل الناس جميعا، ~~ومن أعان نبيا أو إمام عدل فنصره من القتل، فكأنما أحيا الناس جميعا. وقيل ~~المعنى: من قتل نفسا بغير ذنب فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها - أي: ~~ترك قتلها مخافة الله PageV03P1686 # - فكأنما أحيا الناس جميعا. # وقيل المعنى: فكأنما قتل الناس عند المقتول، ومن استنقذ نفسا من هلكة ~~فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ. # وقيل: المعنى: أن صاحب القتل يصلى النار، فهو بمنزلة من قتل الناس جميعا، ~~ومن سلم من قتلها فكأنما سلم من قتل الناس جميعا. # وقال مجاهد: معناه أنه يصير إلى جهنم بقتل نفس كما يصير إليها بقتل جميع ~~الناس. وقيل: المعنى (أن) من قتل نفسا، يجب عليه من القصاص والقود كما يجب ~~على من قتل الناس جميعا، قال ذلك ابن زيد عن أبيه. # وقيل: معنى {من أحياها}: من عفا عمن يجب عليه القصاص، فهو مثل من عفا عن ~~جميع الناس لو وجب (له عليهم قصاص). # قال ابن زيد أيضا: {من أحياها}: من عفا عنها، أعطاه الله من الأجر مثل لو ~~عفا PageV03P1687 # عن الناس جميعا. وعن مجاهد: من أحياها من غرق أو حرق أو هلكة. قال الحسن: ~~وأعظم إحيائها: إحياؤها من كفرها وضلالتها. # وقيل: المعنى يعذب - كما يعذب قاتل الناس جميعا - من قتل نفسا، ويؤجر من ~~أحيا نفسا - أي: استنقذها - كما يؤجر من أحيا الناس جميعا. # وقيل: المعنى هو: في الجرأة على الله والإقدام على خلافه كمن قتل الناس ~~جميعا، تشبيها لا تحقيقا، لأن عامل السيئة لا يجزي إلا بمثلها. # وقوله / {فكأنما أحيا الناس} هذا يعطى من الأجر مثل ما يعطى من أحيا ~~الناس جميعا، لأن الحسنات تضاعف ولا تضاعف السيئات، فهذه حقيقة والأول على ~~التشبيه لا على الحقيقة. PageV03P1688 # قوله: {ولقد جآءتهم رسلنا} الآية؛ أي: جاءت بني إسرائيل الرسل بالحجج ~~الواضحة البينة، {إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} أي: بعد مجيء ~~الرسل بالآيات البينات {لمسرفون} أي: " لعاملون بمعاصي الله ". # قوله: {إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية. # معنى ms0624 الآية: أنها بيان من الله عن حكم المفسد في الأرض. # والقطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. # ونزلت هذه الآية في قوم من أهل الكتاب نقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، ~~وقطعوا السبل، فخير الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالحكم فيهم، قاله ~~ابن عباس (وغيره، قال ابن عباس): خير الله نبيه، إن شاء أن يقتل وإن شاء أن ~~يصلب وإن شاء أن يقطع من خلاف. (و) قال الحسن: نزلت هذه الآية في المشركين. PageV03P1689 # وقيل: نزلت في قوم - من عكل وعرينة - ارتدوا عن الإسلام (وحاربوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قاله أنس وغيره، إنهم ارتدوا " واستاقوا المواشي ~~وقتلوا الرعاء، فقطع النبي أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وتركهم في الحرة ~~حتى ماتوا. وقال بعض العلماء: إن هذه الآية ناسخة لما فعل النبي بالعرنيين ~~إذ مثل بهم، فلم يعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المثلة. وقيل: بل فعل ~~ذلك النبي بوحي وإلهام لقوله: PageV03P1690 # {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3]. # والسمل: فقء العين بحديدة أو بشوكة. # وقوله: {أو ينفوا من الأرض}: قيل: يخرجون من ديار الإسلام إلى دار الحرب، ~~وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: ينفى من البلد الذي أحدث فيه ذلك إلى غيره. ~~وقال الكوفيون: النفي - هنا - الحبس، لأنه لا يمكن أن ينفى من الأرض كلها ~~لو تركنا والظاهر. # قوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} الآية. # أي: إلا الذين تابوا من محاربتهم وشركهم والسعي في الأرض بالفساد من قبل ~~أن تملكوهم، فإن الله يغفر لهم، أي: يستر عليهم ما تقدم من فعلهم ويرحمهم. PageV03P1691 # وهذه الآية - عند جماعة - إنما في المشركين - وأما الرجل المسلم فليس ~~يحرزه من الحد إذا قتل أو أفسد الأموال توبته. وقيل: هي للمؤمنين وغيرهم ~~إذا استأمنوا أو تابوا أو أمنهم الإمام، فليس لأحد أن يطلبهم بدم ولا ~~بغيره، قاله السدي وغيره. # وقال مالك: لا يطلب بشيء إذا جاء تائبا - المؤمن ولا غيره - إلا أن يكون ~~معه مال يعرف فيأخذه صاحبه أو تقوم على المسلم ms0625 بينة بالقتل فيقاد منه، ولا ~~يتبعه الإمام بشيء من الدماء التي لم يطلبها أولياؤها. وقال الشافعي: تضع ~~توبته عنه حقوق الله ولا يسقط عنه بها حقوق بني آدم. # وقيل: إنما تضع التوبة الحقوق عمن لحق - في حرابته - بدار الكفر ثم أتى ~~تابئا، وأما من لم يلحق بدار الكفر، فالحقوق كلها لازمة له - تاب أو لم يتب ~~-. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه} الآية. PageV03P1692 # المعنى: خافوه فيما أمركم / به واطلبوا إليه القربة. والوسيلة: القربة. ~~وقيل: هي المحبة. وقيل: الوسيلة درجة في الجنة. # {بسم الله الرحمن الرحيم}، قوله: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض} ~~الآية. # (و) معناها: أن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ~~وماتوا على ذلك، لو ملكوا - يوم القيامة - ما في الأرض كلها وضعفه معه، ~~لرضوا أن يفتدوا به من العذاب وليس يتقبل منهم ذلك ولا ينفعهم. # وهذا إعلام من الله عز وجل لليهود والنصارى ومشركي قريش أنهم لا بد لهم ~~من الخلود في النار، وأن قولهم {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: ~~80] باطل كذب. # (ثم) أخبر تعالى أنهم يريدون أن يخرجوا من النار بعد دخولها وأنهم ليسوا PageV03P1693 # بخارجين منها وأنهم في عذاب مقيم، (أي دائم) أبدا. # قال نافع بن الأزرق لابن عباس: تزعم أن قوما يخرجون من النار (و) قد قال ~~الله عز وجل: { وما هم بخارجين منها}، فقال له ابن عباس: ويحك، اقرأ ما ~~فوقها، هذا للكفار. قال الحسن: (كلما رفعتهم) بلهبها حتى يصيروا إلى ~~أعلاها، أعيدوا فيها. # قوله: {والسارق والسارقة} الآية. # قال سيبويه: أبت العامة إلا الرفع، يريد بالعامة الجماعة من الرواة ~~والقراء، والاختيار عنده النصب، لأن الأمر بالفعل أولى، فهو عنده مثل " ~~زيدا فاضربه "، PageV03P1694 # وخولف في ذلك فقال الكوفيون: الرفع أولى، لأنك لا تقصد إلى سارق بعينه، ~~وإنما المعنى: كل من سرق فاقطعوا يده، ولذلك أجمعوا على أن [قرأوا]: ~~{واللذان يأتيانها} [النساء: 16] بالرفع، وهو مذهب المبرد. # وقال: {أيديهما} بالجمع ليفرق بين ما في الإنسان منه ms0626 واحد وما فيه اثنان، ~~هذا قول الخليل. وقال الكوفيون: أكثر ما في الإنسان - من الجوارح - اثنان " ~~اثنان " مثل اليدين والرجلين والقدمين والأذنين، فلما جرى أكثره على هذا، ~~ذهب بالواحد منهم - إذا أضيف إلى آخر - مذهب الجمع. # وقيل: فعل ذلك، لأن التثنية جمع. وقيل: لأنه لا يشكل. PageV03P1695 # وأجاز سيبويه جمع غير هذا مما (ليس) في الإنسان في حال التثنية وحكى (" ~~وضعا رحالهما): يريد رحلي راحلتين. # وقرأ ابن مسعود " والسارق والسارقة " بالنصب، وبه قرأ عيسى بن عمر. # {جزآء} مفعول من أجله، ويكون مصدرا، ومثله {نكالا}. # وقرأ ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما). # والألف واللام في {السارق والسارقة} دخلتا لتعريف النوع ك { رضي الله عنR ~~الزانية والزاني} [النور: 2]، PageV03P1696 # و [ليستا] لتعريف الجنس، إنما يكونان لتعريف الجنس فيما لزمته الألف ~~واللام (من أجل جنسه: كالرجل والدينار والدرهم، وما لزمه الألف واللام) ~~لأجل فعله، فهو تعريف النوع كالسارق والزاني وشبهه، وهذا يزول عنه هذا ~~الاسم بزوال فعله، والأول لا يزول عنه أبدا. # ومعنى الآية: من سرق من رجل أو امرأة فاقطعوا أيديهما. # وعنى بذلك سارق ثلاثة [دراهم]، أو ربع دينار أو (ما قيمته) ربع دينار، أو ~~ثلاثة [دراهم] فصاعدا، هكذا بينته السنة. PageV03P1697 # ولا يقطع السارق حتى يسرق من حرز وما أشبه الحرز، وهو قول أهل المدينة: ~~مالك وأصحابه. وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم في مجن / قيمته ثلاثة ~~دراهم، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعائشة رضي ~~الله عنهم. # وروي أن عليا قطع في ربع دينار: درهمان ونصف. # وروي عن ابن مسعود أن القطع في دينار أو عشرة دراهم فصاعدا، لا فيما دون ~~ذلك. وقال عطاء: لا تقطع يد السارق فيما دون عشرة دراهم. PageV03P1698 # وقال النخعي: تقطع يد السارق في دينار أو في قيمته. # وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن اليد تقطع في أربعة [دراهم] ~~فصاعدا، لا فيما دون ذلك. # وقد أوجب قوم القطع على كل من سرق وإن قل ذلك، على ظاهر الكتاب. # ولا قطع على السارق ms0627 حتى يخرج المتاع من حرزه أو ما يشبه الحرز، وهو قول ~~الشعبي والزهري وعطاء، وروي ذلك عن عثمان وابن عمر، وهو قول مالك PageV03P1699 # والشافعي وغيرهما. # ولو نقب بيننا فأدخل يده وأخذ متاعا فرمى به إلى الخارج ثم خرج فأخذه، ~~فعليه - في ذلك - القطع عند مالك وغيره، لأنه قد أخذه من حرزه - وهو الحائط ~~-، ولو ناوله آخر خارجا من البيت، كان القطع على الداخل ولم يقطع الخارج. # ولو دخل جماعة بيتا وأخذوا متاعا وحملوه على أحدهم وخرجوا به، فقال ابن ~~القاسم عن مالك: لا يقطع إلا من حمله، وقال ابن أبي أويس (عنه): يقطعون ~~جميعا. # ولا قطع على من سرق باب دار أو باب مسجد، لأنه ظاهر لا حرز عليه. PageV03P1700 # وإذا سرق من بيت الحمام - ومع المتاع من يحرزه - قطع عند مالك، فإن لم ~~يكن مع المتاع من يحرزه لم يقطع. # وإذا سرق رجلان شيئا - لو سرقه أحدهما وجب عليه القطع - قطعا جميعا عند ~~مالك، كالرجلين يقتلان رجلا، فإنهما يقتلان به. # وقال الشافعي: لا قطع على أحدهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما فيه ~~القطع. # وإذا سرق من رجلين أربعة [دراهم] فصاعدا، قطع عند مالك. # وإذا سرق سارق ما يجب فيه القطع ثم سرقه منه آخر، فعليهما القطع عند مالك ~~وغيره، ولو كانوا سبعين قطعوا. وقيل: لا قطع على الثاني. PageV03P1701 # ولو كان لرجل على رجل مائة دينار دينا فسرق الذي له الدين من مال الذي ~~عليه الدين مائة درهم، فإنه يقطع عند مالك. # فإذا سرق السارق ثم رد ما سرق ورفع إلى الإمام بعد ذلك، قطع في قول مالك ~~وإن عفا عنه صاحب المتاع. وقيل: إنه لا يقطع إذا عفا عنه صاحب المتاع. # ويقطع عند مالك [في الفواكه] إذا كان فيها قيمة ما تقطع عليه اليد. وقيل: ~~لا قطع في ذلك. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " لا قطع في ثمر ولا كثر " " والكثر: ~~الجمار ". # ومن سرق مصحفا قطع عند مالك والشافعي. # ولا قطع على مختلس أو خائن ms0628 عند جماعة العلماء. PageV03P1702 # وأوجب مالك وغيره القطع على الطرار الذي يطر النفقة من الكم. # وقيل: إن كانت الصرة داخل الكم قطع، وإن كانت خارجا لم يقطع. # وعلى الولد إن سرق من مال والده القطع، وهو قول مالك. وقيل: لا قطع عليه. # وكلهم لم يوجبوا على الوالدين قطعا إذا سرقا [من] مال ولدهما. # فأما [ذوو] المحارم فقال الشافعي: يقطعون. / وقال غيره: لا PageV03P1703 # يقطعون. # وكذلك اختلف في الزوجين، فقال مالك: يقطع كل واحد منهما إذا سرق مال ~~الآخر. # وقال غيره: لا قطع على واحد منهما. # وإذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى، (ثم إن ~~سرق قطعت يده اليسرى)، ثم إن سرق قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عزر وحبس، ~~هذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقيل: تقطع [أولا] اليمنى ثم يده اليسرى، ~~ثم إن سرق حبس. وقيل: تقطع يده اليمنى ثم رجله ثم لا قطع عليه، قاله الزهري ~~وغيره. PageV03P1704 # وإذا كانت يمنى السارق شلاء قطعت يسراه عند مالك. وقيل: تقطع الشلاء. ~~وذكر ابن القاسم أن مالكا لم يجبه فيها بشيء، قال: ثم بلغني أنه قال: تقطع ~~اليسرى. # وقال غير ابن القاسم عن مالك: تقطع رجله، لأن يده الشلاء كالمقطوعة. # وإذا أمر الحاكم بقطع يمينه (فقطعت يساره) أجزأ. # وقال مالك: إذا كان السارق مريضا يخاف عليه لم يقطع حتى يبرأ. PageV03P1705 # و (العبد والحر) في (جميع) ذلك سواء عند مالك. # ولا يحد إلا بالغ، والإنبات في حد البلوغ عند جماعة من العلماء، وحد ~~البلوغ - عند مالك - الاحتلام أو يبلغ من السن ما لا يجاوزه غلام (إلا ~~احتلم). # وأجاز جماعة من العلماء أن يشفع في الحدود ما لم يبلغ السلطان، روي ذلك ~~ابن عباس والزبير بن العوام، وهو مذهب الأوزاعي وابن حنبل. # وروي عن ابن عمر وغيره كراهة ذلك، وقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد ~~من حدود الله، فقد صاد الله في حكمه. PageV03P1706 # وقال مالك: من لم يعرف منه أذى للمسلمين (و) إنما كانت منه (تلك) زلة، ~~فلا بأس ms0629 أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام أو الشرط أو الحرس. # ومعنى {نكالا من الله} أي: مكافأة بفعلهما، {والله عزيز} أي: عزيز في ~~انتقامه من السارق وغيره (و) من أهل معصيته، {حكيم} في فرائضه وحدوده. # قوله: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} الآية. # المعنى: فمن تاب من هؤلاء السراق من بعد سرقته وأصلح، {فإن الله يتوب ~~عليه} أي: يرجعه إلى ما يحب ويرضى عن ما يسخطه، {إن الله غفور (رحيم)} أي: ~~ساتر على من تاب رحيم بعباده الراجعين إليه. PageV03P1707 # فتوبة الكافر عن كفره تدرأ عنه الحد، لأن ذلك أدعى إلى الدخول في ~~الإسلام. # وتوبة المسلم عن السرق والزنى لا تدرأ عنه الحد، لأن ذلك أعظم لأجره في ~~الآخرة وأمنع بمن هم أن يفعل مثل ذلك، وقال مجاهد: توبة السارق في هذا ~~الموضع إقامة الحد عليه. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ( أمر بقطع) امرأة سرقت حليا فقالت ~~المرأة: هل من توبة؟، فقال لها رسول الله: أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك ~~أمك "، فأنزل الله: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} الآية. # قوله: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} الآية. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به من كان بالمدينة وحواليها ~~من اليهود، والمعنى: ألم يعلم هؤلاء القائلون: {لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة} [البقرة: 80] الذين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه أن الله مدبر ~~ما في السماوات وما في الأرض وأنه يعذب من يشاء / ويغفر لمن يشاء قادر على ~~ذلك لا يمتنع عليه. # قوله {يا أيها الرسول لا يحزنك} الآية. PageV03P1708 # هذه الآية نزلت في أبي لبابة قال: " لبني قريظة - حين حاصرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم -: إنما هو الذبح فلا تنزلوا على حكم سعد ". وقيل: (إنه) ~~إنما أشار إليهم بيده إلى حلقه يريد أنه الذبح إن نزلتم على حكم سعد. # وقيل: " إنها " نزلت في عبد الله بن صوريا ارتد بعد إسلامه، وأمر النبي ~~ألا يحزن عليه: وقال أبو هريرة: إن أحبار اليهود اجتمعوا في أمر رجل ms0630 (زنى ~~بامرأة) وهما محصنان، فقالوا: امضوا بنا إلى محمد فسلوه كيف الحكم فيهما: ~~فإن حكم بعملكم من التحميم - وهو الجلد بحبل من ليف مطلي بقار - ثم PageV03P1709 # يسود وجهه ثم يحمل على حمار ويحول وجهه ما يلي دبر الحمار، وكذلك يفعل ~~بالمرأة، فاتبعوه وصدقوه، فإنه ملك، وإن (هو) حكم بالرجم فاحذروه على ما في ~~أيديكم. # فأتوا النبي، فمشى النبي عليه السلام حتى أتى أحبارهم (فقال لهم): أخرجوا ~~إلي أعلمكم، فأخرجوا ابن صوريا الأعور - وكان أحدثهم سنا - فخلا به النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال: يا ابن صوريا أذكرك أيادي الله عند بني إسرائيل، ~~هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه في التوراة بالرجم؟، فقال: اللهم ~~نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك! ~~فخرج (رسول الله) فأمر بهما في جماعة - عند باب مسجده - فرجما، ثم كفر بعد ~~ذلك ابن صوريا، فأنزل الله: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر} الآية. # وقال البراء: مر (على) النبي بيهودي محمم مجلود، فدعا النبي رجلا PageV03P1710 # من علمائهم فقال: [هكذا] تجدون حد الزاني فيكم؟ # قال: نعم، قال: فأنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد ~~الزاني؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني ما حدثتك، ولكن كثر الزنى في أشرافنا، ~~فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: ~~تعالوا نجتمع فنضع شيئا مكان الرجم فيكون على الشريف والوضيع، فجعلنا ~~التحميم والجلد مكان الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم) أنا ~~أول من أحيا أمرك إذ أماتوه!، فأمر به فرجم، فأنزل الله {لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر} الآية. # وذكر ابن حبيب أن اليهود أنكرت أن يكون الرجم في التوراة فرضا عليهم، ~~فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من أعلمكم يا معشر يهود؟ قالوا: ابن ~~صوريا - وهو PageV03P1711 # غلام منهم أمرد أبيض أعور - فدعاه (رسول الله)، [فقال " له "]: أنت أعلم ~~يهود؟، قال: كذلك يزعمون، قال له رسول الله: فماذا تجدون (في الرجم) في ~~كتاب ms0631 الله الذي أنزله على موسى؟ قال: يا محمد إنهم يفضحون الشريف ويرجمون ~~الدني، وجعل [يروغ] عما في كتابهم، فنزل جبريل عليه السلام على (رسول الله) ~~صلى الله عليه وسلم فقال له: استحلفه بما آمرك به، فإن حلف وكذب، احترق بين ~~يديك وأنت تنظر، فقال له رسول الله - وهو الذي أمره به جبريل -: # أنشدك الله الذي لا إله إلا هو القوي، إله بني إسرائيل الذي [أخرجكم] من ~~مصر وفرق لكم البحر - وأحلفه بأشياء كثيرة - هل تجد في التوراة آية الرجم ~~(على) المحصن؟، قال: نعم، والله يا محمد لو قلت غير هذا لاحترقت بين يديك PageV03P1712 # وأنت تنظر. # وقال ابن جريج ومجاهد: " هم " {سماعون / للكذب سماعون لقوم - آخرين} - هم ~~اليهود -. # والمعنى: لا يحزنك تسرع (من تسرع منهم إلى الكفر، لأنهم آمنوا بألسنتهم ~~ولم (يؤمنوا بقلوبهم). {ومن الذين هادوا} أي: ولا يحزنك تسرع) الذين هادوا ~~إلى جحود نبوتك، ثم وصفهم فقال: {سماعون للكذب} أي: هم سماعون للكذب، وهو ~~قبولهم ما قال لهم أحبارهم من الكذب: أن حكم الزاني المحصن - في التوراة - ~~التحميم - والجلد، وهو صفة لليهود خاصة، ثم أخبر أنهم سماعون لقوم آخرين لم ~~يأتوا النبي، وهم أهل الزاني والزانية، بعثوا إلى النبي يسألونه عن الحكم ~~ولم يأتوا النبي. PageV03P1713 # وقيل: إن السماعين يهود فدك، و " القوم الآخرين " - الذين لم يأتوا النبي ~~- يهود المدينة. # وقيل: المعنى سماعون من أجل الكذب، أي: يستمعون منك يا محمد ليكذبوا ~~عليك. {سماعون لقوم آخرين} أي: يستمعون منك ليبلغوا ما سمعوا قوما آخرين، ~~فهم عليك عيون لأولئك الغيب. # {يحرفون الكلم}: أي يغيرون حكم الله الذي أنزله في التوراة في حكم ~~المحصنين من الزناة، ومعنى: {يحرفون الكلم} أي: حكم الكلم، {من بعد مواضعه} ~~أي: من بعد وضع الله ذلك مواضعه، فأحل حلاله وحرم حرامه، مثل {ولكن البر من ~~آمن بالله} [البقرة: 177]. # {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} أي: (إن حكم) بهذا الحكم المحرف (فاقبلوه، PageV03P1714 # يقول ذلك أحبار اليهود لهم في أمر الزانيين، [يقولون]: إن حكم محمد بينكم ~~بهذا الحكم المحرف) - وهو التحميم ms0632 والجلد - فخذوه، {وإن لم تؤتوه فاحذروا} ~~أي: وإن لم يحكم بينكم به فاحذروه ولا تؤمنوا به. # وقال السدي: يهود فدك يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا فخذوه - وهو ~~الجلد - وإن لم تؤتوه فاحذروا - وهو الرجم -. # وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما حكموا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~اللذين زنيا، دعا رسول الله بالتوراة وجلس حبر منهم يتلوها - وقد وضع يده ~~على آية الرجم - فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر ثم قال: هذه - يا نبي الله ~~- آية الرجم يأبى أن يتلوها عليك، فقال لهم النبي عليه السلام: يا معشر ~~يهود، ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو PageV03P1715 # بأيديكم؟ فقالوا: أما إنه قد كان فيما نعمل به حتى زنى منا رجل بعد ~~إحصانه من بيوت الملوك وأهل الشرف، فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل بعده ~~فقالوا: لا والله لا نرجمه حتى يرجم فلان، (فلما فعلوا ذلك، اجتمعوا ~~فأصلحوا أمرهم على التحميم وأماتوا ذكر الرجم)، فقال النبي: فأنا أول من ~~أحيا أمر الله، ثم أمر بهما ورجما عند باب المسجد، قال ابن عمر: فكنت ممن ~~رجمهما. # وقال قتادة: الآية نزلت في قتيل من بني قريظة، قتله بنو النضير، وكانت ~~بنو النضير إذا قتلت قتيلا ودت الدية - لا غير - لفضلهم، وإذا قتل لهم قتيل ~~لم يرضوا إلا بالقود تعزرا، فأرادت النضير أن ترفع أمر القتيل - الذي قتلوه ~~- PageV03P1716 # إلى النبي، فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم هذا قتيل عمد، متى ~~رفعتموه إلى محمد خشيت عليكم القود، فإن قبلت منكم الدية فأعطوها، وإلا ~~فكونوا منه على حذر. # وقوله: {ومن يرد / الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا}: هو تسلية للنبي ~~عليه السلام ألا يحزن على مسارعة من سارع إلى الكفر من المنافقين واليهود، ~~وفتنته: ضلالته. # {فلن تملك (له ( من الله شيئا}: لا اهتداء له أبدا. # {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} أي: بالإسلام " في الدنيا ". # {لهم في الدنيا خزي} أي: ذل وصغار وأداء الجزية عن يد، ms0633 {لهم في الآخرة ~~عذاب عظيم}. # وزعمت المعتزلة والقدرية أن الله لم يرد كفر أحد من خلقه، وأراد أن يكون ~~جميع الخلق مؤمنين، فكان ما لم يرد ولم يكن ما أراد - تعالى عن ذلك -، وقد ~~قال PageV03P1717 # (الله): {لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} وقال: {ولو شآء الله لجمعهم على ~~الهدى} [الأنعام: 35] وقال: {ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما ~~يريد} [البقرة: 253]، وقال: {ولو شآء [ربك] ما فعلوه} [الأنعام: 112] وقال: ~~{ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني [لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين]} [السجدة: 13]. # وقال: {وما تشآءون إلا أن يشآء الله} [الإنسان: 30]، وقال: {ومن يرد الله ~~فتنته فلن تملك له من الله شيئا}، وقال: {ولو شآء ربك لآمن [من] في الأرض ~~كلهم جميعا} [يونس: 99]، وقال: {أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا} [الرعد: ~~31]، وقال: {ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشآء ويهدي من ~~يشآء} [النحل: 93]، وفي كتاب الله من هذا ما لا يحصى، يخبر تعالى في جميعه ~~أنه أراد جميع ما كان وما يكون، وأن جميع الحوادث كانت عن PageV03P1718 # إرادته ومشيئته، وأنه لو شاء لأحدثها على خلاف ما حدثت فيجعل الناس كلهم ~~مؤمنين. # فعندت المعتزلة عليها لعنة الله عن ذلك وخالفته، وقالت: حدث كفر الكافر ~~على غير إرادة من الله، وعلى إرادة من الشيطان، وقد أجمع المسلمون على ~~قولهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالت المعتزلة: يكون ما لا ~~يشاء الله، وهو كفر الكافر، معاندة لإجماع الأمة، وقد حصلت المعتزلة في ~~قولها على أنه ليس لله - تعالى ذكره - على إبليس مزية، لأن إبليس شاء [ألا] ~~يؤمن أحد فآمن المؤمنون، فكان خلاف ما شاء، وشاء الله - عندهم - ألا يكفر ~~أحد فكفر الكافرون، فكان خلاف ما شاء، فلا فرق بينهما على قولهم الملاعين، ~~تعالى ربنا عما قالت المعتزلة علوا كبيرا، بل كان عن مشيئته، كان يفعل (ما) ~~يشاء: يوفق من يشاء فيؤمن، ويخذل من يشاء فيكفر، لا معقب لحكمه ولا راد ~~لمشيئته، ms0634 وخلق من شاء للسعادة فوفقه PageV03P1719 # لعملها، وخلق من شاء للشقاء وخذله عن العمل بغير عمل أهل الشقاء، " كل ~~ميسر لما خلق له "، هذا هو الصراط المستقيم، أعاذنا الله من الزيغ عن الحق. # قوله: {سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك} الآية. # السحت: فيه لغتان: إسكان الحاء وضمها. # وروى خارجة عن نافع: " السحت " بفتح السين وإسكان الحاء، جعله PageV03P1720 # مصدر: " سحته سحتا ". # ومعنى الآية: أن الله زاد في وصف من تقدم وصفه من اليهود أنهم {سماعون ~~للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك}، فذكر أيضا أنهم {سماعون للكذب} على ~~التأكيد. ويجوز أن يكون الأول معناه: أنهم يسمعون " من " قول من يقول لهم: ~~" محمد ليس بنبي "، ويقول لهم: " ليس على المحصن رجم إذا زنى / "، ويكون ~~الثاني معناه: أنهم يستمعون إليك ليكذبوا عليك - وقد قيل ذلك في معنى ~~الأول، وقد ذكرته -. ثم وصفهم تعالى بأنهم: {أكالون للسحت} وهو الرشا في ~~الحكم. # قال قتادة والحسن: {سماعون للكذب أكالون للسحت} هم حكام اليهود، يسمعون ~~الكذب ويقبلون الرشا. # والسحت - في اللغة -: كل حرام يسحت الطاعات أي: يذهبها، يقال: سحته: إذا ~~أذهبه قليلا قليلا، ويقال للحالق: " اسحت " أي: استأصل. # وقيل: السحت: الرشا في الأحكام، وأكل ثمن الخمر، وأكل ثمن الميتة، وثمن PageV03P1721 # جلدها الذي لم يدبغ، وأكل ما نهى النبي عن أكله من كل ذي ناب من السباع، ~~وكل ذي مخلب من الطير. وأدخل قوم في السحت أكل (أموال الناس) بالباطل. # وقوله: {فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم} معناه: فإن ~~جاءك قوم المرأة - الذين ذكر أنهم لم يأتوا بعد -، فاحكم بينهم إن شئت ~~بالحق، وإن شئت فأعرض عنهم، أي: دع الحكم بينهم إن شئت. # وقيل: نزلت في الدية في بني النضير وقريظة، كانت دية النضيري كاملة، ودية ~~القرظي نصف دية لشرف [النضيري]، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأمره الله أن يحكم بينهم بالحق، ثم خيره في الترك، قاله ابن عباس. # (و) قال ابن زيد: كان في حكم حيي بن أخطب للنضيري ديتان، PageV03P1722 # وللقرظي دية، فلما ms0635 علمت [قريظة] بحكم النبي قالوا: لا نرضى إلا بحكم ~~محمد، فخير الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم. # قال: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} الآية. # وهو الرجم على المحصن إذا زنى. (و) قوله: {ثم يتولون من بعد ذلك} هو ما ~~غيروا من حكم الرجم المنصوص في التوراة، وجعلهم عوضه التحميم والضرب بحبل ~~ليف مفتول أربعين ضربة استحرافا منهم [لحكم] لم يؤمروا به، والحاكم مخير ~~إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بهذه الآية، إن شاء حكم بالحق على مذهبه، وإن ~~شاء لم يحكم، وهو مذهب الشعبي والنخعي وعطاء وعمرو بن شعيب، وهو قول مالك، ~~فهي محكمة على قول هؤلاء. PageV03P1723 # وقيل: إن الآية منسوخة بقوله {وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع ~~أهوآءهم} الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه لما قدم المدينة - واليهود ~~بها كثير - كان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم، فقال {أو أعرض ~~عنهم} فأباح له ترك الحكم بينهم، فلما قوي الإسلام أنزل [الله] {وأن احكم ~~بينهم بمآ أنزل الله} [المائدة: 49]. # قال ابن عباس: نسخت من سورة المائدة آيتان: القلائد وقوله: {فإن جآءوك ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}، وهو قول عكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، ~~وهو المشهور عن الشافعي، وهو قول الكوفيين. # وكل العلماء أجاز للإمام أن ينظر بينهم إذا تحاكموا إليه، وإنما اختلفوا ~~في الإعراض عنهم. PageV03P1724 # وقوله: {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} أي: إن أعرضت عنهم - فلم تحكم ~~بينهم - فإنهم لا يضرونك. {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي: إن اخترت أن ~~تحكم بينهم، فاحكم بالعدل، إن الله يحب العادلين في حكمه. # قوله: {وكيف يحكمونك} الآية. # المعنى: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك {وعندهم التوراة فيها [حكم ~~الله]} أن على الزاني المحصن الرجم، والنفس بالنفس، {ثم يتولون} عن حكمها، ~~أي: يتركون حكم التوراة جرأة على الله، وهذا تقريع لليهود، لأنهم تركوا حكم ~~ما في أيديهم من كتابهم، ورجعوا إلى حكم النبي عليه السلام وهم يجحدون ~~نبوته، ثم قال {ومآ أولئك بالمؤمنين} أي: ms0636 (ما) من فعل هذا بمؤمن. # قوله: {إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} الآية. # المعنى: أن الله أنزل التوراة فيها هدى لما سألوا عنه من حكم الزانيين ~~المحصنين، PageV03P1725 # وفيها (نور: أي) جلاء مما أظلم عليهم من الحكم. # وقيل: المعنى {فيها هدى} أي: بيان أمر النبي، {ونور} أي: بيان ما سألوا ~~عنه. # ومعنى قوله {النبيون الذين أسلموا} أي: الذين سلموا لما في التوراة من ~~أحكام الله، فلم يتعقبوا بالسؤال عنه، وليس الإسلام - هنا - ضد الكفر، لأن ~~النبي لا يكون إلا مسلما مؤمنا، وإنما الإسلام هنا: الانقياد والتسليم، ~~ومثله قول إبراهيم: {واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك} [البقرة: ~~128] أراد مسلمين لأمرك، منقادين لحكمك بالنية والعمل، وكذلك قوله {أسلمت ~~لرب العالمين} [البقرة: 131] أي: سلمت لأمره. # ومعنى {للذين هادوا} أي: يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار ~~{للذين هادوا}، أي: عليهم، فاللام بمعنى " على "، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعائشة: PageV03P1726 # " اشترطي لهم الولاء أي: عليهم، ولم يأمرها بأن تشترط الولاء لهم، وهو لا ~~يجوز، (فلا يأمرها بفعل ما لا يجوز)، وإنما أمرها بفعل ما يجوز، وهو أن ~~يكون الولاء لها، فلما اشترطوا الولاء لأنفسهم قال صلى الله عليه وسلم: ما ~~بال قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ". # وقيل: المعنى: للذين هادوا (و) عليهم، أي: يحكمون لهم (و) عليهم، ثم حذف ~~لدلالة الكلام عليه. # وقيل: المعنى: فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~والربانيون والأحبار. # (و) عني بالنبيين - هنا - محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله، قاله السدي ~~وقتادة و [غيرهما]. PageV03P1727 # وروي (أن) النبي صلى الله عليه وسلم قال - لما نزلت هذه الآية -: " نحن - ~~اليوم - نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان ". # والأحبار: [العلماء] [الحكماء]، واحدهم حبر، وقيل: حبر. وسموا أحبارا، ~~لأنهم يحبرون الشيء، فهو في صدورهم محبر. # وسمي الحبر - الذي يكتب به - حبرا، لأنه يحبر به، أي: يكتب به. # وقال الفراء: التقدير فيه: مداد حبر، (لأن العالم يقال له " حبر " فإذا ~~[قلت: " هذا] حبر " للمداد، فالمعنى: مداد ms0637 حبر)، أي: مداد عالم، ثم تحذف ~~مثل {وسئل القرية} [يوسف: 82]. # وقال الأصمعي: (إنما سمي) الحبر - الذي هو المداد - حبرا لتأثيره، يقال: PageV03P1728 # " على [أسنانه] حبرة " أي: صفرة أو سواد. # {والربانيون والأحبار}: القراء والفقهاء. وقيل: الفقهاء والعلماء. و " ~~قال ابن زيد: الربانيون ": الولاة، والأحبار: العلماء ". والرباني - عند ~~أهل اللغة -: رب العلم، أي: صاحبه، والألف والنون للمبالغة. # وقيل: معنى {للذين هادوا}: للذين تابوا من الكفر، أي: يحكم هؤلاء بما في ~~التوراة للذين " تابوا " من الكفر. # وقوله: {بما استحفظوا من كتاب الله} أي: يحكمون بما استودعوا من كتاب ~~الله، والباء متعلقة بالأحبار، والمعنى: يحكم بها النبيون والربانيون ~~والأحبار، أي: والعلماء / بما استودعوا من كتاب الله، {وكانوا عليه شهدآء} ~~أي: وكان النبيون PageV03P1729 # والربانيون والأحبار شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله، وقال ابن عباس: ~~الشهداء - هنا - الربانيون والأحبار شهداء أن الذي قضى [به] محمد صلى الله ~~عليه وسلم حق في أمر الزانيين المحصنين وقد أخبرنا الله أنهم استحفظوا ~~كتابهم، وأعلمنا أنهم بدلوا وغيروا، وأعلمنا تعالى أنه يحفظ علينا ما أنزله ~~من القرآن فقال {وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] فغير جائز أن يبدل أحد أو ~~يغير ما حفظه الله علينا، فنحن أمة محمد عليه السلام برآء من التبديل ~~والتغيير لشيء من كتاب الله، إذ الله تولى حفظه علينا، ولم يسلم أهل ~~التوراة من ذلك، إذ الله استحفظهم عليه فخانوا، ولم يحفظه هو. # وقوله {فلا تخشوا الناس واخشون} هذا خطاب للربانيين والأحبار، أمرهم ألا ~~يخشوا الناس في تنفيذ حكمه وإمضائه على ما في كتابه، وأن يخشوه في ذلك، ~~قاله السدي وغيره. وقوله {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} أي: لا تأخذوا ~~[الرشى] في الأحكام، فإنه PageV03P1730 # عوض خسيس وثمن قليل. # {ومن لم يحكم بمآ أنزل الله} أي: من كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه في ~~الزانيين المحصنين وغيرهما من دية القتيل، {فأولئك هم الكافرون} أي: ~~الساترون الحق. # وهذه في كفار أهل الكتاب. # وقيل: هي في المشركين. # وقيل: المعنى ومن لم يحكم بما أنزل الله مستحلا له، فأولئك هم الكافرون. # وقال ms0638 بعد ذلك: {هم الظالمون}. وقال بعد ذلك: {هم الفاسقون}. # فقيل: إن الأوصاف الثلاثة لمن غير حكم الله [ومن جميع الخلق. PageV03P1731 # وقيل: هي لليهود المغيرين حكم الله]. # وقيل: الوصف الأول لليهود، والثاني والثالث للمسلمين. # وقيل: نزل {الكافرون} في المسلمين إذا غيروا حكم الله، و {الظالمون} في ~~اليهود، و {الفاسقون} في النصارى. وهو ظاهر النص. # قوله: {وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس [بالنفس]} الآية. # قرأ الكسائي برفع (العين) وما بعده، واحتج له بإجماعهم (على الرفع) في ~~{والعاقبة للمتقين} [القصص: 83]، وقوله {والله ولي المتقين} [الجاثية: 19]، ~~فرفع [ما] بعد (أن) PageV03P1732 # فيهما على القطع، فكذلك (العين) وما بعدها. # وقيل: هو معطوف على موضع {النفس (بالنفس)}. وقيل: هو معطوف على المضمر ~~الذي في [النفس]. # وقال بعض العلماء: من نصب جعله كله مكتوبا في التوراة، من رفع جعل ~~{والعين بالعين} وما بعده ابتداء حكم في المسلمين، وجعل {النفس بالنفس} هو ~~المكتوب في التوراة دون ما بعده. والرفع [قراءة] النبي عليه السلام فيما ~~روي عنه. # ومن نصب {والجروح} عطفه على ما قبله، وأعمل فيه {أن}، و {قصاص} PageV03P1733 # الخبر. # ومن رفع قطعه مما قبله، [واختير قطعه مما قبله] لمخالفة خبره خبر ما ~~قبله، ولمخالفة حكمه حكم ما قبله، ولمخالفة إعراب خبره (إعراب) خبر ما ~~قبله، فلما خالف ما قبله، من هذه الوجوه قوي القطع، فرفع على الابتداء. # والمعنى: وكتبنا على هولاء اليهود الذين يحكمونك - وعندهم التوراة - في ~~التوراة أن يحكموا بالنفس [في النفس] والعين " بالعين " وما بعده. # قال ابن عباس: لم يجعل الله لبني إسرائيل دية، إنما هو النفس بالنفس أو ~~العفو. # فهذا استوى فيه أحرار المسلمين: الرجال والنساء فيما بينهم في النفس، ~~وفيما دون النفس / إذا كان عمدا، ويستوي فيه العبيد: رجالهم ونساؤهم فيما ~~بينهم إذا كان عمدا في النفس، وفيما دون النفس. PageV03P1734 # والقصاص من العين هو ظاهر النص، وبه علي بن أبي طالب والشعبي والنخعي ~~والحسن ومالك والشافعي وغيرهم و [قراءة] الرفع توجب ذلك، لأنه حكم مستأنف ~~للمسلمين، وليس بحكاية عما في التوراة. والنصب إنما هو حكاية عما ms0639 في ~~التوراة، فيجوز ألا يكون (حكما لنا). ويكون القصاص في الأنفس عندنا من قوله ~~تعالى: [{الحر بالحر} الآية، ويجوز أن يكون (حكما لنا) أيضا بنص آخر وهو]: ~~{العبد بالعبد}، فيكون هذا بيان أن ذلك حكم لنا. # وأحسن ما روي في صفة الاقتصاص من العين ما فعل " علي " بن أبي طالب: وهو ~~أنه أمر بمرآة فأحميت، ثم وضع على العين الأخرى قطنا، ثم أخذ المرآة PageV03P1735 # بكلبتين. فأدناهما من عينه حتى سال إنسان عينه. # وإذا ضرب رجل عين رجل فأذهب بعض بصره وبقي بعض، فالحكم فيها - على ما فعل ~~علي بن أبي طالب -: أن تعصب عينه الصحيحة، ويعطى رجل بيضة ويذهب " بها "، ~~فحيث ما انتهى بصر المضروب علم، [ثم يرجع فيغطي] عينه، وتكشف الأخرى، ثم ~~يذهب الرجل بالبيضة فحيث ما انتهى بصر المضروب علم]، ثم يحول المضروب فيفعل ~~به من ناحية أخرى في عينيه جميعا مثل ذلك، ويكال الموضعان فإذا استويا نظر ~~ما بين امتداد نظر الصحيحة والسقيمة، فيعطي من مال الضارب بقسطه، وبذلك قال ~~مالك والشافعي. PageV03P1736 # ولو فقأ أعور عين صحيح: فقيل: لا قود عليه، وعليه الدية. # روي ذلك عن عمر وعثمان. وقيل عليه القصاص، وهو قول علي بن أبي طالب، وبه ~~قال الشافعي. وقال مالك: إن شاء فقأ عينه، وإن شاء أخذ دية عين أعور كاملة. # وإذا أوعب جدع الأنف، ففيه الدية، وهو قول سائر العلماء. ولو كسره PageV03P1737 # عمدا لكان فيه القود عند مالك، وإذا كسره خطأ - فبرأ على غير عثم - فلا ~~شيء فيه عند مالك، وإن برأ على عثم، ففيه اجتهاد الإمام. وكذلك قال: (ابن) ~~القاسم إن خرم أنفه: وإذا قطع من أصله - أو من العظم - ففيه الدية كاملة ~~عند مالك -. وإذا أفسد الخياشيم فانكسرت حتى " لا " يتنفس، ففيها الاجتهاد. # وأما السن: فجاء من الخبر من أنه أقاد من السن، وأنه قال: (و) في السن PageV03P1738 # خمس من الإبل. وظاهر النص " القصاص ". # وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس في السن بخمس من الإبل أي: سن كانت، ~~وبه قال ms0640 عروة بن الزبير والزهري وقتادة ومالك والشافعي والثوري وغيرهم. # وروي عن عمر أنه حكم فيما أقبل من الفم - الثنايا والرباعيات والأنياب - ~~بخمس فرائض في كل سن. # كل فريضة: عشرة دنانير، فذلك خمسون دينارا في كل سن. PageV03P1739 # وقضى في الأضراس (ببعير بعير)، وقضى معاوية في الضرس بخمس فرائض. فالدية ~~تزيد إذا أصيب الفم كله عند معاوية، وتنقص عند عمر. # وإذا اسودت السن من ضربة أو جناية، فقد تم عقلها عند مالك وغيره، لأن ~~جمالها قد ذهب، فإن طرحت بعد ذلك، كان فيها عقلها، لأن منفعتها قد ذهبت. # وروي عن عمر أنها إذا اسودت ففيها ثلث ديتها. # وقيل: فيها حكومة إذا اسودت، وبه قال الشافعي. # (وإن) قلعت سن الصبي، فنبتت، فلا شيء فيها، إلا أن تنبت ناقصة PageV03P1740 # الطول (عن ما) هو مثلها، / فيؤخذ من الجاني بقدر ما نقصت، هذا مذهب مالك ~~والشافعي وغيرهما. وقال مالك: لأولياء الصبي أن يضعوا عقلها، فإن نبتت ~~ردوها على أهلها. # وقيل: في ذلك حكومة. # وإذا أخذ الكبير دية سنه ثم نبتت، فلا يرد ما أخذ عند مالك، لأنه أخذه ~~بحق. وقال أصحاب الرأي: يرد ما أخذ. واختلف في ذلك قول الشافعي. # ولو جنى عليها آخر فسقطت، أخذ صاحبها إرشها تاما. PageV03P1741 # ولو قلعت سن قودا ثم أخذها صاحبها فردها فالتحمت، فلا شيء عليه عند ابن ~~المسيب، وهو قول عطاء، وقال: ليس له أن يردها ثانية، وإن ردها، أعاد كل ~~صلاة صلاها وهي عليه، ويجبره السلطان على قلعها مرة أخرى. # وكذلك قول الثوري وغيره: تقلع ثانية، لأن القصص للشين، فلا بد من قلعها. # وقال مالك في قصاص الأسنان: " الثنية بالثنية "، والرباعية بالرباعية ~~والسفلى بالسفلى. # ولا [تقاد] سن إلا بمثلها في موضعها، فإن لم يكن له مثل الذي طرح، رجع ~~ذلك إلى العقل. PageV03P1742 # ولو قلعت سن رجل فداواها وردها [فالتحمت]، فلا شيء فيها على الجاني عند ~~مالك إذا عادت كهيئتها. وقال الشافعي: لا يسقط عن الجاني شيء مما وجب عليه. # وفي السن الزائدة إذا قلعت - عند مالك - حكومة، وهو قول ms0641 الثوري والشافعي. ~~وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث السن. # فإن كسر بعضها أعطى صاحبها بحساب ما نقص منها، وهو قول الجماعة. [وأما] ~~الأذنان: فإذا ذهب سمعهما ففيهما الدية، فإن قطعتا ولم يذهب PageV03P1743 # السمع ففيهما الاجتهاد، هذا قول مالك. # فإن ضرب رجل رجلا فادعى المضروب أن سمعه ذهب، اغتفل المضروب وصيح به، فإن ~~أجاب جواب من يسمع، لم يقبل قوله، وإن لم يجب، أحلف بالله: لقد صممت وما ~~وجدت الصمم إلا منذ ضربت، فإذا حلف أعطي عقله كاملا. # وفي اللسان الدية. فإن قطع بعضه، نظر ما نقص من مخارج الحروف من ثمانية ~~وعشرين حرفا، فيكون على الفاعل - من الدية - بمقدار ما ذهب من كلامه. # وليس في اللسان قود عند مالك، وروي عنه أنه قال: فيه القود إن كان PageV03P1744 # يستطاع القود منه. # وفي لسان الأخرس حكومة عند مالك والشافعي وأهل العراق وغيرهم. # وقال النخعي: فيه الدية كاملة، وقال قتادة: فيه ثلثا الدية. # وفي ذهاب الصوت الدية عند جماعة من الفقهاء، وقيل: فيه حكم. # وفي كل اثنين من الإنسان الدية كاملة: في الأذنين والشفتين واليدين ~~والرجلين ونحو ذلك. # وعن زيد بن ثابت أن في الشفة السفلى ثلثي الدية، وفي العليا الثلث، وهو PageV03P1745 # قول ابن المسيب والزهري. # وفي اللحية حكومة عند ابن القاسم. وقال غيره: إن أنبتت فلا شيء فيها، وإن ~~لم تنبت ففيها الدية. # وفي نتف الحاجبين وأشفار العينين حكومة عند مالك " وإن لم تنبت ". # والأصابع إذا زالت من الكف ففيها عقل اليد. وفي اليد من المنكب دية اليد ~~لا غير. وما كان من ذلك خطأ، حملته العاقلة، وما كان عمدا ففيه القصاص. # / وإذا شلت اليد أو الرجل فقد تم (عقلها)، فإن كان الضرب: عمدا، ضرب ~~الضارب مثل ما ضرب. PageV03P1746 # / وإذا شلت [الأصابع] تمت ديتها، فإن قطعت الشلاء (أو) [الأصبع] الأشل، ~~فإنما في ذلك حكومة في مال الجاني. ومن قطع يد رجل - ناقصة منها أصبع - ~~قطعت يده ولا يسأل عن نقص [الأصبع]، أي: أصبع كانت. فإن كانت اليد تنقص ~~أصبعين أو ثلاثة، لم ms0642 يقطع يد الجاني، ولكن عليه العقل في ماله. # ومن قطع (من) يد رجل أصبعين وما يليهما من الكف (في ضربة) واحدة، وجب ~~عليه خمسا دية الكف. # ومن قطع كفا لا أصابع فيها، ففيها حكومة. # ومن قطع يمين رجل - ولا يمين له -، فعليه العقل مثل عقل العمد - إذا قبلت PageV03P1747 # - من ماله. # ومن أصيب أصبعه خطأ، أو ذهبت بأمر من الله، ثم قطع كفه خطأ، فإنما له ~~أربعة أخماس الدية على العاقلة. # وكذلك إذا ذهبت الأنملة، ثم قطع الكف، إنما له حساب ما بقي. # وفي الظفر الاجتهاد إذا برأ على عثم، وإن كان عمدا ففيه القصاص. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " جعل في الأصابع عشرا عشرا ". # وأصابع اليد والرجل سواء، لا فضل لبعضها على بعض. PageV03P1748 # وروي عن عمر أنه قضى في الإبهام بثلاثة عشر، وفي التي تليها باثني عشر، ~~وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسعة، وفي الخنصر بست. # والأشهر أنها سواء (عشر عشر) لكل واحدة. # وفي كل أنملة ثلث دية الأصبع إلا الإبهام ففيها الثلثان، في كل أنملة نصف ~~دية [الأصبع]. # وروي عن مالك أنه قال: في الإبهام ثلاثة أنامل: الثالثة مع الكف، ففي كل ~~واحدة ثلث دية الأصبع كسائر الأصابع. # وروي عنه أنه قال: الإبهام مفصلان: في كل مفصل نصف دية أصبع، وفي PageV03P1749 # الثالثة التي تلي الكف حكومة، بمنزلة باقي الكف إذا قطعت بعد الأصابع. # وعن عمر أنه جعل في اليد الشلاء والرجل الشلاء ثلث ديتها. # وقال ابن شهاب: فيها نصف ديتها، ومثله الأصبع الأشل، وقال الشافعي: فيها ~~حكومة. # وفي الذكر الدية كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي يأتي ~~الدية. # وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. PageV03P1750 # وفي الذكر الدية كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي ms0643 الذي ~~يأتي الدية. # وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. # فإن قطع القضيب بعد الحشفة ففيه اجتهاد عند مالك، وينتظر به حتى ينظر ما ~~يحدث عليه من قطعه. فإن قطع من طرف الحشفة، قيس مقداره فيما بقي وكان بحساب ~~ذلك، ولا يقاس ما بقي القضيب، لأن في الحشفة الدية كاملة. PageV03P1751 # وفي الأنثيين - في خطأ - الدية كاملة، وفي العمد القصاص. وفي بيضة واحدة ~~نصف الدية. # وقال سعيد بن المسيب: في اليسرى ثلثا الدية، لأن الولد منها، وفي اليمنى ~~الثلث. # وإن قطع ذكر رجل وأنثياه، ففي ذلك ديتان، وكذلك إن قطعا في وقتين، ففي كل ~~واحد الدية. # وفي ذكر الخصي حكومة عند مالك، وفي الدية " كاملة " عند الشافعي. وقال ~~قتادة: فيه ثلث الدية. PageV03P1752 # وفي كسر العظام إذا [كسرت] القصاص عند مالك: الساق بالساق، ولا قصاص فيما ~~فوقه، ولا في كسر ظهر ولا فخذ. # ويجتهد الإمام في اللطمة عند مالك. و " قد " قيل: / فيها القصاص. # وفي الموضحة - وهي الضربة التي توضح العظم - خمس من الإبل. وهي تكون في ~~الرأس والوجه قال مالك: إن كانت التي في الوجه تشينه، زيد على الجاني بقدر ~~شينها. وليس موضحة البدن مثل موضحة الرأس والوجه. ولا يعجل PageV03P1753 # بأخذ الدية من صاحب الموضحة حتى ينظر (إلى) ما يصير إليه أمرها، فإن مات ~~منها كان في ذلك قسامة. # وقال مالك: يقاد من العمد، ولا يعقل جراحات الخطأ إلا بعد البرء، وإن ~~اقتص من الجارح عمدا فبرأ، فإن كان جرحه مثل جرح المجروح أولا أو أكثر فلا ~~شيء (عليه) للأول، وإن كان في الأول عثل وبرأ المقتص منه على غير عثل، أو ~~على عثل دون عثل الأول، اجتهد الإمام في الحكومة على قدر ما زاد شين ~~المجروح الأول. PageV03P1754 # والموضحة في الوجه - عند مالك - من اللحي الأعلى فما فوقه خاصة. و [لا] ~~تكون الموضحة في الأنف عند مالك. # وفي الموضحة - في سائر البدن - حكومة عند مالك والشافعي. وروي عن أبي بكر ~~وعمر أن فيها نصف عشر ms0644 دية ذلك العضو الذي وقعت فيه، وسند ذلك إليهما ضعيف. # وفي الهاشمة القود عند مالك إلا أن يخاف منها فلا يقتص منها، وفيها PageV03P1755 # عشر من الإبل. وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل عند مالك وجماعة العلماء، ~~ولا قود فيها عند مالك والشافعي وغيرهما. والمنقلة: (التي ينقل منها) ~~العظام. # وفي المأمومة - وهي التي تصل إلى أم الدماغ - ثلث الدية، وهو قول مالك PageV03P1756 # وجماعة العلماء، ولا قود فيها عند مالك وأكثر العلماء. # والشجاج - التي دون الموضحة - ست: # أولها: الدامية: وهي التي تدمى ولا يسيل دمها. # ثم الدامعة: وهي التي يسيل دمها. # ثم الخارصة: وهي التي تحرص الجلد (أي) تشقه قليلا، ومنه قيل: حرص الثوب ~~القصار: إذا شقه. PageV03P1757 # ثم الباضعة: وهي التي تشق الجلد وبعض اللحم. # ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم أكثر من الباضعة. # ثم السمحاق: وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة " رقيقة " وكل ~~قشرة رقيقة فهي سمحاقة، ويسميها أهل المدينة: الملطاة، وفي جميع ذلك - عند ~~مالك والشافعي وغيرهما - حكومة. # وقد حد غيرهم في كل نوع حدا: قضى زيد بن ثابت (ببعير في الدامية)، وفي ~~الدامعة بنصف بعير، وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة أبعرة، وفي PageV03P1758 # السمحاق بأربعة أبعرة. # وروي عن علي في السمحاق مثل ذلك، وروي أن فيها نصف دية الموضحة، وروى ~~مالك أن عمر وعثمان قضيا في [الملطاء]. # وفي السمحاق بنصف الموضحة، وكان يرى فيها حكومة كسائرها. ورأى مالك: ~~القصاص فيما دون الموضحة، مما ذكرنا إذا كان عمدا. PageV03P1759 # وفي الجائفة ثلث الدية، قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ~~مالك وغيره. ولا فرق بين العمد والخطأ في الجائفة. وفي الجائفة [النافذة] ~~ثلثا الدية. # وفي ثدي المرأة نصف الدية، وفيهما جميعا الدية كاملة، هذا مذهب الجميع. # وفي الحلمة - إذا انقطع لبنها - نصف الدية عند مالك. # وفي ثدي الرجل حكومة عند مالك. وعن زيد بن ثابت أن فيها ثمن PageV03P1760 # الدية. وقال الزهري: خمس من الإبل. # وقوله: {فمن تصدق به فهو كفارة} أي: من تصدق بجرحه، ms0645 هدم عنه ذنوبه مثل ما ~~تصدق به، [قاله] جابر بن زيد. وروى الشعبي عن / رجل من الأنصار قال: سئل ~~النبي عليه السلام عن قوله تعالى {فمن تصدق به فهو كفارة له} قال: هو الرجل ~~تكسر سنه، أو يجرح في جسده فيعفو عنه فيحط من خطاياه بقدر ما عفا: إن كان ~~نصف الدية فنصف خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كان ربع الدية ~~فربع خطاياه، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها. # وقال قتادة: " {فهو كفارة له} يقول: لولي القتيل الذي عفا ". فالهاء ~~المجروح، PageV03P1761 # أو لولي القتيل. وقيل: الهاء للجارح، والمعنى: إن تصدق المجروح على ~~الجارح بإرش جرحه، فالصدقة كفارة للجارح، ليس يبقى عليه ذنب من الجرح. # قال زيد بن أسلم: " إن عفا عنه، أو اقتص منه، أو قبل منه الدية فهو كفارة ~~له "، أي: للفاعل، وفي هذا القول بعد، لأنه لم يجر ذكر للجارح، وإنما جرى ~~ذكر المجروح في (" من ")، فالهاء تعود عليه أولى، وهو اختيار الطبري، قال: ~~ولأن المعهود أن التكفير إنما يكون للمتصدق دون المتصدق عليه. # وقيل: الهاء في (به) لإرش الجرح، وفي (له) للجارح، أي: من تصدق بما وجب ~~له من الإرش والدية {فهو كفارة له}، أي: فذلك الفعل كفارة للجارح والقاتل ~~في PageV03P1762 # حكم الدنيا، و (من) اسم للمجروح (أو لولي) المقتول. # وقيل: (" من ") اسم للقاتل والجارح، والهاء في (به) تعود على القتل أو ~~الجرح، والهاء في (له) تعود على القاتل أي: من تصدق ببيان أنه هو القاتل ~~وهو الجارح، فذلك الإقرار كفارة للمقر، لأنه قد أباح نفسه بإقراره لأخذ ~~الحد منه، ورفع التهم عن الناس: # قال مجاهد: إذا أصاب الرجل الرجل بأمر، ولم يعرف الفاعل، فاعترف الفاعل، ~~وأقر، فهو كفارة له، وقد روي أن عروة بن الزبير أصاب عين رجل خطأ عند الركن ~~فقال: أنا عروة، فإن كان بعينك [بأس فأنا] بها. # قوله: {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم} الآية. # المعنى: و " أتبعنا عيسى بن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا من قبلك ~~". PageV03P1763 # {مصدقا لما ms0646 بين يديه من التوراة} أي: مصدقا لما أتى به موسى " قبله ". # {وآتيناه الإنجيل} أي: أعطيناه كتابا اسمه الإنجيل، {فيه هدى} أي: بيان ~~ما جهله الناس من حكم الله في زمانه، {ونور} أي: وضياء من عمى الجهالة، ~~{ومصدقا لما بين يديه} أي: وجعلنا الإنجيل مصدقا لما قبل عيسى من التوراة ~~وغيرها من الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه قبل عيسى، {وهدى} أي: هدى ~~إلى صحة ما أنزل الله على أنبيائه من الكتب، {وموعظة} أي: [زجرا] لهم عما ~~يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، {للمتقين} أي: للذين خافوا الله واتقوا ~~عقابه. # قوله: {وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه} الآية. # من كسر اللام ونصب الفعل في {ليحكم}، جعلها لام " كي "، والمعنى: PageV03P1764 # أعطيناه ذلك كي يحكم أهل الإنجيل، فخالفوا حكمه. ومن أسكن اللام، جعلها ~~لام الأمر، والمعنى: وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه، فلم يفعلوا ~~ما أمروا به. # قال ابن زيد: كل شيء في القرآن " فاسق " فهو بمعنى " كاذب " إلا قليلا، ~~فالفاسقون هنا الكاذبون. # قوله: {وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق} الآية. # المعنى: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب - هنا -: القرآن، ~~ومعنى {مصدقا لما بين يديه} أي: يصدق ما قبله من كتب الله أنها حق من الله، ~~{ومهيمنا عليه} أي: شهيدا على الكتب / أنها حق، وأصل الهيمنة: الحفظ ~~والارتقاب، يقال للرجل إذا حفظ الشيء وشهده: " قد هيمن، يهيمن هيمنة ". قال ~~ابن عباس: {ومهيمنا عليه} PageV03P1765 # أي: شهيدا " عليه، وهو قول السدي. وقال قتادة: مهيمنا: [أي]: أمينا ~~وشاهدا. # وقال ابن جبير: {ومهيمنا} ([أي] مؤتمنا)، القرآن مؤتمن على ما قبله من ~~الكتب، وكذلك (روي أيضا) عن ابن عباس والحسن وعكرمة. # وقال عبد الله بن الزبير: المهيمن: القاضي على ما قبله من الكتب. # وقال المبرد: الأصل " مؤيمن "، ثم أبدل من الهمزة هاء. # قال أبو عبيد: يقال: هيمن على الشيء، إذا حفظه. PageV03P1766 # وقرأ مجاهد وابن محيصن: {ومهيمنا} بفتح الميم. قال مجاهد: " محمد عليه ~~السلام مؤتمن على القرآن ". # فيكون على قول مجاهد {ومهيمنا} حالا من الكاف ms0647 في {إليك}. وعلى قول غيره ~~حال من الكتاب، مثل: {مصدقا}. # والهاء في {عليه} - في قول مجاهد - تعود على الكتاب (الأول الذي هو ~~القرآن. وعلى قول غيره تعود على الكتاب) الثاني الذي هو بمعنى الكتب PageV03P1767 # المتقدمة التي القرآن يصدقها ويشهد عليها بالصحة أنها من عند الله. # وقد طعن قوم في قول مجاهد من أجل الواو التي مع " مهيمن "، لأن الواو ~~توجب عطفه على " مصدق "، و " مصدق " حال من الكتاب الأول، والمعطوف شريك ~~المعطوف عليه، قال: ولو كان حالا من الكاف التي للنبي صلى الله عليه وسلم ~~في {إليك}، لم يؤت بالواو، فالواو تمنع من ذلك. ولو تأول متأول أن {مصدقا} ~~حال من الكاف في {إليك}، {ومهيمنا} عطف عليه، لبعد ذلك، من أجل قوله: {لما ~~بين يديه}، ولم يقل " يديك ". # وهو جائز على بعده على التشبيه بقوله: {وجرين بهم} [يونس: 22] بعد قوله: ~~{حتى إذا كنتم في الفلك}. فإن تأولته على هذا، كان " مصدق " و " مهيمن " ~~حالين من PageV03P1768 # الكاف التي هي اسم النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المصدق للكتب المتقدمة، ~~والمؤتمن على الكتاب، وهو القرآن. # وقوله: {فاحكم بينهم بمآ أنزل الله} أي: إذا أتوك فاحكم بينهم بشرائع ~~الله التي [أنزلها] عليك، {ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق} إذ قالوا: ~~{إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} [المائدة: 41] أي: إن حكم ~~بينكم (في المحصنين) بالتحميم والجلد بحبل ليف فاقبلوا منه، وإن لم يحكم ~~بذلك فاحذروا أمره ولا تتبعوه، وذلك قول يهود فدك ليهود المدينة، فأمر الله ~~نبيه ألا يتبع أهواءهم في ذلك، وأن يحكم بما أنزل الله أي: بحدوده. # قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة [ومنهاجا]} أي: شريعة، {ومنهاجا} أي: طريقا ~~واضحا. PageV03P1769 # قال قتادة: معناه أن للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحل ~~الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء ليعلم أهل طاعته، والإخلاص واحد، ~~والتوحيد واحد لا يختلف، ولا يقبل غيره، وهو الإسلام، فالإسلام دين ~~الأنبياء كلهم وشرائعهم في (الحلال والحرام) والصلاة والصوم وغير ذلك من ~~العبادات مختلف على ما أراد ms0648 الله من أمة كل نبي، ليبلو الجميع بما يشاء من ~~أحكامه، فيجزي الطائع ويعاقب العاصي، لا إله إلا هو. # وقال مجاهد: معناه: لكلكم جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا، أي: شرعة وطريقا ~~واضحا، عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، هذا معنى قوله. # واختار الطبري القول الأول، وهو أن يكون: لكل أمة جعلنا شريعة PageV03P1770 # وطريقا، / واستدل بقوله تعالى: {ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة} أي ~~يجعلكم (كلكم) - أيها الأمم - على شريعة واحدة، قال: ولو عنى بذلك أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن لقوله {لجعلكم أمة واحدة} فائدة، لأنهم أمة ~~واحدة - أمة محمد - قد فعل بهم ذلك. ويدل على أنه أراد به الأمم (أنه قد ~~جرى) ذكر الكتب التي قبل القرآن، وذكر عيسى وغيره، فرجع الكلام على ذلك. ~~وقال ابن عباس (شرعة ومنهاجا): سبيلا وسنة، وكذلك قال الحسن ومجاهد والسدي ~~وقتادة والضحاك: إن الشرعة السبيل، والمنهاج السنة. # {ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة} أي: على دين واحد وعلى شريعة واحدة. # قوله تعالى: {ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم} في الكلام حذف، والمعنى: ولكن ~~جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم فيما آتاكم من شرائعه. وهذا خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، PageV03P1771 # والمراد به النبي ومن معه ومن مضى من الأمم. # {فاستبقوا الخيرات} أي: فبادروا إلى عملها قبل أن تعجزوا عنها بموت أو ~~هرم أو مرض، فإن (مرجعكم إلى الله)، فيجازيكم بأعمالكم، ويخبر كل فريق ~~بعمله، ويبين المحق من المبطل، (وتنقطع الدعاوى، لأن الأنبياء قد أخبرت ~~بالمحق من المبطل) في الدنيا، ولكن الدعاوى لم تنقطع، ففي الآخرة تنقطع ~~الدعاوى وتقع الحقائق. # قوله: {وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم} الآية. # هذا معطوف على {الحق} [المائدة: 48] أي: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن ~~احكم بينهم. وهذا - عند جماعة - ناسخ للتخيير الذي تقدم في الحكم بينهم، ~~أمره الله PageV03P1772 # بالحكم بينهم وأن لا يتبع أهواءهم في الأحكام التي قد أحدثوها في القتيل ~~من بني النضير ومن قريظة، وفي التحميم الذي جعلوه على المحصن من عند ~~أنفسهم، ms0649 حذره منهم أن يفتنوه عن الحكم الذي أنزل الله فيردوه إلى [حكمهم]. # {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن الاحتكام إليك والرضا بحكمك، فاعلم أن ذلك ~~إنما هو من الله ليعجل لهم عقوبة ذنوبهم السالفة في عاجل الدنيا. # {وإن كثيرا من الناس لفاسقون} يريد به اليهود، إنهم لتاركون العمل بكتاب ~~الله وخارجون من طاعته: ذكر ابن عباس أن بعض علماء اليهود قالوا: امضوا بنا ~~إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: قد علمت أننا علماء يهود ~~وأشرافها، وإنا PageV03P1773 # إذا اتبعناك [اتبعنا] يهود، فنؤمن بك كلنا، وبيننا وبين قوم خصومة، ~~فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك. فأبى ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله: {وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك} الآية. # قال ابن زيد: معنى {أن يفتنوك}: أن يقولوا لك كذا وكذا في التوراة بخلاف ~~ما فيها، قد بين الله له ما في التوراة، فقال: {وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس ~~بالنفس} [المائدة: 45]، يعني: كتب ذلك في التوراة. # قوله: {أفحكم الجاهلية يبغون} الآية. # قرأ الحسن وقتادة والأعمش {أفحكم الجاهلية}، والحكم والحاكم سواء، ~~والعامل فيهما [(يبغون)]، والحكم في الجاهلية: الكاهن. PageV03P1774 # ومن قرأ بالتاء في (تبغون) فمعناه قل لهم يا محمد، أفحكم الجاهلية تبغون، ~~على المخاطبة، ومن قرأ بالياء، فعلى الخبر من الله عنهم. ومعنى (تبغون) ~~تطلبون، وهو خطاب وتوبيخ لهؤلاء اليهود الذين لم يرضوا بحكم رسول الله، ثم ~~وبخهم أيضا فقال: / {ومن أحسن من الله حكما} أيها اليهود عند من كان يؤمن ~~بالله، فأي حكم أحسن من حكم الله؟!. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء} الآية. # أكثر العلماء على أن المأمور بذلك جميع المؤمنين. وقيل: نزلت في عبادة بن ~~الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول، كان بينهما وبين بني قينقاع عهد وحلف، ~~فلما حاربت بنو قينقاع النبي عليه السلام، قام دونهم عبد الله بن أبي و ~~[حاج] عنهم، ومضى PageV03P1775 # عبادة بن الصامت إلى النبي عليه السلام [وتبرأ] من حلفهم وعهدهم ms0650 وقال: ~~أنا أتولى الله ورسوله والمؤمنين. # وقال الزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا ~~قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال بعض اليهود: غركم أن أصبتم رهطا ~~من قريش لا علم لهم بالقتال، أما أنا لو عزمنا عليكم واستجمعنا لم يكن لكم ~~يدان بقتالنا، فتبرأ عبادة بن الصامت عند رسول الله من أوليائه من يهود، ~~فقال عبد الله ابن أبي: لكن أنا لا أبرأ من ولاء يهود، أنا رجل لا بد لي ~~منهم، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى} الآية. PageV03P1776 # وقيل نزلت في قوم من المؤمنين (هموا - حين) نالهم بأحد ما نالهم - أن ~~يأخذوا من اليهود والنصارى عصماء، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك. وقال السدي: ~~لما كانت وقعة بأحد، اشتد على قوم ذلك، فقال رجل لصاحبه: [أما أنا] فأمر ~~بذلك اليهودي فآخذ منه أمانا، فإنى أخاف أن يدال علينا، وقال آخر: أما أنا ~~فألحق بفلان النصراني فآخذ منه أمانا، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء} الآية. PageV03P1777 # وقال عكرمة: بعث رسول الله عليه السلام أبا لبابة - من الأوس - إلى قريظة ~~حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه: الذبح (الذبح)، ~~فأنزل الله الآية فيه. # وقيل: نزلت في المنافقين، لأنهم كانوا يخبرون اليهود والنصارى بأسرار ~~المؤمنين ويوالونهم. # والاختيار عند الطبري أن يكون نهيا عاما لجميع المؤمنين. # وقوله: {بعضهم أوليآء بعض} أي: اليهود بعضهم أنصار بعض، وكذلك النصارى ~~ففيه معنى التحريض للمؤمنين: أن يكون أيضا بعضهم أولياء بعض. # قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} أي: من والاهم فهو منهم، لأنه لا ~~[يواليهم] إلا وهو بدينهم راض، فهو منهم. # {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي: " لا يوفق " من وضع الولاية في غير ~~موضعها، فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم لله ورسوله ". PageV03P1778 # قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض [يسارعون فيهم]} الآية. # هذه الآية بيان لما في الآية التي قبلها، والمعنى: ترى قوما في قلوبهم ~~مرض يسارعون في ms0651 ولاية اليهود والنصارى، {يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة} أي: ~~تكون الدائرة علينا، فيوالون اليهود والنصارى لضعف إيمانهم. # وقيل: يعني بذلك عبد الله بن أبي بن سلول المنافق. # وقال مجاهد: كان المنافقون يصانعون اليهود ويسترضونهم ويستعرضون أولادهم ~~يقولون: نخشى أن تكون الدائرة لليهود، وفيهم نزلت الآية، وكذالك قال قتادة. # قال ابن عباس: معنى قولهم: {نخشى أن تصيبنا دآئرة} (أي): نخشى (ألا يدوم) ~~الأمر لمحمد ويغلب علينا المشركون. # وقيل: يراد بها عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يزل في طلب بني / قينقاع حتى أسرهم، ولم يزل عبد الله بن أبي ~~يسأل فيهم حتى خلاهم له وقال: PageV03P1779 # خذهم لا بارك الله لك فيهم، فماتوا حتى بقي منهم نافخ النار. # وقيل: المعنى: نخشى أن يصيبنا قحط فلا يفضلوا علينا، فيوالونهم لذلك. # والأول أحسن لقوله: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} أي: بالنصر. # (و) قال ابن عباس: فأتى الله بالفتح، فقتلت مقاتلة قريظة، وسبيت ذراريهم، ~~وأجلي بنو النضير. # ومعنى {أو أمر من عنده} يخبر بأسماء المنافقين الذين يوالون اليهود ~~والنصارى. # {فيصبحوا على مآ أسروا (في أنفسهم)}. (من) موالاة اليهود والنصارى ~~{نادمين}. PageV03P1780 # وقيل: {أو أمر من عنده} إيجاب الجزية على اليهود والنصارى. وقيل معنى: ~~{أو أمر من عنده} بالخصب. # ومعنى: (بالفتح): فتح مكة، فيصبحوا نادمين إذا رأوا النصر. # وقيل: الفتح: القضاء، ومن قوله: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} ~~[الأعراف: 89]. # قوله: {يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله} الآية. # من نصب (يقول) عطفه على (أن يأتي)، وهو بعيد جدا، لأنك (لو قلت): " عسى ~~زيد أن يقوم ويأتي عمروا " لم يجز، كما لا يجوز: " عسى زيد أن يقوم عمرو ". # ولو قلت: " عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو " حسن، كما يحسن " " عسى أن PageV03P1781 # يقوم عمرو ". # فلو كان نص الآية: " فعسى أن يأتي الله بالفتح "، حسن العطف، وإنما تجوز ~~الآية على أن تحمل على المعنى، لأن قولك: " عسى أن يأتي الله بالفتح " و " ~~عسى الله أن يأتي بالفتح "، سواء فيجعل النصب على المعنى، ms0652 ويكون مثل قول ~~الشاعر: # متقلدا سيفا ورمحا ... ومعنى الآية أنها متعلقة بما قبلها، والمعنى: ~~{فيصبحوا على مآ أسروا في أنفسهم نادمين} إذا رأوا النصر، {يقول الذين ~~آمنوا} بعضهم لبعض، تعجبا منهم ومن نفاقهم: {أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم إنهم لمعكم} مؤمنين والمعنى - على [قراءة] من أتى بالواو - مثل ذلك ~~وهو أبين. PageV03P1782 # ومن قرأ بالنصب فمعناه: وعسى أن يقول الذين آمنوا كذا وكذا. # وقال مجاهد: المعنى: {فيصبحوا على مآ أسروا في أنفسهم نادمين} [حينئذ] # {يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا} إنهم مؤمنون. # قال الكلبي: فجاء الله بالفتح، فأمر الله نبيه بقتل بني قريظة وسبي ~~ذراريهم وإجلاء [بني] النضير، فندم المنافقون حين أجلي أهل ودهم، وظهر ~~(نفاقهم)، فعند ذلك قال المؤمنون - بعضهم لبعض - {أهؤلاء الذين أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم}. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} الآية. PageV03P1783 # هذه الآية وعيد لمن يرتد فيما يستقبل، لأن الله تعالى قد علم أنه سيرتد ~~بعد وفاة نبيه قوم. # وقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}: قال الحسن والضحاك وغيرهما: ~~هم أبو بكر الصديق وأصحابه، ردوا من ارتد بعد النبي وقال: لا نؤدي الزكاة ~~إلى [أهل] الإيمان. # وقيل: هم أهل اليمن. وقيل هم آل أبي موسى الأشعري، " روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أومأ إلى أبي موسى الأشعري عند نزول هذه الآية، وقال: هم ~~قوم هذا، وهم أهل اليمن " وعن مجاهد أنه قال: " هم قوم سبإ ". وقال السدي: ~~هم الأنصار. PageV03P1784 # وقوله: {أذلة على المؤمنين} (أي) جانبهم لين للمؤمنين / {أعزة على ~~الكافرين} أي: جانبهم خشن على الكافرين. وقيل: (أعزة) بمعنى أشداء عليهم ~~ذوي غلظة. # وقال علي بن أبي طالب: أذلة: ذوي رأفة " وأعزة: ذوي عنف. # وقال ابن جريج: أذلة: رحماء، أعزة: أعداء. # {يجاهدون} أي: يجاهدون من ارتد ولم يؤمن، {ولا يخافون} في جهادهم ذلك ~~{لومة لائم}. وهذا مما يدل على صحة خلافة أبي بكر، لأنه جاهد بعد النبي من ~~ارتد لم يرجع لقول قائل، وقد كان كسر عليه جماعة عن ms0653 قتال أهل الردة فأبى ~~إلا قتلهم، فقاتلهم حتى رجعوا إلى الإسلام وأداء الزكاة، فرأى كل من كسر ~~عليه أولا PageV03P1785 # أن الذي فعل هو الصواب، رضي الله عنهم أجمعين. # قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} الآية. # هذه الآية راجعة إلى ما تقدم من تحذير الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء، فأعلمهم في هذه [الآية] أن الذي هو وليهم الله ورسوله ~~والذين آمنوا. # وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرأ من ولاية يهود. # وقال: الكلبي: " بلغنا أن عبد الله بن سلام ورهطا من مسلمي أهل الكتاب ~~أتوا النبي عند صلاة الظهر، فقالوا: يا رسول الله، بيوتنا قاصية، ولا نجد ~~متحدثا دون المسجد، وإن قومنا لما رأونا صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم، ~~أظهروا لنا العداوة، وأقسموا ألا يخالطونا ولا يجالسونا، فشق ذلك علينا. ~~فبينما هم يشكون ذلك إلى النبي حتى نزلت {إنما وليكم الله ورسوله} الآية، ~~فلما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم PageV03P1786 # قالوا: رضينا بالله ورسوله والمؤمنين أولياء، وأذن بلال بالصلاة، فخرج ~~رسول الله والناس يصلون بين قائم وراكع وساجد، وإذا هو بمسكين يسأل، فدعاه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم، قال: ~~ماذا؟ قال: خاتم من فضة، قال: من أعطاك؟ قال: ذلك الرجل القائم، فإذا هو ~~علي، قال: على أي: حال أعطاك؟ قال: أعطانيه وهو راكع. فزعموا أن رسول الله ~~كبر عند ذلك ". # قوله: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}، # قيل: هو علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع. قال السدي مر به سائل - وهو ~~راكع - فأعطاه خاتمه. وقيل: عنى به جميع المؤمنين. # قوله: {ومن يتول الله ورسوله} الآية. # المعنى: أن الله أعلم أن من [تبرأ] من يهود - الذين هم حزب الشيطان - PageV03P1787 # ووالى الله ورسوله والذين آمنوا، هم حزب الله، {فإن حزب الله هم ~~الغالبون}، والحزب: الأنصار. # قوله: {اأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا} ~~الآية. # ومعنى الآية: أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا اليهود ms0654 والنصارى أولياء، ~~ووصفهم تعالى بأنهم اتخذوا الإسلام هزوا ولعبا، وهم (قد) أوتوا الكتاب من ~~قبلنا، يعني التوراة والإنجيل. # و [حذرهم] ألا يتخذوا الكفار أولياء، وهم مشركو قريش. # فمن نصب (الكفار) فالمعنى فيه: أنه تعالى نهانا عن اتخاذهم أولياء ولم ~~يخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزوا ولعبا كأهل الكتاب. ومن خفض فمعناه أنه ~~تعالى PageV03P1788 # نهانا عن اتخاذهم أولياء، وأخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزوا ولعبا كما فعل ~~أهل الكتاب. # ومعنى اتخاذهم ديننا هزوا ولعبا: / هو إيمانهم: ثم كفرهم وإظهارهم خلاف ~~ما يبطنون أخبر الله عنهم أنهم {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14]. # {واتقوا الله} أي: اتقوه (في اتخاذهم) أولياء، {إن كنتم مؤمنين} أي: ~~مصدقين بالله. # قوله: {وإذا ناديتم إلى الصلاة} الآية. # المعنى: أنه إخبار عما يفعل اليهود والنصارى، أنهم كانوا إذا نودي ~~بالصلاة سخروا ولعبوا من ذلك، لأنهم قوم لا يعقلون، ما في إجابتهم إليهم لو ~~فعلوا، وما عليهم إذا سخروا من العقاب على ذلك. # قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع في النداء " أشهد أن PageV03P1789 # محمدا رسول الله " (قال): " حرق الكاذب " فدخلت خادم - ذات (ليلة من ~~الليالي) - بنار - وهو نائم - فسقطت [شرارة] من النار فأحرقت البيت واحترق ~~هو وأهله. # وقال ابن عباس: ضحك قوم من اليهود والمشركون من المسلمين وقت سجودهم ~~فأنزل الله (هذه). الآية. # قال الكلبي: كان إذا نادى منادي رسول الله للصلاة، قالت اليهود ~~والمشركون: PageV03P1790 # قد قاموا، لا قاموا، وإذا ركعوا سخروا (و) استهزأوا بهم وضحكوا. # قوله: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منآ} الآية. # المعنى: قل يا محمد لليهود والنصارى: هل [تكرهون] منا وتجدون علينا شيئا ~~من الأشياء إلا إيماننا بالله وإقرارنا به، وبما أنزل إلينا، وبما أنزل من ~~قبل أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتب؟ {وأن أكثركم فاسقون} أي: وهل تنقمون ~~منا إلا أن أكثركم فاسقون؟، كأنه: هل تنقمون إلا إيماننا وفسقكم؟. # ومنع بعض العلماء حمل {وأن أكثركم} على {تنقمون}، وقال: كيف يجوز " هل ~~تنقمون (منا) ms0655 إلا فسقكم "، والفسق منهم، فغير جائز أن ينقموا على غيرهم ~~فسقهم، قال: وإنما هو مردود على (بالله) أي: هل تنقمون منا إلا أن آمنا ~~بالله وبأن أكثركم PageV03P1791 # فاسقون. # وذكر ابن عباس أن ناسا من يهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم [ فسألوه] ~~عمن يؤمن به من الرسل، فقال: {آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ومآ أوتي موسى [وعيسى]}، وما أوتي ~~النبييون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر عيسى ~~جحدوا نبوته وقالوا: " لا نؤمن (بمن آمن) به "، فأنزل الله {قل يا أهل ~~الكتاب هل تنقمون منآ} الآية. # قوله: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة} الآية. PageV03P1792 # {من لعنه (الله)} [من]: في موضع رفع، كما قال: {شر}: النار. والتقدير فيه ~~هو: لعن من لعنه الله ويجوز أن تكون {من} في موضع نصب {أنبئكم}، ويجوز أن ~~تكون في موضع خفض على البدل من {شر}. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا [دينكم] هزوا ولعبا م الذين ~~أوتوا الكتاب والكفار -: هل أنبئكم بشر من ثواب ما تنقمون هو لعن {من لعنه ~~الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير}، وهم أصحاب السبت من اليهود. PageV03P1793 # وقرأ حمزة {وعبد الطاغوت} بضم الباء وخفض الطاغوت، بإضافة " عبد " إليه، ~~ومعناه: وخدم الطاغوت. # {أولئك شر مكانا} أي: شر من هؤلاء الذين نقمتم عليهم لإيمانهم بالله وبما ~~أنزل من قبل، {وأضل عن سوآء السبيل} أي: أجور / عن قصد الحق، وهذا كلام فيه ~~تعريض لليهود الذين نقموا إيمان المؤمنين، فهم [المعنيون] بذلك. # وقيل: المعنى: أولئك الذين نقموا عليكم - أيها المؤمنين - شر مكانا عند ~~الله من الذين لعنهم الله، وجعل منهم القردة والخنازير. # وقيل: المعنى أولئك الذين آمنوا شر؟ أم من لعنه الله؟، (ويعني به المقول) ~~لهم ذلك من اليهود. PageV03P1794 # قوله: {وإذا جآءوكم قالوا آمنا} الآية. # المعنى: وإذا جاءكم - أيها المؤمنون - هؤلاء المنافقون من اليهود، قالوا: ~~" آمنا "، وقد دخلوا عليكم بالكفر إذا جاؤكم، وخرجوا به أيضا كما دخلوا، لم ~~يحولوا ms0656 عما يعتقدون، وإنما كذبوا بألسنتهم وقالوا ما لا يعتقدون، {والله ~~أعلم بما [كانوا] يكتمون} من كفرهم، قال السدي: هؤلاء ناس من المنافقين - ~~كانوا يهود - دخلوا كفارا (وخرجوا كفارا)، إذ لم ينتفعوا بما سمعوا. # قوله: {وترى كثيرا منهم يسارعون} الآية. # المعنى: ترى يا محمد كثيرا من هؤلاء اليهود يسارعون في الأثم، [أي] في ~~الكفر، والعدوان، وهو مجاوزة حدود الله، فمعنى ذلك أنهم يسارعون في معاصي ~~الله وترك حدوده، ويسارعون في أكلهم السحت، وهو الرشا في الأحكام. PageV03P1795 # {لبئس ما كانوا يعملون} [في الكلام معنى القسم، والمعنى: أقسم بالله لبئس ~~ما كانوا يعملون] في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت. # قوله: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار} الآية. # المعنى: هلا ينهاهم عن ذلك الربانيون، وهم أئمتهم وعلماؤهم. # وقيل: ولاتهم. (والأحبار) (و) هم الفقهاء والعلماء. # {عن قولهم الإثم} وهو الكفر. وقيل: {وأكلهم السحت} وهو الرشوة في ~~الأحكام. # {لبئس ما كانوا يصنعون} أي: لبئس صنيع الربانيين والأحبار إذ لا ينهون ~~عامتهم عن ذلك. PageV03P1796 # وهذه الآية أشد آية وبخ فيها العلماء، قال ابن عباس: ما في القرآن آية ~~أشد توبيخا من هذه، والمعنى: أقسم [لبئس ما] كانوا يصنعون. # وقرأ أبو الجراح (الربيون) وهم [الجماعات]، مأخوذ من الربة، والربة: ~~الجماعة، ونسب إليها فقيل: ربي، ثم جمع فقيل: ربيون. # قوله: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} الآية. # هذه الآية من أدل دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ أخبرهم ~~بمكنون سرهم وخفي اعتقادهم. ومعنى قولهم {يد الله مغلولة}: " خير الله ممسك ~~" وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم واليد - هنا - بمنزلة قوله تعالى في تأديب ~~نبيه: {ولا تجعل PageV03P1797 # يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] أي: لا تقتر في النفقة حتى تضر بنفسك ~~وبمن معك، {(و) لا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] أي: لا تسرف في الإنفاق ~~والتبذير، فتبقى لا شيء لك. وإنما خصت اليد بأن جعلت في موضع الإمساك ~~والإنفاق، لأن عطاء الناس وبذلهم معروفهم، الغالب عليه باليد، فجرى استعمال ~~الناس في وصف بعضهم بعضا بالكرم أو بالبخل بأن أضافوه إلى اليد ms0657 التي بها ~~يكون العطاء والإمساك، فخوطبوا بما يتعارفونه في كلامهم، فحكى الله عن ~~اليهود أنهم قالوا {يد الله مغلولة} أي: أنه يبخل علينا بالعطاء كالذي يده ~~مغلولة عن العطاء، تعالى الله عما قال أعداء الله علوا كبيرا. PageV03P1798 # وقال بعض المفسرين (في) معنى الآية: نعمة الله مقبوضة عنا. # لأنهم كانوا إذا نزل بهم خير، / قالوا: يد الله مبسوطة علينا، وإذا نزل ~~بهم ضيق وجدب، قالوا: يد الله مقبوضة عنا، أي: نعمته وأفضاله. # وقد قيل: في قوله {بل يداه مبسوطتان}: أنهما مطر السماء ونبات الأرض، لأن ~~النعم (بهما ومنهما) تكون. # قوله: {غلت أيديهم} أي: من الخير، {ولعنوا بما قالوا} أي: أبعدوا من رحمة ~~الله عز وجل لقولهم ذلك. وقيل: غلت في الآخرة، وهو دعاء عليهم. # ثم قال تعالى - رادا لما حكى من قولهم -: {بل يداه مبسوطتان} أي: بالبذل PageV03P1799 # والإعطاء، {ينفق كيف يشآء} أي: يعطي: فيحرم هذا ويقتر عليه، ويوسع على ~~هذا. # قال عكرمة ومجاهد والضحاك: قولهم {يد الله مغلولة} معناه: أنه بخيل ليس ~~بالجواد. وكذلك معنى قول ابن عباس وغيره. # قوله: {بل يداه مبسوطتان} قيل: معناه: نعمتاه الظاهرة والباطنة على خلقه ~~مبسوطتان. وقيل: معناه: نعمتاه، يعني نعمته في الدينا ونعمته في الآخرة. ~~والعرب تقول: " لفلان عند فلان يد "، أي: نعمة. وقيل: عنى بذلك القوة، ~~كقوله: {أولي الأيدي والأبصار} [ص: 45] أي: أصحاب القوة والبصائر في الدين. # وقد قيل في معنى قولهم: {يد الله مغلولة} أي: عن عذابنا، [أي يده مقبوضة ~~عن PageV03P1800 # عذابنا، و] معنى {مبسوطتان} أي: [مطلقتان]. # واليد - عند أهل النظر والسنة في هذا الموضع وما كان مثله - صفة من صفات ~~الله، ليس بجارحة، فعلينا أن نصفه بما وصف به نفسه {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11]، فلا يحل لأحد أن يعتقد الجوارح لله، إذ ليس كمثله شيء، و (أن ~~ما) وقع من ذكر هذا وشبهه، وذكر المجيء والإتيان، صفات لله، لا أنها فيها ~~انتقال وحركة وجارحة، فسبحان من ليس كمثله شيء من جميع الأشياء، فلو أنك ~~أثبت له حركة أو انتقالا أو جارحة لكنت ms0658 قد جعلته كبعض الأشياء الموجودة، ~~وقد قال: # {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، فاحذر أن يتصور في عقلك أن البارئ جل ذكره ~~يشبه شيئا من الأشياء التي عقلت وفهمت، ومتى فعلت شيئا من هذا فقد ألحدت، ~~وأهل السنة يقولون: ان يديه غير نعمته. PageV03P1801 # وقوله: {وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} أي: ~~ليزيدنهم ما أطلعناك عليه من خفي اعتقادهم، وسوء مذهبهم، {طغيانا} عن ~~الإيمان بك، {وكفرا} بما جئت به. # {وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة} أي: بين اليهود ~~والنصارى. وهو مردود إلى قوله: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم ~~أوليآء} [المائدة: 51]. # {كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} أي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء ~~شتته الله وأفسده عليهم. قال قتادة: (لن تلقى) يهوديا ببلد إلا وجدته (من) ~~أذل أهل ذلك البلد، ولقد جاء الإسلام - حين (جاء - وهم) تحت أيدي المجوس ~~أبغض خلق الله إليه. PageV03P1802 # وهو كلام تمثيل، وتحقيقه: كلما تجمعوا لتفريق المؤمنين وحربهم، شتتهم ~~الله و [محقهم]. # {ويسعون في الأرض فسادا} أي: يسعون في إبطال الإسلام، والكفر برسوله ~~وآياته، {والله لا يحب المفسدين} أي: " من كان عاملا بمعاصيه ". # قوله: {ولو أن أهل الكتابءامنوا واتقوا} الآية. # المعنى: لو أن اليهود والنصارى آمنوا بالله و [رسوله]، واتقوا مخالفتهما، ~~{لكفرنا عنهم [سيئاتهم]} أي: لغطينا ذنوبهم وسترنا / عليها. {ولأدخلناهم ~~جنات النعيم} أي: بساتين يتنعمون [فيها] في الآخرة. PageV03P1803 # قوله: {ولو أنهم أقاموا التوراة [والإنجيل]} الآية. # أي: لو أن اليهود أقامت التوراة، أي: عملت بما فيها وأقرت بما فيها من ~~صفة النبي ونبوته، ولو أن النصارى أقامت الإنجيل، أي: عملت بما فيه وأقرت ~~بصفة النبي ونبوته التي هي فيه، {و [مآ] أنزل إليهم من ربهم} يعني القرآن، ~~أي: وأقاموا ما أنزل إليهم من ربهم، والمعنى في ذلك: التصديق بجميع الكتب. # (و) قوله: {لأكلوا من فوقهم} أي: من قطر السماء، {ومن تحت أرجلهم}: من ~~نبات الأرض. وقيل: معناه التوسعة عليهم في الأرزاق كما يقول القائل: " هو ~~في خير من قرنه إلى قدمه ". # {منهم أمة مقتصدة}: أي ms0659 مؤمنة بمحمد. وقيل: مقتصدة في القول في عيسى أنه PageV03P1804 # {رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم}. قال مجاهد: هم مسلمو أهل الكتاب. ~~{وكثير منهم سآء ما يعملون} أي: عملهم مذموم. # قوله: {يا أيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك} الآية. # والمعنى: أن الله تعالى: أكد على النبي في تبليغ ما أنزل إليه من ربه، ~~لأنه كان يرفق بالناس في أول الإسلام وابتدائه، فأمر بالاجتهاد في التبليغ. # وقوله: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} أي: إن تركت آية وكتمتها، لم تبلغ ~~رسالته، قاله ابن عباس. وقيل: المعنى: إن (لم) تبلغ ذلك معلنا، غير متوق ~~أمرا، فما PageV03P1805 # بلغت، وهو مثل قوله {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94]. # وقوله: {والله يعصمك من الناس} أي: أمره تعالى بالتبليغ، وأخبره بالعصمة ~~من الناس. # قال ابن جبير: " لما نزلت {والله يعصمك من الناس}، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لا تحرسوني، فإن ربي قد عصمني. وكان ناس من أصحابه ~~يتعقبونه في الليل، فلما نزلت {والله يعصمك من الناس}، قال: يا أيها " ~~الناس " إلحقوا بملاحقكم، فإن الله قد عصمني من الناس " وروي " أن النبي ~~كان إذا نزل منزلا، اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه أعرابي فخرط ~~سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال النبي: الله، PageV03P1806 # فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده، وضرب برأسه الشجرة حتى (انتثر) ~~دماغه، فأنزل الله {والله يعصمك من الناس} " وقيل: " كان " النبي " صلى ~~الله عليه يخاف قريشا، فلما نزلت هذه الآية، استلقى ثم قال: من شاء ~~فليخذلني، مرتين أو ثلاثا ". # قوله: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء} الآية. # المعنى: لستم على دين حتى تصدقوا بما في التوراة من الفروض وصفة محمد، و ~~[بما] في الإنجيل، وتصدقوا [بما] أنزل إليكم من ربكم، وهو القرآن الكريم. # (و) قوله: {وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} أي: ~~ليزيدنهم ما أطلعتك عليه من أمرهم، {طغيانا} أي: تجاوزا في التكذيب، ~~{وكفرا} أي: [وجحودا PageV03P1807 # لنبوتك] {فلا تأس} أي: لا تحزن عليهم، فإنهم كافرون. # قوله تعالى: {إن ms0660 الذين آمنوا والذين هادوا} الآية. # مذهب الخليل وسيبويه في [الصابون] أنه رفع على أنه عطف على موضع (إن) وما ~~عملت فيه. # وقال الكسائي والأخفش: هو عطف على المضمر في {هادوا}. وقو قول مطعون فيه، ~~لأنه يلزم أن يكون {الصابئون} دخلوا في اليهودية. # وقال الفراء: / إنما جاز الرفع، لأن {الذين} لا يظهر فيه عمل (إن). # وأجاز الكسائي: إن [زيدا وعمرو]. قائمان " قال: لضعف " إن " واستدل بقول ~~الشاعر: # فإني وقيار بها لغريب. ... PageV03P1808 # وقال الفراء: لا حجة للكسائي في هذا البيت، لأن قيارا قد عطف على اسم ~~مكنى عنه، والمكنى لا يتبين فيه الإعراب ك {الذين}، فهل فيه أن يعطف على ~~الموضع. # وقرأ [سعيد] بن جبير " والصابين " بالنصب، على ظاهر العربية. # ومعنى الآية: أن الذين آمنوا بألسنتهم، يعني المنافقين، واليهود والصابين ~~والنصارى، من آمن منهم، أي: من حقق الإيمان بمحمد - وما أتى به - بقلبه، ~~وباليوم الآخر، وعمل صالحا، فلا خوف عليهم. وقيل المعنى: أن الذين آمنوا ~~بألسنتهم وقلوبهم، من ثبت منهم على الإيمان {وعمل صالحا فلا خوف عليهم} أي: ~~لا يخافون يوم PageV03P1809 # القيامة ولا يحزنون. # قوله: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنآ إليهم رسلا} الآية. # اللام في {لقد} لام قسم، " والمعنى: أقسم " لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل ~~على إخلاص التوحيد، والعمل بما أمرهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه، وأرسلنا ~~إليهم (بذلك رسلا)، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم، فريقا كذبوا ~~وفريقا قتلوا، نقضا للميثاق الذي أخذ عليهم. فالتكذيب اشتركت فيه اليهود ~~والنصارى، والقتل هو من فعل اليهود خاصة، كانت تقتل النبيين (والمرسلين) ~~إذا أمروا بالمعروف ونهو عن المنكر. # قوله: {وحسبوا ألا تكون فتنة} الآية. # المعنى: وظن هؤلاء الذين أخذ ميثاقهم أنه لا يكون لهم من الله ابتلاء " ~~واختبار بالشدائد من العقوبات، {فعموا وصموا} أي: عن الحق والوفاء بالميثاق ~~الذي PageV03P1810 # أخذ عليهم. و (كثير) بدل من المضمر. وقيل: هو تأكيد كما تقول: " رأيت ~~قومك ثلثهم " وقيل: رفعه على إضمار مبتدا، [و] المعنى: العمى كثير منهم ~~وقيل: التقدير: العمى والصم منهم كثير. وقيل هو ms0661 على لغة من قال: " أكلوني ~~البراغيث "، فيرتفع (كثير) ب[عموا وصموا]. ويجوز - في غير القرآن - النصب ~~على أنه نعت لمصدر محذوف. # (و) قال مجاهد: (هم) اليهود خاصة وقيل: المعنى: وحسبوا ألا يكون اختبار. ~~لقولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18]، فعموا عن الحق وصموا. PageV03P1811 # {ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم} أي: لم يعلموا بما سمعوا، ~~ولا انتفعوا بما رأوا من الآيات فكانوا بمنزلة العمي الصم. # وقيل: معنى {ثم تاب الله عليهم}: ثم بعث الله محمدا يخبرهم أن الله يتوب ~~عليهم إن تركوا الكفر وآمنوا، {فعموا وصموا} أي: لم ينتفعوا بما قيل لهم. # قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} الآية. # أخبر الله عن النصارى أنه لما اختبرهم بوفاء الميثاق، كفروا وقالوا: ~~المسيح الله، وقد عملوا أنه (ابن) مريم، والله لا يكون مولودا، تعالى ~~(الله) عن ذلك. وأخبر عن المسيح أنه قال لهم {اعبدوا الله} إلى آخر الآية، ~~وهذا قول اليعقوبية من اليهود. # والمسيح: الصديق. PageV03P1812 # وقال ابن عباس: سمي مسيحا، لأنه كان أمسح الرجل، لا أخمص له. # وقيل: سمي مسيحا، لأنه كان لا يمسح بيديه ذا عاهة إلا برأ، ولا يضع يديه ~~على شيء إلا أعطي فيه مراده. وقال / ثعلب: سمي بذلك لأنه كان يمسح الأرض، ~~أي: يقطعها بالسياحة. # و [قيل]: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. # وأما المسيح الدجال، فإنما سمي به لأنه أمسح العين، فهو بمعنى ممسوح، ك " ~~قتيل " بمعنى " مقتول ". # قوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} الآية. # أخبر الله في هذه الآية قول بعضهم وكفرهم، وهو قول جمهور النصارى. PageV03P1813 # وقوله: (منهم) تعود (على أهل الكفر) من الذين قالوا: {[إن] الله هو ~~المسيح [ابن مريم]} ومن الذين قالوا: {[إن] الله ثالث ثلاثة}، فتعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # قوله: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} الآية. # (و) المعنى: [أفلا] يرجعون عن قولهم ويستغفرون منه، {والله غفور} أي: ~~ساتر: لذنوب الناس، {رحيم} بهم. # قوله: {ما المسيح ابن مريم} الآية. # هذا احتجاج ms0662 على فرق النصارى في قولهم في عيسى. فالمعنى: ليس عيسى PageV03P1814 # أول رسول مبعوث إلى الناس فيعجبوا من ذلك، بل قد خلت من قبله الرسل إلى ~~الخلق، فهو واحد منهم، (فهو) مثل قوله في محمد {قل ما كنت بدعا من الرسل} ~~[الأحقاف: 9]، و (مثل) قوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل ~~عمران: 144]. # (والصديقة: الفعلية من الصدق]. # ومعنى الآية: ما المسيح في إنبائه بالمعجزات - من إبراء الأكمه وإحياء ~~الموتى - {إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي: مثل الرسل التي قد خلت من ~~قبله، أتى بالمعجزات كما أتى موسى وابراهيم، فهو أظهر الآيات، (فهو) كغيره ~~ممن تقدم من الرسل الذين أظهروا الآيات. # - ومعنى {خلت}: تقدمت -، فليس هو بأول رسول فيعجب منه. PageV03P1815 # قوله {كانا يأكلان الطعام} كناية عن إتيان الحاجة، فنبه بأكل الطعام على ~~عاقبته، وغلب المذكر على المؤنث. وقيل: المعنى: كانا يتغديان كما يتغدى ~~البشر، ومن كان هكذا فليس بإله، لأن الإله لا يحتاج إلى شيء. # قوله: {انظر كيف نبين لهم الآيات} أي: انظر يا محمد كيف نبين لهؤلاء ~~الكفرة من اليهود والنصارى {الآيات}، وهي العلامات على بطلان ما يقولون في ~~أنبياء الله، ثم انظر: يا محمد - مع تنبيهنا إياهم على ذلك - كيف يؤفكون، ~~أي: من أين يصرفون عن الحق. يقال لكل مصروف عن شيء: (هو مأفوك عنه)، و (وقد ~~أفكت فلانا عن كذا) أي: صرفته عنه، آفكه أفكا، و (قد أفكت الأرض): إذا صرف ~~عنها المطر. # قوله: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا} الآية. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء القائلين في المسيح ما ذكرت عنهم: أتعبدون سوى ~~الله الذي يملك ضركم ونفعكم، والذي خلقكم ورزقكم، فيخبرهم تعالى أن المسيح ~~- PageV03P1816 # الذي زعموا أنه إله - لا يملك لهم دفع ضر إن أحله الله [بهم]، ولا صرف ~~نفع إن أعطاهم الله إياه. # {والله هو السميع العليم} أي: أنتم أقررتم أن عيسى كان في حال لا يسمع ~~ولا يعلم، والله لم يزل سميعا عليما، " وهذا ms0663 من ألطف ما يكون من الكناية ". ~~وقيل: المعنى: {هو السميع} لاستغفارهم لو استغفروه من قولهم في المسيح، ~~{العليم} بتوبتهم - لو تابوا منه - وبغير ذلك من أمورهم. # قوله: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق} الآية. # المعنى: قل يا محمد: يا أهل الإنجيل لا تغلوا في دينكم أي: لا تفرطوا في ~~القول في أمر المسيح فتجاوزوا الحق في جعلكم إياه [إلها]، ولكن قولوا: ~~{رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح [منه]}. PageV03P1817 # {ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل} أي: أهواء اليهود الذين قد ضلوا ~~من قبلكم عن سبيل الله الهدى {وأضلوا كثيرا} أي: أضل هؤلاء اليهود كثيرا من ~~الناس عن الحق، فحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح، {وضلوا عن سوآء ~~السبيل} أي: عن قصد السبيل. # وسمي (الهوى / هوى، لأنه يهوي) بصاحبه في الباطل والهوى - في القرآن - ~~مذموم. والعرب لا تستعمله إلا في الشر، وأما في الخير فيستعملون الشهوة ~~والمحبة. PageV03P1818 # وقال ابن أبي نجيح: {وأضلوا كثيرا} اليهود أضلوا المنافقين. # قوله: {لعن الذين كفروا} الآية. # (ذلك) في موضع رفع، على معنى: ذلك اللعن بما عصوا، أو على معنى: الأمر ~~ذلك بما عصوا، ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: فعلنا ذلك بما عصوا. # والمعنى: أن الذين لعنوا على لسان داود (هم) أهل السبت، والذين لعنوا على ~~لسان عيسى (ابن مريم) هم أصحاب المائدة، قاله ابن عباس. وقيل: الذين لعنوا ~~على لسان داود مسخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أول ما وقع النقص في بني إسرائيل: أن أحدهم ~~كان يرى أخاه على PageV03P1819 # المعصية فينهاه، ثم لا يمنعه ذلك من الغد أن يكون أكيله وشريبه ". # قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا ~~على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد ~~محمد في القرآن. # وقال مجاهد: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى فصاروا ~~خنازير. والمراد بذلك - والله ms0664 أعلم - أنه (تعالى) حذرهم أن يقولوا في عيسى ~~ما قالوا فلعنوا كما لعن هؤلاء. # وروي أن داود عليه السلام دعا عليهم على عهده: وذلك أنه مر على نفر وهم PageV03P1820 # في بيت، فقال: من في البيت؟ [فقالوا]: خنازير، فقال: (اللهم اجعلهم ~~خنازير)، فأصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: " اللهم العن من افترى علي ~~وعلى أمي، فاجعلهم " قردة خاسئين. ذلك بعصيانهم واعتدائهم. # ثم أخبر تعالى أنهم {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه}. أي: لا ينهى بعضهم ~~بعضا، والمنكر: المعاصي. # {لبئس ما كانوا يفعلون} في الكلام معنى القسم. والمعنى: أقسم لبئس الفعل ~~فعلهم في تركهم النهي عن المعاصي. # وروي أن النبي عليه السلام قال: " إن أول ما كان من نقض بني إسرائيل ~~ومعصيتهم: أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، شبه تعذير، فكان ~~أحدهم إذا لقي PageV03P1821 # صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه وخالطه، كأنه لم يعب عليه شيئا، ~~فلعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم ". # وروي عنه عليه السلام أنه قال: " لا يزال العذاب مكفوفا عن العباد ما ~~استتروا بمعاصي الله، فإذا أعلنوها، فلم تنكر، استحلوا عقاب الله ". # وقال عليه السلام: " إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أظهرت ~~فلم تغير ضرت العامة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " ( لا تعذب) الخاصة بعمل العامة حتى تكون ~~الخاصة تستطيع أن تغير على العامة، فإذا استطاعت ذلك - فلم تفعل - عذبت ~~(الخاصة والعامة) ". PageV03P1822 # قوله تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا} الآية. # المعنى: ترى يا محمد كثيرا من اليهود يوالون المشركين من عبدة الأوثان ~~ويعادون أولياء الله قال مجاهد: يعني المنافقين. # {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم} ف (أن) في موضع رفع، فالذي ~~قدمت لهم أنفسهم هو سخط الله بما فعلوا. {وفي العذاب هم خالدون} / أي: ~~مقيمون في الآخرة. # المعنى (لعنوا) - عند أكثر المفسرين -: أبعدوا من رحمة الله فمسخوا ~~بذنوبهم. # (و) روى ابن حبيب في حديث يرفعه إلى النبي عليه السلام أنه قال: الممسوخ ~~خمسة عشر صنفا: الفيل، والدب، والضب، ms0665 والأرنب، والعنكبوت، والخنفساء، PageV03P1823 # والوطواط، والعقرب، والقنفذ، والدعموص، و [الجريث]، والقردة، (و) ~~الخنازير، وسهيل، والزهرة. # قيل: يا رسول الله، فما كان سبب هؤلاء إذ مسخوا؟، فقال: أما الفيل فكان ~~رجلا لوطيا، وكان ينكح البهائم، لا يدع رطبا ولا يابسا، فمسخه الله فيلا. ~~وأما الدب فكان (رجلا) مؤنثا يؤتى، فمسخه الله دبا. وأما الضب فكان أعرابيا ~~يسرق الحاج فمسخه الله ضبا. وأما الأرنب: فكانت امرأة [قذرة] لا تغتسل من ~~حيض ولا غير ذلك، فمسخها الله أرنبا. وأما الخنفساء: فكانت امرأة سحرت ~~ضرتها فمسخها الله PageV03P1824 # خنفساء. وأما العنكبوت فكانت امرأة عاصية لزوجها معرضة عنه، مبغضة له، ~~فمسخها الله عنكبوتا. وأما الوطواط: فكان رجلا يسرق الرطب من رؤوس النخيل ~~ليلا، فمسخه الله وطواطا، وأما القنفذ، فكان رجلا سيء الخلق، فمسخه الله ~~قنفذا. وأما العقرب: فكان رجلا همازا لا يسلم من لسانه أحد، فمسخه الله ~~عقربا. وأما [الدعموص] فكان رجلا نماما يفرق بين الأحبة، فمسخه الله ~~دعموصا. وأما [الجريث]: فكان رجلا ديوثا يدعو الرجال إلى حليلته فمسخه الله ~~[جريثا]. وأما القردة: فالذين تعدوا في السبت من بني إسرائيل. وأما PageV03P1825 # الخنازير: فالذين سألوا عيسى نزول المائدة ثم كانوا بعد نزولها أشد ما ~~يكونوا تكذيبا. وأما سهيل: فرجل عشار كان باليمن متعديا فمسخه الله شهابا. ~~- وروي أن (رسول الله صلى الله عليه وسلم) يلعنه إذا رآه -. # وأما الزهرة: فامرأة افتتن بها هاروت وماروت، فمسخها الله شهابا. # وسورة المائدة: من آخر ما نزل من القرآن. وروي أن فيها إحدى وعشرين فريضة ~~ليست في شيء من القرآن وهي: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما ~~أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام، وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم، وطعامكم حل ~~لهم، PageV03P1826 # {والمحصنات من المؤمنات} والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ~~وتمام الطهور، والسارق والسارقة، وآية المحاربين، ولا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم، وكفارة الإيمان، وتحريم الخمر، وتحريم الصيد في الحرم، وما جعل ~~الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ms0666 ولا حام، وروي عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت: المائدة آخر سورة نزلت جملة، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، ~~وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سورة المائدة تدعى في ملكوت ~~الله: المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب وتخلصه. وقد اختلف هل ~~فيها منسوخ (أولا)، وقد ذكرنا ذلك في [موضعه] ". # قوله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله} الآية. # المعنى: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا PageV03P1827 # / {يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون} أي: خارجون عن طاعة الله. وقال مجاهد: المنافقون. ولم يبين. # قوله: {لتجدن أشد الناس عداوة} الآية. # قوله: {قسيسين} هو جمع (قسيس) مسلما، (و) تكسيره على (قساوسة)، أبدل من ~~إحدى السينات واوا. ويقال: (قس) في معناه، وجمعه (قسوس)، ويقال للنميمة ~~(قس). PageV03P1828 # ورهبان جمعه رهابنة ورهابين. # والمعنى: لتجدن - يا محمد - أشد الناس عداوة للذين اتبعوك، فآمنوا بك ~~{اليهود والذين أشركوا}، وهم عبدة الأوثان، ولتجدن أقربهم مودة لمن آمن بك، ~~النصارى. # {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} عن الحق. # وهذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر من نصارى الحبشة لما سمعوا القرآن ~~أسلموا. " وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا ". # قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي وفدا إلى النبي، فقرأ عليهم القرآن PageV03P1829 # فأسلموا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم. # قال ابن عباس: بعث النبي - وهو بمكة، حين خاف على أصحابه من المشركين - ~~نفرا إلى النجاشي، منهم: ابن مسعود وجعفر بن أبي طالب، فبلغ ذلك المشركين، ~~فبعثوا عمرو بن العاصي في رهط إلى النجاشي يحذرونه من محمد، فسبق أصحاب ~~المشركين، فقالوا للنجاشي: خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها وقد بعث ~~إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك بخبرهم، قال: إن جاءوني ~~نظرت فيما يقولون (لي)، فقدم أصحاب النبي، فأتوا باب النجاشي، وقالوا: ~~استأذنوا لأولياء الله، فقال: ائذن لهم، فمرحبا بأولياء الله. فلما دخلوا ~~عليه، ms0667 سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى - أيها الملك - لم يحيوك ~~بتحيتك! PageV03P1830 # فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي. فقالوا له: إنا حييناك بتحية أهل ~~الجنة وتحية الملائكة. فقال (لهم): ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ [قالوا]: ~~هو عبد الله وكلمة من الله وروح منه، ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها ~~العذراء البتول. قال: فأخذ عودا من الأرض (وقال): " ما زاد عيسى وأمه على ~~ما قال صاحبكم قدر هذا العود "، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. قال لهم ~~النجاشي: هل تعرضون شيئا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا، فقرأوا، ~~وهناك قسيسون ورهبان ونصارى، فعرفت كل قرأوا، وانحدرت دموعهم مما عرفوا من ~~الحق، فأنزل الله الآية. # وقال الكلبي: كانوا أربعين رجلا: اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من ~~رهبان الشام، فأسلموا حين هاجر إليهم المؤمنون وسمعوا القرآن فعرفوا الحق ~~وانقادوا PageV03P1831 # إليه، وكانت اليهود أشد عداوة لمن آمنوا برسول الله يومئذ بالمدينة، ~~وكذلك كانت قريش لمن آمن بمكة. # وقيل: إن الذي قرأ على النجاشي هو جعفر بن أبي طالب، قرأ عليه أول سورة ~~مريم. # وقال السدي: بعث النجاشي اثني عشر من الحبشة: سبعة " قسيسون وخمسة " ~~رهبان، ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه، فلما لقوه قرأ عليهم ~~ما أنزل الله، فبكوا وآمنوا، / وأنزل الله فيهم: {وإذا سمعوا مآ أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع [مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ آمنا ~~فاكتبنا مع الشاهدين]}، فرجعوا إلى النجاشي فآمن وهاجر بمن معه، فمات في ~~الطريق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستغفروا له. # وروى ابن شهاب عن أم سلمة - زوج النبي عليه السلام، وكانت قد هاجرت إلى PageV03P1832 # أرض الحبشة مع من هاجر من مكة من المسلمين حين آذاهم المشركون - فقالت: ~~لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار - النجاشي -، أمنا على ديننا، ~~وعبدنا الله عز وجل، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا، ~~ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن ms0668 يهدوا له هدايا ~~مما يستظرف من متاع مكة، فجمعوا له هدايا ولم يتركوا بطريقا من بطارقته إلا ~~أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاصي، ~~وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق (منهم) هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ~~ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. PageV03P1833 # قالت أم سلمة: فخرجا حتى قدما على النجاشي - ونحن عنده بخير دار عند خير ~~جار - فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ~~وقالا لكل بطريق: " إنه قد صبأ إلى بلاد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين ~~قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد ~~بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومنا لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، ~~فأشيروا على أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم ~~فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هدية النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه ~~فقالا: أيها الملك، إنه قد صبأ إليك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم ~~يدخلوا في دينك، ابتدعوا دينا لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم ~~أشراف قومنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم PageV03P1834 # لنردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالت البطارقة ~~من حوله: صدقا - أيها الملك -، فأسلمهم إليهما. قالت: فغضب النجاشي (وقال): ~~لاها الله اذن، ولا أسلمهم، (ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني ~~من سواي) حتى أدعوهم [فأسألهم] فما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما ~~[يقولان]، أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، ~~منعتهم PageV03P1835 # (منهم)، وأحسنت جوارهم ما [جاوروني]. # قال أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو بن العاصي من أن يسمع ~~النجاشي كلام المؤمنين، فدعا النجاشي المؤمنين، فلما جاءهم رسول النجاشي، ~~اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون اذا جئتموه؟ قالوا: نقول - والله - ما ~~علمنا نبينا وما أمرنا كائنا في ذلك ما كان. فلما جاءوا - وقد دعا ms0669 النجاشي ~~أساقفته فنشروا مصاحبهم حوله - سألهم فقال: ما هذا الذي فارقتم فيه قومكم ~~ولم تدخلوا (به) في ديني، ولا (في) دين أحد من [هذه] الملل؟، (و) قالت أم ~~سلمة: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: أيها الملك، ~~كنا PageV03P1836 # قوما، - أهل جاهلية - نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع ~~الأرحام، نسيء الجوار، ويأكل القوي (الضعيف، فكنا على ذلك) حتى (بعث) الله ~~إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعافيته، فدعانا إلى الله لنوحده ~~ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا / من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق ~~الحديث ورد الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ~~ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل (مال) اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن ~~نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة وبالصيام. - قالت أم ~~سلمة: فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقنا وآمنا به، واتبعناه على ما جاءنا به ~~من عند الله، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا ~~فعذبونا وفتنونا عن ديننا PageV03P1837 # ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من ~~الخبائث فلما قهرونا (وظلمونا) وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، ~~خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا (أن لا) ~~نظلم عندك أيها الملك. # قالت أم سلمة: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله (من) شيء؟، قال ~~له جعفر: نعم، قال: فاقرأه علي. قالت: فقرأ عليه صدرا من {كهيعص} [مريم: ~~1]، فبكى النجاشي (وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي): ~~إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم PageV03P1838 # إليكما أبدا، ثم قال لجعفر (وأصحابه): اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم ~~في لسانهم: الآمنون -، من سبكم [غرم]، من سبكم [غرم]، قالها ثلاثا، ثم قال: ~~ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، (فوالله) ما أخذ [الله] (الرشوة ~~مني) حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة (فيه)، وما أطاع الله الناس في فأطيعهم ms0670 ~~فيه. قالت أم سلمة: فخرجا من عنده مقبوحين. # ففي النجاشي وأصحابه نزل {وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول [ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من PageV03P1839 # الحق]} الآيات. # قالت عائشة رضي الله عنها في قول النجاشي: " ما أخذ الله مني الرشوة حين ~~رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الله الناس في فأطيع الناس فيه "، ~~قالت: إن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد غيره، وكان للنجاشي عم، له من ~~صلبه اثنا عشر ولدا، فقالت الحبشة بينهم: لو قتلنا أبا النجاشي، وملكنا ~~أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه [اثني] عشر ولدا، ~~فيتوارثوا الملك من بعده وتبقى الحبشة بعده دهرا. # فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا. ونشأ ~~النجاشي مع عمه، وكان لبيبا حازما من الرجال، فغلب على أمر عمه (ونزل) منه ~~بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالت PageV03P1840 # بينهم: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه ~~علينا، وإن ملكه (علينا) ليقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه. ~~فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين ~~أظهرنا، فإنا قد خفنا على أنفسنا. فقال: ويلكم، قتلتم أباه بالأمس وأقتله ~~اليوم؟ بل أخرجه من بلادكم، فخرجوا به إلى السوق فباعوه [من رجل] من التجار ~~بست مائة درهم، فقذفه في سفينة وانطلق به حتى [إذا] [العشي] من ذلك اليوم، ~~هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته ~~ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هم حمق، ليس في واحد منهم خير، فمرج على الحبشة ~~أمرها، فلما ضاق عليهم أمرهم، قال بعضهم لبعض، تعلموا - والله - أن ملككم - PageV03P1841 # الذي لا يقيم أمركم غيره - الذي بعتم، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة ~~فأدركوه. # قالت: / فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه ~~منه وجاءوا به، وعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملكوه أنفسهم، ~~فجاءهم التاجر ms0671 الذين كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن ~~أكلمه في ذلك؟ فقالوا: لا نعطيك شيئا، قال: إذن والله أكلمه. قالوا: فدونك. # قالت: فجاءه التاجر، فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما من ~~قوم بالسوق بست مائة درهم فأسلموا إلي غلامي (وأخذوا دراهمي حتى إذا سرت، ~~خرجت بغلامي، أدركوني فأخذوا غلامي مني ومنعوني دراهمي. فقال لهم النجاشي: ~~لتعطنه دراهمه، أو ليضعن غلامه) يده في يده، فليذهبن به حيث PageV03P1842 # شاء. قالوا: [بل] نعطيه دراهمه. # قال: فلذلك قال: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة ~~فيه، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أول ما خبر من ~~صلابته في دينه، وعدله في حكمه. # وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مات النجاشي، كان يتحدث أنه لا يزال نور ~~يرى على قبره. # وقال ابن جبير: هم سبعون رجلا وجه بهم النجاشي، وكانوا ذوي فقه وسنن، ~~فقرأ عليهم النبي {يس} [يس: 1]، فبكوا، وقالوا: {ربنآ آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين} وفيهم نزل: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} [القصص: ~~52] إلى قوله {يؤتون أجرهم مرتين} [القصص: 54] إلى آخر الآية. PageV03P1843 # وقال قتادة: هم ناس كانوا على الحق من شريعة عيسى، ثم آمنوا بالنبي عليه ~~السلام. # والرهبان يكون واحدا وجمعا، وإذا كان جمعا فواحده: " راهب "، وإذا كان ~~واحدا فهو كقربان، وجمعه: رهابين، مثل قرابين. # ثم نعتهم تعالى ذكره في الآية الأخرى فقال: {وإذا سمعوا مآ أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع [مما عرفوا من الحق]} يعني الرهبان ~~والقسيسين الذين أتوا من عند النجاشي، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم { يس} ~~[يس: 1] ففاضت أعينهم لما سمعوا الحق وعرفوه. # ومعنى: {فاكتبنا مع الشاهدين}: قال ابن عباس: مع محمد وأمته، لأنهم شهدوا ~~أنه قد بلغ، وأن الرسل كما قال: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143]. # ثم ذكر تعالى قولهم أنهم قالوا: {وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من ~~الحق} [الآية] وهو ms0672 النبي والقرآن. # {ونطمع} أي: ونحن نطمع، {أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} أي: المؤمنين PageV03P1844 # المطيعين. # قوله: {فأثابهم الله بما قالوا} الآية. # المعنى: فجزاهم الله بقولهم ذلك وإقرارهم وتصديقهم، {جنات} أي: دخول ~~جنات، {تجري من تحتها الأنهار} في الآخرة، {خالدين فيها وذلك جزآء ~~المحسنين}. # أخبر تعالى أن من كفر منهم ومن غيرهم، وكذب بالقرآن، أنهم أصحاب الجحيم. ~~" {الجحيم}: ما اشتد حره من النار، وهو الجاحم " أيضا. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم} الآية. # (معنى الآية): أن الله أباح أكل الطيبات التي تشتهيها الأنفس، وألا ~~يحرمها أحد على نفسه، ثم نهاهم عن الاعتداء، وهو تعدي الحدود التي (قد) PageV03P1845 # حرمت. # وهذه [الآية] " نزلت في أبي بكر وعمر (وعثمان) وعلي وابن مسعود وغيرهم، ~~اجتمعوا في (دار) عثمان بن مظعون على أن يجبوا أنفسهم، وأن يعتزلوا النساء، ~~ولا يأكلوا لحما ولا دسما وأن يلبسوا المسوح، ولا يأكلوا من الطعام إلا ~~القوت، وأن يسيحوا في الأرض / كهيئة الرهبان، فبلغ ذلك النبي عليه السلام، ~~فأتى عثمان بن مظعون في منزله فلم يجده ولا [إياهم]، فقال لامرأة عثمان أحق ~~ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟، فقالت: ما هو يا رسول الله؟، PageV03P1846 # فأخبرها، فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرهت أن تبدي على ~~زوجها، فقالت: يا رسول الله، إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال لها: ~~[قولي] لزوجك وأصحابه - إذا رجعوا -: إن رسول الله يقول لكم: إني آكل ~~وأشرب، وآكل اللحم والدسم، وأنام وأصلي، وآتي النساء، وأصوم وأفطر، فمن رغب ~~عن سنتي فليس مني. ثم انصرف. فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرتهم امرأته بما ~~أمرها (به) رسول الله، فجاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ~~رسول الله [حدثتني] نفسي فلم أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر لك، فقال (له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ( و) ما تحدثك به نفسك يا عثمان؟، قال: تحدثني أن ~~أختصي. قال: مهلا يا عثمان، فإن خصاء أمتي الصيام. فقال: (يا) رسول الله، ~~فإن نفسي ms0673 تحدثني أن أترهب في رؤوس الجبال. فقال: مهلا يا عثمان، فإن ترهب ~~أمتي الجلوس في المسجد لانتظار الصلوات. فقال: يا رسول PageV03P1847 # الله (فإن نفسي) تحدثني أن أسيح [في الأرض] قال: مهلا يا عثمان، فإن ~~سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة. قال: يا رسول الله، فإن نفسي ~~تحدثني أن أخرج من مالي كله. قال: مهلا يا عثمان، فإن صدقتك يوما بيوم، ~~وتكف عيالك وترحم المسكين واليتيم فتعطهما أفضل لك. فقال: يا رسول الله، ~~فإن نفسي تحدثني أن أطلق خولة [بنت خويلد] امرأتي، قال: مهلا يا عثمان، فإن ~~الهجرة في أمتي من هجر ما حرم الله، وهاجر في حياتي، وزار قبري بعد مماتي، ~~أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع. قال: فإن نفسي تحدثني بأن لا ~~أغشى النساء. قال: مهلا يا عثمان، فإن الرجل، المسلم إذا غشي أهله أو ما ~~ملكت يمينه، فإنه PageV03P1848 # لم يكن له من وقعته تلك ولد، كان له وصيف في الجنة، وإن كان (له) ولد من ~~وقعته فمات قبله، كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة، وإن مات بعده كان له ~~نورا يوم القيامة. # قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم. قال: مهلا يا ~~عثمان، فأنا أحب اللحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت [ربي أن] يطعمنيه (في) كل ~~يوم لأطعمنيه. قال: يا رسول الله: فإن نفسي تحدثني ألا أمس الطيب. قال: ~~مهلا يا عثمان، فإن جبريل أمرني بالطيب غبا، لا ترغب عن سنتي، [فمن] رغب عن ~~سنتي ثم مات قبل أن يتوب، ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة. فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وغلظ) فيهم المقالة وقال: إنما هلك من كان ~~قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار ~~والصوامع. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، واستقيموا ~~يستقم يستقم لكم " # ، فنزلت: PageV03P1849 # {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم} إلى {مؤمنون}. # والاعتداء " ها " هنا هو ما نووا من جب ms0674 أنفسهم، نهو عن ذلك، قاله السدي. ~~وقيل: هو ما نووا من التحريم على أنفسهم. وقال الحسن: معنى: {لا تعتدوا} ~~إلى {ما حرم عليكم}. وأصل الاعتداء: التجاوز إلى ما لا يحل. # قال تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} حلالا لكم، ذلك (و) طيبا. ~~{واتقوا الله} في أن تحرموا ما أحل (الله) لكم، أو تحلوا ما حرم الله ~~عليكم، {الذي أنتم به مؤمنون} أي: مصدقون مقرون. # قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} الآية. # معنى الآية: أن الذين ذكر أنهم أرادوا أن يحرموا الطيبات في الآية التي ~~قبلها، PageV03P1850 # / كانوا قد حلفوا ليفعلن ذلك، فنهوا عن تحريم ما أرادوا تحريمه، وأعلموا ~~أن الله لا يؤاخذ باللغو في الأيمان. # قال ابن عباس: لما نهاهم النبي عن ما أرادوا أن يفعلوا من التحريم، ~~قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع في أيماننا التي حلفنا بها؟، فأنزل الله {لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} (الآية). ({ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان}): من شدد {عقدتم} فمعناه: بما وكدتم الأيمان، فالتشديد يدل على ~~تأكيد اليمين. ومن خفف فلأن " عقده " تلزم فيه الكفارة إذا [حنث] بإجماع. PageV03P1851 # واختير التخفيف - عند من قرأ به -، لأن السامع إذا سمع التشديد سبق إليه ~~أن الكفارة لا تكون إلا مع التأكيد وتكرير اليمين وهذا لا يقول به أحد. # والتخفيف يدل على أنه إن عقده ولم يكرره لزمته الكفارة إذا حنث. وأنكر ~~أبو عبيد على من قرأ بالتشديد، وقال: لأنه يوهم أن الحنث لا يجب إلا بتكرير ~~اليمين، لأن " فعل " - في كلام العرب - لتكرير [الفعل]. # وهذا الاعتراض لا يلزم، وإنما يكون التشديد للتكرير مع الواحد، فأما مع ~~الجميع فلا، لأنه قد تكرر واحد يمين عقده كقولك: " ذبحت الكباش "، فكذلك ~~([عقدتم الأيمان])، إنما وقع التكرير من أجل الجمع، ولو PageV03P1852 # كانت الآية " عقدتم اليمين "، للزم ما قال أبو عبيد، فالتشديد يكون ~~للتكرير، (إلا أن) التكرير ينقسم قسمين: # - قسم يتكرر الفعل فيه على الواحد. # - وقسم يتكرر الفعل فيه على آحاد: مرة لكل واحد، وهو الذي في الآية. # وقال مجاهد: ms0675 {بما عقدتم الأيمان}: بما تعمدتم الأيمان. وقال عطاء: " بما ~~عقدتم الأيمان " كقولك " والله الذي لا إله إلا هو ". # وروى نافع عن ابن عمر: إذا حلف من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين، ~~لكل مسكين [مد] وإذا وكد اليمين أعتق رقبة. # فقيل لنافع: ما معنى " وكد اليمين "؟، قال: أن يحلف على الشيء مرارا. # ولغو اليمين: أن يحلف على الشيء يراه أنه كما حلف، ثم لا يكون كذلك، وهو PageV03P1853 # قول مالك وجماعة معه، وقيل هو قولك: " لا والله " و " بلى والله "، وهو ~~قول الشافعي وجماعة معه. # وقيل: هو تحريمك ما أحل الله لك، فلتفعله ولا كفارة عليك، قاله ابن جبير ~~وغيره. وقال مسروق: لغو اليمين: كل يمين في معصية ليس فيها كفارة. # وعن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين: أن تحلف وأنت غضبان. لا كفارة في جميع ~~ذلك على الاختلاف المذكور. # والأيمان ثلاث: - يمين تكفر، كيمينك ألا تفعل الشيء ثم تفعله. # - والثانية: يمين لا تكفر لشدتها، وجرمها عظيم، وهو أن تتعمد فتحلف على ~~الشيء وأنت تعلم أنك كاذب. PageV03P1854 # - ويمين لا تكفر، ولا جرم لها، وهي اللغو. # وقوله: {فكفارته}: الهاء تعود على ما في قوله {بما عقدتم}، فمعناه: " ~~فكفارة ما عقدتم منها إطعام عشرة مساكين ". # وقيل: الهاء تعود على " اللغو "، وفيه ذكرت الكفارة، وأما ما عقدتم يمينه ~~فلا كفارة له وهو أعظم من أن يكفر. # والأحسن أن تعود الهاء على (ما): لأن اللغو في اللغة: المطرح، (ولو) كان ~~اللغو يكفر لم يكن مطرحا. وقيل المعنى: فكفارة " إثمه ". # والإطعام: أن تطعم لكل مسكين مدا في قول مالك وغيره. وقيل: تطعم PageV03P1855 # لكل مسكين صاعا. # ومعنى {من أوسط ما تطعمون أهليكم} أي: من أعدل ذلك، قيل: الخبز والسمن. # وقيل: الخبز والتمر. و [قيل]: الخبز و [الزيت] وقيل: المعنى: من أوسط ذلك ~~في الشبع: / إن كان ممن يشبع أهله، أشبع المساكين، وإن كان ممن يقوتهم، قوت ~~المساكين. # وروي عن عاصم من طريق الشموني عن أبي بكر (أوسط) PageV03P1856 # بالصاد. # قال مالك: إن غذاهم وعشاهم أجزأه، ولا يجزيه ms0676 قيمة الطعام عند الشافعي، ~~وهو قياس مذهب مالك، وأجازه بعض العراقيين، ولا يعطي إلا مسلما. # ولا يجزيه إلا مؤمنة إن أعتق. ولو أعتق مولودا أو مرضعا من قصر النفقة ~~أجزأه عند مالك. # [{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} أي: إن لم يجد الإطعام ولا العتق والكسوة ~~فعليه PageV03P1857 # صيام ثلاثة أيام، ولا يصوم إلا عند عدم الإطعام أو العتق. وفي قراءة ابن ~~مسعود (فصيام ثلاثة (أيام) متتابعات). # والتفريق عند مالك يجوز في كفارة اليمين، وهو قول الشافعي وغيره. والصوم ~~للعبد أحسن وإن أذن له سيده بالعتق والإطعام، ولم يجز له جماعة إلا الصوم، ~~واختلف فيه قول مالك. والكفارة قبل الحنث جائزة، وبعده أحسن. # وقد قيل: لا تجزي قبله. PageV03P1858 # وروي عن النبي عليه السلام: " كفر عن يمينك و [أت] الذي هو خير ". # وقد بدأ تعالى ذكره في هذه الآية بالتخفيف، ثم أتى بالأشد بعده، وبدأ في ~~الظهار بالأشد، ثم أتى (بالأخف بعده)، وذلك أن الله جل ذكره إنما بدأ ~~بالأخف ثم أتى بالأشد على طريق التخيير، فأتى ب (أو) للتخيير، ثم أتى ~~بالأخف بعد ذلك عند عدم ما وقع فيه التخيير، فقال: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام}، وبدأ في الظهار بالأشد، ثم أتى بالأخف عند عدم الأشد، لا على طريق ~~التخيير في ذلك. # قوله: {ذلك كفارة أيمانكم}: (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من الإطعام أو العتق ~~أو الكسوة، أو الصيام عند عدم الثلاثة، ومعنى {كفارة أيمانكم} أي: ستر إثم PageV03P1859 # أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم وأنتم قد عقدتم الأيمان. # {واحفظوا أيمانكم} أي: احفظوها أن تحنثوا، ولا تكفروا. # {كذلك يبين الله لكم آياته}: أي: كما يبين لكم الكفارة في أيمانكم، يبين ~~الله لكم آياته، أي: علاماته، {لعلكم تشكرون} (أي تشكرون) على هدايته لكم ~~وبيانه لكم. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية. # أخبر الله تعالى الذين أرادوا التحريم على أنفسهم - بعد أن نهاهم عن ~~التحريم - أن الخمر والميسر - وهو الذي يتياسرونه -، والأنصاب - وهي التي ~~يذبحون عندها -، والأزلام التي يقتسمون بها {رجس} أي: ms0677 إثم ونتن، {من عمل ~~الشيطان} أي: مما زينه الشيطان لكم وحسنه في أعينكم، [{فاجتنبوه}] أي: ~~فاتركوه وارفضوه {لعلكم تفلحون}. PageV03P1860 # والميسر: القمار. وسئل القاسم بن محمد عن الشطرنج والنرد، (فقال): هو ~~ميسر، وقال [كل ما] صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. # قال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو ~~النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار هو ما يتخاطر الناس عليه. # قال الأصمعي: الميسر كان في الجزور خاصة، كانوا يقتسمونها على PageV03P1861 # ثمانية وعشرين سهما. وقال الشيباني: على عشرة أسهم. ثم يلقون القداح ~~ويتقامرون على مقاديرها. # " والأنصاب: حجارة كانوا يعبدونها في الجاهلية، " والأزلام: القداح ". # والرجس: كل عمل يقبح فعله، (وهو) النتن. # (و) قوله {فاجتنبوه}: الهاء تعود على " الرجس ". وقيل: تعود على " الخمر ~~". / وقيل: المعنى: فاجتنبوا هذا الفعل. وقيل: المعنى: فاجتنبوا ما ذكر. # وذكر ابن المنكدر أن النبي عليه السلام قال: " من شرب الخمر ثم لم يسكر، ~~أعرض PageV03P1862 # الله عنه أربعين ليلة، وإن أسكر لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا أربعين ~~ليلة، فإن مات فيها، مات كعابد الأوثان، وكان حقا على الله أن يسقيه يوم ~~القيامة من طينة الخبال. قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عصارة ~~أهل النار: القيح والدم ". # قوله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة} الآية. # (المعنى): إنما يريد الشيطان بكم شرب الخمر ليوقع بينكم العداوة والبغضاء ~~{ويصدكم عن ذكر الله} أي: يصدكم بغلبة الخمر والميسر عليكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة، {فهل أنتم منتهون} أي: عن شرب الخمر. # ويقال: إن عمر ذكر لرسول الله مكروه عاقبة الخمر، فأنزل الله تحريمها. # وروي أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية في " ~~البقرة ": {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] الآية، فقرئت على عمر ~~فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت التي في " النساء ": {لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] الآية، فكان النبي يقول إذا PageV03P1863 # حضرت الصلاة: فلا يقربن الصلاة سكران، (ودعي) عمر فقرئت عليه، فقال: ~~اللهم بين لنا في الخمر ms0678 بيانا شافيا، فنزلت التي في " المائدة ": {يا أيها ~~الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الآية [إلى) {فهل أنتم منتهون}، فقال عمر: ~~انتهينا، انتهينا. وقيل: نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص [لاحى] رجلا على شراب ~~فضربه بلحيي جمل ففزر أنفه فنزل ذلك. # وكان الرجل في الجاهلية يقامر عن أهله وماله حتى يقعد حزينا سليبا، ينظر ~~إلى ما له في يد غيره، فيورث ذلك عداوة بينهم. فنهى الله عن ذلك، وهو ~~الميسر. PageV03P1864 # وقال مصعب بن سعد: صنع رجل (من الأنصار طعاما)، فدعاني وأبي - سعدا - ~~فشربنا الخمر قبل أن تحرم فانتثينا. فتفاخرنا، فأخذ رجل من الأنصار لحيي ~~جزور فضرب به أنف سعد ففزره، فنزل: {إنما الخمر والميسر} الآية. # وقال ابن عباس: شرب حيان من الأنصار الخمر حتى سكروا، فلما سكروا جرح ~~بعضهم بعضا، فلما صحوا، جعل (يرى الرجل) الأثر في وجهه ورأسه ويقول: فعل ~~هذا بي أخي فلان!، وكانوا إخوة لا ضغائن بينهم، فصارت بينهم ضغائن، فنزلت ~~الآية بالتحريم. # قوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} الآية. # المعنى: وأطيعوا الله عز وجل في اجتنابكم ما تقدم فيه النهي عن الخمر ~~والميسر PageV03P1865 # والأنصاب والأزلام، وأطيعوا الرسول فيما بلغ إليكم. {واحذروا} أي: احذروا ~~الخلاف لما أمرتم به، {فإن توليتم} (أي) إن " لم " تفعلوا ما أمرتم به، ~~{فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} أي: ليس هو بمسيطر عليكم، إنما ~~عليه أن يبلغكم ما أرسل به، ويوضحه لكم، والعقاب على الله المرسل، ليس على ~~المرسل وهذا تهدد لمن خالف (أمر) الله. # قوله: {ليس على الذين آمنوا} الآية. # المعنى: في قول ابن عباس وغيره -: أن المؤمنين قالوا لما نزل تحريم ~~الخمر: (يا رسول) الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟، ~~فنزلت: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. # {إذا ما اتقوا} أي: اتقى الله الأحياء منهم في اجتناب ما حرم عليهم، ~~{وآمنوا} PageV03P1866 # أي: وصدقوا الله ورسوله فيما أمرهم به، {وعملوا الصالحات} أي: واكتسبوا ~~من الأعمال ما يرضاه الله، / {ثم اتقوا وآمنوا} أي: " و " اتقوا محارمه ~~وصدقوا ms0679 فثبتوا على ذلك، {ثم اتقوا وأحسنوا} أي: اتقوا الله، فدعاهم تقواهم ~~إلى الإحسان، وهو العمل بما (لم) يفرض عليهم: من الخير والنوافل. فالاتقاء ~~الأول: اتقاء تلقي أمر الله وقبوله، والثاني: الاتقاء بالثبات على الاتقاء ~~الأول وترك التبديل، والاتقاء الثالث: الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل. # فهذه الآية نزلت - في قول الجميع - فيمن مات منهم وهو يشربها، أعلموا أنه ~~لا جناح عليهم. وقال جابر بن عبد الله: صبح ناس غداة أحد الخمر فقتلوا من ~~يومهم جميعا شهداء، وذلك قبل تحريمها، يريد: فنزلت الآية فيهم. PageV03P1867 # وقيل: نزلت فيما أكلوا من الحرام بالميسر و (ما شربوا) من الخمر فأعلموا ~~أنه لا جناح عليهم في ذلك إذا ما اتقوا فيما يستقبلون. # وقيل: معنى {إذا ما اتقوا وآمنوا} أي: اتقوا شرب الخمر، وآمنوا بتحريمها ~~" {ثم (اتقوا وآمنوا)} أي: اتقوا الكبائر وازدادوا إيمانا، " {ثم اتقوا} " ~~أي: اتقوا الصغائر، {وأحسنوا} بالنوافل. # وقيل: {إذا ما اتقوا} الكفر، {ثم اتقوا} الكبائر، {ثم اتقوا} الصغائر. # وقيل: [معنى هذا: {إذا ما اتقوا} فيما مضى: على إضمار " كان " مع " إذا ~~"، {ثم اتقوا} في الحال التي هم فيها، {ثم اتقوا} فيما يستقبلون. # (وقيل: {. . . . . .} {إذا ما اتقوا}: في الحال التي هم فيها [{ثم اتقوا} ~~فيما PageV03P1868 # يستقبلون] {ثم اتقوا} أي: ماتوا على ذلك وهم محسنون. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} الآية. # أي: يا أيها الذين صدقوا. ليختبرنكم الله في الطاعة والمعصية بشيء من ~~الصيد، أي: ببعضه، لأنه صيد البر خاصة، ف (من) للتبعيض. وقيل: هي لبيان ~~الجنس. # قوله {تناله أيديكم} يعني ما يؤخذ باليد من البيض والفراخ. # {ورماحكم} كالحمير والبقر والظبا، وما يصاد بالنبل، امتحن الله عباده في ~~حال إحرامهم لعمرتهم وحجهم، فلا [يقربوه]. # {ليعلم الله من يخافه بالغيب} أي: كي يعلم من يتبع أمره ممن لا يتبع، ~~{بالغيب}: في PageV03P1869 # الدنيا بحيث لا يراه أحد، والمعنى: ليعلم أولياء الله من يخاف الله فيتقي ~~محارمه بحيث لا يراه أحد. # وقيل: ليعلم ذلك علم معاينة يقع عليها الجزاء، وقد علمه غيبا لا إله إلا ms0680 ~~هو علام الغيوب. # قوله: {فمن اعتدى} أي: فمن تجاوز حد لله في الصيد بعد تحريمه عليه {فله ~~عذاب أليم} أي: موجع. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} الآية. # {هديا} حال من الهاء في (به)، ويجوز نصبه على البيان، ويجوز نصبه على ~~المصدر. # و {بالغ الكعبة} نعته، والتقدير فيه: التنوين. والمعنى: يا أيها الذين ~~صدقوا، لا PageV03P1870 # تقتلوا صيد البر وأنتم حرم لحج أو عمرة. # {ومن قتله منكم متعمدا} (أي) ناسيا لإحرامه، معتمدا لقتل الصيد، فإن كان ~~ذاكرا لإحرامه وتحريمه، فمجاهد وابن زيد يقولان: لا حكم عليه و [نقمة] الله ~~منه أعظم. ومن الناس ما قال: لا حج له. # ومن قتل الصيد خطأ، فعليه ما على المتعمد عند مالك وجماعة غيره. # وقيل: لا شيء عليه، إنما أتى النص في المتعمد. وقال الزهري: نص الله PageV03P1871 # على المتعمد وأتت السنة بما على المخطيء. # (قال أبو محمد): (وإيجاب الجزاء على المخطئ) يحتاج إلى نظر، وقد أفردنا ~~لذلك كتابا لاتساع الكلام في ذلك، إذ ظاهر النص يعطي ألا شيء على المخطئ، ~~وإيجاب الجزاء على المخطئ [أولى] لدخوله تحت عموم الابتلاء في قوله ~~{ليبلونكم الله} [المائدة: 94]، ولدخوله تحت عموم النهي في قوله: {لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم}، ولدخوله تحت عموم التحريم في قوله / {وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96]، ولأنه عمل أهل المدينة، ولما قال ~~ابن شهاب: إنه السنة. # ومعنى {فجزآء مثل ما قتل من النعم} هو (أن ينظر) إلى أشبه الأشياء به، ~~فيجزيه PageV03P1872 # (به) ويهديه إلى الكعبة. # فمن أصاب نعامة فعليه بدنة، وفي بيض النعامة عشر ثمن البدنة، هذا قول ~~مالك، كما يكون في جنين الحرة (غرة: عبد أو) وليدة، وقيمة الغرة خمسون ~~دينارا وذلك عشر دية الأم. # وفي الظبي شاة. وفي الأرنب - عند مالك - قيمتها من طعام، وكذلك ما أشبه ~~الأرنب، مثل اليربوع وشبهه، مثل الضب: فإن شاء أطعم كل مسكين مدا، وإن شاء ~~صام لكل مد يوما، هو بالخيار. # وفي الحمام - عند مالك شاة. وفي حمام الحل حكومة ms0681 عند مالك، وليس كحمام ~~الحرم، وكره مالك أن يذبح الأهلي وهو محرم. PageV03P1873 # وعلى كل واحد من الجماعة - إذا اشتركوا في قتل صيد - جزاء عند مالك. # وصيد الحرم حرام على الحلال عند جميع العلماء. # ورخص مالك في إدخال الصيد من الحل إلى الحرم. ومنعه غيره، وكرهه ناس. # وإذا نتف المحرم من الطير ما يضر به ويخاف منه هلاكه، فعليه جزاؤه تاما ~~عند مالك. وإذا أحرم وفي يده صيد فعليه أن يرسله. ويأكل المحرم لحم PageV03P1874 # الصيد إلا ما اصطيد من أجله (عند مالك، فإن أكل منه وقد صيد من أجله) ~~فعليه جزاء ذلك الصيد عند مالك. # وكفارة الصيد في قتل الصيد ككفارة الحر. # ولا يكون الجزاء إلا بمنى أو بمكة. # ويحكم في الجزاء عدلان يجتهدان. ولا يحكمان في ذلك من الإبل والبقر ~~والغنم إلا بما يجوز في الضحايا. وإذا اختلف الحكمان في الجزاء، ابتدأ ~~الحكم غيرهما. ولهما أن يحكما بغير أمر الإمام، وله أن يرجع إلى غيرهما. PageV03P1875 # وعلى من قتل صيد الجزاء أن يكفر بإطعام مساكين، أو يصوم لكل مد يوما، ~~فللحكمين أن يقوما الجزاء بطعام، فإن شاء أتى بالجزاء، وإن شاء أطعم ~~الطعام: مدا لكل مسكين، وهو قوله {أو كفارة طعام مساكين} وإن شاء صام عن كل ~~مد يوما، وهو قوله: {أو عدل ذلك صياما}، هو مخير في ذلك. # ولا يطعم بعضا ويصوم بعضا، بل يطعم الكل أو يصوم عن الكل. # وقيل: يصوم عن كل نصف صاع يوما، وهو قول من قال: يعطي PageV03P1876 # الطعام، نصف صاع لكل مسكين. والعدل: المثل، والعدل (نصف) الحمل. # وقال الكسائي: هما لغتان في المثل. # وقرأ طلحة بن مصرف والجحدري: {أو عدل} بالكسر، وأنكر ذلك جماعة من أهل ~~اللغة، لأن العدل (نصف) الحمل. PageV03P1877 # وقال الكسائي: عدل الشيء: مثله من غير جنسه، وعدله: مثله من جنسه. # وقوله: {عفا الله عما سلف} أي: عفا لكم عما سلف لكم في جاهليتكم من قتل ~~الصيد وأنتم حرم، ولكن من عاد فقتله - وهو محرم - فالله ينتقم منه في ~~الآخرة وعليه الكفارة. وقد ms0682 ذكر ابن عباس أن المعنى: من عاد مرة أخرى فقتل ~~متعمدا، فلا حكم عليه، والله (ينتقم منه)، ومن عاد خطأ حكم عليه. PageV03P1878 # وقال عكرمة: لا يحكم عليه، ذلك إلى الله. # وقيل: المعنى عفا (الله) لكم عن قتلكم الصيد قبل تحريمه عليكم، ومن عاد ~~لقتله بعد تحريمه عليه. عالما بقتله وبإحرامه، فالله ينتقم منه، ولا كفارة ~~عليه. # {والله عزيز} / (أي): ممتنع، {ذو انتقام} أي: ذو عقوبة لمن عصاه. # قوله: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم} الآية. # المعنى: {أحل لكم} - وأنتم حرم - {صيد البحر} وهو حيتانه. # و {متاعا} مصدر، والمعنى: متعتم به متاعا، لأن المعنى {أحل لكم}: متعتم ~~بصيد البحر متاعا. PageV03P1879 # وكل نهر تسميه العرب بحرا، فالأنهار صيدها داخل في هذا، حلال بإجماع. # ومعنى {وطعامه} (أي): ما قذف ميتا. وقيل: طعامه ما كلن مملحا، قال ابن ~~عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: طعامه ما جاء به الموج. وقيل: صيده أن يصطادوه، ~~وطعامه أن يأكلوه، فذلك حلال لهم، وهذا قول حسن، أباح الله الصيد واللحم. ~~وقرأ ابن عباس: (وطعمه) بضم الطاء من غير ألف. # ولم ير في الحوت يطرح في النار حيا بأسا. وكرهه غيره. ودواب PageV03P1880 # البحر كلها - مثل الحيتان حلال للمحرم، وتؤكل الميتة منها. ولم يجز جماعة ~~أكل خنزير الماء وإنسان الماء للمحرم ولغيره. # وليس في شيء يخرج من البحر ذكاة. وليس طير الماء من صيد البحر، (لأنها ~~تعيش) في البر. # قوله: {متاعا لكم}: (أي منفعة لكم)، {وللسيارة} أي: يأكل منها السيارة في ~~أسفارهم، وهو المملح. # قوله: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} أي: حرم الله عليكم أن تصطادوا ~~من البر ما PageV03P1881 # دمتم محرمين. # وأجاز قوم للمحرم أن يشتري الصيد المذبوح من ماله، لأن النهي إنما وقع ~~على صيده. # {واتقوا الله} أي: احذروه فيما أمركم به، فإنه إليه تحشرون فيثيبكم ~~بأعمالكم. # قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام} الآية. # إنما سميت الكعبة كعبة لتربيعها، قاله عكرمة ومجاهد. وقيل: لتربيع ~~أعلاها. # ومعنى {قياما} أي: جعلها بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، فهي ~~تحجزهم ms0683 عن ظلم بعضهم بعضا، وقيل: جعلها مصالح لأمورهم، كالرئيس الذي يصلح ~~أمر من يتبعه، وكذلك {الهدي والقلائد} جعل ذلك أيضا قياما للناس. # والناس - هنا -: من كان في الجاهلية، كان الرجل لا يخاف إذا دخل في الحرم PageV03P1882 # ولو لقي من قتل أباه أو أخاه، لم يخف الفاعل في الحرم، وإذا لقي الهدي لم ~~يعرض له القاطع ولا الجائع، وكان الرجل إذا أراد الحج تقلد بقلادة من شعر، ~~وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يعرض له ولا يؤذى حتى يصل ~~(إلى) أهله. # وقيل: الناس هنا: جميع الناس. # قال ابن عباس: قياما لدينهم ومعلما لحجهم. قال ابن زيد: كان الناس كلهم ~~فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك يدفع عن بعضهم (ظلم ~~بعض)، فجعل الله لهم البيت الحرام قياما، يدفع بعضهم عن بعض، وكذلك الشهر ~~الحرام لا يؤذى أحد في الحرم، ولا في الشهر الحرام وإن كان ذا جناية، وهذا ~~(كله منسوخ) بالحدود (و) بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: ~~5]، لا يمنع الحرم من الاقتصاص من جان، ولا من إقامة حد على من وجب عليه ~~الحد، وهذا إجماع. PageV03P1883 # وقيل {قياما} يأتمون بها ويقومون بشرائعها. وقيل: (معنى) {قياما للناس}: ~~أي: بالحج يسلمون من استعجال العقوبات. # قال بعض العلماء لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما أنظروا. # / قوله: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} الآية. # (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام} الآية، ~~فالمعنى: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما تحدثون وما تصنعون، كما يعلم ما في ~~السموات و {ما في الأرض}، ولتعلموا أن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء ~~من أموركم. # قال المبرد: كانت الجاهلية تعظم البيت الحرام و {الأشهر الحرم}، كانوا ~~يسمون رجبا: الاصم "، لأنه (لا) يسمع فيه وقع السلاح، فأعلم الله ما يكون ~~منهم من إغارة بعضهم على بعض، فألهمهم (الله) ألا يقاتلوا في الأشهر الحرم، ~~ولا PageV03P1884 # عند البيت الحرام ولا من كان ms0684 معه القلائد، ثم أعلمهم أن الذي ألهمهم هذا ~~يعلم ما السماوات وما في الأرض. # وفي تكرير الاسم في قوله: {وأن الله}، ولم يقل: " وأنه "، معنى التعظيم. # قال: {اعلموا أن الله شديد العقاب} الآية تخويفا، والمعنى: اعلموا - أيها ~~الناس - أن الله شديد العقاب لمن عصاه، وأنه غفور لذنوب من أطاعه، أي: ساتر ~~لها، رحيم (به). # قوله: {ما على الرسول} الآية. # هذه الآية تحذير من الله لعباده ووعيد، والمعنى: ليس على الرسول إلا أن ~~يبلغ الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، ثم إلى الله فعل الثواب بمن ~~أطاع، والعقاب بمن عصى، {والله يعلم ما تبدون} أي: غير خفي عليه ما تبدون ~~من طاعته ومعصيته، وما تخفون من ذلك. PageV03P1885 # وقيل: هذا مردود إلى قوله: {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم} [المائدة: 41]، وأخبر (الله) تعالى أنه يعلم ما يبدون من ظاهر ~~الإيمان وما يكتمون من الكفر. # قوله: {قل لا يستوي الخبيث} الآية. # المعنى: قل يا محمد: لا يعتدل الصالح والطالح {ولو أعجبك كثرة الخبيث} ~~أي: لو كثر أهل المعاصي، فإن أهل الطاعة - وإن قلوا - هم أهل رضوان الله. و ~~{الخبيث}: المشركون، والطيب: المؤمنون. وهذا خطاب للنبي عليه السلام، (و) ~~يراد به أمته، ودل على ذلك قوله: {فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي: فاتقوه ~~فيما أمركم يا أولي العقول واحذروا أن يستفزكم الشيطان بإعجابكم بكثرة ~~المشركين، وتضعف نيتكم بقلة المؤمنين، فإن المؤمن لا يستوي مع المشرك. PageV03P1886 # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء} الآية. # هذه الآية: نزلت في سبب أقوام سألوا النبي مسائل امتحانا له، فيقول له ~~بعضهم: (من أبي)؟، ويقول بعضهم إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟، فنهى الله عن ~~ذلك. # قال أنس: " سأل الناس النبي حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم ~~وقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم. فألقى الناس ثيابهم على رؤوسهم ~~يبكون، فأنشأ رجل كان إذا لاحى دعي بغير أبيه - فقال: يا رسول الله، من ~~أبي؟، قال: حذافة، فقام عمر فقبل رجل رسول الله فقال: رضينا ms0685 بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، أعوذ بالله من شر الفتن. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أما والذي PageV03P1887 # نفسي بيده: لقد صورت مثل (النار والجنة) آنفا في عرض هذا الحائط، فلم (أر ~~كاليوم) في الخير والشر. قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة له: ما ~~رأيت ولدا أعق منك قط!، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل ~~الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟، فقال: والله لو ألحقني بعبد / أسود ~~للحقته ". # وقال أبو هريرة: " خرج رسول الله صلى الله عليه - وهو غضبان - حتى جلس ~~على المنبر، فقام إليه رجل (فقال): أين أنا؟ فقال: في النار. و (قام آخر ~~فقال): من أبي؟، قال: (أبوك) حذافة. فقام عمر (وقال): رضينا بالله ربا PageV03P1888 # وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما، فنزلت هذه الآية ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " لما نزلت هذه الآية {ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟، ~~فسكت، ثم قالوا: أفي كل عام؟، فسكت، ثم قال: لا ولو قلت " نعم " لوجب، ~~فأنزل (الله) الآية ". # وروي أنه قال " لما كرر عليه السؤال: والذي نفسي بيده، لو قلت: " نعم " ~~لوجبت، (ولو وجبت) عليكم، ما أطعتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله {لا ~~تسألوا عن أشيآء} الآية ". # وروي عنه أنه قال: " لو قلت " (نعم) " لوجبت، و (لو وجبت) ثم تركتم، PageV03P1889 # لهلكتم، أسكتوا ما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله الآية ". # وهذه القصة فيها ثلاثة فصول من النظم مختلفة: # فمن قوله: {يا أيها} إلى قوله: {تسؤكم}: نهى عن السؤال للنبي فيما لا ~~يعنيهم، فهذا فصل. # - والثاني: قوله: {وإن تسألوا عنها} إلى {لكم}، والمعنى: وإن تسألوا عن ~~أشياء أخر - غير الأول - تظهر لكم، (لأن) الله قد نهاهم عن السؤال، فكيف ~~(يبيح لهم) ذلك؟ إنما تقديره: وإن تسألوا عن غيرها حين ينزل القرآن تظهر ~~لكم، فيكون الكلام فصلا ثانيا (مبينا على حذف) المضاف وهو " غير "، إذ ms0686 قد ~~امتنع أن يقول لهم: لا تسألوا عن ذلك، وإن تسألوا عنه حين ينزل القرآن يظهر PageV03P1890 # لكم، فلما امتنع هذا لم يكن بد من تقدير حذف. # والفصل الثالث: قوله: {قد سألها قوم} # فهذا سؤال لغير شيء، والسؤال الأول والثاني إنما هما سؤال عن الشيء: ما ~~هو؟ وكيف هو؟، سؤال عن حال. # وعن ابن عباس أنهم سألوا عن البحيرة (والسائبة) والوصيلة والحامي، فأنزل ~~الله الآية ينهى عن السؤال، قال: ألا ترى أن بعده {ما جعل الله من بحيرة} ~~[المائدة: 103] الآية، فهو جواب لمن سأل عنه. # قوله: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم}. # أي: ولكن [إن تسألوا] عنها إذ أنزل القرآن بها، فإنها تظهر لكم، قال ~~تعالى: PageV03P1891 # {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] فنهاهم أن يسألوا عما لم ينزل ~~به كتابا ولا وحيا. # قوله: {عفا الله عنها} أي: ما لم يكن مذكورا في حلال ولا حرام، فهو شيء ~~عفا الله عنه، فلا تبحثوا عنه، فإنما هي أشياء حرمها الله فلا تنتهكوها، ~~وأشياء أحلها فلا تحرموها، وأشياء عفا عنها وسكت عنها، فلا تبحثوا عنها، ~~فلعلها إن ظهر لكم حكمها ساءكم ذلك، وإن سألتم عنها إذا نزل القرآن بها ~~ظهرت لكم. # {والله غفور} أي: ساتر لذنوبكم، {حليم} عما ترتكبون من مخالفته. ثم أخبر ~~أن قوما سألوا عنها من قبلنا، فلما فرض عليهم، وبين لهم ما سألوا عنه ~~وأعطوا ذلك، كفروا به، وذلك كقوم صالح الذين سألوا الناقة، وقوم عيسى الذين ~~سألوا المائدة فكفروا لما نزلت. # وقيل: المعنى: أنها نزلت فيما سئل النبي بمكة من قولهم: اجعل لنا الصفا ~~ذهبا، فلم يلتفت إلى قولهم صلى الله عليه، فكفروا. PageV03P1892 # قوله: {ما جعل الله من بحيرة [ولا سآئبة} الآية. # أي: ما حرم الله ذلك. وقيل: المعنى: ما بحر الله بحيرة]، ولا وصل وصيلة ~~ولا / سيب سائبة، ولا حمى حاميا، ولكن الكافرين اخترقوا ذلك. # وقد تعلق قوم من الجهلة القائلين بخلق القرآن بقوله تعالى: {إنا جعلناه ~~قرآنا} [الزخرف: 3] أنه بمعنى فعلناه، أي: خلقناه، وهذه الآية ms0687 تظهر جهلهم، ~~وهو قوله: {ما جعل الله من بحيرة}، فإن كان " جعلنا " بمعنى " خلقنا " قد ~~نفى عن نفسه هنا الجعل، فمن خلقها؟ (أثم) خالق غير الله؟ ويدل على فساد ~~قولهم: قوله تعالى: PageV03P1893 # {ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5]، فإن كان " جعل " بمعنى " ~~خلق " فلم يكن القوم إذا موجودين. وقد أخبر عنهم أنهم استضعفوا في الأرض، ~~وقال: {إني جاعلك للناس إماما} [البقرة: 124]، فيجب على قولهم أن يكون ~~إبراهيم غير مخلوق في ذلك الوقت وقال: {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه ~~جميعا فيجعله في جهنم} [الأنفال: 37] فواجب - على قولهم - أن يكون قد ميز ~~الخبيث من الطيب وهو غير موجود، وقال: {ويجعلون لله البنات} [النحل: 57] ~~حكاية عن الكفار، (وتراهم) أيها الجهلة القدرية خلقوهم (هم)، إنما سموهم، ~~ويلزمهم أن يكون القرآن خلق مرتين لقوله: {الذين جعلوا القرآن عضين} ~~[الحجر: 91]، وقوله: {جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3]، وهذا أكثر من أن ~~يحصى. والجعل يكون بمعنى التعبير والوصف والتسمية، وقد يكون بمعنى الخلق ~~بدلالة تدل عليه، نحو قوله: {وجعل منها زوجها} [الأعراف: 189] أي: وخلق، ~~لكن إذا كانت " جعل " بمعنى " خلق " لم تتعد إلا على مفعول واحد. PageV03P1894 # (و) روى زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قد عرفت أول ~~من بحر البحيرة، (و) هو رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، ~~وحرم ألبانهما (وظهورهما وقال: هاتان لله: ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما) ~~وركب ظهورهما، قال: فلقد رأيته في النار، يؤذي أهل النار (ريح قصبه) ". # والبحيرة: " فعيلة " بمعنى " مفعولة "، وهي الناقة المشقوقة الأذن، يقال: ~~بحرت أذن الناقة. # والسائبة: " فاعلة " بمعنى " مفعلة "، كما قيل: راضية بمعنى مرضية، وهي PageV03P1895 # المخلاة من المواشي، كانت الجاهلية تفعله ببعض المواشي، فيحرم الانتفاع ~~به على نفسه. # وأما الوصيلة: فإن الأنثى من نعمهم كانت - في الجاهلية - إذا أتت بذكر ~~وأنثى، قيل: " قد وصلت أخاها "، أي: منعته من الذبح، فسموها وصيلة. # وأما الحامي: فهو الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب والانتفاع بسبب ~~تتابع أولاد [تحدث] في فحلته. # وقال قتادة: كانت الناقة إذا ms0688 نتجت خمسة أبطن، نظر إلى البطن الخامس، فإن ~~كان ذكرا أكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال والنساء، ~~وإن PageV03P1896 # كانت أنثى بحروا أذنها - أي: شقوها - وتركت، فلا يشرب لها لبن ولا ~~[تركب]، وكانوا يسيبون ما شاءوا من أموالهم، فلا يمنع من ماء ولا كلأ، ولا ~~ينتفع به. # وكانت الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى البطن السابع، فإن كان ذكرا ~~ذبح، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت ميتة أكله الرجال والنساء، وإن كانت ~~أنثى تركت، وإن (كانت ذكرا) وأنثى، قيل: وصلت أخاها فمنعته من الذبح. وكان ~~الحامي هو الفحل إذا ركب من ولده عشرة، / قيل: حمى ظهره، فلا يركب ولا ~~ينتفع به ويطلق. # ويقال: إن الناقة كانت إذا (تتابعت باثنتي عشرة أنثى) ليس فيهن ذكر، سيبت ~~فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها، فما نتجت - بعد ذلك - من ~~أنثى شق أذنها وخلاها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، كما (فعل) PageV03P1897 # بأمها، فهي البحيرة ابنة السائبة. # والوصيلة: هي الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ~~ذكر، جعلت وصيلة، وقالوا: وصلت، فما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم، ~~إلا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله: الذكور والإناث منهم. # والحامي: هو الفحل إذا نتج (له) عشر إناث متتابعات، ليس بينهن ذكر، حمى ~~ظهره فلم يركب ولم يجز وبره ويخلى في إبله يضرب فيها ولا ينتفع به لغير ~~ذلك. فنفى الله جل ذكره عن نفسه أن يكون سمى شيئا من ذلك أو صيره كذلك، ~~فقال: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} أي: يخترقونه. # و {الذين كفروا}: هم اليهود، والذين {لا يعقلون}: أهل الأوثان. PageV03P1898 # وقيل: المراد بذلك أهل الجاهلية الذين سنوا ذلك، فهم الكفار، والذين لا ~~يعقلون: أتباعهم، أي: لا يعقلون أنه إنما سن لهم ذلك من تقدمهم من غير أمر ~~(من) الله فيه، وأنه باطل كذب، وذكر أهل الكتاب - في هذا - لا معنى له، إذ ~~ليس لهم في هذا صنع ولا ms0689 سنة، وإنما ذكر ذلك عن مشركي العرب، فهم الذين عنوا ~~بذلك. # وقيل: إنهم لا يعقلون (أن) الشيطان حرمه عليهم وسنه لهم. # وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله قال: " قد عرفت ~~أول من سيب السيب، ونصب النصب وغير عهد إبراهيم: عمرو بن لحي، لقد رأيته ~~وإنه ليجر قصبه في النار يؤذي أهل النار بريحه " القصب: الأمعاء. روى مالك ~~أيضا عن زيد بن أسلم عن عطاء أن النبي قال: " قد عرفت PageV03P1899 # أول من بحر البحائر: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع [آذانهما]، ~~وحرم ألبانهما وظهورهما، ثم احتاج فركبهما وشرب ألبانهما، فلقد رأيتهما ~~وإياه في النار، وإنهما لتخبطانه بأخفافهما، وتعضانه بأفواههما " وفي ذلك ~~اختلاف كثير والمعنى متقارب. # قوله: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول} الآية. # المعنى: وإذا قيل لهؤلاء الذين قد سموا ما ذكر من البحيرة وغيرها: تعالوا ~~إلى كتاب الله وإلى رسوله ليتبين لكم كذب قولكم فيما سننتم، {قالوا حسبنا ~~ما وجدنا عليه آباءنآ} أي: يكفينا ما صنع آباؤنا، ويرضينا من تحليل وتحريم، ~~ثم قال الله تعالى لنبيه: أولو كان - يا محمد - آباء هؤلاء القائلين لا ~~يعلمون شيئا {ولا يهتدون} أي: ولا يهتدون، جهلوا أنهم يفترون على الله ~~بقيلهم ما كانوا يقولون، أيتبعونهم على فعلهم، PageV03P1900 # وهذه حالهم في الجهل. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية. # (والمعنى): عليكم أنفسكم [إذا] أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل ~~منكم. # وقال ابن عمر: هذه لأقوام يأتون بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم، وأما نحن ~~فقد قال رسول الله: ليبلغ الشاهد / الغائب، فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب. # وحكى جبير بن نفير عن جماعة من أصحاب النبي أنهم قالوا له في هذه الآية: ~~عسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي ~~برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. # وقال ابن مسعود: لما يجىء تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، PageV03P1901 # منه آي ms0690 قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي تأويلهن على عهد النبي، ~~ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي بيسير، ومنه آي قد وقع تأويلهن يوم ~~الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا، ولم (يذق ~~بعضكم) بأس بعض، فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر. وإذا اختلفت الأقوال ~~والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، عند ذلك جاء ~~تأويل هذه الآية. # وقيل: هي في الكفار، لا يضر المسلم كفر الكافر، عليه نفسه إذا أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر. وجعلها ابن عباس وغيره عامة، وقال في معناها: إن ~~العبد إذا أطاع الله فيما أمر به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده. ~~وقال ابن المسيب وغيره: معناها: لا يضركم من ضل بعد أمركم إياه (بالمعروف) ~~ونهيكم عن PageV03P1902 # المنكر. وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا أيها الناس لا تغتروا بقول ~~الله جل وعز {عليكم أنفسكم} فيقول أحدكم: " علي نفسي "، والله، لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر [أو] ليستعملن عليكم شراركم فليسومنكم سوء ~~العذاب، (وليدعن) الله خياركم فلا يستجيب لهم. قال أبو بكر: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس المنكر والظالم، فلم يأخذوا على ~~يديه، فيوشك أن يعمهم الله بعقابه. # وقال ابن جبير: معناها: لا يضركم من كفر بالله من أهل الكتاب، فإنما ~~عليكم أنفسكم، وليس يضركم كفر الكافر. PageV03P1903 # (و) قال ابن زيد: كان الرجل إذا أسلم قال له أهل دينه الذي كان عليه: ~~سفهت آباءك وضللتهم، وفعلت [بآبائك]. كذا وكذا، وكان ينبغي لك أن تنصر ~~[آباءك]، فأنزل الله: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} الآية، (أي) إنما عليكم ~~أنفسكم، وليس عليكم من ضلالة آبائكم شيء. # وقد قيل: إن ذلك في الأمر، أمروا بأنفسهم، وأعلموا أنهم لا يضرهم ارتداد ~~من ارتد، ولا كفر من كفر وقيل: الآية منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. PageV03P1904 # والاختيار عند أهل المنظر أن يكون المعنى: لا يضركم من ضل بعد أمركم إياه ~~بالمعروف ونهيكم عن المنكر، وإنما ذلك ms0691 لأن الله أمر المؤمنين بالقيام ~~بالقسط، وأن يتعاونوا على البر والتقوى: ومن القيام بالقسط: الأخذ على يدي ~~الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى: الأمر بالمعروف وليس في ذلك رخصة ~~إلا العجز عن القيام بها. ومعنى {إذا اهتديتم}: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم ~~عن المنكر، فليس يضركم من ضل بعد ذلك. # وقد قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104]، وذم اليهود فقال: {كانوا لا يتناهون عن ~~منكر فعلوه} [المائدة: 79] / ولعنهم على تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وأجمع أهل العلم على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يجب ~~على الأمراء، ويعين على ذلك المؤمنون إذا احتيج (إليهم)، وبعض الناس يحمله ~~عن بعض: كالجهاد، فهذا إجماع العلماء ويجب على الإنسان - في النظر والقياس ~~- أن يأمر PageV03P1905 # من ضيع شيئا من الخير بما يأمر به نفسه، وينهى عن الشر كما ينهى عنه ~~نفسه. وكل شيء وجب لك فعله، وجب عليك الأمر به [أو النهي عنه. والأمر ~~بالمعروف هو النهي عن المنكر]، لأن ترك المنكر معروف وترك المعروف منكر. # قوله: {إلى الله مرجعكم جميعا} أي: إليه تردون فيحكم بينكم فيما أمرتم به ~~فلم يقبل منكم، أو نهيتهم عنه، فينتقم من المتعدي على محارمه، ويجازي الدال ~~على مرضاته. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} الآية. # وهذه الآية - عند أهل المعاني - من أشكل ما في القرآن إعرابا! ومعنى ~~وحكما. PageV03P1906 # فقوله: {شهادة} رفع بالابتداء، و {اثنان} الخبر، والتقدير: فيه شهادة ~~اثنين، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. # وقيل: التقدير: عدد شهادة بينكم اثنان، ثم حذف، و " ما " محذوفة مع " ~~بينكم "، تقديره: ما بينكم، و [" ما " المحذوفة] إشارة إلى التنازع ~~والتشاجر. # وقيل: {اثنان} رفع بفعلهما، والتقدير: ليكن منكم أن يشهد اثنان. PageV03P1907 # وقيل: {إذا حضر} خبر الشهادة: لأنها مستأنفة ليست واقعة لكل الخلق، و ~~{اثنان} - على هذا - بفعلهما، تقديره أن يشهد اثنان، ودل على ذلك {شهادة} ~~المتقدم ذكرها. # قوله: {فآخران يقومان} # {آخران}: ارتفعا بفعل مضمر، ms0692 و {يقومان} نعت، و {الأوليان} بدل من {آخران} ~~أو من المضمر في {يقومان}. # روى اسحاق الأزرق عن أبي بكر عن عاصم (شهادة) بالتنوين، (بينكم) بالنصب، ~~وهي مروية عن الأعرج. PageV03P1908 # وروي عن أبي عبد الرحمن المقري {شهادة} بالنصب والتنوين على: " ليشهد ~~اثنان شهادة "، فهو مصدر. # (و) روى عبد الله بن مسلم {ولا نكتم شهادة الله} بالنصب فيهما وتنوين ~~(شهادة) على معنى: لا نكتم الله شهادة. وقيل تقديره: ولا نكتم شهادة والله، ~~فلما حذفت الواو تعدى الفعل [إلى] المقسم به فنصب. PageV03P1909 # وقرأ الشعبي (شهادة) بالتنوين، (الله) بالخفض على القسم، أعمل الحرف وهو ~~محذوف، وقد أجازه سيبويه، ومنع ذلك غيره. # وقرأ أبو عبد الرحمن {ولا نكتم شهادة الله} بالمد، جعل ألف الاستفهام ~~عوضا من حرف القسم، فخفض بها كالحرف. # وقرأ ابن محيصن: [(إنا إذا لملاثمين)] أدغم النون في اللام، وهو بعيد في ~~العربية، وهو مثل (عاد [لولى] في قراءة نافع، وإنما بعد، لأن اللام حكمها PageV03P1910 # السكون، والحركة التي عليها إنما هي للهمزة، والمدغم لا يدغم أبدا إلا في ~~متحرك أصلي، وليست اللام بأصلية الحركة. # ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهد بينكم - إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية - اثنان ذوا عدل منكم، (أي من المسلمين وقيل: من أهل الموصي. والأول ~~أكثر. # قال الحسن: {اثنان ذوا عدل منكم} أي: من العشيرة، لأن العشيرة أعلم ~~بالرجل وماله وولده، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه، فإن لم يكن من / ~~العشيرة أحد، فآخران من غير العشيرة، فإن شهدا - وهما عدلان - مضت ~~شهادتهما، وإن ارتيب في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر فيقسمان بالله {لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى PageV03P1911 # ولا نكتم شهادة الله}، فتمضي شهادتهما إذا حلفا، وإنما استحلفا، لأنهما ~~وصيان شاهدان، فإن اطلع - بعد ذلك - أنهما شهدا بزور، حلف وليان من الورثة، ~~واستحقا ما حلفا عليه، وهو معنى قوله: {فإن عثر على أنهما استحقآ إثما} أي: ~~(حلفا) زورا، {فآخران يقومان مقامهما} أي: مقام الشاهدين، {فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما} أي: ليميننا أحق من يمينهما، ms0693 {ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجههآ}، أي: يأتي الشاهدان بالشهادة على حقها، ولا يغيرانها. # وهذا منسوخ عند أكثر العلماء. وقال الحسن: يحلف الشهود، وليس بمنسوخ. # ومن قال: إن معنى {ذوا عدل منكم} من المسلمين، (قال: أو) من غيركم: من ~~غير المسلمين لتصح المحاذاة، لأن نقيض المسلم الكافر. ومن قال: معنى: PageV03P1912 # {ذوا عدل منكم} من قبيلتكم أو من عشيرتكم أو من أهليكم، قال: معنى: ([من] ~~غيركم): من غير قبيلتكم أو من غير عشيرتكم أو [من] (غير) أهليكم، فهو كله ~~(في المسلمين) لتصح المحاذاة في الطرفين، ثم يقع الاختلاف في النسخ على ما ~~ذكرنا وما نذكر على اختلاف هذه المعاني. # والشهادة (هنا) بمعنى الإشهاد على الوصية، فالاثنان يشهدان على الوصية. PageV03P1913 # وقيل: الشهادة هنا بمعنى الحضور، أي: ليشهد اثنان، أي: ليحضر اثنان حين ~~الوصية، فهما وصيان لا شاهدان، واستدل الطبري على أنه غير الشهادة التي ~~تؤدي للمشهود له، أن قال: إنا لا نعلم لله حكما يجب فيه على الشاهد اليمين، ~~فيكون جائزا أن يصرف الشهادة في هذا، وتكون هي التي يقام بها عند الحاكم ~~للمشهود له، (و) في حكم اله باليمين على ذوي العدل [أو] على من قام مقامهما ~~باليمين - يقول: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله} - أوضح دليل على ~~أنه ليس يراد به الشهادة التي يقضى بها للمشهود له. # وقوله: {أو آخران من غيركم} قال ابن المسيب: معناه: من غيركم، أي: من أهل ~~الكتاب. # وقال ابن جبير: أي: من غير أهل ملتكم، وقال الحسن: معناه: شاهدان من ~~قومكم أو من غير قومكم. وقيل: معناه: من غير حيكم. PageV03P1914 # قوله: {إن أنتم ضربتم في الأرض} أي: سافرتم ذاهبين وراجعين، فنزل بكم ~~الموت. # وقوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة} هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى: إذا ضربتم ~~في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين، وفي الكلام حذف ~~واختصار، تقديره: ودفعتم إليهما ما معكم من مال ثم متم، وذهبا إلى ورثتكم ~~بالتركة، فارتابوا في أمرهما واتهموهما (وادعوا) عليهما خيانة، فإن الحكم ~~في ذلك أن [تحبسوهما]، أي: ms0694 تتوثقوا منهما بعد الصلاة، وفي الكلام حذف أيضا ~~وهو ما ذكرنا، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمنا، (أي) لا نحلف كاذبين ~~على عرض نأخذه من حق هؤلاء الورثة، {ولو كان ذا قربى} يقسمان / بالله لا ~~نشتري بأيماننا ثمنا قليلا ولو كان الذي نقسم له به ذا قرابة منا. PageV03P1915 # قال ابن عباس: إنما هذا لمن حضره الموت في سفر ولم يجد مسلمين، فأمره ~~الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد ~~العصر: بالله لم نشتر بشهادتنا ثمنا. # فقوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة} (- على قول ابن عباس - من صفة الآخرين، ~~والمعنى: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة) إن ارتاب الورثة في ~~مال الميت، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمنا، ولو كان ذا قربى. # والصلاة - عند أبي موسى الأشعري وابن جبير - صلاة العصر. وقيل: هي صلاة ~~من صلاة أهل دينهم. # قال السدي وغيره: أمر الله المؤمنين أن يشهدوا عند الموت في الحضر شاهدين ~~(من المسلمين) فيما عليه وله، وأمرهم أن يشهدوا في السفر شاهدين PageV03P1916 # من غير ملتهم إذا عدموا أهل ملتهم، كانوا يهودا أو نصارى أو مجوسا، فإذا ~~دفع إليهما ماله، (فإن أتهمهما) أهل الميت حبسوهما بعد الصلاة وحلفا: بالله ~~لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى، وذلك صلاة أهل ملتهما، ويقولان بعد ذلك: ~~{ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين}، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه ~~التركة، (ويخوفهما) الامام قبل اليمين، ف {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على ~~وجههآ}. # قال ابن زيد: " لا نشتري به ثمنا " لا نأخذ به رشوة. # قال: الهاء في " به " تعود على القسم، وهو اليمين، وقيل: بل تعود على ~~الله جل ذكره. # قوله: {فإن عثر على أنهما استحقآ إثما} أي اطلع على أنهما خانا بعد ~~حلفهما، وأنهما حلفا كاذبين في أيمانهما (ما خنا)، فيقوم آخران من ورثة ~~الميت حينئذ PageV03P1917 # مقامهما، فيحلفان أنه كان كذا وكذا، ويستحقون ما حلفوا عليه. # وقال ابن عباس: يحلفان: إن شهادة الكافرين كانت باطلا، وأنا لم ms0695 نعتد في ~~دعوانا، إذا اطلع أنهما كذبا في يمينهما وخانا، فترد شهادة الكافرين وتجوز ~~شهادة المؤمنين. # وقيل: إنما يحلف أولياء الميت إذا أدعى الشاهدان أنه أوصى بما لا يجوز في ~~دين الإسلام، كقولهم: أوصى بماله كله "، فيحلف اثنان من أولياء الميت: إن ~~صاحبنا (ما كان يرضى بهذا ولا نرضى به، وإنهما) يكذبان. وشهادتنا أحق من ~~شهادتهما. # والأكثر على أن الأولياء يحلفون إذا وجدوا خيانة بعد يمين الكافرين، أو ~~قيل لهم (إنهما) غير مرضيين، فيحلفان: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإنه لقد ~~ترك كذا وكذا، وما أوصى بكذا ونحوه. وقيل: إنما ألزم الشاهدان اليمين، ~~لأنهما زعما أن الميت أوصى لهما بكذا وكذا، فإن عثر على أنهما كاذبان في ~~ذلك، حلف آخران من أولياء PageV03P1918 # الميت: لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا. # وجماعة من العلماء يقولون: كان هذا ثم نسخ. # ولا تجوز شهادة كافر على مسلم، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وهي ~~منسوخة عندهم. وقيل: ذلك جائز إذا كانت وصية، وهو قول ابن عباس وغيره. # وقيل: الآية كلها / في المسلمين، والآخران من المسلمين، وهو قول الزهري ~~والحسن. # وقيل: الشهادة - هنا - بمعنى الحضور، وقد تقدم ذكره. # وقيل: الشهادة - هنا بمعنى اليمين، فمعنى " شهادة أحدكم ": أي: يمين PageV03P1919 # أحدكم أن يحلف اثنان، وهو اختيار الطبري. # فال ابن عباس: كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة للتجارة - نصرانيين ~~-، فخرج معهما رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما، ~~فوصلا تركته إلى أهله، وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب، ففقده أولياء الميت ~~السهمي، فأتوا النبي، فاستحلفهما: " ما كتمنا ولا اطلعنا "، ثم عرف الجام ~~بمكة، [فقالوا]: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي PageV03P1920 # فحلفا بالله إن هذا لجام السهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا، ~~إنا إذا لمن الظالمين، وأخذا الجام، ففيهم نزلت الآيات. والروايات في هذا ~~الخبر كثيرة مختلفة الألفاظ، ترجع إلى معان يقرب بعضها من بعض. # وتقدير قراءة من قرأ بضم التاء وقرأ (الأوليان) أنه أراد: فآخران من أهل ~~الميت - الذين استحق ms0696 المؤتمنان على مال الميت الإثم منهما - يقومان مقام ~~[المستحقي] الإثم منهما لخيانتهما. # و (من قرأ) بفتح التاء، فتقديره: فآخران يقومان [مقام] المؤتمنين PageV03P1921 # اللذين عثر على خيانتهما. # قوله: {يوم يجمع الله الرسل} الآية. # المعنى: " واحذروا يوم يجمع الله الرسل. ومعنى {ماذآ أجبتم}: ما أجابتكم ~~أممكم حين دعوتموهم؟، فذهلت عقول الرسل عليهم السلام لهول اليوم، فقالت: ~~{لا علم لنآ إنك}، فلما سئلوا في موضع آخر ورجعت إليهم عقولهم أجابوا. # وقيل: المعنى: لا علم لنا، لأنك أعلم به منا. وقال ابن عباس: لا علم لنا ~~إلا علم أنت أعلم به منا. وقال ابن عباس: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به ~~منا. وهو اختيار الطبري، يدل على ذلك أنهم ردوا العلم إليه، فقالوا {إنك ~~أنت علام الغيوب}. PageV03P1922 # وقال مجاهد: تنزع أفئدتهم فلا يعلمون، ثم ترد إليهم أفئدتهم فيعلمون. ~~وقيل: معناه: لا علم لنا بما عملته أممنا بعدنا، {إنك أنت علام الغيوب}. # وقال ابن جريج: المعنى: ماذا عملت أمتكم بعدكم؟، فيقولون: لا علم لنا ~~حقيقة، (أي لا علم لنا) بما غاب عنا، إنك أنت علام الغيوب. # ويشد هذا التأويل قول النبي عليه السلام: " يرد علي قوم الحوض ~~[فيختلجون]، فأقول: أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". PageV03P1923 # وقد طعن في قول ابن جريج، لأن الله لا يسأل عما غاب عن الأنبياء ولم ~~يعلمهم به، وقد قيل: إن الرسل لا يفزعون، لانهم لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون، والمعنى: ماذا أجبتم في السر والعلانية، ومعنى مسألة الله الرسل ~~[عما] أجيبوا، إنما هو بمعنى التوبيخ لمن أرسلوا إليهم، كما قال: {وإذا ~~الموءودة سئلت * (بأى ذنب قتلت)} [التكوير: 8 - 9]، وإنما تسأل هي على ~~التوبيخ (لقاتلها). # وقيل: إنما سألهم الله عن السر والعلانية، فردوا الأمر إليه، إذ ليس ~~عندهم إلا علم الظاهر، والباطن علمه إلى الله، لأنه يعلم الغيب، وهذا القول ~~أحب الأقوال إلي، لأن سؤاله لهم سؤالا عاما يقتضي السؤال عن سر الأمم ~~وعلانيتها، والسر علمه إلى من يعلم / الغيوب، (وهو الله جل ذكره، فأقروا ~~بأنهم ms0697 لا علم عندهم منه، وردوا PageV03P1924 # العلم إلى من يعلم الغيب). # قوله: {إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي} الآية. # قرأ ابن محيصن {إذ أيدتك}، وكذلك روي عن مجاهد، وهما لغتان. # والمعنى: واحذروا يوم يجمع الله {الرسل}، فيقول كذا وكذا، إذ قال الله يا ~~عيسى ابن مريم. # (و) قوله: {(أيدتك) بروح القدس} أي: أعنتك بجبريل. وقوله: {وإذ علمتك ~~الكتاب} هو الخط، {والحكمة}: الفهم بمعاني الكتاب، {والتوراة}: وهو ما أنزل ~~على موسى، {والإنجيل}، وهو الذي أنزل عليه، ومعنى {بإذني}: أي: بعوني لك. PageV03P1925 # ومعنى {تخلق} تعمل وقيل: تقدر. # {وتبرىء الأكمه} هو الذي يولد أعمى، وقيل: يكون الأكمه أيضا (الذي) يعمى ~~بعد البصر. # {وإذ تخرج الموتى} أي: تخرجهم أحياء من قبورهم، {بإذني} أي: بعوني {وإذ ~~كففت بني إسرائيل عنك} أي: منعتهم إذ هموا بقتلك لما جئتهم بالبينات، وهذا ~~كله تعديد نعم الله على عيسى. والبينات: الأدلة المعجزة الدالة على نبوتك. # {إن هذا إلا سحر مبين}: من قرأ {سحر} فمن أجل أن بعده {مبين}، والسحر مما ~~يوصف بالبيان. PageV03P1926 # ومعنى {سحر} أي عمله، وما أظهره سحر. ومن قرأ: (ساحر)، فلأن المذكور في ~~الكلام هو عيسى، وليس مما يوصف بأنه سحر، لأن الإنسان لا يكون سحرا، إنما ~~يكون ساحرا، وكل ساحر لا يسمى بذلك حتى يعمل السحر، وكل من أضيف إليه سحر ~~فهو ساحر فالقراءتان متقاربتان. # والكهل: ابن أربعين سنة، وقيل: ابن أربع وثلاثين سنة. # ومعنى النعمة على عيسى في أن يكلم الناس كهلا: أنه مد في عمره إلى أن بلغ ~~الكهولية. # قوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} الآية. # المعنى: واذكر اذ أوحيت إلى الحواريين، ومعنى {أوحيت}: قذفت في قلوبهم، PageV03P1927 # قاله السدي. # وقيل: ألهمتهم، والحواريون: وزراء عيسى. # قوله: {إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع} الآية. # روي عن ابن عامر: (الحواريون) بالتخفيف، استخفافا، والتشديد الأصل. # ومعنى الآية: أنهم سألوا ذلك ليثبتوا في صدقه، كما قال إبراهيم {رب أرني ~~كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260]. # وقيل: إنهم إنما سألوا (هذا) قبل أن يعلموا أن عيسى يبرئ الأكمه، ويحيي ~~الموتى، ms0698 فسألوه آية. PageV03P1928 # ومعنى: {هل يستطيع ربك أن ينزل}، أي: ينزل علينا ربك مائدة، كما تقول ~~للرجل: " أتستطيع أن تنهض معي في كذا؟ "، وأنت تعلم أنه مستطيع، وإنما ~~تريد: " أتنهض معي في كذا؟ ". # وقيل: معناه: هل يستجيب لك ربك إن سألته؟. # وقال الحسن: المعنى: هل ربك فاعل بنا ذلك؟. والعرب تقول: " ما أستطيع ذلك ~~"، أي: ما أنا فاعل ذلك، وهو يستطيع. # وقيل: إنهم سألوه قبل أن يكونوا مؤمنين محققين، ثم آمنوا بعد ذلك، ودل ~~على ذلك استعظام عيسى لقولهم، وقوله لهم: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}. # قال ابن شهاب: قال ابن عباس: قال عيسى لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا ~~لله ثلاثين يوما، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل ~~له!، [ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا: " إن أجر العامل على من ~~عمل له "]، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين ~~يوما PageV03P1929 # إلا أطعمنا - حين فرغ - طعاما، فهل يستطيع ربك أن ينزل / علينا مائدة من ~~السماء؟ فقال عيسى: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}، فاعتذروا بقولهم: {نريد ~~أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا} أي: بنبوتك، ونعلم صدقك، فأقبلت الملائكة تطير ~~بمائدة من السماء، عليها سبعة (أرغفة وسبعة أحوات) حتى وضعتها بين أيديهم، ~~فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. # قال السدي المعنى: " هل يطيعك ربك إن سألته ". # وقرأه الكسائي بالتاء، ونصب (ربك)، ومعناها: أن الحواريين لم يكونوا ~~شاكين، إنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟. # قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر على أن ينزل عليهم PageV03P1930 # مائدة. # (و) روي عنها أنها قالت: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا: {هل ~~يستطيع ربك}. # (و) تقدير قراءة الكسائي: هل تستطيع مسألة ربك أن ينزل علينا مائدة. # والمائدة فاعلة، من ماد فلان القوم يميدهم: إذا أطعمهم. قال أبو عبيدة: ~~(مائدة) من العطاء، وهي " فاعلة " بمعنى مفعولة وقال الزجاج: " مائدة: ~~فاعلة من ماد يميد: إذا تحرك "، ومنه ماد الرجل في البحر: إذا دار رأسه ~~وقيل: ms0699 PageV03P1931 # المائدة: المطعمة، كأنها الطاعمة. # ومعنى قوله: {اتقوا الله} أي: اتقوه أن تنزل بكم عقوبة، فإن الله سبحانه ~~لا يعجز عن شيء أراده، فلا تشكوا في قدرته هذا على قراءة الجماعة. # قوله تعالى: {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل علينا} الآية. # قوله: {تكون لنا}: حال بمعنى: كائنة. وقرأ الأعمش (تكن) جعله للطلب. # وقرأ الجحدري: (لأولانا وأخرانا). PageV03P1932 # فالمعنى: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا لما ولمن بعدنا. # وقيل: معناه: نأكل منها جميعا، قاله ابن عباس. # (و) روي أن عيسى عليه السلام قام فلبس الشعر، وكان يلبس الصوف بالنهار ~~والشعر بالليل، فلبس جبة من شعر ورداء من شعر، ووضع يمينه على شماله ثم ~~وضعهما على صدره، ثم صف (بين) قدميه، فألصق الكعب بالكعب، وساوى الإبهام ~~بالإبهام، وطأطأ رأسه خاشعا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فبكى حتى سالت الدموع ~~على لحيته، فجعلت تقطر على صدره، فقال: {اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من ~~السمآء}، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ~~ينظرون إليها تهوي منقضة وعيسى صلوات الله عليه يبكي ويقول: اللهم اجعلني ~~لك من الشاكرين، إلهي اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، إلهي كم أسألك من ~~العجائب فتعطيني، إلهي أعوذ بك من أن تكون أنزلتها غضبا وزجرا، اللهم ~~اجعلها عافية وسلامة PageV03P1933 # ولا تجعلها مثلة ولا فتنة حتى استقرت بين يدي عيسى والناس حوله يجدون ~~ريحا طيبا، لم يجدوا مثلها قط، وخر عيسى ساجدا والحواريون معه، وبلغ اليهود ~~ذلك، فأقبلوا غما وكيدا ينظرون أمرا عجيبا، وإذا منديل قد غطى السفرة، وجاء ~~عيسى عليه السلام، فجلس وقال: من كان أجرأنا وأوثقنا بنفسه، وأحسننا يقينا ~~عند ربنا، فليكشف عن هذه الآية حتى ننظر ونأكل ونسمي اسم ربنا ونحمد إلهنا. ~~فقال {الحواريون}: أنت أولى بذلك يا روح الله وكلمته /. فئوضاء عيسى وضؤا ~~جيدا، وصلى صلاة طويلة، ودعا دعاء كثيرا، وبكى بكاء طويلا، ثم قام حتى جلس ~~عند السفرة ثم قال: بسم الله خير الرازقين، وكشف المنديل، فإذا سمكة طرية ~~مشوية، ليس عليها قشورها، وليس لها شوك، ms0700 وتسيل سيلا من الدسم، قدم نضد ~~حولها PageV03P1934 # البقول ما خلا الكراث، وإذا خل عند رأسها، وملح عند ذنبها، وسبعة أرغفة، ~~على كل واحد منها زيت، وعلى سائرها حب رمان وتمر، فقال شمعون رأس الحواريين ~~-: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، (أم من) طعام الآخرة؟، فقال ~~عيسى صلى الله عليه: أو ما نهيتم عن تفتيش المائدة؟، ما أخوفني عليكم أن ~~تعاقبوا. فقال (شمعون): لا وإله إسرائيل، ما أردت سوءا (يابن) الصديقة. قال ~~عيسى: نزلت وما عليها من السماء شيء، وليس شيء مما ترون عليها من طعام ~~الدنيا ولا من طعام الآخرة، هي وما عليها: شيء ابتدعه الله بالقدرة ~~الغالبة، قال (له الله): " كن "، فكان، فكلوا مما سألتم واحمدوا عليه ربكم ~~يمددكم ويزدكم. # قالوا: يا روح الله وكلمته، لو أريتنا اليوم آية من هذه الآية. فقال ~~عيسى: احيي بإذن الله، فاضطربت PageV03P1935 # السمكة حية (طرية)، تدور عيناها في رأسها، ولها وبيص تتلمط بفيها كما ~~يتلمط الأسد، وعاد عليها قشورها، ففزع القوم، فقال عيسى: ما لكم تسألون عن ~~أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها، ما أخوفني عليكم (أن تعذبوا)، يا سمكة عودي ~~كما كنت بإذن الله، فعادت السمكة مشوية كما كانت، ليس عليها قشور بإذن ~~الله. فقالوا: كن أنت - يا روح الله - الذي يأكل منها أول مرة، ثم نأكل ~~نحن. فقال عيسى: معاذ الله، بل يأكل منها من طلبها وسألها، ففرق الحواريون ~~من أن يكون نزولها سخطا ومثلة، فلم يأكلوا منها، فدعا عيسى أهل الفاقة ~~والزمانة من العميان والمجذومين والبرص والمقعدين والمجانين وأصحاب الماء ~~الأصفر، فقال لهم: PageV03P1936 # كلوا من رزق ربكم، وادعوه يزدكم، إنه ربكم واحمدوه يكن المهنأ لكم، ~~والبلاء لغيركم، واذكروا اسم الله وكلوا. ففعلوا وصدروا عن تلك السمكة ~~والأرغفة وهم ألف وثلاث مائة بين رجل وأمرأة، (و) من بين فقير وجائع وزمن، ~~فصدروا كلهم شباعا يتجشؤون، فنظر عيسى صلى الله عليه فإذا المائدة كهيئتها ~~إذ نزلت من السماء، فرفعت السفرة وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، ~~فلم يزل غنيا حتى مات، ms0701 وبرأ كل زمن أكل منها، وقدم الحواريون وسائر الناس ~~ممن أبى أن يأكل منها. ثم كانت تنزل بعد ذلك، فيأتي الناس إليها من كل ~~مكان، فزاحم بعضهم بعضا: الأغنياء والفقراء والرجال والنساء والأصحاء ~~والمرضى، فلما رأى (ذلك عيسى) جعلها نوبا بينهم، فكانت تنزل غبا، تنزل يوما ~~ولا تنزل يوما، PageV03P1937 # كناقة صالح في الشرب، فأقاموا بذلك أربعين صباحا تنزل عليهم ضحا، فلا ~~تزال موضوعة حتى إذا (فاء الفيء) طارت صاعدة ينظرون / إلى ظلها حتى تتوارى ~~عنهم، وأوحى الله عز وجل إلى عيسى (أن) اجعل مائدتي ورزقي في اليتامى ~~والزمنى دون الأغنياء من الناس. فلما فعل ذلك، أعظمت (ذلك) الأغنياء، فادعت ~~القبيح حتى شككوا الناس وشكوا، فوقعت الفتنة في قلوب الشاكين، حتى قال ~~قائلهم: يا مسيح، وإن المائدة لحق؟، (و) إنها لتنزل من عند الله؟، فقال ~~عيسى: ويلكم هلكتم، (فأبشروا) (بالعذاب) إلا أن يرحم الله. فأوحى الله إلى ~~عيسى: إني آخذ شرطي من الكذابين، وقد اشترطت عليهم أن أعذب من كفر منهم بعد PageV03P1938 # نزولها (عذابا) لا أعذبه أحدا من العالمين. فقال عيسى: (رب) {إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118]، فمسخ ~~الله جل ذكره ثلاثة وثلاثين رجلا منهم خنازير من ليلتهم، فأصبحوا يأكلون ~~العذرة والخشوش، وأصبح الناس يطوفون بعيسى (فزعا ورهبا من عقوبة الله، ~~وعيسى) يبكي، وأهلوهم يبكون معه، وجاءت الخنازير تسعى على عيسى حين أبصرته، ~~فأطافوا به ينظرون إليه، ويشمون ريحه، ويسجدون له، وأعينهم تسيل دموعا لا ~~يستطيعون الكلام، فقام عيسى يناديهم بأسمائهم: " يا فلان "، فيومئ إليه ~~برأسه: " نعم "، فيقول " قد كنت أحذركم عذاب الله، وكأني كنت انظر: إليكم ~~قد مثل بكم في غير صوركم. PageV03P1939 # قال وهب بن منبه: كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف، فقال رؤساء القوم ~~لقوم من ضعفائهم: إن هؤلاء يلطخون علينا ثيابنا، فلو بنينا (لها بناء) ~~يرفعها. فبنوا لها دكانا، فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا أمر ~~الله رفعها عنهم. # قال ابن عباس: أكل منها آخرهم كما أكل أولهم، فكانت ms0702 لجميعهم عيدا. # وقوله: {وآية منك}: (أي آية) على قدرتك، وعلى أني رسولك. ونزلت عليهم ~~وعليها حوت وطعام، فأكلوا (منها)، ثم رفعت لأحداث أحدثوها. # (وقيل): كان في المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام. PageV03P1940 # قال ابن عباس: نزلت المائدة مرتين وعنه: نزلت مرارا. وقال سلمان كذلك. ~~وقيل: وكانت تنزل يوما وتغيب يوما. # قال الحسن: لما قال الله {إني منزلها عليكم} قالوا: لا حاجة لنا إليها ~~فلم تنزل. قال الفراء: نزلت - فيما ذكر - يوم الأحد مرتين: غدوة وعشية، ~~فلذلك اتخذوه عيدا. # وعن ابن عباس أنه قال: كانوا يأكلون منها أينما نزلوا إذا شاءوا. # وقال وهب بن منبه: نزلت عليهم قرصة من شعير وأحوات. وقال مجاهد: هو طعام ~~ينزل عليهم حيث ما نزلوا. وقال إسحاق بن عبد الله: نزلت على عيسى PageV03P1941 # سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها متى شاءوا. قال فسرق بعضهم منها ~~وقال: لعلها لا تنزل غدا (فرفعت). وروي عن ابن عباس أنه قال: أنزل على ~~المائدة كل شيء غير اللحم. قال قتادة: لما صنعوا في المائدة ما صنعوا من ~~الخيانة، حولوا خنازير، وكانوا أمروا ألا يخونوا ولا (يخبئوا ولا يدخروا)، ~~فخانوا وخبؤوا وادخروا. # (و) روى عمار / عن النبي عليه السلام أنه قال: " نزلت المائدة خبزا ~~ولحما، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا و ~~(رفعوا لغد)، فمسخوا قردة وخنازير ". PageV03P1942 # قال عمار بن ياسر: لم يتم يومهم حتى خانوا وادخروا ورفعوا. # وروي عن عمار بن ياسر أنه قال: كان عليها ثمر من ثمار الجنة. # قال مجاهد: إنما هو مثل ضربه الله لينتهوا عن مسألة النبي، ولم ينزل الله ~~عليهم شيئا. وقيل: لما قيل لهم: {فمن يكفر بعد منكم} الآية، استعفوا، فلم ~~ينزل عليهم شيء، قال ذلك الحسن. وقال مجاهد: أبوا ذلك حين عرض عليهم ~~العذاب. # والذي عليه أكثر العلماء أن الله أنزلها عليهم، لقوله {إني منزلها ~~عليكم}، ولا يجوز PageV03P1943 # أن يخبر أنه ينزلها، ثم لا ينزلها. # ومعنى {من العالمين}: من عالمي زمانكم. # وكان نزول المائدة يوم الأحد، فلذلك اتخذوه ms0703 عيدا. # والعذاب الذي أوعدوا به، قيل: هو متأخر إلى الآخرة. وقيل إنهم عجل لهم ~~ذلك في الدنيا بأنهم مسخوا قردة وخنازير. # وروي أن المائدة لما نزلت عليهم فرقوا أن تكون عقوبة وسخطا، فقالوا: يا ~~روح الله، كن أنت أول من يأكل منها، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، ~~ولكن يأكل منها الذين طلبوها. فلم يأكلوا منها خوفا أن تكون سخطا عليهم، ~~فدعا لها عيسى أهل الفاقة والحاجة والزمنى والعمي والبرص، وكل من به داء، ~~فقال لهم: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واذكروا اسم الله. فأكلوا حتى ~~شبعوا وهم ألف وثلاث مائة، قاله سليمان. PageV03P1944 # وقال مقاتل: كانوا خمسين ألفا، وأفاقوا من كل دائهم. # قوله: {وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس} الآية. # المعنى: واذكر إذ قال {الله}. وجماعة من المفسرين على أن الله أخبرنا أنه ~~قال لعيسى حين رفعه إليه، قاله السدي وغيره. # وقيل: هو خبر من الله عما يكون في القيامة، قال ابن جريج: يقول ذلك لعيسى ~~والناس يسمعون، فيراجعه بالإقرار والعبودية، فيعلم من كان يقول في عيسى ما ~~يقول أنه إنما كان باطلا. # ودل قوله: {هذا يوم ينفع الصادقين} على أنه يوم القيامة. و (إذ) - على ~~هذا - بمعنى " إذا "، ويكون {قال} بمعنى " يقول " كما قال: {ولو ترى إذ ~~فزعوا} [سبأ: 51] أي: PageV03P1945 # إذا (فزعوا) وإذ يفزعون. # والمسألة في قوله: {أأنت قلت} إنما هي على وجه التوبيخ للذين ادعوا عليه ~~ذلك، وهم بنو إسرائيل. # واختار الطبري قول السدي أنه خبر قد كان حين رفعه الله إليه، لأن (إذ) ~~{في} (الأغلب) من كلام العرب - لما مضى - فحمل الكلام على الاكثر الفاشي ~~أولى، ولأن عيسى لا يشك - هو ولا أحد من الأنبياء - أن الله لا يغفر لمن ~~مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أنه قال في الآخرة - مجيبا لربه إذ ~~سأله عمن اتخذه (هو) وأمه إلهين {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118]. PageV03P1946 # ووجه سؤال الله لعيسى عما قد علم أنه لم ms0704 يفعله: هو على معنى تنبيه ~~المسؤول على الاستعظام، كقولك للرجل: " أفعلت كذا وكذا؟ " - وأنت تعلم أنه ~~لم يفعله - / ليستعظم فعل ما قد سألته عنه، وقيل: إنما سأله عن ذلك على وجه ~~إعلامه أن أمته قد فعلت ذلك بعده، فأعلمه حالهم بعده. # ومعنى: {تعلم ما في نفسي} أي: تعلم غيبي، ولا أعلم غيبك حتى تطلعني عليه، ~~{إنك أنت علام الغيوب} أي: علام الخفيات من الأمور. وقيل: المعنى: تعلم ~~حقيقتي ولا أعلم (غيبك) ولا حقيقتك. # والنفس - في كلام العرب - يجري على ضربين: # على النفس التي بخروجها يكون الموت، كقولك: " خرجت نفس فلان " أي: مات. # ويكون جملة الشيء وحقيقته، تقول: " قتل فلان نفسه "، فليس المعنى (أن) ~~الهلاك وقع ببعضه، إنما وقع بذاته كلها وحقيقته. وأجاز بعضهم الوقف على (ما PageV03P1947 # ليس {لي}، ويكون {بحق} متعلقا ب {علمته} على معنى: فقد علمته بحق، ورد ~~ذلك بعضهم، لأن التقديم والتأخير لا يجوز إلا بتوقيف أو فيما {لا} يمكن إلا ~~ذلك. # والتمام عند نافع وغيره {بحق}. وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وقف ~~عليه. # قوله: {ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به} الآية. # قوله: {أن اعبدوا الله}: (أن) مفسرة لا موضع لها من الإعراب، بمنزلة (أن ~~امشوا)، وقيل: هي في موضع نصب على معنى: ما ذكرت لهم إلا عبادة الله. PageV03P1948 # قوله: {ما دمت فيهم}: (ما) في موضع نصب، {و} المعنى: مدة دوامي، فهو ظرف ~~عمل فيه {شهيدا} أي: {وكنت عليهم شهيدا}، {ما دمت} أي: مدة دوامي. {فلما ~~توفيتني} أي: قبضتني إليك، {كنت أنت الرقيب عليهم} أي: الحفيظ عليهم. # قوله: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} الآية. # المعنى: إن تعذبهم بقولهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم بتوبتهم عما قالوا ~~فتستر عليهم، {فإنك أنت العزيز} في انتقامك، {الحكيم} في أفعالك. # وقال السدي: المعنى: إن تعذبهم فتميتهم على نصرانيتهم فيحق عليهم العذاب PageV03P1949 # فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فتخرجهم من النصارنية وتهديهم إلى الإسلام، ~~فإنك أنت العزيز الحكيم، قال: هذا قول عيسى في الدنيا. # وقال بعض أهل النظر: يكون هذا من عيسى ms0705 في القيامة وإنما يقوله على ~~التسليم لأمر الله، وقد أيقن أن الله لا يغفر لكافر، ولكنه سلم الأمر، ولم ~~يكن يعلم ما أحدثوا بعده: أكفروا أم لا. # قال ابن الأنباري: لم يقل هذا عيسى وهو يقدر أن الله يغفر للنصارى إذا ~~ماتوا مصرين على الكفر، لكنه قاله على جهة تفويض الأمر إلى ربه، وإخراجه ~~نفسه من حالة الاعتراض. # والمعنى: إن غفرت لهم، لم يكن {لي} و {لا} لأحذ الاعتراض عليك من حكمك، ~~وإن عذبتهم (فبعدل) منك، ذلك لكفرهم. # وقيل: الهاء في {تعذبهم} للبعض الذين أقاموا على الكفر، والهاء في {(و) PageV03P1950 # إن تغفر لهم} للبعض الذين تابوا من الكفر. وقيل: الهاءات كلها للنصارى ~~والكفار، والمعنى: إن تعذبهم بتركك إياهم على الكفر فهم عبادك، وإن تغفر ~~لهم بتوفيقك إياهم للإيمان والتوبة فأنت العزيز الحكيم. # قوله: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} آية. # حكي عن المبرد أنه منع قراءة من نصب (يوما)، قال: لأنه (خبر الابتداء) ~~والنصب جائز عند غيره، لأن المعنى: قال الله هذا لعيسى في {يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم} /، ف (يوم) ظرف للقول، وهو الناصب له. # وقيل: المعنى: هذا الأمر وهذا الشأن في {يوم ينفع الصادقين صدقهم} أي: في ~~يوم PageV03P1951 # القيامة، فيكون العامل في (يوم) المضمر، وهو " الأمر " و " الشأن ". # وقيل: هذا كله مقول يوم القيامة، لقوله: {يوم يجمع الله الرسل} [المائدة: ~~109] ولقوله: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين}. # وقال بعض أهل النظر: لم يقصد عيسى إلى (أن الله) يغفر لمن مات مشركا، ~~وإنما مقصده: وإن تغفر لهم الحكاية عني (التي) كذبوا علي فيها، والحكاية ~~كذب، ليست بكفر، والكذب جائز أن يغفره {الله}. # وهو - عند الكوفيين - بناء: لأنه مضاف إلى غير متمكن، وهذا لا يجوز عند ~~البصريين، لأن الفعل معرب، وإنما يبنى إذا أضيف إلى غير معرب كالماضي و " ~~إذ " وشبه ذلك، والإضافة عند البصريين في هذا إنما هي (إلى المصدر). PageV03P1952 # وقال أبو اسحاق: حقيقته الحكاية. # ومعنى {يوم ينفع الصادقين صدقهم}: الذي كان في الدنيا ينفعهم في القيامة، ~~لأن الآخرة ms0706 ليست بدار عمل، ولا ينفع أحدا (فيها) ما قال وإن أحسن، ولو صدق ~~الكافر (وأقر) بما عمل، وقال: " كفرت " (أو أسأت)، ما نفعه. وإنما الصادق ~~ينفعه صدقه الذي كان منه في الدنيا، (لا) في الآخرة. # قوله: {لهم جنات} أي: لهم في الآخرة - بصدقهم في الدنيا - جنات مخلدين ~~فيها. # {رضي الله عنهم ورضوا عنه} إذ وفى لهم بوعده. # قوله: {لله ملك السماوات والأرض} الآية. # المعنى: لله - أيها النصارى - ملك السماوات والأرض وما فيهن، دون عيسى PageV03P1953 # الذي جعلتموه وأمه إلهين، وعيسى وأمه داخلان في الملك، وهو يقدر على ~~إفناء ذلك كما ابتدعه وأظهره قبل أن لم يكن شيئا. # وفي وصل (قدير) ب (الحمد {لله} خمسة أوجه: # الأول: المستعمل عند القراء: أن تكسر للتنوين، وتحذف ألف الوصل وتصل. # الثاني: أن تحذف التنوين لالتقاء الساكنين وتصل. # والثالث: أن تلقي حركة ألف (الحمد) على التنوين فنفتحه، كأنك تنوي ~~الابتداء ب (الحمد). # والرابع: أن تسكن الراء وتبتدئ (الحمد لله) بالقطع، وهذا مستعمل عند ~~القراء أيضا. # والخامس: أن تنون وتقطع ألف (الحمد) لتدل على الانفصال. PageV03P1954 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأنعام # "قال أبو محمد": روى أنس بن مالك عن النبى - صلى الله عليه وسلم - (أن) ~~سورة الأنعام نزلت ومعها موكب من الملائكة، سد ما بين الخافقين، لهم زجل ~~بالتسبيح، والأرض لهم ترتج، ورسول الله يقول: (سبحان ربي العظيم) ثلاث ~~مرات. # قال ابن عباس: نزلت بمكة جملة، ومعها سبعون ألف ملك حولها. PageV03P1955 # بالتسبيح وعن ابن عباس: نزلت ليلا بمكة, وحولها سبعون ألف ملك (يجأرون) ~~حولها بالتسبيح. # قوله: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} الآية. # المعنى: الحمد الخالص الكامل لله. ومخرج الكلام مخرج الخبر، ومعناه ~~الأمر، أي: أخلصوا الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وهي من أعظم ~~الآيات، وأضاف إلى ذلك - من آياته - إظلام الليل وضياء النهار. # قال قتادة: " خلق السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل ~~النار ". # ومعنى: {وجعل} هنا، خلق، وإذا كانت بمعنى " خلق "، لم تتعد (إلا) PageV03P1956 # إلى مفعول واحد. # وقوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ms0707 الآية. # {ثم} لغير مهلة، لأن الله قد قضى الآجال كلها قبل خلق كل / شيء، وإنما ~~{ثم} لإتيان خبر بعد خبر، لا لترتيب زمان بعد زمان. # ومعناه: أن الله يعجب خلقه من هؤلاء الذين يجعلون لله عديلا ومثيلا ~~ومساويا، وهو خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ومن جعلوه عديلا لا ~~يقدر على شيء من ذلك ولا من غيره، فذلك عجب من فاعله. # وقيل: إنها نزلت في (المانية) الذين يعبدون النور والظلمة يقولون: الخير ~~من النور، والشر من الظلمة، فعدلوا بالله خلقه، وعبدوا PageV03P1957 # المخلوقات. # (و) ذكر (عن) عبد الله بن أبي رباح أنه قال: فاتحة التوراة، فاتحة ~~الأنعام: {الحمد لله} إلى {يعدلون} قال: وخاتمة التوراة خاتمة هود {وما ربك ~~بغافل عما تعملون}. # قال مجاهد: {يعدلون} يشركون. # وهذه الآية نزلت في أهل الكتاب عند جماعة من المفسرين. وقال أكثرهم: ~~(عني) بها المشركون من عبدة الأوثان وسائر أصنافهم. # قوله: {هو الذي خلقكم من طين} الآية. # المعنى: أن الله خلق آدم من طين، فخوطب الخلق بذلك، لأنهم ولده، وهو أصل ~~لهم، قال قتادة ومجاهد والسدي. قال ابن زيد: خلق آدم من طين، ثم خلقنا PageV03P1958 # من آدم حين أخرجنا من ظهره. # وقيل: المعنى: أن النطفة من طين، لكن قلبها الله تعالى ذكره حتى كان ~~الإنسان منها. # وقوله: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده}. # الأجل الأول: أجل الإنسان من حيث يخرج إلى الدنيا إلى أن يموت، والأجل ~~الثاني: هو ما بين وقت موته إلى أن يبعث، قاله قتادة والضحاك والحسن. وقال ~~ابن جبير: الأول الدنيا، والثاني الآخرة. وكذلك قال مجاهد. وقال عكرمة: ~~الأول: الموت، والثاني: الآخرة، كالقول الأول، وكذلك قال ابن عباس، وقاله ~~السدي. # و {ثم} - على هذه الأقوال كلها - يراد بها التقديم للخبر الثاني على ~~الأول. # كما قال الشاعر: # قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد بعد ذلك جده PageV03P1959 # فالجد سابق للأب، والأب سابق للمدوح. # وقيل: الأول قبض الروح في النوم، والثاني قبض الروح عند الموت، روي ذلك ~~عن ابن عباس أيضا. وقيل: معنى ذلك ms0708 أن الأول هو ما أعلمنا (ألا نبي) بعد ~~محمد صلى الله عليه وسلم، والآخر هو القيامة. وقيل: الأول ما نعرفه من ~~الأهلة وأوقات الزروع ونحو ذلك، والأجل الثاني: موت الإنسان متى يكون. ~~ومعنى {ثم قضى أجلا} لم يرد أنه قضى الأجل خلق آدم، بل الأجل قضاه قبل خلق ~~المخلوقات كلها، ولكن الكلام محمول على الخبر من الله جل ذكره لنا، كأنه ~~قال: أخبركم أن الله خلقكم من طين، يعني آدم، ثم أخبركم أن الله قضى أجلا ~~قبل خلقه لآدم، ف (ثم) إنما دخلت لنسق الخبر الثاني على الأول، لا لوقت ~~الفعلين. # وقوله: {ثم أنتم تمترون} معناه: تشكون (في من) خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور، وقضى أجل الموت وأجل الساعة، إنه إله واحد قادر، لا عديل ~~له ولا شبيه. PageV03P1960 # وقوله: {ثم قضى أجلا} وقف حسن عند نافع وغيره من النحويين. # فسوف يأتيهم (أخبار) تكذيبهم، وهي ما حل عليهم من الأسر والسيف يوم بدر، ~~وفتح (مكة) وغير ذلك، ومعناه: سوف يعلمون ما تؤول إليه أمورهم. # قوله: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} الآية. # والمعنى: ألم ير هؤلاء المكذبون بمحمد، كم أهلكنا من قبلهم من القرون، ~~وهي الأمم الخالية، مكنوا في الأرض ما لم يمكن لهؤلاء، وأرسلت السماء عليهم ~~مدرارا، وفجرت العيون من تحتهم. ومعنى مدرارا (أي) (غزيرا دائمة)، فأعطت ~~الأرض ثمارها، فعصوا، فأهلكوا بعصيانهم. وهذا وعظ وتخويف من الله PageV03P1961 # لمن كذب بمحمد ألا يصيبهم ما أصاب من هو أقوى منهم وأمكن في البلاد منهم ~~وأطغى منهم. # والقرن: ستون عاما. وقيل: سبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: مائة. وقيل: القرن ~~كل عالم في عصر، وهو مأخوذ من الاقتران، لأن بعضهم مقترن ببعض، فهذا يدل ~~على أنه العصر. # قوله: {وأنشأنا من بعدهم قرنا - آخرين}: أي: أحدثنا، ومعنى الخطاب في ~~الآية في قوله: {لكم} - وقد تقدم ذكر الغيبة في قوله: {ألم يروا} - أن ~~العرب إذا أخبرت خبرا عن غائب - فأدخلت فيه قوما - وجهت الخبر أحيانا إلى ~~الغائب وأحيانا إلى المخاطب، فيقولون: قلت لعبد الله: ms0709 " ما أكرمه "، وإن ~~شئت: " ما أكرمك "، وهو مثل: PageV03P1962 # {حتى إذا كنتم في الفلك} الآية. # قوله: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} الآية: # معنى الآية: أن الله أعلم نبيه أن هؤلاء المكذبين لا ينفعهم شيء من ~~الآيات، (و) لا يرجعون عن جحودهم، وأنهم لو رأوا كتابا نزل (عليهم) من ~~السماء في قرطاس ولمسوه بأيديهم، ورأوا فيه صدق ما جئتهم به، لكفروا به ~~وقالوا: هذا سحر مبين. # قال ابن عباس: لو نزل من السماء صحف فيها كتاب لزادهم ذلك تكذيبا. # روي عن نافع أن الوقف على {فلمسوه بأيديهم}، وهو بعيد عند غيره، لأن ~~{لقال} جواب (لو). # قوله: {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} الآية. # المعنى: أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا لمحمد: هلا أنزل عليك ملك في صورته ~~يصدقك ويخبرنا بنبوتك، فقال تعالى: {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} أي: لو ~~فعلنا فكفروا PageV03P1963 # وكذبوا لنزل (عليهم) العذاب، فقضى أمرهم ولا يؤخرون. # وقيل: المعنى: لو رأوه / في صورته لماتوا، قاله ابن عباس. وقد قال في " ~~الفرقان " عنهم إنهم قالوا {لولا أنزل عليه ملك} أي: هلا كان ذلك. # {بسم الله الرحمن الرحيم} قوله (تعالى): {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} ~~الآية. # المعنى: لو جعلنا الرسول إليهم ملكا لجعلناه في صورة رجل، لأنهم لا ~~يستطيعون مخاطبة الملك على هيئته، ولا يرونه. # قال ابن عباس: معنى {لقضي الأمر} أي: لو رأوه لماتوا من صورته، ولا ~~يخاطبهم إلا من هو في صورة الآدمي، فإذا كان رجلا كان ذلك أكثر لبسا عليهم PageV03P1964 # فيقولون: هو ساحر كذاب. # قال أبو إسحاق: كانوا يقولون لضعفتهم: إنما محمد بشر، لا فرق بينكم ~~وبينه، فيلبسون عليهم بهذا، فأعلم الله نبيه أنه لو أنزل ملكا لأنزله في ~~صورة رجل، إذ كانوا لا يقدرون على رؤية الملك في صورته كما سألوا، ولكان ~~يقع عليهم من اللبس ما وقع عليهم في محمد. # يقال: " لبست الأمر ": (أي) أشكلته وشبهته، أي: أدخلت فيه الشبه. ومخرج ~~قوله: {وللبسنا} مخرج قوله: {يستهزىء بهم} [البقرة: 15] لأنه مجازاة ~~لفعلهم، فسمي باسمه، وليس به. # قوله: {ولقد ms0710 استهزىء برسل من قبلك} الآية. # المعنى أن الله جل ذكره سلى نبيه ليهون ما يلقى من المشركين، وأعلمه أن ~~من تمادى على ذلك يحل به ما حل بالأمم الماضية الذين استهزأوا برسلهم. # ومعنى " فحاق بهم ": أي: وجب ونزل وأحاط بهم ما كانوا ينكرون، وهو ~~العذاب. PageV03P1965 # والمضمر في {منهم} يعود على الرسل، وتقديره: فحاق بالذين سخروا من الرسل ~~عقاب ما كانوا يستهزئون. # قوله: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا} الآية. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله غيره، المكذبين بك: سيروا في ~~الأرض، أي: جولوا فيها، تروا ما (صار) إليه عاقبة أشكالهم من الناس - الذين ~~كذبوا الرسل - من العذاب والهلاك فتحذروا (أن يصيبكم) مثل ما أصابهم. # قوله: {قل لمن ما في السماوات والأرض (قل لله)} الآية. # قوله {الذين خسروا} في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب ~~على البدل من المضمر في {ليجمعنكم}، وهو قول الأخفش. وقيل: إن PageV03P1966 # {ليجمعنكم} بدل من {الرحمة} على معنى التفسير لها. # ورد المبرد قول الأخفش، وقال: لا يجوز أن يبدل من المخاطب إلا المخاطب، ~~لو قلت: " مررت بك زيد "، و " مررت بي زيد " لم يجز، لأن هذا لا يشكل ~~فيبين، ولكنه مرفوع بالابتداء، و {فهم لا يؤمنون} الخبر. # وقال ابن قتيبة: {الذين} في موضع خفض على البدل أو النعت " للمكذبين " ~~الذين تقدم ذكرهم. # ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين المكذبين {لمن ما في السماوات ~~والأرض} أي: لمن ملك ذلك؟، وليس لهم جواب عن ذلك، فكأنهم طلبوا الجواب من ~~السائل، فقالوا لمن ذلك؟، فقيل لهم: {لله}، فصار السؤال والجواب من جهة ~~واحدة في الظاهر والجواب إنما هو (جواب) لسؤال مضمر، لأنهم عجزوا عن الجواب ~~فقالوا: لمن ذلك؟، فأجيبوا: {لله}، أي: هو لله، فأخبرهم أن ذلك لله، ~~وأعلمهم أن الله كتب على نفسه الرحمة لعباده، فلا يعجل عليهم بالعقوبة، ~~فتوبوا إليه. # روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " كتب الله كتابا قبل الخلق: إن ~~رحمتي PageV03P1967 # تسبق غضبي ". # وعن سلمان أن الله لما خلق السماء ms0711 و (الأرض)، خلق مائة رحمة، كل رحمة ~~تملأ ما بين السماء والأرض، فعنده تسع وتسعون رحمة، وقسم رحمة بين الخلائق، ~~(فبها يتعاطفون)، فإذا كان ذلك - يعني يوم القيامة - قصرها الله على ~~المتقين، وزادهم تسعا وتسعين. وعن سلمان قال: نجد ذلك في التوراة. # وروى الحكم بن أبان عن عكرمة قال: إذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين ~~خلقه، أخرج كتابا من تحت العرش فيه: (أن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم ~~الراحمين). قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو مثلي أهل الجنة، مكتوبا ~~ها هنا - وأشار الحكم إلى نحره - " عتقاء الله ". فقال رجل لعكرمة: فإن ~~الله يقول: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب ~~مقيم} [المائدة: 37]. قال عكرمة: أولئك أهلها PageV03P1968 # " الذين هم أهلها ". # وعن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن لله مائة رحمة، أهبط منها رحمة إلى ~~أهل الدنيا، يتراحم بها الجن والإنس وطائر السماء، وحيتان الماء، ودواب ~~الأرض وهوامها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعا وتسعين رحمة، حتى إذا كان ~~يوم القيامة، اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحولها إلى ما ~~عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، (و) على أهل الجنة. # فمعنى {كتب على نفسه الرحمة}: أمهلكم إلى يوم القيامة، لأن معنى ~~{ليجمعنكم} أي: يمهلكم حتى يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه. # ومعنى {كتب} هنا: قضى. PageV03P1969 # وقيل: {إلى} بمعنى " في "، أي: ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل: المعنى ~~ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، ف (إلى) لغير معنى " في ". # واللام في {ليجمعنكم} لام قسم، جواب ل {كتب}، لأن {كتب} بمعنى " أوجب " ~~والقسم إيجاب، (فاحتاج الايجاب إلى جواب، إذ هو بمعنى القسم في الإيجاب)، ~~وله نظائر كثيرة في القرآن تقاس على هذا. # والوقف على {الرحمة} حسن عند أبي (حاتم والفراء)، ويكون {ليجمعنكم} مبتدأ ~~على القسم على قولهما. # وقيل: إن {ليجمعنكم} بدل من (الرحمة)، فلا يوقف على (الرحمة)، ومعنى PageV03P1970 # البدل أن اللام بمعنى " أن "، فالمعنى: الرحمة: أن يجمعكم، أي: كتب ربكم ~~على نفسه أن ms0712 يجمعكم. ومثله على مذهب سيبويه: {ثم بدا لهم من بعد (ما) رأوا ~~الآيات ليسجننه} [يوسف: 35] المعنى: أن يسجنوه، ف " أن " الفاعلة، ومثله: ~~{كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه} [الأنعام: 54] في قراءة من فتح (أن). # قال نافع: {قل لله} تمام. {لا ريب فيه}: وقف حسن عند نافع وغيره. # قوله: {وله ما سكن في الليل والنهار} الآية. # المعنى: وقل لهم - يا محمد -: {وله ما سكن في الليل والنهار} أي: ما ~~استقر، فكيف تعدلون به وتشركون بمن له الخلق والأمر. PageV03P1971 # قوله: {قل أغير الله أتخذ وليا} الآية. # المعنى: قل (لهم) يا محمد: أغير الله أتخذ وليا وهو فاطر السماوات ~~(والأرض)، أي: مبتدعهما وخالقهما. # قال ابن عباس: كنت لا أدري ما {فاطر السماوات والأرض}، حتى أتاني ~~أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: " أنا فطرتها ": (أي) ~~ابتدأتها. # وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش: (ولا يطعم) بفتح الياء، وقرأوا الأول ~~مثل الجماعة على معنى: وهو يرزق ولا يأكل. وقرأه الجماعة على معنى: " وهو ~~يرزق ولا يرزق ". # وقوله: (تعالى): {إني أمرت أن أكون أول من أسلم} أي: قل لهم يا محمد: إني ~~أمرت PageV03P1972 # أن أكون أول من خضع بالعبودية، وقيل: (لي: لا) تكونن من المشركين. # وقال بعض العلماء قوله: {أمرت} بدل من " قيل لي: كن أول من أسلم و (قيل ~~لي): لا تكونن من المشركين "، فالثاني محمول على معنى الأول، اجتزئ بذكر. ~~الأمر عن ذكر / القول، والمعنى: قل " إني قيل لي: كن أول من أسلم، ولا ~~تكونن من المشركين ". فهما جميعا محمولان على القول لكن أتى الأول بغير لفظ ~~القول وفيه معناه، فحمل الثاني على المعنى. والوقف على (الأرض) حسن، وعلى ~~(يطعم حسن.) # قوله: {قل إني أخاف} الآية. PageV03P1973 # المعنى: (قل) يا محمد لهؤلاء الذين لا يخافون: {إني أخاف إن عصيت ربي ~~عذاب يوم عظيم} أي: هائل شديد. # قوله: {من يصرف عنه يومئذ} الآية. # من قرأ {يصرف} بضم الياء وفتح الراء، فعلى ما لم يسم فاعله. ومن فتح ~~الياء وكسر الراء، فعلى إضمار، والتقدير: " من يصرف الله ms0713 عنه العذاب " ~~يومئذ. # والأول أحسن عند سيبويه، لأن الإضمار كلما قل كان أحسن. فتقدير من ضم ~~الياء: من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه الله، ففي {يصرف} ذكر العذاب المتقدم، ~~ويضمر الاسم بعد (رحمه)، وفي الفتح يضمر الاسم والعذاب جميعا. PageV03P1974 # وقيل التقدير - في قراءة من فتح الياء - من يصرف (الله) عنه شر يومئذ، ثم ~~حذف المضاف. # وفي قراءة عبد الله وأبي: (من يصرف الله عن يوم القيامة)، وهذا شاهد لمن ~~قرأ بالفتح. # واحتج بعضهم لقراءة من فتح الياء أنه قريب من اسم الله، كأن تقديره: من ~~يصرف ربي (العذاب عنه) فقد رحمه، واحتج أيضا بقوله: {فقد رحمه} ولم يقل: (" ~~فقد رحم ")، فجريان آخر الكلام على أوله أحسن من مخالفته لأوله. قال: ولو ~~قلت: " من وهب لك درهما فقد أكرمك "، كان أحسن من أن تقول: " من وهب له ~~درهم فقد أكرمه "، وقولك: " من يؤخذ منه ماله، فقد ظلم " أحسن من قولك " من ~~يؤخذ منه ماله فقد ظلمه "، وهو بعيد في الكلام وكذلك من قرأ: (" من " يصرف ~~عنه يومئذ فقد رحمه. PageV03P1975 # وقراءة الفتح اختيار أبي عبيد وأبي حاتم على معنى: من يصرف الله عنه ~~يومئذ عذابه فقد رحمه. # {وذلك ا}: إشارة إلى صرف العذاب. و {الفوز}: النجاة من الهلاك، والظفر ~~بالمطلوب، {المبين} (أي) الظاهر لمن وفقه الله. # قوله: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} الآية. # المعنى: إن يمسك (الله) - يا محمد - بضر، فلا يكشفه إلا هو، (و) الضر - ~~هنا -: الشدة في العيش والضيق، {وإن يمسسك بخير} أي: برخاء في عيش وسعة، ~~فهو على ذلك وغيره قدير. # قوله {إلا هو} تمام حسن. # قوله: {وهو القاهر فوق عباده} الآية. # المعنى: والله المذلل لعباده، العالي عليهم علو قدرة وقهر، PageV03P1976 # لا (علو) انتقال من سفل، بل استعلى على خلقه بقدرته فقهرهم بالموت وبما ~~شاء من أمره، لا إله إلا هو. ولما وصف نفسه تعالى بأنه المذل القاهر، ومن ~~صفة القاهر أن يكون مستعليا، قال {فوق عباده}، {وهو الحكيم} أي: في علوه، ~~{الخبير} بمصالح عباده. ms0714 # قوله: {قل أي شيء أكبر شهادة} الآية. # {أي} اسم مبهم معرب، وإنما أعرب دون سائر المبهمات لعلتين: # - إحداهما: أنه قد ألزم الإضافة فخالف سائر المبهمات، والمضاف إليه يحل ~~محل التنوين فيه، إذ لزمه ما هو عوض من التنوين، وإذا قدر التنوين فيه وجب ~~إعرابه، لأن التنوين علامة للأمكن، والأمكن لا يكون إلا معربا. # - والوجه الآخر: أنه مخالف لسائر المبهمات، لأنه يدل على البعض المعين، PageV03P1977 # فإذا قلت: " أي الرجلين أتاك "؟، فالذي تسأل عنه داخل في " الرجلين "، ~~وليس ذلك في " ما " و " من ". # ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين جحدوا نبوتك: أي: شيء أعظم شهادة؟، ~~ثم أخبرهم بأن الله أعظم شهادة ممن يجوز عليه السهو والغلط والكذب والخطأ ~~من خلقه. وقيل: المعنى: سلهم يا محمد: أي: شيء أكبر شهادة حتى أستشهد به ~~عليكم؟. # (و) قال الكلبي: قال المشركون - من أهل مكة - للنبي: من يعلم أنك رسول ~~الله فيشهد لك، فأنزل الله {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم} أني رسوله، {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}. # والله - جل ذكره - شيء بهذه الآية، لكنه شيء لا كالأشياء {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11]. # وقوله: {وأوحي إلي هذا القرآن} (أي وقل لهم: أوحي إلي هذا القرآن) ~~لأنذركم PageV03P1978 # به عقاب الله، {ومن بلغ}: (أي) وأنذر به من بلغه ذلك بعدي. # قال محمد بن كعب القرطبي: من بلغته آية فكأنما رأى الرسول. # قال ابن عباس: " من بلغه هذا القرآن فهو له نذير ". # ف {من} في موضع نصب. وقيل: المعنى في {ومن بلغ}: أي: وأنذر من بلغ الحلم، ~~لأن من لم يبلغ الحلم، فليس بمخاطب ولا متعبد. والقول الأول: " إن معناه: ~~ومن بلغه القرآن "، وهو أولى. # وقال مجاهد {ومن بلغ} أي: من أسلم. وقيل معناه: {لأنذركم به} أيها PageV03P1979 # العرب {ومن بلغ} أي: العجم، كقوله: {بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: ~~2] يعني العرب، ثم قال: {وآخرين منهم} [الجمعة: 3] أي: من الذين أرسل ~~إليهم، يعني العجم. # (و) قوله: {أئنكم لتشهدون أن مع اللهءالهة أخرى}: هذا ms0715 على التوبيخ لهم. ~~ثم قال لنبيه: قل يا محمد لا أشهد بما تشهدون، إنما هو إله واحد، وإنني ~~بريء من إشراككم بربكم. # (و) روى ابن عباس " أن طائفة من اليهود قالوا للنبي: يا محمد، ما نعلم مع ~~الله إلها غيره!، فقال رسول الله: لا إله إلا الله، بذلك بعثت وإلى ذلك ~~أدعو "، PageV03P1980 # فأنزل الله: {قل الله شهيد بيني وبينكم} إلى قوله: {فهم لا يؤمنون}. # ووقف نافع: {قل أي شيء أكبر شهادة}. والتمام عند الجماعة {ومن بلغ}. # قوله: {الذين آتيناهم الكتاب} الآية. # (معنى ذلك أن أهل الكتاب - هنا - (هم)) اليهود والنصارى. ومعنى ~~{يعرفونه}: أي: يعرفون أن دين الله الاسلام، وأن محمدا رسول الله كما ~~يعرفون أبناءهم، وهو عندهم في التوراة والانجيل. # وقيل: المعنى: يعرفون محمدا كمعرفتهم أبناءهم. وقد قال بعض من أسلم من ~~أهل الكتاب: والله لنحن أعرف به من أبنائنا، لأن صفته ونعته في الكتاب، ~~وأما أبناؤنا فلسنا ندري ما أحدث النساء فيهم. PageV03P1981 # وقيل: المعنى يعرفون أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله. # وقيل: يعرفون القرآن. # وأكثر العلماء على أن الهاء تعود على النبي. # وقوله: {الذين خسروا أنفسهم} أي: أوبقوها في النار بإنكارهم محمدا، {فهم ~~لا يؤمنون} بخسارتهم أنفسهم. # و {كما يعرفون أبنآءهم}: تمام إن جعلت {الذين} مبتدأ. # قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} الآية. # المعنى: من أشد ظلما ممن اختلق على الله قول الباطل، أو (جحد آياته) PageV03P1982 # وأدلته، {إنه لا يفلح الظالمون} أي: لا ينجح القائلون على الله الباطل. # قوله: {ويوم نحشرهم جميعا} الآية. # المعنى: أن هؤلاء المفترين على الله الكذب لا يفلحون في الدنيا، ولا يوم ~~نحشرهم جميعا (أي) ولا يوم القيامة، ففي الكلام تقدير محذوف. # ومعنى: {الذين كنتم تزعمون} (أي تزعمون) " أنهم (لكم آلهة) من دون الله ~~افتراء وكذبا ". # وقال القتبي: المعنى أين آلهتكم التي جعلتموها لي شركاء، فنسبها إليهم، ~~لأنهم ادعوها أنها شركاء لله. PageV03P1983 # قوله: {ثم لم تكن فتنتهم} الآية. # قرأ ابن مسعود وأبي (وما كان فتنتهم) بالرفع. # ومن (قرأ) تكن بالتاء، ونصب ms0716 " الفتنة "، فإنما أنث، لأن " القول " هو " ~~الفتنة "، فأنث على المعنى، وهو مذهب سيبويه. # وقيل: إنما أنت، لأن {إلا أن قالوا} بمنزلة " مقالتهم " فأنث على ذلك. و ~~(قد قرئ) برفع " الفتنة "، والياء في (يكن) على المعنى، لأن " الفتنة بمعنى ~~" الفتون ". PageV03P1984 # ومعنى {فتنتهم}: مقالتهم. وقيل: معذرتهم إلا أن أقسموا بالله ربهم إنهم ~~لم يكونوا مشركين. # ومعناه عند أبي إسحاق أن المشركين افتتنوا بشركهم في الدنيا، فأخبر الله ~~عنهم أن فتنتهم التي كانت في الدنيا عادت انتفاء من الشرك، وهذا مثل إنسان ~~يرى (محبا له) في هلكة فيتبرأ منه، فيقال له: صارت محبتك (تبرؤا). # واختار الطبري قراءة النصب في (ربنا)، لأنه جواب من المشركين الذين قيل ~~لهم: {أين شركآؤكم} [الأنعام: 22]؟، فنفوا عن أنفسهم أن يكونوا فعلوا ذلك ~~وادعوه أنه ربهم كان فنادوه، ولذلك قال لمحمد: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} ~~[الأنعام: 24]. # وإنما قصدوا إلى نفي الشرك عن أنفسهم دون سائر الذنوب والكبائر، لأنهم PageV03P1985 # رأوا أن كل شيء يغفره الله إن شاء إلا الشرك، فنفوه عن أنفسهم رجاء أن ~~يغفر لهم ما ارتكبوا دون الشرك، ودل على ذلك قوله {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} [النساء: 48] (فدل هذا) على أن ما دون الشرك ~~مغفور إن شاء الله، ذلك: إما بتوبة وإقلاع، وإما بفضل من الله ورحمة. # قوله: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} الآية. # معنى النظر هنا: هو نظر القلب " معناه: تبين فاعلم كيف كذبوا في الآخرة ~~". # وقوله: {كذبوا} معناه: يكذبون، إلا أنه لما كان أمرا يقع بلا شك، أخبر ~~عنه بمثل ما يخبر (عما) وقع. # ومعنى {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: وفارقتهم الأنداد والأصنام، ~~وتبرأوا منها. وقيل: (معناه) ذهب عنهم ما كانوا يختلقون. PageV03P1986 # قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا ~~(تعالوا) فلنجحد ما كنا فيه، فقالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين}، فختم ~~الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثا، فود ~~الذين كفروا حين ذلك لو تسوى بهم ms0717 الأرض، و {لا يكتمون} حديثا. # وقال ابن جبير: لما أمر بإخراج من دخل النار من أهل التوحيد، قال من فيها ~~من المشركين: تعالوا فلنقل " لا إله إلا الله " لعلنا نخرج من هؤلاء. ~~فقالوا، فلم يصدقوا، فحلفوا فقالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين}. # وقال قطرب: إنهم لم يتعمدوا الكذب، ولكنهم قالوا ما قالوا وهم عند أنفسهم ~~صادقون، لكنهم كاذبون عند الله، ولذلك قال: {انظر كيف كذبوا}. # والذي يدل على خطأ قول قطرب قوله: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما PageV03P1987 # يحلفون لكم} [المجادلة: 18]. فلم (يحلفوا للنبي) قط إلا وهم يعلمون أنهم ~~كاذبون، وقد أخبر الله أن (اليمينين متساويتان). وقوله: {انظر كيف كذبوا} ~~يدل على أنهم تعمدوا الكذب. # قوله: {ومنهم من يستمع إليك} الآية. # المعنى: ومن هؤلاء المختلقين على الله الكذب من يستمع القرآن منك يا محمد ~~- قال مجاهد: هم قريش - ويستمع كل واحد ما تدعوه إليه من الإيمان، فلا ~~ينفعه ذلك، ولا يعيه، ولا يتدبره، ولا يعقله عنك، لأن الله جعل على قلبه ~~كنانا، أي / غطاء، وجمعه أكنة، وجعل في آذانهم وقرا عن ما تقول لهم PageV03P1988 # وتتلو عليهم. فعل ذلك بهم مجازاة لهم على كذبهم، وليس المعنى أنهم لا ~~يسمعون ألبتة ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا بمنزلة الذي في ~~أذنيه وقر، وعلى قلبه غطاء. # (و) قوله: {وإن يروا كلءاية لا يؤمنوا بها} يريد أنهم رأوا القمر منشقا، ~~فقالوا: (سحر، ثم) أخبر عنهم أنهم إذا أتوا يجادلون قالوا: هذا سحر ~~((مبين)). # قوله: {من يستمع إليك} ((و)) {وقرا} تمامان عند الأخفش. # و {أن يفقهوه} (تمام) عند غيره. و (بها) التمام الحسن عند أبي حاتم. PageV03P1989 # ومعنى {أساطير الأولين} أي: أحاديثهم. وقيل: أساجيع الأولين. وقيل: ~~المعنى ما كتبه الأولون. # ومعنى جدالهم المؤمنين أن ابن عباس قال: كان المشركون يجادلون المسلمين ~~في الذبيحة، يقولون لهم: ما ذبحتم وقتلتهم تأكلون، وما قتل الله لا تأكلون ~~وأنتم تتبعون أمر الله. # (وواحد الأساطير " أسطورة " كأضحوكة (وأحدوثة)، وقيل:) واحده " أسطار "، ~~كأقوال، وأسطار جمع سطر، (يقال: سطر) وسطر. ms0718 وقال الأخفش: هو من الجمع الذي ~~لا واحد له، كأبابيل ومذاكير وعباديد، وقد قيل: إن واحد الأبابيل " إبيل ". ~~وقيل: هو " إبول "، كعجول. PageV03P1990 # قوله: {وهم ينهون عنه} الآية. # المعنى أن الله أخبر عن المشركين أنهم ينهون الناس عن اتباع النبي ~~والقبول منه، {وينأون عنه} أي: يبعدون. # قال ابن عباس: لا يأتونه ولا يدعون أحدا يأتيه. فالهاء - على هذا - تعود ~~على النبي. # وقيل: المعنى أنهم ينهون [الناس عن] أن يستمعوا ما في القرآن، ويتباعدون ~~هم عن استماعه، فالهاء للقرآن. # وقيل: المعنى: أنهم ينهون الناس عن أذى محمد، (ويتباعدون هم) عنه، أي: عن ~~اتباعه. PageV03P1991 # (و) روي عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب عم النبي عليه السلام ونفر من ~~كفار قريش كانوا ينهون ((الناس)) عن أذى النبي ولا يؤمنون به، ولا بما ~~جاءهم به، وكان أبو طالب ينهى أن يؤذى محمد، ويتباعد عن قبول ما جاء به. ~~وهذا يدل على أنها في قريش. # وكان الطبري يختار أن تكون عامة في المشركين، لأن أول الكلام جرى على ~~العموم، فيكون المعنى على هذا: وهم ينهون الناس أن يتبعوه ويتباعدون عن ~~اتباعه، وما {يهلكون إلا أنفسهم} أي: ما يهلكون بصدهم عنك إلا أنفسهم، ~~لأنهم يكسبونها سخط الله {وما يشعرون} (أن) ذلك راجع عليهم. # وقرأ الحسن {وينأون (عنه)} بإلقاء حركة الهمزة على النون على PageV03P1992 # أصل التسهيل. # قوله: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} الآية. # من قرأ برفع (نكذب) و (نكون) فعلى القطع، (أي: يا ليتنا) نرد، ثم ابتدأ ~~على معنى: ونحن لا نكذب. هذا قول سيبويه، والمعنى عنده: ونحن لا نكذب رددنا ~~أو لم نرد، فإنما سألوا الرد وقد أوجبوا على أنفسهم أنهم لا يعودون للتكذيب ~~ألبتة، ردوا أو لم يردوا، ومثله عند سيبويه: " دعني ولا أعود ": أي: وأنا ~~لا أعود. تركتني أو لم تتركني. # ومن نصب فإنما أراد أن يكون " رد " يتبعه ترك عودة، كأنه في المعنى: إن ~~رددنا لم نعد للتكذيب. ومثله: " زرني وأزورك "، (أي، لتكن PageV03P1993 # منك) زيارة وأن أزورك، ولو رفعت لكان المعنى: ms0719 وأنا أزورك، زرتني أو لم ~~تزرني. # ووجه آخر في الرفع، وهو أن يكون معطوفا على (نرد)، كأنهم تمنوا أن يردوا، ~~وتمنوا (ألا) يكذبوا / وأن يكونوا من المؤمنين. والأول أحسن، لأنهم لم ~~يتمنوا هذا، إنما تمنوا الرد وادعوا أنهم إذا ردوا لم يكذبوا وكانوا من ~~المؤمنين. # (والنصب) على جواب التمني، كأنه: يا ليتنا وقع لنا الرد و (ألا) نكذب، ~~فالواو في جواب التمني كالفاء، وقيل: المعنى في الرفع: لا نكذب والله PageV03P1994 # ونكون - والله - من المؤمنين، وهو أيضا منقطع. # وأنكر جماعة النصب، وقالوا: هو خبر أخبروا به عن أنفسهم، ألا ترى أن الله ~~كذبهم فيما أخبروا به، والكذب لا يقع إلا في جواب الخبر. # وأنكر بعض النحويين أن يكون الجواب للتمني بالواو، وقالوا: إنما يكون ~~بالفاء. # وأجاز أبو إسحاق أن يكون التمني داخلا في الخبر، قال: لأن الرجل الفاسق ~~(يقول): " ليتني في الجنة "، فيقال له: كذبت، لو أردت ذلك لاتقيت الله. # وقد قيل: إنه منصوب على الظرف، وإن معنى الكلام: أنهم تمنوا أن يوقفوا ~~((وهم) غير مكذبين، لأنهم وقفوا مكذبين، فتمنوا أن يوقفوا) على غير تلك ~~الحال. PageV03P1995 # (والآية) عند أبي عمرو على التمني، ولا يجوز فيه صدق (ولا) كذب، وإنما ~~كذب الله خبرهم، لا تمنيهم، وخبرهم هو قولهم: (ولا نكذب)، (ونكون)، (إن ~~رددنا) فعلنا ذلك، فهذا خبر، فأكذبهم الله في ذلك الخبر الذي أخبروا به عن ~~أنفسهم، لا في تمنيهم. # أو يكون المعنى - على الرفع - (ولا نكذب)، (ونكون): أي: نفعل ذلك، رددنا ~~أو لم نرد، فهذا خبر منهم، فأكذبهم الله في ذلك، التكذيب إنما هو للخبر ~~الذي أخبروا به عن أنفسهم، لا للتمني. # وقال بعض النحويين: إنما يكون هذان الفعلان - في حال النصب - غير متمنين ~~إذا كانا جوابا لما في (ليتنا)، وتكون الواو الأولى بمعنى الفاء. # فأما PageV03P1996 # إن كانت الواو على جهتها، ونصبت على الظرف منويا به الحال، فالفعلان ~~متمنيان، والتكذيب للتمني وقع. # ومن قرأ (ولا نكذب) بالرفع، ونصب (ونكون)، فالمعنى: أنهم تمنوا الرد وأن ~~يكونوا من المؤمنين، وأخبروا أنهم لا يكذبون ms0720 بآيات ربهم إن ردوا إلى ~~الدنيا. # قوله {ولو ترى} فعل منتظر، وقوله و {إذ وقفوا}: فعلان ماضيان، وكذلك ~~{فقالوا}، وكلها منتظرة لم تقع. وهو حسن لطيف فصيح، غاية في البلاغة، لأن ~~كل ما هو كائن - ولم يكن بعد - فهو عند الله بمنزلة ما قد كان، لصحة وقوعه ~~على ما أخبر به عنه، ولنفوذ حكم الله به، وتقديره لوقوعه على ما أخبر به، ~~فالكائن وغير الكائن سواء في علم الله. # وقوله {وقفوا} بمعنى: حبسوا، و {على النار} بمعنى " في النار "، بمنزلة ~~قوله: PageV03P1997 # {على ملك سليمان} [البقرة: 102] أي: في ملكه. وقيل: معنى {وقفوا على ~~النار}: أدخلوها، كما تقول: " قد وقفت على ما عندك "، أي: عرفت حقيقته. ~~وقيل: أوها. وقيل: رأوها. وقيل: جازوا عليها. # و {إذ} بمعنى " إذا "، لأنه خبر لا بد أن يكون، فصار بمنزلة ما قد كان. ~~يقال: " وقفت وقفا للمساكين " و " وقفت أنا "، (وقف) دابتك يا رجل. # وحكي عن أبي عمرو أنه قال: ما علمت أحدا من العرب يقول: " أوقفت الشيء " ~~بالألف، إلا أني لو رأيت رجلا في مكان فقلت له: " ما أوقفك ها هنا؟ بالألف، ~~لرأيته حسنا. وفي الآية معنى التعظيم لما هم فيه. PageV03P1998 # قوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون} الآية. # المعنى: بل ظهر لهم في الاخرة من أعمالهم ما كانوا يخفون في الدنيا، {ولو ~~ردوا} إلى الدنيا {لعادوا لما نهوا عنه} أي: (لو وصل) الله لهم دنيا ~~كدنياهم، لعادوا، {وإنهم لكاذبون} فيما أخبروا به عن أنفسهم. فأعلمنا الله ~~- في هذه الآية - أن ما لا يكون، كيف كان يكون، لو كان. وفي هذا دليل على ~~قدم علمه بجميع الأشياء، لا إله إلا هو، لم يزل يعلم ما يكون كيف يكون، قبل ~~كونه بلا أمد. # قوله: {وقالوا إن هي إلا حياتنا} الآية. # أي قال هؤلاء المشركون: ماثم حياة إلا حياة الدنيا، وما ثم بعث بعد ~~الفناء، وهذه حكاية عنهم، وما كانوا يقولون في الدنيا. وقال ابن زيد: هي ~~خبر PageV03P1999 # عنهم أنهم لو ردوا لقالوا ذلك، ولعادوا لما نهوا عنه. ms0721 # وقد كره قوم الوقف على {وما نحن بمبعوثين} لقبح اللفظ بنفي البعث، ولو صح ~~هذا، لكان الوصل كالوقف، ولوجب امتناع القراءة بهذا اللفظ، وهو قول ساقط ~~مردود، فالوقف على {بمبعوثين} جائز حسن عند أهل العربية، ولا شناعة فيه، ~~إنما هو حكاية عن قول المشركين، وقد جهل من منع ذلك واستخف به. # قوله: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق} الآية. # المعنى: ولو ترى يا محمد هؤلاء القائلين: " ما هي إلا حياتنا الدنيا وما ~~نحن بمبعوثين "، إذ حبسوا (على ربهم): أي: على حكم ربهم وقضائه وعدله فيهم، ~~فقيل لهم، أليس هذا الحشر والبعث بعد الممات - الذي كنتم تنكرونه في الدنيا ~~- حقا؟، فأجابوا: بلى وربنا إنه لحق، قال: فذوقوا العذاب الذي كنتم به ~~تكذبون في الدنيا جزاء لكفركم وتكذيبكم. # وقال: {ولو ترى}، فأتى بالمستقبل لأنه أمر ينتظر يوم القيامة، ثم قال: ~~(إذ): و " إذ " لما مضى وانقضى، وقال: (وقفوا) ف {قالوا}، فجاء بفعلين ~~ماضيين قد كانا، PageV03P2000 # وإنما ذلك، لأن (كل ما) أعلمنا الله به أنه سيكون هو كالكائن الواقع، ~~لصدق المخبر بذلك ونفوذ علمه بكونه، فصار كالواقع الكائن، فأتى بلفظ ~~الماضي. # قوله: {قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله} الآية. # المعنى: قد وكس فيه بيعه من باع الإيمان بالكفر. وقيل: المعنى: " قد ~~خسروا أعمالهم وثوابها ". # ومعنى لقاء الله هنا: أنه البعث والنشور اللذان عندهما يكون لقاء الله ~~والمصير إليه. # ويجوز أن يكون معناه: كذبوا بلقاء ثوابه وعقابه - (وقد قيل) في قوله ~~تعالى: {فلا تكن في مرية من لقآئه} [السجدة: 23] أي: في شك من لقاء موسى ~~ربه وتكليمه له -، ولا يكون اللقاء في هذه الآية النظر إلى الله جل ذكره، ~~لأنهم لم يؤمنوا بالبعث، فضلا عن النظر إليه، وإذا لم يؤمنوا بالبعث، فأحرى ~~ألا يؤمنوا بالنظر، لأن البعث يؤدي إلى PageV03P2001 # النظر إلى الله تعالى ذكره، يراه المؤمنون يوم القيامة. # وقد يكون اللقاء بمعنى القرب والنظر في غير هذا. # ويكون اللقاء بمعنى السبب الذي يؤدي إلى اللقاء، مثل هذه الآية، ومنه ~~قولهم: ms0722 " اللهم بارك لنا في لقائك "، يراد به: بارك لنا في الموت الذي يؤدي ~~إلى البعث الذي فيه لقاؤك، وقال الله: {من كان يرجو لقآء الله} [العنكبوت: ~~4] أي: يخاف الموت. # و {بغتة} نصب على الحال، وهو مصدر في موضع الحال عند سيبويه، ولا يقاس ~~عليه غيره. # قوله: {ياحسرتنا على ما فرطنا فيها}: هذا (حين) يرى أهل النار منازلهم من ~~الجنة لو عملوا بعمل أهل الجنة، فيندمون على التفريط / في الدنيا، فيقولون: ~~{يا حسرتنا} أي: تعال يا حسرة، فهذا وقتك وإبانك. # والهاء في (فيها) عائدة على الصفقة، وهي التي ذكرت قبل في قوله: {قد خسر ~~الذين كذبوا بلقآء الله} أي: خسروا ببيعهم الايمان بالضلالة، ومنازلهم في ~~الجنة PageV03P2002 # بمنازلهم في النار، فإذا جاءتهم الساعة، تبين لهم خسران بيعهم، وندموا ~~صفقتهم فقالوا: {ياحسرتنا على ما فرطنا فيها} أي: في الصفقة؟ # ويجوز أن تعود الهاء على {الدنيا} [الأنعام: 29]، لأن فيها كان تفريطهم. # وقوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} أي: " آثامهم وذنوبهم ". وخص " ~~الظهر "، لأن الحمل قد يكون على غيره. # وروي عن عمرو بن القيس الملائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن ~~شيء صورة، وأطيبه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟، فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ~~ريحك وحسن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طال ما ~~ركبتك في الدنيا، فاركبني، أنت اليوم، وتلا PageV03P2003 # {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} [مريم: 85]. # (وإن) الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟. ~~فيقول: لا، إلا أن الله قد قبح صورتك ونتن ريحك. فيقول: كذا كنت في الدنيا، ~~أنا عملك السيء طال ما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك. # وتلا {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم}. ورواه أبو هريرة عن النبي عليه ~~السلام بهذا المعنى، واللفظ مختلف. # وقال السدي: (قوله): {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم}: ليس من رجل ظالم ~~يموت فيدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون منتن الريح، عليه ~~ثياب دنسة حتى يدخل معه في قبره. فإذا رآه قال له: ما ms0723 أقبح وجهك!، قال: ~~كذلك كان عملك قبيحا. قال ما أنتن ريحك!، قال: (كذلك كان) عملك منتنا. قال: ~~ما أدنس ثيابك! (قال كذلك) كان عملك دنسا. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. ~~فيكون معه في قبره. فإذا بعث يوم القيامة قال: إني كنت أحملك في الدنيا PageV03P2004 # باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى ~~يدخله النار، فذلك قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم}. # وروى المقبري عن أبي هريرة في حديث يرفعه قال: " إذا كان يوم القيامة، ~~بعث الله مع كل امرئ مؤمن عمله، ويبعث مع الكافر عمله فلا يرى المؤمن شيئا ~~يروعه ولا شيئا يفزعه ولا يخافه إلا قال له عمله: " أبشر بالذي يسرك، فإنك ~~لست بالذي يراد بهذا ". ولا يرى الكافر شيئا يفزعه ولا يروعه ولا يخافه إلا ~~قال له عمله: " أبشر يا عدو الله بالذي يسوءك، فوالله (إنك) لأنت الذي ~~(يراد بهذا) " ". # وقوله: {ألا سآء ما يزرون} معناه: بئس الشيء يحملون. # قوله: {وما الحياوة الدنيآ إلا لعب ولهو} الآية. # هذه الآية تكذيب للكفار في قولهم: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا} [الجاثية: 24] فأخبر الله تعالى أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وأخبر ~~أن الدار الآخرة خير، على معنى: ولعمل الدار الآخرة خير للذين يتقون، أفلا ~~تعقلون. PageV03P2005 # قوله: {قد نعلم إنه ليحزنك} الآية. # المعنى: أن / (قد) في هذا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء وإيجابه وتصديقه، و ~~(نعلم) بمعنى: " علمنا ". والتقدير: قد نعلم - يا محمد - إنه ليحزنك قولهم ~~إنك كاذب، وإنك ساحر. # {فإنهم لا يكذبونك} جهلا منهم بصدقك، بل أنت - فيما يسرون - صادق، ولكنهم ~~حسدوك فكذبوك، وهم يعلمون أنهم ظالمون لك، وأنك صادق، هذا على قراءة من قرأ ~~بالتشديد. قال أبو عمرو: وتصديقها {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا} [الأنعام: 34]. # ومعنى قراءة التخفيف - عند الفراء والكسائي -: هو من قولهم: " أكذبت ~~الرجل "، إذا أخبرت أنه كاذب فيما قال فقط. و " كذبته ": إذا أخبرت أنه ~~كاذب في كل PageV03P2006 # ما يأتي به. # وحكى أبو عبيدة: " أكذبت الرجل " إذا ms0724 أخبرت أنه جاء بالكذب، و " كذبته " ~~إذا أخبرت أنه كاذب. # وروي أن أبا جهل قال للنبي: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل ~~الله {فإنهم لا يكذبونك}. # ومعنى التشديد - عند غير هؤلاء - فإنهم لا ينسبونك إلى الكذب. ومعنى ~~التخفيف فإنهم لا يجدونك كاذبا، كما يقال: " أحمدت الرجل "، إذا أصبته ~~محمودا. PageV03P2007 # ويكون معنى التخفيف (أيضا): لا يبينون عليك أنك كاذب، يقال: " أكذبته "، ~~إذا احتججت عليه وبينت (أنه كاذب)، وقال قطرب: " أكذبت الرجل ": دللت على ~~كذبه. # وروي " أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله يوما وهو جالس حزين، فقال له: ~~ما يحزنك؟، فقال: كذبني هؤلاء. فقال له جبريل: {فإنهم لا يكذبونك} هم ~~يعلمون أنك صادق، {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} ". # ويروى أن الأخنس بن شريق الثقفي مر بأبي جهل (بن هشام) يوم بدر، فقال له: ~~يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، (أصادق) هو أم كاذب؟ فأنه ليس هنا من قريش ~~غيري وغيرك يسمع كلامنا؟!، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدا لصادق، وما ~~كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبؤة، PageV03P2008 # فما يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: {فإنهم لا يكذبونك} أي: عن يقين. # وقيل معناه: فإنهم لا يكذبونك ولكن يكذبون ما جئت به، (وروي أن أبا جهل ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك، ولكن نتهم الذي جئت به). # قوله: {ولقد كذبت رسل} الآية. # وهذه (الآية) تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، أعلم أنه قد حل برسل من ~~قبله مثل ما حل به، فصبروا على التكذيب والأذى، فاصبر أنت يا محمد كما ~~صبروا حتى يأتيك الصبر كما أتاهم. # (قوله): {ولا مبدل لكلمات الله} أي: لما سبق في علمه، لا بد أن يكون. # {ولقد جآءك من نبإ المرسلين} أي: أتاك (نبأهم) أنهم كذبوا وأوذوا فصبروا PageV03P2009 # حتى أتاهم النصر. # قوله: {وإن كان كبر عليك إعراضهم} الآية. # المعنى: وإن كان يا محمد عظم عليك إعراض هؤلاء المشركين عنك وعن تصديقك، ~~فلم تصبر، فعظم عليك أن يعرضوا إذ سألوا ms0725 أن تنزل عليهم ملكا، {فإن استطعت ~~أن تبتغي نفقا في الأرض} أي: سربا فتذهب فيه، {أو سلما في السمآء} تصعد ~~فيه، - (في) بمعنى " إلى " -، {فتأتيهم بآية}، فافعل. # (و) السلم: المصعد هو مشتق من السلامة، كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد. ~~وجواب الشرط هنا محذوف، المعنى فافعل ذلك. # قوله: {ولو شآء الله لجمعهم على الهدى}. # أي على كلمة الحق، لفعل، ولكنه لم يفعل لسابق علمه أنه يهدي من PageV03P2010 # يشاء ويضل من يشاء، فليس الاهتداء بفعل للعبد، بل هو لله، يوفق من يشاء ~~ويخذل من يشاء. # {فلا تكونن من الجاهلين} أي: ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى ~~جميع خلقه، وهذا يدل على رد (قول) من زعم أن ليس عند الله لطف يوفق به ~~الكافر حتى يؤمن. # وقيل: معنى الخطاب لأمة محمد، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين. ومثله في ~~القرآن كثير. # قوله: {إنما يستجيب الذين يسمعون} الآية. # المعنى: أن الله أعلم نبيه أنه إنما يستجيب لدعائه الذين فتح الله ~~أسماعهم إلى سماع الحق، وسهل لهم اتباع الرشد. # {والموتى يبعثهم الله} أي: والكفار الذين هم عدد الموتى يبعثهم الله في ~~عدد PageV03P2011 # الموتى الذين لا يسمعون صوتا ولا يعقلون قولا، {ثم إليه يرجعون} في ~~القيامة. # و {يسمعون} تمام عند الجميع. # وقال الحسن: المعنى: أن الكفار مثل الموتى، والله يوفق منهم من يشاء إلى ~~الإيمان فيكون ذلك بعثهم من موتهم. # {ثم إليه يرجعون} يوم القيامة. # وقال مجاهد: معناه: حين يبعثهم الله {يسمعون} يعني الكفار، أي: إذا وفقهم ~~الله يسمعون. # قوله: {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه} الآية. # أي قال هؤلاء العادلون بالله غيره: هلا نزل على محمد آية، أي: علامة، قل ~~يا محمد: {إن الله (قادر على) أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: لا ~~يعلمون أن الله إنما ينزل ما فيه الصلاح لعباده. PageV03P2012 # قوله: {وما من دآبة في الأرض} الآية. # المعنى: أنه ليس طائر يطير ولا دابة إلا وقد أحصى الله عملها وآثارها ~~وحركاتها، فهي تتصرف - كما يتصرفون - فيما ms0726 سخرت له، ومحفوظا عليها ما عملت ~~من عمل، لها وعليها، حتى يجازى (به) يوم القيامة، لم تخلق عبثا، فمن أحصى ~~أعمال الطير وجميع البهائم هو قادر على إحصاء أعمالكم وتصرفكم أيها ~~العادلون بالله. # ومعنى {إلا أمم أمثالكم} أي: يعرفون الله ويعبدونه. # والأمم: الأجناس. # وقال ابن جريج: {أمم أمثالكم} أي: " أصناف مصنفة تعرف بأسمائها ". # قال أبو هريرة: ما من دابة في الأرض ولا طائر إلا سيحشر يوم القيامة ثم ~~يقتص PageV03P2013 # لبعضها من بعض، حتى (يقتص للجماء) من ذات القرن، ثم يقال لها: كوني ~~ترابا، فعند ذلك {ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا} [النبأ: 40]. وإن شئتم ~~فاقرأوا: {وما من دآبة في الأرض (ولا طائر) يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} ~~إلى {يحشرون}. # ومعنى: {يطير بجناحيه} - وقد علم أنه لا يطير إلا بهما -: أن هذا كلام ~~جرى على عادة العرب في لغاتها في التأكيد فخوطبوا بما يعلمون أنه مستعمل ~~عند العرب، ((تقول العرب): " مشيت إليه برجلي " و " كلمته بفمي " فوكد ~~الطيران ((بقوله)): (بجناحيه) على ذلك. # وقيل: لما كانت العرب تستعمل لفظ " الطيران " في غير الطائر، فتقول لمن ~~ترسله في حاجة: " ط~ر في حاجتي "، تريد " أسرع ". ويقولون: " كاد الفرس ~~يطير " إذا أسرع في جريه، فيعبرون بالطيران عما ليس له جناحان، ففرق PageV03P2014 # بذكر الجناحين بين المعنيين. # ويكون " الطائر " عمل الإنسان اللازم له من خير وشر، ويكون " الطائر " من ~~السعد والنحس، كقوله: {طائركم عند الله} [النمل: 47]، فبين في الآية /. أنه ~~الطائر الذي يطير بجناحيه، لا غير. # وقيل: معنى {(إلا أمم) أمثالكم} أي: خلقهم ودبرهم ورزقهم وكتب آثارهم ~~وآجالهم كما فعل بكم. # (و) قوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} أي: قد دللنا على كل شيء من أمر ~~الدين في القرآن، إما دلالة مشروحة، وإما جملة. # قال ابن عباس: " ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم الكتاب "، يعني اللوح ~~المحفوظ مما يكون وكان. PageV03P2015 # وقيل: المعنى: أن آثار هذه الأمم وآجالها وأرزاقها، كل مكتوب عند الله، ~~فلم يفرط فيه في الكتاب الذي عنده، كل مكتوب فيه. # ف (الكتاب) ms0727 على هذا القول والذي قبله: هو اللوح المحفوظ و (الكتاب) في ~~القول الأول: هو القرآن. # وروي أن النبي عليه السلام قال: " إن الله قد حد حدودا فلا تنتهكوها، وسن ~~سننا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء - لم يدعها نسيانا، كانت رحمة من الله - ~~فاقبلوها ". # وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: " الأمور ثلاثة - يا ابن عباس - أمر ~~بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيه فاجتنبه، وأمر غاب عنك فكله إلى الله ~~عز وجل ". # وقيل المعنى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} مما يحتاجون إليه، يعني ~~القرآن. وقوله {ثم إلى ربهم يحشرون} قال ابن عباس: " موت البهائم: حشرها ". ~~قال الفراء: PageV03P2016 # " حشرها: موتها، ثم تحشر مع الناس فيقال لها: كوني ترابا، فعند ذلك يتمنى ~~الكافر أنه كان ترابا ". وقيل: الحشر هنا: الجمع يوم القيامة. # و" روي أن عنزين انتطحا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدرون فيما ~~انتطحا؟، قالوا: لا ندري. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما " ". # قوله: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم} الآية. # المعنى: أن الله تعالى أعلمنا أن الكافرين بآيات الله {صم} عن سماع ~~الهدى، {وبكم} عن قول الحق، {في الظلمات} أي: في الكفر، وذلك أنهم لما لم ~~ينتفعوا بما سمعوا ولا قالوا ما ينتفعون به، كانوا بمنزلة الصم والبكم، ثم ~~أخبر تعالى أنه المضل لمن يشاء من خلقه عن الإيمان، وأنه يهدي من يشاء إلى ~~الحق والصراط المستقيم، كل ذلك قد تقدم (في) علمه. # والتمام عند بعضهم: {في الظلمات}. # قوله: {قل أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله} الآية. PageV03P2017 # حكى أبو (عبيد) عن ورش في " أرايت " و " أرايتكم " أنه يحقق الأولى، ~~ويسقط الثانية ويعوض منها ألفا. فمن أجل هذه الرواية رواه جماعة عن ورش ~~بالمد. والذي عليه أهل العربية أنه يسهل الثانية فيجعلها بين الهمزة ~~والألف، فلا يقع فيه إشباع مد. وقد قرأنا فيه لورش بالمد على القول الأول. PageV03P2018 # واختلف في الكاف: فقال البصريون: لا موضع لها من الإعراب، وإنما هي ~~للمخاطبة. # وقال الكسائي: هي في موضع نصب لوقوع الرؤية عليها، ms0728 والمعنى: أرأيتم ~~أنفسكم. # وقال الفراء: هي في موضع رفع، لأنه لم يرد أن يوقع فعل الرجل على نفسه، ~~لأنه يسأل عن غيره. # وفرق الكسائي بين (رؤية) القلب والعين: فأسقط الهمزة من رؤية القلب، (لأن ~~رؤية القلب) معناها: أخبروني عن كذا. وليس ذلك في رؤية العين. ففرق - بطرح ~~الهمزة - بين المعنيين، وهو خطاب للكفار. PageV03P2019 # / ومعنى الآية: أخبروني أيها العادلون بالله غيره إن أتاكم عذاب الله، ~~كالذي جاء من كان قبلكم من الامم الظالمة، أو جاءتكم الساعة فبعثتم للعرض، ~~أغير الله تدعون في ذلك الوقت إن كنتم محقين في دعواكم أن آلهتكم تنفع ~~وتضر. # قال: {بل إياه تدعون} الآية. # أي إليه تستغيثون، {فيكشف ما تدعون إليه إن شآء} (أي) فيكشف الضر الذي من ~~آجله دعوتم. {وتنسون ما تشركون} أي: تنسون شرككم إذا أتاكم العذاب. فقوله: ~~{إن شآء} مشيئة قدرة، و (هو لا يشاء أن يكشف) عنهم العذاب عند نزوله، ~~(لقوله): {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} [غافر: 85]. # قوله: {ولقد أرسلنآ إلى أمم} الآية. # (هذه الآية) تحذير للعادلين بالله غيره أن يتمادوا على ظلمهم فيهلكهم ~~الله بالبأساء والضراء، كما أهلك من كان قبلكم حين كذبوا الرسل. والبأساء: ~~شدة PageV03P2020 # الفقر والضيق في المعيشة، والضراء: الأسقام والعلل في أجسامهم. # وقيل: البأساء: الجوع والفقر، والضراء: نقص الأموال والأنفس. وقال ~~القتبي: " (البأساء): الفقر وهو البؤس، والضراء: البلاء ". # وفي الكلام حذف، تقديره: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا، فكذبوهم، ~~فأخذناهم. # ومعنى {لعلهم يتضرعون} أي: ليكونوا على رجاء من التضرع، هذا مذهب سيبويه. ~~والتضرع: التفعل من الضراعة، وهو الذل والاستكانة. # قوله: {فلولا إذ جآءهم بأسنا} الآية. # " المعنى: فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا "، أخبر الله عز وجل عنهم أنهم قد ~~بلغ PageV03P2021 # (منهم - من القسوة -) ما تركوا التضرع معها، والطلبة عند اتيان العذاب. ~~وتحقيق المعنى: لعلهم يتضرعون فلم يتضرعوا، {فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا} ~~فيصرف عنهم العذاب. {ولكن قست قلوبهم} أي: أقاموا على التكذيب وأصروا عليه ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم. # قوله: {فلما نسوا ما ذكروا به} الآية. # المعنى: فلما ms0729 تركوا العمل بما أمروا به على ألسن الرسل. # وقوله: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي: استدرجناهم بالنعم التي كنا ~~متعناهم إياها. # روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب ~~وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج " ثم نوع بهذه الآية {فلما نسوا ما ~~ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} (إلى قوله {رب العالمين}. PageV03P2022 # ومعنى: {أبواب كل شيء} أي: كل شيء) كان قد أغلق عنهم من الخير، جعل مكان ~~الضراء الصحة والسلامة، ومكان البأساء الرخاء والسعة، حتى إذا فرحوا بما ~~فتح عليهم من النعيم والصحة اللذين كانا قد أغلق عنهم، {أخذناهم بغتة} أي: ~~أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا يعلمون. # قال ابن جريج: أخذوا أعجب ما كانت الدنيا إليهم. # {فإذا هم مبلسون} قال السدي: معناه، هالكون قد انقطعت حجتهم، نادمون على ~~ما سلف منهم. # وقال بعض (أهل) اللغة: معنى {فرحوا بمآ أوتوا}: ظنوا أنهم إنما أوتوا / ~~ذلك استحقاقا، قال: والمبلس: الشديد الحسرة الحزين. PageV03P2023 # قال ابن زيد: الإبلاس أشد من الاستكانة. # وروي عن النبي عليه السلام (أنه) قال: " إذا رأيت الله يعطي عبده في ~~دنياه، فإنما هو استدراج "، يعطي: يوسع عليه دنياه وهو لا يقلع عن المعاصي، ~~يدل على ذلك الحديث الذي بعده، " ثم تلا هذه الآية {فلما نسوا ما ذكروا به} ~~الآية. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا رأيت الله يعطي العباد ما يشاءون ~~على معاصيهم إياه، فإنما ذلك استدراج منه لهم "، ثم تلا الآية. # وقيل: الإبلاس: انقطاع الحجة والسكون. # وقيل: هو الندم والحزن على الشيء يفوت. # وقيل: هو الخشوع. وقال القتبي: " (مبلسون): يائسون ". # قوله: {فقطع دابر القوم (الذين ظلموا)} الآية. PageV03P2024 # المعنى: فاستؤصل القوم الذين ظلموا، فلم يبق منهم أحد إلا هلك بغتة. ~~والدابر: الآخر. وإذا قطع دابرهم فقد قطعوا، ولأن الآخر لا يوصل إليه إلا ~~بعد أول. # {والحمد لله} أي: الثناء التام لله على نعمه على رسله وأهل طاعته بإظهار ~~حجتهم على من خالفهم من أهل الكفر. # قوله: {قل أرأيتم إن أخذ ms0730 الله سمعكم} الآية. # روى ابن (عامر) عن أصحابه عن ورش: (به انظر) بالضم للهاء، وكذلك روى ابن ~~سعدان عن (المسيبي)، وهي قراءة PageV03P2025 # الأعرج، أتوا بالهاء على أصلها، وهو الضم. وإنما كسرت - في قراءة الجماعة ~~- لأجل كسرة الباء قبلها، لئلا يخرج من كسر إلى ضم، وذلك ثقيل. # وقيل: إنما كسرت الهاء، لأنه ليس في الكلام " فعل "، والضم هو الأصل. # والمعنى: {قل} يا محمد لهؤلاء العادلين بالله الأوثان: {قل أرأيتم إن أخذ ~~الله سمعكم وأبصاركم}، فذهب بها، {وختم على قلوبكم}، أي: طبع عليها، فلا ~~تسمعون ولا تبصرون ولا تعقلون، من معبود غير الله يرد عليكم ما ذهب ~~(عنكم)؟، وهذا (تعليم من الله) لنبيه الحجة على المشركين. ثم قال لنبيه: ~~انظر: PageV03P2026 # كيف نصرف (لهم) الآيات أي: كيف نتابع لهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال، ثم ~~هم - مع ذلك - يصدفون، أي: يعرضون قاله مجاهد وجماعة معه. وقال ابن عباس: ~~يعدلون. وقال السدي: يصدون. # وقوله: {يأتيكم به}: الهاء تعود على السمع، وقيل: المعنى: يأتيكم بما أخذ ~~منكم من السمع والأبصار، فوحدت الهاء لأنها مكان " ما "، وقيل: الهاء كناية ~~عن الهدى. # {يأتيكم به} تمام عند نافع وغيره. # قوله: {قل أرءيتكم إنأتاكم عذاب الله بغتة} الآية. # المعنى: قل يا محمد لهم: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة، أي: فجأة PageV03P2027 # على غرة، أو أتاكم جهرة، أي: وأنتم تجاهرونه، أي: تعاينونه، {هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون} أي: (لا) يهلك الله منا ومنكم إلا من ظلم فعبد من (لا) ~~يستحق العبادة، وترك عبادة من يستحق العبادة. # قوله: {وما نرسل المرسلين إلا (مبشرين)} الآية. # المعنى: أن الله أعلمنا أنه إنما يرسل الرسل مبشرين أهل الطاعة بالجنة ~~والفوز، ومنذرين أهل الخلاف والكفر بالنار على فعلهم، لم يرسلهم ليقترح ~~عليهم الآيات بل تصحبهم منها ما يدل على صدقهم مما يريد الله، {فمنءامن} ~~أي: صدق بالرسل، {وأصلح} أي: (عمل) صالحا في الدنيا، {فلا خوف عليهم} PageV03P2028 # في الآخرة ولا حزن. # / قوله: {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} الآية. # قرأ يحيى بن وثاب {يفسقون} بكسر السين، لغة معروفة. ms0731 وقرأ الحسن والاعمش ~~{العذاب بما} بالإدغام. # وقال ابن زيد: " كل " فسق " في القرآن فمعناه: الكذب ". # والمعنى: والذين جحدوا ما جاءتهم به رسلهم يمسهم العذاب في الآخرة ~~بتكذيبهم الرسل. # قوله: {قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله} الآية. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله: لست أقول لكم عندي خزائن الله ~~أي: لست أقول: إني أنا الرب الذي بيده خزائن السماوات والأرض، ولست أعلم ~~الغيب الذي لا يعلمه إلا الرب، {ولا أقول لكم إني ملك}، لأنه لا ينبغي لملك ~~أن يكون ظاهرا بصورته لأبصار البشر في الدنيا فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك، ~~{إن أتبع}: PageV03P2029 # (أي ما أتبع)، {إلا ما يوحى إلي}. # و (كل هذا) تنبيه من الله لنبيه على مواضع الحجة على مشركي قريش. ثم قال: ~~قل (لهم) يا محمد: هل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به. # و {الأعمى}: الكافر: لأنه عمي (عن) حجج الله. و {البصير}: المؤمن، لأنه ~~أبصر حجج الله وآياته، فاهتدى بها، {أفلا تتفكرون} فيما أقول لكم. # وقيل: المعنى: لا أقول لكم عندي خزائن الله التي فيها العذاب، لقولهم: ~~{ائتنا بعذاب الله} [العنكبوت: 29]. # قوله: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا} الآية. # هذه الآية أمر من الله للنبي أن ينذر بالقرآن الذين يخافون الحشر والحساب ~~والعقاب وقد صدقوا به وآمنوا. واختص هؤلاء، لأن الإنذار ينفعهم، PageV03P2030 # إذ هم قابلوه ومصدقوه. # والخوف: بمعنى العلم، أي: يعلمون ذلك ويتيقنونه، وقد أرسل النبي عليه ~~السلام لإنذار الخلق كافة. # وقوله: {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع}: هذا رد لقول اليهود والنصارى: ~~{نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18]. # قوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم (بالغداة والعشي)} الآية. # قوله: {فتكون من الظالمين}: جواب النهي، و {فتطردهم} جواب النفي. ~~والتقدير: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}، فتكون ~~من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم: آخر الكلام لأوله، وأوسطه ~~لأوسطه. PageV03P2031 # وهذه الآية نزلت في سبب جماعة صحبوا رسول الله - من ضعفاء المسلمين - ~~فقالت قريش للنبي - وعنده صهيب وعمار بن ياسر وبلال وخباب، ms0732 ونحوهم من ~~الضعفاء -: يا محمد، رضيت بهؤلاء (من قومك، أهؤلاء) {من الله عليهم من ~~بيننآ} [الأنعام: 53]، أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟، اطردهم، فلعلك إن طردتهم أن ~~نتبعك، فنزلت هذه الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية. # وروي عن خباب أنه قال: جاء ناس من المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم ~~جالس مع بلال وصهيب وخباب وعمار في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما ~~رأوهم حوله حقروهم، فأتوا فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا ~~به العرب PageV03P2032 # فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، ~~فإذا جئناك فأقصهم، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال نعم. فقالوا: ~~فاكتب (لنا عليك) / بذلك كتابا. قال: فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالصحيفة ودعا عليا ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله: ~~{ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية، ثم قال له: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} ~~[الأنعام: 53] الآية، ثم قال (له): {وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل ~~سلام عليكم} [الأنعام: 54] الآية. فألقى النبي الصحيفة من يده، ثم دعانا ~~فأتيناه وهو يقول: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54]، فكنا نقعد ~~معه، فإذا أراد أن يقوم PageV03P2033 # تركنا، فأنزل الله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه} [الكهف: 28] (الآية)، فكان رسول الله يقعد معنا بعد ذلك، فإذا ~~بلغ الساعة التي يقوم فيها، (قمنا) وتركناه حتى يقوم. # وقال الفضيل في هذه الآية: جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~إنا قد أصبنا من الذنوب، فاستغفر لنا، فأعرض عنهم، فأنزل الله عز وجل: { ~~وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا} [الأنعام: 54] الآية. # وقيل: إنما أراد المشركون أن يطرد النبي صلى الله عليه وسلم الفقراء، ~~(فيحتجوا عليه إذ لم يتبعه الفقراء، ويقولوا: إن أتباع النبي الفقراء). ~~فعصمه الله مما أرادوا به. PageV03P2034 # وقال الكلبي: (أبو طالب) عم النبي (هو الذي) قال للنبي: اطرد فلانا ~~وفلانا. وإن ناسا من أصحاب النبي قالوا: يا رسول الله، صدق عمك فاطرد عنا ~~سفلة ms0733 الموالي. فعاتبهم الله في الآية الأولى، فجاءوا يعتذرون من قولهم " ~~أطردهم "، فأنزل الله {وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} # [الأنعام: 54]. # ومعنى: {يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال مجاهد: (هي) " الصلاة المفروضة: ~~الصبح والعصر ". وقال ابن عباس: هي الصلوات المفروضة الخمس، وقاله الحسن. ~~وكذلك قالوا كلهم في قوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي} [الكهف: 28]. # وقال قتادة والضحاك: هي صلاة الصبح والعصر. وعن ابن عمر قال: يشهدون ~~المكتوبة. PageV03P2035 # وقيل: معنى - الدعاء - هنا -: ذكرهم الله غدوة وعشيا. وقيل: الدعاء هنا: ~~العبادة. وقيل: هو إقراء القرآن. # وقال الحسن: يعني الصلاة التي فرضت بمكة: ركعتان غدوة وركعتان عشية، وهذا ~~قبل أن تفرض الصلوات الخمس. وقال عمرو بن شعيب: هما صلاة الصبح وصلاة ~~العصر. وقد قيل: إنهم القصاص. وأنكر ذلك جماعة من الصحابة والتابعين. # وروي أنهم سألوا النبي أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول. # والتمام هنا: {فتكون من الظالمين}، لأنه جواب النهي، وقد قيل: {فتطردهم} ~~تمام، وليس بجيد. # قوله: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} الآية. PageV03P2036 # المعنى: وكذلك ابتلينا بعضهم ببعض)، أي: جعل بعضا فقيرا، وبعضا غنيا ~~وبعضا ضعيفا، وبعضا قويا، فأحوج بعضهم إلى بعض اختبارا منه لهم. # قال ابن عباس: قال الأغنياء للفقراء: {أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ} ~~فهداهم؟، استهزاءا منهم وسخريا. # ومعنى اللام: أنه لما آل عاقبة أمرهم إلى هذا القول، صاروا كأنهم إنما ~~احتبروا (ليقولوا)، بمنزلة {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} ~~[القصص: 8]. # (و) قوله: {بأعلم بالشاكرين} أي: الموحدين. # قوله: {وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا} الآية. # هذه الآية عني بها الذين تقدم / ذكرهم في النهي عن طردهم. وقيل: عنى بها ~~قوما أصابوا ذنوبا عظاما، فاستفتوا النبي فيها، فلم يؤيسهم الله من PageV03P2037 # رحمته. وقيل: عنى بها قوما من المسلمين كانوا قد أشاروا على النبي بطرد ~~الذين نهى الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فاعتذروا من ذلك، فأخبروا ~~في الآية أنه من تاب قبل منه، هذا على قول عكرمة وابن زيد. # ومعنى {سواءا بجهالة} أي: من عمل ذنبا وهو جاهل ms0734 به. # ومعنى {كتب}: أوجب ذلك وقيل: " كتب في اللوح المحفوظ ". # والوقف فيها مفهوم، لا يحسن أن يبتدأ ب (أن) وهي مفتوحة، ولا بالفاء في ~~(فإنه)، كسرت (أن) أو فتحتها، وتبتدئ ب (إن) إذا كسرتها، PageV03P2038 # وهي الأولى فاعلم. # قوله: {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين} الآية. # المعنى: و (كما) فصلنا لك يا محمد ما تقدم، نفصل (لك) الأعلام والحجج ~~الدالة علينا فيظهر لك طريق المجرمين، وتعلم باطل ما هم عليه. # واللام متعلقة بفعل محذوف دل عليه (نفصل). والمعنى: لتستبين سبيل ~~المجرمين (فصلناها، وهذا خطاب للنبي والمراد به أمته، والمعنى: ولتستبينوا ~~سبيل المجرمين)، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عالما بطريقهم، ~~وأنهم على باطل. هذا على قراءة من نصب " السبيل ". PageV03P2039 # فأما من رفع، ففي الكلام حذف، والمعنى: ولتستبين سبيل المجرمين ~~(والمؤمنين) فصلناها. # ومعنى: {نفصل الآيات} نأتي بها متفرقة شيئا بعد شيء لتفهم على مهل. # قوله: {قل إني نهيت أن أعبد} الآية. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: إني نهيت أن أعبد أصنامكم الذين ~~تقولون إنها تقربكم إلى الله زلفى، ولا أتبع أهواءكم التي عبدتم بها ما لا ~~يجوز أن يعبد، {قد ضللت إذا} أي: قد ضللت إن عبدتها، {و (مآ أنا) من ~~المهتدين}، أي: من المتبعين الهدى إن فعلت ذلك. # قوله: {قل إني على بينة من ربي} الآية. # المعنى: {قل}: لهم يا محمد: {إني على بينة من ربي}: أي: حجة ظاهرة، وهي ~~النبوة PageV03P2040 # قد ظهرت لي. # وكذبتم أنتم به: أي: بربكم. وقيل: بالقرآن. وقيل: بالبيان وقيل: بالعذاب. # {ما عندي ما تستعجلون به} يريد من النقم والعذاب الذي تقترحون به، أي ليس ~~ذلك بيدي، ما الحكم إلا لله في عذابكم وإمهالكم. # {يقص الحق} أي: يقضي القضاء الحق، {وهو خير الفاصلين} أي: الحاكمين. PageV03P2041 # وفي قراءة عبد الله: (وهو أسرع الفاصلين). # {وكذبتم به} وقف، {تستعجلون به} وقف. # قوله: {قل لو أن عندي ما تستعجلون به} الآية. # المعنى: {قل} يا محمد لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب: {أن عندي ما ~~تستعجلون به} من العذاب، لجئتكم به، فيقضى الأمر ms0735 بيني وبينكم، ولكن ذلك بيد ~~الله، وهو أعلم بالظالمين، أي: متى يهلكهم. # وقيل: معنى {لقضي الأمر بيني وبينكم}: لذبح الموت، قاله ابن جريج، يريد ~~به معنى قوله: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} [مريم: 38]. # يروى " أن أهل الجنة والنار إذا استقر كل واحد في موضعه، أتي بالموت في PageV03P2042 # صورة / ما شاء الله فيذبح بمرأى من الجميع، ويقال: يا أهل الجنة خلود لا ~~موت، ويا أهل النار خلود لا موت " هذا معنى الحديث لا لفظه. فهو الذي قال ~~النبي لهم: {لقضي الأمر}، وهو التفسير في قوله {وأنذرهم يوم الحسرة} [مريم: ~~38]. # {وبينكم} وقف حسن. # قوله: {وعنده مفاتح الغيب} الآية. # واحد المفاتح: مفتح، بكسر الميم وفتحها، والمعنى: وعند الله خزائن الغيب. # قال ابن عباس: مفاتح الغيب خمس في آخر " لقمان ": {إن الله عنده علم ~~الساعة} [لقمان: 34] PageV03P2043 # إلى {خبير} [لقمان: 34]. # وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا ~~الله: ما تغيض الأرحام، وما في غد، ومتى يأتي المطر، وما تدري نفس ماذا ~~تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت " ورواه ابن عمر عن النبي عليه ~~السلام. # {إلا هو}: تمام. # وقوله: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها}: أي: ما تسقط من ورقة في الصحاري ~~والبراري والأمصار والقرى إلا الله يعلمها، {ولا حبة في ظلمات الأرض} أي: ~~بطون الأودية، ولا رطبها ولا يابسها، {إلا في كتاب مبين} وهو اللوح ~~المحفوظ، مرسوم فيه عدده ووقته في اخضراره ويبسه وسقوطه. وكل ذلك عن علم ~~الله غير خارج، وإنما أثبتت في اللوح امتحانا لحفظة الخلق. فقد روي أنهم ~~مأمورون بكتابة PageV03P2044 # أعمال العباد، ثم يعرضها على ما أثبته تعالى في اللوح المحفوظ. # قال عبد الله بن الحارث: ما في الأرض (من) شجرة ولا مغرز إبرة إلا عليها ~~(ملك) موكل يأتي الله بعلمها: يبسها إذا يبست، ورطوبتها إذا رطبت. # وقيل: المعنى في كتبها: أنه لتعظيم الأمر، فمعناه: اعلموا أن هذا الذي ~~ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف ما فيه ثواب وعقاب؟ # قوله: {وهو الذي ms0736 يتوفاكم} الآية. # المعنى: قال لهم يا محمد: إن الله أعلم بالظالمين، وإن الله عنده مفاتح ~~الغيب، وإن الله هو الذي يتوفاكم، (أي): يقبض أرواحكم من أجسادكم PageV03P2045 # بالليل، {ويعلم ما جرحتم بالنهار}: أي: ما اكتسبتم من الأعمال بالنهار. # وأصل الاجتراح: عمل الرجل بجارحة من جوارحه: يده أو رجليه، فكثر ذلك حتى ~~قيل لكل مكتسب (شيئا بأي أعضاء جسمه كان: " (مجترح) "، ولكل مكتسب) عملا: " ~~جارح ". # ومعنى: التوفي: استيفاء العدد # وقوله: {ثم يبعثكم فيه} أي يوقظكم من منامكم في النهار. # الهاء في (فيه) تعود على " النهار "، لأن الإنسان يتمادى به النوم حتى ~~يصير في النهار فينتبه، فلذلك بعثه. وقال ابن جبير: (يبعثكم فيه): في ~~المنام. PageV03P2046 # {ليقضى أجل مسمى}: أي: ليقضي الله الأجل (الذي سماه لحياتكم، ثم يأتي ~~الموت الذي مرجعكم منه إلى الله)، فينبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا. # و {أجل مسمى}: الموت. {ثم إليه مرجعكم} بعد الموت. # قوله: {وهو القاهر فوق عباده} الآية. # المعنى: وهو الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته، قد قهرهم بالموت، ليس ~~كأصنامهم (المقهورة)، المذللة، المعلو عليها، {ويرسل عليكم حفظة} هي ~~الملائكة، يتعاقبون بالليل والنهار، يحفظون أعمال العباد ويكتبونها، لا ~~يفرطون في إحصاء ذلك، ويحفظونه مما لم يقدر عليه، فإذا جاء أحدهم الموت، ~~توفته الرسل التي تقبض الأرواح، وقابض الأرواح هو ملك الموت، / إلا أن الله ~~جعل له أعوانا، فهم PageV03P2047 # يقبضون (الأنفس) بأمر ملك الموت، فلذلك قال: {توفته رسلنا}، ولم يقل: " ~~رسولنا ". # قال ابن عباس: " لملك الموت أعوان (من الملائكة) ". # قال قتادة: تلي الملائكة قبض النفس وتدفعها إلى ملك الموت. # وقال الكلبي: ملك الموت يتولى، ثم يدفع النفس إلى ملائكة الرحمة إن كان ~~مؤمنا، وإلى ملائكة العذاب إن كان كافرا. # قال مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت (مثل الطست)، يتناول من حيث شاء، وجعلت ~~له أعوان يتولون ذلك، ثم يقبضها هو منهم. قال مجاهد: " ما من PageV03P2048 # أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرتين ". # وروى (البراء) بن عازب أنه سمع النبي عليه السلام يقول: " إذا كان ms0737 العبد ~~عند انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه (ملائكة من السماء)، بيض ~~الوجوه كأن وجوههم الشمس (حتى يقعدوا) منه مدى البصر، ويجيء ملك الموت معهم ~~حتى (يقعد) عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، أخرجي إلى مغفرة (من) الله ~~ورضوان، فتخرج تسيل كما (تسيل القطرة) في السقاء، فيأخذها ملك الموت في ~~يده، فإذا وقعت في يده، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه، ~~فيجعلونها في كفن من الجنة وحنوط، ثم يصعدون بها إلى السماء حتى ينتهوا بها ~~إلى السماء السابعة ". PageV03P2049 # " قال الحسن: (إذا احتضر) المؤمن (احتضره) خمس مائة ملك يقبضون روحه ~~فيعرجون به ". # والأجساد هي التي تموت، فأما الأرواح والأنفس فهي حية عند الله، ودل على ~~ذلك قوله: {فنزل من حميم} [الواقعة: 93]، فلو كانت النفس تموت لم يكن لها ~~نزل، PageV03P2050 # وقوله: {قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا} [المؤمنون: 99 - 100] أي: تقول ~~النفس: أرجعني إلى جسدي لعلي أعمل صالحا، فلو كانت النفس تموت بموت ~~(الجسد)، ما سألت الرجعة. # قال عبد الملك: ولا يقول " إن النفس والروح يموتان بموت الجسد " إلا رجل ~~جاهل بأمر الله، أو رجل منكر للبعث، وقد قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى} ~~[الزمر: 42]، فلو كانت النفس تموت بموت الجسد ما أمسكها، وليس يمسك إلا حي. # قوله: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} الآية. # المعنى: ثم ردت الأنفس إلى الله مولاهم الحق. # وقرأ الحسن (الحق) بالنصب على " أعني ". PageV03P2051 # {ألا له الحكم} أي: القضاء، {وهو أسرع الحاسبين} أي: أسرع من حسب عددكم ~~وأعمالكم وآجالكم، وقيل: معناه: يعلم أعمالكم بلا معاناة، ويحصيها بلا حساب ~~ولا عدد، لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد، فذلك غاية السرعة في ~~المحاسبة. # {الحق} تمام، و {الحك}: تمام. و {مولاهم}: وقف على قراءة الحسن. # قوله: {قل من ينجيكم من ظلمات البر} الآية. # {تضرعا}: مصدر. وقيل: هو حال على معنى: ذوي تضرع. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: من ينجيكم من ms0738 ظلمات البر والبحر، ~~أي: كروبهما، إذا ضللتم وتحيرتم فلم تهتدوا، وأخذتم في الدعاء (تقولون): ~~لئن أنجيتنا، أي: من هذه الظلمات التي / نحن فيها، يفعلون ذلك جهرة PageV03P2052 # و (خفية)، {لنكونن من الشاكرين} أي: من المؤمنين. # ثم قال: (قل) لهم يا محمد: {الله ينجيكم منها} الآية. # أي من الظلمات والهلاك، وينجيكم من كل كرب سوى ذلك فيكشف، {ثم أنتم ~~تشركون} في عبادة ربكم. # قوله: {قل هو القادر على أن يبعث} الآية. # " {شيعا}: نصب على الحال، أو المصدر ". والمعنى: قل لهم يا محمد: الله ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، جزاء لشرككم ~~به بعد إذ (نجاكم مما) أنتم فيه. # والعذاب الذي (هو) من فوقهم: هو الرجم، والذي من تحت أرجلهم: الخسف، قاله ~~ابن جبير ومجاهد والسدي. PageV03P2053 # وقال الفراء {من فوقكم}: المطر والحجارة والطوفان، و {من تحت أرجلكم}: ~~الخسف. # وقال ابن عباس: العذاب الذي (هو) من فوق: أئمة السوء، والذي من أسفل: ~~خدمة السوء وسفلة الناس. # وقال الضحاك: {من فوقكم}: من كباركم، {أو من تحت أرجلكم}: من سفلتكم. # (و) قوله: {أو يلبسكم شيعا} (أي) يخلطكم (فرقا، من " لبست عليه الأمر ": ~~أخلطته فمعناه: يخلطكم) أهواء مختلفة مفترقة. PageV03P2054 # وقال الفراء: {يلبسكم شيعا} أي: ذوي أهواء مختلفة. # وقرأ المدني {يلبسكم} بضم الياء، من " ألبس ". # وقوله: {ويذيق بعضكم بأس بعض} أصل هذا من " ذوق الطعام "، ثم استعمل في ~~كل ما وصل إلى الرجل من حلاوة أو مرارة أو مكروه. # (قال (ابن عباس): يعني بالسيوف. و) قال ابن عباس: " يسلط (بعضكم) على بعض ~~بالقتل ". PageV03P2055 # وقد قيل: إنه عني بهذا المسلمون من أمة محمد. # قال النبي عليه السلام: " إني سألت الله في صلاتي هذه ثلاثا - وأشار إلى ~~صلاة صبح كان قد أبطأ فيها - قال: سألته ألا يسلط على أمتي السنة، ~~فأعطانيه، وسألته ألا يلبسهم شيعا، وألا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيهما ". # وروى جابر أن النبي عليه السلام قال: - " لما نزل عليه {قل هو القادر على ~~أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ms0739 أرجلكم} -: أعوذ بوجهك. فلما نزل ~~{أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض}، قال: هاتان أيسر وأهون ". # قال الحسن قوله: {أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم}: هذا ~~للمشركين {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض}: هذا للمسلمين. # ثم قال: انظر يا محمد {كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون}، أي: يفقهون ما ~~يقال لهم. PageV03P2056 # قوله: {وكذب به قومك وهو الحق} الآية. # المعنى: وكذب يا محمد بما تقول وتخبر - من الوعد والوعيد - قومك، وهو ~~الحق. # فالهاء ترجع إلى القرآن. وقيل: إلى " التصريف "، أي: وكذب بتصريف الآيات ~~قومك. وقيل: ترجع على محمد، أي: وكذب بمحمد قومه، وهو الحق. # ثم قال: {قل} (يا محمد لهم) {لست عليكم بوكيل} أي: بحفيظ ولا رقيب، إنما ~~أنا رسول. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخ هذا آية السيف. ولا يحسن نسخ ~~هذا عند أهل النظر والمعاني، لأنه خبر. PageV03P2057 # وقوله: {لكل نبإ مستقر} أي: لكل خبر قرار يستقر عنده، ونهاية ينتهي إليها ~~فيعلم حقه وصدقه من / كذبه، {وسوف تعلمون} صحة ما أقول لكم، وهو ما أوعدهم ~~به من العذاب، فظهر ذلك يوم بدر. # قال السدي: {وكذب به قومك وهو الحق}، قال: كذبت قريش بالقرآن، وهو الحق ~~". # قال السدي: وأما {لكل نبإ مستقر} فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان ~~يعدهم من العذاب ". # وكان الحسن يتأول ذلك أنها الفتنة التي كانت بين أصحاب محمد بعده. # وقال النحاس: {لكل نبإ مستقر} هو تهديد إما بعذاب الآخرة، وإما بالأمر ~~بالخوف، والمعنى: لكل خبر توعدون به وقت يحدث فيه، وأجل ينتهي إليه فيكون ~~ذلك، والنبأ: الخبر. PageV03P2058 # قوله: {وإذا رأيت الذين يخوضون فيءاياتنا} الآية. # المعنى: وإذا رأيت - يا محمد - المشركين الذين يخوضون في آيات الله، ~~وخوضهم فيها: استهزاؤهم بها وتكذيبهم لها، {فأعرض عنهم} أي: فصد عنهم ~~بوجهك، وقم عنهم حتى يخوضوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله. # (و) قوله: {وإما ينسينك الشيطان}: أي: إن أنساك الشيطان نهي الله لك عن ~~الجلوس معهم في حال استهزائهم، ثم ذكرت ذلك، فقم ms0740 عنهم ولا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين. # قال ابن جريج: كان المشركون يجلسون إلى النبي يستمعون منه، فإذا سمعوا ~~استهزأوا، فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن مجالستهم إذا استهزأوا (إلا أن ~~ينسى)، فإن نسي ثم ذكر، أمر أن يقوم عند التذكر. # قوله: {وما على الذين يتقون من حسابهم} الآية. # المعنى: أنه ليس على من اتقى الله من حساب هؤلاء الخائضين شيء، أي: PageV03P2059 # ليس (عليه) من إثمهم شيء إذا اتقى ما هم فيه. وليس المعنى: ليس عليه شيء ~~من إثمهم إذا جالسهم في حال خوضهم، (إنما المعنى: ليس (عليه) شيء إذا لم ~~يجالسهم في حال خوضهم)، لأن الله قال: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره} [النساء: 140]: أي: حتى يخوضوا في غير الكفر والاستهزاء بآيات الله. # ومعنى: {ولكن ذكرى} أي: إذا ذكرت فقم، {لعلهم يتقون} (أي) الخوض ~~فيتركونه، هذا قول السدي. # وقيل: إن المعنى ليس على الذين يتقون من حسابهم (من) شيء إذا قعدوا ~~إليهم، ثم نسخ ذلك بقوله: {وقد نزل عليكم في الكتاب} [النساء: 140] الآية، ~~روي ذلك عن ابن PageV03P2060 # عباس. ونسخ مثل هذا لا يحسن، لأنه خبر. # قال الكلبي: قال أصحاب النبي: إنا كنا كلما استهزأ المشركون بكتاب الله، ~~قمنا وتركناهم لم ندخل المسجد ولم نطف بالبيت، فرخص الله للمسلمين الجلوس ~~معهم، وأمروا أن يذكروهم ما استطاعوا. # و {ذكرى} في موضع نصب، على معنى: فأعرضوا عنهم ذكرى، وتكون في موضع رفع ~~على معنى: لكن إعراضهم ذكرى لأمر الله. # قوله: {وذر الذين اتخذوا دينهم} الآية. # المعنى: أنه أمر من الله لنبيه أن يترك هؤلاء الذين هذه صفتهم، ثم نسخ ~~ذلك بآية السيف. PageV03P2061 # (و) قوله: {وذكر به} أي: ذكر بالقرآن (كراهة) {أن تبسل نفس بما كسبت}: ~~أي: تسلم (بعملها، غير قادرة على التخلص. # (وقال الزجاج): " والمستبسل: المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص ~~". # وقال الفراء: ترتهن. وقيل: تحبس. وقيل: تفضح، (قاله) ابن PageV03P2062 # عباس. وقيل: تجزى، وهو قول الحسن، وبه قال الأخفش والكسائي. # وأصل الإبسال: التحريم، يقال " أبسلت المكان ms0741 ": حرمته. # فالمعنى: ذكر بالقرآن من قبل / أن تسلم نفس بذنوبها، {ليس لها من دون ~~الله ولي ولا شفيع} يخلصها. # فالهاء في (به) للقرآن. وقيل: على التذكر. وقيل: على الدين، أي: ذكر ~~بدينك. PageV03P2063 # ثم قال: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ} أي: تفد كل فداء لا يقبل منها، ~~قال قتادة والسدي: لو جاءت بملء الأرض ذهبا ما قبل منها. # {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} أي: ارتهنوا بذنوبهم وأسلموا لها، (لهم ~~شراب من حميم) أي: في جهنم، {وعذاب أليم} بما اكتسبوا من الأوزار في ~~الدنيا. # قال ابن عباس: {أبسلوا}: فضحوا. وقال ابن زيد: أخذوا. # قوله: {قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا} الآية. # قرأ ابن مسعود (استهواه الشيطان) وعن الحسن: (استهوته الشياطون بالواو، ~~وهو لحن. PageV03P2064 # ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين، واحتج عليهم، فقل: أندعو من ~~دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا، أي: أندعو خشبا وحجرا لا يقدر على نفع ~~ولا ضر، {ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله} أي: نرجع القهقري، إن فعلنا ~~ذلك - والعرب تقول لكل من لم يظفر بحاجته: " قد رد على عقبيه " فيكون مثلنا ~~كمثل الذي استهوته الشياطين، أي: زينت له هواه، ({حيران} أي) في (حال) ~~حيرته. # {له أصحاب}: أي: لهذا الحيران - الذي على غير محجة - أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى: ائتنا. وهذا مثل ضربه الله لمن كفر بعد إيمانه فاتبع الشياطين من ~~أهل الشرك بالله، وأصحابه - الذين كانوا معه على الهدى - يدعونه إلى الهدى ~~الذي هم عليه، وهو يأبى ذلك. # وقيل: (هو) في أبي بكر (الصديق) رضي الله عنه وزوجته كانا يدعوان ابنهما ~~عبد الرحمن إلى الإسلام. PageV03P2065 # ومعنى {ائتيا}: أطعنا، والمعنى: أن ائتنا. # قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا ديننا واتركوا دين محمد، فقال ~~الله: {قل أندعوا من دون الله} الآية، فمثلكم - إن كفرتم بعد الايمان - ~~كمثل رجل كان مع قوم على طريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين واستهوته في ~~الأرض، وأصحابه على الطريق يدعونه إليهم، يقولون: " ائتنا، فإنا على الطريق ~~"، فأبى أن يأتيهم، والطريق ms0742 هو الإسلام. # وروي عن ابن عباس أن المعنى: أنه مثل لرجل أطاع الشياطين، وحاد عن الحق ~~وله أصحاب على غير هدى يدعونه ويزعمون أن ذلك هو الهدى، فأكذبهم الله وقال: ~~{قل} يا محمد: {إن هدى الله هو الهدى}، وقل: أمرنا كي نسلم لرب العالمين، ~~أي: نخضع له ونطيعه. # {حيران}: تمام عند جميعهم. وقال نصير: {في الأرض} التمام، ورد ذلك PageV03P2066 # عليه، لأن (حيران) منصوب على الحال. # قوله: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} الآية. # {أن} في موضع خفض، عطف على {الهدى} [الأنعام: 71]. أو عطف على (أن) ~~الناصبة للفعل في (نسلم). ويجوز أن تكون في موضع نصب، على حذف الخافض، (و) ~~المعنى: وبأن أقيموا. ويجوز أن تكون في موضع خفض على إضمار ذلك الخافض، ~~والمعنى: وأمرنا بأن أقيموا الصلاة. # {واتقوه} أي: واتقوا رب العالمين الذي إليه تحشرون في الآخرة. # {واتقوه} تمام. # / قوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} الآية. PageV03P2067 # المعنى: والله - الذي أمرتم أن تسلموا له - هو الذي خلق السماوات والأرض ~~بالحق، وهو رب العالمين. # ومعنى {بالحق}: أي: حقا وصوابا، لا باطلا. وقيل: المعنى: خلق السماوات ~~والأرض بكلامه وقوله لهما: {ائتيا طوعا أو كرها} [فصلت: 11]، فالحق هنا: ~~كلامه ودليله. # (قوله): {قوله الحق} الآية. # (ف (الحق)): كلامه، خلق به (الأشياء المخلوقة)، وما خلق به الأشياء فهو ~~غير مخلوق. # وقيل: المعنى: خلقهن (للحق)، يعني المعاد. # و {قوله} مرفوع (ب (يكون))، و (الحق): نعته. وقيل: المعنى: فيكون PageV03P2068 # ما أراد. و {قوله الحق}: ابتداء وخبر. # وقال الفراء: المعنى: ويوم يقول للصور: كن، فيكون، و (قوله): ابتداء و ~~(الحق) خبره. # و {الصور} عند أبي عبيد: جمع صورة. وقيل: هو القرن الذي ينفخ فيه. # وقوله: {يوم ينفخ} بدل من {يوم يقول}. وقيل: العامل فيه: {الحق}. وقيل: ~~العامل فيه {وله الملك}، لأنه يوم لا منازع له في الملك، فلذلك خصه بالذكر، ~~وأن كان هو المالك في كل الأحيان، وهو مثل: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4]. # {عالم الغيب}: رفع على النعت ل {الذي} في قوله: {وهو الذي خلق}. وقيل: PageV03P2069 # {وهو} رفع على إضمار ms0743 مبتدأ. وقيل: هو رفع بالمعنى، والتقدير: ينفخ فيه ~~عالم {الغيب}. # والنفخ في الصور نفختان: واحدة لفناء من كان حيا على الأرض، والثانية ~~لنشر كل ميت، وبذلك أتى القرآن. # وقد تظاهرت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن إسرافيل قد التقم ~~الصور (وحنى) جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ، وأنه قال: الصور قرن ينفخ فيه ". # قال قتادة: ينفخ فيه من الصخرة من بيت المقدس. # والصور قرن فيه أرواح الخلق فينفخ فيه، فيذهب كل روح إلى جسده فيدخل فيه. PageV03P2070 # وروي عن ابن عباس: " أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور " ~~وتكون الآية بمنزلة قول الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومه ... ومعنى {عالم الغيب} أي: يعلم ما يغيب عنكم، ~~{والشهادة} أي: يعلم أيضا ما تشاهدون، {وهو الحكيم} في تدبيره، {الخبير} ~~بأعمالكم. # وقوله: {بالحق}: وقف إن نصبت {و} يوم على معنى: واذكر، و {كن}: تمام، (و) ~~{فيكون} تمام إن رفعت {قوله} بالابتداء، PageV03P2071 # وجعلت {فيكون} للصور، أو على معنى: فيكون ما أراد، و {قوله الحق}: تمام ~~حسن إن جعلت {يوم ينفخ} نصب بقوله: {وله الملك}. (ويقف على {وله الملك}) إن ~~نصبت {يوم ينفخ}، بمعنى: واذكر. و {في الصور} وقف إن جعلت {عالم الغيب} على ~~معنى {هو} فإن جعلته نعتا ل {الذي} - أو على إضمار فعل يدل عليه {ينفخ} -، ~~لم تقف على {الصور}. # وقد قرأ الحسن {عالم} بالخفض على البدل من الهاء في قوله {وله}. # (قوله): {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} الآية. # ألف {أتتخذ} ألف تقرير وتوبيخ، لأنه كان قد علم أنه يتخذها. # والمعنى: واذكر يا محمد - في محاجتك قومك في أصنامهم - حجاج إبراهيم قومه ~~في باطل ما كانوا عليه من عبادة الأصنام، إذ قال لابيه آزر. PageV03P2072 # وآزر: اسم أبي إبراهيم في قول السدي والحسن وغيرهما، وكان رجلا من أهل ~~كوثي من قرية بسواد الكوفة، وهو آزر (و " تارح ")، كما يقال: " إسرائيل " و ~~" يعقوب ". # وقال مجاهد: آزر ليس بأبي إبراهيم، إنما هو / اسم صنم. # وقيل: آزر صفة، وهو " المعوج " في كلامهم، كأن إبراهيم عابه بزيغه ms0744 ~~واعوجاجه، كأنه قال لأبيه ذلك، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه، ذكر PageV03P2073 # ذلك الفراء وغيره. والضم على النداء يحسن على هذا المعنى. # وحكي الزجاج (أن آزر) صفة، معناه: المخطئ، فيحسن أن يكون صفة للأب، كأنه: ~~" قال لأبيه المخطئ ". # ويحسن أن يكون نداء فيضم على معنى: (يا مخطئ في دينه. وبذلك قرأ يعقوب ~~الحضرمي، والحسن قبله. " وقال الضحاك: معنى آزر: شيخ ". # وذكر أبو حاتم عن ابن عباس: (أإزرا تتخذ) بهمزتين: مفتوحة ومكسورة، من ~~غير ألف في (تتخذ)، نصبه (ب (تتخذ)، جعله مفعولا من أجله، يكون مأخوذا من ~~الأزر الذي هو الظهر. # ويجوز أن يكون أصله: " أوزرا "، ثم أبدل من الواو المكسورة همزة PageV03P2074 # " كإشاح ". # وروى غير أبي حاتم بهمزتين مفتوحتين. وقرأ الحسن (آزر) بالرفع على ~~النداء، وهي قراءة يعقوب. وقد قيل: إن رفعه على إضمار مبتدأ. وفي قراءة أبي ~~(يا آزر). # (و) من جعله اسما للصنم: فهو بعيد، لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل (فيه ~~ما) بعده، وفتحه على النعت للأب، أو على البدل، وموضعه خفض. # {إني أراك وقومك في ضلال مبين} بعبادتكم الأصنام، أي: يتبين لمن أبصره ~~(الله) أنه جسور وحيرة عن سبيل الحق. # قوله {لأبيه} وقف على قراءة من رفع (آزر)، أو قرأه بهمزتين. وتقف PageV03P2075 # على (آزر) في قراءة من جعله بدلا أو صفة. # قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} الآية. # الواو والتاء زيدتا في ملكوت للمبالغة في " الملك " وقرأ أبو السمأل: ~~(ملكوت) بإسكان اللام، وهو بعيد عند سيبوبه لخفة الفتحة. # والمعنى: ومثل ما أريناك يا محمد البصيرة في دينك، والحجة على قومك، ~~أرينا إبراهيم ملك السماوات والأرض، {وليكون من الموقنين} أي: وليكون من ~~الموقنين أريناه ذلك. PageV03P2076 # وقيل: ملكوت - هنا - بمعنى ملك. وقيل: بمعنى خلق. وهو بكلام النبط " ~~ملكوتا ". وقيل: ملكوت: معناه آيات. # (وقال السدي): أقيم إبراهيم على صخرة وفتحت له السماوات، فنظر فيهن إلى ~~ملك الله، ونظر إلى مكانه في الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل ~~الأرض، قال: فذلك قوله: {وآتيناه أجره في الدنيا} [العنكبوت: 27]، أي: ms0745 ~~أريناه مكانه في الجنة، وقيل: أجره في الدنيا: الثناء الحسن بعده. # قال عطاء: لما رفع الله إبراهيم في ملكوت (السماوات) والأرض - تعالى الله ~~وجل وعز -، رأى إبراهيم عبدا يزني، فدعا عليه فهلك، ثم رفع فأشرف، فرأى ~~آخر، فدعا عليه فهلك. ثم رأى (آخر) فدعا عليه PageV03P2077 # فنودي: على رسلك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب له، وإني من عبدي على (أحد) ~~ثلاث: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن ~~يتمادى فيما هو فيه، فأنا من ورائه. # وقال الضحاك: (معنى ما) أراه الله من ملك السماوات والأرض: ما أراه من ~~النجوم والشمس والقمر والشجر والجبال والبحار. # قال ابن عباس: فر بإبراهيم من جبار من الجبابرة، فجعل في سرب، وجعل رزقه ~~في أطراف أصابعه، فكان لا يمص أصبعا من أصابعه إلا جعل الله عز وجل فيها ~~رزقا. فلما خرج من ذلك السرب، أراه الله شمسا وقمرا ونجوما وسحابا وخلقا ~~عظيما: فذلك ملكوت السماوات، وأراه الله بحورا وجبالا / وشجرا وأنهارا ~~وخلقا PageV03P2078 # عظيما: فذلك ملكوت الأرض. # قوله: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} الآية. # المعنى: فلما ستر إبراهيم الليل بظلمته، - (يقال: جن الليل (و) (جنه)، ~~وأجن عليه، وأجنه). # {رأى كوكبا}: أي: أبصر. والكوكب: الزهرة. وقال السدي: وهو المشتري. قال ~~ابن عباس: عبد الكوكب حتى غاب، فلما غاب، {قال لا أحب الآفلين}، وكذلك فعل ~~بالقمر والشمس، فلما غابا {ياقوم إني برياء مما تشركون}. PageV03P2079 # وكان بين نوح وإبراهيم: هود وصالح، وكان النمرود في زمن إبراهيم، وكان من ~~خبر إبراهيم مع النمرود: (أن النمرود) - قبل مولد إبراهيم - أتاه أهل ~~النجوم يخبرونه أنه يجدون في علمهم: أن غلاما يولد في قريتك هذه، يقال له " ~~إبراهيم "، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم، في وقت كذا يولد. فلما كان ذلك ~~الوقت، حبس نمرود كل امرأة حبلى عنده إلا أم إبراهيم، فإنه لم يعلم بحبلها ~~لما أراد الله من أمره، فجعل نمرود لا تلد امرأة (غلاما في ذلك الوقت) إلا ~~ذبحه، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق، خرجت ليلا ms0746 إلى مغارة، فولدت فيها ~~إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى ~~بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فنجده حيا يمص أصابعه جعل ~~الله له رزقا فيها. وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر PageV03P2080 # كالسنة، وكانت أمه قالت: (لآزر أبيه): قد ولدت غلاما فمات. فصدقها فلما ~~بلغ إبراهيم في المغارة خمس عشرة، قال لأمه: أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، ~~فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: " إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني ~~وسقاني لربي، ما لي إله " غيره ". ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبا، {قال هذا ~~ربي}، ثم اتبعه ينظر إليه (ببصره) حتى غاب، (فلما غاب)، {لا أحب الآفلين} ~~أي: الغائبين، ثم فعل ذلك بالقمر، ثم بالشمس. ثم أتى إبراهيم أباه آزره ~~وأخبرته (أمه به) فسر (به)، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم ~~يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم قبل مبايعته لهم فيقول: " من ~~يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ " فلا يشتريها منه PageV03P2081 # أحد. فإذا بارت عليه مضى بها إبراهيم إلى نهر، فصوب (فيه) رؤوسها وقال: ~~(اشربي)، استهزاء بقومه، حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه (بها) في قومه من ~~غير أن يبلغ ذلك نمرود. # وقد أنكر قوم من العلماء أن يكون إبراهيم عليه السلام عبد شيئا من ذلك ~~حقيقة، إنما فعل ذلك على وجه التعريض والإنكار لقومه وفعلهم، (لا أنه) ~~(جهل) معبوده حتى عبد الكوكب والقمر والشمس، وكأنه أراهم أن الكوكب والقمر ~~والشمس أضوأ من الأصنام وأحسن، وهي لا تعبد، لأنها آفلة، فترك عبادة ~~الاصنام التي لا ضوء لها ولا حسن ولا بهجة آكد، فكأنه عارض باطلا بباطل على ~~طريق التبكيت لهم، و (القطع) لحجتهم. PageV03P2082 # قال إبراهيم بن عرفة: كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والحجارة، وكانوا ~~يجادلونه، فأراهم من خلق الله / تعالى ما هو أعظم مما يعبدون، فقال: " هذا ~~ربي "، لو كان ربا يعبد من دون الله، لأن هذا أعظم وأعلى مما تعبدون. فلما ~~أفل، قال: لا أحب الآفلين، فأراهم أن الكوكب يغيب إذا ms0747 غلب عليه ضوء النهار، ~~والمعبود لا يكون مغلوبا. # وقيل: بل كان ذلك منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجة عليه ولزوم الفرض ~~له، وتلك حال لا يلزم فيها كفر ولا إيمان. # وقيل: معنى الكلام الإستفهام الذي في معنى الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟، ~~قاله قطرب وغيره، وهو قول ضعيف، لأن الألف إنما تحذف إذا كان في الكلام ما ~~يدل عليها نحو " أم " ونحوها. PageV03P2083 # وقال أبو إسحاق: لم يقل ذلك (على اعتقاد) منه بدلالة قوله: {واجنبني وبني ~~أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35]، وبقوله: {إذ جآء ربه بقلب سليم} [الصافات: ~~84]، أي: سليم من الشرك. وأنما المعنى: هذا ربي على قولكم: (لأنهم كانوا ~~يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ومثله قوله: {أين شركآئي} [النحل: 27، ~~القصص: 62، 74، فصلت: 47] المعنى: أين شركائي على قولكم). ويجوز أن يكون ~~المعنى: (قال): هذا ربي) أي: قال: تقولون: " هذا ربي "، ثم حذف القول، كما ~~قال: {سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24] أي: يقولون: سلام (عليكم). # ومعنى {بازغا}: طالعا، وهو نصب على الحال. وكذلك {بازغة}. وذكر {الشمس} ~~في قوله: {هذا ربي}، على معنى: " هذا البازغ ربي "، أو " هذا الشيء PageV03P2084 # ربي "، أو " هذه النور ربي "، أو " هذا الطالع ربي ". # قوله: {إني وجهت وجهي (للذي)} الآية. # هذا خبر عما قال إبراهيم بعد أن أوقفهم على نقص الكوكب والشمس والقمر في ~~الأفول، فقال الحق ولم يبال بخلافهم، {إني وجهت وجهي} أي: قصدت في عبادتي: ~~{للذي فطر} (أي خلق) السماوات والأرض {حنيفا} أي: مائلا إلى ربي، وما أنا ~~مشرك مثلكم. # قوله: {وحآجه قومه (قال أتحاجواني في الله)} الآية. # المعنى: وجادل إبراهيم قومه في الله، فقال لهم إبراهيم عليه السلام: ~~أتحاجوني في توحيد الله وقد هداني للإيمان به، وإخلاص العمل له، ولست أخاف ~~ما تشركون به أن ينالني بسوء ومكروه. PageV03P2085 # والهاء للضم، (وهو (ما)). وقيل: الهاء لله جل ذكره، يعني أصنامهم، وذلك ~~أنهم قالوا له: إنا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء: من مرض أو خبل لسبك لها. ثم ~~قال لهم: {إلا أن يشآء ربي شيئا} أي: إن أراد أن يصيبني بسوء ms0748 " أو خير "، ~~فهو لاحقي لا شك. # ووجه حذف النون من {أتحاجواني} أنه استثقل التشديد فحذفت النون الزائدة ~~[لا] التي للإعراب، قال سيبويه: حذفت لكراهة التضعيف. PageV03P2086 # وقال (أبو) عبيدة: حذفت كراهة الجمع بين ساكنين. # وقد أنكر أبو عمرو الحذف وقال: هو لحن، لأنه تأول أن المحذوف النون التي ~~للإعراب. والمحذوف عند سيبويه والخليل النون الزائدة. # قوله: {وسع [ربي] كل شيء علما} أي: [وسع] علم ربي كل شيء، فلا يخفى عليه ~~شيء، وليس كآلهتكم التي لا تنفع ولا تضر، {أفلا تتذكرون} أي: تعقلون أنها ~~لا PageV03P2087 # تنفع ولا تضر. # قوله: {وكيف أخاف مآ أشركتم} الآية. # هذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه بآلهتهم، فقال: {وكيف [أخاف مآ ~~أشركتم]} أي: كيف أرهب أصنامكم التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم لا تخافون إذا ~~أشركتم بمن خلقكم ورزقكم، وهو قادر على ضركم ونفعكم، أشركتم به ما ليس معكم ~~في عبادته حجة ولا برهان /، {فأي الفريقين أحق بالأمن} من العذاب؟: # من آمن برب واحد يضر وينفع، أو من آمن بأرباب كثيرة لا تضر ولا تنفع، {إن ~~كنتم تعلمون} صدق ما أقول لكم. # قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} الآية. # يجوز أن يكون من قول إبراهيم، ويجوز أن يكون مستأنفا من قول الله، فصل " ~~الله " بين إبراهيم وقومه، فأخبر لمن الأمن. PageV03P2088 # والحجة التي أوتي إبراهيم هو قوله: {فأي الفريقين أحق بالأمن} [الأنعام: ~~81]. ومعنى: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} أي: لم يخلطوه بشرك، ولما نزلت هذه ~~الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي، فقال لهم النبي: ليس الأمر كما تظنون، ~~لهو كما قال لقمان: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13]. # قوله: {وتلك حجتنآ ءاتيناهآ إبراهيم (على قومه)} الآية. # {تلك}: إشارة قول إبراهيم لقومه: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ~~تعلمون} [الأنعام: 81]. # وقيل: إنهم قالوا " له ": إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا لسبك لها، فقال لهم: ~~أفلا تخافون أنتم منها - إذ سويتم بين الصغير والكبير منها، والذكر والانثى ~~- أن تخبلكم، ثم قال لهم: أمن يعبد إلها واحدا يضر وينفع أحق بالأمن، " أم ~~" من يعبد ms0749 آلهة كثيرة لا تضر ولا تنفع؟، فهذه حجته التي آتاه الله على قومه ~~ولقنه إياها. PageV03P2089 # وفي الكلام حذف والمعنى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، فرفعنا ~~درجته عليهم: {نرفع درجات من نشآء}، وهذا كله تنبيه لمحمد في الحجة على ~~أمته، وتنبيه له على التأسي بمن قبله من الأنبياء. {على قومه}: وقف حسن. # قوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} الآية. # قوله: {داوود وسليمان} عطف على " كل "، أي: وهدينا داوود. وقيل: هو عطف ~~{إسحاق} أي: وهبنا له داوود. وقيل: هو عطف على {ونوحا}. والهاء في ~~{[ذريته]}: تعود على (إبراهيم). # وقيل: على " نوح "، وهو قول الطبري، قال: لأن في سياق الكلام المعطوف ~~{لوطا}، ولوط لم يكن من ذرية إبراهيم، إنما هو من ذرية نوح، فالمعنى: ~~وهدينا نوحا من قبل إبراهيم، وهدينا من ذرية نوح داود ومن بعده. PageV03P2090 # {كلا هدينا}: وقف حسن، {وإلياس}: أيضا وقف عند أبي حاتم، ولا يحسن عند ~~غيره، لأن بعده {وإسماعيل} معطوف عليه. # واختلف " الناس " في {إلياس}: فقيل: " هو " من ذرية هارون أخي موسى، ~~بينهما ثلاثة آباء. وقال ابن مسعود: إلياس هو إدريس. # وإدريس جد نوح، بينهما أربعة آباء. فمحال أن ينسب إلى نوح وهو جده ~~الأعلى، والذي عليه " أهل " الأنساب: أن إلياس غير إدريس. # و {اليسع}: اسم أعجمي، جرى على غير قياس. وقد قال أبو عمرو: PageV03P2091 # إنما هو " يسع " ثم أدخلت الألف واللام عليه، وليس بفعل، ولو كان فعلا لم ~~يجز إدخال الألف واللام عليه، (ألا ترى) أنهم أدخلوها على " يزيد " إذ هو ~~اسم، فقالوا: " اليزيد "، كما قالوا: " الوليد "، وأنشد الفراء: # وجدنا الوليد بن اليزيد. (مباركا، ... ورد الكسائي هذه القراءة، وقال: لا ~~تجوز، كما لا يجوز " اليحيى ")، وهذا لا يلزم، لأنا لو نكرنا " يحيى " ~~لأدخلنا عليه الالف واللام، والعرب تقول: / " اليعملة ". # ومن قرأ (الليسع) فأصله " ليسع "، مثل: ضيغم وزينب، ثم دخلت PageV03P2092 # الألف واللام للتعريف. وأنكر " أبو " حاتم هذه القراءة، وقال: (لا يوجد) ~~" ليسع ". وهذا لا يلزم، لأنه مثل: " ضيغم " و " زينب ". # واختار الطبري أن يكون بلام واحدة، لأنه أعجمي، وقد ms0750 تواترت الأخبار بهذا ~~الاسم بهذا اللفظ، وقال: ولم يحفظ عن أحد من أهل العلم أن اسمه " ليسع "، ~~(إنما قالوا: اسمه " اليسع "). # قال زيد بن أسلم: كان يوشع بن نون خليفة موسى في قومه، وكان ممن لا تأخذه ~~في الله لومة لائم، فشكر الله له ذلك، و [نبأه]. بعد موسى في بني إسرائيل، ~~وسماه " اليسع " بلسان العرب. # قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل - وهو يعقوب - إلا عشرة: نوح ~~وهود ولوط وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل " وإسحاق " وعيسى ومحمد. # قوله: {ومن آبائهم وذرياتهم} الآية. # المعنى: وهدينا من آباء هؤلاء المذكورين، ومن ذرياتهم، ومن إخوانهم)، PageV03P2093 # أي: بعض ذلك، {واجتبيناهم} أي: أخلصناهم، {وهديناهم إلى صراط مستقيم} أي: ~~سددناهم وأرشدناهم إلى طريق الحق، وهو الإسلام. وهو مشتق من " جبيت الماء ~~في الحوض: إذا جمعته ". # قوله: {ذلك هدى الله} الآية. # أي ذلك الهدى الذي هدي به هؤلاء {ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من ~~عباده}: أي: يوفق به من يشاء، {ولو أشركوا} أي: " لو " أشرك هؤلاء الأنبياء ~~لذهب عنهم جزاء أعمالهم، لأن الله لا يقبل مع الشرك عملا. # قوله: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب} الآية. # المعنى: أولئك الذين سميناهم من الأنبياء هم الذين أعطوا الكتاب، يعني ~~صحف إبراهيم وموسى، وزبور داوود، وإنجيل عيسى، {والحكم} يعني: الفهم ~~بالكتاب. PageV03P2094 # قال مجاهد: {الحكم}: اللب. # وقوله: {فإن يكفر بها هؤلاء} أي: بالآيات التي أنزلت عليك يا محمد، يريد ~~القرآن، (هؤلاء) " أي " من بحضرتك من المشركين. وقيل: الإشارة إلى قريش، ~~{فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} يعني الأنصار: # قال قتادة: {هؤلاء}: إشارة إلى أهل مكة، والقوم الذين ليسوا بالآيات ~~بكافرين: أهل المدينة، وكذلك قال الضحاك والسدي، وروي عن ابن عباس ذلك. # وقال: (أبو رجاء): {قوما ليسوا بها بكافرين}: الملائكة. # وعن قتادة قال: هم الأنبياء المذكورون، فهم ثمانية عشر. PageV03P2095 # وأكثرهم قال: الإشارة في هؤلاء لكفار قريش. # قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله} الآية. # المعنى: أن {أولئك} إشارة إلى من تقدم ذكره من النبيين، فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن ms0751 يقتدي بهداهم، ويسلك طريقهم، والاقتداء: الاتباع. ~~والمراد: اتباعهم على ما كانوا عليه من الإسلام والتوحيد، لا ما كانوا عليه ~~من الشرائع، لأن شرائعهم كانت مختلفة، وغير جائز أن يؤمر النبي باتباع " ~~شرائع " مختلفة، ولا يمكن ذلك، لأن ما حرم " عليهم " في شريعة نبي، أحل في ~~شريعة نبي آخر، فكيف يقدر النبي صلى الله عليه وسلم على اتباع ذلك؟، والعمل ~~بالشيء وضده - في حال هذا - لا يمكن ودليل ذلك قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] فهذا هو الصحيح، ليست الآية في الاقتداء ~~بشرائعهم لاختلافها، إنما الآية في الاقتداء بهم فيما لم يختلفوا فيه، وهو ~~التوحيد ودين الإسلام. وأما الشرائع فقد اختلفوا فيها بأمر الله " لهم " ~~بذلك وفرضه على كل واحد ما شاء. PageV03P2096 # وأكثر النحويين " على " تلحين " من كسر الهاء من {اقتده} وهي قراءة ابن ~~عامر، إلا ما قال أحمد بن محمد بن عرفة: إنه يجوز أن تكسر على التشبيه بهاء ~~الإضمار، كما جاز إسكان هاء الإضمار على التشبيه بهاء السكت. # وقال بعض النحويين: من كسر الهاء، يجوز أن تكون الهاء لغير السكت، وأن ~~تكون للمصدر، كأنه: " فبهداهم (اقتد الاقتداء) "، " قال ": ويجوز أن تكون ~~كناية عن الهدى، والمعنى: فبهداهم اقتد " هداهم "، على التكرير للتأكيد. PageV03P2097 # والوقف على هذه الهاء أسلم، وهو الاختيار عند أكثر النحويين، لأنه تمام، ~~ولأنه إنما جيء بها للوقف. # ثم قال تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ~~لا أسألكم على تذكيري إياكم أجرا " ولا " عوضا، إن القرآن الذي جئتكم به ~~{إلا ذكرى للعالمين}. PageV03P2098 # قوله: {وما قدروا الله حق قدره} الآية. # المعنى: وما عظموا الله حق عظمته {إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من ~~شيء}. # وقيل: المعنى: وما عرفوه حق معرفته. # والذي قال ذلك هو " رجل من اليهود، جاء يخاصم النبي، فقال له النبي: ~~أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر ~~السمين؟، وكان الرجل حبرا سمينا، فغضب اليهودي وقال: والله ما أنزل الله ~~على بشر ms0752 من شيء!، فقال له: أصحابه: ويحك، ولا على موسى؟. فقال: والله ما ~~أنزل الله على بشر من شيء!، فأنزل الله: {وما قدروا الله حق قدره} الآية ". # وقال محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي فقالوا: يا أبا ~~القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا يحملها من عند ~~الله؟، فأنزل الله {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء} ~~[النساء: 153] الآية، ثم {قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء}، فأنزل الله: ~~{وما قدروا الله حق قدره} الآية، ثم قال الله لنبيه محتجا عليهم: PageV03P2099 # {قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى " نورا وهدى للناس "} إلى قوله: {قل ~~الله}. # وقيل: إن هذا خبر عن مشركي العرب أنكروا أن يكون الله أنزل على أحد ~~كتابا. # وقوله: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} هم يهود أخفوا من التوراة ~~ما أرادوا، وأبدوا ما أرادوا. # واختيار الطبري أن يكون ذلك خطابا لقريش، لأنه في سياق الحديث عنهم، ولأن ~~اليهود لم يجر لهم ذكر. # قال مجاهد: {قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس} هو ~~خطاب لمشركي العرب، {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} إخبار عن ~~اليهود، {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولاءابآؤكم} للمسلمين. # فمن قرأ بالياء في (يجعلونه) و (يبدون) و (يخفون)، رده على الناس. PageV03P2100 # ومن قرأ بالتاء، فعلى المخاطبة لليهود، والمعنى: علمتم علما فلم يكن لكم ~~علم لتضييعكم إياه، ولا لآبائكم لتضييعهم إياه، لأن من علم شيئا وضيعه، ~~فليس له علم. # ويجوز أن يكون المعنى: وعلمتم علما لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، ~~على الامتنان عليهم بإنزال التوراة عليهم، والأول: قول أهل التفسير. # {وهدى للناس} وقف على قراءة من قرأ بالياء في {تجعلونه} وما بعده، ~~{ولاءابآؤكم} تمام عند نافع، {قل الله} التمام عند الفراء، لأن المعنى ~~عنده: قل الله علمكم. # وقيل: المعنى: قل يا محمد: الله أنزله، ولا جواب لقوله: {قل من أنزل ~~الكتاب}. PageV03P2101 # وقوله: {ثم ذرهم في خوضهم} أي: دعهم في باطلهم، وهذا تهديد ms0753 من الله لهم. # قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} الآية. # المعنى: وهذا القرآن - يا محمد - كتاب، - ومعنى الكتاب هنا -: مكتوب - ~~أنزلناه إليك مباركا، {مصدق الذي بين يديه} أي: يصدق ما قبله من كتب الله ~~التي أنزلها على أنبيائه، {ولتنذر أم القرى} أي: لتنذر عذاب الله وبأسه أم ~~القرى. # وأم القرى: مكة، (ومن حولها): شرقا وغربا. # وسميت: {أم القرى}، لأن الأرض دحيت منها، أي: بسطت. وقيل: سميت بذلك، لأن ~~فيها أول بيت وضع للناس. وقيل: سميت بذلك لأنها تقصد من كل قرية. # ومن قرأ (ولينذر) رده على (الكتاب)، ومن قرأ بالتاء فعلى المخاطبة PageV03P2102 # للنبي عليه السلام. # وقوله: {والذين يؤمنون بالآخرة} أي: يصدقون بالبعث، {يؤمنون به} أي: بهذا ~~الكتاب والهاء في (به) للقرآن، وقيل: لمحمد. # وقيل: إنه لما نزل {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] ~~إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، ~~فقال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14]، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أكتبها، فكذلك نزلت علي. # قوله: {وهم على صلاتهم يحافظون} أي: على الصلوات التي افترضها الله. # قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} الآية. # قوله: و (من) قال في موضع جر، عطف على (من) الأولى. PageV03P2103 # المعنى: ومن أخطأ قولا ممن اختلق على الله الكذب، فادعى أنه بعثه نبيا. ~~وهذا تسفيه من الله عز وجل لمشركي العرب في معارضة عبد الله بن أبي سرح ~~ومسيلمة للنبي، ادعى أحدهما النبوة، وادعى الآخر أنه جاء بمثل ما جاء به ~~النبي. # فالذي قال: {أوحي إلي} هو مسيلمة الكذاب، والذي قال: {سأنزل مثل مآ أنزل ~~الله} عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان عبد الله هذا قد كتب للنبي، فكان ~~يملي عليه (عزيز حكيم) فيكتب (غفور رحيم)، وقال: قد أنزل " علي " مثل الذي ~~أنزل على محمد، قد كتبت ما لم يمل علي. وكان يقرأ على النبي ما يكتب، فيقول ~~له النبي: نعم سواء. PageV03P2104 # وقيل: إنه لما نزل {ولقد ms0754 خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] ~~إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، ~~فقال {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14]، فقال له النبي: أكتبها، ~~فكذلك نزلت علي. فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وأخبرهم بما كان يصنع، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول له في الذي يكتب: نعم سواء. ثم رجع إلى ~~الإسلام قبل فتح مكة. وفيه نزل: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} [النحل: 106]. # وقيل: إن قائل القولين هو عبد الله هذا. وقيل: هو مسيلمة. وقال ابن عباس: ~~الذي افترى على الله كذبا هو مسيلمة، والذي قال: " سأنزل مثل ما أنزل الله ~~" هو عبد الله بن أبي سرح. # ثم قال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} / أي: لو ترى يا ~~محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين المفترين على الله الكذب وقد ~~قرب PageV03P2105 # " فناء " آجالهم، والملائكة قد بسطت أيديها، يضربون وجوههم وأدبارهم. # قال ابن عباس: البسط هنا: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم. وقال الضحاك: ~~بسطت الملائكة أيديها بالعذاب. وقيل المعنى: (باسطو أيديهم) لإخراج أنفسهم # {أخرجوا أنفسكم} أي: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من العذاب، أي: خلصوها ~~اليوم. # قوله: {اليوم تجزون عذاب الهون} أي: عذاب جهنم، وهو عذاب الهوان، وهذا ~~إخبار من الملائكة للكفار " بما " يصيرون إليه في الآخرة. # والهون - بالضم -: الهوان، والهون بالفتح: الرفق والدعة، تقول: " هو هون ~~المؤونه "، ومنه قوله: {يمشون على الأرض هونا} [الفرقان: 63] يعني بالرفق ~~والسكينة. PageV03P2106 # قال أبو أمامة: يقبضون [روح الكافر] ويعدونه بالنار ويشدد عليه وإن رأيتم ~~أنه (يهون عليه، ويقبضون روح المؤمن ويعدونه بالجنة ويهون عليه وإن رأيتم) ~~" أنه " يشدد عليه. # قوله: {في غمرات الموت} ليس يوقف، لأن ما بعده في موضع الحال. و {مثل مآ ~~أنزل الله}: وقف حسن. {أيديهم}: وقف، {غير الحق} وقف عند نافع، {تستكبرون} ~~تمام حسن، لأنه آخر قول الملائكة. # قوله: {ولقد جئتمونا فرادى} الآية. # قرأ أبو حيوة {فرادى} بالتنوين، وهي لغة تميم، ويقولون في الرفع " فراد " ~~وحكى أحمد بن يحيى " فراد " بغير ms0755 تنوين مثل " رباع ". PageV03P2107 # قال القتبي: {فرادى} جمع فرد، كأنه جمع على " فردان "، ثم جمع على " ~~فرادى "، ككسلان وكسالى. # وقال الطبري: واحد {فرادى}: " فرد "، بالفتح. # ومن قرأ (بينكم) بالنصب، فمعناه: لقد تقطع (الأمر بينكم) والسبب بينكم، ~~ونصبه على الظرف. # ومن رفع، جعله غير ظرف، بمعنى الوصل، تقديره: لقد تقطع وصلكم. PageV03P2108 # ومعنى الآية: أنها خبر من الله عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء المشركين، ~~يقول لهم: {ولقد جئتمونا فرادى} أي: وحدانا لا مال معكم، ولا أثاث، ولا شيء ~~مما كان الله خولكم في الدنيا. ومعنى {كما خلقناكم أول مرة}: قيل: منفردين ~~لا شيء لكم، وقيل: عراة. # وروي " أن عائشة رضي الله عنها قرأت هذه الآية فقالت: يا رسول الله، ~~واسوأتاه إن الرجال (والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟، فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه}، لا ~~ينظر الرجال) إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعض عن بعض ". # ومعنى {وراء ظهوركم} أي: في الدنيا، {ما نرى معكم شفعآءكم} أي: ليس نرى ~~معكم من كنتم تزعمون أنهم (لكم شفعاء) عند ربكم يوم القيامة. PageV03P2109 # وكان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الآلهة، لأنها تشفع لهم عند الله، و ~~[إنها] شركاء له. # قال عكرمة: قال النضر بن [الحارث]: " سوف تشفع لي اللات والعزى "، فنزلت ~~هذه الآية. # قوله: {إن الله فالق الحب والنوى} الآية. # معنى الآية: أنها تنبيه لهؤلاء المشركين على قدرة الله، وأن ما يعبدون لا ~~يقدر على ذلك. ومعنى فلقه الحب والنوى: يريد به النبات، فلق الحبة عن ~~السنبلة، والنوى عن النخلة. # وقال الضحاك: معنى {فالق الحب والنوى} خالقهما، وروي ذلك عن ابن عباس. PageV03P2110 # وقيل: معنى ذلك أنه هو الذي جعل الشق في النواة وفي الحبة، قال مجاهد: ~~هما (الشقان اللذان) فيهما. # واختيار الطبري أن يكون المعنى: فلقهما للنبات، لأنه أتبع ذلك بقوله: ~~{يخرج الحي من الميت}، (فخروج الحي من الميت) كخروج النبات عن الحب والنوى، ~~قال: ولا يعرف في اللغة " فلق " بمعنى خلق. # وقوله: {يخرج الحي ms0756 من الميت ومخرج الميت من الحي} معناه: يخرج السنبل ~~الحي من الحب الميت، ويخرج " الحب " الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من ~~النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي. والعرب تسمي النبات والشجر ما ~~دام لم ييبس " حيا "، فإذا يبس وجف سمي " ميتا ". فتقديره: يخرج النبات ~~الأخضر الغض من الحبة اليابسة، ويخرج اليابس من الأخضر الغض. PageV03P2111 # وقال ابن عباس في معنى ذلك: يخرج النطفة الميتة من الحي، ويخرج الإنسان ~~الحي من النطفة الميتة. # {فأنى تؤفكون} أي: من أين تصرفون عن الحق ولا تتدبرون. # قوله: {فالق (الإصباح) وجعل الليل سكنا} الآية. # قرأ الحسن: (فالق الأصباح) بفتح الهمزة، " و " جعله جمع صبح. # وقرأ النخعي {فالق الإصباح} بالنصب في (الإصباح) وكسر الهمزة، يقدر حذف ~~التنوين لالتقاء الساكنين، كأنه " قال " فالق الإصباح، فالإصباح: مفعول به، ~~لكن حذف التنوين لسكونه وسكون اللام. PageV03P2112 # ومعنى {فالق الإصباح}: مضيء الصبح عن سواد الليل. # {وجعل الليل سكنا} أي: يسكن فيه كل متحرك، ويستقر فيه كل متصرف. # قوله {والشمس والقمر حسبانا} أي: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما ~~بحساب. قال ابن عباس: يعني عدد الأيام والشهور والسنين. # وقال قتادة: {حسبانا}: ضياء. # والحسبان - بضم الحاء - " و " الحساب بكسر الحاء: جمع حسبانة، وهي ~~الوسادة الصغيرة. PageV03P2113 # قال الأخفش: " حسبان " جمع " حساب ": كشهبان وشهاب. وقال يعقوب: حسبان: ~~مصدر " حسبت الشيء حسبانا "، والحساب: الاسم. # {ذلك تقدير العزيز} أي: هذا الفعل الذي فعله الله: تقدير عزيز عليم، أي: ~~عزيز في سلطانه، وعليم بمصالح خلقه. # قوله: {وهو الذي جعل لكم النجوم} الآية. # المعنى: والله " الذي " جعل لكم النجوم أيها المشركون به، جعلها أدلة في ~~ظلمات البر والبحر لكم إذا ضللتم وتحيرتم {قد فصلنا الآيات} أي: " قد " ~~بيناها لتفقهوها وتعلموا أن الله مدبر ذلك كله، فلا تعبدوا غيره. # قوله: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} الآية. PageV03P2114 # المعنى: والله الذي قد تركتم عبادته هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، وهو ~~آدم. # {فمستقر} أي في الرحم، {ومستودع} أي: في الصلب. # وعن ابن مسعود: المستودع: المكان الذي يموت فيه، وقوله: {ويعلم ms0757 مستقرها} ~~[هود: 6] أي في الأرحام، {ومستودعها} [هود: 6] أي في الأصلاب، / وقيل: حيث ~~تموت. # وقال ابن جبير: المستودع: ما كان في الأصلاب، والمستقر: ما كان في البطون ~~وعلى الأرض وفي بطنها. # وقال ابن عباس: {مستقرها} [هود: 6]: ما كان على وجه الأرض وفي الأرض، PageV03P2115 # {ومستودعها} [هود: 6]: في الصلب. وعن ابن عباس " أيضا ": المستقر: في ~~الأرض، والمستودع: " عند الله، وكذلك روي عن مجاهد. وقال الحسن: المستقر: ~~في القبر، والمستودع ": في الدنيا يوشك أن يلحق بصاحبه. # ومن قرأ بالفتح في {فمستقر}، فمعناه: أن الله استقره. ومن كسر، رد الفعل ~~إلى المذكور عند الاستقرار. # {قد فصلنا الآيات} أي: بينا الحجج والعلامات، {لقوم يفقهون} مواقع PageV03P2116 # الحجة. {ومستودع}، وقف، و {يفقهون} التمام. # قوله: {وهو الذي أنزل من السمآء} الآية. # قوله: {وجنات} قراءة الجماعة بالنصب والتاء مكسورة، عطف على {نبات}، كأنه ~~[قال]: وأخرجنا به جنات. وقيل: هو معطوف على {خضرا}. # وقرأ الأعمش بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولهم جنات. # وقيل: هو معطوف على المعنى، (فعطف) على القنوان، كأنه قال: وثم قنوان ~~وجنات. PageV03P2117 # وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن: {وينعه} بالضم: لغة، وقرأ محمد بن ~~السميفع {وينعه} أي: مدركه. # والمعنى: والله هو الذي أنزل من السماء (ماء ففعل) به ما ذكر، وأخرج به ~~ما ذكر. # ومعنى {خضرا} (أخضر)، أي: نباتا أخضر، {نخرج منه} أي: من الخضر، {حبا ~~متراكبا} وهو السنبل ونخرج من الماء من النخل من طلعها ما قنوانه دانية، ~~أي: قريبة متهدلة، يعني قصار النخل التي قد لصقت عذوقها بالأرض، PageV03P2118 # والقنوان طلعه. # وقوله: {مشتبها وغير متشابه} أي: (قد) اشتبه في الخلق واختلف في الطعم. # قوله: {وينعه} أي: نضجه. ومن قرأ (يانعة) فمعناه: ناضجة. # وقد قيل: إن {ينعه} - بالفتح - جمع يانع، كتاجر وتجر. و (قد) قيل: هو ~~مصدر " ينع الثمر ينعا " اذا نضج. # وقرأ محمد بن السميفع اليماني (ويانعه)، وقرأه ابن أبي اسحاق (وينعه) ~~بالضم، على معنى: ونضجه. PageV03P2119 # {دانية} وقف إن رفعت " الجنات "، {وينعه} تمام. # قوله: {وجعلوا لله شركآء الجن} الآية. # {الجن}: مفعول أول ل (جعلوا)، و {شركآء}: ms0758 مفعول ثان، ويجوز " أن يكون ~~{الجن} بدلا من {شركآء} "، والمفعول الثاني: اللام في (لله) وما عملت ~~(فيه)، وأجاز الكسائي رفع (الجن) على معنى: هم الجن. # وقرأ يحيى بن يعمر: {وخلقهم} بالنصب وإسكان اللام، على معنى: وجعلوا لله ~~خلقهم شركاء، لأنهم يخلقون الشيء، بمعنى: يقدرونه ويعبدونه. PageV03P2120 # ومعنى: {وخرقوا له): اختلقوا كذبا. والتشديد فيه معنى التكثير. # ومعنى الآية: أن المشركين جعلوا الجن شركاء لله، كما قال عنهم {وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا} [الصافات: 158]، ومعنى جعلهم الجن شركاء لله: أنهم ~~أطاعوهم كطاعة الله. وقيل: نسبوا إليهم الأفاعيل التي لا تكون إلا لله. # قال ابن جريج: هم الزنادقة. وقال القتبي: هم " الزنادقة جعلوا إبليس يخلق ~~الشر، والله يخلق الخير ". # ومعنى الآية {وخلقهم}: أي: والله خلقهم، والهاء والميم تعود على الفاعلين PageV03P2121 # / ذلك. # {وخرقوا له بنين وبنات (بغير علم)} قالت العرب: الملائكة بنات الله، ~~وجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون، وهم البنون، وقال اليهود: عزير ابن ~~الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله كذبا واختراقا منهم. # {سبحانه}: أي: تنزيها له عما يقولون، {وتعالى} عن ذلك. # قوله: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد} الآية. # المعنى: هو بديع السماوات، أي: (مبتدعها ومحدثها) بعد أن لم تكن. PageV03P2122 # {أنى يكون له ولد} أي: من أي: وجه يكون له ولد {ولم تكن له صاحبة}؟ أي: ~~إن الولد إنما يكون للذكر من الأنثى، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، فيكون له ~~ولد، لأنه خالق كل شيء. وقيل: المعنى: من أين يكون له ولد وولد كل شيء ~~يشبهه، ولا شبيه لله. وهو خالق كل شيء، وهو عليم بكل شيء، لا يمكن أن يكون ~~ولد لمن هذه صفته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # قوله: {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء} الآية. # والمعنى: فذلكم الذي ذكرت صفته هو الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل ~~شيء. # وقد تعلق القائلون بخلق القرآن بقوله: {خالق كل شيء}، قالوا: القرآن شيء، ~~فهو داخل تحت الخلق. وقد جرت هذه المسألة بين عبد العزيز بن ms0759 يحيى المكي ~~وبين بشر PageV03P2123 # ابن غياث المريسي القدري بحضرة المأمون، اختصرت الحكاية لطولها: # قال عبد العزيز: قلت لبشر: ما حجتك في خلق القرآن؟، وانظر: إلى أحد سهم ~~في كنانتك فارمني به. قال: فقال لي بشر: تقول: إن القرآن شيء أم غير شيء؟. ~~(قال عبد العزيز): فقلت له إن كنت تريد أنه شيء إثباتا للوجود ونفيا للعدم، ~~فنعم هو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم لذاته وأنه كالأشياء فلا. قال له ~~بشر: قد أقررت أنه شيء وادعيت أنه لا كالأشياء، فأت بنص على ما زعمت. قال ~~عبد العزيز: فقلت: قال الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له ~~كن فيكون} [النحل: 40]، فبقوله تكون الأشياء، وليس هو كهي. وإنما تكون ~~الأشياء بقوله وأمره. فقوله خارج PageV03P2124 # عن الأشياء المخلوقة، ألا ترى إلى قوله: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: ~~54]، فجمع في لفظة " الخلق " جميع المخلوقات، ثم قال: {والأمر} يريد الذي ~~كانت به هذه المخلوقات كلها. والأمر غير المخلوقات، وهو قوله: {كن} [النحل: ~~40]. وقال (الله) تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد} [الروم: 4] أي: من قبل ~~الخلق ومن بعد الخلق. وقد أخبر عن الأشياء المخلوقات في غير موضع من كتابه، ~~وأنه خلقها بأمره وقوله، فقال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} ~~[الأنعام: 73]، وقال: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق} ~~[الحجر: 85، الأحقاف: 3]، والحق هو كلامه. فأمره، كلامه، وكلامه: أمره، ~~وأمره: الحق، والحق: أمره، وكلامه: الحق، والحق: كلامه. # فهذا يدل على أن كلامه لا كالأشياء المخلوقة، لأنها به كانت (وحدثت). ~~وأما ما يدل على أنه " شيء " فقوله: {إلي ولم يوح إليه} [الأنعام: 93]، فدل ~~على أن الوحي شيء، ودل ما تقدم على أنه لا كالأشياء. # قال بشر: قد زعمت أن الله يخلق الأشياء، وادعيت أنها تكون بقوله، وأنها PageV03P2125 # تكون بالحق، وأنها تكون بأمره، وهذا متناقض. # قال عبد العزيز: إن قوله هو كلامه، وقوله هو الحق، وأمره هو كلامه: ~~فالألفاظ الثلاثة ترجع إلى معنى واحد، كما سمى كلامه: نورا وهدى وشفاء ~~ورحمة و ms0760 {وقرآنا فرقناه}، وكله يرجع إلى شيء واحد، [كذلك ذاك. وكما سمى ~~نفسه: فردا صمدا واحدا]، وهو شيء واحد لا كالأشياء. وهذا إنما منعه بشر ~~لجهله بلغة العرب. # قال بشر: (لست) أقبل لغة العرب، ولا أقبل إلا النص. # قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} [الفتح: ~~15]، ثم قال: {كذلكم قال الله من قبل} [الفتح: 15]، فسمى القرآن كلامه، ثم ~~سماه: قوله، وقال: {وهو الحق مصدقا لما معهم} [البقرة: 91]، فسمى القرآن ~~حقا، وقال: {وكذب به قومك وهو الحق} [الأنعام: 66]، وقال: PageV03P2126 # {لقد جآءك الحق من ربك} [يونس: 94]، ومثل هذا كثير. # قال بشر: قد أقررت يا عبد العزيز أن القرآن شيء على صفة ما، وقد قال ~~تعالى: {الله خالق كل شي} [الأنعام: 102، الرعد آية 16، الزمر آية 62، غافر ~~آية 62]، وهذه لفظة لم تدع شيئا من الأشياء إلا أدخلته في الخلق، ولا يخرج ~~عنها شيء، قد تقصت جميع الأشياء، فصار القرآن مخلوقا بنص القرآن. # قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25]، ~~فهل أبقت الريح - يا بشر - شيئا لم تدمره؟ # قال بشر: لا. قال عبد العزيز: فقلت له: قد - والله - أكذب الله قائل هذا ~~بقوله: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25]، فأخبر أن مساكنهم كانت ~~باقية وهي أشياء كثيرة، وقال تعالى: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته ~~كالرميم} [الذاريات: 42]، وقد أتت على الجبال والشجر والأرض فلم تجعله ~~رميما، وقال عز وجل: { وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23]، يعني بلقيس، فهل PageV03P2127 # أوتيت ملك سليمان وهو أضعاف ملكها؟. فهذا تكسير لقولك يا بشر. ولكن ما ~~تقول - يا بشر - في قوله تعالى: {أنزله بعلمه} [النساء: 166]، وقال تعالى: ~~{ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء} [البقرة: 255]، وقال: {أنزل بعلم ~~الله} [هود: 14]. # وقال: {ولا تضع إلا بعلمه} [فاطر: 11، فصلت: 47]!، فأخبر تعالى أن له ~~علما. أفتقر - يا بشر - أن له علما كما أخبر في كلامه أو تخالف التنزيل؟. # فعلم بشر أنه (إن) قال: " له علم "، فيقول له: أهو داخل في الأشياء ~~المخلوقة أم ms0761 لا؟. فإن قال: " دخل "، كفر. وإن قال: لا. أجاز ما منع في ~~الكلام. وأبى أن ينفي العلم فخالف التنزيل، فحاد، ثم قال: معنى علمه: أنه ~~لا يجهل. # قال عبد العزيز: لم أسألك عن هذا، قد علمت أن الله لا يجهل، انما سألتك: PageV03P2128 # هل تثبت له علما كما أثبته لنفسه؟، وليس نفيك السوء - يا بشر - عن الله ~~يوجب إيجاب المدح، لأن قولك: " هذه الأسطوانة لا تجهل " ليس هو إثباتا أن ~~لها علما. ولم يمدح الله ملكا (ولا نبيا ولا مؤمنا بنفي الجهل) ليدل على ~~(أنه) إثبات العلم، وإنما مدحهم بالعلم، فقال: {يعلمون ما تفعلون} ~~[الانفطار: 12]، ولم يقل: " لا يجهلون "، وقال لنبيه: {(وتعلم) الكاذبين} ~~[التوبة: 43]، ولم يقل: " ولا تجهل "، وقال: {إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} [فاطر: 28]، ولم يقل: " الذين لا يجهلون "، فمن أثبت العلم نفى ~~الجهل، وليس (كل) من نفى الجهل أثبت العلم، (و) على الخلق جميعا أن يثبتوا ~~ما أثبت الله لنفسه. PageV03P2129 # فقال بشر: أتقول: {إن الله سميع بصير} [الحج: 75، لقمان: 28] وإن له ~~(سمعا وبصرا) كما أثبت (له علما)؟. # قال عبد العزيز: فقلت: إنما على الناس أن يثبتوا ما أثبت، وينفوا ما نفى، ~~ويمسكوا عن ما أمسك الله. فأخبرنا تعالى أن له علما، فقلت: " له علم "، ولم ~~يخبرنا أن له سمعا ولا بصرا، فأمسكنا عن ذلك. # فقال بشر: قد زعمت أن لله علما، فما معنى علم الله؟. # / قال عبد العزيز: هذا ما لا يعلمه إلا الله، قد تفرد بذلك، وقد أمرني ~~بشر أن أترك قول الله وأمره، واتبع أمر الشيطان، لأن الله أخبر عن الشيطان ~~أنه (يأمرنا أن) نقول (على) الله ما لا نعلم، وحرم الله علينا أن نقول عليه ~~ما لا نعلم بقوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169، ~~الأعراف: 33]، فقد اتبع بشر طريق الشيطان، وارتكب ما حرم الله علينا. PageV03P2130 # قال عبد العزيز: فانقطع بشر، فقلت له: يا بشر، ألست تقول إن لله نفسا ~~بقوله: {واصطنعتك لنفسي} [طه: 41]، وبقوله: {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: ~~28، 30]؟. # قال بشر: نعم ms0762 له نفس كما أخبرنا. # قال عبد العزيز: فقلت له: قال الله: {كل نفس ذآئقة (الموت)} [آل عمران: ~~185]، أفتقول - يا بشر - إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس ~~المخلوقة؟. فأبى بشر من القول بذلك، فقال له عبد العزيز: وكذلك كلام الله ~~ليس بداخل في الأشياء المخلوقة. فسكت بشر. # قال عبد العزيز ثم قلت له: القرآن نزل على أربعة أخبار: # - خبر مخرجه مخرج الخصوص، ومعناه الخصوص، كقوله: {اسجدوا لأدم} [البقرة: ~~34، الأعراف: 11، الاسراء: 61، الكهف: 50، طه: 166]، وكقوله: {إن مثل عيسى ~~عند الله كمثلءادم} [آل عمران: 59]: هذا خاص في لفظه ومعناه. # - والثاني: خبر مخرجه مخرج العموم، ومعناه معنى العموم، كقوله: {وله كل ~~شيء} [النمل: 91]، فكل شيء له، مخلوقا كان أو غير مخلوق، وصفاته له، وخلقه ~~له. PageV03P2131 # - والثالث: خبر مخرجه العموم ومعناه الخصوص، نحو قوله: {يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} [الحجرات: 13]، و (الناس) يجمع آدم وعيسى ~~وغيرهما، ولم يكونا من ذكر وانثى. ومنه: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: ~~156] وهي لم تسع إبليس والكفار، لقوله: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك} [ص: ~~85]. # - والرابع: (خبر) مخرجه الخصوص ومعناه العموم، كقوله: {وأنه (هو ( رب ~~الشعرى} [النجم: 49]، فخص " الشعرى "، والمعنى: أنه رب كل شيء: الشعرى ~~وغيرها، ولكن خصها الله باللفظ، لأنهم كانوا يعبدونها. # فهذا اختصار بعض ما جرى بينهما، فنرجع إلى ما كنا فيه. قوله: {وهو على كل ~~شيء وكيل}: قال الفراء: الوكيل: الكافي. ومنه قولهم: " PageV03P2132 # {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173]، أي: كافينا الله ونعم الكافي ~~". وقال قتادة: الوكيل: الحفيظ. وقيل: الوكيل: الولي. وقيل: الرب. وقيل: ~~الكفيل. # قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} الآية. # قال ابن عباس: معناه: لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها. # وليس معناه: لا تراه، كما زعمت المعتزلة القدرية، وقد قال الله عن فرعون: ~~{إذآ أدركه الغرق} [يونس: 90] فوصف بأن الغرق أدرك فرعون) ولم يخبر أنه ~~رآه، لأن الغرق ليس مما يرى، فليس الإدراك هو الرؤية، وقد يرى الشيء الشيء ~~ولا يدركه، كما حكي عن أصحاب موسى حين قرب منهم أصحاب ms0763 فرعون: {فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون} [الشعراء: 61]، وكان أصحاب فرعون قد ~~رأوا أصحاب موسى، ولم يكونوا PageV03P2133 # ليدركوهم، لأن الله قد وعد نبيه أنهم لا يدركون بقوله: {لا تخاف دركا ولا ~~تخشى} [طه: 77]، ولذلك قال لهم موسى: (كلا) أي: ليس يدركونا، فليس (قوله): ~~{لا تدركه الأبصار} بمعنى: لا تراه الأبصار. وإنما معناه: لا تحيط به ~~الأبصار، لأنه غير جائز أن تحيط به الأبصار، ومثل هذا وصفه بأنه يعلم ولا ~~يحاط به. # / وقيل: معناه: لا تراه الأبصار في الدنيا، قال السدي وغيره. # والكلام على جواز رؤية الله جل ذكره في الآخرة يطول، وبجوازه يقول أهل ~~السنة والجماعة، و (به) تواترت الأخبار وتتابعت الروايات عن النبي PageV03P2134 # عليه السلام، وهو معنى قوله: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} ~~[القيامة: 22، 23]، وهو المفهوم من قوله تعالى في الكفار: {كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]، فلو كان الخلق كلهم محجوبين عن ربهم، ~~ما خص ذكر الكفار بالحجاب. وفي تخصيصه الكفار (بالحجاب) دليل على أن ~~المؤمنين غير محجوبين عن ربهم، فأما قول من قال: إن معناه: " عن رحمة ربك " ~~وقال في (الآية الأخرى): " إلى رحمة ربها ناظرة "، فهو قول متقاحم بالباطل، ~~مدع ما ليس لفظه في الكلام، مخرج للخطاب عن ظاهره، متكلف إضمار ما ليس في ~~الكلام عليه دليل، ألجأه إلى ذلك كله نصر باطله (بباطل مثله)، أعاذنا الله ~~من ذلك كله. PageV03P2135 # وقيل: معنى (الأبصار) هي في هذا: أبصار العقول، كما قال: {فمن أبصر ~~فلنفسه} [الأنعام: 104]، فالمعنى: لا يدركه نفاذ العقول فتتوهمه وتكيفه إذ ~~ليس كمثله شيء متوهم محدود. # قوله: {وهو اللطيف الخبير): (اللطيف)}: مشتق من اللطف وهو التأني يقال: " ~~ألطف لفلان في هذا الأمر "، أي: " تأن له " من وجه يخلص (منه) إلى بغيته، ~~(فالله لطيف بالخلق) حتى صاروا إلى ما يصلحهم. وقيل: {اللطيف} PageV03P2136 # هو الذي فعل أفعالا لطيفة، و {الخبير}: العالم بالشيء. فهو لطيف لإحكامه ~~الخلق، وهو العظيم، لأنه خلق الخلق العظيم. # قوله: {قد جآءكم بصآئر من ربكم} الآية. # المعنى: أن الله أمر ms0764 نبيه أن يقول للمشركين ذلك. والبصائر: الهدى. وقيل: ~~الآيات الدالة على الهدى. # {فمن أبصر} أي: استدل وعرف نفع نفسه، {ومن عمي}: أي: من ضل فعلى نفسه، ~~{ومآ أنا عليكم بحفيظ} أي: لست عليكم برقيب أحصي أعمالكم، إنما أنا مبلغ. PageV03P2137 # وقيل: المعنى: (لست) آخذكم بالإيمان أخذ الوكيل عليكم، وهذا قبل الأمر ~~بالقتال، فلما أمر النبي بالقتال، صار حفيظا ومسيطرا على كل من تولى. وقيل: ~~المعنى لم أؤمر بحفظكم عن أن تهلكوا. # قوله: {وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست} الآية. # المعنى: وكما صرفنا لكم الحجج والعلامات فيما تقدم مثل ذلك أفعل في كل ما ~~جهلتموه ولم تعرفوه، ومعنى (نصرف): نبين. # وقوله: {وليقولوا درست} أي: " ولئلا يقولوا درست ". # وقيل: المعنى: وليقولوا درست صرفناها، لأنهم لما آل أمرهم بعد - (عند ~~تصريف الآيات) - إلى أن يقولوا لمحمد: " درست ". صار كأنه إنما صرفها ~~ليقولوا ذلك، مثل {ربنا ليضلوا} [يونس: 88]، و {ليكون لهم عدوا (وحزنا)} ~~[القصص: 8] وشبهه، وأهل اللغة PageV03P2138 # يسمون هذه اللام لام الصيرورة، لأن السبب الذي " صيرهم ليقولوا له ": " ~~درست "، هو تصريف {الآيات}. # ومعنى (درست): قرأت وتعلمت كتب الأولين. # ومن قرأ (دارست) فمعناه: قارأت أهل الكتاب فتعلمت منهم وتعلموا منك. # ومن قرأ (درست) / بإسكان التاء، فمعناه: تقادمت وامحت، أي: الذي PageV03P2139 # تتلوه علينا قد مر بنا قديما و (تطاولت) مدته. # وروى الحسن: (دارست) بألف وإسكان التاء. ولا يجيزها أبو حاتم، لأن الآيات ~~لا تدارس. ومعنى الآية عند غيره: وليقولوا: دارستك أمتك. # {ولنبينه لقوم يعلمون} أي: صرفناها لنبين القرآن لقوم يعلمون. فالهاء ~~(في) {ولنبينه} للقرآن، وقيل: للتصريف. # قوله: {اتبع مآ أوحي إليك} الآية. # المعنى: أن الله أمر نبيه باتباع القرآن والإعراض عن المشركين ثم نسخ ذلك ~~بآية القتال في " براءة ". PageV03P2140 # قوله: {ولو شآء الله مآ أشركوا} الآية. # أعلم الله نبيه أنه لو شاء الله لهداهم فلم يشركوا. وقيل: المعنى: لو شاء ~~لأنزل عليهم آية تضطرهم إلى الإيمان. # ثم قال لنبيه: وما أرسلناك عليهم حفيظا، أي: إنما أرسلناك مبلغا، لم ترسل ~~لتحفظ عليهم أعمالهم، {ومآ أنت عليهم بوكيل} أي: بقيم ms0765 تقوم بأرزاقهم ~~وأقواتهم. وهذا كله قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ الأمر بالقتال هذا كله. # قوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} الآية. # {عدوا}: مصدر، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله. PageV03P2141 # وفي قراءة المكيين: {عدوا} جعلوه واحدا يدل على الجمع، كما قال: {إن ~~الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} [النساء: 101]، ونصبه على الحال. وقد روي ~~عنهم: (عدوا) بضمتين، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة، ونصبه على المصدر، ~~يقال: عدا يعدو عدوا (وعدوا) وعدوانا. # ومعنى الآية: أن المشركين قالوا: لتنتهن عن سب آلهتنا أو نهجو ربكم، فأمر ~~(الله) المسلمين ألا يسبوا آلهتهم لئلا يسبوا الله جهلا منهم بخالقهم ~~ورازقهم. PageV03P2142 # (ثم قال تعالى): {كذلك زينا لكل أمة عملهم} (أي) كما زينا لهؤلاء عبادة ~~الأوثان، كذلك زينا لكل جماعة - اجتمعت على عمل من الأعمال، طاعة أو معصية ~~- عملهم، ثم مرجعهم بعد ذلك إلى الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها. # قوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} الآية. # المعنى: أن الله جل ذكره لما نزل في " الشعراء " {إن نشأ ننزل عليهم من ~~السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء: 4]، أقسم كفار قريش: {لئن ~~جآءتهم آية ليؤمنن بها}، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربك أن ينزلها ~~عليهم حتى يؤمنوا، فأنزل الله {وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون}، وهو ~~خطاب للمؤمنين السائلين النبي في ذلك. # وقيل: معنى الآية: أن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم ~~بآية، وحلفوا ليؤمنن إن أتت، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربك أن ~~ينزلها (عليهم) حتى يؤمنوا، PageV03P2143 # (فأنزل الله): وما يشعركم أيها المؤمنون بذلك؟، أي: بصحة قولهم (ثم قال) ~~مستأنفا مخبرا عنهم - بما يفعلون لو نزلت -: إنها إذا جاءت لا يؤمنون. وهذا ~~معنى الكسر، وهو الاختيار عند أكثر النحويين. # وهذه الآية هي التي توعدوا بها / في الشعراء في قوله: {إن نشأ ننزل عليهم ~~من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء: 4]، فقال الله لنبيه: ~~{قل إنما الآيات عند الله} وهو القادر على إنزالها. # والذي سألوه هم أنهم قالوا: تجعل ms0766 لنا الصفا ذهبا. فسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك، PageV03P2144 # فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح ذهبا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ~~ليعذبنهم الله، و (إن) شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " بل يتوب تائبهم "، فأنزل الله: {وأقسموا بالله} الآية. # ومن قرأ بالتاء، فإنما هو خطاب للمشركين الذي سألوا الآية، ويحتمل وجهين: # - أحدهما: أن تكسر (إن) على معنى: وما يشعركم ذلك، ثم استأنف بالإخبار ~~عما سبق في علمه، وعلم ما لو كان كيف كان يكون، فقال: إنها إذا PageV03P2145 # جاءت لا تؤمنون أيها المشركون. # - ويحتمل أن تفتح (أن)، ويكون المعنى: وما يشعركم - أيها المشركون - أنها ~~إذا جاءت تؤمنون؟، وتكون (لا) زائدة. # ومن قرأ بالياء فهو خطاب للمؤمنين الذين سألوا النبي أن يسأل آية ليؤمن ~~المشركون عند نزولها على ما سألوا، وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، ويحتمل ~~معنيين: # أحدهما: فتح (أن) ويكون المعنى: وما يشعركم - أيها المؤمنون - أنها إذا ~~جاءت يؤمنون؟، أي: (ما) يدريكم أنهم يؤمنون إذا نزلت الآية. وتكون (لا) ~~زائدة. # - والوجه الآخر: أن تكون (إن) مكسورة، ويكون المعنى: وما يشعركم - أيها PageV03P2146 # المؤمنون - ذلك. ثم استأنف فقال: {أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون}، يخبر بما ~~يكون لو فعل بهم ذلك. # ويجوز في القراءتين جميعا - الياء والتاء - أن تكون (أنها) - إذا فتحت - ~~بمعنى " لعلها "، وتكون (لا) غير زائدة. # والياء اختيار الطبري مع فتح (أن) بمعنى " لعلها ". # ولو فتحت (أنها) ولم تقدر زيادة (لا) ولا كون (أنها) بمعنى " لعلها "، ~~لكان ذلك عذرا لهم. # ولا يتم فتح (أنها) إلا بأحد وجهين: # - إما أن تقدرها بمعنى " لعلها " - أو تقدر زيادة (لا). فاعلم ذلك. PageV03P2147 # وقد حكى الخليل عن العرب: " ائت السوق أنك تشتري لنا "، أي: لعلك. وسمع ~~الكسائي رجلا يقول: " ما أدري أنه صاحبها "، أي: لعله. وسمع الفراء أبا ~~الهيثم العقيلي يقول: " أنها (تركته لفاقة حاله) "، يريد " لعلها تركته ". ~~وفي قراءة أبي {وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون}، وفي حرف عبد الله: ~~(وما يشعركم إذا (جاءت) لا يؤمنون). ms0767 # ومن قدر زيادة (لآ) هنا، أوقع {يشعركم} على {أن} ففتحها، ويجعل (لا) صلة ~~كهي في قوله: {وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون} [الأنبياء: 95]، ~~المعنى: حرام عليهم أن PageV03P2148 # يرجعوا، ومثله: {ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12]. قال الفراء: العرب ~~تجعل " لا " صلة في كل كلام دخل في آخره (أو في أوله) جحد، أو في أوله جحد ~~غير مصرح. # وقيل: في الآية قول حسن، وهو أن يكون المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون أو يؤمنون. ثم حذف الأخير لدلالة الأول عليه، فيعمل (يشعركم) في ~~(أنها)، ويفتح (أن)، ولا يقدر زيادة / (لا)، ولا يقدر (أنها) بمعنى " لعلها ~~"، ولا تكون عذرا لهم. # (والوقف على (يشعركم) في قراءة من كسر (إن)، وفي قراءة من فتح على تقدير ~~" لعلها " حسن، ولا يحسن الوقف على (يشعركم) على غير هذين الوجهين). # قوله: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} الآية. # المعنى: أنهم لما أشركوا وجحدوا، لم يثبت الله قلوبهم على شيء. قال ابن PageV03P2149 # زيد: (المعنى): نمنعهم من الإيمان كما فعلنا بهم أول مرة. وقيل: المعنى: ~~لو جئناهم بآية ما آمنوا كما لم يؤمنوا أول مرة، لأن الله حال بينهم وبين ~~ذلك. # وقال مجاهد: المعنى: يحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية لا ~~يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. كأن في الكلام تقديما ~~وتأخيرا، والمعنى: {وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون} كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة، وذلك قبل إتيان الآية: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم}، {ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون}. # وقيل: المعنى: أن الله جل ذكره جعل عقوبة الإعراض عن الحق - بعد أن بين ~~لهم - الطبع على قلوبهم، و (الغشاوة) على أبصارهم. # والهاء في (به) للقرآن. وقيل: لمحمد. وقيل: للمسؤول، أي: كما لم يؤمن ~~أوائلهم بما سألوا من الآيات بعد نزولها، فكذلك يفعل كفار قريش لو نزل ~~عليهم ما سألوا من الآيات. PageV03P2150 # وعن ابن عباس: (أن المعنى): أن الله (أخبرنا ما يفعل بعباده) لو ردهم إلى ~~الدنيا، فقال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة}، أي: لو ms0768 ~~ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حيل بينهم وبينه أول مرة وهم ~~في الدنيا. # قال الطبري: المعنى: ونقلب أفئدتهم فنزيغها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية ~~الحق، كما لو لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبل مجيئها أول مرة، أي: قبل ذلك. # والهاء عنده تعود على التقليب، وفيما تقدم من الأقوال، تعود على الهدى، ~~أو على الإيمان، وقد قيل: على الرسول، وقيل: (على القرآن). وقيل: على الله ~~جل ذكره. # وقوله: {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} أي: نتركهم في حيرتهم يترددون. قال ~~النحاس: المعنى: نقلب أفئدتهم وأبصارهم على لهب النار كما لم يؤمنوا به في ~~الدنيا. ثم قال: {ونذرهم في طغيانهم يعمهون}، أي: ونمهلهم في الدنيا فلا ~~نعاقبهم، أي: ونتركهم PageV03P2151 # في طغيانهم يتحيرون. # قوله: {ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة} الآية. # وهذه الآية من الله (إعلام) يزيل بها طمع النبي من (أن يؤمن) هؤلاء ~~العادلون بربهم الأوثان، الذين سألوا الآية وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، ~~فأخبر تعالى أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فقال تعالى: لو نزلت إليهم ~~الملائكة، أي: عيانا {وكلمهم الموتى} بأنك محق فيما تقول، {وحشرنا عليهم} ~~أي: جمعنا عليهم، {كل شيء قبلا} أي: عيانا. # / وقيل: معناه: آتيناهم بما غاب عنهم من أمور الآخرة، ما آمنوا {إلا أن ~~يشآء الله}، عزى الله نبيه بهذا، وأعلمه أن من سبق في علم الله ألا يؤمن، ~~فلا ينفعه شيء. # قوله: {ولكن أكثرهم يجهلون}: أي: يجهلون ما في مخالفتك - يا محمد - وهم ~~يعلمون أنك نبي صادق فيما جئتهم به. PageV03P2152 # وروي " أن النبي عليه السلام كان يداعب أبا سفيان بمخصرة في يده، يطعن ~~بها أبا سفيان، فإذا أخرقته قال له: نح عني مخصرتك، فوالله لو أسلمت إليك ~~هذا الأمر، ما اختلف عليك فيه اثنان. فقال له النبي: أسألك بالذي أسلمت له، ~~(عن أي: شيء كان قتالك إياي)؟. # قال له أبو سفيان: تظن (أني كنت) أقاتلك تكذيبا مني، والله ما شككت في ~~صدقك، وما كنت أقاتلك إلا حسدا مني لك، فالحمد لله الذي نزع ذلك من قلبي. ms0769 ~~فكان النبي يشتهي ذلك منه، ويتبسم إليه " ومن قرأ (قبلا) بالضم، احتمل ~~ثلاثة أوجه: PageV03P2153 # - أحدها: أن يكون جمع " قبيل "، كرغيف ورغف. والقبيل: الضمين والكفيل، ~~ويكون المعنى: وجمعنا عليهم كل شيء يكتفل الملائكة لهم بصحة هذا، لم ~~يؤمنوا، كما قال: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الاسراء: 92] أي: ~~ضمينا. # - والوجه الثاني: أن يكون " القبل " واحدا، بمعنى المقابلة، تقول: " ~~أتيتك قبلا لا دبرا ": إذ أتيته من قبل وجهه، فالمعنى وجمعنا عليهم كل شيء ~~من قبل وجوههم. # - والوجه الثالث: أن يكون (قبلا) جمع " قبيل " أيضا، ويكون " قبيل " ~~بمعنى: فرقة وصنف. فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء صنفا صنفا وقبيلة (قبيلة)، ~~فيكون (قبلا) جمع " قبيل " و " قبيل " جمع " قبيلة ". ومن قرأ (قبلا) ~~فمعناه: عيانا، أي: معاينة. PageV03P2154 # وهذا (إعلام) للنبي كإعلام نوح: {أنه (لن يؤمن) من قومك إلا من قد آمن} ~~[هود: 36]. # وقال المبرد: (قبلا) بمعنى ناحية: أي: وجمعنا عليهم كل شيء ناحية، كما ~~تقول: " لي قبل فلان مال "، أي: ناحيته، فكان نصبه - على هذا - على الظرف، ~~وعلى الأقوال المتقدمة: على الحال. # قوله: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس} الآية. # {عدوا} مفعول أول ل (جعلنا)، و {لكل نبي}: المفعول الثاني، و (شياطين) ~~بدل من {عدوا}. ويجوز أن يكون (شياطين) مفعولا ثانيا، و (عدوا) أولا. # حكى سيبويه أن (" جعل " بمعنى: " وصف ")، فيتعدى إلى مفعولين، PageV03P2155 # ويكون التقدير: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء للأنبياء. # {غرورا} مصدر، أي: يغرون غرورا. ويجوز أن يكون في موضع بالحال. ومعنى ~~الآية: أنه فيها حذف، والمعنى: وكما جعلنا لك - يا محمد - ولأمتك شياطين ~~الإنس والجن أعداء يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، كذلك جعلنا لكل من ~~تقدمك من الأنبياء وأممهم، وهذا تسلية للنبي عليه السلام فيما لقي من (كفر) ~~قومه. # ومعنى (شياطين الإنس (والجن): قال السدي: للإنس شياطين تضلهم، ومثله ~~للجن، فيلقى شيطان الإنسي شيطان الجني، فيقول أحدهما للآخر: " إني قد أضللت ~~صاحبي بكذا وكذا، (فأضلل أنت) صاحبك بذلك "، فيعلم بعضهم بعضا، فشياطين ~~الإنس من الجن، وشياطين الجن من الجن. وكذلك قال ms0770 عكرمة. PageV03P2156 # وقيل: المعنى: أن مردة الإنس شياطين، ومثل ذلك من مردة الجن، يوحي بعضهم ~~إلى بعض من القول ما يؤذونهم به. وقال مجاهد: شياطين الإنس: كفارهم /، ~~وشياطين الجن: كفارهم. # والشيطان - في اللغة - هو المتمرد في معاصي الله. # ومعنى {زخرف القول} هو تزيين الباطل، يقال: " زخرف باطله ": إذا حسنه، ~~فهو تزيين الباطل بالألسنة. # قوله: {ولو شآء ربك ما فعلوه} أي لو شاء الله ما فعل هؤلاء الشياطين ~~العداوة بالأنبياء وأممهم، ولكن لم يشأ ذلك ليبتلي بعضهم ببعض، فيستحق كل ~~فريق PageV03P2157 # منهم ما سبق له في (أم) الكتاب. # والهاء في قوله: {ما فعلوه} تعود على الإيحاء لدلالة (يوحي) عليه، وقيل: ~~على العداوة وذكر لأن التأنيث غير حقيقي. # وقوله: {فذرهم} أي: دعهم وافتراءهم. هذا فيه معنى التهديد والوعيد. # قوله: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} (الآية). # يقال: صغى يصغى، وصغا يصغو، (وصغا يصغا). PageV03P2158 # قرأ الحسن: {وليرضوه وليقترفوا} بإسكان اللامين. # ومعنى الآية: أنها معطوفة على ما قبلها، والتقدير: يوحي بعض هؤلاء ~~الشياطين إلى بعض المزين من القول ليغروا به المؤمنين، و (لكي تصغى) إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون [بالآخرة]. # فالهاء في (إليه) تعود على (زخرف القول)، وهو المزين له. ومعنى " تصغى ": ~~تميل إليه. # ومعنى {وليقترفوا ما هم مقترفون} أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون. يقال: خرج ~~فلان يقترف لأهله "، أي: يكتسب. # قوله: {أفغير الله أبتغي حكما} الآية. PageV03P2159 # {حكما} نصب على البيان أو على الحال. # والمعنى: قل لهم يا محمد: (أأبتغي) غير الله حكما؟، أي: [أأبتغي] حكما ~~غير حكمه ولا حكم أعدل من حكمه، {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} (أي القرآن)، ~~{مفصلا} أي: مبينا. # {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} يريد أهل التوراة ~~والإنجيل المؤمنين منهم بمحمد، يعلمون أنه حق، {فلا تكونن من الممترين} أي: ~~من الشاكين فيما جاءك من الأنباء، وفي {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق}. # قوله: {وتمت كلمت ربك} (الآية). # حجة من قرأ (كلمات) - بالجمع - أنها في المصحف بالتاء، ولإجماع PageV03P2160 # الجميع على قوله: {لا مبدل لكلماته}. ms0771 # ومة قرأ بالتوحيد، احتج بإجماع الجميع على التوحيد في قوله: {وتمت كلمة ~~ربك لأملأن جهنم} [هود: 119]، {وتمت كلمة ربك الحسنى} [الأعراف: 137]. ~~وإنما كتبت بالتاء عند من وحد، لأنها كتبت على اللفظ، بمنزلة {ومعصيت ~~الرسول} [المجادلة: 8، 9] و {فطرت الله} [الروم: 30] وشبهه. # والمعنى: أن الله سمى القرآن (كلمة)، كما تقول العرب للقصيدة: " هذه كلمة PageV03P2161 # فلان "، والموصوف هنا بالتمام هو القرآن، لا مبدل له، أي: لا مغير لما ~~أخبر في كتابه أنه كائن، وهذا مثل قوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} ~~[الفتح: 15] والذي أرادوا أن يبدلوا هو قوله: {لن تتبعونا كذلكم قال الله ~~من قبل} [الفتح: 15]، فتقدم في علم الله أنهم لا يتبعون النبي، فأرادوا أن ~~يبدلوا ذلك فقالوا للنبي: {ذرونا نتبعكم} [الفتح: 15]، وقد تقدم من الله ~~أنهم لا يتبعونهم فأرادوا أن يغيروا ما تقدم في علم الله وقد كان أخبره ~~الله في كتابه بقوله: {فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج (فقل ~~لن تخرجوا معي أبدا ولن)} [التوبة: 83] إلى {الخالفين} [التوبة: 83]، فكلام ~~الله هنا: ما أخبر أنهم لن يتبعوا، فأرادوا أن يبدلوا خبر الله ويتبعوه، ~~وكذلك قوله: {وتمت كلمت ربك} أي: أنه لا بد واقع كل ما أخبر به، لا يحيله ~~أحد ولا يغيره. PageV03P2162 # {وهو السميع} أي: السميع لما يقول العادلون الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وغير ذلك مما يقول خلقه، {العليم} بما ~~يؤول إليه أمرهم من صدق وإيمان أو كفر. # قوله: {وإن تطع أكثر من في الأرض (يضلوك)} الآية. # والمعنى: أن هذه الآية نزلت في أكل الميتة، قال المشركون للمسلمين: ~~أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم، فأنزل الله عز وجل خطابا للنبي ~~وأمته: وإن تطيعوا هؤلاء وأكثر من في الأرض فيما دعوكم إليه من أكل الميتة ~~أو أكل ذبائحهم لآلهتهم وما أهلوا به لغير الله، يضلوكم عن الحق، فإنهم ليس ~~يتبعون في أمرهم إلا الظن، وليس ما يصنعون على يقين من أمرهم، إذ ليس عندهم ~~به كتاب ولا رسول، {وإن هم إلا يخرصون} ms0772 الكذب، ويقولون ما لا يحب الله، ~~والله (يعذب) الكفار على ظنهم وجهلهم. قال تعالى: {وما خلقنا السمآء والأرض ~~وما بينهما باطلا} [ص: 27] ثم قال: PageV03P2163 # {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27]. # قوله: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} الآية. # (من) استفهام، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: هو أعلم أي: الناس ~~يضل بمنزلة {أي الحزبين} [الكهف: 12]. # وقيل: موضعها خفض بإضمار الباء. # وقد قيل: هي في موضع نصب، و {أعلم} بمعنى: يعلم، وهذا بعيد، لأن بعده ~~{وهو أعلم بالمهتدين}، فدخول الباء هنا يدل على أن {أعلم} ليس بفعل، إذ لو ~~كان فعلا لم يصل بالباء، لا يقال: " هو يعلم بزيد " بمعنى: " يعلم زيدا ". PageV03P2164 # فالمعنى: أن الله أعلم بأهل الإضلال عن سبيله، {وهو أعلم بالمهتدين} إلى ~~الحق من غيره. # قوله: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} الآية. # هذا أمر للنبي وأمته أن يأكلوا مما ذبحوا وذكروا اسم الله عليه. وفي هذا ~~دليل على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه متعمدا، ثم بين ذلك فقال: ~~{(فكلوا) مما ذكر اسم الله}، وقال: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 121]. # قوله: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه} الآية. # المعنى: وأي شيء لكم في ترك أكل ما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم ~~الحرام من الحلال؟ # وقرأ عطية العوفي (وقد فصل) بالتخفيف، على معنى: (أبان لكم)، PageV03P2165 # {إلا ما اضطررتم إليه} يريد لحم الميتة للمضطر. # ثم قال: {وإن كثيرا ليضلون} من فتح الياء أضاف الضلال إليهم في أنفسهم، ~~وتصديقه قوله {هو أعلم بمن ضل} [النحل: 125، النجم: 30، القلم: 7] و {قد ~~ضلوا} [النساء: 167، المائدة: 77، الأنعام: 140، الأعراف: 149] و {هم ~~الضآلون} [آل عمران: 90]. # وحجة من ضم أنه أبلغ، لأن كل من أضل غيره فهو ضال، وليس كل من ضل أضل ~~غيره، فالضم أبلغ في الإخبار عنهم. وحجته أيضا، أنهم قد وصفوا قبل بالكفر ~~الذي هو الضلال، فلا معنى لوصفهم بذلك، فوجب وصفهم بأنهم مع ضلالتهم يضلون ~~غيرهم. ms0773 وكذلك الحجة فيما كان مثله مثل {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل ~~عن سبيل الله} [لقمان: 6]، الضم أبلغ لأن شراء لهو الحديث ضلال، PageV03P2166 # (فوصفه بفائدة) أخرى أولى من وصفه بما قد دل عليه الكلام الاول. # فالإضلال - هنا - أمكن من الضلال. وقد أجمع الجميع / على قوله: {فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس} [الأنعام: 144] أنه بالضم، وعلى ~~{فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67]. # قوله: {إن ربك هو أعلم (بالمعتدين)} أي: بمن اعتدى حدوده فتجاوزها. # قوله: {وذروا ظاهر الإثم (وباطنه)} الآية. # المعنى: أن الله أمر بأن يترك الإثم، (علانيته وسره)، قليله وكثيره. # وقيل: الظاهر هو ما نهى عنه من قوله: PageV03P2167 # {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء} [النساء: 22]، والباطن: الزنى، ~~قاله ابن جبير. # وقال السدي: الظاهر: الزواني [اللاتي] في الحوانيت، والباطن: الصديقة ~~تؤتى سرا، (و) قال الضحاك في قوله: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن} [الأنعام: 151] قال: كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنى ويرونه سرا ~~حلالا، فحرم الله السر والعلانية. وقال ابن زيد: الظاهر: التعري والتجرد في ~~الطواف، والباطن: الزنا، وقال في: {ولا تقربوا الفواحش (ما ظهر منها وما ~~بطن)} [الأنعام: 151]: الظاهر: تعريتهم إذا طافوا، والباطن: الزنا. # قوله: {إن الذين يكسبون الإثم} أي: يعملون به، سيجزون به. # قوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} الآية. PageV03P2168 # المعنى: ولا تأكلوا - أيها المؤمنون - مما مات ومما ذبح لغير الله، أو ~~ذبحه (غير) مسلم، أو مما تعمد ترك (ذكر) اسم الله عليه، فإن أكله فسق. # قال ابن عباس: هذا جواب للمشركين حين قالوا للنبي: لا تأكل ما قتل ربك ~~وتأكل ما قتلت. فالمعنى على هذا: إنما هو (النهي) عن أكل الميتة. # ومذهب مالك وأكثر الفقهاء أن المسلم إذا نسي التسمية وذبح، أنه تؤكل ~~ذبيحته. # ومعنى التسمية - عند أكثر المفسرين - في هذه الآية: الملة، لأن المجوس لو ~~سموا ذبائحهم لم تؤكل. PageV03P2169 # وتؤكل ذبائح اليهود والنصارى، لأنهم آمنوا بالتوراة والانجيل. (وكره) ~~مالك ما ذبحوا لكنائسهم ولم يحرمه. # وقوله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم} يعني بذلك ms0774 شياطين فارس، وهم ~~مردتهم من المجوس يوحون إلى أوليائهم من مردة قريش زخرف القول ليجادلوا به ~~المؤمنين. قال عكرمة: كاتب مشركو قريش فارس على الروم، وكتبت فارس إلى ~~مشركي قريش: " إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، (فما ذبحه) ~~(الله) بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه، وما ذبحوا هم يأكلون "، فكتب ~~به المشركون إلى أصحاب محمد، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، ~~فنزلت: {(وإنه لفسق) وإن الشياطين} الآية. PageV03P2170 # وقال ابن عباس: إبليس هو الذي يوحي إلى مشركي قريش، (يقول): كيف تعبدون ~~شيئا لا تأكلون ما قتل. # قوله: {وإن أطعتموهم} أي: في أكل الميتة، {إنكم لمشركون} أي: إنكم مثلهم، ~~وهذا يدل على من حلل ما حرم الله أنه مشرك. قال الحسن وعكرمة: حرم أكل ما ~~لم يذكر اسم الله عليه في هذه الآية، واستثنى من ذلك فقال: {وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5]. # وقوله: {وإنه لفسق} أي: لمعصية. وقيل: لكفر. # والهاء تعود على أكل الميتة، أو على أكل ما ذبح للأصنام وشبهه. # قوله: {أو من كان ميتا فأحييناه} الآية. PageV03P2171 # / روى المسيبي عن نافع (أومن كان) بإسكان الواو. # والمعنى: أن هذا الكلام جرى على التحذير من طاعة المشركين، والأخذ بطاعة ~~المؤمنين، والمعنى: أطاعة من كان ميتا فأحييناه، وهو المؤمن كان كافرا فصار ~~مؤمنا، كطاعة من مثله كمثل من في الظلمات ليس بخارج منها، يتردد فيها، وهو ~~الكفر يتردد فيه الكفار؟، فكان تحقيق ذلك: أطاعة المؤمنين كطاعة الكافر؟. # وهذه الآية نزلت في رجلين مؤمن وكافر: فالمؤمن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، والكافر أبو جهل. # وقيل: المؤمن عمار بن ياسر، والكافر أبو جهل. وقيل: المؤمن حمزة حيي ~~بالإيمان بعد أن كان ميتا بالكفر، وقيل: هو النبي حيي بالنبوة. PageV03P2172 # {كمن مثله في الظلمات} أي: كمن هو في الظلمات، وهي الكفر، يراد به أبو ~~جهل، {ليس بخارج منها} إلى نور الإسلام أبدا. # روي أن أبا جهل رمى النبي بفرث - وحمزة عم النبي عليه السلام، لم يؤمن ~~بعد - فأخبر أبو ms0775 جهل حمزة بما فعل بالنبي، وبيد حمزة قوس، فعلا به أبا جهل ~~غضبا للنبي، فأقبل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى، أما ترى ما ~~جاء به: سفه عقولنا وعقول آبائنا؟. فقال له حمزة رضي الله عنه: ومن أسفه ~~منكم وأحمق حيث تعبدون الحجارة من دون الله؟، أشهد (أن لا) إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله، فحيي بالإيمان الذي وفقه الله إليه، وبقي أبو جهل في ~~ظلمات الكفر حتى مات كافرا، وفيهما نزل {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه} ~~[القصص: 61] يعني حمزة، {كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} [القصص: 61] يريد ~~أبا جهل. PageV03P2173 # ومعنى: {وجعلنا له نورا} قال ابن عباس: يعني بالنور القرآن يهتدي به وقال ~~ابن زيد: (نورا) هو " الإسلام الذي هداه الله إليه ". # قوله: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها}. # المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون، كذلك جعلنا في كل قرية ~~عظماء مجرميها، يعني أهل الكفر والمعصية {ليمكروا فيها}، {وما يمكرون} أي: ~~ما يحيق مكرهم ذلك إلا بأنفسهم، لأن الله من وراء عقوبتهم على ما يمكرون. ~~والأكابر: العظماء، جمع أكبر. # وذكر ابن قتيبة أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير عنده: وكذلك " ~~(جعلنا) في (كل) قرية مجرميها (أكابر) ". فنصب (مجرميها ب (جعلنا) و ~~(أكابر) مفعول ثان ل " جعل "، كأن جعل عنده بمعنى " صير "، يتعدى الى PageV03P2174 # مفعولين. # وحكي عن العرب " الأكابرة " بالهاء. # وقوله تعالى: {ليمكروا فيها} هو مثل {ليكون لهم عدوا} [القصص: 8]، لما ~~كان عاقبة أمرهم فيما تقدم من علمه تؤول إلى ذلك، صار كأنهم جعلوا في كل ~~قرية ليمكروا. # قوله: {وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن} الآية. # المعنى: وإذا جاءت هؤلاء المشركين آية، (أي علامة)، تدل على نبوتك - يا ~~محمد - وصدق ما جئت به، {قالوا لن نؤمن} بما جئتنا به، {حتى نؤتى مثل مآ ~~أوتي رسل الله} أي: حتى نؤتى من المعجزات مثل ما أوتي موسى وعيسى، ثم قال ~~تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} أي: إن الآيات لم يعطها الله من البشر ~~إلا (رسولا)، ولستم ms0776 - أيها العادلون - برسل فيعطيكم الآيات، بل هو أعلم من ~~هو أولى بها. / PageV03P2175 # وقيل: المعنى: الله يعلم من يصلح لنبوته ويختص بالرسالة، كما قال: {ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32]. # (ثم قال): {سيصيب الذين أجرموا صغار} أي: ذلة، أي: هم وإن كانوا أكابر، ~~فستصيبهم ذلة عند الله، ومعنى {صغار عند الله} أي: عند الله صغار. وقيل: ~~المعنى: صغار ثابت عند الله. وقال الفراء: المعنى: صغار من عند الله. # والصغار: المصدر من قول القائل: " صغر صغارا ". # قوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} الآية. # من قرأ (ضيقا) بالتخفيف، فيحتمل أن يكون مخففا " ضيق "، مثل (" ميت، " PageV03P2176 # وميت ")، ويحتمل أن مصدر " ضاق ضيقا ". # ومن قرأ (حرجا) بالكسر، فهو اسم الفاعل ل " حرج يحرج، فهو حرج "، ومن ~~فتحه جعله مصدرا ل " حرج حرجا ". # ومعنى الكسر: ضيقا (ضيقا)، وهو الذي قد ضاق فلم يجد منفذا إلا أن يصعد في ~~السماء، وليس يقدر على ذلك. ومن فتح جعله صفة ل (ضيقا)، كما يقال: " رجل ~~عدل " و " رضى "، فكأنه يجعل صدره شديد الضيق. # ومعنى الآية: من يرد الله أن يهديه للإيمان، {يشرح صدره} أي: يفسحه ويهون PageV03P2177 # عليه ويسهله. # قال النبي عليه السلام - وقد سئل عن هذه الآية: " إذا دخل النور القلب، ~~انفسح وانشرح، قالوا: هل لذلك من علامة تعرف؟. قال نعم، الإنابة إلى دار ~~الخلود، و (التجافي عن) دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ". # وقال ابن جريج: " {يشرح صدره للإسلام} بلا إله إلا الله ". # {ومن يرد أن يضله} أي: إضلاله عن سبيله، {يجعل صدره ضيقا} بخذلانه إياه، ~~وغلبة الكفر عليه. # والحرج: أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذه من شدة ضيقه شيء "، وهو - هنا - ~~الصدر الذي لا تصل إليه موعظة، ولا يدخله نور الإيمان، وأصل (حرجا) PageV03P2178 # أنه جمع " حرجة " وهي الشجرة الملتف بها الأشجار، لا يدخل بينها وبينها ~~شيء من شدة التفافها. # وسأل عمر رجلا من العرب فقال له: ما الحرجة فيكم؟ فقال: الحرجة فينا: ~~الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا ms0777 وحشية ولا شيء، فقال ~~عمر: وكذلك قلب المنافق لا يصل اليه شيء من الخير. # وقال مجاهد: معنى {ضيقا حرجا}: شاكا. وقال قتادة: ملتبسا وقال ابن جبير: ~~لا يجد الإيمان إليه منفذا ولا مسلكا. # وهذه الآية (من) أدل دليل على أن قدرة الطاعة غير قدرة المعصية، وأن كلا ~~القدرتين من عند الله تعالى، لأنه أخبر أنه يشرح صدر من أراد (هدايته، ~~ويضيق صدر من أراد) دفعه عن الإيمان، فتضييقه للصدر منع الإيمان، ولو كان PageV03P2179 # يوصل إلى الإيمان مع تضييق الصدر عنه، لم يكن بين تضييقه وشرحه فرق. # وقوله: {كأنما يصعد في السمآء}: هذا مثل ضربه الله لصدر الكافر في شدة ~~ضيق صدره عن قبول الإسلام ونفوره عنه، فهو بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه، كما ~~أن من تكلف صعود السماء تكلف ما لا يطاق. # ومعنى التشديد - على قراءة من شدد: أنه أتى به على " يتفعل " ثم أدغم ~~كأنه يتكلف شيئا بعد شيء، وكله لا يطيقه. # / ومن قرأ (يصاعد) أراد " يتصاعد "، ثم أدغم، ومعناه: كأنه يتعاطى ما لا ~~يقدر عليه، لأن الله قد خذله عن أن يقبل الإيمان، وضيق صدره عن قبوله. PageV03P2180 # وتحقيق معنى {ضيقا حرجا} - فيمن كسر -: ضيقا جدا، كقولك: " مريض دنف ". ~~ومن فتح فمعناه: ضيقا ذا حرج، كقولك: " رجل عدل "، أي: ذو عدل. # (والرجس) هنا: " ما لا خير فيه "، قاله مجاهد. # وقال ابن زيد: " الرجس: عذاب الله ". # وقال بعض البصريين: الرجز والرجس: العذاب والرجس (و) النجس: الشيء القذر. ~~وقيل: " الرجس: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة ". # قوله: {وهذا صراط ربك مستقيما} الآيتان. # المعنى: وهذا الذي بينا لك في هذه السورة وغيرها، {صراط ربك} أي: PageV03P2181 # طريق ربك، ودينه الذي جعله مستقيما، {قد فصلنا الآيات} أي: بيناها لقوم ~~يذكرون. # (و) قال ابن عباس: " يعني به الإسلام ". # وقوله: {لهم دار السلام} أي: للقوم الذين يذكرون دار السلام، والسلام: ~~اسم من أسماء الله. # فالله هو السلام، والدار: الجنة. وقيل: المعنى: دار السلامة أي: الدار ~~التي يسلم فيها من الآفات. # {وهو وليهم} أي: والله ناصرهم ms0778 بعملهم، أي: جزاء بعملهم. # {مستقيما} تمام. # قوله: {ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن} الآية. # {جميعا} نصب على الحال. والمعنى: واذكر يوم نحشر هؤلاء العادلين (و) PageV03P2182 # أولياءهم من الشياطين، {يامعشر الجن} أي: يقول لهم: يا معشر الجن، ومعنى ~~{قد استكثرتم من الإنس} أي: قد استكثرتم من إضلال الإنس. # {وقال أوليآؤهم} أي: أولياء الشياطين من الإنس، {ربنا استمتع بعضنا ببعض} ~~ومعنى الاستمتاع هنا: (أن) الرجل كان في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: " أعود ~~بكبير هذا الوادي "، فهذا استمتاع الإنس. وأما استمتاع الجن فهو تشريف ~~الإنس لهم واستعاذتهم بهم واعتقادهم أن الجن يقدرون على ذلك. # وقيل: معنى الاستمتاع: أن الجن أغوت الإنس، وقبلت الإنس منها. # وقيل: المعنى: أن الإنس تلذذوا بقبولهم من الجن، (وأن الجن) تلذذوا PageV03P2183 # بطاعة الإنس لهم. # وقالوا: {وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا} وهو الموت. (قال) الله: {النار ~~مثواكم} أي: مقامكم بها خالدين. # وقوله: {إلا ما شآء الله} استثناء ليس من الأول، والمعنى: إلا ما شاء ~~الله من الزيادة في عذابكم. وسيبويه يمثل هذا بمعنى " لكن ". والفراء يمثله ~~بمعنى: " سوى ". # ومثله في " هود ": {إلا ما شآء الله} أي: ما شاء من الزيادة، وقال ~~الزجاج: معنى الاستثناء هنا إنما هو: إلا ما شاء ربك من محشرهم ومحاسبتهم. ~~وقال PageV03P2184 # الطبري: المعنى فيه أنه استثنى مدة محشرهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى ~~جهنم، فتلك المدة التي استثنى الله تعالى من خلودهم في النار. (و) قال ابن ~~عباس: جعل الله أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إلى مشيئته، وروي عنه أنه ~~قال: هذه آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنة ولا ~~نارا. وقال: هذا الاستثناء لأهل الايمان. # {إن ربك حكيم عليم} العليم: هو العالم الذي كمل فيه علمه، والحكيم: / ~~الذي قد أكمل في حكمته، ويكون " الحكيم ": الحاكم، أو بمعنى الحكم. # قوله: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} الآية. # المعنى: وكما فعلنا بهؤلاء ما ذكرنا، نجعل بعضهم لبعض وليا على الكفر PageV03P2185 # بالله، استدراجا لهم وجزاء على مخالفتهم أمر الله، وما اجترحوا من ~~المعاصي. ms0779 # قال مجاهد: يجعل بعضهم وليا لبعض. وقال قتادة: المؤمن ولي المؤمن أين كان ~~وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان. # وقيل: المعنى: يتبع بعضهم بعضا في النار. قال ابن زيد: المعنى: يسلط ظلمة ~~الجن على ظلمة الإنس. وقيل: المعنى: يجعل ظلمة الجن أولياء لظلمة الإنس ~~جزاء بما كانوا يكسبون، وهذا كقوله: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين} [الزخرف: 36] إلى {فبئس القرين} [الزخرف: 38]. # قوله: {يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل} (الآية). # معنى الآية: أنها خبر من الله ما هو قائل لهم يوم القيامة، ومعنى: PageV03P2186 # {يقصون عليكم آياتي} أي: يخبرونكم بحجتي وأدلتي على توحيدي، {وينذرونكم ~~لقآء يومكم هذا} أي: يحذرونكم لقاء عذاب يومكم هذا، وهذا تقريع يكون لهم ~~يوم القيامة على ما سلف منهم. # قال الضحاك: أرسل الله إلى الجن رسلا منهم بدلالة هذه الآية {ألم يأتكم ~~رسل منكم}. # وقيل: معناه: أن (منكم) للإنس خاصة، والرسل من الإنس لا غير، وهذا كقوله: ~~{يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22]، واللؤلؤ إنما يخرج من الملح ~~دون العذب. # وتأول ابن عباس أن رسل الإنس رسل من الله، ورسل الجن رسل (رسل) الله ~~منهم، وهم النذر، وهم الذين سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين. فهذا قول ~~حسن. PageV03P2187 # وقيل: إنه لما كانت الإنس والجن تخاطب وتعقل، قيل: {رسل منكم} وإن كان من ~~أحد النوعين، ومعنى (منكم): أي: منكم في الخلق والتكليف والمخاطبة. # (و) قرأ الأعرج {ألم يأتكم} بالتاء، على تأنيث المخاطبة. # وقوله: {قالوا شهدنا} أخبر الله عنهم بما يقولون يوم القيامة إذا قيل لهم ~~ذلك، ومعنى الشهادة: أنهم شهدوا أن الرسل قد أتتهم بآياته وأنذرتهم عذابه، ~~ولم يؤمنوا، {وغرتهم الحياة الدنيا} أي: غرتهم زينتها فلم يؤمنوا، {وشهدوا ~~على أنفسهم} (بالكفر). # قوله: {ذلك أن لم يكن ربك (مهلك) القرى (بظلم)} إلى {(يعملون)} ~~[الآيتان]. # {ذلك} في موضع رفع على معنى: الأمر ذلك، هذا مذهب سيبويه. وهو PageV03P2188 # عند الفراء في موضع نصب، (المعنى: فعل) ذلك. # والمعنى: لم يكن ربك - يا محمد - مهلك القرى بشرك ms0780 من أشرك وأهل القرى ~~غافلون عن شرك من أشرك، فمعنى {بظلم}: بشرك قوم آخرين فيهم، وهذا مثل: {ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى} [فاطر: 18]. # وقيل: المعنى: لم يكن الله يعاجل قوما بالعقوبة قبل أن يرسل إليهم الرسل، ~~ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة، [فيقولوا]: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ~~فيظلمهم. # وقوله: {ولكل درجات مما عملوا} أي: ولكل عامل - في طاعة أو معصية - منازل ~~ومراتب يبلغه الله إياها، إن خيرا فخيرا وإن شرا (فشرا) وليس الله بغافل ~~عما يعملون. PageV03P2189 # وروي عن النبي أنه قال: " الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء ~~والأرض، وإن العبد - من أهل الجنة - ليرفع بصره فيلمع له برق يكاد يخطف ~~بصره، فيقول: ما هذا؟ فيقال له: هذا نور أخيك فلان. فيقول: أخي فلان!، كنا ~~في الدنيا نعمل جميعا، وقد فضل علي هكذا! فيقال: إنه أفضل منك عملا. ثم ~~يجعل في قلبه الرضى فيرضى بمنزلته ". # قوله: {وربك الغني ذو الرحمة} الآية. # المعنى: وربك - يا محمد - الغني عن عبادة من أمره بالعبادة، وطاعة من ~~أمره بالطاعة؛ وهم المحتاجون إليه، لأن بيده موتهم وحياتهم ورحمتهم ~~وعقابهم. # وقوله: {إن يشأ يذهبكم} معناه: إن يشأ الذي خلق خلقه لغير حاجة منه ~~إليهم، يذهبهم، أي: يهلكهم، {ويستخلف من بعدكم ما يشآء} (أي) يأتي بخلق ~~غيرهم. {كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين}: أي: أنشأكم مكان خلق آخرين، لم يرد ~~أنهم من أصلاب قوم آخرين، انما المعنى: مكانهم. كما تقول: " أعطيتك من ~~دينارك PageV03P2190 # ثوبا "، بمعنى: مكان الدينار ثوبا، وليبس معناه: أن الثوب بعض الدينار. # وقرأ زيد بن ثابت (ذرية) بالكسر، وقرأ أبان بن عثمان (ذرية) بفتح الذال ~~وتخفيف الراء. # قوله: {(إن ما) توعدون لآت} الآية. # المعنى: أن الذي توعدون به - أيها المشركون - آت، أي: واقع بكم، {ومآ ~~أنتم بمعجزين} أي: ليس تعجزون ربكم هربا، (أنتم) في قبضته. # قوله: {قل ياقوم اعملوا على مكانتكم} الآية. # المعنى: قل لهم يا محمد: اعملوا على مكانتكم: أي: على حيالكم وناحيتكم. PageV03P2191 # وقال القتبي: " على موضعكم ". # وتحقيق معناه: اعملوا على ما ms0781 أنتم عليه، كما تقول للرجل: " اثبت مكانك "، ~~أي: اثبت على ما أنت عليه. # وفي الكلام تهديد، فلذلك جاز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه، وهو ~~الكفر، إنما هو توعد وتهديد، كما قال: {فليضحكوا قليلا} [التوبة: 82]، ودل ~~على ذلك قوله: {(فسوف) تعلمون من تكون له عاقبة الدار}، فالمعنى: اثبتوا ~~على ما أنتم عليه إن رضيتم بالنار، فأنا عامل بما أمرني به ربي، فسوف ~~تعلمون غدا من هو على الحق، وتكون له العاقبة الحسنة، {إنه لا يفلح ~~الظالمون}. # وقوله: {من تكون}: (من) في موضع رفع على أنه استفهام، وفعل " العلم " PageV03P2192 # معلق، والجملة في موضع المفعولين. ويجوز أن تكون (من) في موضع نصب، وهي ~~بمعنى: " الذي "، ويكون {تعلمون} بمعنى: " تعرفون "، (و) يتعدى إلى مفعول ~~واحد. # قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث (والأنعام نصيبا)} الآية. # المعنى: أنه حكاية عما كان يعمل أهل الجاهلية: # كانوا يجعلون لله نصيبا من حرثهم وأنعامهم، ولآلهتهم وشياطينهم (نصيبا، ~~وهو) شركاؤهم من الأوثان والشياطين: قال ابن عباس: كانوا يجعلون الطعام ~~حزما، يجعلون منها لله، ومنها لآلهتهم، فكان إذا هبت الريح من نحو الذي PageV03P2193 # جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم /، وإذا ~~هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم، لم يردوه، فذلك ~~قوله: {سآء ما يحكمون} أي: ساء الحكم في حكمهم، قال: وكذلك جعلوا من ثمرهم ~~نصيبا لله، ونصيبا للشياطين ولأوثانهم، فإن سقط من نصيب الله شيء في نصيب ~~الأوثان تركوه، وإن سقط من نصيب الأوثان (شيء في نصيب الله) ردوه في نصيب ~~الأوثان، وإن انفجر من سقي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان والأوثان تركوه، ~~وإن انفجر من سقي ما للأوثان في نصيب الله ردوه (وسدوه)، فهذا ما جعلوا من ~~الحرث، وأما الأنعام: فهو جعلهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وقد ~~ذكر ذلك في " المائدة ". # وقال السدي: كانوا يزرعون زرعا يجعلونه لله يتصدقون به، ويزرعون آخر ~~يجعلونه لآلهتهم وينفقونه عليها، فاذا أجدب ما لآلهتهم، أخذوا ما كان لله ~~فأنفقوه على آلهتهم، ms0782 وإذا أجدب ما كان لله، لم يأخذوا مما لآلهتهم شيئا، PageV03P2194 # (و) يقولون: " لو شاء الله لزكى الذي له ". # وقال ابن زيد: كل شيء جعلوه لله من ذبح لا يأكلونه حتى يذكروا عليه اسم ~~الآلهة، وما كان من ذبح للآلهة لا يذكرون عليه اسم الله. # وفي الكلام حذف، والمعنى: " من الحرث والأنعام نصيبا، وجعلوا لأصنامهم ~~نصيبا "، ودل على ذلك قوله: {وهذا لشركآئنا}. # والفتح في " الزعم " لغة أهل الحجاز، والضم: لغة بني أسد، والكسر: لغة ~~تميم وقيس، وقد أنكر أبو حاتم الكسر، وحكاه الكسائي والفراء. # قوله: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم} الآية. # روي عن ابن عامر (زين) بالضم، (قتل) بالرفع: اسم ما لم يسم فاعله، ~~(أولادهم) بالخفض على الإضافة، (شركاؤهم) بالرفع على إضمار فعل دل عليه PageV03P2195 # (زين)، كأنه قيل: زينه شركاؤهم، وحكى النحويون أنه يجوز: " ضرب زيد عمرو ~~"، كأنه قيل: " ضربه عمرو "، كما قال (الشاعر): # ليبك يزيد ضارع لخصومة. ... كأنه قال: يبكيه ضارع. # وروى أبو عبيد عن ابن عامر (زين) بالضم مثل الأول، (قتل) بالرفع، ~~(أولادهم) بالنصب، (شركائهم) بالخفض على التفريق بين المضاف والمضاف اليه، ~~وهو بعيد في الكلام، وبذلك قرأنا لابن عامر، وهي رواية الشاميين عنه، وإنما ~~يجوز في (الظرف وحروف) الخفض. وقد روي بيت يجوز ذلك فيه وهو: PageV03P2196 # فزججتها متمكنا زج القلوص أبي مزاده وهو بعيد. ... وقد روي عن ابن عامر ~~أيضا مثل القراءة الأولى، إلا أنه خفض الشركاء مع خفض " الأولاد "، فهذا ~~يجوز على أن تبدل " الشركاء " من " الأولاد "، لأن الأولاد شركاؤهم في ~~النسب والميراث. # وأما قراءة الجماعة بفتح الزاي، ونصب (قتل)، وخفض " الأولاد "، ورفع " ~~الشركاء " فهو ظاهر الكلام ووجهه. PageV03P2197 # ومعنى الآية: (و) كما زين لهؤلاء أن جعلوا لله نصيبا، ولآلهتهم نصيبا، ~~فحكموا فيه بما لا يجب، كذلك زين لكثير من المشركين قتلهم: أن قتلوا ~~أولادهم خيفة العيلة، وهو وأد البنات {ليردوهم} أي: ليهلكوهم، / {وليلبسوا ~~عليهم} أي: فعلوا ذلك (بهم) ليخلطوا عليهم دينهم) فيضلوا، {ولو شآء الله ما ~~فعلوه}: أي: لوفقهم إلى الصواب، ولكن خذلهم فقتلوا ms0783 أولادهم وأطاعوا ~~الشياطين. ولم يضطرهم إلى ذلك، إنما خذلهم وحال بينهم وبين التوفيق. # قوله: {فذرهم وما يفترون} هذا تهدد وتوعد من الله لهم، أي: ذرهم - يا ~~محمد - وما يكذبون، فإني لهم بالمرصاد. PageV03P2198 # قوله: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} الآية. # قرأ أبان بن عثمان (حجر) بالضم (للحاء والجيم). وقرأ قتادة والحسن (حجر) ~~بضم الحاء وإسكان الجيم. وهي لغات في (حجر). # والحجر: الحرام، يقال: حجر وحجر وحجر، وفيها لغة أخرى وهي " حرج " بتقديم ~~الراء، مثل: " جبذ " و " جذب ". # وقيل: معنى " حرج ": ضيق، من قولهم: " فلان يتحرج " أي: يضيق على نفسه. # وعن ابن عباس: (وحرث حرج الراء قبل الجيم، وكذا في مصحف PageV03P2199 # أبي، ومعناه ما ذكرنا. # ومعنى الآية: أن الله حكى عن المشركين أنهم يحرمون ويحللون من عند أنفسهم ~~تخرقا منهم وتقولا بما لم ينزل الله ولا أمر به، و " الحرث " - هنا - (هو) ~~ما ذكر في الآية الأولى من جعلهم لله ثم يردونه إلى آلهتهم، و (الانعام: ~~قيل) إنهم كانوا يجعلون لله أنعاما، فإذا ولدت الأنثى أكلوه، ويجعلون ~~لآلهتهم أنعاما، فإذا ولدت الأنثى عظموه، ويأكلون الميتة مما لله. وقيل: ~~الأنعام هنا (هي) البحيرة وما بعدها مما ذكر في " المائدة ". # والحجر: الحرام، ومنه: {ويقولون حجرا محجورا} [الفرقان: 22] أي: حراما ~~محرما. PageV03P2200 # {وأنعام حرمت ظهورها} هو الحامي: وقيل: هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها. ~~والحامي: البعير الذي يحمى ظهره، وهو الذي قد ألقح ولد ولده، فلا يركب ولا ~~يجز (له وبر)، ولا يمنع من مرعى، وأي إبل ضرب فيها لم (يمنع منها). # والبحيرة: هي التي يبحر أذنها، أي: يشق، ويحرم لحمها على الرجال والنساء. ~~وقيل: البحيرة: ابنة السائبة. والسائبة: الناقة كانت إذا نتجت سبعة أبطن ~~سيبت فلم تركب ولم يجز لها وبر، وبحرت أذن ابنتها وأجريت مجراها. وقد ذكر ~~هذا في " المائدة " بأشبع من هذا. # وقوله: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها}: هو ما ذبحوه لآلهتهم، لا ~~يذكرون اسم الله [عليه]. وقوله: {إلا من نشآء بزعمهم} كانوا يذبحون أشياء ~~لا يأكلها إلا خدمة PageV03P2201 # الأصنام. وقيل: كانت ms0784 البحيرة لا تركب ولا يحمل عليها شيء ذكر عليه اسم ~~الله. # {افترآء عليه} أي: كذبا على الله، سيجزيهم بكذبهم. # وقد روي عن الدوري عن الكسائي (افتراء) بالإمالة، والفتح أشهر، وكذلك ذكر ~~أبو الحارث عن الكسائي، (قال الكسائي) لأنه مصدر لا أميله. # قوله: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام} الآية. # قوله: {خالصة}: أنثت (ما) لتأنيث (الأنعام)، لأن ما في بطونها PageV03P2202 # ملتبس بها، كما قال: # (مشين كما اهتزت رماح) تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # فأنث، لأن المر من الرياح، هذا قول الفراء. وقال الكسائي والأخفش: دخل ~~التأنيث للمبالغة. وقيل: " التأنيث على معنى (ما)، / والتذكير على اللفظ "، ~~كذا قرأ ابن عباس (خالصه) بالتذكير، والمعنى: ما خلص منه حيا لذكورنا. # {ومحرم على أزواجنا} يعني الإناث ". # وقرأ الأعمش (خالص) بغير هاء، على التذكير على اللفظ، ولأن بعده PageV03P2203 # {ومحرم}. # وهذه الآية - في قراءة الجماعة - أتت على خلاف نظائرها في القرآن، لأن ما ~~يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، إنما يتقدم أولا الحمل على اللفظ ثم ~~يليه الحمل على المعنى، نحو: {من آمن بالله} [البقرة: 62] ثم قال: {فلهم ~~أجرهم} [البقرة: 62]، ونحو {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ~~[الرعد: 15] ثم قال: {وظلالهم} [الرعد: 15]، وهو كثير، هكذا يأتي في القرآن ~~وكلام العرب، يتقدم الحمل على اللفظ، ثم يحمل بعد ذلك على المعنى. وهذه ~~الآية تقدم الحمل (فيها) على المعنى فقال: (خالصة)، ثم حمل بعد ذلك على ~~اللفظ فقال {ومحرم}. ومثله قوله: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} ~~[الإسراء: 38]، فقال أولا (سيئة) فأنث وحمل على معنى (كل)، لأنها اسم لجميع ~~ما تقدم مما نهى عنه من الخطايا، ثم قال بعد ذلك (مكروها)، فذكر على لفظ ~~(كل)، وهذا إنما هو على قراءة نافع ومن تابعه. PageV03P2204 # وكذلك {ما تركبون * لتستووا على ظهوره} [الزخرف: 12 - 13]، فجمع " الظهور ~~" حملا على معنى (ما)، ووحد الهاء حملا على لفظ (ما). وحكي عن العرب: " ليت ~~هذا الجراد قد ذهب فأراحنا (من) أنفسه "، فجمع " الأنفس " ووحد الهاء ~~وذكرها. # ومن قرأ (يكن) بالياء، رده على ms0785 لفظ (ما)، ورده أيضا على ما بعده، لأن ~~بعده (فهم فيه)، ولم يقل: " فيها "، والمعنى: (وإن) يكن ما في بطونها ميتة. # ومن رفع (ميتة) جعل " كان " بمعنى " وقع "، وقال الأخفش: التقدير: " وإن ~~تكن في بطونها ميتة "، جعل الخبر محذوفا. PageV03P2205 # ومن قرأ بالتاء، أنث على معنى (ما). وقيل: التقدير: " وإن تكن النسمة ~~ميتة ". # و (هي لما) في بطون الأنعام التي يسمونها الوصيلة، وهي الشاة: كانت إذا ~~ولدت ستة أبطن: عناقين (عناقين)، وولدت في السابع عناقا وجديا، قالوا: وصلت ~~أخاها، فكان لبنها حلالا للرجال حراما للنساء، فإن ماتت أحل لحمها للرجال ~~والنساء، فعابهم (الله) بهذه الأحكام التي لم يؤمروا بها. # ومعنى الآية - في قول ابن عباس - أن الذي ذكروه مما في بطون الأنعام: هو ~~اللبن، جعلوه حلالا للذكور، (وحراما على الإناث. # قال قتادة: هو ألبان البحائر، حللوه للذكور)، وحرموه على الإناث، وإن يكن ~~ميتة اشترك فيه الذكور PageV03P2206 # والإناث. قال ابن عباس: كانت الشاة اذا ولدت ذكرا وذبحوه، أكله الرجال ~~دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، (وإن) كانت ميتة فهم فيه شركاء. ~~قال السدي وغيره: عنى بذلك ما في بطون الأنعام من الحمل، إن ولد حيا، فهو ~~للرجال دون النساء، وإن ولد ميتا أكله الرجال والنساء. # والأزواج هنا: نساؤهم. وقال ابن زيد: الأزواج هنا: بناتهم. {سيجزيهم ~~وصفهم} أي: سيكافئهم وصفهم، أي: على وصفهم، وهو قولهم الكذب، قال قتادة: ~~وصفهم: كذبهم، أي: يجزيهم عليه. # قوله: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} / الآية. # المعنى: قد هلك الذين قتلوا أولادهم وحرموا ما رزقهم الله، وهم الذين ~~تقدم ذكرهم، وقوله {سفها} أي: جهلا منهم، افتراء عليه، أي: كذبا عليه ~~وتخرصا، {قد ضلوا} أي: تركوا الحق في فعلهم، {وما كانوا مهتدين} أي: لم ~~يهتدوا إلى الحق في PageV03P2207 # فعلهم ذلك، ولا وقفوا له. # قال قتادة: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر، كانوا يقتلون بناتهم خوف ~~السباء والفاقة، ونسبوا البنات إلى الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وقوله: ~~{وحرموا ما رزقهم الله}: هو تحريمهم أكل البحيرة والسائبة والوصيلة ms0786 ~~والحامي. # قوله: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} الآية. # هذه الآية إعلام من الله وتذكير لعباده بنعمه، ومعنى {أنشأ} أحدث وابتدع، ~~الجنات وهي البساتين، والمعروشات: ما عرش كهيئة الكرم {وغير معروشات}: ما ~~لم يعرش. # وقيل: المعروشات: ما غرس الناس، وغير معروشات: ما نبت في البر والجبال من ~~غير غرس (الناس) له من الثمرات. وقيل: معروشات: PageV03P2208 # " عليها حيطان ". # {والنخل والزرع} أي: وأنشأ ذلك. {مختلفا} أي: مقدرا فيه الاختلاف ولم ~~ينشأ في أول مرة مختلف، وهذا كما تقول: " لتدخلن الدار آكلين شاربين "، أي: ~~مقدرين ذلك. # والمعنى: " مختلفا ما يخرج منه مما يؤكل ". {والزيتون والرمان} أي: وأنشأ ~~الزيتون والرمان {متشابها} ((أي)) في اللون والمنظر، {وغير متشابه} ((أي)) ~~في الطعم. وقيل: المعنى: أن منه ما يشبه بعضه بعضا في الطعم، ومنه ما لا ~~يشبه بعضه بعضا في الطعم والمنظر. {كلوا من ثمره} أي: من رطبه PageV03P2209 # (وعنبه). # قوله: {حصاده}: بالفتح تميمية، وبالكسر حجازية. # وقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده}: قال سعيد بن جبير: هذا منسوخ بالزكاة، وهو ~~قول عكرمة، وبه يقول الطبري. # و" قال الضحاك: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن ". # وقال ابن عباس: هو منسوخ بالسنة، بقول النبي: العشر ونصف العشر، PageV03P2210 # وهو قول السدي وابن الحنيفة والنخعي؟. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: " هو ما يسقط من السنبل ~~" والآية - على هذا - ندب. # وقال أنس بن مالك: هي محكمة، والمراد بها الزكاة المفروضة، وهو قول الحسن ~~وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم، وهو مروي عن مالك. # واختلف فيه أصحاب الشافعي: فمنهم من تأول عنها أنها منسوخة، لأنه ليس في ~~الرمان ولا في شيء من الثمار زكاة إلا في النخل والكرم. ومنهم من قال: هي ~~محكمة على تأويل مذهبه. PageV03P2211 # وقال سفيان: الآية في شيء آخر سوى الزكاة، وهو أن [يدع] المساكين لما ~~يسقط من الحصادين، (وهي) محكمة. و (قد) قيل: إنها على الندب. # وقد عورض من قال: إنها في الزكاة المفروضة، بأن هذه الآية مكية والسورة ~~كذلك، ولم يختلف العلماء أن ms0787 الزكاة إنما فرضت بالمدينة، ولو كانت الزكاة ~~المفروضة لوجب أن تعطى وقت الحصاد على نص الآية وقد جاءت السنة أن الزكاة ~~لا تعطى إلا بعد الكيل. # وفي / الآية: {ولا تسرفوا} فلا يجوز أن يكون هذا في الزكاة، لأنها معلومة ~~محدودة، ويجب أن تكون الزكاة في كل الثمر ولو كانت في الزكاة المفروضة، ~~وهذا لا يقوله أحد، وقد قال أبو حنيفة: إن في كل ما أخرجت الأرض الزكاة إلا ~~الحطب PageV03P2212 # والحشيش والقصب. # فخص الآية ولم يجرها على عمومها، وتفرد بذلك. # وروي أن قوله {ولا تسرفوا} نزل في ثابت بن قيس لما صرم نخله خلى بين ~~الناس وبينه كله فلم يبق لأهله شيئا منه، فنزل {ولا تسرفوا}، أي: في العطاء ~~فتبقوا لا شيء لكم. # ولم يختلف العلماء أن في أربعة أشياء الزكاة: الحنطة والشعير والتمر ~~والزبيب. # وجماعة منهم على أنه لا تجب الزكاة إلا في هذه الأربعة، وهو قول الحسن ~~والشعبي والثوري وابن المبارك وابن أبي ليلى والحسن بن PageV03P2213 # صالح وابن سيرين ويحيى بن آدم وغيرهم. # وزاد ابن عباس على هذه الأربعة: الزيتون (والسلت. # وزاد الزهري على هذه الأربعة: الزيتون) والحبوب كلها. وهو قول عطاء وعمر ~~بن عبد العزيز ومكحول ومالك والأوزاعي والليث، وهو قول PageV03P2214 # الشافعي بالعراق، ثم رجع بمصر. عن الزيتون فلم ير فيه زكاة، قال: لأنه ~~أدم وليس يؤكل بنفسه. # وهذا كله يدل على أن الآية منسوخة، إذ ليس أحد منهم أوجب ظاهر نص الآية. ~~ومن قال: إنها محكمة وإنها في شيء غير الزكاة، احتج بحديث رواه الخدري عن ~~النبي عليه السلام أنه فسره فقال: " ما سقط عن السنبل " وهذا الحديث، لو صح ~~لكان منسوخا بالإجماع، لأنه قد أجمع على أنه لا فرض في المال سوى الزكاة. # فأما من قال بالندب فهو جائز، إلا أن قائله غير معروف. ومعنى PageV03P2215 # {ولا تسرفوا} - عند ابن المسيب -: لا تمتنعوا من الزكاة المفروضة. # وقال أبو العالية: كانوا يعطون حتى يجحفون في الإعطاء، فأنزل الله {ولا ~~تسرفوا}، وهذا قبل فرض الزكاة. قال السدي: لا تعطوا ms0788 أموالكم فتقعدوا فقراء. # قال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس جد نخلا (له)، فحلف ألا يأتيه أحد إلا ~~أعطاه، فأمسى ليست له ثمرة فأنزل الله {ولا تسرفوا}. # وقال مجاهد: ((و) لا تسرفوا): لا تحرموا ما حرمت الجاهلية من الحرث ~~والأنعام. PageV03P2216 # وقال ابن زيد: هذا للسعاة، أي: لا تأخذوا للولاة ما لا يجب على الناس. # قال أصبغ بن الفرج: (و) لا تسرفوا) (أي) لا تأخذوه بغير حقه ولا تضعوه في ~~غير حقه. # قوله: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} (الآية). # {حمولة} منصوبة ب (أنشأ)، أي: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا مع ما أنشأ ~~من الجنات. # والحمولة: ما حمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار التي لم يحمل عليها بعد، ~~وقيل: الحمولة: الإبل والبقر التي يحمل عليها. PageV03P2217 # وقيل: هي ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك، والفرش: ما لم ~~يحمل عليه من الصغار، وقيل: الفرش الغنم قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. ~~وقال السدي: الفرش: الفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو " حمولة ". ~~قال ابن زيد: " الحمولة ": ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون ". # وقيل: الحمولة المذللة للحمل، والفرش: ما / خلقه الله من الجلود والصوف ~~مما يتمهد عليه ويتوطأ به. # ومما يدل على أنها الإبل والبقر والغنم قوله: {ثمانية أزواج} [الأنعام: ~~143] بعده، فجعل: {ثمانية} بدلا من {حمولة}، ثم فسرها بالإبل والبقر ~~والغنم. فلا معنى للصوف PageV03P2218 # والجلود في قوله: {كلوا مما رزقكم الله} الآية: هذا (أمر للمؤمنين)، ~~معناه: الإباحة لهم بأن يأكلوا من ثمراتهم وحروثهم ولحوم أنعامهم، ولا ~~يحرموا ما حرم المشركون، ثم قال: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} كما اتبعها ~~هؤلاء، بحروا البحائر وسيبوا السوائب. ومعنى {خطوات الشيطان} أي: طرقه التي ~~يتخطى فيها الحلال إلى الحرام والأنعام: الإبل. وقيل: الإبل والبقر والغنم. ~~وقيل: هي كل ما أحله من الحيوان. # قوله: {ثمانية أزواج} الآية. # في نصب {ثمانية} خمسة أقوال: # - قال الكسائي: (هو) منصوب ب {أنشأ} [الأنعام: 141]. PageV03P2219 # - وقال الأخفش: نصبه على البدل من {وفرشا} [الأنعام: 142]- وإن شئت: على ~~الحال. # - وقال علي بن سليمان: (هو) منصوب ب {كلوا}، ms0789 أي: كلوا [لحم] ثمانية ~~أزواج. # - وقيل: هو منصوب على البدل من (ما) على الموضع. # وقوله: {اثنين} بدل من (ثمانية، وكذا {ومن المعز اثنين}. # وقرأ أبان بن عثمان: (من الضأن اثنان) برفع " الاثنين " على الابتداء ~~والخبر. # ومعنى الآية: أن الله نبه المؤمنين على ما أحل لهم لئلا يكونوا كمن ذكر ~~ممن يحرموا ما أحل الله. ومعنى: {ثمانية أزواج} أي: أفراد لأن كل فرد يحتاج ~~إلى غيره، فهو زوج، والثمانية الأزواج قد فسرها (تعالى)، وهي الضأن والمعز ~~والإبل PageV03P2220 # والبقر، وسماها ثمانية وهي أربعة، لأن (كل) واحد: ذكر وأنثى، ألا ترى إلى ~~قوله: {من الضأن اثنين} أي: ذكر وأنثى، وكذلك: {ومن المعز اثنين}، وما بعده ~~مثله. وقوله: {قلءآلذكرين حرم (أم) الأنثيين} أي: ما الذي حرم عليكم فيما ~~زعمتم: (أذكر) الضأن والمعز، أم أنثى الضأن والمعز؟، فإن كان التحريم من ~~جهة الذكر فيجب أن تحرموا على أنفسكم كل ذكر، وأنتم تستمتعون ببعض الذكور ~~وتأكلونه، وإن كان من جهة الأنثى فحرموا كل أنثى، أم حرم عليكم ما اشتملت ~~عليه أرحام (الانثيين؟، فيلزمكم أن تحرموا كل ما اشتملت (عليه) الأرحام، ~~فتحرموا الذكر والأنثى. # قال الطبري: أمر الله نبيه أن يقول لهم ذلك، فإن ادعوا تحريم الذكرين ~~أوجبوا تحريم كل ذكر من ولد الضأن والمعز، وهم لا يفعلون ذلك، بل يستمتعون ~~بلحوم بعض الذكران وظهورها، وإن قالوا: الأنثيين، أوجبوا تحريم كل أنثى من ~~ولد الضأن والمعز على أنفسهم، وهم لا يفعلون ذلك، وإنما هذا إبطال لما ~~ادعوا أن الله حرم عليهم ذلك. PageV03P2221 # {نبئوني بعلم} أي: أخبروني عن علم {إن كنتم صادقين}. # ثم قال: {أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله} الآية. # أي: أجاءكم به نبي، أم حضرتم ربكم إذ أمر بهذا، فسمعتم ذلك منه، وهذا على ~~التبكيت لهم والقطع لحجتهم، ثم قال: {فمن أظلم ممن افترى على الله} أي: ~~اخترق الكذب {ليضل الناس بغير علم} أي: من أشد ظلما منه. # قوله: {قل لا أجد في مآ أوحي إلي} الآية. # المعنى: قل لهم يا محمد: لست أجد شيئا قد ms0790 حرمه الله على / آكل يأكله - ~~فيما أوحي إلي من كتاب الله - إلا الميتة، والدم المسفوح - وهو الجاري ~~السائل - ولحم الخنزير، وما ذبح للأصنام والأوثان: وهو قوله: {أو فسقا أهل ~~لغير الله به} PageV03P2222 # ثم قال تعالى: {فمن اضطر غير باغ} (أي) إلى أكل هذا المحرم، {غير باغ}: ~~(أي يبغي) الميتة، {ولا عاد} في الأكل. وقيل: باغ على المسلمين، من خرج ~~لقطع السبيل، فليس له اذا جاع أن يأكل الميتة، قال ابن جبير. قال ابن عباس: ~~من أكل الميتة غير مضطر فقد بغى واعتدى. وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة. # ومن قرأ (تكون) بالتاء ونصب {ميتة} فتقديره: إلا أن {يكون} المأكولة ~~ميتة. # ومن قرأ بالتاء ورفع " الميتة " جعل " كان " بمعنى " وقع "، وعطف {أو ~~دما} PageV03P2223 # على (أن) المستثناة. # والرجس هنا: النجس. # وفي هذه الآية خمسة أقوال: # - قيل: إنها منسوخة بالسنة، لأن النبي عليه السلام قد حرم لحوم الحمر ~~الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. والآية تدل على أنه لا ~~محرم إلا ما فيها. وهذا قول مردود، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ. # - وقيل: إن الآية محكمة ولا حرام إلا ما فيها. وهو قول ابن جبير والشعبي، ~~وبه قالت عائشة: لا حرام إلا ما في الآية. # - وقال الزهري ومالك بن أنس وغيرهما. الآية محكمة، ويضم ما سنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فيكون داخلا في المحرمات. PageV03P2224 # والقول الرابع: إن الآية جواب لقوم سألوا عن أشياء فأجيبوا عنها، ثم بين ~~النبي عليه السلام تحريم ما لم يسألوا عنه، ودل على ذلك قوله تعالى: {ويحرم ~~عليهم الخبآئث} [الأعراف: 157]. فالنبي عليه السلام يحرم بالوحي الذي في ~~القرآن، ويحرم بما ليس في القرآن، وعلى الناس اتباع ذلك لقوله: {وما ينطق ~~عن الهوى} [النجم: 3]: ولقوله: {وإن تطيعوه تهتدوا} [النور: 54]. # وأكثرهم يرى الضبع صيدا، منهم علي بن أبي طالب وابن عباس. قال عكرمة: ~~رأيتها على مائدة ابن عباس. وأجازه ابن عمر. # وقال أبو هريرة: الضبع نعجة الغنم. وكرهها مالك. PageV03P2225 # وقال الحسن البصري والنخعي والزهري: الثعلب ms0791 سبع. وبه قال مالك، وكذلك روي ~~عن أبي هريرة. ورخص في أكله عطاء وطاوس وقتادة والشافعي وأبو ثور. # وأكثرهم على منع أكل الهر. وبه قال مالك. ورخص فيه الليث. وذكره مجاهد ~~وطاوس ثمن السنور، وبيعه، وأكل لحمه، وأن ينتفع بجلده. # وكلهم على أن ما قطع من الحي مما يؤلمه فهو ميتة. ورخص مالك رحمه الله في PageV03P2226 # جواز قطع ألية الكبش ليكثر لحمه، ومنع من أكل ما قطع. # وكره عمر بن الخطاب إخصاء الذكور، وكذلك ابن عمر، ورخص. فيه الحسن وطاوس ~~وعروة بن الزبير. ولم ير مالك بإخصاء ذكور الغنم بأسا، لأنه صلاح للحومها. # قال ابن عمر: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إخصاء الإبل والبقر والغنم ~~والخيل. # وأكثرهم على منع أكل لحم القرد. # وأجاز الشعبي أكل لحم الفيل، ولم يجزه الشافعي، ومنع من الانتفاع بعظمه. PageV03P2227 # وأرخص مالك لحوم الحيات، يعمل بها الدرياق، وقال: تذكى. # وكره ذلك سفيان والحسن البصري وابن سيرين. # وسئل الأوزاعي عن أكل الذبان، فقال: ما أراه حراما. # وأكثرهم / على جواز شرب أبوال ما أكل لحمه. # وقال مالك رحمه الله: أكره الفأر والعقارب والحية من غير أن أراه حراما ~~بينا، ومن أكل حية فلا يأكلها حتى يذبحها. PageV03P2228 # (وسئلت عائشة رضي الله عنها عن الفأرة، فقرأت: {قل لا أجد في مآ أوحي إلي ~~محرما} إلى آخر الآية، تريد تحليلها). # ولا يجوز - عند الشافعي - أكل شيء مما أبيح للمحرم قتله. # وسئل مالك رحمه الله عن أكل الغراب والحدإ، فقال: لم أدرك أحدا ينهى عن ~~أكل ذلك (ولا يأمر بأكلها. # وكره جماعة أكل الخيل، وكرهه مالك)، وأجازه جابر بن عبد الله وعطاء ~~والحسن وغيرهم، وبه قال الشافعي وابن حنبل. PageV03P2229 # وأكثرهم على إجازة أكل (لحم) الضب والأرنب واليربوع، وهو مذهب مالك ~~والشافعي، ووقف مالك في القنفد. # قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} الآية. # قرأ الحسن {كل ذي ظفر} بالإسكان، وقرأ أبو السمأل {كل ذي ظفر} بكسر ~~الظاء، وأنكر ذلك أبو حاتم. # (و) قوله: {أو الحوايآ} في موضع رفع على ms0792 معنى: " أو إلا ما حملت الحوايا ~~"، PageV03P2230 # فهو عطف على " الظهور "، فتكون داخلة في الذي هو حلال، وكذلك (ما) ~~الثانية داخلة في الحلال، وقيل: هي في موضع نصب، عطف على المستثنى وهو ~~(ما). وقيل: هو معطوف على " الشحوم "، والمعنى: حرمنا عليهم شحومهما أو ~~الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فتكون الحوايا داخلة في ~~التحريم على هذا، و (ما) الثانية عطف عليها. # ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه أنه حرم على اليهود - جزاء ببغيهم - كل ذي ~~ظفر، وهو من البهائم (و) الطير ما لم يكن مشقوق [الأصابع] كالإبل والنعام ~~والإوز والبط، وأنه حرم عليهم شحوم ثروب الغنم والبقر. وقيل: إنما حرم PageV03P2231 # عليهم كل شحم غير مختلط بعظم ولا على عظم. # وقال السدي: الذي حرم عليهم هو شحوم الثروب و [الكلى]. {إلا ما حملت ~~ظهورهما}: يعني شحوم الجنب والظهر ونحوه. # وواحد " الحوايا ": " حاوياء "، مثل نافقاء، هذا مذهب سيبويه. وقال ~~الكسائي: واحدها " حاوية "، مثل ضاربة. وهي ما تحوى في البطن ويستدير، وهي ~~" المباعر "، فاستثنى في الحلال ما حملت الحوايا، فهذا يدل على عطف " ~~الحوايا " على " الظهور " في موضع رفع. وأكثرهم على أن الحوايا: المباعر، ~~تدعى عند العرب: " المرابض ". # {أو ما اختلط بعظم}: يعني شحم الألية وشبهه حلال. PageV03P2232 # وقيل: واحد الحوايا " حوية ". # قوله تعالى: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة} الآية. # المعنى: فإن (كذبك) - يا محمد - (هؤلاء) اليهود فيما أوحينا إليك أنا ~~حرمنا عليهم، {فقل: ربكم ذو رحمة واسعة} بالمؤمنين، تسع المسيء والمحسن ~~منهم، ولا يعاجل من كفر به بالعقوبة، {ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} إذا ~~أراد حلوله بهم، و " المجرمون ": الذين أجرموا أي: اكتسبوا الذنوب واجترحوا ~~السيئات. # وكان نزول هذه الآية بسبب أن اليهود قالت: لم يحرم الله علينا شيئا، إنما ~~حرم إسرائيل على نفسه الثرب وشحم الكليتين، فنحن نحرمه. فذلك قوله: {فإن ~~كذبوك}، أي: قالوا: لم يحرم الله علينا ذلك، فقل: ربكم ذو رحمة واسعة. # / قوله: {سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا} (الآية). PageV03P2233 # والمعنى: سيقول المشركون من ms0793 قريش وغيرهم - الذين تقدم ذكرهم - إذا تبين ~~لهم أنهم على باطل، قالوا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، ثم أخبرنا الله أن ~~قولهم هذا (قد) قال به من كان قبلهم حتى نزلت بهم العقوبة، وهو قوله: {كذلك ~~كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} أي: نزلت بهم عقوبة فعلهم. # وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية فقالوا: إن الله لم يشأ شرك المشركين، لأن ~~الله لم يذكر هذه الآية إلا على جهة الذم لهم في قولهم: إن الله لو شاء ما ~~أشركوا. فأضافوا ما هم عليه من الشرك أنه عن مشيئته كان ولو أن قولهم صحيح. ~~ما ذمهم عليه. قالوا: فدل ذلك على أن الله لم يشأ شرك المشرك. # وفي قوله تعالى - بعد الآية -: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} ~~[الأنعام: 144، الأعراف: 37، يونس: 17، هود: 18، الكهف: 15] ما يدل على ~~بطلان كذلك، بل الله المقدر لكل أمر من شرك وغيره. # ومعنى: {لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا} أي: لو شاء لأرسل إلى آبائنا ~~رسولا يردهم PageV03P2234 # عن الشرك، فنتبعهم. وقيل: إنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب ~~والاستخفاف، ولو قالوه على يقين وحق لما رد عليهم ذلك. # ثم قال لنبيه: {قل هل عندكم من علم}: (قل) لهم يا محمد: {قل هل عندكم من ~~علم} على ما تقولون وتدعون أن الله رضي ما صنعتم من عبادتكم الأوثان ~~وتحريمكم ما لم يأمركم به؟، {فتخرجوه لنآ} أي: فتظهروا العلم بذلك، وما ~~تتبعون إلا الظن في عبادتكم وتحريمكم، وما أنتم إلا تخرصون، أي: تتقولون ~~الكذب والباطل على الله ظنا بغير علم ولا برهان. # قوله: {قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين} الآية. # والمعنى: {قل} لهم يا محمد بعد عجزهم عن إقامة الحجة فيما ادعوا: لله PageV03P2235 # الحجة البالغة عليكم. ومعنى {البالغة} التي تبلغ مراده في ثبوتها على من ~~احتج بها عليه من خلقه، {فلو شآء} ربكم، {لهداكم} أي: لوفقكم للهدى. وذلك ~~أنهم جعلوا قولهم {لو شآء الله مآ أشركنا} [الأنعام: 148] حجة في إقامتهم ~~على شركهم، جعلوا أن ms0794 كل من كان على شيء من الأديان فهو على صواب، لأنه يجري ~~- فيما يعتقدون - على مشيئة الله. # وهذا يريدون به إبطال الرسالة، إذ لا معنى لها على هذا القول فيقال لهم: ~~فالذين على خلافكم في الدين، أليس هم أيضا على مشيئة الله؟، فينبغي أن لا ~~تقولوا إنهم ضالون، والله يفعل ما يشاء، قادر على أن يهدي الخلق أجمعين، ~~وليس للعباد عليه أن يفعل بهم كل ما يقدر عليه، لا معقب لحكمه، ولا راد ~~لفعله. # قوله: {قل هلم شهدآءكم} الآية. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن الله حرم عليهم ما ذكروا من ~~الأنعام والحروث وغيرها: هاتوا شهداءكم يشهدون أن الله حرم عليكم ما ذكرتم، PageV03P2236 # {فإن شهدوا} أي: فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حرم ما يزعمون، {فلا ~~تشهد معهم} فإنهم كذبة. # وهذا خطاب للنبي، والمراد به أصحابه. # {ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا} أي: لا تتابعهم على ما هم عليه من ~~التكذيب وتحريم ما لم يحرم الله، {والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون} أي: يجعلون / له عديلا، أي: ولا تتبع أهواء هؤلاء أيضا. # قوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآية. # (ألا تشركوا): (أن) في موضع نصب على البدل من (ما). وقيل: هي في موضع نصب ~~على معنى: " كراهة ألا تشركوا "، ويكون - على ذلك - المتلو عليهم غير ~~الإشراك. # ويجوز أن تكون في موضع رفع على معنى: " هو (أن لا) تشركوا " PageV03P2237 # فيكون متلوا كالقول الأول، و {تشركوا} في موضع جزم على أن (لا) للنهي، ~~وهو اختيار الفراء، قال: لأن بعده: " ولا تفعلوا كذا ". # وإن شئت جعلت {ألا تشركوا} خبرا في موضع نصب، كما تقول: " أمرتك ألا تذهب ~~إلى زيد "، و " ألا تذهب " بالجزم والنصب. ولك أن تجعل {ألا تشركوا} نصبا، ~~وما عطفته عليه جزما على النهي. # قوله: {ما ظهر}: {ما} في موضع نصب بدل من {الفواحش}. # قوله: {ذلكم وصاكم به}: " ذلك " في موضع رفع على معنى: الأمر ذلكم. ويجوز ~~أن يكون في موضع نصب على معنى: بين ذلكم. PageV03P2238 # ومعنى ms0795 الآية: {قل} يا محمد لهؤلاء المحرمين ما لم يحرمه الله عليهم: {قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} حقا يقينا (ووحيا) أوحي إلي، (وتنزيلا) ~~أنزله علي: {ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} أي: وأوصى بالوالدين ~~إحسانا، {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} أي: خشية الفقر، فإن الله هو رازقكم ~~وإياهم، وعنى بالأولاد هنا: الموؤدة التي زين قتلها للمشركين شركاؤهم، ~~والإملاق: (مصدر " أملق) الرجل من (الزاد) " إذا فني زاده وافتقر، {ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} أي: الظاهر منها والباطن. # والظاهر: هو ما كان من الزنى الظاهر، والباطن: هو ما كان منه في خفاء، ~~قاله السدي وغيره. وقيل: هو كل منهي عنه وكل محرم (و) لا يأتونه ظاهرا ولا ~~باطنا. وقيل: إنهم كانوا يستقبحون الزنى (الظاهر) ولا يرون بأسا PageV03P2239 # بالبالطن، فنهوا عن الظاهر والباطن، قاله الضحاك. وقيل: الظاهر: الجمع ~~بين الأختين وتزويج الرجل امرأة أبيه بعده، والباطن: الزنى: قاله ابن عباس. ~~وقال ابن جبير: {ما ظهر}: نكاح الأمهات، {وما بطن}: الزنى. # قوله: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} أي: بنفس مؤمنة أو ~~معاهدة أو يزني وهو محصن، أو يرتد عن دينه الحق ولا يعود، {ذلكم وصاكم به} ~~أي: هذا الذي وصاكم به وإيانا، {لعلكم تعقلون} أي تعقلون ما وصاكم به. ~~{عليكم} تمام إن جعلت (أن) رفعا. # قوله: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} الآية. # والمعنى: وأوصى ألا تقربوا مال اليتيم، {إلا بالتي هي أحسن}: يعني ~~التجارة فيه. وقال السدي: يثمر ماله. PageV03P2240 # وقال الضحاك: يبتغي له فيه الربح ولا يأخذ من ربحه شيئا. وقال ابن زيد: ~~أن يأكل بالمعروف إن افتقر، ولا يأكل منه إن استغنى. # {حتى يبلغ أشده}: الحلم عند مالك وغيره. قال السدي: {أشده}: ثلاثون سنة. ~~وروي عنه: ثلاث وثلاثون. وقيل: بلوغ الأشد: أن يؤنس مع بلوغ الحلم. وهذا ~~قول حسن، وبه يقول أهل المدينة. # ومعنى: {حتى يبلغ أشده} أي: فإذا بلغ فادفعوا إليه ماله إن آنستم منه PageV03P2241 # قوله رشدا، هذا المعنى محذوف من الكلام ms0796 للدلالة عليه، إذ / لو تركنا ~~والظاهر، ولم نقدر حذفا، لكان المعنى: أن يقرب ماله إذا بلغ أشده، لأن ~~النهي إنما وقع على المدة التي هي قبل الأشد. قوله: {وأوفوا الكيل ~~والميزان} أي: لا تبخسوا الناس الكيل والميزان، ولكن اعطوهم حقوقهم، ~~(بالقسط) أي: بالعدل، {لا نكلف نفسا إلا وسعها}: أي: لا نكلفها في إيفاء ~~الكيل والوزن إلا طاقتها، لا نضيق عليها إلا أن تعطي الحق مبلغ طاقتها، ~~قوله: {وإذا قلتم فاعدلوا} أي: إذا تكلمتم بين الناس فأنصفوا وقولوا الحق، ~~ولو كان الذي يتوجه عليه الحق ذا قرابة منكم، فلا تحملنكم قرابته على القول ~~بغير الحق. # وقيل المعنى: إذا شهدتم فقولوا الحق ولو كان المشهود عليه ذا قرابة منكم. ~~{وبعهد الله أوفوا} أي: بوصيته التي وصاكم بها أوفوا، {ذلكم وصاكم PageV03P2242 # (به)} أي: وصاكم الله بهذه الأمور التي في هاتين الآيتين، وأمركم بالعمل ~~بها لا بما قد سننتم من البحائر والسوائب والوصائل والحامي وقتل الأولاد ~~ووأد البنات وتحريم بعض الأنعام واتباع خطوات الشيطان، {لعلكم تذكرون} أي: ~~أمركم بذلك لعلكم تذكرون نعمته عليكم وما قد هداكم إليه. # وكان ابن عباس يقول: هذه الآيات من الآيات المحكمات. وقال كعب: - وقد سمع ~~رجلا يقرأ {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} [الأنعام: 151]-: والذي نفس ~~كعب بيده إن هذا لأول شيء في التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم: {قل تعالوا ~~أتل ما حرم ربكم} [الأنعام: 151] إلى آخر الآية. # قوله: {وأن هذا صراطي مستقيما (فاتبعوه)} الآية. PageV03P2243 # قوله {وأن هذا} من فتح، جعلها في موضع نصب عطف على {ألا تشركوا} ~~[الأنعام: 151]، أو في موضع رفع عطف على {ألا تشركوا} [الأنعام: 151] على ~~مذهب من أضمر الابتداء مع {ألا تشركوا} [الأنعام: 151]. # ومذهب الفراء أنها في موضع خفض بإضمار الخافض، تقديره عنده: " ذلكم وصاكم ~~به وبأن هذا صراطي "، وهذا بعيد، لأن المضمر المخفوض لا يعطف عليه إلا ~~بإعادة الخافض عند سيبويه وجميع البصريين. ومن خفف (أن) جعلها مخففة من ~~الثقيلة. وقيل: خففها عطفا على أن لا تشركوا)، فخفف كما كان المعطوف PageV03P2244 # عليه مخففا. ms0797 ويجوز أن تكون (أن) في موضع رفع بالابتداء. # ويجوز أن تكون مخففة حكمها حكم المثقلة. ويجوز أن تكون (أن) زائدة ~~للتوكيد. # و {هذا} في موضع رفع على قراءة من خفف ومن جعل (أن) زائدة، وفي موضع نصب ~~على قراءة من شدد. # ومعنى الآية: وهذا الذي وصاكم به ربكم - في هاتين الآيتين - وأمركم ~~بالوفاء به: هو صراطه، أي: طريقه. ودينه المستقيم، (أي) الذي لا اعوجاج به، ~~{فاتبعوه} أي: اجعلوه منهاجا تتبعونه، {ولا تتبعوا السبل} أي: تسلكوا طرقا ~~غيره، {فتفرق بكم عن سبيله} أي: عن طريقه ودينه، وهو الإسلام، {ذلكم وصاكم ~~به}: وصاكم بذلكم {لعلكم تتقون}. # قوله: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما} الآية. PageV03P2245 # {تماما} مفعول من أجله، وقيل: مصدر، و {أحسن} فعل ماضي صلة {الذي}، وأجاز ~~الكسائي والفراء أن يكون (اسما) نعتا " للذي " في موضع جر، وأجازا: " مررت ~~بالذي أخيك "، ينعتان " الذي " بالمعرفة / وما قاربها. وهذا خطأ عند ~~البصريين، لأن " الذي " لم يتم بعد، فكيف ينعت بعض الاسم؟. والمعنى عند ~~البصريين: تماما على (المحسن). # وأجاز الكسائي والفراء أن يكون {الذي} بمعنى " الذين " هنا. وقال المبرد: ~~تقديره: تماما على الذي أحسنه (الله) إلى موسى من الرسالة، والهاء محذوفة. # قال مجاهد: معناه تماما على المحسنين، ومعناه: أنه آتاه الكتاب فضيلة له ~~على PageV03P2246 # ما آتى المحسنين من عباده. فهذا يرد قول الكسائي والفراء: إن {الذي} ~~بمعنى " الذين ". وروي عنه أن المعنى: تماما على (المحسن)، فهو اسم للجنس ~~كله من المحسنين، كما قال البصريون. # قال الحسن: كان في قوم موسى محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتابا تماما ~~على المحسنين، وقرأ ابن مسعود: (تماما على الذين أحسنوا). وقيل: المعنى: ~~تماما على الذي {أحسن} موسى من طاعة ربه. # وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق (تماما على {تماما} {الذي} {أحسن} PageV03P2247 # بالرفع على إضمار " هو " والمعنى: تماما على الذي هو أحسن الأشياء. # قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} الآية. # المعنى: وهذا القرآن - الذي أنزلناه إليك - كتاب منزل لنا مبارك، ~~{فاتبعوه} أي: اجعلوه (إماما) تعملون بما فيه، {واتقوا} أي: احذروا أن ms0798 ~~تضيعوا العمل (بما) فيه وتتعدوه {لعلكم ترحمون}. (فاتبعوه) وقف حسن. # والتقوى: الحذر من مخالفة ما أمر الله في السر والعلانية، وحقيقة ذلك ~~القيام بما أوجب الله لله، وترك ما نهى الله عنه (لله). # قوله: {أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب} الآية. PageV03P2248 # {أن تقولوا}: (أن) في موضع نصب على تقدير: كراهية أن تقولوا. # وقال الفراء: المعنى: (واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب وهو متعلق ~~بالآية التي قبلها. وقيل: المعنى:) لئلا تقولوا، أي: أنزلناه مباركا لئلا ~~تقولوا، أو: كراهية أن تقولوا. # ومعنى الآية: أنها خطاب للمشركين أنه تعالى أنزل عليه كتابا مباركا، ~~وأمرهم باتباعه، وإنما أنزله لئلا تقول قريش - ومن دان بدينها -: {إنمآ ~~أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا}، وهم اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا، ~~ولا نعلم ما (يقرأون)، وما كنا عن دراستهم إلا غافلين، أي: ما نعلم ما هي، ~~لأنه ليس بلساننا، فيجعلوا ذلك حجة لهم، فقطع الله PageV03P2249 # حجتهم بإنزال القرآن بلسانهم، فقال: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} [الأنعام: ~~155] لئلا / (يقولوا: " إنما) أنزل الكتاب على اليهود والنصارى، ولم ينزل ~~علينا شيء "، وفي هذا عذر لهم في تخلفهم عن الإيمان بالتوراة والإنجيل إذ ~~لم ينزل عليهم ولا أرسل موسى وعيسى إليهم. وفيه بيان (أن لا) عذر لهم في ~~التخلف عن الإيمان بالقرآن إذ محمد رسول إلى جميع الخلق، وإذ القول ~~بلسانهم. # قوله: {أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب} الآية. # والمعنى: ولئلا تقولوا: {لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم}، (أي) ~~من هاتين الطائفتين: اليهود والنصارى، ثم قال لهم: {فقد جآءكم} - أيها ~~المشركون - {بينة من ربكم} أي: كتاب بلسانكم تعرفون ما يتلى عليكم فيه، فهو ~~لا يغيب PageV03P2250 # عنكم كما غاب ((عنكم)) ما أنزل على الطائفتين ((من)) قبلكم، إذ هو بغير ~~لسانكم، فهو حجة عليكم {وهدى} أي: بيان للحق، {ورحمة}: أي: لمن عمل به. # وقوله: {فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} أي: من أشد ظلما منكم إذ ~~كذبتم بآيات الله وصدفتم عنها، أي: أعرضتم فلم تؤمنوا بها. {سنجزي الذين ~~يصدفون} أي: سنثيب ms0799 الذين يعرضون عن {آياتنا سواء العذاب} أي: # شديده، {بما كانوا يصدفون} أي: يعرضون عن آيات الله في الدنيا. # قوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة (أو يأتي ربك)} الآية. # (والمعنى): هل ينظر هؤلاء المشركون {إلا أن تأتيهم الملائكة}، يعني عند PageV03P2251 # الموت، تقبض أرواحهم، {أو يأتي ربك} أي: لفصل القضاء بين خلقه في موقف ~~القيامة، {أو يأتي بعضءايات ربك} وذلك طلوع الشمس من مغربها، قاله مجاهد. # ثم قال تعالى: {يوم يأتي بعضءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها} أي: إذا ~~طلعت (الشمس) من مغربها، لم ينفع الكافر إيمانه. روى أبو هريرة أن النبي ~~عليه السلام قال: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها ~~الناس آمن من عليها "، فذلك حين {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكنءامنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا}. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن باب التوبة مفتوح قبل المغرب عرضه ~~مسيرة سبعين عاما، لا يزال مفتوحا حتى تطلع من قبله الشمس "، ثم قرأ الآية. PageV03P2252 # قال عبد الله بن عمر: يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة ~~سنة. # قال النبي عليه السلام: " وآية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال " ~~وقال ابن مسعود: بقي من الآيات أربع: " طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، ~~والدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، والآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من ~~مغربها ". # المعنى: {أو كسبت في إيمانها خيرا} أي (و) عملت في تصديقها بالله عملا ~~صالحا، فمن عمل - قبل الآية - خيرا قبل منه ما يعمله بعد الآية، ومن لم ~~يعمل - قبل الآية - خيرا لم يقبل منه ما يعمله بعد الآية. # ثم قال تعالى: {قل انتظروا} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: انتظروا PageV03P2253 # إتيان الملائكة لقبض أرواحكم، أو يأتي ربكم لفصل القضاء بينكم، أو يأتي ~~بعض آيات ربكم، أي: التي (أنا) منتظر لذلك معكم. # قوله: {إن الذين فرقوا دينهم (وكانوا شيعا)} الآية. # من قرأ (فارقوا) بألف، فمعناه تركوا دينهم / الذي أمرهم الله به، وخرجوا ~~عنه وارتدوا. # ومن قرأ (فرقوا)، ms0800 فمعناه: تنصر بعضهم وتهود بعضهم وتمجس PageV03P2254 # بعضهم، وتصديق ذلك قوله: {وكانوا شيعا} أي: فرقا وأحزابا. وقيل المعنى: ~~آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. قال قتادة: " هم اليهود والنصارى ". وقال مجاهد: ~~هم اليهود. # قال أبو هريرة عن النبي عليه السلام: " هم أهل البدع من هذه الأمة " وروي ~~عن النبي عليه السلام أنه قال: " هم أهل الضلالة والبدع و (أهل) الشبهات من ~~هذه (الأمة) ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هم الخوارج ". PageV03P2255 # (و) قوله: {إنمآ أمرهم إلى الله} نزل هذا قبل إيجاب فرض القتال ثم نسخه ~~الأمر بالقتال في " براءة "، قال السدي وغيره. # وقيل: الآية محكمة، وإنما هو خبر من الله لنبيه أن من أمته من يحدث بعده ~~في دينه، أي يكفر. # وقال ابن عباس: نزلت بمكة ونسخها: {(قاتلوا الذين) لا يؤمنون بالله} ~~[التوبة: 29]. # وقيل: المعنى: إنما أمرهم - في مجازاتهم - إلى الله فينبئهم بما كانوا ~~يفعلون، فهي محكمة خبر من الله لنبيه. # قوله: {من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها} (الآية). # المعنى: من جاء يوم القيامة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم بالتوبة عماهم PageV03P2256 # عليه، فله - من الجزاء - عشرة أضعاف ما يجب له، {ومن جآء بالسيئة} أي: ~~(و) من وافى يوم القيامة - وهو مقيم على مفارقة دينه - فلا يجزى إلا مثل ~~عمله {وهم لا يظلمون}، وليس معنى {فله عشر أمثالها}: " عشر أمثال التوبة "، ~~إنما المعنى: فله ثواب عشر أمثالها. # وقيل: المعنى: " فله عشر حسنات أمثالها "، أي: أمثال الحسنات العشر التي ~~حسنة العامل موازنة لها، فالهاء في {أمثالها} ترجع على الحسنات المحذوفة، ~~وفي حذف الهاء من عشر دليل على أن المعنى: فله عشر حسنات أمثال (حسنة)، وهو ~~من باب حذف المنعوت وإقامة النعت مقامه إن قدرت الانفصال في (أمثالها)، أي: ~~" أمثال لها "، وإن لم تقدر الانفصال، فهو من باب حذف المبدل منه وإقامة ~~البدل PageV03P2257 # مقامه. # وقرأ الحسن: (عشر) منون، (أمثالها) بالرفع على الصفة للعشر. وهي قراءة ~~عيسى بن عمر ويعقوب. # وكن حذف الهاء من (عشر) للحمل على المعنى، لأن المراد: عشر حسنات وقيل: ~~الهاء تعود ms0801 على الحسنة المذكورة # والمثل المجازى به على الحسنة، هو معروف عند الله، لكنه تعالى يجازيه على PageV03P2258 # حسنته (عشرة أمثال) ذلك القدر - الذي هو معلوم عنده - جزاء على الحسنة ~~فإنما يقع التضعيف على قدر معلوم عنده يجازي به على حسنة (حسنة) واحدة. # وقال سفيان وغيره: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك، وهو قول ~~مجاهد والقاسم وابن عباس والضحاك والحسن. # وروى قتادة أن النبي عليه السلام كان يقول: " الأعمال ستة: موجبة وموجبة، ~~ومضعفة (ومضعفة) ومثل (ومثل)، فأما الموجبة والموجبة: فمن لقي الله PageV03P2259 # لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقي الله يشرك به شيئا دخل النار / وأما ~~المضعفة (والمضعفة): فنفقة الرجل المؤمن في سبيل الله سبع مائة ضعف، ونفقته ~~على أهل بيته عشر أمثالها. وأما مثل (ومثل): فإذا هم العبد بالحسنة فلم ~~يعملها كتبت له حسنة (واحدة)، وإذا هم بسيئة فعملها كتبت عليه سيئة ". # وقال أبو سعيد الخدري: هذه الآية للأعراب، وللمهاجرين سبع مائة ضعف وقال ~~ابن عمر: هذا للإعراب، وللمهاجرين ما هو أعظم من ذلك. # قال: الربيع: كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، ويؤدون عشر أموالهم ~~فنزلت هذه الآية، ثم نزلت الفرائض - بعد - بصوم (رمضان) والزكاة. PageV03P2260 # قوله: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} الآية. # قوله: {دينا} نصب عند الأخفش (ب (هداني). وقيل: المعنى: أنه نصب ب " ~~عرفني دينا ". كما تقول: " (هو يدعه) تركا ". # وقيل: هو بدل من (صراط) على الموضع. وقيل: هو منصوب على المصدر، والمعنى: ~~فدنت دينا. وقيل: المعنى: هداني فاهتديت دينا، ودل (هداني) على " اهتديت ". # و {ملة إبراهيم} مثله في التقدير. وقيل: هو بدل من " دين ". وشاهد من قرأ PageV03P2261 # (قيما) - بالتشديد - قوله: {ذلك الدين القيم} [التوبة: 36، يوسف: 40، ~~الروم: 30]، و {دين القيمة} [البينة: 5]، و {كتب قيمة} [البينة: 3]، ~~فأجمعوا على تشديد ذلك. # ومن قرأ (قيما) بالتخفيف، جعله مصدرا مثل: الصغر والكبر. و {حنيفا} حال ~~من {إبراهيم}: هو نصب بإضمار " أعني ". # ومعنى الآية: {قل} يا محمد لهؤلاء العادلين: {إنني هداني ربي}، أي: ~~أرشدني ودلني على الصراط المستقيم، أي: ms0802 الطريق القويم، وذلك الحنيفية. # قوله: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي} الآية. PageV03P2262 # روى أحمد بن صالح عن ورش أنه فتح {ومحياي}. وروى داود بن (أبي) طيبة وأبو ~~الأزهر ويونس والأصبهاني عن أصحابه عن ورش بالإسكان. واختار ورش الفتح فيما ~~روى هؤلاء عنه: PageV03P2263 # روى أبو بكر الأدفوي عن أحمد بن إبراهيم عن بكر بن سهل الدمياطي عن أبي ~~الأزهر عبد الصمد عن ورش أنه اختار من نفسه الفتح. # ومعنى الآية: {قل} يا محمد لهؤلاء العادلين، {إن صلاتي ونسكي} أي: ذبحي، ~~{ومحياي} أي: حياتي، {ومماتي} أي: وفاتي، {لله} أي: ذلك كله له خالصا. # {وبذلك أمرت} أي: أمرني ربي، {وأنا أول المسلمين} أي: أول من خضع وذل ~~لربه. PageV03P2264 # وقرأ ابن (أبي) إسحاق وعيسى وعاصم الجحدري (ومحيي) بياء شديدة من غير ~~ألف، ووجه ذلك أن ياء الإضافة يكسر ما قبلها، فلما لم يكن سبيل إلى كسر ~~الألف، غيرت الألف إلى الياء وأدغمت في الياء التي بعدها، جعل قلبها عوضا ~~من تغييرها إلى الكسر. # والنسك هنا: الذبح في الحج والعمرة. # قوله: {قل أغير الله أبغي (ربا)} الآية. # (و) المعنى: {قل} (يا محمد لهم): {أغير الله أبغي ربا}، أي: طلب ربا {وهو ~~رب كل شيء} أي: مالك كل شيء. PageV03P2265 # وأصل " الرب " أنه مصدر " ربه يربه (ربا)، إذا قام بصلاحه. وإنما سمي به، ~~كما قيل: " رجل عدل " و " رضى "، فرب الدار، معناه: مالكها، وحقيقته ذو ~~ملكها. # {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} (أي لا تجترح (إثما إلا) عليها)، أي: لا ~~تؤخذ نفس إلا بما كسبت، {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا يؤخذ أحد بذنب ~~آخر، كل ذي إثم معاقب بإثمه. # وحقيقة / معناه: أن الله أمر نبيه عليه السلام أن يخبر المشركين أنهم ~~مأخوذون بآثامهم، وأنا لسنا مأخوذين بإجرامكم ولا معاقبين بها، {ثم إلى ~~ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون}. # قوله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} الآية. # " جعل " - هنا - بمعنى " صير "، فلذلك تعدت إلى مفعولين. وإذا كانت بمعنى ~~" خلق " تعدت إلى مفعول واحد. PageV03P2266 # ومعنى الآية: أنها خطاب ms0803 للنبي وأمته، والمعنى: والله (الذي) جعلكم تخلفون ~~من كان قبلكم من الأمم، والخلائف: جمع خليفة. # وقيل: هذا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم آخر الأمم، قد خلفوا في ~~الأرض من كان قبلهم من الأمم، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ~~وقيل: سموا (خلائف)، لأن بعضهم (يخلف بعضا) إلى قيام الساعة. # {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} أي: فضل هذا على هذا بسعة الرزق (و) بالقوة، ~~{ليبلوكم} أي: (ليختبركم فيما) آتاكم من ذلك، فيعلم الشاكر من غيره، ~~والمطيع من العاصي، {إن ربك سريع العقاب} أي: لمن (لم) يتبع أمره و (ينته) ~~عن نهيه. وإنما وصف عقابه بالسرعة من أجل أن الدنيا بعيدها قريب. PageV03P2267 # {وإنه لغفور} أي: غفور لمن تاب وأطاعه، و {رحيم} بترك عقوبته على سالف ~~ذنوبه. PageV03P2268 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأعراف مكية # قوله: {المص}. # قال الكسائي المعنى: هذا كتاب أنزل إليك. PageV04P2269 # وقال الفراء المعنى: الألف واللام والميم والصاد، كتاب. # ويلزم الفراء أن يكون بعد هذه الحروف - أبدا - كتاب وليس الأمر كذلك، ~~ويلزمه ألا تكرر. # وقال ابن عباس معناه: أنا الله الملك الصادق. # وعنه معناه: أنا الله أفصل. PageV04P2270 # وروي عنه: أنه اسم من أسماء الله، أقسم ربنا به. # وعن قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. # قوله: {وذكرى}. # في موضع رفع على العطف على: {كتاب} عند الكسائي. # و {كتاب} مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: هذا كتاب. PageV04P2271 # وقيل: {ذكرى} مرفوعة على إضمار مبتدأ، وهو قول البصريين. # وقيل: هو في موضع نصب على العطف على المعنى؛ لأن المعنى: كتاب أنزلناه ~~إليك، فعطف على " الهاء " المقدرة، وهو قول الكسائي أيضا. # وقيل: نصبه على المصدر، وهو قول البصريين أيضا. # وقيل: هو في موضع خفض على العطف، على معنى {لتنذر}؛ لأن معناه للإنذار ~~وللذكرى. # و" الهاء " في: {منه}، تعود على الكتاب. PageV04P2272 # وقيل: على الإنذار. # وقيل: على التكذيب الذي دل عليه المعنى. # و {لتنذر به}، يراد به التقديم؛ أن " اللام " متعلقة ب: {أنزل}. # ومعنى الآية: هذا يا محمد، كتاب أنزلناه إليك، {لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين}، أي: يذكرون ms0804 به الآخرة، فلا يكن في صدرك ضيق منه. PageV04P2273 # قال قتادة، ومجاهد الحرج هنا: الشك، المراد به المرسل إليهم لا النبي، ~~وهو قول ابن عباس، وغيره. # وذكر الزجاج، وغيره: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " إني أخاف أن ~~يثلغوا رأسي PageV04P2274 # فيجعلوه كالخبزة ". # فالله أعلم نبيه، صلى الله عليه وسلم، أنه في أمان منهم، فقال: {والله ~~يعصمك من الناس} [المائدة: 67]. # وكان منه هذا الخوف بمكة. # ومن رفع " الكتاب " بإضمار مبتدأ، أجاز الوقف على {المص}. # ومن رفعه ب: {المص}، لم يقف عليها. PageV04P2275 # ومن رفع الكتاب بإضمار مبتدأ، أضمر للهجاء ما يرفعه، كأنه قال: هذه ~~الحروف، هذا {كتاب}. # قوله: {اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم} الآية. # فمعنى الآية: قل، يا محمد، [لهم]: {اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم}، وهو ~~القرآن. # {ولا تتبعوا من دونه أوليآء}، أي: أمر أولياء يأمرونكم بالكفر. # و" الهاء " في {دونه} للرب. # وقيل: ل {ما}. # ونصب قوله: {قليلا}، على معنى يذكركم تذكيرا قليلا، أو وقتا قليلا ~~تذكركم. PageV04P2276 # وفي هذه الآية، دليل على ترك اتباع الآراء مع النص. # قوله: {وكم من قرية أهلكناها} الآية. # {كم} في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن تكون في موضع نصب، بإضمار فعل ~~يفسره: {أهلكناها}، ولا يقدر إلا بعدها، وهو بمنزلة: أيهم ضربته. # ومعنى الآية: أنها تحذير للكافرين، أن ينزل بهم من البأس، ما نزل بمن كان ~~قبلهم بتكذيبهم. # ومعنى الكلام: أنه إخبار عن إهلاك القرى، والمراد أهلها؛ لأن القرى إنما ~~هي/ PageV04P2277 # بأهلها، فإذا هلكت هلك أهلها، ودل على ذلك قوله: {أو هم قآئلون}، فرجع ~~إلى الإخبار عن الأهل. # وقيل المعنى: وكم من أهل قرية. # وقوله: {أهلكناها}، ثم قال: {جآءهم بأسنآ} [الأعراف: 5]، إنما معناه ~~أردنا إهلاكها، فجاءها البأس. PageV04P2278 # وقيل المعنى: {أهلكناها} بمنعنا إياها التوفيق إلى الطاعة، فجاءها البأس. # وقيل: إن الهلاك هو البأس بعينه، ففي كل واحد معنى الآخر، وسواء بدأ ~~بالبأس أو بالهلاك، وهو كقولك: " زرتني فأكرمتني "، إذا كانت " الزيارة " ~~هي " الكرامة "، فسواء عليك ما قدمت أو أخرت. # وقيل: الفاء هنا بمعنى الواو فلا يلزم الترتيب. ms0805 # و {أو} هنا للإباحة. # وكان يجب أن يقول: أو وهم قائلون، إلا أنه إذا كان في الجملة عائد لم ~~يحتج PageV04P2279 # إلى الواو. # وقد قال الفراء: " الواو " محذوفة. # وقال غيره: حذفت " الواو " لئلا تجمع بين حرفي العطف، وهي: " واو الوقت " ~~عند بعض النحويين. # ولو جعل مكان {أو} " الواو " لفسد المعنى؛ لأنه يصير المعنى: أن البأس ~~جاءهم في الليل، وهم قائلون، وهذا لا يمكن؛ لأن القائلة إنما هي نصف ~~النهار، والبيات فعل في الليل. PageV04P2280 # قوله: {فما كان دعواهم [إذ جآءهم بأسنآ]}، الآية. # المعنى: فما كان دعوى أهل القرية التي جاءها البأس إلا اعترافهم على ~~أنفسهم بأنهم كانوا ظالمين. # و" الدعوى " في كلام العرب، على وجهين. # تكون: " الدعاء "، تقول: # " اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك، قال الله: {فما كان دعواهم}، أي: ~~دعاؤهم. وقال: {فما زالت تلك دعواهم} [الأنبياء: 15]، أي: PageV04P2281 # دعاؤهم. # والوجه الآخر: الإدعاء للحق. # و {دعواهم} هنا، إنما قالوه حين عاينوا البأس، لا قبله ولا بعده. وذلك أن ~~الرسل كانت تعدهم بالسطوة من الله وتخبرهم بأمارة ذلك وعلامته ليزدجروا، ~~فلما عاينوا علامات ما أوعدوا به، أقروا بالظلم على أنفسهم. # قوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم} الآية. # المعنى: فلنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما بلغتها ~~الرسل من أمري ونهيي؟ [{ولنسألن المرسلين}، أي]: ولنسألن الرسل: هل PageV04P2282 # بلغت وأدت ما أرسلت به. # فسؤال الأمم سؤال توبيخ وتقرير، وهو عالم بما عملت، (وسؤال الرسل) سؤال ~~تحقيق على الأمم؛ لأن الأمم قالت: {ما جآءنا من بشير ولا نذير} [المائدة: ~~19] فأخبرت الرسل عند السؤال أنها قد بلغت، وأن الأمم التي أنكرت كاذبة في ~~قولها. # فسؤال الرسل، إنما هو على وجه الاستشهاد على الأمم. وسؤال [الأمم] المرسل ~~إليهم على وجه التقرير بما عملوا، لا أنه تعالى يسأل مسترشدا مستثبتا؛ لأن ~~هذا صفة من لا علم عنده، بل هو لا إله إلا الله، عالم بتبليغ الرسل، وبما ~~أجابتهم به الأمم. # وهذا يدل على أن الكفار يحاسبون ويسألون. PageV04P2283 # قوله: {فلنقصن عليهم بعلم} الآية. # والمعنى: فلنخبرن الرسل والمرسل إليهم بعلم ms0806 يقين عما عملوا في الدنيا. # قال ابن عباس معنى {فلنقصن عليهم بعلم}: أنه ينطق عليهم كتاب عملهم. # {وما كنا غآئبين}. # أي: عن أعمالكم وأفعالكم. # قوله: {والوزن يومئذ الحق [فمن ثقلت موازينه]} الآية. # والمعنى: ووزن الأعمال يومئذ الحق. # {فمن ثقلت موازينه}. # أي: من كثرت حسناته. قاله مجاهد. PageV04P2284 # وقيل المعنى: فمن ثقلت موازين حسناته. وهو " ميزان " له لسان وكفتان، ~~كالذي يعرفه الناس. # قال عبيد بن عمير: يجعل الرجل العظيم الطويل/ في الميزان، فلا يزن جناح ~~بعوضة. # ووزن الأعمال في الميزان، هو نظير إثبات الله إياها في أم الكتاب، ~~واستنساخه ذلك في الكتب من غير حاجة إلى ذلك، وهو العالم بكل ذلك، وإنما ~~فعل ذلك تعالى، ليكون PageV04P2285 # حجة على خلقه، فيحتج عليهم بما عاينوا وفهموا وعرفوا من ذنوبهم. # قال تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} ~~[الجاثية: 29]، فكذلك وزن أعمال العباد حجة عليهم، ليعلموا التضييع الذي ~~فعلوا، أو يفهموه عن قرب على ما عملوا. # فأما وزن الأعمال وهي أعراض، فإنما يحدث الله خفة في جانب السيئات، وثقلا ~~في جانب الحسنات، على ما يشاء لمن أراد، كل ذلك احتجاج منه على خلقه، ~~وتقريع لهم بما عملوا، وهذا مثل استنطاق أيديهم وأرجلهم بما عملوا في ~~الدنيا، حجة منه عليهم، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. PageV04P2286 # ومعنى: {[و] من خفت موازينه}. # أي: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بالتوحيد لله، والإيمان ~~برسوله. # {فأولئك الذين خسروا أنفسهم}. # أي: غبنوا أنفسهم حظوظها من الثواب. # {بما كانوا بآياتنا يظلمون}. # الظلم هنا: الجحود لآيات الله. # قال سلمان الفارسي: يوضع الميزان يوم القيامة، ولو وضع في كفته السموات ~~والأرض لوسعتها، فتقول الملائكة: ربنا ما هذا؟ فيقول تعالى: أزن به لمن شئت ~~من خلقي، فتقول الملائكة: ربنا ما عبدناك حق عبادتك. PageV04P2287 # وقال مجاهد، " الميزان ": هنا: الحسنات والسيئات نفسها. # وقيل: " الميزان ": الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. # والذي جاءت به الآثار أنه " الميزان " المعروف. # {يومئذ الحق}، وقف حسن. # قوله: {ولقد مكناكم في الأرض}. # لام ms0807 {لقد} لام توكيد. # روى خارجة عن نافع أنه قرأ: {معايش}، بالمد والهمز، PageV04P2288 # وكذلك روي عن عبد الرحمن الأعرج - ولا يجوز ذلك عند جماعة النحويين، لأن ~~الياء أصلية، وإنما تهمز الزائدة. وروى الأصبهاني عن أصحابه عن ورش: ~~{معايش} الياء ساكنة - وهو غلط؛ لأنها غير " مفاعل " والميم زائدة؛ PageV04P2289 # لأنها من " العيش ". # ومعنى الآية: ولقد جعلنا لكم في الأرض قرارا ومهادا، وجعلنا لكم فيها ~~{معايش} أي: ما تعيشون به. # وقيل المعنى: وجعلنا (لكم) فيها ما تتوصلون به إلى المعيشة. شكرا قليلا ~~تشكرون على هذه النعم. PageV04P2290 # و {معايش} وقف. # قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} الآية. # قوله: {ثم صورناكم}. # قال الأخفش، وقطرب: {ثم} هنا بمعنى " الواو ". # ومنع ذلك سائر البصريين. والمعنى عندهم فيه: ولقد ابتدأنا خلق آدم، ثم PageV04P2291 # صورناه، {ثم قلنا للملائكة اسجدوا} له بعد تمام خلقه. ودليله قوله تعالى: ~~{كمثلءادم خلقه من تراب ثم قال له كن [فيكون]} [آل عمران: 59]. # وقيل المعنى: {ولقد خلقناكم} أيها الناس في ظهر آدم، {ثم صورناكم}، يعني ~~ذريته، في أرحام النساء في صورة آدم. # قاله ابن عباس وغيره. # وقال السدي المعنى: {ولقد خلقناكم}، أي: خلقنا آدم، {ثم صورناكم} يعني: ~~ذريته في الأرحام. # وأخبر عن خلق آدم بلفظ الجماعة؛ لأنه الأصل/ للجميع، فكأن (خلقه) PageV04P2292 # خلق الجميع. # والعرب تجعل مخاطبة الرجل لأبائه المعدومين، ومنه قول الله تعالى عز وجل: ~~{ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} [البقرة: 63]، فالخطاب لمن كان ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به من تقدم من آبائهم. فكذلك ~~هذا الخطاب للمؤمنين، والمراد به الخبر عن أبيهم آدم، صلوات الله عليه. ~~وكذلك قال قتادة. # وقال عكرمة المعنى: {ولقد خلقناكم} أيها الناس نطفا في أصلاب آبائكم، {ثم ~~صورناكم} في الأرحام. PageV04P2293 # وكذلك روى سفيان عن الأعمش أنه فسره كذلك. # وقال مجاهد المعنى: {ولقد خلقناكم} يعني: آدم، {ثم صورناكم} في ظهر آدم. # وقيل المعنى: {ولقد خلقناكم} في بطون أمهاتكم، يعنى: النطفة والعلقة، {ثم ~~صورناكم} بعد ذلك في البطون. PageV04P2294 # واختار الطبري، قول من قال: (معناه): ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه. ms0808 # قال: لأن بعده: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}، ومعلوم أن الله (تعالى) ~~قد أمر الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام)، قبل أن يصور أحدا من ذريته في ~~بطون أمهاتهم. # و {ثم} للتراخي فيما بين ما بعدها وما قبلها. # وقال بعض أهل النظر: إن في الكلام تقديما وتأخيرا؛ وإن ترتيبه: ولقد ~~خلقناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. # وهذا بعيد عن النحويين؛ لأن " ثم " لا يجوز أن يراد بها التقديم على ما ~~قبلها من الخبر. فقد أنكر هذا القول النحاس، وغيره. PageV04P2295 # وقوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}. # فعل تعالى ذلك بعد خلق آدم (عليه السلام) ابتلاء منه لهم، واختبارا لتتم ~~مشيئته التي تقدمت في إبليس، فيعلم ذلك طاهرا وظهورا يجب عليه العقاب (لهم] ~~والثواب، فسجد جميعهم إلا إبليس. # وقال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازنا على الجنان، ~~وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض، فعصى، فمسخه الله (سبحانه) ~~شيطانا رجيما. # قال ابن جريح: ومن يقل من الملائكة إني إله من دونه، لم يقله إلا إبليس PageV04P2296 # دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية. # قال قتادة: {ومن يقل منهم إني إله [من دونه]} [الأنبياء: 29]، هذه الآية ~~خاصة لعدو الله إبليس (اللعين) لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيما. # قال ابن عباس: لما قتل إبليس الجن الذين عصوا الله ( عز وجل) في الأرض، ~~وشردهم، أعجبته نفسه، فلذلك [امتنع] من السجود واستكبر على ربه [سبحانه]. # قوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} الآية. PageV04P2297 # هذا السؤال من الله (تعالى) سؤال تقرير وتوبيخ؛ لأنه، تعالى، قد علم ذلك ~~منه. # و" لا " زائدة مؤكدة. # والمعنى: ما منعك أن تسجد. # وقيل: إن " لا " غير زائدة وإن في الكلام حذفا. والمعنى: [ما منعك] من ~~السجود وأحوجك ألا تسجد؟ فحذف " أحوجك " لدلالة الكلام عليه. وهو اختيار ~~الطبري. # وقيل المعنى: (إن) المنع هنا بمعنى " القول " و " لا " غير زائدة، PageV04P2298 # والتقدير: من قال لك ألا تسجد إذ أمرتك بالسجود: ودخلت " أن " كما تدخل ~~في كلام هو بمعنى القول، ولفظه ms0809 مخالف للفظ القول كقولهم/ " ناديت أن لا تقم ~~"، و " حلفت ألا تجلس " فلما كان المنع بمعنى القول، وليس من لفظه دخلت " ~~أن ". # وقيل: إن المنع لما كان معناه الحول بين المرء وبين ما يريده، فالممنوع ~~مضطر إلى خلاف ما منع منه، فلما كان معنى المنع هذا، كان تقدير الكلام: ما ~~اضطرك إلى أن لا تسجد. # وقوله: {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}. # هذا خبر من الله ( عز وجل) عما قال إبليس، إذ قال له الله: {ما منعك ألا ~~تسجد}، فقال إبليس: أنا أفضل منه؛ لأني من نار، وهو من طين، ففضل عليه كفضل ~~النار على الطين. فجهل عدو الله الحق، وأخطأ طريق النظر، إذ كان معلوما أن ~~من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب، والارتفاع والذي في جوهرها من ذلك ~~هو الذي حمل الملعون بعد الشقاء الذي سبق له من الله ( عز وجل) على ~~الاستكبار. وكان معلوما أن PageV04P2299 # من جوهر الطين الرزانة والأناة، وذلك الذي حمل (آدم [عليه السلام]) بعدما ~~سبق له عند ربه ( عز وجل) على الندم على الذنب والتوبة منه. ولذلك كان ~~الحسن وابن سيرين يقولان: " أول من قاس إبليس "، يعنيان أنه أخطأ في قياسه ~~في تفضيل النار على الطين؛ وأنها أقوى من الطين. # وقول إبليس: {أنا خير منه} ليس بجواب في الظاهر لمن قال: " ما منعك أن ~~تفعل؟ "؛ وإنما هذا جواب من قال: " أيكما خير؟ "؛ ولكنه جواب محمول على ~~المعنى PageV04P2300 # لا على ظاهر السؤال؛ كأنه لما قيل له: {ما منعك ألا تسجد}، قال: فضلي ~~عليه أني من نار؛ وأنه من طين، فأخبر الملعون عن نفسه بخبر فيه معنى ~~الجواب. # قوله: {قال فاهبط [منها]} الآية. # المعنى: قال الله ( عز وجل) لإبليس عندما صنع: {فاهبط منها}، أي: من ~~الجنة. # {فما يكون لك أن تتكبر فيها}. # أي: ليس لك أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي. أي: لا يسكن في الجنة من ~~يتكبر عن أمري. فأما غير الجنة فالمستكبر يسكنها، وغيره. PageV04P2301 # {فاخرج إنك من الصاغرين}. # أي: أخرج ms0810 من الجنة؛ إنك ممن نالهم الصغار، وهو: الذلة والمهانة. # قوله: {قال أنظرني إلى يوم يبعثون}، الآيتان. # المعنى: إن إبليس علم ألا موت بعد قيام الساعة، فسأل النظرة إلى ذلك ~~الوقت؛ ليصح له الخلود، وذلك لا سبيل لأحد إليه، فقال له [الله]: {فإنك من ~~المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 37 - 38]، وذلك اليوم هو اليوم ~~الذي كتب الله فيه الفناء على جميع الخلائق، فلا يبقى إلا الحي الذي لا ~~يموت. # ولم يجبه الله إلى ما سأل؛ لأنه لم يقل له: {إنك من المنظرين} إلى ما ~~سألت، أو إلى يوم البعث. # قال السدي: سأل إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون، فلم ينظر إلى يوم البعث. PageV04P2302 # وأنظر إلى يوم الوقت المعلوم، [وهو] يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، ~~فيعصق من في السموات ومن في الأرض فيموت. # قوله: {قال فبمآ أغويتني [لأقعدن لهم]}، الآيتان. # المعنى: إن اللعين أقسم ليقعدن لهم، فجعل الإغواء قسما له، كأنه قال: ~~فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم، ثم لأفعلن كذا. # وقيل المعنى: إنه سأل ربه بأي شيء أغواه، قاله ابن عباس. كأنه قال: فبأي ~~شيء أضللتني. # وقيل المعنى: فبما دعوتني إلى شيء ضللت [به] من أجله. PageV04P2303 # وقيل المعنى: / فبما أهلكتني، من قولهم: " غوي الفصيل " إذا هلك من فقد ~~اللبن. # وقيل المعنى: إنه على معنى المجازاة، أي: كما أغويتني أفعل كذا وكذا، ~~وأضلهم كما أضللتني. قال النبي، صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان قعد لابن ~~آدم بطريق الإسلام، فقال له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فعصاه وأسلم. ثم ~~قعد له بطريق الهجرة، فقال له: أتهاجر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر ~~كالفرس في الطول؟ فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جهاد النفس ~~والمال، فقال: تقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ فعصاه وجاهد ". PageV04P2304 # وقيل: {صراطك المستقيم}. (أي): طريقك (القويم)، وهو دين الله الحق، وهو ~~الإسلام وشرائعه. وسمي الدين " صراطا "؛ لأنه الطريق إلى النجاة. # قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم}، الآية. # المعنى: {من بين أيديهم}، من قبل الآخرة فأخبرهم أنه لا بعث، ولا جنة، ms0811 ~~ولا نار. # {ومن خلفهم}: من قبل الدنيا، فأزينها في أعينهم وأخبرهم أنه لا حساب ~~عليهم فيما يعملون. # {وعن أيمانهم}: من قبل الحق. # {وعن شمآئلهم}: من قبل الباطل. # قال ابن عباس: {من بين أيديهم}، أشككهم في الآخرة، {ومن خلفهم}: أرغبهم ~~في الدينا، {وعن أيمانهم}: أشبه عليهم في أمر دينهم، {وعن شمآئلهم}: أشهي ~~لهم PageV04P2305 # المعاصي. # وقال السدي وغيره: {من بين أيديهم}، أدعوهم إلى الدنيا وأرغبهم فيها، ~~{ومن خلفهم}: أشككهم في الآخرة، {وعن أيمانهم}: أشككهم في الحق، {وعن ~~شمآئلهم}: أخفف البال عندهم. # وقيل: {من بين أيديهم}: من قبل دنياهم، {ومن خلفهم}: من قبل آخرتهم، {وعن ~~أيمانهم}: من قبل حسناتهم، {وعن شمآئلهم}: من قبل سيئاتهم، قاله: ابن جريج، ~~وغيره. # وقال مجاهد المعنى: {ثم لآتينهم من بين أيديهم}، {وعن أيمانهم} من حيث ~~يبصرون، {ومن خلفهم}، {وعن شمآئلهم} من حيث لا يبصرون. PageV04P2306 # وقيل: {ومن خلفهم}، يخوفهم في تركاتهم، ومن يخلفون بعدهم. # وقيل: {لآتينهم}، من كل جهة يعملون فيها. # {ولا تجد أكثرهم شاكرين}. # كان ذلك ظنا منه، فكان الأمر على ما ظن، وهو قوله: {ولقد صدق عليهم إبليس ~~ظنه} [سبأ: 20]. # وقيل المعنى: {من بين أيديهم}، من قبل الدين فألبسه عليهم، {ومن خلفهم}: ~~من قبل الشهوات، فأحببها إليهم في الدنيا، {وعن أيمانهم}، من قبل الحق، ~~فأرده باطلا، {وعن شمآئلهم}، من قبل الباطل، فأرده في أعينهم حقا. # قوله: {قال اخرج منها مذءوما مدحورا}، الآية. PageV04P2307 # {مدحورا}: حال، مثل: {مذءوما}، ويجوز أن يكون نعتا ل: {مذءوما}. # وروي عن عاصم أنه قرأ " لمن تبعك " بكسر اللام، والمعنى على هذا: فعل بك ~~ذلك من أجل من تبعك. # ومعنى الآية: أنها خبر من الله، بما قال لإبليس اللعين. # و {منها}: من الجنة. PageV04P2308 # ومعنى: {مذءوما مدحورا}: معيبا. # و" الذأم ": العيب. يقال: " ذأمه ": إذا عابه، فهو مذءوم. # و" الذأم " أبلغ في العيب من الذم، يقال: ذممته وذمته/ بمعنى واحد. # قال أبو عبيدة: " ذأمت الرجل " أشد مبالغة من: " ذممته " و " المدحور ": ~~المقصى المبعد. # وعن ابن عباس {مذءوما}: ممقوتا. PageV04P2309 # و {مدحورا}: مطرودا. # وقاله السدي. # وقوله: {لمن تبعك منهم}. ms0812 # هذا قسم، أقسم الله أن من اتبع إبليس، أن يملأ جهنم منهم، يعني من كفر ~~فاتبعه وصدق ظنه. # قوله: {ويآءادم اسكن أنت وزوجك [الجنة]}، الآية. # هذه الآية مذكور معناها في تفسير سورة البقرة، واختلاف الناس في الشجرة. # قوله: {فوسوس لهما الشيطان}، الآية. PageV04P2310 # قرأ ابن عباس: ويحيى بن أبي كثير: " ملكين " بكسر " اللام ". أي: من ~~الملوك الذين في الدنيا. # ومن فتح " اللام " فمعناه: من الملائكة. # والمعنى: فالقى إليهما قولا حملها على ركوب النهي. # ومعنى {ليبدي لهما}،: ليظهر سوآتهما التي هي مستورة، وحلف لهما أني PageV04P2311 # ناصح لكما في أن ربكما إنما نهاكما عن أكل الشجرة، كراهة أن تكونا ملكين، ~~أو كراهة أن تخلدا في الجنة. # ومعنى {[و] قاسمهمآ}، حلف لهما، مثل طارقت النعل وعاقبت اللص. # وقال قتادة: حلف لهما بالله، وقال: أنا خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، ~~فاتبعاني أرشدكما. PageV04P2312 # {فدلاهما بغرور}. # أي: غرهما باليمين التي حلف لهما، وكان آدم، (صلوات الله [عليه])، يظن ~~أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا، فغره ذلك. # قال ابن عباس: كانت الشجرة التي نهيا عن أكلها، السنبلة، فلما أكلا بدت ~~سوآتهما، أي: تقلص النور الذي كان يسترهما، فصار أظفارا في الأيدي والأرجل، ~~وظهرت سوآتهما لهما، فعمدا يلزقان ورق التين بعضها إلى بعض، فانطلق آدم ~~موليا في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله: آي آدم أمني تفر؟ PageV04P2313 # فقالا: لا، ولكني استحييت منك يا رب! فقال: أما كان لك فيما منحتك من ~~الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا ~~يحلف بك كاذبا. # قال ابن جبير: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله. # ومعنى " وسوس ": زين وألقى، وحسس المعصية حتى أكلا. # وقد تقدم ذكر دخول إبليس الجنة في فم الحية، وكانت إذ ذاك دابة لها أربع ~~قوائم، كأنها البعير كاسية، فأعراها الله، وأزال قوائمها عقوبة لها. PageV04P2314 # و " اللام " في {ليبدي}: لام العاقبة، بمنزلة: {فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8]. # ولما حملها على الأكل تقدمت حواء للأكل، وأبى ms0813 آدم أن يأكل، فأكلت حواء، ~~وقالت: يا آدم كل فإنه لم يضرني فأكل، ف: {بدت لهما سوءاتهما PageV04P2315 # وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}. # قال مجاهد: يعنى: يرقعانه كهيئة الثوب. # ومعنى (طفقا): جعلا. # وأتت الأخبار عن النبي، عليه السلام، أن الله تعالى خلق آدم يوم الجمعة، ~~ويوم الجمعة خرج من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه قبضه. # وكان مقدار مكث آدم في الجنة خمس/ ساعات. # وقيل: ثلاث ساعات. # وقال ابن عباس: كان مكث آدم نصف يوم من أيام الآخرة، وخرج بين الصلاتين: ~~الظهر والعصر. # قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه،: أطيب أرض بالأرض ريحا الهند، هبط ~~آدم بها، PageV04P2316 # فعلق شجرها من ريح الجنة. # وقال ابن زيد: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فجاء في طلبها حتى أتى " ~~جمعا " فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت " المزدلفة "، وتعارفا بعرفات، فلذلك ~~سميت " عرفات "، واجتمعا بجمع، فلذلك سميت " جمعا ". # وأهبطت الحية بأصبهان، وإبليس بميسان. # وقيل بساحل بحر الأبلة. # ولما أهبط آدم إلى الأرض، أهبط على جبل يسمى: " بوذ "، وكان أطول PageV04P2317 # جبال الأرض، فكان آدم عليه السلام، رجلاه على الجبل ورأسه في السماء، ~~فكان يسمع تسبيح الملائكة ودعاءهم، وكان (آدم) يأنس لذلك، فهابته الملائكة، ~~فخفضه الله إلى الأرض إلى ستين ذراعا فاستوحش، فشكا إلى الله في دعائه، ~~فوجه إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من الجنة، فكانت في موضع البيت فلم يزل ~~يطاف بها حتى نزل الطوفان، فرفعت حتى بعث الله إبراهيم، فبناه. # وكان أصل الطيب عند جماعة من أهل التفسير: الورق الذي طفق آدم وحواء ~~يخصفانه على أنفسهما نزلا به إلى الدنيا. # وقيل: إنه خرج ومعه صرة من حنطة. # وقيل: إن جبريل أتاه بها حين استطعم، أتاه بسبع حبات فوضعها في يد آدم، ~~فقال آدم: وما هذا؟، فقال له جبريل: هذا الذي أخرجك من الجنة، فعلمه ما ~~يصنع به. PageV04P2318 # قال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، (فكان) يحرث عليه، ويمسح ~~العرق، وهو قوله: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} [طه: 117]. # ومعنى {فدلاهما بغرور}، (أي): خدعهما. # واللام ms0814 في (قوله): {ليبدي} هي مثل اللام في: {ليكون لهم عدوا وحزنا}؛ لأن ~~إبليس لم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة {[بدت لهما] سوءاتهما} إنما حملهما ~~على ركوب المعصية لا غير. فكان عاقبة أمرهما لما أكلا ظهور سوءاتهما، فجاز ~~أن يقول: فوسوس لهما ليبدي لهما لما أل أمرهما إلى ظهور سوءاتهما، كان كأنه ~~فعل ذلك PageV04P2319 # بهما لتظهر سوءاتهما. # قوله: {قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا} الآية. # المعنى: قال آدم وحواء: ربنا قد ظلمنا أنفسنا، أي: تعدينا أمرك فأكلنا ما ~~نهيتنا عنه {وإن لم تغفر لنا} خطيئتنا وتسترها علينا، {وترحمنا} أي: تعطف ~~علينا {لنكونن من الخاسرين}. # قوله: {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو} الآية. # هذا أمر لآدم، وحواء، وإبليس، والحية. # وقيل: هو لآدم وذريته وإبليس وذريته، قاله مجاهد. PageV04P2320 # {ولكم في الأرض مستقر}. # أي: قرار تستقرون به. # قال ابن عباس: هو القبور. # (ومعنى): {ومتاع إلى حين}، أي: متاع تستمتعون به إلى انقطاع آجالكم. PageV04P2321 # وقيل: " الحين " هنا، قيام الساعة. # قوله: {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} (الآية). # المعنى: إنه تعالى أعلم من أهبط، أن في الأرض يحيون ما بقي من أعمارهم، ~~{وفيها تموتون}، ومنها يخرجون في البعث. # قوله: {يابنيءادم قد أنزلنا عليكم لباسا} الآية. # قوله: {قد أنزلنا عليكم لباسا}، واللباس هو: الثياب، وهي/ غير منزلة، لكن ~~لما كان حدوث الثياب من الكتان والقطن، والكتان والقطن إنما يكونان عن ~~النبات بالماء، فالماء (هو) المنزل، فسمى ما يحدث عنه منزلا أيضا؛ لأنه عنه ~~كان، وبه تم، ونما ونبت، وهذا يسمى: " التدريج ": لأن الثياب عن الماء ~~اندرجت. PageV04P2322 # قوله: {ولباس التقوى ذلك خير}. # من نصب " لباسا " عطفه على ما قبله، أي: وأنزلنا لباس التقوى، ويكون ~~الوقف على {التقوى}، و: {ذلك}: مبتدأ، و: {خير} خبره. # و: {ذلك} إشارة إلى ما تقدم مما أخبر أنه أنزل، فمعناه: ذلك الذي أنزلنا ~~خير من كشف العورة والتجرد في الطواف. # ومن قرأ بالرفع، جعله مبتدأ، و: {ذلك} نعت له، و: {خير} خبر الابتداء. PageV04P2323 # والمعنى: ولباس التقوى ذلك [الذي علمتموه] خير من لباس الثياب والزينة. ~~ويكون ms0815 التمام: {وريشا}. # قال المبرد: من قرأ بالنصب، احتمل أن يكون {ذلك} إشارة إلى اللباس خاصة، ~~وأن يكون إشارة إلى ما تقدم، ويكون في الوجهين في موضوع رفع. # ومعنى الآية: إن العرب كانت تتعرى في الطواف اتباعا لأمر الشيطان في ~~سلبهم من ستر الله تعالى. # ويعني بقوله: {أنزلنا عليكم لباسا}، أي خلقناه لكم وعلمناكم كيف تعملونه، PageV04P2324 # وهو ما يستتر به من الثياب. # {يواري سوءاتكم}. # (أي): يستر عوراتكم. # وسميت العورة " سوأة "؛ لأن صاحبها يسوءه انكشافها من جسده. # وقوله: {وريشا}. # قرأ المفضل عن عاصم، والحسن [وحسين] الجعفي عن أبي عمرو: PageV04P2325 # " ورياشا " بألف. # قال الفراء: الرياش: جمع ريش، كذئب وذئاب، وبئر وبئار. # ويجوز أن يكون [رياش ك:] " ريش " كما يقال: لبس ولباس فيكونان مصدرين ~~كاللبس واللباس. # و: " الريش " و: " الرياش ": ما ظهر من اللباس والشارة. # وقيل: الرياش: الأثاث. PageV04P2326 # وقد يستعمل " الرياش " في الخصب ورفاهة العيش. # وقيل: الرياش: المعاش. # وقال مجاهد: " الرياش "، المال. # وقال ابن زيد: " الرياش ": الجمال. # وقال الضحاك: " الرياش " المال. وقد (روي) عن ابن عباس ذلك. PageV04P2327 # وقوله: {ولباس التقوى}. # فقال قتادة، والسدي، وابن جريج: هو الإيمان. # وقيل: هو الحياء. # وقال ابن عباس: هو العمل الصالح. # وعن ابن عباس أيضا: هو السمت الحسن في الوجه. # وكذلك روي عن عثمان، رضي الله عنه، أنه فسرها على المنبر كذلك. PageV04P2328 # وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله، ( عز وجل) . # وقال ابن زيد: هو ستر العورة. # وقيل هو: لبس الصوف، والخشن من الثياب، مما يتواضع به لله، ( عز وجل) . # وقيل: هو استشعار النفوس تقوى الله ( عز وجل) في ما أمر به، ونهى PageV04P2329 # عنه. # وهو اختيار الطبري. # وقال يحيى بن يحيى: {ولباس التقوى}: الخشوع، والوقار، وحسن السمت، مع ~~العمل بما يشبه ذلك، رواه عنه ابن حبيب. # واختار المبرد، والطبري قراءة النصب؛ لأنه كله توبيخ للمشركين في تعريهم ~~وكشفهم سوآتهم طاعة منهم لإبليس، ليفعل بهم ما فعل بأبيهم آدم PageV04P2330 # (عليه السلام)، في الجنة، وبحواء، / إذ خدعهما حتى بدت لهما سوآتهما. # ودل على ذلك ما بعده، من قوله: {يابنيءادم لا يفتننكم ms0816 الشيطان} [الأعراف: ~~27] الآية، وما بعدها من الآيات. # وقوله: {ذلك من آيات الله}. # أي: ذلك الذي أنزلته عليكم، من مصالحكم آية، وحجة عليكم لعلكم تذكرون ~~نعمه وآياته. # قوله: {يابنيءادم لا يفتننكم الشيطان}، الآية. # هذه الآية تحذير من الله ( عز وجل) لبني آدم ألا يخدعهم الشيطان كما فعل ~~بآدم وحواء عليهم السلام. # قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر فنزع ذلك عنهما، وتركت الأظفار تذكرة ~~وزينة. PageV04P2331 # وقال عكرمة: أدركت آدم التوبة عند ظفره، وكان لباسه الظفر. # وقال مجاهد {ينزع عنهما لباسهما}، التقوى. # قوله: {إنه يراكم}، أي: الشيطان. # {وقبيله}، جيله. # وقال ابن زيد: نسله. PageV04P2332 # وقيل: جنوده وأصحابه. # روي: أن الله، جل ذكره جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم ~~مساكن لهم إلا من عصمه [الله]، ( عز وجل) . # قوله: {إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون}. # أي: نصراء للكافرين على كفرهم، يزيدونهم في غيهم عقوبة لهم على كفرهم، ~~كما قال: {[ألم تر أنآ] أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم [أزا]} [مريم: ~~83]، أي: تحملهم على المعاصي حملا شديدا، وتزعجهم إلى الغي. PageV04P2333 # وقرأ أبو عمرو (إنه يريكم)، بالفتح. # قوله: {وإذا فعلوا فاحشة} الآية. # الفاحشة في هذا الموضع: طوافهم عراة. # وكانت المرأة تطوف ليس عليها غير الرهاط، والرهاط جمع رهط، وهي: خرقة من ~~صوف. PageV04P2334 # يقولون: نطوف كما ولدتنا أمنا عراة، [وإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ ~~قالوا: نطوف كما ولدتنا أمنا] وعلى ذلك وجدنا آباءنا والله أمرنا بها. # ثم قال تعالى: {قل} يا محمد،: {إن الله لا يأمر بالفحشآء}، أي: لا يأمر ~~خلقه بقبائح الأمور: {أتقولون على الله ما لا تعلمون}. # {بالفحشآء} وقف. # {بها} وقف. # قوله: {قل أمر ربي بالقسط} الآية. # المعنى: قل، يا محمد لهم: {أمر ربي بالقسط}، أي: بالعدل. # {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد}. PageV04P2335 # أي: وجهوا وجوهكم عند كل مسجد إلى الكعبة، وحيثما صليتم إليها. # وقيل معناه: اجعلوا سجودكم لله ( عز وجل) . # وقيل: المعنى إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد، فصل فيه، ولا تقل: أؤخر ~~حتى آتي مسجد قومي. # وهذا عطف محمول على المعنى؛ ms0817 لأن معنى {أمر ربي بالقسط}،: يقول لكم [ربي] ~~أقسطوا وأقيموا وجوهكم، [فعطف أقيموا وجوهكم]، على أقسطوا، الذي في المعنى ~~لا في اللفظ. PageV04P2336 # {وادعوه مخلصين له الدين}. # أي: الطاعة. # ثم قال تعالى: {كما بدأكم تعودون}. # هذا احتجاج عليهم إذ أنكروا قوله: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون} [الأعراف: 25]، وهو متصل به ومعناه: ليس بعثكم أشد من ابتدائكم. # ومعنى: {كما بدأكم تعودون}، أي: كما بدأكم أشقياء وسعداء، كذلك تبعثون ~~يوم القيامة، كما قال: {[هو الذي] خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن: ~~2]، وقال بعده: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة}، وهو قول مجاهد، PageV04P2337 # قال: من بدأه سعيدا بعثه يوم القيامة سعيدا، ومن بدأه شقيا بعثه يوم/ ~~القيامة شقيا. # وعن مجاهد أيضا أنه قال: كما خلقكم تكونون كفارا ومؤمنين. # وعن ابن عباس نحوه. # فلا تقف على هذا القول إلا على: {الضلالة}، لا تقف على: {تعودون}؛ لأن ~~{فريقا}، {وفريقا} حالان. PageV04P2338 # وقيل: المعنى: كما خلقكم، ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون بعد الفناء، أي: ~~كما خلقكم، كذلك يبعثكم بعد موتكم، وهو قول الحسن وقتادة. فتقف على هذا على ~~{تعودون}. # ثم قال: {إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون}، ~~أي: على هدى. PageV04P2339 # وقال الأخفش وأبو حاتم: {كما بدأكم} تمام. # وقيل: {تعودون} التمام. # ومن قال معنى الآية: كما خلقكم أشقياء وسعداء {تعودون}، لم يقف إلا على: ~~{الضلالة}، وهو قول الكسائي. # قوله: {يابنيءادم خذوا زينتكم} الآية. # هذا خطاب لهؤلاء القوم الذين كانوا يتعرون في الطواف، فأمروا بالكسوة PageV04P2340 # {عند كل مسجد}. # قال السدي: " الزينة "، ما يواري العورة، قال: وكانوا يحرمون الودك ما ~~أقاموا بالموسم، فقال لهم الله ( عز وجل) : { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}، ~~أي: في التحريم. # وقال ابن زيد: {[و] لا تسرفوا}: لا تأكلوا حراما. # [و] قال علي رضي الله عنه: ليس في الطعام سرف. PageV04P2341 # قال ابن عيينة: ليس في الحلال سرف؛ إنما السرف في ارتكاب المعاصي. # (والإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله، عز وجل، أن يؤكل منه ~~شيء، أو تأكل مما أحل لك ms0818 فوق القصد ومقدار الحاجة، فأعلم الله، عز وجل، أنه ~~لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله، عز وجل، فهو في النار، نعوذ بالله من ~~النار). # وروى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم، " قال في قوله [تعالى]: ~~{خذوا زينتكم عند كل مسجد}، قال: صلوا في النعال ". # فستر العورة فرض بهذه الآية على أبصار جميع الناظرين، إلا الأزواج، أو ما ~~ملكت الأيمان. PageV04P2342 # وقيل معنى: {ولا تسرفوا}، [أي]: لا تحرموا الحلال، كما حرم أهل الجاهلية ~~البحيرة، والسائبة، وغير ذلك. # قوله {قل من حرم زينة الله} الآية. # والمعنى: {قل} يا محمد، لهؤلاء الذين يتعرون في الطواف، ويحرمون ما لم ~~يحرم الله من طيبات رزقه: {من حرم زينة الله}، أي: اللباس الذي يزين ~~الإنسان بأن يستر عورته، ومن حرم {والطيبات من الرزق}، المباحة. PageV04P2343 # وقيل: عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من السوائب والبحائر. قاله قتادة. # وقال ابن عباس كانت الجاهلية تحرم على أنفسها أشياء أحلها الله (سبحانه) ~~من الرزق، وهو قول الله ( عز وجل) : { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق} ~~[يونس: 59] الآية. # ثم قال تعالى: {قل}، (لهم) يا محمد {هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~خالصة (يوم القيامة)}. # المعنى، قل لهؤلاء: هذه الطيبات للذين آمنوا في الحياة الدنيا، مثل ما هي ~~للكفار خالصة يوم القيامة للمؤمنين، لا يشركهم فيها كافر. PageV04P2344 # قاله السدي، وغيره. # ووقع الجواب في هذا على المعنى، / كأنهم قالوا: [هي لنا، ما حرمها أحد، ~~فقل لهم: {هي للذين آمنوا} الآية. # وقيل المعنى: [قل]: هي {خالصة يوم القيامة} لمن آمن بي في الحياة الدنيا. ~~وذلك PageV04P2345 # أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم، ثم جعلها الله (تعالى) خالصة للمؤمنين ~~في الآخرة. قاله قتادة، وابن عباس، وغيرهما. # قوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش} الآية. # المعنى {قل} لهم، يا محمد: إن ربي لم يحرم عليكم ما حرمتم على أنفسكم، ~~إنما حرم عليكم الفواحش، الظاهر منا والباطن، والشرك بالله (سبحانه) ما ليس ~~معكم به حجة، وقولكم على الله ما لا تعملون، وحرم ms0819 عليكم الإثم والبغي بغير ~~الحق. # والفواحش: القبائح. # قال مجاهد: {ما ظهر منها}: نكاح الأمهات، {وما بطن}: الزنا. # وقيل: {ما ظهر}: الطواف عريانا، {وما بطن} الزنا. PageV04P2346 # {والإثم}: المعصية. # {والبغي}: الاستطالة على الناس. # قال السدي: {البغي}، أن يبغي على الناس بغير الحق. # وأصل البغي: التجاوز في الظلم. # وقد قيل: إن {الإثم}، الخمر، وهو قول غير معروف، لكن هذه الآية تدل PageV04P2347 # على نص تحريم الخمر؛ لأن الله (تعالى) قد أخبرنا، أن في الخمر إثما، ~~فقال: {قل فيهمآ إثم كبير} [البقرة: 219]، وحرم الله اكتساب الإثم في هذه ~~الآية. # قوله: {ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم} الآية. # [الأمة]: الجماعة. PageV04P2348 # والمعنى: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله، [سبحانه]، وقت لحلول ~~العقاب بها، فإذا جاء الوقت، {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}. # قوله: {يابنيءادم إما يأتينكم رسل} الآية. # آدم مشتق من أدمة الأرض، وهو وجهها. # قال وهب بن منبه في التوراة: إني خلقت آدم، ركبت جسده من أربعة أشياء ثم ~~جعلها وارثه في ولده، تنمى في أجسادهم، وينمون عليها إلى يوم القيامة، رطب PageV04P2349 # ويابس وسخن وبارد، وذلك لأني خلقته من تراب وماء وجعلت فيه نفسا وروحا، ~~فيبوسة جسده من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، ~~وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت (في) الجسد بعد الخلق الأول أربعة أنواع من ~~الخلق أخرى، وهي ملاك الجسد وقوامه، لا يقوم الجسد إلا بهذا، ولا تقوم ~~واحدة إلا بأخرى: المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، والبلغم. ثم أسكنت ~~بعض هذا الخلق في بعض، جعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء، ومسكن الرطوبة ~~في الدم، ومسكن البرودة في البلغم، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء، فأيما ~~بدن اعتدلت به هذا اللفظ الأربع، وكانت كل واحدة منهن فيه ربعا لا تزيد ولا ~~تنقص، كملت صحته واعتدلت بنيته، فإن زادت واحدة منهن عليهن قهرتهن، ومالت ~~بهن، دخل على أخواتها السقم من ناحيتها بقدر ما زادت، وإن كانت ناقصة ملن ~~بها وعلونها، وأدخلن عليها السقم من نواحيهن. قال وهب: وجعل عقله في دماغه، ~~وتمييزه ms0820 في PageV04P2350 # كليتيه، وغضبه في كبده، ومدامته في قلبه، ورغبته في رئته، وضحكه في ~~طحاله، وحزنه وفرحه في وجهه، وجعل فيه ثلاث مائة وستين مفصلا. # ومعنى الآية: أنها تعريف من الله، تعالى، ما لمن آمن بالرسل وأطاع، وما ~~لمن كفر وعصى، فقال: {يابنيءادم/ إما يأتينكم رسل منكم}، أي: من أنفسكم، ~~{يقصون عليكم آياتي}، أي: يتلون، {فمن اتقى وأصلح}، أي: آمن، وأصلح أعماله، ~~{فلا خوف عليهم}، يوم القيامة، ولا حزن يلحقهم على ما PageV04P2351 # فاتهم من دنياهم، التي تركوها. # قال: {والذين كذبوا}، أي: بالرسل، وكذبوهم فيما جاؤا به، {أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون}، أي: ماكثون، لا يخرجون منها أبدا. # **************قوله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} الآية. # المعنى: فمن أخطأ فعلا، {ممن افترى}، [أي]: اختلف على الله الكذب، فقال ~~إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. {أو كذب بآياته}، أي: بعلاماته الدالة على ~~وحدانيته، ونبوة أنبيائه. {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب}، أي: حظهم مما ~~كتب لهم من العذاب وغيره في اللوح المحفوظ. # قال السدي: هو ما كتب لهم من العذاب. PageV04P2352 # وكذلك قال الحسن، وغيره. # وقال ابن جبير: ما هو سبق لهم من الشقوة والسعادة. # وكذلك قال مجاهد، وقال ابن عباس. # [وعن ابن عباس]. أيضا: إن المعنى ينالهم نصيبهم مما كتب عليهم من ~~أعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. PageV04P2353 # وقال قتادة المعنى: ينالهم في الآخرة نصيهم من أعمالهم التي عملوها في ~~الدنيا. # وقيل المعنى: {ينالهم نصيبهم من الكتاب} الذي كتبه الله عز وجل، على من ~~افتى عليه. # وعن ابن عباس أنه قال: {ينالهم نصيبهم}، هو ما قد كتب لمن يفترى على الله ~~أن وجهه مسود. # وقال القرظي المعنى إن: {نصيبهم من الكتاب} هو رزقه، وعمله، وعمره. PageV04P2354 # وكذلك قال الربيع بن أنس. # وكذلك قال ابن زيد. # وقيل: المعنى: {ينالهم نصيبهم من الكتاب}، هو ما كتب عليهم من سواد ~~الوجوه، وزرقة الأعين، قال تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة} [الزمر: 60]. # وقيل: (المعنى)، هو ما ينالهم في الدنيا من العذاب، دون ms0821 عذاب الآخرة، من ~~قوله: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى [دون العذاب الأكبر]} [السجدة: 21]، ~~الآية. PageV04P2355 # وكان الطبري يختار أن يكون المعنى: إنه ما كتب لهم في الدنيا، من خير ~~وشر، ورزق وعمل وأجل، قال: ألا ترى أنه تعالى أتبع ذلك بقوله: {حتى إذا ~~جآءتهم رسلنا يتوفونهم}، فأخبر بآخر أمرهم بعدما نالهم من: {نصيبهم من ~~الكتاب}، وهو الرزق، والعمر، والأجل، والخير والشر. # وقيل: المعنى، إنه قوله تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى} [الليل: 14]، وقوله: ~~{يسلكه عذابا صعدا} [الجن: 17] هذا {نصيبهم من الكتاب}، وهو ينالهم في ~~الآخرة، ومثله: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} [غافر: 71]، ومثله: {في ~~الدرك الأسفل من النار} [النساء: 145]، هذا وشبهه من: {حتى إذا جآءتهم ~~رسلنا يتوفونهم}، الذي ينالهم في الآخرة. # وقوله: {نصيبهم من الكتاب}. # قال الحسن: هذه وفاة إلى النار. # فيقول لهم الرسل: {أين ما كنتم تدعون من دون الله}، هذا/ كله في الآخرة، ~~فيشهدون على أنفسهم بالكفر حينئذ. # وقيل المعنى: إن هؤلاء المفترين ينالهم ما كتب لهم في الدنيا إلى أن ~~يأتيهم PageV04P2356 # {رسلنا}، يعني: ملك الموت وجنوده {يتوفونهم}، أي: يستوفون عددهم من ~~الدنيا إلى الآخرة، {أين ما كنتم تدعون}، أي: قالت الرسل للكفار: أين الذين ~~كنتم تدعونهم من دون الله وتعبدونهم يدفعون عنكم الآن ما جاءكم من أمر الله ~~( عز وجل) ؟ # { قالوا ضلوا عنا}، أي: جاروا، وأخذوا غير طريقنا وتركونا عند حاجتنا ~~إليهم. # ثم قال الله (تعالى): {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين}، أي: عند ~~الموت. # قوله: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم} الآية. # قرأ الأعمش: " (حتى) إشا تداركوا (فيها) "، على الأصل، على تفاعلوا. PageV04P2357 # وقرأ مجاهد: أدركوا، أي: أدرك بعضهم بعضا، وأصله: افتعلوا. # والمعنى: إنها خبر من الله (تعالى)، عما يقول لهؤلاء المفترين المكذبين ~~بالقرآن يقول لهم: {ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم}، أي في الجماعة من ~~أجناسكم، {قد خلت} في النار، {من الجن والإنس}. # وقيل: معنى {في أمم}، أي: مع أمم. # وقوله: {كلما دخلت أمة لعنت أختها}. # أي: كلما دخلت جماعة النار شتمت الجماعة الأخرى التي من أهل ms0822 ملتها. # وعني ب " الأخت " هنا: الأخوة في الدين والملة. PageV04P2358 # قال السدي: يلعن المشركون [المشركين]، واليهود اليهود، والنصارى النصارى. ~~وكذلك أهل كل ملة تلعن الجماعة، من أهل دينها التي دخلت النار قبلها. # وقوله: {حتى إذا اداركوا فيها}. # أي: أدرك الآخر الأول في النار، واجتمعوا، {قالت أخراهم}، أي: الجماعة ~~الآخرة {لأولاهم} للجماعة الأولى من أهل دينها، الذين أضلوا من كان بعدهم؛ ~~لأن الأول أضل الآخر {ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار}. # قال السدي: {قالت أخراهم}، الذين كانوا في آخر الزمان، {لأولاهم}، للذين ~~شرعوا لهم الدين. # ثم أخبرنا الله (تعالى)، عما هو قائل لهم، بأن قال: {لكل ضعف}، أي: PageV04P2359 # للأولى والآخرة {ضعف} من النار، أي: يكون عليكم العذاب، {ولكن لا ~~تعلمون}، أي: ولكنكم لا تعلمون قدر ما أعد الله لكم من العذاب، فلذلك ~~تسألون الضعف. وهذا على المخاطبة لهم. # ومن قرأ " بالياء "، فعلى الإخبار عنهم أنهم لا يعلمون قدر العذاب. # [وقيل: إن معنى قراءة " التاء "، ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما ~~هم فيه من العذاب]. # وقيل: معنى قراءة " الياء ": ولكن لا يعلم كل فريق منهم مقدار عذاب ~~الآخرة. # ومعنى " التاء ": ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من PageV04P2360 # العذاب. # ثم أخبر الله، عن قول الأولى للآخرة فقال: {وقالت أولاهم}، أي: أولى كل ~~أمة، {لأخراهم}، أي: من بعدهم [وزمان]، آخر فسلكوا سبيلهم {فما كان لكم ~~علينا من فضل}، أي: قد علمتم أنا كفرنا وكفرتم بهما جاءنا وإياكم به الرسل ~~والنذر، فنحن وإياكم سواء، قد أضللناكم وأضللتم. # [وقال مجاهد: {من فضل}، من التخفيف من العذاب، فهو كقوله: {فما كان لكم ~~علينا من فضل}]. # ثم قال الله (تعالى) لجميعهم: {فذوقوا العذاب بما كنتم} في الدنيا، ~~{تكسبون} PageV04P2361 # ، من الآثام والمعاصي. # {في النار}، تمام. # قوله: {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها}، الآية. # المعنى: إن الذين كذبوا بآيات الله وتكبروا عن الإيمان بها، {لا تفتح}، ~~لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم، {أبواب السمآء}، ولا يصعد لهم في حياتهم ~~[إلى الله] قول ولا عمل، قاله ms0823 ابن عباس. # وقال أبو موسى/ الأشعري في قوله: {لا تفتح لهم أبواب السمآء} إن روح ~~المؤمن تخرج وريحها أطيب من ريح المسك فتصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، ~~فتتلقاهم ملائكة آخرون دون سماء الدنيا فيقولون: من هذا؟ فيقولون: هذا فلان ~~كان يعمل كيت كيت، وتذكر محاسن عمله: فيقولون مرحبا بكم وبه فيقبضونه، PageV04P2362 # ويصعدون به من بابه الذي كان يعصد منه عمله، فيشرق في السموات حتى ينتهي ~~إلى العرش، وله برهان كبرهان الشمس، ويخرج روح الكافر أنتن من الجيفة، ~~فتصعد به الملائكة الذين يتوفونه فتتلقاهم ملائكة آخرون من دون السماء ~~فيقولون: من هذا؟ [فيقولون: هذا] فلان بن فلان، كان يعمل كيت وكيت، تذكر ~~مساوئ عمله، فيقولون: لا مرحبا به ردوه، قال فيرد إلى واد يقال له برهوت، ~~أسفل الثرى، من الأرضين السبع. # وعن ابن عباس نحوه. # وروى البراء بن عازب: " أن النبي، عليه السلام، ذكر عذاب القبر في حديث ~~طويل، فقال فيه: إن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، ~~أتاه ملك الموت فينزع نفسه، كما ينزع الصوف المبلول من السفود، فتأخذها ~~الملائكة فيصعدون بها، فتستفح لها أبواب السماء فلا تفتح لها، ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه (وسلم)،: PageV04P2363 # {لا تفتح لهم أبواب السمآء}، الآية. فيقول لهم (الله)، الآية. فيقول لهم ~~(الله)، تبارك وتعالى،: اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض. قال: ~~فيطرح روحه طرحا [قال:] ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السمآء}، الآية ". # وقال السدي: إن الكافر إذا أخذ روحه، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى ~~السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط إلى أسفل ~~الأرضين. وإذا كان مؤمنا رفع روحه، وفتحت له أبواب السماء فلا يمر بملك إلا ~~حياه وسلم عليه، حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته، ثم يقول: ردوا روح عبدي ~~فيه إلى الأرض، فإني قضيت من التراب خلقته، وإلى الترب يعود، ومنه يخرج. # وقال ابن جبير، معناه: لا يرفع لهم عمل ولا دعاء. # وأكثرهم ms0824 على أن المعنى: {لا تفتح} أي: لأرواحهم ولا لأعمالهم. PageV04P2364 # وقيل: المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن الجنة في السماء، ودل على ذلك ~~قوله: {ولا يدخلون الجنة}. بعقبة. # وقوله: {حتى يلج الجمل في سم الخياط}. # أي: لا يدخل هؤلاء المكذبون الجنة حتى يدخل {الجمل}: زوج الناقة، في ثقب ~~الإبرة، وهو لا يدخلها أبدا، وكذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة أبدا. # وكل ثقب في عين أو أنف أو أذن أو غير ذلك. فالعرب تسميه " سما " و " سما ~~"، بفتح السين وضمها، وجمعه " سموم " وجمع السم القاتل " سمام ". # وقرأ ابن سيرين " في سم الخياط " بضم السين. PageV04P2365 # وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وابن جبير: " الجمل " بضم " الجيم " وتشديد " ~~الميم "، وهو حبل السفينة الغليظ. # وقيل: هو الحبل الذي يصعد به في النخل. # [وعن سعيد بن جبير] أنه قرأ " الجمل " بضم [الجيم] والتخفيف جعله جمع " ~~جملة " من الحبال، ك " ظلمة " و " ظلم ". # ومن شدد فهو اسم واحد، وهو الحبل الغليظ. PageV04P2366 # وقرأ أحمد بن يحيى " الجمل "، وهو جمع " جملة "، وهي الحبال المجموعة. # فالمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل هذا الحبل الغليظ في ثقب الإبرة، فكما ~~(أنه) لا يدخل في ثقب الإبرة، (كذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة) أبدا. # ثم قال تعالى: {وكذلك نجزي المجرمين}، / نثيبهم بما اكتسبوا في الدنيا. # ثم قال: {لهم من جهنم مهاد}. . . أي: لهم ما يقعد ويضطجع عليه كالفراش ~~والبساط. # {ومن فوقهم غواش}. PageV04P2367 # وهي اللحف تتغشاهم من فوقهم وهي جمع " غاشية "، ومعنى الكلام: لهم من نار ~~جهنم مهاد {ومن فوقهم غواش}، فهم بين ذلك. # {وكذلك نجزي الظالمين}. # أي: نثيب من ظلم نفسه، وأكسبها من عذاب الله ما لا قبل لها به. # {في سم الخياط}، وفق. # و {غواش}، وقف. # قوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات}، الآية. # المعنى: والذين صدقوا بئايت الله ورسله، {لا نكلف نفسا}، من الأعمال إلا ~~طاقتها، {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}، وفي الكلام تقديم وتأخير ~~مفهوم. # وقوله: {ونزعنا ما في صدورهم من غل}، الآية. # روي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " الغل على أبواب ms0825 الجنة كمبارك ~~الإبل، قد نزعه PageV04P2368 # الله عز وجل، من قلوب المؤمنين ". # والمعنى: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين تقدمت صفتهم، ما في صدورهم من حقد ~~وعداوة، كانت من بعضهم لبعض في الدنيا، وأدخلوا الجنة {إخوانا على سرر ~~متقابلين} [الحجر: 47]، لا يحسد بعضهم بعضا على شيء. # قال قتادة: قال علي: إني لأرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير، من ~~الذين قال الله [فيهم] {ونزعنا ما في صدورهم من غل}. # قال السدي: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها ~~شجرة في أصل ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، ~~فهو " الشراب الطهور " الذي ذكره الله في قوله: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} ~~[الإنسان: 21]. واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم ~~يشحبوا بعدها أبدا. PageV04P2369 # قوله: {وقالوا الحمد لله}. # أي: قالوا ذلك حين رأوا ما أكرمهم الله به من جنته، وما صرف عنهم من ~~نقمته. # روى [أبو سعيد] الخدري ع النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " كل أهل ~~النار يرى منزله من الجنة، فيقول: " لو هدانا الله " فيكون عليهم حسرة. وكل ~~أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقولون: " لولا أن هدانا الله "! [فهذا] ~~شكرهم. # وقوله: {ونودوا أن تلكم الجنة}، (الآية). PageV04P2370 # اعترض بعض الملحدين بهذه الآية على حديث النبي، عليه السلام، في قوله: " ~~لا يدخل الجنة أحد بعمله، وإنما يدخلها برحمة الله " هذا غلط منهم؛ لأن ~~رحمة الله لا تدرك إلا بالعمل الصالح. وإذا كانت الرحمة لا تدرك إلا بالعمل ~~الصالح فالعمل الصالح الذي يدرك الرحمة يدخل الجنة. # ويجوز أن يكون معنى: {أورثتموها بما كنتم تعملون}، يعني المنازل في ~~الجنة، فيكون الدخول برحمة الله، كما قال النبي، عليه السلام،: " والمنازل ~~بالأعمال " PageV04P2371 # فيصح الحديث، والآية على ظاهرها. # وقوله: {أورثتموها}، وقوله: {ونودوا}، فعلان منتظران، ولفظهما لفظ ما قد ~~مضى، وذلك حسن في آخبار الله؛ لأنها كالكائنة لصدق المخبر بها، ونفوذ ~~القضاء، والحتم (بها) من الله. # قال السدي: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار ms0826 منزل، فإذا دخل ~~أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار [ودخلوا منازلهم]، رفعت الجنة لأهل ~~النار، فنظروا إلى منازلهم منها، فقيل لهم: " هذه منازلكم لو عملتم بطاعة ~~الله ". # ثم يقال: يا أهل الجنة {أورثتموها بما كنتم تعملون}، يعني منازل أهل ~~النار ورثوها بعملهم فيقتسمونها. # وعن أبي سعيد الخدري قال: ينادي مناد: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، PageV04P2372 # وأن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، ~~وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا. # وقيل: معنى: {[و] نودوا}: قيل لهم: وذلك حين رأوها قبل أن يدخلوها، قيل: ~~لهم: {تلكم الجنة}. # / وقال علي: رضي لله عنه: يدخلون الجنة فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها ~~عينان، فيغتسلون من إحداهما، فتجرى عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث أشعارهم، ~~ولا تغير أبشارهم، ويشربون من الأخرى، فيخرج كل أذى وقذر وبأس في بطونهم، ~~ثم يفتح لهم باب الجنة، فيقال لهم: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} ~~[الزمر: 73]. قال: فيستقبلهم الولدان، فيحفون بهم كما يحف الولدان بالحميم ~~إذا جاء من غيبته. ثم PageV04P2373 # يأتون فيبشرون أزواجهم فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. فيقلن: أنت ~~رأيته! قال: ويستخفهن الفرح، [قال:] فيجئن حتى يقفن على أسكفة الباب [قال]: ~~فيجيئون فيدخلون، فأذا أس بيوتهم جندل اللؤلؤ، وإذا سرج صفر وخضر وحمر من ~~كل لون، وسرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فلولا ~~أن الله قدرها لهم لالتمعت أبصارهم مما يرون فيها. فيعانقون الأوزاج، ~~ويصعدون على السرر، ويقولون: {الحمد لله الذي هدانا لهذا}، أي: هدانا ~~للإيمان، {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}، أي: الحمد لله الذي هدانا، ~~إلى هذا وهو الإسلام. PageV04P2374 # وقيل المعنى: الحمد لله الذي هدانا إلى الجنة. # {لقد جآءت رسل ربنا بالحق}. # أي: جاءتنا في الدنيا بالحق عن الله. # قوله: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}، الآية. # المعنى: ونادى أهل الجنة أهل النار بعد الدخول: يا أهل النار، قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا في الدنيا على ألسنة الرسل (حقا، من الثواب، والنعيم ~~والكرامة، فهل وجدتم ما وعدكم في ms0827 الدنيا على ألسنة الرسل) من العقاب ~~والثواب حقا؟ فأجاب أهل النار: نعم، قد وجدنا ذلك حقا، {فأذن مؤذن بينهم أن ~~لعنة [الله] على الظالمين}. # تم الإخبار عما يكون يوم القيامة. # ثم ابتدأ بصفة من استحق هذه اللعنة، فأخبر بصفتهم في الدنيا، فقال: ~~{الذين يصدون عن سبيل الله}، إلى {كافرون}، فهما قصتان، إحداهما في الآخرة. PageV04P2375 # والأخرى في الدنيا، اتصلتا. # {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا. # أي: حاولوا أن يغيروها، ويبدلوها عما جعلها الله (عليه) من استقامتها. ~~{وهم بالآخرة}. أي: بالبعث. {كافرون}. أي: جاحدون. # والعربتقول للميل في الطريق والدين " عوج " بالكسر، وفي ميل الرجل على ~~الشيء وهو العطف عليه: " عاج إليه يعوج عياجا وعوجا وعوجا "، بكسر العين ~~وفتحه. وما كان خلقه في الإنسان، فإنه يقال فيه: " العوج " بالفتح، يقال: " ~~ما أبين PageV04P2376 # عوج ساقه "، بفتح العين. # قوله: {وبينهما حجاب [وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم]} (الآية). # والمعنى: وبين الجنة والنار {حجاب}، أي: حاجز، وهو السور الذي ذكره الله ~~[ عز وجل] فقال: {فضرب بينهم بسور} [الحديد: 13]، وهو: الأعراف. # قال مجاهد: " الأعراف، حجاب بين الجنة والنار. # قال السدي: الحجاب، وهو السور وهو: الأعراف. # و" الأعراف ": جمع، واحدها: عرف، وكل مرتفع من الأرض فهو: عرف. # وقيل لعرف الديك: عرف لارتفاعه. PageV04P2377 # وقال السدي: إنما سمي " الأعراف " أعرافا؛ لأن أصحابه يعرفون الناس. # وقال ابن عباس: هو جسر بين الجنة والنار، عليه ناس من أهل الذنوب بين ~~الجنة والنار. # وذكر الشعبي عن حذيفة: أن " أصحاب الأعراف " قوم تجاوزت بهم حسناتهم ~~النار، [و] قصرت سيئاتهم عن الجنة، {وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار/ ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}، فبيناهم كذلك إذ اطلع عليهم ربك ~~فقال (لهم): اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم. # وروي عنه أنه قال: يوقفون هنالك على السور حتى يقضي الله بينهم. # وعن ابن عباس: " الأعراف "، السور الذي بين الجنة والنار، و" الرجال ": PageV04P2378 # قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوقفوا على {الأعراف}، يعرفون أهل الجنة ~~بسيماهم، وأهل النار بسيماهم. # وعنه أنه قال أيضا: " الأعراف " الشيء المشرف. ms0828 # وعنه أنه قال: [هو] كعرف الديك. # وعنه أنه قال: هم رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان حسم أمورهم لله، فوقفوا ~~على السور. # وقال ابن مسعود: من كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن ~~كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ومن استوت حسناته وسيئاته ~~كان من أصحاب الأعراف " فقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، ~~فإذا PageV04P2379 # نظروا إلى أهل الجنة نادوا: {سلام عليكم}، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم ~~(رأوا) أصحاب النار، {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}، [الأعراف: ~~47]، فيعتذرون بالله من منازلهم، فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نورا ~~فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطي كل عبد يومئذ نورا وكرامة. فإذا ~~أتوا على الصراط سلب الله عز وجل، نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل ~~الجنة ما لقي المنافقون، قالوا: {ربنآ أتمم لنا نورنا} [التحريم: 8]. وأما ~~" أصحاب الأعراف "، فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع منهم، فلذلك قال: {لم ~~يدخلوها وهم يطمعون}. # وقال مجاهد، عن عبد الله بن الحارث: {أصحاب الأعراف}، يؤمر بهم إلى نهر ~~يقال له: " الحياة " ترابه: الورس والزغفران، وحافتاه: قصب الذهب مكلل ~~باللؤلؤ، وقال: فيغتسلون [فيه اغتساله، وتبدوا في نحورهم شامة بيضاء، ثم ~~يعودون فيغتسلون]، PageV04P2380 # فيزدادون. فكلما اغتسلوا ازدادوا بياضا، فيقال لهم [تمنوا] ما شئتم، ~~[فيتمنون ما شاؤا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم]، وسبعون ضعفا، [قال:] فهم ~~مساكين أهل الجنة. # ومثل هذا روي عن ابن عباس أيضا. # وقيل: {اأصحاب الأعراف}، قوم قتلوا في سبيل الله ( عز وجل) عصاة لآبائهم ~~في الدنيا. قاله: شرحبيل بن سعد، قال: هم قوم خرجوا إلى الغور بغير إذن ~~آبائهم، فيقتلون. PageV04P2381 # روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، " أنه سئل عن " أصحاب الأعراف "، فقال ~~لهم: قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم قتلهم في سبيل الله ( عز ~~وجل) من النار، ومنعهم معصيتهم آبائهم أن يدخلوا الجنة ". # وعن مجاهد، أنه قال: هم قوم صالحون فقهاء علماء. # وقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. PageV04P2382 # وقال ابن ms0829 عباس: هم رجال أنزلهم الله ( عز وجل) تلك المنزلة، يعرفون أهل ~~الجنة ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم، ويتعوذون بالله ~~(سبحانه) أن يجعلهم من الظالمين. وهم يحيون أهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها، ~~وهم يطمعون [بالدخول إن شاء الله]. # هذا خبر من الله عن أهل الأعراف: أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل ~~دخول أصحاب الأعراف الجنة، غير أنهم قالوه وهم يطمعون في دخولها. # وقال الحسن: والله ما جعل/ الله ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها ~~بهم. # وقال ابن مسعود: أما " أصحاب الأعراف "، فإن النور كان في أيديهم، لم ~~ينزع PageV04P2383 # من أيديهم، فهنالك يقوم الله ( عز وجل) { لم يدخلوها وهم يطمعون}. # قال ابن عباس: {وهم يطمعون}، أي: في دخولها. # وقيل: " طمع " هنا بمعنى " علم "، أي: لم يدخلها أصحاب الأعراف، وهم ~~يعلمون أنهم يدخلون. # وقيل المعنى: إن " أصحاب الأعراف " يقولون لأهل الجنة: {سلام عليكم}، ~~وأهل الجنة يطمعون أن يدخلوها، ولم يدخلوا بعد. # وعلى هذا تأويل قول من جعل أصحاب الأعراف ملائكة، يكون الطمع للمؤمنين ~~الذين يمرون على أصحاب الأعراف. # وقيل: المعنى: {لم يدخلوها وهم يطمعون}، وإنما دخلوها) وهم غير طامعين. ~~فيكن الوقف على هذا على {يطمعون}. PageV04P2384 # {سلام عليكم} تمام، على قول من جعل {وهم يطمعون} للمارين من المؤمنين. # ومن جعل " الطمع " لأصحاب الأعراف لم يقف على {يدخلوها}. # قوله: {وإذا صرفت أبصارهم}، الآية. # المعنى: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف نحو أصحاب النار، فنظروا إلى ~~حالهم {قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين}. # وقال السدي: إذا مرت زمرة من أهل النار بأصحاب الأعراف، دعو ألا يجعلوا ~~معهم. # وقال ابن عباس: [إن " أصحاب الأعراف "] إذا نظروا إلى أهل النار PageV04P2385 # عرفوهم، واستعاذوا أن يجعلوا معهم. # قوله: {ونادى أصحاب الأعراف}، الآية. # المعنى: إن " أصحاب الأعراف " نادوا رجالا يعرفونهم، من أهل النار ~~{بسيماهم}، أي: بسواد وجوههم، وزرقة أعينهم، قالوا لهم: أي شيء أغنى عنكم ~~جمعكم في الدنيان واستكبارهم فيها، عن عبادة الله، عز وجل، والإيمان ~~برسوله، صلى الله عليه وسلم. # قال السدي: مر بأهل " الأعراف " رجال ms0830 من الجبارين يعرفونهم، فقالوا لهم ~~ذلك. # وقوله: {أهؤلاء [الذين] أقسمتم لا ينالهم الله برحمة}. # هذا قول الله ( عز وجل) [ لأهل النار] توبيخا لهم على ما كان من قيلهم ~~لأهل الأعراف في الدنيا، وذلك حين دخل [أهل] الأعراف PageV04P2386 # الجنة، فهو قول اتصل أصحاب الأعراف، فهو من قول الله، جل ذكره، إلى قوله: ~~{تحزنون}، ففيه رجوع من مخاطبة كفار إلى مخاطبة مؤمنين متصل بعضه ببعض. # وقد قيل: إنه من قول الملائكة لأهل النار، [ويكون] {[ادخلوا] الجنة} من ~~قول الله ( عز وجل) ، فتكون الآية [فيها] ثلاثة أقوال: # - قول أهل الأعراف إلى {تستكبرون} [الأعراف: 48]. # - وقول الملائكة إلى {برحمة}. # - وقول الله إلى {تحزنون}، متصل (كله) بعضه ببعض. # قال ابن عباس: " أصحاب الأعراف "، رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان PageV04P2387 # حسم أمره [الله]، يقومو على الأعراف، فإذا نظروا إلى [أهل] الجنة طمعوا ~~فيها، وإذا نظروا [إلى] أهل النار تعوذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة، فقال ~~الله، تبارك الله، {أهؤلاء الذين أقسمتم}، يا أهل النار، {لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}. # وقال حذيفة: {أصحاب الأعراف}، قوم قصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وفصرت بهم/ ~~سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيمهم. فلما قضي بين ~~العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة [فيأتون الأنبياء كلهم من الشفاعة]، ويدل ~~على الآخر حتى يأتوا محمدا ( صلى الله عليه وسلم) ، فيشفع لهم، فيذهب بهم ~~إلى " نهر الحيوان " حافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه ~~الياقوت، فيغتسلون فيه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، ~~ويصيرون كأنهم الكواكب الدرية، وتبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال ~~لهم: " مساكين أهل الجنة ". PageV04P2388 # وقال أبو مجلز: [بل] هذا القول خبر من الله ( عز وجل) [ عن] قول الملائكة ~~لأهل النار، تعييرا منهم لهم ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين قد ~~دخلوا الجنة. # قوله: {ادخلوا الجنة}، وما بعده من كلام الله (سبحانه)، فالوقف على هذا: ~~{برحمة}. # ومن قال إنها خبر من الله ( عز وجل) عن نفسه (جلت عظمته) ms0831 وقف على: ~~{تحزنون}. # وقرأ يحيى بن يعمر: " أدخلوا الجنة "، على ما لم يسلم فاعله بكسر الخاء. PageV04P2389 # وقرأ الحسن، وابن هرمز: " أدخلوا "، بفتح الهمزة وكسر الخاء، على الأمر ~~من الله (تعالى) للملائكة أن يدخلوهم الجنة، والمفعول محذوف. # قوله: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة}، الآية. # ومعنى الآية: أنها خبر من الله ( عز وجل) عن استغاثة أهل النار بأهل ~~الجنة، عند نزول شدة العطش والجوع بهم. # ومعنى: {أو مما رزقكم الله}، أي من الطعام، فأجابهم أهل الجنة: PageV04P2390 # {إن الله حرمهما على الكافرين}. # قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: " (قد احترقت)، أفض علي من ~~الماء "، فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون: {إن الله حرمهما على الكافرين}. # {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا}. # أي: سخرية ولعبا؛ لأنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه ~~وهزوأ به. # وقوله: {وغرتهم الحياوة الدنيا}. # أي: خدعتهم بعاجل ما فيها من العيش والدعة الأخذ بنصيبهم من الآخرة. # {فاليوم ننساهم}. # أي: نتركهم في العذاب جياعا عطاشا. PageV04P2391 # {كما نسوا لقآء يومهم هذا}. # أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: ~~بحجتنا وعلامتنا. # ولا يوقف على {يومهم هذا}؛ لأن {وما} معطوف على {ما} الأولى. # قوله: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه}، إلى {يفترون}. # لام: " لقد حيث وقعت لام توكيد، متعلق بمعنى القسم، والمعنى: والله أقسم ~~لقد كان هكذا. # و: " الكتاب " [هو]: القرآن. # و: {فصلناه}: بيناه. # {على علم}. # أي: على علم منا بالميز بين الحق والباطل والضلال والهدى. PageV04P2392 # {هدى ورحمة}. # أي: ليهتدى [ويرحم] به قوم يصدقون به. # وهذه الآية مردودة على قوله: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ~~لتنذر به وذكرى للمؤمنين} [الأعراف: 2]. # قوله: {أو نرد}، معطوف على [قوله]: {من شفعآء}، أي: أو هل نرد. # وقرأ ابن إبي إسحاق: " أو نرد "، بالنصب، على معنى: إلا أن نرد، كما قال: PageV04P2393 # . أو نموت فنعذرا ... وقوله: {فنعمل}، جواب لقوله: {أو نرد}، أو عطف ~~عليه، على قراءة من نصب (" نرد "). وقرأ الحسن: " أو نرد فنعمل "، بالرفع ~~فيهما، على (لفظ) العطف على " نرد ms0832 ". ورفع " نرد " على الاستفهام كما ~~ذكرنا. # وقوله: {هل ينظرون إلا تأويله}. # / أي: إلا ما وعدوا به في القرآن من العذاب. PageV04P2394 # و {ينظرون}، بمعنى: ينتظرون. # قال قتادة: {تأويله}، عاقبته. # وقال مجاهد: جزاءه. # {يوم يأتي تأويله}، أي: جزاؤه، {يقول الذين نسوه من قبل}، أي: تركوه في ~~الدنيا، {قد جآءت رسل ربنا بالحق}. # وقال ابن زيد: {تأويله}، حقيقته، أي: حقيقة القرآن فيما أوعدهم من ~~العقاب. # قال السدي: {الذين نسوه}، تركوه في الدنيا، لما رأوا ما أوعدهم أنبياؤهم، ~~استيقنوا بالهلاك، وطلبوا الشفعاء والرجعة إلى الدنيا. # {قد خسروا أنفسهم}. PageV04P2395 # أي: غبنوا أنفسهم حظوظها ببيعهم ما ذكر لهم من نعيم الآخرة الدائم ~~بالخسيس من عرض الدنيا الزائل. # {وضل عنهم ما كانوا يفترون}. # أي: أولياؤهم في الدنيا. # وقال بعض أهل اللغة معناه: هل ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرهم من البعث، ~~وعلى هذا تأولوا قول الله: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] أي: ~~لا يعلم وقت البعث إلا الله، ثم قال تعالى: {والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به}. # و" النسيان " في هذا الموضع على معنيين: # - يجوز أن يكون معناه: فلما أعرضوا عنه صاروا بمنزلة من نسي الشيء. # - والثاني: أن يكون بمعنى الترك. PageV04P2396 # قوله: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات [والأرض]}، الآية. # احتج من خفف {يغشي}، بقوله: {فأغشيناهم} [يس: 9]. # واحتج من شدد بقوله: {فغشاها ما غشى} [النجم: 54]، وبأن التشديد يوجب ~~التكرير، وكذلك هو فعل يتكرر ويتردد، وذلك أن كل يوم دخل ليله غير ليل ~~اليوم الآخر، فالتغشية مكررة لمجيئها يوما بعد يوم، وليلة بعد ليلة. # وقوله: {حثيثا}. أي: طلبا حثيثا. PageV04P2397 # والمعنى: إن سيدكم ومصلح أموركم، وهو {الله الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام}، وذلك يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، ~~والجمعة. # قال مجاهد: بدأ بخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان ~~جمع الخلق يوم الجمعة، فلذلك سميت الجمعمة. # وقوله: {يغشي اليل النهار}. # أي: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب بضوئه، يطلبه طلبا ~~{حثيثا}، أي: سريعا حتى يدركه. # {ألا له الخلق والأمر}. # {الخلق}: ms0833 المخلوق. # {والأمر} هو: كلامه الذي به تكون المخلوقات، فهو غير مخلوق، وصفة من ~~صفاته، كعلمه وقدرته، لايشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر فيه صوت ولا حروف؛ ~~إنما هو كلام له صفة ذاته، فكما أنه تعالى لا شيء يشبهه، كذلك صفاته لا ~~تشبهها صفة. PageV04P2398 # وقال ابن عباس: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة. # وقال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة. # [وكذلك] قال وهب. # [و] قال النبي، صلى الله عليه وسلم،: " أجلكم في أجل من ك ان قبلكم من ~~صلاة العصر إلى مغرب الشمس ". # وقال صلى الله عليه (وسلم) يوما عند غروب الشمس: " (إن) مثل ما بقي من ~~دنياكم في ما مضى، كهيئة يومكم هذا في مضى منه ". # وقال: " بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه: السبابة PageV04P2399 # والوسطى ". # قال ابن عباس: " سألت اليهود النبي (عليه السلام) عن خلق السموات والأرض ~~فقال: " خلق الله الأرض يوم الأحد والأثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء ~~ومنافعها، / وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، ~~فهذه أربعة أيام، وهو قوله: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين}، ~~ثم قال: {وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة ~~أيام}. قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر ~~إلى ثلاثة ساعات منه. وخلق في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات من حيي ومن ~~يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة ~~منه خلق آدم (عليه السلام). وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه ~~منها آخر ساعة "، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: " ثم استوى على ~~العرش " قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب PageV04P2400 # النبي، صلى الله عليه وسلم، غضبا شديدا، فنزل: {ولقد خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} ". # واللغوب: الإعياء. # واليهود، عليهم اللعنة، تتأول في السبت، أنه يوم الراحة، فلذلك جعلوه ~~لأنفسهم راحة لا يتصرفون فيه، تعالى الله عن ذلك. # قال قتادة: أوحى الله في كل ms0834 سماء أمرها: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ~~وصلاحها. فخلق الشمس والقمر كان بعد [خلق) السموات والأرض. # قال النبي ( صلى الله عليه وسلم) : " أول ما خلق الله القلم فقال له: ~~اكتب فجرى في تلك PageV04P2401 # الساعة بما هو كائن ". # قال ابن عباس: ثم رفع بخار الماء ففتق منها السموات والأرض. # وقيل: أول شيء خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلا ~~أسود ومظلما، وجعل النور نهارا مبصرا. # فالسموات والأرض تحيط بهما البحار ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل ~~الكرسي. # قال وهب: الهيكل شيء من أطراف السموات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب ~~الفسطاط. # وكان بين خلقه تعالى، القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام. ولما أراد تالى أن ~~يخلق السموات خلق أياما ستة، فخلق واحدا فسماه الأحد، وثانيا فسماه: ~~الاثنين، PageV04P2402 # وثالثا فسماه: الثلاثاء، ورابعا فسماه: الأربعاء، وخامسا فسماه: الخميس. # وكان ابتداء الخلق يوم السبت خلق فيه التربة. # وقيل: يوم الأحد. # وقد روي أن الله تعالى خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان قبل ~~أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحته. قاله ابن عباس. # وكذلك روى مجاهد عن عبد الله بن عمرو. # أي: نزرا قليلا لا فائدة فيه مع قلته، كذلك الكافر لا يقبل الهدى/ فإن ~~قبل شيئا فهو قليل لا فائدة فيه؛ لأنه على شك وقلة يقين. قال ذلك ابن PageV04P2403 # عباس وقتادة. # وقال السدي: هو مثل ضربه الله، تعالى للقلوب لما نزل عليها القرآن، كنزول ~~المطر على الأرض، فقلب المؤمن كالأرض الطيبة القابلة للماء الذي تنتفع بما ~~تقبل من الماء. # هذا معنى قوله: {كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} [الأعراف: 58]، أي: كما ~~فعلنا فيما تقدم ذكره، مثله نصرف الآيات في هذا. # قوله: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه} [الأعراف: 59 - 61]، الآيات الثلاث. # لام {لقد} لام توكيد بمعنى القسم. # وقال ابن عباس: الليل خلق قبل النهار. # وقيل: [كان] النهار قبل الليل. دليل ذلك أن الله عالى ذكره، [كان] ولا ~~ليل، ولا نهار، ولا شيء غيره؛ وأن نوره كان يضيء به كل شيء ms0835 خلقه بعدما ~~خلقه، حتى خلق الليل. فالضياء قبل الظلمة. PageV04P2404 # قوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية}، إلى: {المحسنين}. # المعنى: ادعوا أيها الناس، ربكم مستكينين له، مخلصين متخشعين سرا في ~~أنفسكم، {إنه لا يحب المعتدين}. # ثم قال: {ولا تفسدوا في الأرض}. أي: لا تشركوا. والفساد هنا: الشرك. # {بعد إصلاحها}. أي: بعد إصلاح الله (تعالى) إياها لأهل طاعته، بأن PageV04P2405 # بعثت إليهم نبيا، ينذرهم ويبشرهم. # {وادعوه خوفا وطمعا}. أي: خوفا من عقابه، وطمعا في رحمته. # / {إن رحمت الله قريب [من المحسنين]}. أي: ثواب الله قريب من المحسنين ~~وإنما وصفه (بالقرب)؛ لأنه ليس بينهم وبينه إلا أن يفارقوا الدنيا. # وفي حرف: " الهاء " في {قريب} ستة أقوال: # أحسنها أن " الرحمة " و " الرحم " بمعنى. # وقال الفراء: (إنما أتى {قريب}) بغير " هاء " ليفرق بينه وبين قريب من ~~النسب. PageV04P2406 # ويلزمه ألا يجوز فيه أدخال " الهاء "، وإدخالها جائز عند جميع النحويين ~~لو كان في كلام. # وقال الزجاج: حذفت " الهاء "؛ لأنه ثأنيث غير حقيقي. # ومذهب أبي عبيدة: أن تذكير {قريب}، على تذكير المكان. # ويلزمه على هذا نصب {قريب}. # وقيل: " الرحمة " هنا: المطر، فذكر حملا على المعنى. # وقيل: هو مذكر على النسب كما يقال: امرأة طالق وحائض. PageV04P2407 # قوله: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا [بين يدي رحمته]}، الآية. # من قرأ {بشرا} فهو جمع " نشور "، كقولك: " صبور " و " صبر ". # والريح النشور: التي تأتي من هنا ومن هنا. # وقيل: {بشرا} مصدر. ومن أسكن الشين فعلى هذا المعنى يكون، إلا أنه [أسكن] ~~[الشين] استخفافا. PageV04P2408 # ومن قرأ {بشرا} [بفتح النون]، فهو مصدر نشرت [الريح] السحاب وانتشرته ~~نشرا، كما قال: " والناشرات نشرا "، فتقديره: وهو الذي يرسل الرياح ناشرة ~~السحاب، فهو مصدر من موضع الحال. # وقيل: " النشر ": الريح الطيبة اللينة [التي] تنشىء السحاب. # ومن قرأ (بشرا) بالباء، فهو جمع بشير، مخفف، كرغيب ورغف. PageV04P2409 # وقيل هو: مصدر، أي: تبشر بالمطر. # {سقناه}. # " الهاء " تعود على السحاب، وهو يؤنث ويذكر، وكذلك كل شيء بينه وبين ~~واحده " الهاء ". # ومعنى الآية: وربكم الذي خلق السموات والأرض وما ذكر، {هو الذي يرسل ~~الرياح بشرا}. # " والنشر " من ms0836 الرياح: الريح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب. # ومن قرأ {بشرا}، بضمتين، أي: يرسلها تهب من كل ناحية. # ومعنى الكلام: والله الذي يرسل الرياح من كل ناحية {بين يدي رحمته}. # والرحمة: المطر. PageV04P2410 # {حتى إذآ أقلت سحابا}. # أي: أقلت الرياح سحابا، يقال: أقل البعير حمله إذا حمله واستقل به. # {سقناه}، أي: سقنا السحاب إلى بلد ميت، قد أجدب أهله، وعفت مزارعه، ~~{فأخرجنا}، بالمطر من الأرض من كل الثمرات. # وقوله: {فأنزلنا به}. " الهاء " للبلد. # {فأخرجنا به}. أي: بالماء [أو بالبلد]. # {لعلكم تذكرون}. أي: لتكونوا على رجاء من التذكر. # وقوله: {كذلك نخرج الموتى}. أي: كما نحيي هذا البلد الميت بالماء]، كذلك ~~نحيي الموتى بعد موتهم. PageV04P2411 # قال أبو هريرة: إن الناس إذا ماتوا في النخفة الأولى، مطر عليهم من ماء ~~تحت العرش يدعى " الحيوان " أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع [بالماء). ~~فإذا استكلمت أجسادهم نفخ فيهم الروح. # قال ابن مسعود: يرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، وليس من بني آدم ~~خلق في الأرض إلا منه شيء (قد بقي في الأرض) فتنبت جسما له ولحما لهم من ~~ذلك الماء، كما تنبت الأرض من المطر. ثم قرأ إلى قوله: {كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون}. # ورى أبو سعيد الخدري: " أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يأكل التراب ~~كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه "، فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: " مثل ~~حبة خردل منه تنشئون ". PageV04P2412 # قوله: {والبلد الطيب يخرج نباته}، الآية. # هذا مثل ضربه الله لروح المؤمن، وروح الكافر، فالمؤمن يرجع روحه الطيب ~~إلى جسده سهلا طيبا كما خرجد إذا مات، والكافر لا يرجع روح إلى جسده إلا ~~بالنكد كما خرج. # وقيل: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فشبه المؤمن بالبلد الطيب إذا ~~أصابه المطر أخرج نباته بإذن ربه، كذلك المؤمن إذا سمع الهدى قبله بإذن ~~ربه، وشبه الكافر بالأرض السبخة المالحة وهي التي خبثت لا تخرج النبات إلا ~~نكدا. # والمعنى: أنه خبر من الله (عزوجل) أنه أرسل نوحا إلى قومه: منذرا بأسة ~~ومخوفا ms0837 من عقاب، فقال لمن كفر منهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}، ~~تعبدونه إلا الله، فاعبدوه ولا تشركوا به، {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}. # قال عكرمة: إنما سمي نوح نوحا لأنه كان ينوح على نفسه، أي: يكثر ذلك. PageV04P2413 # قال ابن عباس: أرسل نوح إلى قومه بعد أربعين سنة. # قال الكلبي عنه: بعد آدم بثمان مائة سنة، أرسله الله ( عز وجل) بالشريعة، ~~بتحريم البنات والأمهات والأخوات والعمات والخالات، وسائر الفرائض. # قال وهب: نوح أو نبي بعث بعد إدريس (عليه السلام)، فلبث في قومه أربع ~~مائة سنة، قبل أن يبعثه الله ( عز وجل) إلى قومه. # وعنه أيضا أنه قال: بعثه ( عز وجل) إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثلاثة قرون من قومه لا يجيبه أحد إلا قليلا ~~منهم، فأوحى الله ( عز وجل) إليه: " أن اصنع الفلك "، وليكن طولها ثلاثمائة ~~ذراع، وعرضها خمسين PageV04P2414 # (ذراعا)، وارتفاعها ثلاثين ذراعا، وليكن بابها في عرضها. وادخل الفلك أنت ~~وامرأتك وبنوك ونساء بنيك، ومن آمن بك، ومن كل شيء اثنين اثنين ذكورا ~~وإناثا، فإني منزل المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة، فأتلف كل شيء ~~خلقته على الأرض، وأن تعمل تابوتا فيه جسد آدم (عليه السلام)، وتجعل ~~التابوت من خشب الشمشار، وتجعل معه زاد سنة ففعل نوح، وأرسل الله ( عز وجل) ~~ماء الطوفان على الأرض في سنة ألف وستمائة من عمر نوح، فأقام نوح في الماء ~~خمسين ومائة يوم، [ثم] استقرت على الجودي، وهو جبل بأرض الجزيرة، وكان وقت ~~استقلال السفينة في عشر خلون من رجب، وخرج إلى الأرض في عشر خلون من ~~المحرم، وكان معه في السفينة ولده الثلاثة: سام، وحام، وثافث، ونساؤهم، ~~وأربعون رجلا، وأربعون امرأة ممن آمن (به). PageV04P2415 # وعاش نوح (عليه السلام) بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة، فلما خوفهم ~~نوح، قال له الأشراف من قومه، وهم الملأ، وهم الجماعة منهم: {إنا لنراك في ~~ضلال مبين}، فيكف نتبعك، أي في حيدة عن الحق. فأجابهم بأن قال ms0838 لهم: {ليس بي ~~ضلالة}، أي: ليس ما دعوتكم إليه ضلالة، وإنما أنا {ولكني رسول من رب ~~العالمين}، إليكم. # قوله: {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم}، إلى {عمين}. # والمعنى: إن الله ( عز وجل) أخبرنا أن نوحا (عليه السلام) قال لقومه: إني ~~{رسول من رب العالمين}، أرسلني إليكم، لأبلغكم رسالاته، {وأنصح لكم} في ~~تحذيري إياكم عقابه، {وأعلم من الله ما لا تعلمون}، / أي: أعلم أن عقابه لا ~~يرد عن PageV04P2416 # القوم المجرمين. # وقيل المعنى: أعلم من الله أنه مهلككم ومعذبكم إن لم تؤمنوا. # ثم قال ثهم موبخا: {أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم}، وذلك ~~إذ قالوا (له): {ما نراك إلا بشرا مثلنا} [هود: 27]. # ومعنى: {على رجل منكم}. # أي: من رجل. # وقيل: على لسان رجل. # {لينذركم} بأسه، والعمل بما لا يرضيه، فيرحمكم إن آمنتم وأطعتموني. PageV04P2417 # قال الله (تعالى) مخبرا: {(فكذبوه) فأنجيناه والذين معه}. # أي: من المؤمنين، من أهله، وغيرهم. # {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ}. # أي: جحدوا بها. # {إنهم كانوا قوما عمين}. # أي: عمين عن الحق. # وهو من عمى القلب. # قوله: {وإلى عاد أخاهم هودا} إلى: {تفلحون}. # المعنى: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، وهود من ولد نوح (عليه السلام)، ~~بينه وبينه سبعة آباء. وكان أشبه خلق الله (تعالى) بآدم (عليه السلام)، خلا PageV04P2418 # يوسف (عليه السلام)، وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمل. بلادهم ~~أخصب بلاد، فلما سخط الله ( عز وجل) عليهم جعلها مفاوز، وكانوا بنواحي عمان ~~إلى حضرموت إلى اليمن، ولما أهلك الله ( عز وجل) قومه لحق هود (عليه ~~السلام) ومن آمن معه بمكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا، وكان هود (عليه ~~السلام) رجلا تاجرا. فقال لهم: {اعبدوا الله}، ليس لكم إله يجب أن تعبدوه ~~غيره. {أفلا تتقون}. # {قال الملأ الذين كفروا من قومه}]. # أي]: قال الأشراف والجماعة من قومه، وهم الملأ من كفار قومه، PageV04P2419 # {إنا لنراك في سفاهة}، أي: في ضلالة. وقيل: في جهل عن الحق والصواب. # {وإنا لنظنك من الكاذبين}، أي: في قوله: إني {رسول من رب العالمين}، كان ~~ذلك ظنا ms0839 منهم ليس على يقين، فكفروا على الشك منهم. قال (لهم): {ياقوم ليس ~~بي سفاهة}، أي: ضلالة، أي: جهل، {ولكني رسول من رب العالمين}. # وأصل السفة: رقة الحلم، والطيش. وذكر في قوله: {ليس}؛ لأنه مصدر، وهو ~~بمعنى السفه، وقد فرق، أيضا، بينه وبين الفعل. # ثم قال لهم: {أبلغكم رسالات ربي}. أي: أؤدي إليكم أمر رببي ونهيه. PageV04P2420 # {وأنا لكم ناصح أمين}. # اي: ناصح في ما آمركم به وأنهاكم عنه، أمين على وحي ربي ورسالاته. ثم قال ~~موبخا لهم: {أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم}. # أي: على لسان رجل منكم. # {لينذركم}، أمر الله. ثم قال: {واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح}. # أي: اذكروا نعمة الله عليكم إذ استخفلكم في الأرض، بعد قوم نوح. فاتقوا ~~أ، يصيبكم (مثل) ما أصابهم، واذكروا نعمته إذ {وزادكم في الخلق بصطة}، أي: ~~زاد في أجسامكم طولا وعظما على أجسام قوم نوح. # وقيل: على أجسام آبائكم الذين ولدوكم. PageV04P2421 # قال زيد بن أسلم: لقد بلغني أن ضباعا رئيت رابضة وأولادها في حجاج عين ~~رجل منهم. قال: ولقد بلغني أنه كان في الزمن الأول تمضي أربع مائة سنة، وما ~~يسمع فيه بجنازة. ثم قال: {فاذكرواءالآء الله}. # أي: نعمه عليكم. # {لعلكم تفلحون}. # أي: لتكونوا على رجاء من الفلاح. # قال السدي: كانت عاد باليمن، بالأحقاف. فكانوا قد قهروا أهل الأرض بفضل ~~قوتهم. وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، وهي " صداء "، و " صمود " و " اللهنا ~~"، أسماء أصنامهم، فبعث الله ( عز وجل) / إليهم هودا، وهو من أوسطهم PageV04P2422 # نسبا، فأمرهم أن يوحدوا الله (تعالى)، ولا يجعلوا مع الله إلها غيره، وأن ~~يكفروا عن ظلم الناس، لم يأمرهم بغير ذلك فأبوا (تصديقه) وكذبوه وقالوا: # {من أشد منا قوة} [فصلت: 15]، واتبعه منهم ناس يسير مستترون بإيمانهم. # قال السدي: فبعث الله ( عز وجل) عليهم الريح العقيم، فلما نظروا إليها: ~~قالوا: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24]، فلما جنت منهم، نظورا إلى الإبل ~~والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها، تبادروا البيوت، ~~فلما دخلوا البيوت، دخلت ms0840 عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتمهم من البيوت، ~~فأصابتهم في يوم نحس مستمر عليهم العذاب {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} ~~[الحاقة: 7]، أي: حسمت كل شيء مرت به. فكانوا: كأعجاز نخل منقعر، أي: انقعر ~~من أصوله، وكأعجاز نخل خاوية، أي: خوت فسقطت، فلما أهلكهم الله ( عز وجل) ~~أرسل عليهم طيرا سودا، فنقلتهم إلى البحر PageV04P2423 # وألقتهم [فيه، فذلك قوله:] {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25]، ~~ولم يخرج ريح قط إلا بمكيال، إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبلتهم، ~~فلم يعلموا كم كان مكيالها، فذلك قوله: {فأهلكوا بريح صرصر عاتية} [الحاقة: ~~6]، أي: عتت على الخزنة. # و" الصرصر ": التي لها صوت شديد. # قوله: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده}، إلى: {المنتظرين}. # والمعنى: قال قومه هود له: أجئتنا متوعدا بالعقاب [لنعبد الله وحده، ونذر ~~ما كان آباؤنا يعبدون فائتنا بالعقاب] الذي توعدنان إن كنت صادقا. # قال لهم: {قد وقع عليكم من ربكم رجس}. أي: عقاب، من أجل ما تقولون. # و" الرجس " و " الرجز ": العذاب، وقد يكون الرجس: الشيء القذر. PageV04P2424 # قال ابن عباس: الرجس: السخط. # ثم قال لهم: {أتجادلونني في أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم}. # أي: أتخاصمونني في الأصنام التي أحدثتموها أنتم وآباءكم لا تضر ولا تنفع. # {ما نزل الله بها من سلطان}. # أي: من حجة تحتجون بها، في عبادتكم إياها، {فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين}. # أي: انتظروا حكم الله فينا وفيكم، إني منتظر ذلك معكم. # قوله: {[فأ] نجيناه والذين معه برحمة}، الآية. # معناها: فأنجينا هودا والذين معه {برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا}، ~~أي: استأصلناكم بالهلاك. # فبما بقي منهم أحد، {وما كانوا مؤمنين}، أي: مصدقين. # قوله: {وإلى ثمود أخاهم صالحا}، الآية. PageV04P2425 # المعنى: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، وسمي أخاهم؛ لأنه بشر مثلهم. # وقيل: سمي أخاهم؛ لأنه من عشيرتهم. # وثمود: قبيلة. أبوهم ثمود بن غائر بن إرم بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم: ~~الحجر، بين الحجاز والشام، إلى وادي القرى [وما حوله]. # قال لهم: {ياقوم اعبدوا (الله)}، ما لكم من يجب أن تعبدوه إلا الله، {قد ~~جآءتكم بينة من ms0841 ربكم}، أي: حجة وبرهان على صدق ما أقول لكم، {هذه ناقة الله ~~لكم آية}، أي: دليل على صدق ما جئتكم به. PageV04P2426 # وإضافة الناقة إلى الله، جل ذكره، على طريق إضافة الخلق إلى الخالق، وهو ~~مثل قوله: {ونفخت فيه من روحي} [الحجر: 29]؛ لأن الروح خلق الله ( عز وجل) ~~، ولكن في إضافة الناقة إلى الله (سبحانه) معنى التشريف والتخصيص، والتحذير ~~من أن يصيبوها بسوء. وهو في التخصيص كقولهم: " بيت الله "، و " عباد الرحمن ~~"، فكله فيه معنى التشريف والتفضيل (والتخصيص)، إضافة خلق إلى خالق، ~~كقولهم،: " خلق الله "، و " أرض الله "، و " سماء الله " وهو كثير. # وذلك أنهم سألوه آية، [أي:] حجة على صدق ما جاءهم به، حكى الله عنهم أنهم ~~قالوا: {فأت بآية إن كنت من الصادقين} [الشعراء: 154]. # روي أنهم/ سألوا صالحا ءاية، فقالوا: اخرج لنا من الجبل ناقة عشراء، وهي ~~الحامل، فتضع فصيلا، ثم تغدو إلى هذالاماء فتشربه، ثم تغدو علينا بمثله ~~لبنا سائغا عذبا طيبا، فأجاب الله (تعالى) صالحا (عليه السلام) فيما سألوه. ~~فقال لهم PageV04P2427 # صالح: اخرجوا إلى الهضبة من الأرض، فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض ~~الحامل، ثم إنها انفجرت فخرجت من وسطها الناقة، فقال لهم: {هذه ناقة [الله] ~~لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسواء}، {لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم} [الشعراء: 155] فلما ملوها عقروها، فقال لهم: {تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} [هود: 65]، وآية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا، ~~واليوم الثاني، صفرا، والثالث سودا. فلما رأوا علامة ذلك تحنطوا واستعدوا. # قال السدي: كانت تأتيهم يوم شربها فتقف لهم حتى يحلبوا اللبن فترويهم، ~~إنما تصب صبا وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح (عليه السلام): إنه يولد ~~في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، ~~فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر، وكان لم يولد له قط فتركه، وكان أزرق أحمر ~~فنبت نباتا سريعا، فإذا مر بالتسعة قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل ~~هذا! فضغبوا على صالح؛ لأنه ms0842 أمرهم بذبح أبنائهم ف: {تقاسموا}، أي: تحالفوا، # {لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله} [النمل: 49]، وذلك ~~أنهم قالوا: نخرج فيرى الناس أنا قد PageV04P2428 # خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى ~~المسجد، أتيناه فقتلناه، ثم رجعننا إلى الغار فكنا فيه ثم رجعنا فقلنا: {ما ~~شهدنا مهلك أهله}، فيصدقوننا، فخرجوا فدخلوا الغار، فلما أرادوا أن يخرجوا ~~في الليل سقط عليهم الغار فقتلهم، وهو قوله: {وكان في المدينة تسعة رهط ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [النمل: 48]، وقوله: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ~~(وهم لا يشعرون) * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم} [النمل: 50 - ~~51]، أي: أهلكناهمه، فكبر الغلام ابن العاشر، فجلس مع أناس يصيبون من ~~الشراب، فأرادوا ماء يمزجون شرابهم به، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، ~~فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد [ذلك] عليهم، وتكلموا في شأن الناقة، ~~وقالوا: لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا، ~~كان خيرا لنا!، فقال الغلام. ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: ~~نعم فأتاها الغلام فشد عليها فلما بصرت به شدت عليه، فهرب منها، فلما رأى ~~ذلك دخل خلف صخرة على طريقها، فاستتر بها، وقال: أحيشوها علي! فلما جازت ~~به، نادوه: عليك! فتناولها فعقرها، فسقطت، PageV04P2429 # فذلك قوله: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} [القمر: 29] فأظهر أمرهم، ~~وقالوا: {ياصالح ائتنا بما تعدنآ} [الأعراف: 77]، وفزع ناس إلى صالح، ~~فأعلموه أن الناقة قد عقرت، فقال: علي بالفصيل! فطلبوه فوجدوه على رابية ~~منا الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه. ثم ~~رغا الفصيل إلى الله ( عز وجل) فأوحى الله ( عز وجل) إلى صالح (عليه ~~السلام): " أن مرهم أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام. # قال قتادة: قال عاقر الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين فجعلوا ~~يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: ترضين؟ فتقول: نعم! وكلك الصبي حتى ~~رضوا أجمعين فعقروها. PageV04P2430 # وصالح النبي [عليه السلام]، هو: صالح بن عبيد بن عابر بن إرم بن ms0843 سام بن ~~نوح. # قال وهب: بعثه الله إلى قومه حين راهق الحلم، وارتحل صالح بمن كان معه ~~إلى مكة محرمين فأقاموا بها حتى ماتوا، فقبورهم بين دار الندوة والحجر. # روي أنه كان بين موت هود وصالح، صلوات الله عليهما، أكثر من خمس مائة ~~سنة. # قوله: {واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد}، إلى: {جاثمين}. # قرأ الحسن: " تنحتون "، بالفتح، للمبالغة. PageV04P2431 # وقرأ الأعمش " تعثوا "، بكسر الثاء، وهي لغة. # والمعنى: إن صالحا، عليه السلام، ذكرهم نعم الله ( عز وجل) عليهم، وأنه ~~استخلفهم في الأرض بعد عاد. # {وبوأكم في الأرض}. أي: جعل لكم فيها مساكن وأزواجا. # {تتخذون من سهولها قصورا}. أي: تبنون في السهل من الأرض قصورا. # {وتنحتون الجبال بيوتا}. قال السدي: كانوا ينقبون في الجبال البيوت، وذلك ~~لطول أعمارهم. # {فاذكروا آلآء الله}. PageV04P2432 # أي: نعمة الله عليكم. # {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}. أي: تفسدوا أشد الفساد. والعثو: أشد ~~الفساد. # ف: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه}، أي: الأشراف الذين استكبروا عن ~~الإيمان، {للذين استضعفوا}، وهم: أهل المسكنة من تباع صالح (عليه السلام)، ~~المؤمنين منهم، {أتعلمون أن صالحا}، رسول الله، {قالوا إنا} بالذي أرسله ~~الله به {مؤمنون}، أي: مقرون أنه من عند الله ( عز وجل) ، { قال الذين ~~استكبروا}، عن أمر الله (سبحانه)، {إنا بالذي آمنتم به} ما جاء به صالح، ~~{كافرون} PageV04P2433 # ، أي: جاحدون. # فعقرت ثمود ناقة الله ( عز وجل) ، { وعتوا}، أي: تجبروا وتكبروا عن أمر ~~ربهم. # وقال مجاهد: {عتوا}: علو في الباطل. # وسألوه أن يأتيهم العذاب الذي أوعدهم به، {فأخذتهم الرجفة}، أي: الصيحة. # قال مجاهد والسدي: {الرجفة}: هي الصيحة. # يقال: رجف بفلان: إذا حرك وارتجج. PageV04P2434 # و " الرجفة " في اللغة: الزلزلة الشديدة. # {فأصبحوا في دارهم جاثمين}. # أي: ساقطين على ركبهم. وأصل الجثوم، للأرنب، والطير، وشبهه، وهو البروك ~~على الركب. # ومعنى {دارهم}: عند مسكنهم، وموضعهم اجتماعهم وهي القرية. # ومعنى {ديارهم} [هود: 67]: منازلهم. PageV04P2435 # قوله: {فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي [ونصحت] [لكم]}، ~~الآية. # والمعنى: فأدبر عنهم (صالح، عليه السلام،) وخرج من بين أظهرهم حين عقروا ~~الناقة ms0844 واستعجلوه في العذاب، وأوحى الله ( عز وجل، إليه) أنه مهلكهم بعد ~~ثلاثة أيام. ولم يهلك الله ( عز وجل) أمة ونبيها بين أظهرها. # وقال لهم عند خروجه: {ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن} لستم ~~{تحبون الناصحين}، فهلكوا بأجمعهم في ديارهم، إلا رجلا كان يحرم الله (عز ~~جل)، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه. PageV04P2436 # قوله: {ولوطا إذ قال لقومه [أتأتون الفاحشة]}، إلى: {المجرمين}. # نصب {لوطا} على " وأرسلنا لوطا "، أي على معنى: واذكروا لوطا. # {إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة}. أي: أتأتون الذكران. # {ما سبقكم}، لفعل هذا أحد {من العالمين}. # {إنكم لتأتون الرجال شهوة} هذا توبيخ لهم وتقريع. # وقوله: {شهوة}: مصدر، أي تشتهون ذلك شهوة. PageV04P2437 # {بل أنتم/ قوم مسرفون}. في فعلكم ذلك. # واللوطي يرجم عند مالك، أحصن أو لم يحصن. وكذلك قال أكثر العلماء. # وروي عنه أنه قال: يرجم إن كان محصنا، ويحبس ويؤدب إن كان غير محصن، وهو ~~قول عطاء، والنخعي، والحسن، وابن المسيب، وقتادة. PageV04P2438 # قال الأوزاعي، وأبو يوسف، وأبو ثور: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها حد حد ~~الزاني، وهو مروي عن الشافعي. # وقال النعمان والحكم: يعزر عقوبة. # وهذا إنما هو في المرأة التي ليست منه بزوجة ولا ملك يمين. # ثم أخبر، تعالى، عن جواب قوم لوط له إذ وبخهم، فقال تعالى: {وما كان جواب ~~قومه إلا} قولهم: {أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}، أي: قال بعضهم ~~لبعض ذلك، أخرجوا آل لوط وابنتيه، ولذلك جمع في {أخرجوهم}. # وقيل المعنى: أخرجوا " لوطا " ومن كان على دينه. PageV04P2439 # ومعنى: {يتطهرون}، أي: يتنزهون عن فعلنا. # وقال السدي: معناه: يتحرجون. # وقال مجاهد معناه: يتطهرون من أدبار الرجال [وأدبار] النساء. # وقيل: معنى {يتطهرون}، أي: يتنزهون عن أعمالكم. # قال الله ( عز وجل) : { فأنجيناه وأهله}، يريد ابنتيه، {إلا امرأته}، لم ~~تنج؛ لأنها كانت خائنة للوط كافرة، {كانت من الغابرين}، أي: من الباقين PageV04P2440 # في الهالكين. # وقيل المعنى: {من الغابرين}، [أي: من الغائبين] عن النجاة. # قال حذيفة: إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى الرجال بالرجال، ~~والنساء ms0845 بالنساء. # وقال [أبو] عبيدة: المعنى: {كانت من الغابرين}، أي: من المعمرين أي: قد ~~هرمت. PageV04P2441 # قال حذيفة: رفع جبريل (عليه السلام) مدينتهم ثم قبلها، فسمعت الوجبة ~~امرأته، فالتفتت، فأهلكت معهم. # وروي أن جبريل، عليه السلام، اقتلع مدائنهم وهي ست فأهوى بها حتى بلغ بها ~~السماء بجناح واحد، حتى سمع أهل السماء نهاق الحمير، ونباح الكلاب، وصراخ ~~الديوك، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، وتبعت الحجارة من كان خارج المدائن ~~منهم. # والغابر في اللغة: من الأضداد هو الباقي، والذاهب. # وذكر هذا الجمع؛ لأنه غلب فيه المذكر [على المؤنث]. # وقوله: {وأمطرنا عليهم}. PageV04P2442 # أي: أمطرت عليهم حجارة من سجيل بعد قلب مدائنهم عاليها سافلها فأهلكت من ~~كان خارجا من المدينة، من مسافر وغيره، {فانظر}، يا محمد، {كيف كان عاقبة ~~المجرمين}. # قوله: {وإلى مدين أخاهم شعيبا}، إلى: {الحاكمين}. # المعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. # وكان شعيب زوج بنت لوط. # ومدين: قبيلة. # وقيل: هو اسم أرض. PageV04P2443 # وقال مقاتل: هو اسم رجل جعل اسما للأمة. # وقيل هم أمة بعث إليهم، فقال لهم: {اعبدوا الله}، ليس لكم (من يحب) أن ~~تعبدوه إلا هو. # {قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان}. # أي: أوفوا الناس حقوقهم. # {ولا (تبخسوا الناس أشياءهم}}. # أي: لا تنقصوهم حقوقهم) ولا تظلموهم. PageV04P2444 # {ولا تفسدوا في الأرض}. # أي: لا تعملوا بالمعاصي في أرض الله، بعد أن أصلح الله (سبحانه) الأرض، ~~بأن بعث فيها نبيا، يدل على الطريق المستقيم. # {ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين}. # أي: مصدقين، أي: هذا الذي أمرتكم به من إخلاص العبادة لله ( عز وجل) ~~وأداء الحقوق، وترك الفساد في الأرض، خير لكم من غيره. # {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}. # / أي: في كل صراط، أي: طريق. # {توعدون}. PageV04P2445 # أي: تتهددون الناس ألا يؤمنوا، وتصدونهم عن سبيل الله، [أي: عن الإيمان]. # {وتبغونها عوجا}. # أي: تبغون لها عوجا، أي: لا تقعدوا بكل طريق، توعدون المؤمنين بالقتل. # وكانوا يقعدون على طريق من يأتي إلى شعيب ليؤمن، يتوعدونه بالقتل ~~ويخوفونه، ويقولون: هو كذاب، وهو قوله: {وتصدون عن سبيل الله من ms0846 آمن به}، PageV04P2446 # أي: تردون عن الإيمان من يريده، {وتبغونها عوجا}، أي: تبغون للسبيل ~~العوج، أي: تزيغون من أتى إليها عن الحق. # وقال السدي: هم العاشرون. # قوله: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم}. أي: كان عددكم قليلا فكثركم. PageV04P2447 # وقيل: المعنى: (كنتم) فقراء فأغناكم. # {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين}. # الذين أهلكوا من قبلكم، بعضهم أهلك: بالصيحة، وبعضهم: بالحجارة، وبعضهم: ~~بالغرق. # ثم قال لهم: {وإن كان طآئفة منكم آمنوا}، أي: جماعة وفرقة، {وطآئفة لم ~~يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا}، أي: يقضي، {وهو خير الحاكمين}. # قوله: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب}، إلى: ~~{الفاتحين}. PageV04P2448 # المعنى: قال الملأ الذين استكبروا [عن الإيمان] من قومه: {لنخرجنك ~~ياشعيب}، ومن آمن معك، {من قريتنآ}، أو لترجعن إلى ديننا. قال شعيب لهم: ~~{أولو كنا كارهين}، أي: تخرجوننا، ونحن كارهون لذلك. # وقوله: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم}. # أي: قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى ملتهم، وتوعدوه بالطرد: {قد افترينا على ~~الله كذبا}، أي: أختلقنا على الله كذبا، وتخرصنا ذلك عليه، إن نحن {عدنا في ~~ملتكم}، أي: دينكم، بعد أن أنقذنا منها. وهذا من قول من آمن به وقد كان ~~كافرا. فأما شعيب فلم يكن على ملتهم قط. PageV04P2449 # ثم قال: {وما يكون لنآ أن نعود فيهآ}،: في ملتكم فندين الله بها {إلا أن ~~يشآء الله ربنا}، أي: إلا بمشيئة الله (سبحانه)، أي إلا أن يشاء ربنا أن ~~يتعبدنا بشيء مما أنتم عليه. # وقيل المعنى: إلا أن يشاء الله أن نعود، وهو لا يشاء ذلك أبدا بمنزلة ~~قوله: {حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40]. وقيل: هو استثناء من ~~الأول. # {وسع ربنا كل شيء علما}. أي: أحاط به، فلا يخفى عليه شيء [كان، ولا شيء ~~هو كائن]، فإن سبق في علمه أنا نعود في شيء منها؛ فلا بد أن يكون. PageV04P2450 # والله لا يشاء الكفر، أي: لا يحبه ولا يرضاه، وهو يشاؤه بمعنى: يقدره ~~ويقضيه على من علمه منه. وقيل: المعنى: ملأ ربنا كل شيء علما. # ثم ms0847 قال: {على الله توكلنا}. أي: عليه نعتمد في أمورنا. # {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق}. أي: احكم بيننا وبينهم. PageV04P2451 # {وأنت خير الفاتحين}. أي: الحاكمين. # قوله: {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا}، إلى قوله: ~~{كافرين}. # المعنى: قال بعض من كفر بشعيب لبعض: {لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون}، أي لمغبونون في فعلكم. # {فأخذتهم الرجفة}. أي: فأخذت الكفار منهم الزلزلة. # {فأصبحوا في دارهم جاثمين}. أي: باركين على ركبهم. وقيل: خامدون. # وكان قوم شعيب أصحاب " ليكة "، وهي: الغيضة من الشجر. وكانوا مع PageV04P2452 # كفرهم/ يبخسون الناس في الوزن والكيل، فدعاهم إلى الله ( عز وجل) ، ~~فكذبوه، وسألوه العذاب، ففتح (الله) عليهم بابا من أبواب جهنم، فأهلكهم ~~الحر منه، ولم ينفعهم ظل ولا ماء. ثم بعث الله سحابة فيها ريح طيبة، فوجدوا ~~(فيها) برد الريح، فتنادوا: " الظلة، عليكم بها "،! فلما اجتمعوا تحت ~~السحابة، انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو {عذاب يوم الظلة} [الشعراء:: 189]. # ونجى الله شعيبا والذين آمنا معه، فسكنوا مكة حتى ماتوا (بها). # وقوله: {الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها}. PageV04P2453 # أي: لم ينزلوا فيها، ولم يقيموا. و " المغاني ": المنازل؛ لأنها يقام ~~بها. وقال المفسرون: كأن لم يعيشوا بها. # {الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين}. أي: الهالكين. # {فتولى عنهم}. PageV04P2454 # أي: أدبر وخرج عنهم، وقال: {لقد أبلغتكم رسالات ربي}، فلم تؤمنوا بها، ~~{ونصحت لكم}، فلم تقبلوا، {فكيف ءاسى على قوم كافرين}، أي: كيف أحزن عليهم ~~وقد كفروا بآيات الله. # وقرأ طلحة بن مصرف، ويحيى بن وثاب، والأعمش: (إيسى "، بكسر الهمزة، (وهي ~~لغة تميم). # قوله: {ومآ أرسلنا في قرية من نبي} إلى: {يشعرون}. # هذه الآية تحذير لقريش، ومن كفر بالنبي ( صلى الله عليه وسلم) ، وإعلام ~~من الله PageV04P2455 # لنبيه ( صلى الله عليه وسلم) ، سنته فيمن خلا من الأمم الكافرة. # و {بالبأسآء}. البؤس وضيق العيش. # {الضرآء}، النصر. # {لعلهم يضرعون}، أي: فعل ذلك بهم، ليتضرعوا إلى الله ( عز وجل) ويخشعوا، ~~وينيبوا عن الكفر. # قال السدي، {بالبأسآء والضرآء}: الفقر والجوع. # وقال ابن مسعود: {بالبأسآء}، الفقر، و {والضرآء}، المرض. # وقيل: {بالبأسآء}، ms0848 المصائب في المال، و {والضرآء}، المصائب في البدن. PageV04P2456 # وقوله: {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة [حتى عفوا]}. # سمي [الضرر والفقر سيئة، لأنه يسوء صاحبه. # و {الحسنة}: الرخاء والصحة. سمي] ذلك حسنة، لأنها تحسن عند من حلت به، ~~فبدل الله ( عز وجل) لهم مكان الضرر والفقر، الرخاء والصحة، {حتى عفوا} أي: ~~تضاعف أعدادهم بالتناسل، وهو من الأضداد، يقال: " عفا ": كثر، و " عفا ": ~~درس. # ومن الكثرة قوله عليه السلام: " أخفوا الشوارب واعفوا اللحى "، أي: وفروا ~~[اللحى] حتى يكثر شعرها. PageV04P2457 # فمعنى {عفوا} على هذا، أي: كثروا. # قال ابن زيد: معناه، بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبوا. # وعن مجاهد: {عفوا}، كثرت أموالهم وأولادهم. # وقال قتادة: {عفوا}، سروا. # أي: سروا بكثرتهم، وذلك استدراج منه لهم؛ لأنه أخذهم بالشدة ليتعظوا فلم ~~يفعلوا. ثم أخذهم بالرخاء لعلهم يشكرون، استدراجا لهم، ف: {وقالوا قد مس ~~آباءنا الضرآء}، وهو الضيق في المعاش، {والسرآء}: السرور والسعة، فنحن PageV04P2458 # مثلهم، يصيبنا مثل ما أصابهم، {فأخذناهم بغتة}، أي: أخذناهم بالهلاك فجأة ~~على غرة، {وهم لا يشعرون}، أي: لا يدرون بذلك. # وقد كرر الله، عز وجل، قصص الأنبياء وأممها، في سور كثيرة بألفاظ مختلفة، ~~ومعان متقاربة. ونحن نذكر علة تكرار ذلك في القرآن، بما حضرنا من أقوال ~~العلماء، إن شاء الله. PageV04P2459 # ذكر العلة # في تكرار الأنبياء والقصص # في القرآن # علة ذلك أن القرآن نزل شيئا بعد شيء نجوما، في ثلاث وعشرين سنة، فكانت ~~العرب ترد على النبي صلى الله عليه وسلم، / من كل أفق فيقرئهم المسلمون ~~السورة من القرآن، فيذهبون بها إلى قومهم. # وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة، بالسور المختلفة، فيبلغ إلى هؤلاء من ~~القصص ما لم يبلغ إلى هؤلاء، فثنى الله القصص وكررها ليكون يبلغ إلى هؤلاء ~~ما يبلغ إلى PageV04P2460 # هؤلاء إشهارا منه لهذه القصص ليتعظ بها من بلغته، ويعلم أنها دلالة على ~~نبوة من أتى بها، ويعيها كل قلب، ويزداد الحاضرون السامعون لتكرارها تفهما. # ولو نزل القرآن جملة واحدة لسبق حدوث الأسباب التي أنزله الله ( عز وجل) ~~بها، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين، ms0849 وعلى من أراد الدخول في الدين ~~ولفسد معنى النسخ، فإنما نزل فرضا بعد فرض، تدريجيا للعباد وتيسيرا عليهم ~~إلى أن يكمل دين الله ( عز وجل) . # كل ذلك تثبيتا لهم على الإسلام، قال الله: {كذلك لنثبت به فؤادك} ~~[الفرقان: 32]، وهذا جوابهم إذا قالوا: {لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} ~~[الفرقان: 32]، فإنما نزل متفرقا ليثبتهم على الإسلام، إذ لو نزلت الفرائض ~~مرة واحدة، لكان ذلك داعية إلى النقار PageV04P2461 # والصعوبة عليهم. # فإن قيل: هلا كررت الفرائض كما كررت القصص؟ # قيل: إن الفرائض كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) يبعث بها إلى كل ~~قوم ليعلمهم بها فرض الله عليهم، من الصلاة والزكاة، فكل المؤمنين يصل إليه ~~ذلك ببعث رسول الله (عليه السلام) إذ ذلك وجب عليه، وهو من تمام التبليغ. # والقصص ليست كذلك، إنما نزلت على طريق الاعتبار، فليس يقتص بها كل من ~~آمن، فكررت لتشتهر عند المؤمنين. # فإن قيل: فلم كرر {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 13، 77]، و: {فكيف ~~كان عذابي PageV04P2462 # ونذر} [القمر: 16، 18، 21، 30]، و {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ~~وشبهه؟ # فالجواب أن مذهب العرب: التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذابهم: ~~الاختصار للتخفيف، فيقولون: " عجل عجل "، و " الزم الزم "، فكررون للتأكيد، ~~ويقولون: " الهلال والله ". [أي: هذا الهلال]، فيختصرون للتخفيف. # وربما استوحشوا من الإعادة فغيروا اللفظة الثانية فيقولون: (هو) " عطشان ~~نطشان " "، و " حسن بسن "، و " شيطان [ليطان] "، أبدلوا الثاني وغيروه لئلا ~~يعيدوه بلفظه إذ لم يكن (لهم) بد من التأكيد. PageV04P2463 # وأما التكرير في {قل يا أيها الكافرون}، فإن المشركين قالوا للنبي ( صلى ~~الله عليه وسلم) : اعبد بعض آلهتنا، ونؤمن بإلهك، فأنزل الله ( عز وجل) : { ~~لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد} [الكافرون: 2 - 3] ثم أقاما ~~مرة وقولوا (له): اعبد آلهتنا وقتا من الزمان، ونعبد إلهك مثله، فأنزل الله ~~( عز وجل) : { ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد} ~~[الكافرون: 4 - 5]. # ومن العلة في التكرار {فبأي آلاء ربكما تكذبان}، أن الله تبارك وتعالى، ~~عدد في " الرحمن " ألاءه ونعمه، ونبههم على ما ms0850 أعد للمؤمنين من نعمة، فأتبع ~~كل نعمة ذكرها الاستفهام بمعنى: التوبيخ، والسؤال لهم بأي نعمة يكذبون، ~~لتكون فاصلة بين [كل نعمة] ذكرها وبين ما بعدها من نعمة أخرى، ليفهموا كل ~~نعمة على PageV04P2464 # انفصالها. وهذا كقول العرب للرجل: ألم أطعمك وأنت جائع؟ أفتنكر هذا؟ [ألم ~~أكسك وأنت عريان؟ أفتنكر هذا؟، ألم أغنك وأنت فقير؟ أفتنكر هذا؟] وشبهه. # ومثل: هذا تكراره: {فهل من مدكر} [القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51] في ~~سورة: " اقترتب "؛ لأنه يذكر/ لهم آياته، وعبر ما يعتبرون به، ثم نبههم على ~~الاعتبار والادكار بذلك، فإذا ذكر آية وعبرا نبههم على الاعتبار بها، وكرر ~~ذلك عليهم، ليكون أفهم لهم. # وقد يأتي تكرار المعنى بلفظين مختلفين، وذلك للاتساع في المعنى واللفظ، ~~نحو قولك: " آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر "، والأمر بالوفاء هو النهي عن ~~الغدر. # ومثله: " آمرك بالتواصل، وأنهاك عن التقاطع ". # وكقوله: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68]، والنخل والرمان من ~~الفاكهة، فأفردا عن PageV04P2465 # الجملة، لفضلهما. # ومثله قوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]، وهي ~~منها، فأفردها بالذكر ترغيبا فيها، كما تقول العرب: " إيتني كل يوم (ويوم) ~~الجمعة. # ومنه قوله: {لا نسمع سرهم ونجواهم} [الزخرف: 80]، والنجوى هو السر. # وقد يكون " السر ": ما أسروا في أنفسهم، و " النجوى ": ما تساروا به سرا، ~~وهذا كما قال ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب PageV04P2466 # واللعس: حوة. # وقريب من هذا: الزيادة للتأكيد، كقوله: {يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم} [آل عمران: 167]؛ لأن الرجل قد يقول بالمجاز: كتابا ورسالة، وعلى ~~لسان غيره. # ومنه قوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} [البقرة: 79]؛ لأن الرجل ~~قد يضاف إليه الكتاب، والكاتب غيره. يقول الأمي: كتبت إليك، وإنما كتب له، ~~وكتب الأمير كتابا، وإنما أمر بكتبته، فبين بقوله: {بأيديهم}، أنهم بأنفسهم ~~كتبوه على الحقيقة. PageV04P2467 # وقد قال ابن عباس في قوله: {تحمله الملائكة} [البقرة: 248]، وإنما أمرت ~~بحمله، كقولك: " حملت إلى بلد كذا برا وقمحا "، وإنما [تريد] أمرت بحمله. # وقال تعالى: {فراغ عليهم ضربا باليمين} [الصافات: 93]، فذكر اليمين؛ لأن ~~فيها القوة وشدة البطش، فأخبر بذلك ms0851 عن شدة الضرب. # ومثله: {ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام: 38]، فأكد بذلك، كما تقول: رأي ~~عيني وسمع أذني]. PageV04P2468 # ومنه قوله: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46]، هذا مثل ~~قولهم: نفسي التي بين جنبي. # ومثله قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة ~~كاملة} [البقرة: 196]. # قوله: {ولو أن أهل القرىءامنوا (واتقوا)}، إلى قوله: {فهم لا يسمعون}. # المعنى: ولو أن أهل القرى الذين أرسل إليهم الرسل آمنوا، لنزل مطر السماء ~~عليهم. وأنبتت الأرض، فذلك " البركات ". PageV04P2469 # وأصل " البركة ": المواظبة على الشيء. يقال: بارك فلان على فلان، أي: ~~واظب عليه. # فمعنى: {بركات من السمآء}. أي: ما يتتابع من [خير] السماء والأرض. # {ولكن كذبوا}، بالرسل. {فأخذناهم}. أي: عجلناهم العقوبة. {بما كانوا ~~يكسبون}. أي: بعملهم الرديء. # {أفأمن أهل القرى}، [أي] المكذبون، {أن يأتيهم بأسنا}، أي: عقوبتنا، ~~{بياتا}، أي: ليلا، {وهم نآئمون}، أو يأتيهم {ضحى وهم يلعبون}. يقال لكل من ~~عمل PageV04P2470 # عملا لا يجدي عليه نفعا، إنما أنت لاعب. # {أفأمنوا مكر/ الله}. # أي: أستدراج الله إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم من الصحة والرخاء، فليس ~~بأمن استدراج الله {إلا القوم الخاسرون}، أي: الهالكون. # وقيل: هو توعد لمن كذب بمحمد، (عليه السلام). # وقيل: {مكر الله} ( عز وجل) : عذابه. PageV04P2471 # وحقيقة " المكر ": (الكيد)، والكيد من الله (سبحانه) عقوبة للعبد من حيث ~~لا يعلم. # قوله: {أولم يهد للذين يرثون}، المعنى: أو لم يهد الهدى، أي: يبين لهم ~~الهدى. # وقيل معنه: أولم يهد الله، أي: يبين لهم الله، أنه لو شاء أصابهم ~~بذنوبهمه، كما فعل بمن كان قبلهم، الذين ورث هؤلاء الأرض عنهم. # {ونطبع على قلوبهم}. أي: نختم عليها، فلا ينتفعون بموعظة. PageV04P2472 # قال ابن عباس: {أولم يهد}، أو لم يستبن لهم. # وقال ابن زيد: أو لم يتبين لهم. # وأكثرهم على أن المعنى: أو لم يبن لهم؛ لأن أصل الهدى: البيان. # قوله: {تلك القرى نقص عليك من أنبآئها}، إلى قوله: {لفاسقين}. # والمعنى: تلك القرى، يا محمد، نقص عليك من أخبارها، وهو ما تقدم ذكره: من ~~قوم نوح وعاد وثمود ms0852 وقوم لوط وقوم شعيب، لتعلم أنا ننصر رسلنا. # ثم قال (الله) تعالى: {ولقد جآءتهم رسلهم بالبينات}. # أي: ولقد جاءت أهل القرى رسلهم، بالحجج [البينات]. # وقوله: {فما كانوا ليؤمنوا}. PageV04P2473 # أي: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم، ~~{بما كذبوا من قبل}، أي: بما كذبوا يوم أخذ عليهم الميثاق حين أخرجهم من ~~ظهر آدم، (عليه السلام). # قال مجاهد: المعنى: ليس يؤمنوا، {بما كذبوا من قبل}، أي: من قبل هلاكهم، ~~أي: لو ردوا إلى الدنيا بعد هلاكهم لم يؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم، ~~مثل: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28]. # وقال الربيع بن أنس: كان في علمه ( عز وجل) يوم أقروا بالميثاق أنهم لا ~~يؤمنون. PageV04P2474 # وقال السدي: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها، فلم يكونوا ليؤمنوا ~~الآن حقيقة. # وقوله: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين}. # أي: كما طبعنا على قلوب هؤلاء الذين أهلكوا ولم يؤمنوا، كذلك نطبع على ~~قلوب المعتدين من أمتك يا محمد، أي: نختم عليها فلا يؤمنوا لما تقدم في ~~عمله منهم. وهذا إخبار [من] الله (تعالى) لنبيه (عليه السلام) عن قوم من ~~أمته [أنهم] لا يؤمنون أبدا، كما قال لنوح (عليه السلام): {أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن} [هود: 36]، وكما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم،: { إن ~~الذين كفروا سوآء عليهمءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6]. # ثم قال تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد}. # أي: ما وجدنا لهؤلاء المهلكين " عهدا "، أي: وفاء بما وصيناهم به، وما PageV04P2475 # وجدنا أكثرهم فاسقين. # مذهب الفراء: أن {إن} بمعنى: " ما "، و " اللام " بمعنى إلا. # ومذهب سيبويه أنها " إن " المخففة [من الثقيلة)، ودخلت " اللام " لئلا ~~تشتبه " إن " التي بمعنى: ما. # وقال بعض البصريين: دخلت " إن " و " اللام " على معنى التأكيد واليمين. ~~وتدخل " إن " هذه على الأفعال أيضا، [تقول]: إن ظننت زيدا لقائما. # ومعنى {لفاسقين}،: خارجين عن طاعة الله. PageV04P2476 # وقيل: العهد الذي لم يفوا به، هو ما أخذ عليهم إذ أخرجوا من ظهر آدم. # قوله: {ثم بعثنا ms0853 من بعدهم موسى بآياتنآ إلى فرعون وملإيه فظلموا بها}، ~~إلى قوله: {للناظرين}. # والمعنى: ثم بعثنا (من) بعد هؤلاء الذين ذكرنا من الأنبياء. ط # وقيل: من/ بعد الأمم المذكورة، موسى. # {بآياتنآ}. أي: بحجتنا. {إلى فرعون وملإيه فظلموا بها}. أي: فجحدوا ~~وكفروا بها. # ومات هارون (عليه السلام)، وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة، وعاش PageV04P2477 # موسى (عليه السلام) بعد ثلاث سنين، صار عمره بها مثل عمر هارون؛ لأن ~~هارون كان أكبر من موسى بثلاث سنين، فصار عمر موسى وهارون سواء، مائة وسبع ~~عشرة لكل واحد. # وكان في وجه هارون شامة، وفي أرنبة موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة، وهي ~~العقدة التي حلها الله ( عز وجل) ، له. # قوله: {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}. # أي: فانظر، يا محمد، بعين قلبك، {كيف كان عاقبة المفسدين}، يعني فرعون ~~وملأه، إذ غرقوا في البحر جميعا. # وموسى، هو: ابن عمران بن ناهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن PageV04P2478 # إبراهيم عليه السلام. # وفرعون موسى هو فرعون يوسف، عمر أكثر من أربع مائة عام. وامسه: الوليد بن ~~مصعب. # (وقوله): {وقال موسى يافرعون إني رسول من رب العالمين * حقيق على}. # أي: خليق وجدير قول الحق على الله، ( عز وجل) . # وقيل المعنى: {حقيق على} ترك القول على الله (سبحانه) إلا بالحق. # فمن أضاف {على} فمعناه: واجب علي قول الحق على الله (سبحانه). PageV04P2479 # ومن لم يضعف فمعناه. # حريص على قول الحق على الله (جلت عظمته). # (وقيل) معناه: محقوق علي أن لا أقول على الله إلا الحق، وهو فعيل بمعنى ~~مفعول، كقتيل. هذا في قراءة من لم يضف. # قوله: {قد جئتكم ببينة من ربكم}. أي بحجة. # {فأرسل معي بني إسرائيل}. # وكان بنو إسرائيل يؤدون الجزية إلى فرعون وقومه، فسأله موسى (عليه ~~السلام)، أن يتركهم معه قال له فرعون: {قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ}، ~~فألفى موسى عصاه فإذا هي حية ظاهرة لمن يراها فاغرة فاها، فاستغاث فرعون ~~بموسى، حين رآها قصدته، فكفها موسى (عليه السلام)، عنه. PageV04P2480 # وقال الكلبي: بلغنا أن موسى (عليه السلام)، ms0854 قال يا فرعون، ما هذه بيدي؟ ~~قال: هي عصا. فألقاها موسى، فإذا هي ثعبان مبين، قد ملأت الدار من عظمها، ~~ثم أهوت إلى فرعون لتبتلعه، فنادى: يا موسى! (يا موسى)! فأخذ موسى بذنبها ~~فإذا هي عصا بيده. قال فرعون: يا موسى، هل من آية غير هذه؟ قال: نعم، قال: ~~ما هي؟ فأخرج موسى يده، فقال: ما هذه يا فرعون؟ قال: يدك. فأدخلها موسى ~~(عليه السلام)، في جيبه ثم أخرجها، {فإذا هي بيضآء للناظرين}، تغشى البصر ~~من بياضها. # قال وهب بن منبه: أمر فرعون بموسى، فقال: خذوه! فبادره موسى (عليه ~~السلام)، فألقى عصاه، فصارت ثعبانا، فحملت على الناس فانهزموا، فمات منهم ~~خمسة وعشرون ألفا، قتل بعضهم بعضا، وقام فرعون منهزما حتى دخل البيت. # وكان ما بين لحيي الحية أربعون ذراعا. PageV04P2481 # قال ابن عباس: وضعت فقما أسفل قبة فرعون، وفقما فوقها، فاستغاث بموسى ~~فأجاره، وكفها. # وقوله: {ونزع يده}. # أي: أخرجها (من جيب قميصه)، (بيضاء تلوح، (تدل) على صدقه فيما يقول، ~~بياضا من غير/ برص. ثم أعادها إلى موضعها، فرجعت كما كانت، وكان قد أخرجها ~~من جيبه، فأخرجها بيضاء تلوح للناظرين. # قال السدي: وضعت لحيها الأسفل في الأرض، والآخر على أعلى سور القصر، ثم ~~توجهت نحو فرعون لتأخذه فذعر منها، (ووثب) وأحدث، ولم يكن PageV04P2482 # يحدث (قبل ذلك)، إلا إلى مدة طويلة، فصاح: يا موسى! خذها، ونؤم بك. # قوله: {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر (عليم)} الآيات الأربع. # من قرأ {أرجه}، بغير همز، احتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون على البدل للهمز، ثم حذف الياء؛ لأنه أمر، كما أجازوا " ~~أقر " يا هذا، بغير ألف ولا همز. # والوجه الثاني: أن [يكون] على لغة من قال: " أرجيت "، وهي لغة: أسد، PageV04P2483 # وتميم وعامة قيس. # والوجه الثالث: قاله المبرد، قال: هو من: رجا يرجو، أي: اتركه يرجو ~~وأطمعه. # وقد أنكر جماعة النحويين: الإسكان في الهاء. وقد ثبت ذلك عن الأئمة من ~~القراء. PageV04P2484 # ووجه ذلك: أن " الهاء " هي الاسم، و " الياء " والواو إنما هي صلة " ~~للهاء " وليسا ms0855 من الاسم؛ وإنما زيدت عند الخليل؛ لأن [الهاء] خفية، فقويت ~~بحرف جلد تباعد منها وهو " الواو "، لا يأتي بها فمن أسكن هذه " الهاء " ~~أسكنها على أصلها، وردها إليه. # وفيها علة أخرى، وذلك أن هذه " الهاء " صارت في موضع اللام. وكان من حق ~~اللام لو كان من حروف السلامة أن يسكن. والهاء من حروف السلامة فسكنت، إذ ~~حلت محل اللام، فصارت بمنزلة ميم " أكرم ". # وفيها علة أخرى، وهي أن " الواو " جائز حذفها بعد " الهاء " فصارت بمنزلة PageV04P2485 # الواو في " عليهمو "، [في جواز حذفها، فلما كانت " الميم " من عليهم] ~~تسكن إذا حذفت الواو ويحسن سكونها، كان (مثل) ذلك في الهاء، إلا أن الميم ~~أحسن من الهاء في السكون لخفاء الهاء. # وفيها علة رابعهة، وذلك أنهم قد شبهوا هاء السكت بهاء الإضمار، فأثبتوها ~~في الوقف. وبعضهم وصلها بياء كهاء الإضمار، فلما شبهت بهاء، جاز تشبيه هاء ~~الإضمار بهاء السكت في السكون؛ لأن من حق هاء السكت السكون فشبهت بها، فجاز ~~إسكانها. # ومعنى الآية: قال أشراف قوم فرعون من القبط: {إن هذا لساحر عليم}، أي ~~عليهم بالسحر، {يريد أن يخرجكم من أرضكم}، أي: أرض مصر، {فماذا تأمرون}، ~~أي: أي شيء تأمرون أن يفعل في أمره؟. PageV04P2486 # وقوله: {فماذا تأمرون}، من كلام فرعون لا من كلام الملأ. فأشار عليه ~~الملأ أن: {أرجه وأخاه}، أي: أحسبه وأخاه. و " الإرجاء ": التأخير. {وأرسل ~~في المدآئن حاشرين}. PageV04P2487 # أي: مدائن مصر، من يجمع لك السحرة العلماء. # قوله: {وجآء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا} الآيات الثلاث. # في هذا الكلام اختصار وحذف. والمعنى: فأرسل فرعون {في المدآئن حاشرين}، ~~فحشروهم، فجاء السحرة فرعون. # ومعنى الآية: قال ابن عباس: قال فرعون: لا نغالبه، يعني موسى، إلا بمن هو ~~مثله، فأعد غلمانا من بني إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية، يقال لها: " الفرماء ~~"، يعلمونهم السحر، كما يعلم الصبيان في الكتاب، فعلموا سحرا كثيرا. # وواعد موسى فرعون موعدا، فلما كان في ذلك/ الموعد، بعث فرعون فجاء بهم، ~~وجاء بمعلميهم معهم فقال لهم ماذا صنعتم، قالوا قد علمناهم سحرا ms0856 لا يطيقه ~~سحر أهل الأرض، إلا أن يكون أمر من السماء، فإنهم لا طاقة لهم به، فلما جاء ~~السحرة PageV04P2488 # قالوا لفرعون: {لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن ~~المقربين}، أي: لكم الأثرة والقرب مع ذلك. # روي: أن السحرة كانوا سبعين ألفا. وقيل: خمسة عشر ألفا. وقال ابن ~~المنكدر: كانوا ثمانين ألفا. وقال كعب: أثنى عشر ألفا. PageV04P2489 # وقوله: {إمآ أن تلقي}. # إذا كان في الكلام مع " إما " معنى الأمر، فلا بد من دخول " أن " بعدها، ~~وتقديره: اختر أن تلقى، كقولك للرجل: " إما أن تمضي وإما أن تقعد ". فإن ~~كان الكلام خبرا ليس فيه معنى الأمر، لم يجز دخول " أن " البتة، كقوله ~~تعالى: # {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} [التوبة: 6]، وكذلك ~~ما كان في معنى الجزاء، وهي مكسورة في كل ذلك. # و" أن " عند الكسائي في موضع نصب. # قوله: {قال ألقوا فلمآ ألقوا سحروا [أعين الناس]}، الآية. # والمعنى: قال لهم موسى: ألقوا فلما ألقوا (سحرهم) سحروا أعين الناس، PageV04P2490 # بسحرهم وخدعهم، فاسترهبوهم الناس، {وجآءوا بسحر عظيم}، أي: بتخييل عظيم. # ق السدي: كانوا بضعة ومائتي ألف، ليس منهم رجل إلا [معه] حبل وعصا. # قال ابن إسحاق: صف فرعون خمسة عشر ألف ساحر، مع كل واحد حباله وعصيه. ~~وخرج موسى (عليه السلام)، معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع فألقوا ما ~~في أيديهم فإذا هي حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها PageV04P2491 # بعضا، {فأوجس في نفسه خيفة موسى} [طه: 67]، أي: أحس خوفا. # قوله: {وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك}، [الآية]. # قال ابن عباس: فألقى موسى عصاه فإذا هي حية فجعلت تلقف ما يأفكون لا تمر ~~بشيء من حبالهم وخشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء، ~~وأنه ليس بسحر فخروا سجدا، وقالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون. # وقيل: إنهم ما رفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما. # ومعنى: {ما يأفكون}، ما يكذبون. PageV04P2492 # وقيل: إنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم، خيل إلى موسى (عليه السلام) ms0857 أنها ~~حيات، فألقى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم. ثم رقوا فازدادت حبالهم وعصيهم ~~عظما في أعين الناس، وجعلت عصا موسى (عليه السلام)، تعظم، فكلما رقوا ~~ازدادت حبالهم وعصيهم عظما، وتزداد عصا موسى عظما، حتى نفدت رقاهم وسحرهم، ~~وصارت عصا موسى (عليه السلام)، قد سدت الأفق. ثم فتحت فاها فابتلعت ما ~~ألقوا، ثم أخذ موسى عصاه بيده، فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت. # قال الكلبي: فقال السحرة بعضهم لبعض: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا ~~وعصينا. فخروا عند ذلك ساجدين. PageV04P2493 # قوله: {فوقع الحق (وبطل ما كانوا يعملون)}، إلى قوله: {موسى وهارون}. # المعنى: وظهر الحق لمن شهد. وبطل سحرهم. # {وألقي السحرة ساجدين}، عند معرفتهم أن (ذلك) الذي أتى به موسى (عليه ~~السلام)، ليس إلا من السماء، {قالوا آمنا برب العالمين}، أي صدقنا بما جاء ~~به موسى وبربه ورب هارون. # قوله: {قال فرعون آمنتم به}، إلى {فسوف تعلمون}. # المعنى: قال فرعون لهؤلاء الذين آمنوا: {آمنتم به}، أي صدقتموه. # قيل: " الهاء " لله. وقيل: لموسى، عليه السلام. PageV04P2494 # وفي موضع آخر: {آمنتم له} [طه: 71، الشعراء: 49]، أي: فعلتم الذي أراد، ~~{قبل/ أن آذن} بذلك، {إن هذا لمكر}، أي: تصديقكم إياه {لمكر مكرتموه في ~~المدينة}، أي: خدعة خدعتم بها من في مدينتنا، {لتخرجوا منهآ أهلها فسوف ~~تعلمون}، أي: تعلمون ما اصنع بكم. # قل ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما، من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم: ~~التقى موسى وأمير السحر، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك تؤمن بي، وتشهد أن ~~ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غادا بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن ~~غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك نبي حق! وفرعون ينظر إليهما، فذلك قول ~~فرعون: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة}، إذ التقيتما لتتظاهرا فتخرجا ~~منها أهلها. # قوله: {لأقطعن أيديكم وأرجلكم [من خلاف]}، إلى: {منقلبون}. PageV04P2495 # معنى: {من خلاف}: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. # وقال ابن عباس: أول من صلب، وأول من قطع من خلاف فرعون. # قالت السحرة لفرعون إذا توعدهم بالقطع والصلب: {إنآ إلى ربنا منقلبون} ms0858 ~~أي: صائرون وراجعون. # قوله: {وما تنقم منآ [إلا أن آمنا]}، إلى: {قاهرون}. # المعنى: وما تنكر منا إلا إيماننا بربنا، إذ رأينا الآيات والحجج. ثم ~~قالوا: {ربنآ أفرغ علينا صبرا}، أي: أنزل علينا صبرا يشملنا فلا تخرج عن ~~الإيمان إلى الكفر بعذاب فرعون لنا، {وتوفنا مسلمين}، أي: أقبلنا إليك PageV04P2496 # على الإسلام. # قال السدي: فقتلهم وقطعهم. # قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء. # وقاله قتادة، وابن جريج. # ثم قال تعالى مخبرا عنهم: {[و] قال الملأ من قوم فرعون}، أي: قال جماعة ~~من أشراف قومه،: {أتذر موسى وقومه}، أي: أتدع يا فرعون، موسى وقومه من بني ~~إسرائيل، {ليفسدوا في الأرض} أي: كي يفسدوا عليك خدمك وعبيدك في أرضك من ~~مصر، {ويذرك وآلهتك}، أي: ويدع خدمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك. PageV04P2497 # والنصب في {ويذرك} على الصرف، إن جعلت معنى الكلام: ليفسدوا في الأرض، ~~وقد تركك وترك عبادة آلهتك. # وإن جعلت المعنى {ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك} على التوبيخ لفرعون عن ~~تركه موسى (عليه السلام)، فنصبه على العطف على {ليفسدوا}. # وقرأ ابن عباس، ومجاهد: " ويذرك وإلاهتك ". أي عبادتك. PageV04P2498 # وكان فرعون إذا رأى بقرة سمينة أمرهم أن يعبدوها. # وقوله: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24]، يدل على أنهم كانوا يعبدون ~~غيره، ممن هو دونه عندهم، فهذا يدل على صحة قراءة الجماعة: {وآلهتك}. # قال ابن عباس حجة لقراءته (" وإلاهتك "): كان يعبد ولا يعبد. # وبذلك قرأ مجاهد على معنى: وعبادتك. # وبه قرأ الضحاك. PageV04P2499 # ومن قرأ: " وإلاهتك "، تأوله أن فرعون لم يكن يعبد شيئا، إنما كان يعبد ~~من دون الله، (سبحانه وتعالى). # وقيل: إن قوم فرعون لهم أصنام يعبدونها، تقربهم إليه فما ترون. # فأجابهم فرعون فقال: {سنقتل أبنآءهم ونستحيي نسآءهم وإنا فوقهم قاهرون}، ~~أي: عالون عليهم بالملك والسلطان. # {وآلهتك}، وقف. # قوله: {قال موسى لقومه استعينوا بالله}، الآية. # والمعنى: أن موسى (عليه السلام)، قال لقومه لما قال فرعون لقومه: {سنقتل ~~أبنآءهم ونستحيي نسآءهم}: {استعينوا بالله}، على فرعون وقومه، {واصبروا} ~~على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم. وكان قد اتبع موسى، ms0859 (عليه ~~السلام) من بني PageV04P2500 # إسرائييل ست مائة ألف، غير السحرة. # ثم/ قال لهم موسى، (عليه السلام): {إن الأرض لله يورثها من يشآء}، أي: ~~لعلكم إن صبرتم، ترثون أرضه، فإن الأرض لله، {والعاقبة للمتقين}، أي: ~~العاقبة المحمودة لمن اتقى الله وراقبه. # {من عباده}، [وقف]. # وهذا يدل على أن ابن أدم غير مستطيع لشيء إلا بعون الله، (تعالى، له). ~~وهو مذهب أهل السنة. ومثله: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]، وله ~~[في] القرآن نظائر كثيرة، تدل على أن الإنسان غير مستطيع لفعل شيء إلا بعون ~~الله (جلت عظمته) له PageV04P2501 # عليه. وعونه (سبحانه) إما أن يكون توفيقا لمؤمن، أو خذلانا لكافر. # قوله: {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا}. الآية. # المعنى: قال موسى (عليه السلام)، لموسى (صلوات الله عليه)، حين قال لهم: ~~{استعينوا بالله واصبروا}: {أوذينا} يقتل أبنائنا، {من قبل أن تأتينا} ~~(برسالة الله عز وجل) ، { ومن بعد ما جئتنا}، بما توعدنا به من القتل ~~لأبنائنا. # وقيل معنى: {ومن بعد ما جئتنا}، أي: بدركنا فرعون فيقتلنا، وذلك حين ~~تراءى الجمعان. # قال ابن عباس: أسرى موسى (عليه السلام)، يبني إسرائيل حتى هجموا على ~~البحر، فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، {أوذينا من قبل ~~أن تأتينا}، أي: بذبح أبنائنا، وإحياء نسائنا، {ومن بعد ما جئتنا}، هذا ~~البحر أمامنا، وهذا PageV04P2502 # فرعون قد رهقنا بمن معه؛ {قال عسى (ربكم) أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض فينظر كيف تعملون}، من بعدهم فيجازيكم على ما وقع منكم وقد علم كيف ~~تعلمون. # و: " الأرض "، أرض الدنيا. وقيل: أرض الجنة. و: " الثانية " أرض الدنيا ~~لا غير. # و {عسى}: ترج، وهي واجبة من الله، ( عز وجل) . PageV04P2503 # {ومن بعد ما جئتنا}، وقف. # قوله: {ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين}، إلى: {لا يعلمون}. # لام {ولقد}، لام توكيد تؤكد الكلام بمعنى القسم. # والمعنى: ولقد ابتلينا تباع فرعون: {بالسنين}، أي: بالجدوب سنة بعد سنة، ~~{ونقص من الثمرات}، اختبرناهم بذلك، {لعلهم يذكرون}، بتوبة أو رجوع، ~~فيعتبرون. # قيل: إن ثمارهم نقصت حتى كانت النخلة تحمل تمرة واحدة. PageV04P2504 # وقوله: ms0860 {فإذا جآءتهم الحسنة}. # أي: (إذا) جاءهم الخصب والعافية وكثرة الثمار، {قالوا لنا هذه}، ونحن ~~أولى بها، {وإن تصبهم سيئة}، أي: قحط ومرض، {يطيروا بموسى ومن معه}، أي: ~~تشاءموا بهم، فقالوا: هذا بشؤم موسى ومن معه. # قرأ طلحة، وعيسى بن عمر: " تطيروا "، على أنه ماض. PageV04P2505 # وقرأ الحسن: " ألا إنما طيرهم عند الله "، بغير ألف. # قال الله ( عز وجل) : { ألا إنما طائرهم عند الله}. # أي: ألا إنما نصيبهم من الرخاء والجدب، وغير ذلك عند الله، عز وجل. # قال ابن عباس، المعنى: ألا إن الأمر من قبل الله، ( عز وجل) . # وقال مجاهد، المعنى: ألا إنما الشؤم فيما يلحقهم يوم القيامة مما وعدوا ~~به من الشر. PageV04P2506 # {ولكن أكثرهم لا يعلمون}. # أي: لا يعلمون أن ما لحقهم من القحط وشدة، أنه من عند الله ( عز وجل) ، ~~بذنوبهم. # {لنا هذه}، وقف. # {ومن معه}، وقف. # قوله: {وقالوا مهما تأتنا به من آية}، إلى: {مجرمين}. # {مهما} عند الخليل: أصلها " ما " للشرط، زيدت عليها " ما " للتوكيد، ~~وأبدل من ألف " ما " الأولى " هاء ". PageV04P2507 # وقال غيره: الأصل: " مه " بمعنى: أكفف، و " ما " للشرط بعد ذلك. # وحكى الكوفيون: " مهما " بمعنى: " مهما ". # والمعنى: وقال (آل) فرعون لموسى: ما {تأتنا به من آية لتسحرنا بها}، ~~فنؤمن (ربك)، وندع دين فرعون، {فما نحن لك بمؤمنين}. PageV04P2508 # قال الله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم}. # " فالطوفان ": الماء. قاله الضحاك، / وأبو مالك. # قال ابن عباس: هو الغرق. # قال مجاهد: هو الموت. # قال قتادة: سال عليهم [الماء] حتى قاموا [فيه قياما]، فسألوا موسى، (عليه ~~السلام)، أن PageV04P2509 # يسأل الله ( عز وجل) ، ليكشف عنهم ففعل. # قال الضحاك: جاءهم من المطر شيء كثير، فسألوا موسى (عليه السلام)، أن ~~يدعو الله ( عز وجل) ليكشفه عنهم، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فدعا الله، ~~فكشف عنهم وأخصبت البلاد، فعادوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فصب الله ~~على زروعهم الجراد فأكله، فسألوا موسى فدعا، فكشف عنهم. ثم عادوا إلى ~~كفرهم. # وروت عائشة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال " {الطوفان}: الموت ". # وعن ابن عباس ms0861 قال: هو أمر من (أمر) الله ( عز وجل) ، طاف (بهم)، وقرأ: ~~{فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون} [القلم: 19]. # و: {الطوفان}: مصدر كالنقصان، لا يجمع. PageV04P2510 # وقال الأخفش: هو جمع، واحدة: طوفانة. # وقوله: {والجراد والقمل}. # أرسل الله عليهم الجراد والقمل، وهو: الدبى، فأكل زرعهم وثمارهم. ثم أكل ~~الشجر والأبواب وسقوف البيوت. وابتلي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع. # قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: إن ذلك " الجراد "، كان يأكل المسامير، ~~فعجوا إلى موسى، (عليه السلام)، وصاحوا وقالوا: يا موسى، هذه المرة! # ف: {ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز}، وهو العذاب، {لنؤمنن ~~لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل} [الأعراف: 134]، فدعا لهم، فكشف عنهم بعدما PageV04P2511 # أقام سبعة أيام، فأقاموا شهرا، ثم عادوا لتكذيبه، ولأعمالهم السيئة. # وقيل: {والقمل}: السوس الذي يخرج من الحنطة. قاله ابن عباس، وابن جبير. # وقال السدي، وعكرمة، وغيرهما: هو الدبى الذي لا جناح له. # وقال ابن زيد: هي البراغيث. # وقال الحسن: هي دواب صغار سود. # وقال أبو عبيدة: {والقمل}: الحمنان، وهو ضرب من القراد، PageV04P2512 # واحدتها: حمنانة. # و {والقمل}: جمع واحدته: " قملة ". # قال سعيد بن جبير: لما أتى موسى (عليه السلام)، فرعون، قال له: أرسل معي ~~بني إسرائيل! فأبى عليه فأرسل الله ( عز وجل) ، عليهم مطرا خافوا أن يكون ~~عقابا، فقالوا (لموسى): ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن بك، ونرسل معك ~~بني إسرائيل! فدعا ربه ( عز وجل) ؛ فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولا أرسلوا معه ~~بني إسرائيل، فأنبت لهم ذلك المطر تلك السنة شيئا لم ينبت لهم قبل ذلك من ~~الزرع والثمر والكلإ. # فقالوا: هذا ما كانا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فسقط على الكلإ، ~~فلما رأوا أثره في الكلإ عرفوا أنه لا يبقى الزرع. فقالوا: يا موسى، ادع ~~لنا ربك يكشف عنا الجراد PageV04P2513 # فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ~~ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فدارسوا زرعهم وأحرزوا في البيوت، فأرسل الله ~~( عز وجل) ، عليهم القمل، وهو السوس الذي يخرج منه، فكان ms0862 الرجل (يخرج) ~~بعشرة أجربة [إلى] الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة. فقالوا: يا موسى، ادع ~~لنا ربك يكشف عنا هذا القمل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه ~~فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فينما هو جالس مع فرعون، إذ ~~سمع نقيق ضفدع، فقال موسى (عليه السلام) ما تلقى أنت وقومك من هذه! فقال: ~~وما عسى أن يكون مثل هذا! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى رقبته في ~~الضفادع، ويهم أن PageV04P2514 # يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا ونؤمن لك ~~ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا فكشفه عنهم فلم يؤمنوا ولا أرسلوا معه بني ~~إسرائيل فأرسل (الله) عليهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبار وصار ~~في أوعيتهم وجدوه دما عبيطا، فشكوا إلى فرعون/ وقالوا: ليس لنا شراب! قد ~~ابتلينا بالدم، قال: إنه سحركم! قالوا: ومن أين سحرنا ونحن لا نجد في ~~أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ فأتوا موسى (عليه السلام)، ~~وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فكشف ~~عنهم ولم يفعلواما قالوا. # قال السدي: وكان الإسرائيلي في كل هذا معافى من هذا كله. كان القبطي PageV04P2515 # والإسرائيلي يستقيان من ماء واحد، يرفع القبطي دما، والإسرائيل ماء. # وعلى نحوة هذا الخبر روى أبو قتادة، وكذلك ذكر ابن عباس وغيرهما. حتى أنه ~~روي أن فرعون جمع (رجلين)، إسرائيليا وقبطيا على إناء واحد، فكان الذي يلي ~~الإسرائيلي ماء، والذي يلي القطبي دما. # قال السدي: كان أحدهم يبني الأسطوانة، يرفع فقوها الطعام، فإذا صعد ~~ليأكله وجده، (قد) ملئ دما. # قال ابن جبير: كان فرعون يجمع بين الرجلين على الإناء، القبطي ~~والإسرائيلي، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دما. # وكان الرجل الإسرئيلي يركب السفينة مع القبطي فيغرف الإسرائيلي ماء، PageV04P2516 # ويغرف القبطي دما. # وكانت المرأة القبطية، تأتي المرأة من بني إسرائيل، فتقول لها: اسقني من ~~مائك من العطش، فتغرف لها من جرتها وتصب لها في قربتها، فيعود ms0863 الماء دما، ~~حتى كانت تقول لها: اجعليه في فيك، ثم مجيه في في، فتأخذذ الإسرائيلية في ~~فيها [ماء]، فإذا مجته بفي القبطية، صار دما، فمكثوا على ذلك سبعة أيام. # قال ابن جبير، والحسن: كان إلى جنبهم كثيب أعفر بقرية تدعى: " عين شمس ": ~~فمشى موسى، (عليه السلام)، إلى ذلك الكثيب، فيضربه بعصاه ضربة صار قملا تدب ~~إليه، وهي دواب سود صغار. فدبت إليهمن فأخذت أشعارهم وأبشارهم وأشفار ~~عيونهم، ولزمت جلودهم كالجدري، فاستغاثوا بموسى (عليه السلام). قالا: PageV04P2517 # وكان الرجل يضطجع فتركبه الضفادع ركاما حتى لا يستطيع أن ينصرف على شقه ~~الآخر، ولا يعجن عجينا إلا سقط فيه منه، ولا يطبخ قدرا إلا سقط فيه، ~~فاستغاثوا. # أرسل الله عليهم ذلك {آيات مفصلات}، شيئا، (بعد شيء) كان بين الآية ~~والآية ثمانية أيام. # ثم أخبر الله عنهم أنهم بعد هذه الآيات: {فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين}، ~~أي: تعظموا وتجبروا وعتوا عن أمر الله، ( عز وجل) . PageV04P2518 # قوله: {ولما وقع عليهم الرجز [قالوا ياموسى ادع لنا ربك]}، الآية. # قرأ ابن جبير، ومجاهد: " الرجز "، بضم الراء. # قال ابن جبير: لما ابتلي قوم فرعون بالآيات الخمس، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا ~~معه بني إسرائيل، قال موسى (عليه السلام) لبني إسرائيل: ليذبح كل رجل منكم ~~كبشا، ثم يخصب كفه من دمه، ثم يضرب به على بابه! ففعلوا، فقالت القبط لبني ~~إسرائيل: لم تجعلونن هذا الدم على أبوابكم؟ فقالوا: إن الله يرسل عليكم ~~عذابا، فنسلم وتهلكون وهكذا أمرنا نبينا، (عليه السلام)، فأصبحوا وقد طعن ~~من قوم فرعون سبعون ألفا، فأمسوا وهم لا يتدافنون. فقال فرعون ذلك لموسى ~~(عليه السلام)،: PageV04P2519 # {ادع لنا ربك بما عهد عندك}، الآية، فالرجز: الطاعون. فدعا موسى (عليه ~~السلام)، فكشف عنهم فوفى فرعون لموسى، وقال له: اذهب ببني إسرائيل حيث شئت، ~~فكان أوفاهم كلهم. # وقال مجاهد، وقتادة: {الرجز} /: هو العذاب الذي أرسل عليهم من الجراد ~~والقمل وغيره، وهم في كل ذلك يعهدون إليه ثم ينكثون. # ومعنى: {إلى أجل هم بالغوه}. # أي: كشف الله عنهم العذاب في الدنيا إلى أجل هلاكهم ms0864 وانقضاء أجلهم، ~~فيغرقهم في البحر عند ذلك ويعاودهم العذاب. # قوله: {فانتقمنا منهم فأغرقناهم}، الآية. # المعنى: فلما نكثوا انتقمنا منهم، {فأغرقناهم في اليم}. PageV04P2520 # و " اليم ": البحر. # ومعنى {وكانوا} عن آياتنا {غافلين}، أي: لا يعتبرون صحتها، ويعرضون عنها. # قوله: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون [مشارق الأرض]}، الآية. # قوله: {مشارق الأرض ومغاربها}، مفعول " بأورث ". # وقال الفراء، والكسائي: هو ظرف. وتقدير الكلام عندهم: PageV04P2521 # {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} في {مشارق الأرض ومغاربها} الأرض ~~{التي باركنا فيها}، في مشارق الارض ومغاربها. ف (التي): مفعول ل: ~~(أورثنا). # والمعنى: أورثنا بني إسرائيل، الذين كان فعرون يستخدمهم استضعافا لهم، ~~{مشارق الأرض}، أي: أرض الشام، في قول الحسن، وهو ما يلي المشرق، ~~{ومغاربها} ما يلي المغرب، {التي باركنا فيها}، أي: التي جعلنا الخير فيها ~~ثابتا دائما. # وقال الليث: {الأرض}، هنا أرض مصر، وإن مصر هي التي بارك الله فيها. # قال الليث: مصر مباركة في كتاب الله، جل ذكره، لقوله تعالى: {التي باركنا ~~فيها}، قال: هي مصر، وهي مباركة. ومصر مشتقة من قولهم: مصر الشاة PageV04P2522 # يمصرها مصرا: إذا حلب كل شيء في ضرعها، فسميت: مصرا لاجتماع الخير فيها. # وروي عن ابن عمر أنه قال. نيل مصر سيد الأنهار، وسخر الله، عز وجل له كل ~~نهر بين المشرق والمغرب، وذلله له، فإذا أراد الله، جل ذكره، أن يجري نيل ~~مصر، أمر كل نهر أن يمده، فمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأنهار ~~عيونا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، سبحانه، أوحى الله، عز وجل، إلى ~~كل ماء أن يرجع إلى عنصره. # وقال ابن عمر، وغيره في قوله، تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون * PageV04P2523 # وزروع ومقام كريم} [الدخان: 25 - 26]، قال: كانت الجنات بحافتي هذا ~~النيل، من أوله إلى آخره في الشقين جميعا، ما بين: " أسوان إلى: رشيد، وكان ~~له سبعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج ~~الفيوم، وخليج المنهى. وقيل: السابع، خليج سخا، كانت متصلة لا ينقطع PageV04P2524 # منها شيء عن شيء. # وقوله: {ومقام كريم}، يعني المنابر. كان ms0865 بها ألف منبر. # وقوله: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها}، قل ~~الطبري: لا يجوز أن تكون: {مشارق الأرض ومغاربها} نصبا على الظرف؛ لأن بني ~~إسرائيل لم يكن يستضعفهم (أحدا) يؤمئذ إلا فرعون بمصر، فغير جائر أن يقال: ~~{يستضعفون} في مشارق الأرض وفي مغاربها. # وقد غلط الطبري على الفراء؛ لأن الفراء لم يرد أنه ظرف: {يستضعفون}، إنما PageV04P2525 # جعله ظرفا مقدما للأرض التي بورك فيها. # فتقدير الكلام: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} الأرض التي باكرنا ~~(فيها) في مشارق/ الأرض ومغاربها. وهذا أحسن في المعنى، وإن كان النصب ب: ~~{وأورثنا} على أنه مفعول به أحسن. # وقوله: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا}. # أي: تمم الله ( عز وجل) لهم ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض ونصرهم على ~~فرعون عدوهم، بصبرهم على عذاب فرعون لهم. # وهذا يدل على أن الصبر عند البلاء أحمد من مقابلته بمثله؛ لأن البلاء إذا ~~قوبل بمثله وكل فاعله إليه، وإذا قوبل بالصبر وانتظار الفرج من الله، جل ~~ذكره، أتاهم الله، ( عز وجل) ، بالفرج الذي أملوه واننتظروه من الله، ~~(سبحانه). PageV04P2526 # وقال مجاهد: هو ظهور قوم موسى على فرعون. # و" الكلمة " هنا: قول موسى: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض} ~~[الأعراف: 129]. # وقيل: هو قوله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة} ~~[القصص: 5]، إلى {يحذرون} [القصص: 6]. # وقوله: {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه}. أي: أهلكنا ما عمروا وزرعوا. PageV04P2527 # {وما كانوا يعرشون}. أي: (وأهلكنا) ما كانوا يبنون، أي: خربنا ذلك. # والضم والكسر في " راء ": {يعرشون}، لغتان. PageV04P2528 # قوله: {وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر}، إلى قوله: {(بلاء) من ربكم عظيم}. # والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعدما رأوا من الآيات والعبر فلم ~~يتعظوا بذلك ويزدجروا، حتى قالوا، إذ مروا بقوم مقيمين على أصنام لهم ~~يعبدونها: {ياموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة}. # و: {يعكفون}. يقيمون ويواظبون ويلازمون. والضم والكسر في " الكاف " ~~لغتان. PageV04P2529 # فقال لهم موسى: (عليه السلام): {إنكم قوم تجهلون}. # أي: تجهلون نعمة الله ( عز وجل) ، عليكم ms0866 وحقه، وتجهلون أنه لا تجوز ~~العبادة إلا لله، (سبحانه). # قال ابن جريج {على أصنام لهم}، تماثيل بقر. ومن أجل ذلك شبه عليهم ~~السامري بالعجل. # يريد أنه من تلك البقر التي ريأتموها تعبد. فعبدوه أربعين يوما. # وهؤلاء القوم الذين مروا بهم عاكفون على عبادة الأصنام، قيل: هم من لخم. ~~قاله قتادة. PageV04P2530 # وقيل: بل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى (عليه السلام)، بقتالهم. # قوله: {إن هؤلاء متبر ما هم فيه (وباطل)}. # هذا خبر من الله ( عز وجل) ، عن قول موسى (عليه السلام)، لقومه. # و {متبر}: مهلك، وباطل عملهم. # وقال ابن عباس {متبر}: خسران. # ومعنى {متبر}، عند أهل اللغة: مهلك ومدمر. PageV04P2531 # ثم قال لهم موسى: {أغير الله أبغيكم إلها}. # أي: أسوى أطلب لكم معبودا، {وهو فضلكم على العالمين}، أي: عالم عصركم. # ثم قال تعالى مخاطبا اليهود الذين بين ظهراني النبي، يقرعهم بما فعل ~~بآبائهم: {وإذ أنجيناكم من آل فرعون}، أي: واذكروا مع ما قلتم لموسى، (عليه ~~السلام)، بعدما رأيتم من الآيات والعبر، {وإذ أنجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سواء العذاب}، أي: يحملونكم على أقبح العذاب. # وقيل معناه: يولونكم. # ثم بينهما هو، فقال: {يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم PageV04P2532 # [عظيم]}، (أي): اختبار من الله لكم. # وقيل: معناه: نعمة عظيمة، يعني: في إنجائه لهم. # ف: " البلاء " ها هنا يصلح أن يكون النعمة على إنجائهم. ويصلح أن يكون ~~الاختيار فيما تولى منهم فرعون. # قوله: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة}، الآية. # قال الكلبي: لما قطع موسى (عليه السلام)، البحر ببني إسرائيل وغرق الله ~~(سبحانه)، فرعون، قالت بنو إسرائيل (لموسى) /: يا موسى، ائتنا بكتاب من ~~ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر، فاختار موسى (عليه السلام) ~~قومه سبعين PageV04P2533 # رجلا لينطلقوا معه، فلما تجهزا قال الله (تعالى) لموسى: أخبر قومك أنك لن ~~تأتيهم أربعين ليلة وذلك حين أتمت بشعر. فلما خرج موسى (عليه السلام) ~~بالسبعين، أمرهم أن يتنظروه في أسفل الجبل وصعد موسى الجبل، فكلمه الله ~~أربعين [يوما وأربعين] ليلة، وكتب له فيها الألواح. ثم ms0867 إن بني إسرائيل عدوا ~~عشرين يوما وعشرين ليلة، فقالوا: قد أخلفنا موسى الوعد. وجعل لهم السامري ~~العجل فعبدوه. # وقال ابن جريج: لما نجى الله موسى، (عليه السلام)، وأغرق فرعون وقومه، ~~أمره ربه، ( عز وجل) ، أن يلقاه، فلما أراد أن يلقاه استخلف هارون على ~~قومه، ووعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثن ليلة، ميعادا من قبله، فلما تمت [ثلاثين] ~~ليلة قال إبليس للسامري: ليس يأتيكم موسى؛ وما يصلحكم إلا إله تعبدونه! ~~فناشدهم هارون ألا يفعلوا. وأحدث الله، تعالى، لموسى (عليه السلام) بعد ~~الثلاثين أجلا آخر إلى عشر ليال. PageV04P2534 # وقيل: إن السامري قال لهارون: يا نبي الله، إنا استعرنا يوم خرجنا من ~~القبط حلي كثيرا، وإن الجند الذين معك قد أسرعوا في الحلي يبيعونه، وإنما ~~كان عارية من آل فرعون، وقد ماتوا، ولعل أخاك موسى إذا أتى يكون له فيه ~~رأي، فإما أن يقربها قربانا تأكلها النار، وإما أن يجعلها للفقراء دون ~~الأغنياء! فقال له هارون: نعم ما قلت! فأمر بجمعها، وقال: يا سامري، أنت ~~أحق من كانت عنده هذه الخزانة! فقبضها السامي، وكان صائغا فصاغ منها عجلا ~~جسدا، ثم قذف في جوفه تربة من القبضة التي قبض من أثر فرس جبريل (عليه ~~السلام)، فجعل يخور، وقال لبني إسرائيل: إنما تخلف موسى بعد الثلاثين يلتمس ~~هذا: {هاذآ إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88]، يقول: إن موسى نسي ربه. # وقيل: إنه أمره الله أن يصوم ثلاثون يوما، ويعمل فيها بما يقربه إليه، ثم ~~أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها. PageV04P2535 # وقيل: لما صام [موسى] ثلاثين يوما ذكر خلوف فيه فاستاك بعود خروب، فقالت ~~[له] الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، وزيدت ~~عليه العشر ليال. # يقال: خلف الله عليكم بخير: إذا مات لهم من لا يعتاض منه، مثل الوالدين. ~~وأخلف الله عليكم بخير: إذا مات من يعتاض منه، كالزوجة وشبهها. # قوله: {وأصلح}. أي: لا تدع العجل يعبد. PageV04P2536 # وقيل المعنى: أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله، ( عز وجل) . # { ولا تتبع سبيل المفسدين}. أي: لا ms0868 تسلك طريقهم. # قال مجاهد الثلاثون ليلة: والقعدة، والعشر: عشر من ذي الحجة. # وقوله: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة}، دل (به) على أن " العشر ": ليال، ~~(وأنها ليست) بساعات. PageV04P2537 # وقيل: توكيد. # وقيل: هو بمنزلة قولك إذا جملت الأعداد: فذلك كذا وكذا، أي: ليس بعد ذلك ~~عدد. # وقيل: إنما أعاد ذكر الأربعين لرفع اللبس؛ لأن العشر يحتمل أن تكون لغير ~~المواعدة، فلما أعاد ذكر الأربعين مع لفظ المواعدة دل على أنها داخلة مع ~~الثلاثين في المواعدة، وأن زمن المواعدة أربعون ليلة، ولو لم يعد ذكر ~~الأربعين/ مع المواعدة لجاز أن يكون زمن المواعدة ثلاثين ليلة، والعشر لغير ~~المواعدة، فبين ذلك بإعادة الأربعين. # قوله: {ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه}، الآية. # (ومعنى: {وكلمه ربه})، أي: أفهمه ما شاء من كلامه الذي ليس ككلام ~~المخلوقين الي [هو] حركات اللسان وظهور الأصوات، فكلامه، عز وجل، ليس PageV04P2538 # ككلام الآدميين، إذ ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، وعلينا أن نقف حيث ~~انتهى بنا العلم، ولا نكيف ونحد، ونسلم الأمر لله، ( عز وجل) ، ونقول كما ~~قال، ولا نشبه؛ لأنه، تعالى، قد نفى التشبيه [كله] بقوله: {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11]. # ومن لم يمد {دكا}، جعله مصدر دككته: إذا كسرته وفتته. ومعناه: جعله مفتتا ~~كالتراب والمدر. وشاهده قوله: {[إذا] دكت الأرض دكا دكا} [الفجر: 21] ، # وقوله: {فدكتا دكة واحدة} [الحاقة: 14]، فتقديره: جعله مدكوكا، ثم أقام ~~المصدر مقام اسم المفعول. PageV04P2539 # وقيل: إن قوله: {جعله دكا}، مثل: دكه دكا، فهو مصدر قد عمل فيه فعل من ~~غير لفظه، فهو محمول على المعنى. # ومن مد {دكا}، فمعناه: جعله: " مثل دكاء "، ثم حذف مثل، (وأجراه مجرى): ~~{وسئل القرية} [يوسف: 82]. وهو قول الأخفش. # وقال قطرب المعنى: جعله أرضا دكاء، ثم أقام الصفة مقام الموصوف مثل: ~~{وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83]. PageV04P2540 # وقال الفراء: {دكا} و {دكا} مثل: " البأس " [والبأساء]، كأنه جعله بمعنى ~~واحد. # ومعنى الآية: قال الربيع في قوله، تعالى: {وقربناه نجيا} [مريم: 52]، ~~حدثني بعض من لقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قربه الرب، ~~تعالى، إليه ms0869 حتى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك من الشوق: {رب أرني أنظر ~~إليك قال لن تراني}. # قال السدي: لما كلمه، أحب أن ينظر إليه، فقال له: {لن تراني ولكن انظر ~~إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني}، فحف الله حول الجبل ملائكته، وحف ~~حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حول الملائكة بنار، ثم تجلى ~~ربه للجبل. # وقال أبو بكر الهذلي: تخلف موسى بعد الثلاثين حتى سمع كلام الله، سبحانه، ~~اشتاق إلى النظر إليه فقال: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني}، PageV04P2541 # (أي): ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا؛ فإن نم نظر إلي مات، قال: ~~إلهي، سمعت كلامك، واشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك ثم أموت، أحب إلي ~~من أن أعيش ولا أراك: قال: فانظر {إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني}. # قال مجاهد: يعني أنه أكبر منك، وأشد خلقا، فنظر موسى، (عليه السلام)، إلى ~~الجبل لا يتمالك [و] أقبل يندك على أوله. فلما رأى موسى (عليه السلام) ما ~~يصنع الجبل، خر صعقا. # وقال الحسن: لما كلمه ربه دخل قلب موسى، صلى الله عليه وسلم، من السرور ~~من كلام الله ( صلى الله عليه وسلم) ، ما لم يصل إلى قلبه مثله قط. # فدعت موسى (عليه السلام)، نفسه PageV04P2542 # [إلى] أن يسأل ربه ( عز وجل) ، أن يريه نفسه، تبارك وتعالى، ولو كان عهد ~~إليه قبل ذلك أنه لا يرى، ما سأله ذلك. # ويروي: أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه ربه عز وجل أربعين ليلة لا ~~يراه [أحد] إلا مات من نور رب العزة. # قال وهب: كلم الله (سبحانه)، موسى في ألف مقام، فكان إذا كلمه الله، ~~(سبحانه) رئي النور على وجهه ثلاثا، وما قرب موسى، عليه السلام النساء مذ ~~كلمه [الله]، جل وعز. # قوله: {فلما تجلى/ ربه للجبل}. PageV04P2543 # أي: اطلع (إلى) الجبل، {جعله دكا}، أي مستويا بالأرض {وخر موسى صعقا}، ~~أي: مغشيا عليه لم يمت. # قال ابن عباس: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر، {جعله دكا}، ms0870 أي: ترابا. # وقال قتادة: {صعقا}، [أي]: ميتا. # وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر. # وقال أبو بكر الهذلي: انقعر الجبل فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم ~~القيامة. PageV04P2544 # وروى سفيان الثوري عن الكلبي [أنه] قال: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في ~~البحر الذي تحت الأرضين السبع، فهو يهوي إلى يوم القيامة. # وقال القتبي: {دكا} ألصقه بالأرض. # يقال: " ناقة دكاء ": إذا لم يكن لها سنام. # وقيل معنى دككت: دققت. أبدل من القافين كافان لقرب مخرجيهما. # وكان الطبري يختار قراءة: (دكاء) بالمد؛ لأنه قد ثبت عن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، أنه (قال): " ساخ الجبل "، ولم يقل: " تفتت "، ولا " تحول ترابا ~~". وإذا ساخ PageV04P2545 # وذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة (الناقة) التي ذهب سنامها. # قوله: {فلمآ أفاق}. # أي: من غشيته، {قال سبحانك}، أي: تنزيها لك، يا رب، أن يراك أحد في ~~الدنيا، ثم يعيش، {تبت إليك}، عن مسألتي إياك الرؤية في الدنيا، {وأنا أول ~~المؤمنين}، أي: أولهم أنك لا ترى في الدنيا. # قال ابن عباس: مرت الملائكة بموسى وقد صعق، فقالت: يا ابن النساء الحيض، ~~لقد سألت ربك شيئا عظيما! فقال: {سبحانك تبت إليك}، من سؤالي الرؤية في ~~الدنيا، {وأنا أول المؤمنين} أي أول من يؤمن، أي: يصدق بأنه لا يراك شيء من ~~خلقك في الدنيا. # قال ابن عباس: {وأنا أول المؤمنين}، أي: أول من آمن بك من بني إسرائيل. # وقال مجاهد: وأنا أول قومي إيمانا. PageV04P2546 # قوله: {قال ياموسى إني اصطفيتك على الناس}، الآية. # والمعنى: اخترتك على الناس، {برسالاتي} التي أرسلتك بها إليهم {وبكلامي}، ~~الذي ناجيتك به دون غيرك من خلقي، {فخذ مآ آتيتك}، أي: (خذ) ما أعطيتك من ~~أمري ونهيي وتمسك به، واعمل به، {وكن من الشاكرين}، على ما فضلتك به. # قوله: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء}، إلى قوله: {ما كانوا يعملون}. # المعنى: وكتبنا لموسى في ألواحه {من كل شيء}، من التذكير والتنبيه على ~~نعم الله، (تعالى)، وعظمته وسلطانه ومن المواعظ لقومه ومن الأمر بالعمل بما ms0871 ~~فيها، {وتفصيلا لكل شيء} أي: تبيينا لكل شيء من أمر الله (سبحانه)، في ~~الحلال والحرام. PageV04P2547 # ومعنى: {من كل شيء}، (أي): من كل شيء يحتاج إليه من أمر الدين. # قال ابن عباس: إن موسى (عليه السلام)، لما كربه الموت، قال: هذا من أجل ~~آدم! أنزلنا هاهنا! قال الله: يا موسى، أبعث إليك آدم فتخاصمه؟ قال: نعم! ~~فلما بعث الله، جل وعز، آدم عليه السلام، سأله موسى، (عليه السلام)، فقال ~~أبونا آدم (عليه السلام)،: يا موسى، سألت الله أن يبعثني إليك! قال موسى ~~لولا أنت لم تكن ها هنا! قال له آدم (عليه السلام): [أليس] قد أتاك الله من ~~كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء أفلست تعلم أن {مآ أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ} [الحديد: 22]، قال موسى: نعم، ~~فخصمه (آدم عليه السلام). PageV04P2548 # قوله: {بقوة}. # أي: بجد. # وقيل: بالطاعة. # ف: " الهاء " في " خذها " و " أحسنها "، تعود على {الألواح}. # وقيل: على " التوراة ". # {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها}. # أي: بأحسن ما يجدون فيها، وذلك أن يعملوا بما أمرهم ولا يعلموا بما ~~نهاهم/ عنه. # فمعنى {بأحسنها}: ليس أنهم يتركون شيئا من الحسن، إنما يعملون بالمعروف PageV04P2549 # ولا يعملون بالمنكر. # وقيل: المعنى: {بأحسنها} لهم، وهو العمل بما أمروا به، والانتهاء عما ~~نهوا. # وقيل: ليس أفعل للتفضيل، إنما هو [بمعنى] اسم الفاعل، كما قيل: " الله ~~أكبر " بمعنى: كبير. فالمعنى: يأخذوا بالحسن من ناحيتها وجنسها وما يدخل ~~تحتها (به). # وقيل: إن المعنى: {وأمر قومك} يعملون بأحسن ما هو لهم مطلق مثل: {ولمن ~~انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41]. ثم قال: {ولمن صبر ~~وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: 43]. فالانتقام جائز، (والعفو جائز)، ~~والعفو أحسن، فكذلك أمروا أن يعملوا بأحسن ما أبيح لهم فعله. # وقيل المعنى: إن التوراة كلها حسنة لكن فيها: أقاصيص الإحسان، والإساءة ~~والطاعة، والمعصية، والفعو، والنقمة، فأمروا أن يأخذوا بأحسن هذه الأفعال ~~التي نصت عليهم. ومنه قوله: {يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18]. ~~فإن قيل: إن ms0872 فيها حكاية الكفر، والشرك، " وأفعل " يوجب التفضيل، فهل في هذا ~~حسن دون PageV04P2550 # غيره، فذلك جائز كما قال: {ولعبد مؤمن خير من مشرك} [البقرة: 221]. # وقوله: {سأوريكم دار الفاسقين}. # (هو) تهديد وتوعد لمن لم يأخذ بأحسنها وخالف ما فيها، والكلام، دل على ~~ذلك. # و {دار الفاسقين}: النار. وهو قول مجاهد، والحسن. # وقال قتادة {دار الفاسقين}: منازل الكافرين الذين سكنوا قبلهم من ~~الجبابرة والعمالقة، وهي الشام. # وقيل المعنى: {سأوريكم دار [الفاسقين]}، فرعون وقومه، وهي مصر. PageV04P2551 # قال ابن جبير: رفعت لموسى، (عليه السلام)، (حتى) نظر إليها. # قال قتادة: {دار الفاسقين}، منازلهم التي كانوا يكسنونها تحت يدي فرعون. # وقيل: المعنى: {سأوريكم} مصير الفاسقين في الآخرة، وما أعد لهم من أليم ~~العذاب. # وقوله: {سأصرف [عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض]}، [الآية]. # أي: أحرمهم فهم القرآن، أي سأنزع منهم فهم الكتاب. # قاله سفيان بن عيينة. PageV04P2552 # وقال ابن جريج: سأصرفهم عن أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض وما بينهما ~~من الآيات، وأن يعتبروا بها. # وقيل معناه: سأمنع قلوبهم من الفكرة في أمري. # وقال أبو إسحاق المعنى: سأجعل جزاءهم، في الدنيا على كفرهم، الإضلال عن ~~هدايتي. # وقال الحسن المعنى: سأصرفهم عنها، حتى لا يؤمنوا بها. # ومعنى {يتكبرون}، أي: يحقرون الناس، ويروا أن لهم فضلا عليهم، PageV04P2553 # ويتكبرون عن الإيمان بالقرآن والنبي، ( صلى الله عليه وسلم) . # { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها}. # أي: وإن يروا كل حجة لا يصدقوا بها، ويقولون: هي سحر وكذب. # {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا}. # أي: وإن يروا طريق الهدى لا يتخذوه طريقا لأنفسهم. # و {وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا}. # أي: وإن (يروا) طريق الهلاك والعطب يتخذوه لأنفسهم. # ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} آية. # أي: فعلنا بهم أن صرفناهم عن آياتنا، من أجل أنهم {كذبوا بآياتنا وكانوا PageV04P2554 # عنها غافلين}، أي: لا يتفكرون فيها، لا هين عنها. # و (الرشد) و (الرشد): لغتان. # وحكي عن ابن عمرو [بن العلاء] أنه قال: (الرشد): الصلاح، والرشد) في ~~الدين. # ثم قال تعالى/: {والذين كذبوا بآياتنا ولقآء ms0873 الآخرة}، الآية. # المعنى: وكل مكذب بالقرآن، والأدلة على توحيد الله، ( عز وجل) ، وينكر ~~نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم) ، والبعث، {حبطت أعمالهم}، أي: بطلت. PageV04P2555 # (أعمالهم) وذهبت {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون}، أي: إلا ثواب عملهم في ~~الآخرة. # قوله: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم (عجلا)} إلى قوله: {من ~~الخاسرين}. # قوله: {حليهم}، واحده: حلي، مثل: فعل. وباب " فعل " أن يجمع في أكثر ~~العدد على: فعول، فأصله: حلوي، ك " قلب وقلوب "، ثم أدغمت الواو في الياء ~~لسكونها قبلها، فصارت " حلي " فاجتمع ضمان، بعدهما ياء شديدة، فاستثقل ذلك، ~~فكسرت " اللام "، وبقيت " الحاء " على ضمتها لتدل على أنه جمع، [و] على أن ~~الأصل في " اللام " الضم، إذ ليس في الكلام " فعيل ". PageV04P2556 # ومن كسر " الحاء "، أتبعها كسرة " اللام " ليعمل اللسان من حيز واحد. # والمعنى: إن بني إسرائيل اتخذوا العجل الذي صاغ لهم السامري إلها، بعدمضي ~~موسى (عليه السلام)، إلى ميقات ربه، ( عز وجل) ، وقال لهم السامري: هذا ~~إلهكم وإله موسى قد نسيه عندكم، ومضي يطلبه، وكان قد صاغه لهم من حلي بني ~~إسرائيل الذي استعاروه من القبط، إذ خرجوا مع موسى، (صلى الله لعيه وسلم)، ~~وروي أن موسى أمرهم بذلك. # ومعنى: {جسدا}، لا رأس له. قيل: كان جثة لا رأس له. وقيل: معنى: {جسدا}، ~~أي جثة لا يعقل ولا يميز. PageV04P2557 # {له خوار}. # أي: صوت البقر، فضل هؤلاء بما لا يجوز أن يضل به أهل العقول. # {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا}. # أي: لا يرشدهم طريقا ولا بكلمهم، وليس هذا من صفات الرب الذي له العبادة، ~~بل صفته أنه يكلم أنبياءه، ويرشدهم إلى طريق الخير. # ثم قال تعالى: {اتخذوه وكانوا ظالمين}. # أي: اتخذوا العجل إلها، {وكانوا ظالمين} في ذلك، أي: واضعين الشيء في غير ~~موضعه. # {جسدا}، وقف عند نافع. والحسن أن يوقف على: {له خوار}؛ لأنه من صفته. PageV04P2558 # ثم قال تعالى: {ولما سقط في أيديهم}. # أي: ندموا على عبادته، {ورأوا أنهم قد ضلوا}، أي: علموا أنهم ضالون في ~~عبادة العجل جائزون عن ms0874 قصد السبيل، إذ عاينوه وقد حرق بالمبرج ونسف في ~~البحر، وهو لا يمنع ولا يدفع، {قالوا لئن لم يرحمنا ربنا}، أي: يتعطف علينا ~~بالتوبة. {ويغفر لنا}، أي: ما جنيناه من عبادة العجل، {لنكونن من ~~الخاسرين}، فأبى الله، تعالى، أن يقبل توبتهم إلا أن يقتلوا أنفسهم، على ما ~~ذكر في سورة البقرة. PageV04P2559 # وفي حرف أبي: " قالوا ربنا لئن لم ترحمنا وتغفر لن "، وهو شاهد لمن قرأ ~~ب: " التاء "، ونصب: {ربنا}. وله وجه آخر، وهو أن الدعاء يتضمن الخبر، ففيه ~~معنيان، والخبر لا يتضمن الدعاء إنما فيه معنى واحد، فالنداء أبلغ. # وقرئ: "ولما سقط ", بفتح السين: بمعنى: سقط الندم (فى ايديهم). PageV04P2560 # قوله: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان}، الآية. # كان هارون أخا موسى (عليه السلام)، شقيقه، وإنما قال له: {ابن أم}، لى ~~طريق الاستعطاف بالرحم. # فمن قرأ ي {ابن أم}، بالفتح، فالتقدير عند الكسائي، والفراء، وأبي عبيد: ~~يا ابن أماه، ثم حذف. # وهو عند البصريين يبنى ك " خمسة عشر ". PageV04P2561 # ومن كسر " الميم "، فقال أبو حاتم، والأخفش: حذف الياء لدلالة الكسرة ~~عليها، وهي لغة لبعض العرب، يقولون: يا غلام غلام أقبل. # وحكى الأخفش: هذا غلام يا هذا، بغير ياء في غلامي. # وأحسن منه عند أهل النظر: أن يكون بناء الاسمين اسما واحدا، ثم أضافه بعد ~~ذلك. # وشبه أبو عمرو الفتح بقولهم: هو جاري بيت بيت، ولقيته كفة كفة يا فتى. PageV04P2562 # ولا يفعل ما فعل في الأم والعم في غيرهما، لا يقال: يابن أب ولا يابن ~~أخت، ولا شبهه، ولا يجوز الفتح إلا في الأم والعم، وذلك لكثرة الاستعمال. # وقرأ مجاهد ومالك بن دينار: " فلا تشمت بي الأعداء "، بفتح " التاء " و " ~~الميم "، ورفع: " الأعداء " بفعلهم، وهو مثل قوله: {فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} [البقرة: 132]، أي: اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت. فالمعنى: ~~فلا تشمت من أجلي PageV04P2563 # الأعداء. # وحكى أبو عبيد عن حميد " تشمت "، بفتح " التاء " وكسر " الميم ". ولا جه ~~له؛ لأنه إنما يقال: " شمت " فإن سمع " شمت " بالفتح، فهي لغة من العرب، ~~ولم يروا ms0875 ذلك. # ومعنى الآية: أن الله (تعالى) أعلم موسى (عليه السلام)، أنه قد فتن قومه، ~~وأن/ السامري قد أضلهم، فرجع موسى غضبان على قومه أسفا عليهم. # و" الأسف ": شدة الغضب. PageV04P2564 # وقال أبو الدرداء: " الأسف " منزلة وراء الغضب، أشد منه. # وقال السدي: " {أسفا}: حزينا. # وكذلك قال الحسن، وابن عباس. # ومن هذا قولهم للعبد: " أسيف "؛ لأن مقهور، وحزين مستعبد، وكذلك قيل ~~للأجير: " أسيف ": لأنه مستخدم، ومخزون على استخدام الناس له. PageV04P2565 # قوله: {قال بئسما خلفتموني من بعدي}. # أي: بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم، في عبادتكم العجل. # {أعجلتم أمر ربكم}. # أي: أسبقتم أمره؟ يقال: " عجلت الرجل ": سبقته، و " أعجلته ": استعجلته. # والفرق بين " العجلة " و " السرعة "، أن العجلة: التقدم بالشيء قبل وقته، ~~والسرعة: عمله في أقل أوقاته. # {وألقى الألواح}. أي: ألقاها غضبا على قومه. # ثم أخذ برأس أخيه يجره إليه غضبا. قاله ابن عباس. # [قال ابن عباس]: لما رجع موسى (عليه السلام)، إلى قومه، وصار قريبا منهم، PageV04P2566 # سمع أصواتهم، فقال: إنني لأسمع أصوات قوم لاهين، فلما عاينهم وقد عكفوا ~~على العجل، ألقى الألواح فكسرها، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقال # {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري} [طه: 92 - 93]. # قال قتادة أخذ الألواح، وقال: رب، إني أجد في الألواح أمة (خير أمة) ~~أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة ~~أحمد قال: إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون في دخول الجنة، رب ~~اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم ~~في صدورهم يقرأونها، رب فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد ~~في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول PageV04P2567 # الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، رب فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد ~~قال: رب، إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهمه، ثم يؤجرون ~~عليها، [قال]: فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني إجد في ~~الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة، ثم لم يعملها ms0876 كتبت له حسنة، فإن عملها ~~كتبت له عشر أمثالها إلى سبع مائة، رب اجعلهم أمتي! قال: تلك [أمة] أحمد! ~~قال: رب، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بالسيئة لم تكتب عليه حتى ~~يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، رب فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة ~~أحمد! قال: رب [إني] أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، رب ~~اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم ~~المشفعون والمشفع لهم، فاجعلهم أمتي قال: PageV04P2568 # تلك أمة أحمد (قال): فذكر لنا أن نبي الله (عليه السلام)، نبذ الألواح ~~وقال: الله اجعلني من أمة أحمد قال: فأعطى الله موسى شيئين لم يعطها نبي، ~~قال الله: {ياموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: ~~144]، فرضي موسى (عليه السلام)، والثانية قوله: {ومن قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159]، فرضي موسى (عليه السلام) كل الرضى. # ويروى أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ~~ستعة أسباعها، وبقي السبع، وكان فيما رفع: " تفصيل كل شيء ". وبقي: " الهدى ~~والرحمة " في السبع الباقي. # قال مقاتل: كانت لوحين. # فيكون هذا مما جمع في موضع التثنية، كما قال: {وكنا لحكمهم شاهدين} ~~[الأنبياء: 78]، يريد: PageV04P2569 # داوود وسليمان. وله نظار قد ذكرت. # وقال الربيع بن أنس: كانت التوراة سبعين وسق بعير، يقرأ الجزء منها في ~~سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، وعيسى، وعزير، ويوشع عليه السلام. # [و] قال ابن جبير: كانت الألواح من ياقوتة. # وقال مجاهد: كانت من زمرد أخضر. # وقال أبو العالية: كانت من زبرجد. PageV04P2570 # وقال ابن عباس: لما تكسرت رفعت إلا سدسها. # وقال ابن جبير: كانت الألواح من زمرد، فلما ألقى الألواح ذهب الفصيل، ~~وبقي الهدى/ والرحمة، وهو قوله: {وفي نسختها هدى ورحمة} [الأعراف: 154]. # وقال الفراء: ذكر أنهما كانا لوحين. # وذك النحاس أنه قيل: إنما أخذ برأس (أخيه) هارون على جهة المسارة لا ~~غيره، فكره هارون أن يتوهم من حضر أن الأمر على خلاف ذلك. فقال: {لا تأخذ ~~بلحيتي ms0877 ولا برأسي} [طه: 94]. # وكان هارون أخاه لأمه. PageV04P2571 # وقيل: شقيقه. # {ولا تجعلني مع القوم الظالمين}. # يعني: أصحاب العجل. # قوله: {قال رب اغفر لي ولأخي}، إلى قوله: {لغفور رحيم}. # والمعنى، قال موسى، لما تبين له عذر أخيه: {رب اغفر لي ولأخي}، أي: اغفر ~~لي من الغضب الذي من أجله ألقيت الألواح، واغفر لأخي ما كان من مساهلته في ~~بني إسرائيل؛ لأن هارون إنما تركهم بعد أن نهاهم ووعظهم ولم يطيعوه، فتركهم ~~خشية غضب موسى (عليه السلام)، ألا ترى أنه قال له: {إني خشيت أن تقول فرقت ~~بين بني إسرآءيل ولم ترقب قولي} [طه: 94]. PageV04P2572 # وقيل: إنما استغفر لذنوب كانت قبل ذلك الوقت؛ لأن غضبه كان الله [عليه ~~السلام]. وهارون إنما ترك بني إسرائيل خوفا أن يتفرقوا ويتحازبوا. # وقيل: (بل) استغفر موسى من فعله بأخيه، واستغفر لأخيه من سالف سلف بينه ~~وبين الله، جل وعز. # ثم قال تعالى مخبرا عما يؤول إليه أمر الذين اتخذوا العجل إلاها: {إن ~~الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم}، أي: اتخذوه إلاها. # قال ابن جريج: الغضب لمن مات ممن اتخذ العجل قبل أن يرجع موسى، ولمن فر ~~إذ أمرهم أن يقتل بعضهم بعضا، [وهي توبتهم]. PageV04P2573 # وقيل: الذلة: أخذ الجزية. # {وكذلك نجزي المفترين}. # قال ابن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل. # وقيل الذلة: هو ما رأوه من ضلالتهم، وهو قوله: {ورأوا أنهم قد ضلوا} ~~[الأعراف: 149]. # ثم قال تعالى: {والذين عملوا السيئات ثم تابوا}. # أي: من عمل كبيرة أو صغيرة ثم تاب، تاب الله عليه، كما تاب على متخذي ~~العجل إلاها. # وقوله: {من بعدها}، أي من بعد توبتهم، {لغفور رحيم}. # قوله: {ولما سكت عن موسى الغضب}، إلى قوله: {خير الغافرين}. PageV04P2574 # قوله: {لربهم}. # قال المبرد " اللام " متعلقة بمصدر، والمعنى: {والذين} وهبتهم لربهم. # وقال الكوفيون: هي زائدة. # وسمع الكسائي الفرزدق يقول: " نقدت لها مائة درهم "، بمعنى " نقدتها ". # وحكى الأخفش: أن المعنى، والذين هم من أجل ربهم يرهبون. PageV04P2575 # والمعنى: ولما سكن عن موسى (عليه السلام)، غضبه. # يقال: سكت سكتا، إذا سكن، وسكت سكوتا وسكتا، ms0878 إذا قطع الكلام. # {أخذ الألواح}. # أي: أخذها بعدما ألقاها، وقد ذهب منها ما ذهب. # وقيل المعنى: ولما سكت موسى، (عليه السلام)، عن الغضب، مثل: أدخلت ~~القلنسوة في رأسي. # {وفي نسختها هدى ورحمة}. PageV04P2576 # أي: فيما كتب منها هدى ورحمة، {للذين هم لربهم يرهبون}، أي: يخافون الله، ~~(عليه السلام). # وقيل المعنى: في الذي وجد فيها بعدما تكسرت هدى ورحمة. # وقال ابن كيسان: جددت له في لوحين. # ثم قال تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا}. # قال السدي: أمر ( عز وجل) موسى (عليه السلام)، أن يأتيه في ناس [من] بني ~~إسرائيل، يعتذرون من عبادة العجل، فاختار منهم سبعين رجلا، فلما أتوا ذلك ~~المكان، قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته. فأرناه ~~فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى، (عليه السلام)، يبكي ويدعو ويقول: رب ~~ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم، وقد أهلكت خيارهم، رب لو شئت أهلكتهم ~~من قبل وإياي! # قال ابن عباس: لما مضوا معه ليدعوا ربهم، عز وجل، كان فيما دعوا أن ~~قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا، ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره ~~الله، عز وجل، ذلك من PageV04P2577 # دعائهم، فأخذتهم الرجفة. # قال/ الكلبي: قال السبعون لموسى (عليه السلام): يا موسى، إن لنا عليك ~~حقا، كنا أصحابك، ولم نختلف عليك، ولم نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله ~~جهرة كما رأيته. قال موسى (عليه السلام): لا والله ما رأيته، ولقد أردته ~~على ذلك فأبى، وتجلى للجبل، فكان دكا، وهو أشد مني، وخررت صعقا، فلما أفقت ~~سألت الله عز وجل، واعترفت بالخطيئة. فقالوا: فإنا لن نؤمنن لك حتى نرى ~~الله جهرة. فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا من آخرهم. فظن موسى (عليه السلام) ~~أنهم إنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل، فقال: {أتهلكنا بما فعل السفهآء ~~منآ}، يعني أصحاب العجل، ثم بعثهم الله، ( عز وجل) ، من بعد موتهم. # وروي عن علي أنه قال: انطلق موسى وهارون إلى صفح جبل فتوفى الله، ( عز ~~وجل) هارون. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟ قال: ms0879 ~~توفاه PageV04P2578 # الله ( عز وجل) قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خلقه ولينه، قال: فختاروا ~~من شئتم! فاختاروا سبعين رجلا، فلما انتهوا إليه، قالوا: يا هارون، من ~~قتلك؟ قال: ما قتلني أحد، ولكن توفاني الله، ( عز وجل) ! قالوا: يا موسى لن ~~تعصى بعد هذا اليوم (أبدا)، فأخذتهم الرجفة. # فجعل موسى، (عليه السلام)، يرجع يمينا وشمالا، ويقول: {رب لو شئت أهلكتهم ~~من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ}، قال: فأحياهم الله، ( عز وجل) ~~، وجعلهم أنبياء كلهم. # قال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة، ونزل بهم البلاء؛ لأنهم لم يرضوا ~~بعبادة العجل، ولا نهوا عنه. # والصحيح أن الرجفة إنما أخذتهم حين سألوا موسى، (عليه السلا)، أن يريهم ~~الله جهرة. PageV04P2579 # قال ابن جريج: إنما أخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكونوا باينوا قومهم ~~حين اتخذوا العجل. وهو قول موسى، (عليه السلام)،: {أتهلكنا بما فعل السفهآء ~~منآ}. # وقال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا ولم ينهوا عن العجل. # قال السدي: كان موسى (عليه السلام)، يظن أن السبعين ممن لم يتخذ العجل، ~~فقال: {أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ}، أي: بما فعل غيرنا، فأوحى الله، ( عز ~~وجل) ، إليه، أن هؤلاء ممن عبد العجل، فعند ذلك، قال موسى (عليه السلام): ~~{إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء}. # وقيل: المعنى: أتهلك من بقي بما فعل هؤلاء السفهاء، إذ سألوا رؤية الله ~~(سبحانه)، [جهرة]، وذلك أنه قال: لئن انصرفت إلى من بقي بغير السبعين PageV04P2580 # كفروا وهلكوا. فالسفهاء عل هذا، هم الذين كانوا معه، قال ذلك: بن إسحاق. # وقال ابن زيد المعنى: أتهلك هؤلاء السبعين بما فعل غيرهم ممن عبد العجل. # ومعنى {أهلكتهم}: أمتهم. # قال ابن كيسان: المعنى {لو شئت أهلكتهم}، أي: بذنبهم، إذ لم ينهوا عن ~~عبادة العجل. # {وإياي}. # أي: بذنبي، إذ قتلت القبطي، فرحمتنا، ولم تهلكنا بذنوبنا نحن. # أفتهلكنا بذنوب الذين عبدوا العجل؟ أي: ليست تهلكنا بذلك. # وقوله: {إن هي إلا فتنتك}. # أي: [ما] هذه الفعلة التي فعلوا إذ عبدوا العجل، إلا فتنة منك ms0880 أصابتهم. # و" الفتنة ": الابتلاء والاختيار. PageV04P2581 # وقال ابن جبير: {فتنتك}: بليتك. # وقال ابن عباس: عذابك. # {أنت ولينا}. # أي: ناصرنا. # {فاغفر لنا}. # أي: استر ذنوبنا. # {وارحمنا}. # أي: تعطف علينا. # قوله: {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنآ/ إليك}، الآية. # [والمعنى: إن الله أعلمنا أن موسى دعاه فقال: {واكتب لنا في هذه الدنيا ~~حسنة}، PageV04P2582 # وهي الصالحات من الأعمال، {وفي الآخرة}، أي: المغفرة. # قال ابن جريج: {حسنة}، مغفرة. # {إنا هدنآ إليك}. # أي: تبنا. # وقال علي: إنما سميت اليهود يهودا؛ لأنهم قالوا: {هدنآ إليك}. # قال الله، ( عز وجل) : { عذابي أصيب به من أشآء}. # أي: كما أصبت هؤلاء أصيب من أشاء من خلقي بعذابي. # {ورحمتي وسعت كل شيء}. # أي: عمت خلقي كلهم. # وقيل المعنى: إنه خصوص، والمعنى: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة PageV04P2583 # محمد صلى الله عليه وسلم، { فسأكتبها للذين يتقون}. # قال ابن عباس: جعل الله، ( عز وجل) ، الرحمة لهذه الأمة. # وروى سفيان: أن إبليس لما سمع: {ورحمتي وسعت كل شيء}، قال: أنا من " ~~الشيء " فنزعها الله ( عز وجل) من إبليسن قال: {فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون}، فقالت اليهود: نحن نتقي ونؤتي ~~الزكاة، وتؤمن بآيات ربنا أفنزعها الله من اليهود، فقال: {الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي}، الآيات كلها. فجعلها في هذه الآمة. # قال الحسن: {ورحمتي وسعت كل شيء}، (وسعت) البر والفاجر في الدنيا، وهي ~~للمتقين في الآخرة، وكذلك قال قتادة. # وروى أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن لله، ( عز وجل) ~~، مائة رحمة، أنزل منها PageV04P2584 # رحمة واحدة بين الخلق، الجن، والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، ~~وبهأ يتراحمون، وبها تتعاطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعا وتسعين رحمة، ~~يرحم بها عباده يوم القيامة ". # وقال عطاء: خلق الله ( عز وجل) ، مائة رحمة، فجعل رحمة واحدة بين خلقه، ~~بما يتراحم الناس والبهائم والطير على أولادها، حتى إن الطير ليؤخذ على ~~فراخه، وأخر تسعا وتسعين رحمة لنفسه، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه الرحمة ~~إلى التسع والتسعين فوسعت رحمته كل شيء. # وعن ms0881 كعب أنه قال: ينظر الله، ( عز وجل) ، إلى عبده يوم القيامة، فيقول: ~~خذوه، فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما ترحموننا؟ ~~فيقولون: وكيف نرحمك؟ ولم يرحمك أرحم الراحمين. روى جميعه نعيم بن حماد. PageV04P2585 # قال ابن زيد: معنى: اكتب "، أي: أكتب في اللوح الذي كتب فيه التوراة. # قال ابن عباس: {للذين يتقون}، أي: يتقون الشرك. # وقيل المعنى: يتقون المعاصي. # قال ابن عباس: {ويؤتون الزكاة}، أي: يعملون بما يزكون به أنفسهم من ~~صالحات الأعمال. # وروى زيد بن أسلم: أن عيسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة PageV04P2586 # المرحومة، التي جعلت فيها من الخير ما جعلت، قال: هم يا عيسى علماء ~~حكماء، كأنهم أبنياء. # وذكر زيد أيضا: أن موسى، عليه السلام، قال: يا رب، نبئني عن هذه الأمة ~~المرحومة، قال: أمة محمد، (عليه السلام)، قال: نعم، قال: (هم) يا موسى ~~يرضون مني بالقليل من العطاء إذا أعطيتهم، وأرضى منهم بالقليل من العمل، ~~أدخل أحدهم الجنة، أن يقول: لا إله إلا الله. # قال النحاس في معنى: {ورحمتي وسعت كل شيء}، أي: من دخل فيها، لم تعجز ~~عنه. # وقال ابن عباس: ومجاهد، وغيرهما: {للذين يتقون}، يعني أمة محمد، عليه ~~السلام. # قال ابن جبير: لما قال الله، ( عز وجل) ، لموسى: {فسأكتبها للذين يتقون}، ~~قال PageV04P2587 # موسى: يا رب، أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا! فأنزل الله ( ~~عز وجل) ، { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}. # قال قتادة: {يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}، أي: يجدون نعته ~~وصفته. # {يأمرهم بالمعروف}. # أي: يأمر أتباعه بالمعروف. # {و/ينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات}. # وهو ما حرمته العرب من: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. # {ويحرم عليهم الخبآئث}. PageV04P2588 # " الخبائث " عند مالك في هذه الآية: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما ~~أهل به لغير الله، والزنا، والخمر، وشبه ذلك. # {ويضع عنهم إصرهم}. # أي: عهدهم الذي كان أخذ على بني إسرائيل أن يعلموا بما في التوراة، قاله ~~ابن عباس: والحسن، وغيرهما. # وقيل: هو ما ألزموه من قطع ما أصابه البول. ms0882 # وقوله: {والأغلال التي كانت عليهم}. # هو قول الله، ( عز وجل) : { غلت أيديهم} [المائدة: 64]، من آمن بمحمد ( ~~صلى الله عليه وسلم) ، لم تغل يده. PageV04P2589 # وقيل: الأغلال إنما هو تمثيل، وهي أشياء كلفوها فصارت إلى أعناقهم لازمة ~~بمنزلة الأغلال. # {وعزروه}. # أي: وقروه، وحموه من الناس. # {واتبعوا النور الذي أنزل معه}. # أي: القرآن سمي نورا؛ لأنه في البيان والاهتداء به، بمنزلة النور الذي ~~يهتدى به. PageV04P2590 # وقرأ الجحدري وعيسى: " وعزروه "، مخففا. # وروي عن ابي بكر عن عاصم: " ويضع عنهم أصرهم "، بفتح الهمزة، لغة. # قوله: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}، إلى قوله: ~~{يظلمون}. # والمعنى: {قل}، يا محمد: {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}، أي: ~~لست كمن قبلي من الأنبياء الذين يبعثون إلى بعض الناس دون بعض. PageV04P2591 # {الذي يؤمن بالله وكلماته}. # أي: وآياته. # وقيل: {وكلماته}: عيسى ابن مريم، ( عليه الصلاة والسلام) . قاله مجاهد ~~والسدي. # ثم قال: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق}. # أي: يدعون الناس إلى الهداية بالحق. # {وبه يعدلون}. # أي: في الحكم. # وقيل: وبه يؤمنون. # و" الأمة " هنا: الجماعة. PageV04P2592 # قال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبيائهم، وكفروا، وكانوا ~~اثني عشر سبطا، تبرأ سبط منهم مما علموا، واعتذروا، وسألوا الله ( عز وجل) ~~، أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فساروا فيه حتى ~~خرجوا من وراء الصين، فهم هناك حنفاء مسلمين، يستقبلون قبلتنا. قال ابن ~~جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: {وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ~~فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا} [الإسراء: 104]. # و {وعد الآخرة}: عيسى بن مريم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ~~ساروا في السرب سنة ونصفا. # وقيل: هم قوم في منقطع من الأرض، لا يوصل إليهم، آمنوا بمحمد ( صلى الله ~~عليه وسلم) ، وأقاموا الحنيفية كأنهم بنو أب وأم، ليس لأحد منهم مال دون ~~صاحبه، يمطرون في كل ليلة، ويصحون في النهار، يزرعون ويحرثون، ليس يدخر أحد ~~منهم دون أخيه شيئا، مقيمين على عبادة الله ( عز وجل) ms0883 ، لا يبكون على ميت. PageV04P2593 # وقيل في معنى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق}: أنه يكون هدى لمن آمن ~~منهم بمحمد ( صلى الله عليه وسلم) ، ويكون لقوم قد هلكو. # ثم قال تعالى: {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما}. # ف " أسباط " بدل من: {اثنتي عشرة}. و {أمما} نعت ل " الأسباط ". # و" الأسباط ": الفرق. # وقيل: هم القرن [الذي] يجيء بعد قرن. # و" الأسباط " في ولد إسحاق، (عليه السلام)، بمنزلة القبائل في ولد ~~إسماعيل. # و" الأسباط ": مأخوذ من: السبط "، وهو شيء تعتلفه الإبل، فكأن إسحاق ~~(عليه السلام)، / بمنزلة شجرة، والأولاد بمنزلة أغصانها، فشبه ذلك PageV04P2594 # ب " السبط ". # وإنما أنث في {اثنتي}؛ لأن " الأسباط " في موضع الفرقة؛ فكأنه: اثنتي ~~عشرة فرقة. # وقيل المعنى: وقطعناهم فرقا اثنتي عشرة أسباطا. # وقال بعض الكوفيين: إنما أنث؛ لأن الكلام ذهب (به) إلى " الأمم "، فغلب ~~التأنيث، كما قال: # وإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر # فأنث ذهب ب " البطن " إلى القبيلة. PageV04P2595 # وقال بعضهم: " إنما أنث لذكر " الأمم " بعد ذلك. # وقيل: المعنى: وقطعناهم قطعا اثنتي عشرة، فأنث لتأنيث " القطعة "، ودل ~~على ذلك: " قطعنا ". # و" أسباط " ليس بتفسير للعدد؛ لأن حق هذا أن يفسر بواحد؛ وإنما هو بدل. # ثم قال: {وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه}. # أي: لما فرقناهم اثنتي عشرة أسباطا، أوحينا إليه إذا عطشوا، {أن اضرب ~~بعصاك الحجر}، وقد تقدم ذكر ذلك في البقرة. # {فانبجست}. PageV04P2596 # أي: انفجرت. # {قد علم كل أناس مشربهم}. # أي: لا يدخل سبط على سبط في شربه. # {وظللنا عليهم الغمام}. # يعني: من حر الشمس، وذلك في التيه، وقد تقدم ذكر هذا في البقرة. # قوله: {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية}، إلى قوله: {يظلمون}. # قال الفراء، والكسائي: " خطايا " جمع خطية، على ترك الهمز، ك: " مطية "، ~~و " وصية ". # وقال المازني: هي " فعائل "، أصلها همزتهان فأبدل من الثانية ياء، فأشبهت ~~مضيف " الخطايا " إلى نفسه، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا فصارت: PageV04P2597 # " خطاءا "، والهمزة أخت الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فأبدل من الهمزة ~~ياء، فصارت: " خطايا ". # ولسيبويه والخليل قول ms0884 مشهور قد ذكر في غير هذا الموضع. # والأصل عند الفراء في " مطية " و " وصية " أن يجمع على: فعائل "، إلا أنه ~~لو جمع على ذلك للزم حذف الياء، فيصير ك: " غواش " فتختل، فنقل جمعه إلى " ~~فعال "، فردت اللام قبل الياء الزائدة وفتح، ك: " أسير " و " اسارى "، ثم ~~أجرى هذه العلة في " خطية ". # ومعنى الآية: إن الله، جل ذكره، يقول لنبيه، (عليه السلام): واذكر، يا ~~محمد، خطأ فعل هؤلاء وخلافهم لأمر ربهم، حين قال لهم [الله]: {اسكنوا هذه ~~القرية}، وهي قرية بيت المقدس، {وكلوا منها}، أي: من ثمارها وحبوبها ~~ونباتها، {حيث شئتم}، أي: أين شئتم منها. # وقوله: {حطة}. PageV04P2598 # أي: حط عنا ذنوبنا، {نغفر لكم خطيائاتكم}، أي: يستر ذنوبكم، {سنزيد ~~المحسنين}، أي: نزيدهم على ما وعدتهم من الغفران. # (قوله): {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم}. # أي: غيروا ما أمروا أن يقولوا. قيل لهم: قولوا: {حطة}، قالوا: " حنطة في ~~شعير "، {فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء}، أي عذابا، فأهلكناهم بفعلهم ~~وتغييرهم وفسقهم. # وقيل: هو طاعون أخذهم، فهلك خلق منهم. وقد ذكر في البقرة. # قوله: {وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر}، إلى قوله: {لعلهم ~~يتقون}. # قوله: {إذ يعدون}. PageV04P2599 # {إذ}: في موضع نصب بالسؤال، أي: واسألهم عن وقت عدوانهم. # {ويوم لا يسبتون}. # أضيف الظرف عند سيبويه لكثرة الاستعمال. # وهو عند المبرد مضاف إلى المصدر محمول على المعنى. # وهو عند الزجاج على الحكاية. # والعامل في الظرف الفعل الذي بعده. # ومعنى الآية: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين يجاورونك، عن أمر ~~{القرية التي كانت حاضرة البحر}. # أي: بقربه/ وشاطئه. PageV04P2600 # قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمن داود، (عليه السلام)، وهي: أيلة، ~~وهو مكان كان تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، يأتيهم منها ~~حتى لا يرى الماء، وتأتيهم في غير ذلك من الشهور في كل سبت كما تأتيهم في ~~ذلك الشهر، فلا يمسوا منها شيئا. فعمد رجال من سفهاء تلك القرية، فأخذوا ~~الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فملحوا وباعوا، ولم ينزل بهم ms0885 عقوبة، ~~فاستبشروا، وقالو: إنا نرى السبت قد حل، وذهبت حرمته، إنما كان يعاقب به ~~آباؤنا، فعملوا ذلك سنين، حتى أثروا وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال. فمشى ~~إليهم طوائف صالحون فوعظوهم، وقالوا: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، ووعظوهم ~~فلم يتعظوا. # وسؤاله، ( صلى الله عليه وسلم) ، إياهم إنما كان على جهة التقرير لهم ~~والتبكيت، ويذكرهم PageV04P2601 # بقديم كفرهم وفسقهم، وقد كان الله ( عز وجل) ، أعلمه بأمر القرية. # قال ابن عباس، وعكرمة هي: " أيلة "، وكان ذلك في زمن داود (عليه السلام)، ~~وكذلك قال السدي، وغيره. # وقال قتادة: هي ساحل مدين. # [قال ابن زيد: هي قرية] يقال لها " مقنا "، بين مدين وعينونا. # وقال ابن شهاب: هي: طبرية. PageV04P2602 # وعن ابن عباس أيضا: أنها مدين. # وأما قوله: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية} [يس: 13]، فأكثرهم على أنها ~~أنطاكية. # ومعنى: {إذ يعدون [في السبت]}. # أي: [إذا] يعتدون إلى ما حرم الله، ( عز وجل) . # [ و " العدوان ": التجاوز إلى ما حرم الله]. # وكان الله تعالى ذكره، قد حرم عليهم السبت، فكانت الحيتان تقل في سائر ~~الأيام، وتكثر في يوم السبت. ابتلاهم الله، (تعالى)، بذلك فاصطادوا فيه ~~وتركوا PageV04P2603 # ما حرم الله عليهم، فتجاوزوا الحق، فكانت تأتيهم يوم سبتهمه، {شرعا}، أي: ~~ظاهرة على الماء. # وقال ابن عباس {شرعا}: من كل مكان. # يقال: سبت يسبت: إذا استراح. # وقرأ الحسن: " ويوم لا يسبتون "، بضم الياء، من: " أسبت القوم "، إذا ~~دخلوا في السبت. # وروي ذلك عن أبي بكر عن عاصم، كما يقال: " أهللنا "، دخلنا في الهلال، و ~~" أجمعنا " مرت بنا جمعة. # {كذلك نبلوهم}. PageV04P2604 # أي: نختبرهم. # قال قتادة: ذكر لنا أنه دخل على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو يبكي، ~~وقد أتى على هذه الآية {فلما نسوا ما ذكروا به} [الأعراف: 165]، الآية. ~~فقال: قد علمت أن الله تعالى، أهلك الذين أخذوا الحيتان، ونجى الذين نهوهم، ~~ولا أدري ما الذي صنع بالذين لم ينهوا، ولم يواقعوا المعصية. # قال الحسن: وأي نهي يكون أبين من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوفوهم ~~العذاب، فقالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ms0886 شديدا}. # {لا تأتيهم}، وقف، عند نافع، والأخفش. # ثم قال تعالى: {وإذا قالت أمة منهم}. # أي: واذكر، يا محمد، إذ قالت طائفة من أهل [هذه] القرية، إذ ظهر من ~~أكثرهم ما ينكر عليهم، فأنكر ذلك طائفة، فقالت هذه الطائفة التي حكى الله ~~عنها، للطائفة التي أنكرت ما يجب أن ينكر: {لم تعظون قوما} سيلحقهم أحد ~~هذين: العذاب، PageV04P2605 # أو الهلاك، قالت الطائفة التي أنكرت: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون}. # فمن رفع: {معذرة} فتقديره: قالوا: موعظتنا معذرة، أي: إنما يجب علينا أن ~~نأمر بالمعروف، [وننهى عن المنكر]، و {ولعلهم يتقون}، وعظناهم. # ومن نصب: فعلى المصدر، كأنهم قالوا: اعتذارا. # وقيل: النصب على تقدير: فعلنا ذلك/ معذرة. # وروي وجها النصب عن الكسائي. # وفرق سيبويه بين الرفع والنصب، واختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن ~~يعتذروا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم: لم وعظتم؟ فقالوا: موعظتنا ~~معذرة. PageV04P2606 # ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله، ثم إليك من كذا، يريد: اعتذرا، لنصب؛ ~~لأنه إنما اعتذر من أمر ليم عليه. # والمعنى: واذكر، يا محمد، {وإذا قالت أمة منهم}، أي: جماعمة الجماعة، ~~كانوا ينهون أهل المعصية عن معصيتهم، {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ~~عذابا}، قال الذين كانوا يعظون: عظتنا معذرة إلى ربكم، نؤدي بذلك فرضه ~~عليها، {ولعلهم يتقون} وعظناهم. # قال ابن عباس: كلا الطائفتين كانت تنهى الباقين عن المنكر، فلما طال ذلك، ~~قالت إحدى الطائفتين للأخرى: {لم تعظون قوما الله مهلكهم}، فلما نزل العذاب ~~نجبت الطائفتان: التي قالت: {لم تعظون قوما} والتي قالت: {معذرة إلى ربكم}، ~~وأهلك الله، ( عز وجل) ، أهل المعصية، فجعلهم قردة وخنازير. # قال السدي: قال الواعظون: بعضهم لبعض: {لم تعظون قوما الله مهلكهم}. PageV04P2607 # وروي عن ابن عباس، وغيره، أنه قال: كانوا أثلاثا، ثلث نهوا، وثلث قالوا: ~~{لم تعظون}، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا. قال الله ( صلى ~~الله عليه وسلم) : { أنجينا الذين ينهون عن السوء} [الأعراف: 165]. # وروي عنه أنه قال: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، وما أدري ما فعلب ~~بالساكتين. # وقال الكلبي ms0887 هم فرقتان: فرقة وعظت، وفرقة قالت: {لم تعظون}، وهي الموعظة. # وذلك أن الخاطئة لما كثر عليها الوعظ، قالت: للواعظين: {لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم أو معذبهم} على قولكم. وقد مضى من ذكر هذا في البقرة جملة. # وقال الكلبي: كانوا فرقتين: قالت الصالحة للطالحة: يا قوم، انتهكتم حرمة ~~سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذه العمل قبل أن ينزل ~~بكم العذاب. قالت الطالحة: فلم تعظوننا إذا كنتم علمتم أن الله، ( عز وجل) ~~، مهلكنا، PageV04P2608 # وإن أطعتمونا لتفعلن كالذين فعلنا، فقد فعلناه منذ سنين، فما زادنا الله ~~بذلك إلا خيرا. قالت الصالحة: ويلكم، لا تغتروا، [ولا] بأس الله، (سبحانه)، ~~فكأنه نزل بكم، قالت لهم الطالحة: ف {لم تعظون قوما الله مهلكهم}، الآية. # فهم فرقتان على قول الكلبي. وثلاث فرق على قول أكثر المفسرين. # قوله: {فلما نسوا ما ذكروا}، إلى قوله: {وإنه لغفور رحيم}. # والمعنى: فلما تركت الطائفة التي نهيت عن السؤ، ما أمرها الله ( عز وجل) ~~به من ترك الاعتداء. # وقيل: نسوا موعظة من وعظهم من المؤمنين، {أنجينا الذين ينهون عن السوء PageV04P2609 # وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس}، أي: وجيع أليم. قاله ابن عباس. # وقيل: {بئيس}: رديء. # وقال مجاهد {بعذاب بئيس}: أليم شديد. # وقال قتادة {بعذاب بئيس}: موجع. # وقال ابن زيد {بئيس}: شديد. # قوله: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه}. # أي: تجاوزوا وتمردوا. و " العاتي ": المتمرد المتجاوز في الحق. PageV04P2610 # {عن ما نهوا عنه}، [أي]: عن اعتدائهم في السبت، {قلنا لهم كونوا قردة}، ~~فصاروا قردة، {خاسئين}، [أي]: مبعدين. وذلك في زمن داود، (عليه السلام)، ~~وهو قوله: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود} [المائدة: 78]، ~~صاروا قردة كلهم، ومسخوا في زمن عيسى (عليه السلام)، خنازير، فذلك قوله: ~~{على لسان داوود وعيسى ابن مريم} [المائدة: 78]. # / قال ابن عباس: صار شباب القوم قردة، وشيوخهم خنازير. # يقال: خسأت الكلب: أبعدته وطردته. PageV04P2611 # وقوله: {قلنا لهم (كونوا)}. # جائز أن يكون أمروا بذلك، فيكون أبلغ في الآية والقدرة. وجائز أن يكون من ~~قوله: {إنما قولنا لشيء إذآ أردناه ms0888 أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40]. # ثم قال تعالى: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة}. # روى الأصبهاني عن أصحابه عن ورش: (تأذن)، بتسهيل الهمزة. # والمعنى: واذكر، يا محمد، إذا أعلم ربك. # فمعنى {تأذن}: أعلم والعرب تقول: " تعلم " بمعنى " أعلم ". # وقال مجاهد {تأذن}: قال. PageV04P2612 # وقال قتادة {تأذن ربك}: أمر ربك. # ومعنى: {ليبعثن عليهم}. # أي: ليبعثن على اليهود {من يسومهم سواء العذاب}، وهو قتلهم إن لم يؤدوا ~~الجزية، وذلتهم إن ودوها. # قال ابن عباس: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد، صلى الله عليه وسلم، ~~وأمته، إلى يوم القيامة. # قال ابن المسيب: يستحب أن يبعث الأنباط في الجزية. # {إن ربك لسريع العقاب}. # أي: لمن استوجب منهم العقوبة. # {وإنه لغفور رحيم}. # أي: لسائر ذنوب من تاب، متعطف عليه. PageV04P2613 # قوله: {وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون}، إلى قوله: {المصلحين}. # روى أبو بكر عن عاصم: " وقطعنهم "، بالتخفيف. # والمعنى: وفرقنا بني إسرائيل في الأرض {أمما}، أي: جماعات شتى. ففي كل ~~أرض قوم من اليهود، {منهم الصالحون}، أي: منهم من يؤمن بالله ورسله، {ومنهم ~~دون ذلك}، وصفهم بهذا قبل كفرهم وارتدادهم عن دينهم، وقبل أن يبعث عيسى ~~(عليه السلام). # {وبلوناهم بالحسنات}. # أي: بالرخاء، والسعة في الرزق، {والسيئات}، بالجدب والمصائب، أي: ~~اختبرناهم بذلك، {لعلهم يرجعون}، إلى طاعة الله (عزو جل). # قوله: {أمما}، وقف. # و {دون ذلك}، وقف. PageV04P2614 # و {والسيئات}، وقف. # ثم قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف}. # أي: حدث من بعدهم خلف سوء، يعني: أبناءهم. # و" الخلف ": الرديء من القول، ومن الأنباء، يقال للواحد والاثنين ~~والجميع، بلفظ واحد. # ويقال في المدح: " هذا خلف صدق "، بتحريك اللام، ولزم تسكن اللام فيه، ~~هذا الأشهر. # وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، قال حسان: PageV04P2615 # . . .، وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع # والخلف السوء، مأخوذ من قولهم: " خلف اللبن "، إذ حمض حتى فسد، ومن ~~قولهم: " خلف فم الصائم "، إذا تغير ريحه. # وقال مجاهد: " الخلف " في الآية يراد به النصارى بعد اليهود. # {يأخذون عرض هذا الأدنى}. # يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع. # {ويقولون ms0889 سيغفر لنا}. # يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه مغفور، لا نؤاخذ به. # والثاني: أنه ذنب، لكن الله قد يغفره لنا، تأميلا منهم لرحمته. PageV04P2616 # وهو ما عن لهم من عرض الدنيا حلالا كان أو حراما، يأخذونه ويتمنون ~~المغفرة، {ويقولون سيغفر لنا}، وإن وجدوا بعده مثله، أخذوه، فهم مصرون على ~~أخذه، وإنما يتمنى المغفرة من أقلع عن الذنب، فلم يعد إليه، ولا نوى الرجوع ~~إلى مثله. # قال ابن جبير: يعملون بالذنب ثم يستغفرون منه، فإن عرض لهم ذنب ركبوه. # و" العرض " عنده: الذنوب. # قال السدي: كان بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم، فيقال ~~له في ذلك، فيقول: {سيغفر لنا}، فيطعن عليه بقية بني إسرائيل. فإذا مات جعل ~~مكانه رجل ممن كان يعطن عليه، فيرتشي، أيضا، ثم لا يثوبون. # قال ابن زيد: يأتيهم المحق برشوة، فيخرجون له كتاب الله، ثم يحكمون له ~~بالرشوة/ فإذا جاءهم الظالم بالرشوة، أخرجوا له الكتاب الذي كتبوا بأيديهم، PageV04P2617 # وقالوا: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ~~ودرسوا ما فيه}، وهو عرض الدنيا، هو الرشى في الحكم، فيحكمون له بما في ~~الكتاب، فهو [في كتابهم]، محق، وهو في التوراة ظالم، فقال الله ( عز وجل) : # { هذا [من عند الله] ليشتروا به ثمنا قليلا} [البقرة: 79]. # المعنى: ألم يؤخذ عليهم الميثاق، ألا يعملوا إلا بما في التوراة، و {أن ~~لا يقولوا على الله إلا الحق}. # [قال ابن عباس: {أن لا يقولوا على الله إلا الحق}، يعني [فيما] يوجبون به ~~من غفران ذنوبهم التي هم عليها مصرون. # وقوله: {ودرسوا ما فيه}. # معناه: ورثوا الكتاب، ودرسوا ما فيه، فنبذوه، وعملوا بخلاف ما فيه. PageV04P2618 # وقال ابن زيد: علموه، فعلموا ما فيه. # ثم قال: {والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون}. # أي: ما فيها من النعيم. # قوله: {يأخذوه}، وقف. # وكذا: {إلا الحق}. # وكذا: {ودرسوا ما فيه}. # ثم قال: {والذين يمسكون بالكتاب}. # أي: يعملون بما فيه التوراة، {وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين}، ~~[ي: أجر المصلح منهم]. # قوله: {وإذ نتقنا ms0890 الجبل فوقهم} الآية. PageV04P2619 # والمعنى: واذكر يا محمد، {وإذ نتقنا الجبل}، أي: اقتلعناه فرفعناه [فوق] ~~بني إسرائيل. # وقيل: نتقناه ": زعزعناه. # {كأنه ظلة}. # أي: غمامة. # و" الكاف " من {كأنه}، في موضع نصب على الحال، أي: نتقناه مشبها الظلة، ~~أي: في هذه الحال. # ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محمول على المعنى. # أو يكون خبر ابتداء محذوف، [أي]: هو {كأنه [ظلة]}. # {وظنوا أنه واقع بهم}. PageV04P2620 # أي: أيقنوا بذلك، إذ هو فوق رؤوسهم. # {خذوا مآ ءاتيناكم بقوة}. # أي: وقيل لهم: خذوا ما في الكتاب من الفرائض بجد وعزم، ولا تقصروا في ~~أداء فرائض الله ( عز وجل) ، التي فيه، وإلا خر عليكم الجبل فأهلككم ~~فقالوا: بل، نأخذه بقوة، أي: بجد وعزم، ثم نكثوا بعد ذلك. هذا قول ابن ~~عباس. # قال ابن عباس: إني لأعلم لأي شيء سجدت اليهود على حرف وجوههم: لما رفع ~~الجبل فوقهم سجدوا، وجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم، خوفا ان يقع ~~عليهم. قال: وكانت سجدة رضيها الله ( عز وجل) ، فاتخذوها سنة. # قال قتادة: نزع الله ( عز وجل) ، الجبل من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، ~~وقال: لتأخذن أمري، أو لأرمينكم به. PageV04P2621 # وقال ابن جريج: كانوا قد أبوا أن يقبلوا التوراة. # وروى حجاج عن أبي بكر بن عبد الله أنه قال: لما قيل لهم: اقبلوا ما في ~~التوراة، قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها ~~خفيفة، قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: حتى نعلم ما فيها، فراجعوا ~~موسى (عليه السلام)، مرارا فأوحى الله، ( عز وجل) ، إلى الجبل فانقلع ~~وارتفع في السماء، حتى إذا ان بين رؤوسهم وبين السما، قال لهم موسى (عليه ~~السلام): ألا ترون ما يقول ربي عز جل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها ~~رميتكم بهذا الجبل. # قال الحسن البصري: لما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منههم ساجدا على حاجبه ~~الأيسر، ونظر بعينه/ اليمنى إلى اجبل، فرقا أن يسقط عليه، فلذلك ليس اليوم ~~في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي ms0891 رفعت ~~عنا بها العقوبة. قال أبو بكر بن عبد الله: لما نشر موسى (عليه السلام)، ~~الألواح فيها كتاب PageV04P2622 # الله عز وجل، كتبه بيده ويده صفة له، لا يد جارحة، تعالى الله أن يوصف ~~بجارحة، إذ ليس كمثله شيء، لمي يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر، (ولا شيء) ~~إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على الأرض من صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة ~~إلا اهتز ونفض لها رأسه. # وقيل: كان نتق الجبل أنه قطع منه شيء على قدر عسكر موسى (عليه [السلام])، ~~فظلل عليهم، وقال لهم موسى (عليه السلام)، إما أن تقبلوا وإما أن يسقط ~~عليكم. # قوله: {وإذ أخذ ربك من بنيءادم من ظهورهم ذريتهم}، الآية. # حجة من قرأ " ذريات " بالجمع، أنها الأعقاب المتناسبة الكثيرة. PageV04P2623 # ومن قرأ {ذريتهم}، بالتوحيد، قال: إنها قد أجمع عليها في قوله: {من ~~ذريةءادم} [مريم: 58]، ولاشيء كثر من ذريته ( صلى الله عليه وسلم) ، فدلت ~~على الكثير بنفسها. # ومعنى الآية: واذكر، يا محمد، {وإذ أخذ ربك من بنيءادم من ظهورهم}، أي: ~~استخرج الأبناء من أصلاب الآباء، فقررهم بتوحيده، وأشهدهم على أنفسهم ~~بإقرارهم، أي: أشهد بعضا على بعض بالإقرار بالتوحيد. # قال ابن عباس: أخذ الله، ( عز وجل) ، اليثاق من ظهر آدم (عليه السلام)، ~~بنعمان يعني: عرفة، فأخرج من صلبه كل ذريته، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم ~~كلمهم قبلا، فقال: {ألست بربكم}، فأشهد بعضهم على بعض PageV04P2624 # بذلك الإقرار. # وقال الضحاك: إن الله (سبحانه)، مسح صلب آدم، (عليه السلام)، فاستخرج منه ~~كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق: أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا، وتكفل لهم بالأرزاق، ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة ~~حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق (الآخر) فوفى به، ~~نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك (الميثاق) الآخر فلم يف به، لم ينفعه الأول، ~~ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول على ~~الفطرة. روى ذلك عن ابن عباس. # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل مولود ms0892 يولد على الفطرة حتى يكون ~~أبواه اللذان يهودانه أو ينصرانه ". PageV04P2625 # والميثاق الأول، هو: ما أخذه الله، ( عز وجل) ، عليهم إذ أخرجهم من ظهر ~~آدم، (عليه السلام). # والميثاق الآخر، هو: قبول فرائض الله، (سبحانه)، والإيمان به، وبرسالة ~~النبي عليه السلام، وبما جاءت به الرسل. # وروى ابن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " أخذوا من ظهره، ~~كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: {ألست بربكم قالوا بلى}، قالت ~~الملائكة: {شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة} ". # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ~~" إن الله جل وعز، خلق آدم (عليه السلام)، ثم مسح ظهره بيمينه، (سبحانه)، ~~فاستخرج منه ذرية، فقال: " خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون ". ثم ~~مسح ظهره فاستخرج منه PageV04P2626 # ذرية، فقال: " [خلفت] هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون ". # فقال/ رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال: إن الله (تعالى)، إذا خلق ~~العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، فيدخله الجنة. وإذا خلق العبد للنار، ~~استعمله بعمل أهل النار، فيدخله النار ". # وقيل معنى: {وأشهدهم على أنفسهم}، دلهم على توحيده؛ لأن كل بالغ سالم من ~~العاهات، يعلم ضرورة أن له ربا واحدا. # وقيل: إن الآية مخصوصة؛ لأنه قال: {من بنيءادم}، فخرج من هذا من كان من ~~ولد آدم (عليه السلام)، لصلبه وقال (الله) عز وجل: { أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل}، فخرج منها كل من له آباء مشركون. # وقال أبي بن كعب: جمعهم جميعا، فجعلهم أزواجا، ثم صورهم، ثم استنطقهم، ~~فقال: {ألست بربكم قالوا بلى}؛ أنك ربنأ وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ثم أخبرهم ~~بما ينزل عليهم من كتاب وما يرسل إليهم من الرسل، وأمرهم أن يؤمنوا بذلك. PageV04P2627 # ومن قرأ ب: " الياء " في: {[أن] تقولوا}، # {أو تقولوا}، رده على: {ظهورهم}، و: {ذريتهم} و {وأشهدهم}، وبعدها، ~~{ولعلهم يرجعون}. فلما جرى الكلام قبل وبعد على لفظ الغيبة، أجرى وسطه على ~~ذلك. # ومعنى الكلام: أنهم لما أقروا، قال الله عز وجل، للملائكة: " اشهدوا "، # قالت الملائكة: {شهدنآ ms0893 أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو ~~تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم}. # ومن قرأ: ب: " التاء " رده على المخاطبة في قوله: {ألست بربكم}، وهي أقرب ~~من لفظ الغيبة إلى: {تقولوا}. PageV04P2628 # قال أبي بن كعب: ولما أخرج الله ( عز وجل) ، الذرية كانت الأنبياء، ~~(صلوات الله عليهم)، فهم مثل السروج، عليهم النور، فخصوا بميثاق آخر: ~~الرسالة والنبوة، قال تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} ~~[الأحزاب: 7]، الآية. فكان في علمه من يكذب الأنبياء ومن يصدق. قال: وكان ~~روح عيسى ابن مريم، (عليه السلام)، تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، ~~فأرسل الله، ( عز وجل) ، إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. قال ~~الله جل وعز. {فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا} [مريم: 17]. قال: ~~فحملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى، (عليه السلام). # قال ابن جبير: فكانوا يرون أن القلم يومئذ جف بما هو كائن. PageV04P2629 # قال ابن جبير: فكانوا يرون أن القلم يومئذ جف بما هو كائن. # ومعنى: {شهدنآ أن تقولوا}، عند السدي: أنه خبر من الله، ( عز وجل) ، عن ~~نفسه (تعالى)، وملائكته، بالشهادة على بني آدم، كيلا {تقولوا يوم القيامة ~~إنا كنا عن هذا غافلين}. # والوقف على هذا القول {بلى}. # وقال ابن عباس: المعنى، إن بضعهم شهد على بعض. # فالمعنى: {قالوا بلى} شهد بعضنا على بعض كيلا {تقولوا PageV04P2630 # يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}، أي: كل بعض يقول: شهدنا على البعض ~~الباقي، كيلا يقولوا: كذا. # {أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل}: وابتعناهم، {أفتهلكنا}، بإشراك ~~آبائنا واتباعنا منهاجهم على جهل منا؟ # فالوقف على قول ابن عباس: {المبطلون}. # و {بلى} وقف عند نافع، والأخفش، وأبي حاتم، وغيرهم. # وهذا يدعل على أن الشهادة كانت من الله ( عز وجل) ، وملائكته على المقرن. ~~وهو قول مجاهد، والضحاك، والسدي. وهذا حسن على قراءة [من قرأ] ب: " التاء ~~"، فيكون {شهدنآ}، ليس من كلام الذين قالوا: {بلى}. PageV04P2631 # ومن قرأ: ب: " الياء " فأكثر أهل العربية يقولون: [{أن تقولوا} متعلقة ms0894 ب: ~~{وأشهدهم}، والمعنى: وأشهدهم على أنفسهمه كراهة] {أن تقولوا يوم القيامة ~~إنا كنا عن هذا/ غافلين}، فالتمام (على هذا): {المبطلون}. # وقال ابن الأنباري والسجستاني {بلى شهدنآ}، التمام، وهو غلط؛ لأن {أن} ~~متعلقة ب: {أشهدهم} أو ب: {شهدنآ} على قراءة من قرأ ب: " الياء ". # فأما على تفسير ابن عباس: أن المعنى: [و] شهد بعضهم على بعض، فالتمام: ~~{المبطلون} لأن {شهدنآ}، من قول الذين قالوا: {بلى}. PageV04P2632 # ومعنى: {أفتهلكنا}، أي: لست تفعل ذلك. # (وقوله): {وكذلك نفصل [الآيات]}. # " الكاف ": في موضع نصب. والمعنى: وكما فصلنا، لقومك، يا محمد، آيات هذه ~~السورة، كذلك نفصل الآيات غيرها فنبينها لقومك، {ولعلهم يرجعون}، إلى ~~الإيمان. # قوله: {واتل عليهم نبأ الذيءاتيناهءاياتنا فانسلخ منها}، إلى قوله: ~~{يتفكرون}. # والمعنى: {واتل}، يا محمد، عليهم: {نبأ الذيءاتيناهءاياتنا فانسلخ منها}، ~~وهو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن باعر، (أعطي: معرفة اسم الله ~~[الأعظم]. وقيل: أعطي النبوة. PageV04P2633 # قال ابن عباس: بلعم بن باعور.) # وقال ابن جبير: كان معه اسم الله، فسألوه أن يدعو على موسى وأصحابه ألا ~~يدخل مدينتهم، فأبى، فخوفه الملك بالقتل والصلب والتحريق، فدعا، فاستجاب ~~الله له، فلم يصل موسى، (عليه السلام)، إلى دخولها، ودعا موسى عليه أن ~~ينسيه الله، ( عز وجل) ، اسمه الذي يدعو به، فأنساه الله، ( عز وجل) ، ~~إياه، ونزل فيه ما ذكره. # قال ابن عباس: كان من مدينة الجبارين. # وقيل عنه: كان من اليمن. PageV04P2634 # وقيل: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، كان قد قرأ الكتب، وعرف الوقت الذي ~~يبعث فيه محمد ( صلى الله عليه وسلم) ، ويخبر الناس بذلك، فلما بعث، حسده ~~وكفر به، وقال: والله ما كنت لأؤمن بنبي من غير قومي ثقيف أبدا. # وقال عكرمة: هو من كان منافقا من أهل الكتابين. # قال الحسن: هو المنافق. # وقال الأنصار: هو الراهب الذي بني له مسجد الشقاق. PageV04P2635 # قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه. # قال ابن عباس: أعطي كتبا من كتب الله. # وقال مجاهد: أوتي النبوة، فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل، وتركهم على ما ~~هم ms0895 عليه. # وكذلك قال المعتمر بن سليمان عن أبيه. # وهو قول مردود؛ لأن النبوة لا يكون حاملها قابلا للرشوة فيها، يعيذ الله ~~الأنبياء من ذلك. وهذه كبيرة عظيمة، وكل الناس على أن الأنبياء معصومون من ~~الكبائر، فغير جائز هذا القول الذي روي عن مجاهد، والمعتمر. PageV04P2636 # وروى سيار عن مالك [بن دينار، أنه قال]: بعث نبي الله موسى، (عليه ~~السلام)، بلعام، وكان مجاب الدعوة، إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، فأقطعه ~~وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى. ففيه نزلت هذه الآية: {واتل عليهم نبأ ~~الذيءاتيناهءاياتنا فانسلخ منها}. # وقال السدي: أعطي اسم الله الأعظم. # وروي ذلك عن ابن عباس. # قال ابن عباس: لما نزل موسى عليه السلام بالجبارين، سأل الجبارون بلعم بن ~~(باعور) أن يدعو على موسى، فقال لهم: إني إن دعوت عليه ذهبت دنياي وآخرتي، ~~فلم يزالوا به حتى دعا عليه، فسلخه الله مما كان عليه، فذلك قوله: PageV04P2637 # {فانسلخ منها}. # وعن ابن عباس، {فانسلخ منها}: نزع منه العلم. # {فأتبعه الشيطان}. # أي: أدركه. يقال: " أتبعه ": إذا أدركه. و: " تبعه ": / إذا سار في إثره. ~~هذا الجيد. # وقيل: هما لغتان. # وقيل: معنى: " أتبعه ": صيره لنفسه تابعا ينتهي إلى أمره في معصية الله ~~سبحانه. # {فكان من الغاوين}. # أي: من الهالكين. # وقيل: من الخائنين. # ثم قال تعالى: {ولو شئنا لرفعناه بها}. PageV04P2638 # أي: لرفعناه بعلمه {بها}. # وقيل: المعنى: لرفعناه عن الحال التي صار إليها من الكفر. # وقال مجاهد: {لرفعناه بها}، (أي): لرفعنا عنه. أي: لعصمناه مما فعل. # وقيل: المعنى: لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة. # {بها}. # [أي]: بتلك الآيات. PageV04P2639 # {ولكنه أخلد إلى الأرض}. # أي: سكن إلى الدنيا وشهواتها، {واتبع هواه}. # وأصل " الإخلاد ": الإقامة. # قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: كان بلعام رجلا، أوتي النبوة، وكان مجاب ~~الدعو، وإن موسى (عليه السلام)، أقبل في بني إسرائيل ويريد الأرض التي فيها ~~بلعام فرعب الناس، وأتوا بلعام، وسألوه أن يدعو على موسى، (عليه السلام)، ~~وجنده فقال: حتى أؤامر ربي ( عز وجل) ، فوامر في الدعاء عليهم، فنهي عن ~~ذلك، فقال لقومه: ms0896 قد أمرت ألا أدعوا، فأهدوا إلأيه هدية فقبلها، ثم راجعوه ~~أن يدعو على موسى (عليه السلام)، فقال: حتى أؤمر ربي، فوامر ولم يؤمر بشيء، ~~فقال لهم: قد وامرت، فلم أؤمر بشيء فقالوا: لو كره الله ( عز وجل) ذلك ~~لنهاك كما نهاك أولاد فأخذ يدعو على PageV04P2640 # موسى (عليه السلام)، فرد الله ( عز وجل) ، لسانه بالدعاء على قومه، فأخذ ~~يدعو بالفتح لقومه، فرد الله، ( عز وجل) ، لسانه بالدعاء بالفتح لموسى ~~(عليه السلام)، وقومه، فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا قال: ما يجري لساني ~~إلا هكذا، ولو دعوت عليه ما استديب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون ~~فيه هلاكهم: إن الله ( عز وجل) ، يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا، ~~فأخرجوا النساء يستقبلنهم، فإ، هم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، ~~وكان للمك ابنة ذات جمال، فقيل لها: لا تمكني نفسك إلا من موسى! قال: ~~ووقعوا في الزنا، وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسها، ~~فقالت: ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى! وروادها عن نفسها، فأرسلت إلى ~~أبيها فقال لها: أمكنيه (من نفسك)، فلما أمكنته، أتاها رجل من بني هارون ~~معه رمح فانتظمها جميعا، فرفعهما على رمحه. فرآهما الناس ثم سلط الله ( عز ~~وجل) ، عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا. PageV04P2641 # قال سيار: ركب بلعام حمارة له، فجعل يضربها فلا تتقدم. قال: وقامت عليه، ~~وقالت: علام تضربني؟ ألا ترا هذا الذي بين يديك! أنطق الله، ( عز وجل) ، ~~الحمارة، قال: فإذا الشيطان بين يديه. قال: فنزل فسجد له، فذلك أنسلاخه. # وروي أنه لما دعا موسى (عليه السلام)، تلكم لسانه بالدعاء على قومه، ثم ~~اندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم ~~يبق إلا المكر والحيلة، وسأمكر لكم وأحتال: جملوا النساء، وأعطوهن السلع، ~~ثم أرسلوهن إلى العسكر، ومرهن ألا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم ~~إن زنى رجل واحد منهم كفتموهم؛ فوقع رجل من عظماء بني إسرائيل بامرأة، ~~فأرسل الله (عزو جل)، الطاعو فيهم، ms0897 فهلك منهم سبعون ألفا. PageV04P2642 # ثم قال الله تعالى: {فمثله كمثل الكلب}. # أي: مثله، إذ لم ينتفع بما أوتي مثل/ الكلب الذي لا ينتفع بترك الحمل ~~عليه، هو يلهث على كل حال. فكذلك هذا، هو ضال على كل حال، لا ينتفع بما ~~أوتي من الآيات، كما لم ينتفع الكلب بترك الحمل عليه. # وقيل: إن هذا مثل من يتلو كتاب، كالله ( عز وجل) ، ولا يعمل به، هو مثل ~~الكلب لا ينتفع بترك الحمل عليه، ولا يترك اللهث. كذلك هذا لا ينتفع بقراءة ~~كتاب الله (عز وجل)، فيعمل. هو مثل من لا يقرأه ولا يعمل به. # ومعنى {تحمل عليه}. # تطرده وتشرده، فهو يلهث طردته [أو تركته]. PageV04P2643 # وكان الحسن يقول: هو المنافق. # قال قتادة: هو مثل ضربه الله ( عز وجل) ، لكل من عرض عليه الهدى فلم ~~يقبله. # قال السدي وغيره: كان بلعم، بعد ذلك، يلهث كما يلهث الكلب. # قوله: {واتبع هواه}، وقف. # {أو تتركه يلهث}، وقف. # ثم قال تعالى: {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا}. # أي: ذلك المثل الذي ضربته لهذا الذي انسلخ من آياتنا {مثل القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا}. # {فاقصص القصص}. # أي: اقصص عليهم هذا القصص الذي اقتصصته عليك من نبأ آتيناه PageV04P2644 # [آياتنا]، (وما حل به من عقوبتنا، {لعلهم يتفكرون}، أي: يعتبرون فيعلموا ~~صحة نبوتك، إذ كان نبأ {الذيءاتيناهءاياتنا})، من خفي علومهم، ومكنون ~~أخبارهم، لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها. وفي أخبارك ذلك لهم وأنت أمي ~~لم تقرأ ولم تدرس، دليل على نبوتك، وصدق قولك، وأن ذلك عندك بوحي من ~~السماء. # قوله: {سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا}، إلى قوله: {هم الغافلون}. # قال الأخفش: التقدير: ساء مثلا مثل القوم. # وقرأ الجحدري: " ساء مثل القوم "، برفع " المثل "، وإضافته إلى " القوم ~~". PageV04P2645 # وقوله: {من يهد الله فهو المهتدي}، # أي: من يوفقه الله ( عز وجل) ، إلى الإسلام {فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون}، أي: من يخذله فلا يوفقه إلى الإسلام فهو خاسر، أي: خسر نفسه ~~في الآخرة، وذلك أعظم الخسارة. # روى عبد الله بن عمر ms0898 أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ما هلكت أمة قط ~~إلا بالشرك بالله، (سبحانه)، وما أشركت أمة قط حتى يكون بدء شركها التكذيب ~~بالقدر ". # وروى زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله ( عز ~~وجل) ، لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته ~~خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبل منك حتى ~~تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ~~فإن مت على ذلك دخلت النار ". # ثم قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس}. PageV04P2646 # {ذرأنا}، أي: خلقنا. # قال سعيد بن جبير: أولاد الزنا مما خلق الله، (سبحاه)، لجهنم. يعني: ~~الكفرة منهم. رواه [ابن عمر] عن النبي ( صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " ~~لما ذرأ الله لجهنم ما ذرأ، كان ولد الزنا مما ذرأ ". # {لهم قلوب لا يفقهون بها}. # أي: لهؤلاء الذين ذرأ لجهنم، {لهم قلوب لا يفقهون بها} الهدى. # أي: لا يفقهون [بها] شيئا من أمر الآخرة. PageV04P2647 # {ولهم أعين لا يبصرون بها}، الهدى. # {ولهم آذان لا يسمعون بهآ}، الحق. # وقيل: {لا يفقهون بها}، أي: لا يتفكرون في آيات الله، (سبحانه) / وأدلته، ~~(جلت عظمته) على توحيده، وحججه التي أتت بها الرسل، {ولهم أعين لا يبصرون ~~بها} آيات الله، (سبحانه، وأدلته جلت عظمته)، {ولهم آذان لا يسمعون بهآ}، ~~أي: لا يسمعون آيات الله، (سبحانه) فيعتبرون. يقولون: {لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه} [فصلت: 26]. وهو نظير قوله: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} ~~[البقرة: 171]. # {أولئك كالأنعام}. # في جهلهم وقلة تمييزهم للحق. PageV04P2648 # {بل هم أضل}. # يعني أن البهائم لا تمييز لها، يلزمها نقص في جهل. وهؤلاء لهم تمييز، ~~فالنقص له لازم في جهلهم. فهم أشد نقصا في الجهل من البهائم. والبهائم مع ~~عدم تمييزها تطلب لأنفسها المنافع، وتفر من المضار، وهؤلاء لا يعقلون ذلك، ~~يتركون ما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم، ويلزمون ما فيه مضرتهم، فه أضل من ~~البهائم. # {أولئك ms0899 هم الغافلون}. # أي: الذين غفلوا عن مصالحهم ومنافعهم، وغفلوا عن آيات الله، (سبحانه)، ~~وحججه وأعلامه الدالة على توحيده (سبحانه)، وصدق رسله. # قوله: {ولله الأسمآء الحسنى فادعوه}، الآية. # " الإلحاد " في اللغة: الجور والميل عن القصد. # قال الكسائي: يقال: " ألحد ": عدل عن القصد. و " لحد ": ركن إلى الشيء. ~~وعلى ذلك قرأ {يلحدون} في " النحل "، [يعني]: يركنون. PageV04P2649 # واللغة الفصيحة، " ألحد " الرجل في دينه: إذا مال وجار. و " لحد " القبر. ~~وقد تدخل [كل) واحدة منهما على الأخرى. # ومعنى: {وذروا الذين يلحدون في أسمآئه}. # قال بعض العلماء: هو نهي من الله، ( عز وجل) ، أن يدعى بما لا يجوز أن ~~يوصف به، وذلك أنهم عدلوا بأسمائه فسموا ببعض اشتقاقها وبعض حروفها آلهتهم. ~~قالوا: " اللات " مشتق من الله " الله ". وسموا ب: " العزى "، أخذوه من " ~~العزيز ". # قال مجاهد: أخذوا " العزى " من " العزة ". # قال ابن عباس {يلحدون}: يكذبون. # وقال قتادة: يشركون. PageV04P2650 # وقال ابن زيد: هذا منسوخ نسخه القتال. # وقيل: إن هذا محكم، وإنما هو تهديد ووعيد من الله ( عز وجل) ، لا أنه ~~(تعالى)، أمر نبيه (عليه السلام)، أن يتركهم يلحدون في آيات الله ( عز وجل) ~~، وهو مثل: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} [الحجر: 3]. # قوله: {فادعوه بها}، وقف. # {في أسمآئه}، وقف. # قوله: {وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق}، إلى قوله: {يعمهون}. # والمعنى: ومن الذين خلقناهم {أمة}، أي: جماعة يقضون {بالحق وبه PageV04P2651 # يعدلون}، أي: يأخذون به، ويعطون به. # قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبي الله، (عليه السلام)، قال: " هذه أمتي ". # وقال قتادة: هي هذه الأمة. # وروى سعيد بن جبير [عن قتادة) أن النبي ( صلى الله عليه وسلم، كان يقول ~~إذا قرأ هذه الآية: هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، يعني قوله: ~~{ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159]. # ثم قال تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم}. # أي: سنمهلهم بغرتهم، ونزين لهم سوء أعمالهم، حتى يحسب أنه في كفره PageV04P2652 # محسن فإذا بلغ الغاية الت كتبت له، أخذ بأعماله السيئة من حي لا يعلم. # وأصل " الاستدراج ": اغترار المستدرج بلطف حتى يورطه مكروها ms0900 وهلكة. # ثم قال تعالى: {وأملي لهم إن كيدي متين}. # أي: وأؤخرهم مدة من الدهر. # و" الملاوة ": القطعة من الدهر، يقال بضم " الميم " وفتحها وكسرها، لغات ~~فيها. PageV04P2653 # {إن كيدي}، أي: إن عذابي. # {متين}، أي: شديد. # وقيل: " الكيد " هنا: هو أخذهم من حيث لا يشعرون. # وأصل " الكيد ": المكر. # وقرأ ابن عباس: " أن كيدي "، بفتح الهمزة، جعل " أن ": مفعولا من أجله، ~~أي: من أجل أن الكيد متين وقع الإملاء. # {وأملي لهم}، وقف. # {لا يعلمون}، وقف. PageV04P2654 # إن جعلت {وأملي} مستأنفا. # ثم قالت تعالى: {أولم يتفكروا}. # أي: يتفكروا في أن الرسول صادق، وأن الحق/ ما دعاهم إليه. # ثم قال: {ما بصاحبهم من جنة}. # قال قتادة: ذكر لنا [أن] النبي (عليه السلام)، كان على الصفا، فدعا قريشا ~~وجعل يفخذهم فخذا [فخذا]: " يا بني فلان، يا بني فلان "، يحذرهم بأس الله ( ~~عز وجل) ، ووقائع الله، (تبارك وتعالى)، فقال قائلهم: " إن صاحبكم هذا ~~لمجنون! بات يصوت إلى الصباح "، (فأنزل الله، عز وجل) ،: { أولم يتفكروا ما ~~بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين}، PageV04P2655 # أي: ينذركم عقاب الله، ( عز وجل) ، على كفركم. # {مبين}. # أي: قد أبان لكم إنذاره. # و: {من جنة}. # أي: من جنون. ومثله في سورة " سبأ ". # {من جنة}، وقف. # {تتفكروا}، وقف حسن، ومثله: {أولم يتفكروا في أنفسهم} [الروم: 8]، ومثله: ~~{ثم تتفكروا} [سبأ: 46] في " سبأ ". ثم يتبدئ ب: {ما}، وهي: للنفي في ~~الثلاثة المواضع. PageV04P2656 # ثم قال تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من ~~شيء}. # والمعنى: أولم ينظر هؤلاء المكذبون، في ملك السموات والأرض وسلطانها، ~~وفيما خلق الله، ( عز وجل) ، فيتدبروا، فيعلمون أن ذلك لا يحدثه إلا رب ~~واحد، والله واحد لا شبيه له، فيؤمنوا ويصدقوا، ويتفركوا في: {وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم}، فيحذروا أن يموتوا على كفرهم فيصيروا إلى عذاب الله، ~~(سبحانه). # وقيل: إنهم كذبوا يسوفون بالتوبة والإيمان، فقيل لهم: عسى أن يكون أجلكم ~~قد قرب، فتموتوا على كفركم. # قال سفيان: {ملكوت السماوات} [الأنعام: 75]: الشمس والقمر. PageV04P2657 # {فبأي حديث بعده يؤمنون}. # أي: فبأي ms0901 تخويف بعد تخويف محمد، ( صلى الله عليه وسلم) ، الذي أتاهم به ~~من عند الله ( عز وجل) ، في آي كتابه {يؤمنون}، وهو القرآن. # ثم قال تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له}. # أي: هؤلاء الذين كفروا ولم يتعظوا، إنما كان لإضلال الله، ( عز وجل) ، ~~إياهم، ولو هداهم لا عتبروا وأبصروا رشدهم، فلا هادي لهم إذ أضلهم الله. # وقوله: {ويذرهم}. # من قرأ ب " الياء "، رده على اسم الله، (سبحانه). PageV04P2658 # ومن قرأ ب: " النون "، جعله على الإخبار من الله، (سبحانه)، عن نفسه. # ومن قرأ ب: " الرفع " قطعه مما قبله، أو عطفه على مضع ما بعد " الفاء " ~~وهو الرفع؛ لأن " الفاء " ترفع ما بدها من الأفعال. # ومن جزم، عطف على موضع " الفاء "، لأنه لو وقع موضع " الفاء " فعل جزم ~~على الجزاء، فالعطف على موضع " الفاء " يوجب الجزم. # ومعنى {ويذرهم}، أي: ندعهم، {في طغيانهم}، أي: في تماديهم PageV04P2659 # على الكفر، {يعمهون}، يترددون ويتحيرون. # قوله: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي}، الآية. # {مرساها}: مبتدأ، و {أيان}: الخبر. # والمعنى على قول قتادة: أن قريشا قالت للنبي (صلى الله عليه السلام)، إن ~~بيننا وبينك قرابة، فأسر إلينا متى الساعة! فنزلت الآية. # وقال ابن عباس: أتى قوم من اليهود إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم) ، ~~فقالوا له: أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا؟ أي: متى قيامها؟ # و {مرساها} من: أرسيت، إذ أثبت. يقال: رست: إذا ثبت. وأرسيتها: PageV04P2660 # أثبتها. # قال الله، ( عز وجل) ، لنبيه (عليه السلام)، {قل} يا محمد: {إنما علمها ~~عند ربي لا يجليها}، أي: [لا] يظهرها ويقيمها لوقتها إلا الله، ( عز وجل) . ~~/ يقال: جلى فلان الأمر، إذا كشفه وأوضحه وأظهره. # {ثقلت في السماوات والأرض}. # أي: ثقل على أهل السموات والأرض أن يعلموا وقت قيامهأ. # قال السدي: المعنى: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها ملك مقرب ~~ولا نبي مرسل. # وقيل المعنى: ثقل علمها عليهم. PageV04P2661 # وقيل: المعنى: كبرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض. # قاله الحسن. # وقال ابن جريج: {ثقلت}، معناه: إذا جاءت انشقت السماء، وانتشرت ms0902 الكواكب، ~~وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال الله، ( عز وجل) . فذلك ثقلها. # وحكى السدي عن بعض العلماء: {ثقلت}: عظمت. # وقيل المعنى: {ثقلت} المسألة عنها. # وقال القتيبي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض، أي: خفي. وإذا خفي ~~الشيء ثقل. PageV04P2662 # {لا تأتيكم إلا بغتة}. # أي: فجأة. # قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله [عليه السلام]، كان يقول: " إن الساعة ~~تهيج الناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ما شيته، والرجل يقيم سلعته في ~~السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه ". # وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " تقوم الساعة ~~والرجلان قد نشرا ثوبهما يبيعانه فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم ~~الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى قوم الساعة ". # ثم قال: {يسألونك كأنك حفي عنها}. # أي: يسألونك عنها {كأنك حفي} بهم، أي: فرح بسؤالهم. PageV04P2663 # وقال ابن عباس: {كأنك} بينك وبينهم مودة، أي: {كأنك} صديق لهم. # قال قتادة: قالوا له: نحن أقرباؤك، فأسر لنا متى (تقوم) الساعة؟ فأنزل ~~الله، تعالى، {يسألونك كأنك حفي عنها}، (أي): بههم. # وقيل: إن الكلام لا تقديم فيه ولا تأخير. والمعنى: يسئلونك {كأنك} ~~استحفيت المسألة فعلمتها. قال مجاهد. # وقال الضحاك: {كأنك} عالم بها. # ف " عن " في موضع " الباء ". كما جاز أن تقع " الباء " في موضع " عن " في PageV04P2664 # قوله: {فسئل به خبيرا} [الفرقان: 59]، أي: عنه. # وقيل المعنى: {كأنك} فرح بسؤالهم. يقال: حفيت بفلان في المسألة، إذا ~~سألته عنه سؤالا أظهرت فيه المحبة. وأحفى فلان بفلان في المسألة، تأويله ~~الكثرة. ويقال: حفى الدابة يحفى حفى مقصور، إذا أكثرت عليه المشي حتى حفى ~~أسفل رجله. والحفاء، ممدود: مشي الرجل بغير نعل. # وقدره المبرد: {كأنك حفي} بالمسألة {عنها}، أي: ملح، ومكثر السؤال عنها. # وقوله {قل إنما علمها عند ربي}. PageV04P2665 # أي: علم وقوعها. # وقوله: {قل إنما علمها عند ربي}،. # أي: علم كنهها وحقيقتها. # ف " العلمان ": مختلفان، وليس ذلك بتكرير. # وقرأ ابن عباس: " حفي بها ". # {إلا هو}، وقف. # {عنها}، وقف، على القولين جميعا. # قوله: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ms0903 ضرا إلا ما شآء الله}، إلى كقوله: {عما ~~يشركون}. # والمعنى: قل يا محمد، لسائليك عن الساعة: {لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~إلا ما شآء الله} أن يملكنيه، بأن يقويني عليه، ويعينني، {ولو كنت أعلم ~~الغيب}، أي: أعلم ما هو كائن {لاستكثرت من الخير}، أي: من العمل الصالح. # وقال ابن جريج: لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا} أي: هدى ولا ضلالة، {ولو PageV04P2666 # كنت أعلم الغيب}، أي: متى أموت، لاستكثرت من العمل الصالح. # وقال مجاهد مثله. # وقال ابن عباس: {ولو كنت أعلم الغيب}، أي: أعلم السنة الجدبة من الخصبة، ~~لاستكثرت من الرخص. # وقيل: {[و] لو كنت أعلم الغيب}، أي: ما كتب الله. # وقيل: لو كنت أعلم ما تسرونه وما يقع بكم حتى تحذروا مكروهه أن تجيبوني ~~إلى ما أدعوكم {لاستكثرت من الخير}، أي: من إجابتكم إلى ما أدعوكم. # {وما مسني السوء}، منكم بتكذيب أو عداوة. # وقال الحسن {من الخير}: من الوحي. PageV04P2667 # وقيل: المعنى: لو كنت أعلم النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب. وقيل: ~~المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يعرفنيه لفعلت. وهو اختيار ~~النحاس. # {وما مسني السوء}، أي: الضر. # وقيل: {وما [مسني]} تكذيبكم وقولكم: مجنون. # ثم قال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة}. # يعني: آدم، [عليه السلام]. # وجعل {وجعل منها زوجها}. # يعني: حواء خلقت من ضلع من (أضلاع) آدم. # {ليسكن إليها}. PageV04P2668 # ليأوي إليها، لقضاء حاجته ولذته. # {فلما تغشاها}. # كناية عن الجماع. # {حملت حملا خفيفا}. # يعني: الماء الذي حملته حواء من آدم، عليهما السلام. # {فمرت به}. # أي: استمرت به، قامت وقعدت، وأتممت الحمل. # وقيل: المعنى: {فمرت به}، وجاءت لم ثقلها الحمل أولا. # قال قتادة: {فمرت به}، إستبان حملها. PageV04P2669 # وقال مجاهد: [استمر] حملها. # وقيل معنى " فمرت به ": فشكت، أحملت أم لا؟ روي ذلك عن ابن عباس، وقاله: ~~يحيى بن يعمر. # وروي: أن البطن الذي ثقل عليها حمله، كان البطن التاسع، وكانت البطون ~~التي قبله خفيفة عليها، فلما أثقلت بهذا البطن التاسع، مر بها إبليس فشكت ~~إليه ثقل ms0904 حملها، فقال لها، عدو الله، سميه: " عبد الحارث " يخف عليك ففعلت. # قال أبو حاتم المعنى: فاستمر بها الحمل، فقلب الكلام. يقال: أدخلت PageV04P2670 # الخف رجلي. # {فلمآ أثقلت}. أي: صار حملها الخفيف ثقيلا. وقال السدي {أثقلت}: كبر ~~الولد. # {دعوا الله ربهما}: يعني آدم وحواء. # {لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين}. PageV04P2671 # أي: غلاما. قاله الحسن، ومعمر. # وقيل: إنهما أشفقا أن يكون الحمل غير إنسان، فسألا أن يكون إنسانا. # قال ابن عباس: إنهما أشفقا أن يكون بهيمة. # {فلمآ آتاهما صالحا}. أي: بشرا. PageV04P2672 # {جعلا له شركآء فيمآ آتاهما}. # قال ابن جبير: جاءها إبليس فخوفها أن يكون حملها بهيمة. وقال: اطيعيني ~~وسميه: " عبد الحارث " تلدين شبهكما، فذكرت ذلك لآدم، فقال: هو صاحبنا الذي ~~علمت: فمات الولد، ثم حملت آخرى، فعاد إليها إبليس بمثل ذلك، وكن الملعون ~~اسمه في الملائكة: " الحارث ". وقال لها: أنا قتلت الأول، فكرت ذلك لآدم ~~(عليه السلام)، فأبى. ثم حملت ثالثا، وعاد إليها إبليس بمثل الأول، فذكر ~~ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمه: " عبد الحارث ". # قال ابن جبير: لم يكن إلا أن أصابها آدم فحملت، فليس إلا أن حملت تحرك في ~~بطنها ولدها. وذلك كله بعد أن أهبطا إلى الأرض. # وقول آدم: هو صاحبنا، يعني: هو الذي أخرجنا من الجنة. # قال السدي: لما حملت أتاها إبليس فخوفها أن يكون بهيمة، فعند ذلك # {دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين}. PageV04P2673 # ومن قرأ {شركآء}، فقد منعه الأخفش، وقال: كان يجب أن يقرأ على هذه ~~القراءة: جعلا لغيره شركا، وهو إبليس؛ لأن الأصل له، والشرك لغيره، فإنما ~~جعلا لغيره الشرك. # والقراءة عند غيره جائزة، ومعناها: جعلا له ذا شرك، ثم حذف، مثل: {وسئل ~~القرية} [يوسف: 82]، فالشرك على هذه لإبليس، وهو المضاف المحذوف. # و" الشرك " مصدر: شركته في الأمر. # ومن قرأ {شركآء}: جعله جمع شريك. وإنما جاءت بالجمع وهو واحد، PageV04P2674 # إذ المراد به: إبليس ومعه تباع؛ لأن له جنودا وشياطين معه، فإذا جعل هو ~~شريك، فحكمهم حكمه، فخرج الخبر عن جميعهم. # /وقيل: إنما ذلك؛ لأن ms0905 العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، ~~إذا لم تقصد واحدا بعينه، ولم تسمه، نحو قوله: {الذين قال لهم الناس} [آل ~~عمران: 173]، وإنما هو واحد. # روى سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " كانت حواء لا ~~يعيش لها PageV04P2675 # ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسميه: " عبد الحارث " فعاش لها ولد، فسمته ~~" عبد الحارث "، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان ". # وقال بكر بن عبد الله: سمى آدم ولده عبد الشيطان. # قال عكرمة: كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان وقال لهما: إن سركما ~~أن يعيش لكما ولد فسمياه: " عبد الحارث ". ففعلا، فذلك قوله: {جعلا له ~~شركآء}. # قال ابن جبير: لما أثقلت حواء في أول ولد ولدته، أتاها إبليس قبل أن تلد ~~فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: من أين يخرج؟ من ~~أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري قال: أرأيت إن خرج سليما، ~~أتطيعني أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم! قال: سميه " عبد الحارث "، فأتت آدم ~~فأعلمته، فقال له: ذلك الشيطان فاحذريه، فإنه عدنا الذي أخرجنا من الجنة! ~~ثم PageV04P2676 # أتاها إبليس ثانية فأعاد عليها، فقالت: نعم فلما وضعته سمته: " عبد ~~الحارث ". # قال السدي: لما ولدت غلاما أتاها إبليس فقال: سميه عبدي وإلا قتلته! قال ~~له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه، فسماه " عبد الرحمن " ~~فسلط عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر فعاد بمثل ذلك، فلم يفعل (ذلك) آدم، ~~وسماه: " صالحا " فسلط الله عليه إبليس فقتله. فلما كان الثالثة قال لهما: ~~فإذ غلبتموني فسموه: " عبد الحارث " وكان سامه في الملائكة " الحارث "، ~~فسماه " عبد الحارث ". # وروي عن الحسن أنه قال: هذا كان في بعض الملل ولم يكن بآدم. يعني: " ~~الشرك "، إنما كان في بعض الأمم. # وقيل المعنى: جعل أولادهما لله شركاء، يعني: اليهود والنصارى. # وروى قتادة عن الحسن: أنه قال: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله الأولاد PageV04P2677 # فهودوا ونصروا. # وروى عن عكرمة أنه قال: لم يخص بهذا ms0906 آدم وحواء؛ وإنما المراد بذلك الجنس. # كأنه قال: خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، {وجعل منها زوجها}، أي: من ~~جنسها، {فلما تغشاها}، يعني: الجنس لا يخص به واحد دون آخر، {دعوا الله ~~ربهما}، يراد به الجنسان الكافران. ثم يحمل قوله: {عما يشركون}، على الجمع؛ ~~لأنهما جنسان. PageV04P2678 # (قوله): {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون}، إلى قوله: {إن كنتم ~~صادقين}. # وقيل: إن قوله: {فيمآ آتاهما}، هو تمام الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ~~ابتدأ إخبارا عن المشركين من بني آدم، فقال: {فتعالى الله عما يشركون}، ~~الآية. # قال محمد بن عرفة نفطويه: لم يشركا بربهما، إنما أطاعا إبليس في بعضما ~~أمرا بتركه، أطاعاه طاعة مغتر مكاد، لا طاعة ملحد مصر. قال: فأما قول: ~~{فتعالى الله عما يشركون}، فإنما أريد به: من عبد غير الله من اولاد آدم ~~وحواء، دليله (قوله): {أيشركون ما لا يخلق شيئا}، إلى قوله: {صامتون}، فلم ~~يعبد آدم وحواء أصناما PageV04P2679 # فيكون هذا خطابا لهما، إنما عبد ذلك أولادهما. # فالمعنى: أيشركون في عبادة الله، فيعدبون {ما لا يخلق شيئا}، يعني ~~تسميتهما ولدهما: " عبد الحارث ". # روي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " خدعهما (إبليس) مرتين، في ~~الجنة وفي الأرض ". # وقال ابن زيد: لما ولد لهما ولد سمياه: " عبد الحارث " فمات، ثم ولد لهما ~~أخرى فسمياه: " عبد الله " فأتاهما إبليس فقال: أتظنان أن الله تارك عبده ~~عندكما؟ لا والله، ليذبهن به كما ذهب/ بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى ~~لكما ما بقيتما، فسمياه: " عبد شمس " فذلك قوله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق ~~شيئا}، يعني: الشمس. # وإنما أخرج الخبر بلفظ الجميع لأنهم كانوا يعظمون ما يعبدون ويخبرون عنها ~~مث الإخبار عمن يعقل، فخوطبوا بما كانوا يعقلون. PageV04P2680 # وقيل: إنما هذا خطاب للمشركين عبدة الأوثان. # ثم قال: {ولا يستطيعون لهم نصرا ولآ أنفسهم ينصرون}. # أي: ما يعبد هؤلاء، لا ينصرون من يعبدهم، ولا ينصرون أنفسهم. # ثم قال تعالى: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم}. # والمعنى: إنكم إن دعوتم آلهتكم إلى رشاد لم تفهم، ms0907 فكيف يعبد من إذا دعي ~~إلى الرشاد وعرفه لم يعرفه، ولم يفهم رشادا من ضلال، وكان دعؤه وتركه سواء، ~~فكيف يعبد من هذه صفته، وكيف يشكل عظيم جهل من اتخذ ما هذه صفته إلاها؟ # {سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون}. PageV04P2681 # أي صمتم. كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر وقع ~~للداعين والاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال الداعي في ~~الصما والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال المدعويين في الدعاء ~~والصمات سواء، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها وتركه، إذ لا تعقل، ولا ~~تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء والصمات، استوى على الداعي ~~ذلك أيضا، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز لذلك، فصار الدعاء والصمت للداعي في ~~الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله: # {كمثل الذي ينعق بما لا يسمع} [البقرة: 171]. وقد مضى بيانه. # ثم قال: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم}. # يعني: المعبودين. # قرأ ابن جبير: " إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم "، بتخفيف ~~{إن}، بجعلها بمعنى: " ما "، وبنصب " العباد " و " الأمثال " على النفي، PageV04P2682 # أي: ليست هي مثلكم؛ وإنما هي خشب وحجارة. # والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) " إن " إذا كانت بمعنى " ما "؛ لأن " ~~ما " عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف. # وزعم الكسائي: إن العرب لا تأتي ب " إن " بمعنى " ما " في الكلام، إلا أن ~~يكون بعدهأ إيجاب، كقوله: {إن الكافرون إلا في غرور} [الملك: 20]. # قوله: {ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون ~~بهآ}، الآية. # كل هذا خطاب للمشركين من عبدة الأوثان و (هو) توبيخ لهم وتقريع على ~~عبادتهم من لا رجل له ولا يد ولا عين، ولا يفهم، ولا يضر ولا ينفع. # فالمعنى: {ألهم أرجل يمشون بهآ}، فيسعون معكم في حوائجكم، {أم PageV04P2683 # لهم أيد يبطشون بهآ}، فيدفعون عنكم الضر وتنتصرون بها عند قصد من يقصدكم ~~بسوء، {أم لهم أعين يبصرون بهآ}، فيعرفونكم ما عاينوا مما تغيبون عنه، {أم ~~لهم آذان ms0908 يسمعون بها}، فيخبرونكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه. فإن كانت ~~هذه آلهتكم المعظمة عندكم، فما وجه عبادتكم لها، وهي خالية من هذه المنافع ~~كلها؟. # ثم قال الله تعالى، لنبيه عليه السلام: {قل} لهم: {ادعوا شركآءكم ثم ~~كيدون فلا تنظرون}، أي: ادعوهم لمعونتكم علي، {ثم كيدون} أنتم وهم، " فلا ~~تنظرون "، أي: لا تؤخرون بالكيد، ولكن عجلوا كل هذا. ينبئهم أن آلهتهم لا ~~تضر ولا تنفع. # قوله: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب}، إلى قوله: {عن الجاهلين}. # قرأ الجحدري: " إن ولي الله "، بياء مفتوحة شديدة، وخفض الاسم. يعني PageV04P2684 # به جبريل، عليه السلام. # ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، {إن وليي ~~الله}، أي: (إن) نصيري عليكم، {الله الذي نزل الكتاب} علي بالحق، {وهو ~~يتولى الصالحين}، أي: ينصرهم على من عاداهم فيه. # ثم قال: {والذين تدعون من دونه/ لا يستطيعون نصركم}. # [أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون ~~الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فأي ~~هذين أولى بالعبادة؟ من نصر نفسه، ونصر من عبده، أو من لا يستطيع نصر لنفسه ~~ولا نصر من عبده؟ # ثم قال تعالى: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا}. # أي: وإن تدعوا، أيها المشركون، آلهتكم {إلى الهدى لا يسمعوا} دعاءكم. # {وتراهم ينظرون إليك}، يعني: آلهتكم، {وهم لا يبصرون}، يعني: الآلهة. PageV04P2685 # {وتراهم} في هذا بمعنى: الظن والحسبان، لا من النظر. وقد تأوله بمعنى: " ~~النظر " المعتزلة، وغلطوا فيه. # وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى، # {ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ما تدعوهم إليه. # وقيل معنى: {ينظرون إليك} هنا: يواجهونك ولا يرونكز # وحكى الكسائي: " الحائط ينظر إليك ". أي: يواجهك، إذا كان قريبا منك. # وحكى: " داري تنظر إلى دار فلان "، أي تواجه وتحاذي وتقابل. PageV04P2686 # ودل قوله {وتراهم} على أن المراد المشركون، إذ لو كان للآلهة لقال: " ~~وتراها ". # وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مثلوها؛ ولأنهم ~~يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فخطبوا كذلك. فمن ms0909 جعله للمشركين، كان ~~" ترى " على بابه، من رؤية العين. # ثم قال تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}. # قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية بيان قول النبي، صلى الله عليه وسلم: ~~" أوتيت جوامع الكلام ". # فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خلق حسن؛ لأن في ~~" أخذ العفو ": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين. # وفي " الأمر بالمعروف ": تقوى الله ( عز وجل) ، وطاعته، (جلت عظمته)، ~~وصلة الرجم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحرمات. PageV04P2687 # وسمي ذلك ونحوه " عرفا "؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه. # وفي الإعراض عن الجاهلين ": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة ~~السفيه، ومنازعة اللجوج، وغير ذلك من الأفعال المرضية. # وقال أهل التفسير في قوله {خذ العفو}، أي: خذ فضل أموالهم، وهو حق في ~~المال نسخته الزكاة. # وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما. # وقيل: هو الزكاة. وهو قول مجاهد. # وقيل: هو أمر بالاحتمال وترك الغلظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر ~~بالقتال. وهو قول ابن زيد. PageV04P2688 # وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة. # وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه {خذ العفو}، ~~أي: من أخلاق الناس، أي: السهل منها. PageV04P2689 # {وأمر بالعرف}. # قال عروة، والسدي: " العرف ": المعروف. # وفي الحديث معنى الآية: " أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ~~". # قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم) ، فقال: يا محمد، جئتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ~~{خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، ~~وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. # وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: " إن جبريل، عليه السلام، (لما) نزل ~~بهذه الآية PageV04P2690 # على النبي عليه السلام، قال له النبي (عليه السلام)،: ما هذا يا جبريل؟ ~~قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العالم، ذهب فمكث شيئا ثم رجع فقال: إن الله ( ~~عز وجل) ، يأمرك أن تعفو/ عمن ظلمك، وتعطي ms0910 من حرمك، وتصل من قطعك ". # وقوله: {وأعرض عن الجاهلين}. # قال ابن زيد: هذا منسوخ بالقتل. # وقيل: هي محكمة، إنما أمر بالاحتمال واللين. وذكر سفيان بن عيينة أن PageV04P2691 # جبريل، (عليه السلام)، فسر هذا للنبي ( صلى الله عليه وسلم) ، فقال: يا ~~محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. # قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، ( عز وجل) ، نبيه، (عليه السلام) (بها) ~~ودله عليها. # وروي: أن جبريل عليه السلام، نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا ~~محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين}، وذلك يا محمد، أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من ~~حرمك، وتحلم عمن هو دونك. # وروي أن " العرف "، قول: لا إله إلا الله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أن يأمر الناس بقولها. PageV04P2692 # قوله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ}، إلى قوله: {يقصرون}. # والمعنى: وإما يغضبنك من الشيطان، غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهلين، ~~ويحملك على مجازاتهم {فاستعذ بالله}، أي: استجر به، {إنه سميع عليم} لجل ~~الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغ الشيطان، ولغير ذلك من أمورك، {عليم}، ~~بما يذهب عند نزغ الشيطان، وبغير ذلك. # وقال أبو عبيدة المعنى: وإما يستخفنك منه خفة. # وقيل " نزغه ". وسوسته. # وقيل: " نزغه ": فساده. PageV04P2693 # ثم قال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف}. # و" الطائف " و " الطيف " عند جماعة من البصريين، سواء، وهو ما كان ~~كالخيال، والشيء يلم بك. # وقيل: إن " طيفا " مخفف من: " طيف "، مثل: " ميت وميت. # وقال بعض الكوفيين: " الطائف ": ما طاف به من وسوسة الشيطان. و " الطيف ~~": من اللمم والمس. # وقال الكسائي: " الطيف: " اللهو، و " الطائف ": كل ما طاف حول الإنسان. # وقرأ ابن جبير: " طيف " مشدودا. # و" الطيف " عند أهل العربية: مصدر طاف. PageV04P2694 # وقال الكسائي: هو مخفف من " طيف ". # وقال الكسائي: " طاف " من: الواو. # وقال الأحمر سمعت: طفت أطيف ". # وحكى البصريون: " طاف بطيف " و " طفت أطيف ". # قال ابن جبير ومجاهد: " الطيف ": الغضب. # وقال ابن عباس " طائف ms0911 ": لمة من الشيطان. PageV04P2695 # وقال السدي: {تذكروا} أي: تذكروا عقاب الله، ( عز وجل) ، فتابوا، أي: ~~تابوا إذا زلوا. # قال ابن عباس: {فإذا هم مبصرون}، أي: منتهون عن المعصية. # ثم قال تعالى: {وإخوانهم يمدونهم في الغي}. # أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي. # {ثم لا يقصرون}. # أي: لا يقصرون عما أقصر عنه الذين اتقوا {إذا مسهم طائف من الشيطان}. # وهذا خبر من الله، ( عز وجل) عن حال المؤمنين وحال الكفار، أن المؤمن إذا PageV04P2696 # أصاب الذنب تذكر العقوبة فتاب ورجع وأبصر رشده، والكافر يمد له إخوانه من ~~الشياطين في الغي، ثم لا يقصر عن غيه، ولا يرجع كما فعل المؤمن. # و" المد ": الزيادة، ف " الهاء " و " الميم " في: {وإخوانهم} تعود على ~~الشياطين. ودل " الشيطان " في قوله {طائف من الشيطان}، على الشياطين. و " ~~الإخوان " كناية عن الكفار. # والضمير المرفوع في: " يمدون " يعود على " الشياطين ". # و" الهاء " و " الميم " في {يمدونهم} تعود على " الكفار "، وهم الإخوان. # وقيل المعنى: ثم لا يقصر الشياطين في مدهم في الغي للكفار. قاله: قتادة. # وقال: {لا يقصرون} عنهم ولا يرحمونهم. / فالضمير في {يقصرون} للشياطين. ~~وعلى القول الأول للمشركين، وهو الأكثر. # و" الغي ": الجهل والوقوع في الهلكة. PageV04P2697 # وهذا الكلام عند أبي إسحاق مقدم متصل في النبية بقوله: {ولا أنفسهم ~~ينصرون} [الأعراف: 197]. # ثم قال: {وإخوانهم}، أي: وإخوانهم يعني: الشياطين، {يمدونهم}، يعنى: ~~الكفار. # يقال: " قصر " عن الشيء و " أقصر ". # وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيد قرأءه نافع، ب: " ضم الياء " في: {يمدونهم} ~~وهي مشهورة. PageV04P2698 # حكى المبرد: " مددت له في كذا ": " زينته له، واستدعيته أن يفعله، و " ~~أمددته في كذا " أي: أعنته برأيي وغير ذلك. # وحكى غير المبرد: " مده " و " أمده " بمعنى. # وقيل {في الغي}: متعلق ب " الإخوان "، التقدير: " وإخوانهم في الغي ~~يمدونهم، والأول أحسن، كما قال: {ويمدهم في طغيانهم} [البقرة: 15]. PageV04P2699 # قوله: {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها}، إلى قوله: {ترحمون}. # المعنى: إنهم يقولون للنبي (عليه السلام)، إذا سألوه في آية فلم يأت بها: ~~هلا افتلعتها من عند نفسك، فهذا قول كفار قريش ms0912 للنبي، صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس: هلا أجتبيتها: تقبلتها من ربك. # {قل}، يا محمد، {إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصآئر من ربكم}. # أي: هذ الذي دللتكم عليه {بصآئر}، أي: ليستبصر به، وهذا إشارة إلى القرآن ~~والوحي، فلذلك وحد. # و {بصآئر}: حجج وبيان لكم من ربكم. # {وهدى}، أي: بيان، {ورحمة} رحم الله بها عباده المؤمنين. # ثم قال تعالى: {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له}. PageV04P2700 # هذا أمر للمؤمنين أن يستمعوا القرآن ويتعظوا به، ويتدبروه، وينصتوا ~~للقراءة ليرحمهم الله. # قال المسيب بن رافع عن ابن مسعود: ذلك في الصلاة، وكان بعضنا يسلم على ~~بعض في الصلاة، فجاء القرآن: {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}. # وقاله أبو هريرة. # وقال الزهري: نزلت في الأنصار، كانوا يقرأون مع النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، كلما قرأ، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالإنصات. # وكذلك قال النخعي، وابن شهاب، والحسن: إنه أمر في الصلاة. وهو قول: مجاهد ~~وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، والشعبي وعطاء وغيرهم. # والخطبة من الصلاة: فالإنصات لها واجب. PageV04P2701 # قوله: {واذكر ربك في نفسك}، إلى آخرها. # قوله: {تضرعا وخيفة}: مصدران. {والآصال}: جمع " أصل "، ك: " طنب " وأطناب ~~". وقال الفراء: هو جمع " أصيل "، ك: " يمين " و " أيمان ". # وقيل: [الأصل] جمع " أصيل ". # {والآصال}: جمع " الأصل "، وقد تجعل العرب " الأصل " واحدا، فيقولون: " ~~قد PageV04P2702 # دنا الأصل ". # ومعنى {واذكر ربك}: الدعاء، وهو أمر للمستمع للقرآن بأن يذكر الله في ~~نفسه بالدعاء، ويعتبر بما يسمع ويتعظ. # {تضرعا}، أي: تخشعا وتواضعا. # {وخيفة}، أي: وخوفا من الله. # {ودون الجهر}، أي: واذكره دون الجهر ذكرا خفيا باللسان. قال ذلك ابن زيد ~~وغيره. # قال الحسن: كانوا يتكملون في الصلاة حتى نزلت: {واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة}. أي: مخافة منه. PageV04P2703 # {ودون الجهر من القول (بالغدو) والآصال}. # ما بين المغرب إلى العصر. # وقيل: هي العشي. # {ولا تكن من الغافلين}. # أي: من اللاهني. # قال مجاهد: {بالغدو}: آخر الفجر، صلاة الصبح، {والآصال}: آخر العشي، صلاة ~~العصر. # وهذا إنما كما إذا كانت الفريضة ركعتين " غدوة "، وركعتين/ " عشية "، قبل ~~أن تفرض ms0913 الصلوات الخمس. # قال تعالى: {إن الذين عند ربك}. PageV04P2704 # يعني: الملائكة. # {لا يستكبرون عن عبادته}. أي: لا يستكبرون عن التواضع له والتخشع. # {ويسبحونه}. أي: يعظمونه وينزهونه عن السوء. # {وله يسجدون}. أي: يصلون. PageV04P2705 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأنفال مدنية # قوله: {يسألونك عن الأنفال} إلى قوله: {مؤمنين}. # قال أبو حاتم: الوقف على {ذات} ب: " الهاء "، وكل العلماء قال: ب: " ~~التاء "؛ لأنها مضافة، ولا يحسن الوقف عليها البتة إلا عن ضرورة. # وقرأ سعد بن أبي وقاص: " يسئلونك الأنفال "، بغير {عن}. PageV04P2707 # والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن ~~هي؟ فقيل للنبي، صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: هي لله والرسول. # و {الأنفال}: الغنائم. بذلك قال عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، وابن ~~زيد، وعطاء. # فأكثر العلماء الذين جعلوها: الغنائم، على أنها منسوخة بقوله: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41]، الآية. PageV04P2708 # وقيل: {الأنفال} هي زيادات تزيدها الأئمة لمن شاء، إذا كان في ذلك صلاح ~~للمسلمين، فهي محكمة. وروي ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس. # وقيل: {الأنفال}: ما شذ من العدو، من عبد أو دابة، للإمام أن ينفل ذلك من ~~شاء إذا كان ذلك صلاحا. قاله الحسن. # {الأنفال}: جمع " نفل "، و " النفل ": الغنيمة، سميت بذلك، لأنها تفضل من ~~الله، عز وجل، على هذه الأمة، لم تحل لأحد قبلها. PageV04P2709 # وقوله: {قل الأنفال لله والرسول}، يدل على أنهم سألوا لمن هي. # وقوله: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}، يدل على أن سؤالهم كان بعد ~~تنازع فيها. # وقيل: {الأنفال}: السرايا. قاله علي بن صالح. # وقال مجاهد {الأنفال}: الخمس. # وهذه الآية نزلت في غنائم بدر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، زاد ~~قوما لبلاء أبلوا، فاختلفوا فيها، بعد تقضي الحرب، فنزلت الآية تعلمهم أن ~~ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ماض جائز. # وروى ابن عباس (رضي الله عنهما)، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " ~~من أتى مكان كذا، وفعل كذا، فله كذا "، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ، فلما ~~فتح الله ms0914 عليهم، طلب الشبان ما PageV04P2710 # جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأشياخ: لا يذهبوا بذلك دوننا! ~~فأنزل الله، عز وجل: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} الآية. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل شيئا من الغنائم قبل أن تقسم ~~فامتنع من ذلك فنزلت: {قل الأنفال لله والرسول}، فرخص الله، عز وجل، له أن ~~يعطي من أراد. # و [قيل]: إنهم سألوه الغنيمة يوم بدر، فأعلموا أن ذلك لله والرسول. # و {عن} في موضع: " من ". # وقرأ ابن مسعود على هذا التأويل: " يسئلونك الانفال ". PageV04P2711 # وذكر ابن وهب: " أنها نزلت في رجلين أصابا سيفا من النفل، فاختصما فيه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هو لي ~~وليس لكما "، فنزل: {قل الأنفال لله والرسول}، وأمر الرجلين أن يصلحا ذات ~~بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله في ما أمرهما به النبي صلى الله عليه وسلم " # ، / من دفع السيف إليه، ثم نسخ ذلك بقوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} ~~الآية. # وروي أن الرجلين اللذين اختصما في السيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم،: ~~سعد بن مالك بن وهيب الزهري، ورجل من الأنصار، فأمرا في الآية أن يسلماه ~~إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأن يصلحا ذات بينهما، وأن يعطيا الله ~~ورسوله فيما يأمرانهما من تسليم السيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ~~ذلك. # وقيل: إن أهل القوة يوم بدر غنموا أكثر مم اغنم أهل الضعف، فذكروا ذلك ~~لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}. PageV04P2712 # وقيل: إنهم اختلفوا في الغنائم، فنزلت: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}. # " والبين " هنا: " الوصل ". # أمروا بصلاح وصلهم، وألا يتقاطعوا في الاختلاف على الغنائم، كأنه قال: ~~كونوا مجتمعي القلوب. # وأنثت {ذات}؛ لأنه يراد بها الحال التي هم عليها. # وذكر إسماعيل القاضي: أنهم اختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة اتبعت العدو: ~~نحن أولى بالغنائم، وقالت فرقة حفت بالنبي صلى الله عليه وسلم، نحن أولى، ~~وقالت فرقة أحاطت بالغنائم، نحن أولى، فأنزل الله، ms0915 تعالى، الآيات في ذلك. # قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}، الآية. PageV04P2713 # فهذه الصفة صفة الكمال والتمام في الإيمان. # والمعنى: ليس المؤمن من الذي يخالف الله ورسوله، ويترك أمرهما، وإنما ~~المؤمن الذي إذا سمع ذكر الله، عز وجل، وجل قلبه، وخضع، وانقاد لأمره، ~~تبارك وتعالى، وإذا قرئت عليه آيات كتاب الله، سبحانه، صدق بها وأيقن أنها ~~من عند الله، جلت عظمته، فازداد إيمانا إلى إيمانه. # قال ابن عباس: المنافق لا يدخل قلبه شيء من ذلك، ولا يؤمن بشيء من كتاب ~~الله، أي: من آيات الله سبحانه، ولا يتوكل على الله، عز وجل، ولا يصلي إ ذا ~~غاب عن عيون الناس، ولا يؤتي الزكاة فليس هذا بمؤمن، وإنما المؤمن من الذي ~~وصفه الله عز وجل، بالخشية وازدياد الإيمان عند سماع آيات الله، عز وجل، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. # قال مجاهد {وجلت}: فرقت. # وقال السدي: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيذكر الله، عز وجل، ~~فينزع عنها خوفا من الله، سبحانه. PageV04P2714 # {الذين يقيمون الصلاة}، أي يقيمونها في أوقاتها، وقيل: يقيمونها بحدودها. # {أولائك هم المؤمنون حقا} الآية، المعنى: أولئك الذين هذه صفتهم هم ~~المؤمنون حقا. # قال ابن عباس: {المؤمنون حقا}، أي: برئوا من الكفر. ### || وهذا باب تذكر فيه حقيقة الإيمان وتفسيره، وما روي فيه، إن شاء الله، عز وجل. # وحقيقة الإيمان عند أهل السنة: أنه المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، ~~والعمل بالجوارح، وكذلك رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقالت المرجئة الإيمان: قول ومعرفة بالقلب بلا عمل. PageV04P2715 # وقال الجهمية الإيمان: المعرفة بلا قول ولا عمل. # وأهل السنة والطريقة القويمة على أنه: المعرفة والقول والعمل، كما رواه ~~علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مأخوذ من إجماع الأمة. # قد أجمع المسلمون على أنه من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم ~~أخبر أن قلبه غير مصدق بشيء من ذلك، أنه كافر، فدل على أن الاعتقاد لا بد ~~منه. # ثم أجمعوا على أن الكافل ms0916 إذا قال: قد اعتقدت/ في قلبي الإيمان ولم يقله ~~ويسمع منه، [أن حكمه الكافر] حتى يقوله ويسمع منه، فإن دمه لو قتل لا تلزم ~~منه دية، فدل على أن القول مع الاعتقاد لا بد منه. # ثم أجمعوا على أن شهد الشهادتين، وقال: اعتقادي مثل قولي، ولكني لا أصوم ~~ولا أصلي ولا أعمل شيئا من الفروض أنه يستتاب، فإن تاب وعمل وإلا قتل كما ~~يقتل PageV04P2716 # الكافر، فدل على وجوب العمل. # فصح من هذا الإجماع، أن الإيمان هو الاعتقاد والقول والعمل، وتمامه: ~~موافقة السنة، وقد قال الله تعالى: {ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله}، ثم قال: ~~{ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5]، أي: دين ~~الملة القيمة. ومن لم يقل: إن الله تعالى، أراد الإقرار والعمل من العباد ~~فهو كافر. فإن قيل: لو أن رجلا أسلم فأقر بجميع ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، أيكون مؤمنا بهذا الإقرار أم لا؟ قيل: له لا يطلق عليه اسم مؤمن ~~إلا ونيته أنه لم يطلق عليه اسم مؤمن، ولو أنه أقر في الوقت وقال: لا أعمل ~~إذا جاء وقت العمل، لم يطلق عليه اسم مؤمن. # والأعمال لا يقبل منها إلا ما أريد به وجه الله، (سبحانه)، فأما من أراد ~~بعمله محمدة الناس ورايا به فليس مما يقبله الله، عز وجل، وصاحبه في مشيئة ~~الله سبحانه. # روى أبو هريرة أن النبي ي صلى الله عليه وسلم قال: " أول ما يقضى فيه يوم ~~القيامة ثلاثة: رجل PageV04P2717 # استشهد فأمر به، فعرفه نعمه فعرفها؛ قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك ~~حتى استشهدت، قال: كذبت ولكن قاتلت ليقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب ~~على وحهه حتى ألقي في النار. ورحل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، ~~فعرفه نعمه، فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: تعملت فيك العلم وعلمته، ~~وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، فقد قيل، ~~وقرأت القرآن ليقال: إنك قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ms0917 حتى ألقي ~~في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه أنواع المال كله، فعرفه نعمه فعرفها، ~~قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت في سبيل الله شيئا تحب أن ينفق فيها إلا ~~أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد، فقد قيل، ثم أمر به ~~فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ". # وروى أبو هريرة أيضا، أن النبي صلى الله عليه وسلم، ق ل: " قال الله جل ~~ذكره من قائل،: أنا خير الشركاء، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فهو للذي ~~أشركه، وأنا بريء منه ". PageV04P2718 # وفي خبر آخر: " أنا أغنى الشركاء ". # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " أشد الناس يوم القيامة ~~عذابا، من يرى الناس أن فيه خيرا ولا خير فيه ". # وعنه، صلى الله عليه وسلم،: " من راءا بأمر يريد به سمعة فإنه في مقت من ~~الله عز وجل، حتى يجلس ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تخادعوا الله فإنه من خادع الله ~~بخدعة فنفسه يخدع لو يشعر ". قالوا: يا رسول الله، وكيف يخادع الله، قال: " ~~تعمل ما أمرك به تطلب غيره، فاتقوا الرياء، فإنه الشرك، فإن المرائي يدعى ~~يوم القيامة على/ رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء، ينسب إليها: يا كافر، يا ~~خاسر، يا فاجر، يا غادر، ضل أجرك، وبطل عملك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس ~~أجرك ممن كنت تعمل له يا خادع ". # وعنه، صلى الله عليه وسلم: " إن أدنى الرياء شرك ". PageV04P2719 # فيجب على المؤمين الراجي ثواب الله عز وجل، الخائف من عقابه، سبحانه، أن ~~يخلص العمل لله سبحانه، ويريد به وجهه، تبارك وتعالى. وألا يتباهى بعمله ~~عند أحد فيشركه في علمه. # فإن عمل عامل عملا مخلصا لله صلى الله عليه وسلم، في السر، فسر به، وأعجب ~~به إذ وفقه الله عز وجل، لذلك فهو حسن، وليس ذلك برياء، وهو ممدوح إن سلم ~~من الإعجاب بنفسه؛ فإن الإعجاب ضرب من التكبر، والتكبر يحبط الأعمال. # فإن ظهر عمله الذي أسره للناس من غير أن يشهره هو على ms0918 طريق الافتخار به، ~~فأثنوا عليه بفعله فسره ذلك فليس برياء، بل له أجر على ذلك؛ لأن الأصل كان ~~لله عز وجل، والناس يتأسون به في فعله. # وقد روى أبو هريرة: # " أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، دخل علي رجل ~~وأنا أصل فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " فلك أجران: أجر السر، وأجر العلانية ". # وروى حبيب بن ثابت عن أبي صالح قال: " أتى النبي صلى الله عليه وسلم، [ ~~رجل]، فسأله PageV04P2720 # عن رجل يعمل العمل من الخير يسره، فإذا ظهر أعجبه ذلك، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " له أجران: أجر السر وأجر العلانية ". # وروى حبيب: " أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول ~~الله، إنا نعمل أعمالا في السر، فنسمع الناس يذكرونها فيعجبنا أن تذكر ~~بخير، فقال: " لكم أجر السر وأجر العلانية ". # وقد روىأنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم، وجد ذات ليلة شيئا، فلما أصبح ~~قيل: يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبين، فقال: " أما إني على ما ترون ~~بحمد الله، قد قرأت البارحة السبع الطول ". # وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، استدعاء بأن يعمل الناس على مثل ~~عمله، ويرغبوا في الخير، ويجتهدوا، ولو وقع مثل هذا لمن صح قصده ونيته، ~~وأراد به مثل ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد المحمدة ~~والافتخار، لكان حسنا، وصاحبه مأجور؛ لأنه يفعله ليقتدى به، ويعمل مثل ~~عمله، وهذا طريق من الدعاء إلى الخير، إذا صحت النية، فهو طريق شريف غير ~~مستنكر. PageV04P2721 # فحق العامل المجتهد أن يجهد نسه في تكذيب وساوس الشيطان، ولا يلتفت ما ~~يوسوس إليه، وليقبل على عمله بنية خالصة لله، ويجهد نفسه في طاعة الله، عز ~~وجل، والعمل لله، سبحانه، فلا شيء أبغض إلى الشيطان من طاعة العبد لربه، ( ~~عز وجل) ، ولا شيء أسر إليه من عصيان العبد لربه، سبحانه، نعوذ بالله منه. # فحسب أهل الخير أن لا تأتي ms0919 عليهم حال إلا وهم للشيطان مرغمون، ولطمعه في ~~أنفسهم حاسمون. فإن عجزوا عن ذلك في كل الأوقات فيلفعوه في حال اشتغالهم ~~بأعمال الطاعة حتى تخلص أعمالهم لله عز وجل، وتسلم من الشيطان من أولها إلى ~~آخرها فإن عجزوا عن ذلك فلا يعجزوا عن أن يكون ذلك منهم في أول أعمالهم، ~~وفي آخرها، فإن عجزوا عن/ ذلك، فلا بد من إخلاصها في أولها ليكون الابتداء ~~بالنية لله عز وجل، والإخلاص له، سبحانه؛ فإنه إذا كان [ذلك] كذلك، ثم عرض ~~في أضعاف العمل عوارض الشيطان وساوسه، رجي له ألا يضره ذلك، فإن عجز عن ذلك ~~وغلبه الشيطان حتى ابتدأ بغير إخلاص. ثم حدث له في بعض العمل إخلاص وإنابة ~~عما فعل رجي له، لقوله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف: 30]. PageV04P2722 # فإن ابتدأ بغير إخلاص وتمادى حتى فرع عن ذلك، كان ثمرة عمله سخط ربه. # والله عز وجل، حسن العفو كريم. روينا في بعض الأخبار عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أن الرجل إذا ابتدأ العمل بنية لله، عز وجل، ثم عرض له ~~الشيطان في آخر عمله فغير نيته، أن الله سبحانه، يعفو له عما عرض له، ويكتب ~~له عمله على ما ابتدأه به، وأن الرجل ليبتدئ بالعمل بغير نية، فتحدث له نية ~~لله عز وجل، في آخره أن الله، يعفو له عن أوله، ويكتب له عمله على ما حدث ~~له في آخره " هذا معنى الحديث الذي رؤينا، وهو حديث مشهور بنحو هذا اللفظ ~~وبمثله في المعنى. # فقال ابن حازم: انظر إلى العمل الي تحب أن يأتيك الموت وأنت عليه، فخذه ~~الساعة، وإذا قال لك الشيطان: أنت مراء فلست مرائيا، وإذا خرجت من بيتك، ~~وأنت صادق النية، فلا يضرك ما جاء به الشيطان. # وكان رجل حسن الصوت بالقرآن يأتي الحسن، فربما قال له الحسن: اقرأ، فقال: ~~يا أبا سعيد، إني أقوم من الليل فيأتيني الشيطان إن رفعت صوتي، فيقول: إنما ~~تريد الناس، فقال له الحسن: لك نيتك إذا قمت من فراشك. ms0920 # فالشيطان، عليه لعنة الله، عدو الله، سبحانه، لطيف المدخل لابن آدم، كثير PageV04P2723 # الرصد له بما يوبقه. قد أوبق كثيرا من القرون السالفة، فنفذت فيهم سهامة، ~~وصدق عليهم ظنه، فاللجأ منه إلى الله، عز وجل، والمستغاث على دفع شره الله، ~~تبارك الله وتعالى. # وروى معقل بن يسار عن أبي بكر الصديق، (رضي الله عنه)، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: " الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ". قال أبو بكر: يا رسول ~~الله، وهل الشرك إلا أن يدعى مع الله إله آخر، فقال: " الشرك أخفى فيكم من ~~دبيب النمل " ثم قال: " يا أبا بكر، ألا أدلك على ما يذهب صغير ذلك وكبيره؟ ~~قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك أأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم ". # قوله: {وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2]. # أي: يكلون أمرهم إلى الله (سبحانه). PageV04P2724 ### || وهذا باب يذكر فيه بعض ما روي في التوكل وصفته وفصله. # روى ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سره أن يكون أكرم ~~الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره ~~أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه ". # روى عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو أنك تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصا، ~~وتروح بطانا ". # وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من انقطع ~~إلى الله كفاه كل مونته ورزقه/ من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله ~~الله إليها ". # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو فر أحدكم من ~~رزقه لأدركه كما PageV04P2725 # يدركه الموت ". # وعن أبي ذر مثله. # وقد قال الله: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره} [الطلاق: ~~3]. وقال: {قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51]. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: " يقول الله، جل ذكره: يابن ms0921 ~~آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ~~ولم أسد فقرك ". # وعن أبي [بن] كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كانت نيته ~~الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وكف عنه ضيعته، وأتته الدنيا [وهي] راغمة، ~~ومن كانت نيته الدنيا شتت الله، عز وجل، عليه ضيعته، ولم يأته من الدنيا ~~إلا ما كتب له ". PageV04P2726 # وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: " من ~~كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت نيته ~~الآخرة جمع الله [له] أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ". # وفي هذه الآية دلالة على زيادة الإيمان ونقصه؛ لأن قوله: {زادتهم إيمانا} ~~[الأنفال: 2]، يدل على نقص كان قبل الزيادة. # وعن أبي الدرداء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تفرغوا من هموم ~~الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه، أقضى الله عليه ضيعة، ~~وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله أمره وجعل غناه في ~~قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد ~~إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل PageV04P2727 # خير أسرع ". # والتوكل على الله، عز وجل عند أهل النظر والمعرفة بالأصول، هو: الثقة ~~بالله، سبحانه، في جميع الأمور، والاستسلام له، ( عز وجل) ، والمعرفة بأن ~~قضاءه ماض، واتباع أمره، وليس هو أن يطرح العبد بنفسه فلا يخاف شيئا ولا ~~يحذر أمرا، ويلقى بنفسه في التهلكة؛ لأن الله، سبحانه، يقول لأصحاب نبيه، ~~عليه السلام: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197]، فأمرهم أن ~~يتزودوا في أسفارهم: لأنهم كانوا ربما خرجوا بلا زاد، فلي يجوز لأحد أن ~~يلقى عدوه بغير سلاح ولا عدة ويجعل هذا توكلا. فقد لبس النبي صلى الله عليه ~~وسلم، السلاح، وقال الله، عز وجل،: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل} [الأنفال: 60]. وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر ms0922 ~~الغار. # ودخل مكة وعلى رأسه المغفر، وخرج يوم أحد وعليه درعان. وفر PageV04P2728 # أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة بعد ذلك ~~خوفا على أنفسهم، فلو كان من التوكل إلقاء العبد نفسه في التهلكة، وترك ~~الاحتراز من المخوف، ولقي العدو بغير سلاح، ومباشرة السباع، لكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أولى بذلك بل خافوا وفروا، وسلحوا واحترزوا. # وقد حكى الله عز وجل، عن موسى، عليه السلام، الخوف فقال: {فخرج منها ~~خآئفا يترقب} [القصص: 21]، وقال: {فأصبح في المدينة خآئفا يترقب} [القصص: ~~18]، وقال: {فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف} [طه: 67 - 68]. # فالملقي بيده إلى التهلكة من عدو أو سبع، ولا علم عنده أن الله عز وجل، ~~لا يسلطه عليه آثم في نفسه، معين على قتل نفسه، مجرب لقدرة ربه، جلت عظمته، ~~معجب بنفسه، دال على ربه، سبحانه، / وليس هذا من صفات الصالحين، بل أنفسهم ~~عندهم أنقص وأذل، هم وجلون ألا تقبل منهم أعمالهم! فكيف يدلون بأعمالهم! ~~قال الله عز وجل: { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة} المؤمنون: 61]، أي: ~~يعلمون ما عملوا من الخير وهم خائفون PageV04P2729 # ألا يقبل منهم [عملهم]، فهذه صفات الصا لحين. ليس صفاتهم الإعجاب ~~بأعمالهم والدلة على مالله عز وجل، بأفعالهم، وقد قال عمر: رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوى، ما يجد ما يملأ به بطنه. وقد روي عمن ~~مضى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من الجوع والشدة ما لا يحصى. # فهذا يدفع قول من يدعي في توكله نزول الطعام الكوني، ووجود الرجب في غير ~~وقته، وشبه ذلك من المعجزات التي لا تكون إلا للنبي، تدل على صدقه في ما ~~أتى به. # فأما كرامات الله، سبحانه لأوليائه وإجابة دعائهم، فليس ينكر ذلك أحد من ~~أهل السنة، وإنما ينكرون على ما أجاز حدوث المعجزات على يدي غير الأنبياء؛ PageV04P2730 # لأن في ذلك إبطال النبوة وهدم الشريعة. # وقوله: {لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}. # الدرجات: منازل ومراتب رفيعة في ms0923 الجنة بقدر أعمالهم. # قال مجاهد [الدرجات]: أعمال رفيعة. # وقال ابن محيريز الدرجات: سبعون درجة، كل درجة خطو الفرس الجواد المضمر ~~ستين سنة. PageV04P2731 # {ومغفرة}: أي: مغفرة لذنوبهم، {ورزق كريم}: الجنة. # قال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي فوق، فضله على الذي أسفل ~~منه، ولا يرى الأسفل أنه فضل عليه أحد. # قوله: {كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق}، الآية. # قال الكسائي: " الكاف ": نعت لمصدر: {يجادلونك}، والتقدير: يجادلونك في ~~الحق مجادلة {كمآ أخرجك}. # وقال الأخفش: " الكاف " نعت ل: " حق "، والتقدير: هم المؤمنون حقا PageV04P2732 # {كمآ أخرجك}. # وقيل: " الكاف " في موضع رفع، والتقدير: {كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق} ~~{فاتقوا الله}، كأنه ابتداء وخبر. # وقال أبو عبيدة: هو قسم، أي: لهم درجات ومغفرة ورزق كريم، والذي أخرجك من ~~بيتك بالحق، ف: " الكاف " بمعنى: " الواو ". # وقال الزجاج: " الكاف " في موضع نصب، والتقدير: الأنفال ثابتة لك ثباتا ~~{كمآ أخرجك ربك}، والمعنى: {كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق} وهم كارهون، كذلك PageV04P2733 # تنفل من رأيت. # وقال الفراء التقدير: أمض لأمرك في الغنائم، ونفل من شئت وإن كرهوا {كمآ ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق}. # وقيل: " الكاف " في موضع رفع، والتقدير: # {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}، إلى: {لهم درجات عند ~~ربهم ومغفرة ورزق كريم}، هذا وعد وحق {كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق}. # وقيل: المعنى: {وأصلحوا ذات بينكم} ذلك خير لكم {كمآ أخرجك}، ف: " الكاف ~~": نعت لخبر ابتداء محذوف هو الابتداء. # وقيل التقدير: {قل الأنفال لله والرسول} {كمآ أخرجك}. PageV04P2734 # قال عكرمة في الآية: {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} {كمآ أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق}، أي: الطاعة خير لكم، كما إخراجك من بيتك بالحق خيرا ~~لك. # وقوله: {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون}. # قال ابن عباس: " لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي سفيان أنه ~~مقبل من الشام، ندب إليه من المسلمين، وقال: هذه عير قريش فيها/ أموالهم، ~~فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفلكموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل ~~بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن ms0924 رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا. ~~فنزلت: {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} ". # قال السدي {لكارهون}: لطلب المشركين. # {لله والرسول}، وقف. # و {مؤمنين}، وقف. PageV04P2735 # ويكون تقدير الآية وتفسيرها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما نظر إلى ~~قلة المسلمين يوم بدر وإلى كثرة المشركين قال: " من قتل قتيلا فله كذا ~~وكذا، وإن أسر أسيرا فله كذا وكذا "، ليرغبهم في القتال، فلما هزمهم الله، ~~عز وجل، وأظفره بهم، قال إليه سعد بن عبادة، فقال له: يا رسول الله؛ إن ~~أعطيت هؤلاء ما وعدتهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء، فأنزل الله: {قل ~~الأنفال لله والرسول} "، أي: يصنع فيها ما يشاء. فأمسكوا لما سمعوا ذلك على ~~كراهية منهم له، فأنزل الله، عز وجل،: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق}، أي: ~~أمض لأمر الله في الغنائم، وهم كارهون لذلك، أي: بعضهم، كما مضيت لأمر الله ~~عز وجل، في خروجك، وهم له كارهون، أي: بعضهم. # فإن جعلت التقدير: {يسألونك عن الأنفال} كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: لم ~~تخرجنا للقتال فنستعد له، إنما أخرجتنا للغنيمة، فلا يحسن الوقف على ما قبل ~~" الكاف " على هذا. PageV04P2736 # وعلى قول أبي عبيدة أن " الكاف " في موضع:: واو القسم، يحسن الوقف على ما ~~قبل " الكاف " كأنه قال: والذي أخرجك من بيتك بالحق، كما قال: {وما خلق ~~الذكر والأنثى} [الليل: 3]، أي: والذي خلق الذكر. # وقوله: {يجادلونك في الحق}، الآية. # قال ابن عباس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم، في لقاء القوم، قال له ~~سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبوا للقتال، وأمرهم ~~بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله، عز وجل، { كمآ أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق}، إلى {وهم ينظرون}. # قال ابن إسحاق: خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، يريدون العير طمعا ~~بالغنيمة، فلما عرفوا أن قريشا قد سارت إليهم، كرهوا ذلك، وكأنهم يساقون ~~إلى الموت؛ لأنهم لم يخرجوا للقتال. فالذي عني بهذا هم المؤمنون، فأنزل ~~الله عز وجل، { كمآ أخرجك ربك من بيتك ms0925 بالحق}، إلى: {وهم ينظرون}. PageV04P2737 # وقال ابن زيد: عني بذلك المشركون، قال: هم المشركون جادلوا في الحق، ~~{كأنما يساقون إلى الموت} حين يدعون إلى الإسلام، {وهم ينظرون}. # قال الطبري: المراد بذلك المؤمنون. ودل عليه قوله: {وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون}، لما كرهوا القتال جادلوا فقالوا: لم تعلمنا أنا نلقى ~~العدو فنستعد لقتالهم، إنما خرجنا للعير. ويدل على ذلك قوله: {وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم}، ففي هذا ~~دليل أن القوم كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم في القتال، [كما] قال ~~مجاهد، كراهية منهم له. # وروي عن ابن عباس: {يجادلونك في الحق}، أي: في القتال، {بعد ما تبين}، ~~أي: بعد ما أمرت به. PageV04P2738 # قوله: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين}، إلى قوله: {ليحق الحق ويبطل ~~الباطل ولو كره المجرمون}؟ # والمعنى: واذكروا، أيها المؤمنون {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها ~~لكم}، والطائفتان: إحداهما فرقة أبي سفيان والعير، والطائفة الأخرى: فرقة ~~المشركين الذين خرجوا من مكة لمنع العير. # وقوله: {أنها لكم}. # أي: أن ما معهم غنيمة لكم. # وقوله: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم}. # أي: تحبون أن تكون لكم العير التي لا قتال فيها ولا سلاح دون/ فرقة ~~المشركين المقاتلة المسلحين. # وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحبوا أن يظفروا بالعير، فأراد ~~الله عز وجل، غير ذلك، أراد أن يظفروا بالمقاتلة، فيكون ذلك أذل لهم وأخزى ~~وهيب في قلوب المشركين؛ لأن المسلمين لو ظفروا بالعير ولا مقاتلة معها ما ~~كان في ذلك هيبة ولا ردعة عند المشركين، وإذا ظفروا بالمقاتبلة وأهل الحرب ~~والبأس كان ذلك أهيب وأروع لمن بقي منهم. PageV04P2739 # و {الشوكة}: السلاح. # وقال أبو عبيدة: غير ذات الحد. # يقال: فلان شائك في السلاح وشاك، من الشكة. # وقال ابن عباس: " لما خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي سفيان ~~مقبلا من الشأم، ندب المسلمين إليهم، فقال: هذه غير قريش، فيها أموال، ~~أخرجوا إليها لعل الله أن يملككموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم؛ ~~لأنهم لم ms0926 يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلقى حربا، وكان أبو ~~سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفا ~~على أموال النس، حتى أصاب خبرا من بعض PageV04P2740 # الركان: " إن محمدا قد استنفر [أصحابه] لك ولعيرك " فحذر عند ذلك، ~~فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا ~~فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فمضى ضمضم. ~~وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ~~ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش. ~~فقام أبو بكر، فقال فأحسن. وقام عمر، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو ~~فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قال ~~بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}، ولكن اذهب ~~(أنت) وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون! والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى ~~برك الغماد، يعنى: مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه! ثم قالت PageV04P2741 # الأنصار بعد أن استشارها: امض يا رسول الله، لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق ~~لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخصناه معك. فمضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى التقى بالمشركين ببدر، فسبقوا الماء، والتقوا، ونصر الله عز وجل، ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فقتل من المشركين سبعون، وأسر منهم ~~سبعون، وغنم المسلمون ما كان معهم، وسلمت العير مع أبي سفيان، وكان قد أخذ ~~بها الساحل، أسفل من موضع القتال، وهو قوله تعالى: {والركب أسفل منكم} ". # وروى عكرمة عن أبن عباس قال: " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم، حين فرغ من ~~بدر، عليك العير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس: لا يصلح، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لم "؟ PageV04P2742 # قال: لأن الله عز وجل، وعد إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال: " ~~صدقت ". # قوله: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} إلى قوله: {إن الله عزيز حكيم}. # قرأ عيسى بن عمر: ms0927 " إني ممدكم "، أي: قال: إني ممدكم. # ومن قرأ: {ممدكم}، بفتح الدال، يجوز أن يكون نصبا على الحال من الضمير ~~في: {مردفين}. # وقيل: هو في موضع خفض نعت ل: " ألف ". PageV04P2743 # ومن كسر الدال فمعناه: يردف بعضهم بعضا، أي: يتبع بعضهم بعضا. يقال: ~~ردفته وأردفته: إذا تبعته. # وأنكر أبو عبيد أن يكون/ المعنى: يردف بعضهم بعضا، أي: يحمله خلفه، ودفع ~~قراءة الكسر على هذا التأويل. PageV04P2744 # والوجه أنهم يتبعون بعضهم بعضا في الإتيان لا في الركوب، وقد روي عن ابن ~~عباس أنه قال: وراء كل ملك ملك. # فمعنى الكسر: أن الملائكة يردف بعضها بعضا، أي: يتبع. # ومعنى الفتح: أن الله أردف بهم المؤمنون. # حكى سيبويه " مردفين ": بفتح الراء، وتشديد الدال وكسرها. # وأصله: " مرتدفين "، ثم أدغم " التاء " في " الدال " بعد أن ألقى حركتها PageV04P2745 # على " الراء ". # وحكى أيضا: " مردفين " بكسر الراء، على أنه " مرتدفين " أيضا، لكن أدغم ~~وكسر الراء لالتقاء الساكنين، ولم يلق عليها حركة " التاء ". # ومعنى الآية: {ليحق الحق ويبطل الباطل} [الأنفال: 8]، {إذ تستغيثون ~~ربكم}، أي: حين ذلك، أي تستجيرون به من عدوكم، {فاستجاب} ربكم {لكم أني ~~ممدكم}، أي: بأني {ممدكم بألف من الملائكة} يردف بعضهم بعضا، أي: يتلوا. ~~وروي عن PageV04P2746 # عاصم: " آلف "، على وزن " أفعل ". # قال ابن عباس: لما اصطف القوم، قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ~~ورفع النبي صلى الله عليه وسلم، يده وقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن ~~تعبد في الأرض أبدا. # قال السدي: فاستجاب الله، عز وجل، له ونصره بالملائكة، وذلك يوم بدر. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى ~~المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر، استقبل القبلة، ثم مد يده، ~~وجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز ما وعدتني "، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه صلى ~~الله عليه وسلم، عن منكبيه، فرده أبو بكر على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، ~~فقال: يا نبي الله كذلك مناشدتك PageV04P2747 # رب، فإنه سينجز لك ما وعدك!. # وقوله: {وما جعله الله}. # " الهاء " تعود ms0928 على " الإمداد ". # وقيل: على " الإرداف ". # وقيل: على " الألف ". # وقيل: على قبول الدعاء. PageV04P2748 # والمعنى: {وما جعله الله}: إرداف الملائكة بعضها بعضا. {إلا بشرى ولتطمئن ~~به قلوبكم}، أي: ولكي تسكن إلى ذلك قلوبكم، وتوقن بنصر الله عز وجل، فليس ~~النصر إلا من عند الله، سبحانه {إن الله عزيز}، أي: لا يقهره شيء، {حكيم} ~~في تدبيره. # و" الهاء "، في {به} تحتمل ما جاز في " الهاء " في: {جعله}. # ويجوز رجوعها على " البشرى "؛ لأنها تعني الاستبشار. # قوله: {إذ يغشيكم النعاس}، الآية. # من قرا: {إذ يغشيكم}، احتج بإجماعهم على: {يغشى طآئفة منكم} [آل عمران: ~~154]. PageV04P2749 # ومن قرأ: {يغشيكم}، مشددا فرد الفعل إلى الله، عز وجل، احتج بقوله: ~~{وينزل عليكم}، وهو الله بلا اختلاف. فكون الكلام على نظام واحد أحسن. # وقوله: {أمنة}: مفعول من أجله. PageV04P2750 # وقيل: هو مصدر. # وقوله {إذ يغشيكم}: العامل في {إذ} قوله: {إلا بشرى} [الأنفال: 10]، {إذ ~~يغشيكم}، أي: حين يغشيكم. # ومعنى {يغشيكم}: يلقى عليكم، و {أمنة}: أمانا من الله لكم من عدوكم أن ~~يغلبكم، وذلك يوم أحد أنزل الله، عز وجل، عليكم النعاس أمنة من الخوف الذي ~~أصابهم يوم أحد. # وقوله: {وينزل عليكم من السمآء مآء}. # كان هذا يوم بدر، أصبح المسلمون مجنبين على غير ماء، فأنزل الله عز وجل، PageV04P2751 # (عليهم) مطرا فاغتسلوا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حزنهم به من ~~إصباحهم مجنبين على غير ماء؛ لأن المشركين سبقوا المسلمين ببدر، إلى الماء ~~فأصبح المسلمون عطاشا مجنبين ومحدثين، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: عدوكم ~~على الماء، وأنتم تزعمون/ أنكم مسملون، فأزال الله الأحداث والعطش والوسوسة ~~بالمطر الذي أنزل عليهم، وسكن به الغبار، وتمهدت الأرض للوطء عليها. # قيل: كانت سبخة لا تثبت عليها الأقدام. PageV04P2752 # وقيل: كانت رملا. # وكانت آية عظيمة في ثبات أقدامهم في المطر على سبخة. # وقول من قال: كانت الأرض رملة أولى، لقوله: {ويثبت به الأقدام}. # قال قتادة: ذكر لنا أنهم مطروا يومئذ حتى سال الوادي ماء، وكانوا قد ~~التقوا على كثيب أعفر فلبده الله عز وجل بالماء، وشرب المسلمون واستقوا، ~~[و] أذهب الله ms0929 عز وجل، عنهم وساوس الشيطان وأحزانه. # وكان المشركون سبقوا إلى الماء وإلى الأرض الشديدة، ونزل المسلمون على ~~غير ماء وعلى رمل، فأراهم الله، عز وجل، بنزول المطر قدرته، وأثبت في ~~قلوبهم أمارة النصر والغلبة فتقوت نفوسهم وتشجعوا، وذهب عنهم وسوسة ~~الشيطان. # وقوله: {ويثبت به الأقدام}. # أي: بالمطر، وذلك أنهم التقوا مع عدوهم على رملة فلبدها المطر حتى تثبت ~~الأقدام عليها، وكان هذا كله ليلة اليوم الذي ألتقوا فيه في بدر. PageV04P2753 # وقوله: {ويذهب عنكم رجز الشيطان}. # أي: وساوسه. # وقال القتيبي: كيده. # والعامل في {إذ يوحي}، {ويثبت به الأقدام}. # وقيل المعنى: واذكر {إذ يوحي}. # وقيل: أوحى الله، عز وجل، { إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا}، ~~فكان الملك يظهر للرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صورة ~~رجلفيقول: سمعت أبا سفيان وأصحابه يقولون: لئن حمل علينا هؤلاء لنهزمن! ~~فتقوى بذلك قلوب المؤمنين. # وقوله: {فاضربوا فوق الأعناق}. PageV04P2754 # أي: اضربوا الأعناق. # وقال الأخف: {فوق} زائدة. # وقيل المعنى: اضربوا الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق. # وقال أبو عبيدة: {فوق} بمعنى: " على "، والمعنى " فاضربوا على الأعناق. PageV04P2755 # يقال: ضربته على رأسه فوق رأسه بمعنى. # وقوله: {واضربوا منهم كل بنان}. # أي: اضربوا الأطراف من الأيدي والأرجل. # و" البنان ": [أطراف] أصابع اليدين والرجلين. # وقال عطية، والضحاك: " البنان ": كل مفصل. PageV04P2756 # وواحد " البنان " " بنانة "، وهي: الأصابع وغيرها من الأعضاء، وهذا قول ~~الزجاج. # وقوله: {فثبتوا الذين آمنوا}. # هذا أمر من الله، عز وجل للملائكة. # وقيل: إن الملك كان يأتي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: سمعت ~~هؤلاء القوم يعني المشركين، يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن! فيتحدث ~~بذلك المسلمون، وتقوى نفوسهم. # وقيل معنى ثبتوهم أي: بالمدد. # قوله: {ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله}، إلى قوله: {سميع عليم}. # والمعنى: هذا الفعل الذي فعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، {ذلك بأنهم ~~شآقوا الله ورسوله}، أي: خالفوه، كأنهم صاروا في شق آخر بمخالفتهم له. PageV04P2757 # {ومن يشاقق الله ورسوله}. # أي: يخالفه. # أجمع القراء على الإظهار، إذ هو في الخط بقافين. # والإظهار لغة أهل الحجاز، وغيرهم ms0930 يدغم، وعليه أجمع في: " الحشر ". # ويحسن " الروم "، في الوقف في: " الحشر " /؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله ~~الثاني لازم في الوقت، وهو " القاف " الأولى المدغمة في الثانية، ولا يحسن ~~" الروم " في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله " القاف " ~~الثانية غير لازم PageV04P2758 # في الوقت] وهو " اللام " في اسم الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله. # وقوله: {ذلكم فذوقوه وأن للكافرين}. # {وأن}: في موضع رفع عطف على: {ذلك}. # وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و {ذلكم}: في موضع رفع على معنى: الأمر ~~ذلكم، أو: ذلك الأمر. # وقيل: {وأن} في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال. # ياليت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا PageV04P2759 # أي: وحاملا رمحا. # ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين. # ومعنى الكلام: هذا الذي عجل لكم من ضرب الأعناق وضرب كل بنان في الدنيا ~~ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار. # ثم قال تعالى: {يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم} الآية. # والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يفروا من الكفار إذا تدانى بعضهم من ~~بعض PageV04P2760 # عند القتال. # وقيل: المعنى: إذا واقفتموهم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإن الله معكم. # ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأن مأواهم جهنم، وأرخص لهم أن ~~يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هاربا، وأرخص أن ينحاز الرجل ~~إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم. # يقال: تحوزت وتحيزت. # قال الضحاك: " المتحرف ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و " ~~المتحيز ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه. # قال عطاء: هذا منسوخ، نسخه: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} ~~[الأنفال: 65] الآية، PageV04P2761 # فأمروا أن يفروا ممن هو أكثر من مثليهم. # وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر. # وقال أبو سعيد الخدري: نزلت في أهل بدر، يعني: {ومن يولهم يومئذ دبره}. # ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: {يومئذ}، فعلق الحكم بيوم معلوم. PageV04P2762 # وقال ابن عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، ms0931 والفرار من الكبائر. # ومعنى: {بآء بغضب}. # أي: رجع به. # وقوله: {فلم تقتلوهم}. # أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين. # {ولكن الله قتلهم}. # أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبب قتلهم، والمعين عليه، وعن ~~أمره كان، وينصره تم. # روي أن جبريل عليه السلام، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، عند الزحف: خذ ~~قبضة من تراب فارمهم بها، ففعل يبق أحد من المشركين إلا أصابت عينه وأنفه ~~وفمه، فولوا مدبرين. PageV04P2763 # فلما أظفر الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، وصنعت ~~كذا، فأنزل الله، عز وجل: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى}. # وهذا يدل على خلاف قول من يقول: إن العبد يفعل حقيقة. # ثم قال: {وما رميت إذ رميت}، يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، { ولكن ~~الله رمى} أي: الله المسبب للرمية، وهذا حين حصب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~الكفار فهزمهم الله. # قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عين رجل. # وقيل: " إن النبي صلى الله عليه وسلم، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه ~~القوم، لما دنوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وقال: " شاهت ~~الوجوه! " فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل PageV04P2764 # أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم ~~من رمية رسول الله/ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى} الآية ". # قال قتادة: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها ~~وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، رمى أبي بن خلف الجمحي يوم بدر بحربة ~~في يده فسكر له ضلعا فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد أوعده أنه ~~يقتله. # ويروى " أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان جالسا يوم بدر في عريش، وأبو ~~بكر في يمينه، والنبي صلى الله عليه وسلم، يدعو ويقول: " اللهم إن تهلك هذه ~~العصابة لا تعبد! اللهم النصر الذي وعدتني "، فألح النبي صلى الله ms0932 عليه ~~وسلم، في الدعاء، فقال أبو بكر، رضي الله عنه: " خفض يا رسول الله، دعاءك، ~~فإن الله متمم لك ما وعدك، فخفق رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، من نعسة ~~نعسها، PageV04P2765 # ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: " أبشر بنصر الله، رأيت في منامي ~~بقلبي جبريل عليه السلام، يقدم الخيل على ثنية النقع ". فلما التقى الجمعان ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش، فأخذ حصبا من الأرض فرمى بها في ~~وجوههم، ثم قال: " شاهت الوجوه ثم لا ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا " ~~فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك ~~الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في جسده خضرة ". # قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أصبت، ولكن الله أظفرك ونصرك. يقال: ~~رمى الله لك، [أي]: نصرك. # وحكى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت ~~وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته لا ~~برميتك. PageV04P2766 # وقوله: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا}. # يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم ~~أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين، وهم: # عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي ب: " الصفراء "، من ضربة في ساقه. # وعمير بن مالك بن وهيب. PageV04P2767 # وأبو سعيد بن مالك. # وذو الشمالين: عمير بن عمرو بن نضلة. # وغافل بن البكير، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني عدي. # ومهجع، مولى عمر من الخطاب، (رضي الله عنه)، وهو أول من قتل يوم بدر. # وصفوان بن بيضاء، من بني الحارث بن فهر. PageV04P2768 # وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم. # سعد بن خيثمة بن الحارث. # ومبشر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لبابة، وهو نقيب. # وعمير بن الحمام. PageV04P2769 # وابنا عفراء: معاذ وعمرو. # ورافع بن المعلى. PageV04P2770 # ويزيد بن الحارث ابن فسحم. # [وحارثة] بن عندي بن سراقة. # " وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب يخدمه، فكان يعجن، ~~فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ms0933 يقول: " إن الله ليضحك إلى عبده يخرج ~~[متفضلا في ثوبه شاهرا سيفه فيقاتل حتى يقتل "، فترك العجين وخرج] إلى ~~القتال فاستشهد، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة، أتت أمه ~~وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر ~~فسألتاه عن حارثة، فقال لأنه: أبنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: " ابنك في الرفيق/ الأعلى "، ~~فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس ~~يعدون، وهي تهنأ ". PageV04P2771 # وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالكل بن النضر. # وروى ابن وهب: أن عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في الصف إذا ~~غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزوني أحدهما سرا من الآخر، فقال: ياعم، ~~فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله ~~لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أنه يسب رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم] ، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) الآخر سرا، فقال: يا عم، أين ~~أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي ~~هذا. # قلت: بأبي أنتما وإمي، وأشرت لها إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا ~~عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما. # وقال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد ~~والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رويع غنم ادنه فإن الفحل يحمي إبله وهو ~~معقول. قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيد، ومعي سيف ردي، فأدرت به حتى أخذت ~~سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته ~~بقتلي لأبي جهل PageV04P2772 # فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: آلله، مرتين أو ثلاثا. # وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون. # وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن من ~~الحوض الذي صنع محمد، وليهدمن منه، فلما دنا من ms0934 الحوض لقيه حمزة بن عبد ~~المطلب. فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبوا حتى وقع في الحوض، وهدم منه، وأتبعه ~~حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، فبرز منهم ~~ثلاثة: عتبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة [بن ربيعة]، ~~ونادوا بالمبارزة فقام PageV04P2773 # أليهم نفر من الأنصار. فاستحيى النبي صلى الله عليه وسلم وأحب أن يبرز ~~إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ارجعوا إلى مصافكم. وليقم إليهم بنو عمهم، ~~فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث ~~بن عبد المطلب، فبرز حمزة: لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: ~~عتبة، وقتل علي: الوليد، وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبة رجل عبيدة ~~فقطعها، فحمل حتى توفي ب: " الصفراء ". # فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان. # وقيل معنى: {وليبلي المؤمنين}. # أي: ولينعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر. # {إن الله سميع عليم}. # أي: {سميع} لدعاء نبيكم، {عليم} بمصالحكم. # وقيل: معناه: وليختبر الله المؤمنين اختبارا حسنا. PageV04P2774 # قوله: {ذلكم وأن الله موهن} إلى: {المؤمنين}. # {ذلكم}: في موضع رفع على معنى الأمر: {ذلكم}. # أو: الأمر. # ويجوز فيها، وفيما تقدم أن تكون في موضع نصب على معنى فعل: {ذلكم}. # و {ذلكم} إشارة إلى ما تقدم من قتل المشركين والظفر بهم. # وقوله: {وأن الله موهن}، أي: واعلموا أن الله مضعف {كيد الكافرين}، حتى ~~ينقادوا. PageV04P2775 # وكل ما جاز في {وأن للكافرين} [الأنفال: 14]، جاز في هذه. # وقيل معنى {موهن}: يلقي الرعب في قلوبهم. # وقوله: {إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح}. # هذا خطاب للكفار، قالوا: اللهم انصر أحب الفريقين إليك. # ومعنى {تستفتحوا}: تستحكموا/ على أقطع الحزبين للرحم. أي: إن تستدعوا ~~الله أن يحكم بينكم في ذلك {فقد جآءكم الفتح}، أي: الحكم. PageV04P2776 # {وإن تنتهوا فهو خير لكم}. # أي: إن تنتهوا عن الكفر بالله، {فهو خير لكم}. # قال السدي: كان المشركون إذا خرجوا من مكة إلى قتال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذوا أستار الكعبة فاستنصروا الله. # وقوله: {وإن تعودوا نعد}. # أي: ms0935 إن عدتم إلى القتال عدنا لمثل الوقعة التي أصابتكم يوم بدر. # {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا}. # أي: جنودكم وإن كانت كثيرة. # وقيل: {إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح}: للمؤمنين، وما بعده للكفار. # وقوله: {وأن الله مع المؤمنين}، عطف على: {وأن الله موهن}. # وقيل: المعنى: ولأن الله مع المؤمنين. PageV04P2777 # وقيل المعنى: واعلموا أن الله. # فيجوز الابتداء بها مفتوحة على هذا القول. # وقيل: إنه كله خطاب للمؤمنين، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن ~~تنتهوا عن مثل ما فعلتم من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن {فهو خير لكم}، ~~وإن تعودوا إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم، كما قال تعالى: {لولا كتاب من ~~الله سبق (لمسكم)} [الأنفال: 68] الآية. # وقيل المعنى: {وإن تعودوا} أيها الكفار، إلى مثل قولكم واستفتاحكم نعد ~~إلى نصرة المؤمنين. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله}، إلى قوله: {وهم ~~معرضون}. PageV04P2778 # المعنى: إن الله نهى المؤمنين أن يدبروا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: {سمعنا}، ~~بآذاننا {وهم لا يسمعون}، بقلوبهم، ولا يعتبرون ما يتلى عليهم. وأنما قيل: # {وهم لا يسمعون}، وقد سمعوا؛ لأن من لم ينتفع بما سمع كان بمنزلة من لم ~~يسمع. # وقوله: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم}. # أي: إن شر ما دب على وجه الأرض من خلق الله عند الله {الصم}: عن الحق، ~~فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، {البكم}: عن قول الحق والإقرار بالله، عز ~~وجل، ورسله، صلوات الله عليه {الذين لا يعقلون}: العمي عن الهدى. # قال مجاهد هم صم القلوب وبكمها وعميها، وقرأ: {فإنها لا تعمى الأبصار} ~~[الحج: 46] الآية. # وعني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار. PageV04P2779 # وقيل عني بها: المنافقون. # ثم قال: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم}. # أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ~~ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يتعقدونه {لأسمعهم}، أي لجعلهم ~~يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع ms0936 في هذا إسماع القلوب ~~وقبولها ما تسمع الآذان. # وقوله: {ولو أسمعهم لتولوا}. # عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لما علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من ~~كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: {واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88]. عاقبهم بالدعاء عليهم لما تبين ~~من إصراررهم على الفكر، وتماديهم عليه، {ولو أسمعهم} ذلك {لتولوا وهم ~~معرضون}، حسدا ومعاندة. PageV04P2780 # وقيل: المعنى: {ولو علم الله فيهم/ خيرا لأسمعهم}. أي: لفهمهم مواعظ ~~القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم ~~الشقاء، فلو فهمهم ذلك {لتولوا وهم معرضون}؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية ~~للمشركين، وقيل: للمنافقين. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول}، إلى قوله: {شديد ~~العقاب}. # قال أبو عبيدة معنى {استجيبوا}: أجيبوا، كما قال: فلم يستجب عند ذك مجيب، ~~أي: يجبه. # ومعنى: {لما يحييكم}. PageV04P2781 # أي: للإيمان. وقيل: للإسلام. وقيل: للحق. وقيل: للقرآن ومافيه. # وقيل: إلى الحرب وجهاد العدو. # وسماه " حياة "؛ لأن الكافر مثل الميت. PageV04P2782 # وقيل معنى: {لما يحييكم}، أي: لما تصيرون به إذا قبلتموه إلى الحياة ~~الدائمة في الآخرة. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، دعا أبيا وهو يصلي فلم يجبه أبي، ~~فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي، ~~قال له: أفلم تجد فيما أوحي إلي: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم}؟ قال: بلى، يا رسول الله، ولا أعود ". # فهذا يبين أن المعنى يراد به الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~إلى ما فيه حاية لهم من الخير بعد الإسلام المدعو إيمانه. PageV04P2783 # وقوله: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}. # قال ابن جبير: يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين أن يكفر. # وكذلك قال ابن عباس. # وقال الضحاك: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته. # وقال مجاهد معناه: يحول بين المرء وعقله (حتى لا يدري ما ms0937 يصنع. وقال ~~السدي في معناه: يحول بين الإنسان وقلبه). فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر ~~إلا بإذنه. # وقيل المعنى: يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه من طول العيش وامتداد ~~الآمال والتسويف بالتوبة، فيعاجله الموت قبل بلوغ شيء من ذلك. PageV04P2784 # وقال قتادة معناه: إنه قريب من قلب الإنسان، لا يخفى عليه شيء أظهره، ولا ~~شيء أسره، وهو مثل قوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16]. # وقال الطبري: هو خبر من الله عز وجل، أنه أملك بقلوب العباد منهم، وأنه ~~يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا من الإيمان ولا ~~الكفر، ولا يعي شيئا. ولا يفهم شيئا، إلا بإذنه ومشيئته. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، كثيرا ما يقول في دعائه: " يا مقلب ~~القلوب قلب قلبي إلى طاعتك ". # وفي رواية أخرى: " ثبت قلبي على طاعتك ". # وكان يحلف: " لا ومقلب القلوب ". PageV04P2785 # ومن هذا يقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فمعناه: لا حول عن معصية، ولا ~~قوة عن طاعة إلا بالله. # (وقال النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى زوجة زيد) فاستحسنها، وقد ~~كان عرضت عليه نفسها فلم يستحسنها: " سبحان مقلب القلوب ". # {وأنه إليه تحشرون}. # أي: تردون. # وقوله: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة}. # المبرد يذهب إلى أن {تصيبن}، نهي، فلذلك دخلت " النون ". PageV04P2786 # والمعنى في النهي: للظالمين، أي: لا تقربوا/ الظلم، وهو مثل ما حكى ~~سيبويه من قوله: (لا أرينك هاهنا)، أي: لا تكن هاهنا؛ فإن من يكون هاهنا ~~أراه. # وقال الزجاج: هو خبر. ودخلته " النون "؛ لأن فيه قوة الجزاء، قال: وزعم ~~بعضهم أنه جزاء فيه ضرب من النهي. ومثله مما اختلف فيه: {ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان} [النمل: 18]. PageV04P2787 # ومعنى ذلك: أنها أمر من الله للمؤمنين أن يتقوا اختبارا وبلاء يبتليهم ~~به، لا يصيبن ذلك {الذين ظلموا}، بل يصيب الظالمين وغيرهم. فالظالمون هم ~~الفاعلون الكفر. # وقيل: نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أصحاب الجمل. # قال ابن عباس: أمر ms0938 الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم ~~الله بالعذاب. # وقال الزبير، يوم الجمل لما لقي ما لقي، ما توهمت أن هذه الآية نزلت في PageV04P2788 # أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إلا اليوم. # وقال القتيبي معناه: لا تخص الظالم، ولكنها تعم الظالم وغيره. # وقوله تعالى: {هل يهلك إلا القوم الظالمون} [الأنعام: 47]. # يدل على أن العقوبة تخص الظالم. وقد يدخل المداهن الساكت على رؤية المنكر ~~في الظلم، فيكون ممن يلحقه العقاب مع الظالم. # وقد قال الحسن: إن الآية نزلت في علي، وعثمان. وطلحة، والزبير [رضي الله ~~عنهم]. # وأكثر الناس على أن حكمها باق في الظالم، والمداهن الساكت على إنكار ~~المنكر، PageV04P2789 # وهو يقدر على إنكاره، فإن كان لا يقدر على الإنكار، وخاف على نفسه، أنكر ~~على قدر استطاعته أو بقلبه. # قوله: {واعلموا أن الله شديد العقاب}. # أي: لمن عصاه وخالف أمره. # قوله: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض}، إلى قوله: {أجر عظيم}. # هذه الآية تذكير من الله عز وجل، للمؤمنين بما أنعم عليهم من العز، بعد ~~أن كان المشركون يستضعفونهم. وهم قليل، ويفتنونهم عن دينهم، ويسمعونهم ~~المكروه. # قوله: {تخافون أن يتخطفكم الناس}. أي: يقتلونكم. # {فآواكم}. أي: جحعل لكم مأوى تأوون إليه منهم. # {وأيدكم}. # أي: قواكم بنصره إياكم عليهم حتى قتلتموهم. PageV04P2790 # {ورزقكم من الطيبات}. أي: أحل لكم غنائمهم. # ف: {الطيبات}، هنا: الحلال. {لعلكم تشكرون}. و " لعل " هاهنا: ترج يعود ~~إليهم. # والطبري يجعلها بمعنى: " كي ". # و {الناس}، في هذا الموضع: الذين كانوا يخافون منهم، كفار قريش بمكة، كان ~~المسلمون قلة يستضعفون بمكة. # قال الكبي، وقتادة: نزلت هذه الآية في يوم بدر، كانوا يومئذ قلة يخافون ~~أن يتخطفهم الناس، فقواهم الله بنصره، ورزقهم غنائم المشركين حلالا. PageV04P2791 # وقال وهب بن منبه: {تخافون أن يتخطفكم الناس}: فا رس. # وقيل: هي: فارس والروم. # وقال الطبري معنى: {فآواكم}، أي: إلى المدينة، {وأيدكم بنصره}، أي: ~~بالأنصار. # وكذلك قال السدي. # ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول}. # قوله: {وتخونوا أماناتكم}. # في موضع نصب على الجواب. على معنى: ms0939 أنكم إذا ختم الله والرسول خنتم PageV04P2792 # أماناتكم. # وقيل: هو موضع جزم على النهي نسقا على: {لا تخونوا}. # ومعنى خيانة الله والرسول: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. # وقيل: هذه الآية نزلت في منافق كتب إلى إبي سفيان/ يطلعه على سر ~~المسلمين. # وقيل: خيانة الرسول (صلى الله عليه سلم): ترك العمل بسنته. # وقليل: نزلت في أبي لبابة. لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بني ~~قريظة فأشار إليهم إلى PageV04P2793 # حلقة: إنه الذبح. قال الزهري: فقال أبو لبابة: لا والله، لا أذوق طعاما ~~ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتى ~~خر مغشيا عليه، حتى تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تاب الله ~~عليك، قال: لا والله، لا أحل نفسي حى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~هو الذي يحلني. فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحله بيده. ثم قال أبو ~~لبابة: إن توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع عن ~~مالي، قال: يحزيك الثلث أن تتصدق به. # وقيل: الآية عامة. نهوا ألا يخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون. # وقوله: {وتخونوا أماناتكم}. # أي: لا تفعلوا الخيانة، فإنها خيانة لأماناتكم. PageV04P2794 # وقيل المعنى: ولا تخونوا أماناتكم. # و" الأمانة " هاهنا: ما يخفى عن أعين الناس من ترك فرائض الله، عز وجل، ~~وركوب معاصيه. # قوله: {واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة}. # أي: اختبارا اختبرتم بها. وابتلاء ابتليتم بها. لينظر كيف أنتم فيها ~~عاملون. # {وأن الله عنده أجر عظيم}. # أي: جزاء وثوابا على طاعتكم. # قوله: {يا أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}، إلى قوله: ~~{خير الماكرين}. # والمعنى: إن تتقوا الله في أداء فرائه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته ~~وخيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم: { يجعل لكم فرقانا}، أي: فصلا. وفرقا ~~بين حقكم وباطل PageV04P2795 # من يبغيكم السوء، {ويكفر عنكم سيئاتكم}، أي: يمحها، {ويغفر لكم}. أي: ~~يستتر لكم على ذنوبكم، {والله ذو الفضل العظيم}، عليكم وعلى غيركم. # وقيل: {فرقانا}: مخرجا. ms0940 # وقيل: نجاة. # وقيل: نصرا. PageV04P2796 # وقال ابن زيد معناه: يفرق في قلوبكم بين الحق والباطل حتى تعرفوه. # وقال مجاهد: مخرجا من الضيق إلى السعة، ومن الباطل إلى الحق. # قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا}، الآية. # المعنى: واذكر، يا محمد إذ يمكر. # وهذه الآية تذكير للنبي صلى الله عليه وسلم، بنعم الله عز وجل عليه، ~~{الذين كفروا}: هم مشركو قريش. # قال [ابن عباس] معنى {ليثبتوك}، أي: ليوثقوك وليثقفوك. PageV04P2797 # وكذلك قال مجاهد: وقتادة. وذلك بمكة. # وقال السدي: {ليثبتوك}: ليحبسوك ويوثقوك. # وقال ابن زيد، وابن جريج: ليحبسوك. # وقال ابن عباس: اجتمع نفر من قريش من أشرافهم، في دار الندوة، فاعترضهم ~~إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت ~~أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا: أجل، ~~ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في أمر هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم ~~في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق. ثم تربصوا به ريب PageV04P2798 # المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء. فصرخ عدو الله الشيخ ~~النجدي وقال: والله، ما هذا برأي، والله ليخرجنه رأيه من محبسه إلى أصحابه، ~~فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فمنعوه منكم، / فما آمن أن ~~يخرجوكم من بلادكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه. فقال ~~الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألم تروا حلاوة قوله ولطافة لسانه، وأخذ ~~القلوب لما يسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ليستعرضن وليجمعن عليكم، ثم ~~ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق، قال أبو جهل: والله لأشيرن ~~عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة ~~غلاما وسيطا شابا، ثم نعطي كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل ~~واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون ~~على حرب قريش، وأنهم إذا PageV04P2799 # رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي، ~~القول ما ms0941 قال الفتى، فتفرقوا على ذلك، وأتى جبريل (النبي) صلى الله عليه ~~وسلم، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، ثم ~~أمره بالخروج، فأنزل الله عليه بالمدينة: " الأنفال " يذكره نعمه عليه في ~~قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك}، الآية. # فأنزل في قولهم " نتربص به حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء ": ~~{أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور: 30]. # وكان يسمى ذلك اليوم الذي اجتمعوا فيه " يوم الزحمة ". # ولما أجمعوا على ذلك باتوا يحرسونه ليوقعوا به بالغداة. فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو PageV04P2800 # بكر إلى الغار، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، عليا أ، يبيت في موضعه، ~~فتوهم المشركون أنه [النبي] صلى الله عليه وسلم، فباتوا يحرسونه، فلما أصبح ~~وجدوا عليا، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فركبوا وراءه كل صعب وذلول ~~يطلبونه، ومروا بالغار قد نسج على فمه العنكبوت، فمكث النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فيه ثلاثا. # " ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لعلي: نم على فراشي وتسج ببردي ~~هذا الحضرمي؛ فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه، ثم خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأبو جهل وأصحابه على الباب، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، حفنة من ~~تراب، وأخذ الله بأبصارهم فلا يرونه، فجعل يثير التراب على رؤوسهم، وهو ~~يقرأ: {يس}، إلى قوله: {فهم لا يبصرون} فلم يبق منهم رجل إلا وضع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، على رأسه ترابا، وانصرف إلى حيث أراد، فآتاهم آت فأعلمهم ~~بحالهم، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فوجد ترابا، فانصرفوا بخزي وذل. " # قوله: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا [قد] سمعنا} إلى قوله: {بعذاب ~~أليم}. PageV04P2801 # المعنى: أن الله عز وجل، حكى عنهم: أنهم يقولون إذا يتلى عليهم القرآن: ~~{لو نشآء لقلنا} مثله: {إن هاذآ إلا أساطير الأولين}، أي: سطره الأولون ~~وكتبوه من أخبار الأمم. # قال ابن جريج: كان النضر بن الحارث يختلف تاجرا إلى فارس، فيمر بالعباد ~~وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ms0942 ويسجدون. فجاء مكة، فوجد/ محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، قد أنزل عليه وهو يركع ويسجد، فقال: {قد سمعنا}، مثل هذا {لو نشآء ~~لقلنا مثل هذا}، يعني: ما سمع من العباد. # وقال السدي: كان النضر يختلف إلى الحيرة. فيسمع سجع أهلها وكلامهم، فلما ~~سمع بمكة كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن، قال: قد سمعت مثله: {إن ~~هاذآ إلا أساطير الأولين}، يقول: أساجيع أهل الحيرة. و {أساطير}: جمع ~~الجمع، PageV04P2802 # فهو جمع " أسطر "، و " أسطر " جمع سطر. # وقيل: إنه جمع، وواحده: " أسطورة ". # وقتل النضر هذا وهو أسير يوم بدر صبرا. أسره المقداد. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، اقتله؛ فإنه يقول في كتاب الله ما يقول، فراجعه المقداد ~~ثلاث مرات، كل ذلك يأمره بقتله، فقتل. # وقوله: {وإذ قالوا اللهم}، الآية. # معناه: واذكر، يا محمد، إذ قالوا ذلك. # والذي قاله عند ابن جبير: هو النضر بن الحارث. # وقال مجاهد: هو النضر بن كلدة، وأنه قتل بمكة بدليل قوله: {وما كان PageV04P2803 # (الله) ليعذبهم وأنت فيهم}. # ومعناه أنه قال: اللهم إن كان هذا الذي أتى به محمد هو الحق، {فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم}. # قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية، منها: ما ذكرنا ومنها قوله: # {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا} [ص: 16]، الآية، ومنها: {ولقد جئتمونا فرادى} ~~[الأنعام: 94]، الآية. # ومنها: {سأل سآئل بعذاب واقع} [المعارج: 1] الآية. PageV04P2804 # قال أبو عبيدة: كل شيء من العذاب فهو " أمطرت "، ومن الرحمة " مطرت ". # قوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}، إلى قوله: {لا يعلمون}. # والمعنى: وما كان الله ليعذب هؤلاء الذين تمنوا العذاب وأنت مقيم بين ~~أظهرهم. وكان قد نزلت عليه وهو مقيم بمكة. ثم خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، من مكة، فاستغفر من بها من المؤمنين، فنزلت عليه بعد خروجه: {وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون}. # ثم خرج أولئك البقية من المؤمنين، فأنزل الله، عز وجل: { وما لهم ألا ~~يعذبهم الله}، الآية، بالمدينة، فعذب الله، ( عز وجل) . الكفار، إذ أذن ~~للنبي صلى الله ms0943 عليه وسلم، بفتح مكة، فهو العذاب الذي وعدوا به. قال ذلك ~~ابن أبي أبزى. PageV04P2805 # وقال أبو مالك نزل الجميع بمكة، فقوله: {وما كان [الله] ليعذبهم وأنت ~~فيهم}، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، { وما كان [الله] معذبهم وهم ~~يستغفرون}، يعني: من بها من المسلمين {وما لهم ألا يعذبهم الله}، يعني: من ~~بمكة من الكفار. # فمعنى: {وما لهم ألا يعذبهم الله}، أي: خاصة، فعذبهم الله ( عز وجل) . ~~بالسيف، وفي ذلك نزلت: {سأل سآئل بعذاب واقع}، الآية. وهو النضر. سأل ~~العذاب. # وروي عن ابن عباس [أن] المعنى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}، يا ~~محمد، أي: حتى نخرجك من بين أظهرهم، {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}، ~~قال: كان المشركون يطوفون بالبيت يقولون: " لبيك لبيك، لا شريك لك "، فيقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم " قد، [قد] "، فيقولون: " إلا شريك هو لك، تملكه ~~وما ملك "، ويقولون: " غفرانك، PageV04P2806 # غفرانك "، فهذا استغفارهم. قال: وقوله: {وما لهم ألا يعذبهم الله}، يعني ~~في الآخرة. # وقال قتادة المعنى: {وما كان (الله) معذبهم وهم يستغفرون}، أي: لو ~~استغفروا لم يعذبهم، ولكنهم ليس يستغفرون، فلذلك قال: {وما لهم ألا يعذبهم ~~الله}، وهم لا يستغفرون، ويصدون عن المسجد الحرام. # وهو اختيار الطبري. قال: كما نقول: " ما كنت لأحسن إليك وأنت تسيء إلي "، ~~يراد به: لا أحسن/ إليك إذا أسأت إلي، أي: لو أسأت إلي لم أحسن إليك. # وكما قال: # بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت PageV04P2807 # أي: إنما شاموها بعد أن كثرت القتلى. # وشمت السيف من الأضداد، شمته: سللته وأغمدته. # وقال بعض العلماء: هما أمانان أنزلهما الله عز وجل، فالواحد قد مضى وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني باق وهو استغفار (أمن) من نزول العذاب ~~به في الدنيا. # وقال ابن زيد معنى: {وهم يستغفرون}، أي: لو استغفروا لم أعذبهم. وهم لا ~~يستغفرون، فما لهم ألا يعذبوا. # وهو قول قتادة الأول. # ومعنى ذلك قال السدي. PageV04P2808 # وقال عكرمة المعنى: لم يكن الله ليعذبهم وهم يسلمون. # و" الاستغفار " هنا: ms0944 الإسلام. # وقال مجاهد: {وهم يستغفرون}، أي: وهم مسلمون، {وما لهم ألا يعذبهم الله}، ~~يعني: قريشا، بصدهم {عن المسجد الحرام}. # وروي عن ابن عباس، أيضا أنه قال: {وهم يستغفرون}، [أي:] فيهم من سبق له ~~[من الله] الدخول في الإسلام، فاستغفار مقدر فيهم يكون قال: {وما لهم ألا ~~يعذبهم الله}، يعني: يوم بدر بالسيف. # وروي عنه أيضا: {وهم يستغفرون}: وهم يصلون. # وروي عنه أيضا: {وهم يستغفرون}، وفيهم مؤمنون يستغفرون فلما خرجوا PageV04P2809 # مع النبي صلى الله عليه وسلم، أنزل الله عز وجل: { وما لهم ألا يعذبهم ~~الله}، يعني: من بقي من الكفار بمكة. # وعن مجاهد أيضا: {وهم يستغفرون}: يصلون. # وكذلك قال الضحاك. # وروي عن عكرمة، والحسن أنهما قالا: قوله: {وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون}، يعني: المشركين، ثم نسخ ذلك قوله: {وما لهم ألا يعذبهم [الله] ~~وهم يصدون عن المسجد الحرام}. # وقيل المعنى: وأولادهم يستغفرون، قد سبق في علم الله، عز وجل، أنهم يؤمن ~~أولادهم ويستغفرون، فلم يكن ليعذب هؤلاء بالاستئصال. وقد سبق أنهم يلدون PageV04P2810 # من يؤمن ويستغفر. # وقيل المعنى: وفيهم من يستغفرون. وهم من كان بمكة بين أظهرهم من المؤمنين ~~لم يخرجوا بعد من المستضعفين وغيرهم، وقاله الضحاك. قال: وقوله: {وما لهم ~~ألا يعذبهم الله}، يعني: الكفار خاصة. # قال مجاهد: {وهم يستغفرون}: يصلون، يعني: من بمكة من المؤمنين. # وقوله: {وما لهم ألا يعذبهم الله}. # " أن ": في موضع نصب. # والمعنى: وأي شيء لهم في دفع العذاب عنهم. وهذه حالهم. PageV04P2811 # وقيل: هي زائدة. # وقيل المعنى: وما كان يمنعهم من أن يعذبوا. وهذه حالهم. # قوله: {وما كانوا أوليآءه}. # يعني: مشركي قريش. # {إن أوليآؤه إلا المتقون}. # يعني: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد {إلا المتقون}، أي كانوا أو حيث كانوا. # {ولكن أكثرهم}. # أي: أكثر المشركين: {لا يعلمون}، أن أولياء الله هم المتقون، بل يحسبون PageV04P2812 # أنهم هم أولياء الله. # ومن قال: إن قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}، يعني به ~~المؤمنين، وقف على: {وأنت فيهم}، لأن الأول للكافرين، والثاني للمؤمنين، ~~وهو قول الضحاك، وعطية، ms0945 وابن عباس في بعض الروايات عنه. # ومن قال: إن الكلام كله للكفار، وهو ما روي عن ابن عباس، وأبي زيد، ~~والسدي، لم يقف على: {وأنت فيهم}. # {وما كانوا أوليآءه}، وقف. # والأحسن في هذه الآيات أن يكون المعنى: أن منهم من سيؤمن فيستغفر، PageV04P2813 # وقد علم الله عز وجل، ذلك منهم، فهو قوله: {وهم يستغفرون}، / أي: سيكون ~~منهم ذلك، ومنهم من يموت على الكفر، علم الله ذلك منهم، فهم الذين قيل ~~فيهم: {وما لهم ألا يعذبهم الله}، والسورة مدنية كلها. # قوله: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية}، إلى قوله: {يحشرون}. # روي عن أبي بكر عن عاصم: # {وما كان صلاتهم}، بالنصب، {إلا مكآء وتصدية}، بالرفع، مثل قول PageV04P2814 # الشاعر: # يكون مزاجها عسل وماء. ... ومعنى الآية: وما كان يا محمد، صلاة هؤلاء ~~المشركين عند البيت الحرام {إلا مكآء}، أي: تصفيرا، {وتصدية}، أي: تصفيقا. # يقال: مكا يمكو مكوا ومكاء، إذا صفر. PageV04P2815 # وصدى يصدي تصدية، إذا صفق. # وقال ابن زيد، وابن جبير: (التصدية): صدهم عن سبيل الله. # وهذا إنما يجوز على أن تقدر أن " الياء " بدل من " دال "، مثل: تظنيت في ~~تظننت. # وحكى النحاس: أنه يجوز أن يكون معناه: الضجيج والصياح، من قولهم: " صد ~~يصد " إذا ضج. # وتبدل من إحدى " الدالين " " ياء " أيضا كالأول، وأصله: " تصددة " في PageV04P2816 # القولين جميعا، ثم أبدلت من " الدال الثانية " " ياء ". # قال ابن عباس: كانت قريش تطوف حول البيت عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله ~~عز وجل، { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32]، فأمر بلبس ~~الثياب. # وقال مجاهد " المكاء ": إدخالهم أصابعهم في أفواههم ينفخون، و " التصدية ~~": الصفير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. # وقال قتادة " المكاء ": الصفير بالأيدي، و " التصدية ": صياح كانوا ~~يعارضون به القرآن. # وقال السدي " المكاء ": صفير على لحن طير أبيض يقال له: " المكاء "، يكون ~~بأرض الحجاز. PageV04P2817 # وقوله: {فذوقوا العذاب}. # هو العذاب بالسيف الذي نزل بهم يوم بدر. # وهذا ذوق بالحس يصل ألمه إلى القلب كما يصل الذوق في مرارته وطيبه إلى ms0946 ~~القلب فسمي ذوقا لذلك. # ثم أخبرنا، تعالى، أن الذين كفروا يعطون أموالهم للمشركين مثلهم ليتقووا ~~بها على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فيصدون بذلك عن سبيل الله، وهو ~~الإسلام، فيسنفقون أموالهم {ثم تكون} نفقتههم عليهم {حسرة}؛ لأن الأموال ~~تذهب، ولا يصلون إلى ما أملوا، فذهابها في الدنيا حسرة عليهم، وما اجترحوا ~~من إثمها عليهم حسرة في PageV04P2818 # الآخرة أيضا، {ثم يغلبون}، ولا تنفعهم نفقتهم، وهم إلى ربهم يحشرون في ~~المعاد. # قال ابن أبزى: نزلت هذه الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين ليقاتل ~~بهم النبي صلى عليه السلام، سوى من استجاش من العرب. # قيل: إنه أنفق أربعين أوقية [من ذهب]، يوم أحد، والأوقية يومئذ: اثنان ~~وأربعون مثقالا. # وذلك أنه لما وصل بالعير إلى مكة دعا الناس إلى القتال، فغزا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في العام المقبل إلى أحد. وكانت بدر في رمضان، يوم جمعة ~~صبيحة عشرة من رمضان. وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه ~~في العام الثاني من بدر، وهو العام الرابع من الهجرة. # وروى جماعة من التابعين: أن أبا سفيان لما سلم بعيره [إلى مكة] / كانت ~~العير لجماعة، فتكلم قريش إلى أصحاب العير أن يعينوهم بمالها على حرب النبي ~~عليه السلام، ليطلبوا أثأرهم ففعلوا، فأنزل الله، عز وجل: { إن الذين كفروا ~~ينفقون أموالهم} الآية. PageV04P2819 # قوله: {ليميز الله الخبيث (من الطيب)}، إلى قوله: {سنة الأولين}. # المعنى: إن الله عز وجل، يحشرهم ليميز الخبيث من الطيب، أي: أهل السعادة ~~من أهل الشقاء. # وقيل: المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض. (أي: يجعل الكافر ~~بعضهم على بعض، أي: فوق بعض). # {فيركمه جميعا}. # أي: يجمعه بعضه إلى بعض. و " الركام ": المجتمع، ومنه قوله في السحاب: PageV04P2820 # {ثم يؤلف بينه}، أي يجمع المفترق، {ثم يجعله ركاما} [النور: 43]، أي: ~~مجتمعا كثيفا. # {فيجعله في جهنم}. # أي: الخبيث فوحد اللفظ ليرده على الخبيث، ثم جمع آخرا ردا على المعنى. # وقيل معنى: ليميز الخبيث من الطيب، أي: ما أنفقه الكافرون ms0947 في معصية الله، ~~سبحانه، فيجمعه فيجعله في جهنم، فيعذبون به. و {الطيب}: ما أنفقه المسلمون ~~في رضوان الله عز وجل. # ثم قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا}. # أي: {قل}، يا محمد، {للذين كفروا إن ينتهوا}، أي: عما نهوا عنه، {يغفر ~~لهم ما قد سلف}، أي: ما سلف وتقدم من ذنوبهم، {وإن يعودوا}، أي: إلى ما ~~نهوا عنه من الصد عن سبيل الله عز وجل، والكفر بآيات الله سبحانه، وإلى مثل ~~قتالك يوم بدر، {فقد مضت سنة الأولين}، أي: سنة من قتل يوم بدر، ومن هو ~~مثلهم في أهلاك الله عز وجل، إياهم يوم بدر وغيرها. # قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}، إلى قوله: {نعم المولى ونعم ~~النصير}. PageV04P2821 # المعنى: إن الله ( عز وجل) ، أمر المؤمنين بقتالهم لئلا تكون {فتنة}، أي: ~~شرك. ف " الفتنة " هنا: الشرك، ولا يعبد إلا الله سبحانه. # وقال قتادة: المعنى: حتى يقال: لا إله إلا الله. # وقال الحسن: {فتنة}: بلاء. # وقال ابن إسحاق معناه: حتى لا يفتن مؤمن عن دنيه، ويكون التوحيد لله ~~خالصا. # {فإن انتهوا}. # أي: عن الفتنة، وهي: الشرك، فإن الله لا يخفى عليه عملهم. # {وإن تولوا}. # عن الإيمان، وأبو إلا الفتنة، فقاتلوهم، واعلموا أن الله معينكم وناصركم، ~~{نعم المولى} هو لكم، أي: المعين، {ونعم النصير}، أي: الناصر. PageV04P2822 # قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} الآية. # هذه الآية تعليم من الله عز وجل، للمؤمنين، أن كل ما غنموه من غنيمة، وهو ~~" الفي ". # وقيل: " الغنيمة ": ما أخذ عنوة، و " الفيء ": ما أخذ صلحا. ف: " الغنيمة ~~": أربع أخماسها لمن شهد القتال، للراجل: سهم، وللفارس: سهمان. PageV04P2823 # والصلح على ما صولحوا عليه، وليس فيه خمس، إنما هو لمن سمى الله عز وجل، ~~في قوله: {مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7]. # وقيل: " الغنيمة "، و " الفي " واحد، فيه الخمس في " الحشر " قاله قتادة. # وقوله: {لله خمسه}. # مفتاح كلام، والدنيا والآخرة لله، عز وجل/ وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يقسم " الخمس " على PageV04P2824 # خمسة: فخمس لله وخمس لرسوله هو ms0948 [خمس] واحد. # وقيل: إن خمس لخمس لله وللرسول، كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقبض في " ~~الخمس " قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم باقي الخمس إلى خمسة. # وقال ابن عباس: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، يأخذ من " الخمس " ~~شيئا، إنما كان يعطي ذلك لقرابته مع نصيبهم. # وقد أجمعوا على أن " الخمس " لا يقسم على ستة. PageV04P2825 # ومذهب الشافعي أن يقسم الآن على: خمسة، فيجعل، جزء فيما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم، يجعله، وذلك أن يجعل تقوية للمسلمين، وكذا روي أنه كان ~~يفعل، ويعطي الأربعة الأخماس: الخمس {ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل} سهما سهما. # وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: للفقراء: ثلث، وللمساكين ثلث، ~~ولابن السبيل ثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا ~~صدقة "، فسقط خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وخمس ذوي القربى. # ومذهب مالك رضي الله عنه: أن الإمام يعطي من رأى من هؤلاء المذكورين من ~~هو أحوج، فإذا جعلت في بعض دون بعض جاز. PageV04P2826 # ومعنى: {ولذي القربى}. # هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بني هاشم. # وقال أبو سعيد الخدري عن ابن عباس: إنهم قريش كلهم. # {واليتامى}. # أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم. # {والمساكين}. PageV04P2827 # أهل الفاقة. # {وابن السبيل}. # المجتاز مسافرا قد انقطع به. # {إن كنتم آمنتم بالله}. # أي: صدقتم بتوحيده، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا. # {يوم الفرقان}. # وهو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل. # {يوم التقى الجمعان}. # يعني: جمع المسلمين وجمع المشركين، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، PageV04P2828 # كان المشركون ما بين الألف والتسعمئة والمسلمون ثلاثمئة وبضعة عشر رجلا، ~~فقتل من المشركين أزيد من سبعين، وأسر مثل ذلك. # وقال بعض نحويي البصرة قوله: {إن كنتم آمنتم بالله}، متعلق بقوله: {نعم ~~المولى ونعم النصير}. # وقيل: هو متعلق بما قيل من ذكر الغنيمة وقسمتها، وجواب الشرط محذوف، ~~والمعنى: إن كنتم [آمنتم] بالله فاقبلوا ما أمرتم به. # {والله على كل شيء قدير}. PageV04P2829 # أي: على إهلاك أهل ms0949 الكفر، وغير ذلك مما يشاء قدير. # قوله: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى} إلى قوله: {لسميع ~~عليم}. # العامل في {إذ} قوله: {ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان} [الأنفال: 41] {إذ أنتم}. # والمعنى: إذ أنتم نزول شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بشفير ~~الوادي الأقصى إلى مكة. # {والركب أسفل منكم}. # أي: والعير التي فيها أبو سفيان وأصحابه أسفل منكم إلى ساحر البحر. # ولا يقال: ركب إلا للذين على الإبل. PageV04P2830 # وكان أبو سفيان قد أتى هو وأصحابه تجارا من الشام، لم يشعروا بأصحاب بدر، ~~ولم يشعر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. بكفار قريش، ولا كفار قريش بأصحاب ~~محمد عليه السلام، حتى التقوا على ماء بدر. # {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد}. # أي: لو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه عن ميعاد، لاختلفتم، ~~لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم. # {ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا}. # أي: جمعكم الله عز وجل، وإياهم {ليقضي الله} عز وجل، { أمرا كان مفعولا}، ~~وذلك القضاء هو/ نصره للمؤمنين، وتعذيبه للمشركين بالسيف والأسر. # وقيل: المعنى: لو كان [ذلك] [عن] ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة PageV04P2831 # عددهم مع قلة عددكم، ما لقيتموهم. # قال كعب بن مالك: إنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بدر يريد عير ~~قريش، حتى جمع الله عز وجل، بينهم وبين عدوهم؛ لأن أبا جهل خرج ليمنع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، من العير، فالتقوا ببدر، ولا يشعر كل واحد بصاحبه. # ثم قال تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة}. # أي: ليموت من مات عن حجة، أي: جمعهم على غير ميعاد، {ليهلك من هلك عن ~~بينة}، أي: عن حجة قطعت عذره، ويعيش من عاش عن حجة قد ظهرت له. PageV04P2832 # وقيل المعنى: ليكفر عن أمر بين، ويؤمن من آمن عن أمر بين. # {وإن الله لسميع عليم}. # أي: لقولكم: {عليم} بما تضرمه نفوسكم في كل حال. # قوله: {من حي}. # من قرأ ب " الإدغام "، فإنه أدغم لاجتماع المثلين؛ ولأنه في السواد ب: " ~~ياء " واحدة. # ومن أظهر أجراه ms0950 مجرى المستقبل، فلما لم يجز الإدغام في المستقبل (أجري PageV04P2833 # الماضي على ذلك، فأظهر وقد أجاز الفراء الإدغام في المستقبل)، ومنعه جميع ~~البصريين؛ لأنه يجتمع في المستقبل حرفان متحركان، ف: " الياء " الثانية حق ~~أصلها أن تكون ساكنة، ولا يقاس هذا على ما صح لم يخف؛ لأن " يحيى " يحذف ~~ياؤه للجزم، ولا يحذف في " يخف " شيء للجزم. # قوله: {إذ يريكهم الله في منامك قليلا}، إلى قوله: {ترجع الأمور}. # والمعنى: إن الله عز وجل، يا محمد، {لسميع} لما يقول أصحابك {عليم} بما ~~يضمرون، إذ يريك عدوك وعدوهم {في منامك قليلا}، فتخبر أصحابك بذلك، فتقوى PageV04P2834 # نفوسهم، ويجترئون على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرا، لفشل ~~أصحابك فجبنوا على قتالهم، وتنازعوا في ذلك، {ولكن الله سلم}، من ذلك بما ~~أراك في منامك من قتلهم {إنه عليم}، بما تجنه الصدور. # قال مجاهد: أراهم الله عز جل، نبيه عليه السلام، في منامه قليلا، فأخبر ~~أصحابه، فكان تثبيتا لهم. # وقال الحسن: كان ذلك رؤية حق غير منام. # والمعنى: {إذ يريكهم [الله]} بعينك التي تنام بها {قليلا}، فالمعنى على ~~هذا: في موضع منامك. PageV04P2835 # وهو عند جميع أهل التفسير رؤيا في النوم كانت، إلا الحسن: فأما قوله: ~~{وإذ يريكموهم إذ التقيتم}، فهي رؤية حق لا منام، وهذا خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأصحابه. # ومعنى: {ولكن الله سلمر}. # أي: سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظفرهمه. # وقيل المعنى: سلم أمره فيهم. # وقيل: سلم القوم من الفشل بما أرى نبيهم صلى الله عليه وسلم. من قلتهم. ~~قاله ابن عباس. يقال: فشل الرجل، أي: جبن. PageV04P2836 # ثم قال: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا}. # أي: أراكم، أيها المؤمنون، عدوكم، قليلا، وهم كثير ليهون عليكم أمرهم، ~~فلا تجزعوا ولا تجبنوا، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، ~~فتهون على المؤمنين شوكتهم. # قال عبد الله بن مسعود: قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى ~~جانبي: أراهم سبعين؟ قال: أراه مائة، قال: فأسرنا رجلا منهم/ فقلنا: كم ~~كنتم؟ قال: ألفا. # وكان من قول ms0951 أبي جهل لأصحابه لما قلل الله عز وجل، المسلمين في عينيه: يا ~~قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خذوهم أخذا، فاربطوهم بالحبال. PageV04P2837 # ثم قال: {ليقضي الله أمرا كان مفعولا}. # أي: فعل ذلك، فيظفركم بعدوكم، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين ~~كفروا السفلى. # {وإلى الله ترجع الأمور}. # أي: تصير في الآخرة إليه، فيجازي كل نفس بماكسبت. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا}، إلى قوله: {مع ~~الصابرين}. # هذه الآية تحريض من الله، عز وجل، للمؤمنين في الثبات عند لقاء العدو، ~~وأمرهم بذكر الله، سبحانه {كثيرا}، أي: يذكرونه في الدعاء إليه في النصر ~~على عدوهم، {لعلكم تفلحون}. # {وأطيعوا الله} عز وجل، { ورسوله} عليه السلام، أي: فيما أمركم به، {ولا ~~تنازعوا}، أي: تختلفوا فتفترق قلوبكم، {فتفشلوا}، أي: تضعفوا وتجنبوا، ~~{وتذهب ريحكم}، أي: قوتكم وبأسكم ودولتكم، فتضعفوا، {واصبروا}، أي: اصبروا ~~مع نبي الله عز وجل، عند لقاء عدوكم، {إن الله مع الصابرين}، أي: معكم. PageV04P2838 # قال مجاهد، وابن جريج ذهب ريح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين ~~نازعوه يوم أحد، أي: تركوا أمره، يعني: الرماة. # قال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهم: (الريح) ريح النصر. # قال ابن زيد: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل، يضرب بها وجوه ~~العدو، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قوام. # فمعنى: {وتذهب ريحكم}. # (أي): الريح التي هي النصر، وعلى ذلك قال قتادة ومجاهد: {ريحكم}: نصركم. PageV04P2839 # قوله: {ولا تكونوا كالذين خرجوا}، الآية. # هذه الآية تنبيه للمؤمنين ألا يعملوا عملا إلا الله عز وجل، وطلب ما عنده ~~تبارك وتعالى، ولا يفعلوا كفعل المشركين في مسيرهم إلى بدر طلب رئاء الناس. ~~وذلك أنهم أخبروا أن العير قد فاتت النبي صلى الله عليه وسلم، [ وأصحابه]، ~~وقيل لهم: ارجعوا فقد سلمت العير التي جئتم لنصرتها، فأبوا الرجوع، وقالوا: ~~نأتي بدرا فنشرب بها الخمر، وتعزم علينا بها القيان، وتتحدث بنا العرب، ~~فسقوا مكان الخمر المنايا. # وفيهم نزل: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس} الآية. # قال ابن عباس: ms0952 لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم ~~إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجت، فارجعوا، فقال أبو ~~جهل بن هشام: والكله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان " بدر " موسما من مواسم ~~العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم عليهم ثلاثا، وننحر الجزر، ونطعم ~~الطعام، فمضوا حتى أتوا بدرا، فاجتمع السقاة على الماء من هؤلاء ومن هؤلاء، ~~فجاز المشركون الماء. PageV04P2840 # ومعنى " البطر ": التقوية بنعم الله، تعالى على المعاصي، فأمر الله عز ~~وجل المؤمنين بإخلاص العمل له، ولا يكونوا كهؤلاء، الذين أتوا بدرا للرياء ~~والسمعة بطرا منهم. # قوله: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم}، الآية. # المعنى: اذكر إذ زين لهؤلاء الكفار الشيطان أعمالهم. # وقيل: المعنى: {وإن الله لسميع عليم} [الأنفال: 42]، في هذه الأحوال، ~~وحين زين لهم الشيطان أعمالهم. # قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر بجنوده فزين لهم أنهم لن ينهزموا وهم ~~يقاتلون على دين آبائهم، وأنه جار لهم، فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى ~~إمداد الملائكة {نكص على عقبيه}، أي: رجع مدبرا، وقال لهم: {إني أرى ما لا ~~ترون}. PageV04P2841 # قال السدي: أتى المشركين إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني الشاعر/ ~~على فرس فقال: {لا غالب لكم اليوم من الناس}، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا ~~جاركم سراقبة بن مالك، وهؤلاء كنانة قد أتوكم. # وقال قتادة: لما رأى الملعون جبريل عليه السلام تنزل معه الملائكة، علم ~~أنه لا يدين له بالملائكة، فقال: {إني أرى ما لا ترون}، وقال: {إني أخاف ~~الله}، وكذب الملعون، ما به مخافة الله عز وجل، ولكن لما رأى ما لا منعة له ~~منه، فرق وقال ذلك، وهو كاذب على نفسه. PageV04P2842 # وقيل: إنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، فخاف. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما رئي إبليس يوما هو فيه أصغر، [ولا ~~أدحر]، ولا أحقر، ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة ~~والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر "، قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم ~~بدر؟ ms0953 قال: " أما إنه رأى جبريل عليه السلام، يزع الملائكة ". # قال الحسن: رأى جبريل عليه السلام، معتجرا ببرد، يمشي بين يدي النبي عليه ~~السلام، وفي PageV04P2843 # يده اللجام. # ومعنى: {نكص على عقبيه}. رجع القهقري. # وقيل معناه: رجع من حيث جاء. # وكانت وقعة بدر لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، من مكة. # قال مالك: على رأس سنة ونصف. # وكانت وقعة أحد بعد بدر بسنة. PageV04P2844 # قوله: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} إلى قوله: {للعبيد}. # المعنى: واذكر، يا محمد، {إذ يقول}. # وقيل المعنى: {لسميع عليم} [الأنفال: 42]، في هذه الأحوال، وحين يقول ~~المنافقون: كذا وكذا. # و {المنافقون} هنا: نفر لم يستحكم الإيمان في قلوبهم من مشركي قريش، ~~خرجوا مع المشركين من مكة وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم قالوا: {غر هؤلاء دينهم}، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع ~~قلبة عددهم. # وقال الحسن: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا: " منافقين ". # وقال معمر: هم قوم أقروا بالإسلام بمكة، ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر، ~~فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: {غر هؤلاء دينهم}. # قال ابن عباس: إنما قالوا ذلك حين قلل الله المسلمين في أعين المشركين، ~~فظنوا PageV04P2845 # أنهم يغلبون لا محالة. # وقوله: {ومن يتوكل على الله}. # أي: يسلم أمره إلى الله عز وجل { فإن الله عزيز}، أي: لا يغلبه شيء، ولا ~~يقهره أمر {حكيم} في تدبيره. # ف {المنافقون}: هم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الشرك، {والذين في ~~قلوبهم مرض}: هم الشاكون في أمر الإسلام. وقيل: هما واحد، كما قال: {الذين ~~يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3]، ثم قال: {والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك} ~~[البقرة: 4]، وهما واحد. # ويروى أن رجلا من الأنصار رأى الملائكة يوم بدر، فذهب بصره، فكان يقول: ~~لولا ما ذهب بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة. # قال: ولقد سمعت حمحمة الخيل. # قوله: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة}. PageV04P2846 # أي: لو عاينت ذلك، يا محمد، رأيت أمرا عظيما، ms0954 يضربون وجوههم وأستاههم، ~~يقولون لهم: {وذوقوا عذاب الحريق}، أي: النار. ف: " يقولون " محذوفة من ~~الكلام. # وجواب {لو} محذوف. والمعنى: ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما، وشبه هذا. # وهذا إنما يكون عند قبض أرواحهم. PageV04P2847 # وقيل: إنما يكون يوم القيامة. # وقيل: أريد به يوم بدر، قاله مجاهد. # قال مجاهد {أدبارهم}: أستاههم، ولكن الله كريم يكني. # قال ابن عباس: / كان المشركون إذا أقبلوا بوجوهم يوم بدر إلى المسلمين، ~~ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم. # قوله: {الذين كفروا}. وقف، إن جعلت المعنى: إذ يتوفى الله الذين كفروا، ~~ثم تبتدئ: {الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم}، على الابتداء والخبر. # ويدل على هذا المعنى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42]. PageV04P2848 # وإن جعلت الملائكة هم يتوفونهم، وقفت على {الملائكة}، وهو مروي عن نافع، ~~وجعلت {يضربون}، على إضمار مبتدأ، أي: هم يضربون. # والأحسن الوقف على {أدبارهم}، وهو التمام وتبتدئ: {وذوقوا}، على معنى: ~~ويقولون. # {وذوقوا عذاب الحريق} تمام، إن قدرت " الكاف " في {كدأب} [الأنفال: 52]، ~~متعلقة بقوله: {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد}. # فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: {ذلك بما قدمت أيديكم}. فإن قدرت أنها ~~متعلقة بقوله: {وذوقوا عذاب الحريق}، لم تقف على: {الحريق}؛ لأن المعنى: ~~{وذوقوا عذاب الحريق} ذوقا {كدأب آل فرعون}. ف: " الكاف " على هذا في موضع ~~نصب نعت لمصدر محذوف. PageV04P2849 # و {ذلك}، في موضع رفع بالابتداء، والخبر: {بما قدمت أيديكم}، والتقدير: ~~ذلك العذاب لكم {بما قدمت أيديكم}، أي: من الآثام. # وقيل: هو في موضع رفع إضمار مبتدأ، والتقدير: الأمر ذلك. # {وأن الله}، " أن " في موضع خفض عطفا على " ما ". # أو في موضع نصب على حذف حرف الجر. # أو في موضع رفع نساقا على: {ذلك}. # أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: وذلك أن الله. # قوله: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله} إلى قوله: {سميع ~~عليم}. PageV04P2850 # " الدأب ": العادة، وأصله من قولهم: " فلان يدأب على الشيء ": # أي: يدوم عليه ويلزمه. # و" الكاف " متعلقة بقوله: {ذلك بما قدمت أيديكم}. # من المعاصي كعادة آل فرعون والذين ms0955 من قبلهم. # و" الكاف " من: {كدأب}، في موضع رفع على إضمار مبتدأ. # أي: العادة في تعذيبكم عند قبض الأرواح وفي القبور مثل العادة في آل ~~فرعون. # ويجوز أن تكومن " الكاف " متعلقة ب: {وذوقوا عذاب الحريق}، فتكون في موضع ~~نصب على معنى: ذوقوا مثل عادة آل فرعون في إذاقتا إياهم العذاب. # فالمعنى: فعل هؤلاء المشركون كما فعل آل فرعون، أو فعلنا، بهم كفعلنا بآل ~~فرعون، فإذا رددت التشبيه إلى فعل المشركين وفعل آل فرعون جاز، وإذا رددته ~~إلى PageV04P2851 # فعل الله عز وجل بهؤلاء كفعله بهؤلاء جاز، ويتمكن في كلا الوجهين في: " ~~الكاف " الرفع والنصب. # قال مجاهد المعنى: كسنن آل فرعون. # وقوله: {فأخذهم الله بذنوبهم}. # أي: فعاقبهم الله بتكذيبهم. # {إن الله قوي}. # أي: لا يغلبه غالب. # {شديد العقاب}. # لمن كفر به. # قوله: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم}، الآية. # {ذلك}: في موضع نصب، على معنى: فعلنا ذلك. PageV04P2852 # ويجوز أن يكون في موضع رفع، على معنى: هذا ذلك. # وقوله: {بأن الله}: في موضع رفع أو نصب عطف على: {ذلك}. # والمعنى: فعلنا ذلك بمشركي قريش ببدر بذنوبهم، بأنهم غيروا نعم الله ~~عليهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ~~وتغييرهم لها هو كفرهم بما أتاهم به، وإخراجه من بين أظهرهم، وحربهم إياه. # قال السدي " نعمة الله " على قريش: محمد صلى الله عليه وسلم كفروا بها، ~~فنقله الله إلى الأنصار. # {سميع عليم}: تمام، إن جعلت المعنى فيما بعده: عادتهم كعادة فرعون، فتضمر ~~مبتدأ تكون " الكاف " خبره. # وإن جعلت {كدأب} متعلقة بقوله: {حتى يغيروا ما بأنفسهم} لم تقف على: ~~{سميع عليم}. # ويكون التقدير/ في التعليق: {حتى يغيروا ما بأنفسهم}، كعادة آل فرعون في PageV04P2853 # التغيير والإهلاك. # قوله: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم}. # {كدأب} في هذه ليست بتكرير للأولى، لأن المعنى في الأولى: العادة في ~~التعذيب، أو العادة في فعل المشركين بنبيهم كالعادة في آل فرعون، وهذا ~~الثاني المعنى فيه: العادة في التغيير من هؤلاء كعادة ms0956 آل فرعون في ذلك، ~~فأهلك من كان قبل فرعون بذنوبهم، وأغرق (آل) فرعون، والجميع كانوا ظالمين، ~~فكذلك أهلك هؤلاء بالسيف ببدر، إذ غيروا نعمة الله وهي الكفر بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا}، إلى قوله: {وهم لا يتقون}. # المعنى: إن شر من دب على وجه الأرض، الذين كفروا بالله ورسوله. # و {الدواب}: يقع على الناس وعلى البهائم، وقد قال تعالى في موضع آخر: ~~{وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6]. PageV04P2854 # وقوله: {الذين عاهدت منهم}، بدل من {الذين كفروا}. # والمعنى: الذين أخذوا عهدك ألا يحاربوك، ولا يعاونوا عليك كقريظة، إذ ~~والت على النبي صلى الله عليه وسلم، يوم الخندق أعداءه بعد عهدهم له ألا ~~يفعلوا ذلك، {وهم لا يتقون}، الله في ذلك، ولا يخافون أن يوقع بهم الهلاك ~~لفعلهم ذلك. # قوله: {فإما تثقفنهم في الحرب}، إلى قوله: {الخائنين}. # " إما ": للشرط، وتلزمه النون الشديدة توكيدا، لدخول " ما " من " إن "، ~~هذه علة البصريين. PageV04P2855 # وقال الكوفيون: تدخل " النون " الخفيفة والشديدة مع " إما " للفرق بين ~~كونها للشرط وكونها للتخيير. # ومعنى الآية: إن لقيت يا محمد، هؤلاء الذين عاهدتم، ثم نقضوا عهدك في ~~الحرب {فشرد بهم من خلفهم}. # أي: افعل بهم فعلا يكون مشردا لمن خلفهم من نظرائهم، ممن بينك وبينه عهد. # و" التشريد ": التطريد والتبديد والتفريق. PageV04P2856 # فأمر بذلك صلى الله عليه وسلم ليكون أدبا لغيرهم، فلا يجترئوا على مثل ما ~~فعله [هؤلاء] من نقض العهد. # وقال السدي: {فشرد بهم من خلفهم}، أي: نكل بهم، ليحذر من خلفهم ممن بينك ~~وبينه عهد. # {لعلهم يذكرون}. # أي: يتعظون إذا رأوا ما صنع بمن نقض العهد. # وقوله: {وإما تخافن من قوم خيانة}. # أي: إن خفت يا محمد، من قوم بينك وبينهم عهد (وعقد) أن يخونوك وينقضوا ~~عهدك، {فانبذ إليهم على سوآء}، أي: حاربهم وأعلمهم قبل إتيانك لحربهم أنك ~~فسخت عهدهم، لما كان منهم من أمارة نقض العهد، وإتيان الغدر والخيانة منهم، ~~فيستوي علمك وعلمهمه في الحرب، {إن الله لا ms0957 يحب الخائنين}، أي: من خان PageV04P2857 # عهدا، أو نقض عهدا. # و" الخوف " هنا: ظهور ما يتيقن منهم من إتيان الغدر، وليس هو الظن. # ومعنى: {فانبذ إليهم على سوآء}. # أي: انبذ إليهم العهد، وأعلمهم بأنك قد طرحته، لما ظهر إليك منهم، وأنك ~~محارب لهم، فيستوي أمركما في العلم. # قال الكسائي: {على سوآء}: على عدل، أي: تعدل بأن يستوي علمك وعلمهم. # وقال الفراء المعنى: افعل بهم كما يفعلون سواء. PageV04P2858 # وقال أيضا: {على سوآء}: جهرا لا سرا. # قال أبو عبيدة معنى: {تخافن}: توقنن. # قوله: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا}، إلى قوله: {وأنتم لا تظلمون}. # خطأ أبو حاتم من قرأ ب: " الياء "، ووجهها عند غيره ظاهر حسن. PageV04P2859 # والمعنى في " الياء ": ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا، فيكون ضمير ~~الفاعل في {يحسبن}، يعود على {من خلفهم} [الأنفال: 57]، و {الذين كفروا}: ~~مفعول أول، و {سبقوا} في موضع الثاني. # وقال الفراء التقدير: أن سبقوا. # وقال: وفي حرف عبد الله: / {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا ~~يعجزون}. # وروي عنه: " ولا يحسب "، بفتح الباء، على إرادة النون [الخفيفة]. PageV04P2860 # ومن فتح: {إنهم}، وقرأ ب " الياء " أو ب: " التاء " فمعناه: لأنهم، ولا ~~يجوز أن يكون مفعولا ثانيا ب: " حسب "، كما لا يجوز: حسبت زيدا أنه قائم؛ ~~لأن زيدا غير قيامه، ولو قلت: حسبت أمرك أنك قائم، جاز فتح " أن " لأن أمرك ~~هو قيامك. # ومعنى ذلك: لا يحسب من ظفر بالخلاص من هذه الوقعة سبق. # ثم قال: {إنهم لا يعجزون}، لا يفترون. # ومن قرأ ب: " الياء " فمعناه: لا يحسب من خلفهم الذين كفروا سبقوا، PageV04P2861 # أي: بالخلاص، ثم قال: {إنهم لا يعجزون}، أي: لا يفوتون. # ثم حض المؤمنين على أن يعدوا لهؤلاء الذين خيف منهم نقض العهد ما ~~استطاعوا {من قوة}. # أي: من الآلات التي تكون قوة في الحرب مثل: السلاح، والنبل، والخيل. # و" القوة: الرمي "، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال عكرمة: {من قوة}: الحصون. # وقال مجاهد: {من قوة}: ذكور الخيل، {ومن رباط الخيل}: إناثها. # قوله: {ترهبون به ms0958 عدو الله}. # أي: تخيفونهم به. PageV04P2862 # وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ألا إن القوة الرمي "، ~~وأعادها ثلاثا. # قال عكرمة: [القوة]: ذكور الخيل، ورباطها: إناثها. # قال عقبة بن عامر الجهني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ~~يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي ~~به، ومنبله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وليس اللهو ~~إلا ثلاثة: تأديب الرجل PageV04P2863 # فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه ونبله. ومن ترك الرمي من بعد ما علمه ~~فإنه نعمة كفرها أو كفر بها ". # قال أبو نجيح السلمي: حاصرنا قصر الطائف فسمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يقول: " من رمى بسهم في سبيل الله، فهو له عدل رقبة، ومن شاب شيبة في ~~الإسلام فهو له عدل محرر من النار ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم ~~القيامة: الأجر والمغنم " # ، رواه عروة البارقي عنه، وكذلك رواه أبو هريرة وابن عمر. # وروى أنس بن مالك عنه أنه قال: " البركة في نواصي الخيل ". PageV04P2864 # وروى عنه أبو هريرة أنه قال: " من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا ~~بالله، وتصديقا بوعد الله، كان شبعه وريه وبوله وروثه حسنات في ميزانه يوم ~~القيامة ". # قوله: {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم}. # يعني بهم: بني قريظة. # قال السدي: هم أهل فارس. # وهذان القولان يردهما علم المؤمنين ببني قريظة وبفارس، وقد قال تعالى: ~~{لا تعلمونهم}. PageV04P2865 # وقال ابن زيد: هم المنافقون لا تعلمونهم؛ لأنهم [معكم]، يقولون: لا إله ~~إلا الله، لا يعلمهم إلا الله. # وهذا قول حسن موافق لقوله: {لا تعلمونهم}، فالله هو المطلع على سرائرهم. # وقيل: هم الجن. # وهو اختيار الطبري. PageV04P2866 # وهو أحسن الأقوال، لما روي أن الجن تفر من صهيل الخيل. # وروي: أن الجن لا تقرب دارا فيها فرس، وأيضا: فإن لا نعلمهم، كما قال عز ~~وجل. # روى ابن مقسم: أن رجلا أتى ابن عباس، فشكا إليه ابنته تعترى، فقال له: ~~ارتبط فرسا، إن كنت ممن يركب الخيل ms0959 وإلا فاتخذه، فإن الله جل اسمه، يقول: ~~{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم}، فإن الجن من الذين لا تعلمونهم، ~~ففعل الرجل ما أمره، فانصرف عن ابنته العارض. # وقوله: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم}. PageV04P2867 # أي: لا يضي (لكم) عند الله/ أجره في الآخرة، ولا خلفه في الدنيا. # قوله: {وآخرين}. # منصوب على معنى {وأعدوا لهم}: وتوقوا آخرين، فلا تقف على ماقبله على هذا. # ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل غير هذا، فتبتدئ به إن شئت. # وإن جعلته معطوفا على: {عدو الله وعدوكم}، أي: وترهبون آخرين، لم تقف ~~أيضا قبله. # {لا تعلمونهم} وقف. PageV04P2868 # قوله: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها}، إلى قوله: {عزيز حكيم}. # قد تقدم ذكر " السلم " في الفتح والكسر في " البقرة ". # والمعنى: إن جنح هؤلاء الذين أمرت أن تنبذ إليهم على سواء إلى الصلح، أي: ~~[مالوا إليه] فمل إليه، إما بالدخول في الإسلام، أو بإعطاء الجزية، وإما ~~بموادعة. # قال قتادة: وهي منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: ~~5]. # وقال ابن عباس نسخها: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} [محمد: 35]. PageV04P2869 # وقال عكرمة والحسن نسخها: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} [التوبة: 29]، ~~الآية. # وقيل: إنها محكمة. # والمعنى: إن دعوك إلى الإسلام فصالحهم. قاله ابن إسحاق. PageV04P2870 # {وتوكل على الله}. # أي: فوض أمرك إلى الله، {إنه هو السميع العليم}. # ثم قال: {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله}. # أي: إن يرد هؤلاء الذين أمرناك أن تجنح إلى السلم إن جنحوا لها خداعك ~~وخيانتك، {فإن حسبك الله}، أي: كافيك الله. # {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين}. # أي: قواك بذلك على أعدائك، {وبالمؤمنين} هنا: الأنصار. وهذا كله في بني ~~قريظة. # {وألف بين قلوبهم}. # أي: بين قلوب الأنصار: الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، {لو PageV04P2871 # أنفقت ما في الأرض جميعا}، أي من ذهب وفضة {مآ ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~[ألف] بينهم}، على الهدى، فقواك بهم. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: نزلت هذه ms0960 الآية في المتحابين في الله عز جل: ~~{لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم}، الآية. # وقال مجاهد: [إذا] التقى المسلمان وتصافحا غفر لهما. # قوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك}، الآية. # {حسبك الله}: تمام، إن جعلت {ومن اتبعك} ابتداء. PageV04P2872 # أي: ومن اتبعك من المؤمنين حسبه الله، أي: يكفيك ويكفيه. # وقال الكسائي: {ومن اتبعك}: في موضع نصب عطفا على موضع " الكاف " في ~~التأويل. # وقيل عنه: {من} في موضع رفع عطفا على أسم {الله}، جل ذكره، أي: يكفيك ~~الله ويكفيك من اتبعك من المؤمنين. # ولا يحسن الوقف على: {حسبك الله} على هذين التأويلين. # قوله: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} إلى قوله: {مع الصابرين}. # والمعنى: إن الله، تبارك وتعالى، أمر نبيه عليه السلام، أن يحث من آمن به ~~على PageV04P2873 # قتال المشركين. # و" التحريض ": الحث الشديد، وهو مأخوذ من: " الحرض "، وهو: مقاربة ~~الهلاك. # قوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون}. # أي: يصبرون على لقاء العدو، ويثبتون {يغلبوا مئتين}. # من عدوهم، {وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا}، من العدو، {بأنهم قوم لا ~~يفقهون}، أي: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب ~~أجر، فهم لا يثبتون عند اللقاء، خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم. # ثم خفف تعالى ذلك عن المؤمنين، فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا}، أي: تضعفون عن أن يلقى الواحد منكم عشرة منهم، {فإن يكن منكم مئة ~~صابرة}، على المكاره عند لقاء العدو، {يغلبوا مئتين} من العدو {وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله}، أي: بمعونته {والله مع الصابرين}. PageV04P2874 # قال عطاء: لما نزلت الآية الأولى، ثقل ذلك على المسلمين، وأعظموا أن ~~يقاتل عشرون منهم مئتين، ومئة ألفا فخفف [الله] ذلك عنهم، فنسخها بالآية ~~الآخرى فردهم يقفون إلى من هو مثلا عددهم، فإن (كان) المشركون أكثر من ~~المسلمين، لم يلزم المسلمين الوقوف لهم، وحل لهم أن يتحوزوا عنهم. # وقاله: عطاء، وعكرمة، والحسن، والسدي. # وقيل: إن هذا من الله تخفيف وليس بنسخ، فإنه ms0961 لم يقل: لا يقاتل الواحد ~~العشرة، إنما خفف عنهم ما كان فرض عليهم، ونظير ذلك: إفطار الصائم في ~~السفر، إنما هو تخفيف، ولا يقال له نسخ، ألا ترى أنه لو صام لم يأثم، ~~وأجزأه صومه. PageV04P2875 # ومن قرأ: {وإن يكن منكم مئة}، ب " التاء "، فعل تأنيث اللفظ. # ومن قرأ ب: " الياء "، فلأنه تأنيث غير حقيقي، إذ المعنى: مائة رجل. # وقرأ أبو جعفر: {وعلم أن فيكم ضعفا}، بالمد، جمع ضعيف. PageV04P2876 # قوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى}، إلى قوله: {غفور رحيم}. # المعنى: ما كان لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه للغاية والمن. # و" الأسر ": الحبس. # قوله: {حتى يثخن في الأرض}. # أي: حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم. PageV04P2877 # وهذا تعريف من الله عز وجل لنبيه عليه السلام، قتل من فادى به يوم بدر، ~~كان أولى من المفاداة وإطلاقهم. # وقوله: {تريدون عرض الدنيا}. # هذا للمؤمنين الذين رغبوا في أخذ المال والفداء. # {والله يريد الآخرة}، أي: يريد لكم زينة الآخرة وخيرها. # قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر، والمسلمين قليل، فلما كثروا واشتد ~~سلطانهم أنزل الله عز وجل، في الأسرى: {فإما منا بعد وإما فدآء} [محمد: 4]، ~~فجعل الله المؤمنين بالخيار في أساراهم. PageV04P2878 # وقال مجاهد: " الإثخان ": القتل. # وقال ابن مسعود: لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنه: يا ~~رسول الله، قومك وأهلك، فأستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم. # وروي عنه أنه قال: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم ~~فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. # وقال عمر رضي الله عنه، كذبوك وأخرجوك، فاضرب أعنقاهم. # وروي عنه أنه قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي قال أبو ~~بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر ~~وصناديدها. # وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنظر واديا كثير الحطب فأدخلهم ~~فيه، ثم أضرمه ms0962 عليهم. فقال له العباس: قطعتك رحمك. فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال ناس: نأخذ برأي أبي بكر. وقال ناس: نأخذ برأي عمر. # وقال ناس: نأخذ برأي عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV04P2879 # فقال: " إن الله ليلين قلوب رجال [حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ~~ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة]، وإن مثلك يا أبا بكر، مثل ~~إبراهيم عليه السلام، قال: {فمن تبعني [فإنه] مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم} [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: {إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118]، ومثلك يا عمر ~~مثل نوح، قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26]، ومثلك ~~يا عبد الله كمثل موسى، قال: {ربنا اطمس على أموالهم/ واشدد على قلوبهم} ~~[يونس: 88]، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنتم اليوم عالة، فلا ~~يقتلن أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق ". PageV04P2880 # قال قتادة: فادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يثخن في الأرض، وكان أول قتاله المشركين. # قال مالك: الإمام مخير في الرجال، إن شاء قتل، وإن شاء فادى بهم أسارى ~~المسلمين، قال: وأمثل ذلك عندنا أن يقتل من خفيف منه. # وقال جماعة من العلماء: الإمام مخير، إن شاء قتل، وإن شاء أسر، وإن شاء ~~فادى، وهو قول الشافعي وغيره). PageV04P2881 # من قتل أسيرا قبل أن يوصله إلى الإمام فلا شيء عليه، وقد أساء، فإن قتل ~~صبيا أو امرأة عوقب وغرم الثمن، هذا قول الشافعي وغيره. # وقال الأوزاعيي والثوري: لا يقتل الأسير حتى يبلغ الإمام، إلا أن يخافه، ~~فإن قتله بعدها وصل به إلى الإمام غرم ثمنه، وإن قتله قبل أن يصل عوقب ولا ~~غرم عليه. # قوله: {لولا كتاب [من] الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم}. # هذا خطاب لأهل بدر في أخذهم الغنائم والفداء. # وروي أن هذه الآية لما نزلت قال النبي صلى الله عليه ms0963 وسلم: " لو نزل عذاب ~~ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر "، رضي الله عنه. # وذلك أن عمر رضي الله عنه أشار على النبي صلى الله عليه وسلم، بقتل ~~الأسارى، وألا تؤخذ منهم الفدية، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: كذبوك ~~وأخرجوك فاضرب أعناقهم. وخالفه أبو بكر رضي الله عنه، وغيره في ذلك. PageV04P2882 # والمعنى: لولا أن الله قد سبق قضاؤه في اللوح المحفوظ، أنه يحل لكم ذلك، ~~لعقوبتم بما فعلتم؛ لأنه تعالى لم يكن يحل ذلك لأحد من الأمم قبل أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ولكنهم أخذوا الغنائم وقبلوا الفداء، قبل أن ينزل ~~عليهم ما قد سبق منه، تعالى، أن يحله لهم، وكانت الأمم قبل محمد، عليه ~~السلام، إذا غنموا شيئا جعلوه للقربان فتأكله النار، فهو حرام عليهم، لا ~~يحل لأحد منهم شيء منه. # وقيل: المعنى: لولا أن سبق في علمي أني سأحل لكم الغنائم، لمسكم في أخذكم ~~إياها عذاب عظيم. # وقيل المعنى: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم لمسهم في ~~أخذهم الغنائم عذاب عظيم، قال ذلك: الحسن، وقتادة وابن جبير. # وقال ابن زيد: سبق في علمه الغفو عنهم، والمغفرة لهم، يعني: أهل بدر، ~~ولولا PageV04P2883 # ذلك، لمسهم إذ أخذوا الغنائم التي لم تحل لأحد قبلهم عذاب عظيم. # وقال مجاهد: لولا أنه سبق في علمه أن لا يعذب أحد بفعل أتاه جهلا، لمسكم ~~فيما جهلتم فيه، من أخذ الغنائم عذاب عظيم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " نصرت بالرعب، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وظهورا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي ~~كان قبلي، وأعطيت الشفاعة، خمس لم يؤتهن نبي كان قبلي ". # وقيل المعنى: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدا إلا بعد النهي، لعذبتكم ~~بأخذكم للغنائم. # واختار النحاس، وغيره، أن يكون المعنى: لولا أنه سبق من الله تعالى، أن ~~يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، لعذبكم بأخذكم الغنائم. PageV04P2884 # وقيل المعنى: / {لولا كتاب من الله سبق}، فآمنتم به، وهو ms0964 القرآن ~~فاستوجبتم بإيمانكم الصفح والغفو، لعذبتم على أخذكم الغنائم. # قال ابن زيد: لم يكن أحد ممن حضر بدرا إلا أحب أخذ الغنائم إلا عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، فإنه جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول ~~الله، ما لنا وللغنائم، نحن قومن نجاهد في سبيل الله حتى يعبد الله. # ثم أحل لهم ذلك فقال: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله}، أي: ~~خافوه فيما حرم عليكم، وما نهاكم عنه، وفي أن تركبوا بعد هذا فعل ما لم ~~تؤمرا به. # {إن الله غفور}. # أي: لذنوب أهل الإيمان، أي: سائر عليها، {رحيم} بهم. PageV04P2885 # قال الطبري: {واتقوا الله}، يراد به التأخير بعد {رحيم}. # قوله: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى}، إلى قوله: {عليم ~~حكيم}. # قوله: {يا أيها النبي}، ثم قال: {في أيديكم}، إنما ذلك؛ لأن المعنى: قل ~~لمن في يديك، ويدي أصحابك من الأسرى. # وقيل: المعنى: يا أيها النبي قل لأصحابك: قولوا لمن في أيديكم من الأسرى. # وقيل: المخاطبة له مخاطبة لأمته. # والمعنى: يا محمد، قل لمن في يديك ويدي أصحابك من الأسرى الذين أخذ منهم ~~الفداء: {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا}، أي: إسلاما، {يؤتكم خيرا ممآ أخذ ~~منكم}، في الفداء، ويغفر لكم ذنوبكم التي سلفت منكم، وقتالكم نبيكم، أي: ~~يسترها عليكم، {والله غفور}، أي: ساتر لذنوب عباده إذا تابوا، {رحيم}، بهم، ~~أن يعاقبهم بعد التوبة. # قال العباس بن عبد المطلب: في نزلت هذه الآية. PageV04P2886 # وكان العباس فدى نفسه يوم بدر بأربعين أوقية من الذهب، قال العباس: ~~فأعطاني الله أربعين عبدا، كلهم تاجر، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله ~~عز وجل، بها. # قال الضحاك: نزلت في العباس وأصحابه أسروا يوم بدر، وهم سبعون. # وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم بالأسارى المدينة، ~~قال لعمه العباس: افد نفسك يا عم، وافد ابني أخويك، يعني: عقيل بن أبي ~~طالب. ونوفل بن PageV04P2887 # الحارث، وافد حليفك، يعني: عتبة بن عمرو من بني فهر، كان حليفا ms0965 للعباس. ~~قال له العباس: يا رسول الله إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أعلم بإسلامك، أما ظاهرك فقد كان علينا ~~". وكان النبي عليه السلام، قد وجد مع العباس أربعين أوقية من ذهب، كل ~~أوقية أربعون مثقالا، فقال العباس: احسبها لي يا رسول الله في فدائي، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " ذلك مال أفاءه الله علينا، ولست أحسبه لك "، ~~فقال له العباس: مال مال غيره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عم، ~~أنت سيد قريش وتكذب! فأين المال الذي دفنته بمكة عنجد أم الفضل بنت الحارث، ~~ثم قلت لها: ما أدري ما يكون، فإن أصبت في سفري فللفضل كذا وكذا، ولعبد ~~الله كذا وكذا، PageV04P2888 # فقال العباس: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما حضر ذلك ~~أحد إلا الله وأم الفضل. ففدى العباس نفسه، وابني أخويه، وحليفه، ففي ذلك ~~نزل: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم}، الآية. # فلما سمعها العباس، قال: قد أنصفني ربي: من علي/ بالإسلام، وغفر لي، ~~ويعطيني خيرا مما أخذ مني. # فأعطاه الله عز وجل، يوم خيبر أكثر مما أخذ منه في الفداء، وغفر له، ~~ورحمه. # قال ابن وهب: لما رجع المشركون من بدر إلى مكة، جلس عمير بن وهب إلى ~~صفوان بن أمية، فقال له صفوان: قبح العيش بعد قتلى بدر! فقال عمير: أجل، ما PageV04P2889 # في العيش خير بعدهم، ولولا دين علي وعيالي، لرحلت إلى محد فلنقتلنه إن ~~ملأت عيني منه، فإن لهم عندي علة أقول: قدمت لتفادوني في أسير لي، ففرح ~~صفوان بقوله/ وقال له: علي دينك، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، لن يسعني ~~شيء ويعجز عنهم. فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فسم وصقل. وقال عمير ~~لصفوان: اكتمني ليال. وأقبل عمير حتى وصل المدينة، فنزل ببال المسجد، وعقل ~~راحلته وأخذ السيف، وعمد إلى رسول الله ms0966 صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه عمر ~~وهو في نفر من الأنصار، ففزع عمر من عمير، وقال لأصحابه: هذا عدو الله الذي ~~حرش بيننا PageV04P2890 # وحزرنا للقوم، ثم قام عمر ودخل على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، ~~وقال: هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد، ومعه السلاح، وهو الفاجر الغادر، يا ~~رسول الله لا تأمنه! فقال صلى الله عليه وسلم: أدخله علي فدخل، وأمر عمر ~~أصحابه أن يحترزوا منه، ويدخلوا بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم: ~~فقال النبي عليه السلام: يا عمر، تأخر عنه، فلما دنا عمير من النبي عليه ~~السلام قال: أنعموا صباحا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله ~~عن تحيتك، وجعل تحيتنا السلام، وهي تحية أهل الجنة، فما أقدمك يا عمير؟ ~~قال: قدمت تفادوني في أسيري؛ فإنكم العشيرة والأهل. فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " وما شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ففزع عمير، وقال ": وما ~~شرطت له؟ قال: تحملت له قتلي على أن يعول بنيك، ويقضي دينك، PageV04P2891 # والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول ~~الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من خبر السماء، وأن هذا ~~الحديث الذي كان بيني وبين صفوان في الحجر كما قلت يا رسول الله، لم يطلع ~~عليه أحد غيري وغيره، ثم أخبرك الله عز وجل، به فآمنت بالله ورسوله، فالحمد ~~لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح المسلمون حين هداه الله، فقال عمر: والله ~~لخنزير كان أحب إلي منه حين أتى، ولهو اليوم أحب إلي من بعض بني. فقال له ~~النبي عليه السلام: " أجلس نواسك. وقال [لأصحابه]: علموا أخاكم القرآن. ~~وأطلق له أسيره، فقال له عمير: يا رسول الله، قد كنت جاهدا ما استطعت في ~~إطفاء نور الله سبحانه، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، فأذن لي ألحق ~~بقريش فأدعوهم إلى الإسلام، لعل الله يهديهم ويستنقذهم من الهلكة، فأذن له ~~النبي عليه السلام، فلحق بمكة، وجعل صفوان بن ms0967 أمية يقول لقريش: أبشروا بفتح ~~ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هخل كان [بها] من حدث؟ ~~وكان يرجو قتل النبي، عليه السلام، على يد عمير، حتى قدم عليه رجل من PageV04P2892 # المدينة، فسأله صفوان عن عمير، فقال: قد أسلم، فقال المشركون: صبأ/ عمير. # وقال صفوان: إن لله علي ألا أنفعه بنافعه أبدا، ولا أكلمه بكلمة أبدا، ~~وقدم عليهم عمير، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم، فأسلم بشر كثير. # ونذر أبو سفيان بن حرب بعد وقعة بدر أن لا يمس رأسه ذهن، ولا يقرب أهله ~~حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم فغزاه إلى أحد، فكانت وقعة أحد بعد بدر ~~بسنة. # ثم قال تعالى: {وإن يريدوا خيانتك}. # يعني الأسارى الذين افتدوا وأسلموا في ظاهر أمرهم، {فقد خانوا الله من ~~قبل}، أي: من قبل وقعة بدر، {فأمكن منهم}، يعني ببدر. # قال قتادة: هو عبد الله بن أبي سرح كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم نافق PageV04P2893 # وسار إلى المشركين بمكة وقال لهم: ما كان محمد يكتب إلا ما شئت فنذر رجل ~~من الأنصار لئن أمكنه الله به ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح أمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، الناس إلا عبد الله بن سد بن أبي سرح [ومقيس بن ~~صبابة]، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبي عليه السلام، كل صباح. فجاءه ~~عثمان بابن أبي سرح، وكان رضيع عبد الله، فقال: يا نبي الله، هذا فلان أقبل ~~تائبا نادما، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع PageV04P2894 # به الأنصاري، أقبل متقلدا سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى النبي عليه ~~السلام، رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم يده ~~فبايعه، فقال: " أما والله لقد تلومنك فيه لتوفي نذرك "، فقال: يا نبي ~~الله، إني هبتك، فلولا أومضت إلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه ~~لا ينبغي لنبي أن يومض ". # ومعنى {خانوا الله}: خانوا أولياءه. # قوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا}، ms0968 إلى قوله: {والله بما تعملون ~~بصير}. # من فتح " الواو " في: " الولاية " جعله مصدر " ولي " يقال: هو لي بين ~~الولاية. PageV04P2895 # ومن كسر فهو مصدر " والي "، يقال: هو وال بين الولاية. # ومعنى الآية: إن الذين صدقوا بمحمد عليه السلام، وما جاء به، وهجروا ~~قومهم وعشيرتهم وأرضهم إلى أرض الإسلام، والهجرة هجرتان: هجرة كانت إلى أرض ~~الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وهذا إنما كان في أول الإسلام، ثم انقطع ذلك ~~الآن: لأن الدار كلها دار الإسلام، {وجاهدوا}، أي: أتعبوا أنفسهم في حرب ~~أعداء الله، {والذين آووا ونصروا}، أي: آووا رسول [الله] صلى الله عليه ~~وسلم والمهاجرين معه ونصروهم، وهم الأنصار، {أولئك بعضهم أوليآء بعض}، أي: ~~المهاجرون أولياء الأنصار وإخوانهم. PageV04P2896 # و " الولي " في اللغة: النصير. فاختيار الطبري أن يكون: {أوليآء بعض} ~~بمعنى أنصار بعض. # قال ابن عباس: كانت هذه الولاية في الميراث، فكان المهاجرون والأنصار يرث ~~بعضهم بعضا بالهجرة دون القرابة، ألا ترى إلى قوله: {والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}، فكانوا يتوارثون على ذلك ~~حتى نزلت بعده: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75]، فنسخت ~~مواريث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض. # وكذلك قال مجاهد. # قال قتادة: لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، وليس يثرث المؤمن الذي ~~لم يهاجر من المؤمن المهاجر شيئا، وإن كان ذا رحم، ولا الأعرابي من المهاجر ~~شيئا، فنسخ ذلك قوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم/ معروفا} [الأحزاب: 6]، ~~يعني: من أهل الشرك، يوصون لهم إن أرادوا، PageV04P2897 # ولا يتوارث أهل ملتين. # وقال عكرمة والحسن: نسخها آخر السورة: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} ~~[الأنفال: 75]. # وقوله: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء}. # أي: الذين آمنوا بمكة، ولم يفارقوا دار الكفر، {ما لكم}. # أيها المهاجرون، {من ولايتهم}، أي: نصرهم وميراثهم، {من شيء حتى يهاجروا ~~وإن استنصروكم}، هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا، {في الدين}، أي: على أهل ~~الكفر، {فعليكم} نصرهم {إلا} أن يستنصروكم {على قوم بينكم وبينهم ms0969 ميثاق}، ~~أي عهد وذمة، فلا تنصروهم وهم عليهم، {والله بما تعملون بصير}، أي: [بصير] ~~فيما أمركم به من ولاية بعضكم بعضا. # وقال ابن عباس: {وإن استنصروكم في الدين}، يعني: الأعراب المسلمين، ~~فعليكم PageV04P2898 # أن تنصورهم، {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق}، فلا تنصورهم عليهم. # قوله: {والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض}، الآية. # المعنى: والذين كفروا بعضهم أحق ببعض الميراث، [أي:] أحمق من قرابتهم من ~~المؤمنين. # وقيل: معناه: بعضهم أعون بعض. # وقوله: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد}. # أي: إن تفعلوا موارثة المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض، دون ذوي PageV04P2899 # الأرحام من المهاجرين الذين آمنوا ولم يهاجروا، ودون قرابتهم من المؤمنين ~~والكفار: {تكن فتنة}، أي: يحدث بلاء في الأرض بسبب ذلك، {وفساد كبير}، أي: ~~معاص. # قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم {تكن فتنة في الأرض}. # قال ابن زيد: كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذي لم يهاجر لا يتوارثان، وإن ~~كانا أخوين، فلما كان الفتح انقطعت الهجرة، وتوارثوا حيث ما كانوا ~~بالأرحام. # وقال ابن جريج: {إلا تفعلوه}: إلا تناصروا وتتعاونوا {تكن فتنة في ~~الأرض}. # ف " الهاء " في: {تفعلوه} تعود على التوارث، أو على التناصر. PageV04P2900 # قوله: {والذينءامنوا وهاجروا وجاهدوا}، الآية. # المعنى: والذين صدقوا بمحمد عليه السلام، بوما جاء به، {وهاجروا}، أي: ~~هجروا أهلهم ودارهم، ومضوا إلى دار الإسلام {وجاهدوا}، أي في سبيل الله، ~~{والذينءاووا ونصروا}، أي: آووا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه من ~~المهاجرين، ونصروهم، وهم الأنصار، {أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة}، أي: ~~ستر: {ورزق كريم}، أي: لهم في الجنة مطعم هني كريم، لا يتغير في أجوافهم ~~فيصير نجوا، ولكنه يصير رشحا كرشح المسك. # قوله: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم [فأولئك منكم]}، الآية. # المعنى: والذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به، من بعد ما ~~أمرتكم بموالاة المهاجرين والأنصار وتوارثهم، وهاجروا إليم وجاهدوا معكم ~~{فأولئك منكم}، يعني الذين آمنوا من بعد الحديبية، {وهاجروا}، ويقال لها: ~~الهجرة الثانية، PageV04P2901 # {فأولئك منكم}، أي: مثلكم ف يالنصر والموالاة والمواريث. # ثم ms0970 قال تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}. # هذا نسخ لما تقدم/ من التوارث بالهجرة دون القرابة التي ليس معها هجرة. # قال اسماعيل القاضي: عنى بذوي الأرحام من يرث منهم، هم أولى ممن لا يرث ~~من ذوي الأرحام، ومن غيرهم ممن لا نسب بينه وبين الميت، فأما الولاء فهو ~~قائم بنفسه في الميراث كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعنى {في كتاب الله}، في اللوح المحفوظ، هو كذلك قد سبق في علمه تعالى ~~أنه كذلك بأمرنا. # {إن الله بكل شيء عليم}. # أي: يعلم ما ينقلكم إليه قبل أن ينقلكم، لا إله إلا هو. PageV04P2902 ### | تفسير سورة براءة # قوله: {برآءة}، مبتدأ والخبر: {إلى الذين}، وحسن الابتداء بنكرة، لأنها ~~موصوفة. # ويجوز أن تكون رفعت على إضمار مبتدأ، أي: هذه براءة. PageV04P2903 # يقال: برئت من العهد براءة، وبرئت من المرض وبرأت [أيضا] برءا، وبرئت ~~القلم بريا، غير مهموز مفتوح وأبريت الناقة: جعلت في أنفها برة وهي حلقة من ~~حديد. # وسورة " براءة " من آخر ما نزل بالمدينة، ولذلك قل المنسوخ فيها. PageV04P2904 # ويدل على ذلك أن ابن عباس قال لعثمان، رضي الله عنهما: ما حملكم على أن ~~عمدتم إلى " الأنفال " وهي من المثاني، وإلى " براءة " وهي من المئين ~~ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما: " بسم الله الرحمن الرحيم " ووضعتموهما ~~في السبع الطول؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنزل عليه السور ~~ذوات العدد، فإذا نزلت عليه الآية قال: " اجعلوها في سورة كذا وكذا "، ~~وكانت " الأنفال " من أول ما نزل بالمدينة، وكانت " براءة " من آخر ما نزل، ~~وكانت قصتها تشبه قصتها، ولم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ~~ذلك شيئا، فلذلك فرق بينهما ولم يكتب بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم ~~". PageV04P2905 # وروي أن عثمان قال: ظننت أنها منها. وكانت تدعيان في زمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: القرينتين، فلذلك جعلتهما في السبع الطول. # ففي قول عثمان هذا: دليل على أن تألييف القرآن عن الله، عز وجل، وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ms0971 كان، ويدل على أن ترتيب السورة على ما في المصحف ~~إنما كان على اجتهاد من عثمان وأصحابه، ألا ترى إلى قول ابن عباس له: ما ~~حملكم على كذا وكذا؟ يدل على أنهم هم رتبوا السورة، وأن تأليف السور إلى ~~تمام كل سورة كان على تعليم النبي صلى الله عليه وسلم إياهم ذلك. # وقد صح أن أبي [بن] كعب، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وأبا زيد عم PageV04P2906 # أنس، كانوا قد جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الشعبي: وأبو الدرداء حفظ القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومجمع ببن جارية، بقيت [عليه] سورتان [أ] و ثلاث. قال: ولم يحفظ القرآن أحد ~~من الخلفاء إلا عثمان. PageV04P2907 # وحفظ سالم مولى أبي حذيفة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~شيئا بقي عليه. # فهذا يدل على أنه كان مؤلفا؛ لأن هؤلاء لم يحفظوه إلا وهو مؤلف مرتب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، صلوات الله عليه، جل ذكره. # وقال أبي بن كعب: آخر ما نزل " براءة " وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمر في أول كل سورة ب: " بسم الله الرحمن الرحيم "، ولم يأمر في سورة ~~" براءة " بشيء، فلذلك ضمت إلى سورة " الأنفال "، وكانت أولى بها لشبهها ~~بها. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعطيت السبع الطول مكان التوراة ~~وأعطيت المئين مكان الزبور، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وفضلت بالمفصل ". # فهذا الترتيب يدل على أن التأليف/ كان معروفا عند رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم] ، وبذلك PageV04P2908 # أتى لفظه، عليه السلام. # ومعنى: ما روي: أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يجمع القرآن، وأنه ضم إليه ~~جماعة، أنه إنما (أمر) بجمعه في المصحف ليرسل به إلى الأمصار، لا أنه كان ~~غير مؤلف ثم ألفه، هذا ما لا يجوز، لأن تأليفه من المعجز، لا يكون إلا عن ~~الله عز وجل. # وقد قيل: إنما أمر بجمعه على حرف واحد؛ لأنهم كانوا قد وقع بينهم الخلاف ~~لاختلاف ms0972 اللغات السبعة الي بها نزل القرآن، فأراد عثمان أن يختار حرفا ~~واحدا، هو أفصحها ليثبته في المصحف، وإنما خص عثمان زيد بن ثابت لجمعه دون ~~غيره ممن هو أفضل منه؛ لأنه كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم. # واختلف في الحرف الذي كتب عليه المصحف فقيل: حرف زيد بن ثابت. PageV04P2909 # وقيل: حرف أبي بن كعب؛ لأن قراءته كانت على [آخر] عرضة عرضها النبي على ~~جبريل عليهما السلام. # وعلى الأول أكثر الرواة. # ومعنى: حرف زيد، أي: روايته وطريقته. # " فليقرأه بقراءة ابن أم عبد "، يعني: ابن مسعود. فإنه إنما أراد به ~~ترتيل ابن مسعود، وذلك أنه كان يرتل القرآن إذا قرأه، فخصه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بهذا الوصف لترتيله لا غير ذلك. PageV04P2910 # قال الحسين بن علي الجعفي: فقراءة عبد الله هي قراءة الكوفيين؛ لأن عمر ~~رضي الله عنه، بعث به إلى الكوفة ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قيل أن يجمع ~~الناس عثمان على حرف واحد، ثم لم تزل في أصحابه ينقلها الناس عنهم. # وأصحابه منهم: علقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزر PageV04P2911 # ابن حبيش، وأبو وائل، وأبو عمرو الشيباني وعبيدة، وغيرهم. # فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد، كان أول من قرأ به بالكوفة أبو عبد ~~الرحمن السلمي: عبد الله بن حبيب، فأقرأ بجامع الكوفة أربعين سنة، إلى أن ~~توفي، رحمه الله، في إمارة الحجاج. وقد أخذ القرآن عن عثمان، وعن علي، وعن ~~ابن PageV04P2912 # مسعود، وزيد، وأبي. وكان قر قرأ على علي، وقرأ عليه علي، وهو يمسك ~~المصحف. وأقرأ هو الحسن والحسين. فلما مات أبو عبد الرحمن خلفه عاصم. وكان ~~عاصم أخذ عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زر. # وكان زر قد قرأ علي ابن مسعود. # ثم انتهت قراءة ابن مسعود إلى الأعمش. وقرأ حمزة على الأعمش بالكوفة، ~~وقرأ أيضا حمزة على ابن أبي ليلى، وعلى حمران بن أعين، وقرأ PageV04P2913 # حمران على عبيد الله بن نضيلة، وقرأ عبيد الله على علقمة. # وقرأ علقمة على ابن مسعود، وقرأ ابن مسعود على ms0973 النبي صلى الله عليه وسلم. # وقرأ أيضا حمران على أبي الأسود وقرأ أبو الأسود على علي. # وقد قال المبرد: إنما لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " قبل " براءة "؛ ~~لأن " بسم PageV04P2914 # الله الرحمن الرحيم " خير، و " براءة " أولها وعيد [و] نقض للعهود. # وعن عاصم أنه قال: " بسم الله الرحمن الرحيم " لم تكتب أول " براءة "؛ ~~لأنها رحمة و " براءة " عذاب. # قوله: {إلى الذين عاهدتم}. # إنما ذلك، لأن عقد النبي على أمته كعقدهم لأنفسهم. # وهؤلاء الذين برئ الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم، إليهم من ~~العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذن لهم في ~~السياحة في الأرض أربعة أشهر، جنس من المشركين كان مدة العهد بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقل من أربعة أشهر، وأمهلوا بالسياحة تمام ~~أربعة أشهر (ليرتاد كل واحد). والجنس الآخر كما عهده إلى غير أجل محدود/، ~~فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد كل واحد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك، يقتل حيث ~~وجد، إلا أن يسلم. # فكان نزول " براءة " في بعض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وبين المشركين من PageV04P2915 # العهود، و [في] كشف المنافقين الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~في تبوك وغيرهم ممن سر خلاف ما أظهر. # وقيل: إنما أمهل أربعة أشهر، من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، عهد، فأما من لم يكن له عهد، فإنما جعل أجله خمسين ليلة، عشرين من ذي ~~الحجة والمحرم، ودل على ذلك قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5]. # قال ذلك ابن عباس. # وكان النداء ب: " براءة " يوم النحر. # وقيل: يوم عرفة، وبه تتم خمسون ليلة. # ونزلت " براءة " أول شوال، ومن ذلك اليوم كان أجل أربعة أشهر لأهل العهد. # وقيل: أول شوال كان نزول " براءة " وذلك سنة تسع، ومن ذلك الوقت أول ~~أربعة الأشهر للجميع. وهو قول الزهري. PageV04P2916 # فكان أجل من كان له عهد أربعة أشهر من ذلك الوقت، ومن لم ms0974 يكن له عهد ~~انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك أربعة أشهر أيضا. # وقال ابن عباس: إنما كان أول الآجال من يوم أذن ب: " براءة "، وذلك يوم ~~النحر، فجعل لمن له عهدا أربعة أشهر من ذلك اليوم، وذلك إلى عشر من ربيع ~~الآخر. # ولمن لم يسم له عهد آخر الأشهر الحرم خمسين يوما، ثم لا عهد لهم بعد ذلك ~~ولا ذمة، يقتلون حتى يدخلوا في الإسلام. # وكان علي هو الذي نادى ب: " براءة "، وكان أبو بكر أميرا عليهم، فلم يحج ~~المشركون بعد ذلك [العام]، وكانوا يحجون مع المسلمين قبل ذلك. # قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم، عاهد قريشا زمن الحديبية، وكان ~~بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر الله عز وجل، نبيه عليه ~~السلام، أن يوفي بعهدهم إلى مدتهم، وأن يؤخروا من لا عهد له انسلاخ المحرم، ~~ثم يقاتلون حتى يشهدوا [أن] لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وألا ~~يقبل منهم إلا ذلك. PageV04P2917 # وقال السدي: كان آخر عهد الجميع تمام أربعة أشهر لعشر خلون من ربيع ~~الآخر، وهذا كله كان في موسم سنة تسع. # وقال الكلبي: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بالأربعة الأشهر لمن ~~كان بينه وبينه عهد أربعة أشهر فما دون، فأما من كان عهده، أكثر من أربعة ~~أشهر، فهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يتم له عهده، فقال تعالى: ~~{فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}. # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، فتح مكة سنة ثمان عنوة، واستخلف على ~~الحج سنة تسع أبا بكر. ونزلت " براءة " بعد خروج أبي بكر في شوال. وكانوا ~~يحجون على رسومهم التي كانوا عليها، ولم يكن فرض الحج ولا أمر به، فأنفذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " براءة " مع علي رضي الله عنه، ليتلو الآيات ~~على الناس وينادي بالناس: ألا يحج بعد ال عام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ~~فنادى بذلك علي، وأعانه على النداء أبو هريرة PageV04P2918 # وغيره بمنى وفي سائر أسواقهم. # فحج النبي صلى ms0975 الله عليه وسلم، في العام المقبل سنة عشر، ولم يحج معه ~~مشرك، وهي حجة الوداع، وفي ذلك نزل: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]، فلما نزل ذلك وجد المسلمون في أنفسهم ~~مما قطع عنهم من الأطعمة والتجارات التي كان المشركون يقدمون بها، فأنزل ~~الله عز وجل: { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله} [التوبة: 28]، الآية، ثم ~~أحل [في] الآية التي تتبعها الجزية، ولم تكن قبل ذلك/، جعلها الله عوضا مما ~~يفوتهم من تجارتهم مع المشركين. وهو اختيار الطبري [ومما يدل على صحة ما ~~اختار الطبري] من أنه أمر الله عز وجل، نبيه عليه السلام، أن يتم لمن عهده ~~[أربعة أشهر فما دن أربعة أشهر، ومن كان عهده أ: ثر أتم له عهده]، إلا أن ~~يكون نقض عهده قبل PageV04P2919 # انقضاء المدة، فأما الذين لم ينقضوا ولا تظاهروا عليه، فإن الله عز وجل، ~~أمر نبيه، عليه السلام، بإتمام العهد لهم، وأمره أن يؤخر الذين نقضوا العهد ~~أربعة أشهر، وإن كان عهدهم أكثر مدة. # وهو قول الضحاك. # قوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا [لهم]} [التوبة: 7]. # فأمر الله عز وجل، نبيه [عليه السلام]، بالاستقامة لهم على عهدهم، ما ~~استقاموا. وأمر الله عز وجل، أن يؤخر الذين نقضوا وظاهروا عليه أربعة أشهر. # وقد روي: أن عليا كان يقول في ندائه: ومن كان بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته. # قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}، الآية. # المعنى: فسيحوا يا أيها الذين لهم عهد وقد نقضوا قبل إتيان الأجل. وأما ~~من له عهد أربعة أشهر فما دون، فقيل لهم: سيحوا في الأرض أربعة أشهر من يوم ~~النحر، أي: تصرفوا مقبلين ومدبرين، ثم لا أمان لكم بعدها إلا بالإسلام. # وأشهر [السياحة] على قول مجاهد، وغيره: من يوم النحر إلى عشر خلون PageV04P2920 # من ربيع الآخر. # وعند الزهري: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # وتسمى أيضا أشهر السياحة، أي: سمح لهم فيها بالتصرف آمنين. ms0976 # قوله: {واعلموا أنكم غير معجزي الله}. # أي: مفيتيه أنفسكم، أين كنتم، وأين ذهبتم بعد الأربعة الأشهر وقبلها، لا ~~منجي منه ولا ملجأ إلا الإيمان به، عز وجل، وبرسوله عليه السلام. # {وأن الله مخزي الكافرين}. # أي: مذلهم ومرثهم العار في الدنيا والآخرة. # قوله: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس}، الآية. PageV04P2921 # و " الأذان " في اللغة: الإعلام. # و {يوم الحج الأكبر}: يوم عرفة؛ لأن عليا يوم عرفة قرأ على الناس أربعين ~~آية من " براءة " بعثه بها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قرأها عليهم في ~~منى لتبلغ جميعهم، فمن ثم قال قوم: {يوم الحج الأكبر}: النحر. وهو قول ~~مالك. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، خطب يوم عرفة فقال: " أما بعد، فإن ~~هذا يوم الحج الأكبر ". [وهو قول عمر، وابن الزبير، وعطاء، وغيرهم. PageV04P2922 # وروي عن علي أنه قال: {يوم الحج الأكبر}]: يوم النحر. وهو قول مالك، ~~واختلف عن ابن عباس. وهو قول ابن عمر، والسدي، والشعبي، وغيرهم. # وقال مجاهد {يوم الحج الأكبر} معناه: حين الحج، وهو أيام الحج كلها، لا ~~يوم بعينه. # وقال ابن جريج: {الحج الأكبر}: أيام منى كلها. # واختار الطبري: أن يكون يوم النحر؛ لأن في ليلته يتم الحج، وليس من فاته ~~يوم عرفة أو ليلته يفوته الحج، ومن فاته ليلة يوم النحر إلى الفجر فقد فاته ~~الحج. وحق الإضافة أن تكون إلى المعنى الذي يكون في الشيء، فلما كان الحج ~~في ليلة يوم النحر أضيف أسم الحج إلى يوم النحر. # ولما كان [من] لم تغب له الشمس يوم عرفة لم يحج، وإن كان قد وقف بعرفة ~~طول نهاره، علم بأنه ليس بيوم الحج إذ لا يتم الحج PageV04P2923 # به ألا ترى أنهم يقولون: يوم النحر من أجل أن [النحر فيه، ويقولون: يوم ~~عرفة من أجل أن] الوقوف بعرفة فيه يكون، و: يوم الفطر من أجل أن الإفطار ~~بعد الصوم فيه يكون، فكذلك يوم الحج يقال لليوم الذي فيه، أو في ليله يتم ~~الحج ويحصل، وفي يومه تعمل أعمال الحج، من ms0977 النحر، والوقوف بمزدلفة، ورمي ~~الجمار، والحلق، وغير ذلك. # وسمي: {الحج الأكبر}: لأنه كان/ في سنة اجتمع فيها المسلمون والمشركون. # وقيل: سمي بذلك؛ (لأنه) من النحر والوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والحلاق ~~وغير ذلك. # وسمي بذلك؛ لأنه كان يوم حج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيد ~~اليهود والنصارى. # وقال مجاهد {الحج الأكبر}: القران في الحج، والأصغر: الإفراد. PageV04P2924 # وأكثر الناس على أن الأكبر: الحج، والأصغر: العمرة. # وقال الشعبي الحج الأصغر: العمرة في رمضان. # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث عليا بأول سورة " براءة "، إثر ~~أبي بكر عام حج بالناس أبو بكر، وذلك سنة تسع، فنادى علي ب: " براءة " في ~~الموسم. # وقيل: يوم النحر نادى بها. # وقيل: يوم عرفة. # وقيل: فيهما جميعا. # ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم، في سنة عشرة. # ومعنى {برياء من المشركين}، أي: من عهدهم بعد هذه الحجة. # {فإن تبتم فهو خير لكم}. # أي: تبتم عن كفركم {وإن توليتم}، أدبرتم عن الإيمان، {فاعلموا أنكم غير ~~معجزي الله}، أي: لا تفيئون الله أنفسكم، {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}، PageV04P2925 # أي: مؤلم، أي: أعلمهم، يا محمد بذلك. # {برياء من المشركين}، وقف، إن جعلت {ورسوله}: ابتداء أضمر خبره، أي: ~~ورسوله بريء منهم. # وإن جعلته معطوفا وقفت {ورسوله}، وكذلك من نصب، وهي قراءة ابن أبي إسحاق. # {غير معجزي الله}، وقف حسن. # {بعذاب أليم}، ليس بوقف حسن؛ لأن بعده الاستثناء. PageV04P2926 # ومن العلماء من يقول: ألا وقف من أول السورة يحسن؛ لأن الاستثناء مما ~~قبل. # قال قتادة: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم النبي عليه السلام، زمن ~~الحديبية، أمر أن يتم لهم مدتهم، وكان قد بقي منها أربعة أشهر من يوم ~~النحر، وأمر أن يصبر على من لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ثم يقاتل ~~[الجميع] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. # ومعنى {إلى مدتهم}: إن كانت أكثر من أربعة أشهر. # قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين}، الآية. # قوله: {كل مرصد}، منصوب عند الأخفش على حذف: " على ". # وقد حكى ms0978 سيبويه: ضرب الظهر والبطن، أي: " على "، فنصب لما حذف PageV04P2927 # " على ". # ونصبه على الظرف حسن، كما تقول: " قعدت له كل مذهب ". # أي في كل مذهب. # والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان ~~لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير أجل ~~معلوم. {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، من الأرض، في الحرم، وفي غيره، ~~وفي الأشهر الحرم وفي غيرها. {وخذوهم}، أي: أسروهم، والعرب تسمي " الأسير ~~": أخيذا، {واحصروهم}، أي: امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين، PageV04P2928 # وأصل " الحصر ": المنع (والحبس)، {واقعدوا لهم كل مرصد}، أي: طالبوهم في ~~كل طريق. {فإن تابوا}، أي: رجعوا عن الشرك، و {وأقاموا الصلاة}، أي: أدوها ~~بحدودها، {وءاتوا الزكاة}، أي: أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم/، {فخلوا ~~سبيلهم} أي: دعوهم يتصرفون [في أمصاركم]، ويدخلون البيت الحرام {إن الله ~~غفور}، أي: ساتر ذنوب من رجع وأناب، {رحيم}، أن يعاقبه PageV04P2929 # على ذنوبه السابقة قبل توبته، [بعد التوبة]. # روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من فارق الدنيا على ~~الإخلاص لله عز وجل، وعبادته، جلت عظمته، لا يشرك به فارقها والله عنه راضي ~~". # و {الأشهر الحرم}، هنا: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده؛ لأن الأذان ب: " براءة " كان ~~يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أجلوا الأشهر [الحرم] كلها، ولكنه ~~لما كان المحرم متصلا بالشهرين الآخرين الحرامين وكان لهما تاليا قيل: ~~{فإذا انسلخ الأشهر الحرم}. # وقال السدي: {الأشهر الحرم} هنا هي: من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع ~~الآخر. # وسميت " حرما "؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، وأذاهم. PageV04P2930 # وقال مجاهد: {الأشهر الحرم}، هنا هي: الأربعة التي قال الله عز وجل: { ~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2]. # وهو قول السدي. # ومثله قال ابن زيد، قال: أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ثم ~~يتبرأ منهم، ثم أمر إ ذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا. # وسماها " حرما "؛ لأنه حرم ms0979 قتل المشركين فيها. # وقال الضحاك، والسدي: الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا، والذي نسخها هو ~~قوله: {فإما منا بعد وإما فدآء} [محمد: 4]. وهو قول عطاء. # وقال قتادة: هذه الآية ناسخة لقوله: {فإما منا بعد وإما فدآء}، ولا يجوز ~~أن PageV04P2931 # يمن على أسير ولا يفادى، وقد روي مثله عن مجاهد. # وقال ابن زيد: وهو الصواب إن شاء الله، [إن] الآيتين محكمتان. # أمر هنا: أن يؤخذوا إما للقتل، وإما للمن، وإما للفداء، وأمر ثم، إما ~~المن، وإما الفداء، فهما محكمتان، وقد فعل هذا كله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قتل الأساري، وفادى ببعض، ومن على بعض، وذلك يوم بدر. # قوله: {وإن أحد من المشركين استجارك}، الآية. # والمعنى: وإن استأمنكم، يا محمد، أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم ~~بعد انسلاخ الأشهر الأربعة، ليسمع كلام الله، سبحانه، منك، فأمنه حتى ~~يمسعه، {ثم أبلغه مأمنه}، أي: إن أسمع ولم يتعظ، فرده إلى حيث يأمن منك ومن PageV04P2932 # أصحابك، ويلحق بداره. # وإضافة الكلام إلى الله، جل ذكره، في هذا إضافة تخفيص من طريق القيام به، ~~فهي إضافة صفة إلى موصوف، وليست بإضافة ملك إلى مالك،، ولا بإضافة خلق إلى ~~خالق، ولا بإضافة تشريف، بل هي إضافة على معنى: أن ذاته [غير] متعدية منه. ~~فافهم. # قوله: {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}. # أي: يفعل ذلك بهم؛ لأنهم قوم جهلة لا يعلمون قدر ما دعوا إليه. # قوله: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله}، الآية. # المعنى: أنى يكون للمشركين عهد يوفى لهم به، فيتركون من أجله آمنين؟ إلا ~~الذين أعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم {فاستقيموا لهم}، أيها المؤمنون ~~على عهدهم، ما استقاموا لكم عليه. PageV04P2933 # قال الفراء: في {كيف}، هنا معنى التعجب. # وهؤلاء القوم: بنو جذيمة بن الدئل. # وقيل: هم قريش. # قال ابن زيد: فلم يستقيموا، فضرب لهم أجل أربعة أشهر، ثم أسلموا قبل تمام ~~الأجل. # وقال قتادة: نقضوا ولم يستقيموا، أعانوا أحلافهم من بني بكر، على حلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم، خزاعة. # وقال [مجاهد]: هم قوم من ms0980 خزاعة. # قوله: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا}، الآية. # {كيف}: في موضع نصب، وكذلك {كيف يكون} [التوبة: 7]. # والمعنى: كيف يكون لهؤلاء المشركين عهد، وهم/ قد نقضوا العهد، ومنهم من PageV04P2934 # لا عهد له، وهم: {وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة}. # و {كيف} هذه، قد حذف الفعل بعدها لدلالة ما تقدم من الكلام عليه. # قال الأخفش المعنى: {كيف} لا تقتلونهم. # وقال أبو إسحاق، التقدير: كيف يكون لهم عهد، {وإن يظهروا عليكم}، وحذف ~~هذا الفعل؛ لأنه قد تقدم ما يدل عليه، ومثله قول الشاعر: PageV04P2935 # وخبرتماني أنهما الموت في القوى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب # والمعنى: فكيف يكون الموت في القرى، وهاتا هضبة وقليب، لا ينجو فيهما منه ~~أحد؟ # و" الإل ": القرابة و " الذمة ": العهد. قاله ابن عباس. # وقال قتادة " الإل ": الله، و " الذمة ": العهد. # وقال مجاهد " الإل ": الله، و " الذمة ": العهد. PageV04P2936 # وقال ابن زيد: " الإل ": العهد، و " الذمة ": العهد، لكنهما كررا لما ~~اختلف لفظهما. # وجمع " الإل " الذي هو القرابة: الآل، بمنزلة " عدل وأعدل "، وفي الكثير: ~~ألول ألال. # وقوله: {يرضونكم بأفواههم}. # أي: يعطونكم بألستنهم خلاف ما يضمرون في نفوسهم. # {وتأبى قلوبهم}. # أي: تأبى أن تذعن بتصديق ما يبدوا بألسنتهم. # {وأكثرهم فاسقون}. PageV04P2937 # أي: خارجون عن أمر الله عز وجل، بنقضهم وكفرهم. # قوله: {اشتروا بآيات الله ثمنا}، إلى قوله: {المعتدون}. # المعنى: إن الله عز وجل أخبر عن المشركين، أنهم باعوا آيات الله سبحانه ~~وعهده، (جلت عظمته)، بثمن يسير. # وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ~~بأكلة أطعمها لهم أبو سفيان بن حرب. # {فصدوا عن سبيله}. # أي: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام. # {إنهم سآء ما كانوا يعملون}. # أي: ساء عملهم. # {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة}. PageV04P2938 # قد تقدم ذكره. # وقال النحاس: هذا لليهود، والأول للمشركين. # وقوله: {اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا}، يعني اليهود، باعوا حجج الله عز ~~وجل، وآياته، سبحانه بطلب الرئاسة. # {وأولئك هم المعتدون}. # أي: المتجاوزون إلى ما ليس لهم. # قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا ms0981 الزكاة}، إلى قوله: {لعلهم ~~ينتهون}. # المعنى: فإن تاب هؤلاء المشركون الذين أمرتكم بقتلهم، {وأقاموا الصلاة ~~وءاتوا الزكاة}، فهم إخوانكم في الدين، {ونفصل الأيات}، أي: نبين لهم ~~الحجج، {لقوم يعلمون}، ذلك. # قال قتادة المعنى: فإن تركوا اللات والعزى، وشهدوا: أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة}، ~~فهم إخوانكم في الدين. # قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعا، فلم يفرق بينهما. وقال: يرحم ~~الله PageV04P2939 # أبا بكر ما كان أفقهه. # وقوله: {وإن نكثوا أيمانهم}. # أي: وإن نكث هؤلاء المشركون عهودهم من بعد ماعاهدوكم. # {وطعنوا في دينكم}. # أي: قدحوا فيه، وثلبوه وعابوه. # {فقاتلوا أئمة الكفر}. # أي: رؤوس أهل الكفر. # {إنهم لا أيمان لهم}. # من قرأ ب: " فتح الهمزة " فمعناه: لا عهود لهم، وهو جمع " يمين ". PageV04P2940 # ومن كسر احتمل معنيين: # أحدهما أن يكون معناه: لا إسلام لهم، فيكون مصدر: آمن الرجل يؤمن: إذا ~~أسلم. # ويحتمل أن يكون مصدر: آمنته من الأمن، فيكون المعنى: لا تؤمنوهم، ولكن ~~اقتلوهم. # و {أئمة}: جمع إمام، وهو: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان ~~بن حرب، ونظراؤهم الذين هموا بإخراجه. # وقال السدي: هم قريش. PageV04P2941 # وقال حذيفة: ما قوتل أهل هذه الآية بعد. # وأصل " النكث ": النقنض. # {لعلهم ينتهون}. # أي: / ينتهون عن الشرك ونقض العهود. # قوله: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم ~~أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين}، الآية. # {ألا}: تحضيض وتحريض. # {أتخشونهم}، ألف تقرير وتوبيخ. # ومعنى الآية: أنها تحضيض، على قتال المشركين الذين نقضوا عهود النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وطعنوا في الدين، وعاونوا أعداء المسلمين عليهم، {وهموا ~~بإخراج الرسول} من مكة: {وهم بدءوكم أول مرة}، أي: بدأوا بالقتال ببدر: ~~{أتخشونهم} أي: تخافونهم على PageV04P2942 # أنفسكم: {فالله أحق أن تخشوه}، أي: أن تخافوه في ترككم قتال عدوكم وعدوه، ~~الذي هو [لا] يضر و [لا] ينفع. # قال السدي: هموا بإخراجه وأخرجوه. # {أول مرة}، وقف عند الأخفش. # وعند أبي حاتم، الوقف: {أتخشونهم}. # قوله: {قاتلوهم ms0982 يعذبهم الله}، الآية. # والمعنى: قاتلوا هؤلاء الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، فإنكم إن ~~تقاتلوهم: {يعذبهم الله بأيديكم}، أي: يقتلهم بأيديكم، {ويخزهم}، أي: يذلهم PageV04P2943 # بالأسر: {وينصركم عليهم}، أي: يعطكم الظفر عليهم، {ويشف صدور قوم ~~مؤمنين}، أي: بقتلهم وأسرهم. # و" الوقوم المؤمنون " (هنا) هم: خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك أن قريشا نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~بمعونتهم بكرا على خزاعة. قاله مجاهد، والسدي. # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قاضى المشركين يوم الحديبية، أدخل ~~بني كعب بن خزاعة معه في القضية، [وأدخل المشركون بين بكر بن كنانة معهم في ~~القضية]، ثم إن المشركين أغاروا مع بني بكر بن كنانة على بني كعب، قبل ~~انقضاء مدة العهد، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك فقال: " واله ~~لأنتصرن لهم "، فنصره الله عليهم يوم الفتح، وشفى صدور بني كعب. # قوله: {ويذهب غيظ قلوبهم}. PageV04P2944 # أي: غيظ قلوب خزاعة على هؤلاء: بني بكر بن كنانة الذين نقضوا عهد النبي ~~عليه السلام، وأعانوا المشركين على خزاعة، وهم مؤمنون، حلفاء النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم] . # { ويتوب الله على من يشآء}. # مستأنف فالابتداء به حسن، والمعنى: وسوف يتوب الله، وهو مثل: {فإن يشإ ~~الله يختم على قلبك}، ثم قال: {ويمح} [الشورى: 24] فاستأنف. # وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعرج: # " ويتوب " ب: " النصب ". PageV04P2945 # على الصرف. # فلا تقف على ماق بل: {ويتوب} على هذه القراءة. # قوله: {والله عليم}. # أي: عالم بسرائر عباده {حكيم} في تصريفه عباده من حال كفر إلى حال إيمان، ~~بتوفيقه، ومن حال إيمان إلى حال كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته. # قوله: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم}، الآية. # {أن تتركوا}: في موضع مفعولي " حسبت " عند سيبويه. PageV04P2946 # وقال المبرد: {أن تتركوا}: مفعول أول، والثاني مفعول محذوف. # و {أم} هنا: استفهام، والمعنى: أحسبتم أيها المؤمنون كذا وكذا؟. # ومعنى الآية: أنها خطاب للمسلمين الذين أمرهم الله بقتال المشركين الذين ~~نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، يقول تعالى: أحسبتم، ms0983 أيها المؤمنون أن يترككم ~~الله بغير محنة، وبغير اختيار، ليعلم الصادق منكم من الكاذب، علم مشاهدة. ~~وقد كان علم ذلك، تعالى، قبل خلق العالم، ولكن المجازاة إنما تقع على ~~المشاهدة، فيعلم المجاهدين الذين لم {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا ~~المؤمنين وليجة}، أي: بطانة من المشركين، يفشون إليهم من سرهم. # قال الطبري: إنما دخلت {أم} في موضع الألف هنا؛ لأنه من الاستفهام ~~المعترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بين الاستفهامم الذي يبتدأ به، ~~والاستفهام الذي يعترض. # في وسط الكلام. PageV04P2947 # ومثله: {الم * تنزيل الكتاب لا ريب [فيه] من رب العالمين} [السجدة: 1 - ~~2]، ثم قال: {أم يقولون} [السجدة: 3]، بمعنى: أيقولون. # ومثله: {أفلا تبصرون * أم أنآ/ خير} [الزخرف: 51 - 52]، أي: أنا خير. # وهذه {أم} هي التي تسمى " المنقطعة، ولا يقدر الكلام معها ب: " أيهم " ~~ولا ب: " أيهما ". # {والله خبير بما تعملون}. # أي: ذو خبر بعملكم إن اتخذتم بطانة من المشركين تفشون إليهم سر المؤمنين. # ونظير هذه الآية: {الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون} [العنكبوت: 1 - 2]، أي: يختبرون، ثم قال: {ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم}، إلى: {وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 3]. # قوله: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله}، إلى قوله: {المهتدين}. # والمعنى: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم ليسوا ممن يذكر PageV04P2948 # الله، والمساجد إما بنيت لذكر الله والصلاة، فليس لهم أن يعمروها. # {شاهدين على أنفسهم}. # فيه ثلاثة تأويلات. # أحدهما: أن فيما يقولونه ويفعلونه دليل على كفرهم، كما يدل على إقرارهم، ~~فكأن ذلك منهم شهادتهم على أنفسهم. قاله الحسن. # والثاني: شهادتهم على رسولهم بالكفر؛ لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم. ~~قاله الكلبي. # والثالث: ما ذكره في الكتاب، وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لأنهم يقال ~~للرجل منهم: أيش أنت؟ فيقول: نصراني، يهودي، صابئ، مشرك. # {أولئك حبطت أعمالهم}. # في الدنيا، أي: بطلت وذهبت، إذ لم تكن لله، عز وجل، وكانت للشياطين. # {وفي النار هم خالدون}. PageV04P2949 # أي: ما كثون أبدا، لا أحياء ولا أمواتا. # ومن قرأ: {مساجد الله} بالتوحيد، عنى ms0984 به: المسجد الحرام، ودليله قوله: ~~{فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]، وقوله: {وعمارة ~~المسجد الحرام} [التوبة: 19]. # ومن جمع، أراد: جميع المساجد، ودليله قوله: {إنما يعمر مساجد الله} فجمع ~~ولم يختلف فيه. # والجمع: يستوعب المسجد الحرام وغيره، والتوحيد: يخص المسجد الحرام PageV04P2950 # وحده، ولا يجوز لمن وحد أن يريد به الجنس؛ لأنه مضاف، والمضاف موقت ~~محدود. # ثم قال: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله}. # أي: إنما يعمرها من صدق بالله ورسوله، وما أتت به الرسل. # {وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين}، (أي): فحقيق أن يكون من هذه صفته من المهتدين. # وكل " عسى " في القرآن من الله فهي واجبة. # ونزلت هذه الآية في قريش؛ لأنهم كانوا يفتخرون، فيقولون: نحن أهل الحرم ~~وسقاة الحاج، وعمار هذا البيت، فأنزل الله عز وجل، صفة من يجب أن يعمر ~~مساجد الله، سبحانه. # قوله: {أجعلتم سقاية الحاج}، إلى قوله: {أجر عظيم}. PageV04P2951 # ألف {أجعلتم}: ألف تقرير وتوبيخ. # ومعنى {كمن آمن بالله}، أي: كإيمان من آمنم. # ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، ~~فأعلمهم الله عز وجل، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر ~~والجهاد في سبيل الله. # وروي أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سيقتمونا ~~بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك ~~العاني، فأنزل الله، جل كره: {أجعلتم سقاية الحاج}، الآية، فذلك لا ينفعكم، ~~أيها المشركون مع شرككم. # وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، وفقال العباس: أنا ~~أفضلكم، أنا أسقي حاج البيت الله، وقال شيبة: [أنا]. PageV04P2952 # أعمر مسجد الله. وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجاهدت معه في سبيل الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل، الآية: {أجعلتم}. # وروي أن عليا قال للعباس وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكر حسبا منا؟ قال: ~~نعم، / قال: من ضرب خراطيمكم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام كرها، فشق ذلك ~~عليهما، [فشكيا] إلى ms0985 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، هنيهة، إذ جاءه جبريل عليه السلام، بهذه الآية: {أجعلتم ~~سقاية الحاج}، الآية. # وقال الضحاك: أقبل المسملون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، ~~يعبرونهم بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، فانزل الله ~~عز وجل، الآية. # قوله: {لا يستوون}. # أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله. PageV04P2953 # {والله لا يهدي القوم الظالمين}. # أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال. # ثم قال تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا}. # أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة ~~مع الشرك، فهذا قضاء من الله عز وجل، بين المفتخرين. # ثم أخبر أنهم {هم الفائزون}: أي: الناجون من النار، الفائزون بالجنة. # ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: {يبشرهم ربهم برحمة منه}، لهم ~~{ورضوان}، منه عنهم، {وجنات لهم فيها نعيم مقيم}، أي: لا يزال أبدا، ~~{خالدين}، أي: ماكثين، {أبدا}، لا حد لذلك، {إن الله عنده أجر عظيم}، أي: ~~عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم {أجر عظيم}، أي: لا حد له من عظمه. # ومعنى {يبشرهم}: يعلمهم بذلك في الدنيا. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم}، إلى قوله: PageV04P2954 # {والله لا يهدي القوم الفاسقين}. # ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، نهى المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم ~~الكفار أولياء، يفشون إليهم سر المؤمنين، ويطلعونهم على أسرار النبي عليه ~~السلام، ويؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار السلام: {ومن يتولهم ~~منكم} أي: من يتخذهم أولياء وبطانة، ويؤثر المقام على الهجرة، {فأولئك هم ~~الظالمون}. # وهذا كله قبل فتح مكة. قاله مجاهد. # {وإخوانكم أوليآء}، وقف نافع. # ومثله {أوليآء} في سورة المائدة، فصح الوقف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يتخذ ~~اليهود والنصارى أولياء على كل حال. # وهنا إنما نهوا عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن هم استحبوا الكفر على PageV04P2955 # الإيمان، فإن لم يفعلوا ذلك فاتخاذهم حسن، والوقف عليه يوجب ألا يتخذوا ~~أولياء على كل حال كاليهود والنصارى. # {على الإيمان}، الوقف الحسن. # ثم قال تعالى: {قل إن ms0986 كان آباؤكم وأبنآؤكم}، الآية. # والمعنى: {قل} يا محمد، للمتخلفين على الهجرة، المقيمين بدار الشرك، مع ~~أهليهم وأموالهم {قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم}، أي: المقام مع هؤلاء بمكة، ~~{أحب إليكم من الله}، أي: من الهجرة إلى دار الإسلام، ومن الجهاد في سبيل ~~الله، {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره}، أي: بفتح مكة. قاله مجاهد. # والثاني: {حتى يأتي الله بأمره}: من عقوبة عاجلة أو آجلة. قاله ابن زيد. # {والله لا يهدي القوم الفاسقين}. PageV04P2956 # أي: لا يوفقهم للهدى. # قوله: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة}، إلى قوله: {والله غفور رحيم}. # {حنين}: مذكر، أسم واد بين مكة والطائف. # ومن العرب من يجعله أسما للبقعة فلا يصرفه للتأنيث والتعريف. # وقيل: هو واد إلى جنب ذي المجاز. # لغة بني تميم: " كثرة "، بكسر الكاف، وجمعه: كثر، والفتح لغة أكثرهم، ~~وجمعه: كثرات، وهما مصدران وجمعهما قبيح. # ومعنى الآية: {لقد نصركم الله}، أيها المؤمنون في أماكن حرب، ونصركم يوم ~~حنين أيضا. PageV04P2957 # وهو يوم قاتل فيه النبي عليه السلام، هوازن وثقيفا، وخرج مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، في تلك العزوة/ إثنا عشر ألفا: عشرة آلاف من المهاجرين ~~والأنصار، وألفان من الطلقاء، فأعجب القوم كثرهم، فانهزموا ونزل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، عن بغلته الشهباء، وكان العباس أخذ بلجام [بغلة] النبي ~~عليه السلام، فأمر النبي صلى الله عليه سلم، بالأذان في الناس فتراجع ~~الأنصار، وكان المنادي ينادي: " يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين، يا ~~أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء الناس عنقا واحدا، ثم أنزل الله ~~عز وجل، نصره، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، كفا من تراب، وقبضة من ~~حصباء، فرمى بها وجوه القوم الكفار، وقال: " شاهت الوجوه "، فانهزموا. فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، الغنائم، ورجع إلى الجعرانة، فسم بها ~~الغنائم، مغانم حنين، وزاد أناسا منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، ~~وسهيل بن عمرو، وغيرهم تألف بالزيادة قلوبهم، فتكلمت الأنصار، PageV04P2958 # وقالت: " آثر قومه "، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في قبة له ~~من ms0987 آدم، فقال: يا معشر الأنصار ما ها الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضلالا فهداكم ~~الله، وكنتم إذلة فأعزكم الله، وكنتم وكنتم. فتكلموا إليه، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لو سلكتم واديا وسلك الناس واديا، لسكلت ~~وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار. ثم مدحهم بغير هذا، ثم ~~قال: أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله إلى ~~بيوتكم. فقالت الأنصار: رضينا عن الله عز جل، وعن رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، والله ما قلنا ذلك إلا ظنا بالله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم. # قال السدي: قال رجل من أصحاب النبي عليه السلام، يوم حنين، وقد كانوا ~~إثنى عشر ألفا: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة وأعجبته كثرة الناس، ~~فوكلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير ~~العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ بين [يدي] ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # فنادى النبي صلى الله عليه وسلم، بالأنصار: أين الأنصار الذين بايعوا تحت ~~الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله عز وجل، الملائكة بالنسر، فهزم المشركون ~~يومئذ، وغنموا. # وأصاب المسلمون ستة آلاف سبية، فجاء قومهم مسلمين، فقالوا: يا رسول PageV04P2959 # الله، أنت خير الناس، وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن عندي من ترون، وإن خير القول أصدقه، ~~فاختاروا: إما ذراريكم ونسائكم، و [إما] أموالكم. فقالوا ما كنا نعدل ~~بالأحساب شيئا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، من طابت نفسه [أن يرد ما ~~عنده من الذراري ومن لم تطب نفسه] أن يجعله قرضا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، حتى يعوضه مكانه. فرضوا كلهم وسلموا بأن يردوا الذراري بطيب نفس. # ومعنى {بما رحبت}، أي: بسعتها. # وقال الطبري: " الباء " بمعنى: " في ". # فأعلم الله عز وجل، المؤمنين في هذه الآية أنه ليس بكثرهم يغلبون، [إنما ~~يغلبون] بنصره. # وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة، ولما خرج النبي ms0988 صلى الله عليه وسلم، إليها ~~خرج معه أهل مكة مشاة وركبانا، يمشون يرجون الغنائم حتى خرج معه النساء ~~والصبيان وهم على غير الإسلام/ وليس يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله [صلى ~~الله] عليه وسلم. PageV04P2960 # وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الغنائم على الجميع، ووفر على أهل ~~مكة استيلافا لهم ليدخلوا في الإسلام، وزوى كثيرا من المقاسم عن أصحابه، ~~فعند ذلك وجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: ما نرى فعل ذلك إلا وهو يريد ~~المقام بين ظهرانيهم، فعاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم، [ على ذلك. # فنصر الله النبي صلى الله عليه وسلم، وهو السكينة التي أنزلت على النبي ~~صلى الله عليه وسلم] وعلى المؤمنين، {وأنزل جنودا لم تروها}، وهي الملائكة ~~بالنصر: {وعذب الذين كفروا}، أي: بالسيف، وسبي الأهل وأخذ الأموال: {وذلك ~~جزآء الكافرين}، أي: هذا الذي فعله بهم، هو جزاء من كفر بالله ورسوله. # وقيل: هو جزاء من بقي منهم. PageV04P2961 # {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء}. # أي: يتفضل على من يشاء بالتوبة من الكفر والإنابة إليه، يعني من بقي ~~منهم، حتى ينقلهم إلى طاعته إذا شاء، {والله غفور رحيم}. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس}، إلى قوله: {وهم صاغرون}. # ومعنى الآية: أن الله أمر المؤمنين أن يمنعوا المشركين من دخول المسجد ~~الحرام. # وقوله: {نجس}. # قال قتادة: " النجس " هنا: الجنب. # وأصل " النجس ": القذر. وإذا ذكرت قبل " النجس ": " الرجس " كسرت " النون ~~"، وأسكنت " الجيم "، فقلت: هو رجس نجس على الاتباع. # وعنى بذلك: الحرم كله أن يمنعوا من دخوله، وعلى ذلك قال عطاء: الحرم كله ~~قبلة ومسجد. PageV04P2962 # وبظاهر هذه الآية يجب على المشرك إذا أسلم أن يغتسل، وقد أمر بذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وهو مذهب مالك، وابن حنبل، ولم يوجبه الشافعي واستحبه، ~~قال: إلا أن يكون يعلم أنه جنب فعليه أن يغتسل. # وقال الثوري، والشافعي: ثياب المشركين على الطهارة حتى تعلم النجاسة، ~~واستحبا غسل الإزار والسراويل. # وقال مالك: إذا صلى في ثوب كان المشرك يلبسه، أعاد من الصلاة ms0989 ما كان في ~~وقته. # وأكثرهم على أن لا بأس بالصلاة فيما نسجوا، وهو مذهب مالك. # وهذه الآية ناسخة، لما كان النبي عليه السلام، قد صالح عليه المشركين أن ~~لا يمنع أحد من البيت. PageV04P2963 # قال مالك: يمنع المشركون كلهم من أهل الكتاب وغيرهم من دخول الحرم، ودخول ~~كل المساجد. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة. # وقال الشافعي: يمنع المشركون جميعا من دخول الحرم، ولا يمنعون من دخول ~~سائر المساجد. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام، ~~ولا من غيره، ولا يمنعن من ذلك إلا المشركون أهل الأوثان. # وقول الله عز وجل، في اليهود والنصارى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~[من دون الله من دون الله]} [التوبة: 31] الآية، يدل على جوازهم تسميتهم ~~مشركين، وقد نص الله على ذلك بقوله: {عما يشركون} في آخر الآية. # وقوله: {بعد عامهم هذا}. # هو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، بالناس، ونادى علي ب: " ~~براءة " في الموسم، / وذلك لتسع سنين مضين من الهجرة، وحج النبي صلى الله ~~عليه وسلم حجة الوداع في العام المقبل سنة عشر من الهجرة. PageV04P2964 # وقوله: {وإن خفتم عيلة}. # [أي]: إن خفتم، أيها المؤمنون، فقرا، بمنعنا المشركين أن يأتوكم إلى ~~الحرم بالتجارات، {فسوف يغنيكم الله من فضله}، فأغناهم الله بأخذ الجزية ~~منهم بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله}، إلى قوله: {حتى يعطوا ~~الجزية}. # وقيل: أغناهم بإدرار المطر عليهم. # قال ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، عن منع المشركين من ~~دخول الحرام، وقال لهم: من أين تأكلون، وقد انقطعت عنكم العير؟ فأنزل الله ~~عز وجل: # { وإن خفتم عيلة} الآية. # {إن الله عليم}. # أي: عليم بما حدثتكم به نفوسكم من خوف العيلة، بمنعنا المشركين أن يأتوا ~~إليكم، وبغير ذلك من مصالحكم، {حكيم}، في تدبيره. PageV04P2965 # و " العيلة " مصدر " عال يعيل ": إذا افتقر. # وحكي: " عال يعول " [في] الفاقة. # وبمصحف عبد الله: " عائلة "، أي: خصلة شاقة، يقال: عالني الأمر، أي: شق ~~علي واشتد. # ثم قال: تعالى آمرا للمؤمنين: {قاتلوا ms0990 الذين لا يؤمنون بالله}، الآية، ~~أي: قاتلوهم حتى يعطوكم الجزية، من أهل الكتاب كانوا أو من غيرهم. # و" الجزية " ك: " القعدة " و " الجلسة "، وجمعها: جزى، ك: " الحى "، فهو PageV04P2966 # من " جزى فلان فلانا ما عليه ": إذا قضاه. # وهي الخراج عن الرقاب. # ومعنى: {عن يد}، أي: عن يده إلى يد من يدفعه إليه. # وقيل: {عن يد}: عن إنعام منكم عليهم إذا رضيتم بالجزية وأمنتموهم في ~~نفوسهم وأموالهم وذراريهم. # وقيل: {عن يد}: نقدا لا نسيئة. # وقيل: يؤدونها بأيديهم لا يوجهون بها كما يفعل الجبار. # وأهل اللغة يقولون: عن قهر وقوة. PageV04P2967 # {وهم صاغرون}. # أي: أذلاء مقهورون. # فهذه الآية نزلت في حرب الروم، فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ~~نزولها غزوة تبوك. قاله مجاهد. # قال عكرمة: {وهم صاغرون}: هم قائمون [وأنت جالس]. # وقال ابن عباس: يمشون بها ملبين. # وهذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين. قاله ابن عباس. PageV04P2968 # هي ناسخة لقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5]. # وأجمع علماء الأمصار على أخذ الجزية من المجوس. # وكان ملك يرى: أخذ الجزية من سائر أهل الشرك، وحكمهم عنده حكم المجوس، ~~تؤخذ منهم الجزية، ولا ينكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم. # وتوضع الجزية عمن أسلم عند مالك ولم يبق من السنة إلا يوم واحد. # وتؤخذ الجزية من أهل الورق: أربعون درهما، ومن أهل الذهب: أربعة دنانير، ~~وهي فرض عمر رضي الله عنه. # قوله: {وقالت اليهود عزير ابن الله}، إلى قوله: {يشركون}. # {عزير}: مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: صاحبنا عزير، {ابن}: نعت له، فيكون حذف ~~التنوين لكثرة الاستعمال. PageV04P2969 # ويجوز أن يكون {ابن}، خبرا [عن] {عزير}، ويكون حذف التنوين لالتقاء ~~الساكنين. # وكلا الوجهين في قراءة من نون عزيرا. # وقال أبو حاتم لو قال قائل: إن عزيرا اسم أعجمي لا يتصرف جاز. # وهو عند النحويين عربي مشتق، من: عزره يعزره ومنه قوله: {وتعزروه ~~وتوقروه} [الفتح: 9]. # {ذلك قولهم بأفواههم}. PageV04P2970 # أي: لا بيان عندهم بما يقولون، ولا برهان، وإنما هو قول لا غير. {يضاهئون ~~قول الذين كفروا}. # أي: يشبهون قولهم بقولهم، وهم اليهود الذين قالوا: ms0991 # {عزير ابن الله}، [سبحانه وتعالى]، أي: يشبه قول هؤلاء النصارى في الكذب ~~على الله، (تعالى)، قول من تقدمهم في " العزير " من اليهود. # وقيل: المعنى: إن من كان على/ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، من اليهود ~~والنصارى قولهم يشبه قول أوليهم. # {قاتلهم الله}. # أي: لعنهم الله. PageV04P2971 # {أنى يؤفكون}. # أي: من أين يصرفون عن الحق. # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا [من دون الله]}. # الأحبار: العلماء. # والرهبان: العباد، أصحاب الصوامع. # {أربابا}: أي سادة، يطيعونهمه في المعاصي، فيحلون ما حرم الله عز وجل، ~~ويحرمون ما أحل الله، سبحانه، ولم يكونوا يعبدونهم، إنما كانوا يطيعونهم ~~فيما لا يجوز، ولا يحل. # وقوله: {والمسيح}. PageV04P2972 # أي: واتخذوا المسيح ربا. # {ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}. # [أي]: تنزيها له وتطهيرا من شركهم. # قوله: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم}، إلى قوله: {ولو كره ~~المشركون}. # قوله: {إلا أن يتم نوره}، إنما دخلت {إلا}؛ لأن في الكلام معنى النفي، ~~وهو: {يأبى}، لأن قولك: " أبيت الفعل " كقولك: " لم أفعل "، فلذلك دخلت ~~{إلا}، وهي لا تدخل إلا بعد نفي. # وقال الزجاج التقدير: {ويأبى الله} كل شيء {إلا أن يتم نوره}. PageV04P2973 # وقال علي بن سليمان: إنما جاز دخول {إلا} ها هنا؛ لأن {يأبى} منع، فضارعت ~~النفي. # ومعنى الآية: يريد أحبار هؤلاء ورهبانهم {أن يطفئوا نور الله}، ( عز وجل) ~~، { بأفواههم}، أي: يحاولون بتكذيبهم وصدهم الناس عن محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أن يبطلوا القرآن الذي جعله الله ضياء لخلقه، وهو نور الله سبحانه، ~~{ويأبى الله إلا أن يتم نوره}، أي: يعلو دينه وتظهر كلمته. # قال السدي: يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم، والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون إتمامه. # {هو الذي أرسل رسوله بالهدى}. # وهو الإسلام وشرائعه {ودين الحق}، الإيمان، {ليظهره على الدين كله}، أي: PageV04P2974 # ليعلي الإسلام على الملل كلها، {ولو كره}، ذلك {المشركون}. # قال أبو هريرة: ذلك عند خروج عيسى عليه السلام. # وقيل: المعنى ليعلمه شرائع الدين كلها، فيطلعه عليها. # فتكون " الهاء " للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ms0992 قول ابن عباس. # وفي القول الأول: " الهاء " تعود على: " الدين. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان}، إلى [قوله]: ~~{ما كنتم تكنزون}. # قوله: {والذين يكنزون}. # {والذين}: في موضع رفع عطف على الضمير في: " يأكلون "، فيكون التقدير: PageV04P2975 # {ليأكلون أموال الناس بالباطل}، ويأكلها معهم الذين يكنزون الذهب. # وقيل: {الذين}: في موضع رفع بالابتداء. # ومعنى الآية: يا أيها الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، بما جاء به، ~~إن كثيرا من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم: علماؤهم وعبادهم. وقيل: ~~{الأحبار}: القراء: {ليأكلون أموال الناس بالباطل}، ويأكلها معهم {والذين ~~يكنزون الذهب}، وذلك الرشى في الحكم، وفي تحريف كتاب الله عز وجل، يكتبون ~~بأيديهم كتبا، ويقولون: هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمنا قليلا، {ويصدون ~~عن سبيل الله}، أي: يمنعون من أراد الدخول في الإسلام. # و" الكنز ": كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤد زكاته. # وقوله: {ولا ينفقونها}. # أي: لا يؤدون زكاتها. PageV04P2976 # قال ابن عمر: كل ما مال أديت زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكل مال لم ~~تؤد زكاته، فهو كنز يكوى [به] صاحبه، وإن لم يكن مدفونا. # وروي عن علي رضي الله عنه: أربعة آلاف درهم فما دونها " نفقة " / فإن ~~زادت فهو " كنز "، أديت زكاته أو لم تؤد. # قال ابن عباس: هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤد زكاته منهم، وهي عامة في أهل ~~الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤد؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا. # وقال عمر بن عبد العزيز: أراها منسوخة بقوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها} [التوبة: 103]. PageV04P2977 # و " الكنز " في كلام العرب: كل شيء جمع بعضه إلى بعض. # قوله: {ولا ينفقونها}. # ولم يقل: " ينفقونهما "، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز ~~تشتمل على الذهب والفضة. # وقيل: إن الضمير يرجع على: " الأموال " التي تقدم ذكرها أنها تؤكل ~~بالباطل. # وقيل: الضمير يعود على: " الفضة "، وحذف العائد على الذهب لدلالة الكلام PageV04P2978 # عليه، كأنه قال: {ولا ينفقونها} و " ينفقونه "، ثم حذف كما قال: # نحن بما عندنا وأنت ms0993 بما ... عندك راض. . .. # وقيل الضمير: " الذهب "، وضمير " الفضة " محذوف تقديره: {ولا ينفقونها} PageV04P2979 # و " ينفقونها "، والعرب تقول: " هي الذهب [الحمراء] "، فتؤنث. # وقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب خاصة. # وقوله: {فبشرهم بعذاب أليم}. # أي: اجعل موضع البشارة لهم عذابا أليما، أي: مؤلما، بمعنى موجع. # وليس {بعذاب أليم}، بتمام؛ لأن {يوم يحمى عليها}، منصوب ب: {أليم}. # و (الضمير في {عليها}، فيه من الوجوه، ما في: {ينفقونها}، وكذلك الضمير ~~في {بها}. PageV04P2980 # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتي به ~~وبماله فأحمى عليه في نار جهنم، فتكوى بها جنباه وجبهته وظهره، حتى يحكم ~~الله بين عباده ". # وقال ابن عباس: {يوم يحمى عليها}، قال حية تنطوي على جنبيه وجبهته، تقول: ~~أنا مالك الذي بخلت به. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة ~~شجاعا أقرع له زبيبتان، يتبعه فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي ~~تركته بعدك، فلم يزل يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده ". # قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا}، الآية. # قوله: {كآفة}. PageV04P2981 # مصدر مثل: " عفاه الله عافية "، ومثله: " عامة " و " خاصة "، ف: {كآفة} ~~ك: " العافية " و " العاقبة "، ولا تدخل فيهما " الألف واللام "، كما لم ~~تدخلا في " معا " و " جميعا ". # ومعنى الآية: إن الله قدر أن السنة اثنا عشر شهرا في كتابه الذي سبق فيه ~~ما هو [كائن] إلى يوم القيامة، منها أربعة حرم، وهن: رجب، وذو القعدة، وذو ~~الحجة والمحرم، وكان القتال فيها حراما حتى نزل في " براءة " قتال ~~المشركين. # و {ذلك الدين القيم}. PageV04P2982 # أي: المستقيم، إنها اثنا عشر شهرا. # وقيل {الدين} هنا: الحساب، أي: الحساب المستقيم. # وقال ابن عباس معناه: ذلك القضاء القيم. # وقوله: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم}. # أي: لا تستحلوا ما حرم الله عز وجل. # قال ابن عباس: {فيهن} يعني كلهن. # قال ابن عباس: {فيهن}، يعني: كلهن. # وهو قول مقاتل بن حيان، والضحاك، جعلا الضمير يعود على: {اثنا عشر شهرا}. ms0994 # وليس قوله: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} إذا جعلناه الأربعة الأشهر بمبيح ~~لنا أن نظلم أنفسنا في غير الأربعة الأشهر، ولو كان ذلك كذلك لكان قوله: ~~{ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] دليلا على إباحة قتلهم إذا ~~لم يخشوا إملاقا، ولكان قوله: PageV04P2983 # {والفلك [التي] تجري في البحر بما ينفع الناس} [البقرة: 164] دليلا على ~~أنها لا تجري بما يضر الناس، وهي تجري بما ينفع وما يضر. # وأصل هذا: أن كل نهي إنما يوجب الامتناع عما نهى عنه دون غيره، وكل أمر ~~فهو نافس لأضداده فإذا قلت: " قم "، فقد أمرته بترك أضداد القيام من القعود ~~والأضطجاع، وإذا قلت: " لا تقم "، فلم تنهه عن الاضطجاع ولا عن ألا تكاء ~~ولا عن شيء من أضداده، فاعمله. # فالنهي عن الشيء لا يكون نهيا عن أضداد ذلك الشيء والأمر بالشيء أمر عن ~~أضداد/ ذلك الشيء على مبينا، فافهمه. # وقال قتادة، وغيره: {فيهن} في الأربعة الحرم، جعل الذنب فيهن أعظم منه في ~~غيرهن. # وأكثر ما تستعمل العرب " الهاء " و " النون " فيما دون العشرة، و " الهاء ~~" PageV04P2984 # و " الألف " في ما جاوز العشرة. # فالظلم في جميعها لا يجوز، ولكن هو فيها أعظم وزرا لشرفها، فلذلك خصها ~~بالذكر، تعالى، وهذا كقوله: {والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] أفردها بعد أن ~~ذكرها مجملة لشرفها، وليس إفرادها بالمحافظة يدل على ترك المحافظة فيما ~~سواها، فكذا هذا. # وقال ابن إسحاق المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالا ولا حلالها حراما، تعظيما ~~لها، فإنما نهو عن " النسئ " الذي المشركون يصنعونه. PageV04P2985 # {وقاتلوا المشركين كآفة}. # أي: جميعا. # ومعنى {كآفة}، أي: يكف بعضهم بعضعا عن التخلف كما يفعلون. # {واعلموا أن الله مع المتقين}. # أي: مع من اتقى أمره ونهيه وأطاعه. # ومن جعل {فيهن} يعود على: " الاثنا عشر شهرا " وقف على: {القيم}، ومن ~~جعله يعود على: " الأربعة الحرم " وقف على: {أنفسكم}، وهو قول نافع ~~والأخفش. والأول قول أبي حاتم ويعقوب. # قوله: {إنما النسياء زيادة في الكفر}، الآية. # روى أحمد بن صالح، وداود، وأبو الأزهر عن ورش: {النسياء}، PageV04P2986 # مشددا غير مهموز. # وكذلك قال أحمد بن ms0995 صالح عن قالون. # وقال الحلواني عن قالون: مهموز. PageV04P2987 # وكذلك روى إسماعيل بن جعفر عن نافع. # وهو من " نسأت " و " أنسأته ": إذا أخرته. # ومن قرأ بغير همز احتمل أن يكون على تخفيف الهمز. # واحتمل أن يكون من " نسيت " الشيء: تركته. # ومن قرأ {يضل}، بفتح الياء، فمعناه: أنهم يضلون بتأخير شهر الحج PageV04P2988 # وتقديمهم غيره. # ومن قرأ {يضل} بضم الياء، على ما لم يسم فاعله احتج بقوله: {زين لهم}، ~~فأجراه عليه للمشاكلة. # وقرأ الحسن، وأبو رجاء: {يضل}، بالضم، من: " أضل "، على معنى: أنهم يضلون ~~به من قبل منهم ذلك. # و {الذين} في القراءتين المتقدمتين في موضع رفع. PageV04P2989 # وفي هذه القراءة يجوز أن يكون في موضع رفع على أنهم يضلون به من قبل ~~منهم. # ويجوز أن يكون في موضع نصب، على معنى: يضل الله به الذين كفروا. # ومعنى الآية عند الطبري: ما النسيء إلا زيادة في الكفر، على معنى: إنما ~~التأخير الذي يؤخره أهل الشرك من شهور الحرم، وتصييرهم الحرام حلالا، ~~والحلال حراما، زيادة في كفر من فعل ذلك. # وذلك أن أبا ثمامة بن عوف، كان يحرم عليهم صفرا عاما، ويحلله عاما، فيحرم ~~صفرا والمحرم عاما، وهو قوله: {يحلونه عاما ويحرمونه عاما}. # وذلك أنهم (كانوا) قد تمسكوا بتحريم الأربعة الأشهر الحرم من ملة ~~إبراهيم، عليه السلام، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم لحرب تكون بينهم، ~~فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، ويقاتلون في المحرم. (هذا قول أبي عبيد، ~~قال: فيحرمون صفرا إذا PageV04P2990 # قاتلوا في الحرم)، ويقولون: هذا أحد الصفرين. # وقد تأول قوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا صفر " أنه إنما نفى هذا ~~المعنى. # ثم كانوا يحتا/جون إلى صفر لقتال، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يتمادون ~~على تحريمه، ثم كذلك يؤخرون من شهر إلى شهر حتى استدار المحرم عن السنة ~~كلها، فأتى الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد ~~دهر طويل؛ لأنهم كانوا ينتقلون إلى تحريم شهر، ويقيمون عليه مدة، (ثم ~~يحتاجون إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده، ويقيمون عليه ms0996 مدة ثم يحتاجون إلى ~~القتال فيه، فيحرمون ما بعده ويقيمون عليه مدة)، حتى صاروا إلى المحرم، ~~فأتى الإسلام وقد PageV04P2991 # رجع إلشيء إلى حقه، فذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ". # فقوله: {يحلونه عاما ويحرمونه عاما}، هو أنه يحلون صفرا، ثم يحتاجون إلى ~~تحريمه [فيحرمونه]، ويحلون ما قبله، ثم يحتاجون إلى تحليل صفر، فيحلونه، ~~ويحرمون ما بعده، كذا يصنعون. # وقال مجاهد في قوله: {ولا جدال في الحج} [البقرة: 197]، أي: وقد استقر ~~الحج الآن في ذي الحجة فلا جدال فيه. # وقال مجاهد: كانت العرب تحج عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجة، ~~فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم، كان الحج تلك السنة في ذي الحجة، فهو ~~معنى: {ولا جدال في الحج}، أي: استقر في ذي الحجة. PageV04P2992 # وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: إن المعنى، أن رجلا [كان] يأتي الموسم، ~~فيحل لهم المحرم سنة ويحرم صفرا، ويحلل صفر العام المقبل، ويحرم المحرم. # قال ابن زيد: كان اسم الرجل: القلمس، قال شاعرهم: # ومنا الذي ينسي الشهور القلمس ... ومعنى {زيادة}، (أي): أزدادوا به كفرا ~~إلى كفرهم. PageV04P2993 # ومعنى: {ليواطئوا عدة ما حرم الله}. أي: ليشابهوا به الذي حرم الله، ~~ويوافقوه به في العدة، لا يزيدون ولا ينقصون، إنما يؤخرون، ويأخذون ذا. # وروى ابن أبي شيبة أن اسم الرجل: نسيء. # {زين لهم سواء أعمالهم}. # أي: حبب ذلك إليهم. # {والله لا يهدي القوم الكافرين}. # أي: لا يوفقهم للهدى. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا}، إلى قوله: ~~{والله على كل شيء قدير}. # هذه الآية تحريض من الله، عز وجل، وحث للمؤمنين على غزو الروم، وذلك غزوة ~~تبوك. بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد خيبر، وحنين، أمروا بالغزو في الصيف ~~حين PageV04P2994 # أحرقت الأرض، وطابت الثمار. # ومعنى {انفروا}: اخرجوا غزاة. # ومعنى: {اثاقلتم}، أي: تثاقلتم فلزمتم الأرض والمقام بمساكنكم. # {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة}. # أي: بخفض الدعة في الدنيا عوضا من نعيم الآخرة. # {فما متاع الحياة الدنيا ms0997 في الآخرة إلا قليل}. # أي: ما الذي تستمعون به في الدنيا من عيشها في نعيم الآخرة إلا يسير. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " موضع سوط في الجنة أفضل من الدنيا وما ~~فيها ". PageV04P2995 # ثم قال تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما}. # يتوعدهم على ترك الغزو إلى الروم، {يعذبكم عذابا أليما}: أي عاجلا في ~~الدنيا، بترككم النفر إليهم. # {ويستبدل قوما غيركم}. # (أي: ويستبدل الله، عز وجل، نبيه عليه السلام قوما غيركم)، ينفرون معه ~~إذا استنفروا. # {ولا تضروه شيئا}. # أي: لا تضروه، بترككم النفير، شيئا، إذا لا حاجة به إ ليكم ولا إلى ~~غيركم. # {والله على كل شيء قدير}. # على أهلاككم واستبدال قوم غيركم [بكم]، وعلى سائر الأشياء. # قال ابن عباس: استنفر النبي عليه السلام، حيا من أحياء العرب فتثاقلوا ~~عنه، PageV04P2996 # فأمسك عنهم القطر، فكان ذلك العذاب الأليم. # وروي عن ابن عباس أنه قال: نسختها: {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة} ~~[التوبة: 122]. # وقال الحسن، / وعكرمة، وأكثر العلماء على أنهما محكمتان، لأن معنى {إلا ~~تنفروا يعذبكم}، [أي]: إذا احتيج إليكم. # وقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة}، معناه: أنه لا بد أن يبقى بعض ~~المؤمنين لئلا تخلى دار الإسلام. وقد قاله: الحسن، والضحاك. PageV04P2997 # وقوله: {ما كان لأهل المدينة} [التوبة: 120]، الآية، نسختها (أيضا) التي ~~بعدها: {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة} [التوبة: 122]،. وكذلك نسخت: {إلا ~~تنفروا يعذبكم}، الآية. # قوله: {إلا تنصروه}، الآية. # {ثاني اثنين}: نصب على الحال. # وقال على بن سليمان: نصبه على المصدر، والمعنى: {إذ أخرجه الذين كفروا}، ~~فخرج {ثاني اثنين}. # مثل: {والله أنبتكم [من الأرض [نباتا]} [نوح: 17]. . . . PageV04P2998 # ومعنى الآية: أنها إعلام] من الله لأصحاب النبي عليه السلام، أن الله، عز ~~وجل، قد تكفل بنصره على أعدائه في كل وقت، وحين: {إذ أخرجه الذين كفروا} ~~يعني: قريشا، مفردا مع صاحبه أبي بكر، {إذ يقول لصاحبه}، يعني [النبي] عليه ~~السلام، يقول لأبي بكر: {لا تحزن}، ذلك أن أبا بكر خاف من أن يعرف مكانه، ~~فمكث النبي عليه السلام، وأبو في الغار ثلاثة أيام. # والغار بجبل يسمى: " ثورا ms0998 ". # وكان عامر بن فهيرة في غنم لأبي بكر ب: " ثور " هذا، يروح بتلك الغنم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، بالغار، وكان أبو بكر قد أرسله بتلك الغنم إلى " ~~ثور " قبل خروجه مع PageV04P2999 # النبي صلى الله عليه وسلم عدة. # قال أبو بكر رضي الله عنه: " بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، [ في ~~الغار] وأقدام المشركين فوق رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الله، لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا، قال: " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ~~ثالثهما ". # والمعنى: الله ثالثهما، بالحفظ والكلاءة والمنع منهما. # وفي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا مع أبي بكر سنة لكل من خاف من أمر ~~لا قوام له به، أن يفر منه، ولا يعرض نفسه إلى ما لا طافة له به، اتباعا ~~لفعل نبيه، عليه السلام، ولو شاء الله، عز جل، أن يسكنه معهم، ويعمي ~~أبصارهم عنه لفعل، ولو شاء لمشى بين أيديهم ولا يرونه، ولو شاء أن يهلكهم ~~بما أرادوا أن يفعلوا لفعل، ولم يكن ذلك عليه عزيزا، PageV04P3000 # ولكن أراد [الله] تعالى، أن يبلغ الكتاب أجله، ولتستن بفعله صلى الله ~~عليه وسلم، أمته بعده. # وفي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي دليل على فساد قول من قال: من ~~خاف شيئا سوى الله عز وجل، لم يوقن بالقدر. فحذر أبي بكر من أن يراهم ~~المشركون دليل على الحذر من قدر الله، عز وجل، لم يوقن بالقدر. فقال ذلك، ~~رضي الله عنه، إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينال بأذى أو ~~يفتن هو في دينه إن قدر عليه، فخف من ذلك، مع علمه أن الله عز وجل، بالغ ~~أمره فلي كل ما أراد. وقال الله حكاية عن موسى، عليه السلام. # {فأوجس في نفسه خيفة موسى} [طه: 67] {قلنا لا تخف} # [طه: 68]. # وقوله: {فأنزل الله سكينته عليه}. # أي: [على] أبي بكر، والنبي عليه السلام، لم تفارقه السكينة قط. PageV04P3001 # والسكينة: الطمأنينة من السكون. # وقد قيل: إن " الهاء " تعود ms0999 على النبي صلى الله عليه وسلم. # والأول أحسن؛ لأن النبي عليه السلام، معصوم من ذلك، على أنه قد قال ~~تعالى: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} [الفتح: 26]، وذلك أن ~~النبي عليه السلام، خاف على المؤمنين يوم حنين لما اضطربوا، فلما أيد الله ~~عز وجل، المؤمنين بنصره، سكن خوف النبي/ صلى الله عليه وسلم، عليهم. # وقوله: {وأيده بجنود لم تروها}. # " الهاء " عائدة على النبي صلى الله عليه وسلم. PageV04P3002 # أي: قواه بالملائكة. # {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى}. # أي: قهر الشرك وأذله. # {وكلمة الله هي العليا}. # أي: كذلك هي، ولم تزل كذلك. # وقرأ علقمة، والحسن، ويعقوب: " وكلمة الله " بالنصب، وهو بعيد من وجوه. # أحدهما: أن الرفع أبلغ؛ لأنها لم تزل كذلك، والنصب يدل على أنها جعلت ~~كذلك بعد أن لم تكن عليا. PageV04P3003 # وبعيد أيضا: من أنه يلزم أن يقال: " وكلمته هي العليا "، لأنه لا يجوز في ~~الكلام: " أعتق زيد غلام أبي زيد " والثاني هو الأول. # وزعم قول إن إظهار الضمير في هذا حسن؛ لأن فيه معنى التعظيم، ولأن المعنى ~~لا يشكل، وليس بمنزلة زيد ونحوه الذي يشكل، قال: وهو مثل ما أنشد سيبويه: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P3004 # ومثل: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} [الزلزلة: 1] {وأخرجت الأرض أثقالها} ~~[الزلزلة: 2]. # {والله عزيز}. # أي: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، {حكيم}، في تدبيره. # قال نافع: {فقد نصره الله}، وقف، وهو بعيد، لأن {إذ}، قد عمل فيها: ~~{نصره}. # {السفلى}، وقف حسن إن رفعت {وكلمة الله}، وإن نصبت، كان الوقف: {العليا}. # {وجعل} في هذا الموضع بمعنى: " صير " ويلزم المعتزلة أن يجعلوها بمعنى " ~~خلق " وهم لا يفعلون ذلك. لأنهم يقولون: كفر الكافر ليس بخلق الله عز وجل، ~~ثم PageV04P3005 # يقولون في قوله: {جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3]، معناه: خلقناه، ~~فيجعلون " جعل " بمعنى " خلق " في هذا الموضع، ويمتنعون منه في هذا الموضع ~~الآخر. # و" جعل " يكون: # بمعنى " صير ". # وبمعنى: " سمى ". # وبمعنى " خلق ". # فإذا كانت بمعنى: " صير " تعدت إلى مفعولين وكذلك إذا كانت بمعنى: " سمى ~~" كقوله: {إنا جعلناه قرآنا}. # وإذا كانت ms1000 بمعنى: " خلق " تعدت إلى مفعول واحد، كقوله): PageV04P3006 # {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1]. # وقوله: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} [المؤمنون: 50] هي بمعنى: " صير " ~~تعدت إلى مفعولين وهما: {ابن}، و {آية}. # و {كلمة الله}، في هذا الموضع: لا إله إلا الله. # قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا}، إلى قوله: {لكاذبون}. # المعنى في قول الحسن: {انفروا}، شبانا وشيوخا، وهو قول عكرمة، وأبي صالح. # وروي عن أبي طلحة: {انفروا}، شبانا وكهولا، وكذلك قال الضحاك، ومقاتل بن ~~حيان. # وروى سفيان، عن منصور عن الحكم {انفروا}: مشاغيل وغير مشاغيل. PageV04P3007 # وعن أبي صالح أن المعنى {انفروا}، أغنياء وفقراء. # وعن ابن عباس وقتادة {انفروا}، نشاطا وغير نشاط. # وقال الأوزاعي المعنى {انفروا}، [ركبانا ومشاة. # وفيه قول سابع قاله ابن زيد أن المعنى {انفروا}]: من كان ذا ضيعة ومن ~~[كان] غير ذي ضيعة، ف " الثقيل " الذي له ضيعة يكره أن يتكر ضيعته، و " ~~التخفيف ": الذي لا ضيعة عنده تمنعه من الخروج. # وفيه قول ثامن مروي عن الحسن أن المعنى: في العسر واليسر. # وفيه قول تاسع قاله زيد بن أسلم: أن المعنى " الثقيل ": الذي له عيال، و ~~" الخفيف ": الذي لا عيال له. PageV04P3008 # وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا [كآفة]}، ~~[التوبة: 122]. # وقل: هي محكمة. # أمر الله أصحاب النبي عليه السلام بالخروج معه على كل حال. # {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم}. # أي: ابذلوهما في الجهاد. # {ذلكم خير لكم}. # أي: في معادكم وعاجلكم وآجلكم، فالعاجل: الغنيمة، والآجل: الأجر والرضى ~~من الله، عز وجل. # ثم قال تعالى: {لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك}. # وذلك أن جماعة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، إذ خرج إلى تبوك في ~~التخلف/ والمقام، PageV04P3009 # فأذن لهم، فقال له الله، عز وجل، {لو كان عرضا قريبا}، أي: غنيمة حاضرة، ~~{وسفرا}: قريبا، {لاتبعوك}، ولم يتخلفوا عنك. # {ولكن بعدت عليهم الشقة}. # [و {ولكن بعدت عليهم الشقة}: الغاية التي يقصد إليها. # قال أبو عبيدة: {الشقة}: المشقة]. # فالمعنى: ولكن استنهضتهم إلى مكان بعيد، فشق ذلك عليهم، فسألوك في ~~التخلف. # وقوله: {وسيحلفون بالله لو ms1001 استطعنا لخرجنا معكم}. # أي: سيحلف هؤلاء لكم بالله، إنهمه لو قدروا لخرجوا معك، وذلك منهم كذب. PageV04P3010 # {يهلكون أنفسهم}. # أي: يوجبون لها بالتخلف والكذب، والهلاك والغضب في الآخرة. # {والله يعلم إنهم لكاذبون}. # في أعتذارهم. # قوله: {عفا الله عنك}، إلى قوله: {بالمتقين}. # " النون " من: {عنك}، وحيث ما سكنت مع " الكاف " وأخواتها خرجت بغنة من ~~الخياشيم. # والمعنى: {عفا الله عنك}، يا محمد، ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم. # وقيل المعنى: إنه افتتاح كلام بمنزلة: " أصلحك الله " و " أعزك الله ". # وقال الطبري: هذا عتاب من الله، عز وجل لنبيه عليه السلام، في إذنه لمن ~~أذن لهه من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، حتى يعلم الصادق منهم من ~~الكاذب في PageV04P3011 # قولهم: {لو استطعنا لخرجنا معكم}، فيعلم من له عذر ومن لا عذر له، فيتبين ~~لك الصادق من الكاذب، ويكون إذنك على علم بهم. # ثم أرخص الله، عز وجل، له الإذن في سورة " النور " فقال: {فإذا استأذنوك ~~لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} [النور: 62]. # قال بعض المفسرين: اثنين فعل رسول الله عليه السلام، لم يؤمر فيهما بشيء: ~~إذنه للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وأخذه من الأسارى الفداء. # ومن قال هو افتتاح كلام، وقف على: {عفا الله عنك}. # ومن قال هو عتاب، لم يقف عليه. PageV04P3012 # وقال محمد بن عرفة نفطويه: ذهب ناس إلى [أن] النبي صلى الله عليه وسلم ~~معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان له أن يفعل وأن لا يفعل حتى ينزل ~~عليه الوحي، كما قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة "؛ ~~لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، وقد قال له الله: {ترجي من تشآء منهن ~~وتؤوي إليك من تشآء} [الأحزاب: 51]، لأنه كان له أن يفعل ما شاء، فلما كان ~~له أن يفعل ما شاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف ~~واعتذروا، اختار أيسر الأمرين تكرما وتفضلا منه، صلى الله عليه وسلم، فأبان ~~الله، عز وجل أنه لو لم يأذن لهم ms1002 لأقاموا، للنفاق الذي في قلوبهم، وإنهم ~~كاذبون في إظهار الطاعة له والمشاورة. # ف: {عفا الله عنك}، عنده افتتاح كلام، أعلمه الله عز وجل، به أنه لا حرج ~~عليه فيما فعل من الإذن، وليس هو عفوا عن ذنب، إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه ~~لا يلزمه بترك. الإذن لهم، كما قال عليه السلام: " عفا الله لكم عن صدقة ~~الخيل والرقيق وما وجتا قط " ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك. PageV04P3013 # قوله: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله} الآية. # أجاز سيبويه في: {أن يجاهدوا}، أن تكون {أن}: في موضع جر عكلى حذف الجار، ~~قال: لأن حذف حرف الجر جائز مع ظهور " أن "، ألا ترى أنك لو جعلت مع " أن " ~~والفعل: المصدر، لم يجز حذف الجر، لا يجوز: " لايستأذنك القوم/ الجهاد "، ~~حتى تقول: " في الجهاد " ويجوز ذلك مع " أن ". # ومعنى ذلك أن الله عز وجل، أعلم نبيه عليه السلام، بسيما المنافقين وأن ~~من علاماتهم الاستئذان في التخلف لئلا يجاهدوا في سبيل الله، ومن علامات ~~المؤمنين أنهم لا يستأذنون في ذلك. # وقيل العنى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر} في القعود عن ~~الجهاد. # ثم قال: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون [بالله] واليوم الآخر}. # أي: في القعود، يدل على ذلك قوله: {ومنهم من يقول ائذن}، أي: في القعود. PageV04P3014 # وقوله: {وارتابت قلوبهم}. # يعني المنافقين الذين يستأذنون في التخلف أي: وشكت قلوبهم في الله عز ~~وجل، وفي ثوابه وعقابه، سبحانه، فهم في شكهم {يترددون}، أي: يتحيرون، لا ~~يعرفون حقا من باطل. # روي عن عكرمة، والحسن: أن قوله: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر}، إلى: {فهم في ريبهم يترددون}، نسختها الآية التي في " النور ": ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} إلى: {غفور رحيم}. # قوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة}. # والمعنى: ولو أراد هؤلاء الذين استأذنونك في التخلف الخروج معك، PageV04P3015 # {لأعدوا له عدة}، أي: لتأهبوا للسفر. # {ولكن كره الله انبعاثهم}. # أي: خروجهم. # {فثبطهم}. # أي: فثقل عليه الخروج، حتى استحسنوا القعود، وسألوا فيه. # {وقيل اقعدوا}. # أي: زين لهم ذلك. ms1003 # ف: {اقعدوا مع القاعدين}، أي: مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ~~ينفقون، ومع النساء والصبيان. # والذين استأذنه هو: عبد الله بن أبي بن سلول، ومن كان مثله. # والفاعل المحذوف من: " {وقيل}، ذكر أنه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ~~هو سمح لهم في PageV04P3016 # التخلف. # ويجوز أن يكون المعنى: وقال لهم أصحابهم هذا. # قوله تعالى: {لو خرجوا فيكم} الآية. # المعنى: لو خرج هؤلاء فيكم، {ما زادوكم} بخروجهم {إلا خبالا} أي: فسادا ~~{ولأوضعوا خلالكم}، أي: ولأسرعوا بركائبهم للسير فيكم. # و" الإيضاع ": ضرب من الإسراع في الخيل والإبل. # وكتبت: {ولأوضعوا} بألف زائدة. PageV04P3017 # وكذلك: {أو لأاذبحنه} [النمل: 21]. # وكذلك: {لإلى الجحيم} [الصافات: 68]. # والعلة في ذلك: أن الفتحة كانت تكتب قبل العربي الفا، فكتبت هذه الحروف ~~على ذلك الأصل، جعلوا للفتحة صورة فزادوا الألف التي بعد اللام، والألف ~~الثانية هي صورة الهمزة. # ومعنى {خلالكم}، فيما بينكم، وهي الفرج تكون بين القوم في الصفوف. PageV04P3018 # وقال أبو إسحاق معنى {خلالكم}: فيما يخل بكم، أي: يسرعوا فيما ينقصكم. # {يبغونكم الفتنة}. # أي: يبغونها لكم، أي: يطلبون ما تفتنون به. # وقيل {الفتنة} هنا: الشرك. # قال ابن زيد: سلى الله عز وجل، نبيه صلى الله عليه وسلم، بهذه الآية في ~~تخلف المنافقين عنه، فأخبره أنهم ضرر لا نفع فيهم. # وقوله: {وفيكم سماعون لهم}. # أي: فيكم، يا أصحاب محمد، من يستمع حديثكم ليخبرهم بذلك، كأنهم PageV04P3019 # عيون للمنافقين. كذلك قال: مجاهد والحسن وابن زيد. # وقال قتادة المعنى: وفيكم من يستمع كلامهم ويطيعهم، فلو صحبوكم أفسدوهم ~~عليكمك. # {والله عليم بالظالمين}. # أي: ذو علم بمن يقبل من كلام المنافقين، ومن يؤدي إليهم أخبار المؤمنين، ~~وبغير ذلك. # قوله: / {لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا/ لك الأمور}، إلى قوله: ~~{بالكافرين}. # المعنى: لقد التمس هؤلاء المنافقون لأصحابك، يا محمد، {الفتنة}، أي: PageV04P3020 # خبالهم وصدهم عن دينهم {من قبل}، أي: من قبل أن ينزل عليك أمرهم وكشف ~~سرهم واعتقادهم {وقلبوا لك الأمور}، أي أجالوا فيك وفي إيطال ما جئت به ~~الرأي {حتى جآء الحق}، أي: نصر الله: {وظهر أمر الله}، ms1004 أي دينه وهو ~~الإسلام، {وهم كارهون}، لذلك. # ثم أخبر الله عز وجل، عن المنافقين أن منهم من يقول للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: { ائذن لي}، أي: ائذن لي يا محمد، في المقام ولا أخرج معك، {ولا ~~تفتني}، أي: لا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتهم، فإني بالنساء مغرم، ~~فآثم بذلك. # قال مجاهد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اغزوا تبوك، تغنموا بنات ~~الأصفر ونساء الروم " فقال بعض المنافقين: ائذن لي، ولا تفتني بالنساء. PageV04P3021 # وقال قتادة معنى: {ولا تفتني}، أي: لا تؤثمني، بالتخلف عنك بغير رأيك، ~~ائذن لي في المقام. # قال ابن عباس: قال الجد بن قيس للنبي صلى الله عليه وسلم، لما حض على غزو ~~الروم: قد علمت الأنصار أنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكني ~~أعينك بمالي. # ففي الجد بن قيس نزلت الآية. # وقوله: {ألا في الفتنة سقطوا}. # أي: ألا في الإثم وقعوا، ومنه هربوا في زعمهم. # {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}. PageV04P3022 # أي: محدقة بهم، جامعة لهم يوم القيامة. # {ولا تفتني}: وقف حسن. # قوله: {إن تصبك حسنة تسؤهم} إلى قوله: {معكم متربصون}. # والمعنى: إن يصبك يا محمد، سرور وفتح، ساء المنافقين ذلك، وإن يصبك نقص ~~في جيشك أو ضر، أو هزيمة، يقول المنافقون: {قد أخذنا أمرنا [من قبل]}، أي: ~~أخذنا الحذر بتخلفنا {من قبل} أي: من قبل أن تصيبهم هذه المصيبة، {ويتولوا ~~وهم [فرحون]}، أي: يدبروا عن محمد صلى الله عليه وسلم، [ وهم]: فرحون بما ~~أصابه. # ثم قال: {قل}، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: ليس {يصيبنآ إلا ما كتب الله ~~لنا}، أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا: {هو مولانا} أي ناصرنا، {وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون}. PageV04P3023 # ثم قال تعالى: {قل} يا محمد لهم: {هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين}، أي ~~إحدى الخلتين اللتين هما أحسن من غيرهما، إما الظفر والأجر والغنيمة، وإما ~~القتل والظفر بالشهادة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. # {ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده}، أي: بعقوبة عاجلة، ~~تهلككم: {أو بأيدينا}، أي: يسلطنا عليكم فنقتلكم. # قال ms1005 ابن جريج: {بعذاب من عنده}: بالموت، {أو بأيدينا}: بالقتل. # {فتربصوا إنا معكم متربصون}. # أي: فانتظروا إنا معكم منتظرون، أي: ننتظر ما الله فاعل بكم، وما إليه ~~يصير كل فريق منا ومنكم. # قوله: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم}، إلى قوله: {وهم كافرون}. PageV04P3024 # والمعنى: {قل}، يا محمد لهؤلاء المنافقين: أنفقوا أموالكم كيف شئتم، ~~طائعين أو كارهين، فإنها لا تقبل منكم، إذ أنتم في شك من/ دينكم، خارجون عن ~~الإيمان بذلك. # وخرج قوله: {أنفقوا}، مخرج الأمر، ومعناه الخبر، وإنما تفعل العرب ذلك في ~~الموضع الذي يحسن فيه " إن " التي للجزاء، [و] منه قوله تعالى: {استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80]، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الجزاء، والجزاء ~~خبر، ومنه قول كثير: PageV04P3025 # أسيئ بنا أو أحسني، لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت. # فالمعنى: إن تنفقوا طائعين أو كارهني فلن يقبل منكم. # وجاز أن يقع لفظ الأمر بمعنى الخبر، كما جاز أن يقع لفظ الخبر بمعنى ~~الطلب والأمر، تقول: " غفر الله لزيد " معناه: الطلب والدعاء، ولفظه لفظ ~~الخبر، والمعنى: " اللهم اغفر لزيد ". # وهذه الآية نزلت في الجد قيس، لأنه لما عرض النبي عليه السلام [عليه] ~~الخروج، سأل المقام، واعتذر بأنه لا يصبر إذا رأى النساء، وأنه يفتتن، ثم ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا مالي أعينك به. # ثم أخبر الله تعالى بالعلة التي من أجلها لم تقبل نفقاتهم، فقال: {وما ~~منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم}، أي: بأن تقبل، {إلا أنهم}، " أن " في PageV04P3026 # موضع رفع، أي: ما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم. # وأجاز الزجاج، أن تكون " أن " في موضع نصب، على معنى: إلا لأنهم كفروا، ~~ويكون الفاعل مضمرا في {منعهم}، والتقدير ومامنعهم الله من أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا لأنهم كفروا. # ويجوز عند سبيويه، أن تكون في موضع جر، على تقدير حذف الخافض. # ومن قرأ: {أن تقبل} ب: " الياء "، رده على معنى الإنفاق، لأنه والنفقات ~~سواء. PageV04P3027 # فالذي منعهم من القبول هو كفرهم بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام، ms1006 ~~وإتيانهم الصلاة وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا يرجون بها ثوابا، ولا يخافون ~~بالتفريط فيها عقابا، إنما يقيمونها مخافة على أنفسهم رياء، وأنهم لا ~~ينفقون شيئا من أموالهم {إلا وهم كارهون}، إذ لا يرجون ثوابه. # ثم قال تعالى: {فلا تعجبك أموالهم}. # أي: لا تعجبك، يا محمد، أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله، يا محمد ~~ليعذبهم بها في الآخرة. # وقوله: {في الحياوة الدنيا}، يريد به التقديم. والمعنى: ولا تعجبك يا ~~محمد، أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها ~~في الآخرة، هذا قول ابن عباس، وقتادة وغيرهما. # وقال الحسن: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير، إنما المعنى: {إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياوة الدنيا}، أي: بما ألزمهم فيها من أخذ الزكاة ~~والنفقة في PageV04P3028 # سبيل الله، عز وجل، وهو اختيار الطبري. # على معنى: أنهم يخرجونها تقية وخوفا، ويقلقهم عزمها، ويحزنهم خروجها من ~~أيديهم، فهي لهم عذاب. # وقال ابن زيد المعنى: {ليعذبهم بها في الحياوة الدنيا}، أي: بالمصائب ~~فيها، فهي لهم إثم، والمصائب للمؤمنين أجر. # {وتزهق أنفسهم وهم كافرون}. # أي: تخرج وهم على كفرهم. PageV04P3029 # قال أبو حاتم: {ولا أولادهم}، وقف كاف. # فمن قال: في الكلام تقديم وتأخير، لم يجز الوقف. # ومن قال: ليس فيه تقديم ولا تأخير، حسن الوقف على: {ولا أولادهم}. # و {في الحياوة الدنيا}، ليس بتمام؛ لأن {وتزهق}، معطوف عليه. # قوله: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم}، إلى قوله: {إنآ إلى الله ~~راغبون}. # والمعنى، / أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، {إنهم لمنكم}، ~~يعني في الدين والملة. # قال الله عز وجل، مكذبا لهم: {وما هم منكم}، أي: ما هم من أهل ملتكم ~~ودينكم، {ولكنهم قوم يفرقون}، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدن ~~خوفا منكم، لئلا تقتلوهم. PageV04P3030 # ولو يجد هؤلاء المنافقون {ملجئا}، أي: حصنا يتحصنون فيه منكم، {أو ~~مغارات}، وهي: الغيران في الجبل، {أو مدخلا}: أي: سربا في الأرض يدخلون ~~فيها. {لولوا إليه}، أي لأدبروا، هربا منك: {وهم يجمحون}، أي: يسرعون في ~~مشيهم. و " الجمح ": مشي بين ms1007 مشيين يقال: فرس جموح، إذا كان لا يرده في ~~دفعه لجام، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم ~~من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يدعون الإيمان ~~ويبطنون الكفر. PageV04P3031 # قال ابن عباس: " الملجأ " الحرز في الجبل. # وقال: {أو مدخلا} ذهابا في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السرب. # وواحد المغارات: " مغارة "، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه. # وأجاز الأخفش: " مغارات "، من: " أغار يغير "، كما قال: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P3032 # وواحدها " مغارة " وجمعها " مغاور ". # وقأ عيسى بن عمر، والأعمش: " أو مدخلا " بتشديد " الدال " و " الخاء "، ~~والأصل فيه: متدخل على وزن: متفعل، ومعناه: دخول بعد دخول. # وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: {مدخلا} من دخل. # وحكى أبو إسحاق: {مدخلا} بالضم، من " أدخل. PageV04P3033 # وفي حرف أبي: " مدخلا " بتخفيف " الدال " وتشديد " الخاء ". # ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: ~~يعيبه بها، ويطعن عليه فيها. # يقال: " لمزه يلمزه، ويلمزه "، لغتان. # والضم: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير. PageV04P3034 # و " الهمزة اللمزة ": العياب للناس. # وقيل: " الهمزة ": الذي يشير بعينه، و " اللمزة ": الذي يعيب في السر. # وقوله: {فإن أعطوا منها رضوا}. # أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] ~~عيبهم لك إلا ن أجل أنك منعتهم منها. # قال مجاهد: {يلمزك}: يروزك، يسألك فيها. # وقال قتادة: {يلمزك}، يطعن عليك. # قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحب، ولا يؤثر ~~بها إلا PageV04P3035 # هواه، فنزلت الآية. # ثم قال تعالى: {ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله}. # أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم ~~الله ورسوله، {وقالوا حسبنا الله}، أي: كافينا الله، {سيؤتينا الله من فضله ~~ورسوله}، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، {إنآ ~~إلى الله راغبون}، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات. # قوله: {إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها}، الآية. # {فريضة}: نصب على المصدر. ms1008 PageV04P3036 # ومعنى الآية في قول عكرمة: أنها ناسخة لكل صدقة في القرآن. # فقوله: {للفقرآء والمساكين}. # قال مجاهد، وعكرمة، والزهري، وجابر بن زيد: / " الفقير ": الذي لا يسأل و ~~" المسكين ": الذي يسأل. # وقال ابن عباس: " المسكين ": الطواف، و " الفقير ": فقير المسلمين. # وقال قتادة " الفقير ": المحتاج الذي به زمانه، و " المسكين ": الصحيح ~~المحتاج. PageV04P3037 # وقال الضحاك " الفقراء ": فقراء المجاهدين، و " المساكين ": [الذين] لم ~~يهاجروا. # وذكر ابن وهب، عنه، أن " الفقراء ": من المهاجرين، و " المساكين "): من ~~الأعراب. قال: وكان ابن عباس يقول: " الفقراء " من المسلمين، و " المساكين ~~" من أهل الذمة. # وقال الشافعي " الفقراء ": الذين لا مال لهم ولا حرفة تغنيهم، و " ~~المساكين " الذين لهم مال، أو حرفة لا تغنيهم. # وقال أبو ثور " الفقير ": الذي لا شيء له، و " المسكين ": الذي لا يكسب ~~من كسبه ما يقوته. # وقال عبيد الله بن الحسن " المسكين " الذي يخشع ويستكين، بأن لم يسأل و " ~~الفقير "، الذي يتحمل، ويقبل الشيء سرا، ولا يخشع. PageV04P3038 # وقال محمد بن مسلمة " الفقير ": " الذي له مسكن يسكنه والخادم إلى ما هو ~~أسفل من ذلك، و " المساكين ": الذي لا مال له. # وقال أهل اللغة: " المسكين ": الذي لا شيء له، و " الفقير ": الذي له شيء ~~يكفيه. # قال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين. # وقال عكرمة " الفقراء ": من اليهود والنصارى، و " المساكين ": من ~~المسلمين. # واختار الطبري، وغيره أن يكون " الفقير ": الذي يعطى بفقره فقط، و " ~~المسكين ": الذي يكون عليه مع فقره خضوع وذل السؤال. # وأنشد أهل اللغة قول الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد PageV04P3039 # فجعل للفقير حلوبة، مقدار ما يكفي العيال. # ف: " المسكين " أشد حاجة من: الفقير " فكل مسكين فقير، وليس كل فقير ~~مسكينا. # ف: " الفقير ": الذي لا غنى له فوق قوت يومه، وهو فعيل بمعنى مفعول، كأنه ~~مفقور الظهر، وهو الذي نزعت فقره [من فقر] ظهره، فانقطع ظهره من شدة الفقر، ~~وهذا الاشتقاق يدل على أن " الفقير " أشد حاجة من " المسكين " وقد ق تعالى: # {فكانت لمساكين يعملون في البحر} [الكهف: ms1009 79]، فسماهم: مساكين، ولهم ~~سفينة، ولا حجة في PageV04P3040 # قراءة من قرأ: " مساكين "، بالتشديد؛ لأن الجماعة على التخفيف. # وقوله: {والعاملين عليها}. # هم السعادة في قبضها من أهلها، يعطون عليها، أغنياء كانوا أو فقراء. # وذلك عند مالك إلى الإمام، يجتهد فيما يعطيهم، وليس لهم فريضة مسماة. # وأما {والمؤلفة قلوبهم}، فقال ابن عباس: هم قوم كانوا يأتون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قد أسلموا، فكان النبي عليه السلام، يرضخ لهم من ~~الصدقات، فإذا أصابوا خيرا، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك، عابوه ~~وتركوه. # وقال الزهري: {والمؤلفة قلوبهم}: من أسلم من يهود أو نصراني، غنيا كان أو ~~فقيرا. # وقال الحسن: أما {والمؤلفة قلوبهم}، فليس اليوم. PageV04P3041 # وكذا روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # وقال الشعبي: كانت " المؤلفة "، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~ولي أبو بكر انقطع ذلك. # وهو قول مالك، قال: يرجع سهم المؤلف إلى أهل السهام الباقية. # واقل الشافعي " المؤلفة ": من دخل في الإسلام. # وقال ابن حنبل/ وغيره: {والمؤلفة قلوبهم}، في كل زمان. # وهو اختيار الطبري. # و" اللام " في قوله: {للفقرآء}، وما بعد ذلك، بمعنى: " في "، ولو حملت ~~على ظاهرها لوجب أن يعطوا الصدقات، يفعلون فيها ما يشاؤون. وقوله: {وفي ~~الرقاب}، يدل على أن " اللام " بمعنى " في ". # والمعنى إنما توضع الصدقات في هؤلاء على ما يستحقون، فيأخذونها لأنفسهم، ~~ف " اللام " توجب استحقاقها كلها لهم يعملون فيها ما يشاؤون. PageV04P3042 # وقوله: {وفي الرقاب}. # قال ابن عباس: تعتق منها الرقبة. # قال: لا بأس أن يعطى الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها الرقبة. # وممن قال يعتق من الزكاة الرقاب: الحسن البصري، ومالك، وابن حنبل، ~~وغيرهم. # وكره مالك أن يعان بها المكاتبون. # وقال الحسن، والزهري، وابن زيد، والشافعي: معنى {وفي الرقاب}، يعني ~~المكاتبين. # والمعنى على هذا: وفي فك الرقاب، وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري. PageV04P3043 # وولاء من أعتق من الزكاة لجميع المسلمين عند مالك. # وقال الحسن، وابن حنبل، وإسحاق: يجعل ما يتركه المعتق في الرقاب. # وقال أبو عبيد: الولاء للمعتق. ms1010 # وقوله: {والغارمين}. # قال مجاهد الغارم: من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب ماله. # وقيل: هم المستدينون في غير سرف، ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت ~~المال. # وقال الزهري: {والغارمين}، أصحاب الدين. # (وقال قتادة: الغارمون)، قوم غرقتهم الديون في غير تبذير ولا فساد. PageV04P3044 # وأجاز الحسن أن يحتسب الرجل من زكاته بالدين، يكون له على المعسر. وهو ~~قول عطاء. # وأجازه الليث إذا حل الأجل، وكن الذي عليه الدين مستوجبا للصدقة. # وقوله: {وفي سبيل الله}. # المعنى: وفي نصر دين الله يعطى الغازي منها وإن كان غنيا. # هذا قول مالك، والشافعي. # وقوله: {وابن السبيل}. # هو الضيف والمسافر، والمنقطع بهما. # وقال مالك: الحاج المنقطع به هو ابن السبيل، يعطى من الزكاة. PageV04P3045 # وأكثر الناس على أن المتصدق بزكاته يجزيه أن يضعها في أي الأصناف ~~المذكورين شاء. هو قول: ابن عباس، والحسن، والنخعي، وعطاء، والثوري، ومالك، ~~وأبي حنيفة. # قال مالك: تجعل في أي الأصناف كانت فيه الحاجة. # قال مالك: من له دار وخادم ليس في ثمنها زيادة تكفيه لو باعهما واشترى ما ~~هو دون منهما، فإنه يأخذ من الزكاة، فإن فضل له ما يعينه على عيشه ويكفيه ~~إذا باعهما، واشترى غيرهما لم يأخذ من الزكاة. وهو قول الحسن، والنخعي، ~~والثوري وأصحاب الرأي. # وقال الشافعي: إنه قد يكون للرجل الجملة من الدنانير والدراهم، وعليه ~~عيال، وهو محتاج إلى أكثر منها، فله أن يأخذ من الزكاة. PageV04P3046 # [وقال أبو حنيفة: من معه عشرون دينارا أو مائتا درهم، فليس له أن يأخذ من ~~الزكاة]. # وقيل: من له خمسون درهما فلا يحل له أن/ يأخذ من الزكاة. وهو قول ابن ~~المبارك، وأحمد، وإسحاق، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من سأل، وله مال ~~يغنيه، جاءت - يعني مسألته - في وجهه يوم القيامة خموشا أو كدوحا "، قالوا: ~~يا رسول الله، وماذا غناه؟ قال: " خمسون درهما أو حسابها من الذهب ". # وقيل: لا يأخذ من يملك أربعين درهما من الزكامة. # وروي ms1011 عن الني صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " من سأل وله أربعون درهما، ~~فقد سأل إلحافا " PageV04P3047 # " والأوقية: أربعون درهما ". # وقد روي هذا عن مالك، والأول أشهر عنه. وهو [قول] أبي عبيد. # قال مالك: إذا كان الإمام يعدل فلا يسع أحدا أن يفرق زكاة ماله الناض، ~~ولا غيره، ولكن يدفعه إلى الإمام. # ويبعث الإمام في زكاة الماشية، وما أنبتت الأرض، ولا يبعث في زكاة العين، ~~ولكن إن كان عدلا سألهم ذلك، كما فعب أبو بكر رضي الله عنه، ويصدق الناس في ~~ذلك. PageV04P3048 # قوله: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن}، إلى قوله: {إن كانوا ~~مؤمنين}. # روى الأعمش عن أبي بكر: " قل أذن خير لكم "، بالتنوين والرفع فيهما، وهي ~~قراءة الحسن. # ومعنى ذلك: قل هو أذن خير لا أذن شر، وذلك أنهم قالوا: هو يسمع من كل ~~أحد، ويسمع ما يقال له ويصدقه. # فقوله: {هو أذن}، أي: أذن سامعة تسمع من كل أحد. # وأصله من " أذن " إذا تسمع. # ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أذن لشيء كأذنه لنبي يتغنى ~~بالقرآن ". PageV04P3049 # ويروى " أن هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث، ونفر معه من المنافقين، ~~كان نبتل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، يتحدث إليه فيستمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم منه، فنيقل حديثه إلى المنافقين، ويقول: إنما محمد أذن، من حدثه ~~سمع وصدقه. # وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيه: " من أحب أن ينظر إلى ~~الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث ". # وكان جسيما، ثائر شعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين. # ومعنى قراءة من نون، قل: أذن يسمع ما تقولون ويصدقكم في قولكم خير لكم من ~~أن يكذبكم في قولكم، فالتقدير: إن كان الأمر كما تقولون فهو خير لكم يقبل ~~اعتذاركم. # وقوله: {يؤمن بالله}. # أي: يصدق بالله، ويصدق المؤمنين، أي: لا يقبل إلا من المؤمنين. فأكذبهم ~~الله فيما قالوا عنه: إنه يقبل من كل أحد، فأخبرهم أنه إنما يصدق المؤمنين ~~لا PageV04P3050 # الكافرون والمافقين. # والعرب تقول: " آمنت له، وآمنته " بمعنى، ms1012 أي: صدقته، كما قال: {ردف لكم} ~~[النمل: 72]، بمعنى: ردفكم وكما قال: {للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: ~~154]، أي: ربهم يرهبون. # و (اللام) عند الكوفيين زائدة، وعند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل. ~~يعني: و {ردف لكم}، و {يرهبون}. # قال ابن عباس: {هو أذن}، أي: يسمع من كل أحد. PageV04P3051 # قال قتادة: كانوا يقولون: محمد أذن، لا يحدث بشيء إلا صدقه. # وقوله: {ورحمة}. # أي: وهو رحمة. # ومن قرأ: بالخفض، فعلى معنى: هو أذن خير وأذن رحمة لمن اتبعه. # {والذين يؤذون رسول الله}. # أي: يعيبونه، {لهم عذاب أليم}: أي: مؤلم. # ثم قال تعالى حكاية عنهم: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم}، أي: ليرضيوكم إذا ~~بلغهم/ عنكم أنكم سمعتم بأذاهم للنبي، فحلفوا أنهم ما فعلوا ذلك، وأنهم ~~لعلى دينكم. # {والله ورسوله أحق أن يرضوه}. # التقدير عند سبيويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف ~~الأول لدلالة الكلام عليه. PageV04P3052 # والتقدير عند المبرد: أنه لا حذف في الكلام، وأن فيه تقديما وتأخيرا، ~~والمعنى عنده: والله أحق أن يرضوه ور [سوله]. # وقد رد هذا القول؛ لأن التقديم والتأخير إنما يلزم إذا لم يكن استعمال ~~اللفظ على ظاهره، فإذا حسن استعمال اللفظ على سياقه لم يقدر به غير ترتيبه. # وقد رد أيضا قول سيبويه بأن قيلأ: الإضمار إنما يلزم إذ لم يجز استعمال ~~اللفظ بظاهره من سياقه، أو من تقدير فيه، فأما إذا جاز استعماله بغير زيادة ~~على وجه ما، لم يجز تقدير إضمار وحذف. # وقوله: {إن كانوا مؤمنين}. # أي: مصدقين فما زعموا. # ذكر بعض المفسرين: أن رجلا من المنافقين، انتقص النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فسمعه ابن امرأته، فمضى إلى النبي عليه السلام، فأخبره، فوجه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، إلى المنافق، فأتاه، فقال: ما حملك على ما قلت؟ فأقبل ~~المنافق يحلف بالله ما قال ذلك، وجعل ابن امرأته يقول: PageV04P3053 # اللهم صدق الصادق، وكذب الكاذب، فأنزل الله عز وجل: { يحلفون [بالله] لكم ~~ليرضوكم}، الآية. # قوله: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} إلى قوله: {تحذرون}. # قوله: {فأن ms1013 له}. # " أن " بدل من الأولى عند الخليل وسيبويه. # وقال المبرد والجرمي: " أن " الثانية مكررة للتوكيد. PageV04P3054 # وقال الأخفش: " أن " في موضع رفع الابتداء، والمعنى: فوجوب النار له. # وأنكر ذلك أبو العباس؛ لأن " أن " المشددة المفتوحة لا يبتدأ بها، ويضمر ~~الخبر. # وقال علي بن سليمان: " أن " في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والمعنى: ~~فالواجب أن له النار. # وكلهم أجاز كسر " أن "، واستحسنه سيبويه. # ومعنى الآية: ألا يعلم هؤلاء المنافقون {أنه من يحادد الله}، أي: يجانبه ~~ويعاديه وحقيقته: أنه يقال: حاد فلان فلانا، أي: صار في حد غيره حده، PageV04P3055 # {فأن له نار جهنم خالدا (فيها)}، أي: لابثا أبدا، {ذلك الخزي العظيم}، ~~أي: الهوان والذل. # ثم قال تعالى إخبارا عما يسر المنافقون: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم ~~سورة تنبئهم}، الآية. # المعنى: يخشى المنافقون، أن ينزل الله عز وجل، سورة يخبر فيها بما في ~~قلوبهم. وكانوا يقولون القول القبيح في النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ~~بينهم، ويقولون: عسى الله ألا يفشي سرنا علينا. # وروي أنهم كانوا سبعين رجلا، أنزل الله عز وجل، أسماءهم وأسماء آبائهم في ~~القرآن، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه؛ لأن أبناءهم كانوا ~~مسلمين. # قوله: {قل استهزءوا إن الله}. # هذا تهديد من الله عز وجل، لهم. # {إن الله مخرج ما تحذرون}. # أي: مظهر سركم الذي تخافون أن يظهر. PageV04P3056 # قال قتادة: كنا نسمي هذه السورة: " الفاضحة "؛ لأنها فضحت المنافقين. # قوله: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب}، إلى قوله: {مجرمين}. # المعنى: ولئن سألتهم، يا محمد، عما قالوه من الباطل، ليقولن: إنما قلنا ~~ذلك لعبا وخوضا وهزؤا، {قل}، يا محمد، لهم: {أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزءون}، هذا توبيخ وتقريع لهم. # قال الفراء: أنزلت في ثلاثة نفر، استهزأ رجلان منهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، و/القرآن، وضحك إليهما الثالث، فنزلت: {إن نعف عن طآئفة منكم}، ~~يعني: الضاحك، {نعذب طآئفة}، يعني المستهزئين. ف " الطائفة " تقع للواحد ~~والاثنين. # وذكر أبو الحسن الدارقطني في كتاب الرواة عن مالك أن اسماعيل بن PageV04P3057 # داود المخراقي ms1014 روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: رأيت عبد الله ~~بن أبي يشتد قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحجارة تنكيه وهو يقول: ~~يا محمد، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزءون}. # ثم قال تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}، أي: كفرتم بقولكم في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا متصل بقوله: {قل أبالله وآياته ورسوله ~~كنتم تستهزءون}. # {لا تعتذروا}، وهو الوقف عند نافع. # {نخوض ونلعب}، وقف. # ويروى أن هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين، كانوا يرجفون في غزوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، إلى تبوك ويخوفون المسلمين من الروم، فسألهم ~~النبي عليه السلام عن قولهم، فقالوا: {إنما كنا نخوض ونلعب}. # وقال قتادة: نزلت في أناس من المنافقين، قالوا في غزوة تبوك: أيرجو هذا PageV04P3058 # الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله عز وجل، نبيه ~~عليه السلام، على ذلك، فأتاهم النبي فقال: قلتم كذا كذا. فقالوا: يا نبي ~~الله: {إنما كنا نخوض ونلعب}. # وقال ابن جبير: قال ناس من المنافقين في غزوة تبوك: لئن كان ما يقول حقا ~~لنحن شر من الحمير، فأعلم الله عز وجل، نبيه عليه السلام، بذلك، فقال لهم: ~~ما كنتم تقولون، فقالوا: {إنما كنا نخوض ونلعب}. # ثم قال تعالى: {إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة} " الطائفة " التي عفا ~~عنها هاهنا، رجل منهم كان قد أنكر ما سمع، يسمى: مخشي بن حمير الأشجعي. # وقيل: إنه أقر على نفسه وصاحبيه بما قالوا نادما تائبا، فهو " الطائفة " ~~المعفو عنها. # فالمعنى: {إن نعف عن طآئفة منكم}، بإنكار ما أنكر عليكم من قول الكفر PageV04P3059 # {نعذب طآئفة} بقولهم ورضاهم بالكفر، واستهزائهم بالله سبحانه، ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وآياته. # وقيل: المعنى: إن تتب طائفة منكم، يعف الله عز وجل، عنها، تعذب طائفة ~~بترك التوبة. # قال أبو أسحاق: كانت الطائفتان ثلاثة نفر، استهزأ اثنان، وضحك واحد. # {بأنهم كانوا مجرمين}. # أي: باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، ms1015 سبحانه، والطعن على رسوله عليه ~~السلام. # قوله: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} إلى قوله: {هم الخاسرون}. # هذا الكلام متصل بقوله: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم} [التوبة: ~~56]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن {بعضهم من بعض}، أي: متشابهون في الأمر ~~بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عن الجهاد .. # {نسوا الله فنسيهم}. PageV04P3060 # أي: تركوا الله فتركهم، أي تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه. # {إن المنافقين هم الفاسقون}. # أي: هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله، عليه السلام. # وعدهم الله: {نار جهنم خالدين فيها}، أبدا، أي: ماكثين، لا يحيون ولا ~~يموتون. # {هي حسبهم}. # أي: كافيتهم عقابا على كفرهم. # {ولعنهم الله}. # أي: أبعدهم من رحمته. # {ولهم عذاب مقيم}. # أي: للفريقين من أهل الكفر والنفاق {عذاب مقيم}، أي: دائم لا ينقطع ولا ~~يزول. # {هي حسبهم}، وقف عند نافع. PageV04P3061 # وقوله: {كالذين}. # في موضع نصب نعت/ لمصدر محذوف، والمعنى: وعد الله هؤلاء بكذا وعدا، كما ~~وعد الذين من قبلهم. # فعلى هذا لا يوقف على ما قبل " الكاف ". # ومثله: {كالذي خاضوا}، [أي: خوضا كما الذي خاضوا]. # والمعنى عند الطبري: قل لهم، يا محمد، {أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزءون}، {كالذين من قبلكم}، فعلوا كفعلكم، فأهلكهم الله، وأعد لهم ~~العقوبة والنكال في PageV04P3062 # الآخرة، فقد {كانوا أشد منكم [قوة]}، أي: بطشا، وأكثر منكم أموالا، ~~{فاستمتعوا بخلاقهم}، أي: بنصيبهم من دنياهم، كما استمتعتم، أيها ~~المنافقون، {بخلاقكم}، أي: بنصيبكم من دنياكم، {وخضتم} مثل خوضهم. # وهذا يدل على أن " الكاف " في موضع نصب، نعت لمصدر " يستهزءون ". # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، في هذا المعنى: " لتأخذن كما أخذت ~~الأمم من قبلكم، ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن أحدا دخل ~~جحر [ضب] لدخلتموه "، رواه عنه أبو هريرة: # ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {كالذين من قبلكم}، الآية. # قال أبو هريرة: " الخلاق ": الدين. PageV04P3063 # {أولئك حبطت أعمالهم}. # يعني الذين قالوا: {إنما كنا نخوض ونلعب}، ركبوا فعل من سبقهم من الأمم ~~الهالكين. # ومعنى: {حبطت}: بطلبت {وأولئك هم الخاسرون}. # أي: المغبونون صفقتهم، لبيعهم نعيم ms1016 الأبد بعرض الدنيا اليسير منه. # {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود}، الآية. # والمعنى: ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر من كان قبلهم، من قولم نوح، وعاد، ~~وثمود وشبههم، الذين خالفوا أمر الله عز وجل، وعصوه، جلت عظمته، فأهلكم ~~ودمرهم، فيتعظون بذلك، وينتهون ويتفكرون ما في خبر قوم نوح، إذا غرقوا ~~بالطوفان، وعاد وهم قوم هود، إذ هلكوا بريح صرصر عاتية، وخبر ثمود، وهو قوم ~~صالح، إذ هلكوا بالرجفة، وخبر قوم إبراهيم، إذ سلبوا النعمة وأهلك نمرود ~~ملكهم، وخبر أصحاب مدين، وهم قوم شعيب، إذ أهلكوا بعذاب يوم الظلة. # ويروى: أن شعيبا اسمه مدين، على اسم المدينة، فكان قوله: {وأصحاب مدين}، ~~معناه: وأصحاب شعيب. # وقوله تعالى في موضع آخر: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} [الأعراف: 85]. PageV04P3064 # يدل على أن مدين مدينة. # وخبر المؤتفكات، في مدائن قوم لوط، إذ صير أعلاها أسفلها، وإنما سموا ~~مؤتفكات؛ لأن أرضهم ائتفكت بهم، أي: انقلبت بهم، وهي مأخوذة من " الإفك " ~~وهو الكذب، لأنه مقلوب على الصدق، وكانت قرى ثلاثة، ولذلك جمعت. # {أتتهم رسلهم بالبينات}. # أي: أتى كل أمة رسولها، فجمع الرسل، لأن كل أمة رسولها. # {بالبينات}. # أي: بالآيات الظاهرات، والحجج النيرات، فكذبوا وردوا وكفروا. # {فما كان الله ليظلمهم}. # أي: فما كان الله ليضع عقوبته في غير مستحقيها. # {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}. # إذ عصوا الله عز وجل، وكذبوا برسوله حتى أسخطوا ربهم، سبحانه، واستوجبوا PageV04P3065 # العقوبة، فظلموا بذلك أنفسهم. # قوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض}، إلى قوله: {الفوز ~~العظيم}. # المعنى: {والمؤمنون والمؤمنات}، أي المصدقون بالله، عز وجل ورسوله عليه ~~السلام {(يأمرون) بالمعروف}، أي: يأمرون الناس بالإيمان بالله عز وجل، ~~ورسوله عليه السلام. # وينهونهم عن الكفر، والمنافقون [هم] / بضد ذلك ينهون عن الإيمان، ويأمرون ~~بالمنكر، وهو الكفر بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام. # قال أبو العالية: كل ما ذكر الله عز وجل، في القرآن من " الأمر بالمعروف ~~" هو دعاء لمن أشرك إلى الإسلام، وما ذكره من " النهي عن المنكر " فهو ~~النهي عن عبادة الأوثان والشياطين. # {ويقيمون الصلاة}. # يعني: ms1017 الصلوات الخمس، في أوقاتها وبحدوها. # {ويؤتون الزكاة}. PageV04P3066 # يعني: المفروضة في وقتها. # {ويطيعون الله ورسوله}. # يعني فيما أمرهم به، ونهاهم عنه. # {أولئك سيرحمهم [الله]}. # أي: يتعطف عليهم، فينجيهم من عذابه، ويدخلهم جناته. # ثم قال تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار}. # والمعنى: وعد الله النساء والرجال من المؤمنين بساتين. {جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها} (أبدا). # أما ماكثين لا يزول نعيمهم ولا ينقطع، {ومساكن طيبة}، أي: منازل ~~يسكنونها. # قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن: PageV04P3067 # {ومساكن طيبة في جنات عدن}، فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك قال: " قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون دارا من ~~ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمردة، خضراء، في كل بيت سبعون ~~سريرا ". # ومعنى {جنات عدن} عند ابن عباس، أي: " معدن الرجل " الذي يكون فيه. # وقيل المعنى: جنات إقامة وخلود. # والعرب تقول: " عدن فلان بموضع كذا "، إذا أقام به. # وري عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " لا يدخلها إلا النبيون ~~والصديقون والشهداء ". # وقال كعب: {جنات عدن}، هي الكروم والأعناب، السريانية. يعني أن PageV04P3068 # لغة العرب وافقت السريانية في هذا الكلام. # وقال ابن مسعود: {جنات عدن}، هي اسم لبطنان الجنة، يعني وسطها. # وقال الحسن: هو اسم لقصر في الجنة من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق، أو ~~شهيدا أو حكم عدل. # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله عز وجل، ~~يفتح الذكر لثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى [منهن]، ينظر في ~~الكتاب الذي لا ينظره غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة ~~الثانية إلى جنات عدن، وهي داره التي لم يرها غيره، ولم تخطر على قلب بشر ~~". # وقال الضحاك: {جنات عدن}، مدينة في الجنة، فيها الرسل، والأنبياء، ~~والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. # وقال عطاء {عدن}: نهر في الجنة جناته على حافتيه. # ثم قال تعالى: {ورضوان من الله ms1018 أكبر}. PageV04P3069 # [أي: أكبر] من ذلك لكه، رضوان الله عز وجل، عن أهل الجنة. # قال أبو سعيد الخدري: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل، ~~يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل ~~رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، لقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ~~فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك، ~~فيقول: أحل لكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا ". # ومن أجل تفضيل الرضوان على ما قبله مما وعدوا به، انقطع الكلام، وابتدأ ~~بالرضوان، فرفع. # ثم قال تعالى: {ذلك هو الفوز العظيم}. # أي: هذه الأشياء التي/ وعدوا بها، وهي الظفر الجسيم. # {جنات عدن}، وقف. # {أكبر}، وقف. # قوله: {يا أيها النبي جاهد الكفار}، إلى قوله: {من ولي ولا نصير}. PageV04P3070 # المعنى: جاهدهم بالسيف. # قال ابن مسعود: الجهاد يكون باليد، واللسان، والقلب، فإن لم يستطع ~~فليكفهر في وجهه. # وقال ابن عباس: أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بجهادهم، باللسان ~~للمنافقين، وبالسيف للكفار. # وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المافقين بالكلام. # وقال الحسن المعنى: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم. # وهو قول قتادة. PageV04P3071 # وقيل: معنى جاهد المنافقين: إقامة الحجة عليهم. # ثم قال حكاية عنهم: {يحلفون بالله ما قالوا}، وذلك أن رجلا من المنافقين، ~~يسمى: الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقا، لنحن شر ~~من الحمير، فقال له ابن امرأته، واسمه عمير بن سعد،: والله، إن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم لصادق، ولأنت شر من الحمار، والله، لأخبرن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، بما قلت وإلا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤخذ بخطيئتك، ~~فأعلم الله النبي عليه السلام بذلك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، الرجل، ~~فحلف ما قال، فأنزل الله عز وجل: { يحلفون بالله ما قالوا} الآية. # قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما نزل فيه القرآن، تاب وحسنت توبته. # وقيل: إنه سمعه يقول ذلك، عاصم بن عدي الأنصاري، وهو الذي ms1019 أخبر النبي ~~عليه السلام، بذلك، فاحضر للنبي صلى الله عليه وسلم الجلاس وعامرا، فحلف ~~الجلاس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: والله، لقد قاله، ورفع عامر يديه، ~~وقال: اللهم أنزل على PageV04P3072 # عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~آمين، فأنزل الله تصديق عامر، فقال الجلاس: قد عرض الله علي التوبة، والله، ~~لقد قلته وصدق عامر، وتاب الجلاس وحسنت توبته. # ويروى أن عامرا، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليريد قتلك، وفيه ~~نزل: {وهموا بما لم ينالوا}، أي: هموا بقتلك ولا ينالونه. # وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، رأى رجلا من غفار، تقاتل ~~مع رجل من جهينة، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فعلا الغفاري الجهني، فقال ~~عبد الله للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال ~~القائل: سمن كلبك يأكلك، {لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ~~[المنافقون: 8]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأرسل إليه النبي عليه السلام فسأله، فحلف ما قاله، فأنزل الله عز وجل، { ~~يحلفون بالله ما قالوا}. # وقوله: {وهموا بما لم ينالوا}. # قيل: هو الجلاس بن سويد [هم] بقتل ابن امرأته خوفا أن يفشي عليه ما سمع ~~منه. PageV04P3073 # وقال مجاهد: هم رجل من قريش يقال له الأسود، بقتل النبي، عليه السلام. # وقيل: هو عبد الله بن أبي بن سلول، هم بإخراج النبي عليه السلام، من ~~المدينة/ وهو ما حكاه الله عز وجل، عنه: {لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل}. # وقل: هو الجلاس، هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله}. # والمعنى: أنهم ليس ينقمون شيئا. # قال الطبري، وغيره: كان المنافق الذي قال كلمة الكفر، حلف أنه ما قال، ~~قتل له مولى، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ديته، فأغناه بها، فقال ~~الله عز وجل، ما أنكروا على رسول PageV04P3074 # الله صلى الله عليه وسلم، شيئا: {إلا أن أغناهم ms1020 الله ورسوله من فضله}. # وهو الجلاس. # وقال قتادة: كانت لعبد الله بن أبي دية، فأخرجها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم [ له]. # قوله: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم}. # أي: إن تاب هؤلاء القائلون لكمة الكفر يك ذلك خيرا لهم من النفاق. # {وإن يتولوا}. # أي: يدبروا عن التوبة. # {يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا}. # أي: بالقتل، وفي الآخرة بالنار. # {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير}. # يمنعهم من العقاب، ولا نصير ينصرهم من عذاب الله عز وجل. PageV04P3075 # {بما لم ينالوا}، وقف. # {من فضله}، وقف. # {خيرا لهم}، وقف. # قوله: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} إلى قوله: {الغيوب}. # والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين {من عاهد الله} لئن رزقه الله عز وجل، ووسع ~~عليه، ليصدقن، وليعملن، بما يعمل أهل الصلاح فلما أغناهم الله، سبحانه {من ~~فضله بخلوا به}، وأدبروا عن عهدهم، {وهم معرضون}، {فأعقبهم} الله عزو جل، ~~بذنوبهم {نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه}، أي: يموتون. # وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه. # " وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع ~~الله أن يرزقني مالا أتصدق به، فقال له النبي عليه السلام: " ويحك يا ~~ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه "، ثم عاود ثانية، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي ~~بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت "، فقال: والذي بعثك PageV04P3076 # بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فاتخذ غنما، فنمت كما تنمي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى ~~عنها، ونزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر في جماعة، والعصر في ~~جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، ~~وهي تنمي حتى ترك الجمعة. وطفق يلقى الركبان يوم يوم الجمعة، يسألهم عن ~~الأخبار، فسأل النبي عليه السلام عنه فأخبر بخبره، بكثرة غنمه وبما ms1021 صار ~~إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، " يا ويح ثعلب " ثلاث مرات، فنزلت ~~{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ". # ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم، رجلين على الصدقة، ~~رجلا من جهينة، والآخر من بني سليم، وأمرهما أن يمرا بثعلبة، (وبرجل آخر من ~~بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة)، فقال: ما هذه ~~الأجرة، وما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا، وعودا. ~~فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فعمد إلى خيار إبله، فعزلها للصدقة، ثم ~~استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد [أن] نأخذ منك ~~هذا. قال: بل فخذوه فإن نفسي بذلك/ طيبة، فأخذوها منه. فلما فرغا من ~~صدقاتهما PageV04P3077 # رجعا حتى [مرا] بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم، كتب لهما كتابا في حدود الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه ~~الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. ~~فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآهما قال: " يا ويح ثعلبة " قبل أن ~~يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ~~ثعلبة، فانزل الله عز وجل، { ومنهم من عاهد الله} الآية، وعند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ~~ثعلبة، قد أنزل الله عز وجل، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي عليه السلام ~~فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: " إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك "، فجعل ~~يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي عليه السلام: " قد أمرتك فلم تطعني "، ~~فرجع ثعلبة إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقبض منه ~~شيئا. # ثم أتى إلى أبي بكر فلم يقبض منه شيئا [ثم أتى إلى عمر بعد أبي بكر فلم ~~يقبض منه شيئا. ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئا]. وتوفي في ~~خلافة عثمان رضي الله عنه. PageV04P3078 # وقيل: إن إنما نوى العهد ms1022 في نفسه فلم يف به، ودل على ذلك قوله: {ألم ~~يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم}. # وعلامة المنافق: نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول]. # قوله: {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم}. # أي: [ألم] يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله عز وجل، ورسوله عليه ~~السلام، ويظهرون الإيمان، أن الله عز وجل، يعلم ما يسرون من ذلك وما يظهرون ~~فيحذروا عقوبته، وألم يعلموا أن الله علام الغيوب. # قوله: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} إلى قوله: ~~{الفاسقين}. PageV04P3079 # والمعنى: الذين يعيبون الذين تطوعوا بصدقاتهم على أهل المسكنة والحاجة ~~فيقولون لهم: إنما تصدقون رياء وسمعة، ولم تريدوا وجه الله عز وجل. # { والذين لا يجدون إلا جهدهم}. # أي: من المؤمنين، ومن {والذين لا يجدون}، عطفه على {المطوعين}، لأن الاسم ~~لمي يتم، إذ قوله: {فيسخرون} في الصلة عطف على {يلمزون}. # و" الجهد و " الجهد " عند البصريين [بمعنى]، لغتان. # وقال بعض الكوفيين: الجهد، بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة. PageV04P3080 # والسخري من الله: الجزاء على فعلهم. # قال ابن عباس: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: و ~~[الله] ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إن كان الله ورسوله ~~لغنيين عن هذا الصاع. فأنزل الله عز وجل: { الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات}، يعني: عبد الرحمن بن عوف، {والذين لا يجدون إلا ~~جهدهم}، يعني: الأنصاري الذي أتى بصاع من شعير. # وقال ابن عباس: " جاء عبد الرحمن بمائة أوقية من ذهب، وترك لنفسه مائة، ~~وقال: مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأقرضها الله، وأما أربعة آلاف ~~فلي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " بارك الله [لك] فيما أمسكت وما ~~أعطيت " فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيته إلا ~~رياء، وهم كاذبون، فأنزل الله عز وجل، عذره ". # وقال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف صدقته، وجاء رجل من الأنصار، ~~يكنى بأبي عقيل، بصاع من تمر ms1023 لم يكن له غيره، فقال: يا رسول الله، آجرت ~~نفسي PageV04P3081 # بصاعين، فانطلقت بصاع إلى أهلي/ وجئت بصاع من تمر، فلمزه المنافقون، ~~وقالوا: إن الله غني عن طياع هذا، فنزل فيه: {والذين لا يجدون إلا جهدهم}. # قال ابن زيد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم [ المسلمين] أن يتصدقوا، قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فألفى مالي ذلك كثيرا، فأخذت نصفه، فجئت أحمل ~~مالا كثيرا، فقال له رجل من المنافقين: ترائي يا عمر، فقال: نعم أرائي الله ~~ورسوله، وأما غيرهما فلا، وأتى رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فآجر نفسه ~~بصاعين، فترك صاعا لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: [إن] ~~الله ورسوله عن صاعك لغنيان، فأنزل الله عز وجل، عذرهما في قوله: {الذين ~~يلمزون}. # ثم قال لنبيه عليه السلام، استغفر لهؤلاء المنافقين، أي: ادع الله لهم ~~بالمغفرة أو لا تدع لهم بذلك، فلفظه لفظ الأمر ومعناه الجزاء، والجزاء خبر. PageV04P3082 # والمعنى: إن استغفرت لهم، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. # قال الضحاك: قال النبي صلى الله عليه وسلم، حين نزلت هذه الآية: " لأزيدن ~~على السبعين "، فنزلت: # {سوآء عليهم أستغفرت لهم أم [لم] تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} ~~[المنافقون: 6]، فهي عنده منسوخة بهذه. # وقيل: إنها ليست بمنسوخة، وإنما هي على التهدد، وما كان النبي عليه ~~السلام ليستغفر لمنافق؛ لأن المنافق كافر بنص الكتاب. # وهذا الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، قال لأصحابه: لولا أنكم ~~تنفقون على أصحاب محمد لانفضوا من حوله، وهو القائل: {لئن رجعنآ إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8]. # " روي أن عبد الله هذا لما حضرته الوفاة أرسل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يسأله أحد ثوبيه PageV04P3083 # فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم، أحد ثوبيه، فقال: إنما أريد الذي ~~على جلدك من ثيابك، فبعث إليه به، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك، ~~فقال: " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا إذا كفن فيه، وإني آمل أن يدخل ms1024 ~~في الإسلام خلق كثير بهذا السبب ". # فروي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب النبي، عليه ~~السلام. # وكان عبد الله هذا رأس المنافقين وسيدهم. # قوله: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله}، إلى قوله: {مع الخالفين}. # {خلاف رسول الله}: مفعول من أجله، أو مصدر مطلق. PageV04P3084 # والمعنى: فرح الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله عليه السلام، بجلوسهم ~~في منازلهم، على الخلاف منهم لرسول الله عليه السلام، لأنه أمرهم بالخروج ~~معه فتخلفوا عنه، وفرحوا بتخلفهم، وكرهوا الخروج في الحر. # وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، استنفرهم في غزوة تبوك في حر شديد، ~~فقال بعضهم لبعض: {لا تنفروا في الحر}، قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام ~~{قل} لهم: {نار جهنم أشد حرا}، لمن خالف أمر الله، وعصى رسوله، عليه السلام ~~من هذا الحر الذي تتواصون به بينكم أن لا تنفروا فيه، فالذي هو أشد حرا، ~~يجب أن يتقي {لو كانوا يفقهون}، عن الله عز جل، وعظه. # وكان عدة من تخلف عن الخروج مع النبي عليه السلام، في غزوة تبوك من ~~المنافقين نيفا وثمانين رجلا. PageV04P3085 # ثم قال تعالى: {فليضحكوا قليلا}. # أي: [في] هذه الدنيا الفانية، / {وليبكوا/ كثيرا}، في جهنم {جزآء بما ~~كانوا يكسبون}، من التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعصيته. # قال النبي عليه السلام: " والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم ~~قليلا، ولبكتيم كثيرا ". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تقنط ~~عبادي. # قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا، ~~استأنفوا بكاء لا ينقطع عنهم أبدا. PageV04P3086 # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم ~~فاستأذنوك للخروج}. # أي: إن ردك الله من غزوتك إلى المنافقين، فاستأذنوك للخروج معك في غزوة ~~أخرى، {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود ~~أول مرة}، أي: في غزوة تبوك، {فاقعدوا مع الخالفين}، [أي: مع الذين] قعدوا ~~من المنافقين خلاف رسول ms1025 الله صلى الله عليه وسلم، لأنكم منهم. # قال ابن عباس: تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجال في غزوة تبوك ~~فأدركتهم أنفسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئا، فانطلق منهم ثلاثة نفرة، ~~فلحقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى ~~المدينة فأنزل الله، عز وجل، { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم}، الآية. فقال ~~النبي عليه السلام: " هلك الذين تخلفوا "، فأنزل الله عز وجل، عذرهم لما ~~تابوا فقال: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار}، إلى قوله: {إن ~~الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 117 - 118]. # وقال قتادة {مع الخالفين}، مع النساء. PageV04P3087 # وكانوا اثني عشر رجلا من المنافقين. # وقال ابن عباس " الخالفون ": الرجال. # ومعناه: اقعدوا مع مرضى الرجال وأهل الزمانة والضعفاء. # وقيل: " الخالفون ": الرجال الضعفاء والنساء، وغلب المذكر على الأصول ~~العربية. PageV04P3088 # وقال الطبري: {مع الخالفين} مع أهل الفساد، من قولهم: " خلف الرجل على ~~أهله يخلف خلوفا "، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوء "، ومن قولهم: " خلف فم ~~الصائم "، إذا تغير ريحه، ومن قولهم: " خلف اللبن يخلف " إذا حمض. # قوله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره}، إلى قوله: {فهم ~~لا يفقهون}. # هذه الآية نهي للنبي صلى الله عليه وسلم، عن الصلاة على هؤلاء المتخلفين ~~عنه. # {ولا تقم على قبره}. # أي: لا تتول دفنه. # {إنهم كفروا بالله ورسوله}. # أي: جحدوا توحيد الله عز وجل، ورسالة رسوله عليه السلام. # {وماتوا وهم فاسقون}. # أي: ولم يتوبوا من ذلك، بل ماتوا وهم خارجون عن الإسلام. # ويروى: أن هذه الآية نزلت في أمر عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك أن ابنه ~~أتى PageV04P3089 # النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، ~~واستغفر له، فأعطاه قيمصه، وقال: إذا فرغتم فآذوني، فلما أراد أن يصلي عليه ~~جذبه عمر، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ [فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: بل خيرني فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر}، فصلى] النبي ~~صلى الله عليه ms1026 وسلم. فنزل {ولا تصل على أحد منهم} الآية، فترك الصلاة ~~عليهم. # وقال أنس: أراد النبي عليه السلام، أن يصلي على عبد الله بن أبي بن سلول، ~~فأخذ جبريل، عليه السلام، بثوبه، وقيل: بردائه، وقال: {ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره}. # ثم قال الله/ عز وجل، لنبيه، عليه السلام: {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم}. # أي: لا يعجبك ذلك، فتصلي عليهم. # {إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا}. # أي: بالغموم والهموم فيها، ويفارق روحه جسده، وهو في حسرة عليها، PageV04P3090 # فتكون حسرة عليه في الدنيا، ووبالا في الآخرة. # {وتزهق أنفسهم وهم كافرون}. # أي: جاحدون. # {وأولادهم} وقف عن أبي حاتم، على أن عذابهم بها في الدنيا. # وغيره يقول: {الدنيا}، يراد بها التقديم، والمعنى: ولا تعجبك أموالهم ~~وأولادهم في الدنيا، فعلى هذا [لا] تقف على: {أولادهم} وقد شرح هذا فيما ~~تقدم بأكثر من هذا. # ثم أخبر الله عز وجل، عنهم بحالهم فقال: {وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا بالله ~~وجاهدوا مع رسوله}. # أي: إذا أنزل الله عز وجل، عليك، يا محمد، سورة يأمرهم فيها: بالإيمان ~~بالله، عز وجل، وبالجهاد معك. # {استأذنك أولوا الطول منهم}. # أي: [ذوو] الغنى منهم في التخلف عنك، والقعود بعدك مع الضعفاء PageV04P3091 # والمرضى، ومن لا يقدر على الخروج وهم القاعدون. # {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف}. # أي: مع النساء اللواتي لا فرض عليهن في الجهاد، جمع خالفة. # {وطبع على قلوبهم}. # أي: ختم. # وقد يقال للرجل: " خالفة " إذا كان غير نجيب. # وقد يجمع " فاعل " صفة على " فواعل " في الشعر، قالوا: " فارس " و " ~~فوارس " و " هالك " و " هوالك ". # وأصل " فواعل " أن يكون جمع: " فاعلة ". # قوله: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم}، إلى قوله: ~~{عذاب أليم}. PageV04P3092 # المعنى: هؤلاء لهم خيرات الآخرة ونعيمها. # وواحد {الخيرات}، " خيرة " مخففة، و " خيرات " كل شيء، أفضله. # {وأولئك هم المفلحون}. # أي: الباقون في النعيم، المخلدون فيه. # وأصل " الفلاح ": البقاء في الخير، وقولهم: " حي على الفلاح " أي: تعالوا ~~إلى الفوز، يقال: " أفلح الرجل "، إذا فاز وأصاب خيرا. ms1027 # {أعد الله لهم جنات}. # أي: بساتين. # {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}. # أي: لابثين فيها أبدا. # {ذلك الفوز العظيم}. # أي: النجاء العظيم، والحظ الجزيل. PageV04P3093 # ثم قال تعالى: {وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم}. # والمعنى: {وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم}، في التخلف، {وقعد} عن ~~الإتيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعتذروا أو يجاهدوا، و {الذين ~~كذبوا الله ورسوله}، واعتذروا بالباطل بينهم، لا عند رسول الله عليه ~~السلام. # {سيصيب الذين كفروا منهم}. # أي: جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه عليه السلام. # {عذاب أليم}. # أي: مؤلم، أي: موجع. # وقوله: {المعذرون}، ليس من " عذر "، يقال: " عذر الرجل في الأمر " إذا لم ~~يبالغ فيه، ولم يحكمه، ولم تكن هذه صفة هؤلاء، بل كانوا أهل اجتهاد في طلب ~~ما ينهضهم مع النبي صلى الله عليه وسلم فوصفهم بأنهم قد اعتذروا أو أعذروا، ~~أولى من وصفهم بأنهم قد عذروا فإنما هم المعتذرون، ثم أدغم. PageV04P3094 # وقد قرأ ابن عباس: " المعذرون " من: " أعذر ". # ويجوز: " المعذرون " بضم العين لالتقاء الساكنين، (يتبع الضم الضم. ~~ويجوز: " المعذرون " بكسر العين لالتقاء الساكنين). # وقد قيل: إن " المعذر " من " عذر " إذا قصر في الأمر فيهم مذمومون على ~~هذا المعنى. PageV04P3095 # وعلى المعنى الآخر إذا حملته على معنى " المعتذرين " غير مذمومين، إذا ~~أتوا بعذر واضح. # ويجوز أن يكونوا مذمومين إذا أتوا بعذر غير واضح، يقال " اعتذر الرجل ": ~~إذا أتى بعذر واضح، و " اعتذر ": إذا لم يأت بعذر، قال تعالى: {يعتذرون ~~إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا}، فهؤلاء اعتذروا بالباطل، فهم الذين ~~يعتذرون ولا عذر لهم. # ومنع المبرد أن يكون أصله: " المعتذرين " ثم أدغم لأنه يقع اللبس. # وذكر إسماعيل القاضي: أن سياق الكلام يدل على أنه لا عذر لهم وأنهم ~~مذمومون، لأنهم جاء/ وا {ليؤذن لهم}، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى، والذين PageV04P3096 # لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا إلى أن يستأذنوا. # وقول العرب: " من عذيري من فلان "، معناه: قد أتى فلان أمرا عظيما يستحق ~~عليه العقوبة، ولم يعلم الناس به، فمن يعذرني إن عاقبته. # قال ms1028 مجاهد: هم نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله عز وجل. # وكذلك قال قتادة. # فهذا يدل على أنهم كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فلا يوصفون ~~بالإعذار. # وقرأ ابن عباس: " المعذرون " بإسكان العين، وكان يقول: لعن الله ~~المعتذرين، يذهب إلى أن " المعتذرين " بإسكان العين، ليس لهم عذر صحيح. # و {المعذرون} بالتشديد: المفرطون المقصرون ولا عذر لهم. PageV04P3097 # قوله: {ليس على الضعفآء ولا على المرضى} إلى قوله: {ينفقون}. # ومعنى الآية: أنه بيان من الله، عز وجل، أنه لا حرج على الزمنى والمرضى، ~~ومن لا يجد ما ينفق في التخلف عن الغزو، {إذا نصحوا لله ورسوله}، يعني في ~~مغيبهم عن الجهاد. # {ما على المحسنين من سبيل}. # أي: ليس على من أحد فنصح لله ورسوله عليه السلام، سبيل. # قال ابن عباس: لما أمر النبي عليه السلام، بالخروج إلى الغزو، وجاءه ~~عصابة من أصحابه يقال: كانوا سبعة، فقالوا: يا رسول الله احملنا. فقال: لا ~~أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، فأنزل الله عذرهم في كتابه. # {لله ورسوله}. وقف. # و {من سبيل}، وقف. # ثم قال تعالى: {ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم ~~عليه تولوا} الآية. PageV04P3098 # نزلت هذه الآية في بني مقرن من مزينة، أتو النبي عليه السلام، ليحملهم ~~ويغزو معهم فقال: ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، ~~إذا لم يجدوا ما ينفقون في غزوهم. # وقيل: منهم العرباض بن سارية. # قال إبراهيم بن أدهم في الآية: ليس يعني الدواب، ولكن النعال. # قوله: {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنيآء}، إلى قوله: ~~{يكسبون}. # والمعنى: إنما السبيل بالعقوبة على من استأذن في التخلف عن الغزو، وهو ~~غني، PageV04P3099 # ورضي بأن يخلف مع النساء اللواتي من خوالف للرجال في البيوت. # {وطبع الله على قلوبهم}. # أي: ختم عليها. # {فهم لا يعلمون}. # سوء عاقبة تخلفهم، يعني: عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى إخبارا عما يفعلون: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم}. # أي: يعتذر هؤلاء المتخلفون بالأباطيل والكذب. # {قل} لهم، ms1029 يا محمد، {لا تعتذروا لن نؤمن [لكم]}. أي: لن نصدقكم قد أخبرنا ~~الله بأخباركم. # {وسيرى الله عملكم ورسوله}. # أي: فما بعد، هل تتوبون أم لا. # {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة}. PageV04P3100 # أي: يعلم السر والعلانية، فيخبركم بأعمالكم فيجازيكم عليها. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لو أن رجلا عبد الله في صخرة لا ~~باب لها، ولا كوة بها لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان ". # فالله عز وجل، يطلع قلوب المؤمنين على ما [في] قلوب إخوانهم من الخير ~~والشر، فيحبون أهل الخير ويبغضون أهل الشر. # ثم أخبرهم بما يفعلون إذا رجع المؤمنون من غزوهم فقال: {سيحلفون بالله ~~لكم إذا انقلبتم إليهم}، أي: يحلفون لكم إذا رجعتم إليهم من غزوكم، ~~{لتعرضوا عنهم}، لتتركوا تأنيبهم وتعييرهم بتخلفهم، {فأعرضوا عنهم}، أي: ~~فاتركوهم، {إنهم رجس ومأواهم جهنم}، أي: مصيرهم إليها جزاء/ بكسبهم. # قيل: إنهم كانوا بضعة وثمانين رجلا. # قوله: {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم} إلى قوله: {سميع عليم}. # والمعنى: يحلف أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون لكم {لترضوا عنهم}، وأنتم ~~لا PageV04P3101 # تعلمون صدقهم من كذبهم، {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين}؛ لأنه يعلم سرائرهم وصدقهم وكذبهم. # ثم قال تعالى: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا}. # " أن ": في موضع نصب، على تقدير: " وأجدر بأن لا ". # تقول: " هو جدير بأن يفعل "، و " خليق بأن يفعل "، وإن شئت حذفت " الباء ~~"، ولا يحسن حذف " الباء " إلا من " أن "، لو قلت: هو جدير بالفعل، لم يكن ~~بد من " الباء ". # والمعنى: الأعراب أشد جحودا لتوحيد الله سبحانه ونفاقا على رسوله عليه ~~السلام، من أهل الحضر والأمصار، وذلك لجفائهم، وقسوة قلوبهم. # {وأجدر ألا يعلموا}. # أي: وأخلق أن يجهلوا العلم والسنن. # ثم قال تعالى: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما}. PageV04P3102 # والمعنى: ومن الأعراب من يعد ما ينفق فيما ندبه الله، عز وجل، إليه ~~{مغرما} لا ثواب له فيه، {ويتربص بكم الدوائر} أي: ينتظر بكم ما تدور به ~~الأيام والليالي من المكروه والسوء، {عليهم دآئرة ms1030 السوء}، أي: عليهم يرجع ~~المكرو والسوء. # وهذا كله في منافقين من الأعراب، قاله: ابن زيد. # وقوله: {دآئرة السوء}. # ومن قرأ بالضم، فمعناه: دائرة العذاب، و {دآئرة السوء}: البلاء. # قال الفراء: ولا يجوز على هذا " هذا امرؤ سوء "، كما لا يجوز " هذا امرؤ ~~عذاب ". # وقال المبرد " السوء " بالفتح: الرداءة. PageV04P3103 # قال سيبويه: " مررت برجل صدق "، معناه: مررت برجل صالح وليس هو من صدق ~~اللسان، وكذلك تقول: " مررت برجل سوء، أي: برجل فساد، وليس هو من: سوءته ~~(سوءا. # وقال الفراء: " السوء " بالفتح، مصدر من: سوءته سوءا ومساءة) وسوائية ~~ومسائية. # وقال اليزيدي في الضم، يعني: دائرة الشر، فكأن السوء الاسم، والسوء ~~المصدر، فافهم. # قوله: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر}، الآية. # المعنى: ومن الأعراب من يصدق بالله وبالبعث والثواب والعقاب، وينوي بما ~~ينفق من صدقه، والتقرب إليه، {وصلوات الرسول}، أي: دعاءه واستغفاره له. PageV04P3104 # قال مجاهد: هم بنو مقرن، مزينة، وهم الذين نزل فيهم: {ولا على الذين إذا ~~مآ أتوك لتحملهم} [التوبة: 92]، الآية. # {ألا إنها قربة لهم}. # أي: ألا إن صلوات الرسول عليه السلام، أي: استغفاره ودعاءه، قربة لهم عند ~~الله عز وجل. # وقيل المعنى: ألا إن نفقتهم قربة لهم عند الله عز وجل. # و {قربة}، و {قربة} لغتان، ك: " جمعة " و " جمعة " ويجوز في الجمع فتح PageV04P3105 # الراء وضمها وإسكانها، ويجوز " قرب ". # ثم قال تعالى: {سيدخلهم الله في رحمته}. # أي: يدخلهم فيمن رحمه. # قوله: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار}، الآية. # المعنى: والذين سبقوا إلى الإيمان، {من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان}، أي: سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله: {رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه}، أي: أجزل لهم في الثواب. # قال الشافعي/: {والسابقون الأولون}: من أدرك بيعة الرضوان. # وروي عنه: من أدرك بيعة الشجرة. و " المهاجرون الأولون " من (هاجر PageV04P3106 # قبل البيعة. # وقال أبو موسى الأشعري {والسابقون الأولون}: المهاجرون الأولون من) صلى ~~القبلتين. # وهو قول ابن المسيب، والحسن، وقتادة، وابن سيرين. # وروي عن عمر: أنه قرأ: " والأنصار " بالرفع، عطف على: السابقين، وبذلك ~~قرأ الحسن، وهي قراءة يعقوب ms1031 الحضرمي. PageV04P3107 # وعم عمر رضي الله عنه، أنه قرأ: " الذين اتبعوهم " بغير واو، فرد عليه ~~زيد ب " الواو " فسأل عمر أبينا، فقال له: " بالواو " فرجع عمر إلى زيادة " ~~الواو ". وهم إجماع من القراء والمصاحف. # ومن قرأ: {من تحتها}، بزيادة {من} فمن أجل أنها في مصاحف أهل مكة كذلك، ~~وفي سائر المصاحف بغير {من}. PageV04P3108 ### || وهذا باب في خطوط المصاحف في الحروف التي اختلف فيها القراء # من ذلك: # قوله في سورة البقرة: {وقالوا اتخذ الله ولدا} [البقرة: 116]، هي في ~~مصاحف أهل الشام بغير " واو "، وفي سائر المصاحف ب: " الواو ". # وفيها: {ووصى} [البقرة: 132]، هي في مصاحف المدينة والشام ب: " ألف " وفي ~~سائر المصاحف ب: " الواو " بغير ألف. # وفي آل عمران: {سارعوا} [آل عمران: 133]، في مصاحف أهل المدينة، وأهل ~~الشام بغير " واو "، وفي سائر المصاحف ب " الواو ". PageV04P3109 # وفي آل عمران أيضا: {جآءوا بالبينات والزبر} [آل عمران: 184]، بزيادة " ~~باء " [في] {والزبر}، وفي سائر المصاحف بغير " باء " في {والزبر}، وكلهم ~~حذفها من " وبالكتب ". # وقد قرأ هشام بن عمار: " وبالكتب " بالباء، ولا أصل لهذه " الباء " في ~~مصاحف أهل الشام ولا غيرهم. # وفي النساء: {ما فعلوه إلا قليل} [النساء: 66]، بألف في مصاحف أهل الشام، ~~وبغير " ألف " في سائر المصاحف. PageV04P3110 # وفي المائدة في مصحف أهل مكة والمدينة والشام: {ويقول الذين آمنوا} ~~[المائدة: 53] بغير " واو "، وفي سائر المصاحف بالواو. # وفي المائدة أيضا: {من يرتد} [المائدة: 54]، ب: " دالين "، وفي مصاحف ~~المدينة والشام، وفي باقي المصاحف ب: " دال " واحدة. # وفي سورة الأعراف، في مصاحف أهل الشام: {ما كنا لنهتدي} [الأعراف: 43] ~~بغير " واو "، وفي سائر المصاحف: {وما} ب: " الواو ". PageV04P3111 # وفيها: في قصة صالح: # {وقال الملأ} [الأعراف: 75]، بزيادة و [او]، في مصاحف الشام، وفي سائر ~~المصاحف: {قال} بغر " واو ". # وفي براءة {من تحتها} [التوبة: 89]، بزيادة " من " في مصاحف مكة، وفي ~~سائر المصاحف، بغير " من ". # وفيها: {الذين اتخذوا} [التوبة: 107]، بغير " واو "، في مصحف أهل الشام، ~~وأهل المدينة، وفي سائر المصاحف: {والذين}، بزيادة " واو ". # وفي سورة بني إسرائيل {قل سبحان ربي} [الإسراء: 93] ب: " ألف "، في مصاحف ~~أهل ms1032 مكة PageV04P3112 # والشام، [و] في سائر المصاحف: {قل}، بغير ألف. # وفي الكهف: {خيرا منهما} [الكهف: 36]، بزيادة " ميم "، في مصحف أهل ~~المدينة ومكة والشام، وفي سائر المصاحف: {منها} بغير " ميم ". # وفيها: {ما مكني} [الكهف: 95]، بنونين، في مصحف أهل مكة خاصة، وفي سائر ~~المصاحف ب " نون " واحدة. PageV04P3113 # وفي سورة الأنبياء: {قال ربي يعلم} [الأنبياء: 4]، {قال رب احكم} ~~[الأنبياء: 112]، بألف فيهما، في مصحف أهل الكوفة، وفي سائر المصاحف: {قل}، ~~بغير ألف. # وفيها: {لم ير الذين كفروا} [الأنبياء: 30]، بغير " واو "، في مصحف أهل ~~مكة، وفي/ سائر المصاحف: {أولم} بواو. # وفي سورة المؤمنين: {سيقولون لله} [الأنبياء: 85]، في الأول. [و] في ~~الثاني والثالث: # {سيقولون لله}، بالألف، في مصحف أهل البصرة، وفي سائر المصاحف: {لله}، من ~~غير " ألف " في الثلاثة. PageV04P3114 # وفي سورة الشعراء: {وتوكل} [الشعراء: 217] بالفاء، في مصحف أهل المدينة، ~~[و] الشام، وفي سائر المصاحف، {وتوكل} بالواو. # وفي النمل: {أو ليأتيني} [النمل: 21]، بنونين، في مصحف أهل مكة، وفي/ ~~سائر المصاحف، بنون واحدة. # وفي القصص: {وقال موسى ربي أعلم} [القصص: 37]، بغير " واو "، في مصحف أهل PageV04P3115 # مكة، في سائر المصاحف: {وقال}، بالواو. # وفي غافر: {أشد منهم} [غافر: 21] بالكاف، في مصاحف الشام، وفي سائر ~~المصاحف: (منهم)، بالهاء. # وفيها: {وأن يظهر} [غافر: 26]، بغير ألف قبل الواو، في مصاحف أهل المدينة ~~والبصرة والشام، وفي مصاحف الكوفة: {أو أن}، بزيادة ألف. # وفي عسق في مصاحف أهل المدينة والشام: {فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30]، ~~بغير فاء، وفي سائر المصاحف: {بما كسبت}، بالفاء. PageV04P3116 # وفي الزخرف: {تشتهيه} [الزخرف: 71]، بالهاء، في مصاحف أهل المدينة والشام ~~والكوفة، وفي سائر المصاحف: {تشتهيه}، بغير " هاء ". # وقد قيل: " إنها غير مثبتة في مصاحف أهل الكوفة، وذلك قرأوا. # وفي الأحقاف: {إحسانا} [الأحقاف: 15]، بألف في مصاحف أهل الكوفة، وفي ~~سائر المصاحف: {إحسانا}، بغير ألف، أعني قبل الحاء. # وفي سورة الرحمن في آخرها: {ذي الجلال} [الرحمن: 78]، بالواو، في مصاحف ~~أهل الشام، PageV04P3117 # وفي سائر المصاحف: {ذي}، بالياء. # وفي سورة الحديد: {وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10]، بغير ألف، [في ~~مصاحف أهل الشام، وفي سائر المصاحف: {وكلا وعد الله} ms1033 بأللإ. # وفيها: {فإن الله هو الغني الحميد}، بغير (هو)، في مصاحف أهل المدينة [و] ~~الشام، وفي سائر المصاحف: {فإن الله هو الغني}، بزيادة (هو). # وفي سورة الشمس وضحيها: {ولا يخاف} [الشمس: 15]، بالفاء، في مصاحف أهل PageV04P3118 # المدينة والشام، وفي سائر المصاحف: بالواو: " ولا يخاف ". # وذكر أبو حاتم في هذه الحروف أن في مصاحف المدينة، خاصة: {وقال الملك ~~ائتوني} [يوسف: 54]، بغير ياء قبل التاء. # وفي الحج والملائكة {ولؤلؤا} [الحج: 23]، بألف، في مصاحف المدينة، وبعض ~~مصاحف الكوفة. PageV04P3119 # وفي الزخرف: {ياعباد} [الزخرف: 68]، [بياء]، لا حذف في مصاحف المدينة [و] ~~الكوفة. # و {قواريرا} [الإنسان: 15] الثاني بألف في مصاحف المدينة. # وفي: (قل أوحى): {قل إنمآ أدعو} [الجن: 20]، بغير ألف في مصاحف الكوفة. # وفي النساء: {فآمنوا بالله ورسله} [النساء: 171] على التوحيد، في مصاحف ~~البصرة، # ولم يقرأ به أحد. PageV04P3120 # قال وفي يس: {وما عملته} [يس: 35] بغير " هاء "، مصاحف أهل الكوفة. # ومثله: {إحسانا} [الأحقاف: 15]، ب: " ألف "، في الأحقاف. # ومثله: {لئن أنجانا} [الأنعام: 63]، في الأنعام. # وقال: في مصاحف أهل الشام خاصة في الأنعام: {وللدار الآخرة} [الأنعام: ~~32]، " الآخرة " بلام واحدة. PageV04P3121 # ومثله في: الأعراف: " تحتها " في موضع: {من تحتهم} [الأعراف: 43]، ولم ~~يقرأ به أحد. # ومثله: {(وإذ) أنجيناكم من آل فرعون} [الأعراف: 141]، بألف فيهما. # ومثله: {كيدون} [الأعراف: 195] بالياء في الأعراف. PageV04P3122 # ومثله: " ما كان للنبي أن يكون له أسى، بلامين في الأنفال، ولم يقرأ به ~~أحد. # ومثله: (ينشركم) بالشين، في يونس. PageV04P3123 ### || وهذا باب آخر نذكر فيه سبب اختلاف القراء واختلاف هذه المصاحف # فكان سبب هذا الاختلاف، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " نزل هذا ~~القرآن على سبعة أحرف "، فكان من/ قرأ عليه من أصحابه بأي حرف قرأ تركه، ~~ودل علكى ذلك حديث عمر مع هشام بن حكيم، إذ سمعه عمر يقرأ القرآن على كغير ~~ما قرأ هو على النبي عليه السلام، فلما توجها إلى النبي صلى الله عيه وسلم، ~~وتحاكما لديه، قرأ عليه، أجاز قراءة كل واحد منهما، وقال: " هكذا " أنزل ". ~~وكان اختلافها في أحرف من سورة الفرقان. # فدل على أنه صلى الله ms1034 عليه وسلم، كان يترك كل واحد يقرأ على لغته، فإذا ~~صح أنه كان يقرأ كل واحد على لغته، وصح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان ~~يرسل أصحابه إلى البلدان، يعلمونهم القرآن والفقه في الدين، وأنه وجه معاذ ~~بن جبل إلى اليمن وكان قد خلفه قبل ذلك، وأبا موسى الأشعري بمكة [حين] توجه ~~إلى حنين لحر هوازن ليعلما من كان بها القرآن والعلم. PageV04P3124 # وبعث إلى الطائف مثل ذلك عثمان بن أبي العاص الثقفي. # ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وفتحت البلدان، فمضى على سيرته ~~وزيراه: أبو بكر وعمر. # فوجه عمر ابن مسعود إلى الكوفة معلما لهم، ووجه أبا (موسى) إلى البصرة ~~مثل ذلك. وكان بالشام معاذ بن جبل، وأبو الدرداء. وكان بالمدينة جماعة من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل حفظ القرآن منهم: أبي بن كعب، وزيد ~~بن ثابت، فكان كل واحد يقرئ في موضعه بحرف من السبعة التي أمر الله عز وجل، ~~بها نبيه عليه السلام. PageV04P3125 # فلما انتشر ذلك في البلدان، وتعلم الناس، وسافروا من كل بلد وتلاقوا في ~~الغزوات، واجتمعوا في الموسم، قرأ كل قوم كما علموا، فأنكر بعضهم على بعض، ~~الزيادة والنقص، والرفع والنصب، وكذب بعضهم بعضا، وعظم الأمر فيهم، وذلك في ~~أيام عثمان. # فتكلم بعض أصحاب النبي عليه السلام إلى عثمان أن يكتب للناس مصحفا يجمعهم ~~عليه، وكان ممن كلمه في ذلك حذيفة [بن] اليمان، وقد كان أراد أن يكلم عمر ~~في مثل ذلك، حتى مات عمر رضي الله عنه، وكان حذيفة قدم من غزوة شهدها ~~بإرمينية، فرأى اختلاف الناس في القرآن، فلما قدم المدينة لم يدخل (بيته) ~~حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك الناس، فقال عثمان: وما ذلك؟ ~~فقال: غزوة إرمينية يحضرها أهل العراق، وأهل الشام، فإذا أهل المدينة ~~يقرأون بقراءة: أبي بن كعب، فيكفرهم أهل العراق، و (أهل العراق) يقرأون ~~بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم PageV04P3126 # يسمع أهل الشام، فيكفرهم أهل الشام. # فجعل عثمان زيدا يكتب مصحفا وأدخل معه ms1035 رجلا فصيحا، وهو أبان بن سعيد بن ~~العاص، وقال لهما: إذا اجتمعتما فاكتبا، وإذا اختلفتما فارفعا إلي ما ~~تختلفان فيه. # قال أنس بن مالك: اجتمع لغزوة أذربيجان وإرمينية أهل الشام والعراق، PageV04P3127 # فتذاكرا القرآن فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة بن ~~اليمان في ذلك إلىعثمان، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن، حتى أني ~~والله خشيت أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. # ففزع لذلك عثمان رضي الله عنه، فزعا شديدا، وأرسل إلى حفصة فاستخرج ~~المصحف الذي كان أبو بكر، رضي الله عنه، أمر زيدا بجمعه، فنسخه منه مصاحف ~~فبعث بها إلى البلدان. # وكان عثمان قد انسخ من المصحف الذي عند حفصة، بحضرة زيد بن ثابت وأبان بن ~~سعيد بن العاص. # وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، وقال: ما اختلفم ~~فيه فاكتبوه بلسان قريش. # قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في {التابوت} [البقرة: 248]، فقال القرشيون: PageV04P3128 # {التابوت}، وقال زيد: " التابوه ". # فرفع/ اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش. # فلما كتب عثمان النسخة، جعلها أربع نسخ، فأنفذ مصحفاص إلى: الشام، ومصحفا ~~إلى العراق، ومصحفا إلى اليمن، واحتبس مصحفا. # وقيل: بل وجه واحدا إلى الشام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى الكوفة، وآخر ~~إلى البصرة. # وقيل: بل كتب سبعة مصاحف، فبعث مصحفا إلى مكة، ومصحفا إلى الكوفة، ومصحفا ~~إلى البصرة، ومصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى اليمن، ومصحفا إلى البحرين، ~~واحتبس مصحفا. # فأما مصحف اليمن والبحرين فليس يعرف لهما خبر. # ولم يمت النبي صلى الله عليه وسلم، إلا والقرآن مؤلف في الصدور، إلا أنه ~~لم يكتب في مصحف. # وأول من جمعه أبو بكر رضي الله عنه في المصحف، ومات وتركه عند عمر، PageV04P3129 # ومات عمر وتركه [عند] حفصة ابنته. قال ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~وذكره السدي. # وروى الزهري عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت حدثه، قال: أرسل إلي أبو ~~بكر، فأتيته، فإذا عنده عمر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، ~~فقال: إن ms1036 القتل استحر بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحشر القتل ~~بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. ~~قال أبو بكر: فقلت فيكف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال عمر: هو والله خير، قال أبو بكر: فلم [يزل] عمر يراجعني في ذلك حتى ~~شرح الله صدري له، ورأيت فيه الذي رأى عمر. قال زيد: قال لي أبو بكر: إنك ~~رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فتتبع القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال لكان ~~أثقل علي من ذلك. فقلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال أبو بكر: PageV04P3130 # هو والله خير. فلم يزل يراجعي في ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنه، حتى شرح ~~الله صدري للذي شرح إليه صدرهما، فتتبعث القرآن من الرقاع والعسب، ومن صدور ~~الرجال، فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت {لقد جآءكم رسول من أنفسكم} ~~[التوبة: 128]، إلى آخرها، وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند ~~عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة، ثم نسخ عثمان من عند حفصة المصاحف، ووجه ~~إلى كل أفق مصحفا، وأمر بما سوى ذلك أن يحرق. # ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنزل القرآن على سبعة أحرف "، أي: ~~على سبع لغات متفرقة في القرآن، (لا أن كل حرف من القرآن) يقرأ على سبع ~~لغات. # قال الشيخ أبو بكر، رضي الله عنه، وجه هذه الزيادة والنقص في المصحاف، ~~أنها كتبت على قراءة من كان وجه إلى كل بلد من الصحابة، ويدل على ذلك أن ~~القراء PageV04P3131 # يسندون قراءتهم إلى إمام مصرهم من الصحابة، وقد كانت هذه الحروف يقرأ بها ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنقص، ولولا ذلك ما أثبتت في بعض ~~المصاحف وحذفت من بعض ولا يجوز/ أن يتوهم أنها وهم من الكابت؛ لأن الله قد ms1037 ~~حفظه، ويدل على ذلك أن عليا لما صارت إليه الخلافة لم يغير منها شيئا بل ~~استحسن فعل عثمان، وقد كانوا يكرهون النقط في المصاحف خوف الزيادة، فكيف ~~يزيدون الحروف وتجوز عليهم الزيادة. # وكره النخعي الفصل بين السور، والتعشير، بالحمرة. # وقال يحيى بن كثير: كان القرآن مجردا، فأول ما أحدث فيه العجم: نقط التاء ~~والثاء، فلم ينكره أحد، ثم أحدثوا نقطا على منتهى الآي، ثم أحدثوا التعشير، ~~ثم أحدثوا الفواتح والخواتم. # وقال قتادة: وددت أن الأيدي قطعت في هذه النقط. # فليس يجوز على هذا الاحتياط أن تقع هذه الحروف إلا بنص ومعرفة، ولم تقع ~~على وهم من الكاتب. PageV04P3132 # وقد ذكر أبو بكر عن بعض العلماء أنه قال: إن إصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لما جمعوا القرآن ونسخوه من عند حفصة في نسخ، عمدوا إلى كل حرف ~~سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرأه على وجهين، فأثبتوا في مصاحف ~~وجها، وفي مصاحف وجها آخر. لتحصل الوجهان للمسلمين، ولا يسقط عنهم وجه ~~قراءته، فحصل على هذا الاختلاف في المصاحف على هذا الوجه، وهو داخل في ~~السبعة، وهذا إن شاء الله هو الحق والصواب. # فأما اختلافهم في الحركاتت والمد والقصر والهمز وشبهه من إبدال حرف مكان ~~آخر بصورته، فإن السبب في ذلك أن المصاحف التي وجهت إلى الأمصار لم تضبط ~~ولا نقطت، وإنما كانت حروفا أشخاصا. فلما خلت الحروف من النقط والضبط صارت ~~التاء (التي) هي غير منقوطة محتملة لأن تكون: ياء أو باء أو تاء، واشتركت ~~الصور في الحروف. ألا ترى أنك لو كتبت " لم يقم "، ولم تنقط الحرف الأول ~~جاز أن يكون تاء، وباء، ونونا، فقرأ أهل كل مصر على ما كانوا تعلموا من ~~إمامهم الصحابي قبل إتيان المصاحف إليهم، فقرأ أهل البصرة على ما كان علمهم ~~أبو موسى الأشعري، وأهل الكوفة على ما علمهم علي، وابن مسعود، وأهل الحرمين ~~على ما تعلموا من أبي، وزيد، وأهل الشام على ما تعلموا من معاذ بن جبل، ~~وأبي الدرداء، ووافقوا بقراءتهم ms1038 خط المصحف الذي وجه إليهم، فقرأ هؤلاء بنصب ~~وهؤلاء برفع، PageV04P3133 # وهؤلاء بهمز، وهؤلاء بياء، وهؤلاء بتاء والصور واحدة، كل قوم قرأوا على ~~ما كانوا تعلموا قبل وصول المصحف إليهم، فوافقوا بقراءتهم المصحف الذي وجه ~~إليهم من زيادة أو نقص. فهذا سبب الاختلاف. # وقد كان جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ستة نفر من ~~الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ~~وسعد، بن عبيد. وجمعة مجمع بن جارية، إلا سورتين، ولم يجمعه من الأئمة إلا ~~عثمان. # وذكر أنس والشعبي أنه لم يجمعه على عهد النبي عليه السلام، أحد. والدليل ~~على ذلك أن عثمان لم يتكل فيه على أحد حتى جمع إليه جماعة، وأن زيد بن ثاتب ~~قال: جمعته من صدور الرجال، ومن كذا وكذا، فهذا يدل على أنه لم يكن يحفظه. PageV04P3134 # وإنما اختار عثمان زيد/ا، لأنه كان يكتب الوحي؛ ولأن قراءته كانت على ~~العرضة الآخرة، ولأنه وهو الذي اختار أبو بكر لجمعه. # قوله: {وممن حولكم من الأعراب منافقون}، إلى قوله: {إن الله غفور رحيم}. # ومعنى الآية: ومن القوم الذين حولكم، أي: حول المدينة {منافقون}، أي: قوم ~~منافقون. # {مردوا على النفاق}. # أي: دربوا عليه وخبثوا. # وقيل: معناه: عتوا، على النفاق. من قولهم: " شيطان مارد " أي: عات. PageV04P3135 # {ومن أهل المدينة}. # أي: من أهلها مثلهم. # وقيل: المعنى: ومن أهل المدينة قوم {مردوا}. فلا يكن في الكلام على هذا ~~تقديم ولا تأخير. وعلى القول الأول يكون فيه تقديم وتأخير. # قال ابن زيد {مردوا}: أقاموا عليه، ولم يتوبوا. # وقال ابن إسحاق {مردوا}، عليه، أي: لجوا فيه وأبوا غيره. # {لا تعلمهم}. # أي: لا تعلمهم يا محمد، بصفتههم. # {نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين}. # قيل: هما فضيحتهم في الدنيا وإظهار سرائرهم، ثم عذاب القبر، ثم يردن إلى ~~عذاب الآخرة. قاله ابن عباس: وذكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج قوما ~~من المسجد يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق، لناس منهم، فهذا ~~عذابهم الأول، والثاني: عذاب القبر. # وقال ms1039 مجاهد هما: عذاب السيف بالقتل وعذاب الجوع. # والآخر: عذاب القبر، ثم عذاب الآخرة. # وقال ابن زيد: العذاب الأول، عذابهم بالمصائب في أموالهم وأولادهم، ~~والآخر: عذاب النار. # وقيل الأول: أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، وهو غير راضين، ~~والآخرة: عذاب القبر. PageV04P3136 # ثم قال تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا}. # والمعنى: ومنهم آخرون: أي: من أهل المدينة منافقون آخرون، {اعترفوا ~~بذنوبهم}، أي: أقروا بها: {خلطوا عملا صالحا}، هو إقرارهم وتوبتهم، {وآخر ~~سيئا}، هو تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. # والواو [في] قوله: {وآخر}، بمعنى: " مع " عند البصريين، كما تقول: PageV04P3137 # " استوى الماء والخشبة ". # وقال قوم: هي بمعنى: " الباء "، وقدروا " الواو " في " الخشبة " بمعنى: ~~بالخشبة. # وأنكر الكوفيون أن يكون هذا بمنزلة " استوى الماء والخشبة "؛ لأن هذا لا ~~يجوز فيه تقديم الخشبة على الماء، وإنما هو عندهم بمنزلة " خلطت الماء ~~واللبن "، أي: باللبن، فكل واحد منهما يجوز أن يتقدم، مثل الآية. # قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، في غزوة تبوك، فلما رجع النبي عليه السلام أوثق سبعة منهم ~~أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي عليه السلام إلى رجع في المسجد ~~عليهم. فلما رآهم قال: من هؤلاء؟ # قال: أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك، يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا ~~أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع ~~المسلمين ". فلما بلغهم ذلك قالوا: / ونحن والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون ~~الله الذي يطلقنا. فأنزل الله عز وجل: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم} الآية. PageV04P3138 # فأطلقهم النبي عليه السلام، و {عسى} من الله واجبة ". # وقيل: كانوا ستة، والذين أوثقوا أنفسهم ثلاثة: أبو لبابة ورجلان معه. # وقال زيد بن أسلم: الذين ربطوأ أنفسهم ثمانية. # وقال قتادة: كانوا سبعه، وفيهم نزل: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها). # وقال مجاهدة هو أبو لبابة وحده، اعترف بذنبه الذي كان ms1040 في بني قريظة، إذ ~~أشار لهم إلى حلقه، يريد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذابحكم إن ~~نزلتم على حكم الله، سبحانه. # وقال الزهري: نزلت في أبي لبابة إذ تخلف عن غزوة تبوك، يربط نفسه، حتى ~~أنزل الله، - عز وجل -، توبته، ومكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى ~~خر مغشيا عليه، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل ~~نفسي حتى يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو الذي يحلني، فجاء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول PageV04P3139 # الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من ~~مالي كله صدقة إلى الله ورسوله، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"يجزيك يا أبا لبابة الثلث". # والعمل الصالح الذي عملوه، قيل: هو توبتهم. # وقيل: حضورهم بدرا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. # (منافقون)، وقف، إن جعلت (مردوا)، نعتا لأهل المدينة"، فإن جعلته نعتا ~~للمنافقين لم تقف دونه؛ لأنه ينوي به التقديم. # وقيل: كانوا ثلاثة، أبو لبابة، ووداعة بن ثعلبة، وأوس بن خدام من ~~الأنصار. لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أوثقوا أنفسهم في ~~سواري المسجد، وكان رسول الله PageV04P3140 # - صلى الله عليه وسلم - ,إذا ابتدأ سفرا أو رجع منه ابتدأ بالمسجد, فصلى ~~فى ركعتين, فدخل فرأى فيه قوما موثقين, فسأل عنهم, فأخبر بخبرهم, وأنهم ~~أقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقسم لا أطلق عنهم حتى أومر, ~~ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله , فلما نزل فيهم القرآن حلهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # قوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، إلى قوله: {التواب ~~الرحيم}. # قوله: {تطهرهم وتزكيهم}، هو خطاب للنبي عليه السلام. # أي: فإنك تطهرهم بها وتزكيهم، وهذا قول الزجاج. # وقيل: هما للصدقة، لا للمخاطبة، وهما في موضع النعت للصدقة، وهو قول ~~الأخفش، قال: ويكون {بها} ms1041 توكيدا. # ف: " التاء " على القول الأول للمخاطبة، وفي {تطهرهم وتزكيهم} ضمير النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وهي على القول الثاني: الثانية للصدقة لا للمخاطبة، ~~وفي PageV04P3141 # {تطهرهم وتزكيهم} ضمير الصدقة. # وقيل: هما للنبي عليه السلام، وهما في موضع الحال منه. # وقيل: {تطهرهم} للصدقة، صفة [لها]، {وتزكيهم} للنبي عليه السلام، حال ~~منه. # وأجاز بعض النحويين، في {تطهرهم} الجزم؛ لأنه جواب الأمر. # وحجة من قرأ: {صلاتك} بالجمع هنا، وفي " هود "، وفي " المؤمنين " PageV04P3142 # إجماعهم على الجمع في: {وصلوات الرسول} [التوبة: 99] ولا فرق بينها والتي ~~في سورة المؤمنين يراد بها الصلوات الخمس، فالجمع أولى به؛ ولأنها مكتوبة ~~في المصحف بالواو، فدل ذلك على الجمع، وعلى أن الألف التي بعد الواو ~~اختصرت/ من الكتاب. # وقد كتبوا ما عدا هذه الثلاثة بالألف، فدلت الواو في هذه الثلاثة على أنه ~~جمع، وحذفت الألف بعد الواو كما حذفت من درجات وبينات. # ومن قرأ بالتوحيد، احتج بالإجماع في: {قل إن صلاتي ونسكي} [الأنعام: ~~162]، بالتوحيد، وإجماعهم على التوحيد في " الأنعام "، و {سأل سآئل} ~~[المعارج: 1]. # وأيضا فإن قوله: إن صلاتك أعم من: إن صلواتك؛ لأن الجمع إنما هو لما دون ~~العشرة، فكأنه: " إن دعواتك "، والتوحيد بمعنى: " إن دعاءك "، والدعاء أعم ~~من " PageV04P3143 # الدعوات " وأكثر؛ لأن المصدر أعم من الجمع الذي لما دون العشرة. # ومعنى الآية: خذ يا محمد من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم [{صدقة ~~تطهرهم} من دنس ذنوبهم، {وتزكيهم}، أي: تنميهم]، وترفعهم بها، {وصل عليهم}، ~~أي: ادع لها بالمغفرة، {إن صلاتك سكن لهم}، أي: إن دعاءك طمأنينة لهم، بأن ~~الله قد عفا عنهم، {والله سميع عليم}، أي: سميع لدعائك إذا دعوت، ولغير ~~ذلك. # قال ابن عباس: أتى أبو لبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم، بأموالهم ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها ~~عنا، واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فأنزل الله، عز ~~وجل: { خذ من أموالهم صدقة}، الآية. # وقد قيل: {وصل عليهم}: منسخ بقوله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} ms1042 ~~[التوبة: 84]. # وقيل: إنها محكمة. PageV04P3144 # والمعنى: وادع لهم إذ جاءوك بالصدقات، وعلى هذا أكثر العلماء. # وقال قتادة: {سكن لهم}، وقار لهم. # وقال زيد بن أسلم: قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، ~~فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ. # فأنزل الله عز وجل: { خذ من أموالهم صدقة}، الآية. # قال سعيد بن جبير: كان الثلاثة إذا (اشتكى أحدهم). # اشتكى الآخران مثله، وكان قد عمي، فلم يزل الآخر يدعو حتى عمي. # وقال ابن عباس: {سكن لهم}: رحمه لهم. # وقيل: إن هذا إنما هو في الزكاة، أمر أن يأخذ زكاة أموالهم التي عليهم. PageV04P3145 # ثم قال تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده}. # أخبر الله عز وجل، في هذه الآية بقبول توبة من تاب من المناقين وغيرهم، ~~وأخذ الصدقات من أموالهم. # فالمعنى: ألم يعلم هؤلاء الذين تخلفوا عن الجهاد، ثم ندموما وربطوا ~~أنفسهم بالسواري وقالوا: لا نطلق أنفسها حتى يكون النبي صلى الله عليه ~~سولم، هو الذي يطلقنا، أن ذلك (ليس) إلى النبي صلى الله عليه [وسلم]، ولا ~~إلى غيره، وإنما هو إلى الله سبحانه، هو يقبل توبتهم، وتوبة غيرهم، ويأخذ ~~صدقة من تصدق، بصدقة، ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم. # قال ابن زيد: قال المنافقون لما تاب الله على هؤلاء: كانوا بالأمس، لا ~~يكلمون ولا يجالسون، فما لهم اليوم يكلمون ويجالسون؟ فأنزل الله عز وجل، ~~ألم يعلم هؤلاء الذين لم يتوبوا وتكلموا في هؤلاء الذين تبت عليهم {وأن ~~الله هو التواب الرحيم}، الآية. # قال ابن عباس: {وأن الله هو التواب الرحيم}، يعني إن استقاموا ~~على/التوبة. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إن الله يقبل، ~~الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهرة، حتى إن اللقمة ~~لتصير مثل أحد. PageV04P3146 # وتصديق ذلك في كتاب الله: {هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} و ~~{يمحق الله الرباوا ويربي الصدقات} ". # وقال ابن مسعود: ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع ms1043 بيد ~~السائل وهو يضعها في يد السائل، ثم تلا: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة}. # وقوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}، إلى قوله: ~~{والله عليم حكيم}. # والمعنى: {وقل} يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم: {اعملوا}، أي: ~~اعملوا بما يرضي الله، {فسيرى الله عملكم}، وسيراه رسوله والمؤمنون، في ~~الدنيا، {وستردون إلى عالم الغيب والشهادة}، أي: تردون يوم القيامة، إلى ~~الله الذي يعلم السر والعلانية، {فينبئكم بما كنتم تعملون}، أي يخبركم ~~بعملكم، ويجازيكم عليه جزاء المسحنين أو جزاء المسيء. PageV04P3147 # وقال مجاهد: الآية وعيد من الله. # و {فسيرى الله}، من رؤية العين. # ثم قال تعالى: {وآخرون مرجون لأمر الله}. # هذه معطوف على ما قبله. والمعنى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة} قوم {مردوا على النفاق}، ومنهم {وآخرون اعترفوا بذنوبهم}، ومنهم ~~{وآخرون مرجون لأمر الله}. فالتقدير: من هؤلاء المتخلفين عنكم، {وآخرون ~~مرجون لأمر الله}، وقضائه فيهم. # {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم}. # وهم قوم تخلفوا ولم يعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وندموا على ما ~~صنعوا، فتاب الله عليهم، إذ علم صحة توبتهم وندمهم، فقال: {لقد تاب الله ~~على النبي والمهاجرين والأنصار}، إلى قوله: {هو التواب الرحيم} [التوبة: ~~117 - 118]. # قال ابن عباس: لما نزل: {خذ من أموالهم صدقة}، يعني: أبا لبابة وصاحبيه، ~~يعني: الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم، ولم يظهروا التوبة، فلم يذكروا ~~بشيء، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فأنزل الله، عز وجل: { وآخرون مرجون ~~لأمر الله}، الآية، فيهم فجعل الناس PageV04P3148 # يقولون: هلكوا، إذ لم ينزل فيهم عذر. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن ~~يتوب عليهم، فصاروا مرجئين، لا يقطع لهم بشيء، حتى نزل: {لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين}، إلى قوله: {إنه بهم رءوف رحيم}، ثم قال تعالى: {وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا} يعني: الثلاثة الذين أرجوا، إلى قوله: {هو التواب ~~الرحيم}. # وقال عكرمة: {وآخرون مرجون}: هم الثلاثة الذين خلفوا. # والثلاثة في قول مجاهد: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، ~~الثلاثة من الأوس. # وقال الضحاك: {وآخرون ms1044 مرجون}، هم الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة، يعني: ~~توبة أبي لبابة وصاحبيه، فضاقت عليهم الأرض، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فيهم فئتين، فئة تقول: هلكوا، وفئة تقول: عسى الله أن يعفوا عنهم، ~~فأنزل الله/ عز وجل: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا}، وأرجأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أمرهم PageV04P3149 # حتى نزلت توبتهم. # وقوله: {إما يعذبهم}. # ومعناه: إما يحجزهم عن التوبة، فيعذبهم، وإما يوفقهم فيتوب عليهم. # {حكيم}، وقف، على قراءة من قرأ: {الذين}، بغير واو. وغير وقف على قراءة ~~من قرأ: {الذين اتخذوا} بالواو. # قوله: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا}، الآية. # من قرأ: {الذين} بالواو، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى: PageV04P3150 # ومنهم الذين، مردود على: {وممن حولكم} [التوبة: 101]. # وقيل: هو مردود على {ومنهم الذين يؤذون النبي}، (والذين اتخذوا مسجدا). # ومن قرأ {الذين اتخذوا} بغير واو، فهو في موضع بالابتداء، وفي الخبر ~~تقديران: # قال الكسائؤ الخبر: {لا تقم فيه}، أي: لا تقم في مسجدهم. # وقيل الخبر: {لا يزال بنيانهم}، وهذا أحسن. # {ضرارا} مصدر، وإن شئت مفعولا من أجله. # ومعنى الآية: إن اثني عشر رجلا من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار، PageV04P3151 # ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجدا ضرارا ~~بمسجد " قباء "، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قبل خروجه إلى تبوك، ~~فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، ~~وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني على ~~جناح سفر وشغل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما ~~نزل النبي صلى الله عليه وسلم، راجعا [من سفره]، بقرب المدينة، بلغه الخبر، ~~فأرسل قوما لهدمه، فهدم وأحرق. # ومعنى {ضرارا} أي: ضرارا لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرا ب ~~الله، لمخادعتهم النبي عليه السلام. PageV04P3152 # {وتفريقا بين المؤمنين}. # يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في صلواتهم. # {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من [قبل]}. # أي: إعدادا له، وهو أبو عام الذي كان حزب الأحزاب لقتال رسول الله ms1045 صلى ~~الله عليه وسلم، فلما خذله الله عز وجل، لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى أهل مسجد الضرار، وأمرهم ببناء ~~المسجد الذي بنوه ليصلي فهم فيه، إذا رجع. # {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى}. # أي: يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، ~~والتوسعة على الضعفاء، {والله يشهد إنهم لكاذبون}، في وقلهم ذلك، بل بنوه ~~لتفريق المؤمنين. # قال ابن عباس: وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجدا، ويستعدوا ~~ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم: إني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتى ~~بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه. PageV04P3153 # وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول: إنه راهب، فبنوا المسجد له، ~~ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأصحابه فيه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنان، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة. # فأنزل الله/ عز وجل: { لا تقم فيه أبدا لمسجد/ أسس على التقوى من أول يوم ~~أحق أن تقوم فيه}. # قال قتادة: لما دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي في مسجدهم دعا ~~بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم. # قال الضحاك: بنوا مسجد الضرار بقباء، وكذلك قال قتادة. # قال ابن عباس: لما بنى النبي عليه [السلام] مسجد قباء، بنى [قوم] من ~~الأنصار مسجدا للضرار، ليضاهوا به النبي عليه السلام والمؤمنين في مسجدهم. # قوله: {من قبل}، وقف في قراءة من قرا: {الذين} بغير واو إن قدرت أن PageV04P3154 # الخبر: ومنهم الذين. # وإن قدرت أن يكون {لا يزال} الخبر، أو {لا تقم فيه أبدا}، لم يجز الوقف ~~على: {من قبل}. # و {لا تقم فيه أبدا} وقف، وكذلك يقدر جميع هذه الآية. # قوله: {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق}، الآية. # والمعنى: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه المنافقون، ضرارا وتفريقا ms1046 ~~بين المؤمنين، أبدا. # ثم أقسم، فقال: {لمسجد أسس على التقوى}، أي: ابتدئ أساسه وبناؤه على طاعة ~~الله عز وجل، ورضوانه {من أول يوم}، ابتدئ بنيانه، {أحق أن تقوم فيه}، أي: ~~أولى أن تقوم فيه، مصليا لله، عز وجل. PageV04P3155 # و {من} هاهنا، بمعنى: منذ. # وقيل: [المعنى]، من تأسيس أول يوم. # ومعنى {أول يوم}: أول الأيام: كما تقول: أتيت على كل رجل، أي: على كل ~~الرجال. # قال ابن عمر، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري وابن PageV04P3156 # المسيب، وخارجة بن ثابت، وابن جريج: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، الذي فيه اليوم قبره. # وقال ابن عباس، وابن زيد، وعروة بن الزبير، وأبو زيد: هو مسجد قباء. ~~وقاله ابن جبير، وقتادة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " هو مسجدي هذا ". PageV04P3157 # وقوله: {فيه رجال}. # " الهاء " لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشعبي: هي لمسجد قباء. ~~وكذلك قال شهر بن حوشب. # فعلى هذا يجوز أن يكون الضميران مختلفين، وأن يكونا متفقين. # وقوله: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا}. # مدحوا، لأنهم كانوا يستنجون بالماء من الغائط والبول، لا خلاف في هذا ~~التفسير بين أهل التفسير. PageV04P3158 # قال قتادة: " لما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم، لأهل ~~قباء: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما تصنعون؟ قالوا: إنا ~~نغسل عنا أثر الغائط والبول ". # قوله: {أحق أن تقوم فيه} وقف، إن جعلت الضمير مخالفا للضمير الأول: فإن ~~جعلته مثله وقفت على: {يتطهروا}. # قوله: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير}، الآية. # قرأ نصر بن علي: " أسس بنينه "، بتخفيف السين ورفعه، وخفض البنيان. PageV04P3159 # وحكى أبو حاتم عن بعض القراء: " أفمن أساس بنينه "، برفع أساس، وخفض ~~البنيان. # و" أسس " و " أس " سواء ك: عرب وعرب. و " أساس " واحد، وجمعه: أسس. # وحكى أبو حاتم، أيضا، قراءة أخرى: " أفمن أسس بنيانه " برفع " آساس " ~~ومده، وخفض البنيان، وهو جمع " أس " ك: " خف " و " أخفاف " والكثير " إساس ~~" ك " خفاف ". # و {جرف}، و {جرف} ms1047 لغتان، وهو شفير ما ينفى من جوف PageV04P3160 # الوادي إذا أخذه السيل. # قال أبو حاتم: أصل {هار}: هاور، ثم قل، ك: شاكي السلاك وشائك السلاح. # وحكى الكسائي: " تهور " و " تهير ". والهائر المتقدم. وحكى: هاريهور ~~ويهير ويهار. # ومعنى الآية: أنها مثل. والمعنى: / أي هذين الفريقين خير؟ وأي هذين PageV04P3161 # البناءين خير وأثبت؟ من ابتدأ أساس نبيانه على طاعة الله، أم من ابتدأ ~~على ضلال وخطأ من دينه؟ # قوله: {فانهار [به]}. # يحسن أن تكون الألف من " واو " أو " ياء " على ما تقدم. # قال ابن عباس: [{به فانهار}]، يعني قواعده {في نار جهنم}. # وذكر أنه حفرت بقعة منها، فرئي الدخان. # قال ابن جريج: (فلما فرغوةا من بناء المسجد، صلوا فيه ثلاثة أيام، وأنهار ~~اليوم الرابع {في نار جهنم}. قال ابن جريج: ذكر لنا أن رجلا حفر فيه، فأبصر PageV04P3162 # الدخان يخرج منه. # وقال جابر: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم}. # والمعنى: ولا يزال مسجدهم الذي بنوه، شكا في قلوبهم ونفاقا، {إلا أن تقطع ~~قلوبهم}، أي: إلا أن تصدع قلوبهم فيموتوا. # قال ابن عباس: ومجاهد: {إلا أن تقطع قلوبهم}، إلا أن يموتوا. # وقال السدي {ريبة}: كفرا. # وفي حرف عبد الله: (ولو قطعت قلوبهم). PageV04P3163 # وقيل المعنى: إلا أن يتوبوا عما فعلوا، فيكونون بمنزلة من قطع قلبه. # قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم}، إلى قوله: {وبشر ~~المؤمنين}. # قوله: {أنفسهم}: استغنى بأقل الجمع عن الكثير، والمراد الكثير، ولفظه لفظ ~~القليل، وقد قال تعالى: {وإذا النفوس زوجت} [التكوير: 7] فهذا لفظه ومعناه ~~سواء لأكثر العدد. # ومن قرأ: {فيقتلون ويقتلون}، فبدأ بالمعفول. # قيل: الفاعل بمعناه فيقتل بعضهم، ويقتل بعضهم الباقي المشركين. والعرب ~~تقول: نحن قتلناكم يوم كذا، أي: قتلنا منكم. PageV04P3164 # قوله: {وعدا}، مصدر مؤكد، و {حقا} نعن له. # والمعنى: وعدهم الله الجنة وعدا حقا عليه. # قال ابن عباس: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم [وأموالهم] بأن لهم ~~الجنة}، قال: ثامنهم والله، وأعلى لهم. # " وروي أن عبد ms1048 الله بن رواحة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ~~ولنفسك ما شئت. فقال النبي عليه السلام: اشترط لربي: أن تعبدوه ولا تشركوا ~~به شيئا، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. ~~فقالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع، لا نقيل ~~ولا نستقيل ". # فنزلت: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم}، الآية. PageV04P3165 # ثم مدحهم الله، عز وجل، فقال: {التائبون العابدون}، أي: هم التائبون. # وقال الزجاج: هو بدل. والمعنى: يقاتل التائبون. # وقال: والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء والخبر محذوف، أي: لهم الجنة. # وفي قراءة عبد الله: {التائبون العابدون}، على النعت للمؤمنين، في موضع ~~خفض، أو في موضع نصب على المدح. # وقيل: {التائبون} مبتدأ، وما بعدها إلى " الساجدين " عطف عليه، و ~~{الآمرون} خبر الابتداء، أي: مرهم بهذه الصفة، فهم {الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر PageV04P3166 # والحافظون لحدود الله}. # ومعنى {التائبون}: الراجعون مما يكرهه الله عز وجل، إلى ما يحبه. # وقال الحسن: {التائبون}، أي: عن الشرك، {العابدون}، الله وحده في ~~أحايينهم كلها، أي: في أعمارهم. # ومعنى {الحامدون}، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير وشر. # وقيل المعنى: الذين حمدوا الله على الإسلام. # ومعنى {السائحون}: الصائمون روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك. PageV04P3167 # وأصل السياحة: الذهاب في الأرض. # {الراكعون الساجدون}، يعني: في الصلاة المفروضة. # {الآمرون بالمعروف}، أي: بالإيمان بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام. # / {والناهون عن المنكر}، عن الشرك {والحافظون لحدود الله}، أي: العاملون ~~بأمر الله عز وجل، ونهيه سبحانه. PageV04P3168 # {وبشر المؤمنين}. # أي: بشر من آمن، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما، وإن لم ~~يغزوا. # وقال الحسن في هذه الآية: {العابدون}: الذين عبدوا الله عز وجل، في ~~أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، ولكن ~~كما قال العبد الصالح: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} [مريم: 31]. # قال: و {السائحون} الصائمون. وقال: {الآمرون بالمعروف}، أما والله، ما ~~أمروا بالمعروف، حتى أمروا به أنفسهم، ولا ms1049 نهوا عن المنكر، حتى نهوا عنه ~~أنفسهم، {والحافظون لحدود الله}، قال: هم القائمون على فرائض الله. # قوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين}، إلى قوله: ~~{حليم}. # والمعنى: ما ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين: {أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى} منهم، {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب ~~الجحيم}، أي: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله سبحانه، وقد قضى القرآن (أن) ~~من مات على الشرك، أنه من أهل النار. # وهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، أراد النبي عليه السلام، أن يستغفر له ~~بعد موته، فنهاه الله، عز وجل، عن ذلك. PageV04P3169 # وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، أنه قال: " لما حضرت أبا طالب ~~الوفاة، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن ~~أمية: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو ~~جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، ~~حتى قال آخر شيء تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فنزلت: {ما كان للنبي والذين آمنوا ~~أن يستغفروا للمشركين} "، الآية، ونزلت: {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: ~~56]، الآية. # الزهري عن ابن المسيب قال: لما أحتضر أبو طالب أتاه النبي عليه السلام، ~~وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أي عم إنك أعظم الناس علي حقا، وأحسنهم يدا، لأنت أعظم من ~~والدي، فقل كلمة تجب لي يوم القيامة بها الشفاعة لك، قل: لا إله إلا الله، ~~فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ PageV04P3170 # فسكت، فأعادها عليه رسول الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ومات. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن له ما لم أنه عن ذلك، ~~فأنزل الله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين}، الآية. # وقال مجاهد قال ms1050 المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه ~~كافرا؟ فأنزل الله عز وجل: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه}، الآية. # وقال عمرو بن دينار: قال النبي عليه السلام، استغفر إبراهيم لأبيه وهو ~~مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عنه. # فقال أصحابه: فلنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي عليه السلام، لعمه، ~~فأنزل الله، عز وجل: { ما كان للنبي والذين آمنوا}، إلى: {حليم}. # وقيل: نزلت في أم رسول الله عليه السلام أراد أن يستغفر لها، فمنع من ~~ذلك. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم مكة، وقف على قبر أمه حتى سخنت ~~عليه الشمس، رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها/، حتى نزلت: {ما كان للنبي}، ~~الآية قال ذلك ابن PageV04P3171 # عباس، وغيره. # ولم يختلف أهل العلم في الدعاء للأبوين ما دام حيين، على أي دين كانا، ~~يدعى لهما بالتوفيق والهداية، فإذا ماتا على ك فرهما لم يستغفر لهما. # روي أن الآية نزلت في أبوي النبي عليه السلام، وذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم، سأل جبريل، عليه السلام، عن قبر أبويه، فأرشده إليهما، فذهب إليهما، ~~فكان يدعو لهما، وعلي رضي الله عنه، يؤمن، فنهي عن ذلك، وأعلم أن إبراهيم، ~~صلوات الله عليه، إنما أستغفر لأبيه؛ لأن أباه وعده أن يسلم، ويترك عبادة ~~الأصنام، فكان إبراهيم يستغفر له طمعا أن يؤمن، فلما مات على كفره، تبرأ ~~منه. # و" الموعدة " التي وعد إبراهيم أبوه هو أنه وعده أن يؤمن. # وقيل: بل هي كانت من إبراهيم لأبيه وعده أن يستغفر له، حكى الله عنه أنه ~~قال: {سأستغفر لك ربي} [مريم: 47]، فلزمه إتمام وعده. PageV04P3172 # وقوله: {فلما تبين له أنه عدو لله}. # فنهى الله، عز وجل، عن الاستغفار له تبرؤا منه. # وقيل: لما مات على كفره تبرأ منه. # [فدل قوله: {تبرأ منه}] على هذا المعنى، أنه (إنما) استغفر له وهو حي ~~لوعد وعده، أنه يؤمن، فلما رآه لا يؤمن، وأنه متماد على الكفر تبرأ منه. # وقيل: لما مات على كفره، (ولم يؤمن)، تبرأ منه، وترك الاستغفار ms1051 له، قال ~~ذلك ابن عباس، وغيره. # وقال ابن جبير: إنما تبرأ منه في الآخرة، وذلك إن إبراهيم عليه السلام ~~يسأل في والده يوم القيامة ثلاث مرات، فإذا كانت الثالثة، أخذ بيده، فليتفت ~~إليه، فيتبرأ منه. # و" الأواه " الدعاء. PageV04P3173 # وقيل: الرحيم. قال ذلك قتادة، والحسن، وروي ذلك عن ابن مسعود. # وعن ابن عباس: أنه: الموفق، بلسان الحبشة، (وكذلك قال مجاهد وعطاء. # وعن ابن عباس أيضا: " الأواه " بلسان الحبشة)، المؤمن التواب. # وقال كعب: " الأواه " الذي إذا ذكر النار تأوه. # وعن ابن جبير: أنه المسبح، الكثير الذكر لله عز وجل. # وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي عن النبي، أنه قال لرجل: " يرحمك الله إن كنت لأواها " يعني PageV04P3174 # تلاء للقرآن. # وقال كعب " الأواه " الكثير التأوه. # وعن مجاهد أيضا: أنه الفقيه .. # وروى شداد بن الهادي، قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم،: ما لأواه ~~فقال: المتضرع. # وفي حديث آخر: الخاشع المتضرع. # ومعنى {حليم}، أي: حليم عمن ظلمه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم، أيضا " الأواه "، الدعاء. PageV04P3175 # وقال ابن مسعود. # وأصل " التأوه ": الترجع والتوجع بحزنه. # قوله: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم}، إلى قوله: {من ولي ولا ~~نصير}. # المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، ~~حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، وبينه لكم فتتقوه {إن الله بكل شيء عليم} ~~أي: ذو علم بجميع الأشياء. # {إن الله له ملك السماوات والأرض}. # أي: له سلطان ذلك، لا راد لأمره، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، كل عبيده، ~~وفي قبضته، فلا تجزعوا من قتال أعدائكم. # وهذا حض من الله على ما تقدم من ذكر القتال. # {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}. # أي: ليس لكم من ينصركم من عذاب الله إن خالفتم/ أمره فأراد بكم سوءا. PageV04P3176 # قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار}، إلى قوله: {هو ~~التواب الرحيم}. # قوله: {ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم}، رفع القلوب عند سيبويه ب: {يزيغ}، و ~~{كاد}، فيها إضمار الحديث. ms1052 # ويجوز أن ترفع القلوب ب: {كاد}، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق ~~منهم تزيغ. # وقال أبو حاتم: من قرأ: {يزيغ} بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب ب: {كاد}، ~~وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع. # والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإبانة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم PageV04P3177 # وعشيرتهم الإنابة إلى أمره، ورزق الأنصار ذلك، {الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة} وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ~~ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم، قال ~~ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فسأل أبو بكر النبي عليه السلام، أن ~~يدعو، فدعا، فأمطروا فشربوا وملأوا ما معهم. قال عمر: ثم ذهبنا ننظر فلم ~~نجدها جاوزت العسكر. # وكانوا أيضا في قلة من الظهر وقلة من مال. # قال مجاهد: أصابهم جهد شديد، حتى إن الرجلين يشقان التمرة بينهما. # وقوله: {ثم تاب عليهم ليتوبوا}. # أي: ليثبتوا على التوبة، كما قال: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله} ~~[النساء: 136]، أي: اثبتوا على الإيمان. PageV04P3178 # وقيل: المعنى: ثم فسخ عليهم، ولم يعجل عقابهم ليتوبوا. # وقيل المعنى: ثم وفقهم الله للتوبة. # يقال: " تاب الله عليه "، أي: دعاه إلى التوبة، و " تاب عليه "، أي: وفقه ~~للتوبة، و " تاب عليه " قبل توبته. # وقوله: {وإما يتوب عليهم} [التوبة: 6]. # أي: وإما يوفقهم للتوبة. # وأصل التوبة في اللغة، الرجوع عما كان عليه. # وهي تكون بثلاث شرائط: الندم على ما كان منه، والإقلام عن المعصية، وترك ~~الإصرار. # {والأنصار} وقف. # ثم قال: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا}. # أي: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا، فلم يفعلوا فعل أبي لبابة وأصحابه، إذ ~~ربطوا أنفسهم في السواري، وقالوا: لا نطعم ولا نحل حتى يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، هو PageV04P3179 # يحلنا بتوبة من الله والثلاثة الآخرون الذين أرجأ أمرهم المؤمنون، فقال ~~قوم: هلكوا، وقال قوم: عسى الله أن يتوب عليهم. # قال عكرمة وقتادة: خلفوا عن التوبة. # وقرأ عكرمة: " خلفوا " أي: أقاموا بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV04P3180 # قال محمد بن عرفة ms1053 نفطوية: خلفوا عن أن يكونوا منافقين، ويعتذروا فيعذبوا؛ ~~لأنهم صدقوا، ولم يأتوا بعذر كذب. # وقرأ جعفر بن محمد: " خالفوا ". # قوله: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت}. # أي: بسعتها، غما منهم وندما على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ وضاقت عليهم أنفسهم}. # أي: بما نالهم من الكرب {وظنوا أن لا ملجأ}، أي: أيقنوا أنه لا ملجأ من ~~الله، أي: لا مهرب، ولا مستغاث منه، {إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا}، أي: ~~لينيبوا إليه، PageV04P3181 # ويرجعوا إلى طاعته، {إن الله هو التواب الرحيم} أي: هو الوهاب لعباده ~~الإنابة إليه، {الرحيم}، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة على ما سلف منهم قبل/ ~~التوبة. # والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلا ل بن أمية، ومرارة بن ربيعة، كلهم من ~~الأنصار. # وفي رواية: مرارة بن الربيع. # وفي أخرى: مرارة بن ربعي. # وقال ابن جبير: ربيعة بن مرارة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك. # وكان قد تخلف عن رسول الله عليه السلام، في غزوة تبوك بضع PageV04P3182 # وثمانون رجلا، فلما رجع أتاه قوم، منهم الثلاثة الذين ذكروا في الآية، ~~فصدقوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وأتاه الباقون، فكذبوا وحلفوا واعتذروا، ~~فوكل أمرهم إلى الله عز وجل، وقال لأولئك الذين صدقوا: قوما حتى يقضي الله ~~فيكم، فنزل القرآن بتوبتهم، فقال: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم}، الآية ~~[التوبة: 102]، وقال: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا}، الآية. # قال كعب بن مالك: أتى، المخلفون فاعتذروا، فقبل منهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ووكل سرائرهم إلى الله، عز وجل، وجئت إليه فرأيته يبتسم تبسم المغضب، ~~ثم قال تعالى، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، وكنت لما سمعت بقدوم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حضرني بثي على التخلف، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بما ~~أخرج من سخطه غدا؟ فلما قدم النبي عليه السلام، زال عني الباطل حين عرفت ~~أني لم أنج منه بشيء أبدا، فلما جلست بين يديه، قال لي: ما خلفك؟ ألم تكن ~~قد ابتعت ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله والله إني لو جلست عند غيرك من ms1054 أهل ~~الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد PageV04P3183 # أعطيت جدلا. # ولكني والله لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني، ليوشكن ~~الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق، وتجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله، ~~والله ما كان لي عذر، ولله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله ~~فيك. فقمت، وفعل رجلان مثل ما فعلت، وكانا قد شهدا بدرا، فكا لي فيهم أسوة. ~~وأخذ الناس يقولون: ألا اعتذرت كما اعتذر غيرك، ثم تستغفر لك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلم يزالوا بي (حتى) كدت أرجع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأكذب نفسي. ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن كلامنا الثلاثة ~~من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت إلى نفسي ~~الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف. # فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكنا وقعدا في بيوتهما ~~يبكيان، PageV04P3184 # وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف الأسواق ~~ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلسه، فأسلم ~~عليه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شتيه برد السلام؟ ثم أفكر في ~~غيكره، ثم أبكي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، ~~وإذا التفت نحوه أعرض عني، ثم أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتزال ~~أهلي عند تمام أربعين ليلة في حديث طويل. # فلم يزل حتى نزلت توبته بعد خمسين ليلة مع توبة صاحبيه. # قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}. # والمعنى: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، {اتقوا الله}، أن تخالفوه، ~~{وكونوا}، في الآخرة {مع الصادقين} /، أي: مع النبي عليه السلام، وأصحابه. PageV04P3185 # كذلك، قال زيد بن أسلم، والضحاك، وابن جبير. # قال الضحاك: {مع الصادقين}، مع أبي بكر وعمر وأصحابهما. # وقال ابن جريج: مع المهاجرين ms1055 الصادقين. # وتأويل ذلك عند ابن مسعود: أن يصدقوا في قولهم، وأنه نهي عن الكذب. # وكان يقرأ: " وكونوا مع الصادقين ". PageV04P3186 # قوله: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله}. # يعني: في غزوة تبوك. أي لا ينبغي لهم ذلك، ولا ينبغي لهم [أن {يرغبوا ~~بأنفسهم] عن نفسه} في الجهاد. وإنما لم يكن لهم ذلك؛ لأنهم {لا يصيبهم ~~ظمأ}، في سفرهم، أي: عطش، {ولا نصب}، أي: تعب: {ولا مخمصة}، أي مجاعة {في ~~سبيل الله}، عز وجل: أي: في إقامة دين الله سبحانه {ولا يطأون موطئا يغيظ ~~الكفار}، أي: لا يطئون أرضا {يغيظ الكفار}، وطؤهم [إياها] {ولا ينالون من ~~عدو نيلا}، أي: في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، {إلا كتب لهم}، بذلك كله ثواب ~~عمل صالح، {إن الله لا يضيع أجر المحسنين}، أي: يجازيهم على أعمالهم. # وهذه الآية مخصوصة للنبي عليه السلام، لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا من ~~عذر. فأما الآن فبعض الناس يحمل عن بعض. قاله قتادة. PageV04P3187 # وقال ابن زيد: كانت إذا كان المسلمون قلة فرضا، فلما كثروا نسخها: {وما ~~كان المؤمنون لينفروا كآفة}، فأباح التخلف لمن شاء. # وقال الطبري معنى الآية: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا، ولا لمن ~~حولهم من الأعراب الذين تخلفوا، أن يفعلوا ذلك، ولا يرغبوا بأنفسهم عن ~~نفسه. # و" النيل " مصدر: " نالني [ينالني] نيلا "، فأنا " منيل ". # وليس هو من " التناول "، لأن " التناول " من " النوال " يقال منه: " نلت، ~~أنول "، من العطية. PageV04P3188 # ثم قال تعالى: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة}. # أي: في سبيل الله وإظهار دينه {ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم}، أي: كتب ~~لهم أجر عملهم {ليجزيهم الله}، أي: فعل ذلك ليجزيهم أحسن عملهم، أي: يجزيهم ~~جزاء كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في ~~منازلهم. # قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة} إلى قوله: {مع المتقين}. # المعنى: لم يكن لهم ليفعلوا ذلك، فظاهره خبر ومعناه نهي، أي: ما كان لهم ~~أن يفعلوا ذلك، أي: لا يفعلوه، وذلك أن رسول ms1056 الله صلى الله عليه وسلم، بعث ~~قوما، ليعلموا الناس الإسلام، فلما نزل قوله: {ما كان لأهل المدينة ومن ~~حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله}، الآية، رجع أولئك من البوادي ~~إلى النبي عليه السلام، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه. # فأنزل الله، عز وجل، عذرهم: {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة}، وكره ~~انصرافهم من البادية إلى المدينة، قال ذلك مجاهد. # ثم قال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة}، هلا أتى للخروج من PageV04P3189 # هؤلاء الذين يعلمون الناس {من كل فرقة منهم طآئفة}، ويبقى الباقون ليتفقه ~~أهل البوادي في الدين {ولينذروا قومهم}، أي: يخبرونهم بما تعلموا {لعلهم ~~يحذرون}، مخالفة أمر الله، سبحانه. # وقال ابن عباس المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا في غزوهم جميعا، ويتركوا ~~نبيهم عليه السلام، {فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة}، يعني: السرايا، ~~فلما رجعت السرايا، ونزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي عليه السلام، ~~قالوا للسرايا: إن الله عز وجل، قد أنزل على نبيكم عليه السلام، قرآنا ~~بعدكم/ وقد تعلمناه. فتمكث السرايا يتعلمون مما أنزل بعدهم، ويمضي الآخرون ~~الذين كانوا مقيمين للسرايا، فذلك قوله: PageV04P3190 # {ليتفقهوا في الدين}. # فمعنى الكلام: فهلا نفر من كل فرقة طائفة لتيفقه المتخلفون في الدين ~~{ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم}، أي: ليعلم القاعدون القادمين من السرايا ~~ما تعلموا في مغيبهم، وهو قول قتادة. # وقال: هذا في الجيوش أمره الله [أن] لا يعروا نبيهم عليه السلام، وأن ~~تقيم طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتفقه في الدين وتنطلق طائفة ~~تدعو قومها إلى الله سبحانه، فإذا رجعوا علمهم المقيمون ما نزل بعدهم. # ومثل ذلك قال الضحاك. # وعن ابن عباس أيضا: أنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا النبي عليه ~~السلام، [على مضر] PageV04P3191 # بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها إلى المدينة ~~يعتلون في إقبالهم بالإسلام وليس كذلك، إنما بهم الجهد الذي نزل بهم، فأخبر ~~الله، عز وجل، نبيه عليه السلام، أنهم ليسوا من المؤمنين، وأنهم لو كانوا ~~مؤمنين ما أتوا بأجمعهم، ms1057 ولكن يأتي بعضهم يتفقه في الدين، ويعود فينذر من ~~بقي لعله يحذر ما حرم الله سبحانه، فإتيانهم بجماعتهم يدل على أنهم إنما ~~أتوا من أجل الجهد لا من أجل الإيمان. # وقال عكرمة: إنما هو تكذيب للمنافقين، وذلك أنه لما نزل: {ما كان لأهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله}، الآية، قال ~~المنافقون: هلك من تخلف، فألحقوا من عذره الله في التخلف بمن لم يعذره الله ~~سبحانه، فأنزل الله عز وجل، عذرا ثانيا لمن تخلف من الأعراب بعذر، فقال ~~{وما كان المؤمنون لينفروا كآفة}. # وقال الحسن: المعنى: لتتفقه الطائفة الغائبة، بما يؤيدهم الله عز وجل، من PageV04P3192 # الظهور على المشركين، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. # أي: يخبر الغائبون في الجهاد الحاضرين، بما فتح الله عز وجل، عليهم ~~فيزداد إيمانهم، وهو اختيار الطبري. قال: تتفقه الطائفة النافرة بما ترى من ~~نصر الله عز وجل، { ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} أي: يخبرونهم بما فتح ~~الله سبحانه عليهم فيحذرونهم أن ينزل بهم بأس الله، سبحانه. # ف: " قومهم " على هذا القول: من بقي من أهليهم مشركين، يحذرونهم ليؤمنوا، ~~وهو قول الحسن. # وهذا الآي دليل على جواز قبول خبر الواحد. # وقد روي: أنها نزلت في أعراب قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~المدينة فعلوا الأسعار، وملأوا الطرق بالعذرة فنزلت: {فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طآئفة}. PageV04P3193 # ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}. # والمعنى: أنها تحضيض من الله، عز وجل، للمؤمنين، أن يبدأوا بقتال الأقرب ~~فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم. والمراد به يومئذ: الروم، لأنهم كانوا ~~سكانا بالشأم، والشأم أقرب إلى المدينة من العراق. والفرض على أهل [كل] بلد ~~أن يقاتلوا من يليهم دون الأبعد منهم، إلا أن يضطروا إلى ذلك، فيقاتلون ~~الأبعد دون الأقرب. # وقد سئل ابن عمر عن قتال الروم والديلم. # فقال: الروم أولى. # وكذلك قال الحسن. PageV04P3194 # قوله: {واعلموا أن الله مع المتقين}. # أي: وأيقنوا أن الله عز وجل، معكم عند قتالكم لهم ما ms1058 اتقيتموه. # قوله: {وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم}، إلى قوله: {يذكرون}. # والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة من القرآن، فمن المنافقين من ~~يقول: أيكم أيها الناس، زادته، / هذه السورة إيمانا؟ # أي: تصديقا بالله وآياته، قال الله عز وجل، عن نفسه، {فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون}. # أي: وأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، {فزادتهم}، السورة {إيمانا}، ~~وهم يفرحون بما أعطاهم الله عز وجل، من الإيمان واليقين. # ومعنى زيادة الإيمان هنا: أنهم قبل نزول السورة لم يكن لزمهم فرض ما في ~~السورة التي نزلت. فلما نزلت قبلوها والتزموا ما فيها من فرض، فذلك زيادة ~~في إيمانهم الأول. # وقال الربيع: {فزادتهم إيمانا}، أي: خشية. PageV04P3195 # {وأما الذين في قلوبهم مرض}. # أي: شك في دين الله، سبحانه {فزادتهم} السورة إذا نزلت، {رجسا إلى ~~رجسهم}، أي: كفرا إلى كفرهم، وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، سبحانه، ~~ولم يؤمنوا بها، فازدادوا كفرا على كفرهم المتقدم، {وماتوا وهم كافرون}، ~~أي: بالله، سبحانه، وآياته، جلت عظمته. # قوله: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين}. # من قرأ بالياء، فهو توبيخ لهم، والمعنى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون ذلك؟ # ومن قرأ بالتاء، فمعناه: أو لا ترون، أيها المؤمنون، ما ينزل بهم في كل ~~عام؟ # ومعنى {يفتنون}، يختبرون في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، {ثم}، هم ~~مع البلاء الذي يحل بهم {لا يتوبون} من نفاقهم وكفرهم، ولا يذكرون ما يرون PageV04P3196 # من الحجج لله، عز وجل، فيتعظون بها. # و" الاختبار " هنا، قيل: بالجوع والجدب. # وقال قتادة، والحسن: يختبرون بالغزو والجهاد. # وقيل: إنه هو ما كان يشيع المشركون من الأكاذيب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأصحابه، فيفتتن بذلك من في قبله مرض. # وقال حذيفة: كنا نسمع كذبة أو كذبتين، فيفتتن بها فئام من الناس. PageV04P3197 # يريد حذيفة أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل إسلامهم. # قوله: {وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض} الآية. # والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز ms1059 وجل، سورة، وهم جلوس عند النبي عليه ~~السلام، فكان فيها إظهار سرهم {نظر بعضهم إلى بعض}، هل رآكم أحد إذ قلتم ~~وتناجيتم، ثم قاموا فانصروا ولم يسمعوا قراءته. # وقيل: المعنى: إذا ما أنزلت سورة فيها أسرارهم، {نظر بعضهم إلى بعض هل ~~يراكم}، أحد إن قمتم، فإن قالوا: نعم، قاموا ولم يسمعوا القرآن. # {صرف الله قلوبهم}، أي: عن الخير والتوفيق، {بأنهم قوم لا يفقهون}، أي: ~~لا يفقهون عن الله، عز وجل، مواعظة، استنكارا ونفاقا. # وقد كره ابن عباس: أن يقال: " انصرفنا من الصلاة "، قال: لا يقال ذلك، ~~فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: " قد قضينا الصلاة ". PageV04P3198 # وقيل عنه: ولكن قولوا: " قد صلينا ". # ومعنى: {نظر بعضهم إلى بعض}: [قال بعضهم إلى بعض]، ولذلك قال: {هل يراكم ~~من أحد}، ولو كان من نظر العين لم يؤت ب: " هل " بعده. # وقيل: النظر هنا، إنما النظر الذي يجلب الاستفهام، كقولك: " قد تناظروا ~~أيهم أعلم "، و " أجتمعوا أيهم أفقه "، أي: لينظر أيهم أفقه. # قوله: {لقد جآءكم رسول من أنفسكم}، إلى آخر السورة. # المعنى: لقد جاءكم، / أيها المؤمنون وأيها العرب، {رسول من أنفسكم}، أي: ~~تعرفونه، لا من غيركم فتتهموه في النصيحة لكم. PageV04P3199 # وقيل معنى {أنفسكم} بشر مثلكم. # {عزيز عليه ما عنتم}. # أي: ما عنتكم، أي: ما أدخل عليكم المشقة. # وأصل " النعت ": الهلاك. PageV04P3200 # وقيل معنى: {عزيز عليه ما عنتم}، أي: عزيز عليه أن تدخلوا النار، {حريص ~~عليكم}، أن تدخلوا الجنة. # وقيل معنى: {حريص عليكم}، أي: حريص على هدى ضلالكم وتوبتهم. # وقال قتادة: {عزيز عليه ما عنتم} أي: عزيز عليه عنت مؤمنيكم. # وقال ابن عباس {ما عنتم}: ما ضللتم. # وقال قتادة: {حريص عليكم}، أي: حريص على هدى ضلالكم. # وهذا مخاطبة لأهل مكة. PageV04P3201 # {فإن تولوا}. # أي: إن تولى هؤلاء يا محمد، عن الإيمان، {فقل حسبي الله}، أي: يكفيني ~~الله، {لا إله إلا هو}. # قال أبي بن كعب: آخر آية نزلت: # {لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز}، إلى آخر السورة. # {حريص عليكم}، وقف تام عند الأخفش، لأن هذا مخاطبة ms1060 لأهل مكة، وقوله: ~~{بالمؤمنين رءوف (رحيم)}، لكل المؤمنين. PageV04P3202 ### |EDITOR| # / بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما # السفر الثالث # من سورة يونس إلى سورة مريم وبالله التوفيق ولا رب سواه] PageV04P3203 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة يونس عليه السلام مكية # قال ابن عباس: {الر}: أنا الله أرى. وروي عنه أنه أنا الله الرحمن. # وعنه أيضا: " ألر " و " حم " و " ن " حروف الرحمن مقطعة. # وهو قول سالم بن عبد الله، وابن جبير، وهو اختيار الزجاج. PageV05P3205 # وقال قتادة: " هو اسم من أسماء القرآن ". # وقال عكرمة والحسن: هو قسم. # وروي عن قتادة أنه قال: اسم للسورة. # وقال مجاهد: هو فواتح السور. PageV05P3206 # وقيل: هي تنبيه. وهو اختيار الطبراني. # وقال بعض المتأخرين من أهل النظر: هذه الفواتح لا نعلم لها تأويلا، ولا ~~صح عن النبي عليه السلام، ولا اتفقت الأمة على تفسيرها. والذي نعتقده في ~~ذلك أنا إنما كلفنا تلاوة تنزيلها، ولم نكلف معرفة تأويلها. (ولا يعرف ~~تأويلها) من جهة العقل. # قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا القول يلزم قائله أن يكون مثله في كل ~~آية مشكلة لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها تأويل، ولا اتفقت الأمة ~~على تأويلها، فيعطل معرفة أكثر القرآن، ويقول: إنما كلفنا التلاوة لا غير. ~~وأكثر ذلك في الأحكام يقع، فيعطل أحكاما كثيرة على مذهبه (وكيف) يكون ذلك؟ ~~وهل أنزله الله إلا لنعلم تأويله، PageV05P3207 # ونتدبره كما قال: {ليدبروا آياته} [ص: 29]. # قوله: {تلك آيات الكتاب} " أي: تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب ". # (وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب). # وقال مجاهد: معنى {تلك آيات الكتاب} يعني: آيات التوراة والإنجيل، وكذلك ~~قال قتادة. # وعن مجاهد: {آيات الكتاب الحكيم} يعني آيات القرآن. # وهو اختيار الطبري: قال: لأنه لم يجر للتوراة، والإنجيل ذكر قبل هذا. و ~~(الآيات): العلامات. و (الكتاب): " اسم من أسماء القرآن. # و (الحكيم) معناه: المحكم عند أبي عبيدة وغيره. PageV05P3208 # قوله: {أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم} إلى قوله {أفلا تذكرون} ~~(أكان): (الألف) ألف استفهام، ms1061 معناه: التوبيخ، والتقرير، والإنكار لتعجبهم ~~من بعث الله عز وجل رجلا منهم، رسولا إليهم. # والمعنى: ليس بعجب قد علمتم أن الرسل من قبلكم كانت من بني آدم، ولم تكن ~~ملائكة. إنما تأتي الملائكة إلى الرسل بأمر الله ونهيه (سبحانه) وتأتيهم في ~~صورة بني آدم. إذ لا يحتمل بنو آدم معاينة الملائكة. # وقرأ ابن مسعود: (أكان للناس عجب) بالرفع جعل " أن أوحينا " في PageV05P3209 # موضع نصب. وهو بعيد، لأن المصدر معرفة. فهو أحق أن يكون اسم (كان) (و) ~~(عجبا): الخبر، لأنه نكرة. # ورفع " عجبا " على اسم " كان " جائز على (ما) بعده. (و) اللام في " الناس ~~" متعلقة ب " عجب "، لا تتعلق ب " كان ". # ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، لما بعث محمدا رسولا أنكر جماعة من العرب ~~ذلك، وقالوا: (الله) أعظم من أن يبعث بشرا رسولا. فأنزل الله ( عز وجل) : { ~~أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس}، ونزل / {ومآ ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} [يوسف: 109] هذا قول ابن عباس. # وقال ابن جريج: عجبت قريش أن بعث رجلا منهم، فنزل PageV05P3210 # ذلك. وروري أن أهل مكة قالوا: لم يجد الله رسولا إلا يتيم أبي طالب فأنزل ~~الله ( عز وجل) ذلك. # فالناس هنا: أهل مكة. وهذه الآية فيها ضروب من أخبار: # ابتدأ تعالى بعجب، ثم أخبر بالشيء الذي يوجب العجب عندهم، وهو الوحي، ثم ~~أخبر عمن أنزل عليه ذلك الوحي، ثم أخبر بالشيء الموحى ما هو. وهو الإنذار، ~~ثم أخبر بالبشارة للمؤمنين وأخبر بالمبشر به ما هو؟ وهو: كون القدم الصدق ~~للمؤمنين عند ربهم، ثم أخبر بجواب الكافرين عن ذلك: (كل ذلك) في آية واحدة. ~~ومعنى {قدم صدق}: قال الضحاك: " ثواب صدق ". وقال PageV05P3211 # مجاهد: " الأعمال الصالحة "، وهو اختيار الطبري. وقال ابن عباس " أجرا ~~حسنا (بما) قدموا من (صالح) أعمالهم. وعن ابن عباس: {قدم صدق}: ما تقدم لهم ~~من السعادة في اللوح المحفوظ. # وقال قتادة، والحسن، وزيد بن أسلم: {قدم صدق} وهو محمد، صلى الله عليه ~~وسلم، شفيع لهم. # وعن الحسن ms1062 أنه قال: {قدم صدق عند ربهم} هو: مصيبتهم في نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم. # والقدم في اللغة على أربعة أوجه: قدم الإنسان مؤنثة، والقدم السابقة: ~~العمل الصالح مؤنثة أيضا، والقدم: الشجاع مذكر، والقدم المتقدم: مذكر أيضا. PageV05P3212 # وفي الحديث: " إن جهنم لا تسكن حتى يضع الجبار فيها قدمه " # وفي (رواية) أخرى: " حتى يضع الله فيها قدمه ". # قال الحسن: معناه يجعل (الله) فيها الذين قدمهم لها. فهم قدم الله عز وجل ~~إلى النار، والمؤمنون قدمه إلى الجنة. # ومن رواه: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) فمعناه (مثل) ما ذكرنا، أن جعلت ~~الجبار اسما لله ( عز وجل) . # وقيل " الجبار اسم لجنس يدل على جميع الجبارين على الله (سبحانه). ~~فالمعنى: حتى يضع الجبارون على الله (سبحانه) فيها أقدامهم. أي: حتى ~~يدخلوها. (فعند ذلك تقول جهنم: قط قط) أي: كفى كفى. PageV05P3213 # وفي هذا الحديث اختلاف روايات بألفاظ مختلفة، لكنا (قد) فسرنا موضع ~~الإشكال منه .. # {عند ربهم}: وقف حسن عند أبي حاتم والأخفش. وقال: تفسيرهما ليس بتمام ~~حسن؛ لأن {قال الكافرون} جواب لما قبله. # ومن قرأ " لساحر " فمعناه: هذا النذير لساحر. يعنون النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ومن قرأ " لسحر " فمعناه: هذا الذي # انذرنا به سحر، يعنون القرآن. PageV05P3214 # والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد، لأنهم إذا جعلوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم ساحرا فقد أخبروا أنه أتاهم بالسحر، وهو القرآن. وإذا جعلوا القرآن ~~سحرا فقد أخبروا أن الذي أتاهم به ساحر. إذ السحر لا يكون من ساحر. والساحر ~~لا يسمى بهذا الاسم حتى يأتي بالسحر، ويعرف منه ذلك. # ثم قال تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض}. والمعنى: إن ~~الذي تجب له العبادة الله الذي خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة ~~أيام /. # {ثم استوى على العرش} " مدبرا للأمور، قاضيا في خلقه ما أحب ". # {ما من شفيع إلا من بعد إذنه}: أي: لا يشفع شافع يوم القيامة في أحد إلا ~~من بعد أن يأذن له في الشفاعة كما قال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ~~[البقرة: ms1063 255] وكما قال: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: ~~23]. وكذلك {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] PageV05P3215 # {ذلكم الله ربكم فاعبدوه} أي: هذا الذي هذه صفته مولاكم فاعبدوه. # {أفلا تذكرون}: أي: " تتعظون جميعا، وتعتبرون بهذه الآيات والحجج. # قوله: {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا} إلى قوله {يعلمون} {وعد الله}: ~~مصدر، والمعنى: وعدكم (الله) أن يحييكم بعد مماتكم (وعدا حقا) عند سيبويه ~~بمعنى: وعد الله في حق، فلما حذف حرف الجر نصب، والمعنى: إليه معادكم ~~جميعا. # وقرأ أبو جعفر يزيد " أنه " بفتح الهمزة: وهي في موضع نصب بمعنى لأنه ~~يبدأ، (مثل) لبيك إن الحمد والنعمة لك (لا شريك لك). PageV05P3216 # وقال أبو حاتم: هي نصب ب " وعد ". أي: وعد الله أنه يبدأ الخلق. وقال ~~الفراء: موضعها رفع بحق كأنه قال: حقا ابتداؤه. ومن كسر (إن) وقف على حقا)، ~~ومن فتح لم يقف على (حقا). # {إنه يبدأ الخلق} أي: انشأناه قبل أن لم يكن شيئا ثم يميته، ثم يعيده في ~~الآخرة كهيئته. # {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي: ليثبت المؤمنين على ~~أعمالهم بالعدل والإنصاف. PageV05P3217 # ثم أخبر بما أعد للكفار لتجتمع الأخبار عما أعد (الله عز وجل) للفريقين ~~فقال: {والذين كفروا لهم شراب من حميم}: وهو الذي قد تناهى في الحر. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه ليتساقط من أحدهم حين يدنيه منه فروة رأسه ~~". # وأصل الحميم محموم: فهو " فعيل " في موضع " مفعول ". # {وعذاب أليم} أي: ولهم عذاب مؤلم بكفرهم. (ثم) قال تعالى: {هو الذي جعل ~~الشمس ضيآء والقمر نورا} من قرأ " ضياء " (بهمزة) متطرفة فهو الأصل، لأنه ~~من الضوء. فالهمزة لام الفعل، والياء في " ضياء " بدل من واو PageV05P3218 # لانكسار ما قبلها. # ومن همز موضع الياء فإنما يجوز على القلب، وذلكأن تقلب الهمزة التي هي ~~لام (الفعل) في موضع الياء التي هي عين. فتصير الياء بعد ألف متطرفة. ~~فتنقلب همزة فيصير وزنه " فلاعا ". # وقوله: " منازل " منصوب على حذف المضاف. والمعنى: وقدره منازل. # (و) قيل: المعنى وقدر له منازل، ثم حذف اللام، ms1064 وعدى الفعل كما قال: ~~{كالوهم} [المطففين: 3]. والمعنى: إن ربكم الله {الذي خلق السماوات والأرض} ~~[يونس: 3]، ثم فعل كذا {هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل} ~~أي: قدر القمر منازل. لا يقصر دونها، ولا يجاوزها يكون كل ليلة بمنزلة من ~~المجوم، وذلك في ثمانية وعشرون منزلا في كل شهر، وهو قوله: {والقمر قدرناه ~~منازل} [يس: 39]. PageV05P3219 # {لتعلموا عدد السنين والحساب} أي: فعل ذلك كي تعلموا عدد السنين، أي: ~~دخولها، وخروجها، وحسابها. # {ما خلق الله ذلك} أي: ما خلق الله الشمس والقمر والسماوات والأرضين ~~{بالحق}. # ومن قرأ " يفصل " بالياء رده على ذكر الله لقربه منه، فأسندالفعل إليه ~~بلفظة التوحيد. # ومن قرأ بالنون أجراه مجرى ما أتى في القرآن بلفظ الجميع، من/ " فصلنا، ~~ونفصل " وذلك كثير. # ومعنى (نفصل الآيات): نبين الحجج، والأدلة لقوم يعلمون. {ذلك إلا بالحق}: ~~وقف لمن قرأ بالنون. PageV05P3220 # ومن (قرأ) بالياء لم يقف عليه، لأن الفعل مسند إلى الاسم المذكور ~~المتقدم. # قوله: {إن في اختلاف اليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض} إلى ~~قوله: {يكسبون} # والمعنى: إن في ذهاب الليل، ومجيء النهار، وذهاب النهار، ومجيء الليل، ~~وإحداث كل واحد منهما بعد ذهابه، واضمحلاله لعلامات {لقوم يتقون}: على ~~الوحدانية والقدرة. ويشير إليها، ويخبر عنها: فالصامت لا يقدر على النطق، ~~لأن مسكتا أسكته، وهو الله (سبحانه)، والناطق لا يعجز عن النطق، لأن منطقا ~~أنطقه، وهو الله ( عز وجل) ، والمتحرك لا يعجز عن الحركة، لأن محركا حركه، ~~وهو الله ( عز وجل) : فكل فيه دليل على الوحدانية والقدرة والملك. # {وما خلق الله في السماوات والأرض} معناه: من النجوم والشمس والقمر ~~والجبال والشجر وغير ذلك. (لآيات) أي: لحجج وعلامات على توحيد الله (جلت ~~عظمته). PageV05P3221 # {لقوم يتقون}: وهذه الآية تنبيه من الله عز وجل لعباده (على توحيده) ~~وربوبيته. # ثم قال تعالى: {إن الذين لا يرجون لقآءنا} أي: لا يخافون الحساب والبعث. ~~تقول العرب: " فلان لا يرجو فلانا " أي: لا يخافه، ومنه قوله: {ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا} [نوح: 13]: أي تخافون. # وقال بعض العلماء: ms1065 لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد. # وقال غيره: بل يقع بمعنى الخوف في كل موضع دل عليه المعنى. # قوله: {ورضوا بالحياوة الدنيا} أي: جعلوها عوضا من الآخرة {واطمأنوا بها} ~~أي: سكنوا إليها. # {والذين هم عن آياتنا غافلون} أي: عن أدلتنا وحجتنا معرضون، لاهون. # {أولئك مأواهم النار} أي: من هذه صفتكم مصيرهم إلى النار. # {بما كانوا يكسبون} (في) الدنيا من الآثام. PageV05P3222 # قال قتادة: {إن الذين لا يرجون لقآءنا} - الآية - إذ شئت رأيته صاحب ~~دنيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها يرضى، ولها يسخط. وقال ابن زيد: هم أهل ~~الكفر. # قوله {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} إلى قوله ~~{العالمين}. # المعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعلموا بطاعة الله {يهديهم ربهم ~~بإيمانهم} أي: يرشدهم بإيمانهم إلى الجنة. # وقال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: " إن المؤمن إذا خرج من ~~قبره صور له عمله في صورة حسنة يقول له: من أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ ~~صدق. فيقول (له): أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة. والكافر بضد ~~ذلك في الصورة PageV05P3223 # ينطلق به عمله حتى يدخله النار ". # وقيل: المعنى يهديهم ربهم لدينه بإيمانهم به. أي: من أجل تصديقهم هداهم. # قوله: {تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم}. # أي: في بساتين قد نعم الله فيها أهل / طاعته. # ومعنى {من تحتهم}: من دونهم وبين أيديهم، وليس هو أنها تجري (من) تحت ما ~~هم عليه جلوس من أرض ونحوها. وهذا كما تقول: بلد كذا تحت بلد كذا. أي: ~~بجوارها وبين أيديها. لا أنها تحتها: إحداهما فوق الأخرى. ومثل هذا قوله ~~تعالى: {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24]. ومعلوم أن السري ليس تحتها، إذ ~~كان السري: الجدول، وإنما معناه: أنه جعله دونها، أي: بين يديها. ومن هذا ~~ما حكى PageV05P3224 # الله ( عز وجل) لنا من قول فرعون: {وهذه الأنهار تجري من تحتي} [الزخرف: ~~51] ومعلوم أن نيل مصر لم يكن تحته يجري، وهو عليه، وإنما كان (يجري) ~~بجواره، وبين يديه ودونه. # ثم قال تعالى إخبارا ms1066 عن أهل الجنة {دعواهم فيها سبحانك اللهم}. # حكى سيبويه: الدعوى بمعنى الدعاء. فالمعنى دعاؤهم في الجنة: سبحانك ~~اللهم. # قال ابن جريج: وإذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم فيأتيهم ~~الملك بما يشتهون فيسلم عليهم، فيردون عليه (السلام) فذلك قوله: {وتحيتهم ~~فيها سلام}. فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله تعالى: PageV05P3225 # {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}. # والتحية: البقاء. ومنه قوله: " التحيات لله "، والتحية أيضا: الملك، ~~والتحية هي استقبال الرجل بالمحيا: وهو الوجه بما يسره من الكلام. وقيل: ~~التحية في هذا بمعنى الحياة، أي: يحيي بعضهم بعضا. # إنهم يحيون ولا يموتون، ويسلمون من كل شيء يحذرون. والسلام بمعنى ~~السلامة. # وقيل: {وتحيتهم فيها سلام} أي: تحيه بعضهم لبعض فها سلام. أي: " سلمت ~~وأمنت مما ابتلي به أهل النار ". # وقيل: المعنى إن الله ( عز وجل) يحييهم بالسلام إكراما منه (لهم). # وقال سفيان: إذا أرادوا الشيء قالوا: سبحانك اللهم، فيأتيهم ما PageV05P3226 # دعو (ا) به: ومعنى {سبحانك اللهم}: تنزيها لك يا ألله مما أضاف إليك أهل ~~الشرك من الكذب. # (وسئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن: سبحان الله، فقال: مفسرا تنزيها ~~(لله) عن السوء). # وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: هي كلمة رضيها الله ( عز وجل) لنفسه. ~~فسبحان الله: كلمة ينزه بها (الله عن كل) فعل مذموم أو متهم. # (أللهم): وقف و (سلام): وقف. ومذهب سيبويه في {أن الحمد لله} أنها مخففة ~~من الثقيلة، والمعنى: أنه الحمد لله رب العالمين). PageV05P3227 # وأجاز المبرد أن يعملها - وهي مخففة - عملها مشددة. والرفع أقيس، لأنه قد ~~زال منها شبه الفعل باللفظ لما خففت، ومن أعملها شبهها بالفعل الذي قد حذف ~~منه وأعمل. نحو: " لم يك ". وقرأ بلال بن أبي بردة: " أن الحمد " بالتشديد، ~~ونصب " الحمد ". # قوله: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} # قوله: {استعجالهم بالخير} تقديره عند سيبويه: " تعجيلا مثل استعجالهم ~~بالخير ثم حذف تعجيلا، وأقام صفته (مقامه)، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه ~~مقامه، وحكى " زيد: شرب الإبل " أي: يشرب شربا مثل شرب الإبل. ms1067 PageV05P3228 # وقال الأخفش والفراء: التقدير: {ولو يعجل الله للناس} الشر مثل استعجالهم ~~/ بالخير، ثم حذف المضاف. ويلزمهما على هذا أن يجيزا. زيد الأسد فينصب " ~~الأسد " أي: مثل الأسد. وهذا لا يجيزه أحد. # ومعنى الآية: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر - أي: فيما عليهم ~~فيه مضرة في نفس، أو مال، أو ولد، وذلك عند الغضب - كما يستعجلون بالخير ~~إذا دعوا في سؤالهم الرحمة، والرزق. # {لقضي إليهم أجلهم} أي: لماتوا. قال مجاهد: هو قول الإنسان لولده، ولماله ~~إذا غضب: اللهم لا تبارك فيه والعنه ونحو ذلك، ولو عجل الله الإجابة فيه ~~كما يريدون أن تستعجل لهم الإجابة في الخير إذا دعوا لأهلكهم. # وقد قيل: إن هذا إنما هو قولهم: PageV05P3229 # {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم} [الأنفال: 32]. فلو عجل لهم ذلك لهلكوا. # ثم قال تعالى: {فنذر الذين لا يرجون لقآءنا} (معناه): ندع الذين لا ~~يخافون البعث، لا نهلكهم إلى مدتهم، ولكن نذرهم {في طغيانهم يعمهون} أي: في ~~ضلالهم يتحيرون. وهو مثل قوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: ~~178]. # قوله: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما}. قوله: ~~{دعانا لجنبه} أي مضطجعا، ف " لجنبه " في موضع الحال. # قوله: {أو قاعدا} عطف عليه على المعنى، وقيل: المعنى وإذا مس الإنسان ~~الضر على إحدى هذه الأحوال دعانا. فالحال في القول الأول: من الضمير في ~~{دعانا} وفي القول الآخر: من (الإنسان). والعامل في الحال " مس "، وفي ~~القول الاخر: " دعا ". PageV05P3230 # وقيل: المعنى إذا مسه على إحدى هذه الأحوال دعانا على إحدى هذه الأحوال، ~~فيكون في الكلام حذف {لجنبه أو قاعدا أو قآئما} مرة أخرى، {فلما كشفنا عنه ~~ضره}: أي: استمر على طريقته التي كان عليها، قبل أن يمسه الضر، ونسي ما كان ~~فيه، كأنه ما أصابه ضر، وكأنه ما دعا، وما استجيب له، وما كشف عنه ضره، ~~فعاد إلى شركه كأنه لم يدع الله عز وجل في ضر (مسه). # قوله: {كذلك زين ms1068 للمسرفين ما كانوا يعملون}: أي: كما زين له استمراره على ~~ما كان عليه قبل نزول الضر به، بعد كشف الله ( عز وجل) عنه، {كذلك زين ~~للمسرفين}: أي: للذين أسرفوا في العصيان، والكذب على الله عز وجل ورسوله، ~~{ما كانوا يعملون} من معاصي الله تعالى. # {أو قآئما}: وقف، {مسه}: وقف. # قوله: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا} إلى قوله {كيف تعملون} PageV05P3231 # معنى الآية: أنها تحذير للمشركين أن يصيبهم ما أصاب من كان قبلهم إذا ~~أشركوا. ومعنى {لما ظلموا}: لما أشركوا. # {وجآءتهم رسلهم بالبينات}: أي: من عند الله عز وجل بالحجج والبراهين. # وقوله: {وما كانوا ليؤمنوا} أي: لم يكونوا ليوفقوا إلى الإيمان لما تقدم ~~في علم الله عز وجل منهم. # وقيل: المعنى ما كانوا ليؤمنوا جزاء منه (لهم) على كفرهم طبع على قلوبهم، ~~ودل على ذلك قوله: {كذلك نجزي القوم المجرمين} أي: نطبع على قلوبهم، فلا ~~يؤمنون جزاء بكفرهم. # وقيل: المعنى: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم بشركهم، كذلك أفعل بكم ~~بشرككم، وتكذيبكم رسلكم إن أنتم لم / تتوبوا وتؤمنوا. # وقيل المعنى: ما كانوا ليؤمنوا جزاء بما كذبوا به أولا بعد أن تبين لهم ~~الحق، فكان ما ختم لهم به من ترك الإيمان عقوبة لهم على التكذيب أولا. # ثم قال تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} أي: جعلناكم أيها ~~المخاطبون تخلفون من مضى من القرون الهالكة بشركهم {لننظر كيف تعملون}: PageV05P3232 # أي: كيف عملكم من عمل من كان قبلكم من القرون. وقد علم تعالى ما هم ~~عاملون، ولكن أراد ظهور الأعمال التي تقع عليها المجازاة، فيستحقون العذاب، ~~كما استحق من كان قبلكم إن أشركتم، أو الثواب الجزيل إن آمنتم. # والعامل في " كيف (تعملون) ": لام " لننظر ". # وروى عبد الحميد بإسناده عن ابن عامر {لننظر} بإدغام النون في الظاء وهو ~~بعيد جدا. # قوله: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} إلى قوله {أفلا تعقلون} # والمعنى: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين القرآن، وهو الآيات البينات: أي: ~~الواضحات {قال الذين لا يرجون لقآءنا}: أي: لا يخافون العقاب، ms1069 ولا يصدقون ~~بالبعث. # {ائت بقرآن غير هاذآ أو بدله}: أي غيره، أي: اجعل مكان الحلال حراما، PageV05P3233 # واجعل مكان الحرم حلالا، ومكان الوعيد وعدا، ومكان الوعد وعيدا. # ثم قال تعالى ذكره لنبيه أن يقول لهم: {ما يكون لي أن أبدله من تلقآء ~~نفسي}: أي: ليس ذلك إلي، إنما الأمر إلى الله عز وجل. # { إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}. قال ~~قتادة: هذا قول مشركي أهل مكة. # وقوله: {ائت بقرآن غير هاذآ} يريدون ليس فيه ذكر البعث (والنشور وسب) ~~آلهتنا. # ثم قال الله (تعالى ذكره): قل يا محمد لهم {لو شآء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به}: أي: لو شاء الله ما أنزل علي، فيأمرني بتلاوته عليكم، ولو ~~شاء الله ما أنزله علي، فيأمرني بتلاوته عليكم، ولو شاء لم يعلمكم به. # {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله}: أي قد كنت فيكم أربعين سنة قبل أن ينزل ~~علي القرآن فلم نتل عليكم شيئا ولو كنت منتحلا ما ليس لي بحق من القول PageV05P3234 # كنت قد انتحلته أيام شبابي وحداثتي قبل الوقت الذي تلوت فيه عليكم هذا ~~القرآن. # قال ابن عباس: {ولا أدراكم به}: أي: ولا أعلمكم به. # وقال ابن جريج: ولا حذرتكم به. # وقال الضحاك: ولا أشعركم به. # وقرأ الحسن: " ولا أدرأتكم به بالألف والتاء: وهي غلط عند النحويين، غير ~~أن أبا حاتم، قال: يريد الحسن: ولا أدريتكم به، ثم أبدل من PageV05P3235 # الياء ألفا على لغة بني الحارث بن كعب الذين يبدلون من الياء الساكنة إذا ~~انفتح ما قبلها ألفا. وعلى ذلك تأول قوم قراءة من قرأ {إن هذان} [طه: 63]. ~~وهذا القول من أبي حاتم يدل على أن الحسن لم يهمز (والرواية عن الحسن ~~بالهمز) والتاء. ولو كانت بألف بعد الراء من غير همز، لكان لها وجه آخر وهو ~~أن يكون من درأت: أي: دفعت. فيكون المعنى: ولا أمرتكم أن تدفعوه. فأما ~~الهمزة فبعيد. # وقد حكي أن بعض العرب يهمز الحرف إذا ضارع المهموز، فيهمزون ms1070 غير المهموز. ~~حكى الفراء عن امرأة قالت: رثأت زوجي بأبيات. ويقولون: لبأت بالحج، وحلأت ~~السويق، فيهمزون، لأن حلأت يقع في دفع العطاش من الإبل PageV05P3236 # فيهمز. ولبأت يذهب / به إلى اللبأ. ورثأت يذهب إلى الرثيئة: وهو أن يحلب ~~على الرايب. يقال: أرثأت اللبن بالهمز. # {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله}: أي: أربعين سنة، " تعرفونني بالصدق ~~والأمانة، لا أقرأ، ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات. {أفلا تعقلون} إن هذا لا ~~يكون إلا من عند الله ". # قوله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} إلى قوله {يشركون} # والمعنى فمن أشد ظلما يا محمد {ممن افترى على الله كذبا}: أي: اختلق على ~~الله الكذب {أو كذب بآياته}: أي: بحججه، ورسله. # {إنه لا يفلح المجرمون} " الهاء " كناية عن الأمر، و " المجرمون ": الذين ~~اجترموا من الكفر، أي: اكتسبوه. # ثم وصفهم الله تعالى، فقال: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم}: PageV05P3237 # وهي الأصنام، لا يضرهم ترك عبادتها، ولا تنفعهم عبادتها. # وقال الطبري: المعنى: " ولا تنفعهم عبادتها في الدنيا، ولا في الآخرة. # ثم قال عنهم: {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله}: كانوا يعبدون الأصنام، ~~رجاء أن تشفع لهم عند الله سبحانه. # ثم قال: (قل) - يا محمد - {أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض}: أي: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات، ولا في الأرض أن تشفع ~~الآلهة لأحد. # {سبحانه وتعالى عما يشركون}: أي تنزيها له وعلوا عن شركهم. # قوله: {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} إلى قوله: {من المنتظرين} # المعنى: ما كان الناس إلا أهل دين واحد، فافترقت بهم السبل. # {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} أي: لولا أنه سبق في علمه ألا PageV05P3238 # يهلك قوما إلا بعد أن يملي لهم، فتنقضي آجالهم " {لقضي بينهم}: بأن يهلك ~~أهل الباطل منهم، وينجي أهل الحق ". # قال مجاهد: كان الناس وقت آدم على دين واحد، ثم اختلفوا إذ قتل أحدهم ~~ابني آدم أخاه. # وقيل: يراد بالناس هنا: العرب. # وقيل المعنى: إن كل مولود يولد على الفطرة، ثم ms1071 يختلفون بعد ذلك. # والأمة: على خمسة أوجه: # - الأمة: " العصبة، والجماعة نحو {أمة مقتصدة} [المائدة: 66] # ونحو: {ومن قوم موسى أمة} [الأعراف: 159]. # - والثاني: أن تكون بمعنى " الملة "، نحو: {وما كان الناس إلا أمة ~~واحدة}. ومثله الحرف الذي في هذه السورة. PageV05P3239 # {وما كان الناس إلا أمة واحدة}: أي: على ملة الإسلام، ومنه: {وإن هذه ~~أمتكم أمة} [المؤمنون: 52]، ومنه {ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة} [الشورى: ~~8]: أي: أهل ملة. # - والثالث: أن تكون بمعنى " السنين والحين " نحو: {ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب إلى أمة معدودة} [هود: 8] ونحوه {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45]. # والرابع: أن تكون الأمة بمعنى " قوم " نحو قوله: {أن تكون أمة هي أربى من ~~أمة} [النحل: 92] أي: قوم أكرم من قوم ومنه {ولكل أمة جعلنا منسكا} [الحج: ~~34] أي قوم. # - والخامس: أن تكون الأمة بمعنى " الإمام ". نحو قوله: # {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله} [النحل: 120] أي: إماما، يقتدى به في ~~الخير. # ثم أخبر عنهم تعالى فقال: {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه} أي: يقول PageV05P3240 # هؤلاء المشركون: هلا نزل عليه آية من ربه، يعلم بها أنه محق، صادق قال ~~الله عز وجل: قل لهم يا محمد: {إنما الغيب لله}: أي لا يعلم أحد، لو لم ~~يفعل ذلك إلا هو، لأنه عالم الغيب. # {فانتظروا إني معكم من المنتظرين}: أي: انتظروا قضاء الله سبحانه بيننا ~~وبينكم، بتعجيل العقوبة للمبطل /، وإظهار الحق للمحق. # وقيل: المعنى: فانتظروا نصر الله المحق، وخذلانه المبطل. {إني معكم من ~~المنتظرين}: أي: إني معكم منتظر من المنتظرين. لذلك. قوله: {وإذآ أذقنا ~~الناس رحمة} إلى قوله {بما كنتم تعملون} جواب إذا محذوف عند سيبويه. ~~والتقدير: من بعد ضراء مستهم مكروا. والعرب تجتزئ بإذا في جواب الشرط عن " ~~فعلت وفعلوا ". # والناس هنا: المشركون كما قال: {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات: 6]. PageV05P3241 # قال الحسن: هو المنافق، والمعنى وإذا أذقنا الكفار فرجا من بعد كرب ~~أصابهم، ورخاء بعد شدة أصابتهم {إذا لهم مكر في آياتنا} قال مجاهد: " ~~استهزاء، وتكذيب ". # وقيل: يحتالون حتى يجعلوا سبب الرحمة في غير موضعه. قل لهم ms1072 يا محمد: ~~{الله أسرع مكرا} أي: أسرع استدراجا لكم وعقوبة. # {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} أي: إن الحفظة يكتبون عليكم ما تمكرون في ~~آياتنا. # ثم عدد تعالى نعمه فقال: {هو الذي يسيركم في البر والبحر} وقرأ ابن عباس: ~~" ينثركم " من النثر: أي: يبسطكم برا وبحرا. # {حتى إذا كنتم في الفلك}: وهي السفن {وجرين بهم} يعني: السفن PageV05P3242 # بالناس. {بريح طيبة}، وفرح بذلك الناس {جآءتها ريح عاصف}، أي: جاءت السفن ~~ريح. # وقيل: جاءت الريح الطيبة ريح عاصف، والعاصف: الشديدة. # {وجآءهم الموج من كل مكان} أي: من كل جانب. # {وظنوا أنهم أحيط بهم} أي: أيقنوا بالهلاك. # {دعوا الله مخلصين له الدين} أي: أخلصوا الدعاء له عز وجل، دون أوثانهم، ~~وآلهتهم. # (و) قيل: (لأنهم) يقولون: " آهيا شراهيا ": تفسيره: يا حي يا قيوم {لئن ~~أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} على نعمك (وتخليصك) (إيانا مما نحن ~~فيه). # {فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض}، والفلك تذكر، وتؤنث، وتكون واحدا PageV05P3243 # وجمعا (فمن جعلهما جمعا) جعل واحدهما فلكا كوثن ووثن. # وقوله: {إذا كنتم}، ثم قال: {وجرين} فهذا من الرجوع من المخاطبة إلى ~~الإخبار، ثم قال إخبارا عن فعلهم: # {فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} أي: يكفرون، ويعملون ~~بالمعاصي على ظهر الأرض. # وأصل النجاء: البعد من المكروه ومنه الاستنجاء، لأن الإنسان يبعد به عن ~~نفسه الأذى. # ثم قال تعالى: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم}: # أي: عليها يرجع. وإياها تظلمون. وهذا الذي أنتم فيه متاع الحياة الدنيا. # والبغي في اللغة: التطارح في الفساد. # ومن قرأ {متاع} بالرفع احتمل أن يكون خبر بغيكم، ويجوز أن يكون PageV05P3244 # خبر ابتداء محذوف، وتكون {على أنفسكم} خبر بغيكم. وتقدير ذلك " متاع ~~الحياة الدنيا " أو هو متاع الحياة الدنيا، وبين الرفعين فرق: وذلك أنك إذا ~~رفعت " متاع " على أنه خبر " بغيكم "، كان المعنى: إنما بغي بعضكم على بعض ~~متاع الحياة الدنيا مثل: {فسلموا على أنفسكم} [النور: 61]، و {لقد جآءكم ~~رسول من أنفسكم} [التوبة: 128]. # وإذا رفعت " المتاع " على إضمار مبتدأ، وجعلت ms1073 " على أنفسكم " خبر بغيكم ~~كان المعنى: إنما فسادكم راجع عليكم مثل: {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] ~~وهو معنى قراءة / من قرأ بالنصب. ويكون النصب على المصدر أي: تمتعون متاع ~~الحياة الدنيا. # {ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون}: أي: إلينا ترجعون في الآخرة، ~~فنخبركم بعلمكم، ونجازيكم عليه. PageV05P3245 # {بغير الحق}: وقف. (وقف)، إن جعلت {على أنفسكم} منصوبا، (أ) ومرفوعا على ~~إضمار مبتدإ. # قوله: {إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء} إلى قوله ~~{مستقيم}. # قرأ الحسن، والأعرج، وأبو العالية: " وأزينت " على وزن " أفعلت ": أي ~~جاءت بالزينة. وجاء على أصله غير معتل " كاستحوذ ". # وقرئ: " وازيانت " مثل اسوادت. PageV05P3246 # وروى المقدمي " وازاينت والأصل تزاينت على " تفاعلت ". والمعنى: إنما مثل ~~ما تتفاخرون به في الدنيا، وتتباهون به من زينتها وأموالها، (مع) ما خالط ~~ذلك من التنفيض والتكدير والفناء والموت: كماء نزل من السماء فنبت بذلك ~~أنواع النبات مما يأكل الناس: كالحنكة، والشعير، ومما تأكل البهائم من ~~أنواع النبات. فإذا تم نباته، وحسن، وأيقن أهل الزرع أنهم قد ملكوه، ~~وأيقنوا بتمامه، وحصاده، وأن الحشيش لأنعامه مرعى {أتاهآ أمرنا}: أي: أتى ~~الأرض قضاءنا في الليل أو في النهار، فجعلنا ما عليها حصيدا، أي: " مقطوعا ~~مقلوعا ". والمراد به ما على الأرض، واللفظ للأرض. # {كأن لم تغن بالأمس} أي كأن لم يكن ذلك الزرع، والنبات على PageV05P3247 # ظهرها بالأمس، (يقال: غني فلان) بالمكان، إذا أقام به، والمعنى: كأن لم ~~تعمر بالنبات بالأمس. # والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس. وغنينا بمكان كذا أي: نزلناه. ~~والمعنى: وكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم فينفيها. # قال ابن عباس: فاختلط به نبات الأرض: فنبت بالماء من كل لون. # ثم قال: {كذلك نفصل الآيات}: (أي): كما بينا لكم أيها الناس مثال الدنيا، ~~كذلك نبين حججنا، وأدلتنا لمن تفكر، ونظر، واعتبر. والهاء في {أتاهآ أمرنا} ~~تعود على الأرض. وقيل: على الزخرف. أي: أتى زخرفها أمرنا. # وقيل (على) الزينة: أي: أتى زينتها أمرنا ليلا. # وقرأ مرو (ا) ن على المنبر: {حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ms1074 أهلهآ ~~أنهم PageV05P3248 # قادرون عليهآ}. وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها. # وذكر أن كذلك قرأها ابن عباس. # وقال ابن عباس: كذلك أقرأني أبي بن كعب. # وقال قتادة (كأن لم نغن بالأمس): " كأن لم تعش، كأن لم تنعم ". # وكان أبو سلمة بن عند الرحمن يقرأ في قراءة أبي: كأن لم تغن بالأمس، وما ~~أهلكناها إلا بذنوب أهلها، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون. ولا يحسن PageV05P3249 # أن يقرأ أحد بهذه القراءة، لأنها مخالفة لخط المصحف الذي أجمع عليه ~~الصحابة والتابعون. # وقوله: {يتفكرون}: وقف، ووقف أصحاب نافع {أنزلناه من السمآء فاختلط به}، ~~وكذلك {فاختلط} [الكهف: 45] في الكهف. # وتأويل ذلك " كماء أنزلناه من السماء فاختلط بالأرض " ثم استأنف فقال: ~~{به نبات الأرض}: أي بالماء نبات الأرض. # ومن / جعل الوقف (والأنعام) رفع النبات. # {فاختلط}: أي: فاختلط (نبات الأرض) بالماء. # ثم قال تعالى: {والله يدعوا إلى دار السلام} أي: يدعو إلى الجنة التي ~~يسلم من دخلها من الآفات. PageV05P3250 # وقيل: المعنى يدعو إلى دارته لأنه تعالى السلام، وداره الجنة. # {ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم} أي يوفق من يشاء إلى الإسلام وهو طريقه ~~المستقيم الذي لا عوج فيه: وهو سبب رضاه، ورضاه سبب دخول الجنة. # قوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} إلى قوله {خالدون} والمعنى: للذين ~~أحسنوا عبادة الله عز وجل في الدنيا الحسنى وهي الجنة، (وزيادة)، يعني: ~~النظر إلى وجهه جل ذكره، روي ذلك (عن) عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه. # وروى صهيب أن رسول الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار PageV05P3251 # النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجزكموه، ~~فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ~~وينجينا من النار. فيكشف الحجاب، وينظرون إليه جل ذكره. قال: فوالله ما ~~أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من ذلك). # وهذا القول قول أبي موسى الأشعري، وحذيفة، قاله ابن أبي ليلى، وغيرهم: ~~(إن الزيادة): النظر إلى وجه الله تعالى، وذكر كل واحد حديثا (مثل) معنى ~~الحديث ms1075 المذكور عن النبي عليه السلام. PageV05P3252 # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها ~~أربعة أبواب، وقاله النخعي. # وقال ابن عباس: الحسنى واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة: التضعيف إلى ~~تمام العشرة على الواحدة. وهو مثل قوله: {ولدينا مزيد} [ق: 35]: أي: يزيده ~~من فضله. # وقال الحسن: الزيادة هو المجازاة بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف. # وقال مجاهد: الحسنة بحسنة، وزيادة مغفرة من الله ورضوان. # وقيل: الزيادة: ما أعطاهم الله عز وجل في الدنيا ولا يحاسبهم به يوم ~~القيامة. PageV05P3253 # وقال ابن سيرين في قوله تعالى: {فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين} ~~[السجدة: 17]: إنه النظر إلى الله جل ذكره. # وعن ابن عباس أيضا: {أحسنوا} قالوا: لا إله إلا الله، {الحسنى}: الجنة. # (وروى أبو موسى الأشعري أن النبي عليه السلام قال: إن الله عز وجل يبعث ~~يوم القيامة مناديا ينادي أهل الجنة بصوت يسمع به أولهم وآخرهم: إن الله ~~وعدكم الحسنى وزيادة. فالحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. # وقوله: {ولا يرهق وجوههم قتر}: أي لا تغشى وجوههم كآبة والقتر: الغبار ~~وهو جمع قترة. PageV05P3254 # وقيل: هو الغبار الذي معه وساد، روي ذلك عن ابن عباس. # وقال ابن أبي ليلى: ولا يغشاهم ذلك بعد نظرهم إلى الله سبحانه: فهؤلاء ~~الذين هذه صفتهم هم أصحاب الجنة، ماكثون فيها أبدا. # وقيل: الهاء في " فيها " للحسنة، وقيل: للزيادة، وقيل: للحسنى، والزيادة، ~~والجنة. # ثم قال: {والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها}: (أي والذين عملوا ~~السيئات في الدنيا جزاؤهم في الآخرة سيئة بمثلها) أي: عقاب من الله عز وجل ~~على ذلك. # وقيل: المعنى: فله جزاء سيئة بمثلها كما قال: {للذين أحسنوا الحسنى}: أي: ~~جزاء حسنة / بحسنة. # ثم قال: {وزيادة} يريد تمام العشر (ة) على الواحدة. # {وترهقهم ذلة}: أي: تغشاهم، {ذلة ما لهم من الله من عاصم} أي: من مانع من ~~عقابه. PageV05P3255 # ومن قرأ " قطعا " - بفتح الطاء - فهو جمع قطعة. واختاره أبو عبيد لأن ~~المعنى: كأنما غشي وجه (كل إنسان منهم قطعة). ms1076 ثم جمع ذلك لأنه قد جمع ~~الوجه، فعلى كل وجه قطعة و " مظلما " على هذا نصب على الحال من " الليل "، ~~ولو كان نعتا للقطع لقال مظلمة. # ومن قرأ " قطعا " بإسكان الطاء فهو يجوز أن تكون جمع قطعة أيضا، إلا أنه ~~بقي السكون على حاله كما يقول: سدرة، وسدر، وبسرة وبسر. فيكون " مظلما " ~~أيضا على هذا حالا من الليل. PageV05P3256 # ويجوز أن يكون " قطعا واحدا " يريد به ظلمة من الليل، فيكون " مظلما " ~~نعتا له، وإن شئت حالا من الليل أيضا. # وقيل معناه: بقية من الليل كما قال: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: ~~81، والحجر: 65]: أي: ببقية منه، وهو اسم ما قطع من الليل وفي قراءة أبي: " ~~كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم ". # ومعنى ذلك: كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات ذلك. # وقوله: {جزآء سيئة بمثلها}: الباء زائدة، و {جزآء} مبتدأ، و {بمثلها}: ~~الخبر. # وقيل: " الباء " غير زائدة. وفي الكلام معنى الشرط، والمعنى: فله جزاء ~~السيئة بمثلها. فالباء صلة للجزاء. # قوله: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم} إلى قوله: ~~{لغافلين} {مكانكم}: # نصب بإضمار فعل، والمعنى: امكثوا مكانكم، وقفوا موضعكم. (جميعا): حال PageV05P3257 # (من الهاء والميم) في نحشرهم. # والمعنى: نحشرهم لموقف الحساب، ثم نقول للذين أشركوا بالله سبحانه غيره، ~~{مكانكم أنتم وشركآؤكم}: أي: انتظروا حتى يفصل بينكم. و " مكانك وانتظر ": ~~فتوعد بهما العرب. # {فزيلنا بينهم}: أي فرقنا بين المشركين وما كانوا يعبدون من دون الله، من ~~قولهم: زلت الشيء عن الشيء فأنا أزيله: إذا أنجيته، وزيلنا على التكثير. # وحكى الفراء أنه قرأ " فزايلنا ". يقال: لا أزايل فلانا: أي: لا أفارقه، ~~لا أخاتله. فمعنى زايلنا: معنى: زيلنا. والعرب تفعل ذلك في فعلت " يلحقون ~~أحيانا الألف مكان التشديد فتقول: فاعلت، والفعل واحد. # {وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون}: أي: تقول آلهتهم التي عبدوها في ~~الدنيا PageV05P3258 # (لهم): لم تكونوا إيانا تعبدون لأنا ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ~~ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا. # قال مجاهد: تكون يوم القيامة ساعة فيها شدة تنصب لهم ms1077 آلهتهم التي كانوا ~~يعبدون. فتقول الآلهة: والله ما كنا نسمع، ولا نبصر، ولا نعقل، ولا نعلم ~~أنكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: والله لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة: ~~{فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين}. # وكان مجاهد يتأول الحشر هنا الموت. # قوله: {هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت} إلى قوله {لا يؤمنون}. # {هنالك}: نصب على الظرف، واللام زائدة، وكسرت لالتقاء الساكنين، والكاف ~~للخطاب. والمعنى: في ذلك الوقت. # ومن / قرأ " تتلو " بتاءين فمعناه: في ذلك الوقت تتبع كل نفس ما قدمت من ~~عمل. PageV05P3259 # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يمثل لكل قوم ما كانوا ~~يعبدون من جون الله سبحانه فيتبعونه حتى يردوا بهم إلى النار. ثم تلا هذه ~~الآية ". # والعرب تقول: فلان " يتلو طريقة أبيه ": أي: يتبع، ومنه قوله: {ويتلوه ~~شاهد منه} [هود: 17]. # وقيل: معنى {تبلوا} تقرأ. أي: في ذلك الوقت يقرأ كل إنسان ما أسلفه في ~~الدنيا من عمل، أي: يقرأ كتاب حسابه كما قال: {ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا} [الإسراء: 13]. # وقال ابن زيد: تتلو: تعاين ما عملت. PageV05P3260 # ومن قرأ " تبلو " فمعناه: تختبر كل نفس ثواب ما عملت من خير، أو شر. ~~وتصديق ذلك قوله: {يوم تبلى السرآئر} [الطارق: 9]، والقراءتان متقاربتان، ~~لأن من اختبر شيئا فقد اتبعه ليختبره ومن اتبع شيئا فهو أقرب الناس إلى ~~اختباره وقراءته ومعاينيه. # قوله: {مولاهم الحق} يجوز نصب الحق على المصدر المؤكد لردوا، أو لمولاهم. ~~ويجوز نصبه على المدح بمعنى " أغنى " ويجوز الرفع على " هو مولاهم الحق "، ~~والخفض على النهت لله عز وجل. # { وضل عنهم}: أي: بطل ما كانوا يفترون، أي: يتخرصون من الأنداد والآلهة. ~~و " ما " والفعل مصدر في موضع رفع ب (ضل). PageV05P3261 # ثم قال تعالى: {قل من يرزقكم من السمآء والأرض}: أي: من ينزل من السماء ~~الغيث، ومن خلق المصالح التي بها تم معاشكم: من شمس وريح، وحر وبرد. ومن ~~الأرض والنبات، والعيون والمنافع. # {أمن يملك السمع والأبصار}: أي: يملكها، ويزيد في قواها، أو يسلبكموها ~~ومن ms1078 يملك الأبصار أن تضيء لكم، أو يذهب بنورها. ومن يخرج الحي من الميت، ~~ويخرج الميت من الحي. قد تقدم ذكرها في آل عمران. # قوله: {ومن يدبر الأمر}: أي: " أمر السماء والأرض ومن فيهن " {فسيقولون ~~الله}: أي: الذي فعل ذلك الله عز وجل فقل له يا محمد: {أفلا تتقون}: أي: " ~~أفلا تخافون عقاب الله سبحانه على شرككم ". # {فسيقولون الله}: وقف. # ثم قال تعالى: {فذلكم الله ربكم}: أي: ذلكم الله الذي فعل هذه PageV05P3262 # الأشياء واخترعها هو {ربكم الحق}: أي: الذي لا شك فيه. # {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (المعنى: أي: منزلة بعد الحق إلا الضلال. ~~أي: من ترك الحق حل في الضلال). # {فأنى تصرفون} أي: من أين تصرفون عن الحق، وأنتم مقرون بالله سبحانه ~~مخترع جميع هذه الأشياء. # ثم تعبدون من لا يخلق شيئا، ولا يملك ضرا ولا نفعا. # {كذلك حقت كلمت ربك} الكاف من كذلك في موضع نصب والتقدير: كما صرف هؤلاء ~~عن الحق إلى الضلال {كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا}: أي: خرجوا من دين ~~الله سبحانه. {أنهم لا يؤمنون}: أن في موضع نصب على معنى بأنهم، أو لأنهم. # وقال الزجاج: يجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من الكلمات، وأجاز ~~الأخفش، والفراء في الكسر في أن على الإلزام لترك الإيمان. PageV05P3263 # وقيل: المعنى " حق عليهم أنهم لا يؤمنون ". " فإن ": في موضع رفع خبر " ~~حق ". # ومعنى: (حقت عليهم كلمات ربك): أي: وجب عليهم في علمه، وفي السابق في ~~اللوح المحفوظ {أنهم لا يؤمنون}. # قوله: {قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} إلى قوله {تحكمون}: # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: / {هل من شركآئكم} أي: آلهتكم. {من ~~يبدأ الخلق} أي: ينشؤه من غير أصل، ولا مثال، {ثم يعيده}: أي: ثم يفنيه، ~~إذا شاء، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيه، فإنهم لا يدعون ذلك لآلهتهم. ~~وينقطعون، فقل لهم: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده} بعد إفنائه {فأنى تؤفكون}: ~~أي: من أي وجه تصرفون وتقلبون عن الحق. {ثم يعيده}: وقف. # ثم ms1079 قال تعالى: {قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق} وسيبويه يمنع الكسر ~~في (يهدي) في الياء، ويجيزه في التاء، والنون، والهمزة لأن الكسر ثقيل في ~~الياء، PageV05P3264 # والكسر في الهاء إنما يجوز لالتقاء الساكنين. # وأما قراءة من قرأ يهدي بالتخفيف والإسكان. فقال الكسائي والفراء: (يهدي) ~~بمعنى (" يهتدي "). # وقال المبرد: لا يعرف " هدى " بمعنى " اهتدى " قال: ولكن التقدير: أمن لا ~~يهدي غيره. ثم قال: {إلا أن يهدى} على الاستثناء المنقطع، كأنه تم الكلام ~~عند قوله {أمن لا يهدي} ثم استأنف فقال: " لكنه يحتاج أن يهدي ". # وروي عن ابن عامر: " إلا أن يهدي " بالتشديد. # وقوله: {فما لكم} هذا تمام الكلام عند الزجاج، والمعنى: فأي شيء لكم في ~~عبادة الأصنام. PageV05P3265 # ثم قال: (لحين تحكمون) كيف في موضع نصب ب " تحكمون ". # ومعنى الآية هل من شركائكم من يهدي إلى الحق، أي: يرشد إليه ضالا. فإنهم ~~لا يدعون ذلك، إذ عجزهم يمنعهم من ذلك. فقل لهم يا محمد: {الله يهدي للحق}: ~~أي: يرشد الضلال إلى الهدى. # {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع} إلى ما يدعو إليه {أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى}: أمن لا ينتقل من مكانه إلا أن (ينقل): وقف، {إلا أن يهدى} وقف. {فما ~~لكم} وقف عند أبي حاتم، والزجاج، وابن الأنباري. PageV05P3266 # وقال غيرهم: {كيف تحكمون} هو التمام. # قوله: {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا} إلى قوله ~~{من رب العالمين} # والمعنى: ما يتبع أكثر هؤلاء إلا ظنا، أي: يتبعون ما لا علم لهم بحقيقته، ~~وإنما هم في اتباعهم ما يتبعون على شك. # {إن الظن لا يغني من الحق شيئا}: أي: " إن الشك لا يغني من اليقين شيئا، ~~ولا يقوم في شيء مقامه ". # ثم قال تعالى: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} أي: ما كان ~~افتراء، ولكنه من عند الله سبحانه. وقيل: المعنى: ما كان لأحد أن يأتي به ~~من عند غير الله، وينسبه إلى الله عز وجل لإعجازه. # {ولكن تصديق الذي بين يديه}: ms1080 أي: ولكن كان تصديق التوراة، والإنجيل، ~~وغيرهما من الكتب. # {وتفصيل الكتاب}: أي: وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد في PageV05P3267 # سابق علمه، من المفروض في الأعمال، والسعيد الشقي. {لا ريب فيه} أي: لا ~~شك أنه كذلك. # وقيل: المعنى: ولكنه تصديق الشي الذي القرآن بين يديه، وهو: الكتب ~~المقتدمة، مثل القول الأول في المعنى. # وقيل: إن هذا إنما هو جواب لقولهم {ائت بقرآن غير هاذآ} [يونس: 15]، أو ~~جواب / لقولهم {افتراه} [يونس: 38]. # قوله: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله} إلى قوله {عاقبة الظالمين} # أم: هنا بمنزلة الألف، لأنها قد اتصلت بكلام قبلها، ولا تكون كالألف ~~مبتدأ بها: وقيل: هي هنا بمعنى: بل. وقيل: إنها تغني عن الألف وبل. # ومعنى الكلام: " هذا تقرير لهم لإقامة الحجة عليهم ". ومعناه: أيقول: PageV05P3268 # هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن من عند نفسه. # فأمر الله عز وجل نبيه أن يقول لهم: ما نبين لهم أنه لا يمكن أن يكون من ~~عند بشر، فإن أمكن فقل لهم يا محمد: {فأتوا بسورة مثله} أي: مثل هذا ~~القرآن. فإذا لم تقدروا وأنتم جماعة فصحاء، دل عجزكم على أن محمدا لم ~~يختلقه من عند نفسه، إذ لا يمكن أن يكون من عند بشر، بدلالة عجزكم عن ~~الإتيان بسورة مثله. # وقيل: المعنى: ايتوا بسورة مثل سورته، ثم حذفت السورة مثل: {وسئل القرية} ~~[يوسف: 82]. # ثم قال تعالى: {وادعوا من استطعتم (من دون الله)}: أي: استعينوا بمن ~~قدرتم عليه في الإتيان بالسورة، واجتهدوا، وأجمعوا أولياءكم، وشركاءكم من ~~دون الله سبحانه للمعونة على ذلك فأتوا بذلك {إن كنتم صادقين} في قولكم: إن ~~محمدا اختلقه. PageV05P3269 # ثم قال تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه}: يعني: الوعيد الذي توعدوا ~~له لم يروه بعد، ولم يحيطوا بعلمه فكذبوا به (ولما يأتهم تأويله) أي: لم ~~يأتهم بعدما يؤول إليه أمرهم. فالمعنى: إنهم يا محمد إنما كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه، وليس بهم التكذيب لمحمد. # {كذلك كذب الذين من قبلهم}: أي: كذا كانت سبيلهم وقيل: المعنى: كما كذب ~~هؤلاء ms1081 يا محمد كذبت الأمم التي من قبلهم {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين}: ~~أي: اعتبر كيف أهلك بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالغرق، وبعضهم بالريح، وبعضهم ~~بالخسف، فإن عاقبة هؤلاء الذين كذبوك كعاقبة من تقدم من الأمم. # {ولما يأتهم تأويله}: وقف حسن. # قوله: {ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به} إلى قوله {يظلمون} # أخبر الله عز وجل نبيه في هذه الآية: أن من قريش من يؤمن بالقرآن فيما PageV05P3270 # يستقبل، ومنهم من لا يؤمن به أبدا. سبق كل ذلك في علمه تعالى. # وقيل: المعنى: ومنهم من يصدق بالقرآن، ويظهر الكفر عنادا، واتقاء على ~~رياسته، {ومنهم من لا يؤمن به} سرا ولا علانية. # ثم قال تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم} أي: لي ديني وجزاؤه، ~~ولكم دينكم وجزاؤه. # {أنتم بريائون ممآ أعمل} لا تؤاخذون به {وأنا برياء مما تعملون} لا أؤاخذ ~~به: هذا مثل قوله: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 1 ~~- 2]. وهذا كله أمر بالمواءمة نسخ ذلك بالأمر نسخ ذلك بالأمر بالمحاربة، ~~والقتل في " براءة " وغيرها. # وقيل: معناه، وفائدته: فقل لي علم عملي: أي: ذلك عندي، وعلم عملكم عندكم، ~~أي: عندي علم ثواب عملي، وهذا مثل قول النبي، عليه السلام، " كل عمل ابن PageV05P3271 # آدم له إلا الصوم "، أي: عنده علم ثوابه: الحسنة بعشر أمثالها، إلا ~~الصوم، فهو أعظم أجرا من ذلك. # وقال ابن زيد: هذه الآية منسوخة، نسخها الأمر بالقتال. # ثم قال: {ومنهم من يستمعون إليك}: أي: / يستمعون القرآن. # قوله: {أفأنت تسمع الصم} أي: تخلق لهم سمعا، ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون ~~به، فكأنهم من شدة عداواتهم، وانحرافهم عن قول النبي بمنزلة الصم. # وقيل: إن هذا إعلام من الله عز وجل لعباده أن التوفيق إلى الإيمان بيد ~~الله، ومثله الكلام على قوله: {ومنهم من ينظر إليك}: وهو نظر الاعتبار إلى ~~حجج النبي وإعلامه على نبوءاته ولكن الله عز وجل سلبه التوفيق فلا يقدر أحد ~~على هدايته، كما PageV05P3272 # لا يقدر أحد أن يحدث للأعمى بصرا. # هذه الآية ms1082 تسلية من الله، جل ذكره، لنبيه عن جماعة من كفر به من قومه. # وقيل: المعنى: ومنهم من يقبل عليك بالاستماع، والنظر، وهو كالأصم، ~~والأعمى من بغضه لك يا محمد، وكراهيته لما يراه من آياتك، فهو كالأصم، ~~والأعمى، إذ لا ينتفع بما يرى، ولا بما يسمع كما قال: {ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} [الأحزاب: 19]. # ثم قال تعالى ذكره: {إن الله لا يظلم الناس شيئا}: أيك لا يبخسهم حقهم، ~~فيعاقبهم بغير كفر {ولكن الناس أنفسهم يظلمون}. # وقال الفراء: إذا كانت " لكن " لا واو معها أشبهت " بل ". PageV05P3273 # فتؤثر العرب تخفيفها، ليكون ما بعدها بمنزلة " ما " بعد " بل " من ~~الابتداء والخبر إذا كانت مثل " بل "، وإذا كانت معها الواو، وخالفت بل، ~~فتؤثر العرب التشديد لينصبوا ما بعدها، فيخالفوا به ما بعد بل، كما خالفت ~~هي بل. والناس يظلمون أنفسهم باكتسابهم الخطايا التي توجب العقاب على ~~أنفسهم. # والمعنى: أن الله جل ذكره، لم يهمل الناس، بل أرسلهم إليهم الرسل، وأنزل ~~عليهم الكتب، واتخذ عليهم الحجة بالعقل، والسمع، والبصر. ثم جازاهم ~~بأعمالهم بعد أن أمرهم، ونهاهم، فأكرم الطائع، وأهان العاصي، وهذا هو العدل ~~الظاهر البين. # قوله: {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار} إلى قوله {ولا ~~يستقدمون} # المعنى: ويوم نحشر هؤلاء المشركين، كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة ~~من نهار يتعارفون بينهم، ثم انقطعت المعرفة. الآن وقد خسروا أنفسهم ~~بتكذيبهم بآيات الله عز وجل ولقائه سبحانه. PageV05P3274 # {وما كانوا مهتدين}: أي: موفقين للهدي. # وقيل: معنى {يتعارفون بينهم} أي: يعرف بعضهم بعضا بالإضلال والفساد، ~~والجحود. وذلك أشد لتوبيخهم. # وقيل: المعنى {يتعارفون بينهم} يقولون: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله. # ومعنى: {لم يلبثوا إلا ساعة من النهار} أي: قرب عندهم موتهم، وبعثهم كما ~~قالوا: {لبثنا يوما أو بعض يوم} [الكهف: 19 والمؤمنون: 113]. # ثم قال تعالى: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم (أو نتوفينك)}: أي: " نرينك يا ~~محمد في حياتك بعض الذي تعد هؤلاء المشركين من العذاب، {أو نتوفينك} قبل أن ~~نريك ذلك فيهم ms1083 "، {فإلينا مرجعهم} بكل حال {ثم الله شهيدثم الله شهيد على ~~ما يفعلون} على أفعالهم. # قال مجاهد: الذي أراه وقعة بدر. # وقيل: المعنى: أن الله أعلم نبيه (" إن لم ينتقم منهم في العاجل انتقم PageV05P3275 # منهم في الآجل " وقد تقدم ذكره. # {ثم الله شهيد على ما يفعلون} وذكر معنى، ثم قال: {ولكل / أمة رسول}: أي: ~~وأرسل إلى كل أمة خلت رسولا كما أرسل محمدا إليكم أيها الناس لينذركم. # {فإذا جآء رسولهم} يعني: في الآخرة {قضي بينهم بالقسط} أي: بالعدل. # قال مجاهد: إذا جاء رسولهم يعني: يوم القيامة. # وقيل: المعنى: ولكل أمة رسول يشهد عليهم، فإذا جاء رسولهم يوم القيامة ~~للشهادة عليهم {قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}، وهو مثل قوله: {فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] والمعنى ~~الأول مثل قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]. # ثم قال تعالى ذكره حكاية عن قول المشركين: PageV05P3276 # {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}: أي: متى قيام الساعة التي تعدنا ~~به يا محمد. فأمر الله عز وجل أن يقول لهم: {لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~إلا ما شآء الله} أن أملكه فادفع عنها به الضر وأجلب إليها به النفع. فأنا ~~إذا كنت لا أقدر على نفع نفسي، ولا أقدر على دفع الضر عنها (فأنا عن القدرة ~~على الوصول إلى) علم الغيب، ومعرفة قيام الساعة (أعجز وأعجز إلا بمشيئته لي ~~في ذلك). # {لكل أمة أجل} أي: لكل قوم ميقات لانقضاء مدتهم، لا يستأخرون عنه ساعة، ~~ولا يتقدمونه بساعة. وذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات، والوقت المقدر ~~في انقضاء مدتهم: أقل من الساعة وأقرب. # قوله: {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا} إلى قوله {تكسبون}. # قوله: {منه المجرمون} الهاء: تعود على العذاب، وقيل: على اسم الله عز ~~وجل. PageV05P3277 # ويشهد لرجوعها على " العذاب " قوله: {ويستعجلونك بالعذاب} [الحج: 47 ~~والعنكبوت: 53]، ويشهد لرجوعها على الله سبحانه قوله: {بعذاب واقع * ~~للكافرين ليس له دافع} [المعارج: 1 - 2]، فإذا جعلتها عائدة على " العذاب ms1084 ~~"، " فما " في موضع رفع بالابتداء، وإذا جعلتها بمعنى " الذي " خبر " ما " ~~ويجوز أن تكون " ما " و " ذا " شيئا واحدا في موضع رفع. والخبر في الجملة، ~~وإن جعلت " الهاء " تعود على اسم الله سبحانه وجعلت " ما " و " ذا " اسما ~~واحدا كانت " ما " في موضع نصب بمستعجل والمعنى: أي شيء يستعجل من الله ~~المجرمون، وإن جعلت " ما " اسما، و " ذا " بمعنى " الذي " كانت كالأولى: ~~ابتداء وخبر. وكون الهاء تعود على العذاب أحسن لقوله: {أثم إذا ما وقع ~~آمنتم به}. والمعنى: قل لهم يا محمد: أرأيتم إن أتاكم هذا الذي تستعجلون به ~~من العذاب PageV05P3278 # ليلا أو نهارا ما يستعجل من نزول العذاب المجرمون، وهم لا يقدرون على ~~دفعه. # فمعنى الكلام: الإنكار عليهم لاستعجالهم بأمر، لا يقدرون على دفعه إذا حل ~~بهم. ثم قال تعالى: {أثم إذا ما وقع آمنتم به}. # قال الطبري: " أثم " بمعنى " هنالك " إذا وقع العذاب بكم آمنتم بالله عز ~~وجل. وليست عنده، ثم التي للعطف وهو غلط منه. وإنما التي تكون بمعنى " ~~هنالك " هي المفتوحة / الثاء بمنزلة قوله: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما} ~~[الإنسان: 20]. والتقدير عند غيره أنها " ثم " التي للعطف. وفي الكلام حذف. ~~والتقدير: أتأمنون إذا نزل بكم العذاب، فتؤمنون ثم يقال لكم: الآن آمنتم، ~~وقد كنتم تريدون استعجاله، وحلوله بكم، فلما عاينتم حلوله آمنتم حين لا ~~ينفعكم الإيمان، وهو مثل قوله: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} ~~[غافر: 84] إلى قوله {بأسنا} [غافر: 85]: أي: لم ينفعهم الإيمان PageV05P3279 # عند معاينة العذاب. كذلك سنة الله عز وجل في الكافرين لا يقيلهم من كفرهم ~~عند معاينتهم العذاب. # و" آلآن " عند الفراء أصلها: أوان، ثم حذغت الهمزة الثانية منها، وقلبت ~~الواو ألفا، ثم دخلت الألف واللام وبنيت على الفتح. # وقيل: أصلها " آن " مثل " حان " ثم دخلتها الأف واللام، وبقيت على فتحها ~~مثل: " قيل، وقال ". # وقال الزجاج: لا يحسن هذا القول: لأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه الألف ~~واللام، كما لا تدخل على " قيل ". # وقال سيبويه: سبيل الألف واللام أن يدخلا لمعهود، ms1085 و " الآن ": ليس ~~بمعهود، وإنما معناه: " نحن في هذا الوقت نفعل كذا، فلما تضمنت هذا بنيت ~~على الفتح ". PageV05P3280 # قوله: {ثم قيل للذين ظلموا}: أي: ظلموا أنفسهم. # {ذوقوا عذاب الخلد}: أي: العذاب الدائم. هل تجزون إلا ما علمتم في حياتكم ~~من المعاصي، وما اكتسبتم في دنياكم. # قوله: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق} إلى قوله {ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون}. # {أحق هو} هو: ابتداء، وخبره " أحق ". # وقال سيبويه: (أحق): ابتداء، وهو فاعل يسد مسد الخبر. # ومعنى الآية: ويستخبرك يا محمد هؤلاء المشركون: أحق ما تعدنا به من ~~الآخرة، ومن المجازاة على أعمالنا. قل لهم يا محمد: {إي وربي}: نعم وربي: ~~{إنه لحق} أي: إن الذي يعدكم من ذلك، لحق آت لا شك فيه. # {أنتم بمعجزين}: أي: لستم تعجزون الله إذا أراد بكم أمرا بهرب، ولا PageV05P3281 # امتناع. # {إي وربي}: وقف، كما تقول: " نعم والله ". والتمام: إنه لحق. ثم قال ~~تعالى: {ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض}: " أن ": في موضع رفع فعل مضمر، ~~لأن حق لو (أ) لا يليها إلا الفعل مضمرا، أو مظهرا. فسبيل ما بعدها أن يكون ~~مرفوعا بالفعل المقدر. والمعنى: ولو أن لكل نفس كفرت بالله سبحانه، وآياته، ~~(جلت عظمته) ما في الأرض، من قليل، أو كثير لافتدت به من عذاب الله إذا ~~عاينته. وذلك لا يكون لها أبدا، ولو كان لها لافتدت به، ولو افتدت به لم ~~يقبل منها. # قوله: {وأسروا الندامة}: أي: أسر كثيرا. وهي الندم من ضعفائهم حين عاينوا ~~العذاب، وعلموا أنه واقع بهم. # وقيل: المعنى: (وأسروا): أظهروا الندامة عند ذلك. # قال المبرد: معناه: بدت الندامة في أسرة وجوههم، وهي الخطوط التي في ~~الجبهة، واحدها سرار. PageV05P3282 # {وقضي بينهم بالقسط}: أي: بالعدل. # ثم قال تعالى منبها: (أنه غني عما في الأرض (و) لو افتدوا به) وأنه لا ~~يملك هذا الكافر شيئا: {ألا إن لله ما في السماوات والأرض}: فليس للكافر ~~شيء يفتدي به. # ثم قال: {ألا إن وعد الله حق}: أي: عذابه الذي استعجله / هؤلاء ms1086 المشركون ~~حق واقع لا شك فيه. # {ولكن أكثرهم لا يعلمون}: حقيقة ذلك، فهم من أجل جهلهم يكذبون. # قوله: {هو يحيي ويميت وإليه ترجعون} إلى قوله: {خير مما يجمعون}. # والمعنى: والله عز وجل يحيي ويميت، فلا يتعذر عليه إحياؤهم بعد مماتهم. ~~{وإليه ترجعون}. # و" ألا " في جميع هذا تنبيه. # ثم قال تعالى: {يا أيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما في ~~الصدور}: وهو القرآن، يذكركم عقاب الله عز وجل، وثوابه، جلت عظمته. PageV05P3283 # {من ربكم}: أي: لم يختلق ذلك محمد، بل هو من عند الله عز وجل، { وشفآء ~~لما في الصدور}: أي: دواء لما في الصدور من الجهل بالله سبحانه، وآياته، ~~وفرائضه، وطاعته، ومعاصيه. # {وهدى}: أي: " وبيان لحلاله وحرامه ". # {ورحمة للمؤمنين} أي: يرحم به من يشاء من خلقه، فينقذه به من الضلالة إلى ~~الهدى، فهو رحمة للمؤمنين، وعمى للكافرين، كما قال: {وهو عليهم عمى} [فصلت: ~~44]. # ثم قال تعالى: قل - يا محمد - {بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} أي: ~~بفضل الله عز وجل، وهو الإسلام الذي تفضل على العباد المؤمنين بالهداية ~~إليه وبرحمته سبحانه التي رحمكم، فاستنقذكم من الضلالة. {فبذلك فليفرحوا}: # وعن ابن عباس أنه قال: فضل الله عز وجل القرآن، ورحمته سبحانه أن جعلهم PageV05P3284 # من أهل القرآن. وهو قول مجاهد. # والعرب تأتي " بذلك " للواحد والاثنين والجمع، وهو هنا للاثنين. وقرأ ~~يزيد ابن القعقاع: " فلتفرحوا " بالتاء، ورواها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقرأ أبي بالتاء في الحرفين. وفي حرف أبي: " فبذلك فافرحوا ". # وقيل: الفضل هنا الإسلام، والرحمة: القرآن، قاله ابن عباس، وقتادة. وقال ~~أبو سعيد الخدري الفضل: القرآن، والرحمة: أن جعلكم من أهله. # وروي عن ابن عباس أيضا: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام. وهو قول زيد ~~ابن أسلم، والضحاك. PageV05P3285 # {خير مما يجمعون}: أي: من الأموال. ومن قرأ " فلترحوا " بالتاء، ويجمعون ~~بالياء. فمعناه: فبذلك فافرحوا يا أيها المؤمنون. هو خير مما يجمع الكفار ~~من الأموال. # ومن قرأهما بالتاء، فعلى المخاطبة للمؤمنين. # ومن قرأهما بالياء، فعلى الأمر للكفار: أي: فبالقرآن، والإسلام فليفرح ~~هؤلاء المشركون. ms1087 {هو خير مما يجمعون}: من الأموال. {ما في السماوات والأرض} ~~[يونس: 55]: وقف. {يوم القيامة} [يونس: 60]: وقف عند أحمد بن جعفر. PageV05P3286 # قوله: {قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق} - إلى قوله - {يشكرون}: # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم الذي أنزل الله إليكم من ~~رزق، وحولكموه فحللتم بعضه، وحرمتم بعضه: وذلك أنهم كانوا يحرمون بعض ~~أنعامهم، وبعض زروعهم، وقد ذكر ذلك في المائدة، والأنعام. # ومعنى الآية: أنها نهي عن تحليل ما حرم الله. وعن تحريم ما أحل الله ~~سبحانه، وعن تحليل ما لم يأذن الله بتحليله، وتحريم ما لم يأذن بتحريمه. # {ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون}: أي: تختلقون ما لم يأمر به. # ثم قال تعالى: {وما ظن الذين يفترون على الله الكذبإن الله لذو فضل على ~~الناس} أي: ما ظن هؤلاء الذين PageV05P3287 # يحرمون ما أحل الله، فيختلقون ما لم يأمر به، ويتخرصون عليه / ما لم يقل. # إن الله يفعل بهم يوم القيامة، أيحسبون أنه يصف عنهم؟ كلا، بل يصليهم ~~سعيرا. # {إن الله لذو فضل على الناس}: أي: ذو تفضل على خلقه، بتركه معاجلة من ~~افترى على الله الكذب بالعقوبة في الدنيا. # {ولكن أكثرهم لا يشكرون} على تفضل الله عز وجل عليهم. # قوله: {وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن} # قوله: {تتلوا منه}: " التاء " تعود على الشأن. والمعنى " وما تتلو من ~~الشأن. أي: من أجل الشأن، أي: يحدث شأن، فيتلى القرآن من أجله ليعلم كيف ~~حكمه ". # وقال الطبري: {وما تتلوا منه}: أي: من كتاب الله عز وجل. # { ولا تعملون من عمل}: أي: عملا. " ومن " زائدة للتأكيد. # {إلا كنا عليكم شهودا}: أي: " إلا ونحن شهود لأعمالكم " إذا عملتموها. ~~ومعنى: {إذ تفيضون فيه}: أي: إذ تفعلون. PageV05P3288 # وقال الضحاك: المعنى: إذ " تشيعون " في القرآن من الكذب وقيل: المعنى: " ~~إذ تنتشرون فيه ". # وقيل: إذ " تأخذون فيه ": أعلم الله عز وجل المؤمنين أنهم لا يعملون عملا ~~إلا كان شاهده وقت عملهم له. # ثم قال: {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة} أي: ms1088 وما يغيب عن ربك مثقال ذرة. # " ولا أكبر ولا أصغر ". عن نصب عطفه على لفظ " مثقال "، وعلى لفظ " ذرة ~~". وهو لا ينصرف، وموضعه خفض. ومن رفع، رفعه على موقع مثقال، لأن " من " ~~زائدة للتوكيد. # والمعنى: ليس يغيب عن ربك يا محمد من أعمال العباد زنة ذرة، وهي النملة PageV05P3289 # الصغيرة. ولا يغيب {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين}: أي: هو ~~محصى في كتاب مبين: فكل عنده في اللوح المحفوظ، ومن باطن وظاهر، والحفظة ~~يكتبون ما ظهر لهم من الأعمال التي تقدمت في اللوح المحفوظ، وما خفي عنهم ~~من أعمال بني آدم، وأسرارهم لا يكتبونه ولا يعلمونه. وعلمه كله عند الله عز ~~وجل مثبت في اللوح المحفوظ، لا يعزب عنه منه شيء. # قوله: {ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} إلى قوله {الفوز ~~العظيم}. # " ألا ": تنبيه، وأولياؤه ": قوم يذكر الله عز وجل عند رؤيتهم، لما عليهم ~~من سمات الخير، والإخبات: قاله ابن عباس. # وروي ذلك عن النبي، عليه السلام. # وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن من عباد الله عبادا ~~يغبطهم الأنبياء والشهداء. قيل: من هم يا رسول الله؟ لعلنا نحبهم. قال: هم ~~قوم متحابون في PageV05P3290 # الله عز وجل من غير أموال، ولا أنساب. وجوههم نور، على منابر من نور، لا ~~يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ: {ألا إن أوليآء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} " # ثم قال تعالى: {الذين آمنوا (وكانوا) يتقون}: أي: هم الذين آمنوا بالله ~~عز وجل ورسوله، وبما جاء من عند الله سبحانه {وكانوا يتقون}: محارمه. {لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} قال عروة بن الزبير، ومجاهد: " هي ~~الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له ". # قال أبو الدرداء: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم، عن هذه الآية فقال: ~~هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل، وترى له، وهي / جزء من سبعة وأربعين جزءا ~~من النبوءة ". PageV05P3291 # وعن ابن عباس أنه قال: هو قول ms1089 الله عز وجل لنبيه: {وبشر المؤمنين بأن لهم ~~من الله فضلا كبيرا} [الأحزاب: 47] قال: " (هي) الرؤيا الصالحة ". وبشرى ~~الآخرة الجنة. وعلى هذا أكثر أهل التفسير. وقال قتادة، والزهري هي: بشرى ~~عند الموت في الدنيا. # وقال الضحاك: يعلم أين هو قبل الموت، ويدل على هذا القول قوله: {يبشرهم ~~(ربهم) برحمة منه} [التوبة: 21] الآية. # وقوله: {تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا} الآية. [فصلت: 30]. PageV05P3292 # وقال أبو ذر: " سألت النبي عليه السلام: فقلت: الرجل يعمل لنفسه خيرا، ~~ويحبه الناس. فقال: تلك عاجل بشرى المؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة إأذا ~~أخرجوا من قبورهم ". # {لا تبديل لكلمات الله}: أي: لا خلف لوعده. لا بد أن يكون ما قاله تعالى. # {ذلك هو الفوز}: أي: البشرى في الحياة الدنيا، وفي الآخرة: {هو الفوز ~~العظيم}. والفوز: الظفر. # قوله: {لكلمات الله} وقف. # قوله: {ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا} إلى قوله {بما كانوا يكفرون} # والمعنى: ولا يحزنك يا محمد تكذيبهم لك، واستطالتهم عليك. # {إن العزة لله جميعا}: أي: له عزة الدنيا والآخرة، فهو ينتقم من هؤلاء. # {هو السميع العليم}: أي: ذو سمع لما يقولون، وما يقول غيرهم، وذو علم PageV05P3293 # بهم وبغيرهم، ودل هذا النص على أن كل عزيز في الدنيا فالله ( عز وجل) . ~~أعزه، وكل ذليل، فالله سبحانه أذله. # ثم قال تعالى: {ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض}: أي: له كل شيء. ~~فكيف يعبد هؤلاء غيره؟ فليس يدعون في عبادتهم الأصنام شركاء له لأن كل شيء ~~له. ما يتبعون في عبادتهم لها إلا الشك، وما هم إلا يتخرصون والعامل الناصب ~~للشركاء: " يدعون "، ولا يعمل فيه " يتبع " لأنه نفي عنهم. وقد أخبرنا الله ~~أنهم يعبدون الشركاء. ومفعول " يتبع " قام مقامه. # {إن يتبعون إلا الظن} لأنه هو، فكأنه قال: وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء إلا الظن. فالظن مفعول " يتبع "، و " شركاء " مفعول يدعون. # قوله: {هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه}: أي: تستريحون فيه من PageV05P3294 # تصرفكم. وجعل النهار مبصرا فيه على النسب بمنزلة {عيشة ms1090 راضية} [الحاقة: ~~21]. # {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}: أي: يسمعون هذه الأدلة فيفهمونها، ~~ويتعظون بها. # ثم قال تعالى حكاية عن قوم الكفار: {قالوا اتخذ الله ولدا} يعني: قولهم: ~~إن الملائكة بنات الله. # سبحانه: أي تنزيها له من ذلك، ومن كل السوء. {هو الغني} أي: الغني عن ~~خلقه، فلا حاجة له إلى ولد. # {له ما في السماوات وما في الأرض} أي: يملك جميع ذلك، فأي حاجة له إلى ~~ولد، وكيف يكون عبده ولدا له. وأيضا: فقد أقررتم أيها الجاهلون أنه لا شبه ~~له، ولا مثل، وعلمتم أن الولد يشبه الوالد، وأنه من جنس والده يكون. فواجب ~~أن يكون الولد الذي ادعيتم مثل الوالد. فقد أوحيتم بذلك أن له مثلا، ~~وشبيها، لأن ولده / مثله. وإذا وجب ذلك زالت عنه صفة {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11]. وإذا زالت هذه الصفة عنه، فقد PageV05P3295 # نقصت صفاته عن الكمال. والناقص محدث، ففي إيجابكم له الولد، إيجابكم أنه ~~محدث، وتعطيل للربوبية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. لا إله إلا هو، لم ~~يلد ولم يولد، فلا شبيه له ولا مثيل، ولا نظير. ليبس كمثله شيء، لا إله إلا ~~هو. () # قوله: {إن (عندكم) من سلطان بهاذآ}: أي: ما عندكم أيها القوم من حجة ~~بقولكم. {أتقولون على الله ما لا تعلمون}: أي: لا تعلمون حقيقته، وصحته، ~~فتضيفون ذلك إلا من يجوز إافته إليه بغير حجة. # ولا برهان. # ثم قال تعالى لنبيه: قل يا محمد: {قل إن الذين يفترون على الله الكذب}: ~~أي: يتخرصون، ويختلقون الكذب على الله. {لا يفلحون}: أي: " لا يبقون في ~~الدنيا "، والفلاح: البقاء. # {متاع في الدنيا}: أي: لكن لهم متاع في الدنيا. PageV05P3296 # وقيل: افتراؤهم متاع، وقيل: المعنى: ذلك متاع، وقيل: هو متاع. # وقيل: التقدير إنما ذلك متاع، أو إنما هذا متاع، أي: يمتعون به إلى الأجل ~~الذي كتب لهم. # {ثم إلينا مرجعهم} أي: يرجعون إلينا عند انقضاء أجلهم الذي كتب لهم. # {ثم نذيقهم العذاب الشديد} وهو عذاب النار بكفرهم بالله سبحانه، وبرسله ~~صلوات الله عليهم، وكتبه. # قوله: ms1091 {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه} إلى قوله {من المسلمين}. # قوله: وشركاؤهم: قال الكسائي، والفراء: هو بمعنى: وادعوا شركاءكم. # وقال المبرد: نصبه على المعنى، كما قال متقلدا سيفا ورمحا، وقال الزجاج ~~هو مفعول معه. # وروى الأصمعي عن نافع: " فاجمعوا " موصولة الألف من: جمع، وهي قراءة PageV05P3297 # الجحدري. وهما لغتان: جمع وأجمع. # وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى ويعقوب: " فأجمعوا أمركم وشركاؤكم ~~بالرفع، عطفا على المضمر في " أجمعوا ": وحسن ذلك لما حال بينهما بالمفعول، ~~فقام مقام التوكيد. # وقيل: إن " الشركاء " رفع بالابتداء، والخبر محذوف. أي: وشركاؤكم ليجمعوا ~~أمرهم، والشركاء هنا: الأصنام، وهي لا تصنع شيئا. إلا أن يكون المعنى PageV05P3298 # على التوبيخ لهم، كما قال لهم إبراهيم: {بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن ~~كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63]. # ومن نصب " الشركاء " حمله على المعنى، أي: وادعوا شركاءكم، ولا يعطف على ~~الأمر بتغير المعنى. يقال: أجمعت الأمر وعلى الأمر: عزمت عليه. فلا معنى ~~لعطف الشركاء على هذا المعنى، فلا بد من إضمار فعل. # ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكره، يقول لنبيه: واتل عليهم يا محمد خبر ~~نوح إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي، وشق عليكم تذكيري بآيات ~~الله، ووعظي إياكم، فعزمتم على قتلي، أو طردي من بين أظهركم فعلى الله ~~اتكالي، وبه ثقتي. # {فأجمعوا أمركم}: أي: أعدوا ما تريدون، واعزموا على ما تشاؤون. PageV05P3299 # يقال: أجمعت على كذا: إذا عزمت عليه. والشركاء هنا: آلهتهم. # وقوله: {لا يكن أمركم عليكم غمة}: أي: لا يكن ملتبسا مشكلا، من قولهم: غم ~~على الناس الهلال: وذلك إذا أكل عليهم أمره. وقيل معناه: " ليكن أمركم ~~ظاهرا منكشفا ". # {ثم اقضوا إلي ولا تنظرون}: أي: ثم افعلوا ما بدا لكم ولا تؤخروه. # {فإن توليتم فما سألتكم من أجر}: أي: إن توليتم عين بعد دعائي إياكم إلى ~~الله عز وجل. فإني لم أسألكم عما دعوتكم إليه أجرا، ولا عوضا أعتاضه منكم ~~على دعائي. ما أجري إلا على الله، وأمرني ربي أن أكون من المسلمين. فمن أجل ~~ذلك PageV05P3300 # أدعوكم إلى مثل ms1092 ما أنا عليه. # قوله: {فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف} إلى قوله {وما ~~نحن لكما بمؤمنين}: # والمعنى " فكذب نوحا قومه فيما أخبركم به على الله عز وجل من الرسالة ". # {فنجيناه ومن معه}: أي: ممن آمن في الفلك، وهي السفينة. # {وجعلناهم خلائف}: أي: جعلنا من معه ممن حمل في النفس خلائف: أي: يخلفون ~~من أهلك من قومه، وهو جمع خليفة. # {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا}: أي: بحججنا وأدلتنا. # فانظر يا محمد {كيف كان عاقبة المنذرين}: الذين أنذرهم نوح. فكذبوه. ~~فليحذر هؤلاء الذين كذبوا بك مثل ما نزل بقوم نوح. # قوله: {ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم}: أي: بعثنا بعد نوح كل رسول إلى ~~قومه، {فجآءوهم بالبينات}: وهي العلامات الواضحات الدالة على صدقه فيما PageV05P3301 # يقول: وما يدعو إليه. # {فما كانوا ليؤمنوا - بذلك - كذلك نطبع على قلوب المعتدين}: أي: كما ~~طبعنا على قلوب قوم نوح، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى فتجاوز أمر ربه، وكفر ~~به. # {ثم بعثنا من بعدهم موسى}: أي: من بعد الرسل التي بعثت من بعد نوح {إلى ~~فرعون وملإيه}: أي: وأشراف قومه، فاستكبروا عن الإقرار بآياتنا {وكانوا ~~قوما مجرمين}: أي: آثمين بكفرهم. # {فلما جآءهم الحق من عندنا}: أي: جاءهم ما لا يشكون في أنه حق قالوا: إن ~~الله الذي جئت به {لسحر مبين}: ظاهر، قال لهم موسى: {أتقولون للحق لما ~~جآءكم أسحر هذا}. # قال الأخفش: أسحر هذا: حكاية لقولهم. # وقيل: إن الألف دخلت، لأنهم تعجبوا، واستعظموا ما أتاهم به موسى، PageV05P3302 # فقالوا: أسحر هذا على الاستعظام، لا على الاستخبار. # وقيل: إن السحر من قوم موسى منكر على فرعون وملته إذ قالوا: هذا سحر. وفي ~~الكلام حذف. والتقدير: قال موسى: {أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هذا}: ~~فقولهم محذوف دل عليه قول موسى على طريق الإنكار لما قالوا: {ولا يفلح / ~~الساحرون}: أي: لا ينجحون. # {اأجئتنا لتلفتنا}: أي: لتصرفنا، وقيل: لتلوينا. # وقيل: لتعدلنا. والمعنى متقارب. # {عما وجدنا عليه آباءنا}: من عبادة الأصنام. # {وتكون لكما الكبريآء}: أي: الملك وقيل: السلطان. # وقال الضحاك: ms1093 الطاعة، وقيل: العظمة. والمعاني متقاربة. {وما نحن لكما ~~بمؤمنين}: أي: بمصدقين أنكما رسولان لله عز وجل. PageV05P3303 # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أول الرابع والعشرين بحول الله. # قوله تعالى: {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} إلى قوله: {ولو كره ~~المجرمون}. # والمعنى: إنه الملعون، قال لقومه، جئوني بكل ساحر عليم بالسحر. # ومن قرأ " سحار " فعلى المبالغة. # قوله: {فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون} يعني: من ~~حبالهم، وعصيهم، وفي الكلام اختصار، والمعنى: فأتوه بالسحرة {فلما جآء ~~السحرة} فرعون بفعلهم {قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون} {فلمآ ألقوا} أي: ~~ألقوا حبالهم وعصيهم. قال موسى: {ما جئتم به السحر} من استفهم جعل " ما " ~~في موضع PageV05P3305 # نصب، كما تقول: أزيدا مررت به، أو في موضع رفع بالابتداء. و " جئتم به ": ~~الخبر، ومعناه: التوبيخ والتقصير لما جاؤوا به. السحر على إضمار مبتدأ: أي: ~~هو السحر، أو على إضمار خبر، أي: أسحر هو. # ومن قرأ بغير استفهام " فما " بمعنى: " الذي " في موضع رفع بالابتداء. # والسحر: الخبر. وهو خبر عن قول موسى لهم، وهو الاختيار. لأن موسى قد علم ~~أنهم لا شيء عندهم إلا السحر، وأن فرعون بعث وراء السحرة في سائر البلدان. ~~فاستفهام موسى عما أتوا به، هل هو من سحر لا معنى له: وقد احتج اليزيدي ~~بقراءة أبي عمرو بالمد بقوله: " آسحر " هذا وهذا منه غلط عند PageV05P3306 # النحويين، لأن موسى استفهم بقوله: آسحر، عن سحر السحرة، فهو استرشاد. ~~وفيه معنى النهي لهم عن ذلك. # واستفهم بقوله: أحر هذا عما جاء هو به من عند الله عز وجل، على معنى ~~التوبيخ، والتقرير لهم. وفيه معنى الدعاء لهمز ليقلبوه، فبينما بعد في ~~المعنى، ودخلت الألف واللام لتقدم ذكر السحر في قوله: {أسحر هذا} [يونس: ~~77] وعلى هذا يقال في أول الكتب: سلام عليك، وفي الآخر: والسلام عليك، ~~وكذلك لو قال قائل: " وجدت درهما " فسألته عن موضع الدرهم لقلب: " وأين ~~الدرهم، ويفتح " وأين درهم. # وأجاز الفراء نصب السحر على ms1094 أن تجعل " ما " شرطا، وتحذف الفاء من " أن ". ~~وذلك لا يجوز إلا في الشعر. # ومعنى {سيبطله}: أي: سيذهب به الله. فذهب به تعالى بأن سلط عليه عصا ~~موسى، فحولها ثعبانا، فلقفته كله. PageV05P3307 # {إن الله لا يصلح عمل المفسدين} أي: عمل من سعى بالفساد في الأرض، {ما ~~جئتم به}: وقف على قراءة من استفهم، و (السحر): وقف على قراءة من لم ~~يستفهم. # ثم قال تعالى: {ويحق الله الحق بكلماته}: هذا إخبار من الله عز وجل عن ~~قول موسى للسحرة. والمعنى: ويثبت الحق الذي جئتم به. # {بكلماته}: أي: بأمره، {ولو كره المجرمون}: أي: ولو كره الذين اكتسبوا ~~الإثم بمعصيتهم ربهم. # قوله / {فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه} إلى قوله {من القوم الكافرين}. ~~والمعنى: أنه لم يؤمن لموسى، صلوات الله عليه، من قومه مع ما جاءهم به من ~~الحجج إلا ذرية من قومه، وهم خائفون من فرعون وملإهم. # قال ابن عباس: الذرية في هذا الموضع القليل، وكذلك قال الضحاك. PageV05P3308 # وقال مجاهد: إن المعنى ما آمن لموسى إلا أولاد من أرسل إليهم، والمرسل ~~إليهم هلكوا غير مؤمنين، وذلك لطول الزمان. وهو اختيار الطبري. # وروي عن ابن عباس أيضا (من قوم فرعون) قال: وهم قوم من قوم فرعون، غير ~~بني إسرائيل، منهم ارمأة فرعون، ومومن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأته ~~خازنه. # وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم " ذرية "، لأن آباءهم قبط، وأمهاتهم من ~~بني إسرائيل. كما قال لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب، وآباؤهم من ~~الفرس أبناء. # وقوله تعالى: {وملئهم}: بالجمع: الضمير راجع إلى فرعون، لأن الجبار يخبر ~~عنه بلفظ الجمع. # وقيل: إنه إنما فعل ذلك، لأن فرعون لما ذكر، علم أن معه غيره فعاد الضمير PageV05P3309 # عليه، وعلى من تضمن الكلام ذكره. # وقيل: المعنى على خوف من فرعون وملتهم. ثم حذف مثل: {وسئل القرية} [يوسف: ~~82]. # وقال الأخفش: الضمير يعود على الذرية، وهو اختيار الطبري، ومعنى: ~~{يفتنهم}: أي: يفتنهم بالعذاب فيصدهم عن دينهم. ووحد على الخبر عن فرعون، ~~لأن الخبر عنه يدل، على أن ms1095 قومه يفعلون مثل فعله. # {وإن فرعون لعال في الأرض}: أي: لجبار متكبر. # {وإنه لمن المسرفين} أي: من " المتجاوزين الحق إلى الباطل ". # ثم قال تعالى: {وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا} أي: ~~فوضوا الأمر إليه إن كنتم آمنتم (ولا تخافون من آل فرعون) {إن كنتم مسلمين ~~* فقالوا على الله توكلنا} " أي: به وثقنا "، وهذا يدل على أن التوكل على ~~الله عز وجل في جميع الأمور PageV05P3310 # واجب، وأنه من كمال الإيمان. وقد قال الله عز وجل: { للذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون} [الشورى: 36]، وقال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: ~~3]، أي: فهو كافيه. # قال ابن عباس: الذرية القليل. # قال مجاهد: الذرية، يعني: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان، ~~وقد مات آباؤهم. # قال ابن عباس: كانوا ست مائة ألف. " وذلك أن يعقوب ركب إلى مصر من كنعان ~~في اثنين وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ست مائة ألف ". # قال الفراء: بلغنا أن الذرية الذين آمنوا كانوا سبعين، أهل بيت. # ثم قالوا: {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين}: أي: لا تظهرهم علينا، ~~فيفتتنوا بذلك، ويظنوا أنهم خير منا، فيزدادوا طغيانا. وقيل: المعنى: لا ~~تسلطهم علينا PageV05P3311 # فيفتنونا. # وقال مجاهد: المعنى: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك. ~~فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم. وكذلك قال ~~ابن جريج. # وقال ابن زيد: المعنى " لا تبتلنا " ربنا فتجهدنا، وتجعله فتنة لهم " # {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين}: يعنون قوم فرعون. # قوله: {وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما إلى قوله - الذين لا ~~يعلمون}: # المعنى: / " اتخذا لقومكما بمصر بيوتا ": {واجعلوا بيوتكم قبلة} أي: " ~~مساجد تصلون فيها "، لأنهم كانوا يفرقون من فرهون، وقومه أن يصلوا. فقال PageV05P3312 # لهم: اجعلوا بيوتكم مساجد حتى تصلوا فيها. # قال النخعي: خافوا، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم. # (وعن ابن عباس، قال مجاهد: كانوا لا يصلون إلا في البيع خائفين، فأمروا ~~أن يصلوا في بيوتهم). # وعن ابن عباس: (واجعلوا بيوتكم قبلة): يعني: قبل الكعبة. # وقيل: ms1096 كان فرعون أمر بهدم الكنائس، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد، يصلون ~~فيها سرا. # قال مجاهد: مصر هنا الإسكندرية. # وقال ابن جبير: المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا. # {وأقيموا الصلاة}، أي: بحدودها. {وبشر المؤمنين}: هذا (خطاب) للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، أي: وبشر مقيمي الصلاة بالثواب الجزيل. PageV05P3313 # ثم قال تعالى حكاية عن قول موسى أنه قال: {ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه ~~زينة}، {ربنا ليضلوا عن سبيلك}: المعنى: إنه لما آل أمرهم إلى هذا كان كأنه ~~إنما أتاهم ذلك للضلال. وأصل هذا اللام لام كي، وقيل هي لام العاقبة. # وقيل: هي لام الفاء، أي: فكان لهم ذلك، لأنه قد تقدم في علمه تعالى ذلك. # وقيل: المعنى: لئلا يضلوا وحذفت " لا " كما قال: {يبين الله لكم أن ~~تضلوا} [النساء: 176]. وهذا القول لا يحسن، لأن العرب لا تحذف لا إلا مع " ~~أن ". ومعنى الآية: PageV05P3314 # أن موسى قال: يا رب إنك أعطيت فرعون، وعظماء قومه، وأرافهم (زينة): يعني ~~من متاع الدنيا وأثاثها (وأموالا) يعني من الذهب والفضة. # {ربنا ليضلوا عن سبيلك}، أي: أعطيتهم ذلك ليضلوا، ثم دعا عليهم موسى، ~~فقال: {ربنا اطمس على أموالهم}، أي: اذهبها، وغيرها، واجعلها حجارة. # قال قتادة: جعل زرعهم حجارة. # قال مقاتل " جعلت دنانيرهم، ودراهيمهم حجارة منقوشة، كهيئتها على ~~ألوانها، لتذوب، ولا تلين، فجعل الله سكرهم حجارة. PageV05P3315 # قال قتادة: تحول زرعهم، وكذلك قال الضحاك. # وقال ابن عباس: (اطمس عليها: أي: دمرها، وأهلكها. وكذلك قال مجاهد. # واشدد على قلوبهم): أي: حتى لا تنشرح للإيمان، فلا تؤمن. # وقال مجاهد: اشدد عليها بالضلالة. # قال ابن عباس: استجاب الله عز وجل من موسى، فحال بين فرعون وملئه، وبين ~~الإيمان حتى أدركه الغرق، فلم ينفعه الإيمان. # والعذاب الأليم في هذه الآية: الغرق. # قوله: {فلا يؤمنوا} قال المبرد: موضعه موضع نصب، وليس بدعاء. وهو معطوف ~~على " ليضلوا " وهو قول الزجاج. # وقال الكسائي، وأبو عبيدة: هو دعاء في موضع جزم. PageV05P3316 # وقال الأخفش، والفراء: هو جواب الدعاء في موضع نصب، مثل: إلى سليمان ~~فنستريحا - البيت -. # فقال تعالى لهما: {قد ms1097 أجيبت دعوتكما فاستقيما}: هذا خطاب لموسى، وهارون، ~~لأن موسى كان يدعو، / وهارون يؤمن. # وقيل: إنه خطاب موسى، خطاب الاثنين لغة العرب. # وقوله: {دعوتكما فاستقيما}: يدل على أن ذلك لموسى وهارون عليهما السلام: ~~فالداعي موسى، والمؤمن هارون، والمؤمن داع أيضا، لأنه يقول: اللهم استجب ~~فهو داع بإجابة الذي دعا موسى. وكان بين الإجابة ودعاء موسى PageV05P3317 # أربعون سنة. # وقوله: {ولا تتبعآن} من خفف " النون " فهو على النفي، لا على النهي. ~~والرواية عن ابن ذكوان بالتخفيف: يزيد عند القراء تخفيف التاء، وهو وجه ~~الرواية. غير أنا لم نقرأ إلا بتخفيف النون دون التاء. # ومعنى: {فاستقيما} أي: اثبتا على دعاء فرعون، وقومه إلى الإيمان. قال ابن ~~جريج: مكث فرعون بعد هذه الآية أربعين سنة. PageV05P3318 # ومعنى: {ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون}: أي: يجهلون حقيقة وعيد الله ( ~~عز وجل) . # قوله: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون} إلى قوله: {لغافلون}. # ومن قرأ " إنه " بكسر الهمزة، فعلى الابتداء. وتقدير الكلام: آمنت بالذي ~~كنت به مكذبا. ثم ابتدأ: إنه لا إله إلا الله. # وقيل: المعنى: صرت مؤمنا. ثم قال: " إنه مستأنفا. # وقال أبو حاتم: القول محذوف، والتقدير، قال: آمنت فقلت: إنه ومن فتح ~~فمعناه: آمنت بأنه، " فأن " في موضع نصب بحذف الخافض. وعلى مذهب الكسائي في ~~موضع خفض بتقدير الخافض. والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر، PageV05P3319 # {فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا}: أي: اعتداء، وظلما على موسى، ومن ~~معه. # وقرأ قتادة " وعدوا " بالضم والتشديد حتى إذا أدركه الغرق أي: أحاط به. ~~وفي الكلام حذف. والتقدير: " فغرقناه ": " حتى إذا أدرك الغرق ". " قال ~~عليه السلام: " جعل جبريل يدس، أي: يحشو في فم فرعون الطين مخافة أن تدركه ~~الرحمة ". # (وروى ابن وهب أن فرعون بن عبد الله قال: بلغني أن جبريل عليه السلام، PageV05P3320 # قال يا رسول الله! والذي نفسي، ما ولد إبليس، ولا آدم ولدا قط كان أبغض ~~إلي من فرعون، وإنه لما {أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين} فخشيت أن يعود لها ms1098 فيرحم، فقمت حتى أخذت ~~تربة، من تربة البحر، فحشوتها في فيه). # (وروي أن جبريل قال للنبي عليهما السلام: لقد كببت في فيه الماء، مخافة ~~أن تدركه الرحمة). # وروي أنه قالهما حين ألجمه الماء، وأدركه الغرق. # ثم قال تعالى حكاية عن تعريفه لفرعون قبح ما فعل: # {آلآن وقد عصيت قبل}: يعني: أيام حياته إلى الساعة تؤمن، وقد عصيت أيام ~~حياتك {وكنت من المفسدين}: أي: من الصادين عن سبيل الله سبحانه. PageV05P3321 # قال السدي: بعث الله، عز وجل، إليه ميكائيل، فقال له، آلآن وقد عصيت قبل. # ثم قال تعالى: {فاليوم ننجيك ببدنك}: أي: نلقيك على نجوة من الأرض، أي: ~~على ربوة، ليعتبر من رآك. # وقيل: نخرجك ببدنك الذي نعرفك به / وذلك أنه كان له بدن مذهب، وهو ذرع ~~كانت له. # قال قتادة: لم يصدق طائفة من الناس أنه غرق، فأخرجه الله عز وجل، ليكون ~~عظة، وآية، ينظر إليها من كذب بهلاكه. # وقوله: {لمن خلفك (آية)}، أي: لمن بعدك. PageV05P3322 # وقال مجاهد: {ببدنك}، أي: بجسدك. # قال ابن عباس: لما أغرق الله عز وجل، فرعون، ومن معه. قال: أصحاب موسى ~~لموسى: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربه فأخرجه، ~~فنبذه البحر حتى استيقنوا بهلاكه. # قوله: {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا}: أي: عن أدلتنا على أن العبادة لا ~~تكون إلا لله {لغافلون}: أي: لساهون. # قوله: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} إلى قوله: {الخاسرين}. # المعنى: ولقد أنزلناهم منازل صدق. # قال الضحاك: يعني، مصر، والشام. # وقال قتادة: الشام، وبيت المقدس. # {ورزقناهم من الطيبات} يعني: من حلال الرزق. # {فما اختلفوا حتى جآءهم العلم} الذي يعلمونه، وذلك أنهم كانوا قبل أن ~~يبعث PageV05P3323 # محمد صلى الله عليه وسلم، مجتمعين على نبوته، والإقرار به، وبمبعثه. فلما ~~جاءهم كفروا به. واختلفوا فيه. فآمن بعضهم، وكفر بعضهم. # والعلم هنا: النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بمعنى العلوم الذي كانوا ~~يعلمونه. # وقيل: العلم كتاب الله عز وجل، قاله ابن زيد. فعلوا ذلك بغيا: أي: منافسة ~~في الدنيا. # ثم قال تعالى: ms1099 {إن ربك - يا محمد - يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون}: أي: من أمري في الدنيا. فيدخل المكذبين النار، والمؤمنين ~~الجنة. # {حتى جآءهم العلم}: وقف، {من الطيبات}: وقف. # ثم قال تعالى: {فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك}: أي: إن كنت يا محمد في ~~شك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوءتك، قبل أن نبعثك رسولا، لأنهم ~~(كانوا) PageV05P3324 # يجدونك في التوراة، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف {فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك} يعني: عبد الله بن سلام، وشبهه من أهل الإيمان، ~~والصدق منهم. وهذه مخاطبة للنبي، والمراد به أمته. # وقيل: " إن " بمعنى " ما "، والمعنى: فما كنت يا محمد في شك. # ثم قال {فاسأل الذين يقرءون} سؤال ازدياد، كما قال إبراهيم: {بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي} [البقرة: 260]. # وقال المبرد: المعنى: قل يا محمد للشاك في ذلك إن كنت في شك، فاسأل وقيل: ~~إن هذا خطاب العرب: يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني، فبرني. وهو يعلم أنه ~~ابنه، وهو نحو قوله لعيسى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله} [المائدة: 116]. وقد علم أنه لم PageV05P3325 # يقل ذلك. # قال ابن جبير: ما شك محمد صلى الله عليه وسلم، ولا سأل، وقال قتادة: ~~بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: لا أشك، ولا أسأل. # وروي أن رجلا سأل ابن عباس عما يحيك في الصدر من الشك. فقال: ما نجا من ~~ذلك أحد، ولا النبي حتى أنزل عليه: {فإن كنت في شك}. # وعنه أيضا أنه قال: لم يكن / رسول الله في شك ولم يسأل. وهذا هو الصحيح ~~الظاهر، والمراد بقوله: {فإن كنت في شك} أمته. وقوله: {لقد جآءك الحق من ~~ربك}: اللام لام التوكيد وفي الكلام معنى القسم. # {من الممترين}: أي: من الشاكين. # ثم قال تعالى: {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله}: أي: جحدوا كتبه، ~~ورسله، {فتكون من الخاسرين}، أي: من الذين غبن حظه، وباع الرحمة بالسخط. PageV05P3326 # والمراد بذلك أمة النبي عليه السلام. # قوله: {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون} ms1100 إلى قوله {يعقلون} # والمعنى: إن الذين وجبت عليهم كلمات ربك وهي قوله: {ألا لعنة الله على ~~الظالمين} [هود: 18]. # وقال مجاهد: حق عليهم سخطه. # {لا يؤمنون * ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب}. # أي: يعاينوا ذلك كما لم يؤمن فرعون حتى عاين العذاب. وذلك وقت لا ينفع ~~فيه الإيمان. # ثم قال تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت}، أي: فهلا كانت قرية آمنت، فنفعها ~~إيمانها. وتقديره: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب، فنفعها ~~إيمانها، في ذلك الوقت {إلا قوم يونس}: فإنهم نفعهم إيمانهم عند نزول عذاب ~~الله عز وجل، بهم، فكشف الله سبحانه عنهم العذاب. وقوم يونس انتصبوا لأنه ~~استثناء ليس PageV05P3327 # من الأول. # وقال أبو إسحاق: المعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم إيمانهم، ~~وجرى هذا بعقب إيمان فرعون عندما أدركه الغرق. فأعلم الله عز وجل، أن ~~الإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب، ولا عند حضور الموت. # قال تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون} الآية [النساء: 18]. # قال قتادة: لما فقدوا نبيهم، وأيقنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله عز ~~وجل، في قلوهم التوبة. فلبسوا المسوح، وألهوا بن كل بهيمة وولدها. ثم عجلوا ~~إلى الله سبحانه، أربعين ليلة، فلما علم الله عز وجل، الصدق منهم، والتوبة ~~والندامة على ما مضى (كشف الله) عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم. وكان قوم ~~يونس بأرض الموصل. # قال ابن جبير: غشى قوم يونس العذاب، كما يغشى الثوب القبر ". PageV05P3328 # قال ابن عباس: لم يبق بين قوم يونس والعذاب إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا ~~كشف الله عنهم. # قال ابن جبير: لما أبوا أن يؤمنوا بيونس، قيل له: أخبرهم أن العذاب ~~مصبحهم، فقالولا: إنا لم نجرب عليه كذبا، فانظروا فإن بات فيكم فليس بشيء، ~~وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصحبكم. فلما كان في جوف الليل تزود شيئا ثم ~~خرج. فلما أصبحوا يغشاهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، ففرقوا بين الإنسان ~~وولده، والبهيمة وولدها. ثم عجوا إلى الله عز وجل، فقالوا: آمنا بما جاء به ~~يونس وصدقنا. فكشف ms1101 الله عز وجل، عنهم العذاب، فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ~~ير شيئا فقال /: جربوا علي كذبا فذهب مغاضبا لربه حتى أتى البحر. # وعن ابن مسعود قال: أوعد يونس قومه أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. ~~ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا، فجأروا إلى الله سبحانه، واستغفروه، ~~فكف الله عز وجل، عنهم العذاب. PageV05P3329 # ومعنى: {عذاب الخزي}، أي: الهوان والذل. # قوله: {إلى حين} قال الضحاك: إلى الموت. # وقيل: إلى آجاله التي كتبها الله لهم قبل خلقهم. # ثم قال تعالى: {ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا}: أي: لوفقهم ~~إلى الإيمان بك يا محمد - وبما جئت به. ولكن قد سبق في قضائه من يؤمن، ومن ~~لم يؤمن: وهذا كله رد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإيمان والكفر مفوضان ~~إلى العبد، بل كل عامل قد علم الله عز وجل، ما هو عامل قبل خلقه له. ولا ~~تقع المجازاة إلا على ذلك بعد ظهورهم منهم، وإقامة الحجج عليهم. # وقوله {ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} يدل على ذلك ويبينه. # {أفأنت} يا محمد {تكره الناس} حتى يؤمنوا بك؟ # وفي الإتيان " بجميع " بعد " كلهم " قولان: أحدهما زيادة تأكيد، ونصبه ~~على الحال. وقيل: لما كان كل يقع تأكيدا، ويقع اسما غير تأكيد أتى معه بما ~~لا يكون تأكيدا، وهو " جميعا "، فجمع بينهما، ليعلم أن معناهما واحد، وأنه ~~للتأكيد. PageV05P3330 # ثم قال تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله}، أي: ما كان لنفس ~~تصدق بك يا محمد، إلا أن يأذن لها الله. فلا تجهد نفسك يا محمد في طلب ~~هداهم. # روي عن أبي الدرداء أنه قال: بعث الله عز وجل، إلى نبي من الأنبياء فقال ~~لهم: لو أنك عملت مثل ما عمل جميع ولد آدم كلهم، ما أديت نعمة واحدة أنعمت ~~بها عليك: إني أذنت لك أن تؤمن بي، {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله}، ~~وهذا نص ظاهر في إثبات القدر من القرآن والحديث. # قوله: {ويجعل الرجس على الذين لا ms1102 يعقلون}، أي: يجعل العذاب على من لا ~~يعقل عن الله، سبحانه، حججه، وآياته جلت عظمته. والرجس: العذاب. وقال ابن ~~عباس: السخط. # قوله: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} إلى قوله {ننج المؤمنين} PageV05P3331 # والمعنى: قل يا محمد للسائلين: الآيات على صحة ما تدعوهم إليه: {انظروا ~~ماذا في السماوات والأرض} من الآيات الدالة على صحة ما أدعوكم إليه من ~~توحيد الله وعبادته. # ثم قال تعالى: {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}: أي: أي شيء ~~تغني الحجج، والعبر عن قوم سبق لهم من الله عز وجل، الشقاء، وقضى لهم أنهم ~~من أهل النار. # {ماذا في السماوات والأرض}: وقف، إن جعلت " ما " نفيا " وإن جعلتها ~~استفهاما، لم تقف على الأرض، لأن " ما " معطوفة على ما قبلها. # ثم قال تعالى: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا}. والمعنى: هل ينتظر ~~هؤلاء، يعني: مشركي قريش أهل مكة - يا محمد - إلا نزول العقوبة بهم، PageV05P3332 # كما نزل قبلهم حين كذبوا رسلهم. قل لهم يا محمد: {فانتظروا} عقاب، ونزول ~~سخطه بكم. {إني معكم من المنتظرين} / هلاككم وبواركم بالعقوبة. # {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا}: أي: ننجيهم من بين أظهركم إذا نزل بكم ~~العذاب. # {كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} فيمن تقدم من الأمم الماضية إذا نزل بهم ~~العذاب نجينا المؤمنين منهم. " الكاف " في موضع رفع إن جعلت {والذين آمنوا} ~~تماما والتقدير: مثل ذلك يحق علينا حقا. # وإن لم تجعل {آمنوا} تماما جعلت " الكاف " في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف، ~~أي: " نجاء مثل ذلك " يحق حقا، وأنجى، ونجى لغتان بمعنى و " ننج " بغير ياء ~~في الخط، والأصل الياء. ولا يتعمد الوقف عليه، وقد وقف عليها سلام ويعقوب ~~بالياء على الأصل وهو خلاف الخط. PageV05P3333 # قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله} إلى قوله: {من الظالمين}. # والمعنى: قل يا محمد: يا أيها المشركون إن كنتم في شك من ديني الذي ~~أدعوكم إليه، فلم تعلموا أنه حق من عند الله، فإني ms1103 لا أعبد الذين تعبدون من ~~دوني الله: يعني الآلهة، والأوثان التي لا تنفع، ولا تضر. # وفي الكلام تعريض: والمعنى: إن كنتم في شك من دوني، فلا بنبغي لكم أن ~~تشكوا فيه، وإنما ينبغي أن تشكوا في عبادة من لا ينفع، ولا يضر، ولا يسمع، ~~ولا يبصر. {ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم}: أي: يقبض أرواحكم عند مجيء ~~آجالكم. # {وأمرت أن أكون من المؤمنين}: أي: المصدقين بما جاء من عنده. ومعنى {من ~~دون الله} من عند الله. # ثم قال تعالى: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا} أي: وأمرت: {وأن أقم وجهك ~~للدين}: أي: أقم نفسك على دين الإسلام. PageV05P3334 # {حنيفا}: أي: مستقيما، غير معوج. وأمرت نفسي ألا أكون من المشركين، " ولا ~~أدعو من دون الله ما لا ينفعني ولا يضرني، كما فعلتم أيها المشركون. فإن ~~فعلت أنا ذلك، فإني من الظالمين لنفسي ". # قوله: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} إلى آخر السورة. # والمعنى: إن يصبك الله يا محمد بضر، فلا كاشف له عنك إلا # هو د # ون ما يعبد هؤلاء من دون الله. # {وإن يردك} الله يا محمد بخير أي: برخاء ونعمة، فلا راد لفضله عنك. يصيب ~~ربك يا محمد بالرخاء. من يشاء من عباده. # {وهو الغفور} لذنوب من تاب. # {الرحيم}: لمن آمن واستقام. # ثم قال تعالى: قل - يا محمد - {قل يا أيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم}: ~~والحق هنا: القرآن. {فمن اهتدى} أي: استقام {فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل} أي: ~~اعوج عن الحق. PageV05P3335 # {فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل}: أي: يسلط على تقويمكم، إنما ~~أمركم إلى الله. وأنا نذير، ومنذر. # ثم قال تعالى آمرا لنبيه: {واتبع ما يوحى إليك}: أي: اعمل به، واصبر على ~~ما يقول المشركون، وما يتولون عن أذاك. # {حتى يحكم الله}، أي: يقضي. # {وهو خير الحاكمين}، أي: خير القاضين بحكم الله عز وجل بينهم، يوم بدر ~~بالسيف، فقتلهم، وأمر نبيه أن يسلك بمن بقي سبيل من هلك منهم حتى / يؤمنوا. # قال ابن زيد: هذا منسوخ ms1104 بجهادهم، وأمره بالغلظة عليهم. PageV05P3336 # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ### | سورة هود . مكية. # روى مسروق عن أبي بكر الصديق رضى الله عنه, انة قال: قلت يا رسول الله! ~~لقد أسرع إليك الشيب فقال: شيبتني هود وأخواتها: الواقعة, والمرسلات, وعم ~~يتساءلون, واذا الشمس كورت. # وروى عكرمة عن ابن عباس نحوه. PageV05P3337 # قوله: {الر} قد تقدم الكلام عليها. # وقولهم: " قرأت هودا ": من صرفه أراد به سورة هود، ومن لم يصرفه جعله ~~اسما للسورة. # ولو قلت: " قرأت الحمد (لله) ". فإنما جاز النصب: تعمل الفعل فيه، وجاز ~~الرفع على الحكاية. # فإن قلت: قرأت {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2، يونس: 10، الزمر: ~~75، غافر: 65]، حكاية لا غير، وكذلك {برآءة} [التوبة: 1، القمر: 43]، ترفع ~~على الحكاية، وتنصب على العمل. وتنون إذا أردت الحذف، ولا PageV05P3338 # تصرف إذا جعلته اسما للسورة. # فإن قلت: قرأت {برآءة من الله ورسوله} [التوبة: 1]، حكاية لا غير. # وتقول: قرأت " ألم البقرة ": فتنصب على النعت لقولك: " ألم "، لأنه مفعول ~~به بقراءة، وإن شئت خفضت " البقرة "، وتقدر إضافة " ألم " إليها. # فإن قلت: " قرأت: {المص} [الأعراف: 1]، و {كهيعص} [مريم: 1]، لم يجز ~~الإعراب، لأنه ليس في الأسماء نظير لهذا. وكذلك {المر} [الرعد: 1]، و {الر} ~~[1: هود، يوسف، إبراهيم، الحجر]، وكذا {طه} [طه: 1] لأنه في آخرها ألفا. PageV05P3339 # فإن قلت: {طس} [النمل: 1]، قلت هذا " طسين " يا هذا، فلا تصرف لأن هذا من ~~نظيره هابيل، وقابيل. # فإن أردت الحكاية، أسكنت، وتقول هذه {طسم} [الشعراء: 1، القصص: 1] فتعرب: ~~إن شئت تجعل " طس " اسما، و " ميم " اسما، وتضم أحدهما إلى الآخر مثل: معدي ~~كرب، فيجوز فتح الثاني ورفعه تجعل الإعراب في الآخر. # وأجاز سيبويه: معدي كرب على الإضافة، فيجوز على هذا، " طس ميم "، وتحسن ~~الحكاية. فإن قلت: " قرأت {حم} [1: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف] "، لم ~~ينصرف لأنه مثل " هابيل ". وإن شئت أسكنت على الحكاية. PageV05P3340 # فإن قلت قرأت {حم* عسق} [الشورى: 1 - 2] لم يجز الإعراب، لأنه لا نظير له ~~في الأسماء. # وتقول هذه {ن} [القلم: 1] فاعلم بأنها تنون، وتعرب " تريد سورة " نون ". ~~وإن شئت ms1105 جعلته اسما للسورة، فلم تنون، وإن شئت أسكنت على الحكاية. وتقول: ~~هذه السبح، فلا تصرف إذا جعلته اسما للسورة، لأنه فعل، وليس في الأسماء ~~فعل. # وإن شئت فتحت فحكيت على ما في السورة، فإن قلت هذه " سبح " لم يجز إلا ~~الإسكان تحكيه لأنه فيه ضمير، والجمل تحكى، وكذلك تحكي: قرأت: {سأل سآئل} ~~[المعارج: 1]، و {يا أيها المدثر} [المدثر: 1]، وقرأت {والفجر} [الفجر: 1] ~~لأنه اسم وحرف. PageV05P3341 # وتقول: قرأت {اقتربت} [القمر: 1] تقطع الألف، وتقف على الهاء، إذا جعلته ~~اسما للسورة / لأن تأنيث الأسماء في الوقف بالهاء، وألف الوصل في الأفعال ~~تقطع إذا سمي بالأفعال. وإن شئت قلت: قرأت {اقتربت} فوصلت الألف ووقفت ~~بالتاء، على الحكاية. # فإن قلت: قرأت {اقتربت الساعة} [القمر: 1]، لم يجز إلا الحكاية به ومثله: # {تبت يدآ أبي لهب} [المسد: 1]، فإن أفردت بالهاء، وجعلته اسما للسورة ~~قلت: قرأت " تبت "، تقف على الهاء. # قوله: {كتاب أحكمت - آياته ثم فصلت} - إلى قوله - {على كل شيء قدير}. # المعنى: هذا الكتاب الذي أنزلناه {أحكمت - آياته}: أي: بالأمر والنهي، ~~{ثم فصلت} بالثواب، والعقاب. قاله الحسن. وعنه {ثم فصلت} أي: PageV05P3342 # الوعد، والوعيد. # وعنه أيضا: {أحكمت} أي: بالثواب والعقاب {ثم فصلت} بالأمر، والنهي. # وقال قتادة: أحكمها الله عز وجل، من الباطل، ثم فصلها، وبين الحلال، ~~والحرام. # وقال مجاهد: {أحكمت}: لم ينسخها شيء. # {ثم فصلت} نزلت شيئا بعد شيء. وقيل: {فصلت}: فسرت وبينت: قاله مجاهد، ~~وابن جريج. # {من لدن حكيم}: أي: من عند حكيم في أفعاله، خبير بجميع الأشياء، وبمصالح ~~عباده. # وقيل: أحكمت عن أن يدخل فيها الفساد. يقال: أحكمته الآيات. PageV05P3343 # وحكمته لغتان: أي: منعنه، ومنه حكمت اللجام لأنها تمنع الفرس الجماح. ~~وأصله كله من إحكام الشيء، وهو: إبرامه، وإتقانه، عن أن يفسده شيء. # والوقف على {الر} حسن إلا قول من جعله مبتدأه وكتاب خبره. # ثم قال تعالى: {ألا تعبدوا إلا الله} أي: فصلت من (أجل) ألا تعبدوا إلا ~~الله عز وجل. # ثم قال لنبيه: قل {إنني لكم منه نذير وبشير}: أيها الناس. والابتداء ب " ~~إنني " حسن، ثم قال ms1106 تعالى: {وأن استغفروا ربكم}. ردا على {ألا تعبدوا}: أي: ~~استغفروه من عبادة الأصنام {ثم توبوا إليه}: من عبادة الأصنام، أي: ارجعوا، ~~{يمتعكم متاعا حسنا} أي: ينسئ في آجالهم إلى الوقت الذي يشاء، ويرزقكم من ~~زينة الدنيا. وأصل الإمتاع: الإطالة. ثم قال: {ويؤت كل ذي فضل فضله}: أي: ~~يثيب من تفضل بفضل ماله، أو قوته، أو PageV05P3344 # كلام حسن، أو غير ذلك من وجوه الخير على غيره لوجه الله عز وجل. # قال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت واحدة، ومن عمل حسنة كتبت عشرا، فذلك ~~فضل الله، عز وجل. قال: فإن عوقب بالسيئة في الدنيا زالت عنه، وإن لم يعاقب ~~بها أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات. # ثم قال تعالى: {وإن تولوا}: أي: عما دعوتهم إليه يا محمد من الاستغفار، ~~والتوبة، فقل لهم: {فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير}: أي: إن تماديتم على ~~كفركم. # وقال الطبري: المعنى: فإن توليتم، جعله ماضيا وهو على قراؤة البزي: " ~~مستفعل "، لأنه يشدد / التاء. # ثم قال: {إلى الله مرجعكم}: أي: مردكم، ومصيركم، {وهو على كل شيء قدير}: PageV05P3345 # أي: على إيحائكم بعد إماتتكم/ وعقابكم على كفركم. (" وقدير ": بمعنى قادر ~~إلا أن " فعيلا " أبلغ). # قوله: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} إلى قوله: {مبين}. # (ألا): استفتاح كلام، و {يثنون}: من ثنيت، وهو فعل المنافقين، كانوا إذا ~~مروا بالنبي يثني أحدهم صدره، ويطأطأ رأسه. # وقيل: نزلت فيما، كان المنافقون يبطلون من عداوة النبي، وبغضه، أعماع أن ~~الله عز وجل يعلم ما تنطوي عليهم صدورهم من ذلك، وإن غطوا عليه رؤوسهم ~~بثيلبهم، ليستتروا، فهو يعلم ما في صدورهم في كل حال من أحوالهم. # يعني بالنافقين: كفار قريش، لا المنافقين من أهل المدينة. لأن السورة ~~مكية. PageV05P3346 # وقال مجاهد: ظنوا أن الله، عز وجل لا يعلم ما في صدورهم. # وقال الحسن: جهلوا أمر الله عز وجل. # ثم قال تعالى: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} أي: ~~ألا حين يلبسون ثيابهم في ظلمة الليل، في أجواف بيوتهم. يعلم ms1107 ذلك الوقت ~~سرهم وجهرهم. # {إنه عليم بذات الصدور} وقيل: إن أحدهم كان يثني ظهره، ويستغشي ثوبه، ~~وقيل: إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك لئلا يسمعوا كتاب الله عز وجل. قاله ~~قتادة. # وقيل: إن هذا إخبار من الله ( عز وجل) عن المنافقين، أنه يعلم ما تنطوي ~~عليه صدورهم من الكفر. # وقال ابن زيد: " هذا حين يناجي بعضهم بعضا ". PageV05P3347 # وقرأ ابن عباس: " ينثوي " صدورهم على مثال " ينطوي. قال: كانوا لا يأتون ~~النساء، ولا الغائط إلا وقد تغشوا ثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى ~~السماء ". # وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض ليساره. وبلغ من جهلهم أنهم ظنوا أن ذلك ~~يحفى على الله سبحانه. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قرأ تنثوي. # وعنه أيضا أنه قرأ: " تثنوني "، مثل: تفعوعل. ومعناه: المبالغة مثل PageV05P3348 # " احلولى ": إذا بلغ الغاية في الحلاوة، والهاء في " منه " للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، على القول الأول، وهي " إنه لله عز وجل " على القول ~~الثاني. # وعن ابن عباس: ألا حين يستغشون ثيابهم: " أي: يغطون رؤوسهم ". # والوقف عنج الأخفش، والفراء، وابن كيسان على ذات بالتاء، لأن هذا الاسم ~~لا يستعمل إلا مضافا. فصارت التاء في وسط الكلام. وعليه جماعة القراء. ~~والوقف عند الكسائي بالهاء، وهو قول الجرمي، لأنه ثانية الأسماء، وهو ~~اختيار أبي حاتم. # {ليستخفوا منه} وقف. {وما يعلنون}، وقف /. # ثم قال تعالى: {وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها}: أي: يتكفل ~~بذلك حتى PageV05P3349 # تموت. يعني: بدابة: كل ما دب، ودرج على وجه الأرض من إنسي، أو جني، أو ~~بهيمة، أو هامة، والهامة كل ما يدب سميت بذلك لأنها تهم، أي: تدب. # وقال الضحاك: والناس منهم. # ثم قال تعالى: {ويعلم مستقرها}: أي: حيث تستقر، وتأوي. {ومستودعها}: " ~~حيث تموت " قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: {مستقرها} في الرحم، {ومستودعها} في الصلب، مثل تلك التي في ~~الأنعام، وهو قول الضحاك. وقد روي أيضا هذا عن ابن عباس. # (وقيل: المستقر في الرحم، والمستودع: حيث تموت). كل ذلك PageV05P3350 # {كل في كتاب مبين}: أي: ظاهر لمن قرأه، قد ms1108 أثبته الله، عز وجل، قبل ~~الخلق: وهذا توبيخ لمن أخبر عنه أنه يخفي ما في صدره عن الله، عز وجل، ويظن ~~أن الله سبحانه لا يعلمه، وكيف يكون آمن من قد أحصى جميع استقرار الحيوان، ~~وموضع موته، وتكفل برزقه، وأثبت ذلك قبل خلقه. فمن كان يقدر على ذلك كيف ~~يخفى عليه ما في صدور هؤلاء. # قوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه} إلى قوله ~~{يستهزءون}. # والمعنى: أن الذي إليه مرجعكم أيها الناس، هو الذي خلق السماوات والأرض ~~ومن فيهن في ستة أيام، وهو قادر على أن يخلق ذلك في لحظة. # روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~بيدي، فقال: خلق الله تعالى التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، ~~وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور فيها ~~يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم ~~الجمعة في آخر ساعات الجمعة ". PageV05P3351 # قال كعب: جعل الله عز وجل، الدنيا مكان كل يوم من الستة الأيام ألف سنة ~~". # وقال الضحاك: {في ستة أيام} من أيام الآخرة، كل يوم مقدار ألف سنة، ابتدأ ~~في الخلق يوم الأحد، واجتمع الخلق يوم الجمعة، فسميت الجمعة لذلك. ولم يخلق ~~يوم السبت شيئا. # وقوله: {وكان عرشه على المآء}: أي: قبل خلق السماوات والأرض " وسئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ ~~فقال: في عماء ". # - في بمعنى على عادة العرب، لأنها تبدل حروف الجر، بعضها من بعض. PageV05P3352 # العماء: السحاب الرقيق. ومن رواه مقصورا فمعناه، والله أعلم، أنه كان ~~وحده، وليس معه سواه. شبه عليه السلام العمى بالعماء توسعا ومجازا - (فوقه ~~هواء، وتحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء). # قال ابن عباس: كان الماء على متن الريح. # ثم قال تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}: أي: فعل ذلك ليختبركم أيكم أحسن ~~عملا له، وطاعة. # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ms1109 وسلم: { أيكم أحسن عملا}: أحسن ~~عقلا، وأورع عن PageV05P3353 # محارم الله عز وجل، وأسرع إلى طاعته. # قال ابن جريج: يعني بالاختبار الثقلين. والمعنى: ليختبركم الاختبار الذي ~~تقع عليه المجازاة، وهو عالم بما يفعل الجميع قبل خلقهم. ولكن أراد الله ~~تعالى، أن يظهر من الجميع ما يقع عليه الجزاء. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت}: ~~أي: إن قلت لهم يا محمد: إنكم مبعوثون من بعد موتكم، وتجازون ليقولن الذين ~~كفروا، ما هذا {إلا سحر مبين} أي: ما قولك إلا سحر ظاهر. # ومن قرأ (إلا ساحر)، فمعناه: ما هذا الذي يخبرنا بهذا إلا ساحر ظاهر. # ثم قال تعالى: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة}: أي: ولأن أخرنا ~~يا محمد عن قومك العذاب إلى وقت معلوم عندنا معدود. # وقيل: المعنى: إلى مجيء أمة وانقراض أمة. وإنما سميت السنون أمة، لأن ~~فيها PageV05P3354 # تكون الأمة، وتنبت وتهلك. وأصل الأمة الجماعة. # ثم قال تعالى إخبارا عما علم منهم: إنهم يقولون: إذا أخرنا عنهم العذاب. ~~{ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم}: أي: ليقولن هؤلاء الكفار ما يحبه، أي: ~~شيء يمنع الذعاب أن يأتي تكذيبا منهم به. قال الله تبارك وتعالى: {ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا} (أي: ليس يصرفه عنهم أحد إذا جاء وقته). # {وحاق بهم}: أي: نزل بهم وحل {ما كانوا به يستهزءون} وهو العذاب. وقيل: ~~المعنى: وحل بهم عقاب استهزائهم بأنبيائهم. # قوله: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة} إلى قوله {على كل شيء وكيل}. # المعنى: ولئن وسعنا للإنسان في رزقه وعيشه، ثم سلبنا ذلك منه. PageV05P3355 # {إنه ليئوس}: أي قنوط من الرحمة. # {إنه ليئوس}: أي: " كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر ". # والإنسان هنا اسم للجنس، وقيل: هو للكفار خاصة. # ثم قال تعالى: {ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته}: أي: ولئن بسطنا له في ~~الرزق والعيش، بعد ضيق في رزقه مسه منه ضرر {ليقولن ذهب السيئات عني}: أي: ~~ذهب الضيق، والعسر عني. {إنه لفرح}: أي: مرح، لا يشكر، {فخور}: أي يفخر بما ms1110 ~~ناله من السعة في رزقه، فينسى صروف الدنيا، وعوارضها غرة منه وجرأة. {الله ~~لا يحب الفرحين} [القصص: 76]: وهذا كله من صفة الكافر. # وقد قرأ بعض أهل المدينة " لفرح " بضم الراء، وهي لغة، كما يقال: PageV05P3356 # رجل قطر وقطر وحذر وحذر. ثم استثنى. تعالى ذكره من هؤلاء قوما ليسوا على ~~هذه الصفة فقال: {إلا الذين صبروا} أي: على الضيق والعسر وحمدوا الله على ~~ما نالهم. # {وعملوا الصالحات}: أي: الأعمال التي هي طاعات. # {أولئك لهم مغفرة}: أي: من الله: أي: لهم مغفرة لذنوبهم، فلا يفضحهم في ~~معادهم. # {وأجر كبير}: أي: ثواب عظيم على أعمالهم، وهو الجنة. # وقوله: {إلا الذين} هو استثناء ليس من الأول عند الأخفش بمعنى: " لكن ". ~~فهذا في المؤمنين، والأول / في الكافرين فهما جنسان ونوعان. # وقال الفراء: هو استثناء من أذقناه، لأن الإنسان بمعنى الناس، فهو من ~~الأول. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} أي: ~~فلعلك تترك بعض ما يوحى إليك يا محمد، فلا تبلغه لمن أمرت أن تبلغه إياه. PageV05P3357 # {وضآئق به صدرك} أي: وضائق بما يوحى إليك صدرك، فلا تبلغهم إياه مخافة أن ~~يقولوا: فهلا {أنزل عليه كنز}: من مال {أو جآء معه ملك} يصدقه فيما يقول، ~~وينذر معه. إنما عليك يا محمد الإنذار. {والله على كل شيء وكيل}: أي: لست ~~يا محمد عليهم بوكيل. الله هو الوكيل عليهم، أي: هو القائك بمجازاتهم ~~وأمورهم. # فالهاء في " به " تعود على " ما "، أو على " بعض "، أو على التبليغ، أو ~~على التكذيب. # قوله: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله} إلى قوله {يعملون}: # المعنى: أيقولون افتراه، أي: اختلق القرآن من عند نفسه. و " أم " هنا هي ~~المنقطعة التي هي بمعنى الألف قل لهم يا محمد {فأتوا بعشر سور مثله}: أي: ~~مثل القرآن. {مفتريات}: مختلفات، أي: مختلفات، أي: مفتعلات. كما زعمتم أني ~~اختلقت PageV05P3358 # القرآن، فاختلقوا أنتم أيضا. إذ محال أن أقدر على ما لا تقدرون، لأنا أهل ~~لسان واحد. # {وادعوا من استطعتم من دون الله}: أي: ادعوا ms1111 للاختلاق والعون من شئتم إلا ~~الله سبحانه {إن كنتم صادقين}: في قولكم إن محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~افترى القرآن من عند نفسه. # ثم قال تعالى: {فإلم يستجيبوا لكم}: أي: إلم يستجب لكم أيها المشركون من ~~(تدعون لأن يأتوا) بعشر سور مثل هذا القرآن {مفتريات} ولم تطيقوا أن تأتوا ~~بذلك، {فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله}: أي: أيقنوا أن هذا القرآن أنزل على ~~محمد بعلم الله، وألا معبود إلا الله عز وجل. PageV05P3359 # وقيل: المعنى: فإلم يستجب لكم يا محمد هؤلاء المشركون في أن يأتوا بذلك ~~{فاعلموا}: أيها المشركون أنه إنما أنزل بعلم الله. وأتى ب " لكم " لأن ~~المراد النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون. # وقيل: خوطب النبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ الجماعة كما يخاطب العظيم، ~~والشريف. والنبي صلى الله عليه وسلم، أشرف من على وجه الأرض. # {فهل أنتم مسلمون}: أي: مذعنون بالطاعة، مخلصون لله عز وجل، العبادة. # ثم قال تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها}. المعنى: من " كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، نوف إليهم ~~أجورهم فيها ". # {وهم فيها لا يبخسون}: هذا للكافر، فأما المؤمن فيجازى بحسناته في PageV05P3360 # الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. # وقيل: إن قوله: {وهم فيها لا يبخسون}: يعني: في الآخرة لا يظلمون. # قال مجاهد: هي في أهل الرياء. # وقيل: المعنى: لئن كان يريد بغزوه الغنيمة وفي ذلك، ولم ينقص منه شيئا. # وقال ابن عباس: نسختها {من كان يريد العاجلة عجلنا (له) فيها ما نشآء / ~~لمن نريد} [الإسراء: 17]. وهذا مردود، لأنه خبر، والأخبار لا ننسخ. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله جل ثناؤه، ~~إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية. فأول من ~~يدعى به: رجل جمع القرآن، PageV05P3361 # ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله عز وجل، للقارئ: ألم ~~أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب. قال فما عملت فما علمت؟ قال: ~~كنت اقرأ آناء الليل، وآناء النهار ms1112 (ابتغاء وجهك)، فيقول الله، جل ثناؤه: " ~~كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله عز وجل: أردت أن يقال: فلان " ~~قارئ. فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله عز وجل، له: ألم أوسع ~~عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما ~~أتيتك؟ قال: كنت اصل الرحم، وأتصدق " ابتغاء وجهك ". فيقول الله عز وجل له: ~~كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان جواد. فقد قيل ذلك. ~~ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله عز وجل، فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت ~~بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله، تعالى، له: كذبت، وتقول ~~الملائكة له: كذبت. فيقول الله تعالى له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد ~~قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ركبتي، فقال: يا أبا ~~هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ". PageV05P3362 # ثم قال تعالى: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها}: أي: في الدنيا، ومعنى حبط: ذهب، {وباطل ما كانوا يعملون}. # قوله: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} إلى قوله {لا يؤمنون}. # والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، ~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم. # والهاء في " ربه " تعود عليه. قال ذلك قتادة، وعكرمة، والنخعي. # وقوله: {ويتلوه شاهد}: أي: ويتلو محمدا شاهدا منه، أي: من الله، وهو ~~القرآن. # وقيل: المعنى: ويتلو القرآن شاهدا منه، أي: من محمد. وهو لسانه، أي: ~~يقرأه: وهو قول الحسن، ومعمر. # ويجوز أن تكون الهاء في ويتلوه للبينة، لأنها بمعنى البيان. PageV05P3363 # وقال ابن عباس: {ويتلوه شاهد}: هو جبريل عليه السلام، يتلو القرآن من عند ~~الله عز وجل، على محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: هو ملك مع النبي صلى الله عليه وسلم، يحفظه من عند الله، ~~سبحانه. # وقيل: إن قوله {أفمن كان على بينة من ربه}، يعني: به النبي صلى الله عليه ms1113 ~~وسلم، والمؤمنين. ودل على ذلك قوله: {أولئك يؤمنون به}. # وقيل: المعنى: ويتلوه شاهد من الله، عز وجل، والشاهد: الإنجيل، ويتلوه ~~القرآن بالتصديق. # {ومن قبله كتاب موسى}، أي ومن قبل الإنجيل التوراة. # وقال الزجاج: المعنى: ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، موصوف في التوراة، والإنجيل. PageV05P3364 # وحكى أبو حاتم: (ومن قبله كتاب موسى) بالنصب، على العطف على الهاء في " ~~يتلوه ". أي: ويتلو كتاب موسى جبريل، فهو من التلاوة التي هي القراءة، ~~وكذلك قال ابن عباس، قال: (الشاهد): جبريل، و " منه " من الله عز وجل. و " ~~من قبله " تلى جبريل كتاب موسى على موسى صلى الله عليه وسلم. ويجوز الرفع ~~في {كتاب} على هذا المعنى، كما تقول: رأيت أخاك، وأباك: أي: وأباك كذلك. ~~فيكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك: أي: تلاه جبريل على موسى، كما تلى ~~على محمد عليهم السلام. # والمعنى: أفمن كان على هذه الحال، كمن هو في الضلالة، والعمى. واختار قوم ~~أن يكون المعنى: أن الشاهد القرآن، يتلوه محمد، أي: بعده شاهدا له. ودل على ~~ذلك قوله: {ومن قبله كتاب موسى}. # قال ابن عباس: الشاهد جبريل. PageV05P3365 # قال مجاهد: الشاهد حافظ من الله عز وجل، يحفظ محمدا: أي: ملك. فالهاء في ~~" منه " تعود على الله، في هذين القولين. # وقيل: (الشاهد): لسان محمد صلى الله عليه وسلم، والهاء تعود على محمد. ~~قاله الحسن. # وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن. والهاء في ~~{يؤمنون به} للقرآن. # وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن والهاء في ~~{يؤمنون به} للقرآن، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: {أولئك يؤمنون به}: أي: من هذه صفته، يؤمن بالقرآن، وإن ~~كفر به هؤلاء الذين قالوا: إن محمدا افتراه. # ثم قال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} " يعني: من مشركي العرب، ~~وغيرهم، ممن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، من كفر بمحمد، فالنار موعده ~~يهوديا، كان أو نصرانيا، أو غير ذلك. PageV05P3366 # ثم قال: {فلا تك في مرية منه} ms1114 هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد: أمته، {إنه الحق من ربك}، أي: القرآن حق من عند الله عز وجل، فلا ~~تكونوا أيها المؤمنون في شك من ذلك. # {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي: " لا يصدقون، بأن ذلك كذلك. {شاهد منه}: ~~وقف عند نافع على معنى: ويتلوالقرآن شاهد من الله، وهو جبريل. # {يؤمنون به}: وقف، وكذلك: {فالنار موعده}، وكذلك {فلا تك في مرية منه}. # قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} إلى قوله {هم الأخسرون} # والمعنى: من أعظم جرما ممن اختلق على الله سبحانه، الكذب، أي: كذب ~~بآياته، وحججه، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به. PageV05P3367 # {أولئك يعرضون على ربهم}، يوم القيامة، فيسألهم عن أعمالهم في الدنيا. # قال ابن جريج: ذلك الكافر، والمنافق. # {ويقول الأشهاد}: الذين شهدوا على أعمالهم، وحفظوها عليهم: # {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} في الدنيا {ألا لعنة الله على الظالمين}: ~~أي: غضبه، وإبعاده من رحمته. # قال مجاهد: الأشهاد هنا: الملائكة الحفظة، وكذلك قال قتادة. وقال الضحاك: ~~الأشهاد: الأنبياء، والرسل، صلوات الله عليهم، يقولون: هؤلاء الذين كذبوا ~~بما جئنا به من عند ربنا. # ثم بين تعالى الظالمين من هم فقال: {الذين يصدون عن سبيل الله}: أي: ~~يزيغون أن يدخلوا في الإيمان. {ويبغونها عوجا}: أي: يلتمسون لسبيل الله عز ~~وجل، العوج والزيغ. وسبيل الله هو الإيمان به، وبما جاء من عنده، وهم مع ~~ذلك PageV05P3368 # " وبالآخرة هم / كافرون ": أي: جاحدون، لا يصدقون بالبعث، {على ربهم}: ~~وقف. # ثم قال تعالى: {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} والمعنى: أولئك الذين ~~هذه صفتهم، لم يكونوا معجزين ربهم، سبحانه، في الأرض بهرب، أو باستخفاء، ~~إذا أراد عقابهم. {وما كان لهم من دون الله من أوليآء}: أي: ليس لهم من ~~يمنعهم من الله عز وجل، إذا أراد الانتقام منهم. # ثم قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع} ولا يعقلون عن ~~الله عز وجل. { وما كانوا يبصرون}. ولا يهتدون إلى رشدهم. وقيل: إن المعنى ~~يضاعف لهم العذاب أبدا: أي: وقت ms1115 استطاعتهم السمع والبصر. # وقيل: إن " ما " للنفي، فيحسن الابتداء بها على هذا، ولا يحسن على ~~القولين الأولين. # ومعنى النفي هنا أن الضمير في " يستطيعون "، و " يبصرون ": الأصنام، ~~والنفي PageV05P3369 # عنها: أي: لم تكن تسمع، ولا تبصر. وهذا التأويل مروي عن ابن عباس. # وقيل: المعنى: إن الضمير " لهم "، والنفي " عنهم ": أي: لم يكونوا ~~ليسمعوا شيئا ينفعهم من الإيمان، ولا يبصرونه، لأن الله، عز وجل، حال بينهم ~~وبين ذلك، لما سبق في علمه، فهو مثل قوله: {يحول بين المرء وقلبه} ~~[الأنفال: 24]: بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكافر. ومثله: {ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها} [السجدة: 13]، ومثله {ولو شآء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] بالله، عز وجل. ختم على قلوبهم، وعلى أبصارهم ~~بكفرهم. قال ذلك قتادة، فقال: فهم صم عن الحق، فما يسمعونه، بكم، فما ~~ينطقون به. عمي فلا يبصرون. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه، إن المعنى: لا ~~يستطيعون أن يسمعوا سماع منتفع بما يسمع، ولا يبصرون إبصار مهتد، لاشتغالهم ~~بالكفر. PageV05P3370 # قال الزجاج: ذلك كان منهم لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يسمعون ~~عنه، ويفهمون ما يقول. # قال الفراء: سبق لهم في اللوح المحفوظ أنه يضلهم. # قوله: {أوليآء} وقف عند نافع، {العذاب}: وقف إن جعلت " ما " نفيا خاصة. # ثم قال تعالى: {أولئك الذين خسروا أنفسهم} أي: غبنوا أنفسهم حظها كم رحمة ~~الله عز وجل. # { وضل عنهم ما كانوا يفترون}: أي: بطل كذبهم، وافراؤهم على الله، سبحانه. # ثم قال تعالى: {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}، و {لا جرم} عند ~~سيبويه، والخليل بمعنى: حق. وأن في موضع رفع، وجيء ب " لا " عند PageV05P3371 # الخليل ليعلم أن المخاطل لم يبتدأ به كلامه، وإنما خاطب غيره. # وقال الزجاج: لا هنا نفي لما ظنوا أنهم ينفعهم كأنه كان المعنى: لا ~~ينفعهم ذلك. # {جرم أنهم في الآخرة}، أي: كسب ذلك الفعل لم الخسران، ف " أن " عنده في ~~موضع نصب. # وقال الكسائي: المعنى: " لا صد "، ولا منع عن أنهم ". فإن في موضع نصب ~~أيضا، ms1116 فحذف الخافض. وحكي: لاجر " بغير ميم لغة ناس من فزارة. # وحكى / الفراء: " لا ذا جرم لغة لبني عامر. # وقال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل، والله أعلم، بمنزلة: لا بد أنك ~~قائم، PageV05P3372 # ولا محالة أنك قائم، فكثرت حتى صارت منزلة " حقا ". # تقول العرب: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت إليك، وأصلها من جرمت، أي: ~~كسبت الشيء. # وذكر ابن مجاهد عن بعض القراء، وهو حمزة: ولا جرم بالمد، وكان يأخذ به ~~بمعنى الاية: حق أن هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الأخسرون في الآخرة: باعوا ~~منازلهم في الجنة، بمنازلهم في النار، وذلك هو الخسران المبين. # قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم} إلى قوله {عذاب ~~يوم أليم} # معنى: أخبتوا، أنابوا، وقيل: معناه: اطمأنوا وقيل: خشعوا، PageV05P3373 # وتواضعوا، وتضرعوا. والمعاني في ذلك متقاربة. وإلى: هنا بمعنى اللام، ~~والمعنى: " لربهم " كما وقعت اللام بمعنى " إلى قوله ". أوحى لها: أي: ~~إليها. # ثم قال تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} أي: مثل ~~الكافر كالأعمى، والأصم، والمؤمن كالبصير، والسميع: فهذا مثل ضربه الله عز ~~وجل، للكافر والمؤمن، فالكافر أصم عن الحق، أعمى عن الهدى، لا يبصره، ~~والمؤمن يبصر الهدى، ويسمع الحق، فينتفع به. # {هل يستويان مثلا} على اختلاف حاليهما. ومثل نصبه مصدر في موضع الحال. ~~(مثلا): وقف عند نافع. # ثم قال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم} من كسر " إني "، PageV05P3374 # فالمعنى: فقال: إني: ومن فتح فعلى تقدير حذف الجر. # والمعنى: أنذركم بأسه، وعقابه إن تماديتم على الكفر. # {مبين}: أي: أبين لم ما أرسلت به إليكم. ثم بين تعالى: بأي شيء أرسل، ~~فقال: {أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} إن تماديتم ~~على كفركم. {إلى قومه}: وقف إن كسرت " إني "، وجعلت " ألا " تعبدوا متعلقا ~~بنذير. # قوله: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا} إلى ~~قوله: {قوما تجهلون}: # المعنى: أنهم قالوا له: ما نواك إلا آدميا مثلنا في الخلق، ثم قالوا: ~~{وما نراك اتبعك إلا الذين ms1117 هم أراذلنا} أي: السفلة، دون الأكابر. وقيل: هم ~~الفقراء، وقيل: هم الخسيسو PageV05P3375 # الصناعات. وروي في الحديث أنهم كانوا حاكة، وحجامين. ولا يقال رجل أرذل، ~~ولا امرأة رذلاء حتى تدخل الألف واللام، أو يضاف. # وقوله: {بادي الرأي} من همزه جعله من الابتداء، أي: ابتعوك ابتداء، ولو ~~فكروا لم يتبعوك. ومن لم يهمز، جاز أن يكون على تخفيف الهمزة، وجاز أن يكون ~~من بدا يبدو: إذا ظهر، أي: اتبعوك في ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك. # وقيل: المعنى: ابتعوك في ظاهر الرأي، ولو تدبروا لم يتبعوك. PageV05P3376 # وقيل: المعنى: اتبعوك في ظاهر الرأي الذي ترى، وليس تدري باطنهم. # ونصبه عند الزجاج على حذف " في " أو على مثل: {واختار موسى قومه} ~~[الأعراف: 155]. # وقيل: المعنى: أنه نعت لمصدر محذوف، والمعنى " اتباعا ظاهرا ". # ثم حكى الله عز وجل، عنهم قالوا لمن آمن بنوح صلى الله عليه وسلم: { وما ~~نرى لكم علينا من فضل} إذ آمنتم بنوح {بل نظنكم كاذبين}: أي: في دعوتكم أن ~~الله عز وجل، ابتعث نوحا رسولا. وهذا خطاب لنوح، لأنهم به كذبوا، فخرج ~~الخطاب له مخرج خطاب الجميع. # قال نوح لقومه: {ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي}: أي: على معرفة ~~به، وعلم. # / {وآتاني رحمة من عنده}: أي: رزقني التوفيق، والنبوءة، والحكمة، فآمنت، ~~وأطعت. PageV05P3377 # {فعميت عليكم}: أي: عميت عليكم الرحمة، أي: خفيت، فلم تهتدوا لها. # والرحمة عند الفراء: الرسالة. ومن شدد فمعناه: " فعمها " الله عليكم، أي: ~~خفاها. وفي قراءة عبد الله، وأبي: " فعماها الله عليكم " وقد أجمع الجميع ~~على التخفيف في " القصص "، ولا يجوز غيره. # ثم قال: {أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} أي: أنآخذكم بالدخول في الإسلام ~~على كره منكم، فنلزمكم ما لا تريدون. # يقول صلى الله عليه وسلم: " لا تفعل ذلك، بل نكل أمرهم إلى الله، سبحانه ~~". PageV05P3378 # قال النحاس: {أنلزمكموها}: أنجبها عليكم. وأنتم لها كارهون. وقيل: معنى ~~{أنلزمكموها}: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. # وقيل: الهاء في {أنلزمكموها} للرحمة. وقيل: للبينة. # ثم حكى الله عنه أنه قال: ms1118 {وياقوم لا أسألكم عليه مالا}: أي: لا آخذ منكم ~~على نصحي إياكم، ودعائي لكم إلى الإيمان {مالا}: ما أجري في ذلك إلا على ~~الله، هو يجازيني ويثيبني. {ومآ أنا بطارد الذين آمنوا}: أي: لست أطردهم، ~~ولا الذين آمنوا بي. وذلك أنهم سألوه أن يطردهم. # قال ابن جريج: قالوا: " إن أحببت أن نتبعك فاطردهم. فقال: لا أطردهم ~~ملاقوا ربهم، فيجازي من طردهم وآذاهم، ويسألهم عن أعمالهم. # ثم قال لهم: {ولكني أراكم قوما تجهلون}: أي: تجهلون ما يجب عليكم من PageV05P3379 # حق الله. # وقوله: {وياقوم من ينصرني من الله إن طردتهم - إلى قوله - ومآ أنتم ~~بمعجزين}: # والمعنى: من يمنعني من الله، إن هو عاقبني على طردي إياهم، وهم مؤمنون، ~~وموحدون. # {أفلا تذكرون} في قولكم، فتعلمون خطأه. # ثم قال لهم: {ولا أقول لكم عندي خزآئن الله} هذا معطوف على قوله: (لا ~~أسألكم)، والمعنى: لا أقول لكم: عندي خزائن الله التي لا يفنيها شيء، ~~فتتبعوني عليها. # {ولا أعلم الغيب}: أي: ما خفي من سرائر الناس. فإن الله يعلم ذلك وحده. # {ولا أقول إني ملك}: فأكذب، {ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله ~~خيرا الله}، PageV05P3380 # أي: للذين اتبعوني وآمنوا بي، فاستحقرتموهم، وقلتم، إنهم أراذلنا. " ~~والخير هنا الإيمان بالله عز وجل. # { الله أعلم بما في أنفسهم}: أي: في ضمائرهم، واعتقادهم، وإنما لي منهم ~~ما ظهر. {إني إذا لمن الظالمين}: أي: إني ظالم، إن قلت لن يؤتيكم الله ~~خيرا، وقضيت / على سرائرهم: نفى نوح صلى الله عليه وسلم، جميع هذا عن نفسه ~~لئلا يتبعوه على ذلك. # {قالوا يانوح قد جادلتنا}: أي: " قد خاصمتنا، فأكثرت خصامنا {فأتنا بما ~~تعدنآ}: أي: بالعذاب، إن كنت صادقا في قولك: إنك رسول (الله). # وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: فأكثرت جدلنا ". " والجدل " والجدال: ~~المبالغة في الخصومة. # قال لهم نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله عز وجل. # { ومآ أنتم بمعجزين}: أي: لستم ممن يعجزالله، سبحانه، إذ جاءكم عذابه PageV05P3381 # هربا، لأنكم في سلطانه حيثما كنتم. # قوله: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم} إلى ms1119 قوله {يفعلون} # والمعنى: وليس ينفعكم تحذيري إياكم عقوبة على كفركم. {إن كان الله يريد ~~أن يغويكم} أي: يهلككم. # وقيل: معناه: يحييكم، وحكي عن بعض العرب أنها تقول: أصبح فلانا غاويا: ~~أي: مريضا. # وهذه الآية من أبين آية في أن الأمر كله لله عز وجل، يضل من يشاء، ويهدي ~~من يشاء، لا معقب لحكمه يفعل ما يشاء. # وقد نالت المعتزلة: إن معنى: " أن يغويكم: أن يهلككم، وكذبوا على الله، ~~سبحانه، وعلى لغة العرب: ولو كان الأمر كما قالوا، لكات معنى قوله: {قد ~~تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256]: من الهلاك، وهذا لا معنى له. إنما هو ~~الضلال، الذي هو نقيض الرشد. ولكان معنى قوله: {وعصىءادم ربه فغوى} [طه: ~~121]: فهلك، ولم يهلك إنما ضل. ولكان معنى قوله: {الذين أغوينآ أغويناهم} ~~[القصص: 63] بمعنى الهلاك، ولا معنى لذلك، إنما هو PageV05P3382 # بمعنى الضلال كله. ولكان قوله: {ولأغوينهم} [الحجر: 39] بمعنى: لأهلكنهم: ~~وهذا لا يقوله أحد، ولا معنى له. # وقوله تعالى: {فسوف يلقون غيا} [مريم: 59] معناه: هلاكا. # {هو ربكم وإليه ترجعون}: أي: بعد الهلاك. # ثم قال تعالى: {أم يقولون افتراه}: أي: أيقولون؟ وهذه " أم " المنقطعة ~~بمعنى الألف، أي: اختلقه. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى ~~أيقول قومك: اختلق هذا الخبر عن نوح عليه السلام، قل لهم: يا محمد! {قل إن ~~افتريته فعلي إجرامي}: أي: إثم جرمي، لا تؤاخذون به، {وأنا برياء} من إثم ~~جرمكم، ولا آخذ به. يقال: أجرم فلان: أي: كسب الإثم. PageV05P3383 # وأجاز أبو إسحاق " أجرامي " بفتح الهمزة جمع جرم. # ثم قال تعالى: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} ~~والمعنى: إنه لما حق عليهم العذاب، أعلم أنه لم يؤمن أحد ممن بقي، {فلا ~~تبتئس}: أي: لا تحزن على فعلهم، وكفرهم، وذلك حين قال: {رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26]. # قوله: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} إلى قوله: {إلا قليل}. # والفلك: السفينة، يكون واحدا، وجمعا. # قال ابن عباس: أوحي إليه: أن يصنع الفلك فلم يدر كيف يصنعها، فأوحي ms1120 إليه ~~أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطير. ومعنى: {بأعيننا ووحينا}: أي: كما نأمرك. PageV05P3384 # قال قتادة: / بعين الله، ووحيه. # (وقيل: بأعيننا: بحفظنا، وقيل: بعلمنا، وقيل: إن الملائكة كانت تريد ~~ذلك). # وقيل: معنى: (بأعيننا ووحينا): أي: بتعليمنا كيف تصنعه. # وقوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا}: أي: لا تسألني في العفو عنهم. قال ~~ابن جريج: معناه: لا تراجعني. # ثم أعلمنا الله عز وجل، أنه أخذ يصنع السفينة، وأن {وكلما مر عليه ملأ من ~~قومه} أي: جماعة، وكبراء {سخروا منه}: أي: هزأوا به، يقولون له: أتحولت ~~نجارا بعد النبوءة؟ وتعمل السفينة في البر؟ فيقول لهم نوح: {إن تسخروا منا} ~~اليوم، PageV05P3385 # {فإنا نسخر منكم} في الآخرة {فسوف تعلمون} إذا عاينتم العذاب {من يأتيه ~~عذاب يخزيه} أي: من هو أحمد عاقبة منا، ومنكم. # و" من " تكون هنا خبرا، واستفهاما، وتقريرا، إعرابها في الوجهين ظاهر. ~~(وروت عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لو رحم ~~الله (أحدا من قوم نوح) لرحم أم الصبي، كان نوح قد مكث في قومه ألف سنة إلا ~~خمسين عاما، يدعوهم إلى الله عز وجل، حتى كان آخر زمانه غارس شجرة، فعظمت، ~~وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمي سفينته. ويمرون، فيسألونه، فيقول: ~~أعمل سفينة. فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر، فكيف تجري؟ فيقول: ~~سوف تعلمون. فلما فرغ منها، وفار التنور، وكثر الماء في السكك، وخشيت أم ~~الصبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت إلى الجبل، حتى بلغت ثلثي الجبل، ~~فلما بلغها الماء، خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء PageV05P3386 # رقبتها، رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء ". # قال قتادة: كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها ~~في السماء ثلاثون ذراعا، وبابها في عرضها. # وقال الحسن: كان طول السفينة ألف ذراع، ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. # وقال عكرمة: إنما طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها ورفعها ثلاثون ذراعا. # وعن الحسن، ( رحمه الله عليه، أيضا)؛ أنه قال: كان طولها ألف ذراع، في PageV05P3387 # خمسمائة ذراع، وبابها في جنبها. # قال: ms1121 أبو رجاء: كانت مطبقة. # وقيل: إنها كانت: ثلاث طبقات: طبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها ~~الإنس، وطبقة فيها الطير. فلما كثر أروات الدواب أوحى الله عز وجل، إلى ~~نوح: أن أغمز ذنب الفيل، فغمزه. فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبل على الروث. ~~ثم إن الفأر وقع بحبل السفينة يقرضه، فأوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني ~~الأسد، فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبل على الفأر. PageV05P3388 # قال ابن عباس: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد ~~السفينة، فحدثنا عنها، قال: فانطلق بهم عيسى عليه السلام، حتى أتى إلى كثيب ~~من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفيه، فقال: أتدرون ما هذا قالوا: الله ~~ورسوله أعلم. قال: هذا / كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثيب بعصى، وقال: قم ~~بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب، قال له عيسى: هكذا ~~هلكت. قال: لا، ولكن مت، وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة، فمن ثم: شبت. ~~قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع، ومائتي ذراع، وعرضها ~~ستمائة ذراع. ثم حكى له طبقاتها، وما كان فيها، وقصة الأرواث، والفأر على ~~ما تقدم ذكره. ثم قال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ ~~قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيبفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، ~~فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقاريها، ~~وطين برجليها. فعلم أن البلاد قد غرقت، فطوقها الخضرة في عنقها، ودعا أن ~~تكون في أنس، وأمان، فمن ثم تألف البيوت. # وروى عبيد بن عمير الليثي: أنهم كانوا يخنقون نوحا حتى يغشى عليه، فإذا ~~فاق قال: اللهم أغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون. حتى إذا تمادوا في المعصية، ~~وتطاول عليه PageV05P3389 # منهم الشأن، وعظيم البلاء، ولا يأتي قرن منهم إلا كان أخبث من صاحبه. ~~يقولون: قد كان هذا مع آبائنا، وأجدادنا مجنونا، ولا تقبل منه شيءا. فشكا ~~ذلك إلى الله، وقال كما قص الله سبحانه علينا: {رب ms1122 قال رب إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا} [نوح: 5 - 6]- إلى آخر القصة - ~~ثم قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26]- إلى آخر القصة ~~-. فأوحى الله عز وجل، إليه: أن اصنع الفلك. وزعم أهل التوراة أن الله، ~~سبحانه، أمره أن يجعل عوده من الساج، وأن يطليه بالقار، من داخل، ومن خارج، ~~وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا، وعرضه خمسين ذراعا، وطوله في السماء ثلاثين ~~ذراعا، وجعل الله عز وجل، له فور التنور آية. فلما فار، حمل في الفلك من ~~أمره الله، سبحانه، بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناس ~~ممن كان آمن به. فكان جميعهم عشرة رجال. وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافرا. PageV05P3390 # قال ابن عباس: كان أول ما حمل نوح في الفلك الذرة، وآخر ما حمل الحمار. ~~فلما دخل، وأدخل صدره، تعلق إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح عليه ~~السلام، يقول: ويحك! ادخل، فلا يستطيع الحمار الدخول. فقال: ويحك! (ادخل) ~~وإن كان الشيطان معك. # فزل لسانه بالكلمة، فدخل الحمار، والشيطان. فقال له: نوح صلى الله عليه ~~وسلم: ما أدخلك علي يا عدو الله؟ قال: ألم تقل ادخل، وإن كان الشيطان معك. ~~قال: اخرج عني يا عدو الله. قال: مالك بد من أن تحملني، فكان إبليس في ظهر ~~الفلك. فكان بين إرسال الله عز وجل، الماء، وبين أن احتمل الماء الفلك ~~أربعون يوما بلياليها، ودخل فيها لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل من ~~كان معه / (انفتحت أبواب السماء بماء منهمر)، كما قال الله، وكانت السفينة ~~مسمرة بدسر. والدسر: مسامير الحديد، وقيل: مسامير من عود، بها يسمر اليوم ~~مراكبهم أهل الحجاز، وأهل الهند، وما يلي ذلك. فلما جرت السفينة، قال نوح ~~لابنه: {اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} [هود: 42] PageV05P3391 # وكان قد أضمر الكفر، وظن أن الجبال تمنع من الماء، فقال: {سآوي إلى جبل ~~يعصمني من المآء} [هود: 43]: أي: يمنعني، فقال له نوح: {لا عاصم اليوم من ~~أمر الله} [هود: 43]. فعلا الماء ms1123 على الجبال خمسين ذراعا. فهلك كل ما كات ~~على وجه الأرض من الحيوان والأشجار ولم يبق إلا ما في السفينة. وكان بين أن ~~أرسل الله الطوفان، وبين أن غاض الماء ستة أشهر، وعشر ليال. # قال عكرمة: " ركب في السفينة لعشر خلون من رجب، {واستوت على الجودي} ~~[هود: 44] لعشر خلون من المحرم. فذلك ستة أشهر ". # ومعنى: {وفار التنور}: قيل: إنه انفجر الماء من وجه الأرض. التنور: وجه ~~الأرض قاله ابن عباس، وعكرمة. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو تنوير الصبح، من قولهم: نور الصبح ~~ينور، فكأنه قال: حتى جاء أمرنا، وطلع الفجر. # وقال قتادة: التنور أعلى الأرض، وأشرافها. PageV05P3392 # وقال الحسن: التنور هو الذي يخبز فيه، كان من حجارة لحواء. ثم صار إلى ~~نوح، فقيل له: إذ رأيت الناء يفور من التنور، فاركب أنت وأصحابك. # وقال الشعبي. فار الماء في ناحية الكوفة. # وعن علي رضي الله عنه، أنه قال: فار التنور من مسجد الكوفة، وقال زيد بن ~~حبيش: فار التنور من هذه الزاوية، وأشار إلى زاوية مسجد الكوفة اليمني من ~~القبلة، التي عن يمين المصلى. وكان زيد يقصد إلى الصلاة في تلك الزاوية من ~~مسجد الكوفة، وعن الحسن أيضا أن التنور الموضع الذي يجتمع فيه الماء في ~~السفينة. وعنابن عباس: أن التنور فار بالهند. PageV05P3393 # ومعنى: {من كل زوجين اثنين} أي: من كل ذكر، وأنثى، والواحد: زوج، ~~والزوجان ذكر، وأنثى من كل صنف، فمعنى من كل زوجين: من كل صنفين. وقيل ~~الزوجان: الضربان الذكور، والإناث. وقيل: الزوجان: اللونان. # وقوله: {وأهلك إلا من سبق عليه القول}: أي: واحمل أهلك، إلا من سبق ~~إهلاكه، وهو بعض نساء نوح، كانت من الباقين: من الهالكين. # وقيل: هو ابنه الذي غرق. {ومن آمن} أي: واحمل من آمن. # قال قتادة: كانوا ثمانية أنفس، خمسة بنين، وثلاث نسوة، فأصاب حام امرأته ~~في السفينة. فدعا عليه نوح أن تغير نطفته. فجاء بالسودان. PageV05P3394 # وقيل: كانوا عشرة سوى نسائهم: ستة ممن آمن، وثلاثة بنين، ونوح. # وعن ابن عباس: أنهم كانوا ms1124 ثمانين رجلا، غير النساء من غير أهله وروي أن ~~الله جل ذكره، كان قد أعقم أرحام النساء، وأصلاب الرجال، قبل الغرق بأربعين ~~سنة /، فلم يولد فيهم مولود، ولم يغرق إلا ابن أربعين، فما فوق ذلك. # قوله: {وأهلك}: وقف عند أبي حاتم، وليس يوقف عند غيره، لأن بعده استثناء. # {ومن آمن}: وقف عند نافع وغيره، {إلا قليل}: وقف حسن. PageV05P3395 # قوله: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها} - إلى قوله - {فكان من ~~المغرقين} # المعنى: فحملهم فيها، وقال: اركبوا فيها. ومن قرأ بضم الميم، فمعناه: بسم ~~الله إجراؤها، وإرساؤها: ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على ~~الظرف، على معنى بسم الله، وقت إجرائها، وعند إرسائها. ويكون بسم الله ~~كلاما مكتفيا بنفسه كقول المبتدئ في عمل: بسم الله، فتكون الياء في موضع ~~نصب على معنى ابتدأت بسم الله، أو في موضع رفع على معنى أبتدأ، أي: بسم ~~الله. {ومجراها}: ظرف كما تقول: زيد قائم خلفك. ومن فتح الميم فعلى هذا ~~التقدير، إلا PageV05P3396 # أنه يقدر في موضع الإجراء الجري. والمعنى: بالله إجراؤها، وبالله جريها، ~~وبالله إرساؤها. # وقال مجاهد، والجحدري، والعطاردي: " مجريها ومرسيها بالياء، وجعلوه نعتا ~~لله عز وجل، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ. # وقال الضحاك وغيره: كان إذا قال: بسم الله جرت، وإذا قال: بسم الله رست. # واختار " مجراها " بالفتح لقربه من قوله: وهي تجري بهم، ولم يقل تجري PageV05P3397 # وخرجت " مرساها " بالضم على الإجماع {إن ربي لغفور رحيم}: أي: لساتر ذنوب ~~من تاب إليه، رحيم به. ثم أخبر تعالى أنها تجري بهم في موج مثل الجبال، ثم ~~قال: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل} (أي: في معزل) عن دين نوح. وقيل: في ~~معزل عن السفينة، وذلك أن نوحا، صلوات الله عليه، لم يعلم بأنه كافر، لقوله ~~{ولا تكن مع الكافرين}. # وقيل: إنه لم يكن ابنه، إنما كان ابن امرأته. # وحكى أبو حاتم أنه قرأ: " ونادى نوح ابنه " بفتح الحاء، يريد " ابنها " ~~ثم حذف الألف لخفتها، كما تحذف الواو من " ابنهو ". وعن علي ms1125 رضي الله عنه، ~~أنه قرأ: PageV05P3398 # "ابنها" بألف، لم يكن ابنه، إنما كان ابن رجل تزوجها قبل نوح. # وعن الحسن رضي الله عنه، أنه قال: خانت نوحا في الولد. والله تعالى يعيذ ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، من ذلك إنما خانته في الدين، لا في الفراش. # قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط ". # ومن قرأ {يابني اركب معنا} بالفتح، فزعم أبو حاتم أنه أراد: يا بنياه، ~~فحذف الهاء، لأنه يصل، وحذف الألف لدلالة الفتحة. # ولا يجوز عند سيبويه حذف الألف لخفتها، وليس مثل الواو. # وقال الزجاج: كان أصله " يا بني " بياءين كما تقول: يا غلامي بالياء، ~~فأبدل من PageV05P3399 # الكسرة فتحة، ومن الباء ألفا، ثم حذف الألف لسكونها، وسكون الراء بعدها ~~من " اركب "، وكتبت على اللفظ. ومن كسر الياء، فعلى الأصل، لأن الكسرة تدل ~~على الياء المحذوفة، ككسر الميم في " يا غلام! تعال ". # ثم قال تعالى إخبارا عن قول ابن نوح لنوح: {سآوي إلى جبل يعصمني من ~~المآء}: أي: سأصير / إلى جبل يمنعني من الماء، قال له نوح: {لا عاصم اليوم ~~من أمر الله إلا من رحم}: أي: إلا الراحم، أي: ليس يعصم إلا الله، أي: لا ~~يمنع إلا الله الذي رحمنا، فأنقذنا من الغرق، وقيل: " من " في موضع نصب ~~استثناء، ليس من الأول، أي: لكن من رحم الله، فإنه معصوم. # وقيل: المعنى: إن عاصما بمعنى معصوم، فيكون " من " أيضا في موضع رفع لأنه ~~لا معصوم من أمر الله إلا المرحوم على البدل من موضع معصوم, PageV05P3400 # والاختيار: ان يكون عاصم على بابه و"من" في موضع رفع على البدل من عاصم. # والتقدير: لا يعصم اليوم من امر الله الا الله. # ثم قال تعالى: {وحال بينهما الموج}: أي: بين نوح، وابنه، فكان ابنه من ~~المغرقين. # {من أمر الله}: وقف حسن، إن جعلت إلا من رحم الله استثناء، ليس من الأول، ~~وليس من الأول، وليس بالبين لأنه لا بد للثاني أن يكون فيه سبب من الأول. # {إلا من رحم}. وقف. # قوله: {وقيل يا أرض ms1126 ابلعي مآءك} إلى قوله {أكن من الخاسرين}. # المعنى: يا أرض اشربي ما عليك من الماء. # {وياسمآء أقلعي}: لا تمطري. {وغيض المآء}: أي: نقص جعل PageV05P3401 # الله عز وجل، في الأرض والسماء تمييزا، وقيل: هو مجاز. # {وقضي الأمر}: أي: بهلاكهم، {واستوت على الجودي}: أي: استقرت السفينة على ~~الجودي، وهو جبل بناحية الموصل، أو الجزيرة. {وقيل بعدا}: أي: وقال الله ~~بعدا. # وقيل: المعنى: وقال نوح ومن معه {بعدا للقوم الظالمين}: أي: أبعدهم الله ~~من رحمته. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ركب نوح السفينة في أول يوم ~~من رجب، فصام هو ومن معه، وجرت السفينة ستة أشهر. فانتهى ذلك إلى المحرم، ~~فأرست على الجودي يوم عاشوراء فصام نوح وأمر من معه من الوحش، فصاموا شكرا ~~لله عز وجل. PageV05P3402 # وروي أن السفينة مرت بالبيت، فطافت به أسبوعا. # وفي الجودي لغتان: تشديد الياء، وتخفيفها. فمن شدد جمعه على جوادي، ومن ~~خفف جمع على جواد، مثل جوار. # (على الجودي): وقف عند أبي حاتم، وليس كذلك، لأن (وقيل): عطف على واستوت. # ثم قال تعالى: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي}: أي: إنك وعدتني ~~أن تنجي أهلي، وابني منهم. PageV05P3403 # {وإن وعدك الحق}: أي: الذي لا خلف فيه، {وأنت أحكم الحاكمين} أي: فاحكم ~~لي (بأن تفي) بما وعدتني. # قال الله له: {يانوح إنه ليس من أهلك}: أي: ليس من أهلك الذين وعدتك أن ~~أنجيهم. # وقال الحسن: لم يكن ابنه، وكان يحلف أنه ما كان ابنه. فمعنى: {ليس من ~~أهلك}: أي: ليس بابن لك، إنما هو ابن امرأته وقال عكرمة، هو ابنه، ولكن على ~~غير دينه، وإنما وعده الله عز وجل، أن ينجي أهله المؤمنين به. فمعنى {ليس ~~من أهلك}: ليس من أهل دينك. # ثم قال تعالى: {إنه عمل غير صالح}: أي: إن سؤالك يا نوح إياي أن أنجي ~~مشركا عمل منك غير صالح. PageV05P3404 # وقيل: المعنى: إن الذي سألت أن أنجيه، ذو عمل صالح. # وقيل: المعنى: إن عماه غير صالح. # وعن ابن مسعود / أنه ms1127 قرأ " إنه عمل صالح أن تسألني ما ليس لك به علم " ~~{فلا تسئلن}، فتكون الهاء للمجهول، وخبر " عمل " محذوف دل عليه {فلا ~~تسئلن}. # ومن قرأ: " عمل غير صالح "، فكذلك قرأ الكسائي. وفيه: حديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أنه كذلك قرأ. ومعناه: ظاهر، كأنه قال: إنه كافر PageV05P3405 # والمعنى: إن ابنك كافر، عمل عملا غير صالح، مثل {واعملوا صالحا} ~~[المؤمنون: 52، سبأ: 11]، ومثل {وعمل صالحا} [البقرة: 62، سبأ: 37]. # ثم قال تعالى: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} هذا تنبيه لنوح، صلى الله ~~عليه وسلم، لئلا يسأل عما طوي عنه علمه. # وقال ابن زيد: المعنى: إني أعظك أن تبلغ الجهالة بك، أن تظن أني لا أفي ~~بوعد وعدتك، حتى تسألني ما ليس لك به علم. فاستقال نوح من سؤاله، واستعاذ ~~من ذلك. وقال: {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين}: فاستغفر من زلته في مسألته، وهذا " يدل على أن ~~الأنبياء (صلوات الله عليهم)، يذنبون ". PageV05P3406 # ومعنى: {من الخاسرين}: أي: الذين خسروا رحمتك يوم القيامة. والمعنى: إني ~~أسألك أن توفقني وتلطف بي، حتى لا أسألك (ما ليس لي به علم). # قوله: {قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} - إلى ~~قوله - {مجرمين ولا تتولوا} # والمعنى: قال الله عز وجل، يا نوح! اهبط من الفلك إلى الأرض سلامة، ~~وبركات عليك، وعلى أمم ممن معك: أي: من ذرية من معك: أي: من ذرية من معك من ~~ولدك، وولد من معك من المؤمنين الذين سبقت لهم السعادة قبل خلقهم. # ثم قال تعالى مخبرا عن الكافرين من ذرية من معه: {وأمم سنمتعهم ثم يمسهم ~~منا عذاب أليم}: فلذلك رفعت الأمم ها هنا، ولا تخفض، لأنها ليست ممن بارك ~~الله عليها، ودعا لها بالسلامة، و'نما هو بمنزلة: رأيت زيدا، وعمرو جالس. # ومعنى: {سنمتعهم}: أي: " سنرزقهم في الحياة الدنيا ما يمتعون به إلى أن PageV05P3407 # يبلغوا آجالهم ". # {ثم يمسهم منا عذاب أليم}: أي: في القيامة. # قال محمد بن ms1128 كعب القرظي: دخل في هذا السلام والبركة، كل مؤمن؛ ومؤمنة إلى ~~يوم القيامة. ودخل في هذا العذاب كل كافر، وكافرة إلى يوم القيامة. # ممن معك: وقف، وأجاز الفراء " وأمما " ممن معك بالنصب على معنى ونمتع ~~أمما. # ثم قال تعالى: {تلك من أنبآء الغيب} أي: تلك القصة، بمعنى: هذه القصة من ~~الأخبار الغائبة عنك يا محمد، وعن قومك، لم تكونوا تعلمونها من قبل إخبارنا ~~لكم، فإخبارك إياهم بهذا يدل على صدقك، ونبوتك لو عقلوا. (فاصبر): على PageV05P3408 # قولهم، وعلى القيام بأمر الله عز وجل، في التبليغ، وعلى ما تلقى منهم. # {إن العاقبة للمتقين} وهذا إشارة إلى القرآن. () # ثم قال تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا}: أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. ~~هو معطوف على قوله / {ولقد أرسلنا نوحا (إلى قومه)} [هود: 25] وسمي هود ~~أخاهم، لأنه منهم، ومبين بلسانهم، وقيل: سمي بذلك لأنه منه ولد آدم، بشر ~~مثلهم. # وعاد: قبيلة، وهو ابن أبيهم الأكبر، فلذلك قال أخوهم، وهو هود بن عبد ~~الله بن عاد بن عادية بن عاد بن أرام بن الخالد بت عابر. قال لهم (هود): ~~{اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} إلا هو، ولا يستحق العبادة إلا هو. PageV05P3409 # {إن أنتم إلا مفترون}: أي: ما أنتم في اتخاذكم إلها غيره إلا كاذبون. ثم ~~قال لهم: {ياقوم لا أسألكم عليه أجرا}: أي: ليس أسألكم على ما دعوتكم إليه، ~~كم من إخلاص العبودية لله عز وجل، أجرا، ما أجري في ذلك إلا على الله ~~سبحانه، {الذي فطرني}: أي: خلقني. # ثم قال: {وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}: أي: سلوه المغفرة من ~~عبادتكم غيره، {ثم توبوا إليه} من عبادة غيره. فإن فعلتم ذلك أرسل عليكم ~~السماء مدرارا: أي: قطر السماء متتابعا. # ومفعال للتكثير، وفيه معنى الكسب. ولذلك حذفت الهاء. وأكثر ما يأتي " ~~مفعال " من " أفعلت "، وقد أتى هنا من " فعلت "، يقال: درت تدر وتدر، فهي ~~مدرار. # ثم قال: {ويزدكم قوة إلى قوتكم}: أي: " شدة إلى شدتكم " قاله مجاهد PageV05P3410 # (إن أطعتم). # وقيل: إن النسل كان قد ms1129 انقطع منهم سنتين، فقال لهم هود: إن آمنتم بالله، ~~أحيا الله بلادكم، ورزقكم الولدان، فذلك القوة. # وقال أبو إسحاق: المعنى قوة في النعمة. وكانت مساكن عاد الرمال، ما بين ~~الشام واليمن، وكانوا أهل زرع، وبساتين وعمارة، فلما أقاموا على كفرهم، ~~وعبادة أصنامهم، ولم يطيعوا هودا أرسل الله عز وجل، عليهم الريح، فكانت ~~تدخل في أنوفهم، وتخرج من أدبارهم، وتقطعهم عضوا عضوا. # ثم قال لهم هود: {ولا تتولوا مجرمين}: أي: لا تدبروا عني، وعن ما دعوتكم ~~إليه كافرين. # وله: {قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك - إلى ~~قوله - صراط مستقيم} والمعنى: ما جئتنا ببرهان على قولك، فنترك آلهتنا ~~لقولك، وما نؤمن لك، فنصدقك بما جئتنا به. ما نقول {إلا اعتراك بعض آلهتنا ~~بسواء}: أي: أخذك خبل من عند بعض آلهتنا لطعنك عليها، وسبك لها: أي: جنون. PageV05P3411 # قال لهم هود: {إني أشهد الله واشهدوا} أنتم {أني برياء مما تشركون * من ~~دونه}: أي: من آلهتكم التي تعبدون من دون الله سبحانه. {فكيدوني جميعا}: ~~أي: احتالوا في كيدي، أنتم وآلهتكم التي تعبدون ثم لا تؤخروا ذلك عني. # {إني توكلت على الله ربي وربكم}: أي: فوضت أمري إلى مالكي، ومالككم. {ما ~~من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ}: أي: ليس من شيء يدب على الأرض إلا والله عز ~~وجل، مالكه. # وخص ذكر الناصية دون سائر الأعضاء، لأن العرب تستعمل ذلك فيمن وصفته ~~بالذلة والخضوع: تقول: ما ناصية فلان إلا بيدي: أي: هو مطيع لي أصرفه كيف ~~أشاء. # وقيل: إنما خص ذكر الناصية، لأنهم كانوا إذا أسروا أسيرا، وأرادوا المن ~~عليه، جزوا ناصيته، ليعتدوا بذلك / فخرا، فخوطبوا بعادتهم. PageV05P3412 # وكل ما فيه الروح يقال له: داب ودابة، فتدخل الهاء للمبالغة. # ثم قال: {إن ربي على صراط مستقيم} أي: على الحق. والصراط في اللغة: ~~المنهاج الواضح. # قوله: {فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم} - إلى قوله - {هود}. # والمعنى: إن هودا قال لقومه: فإن أجبرتم على ما جعوتكم إليه، وأعرضت فقد ~~أبلغتكم ما أمرت به، ms1130 وقامت عليكم الحجة في تبليغي إياكم رسالة ربكم، فهو ~~يهلككم، ثم يستخلف قوما غيركم، توحدون، وتخلصون له العبادة. # {ولا تضرونه شيئا}: أي: لا تقدرون على ضر إذا أراد هلاككم. وقيل: المعنى: ~~ولا يضره هلاكم شيئا. # {إن ربي على كل شيء حفيظ}: أي: ذ1وحفظ بخلقه. # ثم قال تعالى: {ولما جآء أمرنا} أي: العذاب للكفار. {نجينا هودا والذين ~~آمنوا PageV05P3413 # معه برحمة منا}: أي: بفضل منا مما أصاب الكفار. {ونجيناهم من عذاب غليظ}: ~~أي: يوم القيامة من عذاب جهنم، كما نجيناهم في الدنيا من عذاب الكفار. # ثم قال تعالى: {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل ~~جبار عنيد} أي: معاند لله عز وجل، معارض بالخلاف. {وأتبعوا في هذه الدنيا ~~لعنة}: أي: غضبا من الله، وسخطا، ويوم القيامة مثل ذلك. # {ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد}: أي: أبعدهم الله، وإنما قال: ~~{وعصوا رسله} بجمع، ولم يأتهم إلا رسول واحد، لأن من كفر ببني واحد، وعصاه ~~فقد كفر بجميع الأنبياء، وعصاهمز وله في القرآن نظائر، قد مضت، ومنها ما ~~يأتي بعد. # (يوم القيامة): وقف، (قوم هود): وقف. PageV05P3414 # (" إكمال السفر الثالث من كتاب الهداية بحمد الله وعونه. وصلى الله على ~~محمد نبيه وسلم تسليما. يتلوه في السفر الرابع قوله) ". # قوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله} إلى قوله ~~{مريب}: # ثمود: قبيلة، وصالح ابن أبيهم الأكبر. فلذلك قال أخوهم، وهو صالح بن عبيد ~~بن جابر بن عبيد بن ثمود بن الخالد بن عابر. والمعنى: وأرسلنا إلى ثمود ~~أخاهم صالحا، فقال لهم: اعبدوا الله ليس لكم إله إلا هو، هو أنشأكم): أي: ~~خلقكم من الأرض، يعني: أصلهم الذي هو آدم. خلق من طين من الأرض، ~~{واستعمركم} أنتم (فيها): أي: أسكنكم فيها. # {فاستغفروه}: مما عبدتم من دونه. {ثم توبوا إليه}: من عبادة الأوثان. {إن ~~ربي قريب مجيب} يسمع دعاءكم، وتوبتكم، واستغفاركم. {مجيب} لمن دعاه، وأخلص ~~في التوبة. # {قالوا ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا}، أي: كنا نرجو أن تكون فينا ms1131 ~~سيدا، PageV05P3415 # قبل قولك هذا الذي قلته لنا، إنه ليس لنا إله إلا الله. {أتنهانآ أن نعبد ~~ما يعبد آباؤنا} من الآلهة. {وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه} من عبادة إله ~~واحد {مريب}: أي: متهم، من أربته، فأنا أربيه، إذا فعلت فعلا يوجب له ~~التهمة. # قوله: {قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة} - إلى ~~قوله - {غير مكذوب}. # المعنى: إن صالحا قال لهم: إذ قالوا له: {وإننا / تدعونآ إليه مريب لفي ~~شك مما} # {ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي}: أي: على برهان، وحجة، قد علمت ~~ذلك وأيقنته. {وآتاني منه رحمة}: يعني النبوؤة والحكمة والإيمان. # {فمن ينصرني من الله إن عصيته}: أي: من ينقذني من عذابه إن عصيته. {فما ~~تزيدونني} بعذركم أنكم تعبدون ما كان يعبد آباؤنا {غير تخسير}: أي PageV05P3416 # تخسرون حظوظكم من رحمة ربكم. # ثم قال: {وياقوم هذه ناقة الله لكم آية}: " آية: حال، والمعنى: انتبهوا ~~إليها في هذه الحال. # {فذروها تأكل في أرض الله}: أي: دعوها، ويذر ويدع لم يستعمل منها ماض. ~~وأصل " يدع ": يودع، فحذفت الواو على الأصل، ثم فتحت العين من أجل حروف ~~الحلق. وشابهت " يذر " " يدع " من أجل أنها لم ينطق منها بماض، ففتحت العين ~~منها، مثل " ودع "، وبابهما جميعا فعل يفعل، ففتحت " يدع " لحرف الحلق، ~~وفتحت " يذر " للمضارعة التي بينها وبين " يدع ". وإنما تفتح العين إذا ~~كانت حرف حلق، أو كانت اللام حرف حلق، لأن الفتجة ألها من الألف. فلما وقع ~~بعدها حرف حلق جعلوا حركة ما قبله مما هو من مخرج الحروف، ليكون الحرف، PageV05P3417 # والحركة من جنس واحد. وكذلك، إن كانت العين حرف حلق تفتح، لتكون حركته من ~~الحرف الذي هو مثله، فتكون الحركة والحرف من جنس واحد أيضا. # وإنما صارت الناقة آية، لأنهم طلبوا الله أن يخرج لهم من جبل لهم ناقة ~~ويؤمنوا، فأخرجها لهم من ذلك الجبل بقدرة الله عز وجل، فلم يؤمنوا، فقال ~~لهم: دعوها {تأكل في أرض الله} ليس على أحد منكم رزقها. {ولا تمسوها ms1132 ~~بسواء}: أي: لا تعقروها، فيأخذكم عذاب قريب: أي: قريب من عقرها. وقيل: ~~المعنى: {قريب}: غير بعيد فيهلككم. {فعقروها}، والمعنى: فكذبوه، فخالفوه، ~~فعقروها. فقال لهم صالح: استمتعوا في دار الدنيا ثلاثة أيام، ثم يأتيكم ~~العذاب فهو {وعد غير مكذوب}. # ويروى أن الناقة كانت أحسن ناقة في الأرض، حمراء عشراء، فوضعت فصيلا، ~~فكانت تغدو، فتشرب جميع الماء، ثم تغدوا عليهم، بمثله لبنا، فإذا انصرفت ~~عنهم عدوا إلى الماء، فاستقوا حاجتهم ليومين، فعقروها، فأخذهم العذاب. PageV05P3418 # قال قتادة: لما أخبرهم صالح أن العذاب يأتيهم لبسوا الأنطاع، والأكسية. # وقيل لهم: آية ذلك أن تصفر ألوانكم أول يوم، ثم تحمر في اليوم الثاني، ثم ~~تسود في اليوم الثالث. # وقال قتادة: لما عقروا الناقة ندموا، وقالوا: عليكم بالفصيل، فصعد الفصيل ~~إلى الجبل. فلما كان اليوم الثالث استقبل القبلة، وقال: يا رب! أمي، فأرسلت ~~الصيحة عليهم عند ذلك. # وكانمت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام. # قوله: {فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا} - إلى ~~قوله - {لثمود}: # والمعنى: ولما جاء عذابنا نجينا صالحا منه. {والذين آمنوا معه برحمة ~~منا}: أي: بنعمة، {ومن خزي يومئذ}: أي: نجيناهم من هوان ذلك اليوم، وذلته. # ومن خفض {يومئذ}، أضاف إليه حرفا واحدا بالإعراب، ومن PageV05P3419 # نصب بناه مع " إذ " لإضافته إلى غير متمكن وهو إذ. # قال المبرد: من خفض قال: سير عليه يومئذ فرفع، ومن فتح فتح مع سير، وغيره ~~لأنه مبني. # {إن ربك هو القوي} أي: في بطشه إذا بطش ". # {العزيز}: أي: الذي لا يغلبه شيء. # وروى عمرو بن خارجة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " كانت ثمود ~~يوم صالح، أطال الله أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر، فينهدم ~~لطول حياته، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا، فنحتوها، وجوفوها ~~وكانوا في سعة من عيشهم فقالوا: يا صالح! ادع لنا ربك يخرج لنا آية تعلم ~~أنك رسول الله. فدعا صالح PageV05P3420 # ربه، فأخرج لهم الناقة، فكان شربها يوما، وشربهم يوما معلوما. فإذا كان ~~يوم شربها، خلوا عنها، وعن ms1133 الماء وحلبوها لبنا ملء كل إناء، ووعاء، وسقاء، ~~فأوحى الله، جل ذكره، إلى صالح: أن قومك سيعقرون الناقة، فقال لهم صالح ~~ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل ذلك، فقال لهم: إلا تعقروها أنتم يوشك أن يولد ~~فيكم مولود يعقرها. قالوا: ما علامة ذلك المولود؟ قال: فإنه غلام أشقر، ~~أزرق، أصهب، أحمر. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، (وكان) لأحدهما ان ~~يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤا. فجمع بينهما مجلس، فزوج ~~أحدهما ابنته لابن الآخر، فولد بينهما ذلك المولود. وكان في المدينة شيخان ~~عزيزان منيعان، (وكان) لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد ~~لها كفؤا. فجمع بينهما مجلس، فزوج أحدهما ابنته لابن الآخر، فولد بينهما ~~ذلك المولود. وكان في المدينة ثمانية رهط، يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، ~~فقال صالح لقومه: اختاروا ثماني نسوة، قوابل من القرية، واجعلوا معهن شرطا، ~~فكانوا يطوفون بالقربة، فإذا وجدوا امرأة تلد نظروا صفة ولدها إن كان ذكرا. ~~فلما رأ] ن ذلك المولود صرخن، وقلن: هذا الذي يريد رسول الله PageV05P3421 # صالح. فأراده الشرط، فحال جداه بينهم وبينه، وقالا: لو أن صالحا أراد هذا ~~قتلناه. فكان شو مولود، فشب في سرعة، واجتمع الثمانية الذين يفسدون في ~~الأرض، وفيهم الشيخان، فاستعملوا على أنفسهم (الغلام) لمنزلته، وشرفه. ~~وكانوا تسعة، وكان صالح لا ينام معهم في القرية. كان ينام في مسجد له خارج ~~القرية. فإذا أبح أتاهم، فوعظهم، وذكرهم ". # وروى ابن جريج أن صالحا أمر بقتل الولدان، فقتل أبناء ثمانية رهط. وكان ~~لهم صاحب ترك ابنه فكبر. فقال الثمانية: لو أنا لم نقتل أبناءنا لكانوا مثل ~~هذا الغلام. فائتمروا التسعة بينهم بقتل صالح. وقالوا: نخرج مسافرين، ~~والناس يروننا علانية، ثم نرجه في وقت كذا من ليلة كذا، فنقتله في مصلاه، ~~والناس يحسبون أننا مسافرون، فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه. فأرسل ~~الله، جل ذكره، عليهم، الصخرة فرضختهم /، فأخبر الله أهل القرية بموتهم، ~~فقالوا: تنادون: أي: عباد PageV05P3422 # الله! ما رضي صالح بأن جعلهم قتلوا أولادهم حتى ms1134 قتلهم. فأجمع أهل القرية ~~على عقر الناقة أجمعون إلا رجلا منهم. # وقال عرم وابن خارجة: أراد المولود مع الثمانية قتل صالح، فمشوا حتى أتوا ~~سريا على طريق صالح، فاختفى فيه ثمانية، وبقي هو، وقالوا: إذا خرج علينا ~~قتلناه، وأتينا أهله، فبيتناهم، فأمر الله عز وجل، الأرض، فاستوت عليهم، ~~فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة، وهي على حوضها قائمة. فقال الشقي لأحدهم " ~~إيتها فاعقرها، فأتاها فتعاظمه ذلك، فرجع ثم بعث آخر، فعظم عليه عقرها، ~~فرجع ثم آخر، فرجع، حتى رجع الجميع، ولم يعقروا. فمشى هو إليها، وتطاول، ~~فضرب عرقوبيها، فوقعت تركض. وأتى رجل منهم صالحا، فقال: أدرك الناقة، فقد ~~عقرت. فأقبل، وخرج وهم يتلقونه، ويعتذرون إليه. يا نبي الله! إنما عقرها ~~فلان، إنه لا ذنب لنا. قال: انظروا هل تدركون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى ~~الله أن يدفع عنكم العذاب. فخرجوا PageV05P3423 # يطلبونه، فلما رأى الفصيل أمه أن تضطرب أتى جبلا يقال له: القارة قصيرا. ~~فصعد عليه، وذهبوا ليأخذوه. فأوحى الله عز وجل، إلى الجبل، فطال في السماء ~~حتى ما تناله الطير، قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت ~~دموعه، ثم استقبل صالحا، فرغا رغوة، ثم رغا أخرى. فقال صالح لقومه: لكل ~~رغوة أجل يوم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، وآية العذاب أن اليوم الأول ~~تصبح وجوههم كأنها طليت بالخلوق، كلهم كذل. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا ~~إنه قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب. فلما أصبحوا اليوم الثاني، إذا ~~وجوههم محمرة، كأنها خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا، وبكوا، وعرفوا أنه ~~العذاب. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا إنه قد مضى يومان من الأجل، وحضركم PageV05P3424 # العذاب. فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة، كأنها طليت بالقار. ~~فصاحوا: ألا قد حضركم العذاب من فوق (رؤوسهم)، أو من أسفل. فلما أصبحوا في ~~اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء له صوت ~~في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا جاثمين. # أي: خامدين في ديارهم. والدار محلة القوم، والموضع الذي / فيه نزلهم ms1135 في ~~معسكرهم ومجتمعهم، والديار: الدور التي سكنها كل واحد منهم. # " ولما مر النبي صلى الله عليه وسلم، ( في) غزوة تبوك بوادي ثمود، أمر ~~أصحابه أن PageV05P3425 # يسرعوا لئلا ينزلوا به، ولا يشربوا من مائه. وأخبرهم أنه واد ملعون " # {كأن لم يغنوا فيهآ}: أي: لم يعيشوا. قال الأصمعي: المغاني: المنازل، ~~ويقال: غنيت بالمكان: إذا أقمت به. # فالمعنى كأن لم يغنوا بها في سرور، وغبطة. # {ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود}: ألا أبعدهم الله لنزول العذاب ~~بهم. # قوله: {ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى} - إلى قوله - {عجيب}. # من نصب " سلاما " نصبه على المصدر، أو على أعمال القول، والرفع على إضمار ~~خبر محذوف. والمعنى: قالوا: سلام عليكم. ومن قرأ " سلم " فعلى معنى الأمر. PageV05P3426 # سلم أو نحو سلم: أي: نحن آمنون منكم، إذا سلمتم علينا، لأن الملائكة لما ~~سلمت عليه أمن منهم، وعلم أنهم مؤمنون. فقال لهم: سلام: أي: نحن سلم منكم ~~إذن. # وقيل: المعنى: نحن سلم، أي: غير باغين شرا، وأنتم قوم منكرون: أي: لا ~~نعرفكم. وقيل: سلم بمعنى سلام. كما يقال حرم، وحرام بمعنى واحد. ويجوز رفع ~~الأول، ونصب الثاني، ونصب أيهما شئت على هذا التقدير، ومعنى {قوم منكرون} ~~[الحجر: 62، الذاريات: 25]: أي: غير معروفين في بلدنا. # وقيل: المعنى: إنكم قوم منكرون، إذا سلمتم، لأن التسليم في بلدنا منكر، ~~ولم نعهده إلا لمن هو على ديننا. والرسل الذين أتوهم: جبريل، وميكائيل، ~~وإسرافيل، عليهما السلام. # روي أن رجلا جل ذكره، أرسل إسرافيل يبشر سارة زوج إبراهيم بإسحاق، ويعقوب ~~ولد إسحاق، وأرسل الله جبريل ليقلب مدائن قوم لوط، وأرسل PageV05P3427 # ميكائيل ليأخذ بيد لوط، ويسري بهم. والبشرى هي البشارة بإسحاق. وقيل: هي ~~البشارة بهلاك قوم لوط. # {قالوا سلاما} قال مجاهد: المعنى سدادا. # {فما لبث أن جآء}: " أن ": في موضع نصب عند سيبويه، يقال: لا يلبث عن أن ~~يأتيك. # وأجاز الفراء أن تكون في موضع رفع. فلبث، أي: فما أبطأ عنه مجيئه. ~~والمعنى: فما أبطأ عنهم حتى جاء {بعجل حنيذ}: أي: مشوي، وهو فعيل، بمعنى ~~مفعول. # وقال ms1136 ابن عباس: (حنيذ): نضيج. وقيل: كان قد أشوي على حجارة محمية. فما: ~~نافية في قوله (فما لبث)، وفي " لبث " ضمير إبراهيم عليه السلام. PageV05P3428 # وقيل: لا ضمير في " لبث "، والفاعل: أن جاء، أيك فما أبطأ مجيئه عن أن ~~جاء. وقيل: " ما " بمعنى " الذي " في موضع رفع على الابتداء، والخبر: " أن ~~جاء "، والتقدير: فإبطاؤه مجيئه بعجل بين قدر الإبطاء. # قوله: {فلما رأى أيديهم} أي: فلما رأى إبراهيم أيدي الرسل، صلوات الله ~~عليهم، لا تصل إلى العجل، فتأكل منه، (نكرهم)، وعلم أنهم لم يتركوا الأكل ~~إلا لقصة. فأوجس منهم خوفا في نفسه. يقال: نكره ينكره، وأنكره بمعنى. ~~فالهاء في " إليه " تعود على العجل، وقيل: على إبراهيم، بمعنى: لا تصل / ~~إلى طعامه، ثم حذف المضاف. # قال قتادة: إنما أنكر إبراهيم أمرهم، لأنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف، فلم ~~يطعم من طعامهم ظنوا أنه لم يجيء بخير، فخاف إبراهيم منهم، فقالوا له: {لا ~~تخف} منا {إنا أرسلنا إلى قوم لوط} بالعذاب. PageV05P3429 # {وامرأته قآئمة}: أي: " من وراء الستر ". وفي قراءة ابن مسعود: " وامرأته ~~قائمة، وهو قاعد. # وقيل: إنها كانت قائمة، تخدم الرسل، وإبراهيم جالس مع الرسل. # وقوله: {فضحكت} قيل: إنها ضحكت من أمرها أنها تخدم، وضيافها لا يمسون ~~الطعام. # قال السدي: قال إبراهيم للرسل، صلوات الله عليهم: ألا تأكلون؟ قالوا: يا ~~إبراهيم! إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن. قال لهم: فإن لهذا ثمنا! قالوا: وما ~~هو؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ~~ميكائيل، عليهما السلام، فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا. فلما لم ~~يأكلوا، قالت سارة، امرأة إبراهيم: عجبا لأضيافنا هؤلاء، إنا لنخدمهم ~~بأنفسنا، تكرمة لهم، وهم لا PageV05P3430 # يأكلون! وضحكت تعجبا. # وقيل: ضحكت من أن قوم لوط في غفلة، وقد جاءت رسل الله عز وجل، بهلاكهم. ~~فكان ضحكها تعجبا لغفلة قوم لوط، عما أتاهم من العذاب، وهو قول قتادة. # وقيل: إنها ضحكت لما رأته من زوجها إبراهيم عليه السلام، من الروع تعجبا، ~~وهو قول الكلبي. # وقال وهب بن منبه: ms1137 ضحكت لما بشرت بإحاق، وهي كبيرة، PageV05P3431 # فضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها. ويكون في الكلام تقديم ~~وتأخير، وهو بعيد مع الفاء، ولا يحسن الوقف على هذا المعنى، على " ضحكت ". # وقال مجاهد: معنى: ضحكت: ساغت، وكذا ابنة تسعين سنة. وقيل: بل زادت على ~~التسعين، وكان إبراهيم، عليه السلام، ابن مائة سنة. # وذكر بعض البصريين أن بعض أهل الحجاز حكى عن العرب: " ضحكت المرأة " ~~بمعنى: حاضت. # وقال الضحاك: الضحك: الحيض، ويقال: ضحكت النخلة: إذا أخرجت الطلع، ~~والبشر. وقيل: إنها إنما ضحكت، لأن الملائكة أحيوا العجل بإذن الله عز وجل، ~~فضحكت تعجبا. {فبشرناها بإسحاق}. وقيل: إنها إنما ضحكت، لأنها قالت ~~لإبراهيم قبل مجيء الرسل: أحسب أن قوم لوط سينزل الله بهم عذابا. فضم لوطا PageV05P3432 # إليهم، فلما أتت الرسل بما قالت سرت به، فضحكت. # وقيل: إنها إنما ضحكت من إبراهيم، لأنه كان صلى الله عليه وسلم يقوم ~~بمائة رجل، فتعجبت من خوفه من نفر. # وقيل: ضحكت سرورا، حيث قالوا: لا تخف، لقد كانت خافت منهم. # وقوله: {فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب}: أي: من رفع " يعقوب " ~~فعلى الابتداء، {ومن ورآء إسحاق}: الخبر، والجملة في موضع الحال. أي: ~~بشرناها بإسحاق، مقابلا له يعقوب. وهو داخل في البشارة، فلا يوقف على إسحاق ~~على هذه المعنى. ويجوز أن يرتفع بفعل دل عليه الكلام، / والمعنى: ومن وراء PageV05P3433 # إسحاق يحدث يعقوب، فلا يكون داخلا في البشارة، فيجوز الوقف على إسحاق. # وقيل: المعنى: وقبت لهما من وراء إسحاق يعقوب. # ومن قرأ بالفتح، فهو في موضع خفض عند الكسائي، والأخفش، وأبي حاتم، على ~~العطف علاى " إسحاق ": يجيزون التفريق بين المجرور، وبين ما يشركه، فيفرقون ~~بين حرف العطف والمعطوف. # ومذهب سيبويه والفراء أن يعقوب في موضع نصب، على معنى: ومن وراء إسحاق ~~وهبنا له يعقوب. ولا يجيزون التفريق بين المجرور، وحرف العطف. فتقف على ~~إسحاق على هذا التقدير، ولا تقف عليه إذا قدرت العطف. PageV05P3434 # وقيل: معنى: {ومن ورآء إسحاق}: أي: ومن ولد إسحاق، لأن ولد الولد: ~~الوراء، وهو ms1138 قول ابن عباس، والشعبي، وجماعة معهما. # وفي هذا دليل على أن: الذبيح إسماعيل، لأنها بشرت بإسحاق، وأنها تعيش حتى ~~يولد له، فغير جائز أن يعلم إبراهيم أنه يعيش حتى يولد له، ثم يؤمر بذبحه، ~~قبل أن يولد له. فلا يجوز أن يؤمر بذبح من أخبر أنه يعيش إلى وقت بعد، وقت ~~الذبح بسنين. # قال السدي: لما بشرت بذلك، سكت وجهها وقالت: {ءألد وأنا عجوز} ثم قالت ~~لجبريل: ما آية ذلك؟ فأخذ جبريل، عيله السلام، عودا يابسا، فلواه بين ~~أصبعيه فاهتز خضرا. فقال إبراهيم: هو لله إذا " ذبيحا ". # قيل: إنها كانت ابنة تسعة وتسعين سنة، و'براهيم ابن مائة وعشرين سنة. ~~وقيل: كان أكبر منها بسنة. # و {ياويلتى} " كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء ". PageV05P3435 # وحكى ابن يونس عن العرب: " عجوزة " بالهاء، وأنكر ذلك أبو حاتم. ويقال: ~~للمرأة شيخ وشيخة. والمؤنث في كلام العرب على أربعة أوجه: # - الأول: أن يكون فيه علامة التأنيث، تفصل بينه وبين المذكرن نحو: خديجة، ~~وفاطمة، وعائشة وليلى، وسعدى، وحمرى. # - والثاني: أن تكون الثانية في صيغة الاسم، وبلا علامة ظاهرة، نحو: زينب، ~~ونوار، وهند، وعير وفخر، وشبهه. # - والثالث: أن يكون الاسم المؤنث يخالف لفظه لفظ ذكره، فيستغنى عن علامة ~~التأنيث، لمخالفة اللفظ، وذلك نحو: جدي، وعناق، وحمار، وربما مالوا إلى ~~المؤنث فأدخلوا الهاء، وإن كان لفظه يخالف لفظ المذكر: قالوا: عجوزة، PageV05P3436 # والأكثر عجوزه، وقالوا: غلام، وجارية، فأدخلوا الهاء. ولفظ " جارية " ~~مخالف للفظ غلام. وقالوا: جمل وناقة، وكان الأصل ألا تدخل الهاء في هذا، ~~وربما أدخلوا التأنيث في المذكر. قالوا: شيخ وشيخة، وغلام وغلامة، ورجل ~~ورجلة. # - والقسم الرابع: أن يكون الاسم واقعا على المؤنث والمذكر، فيكون " ~~بالهاء " كقولك: شاة وبقرة، وجرادة، وهذه الهاء فصل بين الواحد والجمع. ~~وقولها: {إن هذا لشيء عجيب} وإن في كون الولد من مثلي شيئا عجيبا. # قوله: {قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت} - ~~إلى قوله - {مردود}. # والمعنى: قالت الرسل: أتعجبين من أمر / قضاء الله عز وجل فيك، وفي بعلك، ~~{رحمت ms1139 الله وبركاته عليكم}. # ثم قال: {إنه حميد}: أي: محمود على نعمه عليكم، وعلى غيركم. {مجيد}: أي: ~~ذو مجد، وثناء، وقيل: معنى: {مجيد}: كريم، والمجد: الكرم، PageV05P3437 # والجود، {من أمر الله}: وقف. # {فلما ذهب عن إبراهيم الروع}: أي: لما سكن خوفه من الرسل، وعلم منهم من ~~هم. # قال الأخفش، والكسائي: قوله " يجادلنا " لأن جواب " لما " يكون بالماضي، ~~وقيل " يجادلنا ": في موضع الحال. ومعنى يجادلنا: أي: يطلب. وقيل: في قوم ~~لوط. وقيل: المعنى: يخاصم رسلنا في قوم لوط. # قال ابن جريج: قال إبراهيم للرسل: أتهلكونهم إن وجدتم فيهم مائة رجل ~~مؤمن؟ قالوا: لا. ثم قال: فتسعين؟ حتى هبط إلى خمسة، وكان في قرية لوط ~~أربعة آلاف ألف، يجادل الرسل عن قوم لوط، ليرد عنهم العذاب. # وقيل: إنه لم يزل يقول: آرأيتم إن وجدتم فيهم كذا، وكذا مؤمنا أتهلكونهم؟ ~~فيقولون: لا حتى بلغ إلى أن قال: أرأيتم إن وجدتم فيها واحدا مسلما؟ قالوا: ~~لا. فلم يخبر إبراهيم أن فهيم رجلا واحدا، يدفع عنهم به البلاء. قال لهم: ~~إن فيها PageV05P3438 # لوطا يدفع عنهم به العذاب. {قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا ~~امرأته} [العنكبوت: 32]. # وقد بين الله، جل ذكره، ذلك في سورة " والذاريات " فقال: {فما وجدنا فيها ~~غير بيت من المسلمين} [الذاريات: 36] يعني: بيت لوط إلا امرأته. # وقيل معنى: {يجادلنا في قوم لوط}: أي: في المؤمنين منهم خاصة، ثم قالوا: ~~{ياإبراهيم أعرض عن هاذآ إنه قد جآء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود}. ~~قال ابن عباس: قال الملك لإبراهيم: إن كان فيهم خمسة يصلون رفع عنهم ~~العذاب. # وقوله: {أواه منيب}: الأواه: المبتهل إلى الله، عز وجل، المتخشع في ~~ابتهاله، الذي يكثر التأوه خوفا، وإشفاقا من الذنوب، والمنيب: الرجاع إلى ~~طاعة الله عز وجل. PageV05P3439 # وقيل: إنما وصفه بالحلم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينتصر لنفسه قط، ~~إنما كان ينتصر لله عز وجل، ولم يعاقب أحدا بذنب صنعه إلا لله، ولم يغضب قط ~~إلا لله. # والأواه: الدعاء، البكاء، والمنيب: التارك للذنوب، الراجع إلى ما ms1140 يحبه ~~الله عز وجل، ويرضى به، وقيل: الأواه: الدعاء، وقيل: هو المتأوه، المرتجع ~~من الذنوب. # وقوله: {ولما جآءت رسلنا لوطا سياء بهم وضاق بهم ذرعا} - إلى قوله - ~~{شديد}. # والمعنى: ولما جاءت الرسل لوطا ساءه ذلك، ولم يعرفهم، وخاف من قومه. ~~{وضاق بهم ذرعا}: أي: ضاقت نفسه بهم لما يعلم من فسق قومه. فالضمير في " ~~بهم " في الموضعين للرسل. # قال قتادة: قالت الرسل: لا تهلكهم حتى يشهد عليهم لوط، قال: فأتوه، وهو ~~في أرض (له)، يعمل فيها، فقالوا له: إنا متضيفوك الليلة. فانطلق به، فلما ~~مشى، قال: أما بلغكم أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر ~~قرية PageV05P3440 # بالأرض عملا، يقول ذلك أربع مرات. # وروي أنهم لقوه، وهو يحطب، فسلموا / عليه، فرد عليهم السلام، ثم حمل ~~حزمته، ودعاهم إلى ضيافته. فلما دخل بهم المدينة، مر بقوم فقالوا: هذا مع ~~لوط حاجتنا، قوموا بنا إليهم. فقال لوط: أشهد أنكم قوم سوء، ثم مر بآخرين، ~~فقالوا بمثل ذلك، فشهد لوط عليهم بمثل ذلك، ثم مر بآخرين. فقالوا بمثل ذلك، ~~فشهد عليهم لوط مثل ذلك. فقال جبريل لإسرافيل، وميكائيل، عليهم السلام: هذه ~~ثلاث مرات شهد بها نبيهم عليهم. # وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم، عليهم السلام، نحو قرية لوط، ~~فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم، لقد بنت لوط تستقي من الماء ~~لأهلها، فقالوا لها: يا جارية هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانكم حتى آتيكم. ~~فرقت عليهم من قومها، فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه: إن أدرك فتيانا على باب ~~المدينة، ما PageV05P3441 # رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لئلا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه ~~نهوه أن يضيف رجلا، وقالوا: خل عنا نضيف الرجال، فجاء بهم لوط، ولم يعلم ~~أحد إلا أهل بيت لوط، فخجرت امرأته، فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط ~~رجالا ما رأيت قط مثلهم. # {وجآءه قومه يهرعون إليه}: أي: يسرعون، وقيل: يسعون، وقيل: يهرولون، فقال ~~لهم لوط: {هذا يوم عصيب}: أي: شديد شره، عظيم بلاؤه. # {ومن قبل كانوا يعملون ms1141 السيئات}: أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، كانوا يأتون ~~الرجال في أدبارهم، فراودوه في أضيافه، فقال: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم}، PageV05P3442 # أي: هؤلاء النساء هن أحل لكم، يريد نساءهم، والنبي أب لأمته. # وقد قرئ: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " قرأه ابن مسعود. # قال عكرمة: إنما قال لهم هذا لينصرفوا، ولم يعرض بأحد. وقيل: عرض التزويج ~~عليهم من بناته إن أسلموا. وقيل: كان في ملتهم جائز أن يتزوج الكافر ~~المسلمة. # وقوله: {أليس منكم رجل رشيد}: أي: يعرف الحق، فيأمر به. قالوا له: {لقد ~~علمت ما لنا في بناتك من حق}: أي: هل لنا أزواجا. # {وإنك لتعلم ما نريد}: أي: أضيافك إياهم نريد، قال لهم لوط، عليه السلام، ~~{لو أن لي بكم قوة} أي: PageV05P3443 # أنصارا ينصرونني عليكم. {أو آوي إلى ركن شديد}: أي: أنضم إلى عشيرة ~~مانعة، تحول بينكم، وبين أضيافي. والجواب محذوف، والمعنى محذوف، والمعنى: ~~لقاتلتكم، ولحلت بينكم وبينهم. # وقال ابن جريج: " بلغنا أنه لم يبعث نبي من بعد لوط، إلا في ثروة من ~~قومه. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " رحمة الله على لوط، ~~إنه كان ليأوي إلى ركن شديد " # وقيل: إن لوطا لما قال ذلك وجدت عليه الملائكة، وقالوا: إن ركنك لشديد. # قوله: {قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} - إلى قوله - {ببعيد}. # والمعنى: قالت له الرسل، لما ضاق، ونزل الركب، فقال لقومه ما قال: PageV05P3444 # / {لن يصلوا إليك إنا رسل ربك} - بسوء - {فأسر بأهلك بقطع من الليل}: أي: ~~اخرج بهم في بقية من الليل، وفي طائفة منه، {إلا امرأتك} نهى أن يخرج بها. # ومن قرأ بالرفع، فالمعنى: " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " فيكون قد ~~خرج بها، فالتفتت تنظر ما حل بقولمها، فأصابها ما أصابهم. ومن نصب فعلى ~~الاستثناء. # وفي قراءة ابن مسعود: " فأسر بأهلك إلا امرأتك ". وهذا يدل على ~~الاستثناء، والمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك، فيكون المعنى: إنه خرج بهم إلا ~~امرأته، وإنه لم يخرج بها. والنهي في الالتفات، إنما وقع على من ms1142 خرج معه، ~~إلا امرأته {إنه مصيبها مآ أصابهم} من العذاب. PageV05P3445 # قال ابن إسحاق: قال الرسل للوط: إنما ينزل عليهم العذاب من صبح ليلتك ~~هذه، فامض لما تؤمر. فقالوا: {أليس الصبح بقريب}؟ أي: عند الصبح ينزل بهم ~~العذاب. # فلما كانت الساعة التي أهلكوا بها، أدخل جبريل عليه السلام، جناحه، ~~فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فجعل عليها سافلها، ~~وأرسل عليهم حجارة من سجيل. وسمعت امرأة لوط الهدة، فقالت: واقوماه! ~~والتفتت، فأدركتها أحجار، فقتلتها. وكانت مدائنهم خمسا، فدمرت إلا زعن ~~وحدها تركها الله عز وجل، لآل لوط، وهي بالشام. PageV05P3446 # وقال السدي: لما قال لوط: (لو أن لي بكم قوة، أو آوي إلى ركن شديد) بسط ~~جبريل حينئذ جناه، ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم بعضا عميانا، يقولون: ~~النجاء! النجاء! فإن في بيت لوط أسحر قوم، فذلك قوله: {ولقد راودوه عن ضيفه ~~فطمسنآ أعينهم} [القمر: 37] فأخرج الله عز وجل، لوطا وأهله إلى الشام. # قال مجاهد: " سجيل " بالفارسية أولها حجر، وآخرها طين. # وقال قتادة: " سجيل ": طين. وقال ابن عباس: " سجيل ": سنك وجل. فالسنك: ~~الحجر، والجل: الطين، وهو فارسي أعرب. وقيل: سجيل، من أسجلته، أي: أرسلته، ~~فكأنها مرسلة. وقيل: هي من أسجلت: إذا PageV05P3447 # أعطيت، فهي من السجل، وهو الدلو. وقيل: " سجيل " من " سجل ": إذا كتب، ~~أي: مما كتب لهم، وهو اختيار الزجاج. # وقيل: " سجيل " اسم للسماء الدنيا، أي: أرسل عليهم حجارة من سماء الدنيا. ~~والمعنى: أنها حجارة من كتب الله عز وجل، لهم أن يعذبهم بها، ويدل عليه ~~قوله: {ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم} [المطففين: 8 - 9]، والنون بدل من ~~اللام. # قال عكرمة: " منضود " (مصفوفة)، وقيل: " منضوط ": متراكب بعضها على بعض. # وقيل المعنى نضد بعضها على بعض. # وقيل: المعنى: إنها في السماء منضودة، أي: معدة لهم، يعلق بعضها على بعض. PageV05P3448 # {مسومة}: قال ابن جريج: لا تشبه حجارة الأرض. # وقال الحسن: معلمة ببياض، وحمرة. # وقال السدي: المسومة المختمة، ثم قال تعالى: {وما هي من الظالمين ببعيد}: ~~أي: من ظالمي قومك يا محمد، فهذا على ms1143 التهديد للمشركين. و " هي " تعود على ~~/ الحجارة. وقيل: تعود على القرى. وما قرى قوم لوط من ظالمي قومك ببعيد، ~~وكانت قرى قوم لوط بين الشام والمدينة، وأتى ببعيد مذكرا على معنى: بمكان ~~بعيد عند ربك تمام عند أبي حاتم، {منضود}: وقف عند نافع، وهو قبيح، لأن " ~~مسومة " نعت للحجارة. PageV05P3449 # {وإلى مدين أخاهم شعيبا} - إلى قوله - {بحفيظ}. # والمعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، فقال لهم: {ياقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان}: أي: " لا تنقصوا الناس ~~حقوقهم في مكيالهم وميزانهم ". # {إني أراكم بخير}: أي: برخص في أسعاركم قاله ابن عباس، وقيل: المعنى: ~~أراكم أغنياء، ذوي مال وزينة. " ومدين ": اسم أرض، فلذلك لم ينصرف، لأنه ~~معرفة مؤنثة. # وقال مقاتل: هو اسم رجل في الأصل أعجمي معرفة، وقيل: هو اسم رجل سميت به ~~أمته، فلم ينصرف للتأنيث، والتعريف أيضا. # قوله: و {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط}: أي: محيط بكم عذابه، ثم كرر ~~عليهم الوصية، فقال: {وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط}: أي: بالعدل PageV05P3450 # {ولا تبخسوا الناس أشيآءهم} أي: حقوقهم. {ولا تعثوا في الأرض}، أي: لا ~~تسيروا في الأرض مفسدين. # وقال الضحاك: {ولا تعثوا} أي: لا تسعوا بنقص الكيل، والوزن. {بقيت الله ~~خير لكم}: أي: ما أبقاه الله لكم من الحلال بعد أن توفوا الناس حقوقهم، خير ~~لكم من الذي يبقى لكم يبخسكم الناس حقوقهم. # {إن كنتم مؤمنين}: أي: " مصدقين بوعد الله عز وجل، ووعيده " وقال مجاهد: ~~{بقيت الله خير لكم}، أي: طاعة الله خير لكم. # وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة. # وعن ابن عباس: رزق الله خير لكم. وقيل: المعنى: مراقبة الله خير لكم. PageV05P3451 # وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة. # {ومآ أنا عليكم بحفيظ}: أي: برقيب. أراقبكم عند كيلكم، ووزنكم، إنما علي ~~أن أبلغكم رسالة ربي. # قوله: {قالوا ياشعيب أصلاتك} - إلى قوله - {ودود}. # والمعنى: قالوا: يا شعيب: أصلواتك أي: أدعواتك {تأمرك أن نترك ما يعبد ~~ءاباؤنآ أو أن نفعل في أموالنا ما ms1144 نشاء} من بخس الناس في الكيل والوزن. # قال ابن زيد: نهاهم عن قطع الدنانير، والدراهم، كانوا ينقصون منها، ~~ويجوزونها بالوازنة. وقيل: معناه: مساجدك التي تتعبد فيها تأمرك بنهينا. ~~وقد سمى الله، عز وجل، المساجد صلوات، فقال: {وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا} [الحج: 40]. # وقيل: هي صلاته لله عز وجل، لأنها كانت على خلاف ما كانوا عليه. # قوله: {إنك لأنت الحليم الرشيد} قالوا على معنى الاستهزاء. وقيل: PageV05P3452 # المعنى: إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك. # وقيل: المعنى: أنت الحليم، الرشيد، فكيف تأمرنا بترك عيادة ما كان آباؤنا ~~يعبدون، وتنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، من قطع، أو بخس، أو غير ذلك. ~~وقال: هو تعريض يراد به الشتم ومعناه: إنك لأنت السفيه الجاهل. # ثم قال تعالى حكاية عن جواب شعيب لهم: {قال ياقوم أرأيتم (إن كنت على ~~بينة) من ربي}: أي: على بيان، وبرهان فيما أدعوكم إليه. {ورزقني منه رزقا ~~حسنا} أي: حلالا، وجواب / الشرط محذوف لعلم السامع. والمعنى: أفتأمرونني ~~بالعصيان. # وقيل: المعنى: أفلا أنهاكم عن الضلالة. # ثم قال: {ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه}: أي: لست أنهاكم عن ~~شيء، وأركبه. PageV05P3453 # {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}: أي: ما أريد فيما آمركم به إلا ~~الإصلاح، لئلا ينالكم من الله، عز وجل، عقوبة. # {وما توفيقي إلا بالله}: أي: ليس توفيقي، وإصابتي الحق فيما أنهاكم عنه ~~إلا بالله. {عليه توكلت} أي: فوضت أمري إليه، {وإليه أنيب}: أي: أرجع. # {رزقا حسنا}: وقف عند أبي حاتم. {ما استطعت}: وقف عند نافع. # ثم قال لهم: {وياقوم لا يجرمنكم شقاقي}: أي: لا يكسبنكم مشاقتي، أي: ~~مخالفتي، وعداوتي، {أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح}: من الغرق، {أو قوم ~~هود}: من العذاب، {أو قوم صالح}: من الرجفة. {وما قوم لوط منكم ببعيد} ~~الذين انقلبت عليهم مدائنهم. وأل الشقاق في اللغة: العداوة. PageV05P3454 # {واستغفروا ربكم}: أي: من ذنوبكم التي أنتم عليها مقيمون. {ثم توبوا ~~إليه}: أي: ارجعوا إليه باتباع طاعته. # {إن ربي رحيم}: أي: رحيم لمن تاب إليه، ms1145 {ودود}: أي: ذو محبة لمن تاب ~~وأناب. # قوله: {قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} - إلى قوله - {كما بعدت ~~ثمود} والمعنى: ما نفقه كثيرا مما تقول. # وقوله: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} أي: قيل: ضعيفا، قيل: إنه صلى الله عليه ~~وسلم، كان أعمى. # قال أبو إسحاق: حمير تسمي المكفوف ضعيفا. # ويقال: إن شعيبا كان خطيب الأنبياء صلى الله عليه وسلم، ( وعليهم ~~أجمعين). ثم قالوا له: {ولولا رهطك لرجمناك}: أي: لولا عشيرتك وأهلك ~~لسببناك. وقيل: معنى " لرجمناك ": لقتلناك رجما. PageV05P3455 # {ومآ أنت علينا بعزيز}: أي: لست ممن يكرم علينا "، {قال} لهم شعيب: ~~{ياقوم أرهطي أعز عليكم من الله}: أي: أعشيرتي أعز عليكم من الله، فترركم ~~إياي لله عز وجل أولى لكم من أن تتركوني لعشيرتي، فلا يكون رهطي أعظم في ~~قلوبكم من الله، سبحانه. # {واتخذتموه ورآءكم ظهريا}: أي: تركتم أمر الله سبحانه، خلف ظهوركم، فلا ~~تراقبوه في شيء مما تراقبون قومي. فالضمير في {واتخذتموه} يعود على اسم ~~الله سبحانه، وقيل: يعود على ما جاءهم به شعيب. # {إن ربي بما تعملون محيط}: أي: لا يخفى عليه شيء من ذلك، يجازيكم على ~~جميعه. # ثم قال لهم: {وياقوم اعملوا على مكانتكم}: أي: على منازلكم، وقيل: PageV05P3456 # المعنى: على مكانتكم من العمل، {إني عامل}. {سوف تعلمون}: أينا الجاني ~~على نفسه، وأينا المصيب وأينا المخطئ. {من يأتيه}: " من ": في موضع نصب " ~~بتعملون "، مثل: {يعلم المفسد من (المصلح)} [البقرة: 220]. وقيل: هي في ~~موضع رفع على أنها استفهام. " ومن " الثانية عند الطبري في موضع نصب عطف ~~على الهاء، في " يجزيه " على معنى: ويخزي من هو كاذب منا، ومنكم. # {وارتقبوا إني معكم رقيب}: أي: انتظرونا إني منتظر. # {تعلمون}: وقف إن جعلت " من " استفهاما ". وقيل: لا يكون وقفا، لأن ~~الجملة إذا رفعت في موضع نصب " بتعملون " فالوقف عليه قبيح. # ثم قال تعالى: {ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا}: أي: جاء قومه العذاب / ~~نجيناه PageV05P3457 # والمؤمنين به، {وأخذت الذين ظلموا الصيحة}، أي: صيحة من السماء أخرجت ~~أرواحهم {فأصبحوا في (ديارهم) جاثمين} أي: خامدين في دارهم {كأن ms1146 لم يغنوا ~~فيهآ}: أي: (كأن لم يعيشوا فيها)، وقيل: لم يقيموا. # {ألا بعدا لمدين}، أي: أبعدهم الله، فبعدوا بعدا. # {كما بعدت ثمود}، أي: أهلكهم الله، كما هلكت ثمود. وقيل: المعنى: أبعد ~~الله مدين من رحمته، كما أبعد ثمود، يقال: بعد يبعد: إذا هلك، وبعد يبعد: ~~إذا تباعد. # قوله: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين} - إلى قوله - {المرفود}. # والمعنى: ولقد أرسلنا موسى بالأدلة، والحجة الظاهرة. # {إلى فرعون وملئه} أي: أطراف قومه. {فاتبعوا أمر فرعون}: أي: اتبع ملؤه ~~قوله، وكذبوا بما جاء به موسى {ومآ أمر فرعون برشيد}: أي: لا يرشد من اتبعه ~~إلى خير، بل يورده جهنم. PageV05P3458 # {يقدم قومه يوم القيامة}. (قال قتادة: يمضي فرعون بين أيدي القوم) حتى ~~يهجم بهم على النار. # وقال ابن عباس: " أضلهم فأوردهم النار، والورد هنا: الدخول " قوله: {وبئس ~~الورد المورود}: أي: يبس ما أوردهم. # {أمر فرعون}: وقف، وكذلك {فأوردهم النار}. # ثم قال تعالى: {وأتبعوا في هذه لعنة}: أي: أتبعوا في الدنيا لعنة مع ~~العذاب الذي عجل بهم، وهو الغرق. {ويوم القيامة} يلعنون أيضا، فتلك لعنتان. # {بئس الرفد المرفود}: أي: بئس اللعنة بعد اللعنة، وأصل الرفد: العطاء، ~~والمعنى: الذي يقوم لهم مقام العطاء اللعنة، وبئس العطاء ذلك. والتقدير في ~~العربية: بئس الرفد رفد المرفود. PageV05P3459 # {ويوم القيامة}: وقف. # قوله: {ذلك من أنبآء القرى} - إلى قوله - {أليم شديد} # المعنى: هذا الذي نقصه عليك، من أخبار القرى، منها ما هو عامر، ومنها ما ~~هو خرب، فيه عامر. # وقيل: المعنى: منها ما بقي أثره، ومنها ما لم يبق له أثر. قال ابن جريج: ~~{منها قآئم}: خاو على عروشه، وباق رسمه، {وحصيد}: ملزق بالأرض، لا رسم له، ~~وهو معنى قول قتادة، وغير (ه). # ثم قال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم}: أي: لم نضع العقوبة بهم ~~في PageV05P3460 # غير موضعها، بل أوجبوا لأنفسهم بكفرهم العقوبة، إذ وضعوا العبادة في غير ~~موضعها. # {فما أغنت عنهم آلهتهم}: التي عبدوها، ودعوها من دون الله شيئا لما جائهم ~~العذاب، وما زادهم آلهتهم {غير تتبيب}: أي: إلا ms1147 خسرانا، ونقصا، وهلاكا، ~~وتدميرا. # ثم قال تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة} أي: وكما أخذ ربك ~~يا محمد هذه القرى بظلمهم، كذلك يأخذ القرى الظالم أهلها، فيهلكهم. (هذه ~~الآية تحذير لهذه الأمة أن تسلك في المعصية طريق من كان قبلها من الأمم) ~~فيحل بهم ما حل بأولئك، وأخذ الله عز وجل في سطوته. {إن أخذه أليم شديد}: ~~أي: موجع. ومعنى {أخذ القرى}: أي: أخذ أهلها. # وقرأ الجحدري: " إذ أخذ القرى ". PageV05P3461 # قوله: {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة} - إلى قوله - {غير مجذوذ}: # والمعنى: إن في أخذه القرى لعظة، وعبرة / ممن خاف عذاب الآخرة، وحجة ~~عليه. # {ذلك يوم مجموع له الناس}: أي: يحشر الناس كلهم من قبورهم للجزاء فيه. ~~{(وذلك يوم) مشهود}: أي: يشهده الخلق كلهم: أهل السماء، وأهل الأرض، وهو ~~يوم القيامة. # قال ابن عباس: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة. # ثم قال تعالى: {وما نؤخره إلا لأجل معدود}: أي: ما نؤخره يوم القيامة ~~عنكم إلا لأجل قد قضيته، وعددته وأحصيته. فلا يتقدم اليوم ولا يتأخر. # ثم قال تعالى: {لا تكلم نفس إلا بإذنه يوم يأت}: أي: يوم تقوم الساعة ما ~~تكلم نفس إلا بإذن الله، وهو مثل قوله: {هذا يوم لا ينطقون} [المرسلات: ~~35]. وقد قال في موضع PageV05P3462 # آخر: {فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون} [الصافات: 50]، وقال: {يوم تأتي كل ~~نفس تجادل عن نفسها} [النحل: 111]، وقال: {وقفوهم إنهم مسئولون} [الصافات: ~~24]، وقال: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن} [الرحمن: 39]. وهذه ~~الآيات يسأل عنها أهل الإلحاد. فالجواب عن ذلك: أنه تعالى قد أحصى الأعمال، ~~وعلمها قبل أن تكون، فلا حاجة (له) إلى سؤال أحد عن ذنبه، (ليعلم) ما عنده. ~~فأما قوله: (إنهم مسئولون) فإنما هو سؤال توبيخ، وتقرير، لا سؤال استخبار. # وقوله: {لا ينطقون} [النمل: 85، المرسلات: 35] بحجة تجب لهم، وإنما ~~يتكلمون بذنوبهم، ويلوم بعضهم بعضا بعد أن ينطلق لهم الكلام، بإذنه تعالى ~~في لوم بعضهم بعضا، لا في حجة يقيمونها لأنفسهم. # {فمنهم شقي وسعيد}: ms1148 أي: فمن هذه النفوس التي لا تتكلم إلا بإذن الله، ~~سبحانه، شقي وسعيد. PageV05P3463 # وذكر ابن الأنباري أنه قد قيل: إن الضمير لأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، ~~خاصة: أي: فمن هذه الأمة يا محمد شقي، وسعيد {فأما الذين شقوا ففي النار. . ~~.} {خالدين فيها. . .} {إلا ما شآء ربك}: أي: إلا ما شاء الله من ترك ~~خلودهم، وإخراجهم إلى الجنة بإيمانهم على ما روي في الآثار المشهورة. # والأشهر أن الضمير في " فمنهم " يعود على الخلق كلهم، على كل نفس. {فأما ~~الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق}: قال ابن عباس: " صوت شديد، ~~(وصوت) ضعيف ". # قال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وروي عنه ضد ذلك. # قال قتادة: " صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوله زفير، وآخره شهيق. ~~وقال أهل اللغة: الزفير مثل: " ابتداء الحمار في النهيق، والشهيق بمنزلة ~~آخر PageV05P3464 # صوت الحمار في النهيق ". # (ولما نزلت) هذه الآية، قال عمر رضي الله عنه: " سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله فعلام عملنا؟: على شيء قد فرغ منه؟ أم على ~~شيء لم يفرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على شيء قد فرغ منه ~~يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له ". # قوله: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض}: أي: وقت دوام ذلك. ومعنى ~~الآية: أبدا، لأن العرب تقول: لا أكلمك ما دامت السماوات والأرض، وما اختلف ~~الليل والنهار /. فخوطبوا على ما يعلمون، ويفهمون بينهم. PageV05P3465 # وقوله: ({إلا ما شآء ربك}) اختلف في ذلك اختلافا شديدا. # 1 - # فمن العلماء من قال: " إلا " للاستثناء، استثنى به من الزمان، " فما " ~~على بابها: لما لا يعقل. # 2 - # ومنهم من قال: " إلا " بمعنى: " سوى " " وما " على بابها للزمان، فهي في ~~زيادة الخلود. # 3 - # ومنهم من قال: " إلا " على بابها، و " ما " بمعنى " من ": جاءت لمن يعقل، ~~فهي استثناء من الأشخاص والمعذبين الذين يخرجون من النار من المؤمنين. ~~وسنذكر قول من بلغنا (قوله) من العلماء في ذلك. # قال ms1149 قتادة: " الله أعلم بثنياه. ذكر لنا أن ناسا يصيبهم سفع من النار PageV05P3466 # بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الله الجنة برحمته يسمون: الجهنميون. فيكون هذا ~~الاستثناء في أهل التوحيد. # (وقيل: المعنى: إلا ما شاء ربك أن يتجاوز عنه. وذلك في أهل التوحيد) فهو ~~استثناء من الداخلين النار، لا من الخلود. " فإلا " على هذين القولين ~~لللاستثناء، و " ما " بمعنى " من ": استثنى خروج من يدخل النار من ~~المؤمنين. # وقيل: " عنى بذلك أهل النار، وكل من دخلها ". # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: " ليأتين على جهنم زمان تخفق ~~أبوابها، ليس فيها أحد ". # وقال الشعبي: " جهنم أسرع الدارين عمرانا، وأسرعها خرابا ". وهذان ~~القولان شاذان. # وقال ابن زيد: هي مشيئته في الزيادة من العذاب، أو في النقصان، وقد PageV05P3467 # تبين لنا معنى تبيانه في أهل الجنة بقوله: {عطآء غير مجذوذ}: إنه في ~~الزيادة، ولم يبين لنا ذلك في أهل النار. وهو محتمل للزيادة والنقص من ~~العذاب. # وقوله تعالى: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبأ: 30]، يدل على أنه في ~~الزيادة. وقال بعض (أهل) العربية: وهو استثناء استثناه، ويفعله، كقولك: " ~~لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزمك على ضربه وقال بعضهم: " إلا " هنا: ~~بمعنى سوى. والمعنى: سوى ما شاء الله من الزيادة في الخلود، وهو اختيار أبي ~~بكر. قال: لأن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء في أهل الجنة ~~بقوله: {عطآء غير مجذوذ}، (فدل) على أن الاستثناء إنما هو في زيادة الخلود. # " فما " على بابها، و " إلا " لللاستثناء. # وقول آخر، وهو قول المازني: إنه استثناء إقامتهم، واحتسابهم، ما بين PageV05P3468 # الموت والبعث. وهو البرزخ، إلى أن يصيروا في الجنة. يقول: لم يغيبوا عنها ~~إلا مقدار إقامتهم في البرزخ. " فما " أيضا على بابها للزمان، و " إلا " ~~للاستثناء. # وقول آخر: وهو أن يكون الاستثناء يراد به من دوام السماوات والأرض في ~~الدنيا. # ومعنى: {ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك} يعني: تعميرهم في ~~الدنيا قبل ذلك. # وقيل: الاستثناء واقع على مقامهم في قبورهم. وقيل: إن معنى الاستثناء ms1150 في ~~أهل الجنة مخصوص في بعضهم. يراد به: قدر بعث من دخل النار من الموحدين إلى ~~أن رحموا، وأخرجوا، وأدخلوا الجنة. # وقال ابن زيد: المعنى: " ما دامت الأرض أرضا، والسماء سماء ". {إن ربك ~~فعال لما يريد}: أي: لا يمنعه مانع من فعل ما أراد. (قال أبو محمد مكي). ~~وقد أفردنا / كتابا مفردا لشرح هذه الآية، وذكرنا فيها من أقاويل PageV05P3469 # العلماء بضعة عشر قولا، وبينا جواز وقوع " ما " لمن يعقل بيانا شافيا في ~~ذلك الكتاب. وذكرنا في هذا اختصار ما ذكرنا في ذلك الكتاب. # ومن قرأ " سعدوا " بالفتح فهي اللغة الجيدة المشهورة. يقال: ما سعد حتى ~~أسعده الله. وإجماعهم على " شقوا " بالفتح يدل على فتح " سعدوا "، ولو كانت ~~بالضم لقيل: " سعدوا "، ومن قرأ بالضم فهي مكروهة عند أكثر النحويين، واحتج ~~الكسائي في الضم بقولهم: " مسعود: (وهذا) لا حجة فيه له، لأن " فيه " ~~محذوفة منه. يقال: مكان مسعود فيه. واحتج الكسائي بقول العرب: " فغر فاه، ~~وفغر فوه "، وجبر العظم وجبرته، ونزحت البئر ونزحتها: فهذا لا يقاس عليه، ~~إنما يسمع PageV05P3470 # سماعا. واحتج الكسائي للضم أيضا، بأنه كذلك سمعت من أحاب عبد الله ~~يقرؤونها. # وكان الكسائي، وغيره حكوها لغة في " أسعد ": تسقط الألف وتضم السين. ~~كقوله: {ما دامت السماوات والأرض}، وقال في موضع آخر: {يوم نطوي السمآء كطي ~~السجل للكتب} [الأنبياء: 104]، وقال: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: ~~48]. فإن قيل: فما دوام ذلك على هذا؟ فالجواب إن ابن عباس قال: وقد سأله ~~رجل، فقال: يا أبا عبد الله من أي شيء خلقت الأشياء؟ فقال: من خمسة أشياء ~~من نار، وتراب، وريح، وماء، ودخان. فقال له: ومن أي شيء خلقت هذه الخمسة؟ ~~فقال: من نور العرش. فقال له: أفرأيت قول الله عز وجل، { ما دامت السماوات ~~والأرض}، وقوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] وقوله: PageV05P3471 # {يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب} [الأنبياء: 104] فما دوامها، وقد ~~فنيتا. فقال ابن عباس: فإذا كان ذلك، ردتا إلى النور الذي أخذتا منه، فهما ~~دائمتان لا بد في نور العرش. ms1151 # ومعنى: {غير مجذوذ}: غير مقطوع، وقيل: غير منزوع. # (شقي وسعيد): وقف. {إلا ما شآء ربك} وقف عند أبي حاتم في الموضعين. ~~والوقف على الاستثناء في قصة أهل النار جائز وليس بجائز في قصة أهل الجنة، ~~لأن بعده " عطاء " منصوب على المصدر، فما قبله يعمل فيه. فإن نصبته بإضمار ~~فعل وقفت على ما قبله. PageV05P3472 # قوله: {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من ~~قبل} - إلى قوله - {مريب}. # الإشارة في هؤلاء إلى مشركي قريش. والمعنى: فلا يكن من آمن بك يا محمد في ~~شك مما يعبده مشركو قريش من الأصنام، إنها باطل. ما يعبدون إلا كعبادة ~~آبائهم من قبل. {وإنا لموفوهم} يا محمد {نصيبهم}، أي: حظهم من خير وشر. ~~{غير منقوص}: أي: " لا أنقصهم مما وعدتهم ". # ثم قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه}: وهذا تسلية من الله ~~تعالى لنبيه عليه السلام، في تكذيب مشركي العرب له، فيما جاءهم به من عند ~~الله عز وجل. فالمعنى: آتينا موسى الكتاب، كما آتيناك، {فاختلف فيه}: فكذب ~~بعضهم، وصدق بعضهم، كما فعل قومك يا محمد. # {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} وهو أنه سبق / أن يؤخر عقوبتهم PageV05P3473 # إلى يوم القيامة. فإنه لا يعجل عليهم. {لقضي بينهم}: أي: في الدنيا. # {وإنهم لفي شك منه مريب}: أي: وإن الذين كذبوا، لفي شك منه إنه من عند ~~الله. {مريب}: أي: " يريبهم، فلا يدرون أحق؟ أم باطل؟ ". # قوله: {وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم} - إلى قوله - {ثم لا تنصرون}. # قرأ الزهري: " وإن كلا " بالتشديد، لما " بالتنوين مشددا أيضا، وقرأ ~~الأعمش: (" وإن كلا " بتخفيف " إن "، ورفع " كل " وتشديد " لما ". (وفي حرب ~~أبي ": " وإن كل " إلا ليوفين ربك أعمالهم ". وفي حرف ابن PageV05P3474 # مسعود: " وإن كل) إلا ليوفينهم ربك أعمالهم ". ومن شدد " إن " نصب " كلا ~~" بها. واللام في " لما " لام تأكيد. و " ما " صلة، هذا على قراءة التخفيف. ~~والخبر في " ليوفينهم ". # والتقدير: وإن كلا ليوفينهم. وقراءة من خفف إن، ونصب " كلا " على هذا ~~التقدير، ms1152 إلا أنه، خفف " إن " وأعملها كما يفعل الفعل، وهو محذوف منه. # وأنكر الكسائي التخفيف والعمل. # وقال الفراء: من خف " إن " نصب " كلا " بقوله: " ليوفينهم، وهذا لا يجوز ~~أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها. ومن شدد " إن " و " لما " فهي غير جائزة ~~عند PageV05P3475 # المبرد، والكسائي. # قال المبرد: لا يجوز: " أن زيدا إلا لأضربنه ". # وقال الفراء: الأصل " لمن ما "، فاجتمعت ثلاث ميمات عند الإدغام، فحذفت ~~إحداهن. وهذا لا يجوز عند البصريين. # وقال المازني: الأصل التخفيف في " لما "، ثم ثقلت. وهذا أيضا لا أصل له، ~~(و) يجوز (تثقيل المخفف)، إلا لمعنى. # وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: الأصل " لما " بالتنوين، من لممته لما: ~~أي: جمعته، ثم بني منه فعلى، كما قرأ: " تثرا، و " تثري ". PageV05P3476 # ومن خفف " إن "، وشدد " لما "، " فإن " بمعنى " ما "، و " لما " بمعنى " ~~ألا " حكى ذلك الخليل، وسيبويه بمنزلة قوله: {إن كل نفس لما عليها حافظ} ~~[الطارق: 4] أي: إلا عليها حافظ والقراءات الثلاث تكون فيها " إن " بمعنى " ~~ما " لا غير. # وقد قيل: في قراءة من شدد " إن " وخفف " لما ": إن (ما) بمعنى: " من ". ~~وإن المعنى: وإن كلا {لما} ليوفينهم ربك أعمالهم، كما قال: {فانكحوا ما طاب ~~لكم من النسآء} [النساء: 3]: أي: ما طاب لكم نكاحه. # وقوله: {إنه بما يعملون خبير}: أي: " لا يخفى عليه شيء من عملكم ". # ثم قال تعالى: {فاستقم كمآ أمرت}: أي: دم يا محمد على ما أنت عليه. PageV05P3477 # {ومن تاب معك}: أي: رجع إلى عبادة ربك، يدوم على ذلك. {ولا تطغوا}: أي: ~~ولا تتعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه. # {إنه بما (تعملون) بصير}: أي: ذو علم، لا يخفى عليه شيء من عملكم. وقال ~~سفيان: معنى {فاستقم كمآ أمرت}: أي: " استقم على القرآن "، {ولا تطغوا}: ~~وقف. # ثم قال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}. قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب: ~~" فتمسكم " بكسر التاء. # وقرأ قتادة: ولا تركنوا بالضم في الكاف، يقال: ركن يركن، وركن يركن. قال ~~ابن عباس: معناه: لا تذهبوا إلى الكفار. PageV05P3478 # وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم. ms1153 # وقال أبو العالية: " لا ترضوا أعمالهم ". # وقال قتادة: لا تلحقوا بالشرك ". # وقال ابن زيد: الركون هنا: / الإذعان. وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم، وهذا ~~لأهل الشرك. نهى الله عز وجل، المؤمنين أن يميلوا إلى محبتهم، ومصافاتهم، ~~وليس لأهل الإسلام. فأما أهل الذنوب من أهل الإسلام، فقد بينت السنة، ~~والكتاب أنه لا يجوز أن يركن إلى شيء من معاصي الله، ولا يصالح عليها، ولا ~~يقرب. # فالمعنى: ولا تميلوا إلى قول المشركين، فتمسكم النار، (بفعلكم ذلك). {ثم ~~لا تنصرون}: إن فعلتم. وليس لكم ولي من دون الله، ينقذكم من عذابه. # قوله {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل} - إلى قوله - {وكانوا ~~مجرمين}. PageV05P3479 # وقال أبو جعفر: " وزلفا " بضم اللام. وقرأ ابن محيصن بإسكان اللام فمن ~~فتح اللام، فهو حمع واحده زلفة، وزلف، ومن ضم اللام فواحدة " زليف " كقريب، ~~وقرب. وقيل: عو واحد مثل الحلم، والحلم. # وقرأ مجاهد: " وزلفى " مثل " فعلى ". والزلف: الساعات، واحدها زلفة. ومن ~~هذا سميت المزدلفة، لأنها منزل بعد عرفة. وقيل: سميت (بذلك) لازدلاف آدم من ~~عرفة إلى حواء، وهي بها. # ومن أسكن اللام خففها من " زلفى " بالضم. ويعني بالزلف: الساعات القريبة ~~من الليل. PageV05P3480 # ومعنى الآية: {وأقم الصلاة طرفي النهار}، يعني: الغداة، والعشي، فالغداة ~~الصبح، والعشاء مجاهد هي صلاة الظهر. # وروي عنه: الظهر والعصر، وقيل: عنى بها صلاة المغرب، وهو قول الحسن، وابن ~~زيد. # وروي عن منصور، عن مجاهد أنه قال: {طرفي النهار} صلاة الفجر، والظهر، ~~{وزلفا من اليل}: المغرب والعشاء. # وقال الضحاك: عنها بها صلاة العصر. # وقال مجاهد: وزلفا من الليل: أي: ساعات من الليل: صلاة العتمة. # وروي عن الحسن: أنها صلاة المغرب، والعتمة. والاختيار عند الطبري، وغيره ~~أن تكون صلاة المغرب، لأنها طرف، تصى بعد غروب الشمس، كما PageV05P3481 # صلاة الصبح طرف، تصلى قبل طلوع الشمس: فكلاهما طرف. # وقوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}. # (روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الصلوات الخمس، ~~والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر " # " وقال أبو عثمان النهدي: كنت مع ms1154 سلمان تحت شجرة، فأخذ غصنا منها، فهزه ~~حتى تساقط ورقه، ثم ضحك، فقلت: ما أضحكك؟ قال: إني كنت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، يوما تحت شجرة، فأخذ غصنا منها، فهزه حتى تساقط ورقه، ثم ~~ضحك. فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أضحكني أن العبد المسلم إذا توضأ ~~وضوءه للصلاة، ثم صلى الصلوات الخمس، تساقطت عنه PageV05P3482 # ذنوبه كما تساقطت هذه الورق، ثم تلى هذه الآية {وأقم الصلاة} - إلى آخرها ~~". # وروي عن مجاهد، عن ابن عمر، أنه قال: " ما من مسلم يتوضأ، فيحسن الوضوء، ~~إلا تناثرت عنه خطاياه، كما تتناثر ورق الشجرة اليابسة. ثم تكون صلاته ~~نافلة (له). ثم قرا ابن عمر: {وأقم الصلاة} الآية قال ابن عباس وغيره: هي ~~الصلوات الخمس. # وقال مجاهد: هو قولنا: سبحان الله /، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر. وقيل: المعنى: أن التوبة تذهب الصغائر. {ذلك ذكرى للذاكرين}: ~~أي: النهي عن الركون إلى الذين ظلموا، وإقامة الصلاة تذكرة لقوم يذكرون، ~~وعد الله عز وجل، PageV05P3483 # وثوابه، وعقابه، سبحانه. # " وروي أن هذه الآية نزلت في رجل أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا رسول الله! إني وجدت امرأة في بستان قبلتها والتزمتها، ونلت منها ~~كل شيء إلا الجماع، فافعل بي ما شئت. فأنزل الله {وأقم الصلاة} - إلى قوله ~~- {للذاكرين}. فقال معاذ بن بن جبل: يا رسول الله! أخاص له أم عام للناس؟ ~~(فقال: بل للناس كافة " # وقال أنس بن مالك، رضي الله عنه، " أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال PageV05P3484 # له: إني أصبت حدا، فأقمه علي. فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم، عنه. ~~وحضرت الصلاة، فصلى: فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا، فأقم علي كتاب ~~الله. فقال: أصليت معي؟ قال: نعم. قال: قد غفر الله لك ". # وقيل: المعنى: أن الصلوات الخمس، يكفرن ما بينهن من الذنوب، إذا اجتنبت ~~الكبائر. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}: ~~أي: " اصبر يا محمد على ما ms1155 تلقى من مشركي قومك من الأذى ". فالله لا يضيع ~~ثواب من صبر في الله عز وجل. # ثم قال تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية} أي: فهلا كان ~~من القرون الذين خصصنا خبرهم في هذه السورة، أو لو بقية في الفهم، والعقل، ~~فيعتبرون مواعظ الله عز وجل، ويتدبرون حججه، جلت عظمته فينتهون عن الفساد. # وفي الكلام معنى التعجب. # وقوله: {إلا قليلا} قليل هو استثناء ليس من الأول. PageV05P3485 # قال ابن زيد: هم الذين نجوا حين نزل العذاب، يعني: قوم يونس عليه السلام، ~~ومن نجا مع الرسل. # {اتبع الذين ظلموا} أي: من دنياهم وبطرهم. والمعنى: اتبعوا ما أبطرهم فيه ~~ربهم من نعيم دنياهم، إيثارا على الآخرة، وما ينجيهم من عذاب الله. # وقال مجاهد: ابتعوا مهلكهم وتجبرهم، وتركوا الحق، واستكبروا عن أمر الله. ~~والمترف في كلام العرب (المنعم في الدنيا) الذي قد غذي باللذات. # {وكانوا مجرمين}: أي: مكتسبين الكفر. {ممن أنجينا منهم}: وقف وقد أجاز ~~أبو حاتم الوقف على الأرض، ورد ذلك عليه، لأن بعده استثناء. PageV05P3486 # قوله: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} إلى قوله: {للمؤمنين} # والمعنى وما كان ربك يا محمد أن يهلك القرى التي قص عليم نبأها (بظلم)، ~~وأهلها مصلحون، ولكن أهلكها بكفرها. # وقيل: المعنى: ما كان الله ليهلكهم بظلمهم، أي: بشركهم، وهم مصلحون، لا ~~يتظالمون بينهم، إنما يهلكهم إذا جمعوا مع الشرك غيره من الفساد. ألا ترى ~~إلى قوله في قوم لوط؟: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} [هود: 78]، يريد ~~الشرك، فعذبهم باللواط الذي أافوه إلى شركهم. وأخبر الله عن قوم شعيب أنه ~~عذبهم لنقصهم الكيل، وأمسك عن ذكر شركهم، وهذا قول غريب. # وقال الزجاج المعنى: " ما كان ربك ليهلك أحدا، وهو يظلمه كما قال: {إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا} [يونس: 44]. # ثم قال / تعالى: {ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة}: أي: " على ملة ~~واحدة، ودين واحد ". # قال قتادة: كلهم مسلمين، {ولا يزالون مختلفين}: أي لا يزال الناس PageV05P3487 # مختلفين. وروي عن ابن عباس أنه يعني في الأديان: اليهود، ms1156 والنصارى. وقيل: ~~في الأرزاق، هذا فقير، وهذا غني. قاله الحسن. # وقيل: في المغفرة والرحمة. # {إلا من رحم ربك}: أي: لكن من رحم ربك فإنه غير مختلف. وقيل: {إلا من رحم ~~ربك}: أهل الإيمان والإسلام. # وقوله: {ولذلك خلقهم} قال الحسن: للاختلاف في الأرزاق خلقهم. وقال ابن ~~عباس: خلقهم فريقين: فريقا يرحم، وفريقا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: {فمنهم ~~شقي وسعيد} [هود: 105]. # وقال عطاء: ولذلك خلقهم: يعني: مؤمنا وكافرا. وقال أشهب: سألت PageV05P3488 # مالكا، رحمة الله، عن قوله: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم} فقال: خلقهم ليكونوا فريقا في الجنة، وفريقا في السعير. # ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير، والتقدير: " إلا من رحم ربك، ~~وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم ". وقد كان ~~يجب في قياس العربية على هذا التقدير أن يكون اللفظ: وتمت كلمته. # وروى ابن وهب: عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، أنه قال في معنى ~~الآية: خلق الله أهل رحمته لئلا يختلفوا. # وقيل: المعنى: وللرحمة خلقهم. والرحمة، والرحم واحدة، فلذلك ذكر. قاله ~~مجاهد، وقتادة، والضحاك. # وروي أيضا ذلك عن ابن عباس، وقيل: إن هذا متعلق بما قبله، وهو PageV05P3489 # قوله: {ينهون عن الفساد في الأرض} [هود: 116]، ولذلك خلقهم. (وقيل: هو ~~متعلق بما قبله بقوله: {ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، ولذلك ~~خلقهم): وهو قول مالك المتقدم. # وقيل: المعنى: وللاسعاد خلقهم، وقيل: للإسعاد والإشقاء خلقهم. # ثم قال تعالى: {وتمت كلمة ربك}: أي: وجبت: {لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين}: لما تقدم في علمه أنهم يستوجبون ذلك. # وقوله: {من الجنة}: يعني: ما اجتن عن عيون بني آدم من الجن والناس، يعني: ~~بني آدم أجمعين، وذلك على التوكيد. # وقيل: إنما سموا " جنة " لأنهم كانوا على الجنان. والملائكة كلهم جنة ~~لاستتارهم. # ثم قال تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل}: أي: من أخبارهم، وأخبار ~~أممهم يا محمد. نفعل ذلك لنثبت به فؤادك، لأن كلما كثرت البراهين كان القلب ~~أثبت. والفؤاد يراد به القلب، وهذا ms1157 كما قال إبراهيم صلوات الله PageV05P3490 # عليه، {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] وقيل: المعنى: ما نثبتك به على ~~أداء الرسالة، والصبر على ما ينالك منهم. فتعلم ما نالت الرسل، وما حل بها ~~قبلك، فتتأسى بذلك. # و" كلا " منصوب ل " نقص "، " وما " بدل من " كل ". # وقال الأخفش: كلا " نصب " على / الحال. وقال غيره: هي منصوبة على المصدر: ~~أي: كل القصص نقص عليك. # ثم قال تعالى: {وجآءك في هذه الحق وموعظة وذكرى}: أي: في هذه السورة. ~~قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. # وقيل: في هذه الدنيا، روي ذلك عن قتادة. # والمعنى: وجاءك في هذه السورة الحق، مع ما جاءك في غيرها من السور. وليس PageV05P3491 # المعنى: وجاءك في هذه السورة الحق، دون غيرها، بل في الكل جاء الحق. وذكر ~~في هذه السورة بهذا تأكيدا لما فيها من القصص والمواعظ، وذكر الجنة والنار ~~ومقام الفريقين. # والقسم بأن يوفي لكل عمله، وغير ذلك من الإخبار، والمواعظ، والتحريض على ~~إقامة الصلوات وغير ذلك. وليس إذا كان في هذه الحق فيما لا يكون في غيرها، ~~بل غيرها فيه الحق. وقد اختار قوم قول قتادة: إن المعنى: في هذه الدنيا، ~~وموعظة: لمن جهل، (وذكرى) لمن عقل من المؤمنين. # قوله: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} إلى آخر السورة - أي: ~~وقل يا محمد للذين لا يؤمنون بما جئت به، اعلموا على طريقتكم وتمكنكم، وما ~~أنتم عليه، {إنا عاملون}: على ما نحن عليه من الأعمال التي أمرنا ربنا بها، ~~{وانتظروا} ما وعدكم الشيطان {إنا منتظرون}: ما وعدنا الله. PageV05P3492 # ثم قال تعالى: {ولله غيب السماوات والأرض}: أي: ملك ما غاب عنك، ومعرفته. ~~{وإليه يرجع الأمر كله}: أي: يرد كله، وهو الحاكم في جميعهم، ومجازيهم. ~~{فاعبده وتوكل عليه}: أي: " فوض أمرك إليه " {وما ربك بغافل عما تعملون}: " ~~هؤلاء المشركون من قومك، بل هو محيط بهم "، عالم بما يعملون. # قال كعب: " خاتمة التوراة خاتمة هود ". PageV05P3493 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة يوسف عليه السلام مكية # قوله تعالى: {الر تلك آيات الكتاب المبين} إلى قوله {ساجدين} ms1158 # قد تقدم الكلام في {الر}. و {تلك} عند الطبري بمعنى " هذه ". والمعنى: ~~تلك آيات الكتاب المبين: " حلاله وحرامه، ورشده وهداه ". # {إنآ أنزلناه} الهاء تعود على خبر يوسف، وهو اختيار PageV05P3495 # النحاس، وغيره. أي: # إنا أنزلنا خبر يوسف، وذلك أن اليهود سألوا النبي، صلى الله عليه وسلم: ~~لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن خبر يوسف. فأنزل الله، ( عز وجل) ~~هذا بمكة موافقا لما في التوراة، وفيه زيادة ليس عندهم. # وقيل: إن " الهاء " تعود على الكتاب المبين، وهو القرآن. ومعنى: {إنآ ~~أنزلناه قرآنا عربيا} آية: أي: مجموعا، مبينا عربيا. {لعلكم تعقلون}: أي: ~~{تعقلون} آية: أن محمدا إذا أتاكم بأخبار الغيب، وهو ممن لا يقرأ كتابا. PageV05P3496 # وقيل: معناه: إنه أنزله عربيا لينقطع عذر العرب، إذ نزل بلسانهم، فمعنى: ~~(تعقلون): أي: لتعقلوا ما أنزل عليكم، ولا عذر لكم في ترك فهمه، إذ هو ~~بلسانكم. # ثم قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص}: أي: نحن نخبرك يا محمد عن (ال) ~~أمم الماضية، والقرون السالفة أحسن الخبر، وأصحه. وما كنت يا محمد من قبل ~~أن ينزل عليك هذا {القرآن وإن} من الغافلين عن هذه القصص، والأخبار. وقيل: ~~معنى نقص: نبين. # وقال ابن عباس: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ( له): لو قصصت ~~علينا فنزلت {نحن نقص عليك أحسن القصص}. # وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ملوا ملة. فقالوا: PageV05P3497 # يا رسول الله! حدثنا. فأنزل الله عز وجل: { الله} {نزل} {أحسن الحديث ~~كتابا متشابها} [الزمر: 23]. # ثم قال تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت}، العامل في " إذ " الغافلين. # وقرأ طلحة بن مصرف {يوسف} بالهمزة وكسر السين. # وحكى ابن زيد: يؤسف بالهمزة، وفتح السين. والوقف عند سيبويه وأصحابه على ~~" يا أبه بالهاء، لأن الهاء بدل من الياء التي للإضافة. ومذهب PageV05P3498 # الفراء: الوقف بالتاء، لأن الياء عنده في النية. # ومن فتح التاء، فلأنها (أ) شبهت بالهاء التي هي علامة التأنيث، كما قال ~~الشاعر: كليني لهم يا أميمة ناصب. وهذا مذهب سيبويه. # وقال قطرب: وهو أحد ms1159 قولي الفراء، لأن الأصل: يا أبتا (ه)، ثم حذفت الألف. ~~ويكون الوقف على قول سيبويه بالهاء، وهو قول أحد الفراء الآخر. # والندبة في هذا لا يجوز، إذ ليس هو من مواضعها. والعلة التي من أجلها PageV05P3499 # دخلت الهاء في هذا أن قولك: " أبوان ": تثنية الأب. واللام يوجب أن يكون ~~يستعمل (أب وأبت) كما أن قولك: " والدان " للأب والأم يوجب: " والد، ووالدة ~~". # فلما لم يستعمل " أبه " استغنى باللام - استعمل ذلك في النداء في " الأب ~~"، وأجروه مجرى ما وصف فيه المذكر مما فيه الهاء نحو: " علامة ونسابة. # وقال الفراء: إنما هي الهاء التي تزاد في الوقت، أكثر بها الكلام فنبهت ~~بهاء التأنيث. # قرأ الحسن، أبو جعفر " أحد عشر " بإسكان العين لكثرة الحركات. PageV05P3500 # وقال: رأيتهم لأنه أخبر عنها بالسجود، وهو فعل من يعقل، ومثله: {ادخلوا ~~مساكنكم} [النمل: 18] و {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63]. # وقيل: لما كان تفسير ذلك واقعا على إخوة يوسف، وأبيه، وخالته، أخبر عنهم، ~~بالهاء والميم. وذلك حقهم في الحكاية، والإخبار عنهم. # قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحيا. والأحد عشر هم: أخوة يوسف، والشمس ~~أمه، والقمر أبوه. هذا قول ابن عباس، وغيره. # ويروى أن رؤيا يوسف كانت ليلة الجمعة، وكانت ليلة القدر، فأشفق يعقوب أن ~~يحسده إخوته على ذلك. فنهاه أن يقصها عليهم. # وقال قتادة، وغيره: الشمس خالته، والقمر أبوه. وظهرت رؤيا PageV05P3501 # يوسف عليه السلام، بعد رؤيتها بأربعين سنة. # وقد روي أن يعقوب، عليه السلام، فسر الرؤيا " تأول الأحد عشر كوكبا: أحد ~~عشر نفسا، لهم فضل يستضاء بهم، وهم إخوة يوسف، وتأول الشمس، والقمر: أبويه، ~~فتأول أن يوسف يكون نبيا، وأن إخوته يكونون أنبياء، لأن الله عز وجل، ~~أعلمهم أنه يتم نعمته عليه، وعلى أبويه. # قوله: {قال يابني لا تقصص رؤياك} إلى قوله {حكيم}. # (هذا اللفظ) يدل على أن يعقوب كان له علم بعبارة الرؤيا، ويدل على أنه ~~كان قد أحس من إخوة يوسف ليوسف حسدا، فخافهم عليه. والمعنى. لا PageV05P3502 # تخبرهم برؤياك هذه، فيحسدوك، ويبغوا لك الغوائل، ويطيعوا فيك الشيطان. # وكان ms1160 يعقوب صلى الله عليه، (وعلى محمد) قد تبين له من إخوة يوسف ليوسف / ~~الحسد. فلذلك قال (ل) له هذا. ولذل [ك] قال السدي: نزل يعقوب عليه السلام، ~~الشام، فكان همه يوسف، وأخاه، فحسدهما أخوتهما. # ومعنى {فيكيدوا لك (كيدا)} أي: فيتخذونك كيدا، وقيل: اللام زائدة. ~~والمعنى: فيكيدوك كيدا. # ثم قال تعالى: {وكذلك يجتبيك ربك}: أي: وهكذا يجتبيك ربك: أي: PageV05P3503 # يختارك، يصطفيك. # {ويعلمك من تأويل الأحاديث}: # أي: كما أراك ربك الكواكب، والشمس، والقمر سجودا لك، كذلك يصطفيك. وتأويل ~~الأحاديث: عبارة الرؤيا، وقيل: أخبار الأمم. # {ويتم نعمته عليك} (أي): بالاصطفاء {كمآ أتمهآ على أبويك من قبل}: أخبره ~~أنه يكون نبيا. # قال عكرمة: ويتم نعمته عليك، وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويك من قبل ~~إبراهيم، وإسحاق. فنعمته على إبراهيم، بأن نجاه من النار، وعلى إسحاق أن ~~نجاه من الذبح. # {إن ربك عليم} بخل (قه)، {حكيم} في تدبيره. PageV05P3504 # قوله: {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين} - إلى قوله - {فاعلين}. # من قرأ " آية "، فمعناه: عبرة، ومن جمع، فمعناه: عبرة للسائلين (عن ~~أخبارهم)، وقصصهم. # وقيل: إن هذه السورة نزلت تسلية من الله تعالى، لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، فيما يلقى من أقاربه من قريش. فأعلمه ما لقي يوسف من إخوته، ثم قال ~~ذلك ابن إسحاق. # ثم قال تعالى: {إذ قالوا} العامل في " إذ " معنى الآيات. والعصبة: العشرة ~~فما فوق ذلك إلى خمسة عشر، وقيل: إلى الأربعين. # وقولهم: {إن أبانا لفي ضلال مبين}: أي لفي خطأ في إيثاره علينا يوسف، PageV05P3505 # وأخاه من أمه بالمحبة. # ومعنى: {مبين}: يبين عن نفسه أنه أخطأ لمن تأمله فمعناه: أنه ضل في ~~محبتهما، وتقديمهما علينا، وهما صغيران، ونحن أنفع منهما وأكبر. ولم يصفوه ~~بالضلال في الدين. قال ذلك السدي. # ثم حكى عنهم تعالى إنهم قالوا: {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا} أي: في أرض. ~~وجاز حذف الحرف (منه)، على أنه مفعول ثان، وليس بظرف، (و) لأنه غير مبهم. # {يخل لكم وجه أبيكم} أي: يتفرغ إليكم أبوكم من شغله بيوسف. {وتكونوا من ~~بعده قوما ms1161 صالحين}: فالهاء في " بعده " تعود على الطرح، وقيل: على يوسف. ~~وقيل: PageV05P3506 # على القتل: أي: يتوبون من قتله بعد هلاكه. # وقال مقاتل: {قوما صالحين} أي: تصلح حالكم، وأمركم عند أبيكم. # قوله: {قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف}: نهاهم أحد الإخوة عن القتل، ~~وأمرهم بطرحه في غيابات الجب. والقائل هذا روبيل كان أكبر القوم، وهو ابن ~~خالة يوسف، قال ذلك قتادة، وابن إسحاق. # وقال مجاهد: كان (القائل) شمعون، وقيل: هو يهوذا، وكان يهوذا من أشدهم في ~~العقل، وهو الذي قال: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي} [يوسف: 80]. # ومعنى: {كبيرهم} [يوسف: 80] أي كبيرهم في العقل، قاله مقاتل، وغيره. قال ~~الضحاك: الذي قال {لا تقتلوه} [القصص: 9] / هو الذي قال: {فلن أبرح الأرض ~~حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي} [يوسف: 80]. PageV05P3507 # وروي أنه كان ليعقوب صلى الله عليه وسلم، عشرة من الولد، من خالة يوسف. ~~وكان له من أم يوسف ولد غير يوسف، وهو الذي أخذ بالصاع. وروي أنهم كانوا من ~~أربع نسوة. # وروي أنه أول من كان وقع في قلوب إخوة يوسف من يوسف صلى الله عليه وسلم ~~ما وقع أنه رأى قبل رؤيته الكو (ا) كب، كأنه خرج مع إخوته يحتطبون، فسجدت ~~حزم إخوته لحزمتهن فأخبرهم بذلك. ذلك عليهم. # قال قتادة: الجب بئر بيت المقدس. والجب: البئر التي ليست بمطوية، سميت ~~جبا، لأنها قطعت قطعا، ولم يحدث فيها غير القطع، ولا طي ولا غيره. والجب ~~يذكر ويؤنث. # وقرأ الحسن " تلتقطه " بالتاء، لأن بعض السيارة سيارة، فأتت على المعنى. PageV05P3508 # ورويت عن مجاهد، وأبي رجاء، والمعنى: فأخذه " بعض مارة الطريق من ~~المسافرين ". # قال ابن عباس: " التقطه ناس من الأعراب ". # {إن كنتم فاعلين}: أي: " إن " كنتم فاعلين ما أقول لكم ". # قوله: {قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على (يوسف) وإنا له لناصحون} إلى ~~قوله {لخاسرون}. # وقرأ يزيد بن القعقاع، وعمرو بن عبيد: " تأمنا " بغير إشمام. # وقرأ طلحة بن مصرف " تأمننا " بنونين ظاهرتين. PageV05P3509 # وقرأ يحيى بن ثاب، والأعمش، وأبو رزين تيمنا بتاء مكسورة بعدخا ms1162 ياء ~~الإدغام. والمعنى: مالك لا تأمنا على يوسف يخرج معنا إذا خرجنا إلى ~~الصحراء. # {وإنا له لناصحون * أرسله معنا} إلى قوله: {لحافظون} # " نحوطه ونكلؤه ". ومن قرأ " نرتع بالنون، وكسر العين، فمعناه: نرتع ~~الغنم والإبل. وهو نفعتل من رعى (يرعو). # وقال مجاهد: نرتع: أي: نحفظ بعضنا بعضا، أي: نتحارس، ونتكالؤ. PageV05P3510 # من: رعاك الله، ومن أسكن العين فمعناه: نقيم في الخصة والسعة، من رتع. ~~يقال: رتع فلان في ماله: إذا لهى فيه. # ومعناه عند ابن عباس: يلهو، وينبسط. # ومن قرأ بالياء، وكسر العين، فهو يفتعل من " رعى " أي: يرعى الغنم، ~~ويعقل، ويعرف الأمور. # ومن أسكن العين، وقرأ بالياء، فمعناه: أرسله يتفرج، وينشط في الصحراء: من ~~رتع. PageV05P3511 # وقولهم: {ويلعب} ليس هو اللعب الصاد عن ذكر الله سبحانه. وروي هم قنبل، ~~عن ابن كثير إثبات الياء في " نرتعي "، على نية الضمة فيها، وفيه بعد. ~~وإنما يجوز في الشعر. # ثم قال: تعالى حكاية عن قول يعقوب لهم: {قال إني ليحزنني} إلى قوله: ~~{لخاسرون}: من همز " الذئب " أخذه من قولهم: تذاءبت الريح: إذا جاءت من كل ~~مكان. فهمز " الذئب " لأنه يجيء من كل مكان. قال ذلك أحمد بن PageV05P3512 # يحيى كأنه شبهه في سرعته، وروغانه بالريح. # ومن لم يهمز فعلى تخفيف الهمز. وقيل: إنه جعله ليس بمشتق، مثل: الفيل، ~~والميل، والكيس. وإنما خاف يعقوب، عليه السلام، من الذئب دون سائر السباع، ~~لأنه كان رأى في المنام كأن ذئبا شد على يوسف، فخرجت تلك الرؤيا في دعواهم. ~~{وأنتم عنه غافلون}: أي: لا تشعرون {قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة} /: ~~أي: أحد عشر رجلا {إنآ إذا لخاسرون}: أي: لعجزة هالكون. # قوله: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه}: أي: أجمع رأيهم، وعزموا على ~~ذلك. {وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم}: أي: لتخبرنهم بما صنعوا بك، وهم لا ~~يعلمون بك. # قال الضحاك: لما ألقي يوسف في الجب، نزل إليه جبريل، عليه السلام، فقال ~~له: يا PageV05P3513 # يوسف: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن عجل الله بخروجك من هذا الجب. فقال: ~~نعم، فقال له جبريل، صلوات ms1163 الله عليه،: قل يا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل ~~كسير، ويا شاهد كل نجوى ويا حاضر كل ملأ، ويا مفرج كل كربة، ويا صاحب كل ~~غريب، ويا مؤنس كل وحشة: أيتني بالفرج والرخاء، وأقذف رجاءك في قلبي حتى لا ~~أرجو أحدا سواك. فرددها يوسف عليه السلام، في ليلته مرارا فأخرجه الله عز ~~وجل، في صب [ي] حة يوم ذلك من الجب. # وقال السدي: خرجوا به، وله عليهم كرامة، فلما برزوا به إلى البرية أظهروا ~~له العداوة، وجعل أخوه يضربه، فيستغيث بالآخر (فيضربه فجعل " لا يرى منهم ~~رحيما " فضربوه حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح، ويقول: يا أبتاه! يا يعقوب! ~~لو علمت ما صنع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا: أليس قد PageV05P3514 # أعطيتموني موثقا من لله لا تقتلونه. فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه، ~~فجعلوا يدلونه في البئر وهو يتعلق بشفير البئر. فربطوا يديه ونزعوا عنه ~~قميصه. # فقال: يا (أ) خوتاه: ردوا علي قميصي، أتوارى به في الجب. فقالوا له: ادع ~~الشمس والقمر، والأحد عشر كوكيا ليؤنسوك. فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ~~ألقوه إرادة أن يموت. فكان في البير ماء، فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها. ~~فقام عليها، وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة منهم، أدركتهم عليه. فأجابهم ~~فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه. فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعطيتموني ~~موثقا ألا تقتلوه. # وقيل: كان الجب الذي ألقوه فيه، لا ماء فيه. فأحدث الله فيه ماء، حتى مال ~~إليه الناس. وكان يهوذا يأتيه بالطعام. # والواو في " وأجمعوا " زائدة للتأكيد، وهو جواب " لما ". PageV05P3515 # قوله: {وأوحينآ إليه}: أي: إلى يوسف لتخبرن إخوتك بأمرهم هذا الذي صنعوا ~~بك، وهم لا يعلمون، ولا يدرون. (و) هذا يدل على أنه أوحي إليه قبل البلوغ ~~(بإلهام)، أو في منام، أو برسول. # وقيل: المعنى: " أوحى الله وجل إليه لتخبرهم بما " {صنعوا} [هود: 16، ~~الرعد: 31]، وهم لا يشعرون بالوحي الذي أوحى " الله عز وجل " إليه. # قال مجاهد، وابن زيد: وقيل: المعنى: {وهم لا يشعرون}، (أن) الذي يخبرهم ms1164 ~~بصنيعهم هو يوسف. # وقيل: المعنى: {وهم لا يشعرون} أنه نبي يوحى إليه. PageV05P3516 # وقيل: الهاء ليعقوب، أي: أوحى الله إلى يعقوب أن ابنك كاده إخوته، ~~ولتعرفنهم بكيدهم، {وهم لا يشعرون}: أي: وإخوة يوسف / " لا يشعرون بالوحي ~~إلى يعقوب ". # (قال ابن عباس: لما دخل إخوة يوسف) على يوسف. (عرفهم)، {وهم له منكرون} ~~[يوسف: 58]. فقال: جيء بالصواع. فوضعه على يديه، (ثم) نقره، فطن فقال: إنه ~~ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم، يقال له: يوسف، يدنيه دونكم، ~~وأنكم انطلقتم به، فألقيتموه في غيابات الجب. قال: ثم نقره، PageV05P3517 # فطن فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كاذب. فقال ~~بعضكم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. فذلك معنى {لتنبئنهم بأمرهم هذا ~~وهم لا يشعرون} أنك يوسف. # ثم قال تعالى: {وجآءوا أباهم عشآء يبكون}. # قال السدي: أتوا إلى أبيهم عشاءا يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع، وقال: ما ~~لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: " لا، قال: فما فعل يوسف؟ ~~فقالوا: {يا أبانآ إنا ذهبنا نستبق}: كان السبق عندهم على الأرجل، كالسبق ~~على الخيل، لأنه آلة للحرب. فلما قالوا: {وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله ~~الذئب} بكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، فقال: أين القميص؟ فجاؤو (ه). بالقميص، ~~عليه دك كذب، فأخذ القميص فطرحه على وجهه، ثم بكى حتى تخضب وجهه من دم ~~القميص. # قوله: {ومآ أنت بمؤمن لنا}: أي: بمصدق لنا، {ولو كنا صادقين}: قال: PageV05P3518 # المبرد: وإن كنا صادقين. # وقيل: المعنى: ليس بمصدق لنا لو كنا من أهل الصدق الذين لا يتهمون لسوء ~~ظنك بنا. # وقيل: المعنى: ولو كنا عندك من أهل الصدق، لا تعمتنا في يوسف لمحبتك ~~إياه. # وقيل: المعنى: قد وقع في قلبك إنا لنصدقك في يوسف، فأنت لا تصدقنا. وذلك ~~أن يعقوب كان (قد) اتهمهم عليه، فلما وقع ما وقع، تأكدت التهمة لهم. وإلا ~~فيعقوب، صلوات الله عليه، لا يكذب الصادق، وليس هذا من صفة الأنبياء، صلوات ~~الله عليهم. وإنما كذبهم لتأكيد التهمة، وكثرة الدلائل على كذبهم. فالمعنى: ms1165 ~~ما أنت بمصدق لنا وقد وقع (بك) ما تحذر، ولو كنا عندك صادقين من قبل، غير ~~متهمين، لوجب أن تتهمنا (الساعة) عند مصيبتك. فكيف وقد كنت PageV05P3519 # متهما له (فيه) من قبل. # ثم قال تعالى: {وجآءوا على قميصه بدم كذب}، أي: بدم ذي كذب. قال ابن ~~عباس: ومجاهد: ذبحوا سخلة على قميصه. # وقال السدي: ذبحوا جديا، ثم لطخوا القميص بدمه، ثم أقبلوا إلى أبيهم، ~~فقال يعقوب عليه السلام، (إن كان هذا الذئب لرحيما كيف أكل لحمه، ولم يخرق ~~قميصه؟ يا بني، يا يوسف ما فعل بك بنو الإماء!؟ # قال الحسن: جعل يعقوب يقلب القميص، ويقول: ما عهدت الذئب حليما، إنه أمل ~~ابني، وأبقى على قميصه. # ثم قال مكذبا لهم: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا} أي: زينت لكم في يوسف، ~~وحسنته لكم. {فصبر جميل}: أي: فأمري صبر جميل، وشأني صبر. (أي): فصبري PageV05P3520 # عليه صبر جميل. # وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: " فاصبر صبرا جميلا " على المصدر. ~~والرفع أبلغ /، وأحسن، وإنما يختار النصب في الأمر خاصة. والصبر الجميل: هو ~~الصبر الذي لا جزع معه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " هو الصبر الذي لا شكوى معه ~~وكان يعقوب عليه السلام، قد سقط حاجباه،: فكان يرفعهما بخرقة. فقيل له: ما ~~هذا؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان، فأوحى الله عز وجل، إليه: أتشكوني ~~يا يعقوب؟ فقال: رب خطيئة أخطأتها، فاغفرها لي ". # ثم قال: {والله المستعان على ما تصفون}: أي: على احتماله. وقال قتادة: " ~~على ما تكذبون ". PageV05P3521 # قال الثوري: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي ~~نفسك. # ومن حديث أبن لهيعة، رفعه إلى ابن عمر، أن يعقوب عليه السلام قال لبنيه: ~~يا بني " إيتو (ني) " بالذئب الذي أمل ولدي، إن كنتم صادقين، قال: فخرجوا ~~إلى واد لهم يسعون فيه، فإذا هم بذئب قد انحط عليهم من شفير الوادي، ~~فاعترضو (ه) سراعا، وأخذوه قسرا، وأوثقوه كتافا، وعمدوا إلى حمل أبيهم ~~فقالوا: هذا الذئب الذي أكل يوسف أخانا. فقال ms1166 لهم أطلق (و) ه فقال له: ~~يعقوب: قف PageV05P3522 # أيهما الذئب بإذن الله، فوقف الذئب مقعى على ذنبه. فقال له: يعقوب: أسألك ~~أيها الذئب بالذي اتخذني نبيا، وبعثني رسولا. هل أكلت يوسف فيما أكلت؟ فقال ~~له الذئب: والذي بعثك رسولا، واتخذ (ك) نبيا. إن هذه البلاد ما دخلتها إلا ~~ساعتي هذه، ثم حكى ليعقوب ما صنعوا به وبالحمل. ثم قال الذئب: يا نبي الله، ~~وأنا أسمو إلى أكل نبيي! أو ما علمت أن لحوم الأنبياء محرمة على السباع؟ ~~قال له يعقوب: اصدقت أيها الذئب. أنت كنت أشفق على يوسف من أخوته "، اذهب ~~حيث شئت. # قوله: {وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم} - إلى قوله - {أكثر الناس لا ~~يعلمون}. # والمعنى: ومر قوم يسيرون، من مارة الطريق، {فأرسلوا واردهم}: وهو PageV05P3523 # الذي يرد المنهل (أ) والمنزل، وور (و) ده إياه، مصير إليه {فأدلى دلوه}، ~~أي: أدخلها الجب، وأرسلها. يقال: أدليت الدلو: إذا أرسلتها في الجب، ~~ودلوتها إذا أخرجتها؟. وفي الكلام حذف، والمعنى: فدلى دلوه: أي: أخرجها ~~فتعلق بها (يوسف)، فقال المدل (ي): (يا بشراي هذا غلام). # فقال السدي: لما رآه قد تعلق، نادى رجلا من أصحابه، يقال له: بشرى: يا ~~بشرى، هذا غلام. وكذلك قال ابن جبير، وقتادة. # وهو معنى قراءة من قرأ " يا بشراي ". PageV05P3524 # وقيل المعنى: يا بشار (ت) ي دعا بشارته. # ومن قرأ بغير ياء، احتمل أن يكون دعا رجلا اسمه بشرى فلم يضفه إلى نفسه ~~فهو في موضع رفع. # وقيل: إنه دعا البشرى، كأنه قال: يا أيتها البشرى. # ومعنى نداء البشرى: أنه على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فكأنه قال: ~~يا قوم أبشروا، ويجوز أن تكون هذه / القراءة، يراد بها الإضافة، ثم حذف (ت) ~~الياء. # ثم قال تعالى: {وأسروه بضاعة} أي: وأسر يوسف الوراد بضاعة من PageV05P3525 # التجار. قالوا لهم: هو معنا بضاعة، استبضعناه، بعض أهل الماء " التي " ~~إلى مصر. وذلك أن السدي قال: لما رفعه المستدلي، وأصحابه، باعو (ه) من ~~رجلين. فخاف من التجار أن يعلموا بثمنه. فيقول (ون) لهما: أشركانا فيه. ~~فقالوا: هو بضاعة ms1167 (معنا) لأهل الماء. # وقال مجاهد: المعنى " أسره التجار بعضهم من بعض ". # وعن ابن عباس: أن المعنى: وأسره إخوته، وأسر يوسف نفسه (من التجار) خوفا ~~أن يقتله إخوته. واختار البيع، وذلك أن إخوته ذكروه لوارد PageV05P3526 # القوم، فنادوا الوارد: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته. # ثم قال تعالى: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} أي: بثمن ذي بخس، أي: حرام. ~~وقوله: (وشروه): يحتمل أن يكون معناه: وباعون، وأن يكون اشتروه، وهو من ~~الأضداد. # قال مجاهد: باعه إخوته حين أخرجه المدلى. # وقال قتادة: وغيره: المعنى: وباعه السيارة من بعض التجار، بثمن بخس. ~~وقيل: المعنى: فاشتراه السيارة من أخوته بثمن بخس، وهو اختيار الطبري، ثم ~~خافوا أن يشركهم فيه أصحابهم، وقالوا هو بضاعة. # معنى: {وكانوا فيه من الزاهدين}، أي: إخوته. PageV05P3527 # وقيل: هم الذين اشتروه، والأول أحسن، لأن إشراءهم إياه من التجار يدل على ~~(آن) رغبتهم فيه، وبيع إخوته له بثمن بخس يدل على زهادتهم فيه. # ويجوز أن يكون الضمير: الوارد، أي: وكان الوارد الذي رفعه من الجب فيه من ~~الزاهدين، والذين اشتروه من الوراد، وليسوا بزاهدين فيه، بل اشتروه خوفا أن ~~يشركهم فيه غيرهم لرغبتهم فيه. # والبخس عند ابن عباس، والضحاك: الحرام. # وقيل: هو الظلم، وهو قول قتادة. # وقال مجاهد: هو القليل، وهو قول عكرمة. والبخس في اللغة النقصان، فمعناه: ~~[ب] ثمن مبخوس: أي: منقوص. # ومعنى {دراهم معدودة}: أي: غير موزونة، ناقصة. PageV05P3528 # وقيل: المعنى: أنها أقل من أربعين، لأنهم كانوا لا يزنون ما كان أقل من ~~أربعين، لأ (ن) أقل أوزانهم، وأصغرها الأوقية، (وهي) أربعون درهما. # وقال ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: كانت عشرين درهما. # وقال مجاهد: كانت اثنين وعشرين درهما، أخذ كل واحد من إخوة يوسف درهمين، ~~درهمين، وهم أحد عشر رجلا. # وقال عكرمة: كانت أربعين. وكان إخوة يوسف فيه من الزاهدين، لا يعلمون ~~نبوءته وكرامته على الله. # ثم قال (تعالى): {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي (مثواه)}: والذي ~~اشتراه: هو الملك بمصر. قطفير وهو العزيز. وكان على خزائن مصر، وكان PageV05P3529 # الملك ms1168 المعظم عندهم / يومئذ: الريان بن الوليد، رجل من العمالقة. وكان ~~اسم امرأة العزيز راعيل، وكان الملك زوجها لا ولد له، ولم يكن يأت [ي] ~~النساء، فأراد أن يتبناه. # وروي عن ابن مسعود أنه، قال: أفرس الناس ثلاثت [ة]: العزيز، حين قال ~~لامرأته {أكرمي مثواه}، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: {إن خير من استأجرت ~~القوي (الأمين)} [القصص: 26]، وأبو بكر الصديق، رضي الله عنه، حين ولى عمر، ~~رضي الله عنه. # ثم قال تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض}: والمعنى وكما خلصناه من ~~القتل من أيدي إخته، كذلك مكنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها. PageV05P3530 # وقيل: المعنى: وكذلك مكنا له في الأرض، بأن عطفنا قلب الملك عليه حتى ~~تمكن على الخزائن. # {ولنعلمه من تأويل الأحاديث}: مكناه، وهذا تصديق ليعقوب في قوله ليوسف: ~~{وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث} [يوسف: 6]: وتأويل الأحاديث ~~عبارة الرؤيا. # {والله غالب على أمره}: أي: مستول على أمر يوسف. # وقيل: غالب على أمره: أي (مستول على أمره)، يفعل ما يشاء. " فالهاء " ~~[في] المعنى الأول ليوسف، وفي الثاني لله. وقيل: إنها في القول الثاني ~~ليوسف (أيضا). [أي]: غالب على أمر يوسف، يفعل فيه ما يشاء. # {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}: وهم الذين باعوه بثمن بخس، وزهدوا فيه، PageV05P3531 # والذين مضوا به إلى مصر وباعوه. # قوله: {ولما بلغ أشده} - إلى قوله - {من الخاطئين}: أي: ولما بلغ منتهى ~~قوته، وشدته. # قال مجاهد: هو ثلاث وثلاثون سنة. # وقال ابن عباس: بضع وثلاثون سنة. # وقال الضحاك: عشرون سنة. # وقال ربيعة، وزيد بن أسلم، ومالك، رضي الله عنهم: الأشد الحلم. وقال ~~الزجاج: الأشد: من سبع عشرة إلى أربعين. والأشد جمع عند سيبويه، واحده " ~~شدة " كنعمة وأنعم. PageV05P3532 # وقال الكسائي: واحدة شدة كقد وأقد. # وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه عند العرب. # وقال يونس الأشد جمع واحدة شد، وهو يذكر ويؤنث وفيه لغتان، وهي ضم ~~الهمزة. # قوله: {آتيناه حكما (وعلما)}: قال مجاهد: العقل، والعلم قبل النبؤة. # وقيل: المعنى: جعلناه المستولي على الحكم، فكان يحكم في سلطان ms1169 الملك. PageV05P3533 # وآتيناه علما بالحكم. # {وكذلك نجزي المحسنين}. أي: ومثل ما فعلناه بيوسف، نفعل بمن أطاع، وأحسن ~~في طاعته. # وقيل: المراد به محمد صلى الله عليه وسلم. ولفظه عام، والمراد به الخصوص، ~~والمعنى: وكما فعلنا بيوسف في تمكينه، ونجيناه من إخوته. كذلك نفعل بك يا ~~محمد: نمكنك وننجيك من مشركي قريش، ونؤتيك الحكم والعلم. # ومن قرأ {هيت لك} بالفتح، فتح لالتقاء الساكنين. # ومن همز جعله من (تهيأت) / (لك). # ومن كسر، لالتقاء الساكنين. ومن ضم كذلك شبهها بقبل وبعد. PageV05P3534 # ومن لم يهمز، أبدل من الهمزة تاء. ويجوز أن يكون ليس من تهيأت، وإنما بني ~~لأنه صوت، لاحظ له في الإعراب. # وقد قيل: إن من همز، فإنما هو من: " هاء يهيء " مثل جاء يجيء. ومعناه: ~~حسنة هيئتك. # ومن قرأ بالياء فعلى التخفيف من هذا المعنى، ويكون " لك " من كلام آخلا، ~~كما نقول: " لك عندي ". # وقيل: إن من همزه، وضم التاء، فهي من تهيأت. والتاء للمتكلم كتاء قمت، ~~(كما) يقول الرجل: هيأت للأمر، أهيء، هيأة. والمعنى وراودت يوسف امرأة ~~العزيز عن نفسه للجماع، وغلقت أبواب البيت عليها، وعليه، وقالت: {هيت لك}: ~~أي: هلم لك، أي: اذن، وتقرب، وتعال. PageV05P3535 # يقال: هيت فلان لفلان: إذا دعاه. # وقال ابن عباس: {هيت}: كلام بالسريانية، تدعوه إلى نفسها. # قال يوسف لها: (معاذ الله): أي: أعوذ بالله معاذا. والمصدر يدل على ~~الفعل. # {إنه ربي أحسن مثواي}: " أي: إن العزيز مالكي، وصاحبي، أحسن مثواي، وقيل: ~~إن معنى الكلام: إن العزيز سيدي، يعني زوج المرأة. # وقيل: " الهاء " لله. والمعنى: إن الله ربي أحسن مثواي، فلا أعصيه. وقيل: ~~" الهاء: عماد بمعنى الخبر، والأمر، فيكون " ربي " مبتدأ، و " أحسن " خبره. ~~وعلى القول الأول: " ربي " خبر " إن ". # ومعنى: {أحسن مثواي} - إذا كان للعزيز-: أي: أحسن قراي، ومنزلي، وائتمنني PageV05P3536 # فلا أخونه. وإذا كان لله: فمعناه: أحسن خلاصي، وعلمني، وخلقني فلا أعصيه ~~{إنه لا يفلح الظالمون}: أي: إن الحديث لأبقى للظالمين. وأصل الفلاح: ~~البقاء، أي: " هذا الذي تدعونني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به. # والأبواب: وقف ms1170 عند نافع، ولك التمام عند غيره. # ثم قال تعالى: {ولقد همت به وهم بها}. قيل: في الكلام تقديم وتأخير. ~~والتقدير: ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه، لنصرف عنه ~~السوء ". # وقيل: " كذلك ": في موضعها لا تأخير فيها. ذكر أنها جعلت تذكر له محاسن ~~نفسه، وتشوقه، إلى نفسها. # قال السدي: قالت له: يا يوسف! ما أحسن عينيك، قال: هي أول ما يسيل إلى ~~الأرض من جسدي. قال: فلم تزل به حتى أطعمته (فهمت به، وهم بها) فدخلا البيت PageV05P3537 # وغلقت الأبواب، وذهب ليحل سراويله، فإذا هو بصورة يعقوب، " قائما في ~~البيت " قد عض على إصبعه يقول: يا يوسف تواقعها، فإنما مثلك ما لم تواقعها ~~مثل الطير في جو السماء لا يطاق. ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات وقع في ~~الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ومثلك إذا لم تواقعها مثل الثور / ~~الصعب، لا يعمل عليه. ومثلك إذا واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل ~~في أصول قرونه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه فربط سراويل (ه) وذهب، ليخرج ~~يشتد، فأدركته، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط، ~~وطرحه يوسف، واشتد نحو الباب. PageV05P3538 # والهم بالشيء في كلام العرب: حديث النفس {به}، ما لم يفعله. # ويروى أن يوسف، عليه السلام، لما خلا بها قامت لتستر ما بينهما، وبين ~~الصنم، فقال لها يوسف: ما تفعلين؟ فقالت: أستر ما بيننا وبين هذا الصنم، لا ~~يراني خالية معك. فقال لها يوسف: وأي شيء يسترني من ربي. # وقال الحسن: زعموا - والله أعلم - أن سقف البيت انفرج، فرأى يوسف يعقوب ~~عاضا على إصبعه، فولى هاربا. # وقيل: رآه جبريل، عليهما السلام، قائلا له: يا يوسف!. جعل الرحمان اسمك ~~في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء. لئن واقعت الخطيئة، ليمحونك من PageV05P3539 # ديوان النبؤة. # (و) قال ابن أبي مليكة عن ابن عباس: نودي أيا يوسف! أتزني! فتكون مثل ~~الطير الذي نتف ريشه، وذهب يطير فلم يستطع. # وقيل: ركضه جبريل صلى الله عليه وسلم، بعد النداء ركضة ms1171 في ظهره، فلم تبق ~~فيه شهوة إلا خرجت. فوثب واستبقا الباب، وتطاير (ت) مسامير الباب، فلم تقدر ~~أن تعلقه عليه. فتعلقت به، فقدت قميصه من دبر. # وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): هم يوسف أن يحل التك [ة]، فقامت PageV05P3540 # إلى صنم مكلل بالدرر، والياقوت، فسترته بثوب أبيض، فقال لها يوسف: أي شيء ~~تصنعين؟ قالت: أستحي من إلاهي هذا أن يراني على هذه الصورة. # فقال: أتستحين من صنم لا يعقل، ولا يسمع، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا أستحي ~~من إلاهي القائم على كل نفس بما كسبت، والله لا تنالها مني أبدا. وقيل: رأى ~~في جدار البيت مكتوبا: {ولا تقربوا الزنى} [الإسراء: 32] الآية. # وقال وهب: رأى كفا فيها مكتوب: {أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت} ~~[الرعد: 32]، ورأى (بعدها كفا) فيها مكتوب {وإن عليكم لحافظين} [الانفطار: ~~10] إلى قوله - {تفعلون} [الانفطار: 12]، ثم رأى كفا ثالثة فيها مكتوب {ولا ~~تقربوا الزنى} [الإسراء: 32] الآية -، ثم رأى رابعة فيها مكتوب PageV05P3541 # {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] الآية. فولى يوسف ~~هاربا. # وقال محمد بن كعب: رأى مكتوبا بين عينيها {ولا تقربوا الزنى} [الإسراء: ~~32] الآية. # قال ابن عباس: هم يوسف بها، حتى حمل الهميات، وجلس منها مجلس الخاتن ~~والروايات فيها كثيرة، لأنه قد حل وجلس، واستلقت هي له. # وقال أهل العلم: إنما ابتلى الله أنبياءه بالخطايا، ليكونوا على وجل PageV05P3542 # وإشفاق، ولا يتكلوا على سعة عفو الله عز وجل. # وقيل: بل ابتلاهم بذلك، ليعرفهم موضع نعمته عليهم /، بصفحه عن ذنوبهم. # وقال أبو عبيدة: المعنى: {ولقد همت به}: تم الكلام. {وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه}: " لولا أن رأى برهان ربه، هم بها ": على التقديم والتأخير، ~~ينفي عن يوسف أن يكون هم بالخطيئة. # وقد خالفه في ذلك جميع أهل التفسير، ولا يجوز هذا أيضا عند أهل العربية، ~~لأنه لو كان كما قال، لكان باللام. لا يجوز عندهم: " ضربتك لولا زيد ". # والمعنى عندهم: {لولا أن رأى برهان ربه}، لأمضى ما هم به. # وقد قيل: إن الهم ms1172 بها: هو ما يخطر على القلب من حيل الشيطان، وذلك مما لا PageV05P3543 # يؤاخذنا الله به. # وقيل: معنى {وهم بها}: أي: بضربها، ودفعها، ولم يفعل [ذلك] لئلا يكون ~~[ذلك] لها حجة عليه. ألقى الله في نفسه ذلك فلم يفعله. # وقيل: إنه نودي، يا يوسف! تزني، وأنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل ~~السفهاء. # وقال الحسن: رأى صورة فيها وجه يعقوب، عاضا على أنامله، فدفع في صدره، ~~فخرجت شهوته من أنامله. فكل ولد يعقوب ولد به، إثنا عشر ولدا، إلا يوسف ~~فإنه له أحد عشر ولدا، نقص له بتلك الشهوة ولدا. PageV05P3544 # وروي أنه نظر إلى يعقوب عاضا على أنامله، يقول له: يا يوسف أتزني كما زنت ~~الحمامة، فتساقط ريشها. وكان ذلك جبريل، عليه السلام. # وقيل: إنه سمع من قومه قائلا، يقول {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء ~~سبيلا} [الإسراء: 32]. # وروي أنه كان لامرأة العزيز صنما تعبده في بيتها، فلما أرادته أرخت على ~~صنمها الستر لئلا يراها. # فقال لها يوسف: أنت تستحيين من صنم، لا يسمع، [ولا يعقل]، ولا يبصر، وأنا ~~لا أستحي من رب العالمين، الذي لا يحجبني عنه شيء فولى هاربا. # وقيل: البرهان أنه تفكر فيما أوعد الله، عز وجل، على الزنا. PageV05P3545 # وقيل: إنه تذكر في قول الله عز وجل: { وإن عليكم لحافظين} [الانفطار: ~~10]، وفي قوله: {وما تكون في شأن} [يونس: 61]، وفي قوله: {أفمن هو قآئم على ~~كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] وفي قوله: {ولا تقربوا الزنى} [الإسراء: 32]. # وروي عن ابن عباس أنه رأى تمثال الملك. # ثم قال تعالى: {واستبقا الباب}: أي: استبق يوسف، وامرأة العزيز الباب ~~ليهرب منها (فلحقت قميصه) فقدمته من دبر، وصادفا زوج المرأة، وهو العزيز ~~عند الباب. # قال السدي: وجد زوجها جالسا عند الباب، وابن عمها معه، فلما رأته حضرها ~~كيد، وخافت أن تفتضح، فقالت: {ما جزآء من أراد بأهلك سواءا}، إنه راودني عن ~~نفسي، فدفعته عن نفسي، فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي، ~~فأبيت وهربت منها. فأدركتني فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تبيان ms1173 هذا في PageV05P3546 # القميص، فإن كان من قبل فصدقت، وإن كان من دبر، فكذبت. فأوتي بالقميص ~~فوجد أنه قد من دبر. فقال العزيز: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} / آية. # ومعنى: {سواءا} هنا: الزنا، ولم يكن يوسف يريد أن يذكره لزوجها حتى كان ~~(ت) هي التي ابتدأت بالكيد، فغضب، فقال: هي {راودتني عن نفسي} والشاهد ابن ~~عمها. وقيل: هو صبي كان في المهد، قاله ابن عباس. # وقيل: كان من خاصة الملك، حكيما من أهلها، وهو " أشبه " لأنه لو كان PageV05P3547 # طفلا كان في كلامه في المهد، وشهادته وحكمه (آية ليوسف) ولا يحتاج إلى ~~ثوب، ولا غيره. والقول عند المازني مضمر، والمعنى: فقال: إن كان قميصه. # ويروى أنها قالت هو حول قميصه. وخرقه ليكون له حجة فروي أن يوسف قال عند ~~ذلك: هذه علامة في ظهري، لا تنالها يدي من كل جانب تناولته هي. فعلموا عند ~~ذلك أنها التي قدت القميص، فعند ذلك قال العزيز: {إنه من كيدكن}. وقيل: إن ~~القائل هذا هو الشاهد، ورد الجواب على قولها: {من أراد بأهلك سواءا}. # ثم قال تعالى: {يوسف أعرض عن هذا}: أي: قال الشاهد: يا يوسف أعرض عما كان ~~منها اليوم لا تذكره لأحد. {واستغفري} أنت زوجك: أي: سليه، ألا يعاقبك على ~~ذنبك. {إنك كنت من الخاطئين} هذا كله قول الشاهد لهما. وقال: {من ~~الخاطئين}، ولم يقل: " من الخاطئات ": لأنه قصد الخبر عن من يعقل " كلهم ": PageV05P3548 # المذكر والمؤنث، فغلب المذكر. أي: إنك كنت من الناس الخاطئين. # قوله: {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه} إلى ~~قوله: {الصاغرين}: # المعنى: وتحدث نسوة بمصر بخبر امرأة العزيز، ولم ينكتم أمرها، وقلن: ~~امرأة العزيز تراود عبدها. والعرب تسمي الملوك فتى. # {قد شغفها حبا}: أي فقد بلغ حبه إلى شغاف قلبها، حتى غلب عليه. والشفاف: ~~غلاف القلب. وقيل: حجابه وقيل: الشغاف: حبه القلب، وسويداؤه. # وقرأ أبو رجاء، والأعرج، وقتادة: " شعفها " بالعين " غير معجمة: أي: قد PageV05P3549 # ذهب بها كل مذهب، لأن شغاف لجبال أعاليها. # وقال الشعبي: الشفاف: حب، ms1174 والشغف: جنون. # {إنا لنراها في ضلال مبين} أي: في خطأ ظاهر، {إذ راودتن} [يوسف: 51] ~~غلامها عن نفسه. فلما سمعت امرأة العزيز بقول النسوة، وما مكرن ذلك أنهن ~~فيما روي، فعلن ذلك لتريهن يوسف. فقلن ما قلن مكرا بها، فلذلك سمي قولهن ~~مكرا. # وقيل: إنها كانت أطلعتهن على ذلك، واستكتمتهن، فأفشين ذلك، ومكرن بها. ~~فلما سمعت بما فعلن، أرادت ان توقعهن فيما وقعت هي فيه: {أرسلت إليهن ~~وأعتدت لهن متكئا}: أي: أعدت لهن مجلسا، أو مما يتكئن عليه من النمارق. وهو ~~يفتعل من " وكأت " والأصل فيه: " مؤتكا "، ففعل به ما فعل " بمتزر " من ~~الوزر. وقد نطق به بالتاء / مع غير تاء الافتعال. قالوا: " تك الرجل متكئا ~~". PageV05P3550 # وقال ابن جبير: متكئا: طعاما وشرابا. # وقال السدي: ما يتكئن عليه. وقال ابن عباس: مجلسا. وقرأ الحسن: " متكئ " ~~بإسكان التؤ من غير همز، على ون " فع (ى) وهو المجلس والطعام. # وقال الضحاك: المتك: الزماورد، وقيل هو الأترنج، وروي ذلك عن ابن عباس. # وحكي القتيبي أنه يقال: " اتكأ عند فلان، أي: أكلنا عنده " PageV05P3551 # قوله: {وآتت كل واحدة منهن سكينا}: يدل على أنه طعام يقطع بالسكاكين. ~~فكأنه في التقدير: وأعتدت لهن طعاما متكئا، ثم حذف مثل {وسئل القرية التي ~~كنا فيها} [يوسف: 82]. والسكين: يذكر، ويؤنث عند الكسائي، والفراء، ولا ~~يعرف الأصمعي إلا التذكير. # {وقالت اخرج عليهن}: أي: قالت ليوسف: أخرج، فخرج (عليهن) {فلما رأينه ~~أكبرنه}: أي: عظم وجل في أعينهن، وكبر، وعظم، وبهتن. وقيل: {أكبرنه}: حضن ~~الحيض البين. # " فالهاء " على القول الأول ليوسف، وعلى القول الثاني للحيض، كناية على PageV05P3552 # المصدر. وأكبر [ن]، بمعنى حضن، مروي عن ابن عباس، والضحاك. # وعن مجاهد أن المعنى: فلما رأينه أعظمنه فحضن. # وقوله: {وقطعن أيديهن} بالحز بالسكاكين. # قال السدي: جعلن يحززن في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ما يعقلن ~~مما طرأ عليهن من جماله، وهيأته. # وقال قتادة، ومجاهد: " تقطعن أيديهن حتى ألقينها ". # قال عكرمة: قطعن أيديهن: أي: أكمامهن. # وروي أن يوسف، وأمه أعطيا ثلث الحسن وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ms1175 أنهما ~~أعطيا ثلث الحسن). PageV05P3553 # وقوله: {وقلن حاش لله}: أي: معاذ الله. # وحاشا يكون بمعنى التنزيه، وبمعنى الاستثناء، وهي هنا للتنزيه. # {ما هذا بشرا}: استعظمن أمره، إذ لم يرين من البشر مثله. # {إن هاذآ إلا ملك كريم}: أي: من الملائكة. قالت لهن: {فذلكن الذي لمتنني ~~فيه}: أي: فهذا الذي حل بكن في تقطيع أيديكن الذي لمتنني في حبه. وقال ~~الطبري: ذلك بمعنى هذا. # ثم قالت: {ولقد راودته عن نفسه} إقرارا منها أن ما قيل حق، {فاستعصم}: PageV05P3554 # قال قتادة: استعصى، وقال ابن عباس: امتنع. # {ولئن لم يفعل مآ آمره (ليسجنن)}: أي: إن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه ~~{ليسجنن} {وليكونا من الصاغرين}: أي: من المهانين، المذلين بالحبس، والسجن. # وكأن في الكرم تقديما، وتأخيرا، لأن تهديدها له بالسجن والهوان. أي: إن ~~لم يساعدها إنما كان قبل تخزيق القميص، وقبل معرفة زوجها بما (جرى) لها ~~معهن والله أعلم بذلك. # فهذا الذي يدل عليه معنى النص: إذ بوقوف زوجها على القصة، انقطع ما ~~بينهما، وطالبته بالعقوبة فسجن. # قوله: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} إلى قوله: {حتى حين} PageV05P3555 # قرأ عثمان رضي الله عنه: " السجن بفتح السين والمعنى: رب، إن السجن أحب ~~إلي، فهو مصدر. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، والأعرج، ويعقوب. ورويت عن ~~الزهري. # ومن كسر جعله اسما. والمعنى: أن يوسف عليه السلام، اختار السجن على ما ~~دعته إليه من الزنا. # قوله: {وإلا تصرف عني كيدهن} يعني: مراودتهن. {أصب إليهن}: أي: أمل ~~إليهن. PageV05P3556 # وقيل: أتابعهن، وأكن بصبوتي من الذين جهلوا حقك، و [خ] الفوا أمرك. # قوله: {أعرض عن هذا} [يوسف: 29]: وقف. وقوله: {ما هذا بشرا} [يوسف: 31]: ~~وقف عند نافع (فاستعصم): وقف. ثم أخبر تعالى أنه استجاب له بعصمه منها، ومن ~~كيدها، وذلك أن في قوله: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن}، شكوى ما حل به ~~منها، وكذلك رضاه بالسجن هو شكوى. فاستجاب له ذلك، فصرف الله عنه ما اشتكى ~~به إليه. # {إنه هو السميع العليم} دعاء من دعاه، (العليم): بمصلحة خلقه. # وقوله: {ثم ms1176 بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} قيل: سنة، ~~وقيل: سبع PageV05P3557 # سنين. والحين: اسم للزمان يقع (ع) لى القليل والكثير. وفاعل {بدا} عند ~~سيبويه ليسجننه. # وعند المبرد مضمر، وهو المصدر: كأنه بدا لهم بداء. # والعرب تقول: بدا لي بدءا " أي تغير رأيي عما كان عليه، ومنهم من يقول: " ~~قد بدا لي "، ولا يذكر " بدا " لكثرته في الكلام. وهذا من ذلك. # وقيل: المعنى: ثم بدا لهم رأي، ثم حذف الرأي. لأن الكلام يدل على المعنى، ~~أي: ظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونه، (ثم حذف الرأي). # فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجنه، وأخبر عنه بلفظ الجمع لأنه ملك ~~ولأنه لم يذكر اسمه. فالمعنى: ثم ظهر للعزيز رأي أن يسجن يوسف من بعدما PageV05P3558 # كان ظهر له أن يتركه مطلقا، ومن بعدما رأوا الآيات ببراءته، وهي: (قد) ~~القميص من دبر، وقطع أيدي النسوة، وخمش الوجوه. ومعنى {حتى حين}: إلى سبع ~~سنين. # وقيل: إن الله جعل ذلك الحبس ليوسف كفارة لذنبه، إذ هم بالخطيئة. # قال ابن عباس: عثر يوسف، عليه السلام، (ثلاث عثرات): حين هم بها فسجن حتى ~~حين، وحين قال: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42]. ونسي ذكر الله، (سبحانه) فلبث ~~سنين في السجن، وحين قال: {إنكم لسارقون} [يوسف: 70] فسكتوه بقولهم: {قالوا ~~إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} [يوسف: 77]. # وعن ابن عباس (أيضا): أنه قال: عوقب يوسف صلى الله عليه وسلم، ثلاث مرات. ~~وذكر ما PageV05P3559 # ذكرنا عنه. # وقال السدي: كان أصل حبس يوسف أن امرأة العزيز قالت له: إن هذا العبد ~~العبراني، قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه. ~~ولست أطيق أن أعتذر بعذري. فإما أن تأذن لي في الخروج، وإما أن تحبسه كما ~~حبستني. فظهر له أن يحبسه، ففعل. # والضمير في " لهم " للملك، وأعوانه، وأصحابه. # قوله: {ودخل معه السجن فتيان} إلى قوله {يشكرون}. كان الفتيان غلامين من ~~غلمان الملك الأكبر. أحدهما: صاحب شرابه، والآخر: صاحب طعامه / سخط عليهما ~~الملك. وذلك أنه بلغه أن صاحب الطعام ms1177 يريد أن يسمه PageV05P3560 # له وظن أن صاحب الشراب مالأه على ذلك. قال ذلك السدي: [قال]: لما دخل ~~يوسف في السجن قال: إني أعبر الأحلام. فقال أحد الشابين [لصاحبه]: هلم ~~فلنجرب هذا [العبد] العبراني. فتتراءيا له، فسألاه من غير أن يكون رأيا ~~شيئا، فقال صاحب الطعام: {إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه}، وقال صاحب الشراب: {إني أراني} أعصر خمرا ~~وقيل: بل كانا رأياها على صحة في منامهما. # وروي أنه لما فسر لهما ما رأيا رجعا، فقالا ما رأينا شيئا، وإنما جربناك. ~~فقال يوسف صلى الله عليه وسلم: { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] ~~أي: لا بد من كون ما قلت لكما من عبارة رؤياكما. # وقال ابن مسعود: قال الفتيان: إنما كنا تحالمنا لنجربا إنما كنا نلعب، ~~فقال PageV05P3561 # يوسف لهم: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] (قال مجاهد: قال ~~يوسف لهما): أنشدكما الله أتحباني. فوالله ما [أ] حبني أحد قط، إلا دخل علي ~~من حبه بلاء: لقد أحبتني عمتي، فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أ ~~[بي]، ولقد دخل علي من حبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا، فدخل علي ~~من حبها بلاء، فلا تحباني. بارك الله فيكما. (قال) فأبيا إلا حبه، وجعلا ~~يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله. # وفي قراءة ابن مسعود: " أعصر عنبا " ومعناه: خمر عنب. # قال ابن عباس: لغة عمان يسمون الخمر عنبا و (قيل): المعنى: أعصر PageV05P3562 # عنب خمر ومعنى: {فوق رأسي} أي: على رأسي. # وقوله: {إنا نراك من المحسنين}: أي: تحسن إلينا. # قيل: كان يعود مريضهم، ويقوم عليه، ويعزي حزينهم. وكان إذا احتاج [منهم] ~~إنسان جمع له، وإذا ضاق المكان وسع له، ويجتهد لربه. # قال: لما دخل السجن، وجد قوما قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال ~~حزنهم، فجعل يقول: اصبروا تؤجروا أجرا [إ] ن لهذا ثوابا. فقالوا: يا فتى ~~بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، (لقد) بورك لنا في جوارك، ما نحب ~~أنا كنا ms1178 في غير هذا المكان لما تخبرنا من الأجر والكفارة، فمن أنت يا فتى؟ ~~قال: أنا يوسف، نبي الله، ابن يعقوب بن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله ~~إبراهيم. PageV05P3563 # قال ابن مسعود: أعطي وأمه ثلث حسن الناس. # وقال جعفر بن محمد: أعطي يوسف نصف حسن الناس. # وروي مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن كانت المرأة الحامل ~~لتراه فتضع). # وقيل معنى: {من المحسنين}: إن نبأتنا بتأويل رؤيانا. # قال يوسف لهما {لا يأتيكما طعام ترزقانه}: أي: في منامكما {إلا نبأتكما ~~بتأويله} يعني: في يقظتكما {قبل أن يأتيكما} تأويل ما رأيتما. قال (ذلك ~~السدي وابن اسحاق). # ثم قال: {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} أي: برئت منها. # وإنما أجابهما يوسف بهذا، وليس / بداخل في السؤال، لأنه كره أن يجيبهما ~~عن تأويل رؤياهما، لما علم فيها من رؤيا الذي رأى أنه يحمل فوق رأه خبزا. PageV05P3564 # وأعرض عن جوابهما مرتين، وأخذ في غيره كذا قال ابن جريج ومعنى: {لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله}: إن الملك (كان) إذا أر (ا) د ~~قتل إنسان، صنع له طعاما معلوما. فأرسل به إليه. # فقال يوسف لهما: {لا يأتيكما طعام} يعني: من عند الملك {إلا نبأتكما ~~بتأويله}: أي: أخبرتكما: هل هو طعام من يراد قتله، أو طعام من يراد به غير ~~ذلك. فأعلمهما أن عنده علما من معرفة الطعام. فيكون المعنى: في اليقظة، لا ~~في النوم. # وكان هذا بعدوله عن تفسير رؤياهما لما كره من ذلك، فلم يدعاه يعدل عن ~~حوابهما، وسألاه ثانية، وكره العبارة فتمادى في العدل. وقال: PageV05P3565 # {ياصاحبي السجنءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39]- ~~إلى قوله - {يعلمون} [يوسف: 46]: فلم يدعاه حتى سألاه ثالثة فعبر لهما، ~~وقال {ياصاحبي السجن أمآ أحدكما (فيسقي) ربه خمرا} [يوسف: 41]- الآية - ~~فلما عبر قالا: ما رأينا شيئا، إنما كنا نلعب فقال: {قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان} [يوسف: 41]. # قوله: {أن يأتيكما} وقف (وفي) " ربي ": وقف. # قوله: {واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب}: أي: دينهم، وطريقتهم ~~{ما كان ms1179 لنآ أن نشرك بالله (من شيء)}: (دليله الشرك)، (ولفظه) لفظ الخبر، ~~ومعناه النفي أي: لم يشرك بالله، دليله الشرك الذي بعده. PageV05P3566 # قوله: {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} فهو مقابل له: أي: ما ينبغي ~~لنا أن نشر (ك) في عبادة الله أحدا. # {ذلك من فضل الله} (أي تركنا الشرك، هو من فضل الله علينا) وعلى الناس، ~~إذ جعلنا دعاة لهم إلى توحيده. # {ولكن أكثر الناس لا يشكرون}: أي: من يكفر لا يشكر. # قال ابن عباس: {من فضل الله علينا}: إذ جعلنا أنبياء، " وعلى الناس " أن ~~بعثنا إليهم رسلا ". # قوله: {ياصاحبي السجنءأرباب متفرقون} - إلى قوله - {تستفتيان} روي أن ~~يوسف عليه السلام قال: هذا لأن أحد الفتيين كان مشركا، فدعاه بهذا إلى ~~الإيمان، ونبذ الآلهة، فجعلهما صاحبي السجن لأنهما فيه. والمعنى: يا من في ~~السجن. وهذا PageV05P3567 # كقوله تعالى لسكان الجنة: {أولئك أصحاب الجنة} [البقرة: 82، الأعراف: 42، ~~يونس: 26، هود: 23] ولسكان النار {فأولئك أصحاب النار} [البقرة: 81، 275]. # والمعنى: أعبادة أرباب متفرقين خير؟ أم عبادة {الله الواحد القهار}. # قال قتادة: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاه إلى حظه في الآخرة. # ثم قال (تعالى): {ما تعبدون من دونه}: فجمع، لأنه قصد المخاطب، وكل من ~~عبد غير الله، فجمع على المعنى: أي: ما تبعد أنت، ومن هو على ملتك {إلا ~~أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم}: أي: لم يأذن الله لكم بذلك، أنتم أحببتم ~~أسماءها وآباؤكم. # {مآ أنزل الله بها من سلطان}: أي: من حجة، ومن كتاب، ومن دلالة. وقوله / PageV05P3568 # {أمر ألا تعبدوا إلا إياه}: أي: أسس الدين عليه لئلا يعبد غيره. # {ذلك الدين القيم}: أي: ذلك الذي دعوتكم إليه هو الدين الي لا اعوجاج فيه ~~{ولكن أكثر الناس لا يعلمون}: وهم المشركون. ثم قال: {ياصاحبي السجن}: ~~يخاطب الفتيين {أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا}: أي: سيده الملك، وهو (الذي) ~~رأى أنه يعصر خمرا. # {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} فقال عند ذلك: ما رأينا شيئا، ~~فقال: {قضي الأمر الذي (فيه) تستفتيان}. # وقيل: إنما أنكر الذي أخبره أنه يصلب. ms1180 فقال: قضي الأمر سواء رأيت، أو لم ~~تر وكان اسمه مجلث، واسم الثاني نبو. # قال ثابت البنان (ي): دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن، فعرفه PageV05P3569 # يوسف، فقال له: أيها الملك، الحسن وجهه الطيب ريحه، الكريم على ربه: {هل ~~لك} [النازعات: 18] علم بيعقوب؟ قال: نعم. قال: فما صنع؟ قال: ابيضت عيناه ~~من الحزن، قال: وفيم ذلك؟. قال: عليك. قال: فما بلغ من حزنه؟ (قال): حزن ~~سبعين مثكلة قال: فما له من الأجر على ذلك؟ قال: أجر مائة شهيد. # قال الحسن: مكث يعقوب، عليه السلام، ثمانين سنة، أو نحوها، لا يفارق قلبه ~~الحزن، ولا تجف عيناه من البكاء. وإنه لأكرم أهل الأرض على الله يومئذ. # قوله: ({وقال للذي ظن أنه (ناج منهما} - إلى قوله - {بعالمين} # المعنى: وقال يوسف للذي علم أنه ناج) من الفتيين: اذكرني عند سيدك، PageV05P3570 # وهو الملك الأعظم. وأعلمه بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم. # وقيل: المعنى: اذكر ما رأيته مني من العلم بعبارة الرؤيا، وبحال (ي) في ~~العلم عند الملك. # قوله: {الشيطان ذكر ربه}، أي: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف للملك. ~~فالهاءان للساقي، بدلالة قوله: {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45]، أي: تذكر ~~الساقي ما قاله له يوسف بعد حين، يدل على أن النسيان كان من الساقي: أنساه ~~الله عز وجل، أن يذكر يوسف عليه السلام. وقيل: المعنى أنسى الشيطان يوسف ~~ذكر ربه عز وجل فالهاءان ليوسف: أي: أنسى يوسف الشيطان أن يرجع إلى ربه، ~~ويسأله خلاصة، PageV05P3571 # ويرد أمره إلى الله عز وجل ورجع إلى سؤال أحد الفتيين أن يذكره عند ~~الملك، فلبث في السجن عقوبة بضع سنين. # (قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا كلمة يوسف، ما لبث في السجن ما ~~لبث " يعني قوله: {اذكرني عند ربك} أي: عند سيدك. # قال ابن دينار لما قال يوسف للساقي: {اذكرني عند ربك}. قيل: يا يوسف اتخذ ~~[ت] من دوني وكيلا، لأطيلن حبسك. فبكى يوسف، وقال: يا رب: أنسى قلبي كثرة ~~البلوى، فقلت كلمة فويل لإخوتي. # ويروى أن يوسف لما قال ms1181 لصاحب الشراب: {اذكرني عند ربك} أتاه جبريل عليه ~~السلام فعاتبه، وخرق له بجناحه سبع أرضين، إلى منتهى الصخرة التي عليها PageV05P3572 # الأرض، وقوى الله، عز وجل، بصر يوسف، حتى نظر إلى نملة، على الصخرة تجر ~~حبة. # فقال جبريل: يا يوسف لم يغفل ربك عن هذه النملة ورزقها، فكيف يغفل عنك، ~~وأنت في السجن، حتى تشكو إلى صاحب / الشراب، وتأمره بذكرك، وبذكر عذرك عند ~~سيده. قال: فأخذ يوسف التراب فملأ به فمه، ورأسه، وقال: إلهي! أسألك بوجه ~~أبي وجدي - قال مجاهد -: فلم يذكره الساقي حتى رأى الملك الرؤيا. # قال قتادة: لبث في السجن سبع سنين. # قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب ~~بختنصر فحول في السباع سبع سنين وكذلك قال ابن جريج. # " والبضع ": ما بين الثلاث إلى التسع. PageV05P3573 # وقال الأخفش: هو من واحد إلى عشر. قال قطرب: هو ما بين الثلاث والسبع. ~~وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى الأربعة. # (قال الحسن ذكر لنا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: لولا كلمة يوسف ~~حيث يقول: {اذكرني عند ربك}، ما لبث في السجن طول ما لبث. قال ابن عباس: ~~عوقب بقوله للساقي: {اذكرني عند ربك} فطال سجنه. # وروي أن يوسف، عليه السلام، لما قال له: {اذكرني عند ربك} أوحى الله إلى ~~الأرض أن النفرج (ي) لعبدي يوسف. فانفرجت له. فقيل له: ما ترى؟ فقال: أرى ~~أرضا، وأرى ذرة معها طعم لها. قال: فقال: يا يوسف! ألم (أغفل) عن هذه في ~~هذا الموضع، وأغفل عنك لتلبثن في السجن بضع سنين. # وقوله: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات (سمان يأكلهن)}: PageV05P3574 # وهو ملك مصر (ا) لأعظم. والمعنى: (إني) أرى في منامي سبع بقرات سمان ~~{يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} فلم يكن عند الملك من يعبر ~~ذلك، وقالوا له: {أضغاث أحلام}: أي: هي أضغاث. ووقع في نفسه أنها رؤيا ~~كائنة (لا بد) من ذلك. # ومعنى: {أضغاث أحلام}: (أي: أخلاط أحلام) كاذبة. # {وما نحن بتأويل الأحلام} الكاذبة {بعالمين}: ms1182 وتقديره: وما نحن بعالمين ~~بتأويل الأحلام والأغاث. (والباء) في {بعالمين}: لتأكيد النفي، (و " الباء ~~" في {بتأويل} لتعدية، متعلقة بعالمين) ففي الكلام تقديم وتأخير. # قوله: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة} - إلى قوله - {وفيه يعصرون}: ~~المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من القتل، يعني: من الفتيين اللذين عبر لهما PageV05P3575 # يوسف الرؤيا. # {وادكر بعد أمة}: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره. # قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك. # وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: " بعد أمه " بالهاء، وفتح الميم ~~والتخفيف أي: بعد نسيان. # وقرأ مجاهد: " بعد أمه " بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمة أمها: إذا ~~نسي. وتأويلها كتأويل من فتح الميم. وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن ~~فللتخفيف. PageV05P3576 # وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟ # ثم قال: {فأرسلون}: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا العالم. ~~قوله: {فأرسلون}: وقف. # وقوله {يوسف أيها الصديق}: أي: يا يوسف {أفتنا في سبع بقرات سمان ~~يأكلهن}: أي: في سبع بقرات رئين في المنام. ويأكلهن سبع عجاف - الآية -. ~~قال قتادة: السمان: السنين الخصبة /، والعجاف. سنون جدبة. # ومعنى {لعلهم يعلمون}: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك. # وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن. PageV05P3577 # قال يوسف للسائل: {تزرعون سبع سنين دأبا}: أي: على عادتكم التي كنتم ~~عليها. وقوله: {فما حصدتم فذروه في سنبله} فهو خبر معناه الأمر: (أي): ~~ازرعوا، وفيه إيماء إلى تعبير الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير ~~الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله. ودل على أنه ~~أمر. قوله: {فذروه}، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه على معنى الأول. # وقيل: هو رأي رآه، صلى الله عليه وسلم، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن ~~يدعوه في سنبله (إلا ما يأكلون). # ثم قال له: {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد}: أي: قحيطة، {يأكلن ما قدمتم ~~لهن}. أي: يوكل فيهن ما أعددتم في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون ~~بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، كما قال {والنهار مبصرا} [يونس: 67، النمل: ~~86، غافر: ms1183 61]: أي: يبصر فيه. PageV05P3578 # وقوله: {إلا قليلا مما تحصنون}: أي: تحزرونه، أي: ترفعونه للحرث. {ثم ~~يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس} أخبرهم، صلى الله عليه وسلم، عما لم ~~يكن في رؤيا الملك، وذلك من علم الغيب، الذي علمه الله، ( عز وجل) دلالة ~~على نبوته صلى الله عليه وسلم، ومعنى {فيه يغاث الناس}: أي: بالمطر، ~~والخصب. # {وفيه يعصرون}: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ابن عباس، ~~والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم. # وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم. # وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ). # قوله: {وقال الملك ائتوني به فلما جآءه الرسول} - إلى قوله - {لا يهدي ~~كيد الخائنين}. PageV05P3579 # (المعنى): أن الملك لما أعلمه الرسول بتأويل رؤياه، علم أنه حق. وقال: ~~{ائتوني به}. # فلما جاء يوسف الرسول يدعوه إلى الملك، قال [له] يوسف: ارجع إلى سيدك، ~~{فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن}. # وأبى يوسف أن يخرج حتى يعلم صحة أمره ولم يذكر امرأة العزيز فيهن: حسن ~~عشرة منه، صلى الله عليه (وسلم)، خلطتها بالنسوة، وأخبر عن الجميع. # (قال النبي صلى الله عليه وسلم: " رحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم ~~أرسل إلي لخرجت سريعا. إن كان لحليما، ذا أناة ". PageV05P3580 # (وقال صلى الله عليه وسلم: " لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر ~~له حين سئل عن البقرات: لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني. ~~ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول لو كنت مكانه لبادرتهم الباب " # قوله: {ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه} إنما خاطبهن لأنهن قلن ليوسف إذ ~~رأيته: وما عليك أن تفعل، فراودنه عن نفسه. # وقيل: إنه / خاطبهن من أجل امرأة العزيز فيهن، فجعل الخطاب للجميع، ~~والمراد واحدة منهن. ودليل هذا جوابها وحدها، إذ حكاه الله، عز وجل، عنها ~~فقال: {قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق}. PageV05P3581 # وقيل: إنما خاطبهن كلهن، لأن يوسف لما قال: {فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن} ظن الملك أنهن كذبن وراودنه، فجاوبته امرأة العزيز، وأقرت ms1184 ~~أنها هي الفاعلة. # وقيل: إنما جمعهن في الخطاب، لأنهن قلن: {امرأة العزيز تراود فتاها عن ~~نفسه} [يوسف: 30] وأشعن ذلك فقيل لهن: هل علمتن ذنبه؟ # {قلن حاش لله ما علمنا عليه من سواء} فعند ذلك، أقرت امرأة العزيز أنها ~~هي جاروته عن نفسه. رجع الرسول، فقال ذلك للملك فأحضر الملك النسوة. ~~والكلام دل على الحذف. # ومعنى {حصحص الحق}: تبين وظهر وانكشف، فقالت: {أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين} في قوله: {هي راودتني عن نفسي} وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ ~~مراد الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه، فبرأت يوسف ليصح ~~صدقه عند الملك، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق، فتعطفه عليه. # وحصحص مأخوذ من الحصة، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل. وأصله " حصص "، ~~ثم أبدل من الصاد الثانية حاء، كما قال: PageV05P3582 # {فكبكبوا} [الشعراء: 94]، والأصل " كذبوا "، وقيل: كبكب، والأصل " كبب " ~~وردرد والأصل ردد. # وقوله: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} هذا من قول يوسف عليه السلام أي: ~~قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه، وتركي إجابته، والخروج إليه حتى يسأل ~~النسوة، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في الغيب. # (وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب). # وقيل: المعنى: ليعلم أني لم أخنه في امرأته، وهو غائب (ويصح) ذلك عنده. ~~وقد قيل: إنه من كرم المرأة كله لتقديم كلامها. لذلك قال ابن جريج: (هذا) ~~متصل بما قبله، وفي الكلام تقديم وتأخير. # والمعنى: {إن ربي بكيد (هن) عليم}. {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}. فعلى ~~هذا يكون يوسف قاله وهو في السجن. PageV05P3583 # وعلى قول ابن عباس، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج، فلا تقديم في الكلام، ~~ولا تأخير. ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل، عليه السلام: ولا حين هممت؟ ~~فقال يوسف: {ومآ أبرىء نفسي} [يوسف: 53]. قاله ابن عباس، وابن جبير. # وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت، فحللت السراويل ~~فقال: {ومآ أبرىء نفسي} [يوسف: 53]. # وقيل: إنه من قول يوسف، وذلك ms1185 أنه تذكر ما مضى. فقال ذلك معتذرا لمليكه. # وذكر ابن لهيعة: أن امرأة العزيز لما اشتدت عليها الحاجة، (والمسبغة) ~~أرادت الدخول على يوسف لتشكو إليه حاجتها، وإعوازها، / فقال لها أهلها ~~وقومها: لا تفعلي، لأنا نخاف عليك، لأنه قد كان منك الذي كان، فقالت: كلا ~~إني لا أخاف ممن يخاف الله، ويتقيه. فدخلت عليه، وقامت بين يديه، ثم قالت: ~~الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، وأشارت إليه، ثم قالت: والحمد لله ~~الذي جعل الملوك عبيدا PageV05P3584 # بمعصيته، وأشارت إلى نفسها. (قال): ثم تزوجها يوسف، عليه السلام، فأصابها ~~بكرا، فقال لها: أليس هذا أحسن مما كنت أردتيه مني؟ قالت له: إني كنت قج ~~ابتليت منك بأربع خصال: (كنت) أنت أجمل الناس، وكنت أنا أجمل النساء في ~~دهري، وكان زوجي عنينا، وكنت بكرا حدثة السن قال: فأولدها يوسف، صلى الله ~~عليه وسلم فأول ولد ولدته ابنه سماها " رحمة " وهي امرأة أيوب، عليهما ~~السلام. # ويروى أن امرأة العزيز دخلت على يوسف، ( صلى الله عليه وسلم) ، وقد ملك ~~مصر، فقالت له: بالذي رفع العبيد بطاعتهم، ووضع الملوك بمعصيتهم، فتصدق ~~عليها يوسف، وتزوجها. PageV05P3585 # قوله: {ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} - إلى قوله - {وكانوا ~~يتقون} قوله: {إلا ما رحم ربي}: " ما " في موضع نصب، استثناء، ليس من ~~الأول. # والمعنى: إلا أن يرحم ربي ما شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما ~~تامر [ه] به نفسه. إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد توبته. # قوله: {وقال الملك ائتوني به}، أمر ملك مصر الأعظم، وهو الوليد بن الريان ~~بالإتيان بيوسف صلى الله عليه وسلم، لما تبين عذره. وقال: {أستخلصه لنفسي}: ~~أي أجعله من خلصائي وخاصتي. {فلما كلمه}: أي: {فلما} كلم الملك يوسف صلى ~~الله عليه وسلم علم براءته، وحسن عقله. قال له: يا يوسف {إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين}: أي: متمكن مما أردت، أمين على ما ائتنمت عليه من شيء. PageV05P3586 # وقيل: أمين، لا تخاف عذرا. ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا ms1186 أحب أن ~~تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، ( صلى الله عليه ~~وسلم) : أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل ~~الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن. # قوله: {قال اجعلني على خزآئن الأرض} - إلى قوله - {وكانوا يتقون} ~~والمعنى: قال يوسف صلى الله عليه وسلم، للملك: " اجعلني على خزائن أرضك ". # قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، ~~وغيرها من أمواله وعمله. # وروى مالك بن أنس، رضي الله عنه، عن ابن المنكدر عن جابر بن PageV05P3587 # عبد الله، قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له: # ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟. قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين. # قوله: {إني حفيظ}: أي: لما وليت، {عليم} به. وقيل: (إن) المعنى: إني حافظ ~~للحساب، عالم بالألسن. # وقيل: المعنى: إني حافظ / لللأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه ~~مما يرضي الله، عز وجل، ولذلك سأل يوسف، ( صلى الله عليه وسلم) ، الملك في ~~هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها. فأراد بسؤاله الصلاح صلى الله عليه ~~وسلم. PageV05P3588 # ثم قال (تعالى) {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض}: أي: في أرض مصر {يتبوأ منها ~~حيث يشآء}: أي: يتخذ منزلا أين شاء بعد الضيق والحبس. ومن قرأ بالنون، ~~فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء. # {نصيب برحمتنا من نشآء}: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف. # {ولا نضيع أجر المحسنين}: أي: لا نبطل أجر من أحسن (عملا) فأطاع ربه، ( ~~عز وجل) . # قال ابن إسحاق: ولاه الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك ~~الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف. # وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال:: أليس هذا خيرا مما كنت PageV05P3589 # تريدين؟ فقال له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى ~~حسنا وجمالا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك في حسنك، وجمالك، ~~فغلبتني نفسي على ما رأيت. # قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها ms1187 بكرا فأصابها، فولدت رجلين. فولي يوسف ~~مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها. # ثم قال تعالى: {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون}. والمعنى: ~~ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، وخاف عقاب الله عز وجل، واتقاه سبحانه ~~مما أعطى يوسف في الدنيا من التمكين في أرض مصر. # قوله: {وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه} - إلى قوله - {ولا تقربون} المعنى: ~~فيما ذكر ابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما أعلمهم بما يأتي من القحط، وأن PageV05P3590 # يستعدوا لما يأتيهم، أتى الناس إلى مصر، يلتمسون المير (ة) من كل بلد. ~~فأصاب الناس جهد، فأمر يوسف ألا يحمل الرجل إلا بعيرا واحدا، تقسيطا بين ~~الناس، ومنع أن يحمل أحد بعيرين. فقد عليه إخوته فيمن قدم يلتمسون الميرة، ~~فعرفهم، ولم يعرفوه لما أراد الله عز وجل. # وذكر السدي: أنه لما أصاب الناس الجوع، أتى أخوة يوسف ليتماروا، وهم ~~عشرة: وأمسك يعقوب عند نفسه أخا يوسف بنيامين، فلا دخلوا على يوسف عرفهم، ~~ولم يعرفوه. قال لهم: أخبروني بأمركم، فأني أنكر شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من ~~أرض الشام. قال وما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعانا. قال: فأخبروني ~~خبركم. قالوا: إنا أخوة، بنو رجل صديق. وكنا اثني عشر. وكان أبونا يحب PageV05P3591 # أخا [ل] نا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها. وكان أحبنا إلى أبينا. ~~قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: وكيف ~~تخبروني أن أباكم صديق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير /. إيتوني بأخيكم ~~هذا حتى أنظر إليه. قالوا: سنراود عنه أباه، قال: فضعوا رهينة حتى ترجعوا، ~~فوضعوا شمعون وجهزوا أبعرتهم بالطعام. فقال لهم يوسف ( صلى الله عليه وسلم) ~~: إنكم إذا أتيتموني بأخيكم ازددتم من عند [ي] حمل بعير له. # {ألا ترون أني أوفي الكيل}: " ولا أبخسه أحدا ". # {وأنا خير المنزلين}: أي: وأنا خير من أنزل ضيفا على نفسه في هذا البلد. ~~{فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي}: أي: لا طعام أكيله لكم {ولا تقربون}: ~~أي: " لا تقربوا بلادي ". PageV05P3592 # وقد ms1188 اعترض بعض أهل الزيغ في هذا الخبر، وقال: كيف لم يعرفوه، (وقد) عرف ~~أن لهم أخا من أب، وسألهم الإتيان به. # فجواب ذلك على قول بعض أهل النظر أن يوسف كان لا يعطي لكل نفس إلا حملا ~~في تلك المجاعة. (فلما) أخذوا لكل شخص منهم حملا. قالوا: لنا أخ من أبينا ~~غاب فأعطنا له حملا، فأعطاهم وقال لهم: إيتوني بهذا الأخ إن أردتم أن ~~أعطيكم عنه حملا إذا رجعتم للمير (ة) لنعلم صدقكم. فإن لم تأتوني به علمت ~~كذبكم، ولم أعطكم شيئا. وهذا كله داخل في قوله: {كذلك كدنا ليوسف} [يوسف: ~~76] صلى الله عليه وسلم. # قوله: {قالوا سنراود عنه أباه و (إنا لفاعلون)} - إلى قوله - {كيل يسير} # المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا ~~لفاعلون ذلك. PageV05P3593 # ثم قال تعالى: {وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونهآ} ~~أي: قال يوسف لغلمانه و " فتيته ": أنسب لأنه للعدد القليل، و " فتيان ": ~~حسن، فقال لهم: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رجحالهم، ~~وهم لا يعلمون. # قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذا كانت سنة ~~جدب. فرد عليهم الدراهم طمعا أن يأخذها. # وقيل: إنما رد عليهم الثمن رفقا بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرما منه، ~~وتفضلا. # وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، ~~وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرجون من ذلك فيرجعون إليه PageV05P3594 # ضرورة. # ثم قال تعالى: {فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل ~~معنآ أخانا نكتل}: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملا، ومن قرأ ~~بالنون: أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل. والمعنى: إنهم قالوا: ~~(له): يا أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيرا لكل نفس. فأرسل ~~معنا أخانا يكتل لنفسه كيل بعير زائدة على ما اكتلنا لأنفسنا. # قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا ~~كرامة، لو كان رجلا من ms1189 ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن منا شمعون. # وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم / فإن لم ~~تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبدا، فقال لهم يعقوب: {هل آمنكم عليه} - ~~الآية - ثم قال: {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين}: أي: إن يفجعني في ~~هذا الولد على كبر PageV05P3595 # سني، وهو أرحم الراحمين في إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقرؤه سلامي، وقولوا ~~له: إن أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل. # ثم قال تعالى: {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم}: أي [لما] ~~فتحوا أوعيتهم التي فيها الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، ~~في أوعيتهم. # {قالوا يا أبانا ما نبغي}: وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا ~~الكيل. # {ونمير أهلنا} في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام. # {ونزداد كيل بعير}: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل بعير. PageV05P3596 # {ذلك كيل يسير}: أي: يسير على الملك سهل. # وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملا أحسن من تركه. # وقيل: المعنى: الذي جئتنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل ~~أحسن. قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار. # وقال غير [ه] جمل، وهو المعروف في اللغة. # قوله: {قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله} إلى قوله {لا ~~يعلمون}، الموثق: الميثاق، من عهد، أو يمين. # ومعنى الآية: قال بعقوب لبنيه: لن أدفع إليكم أخاكم حتى تعطوني عهدا، أو ~~يمينا أنكم لتردونه إلي معكم، إلا أن يحيط بكم أمر لا تقدرون على رده معكم. # وقال ابن أبي نجيح في قوله: {إلا أن يحاط بكم} معناه: إلا أن تهلكوا ~~جميعا. PageV05P3597 # {فلمآ آتوه موثقهم}: أي عهدهم أن يردوه. {قال الله على ما نقول وكيل}: ~~أي: شاهد: وحافظ. # ثم قال يعقوب يوصيهم لما أرادوا الخروج: {يابني لا تدخلوا} - مصر - {من ~~باب واحد}: أي من طريق واحد {وادخلوا من أبواب متفرقة}. # قال ابن عباس، والضحاك، وابن جبير، وقتادة: خاف عليهم يعقوب العين ~~لجمالهم، وحسنهم. # وقيل: إنه إنما خاف أن يلحقهم ms1190 شيء، فيظن أنه من العين. # وقيل: إنه كره أن يدخلوا جميعا من موضع واحد، فيستراب منهم (ويخاف منهم): ~~وهو اختيار النحاس. ثم قال لهم: {ومآ أغني عنكم من الله من شيء}: أي: ما ~~أقدر على دفع PageV05P3598 # قضاء الله [سبحانه] عنكم. ما الحكم فيكم وفي إلا لله ينفذ قضاءه عز وجل ~~كيف أحب. {عليه توكلت}: في ردكم وأنتم سالمون، وإليه فوضت أمري، وإليه ~~فليفوض (المفوضون) أم (و) رهم. ثم قال: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم}: ~~أي: من طرق متفرقين، كما أمرهم {ما كان يغني عنهم} ذلك من الله من شيء، إلا ~~[حاجة]: (وهو) استثناء منقطع، أي: لكل حاجة، أي: إلا أنهم قضوا حاجة يعقوب، ~~لدخولهم من مواضع متفرقين. # {وإنه لذو علم لما علمناه}: أي: وإن يعقوب، / لذو حفظ لما استودعناه PageV05P3599 # صدره من العلم. # قال ابن جبير: المعنى {وإنه لذو علم لما علمناه}. # وقيل: المعنى: وإنه لعامل بما علم ولكن كثيرا من الناس لا يعلمون: ما ~~يعلمه يعقوب. # قوله: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه} - إلى قوله - {وما كنا ~~سارقين} # المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك ~~به، فشكر لهم ذلك. ثم قال لصاحب ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكن، وأكرمهم، ~~فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف. فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، ~~فأنا أضمه إلى نفسي. فأنزله عنده، وضمه ليه. وقال له: أنا أخوك - يوسف - PageV05P3600 # لا (تبتئس) (بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به. وقيل: [إنه] ~~لم يعترف له أنه أخوه، يعني: من النسب. وإنما قال له: أنا أخوك مكان أخيك ~~الهالك. قاله وهب ابن منبه. # وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف. # ثم قال تعالى: {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه} والمعنى: أن ~~يوسف لما حمل إبل إخوته الميرة، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي ~~كانوا يكتالون به، وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة، PageV05P3601 # وذهب تشبه الملوك مرصعة ms1191 بالجوهر. # وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. فلما ارتحلوا ~~ناجى مناد: يا {أيتها العير إنكم لسارقون} قيل: إنما قال لهم: {إنكم ~~لسارقون}، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه. وقيل: ~~بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم لحقوا، فقيل لهم: {أيتها العير إنكم ~~لسارقون}. قالوا: وما ذاك. قالوا: {صواع الملك} وإنما دعاهم بالسرقة كلهم ~~لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف. # وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله عز وجل بقولهم له: {فقد سرق أخ ~~له من قبل} [يوسف: 77]. PageV05P3602 # وقيل: إنما [جاز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن ~~يخاطبوا بذلك. # وقيل: المعنى: حالكم حال السراق. وقرأ أبو هريرة " صاع الملك ". # وقال أبو رجاء " صوع الملك ". # (قوله): {ولمن جآء به حمل بعير}: أي: (وقر بعير) من الطعام. # (قوله): {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض} أي: لنعصي الله، ~~ونسرق، وإنما ادعوا ذلك. وقالوا: " قد علمتم " لأنهم ردوا البضاعة التي ~~وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا وراء أخيهم. فالمعنى: " لو كنا سارقين ما رددنا ~~البضاعة (التي وجدنا) PageV05P3603 # في رحالنا ". # وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن أنفسهم ~~ما قد رموا به. # قوله: {(قالوا) فما جزآؤه إن كنتم كاذبين} - إلى قوله - {وفوق كل ذي علم ~~عليم}. المعنى: قال أصحاب يوسف / عليه السلام لإخوته: فما جزاء من وجد ~~الصاع في رحله إن كنتم كاذبين في قولكم: {ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا ~~سارقين} [يوسف: 73] {قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه}. # المعنى: قال إخوة يوسف لأصحابه: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أي: أن يستعبد ~~من سرق. PageV05P3604 # ويقال: إن هذا كان في شريعة يعقوب عليه السلام، نسخه الله عز وجلأ، ~~بالقطع. وقيل: المعنى جزاؤه الاستعباد من وجد في رحله، فهو جزاؤه. فهو يعود ~~على الاستعباد المحذوف. # وقال الطبري: المعنى: قال إخوة يوسف: جزاء السارق من وجد في متاعه السرق، ~~فهو جزاؤه: أي: فتسليم السارق جزاء السرق. وإنما ms1192 سأل إخوة [يوسف] عن ~~الجزاء، لأن أصحاب يوسف ردوا الحكم إليهم. وذلك أنه كان في شريعة يعقوب أن ~~يستعبد السارق، وكان في حكم الملك: إذا سرق السارق غرم مثله. فرد الحكم ~~إليهم. # وقرأ الحسن: " من وعاء أخيه " بضم الواو. # {كذلك كدنا ليوسف}: أي: في أن حكموا على أنفسهم بالاسترقاق PageV05P3605 # على شريعتهم. وأضاف الكيد إلى نفسه، لأن الذي فعل يوسف (جزاءا عن) أمر ~~الله كان، وعن مشيئته، وبوحيه ليوسف. # قوله: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك}: أي: في حكمه، بل أخذه بحكم ~~يعقوب. {إلا أن يشآء الله}: ذلك بكيده. # وقيل: المعنى: {إلا أن يشآء الله}: أن يطلق له مثل هذا الكيد. # وقوله: {نرفع درجات من نشآء} قال زيد بن أسلم: يعني: بالعلم. # وقيل: معنى الكيد: أنهم كانوا لا ينظرون في وعاء إلا استغفروا الله ~~تأثما، مما قذفوا به. فلما وصلوا إلى وعاء أخيهم، قالوا ما نرى (أن) هذا ~~أخذ شيئا. قال إخوة يوسف: بلى فاستبروا ففتح الصواع فيه: فذلك الكيد. قال ~~ذلك PageV05P3606 # قتادة والسدي، وغيرهما. # وقوله: {ثم استخرجها من وعآء أخيه} يعني الصواع. وإنما أنثت، لأنه بمعنى ~~السقاية، فهما لشيء واحد. # وقيل: إنه على معنى السرقة، وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث. # وقوله: {وفوق كل ذي علم (عليم)}: أي: فوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ~~ينتهي ذلك إلى الله عز وجل. # قوله: {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} - إلى قوله - {خير الحاكمين} ~~يعنون بقولهم {أخ له}: يوسف. # قال مجاهد: كان يوسف صلى الله عليه وسلم سرق صنما لجده، أبي أمه، وألقاه ~~في PageV05P3607 # الطريق. فعابه إخوته بذلك. وإنما أراد يوسف بكسره، وأخذ الخير: فليس ذلك ~~بسرق، بل هو محض الدين والعبادة، وإنكار المنكر. # وقال ابن جريج: كانت أم يوسف مسلمة، فأمرته أن يسرق صنما لخاله، كان ~~يعبده. # وروي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب صارت إليها ~~منطقة إسحاق لسنها: لأنهم / كانوا يتوارثونها حبا شديدا فلما ترعرع، PageV05P3608 # قال لها يعقوب: سلمي يوسف إلي ms1193 فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، قالت له: (دعه ~~عندي) أياما أنظر إليه لعلي أتسلى عنه. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى ~~منطقة إحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق؟ ~~فانظروا من أخذها، ومن أابها فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا، ~~فوجت مع يوسف، فقالت: والله إني لم أصنع فيه ما شئت. ثم أتاها يعقوب ~~فأخبرته الخبر، فقال (لها): أنت وذاك إن كان فعل (ذلك)، فهو سلم لك، ~~فأمسكته حتى ماتت. فبذلك عيره إخوته. PageV05P3609 # ومعنى الآية أنه على الحكاية، أي قالوا: إن يسرق فقد (قيل) سرق أخ لهم من ~~قبل. إنما ما قد كان قبل، لم يقطعوا بالسرقة عليه. هذا أحسن ما تأوله ~~العلماء، والله أعلم بذلك. # والضمير في قوله: {فأسرها}، إضمار، قبل الذكر (قد) فسره الله عز وجل لنا ~~أن الذي أسره قوله: {أنتم شر مكانا} - إلى قوله - {تصفون} (أي) أضمر هذا في ~~نفسه. # وقيل: أسر في نفسه المجازاة لهم على قولهم، ولم يرد أن يبين عذره في ذلك. ~~وقيل: أسر في نفسه قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} ولم يرد أن يدفعه ~~ويراجعهم عليه. بل كتم قولهم وله صبر. # قوله: {الله أعلم بما تصفون}: أي: (من) قولكم: هل هو حق أو كذب. PageV05P3610 # ثم قالوا ليوسف: {يا أيها العزيز} أي: الملك {إن له أبا شيخا كبيرا}: ~~يعنون كلفا بحبه، فخذ واحدا منا مكان هذا الذي سرق وخل عنه {إنا نراك من ~~المحسنين}: في أفعالك. # وقيل: المعنى: إنا نرى ذلك منك إحسانا إلينا إن فعلته. قال يوسف {معاذ ~~الله}: أي: عياذا بالله أن نأخذ غير من سرق. # {إنآ إذا لظالمون} إن فعلنا ذلك. # قال السدي: ثم قال لهم يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرؤه السلام، وقولوا له: ~~إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ابنك يوسف. # فلما أيس يوسف من أخيه أن يدفع إليهم. # {خلصوا نجيا}: أي: PageV05P3611 # انفردوا وليس يوسف وأخوه معهم أي: خلوا يتناجون بينهم. فقال كبيرهم في ~~العقل ms1194 وهو شمعون وقيل: بل (هو) كبيرهم ف السن (وهو) روبيل، وهو ابن خالة ~~يوسف. وهو الذي كان نهاهم عن قتله. # وقيل: كبيرهم يهوذا يعني به: كبيرهم في العقل، والفهم لا في السن، ولم ~~يختلف في أن كبيرهم في السن روبيل. فهو أولى الاية (قال لهم): # {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله} في أخيكم هذا، ومن قبل ~~تفريطكم في يوسف، وفعلكم فيه. # والمعنى: [و] من قبل هذا: تفريطكم في يوسف. PageV05P3612 # و " ما " زائدة، والمعنى: ومن قبل فرطكم في بيوسف / ويجوز أن تكون في ~~موضع نسب عطف على " أن ". # ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ومن قبل هذا تفريطكم {في يوسف}، ~~فتكون {ومن قبل} في موضع الخبر. # قوله: {فلن أبرح الأرض}: أي: لن أبرح من أرض مصر. # {حتى يأذن لي أبي} بالقدوم عليه، {أو يحكم الله لي} أي: بالمن مع أخي، ~~فأمضي معه. # وقيل: المعنى: {يحكم الله لي} بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي. قاله أبو صالح. # وقيل: المعنى: أو يقضي الله لي بالخروج من أرض مصر، وترك أخي. PageV05P3613 # وروي أن يهودا قال ليوسف: يا أيها الملك! إن لم تخل سبيله معنا لأصيحن ~~صيحة لا يبقى في مدينتك حامل، إلا أسقطت ما في بطنها. وكان ذلك في ولد ~~يعقوب عند الغضب معروفا. فكلم يوسف ابنا له صغيرا بالقبطية فقال له: ضع ~~يديك بين كتفي يهوذا، ولا يشعر بك أحد، وكان الناس مجتمعين، ف\خل الصبي بين ~~الناس حتى وضع يده بين كتفي يهوذا، فذهب غضبه، فقال يهوذا: لقد مسني من ولد ~~يعقوب، ولم ير أحدا. # قوله: {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا (يا أبانا)} - إلى قوله - {إنه هو العليم ~~الحكيم} هذا قول روبيل لإخوته، أمرهم بالرجوع إلى يعقوب، يعلموه PageV05P3614 # بالقصة على وجهها. # وقيل: أمر لهم بذلك يوسف: وقيل: هو كبيرهم الذي تأخر بمصر، ولم يرجع ~~معهم. # وروي عن الكسائي أنه قرأ " سرق " على ن لم يسم فاعله، على معنى اتهم ~~بالسرق. وقيل: معناه: علم منه السرق. # قوله: {وما شهدنآ إلا بما ms1195 علمنا}: أي: ما قلنا إلا بظاهر العلم، ولسنا ~~نعلم الغيب والباطن، إنما وجدت السرقة في رحله، ونحن ننظر. # وقيل المعنى: وما شهدنا عند يوسف أن السارق يؤخذ في سرقته، {إلا بما ~~علمنا} (في الحكم عندك) قاله ابن زيد. PageV05P3615 # قال لهم يعقوب، ما يدري، هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته، إلا بقولكم ~~فقالوا: {وما شهدنآ إلا بما علمنا} في الحكم عندك وعندنا. # {وما كنا للغيب حافظين}: أي: ما كنا نظن أن ابنك يسرق، فيؤول أمره إلى ~~هذا، وإنما قلنا لك نحفظ أخانا مما إلى حفظه السبيل. # {وسئل القرية التي كنا فيها} إن اتهمنا: وهي مصر، يريدون أهلها. {والعير ~~التي أقبلنا فيها}: وهي القافلة عن خبر ابنك. # قال لهم يعقوب: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل}: على ما نالني. # وقيل: المعنى: " فصبر جميل: أولى من جزع لا ينفع. والصبر الجميل هو الذي ~~لا شكو (ى) معه إلا إلى الله عز وجل. PageV05P3616 # {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا}: يعني: يوسف، وأخاه روبيل الذي تخلف: ~~(إنه هو العليم): بما (أجد) عليهم، {الحكيم} في تدبيره. # قوله: {وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف} - إلى قوله - {ما لا تعلمون}. ~~والمعنى: وأعرض يعقوب عن بنيه، وقال: يا حزنا على يوسف. # والأسف شدة الحزن. ثم حكى الله تعالى ذكر [ه] لنا أن / عيني يعقوب ابيضتا ~~من الحزن، (ف) هو كظيم: أي: مكظوم، أي مملوء من الحزن، ممسك عليه، لا يبثه. # قال ابن زيد: الكظيم الذي أسكته الحزن. # وقال مجاهد: كظم الحزن: إذا أمسكه عليه، لا يبثه. PageV05P3617 # وقال عطاء: كظ (ي) م: مكروب. # وقال السدي: كظيم من الغيظ. والكاظم في اللغة: الذي حزن لا يشكو حزنه ~~وقال الحسن: وجد يعقوب على يوسف وجد سبعين ثكلى وما ساء ظنه بالله ساعة قط، ~~من ليل، ولا نهار. # (وروى الحسن عن النبي) صلى الله عليه وسلم: " وإنما اشتد حزن يعقوب (على ~~يوسف) لأنه علم بحياته، وخاف على دينه ". # وقيل: إنما حزن (ند) ما على تسليمه لإخوته، وهو صبي، والحزن PageV05P3618 # ليس بمحظور. ms1196 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذ مات ولده إبراهيم: تدمع العين، ~~ويحزن القلب، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ". # وقال له أولاده: {تالله تفتؤا تذكر يوسف} أي: لا تزال تذكره. ولا تفتر من ~~حبه. # {حتى تكون حرضا}: أي، ذا جهد، وهو المريض البال (ي). # وقال قتادة: حرضا هرما. # وقال ابن زيد: الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر، حتى لا يعقل. PageV05P3619 # وقال الفراء: الحرض: الفاسد الجسم، والعقل. # (و) قال أبو عبيدة: الحرض: الذ [ي] أذابه الحزن. # {أو تكون من الهالكين}: أي: من الموتى. # قال يعقوب لهم جوابا لقولهم: {إنمآ أشكو بثي} أي: همي وحزني: # وحقيقة البث في اللغة: هو ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة، التي ~~لا يمكنه إخفاؤها، وسميت المعصية بثا مجازا، وهو من بثثته، أي فرقته. # وروي أن يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على وجنتيه، فكان يرفعهما بخرقة. فقال ~~(له) رجل: ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان. فأوحى الله ~~عز وجل إليه: يا يعقوب تشكوني قال: خطيئة، فاغفرها، PageV05P3620 # فغفرها الله عز وجل له. # فما كان إذا سئل إلا قوله {إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله} - الآية # وقوله: {وأعلم من الله ما لا تعلمون}: قال قتادة: " ذكر لنا أن يعقوب لم ~~ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله ( عز وجل) من ورائه ". # قوله: {يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} إلى قوله: {وهو أرحم ~~الراحمين}، المعنى، أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى ~~(ال) موضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف. # {ولا تيأسوا من روح الله}: أي: " لا تقنطوا من أن يروح الله عنا ما نحن ~~فيه من الحزن. PageV05P3621 # {إنه لا ييأس من روح الله}: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه ~~إلا الكافرون. # قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله. # قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، ~~فيسألوا عنه، وعن مذهبه. # وروى ابن لهيعة ms1197 " يرفعه إلى " (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتابا إلى ~~يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم / من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ~~بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك. فإني أحمد ~~الله إليك، الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب ~~البلاء: أما جدي إبراهيم PageV05P3622 # خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه بردا)، وسلاما، وأمر أن ~~يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه له. وأما أنا فكان لي ابن من أحب ~~الناس إلي، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحتى له ظهري. وأخوه المحبوس عندك ~~في السرقة. وإني أخبرك: إني لم أسرق، ولم ألد، سارقاص، فاحذر دعوتي فإنها ~~مستجابة عليك. وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد ~~علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام. # قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاء شديدا، وصاح ~~بأعلى صوته: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني ~~بأهلكم أجمعين} [يوسف: 93]: فكان البشير إليهم يهوذ [ا] ابن يعقوب. وقيل: ~~إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب PageV05P3623 # ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولأن قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه. # قوله: {فلما دخلوا عليه}. وفي الكلام حذف. والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما ~~دخلوا على يوسف، قالوا: {يا أيها العزيز} أي: الممتنع: {وأهلنا الضر}: من ~~الشدة، والجدب. فخضعوا له، وتواضعوا. # قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز ~~لهم فيها، فقالوا: {وجئنا ببضاعة مزجاة}: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام ~~إلا بالمسامحة. # قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف. # وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير. PageV05P3624 # " مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه ~~قال مزجاة تحتقر في كل مكان. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر. ~~والبطم: هو الحبة الخضراء. # {فأوف لنا الكيل}: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن ~~على البائع. # وقيل: ms1198 أتوا بالسمن، والصوف. # وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر. # وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها ~~بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد. يقال: فلان يزجي العيش: أي: PageV05P3625 # يدافع وعن مالك رضي الله عنه أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع. واحتج ~~(مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: {فأوف لنا الكيل}. # ثم قال: {وتصدق علينآ}: أي تفضل علينا، ما بن الجياد والرديئة. # وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا. PageV05P3626 # {إن الله يجزي المتصدقين} أي: يثيب المتفضلين. # وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء. فقيل: إنها كانت حلالا، ثم حرمت ~~على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: ك (انت) حراما على جميع الأنبياء. # (وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها. # وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: {وتصدق علينآ}: أي: تصدق علينا برد أخينا ~~إلينا، قاله ابن جريج. # قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف / على يوسف. وكان أكبرهم إذا PageV05P3627 # غضب قامت شعرة (من عنده)، وانبعثت دما فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد ~~يعقوب. قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعث الشعرة دما، أمر يوسف ~~أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرة، فعند ذلك ~~تعارفوا. # قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكرم، فقالوا: {وتصدق علينآ} ~~غلبته نفسه، فارفض دمعه باكيا، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): {هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون}: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون. # وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: {أءنك لأنت يوسف} فقال: نعم ~~{أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينآ} بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا. {إنه ~~من يتق PageV05P3628 # (الله) ويصبر}: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن. # قال ابن إسحاق: لما قال لهم: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه}. # كشف لهم عن الخطأ فعرفوه. # {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا}: أي: فضلك بالعلم والحلم. # وما كنا في فعلنا ms1199 إلا خاطئين. يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالما ~~[بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئا، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ. قال لهم ~~يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم}: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني ~~وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة. ولكن لكم عندي العفو والصفح. # {لا تثريب عليكم}، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: {اليوم يغفر الله لكم} على PageV05P3629 # الدعاء، وعند نافع وغيره: {عليكم اليوم}: التمام. وهو أحسن وأبين. # قوله: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي} إلى قوله {ما لا تعلمون} # المعنى: أن يوسف لما أعلم إخوته بنفسه سألهم عن حال أبيهم، فقالوا: ذهب ~~بصره من الحزن، فعند ذلك أعطتهم قميصه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيهم. # {يأت بصيرا}: أي: يعد بصيرا. # {وأتوني بأهلكم أجمعين}: أي: جيئوني بهم. # قيل: إن القميص كان من الجنة كساه الله عز وجل إبراهيم حين ألقي في ~~النار. # وقوله: {ولما فصلت العير} أي خرجت من مصر، يعني: عير بني PageV05P3630 # يعقوب. # ذكر أن الريح استأذنت ربها في أي تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه ~~البشير، فأذن لها، فأتته [به] من مسيرة ثمان ليال، فقال: {إني لأجد ريح ~~يوسف}. # وقوله: {لولا أن تفندون}، (أي): تسفهون، فتقولون: ذهب عقلك. # وقيل: معناه: لولا أن تكذبون، قاله السدي، والضحاك. # {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم}، أي: في خطئك. # قال له ذلك من بقي من ولده. PageV05P3631 # ثم قال تعالى: مخبرا لنا عن حال يعقوب إذ جاءه البشير بأمر يوسف: {فلمآ ~~أن جآء البشير ألقاه على / وجهه فارتد بصيرا}: وكان البشير يهوذا أخا يوسف ~~لأبيه صلى الله عليه وسلم. # قال السدي: لما قال يوسف {اذهبوا بقميصي هذا}. قال يهوذا بن يعقوب: أنا ~~ذهبت إلى يعقوب بالقميص، ملطخا بالدم، وقلت له: إن يوسف أكله الذئب. فالآن ~~أذهب أنا بالقميص، فأخبره أنه حي، فأفرحه كما أحزنته. # قوله: {ألقاه على وجهه}: أي: (ألقى) القميص على وجه يعقوب، فعاد بصره، ~~بعدما كان عمي. فقال لمن حضره من ولده: PageV05P3632 # {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ms1200 (ما لا تعلمون)} إنه سيرد علي ولدي يوسف ~~ويجمع بيني وبينه، وأنتم لا تعلمون من ذلك شيئا. # وروي أن يعقوب قال للبشير: " هون الله عليك غصص الموت "، كأنه استقال له ~~أن يكافأه بشيء من عرض الدنيا. # وروي أيضا عن سفيان، أنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب، قال له يعقوب: ~~على أي دين تركته؟ قال: (على دين) الإسلام، قال يعقوب: ألآن تمت النعمة ~~وروي أنه لما التقى يوسف ويعقوب بأرض مصر، قال له يوسف: يا PageV05P3633 # أبت بلغني (عنك) أنك بكيت علي حتى ذهب بصرك، وحزنت حتى انحط ظهرك. قال ~~يعقوب: قد كان ذلك يا بني. قال له يوسف: أفما كانت القيامة تجمعني وتجمعك؟ ~~قال يعقوب: بلى، ولكن تخوفت أن تبدل دينك فلا تلقني. # قوله: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنآ} إلى قوله: {العليم الحكيم} ~~المعنى: قال له ولده: يا أبانا! أستغفر لنا ذنوبنا، أي: اسأل الله يستر ~~علينا (ذنوبنا). # {إنا كنا خاطئين}: أي: في فعلنا. قال لهم يعقوب: {سوف أستغفر لكم ربي إنه ~~هو الغفور الرحيم}، قيل: إنما أخر الاستغفار (لهم) إلى السحر. # وقيل: أخره إلى صلاة الليل، (و) قيل: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة. PageV05P3634 # روي ذلك عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعنى {إنه هو الغفور الرحيم}: هو الستار ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم ~~أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها إليه. # روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: إن الله ( عز وجل) لأ لما ~~جمع ليعقوب شمله، وأقر عينه، تذكر إخوة يوسف ما صنعوا بأخيهم، وبأبيهم (و) ~~قالوا: إن كنا قد غفر لنا ما صنعنا، فكيف (لنا) بعفو ربنا؟ فاجتمعوا، وأتوا ~~الشيخ. ويوسف إلى جنب أبيه، وقالوا: يا أبانا! أتيناك في أمر لم نأتك في ~~مثله قط. فرحمهم الشيخ، والأنبياء أرحم البرية، فقال: ما بكم يا بني؟ قالوا ~~له: قد علمت ما كان PageV05P3635 # منا إليك، وإلى أخينا يوسف، وقد غفرت مالنا، وعفوكما لا يغني عنا شيئا إن ~~كان الله ( عز وجل) لم ms1201 يعف عنا. ونريد أن تدعو الله (لنا). فإذا جاءك الوحي ~~بأنه قد عفا عنا قرت أعيننا وإلا فلا قرت لنا عين في الدنيا. فقام الشيخ، ~~واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. فدعا، ~~وأمن يوسف، فلم يجب فيهم إلى عشرين سنة. فلما كان رأس / العشرين سنة نزل ~~جبريل على يعقوب، فقال له: إن الله عز وجل، بعثني إليك، (أبشرك) بأنه قد ~~(أ) جاب دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا. # وقوله: {ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين} إنما قال لهم يوسف ذلك بعد أن ~~دخلوا عليه، وآوى يوسف إلى أبويه. فمعنى ذلك أن يوسف تلقى أباه، تكرمة له، ~~قبل دخوله مصر، فآوى يوسف إلى أبويه: أي: ضمهما وقال لأبيه ومن معه: ~~{ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين}. # " كما ورد (أنهم) قاموا عشرين سنة، لا يقبل ذلك منهم، حتى لقي جبريل ~~يعقوب، عليهما السلام. فعلمه هذا الدعاء " يا رجاء المؤمنين! لا تخيب ~~رجائي، يا غوث المؤمنين أغثني، يا حبيب التائبين علي، فاستجيب لهم. قال لهم ~~يوسف ذلك بعد أن PageV05P3636 # دخلوها عليهم، لأنهم (فيما) ذكر السدي: تحملوا إلى يوسف بأهليهم وعيالهم، ~~لأنه قال لهم: {وأتوني بأهلكم أجمعين} [يوسف: 93] فلما قربوا من مصر كلهم ~~يوسف الملك الذي فوقه، أن يخرج هو والمل (و) ك معه يتلقونهم. فلما دنا يوسف ~~من يعقوب، ويعقوب يتمشى، وهو يتكئ على يهوذا ولده. # بدأه يعقوب بالسلام، وقال: السلام عليك يا ذاهبا بالأحزان عني. PageV05P3637 # وقيل: إن قوله إن شاء الله إنما هو استثناء من قول يعقوب لبنيه: {سوف ~~أستغفر لكم ربي} {إن شآء الله آمنين}، ففي التلاوة تقديم وتأخير. وهو قول ~~ابن جريج. # فأما قوله: {ورفع أبويه على العرش} فإن السدي، قال: هما أبوه وخالته، ~~وذلك أن أم يوسف ماتت، فتزوج يعقوب [بعدها] أختها، وهي خالة يوسف. # وقال ابن إسحاق: هما أبوه وأمه، ولم تكن أمه ماتت. وهذا القول اختيار ~~الطبري. # ومعنى: {آمنين}: أي آمنين مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط. ~~والعرش: السرير في ms1202 قول السدي، ومجاهد، والضحاك وقتادة، وابن عباس. وقال ابن ~~زيد: هو مجلسه. PageV05P3638 # وقوله: {وخروا له سجدا}: قيل: المعنى إن أبا يوسف وأمه (وإخوته) خروا ~~سجدا ليوسف. وكان تحية القوم في ذلك الوقت السجود، قاله سفيان، وابن جريج، ~~والضحاك، وقتادة، وهو مثل: " السلام عليكم " في هذه الأمة. جعل لهم عوضا من ~~السجود الذي كان تحته من قبلهم. # وقيل: كان ذلك انحناء، ولم يكن سقوطا على الأرض. جعل الله منه السلام، ~~والمصافحة عوضا، كرامة من الله عز وجل لهذه الأمة، وهي تحية أهل الجنة. # وقال ابن سحاق: الهاء في " له " لله، والمعنى: خروا لله سجدا. وقوله: ~~{هذا تأويل رؤياي من قبل}: أي: قال يوسف لأبيه: يا أبت! هذا السجود الذي ~~سجدتموه لي الساعة، (هو) تأويل ما رأيته، وأنا صبي: إذ رأيت أحد عشر PageV05P3639 # كوكبا، والشمس والقمر ساجدين لي: فالأحد عشر (كوكبا) إخوته، والشمس أمه، ~~والقمر أبوه. {قد جعلها ربي حقا}: وكان بين رؤيا يوسف، وتأويلها أربعون ~~سنة. وقيل: ثمانون سنة، قاله الحسن، قال: كان بين أن فارق يعقوب يوسف (إلى ~~أن اجتمعا ثمانون سنة)، لم يفارق الحزن قلب يعقوب، ولا الدمع خديه، ولم يكن ~~على وجه الأرض يومئذ عبد أحب إلى الله عز وجل، من يعقوب. وألقى يوسف في ~~الجب، وهو ابن سبع / عشر [ة] سنة، ومات بعد التقائه بيعقوب بثلاثة وعشرين ~~سنة. ومات يوسف، وهو ابن مائة واثنتين وعشرين سنة. # وقال ابن إحاق: كان بين افتراق يوسف، إلى أن اجتمعا، ثماني PageV05P3640 # عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أن مدة الافتراق بينهما أربعون سنة. وأن ~~يعقوب بقي مع يوسف بعد أن اجتمع به سبع عشر [ة] سنة، ثم قبضه الله عز وجل ~~إليه. # قوله: {وقد أحسن بي}: معناه: أحسن الله بي، إذ أخرجني من السجن، وفي ~~مجيئه بكم من البدو. وكان مسكن يعقوب وولده في قول قتادة بأرض كنعان: أهل ~~مواش وبرية والبدو مصدر: بدا فلان، إذا صار بالبادية. # وروى أهل التواريخ أن يعقوب عليه السلام دخل مصر يوم دخلها هو، وأولاده، ~~وأهلوهم، ms1203 وبنوهم ف أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا، إذ أخرجهم فرعون، ~~وهم أكثر من ستمائة ألف، فقال فرعون: PageV05P3641 # {إن هؤلاء لشرذمة قليلون} [الشعراء: 54]. # وقال ابن مسعود: " دخل بنو إسرائيل مصر، وهم ثلاثة وستون إنسانا، وخرجوا ~~منها وهم ستمائة ألف ". # وحكى الطبري، وغيره أن يعقوب إنما سمي إسرائيل، لأن أخاه العيص تواعد (ه) ~~بالقتل، فخرج فرارا منه، فسرى الليل، وكمن النهار. فسمي إسرائيل، لسريه ~~بالليل. # وقيل: إن إسرائيل اسم عبراني تفسيره: عبد الله. # وروى عاصم العمري أن يعقوب (على نبينا) عليه السلام، قال: يا رب! أذهبت ~~بصري، وأذهبت ولدي، فما ترحمني؟ قال: بلى، وعزتي! إني لأرحمك، ولأردن عليك ~~بصرك، ولو كنت أمت ولدك، لأردنه عليك. إنما ابتليتك بهذه البلية أنك ذبحت PageV05P3642 # جملا، فوجد جارك ريحه فلم تطعمه منه. فكان منادي آل يعقوب إذا أصبح نادى ~~في الناس: من كان مفطرا فليتغد عند آل يعقوب، ومن كان منكم صائما فليفطر ~~عند آل يعقوب. # قوله {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث} - إلى قوله - ~~{بالصالحين} قوله: {من الملك}، و {من تأويل (الأحاديث)}. # {من}: فيهما للتبعيض، على معنى: آتيتني بعض الملك، وعلمتني بعض التأويل. ~~وقيل: " من " لا تؤنث الجنس، فيكون المعنى: قد آتيتني الملك، (وعلمتني ~~تأويل الأحاديث) مثل: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج: 30]: لم يؤمروا ~~باجتناب بعض الأوثان دون بعض، ولكن المعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو الوثن. PageV05P3643 # والمعنى: أن يوسف صلى الله عليه وسلم قال بعدما جمع الله ( عز وجل) بينه ~~وبين أبويه وإخوته. وتذكر ما بسط له من الدنيا والكرامة. # {رب قد آتيتني من الملك}: أي: ملك مصر. # {وعلمتني من تأويل الأحاديث} يعني: عبارة الرؤيا، تقديرا لنعم الله عز ~~وجل عليه، وشكرا له. # {أنت وليي في الدنيا والآخرة}: أي: أنت تثيبني في دنياي بنصرك على من ~~عاداني، / وأرادني بسوء. وتثيبني في الآخرة بفضلك. ثم إنه صلى الله عليه ~~وسلم لما أمره في دنياي قد تناهى في التمام، علم أنه لا يكون بعد التميم ~~إلا النقص والزوال، لأنها دار زوال. قال: ms1204 فسأل الله أن يقبضه على الإسلام، ~~ويلحقه بآبائه الصالحين، فقال: {توفنى مسلما وألحقني بالصالحين}. PageV05P3644 # قال ابن عباس: لم يتمن أحد من الأنبياء الموت قبل يوسف. # وذكر السدي أن يعقوب مات قبل يوسف، وأوصى إلى يوسف بأن يدفنه عند قبر ~~أبيه إسحاق. وكان قبر إسحاق بالشام. فلما مات عمل ما أمر، وحمل إلى الشام. ~~فلما بلغوا (إلى) ذلك المكان، أقبل عيص أخو يعقوب، فمنعهم أن يدفنوه. ثم ~~قال هشام (بن دان) بن يعقوب لبعض من كان بالحضرة: ما لكم لا تدفنون جدي؟ ~~وكان هشام أصما. فقيل له: إن عيصا أخاه يمنعه من ذلك. فقال: أرونيه، فأروه ~~إياه، فضربه ضربة (تساقطت) عيناه على لحد يعقوب، فدفنا في قبر واحد. PageV05P3645 # قوله: {ذلك من أنبآء الغيب} إلى قوله {وهم عنها معرضون} # معنى الآية: أن الله ( عز وجل) يقول لنبيه عليه السلام (إن) الذي اقتصصنا ~~عليك من خبر يوسف، ويعقوب من أخبار الغيب الذي لم تشاهدها، ولا عاينتها يا ~~محمد. # ثم قال: {وما كنت لديهم}: أي عند إخوة يوسف {إذ أجمعوا أمرهم} على إلقاء ~~يوسف في الجب. وهو مكرهم بيوسف. # ثم قال (تعالى) {ومآ أكثر الناس} يعني: مشركي قريش بمؤمنين، ولو حرصت على ~~إيمانهم، ولكن الله ( عز وجل) يهدي من يشاء. # (ثم قال تعالى): {وما تسألهم عليه من أجر}: أي: لست تسأل قريشا يا محمدا ~~أجرا) على دعائك إياهم إلى الإيمان. فيقولون لك: إنما تريد بدعائك PageV05P3646 # إيانا إلى الإيمان أخذ أموالنا، وإذا كان حالك أنك لا تريد منهم جزاء، ~~فالواجب عليهم أن يعلموا أن دعاءك لهم نصيحة منك لهم، وأتباعا لأمر ربك. # {إن هو إلا ذكر للعالمين}: أي: ما الذي أرسلك به ربك إلا عظة للعالمين. # ثم قال (تعالى): {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها}: المعنى ~~وكم يا محمد من علامة، ودلالة، وعبرة، وحجة في السماوات والأرض: كالشمس، ~~والقمر، والنجوم، والجبال (والبحار) والنبات، وغير ذلك من آيتهما ~~يعاينونها، فيمرون عليها، وهم معرضون، لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون بها. ~~وفيما دلت عليه من توحيد ms1205 خالقها عز وجهه. PageV05P3647 # وقرأ السدي: {والأرض يمرون عليها} (بالنصب). # (و) الوقف على هذه القراءة، على [السماوات] تمام. # [و] النصب على إضمار فعل بمنزلة: " زيد أنزلت عليه "، كأنه قال: # ويغشون (الأرض) يمرون عليها، أو " ويلامسون الأرض " يمرون عليها، وشبه ~~ذلك من الإضمار. وهو مثل {والظالمين أعد لهم عذابا أليما} [الإنسان: 31]. # وذكر الأخفش رفع " الأرض " على الابتداء، ويكون على / " السماوات " حسنا ~~أيضا على هذا. # وقد تقدم القول في {وكأين} [آل عمران: 146] من آل عمران. PageV05P3648 # وقد ذكر الفراء أن " كائن " على قراءة ابن كثير: فاعل من " الكون " فيحسن ~~الوقف على " النون "، لأنها لام الفعل. # وذكر الأخفش أن قوله: {سبيلي أدعو إلى الله} [يوسف: 108]: تمام، وتابعه ~~على ذلك أبو حاتم، وهو مروي عن نافع. ويبتدأ: {على بصيرة أنا ومن اتبعني} ~~[يوسف: 108] فيكون " أنا " ابتداء، والمجرور: الخبر. # وقال عبيدة: {أنا} [يوسف: 108] تأكيد للضمير في {أدعو} [يوسف: 108]، ~~فتكون {على بصيرة} [يوسف: 108] متصلا بأدعو، ويكون التمام على هذا: ~~{المشركين} [يوسف: 108]. # قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله} إلى قوله: {ومآ أنا من المشركين} المعنى: ~~وما يقرأ أكثرهم، ولا الذين وصف إعراضهم عن الآيات بالله ( عز وجل) ، أنه ~~خالفهم، ورازقهم {إلا وهم مشركون} به: في عبادتهم الأوثان من دون الله PageV05P3649 # (سبحانه)، وفي زعمهم أن له ولدا. تعالى الله عن ذلك. # قال ابن عباس: إذا سألتهم من خلقكم؟، وخلق الحبال والبحار؟ قالوا: الله ~~وهم يشركون به. # قال ابن زيد: ليس لأحد يعبد مع الله (سبحانه) غيره إلا وهو مؤمن بالله، ~~ولكنه يشرك به. # ثم قال جل ذكره: {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب (الله)} (والمعنى: ~~أفأمن هؤلاء الذين يشركون بالله أن تأتيهم غاشية من عذاب الله). ومعنى " ~~الغاشية " المجللة: يجللهم عذابها، ومنه {هل أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: ~~1]. # {أو تأتيهم (الساعة) بغتة}: أي: فجأة، وهم مقيمون على كفرهم، PageV05P3650 # وشركهم. # ثم قال تعالى: {قل هذه سبيلي} الآية والمعنى: قل لهم يا محمد: هذه الدعوة ~~التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله عز ~~وجل، أدعوكم إلى الله [سبحانه] على ms1206 بصيرة أي: على منهاج ظاهر، ويقين {أنا ~~ومن اتبعني}. # ثم قال: {وسبحان الله}: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: تنزيها لله من ~~شرككم، {ومآ أنا من المشركين}. # قوله: {ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} إلى قوله {المجرمين}: ~~والمعنى: ألم نرسل قبلك يا محمد إلا رجالا يوحى إليهم بالأمر، والنهي، ~~والدعاء إلى توحيد الله ( عز وجل) ، وهم {من أهل القرى}، أي: من أهل ~~الأمصار دون أهل البوادي. أي: لم نرسل نبيا، ولا ملائكة. # ثم قال (لهم): {أفلم يسيروا في الأرض}، أي: أفلم يسر المشركون في PageV05P3651 # الأرض، فيعتبرون بمن كان قبلهم من الأمم، الذين كذبوا رسلهم، ويخافون أن ~~يهلكوا بذنوبهم كما هلك من كان قبلهم. # ثم قال: {ولدار الآخرة خير}: أي: الجنة خير لهم لو آمنوا من دار الدنيا. # ثم قال تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل} الآية، ومعنى الآية: أنها مردودة ~~على ما قبلها، وهو قوله (تعالى): {ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى} فالمعنى: حتى إذا استيأس الرسل الذين تقدم ذكرهم، من إيمان ~~قومهم، وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. جاء الرسل نصرنا. فيكون الفعلان " ~~للرسل / " والضمير ان في " أنهم "، وجاءهم للرسل أيضا، هذا على قراءة من ~~شدد " كذبوا. قال هذا التفسير: الحسن، وقتادة وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، ~~وهو أن يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم (من) قومهم، ~~وظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم، لما لحقهم من البلاء والامتحان، جاء ~~الرسل نصرنا. # (وهذا المعنى مروي من عائشة رضي الله عنها: (روى عروة عنها أنها) قالت: ~~محن المؤمنين بالبلاء، والضر حتى ظن الرسل أن المؤمنين قد كذبوهم لما لحقهم ~~فيكون الظن بمعنى: الشك لا بمعنى اليقين. # فأما المعنى على قراءة من خفف " كذبوا " فعلى تقدير: حتى إذا استيأس ~~الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا: أي: أخلفوا لما وعدوا ~~به من النصر. جاء الرسل نصرنا. فيكون الظن بمعنى: اليقين، وبمعنى: الشك، ~~وتحتمل هذه القراءة أيضا ms1207 معنى آخر، وهو أن يكون التقدير: {حتى إذا استيأس ~~الرسل} من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم. ثم رد إلى ما لم يسم ~~فاعله. PageV05P3652 # وقد قرأ مجاهد " كذبوا " بفتح الكاف والتخفيف، ومعناه: وأيقن الرسل أن ~~قومهم قد كذبوا في ردهم على الرسل. # وقيل: الظن بمعنى: الشك، وهو للمرسل إليهم. والمعنى: وظن المرسل إليهم أن ~~الرسل كذبوا فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله، ( عز وجل) ، وفيما وعدهم به ~~من النصر عليهم، والانتقام منهم. # وقيل: معناه: حتى إذا استيأ الرسل من عذاب الله (سبحانه) قومها المكذبين ~~لها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا، وافتروا على الله، (سبحانه)، بكفرهم، ~~جاء الرسل نصرنا. PageV05P3653 # فالظن على هذا بمعنى اليقين. وقيل: المعنى: استيأس الرسل أن يأتي قومهم ~~العذاب، قال (ه) مجاهد. وعن ابن عباس أن المعنى: PageV05P3654 # وظن الرسل أنهم قد كذبوا واستشهد على ذلك بقول نوح: {إن ابني من أهلي وإن ~~وعدك الحق} [هود: 45]، وبقول: إبراهيم، {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم ~~تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] (فيكون) الظن بمعنى الشك. ~~كأن الرسل دخلها شك كما يدخل سائر الخلق. وهذا تأويل فيه رجاء عظيم ~~للمؤمنين، وفيه صعوبة لما أضيف إلى الرسل من الشك، والله أعلم بذلك كله. # وعن ابن عباس أيضا في معنى ظن الرسل أنهم أخلفوا، وهو المعنى المتقدم. ~~قال ابن عباس: كانوا بشرا، يريد أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري البشر. # وروى ابن الزهري: (عن عروة بن الزبير) أنه سأل عائشة رضي الله عنها، عن ~~هذه الآية، PageV05P3655 # وقرأها بالتشديد، وقال: قلت لها: قد استيقن (الرسل) أن قومهم قد ~~(كذبوهم)، فقال (ت): أجل، قد استيقنوا ذلك. قلت: فلعلعل، وظنوا أنهم قد ~~كذبوا بالتخفيف. فقالت معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها. قال: قلت: ~~فما هذه الآية؟ فقالت / هم اتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم، وطال ~~عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ظن (من كذب بهم من ~~قومهم)، أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله ms1208 عند ذلك. # ومعنى: {فنجي من نشآء}، (أي): ننجي الرسل، ومن نشاء من عبادنا المؤمنين. ~~وقوله: {لقد كان في قصصهم عبرة} إلى آخر السورة المعنى: لقد كان في خبر ~~يوسف وإخوته عبر لأهل الحجى، والعقول، يعتبرون بها، ويتعظون: كل هذا مخاطبة ~~(ل) قريش، وتنبيه لهم على لطائف الله (سبحانه) في خلقه، PageV05P3656 # وصنعه، إذ ملك (يوسف صلى الله عليه وسلم ملك) مصر بعد أ (ن) بيع بالثمن ~~الخسيس، وبعد طول حبسه، ثم جمع بينه وبين أبويه وإخوته. # {ما كان حديثا يفترى}: أي: ليس لما قصصنا عليك (يا محمد) من خبرهم حديثا ~~يختلق. # {ولكن تصديق الذي بين يديه}: أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد من خيرهم ~~مصدق لما في التوراة، والإنجيل، والزبور، وشاهد له أنه حق كله. # ثم قال: {وتفصيل كل شيء}: أي: تفصيل كل ما بالعباد إليه الحاجة، من بيان ~~أمر الله ( عز وجل) ونهيه وحلاله وحرامه. # {وهدى} لمن آمن به {ورحمة}. والتقدير في نصبه {تصديق} و {تفصيل} إنه على ~~أضمار {كان} أي: ولكن كان {تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة}: ~~كله PageV05P3657 # نصب، عطف على خبر كان المضمرة. # ويجوز الرفع في جميع ذلك في الكلام على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين ~~يديه، وتفصيل (كل شيء)، ورحمة. # فإذا نصبت أضمرت كان، وفيها اسمها مضمر. وإذا رفعت أضمرت هو لا غير. PageV05P3658 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الرعد : (مكية، وقيل: مدنية) # قال ابن جبير، ومجاهد: هي مكية. # وقال قتادة: هي مدنية إلا آية واحدة، قوله: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم ~~بما صنعوا) # [32] وعنه: إلا قوله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) [32]، فإنه نزل ~~بمكة. PageV05P3659 # وسئل ابن جبير عن قوله: (ومن عنده علم الكتاب): أهو عبد الله بن سلام؟ # فقال: كيف يكون عبد الله بن سلام، والسورة مكية وابن سلام إنما أسلم ~~بالمدينة. # قوله: {المر} إلى قوله: {توقنون} قال ابن عباس معناها: أنا الله أرى، ~~وقيل: معناه: أنا الله أعلم، وأرى. # وقوله: {المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك (من ربك ms1209 الحق)} المعنى: يا ~~محمد تلك الآيات التي قصصت عليك خ [برها] هي آيات الكتاب التي أنزلت قبل ~~هذا الكتاب، (الذي أنزلته إليك). أعني: بذلك: التوراة والإنجيل، قاله ~~قتادة، PageV05P3660 # ومجاهد. # وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن. # ثم ابتدأ فقال: {والذي أنزل إليك من ربك الحق} على وجه الإخبار لمحمد ( ~~صلى الله عليه وسلم) أن الذي أنزل إليه، نزله الله عليه هو حق. فعلى هذا ~~المعنى تقف على الكتاب، وعلى القول الأول، لا تقف عليه لأن الإخبار عن / ~~الكتب الثلاثة أنها حق. # ثم قال (تعالى): {والذي أنزل إليك من ربك الحق} أي: وهذا القرآن الذي ~~أنزل إليك من ربك يا محمد! هو الحق أيضا. فاعمل بما فيه، واعتصم به. # قاله قتادة، ومجاهد، فيكون على هذا القول (الكتاب): تمام حسن، ويكون " ~~الذي " (مبتدأ والحق خبره. فإن قد أن " الذي " في موضع خفض على معنى: PageV05P3661 # وآية {والذي أنزل إليك من ربك}، كان الوقف على (ربك). وتبتدأ الحق، ~~وترفعه على إضمار مبتدأ: أي: هو الحق، وذلك الحق. # ثم قال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} (أي: لا يؤمنون) بعد وضوح ~~الحق بهذه الآيات. # ثم قال تعالى: {الذي رفع السماوات} الآية. المعنى: أنه أخبرنا تعالى ذكره ~~أن من آياته أن رفع السماوات، فجعلها سقفا للأرض {بغير عمد} مرئية، فهي على ~~عمد، ولكنها لا ترى، فيكون " ترونها " نعتا للعمد. والهاء والألف تعود على ~~العمد، هذا قول ابن عباس وعكرمة، (وهو قول مجاهد). وفي مصحف أبي PageV05P3662 # " ترونه "، رده على العمد. فهذا يدل على أن لها عمدا لا ترى. قال أبو ~~محمد: وأقول إن عمدها القدرة، فهي لا ترى. # قال ابن عباس: عمدها قاف الجبل الأخضر. # وقال قتادة: ليستعلى عمد، بل خلقها عز وجل، بغير عمد، وهو أولى بظاهر ~~النص، وأعظم في القدرة، ودل عليه قوله: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا} [فاطر: 41]: فهذا يدل على أنها غير عمد يمسكها، ولو كان لها عمد لم ~~يمسكها العمد حتى يعتمد العمد على شيء آخر إلى ما لا نهاية ms1210 له. فالقدرة ~~نهاية ذلك كله. فيكون " ترونها " على هذا القول [حا] لا من السماوات: (أي: ~~خلق السماوات مرئية بغير عمد. PageV05P3663 # وتكون " الهاء " و " الألف " تعود على السماوات)، فإذا رجع [الضمير] على ~~العمد احتمل أن يكون المعنى: بغير عمد مرئية البتة، فلا عمد لها. # ويحتمل أن يكون المعنى: بغير (عمد) مرئية لكم: أي: لا ترون العمد. وثم ~~عمد لا ترى، وإذا رجع الضمير على " السماوات " فلا عمد ثم البتة. # ثم قال تعالى: {ثم استوى على العرش} أي: علا عليه علو قدرة، لا علو مكان. # ثم قال (تعالى): {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} أي: لوقت معلوم، ~~وذلك إلى فناء الدنيا، وقيام الساعة. فتكور الشمس حينئذ، ويخسف القمر، ~~وتنكدر النجوم التي سخرها في السماء لصالح عباده ومنافعهم فيعلمون PageV05P3664 # بجريها عدد (السنين) والحساب، والأوقات، ويفرقون بين الليل والنهار. ودل ~~تعالى بذلك أنها مخلوقات. إذ كل مدبر مملوك مقهور، لا يملك لنفسه نفعا ~~فيخلصها مما هي فيه. # ثم قال تعالى: {يدبر الأمر}: أي: بحكمه وحده بغير شريك، ولا ظهير. ومن ~~الأمر الذي دبره: خلق السماوات [ب] غير عمد، وسخر الشمس، والقمر والنجوم ~~فيهن. # ثم قال: {يفصل الآيات}: أي: يبين آياته في كتابه لكم، لتقوم بها عليكم ~~الحجة، إن لم تؤمنوا، ثم بين تعالى لم فعل هذا؟ فقال: {لعلكم بلقآء ربكم ~~توقنون}: أي: لعلكم تصدقون بوعده، ووعيده، وتزدجرون عن عبادة الأوثان. # قوله {وهو الذي مد الأرض} - إلى قوله - {يعقلون}: المعنى: أن الله، جل ~~ذكره، بعد / أن بين آية السماوات والأرض، أنه هو بسط الأرض PageV05P3665 # طولا وعرضا. # قيل: إنها كانت مدورة فمدت. # ثابتة: أي: جبالا، والرواسي جمع راسية، وهي الثابتة، وجعل فيها أنهارا ~~للسقي، والشرب، والعسل، وغير ذلك. # ثم قال تعالى: {وجعل فيها رواسى}: أي: نوعين، والزوج: الواحد الذي له ~~قرين، والزوج: الصنف، والنوع. # وقال أبو عبيدة، والفراء: والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى من كل صنف، ~~وهذا خلاف ظاهر النص، لأنه تعالى إنما ذكر الثمرات، ولم يذكر الحيوان. # فالمعنى: من كل الثمرات جعل صنفين حلوا وحامضا، ms1211 وأحمر وأبيض، ونحو ذلك ~~ودليله قوله: {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين} أي: خلق الأصناف كلها من ~~نبات الأرض ومن غيرها. # ثم قال: {يغشى اليل النهار}: أي: يلبس الليل النهار، فذلك كله فيه: آية ~~لمن تفكر فيه، واعتبر، فعلم أن العبادة لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأشياء، ~~ودبرها، دون PageV05P3666 # أن يملك ضرا، ولا نفعا. # ثم قال تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات} الآية والمعنى: وفي الأرض قطع ~~متدانيات، وتت [ف] اضل في النبات، فمنها قطعة سبخة، لا تنبت شيئا، وتجاوزها ~~قطعة طيبة تنبت. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. # وقيل: المعنى: وفي الأرض أمكنة متجاورة تسقى كلها بماء واحد، وهي مختلفة. ~~طعام النبات والثمر: بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها مر، وبعضها سباخ لا ~~تنبت شيئا. ففي ذلك مع اتفاق شرب جميعها من ماء واحد، دلالة على نفاذ قدرة ~~الله (تعالى)، وتعظيم سلطانه، و [ب] دائع تركيباته سبحانه. # وقيل: في (ال) كلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير PageV05P3667 # متجاورات، ثم حذف لعلم السامع. # وقيل: المتجاورات: المدن، وما كان عامرا، والتي غير متجاورات: الصحاري، ~~وما كان غير عامر. # وقوله ({صنوان وغير صنوان}: معنى: صنوان: النخلة، والنخلتان، والثلاث، ~~والأربع أصلهن واحد)، {وغير صنوان}: النخلة، والنخلتان، والأكثر كل واحدة ~~في أصل متفرق، قاله البراء بن عازب. # وقال ابن عباس: معنى: الصنوان: النخلة التي يخرج من أصلها النخلات، فيحمل ~~بعضه، ولا يحمل البعض. فيكون أصله واحدا، ورؤوسه متفرقة. # {وغير صنوان}: كل واحدة من النخل في أصل واحد. PageV05P3668 # ومعنى الآية عند الحسن، (رحمة الله عليه)، أنه مثل ربه الله [تعالى] ~~لقلبو بني آدم، وذلك أن الأرض كانت في يد الرحمن طينة واحدة، فبسطها، ~~وبطحها فصارت قط [عا] متجازات. فينزل عليها الماء، فتخرج هذه زهرتها، ~~وثمرتها، وشجرها، وتخرج هذه ملحها، وسبخها، وخبثها: وكلتاهما تسقى بماء ~~واحد. فلو اختلف (ت) مياهها لقيل: إنما وقع الاختلاف لأجل الماء، كذلك ~~الناس خلقوا من آدم. # وينزل عليهم من السماء ماءا: يذكرهم فترق قلوب، وتخشع قلوب / وتخضع، ~~وتقسو قلوب، وتلهو وتسهو. ms1212 # قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد، إلا قام من عنده بزيادة، أو نقصان. ~~دليله قوله: {وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا} [الإسراء: 82]. PageV05P3669 # قال أبو محمد، رضي الله عنه، هذه الآية نبه الله تعالى (فيها على) قدرته ~~وحكمته، وأنه المدير للأشياء كلها. وذلك أن الشجرة تخرج أغصانها، وثمارها ~~في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتجاوزه. فدل ذلك على مدبر فعل ذلك. إذ لا ~~يقدر الشجر على ذلك، ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علوا علوا، وليس من طبعه ~~إلا التسفل. فدل ذلك على مصدعه صعده، إذ لا يقدر الماء والشجر على ذلك، ثم ~~يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان، والثمرة كل بقسطه، وبقدر ما فيه صلاحه، ~~فدل ذلك على مقسم قسمه، ومجز جزأه على العدل والقوام. ثم تختلف طعوم ~~الثمرات والماء الواحد. والشجر جنس واحد. فدل ذلك على مدبر (دبر) ذلك، ~~وأحكمه لا PageV05P3670 # يشبه المخلوقات: فهذا وأشباهه يدل على توحيد الخالق بالعقول، وإفراده ~~بالقدرة على كل شيء وبالحكمة واللطف في أفعاله بالرسل. # إنما أكدت هذا الذي هو ظاهر للعقول من إيجاب التوحيد، وإثبات الصانع ما ~~بينت الرسل من الشرائع. # وكل القراء كسر الصاد من " صنوان "، إلا ما رواه (أ) بو شعيب: عن حفص، ~~(عن عاصم) أنه قرأ بضم الصاد فيهما. # وهي لغة (بني) تميم، وقيس. والكسر لغة أهل الحجاز، وواحده صنو PageV05P3671 # كقنوان، واحده. قنو، ونسوان: واحده نسوة، ولا يعتد بالهاء. # وحكى سيبويه " قنوان " بالضم. # ثم قال تعالى: {يسقى بمآء واحد}: (أي: يسقى ذلك بماء واحد) من السماء، ~~(و) بعضها يفضل بعضا في الأكل: كالحلو، والحامض، والمر. # قال ابن جبير: هي الأرض الواحدة يكون فيها الكوخ، والكمثري، والعنب ~~الأبيض، والأسود، ويكون بعضها أكثر في الحمل من بعض. # والأكل: الثمر الذي يؤكل. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}: أي: (إن) في اختلاف مطاعم ~~هذه الشجر على ما تقدم وصفه لآيات: لعلامات لقوم يعقلون فيستدلون على أن PageV05P3672 # الذي خالف بين هذه الشجر ms1213 في الطعم والماء واحد، والأرض واحدة: لهو الذي ~~يقدر على مخالفة أحوال خلقه، فيقسم لهذا هداية، ولهذا ضلالة، وتوفيقا لهذا، ~~وخذلانا لهذا. ولو شاء لسوى بين (جميع) طعم ثمر الشجر كله. كذلك لو شاء ~~[الله] لسوى بين جميع الخلق في الهداية، أو في الضلالة. # قوله: {وإن تعجب فعجب قولهم} - إلى قوله - {لشديد العقاب} المعنى: يا ~~محمد من هؤلاء المشركين، فعجب إنكارهم للبعث. # قال قتادة: عجب الرحمن من تكذيبهم البعث بعد الموت. # وقال ابن زيد: المعنى: أن تعجب يا محمد من / تكذيبهم لك، وقد رأوا قدرة ~~الله، عز وجل في الحياة، وفي جميع ما ضرب لهم به الأمثال، فعجبا إنكارهم PageV05P3673 # البعث. على معنى: فذلك من فعلهم مما يجب لكم أن تعجبوا منه. # وقد قرأ الكسائي {بل عجبت ويسخرون} [الصافات: 12] بضم التاء على أحد ~~المعنيين المذكورين. ثم أخبرنا الله، عز وجل، أن من أنكر البعث، بعدما بين ~~له من الآيات الدالات على قدرة الله، (سبحانه) فالأغلال في أعناقهم يوم ~~القيامة، وأنهم أصحاب النار خالدين فيها. # وقيل: الأغلال: أعمالهم، كما تقول للرجل عمل عملا سيئا: " هذا غل في عنقك ~~"، فسمي العمل السيء بالغل، لأنه سبب إلى الغل. # ثم قال تعالى: {ويستعجلونك بالسيئة (قبل الحسنة)} الآية. # والمعنى: يستعجلك يا محمد، مشركو قومك بالعذاب والعقوبة، قبل الرخاء PageV05P3674 # والعافية، فيقولون: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32]- ~~الآية وهم يعلمون ما حل بالأمم قبلهم من العقوبات وهو قوله: {وقد خلت من ~~قبلهم المثلات}: أي: العقوبات في الأمم الماضية على تكذيبهم الرسل، فهلك ~~قوم بالخسف، وقوم بالرجفة، وقوم بالغرق في أشباه لذلك من العقوبات. # قال قتادة: المثلات: وقائع الله، عز وجل في الأمم الماضية. # وقال الشعبي: المثلات: القردة والخنازير. # ثم قال تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم}: أي: لذو ستر على ~~ذنوبهم، وهم ظالمون. PageV05P3675 # {وإن ربك لشديد العقاب} (أي):، لمن مات مصرا على كفره. # ولما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا عفو الله، ~~ورحمته، وتجاوزه من هنأ لأحد عيش، ms1214 ولولا عاقبة، ووعيده، وعذابه لا تكل كل ~~واحد ". # وقال ابن عباس: ما في كتاب الله، ( عز وجل) آية أرجى من قوله: {وإن ربك ~~لذو مغفرة للناس على ظلمهم}. # (وقيل: المعنى) هو أن العبد يمحو الله بحسنته عشر سيئات، وإذا هم بالحسنة ~~كتب له، وإن لم يعملها. PageV05P3676 # قوله: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنمآ أنت منذر} إلى ~~قوله {المتعال} المعنى: أن الله عز وجل أخبرنا أن المشركين يقولون هلا أنزل ~~على محمد آية، تدل على نبوته، وهي قوله: {لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ~~ملك} [هود: 12]. # ثم قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام {إنمآ أنت منذر} لهم لا غير. ثم ~~قال تعالى: {ولكل قوم هاد}: أي: ولكل أمة هاد، يهديهم؛ إما إلى هدى، وإما ~~إلى ضلال، دليله قوله: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} [الأنبياء: 73]، ~~وقوله: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} [القصص: 41] # وقال قتادة: معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله (سبحانه). # فأنت يا محمد داعي هؤلاء. فمحمد، عليه السلام، هو الهادي، وهو المنذر. # وقال ابن جبير: الهادي هو الله، ( عز وجل) ، والمعنى: إنما أنت يا محمد ~~منذر، PageV05P3677 # ولكل قوم اهتدوا هاد يهديهم، وهو الله (تعالى). # (و) قال مجاهد: المنذر: النبي صلى الله عليه وسلم، والهادي / الله ( عز ~~وجل) ، وقال (ه) ابن عباس، والضحاك. # وقال أبو صالح: معناه: ولكل (قوم) قادة يقودونهم، إما إلى هدى، وإما إلى ~~ضلال. # وعن ابن عباس رضي الله عنه معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله تعالى. # ثم قال تعالى (جل ذكره): {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} الآية المعنى: إنه ~~ذكر عن قريش أنهم ينكرون البعث، فذكرهم بعلمه {ما تحمل كل أنثى}، وما يزيد ~~الرحم في حمله على التسعة أشهر، وما ينقص من التسع أشهر. وإن من علم هذا PageV05P3678 # قادر على إعادتكم بعد موتكم، لأن الابتداء أصعب من الإعادة. # {وكل شيء عنده بمقدار}: أي: قدره، ودبره، فلا تنكروا البعث بعد الموت. # وقال قتادة: {تغيض الأرحام}: هو ما يسقط من الأولاد قبل ms1215 التسعة. # وقال مجاهد: الغيض: النقصان، وذلك أن المرأة إذا أهرقت الدم، وهي حامل ~~(انتقص) المولود، وإذا لم تهرق الدم، عظم الولد وتم. وقال أيضا " (إذا ~~حاضت) المرأة في حملها كان (ذلك) نقصانا في ولدها. فإن زادت على تسعة أشهر ~~كان ذلك تماما لما نقص من ولدها. # وقال الحسن: الغيض أن تضع لثمانية أشهر، وأقل الازدياد أن تز (ي) د PageV05P3679 # على تسعة أشهر. # وعنه (أيضا) أنه قال: (الغيض الذي يولد لغير تمام، وهو السقط. والاز (د) ~~ياد: ما ولد لتمام كقوله: {مخلقة وغير مخلقة} [الحج: 5]: أي تامة وغير ~~تامة. # وقال ابن جبير: إذا حملت المرأة، ثم حاضت نقص ولدها، ثم تزداد في الحمل ~~مقدار ما جاءها الدم فيه، فتزيد على تسعة أشهر مثل أيام الدم. # وقال عكرمة: غيضها: الحيض على الحمل، {وما تزداد} قال: تزداد كل يوم ~~حاضته في حملها يوما طاهرا في حملها حت توفي عدة حملها، وهي طاهرة. # وعن مجاهد أيضا: غيضها دون التسعة أشهر، والزيادة فوق التسعة أشهر. ~~واجتمع العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. PageV05P3680 # واختلفوا في أكثره. فقال قوم: أكثه سنتان، وهو مروي عن عائشة (رضي الله ~~عنها). # وروي عن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان أنهما قاما كل واحد منهما في بطن ~~أمه سنتين. # وقال الليث بن سعد: أكثر الحمل ثلاث سنين. # وحكي أن مولاة لعمر بن عبد العزيز، (رضي الله عنه) حملت ثلاث سنين. # وقال الشافعي مدته: أربع سنين. PageV05P3681 # وروي عن مالك: مثل قول الشافعي (رضي الله عنه). # وروي أيضا عن مالك أنه قال: خمس سنين، وحكي عن امرأة ابن عجلان أنها كانت ~~تحمل خمس سنين. # وقال الزهري: المرأة تحمل ست سنين، وسبع سنين. # وقال قوم: لا يجوز التحديد (في هذا)، ومذهب الشافعي /، ومالك: أن الحامل ~~تحيض. # وقال عطاء، والشعبي، والحكم، وحماد، وغيرهم: الحامل PageV05P3682 # لا تحيض، ولو حاضت ما جاز أن تستبرئ الأمة بحيضة، واستبراء الأمة (بحيضة) ~~إجماع. فلا يعترض به على من أجاز حيض الحامل، لأن الأمة خرجت بالإجماع على ~~استبرائها بحيضة. ms1216 PageV05P3683 # ثم قال تعالى (جل جلاله): {عالم الغيب والشهادة}: أي: يعلم ما غاب عن ~~الأنظار، وما ظهر الكبير: أي: العظيم في ملكه. # {المتعال}: أي: المستعلي على جميع الأشياء بقدرته. # قوله: {سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به} - إلى قوله - {من وال} PageV05P3685 # قوله: سواء منكم، [هو مصدر]، مرفوع لأنه خبر ابتداء مقدم، ومن في ~~الموضعين رفع بالابتداء، (لأن) " سواء " يطلب اسمين،، و " من " الثانية ~~مرفوعة بالابتداء أيضا، والتقدير: وسواء، كما تقول: رجل عدل، أي: ذو عدل، ~~وتقول: سواء زيد وعمرو، أي: ذو سواء، زيد، وعمرو. إنما احتجت إلى هذا ~~الإضمار، لأن سواء مصدر ولا يرتفع، إذا كان الاسم بعده إلا على حذف، لأن ~~الخبر ليس هو الابتداء، إلا أن تضمر، فيكون الخبر هو الابتداء في المعنى، ~~ويكون فيه ذكر يعود على الابتداء، إلا أن تضمر، فيكون الخبر هو الابتداء في ~~المعنى، ويكون فيه ذكر يعود على الابتداء. وهذا في الحذف كما قالت الخنساء: ~~" فإنما هي إقبال وإدبار: أي: ذات إقبال وإدبار. وإن كان في موضع هذا ~~المصدر اسم فاعل، لم PageV05P3686 # يحتج إلى إضمار لأنه يكون هو الاسم المبتدأ، وليس المصدر هو الاسم ~~المبتدأ. وقد كثر استعمالهم " لسواء "، حتى جرى مجرى أسماء الفاعلين، ويجوز ~~أن يرتفع " سواء " على أن يكون في موضع " مستو ". ويكون أيضا خبرا مقدما، ~~كالأول، لكن يكون هو الابتداء (في) المعنى: فيستغنى (عند سيبويه)، عن ~~الإضمار، وقبيح عند سيبويه أن يكون مبتدأ، لأن النكرات لا يبتدأ بها، وإن ~~كانت اسما لفاعلين لضعفها عن الفعل. # وقد جمعوا " سواء " على " أسوأ " قال الشاعر: # ترى القوم أسواء إذا جلسوا معا ... وفي القوم زيف مثل زيف الدراهم PageV05P3687 # ومعنى الآية: معتدل منكم عند الله عز وجل، أيها الناس: الذي أسر القول، ~~والذي جهر به، والذي يستخفي بالليل، وبظلمته بمعصية الله (سبحانه)، والذي ~~يظهر بالنهار في المعصية، وفي غيرها. كل ذلك عند الله (سبحانه) سواء لا ~~يخفى عليه منه شيء. # ويقال: هو آمن في سربه، وسربه، بالفتح والكسر. والسارب في الآية: الظاهر ~~وقيل: السارب المختفي، ms1217 من قولهم: انسرب الوحش: إذا دخل كناسه، قال (ه) ~~قطرب. وأكثر الناس على أن السارب: الظاهر، لأنه عديل المستخفي المتواري، ~~والسارب: الظاهر. # ثم قال تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} - الآية: قيل المعنى ~~(لله عز وجل) معقبات، وهي الملائكة / تتعاقب على ابن آدم بالليل والنهار. PageV05P3688 # فالهاء في " له " لله، والهاء في " يديه " و " خلفه: للمستخفي بالليل، ~~والسارب بالنهار. # وقيل: الهاء في " له " تعود على " من " وهو المستخفي. ومعنى: من خلفه: " ~~من وراء ظهره ". # وروي أن عثمان بن عفان: رضي الله عنه، # " سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم ~~معه ملكا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ملك على يمينك على حسناتك، وهو ~~أمين على الذي على شمالك. وإذا فعلت حسنة كتب عشرا. (و) إذا علمت سيئة قال ~~الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب، فيقول له: لعله يستغفر الله، ~~ويتوب. فإذا لم يتب منها، قال: نعم اكتب أراحنا الله منه، فبئس القرين ". # ما أقل مراقبته لله عز وجل، وأقل استحياء! يقول الله (تعالى): PageV05P3689 # {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18]، وملكان من بين يديك، ومن ~~خلفك. يقول الله تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر ~~الله} وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله ~~قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي (محمد) صلى ~~الله عليه وسلم. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية فيك، وملكان على ~~عينيك: فهؤلاء عشرة أملاك، على كل آدمي ينزلون ملائكة الليل على ملائكة ~~النهار، لأن ملائكة الليل ينيبون ملائكة النهار. فهؤلاء عشرون ملك [ا] على ~~كا آدمي، وإبليس بالنهار، وولده بالليل. # وروي أنهم يجتمعون عند صلاة العصر، وصلاة الصبح. PageV05P3690 # وعن ابن عباس، وعكرمة: أن النعقبات (هنا): الحرس الذين يتعاقبون على ~~الأمراء من بين أيديهم ومن خلفهم. # قال الضحاك: هو السلطان يتحرس من الله (سبحانه). # وقال عكرمة: هي المواكب بين يدي ms1218 الأمراء وخلفهم. # فتكون الهاء في " له " على هذا التأويل " لمن ". وهو المستخفي بالليل، ~~والسارب بالنهار. فوصفه الله ( عز وجل) ، أنه قد جعل لنفسه حرسا يحفظونه من ~~حدوث أمر الله به، لجهله بالله (سبحانه). وإن ذلك لا يرد عنه شيئا. وهذا ~~القول اختيار الطبري: أن تكون المعقبات الحرس، والأعوان مع الأمراء، لأن " ~~له " أقرب من ذكر المستخفي منه من ذكر الكبير المتعال. ويدل على صحة هذا ~~المعنى قوله بعد ذلك: {وإذا أراد الله بقوم سواءا فلا مرد له}: أي: ليس ~~ينفع هذا المذكور حرسه، وتعاقبهم عليه. ولا يرد عنه أمر الله (سبحانه) ~~وقدره إذا أتاه. فالمعنى على PageV05P3691 # هذا: أن الله، عز وجل، ذكر أن أهل معصيته يستخفون بالمعاصي بالليل، ~~ويظهرون بالنهار، ويتمنعون عند أنفسهم بالحرس، وتحرسهم، وتتعاقب عليهم. # ثم أخبرنا تعالى جل ذكره، أنه إذا / أراد بهم سوءا، وعقوبة لم ينفعهم ~~حرسهم شيئا. # واختار النحاس القول الأول، وهو أن يكون (المعقبات): (الملائكة) على ما ~~تقدم ذكره، واحتج فيه (بما) رواه أبو هريرة من حديث مالك بن أنس رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لله ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل ~~والنهار " # الحديث. # ومن جعل (المعقبات) ملائكة كان قوله من أمر الله على وجهين: # أحدهما: أن تكون " من " بمعنى الباء، أي: يحفظونه بأمر الله لهم أن ~~يحفظوه PageV05P3692 # حتى يأتيه ما قدر عليه، فلا ينفع حفظهم إياه من قدر الله (سبحانه) إذا ~~جاءهم (وهو) قول ابن جبير. # والثاني: أن يكون المعنى له معقبات من أمر الله: من بين يديه ومن خلفه، ~~أي: المعقبات {من أمر الله} هي: {يديه}، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وابن ~~جريج. فتكون " من " متعلقة " بمعقبات "، وهي لبيان الجنس. وعلى القول ~~الأول: " من " بمعنى الباء، وهي متعلقة ب " يحفظونه ": أي: حفظهم له بأمر ~~الله كان، وإنما يحفظونه مما لم يقدر عليه. # وقيل: أمر الله هنا: الجن، أي: يحفظونه من الجن. فتكون " من " على بابها ~~متعلقة بالحفظ. # ومن جعل " المعقبات " حرس الملوك، وأعوانهم، كانت " من " على بابها ~~متعلقة ب ms1219 " يحفظونه ". والمعنى: {يحفظونه} من قدر الله على قولهم، وظنهم، ~~ولا PageV05P3693 # ينفع ذلك لأن الله إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له. # قال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن ~~والإنس والهوام. فيما يأتيه منها شيء إلا قال له: وراءك. # وقال ابن جريج: معنى من أمر الله: أي: يحفظون عليه عمله، وتقديره: له ~~ملائكة، تتعاقب عليه من أمر الله، هي: تحفظ عمله فيه. فحذف العمل، واتصل ~~المضاف إليه (ب) يحفظونه مثل: {وسئل القرية التي} [يوسف: 82]، ومثل: {وهو ~~واقع بهم} أي: وعقابه واقع بهم، فحذف العقاب، وقامت الهاء مقامه، فقام ضمير ~~مرفوع، لأن المحذوف مرفوعا كان. # وقال الحسن: المعنى: يحفظونه عن أمر الله، " فمن " بمعنى " عن "، PageV05P3694 # والمعنى: حفظهم إياه عن أمر الله، كان، لا من عند أنفسهم. # ثم قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} إلى قوله ~~- {وال}: الهاء في قوله: {فلا مرد له} تعود على السوء، وقيل: على الفرد، ~~وقيل: تعود على الله. أي لا مرد (لله سبحانه: أي: لا راد له عن مراده. ~~والمعنى: إن الله، ( عز وجل) لا يغير ما بإنسان من نقمة، وكراهة ابتدأه ~~بها، حتى يغير ما بنفسه من ظلمه، وتعديه، وتركه ما أمر به. فإذا غير وقعت ~~به العقوبة. # وقيل: المعنى: أن الله لا يغير ما بقوم مؤمنين صالحين، فيسميهم كافرين ~~إلا أن يفعلوا ما ي (و) جب ذلك. # ويروى أن هذه الآيات {سواءا فلا} - وما بعده - نزلن في عامر بن الطفيل، PageV05P3695 # وأربد بن قيس، " وذلك أن وفد بني عامر / قدموا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وفيهم عامر (بن الطفيل)، وأربد بن قيس. وكان في نفس عامر الغدر برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وكان من رؤساء قومه فقال عامر لأربد: إذا قدمنا ~~على الرجل، فإني شاغل عنك وجهك. فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، قال عامر: يا محمد خالني، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ms1220 لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له، فكرر عامر على ~~النبي ذلك، والنبي يقول له: حتى تؤمن بالله وحده لا (شريك) له، وعامر ينتظر ~~من أربد ما كان به، وجعل أربد لا يجيز شيئا. فلما رأى عامر أربد لا يفعل ~~شيئا، وأبى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يخاليه، قال: (النبي) عليه ~~السلام: والله لأملأنها عليك خيلا ورجلا، فلما ولى (من عند) النبي. قال ~~عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين PageV05P3696 # ما كنت أمرتك به. والله ما كان على وجه الأرض رجل أخوف عندي منك على نفسي ~~منك: وأيم الله (لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال له أربد: ويلك لا تعجل علي ~~وأيم الله) ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبينه حتى ما أرى غيرك، ~~فأضربك بالسيف. فخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث ~~الله ( عز وجل) على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فمات في بين امرأة من ~~بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر! أغدة كغدة البعير، وموتا في بيت امرأة ~~من بني سلول، ثم خرج أصحابه بعده حتى قدموا أرض بني عامر، فأتاهم قومهم، ~~فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا (شيء) لله! لقد دعانا محمد إلى عبادة ~~شيء، لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج أربد بعد مقالته ~~هذه بيوم، أو PageV05P3697 # يومين، معه جمل له يبيعه، فأرسل الله ( عز وجل) عليه صاعقة، فأحرقته ~~وجمله ". # قوله: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} إلى قوله {إلا في ضلال} البرق: ~~مخاريق من حديد بأيد (ي) الملائكة تضرب بها. هذا قول علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه. # وقال مجاهد: الملائكة تضرب بأجنحتها، فمن ذلك البرق. وقد تقدم شرح هذا ~~بأشبع من هذا. فالمعنى: الله يريكم البرق خوفا للمسافر من أذاه، وطمعا ~~للمقيم لينتفع (به)، والبرق هنا على قول ابن عباس: الماء. PageV05P3698 # وقيل: الآية مخصوصة، والمعنى: خوفا لمن لا يحتاج إليه كمصر، وشبهها التي ~~لا تحتاج إلى المطر. وكونه فيها ضر عليها، ms1221 " وطمعا " لمن يحتاج إليه، ويرجو ~~الانتفاع به. # وقيل: الآية على العموم لكل من خاف، أو طمع. # وقل: المعنى: خوفا من الصواعق (وطمعا بالمطر). # " وقال الضحاك: أما الخوف فما يرسل معه من الصواعق "، وأما الطمع فما ~~نرجو فيه من الغيث. # ثم قال (تعالى): {وينشىء السحاب الثقال}: بالمطر، أي: ويثير السحاب ~~الثقال بالمطر، وبيديه. يقال: أنشأ الله السحاب / أبداه، والسحاب: جمع PageV05P3699 # سحابة. ولذلك قال (الثقال) ولو كان موحدا لقال: الثقيل. # ثم قال (تعالى): {ويسبح الرعد بحمده} قال مجاهد: الرعد: ملك يزجر السحاب. # وقال أبو صالح: الرعد (ملك) يسبح. # وقال شهر بن حوشب: الرعد: ملك موكل بالسحاب، يسوقه كما يسوق الحاجي ~~الإبل. فكلما خالفته سحابة صاح (بها)، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه. ~~فذلك الصواعق الذي رأيتم. PageV05P3700 # وقال ابن عباس: الرعد: ملك اسمه (الرعد)، (وهو) الذي تسمعون صوته. وكان ~~ابن عباس إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وكان يقول: الرعد: ملك ~~ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه. # وروى مجاهد، عن ابن عباس (أنه قال): الرعد، (وهو) الذي تسمعون صوته. وكان ~~ابن عباس إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له. وكان يقول: الرعد: ملك ~~ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه. # وروى مجاهد، عن ابن عباس (أنه قال): الرعد (اسم ملك) وصوته هذا تسبيحه، ~~فإذا اشتد زجره للسحاب اضطر السحاب من خوفه فيحتك. تخرج الصواعق من فيه. # وسئل علي رضي الله عنه عن الرعد: فقال: هو ملك، وسئل عن البرق، PageV05P3701 # (فقال): مخاريق بأيدي الملائكة تزجر السحاب. # وعن الضحاك أنه قال: الذي يسمع تسبيح الملك، واسمه الرعد. # قال مجاهد: الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته. # وعن ابن عباس، رضي الله عنه أن الرعد: ريح يختنق تحت السحاب، فتتصاعد ~~فيكون منها ذلك الصوت. # وعنه أيضا أنه، قال: البرق: ملك يتراءى. وأكثر المفسرين على أنه ملك كما ~~تقدم. # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا سمع الرعد الشديد، قال: اللهم لا ~~تقتلنا بغضبك، ولا PageV05P3702 # تهلكنا بعذابك، وعاقبنا قبل ذلك " # وهذا الدعاء يدل على أنه صوت ms1222 ملك. # " وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول إذا سمع الرعد: ~~سبحان من يسبح الرعد بحمده " فهذا يدل على أن الرعد ملك. # وكان ابن عباس، وعلي (ضي الله عنهما) يقولان إذا سمعا الرعد: سبحان من ~~سبحت له، فهذا يدل على أنه ملك. # ومعنى {ويسبح الرعد بحمده}: أي: " يعظم الله ويمجده، ويثنى عليه بصفاته. ~~وحكي عن العرب سبحان من يسبح الرعد بحمده، يريدون (من) فأقعوا (ما)، ما " ~~من ". # ثم قال: {والملائكة من خيفته}: أي: وتسبح الملائكة من خيفته، أي: من ~~رهبته. # وروي أن خوف الملائكة ليس كخوف بني آدم، لأن طائفة من الملائكة PageV05P3703 # ساجدون، منذ خلقوا، باكون، ومنهم طائفة يسبحون ويهللون، لا يعرف أحدهم من ~~على يمينه، ولا من على شماله، ولا يشغلهم عن عبادة الله، ( عز وجل) شيء. # قال الله عز وجل عن الملائكة: {يسبحون اليل والنهار لا يفترون} ~~[الأنبياء: 20]: فعلى قدر أعمالهم واجتهادهم، كذلك خوفهم. # وقوله: {ويرسل الصواعق}: الصاعقة من الناؤ التي تخرج من فم الرعد / إذا ~~غضب، فقد تقدم ذكرها بأشبع من هذا في سورة البقرة. # وهذه الآية نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ~~أخبرني عن ربك: من أي شيء هو؟ من لؤلؤ أو ياقوت. فجاءت صاعقة، فأخذته فأنزل ~~الله عز وجل: { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء}. # ودل على هذا القول قوله: {وهم يجادلون في الله}: فالضمير في " هم " PageV05P3704 # لليهودي، وجمع لأن له أتباعا على قوله ومذهبه. # وروي أنها نزلت في رجل من فراعنة العرب، وهو أربد، وجه إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، يدعوه إلى الله، فقال: وما الله؟ أمن ذهب هو أم من فضة؟ أم ~~من نحاس؟ فأخبر النبي عليه السلام بذلك. فدعاه ثانية، فبينما النبي عليه ~~السلام، يراجع الكافر في الدعاء إلى الله سبحانه، إذ بعث الله سحابة بحيال ~~رأس الكافر، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله عز وجل: ~~{ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء} الآية. # وقال قتادة: (أنكر رجل) القرآن، ms1223 وكذب النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل ~~الله، ( عز وجل) عليه صاعقة، فأهلكته، فنزلت الآية فيه. PageV05P3705 # وقال ابن جريج: نزلت في أربد أخي لبيد بن ربيعة، هم هو، وعامر بن الطفيل ~~بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. فبعث الله تعالى عليه صاعقة فاحترق. # ومعنى قوله: {وهو شديد المحال} قال علي (بن أبي طالب) عليه السلام: " ~~شديد الأخذ ". # وقال مجاهد: ( رحمه الله) : " شديد القوة ". # وقال قتادة (رحمة الله عليه): المحال: " القوة والحيلة ". # وقال ابن عباس (رضوان الله عليه): " شديد الحول ". # وقال الحسن: (نضر الله وجهه): شديد المكر، من قولهم: محل به: إذا PageV05P3706 # مكر به، ومن جعله من الحول، والحيلة، فالأشبه بقراءته أن يقرأ بفتح ~~الميم، لأن الحيلة لا يأتي مصدرها إلا بفتح الميم نحو: محالة، ومنه قولهم: ~~" المرء يعجز لا محالة ". وبه قرأ الأعرج فأما من كسر الميم فهو مصدر من: " ~~ما حلت فلانا، مماحلة، ومحالا، فاللماحلة بعيدة المعنى من الحيلة. # فإذا جعلته من الحول فوزنه " مفعل "، وأصله " محول " ثم قلبت حركة الواو ~~على الحاء، وقلبت الواو ألفا كاعتلال " مقال " و " محال ". وإن جعلته من " ~~محال " فوزنه " فعال " لا اعتلال فيه. PageV05P3707 # ثم قال تعالى: {له دعوة الحق} وهي شهادة ألا إله إلا الله، قاله ابن ~~عباس، وقتادة. # وقال علي رضي الله عنه: هي التوحيد. # وقال ابن زيد رحمه الله: هي لا إله إلا الله، ليست تنبغي لأحد إلا الله. # ثم قال تعالى: {والذين يدعون من دونه} الآية: أي: والآلهو التي يدعوها ~~المشركون من دون الله (سبحانه) لا تجيب من دعاها بشيء من النفع، والضر، ولا ~~ينتفع / بها إى كما ينتفع الذي يبسط كفيه إلى الماء. ليأتيه من غير أن ~~يرفعه، فلا هو ببالغ فاه، ولا نافعه كذلك. هذه الآية التي يدعون هؤلاء ~~العرب. فضرب المثل لمن طلب ما لا يبلغه بالقابض على الماء. PageV05P3708 # قال علي، رضي الله عنه " معناه ": كالرجل العطشان مد يده إلى البئر ~~ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه، ولا نافعه، كذلك هذا الذي يدعو من دون ~~الله. # وقال ms1224 مجاهد (رضي الله عنه) معناه: يدعو الماء بلسانهن ويشير إليه بيده، ~~فلا يأتيه أبدا، أي: فهذا الذي يدعو من دون الله، هو الوثن، وهذا الحجر لا ~~يستجيب له بشيء أبدا، ولا يسوق إليه خيرا، ولا يدفع عنه شرا: كمثل هذا ~~(الذي) بسط ذراعيه إلى الماء {ليبلغ فاه} (وما) يبلغ فاه أبدا. # وروي عن ابن عباس أن المعنى: هذا الذي يدعو الآلهة، كمثل من بسط كفيه إلى ~~الماء، ليتناول خياله فيه، وما هو ببالغه أبدا، ولا يأخذه. # وقيل المعنى: إن هؤلاء الذين يعبدون الآلهة لا ينتفعون بها، إلا كما ~~ينتفع من بسط كفيه إلى الماء يدعوه ليأتيه، وهو لا يأتيه أبدا، ولا ينتفع ~~به. فكذلك لا PageV05P3709 # ينتفع بعبادة الآلهة. وهذا كله ضرب مثلا لمن يعبد غير الله، جل ذكره. # (وقيل معنى): مثل من يعبد الأصنام كمثل من يفيض على الماء، ليبلغ فاه، ~~فلا يحصل له نفع من ذلك. # قوله: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} إلى قوله {الواحد ~~القهار}: المعنى فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون الآلهة من دون الله من الطاعة ~~(والإخلاص لله عز وجل) فلله عز وجل، يسجد من في السماوات من الملائكة، ومن ~~في الأرض من المؤمنين طوعا)، ويسحد (الكافرون) كرها، حين يكرهون على ذلك. ~~فيدخلون في الدين كارهين، قاله قتادة. # وعنه أنه قال: أما المؤمن يسجد طائعا، وأما الكافر فيسجد كارها، فيسجد ~~لله حين لا ينفعه. PageV05P3710 # وقال ابن زيد: {وكرها}: من لم يدخل الإسلام إلا بالسيف، فأول دخوله كرها، ~~{طوعا}: من دخله طائعا، أي: من أسلم طائعا. # وقال الزجاج: جائز أن يكون السجود بالخضوع لله. فمن الناس من يخضع، ويقبل ~~أمر الله (سبحانه) طائعا، ومنهم من يقبله وإن كان كارها (له). # وقيل: معناه: إن عباد الله الصالحين يسجدون لله، والكفار يسجدون خوف ~~القتل. # وقيل: المعنى: وبعض من في الأرض يسجد، وبعض المؤمنين طائعين، قد سهل ذلك ~~عليهم، وبعضهم يكره نفسه على ذلك لله (سبحانه). # وقيل: السجود هنا الخضوع لتدبير الله عز وجل في جميع خلقه: من ms1225 صحتهم، ~~وسقمهم، وتصرفهم، (فهم) منقادون لذلك أحبوا، أو كرهوا لا حيلة لهم في PageV05P3711 # دفع ذلك. وظلالهم أيضا منقادة لتدبير الله ( عز وجل) وإجرائه الشمس / ~~بزيادة الظل، ونقصانه وزواله. # وقال ابن عباس: يعني: حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه، وشماله. # قال أبو العالية: ما في السماء من شمس، ولا قمر، ولا نجم يقع لله ~~(سبحانه) ساجدا حين يغيب، فما ينصرف حتى يؤذن له. # وقال مجاهد: ظل المؤمنين يسجد لله طوعا، وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا، ~~وهو كاره. # والآصال: جمع أصل، والأصل (جمع أصيل) كرغيف ورغف. والأصيل: ما بين العصر ~~إلى مغرب الشمس. # ثم قال تعالى: {قل من رب السماوات والأرض} الآية والمعنى: قل يا محمد ~~لهؤلاء PageV05P3712 # المشركين بالله، من رب السماوات والأرض، ومدبرها؟ قل: الله أتى الجواب ~~والسؤال فيه من جهة واحدة. وذلك على تقدير أنهم لما قيل لهم: من رب ~~السماوات والأرض، (ومدبرها). جهلوا الجواب فقالوا: ومن هو؟ فقيل لهم الله: ~~ومثله: {من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله} [يونس: 34]. # وهو كثير في القرآن: يأتي السؤال والجواب من جهة (واحدة، من جهة السائل. ~~وإنما حق الجواب أن يكون من جهة) السؤال، لكن أتى الجواب) من جهة السائل ~~(الجواب: على معنى أنهم جعلوا الجواب، وطلبوه من جهة السائل): فأعلمهم به ~~السائل، فصار السؤال الجواب من جهة واحدة. # ثم أمر أن يقول لهم: {أفاتخذتم من دونه أوليآء لا يملكون لأنفسهم نفعا} PageV05P3713 # يجتلبونه لها، {ولا ضرا} يدفعونه عنها، وهي إذا لم تمتلك ذلك لأنفسها، ~~تكون أضعف عن ملكه لغيرها، فعبدتم من هذه صفته، وتركتم (عبادة) من بيده ~~النفع والضر، والموت والحياة. # (ثم) ضرب لهم مثلا، فقال: قل لهم يا محمد {قل هل يستوي الأعمى والبصير} ~~يريد به المؤمن والكافر. # {أم هل تستوي الظلمات والنور}: (أي): الإيمان والكفر، فالظلمة طرف الكفر، ~~والنور طرف الإيمان. # قال مجاهد: الظلمات والنور: " الهدى والضلالة ". # ثم قال تعالى: {أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه} الآية المعنى: قل امحمد ~~لهؤلاء المشركين: أخلق أوثانكم خلقا كخلق الله، فاشتبه عليكم أمرها ms1226 فيما ~~خلقت، PageV05P3714 # وخلق الله (سبحانه)، فجعلتموها شركاء لله من أجل ذلك. # ثم قال (تعالى): {قل الله خالق كل شيء}: (أي: قل لهم يا محمد: إذا أقروا ~~أن أوثانهم لا تخلق: فالله، {خالق كل شيء})، فهو أحق بالعبادة ممن لا يخلق، ~~ولا يضر، ولا ينفع. # {وهو الواحد القهار}: أي: " الفرد الذي لا ثاني له "، {القهار}: أي: ~~(القهار) بقدرته كل شيء، ولا يقهره شيء. # قوله (تعالى): {أنزل من السمآء مآء} إلى قوله {وبئس المهاد}: هذا مثل ~~ضربه الله تعالى (جل ذكره) للحق والباطل، والإيمان به والكفر. فالمعنى: مثل ~~الحق في ثباته، (والكفر) في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله، PageV05P3715 # {فسالت أودية بقدرها}: (أي: فاجتمعت الأودية، الماء بقدر مثلها الكبير ~~بكبره، والصغير بصغره. # {فاحتمل السيل زبدا}: أي: " عاليا على الماء ". # فهذا أحد مثلي الحق والباطل. فأما النافع / فهو الحق، والزبد: الرائب ~~الذي لا ينفع هو الباطل. # وتحقيق معنى هذا المثل: أن الماء المنزل مثل للقرآن المنزل. # فالماء يعم نفعه كل أرض طيبة، والقرآن يعم نفعه كل قلب طيب، والأودية مثل ~~للقلوب، لأن الأودية يستكن فيها الماء. كذلك والإيمان والقرآن يستكنان في PageV05P3716 # قلوب المؤمنين. والسيل مثل للأهواء العارضة في القلوب، لأن الهزى يغلب ~~على القلوب، كما يغلب السيل بما حمل من الماء وغيره. والزبد مثل للباطل، ~~وما يستقر من الماء الخالص (مثل لما يستقر في قلب المؤمن من الإيمان، ~~فينتفع بذلك كما تنتفع الأرض بما يستقر من الماء الخالص) فيها. ومثله المثل ~~الثاني: ما يتحصل من جيد الذهب، والفضة، والحديد والنحاس مثل لما يستقر في ~~قلب المؤمن من الإيمان. # ثم ضرب مثلا آخر أيضا للحق والباطل، فقال: {ومما يوقدون عليه في النار} ~~إلى آخر المثل: أي: والحق والباطل كمثل فضة، أو ذهب، أو نحاس، يوقد عليه ~~النس في النار، في طلب حلية يتخذونها، أو متاع. وذلك من النحاس: وهي ~~الأواني التي تتخذ منه، (و) من الرصاص والحديد فيكون له PageV05P3717 # زبدا، مثل زبد السيل، وزبده: خبثه الذي لا ينتفع به، فالذي يصفى من هذه ~~الأشياء هو ms1227 مثل الحق ينتفع بهما. والخبث مثل الباطل لا ينتفع بهما، ثم بين ~~لنا، في أي (شيء) ضربت هذه الأمثال فقال: # {كذلك يضرب الله الحق والباطل}: أي: يضرب مثل الحق والباطل، ثم حذف ~~المضاف. " والحق ": الإيمان، و " الباطل ": الكفر: وكما أن زيد السيل، وخبث ~~ما يوقد عليه في النار لا ينتفع به، كذلك لا ينتفع الكافر بعمله عند حاجته ~~إليه. وكما ينتفع بالماء، وبما يوقد عليه في النار، كذلك ينتفع المؤمن ~~بإيمانه عند حاجته إليه. # وقوله: {فيذهب جفآء}: أي: يذهب بدفع الريح، وقذف الماء به. فيتعلق في ~~جوانب الوادي، وبالأشجار. وهو من: أجفأت القدر: إذا رمت بزبدها، وهو ~~الغشاء: فيقول: إن الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأشياء PageV05P3718 # وعلا، يتمحق، ويذهب. وتكون العاقبة للحق. كما أن هذا الزبد، وإن علا (على ~~الماء)، فإنه يذهب ويتمحق، وكذلك الخبث من الحديد، وغيره وإن علا فإنه يذهب ~~ويتمحق، ويطرحه الكير، ويبقى من الماء وغيره ما ينتفع به. # كذلك يبقى الحق ويثبت " هذا (كله) معنى قول ابن عباس، وتفسيره (رحمة الله ~~عليه) قال: " هو مثل ضربه الله للناس عند نزول القرآن، فاحتملت منه القلوب ~~على قدر يقينها وشكها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينتفع ~~به. # (فالزبد): الشك في الله، (والذي يمكث في الأرض): اليقين. # وروي (عنه) أنه قال: هو مثل ضرب (ه) الله للعمل الصالح، والعمل السوء: ~~فالصالح كالماء الذي يمكث في الأرض، ينتفع به / الناس كذلك ينتفع PageV05P3719 # أصحاب العمل الصالح به في الآخرة، ما تحت الخبث من الرصاص، والحديد، ~~والذهب ينتفع به، مثل العمل الصالح. # وأما الزبد منها فلا ينتفع به، كما لا ينتفع أصحاب العمل السوء (بعملهم). # وقرأ رؤبة: " فيذهب جفالا ". يقال: جفأت الريح السحاب: إذا قطعته، PageV05P3720 # وأذهبته. # ثم قال تعالى: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} أي: (الحسنى) للذين آمنوا ~~حين دعوا إلى الإيمان الحسنى، وهي الجنة، قاله قتادة. # وقيل: المعنى: جزاء الحسنى {والذين لم يستجيبوا له} أي: لم يؤمنوا حين ~~دعوا أن لهم ملك ما في الأرض، ومثله معه ms1228 ما قبل منهم فداء لهم من العقوبة. # ومعنى: {أولئك لهم سواء الحساب} " يأخذهم بذنوبهم كلها، فلا يغفر لهم ~~منها شيئا. # قال شهر بن حوشب: سوء الحساب: ألا يتجاوز لهم عن شيء. # وقال ابن عباس: سو الحساب، المناقشة بالأعمال. # وقال ابن وهب: عن إبراهيم النخعي أنه قال: سوء الحساب: أن يحاسب بذنبه PageV05P3721 # ثم لا يغفر له. # وروي في الآثار: من نوقش الحساب هلك. # وقيل: سوء الحساب: المناقشة، والتوبيخ (وإحباط) الحسنات بالسيآت. وقيل: ~~سوء الحساب: أشده، وهو لا يغفر لهم شيئا من ذنوبهم، وهم الكفار ومعنى {وبئس ~~المهاد}: أي: بئس الفراش، والغطاء جهنم لمن هي مأواه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من نوقش الحساب هلك) (أو PageV05P3722 # قال): " عذب ". # قوله: {أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق} إلى قوله: {عقبى الدار} ~~المعنى: الذي يؤمن بما جئت به يا محمد، كمن لا يؤمن (وهو) الأعمى عن ~~الإيمان، لا يبصره بقلبه. # قال قتادة: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله عز وجل ووعوه ~~والأعمى: الذي عمي عن الخير، فلا يبصره. وإنما يتعظ بآيات الله (سبحانه)، ~~ويتذكر بها، وينتفع بها أهل العقول، والحجى. # ثم بين تعالى ذكره أولي الألباب ووصفهم فقال: {الذين يوفون بعهد الله} ~~الآية PageV05P3723 # أي: هم " الذين يوفون بوصية الله، ( عز وجل) التي أوصاهم بها. والعهد: ~~الإيمان بالله، (سبحانه) وملائكته وكتبه ورسله، (سبحانه) واليوم الآخر، وما ~~جاءت به الرسل. وأن يطيعوه، ويتقوه. # {ولا ينقضون الميثاق}: أي: لا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه ~~(سبحانه): فيعمل بغير ما أمرهم به. # ثم زادهم بيانا ومدحا، فقال: {والذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل}: ~~يعني: يصلون الرحم التي أمر الله، عز وجل بوصلها، وهم مع ذلك {ويخافون سوء ~~الحساب}: أي: يخافون المناقشة يوم القيامة، وألا يصفح لهم عن ذنب. فهم ~~وجلون لذلك، خائفون. # و" إن " في قوله (أن يوصل) / في موضع خفض على البدل من الهاء في " به ". PageV05P3724 # وقيل: معنى: {لذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل}: لا يفرقون بين أحد من ms1229 ~~رسله، ولا كتبه، يؤمنون بالكل، ويقبلون أمر الله، عز وجل، ونهيه (جلت ~~عظمته). # ثم بين تعالى أمر نوع آخر منهم، فقال: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} ~~أي: صبروا على الوفاء بإقامة الطاعة، والانتهاء عن المنكر من أجل ابتغاء ~~وجه الله ( عز وجل) ، أي: طلب تعظيم الله. # {وأقاموا الصلاة}: أي: أدوها بفروضها، وحدودها في أوقاتها. # {وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية}: أي: أدوا الزكاة الزكاة من أموالهم، ~~وما يجب عليهم سرا، وغير سر. # قال ابن عباس: النفقة هنا: الزكاة. # ثم قال: {ويدرءون بالحسنة السيئة} أي: " يدفعون إساءة من أساء إليهم من ~~الناس بالإحسان إليهم ". PageV05P3725 # وقال ابن زيد: معناه: " يدفعون الشر بالخير ". # وقيل: المعنى: " إنهم إذا هموا بالسيئة فكروا، فرجعوا عنها، واسغفروا. ~~{أولئك لهم عقبى الدار}: أي: الذين تقدمت صفتهم لهم عقبى طاعة ربهم في ~~الدنيا، دار الجنان في الآخرة. # وقيل: المعنى: أعقبهم الله عز وجل جار الجنان من دارهم في النار، لو لم ~~يكونوا مؤمنين. # وقيل: {بالحسنة السيئة} بشهادة أن لا إله إلا الله (وتجنب) (الشرك ~~بالله). PageV05P3726 # وقال عطاء: {ويدرءون بالحسنة السيئة}: السلام. # ويروى أن قوله: {أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك} الآية نزلت في حمزة بن ~~عبد المطلب رضي الله عنه، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله. # ثم قال تعالى: {جنات عدن يدخلونها} إلى قوله {وحسن مآب}. معناه: أنه فسر ~~{عقبى الدار} ما هي؟ فقال: {جنات عدن} أي: جنات إقامة لاظعن معها، بدخلها ~~هم {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم}: أي: من عمل صالحا منهم. # قال ابن مسعود: جنات عدن: بطنان الجنة. # قال ابن مسعود: جنات عدن: بطنان الجنة. # قال أبو مجلز: علم الله ( عز وجل) أن المؤمن يحب أن يجمع له شمله، فجمعهم ~~الله ( عز وجل) ، له في الآخرة. PageV05P3727 # وقال ابن جريج: معناه من آمن في الدنيا. # ثم أخبرنا الله ( عز وجل) عن حالهم إذا دخلوا الجنة، فقال: {والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب} يقولون: {سلام عليكم بما صبرتم} على طاعة الله ( ~~عز وجل) في الدنيا. {فنعم عقبى ms1230 الدار}. وسلام عليكم: خبر، معناه: الدعاء ~~لهم، أي: سلمكم الله بما صبرتم، وليس هو تحية، لأن التحية ليست بجزاء ~~للصبر. ولكن دعاء الملائكة لهم بالسلامة جزاء الصبر. والخبر: يأتي بمعنى ~~الدعاء، كثير في القرآن والكلام. # وقوله: {فنعم عقبى الدار}: الخبر محذوف، وتقديره: فنعم عقبى الدار ما ~~أنتم فيه. # وذكر أن لجنات عدن خمسة آلاف باب. # روي عن ابن عمر (و) أنه قال: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله PageV05P3728 # البروج والمروج، فيه خمسة آلاف، (باب، على كل باب خمسة آلاف) حبرة، لا ~~يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد. # وقال الضحاك: {جنات عدن} مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء، وأئمة ~~الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. # ومعنى: {بما صبرتم}: أي بصبركم في الدنيا على عمل الطاعات، وعلى الانتهاء ~~عن المعاصي. وهذا هو أفضل الصبر، أن يصبر الإنسان على فعل ما أمر (ه) الله ~~به، وعلى ترك ما نهاه (الله) عنه. # وروي أن قوله: {أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك} [الرعد: 19] الآية، نزلت في ~~حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وفي أبي جهل، لعنه الله. # ثم أخبرنا الله بحال الكفار، بعد إخباره لنا بحال المؤمنين، فقال: PageV05P3729 # {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} [الرعد: 20]: أي: ويخالفون ~~ما أمرهم الله، عز وجل، من بعد ما وثقوا على أنفسهم لله ( عز وجل) ، أن ~~يعلموا بما عهد إليهم، إذ قال لهم: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172]. # ثم قال (تعالى): {ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل} وهو الرحم وقيل: ~~يفرقون بين الإيمان بجميع الأنبياء، فيؤمنوا ببعض (ويكفرون ببعض). والله ~~أمرنا بالإيمان بجميعهم. # قوله: و {ويفسدون في الأرض} أي: يعملون فيها المعاصي. # {أولئك لهم اللعنة} أي: لهم البعد من رحمة الله. # {ولهم سواء الدار} أي: لهم ما يسوؤهم من الدار الآخرة، وهي النار، PageV05P3730 # أعاذنا الله منها. وقيل معناه: سوء العاقبة. # ثم قال تعالى ذكره: {الله يبسط الرزق لمن يشآء (ويقدر)} أي: يوسع على من ~~(يشاء، ويضيق على من) يشاء. # {وفرحوا بالحياة الدنيا} أي: فرح المشركون ms1231 بما وسع عليهم في الدنيا، ولم ~~يفكروا أن متاع الدنيا عند متاع الآخرة قليل. # وهذه الآية فيها تقديم وتأخير، لأن {وفرحوا} (معطوف على {ويفسدون} في ~~الأرض). # وقوله: {أولئك لهم اللعنة} إلى قوله: {الدار}: مقدم قبل {وفرحوا} وتقدير ~~الآية: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل، ويفسدون في الأرض، وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع: PageV05P3731 # أولئك لهم اللعنة، ولهم سوء الدار ثم ابتدأ: {الله يبسط الرزق}. # ثم قال تعالى: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} أي: تقول ~~قريش: هلا أنزل عليه آية تدل على نبوته، كما قالوا: {لولا أنزل عليه كنز أو ~~جآء معه ملك} [هود: 12]، فأخبر عنهم بما يشترطون، ثم قال لنبيه ( صلى الله ~~عليه وسلم) : قل لهم يا محمد: {إن الله يضل من يشآء ويهدي إليه من أناب} ~~أي: يخذل من يشاء، فيصرفه عن الهدى، ويوفق من يشاء، فيرجع إليه، ويتوب من ~~كفره. # فالهاء في " إليه " تعود على الحق، وقيل: على محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: على الإسلام. وقيل: على الله، جل ذكره، على معنى (إلى) دينه. # ثم بين تعالى من ينيب إليه {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله}: أي: ~~الذين PageV05P3732 # يتوبون هم الذين آمنوا، وتطمئن قلوبهم بذكر الله: أي: تسكن، وتستأنس بذكر ~~الله. # قال سفي (ا) ن بن عيينة: {الذين آمنوا} تطمئن قلوبهم / بأمر الله وقضائه. # وقال قتادة: هشت قلوبهم إلى ذكر الله، فاستأنست به. # قال الضحاك: {وتطمئن قلوبهم بذكر الله}: أي: تصدق قلوبهم بذكر الله ~~والقرآن. # {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}: أي: " تستأنس، وتسكن قلوب المؤمنين ". # وقيل: عني به قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. PageV05P3733 # ثم قال تعالى: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} المعنى: ~~الذين صدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وعملوا الأعمال الصالحات ~~{طوبى لهم}: أي: نعم ما لهم. قاله عكرمة. # وقيل: معناه: غبطة لهم. قاله الضحاك. # وقال ابن عباس: فرح لهم، وقرة عين. ms1232 # وقال قتادة: معناه: " حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب ". # وقيل: المعنى: أصابوا خيرا، تقول العرب للرجل: " طوبى لك " أي: أصبت ~~خيرا. وقال النخعي: {طوبى لهم} أي: خيرا لهم. # وقيل: هي اسم من أسماء الجنة. فالمعنى: الجنة لهم، روي ذلك عن ابن عباس، ~~قال: طوبى لهم: اسم الجنة بالحبشية. PageV05P3734 # وروي عنه أيضا: طويلة لهم: هي اسم أرض الجنة بالحبشية. # وقيل: طوبى لهم: اسم الجنة بالهندي [ة]. # وعن عكرمة أيضا: طوبى لهم: الجنة لهم. # وعن ابن عباس: إنما طوبى لهم: اسم شجرة في الجنة. # وقال شهر بن حوشب: طوبى لهم شجرة في الجنة، أغصانها من وراء سور الجنة. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنها شجرة في الجنة. # " وسئل عليه السلام: ما طوبى؟ فقال: شجرة في الجنة، مسيرها مائة سنة، ~~ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها، غرسها الله، عز وجل، بيده، ونفخ فيها من ~~روحه. تنبت PageV05P3735 # الحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة " # ومعنى: {وحسن مآب}: حسن منقلب ومرجع. # وقال أبو أمامة الباهلي: طوبى: شجرة في الجنة ليس منها دار إلا وفيها غصن ~~منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، (ولا ثمرة إلا وهي فيها) وموضع (طوبى): رفع ~~بالابتداء، و {لهم}: الخبر، ودل على أنها في موضع رفع قوله: {وحسن مآب} ~~بالرفع بلا اختلاف بين القراء، وهي " فعلى "، من " أطيب " فالواو PageV05P3736 # منقلبة عن ياء لضمه بالفعل، وأصلها " طيبى " على " فعلى ". لكن لما كانت ~~اسما غير صفة، ردت إلى فعل (ى)، لخفة الأسماء، فانقلبت الياء واوا لانضمام ~~الأول. # ألا ترى أن ضمير أصل الياء فيها واو، وأصلها " فعلى " (على) صور. ولكن ~~لما كانت صفة، ردت إلى الياء للخفة، وثقل الصفة. ودل على أنها فعل (ى) أن ~~(ه) ليس في الصفات (فعلى): وهي في الآية صفة " لقسمة ". فعلم أن أصلها فعل ~~(ى)، فجاز أن تقع فعل (ى) صفة، لأنه يقدر فيها أصلها، وهو فعلى "، ولولا ~~ذلك ما جاءت فعل (ى) صفة. PageV05P3737 # وحسن ردها إلى فعلى لما ذكرناه من ثقل الصفة، فخففت ms1233 بردها إلى الياء، لأن ~~الياء أخف من الواو. # وكذلك ردت طوبى إلى الواو. ولأنها اسم، والاسم أخف / من الصفة، فسهل نقله ~~إلى الواو، وإن كانت الواو أثقل من الياء. # قوله: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلهآ أمم} إلى قوله: {لا يخلف ~~الميعاد}: المعنى: هكذا يا محمد {أرسلناك في أمة}: أي: إلى أمة قد خلت من ~~قبلها أمم على ما هم عليه من الكفر، لتتلو عليهم القرآن {وهم يكفرون ~~بالرحمن} أي: يجحدون وحدانيته. # قل يا محمد: هو ربي: أي: إن كفر هؤلاء الذين أرسلت إليهم، فقل أنت الله ~~ربي {لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} أي: وإليه مرجعه، وأوبتي. وهو ~~مصدر تاب متابا، وتوبة. PageV05P3738 # ثم قال تعالى (ذكره): {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال}. # هذه الآية نزلت جوابا لقريش، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إن سرك أن نتبعك فسير جبال تهامة، أو زد لنا في حرمنا حتى نتخذ قطائع نحترث ~~فيها، أو أحي لنا فلانا، أو فلانا لناس ماتوا: فأنزل الله ( عز وجل) : { ~~ولو أن قرآنا} - الآية - أي: ولو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل ذلك ~~بقرآنكم. # وقال الضحاك: قال كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: سير لنا الجبال كما ~~سيرت لداود ( صلى الله عليه وسلم) ، واقطع لنا الأرض كما قطعت لسليمان، ~~وكلم لنا الموتى، كما كان عيسى يكلمهم. فنزلت هذه الآية. وهذا قول ابن زيد. PageV05P3739 # وجواب " لو " محذوف، وتقديره: لو فعل هذا بقرآن لفعل مثله بقرآنكم وقيل: ~~التقدير: لما آمنوا. # وقال الكسائي: " لو " بمعنى: " وددنا " فلا تحتاج إلى جواب. # والتقدير: وددنا أن قرآنا (سيرت به الجبال). # وقيل: المعنى: لو قضيت ألا يقرأ هذا القرآن على الجبال، إلا مرت، وعلى ~~الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حيوا، وتكلموا: ما آمن من سبق عليه في ~~علمي الكفر. # ويدل على هذا التفسير قوله بعد ذلك: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشآء ~~الله لهدى الناس جميعا} أي: أفلم يعلم الذين صدقوا ذلك. PageV05P3740 # وقال الفراء: ms1234 الجواب: وهم يكفرون بالرحمن، والتقدير: ولو أن قرآنا سيرت ~~به الجبال لكفروا بالرحمن. # وقيل: إن قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} نزلت في أبي جهل، لعنه الله، وذلك ~~أن النبي عليه السلام كان في الحجر يدعو يقول: يا رحمن، وأبو جهل لعنه الله ~~يستمع إليه، فولى أبو جهل، (أخزاه الله) مدبرا إلى قريش، فقال لهم: إن ~~محمدا ينهانا أن نعبد الآلهة، وهو يدعو إلاهين: يدعو الله، ويدعو إلها آخر ~~يقال له الرحمن. فأنزل الله ( عز وجل) { وهم يكفرون بالرحمن}، وأنزل {قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] الآية. # ثم قال تعالى (ذكره): {أفلم ييأس الذين آمنوا} والمعنى: أفلم يعلم الذين ~~آمنوا، والتفسير: أن الكفار لما سألوا تسيير الجبال بالقرآن، وتقطيع الأرض، ~~وتكليم الموتى. # طمع المؤمنون أن يعطى الكفار ما سألوا، فيؤمنوا / فقال الله: أفلم يعلم ~~الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا، ولا يحتاجون إلى رؤية ما ~~ذكروا. PageV05P3741 # وقيل: المعنى: أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء، لعلمهم أن الله، ( ~~عز وجل) ، لو أراد أن يهديهم لهداهم. ثم قال (تعالى): {ولا يزال الذين ~~كفروا تصيبهم بما صنعوا (قارعة)} (الآية): أي: لا يزال يا محمد الكفار من ~~قومك تصيبهم بما صنعوا من الكفر، ومن إخراجك (من) بين أظهرهم قارعة: وهو ما ~~يقرعهم من البلاء والعذاب، من القتل والحرب. والسرايا التي تمضي إليهم. # وقيل: القارعة: النكبة، أو تحل أنت يا محمد قريبا من ديارهم بجيشك، ~~وأصحابك {حتى يأتي وعد الله}: (أي) الذي وعدك فيهم، وهو الظهور عليهم، ~~وقهرك إياهم بالسيف. PageV05P3742 # {إن الله لا يخلف} ما وعدك به، وهو فتح مكة. # وعن الحسن: وعد الله: القي (ا) مة في هذا الموضع. # وقيل: أن تحل القارعة قريبا من دارهم. قاله الحسن. # قوله: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} إلى قوله {من واق} والمعنى أن يستهزئ ~~هؤلاء من قومك يا محمد، فاصبر على آذاهم، وامض على أمر الله عز وجل في ~~إنذارهم. # {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا} أي: أطلت للمستهزئين ~~بربهم في الأجل ms1235 والأمل، ثم أحللت بهم العقوبة. فكيف رأيت عقوبتي؟. # والإملاء: الإطالة، ومنه قيلك لليل والنهار الملوان، لطولهما. ومنه قيل PageV05P3743 # للخرق الواسع من الأرض ملأ لطول ما بين طرفيه. # ثم قال تعالى ذكره: {أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت} " من ": رفع ~~بالابتداء، والخبر محذوف، وبه يتم المعنى. # والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم، والتقدير: أفمن هو ~~حافظ على مل نفس لا يغفل، ولا يهلك (كمن يهلك ولا يحفظ) ولا يحصي شيئا ~~(فالجواب محذوف) لعلم المخاطب). # وقيل المراد به الملائكة الموكلون على بني آدم، والقول الأول أشهر، ~~وأكثر. # ثم قال (تعالى): {وجعلوا لله شركآء} هذا يدل على المحذوف، والمعنى: أفمن ~~هو قائم كشركائهم. ودل {وجعلوا لله شركآء} على المحذوف ثم قال: قل لهم يا ~~محمد {سموهم}: أي يسموا هؤلاء الشركاء، فإن قالوا: آلهة فقد كذبوا، لأنه لا ~~إله إلا هو الواحد (القهار)، لا شريك له. PageV05P3744 # {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض} (أم تخبرونه بأن في الأرض إلها، ولا ~~إله إلا هو في الأرض والسماء. # وقوله: {أم بظاهر من القول}: أي: أم قلتم ذلك بظاهر قول، وهو في الحقيقة ~~باطل لا صحة له. # ثم قال (تعالى) {بل زين للذين كفروا مكرهم} المعنى ما لله شريك، بل زين ~~للذين كفروا مكرهم: أي: زين لهم عملهم، وصدوا الناس عن الإيمان. # ومن قرأ بضم الصاد، فمعناه: أن الله أعلمنا أن صدهم عن الهدى عقوبة لهم. ~~ودل على ذلك قوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} أي: من أضله الله عز وجل ~~عن إصابة الحق، فلا يقدر أحد على هدايته. # ثم قال تعالى: {لهم عذاب في الحياة الدنيا} أي: لهؤلاء الكفار الذين PageV05P3745 # تقدم ذكرهم عذاب في الحياة الدنيا، وهو القتل والأسر. # {ولعذاب الآخرة أشق} أي: أشد من عذاب الدنيا. {وما لهم من الله من واق} ~~أي: ليس يقيهم من عذاب الله (سبحانه) أحد. # قوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون} إلى قوله {ولا واق} التقدير عند ~~سيبويه: " وفيما يتلى عليكم "، أو: ms1236 " مما يقص عليكم مثل الجنة، وهذا قياس ~~مذهب سيبويه. # وقال الفراء: التقدير الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ومثل ~~(. . .). # وقيل: هو مردود إلى قوله: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} [الرعد: 20]. PageV05P3746 # ثم قال: صفة الجنة التي وعد المتقون، تجري من تحتها الأنهار. # ثم قال: {أكلها دآئم} أي: المأكول منها دائم لأهلها لا انقطاع له، كما ~~قال ( عز وجل) : { لا مقطوعة ولا ممنوعة} [الواقعة: 33]، وظلها دائم دائم ~~أيضا. # {تلك عقبى الذين اتقوا} أي: عاقبتهم، وعاقبة الكافرين النار. # ويروى أن ابن عباس كان يتوقف عن تفس (ي) ر هذه الآية، ويحلف بالله لو ~~فسرت ما حملها جميع إبل العالمين. يريد ابن عباس أن الجنة لو وصفت على ~~حقائقها، ما حمل صفتها مكتوبا جميع إبل العالمين: لجلالة أمرها، وعظيم ~~شأنها، في نعيمها وملكها. وما أعد الله) عز وجل) لأوليائه فيها. ويدل على ~~ذلك (أيضا): قول النبي صلى الله عليه وسلم: " فيها ما لا أذن سمعت، ولا عين ~~رأت ". PageV05P3747 # وقال الله تعالى: {فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17]. # وقال: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا} [الإنسان: 20]. # ثم قال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون} المعنى والذين آتيناهم ~~الكتاب م (من) آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهم يفرحون بما أنزل إلى محمد. # قال قتادة: هم أحاب، محمد صلى الله عليه وسلم، يفرحون بما أنزل إليه. # وقيل: {والذين آتيناهم (الكتاب)} عني بهم اليهود والنصارى، PageV05P3748 # يفرحون بالقرآن، لأنه مصدق لأنبيائهم، وكتبهم، وإن لم يؤمنوا بمحمد، ( ~~صلى الله عليه وسلم) . # وقيل: عني بذلك الثمانون الذين آمنوا من نصارى نجران: أربعون وثمانية من ~~الشام، واثنان وثلاثون من أرض الحبشة. آمنوا بالنبي (عليه السلام) وصدقوا ~~به. # ثم قال (تعالى): {ومن الأحزاب من ينكر بعضه} أي: ومن أهل الملل المتحزبين ~~عليك يا محمد من ينكر بعض ما أنزل إليك. # وقيل: هم من اليهود والنصارى. # ثم قال: {قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به}: (أي: قل لهم يا محمد: ~~إنما أمرت أن أعبد الله، ولا ms1237 أشرك به) في عبادته. {إليه أدعو}: أي: إلى ~~طاعة أدعو الناس. {وإليه مآب}: أي: مصيري. # ثم قال تعالى: {وكذلك أنزلناه حكما عربيا} أي: كما أنزلنا عليك الكتاب يا PageV05P3749 # محمد / فأنكره بعض الأحزاب، كذلك أيضا أنزلنا الذكر والحكم حكما عربيا. # ونصب (حكم) على الحال " وعربي ": نعت (له). وإنما وصف الحكم بالعربي، ~~لأنه أنزله على عربي، فنسب الدين إليه، إذ كان عليه أنزل. # ثم قال تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد به: أمته، وفيه تهدد. # قوله: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك} إلى قوله {وعلينا الحساب} المعنى أن ~~الله ( عز وجل) أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم، أنه قد أرسل من قبله رسلا من ~~قبل أمته، وأنهم بشر مثله: لهم أزواج وذرية، وأنه لم يجعلهم ملائكة، لا ~~ينطحون ولا ينسلون، ولم يكن {لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} أي: ما ~~يقدر أن يفعل ذلك رسول إلا بإذن الله. PageV05P3750 # والمعنى: لا يقدر رسول (الله) أن يأتي بعلامة، (أو) آية: من تسيير ~~الجبال، ونقل بلدة إلى بلدة أخرى، وإحياء الموتى، وغير ذلك من الآيات التي ~~سألت قريش النبي ( صلى الله عليه وسلم) . # { إلا بإذن الله} أي: (إلا) بإذن الله له أن يسأل الآية فيعلم أن في ذلك ~~صلاحا. # وقيل: إن هذا الكلام لفظه حظر، ولا يجوز أن يخطر على أحد ما لا يقدر ~~عليه. فظاهره خطر، ومعناه: وتقديره: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله. نفى الله ذلك عن الرسل وبرأهم منه، (ومثله): {وما كان لنبي أن يغل ~~ومن يغلل} [آل عمران: 161]، {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} [آل ~~عمران: 145]. وهو كثير في القرآن، ظاهره PageV05P3751 # الحظر (والمنع)، ومعناه النفي. # قوله: {لكل أجل كتاب} أي: " لكل أمر قضاه الله، كتاب كتبه فهو عنده ". ~~وقيل: المعنى: لكل كتاب أنزل الله من السماء أجل: فيمحو الله من ذلك {ما ~~يشآء ويثبت} ما يشاء، {وعنده أم الكتاب}. # قال الفراء: هذا مقدم ومؤخر، معناه: لكل كتاب أجل، كقوله: {وجاءت ms1238 سكرة ~~الموت بالحق} [ق: 19]: أي: سكرة الحق بالموت. # (وقد قيل: إنه لا تقديم في هذا)، ولا تأخير، والمعنى: وجاءت سكرة الموت ~~لأن سكرة الموت غير الموت. فالحق: هو الموت الذي ختمه الله على جميع خلقه. # وقيل: معناه: لكل مدة كتاب مكتوب، وأمر مكتوب، وأمر مقدر، مقتضى لا تقف ~~عليه PageV05P3752 # الملائكة. # ثم قال تعالى: {يمحوا الله ما يشآء ويثبت} أي: يمحو الله ما يشاء من أمور ~~عباده فيغيره، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما لا يغيران قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: يدبر الله أمر السنة في رمضان، فيمحو ما يشاء (من ذلك) إلا ~~الشقاء والسعادة، والموت والحياة. وتدبير ذلك في ليلة القدر. # وعن ابن عباس أيضا معناه: يمحو ما يشاء، ويثبت من كتاب سوى، أم الكتاب ~~الذي لا يغير منه شيء. # قال ابن عباس: هما كتابان: كتاب يمحو منه ما يشاء، ويثبت وعند (ه) أم ~~الكتاب: لا يغير منه شيء، وهو قول عكرمة. PageV05P3753 # وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: يمحو كل ما يشاء، ويثبت كل ما أراد ~~وسمع /، وهو يقول في الطواف: اللهم إن كنت كتبت علي الذنب والشقاء، فامنحني ~~واكتبني في أهل السعادة. # فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب. وهو قول ابن مسعود وسفيان. # وعن ابن عباس، رضي الله عنه، أن معناه: يمحو الله ما يشاء من أحكام ~~كتابه، فينسخه، أنو يبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، ولا يبدله. # {وعنده أم الكتاب} أي: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، ما ينسخ، وما لا ~~ينسخ. وهو اللوح المحفوظ. وهو قول قتادة، وابن زيد وابنم جريج، وعليه أكثر ~~المعاني، وعامة المفسرين، وهو شاهد لجواز النسخ (في القرآن). # وقيل: معناه: يمحو الله من قد حان أجله، ويثبت من لم يحن أجله. قاله ~~الحسن، PageV05P3754 # قال: {لكل أجل كتاب}: أي: أجل بني آدم في كتاب الله، ( عز وجل) يمحو الله ~~ما يشاء، من جاء أجله، ويثبت الذي هو حي حتى يجيء أجله. # وعن ابن عباس من رواية أبي صالح، عنه أنه قال: إن أعمال ms1239 العباد تعرض على ~~الله مما كتبت الحفظة، مما ليس للإنسان، ولا عليه. فيمحو ما ليس له، وما ~~ليس عليه. ويثبت ماله، وما عليه، فيجازى بذلك. # فالحفظة تكتب كل شيء، والله يمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء، دليله قوله ~~تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18]: أي: حاضر. # وعن مجاهد رضي الله عنه: أنها نزلت في قريش، قالت: لما نزلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} ~~قالت: ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر، فنزلت هذه الآية ~~تخويفا لهم ووعيدا. PageV05P3755 # {يمحوا الله ما يشآء ويثبت} ما يشاء، أي: إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما ~~نشاء وروي ذلك أيضا (عن الحسن). # وعن ابن عباس: أن المعنى ينسخ الله ما يشاء من القرآن ويثبت ما يشاء فلا ~~ينسخه، وقاله محمد بن كعب. وعن عكرمة مثله. # وروى ابن جبير، عن ابن عباس في معنى الآية: أن الله، جل ذكره، يدبر أمر ~~السنة في ليلة القدر، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء إلا الموت والحياة، ~~والسعادة والشقاء. وكل (هذا) قد تقدم في علمه، علم ما يكون بلا أمد. # وقيل: المعنى يغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره قاله ~~ابن جبير. # وقيل: المعنى: يمحو الله ما يشاء مما تكتب الحفظة، مثل الأشياء التي ليس PageV05P3756 # للإنسان، ولا عليه، ويثبت ما له، وما عليه. قاله أبو صالح، وقال (ه) أبو ~~سليمان الداراني: قال: يمحو الله ما ليس بحسنة، ولا سيئة، ويثبت ما هو ~~حسنة، وما هو سيئة. # {وعنده أم الكتاب} أي: ذلك (كله) في اللوح المحفوظ، قد جرى به القلم قبل ~~خلق الخلق. # وعن ابن عباس أيضا: / أنه قال في قوله # {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18]، قال: يكتب كل ما يتكلم به ~~العبد من خير، أو شر حتى إنه ليكتب: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت. حتى إذا ~~كان يوم الخميس عرضة قوله ms1240 جملة. فأقر ما كان فيه من خير وشر، وألقى ما عدا ~~ذلك وذلك قوله: {يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب}. # واختار جماعة من أهل العلم قول الحسن ومجاهد: يجعلونه جوابا للمشركين. # وقوله: {وعنده أم الكتاب}. قال الحسن: أم الكتاب: الحلال والحرام. PageV05P3757 # والحمد لله هي أم القرآن. # وقيل: أم الكتاب: اللوح المحفوظ. # وقال قتادة: {أم الكتاب}: جملة الكتاب، وأصله: أي: جملة ما ينسخ، وما ~~يثبت. # وقال كعب: علم الله ما هو خالق، وما يعلم خلقه. # يقال: محوت الكتاب، أمحوه محوا، وهي لغة القرآن. ويقال: محوته، أمحاه، ~~محوا، ومحيت، أمحى لغة. # ثم قال تعالى: {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم}: أي: إن أرينك يا محمد! بعض ~~الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب. # {أو نتوفينك}: قبل ذلك، فليس عليك في الحالين إلا بلاغ ما أرسلت به، ~~وعلينا حسابهم في الآخرة. فنجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. PageV05P3758 # قوله: {أولم يروا أنا نأتي الأرض} إلى قوله {عقبى الدار} معناه عند ابن ~~عباس: أولم ير أهل مكة الذين سألوا محمدا الآيات أنا نفتح على محمد الأرض ~~(بعد الأرض) من حولهم، ولا يخافون أن يفتح عليه أرضهم كما فتحنا له غيرها. ~~ودل على ذلك قوله في الأنبياء: {ننقصها من أطرافها}: بل، محمد وأصحابه ~~الغالبون. # وأكثر المفسرين على أنه يراد به: ذهاب خيار الناس، وعلمائهم، وصالحيهم. # وقال الضحاك، والحسن: هو ظهور المسلمين على المشركين. # وقيل: هو هلاك الأمم قبلهم، ووخراب أرضهم. فيقول: ألم تر قريش PageV05P3759 # هلاك الأمم قبلهم، قاله مجاهد، وابن جريج. # وروي عن ابن عباس، ( رحمه الله) نحوه. # وروي عن ابن عباس أنه قال: هو نقص بركات الأرض وثمارها، وأرضها بالموت. ~~وجماعة من العلماء على أن المعنى في النقص: موت أهل الأرض، وهو قول عكرمة. # وروي عن مجاهد، وقال ابن عمر: نقص الأرض هي التي موت فقهائها، وخيار ~~أهلها. ثم قال (تعالى): {والله يحكم لا معقب لحكمه} أي: يحكم ويقضي، فينفذ PageV05P3760 # حكمه، ولا راد لحكمه، ولا مانع لقضائه. فإذا أراد بهؤلاء المشركين (شرا) ~~لم يرده أحد. ms1241 # والأطراف جمع طرف، والطرف: الكريم من كل شيء. # قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: العلم أودية، في أي واد أخذت منه ~~حسرت، فخذ من كل شيء طرفا: خيارا. ومنه قولهم: # ما يدري: أي طرفيه أطول، أي: ما يدري الكرم يأتيه من ناحية أبيه، أو من ~~ناحية أمه. فصار / معنى {ننقصها من أطرافها}: أي: من علمائها، لأن العلماء ~~هم الخيار. ومعنى {وهو سريع الحساب} أي: يحصي أعمال هؤلاء المشركين، لا ~~يخفى عليه شيء منها. # ثم قال تعالى: {وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا} والمعنى: وقد ~~مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من الأمم، فوقع بهم العذاب، فلله أسباب ~~المكر PageV05P3761 # كلها، وبيده الضر والنفع. فلن يضر الماكرون بمكرهم أحدا إلا بإذن الله، ~~لأن أسباب المكر كلها بأمر الله، وإنما يضرون بمكرهم أنفسهم، لأنهم أسخطوا ~~ربهم عليهم حتى أهلكهم. فكذلك هؤلاء يمكرون بمكرهم أنفسهم، لأنهم أسخطوا ~~ربهم عليهم حتى أهلكهم. فكذلك هؤلاء يمكرون بك يا محمد، والله منجيك من ~~مكرهم، وملحق ضرر مكرهم بهم دونك. # ومعنى المكر من الله " أن ينزل العقوبة بمن يستحقها من حيث لا يعلمون ". # ثم قال تعالى: {يعلم ما تكسب كل نفس} أي: يعلم ما يفعل هؤلاء المشركون، ~~وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميع أعمال الخلائق كلهم. # {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} أي: سيعلمون، إذ قدموا على ربهم يوم ~~القيامة لمن عاقبة (عقبى) الدار في الآخرة. PageV05P3762 # وقيل: الكافر هنا يراد به أبو جهل لعنة الله. # (ومن قرأ): " الكفار " بالجمع. قيل: عني به المستهزءون وهم خمسة، ~~والمقتسمون، وهم ثمانية وعشرون. # قوله: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} إلى قوله: {علم الكتاب} المعنى: ~~ويقول الذين كفروا من قومك يا محمد! لست مرسلا، تكذيبا لك. # فقل لهم يا محمد {كفى بالله شهيدا} أي: حسبي الله {شهيدا بيني وبينكم} ~~أي: علي وعليكم، والذي {عنده علم الكتاب}. # أي: علم الكتب التي أنزلت قبل القرآن، كالتوراة، والإنجيل، وهو عبد لله ~~ابن سلام في قول مجاهد، وكذلك روى عبد الله بن ms1242 سلام أنه قال يوم قتل عثمان ~~لما PageV05P3763 # نهاهم عن قتله: قالوا: كذب اليهودي، فقال: وآثمتم، إني لمسلم، يعلم الله ~~ذلك، ورسوله، والمؤمنون. وقد أنزل في: {كفى بالله شهيدا بيني وبينكم}. # {ومن عنده علم الكتاب} وهذا يدل على (أن) هذه الآية مدنية، لأن عبد الله ~~بالمدينة أسلم. # وقل قتادة أيضا: {ومن عنده علم الكتاب}: هم ناس من أهل الكتاب، كانوا ~~يشهدون بالحق، ويقرون به، ويعلمون أن محمدا رسول الله، كنا نحدث أن منهم ~~عبد الله بن سلام. # وروي عنه أنه، قال: منهم عبد الله بن سلام، الفارسي، وتميم الدار (ي). PageV05P3764 # وقال الحسن: {ومن عنده علم الكتاب} هو الله؟ # يذهب إلى أن المعنى: كفى بالله، والذي عنده علم الكتاب. # واختار النحاس هذا القول، واستبعد أن يستشهد الله لأحد من خلقه. ودل على ~~ذلك قول عكرمة، وابن جبير، وغيرهما: نزلت هذه الآية بمكة، فلا سبيل إلى ذكر ~~عبد الله بن سلام هنا، لأنه بالمدينة أسلم. ويدل على ذلك أيضا أنه قد قرأ ~~{ومن عنده علم الكتاب}: فهذا هو الله، جل ذكره، لا يجوز غيره، أي: ومن عند ~~الله علم الكتاب. وهي قراءة مروية عن ابن عباس /، وغيره. # ومن فتح " ومن عنده " كانت الهاء تعود على " من ". # و" من ": هو الله، أو على ابن سلام، وشبهه على الاختلاف المذكور. PageV05P3765 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة إبراهيم عليه السلام وهى مكية # إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة , فى من قتل من المشركين يوم بدر , وهما ~~قوله (تعالى): # (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) # إلى آخر الآيتين - قاله قتادة. # قوله: {الر كتاب أنزلناه إليك} إلى قوله {ضلال بعيد} قد تقدم الكلام في ~~{الر} والمعنى: هذا الكتاب أنزلناه إليك يا محمد، لتخرج به الناس من الضلال PageV05P3767 # إلى الهدى. فالكفر بمنزلة الظلام، والإيمان كالنور. وهذا يدل على إرسال ~~محمد عليه السلام، إلى جميع الخلق لقوله: {لتخرج الناس}، ولم يقل لتخرج بني ~~إسماعيل، كما قال (في) التوراة {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} [السجدة: 23]. # ولم يقل للناس، وقال في الفرقان: {ليكون ms1243 للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1]، ~~ولم يقل للعرب. وقال لموسى عليه السلام {أن أخرج قومك} [إبراهيم: 5]، ولم ~~يقل للناس كما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس ~~بشيرا ونذيرا} [سبأ: 28]، ولم يقل: للعرب. # وقوله: {بإذن ربهم}: أي: يخرجهم بإذن ربهم، أي: بتوفيقه لهم PageV05P3768 # ولطفه، وأمره لا يهدى أحد إلا بإذنه. # ثم بين النور ما هو فقال: {إلى صراط العزيز الحميد}: أي: إلى طريق الله، ~~عز وجل المستقيم، وهو دينه الذي ارتضاه لخلقه. # " والحميد ": فعيل مصروف من " مفعول " المبالغة، ومعناه، المحمود بآلائه. ~~وأضاف الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( لأنه) المنذر المرسل بذلك. و ~~(الله)، ( عز وجل) هو المخرج لهم، والهادي على الحقيقة. # ثم بين العزيز الحميد من هو؟ فقال: {الله الذي له ما في السماوات} أي: ~~وهو الذي يملك جميع ما في السماوات، وجميع ما في الأرض. فأعلم الله، ( عز ~~وجل) نبيه صلى الله عليه وسلم أنه إنما أنزل عليه كتاب ليدعو عبادة إلى ~~عبادة من هذه صفته، ويتركوا عبادة PageV05P3769 # من لا يملك ضرا ولا نفعا. # ثم توعد الله ( عز وجل) ، من لا يؤمن بما جاء (ب) ه نبيه صلى الله عليه ~~وسلم: فقال: {وويل للكافرين من عذاب شديد}: وقد تقدم بيان معنى (ويل). ~~وأكثر المفسرين على أن ويلا واد في جهنم، فيه عقارب كالنجب، وفيه ألوان من ~~العذاب. # ثم بين صفة الكافرين، فقال: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} ~~أي: يختارون زينة الحياة الدنيا، فيعصون الله، ويتركون طاعته، وهم مع ذلك # {ويصدون عن سبيل الله}: أي: يمنعون من أراد الإيمان بالله، ( عز وجل) ~~واتباع رسوله. # {ويبغونها عوجا}: أي: يلتمسون العوج لدين الله، (سبحانه)، PageV05P3770 # والتحريف والتبديل بالكذب والزور. ونصبه لأنه مصدر في موضع الحال. وقيل: ~~هو مفعول به، وحرف الجر، مقدر مع المفعول المتصل. والتقدير: ويبغون لها ~~عوجا، والعوج بكسر / العين، وفتح الواو في الدين والأرض، وكل ما لم يكن ~~قائما، ويفتح العين والواو: فيما كان قائما مثل الحائط، والرمح، والسن. # {أولئك في ضلال بعيد}، أي: هؤلاء ms1244 المذكورون في ذهاب عن الحق بعيد. # قوله: {ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إلى قوله {(من ربكم) عظيم}: ~~المعنى: وما أرسلنا رسولا إلا بلغه ليفهموا عنه، فالمعنى: وأرسل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، بلغة سعد ابن بكر بن هوازن: وهي أفصح اللغات. فالمعنى: وما ~~أرسلنا إلى أمة من الأمم من قبل محمد ( صلى الله عليه وسلم من رسول) إلا ~~بلسان الأمة التي أرسل إليها، ليبين لهم ما أرسله PageV05P3771 # الله به إليهم من أمره ونهيه، لتقوم الحجة عليهم، ولا يبقى لهم عذر. ~~فيوفق الله من يشاء إلى الإيمان، ويخذل من يشاء فيبقى على كفره. # {وهو العزيز}: أي: الممتنع ممن أراده (ولا يمتنع عليه أحد) [إن] أراد ~~خذلا (نه)، لأنه الحكيم في توفيقه للإيمان من أراد أن يوفقه. # فإن قيل: فيجب ألا تلزم الحجة من كان من العجم، لأنهم لا يفهمون لسان ~~العرب، فالجواب: أنه إذا ترجم ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم ~~بلسانهم، وفهموا الدعوة لزمتهم الحجة، لقوله تعالى: {ومآ أرسلناك إلا كآفة ~~للناس بشيرا ونذيرا} [سبأ 28]، ولقوله: {(لأنذركم) به ومن بلغ} [الأنعام: ~~19] ولقوله: {ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]. # فكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم, وفهم ما دعاه إليه PageV05P3772 # (يأتي يساره إن) لزمته الحجة، ودخلت تحت قوله {ومن بلغ} [الأنعام: 19] ~~وتحت قوله: {كآفة للناس} [سبأ 28]. # ثم قال تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ أن أخرج قومك (من الظلمات إلى ~~النور)}: قوله: {أن أخرج} " أن " في موضع نصب على تقدير حذف (حرف) الجر. ~~والتقدير: بأن أخرج. # (وقيل: " أن " زائدة، ومثله: كتبت إليه أن قم): ومعنى الآية {ولقد أرسلنا ~~موسى} من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، بالأدلة والحجج، والآيات، وهي التسع ~~آيات المذكورة في القرآن. بأن يخرج قومه من الكفر إلى الإيمان، ويذكرهم: ~~{بأيام الله}: أي: بنعم الله عليهم في الأيام الخالية، إذ أنقذهم من آل ~~فرعون، PageV05P3773 # ومما كانوا فيه من العذاب، وإذا فلق لهم البحر، وظلل عليهم الغمام، وأنزل ~~عليهم المن والسلوى في أباه لهذا ms1245 من النعم. قاله مجاهد، وقتادة. # (وكذلك رواه ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بأيام الله: ~~بنعم الله). # قال مالك، ( رحمه الله) { بأيام الله}: ببلاء الله الحسن عندهم، وأياديه. # وقال ابن زيد: المعنى: وذكرهم بالأيام التي انتقم الله، فيها من الأمم ~~الماضية، فيتعظوا، ويزدجروا، ويخافوا أن يصيبهم مثل ما أصاب من كان PageV05P3774 # قبلهم، ودل على ذلك قوله بعد الآية: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم ~~نوح وعاد وثمود} [إبراهيم: 9]، ثم قال: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}: ~~والمعنى: إن في النعم التي مضت على الأمم الخالية، وأن في النعم التي أنعم ~~عليكم لعلامات ظاهرة، لكل ذي صبر على / طاعة الله عز وجل وشكر له على ما ~~أنعم عليه من نعمة، (جلت عظمته). # وقال قتادة عند تلامة هذه الآية: " نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا ~~أعطي شكر ". # ثم قال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا}: أي: واذكر يا محمد! إذ قال ~~موسى لقومه: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سواء ~~العذاب}: (أي): يذيقونكم شديد العقاب. وقد يجوز (مع ذلك) أبناءكم، ودخلت ~~الواو مع PageV05P3775 # " ويذبحون "، لتدل على آل فرعون كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع (غير) ~~التذبيح. # وروي أن فرعون كان يذبح كل غلام، ويستحي النساء، وكانت الحوامل عنده ~~مدونات، والقوابل يغدون عليهن ويرحن. وعندهم رجال قد شدوا أوساطهم، وجعلوا ~~فيها السكاكين التي يذبحون بها الولدان. وأيديهم مخضبة بالدماء. # ثم قال (تعالى): {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}: أي: اختبار لكم من ربكم. ~~ويكون البلاء هنا النعمة، فيكون المعنى: (إن) في إنجائه PageV05P3776 # إياكم نعمة عظيمة. # وقيل: المعنى: وفيما جرى عليكم بلية عظيمة. # قوله: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم} - إلى قوله - {إليه مريب} والمعنى: ~~واذكروا إذا تأذن ربكم. (أي): أعلمكم ربكم. ومنه الأذان، أنه إعلام. " ~~وتفعل " يقع على موضع " أفعل "، والعرب تقول: أوعدته، وتوعدته، بمعنى واحد. # وقال ابن مسعود: {وإذ تأذن ربكم}: أي: قال ربكم. وكذلك قال ابن زيد: ~~معناه: قال ربكم ذلك التأذن. ms1246 # {لئن شكرتم}: معناه: القسم، والمعنى: ولئن شكرتم ربكم بطاعتكم إياه، فيما ~~أمركم به، ونهاكم عنه، ليزيدنكم من النعم. PageV05P3777 # وقال الحسن: معناه: لأزيدنكم من طاعتي. # وقال سفيان بن عيينة: (قال سفيان): ليست الزيادة من الدنيا، أهون على ~~الله من أن يجعلها ثوابا لطاعته، ولا أثاب (بها) أحدا من رسله وأهل طاعته، ~~وهم أشكر الخلق. # وقيل: المعنى: لئن أطعتموني بالشكر، لأزيد (نك) م من أسباب الشكر ما ~~يعينكم عليه. # وقيل: إن المعنى: لأزيد (نك) م من الرحمة والتوفيق والعصمة. # وقوله: {لئن شكرتم}: أي: (إن) كفرتم النعمة، فجحدتموها بترك الشكر عليها. PageV05P3778 # {إن عذابي لشديد}: أي: لشديد على من كفر وعصى. # ثم قال تعالى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا}. # أي: قال لقومه: إن تكفروا، فتجحدوا نعمة الله عليكم، ويفعل مثل ذلك كل من ~~في الأرض {فإن الله لغني} عنكم وعنهم. {حميد}: أي: ذو حمد إلى خلقه بما ~~أنعمه عليهم. # ثم قال تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود}. # والمعنى: إن الله تعالى أخبرنا خبر الأمم الماضية، الذين لا يحصى عددهم ~~إلا الله ( عز وجل) { جآءتهم رسلهم}: بالآيات الظاهرات، يدعونهم إلى الله ~~(سبحانه) وإلى طاعته. # {فردوا أيديهم / في أفواههم}: أي: عضت الأمم على أصابعها، تغيظا PageV05P3779 # على الرسل، قاله ابن مسعود. # وقال ابن زيد: هو مثل: {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} [آل عمران: 119]. # وقيل: المعنى: أنهم لما سمعوا كتاب الله عز وجل عجبوا منه، و (و) ضعوا ~~أيديهم على أفواههم تعجبا. قاله ابن عباس. # وقيل: المعنى: كذبوهم بأفواههم، وردوا عليهم. قاله مجاهد. # وقال قتادة: كذبوا الرسل، وردوا عليهم بأفواههم، فقالوا: {وإنا لفي شك ~~مما تدعوننآ إليه مريب}. وهو مثل قول مجاهد. # وقيل: معناه: إنهم كانوا يشيرون بأيديهم إلى أفواههم، يسكتون الرسل إذا ~~دعوهم إلى الإيمان أن اسكتوا تكذيبا لهم، وردا لقولهم. # وقيل: المعنى: إنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل، ردا لقولهم، PageV05P3780 # وتكذيبا (لهم). # وقيل: هو مثل يراد به السكوت، لأن العرب تقول: سألت فلانا (في) حاجة فرد ms1247 ~~يدع في فيه، إذا سكت عنه فلم يجبه. # فالمعنى: أنهم يسكتون إذا دعتهم الرسل إلى الله، فلا يقبلون الدعاء وقيل: ~~المعنى: (فردوا أيدي الرسل) في أفواههم، أي: ردوا نعم الله، الت يأتتهم على ~~ألسنة الرسل بأفواههم فتكون " في " ب (معنى) " الباء "، واليد تكون في كلام ~~العرب: النعمة، يقال: لفلان عندي (يد: نعمة، وكان (. # . .) على هذا القول (. . .) يكون على وزن (. . .) لأن جمع يد (النعمة): PageV05P3781 # أياد، وجمع اليد من الجارحة: أيد. # وقوله: {بعدهم لا يعلمهم إلا الله} يدل على كثرة من مضى من الخلائق. # قال ابن مسعود: وكذب النسابون. # قال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدا يدري ما وراء عدنان. # وقال ابن عباس: بين عدنان، وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. # ثم أخبر عنهم تعالى بما قالوا للرسل (فقال): {وقالوا إنا كفرنا بمآ ~~أرسلتم به}: أي " كفرنا بما جئتمونا من ترك عبادة الأوثان [وقالوا]: {وإنا ~~لفي شك مما تدعوننآ إليه} أي: لفي شك من توحيد الله الذي تأمروننا (به). PageV05P3782 # {مريب}: أي: يريبنا ذلك الشك، أي: يوجب لنا الريبة. # قوله (تعالى): {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات} إلى قوله {وخاف ~~وعيد}: والمعنى: أن الله ( عز وجل) أعلمنا بجواب الرسل للأمم، إذ شكت في ~~توحيد الله سبحانه، وأنها قالت للأمم: {أفي الله شك}: أي (أ) في توحيد الله ~~شك وهو خلق السماوات والأرض، يدعوكم إلى توحديه، وطاعته، ليغفر لكم من ~~ذنوبكم، إن أنتم آمنتم به، واتبعتم أمره، وقبلتم نهيه. فلا يعذبكم على ما ~~ستر عليكم من ذنوبكم، ويؤخر آجالكم، فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم، ولكن ~~يؤخركم إلى الوقت الذي كتب (عليكم) في أم الكتاب. # و" من " في قوله: {من ذنوبكم}، قال أبون عبيدة: هي زائدة، والمعنى: PageV05P3783 # يغفر لكم ذنوبكم. وقيل: ليست بزائدة. # والمعنى: يغفر لكم / بعضها، إذ لا يأتي أحد يوم القيامة إلا بذنب، إلا ~~النبي محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر ~~في الدنيا. # والمغفرة لغيره إنما تكون في الآخرة. فأما قوله في الصف: {يغفر ms1248 لكم ~~ذنوبكم} [الصف: 12]، فإنما ذلك على الشرط الذي تقدم من الله لهم. فقالت ~~الأمم لهم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا}: أي: ما أنتم أيها الرسل إلا بشر مثلنا ~~في الصورة، ولستم ملائكة تريدون بقولكم هذا أن تصرفونا: {عما كان يعبد ~~[آبآؤنا]}: من الأوثان، {فأتونا} على قولكم: {بسلطان مبين}: أي: بحجة ~~ظاهرة. # ثم قال تعالى: {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم}: أي: صدقتم في ~~قولكم لنا: ما أنتم إلا بشر مثلنا. # {ولكن يمن على من يشآء من عباده}: فيهديه، ويوفقه للحق، ويرسله إلى PageV05P3784 # من يشاء خلقه. # {وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان}: أي: بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه من ~~توحيد الله ( عز وجل) ، وطاعته (جلت عظمته). # {إلا بإذن الله}: أي بأمره، {وعلى الله فليتوكل / المؤمنون}: أي: عليه ~~فليتوكل من آمن به، وأطاعه. فهذا كلام ظاهره الحظر والمنع، ولا يحظر (على ~~فعل شيء لا يقدر) عليه البتة، ولا في الطاقة فعله، ولكن معناه: وما كنا ~~لنأتي بسلطان {إلا بإذن الله}: نفوا ذلك عن أنفسهم، إذ، لا قدرة لهم عليه. ~~ولو حمل على ظاهره لكان معناه: إنهم يقدرون على الإتيان بالسلطان، وهو ~~الحجة. ولكن لا يفعلونه إلا بإذن الله، وليس الأمر كذلك (إذ) لا مقدورة لهم ~~على ذلك البتة، فلا يتم المعنى حتى يحمل على النفي. # ثم قال تعالى: قالت لهم الرسل: {وما لنآ ألا نتوكل على الله}: (أي: شيء ~~لنا في ترك التوكل على الله)، {وقد هدانا سبلنا}. أي: قد بصرنا طريق النجاة ~~من عذابه. PageV05P3785 # {ولنصبرن}، قسم من الرسل، أقسموا ليصبرن على أذى الأمم إياهم في الله، ~~{وعلى الله فليتوكل المتوكلون}. # فقالت الأمم للرسل: {لنخرجنكم من أرضنآ}: أي: لنطردنكم من مدينتنا، {أو ~~لتعودن في ملتنا}: أي: إلا أن تدخلوا في ديننا. و " أو " عند بعض أهل اللغة ~~بمعنى: " إلا ". وقيل: معنى " أو ": حتى تعودوا ودخلت اللام في " لتعودن " ~~لأن في الكلام معنى الشرط، كأنه جواب لليمين. والتقدير: لنخرجنكم من أرضنا، ~~أو لتعودن في ملتنا، كما تقول: لأضربنك أو تقر ms1249 لي. # {فأوحى إليهم ربهم}: أي: أوحى الله إلى الرسل. # {ربهم لنهلكن الظالمين}: وهو قسم من الله، (وهو) كله وعيد وتهدد لقريش ~~(ومن يليهم من العرب، وتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم، ليعلم ما لقيت ~~الرسل مثله من PageV05P3786 # الأمم، فيهون عليه ما يلقى من قريش) وغيرهم ممن امتنع أن يؤمن (به). # ثم قال تعالى للرسل: {ولنسكننكم الأرض من بعدهم}: أي: لنسكنن من آمن بكم ~~الأرض، ومن بعد إهلاك الظالمين. فوعدهم تعالى بالنصر في الدنيا. # ثم قال تعالى ذكره: {ذلك لمن خاف مقامي}: أي: ذلك النصر يكون لمن خاف ~~مقامي بين يدي الله ( عز وجل) في الآخرة، فاتقى الله، وعمل بطاعته. # والمصدر يضاف إلى الفاعل مرة، وإلى المفعول به أخرى. فهو هنا مضاف إلى ~~الفاعل. # ثم قال: {وخاف وعيد}: أي: خاف تهددي. # قوله: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} إلى قوله: {عذاب غليظ}. # والمعنى: واستفتحت الرسل على قومها لما كذبوهم: أي: استنصروا الله عليها ~~لما وعدهم بالنصر على الأمم، وأنه يسكنهم الأرض من بعد الأمم. # هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. PageV05P3787 # وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء، كقول قريش: {اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: ~~32]. وقد أعلمنا الله أن قوم هود استفتحوا، وقالوا لهود: {فأتنا بما تعدنآ ~~إن كنت (من الصادقين)} [الأعراف: 70]. # فالاستفتاح عنده مسألة العذاب. # وقد روي أنه قيل لقريش حين استفتحوا / العذاب: إن لهذا أجرا يؤخر إلى يوم ~~القيامة، فقالوا: {ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} [ص: 16]: أي: عجل لنا ~~نصيبنا من العذاب على (طريق) التكذيب به، (و) على هذا أتى قوله: ~~{ويستعجلونك بالعذاب} [العنكبوت: 53] الآية. PageV05P3788 # وقوله: {وخاب كل جبار عنيد}: أي: أهلك كل متكبر عن الإيمان معاند. # قال المفسرون: هو من امتنع أن يقول: لا إله إلا الله. # وقال قتادة: العنيد: الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله ". # وقيل: الجبار هو الذي لا يرى لأحد عليه حقا. # وقيل: هو أبو جهل لعنه الله ونظراؤه. # ويقال: جبار ms1250 بين الجبرية والجبرية بكسر الجيم، والباء، والجبروة ~~والجبروة، والجبروت، والعنيد: المعاند للحق. PageV05P3789 # ثم قال تعالى: {من ورآئه جهنم}: أي: من وراء ذلك الجبار العنيد جهنم ~~يردها: أي: من أمامه جهنم. كما يقال: إن الموت من ورائك، أي: من أمامك. ~~وأصل: " وراء ": ما توارى عنك، وهو يصلح لخلف ولقدام، وليس هو من الاضداد. # وقوله: {ويسقى من مآء صديد}: الصديد: الدم، والقيح يتجرعه {ولا يكاد ~~يسيغه} أي: يتحساه، ولا يكاد يزدرده من شدة كراهيته، أي: لا يقدر يبلعه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في قوله: {يتجرعه ولا يكاد ~~يسيغه}. قال يقرب إليه فيكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه. ~~فإذا شربه، قطع PageV05P3790 # أمعاءه، حتى يخرج من دبره. يقول: (الله تعالى): {وسقوا مآء حميما فقطع ~~أمعآءهم} [محمد: 16]: وقال: {وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه} ~~[الكهف: 29]. # ثم قال تعالى: {ويأتيه الموت من كل مكان}: أي: يأتيه الموت عن يمينه، ~~وشماله، وخلفه، وقدامه. # وقيل: معناه: من كل مكان في بدنه من شدة عذابه. # {وما هو بميت}: أي: لا تخرج نفسه، والمعنى: يأتيه ما يمات منه من كل ~~جانب، وليس يموت. # قال: ابن جريج: " تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع ~~إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحة ". PageV05P3791 # وقيل: المعنى {ويأتيه الموت من كل مكان}: أي: " من تحت كل شعرة في جسده ~~". # ثم قال: {ومن ورآئه عذاب غليظ}: أي: من وراء ما هو فيه من العذاب، - يعني ~~- أمامه (عذاب غليظ). # قال الفضيل: هو حبس الأنفاس. # وقال القرظي: محمد بن كعب: إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآن، مات ~~موتات، فإذا دنا منه مات موتات، فإذا شرب منه مات موتات. فهو قوله: ~~{(ويأتيه) الموت من كل مكان}. # قوله (تعالى): {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد} - إلى قوله - {على ~~الله بعزيز}، التقدير عند سيبويه، والأخفش، وفيما نقص عليكم مثل الذين ~~كفروا، كما قال: {مثل الجنة} [الرعد: 35]. PageV05P3792 # وقال الكسائي تقديره مثل أعمال / الذين كفروا كرماد. # ومعنى الآية: أنه ms1251 مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة، وأنها مثل ~~رماد ضربته ريح عاصف. فماذا تبقى منه؟ (كذلك) لا يبقى للكفار من أعمالهم ~~شيء ينتفعون به، لأنهم أرادوا بها غير ذلك (سبحانه). # ووصف (يوم) بالعصوف، (وحقيقته) للريح، وإنما جاز ذلك لأنه بمعنى النسب. ~~تقديره: في يوم عصف، (وتقديره) عند الفراء: في يوم عاصف الريح، وحذفت الريح ~~لتقدم ذكرها. # {لا يقدرون مما كسبوا على شيء}: أي: لا يقدرون أن ينفعهم شيء من أعمالهم، ~~كما لا يقدرون على النفع بشيء، ومن رماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف. PageV05P3793 # {ذلك هو الضلال البعيد}: أي: عملهم الذي كانوا يعملون ضلال، بعيد عن ~~الحق. # ثم قال تعالى ذكره: {ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق} والمعنى: ~~ألم تر يا محمد بعين قلبك أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق، أي انف (ر) ~~د بذلك من غير ظهير، (ولا) معين. # {إن يشأ يذهبكم}: أي: يفنيكم، {ويأت بخلق جديد} عوضا منكم، {وما ذلك على ~~الله بعزيز}: أي: ومت ذهابكم، وخلق عوضكم بممتنع على الله ( عز وجل) ، لأنه ~~القادر على ما يشاء. # فأول الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته دل على ذلك ~~أنه رد الخطاب في آخر الآية إليهم، فقال: {إن يشأ يذهبكم}. PageV05P3794 # قوله: {وبرزوا لله جميعا} - إلى قوله - {لهم عذاب أليم}. المعنى: وبرزوا ~~من قبورهم، (أي) ظهر هؤلاء الذين كفروا من قبورهم فصاروا بالبراز من الأرض ~~جميعا. # {فقال الضعفاء للذين استكبروا}: أي قال التباع للمتبوعين المستكبرين في ~~الدنيا عن عبادة الله عز وجل. # { إنا كنا لكم تبعا}، في الدنيا، أي: نتبع أمركم لنا بمعصية الله، عز ~~وجل، وترك اتباع الرسل. # {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء}: أي: دافعون عنا (من العذاب) ~~شيئا. قال المتبوعون، وهم القادة للعضفاء، وهم التابعون: {لو هدانا الله ~~لهديناكم}: أي: لو أن لنا شيئا ندفع به عذابه عنا اليوم، لبيناه حتى تدفعوا ~~به العذاب عن أنفسكم. PageV05P3795 # {سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص}: أي: سواء ms1252 علينا الجزع ~~والصبر، ما لنا من خلاص، ومن ملجأ، ومن مهرب، ومن معدل، و " سواء " بمتدأ، ~~وما بعده خبر. # قال محمد بن كعب القرظي: بلغني أن أهل النار، يقول بعضهم لبعض: يا هؤلاء! ~~إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما ترون، فلهم فلنصبر، فلعل الله ينفعنا ~~كما صبر أهل لدنيا على طاعة الله ( عز وجل) ، فنفعهم الصبر. فأجمعوا رأيهم ~~على الصبر، فصبروا، فطال صبرهم، ثك جزعوا فنادوا: {سوآء علينآ أجزعنآ أم ~~صبرنا ما لنا من محيص} /: (أي) من ملجأ. # وقال ابن زيد: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالو فإنما أدرك أهل PageV05P3796 # الجنة الجنة ببكائهم، وتضرعهم لله تعالى. (تعالوا) نبكي، ونتضرع إلى ~~الله، جل ذكرهز فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم، قالوا: تعالوا ~~فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا نصبر. فصيروا صبرا لم ير مثله، ~~فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: {سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من ~~محيص}. # وروى مالك (رضي الله عنه)، عن زيد بن أسلم أنه قال: صبروا (مائة) عام، ثم ~~بكوا مائة عام. فقالوا: {سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص}. # وروى كعب ابن مالك، عن أبيه، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: " يقول أهل النار إذا اشتد بهم العذاب: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة ~~عام، فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم، قالوا: هلم فلنجزع، فيجزعون ويضجون ~~خمسمائة عام، فلما رأوا PageV05P3797 # أن ذلك لا ينفعهم قالوا: {سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص} ". # ثم قال تعالى: (ذكره): {وقال الشيطان لما قضي الأمر}. أي: قال إبليس لما ~~دخل أهل الجنة، وأهل النار النار، واستقر بكل فريق قراره. # {إن الله وعدكم}: أيها الأتباع النار، {ووعدتكم}: النصرة. # وقيل، معنى: {وعدكم وعد الحق}: أي: وعد من أطاع (ه) الجنة، ومن عصاه ~~النار. # ووعدتكم أنا خلاف ذلك {فأخلفتكم} وعدي، وفي لكم الله بوعده. # {وما كان لي عليكم من سلطان}: أي: ما كان لي عليكم فيما وعدتكم به من ~~النصرة حجة، تنبت ms1253 لي عليكم بالصدق قول (ي). PageV05P3798 # {إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}: أي: دعوتكم إلى طاعتي، ومعصية الله، ~~فأجبتموني. {فلا تلوموني} " على إجابتكم إياي {ولوموا أنفسكم} عليها. {مآ ~~أنا بمصرخكم} أي: بمغيثكم، {ومآ أنتم بمصرخي}: # أي: بمغيثي يقال: أصرخت الرجل إصراخا: أغثته. # {إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل} أي: إني جحدت أن أكون شريكا لله، ~~(سبحانه) فيما أركتموني فيه من عباد (ت) كم (من قبل): في الدنيا. # وقال قتادة: معناه: إني عصيت الله فيكم. # وقيل: (من قبل): أي: بطاعتكم إياي في الدنيا، وفيه بعد. # {إن الظالمين لهم عذاب أليم}: أي، إن الكافرين لهم اليوم عذاب موجع. PageV05P3799 # قال محمد بن كعب القرظي: فلما سمعوا مقالة إبليس هذه في خطبة يقوم بها ~~عليهم، مقتوا أنفسهم، فنودوا: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون} [غافر: 10]. # روي أن إبليس اللعين يقوم فيقول: أين أوليائي فيجتمعون إليه فيقول: {إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم}. # قال الحسن: إذا كان يوم القيامة يقوم إبليس خطيبا على منبر من نار فيقول: ~~{إن الله وعدكم / وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم}. # وقال قتادة: رحمة الله عليه في قوله: {إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل}: ~~معناه: إني " عصيت الله قبلكم ". # وقال سفيان الثوري (نظر الله إلى وجهه): {إني كفرت بمآ (أشركتمون) PageV05P3800 # من قبل} [24] يقول: كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا. # وقال ابن عباس: {مآ أنا بمصرخكم}: أي بنافعكم، وما أنتم بنافعي. # وقال الربيع بن أنس ( رحمه الله) : ( ما) أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجي. # وقال محمد بن كعب: إنما قال ذلك، حين قال أهل الجنة: {سوآء علينآ أجزعنآ ~~أم صبرنا}. # وروي (عن): عقبة بن عامر الجهني (رضي الله عنه):، قال: سمعت رسول الله ~~يقول: " إذا جمع الله الأولين والآخرين، وفرغ من (القضاء): بين الناس، قال ~~المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا. فمن يشفع لنا عند ربنا، فيقول: انطلقوا بنا ~~إلى من خلقه الله، وكلمه آدم. فيأتونه، فيقولون: اشفع لنا لى ربنا، فيقول: ~~عليكم بنوح PageV05P3801 # فيأتون نوحا، فيدلهم على إبراهيم، فيدلهم على موسى، ms1254 فيأتون موسى، فيدلهم ~~على عيسى. فيأتون عيسى، فيقول لهم: هل أدلكم على النبي الأمي. قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( وعليهم أجمعين): فيأتوني فيسألوني أن أشفع لهم ~~إلى ربهم، فيأذن الله لي بالقيام، فيثور لمجلسي أطيب ريح، شمها أحد، حتى ~~آتي ربي فأشفع فيشفعني، (جل وعز): فيقول الكفار عنج ذلك: وقد وجد المؤمنون ~~من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو إلا إبليس، هو الذي أضلنا. ~~فيأتون إبليس فيقولون له: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم إلى ربهم فاشفع لنا ~~إلى ربنا فإنك (أنت): أضللتنا فيقوم، فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد قط: ~~فيعظم لجهنم فيقول: إبليس عند ذلك: {إن الله وعدكم وعد الحق} - إلى قوله - ~~{أليم}، وإنما ذكر الله هذا من أمر إبليس، تحذيرا من أعدائه. " PageV05P3802 # قوله: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} - ~~إلى قوله - {من قرار}. المعنى: وأدخل الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه وعملوا ~~الأعمال الصالحات {جنات تجري من تحتها الأنهار}: أي: بساتين تجري دونها ~~الأنهار. # {خالدين فيها بإذن ربهم}: أي: ماكثين فيها أبدا بأمر ربهم. # {تحيتهم فيها سلام}: يعني: الملائكة يسلمون عليهم فيها. # فالضمير في تأويل مفعول لم يسم فاعله. أي: يحيون بالسلام (يعني الملائكة ~~يسلمون): (ويجوز) أن يكون الضمير فاعلا، والمعنى: ويحيي بعضهم بعضا ~~بالسلام. # ثم قال تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة} /، (أي): ألم تر ~~بعين PageV05P3803 # قلبك يا محمد، كيف ضرب الله مثلا للإيمان (به): ومثلا للكفر به. فجعل مثل ~~المؤمن في نطقه بالتوحيد، والإيمان بنبيه صلى الله عليه وسلم، وأتباع ~~شريعته (جلت عظمته): مثل الشجرة (الطيبة). فنفع الإقامة على توحيده، كنفع ~~الشجرة التي لا ينقطع نفعها في كل حين، وهي النخلة. # قال ابن عباس ( رحمه الله) : { مثلا كلمة طيبة}: يهمي أن شهادة (أن) لا ~~إله إلا الله، {كشجرة طيبة}، هي المؤمن، أصلها ثابت: هو قول لا إله إلا ~~الله. ثابت في قلبه {وفرعها في السمآء} أي: يرتفع بها عمل المؤمن في ~~السماء. # وقال مجاهد: ms1255 {كشجرة طيبة}: يعني: النخلة. # وقيل: الكلمة الطيبة أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب، يعني التوحيد. PageV05P3804 # {وفرعها في السمآء} يعرج بها فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله، عز وجل. وقال ~~ابن عباس أيضا، ( رحمه الله) : في رواية أخرى عنه: الشجرة الطيبة: المؤمن، ~~والأصل الثابت: في الأرض، (والفرع): في السماء: يكون المؤمن يعمل في الأرض، ~~ويتكلم فيبلغ عمله، وقوله السماء، وهو في الأرض. # وقال عطية العوفي: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب، وعمل ~~صالح، يصعد إلى الله عز وجل. # وقال الربيع بن أنس: {أصلها ثابت} في الأرض: ذلك المؤمن ضرب مثله. # وقيل: معنى: وفرعها في السماء: بركتها وثوابها لمعتقدها صاعد إلى الله ( ~~عز وجل) ، وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. PageV05P3805 # وقيل: معنى (أصلها ثابت): (أي) شهادة أن لا إله إلا الله (محمد رسول لله) ~~ثابتة في القلب المؤمن، {وفرعها في السمآء}: أي: يرتفع بها أعمال المؤمن ~~إلى السماء. # (و) قال: مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن جبير، وابن عباس: الشجرة ~~هنا النخلة. # وعن الضحاك أنه قال: هذا مثل ضربه الله ( عز وجل) :، للمؤمن يطيع الله ~~بالليل، ويطيعه بالنهار، (و) يطيعه: كل حين، (كما): أن هذه الشجرة تؤتي ~~أكلها كل حين. # وقوله: {كشجرة خبيثة}: مثل الكافر عمله خبيث، وجسده خبيث، وروحه خبيث. ~~وليس لعمله قرار في الأرض، ولا يصعد إلى السماء. # وقيل: الشجرة هنا: شجرة في الجنة، روي ذلك عن ابن عباس، رضي الله عنه. PageV05P3806 # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هي النخلة " ومعنى كل ~~حين: كل غدوة وعشية في أحد قولي ابن عباس على أنها شجرة في الجنة. # وقيل: كل حين: كل وقت، وهو المؤمن يطيع الله، ( عز وجل) : بالليل ~~والنهار، وفي كل وقت. # وقال الربيع بن أنس ( رحمه الله) ( كل حين): كل وقت يصعد عمل المؤمن من ~~أول النهار وآخره. # وقيل: الحين هنا: ستة أشهر، من حيث تصرم النخلة إلى حين تطلع وذلك ستة ~~أشهر. PageV05P3807 # وقيل: الحين: سنة، وذلك من حين ms1256 تصرم النخلة / إلى حين تصرم. # وقال سعيد بن المسيب: الحين: شهران، وهو ما دام التمر في النخل، وذلك ~~شهران. # واختلفوا في رجل حلف ألا يكلم رجلا إلى حين، وألا يدخل الدار إلى حين، ~~على مثل ما اختلفوا في الآية. # والحين عند أهل اللغة: اسم للوقت، يصلح لجميع الأزمان كلها طالت، أو PageV05P3808 # قصرت. # واختيار الطبري قول من أن الحين غدوة وعشية، وكل ساعة، على أن الشجرة ~~شجرة في الجنة، لأن الله ( عز وجل) ضرب ما تؤتى هذه الشجرة كل حين من الأكل ~~لعمل المؤمن، وكلامه مثلا. ولا شك أن المؤمن يرتفع له إلى الله، عز وجل، في ~~كل يوم عمل صالح. # واختار النحاس أن يكون الحين سنة، على أن الشجرة: النخلة، تؤتي ثمرها من ~~سنة إلى سنة. # والحين عند مالك، ( رحمه الله) : سنة، ولو نذر رجل أن يصوم حينا (لصام) ~~سنة وهو قول مجاهد. # وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي: الحين ستة أشهر، فمن نذر صوم ~~حين، صام ستة أشهر. PageV05P3809 # وقال الشافعي: ليس عليه في نذره شيء، ولا يحنث في ترك الصوم، ولا يلزمه ~~نذر. لأن الحين يكون مدة الدنيا كلها. # ثم قال تعالى: {مثلا كلمة طيبة}، معناه: ومثل الشرك بالله، سبحانه وهي ~~الكلمة الخبيثة: كشجرة خبيثة، وهي: الحنظلة، قال (ه) مجاهد، وأنس بن مالك ~~وروي عن ابن عباس. # ومعنى: {اجتثت من فوق الأرض}، أي استؤصلت. # ومعنى: {ما لها من قرار}: أي: ليس من أصل في الأرض تثبت عليه وتقوم. فليس ~~لكفر الكافر ومعصيته ثباتن ولا نفع. PageV05P3810 # كما أن هذه الشجرة ليس لها أصل، ولا ثبات ولا نفع. # وقيل: الشجرة الخبيثة: الثوم: وقيل: الكثوث. # قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} - إلى قوله - {ولا خلال}. # ومعناه: يثبت الله الذين آمنوا به وبرسله وكتبه بقوله لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله: أي: يثبتهم (بذلك في الحياة الدنيا: أي: في قبورهم ~~قبل قيام الساعة. # {وفي الآخرة}: قال البراء بن عازب: يثبت الله الذين آمنوا بالشهادة في ~~القبر، إذ أتاهم الملكان، ms1257 فقالا: من ربك؟ فيقول ربي (الله فيقولان) ما ~~دينك؟ فيقول: دين (ي) الإسلام، فيقولان من نبيك؟ PageV05P3811 # فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم: فذلك القول الثابت في الحياة الدنيا. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا أيها الناس ~~إن هذه الأمة تبتى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق عنه أحابه جاءه ملك ~~بيده مطراق، فأقعده فقال (له): ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا: قال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ~~فيقول له: صدقت # . فيفتح له باب إلى النار، فيقال (له): هذا منزلك لو كفرت بربك. فأما إذ ~~آمنت، فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض PageV05P3812 # فيقال له: ثم يفسح له في قبره. وأما الكافر /، والمنافق، فيقال له: ماذا ~~تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت، ولا تدريت ولا ~~اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما ~~إذ كفرت، فإن الله عز وجل أبدلك به هذا. ثم يفتح له باب إلى النار، ثم ~~يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم، إلا الثقلين. فقال (له) ~~بعض أصحابه: يا رسول الله ما منا أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلا ~~يفشل عند ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: { يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} " الآية. # ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ زائدة على ما ذكرنا، وناقصة (عن) ما PageV05P3813 # ذكرنا، والمعنى فيها قريب من الآخر. # وقيل: معنى الآية: يثبتهم الله في الحياة على الإيمان، حتى يموتوا عليه ~~{وفي الآخرة} المساءلة في القبر، قاله طاووس، وقتادة وهو اختيار جماعة من ~~العلماء. # ومعنى {ويضل الله الظالمين}: أي: لا يوفقهم في الحياة الدنيا إلى ~~الإيمان، ولا في الآخرة عند المساءلة في القبر. # وقوله: {ويفعل الله ما يشآء}: أي: بيده الهداية والضلالة يضل من يشاء فلا ~~يوفقه، ms1258 ويهدي من يشاء فيوفقه. # ثم قال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا}: أي: غيروا نعمة ~~الله، وهي كون محمد صلى الله عليه وسلم من قريش وإرساله إليهم، فجعلوا ~~النعمة كفرا. PageV05P3814 # قيل: نزلت في قتلى بدر من المشركين. وقيل: في كفار قريش كلهم. # قوله: {وأحلوا قومهم دار البوار}: أي: أنزلوا قومهم من مشركي قريش دار ~~الهلاك. يقال: بار الشيء: إذا هلك، ثم بينها فقال: {جهنم يصلونها وبئس ~~القرار}: أي: بئس المستقر لمن صلاها. # ووقيل: نزلت في المشركين يوم بدر قاله ابن عباس. # {وأحلوا قومهم دار البوار}: يعني: الذين اتبعوهم. # وقيل: نزلت في أهل مكة عامة: أسكنهم الله عز وجل حرمه، وآتاهم نعمه، ~~وجعلهم قوام بيته. فبدلوا ذلك كفرا. # ثم قال تعالى: {وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله}: أي: جعل هؤلاء الذين PageV05P3815 # بدلوا نعمة الله كفرا (لله) أندادا: أي: شركاء. ({ليضلوا عن سبيله}) لكي ~~يضلوا الناس عن سبيل الله. # قال ابن مسعود: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا، يعني: تمثالا، ~~تعبدها قريش من دون الله: فهي الأنداد. # ثم قال تعالى: {قل تمتعوا}: أي: قل لهم يا محمد! تمتعوا في هذه الحياة ~~الدنيا، وهذا على طريق التهدد، والوعيد. # {فإن مصيركم إلى النار}: أي عاقبتكم إلى النار تكون. # وقيل: معناه: إن الكافر لو كان في الدنيا مريضا سقيما، طول عمره لا يجد ~~ما PageV05P3816 # يأكل ولا (ما) يشرب لكان ذلك نعيما عندما يصير إليه / من عذاب الآخرة. ~~ولو كان المؤمن في الدنيا لا يعرض له سقم، ولا مرض طول عمره، يتنعم بأنعم ~~ما يكون من مأكول (في) الدنيا، ويلبس أحسن ما يكون من اللباس لكان ذلك بؤسا ~~عندما يصير إليه من نعيم الآخرة. # ثم قال تعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة}: # ومعناه: قل يا محمد! لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوات الخمس بحدودها. # {وينفقوا مما رزقناهم}: أي: مما خولناهم: يعني: الزكاة. سرا وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه، أي: لا يباع ما وجب عليه من العقاب بفدية (ولا ~~عوض). ms1259 # قال أبو عبيدة: البيع هنا: الفدية. PageV05P3817 # وقوله: {ولا خلال}: أي: ولا مخالة خليل، فيصفح عمن استوجي العقوبة ~~لمخاللته. والخلال مصدر خاللته، قاله الأخفش. (و) الخلال جمع خلة، وهو ~~بمعنى: الصداقة. # وقال ابن عباس: {يقيموا الصلاة} يعني: الصلوات الخمس، {وينفقوا مما ~~رزقناهم}: يعني: زكاة أموالهم. # قوله: {الله الذي خلق السماوات} - إلى قوله - {كفار}: والمعنى: " الله ~~الذي أنشأ السماوات والأرض من غير شيء. # {وأنزل من السمآء مآء فأخرج به}: أي: أحيى به الأرض والشجر، PageV05P3818 # والزرع، والثمرات، رزقا لكم: تأكلونه. # {وسخر لكم الفلك} وهي السفن: {لتجري في البحر بأمره} ومعنى " بأمره " ~~لكم، تركبونها، وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد. # {وسخر لكم الأنهار}: أي: سخر ماءها شرابا وسقيا لكم. # {وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين}: أي: متعاقبين عليكم أيها الناس بالليل ~~والنهار لصلاح أنفسكم ومعايشكم. # وقيل: معنى دائبين: متماديان في اختلافهما عليكم. وقال ابن عباس ( رحمه ~~الله) : هو دؤوبهما في طاعة الله، عز وجل، { وسخر لكم اليل والنهار}: أي: ~~بسخر تعاقبهما عليكم لمنافعكم، وصلاح أحوالكم. PageV05P3819 # ثم قال تعالى: {وآتاكم من كل ما سألتموه}: أي: وأعطاكم مع ما تقدم من ذكر ~~إنعامه عليكم: {من كل ما سألتموه}، أي: من كل سؤلكم، قاله الفراء. # وقال الأخفش: " من كل ما سألتموه (شيئا)، وحذف شيئا لدلالة لفظ التبعيض ~~عليه، ولدلالة " ما " التي أضيف إليها " كل " لأنها بمعنى شيء. # وقيل: هذا لفظ عام، ويراد به الخصوص، كما يقال: فلان يعلم كل شيء، وأتاني ~~كل إنسان: يريد البعض، ومثله {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} [الأنعام: 44] # قال مجاهد: معناه: وآتاكم من كل ما رغبتم إليه فيه. # وقيل: المعنى: وآتاكم من كل الذي سألتموه، والذي لم تسألوه. # وقيل: معناه: إن الناس قد سألوا الأشياء عن تفرق أحوالهم، فخوطبوا على ~~ذلك: أي: قد أوتي بعضهم منه شيئا، وأوتي الآخر منه شيئا آخر، مما قد سأله. PageV05P3820 # وروى محمد بن إسحاق المسيبي، عن أبيه، عن نافع " من كل " بالتنوين، وهي ~~قراءة الضحاك. والحسن: أي: أعطاكم أشياء ما سألتموها / ولا التمستموها، ~~ولكن فعل ذلك لكم، برحمته ms1260 وسعة فضله. # قال الضحاك ( رحمه الله) : فكم من شيء أعطانا الله ما سألناه، ولا ~~طلبناه، ولا خطر لنا على بال. # وجعل الحسن " ما " بمعنى " الذي " مع التنوين. وقال في معناه: وآتاكم من ~~كل ما سألتموه: أي: أعطاكم من كل الأشياء الذي سألتموه. # ثم قال تعالى: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها}: أي: (إن) تعدوا نعم الله PageV05P3821 # عليكم لا تحصوا عددها، والقيام بشكرها. # ثم قال تعالى: {إن الإنسان لظلوم كفار}، الإنسان: اسم للجنس وظلوم بني ~~للمبالغة. # والمعنى أن الإنسان غير شاكر من أنعم عليه، وقد وضع الشكر في غير موضعه، ~~يعبد غير من أنعم عليه. # كفار: جحود نعمة من أنعم عليه. # قوله: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا} - إلى قوله - {غفور ~~رحيم}. # المعنى: واذكر يا محمد! إذ قال إبراهيم: رب اجعل مكة " بلدا " آمنا، ~~سكانه وأهله. فهذا إشارة إلى البلد، والبلد نعت لهذا، أو عطف بيان. و " ~~آمنا " مفعول PageV05P3822 # ثان لجعل. # ثم قال تعالى حكاية عن قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا محمد ~~وسلم: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}: أي: اجعلني وإياهم جانبا عن ~~عبادتها. # وقيل: معناه أنقذني، وإياهم من عبادة الأصنام. والصنم: التمثال المصور، ~~فإن لم يكن مصورا فهو وثن. # قال مجاهد: أجاب الله، جل ذكره، دعوة إبراهيم في ولده، فلم يعبد أحد منهم ~~صنما. # ثم قال تعالى، ذكره: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس}: أي: إن الأصنام ~~أضللن كثيرا من الناس عن طريق الهدى والحق، حتى عبدوهن فكفروا بك. وأضاف ~~الفعل إلى الأصنام على ما تعرف العرب من مخاطبتها. يقول العرب: أفتنتني ~~الدار، والمعنى: استحسنتها. PageV05P3823 # فالمعنى: إنه افتتن (كثير) من الناس بهن، أي: استحسنهن كثير من الناس، ~~أي: استحسن عبادتهن كثير منهم. # {فمن تبعني فإنه مني}، أي: من تبع ما أنا عليه من الإيمان بالله، ( عز ~~وجل) ، وإخلاص العبادة (له فهو من): أي: من أهل ديني. # {ومن عصاني} فخالف أمري {فإنك غفور} لذنوب المذنبين. أي: ستار لها إذا ~~تابوا منها بالإيمان. وهذا قريب من قول ms1261 عيسى صلى الله عليه وسلم: { إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك} [المائدة: 118]- الآية -: أي: إن تغفر لهم ذنوبهم بعد ~~توبتهم وإيمانهم. (وفي) ذلك أقوال غير هذا، قد ذكرتها في المائدة. # وغير جائز أن يتأول أحد أن المغفرة ترجى لمن مات على كفره، لقوله: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} [النساء: 48، 116]، PageV05P3824 # ولقوله: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا} [آل عمران: 91]- الآية - وهو كثير في القرآن، فلا ييأس من مغفرة الله ~~لعبد مع الإيمان، ولا ترجى مغفرة لعبد من الكفر. # وقوله: رحيم: أي: رحيم بعبادك إذا آمنوا قبل موتهم. # قوله: {ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي / زرع} - إلى قوله - {يوم ~~يقوم الحساب}. معنى الآية: إنه دعاء من إبراهيم صلى الله عليه وسلم بمكة، ~~وذلك حين أسكن إماعيل، وأمه هاجر مكة. # قال ابن عباس: إن أول من سعى بين الصفا والمروة لأم اسماعيل (وإن) PageV05P3825 # أول ما أحدث النساء جر الذيول، لمن أم اسماعيل، وذلك أنها لما فرت من ~~سارة أرخت من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم، ومعها إماعيل حتى انتهى ~~بها إلى موضع البيت، فوضعها، ثم رجع. فأتبعته، فقالت: إلى (أي) شيء تكلنا؟ ~~(إلى أي طعام تكلنا)، إلى أي شراب تكلنا؟. # فجعل إبراهيم لا يرد عليها عينا، فقالت: (آلله) أمرك بهذا؟ قال نعم. ~~قالت: إذن لا يضيعنا. فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء. أقبل على ~~الوادي، فدعا، فقال: {ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} - الآية - ~~قال: وكان كع هاجر شن، فيه ماء. فنفد الماء فعطشت، فانقطع اللبن. فعطش ~~الصبي، فنظرت أي: الجبال أدنى من الأرض، فصعدت الصفا، فتسمعت هل تسمع صوتا ~~أو ترى أنيسا. فلم تسمع شيئا، فانحدرت. فلما أتت إلى الوادي سعت وما تريد ~~السعي، PageV05P3826 # كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي. فنظرت أي الجبال أدنى من ~~الأرض، فصعدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا، أو ترى أنيسا فسمعت صوتا ~~كالإنسان الذي يكذب ms1262 سمعه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك، فأغثني، فقد ~~هلكت وهلك من معي. فجاء الملك بها، حتى انتهى (بها) إلى زمزم. فضرب بقدمه ~~ففارت، فجعلت هاجر تفرغ من شنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم ~~الله أم إسماعيل! لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا " وقال الملك لها: ~~لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما (هي) عين لشرب ضيفان الله. وقال ~~لها: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله (جل وعز) بيتا، ذا موضعه، ثم ~~ذهب، وبقيت هاجر، فأتت رفقة من جرهم تريد الشام، فرأوا الطير على الجبل، ~~فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ ~~فقالوا: لا. ثم أشرفوا فإذا هم PageV05P3827 # بهاجر وابنها، فأتوها، فطلبوا أن ينزلوا عندها، فأذنت لهم، فسكنوا عندها. ~~ثم أتتها المنية فماتت، رحمة الله عليها، فتزوج اسماعيل امرأة من جرهم، ثم ~~كان من قصة إبراهيم في إتيانه إلى (بناء) البيت ما ذكر الله ( عز وجل) . # وقد تقدم منه ذكر (كثير) في البقرة. ومعنى: {بيتك المحرم}: أي: المحرم من ~~استحلال حرمات الله (تعالى) فيه، والاستخفاف بحقه. # وقوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم}: أي: اجعل قلوب بعض خلقك تنزع ~~إليهم، فلذلك قلوب الناس إلى الآن تنزع إلى الحج، ولا تقدر على التخلف. PageV05P3828 # وقد قال ابن جبير: لو قال: فاجعل أفئدة الناس / تهوي إليهم، لحجت اليهود ~~والنصارى، والمجوس، ولكنه قال: {أفئدة من الناس} فحج المسلمون. # قال مجاهد ( رحمه الله) : لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس، ~~والروم، ولكنه قال: من الناس. # والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، وسمي القلب فؤادا لتفاؤده: # أي: لتوقده، والتفاؤد: التوقد، والمقتاد: موضع وقود النار. # قال عكرمة، وطاووس، وعطاء: قلوبهم تهوى إلى البيت حتى يأتونه: (أي) ~~يحجون، وهو قول ابن عباس. PageV05P3829 # وعن ابن عباس أن معنى: {تهوى إليهم}: أي: تهوى السكنى عندهم. # وهذا المعنى إنما يكون على قراءة من قرأه بفتح الواو، وهي قراءة مروية عن ~~مجاهد. # ولما دعا إبراهيم بأن يرزقهم من الثمرات نقل الله ms1263 ( عز وجل) ، الطائف من ~~فلسطين إلى موضعها الآن، ففيها من من كل الثمرات. # روي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذا بعث الله جل ذكره، جبريل ~~عليه السلام، فاقتلع الثمار من الشام من موضع يقال له الأردن، وهو نهر، ثم ~~أقبل بالثمار حتى طاف بها حول البيت أسبوعا، ثم أنزلها جبال تهامة وهي ~~الطائف. PageV05P3830 # ولذلك سميت الطائف. # {لعلهم يشكرون}: أي: يشكرون نعمك. # ثم حكى الله ( عز وجل) ، عنه أنه قال: {ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن}: ~~أي: تعلم ما نخفي في قلوبنا عند مسألتنا إياك وما نسألك، وفي غير ذلك من ~~أحوالنا. # {وما نعلن} من دعائنا، فنجهر به. وغير ذلك من أحوالنا. # {وما يخفى} عليك يا رب (من) شيء في الأرض، ولا في السماء # ثم قال جل ذكره {الحمد لله الذي وهب لي} - الآية - # قال ابن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد تسع عشرة ومائة (سنة) # (وقوله): {رب اجعلني مقيم الصلاة}: أي: مؤديا ما ألزمتني من فرائضك، PageV05P3831 # {ومن ذريتي}: أي: واجعل أيضا من ذريتي مقيم الصلاة. # ثم قال تعالى: {ربنا وتقبل دعآء}: الدعاء هنا العبادة. والمعنى: " وتقبل ~~عملي الذي أعمله لك، وعبادتي إياك، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: " إن الدعاء هو العبادة " ثم قرأ: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] # . فالمعنى: اعبدوني أستجب لكم، على ذلك قوله: {إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي} [غافر: 60]. # {ربنا اغفر لي ولوالدي}: استغفر إبراهيم لأبيه من أجل {موعدة وعدهآ إياه ~~فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114]: أي: مات على كفره. # وقيل: عني بوالديه: آدم وحواء (عليهما السلام). PageV05P3832 # وقرأ يحيى بن يعمر، والنخعي: {ربنا اغفر لي ولوالدي} يعني: إسماعيل، ~~وإسحاق. # وقرأ ابن جبير: " ولوالدي " يعني أباه وجده. # قوله: {ولا تحسبن الله غافلا} - إلى قوله - {لتزول منه الجبال}: # المعنى: ولا تحسبن الله يا محمد ساهيا عن عمل هؤلاء المشركين من قومك. بل ~~هو عالم بهم، يحصي عليهم جميع أعمالهم، ms1264 ليجازيهم عليها. # وهذه الآية " وعيد للظالم / وتعزية للمظلوم ". # ثم قال تعالى: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}: أي: إنما يؤخر ~~عقابهم PageV05P3833 # ليوم القيامة، يوم تشخص فيه أبصار الظالمين. فلا ترتد إليهم. # ثم قال تعالى: {مهطعين مقنعي رءوسهم}. # قال قتادة: مهطعين: مسرعين. # وقال ابن جبير، عن قتادة: " مهطعين منطلقين، عامدين إلى الداعي. # وقال ابن عباس ( رحمه الله) : مهطعين: مديمي النظر، من غير أن تطرف ~~أبصارهم. وقاله مجاهد. # وقال ابن زيد: المهطع: الذي لا يرفع رأسه، والإهطاع في كلام العرب: ~~الإسراع. PageV05P3834 # وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة: الإقناع: رفع الرؤوس. # وأصل الأهطاع: الإقبال على الشيء بالنظر، ينظر دائما، لا يرفع بصره، ولا ~~يطرف. وهو بمعنى قول مجاهد، والضحاك، وهو قول الخليل: ودليله قوله: # {لا يرتد إليهم طرفهم}: أي: يديمون النظر، لا يطرفون. # قال الحسن: " وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد - إلى أحد. ~~والمقنع في اللغة: الرافع رأسه. # حكى أبو العباس: أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ رأه ذلا وخضوعا. ~~فتحتمل الآية القولين جميعا. قال: ويجوز أن يرفع رأسه مديما للنظر، ثم ~~يطأطأه ذلا وخضوعا. # ومن الارتفاع قيل: مقنعة للتي يجعلها النساء على رؤوسهن، لارتفاعها PageV05P3835 # على الرأس. ومنه قنع الرجل إذا رضي، لأنه رفع نفسه على السؤال، وقنع إذا ~~سأل، أي: أتا ما يتقنع منه. # ثم قال تعالى: {لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هوآء}: والمعنى عند ابن ~~عباس رضي الله عنه: " لا ترجع إليهم لشدة النظر أبصارهم ": أي: هي شاخصة. ~~ومعنى: {وأفئدتهم هوآء}: أي: منحرفة، لا تعي من الخير شيئا، قاله ابن عباس. ~~كما تقول: ليس في البيت شيء، إنما هو هواء. # قال ابن عباس: وليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة. # وقال ابن زيد: {وأفئدتهم هوآء} الأفئدة: القلوب ليس فيها عقل، ولا PageV05P3836 # منفعة. # وقيل: معناه: لا تستقر في مكان، فر ترتد في أجوافهم. # قال ابن جبير: {وأفئدتهم هوآء}: " تمور في أجوافهم، ليس لها مكان تستقر ~~فيه ". # وقال الضحاك: {وأفئدتهم هوآء} معناه: " ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم ~~فنشبت ms1265 في حلوقهم "، وقاله السدي. # قال قتادة: " انتزعت حتى صارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم، ولا تعود ~~إلى أمكنتها. # وأصل الهواء في اللغة: المجوف الخال (ي). # ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وأنذر الناس يوم يأتيهم ~~العذاب}، والمعنى: وأنذر الناس الذين أرسلت إليهم يا محمد {يوم يأتيهم ~~العذاب}: وهو يوم القيامة. PageV05P3837 # " فاليوم ": مفعول به، بأنذر ولا يحسن أن يكون نصبه على الظرف، لأن ~~الإنذار لا يكون يوم القيامة، إنما هو / في الدنيا فافهمه، وله نظائر كثيرة ~~في القرآن. # ثم قال تعالى: {فيقول الذين ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب}. # قال محمد بن كعب القرظي، رحمه الله: بلغني أن (أهل) النار ينادون: # {ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل} فرد عليهم: {أولم ~~تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} - إلى قوله - {لتزول منه الجبال}. # وقوله: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال}: هذا تقريع من الله ( ~~عز وجل) للمشركين من قريش. أعلمنا أنه يقال لهم بعد أن دخلوا النار ~~بإنكارهم البعث في الدنيا، إذ سألوا رفع العذاب (عنهم)، وتأخيرهم لينيبوا، ~~أو يتوبوا. # {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} أي ما لكم من انتقال من ~~الدنيا إلى الآخرة، وإنكم إنما تموتون، ولا تبعثون. PageV05P3838 # وهذا القسم الذي حكى الله ( عز وجل) ، عنهم هنا ما هو حكى الله (سبحانه) ~~عنهم أنهم قسموا في قوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت} [النحل: 38]. قاله ابن جريج. # ثم قال جل ذكره حكاية عما يقول للمشركين في الآخرة: # {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم}: أي: سكنتم في الدنيا في مساكن ~~الأمم، الذين أهلكوا بظلمهم لأنفسهم، فلم تعتبروا بهم، ولا اتعظتم. # ومعنى {ظلموا أنفسهم}: أي: " كفروا بالله (سبحانه)، فظلموا بذلك أنفسهم. # {وتبين لكم كيف فعلنا بهم}: أي: أعلمتم كيف أهلكناهم حين كفروا بربهم. PageV05P3839 # {وضربنا لكم الأمثال}: أي: مثلنا لكم ما كنتم عليه من الشرك، فلم تتوبوا ~~من كفركم، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم العذاب. ms1266 # قال قتادة: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم}: أي، اسكن الناس في ~~مساكن قوم نوح، وعاد، وثمود. # ثم قال تعالى: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم}. # قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: أخذ الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين ~~فرباهما، حتى استعجلا واستغلظا وشبا. ثم أوثق رجل كل واحد منهما في وتد إلى ~~تابوت، وجوعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت. ورفع من التابوت عصا على ~~رأسها لحم، فطارا بالتوابوت، وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟ فيقول: أرى ~~كذا، وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب. فقال له: صوب العصا، فصوبها ~~فهبطا: فهو مكرهم الذي أرادت الجبال أن تزول منه. PageV05P3840 # وروي أن الذي فعل ذلك بالنسور بختنصر. فلما ارتفعت به النسور نودي: أيها ~~الطاغية أين تريد؟ ففزع، وصوب الرمح الذي فيه اللحم، فصوبت النسور: فكادت ~~الجبال أن تزول لذلك. # وقال ابن جبير: هو نمرود. # وقيل: مكرهم هنا، هو شركهم بالله سبحانه، وافتراؤهم عليه. روي ذلك أيضا ~~عن ابن عباس. # / وقال الضحاك هو كقوله {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا} ~~[مريم 88 - 89]- الآية -. PageV05P3841 # ومن كسر اللام في " لتزول منه " جعل إن بمعنى: ما. أي: وما كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال. واللام لام النفي. وهذا مروي عن الحسن ( رحمه الله) ~~ومثله عنده: {فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك} [يونس: 94]: أي: فما كنت في ~~شك. ومثله: {قل إن كان للرحمن ولد} [الزخرف: 81]: أي: ما كان. # (فيكون معنى القراءة عندهم أضعف)، وأوهن من أن تزول منه الجبال، ويدل على ~~صحة قوله إن كيد الشيطان كان ضعيفا. # ومن فتح اللام جعلها لام تأكيد، ومعناه: إنه عظم مكرهم وكبرهم. فأخبر PageV05P3842 # أن الجبال كادت تزول لمكرهم، ودليل تعظيم مكرهم أن الله قد قال: {ومكروا ~~مكرا كبارا} [نوح: 22]، وقال: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا} [مريم: 90 - 91]: فأخبر أن ما يأتون به ~~من الكفر تكاد السماوات يتفطرن منه: (أي): تنشق، وتكاد الجبال تسقط إعظاما ~~لقولهم. # وقيل: ms1267 إن المراد بهذه الآية قريش، نفى الله عز وجل، أن تزول لمكرهم ~~الجبال، والجبال كناية عن القرآن، والتقدير: وما كان مكر قريش وكفرهم ليزول ~~منه القرآن إذا أنكروه، وكفروا به. بل فعلهم ذلك لا يضر القرآن، ولا يزيله ~~من قلوب المؤمنين حتى يبلغ جميع الأمم الكائنة إلى يوم القيامة. فيجاز (ى) ~~المؤمن به على إيمانه، والكافر به على كفره. # وقوله: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله}: - إلى قوله - {سريع الحساب}، ~~والمعنى: ولا تحسبن الله يا محمد مخلف رسله، وعده الذي وعدهم من عقوبة من PageV05P3843 # كذبهم تثبيتا منه تعالى لنبيه، عليه السلام ومعلما، له به أنه سينزل سخطه ~~على من كذبه. # {إن الله عزيز ذو انتقام}: أي: إن الله لا يمتنع منه شيء أراد عقوبته {ذو ~~انتقام} لمن كفر به وكذب رسله. # ثم أخبرنا تعالى، متى يكون هذا الانتقام، فقال {يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات}: أي: ينتقم من الظالمين في هذا اليوم. ومعنى {تبدل الأرض (غير ~~الأرض)}: أي تصير هذه الأرض أرضا بيضاء، كالفضة لم يسفك عليها دم، ولا عمل ~~عليها خطيئته، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر حفاة، عراة، قياما، كما خلقوا ~~حتى يلجمهم العرق. قاله ابن مسعود، وأنس بن مالك، ومجاهد، والحسن. PageV05P3844 # وقال الحسن ( رحمه الله) في حديث (ه): والسماوات أيضا كالفضة وعن عبد ~~الله بن مسعود أنه، قال: تبدل الأرض نارا يوم القيامة، والجنة من ورائها ~~ترى أكوابها وكواعبها. والذي نفس عبد الله بيده: إن الرجل ليفيض عرقا حتى ~~ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب. فقالوا: (مم) ~~يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما الناس يلقون. وقال: (و) أولياء الله في ظل عرش ~~الله. والذي نف عبد الله بيده: إن جهنم / لتنظف على الناس، مثل الثلج حين ~~يقع من السماء، والذي نفس عبد الله بيده إن عرقه ليسيح في الأرض تسع قامات، ~~ثم يلجمه، وما ناله الحساب من شدة ما يرى الناس (و) يلقون. # وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: تبدل الأرض ms1268 من فضة، والجنة من ذهب. PageV05P3845 # وقال ابن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن من تحت قدميه. وكذلك ~~ذكر محمد بن كعب القرظي ( رحمه الله) . # وكذلك قال أبو جعفر بن محمد بن علي، (نضر الله وجهه): تبدل الأرض خبزة ~~يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام} ~~[الأنبياء: 8]. # وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: تبدل الأرض بأرض من فضة، لم يعمل فيها ~~الخطايا. # وقيل: تبديل الأرض: هو تسيير جبالها، وتهجير بحارها، وكونها مستوية: {لا ~~ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه: 108]، وتبدل السماوات: انتثار كواكبها، ~~وانفطارها، وانشقاقها، وتكوير شمسها، وخسوف قمرها. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، ويمدها ~~مد الأديم العقاظي، لا ترى فيها عوجا، ولا أمتا، ثم يزدجر الله الخلق زجرة ~~فإذا هم في هذه PageV05P3846 # المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى. ما كان في بطنها كان في بطنها، وما ~~كان على ظهرها كان على ظهرها. وذلك حين تطوى السماوات " # {كطي السجل للكتب} " [الأنبياء: 104] ثم يدحوهما ثم يبدلهما ". # " وسألت عائشة، رضي الله عنها، النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول ~~الله: إذا بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار. أين ~~الناس يومئذ؟ قال: على الصراط ". # ومعنى {وبرزوا لله الواحد القهار}: وخرجوا من قبورهم أحياء لموقف الحساب ~~بين يدي الله (عز جل). # {الواحد القهار} أي: المنفرد بالقدرة على خلقه، الذي يقهر كل شيء. PageV05P3847 # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: يجمع الله الخلائق كلهم في صعيد واحد، لأرض ~~بيضاء، لم يعص الله فيها قط، ولم يخطأ فيها خطيئة. فأول ما يتكلم أن ينادي ~~مناد: {لمن الملك اليوم} [غافر: [16]؟، ثم يقول الله الواحد القهار: {اليوم ~~تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} [غافر: 17]. # وعن علي (رضي الله عنه) أنه قال: تبدل الأرض (بأرض) من فضة، والجنة من ~~ذهب. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: بلغنا، والله أعلم، أن الأرض تبدل ~~بأرض بيضاء، لم ms1269 يعمل عليها معصية، ولم يسفك عليها دم حرام. # ثم قال تعالى: {وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد}: أي: وترى يا ~~محمد الذين PageV05P3848 # اجترموا في الدنيا الشرك بالله (مقرنين: أي) مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى ~~رقابهم. # {في الأصفاد}: أي: في الوثاق، من غل سلسلة، أو قيد. وأحدها صفد كحبل. أو ~~صفد كعدل والأصفاد: القيد. / # وعن ابن عباس، رضي الله عنه: الأصفاد السلاسل. # قال الضحاك: ( رحمه الله) الأصفاد: السلاسل. # وقال قتادة ( رحمه الله) : هي القيود، والأغلال. # وقال الحسن: ما في جهنم واد، ولا مغارة، ولا قيد، ولا سلسلة إلا واسم ~~صاحبه عليه مكتوب. PageV05P3849 # ثم قال تبارك (و) تعالى: {سرابيلهم من قطران}: أي قمصهم التي يلبسونها، ~~واحدها سربال. # من قطران: قال الحسن ( رحمه الله) : هو قطران الإبل، ويقال قطران وقطران ~~بفتح القاف وكسرها. # وقرأ مجاهد، رحمه الله، قطران (عليه) نحاس، ومثله عن ابن عباس. وعن ابن ~~عباس، وعكرمة، ( رحمه الله عليهما)، إنهما قرآ: (من) قطر آن: أي: من نحاس ~~قد انتهى حره في الشدة، وقد قالوا قطران في الواحد، ولو جمع قطران، لقيل: ~~قطارين كضربان وضرابين. PageV05P3850 # ثم قال تعالى: {وتغشى وجوههم النار}: أي: " تلفح وجوهه النار فتحرقها. # {ليجزى الله كل نفس ما كسبت}: أي: ما كسبت من الأثام في الدنيا (أ) ومن ~~الحسنات. # {إن الله سريع الحساب}: أي عالم بعلم كل عامل، لا يحتاج في إحصاء أعمالهم ~~إلى معاناة وحساب. قد أحاط بها علما. # قوله: {هذا بلاغ للناس} (الآية وهذا القرآن)، (وهذا) الوعظ بلاغ للناس: ~~أي: أبلغ الله جل ذكره إليهم في الحجة عليهم، وأعذر إليهم بما أنزل فيه من ~~موعظة وعبرة. # ثم قال تعالى: {ولينذروا به} أي: عذاب الله أنزله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم. PageV05P3851 # {وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب}: أي: وليتعظ أصحاب ~~العقول والأفهام. # وواحد الألباب لب، ولب كل شيء: خالصة، فافهم. # (والله الموفق المعين لمن استعانه , وكفى به حسيبا على من خلقه) PageV05P3852 ### |EDITOR| # الهداية إلى بلوغ النهاية # لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 ms1270 ه # المجلد السادس # الحجر - الكهف # 1429 ه - 2008 م PageV05P3853 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | / سورة الحجر # [و] هي مكية # قوله: {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} إلى قوله {وما يستأخرون}. # قد تقدم ذكر {الر} وشبهها. والمعنى: هذه تلك، أي: هذه الآيات {آيات ~~الكتاب} أي: آيات الكتب التي كانت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل. قال[ه]: ~~مجاهد وقتادة. PageV06P3857 # {وقرآن مبين} أي: وآيات قرآن مبين لمن تدبره وتأمله. # ثم قال تعالى: {ربما يود الذين كفروا}. # أصل " رب " أن تدخل على النكرات، وأن تكون في صدر الكلام لمضارعتها " كم ~~". لأنها للتقليل كما أن " كم " للتكثير ولمضارعتها " لا " لأنها للتقليل، ~~والتقليل أقرب شيء من النفي. ومن أجل كونها للتقليل لزمتها النكرة. # وموضع " رب " وما عملت فيه، نصب [يتعدى] الفعل الذي بعدها، كما تقول: ~~مررت بزيد: فزيد في موضع نصب. ولذلك لم يؤت لها بخبر، كما يأتي لكم. ~~والفعل: الذي يتعلق به محذوف - وربما ظهر - وكل حرف جر فإنما يتعلق بما/ ~~قبله إلا رب فإنها [ت]تعلق بما بعدها لأن لها صدر الكلام. # وإذا دخلت عليها " ما " كفتها عن العمل ووقعت الأفعال الماضية بعدها، PageV06P3858 # تقول: ربما قام زيد، وربما جلس عمرو. فإن وقعت الأسماء بعدها، جاز عملها، ~~ولغوها تقول: ربما رجل رأيت. ويلزم النكرة التي تدخل " رب " عليها النعت. # فإن وقع بعدها مستقبل فعلى إضمار " كان " تقول: ربما يقوم زيد. تقديره ~~ربما: كان يقوم زيد. # فأما قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا} وإنما جاز وقوع المستقبل بعدها ~~في هذه [الآية] لأنه أمر واقع لا محالة، فصار بمنزلة الماضي الذي [قد] كان ~~[ووقع]. فإن قلت " رب رجل سيقوم " أو " ليقومن " لم يجز إلا أن تريد أنه ~~يوصف بذلك. # وإذا اتصل بربما مجهول انتصب ما بعدها على التفسير. ولا يثنى ذلك PageV06P3859 # المجهول ولا يجمع ولا يؤنث عند البصريين. وأجاز ذلك الكوفيون. # والمضمر الذي يتصل برب في تأويل نكرة ولفظه لفظ معرفة. وإنما كان نكرة ~~لأنك لم تقصد به إلى مذكور بعينه تقدم ذكره، وإنما أظهر على شريطة التفسير ~~بعده. # ولا موضع ms1271 " لما " في ربما لأنها زائدة. وأجاز الأخفش أن تكون " ما " نكرة ~~في موضع خفض " برب " كأنه قال: ورب شيء، أو: رب: ود. # ومعنى الآية: ربما تمنى الذين كفروا لو كانوا في الدنيا مسلمين. وذلك في ~~قول: ابن عباس، وأنس، حين يرى المشركون المسلمين من أهل الخطايا يخرجون من ~~النار بإيمانهم. فيود عند ذلك المشركون لو كانوا مسلمين فيخرجون كما خرج ~~هؤلاء PageV06P3860 # المسلمون. وذكر ابن عباس: أنه إذا اجتمع المشركون وأهل الذنوب من ~~المسلمين في النار قال المشركون للمسلمين: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، قد ~~اجتمعا وإياكم. # فيغضب الله عز وجل للمسلمين فيخرجهم بفضل رحمته فيقول المشركون عند ذلك ~~ليتنا كنا مسلمين. # وفي حديث ابن وهب: ". . . فيغضب الله لهم فيقول للملائكة والنبيين: ~~اشفعوا، قال: فيشفعون لهم. فيخرجون حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم ~~". # وقال مجاهد عن ابن عباس: يدخل الله المؤمنين الجنة حتى يقول في آخر ذلك: ~~من كان مسلما فليدخل الجنة. فعند ذلك يتمنى المشركون لو كانوا مسلمين. # وقيل: إن ذلك يكون من الكافر إذا عاين القيامة. # وقيل: يكون منه ذلك التمني إذا عاين الموت. PageV06P3861 # ثم قال تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل}. # معنى ذلك: التهديد والوعيد للمشركين. # ثم قال تعالى: {ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم}. # أي: ما أهلكنا من أهل قرية من الأمم الماضية، إلا ولها أجل مؤقت و/ مدة ~~[معلومة] لا يهلكهم الله حتى يبلغوها. وكذلك أهل قريتك يا محمد، وهي مكة، ~~لا يهلكهم الله حتى يبلغوها. أي: بعد بلوغهم مدتهم لا يتقدمون عن ذلك ولا ~~يستأخرون. # وقال بعض أهل المعاني: " سبقت " و " استأخرت " مع الأشخاص معناها: غير ~~معناها مع غير الأشخاص. # تقول: سبقت فلان [ا] تجاوزته. واستأخرت عنه فأتى، وتأخرت عنه. # وتقول: سبقت الهلاك: قصرت عن بلوغه. واستأخرت الهلال PageV06P3862 # جزته. # فمعنى [قوله] {ما تسبق من أمة أجلها} لا تقصر عنه. ومعنى " وما يستأخرون ~~" لا يتجاوزونه فيزيدون عليه. # روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم [ قال: " أن] خلق أحدكم يجمع ms1272 ~~في بطن أمه في أربعين ليلة. ثم يكون عقله مثل ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك. ~~ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات. فيكتب أجله، وعمله، ورزقه، وشقي [هو] ~~أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون ~~بينه وبين [الجنة] إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار ~~فيدخلها. PageV06P3863 # وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ". # قوله: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر}. # معناه: وقال هؤلاء المشركون، لك يا محمد، يا أيها الذي نزل عليه القرآن، ~~إنك لمجنون في دعائك إيانا إلى أن نتبعك وندع آلهتنا. # ثم حكى [الله] عنهم: أنهم قالوا: {لو ما تأتينا بالملائكة}. أي: هلا ~~[تأتينا] بالملائكة تشهد لم بالصدق فيما جئتنا [به] إن كنت من الصادقين ~~فيما جئتنا به. قال الله لمحمد [عليه السلام]. قل لهم: {ما ننزل الملائكة ~~إلا بالحق} أي: بالرسالة للرسل أي: PageV06P3864 # بالعذاب إلى الأمم الظالمة. # ثم قال تعالى: {وما كانوا إذا منظرين}. # أي: لو أنزلنا إليهم الملائكة فكفروا لم ينظروا ولم تقبل لهم توبة، كما ~~فعل ذلك بمن سأل من الأمم الماضية الآيات فكفروا عند إتيانها إليهم فلم ~~ينظروا. # وقال ابن جريج جواب {لو ما تأتينا بالملائكة} في قوله: {ولو فتحنا عليهم ~~بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14]. # أي: نزلنا القرآن وإنا له لحافظون أن يزاد فيه باطل وما ليس منه، أو ينقص ~~منه PageV06P3865 # ما هو منه. قال مجاهد وقتادة. وقد قيل: أن الهاء [التي] في " له " لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم. # والمعنى ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا في أمم الأولين. وفي فرق ~~الأولين. وواحد الشيع شيعة. و " رسلا " / محذوف دل عليه أرسلنا. # أي: وما يأتي [من رسول إلى الأمم الماضية فيدعوهم إلى الله {إلا كانوا به PageV06P3866 # يستهزئون} أي: يسخرون من الرسل عتوا منهم وتمردا على ربهم. # بمعنى: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين ms1273 والاستهزاء بالرسل، كذلك ~~نسلك ذلك في قلوب مشركي قومك. فالهاء في " نسلكه " تعود على التكذيب أو على ~~الاستهزاء. # والمعنى: كذلك ندخل الكفر والتكذيب في قلوب المجرمين لما علم الله من سوء ~~اختبارهم وقبيح اعتقادهم. وقيل: الهاء تعود على الشرك. وقيل: على القرآن ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤه عليهم. ومعنى نسلكه: نجعله. # قوله: {لا يؤمنون به} أي: لا يصدقون بالذكر الذي أنزلناه إليك. # {وقد خلت سنة الأولين} وقد خلت وقائع الله [ عز وجل] بمن خلا قبلهم من PageV06P3867 # الأمم. # وقيل: المعنى وقد تقدمت سنة الأولين في التكذيب بالآيات فهم يقتفون ~~آثارهم. # قال تعالى: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء} الآية. # أي: لو فتحنا على هؤلاء الذين تقدم ذكرهم وقالوا لو ما تأتينا بالملائكة، ~~بابا من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه وهم يرونهم بأعيانهم {لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا}. # قال ابن عباس وقتادة. ومعنى يعرجون: يجيئون ويذهبون. ومعنى سكرت أبصارنا: ~~أخذ بها وشبه علينا. # وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: " فظلوا فيه " يعني بني آدم الذين ~~سألوا PageV06P3868 # أن يأتيهم النبي بالملائكة. والمعنى فظل هؤلاء السائلون لك يا محمد في ~~هذا الباب يجيئون ويذهبون، لقالوا إنما أخذ بأبصارنا وشبه علينا {بل نحن ~~قوم مسحورون}. # وتحقيق معنى " سكرت ": غشيت وغطيت، قاله: ابن عمر. ومن خفف " سكرت " ~~فمعناه حبست، يقال: سكرت الريح إذا سكنت. وقيل: هو مأخوذ من: سكر الشراب، ~~ومعناه: قد غشي أبصارنا مثل السكر، وهو تفسير ابن عمرو بن العلاء. ومن شدده ~~فمعناه [عنده]: سدت، وهو قول قتادة والضحاك. وقال PageV06P3869 # ابن عباس: معناه: أخذت. وقيل: معنى " سكرت " بالتخفيف سحرت من قول العرب ~~" سكر على فلان رأيه " إذا اختلط عليه فيما يريد. وقال الكلبي: معنى سكرت ~~أبصارنا: غشيت. وكل هذه الأقوال متقاربة المعاني، وقول أبي عمرو أنه مأخوذ ~~من السكر جامع لها كلها. # قوله: {ولقد جعلنا في السماء بروجا} الآية. PageV06P3870 # أي: جعلنا في السماء الدنيا منازل الشمس والقمر {وزيناها للناظرين} أي: ~~زيناها بالكواكب. وقيل: البروج قصور في السماء. # أي: حفظنا السماء / من كل ms1274 شيطان ملعون. وقيل: رجيم هنا بمعنى، مرجوم، أي: ~~مرجوم بالكواكب. # قال ابن عباس: تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع فيقرب المارد منها ~~فيتعلق فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو جبينه أو ما شاء الله منه فيلتهب. ~~فيأتي PageV06P3871 # أصحابه وهو يلتهب، فيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا. فيذهب أولئك إلى ~~إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليه أضعافا من الكذب فيخبرونهم. فإذا رأوا شيئا ~~مما قالوا قد كان، صدقوهم بما جاءوا به من الكذب. وهذا معنى قوله: {إلا من ~~خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} [الصافات: 10]. # وكان ابن عباس يقول: إن الشهاب لا يقتل ولكن يحرق ويجرح. # قوله: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي}. # والمعنى: والأرض مددناها فبسطناها، لأنه قال: في موضع آخر {والأرض بعد ~~ذلك دحاها} [النازعات: 30]. ومن تحت [ال] بيت الحرام دحيت PageV06P3872 # الأرض. {وألقينا فيها رواسي} أي: في ظهرها جبالا ثابتة. {وأنبتنا فيها} ~~أي: في الأرض {من كل شيء موزون}. # وقال ابن عباس " موزون " معلوم. وقال مجاهد: مقدر، أي: لا يزيد على قدرة ~~الله ولا ينقص كأنه موزون. وقال عكرمة: مقدور. PageV06P3873 # وقال ابن زيد: " موزون " عني به الأشياء التي توزن. يعني: ما في الجبال ~~من معادن الذهب والفضة والرصاص وغير ذلك مما يوزن. فكأنه قال: أنبتنا فيها ~~من كل شيء يوزن كالفضة والذهب والحديد والرصاص والزعفران والعصفر وغير ذلك ~~مما يباع بوزن. # أي: جعلنا لكم في الأرض معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقين يعني الإماء ~~والعبيد. فيكون " من " في موضع نصب عطف على المعايش. # وقيل: {ومن لستم له برازقين} يعني: به الدواب والأنعام، وهو قوله مجاهد. PageV06P3874 # و " من " على هذا القول: لما لا يعقل وهو قبيح بعيد. # وقيل: عني به الوحش. و " من " لما لا يعقل أيضا. # وقيل: " من " في موضع نصب عطف على معنى {وجعلنا لكم فيها معايش} لأن ~~معناه: أنعشناكم " ومن لستم " أي: وأنعشنا من لستم له برازقين. # وقيل: هي في موضع خفض عطف على لكم، وهو مذهب الكوفيين، ولا يجيزه ~~البصريون. # وقيل: معنى {ومن لستم له برازقين} يراد به: العبيد ms1275 والاماء والدواب ~~والوحش، فلما اجتمع من يعقل، وما لا يعقل، غلب من يعقل فأتى بمن. وهذا ~~القول: حسن، ويكون " من " في موضع نصب حملا على المعنى على ما تقدم. # وقيل: المعنى جعلنا لكم في الأرض معايش بزرعها وثمارها، وجعلنا لكم فيها ~~من لستم له برازقين، يعني: البهائم التي تؤكل لحمها ويعاش منها، ويعني: ما ~~ينتفع به PageV06P3875 # من البهائم مما لا يؤكل/ لحمها، كل قد جعله الله لبني آدم في الأرض رفقا ~~بهم ونعما عليهم وفضلا. # قال تعالى: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} الآية والمعنى: وما شيء من ~~الأمطار إلا عندنا خزائنه. {وما ننزله} يعني: المطر {إلا بقدر معلوم} أي: ~~ينزل إلى كل أرض حقها الذي قدر الله لها. وليس أرض أكثر من أرض ولا عام ~~أكثر مطرا من عام، ولكن الله يقسمه كيف يشاء، عاما هنا وعاما هنا. ويمطر ~~قوما ويحرم قواما، وربما كان في البحر. وروي أنه ينزل مع المطر من الملائكة ~~أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يحضرون كل قطرة حيث تقع وما تنبت. # وقيل: معنى " عندنا خزائنه " أي: نملكه ونقدر عليه ونصرفه حيث PageV06P3876 # نشاء وكيف نشاء. # قال تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح}. # [أي: وأرسلنا الرياح] تلقح الشجر والسحاب. وكان الأصل أن يجمع على ملاقح، ~~لأنه جمع ملقحة، من: القحت الريح الشجر. فاللاقح هي الشجر والسحاب كما ~~يقال: ناقة لاقح. والملقح هي الريح، ولكن جمع على حذف الزيادة، فكأنه جمع ~~لاقحا. وأكثر ما يقع حذف الزيادة في الشعر. # وقال بعض الطوفيين: وصفت الريح باللقح وهي تلقح، كما يقال: ليل نائم، ~~وإنما النوم فيه. # وقيل: لما كانت الريح تلقح بمرورها على التراب والماء، قيل لها: ريح ~~لاقح، كما يقال: ناقة لاقح. PageV06P3877 # وقيل: هو موضوع على النسب كأنه قال: ذوات اللقاح، كأنها تلقح السحاب. كما ~~قيل: في التفسير [و] هذا قول: أبي عمرو. # وقيل: لواقح جمع لاقح، أي حامل. سميت الريح لاقحا لأنها تلقح السحاب، ~~والعرب تقول: للجنوب لاقح وحامل وللشمال حائل وعقيم، وقد قال الله عز وجل { ~~وحتى ms1276 إذآ أقلت سحابا ثقالا} [الأعراف: 57]. وأقلت: معناه: حملت. # فأما من وحد الريح، ووصفه بلواقح فهو حسن لأنه موحد يراد الجمع، قال الله ~~[تعالى] {والملك على أرجآئهآ} [الحاقة: 17] يريد " والملائكة ". PageV06P3878 # وقال ابن مسعود في الآية: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتمري السحاب فيدر ~~[كما تدر] اللقحة، ثم تمطر. قال قتادة: " لواقح " تلقح الماء في السحاب. # وقال النخعي والحسن: لواقح تلقح السحاب. # وقال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فتقم الأرض قما، ثم يبعث ~~المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف السحاب ثم يبعث اللقوح فتلقح ~~الشجر. PageV06P3879 # وقال الضحاك: يبعث الله الريح على السحاب فتلقح [ه] فيمتلئ ماء. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الريح الجنوب من الجنة وهي الريح ~~اللواقح. وهي التي ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس ". # وقيل: الريح اللاقح، هي: التي تحمل الندى، ثم تمجه في ماء السحاب. فإذا ~~اجتمع فيه صار مطرا بإذن الله [ عز وجل] ، ويسبب تلقيحها السحاب تلقح ~~الأشجار. # وال [ل] واقح في جميع ذلك بمعنى ملاقح، لأنه من القحت الريح PageV06P3880 # السحاب والشجر ولكنه جمع على حذف الزيادة على ما ذكرنا. # ثم قال تعالى: {فأنزلنا من السمآء ماء}. # أي مطرا {فأسقيناكموه} أي أسقينا به أرضكم ومواشيكم. ولو كان لشربهم ~~لقال: " فسقيناكموه ". تقول [العرب] إذا سقت الرجل ماء فشربه: سقيته، فإن ~~كان لشرب أرضه وماشيته قالوا: [أ] سقيته. وكذلك [ان] أ [ست] سقيت له غيرك ~~أن يسقيه قلت " اسقيته. PageV06P3881 # قوله {ومآ أنتم له بخازنين}. # أي: لستم تخزنون هذا الماء فتمنعونه من أحد، بل ذلك بيد الله يسقيه من ~~يشاء ويمنعه ممن يشاء. وقال سفيان: " بخازنين " بما نعين. # أي: نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم. # قال عكرمة: المستقدمين من خلق الله إلى اليوم. والمستأخرين من لم يخلق ~~بعد. وكذلك روي عن قتادة ومجاهد: وقال ابن عباس والضحاك وابن زيد: ~~المستقدمين PageV06P3882 # من مات، والمستأخرين من بقي حيا. # وقيل معناه: أو [ل] الخلق وآخره. # وقيل: معناه: ولقد علمنا المستقدمين من الأمم والمستأخرين [من] أمة محمد ~~[ صلى الله ms1277 عليه وسلم] . روي ذلك عن مجاهد أيضا. # وقال الحسن معناه: المستقدمين في الخير والطاعة والمستأخرين في المعصية. # وعن ابن عباس أن معناه: المستقدمين في الصفوف في الصلاة والمستأخرين، ~~قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: لا ~~والله ما رأيت مثلها قط. قال: فكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، وبعضهم ~~يستأخ [رون] فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فأنزل الله الآية. وعن ~~ابن عباس المستقدمين PageV06P3883 # [من] الصف الأول والمستأخرين الصف الآخر. وقال مروان بن الحكم: كان أناس ~~يستأخرون في الصفوف من أجل النساء. # والاختيار قول من قال أريد به من مات ومن بقي حيا، ودليل ذلك قوله بعد ~~[ه]: {وإن ربك هو يحشرهم}. # وعن عكرمة: المستقدمين من خرج، والمستأخرين من لم يخرج. وقال مجاهد: علم ~~المستقدمين من الأمم والمستأخرين وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # أي: يحشر الأول والآخر فيجمعهم يوم القيامة. إنه حكيم في تدبيره، عليم ~~بعدد خلقه وأعمالهم. PageV06P3884 # قوله [تعالى]: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون} إلى قوله: ~~{الوقت المعلوم}. # الإنسان هنا آدم [ صلى الله عليه وسلم] . [ و] الصلصال الطين اليابس الذي ~~لم تأخذه نار، فإذا نقر صلصل، أي: صوت. # وقال ابن عباس خلق [الله] آدم [ صلى الله عليه وسلم] من ثلاثة: من صلصال، ~~ومن حمأ، ومن طين لازب. [فاللازب] اللاصق، والحمأ الحمأة، والصلصال التراب ~~المدقق. وسمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي. # وقال قتادة: الصلصال التراب اليابس الذي يسمع له صلصة. PageV06P3885 # وقال الضحاك: هو طين صلب يخالطه الكثيب يعني: الرمل. # وقال مجاهد: / الصلصال المنتن. أخذ من صل اللحم [واصل] إذا انتن، وأصله ~~على هذا [القول]: " صلال "، ثم أبدل من اللام الثانية صاد. وهذا التأويل ~~ينقصه قوله: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار} [الرحمان: 14] فشبه [ه] ~~بالفخار، والفخار ليس بمنتن. لكن قوله: {من حمإ مسنون} يريد كونه متغير ~~[اللون و] الرائحة. لأن الحمأ متغير الرائحة، دليل [ه] قوله: " مسنون ". ~~والمسنون عند ابن عباس المتغير الرائحة، وكذلك قال مجاهد، وهو قول: ms1278 أبي ~~عمرو [و] الكسائي. وقال غيرهم: مسنون PageV06P3886 # مصبوب. من سننت الماء: صببته. وقال الفراء: هو طين مختلط برمل فيسمع له ~~صلصة. # وقال أبو عبيدة: يقال للطين: صلصال، ما لم تأخذه النار. فإذا أخذته فهو ~~فخار. وكل شيء له صوت، سوى الطين، فهو صلصال. # و" الحمأ " جمع حمأة وهو الطين الم [ت] غير إلى السواد. و " المسنون " ~~المنتن PageV06P3887 # في قول ابن عباس، ومجاهد، وأبي عمرو، والكسائي. # وقال أبو عبيدة: المسنون: المصبوب. يقا [ل] سننت الشيء إذا صببته. وسننت ~~الماء على وجهه: صببته. وعن ابن عباس: المسنون الرطب. فهذا يوافق قول أبي ~~عبيدة، لأنه لا يكون مصبوبا حتى يكون رطبا. # وقال الفراء: المسنون المحكوك من سننت الحديد. ولا يكون على هذا إلا ~~متغيرا. # وقيل: المسنون المصبوب على مثال وهيئة، من سننت الوجه. # ثم قال [تعالى]: {والجآن خلقناه من قبل من نار السموم}. PageV06P3888 # والمعنى: إبليس خلقناه من قبل آدم من نار السموم. والسموم عند ابن عباس ~~الحار الذي يقتل كل شيء. # وقال الضحاك: معناه: من لهب من نار السموم. والعرب تستعمل السموم بالليل ~~والنهار. # وقيل: [إن] السموم إنما يكون بالليل والحرور بالنهار. # [و] قال ابن مسعود: نار السموم التي خلق الله [ عز وجل] منها الجان. ~~والسموم الشديد والحر، جزء من سبعين جزءا من نار السموم التي الله PageV06P3889 # خلق الله [ عز وجل] منها الجان. # وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " نار السموم جزء من سبعين جزآ من ~~جهنم ". # قال الضحاك: {من نار السموم} من لهب النار. # ويروى أن الله جل ذكره: خلق نارين، نارا فيها السموم ونارا ليس فيها ~~السموم. فمزج واحدة في الأخرى، فأكلت النار التي فيها السموم، النار الأخر ~~[ى] فخلق إبليس منها. قال الحسن: نار السموم، نار دونها حجاب، والذي ~~تسمعونه من الصواعق من انغطاط الحجاب. # والسموم في الأصل: الريح الحارة. # وقال وهب بن منبه: الجن أجناس: منهم من يأكل ويشرب وينكح، وأما PageV06P3890 # خالص الجن ريح لا يأكل [ون] ولا يشربون. # ثم قال تعالى: {وإذ قال ربك للملآئكة}. # أي: ms1279 واذكر يا محمد، إذ قال ربك هذا. قال ابن عباس لما خلق الله [ عز وجل] ~~الملائكة قال: إني خالق بشرا من طين فإذا خلقته وصار حيا فاسجدوا، وهذا ~~السجود سجود تكرمة وتحية لا سجود عبادة. # وقوله: {من روحي}. # قال الضحاك: من قدرتي، وتحقيق الأمر أنه إضاف [ه] خلق إلى خالق، فالروح ~~خلق الله [سبحانه]، إضافة إلى نفسه، لأنه اخترعه وخلقه. كما يقال: خلق ~~[الله] وأرض الله، وسماء / الله، وهو كثير. هذا قول أهل المعرفة بالمعاني PageV06P3891 # فافهمه. # " فلما خلقه الله [ عز وجل] أبوا أن يسجدوا، فأرسل عليهم نار [ا] ~~فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة، وقال لهم مثل ذلك، فقالوا: سمعنا وأطعنا، إلا ~~إبليس كان من الكافرين، أي: من الأولين الذين امتنعوا من السجود. # وقيل: كان من الكافرين في اللوح المحفوظ. فعلى هذا القول: يكون قوله: " ~~إلا إبليس " استثناء من الجنس. # وقال أبو إسحاق: إنه استثناء ليس من الأول. فجعل إبليس: ليس من الملائكة. # فلما امتنع من السجود قال له الله: ما منعك أن تكون من الساجدين؟ قال ~~إبليس تكبرا وتجبرا وحسدا لآدم: {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ ~~مسنون}، أي: أنا خير منه، لأنك خلقته من طين وخلقتني من نار. والنار تأكل ~~الطين فلا أسجد له. PageV06P3892 # قال الله له: {فاخرج منها فإنك رجيم}، أي: أخرج من السماوات. فإنك مرجوم ~~أي: مشتوم. # {وإن عليك اللعنة} أي: الغضب {إلى يوم الدين} أي: يوم الجزاء وهو يوم ~~القيامة. قال إبليس: رب إذا أخرجتني من السماوات ولعنتني {فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون} أي: أخرني ولا تمتني، إلى يوم يبعث ولد هذا الذي فضلت علي، قال ~~الله [ عز وجل] { فإنك من المنظرين} أي: من المؤخرين فلا تموت إلى يوم ~~الوقت المعلوم أي: [يوم] هلاك جميع الخلق. PageV06P3893 # قال سفيان: " الوقت المعلوم " النفخة الأول[ى]. PageV06P3894 # قوله تعالى: {رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض}. # معناه: قال إبليس يا رب [بما] خيبتني من رحمتك لأزينن لولد آدم ~~{ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين}. يقال أغويته إذا خيبته ومنه ~~قول ms1280 الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي: من يخب فلا يصب خيرا لا يعدم على خيبته من يلوم [ه]. # وقيل: التقدير: بالذي أغويتني. وقيل: معناه: بإغوائك إياي. # ومعنى {لأزينن لهم في الأرض} لأحسنن لهم المعاصي ولأحببنها إليهم في ~~الأرض {ولأغوينهم} أي: لاضلنهم عن سبيلك إلا من أخلصته بتوفيقك PageV06P3895 # فهديته فلا سلطان لي عليه. # فهذا على قراءة من فتح اللام في " المخلصين "، فأما من كسرها فمعناه: إلا ~~من أخلص طاعتك بتوفيقك إياه إلى ذلك فلا سبيل [لي] عليه. قال الضحاك: هم ~~المؤمنون لا سبيل له عليهم. # [أي]: هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلا بأعمالهم، لقوله {إن ربك لبالمرصاد} ~~[الفجر: 14] وهذا تهديد ووعيد بمنزلة قول الرجل لمن يتواعده: طريقك [هذا] ~~علي. هذا قول PageV06P3896 # مجاهد. وقيل معناه: هذا صراط على امري وإرادتي. # وقرأ ابن سيرين، وقيس بن عباد، وقتادة، ومجاهد وعباد ويعقوب والحسن: {هذا ~~صراط علي مستقيم} جعلوه من العلو أي هذا صراط رفيع. # قال [تعالى] {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}. PageV06P3897 # أي: حجة، قال مجاهد: إن عباد [ي] الذين قضيت لهم بالجنة {ليس لك عليهم ~~سلطان}. # وقوله: {إلا من اتبعك}. # أي: قبل دعوتك فإنه {من الغاوين} [أي: من الظالمين] وأن جهنم لموعد من ~~اتبعك أجميعن. {لها سبعة أبواب} أي سبعة أطباق، طبق تحت طبق، لكل طبق منهم، ~~أي: من اتباع إبليس {جزء مقسوم} أي: تصيب مقسوم. # وقيل: معناه لكل جنس منهم من العذاب على قدر منزلته من الذنوب. # وقال علي بن أبي طالب: [رضي الله عنه: عدد] أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق ~~بعض فيمتلئ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى تملأ كلها وهو قول: عكرمة ~~وقتادة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لجهنم سبعة أبواب، باب منها ~~لمن سل سيفه على PageV06P3898 # أمتي " أو " على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ". # وقال ابن جريج: {لها سبعة أبواب} أي: أطباق، أولها جهنم، ثم لظى، ثم ~~الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم ms1281 الهاوية، والجحيم: فيها أبو جهل. # قال الربيع بن أنس: أما الهاوية فلا يخرج منها شيء دخلها أبدا، إنما تهوي ~~[به] أبدا، [هي] دار آل فرعون، والكفار، وكل جبار عنيد. # قال عكرمة: على كل باب [منها سبعون ألف سرادق من نار، في كل سرادق منها ~~سبعون ألف قبة من نار في كل قبة منها] سبعون ألف تنور من نار. لكل نار PageV06P3899 # منها سبعون ألف كوة. في كل كوة سبعون ألف صخرة من نار. على كل صخرة سبعون ~~ألف حجر من نار. وفي كل حجر سبعون ألف عقرب من نار. لكل عقرب منها سبعون ~~ألف ذنب من نار. لكل ذنب منها سبعون ألف [قفارة من نار. في كل قفارة منهن ~~سبعون ألف] قلة من سم وسبعون ألف موقد يوقدون ذلك بالغار. وإن أول من يصل ~~من أهل النار إلى النار يجدون على الباب من أبوابها أربع مائة ألف من خزنة ~~جهنم، سود وجوههم كالحة، وأنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم. ليس في ~~قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة. لو يطير الطائر من منكب أحدهم، لطار ~~شهرين قبل أن يبلغ منكبه الأخرى. قال: ثم يجدون في الباب التاسعة عشر خزنة ~~الذين [قال] جل ذكره: {عليها تسعة عشر} [المدثر: 30] عرض صدر أحدهم سبعون ~~خريفا. ثم يهوون من باب إلى باب خمس مائة سنة غرقا في النار. ويجدون على كل ~~باب منها من الخزنة مثل ما وجدوا على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها. ~~قال: PageV06P3900 # وهو قول الله [ عز وجل] : { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا ~~هم فيه مبلسون} # [المؤمنون: 77]. # قال وهب بن منبه: عن ابن عباس، أو عن كعب: " كل باب أسفل من صاحبه أشد ~~حرا من الباب الذي فوقه بسبعين ضعفا. فالبا [ب] الأول أهونها حرا، ولو أن ~~رجلا في المشرق وكشف / عن جهنم بالمغرب لسال دماغه من حرها من منخريه. وأول ~~أبوابها: جهنم في [ه] أهل الذنوب والمعاصي من أهل القبلة من مات منهم مقيما ~~على الكبائر ms1282 غير تائب، من شاء الله إدخاله النار بكبائره منهم. والباب الذي ~~يليه: لظى. والباب الثالث: الحطمة. والرابع: السعير، والخامس سقر، والسادس: ~~الجحيم، والسابع: الهاوية. وبين [كل بابين] مسيرة سبعين سنة. # {لكل باب منهم جزء مقسوم} يعني من الجن والإنس. وأصل ليس، عند سيبويه PageV06P3901 # فعل كصيد، ثم اسكنت كما قالوا علم في علم. ولم يستعمل الأصل إذ لم يتصرف، ~~فجعلوا اعتلاله إزالة حركة عينه لا غير. # وقال الزجاج: لم يتصرف لأنها تنفي المستقبل والحال والماضي، فلم يحتج ~~فيها إلى تصرف. # وقال محمد بن الوليد لم يتصرف لمضارعتها " ما ". # وقال أبو غانم: لم يتصرف لأنها نعت. وحق الأفعال أن تنفى ولا تنفي وإنما ~~النفي للحروف فلما خرجت عن بابها إلى باب الحرف منعت التصرف كما منعه ~~الحرف. PageV06P3902 # قوله: (إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام [آمنين]) [45] إلى ~~قوله (العذاب الأليم) [50] # قال ابن عباس: الجنات سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، وجنة ~~الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، ودار الخلود. يقال لمن اتقى المعاصي ولزم ~~الطاعة لله: ادخلوها بسلام آمنين من عذاب الله ومن نكبات الدنيا ومن الموت. # قال: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا}. # أي: نزعنا ما فيها من الحقد و [ال] عداوة. # يقال: غل يغل من الشحناء. وغل يغل من الغلول. وأغل يغل من الخيانة. # قال أبو أمامة: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من PageV06P3903 # الشحناء والضغائن، حتى إذا تقابلوا نزع الله [ عز وجل] ما في صدورهم من ~~غل وشحناء. # وروي عنه أنه قال: لا يدخل [ال] مؤمن الجنة حتى ينزع الله [ عز وجل] ما ~~في صد [و] رهم من غل، وينزع [منه] مثل السبع الضاري. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فينا أهل بدر نزلت الآية. وقال علي ~~لابن طلحة: اني لارجو أن يجعلني الله وإياك من الذين ينزع [الله] ما في ~~صدورهم من غل، ويجعلنا إخوانا {على سرر متقابلين}. # وروي عنه أنه قال [إني] لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله ms1283 تعالى ~~{ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}. PageV06P3904 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يخلص المؤمنون من النار، ~~فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت في ~~الدنيا. حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن الله لهم في دخول الجنة. فةالذي نفسي ~~محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة [منه] بمنزله الذي كان في الدنيا ". # ومعنى {متقابلين} يقابل بعضهم بعضا لا يستدبره، قال مجاهد: لا ينظر واحد ~~منهم إلى قفا صاحبه. # وقيل: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} أزلنا عنهم الجهل والغضب وشهوة ما لا ~~ينبغي حتى زال التحاسد. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الغل على أبواب الجنة ~~كمبارك الابل إذ [ا] PageV06P3905 # نزع من صدور [المؤمنين] ". # وروي عن علي [رضي الله عنه] أنه قال: " إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة ~~والزبير من الذين قال الله {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين}. # وروي عنه أنه قرئت عنده الآية: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} فقال: ألا ~~ذاكم عثمان وأصحابه، وأنا منهم. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا تقابلوا وترافقوا في الجنة ~~نزع الله ما في صدورهم من غل ". # " وسرر " جمع سرير في أكثر العدد. ويقال سرر في جمعه بفتح الراء الأول. PageV06P3906 # قال [تعالى]: {لا يمسهم فيها نصب}. # أي: لا يلحقهم وجع ولا تعب ولا ضرر ولا ألم {وما هم منها بمخرجين} أي: ~~خالدون فيها أبدا. # قال تعالى ذكره: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم}. # أي: أخبر يا محمد عبادي عني {أني أنا الغفور الرحيم} أي: الساتر لذنوبهم ~~إذا تابوا واستقاموا. الرحيم بهم أن أعذبهم على ما تقدم من ذنوبهم بعد ~~توبتهم واستقامتهم. وخبرهم أيضا يا محمد {أن عذابي} لمن أصر على المعاصي ~~والكفر {هو العذاب الأليم} أي المؤلم يعني الموجع لا يشبهه عذاب. وهذا كله ~~تحذير لعباده وتخويف وإطماع في رحمته. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لو يعلم ms1284 العبد قدر عفو الله ~~لما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه ". PageV06P3907 # وروي عنه [ صلى الله عليه وسلم] " أنه خرج على أصحابه وهم يضحكون فقال: ~~أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار؟ " # فشق ذلك عليهم ف [أ] نزل الله جل ذكره {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم ~~* وأن عذابي هو العذاب الأليم} # قوله: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم} إلى قوله: {[ا] لضآلون}. # المعنى وخبر عبادي يا محمد عن أصحاب ضيف إبراهيم، وهم الملائكة الذين ~~دخلوا على إبراهيم حين أرسلهم الله لإهلاكهم قوم لوط وليبشروا إبراهيم ~~بإسحاق [ صلى الله عليه وسلم] . قال الضيف لإبراهيم {سلاما} قال إبراهيم: ~~{إنا منكم وجلون} أي: خائفون {قالوا لا توجل} أي: لا تخف {إنا نبشرك بغلام ~~عليم} وهو إسحاق. # وقال الزجاج: إنما خاف إبراهيم منهم لما قدم إليهم العجل فرآهم لا PageV06P3908 # يأكلون. فقال {أبشرتموني على أن مسني الكبر} أي: لأن مسني، وبأن مسني. ~~وكان إبراهيم في ذلك الوقت ابن مائة سنة. وكانت زوجته سارة بنت تسع وتسعين ~~سنة. قال مجاهد: عجب إبراهيم من هذه البشرى مع كبره وكبر امرأته فاستفهم ~~فقال {فبم تبشرون} أنا كبير وامرأتي كبيرة لا تلد. # قالت الملائكة: {بشرناك بالحق} أي: بالخبر اليقين أن الله [تعالى] يهب لك ~~غلاما فلا تكونن من القانطين، أي من الآيسين من فضل الله [ عز وجل] ولكن ~~أبشر بما بشرناك به. قال إبراهيم [لهم]: {ومن يقنط من رحمة ربه [إلا] ~~الضآلون} أي من ييأس من فضل ربه إلا من] ضل عن سبيل الله. PageV06P3909 # يقال: قنط [يقنط ويقنط] قنوطا فهو قانط، وقنط يقنط يقنط قنطا فهو قنط ~~وقانط. # ويروى: أنهم بشروه أن الله جل ذكره قضى أن يخرج من ذريتك مثل ما أخرج من ~~صلب نوح وأكثر. # قوله: {قال فما خطبكم أيها المرسلون}. # معناه: قال إبراهيم للملائكة: فما شأنكم وما أمركم أيها المرسلون؟ قالوا ~~له {إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين}. أي: مكتسبين المعاصي والكفر بالله. ثم ~~استثنى منهم آل لوط فقال: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين} أي: من العذاب. ms1285 # ثم استثنى من آل لوط امرأته فقال: {إلا امرأته} فصارت المرأة مع ~~المعذبين. # ومعنى: {قدرنآ إنها لمن الغابرين} أي: قدرنا عملنا فيها أن تكون مع ~~الباقين في PageV06P3910 # العذاب. وقيل: معناه: كتبنا ذلك وأخبرنا به. وقيل: معناه: قضينا ذلك. # و" آل لوط " هنا أتباعه على دينه. و " الغابرين " الباقين في العذاب. # قال تعالى {فلما جآء آل لوط المرسلون}. # أي: فلما أتى رسل الله إلى لوط، أنكرهم لوط ولم يعرفهم. وقال لهم {إنكم ~~قوم منكرون} أي: لا نعرفكم. قالت له الرسل: بل نحن رسل الله جئناك بما قومك ~~فيه يشكون أنه نازل بهم من عذاب الله على كفرهم {وآتيناك بالحق} أي: جئناك ~~[ب]- الحق من عند الله وهو العذاب {وإنا لصادقون} فيما أخبرناك به من الله ~~بهلاك قومك. ثم قالوا له: {فأسر بأهلك بقطع من اليل} أي: في بقية من الليل ~~واتبع يا لوط أدبار أهلك الذين تسرى بهم، أي: كن من ورائهم {ولا يلتفت منكم ~~أحد وامضوا حيث تؤمرون} PageV06P3911 # أي: حيث يأمركم الله. قال الزجاج: أمر بترك الالتفات لئلا يرى عظيم ما ~~نزل قومه. وقيل: نهي عن الالتفات إلى ما في المنازل من الرجال لئلا يقع ~~الشغل به عن المضي. # قال تعالى: {وقضينآ إليه ذلك الأمر}. # أي: أوحينا إلى لوط ذلك الأمر. ثم فسر ما هو الذي أوحى إليه فقال: " إن ~~دابر هؤلاء مقطوع " فهذا الذي أعلمه الله وأوحى به إليه. ومعنى: " دابر ~~هؤلاء مقطوع " آخرهم يستأصل صباحا. # قوله: {وجآء أهل المدينة يستبشرون}. # المعنى: وجاء أهل المدينة، [مدينة] سدوم، وهم قوم لوط، يستبشرون لما ~~سمعوا أن ضيفا قد نزل عند لوط طمعا في ركوبهم الفاحشة، قال قتادة. # والضيف يقع للواحد والجمع والاثنين بلفظ واحد لأنه مصدر في الأصل. PageV06P3912 # قال لهم لوط {إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون} فيهم {واتقوا الله} فيهم {ولا ~~تخزون} أي: ولا تذلون ولا تهينون فيهم بالتعرض إليهم بالمكروه. قالوا له ~~{أو لم ننهك عن العالمين} أي: [عن] ضيافة أحد من العالمين. # وقيل المعنى: ألم ننهك أن تجير أحدا علينا ms1286 وتمنعنا منهم. # قال لهم لوط صلى الله عليه وسلم { هؤلآء بناتي إن كنتم فاعلين}. قال ~~قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا النساء. # ومعنى {إن كنتم فاعلين}، [أي: فاعلين] ما أمركم / الله به. # وقيل: [المعنى]: إن كنتم مريدين بهذا الشأن فعليكم التزويج ببناتي. وكل PageV06P3913 # نبي أزواجه أمهات أمته، وأولاد أمته أولاده. فعلى ذلك قال لوط {هؤلآء ~~بناتي} وعلى ذلك قربءوا " أزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ". # فرفع لعمر على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال لعمرك قسمي، أو ما أقسم ~~به. وحسن الحذف لأن باب القسم باب حذف. # والمعنى: أي وحياتك يا محمد أن كفار قومك من قريش {لفي سكرتهم} أي: ~~ضلالتهم {يعمهون} أي: يترددون. # وقال ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد [ ~~صلى الله عليه وسلم] ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. PageV06P3914 # وعمرك أصله ضم العين لأنه من العمر والتعمير ومنه قول الرجل لعمري إنما ~~أقسم بمدة حياته. ولكن كثر استعمالهم له في القسم ففتحوا العين، ولا يفتح ~~إلا في القسم خاصة. فإنما أقسم الله جل ذكره [بعمر] النبي صلى الله عليه ~~وسلم كأنه قال: وبقائك في الدنيا يا محمد. # قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه أكرم البشر عنده. # وقيل: معناه وعيشك يا محمد أن قريشا لفي سكرتهم [يتمادون]. # وقال مجاهد: " يعمهون " يترددون. # ثم قال تعالى ذكره: (فأخذتهم الصيحة مشرقين) [73]. PageV06P3915 # أي: أخذتهم الصاعقة عند شروق الشمس. يقال: أشرق القوم إذا صادفوا شروق ~~الشمس، وأصبحوا إذا صادفوا الصبح. # وشرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا ضاءت وصفت. وقيل: شرقت وأشرقت بمعنى. ~~والأول أحسن وأكثر. # ومعنى " مشرقين " مصادفين شروق الشمس وهو طلوعها. # قال: [تعالى ذكره]: {فجعلنا عاليها سافلها} أي: جعلنا عالي أرضهم سافلها ~~{وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} أي: من طين. وقد تقدم ذكر سجيل في هود بابين ~~من هذا. ويروى أن سجيلا [اسم] لسماء الدنيا. PageV06P3916 # أي: في هذا العذاب لعلامات ودلائل على قدرة الله وتوحيده ووجوب طاعته ~~واتباع ms1287 رسله وكتبه للمتفرسين المعتبرين. قال مجاهد: " للمتوسمين " ~~المتفرسين. وقال قتادة للمعتبرين. وقال ابن عباس: للناظرين، وهو قول ~~الضحاك. وقال ابن زيد: للمتفكرين والمعتبرين الذين يتوسمون الأشياء ~~ويتفكرون فيها ويعتبرون. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ~~ينظر بنور الله. ثم قرأ {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} ". PageV06P3917 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن [لله] عبادا يعرفون الناس ~~بالتوسم ". # وحقيقة التوسم: النظر بالتثبت حتى يعرف الحقيقة. فهذا كله متقارب في ~~العمنى. وهذه الآية تنبيه لقريش لأن يتعظوا ويزدجروا بما نزل بقوم / لوط ~~وغيرهم. # أي: وإن سدوم المنقلبة بقوم لوط لبطريق واضح يراها المجتاز بها، لا يخفى ~~مكانها. وقيل: المعنى وإن الآيات {لبسبيل مقيم}. # أي إن في صنيعنا بقوم لوط لعلامة و [دلالة] لمن آمن بالله على انتقامه من PageV06P3918 # أهل الكفر. وقيل: الهاء تعود على الحجارة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أن الحجارة لموقفة في ~~السماء منذ ألفي عام لظالمي أمتي إذا عملوا بأعمال قوم لوط ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيكون خسف وقذف من السماء وذلك إذا ~~عملوا بأعمال قوم لوط " ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية [إلى ~~{مقيم}] ". # قوله: {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين} إلى قوله {ما كانوا يكسبون}. # المعنى: وما كان أصحاب الأيكة إلا ظالمين. # والأيكة الشجر المتلف، وهو شجر المقل. فال قتادة " أصحاب الايكة أصحاب ~~غيضة. # وكان عامة شجرهم الدوم. وكان رسولهم شعيب عليه الصلاة والسلام، PageV06P3919 # أرسل إليهم وإلى أهل مدين. أرسل إلى أمتين من الناس. وعذبتا بعذابين. أما ~~أهل مدين فأخذتهم الصيحة. [وأما] أصحاب الايكة فكانوا أصحاب شجر فسلط الله ~~عليهم الحر سبعة أيام يظلهم منه ظل ولا يستتر منه شيء. فبعث الله [سبحانه] ~~[سحابة] فحلوا تحتها يلتمسون الروح منها. فجعلها الله عليهم عذابا. فبعث ~~عليهم نارا فاضطرمت عليهم فأحرقتهم فذلك قوله: {عذاب يوم الظلة} [الشعراء: ~~189] وذلك قوله {فانتقمنا منهم}. # وروى أن أصحاب الأيكة قوم من جذام كانوا نزولا بجوار الأيك. ms1288 والأيك ~~الدوم، والدوم شجر المقل. بعث الله إليهم شعيبا. وهو شعيب بن توبة بن مدين ~~بن إبراهيم. وكانوا جيرانه، وقيل: كانوا أخواله. قال ابن جبير: " الأيكة " PageV06P3920 # غيضة. # ثم قال تعالى ذكره {وإنهما لبإمام مبين}. # أي: أن أصحاب الأيكة وقوم لوط لفي كتاب كتبه الله. # وقيل: المعنى: وإن الموضعين اللذين هلك فيهما قوم لوط وقوم شعيب، لبطريق ~~واضح يأتم به الناس في أسفارهم ويعاينونه. # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تدخلوا [على] هؤلاء ~~القوم المعذبين يعني أصحاب الحجر، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم] ما ~~أصابهم ". # [وقيل: المعنى وإن لوطا وشعيبا لبطريق من الحق يؤتم به أي: على طريق واضح ~~من الحق]. PageV06P3921 # ثم قال: {ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين}. # أي: سكان الحجر وهي مدينة ثمود. وكان قتادة يقول هم أصحاب الوادي. والحجر ~~اسم الوادي. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما خلف بالحجر: " هؤلاء قوم صالح ~~أهلكهم الله إلا [رجلا] كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله وهو ~~أبو رغال ". # وقال الزجاج: هم أصحاب واد. # ثم قال تعالى: {وآتيناهم آياتنا [فكانوا]}. # أي: أعطيناهم أدلتنا وعلامات توحيدنا فأعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها. # ثم قال: {وكانوا ينحتون من الجبال}. PageV06P3922 # {بيوتا آمنين}. أي: كان ثمود، وهم قوم/ صالح ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين من عذاب الله. وقيل: آمنين أن تنهدم عليهم. وقيل: آمنين من الموت. # {فأخذتهم الصيحة} أي: صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم الرابع الذي وعدوا ~~فيه العذاب، إذ قيل: لهم {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود: 65]. فلم يغن ~~عنهم عند ذلك ما كسبوا من الأعمال الخبيثة ولا من عرض الدنيا. # قوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق} إلى قوله: {أنا ~~النذير المبين}. # المعنى وما خلقنا الخلائق كلها إلا بالحق {وإن الساعة لآتية} أي: أن ~~القيامة لجائية، فارض بها يا محمد لمشركي قومك الذين كذبوا ما جئتهم به. ثم ~~قال: {فاصفح الصفح الجميل} أي: فأعرض عنهم إعراضا جميلا واعف عنهم عفوا ms1289 ~~حسنا. # وهذه الآية منسوخة عند جماعة، بالأمر بالقتال وإنما كان هذا قبل أن يؤمر PageV06P3923 # بقتالهم، قال قتادة والضحاك ومجاهد. # ثم قال تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني}. # قيل: السبع المثاني السور الطوال وسميت مثاني لأنها تثنى فيها الأمثال ~~والخبر والعبر والحدود والفرائض، قاله: ابن عباس ومجاهد وابن عمر وابن جبير ~~وابن سيرين. [وهي] البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ~~ويونس. وقيل: السابعة الأنفال وبراءة. # وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود رضي الله عنهما: السبع المثاني آيات ~~الحمد، لأنهن سبع آيات. وهو قول: أبي بن كعب. # وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هي أم القرآن. وقاله: أبو ~~هريرة وعلي وعمر PageV06P3924 # وابن مسعود والحسن وقتادة. وسميت مثاني لأنها تثنى لأنها تثنى في كل ركعة ~~أي: تعاد. # وقيل: المثاني القرآن غيرها. والمعنى سبع آيات من القرآن الذي هو مثاني. ~~أي: تثنى فيه القصص والمواعظ والأخبار دل على ذلك قوله {متشابها مثاني} ~~[الزمر: 23] فالمعنى: ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات، وهي الحمد، من ~~المثاني أي من القرآن. # وقيل: السبع المثاني ما في القرآن من الأمر والنهي والبشرى والإنذار وضرب ~~الأمثال وإعداد النعم وآتيناك نبأ القرآن العظيم. # وعن ابن عباس أن سورة الحمد هي المثاني/ وإنما سميت مثاني لأن الله [جل] ~~ذكره استثناها لمحمد صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء فادخرها له. # وعن ابن عباس: أخرجها لكم وما أخرجها لأحد كان قبلكم. PageV06P3925 # وقيل: " السبع المثاني ": الحمد " والقرآن العظيم " الحواميم. # وقال علي وأبو هريرة: والسبع المثاني، فاتحة الكتاب، قاله قتادة ومجاهد. # وقيل: المعنى وآتيناك سبع آيات وهي الحمد {من المثاني} من القرآن، فمن ~~للتبعيض. # و [قوله] {والقرآن العظيم} عني به الحمد على قول من رأى السبع المثاني ~~[السبع] الطوال. # وقيل: [هي] القرآن كله. # ثم قال تعالى: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم}. # معناه / استعن بما آتاك الله من القرآن عما في أيدي الناس. ومنه حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي: ms1290 يستغني به ~~عن المال. وعلى هذا تأول الحديث سفيان بن عيينة، وتأول الآية. وروى: من حفظ ~~القرآن فرأى أن أحدا PageV06P3926 # أعطي أفضل مما أعطي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا. # فالمعنى: لا تتمنين ما جعلنا من زينة الدنيا متاعا للأغنياء من قومك ~~المشركين {ولا تحزن عليهم}. أي: على ما متعوا به من ذلك. فعجل لهم في ~~الدنيا فإن لك في الآخرة مما هو خير لك من ذلك. # ومعنى: {أزواجا منهم} أمثالا منهم، يعني: الأغنياء منهم. والأزواج في ~~اللغة: الأصناف. # {واخفض جناحك للمؤمنين}. # أي: ألن جانبك لمن آمن بل وقربهم من نفسك. والجناحان من ابن آدم جنبناه، ~~والجناحان الناحيتان، ومنه قول الله تعالى {واضمم يدك إلى جناحك} [طه: 22]. PageV06P3927 # وقيل: معناه: إلى ناحيتك وجنبك. # وقل للمشركين {إني أنا النذير المبين} أي أنا [النذير] المنذر لكم عذابا. # {كمآ أنزلنا على المقتسمين}. # أي: مثل العذاب الذي أنزلنا على المقتسمين " المبين " لكم ما جئتكم به من ~~الإنذار والأعذار والوعد والوعيد. # قوله: {كمآ أنزلنا على المقتسمين}. # الكاف من " كما " في موضع نصب نعت [لمصدر محذوف]. # و [قيل]: للمفعول المحذوف، أي: النذير عذابا مثل العذاب الذي أنزلنا على ~~المقتسمين. PageV06P3928 # قال ابن عباس: المقتسمين اليهود والنصارى، قسموا القرآن فآمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض. # قال مجاهد: هم أهل الكتاب جزءوا القرآن فجعلوه أعضاء، آمنوا ببعض وكفروا ~~ببعض. # وقال عكرمة: هم أهل الكتاب اقتسموا القرآن، استهزءوا به فقال بعضهم: هذه ~~السورة لي، وقال آخر: هذه السورة لي. # وعن مجاهد أيضا: هم أهل الكتاب اقتسموا كتابهم فكفر بعضهم ببعضه، وآمن ~~الآخرون بذلك البعض، وكفروا [ب] بعض آخر. # وقال قتادة: هم قوم من قريش خمسة عضهوا كتاب الله [ عز وجل] . PageV06P3929 # وقيل: عني بذلك قوم صالح الذين تقاسموا على تبييت صالح وأهله، وهم تسعة، ~~قاله ابن زيد. # وقيل: هم قوم اقتسموا طريق مكة أيام مقدم الحاج بعثهم أهل مكة ليشيعوا في ~~كل ناحية عند كل من يقدم مكة [من الناس] أن محمدا مجنون وأنه شاعر وأنه ~~ساحر. # قال ابن عباس: هم اثنا عشر رجلا من ms1291 قريش اقتسموا على أعقاب مكة لمن يقدم ~~مكة من الناس ليصدوهم عن نبي الله. فيقول بعضهم: هو كاهن، وبعضهم هو شاعر، ~~وبعضهم هو مجنون. # وقيل: هم قوم أقسموا ألا يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يفارقوا ~~الانحراف عنه، والطعن عليه. PageV06P3930 # وقال عطاء: هم قوم من قريش فرقوا القول في القرآن / فقال بعضهم: هو سحر ~~وقال آخرون: هو شعر وقال آخرون: هو أساطير الأولين. وعن ابن عباس أيضا في ~~{جعلوا القرآن عضين} أي: فرقوه فرقا. وهو مشتق من العضو، والمحذوف منه على ~~هذا القول واو. والكسائي يذهب إلى أنه من: عضهت الرجل، إذا رميته بالبهتان. ~~والتصغير على هذا القول الأول " عضية " وعلى قول الكسائي عضيهة. وقال ~~الفراء: العضون في كلام العرب المتفرقون. واستجيز جمعه بالواو والنون عند ~~البصريين ليكون ذلك عوضا مما حذف منه. # وحكى الفراء أن من العرب من يقول: هذه عضينك. فتركه بالياء في كل حال، ~~ويجعل الإعراب في النون، بمنزلة ذهبت سنينك في لغة من PageV06P3931 # جعلها بالياء على كل حال وجعل الاعراب في النون. [قال]: وهي كثيرة في أسد ~~وتميم وعامر. توهموا أن الواو واو فعول لما وقعت موضع حرف ناقص [و] قلبوها ~~ياء لأنها أخف من الواو وجعلوا الاعراب في النون. كما قال بعضهم سمعت ~~لغاتهم. فنصب، وحق التاء الكسر في النصب والخفض كتاء " مسلمات ". لمن نصبها ~~في موضع النصب كما تقول: سمعت أصواتهم. # فمن قال في التصغير عضيهة، وجعله على عضين، قال: فعلت به ما فعلت ببرة ~~وبرين. وحذفت الهاء كما حذفتها من شفه وأصلها شفهة وتصغيرها [شفيهة. ومثله ~~شاة وتصغيرها] شويهة، وأصلها شاهه وجمعها شياه. كما تقول في شفه: شفاه. # ومن أخذه من عضيت أي: فرقت أعضى تعضية فهو من قول الشاعر: # " وليس دين الله بالمعضى " ... أي بالمفرق. PageV06P3932 # قال [تعالى]: {فوربك لنسألنهم أجمعين}. # أي: فوربك يا محمد لنسئلن هؤلاء الذين جعلوا القرآن عضين في الآخرة عما ~~كانوا يعملون في الدنيا. # وقيل: معناه، لنسئلن هؤلاء عن شهادة أن لا إله إلا الله. قاله: ابن عمر ms1292 ~~ومجاهد. # قال ابن مسعود: والذي لا إله غيره، ما منكم أحد إلا سيخلو الله [ عز وجل] ~~به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول: ابن آدم [ماذا] أخرك مني؟ ابن ~~آدم ما عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟. # [قال أبو العالية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عن ما كانوا PageV06P3933 # يعبدون وعن ما أجابوا المرسلين]. # وعن ابن عباس في قوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون} ثم ~~قال في موضع آخر: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن} [الرحمن: 39] معنى ~~الأول يسألهم لم عملتم كذا وكذا، ومعنى الثاني لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا ~~لأنه عالم بذلك. قال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة {فوربك لنسألنهم} ~~إلى آخرها. # روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم [ قال] " كلكم مسئول يوم ~~القيامة: فالإمام يسأل عن الناس وعن رعيته. والرجل يسأل عن أهله وولده/ ~~والمرأة تسأل عن بيت زوجها. والعبد يسأل عن مال سيده ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من راع استرعى رعية إلا سأله ~~الله يوم القيامة عن PageV06P3934 # رعيته، هل أقام فيهم أمر الله أم أضاعه، حتى أن الرجل ليسأل عن خاصته ~~وأهل بيته ". # قال معاذ بن جبل: " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أبعة، ~~عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه ~~وعن عمله كيف عمل فيه ". وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~يسألون عن شهادة أن لا إله إلا الله ". # قال تبارك وتعالى: {فاصدع بما تؤمر}. # معناه، بلغ ما أرسلت به إليهم، قال ابن زيد. # وقال ابن عباس: معناه افعل ما تؤمر وامضه. PageV06P3935 # وعنه: أعلن بالقرآن، قال: وكان نبي الله اكتتم مخافة [قومه] سنتين فأمره ~~الله أن [يصدع] بما يؤمر أي: يعلن به وظهره وأن يعرض عن المشركين ثم نسخ ~~ذلك وأمره بقتالهم وقال {إنا كفيناك المستهزئين}. وقال مجاهد: المعنى: اجهر ~~بالقرآن في الصلاة. قال ms1293 عبد الله بن عبيد: لم يزل النبي [ صلى الله عليه ~~وسلم] بمكة مستخفيا حتى نزلت: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} فخرج هو ~~[و] أصحابه. # وقال الزجاج: معناه: ابن ما تؤمر به وأذهره، مشتق من الصديع وهو الصبح. PageV06P3936 # وقال المبرد: [معناه]: اصدع الباطل بما تؤمر: أي: افرق بين الحق والباطل ~~بهذا القرآن وبينه. # يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا. ومنه صداع الرأس وتصدعت الزجاجة تفرقت ~~أجزاؤها. وفاء الفعل مصدر عند البصريين، فلذلك لم يقل: " بما تؤمر به:. ~~وتقديره: فاصدع بأمرنا وهو القرآن. # وقال الكسائي: " ما " بمعنى: الذي. والتقدير بما تؤمر به، ثم حذفت: " به ~~". # فأما قوله {وأعرض عن المشركين} فهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال ثم، أمر ~~بالقتال PageV06P3937 # فنسخه الأمر بالقتال، قاله: ابن عباس والضحاك. # ثم قال تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر}. # المستهزؤون: في قول ابن عباس، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن ~~وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وهو ابن خال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والأسود بن المطلب، وأبو زمعة الحرث بن عيطلة كانوا يهزؤون ~~بالنبي عليه السلام. # وعن ابن عباس: أنهم خمسة، ولم يذكر الحرث بن عيطلة، كانوا يهزؤون بالنبي ~~عليه السلام. فروي أنهم مروا، رجلا [رجلا] على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعه جبريل عليه السلام، فإذا مر رجل منهم قال [له] جبريل: كيف تجد هذا؟ ~~فيقول/ النبي: بئس PageV06P3938 # عبد الله، فيقول له جبريل: كفيناكه. فهلك الخمسة بأمر الله [ عز وجل] ~~ونصره لنبيه [ صلى الله عليه وسلم] : أما الوليد بن المغيرة فإنه تردى ~~بردائه فتعلق سهم بردائه فقعد يحله فقطع أكحله فنزف فمات. وأما الأسود بن ~~عبد يغوث فأتى بغصن فيه شوك فضرب به وجهه فسالت حدقتاه على وجهه. فكان ~~يقول: دعوت على محمد [دعوة] ودعا علي دعوة، فاستجيب لي، واستجيب له: دعا ~~علي أن أعمى، فعميت. ودعوت عليه: أن يكون وحيدا فريدا في أهل يثرب فكان ~~ذلك. وأما العاصي بن وائل فوطئ شوكة فتساقط لحمه على ms1294 عظامه حتى هلك. وأما ~~الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فإن أحدهما قام من الليل وهو مطمئن يشرب من ~~جرة فلم يزل يشرب حتى ينفتق بطنه فمات. # وأما الآخر فلدغته حية فمات. # فمعنى الآية: إنا كفيناك يا محمد الساخرين منك الجاعلين مع الله إلها آخر ~~[سبحانه وتعالى]، {فسوف يعلمون} ما يلقون من عذاب الله عند مصيرهم إليه PageV06P3939 # يوم القيامة. # وقال عكرمة: المستهزؤون قوم من المشركين كانوا يقولون سورة البقرة سورة ~~العنكبوت يستهزؤون بأسماء السور. # وروى ابن وهب: عن زيد بن أسلم أن وهب الذماري قال: " إن نيبا من الأنبياء ~~حدث قومه بحوت ينزله أهل الجنة فاستهزأ به رجل من قومه. فقال النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم] اذهب فأريكه. فذهب حتى إذا جاء البحر جاز حوت مثل البيت ~~قال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: لا، ثم جاز حوت مثل الجبل. فقال: هو ذا يا ~~نبي الله؟ قال: لا، ثم جاز حوت مثل القصر. قال: هون ذا يا نبي الله؟ قال ~~لا. ثم جاز حوت مر صدره ضحى، ولم يمر آخره إلى العصر، فقال: هو ذا يا نبي ~~الله؟ فقال: كيف ترى؟ فقال: والله إن في هذا لمأكلا ومشربا. قال: فوالذي ~~نفسي بيده إنه ليتغذى كل يوم طلعت فيه الشمس بسبعين ألف حوت كلهم مثل هذا ~~الحوت، فصعق PageV06P3940 # الرجل فمات ". # وذكر عند مروان بن الحكم [هذا الحديث] فقال: لقد ذكر لي أن هذا الحوت قد ~~أحاط بالسماوات السبع ومن تحت العرش. # وعن ابن عباس: أنهم هلكوا في ليلة واحدة كل رجل منهم يميته سوى ميتة ~~صاحبه. # قوله: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك}. # المعنى: ولقد نعلم يا محمد أنك يضيق صدرك بما تقول هؤلاء من تكذيبك، فسبح ~~بحمد ربك أي: افزع فيما نزل بك منهم إلى الشكر لله [ عز وجل] والثناء عليه ~~والصلاة، يكفيك ما همك من ذلك، و " كان النبي عليه السلام إذا أحزنه أمر ~~فزع إلى الصلاة ". # قوله: {وكن من الساجدين} أي: / من المصلين. # قوله: {حتى يأتيك اليقين} أي: الموت. ms1295 ومعناه: اعبد ربك أبدا، ولو لم PageV06P3941 # يقل {حتى يأتيك اليقين} لكان بعبادته ساعة واحدة طائعا قد فعل ما أمر به. ~~ولكن قوله: {حتى يأتيك اليقين} يبينه، وهذا مثل قوله: {وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا} [مريم: 31] أي: أبدا ولو لم يقل: {ما دمت حيا} لكان ~~بصلاة واحدة وزكاة مرة يؤدي ما وصاه به. PageV06P3942 ### | تفسير سورة النحل # سورة النحل مكية # قال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بين مكة والمدينة، حين رجع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحد، وقد قتل حمزة، وقد مثل به، فقال ~~النبي [- صلى الله عليه وسلم -] "لأمثلن بثلاثين منهم". وقال المسلمون: ~~"لنمثلن بهم". فأنزل الله (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم [به]) [126]، ~~إلى آخر السورة. PageV06P3943 # [ويقال لسورة النحل سورة النعم لكثرة ما نبه الله فيها على نعمه , وعدد ~~ما فيها من منته على خلقه] # قوله [تعالى] {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}. # ومعنى أتى أمر الله: يأتي. ولا يحسبن عند سيبويه في أخبار الناس وما يجري ~~بينهم: فعل بمعنى يفعل إلا في الشرط. # وقيل: إنما أتى بالماضي لأنه أمر سيكون لا بد منه، فأتى فيه بالماضي الذي ~~قد كان في موضع ما سيكون. # وقيل: إنما جاء كذلك لأنهم استبعدوا ما وعدهم الله من عذاب، فأتى PageV06P3944 # بالماضي في موضع المستقبل لقربه من الإتيان، ولصدق المخبر به. # وقد قال الضحاك: {أمر الله}: فرائضه وحدوده وأحكامه. # وقيل: هو وعيد من الله لأهل الشرك على ما تقدم. # قال ابن جريج: لما نزلت {أتى أمر الله} الآية، قال رجل من المنافقين ~~بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فامسكوا عن بعض ما كنتم تعملون ~~حتى ننظر ما هو كائن. فلما رأوا أنه لا ينزل شيئا، قالوا: ما نراه ينزل ~~شيئا، فنزلت [الآية]: {اقترب للناس حسابهم} [الأنبياء: 1] الآية. فقالوا: ~~إن هذا يزعم مثلها أيضا. فلما رأوا ألا ينزل شيئا، قالوا: ما نراه ينزل ~~شيئا فنزلت {[و] لئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة [ليقولن ما يحبسه]} ~~[هود: 8] الآية. ms1296 وروي عن اضحاك {أتى أمر الله} يعني القرآن: أي أتى بفرائضه PageV06P3945 # وحدوده وأحكامه، وهو القول الأول عنه. # وقيل: أمر الله نصر النبي عليه السلام. وقيل هو يوم القيامة. # وقال الزجاج: {أمر الله} ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم بمنزلة قوله: # {حتى [إذا جآء] أمرنا وفار التنور} [هود: 40] وقوله: {أتاهآ أمرنا ليلا ~~أو نهارا} [يونس: 24]. ومعناه: أنهم استبطأوا العذاب فأخبرهم الله بقربه. # ويدل على أنه وعيد وتهدد للمشركين قوله بعد: {سبحانه وتعالى عما يشركون}. # وأمر الله قديم غير محدث وغير مخلوق، بدلالة قوله: {ألا له الخلق والأمر} ~~[الأعراف: 54] فالأمر غير الخلق. وبدلالة قوله: {لله الأمر من قبل ومن بعد} ~~[الروم: 4] أي: من قبل كل ئيء ومن بعد كل شيء، فهو/ غير محدث. وأمره صفة له ~~هو كلامه غير مخلوق. PageV06P3946 # وقيل معنى: {أتى أمر الله} أي أتت أشراط الساعة، وما يدل على قرب ~~القايمة. وقيل: هو قيام الساعة. وقيل: هو جواب لقولهم بمكة: {[فأمطر] علينا ~~حجارة من السمآء} [الأنفال: 32] الآية. # قال [تعالى]: {سبحانه وتعالى عما يشركون}. # من قرأ: {يشركون} بالتاء جعل الاستعجال للمشركين. ومن قرأ بالياء جعل ~~الاستعجال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # قال تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره}. أي: ينزل الملائكة بالوحي من ~~أمره {على من يشآء من عباده} أي: عليه السلام على المرسلين بأن ينذروا ~~العباد بأن لا إله إلا أنا. PageV06P3947 # وقيل: " من " بمعنى الباء. أي: بالروح [بأمره]، أي بالوحي بأمره. فالباء ~~متعلقة بينزل. # وقال قتادة: المعنى ينزل الملائكة بالرحمة والوحي من أمره على من اختار ~~من خلقه لرسالته لينذر الناس. لينذر [ب] أن لا إله إلا الله فاعبدوه. # وقال الربيع بن أنس: كل شيء تكلم به ربنا فهو روح منه، ومنه قوله: {وكذلك ~~أوحينآ إليك روحا من أمرنا}. # وعن ابن عباس، أيضا أنه قال: الروح خلق من خلق الله، وأمر من أمره صوره ~~على صورة آدم لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم. وقال الحسن: ~~{بالروح}: بالنبوة. # وقال الزجاج: الروح ما كان فيه من ms1297 أمر الله حياة للقلوب، بالإرشاد، إلى PageV06P3948 # أمر الله [ عز وجل] . # { فاتقون}. # أي: فأطيعوا أمري، واجتنبوا معصيتي. # ووقع الإنذار في هذا الموضع في غير موضعه. وأصله أن يقع تنبيها وتحذيرا ~~مما يخاف منه. وضده البشرى. وليس لا إله إلا الله مما يخاف منه ويحذر. ولكن ~~في الكلام معنى النهي عما كانوا عليه من عبادة غير الله [سبحانه]، فحسن ~~الاتيان به مع ما لا يخاف منه، ولا يحذر. ودل على ذلك قوله: {فاتقون} وقوله ~~بعد ذلك: {عما يشركون}. # قال تعالى: {خلق السماوات والأرض بالحق}. PageV06P3949 # أي: من خلق هذا وابتدعه، فلا تصلح الألوهيم إلا له. ومعنى {بالحق}: ~~بالعدل، أي: للعدل. وقيل: {بالحق} بقوله: كن فكانتا {بالحق}. فالحق كناية ~~عن قوله: " كن ". والقول الأول أبين. # أي: خلق الإنسان من ماء مهين، وصوره ونقله من حال إلى حال، وأخرجه إلى ~~ضياء الدنيا وغذاه ورزقه وقواه. حتى إذا استوى، كفر بخالقه وجحد نعمته وعبد ~~ما لا يضره و [ما] لا ينفعه وخاصم الله [سبحانه] في قدرته [جلت عظمته]، ~~فقال: {من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] ونسي خلقه، وانتقاله من ماء إلى ~~علقة إلى مضغة إلى عظم إلى تصوير إلى خروج إلى الدنيا، وضعف إلى قوة [وضعف] ~~بعد قوة. PageV06P3950 # ومعنى {مبين} أي: مبين عن خصومته بمنطقه، ومجادل بلسانه. والإنسان هنا ~~جميع الناس. وقيل: عني به أبي بن خلف، ثم هو عام ف [ي [من كان مثله. # قوله: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء}. # فالمعنى: وخلق الأنعام لكم فيها ما يدفئكم، أي ما يمنع عنكم ضر البرد، ~~وضر الحر. لأن ما يستر من الحر يستر من البرد. وذلك ما ينتفع به من الأصواف ~~والأوبار والأشعار. ثم جعل لكم فيها منافع، يعني من ألبانها، وركوبها، وأكل ~~لحومها، والانتفاع بنسلها. وعن ابن عباس: الدفء نسل كل دابة. # فهذا كله حجة على الخلق احتج عليهم بنعمته عندهم ولطفه بهم. قال ابن ~~عباس: {لكم فيها دفء} يعني الثياب. PageV06P3951 # قال تعالى: {ولكم فيها جمال حين تريحون}. # أي: تتجملون بها إذا وردت بالعشي من مسارحها ms1298 إلى مراحها التي تأوي إليها. ~~{وحين تسرحون} أي: وتتجملون بها حين تسرح بالغدو ومن مراحها إلى مسارحها. # قال قتادة: أعجب ما تكون النعم إذا راحت عظاما ضروعها، طوالا أسمنتها. ~~يعني: إذا رجعت من مرعاها. # قال تعالى: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس}. # أي: تحمل لكم هذه الأنعام أثقالكم إلى بلد بعيد لا تبلغو [نه] إلا بجهد ~~شديد ومشقة عظيمة لو وكلتم [إلى] أنفسكم، قاله: مجاهد. # وقيل الأثقال يراد بها في هذا الموضع الأبدان بدلالة قوله: {وأخرجت الأرض ~~أثقالها} [الزلزلة: 2] أي: ما فيها من الموتى. ومنه سمي الجن والإنس PageV06P3952 # الثقلان. # وروى المسيبي عن نافع " بشق " بفتح الشين، وبه قرأ أبو جعفر. وهو مصدر. ~~ومن كسر جعله اسما. وقيل معنى الكسر: إلا بنقص من القوة، أي ذهاب شق منها، ~~أي: ذهاب نصفها. # {إن ربكم لرؤوف رحيم}: PageV06P3953 # أي: لذو رأفة بكم وذو رحمة، ومن رحمته خلقه الأنعام لكم لمنافعكم ~~ومصالحكم، وخلقه السماوات والأرض، وغير ذلك مما يقوم به أمركم فليس يجب ~~الشكر والحمد إلا له. # قال تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها [و] زينة} أي: وخلق لكم ~~أيضا هذه، نعمة بعد نعمة وفضلا بعد فضل. # وبهذه الآية يحتج من منع أكل لحوم الخيل لأنه تعالى ذكر ما يؤكل أولا، ~~وهي الأنعام، ثم ذكر ما يركب ولا يؤكل وهي الخيل وما بعدها. # وأجاز جماعة أكل لحوم الخيل ورووا فيها أحاديث وآثار. واحتجوا بأنه لا ~~دليل من لفظ الآية على تحريمها وإن قوله: {قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] PageV06P3954 # الآية، يدل [على] تحليلها. # والذين [ر] ووا تحريمها، رووا في ذلك أحاديث عن النبي عليه السلام في ~~النهي عن أكلها. فيكون تركها كلها عندهم بالسنة وبدليل هذه الآية. # وقوله {وزينة}. # [أي: وللزينة. فهو] مفعول لأجله. وقيل: المعنى وجعلها زينة، فهو مفعول ~~به. # وقرأ أبو عياض: " لتركبوها زينة " بغير واو. PageV06P3955 # ثم قال تعالى: {ويخلق ما لا تعلمون}. # أي يخلق مع خلقه لهذه الأشياء {ما لا تعلمون} وهو ما ms1299 أعد الله لأهل الجنة ~~في الجنة، ولأهل النار في النار، مما لا تراه عين ولا خطر على قلب بشر. # وعن ابن عباس أنه قال: خلق الله ألف أمة، منها ست مائة في البحر، وأربع ~~مائة في البر، فليس شيء في البر إلا وفي البحر مثله، وفضل البحر بمائتين. # وعن وهب بن منبه أنه قال: إن لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منها عالم ~~واحد. وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في الجنان. وما الخلق كله في قبضة ~~الله [ عز وجل] إلا كخردلة في كف أحدكم. # وعن وهب أيضا، يرفعه إلى النبي عليه السلام، أنه قال: " إن لله [ عز وجل] ~~ثمانية PageV06P3956 # [عشر] [ألف] عالم، الدنيا منها عالم واحد، وإن لله في الدنيا ألف أمة سوى ~~الانس والجن والشياطين، أربع مائة في البر، وست مائة في البحر ". # وقد قال بعض المفسرين: إن هذا [هو] تأويل {الحمد لله رب العالمين} ~~[الفاتحة: 2] فجمع العالم لكثرة ذلك، وقد قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو} [المدثر: 31]. # وروي أنه: نهر عن يمين العرش من نور السماوات السبع والأرضين السبع ~~والبحار السبع، يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل فيزداد نورا إلى ~~نوره، وجمالا إلى جماله، وعظما إلى عظمه. ثم ينتفض فيخلق الله جل ذكره من ~~كل نقطة تقع منه كذا وكذا ألف ملك. يدخل منهم كل يوم سبت المعمور سبعون ~~ألفا، وسبعون ألفا في الكعبة ثم لا يعودون إليه أبدا إلى أن تقوم الساعة. ~~تصديقه: # {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31]. PageV06P3957 # وقال السدي: هو خلق السوس في الثياب. # والأحسن في هذه الآية: كونها على العموم، أن الله يخلق الأشياء لا يعلمها ~~ولا يعرفها [أحد] وأنه هو العالم بها وحده لا إله إلا هو. # قال تعالى: {وعلى الله قصد السبيل}. # أي: وعلى الله تبيين الطريق المستقيم إليه بالحجج والبراهين. فالسبيل ~~الطريق، والقصد الاستقامة. # وقيل معناه: رجوعكم ومصيركم [إلي] كما قال: {هذا صراط علي مستقيم} {إن ~~ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14]. # والقول الأول: أحسن لدلالة قوله: {ومنها ms1300 جآئر} أي: من السب [ي] ل ما PageV06P3958 # هو جائر عن الحق. # والسبيل هنا جمع [في المعنى بدلالة قوله: {ومنها جآئر}] فدخول " من " يدل ~~على أن السبيل جمع. أي: من السب [ي] ل سبيل جائر. أي: غير قاصد للحق. يعني ~~ما خالف دين الإسلام من الأديان. # قال ابن عباس: قصد السبيل: تبين الهدى من الضلالة. # وقال مجاهد: هو طريق الحق إلى الله. قال قتادة: {ومنها جآئر} أي: ومن ~~السبيل، سبيل الشيطان. وقال الضحاك: يعني السبيل التي تفرقت عن سبيل الله ~~[سبحانه]. وقال ابن زيد: جائر عن الحق. # والجائر في اللغة: العادل عن الحق. PageV06P3959 # وفي قراءة عبد الله: {ومنها جآئر} ورواية عن علي أيضا، ويقويها: {ولو شآء ~~لهداكم أجمعين} معناه: ولو شاء [الله] للطف بكم بتوفيقه فكنتم تهتدون إلى ~~طريقه المستقيم. ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لا معقب لأمره ومشيئته. # وقال الزجاج: معناه. لو شاء لأنزل آية يضطر الخلق [بها] إلى الإيمان به. # قوله: / {هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب}. # والمعنى: الذي أنعم عليكم بالنعم المتقدم ذكرها، هو الذل أنزل من السماء ~~ماء تشربون منه وأنعامكم، وينبت لكم به الشجر ويسقي به النبات والزرع وجميع ~~الثمار. والمعنى: لكم منه شراب وسقي شجر. وفي ذلك الشجر تسيمون أي: ترعون ~~أنعامكم. ومن قيل للمواشي المطلقة: السائمة، أي: الراعية. وهو من PageV06P3960 # السومة. وهي العلامة. لأنها إذا رعت أثرت في الأرض. # وقيل السوم في البيع مأخوذ من السائمة لأن كل واحد من المتابعين يقول ما ~~شاء عند السوم، كما أن الأنعام ترعى حيث شاءت. # فكل هذا تنبيه على نعمه علينا وفضله لدينا وحجة على من عبد غيره. # قال تعالى: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}. # أي: [إن] في هذه النعم التي وصفت لدلالة واضحة وعلامة بينة على قدرة الله ~~[سبحانه]، وتوحيده [جل وعز] لقوم يعتبرون مواعظ الله [جلت عظمته] ويتذكرون ~~حججه تعالى. # قال تعالى: {وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر} الآية. # أي: وأنعم عليكم أيضا مع النعم المتقدمة، بهذه الأشياء. فسخرها ms1301 لكم، PageV06P3961 # يتعاقب عليكم الليل والنهار والشمس والقمر لمصالحكم وقوام أموركم. إن في ~~ذلك لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله [سبحانه] ويفهمون تنبيهه [تعالى] ~~إياهم. # قال تعالى: {وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه}. # أي: وسخر [لكم] ما خلق في الأرض مختلفا ألوانه. قال قتادة: يعني: ما خلق ~~من الدواب، والأشجار والثمار. # {إن في ذلك لآية لقوم يذكرون}. # أي: يتذكرون قدرة الله ونعمه عليهم فلا يشكرون إلا إياه. # قوله: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا}. # المعنى: وهو الذي سخر لكم البحر المالح والعذب، مع ما تقدم من النعم PageV06P3962 # المذكورة، سخره لكم لتأكلوا من صيده لحما طريا ولتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها: اللؤلؤ والمرجان من المالح خاصة. # ثم قال: {وترى الفلك مواخر فيه}. # قال الحسن: يعني: مواخر مشحونة. وقال عكرمة: ما أخذ عن يمين السفينة ~~ويسارها من الماء فهو المواخر. قال مجاهد: تمخر السفن الرياح. وعن الحسن، ~~أيضا: {مواخر} جواري. وقيل معنى {مواخر} معترضة تجري. وعن قتادة: مواخر تجر ~~[ي] بريح واحدة مقبلة ومدبرة. # والمخر في اللغة: الشق. يقال: مخرت السفينة الماء، أي شقته ولها صوت أي ~~عند هبوب الريح. ومخر الأرض أيضا هو شق الماء إياها. وقيل: مواخر ملججة PageV06P3963 # في داخل البحر. # ثم قال تعالى: {ولتبتغوا من فضله}. # أي: لتتصرفوا فيه لطلب معايشكم في التجارة. قال مجاهد: هي تجارة البر ~~والبحر. {[و] لعلكم تشكرون} أي: تشكرون ربكم [ عز وجل] على هذه النعم التي ~~أنعم عليكم بها. # قال تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم}. # أي: ومن نعمه/ أيضا أن ألقى في الأرض رواسي، لئلا تميد بكم الأرض، وقد ~~كانت تميد قبل كون الجبال على ظهرها. # والراسي: الثابت. والرواسي: جمع راسية. يقال: رست، ترسو، إذا ثبتت. ~~والمرسى اسم المكان. # [و] قال قيس بن عباد: إن الله جل ذكره لما خلق الأرض جعلت تمور، PageV06P3964 # فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحت ضحى وفيها رواسيها. # وقال علي بن أبي طالب [عليه السلام]: لما خلق الله الأرض قمصت، وقالت: أي ~~رب، ms1302 أتجعل علي بني آدم يعملون علي الخطايا ويجعلون [علي] الخبث. فأرسى الله ~~[ عز وجل] فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون. # ثم قال تعالى: {وأنهارا وسبلا}. # أي: وجعل لكم أنهارا وسبلا. ولا يحسن حمله على " ألقى " لأنه لا يقال: ~~ألقى الله الأنهار والسبل ولكن حمل على المعنى. لأن معنى {وألقى في الأرض ~~رواسي} جعل فيها رواسي، فعطف {وأنهارا وسبلا} على هذا المعنى. PageV06P3965 # والسبل: الطرق. ليسلكوا فيها في حوائجهم وأسفارهم. ولو عماها عليكم ~~لهلكتم حيرة وضلالة. # [و] {لعلكم تهتدون} أي: تهتدون إلى المواضع التي تريدون الوصول إليها فلا ~~تضلون ولا تتحيرون. # قال ابن عباس: العلامات معالم الطرق بالنهار {وبالنجم هم يهتدون} يعني: ~~بالليل. وقال مجاهد: هي النجوم منها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به. PageV06P3966 # وقال قتادة: خلق الله [ عز وجل] هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة ~~للسماء، وجعلها تهتدون بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ~~ذلك، سفه رأية، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. # [و] قال الكلبي: [{وعلامات}] يعني: الجبال. # والنجوم عند الفراء: الجدي والفرقدان. وغيره من العلماء يقول: النجم هنا ~~بمعنى النجوم. # قال [تعالى] ذكره: {أفمن يخلق كمن لا يخلق}. # أي: الله الخالق لهذه الأشياء كلها الذي قد عددها وقدم ذكرها، الرازق لكم ~~ولها، كالأوثان التي لا تخلق ولا ترزق. PageV06P3967 # ومعنى الآية التقريع والتوبيخ للمشركين الذين عبدوا ما لا ينفع ولا يضر ~~وهي الأوثان والأصنام. # {أفلا تذكرون}. # أي: تذكرون ما يتلى عليكم من النعم والقدرة والسلطان و [أن] الله هو ~~المنفرد بذلك، لا يقدر عليه غيره فيدعوكم ذلك إلى عبادة الله [ عز وجل] ، ~~وترك عبادة الأوثان، وتعرفوا خطأ ما أنتم عليه من عبادتكم إياها، وإقراركم ~~لها بالألوهية، كل هذا تنبيه وتوبيخ لهم لتقوم عليهم الحجة. # وقوله: {كمن لا يخلق}. # يريد به الوثن، وهو لا يعقل فرقعت له " من ". وإنما ذلك لأن العرب إذا ~~أخبرت عمن لا يعقل بفعل من يعقل أجرت لفظه كلفظ من يعقل. فلما أنزلوا ~~الأوثان في العبادة لها منزلة ms1303 من يعقل، أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. ومنها ~~قوله {ومنهم من يمشي} [النور: 45] / فأتى بمن، لما أخبر عنها بالمشي كما ~~أخبر عمن يعقل، وكذا تفعل PageV06P3968 # العرب: إذا خلطت من يعقل بمن لا يعقل غلبت من يعقل. وحكي عن العرب: " ~~اشتبه علي الراكب وحمله، فما أدري من ذا من ذا ". # قال تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ}. # أي: إن تعدوا نعم الله لا تطيقوا إذا شكرها. إن الله لغفور لما كان منكم ~~من تقصير في أداء الشكر على نعمه عندكم، رحيم بكم أن يعذبكم بعد الإنابة ~~إليه والتوبة. # والنعمة هنا بمعنى الجمع دل عليه قوله: {تعدوا} والعدد لا يكون إلا في ~~كثرة. # المعنى: أنه تعالى نبه الخلق على معرفته بسرهم وضمائرهم وعلى نيتهم وأنه ~~محص ذلك كله، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. # قال: {والذين يدعون من دون الله}. PageV06P3969 # يعني: أوثانهم التي يعبدونها {لا يخلقون شيئا} وهي مخلوقة، فكيف يعبد من ~~لا يضر ولا ينفع ومن هو مخلوق مصنوع. # قال: {أموات غير أحيآء}. # يعني: أوثانهم، أي لا أرواح لها. # ثم قال: {وما يشعرون أيان يبعثون}. # أي: وما يشعر [هؤلاء الأوثان متى يبعث] المشركون. وقيل الضميران ~~للمشركين، أي: وما يشعر المشركون متى يبعثون. وقوله: {أيان} في موضع نصب. ~~وهو مبني لأنه فيه معنى الاستفهام، ولذلك لم يعمل فيه ما قبله. PageV06P3970 # ثم قال تعالى: {إلهكم إله واحد}. # معناه: معبودكم الذي يستحق العبادة واحد، {فالذين لا يؤمنون بالآخرة ~~قلوبهم منكرة وهم} أي: منكرة ما يقص عليهم من قدرة الله [ عز وجل] وتوحيده ~~[سبحانه] وهم مستكبرون عنه. # ثم قال تعالى: {لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون}. # معناه: لا محالة ولا بد أن الله يعلم، وقيل معناه: حق أن الله يعلم سرهم ~~وعلانيتهم، قال أبو إسحاق: و " لا " رد لفعلهم. # وقوله: {إنه لا يحب المستكبرين}. # أي: المستكبرين عليه أن يوحدوه ويكفروا بما دونه من الأصنام والأوثان. PageV06P3971 # وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يجلس إلى المساكين ثم يقول {إنه لا يحب ~~المستكبرين}. ms1304 وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم [ أنه] قال " من سجد لله ~~سجدة فقد برئ من الكفر ". # " ما " رفع بالابتداء و " ذا " بمعنى: الذي، خبر ل " ما " و " أساطير " ~~رفع على إضمار مبتدأ، أي: هو أساطير الأولين. والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء ~~الذين لا يؤمنون من المشركين ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: الذي أنزله هو ما سطره ~~الأولون من قبلنا من الأباطيل. قال قتادة: أساطير الأولين أحاديث الأولين ~~وأباطيلهم. قال: ذلك قوم من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من يأتي نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فإذا مر أحد من PageV06P3972 # المؤمنين يريد النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لهم أساطير الأولين/ أي: ~~أحاديثهم. # قال ابن عباس: نزلت في النضر بن الحارث، وكان من شياطين قريش، وكان ممن ~~يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. روي أنه خرج إلى الحيرة فاشترى أخبار ~~العجم وأحاديث كليلة، وكان يقرؤها على قريش، ويقول: ما يقرأ محمد على ~~أصحابه إلا أساطير الأولين. # قال [تعالى]: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم} الآية. # هذه اللام في " ليحملوا " يجوز أن تكون لام الأمر، ويكون معنى الكلام ~~التهدد والوعيد، ويجوز أن تكون لام كي فتتعلق بما قبلها. # ومعناها: أنهم يحملون ذنوب أنفسهم وذنوب من أضلوا وصدوا عن الإيمان بغير ~~علم من غير أن ينقص من ذنوب من أضلوا شيء. ومثله قوله: PageV06P3973 # {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13]. # وقد قال النبي عليه السلام: " أيما داع دعا ضلالة فاتبع، كان عليه مثل ~~أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى هدى ~~غاتبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء ". # وقال زيد بن أسلم: بلغني، أنه يمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله ~~[ عز وجل] وجها وأنتنه ريحا، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعا، ~~وكلما تخوف شيئا زاده خوفا. فيقول: بئس الصاحب أنت [ومن أنت]؟ فيقول: وما ~~تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحا فكذلك ms1305 تراني قبيحا، وكان ~~منتنا فلذلك تراني منتنا. فتطأطأ لي حتى أركبك، فطال ما ركبتني في دار ~~الدنيا، فيركبه. وهو قوله: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة}. PageV06P3974 # قوله: {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد} إلى قوله ~~{فلبئس مثوى المتكبرين}. # المعنى: قد مكر الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين: يعني الذين أرادوا ~~الارتقاء إلى السماء بالنسرين لحرب من فيها. وقد مضى ذكر ذلك في إبراهيم ~~أنه نمرود بن كنعان تجبر إذ ملك الأرض. # قال مجاهد: ملك الأرض، شرقها وغربها، أربعة: مؤمنان وكافران. فالمؤمنان: ~~ذو القرنين وسليمان، والكافران نمرود بن كنعان وبختنصر، وقيل هو نخ تنصر. ~~ونذكرها هنا قول السدي في ذلك وما روى فيه، قال السدي: أمر الذي حاج ~~إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج من مدينته، فلما خرج لقي لوطا على باب ~~المدينة فدعاه فآمن به، وقال: {إني مهاجر إلى ربي} [العنكبوت: 26] وحلف ~~نمرود ليطلبن إله إبراهيم. فذهب فأخذ أربعة أفراخ من النسور، فرباها باللحم ~~والخمر، حتى إذا كبرن، وغلظن، واستعجلن، قرنهن بتابوت، وقعد في ذلك ~~التابوت. ثم رفع رجلا من PageV06P3975 # لحم لهن، فطرن به حتى ذهبن في السماء. فأشرف ينظر إلى الأرض. فرأى الجبال ~~تدب كدبيب النمل. ثم رفع لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها ~~فلكه في ماء. ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة / فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته. ~~ففزع فألقى اللحم / فاتبعه منقضات. فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن ~~منقضات وتسمعن حفيفهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم تزل. ~~وذلك قوله {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال} [إبراهيم: 46]. وكان إذا طرن به من بيت المقدس ووقوعهن به على جبل ~~الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بنيان الصرح. فبنى حتى أسند به ~~إلى السماء، وارتقى فوقه ينظر بزعمه إلى إله إبراهيم فأحدث ولم يكن وقت ~~حدثه. وأخذ الله بنيانه من القواعد PageV06P3976 # {فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا ms1306 يشعرون} أي: من ~~مأمنهم. فلما سقط تبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين ~~لسانا فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل بالسريانية. # قال ابن عباس في: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} وهو نمرود حين بنى ~~الصرح. قال زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض نمرود فبعث الله بعوضة ~~فدخلت منخره فمكث أربع مائة سنة [يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع ~~يديه فضرب بهما رأسه بالمطارق، وكان جبارا أربع ماشة سنة] فعذبه الله [ عز ~~وجل] في الدنيا أربع مائة سنة كملكه. ثم أماته الله [ عز وجل] وهو الذي بنى ~~صرحا. وهو PageV06P3977 # الذي أتى الله بنيانه من القواعد. # وقيل: معنى {فأتى الله بنيانهم من القواعد} استأصلهم بالهلاك. # وقيل: هو مثل لأعمالهم التي أحبطها الله. كأن [أعمالهم] التي عملوها حبطت ~~بمنزلة [بناء] سقط من قواعده. # ومعنى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} أي: أتى أمر الله بنيانهم. # ومعنى {فخر عليهم السقف من فوقهم}: خرت عليهم [أعالي البيوت] فهلكوا. ~~وقال ابن عباس: معناه أتاهم العذاب من السماء. ومعنى {من فوقهم}: توكيد ~~أنهم تحته، لأنه قد يقال: سقط على منزل كذا، إذا كان يملكه. فقال {من ~~فوقهم} ليزول PageV06P3978 # هذا المعنى منه. # وروي أن نمرود بن كنعان بنى بناء ليصل به السماء فبعث الله ريحا فهدمته، ~~ويقال: إن من يومئذ لم تدع الريح بناء على وجه الأرض يكون ارتفاعه أكثر من ~~ثمانين ذراعا إلا هدمته. # ثم قال [تعالى]: {ثم يوم القيامة يخزيهم}. # أي: ثم يذلهم يوم القيامة مع ما فعل بهم في الدنيا. # ويقول لهم: {أين شركآئي} الذين زعمتم في الدنيا أنهم شركائي فما لهم لا ~~ينقذونكم من العذاب. وقال ابن عباس {كنتم تشاقون}: تخالفون فيهم. وقيل ~~معناه: تحاربون. وأصله من شاققت فلانا، إذا فعل كل واحد منهما بصاحبه ما ~~يشق عليه. PageV06P3979 # ثم قال تعالى: {قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم} أي: الذل والهوان ~~{على الكافرين * الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} [أي]: وهم على ~~كفرهم. وقيل: عنى بذلك من قتل ms1307 ببدر من قريش. وقد أخرج إليها كرها، قاله: ~~عكرمة. # ثم قال / {ما كنا نعمل من سواء} أي: قالوا ما كنا نعمل من سوء. وأخبر ~~الله [ عز وجل] عنهم: أنهم كذبوا، وقالوا: ما كنا نعصي الله في الدنيا، ~~فكذبهم الله، وقال: {بلى إن الله عليم} أي: بلى عملتم السوء، إن الله عليم ~~بعملكم. # ومعنى: {فألقوا السلم} أي: الاستسلام لأمر الله [ عز وجل] لما عاينوا ~~الموت. وقيل معناه: ألقوا الصلح لأنه قد تقدم ذكر المشاقة، وبإزاء المشاقة ~~- وهي العداوة - الصلح. # ثم قال [تعالى] {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} أي: طبقاتها ماكثين ~~فيها. PageV06P3980 # {فلبئس مثوى المتكبرين} أي: بئس منزل من تكبر على الله سبحانه، ولم يقر ~~بالوحدانية. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " الكبر أن يسفه الحق ~~ويغمط الخلق ". # قوله: {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} إلى قوله ~~{يستهزئون}. # قوله: {ماذا أنزل ربكم} ما: في موضع نصب. قالوا: وهي مع " ذا " اسم واحد ~~في موضع نصب. {قالوا خيرا} أي: قالوا أنزل خيرا. والمعنى: وقيل لأهل ~~الإيمان والتقوى: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا خيرا. ثم بينوا الخير ما هو ~~فقالوا: # {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} ويجوز حسنة في غير القرآن بالنصب على ~~معنى أنزل للذين أحسنوا حسنة. # ثم قال: {ولدار الآخرة خير}. PageV06P3981 # أي: خير من الأولى {ولنعم دار المتقين} دار الآخرة. ثم بين دار المتقين ~~ما هي، فقال: {جنات عدن} أي: بساتين إقامة. فجنات: مرفوعة على الابتداء ~~{يدخلونها} الخبر. ويجوز رفعها على إضمار مبتدأ. أي: هي جنات عدن، و ~~{يدخلونها} حال. # ثم قال: {تجري من تحتها الأنهار} أي: من تحت أشجارها. {لهم فيها ما ~~يشآؤون}. # أي ما تشتهيه أنفسهم. {كذلك يجزي الله المتقين}. أي: كما جزى الله هؤلاء ~~الذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، كذلك يجزي الله من اتقاه فآمن ~~به وأدى فرائضه واجتنب معاصيه. ثم بين المتقين فقال {الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين}. أي: تقبض الملائكة أرواحهن طيبين، لتطييب الله إياها. ~~{يقولون سلام عليكم ادخلوا} أي: تقول لهم الملائكة: ms1308 سلام عليكم صيروا إلى ~~الجنة وهذه بشارة من الله للمؤمنين. PageV06P3982 # وروى أنس بن مالك وتميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~يقول الله لملك الموت: انطلق إلى عبدي إذا جاز أجله فاتني به. فلأريحنه من ~~الدنيا، فإني قد ضربته بالبأساء والضراء فيها فوجدته حيث أحب. فينطلق ملك ~~الموت، ومعه خمس مائة من الملائكة، يحملون معه كفنا، وخيوطا من الجنة، ~~وضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونا، لكل لون من ذلك ~~ريح طيبة سوى ريح أصحابها، والحرير الأبيض، فيه المسك الأذفر. فيجلس ملك ~~الموت عند رأسه ويحتويه الملائكة. فيضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه ~~ويبسطون/ ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه. فإن نفسه لتعلل عند ~~ذلك بطرف الجنة مرة، وبأزواجها مرة وبسكوتها مرة، وبثمارها [مرة] كما يعلل ~~الصبي أهله إذا بكى. وإن روحه ليهش عند ذلك هشا. قال: يقول: ينزو نزوا ~~ليخرج يقول ملك الموت لنفسه: أخرجي أيتها النفس الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح ~~منضود، وظل ممدود وماء PageV06P3983 # مسكوب. فلملك الموت أشد به ألطافا من الوالدة بولدها. يعرف أن ذلك الروح ~~حبيب لربه [ عز وجل] فهو يلتمس بلطف حبيب ربه [ عز وجل] رضاء الرب ~~[سبحانه]. فيسل روحه كما تسل الشعرة من العجين. قال الله [ عز وجل] : { ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون} ". # قال محمد بن كعب القرظي: إذا استنقعت نفس المؤمن، يعني في صدره، جاء ملك ~~الموت، فقال: السلام عليك ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم نزع بهذه ~~الآية. وهو معنى قوله: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58]. قال البراء [بن ~~عازب]: يسلم عليهم ملك الموت. # وعن ابن عباس في قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 91] قال: ~~الملائكة PageV06P3984 # يأتونه بالسلام من قبل الله [ عز وجل] وتخبره أنه من أصحاب اليمين. # وقوله {بما كنتم تعملون} أي: بعملكم في الدنيا وطاعتكم لله [ عز وجل] . # ثم قال [تعالى]: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ms1309 ربك}. # أي: هل ينظر هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وبما ~~وعدوا به من العذاب. أو يأتي أمر ربك لحشرهم [لموقف] يوم القيامة. وقيل: أو ~~يأتي أمر ربك بالعذاب والقتل في الدنيا. # {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي: كما فعل هؤلاء من انتظارهم الملائكة لقبض ~~أرواحهم وإتيان أمر الله [ عز وجل] إليهم بالعذاب كما فعل أسلافهم من ~~الكفار بالله فجاءهم ما كانوا ينتظرون {وما ظلمهم الله} في إحلال العذاب ~~بهم PageV06P3985 # {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بمعصيتهم لأمر الله وكفرهم به. # قال مجاهد: أن تأتيهم الملائكة من عند الموت ويأتي أمر ربك يوم القيامة. # ثم قال تعالى: {فأصابهم سيئات ما عملوا}. # أي: أصاب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من الأمم الماضية عقاب ذنوبهم ونقم ~~معاصيهم {وحاق بهم} أي: وحل بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤون ويسخرون ~~إذا أنذرتهم الرسل. # [و] قوله: {وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء}. # معناه: وقال الذين عبدوا مع الله [سبحانه] غيره من الأوثان والأصنام من ~~قريش وغيرهم، قد رضي الله عنافي عبادتنا ما عبدنا. لأنه لو شاء، ما ~~عبدناها، ولو شاء ما حرمنا البحائر والسوائب، وما بقينا على ما نحن عليه، ~~إلا لأن الله [ عز وجل] قد رضي ذلك. ولو لم يرض عنا لغير ذلك ببعض عقوباته ~~ولهدانا إلى غيره / من الأفعال. # قال الله [ عز وجل] { كذلك فعل الذين من قبلهم} من الأمم المشركة PageV06P3986 # فاستن هؤلاء بسنتهم وسلكوا سبيلهم في تكذيب الرسل. # {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين}. # أي: البلاغ الظاهر المعنى المفهوم عند الرسل إليه. وهذا القول الذي قالوه ~~إنما قالوه على طريق الهزء والاستخفاف. كما قال قوم شعيب عليه السلام له: ~~{إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود: 87] على طريق الهزء. ولو قالوه على طريق ~~الجد لكانوا مؤمنين. وكذلك، لو قال قائل مذنب على طريق الجد: لو شاء الله ~~ما أذنبت، ولو شاء الله ما قتلت النفس، لم يكن بذلك كافرا ولا منقوصا، وكان ~~كلامه حسنا. PageV06P3987 # وإنما قبح [كلام] أولئك وكان ms1310 كفرا لأنهم قالوه على طريق الهزء لا على ~~طريق الجد. وقد اتفقت الأمة أن الله لو شاء ألا يعبد غيره لم يكن إلا ذلك. ~~ولكنه تبارك وتعالى وفق من أحب إلى ما يرضيه بتوفيقه، وأضل من أحب ضلاله ~~بخذلانه له. # ثم قال [تعالى] {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله}. # أي: بعثنا إلى كل أمة تقدمت وسلفت [رسولا] بأن يعبدوا الله ويخلصوا له ~~العبادة، ويبعدوا من طاعة الطاغوت، وهو الشيطان، ويحذروه أن يغويهم ويصدهم ~~عن سبيل الله [ عز وجل] فمنهم من هدى الله، ففعل ما أمر به، وذلك PageV06P3988 # بتوفيق الله [ عز وجل] له. ومنهم من حقت عليه الضلالة فضل ولم يؤمن وذلك ~~خذلان الله [سبحانه] له. # {فسيروا في الأرض}. # فسيروا يا مشركي قريش في الأرض التي [كان] يسكنها الأمم قبلكم، إن كنتم ~~غير مصدقين لما يتلى عليكم من هلاك الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل. فانظروا ~~آثارهم وديارهم واتعظوا وارجعوا إلى الإيمان بما جاءكم به رسولكم واحذروا ~~أن ينزل بكم ما نزل بهم. # ثم قال [تعالى]: {إن تحرص على هداهم}. # أي: إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين من قومك، فإن من أضله الله ~~منهم فلا هادي له {وما لهم من ناصرين} أي: ليس لهم ناصر ينصرهم من الله [ ~~عز وجل] PageV06P3989 # إذا أراد عقوبتهم. وفي قراءة أبي " فإن الله لا هادي لمن أضل " وقرأ ابن ~~مسعود: " فإن الله لا يهدي من يضل " بضم الياء من (يضل) فكسر الدال والضاد. ~~وقرأ الكوفيون: " لا يهد [ي] " بفتح الياء. وقرأ الحرميان والشامي والبصري ~~" لا يهدى " بضم الياء وفتح الدال. # ومعنى قراءة نافع ومن تابعه: من أضله فلا هادي له. ومعنى قراءة الكوفيين: ~~فإن الله لا يهدي من أضله، أي: من أضله الله لا يهديه، أي: من سبق في PageV06P3990 # علمه له الضلالة فإنه لا يهديه الله. وفيها معنى آخر وهو: فإن الله [لا] ~~يهتدي من أضله: أي: من أضله الله لا يهتدي. # حكى الفراء أنه يقال: هدى يهدي بمعنى اهتدى يهتدي. # قوله {وأقسموا ms1311 بالله جهد أيمانهم}. # معناه: وحلف هؤلاء / المشركون من قريش بالله جهد حلفهم لا يبعث [الله] من ~~يموت بعد موته، وكذبوا في أيمانهم {بلى} سيبعث الله من يموت بعد مماته. ~~{وعدا عليه حقا} أي: وعد عباده ذلك، والله لا يخلف الميعاد {ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون} أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله يبعث الموتى بعد موتهم. # وتأول قوم من أهل البدع أن عليا رضي الله عنه يبعث قبل يوم القيامة بهذه ~~الآية، فسئل عن ذلك ابن عباس، فقال: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامة، ~~ولعمري لو كان PageV06P3991 # علي مبعوثا قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه. # قال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه ~~يتقاضاه وكان مما تكلم به المسلم أن قال: والذي أرجوه بعد الموت أنه لكذا. ~~فقال المشرك: تزعم أنك تبعث بعد الموت؟ فأقسم بالله جهد [يمينه لا يبعث ~~الله من يموت. فأنزل الله عز وجل { وأقسموا بالله جهد أيمانهم} الآية. وقال ~~أبو هريرة: قال الله عز وجل: " يسبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني. ~~وكذبني، ولم يكن ينبغي له أن يكذبني. فأما تكذيبه إياي: فقسمه بالله جهد ~~يمينه لا يبعث الله من يموت. فقلت {بلى وعدا عليه حقا}. وأما سبه إياي: ~~فقال {إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] وقلت: # {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] [إلى آخر] السورة ". PageV06P3992 # قال تعالى: {ليبين لهم الذي يختلفون فيه}. # هذه اللام: متعلقة بالبعث المضمر بعد " بلى ". والمعنى: بلى يبعثهم الله ~~ليبين لهم اختلافهم. وقيل: هي متعلقة ب " بعثنا " من قوله {ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا} ليبين لهم اختلافهم وأنهم كانوا من قبل الرسول على ضلالة، ~~وليعلم الذين جحدوا بعث الأموات من قريش أنهم كانوا كاذبين في قولهم {لا ~~يبعث [الله] من يموت}. # وقال قتادة {ليبين لهم الذي يختلفون فيه} يعني: الناس عامة. والذي ~~يختلفون فيه هو البعث: منهم من يقربه ومنهم من ينكره. # معناه: إنما قولنا لشيء مراد، قلنا له كن فيكون. ms1312 وهذا إنما هو مخاطبة ~~للعباد بما يعقلون، وإلا فما أراده تعالى فهو كائن على كل حال، على ما راده ~~من الإسراع. لو أراد، تعالى ذكره خلق الدنيا والسماوات والأرض وما بين ذلك ~~في قدر لمح البصر، لقدر على ذلك. ولكن خوطب العباد بما يعقلون فأعلمهم ~~بسهولة خلق الأشياء عليه وأنه متى أراد الشيء كان. وإذا قال [له] كن [ف] ~~كان، أي: فيكون على حسب الإرادة PageV06P3993 # وليس هذا الشيء المذكور موجودا قبل أن يقول له كن. وإنما المعنى: إذا ~~أردنا الشيء قلنا من أجله كن أيها الشيء فيكون على قدر / الإرادة لأن ~~المشركين أنكروا البعث فأخبرهم الله بقدرته على حدوث الأشياء. وهذا يدل على ~~أن المعدوم يسمى شيئا، لأنه قد سماه شيئا قبل حدوثه. ومثله {لم يكن شيئا ~~مذكورا} [الإنسان: 1] فأما قوله: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [مريم: 9] ~~فمعنا [ه] لم تك شيئا مذكورا ولا موجودا. # ومن إنكارهم البعث قوله: {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} [الواقعة: 46] ~~أي: كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون. وتحقيق الآية أنه أعلمهم أنه أراد أن ~~يبعث من مات فلا تعب عليه في ذلك لأنه إنما يقول له كن: فيكون ما يريد بلا ~~معاناة ولا كلفة. # ومن رفع " فيكون " فعلى القطع، أي: فهو يكون. نصبه عطفه على " أن PageV06P3994 # نقول " أي: أن يقول فيكون. ولا يجوز النصب على [ال] جواب ل " كن " لأنه ~~خبر وليس بأمر. # قوله: {والذين هاجروا في الله}. # المعنى: والذين فارقوا دورهم وأوطانهم عداوة للمشركين في الله [ عز وجل] ~~من بعد ما ظلمهم المشركون وأوذوا في ذات الله [سبحانه]. # {لنبوئنهم}. # أي: لنسكنهم في الدنيا مسكنا صالحا يرضونه. وهم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. PageV06P3995 # ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بالحبشة ثم بوأهم ~~الله [ عز وجل] المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة وجعل لهم أنصارا من ~~المؤمنين، قال ذلك قتادة وابن عباس. # وقال الضحاك: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} هو النصر والفتح. # {ولأجر الآخرة أكبر} الجنة. # فالآية: فيمن هاجر من ms1313 المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة. ليست الهجرة في ~~هذا الموضع: الهجرة إلى المدينة، لأن هذا أنزل بمكة إلى أرض الحبشة. # قال الشعبي: {لنبوئنهم في الدنيا [حسنة]} المدينة، وقال ابن PageV06P3996 # [أبي] نجيح: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} أي: لنرزقهم في الدنيا رزقا حسنا. # وكان عمر رضي الله عنه إذا أعطى لرجل من المهاجرين عطاء يقول: بارك الله ~~لك فيه، هذا ما وعدك الله [ عز وجل] في الدنيا، وما أخر لك في الآخرة أفضل ~~ثم يتلوه هذه الآية: {والذين هاجروا في الله}. # وقال الضحاك: الحسنة: النصر والفتح. وقال مجاهد: الحسنة: هنا لسان صدق. # ومعنى بوأت فلانا منزلا: أحللته فيه. ومنه قوله: {ولقد بوأنا بني إسرائيل ~~مبوأ صدق} [يونس: 93]. PageV06P3997 # وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهل. # ثم قال تعالى: {ولأجر الآخرة أكبر}. # أي: ولثواب الآخرة على الهجرة، أكبر من ثواب الدنيا. # وقيل: الحسنة هنا، كونهم مؤمنين وسماعهم ثناء الله [ عز وجل] عليهم. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين عذبهم المشركون على إيمانهم ~~وأخذوا أموالهم، منهم: صهيب وبلال. وذلك أن صهيبا قال للمشركين: أنا رجل / ~~كبير 'ن كنت معكم ام أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضر بكم. فخذوا مالي ودعوني. ~~فأعطاهم ماله وهاجر إلى النبي عليه السلام. فقال له أبو بكر: ربح البيع يا ~~صهيب. وقال عمر [رضي الله عنه]: نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. ~~أي: لو أمن عذاب الله [سبحانه] لما ترك الطاعة ولا جنح إلى المعصية. PageV06P3998 # ثم بين الله هؤلاء القوم فقال: {الذين صبروا} في الله على ما نالهم في ~~الدنيا من الكفار. {وعلى ربهم يتوكلون} أي: به يثقون في أمورهم. # قال تعالى: {ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم}. # وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم بالدعاء إلى توحيد الله ~~وقبول أمر الله [سبحانه] إلا رجالا من بني آدم وليسوا بملائكة، ولم يرسل ~~إلى قومك إلا مثل من أرسل إلى من كان قبلكم من الأمم. # ثم قال ms1314 تعالى: {فاسألوا أهل الذكر}. # أي: فاسألوا يا قريش أهل الذكر: يعني الذين قرؤوا التوراة والإنجيل. قال PageV06P3999 # الأعمش: هم من آمن من أهل التوراة والإنجيل. أي فاسألوهم فيخبرونكم أن ~~الرسل التي تقدمت إلى الأمم أنهم كانوا رجالا من بني آدم. وقال ابن عباس: ~~فاسألوهم هل ذكر محمد [ صلى الله عليه وسلم] في التوراة والإنجيل. يعني: ~~سألوا من آمن من قبلهم عن ذلك. # وقال ابن زيد: أهل الذكر أهل القرآن. يعني: من آمن بمحمد [ صلى الله عليه ~~وسلم] وبما جاء به. وقال أبو إسحاق: معناه: فاسألوا كل من يذكر بعلم، وافق ~~هذه الملة أو خالفها. # قال ابن عباس: لما بعث الله محمدا عليه السلام رسولا، أنكرت العرب ذلك. ~~وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فأنزل الله [ عز وجل] { أكان ~~للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم} [يونس: 2] الآية، وأنزل: {ومآ أرسلنا ~~من قبلك إلا رجالا}. PageV06P4000 # ثم قال [تعالى] {بالبينات والزبر}. # أي: بالدلالة الواضحة، والزبر الكتب. جمع زبور. مأخوذ من زبرت الكتاب إذا ~~كتبته. # الباء من {بالبينات} متعلقة بفعل مضمر. التقدير: أرسلناهم بالبينات ودل " ~~أرسلنا " الأول على هذا المحذوف. # وقال قوم: الباء متعلقة بأرسلنا المذكور. وأجازوا تقدم الإيجاب على أن ~~تكون " إلا " بمعنى: " غير ". فأجازوا: ما ضرب إلا أخوك عمرا، وما كلم إلا ~~أبوك بكرا، على معنى: " غير "، وعلى ذلك أنشدوا: # ابني لبينى لستم بيد ... إلا يد ليست لها عضد PageV06P4001 # أنشدوه بخفض يد بعد " إلا " على مهنى " غير يد ". ولا يحسن أن تكون " إلا ~~" هنا بغير معنى: " غير " لأنه يفسد الكلام، إذ الذي خفض اليد قبل " إلا " ~~لا يمكن إعادته بعد " إلا "، ومنه قول الله [ عز وجل] : { لو كان فيهمآ ~~آلهة إلا الله [لفسدتا]} [الأنبياء: 22] أي: غير الله. # ومن لا يجيز هذا، ينشد البيت بالنصب " إلا يدا " على البدل من موضع بيد. ~~ويجوز عندهم: ما ضرب إلا أخوك عمرا على كلامين كأنه قال ضرب عمر [و]. # ثم قال تعالى {وأنزلنا إليك الذكر} [أي القرآن] {لتبين للناس} أي PageV06P4002 # لتعرفهم: {ما نزل إليهم}، ms1315 من ذلك يعني. من الفرائض / والأحكام والحدود ~~{[و] لعلهم يتفكرون} أي: يطيعون، قاله مجاهد. وقيل معنى ذلك: لعلهم يعتبرون ~~[م] اأنزلناه. # قوله: {أفأمن الذين مكروا السيئات}. # والمعنى أفأمن الذين ظلموا المؤمنين من أصحاب النبي عليه السلام، وقالوا ~~في القرآن: هو أساطير الأولين {أن يخسف الله بهم الأرض} كما فعل بقوم لوط، ~~أو يأتيهم العذاب من حيث يأمنوا كما أتى نمرود بن كنعان وقومه. # {أو يأخذهم في تقلبهم}. # أي أو يهلكهم في تصرفهم في البلاد في أسفارهم، قاله: ابن عباس وقتادة. ~~وقال ابن جريج: {في تقلبهم} بالليل والنهار. # {أو يأخذهم على تخوف}. PageV06P4003 # أي: أو يهلكهم الله بتخوف. وذلك نقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء ~~حتى يهلك جميعهم. وقال الزجاج معناه: أو يأخذهم بعد أن يخوفهم بأن يهلك ~~قرية فتخاف التي تليها. وقال الضحاك: معناه أو أخذ طائفة وادع طائفة فتخاف ~~الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها. وقال ابن عباس ومجاهد {على تخوف} على ~~تنقص. أي ينقص من أموالهم وزروعهم حتى يهلكهم. # وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية فقال: ما التخوف؟ ~~فأقام بذلك أياما، فأتاه غلام من أعراب قيس فقال: يا أمير المؤمنين أراني ~~يتخوفني مالي: فقال له عمر: كيف يتخوفك مالك؟ فقال ينتقصني مالي. فقال عمر ~~{أو يأخذهم على تخوف} على تنقص. وقيل معنى: {على تخوف} أي: يأخذهم بالهلاك PageV06P4004 # فيخوف بهم غيرهم ليتعظوا، وهوقوله الضحاك. وقال الليث: {على تخوف} على ~~عجل. # ويروى عن عمر [رضي الله عنه] أنه [قال] ما كنت أدري ما معنى {على تخوف} ~~حتى سمعت قول الشاعر: # تخوف السير منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن PageV06P4005 # يصف ناقته أن السير نقص سنامها بعد تمكنه. # ثم قال تعالى: {فإن ربكم لرؤوف رحيم}. # أي: رؤوف أن آخر هؤلاء الذين مكروا السيئات فلم يعجل لهم بالعقوبة، رحيم ~~بعباده، إذ لم يعجل عقوبتهم، وجعل لهم فسحة في التوبة. # قال {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} الآية: أي: أولم ير هؤلاء الذين ms1316 ~~مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسم قائم شجرا أو جبالا أو غير ذلك ~~{يتفيؤا ظلاله} أي: يرجع من موضع إلى موضع [و] يكون في أول النهار على حال، ~~ثم يعود إلى حال آخر في آخر النهار. قال قتادة: أما اليمين فأول النهار، ~~والشمال: آخر النهار. # وقال ابن جريج: اليمين والشمال الغدو والآصال، فإذا فاءت الظلال سجدت لله ~~بالغدو والآصال. قال الضحاك: سجد ظل المؤمن طوعا. وقال PageV06P4006 # الضحاك إذا فاء الفيء توجه كل شيء ساجدا قبل القبلة من نبت أو شجر، قال ~~مجاهد إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله [ عز وجل] . # وعن مجاهد: أن السجود في / هذا الموضع سجود الظلال دون التي لها الظلال. # وعن ابن عباس أنه قال: الكافر يسجد لغير الله [سبحانه] وظله يسجد لله [ ~~عز وجل] . أي ينقاد دليلا على دبره الله [ عز وجل] عليه. # فتحقيق المعنى في هذه الآية: أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: ~~ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب. يقال سجدت النخلة إذا مالت. وسجد ~~البعير، وأسجد، إذا طؤطئ ليركب. ومن هذا قيل لمن وضع جبهته في الأرض ساجد، ~~لأنه تطامن. وقد يستعار السجود في موضع الاستسلام والطاعة والذل، كما PageV06P4007 # يستعار التطامن والتطأطأ فيوضعان موضع الخضوع والانقياد فيقال: تطامن ~~للحق وتطأطأ أي: انقاد وخضع. # فأما قوله: {عن اليمين} فوحد {والشمآئل} فجمع: فإن " اليمين " وإن كان ~~موحدا، فإنه في موضع جمع ومعناه. وقيل: إنه رد " اليمين " على لفظ " ما " ~~ورد " الشمائل " على المعنى، كما قال: {ومنهم من يستمعون إليك} [يونس: 42] ~~فرد على المعنى، ثم قال # {ومنهم من ينظر إليك} [يونس: 43] فرده على اللفظ. وهذا كثير. # وقال الزجاج: معنى " ظله " ها هنا جسمه الذي يكون له الظل. فالمعنى: أن ~~جسمه ولحمه وعظامه منقادات لله [ عز وجل] دالة عليه، عليها الخضوع والذل. # قال تعالى: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دآبة والملائكة}. PageV06P4008 # المعنى: ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ومن ~~الملائكة. إلا أنه حمل " والملائكة ms1317 " من الاعراب على " ما " لأنها ساجدة. ~~ومعناها تخضع وتذل وتستسلم لأمر الله {وهم لا يستكبرون} أي لا يستكبرون عن ~~التذلل [لله عز وجل] . # ودخلت " من " لأن معنى " دابة " الجمع، أي: من الدواب. وقيل دخلت لما في ~~" ما " من الإبهام فأشبهت الشرط. والشرط تدخل " من " فيه تقول: من ضربك من ~~رجل فاضربه. # قال تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم}. # أي يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات والأرض والدواب ربهم أن يعذبهم ~~إن عصوا أمره. {ويفعلون ما يؤمرون} أي: يطيعونه فيما أمرهم به. قال أبو ~~إسحاق: معناه يخافون ربهم خوف مطيعين مجلين له، لا يجاوزون أمره. # قوله: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} إلى قوله (فسوف تعلمون) [51 - ~~55]. PageV06P4009 # المعنى: قال الله لا تتخذوا لي شريكا فلا تعبدوا معبودين {إنما هو إله ~~واحد} أي: معبود واحد، وأنا ذلك المعبود. {فإياي فارهبون}. أي فاتقون ~~وخافون. أمرهم الله [ عز وجل] بذلك لأنهم قالوا في الأصنام: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونآ إلى الله زلفى} [الزمر: 3] فأعلمهم أنه: لا يجوز أن يعبد غيره. # وقوله: " اثنين " تأكيد. كما قال: {إنما هو إله واحد} فأكده بواحد. # وقيل / التقدير: اثنين إلهين. فلما لم يتعرف معنى اثنين لعمومها في كل ~~شيء بين بإلهين، وإذا تقدم إلهين لم يحتج إلى اثنين، لخصوص اللفظ ~~بالألوهية. # قال تعالى: {وله ما في السماوات والأرض}. PageV06P4010 # أي: له ملك ما فيهما لا شريك له في ذلك. # {وله الدين واصبا} أي: له الطاعة والإخلاص دائما. قال: ابن عباس ومجاهد ~~وعكرمة والضحاك. ومنه قوله: {عذاب واصب} [الصافات: 9] أي دائم، والوصوب ~~الدوام. وعن ابن عباس أيضا: الواصب: الواجب. قال مجاهد: الدين هنا: ~~الإخلاص. # ثم قال تعالى: {فغير الله تتقون}. # أي: ترهبون وتخافون أن يسلبكم نعمة الله عليكم إذا أفردتم العبادة لله ~~[سبحانه]. # وقال الزجاج: معناه: أفغير الذي أبان لكم أنه واحد، وأنه خالق كل شيء ~~تخافون. PageV06P4011 # قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله}. # التقدير: وما حل بكم من نعمة فمن الله هي. وقال الفراء: التقدير: وما ~~[يكن] بكم من نعمة. وقال ms1318 قوم: " ما " بمعنى: الذي، فلا يحتاج إلى إضمار ~~فعل. ودخلت الفاء في الخبر للإبهام الذي في " ما ". # ومعنى الآية ما أعطاكم الله [سبحانه] من مال وصحة جسم وولد فهو من فضله، ~~لا من فضل غيره. # {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون}. # أي: إذا مسكم في أبدانكم ضر وشدة، فإلى الله تصرخون بالدعاء، وبه ~~تستغيثون في كشف ذلك [عنكم]. يقال: جأر، إذا رفع صوته شديدا من جوع PageV06P4012 # أو غيره، والأصوات مبنية على فعال وعلى فعيل نحو الصراخ والخوار والبكاء. ~~ونحو العويل والزفير، والفعال أكثر. # أي ثم إذا وهبكم العافية وفرج عنكم إذا جماعة منكم يشركون بربهم. أي: ~~يجعلون له أندادا يعبدونها ويذبحون لها الذبائح شكرا لغير من أنعم عليهم ~~بالفرج. # {ليكفروا بمآ آتيناهم}. # ليجحدوا بما أتاهم الله [ عز وجل] من نعمته، التي فرج عنهم بها. PageV06P4013 # {فتمتعوا فسوف تعلمون}. # هذا وعيد وتهدد من الله [ عز وجل] لهؤلاء الذين تقدم وصفهم، أي: فتمتعوا ~~في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم وتلقون ربكم. # قال الزجاج: و {إذا فريق منكم بربهم يشركون} [النحل: 54] هذا خاص لمن ~~كفر. # قوله: {ويجعلون لما لا يعلمون [نصيبا]}. # المعنى: ويجعل هؤلاء المشركون لما لا يعلمون، أنه لا يضرهم ولا ينفعهم ~~نصيبا مما رزقهم الله، يعني: لأوثانهم. قال قتادة: هم مشركو العرب جعلوا ~~لأوثانهم نصيبا وجزءا مما رزقهم الله من أموالهم. # وقيل: يعلمون الآلهة التي كانوا يعبدونها، وهي " ما " فيعلمون ردها على ~~معنى " ما ". / وأتى بالواو والنون لأنهم كانوا قد أجروها مجرى من يعقل في PageV06P4014 # جعلهم لها نصيبا من [م [زروعهم. فمفعول " يعلم " محذوف. تقديره: ويجعل ~~هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئا نصيبا. وعلى القول الأول " يعلمون ~~" للكفار. وفيه ضميرهم، أي: هؤلاء الكفار يجعلون نصيبا للأصنام التي يعلم ~~الكفار أنها لا تنفع ولا تضر. ومثله في الأخبار عن الأصنام بالواو والنون ~~قوله: # {وتراهم ينظرون إليك} [الأعراف: 198] فالنظر للأصنام. وقيل للكفار وقد ~~تقدم شرحه. # وقال ابن زيد: جعلوا لآلهتهم نصيبا من الحرث والأنعام يسمون عليها [أ] ~~سماءها ويذبحون عليها. وهو ms1319 قوله تعالى في الأنعام عنهم: {بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا} [الأنعام: 136]. # ثم قال تعالى: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون}. # أي: والله يا أيها المشركون لتسئلن يوم القيامة عما كنتم تختلفون في ~~الدنيا علي PageV06P4015 # من الكذب فتعاقبون على ذلك. # قال الزجاج: معناه لتسئلن توبيخ حتى تعترفوا به على أنفسكم وتلزموها ~~الحجة. # قال تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه} أي: ومن جهل هؤلاء المشركين، ~~وافترائهم على ربهم [سبحانه] أنهم يجعلون له البنات ولا ينبغي أن يكون له ~~ولد لا ذكر ولا أنثى {سبحانه} أي تنزيها له عما يقولون. # ثم قال [تعالى]: {ولهم ما يشتهون}. # أي: أضافوا إليه ما يكرهون، فما كفاهم ما أضافوه إليه من الولد حتى جعلوا ~~له ما لا يرضونه لأنفسهم وما يقتلونه إذا أتاهم، فأضافوا إليه ما يكرهون ~~لأنفسهم وهن البنات، وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون. # قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا}. PageV06P4016 # أي: وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين بولادة ما قد أضافه إلى الله [سبحانه] ~~ظل وجهه مسودا كراهية لذلك {وهو كظيم} أي: قد كظمه الحزن وامتلأ غما ~~بولادتها وهو لا يظهر ذلك. والكظيم الذي يخفي غيظه ولا يشكو ما به، وهو ~~فعيل بمعنى فاعل، كعليم. قيل الذي حسب في نفسه وعظمه هو ما فسره بعد ذلك من ~~قوله: {أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} فهذا عظم في نفسه. # وقيل معنى: {ظل وجهه مسودا} أي: ظل كئيبا مغموما بذلك. والعرب تقول لكل ~~مغموم قد تغير لونه من الغم، واسود وجهه: كظيم. # وقال قتادة أخبرهم الله [ عز وجل] بخبيث أعمالهم، فأما المؤمنون فراضون ~~بما PageV06P4017 # قسم الله [ عز وجل] لهم. قال ابن عباس: الكظيم الحزين. وقال الضحاك: هو ~~الكمد. # ثم قال تعالى: {يتوارى من القوم من سواء ما بشر به}. # أي: يستتر هذا المبشر / بالأنثى من القوم فيغيب عن أبصارهم من سوء ما بشر ~~به عنده. # روي أن [ال] رجل كان في الجاهلية يتوارى إذا حضر وقت الولادة أو قبله فإن ~~ولد له ذكر سر به وظهر، وإن كانت ms1320 أنثى استتر وربما وأدها، أي دفنها حية، ~~وربما أمسكها على كراهية وهوان. وهو قوله: {أيمسكه على هون أم يدسه في ~~التراب}. # ثم قال [تعالى]: {ألا سآء ما يحكمون}. # أي: بئس الحكم حكمهم، يجعلون لله ما لا يرضون لأنفسهم، وما لا يجوز PageV06P4018 # أن يكون له ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. # والهون والهوان في لغة قريش. وبعض [بني] تميم يجعل الهون مصدرا للشيء ~~الهين. # وقرأ عاصم الجحدري " أم يدسها ورده على الأنثى. # وكان يلزمه أن يقرأ: {أيمسكه}. وقرأ عيسى بن عمر " أيمسكها على هوان " ~~وقرأ الأعمش: " أيمسكه على سوء ". PageV06P4019 # قال تعالى {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء}. # والمعنى: للذين لا يصدقون بالآخرة المثل السوء، وهو القبيح، وهو ما يسوء ~~من ضرب له. # {ولله المثل الأعلى}. # [أي]: الأفضل والأكمل والأحسن وهو التوحيد. قال قتادة: {ولله المثل ~~الأعلى} شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: [هو] الواحد الصمد الحليم الفرد ~~العزيز الذي لم يلد ولم يولد. # {وهو العزيز}. # أي: ذو العزة الذي لا يمتنع عليه معها عقوبة هؤلاء وغيرهم ممن يريد ~~عقوبته على عصيانهم. {الحكيم} في تدبيره، فلا يدخل تدبير [ه] خلل ولا خطأ. PageV06P4020 # وقيل هي كلمة الوحدانية وصفتها أحد، صمد، فرد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن ~~له كفوا، أحد. # قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة}. # أي: لو أخذ الله عصاة بني آدم لمعاصيهم، ما ترك على الأرض أحدا ممن [يدب] ~~{ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} أي: إلى وقتهم الذي كتب لهم ووقت. فإذا جاء ذلك ~~الأجل الذي وقت لهلاكهم، لم يستأخروا عن الهلاك ساعة ولم يستقدموا ساعة ~~قبله. قال بعضهم: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم وقرأ: # {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} الآية. وسمع أبو هريرة رجلا يقول: أن ~~الظالم لا يضر إلا بنفسه. فالتفت إليه أبو هريرة فقال: بلى والله، إن ~~الحبارى لتموت في PageV06P4021 # وكرها هزالا بظلم الظالم. وقال ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الجعل. # قوله {ويجعلون لله ما يكرهون}. # قوله: {ألسنتهم} جمع لسان ms1321 على لغة من ذكره. ويجمع إلى ألسن على لغة من ~~أنثه. ولو سميت بالسن لم ينصرف في المعرفة خاصة للتعريف ولأنه على وزن ~~الفعل إذا قلت: أنا أخرج وأنا أدخل، ولو سميت بالسنة لم تنصرف على كل حال. # ومعنى الآية: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهون لأنفسهم. وذلك جعلهم له ~~البنات وهم يكرهونها {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} أي الجنة: أي: ~~يكذبون فيدعون أن لهم الجنة. # {لا جرم أن لهم النار}. # أي: وجب أن لهم النار، وقال مجاهد: {أن لهم الحسنى} هو: قول كفار قريش ~~لنا البنون / ولله البنات. وقال قتادة: الحسنى هنا الغلمان. PageV06P4022 # وقرأ بعض الشاميين " ألسنتهم الكذب " بالرفع، جعله نعتا للألسنة، وبناه ~~على فعل جعله جمع كذوب " وأن " عند قطرب في موضع رفع بجرم لأنه بمعنى: وجب ~~أن لهم. وعند غيره في موضع نصب بجرم لأنه بمعنى كسب، أي: كسب لهم ذلك أن ~~لهم النار، وما بعدها رد لما قبلها، وقد تقدم ذكره {لا جرم} في سورة هود ~~بأشيع من هذا. # وقال ابن عباس {لا جرم} معناه: بلى أن لهم. وقيل: واجبا أن لهم. # وقوله: {وأنهم مفرطون}. PageV06P4023 # من قرأ بفتح الراء، فمعناه عند الحسن: معجلون إلى النار. وقال ابن جبير، ~~منسيون فيها، متركون فيها. قال مجاهد: منسيون. وفي الحديث " أنا فرطكم على ~~الحوض " [أي] متقدمكم إليه حتى تردوا علي. وأفرطته أقدمته. وقال أبو عبيدة ~~والكسائي معناه: متركون في النار. # فأما من قرأ بكسر الراء فمعناه: مبالغون في الإساءة. يقال: أفرط فلان على ~~فلان إذا أربى عليه وبالغه في الشر. PageV06P4024 # وقرا أبو جعفر " مفرطون "، بالتشديد وكسر الراء ومعناه: مضيعون ما ينفعهم ~~في الآخرة. وتصديقه قوله: {أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله} ~~[الزمر: 56]. # قال تعالى: {تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان ~~أعمالهم}. # أي: والله يا محمد لقد أرسلنا رسلا من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك به ~~إلى أمتك {فزين لهم الشيطان أعمالهم} أي: حسنها لهم حتى كذبوا الرسل. # {فهو وليهم ms1322 اليوم}. # أي: والشيطان وليهم، أي: ناصرهم اليوم في الدنيا. ولهم في الآخرة عذاب ~~أليم. وقيل: إنه يقال لهم: هذا الذي أطعتموه فاسألوه حتى يخلصكم [تبكيتا PageV06P4025 # لهم و] تأنيبا وتوبيخا لهم. فيكون قوله: {فهو وليهم اليوم} إشارة إلى يوم ~~القيامة. # وهذا كله تعزية للنبي [ صلى الله عليه وسلم] وتصبير له إذا كذبه قومه، ~~فأعلمه الله [ عز وجل] أنه قد فعل ذلك بمن أرسل قبله فيتأسى النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم] بذلك ويزداد صبرا. # قال تعالى ذكره {ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ~~وهدى ورحمة}. # أي: وما أنزلنا عليكم الكتاب يا محمد وجعلناك رسولا إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه من دين الله [ عز وجل] فتعرفهم الصواب منه من الباطل والهدى ~~والرحمة. فهدى ورحمة مفعولان من أجلهما. # قال تعالى: {والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض بعد موتهآ}. # أي: والله أنزل من السماء مطرا فأحيى به الأرض الميتة وهي التي لا نبات ~~فيها PageV06P4026 # وحياتها بكون النبات فيها. # وهذا كله تنبيه من الله [ عز وجل] لخلقه على صنعه ولطفه ونعمه وإلا لا ~~يفعل ذلك غيره وأن من كان مفردا / باختراع هذه الأشياء لا تصلح العبادة إلا ~~له لا إله إلا هو، وفيه إشارة على إحياء الموتى كما أحيى الأرض بعد موتها. # ثم قال: {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون}. # أي: [إن] في أحياء الأرض بالنبات بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها لعلامة ~~ودليلا على توحيد الله [ عز وجل] ، وإحياء الموتى لقوم يسمعون هذا القول ~~فيتدبرونه. # قوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه}. # قوله: {نسقيكم} من ضم النون، أو فتح، فهما لغتان عند أبي PageV06P4027 # عبيدة. وقال الخليل وسيبويه: سقيته ناولته، وأسقيته جعلت له سقيا. # وقوله: {مما في بطونه} يذهب سيبويه أن العرب تخبر عن الأنعام بخير ~~الواحد. وقال [الكسائي معناه نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا. فذكر على ذلك. ~~وقال] الفراء: الأنعام والنعم واحد فرجع هنا إلى تذكير النعم. وحكى عن ~~العرب: هذا نعم وارد. ms1323 # وقال أبو عبيدة: معناه نسقيكم مما في بطون أيها كان [ذا] لبن لأنها ليست ~~كلها لها [لبن]. وعن الكسائي أن التذكير على البعض أي نسقيكم مما في PageV06P4028 # بطون بعض الأنعام. وقيل: المعنى: أن التذكير إنما جيء به لأنه راجع على ~~ذكر النعم، لأن اللبن للذكر منسوب. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~اللبن للفحل " وبذلك يحكم أهل المدينة وغيرهم في حكم الرضاع. # ومعنى الآية: وأن لكم لعظة في الأنعام التي نسقيكم مما في بطونها من بين ~~فرث ودم. والفرث ما يكون في الكرش من غذائها. ويقال: أفرثت الكرش إذا أخرجت ~~ما فيها. لبنا خالصا: أي خلص من مخالطة الفرث والدم. # والمعنى: أن الطعام يكون منه [ما] في الكرش، ويكون منه الدم، فيخلص اللبن ~~من الدم. PageV06P4029 # ومعنى: {خالصا سآئغا للشاربين} أي: يسوغ لمن شربه، ولا يغص به. وقيل: ~~معناه: سهلا لا يشجى به من شربه متساغ في الحلق لا يساحه [فيه] مرارة. # وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. # وهذه الآية تدل على فساد قول من يقول: أن المني إنما نجس لسلوكه مسلك ~~البول [فهذا اللبن يسلك مسلك البول] وهو طاهر. وهذا إنما يصح على قول: من ~~يرى أن أبوال الإبل والبقر والغنم غير طاهرة. ولا يلزم من قال: إن أبوالها PageV06P4030 # طاهرة. # قال تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا}. # معناه: ولكم أيضا أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب. ~~و " ما " محذوفة من الكلام. والمعنى من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون. ~~وإنما جاز الحذف لدلالة " من " عليها لأن " من " تقتضي التبعيض، فدلت على ~~الاسم المبعض فحذف. # وقال بعض البصريين التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون، وحذف ~~شيء لدلالة الهاء في " منه " عليه. # فأما " السكر " [ف] قال / ابن عباس: " السكر " ما حرم الله [ عز وجل] من PageV06P4031 # شرابه، و " الرزق الحسن " ما أحل من ثمرته، يعني: الزبيب والتمر. وقال ~~[به] ابن جبير ومجاهد. وقال الحسن: ذكر نعمته في السكر قبل تحريم الخمر. ~~وقال قتادة: السكر ms1324 خمور الأعاجم، والرزق الحسن مما تنتبذون وما تخللون وما ~~تأكلون. # وهذا منسوخ عند أكثر العلماء، وهو قول: مجاهد وابن جبير والشعبي. # والذي عليه أهل النظر: إن هذا لا يجوز نسخه لأنه خبر، وليس بأمر فينسخ، ~~وإنما نزلت هذه الآية قبل أن تحرم الخمر. أخبرنا الله [ عز وجل] أنهم ~~يتخذون [به] ذلك. فلم يأمرنا بشربها، إنما هو خبر عما أنعم عليهم به وقد ~~قال أبو عبيدة PageV06P4032 # السكر: الطعم يعني: الزبيب، والعنب، والثمر والرطب. وقال غيره السكر ما ~~يسد الجوع مشتق من سكرت النهر إذا سددته. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}. # أي: إن في ما ذكر من النعم التي أنعمها عليهم لدلالة واضحة لقوم يعقلون ~~عن الله [ عز وجل] حججه [و] يفهمون عنه [سبحانه] مواعظه [جلت عظمته]. # قال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا}. # أي: ألهم ربك يا محمد النحل بأن تتخذ من الجبال بيوتا {ومن الشجر ومما ~~يعرشون}. PageV06P4033 # يعني الكروم، وقيل: " يعرشون " يبنون من السقوف. # {فاسلكي سبل ربك ذللا}. # أي: طرق ربك، {ذللا} أي: متذللة. وقال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته. ~~فيكون على هذا التأويل " ذللا " حالا من السبل، وعلى القول الأول: حالا من ~~الضمير في اسلكي، وهو قول: قتادة، لأنه قال: معناه: فاسلكي سبل ربك مطيعة. ~~وقال ابن زيد: الذلول: الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه، قال: فهم يخرجون ~~بالنحل ينتجعون بها ويذهبون وهي بينهم. ثم قرأ: # {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون} [يس: ~~71]. فيكون ذللا على هذا PageV06P4034 # التأويل حالا من النحل. واختار الطبري أن يكون حالا من السبل لقربه منها. # وقوله: {مختلف ألوانه}، أي: منه أبيض وأحمر. # وقوله: {فيه شفآء للناس}. # قال مجاهد: الهاء في فيه ل [ل] قرآن، وقال [به] الحسن والضحاك، أي: فيما ~~قصصنا عليك من الآيات شفاء للناس، وقيل: الهاء عائدة على العسل، قال: ~~قتادة. # وقيل " للناس ": عام يراد به الخصوص. والمعنى: لبعض الناس، لمن قدر الله ~~[ عز وجل] له ms1325 أن يشفى بالعسل. PageV06P4035 # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار أنه العسل، وهو قول: ~~ابن عباس. وقال: ابن مسعود: عليكم بالشفاءين فإن الله جعل في القرآن شفاء ~~وفي العسل شفاء. وقال: " العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور ~~" وكان ابن عمر لا يشكو قرحة، ولا شيئا، إلا وجعل عليها العسل حتى الدمل ~~إذا كان به طلاه بعسل، / فقيل له في ذلك فقال: أليس الله [ عز وجل] يقول: ~~{فيه شفآء للناس}. # وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال [نعم]: ~~ايتوني بماء سماء فإن الله يقول: {ونزلنا من السمآء مآء مباركا} [ق: 9]. ~~وايتوني بزيت فإن الله يقول: PageV06P4036 # {من شجرة مباركة زيتونة} [النور: 35] فجاء بذلك، فخلطه جميعا [ثم شربه] ~~فبرئ. # ثم قال [تعالى] {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون}. # أي: إن في إخراج العسل من أفواه النحل كما يخرج الريق من فم أحدكم على ~~اختلاف مطاعمها ومراعيها إذ ترعى حامضا ومرا وما لا طعم له، ثم تهتد [ي] ~~إلى سلوك السبل وترجع إلى بيوتها، لدلالة وحجة لمن تفكر في ذلك فيعلم أن ~~الله على كل شيء قدير، وأن العبادة لا تكون إلا له، لا إله إلا هو. # قوله: {والله خلقكم ثم يتوفاكم}. # أي: والله خلقكم أيها الناس فأوجدكم ولم تكونوا شيئا، ثم يتوفاكم أي: ~~يميتكم {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر}. PageV06P4037 # [أي]: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، أي: إلى أرداه. وقيل: إنه ~~يصير كذلك في خمس وسبعين سنة. قال علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]: أرذل ~~العمر خمس وسبعون سنة. # لكن المسلم إذا صار إلى أرذل العمر ازداد مع طول العمر عند الله كرامة ~~وأجرا، كما قال [في] سورة والتين والزيتون: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم} [التين: 4] يعني: آدم خلقه في أحسن صورة، ثم قال: {ثم رددناه أسفل ~~سافلين} [التين: 5] يعني: الكافر من ولد آدم ثم استثنى المؤمنين من ولد آدم ~~فقال: {إلا الذينءامنوا وعملوا الصالحات فلهم ms1326 أجر غير ممنون} [التين: 6]. ~~أي: غير مقطوع عنهم وذلك إذا ضعف الرجل المسلم عن الصلاة النافلة والصيام ~~النافلة وما هو رضى PageV06P4038 # لله [ عز وجل] أجرى الله [سبحانه] عليه ثواب ذلك في كبره ولذلك قال: ~~{أليس الله بأحكم الحاكمين} [التين: 8] أي: إذا فعل ذلك بالمؤمنين فهو أعدل ~~العادلين. # ثم قال: {لكي لا يعلم بعد علم شيئا}. # أي: يرد إلى الهرم ليصير جاهلا بعد أن كان عالما. يعني: الخرف والخفة ~~التي تدخل الشيوخ، وتحدث فيهم فيصيرون كالصبيان. # فهذا تنبيه من الله عز وجل للخلق أن الله [سبحانه] نقلهم من جهل إلى علم. ~~ثم من علم إلى جهل، ومن ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف. فهو يقدر على أن ~~ينقلكم من حياة إلى موت ثم من [موت إلى] حياة، فكل ذلك بيده. # ثم قال: {إن الله عليم قدير}. # أي، أنه عليم [قدير] لا ينسى شيئا ولا يتغير علمه بعلم ما كان وما يكون، PageV06P4039 # قدير على ما يشاء. # قال تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق}. # أي: فضل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا فما الذين فضلهم ~~الله [ عز وجل] على غيرهم في الرزق براد [ي] رزقهم على مماليكهم فيستوون ~~فيه [هم] و/ مماليكهم، فهذا لا يرضونه لأنفسهم فيما رزقهم الله [ عز وجل] ~~من المال والأزواج [وقد جعلوا] عبيد الله [سبحانه] شركاء في ملكه، فجعلوا ~~له ما لا يرضونه لأنفسهم. # هذا كله مثل ضربه الله [ عز وجل] لهم في عبادتهم الأصنام من دون الله ~~[سبحانه]. فهو خطاب وتوبيخ وتقريع للمشركين. فالمعنى أنتم لا PageV06P4040 # يش [ر] ككم عبيدكم فيما أنعم الله به عليكم من المال ولا ترضون بذلك ~~لأنفسكم فتكونون أنتم وعبيدكم في ذلك سواء، فكيف رضيتم بأن جعلتم لله ~~[سبحانه] شركاء من خلقه، فعبدتم معه غيره؟ فإذا كنتم تأنفون من مساواة ~~عبيدكم بكم فيما في أيديكم [من رزق الله] فكيف رضيتم لرب العالمين بمساواة ~~خلقه له فعبدتموهم؟ # وقيل: عنى بذلك الذين قالوا المسيح ابن الله من النصارى. # ثم ms1327 قال [تعالى] {أفبنعمة الله يجحدون}. # [أي]: يجحدون نعمة الله عليهم فيجعلون له شركاء من خلقه. قال ابن عباس في ~~الآية: معناها: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون ~~عبيدي معي في سلطاني، وهو معنى قول قتادة. وقيل: معنى الآية أن PageV06P4041 # من فضله الله [ عز وجل] في الرزق لا يشارك فيه مملوكه وهو بشر مثله، فكيف ~~شركتم بين الله [ عز وجل] وبين الأصنام فجعلتم له نصيبا وللأصنام نصيبا؟ ~~فلم يحسن عندكم أن تشاركوا عبيدكم [فيما رزقهم] [وأنتم] كلكم بشر ويحسن أن ~~تشاركوا بين الله [سبحانه] والأصنام وليست كمثله، لأنها مخلوقة. فإذا نزهتم ~~أنفسكم عن مشاركة عبيدكم فيما رزقهم الله [سبحانه] فالله [ عز وجل] أحق أن ~~تنزهوه عن مشاركة الأصنام. # قال تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا}، [أي]: والله خلق زوجة آدم ~~من ضلعه، قاله: قتادة. # وقيل معناه: جعل لكم من جنسكم أزواجا. # ثم قال: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة}. PageV06P4042 # قال ابن مسعود: الحفدة: الاختان. وهو قول ابن عباس وابن جبير. وعن ابن ~~عباس: أنهم الأصهار. وقال محمد بن الحسن: الختن الزوج ومن كان من ذوي رحمه، ~~والصهر من كان من قبل المرأة من الرجل. وقال ابن الأعربي ضد هذا القول في ~~الأختان والأصهار. وقال [الأ] صمعي الختن من كان من الرجال من قبل المرأة ~~والأصهار منهما جميعا، وقيل: الحفدة أعوان الرجل PageV06P4043 # وخدمه. # وروي عن ابن عباس أنه سئل عن الحفدة في الآية فقال: من أعانك فقد حفدك. ~~[و] قال عكرمة: الحفدة الخدام. # [و] عنه أيضا الحفدة من خدمك من ولدك. وعن مجاهد أنه قال: الحفدة ابن ~~الرجل وخادمه وأعوانه. وعن ابن عباس أيضا هم ولد الرجل وولد ولده. وقال ابن ~~زيد وغيره: هم ولد الرجل [و] الذين يخدمونه. وعن ابن عباس: أنه قال: هم بنو ~~امرأة الرجل من غيره. # والحفدة: جمع حافد كفاسق / وفسقة، والحافد في كلام العرب المتخفف في ~~الخدمة والعمل ومنه قولهم، وإليك نسعى ونحفده، أي: نسرع في العمل بطاعتك. PageV06P4044 # ثم قال [تعالى] {ورزقكم من ms1328 الطيبات}. # أي: من خلال المعاش. # {أفبالباطل يؤمنون}. # أي: [أ] فبما يحرم عليهم الشيطان من البحائر والوصائل يصدق هؤلاء ~~المشركون. # وقيل معناه: أفبالأوثان والأصنام يؤمنون. # {وبنعمت الله هم يكفرون}. # أي: وبما أحل الله لهم من ذلك يكفرون، وأنعم عليهم بإحلاله لهم، هم ~~يكفرون أي ينكرون تحليله ويسترونه. PageV06P4045 # قوله: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا}: # المعنى: ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله [سبحانه]، أوثانا لا يملكون ~~لهم رزقا " من السماوات " أي: لا تنزل مطرا لإحياء الأرض. " والأرض " أي: ~~ولا تملك لهم أيضا رزقا من الأرض، لأنها لا تقدر على إخراج نباتها وثمارها ~~لهم. # {ولا يستطيعون}. # أي: لا تملك أوثانهم شيئا من السماوات والأرض. # و {رزقا} نصب بيملك. و {شيئا} نصب برزق. وكان أصله: رزق شيء كما يقول: ~~ضرب زيد فلما فرق بينهما انتصب شيء لأنه مفعول به برزق. وهو مثل قول ~~الشاعر: PageV06P4046 # فلم أنكل عن الضرب مسمعا. ... كان أصله: عن ضرب مسمع، فلما [أ] دخل الألف ~~واللام امتنعت الإضافة فانتصب المفعول به ومثله في التنوين: {ألم نجعل ~~الأرض كفاتا * أحيآء وأمواتا} [المرسلات: 25 - 26] كان أصله كفاتا إحياء ~~وأموات [أي جمع أحياء وأموات]. والكفت الجمع والضم، أي: تجمعهم وتضمهم على ~~ظهرها أحياء وفي بطنها أمواتا فلما نون {كفاتا} انتصب {أحيآء وأموات} على ~~المفعول به، والعطف عليه، وله نظائر، وهو أصل من أصول العربية. # وقد منع بعض البصريين أن يعمل " رزق " في " شيء " لأنه اسم، وليس بمصدر، ~~وقال ينتصب " شيء " على البدل من " رزق ". # قال [تعالى] {فلا تضربوا لله الأمثال}. # قال الضحاك، معناه: لا تعبدوا من دون الله ما لا ينفعكم، ولا يضركم، ولا ~~يرزقكم. وقال ابن عباس: هو اتخاذكم الأصنام. يقول تعالى ذكره: لا تجعلوا ~~معي PageV06P4047 # إلها غيري. # وقيل معناه: لا تمثلوا الله [سبحانه] بخلقه فتقولوا: هو يحتاج إلى شريك ~~ومشاور فإن هذا إنما يكون لمن لا يعلم ودل على هذا المعنى قوله [ عز وجل] : # { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون}. # وقيل معناه: لا تمثلوا خلق الله به، فتجعلوا له ms1329 من العبادة مثل ما لله ~~[سبحانه]. # قال تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} الآية. # هذا مثل ضربه الله [ عز وجل] للكافر والمؤمن، قال قتادة: قوله: {عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء}، هذا مثل ضربه الله [ عز وجل] للكافر رزقه الله ~~مالا، فلم يقدر فيه على [خير]، ولم يعمل فيه بطاعة الله [ عز وجل] ثم قال ~~[تعالى]: {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} PageV06P4048 # فهذا للمؤمن أعطاه الله مالا يعمل فيه بطاعته فأخذ فيه بالشكر ومعرفة ~~الله [ عز وجل] ، فأثابه الله [سبحانه] على / ما رزقه [في] الجنة. # ثم قال: {هل يستوون}. # أي: هل يستوي هذان وهما بشران؟ فكيف سويتم أيها المشركون بين الله وبين ~~الحجارة التي لا تعقل ولا تنفع ولا تضر. # وقيل: " العبد المملوك " أبو جهل بن هشام، و {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا يستويان. # وقيل: " العبد المملوك " الصبي لأنه عاجز مربوب {ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا} مثل لله رب العالمين، لأنه يرزق المخلوقين ويلطف بهم من حيث [يعلمون ~~ومن حيث] لا يعلمون، وهذا قول: مجاهد، قال مجاهد: هو مثل لله الخالق ومن ~~يدعى PageV06P4049 # من دونه من الباطل. # ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم} وهو ~~المطبق الذي لا ينطق ولا يسمع. {وهو كل على مولاه} أي: على وليه {هل يستوي ~~هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} أي: هل يستوي القادر التام ~~التمييز، والعاجز الذي لا يسمع ولا يتكلم ولا يأتي بخير؟ فهما لا يستويان ~~عندكم لاختلاف أحوالهما، وهما بشران، فكيف سويتهم بين الله [سبحانه] ~~والأحجار؟. # وقال مجاهد والضحاك: هذا مثل لله [ عز وجل] ومن عبد من دونه. وقال PageV06P4050 # قتادة: هو للمؤمن والكافر. # وقال ابن عباس: أنزلت هذه الآية: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء} في هشام بن عمر، وهو الذي لا ينفق، ومولاه أبو الجوزاء الذي كان ~~ينهاه. # وقوله: {[و] ضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم} الأبكم منهما: الكل على ms1330 ~~مولاه أسيد بن أبي العاصي، والذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم عثمان بن ~~عفان. # وقيل: الأبكم يعني به أبي بن خلف هو كالأبكم إذ لا ينطق بخير، وهو كل على ~~قومه كان يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مظعون. # {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} يعني: حمزة بن عبد المطلب. PageV06P4051 # وقيل: هو مثل ضربه الله [ عز وجل] لنفسه والصنم المعبود من دونه وهو ~~الأبكم والفاض هو مثل لله. # وقيل الفاضل من الرجلين عثمان بن عفان رضي الله [عنه] والأبكم مولى له ~~كافر، قال: ابن عباس. # وقال مجاهد: الذي يأمر بالعدل، هو الله [ عز وجل] والأبكم ما يدعون / من ~~دونه من الأصنام. # قوله: {الحمد لله}. # أي: الحمد الكامل لله دون من يدعا من دونه من الأوثان. # قوله: {بل أكثرهم لا يعلمون}. # أي: فعلهم فعل من لا يعلم، وإن كانوا يعلمون. وقيل معناه: أنهم لا يعلمون ~~وعليهم أن يعلموا. # وقيل إن قوله: {رجلين أحدهمآ أبكم} إنما هو مثل للصنم لا يسمع ولا ينطق. PageV06P4052 # {وهو كل على مولاه} أي: كل على من يعبده ويلي أمره، يحتاج أن يخدمه ~~ويحمله ويضعه. # {أينما يوجهه لا يأت بخير}. # أي: لا يفهم ما يقال له فيأتمر لمن أمره، ولا يأمر ولا ينهى. # {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل}. # أي: هل يستوي هذا الصنم، والله الواحد القهار الذي يدعو إلى التوحيد وهو ~~على صراط مستقيم. قاله: قتادة. وقيل: هذا المثل أيضا إنما هو للمؤمن ~~والكافر. # واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية أن العبد لا يملك. ومن جعل الآية مثلا PageV06P4053 # لله [سبحانه] والصنم لم يكن فيها حجة [له] في العبد. # قوله: {ولله غيب السماوات والأرض}. # المعنى: [لله] ما غاب عن أبصاركم في السماوات والأرض دون ما سواه. # {ومآ أمر الساعة إلا [كلمح] البصر}. # أي: وما قيام الساعة، التي ينشر فيها الخلائق للبعث، إلا كنظرة من البصر، ~~أو أقرب من نظرة. لأن ذلك إنما هو، أن يقال له: كن، فيكون. وهذا إنما هوصفة ~~لسرعة القدرة على بعث الخلق وإحيائهم، كما يقال في ms1331 تمثيل السرعة ما بين ~~الشيء والشيء: ما بين الحر والقر إلا نومة، وما بين السنة والسنة إلا لحظة. ~~فهذا يراد به السرعة. والمعنى: أن الساعة في مجيئها للوقت الذي لا مدفع له ~~بمنزلة لمح البصر. ومثله PageV06P4054 # في القرب على التمثيل {سيعلمون غدا} [القمر: 26] فسمي يوم القيامة [غدا] ~~على تمثيل القرب إذ لا مدفع له عن وقته. فالقيامة كغد لوقوعها لا محالة ~~كوقوع غد. وقيل: إنها تقوم على الحقيقة في أقرب من لمح البصر، ودلأل] على ~~ذلك قوله: {لا تأتيكم إلا بغتة} [الأعراف: 187]. # وقيل معناه: وما أمر الساعة عندنا إلا كلمح البصر لا عندكم، كقوله: # {وإن تعجب فعجب قولهم} [الرعد: 5] أي: عجب عندكم وعند من سمعه لا عندي ~~ويدل على هذا التأويل قوله: {يرونه بعيدا * ونراه قريبا} [المعارج: 6 - 7]. # ثم قال تعالى: {إن الله على كل شيء قدير}. # أي: [إن] الله قدير على إقامة الساعة في أقرب من لمح البصر، وعلى ما يشاء ~~لا يمتنع عليه شيء من الأشياء كلها. PageV06P4055 # قال [تعالى]: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}. # معناه: والله علمكم ما لم تكونوا تعلمون وأنتم في بطون أمهاتكم، ورزقكم ~~عقولا تفهمون بها الأشياء، وتميزون بين الخير والشر، وجعل لكم السمع ~~لتسمعوا به أوامر الله، ونواهيه، ومواعظه، فتعلمون وتتعظون. # وهذا يدل على أن الواو لا توجب رتبة لأنه ذكر جعله للسمع والبصر والفؤاد ~~/ بعد الخروج من البطن، وذلك لم يكن إلا في البطن. فالواو لا توجب رتبة، بل ~~ما بعدها يكون قبل ما قبلها. لا يجوز إلا هذا بهذه الآية، ونظيرها كثير في ~~القرآن يدل على أنها لا ترتب ما بعدها بعدما قبلها، بل قد يكون بعده وقبله. ~~ويجوز أن يكون الباقي مبتدأ غير معطوف. والأبصار لتبصروا بها آياته ونعمه ~~فتشكروا وتعلموا أن الله الخالق وحده لا إله إلا هو، والأفئدة ليفهموا بها، ~~وهي القلوب. PageV06P4056 # {لعلكم تشكرون}. # أي: فعل ذلك بكم لعلكم تشكرون نعمه عليكم. # قال: {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء}. # أي: ألم ير هؤلاء المشركون ms1332 إلى الطير، تطير في جو السماء أي: في هواء ~~السماء وهو ما بعد من الأرض وأبعد منه من الأرض السكاك واحدها سكاكة. # {ما يمسكهن إلا الله}. # أي: [ما طيرانهن إلا بالله] وبما أعطاهن من القدرة على ذلك ولو سلبهن ~~القدرة لم يطرن. # {إن في ذلك لأيات}. # أي: إن في تسخير الله الطير في الهواء لعلامات على توحيد الله [ عز وجل] ~~لقوم يؤمنون بالله [سبحانه]، قال قتادة: في جو السماء في كبد السماء. PageV06P4057 # قوله: {والله جعل لكم من بيوتكم [سكنا]}. # [أي]: جعل لكم موضعا تسكنون فيه أيام مقامكم. # وقيل: معناه جعل لكم من بيوتكم ما تسكن إليه أنفسكم من ستر العورة والحرم ~~فتهدأ فيه جوارحكم. # {وجعل لكم من جلود الأنعام} يعني: من جلود الإبل والبقر والغنم {بيوتا} ~~خفافا عليكم تحملونها معكم في أسفاركم وهو: الظعن. وتنتفعون بها في ~~إقامتكم، وهي: البيوت من الأنطاع والشعر والوبر والصوف. # ثم قال: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا}. # أي: جعل لكم من هذه الأشياء متاعا. PageV06P4058 # وواحد الأثاث أثاثة، والأثاث متاع البيت. وقيل: لا واحد له. # وعن ابن عباس: الأثاث: المال. وكذلك قال قتادة. وقيل الأثاث: الثياب. # وهو متاع البيت عند أهل اللغة، كالأكسية والفرش، وهو مأخوذ من قولهم: شعر ~~أثيث، إذا كان كثيرا ملتفا. ويقال أث الشعر يئث أثا إذا كثر والتف. وقد أث ~~البيت يئث أثا إذا صار ذا أثاث. فسمي متاع البيت أثاثا لكثرته واجتماعه. ~~والأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز. # وقوله: {ومتاعا إلى حين}. # أي: تتمتعون به وتنتفعون إلى آجالكم. PageV06P4059 # قال تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا}. # يعني: الأشجار والجبال تستظلون بها من الحر والبرد والمطر وقيل: هو ~~السحاب والغمام يظل الناس. # {من الجبال أكنانا}. # أي: جعل لكم من الجبال والسهل، ولكن حذف السهل لدلالة الكلام عليه. ~~{أكنانا} جمع: كن يعني غيرانا يسكن فيها. # {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} والبرد وحذف / البرد لدلالة الحر عليه. # [كما قال أريد الخير أيهما يليني # فحذف الشر لدلالة الخير] [عليه]. PageV06P4060 # والسرابيل جمع سربال. والسربال كل ما ms1333 لبسته من قميص ودرع وغيره، يعني: من ~~القطن، والكتان والصوف. # {وسرابيل تقيكم بأسكم}. # يعني: الدروع من الحديد. والبأس هنا الحرب. والمعنى في هذا: خلق لكم ما ~~تتخذون منه هذه السرابيل وأقدركم على عمله وألهمكم ذلك. # فهذه كلها نعم من الله ينبه خلقه عليها ليشكروا الله على ذلك ويعلموا أنه ~~المنفرد بخلق ذلك المدبر لمصالح عباده، فلا تجب العبادة إلا له. # وإنما خص الجبال بالذكر لأنهم كانوا أصحاب [جبال] في بلدهم فخوطبوا بما ~~يعرفون. وترك السهول وما فيها أيضا من الأكنان لدلالة الكلام عليه. وخص ذكر ~~الحر: لأن أكثر زمان العرب في أرض الحجاز وما يليها الحر. فخص ذلك لما PageV06P4061 # يعلمون من ضرره عندهم وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه. وخص ذكر الأصواف ~~والأوبار والأشعار لأنهم كانا أصحاب إبل وغنم ومعز فخوطبوا بما بعقلون. ~~وترك ذكر القطن، والكتان، وغيره، مما يستعمل منه اللباس لدلالة الكلام ~~عليه. ومن هذا قوله {وينزل من السمآء من جبال فيها من برد} [النور: 43] ~~فذكر البرد لأنهم كانوا يعرفونه فخوطبوا بما يعرفون وترك ذكر الثلج وهو ~~أكثر نزولا من البرد لأنهم كانوا يعرفونه في بلادهم. # ثم قال [تعالى] {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون}. # أي: أتم نعمته عليكم في هذه النعم المذكورة لتخضعوا لله بالطاعة. وروي عن ~~ابن عباس أنه قرأ: " تسلمون " بفتح التاء واللام، أي لتسلموا من الحر ~~والجرحات وغيرها. # أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عما أرسلناك [له] يا محمد من الحق فإنما ~~عليك PageV06P4062 # أن تبلغ الرسالة وتبين ما أرسلت له لمن سمعه حتى يفهمه. # قال [تعالى]: {يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها}. # قال السدي: النعمة هنا: محمد [ صلى الله عليه وسلم] [ يعرفون أنه نبي ~~مرسل وينكرون ذلك. ودل على أنها محمد]. قوله: قبل ذلك: {فإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ المبين} [النحل: 82] يخاطب محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هي ما عدده الله [ عز وجل] في هذه السورة من النعم يعرفون أن الكل ~~من عند الله وهم ينكرون ذلك ويزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم، قال: مجاهد. ~~وقيل: ms1334 PageV06P4063 # إنكارهم هنا للنعمة، قولهم: لولا فلان ما كان كذا. وقيل معناه: أن الكفار ~~إذا قيل لهم من رزقكم؟ أقروا بأنه الله [ عز وجل] ، ثم ينكرون ذلك بقولهم: ~~إنما رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. # ثم قال /: {وأكثرهم الكافرون}. # أي: أكثر قومك يا محمد الجاحدون للنعم ولنبوتك. # قوله: {ويوم نبعث من كل أمة شهيد}. # المعنى: ثم ينكرونها وسينكرونها يوم نبعث من كل أمة شهيدا، أي: شهد ~~عليهما بما أجابت به داعي الله [ عز وجل] وهو رسولهم الذي أرسل إليهم PageV06P4064 # {ثم لا يؤذن للذين كفروا} يعني: لا يؤذن لهم في الاعتذار، {ولا هم ~~يستعتبون}. أي: ولا يتركون الرجوع إلى الدنيا فيتوبوا ومثله قوله تعالى: ~~{هذا يوم لا ينطقون} [المرسلات: 35] أي: بعذر {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} ~~[المرسلات: 36]. # قال: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم} أي: إذا عاين الذين ~~كذبوا محمدا [ صلى الله عليه وسلم] عذاب الله [ عز وجل] فلا ينجيهم منه شيء ~~{ولا هم ينظرون} أي: يؤخرون. # ثم قال تعالى: {وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم}. # أي: إذا رأى المشركون يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله سبحانه من ~~الآلهة والأوثان {قالوا ربنا هؤلاء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك}. أي: ~~هؤلاء آلهتنا الذين PageV06P4065 # عبدنا من دونك حشر الله [ عز وجل] معهم أصنامهم وأوثانهم ليوبخهم ويعذبهم ~~بها في النار وسموا شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم وزروعهم ~~وأنعامهم. # وقيل: سموا بذلك على معنى: هؤلاء شركاؤنا في الكفر [بك]، وقيل: إنما سموا ~~بذلك لأنهم أحدثوا عبادتهم، أشركوهم في عبادة الله [سبحانه] فأضيفوا إليهم، ~~إذ هم اخترعوا ذلك، [وقد] قال في موضع آخر: {شركآئي} [الكهف: 52، القصص: ~~62و74، فصلت: 47]. فأضافهم إلى نفسه تعالى عن ذلك على طريق ما فعلوا: أي: ~~شركائي عندكم وفيما زعمتم. # قوله تعالى: {فألقوا إليهم القول}. # أي: ألقت الآلهة إليهم القول، أي: انطلقوا فقالوا: إنكم لكاذبون، ما كنا PageV06P4066 # ندعوكم إلى عبادتنا ولا كنا آلهة. # قال مجاهد {فألقوا إليهم القول}: قالوا بهم، ونظير هذا قوله: # {سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 82]. # وقيل: هم ms1335 الملائكة الذين عبدوا من دون الله [سبحانه] قالوا للكفار إنكم ~~لكاذبون في عبادتكم إيانا. # قال تعالى: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم}. # أي: استسلموا له وذلوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا # {وضل عنهم ما كانوا يفترون} وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يأملون من ~~الشفاعة عند الله [ عز وجل] . PageV06P4067 # قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب}. # أي: الذين كفروا بالله [سبحانه] وبرسوله [ صلى الله عليه وسلم] وصدوا عن ~~الإسلام من أراده، زدناهم في جهنم عذابا فوق العذاب الذي هم فيه قبل أن ~~يزادوا. # وقال ابن مسعود: الزيادة عقارب لها أنياب كالنخل الطوال تنهشهم. وروى عنه ~~مرة أنه قال / أفاعي. وعن ابن عمر أنه قال: لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب ~~أعناقها كأعناق البخت. وقيل: إنهم يخرجون من حر النار [إلى] برد الزمهرير ~~فيتبادرون من شدة برد [ه إلى النار] أعاذنا الله من ذلك. وقال السدي: ~~الزيادة عقارب في النار أمثال: البغال، وحيات أمثال: الفيلة. PageV06P4068 # وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " زيدوا عقارب ~~أمثال النخل تنهشهم في جهنم ". # قال مجاهد إن لجنهم جنابا، يعني: جانبا كالساحل، فيها حيات كأمثال أعناق ~~[البخت]، وأنيابا لها كأنياب البغال فيهرب أهل النار من النار إلى جنابها ~~فتشد عليهم العقارب فتأخذ شفاههم فتسقط ما بين الشفر إلى الظفر فما ينجيهم ~~منها إلا الهرب إلى النار. # قال ابن مسعود: إنه ليسمع للهوام بين أطباق جلد الكافر في النار جلبة كما ~~تسمع جلبة الوحش في البر. وإن غلظ جلده أربعون ذراعا بذراع الجبار يعني: ~~الملك. PageV06P4069 # وروى مجاهد عن ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: " إنهم ليعظمون في ~~النار حتى يصير ما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة كذا وكذا، وإن جلد ~~أحدهم أربعون ذراعا، وضرسه أعظم من جبل أحد ". # وقوله: {بما كانوا يفسدون}. # أي: يفسدون في الدنيا بصدهم الناس عن الإسلام. # قال [تعالى]: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا}. # أي: [واذكر يا محمد يوم نبعث من كل ms1336 أمة شهيدا، أي]: نبعث إليهم نبيهم ~~الذي أرسل إليها. ومعنى {من أنفسهم} أي: من قبيلتهم لأنه تعالى أكثر ما ~~أرسل الرسل إلى الأمم من قبيلتها. PageV06P4070 # ثم قال: {وجئنا بك شهيدا على هؤلاء}. # أي: على أمتك يا محمد الذين أرسلت إليهم {ونزلنا عليك الكتاب} أي: ~~القرآن. # {تبيانا لكل شيء} أي: بيانا للناس لما بهم إليه من الحاجة [من معرفة] ~~الحلال والحرام والثواب والعقاب {وهدى} أي: هدى من الضلالة {ورحمة} أي: ~~ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه {وبشرى للمسلمين}، أي: وبشارة لمن أطاع الله ~~وخضع له بالتوحيد. # قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}. # المعنى: أن الله [ عز وجل] يأمر في الكتاب الذي أنزل على محمد [ صلى الله ~~عليه وسلم] بالعدل وهو الفرض والإحسان النافلة، وقيل: العدل الإنصاف. ومن ~~الإنصاف الإقرار لمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله وإخلاص ~~العبادة له. وكذلك قال PageV06P4071 # بعض المفسرين: العدل هنا شهادة أن لا إله إلا الله. وروي ذلك عن ابن ~~عباس. # وقال ابن عيينة: العدل هنا استواء السريرة والعلانية من كل من عمل لله [ ~~عز وجل] عملا. # وقوله: {والإحسان} قال ابن عباس هو أداء الفرائض. # وقال ابن عينية الإحسان أن تكون سريرته أفضل من علانيته. # وقوله: {وإيتآء ذي القربى}. # أي: إعطاؤهم الحق الذي أوجبه اله لهم في الفرائض وصلة الرحم. # {وينهى عن الفحشاء}. # أي: عن كل قول وفعل قيبح. وعن ابن عباس الفحشاء هنا الزنى. وقال PageV06P4072 # ابن عيينة الفحشاء والمنكر هنا / أن تكون علانيته أحسن من سريرته. # والمنكر في اللغة: كل ما ينكر من قول أو فعل. # وقوله: {والبغي} قال ابن عباس: البغي: الكبر والظلم. والبغي في اللغة: ~~أشد الفساد. وقيل: البغي التعدي ومجاوزة القدر والحد. # ثم قال تعالى: {يعظكم لعلكم تذكرون}، أي: يوصيكم لعلكم تذكرون فتنتهوا ~~إلى أمره ونهيه. # قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن لخير وشر آية في النحل {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان} الآية. # وقال قتادة: ليس من خلق حسن، كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه PageV06P4073 # إلا أمر الله [ عز ms1337 وجل] به وليس من خلق سيىء كانوا يتعايرونه بينهم إلا ~~نهى الله [ عز وجل] عنه. # وقيل في قوله: {بالعدل} بألا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فهذا هو ~~العدل الحق: {والإحسان} هو أن تعبده كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك. ومن ~~الإحسان أن تحب لولد آدم كلهم ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك، إن ~~كان مؤمنا أحببت له أن يزداد إيمانا، وإن كان كافرا أحببت له أن يؤمن فيكون ~~أخاك في الإسلام. {وإيتآء ذي القربى} صلة الرحم والقرابة بمالك أو بنفسك أو ~~بدعائك له وبشرك في وجهه، {وينهى عن الفحشاء} أي: عن ركوب المعاصي. ~~{والمنكر} هو الشرك بالله {والبغي} هو أن تبغي على أخيك فتظلمه أو تغتابه ~~فتبهته. # قال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم}. # المعنى: وأوفوا أيها الناس بميثاق الله [ عز وجل] إذا أوثقتموه وبعقده ~~إذا عاقدتموه PageV06P4074 # فأوجبتم على أنفسكم حقا لمن عاقدتمه. # {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها}. # أي: لا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم فيه بالإيمان بالله [ عز وجل] { بعد ~~توكيدها}، أي: بعدما شددتم الإيمان فتحنثوا في أيمانكم وتكذبوا فيها ~~وتنقضوها. {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} أي: جعلتموه كفيلا عليكم في ~~أيمانكم، [فلا تكذبوا فيها ولا تنقصوها]. # وقد قيل: إنها عامة في كل عقد ويمين، وإن الأيمان منسوخة بإجازة الكفارة ~~في المائدة عن اليمين. # وهذه الآية: نزلت فيمن بايع النبي [عليه السلام] على الإسلام لئلا تحملهم ~~قلة من مع محمد [ صلى الله عليه وسلم] ، وكثرة المشركين على نقض ما عاهدوه ~~عليه من البيعة. PageV06P4075 # وقال مجاهد: نزلت في الحلف الذي كان بينهم في الجاهلية أمرهم الله [ عز ~~وجل] في [الإسلام] أن يوفوا به ولا ينقضوه. # وقال ابن زيد: هؤلاء قوم كانو حلف [اء] لقوم، وقد تحالفوا وأعطى بعضهم ~~بعضا الميثاق، فجاءهم قوم فقالوا: نحن أكثر وأعز وأمنع فانقضوا عهد هؤلاء، ~~فارجعوا إلينا وح [ا] لفونا، ففعلوا، فنهى الله [ عز وجل] عن ذلك بهذه ~~الآية وهو قوله: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} [النحل: 92]. # ففي الكلم ms1338 تقديم وتأخير وتقديره: وقد جعلتم الله عليكم كفيلا أن تكون أمة ~~هي أربى من أمة، أي هي أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر عددا نقضتم العهد ~~فيما بينكم وبين هؤلاء /. PageV06P4076 # وكذلك قال مجاهد أيضا في رواية أخرى عنه. والكفيل الوكيل. # ثم قال تعالى: {إن الله يعلم ما تفعلون}. # [أي: ما تفعلون] في عقودكم وعهودك [م]. # قوله: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها}. # والمعنى: أن الله [ عز وجل] نهى عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها ~~فيكونون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أي من بعد إحكامه وإبرامه. # روي أن امرأة حمقاء كانت تفعل ذلك بمكة فكانت إذا أبرمت غزلها نقضته. ~~وقيل: هي امرأة يقال لها ريطة بنت سعد كانت تغزل بمغزل كبير فإذا أبرمته ~~وأحكمته أمرت جاريتها فنقضته. وقيل: هي امرأة اسمها حطية كانت بمكة PageV06P4077 # وكان بها وسوسة، وكانت تغزل عند الحجر يومها ثم تغدو فتنقضه، أي: تغزله ~~جوانيا [ثم تنقضه برانيا]. # وقيل: [هو] مثل، ولم يرد امرأة بعينها. والمعنى: لا تفعلوا هذا الفعل ~~فتكونوا كامرأة نقضت غزلها بعد أن أحكمته. فلو بلغكم أن امرأة فعلت هذا ~~لقلتم [ما] في الأرض أحمق من هذه. [هذا] معنى قول قتادة. # وقال قتادة: هو مثل ضربه الله [ عز وجل] لمن نقض العهد. # ومعنى: {دخلا بينكم} خديعة وغرورا. أي: لا تجعلوا أيمانكم خديعة وغرورا ~~بينكم ليطمئن إليكم وأنتم مصرون على الغدر، وترك الوفاء فتنقضونها ولا ~~توفون بها. # وقال الزجاج: {دخلا} أي: غشا و [غلا]. وهو منصوب لأنه مفعول له. PageV06P4078 # أي: تتخذون الأيمان للدخل، أي: للغش والخديعة. # والدخل في اللغة [كل] عيب. يقال: هو مدخول أي معيب، وفيه دخل [أي] عيب. # ثم قال: {أن تكون أمة هي أربى من أمة}. # أي: تفعلون الغدر في أيمانكم لأجل كون أمة أكثر من أمة فتنقضون عهد الأ ~~[ول] لقلتهم وتحالفون ألكثر لكثرتهم. # ثم قال تعالى: {إنما يبلوكم الله به}. # أي: إنما يختبركم [الله] بأمره إياكم بالوفاء والعهد بالأيمان ليتبين ~~منكم PageV06P4079 # المطيع المنتهي إلى أمر الله [ عز وجل] من العاصي ms1339 المخالف أمره ونهيه. # ثم قال: {وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون}. # أي: وليبين الله لكم يوم القيامة مجازاة كل فريق منكم على عمله في ~~الدنيا. # واختلافهم هنا كون هؤلاء مؤمنين وهؤلاء كافرين. فهذا الذي اختلفوا فيه، ~~فيوم القيامة يتبين لهم المصيب من المخطئ. فهو وعيد [لهم] من الله [ عز ~~وجل] . # قال [تعالى]: {ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة}. # أي ولو شاء الله للطف بكم بتوفيق من عنده فتصيرون أهل ملة واحدة. ولكنه ~~خالف بينكم فجعلكم أهل ملل شتى، فوفق من يشاء لما يرضيه من الإيمان به ~~وبرسله وكتبه، وخذل من شاء عن ذلك فكفر [به]. PageV06P4080 # ثم قال: {ولتسألن عما كنتم تعملون}. # أي: تسألون عما عملتم في الدنيا في [ما] أمركم به ونهاكم / عنه. # قال: {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم}. # أي: لا تتخذوا أيمانكم دخلا وخديعة بينكم فت [غرون] بها الناس. # {فتزل قدم بعد ثبوتها}. # فتهلكون بعد أن كنتم من الهلاك آمنين، وهذا [مثل] لكل مبتلى بعد عافية أو ~~ساقط في ورطة بعد سلامة. يقولون زلت به قدمه. # ثم قال: {وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله}. # أي: وتذوقوا عذاب الله [ عز وجل] بصكم عن سبيل الله، أي: بمنعكم من أراد PageV06P4081 # [عن] الإيمان {ولكم عذاب عظيم} أي: في الآخرة. # قال: {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا}. # أي: لا تنقضوا عهودكم بعرض من عرض الدنيا وهو قليل: أنه لا بقاء له، إن ~~الذي عند الله من الثواب في الآخرة لمن وفى بعهده {هو خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} فضل ما بين العوضين. # قوله: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق}. # والمعنى: ما عندكم أيها الناس مما تأخذونه على نقض الأيمان والعهود يفنى، ~~وما عند الله باق لمن أوفى بعهده. # ثم قال: {ولنجزين الذين صبروا}. # أي: وليثيبن الذين صبروا على الطاعة في السراء والضراء بأحسن ما كانوا ~~يعملون من الأعمال دون أسوئها. PageV06P4082 # قال: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}. # [أي]: من عمل بطاعة الله [ عز ms1340 وجل] وهو مصدق بثواب الله [ عز وجل] وعقابه ~~[جلت عظمته] فلنحيينه حياة طيبة: قال ابن عباس: الحياة الطيبة، الرزق ~~الحلال في الدنيا، وكذلك قال الضحاك. وقال علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]: ~~هي القناعة في الدنيا. وعن الضحاك أنها أن يحيي مؤمنا عاملا بطاعة الله. ~~وعن ابن عباس أيضا: أنها السعادة. وقال الحسن: هي الجنة ولا تطيب لأحد حياة ~~دون الجنة، وهو قول قتادة ومجاهد. # وقوله بعد ذلك: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} يدل على [أن] PageV06P4083 # الحياة الطيبة في الدنيا هي، لأنه أخبر بما يفعل بهم في الدنيا ثم أعقبه ~~بما يفعل بهم [في] الآخرة. ومعناه: لنجزينهم أجرهم في الآخرة بأحسن عملهم ~~في الدنيا لا بأسوئه. # وروي: أن هذه الآية: نزلت بسبب قوم من أهل ملل شتى تفاخروا، فقال أهل كل ~~ملة نحن أفضل، فبين الله [ عز وجل] فضل هذه الملل بهذه الآية، وروى ذلك أبو ~~صالح. # معناه: إذا أردت يا محمد قراءة القرآن فاستعذ بالله. ومثله: إذا أكلت فقل ~~بسم الله. أي إذا أردت الأكل. فحذف هذا لعلم السامع بمعناه. ومثله: # {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] الآية. أي: إذا أردتم ~~القيام إليها. لأن الوضوء إنما يكون قبل الصلاة لا بعدها. # قال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا}. PageV06P4084 # أي: ليس له حجة على المؤمنين المتوكلين على الله [ عز وجل] في مهم أمورهم ~~المتعوذين به من الشيطان. # {إنما سلطانه على الذين يتولونه}. # أي إنما حجته على الذين يعبدونه ويطيعونه {والذين هم به مشركون}، أي: ~~[هم] بالله مشركون قاله مجاهد. وقيل: الهاء للشيطان أي: {والذين هم به ~~مشركون} أي: [أ] شركوه في أعمالهم. وقيل معناه: والذين هم من أجله مشركون. ~~قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحمل المؤمن على ذنب لا يغفر. وقيل: ~~الاستعاذة بالله تمنع الشيطان من أذى المؤمن. وقيل: إن قوله: {ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا} هو قوله: PageV06P4085 # {إلا عبادك منهم المخلصين} [الحجر: 40] فهؤلاء لم: يجعل للشيطان عليهم ~~سبيلا. # قوله: {وإذا بدلنآ ms1341 آية مكان آية}. # المعنى عند مجاهد: وإذا رفعنا آية وأنزلنا أخرى. وعنه [أيضا]: وإذا رفعنا ~~آية فنسخناها وأثبتنا غيرها. وقال قتادة وهو قوله: {ما ننسخ من آية أو ~~ننسها} [البقرة: 106]. وقيل معناه: وإذا بدلنا حكم آية بحكم آية أخرى ~~{والله أعلم بما ينزل} مما هو أصلح لخلقه. قال المشركون لك يا محمد {إنمآ ~~أنت مفتر} أي: متخرص الكذب على الله {بل أكثرهم لا يعلمون} حقيقة ذلك ~~لجهالتهم. # قال: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق}. # أي: قل لهم يا محمد: نزل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه جبريل [ صلى الله عليه ~~وسلم] من عند الله {بالحق ليثبت الذين آمنوا} أي: ليقوي إيمانهم ويتضاعف ~~تصديقهم إذا آمنوا بناسخه ومنسوخه. PageV06P4086 # {وهدى} من الضلالة {وبشرى للمسلمين} وبشرى للذين استسلموا لأمر الله [ عز ~~وجل] ونهيه وما أنزله في كتابه. # قال [تعالى]: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر}. # أي: ولقد نعلم يا محمد أن هؤلاء المشركين يقولون جهلا منهم إنما يعلم ~~محمدا هذا الذي يتلو علينا بشر من بني آدم وما هو من عند الله. فقال الله ~~مكذبا لهم: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي}. أي لسان الذي يميلون إليه أنه ~~يعلم محمدا [ صلى الله عليه وسلم] أعجمي {وهذا لسان عربي مبين} لأنهم زعموا ~~أن الذي يعلم محمدا عبد رومي. # قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم فتى بمكة، وكان ~~اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان فلما رأى المشركون النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يدخل عليه ويخرج، قالوا [له] إنما يعلمه PageV06P4087 # بلعام، فأنزل الله [ عز وجل] الآية. # وقيل: كان اسمه يعيش، [قال عكرمة: كان النبي عليه السلام يقرئ غلاما لبني ~~المغيرة اسمه يعيش] أعجميا، فقال / المشركون إنه يعلم محمدا. وقيل: هو ~~[عبد] لبني الحضرمي يقال له يعيش. وقيل: كان اسمه جبرا. كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كثيرا ما يجلس عنده عند المروة. فقال المشركون هو يعلم ~~محمدا [ صلى الله عليه وسلم] ما يتلو علينا، وكان جبر أعجمي اللسان، فاحتج ~~الله عليهم أنه ms1342 أعجمي وأن القرآن عربي والعجمي، لا يعلم العربي. # وقيل: كانا غلامين اسم أحدهما جبر، والآخر يسار يقرآن التوراة PageV06P4088 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما. فقال كفار قريش إنما يجلس ~~إليهما يتعلم منهما. وقال الضحاك: هو سلمان الفارسي. # وروي أن الذي قال هذا رجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عن ~~الإسلام وكان يملي عليه النبي صلى الله عليه وسلم: { سميع عليم} أو {عزيز ~~حكيم} أو غير ذلك من خواتم الآي، ويشتغل النبي صلى الله عليه وسلم فيبدل هو ~~في موضع سميع عليم وعزيز حكيم ويقوله للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول له ~~النبي عليه السلام، أي ذلك كتبت فهو كذلك ففتنه ذلك. وقال [إن] محمدا يكل ~~ذلك إلي وأكتب ما شئت فارتد. وقال للمشركين أنا أفظن الناس بمحمد والله ما ~~يعلمه إلا عبد بني فلان. فنزلت الآية في كذبه لهم. # أي: إن الذين يجحدون بآيات الله لا يوفقهم الله لإصابة الحق ولهم في ~~الآخرة عذاب مؤلم. PageV06P4089 # {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} أي: الذين يجحدون آياته، ~~ويفتري بمعنى يتخرص. # وقال بعض أهل المعاني إنما أعاد الكاذبين، و [قد] تقدم الإخبار عنهم ~~بالكذب لأن الثاني صفة، والصفة ألزم من الخبر، لأن من نعت بصفة فهي لازمة ~~له، ومن أخبر عنه بخبر فقد يحول عنه. فأعاد ذكر الكذب لأنه ألزم في أكثر ~~الأحوال من الخبر. وهذا الذي قال إنما يلزم إذا كانت الصفة صفة ذات فهي لا ~~تتغير كالأحمر والأسود. ويتغير الخبر بالأفعال. وإذا كانت الصفة صفة فعل ~~فهي تتغير أيضا كتغيير الخبر بالفعل. والصفة في هذه صفة فعل لا صفة ذات، ~~فلا يلزم قوله، ولا يستقيم، ولكن أعيد ذكر الكذب عنهم للتأكيد. PageV06P4090 # قوله: {من كفر بالله من بعد إيمانه}. # هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر [ووالده ياسر] وأمه سمية وخباب بن الأرت، ~~وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة والمقداد بن PageV06P4091 # الأسود وقوم أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم فثبت على الإسلام ms1343 بعضهم ~~وافتتن بعضهم. فمن ابتداء {ولكن من شرح} ابتداء [أيضا]، وخبرهما {فعليهم}. # وقيل: {من كفر} في موضع [رفع] على / البدل من " الكاذبين ". وفيه بعد. # وقال ابن عباس وقتادة: نزلت في عمار بن ياسر، قال قتادة: أخذه بنو PageV06P4092 # المغيرة فغطوه في بئر ميمون، وقالوا: أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فتابعهم على ذلك وقلبه كاره موقن بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن ~~محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، فأنزل الله [ عز وجل] { إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان}. # وقوله: {ولكن من شرح بالكفر صدرا}. # أي: من كفر على اختيار منه واستحباب {فعليهم غضب من الله}، قال عكرمة ~~نزلت الآية في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم ~~المشركون فقتلوا وفيهم نزلت {إلا المستضعفين من الرجال والنسآء} [النساء: ~~98] الآيتين. # [وقيل إنهم كانوا بمكة لا يقدرون على الخروج فلما نزلت: {إلا المستضعفين ~~من الرجال والنسآء} [النساء: 98] الآيتين]، كتب بها المسلمون الذين ~~بالمدينة إلى إخوانهم الذين يخبرونهم بما نزل فيهم فلما وصل إليهم الكتاب، ~~خرج ناس كانوا أقروا PageV06P4093 # بالإسلام فطلبهم المشركون فأدركوهم فرجعوا وأعطوهم الفتنة، قولا دون ~~اعتقاد. فأنزل الله [ عز وجل] فيهم: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ ~~أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} [العنكبوت: 10]، وأنزل فيهم {إلا ~~من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، وأنزل فيهم: {إن ربك للذين هاجروا من بعد ~~ما فتنوا} [النحل: 110] الآية فسمع ذلك رجل من بني بكر كان مريضا، فقال ~~لأهله: أخرجوني إلى الروح، يعني المدينة. فأخرجوه فمات قبل الليل، فأنزل ~~الله [ عز وجل] : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه ~~الموت} [النساء: 100] الآية. # قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، ~~وأبو بكر الصديق وبلال وخباب وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. فأما رسول الله ~~عليه السلام فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون ~~فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله ms1344 أن ~~يبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشاء أتاهم أبو جهل ومعه حربة، ~~فجعل يسبهم ويوبخهم، ثم أتى PageV06P4094 # سمية فطعن بالحربة في فرجها، فقتلها. فهي أول شهيد استشهد في الإسلام. ~~قال: وقال الآخرون ما سألوهم، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه، فجعلوا ~~يعذبونه وهو يقول: أحد أحد، حتى ملوه، ثم كتفوه، وجعلوا في عنقه حبلا من ~~ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة، حتى ملوه فتركوه. # فقال عمار: كلنا قد تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن الله تداركنا - غير ~~بلال - فإنه هانت عليه نفسه في الله [ عز وجل] فهان على قومه حتى تركوه، ~~وملوه، فنزلت هذه الآية في هؤلاء. # قال ابن عباس: والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويخنقونه ويعطشونه ويجوعونه ~~/ حتى [ما] يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به حتى أنه ليعطيهم ما ~~سألوا من الفتنة التي رمي بها، وحتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون ~~الله؟ فيقول: نعم. وحتى أن الجعل ليمر بهم فيقولون: هذا الجعل إلهك ن دون ~~الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم لما يبلغون من جهده فنزلت فيهم: {من كفر ~~بالله من بعد إيمانه} الآية. PageV06P4095 # و [قيل] معنى {من شرح بالكفر صدرا}، أي: قبله وانفسح له صدره. # قال: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} أي: وجب العذاب لهم ~~لاختيارهم زينة الحياة الدنيا على الآخرة {وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين} أي: لا يوفقهم بجحودهم آيات الله وتوحيده، وعبادتهم غيره. # قوله: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم}. # معناه: أولئك الذين تقدمت صفتهم، هم طبع الله على قلوبهم، أي ختم عليها ~~بطابعه فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصم أسماعهم، فلا يسمعون داعي الله [ عز ~~وجل] سماع قبول، وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون بصر مهتد معتبر. {وأولئك هم ~~الغافلون} أي: هم الساهون عما أعد الله [ عز وجل] لأمثالهم من أهل الكفر ~~وعما يراد بهم. # ثم قال: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون) [109]. # قال الطبري: لا جرم معناه لا بد أنهم في ms1345 الآخرة هم الهالكون الذين غبنوا ~~أنفسهم حظوظها. # قال تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا}. # أي: هاجروا إلى المدينة وتركوا ديارهم وأموالهم، أي من بعدما عذبوا على ~~الإسلام بمكة ثم جاهدوا المشركين في الله [ عز وجل] مع نبيه [ صلى الله ~~عليه وسلم] وصبروا في الجهاد، وعلى طاعة الله [ عز وجل] إن ربك من بعد ذلك: ~~أي: من بعد الفعلة التي PageV06P4096 # فعلوها {لغفور} أي لساتر على ذنوبهم {رحيم} بهم. وقد تقدم الكلام فيمن ~~نزلت هذه الآيات. # ومن قرأ {فتنوا} بالفتح، وهي قراءة ابن عامر، فمعناه: عذبوا غيرهم على ~~الإيمان ثم آمنوا هم من بعدما فعلوا ذلك بالمؤمنين، إن ربك من بعد الفعلة ~~التي PageV06P4097 # فعلوها ساتر لذنوبهم، رحيم بهم. # قال ابن عباس وقتادة: نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشرطون ~~ففتنوهم فكفروا مكرهين. # وقال الحسن وعكرمة: نزلت في شأن ابن أبي سرح: فتنه المشركون فكفر، فنزلت: ~~{من كفر بالله من بعد إيمانه} [النحل: 106]. [الآية، ثم استثنى إلا من ~~أكره] ثم نسخ واستثنى بقوله: {ثم إن ربك للذين هاجروا} الآية، وهو عبد الله ~~بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فلحق بالمشركين، وأمر به ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم] يوم فتح مكة، بأن يقتل فاستجار له عمر فأجاره ~~رسول الله / صلى الله عليه وسلم. PageV06P4098 # قال: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}. # يوم منصوب برحيم. وقيل انتصب على إضمار: [و] اذكر {يوم تأتي كل نفس تجادل ~~عن نفسها}. # ومعنى الآية: أن الله أعلمنا أن كل إنسان [منهم] يوم القيامة منشغل ~~بنفسه، يطلب خلاصها. وروي أن كعبا قال لعمر [رضي الله عنه]: تزفر جهنم يوم ~~القيامة زفرة، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا جثا على ركبتيه، يقول: ~~يا رب نفسي، حتى أن إبراهيم، خليل الرحمن، ليجثو على ركبتيه. ويقول: لا ~~أسألك إلا نفسي، ثم قال كعب: إن هذا لفي كتاب الله، ثم تلى: {يوم تأتي كل ~~نفس تجادل عن نفسها} الآية. # قوله: {وضرب الله مثلا ms1346 قرية كانت آمنة مطمئن}. PageV06P4099 # أي: ضرب الله مثلا، مثل قرية، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ~~وقوله: {آمنة مطمئنة} خبر بعد خبر. و {رغدا} مصدر في موضع الحال. # والمعنى: [و] مثل الله مثلا لمكة التي سكنها أهل الشرك. والقرية مكة، في ~~قول: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وعن حفصة أم المؤمنين [رضي الله ~~عنها]: هي المدينة، والأول أشهر. # قال ابن شهاب: الغاسق إذا وقب: الشمس إذا غربت. والقرية التي أرسل PageV06P4100 # إليهم اثنتان انطاكية، والقرية التي بحاضرة البحر، طبرية. والقرية التي ~~كانت آمنة مطمئنة هي يثرب. # وقوله: {كانت آمنة} أي: لا يخاف فيها أحد، لأن العرب كانت يسبي بعضها ~~بعضا، وأهل مكة لا يغار عليهم ولا يحاربوا في بلدهم. # ومعنى {مطمئنة}: قارة بأهلها لا ينتجع أهلها من البلدان كما ينتجع أهل ~~البوادي. # {يأتيها رزقها رغدا} أي: يأتي أهلها معائشهم واسعة كثيرة {من كل مكان} من ~~البلدان. # ومعنى: {فكفرت بأنعم الله} أي: كفر أهلها بأنعم الله. وواحد الأنعم على PageV06P4101 # مذهب سيبويه نعمة. وقال قطرب: واحدها نعم [مثل] ود وأود، وقال بعض ~~الكوفيين: وأحدها نعماء [كبأ] ساء وأبؤس وضراء و [أ] ضر. # {فأذاقها الله}. # أي: أذاق أهلها {لباس الجوع} أي: أذاقهم جوعا خالط أجسامهم فجعل ذلك ~~لمخالطته [جسادهم بمنزلة اللباس لها، وذلك أنه سلط عليهم الجوع سبع سنين ~~متواليات حتى أكلوا العلهز. والعلهز أن تؤخذ الحلمة فتفقأ على الوبر PageV06P4102 # حتى يبتل بدمها، ثم يغلى ويؤكل. ويروى: أنهم أكلوا لحوم الكلاب. وأصل ~~الذوق بالفم ولكنه استعمل هنا للآبتداء والاختبار. # وقوله: {والخوف}. [هو] ما كان يلحقهم من سرايا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجيوشه كانت تطيف بهم. # وقوله: {بما كانوا يصنعون}. # أي: بكفرهم وجحدهم للنعم. # وإنما قال: {والخوف بما كانوا يصنعون} ولم يقل: بما كانت تصنع لأنه رده ~~على المعنى. لأن معنى ذكر / القرية في الآية: يراد به أهلها. فرجع " يصنعون ~~" على المعنى: [و] مثله قوله {وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو ~~هم قآئلون} [الأعراف: 4]. فرجع، آخر الكلام إلى PageV06P4103 # الأهل، ms1347 وقد جرى أوله على الأخبار عن القرية والمراد بها أهلها. وهذا هو ~~قوله في السجدة: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} [السجدة: ~~21] فالعذاب الأدنى [هو الجوع] والأكبر ما حل بهم يوم بدر من القتل والأسر. ~~وهو أيضا قوله: {فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين} [الدخان: 10] وهو ~~الجوع، كان الرجل يرى بينه وبين السماء دخانا من شدة الجوع. # قوله: {ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه}. # أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، {رسول منهم} أي: من أنفسهم ~~يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق {فكذبوه فأخذهم العذاب} ~~وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف {وهم ظالمون} أي: مشركون. # قال [تعالى]: {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا}. # أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله خلالا، أي: مذكاة على اسم الله ولا ~~تحرموها كما حرمت العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك PageV06P4104 # {واشكروا نعمت الله} أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من ~~أكله على غيره من النعم {إن كنتم إياه تعبدون} أي: تطيعون. # وقيل: إنما عني بقوله: {فكلوا مما رزقكم الله} الآية: المشركين وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاما ~~يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله. # والقول الأول: [أولى] لأن بعده: {إنما حرم عليكم الميتة} وهذا إنما هو ~~مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف. # ثم قال تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير}. # أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو PageV06P4105 # المسفوح، ولحم الخنزير {ومآ أهل لغير الله به} أي: ما ذبح للأنصاب وسمي ~~عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة. حل له. # وقوله: {غير باغ ولا عاد}. # أي: باغ في أكله، {ولا عاد} أي: لا يتعدى حلالا إلى حرام، وهو يجد عنه ~~مندوحة. {فإن الله غفور رحيم} أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن ~~يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير ms1348 {غير باغ ولا عاد} في البقرة بأبين من هذا. # قال [تعالى]: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام}. # قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: " الكذب " بالخفض على أنه PageV06P4106 # نعت لما، أو بدل منه. ومن نصب جعله مفعولا بتصف. وقرأ بعض أهل الشام: " ~~الكذب " بضم الكاف والذل والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر. # ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من ~~المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ~~ذلك كثيرا مما تحرمون ولا أحل كثيرا مما تحلون. وذلك أن اليهود والمشركين ~~أحلوا الميتة فقال المشركون: {ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم ~~على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء} [الأنعام: 139] يأكله الرجال ~~والنساء. # ثم قال: {إن الذين يفترون على الله الكذب}. PageV06P4107 # أي: يتخرصونه ويختلقونه {لا يفلحون} أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون ~~فيها. {متاع قليل} أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل. # قال: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل}. # أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام. وهي: ~~كل ذي ظفر والشحوم. قاله: عكرمة والحسن وقتادة. # وقوله: {وما ظلمناهم}. # [أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}. # ثم قال تعالى: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة}، أي: للذين عصوا ~~الله PageV06P4108 # [سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [ عز وجل] والندم على ما عملوا ~~والاستغفار منه {وأصلحوا} أي: عملوا ما يجب عليهم. {إن ربك من بعدها} أي: ~~من بعد ذنوبهم لهم " غفور رحيم ". # قال: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله}. # أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى. قال مجاهد كان أمة على حدة. ~~وروي عنه أنه قال: كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار. قال ابن مسعود: " ~~الأمة " معلم الخير. ورواه مالك عن ابن مسعود أن [ه] قال: " الأمة " PageV06P4109 # الذي يعلم الناس الخير، " والقانت " المطيع لله عز وجل ولرسوله صلى الله ms1349 ~~عليه وسلم، " والحنيف " المخلص. قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن ~~جبل فقال: يرحم [الله] معاذا لقد كان أمة قانتا لله [ عز وجل] حنيفا. # وأصل القنوت الطاعة. فكان إبراهيم عليه السلام قائما لله [ عز وجل] ، ~~ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز وجل ألا ~~يبعث نبيا من بعده إلا من ذريته. وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر في جميع ~~الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ~~ما تصنع. وكان صلى الله عليه وسلم أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، ~~وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط PageV06P4110 # وحلق العنة وشبهه. # و" الحنيف ": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: " الحنيف " المسلم. ~~ويدل عليه قوله: {وما كان من المشركين} [النحل: 123] وقيل حنيفا على دين ~~الإسلام. # {ولم يك من المشركين * شاكرا لأنعمه} أي: مخلصا بشكر الله [ عز وجل] فيما ~~أنعم عليه " واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته {وهداه إلى صراط مستقيم} أي: ~~ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام. # قال تعالى: {وآتيناه في الدنيا حسنة}. # أي: ذكر [ا] جميلا حسنا باقيا على الأيام {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ~~أي: أنه PageV06P4111 # في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [ عز وجل] وحسنت منزلته. # وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة / لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار ~~عمل إنما هي دار جزاء. فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في ~~الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في ~~الدنيا. # وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة ~~وإنه لمن الصالحين. [و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها ~~التقديم وما بعد: " إن " منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا ~~يدخل أحدهما في الآخر. # وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين. وهذا: قول ~~صالح حسن. # قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق. وقال ms1350 قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا ~~يتولاه ويرضاه. PageV06P4112 # قوله: {ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم}. # أي: أوحينا إليك يا محمد بأن تتبع دين إبراهيم مائلا عن كل الأديان إلا ~~عنه. # قال [تعالى]: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه}. # [أي: إنما فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه]. # فقال بعضهم: هو أفضل الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم ~~سبت يوم السبت، وقال آخرون: أفضل الأيام [يوم] الأحد، لأنه [ال] يوم الذي ~~ابتدأ فيه خلق الأشياء. واختلفوا في تعظيم غير ما فرض عليهم تعظيمه ثم ~~استحلوه. # قال مجاهد: جعل السبت على الذين اختلفوا فيه فاتبعوه وتركوا يوم الجمعة. ~~وقال قتادة: " اختلفوا فيه ": استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وهو قول: PageV06P4113 # ابن جبير. # وقال ابن زيد: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطؤوه وأخذوا يوم السبت [فجعل ~~عليهم، وقيل: إنهم ألزموا يوم الجمعة عيدا فخالفوا، وقالوا: نريد يوم ~~السبت] لأنه يوم فرغ الله فيه من خلق السماوات. # وروي: أن عيسى [بن مريم] عليه السلام أمر النصارى أن يتخذوا يوم الجمعة ~~عيدا فقالوا لا يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود فجعلوه الأحد. ويروى أن موسى ~~عليه السلام قال لبني إسرائيل: تفرغوا لله في سبعة أيام في يوم تعبدونه ولا ~~تعملون فيه شيئا من أمور الدنيا، فاختاروا السبت فأمرهم موسى [ صلى الله ~~عليه وسلم] بالجمعة فأبوا إلا السبت، فجعله الله [ عز وجل] عليهم. # ثم قال: {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}. # أي: من هذه الأيام وفي استحلالهم للسبت. PageV06P4114 # قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}. # أي: ادع يا محمد من أرسلت إليه إلى طاعة الله [ عز وجل] والإقرار له ~~بوحدانيته. # و" الحكمة " هنا: كتاب الله [سبحانه]. و " الموعظة الحسنة ": العبر التي ~~هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات في كتابه. # {وجادلهم بالتي هي أحسن} أي: جادلهم بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها، ~~وهي الصفح عنهم. # وقال الزجاج: " الحكمة " هنا: النبوة / و " الموعظة ": القرآن: {وجادلهم ~~بالتي ms1351 هي أحسن} غير فظ ولا غليظ القلب، أي: ألن لهم جناحك، وهي منسوخة عند ~~جماعة من العلماء نسخها المر بالقتال. # وقيل: هي محكمة غير منسوخة، ومعناه: الانتهاء إلى ما أمر الله [ عز وجل] ~~به، وهذا لا ينسخ. PageV06P4115 # ثم قال: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله}. # أي: بما حاد عن طريق الهدى من المختلفين في السبت وغيره. # {وهو أعلم بالمهتدين} أي: يسلك الطريق المستقيم. # قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر السورة. # المعنى: وإن ظفرتم أيها المؤمنون بالمشركين فافعلوا بكم # {ولئن صبرتم} عن عقوبتهم وأحسنتم [واحتسبتم] عند الله [ عز وجل] ما نالكم ~~منهم للصبر خير للصابرين. # وهذه الآيات الثلاث: نزلن بالمدينة دون سائر السورة. نزلت حين PageV06P4116 # أقسم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليمثلن بالمشركين إن ظفروا بهم ~~كما فعل المشركون بحمزة وغير [ه] يوم أحد من التمثيل [بهم. وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم " لما بلغه ما فعلوا بحمزة من التمثيل]. # قال: " لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلا منهم " فلما سمع ذلك ~~المسلمون قالوا: والله لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها ~~أحد من العرب فأمرهم الله [ عز وجل] أن يفعلوا بهم مثل ما فعلوا، ولا ~~يتجاوزوا إلى أكثر، ثم أعلمهم أن الصبر وترك الانتقام بالمثلة خير وأحسن. # وقيل: إنها منسوخة بقوله: {واصبر وما صبرك إلا بالله} # وقيل: هي منسوخة بالقتال والأمر به، وإنما كان هذا أمر الله [ عز وجل] ~~نبيه [ صلى الله عليه وسلم] ألا يقاتل إلا من قاتله لقوله: {وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} [البقرة: 190]. PageV06P4117 # أي: تقاتلوا من لم يقاتلكم. فقال المسلمون إن قاتلونا وأظهرنا الله عز ~~وجل عليهم لنمثلن بهم فنسخ ذلك في براءة بقوله {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] وهذا القول: مروي عن ابن عباس. # ومن قال: إن هذه الآية، قال: عني بقوله {واصبر وما صبرك إلا بالله} نبي ~~الله [ عز وجل] وحده ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال في براءة وهو قول ابن زيد. # وعن ms1352 ابن سيرين والنخعي وسفيان: إن الآية عامة معناها من ظلم بظلامة فلا ~~يحل [له] أن يأخذ من ظالمه أكثر مما ناله منه ولا يتجاوز إلى أكثر من حقه. # وروى أبو هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد ~~المطلب حيث استشهد فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع منه لقلبه ~~ونظر إليه، قد مثل به، فقال: PageV06P4118 # رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتك، فعولا للخيرات، وصولا للرحم، ولولا ~~حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى. أما والله، مع ذلك، ~~لأمثلن بسبعين منهم. فنزل جبريل [والنبي صلى الله / عليهما] واقف بخواتم ~~النحل ". # {وإن عاقبتم فعاقبوا} الآية. فصبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكفر عن ~~يمينه، ولم يمثل بأحد. # ثم قال تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله}. # أي: اصبر يا محمد على أذى من أذاك، وما صبرك إذا صبرت إلا بمعونة الله ~~[لك] وتوفيقه إياك لذلك. # {ولا تحزن عليهم} أي: على هؤلاء المشركين الذين يكذبون ويمثلون ~~بالمسلمين. {ولا تك في ضيق مما يمكرون} أي: لا يضيق صدرك من قولهم فيما ~~جئتهم به أنه سحر، وأنه شعر، والمكر الخديعة. {إن الله مع الذين اتقوا} ~~[أي: الذين اتقوا] محارمة {والذين هم محسنون} أي: الذين احسنوا فيما فرض ~~الله عليهم. PageV06P4119 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة سبحان مكية # قال ابن مسعود: بنو إسرائيل, والكهف , ومريم, وطه, والأنبياء, من العتاق ~~الأول وهن من تلادي يريد أنهن [نزلن] في أول ما نزل [من القرآن] وهو صغير. # قوله: {سبحان الذى أسرى بعبده ليلا} إلى قوله: {السميع البصير}. PageV06P4121 # " سبحان: عند الخليل وسيبويه منصوب على المصدر، إلا أنه لا ينصرف لأنه ~~معرفة في آخر [ه] زائدتان. وحكى سيبويه: أن من العرب من ينكره فيصرفه. # وقال أبو عبيدة: هو منصوب على النداء. # وقال بعضهم. هو موضوع موضع المصدر فنصب لوقوعه موقعه، فهو موضع تسبيح. # والتسبيح: يكون [بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى في يونس: # {فلولا أنه كان من المسبحين} [الصافات: 143] أي: من ms1353 المصلين. PageV06P4122 # وفي لغة لبعض أهل [اليمن]، يستعملونه في معنى الاستثناء، ومنه قوله: # {ألم أقل لكم لولا تسبحون} [القلم: 28] أي: تستثنون إذا أقسمتم {ليصرمنها ~~مصبحين} [القلم: 17] ولم يستثنوا. فإنما ذكر [هم] بتركهم الاستثناء. # ويستعمل في معنى النور. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا ذلك ~~لأحرقت سبحات وجهه. . . "، أي نور وجهه. # ومعنى " سبحان الله ": براءة الله من السوء. كذلك فسره النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين سئل عن معنى التسبيح. # وروي عنه أنه " سئل عن معنى سبحان [الله]، فقال: تنزيه لله من كل PageV06P4123 # سوء " وسئل عنها علي [رضي الله عنه] فقال: هي كلمة رضيها الله لنفسه. ~~وعنه أيضا أنه قال: هي كلمة أحبها الله ورضيها لنفسه فأحب أن تقال. # ومعنى المسجد الحرام [أي]: المسجد الممنوع من الصيد فيه، لأن الحرم ممنع. ~~والحرم كله مسجد. # عن أم هانئ أنها قالت: ما أسري برسول الله [ صلى الله عليه وسلم] إلا وهو ~~[في بيتي]. PageV06P4124 # وقيل: إنما أسري به من المسجد. عن قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن ~~صعصعة [وهو رجل من قومه، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " بينا ~~[أنا] عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلا يقول أحد الثلاثة: ~~فأوتيت بطست من ذهب فيه ماء زمزم، قال: فشرح صدري فاستخرج قلبي فغسل بماء ~~زمزم [ثم] أعيد مكانه ثم خشي إيمانا وحكمة، ثم أتيت بداية بيضاء يقال لها ~~البراق، فوق الحمار ودون البغل، يضع خطوه أقصى طرفه، فحملت عليه. ثم ~~انطلقنا حتى / [أ] تيت السماء الدنيا " ثم ذكر الحديث بطوله # قال ابن شهاب، أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، " أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أسري به على البراق وهي دابة إبراهيم خليل الرحمن التي ~~كان يزور عليها البيت الحرام يقع حافرها موقع طرفها. قال: فمرت بعير من ~~عيرات قريش بواد من تلك الأودية فنفرت العير، حتى أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إيلياء فأتي بقدحين: # قدح خمر، وقدح لبن، فأخذ رسول الله [ صلى الله ms1354 عليه وسلم] قدح اللبن، ~~فقال له جبريل [ صلى الله عليه وسلم] : هديت إلى الفطرة لو أخذت قدح الخمر ~~[ل] غوت أمتك. [و] قال ابن PageV06P4125 # شهاب: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] لقي هنالك ~~إبراهيم وموسى وعيسى، فنعتهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] . فقال: أما ~~موسى فضرب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوة. وأما عيسى [فهو] فهو رجل أحمر ~~كأنه خرج من ديماس وأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي. وأما إبراهيم ~~فإنه أشبه ولده به. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا أنه أسري ~~به، قال عبد الله: فارتد ناس كثير بعدما أسلموا، فأتى أبو بكر الصديق [رضي ~~الله عنه] فقيل له: صاحبكم يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة ~~واحدة. قال أبو بكر: [أ] وقال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فاشهد [وا] إن كان كان ~~قال ذلك لقد صدق. قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ فقال إني ~~أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء. قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد ~~الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما كذبتني PageV06P4126 # قريش قمت فمثل لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه ". # وقال أبو العالية: " جاء جبريل [إلى النبي] صلى الله عليه وسلم ومعه ~~ميكائيل فقال جبريل لميكائيل إيتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح ~~له صدره. فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسس من ~~ماء زمزم فشرح صدره، ونزع ما كان فيه من غل، وملاه حلما وإيمانا وعلما ~~ويقينا وإسلاما، وختم بين كتفيه بخاتم النبوءة، ثم أتاه بدابة فحمل عليه، ~~كل خطوة [منها] منتهى بصره، فسار وسار معه جبريل. فأتى على قوم يزرعون في ~~يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد [كما كان] فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبع ~~مائة ضعف، وما أنفقوا ms1355 من شيء فهو يخلفه PageV06P4127 # وهو خير الرازقين. ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما أرضخت عادت ~~كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال من هؤلاء يا جبريل؟ [فقال] هؤلاء ~~الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة. ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع ~~وعلى إدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع / ~~والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين ~~لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئا وما الله بظلام للعبيد. ثم أتى ~~على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون ~~من النيء الحبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ [قال]: هذا ~~الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت ~~عندها حتى تصبح، والمرأة تكون عند الرجل [الطيب] فتأتي رجلا خبيثا فتبيت ~~معه حتى تصبح، قال: ثم أتى على خشبة من الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا ~~شيء إلا حرقته فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون ~~على الطريق فيقطعونه، ثم تلا {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}. ثم أتى على رجل ~~قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، قال من هذا يا جبريل؟ ~~قال: هذا الرجل من أمتك PageV06P4128 # تكون عليه آمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يزيد عليها. ثم ~~أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقارض من حديد كلما قرضت عادت لا يفتر ~~عنهم من ذلك شيء، قال: من هؤلاء [يا جبريل؟ قال: هؤلاء] خطباء الفتنة. ثم ~~أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج ~~فلا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ~~ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة، ~~وريح المسك وسمع صوتا. فقال: يا جبريل ما هذه الريح الطيبة الباردة وريح ~~المسك؟ وما ms1356 هذا الصوت؟ فقال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ايتني ما وعدتني ~~فقد كثر زخرفي، واستبرقي، وحريري، وسندسي، وعبقريي، ولؤلؤي [ومرجاني]، ~~وفضتي، وذهبي، وأكوابي، وصحافي، وأباريقي، وفواكهي، وعسلي، ولبني، وخمري ~~فأين ما وعدتني؟ فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي ~~وعمل صالحا ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشيني فهو آمن، ومن ~~سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل علي كفيته، إني أنا الله لا إله ~~إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين. ~~قالت: قد رضيت. ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا PageV06P4129 # منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟ وما هذا الصوت. فقال: هذا صوت جهنم، تقول: ~~يا رب، ايتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي ~~وغساقي وعذابي. [وقد] بعد قعري، واشتد حري، فأتني ما وعدتني، فقال لها: لك ~~كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار / لا يؤمن بيوم ~~الحساب، قالت: قد رضيت. ثم أتى بحديث غلإسراء بطوله، وفيه اختلاف بين ~~الرواة. فمذهب من قدمنا ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم [ أسرى] بجسمه ~~وعليه أكثر الناس ". # وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: كانت رؤيا من الله صادقة: وروي ذلك ~~عن عائشة أيضا [رضي الله عنها]. واستدل الحسن على صحة ذلك بقوله # {وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] فالوحي ~~يأتي للأنبياء في [النوم] وفي اليقظة PageV06P4130 # ودليل ذلك قول إبراهيم [ صلى الله عليه وسلم] : { إني أرى في المنام أني ~~[أذبحك]} [الصافات: 102] ثم مضى لذلك ليفعل ما أمر به في النوم. # والاختيار عند أهل النظر: أن يكون أسرى الله [ عز وجل] بجسمه وليست برؤيا ~~في المنام. والدليل على صحة ذلك: أنها لو كانت رؤيا رآها في منامه لم يكن ~~في ذلك دليل ولا حجة على نبوته، لأن كل إنسان يرى أنه ببلد بعيد وهو في بلد ~~آخر. فقد يرى الإنسان أنه في الصين و [هو]. بقانة، وبينهما ms1357 سيرة نحو ~~السنتين وأكثر. وقد قال الله [تعالى]: {أسرى بعبده} ولم يقل: بروح عبده، ~~فلا يتعدى ما قاله الله [ عز وجل] إلى غيره إلا بدليل قاطع. # وقوله: {إلى المسجد الأقصا} يعني مسجد بيت المقدس. # وقوله: {باركنا حوله}. PageV06P4131 # أي: جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وكثرة ثمارهم وطيبها. وقيل ~~معناه: أن الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى كلهم كانوا ببيت المقدس فمعنى ~~البركة فيه أنه طهر من الشرك وبوعد منه وخص بالأنبياء. # وقوله: {لنريه من آياتنآ}. # أي: أسري بمحمد [ صلى الله عليه وسلم] لكي يرى من آيات الله [ عز وجل] ~~وعجائبه [سبحانه] وذلك ما رآه [في] طريقه مما ذكرنا بعضه. وروي: أن أهل مكة ~~قالوا للنبي عليه السلام: إن لنا في طريق الشام إبلا، فأخبرنا خبرها ومتى ~~تقدم. فأخبرهم أنها تقدم عليهم في يوم سماه لهم مع شروق الشمس، وأنه فقد ~~منها جمل أورق فخرجوا في ذلك اليوم فقال أحدهم: هذه الشمس قد أشرقت وقال: ~~هذه الإبل قد [أقبلت]. PageV06P4132 # وقوله: {إنه هو السميع البصير} معناه السميع لما يقول هؤلاء المشركون من ~~تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. البصير بما يعملون. لا يخفى عليه ~~شيء من ذلك. وكسرت: إن " في قوله: " إنه " لأن معنى الكلام: قل يا محمد ~~سبحان الذي أسرى بعبده، وقل [يا محمد] إنه هو. # ويروى: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعلم قريشا بالإسراء كذبوه، ~~وقالوا له: نسألك عن عير لنا، هل رأيتها في الطريق؟ فقال: نعم، فقالوا: ~~أين؟ قال: مررت على عير بني فلان بالرواح، قد أضلوا ناقة لهم، وهم في ~~طلبها. فمررت على [ر] حالهم وليس بها منهم أحد. فوجدت في إناء من آنيتهم ~~ماء فشربته / فسلوهم إذا رجعوا هل وجدوا الماء [في] الإناء أم لا؟ فقالوا: ~~هذه آية. قال: ومررت على عير بني فلان فنفرت مني الإبل فانكسر منها جمل ~~أحمر عليه أبناء فلان. فقالوا: هذه آية أخرى. [قال ومررت على عير بني فلان] ~~بالتنعيم حين انشق الفجر. قالوا: فإن كنت PageV06P4133 # صادقا، فإنها ms1358 تقدم الآن. قال أجل. قالوا: فحدثنا بعدتها، وأحمالها، ومن ~~فيها. قال: كنت مشغولا عنها. فمثل ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ~~فقال هي منحدرة من الثنية يقدمها جمل أورق عدتها كذا وكذا، وأحمالها كذا ~~وكذا، فيها فلان وفلان، يسمي الرهط الذين فيها، وخرج رهط من قريش يسعون إلى ~~الثنية فإذا هم بها حين انحدرت على ما [وصفها] لهم [النبي] صلى الله عليه ~~وسلم ". # وأخبار الإسراء كثيرة مختلفة الألفاظ، منها المطول، ومنها المختصر، ~~والمعاني متقاربة، فاقتصرنا على ما ذكرنا اختصارا. # قوله: {وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل} إلى قوله: {عبدا ~~شكورا}. # ذرية نصب على النداء، أو على البدل من وكيل، لأنه بمعنى الجميع، وعلى أنه ~~مفعول ثان ليتخذوا. أو على إضمار أعني. هذا كله على قراءة من PageV06P4134 # قرأ [يتخذ [وا] بالياء. فأما من قرأ بالتاء، فذرية نصب على النداء أو على ~~البدل من وكيل وفيه بعد في المعنى. # والمعنى: سبحان الذي أسرى بعبده وأتى موسى الكتاب وهو التوراة. لكنه خرج ~~من الغيبة إلى الأخبار وذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب. # وقوله: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل}. # [أي]: بيانا لهم ودليلا إلى الحق لئلا يتخذوا من دوني شريكا. وقيل: وكيل ~~رب. وقيل: كفيل. وقيل: وكيلا كافيا. وقيل معناه: لئلا يتخذوا من دوني ربا. # وعني بالذرية هنا جميع من احتج عليهم بهذا القول من جميع الأمم لأن من ~~على وجه الأرض من جميع بني آدم كلهم ذرية من أنجى الله [ عز وجل] في ~~السفينة مع نوح [ صلى الله عليه وسلم] . PageV06P4135 # وهو نوح وثلاثة بنون وامرأته وثلاث نسوة لبنيه. وبنوه هم سام وحام ويافث. ~~أما سام فأبو العرب وأما حام فأبو الحبش وأما يافث فأبو الروم. وقد تقدم ~~ذكر هذا بأوعب من هذا البيان. # ثم قال تعالى: {نه كان عبدا شكورا}. # يعني: نوحا [ صلى الله عليه وسلم] . قال سلمان الفارسي: إنما سمي نوحا ~~عبدا شكورا، لأنه كان إذا لبس ثوبا حمد الله، وإذا أكل طعاما حمد الله، وهو ~~قول مجاهد. # وقيل: إنه ms1359 كان يقول إذا أكل [طعاما] الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء ~~أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني. وإذا لبس ثوبا ~~قال: الحمد لله الذي أكساني، ولو شاء أعراني. وإذا لبس نعلا، قال: الحمد ~~لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج ~~عني PageV06P4136 # الأذى ولو شاء لحبسه. # وقيل: سمي " شكورا " / لأنه كان يقول: إذا خرج البراز منه: الحمد لله ~~الذي سوغنيك طيبا وأخرج مني أذاك وأبقى منفعتك. # وقيل: سمي بذلك لأنه كان إذا لبس ثوبا جديدا قال: الحمد لله، وإذا أخلقه ~~قال الحمد لله. وقال القرظي: كان [يقول] إذا أكل أو شرب أو ركب دابة أو لبس ~~ثوبا [ال] حمد لله. و [روي] عن سلمان أيضا مثله. # فالحمد لله والشكر له والإقرار له بالحمد على نعمه يعني: بالشكر. وروي عن ~~بعض الصحابة أو بعض التابعين أنه قال: لو جمع نعم الدنيا كلها في قشرة بيضة ~~ثم لحسه مؤمن، وقال الحمد لله لأدى شكر [ه] ذلك. PageV06P4137 # وروى مالك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة [أنه] قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مرض العبد، المؤمن بعث الله [ عز وجل] إليه ملكين فيقول: انظرا ما ~~يقول لعواده. فإن هو إذا دخلوا عليه حمدا لله رفعوا ذلك إلى الله [ عز وجل] ~~، وهو أعلم، فيقول الله عز وجل: لعبدي، إن أنا توفيته، أن ادخله الجنة، وإن ~~أنا شفيته، أن أبدله لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، وأن أكفر عنه ~~سيئاته ". # وروى مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV06P4138 # يرويه عن ربه [ عز وجل قال]: " إذا ابتليت عبدي [بلاء] فصبر أبدلته لحما ~~خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وإن أنا قبضته في علته تلك قبضته إلى رحمتي ~~وكرامتي ". # قوله: {وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب} إلى قوله: {أكثر نفيرا}. # معنى القضاء في اللغة: أحكام الشيء والفراغ منه. فمعنى ms1360 الآية: وفرغ ربك ~~إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه إلى موسى [ صلى الله عليه وسلم] إنكم ~~يا بني إسرائيل تعصون الله وتخ [ا] لفون أمره وتستكبرون عليه استكبارا ~~شديدا مرة بعد مرة. قال ابن عباس وابن زيد: {وقضينآ [إلى بني] إسرائيل} ~~أعلمناهم بذلك في PageV06P4139 # كتابهم. # وقيل: معناه: إن ذلك سبق في أم الكتاب عليهم أنهم يفسدون ويخالفون أمر ~~الله [سبحانه] ويستكبرون في الأرض مرتين. قاله قتادة. # وروي [ذلك] أيضا عن ابن عباس قال: [قضاء] قضاه الله [ عز وجل] على القوم ~~كما تسمعون. قال مجاهد: دخلت على ابن عباس فقلت: إن على الباب رجل يقول في ~~القدر. فقال: ادخلوه علي. فقلت ما تريد به؟ قال: اقرءوا عليه قول الله: ~~{وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبيرا} قال فقضى عليهم ليفسدن في الأرض مرتين وليعلن علوا كبيرا قبل أن ~~يخلقهم، فقضى عليهم ما علم أنهم عاملون، وكتبه عليهم ففعلوه. # قال ابن عباس وابن مسعود: كان إفساد بني إسرائيل [في الأرض] في أول PageV06P4140 # مرة قتل زكرياء [ صلى الله عليه وسلم] فبعث الله [ عز وجل] عليهم ملك ~~[ال] نبط. فبعث إليهم الجمود من أهل فارس، فهم أولوا بأس شديد. / فتحصنت ~~بنو إسرائيل وخرج فيهم بختنصر يتيما مسكينا، خرج يستطع [م] وتلطف حتى دخل ~~المدينة. فأتى مجالسهم فسمعهم يقولون: لو علم عدونا ما قذف في قلوبنا من ~~الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم واشتد ~~القيام على الجيش فرجعوا فذلك قوله: {فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم ~~عبادا لنآ أولي بأس شديد} الآية: ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط ~~فأصابوا منهم فاستنفذوا ما في أيديهم، فذلك قوله: {ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم} الآية. و " نفيرا " معناه عددا. # وقال ابن زيد: كان إفسادهم الأول قتل زكرياء، والثاني قتل يحيى. PageV06P4141 # فسلط الله عليهم ابور ذا الاكتاف، وهو ملك من ملوك فارس، في قتل زكرياء، ~~وسلط عليهم بختنصر في قتل يحيى. # وقال قتادة: بعث عليهم أول ms1361 مرة جالوت والثانية بختنصر. # ومعنى قوله: {فإذا جآء وعد أولاهما} أي: أول المرتين اللتين قضينا إلى ~~بني إسرائيل، أي أو [ل]. الفسادين. # وقوله: {فجاسوا خلال الديار}. # أي: ترددوا بين الدور والمساكن وذهبوا وجاءوا. # وقال ابن عباس: " جاسوا " مشوا. وقال الزجاج: الجوس طلب الشيء PageV06P4142 # باستقصاء. فمعناه: طلبوا هل يجدون أحدا. # وقال بعض أهل اللغة: معنى " جاسوا " قتلوا. # وقوله: {وكان وعدا مفعولا}. # أي: كان جوس القوم خلال ديار بني إسرائيل وعدا من الله [ عز وجل] ، لا ~~يخلف. # قال ابن عباس وقتادة: أتاهم في المرة الأولى جالوت فجاس خلال ديار بني ~~إسرائيل وضرب عليهم الخراج والذل. فسألوا الله [ عز وجل] أن يبعث إليهم ~~ملكا يقاتلون في سبيل الله. فبعث الله طالوت. فقاتلوا جالوت، فنصره الله، ~~وقتل جالوت، على يدي داوود ورد الله [ عز وجل] إلى بني إسرائيل ملكهم. # وعن مجاهد أنه قال: جاءهم بختنصر في أول مرة من جهة فارس فهزمهم بنو ~~إسرائيل، ثم رجعوا ثانية فقتلوا بني إسرائيل ودمر [و] هم تدميرا، وجلوهم عن ~~بيت المقدس فلم يصلوا إلى دخوله سبعين سنة. PageV06P4143 # وروي عن مجاهد أنه قال: إنما جاءهم في أول مرة قوم من أهل فارس معهم ~~بختنصر يتجسسون أخبارهم ثم رجعت فارس وقد وعى بختنصر أخبارهم دون أصحابه، ~~ولم يكن قتال. # وقيل: إنما جاءهم في المرة الأولى، أي: بختنصر ومن معه من جبابرة فارس، ~~بعثه الله نقمة لهم حين أفسدوا وقتلوا يحيى بن زكرياء. ويروى: أن يحيى كان ~~قد قال لهم: إياكم أن يقع من دمي شيء في الأرض فتهلك بنو إسرائيل. فذبحوه ~~واحتفظوا بدمه، فجعلوه في طست من ذهب. فوقعت منه نقطة في الأرض / فما زالت ~~تفور وتغلي حتى هجم عليهم بختنصر. # فيروى: أنه ذبح على ذلك الدم سبعين ألفا من بني إسرائيل، فهدأ الدم. سبى ~~بني إسرائيل حتى سبى أبنائهم وخرج بهم إلى أرض العراق. # ويروى: أن الفساد الثاني الذي ارتكب بنو إسرائيل هو قتلهم زكرياء ويحيى ~~عليهم السلام بعد أن أقاموا في الدعة والسلامة عشرين ومائتي سنة. فأرسل ms1362 ~~عليهم من قتلهم وسباهم، وحرق بيت المقدس وأخرجه. فلم يزل الذين ظهروا عليهم ~~ببيت PageV06P4144 # المقدس حتى فتحه الله عز وجل في زمان عمر رضي الله عنه وفيه الروم فقتلوا ~~وأخرجوا منه إلى الآن لا يدخلونه إلا مستخفين. # وقوله: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم}. # قال السدي: هي ما نصر الله عز وجل بني إسرائيل، إذ غزوا النبط، فأصابوا ~~منهم واستنقدوا ما في أيديهم. # وقيل: هو إطلاق الملك الذي غزاهم [ما في يديه من] أسراهم ورد ما كان أصاب ~~من أموالهم من غير قتال، سخره الله عز وجل لذلك فهو رد الكرة لبني إسرائيل. PageV06P4145 # وقيل: هي نصر الله عز وجل إياهم على جالوت حتى قتلوه. # وقوله: {وجعلناكم أكثر نفيرا}. # أي: عدد [ا]، وذلك في أيام داود. # وقوله: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}. # المعنى: أن الله أخبرنا عما قال لبني إسرائيل في التوراة لنتأسى بذلك # {إن أحسنتم}، يا بني إسرائيل أي: [إن] أطعتم الله فيما أمركم به على نعمه ~~عندكم إذا دلكم من عدوكم {أحسنتم لأنفسكم} أي: ما فعلتم من ذلك لأنفسكم ~~تفعلوه، وعليكم يعود نفعه. {وإن أسأتم} أي: عصيتم الله [ عز وجل] { فلها} ~~أي: فإلى أنفسكم تسيئون. لأن ضرره عليكم يعود. PageV06P4146 # وقيل: معنى {فلها} أي: إليها. كما قال: {أوحى لها} [الزلزلة: 5] أي: ~~إليها. أي: فإلى أنفسكم يعود الضرر. وقيل: اللام على بابها [على معنى] فلها ~~يكون العقاب على الإساء. # ثم قال تعالى: {فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم}. # والمعنى: فإذا جاء الفساد الثاني من فسادكم يا بني إسرائيل، وهو قتلهم ~~يحيى على ما ذكرنا {بعثنا عليكم} أي: خلينا بينكم وبينهم، ولم نمنعهم منكم. ~~فبعث الله عليهم بختنصر فقتل المقاتلة وسبى الذراري وأخذ ما وجد من الأموال ~~ودخلوا بين المقدس. وهو قوله: {وليدخلوا [المسجد] كما دخلوه أول مرة} ~~فتبروه وخربوه وألقوا فيه PageV06P4147 # الجيف والعذرة. وقيل: [ليسوء] معناه: أمرناهم بغزوكم بما عصيتم وأفسدتم. # {ليسوءوا وجوهكم} [أي]: ليسوء المبعوثون عليكم وجوهكم. # ومن قرأ بفتح الهمزة، فمعنى: " ليسوء " الوعد بسوء الله. أو ليسوء ~~العذاب. ومن قرأ بالنون ms1363 فهو على الأخبار عن الله جل ذكره. # وقوله: {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة}. # أي: كما دخلوه في الانتقام / منكم في فسادكم الأول. PageV06P4148 # وقوله: {وليتبروا ما علوا تتبيرا}. # قال قتادة معناه: ما علوا عليه. وقيل معناه: ويتبروا ما داموا عالين. # وحقيقة أن ما، وما بعدها في موضع نصب على الظرف. والتقدير: وليتبروا وقت ~~غلبتهم. والتتبير التدمير. # وقوله: {ما علوا} عند الزجاج [ما] في موضع الحال. أي: وليدمروا في حال ~~علوهم. # قال تعالى: {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا}. # المعنى: لعل ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم بالقوم ~~الذين يبعثهم عليكم. و {عسى} من الله واجبة وقد فعل بهم ذلك فكثر عددهم ~~وجعل منهم الملوك والأنبياء. # ثم قال: {وإن عدتم عدنا}. # أي: [و] إن عدتم [ل] أمخالفة أمري، وقتل أنبيائي عدنا عليكم بالقتل PageV06P4149 # والسباء والذلة والصغار. فعادوا، فعاد الله عليهم بذلك. إذ بعث محمدا. ~~قال ابن عباس: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد. فسلط الله عليهم ثلاثة ملوك ~~فارس. وعنه: عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين. # وقال قتادة: عادوا فسلط الله عليهم محمدا [ صلى الله عليه وسلم] يعطونه ~~الجزية عن يد وهم صاغرون. # وقال الضحاك: الرحمة هنا بعث محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال الأخفش: المعنى: عسى ربكم أن يرحمكم إن فعلتم ذلك. # ثم قال: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا}. # أي: سجنا يسجنون فيها. قاله قتادة وغيره. وقال ابن عباس: {حصيرا} مأوى. ~~وقال الحسن: {حصيرا} بساطا ومهادا كما قال: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم ~~غواش} [الأعراف: 41]. # ويقال للملك: {حصيرا} بمعنى محصورا لأنه محجوب عن الناس. ويقال PageV06P4150 # للبخيل: حصورا وحصيرا لمنعه ما عنده، ومنه الحصر في المنطق لأنه يمتنع ~~عليه الكلام. ومنه الحصور عن النساء لامتناع الجماع عليه، ومنه الحصر في ~~الغائط إذا احتبس عليه. وقيل للحصير المنسوج حصيرا، لأنه حصرت جوانبه عن أن ~~تنفلت. وقيل: لأنه حصرت طاق [اته بعضها من بعض. # وقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}. # المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى ms1364 به للحال التي هي أقوم ~~الحالات أي: أصوبها. وذلك دين الله [سبحانه] المستقيم وتوحيده [جلت عظمته] ~~والإيمان بكتبه ورسله وهو مع هدايته يبشر المؤمنين العاملين الأعمال ~~الصالحة أن لهم أجرا كبيرا وهو الجنة /. # وكل شيء في القرآن أجر كريم وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة. وقيل: PageV06P4151 # المعنى: ويبشر [الله] المؤمنين بذلك. قال مقاتل وغيره: التي هي أقوم ~~شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل معناه يهدي للخصال التي هي أصوب مما أمر ~~الله [ عز وجل] ، ودعا إليه ووعد عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم وعلى ~~هذا أكثر المفسرين. ولا إله إلا الله أصل الخصال الحسنة وأعظم ما دعا الله ~~إليه عباده وندبهم إلى اعتقاده فهي العروة الوثقى والكلمة المنجية من ~~العذاب. # قال [تعالى]: {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة}. # أي: لا يصدقون بها أعددنا لمقدمهم على ربهم عذابا أليما، أي: مؤلم وموجع، ~~وذلك عذاب جهنم [أعاذنا الله منها]. # قال: {ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير}. # المعنى: ويدع الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر دعاء مثل دعائ[ه] PageV06P4152 # ربه [ عز وجل] بالخير. أي: يسأل أن يهلك نفسه وولده وماله إذا غضب كما ~~يسأل أن يجيبه ويحيي ولده ويثمر ماله إذا رضي، فلو استجاب له في الشر كما ~~يستجيب له في الخير لأهلكه. # ثم قال: {وكان الإنسان عجولا}. # أي: يعجل على نفسه بالدعاء، ولا يعجل الله [ عز وجل] عليه بالإجابة. وروي ~~أنها نزلت في النضر بن الحارث [بن] علقمة كان يدعو ويقول: # {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم} [الأنفال: 32]. وكان يدعو على نفسه بالشر كما يدعو [لها] ~~بالخير. {وكان الإنسان عجولا} أي: عجلة النضر بالدعاء على نفسه، كعجلة آدم ~~حين نهض [قبل] أن PageV06P4153 # يجري فيه كله. # وقال ابن عباس: لما نفخ الله [ عز وجل] في آدم من روحه فدارت النفخة من ~~قبل رأسه، فجعل لا يجري منها شيء في جسده إلا صار لحما [دوما]. فلما انتهت ~~النفخة إلى سرته نظر إلى جسده [فأعجبه] ما رأى ms1365 من حسنه فذهب لينهض فلم يقدر ~~فهو قوله: {وكان الإنسان عجولا} فالإنسان هنا في موضع الناس. وروى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا، فجعل يئن من الليل. فقالت ~~له: ما بالك تئن؟ فشكى إليها ألم القد. فأرخت كتافه. فلما نامت أخرج يده ~~وهرب. فلما أصبح النبي [ صلى الله عليه وسلم] دعا به، فأعلم شأنه. فقال: ~~اللهم اقطع يدها، فرفعت سودة يدها تتوقع الاستجابة، أن يقطع الله يدها. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني سألت [الله] أن PageV06P4154 # يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما يغضب ~~البشر، فلترد سودة يدها # قال تعالى: {وجعلنا اليل والنهار آيتين فمحونآ آية اليل}. # معناه: أن الله [ عز وجل] عرف عباده نعمه عليهم، / فمن نعمه [أن] جعل ~~الليل مخالفا للنهار ليسكنوا في الليل ويتصرفوا في معائشهم [التي قدرت لهم] ~~بالنهار، وليعلموا عدد [السنين والحساب أي: عدد] سنينهم وحساب ساعات الليل ~~والنهار. # ومعنى {آيتين} أي: جعلنا الليل والنهار علامتين. PageV06P4155 # فعلامة النها [ر] الشمس وعلامة الليل القمر {وكل شيء فصلناه تفصيلا}. أي: ~~بيناه [تبيينا] بيانا شافيا. # وقوله: {فمحونآ آية اليل}، أي: لم يجعل للقمر ضياء ونورا كالشمس وقوله: ~~{وجعلنآ آية النهار مبصرة} أي: مضيئة، وهي: الشمس. # والمحو الذي في القمر هي اللطخة التي تظهر فيه للمتأمل، ويروى أن الله جل ~~ذكره أمر جبريل عليه السلام، فأمر بجناحه على القمر فصار فيه المحو الذي ~~فيه. وقد كان ضياؤه مثل الشمس أو أشد، ولكن الله جل ذكره فرق بينهما ليعرف ~~الليل من النهار، وليعلم عدد السنين والشهور، والأجل، والحج وغير ذلك. # وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الله [ عز وجل] ~~شمسين من نور PageV06P4156 # عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمسا فإنه جعلها مثل الدنيا على ~~قدر ما بين مشارقها إلى مغاربها. وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ~~ويحولها قمرا فإنه جعلها دون الشمس في العظم، ولكن إنما ms1366 يرى صغرها لشدة ~~ارتفاع السماء وبعدها من الأرض. ولو ترك الله القمر كما خلقه أول مرة لم ~~يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولا عدد الأيام ولا الشهور، ~~فأرسل جبريل [عليه السلام] إلى القمر فأمر جناحه على وجه القمر وهو يؤمئذ ~~شمس، ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي منه النور فذلك قوله: {وجعلنا اليل ~~والنهار آيتين} الآية " فالسواد الذي يرون في القمر أثر المحر. # قوله: {وكل إنسان ألزمناه طآئره في [عنقه]}. # المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو ~~سعادة. فعمله في عنقه لا يفارقه. # وقوله: {ألزمناه طآئره في [عنقه]} إنما هو مثل: خوطبوا به على ما كانوا ~~يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، فأعلمهم الله PageV06P4157 # [ عز وجل] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحسا كان أو سعدا. # قال ابن عباس: " طائره " عمله وما قدره الله [ عز وجل] عليه، وكذلك قال ~~مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو ~~سعيد، وقرأ: {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} [الأعراف: 37] أي: ما سبق ~~لهم. يعني: كتاب عمله. # وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب / ~~بلسانها وبما تستعمله من لغاتها. والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع ~~القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم ~~المعاليق فيه. ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان ~~للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: " ذلك بما كسبت ~~يداك ". وإن PageV06P4158 # كان الذي كسبه لسانه أو فرجه. # وقيل: " طائره " حظه. من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على ~~نصيب [من] الأنصباء. # وقوله: {ونخرج له يوم القيامة كتابا}. # قرأه مجاهد والحسن وابن محيص " ويخرج " بياء مفتوحة. على معنى ويخرج له ~~الطائر يوم القيامة كتابا. فيكون الكتاب على هذه القراءة حالا. # وقرأ أبو جعفر " ويخرج " بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام ~~مقام الفاعل مضمر [في] الفعل ms1367 و " كتابا " منصوب أيضا على الحال، و " كتابا ~~" على PageV06P4159 # قراءة الجماعة مفعول ب " نخرج ". # وقال قتادة: " طائره " عمله. # والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل {كتابا يلقاه منشورا} ~~قال معمر: وتلى الحسن {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17]، فقال: يابن آدم ~~بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك ~~فأما الذي عن يمينك ف [ي] حفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك ~~فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك ~~في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا. فيقال لك. # {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} قد عدل والله عليك من جعلك حسيب ~~نفسك. # ومعنى: {اقرأ كتابك}. PageV06P4160 # أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك {كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا} أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ~~ينبغي عليك شاهدا غيرها. # قال: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}. # أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان ~~الله [ عز وجل] ودخول جنته. {ومن ضل} أي: ومن جار أي: عن قصد الحق فليس يضر ~~إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا الله منها]. # وتقدير من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ~~ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} ~~[الإسراء: 7] [وهو] مثل PageV06P4161 # قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. # ويروى أنه نزلت في أبي سلمة / بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة بقي ~~على كفره. وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم. فأنزل ~~الله، جل ذكره: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. والآية عامة في كل مؤمن وكافر. # ثم قال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. # أي: لا يحمل أحد ذنبغيره. وقال " وازرة " بمعنى نفس وازرة. وقيل معناه: ~~لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار. # {إنا وجدنآءابآءنا ms1368 على أمة وإنا علىءاثارهم مهتدون} [الزخرف: 22]. # ثم قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}. # أي: لا نهلك قوما إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل. وقال قتادة: إن الله [ ~~عز وجل] PageV06P4162 # ليس يعذب أحدا حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله [ عز وجل] ~~بينة. # وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، ~~والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولا أن ادخلوا ~~النار. فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها لكانت عليهم بردا ~~وسلاما فيرسل الله [ عز وجل] إليهم [رسولا] فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ~~ثم قرأ أبو هريرة: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}. # وقيل: معناه ما كنا معذبين أحدا في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولا يبين ~~لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة. # وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد ~~رسولا، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحدا بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار برسول. ~~فأما عذاب PageV06P4163 # الاخرة يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يلأته رسول، لأن الله جل ذكره قد ~~نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك ~~الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع ~~والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [ عز وجل] عليه الدلالات والعلامات. # قال تعالى: {وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها}. # قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمرنا ~~مشددا وكذلك روي عن أبي عمرو. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن ~~نافع بالمد. وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف. # ومعناها: عند أبن عبس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها. # وقيل: " المترفون " هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر ~~إذا أمر عصما فيحق عليه القول بعصيانه. PageV06P4164 # وعن قتادة: أن معنى " أمرنا " أكثرنا. # وقال الكسائي: يجوز أن يكون " أمرنا " من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن ~~يكون / بمعنى أكثرنا. قال: ms1369 ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد ~~حكى أبو زيد وأبو عبيد " أمرنا " مقصورا، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا التأويل ~~الذي رده الكسائي أن الحديث: " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة. فالسكة PageV06P4165 # المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. وهي من أمر. # فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة ~~وسلطانا ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف. # ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره. # فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. يقال: أمر بنو فلان ~~أمرا إذا كثر عددهم، وغلإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: {لقد جئت شيئا ~~إمرا} [الكهف: 71] أي: عظيما. # وقوله: {ففسقوا فيها}. # أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] {فحق عليها القول} أي: وجب عليها PageV06P4166 # وعد اللع [ عز وجل] الذي وعد من عصاه [به] {فدمرناها تدميرا} أي: خربناها ~~تخريبا وأهلكنا من فيها هلاكا. # قوله: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح}. # هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل ~~بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم. # ثم قال تعالى: {وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا}. # أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده. # والقرن عشرون ومائة سنة. وقيل مائة سنة. وقيل: أربعون سنة. # ودخلت الباء في " كفى بربك " و " كفى بالله " لأن في الكلام معنى المدح. ~~فالباء تدل عليه. كما يقول: أكرم به رجلا. وناهيك به صاحبا. PageV06P4167 # قال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد}. # أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثوابا ولا ~~يخاف عقابا {عجلنا له فيها ما نشآء} من توسيع أو تقتير لمن نريد. # وقرئت " ما شاء " بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء ~~المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموما مدحورا. # وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه. وقال ابن عباس: ~~" مذموما ": ملوما. # [ثم قال تعالى] {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن}. ms1370 # أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله " وهو مؤمن " ~~أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [ عز وجل] { فأولئك كان سعيهم مشكورا} PageV06P4168 # وشكر الله [ عز وجل] إياهم على سعيهم، حسن جزائه [تعالى] لهم على أعمالهم ~~وتجاوزه عن سيئاتهم. # قال: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك}. # " كلا " منصوب بنمد و " هؤلاء " / بدل من كل. والمعنى: أن الله [ عز وجل] ~~يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ ~~أجل الفريقين. ثم تفترق بهما الأحوال بهد الممات. وتفرق بهم الورود يوم ~~القيامة. فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة ~~يرد. # ثم قال: {وما كان عطآء ربك محظورا}. # أي: ممنوعا عمن بسطه الله [ عز وجل] عليه، قال قتادة: محظورا منقوصا. PageV06P4169 # وقال في معنى الآية: إن الله [ عز وجل] قسم الدنيا بين البر والفاجر: ~~والآخرة خصوصا عند ربك للمتقين. # ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: {قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة} [الأعراف: 32] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات ~~البر والفاجر. و [الآخرة خصوصا عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين. # قال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}. # والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ~~ووفقناه إلى الحق. وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، {وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا} إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، وفريق إلى عذاب جهنم ~~لا يفتر عنهم أبدا. # وقيل: {وللآخرة أكبر درجات} في أهل الجنة يتفاوتون في المنازل فيها، منهم ~~من PageV06P4170 # يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم وأعمالهم. قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم " بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق ~~الأرض ومغاربها " قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عاليا رأى فضله على من ~~هو أسفل منه ومن كان دونه لم ير أن أحدا فوقه أفضل منه. # معنى الآية أن ظاهرها خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، ~~والمعنى ms1371 لا تجعلوا مع الله شريكا فيقعد كل واحد منكم مذموما، أي: ملوما على ~~ما صنع " مخذولا " أي: قد أسلمه ربه. # قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}. # قال ابن عباس: قضى معناه: أمر. وفي حرف عبد الله: " ووصى ربك " وكذلك ~~قرأها الضحاك و [ال [معنى أمر أن تفرده بالعبادة فلا تجعلوا له شريكا. PageV06P4171 # ثم قال: {وبالوالدين إحسانا}. # أي: وأمركم أن تحسنوا بالوالدين إحسانا ومعنى " بالوالدين " إلى ~~الوالدين. # وقوله: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما}. # من وحد يبلغن فلأنه فعل مقدم فاعله {أحدهما}. ومن أظهر ضمير اثنين فلأنه ~~تقدم ذكر الوالدين فثناهما لتقدم ذكرهما قبل الفعل. ويكون أحدهما مبتدأ ~~وكلاهما معطوف عليه والخبر محذوف. وقيل: أن أحدهما أو كلاهما بدل من المضمر ~~في يبلغن. # ثم قال [تعالى]: {فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما} /. PageV06P4172 # في " أف " / سبع لغات: أف بالفتح وأف بالكسر، [و " أف "، بالكسر] ~~والتنوين. فهذه ثلاث قرئ بهن وأربع لم يقرأ بهن وهن: أفا بالنصب والتنوين ~~وأف بالضم والتنوين وأف بالضم غير منون. وحكى الأخفش: " أفي " بالياء. # فمن فتح أو ضم أو كسر حركة لالتقاء الساكنين. ومن فتح ونون اعمل الفعل ~~فيه كما تقول: ما قتلت أفا ولا تفا. ومن كسر ونون كسر لالتقاء الساكنين ~~وشبهه بالأصوات فنونه. # وقيل أن من نونه جعله نكرة، معناه: لا تقل لهما قبيحا من القول. ومن لم ~~ينونه جعله معرفة معناه: لا تقل لهما القبيح من القول. PageV06P4173 # وقيل [المنون] منه وغير المنون سواء، وإنما يكون التنوين فرقا بين ~~المعرفة والنكرة فيما جاء ناقصا على حرفين نحو مه وصه، ولكن شبه هذا بما ~~جاء على حرفين من هذه فنون على التشبيه لأنه يعطى ذلك للمعنى من التعريف ~~والتنكير. # ومن ضم حركة لالتقاء الساكين. و [من] خصه بالضم على التشبيه بقبل وبعد. ~~وقيل: ضم على الاتباع لضمه الهمزة كما تقول: مد. فتضم الدال اتباعا لضمة ~~الميم. # ومن نون المضموم فعلى القولين الأولين: على التشبيه بالأصوات [أو] للفرق ~~بين المعرفة والنكرة. واستبعد الأخفش التنوين مع ms1372 الضم. قال: لأنه ليس معه ~~لام. كأنه يقدره إذا رفعه ونونه مرفوعا بالابتداء. كما قيل: ويل له. وقال ~~في نصبه بالتنوين: إنه مثل: تعسا له. # ومعنى: {فلا تقل لهمآ أف} أي: أن يبلغا عندك من الكبر ما يحدثان عندك من ~~الضعف تحتهما، فلا تقذرهما حين ترى الأذى. ولكن تم [ي] ط عنهما ذلك كما ~~كانا PageV06P4174 # يميطان [ه] عنك صغيرا، قاله مجاهد. # وقيل معناه: لا تستثقلهما ولا تغلظ عليهما في القول ولا تتبرم عليهما. و ~~[أ] صل هذا: أن الإنسان إذا وقع عليه غبار أو شيء فتأذى به نفخه فقال: " أف ~~" وقيل الأف: وسخ الأظفار. والتف الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن. والأول أشهر ~~وأعرف. # وقوله: {ولا تنهرهما}. # [أي]: ولا تضجر عليهما وتصح. وقال عطاء: لا تنفض يديك على والديك. # {وقل لهما قولا كريما}، قال ابن جريج: أحسن ما تجد من القول. وعن عمر ابن ~~الخطاب [رضي الله عنه] أنه قال: لا تمتنع من شيء يريدانه. وقال قتادة: ~~{قولا كريما} PageV06P4175 # سهلا لينا. وقال ابن المسيب: هو قول العبد المذنب الذليل للسيد الفظ ~~الغليظ. # قال: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}. # أي: كن لهما ذليلا، رحمة منك لهما / وتعظيما فيما أمر [ا] ك به مما ليس ~~معصية [لله عز وجل] . هذا قول عروة بن الزبير. وعنه أيضا أن معناه: لا ~~تمتنع من شيء أحياه. # والذل والذلة: مصدر الذليل. والذل: بكسر الذال من غيرهما، مصدر الذلول. ~~نقول دابة ذلول بينة الذل إذا كانت لينة. ومنه قوله: PageV06P4176 # {جعل لكم الأرض ذلولا} [الملك: 15]. # وقرأ ابن جبير والجحدري " الذل " بكسر الذال، بمعنى: ألن لهما جانبك ~~واسمح لهما. يقال رجل ذلول بين الذل إذا كان سمحا لينا مواتيا. ومنه # {وذللت قطوفها تذليلا} [الإنسان: 17]. # ثم قال تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}. # أي: وقل: يا رب اعطف عليهما برحمتك كما عطفا علي في صغر [ي] فرحماني ~~وربياني صغيرا. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم وهو رافع صوته: " من ~~أدرك والديه أو أحدهما ثم ms1373 دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه " وكانوا ~~يرون أن من بر PageV06P4177 # والديه، وكان فيه أدنى تقى، فإن ذلك مبلغه جسيم بالخير. # و [قد] قال بعض العلماء أن قوله: {رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} منسوخ ~~بالنهي عن الاستغفار للمشركين. # وقال بعضهم: الآية مخصوصة في المؤمنين خاصة. # وقيل: هي عامة إلا لمن مات من المشركين، فلا يستغفر له. فأما إذا كانا ~~مشركين حيين، فيجوز للمسلم أن يستغفر لهما كما فعل إبراهيم [ صلى الله عليه ~~وسلم] خليل الرحمن [ عز وجل] . # ويروى أن رجلا قال: " يا رسول الله هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما ~~[به] بعد موتهما؟ قال: " نعم، الصلاة عليهما [يعني] الدعاء لهما، ~~والاستغفار PageV06P4178 # لهما، وإكرام صديقهما ولإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا يوصل إلا بهما ~~". PageV06P4179 # قوله: {ربكم أعلم بما في نفوسكم}. # معناه: ربكم يعلم ما تعتقدون من إبرار والديكم وتعظيمكم إياهم، أو ضد ذلك ~~من العقوق لهم، فيجازيكم على ما تعتقدون في أمرهم. # [ومعنى {إن تكونوا صالحين} أي: إن أصلحتم نياتكم وأطعتم الله في والديكم ~~في القيام بهم والمعرفة بعقوقهم بعد صبوة كانت معكم في أمرهم]، أو زلة ~~زللتم، في [ترككم] إبرارهم، {فإنه كان للأوابين} أي: للثوابين بعد الهفوة " ~~غفورا " أي: ساترا لذنوبهم إذا تابوا منها. # قال ابن جبير في قوله: {ربكم أعلم بما في نفوسكم}. # هي المبادرة: تكون من الرجل إلى أبويه بذلك إلا الخير. PageV06P4180 # وقال ابن عباس: " للأوابين " المسبحين. وقيل: هم المحسنون المطيعون. روي ~~ذلك عن ابن عباس أيضا. # وقال قتادة: هم المطيعون، أهل الصلاة. وقال ابن المنكدر: هم المصلون بين ~~المغرب والعشاء. وقال عون العقيلي [هم] الذين يصلون صلاة الضحى. وقال مالك ~~/ عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. ~~وقال ابن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد: PageV06P4181 # هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيتوبون منها. # وأصل آب إلى كذا، رجع إليه فكأنهم الراجعون من معصية الله [ عز وجل] إلى ~~طاعته. ومن آب الرجل من سفره، أي: ms1374 رجع. وأواب فعال من أب. والأوبة الرجعة ~~منه. # قال تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل}. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته. قال الحسن أمر الله ~~[ عز وجل] في هذه الآية بصلة الرحم، ونذب إلى أن تعطي القرابة من المال من ~~غير الزكاة، ولهم في الزكاة حق وغير ذلك. وقال ابن عباس: هو أن تصل قرابتك ~~والمساكين وتحسن إلى ابن السبيل. وقيل: عني بذي القربى هنا قرابة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وروي ذلك عن الحسن بن علي، أن يعطوا من غير الزكاة. # والمسكين هنا هو الدليل من الفقر. وابن السبيل المسافر المنقطع به يضاف PageV06P4182 # ويحسن إليه. وقيل: حق ابن السبيل ضيافته ثلاثة أيام. وهذا ندب غير فرض. # ثم قال تعالى: {ولا تبذر تبذيرا}. # أي: لا تمحق ما أعطاك الله [ عز وجل] من مال في معصيته، وأصل التبذير ~~التفريق في السرف. قال ابن مسعود: التبذير: الإسراف في الإنفاق في غير حق. ~~وهو قول ابن عباس وقتادة. # وقال ابن زيد: هو النفقة في المعاصي. وهذا قوله حسن. # قال تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}. # [أي: المفرقين أموالهم في معاصي الله تعالى وفي غير الحق كانوا أولياء ~~للشياطين]. # {وكان الشيطان لربه كفورا}. # أي: لنعمة ربه [ عز وجل] جاحدا لا يشكره عليها، إذ يترك طاعته ويتبع ~~معصيته فكذلك إخوانه من بني آدم. PageV06P4183 # وكل من تابع أمر قوم وسنتهم فالعرب تسميه أخا. فلذلك قال: {كانوا إخوان ~~الشياطين}. # قال تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها}. # أي: إن أعرضتم بوجوهكم عن هؤلاء الذين أمرتم أن تعطوهم حقوقهم من أجل ~~عدمكم، تبتغون انتظار رزق من عند الله فلا تؤيسوهم ولكن قولوا لهم قولا ~~ميسورا، أي: عدوهم وعدا جميلا. بأن تقولوا لهم: سيرزق الله فنعطيكم. . . ~~وشبه ذلك من القول اللين. كما قال تعالى ذكره: {وأما السآئل فلا تنهر} ~~[الضحى: 10] هذا معنى قول النخعي وابن عباس وغيرهما. # وقال ابن زيد: معنى الآية: إن خشيتم منهم أن ينفقوا ما أعطيتموهم في ms1375 ~~معاصي الله [ عز وجل] ورأيتم أن منعهم خير، فقولوا لهم: قولا ميسورا، أي: ~~قولا PageV06P4184 # جميلا: رزقك الله، ووفقك الله ونحوه. # وكان النبي عليه السلام إذا سئل وليس عنده شيء أمسك انتظار رزق الله [ عز ~~وجل] أن يأتي كأنه يكره الرد. فلما نزلت {فقل لهم قولا ميسورا} كان إذا سئل ~~ولم يكن عنده ما يعطي يقول / يرزقنا الله وإياكم من فضله. # وقال جماعة من المفسرين: [نزلت] هذه الآية في خباب، وبلال وعامر بن ~~فهيرة، وغيرهم من فقراء المسلمين كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيعرض عنهم ويسكت. إذ لا يجد ما يعطيهم، فأمر أن يحسن لهم في القول، إلى أن ~~يرزقه الله ما يعطيهم، وهو قوله: {ابتغآء رحمة من ربك ترجوها}، أي: انتظار ~~الرزق من ربك تتوقعه {فقل لهم قولا ميسورا} أي: عدهم وعدا حسنا. PageV06P4185 # قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك}. # هذا مثل ضربه الله [ عز وجل] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [ عز وجل] ~~وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده إلى ~~عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. # والخطاب للنبي [ صلى الله عليه وسلم] والمراد به أمته، والمعنى: ولا ~~تمسكوا أيديكم بخلا عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى عنقه، ~~ولا تبسطوها بلنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا سئلتم ما ~~تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم تعطوهم، ~~وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم. # ومعنى {محسورا} أي: مقطوعا لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة. ~~وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا تبسطها ~~بالإنفاق فيما نهيتك عنه، " فتقعد ملوما " مذنبا " محسورا " منقطعا بك. # وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق ~~والباطل، PageV06P4186 # فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت هؤلاء ولم ~~تعطني. # وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [ عز وجل] ولا تجاوز الحق الواجب في ms1376 ~~الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون {فتقعد ~~ملوما} يلومك الناس الذين فاتهم العطاء " محسورا " أي منقطعا ليس معك ما ~~تعطي. # قال: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء}. # أي: يوسع على من يشاء في رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم ~~مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده التقتير ~~وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم. # وروي عن قالون: " كل البصط " بالصاد. والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين. PageV06P4187 # قال [تعالى]: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}. # هذا نهي عما كانت العرب تفعله. كانت تقتل البنات خوف الفر [والإملاق] ~~والفاقة، فأخبرهم الله [ عز وجل] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [ عز ~~وجل] . # وتقتلوا في موضع / نصب عطف على: {وقضى ربك ألا تعبدوا} [الإسراء: 23] ولا ~~تقتلوا ". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي. وكذلك: {ولا تقربوا الزنى} ~~[الإسراء: 23]. # " ولا تقتلوا ": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على: # {وقضى ربك ألا تعبدوا} وينقض عليه هذا التقدير قوله: " ولا تقف " وقوله: ~~" ولا تمش "، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما قبله مما عطف عليه ~~[مثله PageV06P4188 # مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء الله [ عز وجل] . # ومعنى " كان خطئا ": على قراءة نافع كان إثما كبيرا. لأنه يقال: خطئ يخطا ~~خطئا فهو خ [ا] طئ كإثم يأثم [إثما] فهو آثم، وذلك إذا أتى الذنب عمدا. ~~ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة. ~~ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف ~~الفقر. وقيل: إن هذه القراءة لغة في الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل ~~وفعل كما يقول قتب وقتب، ونجس ونجس. # وقراءة ابن ذكوان: " خطأ " بفتح الخاء والطاء. ومعناها: كان غير صواب. PageV06P4189 # الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاء إذا لم يتعمد. والخطأ ~~الاسم منه. # وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمد كلاهما من خطئة فالخطأ الاسم ~~منه والخطا المصدر ms1377 بمنزلة حذر حذرا. # وقرأ ابن كثير " خطاء " بالمد وكسر الخاء. وقرأ الحسن بفتح الخاء والمد. ~~وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر. وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه: PageV06P4190 # لها وثبات كصرب السحاب ... فواد خطاء وواد مهر # ويروى بفتح الخاء، رواه أبو حاتم بالفتح لقراءة الحسن. ورواه أبو عبيدة " ~~فواد خطيط ". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. فكان ~~فرسه يثب واديا لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد ~~الممطور. وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط. فهذا تمثيل. # وفال ابن الإعرابي: " فواد خطا " أي يخطو واديا، وواد مطر. أي تعدو [وا] ~~ديا. فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء. [فيكون] معنى القراءة، على ~~هذا المعنى، إن قتلهم كان تركا للحق ومجاوزة إلى الباطل. # قال [تعالى]: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة}. # أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا. هذا [على] قول: من جعله في موضع PageV06P4191 # نصب. ومن جعله مجزوما، قدره نهيا بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة. ~~{وسآء سبيلا} أي: وساء طريق الزنا طريقا لأنه معصية لله [ عز وجل] تورد ~~صاحبه نار جهنم. # قوله: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}. # أي: لا تقتلوا نفسا قد حرم الله [ عز وجل] قتلها. " إلا بالحق " / أي: ~~إلا أن تكفر بعد إسلام، أو تزنى بعد إحصان، أو قودا بنفس. # وقوله: {فقد جعلنا لوليه سلطانا}. # أي: جعلنا له نصرا وحجة على أخذ الثأر ممن قتل وليه فإن شاء عفا وإن شاء ~~قتل وإن شاء أخذ الدية. فإذا عفا بعض الورثة لم يقتل القاتل. والمرأة في ~~ذلك والرجل سواء إذا كانا وارثين، هذا قول الشعبي وعطاء وطاووس والنخعي PageV06P4192 # والثوري والشافعي وابن حنبل. فإن كان في الورثة صغيرا استوني بالقتل حتى ~~يبلغ، فإن عفا لم يقتل وإن لم يعف قتل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن ~~أبي ليلى. وابن شبرمة. والثوري وأحمد وإسحاق. # وقال الحسن البصري وقتادة لا عفو للنساء وإن كن وارثات. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ms1378 المرأة اختلاف، وروي عنه أنه قال: لا ~~عفو PageV06P4193 # للزوج، وعنه: لا عفو للمرأة في الدم. # وقال الليث وربيعة والأوزاعي ليس للنساء عفو في دم ولا قسامة. # وقال مالك إذا كان ورثة المقتول بنين وبنات فعفت إحدى البنات لم يجز ~~عفوها، فإن عفا أحد البنين جاز العفو وأخذت الدية ويرثها الورثة على قدر ~~موارثهم من الميت، ويقضي عن الميت من الدية دين إن كان عليه. # وقوله {لوليه} يحتمل واحدا وجماعة، كما قال: {إن الإنسان لفى خسر} ~~[العصر: 2]. # ومعنى: {ومن قتل مظلوما} أي: من قتل على غير المعاني المتقدم ذكرها. وقال ~~الشافعي: إذا عفا الولي استحق أخذ الدية. PageV06P4194 # ثم قال تعالى: {فلا يسرف في القتل}. # أي: لا يقتل الولي غير قاتل وليه. لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك: ~~يقتل الرجل الرجل فيقتل أولياء المقتول أشرف من القاتل ويتركون القاتل، ~~فنهى الله [ عز وجل] عند ذلك بقوله: {فلا يسرف في القتل} أي لا يسرف الولي. # ومن قرأ بالتاء، جعله مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده. ~~وقيل هو مخاطبة للقاتل ألا يقتل غيره فيسرف في ذلك فيناله القتل. # وقيل: معنى {فلا يسرف في القتل} لا يمثل ولي المقتول بالقاتل، بل يقتله ~~كما قتل وليه، قاله قتادة. # وقيل: معناه لا يقتل اثنان بواحد. # والهاء في " أنه " تعود على المقتول، فتعود الهاء على " من " قاله مجاهد. ~~فيكون PageV06P4195 # المعنى: إن المقتول كان منصورا بوليه. # وقال قتادة: الهاء للولي. أي: [بأن الولي] كان منصورا. # وقيل: الهاء تعود على الدم. أي: [إن] دم المقتول كان منصورا على القاتل. # وقال الفراء: الهاء تعود على القتل أي القتل كان منصورا. # وقال أبو عبيدة الهاء للقاتل [أي]: إن القاتل كان منصورا إذا قيد منه في ~~الدنيا وسلم من عذاب الآخرة بقتله. # قال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}. # أي: لا تأكلوا أموال اليتامى إسرافا وبدرا أن يكبروا ولكن / أقربوها ~~بالإصلاح والتثمير لها. # قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ms1379 فكانوا لا PageV06P4196 # يخالطوهم في طعام ولا أكل ولا غيره. فأنزل الله [ عز وجل] . # { وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} [البقر: 220] ~~فكانت هذه رخصة لهم في المخالطة. # وقال مجاهد: معنى الآية: لا تقربوا مال اليتيم فتستقرضوا منه {إلا بالتي ~~هي أحسن} التجارة لهم فيها. # وقوله: {حتى يبلغ أشده}. # قال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد: الحلم. ومعناه في اللغة: ~~حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل وتدبير ماله وصلاح حاله في دينه. وأن يكون ~~مع ذلك في غير ذي عاهة في عقل وأن يكون حاز ما في ماله. وكذلك الأشد في قصة ~~يوسف [عليه السلام] هو الحلم، فأما الأشد في [قصة] موسى [عليه السلام] ~~فقيل: هو بضع وثلاثين سنة. و " استوى " بلغ أربعين سنة. PageV06P4197 # و [قيل]: الأشد هنا ثمان عشرة سنة. # والأشد، عند سيبويه، جمع واحد [ه]: شد كقد وأقد. وهو عند غيره اسم مفرد. # ثم قال [تعالى]: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا}. # أي: مسؤولا عنه من نقضه. أي: أوفوا بما عاهدتم عليه الناس من صلح أو بيع ~~أو شراء. إن الله سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، وقيل: مسؤولا: مطلوبا. ومن ~~العهد الذي أمر الله [ عز وجل] بوفائه الوقوف عند أمره ونهيه والعمل بطاعته ~~ومنه جميع ما أمر الله [ عز وجل] به في هذه الآية قبله ونهى عنه. # قوله: {وأوفوا الكيل إذا كلتم}. # أمر الله جل ذكره عبيدة ألا يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن ~~يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد. وقال الضحاك: هو الميزان. ~~وقال PageV06P4198 # الحسن: هو القبان. # وروى الأعمش عن أبي بكر: " القصطاس " بالصاد في السورتين. # ثم قال: {ذلك خير وأحسن تأويلا}. # أي ذلك خير لكم. أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة. # وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا ~~مخافة الله [ عز وجل] إلا أبدله الله في ms1380 عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير ~~له من ذلك ". # وقال قتادة: " وأحسن تأويلا " وأحسن ثوابا وعاقبة. # قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}. PageV06P4199 # قال ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم. # وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ~~ذلك كله. وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. وعن ابن عباس أيضا معناه: ~~لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. وكذلك قال مجاهد: # فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس / بما لا ~~تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن. # وقيل معناه: لا ترم أحدا بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به. # والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه. # وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر ~~[إلا] PageV06P4200 # أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ. # وقرأ بعضهم: " ولا تقف " مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من قفوت. ~~وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعا يقعوا إذا ركب الناقة. ومثله قولهم عاث ~~في البلاد وعثى إذا أفسد. # فأما قوله: {إن السمع والبصر والفؤاد} فإنه يدخل فيه النهي عن الاستماع ~~إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ~~ابن آدم فيه من خير وشر. # وأصل القفو في اللغة التتبع. ومه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ولذلك ~~قال أبو عبيدة، " ولا تقف ما ليس " لا تتبع ما ليس لك به علم. # وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ~~ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها. فيكون على ~~القلب مثل قول الشاعر: PageV06P4201 # ولو أني رميتك من بعيد ... لعاقك من دعاء الذنب عاق # يريد عائق، فقلب. # وقوله: " كل أولئك " ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن " أولئك " و " ~~هؤلاء " للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكي. و " هذه " و " تلك " للجمع ~~الكثير. والتذكير للقليل ms1381 من الجمع كما كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث ~~والتأنيث بعده. فكذلك التذكير للجمع الأول. والتأنيث للجمع الثاني وهو: ~~الجمع الكثير. # وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ ~~أولئك. PageV06P4202 # وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك. # قال تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا}. # أي: لا تمش [في الأرض] مختالا بطرا متكبرا. # ونصب " مرحا " على الحال وهو مصدر في موضع الحال. # وقرأ بعضهم: " مرحا " بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال أيضا. ~~واختار الأخفش هذه القراءة. واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه معنى ~~التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل. # ثم قال [تعالى] " {إنك لن تخرق الأرض}. # أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك. وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق ~~الأرض، وإنما نهى الله [ عز وجل] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم PageV06P4203 # خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئا لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر ~~معه ولا خيلاء. # أي: كل ما نهى الله [ عز وجل] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة. # وقرأ الكوفيون وابن عامر " سيئة " بإضافة السيء إلى الهاء. وحجة هذه ~~القراءة أن الله [ عز وجل] قدم ذكر أشياء / أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى ~~عنها. ولو كان " سيئة " غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ~~ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه. سيئة. وهذا لا يجوز فوجب ~~أن يكون السيء مضافا على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروها. وهو قتل النفس ~~وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه. واحتج أيضا لها ~~بقوله: " مكروها " ولم PageV06P4204 # يقل " مكروهة " فوجب تذكير " السيء " وإضافته لذلك. # وهذا لا يلزم من قرأ " سيئة " غير مضاف لأن الله [ عز وجل] قدم الأشياء ~~المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت " كل ذلك [في قوله: " كل ~~ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله. # وأما التذكير ms1382 فهو حسن لأنه ذكر " مكروها وعلى لفظ " كل " و " كل " مضمر ~~في " كان " و " مكروها " خبر عن ذلك المضمر. و " سيئة " خبر آخر فأجرى أحد ~~الخبرين على اللفظ فذكر، والثاني على المعنى، فأنث. # وقال إنما ذكر " مكروها " في قراءة من قرأ " سيئة " لأن تأنيث السيئة غير ~~حقيقي. # وقيل: " السيء " و " السيئة " واحد فأجرى " مكروها " على " السيء " كما ~~حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات والموعظة ~~[على PageV06P4205 # المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث. # وقيل: " السيئة " و " السوء " واحد فذكر " مكروها " حملا على " السوء ". # وقيل إن من قرأ " سيئة " بالإضافة، إنما إضافة على معنى " السيء " كالذي ~~يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء. كقوله: {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} [الحج: 30] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى ~~الأوثان. # قوله: {ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة}. # المعنى الذي بينا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن ~~فعلها، " مما أوحى إليك ربك من الحكمة " أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ~~ربك يعني القرآن. # ثم قال تعالى: {ولا تجعل مع الله إلها آخر}. # أي: شريكا في عبادته. # {فتلقى في جهنم ملوما مدحورا}. PageV06P4206 # أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: " مدحورا ": مبعدا مقصى في النار. قال ~~ابن عباس: " مدحورا " مطرودا. # ويروى أن من قوله [تعالى ": {[و] لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا} إلى قوله: {ملوما مدحورا} هي العشر كلمات التي أنزلها الله [ ~~عز وجل] على موسى [ صلى الله عليه وسلم] في التوراة. ومثلها التي في ~~الأنعام {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} [الأنعام: 151] إلى آخر الثلاث ~~آيات. وهي المحكمة التي ذكرها الله [ عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه ~~اختلاف قد ذكرته هنالك. # قال: {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا}. # هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس / الذكور من الأولاد ~~واتخذ PageV06P4207 # لنفسه البنات وأنتم ms1383 لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [ عز وجل] ما لا ~~ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم ~~كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. # ثم قال تعالى: {إنكم لتقولون قولا عظيما}: أي قولة منكرة. # قال: {ولقد صرفنا في هذا القرآن [ليذكروا]}. # أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، ~~والوعد، والوعيد. # والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: " في ": زائدة ~~والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. # فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ~~ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفورا عن الحق ~~وبعدا منه. PageV06P4208 # وتشديد " ليذكروا " تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت ~~بمعنى: قال ذكره: {اذكروا نعمتي} [البقرة: 40] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: ~~تفكروا فيها واعتبروا. وقال: {واذكروا ما فيه} [البقرة: 63] وقال: {[كلا] ~~إنها تذكرة * فمن شآء ذكره} [عبس: 11 - 12] و {ما تذكرون} [الحاقة: 42] " ~~فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ~~ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. PageV06P4209 # قال [تعالى]: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون}. # المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان ~~الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] ~~القربى من الله [ عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلت ~~عظمته]. # قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن ~~جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقا للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: ~~إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. # قال تعالى: {سبحانه وتعالى عما يقولون}. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا. PageV06P4210 # و " كلوا ": مصدر. جاء على غير ال [م] صدر. ولو جاء على مصدر الكلام لكان ~~تعاليا، ولكنه مثل {وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8] ومثل " {أنبتكم من ~~الأرض نباتا} [نوح: 17]. # قال تعالى: {تسبح له السماوات السبع}. # أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و " من فيهن "، يعني: ms1384 من في ~~السموات والأرض من الملائكة والجن والإنس. # ثم قال: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}. # روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " " ألا أخبركم ~~بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا قال لابنه: " يا بني آمرك [أن تقول سبحان ~~الله وبحمده " فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [ ~~عز وجل] : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ". PageV06P4211 # وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح / من ~~ضجرة وغيرها. # وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، ~~فذلك تسبيحه. # وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. # {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي: لا تعقلون ذلك. # وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: " لا تقتلوا ~~الضفادع فإنه ليس لله [ عز وجل] أكثر تسبيحا منها ". # وذكر أبو عبيد أن داوود صلى الله عليه وسلم بات داعيا لربه [ عز وجل] ~~ومصليا حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله ~~الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت ~~له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثا من الدهر ما جمعت [ما] بين ~~فقمي تسبيحا لله [ عز وجل] . PageV06P4212 # واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: ~~تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: {وإن منها لما ~~يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [ عز ~~وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. # وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى ~~تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت ~~تنسبه. # كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجبا منها، ~~من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! # و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها ms1385 تسبح، ~~الموات وغيره، والله [ عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة ~~والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء ~~وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع ~~فيه PageV06P4213 # الكلام لكثرة الشواهد عليه. # ثم قال تعالى: {إنه كان حليما غفورا}. # أي: حليما لا يعجل على خلقه المفترس عليه. " غفورا " أي: ساتر [ا] لذنوب ~~من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليما: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض. # قوله: {وإذا قرأت القرآن جعلنا}. # أي: وإذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم ~~حجابا يستر قلوبهم على أن يفهموا ما تقرأه عليهم فينتفعوا به عقوبة على ~~كفرهم. # ومستورا هنا: بمعنى: ساتر لقلوبهم. وقيل: هو على بابه مفعول لأن الله [ ~~عز وجل] قد ستر الحجاب عن أعين الناس فهو مفعول على بابه. والحجاب هنا PageV06P4214 # الطبع على قلوبهم. # ونزلت هذه الآية في قوم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إذا ~~سمعوه يقرأ ليشتد على الناس فأعلمه الله [ عز وجل] أنه يحول بينه وبينهم ~~حتى لا يفهمون ما يقول. # قال /: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه}. # أي: جعلنا على قلوبهم أغشية تغشاها فلا تفهم ما تقرأ. # والأكنة: جمع كنان: " أيفقهوه ": أي: كراهة أن يفقهوه وقيل: معناه [ا] لا ~~يفقهوه. # و {وفيءاذانهم وقرا}. # أي: جعلنا في ءاذانهم صمما لئلا يسمعوه. PageV06P4215 # أي: قال: {وإذا ذكرت ربك في القرءان وحده}. # [أي]: إذا قلت لا إله إلا الله في القرءان {ولوا على أدبارهم نفورا} أي: ~~انفضوا عنك وذهبوا نفورا من قولك واستعظاما من تويحد الله جل ذكره. وقال ~~عبد الله بن الحسن: هو قوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وقال ابن زيد " نفورا ~~" بغضا لما تكلم به لئلا يسمعوه كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في ءاذانهم ~~لئلا يسمعوا ما يأمرهم به نوح [ صلى الله عليه وسلم] من الاستغفار والأمر ~~بالتوحيد. # وروي عن ابن عباس: أنه عني به الشياطين إذا سمعوا ذكر الله [ عز وجل] ~~وحده في ms1386 القرءان هربوا. # ووحده: منصوب عند سيبويه على المصدر. ولا يكون إلا مضافا ولا يثنى ولا ~~يجمع ولا يؤنث في ذاته، فإذا قلت جاءني زيد وحده، فكأنك قلت أفرد زيد نفسه ~~بمجيئه إلي إفرادا. أي: لم يأتني مع غيره. وإذا قلت: رأيت القوم وحدهم. ~~فمعناه: PageV06P4216 # أفردتهم برؤيتي لهم أفرادا. أي: لم أجاوزهم إلى غيرهم. فكأنه مصدر عمل ~~فيه فعال في معناه من غير لفظه. # فأما قولهم: هو نسيج وحده. فهو مجرور في هذا المثل. ومعناه: المدح للرجل ~~المنفرد برأيه. وهو مأخوذ من الثوب النفيس الذي لا ينسج على منواله [غيره]. ~~وكذلك قولهم: هو عيير وحده وجحيش وحده أتى مخفوضا مضافا إليه، ولا يقاس على ~~هذه الثلاثة غيرها. # فأما قولهم: رأيتهم ثلاثتهم وخميستهم، ونحوه من العدد فيحسن نصبه على ~~المصدر كأنك قلت: ثلثتهم تثليثا وخمستهم تخميسا. # وبعضهم يجر [ي] ه على ما قبله من الأعراب. يجعله بمنزلة كلهم. فيقول: ~~فعلنا ذلك خمستنا، فيرفع كما تقول: كلنا. # وإن شئت نصبت على المصدر وكذلك: مروا بنا خمستنا. وخمستنا تخفض على PageV06P4217 # التأكيد للمضمر المخفوض وينصب على المصدر، وترفع على التأكيد للمضمر ~~المرفوع. # قال [تعالى ذكره]: {نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك}. # أي: نحن أعلم بما يستمع هؤلاء المشركون إذ يستمعون إليك وأنت تقرأ. # {وإذ هم نجوى} [أي: ذووا نجوى] أي: ذوواسر. وهذا مثل قولهم " قوم رضى " ~~ونجواهم هو سرهم في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم. # والعامل في: إذ ": من قوله: {إذ يقول} " نجوى " أي: يتناجون في هذا ~~الوقت. والعامل في إذ الأول " يستمعون: الأول. والمعنى: نحن يا محمد لا ~~أعلم باستماعهم إلى قراءتك وقت استماعهم وهم يتناجون في / وقت قولهم بعضهم ~~لبعض: ما تتبعون إلا رجلا مسحورا. وقيل: يقول ذلك للمؤمنين. # ومعنى " مسحورا ": أي: له سحر، والسحر الرئة. أي: يأكل ويشرب لأن PageV06P4218 # كل من له رئة يأكل ويشرب فهو مثل قولهم {إن تتبعون إلا رجلا}، مثلكم. # وقيل المعنى: قد سحروا وأزيل عن حد الاستواء. # قال [تعالى]: {انظر كيف ضربوا ms1387 لك الأمثال} # المعنى: انظر يا محمد بعين قلبك كيف شبهوا لك الاشتباه لقولهم هو مسحور ~~وهو شاعر وهو مجنون. " فضلوا " أي: فجاروا عن قصد السبيل بقولهم. {فلا ~~يستطيعون سبيلا}. # أي: فلا يهتدون إلى طريق الحق. وعني بهذا: الوليد بن المغيرة وأصحابه ~~قاله: مجاهد. # قوله: {وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا [أءنا لمبعوثون]} إلى قوله: {إلا ~~قليلا}. # المعنى: أن الله جل ذكره أخبر عن قول المشركين وإنكارهم البعث بعد PageV06P4219 # الموت. والرفات: التراب، قاله مجاهد. أي: قالوا منكرين للبعث أنبعث بعد ~~أن كنا عظاما وترابا في قبورنا. # وقال ابن عباس: الرفات: الغبار. وقال أبو عبيدة والكسائي/ الرفات الحطام. ~~والعظام ما لم يتحطم، والرفات: ما تحطم، كذا قال أبو عبيدة. # والرفات في اللغة: الرضاض والحطام. يقال: رفت رفتا إذا حطم. ولا واحد له ~~كالدقاق. وهذا المثال في هذا المعنى، يأتي أبدا محل فعال. نحو الفتات ~~والتراب والرفات والغبار والحطام والرضاض. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام قل لهم يا محمد: {قل كونوا حجارة أو ~~حديدا (50)} أو كونوا على أي خلق يعظم في صدوركم فلا بد لكم من الموت ~~والبعث أي: استشعروا مت شئتم أن تكونوا عليه من الخلق. فلا بد أن يمتكم ~~الله [ عز وجل] ثم يحييكم. # وقال ابن عباس في قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} هو الموت. أي: لو ~~كنتم PageV06P4220 # الموت بعينه لأماتكم الله عز وجل ثم أحياكم، وهو قول: أبي صالح والحسن ~~والضحاك. وقال ابن جبير، كونوا الموت فإن الموت سيموت. قال عبد الله بن ~~مسعود: يوتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح حتى يجعل بين الجنة والنار ~~فينادي مناد يسمع أهل الجنة وأهل النار، فيقول هذا الموت قد جئنا به ونحن ~~مهلكوه، فأيقنوا يا أهل الجنة ويا أهل النار بأن الموت قد هلك. # وقال مجاهد قوله: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} هو السماء والأرض ~~والجبال. # ثم أخبر عنهم تعالى ذكره أن جوابهم للنبي [ صلى الله عليه وسلم] إذ قالوا ~~له " من يعيدنا " أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة ms1388 أو حديدا، فقل لهم يا محمد ~~يعيدكم {الذي فطركم أول مرة} أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا. # ثم قال الله [ عز وجل] لنبيه [عليه السلام] {فسينغضون إليك رؤوسهم}. PageV06P4221 # أي: يحركونها استهزاء واستبعادا للبعث. و/ النغض في كلام العرب حركة ~~بارتفاع وانخفاض. {[ويقولون] متى هو} أي: متى البعث، فقيل لهم يا محمد {عسى ~~أن يكون قريبا} أي: هو قريب. لأن عسى من الله [تعالى] واجبة. # ثم قال تعالى: {يوم يدعوكم}. # أي: [يوم] يبعثكم يوم يدعوكم من القبور {فتستجيبون بحمده} أي: بأمره، ~~قاله: ابن عباس. وقال قتادة: " بحمده " بمعرفته. # وقيل: معناه: بقدرته، ودعائه إياكم، ولله الحمد على كل حال. كما يقول ~~القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله. أي: ولله الحمد على كل حال. PageV06P4222 # وروي عن [ابن] جبير أنه قال: يخرج الناس من قبورهم وهم يقولون سبحانك ~~اللهم وبحمدك. # وقال أبو إسحاق معناه: ويستجيبون مقرين بأنه خالقهم. # وقيل: يستجيبون بحمده يعني: عند النفخة الثانية {وتظنون إن لبثتم إلا ~~قليلا} يعني: بين النفختين. وذلك أنه يكف عنهم العذاب بين النفختين فينامون ~~فذلك ما حكى [ عز وجل] عنهم قي يس أنهم يقولون: {ياويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا} [يس: 52] لأنهم يعذبون من يوم يموتون إلى النفخة الأولى، وهو خاص ~~لمن قاتل نبيا، أو قتل في قتال نبي، أو قتله نبي أو مات على كفره في حياة ~~نبي. # ثم قال [تعالى] قالوا {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا}. PageV06P4223 # أي: وتحسبون عند موافاتكم يوم القيامة من هول ما تعاينون ما لبثتم في ~~الأرض إلا وقتا قليلا كما قال {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين} [المؤمنون: 112و113]. # قال قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلت حين عاينوا يوم القيامة. # قوله {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}. # أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن ~~من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: {التي هي أحسن} أن يقول لك: يرحمك ~~الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: {التي هي أحسن} ms1389 أن يقولوا: ~~لا إله إلا الله. # وقوله: {إن الشيطان ينزغ بينهم}. # أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه ~~كان PageV06P4224 # للإنسان عدوا مبينا، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان له ~~عليه. # قال تعالى: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم}. # هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: " ربكم " أيها المشركون ~~" أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث {أو إن يشأ ~~يعذبكم} فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. # ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: {ومآ أرسلناك عليهم وكيلا}. # أي: رقيبا تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير. # قال {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض}. # أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم / وأهل ~~التوبة منهم من أهل المعصية. # ثم قال: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض}. PageV06P4225 # وهو اتخاذه لإبراهيم خليلا، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبورا. وهو دعاء علمه الله داود ~~تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خفف على داوود القرآن ~~فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن ". # وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضل بعض النبيين على بعض فلا ~~ينكروا تفضيله لمحمد [ صلى الله عليه وسلم] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود ~~زبورا وهو بشر مثله. # قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه}. # أي: قل لهم يا محمد: ادع [وا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله PageV06P4226 # عند ضر ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضر] عنكم ولا تحويله عنكم إلى ~~غيركم. # هؤلاء الذين أمر الله [ عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم ~~قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيرا قاله: مجاهد. وقال ~~ابن ms1390 عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضا: هم عيسى وعزير ~~والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط. # وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفرا من الجن: فأ [سلم] أولئك النفر من الجن ~~ولم يعلم بهم من يعبدهم. قاله ابن مسعود. ولذلك قال: {أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة} أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ~~ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على ~~القول الأخير. PageV06P4227 # ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول. # والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على ~~العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. # وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى ~~رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. # ومعنى: {أيهم أقرب} إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون ~~وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذورا. # واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن ~~عيسى وعزيرا ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ صلى الله عليه وسلم] فلا يحسن ~~دخولهم هنا في هذا المعنى. # قوله: {وإن [من] قرية إلا نحن مهلكوها}. # المعنى: وما من أهل قرية إلا سيهلكون قبل يوم القيامة إما بعذاب أو بموت. PageV06P4228 # وقيل معناه وإن من قرية مفسدة أو ظالمة إلا نحن مهلوكها. [وهو / قول حسن] ~~دليله [قوله تعالى]. # {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} [القصص: 59] وله في القرآن ~~نظائر. # {ذلك في الكتاب مسطورا}. # أي: في اللوح المحفوظ. وقيل في الكتاب الذي كتبه الله [ عز وجل] للملائكة ~~فيه أخبار العباد الكائنة والتي لم تكن ليستدلوا بذلك على قدرته [جلت ~~عظمته]. # قال تعالى: {وما منعنآ أن نرسل بالآيات}. # المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات [التي] اقترحتها قريش {إلا أن كذب بها ~~الأولون} فأهلكوا واستؤصلوا فلو أرسلت إلى هؤلاء بالآيات وكذبوا PageV06P4229 # لأهلكوا واستؤصلوا، ففعل الله [ عز وجل] بهم في ترك ms1391 مجيء الآيات التي ~~سألوها فيه الصلاح. # وفي هذا ما يدل على أن الله جل ذكره أخر الآيات عن قريش، لئلا يكفروا بها ~~فيهلكوا كما فعل بالأمم قبلهم. فكان تأخيره لذلك لما علم أن منهم من يؤمن ~~ومنهم من يولد له من يؤمن. فأخر الآيات ليتم علمه فيهم. وعلم من الأمم ~~الأول أنه لا يؤمن أحد منهم، ولا يولد لأحد [منهم] من يؤمن فأرسل الآيات ~~فكفروا فأهلكوا. وأخر ذلك عن قريش ليتم ما علم منهم. وقد ظهرت آيات على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فالمعنى في هذا: ما منعنا أن نرسل بالآيات التي ~~معها الاصطلام والهلاك لمن كذب بها، إلا أنا حكمنا على كافري أمة محمد [ ~~صلى الله عليه وسلم] بعذاب الآخرة وألا يصطلموا بعذاب الدنيا. وهو قوله ~~{ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]. فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم رحمة للمؤمنين إذ أستنقذهم من الضلال PageV06P4230 # وهداهم إلى الإيمان، وهو رحمة للكافرين إذ أخر عذابهم واصطلامهم إلى ~~الآخرة. قال ابن عباس: " سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ~~الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزرعون فقيل له: " إن شئت أن تستأتي ~~بهم لعلنا نجتني منهم. وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما ~~أهلك من كان قبلهم قال لا، بل استأني بهم فأنزل الله الآية " وعلى هذا ~~المعنى قول الحسن وابن جبير وقتادة، وهم أهل مكة. # ثم قال [تعالى] {وآتينا ثمود الناقة مبصرة}. # أي: وقد سأل [ت] الآيات من قبل محمد [ صلى الله عليه وسلم] ثمود فأتيناها ~~ما سألت وجعلنا تلك الآية [ناقة] مبصرة، أي: ذات أبصار، أي: مضيئة ظاهرة ~~بمنزلة قوله: {والنهار مبصرا} [يونس: 67] أي: مضيئا. وقيل: معنى مبصرة ~~مبينة. أي: تبين لهم PageV06P4231 # صدق صالح عليه السلام. وقال مجاهد مبصرة [آية]. # ثم قال: {فظلموا بها}. # أي: فظلموا من أجلها لأنهم عقروها وكفروا بما جائتهم فصار ظلمهم من ~~أجلها. وقيل: معناه فظلموا بتكذيبهم بها. # ثم قال: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا}. # أي: وما نرسل بالعبر ms1392 إلا تخويفا / للعباد. وقيل: الآيات هنا: [هي] آيات ~~القرآن. وقال الحسن: هو الموت الذريع. # وقال نفطويه: الآيات هنا ثلاث: آية تدل على النبوة ومعجزة. وآية عقوبة، ~~يعني: سؤال تبين فيها القدرة، وهاتان معه [م] االنظرة، ومنه قوله: {وما ~~نرسل بالآيات إلا تخويفا} فهذه معها النظرة، والثالثة: آية سألتها أمة غير ~~ما PageV06P4232 # جاءها به نبيها فهذه لا نظرة معها إذا أعطيتها الأمة فكفرت بها أهلكت. # قال تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس}. # أي: واذكر يا محمد إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس، وذلك أن الله جل ذكره ~~وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيمنعه من كل من بغاه بسوء، فذكره هنا ما ~~قد قال له أولا. # ومعنى: {أحاط بالناس} أي: هم في قدرته وقبضته فلا يصلون إليك يا محمد ~~بسوء، فامض لما أمرت به [من] تبليغ الرسالة. قال الحسن: معناه: أحاط لك ~~بالعرب ألا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل. # ثم قال: {وما جعلنا الرءيا التي أريناك [إلا فتنة للناس]}. # يعني: [ما أراه] ليلة أسري به افتتن بها قوم فارتدوا عن الإسلام. وهذا PageV06P4233 # مما يدل على أن الرؤيا التي كانت رؤيا عين لا رؤيا نوم. لأنها لو كانت ~~رؤيا نوم ما افتتن أحد بها ولا ارتد. لأن الإنسان يرى في نومه مثل هذا ~~وأبعد منه. فلما أخبرنا الله [ عز وجل] أن الرؤيا كانت فتنة للناس، علمنا ~~أنها رؤيا عين. لأن من كان ضعيفا في الإسلام يستعظم الوصول إلى بيت المقدس ~~والرجوع منها في ليلة فيرتد بجهله، وقلة علمه. # وأيضا فإنها لو كانت رؤيا نوم، لم تكن بآية ولا فيها دلالة عن نبوة، لأن ~~سائر الناس، قد يرى في نومه ما هو أبعد من ذلك. # وعن ابن عباس: إن هذه الرؤيا المذكورة هنا هي رؤيا رءاها النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة. رأى أنه يدخل مكة هو وأصحابه. فعجل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل. فرده المشركون. فقال ناس: قد رد رسول ~~الله صلى ms1393 الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فاتتن قوم بذلك. # والصحيح أن الرؤيا هنا ما رأى إذ أسري به. روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصبح PageV06P4234 # - غداة أسري به - على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثرهم: إن العير لتطرد ~~شهورا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهر مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ~~ويرجع إلى مكة. فارتد جماعة من الناس، فذلك الفتنة التي ذكر الله [ عز وجل] ~~. # ويروى " أن الناس ذهبوا إلى أبي بكر [رضي الله عنه] فقالوا يا أبا بكر: ~~صاحبك يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. / ~~فقال أبو بكر: تكذبون عليه. فقالوا: بل ها هو ذا في المسجد يحدث بها الناس. ~~فقال أبو بكر: والله لئن كان قالها لقد صدق، فما يعجبك من ذلك؟ فوالله إنه ~~ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار ~~فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل أبو بكر حتى انتهى إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه ~~الليلة؟ قال: نعم. قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته. قال الحسن، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: فرفع لي حتى إني نظرت إليه فجعل رسول الله [ ~~صلى الله عليه وسلم] يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت أشهد أنك رسول الله ~~[ صلى الله عليه وسلم] كلما وصف له منه شيئا قال: صدقت أشهد أنك رسول الله ~~[ صلى الله عليه وسلم] حتى إذا انتهى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ~~بكر: وأنت يا أبا بكر: الصديق. فيومئذ سماه الصديق " # وأنزل الله [ عز وجل] فيمن ارتد عن إسلامه PageV06P4235 # في ذلك الوقت الآية: {وما جعلنا الرءيا التي أريناك} الآية. # وقيل: إنها رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فغمته: رأى أن ~~بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات. # والقولان الأولان أحسن وأبين ms1394 لأن هذه الرؤيا لو صحت ما كان فيها فتنة ~~لأحد. وقد أخبرنا الله أنه جعلها فتنة للناس. وأيضا فإن السورة مكية، ~~والريا التي رآها في المنام بالمدينة كانت. # وقوله: {والشجرة الملعونة في القرآن}. # قال ابن عباس: هي شجرة الزقوم. وهو قول: [أبي] مالك، وعكرمة وابن جبير ~~والنخعي ومجاهد والضحاك. PageV06P4236 # وقال الحسن: كانت قريش يأكلون الثمر والزبد ويقولون تزقموا من هذه الزقوم ~~فوصفها الله [ عز وجل] لهم في " والصافات ". # قال الحسن: قال أبو جهل وكفار قريش: أليس من كذب ابن أبي كبشة أنه يوعدكم ~~بنار تخرق فيها الحجارة ويزعم أنها تنبت فيها [ال] شجرة. # وعن ابن عباس: [إنها] الكشوتا. # وتقدير الآية: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك في الاسرا بك، والشجرة ~~الملعونة في القرآن، إلا فتنة للناس، فكانت فتنة الرؤيا الارتداد، وفتنة ~~الشجر قول أبي جهل وأصحابه: يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة والنار ~~تأكل الشجر. فزادت بذلك فتنة المشركين وبصيرة المؤمنين. PageV06P4237 # وإنما قال الملعونة: وهي لم تلعن في القرآن على معنى الملعون آكلها. ~~وقيل: إنما قيل ذلك: لأن العرب تقول: لكل طعم مكروه ملعون. # ثم قال {ونخوفهم}. # أي نخوف هؤلاء المشركين ونتوعدهم بالعقوبات فما يزيدهم تخويفنا إلا ~~طغيانا أي: تماديا في كفرهم كبيرا لأنهم لما خوفوا بالنار التي طعامهم فيها ~~الزقوم دعوا بالثمر / الزبد وقالوا تزقموا من هذا الزقوم. # قال: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم}. # المعنى: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس ~~حسد آدم، وسخر منه، وقال: لا أسجد لمن خلقته من طين، وأنا مخلوق من نار. ~~والنار تأكل الطين. قال ابن عباس: بعث رب العالمين إبليس فأخذ من أديم ~~الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم [ صلى الله عليه وسلم] . فكل شيء خلقه ~~من عذبها فهو صائر إلى الجنة، وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها، ~~فهوى صائر إلى النار، وإن PageV06P4238 # كان ابن نبيين. # قوله: {قال أرأيتك هذا الذي كرمت} # المعنى: قال إبليس أرأيتك يا رب هذا الذي كرمت علي: أي: فضلته ms1395 علي ~~وأمرتني بالسجود له {لئن أخرتن إلى يوم القيامة}. أي: أخرت هلاكي إلى يوم ~~القيامة، يريد النفخة الثانية، وهي التي لا يبقى بعدها أحد إلا الله جل ~~ذكره، فأبى الله [سبحانه] ذلك عليه. وقال إنك {من المنظرين * إلى يوم الوقت ~~المعلوم} [الحجر: 38] وهي: النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. ~~وبين النفختين أربعون سنة. # قوله: {لأحتنكن ذريته إلا قليلا}. # أي: لأستولين عليهم، قاله: ابن عباس. وقال ابن زيد: لأحتنكن لأضلن. # فهو مأخوذ من قولهم: احتنك الجراد الزرع. إذا ذهب به كله. وقيل هو من PageV06P4239 # قولهم: حنك الدابة يحنكها إذا ربط حبلا في حنكها الأسفل وساقها، حكاه ابن ~~السكيت. وحكى: [احتنك] دابته بمعنى احنك، فيكون المعنى على هذا الاشتقاق ~~لأسوقنهم كيف شئت. وإنما قال إبليس هذا: لما قال الله [ عز وجل] { إني جاعل ~~في الأرض خليفة}. # قال تعالى: {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم}. # أي: اذهب فقد أخرتك إلى يوم القيامة، فمن تبعك من ذرية آدم وأطاعك {فإن ~~جهنم جزآؤكم}، أي: جزاؤك وجزاؤهم، أي: ثوابك على دعائك إياهم إلى معصيتي، ~~وثوابهم على اتباعهم إياك {جزاء موفورا} أي: مكملا. # وقال مجاهد: " موفورا " [أي] موفرا. وقيل موفورا مكملا. PageV06P4240 # قال تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك}. المعنى: واستخف من استطعت ~~منهم، واستجهل ونحوه. ومعنى " بصوتك ": عند مجاهد أنه صوت الغناء واللعب. ~~وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك. وقال ابن عباس: صوته كل داع دعا إلى ~~معصية الله [سبحانه]، وهو قول قتادة. وقيل: صوت المزمار. # وقيل: هو كل متكلم من غير ذات الله [ عز وجل] فهو صوت الشيطان، وكل راكض ~~في غير ذات الله [سبحانه] فهو من [خيل] الشيطان. وكل ماش في PageV06P4241 # غير ذات الله [جلت عظمته] فهو من رجل الشيطان. # وقيل معنى: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك}، أي: أجمع عليهم / من ركبان جندك ~~ومشاتهم يدعونهم إلى طاعتك، يقال: قد أجلب فلان على فلان إجلابا إذا صاح ~~عليه، والجلبة الصوت. # وقال قتادة: إن له خيلا ورجلا جنودا من الجن والإنس يطيعونه. وقال ابن ~~عباس: ms1396 خيله كل راكب في معصية الله [سبحانه] ورجله كل راجل في معصية الله ~~[تعالى]. # ثم قال [تعالى] {وشاركهم في الأموال والأولاد}. يعني: الأموال التي ~~أصابوها من غير حلها. قاله مجاهد. وقال الحسن: هي أموال أعطاها الله [ عز ~~وجل] لهم فأنفقوها في طاعة الشيطان. وقيل: هو ما كان المشركون يحرمونه من ~~أموالهم PageV06P4242 # يجعلونه لغير الله [سبحانه] مثل البحائر والوصائل والحامي وغير ذلك، روي ~~ذلك عن ابن عباس، وقال الضحاك: هو ما كان المشركون يذبحون لآلهتهم. # فأما مشاركته في الأولاد لهم. فقال ابن عباس: يعني أولاد الزنا، وهو قول ~~مجاهد والضحاك. وعن ابن عباس أيضا أنه قتلهم لأولادهم، وقال قتادة: هو ~~إدخالهم أولادهم في دينهم وما يعتقدون من الكفر، وهو قول الحسن. # وعن ابن عباس، أيضا: أنه تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد ~~العزيز. PageV06P4243 # ثم قال تعالى: {وعدهم} # أي: عدهم النصر على من أرادهم بسوء # ثم قال: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}. # أي: ما يغني عنهم من عذاب الله [ عز وجل] من شيء. وهذا كله من الله وعيد ~~وتهديد لإبليس عليه اللعنة. ومثله {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]. وقيل: إنما ~~أتى هذا على وجه التها [ون] بإبليس وبمن اتبعه. # قال: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}. # أي: إن الذين أطاعوني واتبعوا أمري {ليس لك عليهم سلطان} " أي: حجة. # وقيل: الآية عامة في كل الخلق فلا حجة [له] على أحد من الخلق توجب أن ~~يقبل منه، هذا قول: ابن جبير. PageV06P4244 # وقيل: المعنى أن كل الخلق لا تسلط لك عليهم إلا بالوسوسة. # ثم قال تعالى: {وكفى بربك وكيلا}. # أي: وكفى بربك يا محمد حافظا لك. وقال قتادة: " وكيلا ": كافيا عباده ~~المؤمنين. وقيل: معناه منجيا مخلصا من الشيطان. # قوله: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك}. # هذا خطاب للمشركين يذكرهم الله [ عز وجل] نعمه عليهم، فالمعنى: ربكم أيها ~~القوم، هو {الذي يزجي لكم الفلك} أي: يسير لكم الفلك، وهي السفن {في البحر ~~لتبتغوا من فضله} أي: لتتوصلوا بالركوب فيها إلى أماكن تجارتكم ومطالبكم ~~ولتلتمسوا رزقه {إنه كان ms1397 بكم رحيما} إذ سخر لكم ذلك وألهمكم إليه. PageV06P4245 # قال ابن عباس يزجي: يجري، وقال قتادة: يسير. # قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه}. # أي: وإذا نالتكم الشدة والجهد من عصوف الريح أو خوف غرق، فقدتم من تدعون ~~/ من دون الله [سبحانه] أي: فقدتم آلهتكم لخلاصكم، ولم تجدوا غير الله [ عز ~~وجل] مغيثا إذا دعوتموه. # {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم}. # أي: فلما نجاكم [الله سبحانه] من هول ما كنتم فيه وشدته أعرضتم عما PageV06P4246 # دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفرا منكم بنعمته. # {وكان الإنسان كفورا} أي: كفورا ربه [ عز وجل] . # فالإنسان يراد به الكافرين خاصة. # قال: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر}. # المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم ~~أن يخسف الله [ عز وجل] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره {أو يرسل ~~عليكم حاصبا} أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط {ثم لا تجدوا ~~لكم وكيلا} أي: فيما يقوم لكم بالمدافعة عنكم من عذاب الله [ عز وجل] " ولا ~~ناصرا ". # وقال أبو عبيدة: " حاصبا " هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء PageV06P4247 # من قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى. والحصباء الحصى الصغار. # قال: {أم أمنتم أن يعيدكم فيه}. # [أي: في البحر] " تارة أخرى " أي: مرة أخرى {فيرسل عليكم قاصفا من الريح} ~~وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه. من قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا ~~كسره. # {فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} أي: تابعا يتبعنا ~~بما فعلنا بكم. # قال: {ولقد كرمنا بنيءادم وحملناهم}. # أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب، PageV06P4248 # يدل عليه قوله: {وحملناهم في البر والبحر}. # ثم قال: {ورزقناهم من الطيبات}. # [أي: من طيبات] المطاعم والمشارب. وقيل: هي [الحلال. وقيل: ذلك] السمن ~~والعسل. وهو قول شاذ. # ثم قال: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}. # فقوله: " على كثير " ولم يقل: " على كل من خلقنا " يدل على أن الملائكة ~~أفضل ms1398 من بني آدم. وقيل: وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه. ~~وفضل PageV06P4249 # بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى. وقال ابن عباس: فضلوا بأنهم يأكلون ~~بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها. # قوله: {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم}. # أي: واذكر يا محمد يوم ندعو. # ومعنى " [ب] إمامهم: نبيئهم الذي أرسل إليهم. قاله: ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة. # وعن ابن عباس أيضا: [أن] الإمام هنا، كتاب عمل الإنسان مثل قوله: {وإنهما ~~لبإمام مبين} [الحجر: 79] " وكذلك قال الحسن وأبو صالح وأبو العالية. # وقال ابن زيد: " بإمامهم " بكتابهم الذي أنزل إليهم. # وعن ابن عباس: " بإمامهم " بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة. PageV06P4250 # [و] قال أبو العالية: " بإمامهم " بأعمالهم. # ثم قال: {فمن أوتي كتابه بيمينه}. # أي: من أعطي كتاب عمله بيمينه لم يظلم من جزاء عمله الصالح مقدار فتيل. ~~وهو الخيط الذي في وسط النواة. /. # واختار الطبري أن يكون الإمام هنا: الذي كانوا يعبدونه في الدنيا. # وقال النحاس: الناس يدعون في الآخرة بهذا كله، يدعون بنبيهم، فيقال: أين ~~أمة محمد؟ وبكتابهم، فيقال: أين أمة القرآن؟ وبعملهم، فيقال: أين أصحاب ~~الورع؟ وكذا الكفار يدعون بضد هذا: أين أمة فرعون؟ وأين أصحاب الربا؟ وفي ~~هذا مدح للمؤمنين على رؤوس الناس وذم للكافرين. # وروي أن المؤمن يمد يمينه سهلا، ويتناول كتابه بالسهولة، وأن المشرك يمد ~~يمينه ليأخذ كتابه فيجتدبه ملك فيخلع يمينه فيتناول كتابه بشماله. PageV06P4251 # قال [تعالى]: {ومن كان في هذه أعمى}. # أي: في الدنيا يريد عمى العين عن الهدى فهو في الآخرة أعمى منه في الدنيا ~~[يريد] أنه يكون في الآخرة أعمى العين والقلب. وعلله أبو عمرو في إمالته ~~الأول دون الثاني: أنه أراد أن يفرق بين المعنين: فأمال عمى العين وفتح عمى ~~القلب للفرق. # وكان عمى القلب بالفتح أولى، لأن الألف فيه [في] حكم المتوسط [ة] إذ ~~تقديره: أعمى: منه في الدنيا. # وافعل الذي معه من هي من تمامه ولذلك صرف بعض العرب كل ما لا ينصرف إلا ~~افعل منك لأن منك من تمامه، وهو مذهب الكوفيين، ms1399 فلما كانت منك PageV06P4252 # من تمامه صارت بمنزلة المضاف إليه، والمضاف إليه لا يدخله التنوين فامتنع ~~[افعل] منك من الصرف لذلك. # ويدل على أن الثاني من عمى القلب. أنه لو كان من عمى العين لم يقل فيه ~~إلا: هو أشد أعمى من كذا لأن فيه معنى التعجب. # ومذهب المبرد: أنه لا إضمار مع أعمى الثاني من ولا غيرها ولا معنى للتعجب ~~فيه والثاني عنده من عمى العين كالأول. # قال سيبويه والخليل: لم يقولوا: ما أعماه، من عمى العين، لأنه خلقه ~~بمنزلة اليد والرجل، فكما لا يقال: ما إيداه، لا يقال: ما أعماه. # وقال الأخفش: لم يقل ذلك، لأن فعله على أكثر من ثلاثة. والأصل فيه " ~~اعماي. ولا يتعجب مما جاوز الثلاثة على لفظه. لا بد من: " أشد " و " أبين " ~~ونحوه. لأن الهمزة لا تدخل على الهمزة فلا يكن بد من فعل ثلاثي تدخل عليه ~~الهمزة. فأتى بأبين وأشد وأكثر ونحوه مما فيه المعنى المطلوب. # وقيل: إنما لم يقل: " ما أعماه " من عمى العين، ليفرق ما بينه وبين " ما ~~أعماه " من PageV06P4253 # عمى القلب. وكذلك لم يقولوا: ما أسوده. من اللون، للفرق بينه وبين ما ~~اسوده من السؤدد، ثم اتبع سائر الباب على ذلك، لئلا يختلف. # وأجاز الفراء في الكلام والشعر ما أبيضه، وحكي عن قوم جواز ما أعماه و ~~[ما] أعشاه من عمى العين، قال لأن فعله [من] عمي وعشي فهو ثلاثي. # وتحقيق معنى الآية: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن الهدى والإسلام. فهو ~~في الآخرة أشد عمى عن الرشد، وما يكسبه رضى ربه [ عز وجل] والوصول إلى جنته ~~[تبارك وتعالى]. # وقيل المعن: / من كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه النعم التي تقدم ذكرها: ~~من تفضيل بني آدم وغير ذلك، فهو في نعم الآخرة أعمى وأضل سبيلا. لأنه إذا ~~عمي عما يعانيه في الدنيا من النعم، فهو مما يعاينه من نعم الآخرة أعمى ~~أيضا، PageV06P4254 # وأضل سبيلا. # وقال ابن عباس: معناها: من عمي عن قدرة الله في هذه الدنيا فهو في ms1400 الآخرة ~~أشد عمى. وكذلك قال: مجاهد. # وقال قتادة: معناها من كان في هذه الدنيا أعمى عن الإيمان بالله [ عز ~~وجل] وتوحيده [سبحانه] مع ما عاين فيها من نعم الله وخلقه [ عز وجل] ~~وعجائبه وما أراه الله [ عز وجل] من خلق السماوات والأرض والجبال ~~[والنجوم]، فهو في الإيمان بالآخرة الغائبة عنه - التي لم يرها - أشد عمى ~~وأضل سبيلا. وهو قول ابن زيد. # ومعنى: {وأضل سبيلا} وأضل طريقا منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ~~ورءاها. # وهذا القول حسن مختار. لأن من لم يؤمن في الدنيا [بالله عز وجل] مع ما ~~يرى من الآيات الظارهة الدالات على توحيد الله [سبحانه] فهو أحرى ألا يؤمن ~~بالآخرة PageV06P4255 # التي لم يعاين أمرها وإنما هو خبر غائب عنه دعي [إلى] التصديق به. # قوله: {وإن كادوا ليفتنونك}. # هذه الفتنة، التي ذكرها الله [ عز وجل] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا. ~~فحدث نفسه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال [ عز وجل] يعلم أني لها كاره ~~فأنزل الله [ عز وجل] : { وإن كادوا ليفتنونك} الآية. # وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على ~~موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [ عز وجل] فذلك ~~قوله: {لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}. وقال مجاهد: قالوا له إتي آلهتنا ~~فامسسها PageV06P4256 # فذلك قوله: {لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}. # وقيل: إنما ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن ينظر قوما بإسلامهم ~~إلى مدة سألوه الإنظار إليها. قاله: ابن عباس. وهو ثقيف، سألوا النبي [عليه ~~السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي. قالوا له: فإذا قبضنا ~~الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ] سلمنا وكسرنا الآلهة فهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [ عز وجل] الآية. # وقيل: إنما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد عنا هؤلاء السقاط ~~والموال [ى] الذين آمنوا بك حتى نج ms1401 [ل] س معك ونستمع منك. فهم النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم] . بذلك طمعا منه أن يؤمنوا فأنزل الله [ عز وجل] الآية. # وقوله: {وإذا لاتخذوك [خليلا]}. PageV06P4257 # أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلا وكانوا لك ~~أولياء. # والقوف على " إذا " بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن. # وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل / موضع كما تقف على النون ~~الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها. وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل شيئا ~~وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون. # ثم قال تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}. # أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل إليهم ~~شيئا قليلا. # ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا تكلني إلى ~~نفسي طرفة عين ". # حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إجابتهم ولا ركن إليهم قط. وقالوا: " كدت تركن إليهم " ~~ظاهره خطاب للرسول PageV06P4258 # صلى الله عليه وسلم وباطنه خبر عن ثقيف. وتلخيصه وإن كادوا ليركنونك. أي: ~~فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار. كما يقول الرجل للرجل ~~كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. فنسب القتل إلى ~~المخاطب وهو لغيره. ومنه قولهم لأريتك ها هنا. فادخلوا حرف النهي على غير ~~المنهي عنه. وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا المكان حتى إذا أتيته لم أجدك ~~فيه. ومثله {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] دخل النهي على ~~الموت والموت لا يملك ولا يدفع. وتلخيصه لا تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم ~~الموت صادفكم مسلمين. # قال [تعالى] {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات}. # أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا ~~وضعف عذاب الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. # ثم قال: {ثم لا تجد لك علينا ms1402 نصيرا}. # أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك. PageV06P4259 # فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في الأضعاف. ~~وقد قال في نساء النبي صلى الله عليه وسلم { نؤتهآ أجرها مرتين} [الأحزاب: ~~31] وقال: {يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30]. # قال: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها}. # أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك ~~منها، ولو أخروجك منك لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلا. # قيل: إنهم [هم] اليهود. أرادوا أن يحتالوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الخروج من المدينة. وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام. وإن هذه ليست ~~بأرض نبيء فأنزل الله [ عز وجل] الآية. قال هذا المعتمر بن سليمان عن أبيه. PageV06P4260 # وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [ صلى الله عليه وسلم] من مكة قاله ~~قتادة. و [قال]: قد فعلوا / ذلك بعد، فأهلكهم الله [ عز وجل] يوم بدر: ~~وكانت سنة الله [ عز وجل] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. # وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فأراد الله ~~[ عز وجل] نفي قريش فأمره الله [ عز وجل] أن يخرج منها مهاجرا إلى المدينة ~~فخرج بأمر الله [ عز وجل] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: {وإذا لا يلبثون ~~خلافك إلا قليلا}. # وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز. وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين. ~~وقيل: المدينة، وفيه بعد. لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] في ~~المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى. PageV06P4261 # وقوله: {إلا قليلا} أي: [إلا] وقتا قليلا. وهو ما أقاموا بمكة بعده من ~~حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر. قاله: ابن عباس والضحاك. # و" خلفك ": معناه: بعدك. ومن قرأ " خلافك " فهي لغة فيه. وقيل معناه: ~~مخالفتك، قاله الفراء. # وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن. فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو توسط ~~لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل. ولقوة الفعل جاز عمله ms1403 متوسطا ومتأخرا وإلغاؤه. ~~وإذا كانت إذن مبتدأة عملت. فإن كانت بين كلامين لم تعمل. فإن كان قبلها ~~حرف عطف جاز الأعمال والإلغاء، ولذلك لم تعمل في " لبثوا ". وفي مصحف عبد ~~الله " وإذا: لا يلبثون خلفك " اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف. # ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد PageV06P4262 # يأتيك، فتقول: إذن أكرمه. أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني. ~~فإكرامه والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير. هذا مذهب حكي عن ~~الخليل وسيبويه. # ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير. # قوله: {سنة من قد أرسلنا}. # سنة منصوب على المصدر، أي: سن الله [ عز وجل] أن من أخرج نبيا من مكان لا ~~يلبث فيه خلفه إلا قليلا سنة. # قال قتادة: معناه: سنة أمم الرسل قبلك، كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم لم ~~يمهلوا حتى بعث الله [ عز وجل] عليهم عذابه. # وقال الفراء: معناه: لا يلبثون خلفك إلا قليلا كسنة من قد أرسلنا. فلما PageV06P4263 # حذف الكاف نصب، فعلى القول الأول: يجوز الابتداء بها، وعلى قول الفراء: ~~لا يحسن الابتداء بها. # قال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}. # قال ابن مسعود: هي صلاة المغرب، ودلوك الشمس وقت غروبها. وكذلك روي عن ~~ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وكذلك روى ابن زيد عن أبي. # وروى الشعبي عن ابن عباس: [أن] دلوك الشمس ميلها للزوال والصلاة. صلاة ~~الظهر. وكذلك روى نافع عن ابن عمر. وهو قول: الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد: ~~وروي ذلك عن أبي هريرة. # والدلوك في اللغة الميل. وقال أبو عبيدة: دلوكها / من حين تزول إلى أن ~~تغيب. وقال القتبي: العرب تقول دلك النجم إذا غاب. فاختياره [هو] قول من ~~قال: هو غروب الشمس. واختيار الطبري قول من قال: دلوكها ميلها للزوال. PageV06P4264 # وقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني جبريل لدلوك الشمس ~~حين زالت: فصلى بي الظهر ". # وقيل معنى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} عني بذلك: ms1404 الظهر والعصر. # وقوله: {إلى غسق اليل}. # غسق الليل إقباله ودنوه بظلامه. قال [ه] ابن عباس وعكرمة ومجاهد. # وقال قتادة: غسق الليل صلاة المغرب. وقال الضحاك غسق الليل إظلامه؟ فيدخل ~~تحت دلوك الشمس صلاة [الظهر] والعصر وتحت غسق الليل صلاة العشاء. # ثم قال: {وقرآن الفجر}. # أي: وألزم قرآن الفجر. فهو منصوب على الإغراء، وهو مذهب الأخفش. PageV06P4265 # وقيل معناه: وأقم قرآن الفجر. فمن نصب بإلزام حسن الابتداء به. ومن نصب ~~بأقم جعله معطوفا على ما قبله وهو أقم الصلاة. فلا يحسن الابتداء به لأنه ~~معطوف على ما قبله. # " وقرآن الفجر " صلاة الصبح، " كان مشهودا " أي تشهده ملائكة الليل ~~والنهار. وسميت الصلاة قرآنا لأنها لا تكون إلا بقرآن. وهذا يدل على أن ~~الصلاة لا تكون إلا بقرآن. وأنه فرض في الصلاة لأنه كله مأمور به في هذه ~~الآية. والنهار عند الخليل: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. PageV06P4266 # قوله: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك}. # معناه: ومن الليل يا محمد فاسهر بالقرآن {نافلة لك} أي: خاصة لك دون ~~أمتك. والتهجد: التيقظ، والسهر بعد نومة من الليل، والهجود: النوم. يقال: ~~تهجد زيد إذا سهر، وهجد إذا نام. # قال علقمة والأسود: التهجد بعد نومة. # وقال الحسن: التهجد ما كان بعد العشاء الآخرة. # قال ابن عباس معنى: " نافلة لك ": فرضا عليك. فرض الله ذلك على النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: إنما قيل له: " نافلة لك " لأنه لم يكن فعله ذلك ~~ليكفر عنه شيئا من الذنوب. فهو نافلة للنبي [عليه السلام] لأنه قد غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو نافلة له لأنه لا ذنب له، يكفر بنوافله، وهو ~~لأمته كفارة لذنوبهم، قال ذلك مجاهد. PageV06P4267 # وقول ابن عباس: أولى. لأن هذه السورة نزلت بمكة وسورة الفتح إنما نزلت ~~بعد منصرفه من الحديبية، فنزل عليه الأمر بالنافلة قبل معرفته بأن الله [ ~~عز وجل] قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فواجب أن يكون ذلك فرضا عليه ~~خاصة. خصه الله [ عز وجل] به، ms1405 لأن الصلاة بالليل أفضل أعمال الخير / فخض ~~الله [سبحانه] نبيه صلى الله عليه وسلم على أفضل الأعمال. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أفضل الصلاة بعد الصلاة ~~المفروضة الصلاة بالليل ". # وقال عليه السلام: " عليكم بالصلاة بالليل فإنها دأب الصالحين قبلكم، وهو ~~قربة إلى الله [ عز وجل] ، وكفارة للسيئات ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه ~~بالنهار ". # وقال: " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ". PageV06P4268 # وقال [النبي] عليه السلام: " صلوا بالليل ولو ركعتين. ما من أهل بيت تعرف ~~لهم صلاة إلا ناداهم مناديا أهل الدار: قومواإلى صلاتكم ". # وفضل الصلاة بالليل عظيم جسيم إليه انتهت العبادة وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: " إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله خيرا وهو يصلي إلا ~~أعطاه وهي في كل ليلة ". # ثم قال [تعالى]: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}. # وعسى من الله واجبة، لأن الله [ عز وجل] لا يدع أن يفعل بعباده ما أطعمهم ~~به من الجزاء على أعمالهم لأنه ليس من عادته الغرور ولا من صفته. # والمقام المحمود: هو الشفاعة. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج ~~والحسن. # وقال حذيفة: يجمع الله [ عز وجل] الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي PageV06P4269 # وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، سكوتا لا تكلم نفس إلا بإذنه، ~~فينادي محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ~~ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجى ~~منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت ". # قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله جل ذكره. # وعن ابن عباس أنه قال: بلغنا أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار ~~النار بقيت آخر زمرة من زمرة الجنة وآخر زمرة من زمر النار، فتقول زمرة ~~النار لزمرة الجنة: أما نحن فحسبنا ما علم الله [ عز وجل] في قلوبنا من ~~الشك والتكذيب فما ينفعكم إيمانكم فإذا قالوا لهم ذلك دعوا ربهم [ عز وجل] ~~وصاحوا ms1406 بأعلى أصواتهم، فيسمع أهل الجنة أصواتهم فيسألون آدم الشفاعة لهم. ~~فيأبى عليهم. ثم يمضون من نبي إلى نبي فكلهم يعتذر حتى يأتوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم [ فيشفع لهم] فذلك المقام المحمود وحديث الشفاعة مختلف ~~الألفاظ طويل ذكرنا منه ما يليق بالكتاب. PageV06P4270 # وعن مجاهد من رواية ليث، عنه أنه قال: المقام المحمود يجلسه معه على ~~عرشه. # و [عن] النبي عليه السلام في قوله: " مقاما محمودا " أنه قال: " هو ~~المقام الذي أشفع فيه لأمتي " رواه أبو هريرة عنه. # وروى كعب بن مالك أن النبي عليه السلام قال: " يحشر الناس يوم القيامة ~~[فأكون أنا وأمتي] على تل فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء ~~الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ". # قال عبد الله بن عمر: أن النبي عليه السلام قال: " إن الشمس لتدنو حتى ~~يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست / بصاحب ~~ذلك. ثم بموسى فيقول: كذلك. ثم بمحمد فيمشي بين الخلق حتى يأخذ بحلقة الجنة ~~فيومئذ PageV06P4271 # يبعثه الله المقام المحمود ". # وروي: عن عبد الله بن سلام أنه قال: " إن محمدا عليه السلام يوم القيامة ~~على كرسي للرب بين [يدي] الرب جل وعز. فهذا قول مجاهد. # وقيل المقام المحمود: هو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون يشرف ~~فيه على جميع الخلائق: يسأل فيعطى ويشفع، ليس أحد يوم القيامة إلا تحت لواء ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # قال تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق [وأخرجني مخرج صدق]}. # يعني: مدخله المدينة حين هاجر إليها وخروجه من مكة. قال ذلك: ابن عباس ~~والحسن وقتادة وابن زيد. ودل على هذا ما تقدم من قوله: {وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} [الإسراء: 76]. # وعن ابن عباس أيضا: {أدخلني مدخل صدق} أمتني إماتة صدق وأخرجني بعد PageV06P4272 # الممات مخرج صدق. # وقال مجاهد: يعني به: أدخلني فيما أرسلتني به مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق ~~من الدنيا. # وعن الحسن أيضا: {أدخلني مدخل صدق} الجنة، وأخرجني مخرج صدق مكة. # وقال الضحاك: معناه أخرجني من مكة ms1407 آمنا، وأدخلني إياها آمنا وهو يوم ~~الفتح. # وقال أبو صالح: {مدخل صدق} الإسلام. # وقيل معناه: أدخلني مكة بالعز والقوة والقدرة والحجة على جميع من خلقت ~~وأخرجني من مكة إلى المدينة لا ألقى إلا مؤمنا ومجيبا. ومعنى {مدخل صدق}: ~~[مدخل] سلامة وحسن عاقبة. فجعل الصدق موضع الأشياء الجميلة. # ثم قال تعالى: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا}. # أي: حجة تنصرني بها على من ناوأني، وعزا أقيم به دينك، وملكا تقوى به PageV06P4273 # أمتي. قاله: الحسن، قال: يوعده الله [ عز وجل] لننزعن ملك فارس عن فارس ~~ولنجعله لك، وعن الروم ولنجعلنه لك، أي لأمتك. # وقيل معناه: حجة بينة، قاله مجاهد. قال ابن زيد: نصيرا ينصرني. # قوله: {وقل جآء الحق وزهق الباطل}. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. جاء الحق وهو القرآن، وزهق الباطل وهو ~~الشيطان. قاله قتادة. # وقال ابن جريج: جاء الحق: هو قتال المشركين، وزهق الباطل. أي: الشرك الذي ~~هم عليه. # وقيل معناه: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول هذا إذا دخل ~~مكة على الأصنام. فقال ذلك حين دخل مكة فخرت الأصنام كلها وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بخرقها. # وقال ابن مسعود: دخل النبي عليه السلام مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون PageV06P4274 # صنما. فجعل يطعنها ويقول: {جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}. # ومعنى زهق ذهب. # قال: {وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين}. # أي ما يستشفي به المؤمنون ورحمة لهم دون الكافرين. وهو شفاء في الدين لما ~~فيه من الدلائل الواضحة والحجج الظاهرة / لا يلحق المؤمن ريب في التوحيد ~~معه. # و (من): هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض. فإذا كانت لبيان الجنس كان ~~القرآن كله شفاء للمؤمنين لأنهم يهتدون به. ولو كانت [من] للتبعيض لكان بعض ~~القرآن شفاء وبعضه غير شفاء وهذا لا يحسن. # وقيل: المعنى وننزل من جهة القرآن الشيء الذي فيه شفاء. فمن غير مبعضة، ~~إذ القرآن كله شفاء للمؤمن في دينه ليس بعضه شفاء وبعضه غير شفاء. PageV06P4275 # وقوله: {ولا يزيد الظالمين إلا ms1408 خسارا}. # أي: إلا هلاكا لأنهم يكفرون به فيزدادون خسارا. # قال: {وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه}. # معناه: وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من غم ومن كرب أعرض عن ذكر الله ~~وتباعد بناحيته. ومعنى " نأى ": بعد، قال مجاهد: " نأى بجانبه ": تباعد ~~منا. # ثم قال [تعالى] {وإذا مسه الشر [كان يئوسا]}. # أي: إذا مسه الشر والشدة قنط. قال قتادة: " إذا مسه الشر " يئس وقنط، ~~يعني بذلك: المشرك ينعم عليه وهو يبعد من الإيمان بمن أنعم عليه، وإذا ~~أصابه ضر وفقر يئس من رحمة الله [سبحانه]. # وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة ثم في كل من هو مثله من الكفار. # قال: {قل كل يعمل على شاكلته}. PageV06P4276 # أي: قل للناس يا محمد، كلكم يعمل على طريقته ومذهبه. وقال ابن عباس: على ~~ناحيته. وقال مجاهد: على حدته. وقال [ابن] زيد: على دينه. # ثم قال: {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا}. # أي: أهدى طريقا إلى الحق من غيره. # وقيل: معنى الآية كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب. فربكم أعلم ~~بمن هو أهدى طريقا إلى الصواب من غيره. # وقيل: يعمل على شاكلته اي على النحو الذي جرت به عادته وطبعه. # قوله {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}. # المعنى: ويسألك يا محمد، كفار أهل الكتاب عن الروح، قل لهم يا محمد PageV06P4277 # الروح من أمر ربي. # قال ابن مسعود: كنت مع النبي في حرث بالمدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه. فمر ~~بقوم من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه. فسألوه ~~عن الروح، فقام متوكئا على عسيبه فقمت خلفه، فظننت أنه يوحى إليه. فقال: ~~{ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا}. ~~فقال بعضهم: ألم أقل لا تسألوه. # وقال عكرمة: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فأنزل ~~الله: {ويسألونك عن الروح} الآية. فقالوا: أتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا ~~قليلا وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة {ومن يؤت الحكمة ms1409 فقد أوتي خيرا كثيرا} ~~[البقرة: 269] فنزلت: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام [والبحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر]} [لقمان: 27] الآية. PageV06P4278 # وقال قتادة: لقيت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فعنتوه وقالوا: إن كنت ~~نبيأ فستعلم ذلك. فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل ~~الله [ عز وجل] في ذلك كله. # وعن ابن عباس: " أن اليهود قالوا: / للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا ما ~~الروح؟ وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله عز وجل؟ ولم يكن ~~نزل إليه في شيء. فلم يجد إليهم فيه شيئا. وأتاه جبريل عليه السلام فقال ~~له: {قل الروح من أمر ربي}. الآية فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ~~فقالوا من جاءك بهذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم جاء به جبريل من عند ~~الله [ عز وجل] . فقالوا والله ما قاله لك إلا عدونا فأنزل الله [ عز وجل] ~~{ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك} ". # وقال بعض أهل العلم: علم الله [ عز وجل] أن الأصلح ألا يخبرهم ما هو لأن ~~اليهود قالت لقريش في كتابها أنه إن فسر لكم ما الروح فليس بنبي. وإن لم ~~يفسره فهو نبي. # وهذا القول: أولى بالآية لأن السورة مكية. وقد روى أن قريشا اجتمعت بمكة PageV06P4279 # فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد كذابا، ولقد نشأ فينا بالصدق ~~والأمانة فابعثوا منكم جماعة إلى يهود يثرب يسألونهم عنه. فخرجت طائفة حتى ~~لقوا أحبار يهود، وكانوا يومئذ ينتظرونه ويرجون نصرته. فسألهم قريش عنه: ~~فقالت: لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث: فإن أخبركم باثنين وأمسك عن الثالثة ~~فهو نبي: تسألوه عن أهل الكفه وعن ذي القرنين وعن الروح. فقدموا مكة وسألوه ~~عن ذلك. # وقيل: أنهم سألوه عن عيسى عليه السلام. # فقيل: لهم الروح من أمر الله، أي: هو شيء أمر الله [ عز وجل] به وخلقه لا ~~كما تقول النصارى. # وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح. وقال قتادة: هو جبريل عليه السلام. وعن ~~ابن عباس: أنه ملك. وعن ms1410 علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] إنه ملك من ~~الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ~~ألف لغة يسبح الله [ عز وجل] يتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملكا ~~يطير مع الملائكة إلى PageV06P4280 # يوم القيامة. # وقيل الروح القرآن، لقوله: {أوحينآ إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52]. ~~وإنما سمي القرآن روحا لأنه حياة للقلوب والنفوس لما تصير إليه من الخير ~~بالقرآن. # وقيل إن اليهود وصوا قريشا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~ليمتحنوا علمه وهذا أحسن ما قيل لآن السورة مكية. # وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا بني آدم، لهم أيد وأرجل. # ومعنى {من أمر ربي} أي من الأمر الذي يعلمه دونكم. # وقوله: {ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا}. # يعني الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقيل عني به الخلق كلهم ~~ولكنه PageV06P4281 # غلب المخاطب على الغائب. # قال عطاء: نزلت بمكة {ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا} فلما هاجر، " أتى ~~أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد ألم يبلغنا ~~أنك تقول {ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا} أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كلا قد ~~عنيت. قالوا فإنك تتلو / إنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله قليل. وقد آتاكم ما إن عملتم به ~~انتفعتم وأنزل الله [ عز وجل] : { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية ~~". # قال: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك}. # أي لو أردنا لذهبنا بالقرآن ثم لا تجد لك بذهابه علينا قيما ولا ناهرا ~~يمنعنا من ذلك. PageV06P4282 # قال ابن مسعود: معنى ذهابه رفعه من صدور قارئيه. وقال: تطرق الناس ريح ~~حمراء من نحو الشام فلا يبقى منه في مصحف رجل شيء ولا في قلبه آية، ثم قرأ ~~الآية {ولئن شئنا}. وروي عنه أيضا: أنه قال: يسري عليه ليلا ولا يبقى منه ~~في مصحف ولا في صدر رجل شيء. ثم قرأ: ms1411 {ولئن شئنا} الآية. # وروي عنه أنه قال: فيصبح الناس منه فقراء مثل البهائم. فيكون معنى الآية ~~على هذا: ولئن شئنا لمحوناه من الكتب ومن الصدور حتى لا يوجد له أثر ولكن ~~لا نشاء ذلك. رحمة من ربك وتفضلا منه. # {[إن فضله] كان عليك كبيرا} باصطفائه إياك لرسالته ووحي كتابه وغير ذلك ~~من نعمه. # وقال ابن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما يبقى منه ~~الصلاة. PageV06P4283 # وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع. قالوا كيف يرفع وقد أثبته ~~الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال يسرى عليه ليلة ويذهب بما في ~~قلوبكم وبما في مصاحفكم ثم قرأ الآية. # ومعنى: {به علينا وكيلا} أي: لا تجد من يمنعك من ذلك ولا من يتوكل [لك] ~~برد شيء منه. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته. # قوله: {[قل] لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا} إلى قوله: {ظهيرا}. # المعنى: قل يا محمد للذين ادعوا بأنهم يأتون بمثل هذا القرآن {[قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن] لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا} أي: عوينا. # وهذه الآية: نزلت في قوم من اليهود جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~القرآن وسألوه آية غير القرآن تدل على نبوته وادعوا أنهم يقدرون على مثل ~~هذا القرآن فأعجزهم الإتيان بمثله فقيل لهم: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} ~~[هود: 13] فأعجزهم ذلك. فقيل لهم: PageV06P4284 # {فأتوا بسورة مثله} [يونس: 38] فأعجزهم ذلك وقد كان عصرهم عصر فصاحة ~~وبلاغة. # وقيل: إن الخطاب بذلك لقريش وهم الذي عجزوا عن الإتيان بسورة وبعشر سور ~~وهم أهل الفصاحة والبلاغة والشعر والخطابة وكانوا على حرص على أن يأتوا بما ~~يحتجون به على النبي صلى الله عليه وسلم. فلم يقدروا على الإتيان بشيء من ~~ذلك تقوم لهم به حجة فدل ذلك على إعجاز القرآن وأنه دليل على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # فمن إعجاز القرآن تأليفه بالأمر والنهي والوعظ والتنبيه والخبر والتوبيخ ~~وذلك لا ms1412 يوجد متألفا في كلام. ومن إعجازه الحذف والإيجاز ودلالة اليسير من ~~اللفظ على المعاني / الثكيرة. وهذا موجود بعضه في كلام العرب [لكن] لا يوجد ~~مثل قوله: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء} [الأنفال: 58] ~~فقد تضمن هذا معاني، ولا يوجد مثله في كلام العرب بهذه الفصاحة ومثله كثير ~~في القرآن. # ومعنى الإيجاز هو إظهار المعاني الكثيرة باللفظ القليل ومن إعجازه ما فيه PageV06P4285 # من علوم الغيب التي لم تكن وقت نزوله ثم كانت ومنها ما لم تكن بعد. ومنها ~~ما كانت ولم يكن أحد يعرفها في لذك الوقت، فنزل علمها وتفسيرها في القرآن ~~كخبر يوسف وإخوته. وخبر ذي القرنين، وأهل الكهف، وإخبار الأمم الماضية ~~والقرون الخالية، التي قد اندرس خبرها وعدم عارف أخبارها، وغير ذلك. . . ~~فنزل القرآن بتبيانها ونصها على ما كانت عليه. ودل على صحة ما أى فيه من ~~الأخبار أن كثيرا منها قد نزل في التوراة [كذلك]. فالتوراة مصدقة لما في ~~القرآن والقرآن مصدق لما نزل في التوراة. وإعجازه أكثر من أن يحصى وله كتب ~~مفردة لذلك. # قوله: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}. # أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيرا لهم واحتجاجا عليهم ~~وتنبيها لهم على الحق {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} أي إلا جحودا للحق. # قال تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا}. # أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا PageV06P4286 # هذه عينا تنبع بالماء لنا. قال مجاهد وقتادة. {أو تكون لك جنة من نخيل ~~وعنب} أي بأرضنا هذه {[فتفجر الأ] نهار خلالها تفجيرا} أي: خلال النخيل ~~والكروم أي بينها في أصولها. # {أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا} أي: قطعا. لأنه جمع مسفة وهي ~~القطعة. ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة. ويحتمل أن يكون مسكنا من ~~الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح السين. # ثم قال: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا}. PageV06P4287 # أي: قبيلا [قبيلا]، كل ms1413 قبيلة على حدتها قاله مجاهد. وقال قتادة " قبيلا " ~~أي: نعاينهم: يقابلونا. ونقابلهم. وقاله ابن جريج. # وقال القتبي: " قبيلا " [أي] ضمينا. أي يضمنون لنا إتيانك بذلك. وهو أحد ~~قولي أبي إسحاق. يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به. # قال: {أو يكون لك بيت من زخرف}. # أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مجاهد: كنا لا ندري ما ~~الزخرف حتى قرأنا [ه] في مصحف ابن مسعود " أو يكون لك بيت من ذهب ". # وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: {حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها} ~~[يونس: 24] أي PageV06P4288 # أخذت كما زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب. # ثم قال: {أو ترقى في السمآء}. # أي: تصعد في درج السماء. ولهذا الإضمار، أتى ب " في " ولو لم يكن ثم ~~إضمار لكان " إلى السماء " ففي: يدل على المحذوف. أي أو ترقي في سلم إلى ~~السماء. # ثم قالوا: {ولن نؤمن لرقيك}. # أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء {حتى / تنزل علينا كتابا نقرؤه}. ~~منشورا: أي: كتابا من عند الله عز وجل يأمرنا فيه باتباعك والإيمان بك. قال ~~مجاهد: " كتابا نقرؤه " أي: من رب العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة ~~يقرؤها. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: {سبحان ربي هل كنت إلا ~~بشرا رسولا}. # أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيما له من [أن] يؤتى به PageV06P4289 # وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من ~~عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني. وقوله: " رسولا " أي: أرسلت ~~لأبلغكم عن الله أمره ونهيه. # وكان هذا الكلام فيما روي: جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ملأ ~~[من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله عز وجل في هذه الآية ~~عنهم. وذكر ابن عباس في ذلك: خبرا طويلا معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب ~~الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعا أن يكونوا ~~قد ظهر لهم ms1414 اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا]. قالوا له: إنك ~~فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا جئته فينا، أو ~~كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالا، ~~وإن أردت الشرف سودناك علينا. وإن أردت الملك، ملكناك علينا. . . في كلام ~~طويل عتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه، PageV06P4290 # واستنزلوه، طمعا أن يميل إليهم. ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك ~~فاسأل ربك يبعث ملكا يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزا ~~وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي. فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس ~~المعاش كما نلتمسه. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من قولهم، وقال: " ~~إنما أنا بشر بعثت إليكم نذيرا لتؤمنوا بالله وكتابه " فقالوا له فاسقط ~~السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن نفعل، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك ~~إلا أن تفعل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ~~ذلك "، ثم أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل ~~باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، وادعوا أنهم ~~يعبدون الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي ~~أمية بن المغيرة المخزومي، فقال له: يا محمد أعرض عليك قومك PageV06P4291 # ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من ~~الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن ~~بك أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي ~~معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله لو ~~فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. # وهذا معنى ms1415 قوله: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه / بأيديهم} ~~[الأنعام: 7] الآية. # وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن ~~لك حتى تنزل علي كتابا من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، ~~إني قد أرسلت محمدا [نبيا] فآمن به وصدقه. والله لو أتيتني بهذا الكتاب ما ~~آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا لما فاته ~~مما كان كمع به من إيمان قومه حين دعوه. # قوله: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى}. # المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله {إذ جآءهم الهدى} ~~إلا قولهم جهلا منهم {أبعث الله بشرا رسولا}. كأنهم استبعدوا أن يبعث الله ~~رسولا من بني PageV06P4292 # آدم فكفروا ولم يؤمنوا كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني ~~آدم. # أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم. لأن ~~الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [ عز وجل] من بني ~~آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولا وهم لا يقدرون على ~~رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل. # ومعنى: " مطمئنين " مستوطنين الأرض. وقيل: [معنى] " مطمئنين ": لا يعبدون ~~الله ولا يخافونه مثلكم. # قال تعالى: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم}. # أي: قل لهم يا محمد: {كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} فإنه نعم الكافي. # و" شهيدا " حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة. وقيل هو تمييز أي كفى PageV06P4293 # بالله من الشهداء. # {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} أي: ذو خبر وعلم بأمورهم وأفعالهم " بصيرا ~~" بتدبيرهم وسياستهم. # وروي أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك بأنك رسول الله ~~فأنزل الله [ عز وجل] : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} الآية. # قال تعالى: {ومن يهد الله فهو المهتد}. # أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ~~ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من ms1416 دون الله [ عز وجل] ينصرونه من ~~عذاب الله [سبحانه]. # {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم}. # أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم. PageV06P4294 # {على وجوههم عميا وبكما وصما}. أي: عميا عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ~~ودل على رؤيتهم قوله: {ورأى المجرمون النار} [الكهف: 53]. # قوله: " وبكما " أي: بكما عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ودل ~~على كلامهم قوله: {دعوا هنالك ثبورا} [الفرقان: 13]. # قوله: " وصما " أي: صما عن سماع ما يسرهم. وهم يسمعون ودل على سماعهم ~~قوله: {سمعوا لها تغيظا وزفيرا} [الفرقان: 12]. # وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم. ثم يحدث الله [ عز ~~وجل] لهم سمعا وبصرا ونطقا في أحوال أخر. # وقوله: {على وجوههم} معناه: أنهم يحشرون صاغرين. # وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على ~~أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم. # ثم قال: {مأواهم جهنم / كلما خبت زدناهم سعيرا}. PageV06P4295 # أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها. ومعنى ~~خبت: سكنت، قاله ابن عباس. وعنه أيضا: كلما أحرقتهم يسعر لهم حطبها، فإذا ~~أحرقتهم فلم تبق منهم شيئا صارت جمرا تتوهج، فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقا ~~جديدا عاودتهم. # وقال مجاهد: " خبت " طفيت "، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم بدلوا ~~جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. # وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءا إذا سكن لهبها، فإن سكن لهبها ~~وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءا. فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب قيل خمدت ~~تخمد خمودا. فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد همودا. PageV06P4296 # ومعنى: {زدناهم سعيرا} أي: زدنا هؤلاء الكفار استعارا بالنار في جلودهم. # وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبدا ~~لقوله: {ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] لا يفتر عنهم. # وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم اسعارا فهي مخالفة لما تفعل من نار ~~الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب. # قوله: {ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا}. ms1417 # معناه: هذا العذاب جزاء هؤلاء المشركين لأنهم كفروا بآيات الله. أي: ~~جحدوها وأنكروها ولم يؤمنوا بها. وأنكروا البعث والثواب والعقاب. {وقالوا} ~~على الإنكار منهم والاستبعاد: {أءذا كنا عظاما ورفاتا} [الإسراء: 49] أي: ~~عظاما [بالية] وقيل ترابا. و {أءنا لمبعوثون خلقا جديدا} [الإسراء: 49] أي ~~لا نبعث. وقد تقدم تفسير هذا بأشبع منه في صدر السورة. PageV06P4297 # قال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن ~~يخلق مثلهم}. # والمعنى: أولم ينظر هؤلاء المنكرون البعث أن الله [ عز وجل] الذي ابتدع ~~خلق السموات والأرض من غير شيء وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة على أن ~~يخلق أشكالهم وأمثالهم من الخلق. وإن إعادتهم لا تتعذر على من يقدر هذه ~~القدرة. # ثم قال: {وجعل لهم أجلا لا ريب فيه}. # أي: جعل الله لهلاكهم أجلا لا شك في وقوعه بهم {فأبى الظالمون إلا كفورا} ~~أي [إلا] جحودا بربهم. # قال تعالى: {قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي}. # أي: قل يا محمد: لهؤلاء المشركين لو أنكم أنتم تملكون خزائن أملاك ربكم ~~إذا PageV06P4298 # لبخلتم بذلك خشية الفقر قال ابن عباس. وقال قتادة: خشية الفاقة. # والرحمة هنا المال. وقيل النعم، حكى أهل اللغة أنفق الرجل وأصرح وأعدم ~~وافتر إذا قل ماله. # ثم قال: {وكان الإنسان قتورا}. # يعني الكافر خاصة، بمنزلة قوله: {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات: 6]. # ومعنى " قتورا ": بخيلا قاله ابن عباس. وقال قتادة: ممسكا. يقال أقتر ~~يقتر وقتر يقتر ويقتر بمعنى. # قال تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات}. # أي: تبين لمن رآها أنها لموسى عليه السلام، شاهدة له على صدقه قال ابن ~~عباس: هي يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل / والضفادع ~~والدم. PageV06P4299 # وقال الضحاك: ألقى عصاه مرتين عند فرعون، ونزع يده، والعقدة التي كانت ~~بلسانه، وخمس آيات في الأعراف: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. # قال محمد بن كعب القرظي: سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع آيات، فقلت ~~له: هن الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم و [البحر و] عصاه والطمسة ~~والحجر. فقال: وما الطمسة؟، فقلت: ms1418 دعا موسى وأمن هارون، فقال الله {قد ~~أجيبت دعوتكما} [يونس: 89]. فقال عمر: كيف يكون الفقه إلا كذا. يعني ~~بالطمسة قولها: {ربنا اطمس على أموالهم [واشدد على قلوبهم]} [يونس: 88] ~~قال: فدعا عمر بخريطة كانت لعبد العزيز ابن مروان، أصيبت بمصر فإذا فيها " ~~الجوزة والبيضة والعدسة ما تنكر، مسخت حجارة، كانت من أموال فرعون أصيبت ~~بمصر. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: هي الحجر، والعصا واليد والطوفان PageV06P4300 # والجراد والقمل والضفادع و [الدم و] الطور. وقال مالك: الطوفان الماء. # وروى مطرف عن مالك في قوله " تسع آيات بينات " أنه قال: هي الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والبحر والجبل إذ نتقه عليهم. # وقال عكرمة: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد ~~والسنون ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. وهو قول الشافعي. وكذلك روى ~~قتادة عن ابن عباس أيضا قال: منها سبعة متتابعة في الأعراف. واليد والعصا. ~~وقال الحسن مثل ذلك، إلا أنه جعل السنين ونقص من الثمرات آية، وجعل التاسعة ~~تلقف العصا ما يأفكون. # وروي عن صفوان بن عسال: " أن يهوديين سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~التسع الآيات فقال: هن ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ليقتله، ~~ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار بعد ~~الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد ~~أنك نبي، فقال: وما يمنعكما أن PageV06P4301 # تتبعاني؟ فقالا: إن داود دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن ~~اتبعناك أن تقتلنا يهود ". # ثم قال: {فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم}. # أي إذ جاءهم موسى. قال الحسن: سؤالك إياهم نظرك في القرآن. # وقيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يراد به الشاك من أمته. # وقرأ ابن عباس {فسئل بني إسرائيل} على الخبر، يعني سأل موسى فرعون أن ~~يرسل معه بني إسرائيل. # ثم قال تعالى: {فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا}. # معناه: ms1419 أن فرعون لما رأى الآيات ولم يكن له فيها مدفع قال: إن موسى ذو ~~سحر، وإن ما تفعل يا موسى من العجائب من سحرك. PageV06P4302 # وقيل: هو مفعول في موضع فاعل أي: ساحر، بمنزلة {حجابا مستورا} [الإسراء: ~~45] أي: ساترا. وقيل: معناه مخدوعا. # قوله: {[قال] لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض}. # معناه: قال / موسى لقد علمت يا فرعون أن هذه الآيات ما أنزلها الله إلا ~~بصائر للعباد وتصديق هذه المعاني قوله: {وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم} ~~[النمل: 14]. # وهذا: على قراءة من قرأ بفتح التاء في: علمت ". # ومن ضم التاء فمعناه: أن موسى صلى الله عليه وسلم يخبر عن نفسه أنه على ~~يقين أن PageV06P4303 # الآيات، الله أنزلها بصائر لعباده. ويكون هذا من موسى صلى الله عليه وسلم ~~جوابا لقول فرعون له: {إني لأظنك ياموسى مسحورا} [الإسراء: 101] أي: قد ~~سحرت فلا تدري ما تقول. فقال: موسى لقد علمت أنا أن الله أنزل هذه الآيات ~~بصائر لعباده ولست بمسحور. # ونصب بصائر على الحال أي: أنزلها حججا وهي جمع بصيرة. # ثم قال: {وإني لأظنك يافرعون مثبورا}. # وقال ابن عباس: " مثبورا " ملعونا، أي: ممنوعا من الخير، وهو قول: ~~الضحاك. وقال مجاهد وقتادة: مثبورا هالكا. وقال عطية العوفي: " مثبورا ": ~~مبدلا أي مغيرا وقال ابن زيد: " مثبورا ": مخبولا لا عقل لك. # وعن الضحاك: " مثبورا ": مسحورا. رد [عليه] موسى صلى الله عليه وسلم، مثل ~~ما PageV06P4304 # قاله فرعون بغير اللفظ، والمعنى سواء. # قال [تعالى]: {فأراد أن يستفزهم من الأرض}. أي: أراد فرعون أن يزيل موسى ~~وبني إسرائيل من أرض مصر إما بقتل أو غيره {فأغرقناه ومن معه جميعا}. ~~ونجينا بني إسرائيل وموسى منه. {وقلنا من بعده} أي: من بعد هلاكه {لبني ~~إسرائيل اسكنوا الأرض} أي: أرض الشام. {فإذا جآء وعد الآخرة} أي: قيام ~~الساعة {جئنا بكم لفيفا} أي: مختلطين، قد التف بعضكم على بعض لا تتعارضون، ~~ولا ينحاز أحد منك إلى قبيلته. # وقال ابن عباس: " لفيفا ": جميعا. وقال غيره: [لفيفا] من كل قوم. وقال ~~قتادة: " لفيفا " جميعا أولكم وآخركم، ms1420 وكذلك قال: الضحاك. PageV06P4305 # واللفيف جمع لا واحد له كالجميع. وقيل: هو مصدر لففت فلذلك واحد في موضع ~~الجمع. # قال: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل}. # أي: أنزل هذا القرآن بالحق لأن فيه الأمر بالعدل والإنصاف والأخلاق ~~الجميلة {وبالحق أنزلناه} أي: وبذلك نزل من عند الله [ عز وجل] على نبيه ~~عليه السلام. # ثم قال: {ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا}. # أي: مبشرا بالجنة من أطاعك ومنذرا بالنار من عصاك. # قال تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث}. # قال ابن عباس: " فرقناه " فصلناه. وقيل: معنى [فرقناه] فرقنا به بين الحق ~~والباطل والمؤمن والكافر. # وقرأ: ابن عباس وعكرمة والشعبي وقتادة " فرقناه " بالتشديد على معنى أنزل ~~به آية بعد آية. PageV06P4306 # قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحد إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم ~~أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. وهو قوله: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على ~~مكث ونزلناه تنزيلا}. # ونصب " قرآنا " عند البصريين بإضمار فعل يفسره ما بعده. ونصبه عند غير ~~البصريين على العطف " مبشرا ونذيرا ". # وقرآنا يتأول بمعنى: رحمة. لأن القرآن رحمة. فلا يحسن الوقف على هذا ~~التقدير على نذيرا. ويقف عليه على القول الأول. # و/ معنى {لتقرأه على الناس على مكث} على تؤده، وترتله وتبينه فلا تعجل في ~~تلاوته فلا يفهم عنك. قال ابن عباس: " على مكث " على تأن. وقال PageV06P4307 # مجاهد على ترسل. وقال مالك " على مكث " على تثبت وترسل. # ومعنى {ونزلناه تنزيلا} أي نزلناه شيئا [بعد] شيء. وقال الحسن نزل القرآن ~~قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثماني سنين. ~~وبالمدينة عشر سنين. # قوله: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا}. # والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا فإن ~~إيمانكم لا يزيد في خزائن رحمة ربي. وفي الكلام تهدد ووعيد، والمعنى: فإن ~~تكفروا، فإن الذين أوتوا العلم بالله من قبله، أي: من قبل القرآن، يعني به ~~مؤمني أهل الكتاب، إذا يتلى عليهم هذا القرآن، يخرون، تعظيما له، للأذقان ~~سجدا. قال مجاهد: هم ناس ms1421 من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم قالوا: {سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا}. # وقال ابن زيد {من قبله} من قبل النبي صلى الله عليه وسلم. PageV06P4308 # وقال ابن جريج: {إذا يتلى عليهم} يعني: كتابهم. # وقيل: عني بقوله: {الذين أوتوا العلم} محمدا صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~هم قوم من ولد اسماعيل صلى الله عليه وسلم تمسكوا بدينهم إلى بعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم منهم زيد بن عمرو بن نفيل. وورقة ابن نوفل. # وقوله: {يخرون للأذقان سجدا}. # قال ابن عباس: للوجوه، وكذلك قال قتادة. وقال الحسن " للأذقان " للجبين. # ثم قال: {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا}. # أي: ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم، من مؤمنين أهل الكتاب من قبل نزول ~~القرآن، إذا يتلى عليهم القرآن لأذقنانهم يبكون. ويزيدهم وعظ القرآن خشوعا ~~لله PageV06P4309 # [ عز وجل] . # وهذه مثل قوله في مريم: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} ~~[مريم: 58]. # وقوله: {إن كان وعد ربنا لمفعولا}. # أي: ما كان وعد ربنا من ثواب وعذاب إلا مفعولا. وقيل: معناه: إن كان وعد ~~ربنا أن يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم لمفعولا. # قال: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}. # معنى الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه فيقول: مرة يا ~~الله، ومرة: يا رحمن. فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو الهين. فأنزل الله ~~عز وجل هذه الآية احتجاجا عليهم. # قال ابن عباس: سمع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في سجوده يا ~~رحمن يا PageV06P4310 # رحيم: فقالوا: [إن] هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى مثنى. فأنزل ~~الله [ عز وجل] الآية: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}. # وروي: أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد يقول في دعائه ~~يا الله يا رحمن فقال: يا معشر قريش، محمد ينهانا أن نعبد إلهين وهو يعبد ~~إلها آخر يقال له الرحمن، فأنزل الله [ عز وجل] الآية. # وقوله: {أيا ما تدعوا}. # ما صلة، و (ايا) ms1422 منصوب بتدعوا. وتدعوا جزم بالشرط وقيل [" ما "] بمعنى أي ~~كررت لاختلاف [اللفظ كما تقول ما إن رأيتكما الليلة. فإن بمعنى ما كررت ~~لاختلاف]. اللفظين. # وقال الأخفش {أيا ما تدعوا} معناه: أي الدعاءين تدعوا كأنه يجعل ما اسما. PageV06P4311 # وقال أبو إسحاق: المعنى: أي الأسماء تدعو إن / دعوت الله أو الرحمن فكله ~~اسم لله لأن له الأسماء الحسنى. # ويلزم في هذين القولين ألا تنون " أي ": وأن تكون مضافة إلى " ما ". وفي ~~إجماع المصاحف والقراء على تنوين " أي ": ما يدل على صحة كون " ما " زائدة ~~للتأكيد وكونها بمعنى " أي " أعيد للتأكيد وحسن ذلك لاختلاف اللفظ. # ثم قال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت}. # قالت عائشة رضي الله عنها، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير وعروة بن ~~الزبير: نزلت في الدعاء. فالصلاة هنا الدعاء على قولهم. # وقال الضحاك: هي منسوخة بقوله: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} ~~[الأعراف: 205]. الآية، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا: أن " الصلاة " هنا: ~~القراءة في الصلاة، قال: كان PageV06P4312 # النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك ~~المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به. فقال الله [ عز وجل] لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم { ولا تجهر بصلاتك} فيسمع المشركون {ولا تخافت بها} حتى ~~لا يسمعك أصحابك {وابتغ بين ذلك سبيلا} أي: اطلب بين الإعلان والتخافت ~~طريقا. # قال الضحاك: هذا كان بمكة. # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت هذه الآية في التشهد. وكذلك قال ~~ابن سيرين، قال: كانت العرب ترفع أصواتها بالتشهد، فنزلت هذه الآية في ذلك. # وقال عكرمة والحسن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة جهارا [فأمر] ~~بإخفائها. PageV06P4313 # وقال قتادة: معناه ولا تحسن صلاتك مرائيا في العلانية، ولا تخافت [بها] ~~تسيئها في السريرة. # وعن ابن عباس أنه قال: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس. # واختار الطبري قول من قال: أنه الدعاء [لأنه] أتى عقيب قوله: {[قل] ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن}، فهي محكمة، لأن رفع الصوت بالدعاء مكروه، وهو ms1423 قول ~~أبي هريرة وأبي موسى الأشعري وعائشة رضي الله عنهم. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: النهي عن رفع الصوت بالدعاء فقال: ~~" إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا ". PageV06P4314 # والمخافتة الإخفاء. # قال تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~ولم يكن له ولي من الذل}. # [أي]: لم يحالف أحدا ولا يبتغي نصر أحد، قاله مجاهد: # قال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام كان يعلم أهله الصغير والكبير ~~{وقل الحمد لله} إلى آخر السورة. # وقال ابن عباس: التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلى # {لا تجعل مع الله إلها آخر} [الإسراء: 22]. # وهذه الآية: رد وإنكار على أصحاب الأديان: فقوله: {لم يتخذ ولدا}. رد على ~~اليهود والنصارى، وبعض كفار العرب. لأنهم قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا PageV06P4315 # عزير ابن الله، وقالت العرب: الملائكة بنات الله [سبحانه وتعالى علوا ~~كبيرا] وقوله: {ولم يكن له شريك في الملك} رد على العرب لأنهم قالوا في ~~تلبيتهم: إلا شريكا هو لك تملكه. وما ملك، وجعلوا لله شركاء الجن وغيرهم ~~وقوله: {ولم يكن له ولي من الذل} رد على الصابئين والمجوس لأنهم قالوا: ~~لولا أولياء الله لذل / وقوله: {وكبره تكبيرا} أي: كبرة أنت يا محمد عما ~~يقولون تكبيرا. أي: عظمه ونزهه عن قول الكفار فيه. # وروي: " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه كثرة الدين ~~وكثرة الهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اقرأ آخر [سورة] بني ~~إسرائيل {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} ثم قال: قل توكلت على [الله، ~~توكلت على] الحي الذي لا يموت ثلاث مرات " ". PageV06P4316 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكهف مكية # من رواية ابن وهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أخبركم ~~بسورة عظمها ما بين السماوات والأرض، لمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟ قالوا: ~~يا نبي الله، أي سورة هي: قال: سورة الكهف. من قرأ [بها] يوم الجمعة أعطي ~~بها ms1424 نورا بين السماوات والأرض، ووقي بها فتنة القبور. # وعن بعض أهل المدينة أنه قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أعطي نورا ~~ما بينه وبين مكة، وغفر له ما بين الجمعتين ووقي فتنة الدجال ". PageV06P4317 # وعن مكحول أنه قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أعطاه الله [- عز وجل ~~-] نورا من الجمعة إلى الجمعة" # وعن أنس أنه قال: "من قرأ سورة الكهف [يوم الجمعة] غفر له ما بينه وبين ~~الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام". # قوله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب}. # معناه: على قول ابن عباس، في رواية الضحاك وابن جريج عنه: الله المحمود ~~بالذكر وبكل لسان، والمحمود على كل فعل والمعبود في كل مكان، الذي هو كل ~~يوم في شأن لا يشغله شأن عن شأن. # ومعنى الآية: في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة: أنزل على عبده الكتاب قيما ~~ولم يجعل له عوجا. فقيمما حال من الكتاب، وهو قول: الكسائي والفراء وأبي PageV06P4318 # عبيدة. # وقال: غيرهم: " قيما ": منصوب بإضمار فعل، أي: ولكن جعله قيما، فهو مفعول ~~ثان ليجعل المضمرة. # والوقف على " الكتاب ": على القول الأول: لا يجوز، وعلى الثاني يجوز. # وقيل إن المعنى: أنزله قيما، فيكون نصبه على الحال من الهاء المضمرة مع ~~الفعل المضمر. # ومعنى " عوجا: أي: مخلوقا ". كذلك قوله: {غير ذي عوج} [الزمر: 28] أي: ~~غير مخلوق، قاله: ابن عباس. # والعوج: بالكسر في العين في كل ما ليس له شخص: مثل الدين، والأمر، ~~والرأي. فإن كان له شخص كالخشبة والحائط وشبهه فهو بفتح العين. # ومعنى الآية: الحمد لله الذي خص برسالته محمدا، وأنزل عليه كتابه قيما. PageV06P4319 # قال: الضحاك: " قيما ": مستقيما. # وقال ابن عباس: عدلا. وقال ابن إسحاق: معتدلا [لا] اختلاف فيه. # وقيل معناه: قيما على الكتب [يصدق] بصدقها لا اختلاف فيه ولا تفاوت، بل ~~يصدق بعضها بعضا، لا عوج فيه عن الحق ولا ميل. # وهذه السورة نزلت في الأخبار من عند الله [ عز وجل] بأمور سألت قريش ~~النبي عليه السلام عنها، علمهم السؤال عن ذلك اليهود وقالوا لهم: إن ms1425 أخبركم ~~بها فهو نبي، وإن لم يخبركم بها فهو متقول. فوعدهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الجواب / عنها. فأبطأ الوحي عليه بعض الإبطاء، فتحدث المشركون بأنه ~~أخلفهم موعدهم فأنزل الله [ عز وجل] هذه السورة جوابا لهم. فافتتحها بحمد ~~الله على نعمه، وتثبيته رسالة محمد عليه السلام، وأن الله [ عز وجل] أنزل ~~عليه الكتاب، وأنه صادق فيما أتاكم به من خبر أهل الكهف، وخبر ذي القرنين، ~~وغيره مما سألوه عنه، من تعليم اليهود إياهم ذلك، فهذا معنى قول ابن PageV06P4320 # ابن عباس وغيره. # قوله: {لينذر بأسا شديدا}. # أي: أنزل الكتاب على عبده لكي ينذركم بأسا شديدا من عند الله. فالمفعول ~~الأول محذوف. ومثله {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] أي: ~~يخوفكم أولياءه. # ثم قال: {ويبشر المؤمنين}. # أي: ويبشر المصدقين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. # { الذين يعملون الصالحات} وهو العمل بما أمر الله [ عز وجل] [ به]، ~~والانتهاء عما نهى الله [سبحانه] عنه. # {أن لهم أجرا حسنا}. # أي: ثوابا جزيلا من الله [سبحانه] على أعمالهم وتصديقهم وهو الجنة. PageV06P4321 # {ماكثين فيه أبدا}. # أي: لابثين فيه أبدا. # قال: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا}. # يعني: قريشا الذين قالوا: إنما نعبد الملائكة وهن بنات الله [سبحانه ~~وتعالى عما يقولون]. {ما لهم به من علم}. أي: ما لهم بهذا القول علم ~~{لآبائهم}. # ثم قال: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم}. # أي: كبر قولهم: {اتخذ الله ولدا} من كلمة. وفيه معنى التعجيب كأنه قال: ~~ما أكبرها من كلمة. كما تقول لقصو الرجل بمعنى: ما أقصاه. # وقرأ الحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق PageV06P4322 # {كبرت كلمة} بالرفع على معنى: عظمت كلمتهم. # يقال: كبر الشيء إذا عظم وكبر [الرجل] إذا أسن، [بكسر الباء، والأول ~~بالضم]. # {إن يقولون إلا كذبا}. # أي ما يقول هؤلاء إن الله اتخذ ولدا إلا كذبا وتخرصا. # أي: فلعلك يا محمد قاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا: {لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] تمردا منهم على ربهم {إن لم ~~يؤمنوا ms1426 بهذا الحديث أسفا} أي: PageV06P4323 # بهذا الكتاب {أسفا} وقال: قتادة: " أسفا " غضبا وقال: مجاهد: " حزنا ". # فهذا عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله [ عز وجل] على حزنه على قومه ~~إذ لم يؤمنوا. فمعنى أسفا حزنا. وقيل معناه: جزعا، قال مجاهد. وقال: قتادة: ~~معناه غضبا، ومنه قوله: {فلمآ آسفونا} [الزخرف: 55]. # قال: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها}. # يعني: من الشجر والثمر والمال زين الأرض بذلك. # {لنبلوهم}. # أي: لنختبرهم من هو أحسن عملا من غيره. قال سفيان الثوري: أيكم PageV06P4324 # أزهد في الدنيا. وقال مجاهد: ما على الأرض من شيء هو زينة لها. وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم ~~فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ". # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " الزينة ": الخلفاء، والعلماء، ~~والأمراء. وروى ابن جبير عنه أنه قال: " الزينة ": الرجال. جعل " ما " ~~بمعنى /: من في القولين جميعا، وكون " ما " بمعنى: " من " يصلح في مواضع ~~الإبهام ويقبح عند الاختصاص وذهاب العموم. # وقيل المعنى: إنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها، فأوقع الكل موضع ~~البعض، لأن على الأرض ما لا زينة فيه. وقيل: بل هو عام. كل ما على الأرض ~~زينة لها لولالته على خالقه. # قال: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا}. # أي: وإنا لخربوها بعد زينتها وعمارتها. يعني بذلك يوم القيامة، تصير ~~الأرض مستوية لا جبل فيها ولا واد ولا أكمة ولا ماء ولا نبات. والصعيد وجه PageV06P4325 # الأرض. والجزر الذي لا نبات فيه من الأرض ولا زرع ولا غرس. # وقيل: الصعيد هنا المستوي بوجه الأرض، قال ابن عباس معناه: أنه يهلك كل ~~شيء عليها ويبيد. وهذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأه تعالى ~~ذكره: لا تقتل نفسك إذ لم يؤمنوا بما جئتهم به فإن مصيرهم إلي فأجازيهم ~~بأعمالهم. فإني مهلك كل من على وجه الأرض. # قال: ابن زيد: الصعيد: المستوي، دل على ذلك قوله: {لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا} [طه: 107]. والجزر: الأرض التي لا نبات ms1427 فيها ولا منفعة، ألم تر إلى ~~قوله: # {أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض [الجرز]} [السجدة: 27] أي الأرض ~~التي لا نبات فيها. # حكى سيبويه: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد والنعم. PageV06P4326 # وأرضون أجراز: إذا كانت لا شيء فيها. ويقال: للسنة المجدبة جرز وسنون ~~إجراز. # أم: هنا بمعنى: بل. [والمعنى] أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم ~~كانوا من آياتنا عجبا. فإن ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب ~~أعجب من أصحاب الكهف. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الخلق ~~كلهم. # وقال مجاهد: معنى الكلام: هم عجب وليس هو على طريقة الإنكار عنده. وقال ~~قتادة: معناه: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وعن ابن عباس أن ~~المعنى: أم حسبت أن هؤلاء عجبا، فإن الذي أتيتك من الكتاب والحكمة والعلم ~~أفضل من شأن أهل الكهف والرقيم. # وهذا مما علمت اليهود قريشا أن يسألوا عنه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فسألوه عن ذلك. فأخبره الله بقصصهم. وخبرهم بعد أن أبطأ عنه الوحي في ذلك ~~خمس PageV06P4327 # عشرة ليلة، وقيل: أكثر. # والكهف: كهف الجبل، آوى إليه القوم الذين قص الله [ عز وجل] خبرهم في هذه ~~السورة. وقال: الضحاك: الكهف الغار في الوادي. وقال ابن مالك: الكهف: ~~الجبل. # و" الرقيم ": عند عكرمة وابن عباس فيما حكيا عن كعب: القرية وقال: قتادة: ~~" الرقيم " الوادي الذي فيه اصحاب الكهف، وقاله عطية العوفي. وعن ابن عباس: ~~" الرقيم " الكتاب. وقال عكرمة: الرقيم القرية اسم لها. # وقال: [ابن] جبير / " الرقيم ": لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ~~ثم وضعوه على باب الكهف. # وقال ابن زيد: " الرقيم ": كتاب، ولذلك الكتاب خبر، فلم يخبرنا الله [ عز ~~وجل] PageV06P4328 # عن ذلك الكتاب وعن ما بناؤه، وقرأ: # {ومآ أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون} [المطففين: 19 - 21] ~~{ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم} [المطففين: 8 - 9]. # وعن ابن عباس أيضا أن " الرقيم ": الجبل الذي فيه الكهف، وعن ابن عباس أن ~~" الرقيم ": كتاب كتبه رجلان صالحان كانا في بيت ms1428 الملك الذي فر منه الفتية ~~أصحاب الكهف، كانا يكتمان إيمانهما. فلما سد الكهف على الفتية كتبا شأن ~~الفتية وخبرهم في لوحين من رصاص. ثم جعلاه في تابوت على المكان الذي سد به ~~باب الكهف. وقالا: لعل الله يطلع على هؤلاء الفتية قوما صالحين فيعلمون ~~شأنهم. # وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: القرآن أعلمه إلا {حنانا} [مريم: 13] ~~و {لأواه} [التوبة: 114] و {الرقيم} [الكهف: 9] و {غسلين} [الحاقة: 36]. # وقال أنس: بن مالك: " الرقيم ": آية الكلب وقال عكرمة: الرقيم الرواة. ~~وقال السدي: هو الصخرة، وقال الفراء: الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم PageV06P4329 # وأنسابهم ودينهم ومما هربوا. # قوله: {إذ أوى الفتية إلى الكهف} إلى قوله: {رشدا}. # أي: كانوا من آياتنا عجبا، حين أوى الفتية إلى الكهف هربا بدينهم إلى ~~الله [ عز وجل] فقالوا: إذ أووه. # {فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة}. # أي: ارحمنا ونجنا من هؤلاء الكفار. # {وهيىء لنا من أمرنا رشدا}. # أي: دلنا على ما ننجو به. # وكان هؤلاء الفتية على دين عيسى صلى الله عليه وسلم. فدعاهم ملكهم إلى ~~عبادة الأوثان والأصنام فهربوا بدينهم منه خشية أن يفتنهم عنه أو يقتلهم ~~فاستخفوا منه في الكهف. # وروي أنهم لما أمرهم الملك بعبادة صنمه قالوا {ربنا رب السماوات والأرض ~~لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا} [الكهف: 14] فاعتزلوا عن قومهم ~~لعبادة الله PageV06P4330 # [سبحانه]. فقال: أحدهم: إنه كان لأبي كهف يأوي فيه غنمه. فانطلقوا بنا ~~نكن فيه. فدخلوا فيه، ثم فقدوا في ذلك الزمان، فطلبوا، فقيل: إنهم دخلوا ~~هذا الكهف. فقال: قومهم: لا نريد لهم عقوبة، ولا عذابا أشد من أن يردم ~~عليهم هذا الكهف فبنوه عليهم فردموه، ثم أقاموا ما شاء الله، يدبرهم الله [ ~~عز وجل] بلطفه وهم نيام، ثم بعث الله [ عز وجل] ملكا على دين عيسى صلى الله ~~عليه وسلم. ووقع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم. وقاموا من نومتهم تلك. ~~فقال: بعضهم لبعض كم لبثتم؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم. فأرسلوا أحدهم ~~ليأتيهم بطعام وشراب مستخفبا ms1429 أن لا يعرف. فلما خرج من باب الكهف رأى ما ~~أنكره، فأراد أن يرجع، ثم مضى حتى دخل المدينة فأنكر ما رأى، ثم أخرج درهما ~~فنظروا إليه، فأنكروه وأنكروا الدرهم. فقالوا من أين لك هذا؟ [هذا] من ورق ~~غير هذا الزمان. واجتمعوا عليه، ولم يفارقوه حتى حملوه إلى ملكهم. وكان ~~لقومهم لوح يكتبون فيه ما يكون. فنظروا في ذلك اللوح. وسأله الملك، فأخبره ~~بأمره، ونظروا في الكتاب متى فقدوا، فاستبشروا به وبأصحابه وقيل له: انطلق ~~بنا فأرنا أصحابك فانطلق، وانطلقوا معه، ليريهم أصحابه فدخل قبل / PageV06P4331 # القوم فضرب على آذانهم. {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} ~~[الكهف: 21]. # قال: ابن عباس: كانوا ثمانية. وروى: أنه لما بني عليهم باب الكهف كتب ~~رجلان مؤمنان - ممن يسر الإيمان - خبرهم، ووقت البناء عليهم، وأسماءهم، ~~وأنسابهم، وأسماء آبائهم في لوحين من رصاص ثم صنعا تابوتا من نحاس، وجعلا ~~اللوحين فيه. ثم كتبا عليه، في فم الكهف، من بين ظهراني البنيان، وختما على ~~التابوت بخاتمهما وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين ~~قبل [يوم] القيامة، فيعلم من فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرهم. # قال: مجاهد: فلبثوا في الكهف ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعا نياما. # وقيل: إنهم كانوا شبانا ملوكا مطوقين، مسورين ذوي ذوائب وكان PageV06P4332 # معهم كلب صيدهم. فخرجوا في عيد [لهم] عظيم في زي ومواكب. وأخرجوا معهم ~~آلهتهم التي يعبدون. وقذف الله [في] قلوب الفتية الإيمان فآمنوا، وأخفى كل ~~واحد منهم الإيمان عن صاحبه، فقال: كل واحد في نفسه نخرج من بين أظهر هؤلاء ~~القوم، لا يصيبنا عقاب بجرمهم. فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، ثم ~~خرج آخر فرآه جالسا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره، فجلس إليه، وخرج ~~الآخرون فجاءوا وجلسوا إليهما. فاجتمعوا، فقال: بعضهم: ما جمعكم؟ فقال: ~~آخر: بل ما جمعكم؟ وكل يكتم إيمانه عن صاحبه مخافة على نفسه وقالوا: ليخرج ~~منكم فتيان، فيخلوان، فيتوثقا ألا يفشي واحد منهما على صاحبه. ثم يفشي كل ~~واحد منهما ms1430 لصاحبه أمره. لإغنا نرجو أن نكون على أمر واحد. ففعلوا ذلك، ~~فعلموا أن جميعهم على أمر واحد وهو الإيمان. وإذا كهف في الجبل [قريب] ~~منهم، فقال: بعضهم لبعض: آووا إلى هذا الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ ~~لكم من أمركم فرفقا. فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم. فناموا. فجعل الله جل ~~وعز رقدة واحدة PageV06P4333 # ثلاث مائة سنة وتسع سنين. وطلبهم قومهم ففقدوهم. وبعثوا البرد في طلبهم. ~~فعمى الله [ عز وجل] عليهم آثارهم. فلما لم يقدروا عليهم، كتبوا أسماءهم ~~وأنسابهم في لوح: فلان بن فلان، وفلان بن فلان: ملوك فقدناهم في عيد كذا، ~~من شهر كذا، من سنة كذا، في مملكة فلان، ورفعوا اللوح في الخزانة، ثم مات ~~ذلك الملك. وأتى قرن بعد قرن فأظهرهم الله [ عز وجل] وأنبههم، فوجهوا ~~رسولهم ليأتيهم بما يأكلون ولا علم عندهم بما مضى من الزمان فأطلع عليهم. # وقال: وهب بن منبه: جاء حواري عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد ~~أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له. فكره أن ~~يدخلها / فأتى حماما، فكان فيه قريبا من تلك المدينة. فكان يعمل فيه، يؤاجر ~~نفسه من صاحب الحمام. فرأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ودر عليه الرزق ~~وجعل يعرض عليه [الإسلام] ويسترسل إليه. وعلقه فتية من أهل المدينة. وجعل ~~يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى أنسوا به، وصدقوه. وكانوا على ~~مثل حاله في أحسن الهيئة وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي، فلا ~~تحولن بيني PageV06P4334 # وبين الصلاة إذا حضرت. وكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامراة فدخل بها ~~الحمام. فعيره الحواري فقال: أنت ابن الملك تدخل معك بهذه الكذا، فاستحيي ~~فذهب، ورجع مرة أخرى، فقال: له مثل ذلك، فسبه وانتهره، ولم يلبث حتى دخل ~~ودخلت المرأة معه فماتا في الحمام جميعا، فأتى الملك فقيل له: إن صاحب ~~الحمام قتل ابنك. # فالتمس فلم يقدر عليه هربا. فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية، فالتمسوا، ~~فخرجوا من المدينة، فمروا ms1431 بصاحب لهم في زرع له، وهو على مثل أمرهم، فذكروا ~~أنهم التمسوا، فانطلق معه الكلب، حتى أواهم الليل إلى الكهف فدخلوه. فقالوا ~~نبيت هنا الليلة ثم نصبح إن شاء اله فترون رأيكم. فضرب على آذانهم. فخرج ~~الملك في اصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا في الكهف، فلما أراد رجل أن ~~يدخل أرعب، فلم يطق أحد أن يدخله، فقال: قائل: ألست لو كنت قدرت عليهم ~~قتلتهم قال: بلى. قال: ابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتون عطشا وجوعا، ففعل. PageV06P4335 # قوله: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا) [11] إلما قوله: (إذا ~~شططا) [14]. # المعنى: وضربنا على آذانهم بالنوم، أي ألقينا النوم عليهم. وإنما ذكر ~~الأذان لأن النوم يمنعهم من السماع. وأتى في هذا ضرب بمعنى ألقى. كما يقال: ~~ضربك الله بالفالج، أي: ألقاه عليك وابتلاك. # وقوله: {عددا} توكيد لسنين وقيل: أتى بأنه لا يفيد معنى الكثرة. لأن ~~القليل لا يحتاج إلى عدد إذ قد عرف معناه ومقداره. # قال: {ثم بعثناهم} أي: نبهناهم من نومهم {لنعلم أي الحزبين أحصى لما ~~لبثوا أمدا} أي: لنعلم من يهتدي من عبادي بالبحث إلى مقدار مبلغ مكث الفتية ~~في كهفهم والأمد الغاية. # وقد اختلف في مقدار إقامتهم طائفتان من الكفار من قوم الفتية، قاله ~~مجاهد: PageV06P4336 # وقيل: بل اختلف في ذلك طائفة مؤمنة وطائفة كافرة. وقيل: الحزبان أصحاب ~~الكهف والقوم الذين كانوا أحياء في وقت بعثهم. # ومعنى: {لنعلم} أي: علم مشاهدة، وإلا فقد علم ذلك تعالى ذكره قبل خلق ~~الجميع، ومعنى الكلام التوقف على النظر في معرفة مقدار لبثهم. كما تقول لمن ~~أتى بالباطل: جئ ببرهانك حتى أعلم أنك صادق. # ومعنى: {أمدا} عددا، قاله مجاهد، وقال: ابن عباس {أمدا}: بعيدا. # قال: تعالى: {نحن نقص [عليك] نبأهم بالحق} أي: نخبرك يا محمد خبرهم ~~بالصدق واليقين. # {إنهم فتية آمنوا بربهم}. # أي: إن الذين سالوك عن نبأهم [هم] فتية آمنوا بربهم، أي: صدقوا به ~~ووحدوه. PageV06P4337 # {وزدناهم هدى}. # أي: إيمانا إلى إيمانهم وبصيرة، فهجروا دار قومهم وهربوا بدينهم إلى الله ~~[ عز وجل] وفارقوا ما ms1432 كانوا فيه من النعيم في الله [تعالى]. # قال: تعالى: {وربطنا على قلوبهم}. # أي: ألهمناهم الصبر وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى [عزفت] أنفسهم عما ~~كانوا فيه من خفض العيش. # وقال: قتادة: {وربطنا على قلوبهم} بالإيمان حين {قاموا فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض} أي: ملك السموات [والأرض] {لن ندعوا من دونه إلها} أي: لن ~~نعبد معبودا سواه. PageV06P4338 # {لقد قلنا إذا شططا}. # أي: لو قلنا: أنه يعبد غيره لقلنا جورا من قول. وقليل " شططا غاليا من ~~الكذب وقال: قتادة: " شططا " كذبا. وقال: ابن زيد خطا. # ويقال: قد أشط فلان في السوم، إذا جاوز القدر يشط إشطاطا وشططا. # ويقال: شط منزل فلان، إذا بعد، يشط شطوطا. # ويقال: شطت الجارية تشط شطاطا وشطاطة إذا طالت. # ويقال: شط الرجل وأشط إذا جار. # وقال: أبو عبيدة {إذا شططا} أي: جورا وغلوا. # قوله: {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة}. # هذا خبر عن قول الفتية، أنهم قالوا [فيما] بينهم: هؤلاء قومنا اتخذوا من ~~دون الله آلهة فيعبدونها، هلا يأتون على عبادتهم لها بحجة ظاهرة وبينة وعذر ~~بين، فمن PageV06P4339 # أشد اعتداء وجورا ممن اختلق على الله كذبا وأشرك في عبادته غيره. # قال: ابن عباس: كل " سلطان " في القرآن فهو حجة. # قال: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله}. # هذا أيضا: خبر من الله [ عز وجل] عن قوله: بعض الفتية [لبعض] قالوا فيما ~~بينهم: {وإذ اعتزلتموهم} و [هم] الذين عبدوا الآلهة من دون الله [سبحانه] ~~وفارقتهم دينهم. {فأووا إلى الكهف}: فسيروا بنا إلى الكهف، وهو غار الجبل ~~{ينشر لكم ربكم من رحمته} أي: يبسط لكم ربكم من رحمته {ويهيئ لكم من أمركم ~~مرفقا} أي: ويجعل لكم ربكم من عملكم الذي أنتم فيه وخوفكم على أنفسهم ما ~~ترفقون به. # والفتح والكسر في ميم " مرفقا " [لغتان]. والأفصح عند الكسائي PageV06P4340 # الكسر وأنكر الفراء الفتح. وقال: لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء ~~إلا الكسر. قال: وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بينه وبين مرفق ~~الإنسان. # وقال الأخفش: فيه ثلاث لغات مرفق، ومرفق، ومرفق، ms1433 فمن قال: مرفق جعله مما ~~ينتقل مثل " مقطع ". ومن قال: مرفق كمسجد لأنه من رفق يرفق كسجد يسجد. ومن ~~قال: مرفق جعله من الرفق. # قوله: {وترى الشمس إذا طلعت}. # أي: وترى يا محمد {الشمس إذا طلعت تزاور} أي: تعدل وتميل من الزور وهو ~~الاعوجاج. قال ابن عباس: تزاور تميل يمينا وشمالا. PageV06P4341 # ثم قال: {وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال}. # أي: تتركهم ذات الشمال. يقال: منه قرضت موضع كذا، إذا قطعته فجاوزته، هذا ~~مذهب البصريين. # وقال الكوفيون: قرضت موضع كذا أي: حاذيته. وحكوا عن العرب: قرضته دبرا ~~وقبلا: وحدوته ذات اليمين والشمال. أي: كنت بحدائه. # وأصل القرض: القطع. ومنه تسمى المقص: مقراضا لأنه يقطع به. # وقال ابن جبير: تتركهم قال قتادة: تدعهم # قال عكرمة: كان كهفهم في القبلة، وقال القتبي: كان باب الكهف حذاء بنات ~~نعش فكانت تزاور عن كهفهم إذا طلعت، وتتركهم إذا غربت. PageV06P4342 # وقوله: {وهم في فجوة منه}. # أي: في متسع وفضاء في الكهف: # {ذلك من آيات الله}. # أي: ما تقدم من فعل الله لهم من حجج الله [ عز وجل] على خلقه [سبحانه]. # ومن الأدلة التي يستدل بها أولوا الألباب على عظم قدرته وسلطانه. # ثم قال: {من يهد الله فهو المهتد}. # أي: من يوفقه بالاهتداء فهو المهتدي {ومن يضلل} أي: عن آياته وأدلته. # {فلن تجد له وليا مرشدا}. # أي: لن تجد له يا محمد خليلا ولا حليفا يرشده. # قال: {وتحسبهم أيقاظا وهم رقود}. PageV06P4343 # أي: تظنهم يا محمد لو رأيتهم أيقاظا، أي: أعينهم مفتوحة فتظنهم لذلك ~~منتبهين. وقيل: إنما ذلك لكثرة تقلبهم، تحسبهم منتبيهين. # {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}. # أي: نقلبهم في حال رقادهم مرة للجنب اليمين ومرة للجنب الأيسر. قال أبو ~~عياض: وكان لهم في كل عام تقلبتين. # ثم قال: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} # يعني: كلبا كان معهم للصيد. وقيل: هو إنسان من الناس كان طباخا لهم ~~تبعهم. # والوصيد: فناء الكهف، قاله ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك وقتادة: ~~وعن قتادة: " الوصيد ": الصعيد والتراب. وعن ابن عباس أيضا: PageV06P4344 # الوصيد الباب، ms1434 وقيل: الوصيد العتبة، وقيل الوصيد فناء الباب، وسمي الباب ~~وصيدا: لأنه يطبق. من قولهم: أوصدت الباب: إذا أطبقته، فهو في هذا القول: ~~فعيل بمعنى مفعل. كأنه قال: باسط ذراعيه بالوصيد أي بالمطبق يقال: [أصدت ~~الباب و] أوصدته إذا أطبقته فهو موصد تهمز ولا تهمز. # ثم قال: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا}. # أي: لو رأيتهم [في رقدتهم] لهربت منهم خوفا ولملئ قلبك رعبا منهم. وذلك ~~لما كان الله ألبسهم من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد ولا تلمسهم يد، حفظا منه ~~لهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته في PageV06P4345 # الوقت الذي يريد، ليجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه. وآية لمن أراد الاحتجاج ~~بهم عليه ومن خلقه {ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها} ~~[الكهف: 21]. # وقيل معناه: لوليت منهم فرارا ولملئت / منهم رعبا من كثرة شعورهم وكبر ~~أظفارهم، إذ قد مر عليهم زمان طويل وهم أحياء نيام. فطالت شعورهم وعظمت ~~أظفارهم. # قوله: {وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم} إلى قوله: {إذا أبدا}. # أي فكما أرقدناهم على هذه الصفة، كذلك بعثناهم من رقدتهم {ليتسآءلوا ~~بينهم} أي: ليسأل بعضهم بعضا و [نعرفهم] عظين قدرتنا فيزدادوا بصيرة في ~~أمرهم وفي إيمانهم إذ لبثوا مدة عظيمة من الزمان وهم في هيئهم لم يتغيروا ~~ولا تغيرت ثيابهم. # ثم قال: {قائل منهم كم لبثتم}. PageV06P4346 # أي: بعثناهم ليتساءلوا. فتساءلوا فقال: قائل منهم. كم لبثتم؟ وذلك أنهم ~~استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم. {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم}. # وهذا يدل على ا، الرعب منهم لمن رآهم لم يكن لطول شعورهم وأظفارهم، إذ لو ~~كان كذلك لعاينوا من أنفسهم أمرا يمنعهم أن يقولوا لبثنا يوما أو بعض يوم. ~~فقال الآخرون: {ربكم أعلم بما لبثتم} ويجوز أن يكون لما رأوا من طول شعورهم ~~وأظفارهم ما أنكروا {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} ردوا العلم إلى الله في ~~ذلك [سبحانه]. # قال ابن جبير: قال أحدهم: لبثنا يوما، وقال الآخر: لبثنا نحوه، فقال ~~كبيرهم: لا تختلفوا، فإن الاختلاف هلكة {ربكم أعلم ms1435 بما لبثتم فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة} يعنون مدينتهم التي خرجوا منها. # قال: ابن عباس: كانت ورقهم كأخفاف الربع، وهو صغار الإبل، وقال: PageV06P4347 # إنهم قاموا من رقدتهم جياعا فلبثوا في طلب الطعام. # ومعنى: {أزكى طعاما} عند عكرمة أكثر، وهو قول أبي عبيدة. وقال: ابن جبير: ~~أحل ذبيحة، لأن القوم كانوا مجوسا. وعن ابن عباس {أزكى طعاما} أطهر طعاما. ~~وقال: مقاتل: أزكى طعاما " أطيب طعاما. وقال: قتادة خير طعاما وقيل: أرخص. ~~وعن ابن عباس: ازكى طعاما " أطهره لأنهم كانوا يذبحون الخنازير. # {فليأتكم برزق منها} أي: بطعام {وليتلطف} أي: يرفق {ولا يشعرن بكم أحد} PageV06P4348 # أي: لا يعلمن بكم أحدا من الناس. {إنهم إن يظهروا عليكم} أي: إن أهل ~~قريتكم الكفار أن يطلعوا عليكم {يرجموكم} أي: يقتلوكم {أو يعيدوكم في ~~ملتهم} أي: يردوكم عن دينكم [إلى دينهم] {ولن تفلحوا إذا أبدا} أي: لن ~~تفلحوا أن رجعتم إلى دينهم وعبادة أوثانهم [أبدا]. # قال وهب بن منبه: غبروا بعدما بني عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان. ثم إن ~~راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف، وأدخلت غنمي من ~~المطر. فلم يزل يعالجه حتى فتح ما دخل منه. ورد الله إليهم أرواحهم في ~~أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاما، فلما أتى ~~باب مدينتهم رأى شيئا ينكره. حتى دخل [على رجل] فقال: بعني بهذه الدراهم ~~طعاما. فقال: من أين [لك] هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس وأتى PageV06P4349 # الليل ثم أصبحوا فأرسلوني. فقال: هذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان، ~~فأنى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا فقال: [من] أين لك هذا ~~الورق؟ فقال: خرجت أنا وأصحاب لي / أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا. # ثم أمروني أن أشتري لهم طعاما. فقال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: ~~فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف فقال: دعوني أدخل إليهم قبلكم. فلما رأوه ~~ودنا منهم ضرب على ءاذانهم فجعلوا كلما دخل رجل منهم أرعب. فلم يقدروا ms1436 على ~~أن يدخلوا إليهم فبنوا عندهم كنيسة واتخذوها مسجدا يصلون فيه. # وقال عكرمة: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، ورزقهم الله الإسلام ~~فاعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف. فلبثوا دهرا طويلا حتى أهلكت أمتهم. ~~وجاءت أمة مسلمة وملكهم مسلم. فاختلفوا في الروح والجسد فقال قائل: يبعث ~~الروح أما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئا. فشق على ملكهم اختلافهم ~~فانطلق فلبس المسوح، وجلس على الرماد، ثم دعا الله [ عز وجل] فقال أي رب قد PageV06P4350 # نرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله [ عز وجل] أصحاب ~~الكهف. فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما. فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه، ويعرف ~~الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا. فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشتري ~~منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها فقال له الفتى: أليس ملككم ~~فلانا؟ قالوا: لا ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى دفعوه إلى الملك ~~فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه. فبعث في الناس فجمعهم، فقال: إنكم قد ~~اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله عز وجل قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم ~~فلان، يعني: ملكهم الذي مضى. فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي. فركب ~~الملك وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف. فقال الفتى: دعوني أدخل إلى ~~أصحابي. فلما أبصرهم ضرب على أذنه وآذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل ~~الناس معه فإذا أجسادهم لا ينكرون منها شيئا غير أنه لا أرواح فيها. فقال ~~الملك: هذه آية: بعثها الله [ عز وجل] لكم. # وروي في هذا أخبار طويلة ترجع إلى هذا المعنى. PageV06P4351 # قوله: {وكذلك أعثرنا عليهم}. # أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم {وكذلك أعثرنا عليهم} أي: أطلعنا عليهم ~~الفريق الذين كانوا في شك من بعث الأجساد [ليعلموا أن وعد الله حق في بعث ~~الأجساد] يوم القيامة وأن الساعة لا ريب فيها أي: إتيانها لا شك فيه. # ثم قال: {إذ يتنازعون بينهم أمرهم}. # أي: أطلعنا عليهم إذ يتنازعون، أي: وقت المنازعة في بعث الأجساد. ~~والمنازعة المناظرة. # وقيل: المعنى: ليعلموا في وقت ms1437 منازعتهم أن وعد الله في بعث الأجساد حق ~~فيكون العامل في " إذ " على القول الأول " أعثرنا " وعلى الثاني " ليعلموا ~~". # ثم قال: {[فقالوا] ابنوا عليهم بنيانا}. # أي قال الذين اطلعوا على أمرهم: ابنو عليهم بنيانا {ربهم [أعلم بهم]} PageV06P4352 # أي: [الله] أعلم بشأنهم قال ذلك: الكافرون. {قال الذين غلبوا على أمرهم ~~لنتخذن عليهم مسجدا} قال ذلك: المسلمون. # قال: عبيد بن عمير عمى الله [ عز وجل] على الذين أعثرهم / على أصحاب ~~الكهف مكانهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنيانا فإنهم أبناء ~~آبائنا، ونعبد الله فيها. # وقال المسلمون: نحن أحق بهم، فإنهم منا، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه، ~~ونعبد الله عز وجل فيه. وقال قتادة: {الذين غلبوا على أمرهم} الولاة. # وقد روى ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليحجن عيسى ابن ~~مريم عليه السلام في سبعين. منهم أصحاب الكهف مسورين مخلخلين بالفضة ". # قال: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم}. # [أي: سيقول بعض الخائضين في أمر الفتية هم ثلاثة رابعهم كلبهم] ويقول ~~بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب، أي: قذفا بالظن. ويقول بعضهم: هم PageV06P4353 # سبعة وثامنهم كلبهم. قل [يا محمد للقائلين ذلك] ربي أعلم بعدتهم ما يعلم ~~عددهم إلا ناس قليل من خلقه، قاله قتادة. # وقال ابن عباس: عني بالقليل هنا أهل الكتاب. وكان يقول: أنا ممن استثنى ~~الله [ عز وجل] . # وروي عنه أنه قال: أنا من ذلك القليل. ويقول: عددهم سبعة، وكذلك قال: ~~عكرمة وابن جريج هم سبعة وثامنهم كلبهم. # ثم قال تعالى: {فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا}. # أي: [لا] تجادل في عدد أصحاب الكهف يا محمد أحدا من اليهود {إلا مرآء ~~ظاهرا} أي: بما أنزل عليك من القرآن تتلوهم عليهم لا غير. وقال ابن عباس: ~~يقول حسبك ما قصصت عليك في أمرهم فلا تمار فيهم. # قال مجاهد: {إلا مرآء ظاهرا} إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم. وقال ابن PageV06P4354 # زيد: معناه: أن نقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تدعون. # ثم قال: {ولا تستفت فيهم منهم أحدا}. # أي لا تستفت ms1438 في أهل الكهف أحدا من أهل الكتاب فإنهم لا يعلمون ذلك. # قال: {ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله}. # هذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه ألا يجزم في الأمور أنه ~~كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله. إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وأمره. ~~وإنما بذلك النبي صلى الله عليه وسلم [ لأنه] وعد سائليه عن المسائل التي ~~تقدم ذكرها أن يجيبهم عنها غد يومهم ولم يستثن. فاحتبس الوحي عنه من أجل ~~ذلك خمس عشرة ليلة حتى حزنه إبطاؤه. ثم أنزل عليه الجواب فيهن فعرف الله [ ~~عز وجل] نبيه [عليه السلام] سبب احتباس الوحي عنه وعلمه ما الذي ينبغي له ~~أن يستعمله في عداته فيما يحدث من الأمور التي [لم] يأته من الله عز وجل ~~فيها تنزيل. PageV06P4355 # وتقدير {أن يشآء الله} عند الكسائي والفراء: إلا أن يقول إن شاء الله. ~~وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله [ عز وجل] . فأن: في موضع نصب على ~~حذف [الباء على] هذا. # ثم قال: [تعالى]: {واذكر ربك إذا نسيت}. # معناه عند ابن عباس: واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت [ذلك] في حال ~~اليمين. قاله فيه: [فإن] له أن يستثني ولو إلى سنة، وكذلك قال: أبو ~~العالية، والحسن. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربك / إذا عصيت. وقيل: معناه: PageV06P4356 # واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان التي استعمل بها الترك. # ومعنى قول: من أجاز الاستثناء بعد سنة أنه يسقط ذلك الاستثناء الحرج ~~بتركه ما أمر به في الاستثناء لأن الله [ عز وجل] أمر بالاستثناء. فإذا ذكر ~~الإنسان، متى ما ذكر يمينه، وجب عليه أن يستثني فيسقط عنه الحرج في تركه ما ~~أمر به ولا يسقط ذلك لكفارة إذا حنث [إلا أن يكون الاستثناء متصلا باليمين ~~فيسقط عنه الكفارة إذا حنث]، والحرج جميعا، هذا معنى قول ابن عباس: أنه ~~يستثني بعد سنة. ولم يقل أحد أن الاستثناء بعد حين يسقط عنه الكفارة إذا ~~حنث. ولو وجب أن يسقط الكفارة ms1439 بالاستثناء بعد حين لم يكن قوله تعالى: {ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} [المائدة: 91] الآية. فائدة: لأنه كان ~~يستثني كل من أراد الحنث متى ما أراد الحنث ولا كفر، وتبطل فائدة الآ] ة، ~~ولا يلزم أحد الكفارة. ويدل على ذلك أيضا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر وليأت PageV06P4357 # الذي هو خير " فأمر بالكفارة عند الحنث، ولم يقل: فليقل إن شاء الله. # ثم قال: {وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا}. # أي قل لهم يا محمد لعل ربي أن يرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه يكون ~~إن هو شاء. # وقيل: إن هذا أمر من الله [ عز وجل] لنبيه [ صلى الله عليه وسلم] أن ~~يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله إن ~~شاء الله إذا ذكر ذلك. # وقيل: المعنى قل لعل ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات على النبوة ما ~~يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف. # قوله: {ولبثوا في كهفهم} إلى قوله: {في حكمه أحدا}. PageV06P4358 # معناه: ويقولون لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين. هذا حكاية عن قول أهل ~~الكتاب، فرد الله [ عز وجل] ذلك عليهم. وقال: [الله] لنبيه [ صلى الله عليه ~~وسلم] # { قل [الله] أعلم بما لبثوا} الآية. # قال: قتادة: وفي حرف ابن مسعود " [و] قالوا: {ولبثوا في كهفهم}. وقال ~~مجاهد والضحاك: هو خبر من الله [ عز وجل] عن مبلغ لبثهم في الكهف ولما قال: ~~{وازدادوا تسعا} قالوا سنين أو ليال أو غيرها فأنزل الله: {قل الله أعلم ~~بما لبثوا} الآية. # وقيل: إن أهل الكتاب قالوا [على] عهد النبي [ صلى الله عليه وسلم] : إن ~~للفتية من لدن PageV06P4359 # دخلوا الكهف إلى عصرنا هذا ثلاث مائة سنة وتسع سنين، فرد الله [ عز وجل] ~~عليهم وأعلم نبيه أن قدر لبثهم في الكهف إلى أن بعثوا ثلاث مائة سنة وتسع. # ثم قال: تعالى لنبيه [عليه السلام]. {قل الله أعلم بما لبثوا}. # [أي] بعد أن بعثهم ms1440 وقبض أرواحهم إلى يومهم هذا لا يعلم مقدار ذلك إلا ~~الله. # ومن نون " مائة " جعل " سنسن " بدلا من " ثلاث " أو يكون عطف بيان على " ~~ثلاث ". وقيل: هو نعت لمائة لأن مائة في معنى جمع. # وحكى بعض أهل اللغة أن العرب إذا نونت العدد أتت بعده بحمع يفسره، ~~فيقولون: عندي ألف دراهم [وثلاثمائة دراهم] وألف رجالا، فيكون PageV06P4360 # " سنين " على هذا القول تفسيرا. # ومن أضاف، أتى بالعدد على أصله. لأنا إذا قلنا عندي مائة درهم فمعناه ~~مائة من الدراهم. فالجمع هو الأصل فأتى به في هذه القراءة على الأصل /. # [و] قوله: {الله أعلم بما لبثوا}. # أي: أعلم بلبثهم من المختلفين في ذلك. وقيل: أعلم أعلم بمعنى عالم. # وقوله {وازدادوا تسعا}. # أي: تسع سنسن. ولا يحسن أن يكون تسع ساعات ولا تسع ليال، لأن العدد إذا ~~فسر في صدر الكلام [جر] آخره [على] ذلك التفسير. تقول عندي مائة درهم ~~وخمسة. فتكون " الخمسة " دراهم أيضا، لدلالة ما تقدم من التفسير على ذلك. # ثم قال: {له غيب السماوات والأرض}. PageV06P4361 # أي: له علم ذلك وملكه لا يشاركه فيه أحد. # ثم قال: {أبصر به وأسمع}. # أي: ما أبصر الله [جلت عظمته] واسمعه لا يخفى عليه شيء {ما لهم من دونه ~~من ولي} أي ليس لخلقه دون ربهم ولي يلي تدبيرهم ولا ينقذهم من عذاب الله ~~[سبحانه] إذا جاءهم. # {[و] لا يشرك في حكمه أحدا}. # أي: ليس يشرك الله [ عز وجل] في تدبيره لعباده أحدا ولا يظهر على غيبه ~~أحدا. # وقيل معناه: لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله [ عز وجل] أو بما دل ~~عليه حكمه، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون لله [سبحانه] شريكا في ~~حكمه. PageV06P4362 # فأما من قرأه بالتاء والجزم، فمعناه: لا تنسبن أحدا إلى أنه يعلم الغيب ~~ويلي تدبير الخلق. # قوله: {واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك}. # المعنى: واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب [ربك] والزم تلاوته والعمل ~~بما فيه {لا مبدل لكلماته} أي: لا مغير لما وعد ms1441 بكلماته التي أنزلها عليك. # ثم قال: {ولن تجد من دونه ملتحدا}. # أي وإن لم تفعل ما أمرت به من الاتباع للكتاب ولزوم التلاوة فلن تجد من ~~دونه ملتحدا. قال: مجاهد [" ملتحدا "] ملجأ. وقيل معناه: موئلا. وقيل: PageV06P4363 # معدلا والمعنى واحد. وهو مفتعل من اللحد. يقال: لحدت إلى كذا أي ملت ~~إليه. ولذلك قيل للحد لحد لأ [نه] في ناحية القبر وليس هو الشق الذي في ~~وسطه. ومنه الالحاد في الدين لأنه ميل عن الحق فيه. # قال: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}. # والمعنى أن الله يقول لنبيه عليه السلام: احبس نفسك يا محمد في أعمال ~~الطاعت {مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} بالذكر والحمد والتضرع يريدون ~~بذلك وجه الله. # {ولا تعد عيناك عنهم}. # أي: لا تصرفهما عنهم إلى غيرهم من الكفار. وقال: ابن المسيب: هم أهل ~~الصلاة المكتوبة، ومثله عن مجاهد. PageV06P4364 # وروي أن ذلك نزل في الذين [كان] النبي صلى الله عليه وسلم يقرئهم القرآن ~~أمر أن يصبر نفسه ليقرئهم. # وروي أنه أمر للنبي عليه السلام أمر أن يقرئ الناس القرآن. # [و] هذه الآية نزلت في جماعة من عظماء المشركين أتوا النبي عليه السلام ~~وقالوا له: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الظأن وهم موال وليسوا ~~بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون بذلك خبابا وصهيبا وعمارا وبلالا ومن ~~أشبههم فأمر [ه] الله [ عز وجل] [ ألا] يفعل ذلك وأن يقبل عليهم ولا يلتفت ~~إلى غير [هم] من المشركين. # فهو / قوله {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} يعني المشركين ~~الذين أمروه PageV06P4365 # أن يبعد عنهم هؤلاء المؤمنين. # وقيل: عني بذلك عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. " ولما نزل ذلك على النبي ~~عليه السلام وهو في بيته التمسهم فوجد قوما يذكرون الله [ عز وجل] ثائري ~~الرؤوس والجلود وفي ثوب واحد فلما رآهم قال: " الحمد لله الذي جعل من أمتي ~~من أمرني أن أصبر نفسي معهم " ". # وفي ذلك نزل {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ~~[الأنعام: 52]. وذلك أن النبي ms1442 عليه السلام هم بابعادهم طمعا أن يؤمن به ~~عظماء قريش فنهاه الله [ عز وجل] عن ذلك. # وقيل [معنى] {يدعون ربهم بالغداة والعشي}: يعني صلاة الصبح والصلاة PageV06P4366 # بالعشي. وقيل: هم الذين يقرءون القرآن. # ثو قال: تعالى: {تريد زينة الحياة الدنيا}. # فمعنى تريد زينة الحياة الدنيا أي تريد مجالسة الأشراف ذوي الأموال، وهم ~~كفار، وتترك مجالس المؤمنين الفقراء. وروي أنهم كانوا لا يلبسون الأثياب ~~الصوف من الفقر. # وقال: مجاهد: {وكان أمره فرطا} أي ضياعا. وقيل معناه: ندامة. وقيل هلاكا. ~~وقال: ابن زيد معناه: مخالفة للحق. وهو من قولهم أفرط فلان في كذا، إذا ~~أسرف فيه وجاوز قدره فيكون معناه وكان أمره سرفا في كفره وافتخاره وتكبره. # قوله: {وقل الحق من ربكم}. # المعنى: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول لمن تقدم ذكره في ~~قوله PageV06P4367 # {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} [الكهف: 28] الحق من ربكم ~~أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن، ويضل ~~من يشاء فيخذله فيكفر، وليس إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من وفقه ~~الله [ عز وجل] فآمن، فإن شئتم فاكفروا وإن شئتم فآمنوا. فإن كفرتم فقد أعد ~~لكم [ربكم] نارا أحاط [بهم] سرادقها. # وقوله {فليؤمن} و {فليكفر} لفظه لفظ الأمر ومعناه التهدد والوعيد. ومثله # {تمتعوا في داركم} [هود: 65] وقوله: {وليتمتعوا} [العنكبوت: 66] وشبهه ~~كثير. # والأمر من الله [ عز وجل] على أقسام: فمنه ما معناه الإيجاب والإلزام نحو # {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] الآية، وشبهه. فهذا لا بد من ~~فعله ويأثم من تركه، ويكفر إن عاند في تركه. # ومنه ما معناه التأديب والإرشاد نحو قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] وقوله: {وأشهدوا إذا تبايعتم} ~~[البقرة: 282] وفيه اختلاف. فهذا لا PageV06P4368 # يخرج المأمور بتركه إلى إثم. وإن تأدب به وعمله فقد أحسن، إذ قد اتبع ما ~~ندبه الله [ عز وجل] إليه. # ومنه ما معناه الاباحة [والاطلاق نحو قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~[المائدة: 2] وقوله:] {فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] {فإذا ms1443 تطهرن فأتوهن ~~من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] فهذا إن شاء [فعله، وإن شاء] لم يفعله، ~~ولا يشكر على فعله، ولا يندم على تركه. # ومنه / ما معناه الحتم والتكوين والإحداث نحو قوله: {كونوا قردة خاسئين} ~~[البقرة: 65] وقوله: {كن فيكون} [البقرة: 117 - يس: 82] فهذا تكوين وإحداث. ~~ويوجد المأمور فيه مع الأمر ولا يتقدم ولا يتأخر. # وكل أوامر النبي [ صلى الله عليه وسلم] على هذه الأقسام تأتي إلا التكوين ~~والإحداث فليس PageV06P4369 # يكون إلا لله عز وجل، غير أنه قد يكون ذلك على أيدي أنبيائه دلالة على ~~صدقهم. كقول نبينا صلى الله عليه وسلم لشجرة دعاها: " أقبلي " فأقبلت تجري ~~عروقها وأغصانها حتى وقفت بين يديه، ثم قال: لها: " ارجعي " فرجعت إلى ~~مكانها، وشبهه كثير. وهذه الأوامر إنما يميز الواجب منها [من غيره] ~~بالبراهين والدلائل والتوقيف لا غير. # وقوله: {أحاط بهم سرادقها}. # قال: اين زيد: هو حائط من نار يحيط بهم كسرادق الفسطاط، وقاله ابن عباس. ~~وقال: معمر: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الذي قال: الله: [ عز ~~وجل] { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} [المرسلات: 30]. # وقيل هو البحر المحيط الذي في الدنيا، أي: أحاط بهم سرادق الدنيا أي: ~~بحرها المحيط. # وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " البحر جهنم وتلا هذه الآية. ~~وقال: لا PageV06P4370 # أدخله أبدا وما دمت حيا، ولا تصيبني منه قطرة " # فيكون معناها أحاط بهم أي عمهم. # وروى [عنه] أبو سعيد الخدري أنه قال: " سرادق النار أربع جدر، كتف كل ~~واحد منها مسيرة أربعين سنة ". # ثم قال: {وإن يستغيثوا}. # أي إن يستغيثوا من العطش يغاثوا بماء كالمهل أي " كعكر الزيت. فإذا قربه ~~من فمه سقطت فروة وجهه فيه " كذا رواه الخدري عن النبي عليه السلام. # وعن ابن مسعود: أن المهل هو كفضة وذهب أذيبا واختلطا. وقال: مجاهد: PageV06P4371 # " كالمهل " كالقيح والدم الأسود إذا اختلطا. وقال: ابن عباس: المهل ماء ~~غليظ مثل دردي الزيت. # وقال: الضحاك: المهل ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود وأهلها سود. ~~وقال: ابن جبير: المهل الذي قد ms1444 انتهى حرة. وقيل: المهل عكر القطران. # وعن النبي عليه السلام أنه قال: " المهل صديد أهل جهنم إذا دني منه شوى ~~وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه من حره ". # والمهل عند أهل اللغة: كل شيء أذبته من رصاص أو نحاس ونحوه. # ثم قال: {يشوي الوجوه}. PageV06P4372 # وقال: ابن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقزم فيأكلون منها ~~فاختلست جلودهم ووجوههم. فلو أن مارا مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم. ~~فيتضاعف عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل. فإذا أدنوه من أفواهه ~~انشوى من حره لحوم / وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. # وقوله: {بئس الشراب}. # أي بئس الشراب هذا الذي يغاث به هؤلاء القوم. # وقوله: {وسآءت مرتفقا}. # أي ساءت هذه النار التي أعدت لهؤلاء الظانين: {مرتفقا} أي متكئا. ~~والمرتفق في كلام العرب المتكا. يقال: ارتفقت أي: اتكأت. . وقال: مجاهد " ~~مرتفقا " مجتمعا " وهو مفتعل من الرفق. PageV06P4373 # قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر [من أحسن عملا]} ~~إلى قوله: {وحسنت مرتفقا}. # أي [إن] الذين صدقوا محمدا [ صلى الله عليه وسلم] وما أتى به وعملوا بما ~~جاءهم [به] لا نضيع ثواب من أحسن عملا. # وخبر إن الأول قوله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} على تقدير من أحسن ~~عملا منهم. وحذفت " منهم " لأن الله قد أخبرنا أنه محبط عمل غير المؤمنين. ~~وقيل التقدير: إنا لا نضيع أجرهم. وقيل: الخبر أولئك لهم جنات عدن. # وروي " أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات على ~~ناقته الصهباء عن PageV06P4374 # قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع} الآية. فقال: النبي ~~[ صلى الله عليه وسلم] : " يا أعرابي: ما أنت منهم وما هم منك ببعيد. هؤلاء ~~الأربعة الذين هم وقوف معي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. فاعلم قومك أن هذه ~~الآية نزلت في هؤلاء الأبعة " ". # ولا تقف على {عملا} إن جعلت الخبر {أولئك لهم جنات عدن} وإن جعلت الخبر: ~~{إنا لا نضيع} وقفت عليه. # ثم قال: تعالى: {أولئك لهم جنات عدن}. # أي جنات ms1445 إقامة لا زوال منها. {تجري من تحتهم الأنهار} أي من دونهم ~~الأنهار. كما يقال: داري تحت دارك، أي دونها. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه كعبا. فقال: [له]: إني سمعت الله [ عز وجل] يذكر جنات عدن، فما عدن؟ ~~فقال: يا أمير المؤمنين، هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ~~أو حكم عدل. فقال: عمر: أما النبوة PageV06P4375 # فقد جعلها [الله عز وجل] في أهلها، وأما الصديق فوالله إني لأرجو أن ~~[أكون] قد صدقت بالله [ عز وجل] وبرسوله، وأما الحكم العدل فوالله إني ~~لأرجو أن أكون ما فرقت في حكم أحدا، وأما الشهادة فأنى لي بالشهادة؟ قال: ~~الحسن فجمعهن الله [ عز وجل] والله له ثلاثتهن. فجعله: صديقا، حكما عدلا، ~~شهيدا. # وقوله: {يحلون فيها من أساور من ذهب}. # أساور جمع [اسورة، وأسورة جمع] سوار وسوار يقال: بالضم والكسر. وحكى قطرب ~~إسوار. وإن أساور جمع أسوار على حذف الياء لأن أصله أساوير على هذا. ~~والمعروف أن إسوار واحد أساورة الفرس. # وقوله: {ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق}. # قال: الكسائي: السندس جمع سندسة. وقال: واحد العبقري عبقرية وواحد PageV06P4376 # الرفرف: رفرفة، وواحد الأرائك: / أريكة. # والسندس ما رق من الديباج، والإستبرق ما ثخن منه وغلظ. والأرائك السور في ~~الحجال، وقيل: هي الفرش في الحجال. # ثم قال: {نعم الثواب} أي نعم الثواب [في] جنات عدن وما وصف فيها لمن ذكر. ~~{وحسنت مرتفقا} أي حسنت هذه الأرائك والجنات التي وصف الله [ عز وجل] في ~~هذه الآية {مرتفقا} أي متكئا. # قوله: {واضرب لهم مثلا رجلين} إلى قوله {وأعز نفرا}. PageV06P4377 # وروي عن [ابن] عباس: أنهما أخوان ورثا مالا فصار لكل واحد أربعة آلاف ~~دينار. فأعطى أحدهما نصيبه للفقراء والمساكين واكتسب الآخر بنصيبه الأجنة ~~والعبيد، فاحتاج المتصدق فتعرض لأخيه ليصله. فقال: [له] أخوة: ما فعل مالك؟ ~~قال: قدمته بين يدي. قال: [له]: لكني اشتريت بمالي لنفسي ولولدي {ومآ أظن ~~الساعة قائمة} [الكهف: 36] الآية. # وقيل: " كانا رجلين من بني إسرائيل اشتركا في تجترة فربحا ستة آلاف ~~دينار. ms1446 فاقتسماها وتفرقا. ثم اجتمعا فقال: أحدهما لصاحبه: ما فعلت؟ قال: ~~نكحت امرأة أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار. فانطلق الآخر فأخرج ألفا ~~فقال: اللهم إن صاحبي نكح من يموت ويبلى بألف دينار. وأنا أخطب إليك امرأة ~~من نساء الجنة بهذه الألف، وتصدق بها. . . القصة بطولها. # و [المعنى و] اضرب يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين سألوك أن تطرد الذين PageV06P4378 # يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين ~~أي بستانين من كرم {وحففناهما بنخل} أي أظللنا البتانين بنخل حولهما. من ~~قولهم حف القوم بفلان إذا حد قوابه. # وقيل: إن هذا مما سأل عنه اليهود مع قصة أهل الكهف وذي القرنين والروح، ~~فأعلمنا الله [ عز وجل] به وجعله مثلا للكفار ولجميع المؤمنين. # وروي أن الرجلين هما أبناء فطر سويس ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ~~ابنين أحدهما يسمى مليخا. وكان: وكان زاهدا في الدنيا وراغبا في الآخرة، ~~فأنفق ماله في ذات الله [ عز وجل] وكان الآخر يبني القصور، ويكسب الأجنة ~~والعبيد، فزار الزاهد أخاه فوجد عليه حجابا فلم يدخل إلا بعد إذن فسألأه عن ~~ماله. فقال: أنفقته في ذات الله، وقدمته بين يدي لأقدم عليه. وجئتك زائرا. ~~فقال: له الغني {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} أي عبيدا. ثم كان من شأنهما ~~ما قص الله علينا. PageV06P4379 # وقوله {وجعلنا بينهما زرعا}. # أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعا {كلتا الجنتين آتت أكلها} أي: أطعم ~~ثمرها {ولم تظلم منه شيئا} أي: لم تنقص من الأكل شيئا {وفجرنا خلالهما ~~نهرا} أي: بين أشجارهما. وفجرنا: سيلنا. # وأجاز النحويون في غير القرآن: آتتا أكلهما. # وأجاز الفراء كلتا الجنتين آتى أكله، رده على معنى كل. وفي حرف عبد الله ~~/ " كلا الجنتين اتى أكله ". # ثم قال: {وكان له ثمر}. PageV06P4380 # أي: ذهب وفضة، قاله مجاهد وكذلك {وأحيط بثمره} [الكهف: 42] وقال: قتادة: ~~هو المال الكثير من أنواع شتى. وقال: ابن عمر [وابن عباس]، ثمر: مال. # وقال: مجاهد: كل ما في القرآن من " ثمر " بالضم فهو المال، وما كان " من ms1447 ~~ثمر " بالفتح " فهي من الثمار. # وقال ابن زيد: الثمر هنا الأصل، وكذلك {وأحيط بثمره} [الكهف: 42] أي: ~~بأصله. # وهو جمع ثمار، كحمار وحمر، وثمار جمع ثمرة، فأما من أسكن الميم فإنما PageV06P4381 # أسكن استخفافا. ومعناه كمعنى قراءة من ضم. فأما من فتح الميم والثاء، ~~فإنه جعله جمع ثمرة كخشبة وخشب. # ثم قال: {فقال لصاحبه وهو يحاوره} الآية. # أي قال: صاحب الجنتين لصاحبه، الذي لا مال له، وهو يخاطبه {أنا أكثر منك ~~مالا وأعز نفرا} أي: أعز عشيرة ورهطا. # قوله: {ودخل جنته} إلى قوله {فلن تستطيع له طلبا}. # أي دخل هذا الذي له جنتان جنته، وهو كافر بالله [سبحانه] وبالبعث شاكا ~~كما في قيام الساعة، وذلك ظلمه لنفسه، فقال: {مآ أظن أن تبيد هذه أبدا} لما ~~رأى جنته وحسن ما فيها من الثمار والأنهار شك في المعاد. PageV06P4382 # فقال: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أي لا تخرب ولا تفنى. # ثم قال: {ومآ أظن الساعة [قائمة]} شك في قيام الساعة. ثم قال: غير موقن ~~بالبعث: {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} يقول: إن كان ثم بعث ~~فلي عند ربي خير من جنتي. لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا ولي عنده أفضل ~~منهما في المعاد إن كان ثم معاد. # وتحقيق المعنى، ولئن رددت إلى ربي، على قول صاحبي وقد أعطاني هذا في ~~الدنيا فهو يعطيني في الآخرة أفضل من ذلك. فدل هذا على أن صاحبه المؤمن ~~أعلمه أن ثم بعث ومجازاة. ومثله {أين شركآئي} [النحل: 27] فأضافهما إلى ~~نفسه، والمعنى أين شركائي على قولكم. # ثم قال: تعالى: {قال له صاحبه وهو يحاوره}. # أي قال: له صاحبه المؤمن وهو يخاطبه {أكفرت بالذي خلقك من تراب} يعني خلق ~~آدم أباك من تراب {ثم من نطفة} أي: خلقك أنت من نطفة الرجل والمرأة. # {ثم سواك رجلا} أي عدلك سويا رجلا لا امرأة، فكفرت به أن يعيدك خلقا PageV06P4383 # جديدا بعد موتك. [{لكنا هو الله ربي} أي] لكن [أنا] أقول هو الله ربي ولا ~~أشرك بربي أحدا. # وهذا ms1448 يدل على أن صاحب المال كان مشركا إذ نفى هذا المؤمن الإشراك عن ~~نفسه. # ثم قال: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله} أي هلا إذ دخلت بستانك ~~فأعجبك ما رأيت فيه قلت: ما شاء الله كان ولا قوة على ما نحاول من الطاعة ~~إلآ بالله، قال: أبو عامر الباجي: من أكثر من قول ما شاء الله لم يصبه شيء ~~إلا رضي به. # قال: أبو محمد [رضي الله عنه]: وقوله المسلمين بأجمعهم ما شاء الله كان، ~~وقبولهم لهذا القول واستمالتهم له بأدمعهم يدل / على أن ما حدث في الدنيا ~~وما PageV06P4384 # يحدث من خير وشر فبمشيئة الله [سبحانه]، وبقدرته [ عز وجل] وإرادته ~~[تعالى] [كان] خلافا لقول المعتزلة أن ثم أشياء كثيرة حدثت بغير مشيئة الله ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل كل بمشيئته وارادته يفعل ما يشاء. كما قال {إن ~~الله يفعل ما يشآء} [الحج: 18] ولو حدث شيء بغير مشيئته وإرادته لكان ~~مقهورا مغلوبا، جل وتعالى عن ذلك. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة تحت العرش؟ قال: قلت: بلى بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله. قال: [لا] قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال: الله: " ~~أسلم عبدي واستسلم " ". # ثم قال: [له]: {إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا} أي: في الدنيا {فعسى ربي ~~أن يؤتين PageV06P4385 # خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا [من السمآء]} أي: عذابا. # وواحد الحسبان حسبانة وهي المرامي، قال قتادة والضحاك وقال: ابن زيد ~~الجسبان قضاء الله [ عز وجل يقضيه]. # والحسبان في اللغة الحساب كما قال: تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} ~~[الرحمن: 5] أي: بحساب. وتقدير الآية على هذا: أن يرسل عليها عذاب حسبان ما ~~كسبت يداك مثل {وسئل القرية} [يوسف: 82]. # ثم قال: {فتصبح صعيدا زلقا}. # أي: فتصبح أرضا ملساء لا شيء فيها من شجر ولا غرس، {زلقا} لا ينبت في ~~أرضها قدم لإملاسها ودروس ما كان ثابتا فيها. # والصعيد وجه الأرض الذي لا نبات فيه قال: قتادة ms1449 {صعيدا زلقا} أي قد PageV06P4386 # حصد ما فيها ولم يترك شيء. قال: ابن عباس: مثل الجرز. # ثم قال: {أو يصبح مآؤها غورا}. # أي غائرا. وهو مصدر وضع موضع اسم الفاعل كما قال: رجل عدل أي عادل. وهذا ~~مما يبقى على لفظه في الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث. # ومعنى غائر ذاهب في الأرض فلا يلحقه الرشاء. # ثم قال: {فلن تستطيع له طلبا}. # أي: فلن تدرك الماء الذي كان في جنتك إذا غار. # قال: تعالى: {وأحيط بثمره}. # المعنى: وأحاط الله [ عز وجل] بثمره أي أحاط عذاب الله [ عز وجل] بثمره. PageV06P4387 # والثمر أنواع المال. ولو كان الثمر المأكول لوجب أن يكون لم يهلك من ماله ~~إلا ثمر شجرة [و] ليس الأمر على ذلك. بل هلك كل ماله في الجنتين وهلكت ~~الجنتان مع ذلك. # وقوله: {فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها}. # هذا مثل للنادم المتأسف على ما ذهب له أن يقلب كفيه ظهرا لبطن على ذهاب ~~نفقته في جنته {وهي خاوية على عروشها} أي حيطانها قائمة لا سقوف عليها. قد ~~تهدمت سقوفها [و] بقيت حيطانها، فصارت الحيطان كأنها على السقوف إذ صارت ~~السقوف تحت الحيطان. # وقال: مجاهد {يقلب كفيه} أي يصفق كفيه. أي يضرب كفا على كف، وهذا يفعله ~~صاحب المصيبة إذا نزلت به. PageV06P4388 # {يقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا}. # هذا ندم منه على ما تقدم من شركه به لما عاين ذهاب ماله والانتقام منه في ~~الدنيا. والمعنى ويقول إذا عاين عذاب الآخرة ذلك. لم يندم على الشرك في ~~الدنيا، إذ لو ندم على شركه/ في الدنيا لكان مؤمنا. # قال: {ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله}. # أي لم تكن له عشيرة ينصرونه من هلاك جنته. وقيل من العذاب، قاله مجاهد. ~~وقال: قتادة: " فئة جنده. # {وما كان منتصرا}. # أي ما كان ممتنعا من عذاب الله [ عز وجل] إذا عذبه [سبحانه]. # قال: تعالى: {هنالك الولاية لله الحق}. # أي لم يكن ممتنعا {هنالك} ثم ابتدأ فقال: {الولاية لله الحق} فلا يوقف ~~على " منتصرا " على هذا التقدير. ms1450 ويجوز أن يكون {هنالك} ظرفا للولاية، ~~فيحسن الوقف PageV06P4389 # على " منتصرا ". # و" الولاية " بفتح الواو، في الدين مصدر للولي، من قوله {إن وليي الله} ~~[الأعراف: 196] ومعناه يتولى المؤمنين [و] قال: الفراء والكسائي الولاية ~~بفتح الواو يعني به النصرة، أي هنالك النصرة لله [ عز وجل] . ودل على هذا ~~قوله: {وما كان منتصرا}. # والولاية بكسر الواو السلطان والقدرة. وهو مصدر وليت الشيء ولاية، فهو ~~مصدر الوالي، هذا قول الكسائي والفراء. والمعنى ثم القدرة والنصرة والسلطان ~~لله [ عز وجل] وثم إشارة إلى يوم القيامة. # وأجاز أبو إسحاق " الحق " بالنصب على المصدر. أي أحق الحق. ولم PageV06P4390 # يقرأ به أحد. # ثم قال: {هو خير ثوابا}. # أي الله خير المثيبين في العاجل والآجل، {وخير عقبا} أي عاقبة في الأجل ~~إذا صار إليه المطيع له. والعقب العاقبة وهي العقبا وذلك ما يصير إليه ~~الأمر. # قال: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا}. # أي واضرب للمشركين يا محمد الذين رغبوا [في الدنيا] واختاروها على الآخرة ~~فسألوك أن نطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه للدنيا. # {مثل} أي شبها. # {كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه ~~الرياح}. PageV06P4391 # أي كمطر أنزله الله من السماء {فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما} فمثل ~~الدنيا كمثل هذا النبات الذي حسن استواؤه بهذا المطر ثم انقطع عنه فعاد ~~هشيما. أي: يابسا فتاتا {تذروه الرياح} لا فائدة فيه. وكذلك الحياة الدنيا، ~~بينما الإنسان في غضارتها مغتبطا إذ أتاه الموت فيبطل كل ما كان فيه. # وقيل: معنى المثل المستحسن من الدنيا المشتهى المستحلى من نعمها، كله ~~[يبطل] ويفسد بالفناء والزوال والانقلاب من الحال المستحسنة [إلى الحال ~~المستقبحة] كما انتقل النبات عن الخضرة والطراء إلى الجفاف والاسوداد ~~والهلاك. فلا ينبغي لمن لطف نظره وصح تمييزه أن يعتد من الدنيا بما لا يبقى ~~عليه ولا يحصل له نفعه. # ثم قال: {وكان الله على كل شيء مقتدرا}. # أي قادرا لا يفوته شيء. ومعنى {وكان الله} فأتى بالخبر عن الماضي أنه على ~~[معنى: أن] ما شاهدتموه من قوته ms1451 ليس بحادث بل لم يزل على ذلك. هذا مذهب PageV06P4392 # سيبويه. وقال: الحسن معناه: وكان مقتدرا عليه قبل كونه. وكذا الجواب عن ~~كل ما أخبر الله [ عز وجل] به عن نفسه بالماضي. # قوله: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}. # والمعنى المال والبنون الذي يفخر به عظماء قريش على الفقراء المؤمنين إذ ~~سألوك يا محمد / أن تبعد الفقراء المؤمنين عن نفسك وتقرب الأغنياء زينة ~~الحياة الدنيا دون الآخرة. # {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا} أي وما يعمل هؤلاء الفقراء من ~~دعائهم ربهم [ عز وجل] بالغداة والعشي يريدون وجهه. # {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا}. # أي ما يؤمل من عاقبه الدعاء إلى الله [ عز وجل] هؤلاء الفقراء خير مما ~~يؤمل هؤلاء الأغنياء المشركون من أموالهم وأولادهم. PageV06P4393 # وقيل: عنى بهذه الآيات من قوله: {واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك} [الكهف: ~~27] إلى هذا الموضع: عيينة والأقرع، سألا النبي [ صلى الله عليه وسلم] أن ~~يطرد الضعفاء المؤمنين عن نفسه مثل سلمان وصهيب وخباب. # وقال ابن عباس: {والباقيات الصالحات} الصلوات الخمس، وهو قول ابن جبير. # وقال: عثمان [بن عفان] رضي الله عنه[هي] سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، رواه عنه الحارث مولاه. # وقال: ابن عباس أيضا: هي سبحان الله والحمد لله ولا إلأه إلا الله والله ~~أكبر، وهو قول ابن المسيب وعطاء ومجاهد. # وزاد ابن المسيب فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك قال: ابن عمر ~~لما سئل عنها مثل قول ابن المسيب، وهو قول محمد بن كعب القرطبي، وهو قول ~~ابن مسعود، وهو مروي عن النبي عليه السلام. PageV06P4394 # وروي عن مجاهد أنه قال: هي التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. # وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: " عرج بي إلى السماء ~~فرأيت إبراهيم فقال: يا جبريل من هذا معك قال: محمد، قال: فرحب بي وسهل. ثم ~~قال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة. فقلت: ~~وما غراس الجنة؟ قال: ms1452 لا حول ولا قوة إلا بالله ". # وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات ". # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: " استكثروا من الباقيات ~~الصالحات، قليل وما هن يا رسول الله؟ قال: الملة. فيل: وما هي يا رسول ~~الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~". # وروى ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " خذوا PageV06P4395 # جنتكم، قالوا: يا رسول الله من عدو و [قد] حصر. [قال] لا، جنتكم من ~~النار. قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يأتين يوم ~~القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات من النار [هن] الباقيات الصالحات ". # وعن ابن عباس أنه قال: هي الأعمال الصالحات من الذكر وغيره. تبقى لأهلها ~~في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وقال: ابن زيد: هي الأعمال الصالحات. # وعن ابن عباس أيضا: هي الكلام الطيب. # قال: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة}. # أي: واذكر يا محمد يوم تسير الجبال، أي يوم تبس الجبال بسا فتجعلها هباء ~~منبثا {وترى الأرض بارزة}، أي: ظاهرة قد اجتنيت ثمارها وقلعت جبالها وهدم PageV06P4396 # بنيانها، قاله مجاهد / وقتادة. وروى أن ذلك في يوم النفخة الأولى. # وقيل المعنى: قد أبرزت من فيها من الموتى الذين كانوا في بطنها فصاروا ~~على ظهرها. فيكون على هذا النسب: أي وترى الأرض ذات بروز. # ثم قال: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا}. # أي: وجمعناهم إلى موقف الحساب فلم نترك منهم أحدا تحت الأرض. فهذا يدل ~~على أن معنى {وترى الأرض بارزة} تبرز من في بطنها من الموتى على ظهرها. # وعن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " يحشر الناس حفاة عراة كما بدؤوا، وقالت أم سلمة: يا ~~سوءتاه يا رسول الله هل ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: شغل الناس، قالت: قلت: ~~وما شغلهم يا رسول الله؟ ms1453 قال: نشروا الصحف فيها متى قيل الدر ومتى قيل ~~الخردل ". # قوله: {وعرضوا على ربك صفا} [47] إلى قوله: (بئس للظالمين بدلا) [49]. PageV06P4397 # أي وعرض الخلق صفا أي ظاهرة ترى جماعتهم كما ترى كل واحد منهم، لا يسترهم ~~شيء. # {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة}. # أي أحياء كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة، يحشرون حفاة عراة غرلا. وغرل جمع ~~أغرل وهو الأقلف. والمعنى يقال: لهم يوم القيامة إذا عرضوا لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة. # ثم قال: [تعالى]: {بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا}. # هذا خصوص للمنكرين البعث يقال: لهم بل زعمتم أن لن تبعثوا. # قال: [تعالى]: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه}. # في هذا الكلام اختصار وحذف. والتقدير ووضع الكتاب فيه عمل [كل] PageV06P4398 # امرئ أي وضع الكتاب في يد كل امرئ في يمينه أو في شماله. # {فترى المجرمين مشفقين مما فيه}. # أي: ترى المشركين [بالله] خائفين وجلين مما فيه من أعمالهم السيئة ~~{ويقولون ياويلتنا} أي قولون إذا قرءوا كتاب أعمالهم ورأوا ما كتب عليهم من ~~كبائر ذنوبهم ومغائرها {ياويلتنا} دعوا بالويل لما أيقنوا بالعذاب. # وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لكعب: ويحك يا كعب حدثنا من ~~حديث يوم القيامة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع ~~اللوح المحفوظ، فلا يبقى أحد إلا وهو ينظر إلى عمله فيه. ثم يؤتى بالصحف ~~التي فيها أعمال العباد فتنشر حول العرش فذلك قوله: {ووضع الكتاب فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها} لما رأوا ما رأوا ولم يقدروا أن ينكروا منها شيئا. # قال: قتادة: اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ولم يشتك أحد منهم ظلما، ~~فإياكم والمحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. PageV06P4399 # وروى عن ابن عباس أن الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك. وقيل: الصغيرة ما ~~دون الشرك والكبيرة الشرك. # وقوله: {إلا أحصاها} أي إلا حفظها الكتاب وأثبتت فيه. وقال: أحصاها على ~~معنى أحصاهما، وعلى معنى / أحصى كل واحد ms1454 منهما. وقيل المعنى: لا يغادر ~~صغيرة إلا أحصاها ولا كبيرة إلا أحصاها، لكن حذفت إحدى الجملتين لدلالة ~~الأخرى عليها اختصارا وإ [ي] جازا. # ثم قال: {ووجدوا ما عملوا حاضرا}. # أي: ما عملوا في الدنيا من عمل حاضرا في كتابهم مكتوبا مبينا. # {ولا يظلم ربك أحدا}. # أي: لا يجازي ربك يا محمد أحدا بغير ما هو أهله، أي لا يجازي بالإحسان PageV06P4400 # إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئات إلا أهل السيئة. وتحقيقه: لا يضع ربك ~~العقوبة إلا في موضعها لأن الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه. # قال: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن}. # أي: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ترك ~~السجود حسدا لآدم. # وقوله: {كان من الجن} أي: من الملائكة الذين يقال: لهم الجن. وقيل كان من ~~خزان الجنة فنسب إليها. # وقيل: كان من الجن الذين استخفوا عن أعين الناس أي استتروا. # وقال: ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يركب المعصية عزازيل. وكان من ~~الملائكة من سكان الأرض من أشد الملائكة عبادة واجتهادا فدعاه الكبر إلى ~~ترك السجود وكان من حي يسمون جنا. # وعنه أيضا أنه قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال: لهم الجن PageV06P4401 # خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. وكان اسمه الحرث، وكان خازنا من ~~خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة من [نور] غير هذا الحي وخلقت الجن الذين ~~ذكروا في القرآن من مارج من نار السموم وهي لسان النار الذي يكون في طرفها ~~إذا التهبت. # وقال: ابن المسيب: كان إبليس رئيس الملائكة، ملائكة سماء الدنيا. # وعن ابن عباس كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر سماء الدنيا. وعنه ~~كان إبليس من أشراف الملائكة و [أ] كرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان، ~~وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. وكان فيما قضى الله عز ~~وجل أنه رأى أن له بذلك شرفا وعظمة على أهل السماء فوقع في قلبه من ذلك كبر ~~لا ms1455 يعلمه إلا الله [ عز وجل] فلما كان عند السجود، حين أمر أن يسجد لآدم [ ~~صلى الله عليه وسلم] استخرج الله عز وجل كبره عند السجود فلعنه وأخره إلى ~~يوم الدين. # وعن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها، وكان ~~يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فسخط الله [ عز وجل] عليه PageV06P4402 # فمسخه شيطانا رجيما لعنه الله ممسوخا. وقال: إذا كانت خطيئة الرجل في كبر ~~فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه. وكانت خطيئة آدم [ صلى الله ~~عليه وسلم] في معصية وخطيئة إبليس في كبر. # وقال: ابن عباس: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. # وقال: قتادة إنما سمي من الجن لأنه جن عن طاعة ربه. يريد أنه استتر عنها ~~فلم يفعلها. وقال: الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وأنه لأصل ~~للجن، كما أن آدم [ صلى الله عليه وسلم] أصل للإنسان. وقال: ابن / جبير: ~~كان من الجنانين الذين يعملون في الجنان فلذلك قال: {[كان] من الجن}. # فمن جعله ليس من الملائكة ينقض قوله قول الله [ عز وجل] { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم} لم ير غير الملائكة. # وقال: من أجاز ذلك: إن معنى أن الله أمره مع الملائكة بالسجود فاستثني، ~~فهو استثناء ليس من الأول. PageV06P4403 # ثم قال: {ففسق عن أمر ربه}. # أي: فعدل عن أمر ربه وخرج عنه، والفسق العدول والخروج عن الاستقامة. ~~وقال: قطرب معناه ففسق عن [رده] أمر ربه [ عز وجل] . # والمعنى عند الخليل وسيبويه أتاه الفسق لما أمر فعصى. وكان سبب فسقه ~~الأمر بالسجود. # ثم قال: {أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم عدو}. # أي: فتوالون يا بني آدم من استكبر على أبيكم وأغواه حتى أخرده من الجنة ~~فكان ذلك سبب خروجكم منها. وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم عليكم وأسجد ~~ملائكته لأبيكم آدم [ صلى الله عليه وسلم] . وذرية إبليس هم الشياطين الذين ~~يغوون بني آدم. PageV06P4404 # ثم قال: {بئس للظالمين بدلا}. # أي: بيس ما استبدل الظالمون من طاعة الله [ عز وجل] ms1456 طاعة ابليس. # قوله: {مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض}. # أي: ما أشهدت إبليس وذريته {خلق السماوات والأرض}، أي ما أحضرتهم ذلك ~~فاستعين بهم على خلقهما. # {ولا خلق أنفسهم}. # أي: ولا أحضرت بعضا منهم خلق بعض فأستعين به على ذلك. بل هو منفرد بخلق ~~جميع ذلك بغير معين ولا ظهير. # وقيل معنى: {مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض}: أي لم يكونوا موجودين إذ ~~خلقهما. # ثم قال: {وما كنت متخذ المضلين عضدا}. PageV06P4405 # أي: وما كنت متخذ من لا يهدي إلى الحق أعوانا وأنصارا وهو من قولهم فلان ~~يعضد [فلانا] إذا نصره وأعانه وقواه. # وقرأ أبو جعفر وعاصم الجحدري: " ومن كنت " بفتح التاء على المخاطبة للنبي ~~عليه السلام. أي لست يا محمد متخذا المضلين أنصارا. # وفي عضد ستة أوجه وعضد وعضد وعضد بضمتين وبه قرأ الحسن. وحكى هارون ~~القارى " عضد ". ويجوز عند أبي إسحاق عضدا على قراءة الحسن بسكون الأوسط. ~~والسادس عضدا على لغة من قال: كتف في كتف. # قال: {ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم} أي: نقول للمشركين نادوا ~~الآلهة والأنداد التي عبدتموها، وجعلتموها شركاء لله ووعدتم أنفسكم بنصرتها ~~لكم من عذاب الله. PageV06P4406 # {فدعوهم فلم يستجيبوا}: أي: فاستغاثوا بها ولم تغثهم. # ثم قال: {وجعلنا بينهم موبقا}. # أي جعلنا بين المشركين، وما كانوا يعبدون في الدنيا عداوة يوم القيامة، ~~قاله الحسن. # وقال: ابن عباس معنى: {وجعلنا بينهم موبقا} الموبق المهلك الذي أهلك ~~بعضهم بعضا. كأنه جعل فعلهم ذلك لهم مهلكا. ف " بين " اسم على هذا القول ~~لأظرف، وانتصابه انتصاب / المفعول بجعل. # قال: الضحاك: موبقا هلاكا. وقال: مجاهد: موبقا واد في جهنم. وقال: عبد ~~الله بن عمرو: يفرق يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة بواد عميق وهو ~~الموبق. وقال: أبو عبيدة: موبقا موعدا. # وأحسن الأقوال، قول من قال: الموبق المهلك والهلاك. لأن العرب تقول: وبق PageV06P4407 # يبق: إذا هلك. [ومنه] قوله: {[أو يو] بقهن بما كسبوا} [الشورى: 34] أي: ~~يهلكهن. فالمعنى وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة. وقد يسمى ~~الوادي موبقا لأنه يهلك فيه. # ف " بين ms1457 " على هذا اسم لا ظرف، وانتصابه بجعلنا انتصاب المفعولات لا ~~انتصاب الظروف، ومن جعله واديا فهو ظرف، وكذلك على قول موبقا عداوة وموعدا. # وروى أبان عن عكرمة أنه قال: [" موبقا "] نهر في النار يسيل نارا، على ~~حافتيه حيات كالبغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في ~~النار منها، أعاذنا الله من النار. # قال: [تعالى]: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها}. # أي عاين المجرمون النار يوم القيامة فأيقنوا بأنهم داخلوها. روى أبو سعيد PageV06P4408 # الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الكافر ليرى جهنم ويظن ~~أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ". # ثم قال: {ولم يجدوا عنها مصرفا}. # أي: [و] لم يجدوا عن النار معدلا إلى غيرها. # قال: {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل}. # أي: ولقد مثلنا في هذا القرآن [للناس] من كل مثل فيه موعظة وحجة ليتعظوا ~~ويتذكروا فينيبوا ويزدجروا عما هم فيه من الكفر {وكان الإنسان أكثر شيء ~~جدلا}، أي خصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة. # [و] الإنسان هذا الكافر، دل عليه قوله {ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق} [الكهف: 56] PageV06P4409 # وإنما قيل: {وكان الإنسان}. لأن إبليس أيضا قد جادل والجن تجادل. ~~والمعنى: وكان الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا. # قوله: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى}. # المعنى: وما منع هؤلاء المشركين يا محمد عن الإيمان [بالله عز وجل] إذ ~~جاءهم البيان من عند الله [سبحانه] والاستغفار مما هم عليه من شركهم إلا أن ~~تأتيهم سنة الأولين. # أي: إلا طلب أن يأتيهم العذاب كما أتي الأولين عند امتناعهم من الإيمان. ~~وطلبهم العذاب كما طلب هؤلاء المشركون العذاب في قولهم: {اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم} ~~[الأنفال: 32]. # ثم قال: {أو يأتيهم العذاب قبلا}. PageV06P4410 # من كسر القاف فمعناه: عيانا. ومن ضم فهو عند الفراء جمع " قبيل " أي ~~يأتيهم متفرقا صنفا بعد صنف. وقال: أبو عبيدة: " قبلا " بالضم مقابلة. ~~وقال: مجاهد: قبلا، فجأة. وقال: ابن ms1458 زيد: عيانا. # قال: [تعالى]: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين}. # أي: وما نرسل رسلنا إلا مبشرين أهل الإيمان بجزيل الثواب عند الله [ عز ~~وجل] ومنذرة أهل الكفر عظيم العقاب. # ثم قال: {ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق}. PageV06P4411 # أي: يخاصم الكفار النبي صلى الله عليه وسلم ويسألوا عن المسائل / يبتغون ~~عجزه واستنقاصه ليزيلوا به حجته، وينكروا نبوته فيزيلون الحق. ومعنى ~~{ليدحضوا} يزيلوا، وهو سؤالهم عن الروح وعن فتية الكهف وعن ذي القرنين ~~وشبهه. فأعلم الله [ عز وجل] نبيه أنه لم يرسل رسله للجدال إنما أرسلهم ~~مبشرين ومنذرين. # ثم قال: {واتخذوا ءاياتي ومآ أنذروا هزوا}. # أي: اتخذ الكافرون آيات الله [ عز وجل] وحججه [سبحانه] سخريا. والهزؤ ~~السخرية كأنهم يسخرون به. # قال: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها}. # أي: أي الناس أوضع للأشياء في غير موضعها ممن ذكره الله [ عز وجل] آياته ~~وحججه فدله على سبيل الرشاد، وأهداه إلى طريق النجاة، فأعرض عن ذلك PageV06P4412 # ولم يقبله {ونسي ما قدمت يداه} أي ترك ما اكتسبت من الذنوب المهلكة له ~~فلم يتب منها. # ثم قال: تعالى: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه}. # أي: إنا جازيناهم بإعراضهم عن الهدى وميلهم إلى الكفر [بأن] جعلنا على ~~قلوبهم أغطية لئلا يفقهوه {وفيءاذانهم وقرا} أي ثقلا لئلا يسمعوه. فأعلم ~~الله [ عز وجل] نبيه [ صلى الله عليه وسلم] أن هؤلاء بأعيانهم لن يؤمنوا. # ثم قال: لنبيه عليه السلام {وإن تدعهم إلى الهدى} أي الاستقامة {فلن ~~يهتدوا إذا أبدا} أي: فلن يؤمنوا أبدا لأن الله [ عز وجل] قد طبع على ~~قلوبهم وآذانهم. # وقيل المعنى: فمن أظلم لنفسه ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عن قبولها PageV06P4413 # {ونسي ما قدمت يداه} أي: ترك كفره ومعاصيه لم يتب منها. # قال: {وربك الغفور ذو الرحمة}. # أي: وربك يا محمد الساتر على ذنوب عباده بعفوه إذا تابوا منها ذو الرحمة ~~بهم. ولو أخذ هؤلاء المعرضين عن آياته بما اكتسبوا من الذنوب بالعذاب في ~~الدنيا لعجل لهم ذلك. لكنه برحمته وعفوه لم يعجل لهم ms1459 ذلك. وتركه إلى وقته، ~~وهو الموعد المذكور. # {لن يجدوا من دونه موئلا}. # أي: لن يجدوا يعني هؤلاء المشركين من دون الموعد ملتحدا ملجئا يلجؤون ~~إليه من العذاب. # قوله: {وتلك القرى أهلكناهم}. # المعنى: وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم أهلكنا أهلها PageV06P4414 # {لما ظلموا} أي: كفروا بالله [ عز وجل] وآياته [سبحانه]. # {وجعلنا لمهلكهم موعدا}. # أي: وجعلناه لوقت إهلاكهم أي لوقت هلاكهم موعدا، لا يتجاوزونه، أي أجلا ~~ووقتا. فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين موعدا لإهلاكهم لا يتجاوزونه. # وتقدير الآية: أولئك أهل القرى أهلكناهم لما ظلموا، ثم حذف المضاف. مثل ~~{وسئل القرية} [يوسف: 82]، وهنا الضمير في إهلاكهم على أصله، يعود على ~~المحذوف وعمد للإشارة فقيل: تلك لما صارت للقرى. # أي: واذكر يا محمد إذ قال: موسى لفتاه يوشع بن نون [و] كان يلازم موسى ~~ويخدمه. وهو ابن اخته، وهو يوشع بن نون ابن فزائ [ي] ل بن يوسف بن يعقوب. PageV06P4415 # والمعنى أنه قال: ليوشع لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، يعني اجتماع ~~بحر فارس وبحر الروم [فبحر الروم] مما يلي المغرب، وبحر فارس مما يلي ~~المشرق، قاله قتادة ومجاهد. # ومعنى {أو أمضي حقبا} أي أو أسير زمانا ودهرا. وهو واحد جمعه أحقاب في ~~أقل العدد وكثيره. وقد / يجوز أن يكون أحقاب جمع حقب وحقب جمع حقبة. [و] ~~قال: الفراء: الحقب في لغة قيس سنة. وقال: عبد الله بن عمر: الحقب ثمانون ~~سنة. وقال: مجاهد " سبعون خريفا. # وعن ابن عباس {أو أمضي حقبا} دهرا. وعن قتادة: زمانا. وقال: ابن زيد: ~~الحقب الزمان وأصله في اللغة أنه وقت مبهم يقع للقليل والكثير كرهط وقوم PageV06P4416 # وكان علة سيره إلى مجمع البحرين أنه واعد ثم الخضر يلقاه. # قال: {فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما}. # أي: فلما بلغ موسى [ صلى الله عليه وسلم] وفتاه مجمع البحرين. قال: أبي ~~بن كعب أفريقية. # وقوله {نسيا حوتهما}. أي: تركاه. وقال: مجاهد أضلاه وقيل: الناسي له يوشع ~~وحده، ولكن أضيف النسيان إليهما كما قال: # {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] وإنما يخرج ms1460 من أحدهما من ~~المالح دون العذب. # وقيل كان النسيان منهما جميعا أما موسى [ صلى الله عليه وسلم] فنسي أن ~~يقدم إلى يوشع في أمر الحوت، وأما يوشع فنسي أن يخبر موسى [ صلى الله عليه ~~وسلم] بسرب الحوت. وكانا قد تزودا الحوت في سفرتهما فأضيف إليهما إذ هو ~~زادهما جميعا وإن كان حامله أحدهما. # ثم قال: {فاتخذ سبيله في البحر سربا}. PageV06P4417 # أي: اتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا ومذهبا يرى. قال: ابن عباس بقي أثره ~~كالحجر. وعنه أيضا أنه قال: جاء فرأى أثر جناحيه في الطين حين وقع في ~~الماء. # وعن ابن عباس أنه قال: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يصير ~~صخرة فذلك اتخاذه في البحر سربا. قال: ابن زيد: لما أحيى الله [ عز وجل] ~~الحوت مضى في البطحاء فاتخذ فيها طريقا حتى وصل إلى الماء بعدما أكلا منه، ~~وكان زادهما. # قوله: {فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا} إلى قوله: {من لدنا علما}. # أي: فلما جاوزا مجمع البحرين، قال: موسى لفتاه: آتنا غذاءنا، PageV06P4418 # {لقينا من سفرنا هذا نصبا}. أي: تعبا. وذلك أن موسى [ صلى الله عليه ~~وسلم] لما جاوز الصخرة التي عندها يطلب الخضر وذهب الحوت عندها ألقى الله [ ~~عز وجل] عليه الجوع ليذكر الحوت ليرجع [فليذهب] إلى مطلبه. # قال له فتاه وهو يوشع بن نون ابن أخت موسى من سبط يوسف بن يعقوب [ صلى ~~الله عليه وسلم] : { قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ومآ ~~أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا}، أي اتخذ طريقا ~~يسيرة. قال: موسى " عجبا " أي أعجب عجبا. # وقيل هو من قول يوشع كله. أي اتخذ الحوت طريقه في البحر عجبا. فيكون عجبا ~~مفعولا ثانيا لاتخذ. ويجوز أن يكون مصدرا عمل فيه فعل دل عليه الكلام. # وقيل المعنى: واتخذ موسى سبيل الموت في البحر عجبا. قال: ابن أبي نجيح ~~عجبا لموسى [ صلى الله عليه وسلم] لهى هو أي عجب موسى من أثر الحوت في ~~البحر. وكذلك ms1461 PageV06P4419 # قال: قتادة. # قال: ابن زيد: عجبا والله من حوت أكل منه دهرا ثم صار حيا حتى أثر يسيره ~~في الماء طريقا. قال: ابن عباس: عجب موسى من أثر الحوت إذ صار صخرة كلما ~~مس. # فمن جعل العجب من موسى، وقوله {واتخذ سبيله في البحر} من قول يوشع، وقف ~~على البحر. ومن جعله كله من قول يوشع أو جعل الاتخاذ لموسى [ صلى الله عليه ~~وسلم] لم يقف على البحر. # ثم قال: تعالى: {قال ذلك ما كنا نبغ}. # أي قال: موسى لفتاه {ذلك ما / كنا نبغ}. # أي نسيانك للحوت هو الذي كنا نطلب. لأن موسى عليه السلام وعد أن يلقى ~~الخضر في الوضع الذي نسي فيه الحوت. PageV06P4420 # {فارتدا على آثارهما قصصا}. # أي: رجعا على طريقهما [الذي] أتيا فيه يطلبان الموضع الذي انسرب فيه ~~الحوت. والقصص الاتباع. أي يقصان الأثر قصصا حتى انتهيا إلى أثر الحوت ~~{فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا} أي وجدا خضرا. # وكان سبب سفر موسى لطلب الخضر فيما روى جماعة من المفسرين أنه سئل هل في ~~الأرض أعلم منك؟ فقال: لا [و] حدثته نفسه بذلك. فكره له ذلك فأراد الله [ ~~عز وجل] أن يعرفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه. # وقيل: إن موسى [ صلى الله عليه وسلم] ركب البحر فأعجبه علمه، فقال: في ~~نفسه: ما أجد في زماني أعلم مني. فرفع عصفور في منقاره نقطة من ماء البحر ~~فأوحى الله [ عز وجل] إليه ما علمك عند علم عبد من عابدي إلا كما حمل هذا ~~العصفور من ماء هذا البحر في منقارة. # فقال: يا رب اجمع بيني وبين هذا العالم وسخره حتى أعلم علما من علمه. PageV06P4421 # فأوحى الله [ عز وجل] إليه أنك تستدل عليه ببعض زادك. فمضى ومعه غلامه ~~ومعهما خبزه وحوت وقد أكلا بعضه. فكان من قصتهما ما حكى الله [ عز وجل] ~~عنهما وعن الحوت. # وقيل: كان سبب ذلك أنه سأل الله [ عز وجل] أن يدله على عالم يزداد من ~~علمه. قاله ابن عباس: ms1462 قال: سأل موسى [ صلى الله عليه وسلم] ربه [ عز وجل] : ~~أي ربي، أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني فلا ينساني. قال: فأي عبادك ~~أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: ربي فأي عبادك أعلم؟ قال: ~~الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن تصيبه كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ~~ردى. قال: رب فهل في الأرض أجده؟ قال: نعم. قال: رب فمن هو؟ قال: الخضر. ~~قال: زأين أطلبه؟ قال: [على] الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت. ~~فخرج موسى [ صلى الله عليه وسلم] يطلبه. حتى كان ما ذكر الله [ عز وجل] ~~وانتهى موسى [ صلى الله عليه وسلم] إليه عند الصخرة فسلم كل واحد منهما على ~~صاحبه فقال: له موسى: إني أريد أن تصحبني. قال: له الخضر: إنك لن PageV06P4422 # تستطيع صحبتي. قال: له موسى: بلى. قال: له الخضر: فإن صحبتني {فلا تسألني ~~عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} [الكهف: 69] فكان ما قص الله [ عز وجل] علينا ~~من أمر السفينة والغلام والجدار. ثم صار به الخضر في البحر حتى انتهى إلى ~~مجمع البحور وليس في مكان أكثر ماء منه. قال: ابن عباس: وبعث ربك الخطاف ~~فجعل يستقي من ذلك الماء العظيم بمنقاره. فقال: الخضر [لموسى]: كم ترى هذا ~~الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل [ما] رزأ منه. قال: يا موسى فإن علمي ~~وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء. وكان موسى يحدث ~~نفسه أنه ليس أحدا أعلم منه. # ومن رواية ابن جبير عن ابن عباس أيضا: خطب موسى بني إسرائيل. فقال: ما ~~أجد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقى الخضر. فلما اقتص موسى أثر الحوت ~~انتهى إلى رجل راقد قد سجى عليه ثوبه، فسلم عليه موسى، فكشف الرجل عن وجهه ~~الثوب / فرد عليه السلام. فقال: من أنت؟ فقال: موسى قال: صاحب بني PageV06P4423 # إسرائيل؟ قال: نعم. قال: أو ما كان لك في بني إسرائيل شغل؟ قال: بلى، ~~ولكن أمرت أن ms1463 أتبعك وأصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 67] كما ~~قص الله علينا. # ويروى أن موسى قال: له: وما يدريك أني صاحب بني إسرائيل؟ قال: له: ادراني ~~بكل الذي ادراك بي. # قال: قتادة: قيل لموسى إن آية لقيك إياه أن تنسى بعض متاعك. فخرج هو ~~ويوشع بن نون فتزودا حوتا مملوحا. حتى إذا كانا حيث شاء الله، رد الله إلى ~~الحوت روحه فسرب في البحر واتخذ الحوت طريقه في البحر سربا. # وقال: قوم إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل وإنما هو عبد من ~~عبيد الله من غير بني إسرائيل. فأنكر ذلك أكثر الناس، وقالوا هو موسى بن ~~عمران نبي بني إسرائيل. وقال: ابن جبير: كنا عند ابن عباس، فقيل له: أن ~~نوفا قال: ليس صاحب الخضر موسى بني إسرائيل. وكان متكئا فجلس، وقال: يا ~~سعيد أنت سمعته؟ قال، قلت: نعم، أنا سمعته وهو يقول ذلك. فقال: ابن عباس: ~~كذلك نوف. حدثني أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~بينما موسى [ صلى الله عليه وسلم] يخطب قومه ذات [يوم] إذ قال: ما أعلم في ~~الأرض رجلا أعلم مني، فأوحى الله [ عز وجل] PageV06P4424 # إليه: أن في الأرض رجلا أعلم منك. قال: يا رب فدلني عليه. فقيل له: تزود ~~حوتا مالحا فإنه حيث تفقد الحوت. فانطلق هو وفتاه حتى انتهيا إلى الصخرة. ~~وانطلق موسى [ صلى الله عليه وسلم] يطلبه وترك فتاه فاضطرب الحوت في الماء ~~فجعل لا يلتئم عليه الماء فصار مثل الكوة. فقال: فتاه: إلى أن يجيء نبي ~~الله فأخبره، قال: فنسي أن يخبر موسى بذلك. فلما جاوزا {قال لفتاه آتنا ~~غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا}. قال: فلم يصبهما نصب حتى جاوزا ما ~~أمرا به. قال: واذكر، يعني الفتى فقال: {أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني ~~نسيت الحوت} إلى قوله {قصصا} فأراه مكان الحوت قال: ها هنا وصف لي. فذهب ~~يلتمس فإذا هو بالخضر مسجى ثوبا " وذكر الحديث المتقدم. PageV06P4425 # قوله {قال له ms1464 موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا}. # أي قال: موسى للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله رشدا إلى الحق ~~ودليلا على الهدى. قال: له الحضر: {إنك لن تستطيع معي صبرا} أي إني أعلم ~~بباطن علم علمنيه الله [ عز وجل] ولا تعلم أنت إلا بالظاهر من الأمور فلا ~~تصبر على ما ترى مني لأن أفعالي بغير دليل في رأي العين. قال: موسى: ~~{ستجدني إن شآء الله صابرا} [أي اصبر] على ما أرى منك وإن كان خلافا لحكم ~~الظاهر، {ولا أعصي لك أمرا} أي [و] أنتهي إلى ما تأمرني وإن كان مخالفا ~~لهواي. # وفعل موسى [ صلى الله عليه وسلم] في هذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد ترك ~~طلب العلم [و] الازدياد منه والرحلة فيه وإن كان قد / بلغ فيه مبلغه. ويدل ~~على وجوب PageV06P4426 # التواضع لمن هو أعلم منه. # قال الخضر لموسى: {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} ~~أي: إن رأيت ما تنكر فلا تسئلني وتعجل علي بالسؤال حتى أبين لك وجهه وشأنه. # {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها}. # أي: انطلق موسى والخضر يطلبان السفينة يركبانها فأصاباها فلما ركبا فيها ~~خرق الخضر السفينة، فأنكر ذلك موسى وقال: {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت ~~شيئا إمرا}. # أي: شيئا منكرا عظيما. # ويروى أن موسى عليه السلام حين رآه يخرق السفينة التزمه، وذكره الصحبة، ~~وناشده الله والصحبة فأكب الآخر عليها يخرقها. فلما خرقها ودخل الماء فيها ~~جلس موسى مهموما محزونا وقال: {أخرقتها لتغرق أهلها} الآية. # وقال: قتادة {إمرا}: عجبا. فأنكر عليه موسى ما رأى، وذلك أنه لم يعلم PageV06P4427 # أنه نبي. وقيل قد علم أنه نبي ولكن نسي. قال: أبو عبيدة إمرا: داهية. # وقيل: سمي الخضر خضرا لأنه كلما صلى في مكان اخضر ما حوله. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما سمي الخضر خضرا ~~لأنه جلس على ربوة بيضاء فاهتزت خضرا " فقال: له الخضر: {ألم أقل إنك لن ~~تستطيع معي صبرا} ms1465 لأنك ترى ما لا تعلم. قال: له موسى: {لا تؤاخذني بما نسيت ~~ولا ترهقني من أمري عسرا}. قال: أبي بن كعب: لم ينس موسى ولكنها من معار ~~[ي] ض الكلام. وقال: ابن عباس: لم ينس، وإنما ترك العهد. فالمعنى لا ~~تؤاخذني بتركي عهدي. ألا أسألك عن شيء حتى تحدث لي منه ذكرا. # وقيل: إنه نسي فاعتذر ولم ينس في الثانية ولم يعتذر، وعن النبي عليه ~~السلام أنه قال " PageV06P4428 # كانت الأولى من موسى نسيانا "، ومعنى " لا ترهقني " لا تكلفني عسرا. وقيل ~~لا تغشني عسرا. # وقيل: المعنى عاملني باليسر لا بالعسر. وقيل معناها لا تضيق علي. # قوله: {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله}. # المعنى: فانطلق موسى والخضر يسيران حتى لقيا غلاما فقتله] الخضر. قال: ~~ابن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون فأخذ غلاما ظريفا فأضجعه ثم ذبحه ~~بالسكين. قيل كان اسمه جيسور. قال: له موسى PageV06P4429 # {أقتلت نفسا زكية بغير نفس} أي بريئة. وقيل معناها ليس لها إليك ذنب، ~~قاله اليزيدي. وعن ابن عمر: " زاكية " صالحة. وعنه " زاكية " لا ذنب لها. # فأما من قرأ " زكية " بغير ألف، فقال: ابن عباس وقتادة: الزكية التائبة. ~~وقال: ابن جبير: الزكية التي لم تبلغ الخطايا. وقال قطرب: زكية مطهرة. ~~وقال: PageV06P4430 # الكسائي والفراء هما لغتان. ومعناه عندهما لم يجن جناية. # وقوله: {بغير نفس}. # أي: بغير قصاص نفس قتلت فيلزمها القصاص قودا بها. # وهذا المعنى يدل على أن الذي قتله الخضر لم يكن طفلا بل كان بالغا. لأن ~~القود بالنفس لا يكون إلا بعد البلوغ. # ثم قال: {لقد جئت شيئا نكرا} # أي: لقد فعلت فعلا منكرا. # قال: بعض أهل اللغة " الإمر: أشد من " النكر " لأن الأمر إنما / يستعمل ~~في الشيء العظيم. فلما كان هلاك جماعة في خرق السفينة قال: " امرا " وقال: ~~هنا " نكرا " لأنه قتل واحدا وقتل الجماعة أعظم من قتل واحد. وروي عن قتادة ~~أنه قال: النكر أشد من الأمر. PageV06P4431 # وقيل معناه: لقد جئت شيئا أنكر من الأول. # قال له الخضر {ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا}. ms1466 # أي: لا تقدر أن تصبر على ما ترى من أحوالي وأفعالي التي لم تحط بها خبرا. ~~وإنما كرر المخاطبة الخضر في المرة الثانية لموسى [ صلى الله عليه وسلم] ~~لأن الإنسان إذا أذنب ثانية كان اللوم عليه آكد من ذنبه أولا. فلما أنكر ~~موسى على الخضر خرقه السفينة وبخه الخضر توبيخا لطيفا إذ لم يتقدم لموسى ~~ذنب. فقال: {ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} فاعتذر موسى بأنه نسي ~~الشرط الذي اش [ت] رط عليه الخضر. فلما عاد موسى إلى الإنكار في قتل الغلام ~~زاد الخضر في توبيخه لعوده لبعض ما اشترط عليه فكرر الخطاب ليكون أبلغ في ~~التوبيخ فقال: {ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} فكرر المخاطبة في ~~الثاني لعودة العلة. فقال: له موسى: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} ~~أي: تتابعني أي فارقني {قد بلغت من لدني عذرا} أي: بلغت العذر في شأني. PageV06P4432 # وروى أبي بن كعب أن النبي عليه السلام قال: " يرحمنا الله وإياه يعني ~~موسى، لو صبر لرأى عجبا "، وقال: لما قرأ هذه الآية: " استحيى نبي الله ~~موسى ". # قال: تعالى: {فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها}. # أي: فانطلق موسى والخضر يسيران حتى إذا جاءا أهل قرية {استطعمآ أهلها} ~~أي: سألاهما أن يطعموهما من الطعام. فابوا، فاستضافوهم فأبوا. # يقال: ضيفت الرجل إذا انزلته منزلة الاضياف. وأضفته أنزلته. وضيفته نزلت ~~عليه، مشتق من ضاف السهم أي مال. # وضافت الشمس إذا مالت للغروب. ومنه قولهم هو مخفوض بالاضافة PageV06P4433 # [أي] بإضافة الاسم إليه. # ثم قال: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} أي يسقط بسرعة. # وقرأ يحيى بن يعمر " يريد أن ينقاص " بالصاد غير معجمة، أي بنقطع من أصله ~~وينصدع. # وقيل معناه: ينشق طولا. يقال: انقاصت سنة إذا انشقت # ويقال: إن القرية انطاكية. # قال: الكسائي: إرادة الجدار هنا ميله، لأن الأموات لا تريد. كما قال: ~~النبي عليه السلام لا " ترى نارهما " أي لا يكون بموضع لو وقف فيه إنسان ~~لرأى النار الآخر. PageV06P4434 # إن النار لا ترى ms1467 منه. وقوله: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} ~~[الأعراف: 198]. # وقال: أبو عبيدة: ليس للحائط إرادة ولكن إذا كان في هذه الحال فهو من ~~دنيه فهو إرادته. # وقيل: إنما كلم القوم بما كانوا يعقلون ويستعملون فلما دنا الحائط من ~~الانقضاض جاز أن يقول {يريد أن ينقض} وقد قال: الشاعر: # يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني تميم # وقال: آخر: # يشكو إلي جملي طول السرى ... صبرا جميلى فكلانا مبتلى / # وقال: آخر وهو عنترة: PageV06P4435 # فازوز من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم. # وقوله: {فأقامه} # قال: ابن عباس هدمه ثم قعد يبنيه. وعنه أنه قال: رفع الجدار بيده ~~فاستقام. وقال: مرة أخرى: مسحه بيده فاستقام. # قال: له موسى {لو شئت لتخذت عليه أجرا} أي لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم ~~جدارهم حتى يعطوك على إقامته أجرا. قيل عني موسى بالأجر هنا الضيافة، أي ~~حتى يبرونا. # و {لتخذت} على قراءة الجماعة هو افتعلت من " اتخذ " لكن أدغمت التاء التي ~~هي فاء الفعل الأصلية لالافتعال. ويجوز أن يكون افتعلت من " أخذ " وأصله " ~~أيتخذ ". ثم أبدل من الياء التي هي عوض من الهمزة التي هي فاء الفعل فأدغمت ~~في تاء الافتعال. PageV06P4436 # فأما قراءة أبي عمرو وابن كثير فإنه من: تخذ يتخذ مثل شرب يشرب. # قال: ابن سيرين: القرية التي أتوها " الآيلة " وهي أبعد الأرض من السماء. # قوله: {قال هذا فراق بيني وبينك}. # أي قال: الخضر لموسى في الثالثة: هذا الذي قلت لي، يعني قول موسى له: {لو ~~شئت لتخذت عليه أجرا} [الكهف: 77] أي سأخبرك بما تؤول إليه عاقبة أفعالي ~~التي فعلتها ولم تقدر أنت على ترك المسألة. # قال: له الخضر: أما السفينة وما فعلت فيها فإنها كانت لقوم مساكين يعملون ~~في البحر، فاردت أن أخرقها لئلا يمضوا بها فيأخذها منهم الملك الذي أمامهم ~~غصبا. " وراء " هنا بمعنى أمام كما قال: {من ورآئهم جهنم} [الجاثية: 10] أي ~~من أمامهم. فإذا خلفوه أصلحوها بزفت فاستمتعوا بها، فذلك أصلح لهم من تركها ~~سالمة. # وقيل معنى: " وراءهم " خلفهم على ms1468 بابها. والمعنى أن الملك المغتصب خلفهم ~~إذا رجعوا ليأخذ سفينتهم. PageV06P4437 # وقيل: اسم الملك المغتصب هدد بن بدد. وقيل: اسمه الجلندي بن المستكبر ابن ~~الأرقم بن الأزد ملك غسان. كان يغصب الناس على سفنهم [إن] كانت صحيحة لا ~~عيب فيها، فلما خرقها الخضر وعابها لم يعرض لها الملك الغاصب، ولم يضر بمن ~~[كان] فيها بل نفع الخضر بفعله أصحابها إذ لو وصلوا بالسفينة صحيحة لغصبهم ~~الملك إياها. # وقيل: إن السفينة إنما كانت في أيديهم يعملون فيها بالأجرة ولذلك سماهم ~~مساكين. # وقيل: قوله {فكانت لمساكين} [لا] يدل على ملكها لهم كما أن قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم " من باع عبدا له وله مال فماله للبائع " لا يدل على أن ~~العبد يملك. PageV06P4438 # وكذلك قوله تعالى: {لبيت العنكبوت} [العنكبوت: 41] لا يدل على أنها تملك. # قال: {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين} [أي فكان كافرا وأبواه مؤمنين] ~~وكذلك هي في حرف أبي " وكان كافرا ". وقرأ ابن عباس " فكان أبواه مؤمنين ~~وكان كافرا ". وروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ". # وقيل: كان فعالا [للقبيح] مؤذيا للجيران فكان أبواه / يحلفان عنه أنه ~~فعل، فيكذبان في ذلك. # وقيل كان الغلام فاجرا لصا قطاعا للطريق، وكان أبواه في عدد وشرف، فإذا ~~أحدث الحدث نجا إليهما فمنعا منه. ويحلفان بالله ما فعل ويظنان أنه صادق في ~~إنكاره، PageV06P4439 # وقوله ما فعلت، فيحلفان كاذبان تصديقا لولدهما. # ثم قال: {فخشينآ أن يرهقهما}. # قيل هذا من كلام الخضر. وقيل هو من قول الله جل ذكره، فإذا كان من قول ~~الله [ عز وجل] فمعناه فعلمنا، كما يقال: طننت بمعنى علمت. # وقيل معناها فكرهنا، فالخشية من الله [سبحانه] الكراهة، ومن الادميين ~~الخوف. # ومعنى {يرهقهما} أيك يلحقهما، أي: يحملهما على الرهق وهو الجهل. وقيل ~~معناه يكلفهما. PageV06P4440 # وقيل يغشيهما {طغيانا} وهو الاستكبار على الله [ عز وجل] { وكفرا} أي: ~~وكفرا بالله [سبحانه]. # ومن جعل {فخشينآ} من قول الله [ عز وجل] كان " فأردنا " من قوله أيضا، أي ms1469 ~~فأراد الله. ومن جعل {فخشينآ} من قول الخضر فإن " فأردنا " من قوله أيضا. # ومعنى {خيرا منه زكاة} اسلاما. وقيل صلاحا. قال: ابن جبير بدلا منه جارية ~~وقال: ابن عباس: بدلا منه جارية] فولدت نبيا هدى الله به أمة من الأمم. ~~وروي عنه أنه كان من ذريتهما سبعون نبيا. # وقال: ابن جريج: كانت أم الصبي يومئذ حبلى فبدل الله [ عز وجل] لهما منه ~~إن PageV06P4441 # ولدت غلاما مسلما. # قال: قتادة: فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ول بقي كان فيه ~~هلاكهما. فليرض امرؤ بقضاء الله [ عز وجل] فإن قضاء الله [سبحانه] للمؤمن ~~فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. # وقوله: {وأقرب رحما}. # أي: أقرب رحمة بوالديه وأبر بهما من المقتول، قال قتادة. وعنه أيضا ~~{وأقرب رحما} أقرب خيرا. # وقال: ابن جريج: أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول. وقيل: المعنى أقرب ~~أن يرحما به. وقيل: الزكاة هنا الدين والرحم المودة. PageV06P4442 # والرحم مصدر رحم رحما ورحمة. وقيل هو من الرحم والقرابة. # قوله: {وأما الجدار}. # هذه حكاية من قول الخضر لموسى أن الجدار الذي أقمته كان لغلامين يتيمين ~~في المدينة وكان تحته كنز لهما. قال: ابن عباس ومجاهد وابن جبير: كان صحفا ~~مدفونة فيها علم. # [و] قال: جعفر بن محمد: كان ذلك سطرين لم يتم الثالث. وهما: # عجب للموقن بالرزق كيف يتعب. # و [عجب] للموقن بالحساب كيف يغفل. # و [عجب] للموقن بالموت كيف يفرح. # {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] ~~فحفظا بصلاح أبيهما السابع. # وقال: الحسن كان الكنز لوحا من ذهب مكتوب فيه: " بسم الله الرحمن PageV06P4443 # الرحيم ": عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف ~~يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله ". # روى ابن وهب: أن الكنز كان لوحا من ذهب مصمت مكتوب فيه: " بسم الله ~~الرحمن الرحيم " عجب لمن عرف الموت ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، ~~عجب لمن ms1470 أيقن / بالموت ثم أمن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ~~ورسوله ". # وقيل كان في جنب منه: عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن بالنار ~~ثم ضحك، وعجب لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. أنا الله ~~الذي لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي. وفي الشق الآخر: أنا الله الذي لا ~~إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير ~~وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. # وقال: عكرمة: كان الكنز مالا مدفونا. وكذلك روي عن قتادة، وهو الذي يعطي ~~ظاهر الخطاب لأنه لو كان غير مال لبين بالإضافة فكان يقال: كنز علم ونحوه. PageV06P4444 # ثم قال: تعالى حكاية عن قول الخضر لموسى: {فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك}: أي باليتيمين. فهذا عذر الخضر في إقامته ~~للجدار. ونصب " رحمة " على المصدر على أنه مفعول من أجله. # ثم قال: {وما فعلته عن أمري}. # أي: ما فعلت جميع ما رأيت يا موسى من عند نفسي إنما فعلته عن أمر الله. ~~وهذا يدل على أنه وحي أتاه في ذلك من عند الله. # ثم قال: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا}. # أي: هذا الذي قلت هو الذي يؤول إليه فعلي الذي أنكرته ولم تقدر على الصبر ~~لما رأيته يا موسى. وهذه الأخبار كلها تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وإعلام له بما جرى لمن كان قبله. # أي: ويسألك يا محمد المشركون عن ذي القرنين وقصته {قل سأتلوا عليكم منه ~~ذكرا} أي سأقص عليكم منه خبرا. وهذا مما سألت اليهود قريشا أن يسألوا عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل إن اليهود بأنفسهم سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك. PageV06P4445 # قال: مجاهد: ملك الأرض أربعة مسلمان وكافران. أما المسلمان فسليمان بن ~~داود [عليهما السلام] وذو القرنين. وأما الكافران فنمرود وبختنصر. # وروى عقبة بن عامر أنه خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلقيني ms1471 ~~قوم من اليهود فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ~~فاستأذن لنا عليه، قال: فدخلت فأعلمته. فقال: مالي ولهم؟ مالي علم إلا ما ~~علمني الله. ثم قال: [لي]: أسكب لي ماء فتوضأ ثم صلى. قال: فما فرغ حتى ~~عرفت السرور في وجهه. ثم قال: أدخلهم علي وما رأيت من أصحابي. فدخلوا ~~فقاموا بين يديه. فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم ~~مكتوبا. وإن شئتم أخبرتكم، فقالوا: بل أخبرنا. قال: جئتم تسألوني عن ذي ~~القرنين وما تجدونه في كتابكم: كان شابا من الروم فجاء فبنى مدينة مصر ~~الإسكندرية فلما، فرغ جاء ملك فعلا به في السماء، فقال: ما ترى؟ قال: أرى ~~مدينتي ومدائن. ثم علا به، فقال: ما ترى؟ قال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ~~ما PageV06P4446 # ترى؟ قال: أرى الأرض. قال: فهو اليم المحيط بالدنيا إن الله [تعالى] ~~بعثني إليك تعلم الجاهل وتثبت العالم. فأتى به السد [ين] وهما جبلان لينان ~~يزلق عنهما كل شيء. ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج. ثم مضى به / إلى أمة ~~أخرى وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج. ثم مضى به حتى بلغ إلى أمة ~~أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب. ثم مضى به حتى قطع هؤلاء إلى ~~أمة أخرى قد سماهم، وإنما سمى ذو القرنين لأنه ضرب على قرنه فهلك ثم أحيي ~~فضرب على القرن الآخر فهلك. # قال: علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]: لم يكن نبيا ولا ملكا، ولكن كان ~~عبدا صالحا أحب الله فأحبه. ونصح لله [ عز وجل] فنصحه، ضرب على قرنه الأيسر ~~فمات. فبعثه الله، ثم ضرب على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله، وفيكم مثله. # وقال: وهب بن منبه كان ذو القرنين ملكا، قيل له: لم سمي ذا القرنين؟ PageV06P4447 # فقال: اختلف فيه أهل الكتاب. فقال: بعضهم ملك الروم وفارس. وقال: بعضهم ~~كان في رأسه شبه القرنين. # وقال: بعضهم إنما سمي بذلك لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس. وقيل كانت له ~~ظفرتان. وقيل لأنه ms1472 بلغ قطري الأرض المشرق والمغرب، وقيل سمي بذلك لأنه بلغ ~~قرني الشمس. # وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان يعلق سلاحه بقرن ~~الثريا، وكان له حمار يضع حافره منتهى بصره " وروي " أنه كان يربط ارسان ~~خيله بقرون الثريا ". # وقيل كان ذو القرنين يوناني من أهل مصر اسمه مرزبان بن مرزية من ولد ~~يونان بن يافت بن نوح: حكى ذلك محمد بن اسحاق عن أهل الأخبار من الأعاجم. # وقال: ابن هشام: اسمه الاسكندر. وهو الذي بنى الاسكندرية فنسبت إلى PageV06P4448 # اسمه. # وسمع عمر بن الخطاب رجلا يقول: يا ذا القرنين. فقال: عمر اللهم عفوا، أما ~~رضيتم أن تتسموا بالنبيين، حتى تسميتهم بالملائكة. # وذكر ابن وهب إنما سمي بذي القرنين لأنه كان له قرنان صغيران تواريهما ~~العمامة. وقال: إن الذي كان معه فتاه ليس بموسى الذي كلم الله، ولكن كان ~~أعلم من على وجه الأرض إلا الملك الذي لقي فدل قوله أن الذي لقي كان ملكا ~~ولم يكن الخضر. # قوله: {وآتيناه من كل شيء سببا}. # أي: علما يتسبب به، قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد والضحاك ~~فمعناه علما يصل به إلى المسير في أقطار الأرض. # وروي أنه كان له خليل من الملائكة فقال: له: صف لي عبادة الملائكة. فقال: ~~منهم ساجد لم يرفع رأسه منذ خلق. ومنهم قائم شاخص يدعو الله عز وجل منذ ~~خلق، لا PageV06P4449 # يعرف من على يمينه ولا من على شماله. ومنهم راكع لم يعرف رأسه منذ خلق ~~يسبح الله ويحمده و [يمجده]، فقال: له ذو القرنين: لولا قصر عمري لعبدت ~~الله هذه العبادة، فقال: له الملك: إن لله [ عز وجل نهرا يقال: له نهر] ~~الحيوان من شرب منه لم يمت حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت مع ~~الملائكة. فخرج / يطلب نهر الحيوان حتى إذا وقع في الظلمة وكان الخضر على ~~مقدمته فأصاب النهر ولم يصب [ه] ذو القرنين. # قال: الله تعالى ذكره: {فأتبع سببا * حتى إذا بلغ مغرب الشمس} إلى قوله: ~~{من ms1473 أمرنا يسرا}. # من خفف " أتبع " وقطع الألف جعله من: اتبع، إذا سار ولم يلحق المتبوع في ~~خير أو شر، حكاه الأصمعي. ومن وصل الألف و [شدد] جعله من اتبعه، PageV06P4450 # إذا لحقه. ومن الأول {فأتبعوهم مشرقين} [الشعراء: 60]. # وقيل: هما لغتان بمعنى، يقع بهما اللحاق وقد لا يقع، وهو الصواب إن شاء ~~الله لقوله {فأتبعه الشيطان} [الأعراف: 175] فلو لم يلحقه ما غوى، ولقوله ~~{فأتبعه شهاب ثاقب} [الصافات: 10] فهذا قد يلحقه وقد لا يلحقه. # ومعنى {سببا} في هذا الموضع طريقا ومنزلا. قاله ابن عباس. وقال: مجاهد: ~~منزلا وطريقا بين المشرق والمغرب. وقال: قتادة: اتبع منازل الأرض ومعالمها. ~~وقال: الضحاك {سببا} المنازل. وقال: ابن زيد: هذه الآن الطريق كما قال: ~~فرعون {لعلي أبلغ الأسباب} [غافر: 36] أي: الطرق إلى السموات. PageV06P4451 # ثم قال: {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة}. # قال: ابن عباس: في طين أسود حمأ، وقاله عطاء. وقال: مجاهد في طينة سوداء ~~ثأط. وهي فعلة من قولهم: حمأت البير تحمى جمأة. وهي الطين المنتن المتغير ~~اللون والطعم. # ومن قرأ " حامية " فمعناه حارة، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الشمس حين غابت فقال: " في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله جل ~~ذكره. لأحرقت ما هلى وجه الأرض ". # وقال أبو ذر: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار، ~~والشمس عند غروبها. فقال: " يا أبا ذر هل تدري أين تغرب هذه؟ قلت: الله ~~ورسوله أعلم. قال: إنها PageV06P4452 # تغرب في عين حامية ". # فهذا حجة لمن قرأها كذلك. ويجوز ان يكون بمعنى حمئة أي ذات حماة ولكن ~~خففت الهمزة فأبدلوا منها ياء لانكسار ما قبلها. # وقال: أبو حاضر: سمعت ابن عباس يقول: كنت عند معاوية فقرأ: {وجدها تغرب ~~في عين حمئة} فقلت: ما أقرأها إلا " حمئة " فقال: لعبد الله بن عمر: كيف ~~تقرأها يا عبد الله بن عمر؟ فقال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. فقلت: في ~~بيتي أنزل القرآن. فأرسل معاوية إلى كعب. فقال: أين تجد الشمس ms1474 تغرب في ~~التوراة؟ فقال: أما في العربية فأنتم أعلم بها، وأما أنا فأجد الشمس في ~~التوراة تغرب في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب. # فقال: أبو حاضر: فقلت لابن عباس: لو كنت عندك لرفدتك بكلمة تزداد بها ~~بصيرة في " حمئة " وقال: ابن عباس: ما هي؟ قلت: فيما يؤثر من قول تبع ذكر ~~فيه ذو القرنين: # بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد # قال: عمر [و] نحن نتبع. PageV06P4453 # فرأى مغارب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وتأط حرمد # فقال: ابن عباس ما الخلب؟ فقلت: الطين بكلامهم. وقال: ما الثأط؟ قلت ~~الحمأة، قال: [وما] الحرمد؟ قلت: الأسود يقال: حمئت البير صارت فيها ~~الحمأة. واحمأتها: ألقيت فيها الحماة وحماتها إذا أخرجت منها الحماة. # وأجاز القتبي أن تكون هذه العين في البحر، والشمس تغيب وراءها. # ثم قال: {ووجد عندها قوما}. # أي: عند العين، قيل يقال: لهم تاسك. # {قلنا ياذا القرنين إمآ أن تعذب}، أي قال له أصحابه المؤمنون يا ذا ~~القرنين إما PageV06P4454 # أن تقتلهم وإما أن تستبقيهم. # وقيل المعنى إما أن تقتلهم إذ هم لم يدخلوا في الاقرار بتوحيد الله [ عز ~~وجل] وطاعته [جلت عظمته]، {وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا}، أي: تأسرهم فتعلمهم ~~الهدى وتبصرهم الرشاد. # و" إما " في هذه للتخيير عند المبرد بمنزلة قوله: {فإن جآءوك فاحكم بينهم ~~أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] و " ان " في قوله {إمآ أن} في موضع نصب. وقيل: ~~موضع رفع على معنى أما هو. # ثم قال: {أما من ظلم} أي: من كفر ولم يؤمن {فسوف نعذبه} أي: نقتله، قاله ~~قتادة {ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا}، أي: يرجع إلى ربه في الآخرة ~~فيعذبه PageV06P4455 # عذابا نكرا من عذاب الدنيا وهو عذاب جهنم. # قال: علي بن سليمان {قلنا ياذا القرنين} معناه: قلنا يا محمد قالوا يا ذا ~~القرنين إما أن تعذب. ثم حذف القول، لأن ذا القرنين لم يصح أنه نبي فيخاطبه ~~الله. ولأن بعده {أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا} وكيف ms1475 ~~يخاطب العبد ربه بلفظ الغيبة. # وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يكون خاطبه الله [ عز وجل] على لسان نبي في ~~وقته. فيكون تحقيق المعنى على ما قاله أبو إسحاق الزجاج: أن الله خيره بين ~~القتل والاستبقاء، ثم قال: هؤلاء اولئك القوم مخبرا لهم عن حكمه فيهم: {أما ~~من ظلم فسوف نعذبه [ثم يرد إلى ربه]} الآية. PageV06P4456 # ثم قال: {وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى}. # من رفع " جزاء " ولم ينون رفع بالابتداء وله الخبر، والحسنى في موضع خفض ~~بالاضافة. ويجوز أن يكون الحسنى بدلا من جزاء ويكون حذف التنوين من جزاء ~~لالتقاء الساكنين. # وكذلك التقدير في قراءة من نون ورفع وهي رواية الأعمش عن أبي بكر. وبها ~~قرأ ابن أبي إسحاق. # ومن نون ونصب جعله مصدرا. وقيل: هو مصدر في موضع الحال. وقيل: نصب على ~~التمييز. PageV06P4457 # ومن نصب ولم ينون فعلى هذه التقديرات أيضا إلا أنه حذف التنوين لالتقاء ~~الساكنين وهي قراءة ابن عباس ومسروق. # ومعنى الآية: وأما من صدق الله [ عز وجل] ، وعمل بطاعته [سبحانه] فله عند ~~الله الحسنى وهي الجنة، {جزآء} أي: ثوابا على إيمانه. # ومعنى {جزآء الحسنى} في قراءة من أضاف، أن الحسنى الجنة، ولكن حعله مثل ~~{دين القيمة} [البينة: 5] {ولدار الآخرة} [يوسف: 109]. # وقوله: {وسنقول له من أمرنا يسرا}. PageV06P4458 # أي: قولا جميلا. وقيل: المعنى وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر له تعليمه ~~مما يقربه إلى الله [سبحانه] ونلين له من القول. وقال مجاهد: " يسرا " ~~معروفا. # قوله: {ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ مطلع الشمس}. # المعنى: ثم اتبع طرقا ومنازل. أي طلب زيادة في العلم يخلق الله [ عز وجل] ~~وعجائبه [سبحانه] وقيل المعنى: اتبع سببا آخر يبلغه إلى قطر من أقطار الأرض ~~{حتى إذا بلغ مطلع / الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا} ~~أي: لا جبل في أرضهم ولا شجر يسترهم من الشمس بظله ولا يحمل بلدهم بناء ~~فيسكنون البيوت وإنما يغورون في المياه ويتسربون في الأسراب، قال: ذلك ~~الحسن، وقتادة. PageV06P4459 # وقال: ابن ms1476 جريج: جاءهم جيش فقال: لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم ~~بها فقالوا، لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا جيف جيش طلعت ~~عليهم الشمس هاهنا فهربوا فذهبوا هاربين في الأرض. قال: ابن جريج: لم يبنوا ~~فيها بناء قط، وكانوا إذا طلعت الشمس دخلوا اسرابا لهم حتى تزول الشمس ~~ودخلوا البحر وليس في أرضهم جبل. # قال: قتادة: كانوا في مكان لا يستقر فيه البناء، ويكونوا في أسراب إذا ~~طلعت الشمس حتى إذا زالت خرجوا إلى معائشهم. # وقال: الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس عليهم يغورون في المياه، فإذا غربت ~~الشمس خرجوا كما ترعى البهائم. وقال: قتادة يقال: لهم الزنج. # وقوله: " كذلك " الكاف في موضع خفض أي قوم {لم نجعل لهم من دونها سترا} ~~مثل ذلك القبيل الذي عند مغرب الشمس. # وقيل: هي في موضع نصب نعت لسبب أي ثم اتبع سببا مثل اتباعه الأول: أو PageV06P4460 # نعت لمصدر تطلع أي تطلع طلوعا مثل غروبها وفيه بعد. # ويجوز أن يكون المعنى لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك، أي مثل أولئك ~~الذين وجدهم في غروب الشمس. فقيل له إما أن تعذب وإما ان تتخذ فيهم حسنا ~~فقال: فيهم مثل قوله الأول. فالمعنى وكان شأنه مه هؤلاء كشأنه مع الذين ~~[وجدهم] عند غروب الشمس. وحذف الجملة لدلالة كذلك عليها. # وقيل: هي في موضع رفع على معنى: " الأمر كذلك "، أو على معنى حكمهم مثل ~~حكم أولئك الذين تغرب عليهم الشمس. والوقف على " كذلك " حسن في هذا الوجه. # قال: {وقد أحطنا بما لديه خبرا}. # أي: بما عند مطلع الشمس علما لا يخفى علينا من أحوالهم وأحوال غيرهم شيء. # قال: {ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ بين السدين}. PageV06P4461 # أي: اتبع طرفا ومنازل {حتى إذا بلغ بين السدين}، أي بين الجبلين. قال: ~~عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو " السد " بالفتح وما كان من صنع الله [ ~~عز وجل] فهو " السد " بالضم. ولذلك قال: أبو عبيدة وقطرب والفراء. # وقال: أبو عمر [و] " السد " بالفتح هو الحاجز ms1477 بينك وبين الشيء. والسد ~~بالضم هو ما كان من غشاوة بالعين. وقال: أبو عمر [و] تميم تجعله كله سواء. # وقال ابن [أبي] إسحاق: السد بالفتح ما لم تره عيناك، وبالضم ما رأته ~~عيناك. وقال: الكسائي هما لغتان: بمعنى واحد. وقال المبرد: " السد " بالفتح PageV06P4462 # المصدر وبالضم الاسم، وهو قول الخليل وسيبويه. # ثم قال: {وجد / من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا}. # أي: لا يكادون يفقهون ما يقال: لهم. ومن قرأ [يفقهون] بضم الياء. قدر حذف ~~مفعول، فمعناه لا يكادون يفقهون احدا قولهم. # يقال: فقه يفقه إذا فهم. وأفقه " غيره إذا أفهمه. وفقه يفقه إذا صار ~~فقيها. # والسدان جبلان، سد ما بينهما بردم ليقطع أذى ياجوج ومأجوج وهم من وراء ~~ذلك، قال: ابن عباس: والجبلان أرمينية وأذربيجان. # قال: {قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض}. PageV06P4463 # أي: قالوا بلغتهم [أو] أومؤوا إليه بذلك ففهم عنهم. ويأجوج ومأجوج اسمان ~~أعجميان معرفتان فلذلك لا تنصرف. ولذلك ترك همزة من [رأى] ذلك، لأن الأعجمي ~~غير مشتق. # فأما من همزه فإنه جعله عربيا مشتقا من اجت النار، ولكن لم ينصرف لأنه ~~اسم للقبيلة وهو معرفة، وقال: الكسائي: من همزه جعله من أجيج النار يفعول ~~ومفعول، ويجوز أن يكون من ترك حمزه أخذه أيضا من هذا وسهل الهمزة على ~~القياس فأبدل منها ألفا، ذكر سعيد بن عبد العزيز: أن إفسادهم في أنهم كانوا ~~يأكلون الناس. PageV06P4464 # قال: محمد بن إسحاق: حدثني من لا اتهم عن وهب بن منبه اليمانيي، وكان له ~~علم لالأحاديث الأولى، أنه كان يقول: ذو القرنين رجل من الروم ابن عجوز من ~~عجائزهم ليس لها ولد غيه. وكان اسمه الاسكندر وإنما سمي ذا القرنين لأن ~~صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال: الله: يا ذا ~~القرنين إني باعثك إلى امم الأرض وهي أمم مختلفة ألسنتها وهم جميع أهل ~~الأرض منهم أمتان بينهما طول الأرض [كله]. ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض ~~[كله]. وأمم في وسط الأرض ومنهم الجن والانس ويأجوج ومأجوج. ms1478 فأما اللتان ~~بينهما طول الأرض فامة عند مغرب الشمس يقال: لها ناسك وأما الأخرى فعند ~~مطلع الشمس يقال: لها منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض فاقة في بطن ~~الأرض الأيمن يقال لها هاويل، وأما الأخرى التي في بطن الأرض الأيسر، ~~فيقال: لها راويل، ثم مضى في الحديث بطوله. وقال: في بعض الحديث: فلما كان ~~في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة من الانس صالحة: ~~يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله كثير فيهم مشابهة من ~~الإنس. وهم أشباه البهائم يأكلون العشب PageV06P4465 # ويفترسون الدواب والوحوش كما تفترس السباع، ويأكلون خشاش الأرض من الحيات ~~والعقارب وكل ذي روح مما خلق في الأرض. وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام ~~الواحد ولا يزداد كزيادتهم ولا يكثر ككثرتهم. [فإن كانت] لهم مدة على ما ~~ترى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملئون [الأرض] ويأكلون أهلها ويظهرون ~~عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة / منذ جاوزناهم إلا ونحن نتوقعهم ~~وننتظر ان يطلع علينا أوائلهم من بين هذين الجبلين {فهل نجعل لك خرجا على ~~أن تجعل بيننا وبينهم سدا} أي حاجزا {قال ما مكني فيه ربي خير} [الكهف: 95] ~~أي: ما أعطاني من القوة والتدبير والتيسير في الأمور خير مما تعطوني من ~~أموالكم ولكن أعينوني بقوة أي برجال يعملون معي: أعدوا لي الصخور والحديد ~~والنحاس حتى ارتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. # ثم انطلق يؤمهم حتى وقع إليهم وتوسط بلادهم. PageV06P4466 # فوجدهم على مقد [ا] ر واحد ذكرهم وأنثاهم يبلغ طول أحدهم مثل نصف طول ~~الرجل المربوع منا. لهم مخاليب في مواضع الأظفار من أيدينا. وأضراس وأنياب ~~كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك [كأحناك] الابل قوة. تسمع لهم حركة إذا ~~أكلوا كحركة الجرة من الإبل، أو كقضم البغل المسن. ولهم هلب من الشعر في ~~أجسادهم ما يواريهم، و [ما] يتقون به الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان ~~عظيمتان، إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والأخرى زغبة ظهرها وبطنها. تسعانه ~~إذا لبسهما ms1479 يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى. يصيف في أحدهما ويشتي في الأخرى. ~~ليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه وينقطع عمره. وذلك ~~أنه لايموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد ولا تموت أنثى حتى يخرج ~~من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن بالموت. وهم يرزقون التنين في أيام ~~الربيع ويستمطرونه إذا تحينوه. # كما يستمطر المطر بحينه فيقدرون منه كل سنة. فيأكلون عامهم كله إلى مثلها ~~من القابلة. فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم. فإذا أمطروه أخصبوه وعاشوا وسمنوا PageV06P4467 # عليه ورؤي أثره عليهم. فدرت الاناث، وشبعت منه الرجال. وإذا أخطاهم هزلوا ~~وجفرت الذكور، وحالت الاناث، وتبين أثر ذلك عليهم. وهم يتداعون تداعي ~~الحمام، ويعوون عوي الذئاب، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم. ثم لما ~~عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ناحية الصدفين فقاس ما بينهما وهو في ~~منقطع أثر الترك مما يلي مشرق الشمس فوجد بعدها بينهما مائة فرسخ، فلما ~~أنشأ عمله حفر له اسما حتى بلغ الماء. ثم جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه ~~الصخور، وطينه النحاس، يداب ثم يصب عليه. فصار كأنه عرف من جبل تحت الأرض. ~~ثم علاه وشرفه بزبر الحديث والنحاس المذاب. ثم جعل خلاله عرفا من نحاس ~~اصفر. [فصار] كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد. فلما فرغ ~~منه و [أ] حكمه انطلق عامدا إلى جماعة الجن والإنس. فسار حتى وصل إلى قوم ~~يونس [وهم] أمة/ صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون. يقتسمون بالسوية، PageV06P4468 # ويحكمون بالعدل، ويتواسون ويتراحمون. حالهم واحدة. وكلمتهم واحدة ~~وطريقتهم مستقيمة وقلوبهم متآلفة. وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم. ~~وليس على بيوتهم أبواب ولا عليهم امراء ثم اتى خبر يونس بطوله. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن يأجوج ومأجوج ~~يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال: الذي عليهم: ارجعوا ~~فستحفرونه غدا. فيعيده الله كأشد ما كان. فإذا بلغت مدتهم حفروا، حتى إذا ~~كادوا يرون شعاع الشمس فقال: الذي عليهم: ارجعوا ms1480 فستفتحون غدا إن شاء الله، ~~فيقدمون عليه وهو كهيئته حين تركون. فيخرجون على الناس فيشربون المياه، ~~ويتحصن الناس في حصونهم. فيرمون بسهامهم. فيرجع فيها كهيئة الدماء فيقولون: ~~قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في أعناقهم ~~فيقتلونهم فقال: النبي صلى الله عليه وسلم PageV06P4469 # " والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم " ". # وروى أبو سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يفتح يأجوج ~~ومأجوج ويخرجون على الناس كما قال: الله: {وهم من كل حدب ينسلون} فيغشون ~~الأرض. وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم. ~~فيشربون مياه الأرض حتى [إن] بعضهم ليمر بالنهر فيشربه جميعه حتى يتركوه ~~يابسا. وحتى إن من بعده ليمر بذلك النهر فيقول: لقد كان ها هنا ماء مرة حتى ~~إذا لم يبق أحد إلا أحدا في حصن أو في مدينة قال: قائلهم: هؤلاء أهل الأرض ~~قد فرغنا منهم وبقي أهل السماء. قال: فيهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى ~~السماء فترجع إليه مخضبة دما للبلاء والفتنة. فبينما هم على ذلك بعث الله ~~عليهم دودا في اعناقهم كالنغف فتخرج في أعناقهم فيصبحون موتى لا يسمع لهم ~~حس. فيقول المسلمون الآ رجل يشري نفسه فينظر ما فعل هذا العدو. وقال: ~~فينفرد رجل منهم ذبلك محتسبا نفسه قد وطنها على أنه مقتول. فيجدهم موتى ~~بعضهم فوق بعض. فينادي: يا معشر المسلمين! ألا فأبشروا، فإن الله قد كفاكم ~~عدوكم. فيخرجون من مدائنهم وحصونهم فيسرحون PageV06P4470 # بمواشيهم فما يكون لها رعي إلا لحومهم فتشكر عليهم أحسن ما شكرت على شيء ~~من النبات ". # قال: ابن وهب: وخبرت أن يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف، صنف منهم طولهم كطول ~~الأرز. وصنف طوله هو وعرضه سواء، وصنف يفترش أحدهم أذنه ويغطي بالأخرى سائر ~~جسده. # ومعنى: {مفسدون في الأرض}، أي يفسدون ولم يكن لهم افساد بعد إنما خيف ~~منهم ذلك وسيكون إذا خرجوا. # قوله: {قال ما مكني / فيه ربي خير}. # أي: الذي مكني فيه ربي خير في العمل الذي ms1481 سألتموني من الحاجز بينكم وبين ~~هؤلاء، وقضاه لي وقواني عليه خير من جعلكم الذي عرضتم علي وأكثر وأطيب. ~~ولكن أعينوني بقوة أي بعمل تعملونه معي {أجعل بينكم وبينهم ردما} أي إن ~~أعنتموني على ذلك. # ذكر قتادة أن رجلا قال: يا نبي الله إني رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: ~~انعته. قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته. PageV06P4471 # قال: {آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين}. # أي: أعطوني القطع العظام من الحديد فأعطوه ذلك. وفي الكلام حذف وهو: ~~فاتوه زبر الحديد فجعلها بين الصدفين وهما ناحيتا الجبل. والصدف والصدف ~~الصدف الجبل. # قال: ابن عباس {بين الصدفين} الجبلين. وقال: مجاهد {بين الصدفين} رأس ~~الجبلين. # وقال: الضحاك {بين الصدفين} بين الجبلين وهما من قبيل أرمينية وأذربيجان ~~وهو قول ابن عباس أيضا. # قوله: {حتى إذا جعله نارا}. # أي: نفخ على قطع الحديد حتى صارت كالنار. ثم أذاب الصفر فأفرغه على ~~القطع. والقطر النحاس عند أكثر المفسرين. وقال: أبو عبيدة: {أفرغ عليه ~~قطرا} حديدا دائبا. وقيل: هو الرصاص. # قال: {فما اسطاعوا أن يظهروه}. # أي: ما قدر يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزا PageV06P4472 # بينهم {وما استطاعوا له نقبا} وما قدروا أن ينقبوا أسفله. # ثم قال ذو القرنين لما رأى الردم لا يقدر عليه من فوقه ولا من أسفله: هذا ~~الفعل {رحمة من ربي} رحم بها من دون الردم من الناس {فإذا جآء وعد ربي} أي ~~الوقت # الذي وعده فيه أن يأجوج يخرجون {جعله دكآء} أي سواه بالأرض. # من نونه جعله على معنى مدكوكا. ومن مده جعله بقعة دكاء وأرضا دكاء، من ~~قولهم: ناقة دكاء، مستوية الظهر لا سنام لها. # وقيل المعنى: فإذا جاء يوم القيامة جعله دكا ودل على هذا قوله {وحملت ~~الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} [الحاقة: 14]. PageV06P4473 # وقوله: {جعله} الهاء تعود على ما بين الجبلين وخروج يأجوج ومأجوج بعد ~~نزول عيسى وبعد ظهور الدجال. يدل على ذلك أن ابن مسعود قال: قال: النبي صلى ~~الله عليه وسلم " لقيت ms1482 ليلة الأسراء ابراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم ~~فتذاكروا أمر الساعة وردوا الأمر إلى ابراهيم فقال: ابراهيم: لا علم لي ~~بها، فردوا الأمر إلى موسى: فقال: موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى ~~عيسى فقال: عيسى: أما قيام الساعة فلا يعلمه أحد، إلا الله تعالى، ولكن ربي ~~قد عهد إلى ما هو كائن دون مجيئها. عهد إلى ان الدجال خارج وانه سيهبطني ~~إليه. فإذا رآني أهلكه الله فيذوب كما يذوب الرصاص. حتى أن الحجر والشجر ~~لتقول يا مسلم هذا كافر فاقتله. فيهلكهم الله ويرجع الناس إلى بلادهم ~~واوطانه. فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون لا يأتون على شيء إلا / ~~أهلكوه. ولا يمرون على ماء إلا شربوه، فيرجع الناس إلي، فادعوا الله عليهم. ~~فيميتهم ويتغير الأرض من نتن ريحهم فينزل المطر فيجر أجسامهم فيلقيهم في ~~البحر ثم تنسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم. فعهد إلي ربي أن ذلك، إذا ~~كان كذلك، فإن الساعة منه كالحامل المتمم. والتي لا يدري أهلها متى تفجؤهم ~~بولادتها ليلا أو نهارا ". # وقوله: {وكان وعد ربي حقا}. # أي: وعد ربي الذي وعد خلقه في دك هذا الردم وخروج هؤلاء [القوم] على PageV06P4474 # الناس وغير ذلك من مواعيده حقا لا خلف في شيء منها. # قال: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} أي: وتركنا الخلق يوم يأتيهم ~~الوعد وتد [ك] الجبال، بعضهم يختلط مع بعض أي: الانسي بالجني، وقال: ابن ~~زيد: هذا اول القيامة. تختلط بعض الخلق ببعض ثم نفخ في الصور في أثر ذلك ~~{فجمعناهم جمعا}. وسأل اعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال: " ~~قرن ينفخ فيه ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " " كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم ~~القرن وحنى جبهته وأصغى [ب] الأذن متى يؤمر. فشق ذلك على أصحابه فقال: " ~~قولوا حسبنا الله، على الله توكلنا، فلو اجتمع، أهل منى ما اقلوا ذلك القرن ~~" وكذلك رواه ابن عباس ولكن في حديثه: " قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ~~توكلنا على الله ". # وروى أبو ms1483 هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما فرغ الله من خلق ~~السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه اسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره ~~إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال: أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: ~~قرن. قال: وكيف هو؟ PageV06P4475 # قال: قرن عظيم فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق ~~والثالثة نفخة القيام لرب العالمين ". # وقيل في قوله: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} يوم انقضاء السد وفرغ من ~~عمله. يموجون متعجبين من السد يعني يأجوج ومأجوج. وقيل ذلك يوم خروجهم من ~~السد. # قال: أبو عبيدة: {ونفخ في الصور} واحده صورة. # المعنى وأبرزنا جهنم يوم نفخ في الصور للكافرين حتى يروها كهيئة السراب. # وقال: ابن مسعود: يوم يقوم الخلق لله عز وجل إذا نفخ في الصور، قيام رجل ~~واحد، ثم يتمثل الله فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئا ~~إلا وهو مرفوع له يتبعه. قال: فيلقى اليهود، فيقول من تعبدون؟ فيقولون ~~[نعبد عزيرا. قال: فيقول هل يسركم الماء؟ فيقولون نعم. فيريهم جهنم وهي ~~كهيئة السراب ثم قرأ PageV06P4476 # {وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا} ثم يلقى الناصرى، فيقول: من تعبدون؟ ~~فيقولون [نعبد] المسيح. فيقول هل يسركم الماء؟ قال: فيقولون: نعم. فيريهم ~~جهنم وهي كهيئة السراب. ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله جل وعز شيئا. ثم ~~قال: # {وقفوهم إنهم مسئولون} [الصافات: 24]. # قال: {الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري}. # أي عرضنا جهنم للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله فيتفكروا ~~فيها ولا يتأملون حججه، فيتعبروا بها، وينيبوا إلى توحيده وينقادوا إلى ~~أمره ونهيه # {وكانوا لا يستطيعون سمعا} أي: لا يطيقون ان يسمعوا ذكر الله وآياته ~~لخدلان الله إياهم عند ذلك ولعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم واستثقالهم ~~لما أتاهم به. قال: ابن زيد: هؤلاء الكفار. # قال: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أوليآء}. # والمعنى أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح وعزيرا، أن PageV06P4477 # يتخذوا الملائكة والمسيح أولياء لأنفسهم ms1484 لأجل عبادتهم لهم. كلا بل هم لهم ~~أعداء. والمعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. وقيل المعنى أفحسبوا أن يتخذوهم ~~أولياء فيعبدوهنهم ولا أعاقبهم. # وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أفحسب الدين " باسكان السين ورفع ~~الباء على معنى: أفيكفيهم اتخاذ العباد أولياء. وهو مرفوع بالابتداء و " أن ~~يتخذوا الخبر ". # ثم قال: تعالى: {إنآ أعتدنا جهنم للكافرين نزلا}. # أي: أعددنا لهم منزلا. والنزل عند أهل اللغة ما هيئ للضيف. # قال: {قل هل ننبئكم بالأخسرين}. # أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل ويمارونك في المسائل من ~~أهل الكتابين: قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالا أي بالذين اتبعوا أنفسهم في ~~عمل يبتغون به ربحا وفضلا فنالوا به غضبا وهلاكا ولم يدركوا ما طلبوا. # قال: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عني بها الرهبان الذين حبسوا أنفسهم ~~في الصوامع. وقال: الضحاك هم القسيسون والرهبان. PageV06P4478 # وقيل هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا محمدا وأما النصارى فكذبوا ~~وكفروا بالجنة. وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب. ونزل في الحرورية # {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} [البقرة: 27] الآية. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم ~~على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل ويحسبون ~~أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة ويحسبون انهم على هدى فضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم الخوارج اهل حرور. وقال: سعيد: ~~هم الخوارج. وقيل هم الصائبون. # قوله: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه}. # أي: الذين تقدمت صفتهم واعمالهم ضلت هم {الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} ~~أي: جحدوا ذلك {فحبطت أعمالهم} أي: بطلت {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} ~~أي: لا يثقل لهم ميزان بعمل صالح. PageV06P4479 # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يؤتى يوم القيامة ~~بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن / جناح بعوضة، واقرؤوا إن شئتم: {فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا} ". # ثم قال: أبو ms1485 محمد: وهذا النص يدل على وزن اعمال الكفار. فلا يثقل بها ~~ميزان إذا كانت لغير الله وإذ [كان] لا يصحبها توحيد ولا إيمان بالرسل. ~~[قال: تعالى]: {لهم سواء الحساب} [الرعد: 18] وقال: فيهم: {وعلينا الحساب} ~~[الرعد: 40] أي حساب من كفر. وقال: الله عز وجل { فوفاه حسابه} [النور: 39] ~~وقال: عن الكفار: {ولم أدر ما حسابيه} [الحاقة: 26]. وقال: عن الكفار أنهم ~~قالوا: {عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} [ص: 16] وقال {فوربك لنسألنهم أجمعين ~~* عما كانوا يعملون} [الحجر: 92 - 93] وقال: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين} [الاعراف: 6] وقال: {وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه} ~~[الاسراء: 13] أي: كتاب عمله. وقد ذكر تعالى ذكره وزن PageV06P4480 # اعمال الكفار في غير ما موضع من كتابه. وذلك ما عظم الحساب، وهو كثير في ~~القرآن مكرر يدل على محاسبة الكفار. # قال: تعالى {ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا}. # أي ثوابهم جهنم بكفرهم واتخاذهم آياتي ورسلي هزؤا، أي سخريا. # قال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا}. # أي: الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بتوحيده وكتبه ورسله، وعملوا بطاعته ~~كانت لهم جنات الفردوس نزلا. وهي أفضل الجنات. وأوسطها، قاله قتادة. # وقال: كعب: ليس في الجنات جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف ~~الناهون عن المنكر. # وقيل الفردوس هو البستان بالرومية، قاله مجاهد. وقال: كعب: جنات الفردوس ~~التي فيها الأعناب. وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروبا من النبات. وقال: ~~أبو هريرة الفردوس جبل في الجنة يتفجر منه أنهار الجنة. وقيل الفردوس سرة ~~الجنة. وقيل الفردوس الكروم وقيل هو في الرومية منقول إلى PageV06P4481 # لفظ العربية. # وروى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الجنة مائة ~~درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها. ومنها الأنهار ~~الأربعة، والفردوس فوقها. فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه الفردوس " وفي ~~حديث آخر " ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ". # وعنه صلى الله عليه وسلم من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال: " فإذا سألتم ~~الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط ms1486 الجنة واعلاها، وفوقها عرش الرحمن ومنها ~~تفجر انهار الجنة ". # وكذلك روى معاذ بن جبل عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن في الجنة مائة ~~درجة ما بين كل درجة ما بين السماء والأرض والفردوس أعلا الجنة وأوسطها ~~وفوقها عرش الرحمن ومنها يفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله عز وجل فاسألوه ~~الفردوس ". # وقوله: {نزلا} يعني منازل أو مساكن وهو من نزول بعض الناس على بعض. و ~~{خالدين} " لابثين فيها أبدا ". # {فيها لا يبغون عنها حولا} PageV06P4482 # أي: لا يريدون تحولا. وحولا / مصدر تحولت. خرج عن أصله كتعوج عوجا. ~~ويقال: قد حال من المكان حولا. وقال: مجاهد: " حولا " متحولا. # وروي عن بعض اصحاب أنس أنه قال: يقول أول من يدخل الجنة: إنما أدخلني ~~الله أولهم لأنه ليس احد أعطاه مثل الذي أعطاني. # وقيل معنى " حولا " لا يحتالون في غيرها فهو من الحيلة على هذا. # قوله {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي}. # والمعنى، قل يا محمد لهؤلاء الكافرين بك، السائلين عن المسائل، لو كان ~~ماء البحر مدادا للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي. # ثم قال: {ولو جئنا بمثله مددا}. # أي: لو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء، ما فرغت كلمات ربي، والمدد ~~الزيادة والمعونة، يقول جئتك مددا لكم، أي زيادة ومنه قيل لما يكتب به ~~مداد: لأنه يمد الكاتب شيئا بعد شيء. والمداد جمع واحدته مداده. ويجوز أن ~~يكون المداد مصدر مد. # وقرأ ابن عباس {ولو جئنا بمثله مددا} على معنى ولو زدنا مثل ما فيه من ~~المدد الذي يكتب به مدادا. PageV06P4483 # قال: {قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد}. # أي: قل لهؤلاء المشركين، إنما أنا إنسان مثلكم من بني آدم، لا علم لي إلا ~~ما علمني الله، يوحي إلي إنما معبودكم معبود واحد لا ثاني له. # قوله: {فمن كان يرجوا لقآء ربه}. # أي: يخاف لقاء ربه يوم القيامة ويخاف عقابه {فليعمل عملا صالحا} فليخلص ~~العبادة لله ويعمل بطاعته، قال: ms1487 ابن جبير: {يرجوا لقآء ربه} أي لقاء ثواب ~~ربه. # فعلى قول ابن جبير يرجو بمعنى ينظر ويطمع ويوقن وعلى القول الأول يرجو ~~بمعنى يخاف كقوله: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} [نوح: 13] أي لا يخافون. ~~ويحتمل أن يكون {قال الذين لا يرجون لقآءنا} [يونس: 15] لا ينتظرون ولا ~~يوقنون بلقائنا. وقد فسر أكثر الناس ترجو بمعنى تطمع. # وقال: مقاتل في قوله: {فمن كان يرجوا لقآء ربه} أي يخشى لقاء ربه، ويخشى ~~بمعنى يخاف، وقال: الفراء وغيره من الكوفيين لا يكون الرجاء بمعنى الخوف ~~إلا مع الجحد. كقولك ما رجوت ولم أرج ولا أرجو. PageV06P4484 # وقال: ابن المبارك: {يرجوا لقآء ربه} هو النظر إلى الله جل ذكره. فالرجاء ~~في هذا بمعنى الطمع، وذكر الزجاج وغيره الرجاء بمعنى الخوف، فلا جحد معه. # وأصل الرجاء وبابه أن يأتي بمعنى الطمع الذي يقرب من اليقين، يقع بمعنى ~~الخوف على ما ذكرنا من الاختلاف والمعنيان متداخلان لأن من أيقن وطمع بلقاء ~~ربه وثوابه خاف عقابه. ولا يخاف عقاب ربه إلا من طمع وأيقن بلقاء ثواب ربه. ~~وكل واحد من المعنيين مرتبط بالآخر على ما ترى. # ثم قال: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}. # أي: لا يعبد معه غيره /. وقيل: لا يراني بعمله الذي يعمله لله أحدا. وسأل ~~رجل عبادة بن الصامت رحمه الله وقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله ويحب ~~أن يحمد؟ ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ ويحج ويبتغي وجه الله، ~~ويحب أن يحمد؟ فقال: عبادة: ليس له شيء. إن الله عز وجل يقول أنا خير شريك. ~~فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه. # وروى طاوس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني ~~أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى موطني ويرى مكاني. فأنزل الله عز وجل: PageV06P4485 # {فمن كان يرجوا لقآء ربه} الآية، وقال: سفيان رضي الله عنه: الشرك هنا ~~الرياء. # وقال: معاوية بن أبي سفيان على المنبر وقد قرأ هذه الآية: إنها ms1488 آخر آية ~~نزلت من القرآن، يعني والله أعلم بمكة لأن السورة مكية. # وقال: الحسن رحمه الله: نزلت هذه الآية في المؤمنين، والشرك الرياء. # وقال: ابن عباس: هي في المشركين. أي لا يعبد مع الله احدا. # والرياء إنما يكون في التطوع فأما في الفرائض فقد استوى الناس فيها فليس ~~فيها رياء. وقال: بكر القاضي: سمعت سهل بن عبد الله الزاهد يقول: الرياء في ~~أهل القدر، لأنهم يعتقدون أن أعمالهم من أنفسهم واستطاعتهم. فأما أهل السنة ~~فيعتقدون في أعمال البر كلها أنها من فضل الله عليهم ولولا ذلك ما قدروا ~~عليها. فليس يكون الرياء فيهم إلا خاطرا لا يبطل بما يعتقدوه. فلا رياء يصح ~~عليهم إن شاء الله. وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ~~وذرياته وسلم تسليما. PageV06P4486 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة مريم # عونك اللهم وتأييدك، وصل على محمد وآله. # قال أبو محمد، مكي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: # سوره "مريم": مكية. # وكان نزولها قبل أن يهاجر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض ~~الحبشة، لأنهم قرأوا صدرها على النجاشي بعد هجرتهم إلى أرض الحبشة. # قوله تعالى ذكره: {كهيعص} الآية. # قرأ بعض القراء بإمالة الهاء والياء. وعلة الإمالة أنها أحرف مقصورة، ~~فإذا ثنيت، ثنيت بالياء، فشابهت ما ثني بالياء من الأسماء، فأميلت لذلك. ~~وعلة .. PageV07P4487 # الإمالة فيها عند الخليل وسيبويه أنها أسماء للحروف، فجازت إمالتها ليفرق ~~بينها وبين الحروف التي لا يجوز إمالتها نحو: ما ولا وإلا بمعنى الذي، لا ~~يحسن عندهما إمالة شيء من هذا فإن سميت بشيء منها جازت الإمالة. # ولا يحسن إمالة كاف ولا قاف وصاد، لأن الألف متوسطة. وهذه الحروف عند ابن ~~عباس مأخوذة من أسماء دالة، على ذلك. فالكاف تدل على كبير. # وقيل: الكاف تدل على كاف. قاله ابن جبير والضحاك. PageV07P4488 # وروي أيضا عن ابن جبير، أن الكاف تدل على " كريم "، وقال ابن عباس وابن ~~جبير: الهاء تدل على هاد، وكذلك قال الضحاك. # وقال ابن جبير: الياء من حكيم. # وعن الربيع بن أنس ms1489 ان الياء من [قولك]: يا من يجير ولا يجار عليه. # وقال ابن عباس وابن جبير: العين من عالم. # وعن ابن عباس أيضا: العين من عزيز. # وقال الضحاك: العين من عدل. # وقال ابن عباس وابن جبير: الصاد من صادق. PageV07P4489 # وعنه أيضا: الكاف، كاف، والهاء، هاد. والياء، يد من الله على خلقه. # والعين، عالم بهم والصاد، صادق فيما وعدهم. # وقال علي بن ابي طالب رضي الله عنه: {كهيعص} كله اسم من أسماء الله. # وروي عنه أنه كان يقول: (يا كهيعص) اغفر لي. # وعن ابن عباس أنه قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. # وقال أبو العالية: كل حرف على حدته اسم من أسماء الله وقال PageV07P4490 # قتادة: {كهيعص} اسم من أسماء القرآن. و {كهيعص} تمام عند الأخفش، وموضعها ~~رفع عنده والتقدير: وفيما نقص عليكم، {كهيعص} وليس بتمام عند الفراء، لأن ~~{ذكر رحمت ربك} خبره. # قوله تعالى ذكره: {ذكر رحمت ربك عبده زكريآ} إلى {واجعله رب رضيا}. # " ذكر " مرفوع عند الفراء على خبر {كهيعص}. ورد هذا القول الزجاج، لأن ~~{{كهيعص} ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس " كهيعص " في شيء من قصة ~~زكريا. وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر رحمة ربك عبده زكرياء. PageV07P4491 # و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا. ~~والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته. # قوله: {ندآء خفيا}. # أي: جعاه سرا كراهية الرياء. قاله ابن جريح وغيره. # وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سرا فقال: " ربي ~~إني وهن العظم مني " إلى قوله " واجعله رب رضيا ". # ومعنى " وهن العظم " ضعف ورق من الكبر. # وقوله: {واشتعل الرأس شيبا}. # أي: كثر الشيب في الرأس. ونصب " شيبا " على المصدر، لأن معنى اشتعل، شاب. # وقال الزجاج: نصبه على التمييز. أي: اشتغل من الشيب. PageV07P4492 # وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أحل أحبار بني ~~إسرائيل، ثم تنبأه الله جل ذكره. # قوله: {ولم أكن ms1490 بدعآئك رب شقيا}. # أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي. # ثم قال تعالى حكاية عنه: {وإني خفت الموالي من ورآءى} أي: أني خفت بني ~~عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني. # وقيل: " من [ورائي ": من قدامي]. # قال ابن عباس /: الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب الله ~~له يحيى. # وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد ~~يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره. PageV07P4493 # وقيل: بعد ستين سنة. # وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد ~~يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي ~~الكلالة. والموالي والأولياء سواء في كلام العرب. # وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب. # وروي عن عثمان (رضي الله عنه) أنه قرأ {وإني خفت الموالي من ورآءى} (بفتح ~~الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) وهي قراءة ويد بن ثابت ~~وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني قلت الموالي الأويلء من بعدي ~~فليس لي وارث. # ثم قال: {فهب لي من لدنك وليا}. # أي: هب لي وارثا ومعينا يرثني في مال]، و " يرث من آل يعقوب "، يعني ~~النبوة. وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، وعمران ~~من ماثان من ولد أيوب النبي صلى الله عليه وسلم. # من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا ~~أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران - PageV07P4494 # حنة. فيحيى وعيسى ابنا خالو. وكان زكريا نجارا. وكفل مريم بعد موت أبيها، ~~لأن اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم. فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت ~~اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه. # قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية وأتى على ~~{يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: " يرحم الله زكريا ما كان ms1491 عليه من ورثه، ~~ويرحم الله لوطا. إن كان ليأوي إلى ركن شديد. # وقال السدي: " يرثني ويرث من آل يعقوب " أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. # وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب. # وقد أنكر قوم رواثة النبوة إلا بعطية من الله، ولة ورثت بالنسب لكان ~~الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح. وأنكر آخرون وراثة المال ~~في هذا PageV07P4495 # لقوله صلى الله عليه وسلم: " نحن معشر لا نورث، ما تركنا صدقة ". وهذا ~~الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصا للنبي ( صلى الله عليه وسلم) ، وأخبر عن ~~نفسه على لفظ الجماعة. # وفي بعض الروايات: " إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " ويحتمل ~~أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بمنع ~~وراثته. # وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة. # ثم قال: {واجعله رب رضيا}. # أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، دينا وخلقا وخلقا وهو فعل مصروف من مفعول. ~~وأصله رضيو، منقول من مرضي واصل مرضي، مرضو. ثم رد إلى الياء لأنها أخف. # قوله تعالى ذكره: {يازكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} إلى قوله: {ولم تك ~~شيئا}. # أي: إنا نبشرك بهبتنا لك غلاما اسمه يحيى. PageV07P4496 # قال قتادة: إنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان. # وقيل: سمي بذلك لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها. # ثم قال تعالى: {لم نجعل له من قبل سميا}. أي: لم تلد العواقر ولدا، قاله ~~ابن عباس. # وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلا ولا شبيها. # وقيل: المعنى، لم نأمر أحدا يسمي ابنه يحيى قبلك. # وقال قتادة وزيد بن أسلم والسدي: معناه: لم يسم أحد يحيى قبله. # ثم قال: {قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا}. # أي: آل زكرياء: يا رب، من أي وجه يكون لي غلام وامرأتي عاقر لا تحمل، PageV07P4497 # وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء. كأنه يستثبت الخبر من عند ربه. كيف ~~يأتي هذا الغلام؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ~~ولودا؟ أو يتزوج / غيرها ممن تلد؟ ms1492 أو كيف ذلك؟ على طريق الاسترشاد لا على ~~طريق الإنكار، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله. فلا يجوز الإنكار فيه ~~البتة. # وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله إذا امرأته عاقر. # قال السدي: نادى جبريل صلى الله عليه وسلم زكرياء: {يازكريآ إنا نبشرك ~~بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا}. فلما سمع النداء جاءه الشيطان ~~فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان ~~سخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك ما يوحى إليك غيره من الأمر فشك مكانه ~~وقال: {أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا}. # وقوله: " عتيا " أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام. يقال للعود ~~اليابس، عود عات وعاس. # وقال قتادة: " عتيا نسئا، وكان ابن بضع وسبعين سنة. وقيل: سبعين سنة. PageV07P4498 # ثم قال تعالى: {كذلك قال ربك هو علي هين}. # الكاف في موضع رفع. والمعنى، قال: الأمر كذلك، أي: الأمر كما قيل لك. أي: ~~أهب لك غلاما اسمه يحيى، هو علي هين. أي: خلقه علي هين. {وقد خلقتك من قبل ~~ولم تك شيئا} أي: ليس خلقنا لغلام نهبه لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئا ~~موجودا. هو نفي للعين عام. ولو قال: " ولم تك رجلا أو إنسانا " لم يكن ذلك ~~نفيا للعين ولا نفيا عاما. فافهمه. # قوله تعالى ذكره: {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس}. إلى ~~قوله: {ويوم يبعث حيا}. # أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلا على أن ما بشرتني به ملائكتك من ~~هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون. # قال ابن زيد: " اجعل لي آية أن هذا منك "، وكذا قال السدي. # {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا}. # أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا ~~مرض يمنعك الكلام. PageV07P4499 # قال ابن عباس: " اعتقل لسانه من غير مرض ". # وقال مجاهد: " سويا ": صحيحا لا يمنعكم من الكلام مرض ". # وقال ms1493 قتادة: " سويا ": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد ~~مسافهته الملائكةبذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماء ". # قال ابن زيد: " حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يسلم أحدا، وهو في ذلك يسبح ~~ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، بم يستطع [أن] يكلمهم. وكذلك قال ~~السدي. وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات. # فسويا من نعت الليالي. وعلى القول الأول يكون " سويا " حالا من المخاطب. ~~والتقدير فيه التقديم. أي: آيتك ألا تكلم الناس سويا ثلاث ليال. PageV07P4500 # ثم قال تعالى: {فخرج على قومه من المحراب}. أي: فخرج زكريا على قومه من ~~مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس. # ذوقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل ~~اللغة، مكان مرتفع. # وقوله: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا}. # أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: " كتب لهم. # وقال مجاهد ووهب بن منبه: " أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا "، أي: صلوا ~~بكرة وعشيا. والصلاة تسمى سبحة. # وقيل: " أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار ". وهذا يدل على أن ~~الإشارة ليست بكلام. # يقال: أوحى ووحى. وأومى وومى. PageV07P4501 # ثم قال: {يايحيى خذ الكتاب بقوة}. # والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " ~~أي بجد وعزم. قاله قتادة ومجاهد. # ذوقال ابن زيد: " القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه ". # ثم قال: {وآتيناه الحكم صبيا}. # أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه. # قال معمر: " بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب ~~خلقت؟ فأنزل الله تعالى: {وآتيناه الحكم صبيا}. # قال قتادة: " كان ابن سنتين أو ثلاث ". # قال مالك: " بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما ~~دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا PageV07P4502 # فار وعلا عليه، فلما رآه بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا / هكذا ~~وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه. # قال ms1494 بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه. فقتل [عليه] سبعين ألفا من ~~المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك. # وقوله تعالى: {وحنانا من لدنا} قال ابن عباس معناه: " ورحمة من عندنا "، ~~وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك. # وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، ~~روي ذلك عن قتادة. # وقال مجاهد: " معناه، وتعطفا من عندنا عليه فعلنا ذلك ". PageV07P4503 # وقال ابن زيد: " معناه، ومحبة له من عندنا "، روي ذلك أيضا عن عكرمة. # وعن عطاء أن معناه: " وتعظيما من عندنا له ". # وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحننا عليهم ليخلضهم من الكفر إلى ~~الإيمان. # وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. # وقاله عكرمة أيضا مرة. # وقول العرب " حنانيك " لغة في حنان، وليس بتثنية. وأصل الحنان من قولهم: ~~حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه. ويحن على فلان، إذا تعطف عليه. والحنان مصدؤ ~~من حننت أحن حنينا وحنانا، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها. # وقوله: {وزكاة} قال قتادة: " العمل الصالح ". # وقوله: {وكان تقيا} أي خائفا مؤديا فرائضه. PageV07P4504 # قال ابن عباس: " طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة ". # وقوله: {وبرا بوالديه}. # أي: مسارعا في طاعتهما غير عاق لهما ". # {ولم يكن جبارا}. # أي: متكبرا عن طاعة الله، ولا عصيا لربه. # ثم قال: {وسلام عليه يوم ولد}. # أي: أمان له من الشيطان حين ولد فلم يذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب. # وقوله: {ويوم يموت} أ]: وأمان له من الله من فتاني القبر. # {ويوم يبعث}. # أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء. # قال ابن عيينة: " أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى PageV07P4505 # نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، ~~فيرى نفسه في حشر عظيم. فخض الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، ~~وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى. وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام ~~التقيا، فقال عيسى استغفر لي، أنت خير مني. وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير ~~مني. ms1495 فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمت على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله ~~فضلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ~~ذنب إى يحيى بن زكرياء ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد يقلى الله عز وجل يوم القيامة إلا ~~وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة ". وهو قوله تعالى: ~~{وسلام عليه يوم ولد}، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و " ~~يوم يموت " من عذاب القبر "، ويوم يبعث " من هول المحشر. # وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير ~~جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئا. # وقوله: {ويوم يموت ويوم يبعث حيا}. # هو جزاء من الله له بعمله وسعيه. PageV07P4506 # وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان ~~طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خسية الله ما لو كان القار على ~~عينيه لحرقه. ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه. # قال أبو ادريس الخلاني: أطيب الناس طعاما يحيى بن زكرياء. إنما كان يأكل ~~مع الوحش كراهة أن يخالط الناس معايشهم. # قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى ~~بيسير. # قوله تعالى ذكره: {واذكر في الكتاب مريم} إلى قوله: {ولم أك بغيا}. PageV07P4507 # والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من ~~أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب. # وقال السدي: " خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها ". # وقال قتادة: " شرقيا " قبل المشرق شاسعا ". # وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيرا مما ~~يلي المغرب /. # وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجابا ". # وهو قوله: {فاتخذت من دونهم حجابا} أي: سترا يسترها عن الناس. # ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب تصلي ~~فيه، وكان ms1496 زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوما القمل في رأسها ~~فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف وخرجت ~~والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى زكرياء فلم ~~يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل صلى الله عليه وسلم في صورة البشر في ~~أحسن صورة شاب PageV07P4508 # مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع ~~عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته {إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا}. أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قص الله ~~علينا. # ثم قال تعالى: {فأرسلنآ إليهآ روحنا}. # قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل صلى الله عليه وسلم. # وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم. # وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشرا سويا. أي تمثل فيها، ~~يعني عيسى. # قال أبي بن كعب: " كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ~~ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت بعيسى ~~عليه السلام ". والله أعلم بذلك كله. # والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: " فتمثل لها بشرا " لأن عيسى بشر، ~~ومعناه PageV07P4509 # فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدلة. وإنما سمي جبريل صلى الله ~~عليه وسلم روحا، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من الوحي، ولهذا سمي عيسى ~~أيضا روحا، وسمي القرآن روحا. # وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض. # وقيل: لتخلو بالعبادة. # ثم قال: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا}. والمعنى: أن مريم خافت ~~من جبريل لما رأته في هيئة آدمي. # قال قتادة: " خشيت أن يكون يريدها على نفسها ". # وقال السدي: " فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه ". # ومعنى: {إن كنت تقيا} أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي محارمه. # وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به ~~منك. # قال وهب ms1497 بن منبه: " هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه " تقي ". PageV07P4510 # ف " إن " على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط. # وقيل: {إن كنت تقيا} معناه: ما كنت. # [قوله]: قال: {إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا}. # من قرأ بالهمز في لأهب، فإنه أسند إلى جبريل صلى الله عليه وسلم، إذ قد ~~علم أن الهبة أصلها من الله. # والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك. # وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: ~~أرسلته إليك لأهب لك غلاما. PageV07P4511 # فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما ~~في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني ~~ليهب لك. # وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس. # و" الزكي ": الطاهر من الذنوب. # {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا}. # أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أمن قبل زوج أرزقه منه؟ أم يبتدئ ~~الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال. " ولم ألك بغيا " ~~أي لم يمسسني أحد في حرام. # قال السدي: [{بغيا} زانية]. # و {بغيا} فعول. وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء. # كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور. ولا يجوز أن يكون " بغي " فعيلا، لأنه ~~يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة. ولا يلزم ذلك في فعول. فدل حذف الهاء ~~منه على أنه فعول، وليس بفعيل. وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على ~~الأصول PageV07P4512 # المعروفة عند أهل العربية /. # قوله تعالى ذكره: {قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله} إلى قوله: {نسيا ~~منسيا}. # أي: قال: الأمر كما قيل لك، أن الله يهب لك غلاما زكيا. # {هو علي هين} أي: سهل. # {ولنجعله آية للناس} أي: ولنجعل هذا الغلام حجة على الناس {ورحمة منا} ~~أي: ورحمة منا لك، ولمن آمن به. # {وكان أمرا مقضيا}. # أي: كان خلقه منك بغير ذكر أمرا قد قضاه الله في سابق علمه أنه يكون على ms1498 ~~ذلك. # ثم قال تعالى: {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا}. # في الكلام حذف، تقديره: فنفخنا فيها من روحنا بغلام {فحملته فانتبذت به} ~~أي: اعتزلت به مكانا قصيا، أي: مبتاعدا عن الناس [نائيا]، وهو بيت لحم، ~~أقصى PageV07P4513 # الوادي. فنظرت إلى أكمة /، فصعدت عليها مسرعة، وإذا على الأكمة جذع نخلة، ~~فاستندت إلى الجذع. وهو قوله: {فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة}. فجزعت عند ~~شدة الولادة، وخوف ما يقول النس، فقالت: {ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ~~منسيا}. فسمع جبريل صلى الله عليه وسلم كلامها، فنادها من تحتها {ألا تحزني ~~قد جعل ربك تحتك سريا} أي: جدولا، وهو النهر الصغير. قم قال لها: {هزى إليك ~~بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا}، فعجبت من قول جبريل صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه كان جذعا قد قد نخر ليس فيه سعف، فلما هزته، نظرت إلى السعف قد ~~أطلع من بين أعلى الجذع، وقد أخضر، ونظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف ~~أبيض، ثم نظرت إليه قد اخضر بعد البياض، فصار بلحا، ثم نظرت إلى البلح قد ~~احمر بعد الخضرة، ثم نظرت إليه قد صار بسرا، ثم تظرن إلى البسر قد احمر، ثم ~~نظرت إليه قد صار رطبا، وكذلك كله في أقل من ساعة. # وقيل: كان ذلك كله في أقل من طرفة عين. فجعلت الرطب تسقط بين يديها، ~~فطابت نفسها لما رأت من الآيات. # قال وهب بن منبه: " نفخ جبريل صلى الله عليه وسلم في جيب درعها حتى وصلت ~~النفخة إلى الرحم. قال وهب: لما قال لها جبريل {قال ربك هو علي هين} ~~استسلمت لأمر الله، PageV07P4514 # فنفخ في جيبها وانصرف عنها ". # وقال السدي: " فخرجت وعليها جلبابها لما قال لها جبريل عليه السلام ذلك، ~~فأخذ كمها، فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، ~~فحملت فأتتها أختها - امرأة زكريا - تعودها، فلما فتحت لها الباب، ~~التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت ~~أيضا أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في ms1499 بطني يسجد لما في بطنك. ~~فذلك قوله تعالى: # {مصدقا بكلمة من الله} [آل عمران: 39]. # قال ابن جريج: " إنما نفخ جبريل في جيب درعها ورحمها ". # قال السدي: " لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى المحراب الشرقي منه، فأتت ~~أقصاه ". # قوله: {فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة}. PageV07P4515 # أي: جاء بها المخاض إلى جذع النخلة. والهمزة دخلت لتعاقب الباء. # قال ابن عباس ومجاهد والسدي: المعنى: ألجأها. و " المخاض ": " الحمل ". # وقال قتادة: {فأجآءها} " اضطؤها ". # وذكر بعض أهل الأخبار أنها اعتزلت، وذهبت إلى أدنى أرض مصر، وآخر أرض ~~الشام وذكر أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر. # قال وهب بن منبه: " لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها ~~يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور، وكان ذلك ~~المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم. وكان مريم ويوسف يخدمان في ذلك PageV07P4516 # المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم. فرغبا في ذلك. فكانا يليان ~~معالجة ذلك بأنفسهما وتحبيره وكناسته، وكل عمل يعمل فيه. وكلان لا يعمل من ~~أهل زمانها أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما. # فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. ولما رأى الذي بها، استعظمه، ولم ~~يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، ~~وأنها لم تغب عنه ساعة قط /، وإذا أراد يبرئها رأى الذي ظهر عليها. فلما ~~اشتد ذلك عليه كلمها. فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي ~~من أمر أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته في نفسي، فغلبني ذلك، ~~فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري. قالت: فقل قولا جميلا. قال: ما كنت أقول ~~لك إلا ذلك. فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرة ~~من غير غيث؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم. ألم تعلم ~~أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من ~~الزرع الذي أنبته ms1500 الله من غير بذر؟ أولم تعلم ان الله بقدرته أنبت الشجر ~~بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما ~~وحده؟ أو تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؟ ~~ولولا ذلك لم يقدر PageV07P4517 # على إنباته؟ قال يوسف: لآ أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما يشاء ~~يقول لذلك كن فيكون. قالت له: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ~~أثنى ولا ذكر قال: بلى. فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من ~~الله. # ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ~~ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك. فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، ~~وقد بشرت بيحيى، فلما التقتا، وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا ~~معترفا بعيسى. فاحتملها يوسف ذإلى ارض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت ~~الحمار وبين الأكاف شيء. فلما ذكان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد قومها، ~~أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده وأصل نخلة. فاشتد على مريم ~~المخاض، فلما وجدت منه شسدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها ~~الملائكة قاموا صفوفا محدقين بها. # وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله: إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، وإن ~~الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر. PageV07P4518 # وعن وهب أيضا أنه قال: لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، ~~فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال ~~يقال لها بيت لحم. فأجأها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها نبع ~~من الماء فوضعته عندها. # وقد قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه أتت أقصاه. # وقيل: إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بها إلى اليوم. ~~والله أعلم بذلك كله. # قال ابن عباس: ليس إلا أن حملت فولدت ms1501 في ساعة. # وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت حياته آية له لأنه لا يعيش من PageV07P4519 # ولد من ستة أشهر. # وقال غيره أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضا، لأنه يولد مولود ~~لثمانية أشهر فيعيش. # وقوله: {فأجآءها المخاض} يدل على طول المكث. # قال مجاهد: كان حمل النخلة عجوة. # وقيل: كان جذعا بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأسا، وخلق ~~فيه رطبا؟ في غير وقته. # وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها. # وقالت: ليس ولادتي هذا الغلام من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي، فأكلت ~~من الرطب، وشربت من النهر. # وقوله: {ياليتني مت قبل هذا} [أي: قبل هذا] الطلق، استحياء من الناس قاله PageV07P4520 # السدي. # {وكنت نسيا منسيا}. # أي: لم أخلق ولم أكن شيئا. # قال السدي: معناه نسى ذكري وأمري، فلا يرى لي أثر ولا عين. # وقال قتادة: معناه: وكنت شيئا لا يذكر ولا يعرف ولا يدري من أنا. # وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة. # والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي. ويكون لنسي الشيء الحقير الذي ~~لا يعبأ به. # وقرأ محمد بن كعب: " نسئا " بالهمز وكسر النون. وكذا قرأ أيوب، إلا أنه ~~فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره. / وإنما تمنت الموت وقد علمت أن ~~الرضى PageV07P4521 # بقضاء الله واجب عليها لآنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول قومها ~~فيها إذ جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها ويعضوا الله من ~~أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم أن الله ~~تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة والصلاح لها. فتمنيها للموت إنما هو ~~طاعة لله لأن من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله. # قوله تعالى ذكره: {فناداها من تحتهآ ألا تحزني} إلى قوله: {فلن أكلم ~~اليوم إنسيا}. # من قرأ " من تحتها " بالفتح " أراد فناداها عيسى ". كذلك تأويله أبي بهذا ~~كعب والبراء بن عازب والنخعي، وبذلك قرؤوا. ومن قرأ بكسر الميم والتاء، ms1502 ~~أراد PageV07P4522 # فناداها جبريل. كذلك قال ابن عباس والضحاك. # وقال مجاهد: هو عيسى عليه السلام. # قال الضحاك: كان جبريل صلى الله عليه وسلم أسفل منها، فناداها من ذلك ~~الموضع " ألا تحزني ". # وقال أبو عبيد: من كسر الميم والتاء، يجوز في قراءته أن يكون لجبريل ~~ولعيسى عليهما السلام. ومن فتحهما، هو لعيسى خاصة، والاختيار عند أهل النظر ~~في الكسر أن يكون لعيسى مثل الفتح، أي: فناداها عيسى من تحتها. # وقرئ بذلك لتقدم ذكر عيسى ولم يتقدم ذكر جبريل إلا فيما بعد، عند قوله: ~~{فأرسلنآ إليهآ روحنا} فالحمل على الأقرب أولى من الأبعد. # قال ابن زيد: قال لها عيسى: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ~~ذات زوج، فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس؟ ~~يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. # قال البراء: " السري " الجدول، وهو النهر الصغير. وبذا قال ابن عباس PageV07P4523 # وغيره، وهو بالنبطية. # وقال مجاهد: " السري " النهر بالسريانية. # وقال قتادة: السري عيسى نفسه. وكذا قال ابن زيد. أي: شخصا سريا. # وقال الحسن: كان والله سريا من الرجال، يعني عيسى. فقيل له: يا أبا سعيد، ~~إنما هو الجدول النهر. فقال: يرحمك الله، إنما تلتمس مجالستكم لهذا. # وقوله: {وهزى إليك بجذع النخلة}. # يدل على أنه النهر لقوله تعالى بعد ذلك {فكلي واشربي} فكلي من هذا الرطب ~~ةاشربي من هذا الماء وقري عينا بولدك. PageV07P4524 # وقوله {تساقط عليك رطبا جنيا}. # من قرأ بالتاء، رده على النخلة ومن قرأ بالياء، رده على الجذع، ومن شدد ~~السين أدغم فيها إحدى التاءين، ومن خفف، حذف إحدى التاءين كتظاهرون و " ~~رطبا " منصوب على التمييز. وقال المبرد هو مفعول بهزي أي: وهزي إليك رطبا ~~بجذع النخلة. # وقرأه مسروق بن الأجدع " تسقط " بتاء مضمومة. وحذف الألف فيكون على هذا " ~~رطبا " مفعولا به. وكذلك هو على قراءة عاصم " تساقط " على تفاعل. قيل: نصبه ~~على التمييز. PageV07P4525 # وقيل: هو مفعول ب " هزي " # و {جنيا} نعت للرطب وهو فعيل ms1503 بمعنى مفعول، أي: رطبا مجنيا. # والجني: الطري. # " والرطب " يؤنث على معنى الجماعة، ويذكر على معنى الجنس. # وقال أبو وائل: لو علم الله شيئا أطيب من الرطب لأطعمه مريم ". # وقوله: {وقري عينا} هو من قررت بالمكان عند الشيباني، أي: قري عينا. ~~وقيل: هو من قررت به عيناه مشتق من القر أي: بردت عينا، فلم تسخ بخروج ~~الدمع. ولغة قريش قررت به عينا أقر وقررت بالمكان أقر. # وأهل نجد يقولون: قررت به عينا أقر. # ثم قال تعالى: {فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا}. # أي: " قال لها عيسى صلى الله عليه وسلم بعد قوله [لها] أنا أكفيك الكلام، ~~فإما ترين. . . PageV07P4526 # الآية ". والظاهر أن يكون هذا الأمر من الله جل ذكره لها، والله أعلم ~~بذلك. # فالمعنى: إن رأيت من بني آدم أحدا يسألك. فقولي: إني نذرت للرحمن صوما. ~~أي: أوجبت على نفسي للرحمن صوما. أي: صمتا: قاله ابن عباس والضحاك. # وقال قتادة صامت من الطعام والشراب والكلام. # وقال ابن زيد: كان في بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم / ~~من الطعام إلا من ذكر الله عز وجل فقال لها ذلك. # وأصل الصوم. الإمساك، وإنما أمرها بالصوم عن الكلام لأنه خاف عليها ألا ~~تكون لها حجة فيما جاءت به، فأمرها بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها الحجة ~~عنها. # ولا يحل لأحد أن ينذر ترك الكلام يوما. وإنما جعل الله ذلك آية لمريم ~~خاصة. # وقد قيل: بل كانت ذلك اليوم صائمة عن الطعام والشراب، فأذن لها ألا تكلم ~~الناس ذلك اليوم. PageV07P4527 # روى يزيد الرقاشي أن أنس بن مالك قال: إذ ولد عيسى أصبح كل صنم يعبد من ~~دون الله خارا على وجهه، وأقبلت الشياطين غلى إبليس تضرب وجوهها لما حدث. # ومعنى " فقولي " أي: أشيري إليهم بذلك، لأنها لو كلمتهم بذلك لتناقض ما ~~عقدت على نفسها من الصمت. وهذا يدل على أن القول قد يكون غير كلام، وهو ~~كثير في كلام العرب. # قوله تعالى ذكره: {فأتت به ms1504 قومها تحمله} إلى قوله: {جبارا شقيا}. # المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله ~~وحملته حتى أتت به قومها. # قال السدي: " لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، ~~فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله ". قالوا: {يامريم لقد جئت ~~شيئا فريا}. أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله. PageV07P4528 # روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل ~~في ثلاثة ساعات من النهار ". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير. # ثم قالوا لها: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء}. أي يا أخت هارون في ~~الصلاح والعبادة. # قال قتادة: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به. قال: ~~وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمى هارون من بني ~~إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون. # وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى. فقال لها كعب: يا أم ~~المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد ~~بينهما ست مائة سنة، فسكتت. # وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال PageV07P4529 # للتميمي يا أخا تميم. # قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلا فاسقا، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض ~~المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون. # وما علمت أحدا من المفسيرين وأهل التاريخ قال هذا. # " وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل ~~نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما ~~كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأخبرته، ~~فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ". # فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلا صالحا وكانوا يسمون ~~أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون. PageV07P4530 # وقوله: {ما كان أبوك امرأ سوء}. ms1505 # أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش. # {وما كانت أمك بغيا}. أي زانية. # {فأشارت إليه}. أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلموه. # {الوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا}. قال قتادة: " المهد " هنا حجر ~~أمه. # و" كان " هنا، زائدة. و " صيبا " نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار. ~~والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبيا لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام. # وقيل: إن " كان " هنا بمعنى وقع. و " صبيا " نصب على الحال والعامل فيه " ~~كان ". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبيا قد خلق في المهد. # وقيل إن " من " للشرط. و " صبيا " حال. و " كان بمعنى: وقع وخلق أيضا. ~~والمعنى على هذا، من كان في المهد صبيا فكيف نكلمه. كما تقول: من كان لا ~~يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه. قوله تعالى: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب}. # أي: قال عيسى لهم ذلك. وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن PageV07P4531 # يكلموه، ظنوا أن ذلك / منها استهزاء، فغضبوا. # وقوله: {آتاني الكتاب}. # أي: قضى أن يؤتني ذلك فيما قضى. # قال عكرمة: الكتاب: القضاء. # وقوله: {وجعلني مباركا} يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء. # قال مجاهد: أن نفاعا معلما للخير حيثما كنت. # وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبيا إلا أتى على إثره الشدة واحتباس ~~المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت ~~البركات بيمينه. # وقيل: معنى، " مباركا " ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل ~~البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير. # وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى ~~قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشيعت شجرها. فنادى يا خراب، أين أهلك؟ ~~فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا PageV07P4532 # عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى ~~يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد. # {وأوصاني بالصلاة}. ms1506 # أي: قضى أن يوصيني بذلك. # وقوله: {والزكاة}: هي زكاة الأموال. # وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب. # {ما دمت حيا} أي: وقت حياتي في الدنيا. # {وبرا بوالدتي} أي: وجعلني برا بوالدتي. # وقد قرأ أبو نهيك، " وبر "، بكسر الباء ةالراء. أي: وأوصاني ببر والدتي. # وقوله: {ولم يجعلني جبارا شقيا}. # أي: ولم يجعلني مستكبرا عليه فيما أمرني به منهاني عنه، شقيا. وهذا يدل ~~على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء. فهو نص ظاهر في القدر. # قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان يقول: سلوني فإن قلبي ~~لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع. قال: وذكر لنا ~~أن امرأة رأت عيسى وهو يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. فقالت: طوبى ~~للبطن الذي حملك، والثدي الذي PageV07P4533 # أرضعك. فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، وابتع ما فيه، ولم يكن ~~جبارا شقيا. # ومن قرأ: " وبر " بالخفض حسن أن يقف على " أينما كنت " ومن نصبه، لم يقف ~~عليه، لأن " وبرا " منصوب ب " جعلني. # قوله تعالى ذكره: {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت} إلى قوله: {صراط ~~مستقيم}. # معناه: أن عيسى عليه السلام سلم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما يمر ~~على الإنسان في حياته وبعد موته. أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في ~~حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من ~~الفزع. # فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حيا. # ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان يأكل من الشجر ~~ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم لغد، ~~وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل. PageV07P4534 # ثم قال تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق}. أي: هذا الذي وصفت لكم ~~صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم. # ثم قال: {قول الحق} من رفع القول. فعلى خبر الابتداء. أي هذا الكلام الذي ~~قصصته عليكم قول الحق. أي قول ms1507 الله، ف {الحق} هو الله. أي هو كلامه لا كلام ~~غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى من الكذب والبهتان /. # ومن نصبه، فعلى المصدر. أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا ~~أن عيسى عليه السلام كان ساحرا كذابا. ولا قول النصارى، أنه ولد الله تعالى ~~وجل وعز عن ذلك. # قال مجاهد: {قول الحق}. الحق: الله. # أي: قول الله هو الحق. فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ " ~~قول الحق " أي هذا قول الله. PageV07P4535 # ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب ~~ل: " قول ". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: ~~أقول قول الحق. # وقوله: {الذي فيه يمترون} أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو الخصام ~~والجدال. # قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، ~~فزعموا أنه ابن الله. وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة نفر. ~~أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى ~~الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السناء، وهم اليعقوبية ~~فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال فقال: ~~هو PageV07P4536 # ابن الله وهم النسطورية. فقال له الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين ~~للآخر: قل فيه. فقال هو ثالث ثلاثة. الله إله، وهو إله، وأمه إله. وهم ~~الاسرائيلية ملوك النصارى. قال له الرابع: كذبت. هو عبد الله ورسوله وكلمته ~~وروحه، وهم المسلمون. فكان لكل واحد منهم أتباع على ما قال. # فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: {ويقتلون الذين يأمرون ~~بالقسط من الناس}. # قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {فاختلف الأحزاب من بينهم} ~~يعني: اختلفوت فصاروا أحزابا. # قوله تعالى: {ما كان لله أن يتخذ من ولد}. # هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله. أي: ما يصلح له أن يتخذ ولدا، ~~بل كل شيء خلقه. # ثم قال سبحانه: ينزه نفسه ms1508 عما قالوا، أي: تنزيها لله أن يكون له ما أضيف ~~إليه من الولد، فقال: {ما كان لله أن يتخذ من ولد}، ينفي عن نفسه وينزهها ~~عما يقول الظالمون، PageV07P4537 # وهذا اللفظ ظاهره الحظر، والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه. ~~ومعناه النفي، أي: ما كان الله ليتخذ ولدا. فهو نفي عن الله ما لا يليق به ~~وليس فيه في الباطن حظر. ومثله قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطئا} [النساء: 92] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا. ~~فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظرا لم يستثنى منه الإثبات في قوله " ~~إلا خطأ " والنفي يستثنى منه الاثبات. ومعنى الإثبات في هذا، إجازة وقوعه ~~من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا. ومثله {ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها} [النمل: 60] ظاهره الحظر. أي لا تفعلوا وهو تعالى لم ~~يحظر على خلقه أن يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على ~~اختراع ذلك. # فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه. وهو ~~كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه. # ثم قال: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}. # أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجودا حادثا لا يتكلف في ~~حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمرا كونه. وقد زل في PageV07P4538 # هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى أمرا. ~~قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر. ليس قضى في هذا بمعنى خلق، إنما هو ~~بمعنى أراد. # والأمر في هذا إنما أحد أمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - ~~فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان. فكن ~~كلامه. فبهذا يحدث المحدثات. فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه كن، ~~فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر. # ثم فال تعالى: {وإن الله ربي وربكم}. # هذا من قول عيسى لهم. أخبرهم أنه ms1509 وإياهم عبيد الله. فالعبادة له منا ~~واجبة علينا. # {هذا صراط مستقيم} أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ينجوا من سلكه. # فمن فتح " أن " فعلى معنى: / و " لأن الله ". # هذا مذهب الخليل وسيبويه. # وقال الفراء " أن " في موضع خفض عطف على الصلاة. أي: قال عيسى: PageV07P4539 # أوصاني بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: ~~والأمر أن الله. # وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر. أي: وقضى الله أن الله ~~ربي. # وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى. أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله. وهذا ~~ضعيف، لأن المعنى ليس عليه. ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما ~~قبلها. # وفي حرف ابن مسعود وأبي: " أن الله ربي " بغير واو. # فهذا يدل على صحة الاستئناف. # وقيل: الكسر على العطف على: " قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي ". # و" سبحانه "، وقف عند نافع. # ولا يحسن الابتداء ب " أن " على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل ~~وسيبويه: PageV07P4540 # لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفا. # وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضا. # قوله تعالى ذكره: {فاختلف الأحزاب من بينهم} إلى قوله: {للشيطان وليا}. # أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى صلى الله عليه وسلم. فصاروا أحزابا، ~~وقد ذكر اختلافهم كيف كان. # ثم قال: {فويل للذين كفروا}. # أي: واد في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن ~~الله. {من مشهد يوم عظيم} يعني يوم القيامة. # ثم قال: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا}. # أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا ~~رؤية. وقد كانوا في الدنيا عميا عن إبصار الحق، صما عن سماع الهدى. # قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. PageV07P4541 # قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما ~~كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ {ربنآ أبصرنا وسمعنا ~~فارجعنا نعمل صالحا} [السجدة: 12]. # ثم ms1510 قال تعالى ذكره: {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} أي: لكن الكافرون ~~في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق. # و {يوم يأتوننا} وقف حسن. والعامل فيه " أسمع بهم وأبصر " أي: ما أبصرهم ~~وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، ~~لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق ~~لفظ الأمر، وليس به. # ثم قال: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم ~~حسرتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أوروثها ~~الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في ~~الخلود. # قال ابن مسعود: ليسي نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، ~~وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النالا البيت الذي في الجنة فيقال: / لو آمنتم، ~~فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما ~~من به الله PageV07P4542 # عليكم. # وقيل: {يوم الحسرة} يوم يعطى كتابه بشماله. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجاء بالموت ~~فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح. قال فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون ~~هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، ~~هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم يؤمر به ~~فيذبح. 4قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا ~~موت. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وأنذرهم يوم الحسرة} الآية. ~~وأشار بيده في الدنيا " يريد الغفلة في الدنيا. # وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط. وقال في أهل الجنة، ~~فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من PageV07P4543 # مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من ~~مكانهم. وقال فيذبح على الصراط ". # قال ابن عباس: " يصور الله الموت كأنه كبش أملح. فيذبح، فييأس ms1511 أهل النار ~~من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل ~~الجنة الموت، فلا يخشونه ". # وقال ابن عباس: " يوم الحسرة " من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره ~~عباده. # ومعنى: {إذ قضي الأمر} إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل ~~الجنة بالخلود [فيها]. / # وقوله: {وهم في غفلة} أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم ~~القيامة. # {وهم لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة. # ثم قال تعالى: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} أي: نفني من على الأرض، ~~فتبقى لا مالك لها غيرنا. # {وإلينا يرجعون}. PageV07P4544 # اي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلا بعمله. والمعنى: إلى حكم الله ~~يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم. لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما ~~قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم. وكذلك كل ما شابهه. # {قضي الأمر} وقف، إلا أن يجعل " وهم في غفلة " في موضع الحال فلا يقف على ~~ذلك. والتمام " يؤمنون ". # ثم قال تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا}. # أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل ~~عليك، وكذلك معنى قوله: {واذكر في الكتاب} في كل موضع، إنما معناه اذكر ~~لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما. # {إنه كان صديقا نبيا} أي: كان من أهل الثدق في حديثه وأخباره ومواعيده. " ~~نبيئا " أي: تنبأه الله وأوحى إليه. # ولا يوقف على " نبي " لأن " إذ " متعلقة بما قبلها. # {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع}. # أبت عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء. ويكون للمذكر والمؤنث. و ~~" التاء " عنده عوض من ياء الإضافة. ولذلك لا يجمع بينهما. ووقف ابن كثير ~~بالهاء، PageV07P4545 # وجميع القراء غيره يقفون بالتء، لأنه مضاف في التقدير. # وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف ~~الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها. # وقيل: إنه أبدل من ms1512 كسرة " التاء " فتحة، ومن " الياء " التي كانت في ~~الأصل ألفا. ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من ~~الياء. فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من ~~الياء. # وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر. # وقوبه: {ما لا يسمع ولا يبصر} يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا ~~بيبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئا: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا ~~دفع عنك شيئا. # ثم قال: {يا أبت إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك}. يعني: الوحي الذي ~~أوحى الله إليه. # {فاتبعني} أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه. PageV07P4546 # {أهدك صراطا سويا} أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن ~~لزمته. # ثم قال: {يا أبت لا تعبد الشيطان}. # أي: لا تطعه فيم أمرك به فتكون بمنزلة من عبده. # {إن الشيطان كان للرحمن عصيا}. # أي: عاص. و " عصيا "، فعيل بمعن فاعل. لام الفعل " ياء " أدغمت فيها " ~~ياء " فعيل. # ثم قال: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} الآية. . . أي: إني ~~أعلم أنك، إن منت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان وليا ~~دون الله. فالخوف هنا بمعنى العلم. كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ~~{فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا} [الكهف: 80]. # قوله تعالى ذكره: قال {قال أراغب أنت عن آلهتي ياإبراهيم} إلى قوله {أخاه ~~هارون نبيا}. # أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن ~~عبادة آلهتي يا إبراهيم. {لئن لم تنته} عن ذكر آلهتي بالسوء وغبتك عن ~~عبادتها لأرجمنك " أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح. PageV07P4547 # وقيل معناه: لأقتلنك. # وقيل معناه: لرجمنك بالحجارة. # ثم قال: {واهجرني مليا} أي: واهجرني يا إبراهيم حينا طويلا. قاله: مجاهد ~~والحسن وعكرمة. ف " مليا " ظرف. # وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالما من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة ~~والضحاك. # ف " مليا " على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، ~~واختار النحاس ms1513 القول الأول. # و" أراغب " رفع بالابتداء، و " أنت " فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون " PageV07P4548 # أنت " مبتدأ، و " أراغب " خبره مقدم عليه، وحسن رفع " أراغب " بالابتداء ~~لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. # ثم قال تعالى: {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي}. أي: قال إبراهيم لأبيه ~~حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك " أي: أمنة مني لك ان ~~أعادوك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ~~{إنه كان بي حفيا} أي: إن ربي عهدته / بي لطيفا، يجيب دعائي إذا دعوته. # قال ابن عباس وابن زيد: " حفيا " لطيفا يقال حفي به إذا بره ولطف به. # قال السدي: {سأستغفر لك} أخره إلى السحر. # {ياإبراهيم} تمام عند نافع. وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم. # و" سلام عليك " تمام عند ابي حاتم. و " لك ربي " عند غيره التمام. # ثم قال تعالى: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله}. أي: وأجتنبكم وعبادة PageV07P4549 # ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم. و {وأدعو ربي} بإخلاص ~~العبادة له {عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا} أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي. # ثم قال تعالى: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله}. لي: فحين اعتزل ~~إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله. {وهبنا له إسحاق ويعقوب} أي: ~~آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب. # {وكلا جعلنا نبيا}. # أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء. # روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له. # ثم قال: {ووهبنا لهم من رحمتنا}. # أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا. وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا. # {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من ~~الناس إلى قيام الساعة. # قوله: " ويعقوب " وقف. و " نبيئا " أحسن منه و " عليا " أحسن منهما. PageV07P4550 # ثم قال: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا}. # أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصا لله عبادته وأعماله ~~كلها. هذه على قراءة ms1514 من كسر " اللام " في " مخلصا " ومن فتحها فمعناه: إنه ~~كان مختارا اختاره الله لكلامه ورسالته. # {وكان رسولا نبيا} أي: أرسله الله إلى نبي إسرائيل، وتنبأه. # ثم قال تعالى: {وناديناه من جانب الطور الأيمن} أي: وكلمناه من جانب ~~الجبل الأيمن، قاله قتادة. # وقال الطبري: يعني يالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا ~~شمال. # {وقربناه نجيا}، أي: وأديناه مناجيا. # قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم. # وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم. PageV07P4551 # وعن مجاهد في معنى {وقربناه نجيا} قال: بين السماء الرابعة أو قال ~~السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ~~ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: ~~أرني أنظر إليك. # وقال قتادة: {وقربناه نجيا} (نجا بصدقه). # وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ~~ذكره وجل ثناؤه وليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض. فهو كلام ~~فيه توسع. فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر ~~بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة. # والمعنى: إنا رفعنا بكلامنا له. PageV07P4552 # ثم قال تعالى: {ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا}. # أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبيا. اي: أيدناه بنبوته. # قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته. # قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل} إلى قوله: {سجدا وبكيا}. # المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا ~~يخلف وعده. # قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. # وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على ~~الذبح، فصبر حتى فداه الله. # قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلا مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي ~~الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. ms1515 ~~فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: ~~إني PageV07P4553 # نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتيني، فذلك قوله " كان صادق ~~الوعد ". # وروي أن إبليس اللعين تمثل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى ~~يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل صلى الله عليه ~~وسلم فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلىجرهم. # وقوله: {وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة}. # يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. # {وكان عند ربه مرضيا} /. # أي: محمدا فيما كلفه، غير مقصر. و " مرضي " مفعول، والأصل فيه عند ~~سيبويه. " مرضو ". ولكن أبدلوا من الواو لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، ~~وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله ~~قولهم مسنية، أصلها مسنوة. # وقال الكسائي والفراء: من قال: " مرضى " بناه على رضيت وقالا وأهل PageV07P4554 # الحجاز يقولون " مرضو ". وحكايا أن من العرب من يثني رضا على رضوان، ~~ورضيان، وربوان، وربيان. # فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. # ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالوا. # ثم قال تعالى: {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا}. # أي: واقصص نبأ إديس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره ~~" نبيئا " تنبأه الله. # كان إدريس خياطا، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبح الله وهو أول من خاط ~~الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. # ثم قال: {ورفعناه مكانا عليا} قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل ~~يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: ~~إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملا، ~~فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ~~ملك الموت منحدرا، فلكم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس فقال: وأين ~~إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. # فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في ms1516 السماء الرابعة وهو ~~في الأرض، فجلعت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في PageV07P4555 # الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: {ورفعناه مكانا عليا}. # وقيل: إن الله جل ذكره جعله في السماء الرابعة قاضيا كالملك في وسط ملكه ~~وجعل خزائن السموات بيده. # وقيل: رفع إلى السماء السادسة. # وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. # وقال مجاهد: وقتادة: رف إلى السماء الرابعة. # وروى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما عرج به إلى ~~السماء، قال: " أتيت على إدريس في السماء الرابعة ". # وقيل: {مكانا عليا} عنى به في النبوة والعلم. PageV07P4556 # وسأل ابن عباس كعبا عن إدريس وما يجد من خيرة في التوراة فقال: إن في ~~كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل ~~الارض. فأستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، ~~فسأله إدريس؟ أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون ~~الملائكة، وهم متآخرون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من ~~عمري لكي أزداد في العمل؟. # قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى سعد به إلى ~~السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى ~~أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. ~~فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب. PageV07P4557 # وروى ابن وهب أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم ~~من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما ~~شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. # وروى أن ادريس سار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني ~~مشيت في الشمس يوما. فآذاني حرها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في ~~يوم واحد، اللهم خفف عن ms1517 من يحملها، واحملعنه حرها. فلما أصبح الملكم، وجد ~~خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع ~~بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. # ثم قال تعالى: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين}. # المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنبأهم، هم الذي أنعم الله عليهم ~~بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء {من ذريةءادم}. يعني إدريس. و ~~{وممن حملنا مع نوح} (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: ~~إبراهيم). # {ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل} يعني من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية ~~إبراهيم، ومن ذريته أيضا هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. # / {وممن هدينا} للإيمان والعمل الصالح. PageV07P4558 # {واجتبينآ} أي: واصطفيا للرسالة والواحي. # ثم قال تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن}. # أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. # {خروا سجدا} أي خضعا. # {وبكيا} أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدرا لبكى يبكي بكيا. بمعنى: بكاء. ~~ويكون أصله بكويا. كجلس يجلس جلوسا. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع ~~الواو والياء. والأول ساكن، وبكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء سكانة ~~قبلها ضمة، من كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باك ~~على فعول، كما قالوا شاهدوا وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات ~~على فعول، ثم غير ما تقدم في " مرضي ". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكيا. إذ ~~لامه ياء، ولام جثيا وعتيا واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو، PageV07P4559 # وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. # وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة " مريم " فسجد فقال " هذا السجود، ~~فأين البكي " وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء. # قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة}. إلى قوله: {وعده مأتيا}. # المعنى: فخلف من بعد من ذكرنا من الأنبياء، خلف سوء خلفوهم في الأض. # يقال في الردئ " خلف " بإسكان اللام، وفي الصلاح " خلف " بتحريك اللام. ms1518 ~~وعن أبي إسحاق ضد هذا. والأول أشهر. # ثم قال: {أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} أي أخروا الصلاة عن مواقيتها، ~~ولم يتركوها، ولو تركوها لكان كفرا. # قاله عمر بن عبد العزيز: وهو معنى قول ابن مسعود. وكذلك قال ابن مسعود: ~~في قوله تعالى ذكره: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 5] إنه تأخيرها ~~عن PageV07P4560 # وقتها. # قال مسروق: لا يحافظ على الصلوات الخمس أحد فيكتب من الغافلين. # وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخلف من بعد ستين سنة ~~". # قال أبو محمد مكي رضي الله عنه: وقد ذكر الجعفي في تفسيره عن محمد بن كعب ~~القرظي أنه قال: هم ناس يظهرون في آخر الزمان من قبل المغرب، وهم شر من ~~يملك، وذكر اسمهم. # وعن مجاهد، أن الخلف هنا النصارى بعد اليهود. رواه ابن وهب، وهو ظاهر ~~الآية لأن بعده " إلا من تاب وآمن " فذكره لشرط الإيمان مع التوبة يدل على ~~أنهم لم يكونوا مؤمنين. # وقوله: {واتبعوا الشهوات} قيل: معناه: اتبعوا شهواتهم فيما حرم الله ~~عليهم. PageV07P4561 # وقال القرظي: أضاعتهم لها، تركها وهذا القول اختيار الطبري لقوله بعد ~~ذلك: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} فلو كان المضيعون مؤمنين لم يقل: " إلا ~~من تاب وآمن " ولكنهم كانوا كفارا بتركهم للصلاة والزكاة. # وقال مجاهد: هؤلاء قوم يكونون عند قيام الساعة، وذهاب صالحي امة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في الآزقة زنا. # وقال عطاء: هم من أمة محمد عليه السلام. # ثم قال تعالى: {فسوف يلقون غيا}. # يعني: واديا في جهنم قاله ابن عمر. وعنه أنه قال: هو نهر في جهنم، خبيث ~~الطعم بعيد القعر. # وقال ابن عباس: غيا: خسرانا. PageV07P4562 # وقال ابن زيد: " غيا " شرا. # والتقدير: فسوف يلقون جزاء الغي، كما قال يلق آثاما أي: جزاء الآثلام. # وقيل: سمي الوادي غيا لأن الغاوين يصيرون إليه. # وقيل: المعنى: " فسوق يلقون غيا ". أي: خيبة من الجنة، والثواب الذي ~~يناله المؤمنون، وعذابا في النار. # و" الغي " في اللغة " الخيبة. # ثم استثنى فقال: {إلا من تاب وآمن ms1519 وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة} دون ~~أولئك. # {ولا يظلمون شيئا}. # أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا. ثم بين موضع الدخول فقال: " جنات ~~عدن " أي: إقامة. # {التي وعد الرحمن عباده بالغيب} أي: وعدهم بها، وهم لم يروها فصدقوا ~~بذلك. # {إنه كان وعده مأتيا}. # الوعد هنا بمعنى الموعود. كما قالوا: الخلق بمعنى المخلوق. PageV07P4563 # و " مأتيا " أي: ياتيه أولياؤه، وأهل طاعته. # وقيل " مأتيا ": هو مفعول بمعنى فاعل. قاله ابن قتيبة واستبعده النحاس، ~~وهو عنده/ مفعول من الإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه. # قوله تعالى ذكره: {لا يسمعون فيها لغوا} إلى قوله: {وما كان ربك نسيا}. # أي: لا يسمعون في الجنة لغوا وهو الهدر والباطل من القول. # {إلا سلاما} أي: تحييهم الملائكة من كل باب بالسلام. # وقوله: " إلا سلاما " استثناء ليس من الأول. # وقيل: هو بدل من لغو. # ثم قال تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا}. أي: لهم ما يشتهون من ~~المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا. إذ لا ليل في الجنة ~~ولا نهار. # قال مجاهد: ليس " بكرة " ولا " عشي " ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون ~~في الدنيا. # خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش. PageV07P4564 # وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم ~~في الجنة ذلك الذي يعجبهم. # وقال زهير بن محمد: " ليس في الجنة ليل. هم في نور أبدا ولهم مقدار الليل ~~والنهار. يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار ~~النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ". # وقيل: معنى الآية: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا}. مقدار ما يكفيهم لكل ~~ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل. # ثم قال تعالى: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا}. # أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها. " من مكان تقيا ~~" أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه. # قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل موحد ~~من أهل التقية ms1520 - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، وشفاعة PageV07P4565 # نبيه صلى الله عليه وسلم. # وقيل: " التقي ": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه. # ثم قال تعالى: {وما نتنزل إلا بأمر ربك}. # هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم الوحي. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: ما ~~يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرونا، فنزلت {وما نتنزل إلا بأمر ربك}. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، وقد ~~كان قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم سأخبركم غدا، ولم يستثن. فأبطأ عنه ~~الوحي أربعين يوما. ثم نزل جبريل عليه السلام: {ولا تقولن لشاىء إني فاعل ~~ذلك غدا * إلا أن يشآء الله} [الكهف: 23 - 24]، فوجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك، وحزن فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله {وما نتنزل ~~إلا بأمر ربك} الآية. # وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى. # ثم قال تعالى: {له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك}. PageV07P4566 # معناه: أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة " وما ~~بين ذلك " ما بين النفختين. # وقال ابن عباس: " ما بين أيدينا " الآخرة " وما خلفنا " من الدنيا. # وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: " وما بين ذلك "، ما بين الدنيا والآخرة. # وروي عن معمر: " ما بين ذلك " ما بين النفختين. وكذا قال الضحاك. # وقال ابن جريج: " ما بين أيدينا " ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، و " ما ~~خلفنا، " ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، " وما بين ذلك " ما بين ما مضى ~~أمامهم وما بين ما يكون بعدهم. # وقال الأخفش " ما بين أيدينا ": ما كان قبل أن نخلق " وما خلفنا " ما ~~يكون بعد أن تموت " وما بين ذلك " منذ خلقنا إلى أن نموت. PageV07P4567 # وقال ابن جبير: " ما بين ذلك " ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ. ms1521 # فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا نترك إلا بأمر ~~ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر الدنيا، ~~وما بين هذين الوقتين. # وقوله: {وما كان ربك نسيا} أي ذا نيسان، فيكون تأخر نزولنا من أجل نسيانه ~~إياكز # قال مجاهد " {وما كان ربك نسيا} أي ما نيسك. # قوله تعالى ذكره: {رب السماوات والأرض وما بينهما} إلى قوله: {أشد على ~~الرحمن عتيا}. # أي: وما كان ربك - رب السماوات والأرض وما بينهما - ذ نيسان، " فاعبده " ~~أي: الزم طاعته. # {واصطبر لعبادته} أي: اصبر نفسك على العمل بطاعته. # {هل تعلم له سميا} أي: مثلا وشبها في جوده وحلمه وكرمه وطوله. قاله ابن ~~عباس وقتادة/ ومجاهد وابن جبير. PageV07P4568 # وعن ابن عباس أن معناه: هل تعلم يا محمد أحدا يمسى الرحمن سواه. # وقيل: هل تعلم أحدا يقال له الله غيره. # وقل المعنى: هل تعلم أحدا قال له رب السماوت والأرض وما بينهما غيره. # وقيل: المعنى: هخل تعلم أحدا يجوز أن يكون إلها معبودا غيره. # ثم قال تعالى: {ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف أخرج حيا}. # أي: ينكر الإنسان الكافر البعث، فيقول: أنبعث، إذا ما مت، إنكارا منه ~~للبعث. # فقال الله تعالى لنا: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} ~~أي: فكما خلقناه من غير شيء، وأوجدناه من عدم، كذلك نحييه بعد مماته. وهذا ~~مثل قوله تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} [يس: 78] فكان الجواب {قل ~~يحييها الذي أنشأهآ أول مرة} [يس: 79] والرؤية بمعن العلم في هذا. أي: أولم ~~يعلم الإنسان ذلك من حدوثه قبل أن لم يكن شيئا. ولا يجوزك أن تكنون من رؤية ~~البصر، لأن الإنسان لم ير نفسه وقت خلقه. # والوقف على " حيا " بعيد، لأن " أولا " معطوف، دخل عليه ألف الاستفهام ~~للتوبيخ. # وقيل: إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. ثم هي في كل من كان PageV07P4569 # مثلهم من الكفار المنكرين للبعث. ودخلت اللام في " لسوف " للتأكيد جوابا ~~لقول قيل للإنسان، ms1522 كان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إذا ما مات لسوف ~~تبعث حيا). فقال إنكارا للبعث، وجوابا لما قيل له: " أئذا ما مت لسوف أبعث ~~" فأتى باللام في الجواب، كما كانت في القول ولو كان مبتدئا بذلك لم تدخل ~~اللام، لأن اللام للتأكيد والإيجاب، وهو مكر للبعث، فلا يصلح دخول اللام في ~~غير مكر لخبره، فإنما دخلت في هذا لمجازاة ما قبل له. أدخل اللام في الجواب ~~كما دخلت في القول الذي أجاب عنه. # ثم قال: {فوربك لنحشرنهم والشياطين}. # أي: لنحشرن هؤلاء المنكرين للبعث مقرنين بأوليائهم من الشياطين. # {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا}. # أي: على ركبهم، وهو جمع جاث. وأصله جثو، مثل: قاعد وقعود، ثم أبدل من ~~الواو ياء لأنها ظرف على ما تقدم في " مرضيا ". # وقيل: " جثيا " قعودا لا يقدرون عل القيام لشدة هول ما يرون. # روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: إنكم PageV07P4570 # [ملاقو] الله حفاة عراة مشاة عزلا " قال ابن جبير: يحشرون حفاة عراة، ~~فأول من يكسى خليل الله ابراهيم عليه السلام. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كأني أراكم جاثين بالكوم دون ~~جهنم " ثم قال تعالى: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا}. # أي: ثم لنأخذن من كل جماعة أشدهم على الرحمن عتوا وتمردا. يعني الأكابر ~~فالأكابر جرما. والجبار فالجبار. # والمعنى: نبدأ بتعذيب أعظمهم جرما ثم الذي يليه ثم الذي يليه. # قال مجاهد: " من كل شيعة ": من كل أمة. والشيعة: الجماعة المتعاونون على ~~الأمر: فالتقدير: لنأخذن من كل أمة تعاونت على الكفر أشدهم كفرا ثم الذي ~~يليه. # " أيهم " رفع عند الخليل على الحكاية. أي لننزعن الذي يقال له من أجل ~~عتوه أيهم أشد. # ومعناه: لننزعن من كل فرقة الأعتى فالأعتى، عذب أولا أشدهم كفرا ثم PageV07P4571 # الذي يليه. # ومذهب يونس أن " لننزعن " معلق. " وأيهم " رفع بالابتداء وليس هذا الفعل ~~مما يجوز أن يعلق عند غيره. # ومذهب سيبويه أن " أيهم " مبنية على الضم، لأنها ms1523 خالفت أخواتها في الحذف، ~~لأنك لو قلت رأيت الذي أفضل منك، ومررت بمن أفضل منك قبح، وذلك حسن في " ~~أيهم " فخالفت أختها بحسن حذف الصلة بعدها، فبنيت على الضم. # وقد خطيء سيبويه في هذا القول، لأن مذهبه أنه إنما أعرب " أيا " إذا ~~انفردت من أجل أنها تضاف. فكيف يعربها من أجل أنها تضاف ويبينها وهي مضافة. # وقال الكسائي: " لننزعن " واقع على المعنى. كم تقول: لبست من الثياب، ~~وأكلت من الطعام. فترفع " أيهم " بالابتداء. PageV07P4572 # وقال الفراء: المعنى: " لننزعن " بالنداء، فيكون معنى " لننزعن ": ~~لننادين. وهذا يتعلق، ولا يتعدى، فحسن الرفع بالابتداء، إذ هو في موضع فعل ~~يجوز أن يعلق عن العمل. أعني " لننزعن " وقع موقع " لننادين ". ونادى/ فعل ~~يعلق عن العمل إذا كان بعده جملة. فلا يعمل في اللفظ ويعمل في المعنى كظننت ~~وحسبت. # وقال بعض الكوفيين في " أي " معنى الشرط والمجازاة فلذلك لم يعمل فيها ما ~~قبلها. # وقال المبرد: " أيهم " متعلقة بشيعة لا بننزعن. والمعنى: ثم لننزعن من ~~الذين تشايعوا أيهم. أي: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد. فيكون المعنى ~~على هذا ثم لننزعن من هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصف عنهم. # قوله تعالى ذكره: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} إلى قوله {فيها ~~جثيا}. # أي: ثم لنحن أعلم بالذين ننزعهم من كل شيعة فيقدمهم إلى العذاب فيصلونه. # " وصليا " مصدر صلى يصلي صليا، على فعول وأصله صلوي: ثم أعل وكسرت اللام. # ثم قال: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا}. # المعنى: وإن من هؤلاء القوم، الذين هذا القول المتقدم قولهم في البعث، ~~إلا وارد PageV07P4573 # جهنم. # {ثم ننجي الذين اتقوا}. # أي: اتقوا الشرك، وأمنوا بالبعث، فهي مخصوصة فيمن تقدم ذكره على هذا ~~القول. # وقيل: هي عامة. والمعنى: ما منكم أحد إلا يرد جهنم. كان ذلك على ربك يا ~~محمد قضاء مقضيا في أم الكتاب. # وقال ابن مسعود وقتادة معناه: قضاء واجبا. # قال ابن عباس: الورود، الدخول. واحتج بقوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم أنتم ms1524 لها واردون} وبقوله تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار} وقل محتجا للدخول: دخل هؤلاء؟ أم لا؟. وقاله ابن جريج. # وقاله ابن عباس: يردها البر والفاجر. # وقيل: إنهم يردونها وهي خامدة. PageV07P4574 # وعن كعب أنه قال: تمسك النار للناس كأنها متن أهالة، حتى تستوي عليها ~~أقدام الخلق، برهم وفاجرهم. ثم ينادي بها مناد امسكي أصحابك ودعي أصحابي. ~~فتخسف بكل ولي لها. فلهي أعلم بهم من الرجل بولده، وخرج المؤمنون ندية ~~ثيابهم. # وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم مسيرة سنة. # وقال ابن مسعود: الورود: الدخول. # وقال قتادة: هو الممر عليها. # وقيل: الورود هو الجواز على الصراط. والصراط على شفير جهنم مثل حد السيف. ~~فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة، كأجود الخيل، ~~والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. # وعن ابن عباس، أن الورود الدخول، ولكن المخاطبة للكفار خاصة. وذلك قال ~~عكرمة. PageV07P4575 # وقال ابن زيد: الورود عام، للمسلم والكافر، إلا أن ورود المؤمن المرور. # ودل على هذا أن ابن عباس وعكرمة قرآ: وإن منهم إلا واردها يريدان الكفار ~~برد الهاء والميم على ما تقدم من ذكر الكفار. # وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: {ثم ننجي الذين} بفتح ~~التاء. إلا أن عليا قرأ " تنحى بالحاء " وكذلك قرأ ابن أبي ليلى بفتح ~~التاء. # فورود المؤمن على الجسر بين ظهريها، وورود الكافر الدخول. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " الزالون والزالات يؤمئذ كثيرة وقد أحاط بالجسر ~~سماطان من الملائكة، دعواهم يومئذ يا الله سلم سلم ". # وقال مجاهد: " الحمى حظ كل مسلم من النار. # وقال أبو هريرة: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلا من أصحابه ~~وعك، وأنا معه. PageV07P4576 # فقال: إن الله جل ذكره يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه ~~من النار في الآخرة ". # وقال السدي: يردونها كلهم، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. # وروت حفصة، " أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال إني لأرجو أن لا يدخل أحد ~~شهد ms1525 بدرا والحديبية. قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس الله جل وعز يقول: " ~~وإن منكم إلا واردها؟ قال لها: أولم تسمعيه يقول: " ثم ننجي الذين اتقوا ". # وقيل: المعنى: وإن منكم إلا وارد القيامة. وهذا اختيار الطبري ودل على ~~هذا قوله: {لا يسمعون حسيسها} [الأنبياء: 102] وقوله: {أولئك عنها مبعدون} ~~[الأنبياء: 101]. # ودل على هذا أيضا قوله تعالى/ قبل الآية " {فوربك لنحشرنهم والشياطين} PageV07P4577 # فالحشر إنما هو في القيامة. # وروى ابن وهب عن زيد بن أسلم أنه قال في تفسير الورود: " وإن منكم يا أهل ~~هذا القول إلا وارد جهنم ". يعني: الذين أنكروا البعث فقالوا: أإذا متنا ~~لسوف نخرج أحياء إنكارا منهم بالبعث. # وقوله: {ثم ننجي الذين اتقوا} أي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها. # وقيل: معناه: وإن منكم إلا يحضر جهنم ويعاينها، لا يدخلها إلا من وجب ~~عليه دخولها. ودليله قوله: {ولما ورد مآء مدين} [القصص: 23] فهو لم يدخل ~~الماء، إنما حضر قرب الماء وعاينه، لم يدخله فكذلك هذا، يحضرون كلهم جهنم ~~ويعاينونها وينجي الله من دخولها المتقين وهو قوله تعالى: {ثم ننجي الذين ~~اتقوا}. # ثم قال: {ثم ننجي الذين اتقوا}. # أي: ننجي من النار بعد الورود الذين اتقوا الله وأدوا فرائضه، واجتنبوا ~~محارمه. # ثم قال: {ونذر الظالمين فيها جثيا} أي: وندعهم في النار بروكا على ركبهم. ~~كذا قال قادة. وقال: إن الناس يردون جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون ~~فأضاءت لهم حسناتهم فأنجوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا ~~بذنوبهم. # قال ابن زيد: لا يجلس الرجل جاثيا إلا عند كرب ينزل به. PageV07P4578 # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} إلى قوله: {وأضعف جندا}. # المعنى: أن الكفار من قريش كانوا إذا تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~آيات القرآن، قالوا للذين آمنوا (أي الفريقين منا ومنكم خير مقاما) أي: خير ~~موضع إقامة، وهي مساكنهم " وأحسن نديا " أي [مجلسا]. # يتركون التفكير في آيات الله والاعتبار بها ويأخذون في التفاخر بحسن ~~المسكن وحسن المجلس. # قال ابن عباس: " المقام " المسكن. و " الندي " المجلس. # يقال: ندوت القوم أندوهم ms1526 ندوا، إذا جمعتهم في مجلس [واحد]. ومنه دار ~~الندوة المتصلة بالمسجد الحرام، لأنهم كانوا يجتمعون فيها إذا كربهم أمر. ~~ومنه قوله: {وتأتون في ناديكم المنكر} [العنكبوت: 29] ومنه {فليدع ناديه} ~~[العلق: 17] أي أهل مجلسه. ويقال: هو في ندي قومه، وفي ناديهم بمعنى: ~~مجلسهم وندي: جمع أندية. # ثم قالت تعالى ذكره: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن}. أي: وكثيرا يا محمد ~~أهلكنا من القرون هم أحسن أثاثا ورئيا قبل هؤلاء القائلين للمؤمنين: أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا. # قال ابن عباس: " الأثاث ": المتاع. " والرئي: المنظر. # أي: أحسن متاعا وأحسن مرئى ومنظرا من هؤلاء فأهلك الله أموالهم، PageV07P4579 # وأفسد صورهم وكذلك قال ابن زيد ومجاهد: " الأثاث: المتاع و " الرئي ": ~~المنظر. # وقال معمر: أحسن أثاثا: أحسن صورا. ورئيا: أموالا. # وروي عن ابن عباس: " أحسن أثاثا وزيا " بالزاي. # وقرأ طلحة " وريا " خفيفة الياء من غير همز. # ومن شدد الياء، جعله من رأيت، ولكن خفف الهمزة، فأبدل وأدغم. ويجوز أن ~~يكون من رويت روية ورياء فيكون معناه أيضا منظرا، لأن العرب تقول: ما أحسن ~~روية فلان في هذا الأمر؟. . إذا كان حسن النظر فيه، والمعرفة به. # ويجوز أن يكون من ري الشارب. فيكون المعنى أن جلودهم مرتوية من النعمة. PageV07P4580 # وأجاز الأخفش أن يكون من ري المنظر. # ومن همز جعله من رؤية العين. # " والأثاث " جمع واحدة أثاثه كالحمام والسحاب. هذا مذهب الأخفش. # وقال الفراء: لا واحد له كالمتاع. # ثم قال تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا}. # أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين - إذا تتلى عليهم آياتنا بينات - أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا من كان من ومنكم في الضلالة فليمدد له ~~الرحمن مدا. فهو لفظأ مر، ومعناه الخير. جعل الله جزاء ضلالته في الدنيا أن ~~يطول فيها، ويمد له كما قال تعالى: {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: ~~110]. لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كأن المتكلم يلزمه نفسه، كأنه يقول: ~~أفعل ذلك وآمر نفسي به، فهو أبلغ. # فلذلك أتى به على الخبر. # ومعناه: فليعش ما شاء، ms1527 وليوسع لنفسه في العمر، فإن مصيره إلى الموت ~~والعذاب. PageV07P4581 # قال ابن نجيح معناه: فليدعه في طغيانه. # ثم قال تعالى: {/حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب}. # يعني به النصر، فيعذبوا بالقتل والسبي. # " وإما الساعة " يعني يوم القيامة، فيصيرون إلى النار. و " إما " ~~للتخيير. وهي عند المبرد إن زيدت عليها " ما ". واستدل على ذلك أن الشاعر ~~إذا اضطر، جاز له حذف " ما ". وليست عند غيره إلا حرفا واحدا. ولم يختلفوا ~~فيها في العطف أنها حرف واحد. # وقال أبو العباس: إذا قلت ضرب ما زيدا وإما عمرا، فالأولى دخلت لبنية ~~الكلام على الشك، والثانية للعطف. # وقال ابن كيسان: " أما ": للشك والتخيير، والواو هي العاطفة. # وأجاز الكسائي: إما زيد قائم على النفي يجعل " إما " بمنزلة " ما ". # وأجاز الفراء أن تأتي " إما " مفردة بمنزلة " أو ". قوله: {فسيعلمون من ~~هو شر مكانا}. PageV07P4582 # أي: مسكنا، منكم ومنهم. # {وأضعف جندا} أهم؟ أم أنتم؟ يعني: إذا نصر الله المؤمنين. # فأما قراءة طلحة، فإنما يجوز على تقدير. القلب وإلقاء حركة الهمزة على ~~الياء بعد القلب. # قوله تعالى: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} إلى قوله: {ويأتينا فردا}. # أي: ويزيد الله المؤمنين هدى، لأنهم يؤمنون بكل ما أنزل إليهم من ~~الفرائض، ويصدقون بها، ويعملون بها، فهم في زيادة إيمان وهذا مثل قوله ~~تعالى: {أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا}. . ~~[التوبة: 124] الآية. # وقيل: يزيدهم بإيمانهم بالناسخ والمنسوخ. # وقيل: هو زيادة في اليقين يجعل جزائهم في الدنيا أن يزيدهم في يقينهم ~~هدى. # ثم قال تعالى: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا}. # يعني: الأعمال الصالحات هي خير عند ربك جزاء لأهلها. # {وخير مردا} عليهم من مقامات هؤلاء المشركين في أنديتهم، وافتخارهم بها PageV07P4583 # في الدنيا. وقد تقدم ذكر الباقيات الصالحات، واختلاف العلماء في معناها ~~في " الكهف ". # وقد قيل: " الباقيات الصالحات " الإيمان والأعمال الصالحة وسماها باقية، ~~لأنها تنفع أهلها في الدنيا والآخرة ولا تبطل كأعمال الكفار الذين لا ~~يريدون بها ما عند الله. # وروي " أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم ms1528 فأخذ عودا يابسا فحط ~~ورقه، ثم قال: إن لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله يحططن ~~الخطايا كما تحط ورق الشجر الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك ~~بينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة. فكان أبو الدرداء، إذا ~~ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله حتى إذا رآني ~~الجاهل حسب أني مجنون ". # وإنما سميت هذه الكلمات بالباقيات الصالحات لأنها تبقى لأهلها حتى يردوا ~~عليها في الجنة. PageV07P4584 # وروى أبو هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذوا جنتكم خذوا ~~جنتكم فقالوا: يا رسول الله، أمن عدو قد حضر؟ قال: لا، ولكن من النار. ~~قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين ~~يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات، هن الباقيات الصالحات ". # ثم قال تعالى: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا}. # هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي. # قال خباب: كنت قينا - والقين الحداد - قال: وكان لي على العاص بن وائل ~~دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. قلت: والكله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم ~~تبعث. # قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم. قال: فإنه سكون لي ثم مال وولد، فأقضيك. ~~فأنزل الله جل ثناؤه {أفرأيت الذي كفر بآياتنا. . .} الآيات إلى PageV07P4585 # {. . . فردا}. # وكذلك قال مجاهد: # وقال ابن عباس: كان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون العاص ~~بن وائل السهمي بدين، فأتوا يتقاضونه فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة ~~وذهبا وحريرا ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. # قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل كتابكم ~~الذي جئتم به، فضرب الله تعالى مثله في القرآن في قوله: {أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا}. إلى {فردا}. # ثم قال تعالى: {أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا}. # أي: اعلم هذا القائل الغيب فقال ذلك عن علم/ غيب عنده؟ أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا؟ أي: ms1529 أم آمن بالله ورسوله وعمل بطاعته فكان له بذلك عهد عن ~~الله فؤتيه ما يقوله له في الآخرة؟. # قال قتادة: " عهدا " عملا صالحا قدمه. وقاله: سفيان. PageV07P4586 # وقيل: " العهد " التوحيد: " لا إله إلا الله ". # وقيل: " العهد: الوعد. # وقال عبد الله بن عمر: يقول الله تعالى يوم القيامة: من كان له عندي عهد، ~~فليقم، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلمنا. فقال قولوا: اللهم فاطر ~~السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك عهدا في هذه الحياة ~~الدنيا، إنك إن تكلني إلى عملي تقربني من الشر، وتباعدني من الخير، وإني لا ~~أثق إلا برحتمك، فاجعلها لي عندك عهدا تؤديه إلى ايوم القيامة، إنك لا تخلف ~~الميعاد. # ثم قال تعالى: {كلا سنكتب ما يقول} المعنى: ليس الأمر كما قال أنه يؤتى ~~في القيامة مالا وولدا. # قال أبو محمد ول " كلا " كتاب مفرد في القرآن، قد ألفناه وكتب عنا، ولذلك ~~لم نشبع الكلام فيها ها هنا. PageV07P4587 # ثم قال: {كلا سنكتب ما يقول}. # أي: سنكتب قوله، فنجازيه عليه، فنمد له من العذاب مدا. أي: نزيده زيادة ~~من العذاب على قوله هذا. أي: نطول له العذاب غير ماله من العذاب على كفره. # ثم قال: {ونرثه ما يقول}. # أي: نرث منه ماله وولده يوم القيامة {ويأتينا فردا} أي: وحده لا مال له، ~~ولا ولد. # وقوله: " ونرثه " هو، فعل من فعل يفعل بالكسر فيهما، كما جاء بالضم في ~~الفعلين في مثل: ظرف يظرف. ونظيره: ورم يرم وومق يمق، ووري الزنديري، ووفق ~~بأمره يفق، وورع يرع ووثق، يثق، ومنه وسع يسع ووطيء يطأ. وإنما فتح من أجل ~~حرف الحلق، والدليل على أنه يفعل بالكسر في الأصل، حذف الواو منه في ~~المستقبل. وبعدها فتحة، ولم يعتد بالفتحة، إذ هي غير أصلية، إنما أحدثها PageV07P4588 # حرف الحلق، والكسر هو الأصل، فلذلك حذفت الواو في المستقبل على أصل حذفها ~~في: يزن، ويعد وشبهه. # وقد أتت أربعة أفعال من السالم على يفعل ويفعل باللغتين في المستقبل وهي ~~حسب يحسب، ونعم ينعم، ويبس يبس ويئس ييسأس. ms1530 # وحرف الجر، مقدر محذوف من المفعول الأول في " ونرثه " أي ونرث منه قوله. # وفي حرف ابن مسعود، و " نرثه ما عنده ". # وقال ابن زيد: " ونرثه ما يقول " ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها. # وقيل: معناه: ويبقى عليه الإثم. # قوله تعالى ذكره: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا} إلى قوله: ~~{عند الرحمن عهدا}. # المعنى: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها، لتكون لهم منعة ~~من PageV07P4589 # عذاب الله. # ومعنى: " كلا " أي: ليس الأمر على ذلك، لا تمنعهم من عذاب الله. # ثم قال: {كلا سيكفرون بعبادتهم}. # أي: ستجحد الآلهة يوم القيامة عبادتهم لها. وهو قوله تعالى: {تبرأنآ إليك ~~ما كانوا إيانا يعبدون} [القصص: 63] فتبرؤها منهم هو جحدها لعبادتهم إياها. # ثم قال: {ويكونون عليهم ضدا}. # قال ابن عباس: " ضدا ": أعوانا. يعين على عذابهم. # وقال مجاهد: عونا عليهم، تخاصمهم وتكذيبهم. # قال قتادة: " ضدا " قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من ~~بعض. # وقال الضحاك: " ضدا " أعداء. PageV07P4590 # وقال ابن زيد: معناه: ويكونون عليهم بلاء. # وقيل: معناه أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله [يوم القيامة] تلعهنم ~~وتدعو عليهم، لأنهم عبدوا الملائكة، فهي تلعنهم وتتبرأ منهم. # وقيل: بل هي الأصنام يحييها الله تعالى [لهم] يوم القيامة لتوبخهم ~~وتكذبهم. # " والضد " في كلام العرب " المخالف ". ووحد " ضد لأنه في معن عونا. وعون ~~مصدر، فلذلك لم يجمع. # ثم قال تعالى: {ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا}. # أي: تزعجهم على المعاصي، وتقودهم إليها قيادا، وتغويهم بها. # وقال ابن عباس: تغويهم أغواء. # وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء على المعاصي. ومنه أزيز القدر، وهو صوت ~~غليانها. وهذا يؤكد تحقيق القدر. # ثم قال تعالى: {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا} أي: فلا تعجل يا محمد، ~~على PageV07P4591 # هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، إنما نعد أعمالهم وأنفاسهم ~~لنجازيهم على جميعها ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير نريده بهم، ولكن ليزدادوا ~~إثما. # قال ابن عباس: " إنما نعد لهم عدا " يعني نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد ~~سنيهم وآجالهم. ms1531 # ثم قال تعالى: / {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا}. # التقدير: إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها يوم نحشر المتقين. # فالعامل في " يوم " ما دل عليه الكلام الأول وهو " نجازيهم " يوم كذا. # ومعنى الآية: يوم يجمع الله الذين اتقوا في الدنيا، وخافوا عقابه إلى جاء ~~الرحمن ووعده. # " وفدا هو بمعنى جمع وافد، ونصبه على الحال، ووحد لأنه مصدر، " والوفد ": ~~" الركبان. # قال علي رضي الله عه: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون ~~سوقا، ولكنهم يوتون بنوق، ولم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، أزمتها ~~الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. # وقال أبو هرية: " وفدا " على الإبل. PageV07P4592 # وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: يبعث الله الأنبياء يوم القيامة إذا حشروا، على الدواب، ويبعث صالح ~~نبي الله على ناقته، حتى يوافوا بالمؤمنين من أصحابهم المحشر، ويبعث أبنائي ~~الحسن والحسين على ناقتي العضباء والقصواء وأبعث أنا على البراق، وخطوها ~~عند أقصى طرفها. ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي بالأذان، غضا، ~~حتى إذا بلغ. أشهد أن محمدا رسول الله، شهد بها جميع الخلائق من المؤمنين ~~والكافرين، فيقبل ذلك من المؤمنين، ويرد على غيرهم من أهل الشك والتكذيب ". # وقيل: معنى " وفدا " أي: وافدين على ما تحبون. من كان يحب ركوب الخيل، ~~وفد على الله على خيل لا تروث، ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن ~~الزبرجد الأخضر ومن الدر الأبيض، وسرجها من السندس والاستبرق. من كان يجب ~~الإبل، فعلى نجائب لا تبعر ولا تبول، أزمتها الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ~~السفن، PageV07P4593 # فعلى سفن من زبرجد أخضر، وأمواج مثل ما بين السماء والأرض قد أمنوا الغرق ~~والأهوال. # وروى عمرو بن قيس الملائي أن المؤمن إذاخرج من قبره، استقبله أحسن صورة ~~وأطيبه ريحا. فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله عز وجل قد طيب ~~ريحك، وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ~~ركبتك، فاركبني أنت اليوم، وتلا {يوم نحشر المتقين ms1532 إلى الرحمن وفدا}. # قال قتادة: " وفدا " إلى الجنة. # وقال ابن جريح: على النجائب. # وقال الثوري: على الإبل والنوق. # وفي هذا الخبر إيماء إلى الجزاء والثواب، لأن الوفد هم الواردون على ~~الملوك، المنتظرون العطاء والبر والإكرام منهم. # وروي أن المؤمن يستقبله عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبه PageV07P4594 # ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلا أن الله تبارك ~~وتعالى [قد] طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، هكذا كنت في ~~الدنيا حسن العمل، طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلما اركبني، فيركبه. ~~فذلك قوله تعالى: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} قال: ويستقبل الكافر ~~أو قال الفاجر عند خروجه من قبره أقبح صورة رآها، وأنتنها ريحا فيقول: من ~~أنت؟ فيقول: أما تعرفين؟ فيقول: لا، إلا أن الله تبارك وتعالى قد قبح وجهك، ~~وأنتن ريحك. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه، ~~فطالما ركبتني في الدنيا فهلم أركبك، فيركبه، فذلك قوله تعالى: {وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم} [الأنعام: 31]. # ثم قال تعالى ذكره: {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا}. # أي: عطاشا، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وقتادة والثوري. فيكون ~~تقديره: ذي ورد يقال للواردين الماء ورد ورودا، مصدر وصف به الجمع، فلذلك ~~لم يجمع. # وروى المقدام بن معد يكرب: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحشر ~~المؤمنون يوم القيامة PageV07P4595 # فيحشر السقط إلى الشيخ الفاني أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في مثل خلق آدم، ~~وحسن يوسف وقلب أيوب، مرداء مكحلين، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الكافر فقال: يعظم للنار حتى يصبر غلظ جلده أربعون ذراعا وحتى يصير ناب من ~~أنيابه مثل أحد ". # ثم قال تعالى {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا}. # أي: لا يملك أحد من المجرمين الشفاعة لأحد، لكن من اتخذ عندج الرحمن عهدا ~~بالإيمان، فإنه يملك الشفاعة. # ف " من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. # وقيل: هي في موضع رفع على البدل من الضمير في " يملكون ". فيكون التقدير: ~~لا ms1533 يملك الشفاعة إلا المؤمنون، فإنهم يشفعون. # وقيل: التقدير: لا يملك أحد من المتقين الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن ~~عهدا، أي: من آمن في الدنيا، فلما حذفت اللام، صارت " من " في موضع نصب. # وقال ابن عباس: " العهد " شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من ~~الحلول والقوة، ولا يرجو إلا الله. PageV07P4596 # وقال ابن جريج: " عهد " عمل صالح. # وقال الليث: " العهد " حفظ كتاب الله. # وقال مقاتل: " عهدا صلاة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الشهيد ليشفع في سبعين ~~من أهل بيته ". # وأنه قال: " إن من أمتي رجلا ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم ~~". # وقال صلى الله عليه وسلم: " إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله ~~شيئا ". # فيكون قوله: " لا يملكون ". . ومابعده. في موضع نصب حال من المجرمين، أو ~~من المتقين. # قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا} إلى قوله: PageV07P4597 # {سيجعل لهم الرحمن ودا}. # معناه: وقال هؤلاء الكفار بالله: اتخذ الرحمن ولدا، فقال لهم جل ذكره: ~~{لقد جئتم شيئا إدا}. أي: عظيما. أي: قلتم قولا عظيما. قاله: ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة. # ويقال: أد واد واد على فاعل بمعنى واحد. # ثم قال تعالى: {تكاد السماوات يتفطرن منه}. # أيك يتشققن مما قلتم. # {وتنشق الأرض} أي: تتصدع. # {وتخر الجبال هدا} أي: يسبقط بعضها على بعض سقوطا. # وقال ابن عباس: " هدا " هدم. # والهد الأنقاض. # وقال ابن عباس: إن الشرك فزعت منه السماوات، والأرض، والجبال، وجميع ~~الخلائق، إلا الثقلين، وكدن أن يزلن منه لعظمة الله. وكما لا ينفع مع الشرك ~~إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين مع التوحيد. PageV07P4598 # قال القرظي: لقد كاد عباد الله أن يقيموا علينا الساعة. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا ~~الله. ومن قالها عند موته وجبت له الجنة، قالوا: يا رسول الله، فمن قالها ~~في صحته؟ مقال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده، لو جيء بالسموات ~~والأرض وما ms1534 فيهن وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة ~~أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن ". # قال كعب: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا ما قالوا. # ثم قال تعالى جل ثناؤه: {أن دعوا للرحمن ولدا}. أي: من أجل أهم جعلوا له ~~ولدا. # قال أبو ذؤيب: " دعوا " بمعنى " جعلوا. # ثم قال تعالى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا}. أي ما يصلح له أن يتخذ ~~ولدا، لأن كل ولد يشبه أباه، والله لا يشبهه شيء. # ثم قال: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}. # أي: إلا هو عبد الكله، خاضعا، ذليلا. PageV07P4599 # وهذه الآية تدل على أن الرجل لا يملك، ولده، فإذا صار إليه بشراء أو إرث ~~أو هدية عتق عليه، إن شاء أو أبى. # ومعنى: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} أن الرحمن لا شبيه له، والولد ~~يشبه والده ومن جنسه يكون. فلو كان له ولد لأشبهه، ولكان من جنسه، وهو لا ~~شبيه له وإلا مثل، فهذا أمر لا يتمكن، ولا ينبغي أن يكمون، فهو مستحيل ~~ممتنع سبحانه لا إله إلا هو. # ثم قال: {لقد أحصاهم وعدهم عدا}. # أي: علمهم، وعدهم أجمعين، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم {وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا}. أي: جميع الخلائق يعرضون على الله يوم القيامة منفردين، لا ~~ناصر لأحد منهم، فيقضي الله فيهم ما هو قاض. # ثم قال تعالى ذكره: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ~~ودا}. # أي: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم، وانتهوا عما نهاهم، ~~سيجعل لهم/ الرحمن في الدنيا في صدور عباده المؤمنين محبة، قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين، وكذا قال ابن جبير عن ابن عباس. PageV07P4600 # وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل بقلبه إلى الله عز وجل، إلا أقبل الله ~~تعالى بقلوب المؤمنين إليه حتى يزرقه مودتهم ومحبتهم. # وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: " ما من الناس أحد يبذل خيرا أو ~~شرا، إلا كساه الله ms1535 رداء عمله. # ويروى أن هذه الآية نزلت في عبد الحرمن بن عوف، وذلك أنه لما هاجر إلى ~~المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، فأنزل الله جل وعز، الآية ~~يعزيه بها ويخبره أنه سيحدث له في قلوب المؤمنين الذين هاجر إليهم محبة. # وقيل: إن الله تعالى جعل [له] في قلوب المؤمنين محبة، فلا ترى مؤمنا إلا ~~يحبه. PageV07P4601 # قوله تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك} إلى آخر السورة. # فإنما سلهنا يا محمد، هذا القرآن بلسانك، وبلغتتك لتبشر به من آمن وتنذر ~~من كفر من قومك. # ومعنى: {قوما لدا} أي: أشداء في الخصومة، لا يقبلون الحق. # قال ابن عباس: " قوما لدا " أي: ظلمة. # وقال أبو صالح: لدا: عوجا ع الحق. # وقال مجاهد: اللد ": الظالم الذي لا يستقيم. # وقال قتادة: " لدا " جدلا بالباطل. # وقال حسن: " لدا " صما ". # وقال أبو عبيدة: " اللد " الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل. # وعن مجاهد: " قوما لدا " فجارا. # ثم قال تعالى: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن}. أي: وكثير من القرون أهلكنا ~~قبل هؤلاء المشركين، بلسوكهمه مسلك قومك في الكفر والخصومة في الدين. # {تحس منهم من أحد}. PageV07P4602 # أي: هل ترى منهم من أحد أو تعاينه {أو تسمع لهم ركزا}. أي: صوتا. بل ~~بادوا وهلكوا، ولقوا ما عملوا، وكذلك، قومك يا محمد صائرون إلى ما صار إليه ~~أولئك، إن ماتوا على ما هم عليه من الكفر، يقال: أحسست فلانا: أبصرته، ~~وحسسته أحسه قتلته. # قال قتادة: معناه: هل ترى عينا أو تسمع صوتا. # والركز في كلام العرب الصوت الخفي. PageV07P4603 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة طه (مكية) # قوله تعالى ذكره: {طه * مآ أنزلنا} إلى قوله: {وما تحت الثرى}. # قد قدمت علة الإمالة في هذه الحروف في أول " مريم ". # وأتى أول هذه السورة على غير ترتيب أوائل السور، لأن جميع أوائل السور ~~يحتمل أن يكون ما بعدها خبرا لها، ولا يجوز أن يكون ما بعد " طه " خبرا ~~لها، لأنه نفي، فلذلك تأولوه بمعنى " يا رجل " و " يا إنسان ". # وقيل: هو أمر من وطيء. # وروي عن ms1536 بعضهم أنه قرأ " طه " بإسكان الهاء. وهي قراءة مروية عن الحسن ~~وعكرمة، وفيها تقديران أحدهما أنه أراد الأمر من وطيء. أي: طأ الأرض. ولكن ~~أبدل من الهزة هاء، كما قالوا: إياك وهياك. # وقيل: إنه إبدل من الهمزة ألفا، ثم حذف الألف لدلالة الفتح عليها، وأتى ~~بهاء للسكت. PageV07P4605 # وقيل: الهاء هاء الكناية عن المكان. أي: طأ يا محمد المكان الذي تصلي فيه ~~برجليك، ولا تقف على رجل واحدة، فتتعب. ودل على هذا المعنى قوله: {مآ ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى} فأسكنت هاء الكناية على نية الوقف، أو على ~~التشبيه بهاء السكت. # وقد قيل: إن الهاء في قراءة الجماعة تعود على الأرض، أي: طأ الأرض يا ~~محمد برجليك في صلاتك، والألف في طأ بدل من همزة ساكنة. # ومن قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان الهاء فهو أمر بالوطء لكنه أبدل من ~~الهمزة ألفا قبل الأمر، ثم حذف الألف للأمر، والهاء تعود على المكان على ما ~~ذكرنا، أو هي هاء سكت كما ذكرنا، أو هي بدل من همزة ساكنة على ما قدمنا، ~~فهذه ثلاثة أقوال في الهاء في قراءة من قرأ " طه " بحذف الألف، وإسكان ~~الهاء، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لي عند ربي جل وعز ~~عشرة أسماء " " فذكر أن منها " طه " و " يس " إسمان له. PageV07P4606 # قال ابن عباس: " طه " بالنبطية: يا رجل. وهو قول الضحاك. # وقال أبو صالح: هي بالنبطية أيطأ. # وقال ابن جبير: طه بالسريانية: يا رجل. وهو قول قتادة. # وقال عكرمة: " طه " بالنبطية: يا إنسان. # وعن ابن عباس: أنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم [الله به]. # وهذه الآية نزلت فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصعنه من السهر ~~والتعب والقيام بالليل. # قال الضحاك: كانوا يقومون حتى تتشقق، أقدامهم، فقال المشركون: ما نزل هذا ~~القرآن إلا للشقاء، فأنزل الله تعالى ذكره: {مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى} ~~{إلا تذكرة لمن يخشى}. PageV07P4607 # أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعب في صلاته، ms1537 ويقف على رجل واحدة، ~~فأنزل الله: {مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى}. # قال مجاهد: هذا في الصلاة. قال: هي مثل قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر ~~منه} [المزمل: 20]. # قال قتادة: " أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ~~ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه. # ونصب تذكرة على البدل من " لتشقى ". # وقيل: هي مفعول من أجله. # وقيل " نصبها على المصدر. # وقال الكوفيون: هي تكرير. # وقيل: من حروف الهجاء. # وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك. PageV07P4608 # وقال الطبري: " طه " يا رجل، لغة معروفة في عك. قال الشاعر: # هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا # وقال آخر: # إن السفاهة طه من خلائقكم ... لا بارك الله في القوم الملاعين # والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك. ولا ~~يوقف على " طه " على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده. ومن جعلها ~~افتتاحا وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم. # ثم ابتدأ فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {مآ أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى} وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسما، لأن القسم يحتاج إلى ~~جواب، وجوابه: {مآ أنزلنا}. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " طا " ويبتدئ ها. وليس عليه عمل عند أهل النقل ~~من المقرئين. # وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى. PageV07P4609 # ثم قال تعالى: {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى}. # أي: نزلناه تنزيلا من الله الذي خلق الأرض والسموات العلى. " والعلى " ~~جمع " عليا ": كالفضلى. والفضل. # ثم قال: {الرحمن على العرش استوى}. # أي: على عرشه، ارتفع وعلا. # قال أبو عبيدة: استوى: " علا. # وقال القتبي: استقر. # وقيل: معناها: استولى. # وأحسن الأقوال في هذه " علا " والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: ~~إن الله جل ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل م كان بعلمه، وله ~~تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره. وكذلك ذكر شيخنا أبو ~~محمد بن أبي زيد ms1538 رحمه الله. PageV07P4610 # وقد سأل رجل مالكا عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ ~~رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، ~~والإيما به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالا. أخرجوه، فأخرج، ~~فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه ~~المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد ~~أحدا وفق لما وفقت له. # وروي أن خباب بن الأرت قرأ " طه " على عمر بن الخطاب إلى قوله: " فتردى " ~~فأسلم عمر عند ذلك. # و" العلى " تمام إن رفعت " الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن ~~جهلته بدلا من الضمير في " خلق " لم تقف عليه. # و" أستوى " تمام إن جعلت " الرحمن " بدلا من الضمير في " خلق " أو على ~~إضمار مبتدأ، فإن جعلت " له ما في السموات " في موضع خبر الرحمن، لم تقف ~~على استوى. # ثم قال: {له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما}. # أي: هو يملك ذلك كله ويدبره/. PageV07P4611 # وقوله: {وما تحت الثرى}: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت ~~الأرضين السبع. # وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين. # وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي ~~الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: {فتكن في صخرة أو في السماوات} ~~[لقمان: 16] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى ~~إلا الله. # وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين ~~كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، ~~وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها. قال: وجهنم على متن الريح ~~ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على ~~الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلك ما تحت الثرى إلا الله. # وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء ms1539 على ~~الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا ~~الله. PageV07P4612 # وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض. قيل فما ~~تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين. قيل: له: لما تحت الأرض السابعة. ~~قال: ماء. قيل فما حت الماء. قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على ~~منكب ملك. قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه ~~بالعرش. قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم. # وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي ~~على ظهره الأرض كلها. قال: فألقى في قلبه. فقال: هل تدري ما على ظهرك يا ~~لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك ~~كلهم. قال: فهم لوبيا يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى ~~دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت. قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي ~~بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن هم بشيء من ذلك عادت حيث ~~كانت. # وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها PageV07P4613 # مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين ~~السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة ~~خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرش. # وعن ابن عباس: أيضا أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه ~~مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب. # قوله تعالى: {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى}. # أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، ~~وأخفى منه. # قال الحسن ومجاهد وعكرمة: " السر ": ما أسررته إلى غيرك، " وأخفى " ما ~~حدثت به نفسك. # وقال الضحاك: " السر " ما حدثت به نفسك، و " أخفى " ما ms1540 لم تفعله وأنت ~~فاعله "، وكذلك، روي عن ابن عباس. # قال ابن عباس: و " أخفى " ما تعمل غدا. PageV07P4614 # وقال ابن جبير: " السر ": ما أسره الإنسان في نفسه، " وأخفى ": ما لم ~~يعلم الإنسان مما هو كائن. # وقيل: معنى: " وآخفى ": ما ليس في نفس الإنسان. وسيكومن ذلك في نفسه، فهو ~~لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن تجري. # وقال ابن زيد: " يعلم السر " أسرار العباد وأخفى سره. وقاله أبوه زيد بن ~~أسلم. أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جل وعز، وهذا اختيار ~~النحاس. وأنكر هذا القول الطبري. # وقوله: {يعلم السر وأخفى}، أتى على غير ظاهر، جواب قوله: " وإن تجهر ~~بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر ~~وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم ~~السر وأخفى من السر. # ثم قال: {الله لا إله إلا هو له الأسمآء الحسنى}. # من جعل الله بدلا من الضمير في " يعلم " لم يقف على " أخفى "، ومن جعله ~~مبتدأ، وقف على أخفى. PageV07P4615 # أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو {له الأسمآء الحسنى} /. ~~هي تسعة وتسعون أسما على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ألفاضها ~~اختلاف. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لله تسعة وتسعون اسما: مائة إلا واحدة ~~من أحصاها دخل الجنة " أي: من حفظها. # وقيل: من آمن بها. # وقيل: من قالها معتقدا لصحتها. # ثم قال تعالى ذكره {وهل أتاك حديث موسى} {إذ رأى نارا}. # معناه: أن الله يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما مضى من أخبار الأنبياء ~~عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش. # ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلا، فلما رأى ضوء النار، ~~قال لأهله: امثكوا لعلي أتكيم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس ~~توقدونه في هذا البرد. # قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق. ms1541 # قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل. # خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهارا، وإذا ~~أمسى اقتدح نارا فبات عليها وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ ~~على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله PageV07P4616 # جل وعز بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح نارا لأهله ~~ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار ~~فرآها. {فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا}، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها. . ~~. الآية. .. # وقيل: معنى: " آنست " علمت ووجدت. # و" القبس " النار في طرف العود أو قصبة. # {أو أجد على النار هدى}. # أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: " هدى " أي: هاديا يهدي إلى الطريق. # وقال وهب: " أو أجد على النار هدى " أي: علما من أعلام الطريق يدلني ~~عليه. # قوله تعالى ذكره: {فلمآ أتاها نودي ياموسى * إني أنا ربك} إلى قوله: {بما ~~تسعى}. # أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك. # قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض PageV07P4617 # أهل الكتاب يقول في عوسجه] فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، ~~رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما ~~سمع الصوت، استأنس فقال له الله {فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى} ~~فخلعهما وألقاهما. # قال كعب: " كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه ~~القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة. # وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كانت على موسى يوم ~~كلمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي ". # وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه ~~بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول ~~اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما من ~~جلد ms1542 حمار غير ذكي. # وقوله: {إنك بالواد المقدس طوى}. # أي: المطهر. PageV07P4618 # وقال ابن عباس: " المقدس ": المبارك. # وقال مجاهد: {المقدس طوى}: بورك فيه مرتين. # ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب ~~ريد مصر أخطأ الطريق، وكان صلى الله عليه وسلم رجلا غيورا، فكان يصحب الناس ~~بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله ~~من أمره. فرأى نارا. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت نارا لعلي آتيكم منها ~~بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، ~~فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجبا من ضوء تلك النار ~~وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغير خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء ~~الشجرة يغير حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ~~ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت. # وقال ابن عباس/: في معنى " طوى " أن موسى طواه الليل إذا مر به فارتفع ~~إلى PageV07P4619 # أعلى الوادي. # فيكون على هذا مصدرا عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى ~~بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك. # وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أين طهره وهو قول الحسن. # وقال مجاهد وابن أبي نجيج: " طوى " اسم الوادي. # وروي ذلك أيضا عن ابن عباس. وقاله ابن زيد. # وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. ~~فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي. # وقال ابن جبير: معنه: طأ الأرض حافيا كما تدخل الكعبة حافيا. وكذلك روي ~~أيضا عن مجاهد. # ومن فتح الهمزة في " إني أنا " فعلى تقدير: " نودي بأني ". ومن كسرها ~~فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت " إن بعده، فكسرت. PageV07P4620 # وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها. # معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل. # ومن صرف " طوى " جعله اسما للوادي مذكرا، فصرفه، وجعله مصدرا. # والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن ms1543 لم يصرفه ~~جعله اسما للبقعة. # وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه ~~إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلقة ~~صرفه قلة حروفه وخفته. # ثم قال تعالى ذكره: {وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى}. # أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وعه بقلبك، واعمل به. # {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني}. # أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني. # {وأقم الصلاة لذكري}، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: ~~أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد. # وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها. PageV07P4621 # ورو ى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من نسي صلاة فليصلها ~~إذا ذكرها "، قال الله عز وجل: { وأقم الصلاة لذكري} وزاد فيه قتادة " لا ~~كفارة لها إلا ذلك ". # وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرها بالمدح. # وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني. # وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها. # وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: {وأقم الصلاة لذكري} ~~بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها. # وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: " لذكرا " أبدلوا من الياء ألفا. كما PageV07P4622 # يقال: يا غلاما. # ثم قال تعالى ذكره: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها}. أي: إن القيامة جائية ~~أكاد أسترها. # وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري. # وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك. # وقرأ ابن جبير بفتح همزة " أخفيها ". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى ~~أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباس المختفي، ~~لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. ~~وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - ~~والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب ما ما تعرف، وتستعمل فيما ~~بينها من المخاطبات. # وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر على إخفاء شيء هو له مسر، قال: ms1544 ~~كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون. # وقيل: إن: " كاد " بمعنى أريد. وذلك معروف اللغة. فيكون المعنى أريد ~~أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى. # وقيل: إن تمام الكلام " أكاد " أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال ~~أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. PageV07P4623 # وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال ومنه قوله تعالى: {لم يكد يراها} ~~[النور: 40] وإنما هو لم يرها. # وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قبلي ومن ~~عندي. # وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب ~~بها الأمم فقال: " أكاد أخفيها " أي: أكاد لا أجعل لها دليلا، فتأتي بغتة. ~~فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من ~~قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت ~~أخفيه " كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى " أكاد أخفيها " ~~أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها. # واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد " تم الكلام أي: " ~~أكاد آتي بها. ودل " آتية " على " آتي بها ". ثم قال " أخفيها " على ~~الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها. # وقوله: {لتجزى كل نفس بما تسعى} اللام متعلقة ب " آتية ". PageV07P4624 # وقيل: ب {وأقم الصلاة لذكري}. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من ~~خير وشر. # و" السعي " العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على " أخفيها ". ويبتدئ بلام ~~{لتجزى} بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر. # قوله تعالى ذكره: {فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها} إلى قوله: {سيرتها ~~الأولى}. # أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها. أي: من لا يؤمن بالبعث. ~~{واتبع هواه} أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله. # {فتردى} أي: فتهلك إن فعلت ذلك. # وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، ~~وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع. # ثم قال ms1545 تعالى: {وما تلك بيمينك ياموسى}. # " ما " لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير ~~لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه. فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، ~~لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن تقول: كذا كانت. PageV07P4625 # وقال الزجاج: " تلك هنا موصولة بمعنى التي. أي: وما التي بيمينك. # وقال الفراء: " تلك " بمعنى هذه. يوصلان كما يوصل الذي. # وقوله: {قال هي عصاي أتوكأ عليها}. # أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي. # {وأهش بها على غنمي}. # أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم. فالمعنى: وأهش بها الورق. ~~يقال: هش الشجر. إذا خبطه بالعصا. قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد. # ثم قال تعالى: {ولي فيها مآرب أخرى}. # أي: ولي في عصاي حاجات أخرى. والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة وماربة. بضم ~~الراء وفتحها وكسرها. وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا. أي: لا حاجة لي فيه. # وقال: " أخرى " ولم يقل " أخر ". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك. PageV07P4626 # قال السدي: " حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء. # ثم قال تعالى: {قال ألقها ياموسى}. # أي: ألق عصاك. {فألقاها فإذا هي حية تسعى}. # قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعة، ولم تكن قبل ذلك حية. قال فمرت ~~بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها ~~فولى مدبرا. فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها. ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم ~~نودي ثالثة {خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى}. أي: هيئتها الأولى، عصا ~~كما كانت، فأخذها. # وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولى ~~مدبرا ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون. # وقيل: إنما أراد الله جل ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع ~~منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبرا منها كما فعل عند الشجرة. # وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعا بذراع موسى. PageV07P4627 # ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من ms1546 وسط الورقة الخط الثاني في ~~وسط ورقة الآس " والآس " الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط لثاني في ~~وسط الورقة المستطيل/، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه ~~[منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعا. # ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض ~~عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا ~~في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟ وكان للعصا ~~شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها. # قوله تعالى: {واضمم يدك إلى جناحك} إلى قوله: {إنك كنت بنا بصيرا}. # المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك. # وقال مجاهد: " إلى جناحك " كفه في عضده. # يقال الآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح. # وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها ~~بيضاء لها شعاع ونور. PageV07P4628 # وقال أبو عبيدة: " إلى جناحك " إلى ناحية جنبك. والجناحان الناحيتان. # وقيل: " إلى جناحك " إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نورا ساطعا تضيء بالليل ~~كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا. أي: علامة على قدرة الله ~~وصحة نبوته. # ومعنى: {من غير سواء} من غير برص. # وقال مجاهد: كان موسى رجلا آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من ~~غير سور أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه. # وقوله: {آية أخرى} أي: دلالة أخرى على العصا. # وقوله: " بيضاء " نصب على الحال. " وآية " بدل من بيضاء عند الأخفش. # وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره " آتيناك آية أخرى ". # وقيل: " آية " حال أيضا، لأنه بمعنى مبينة. # ثم قال تعالى: {لنريك من آياتنا الكبرى}. # أي: لنريك من آياتنا العجائب. ثم قال: {اذهب إلى فرعون إنه طغى}. PageV07P4629 # أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه. وفي الكلام حذف. والتقدير: اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسل بني إسرائيل معك. # وقوله: {قال رب ms1547 اشرح لي صدري * ويسر لي أمري}. أي: أفسح لي صدري لأعي عنك ~~ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون. # {ويسر لي أمري}. # أي: سهل علي القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة. # {واحلل عقدة من لساني}. # أي: واطلق لساني للمنطق. # قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى ~~فيه يوم هم فرعون بقتله. # قال ابن جبير: " عقدة من لساني " عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر ~~امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل. ~~فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل. وكذلك قال مجاهد. # وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى صلى الله عليه وسلم - أرته أمه ~~آسية. فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه. فلما أخذه، ~~أخذ موسى بلحيته PageV07P4630 # فنتفها. فقال فرعون: علي الذباحين. فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا. إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ~~ليس في أهل مصر أحلى مني. # أنا أضع له حليا من الياقوت وأضع له جمرا. فإن أخذ الياقوت فهو يعقل ~~فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي فأخرجت له ياقوتا ووضعت له طستا من ~~جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يجه جمرة، فطرحها موسى صلى الله عليه ~~وسلم في فيه فأحرقت لسانه. فهو الذي يقول الله {واحلل عقدة من لساني * ~~يفقهوا قولي} أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك. ففعل الله به ما ~~سأل. # وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة ~~قول فرعون {أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} [الزخرف: 52] ~~وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ~~ذلك. والله أعلم. # وقوله تعالى: {قال قد أوتيت سؤلك ياموسى} [طه: 36]. # يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، ms1548 وأعطاه كل ما سأل. # ثم قالت تعالى: {واجعل لي وزيرا من أهلي} {هارون أخي} /. PageV07P4631 # وكان هاون أكبر من موسى. # والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور. مشتق من الوزر، وهو الملجأ. والجبل ~~وزر. # وقيل: " الوزير " الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته. فيكون مشتقاص من ~~الوزار، وهي الأمتعة، ومن قوله: {ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم} أي: ~~آنية الفضة والذهب. # وقيل: " الوزير ": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ~~{واجعل لي وزيرا} أي: صاحبا ألجأ إليه وأعتمد عليه. # وقوله: {اشدد به أزري}. # أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار. # وقوله: {وأشركه في أمري}. # أي: اجعله نبيا مثلي، وارسله إلى فرعون معي. هذا على قراءة من جعله كله ~~طلبا بفتح همزة " وأشركه "، فأما من جعله جوابا للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: ~~أن يجعل لي وزيرا أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري. # ثم قال: {كي نسبحك كثيرا}: نعظمك بالتسبيح. {ونذكرك كثيرا}، فنحمدك. {إنك ~~كنت بنا بصيرا} أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء. # وقيل: المعنى: إنك كنت عالما بما يصلحنا. PageV07P4632 # وروى زيد بن أسلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم موسى قال: " يا رب، قد ~~أنعمت علي كثيرا، فدلني على أن أشكرك. قال: اذكرني كثيرا فإنك إذا ذكرتني ~~فقد شكرتني. وإذا نسيتني فقد كفرتني. قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيه. ~~قال: اذكرني كثيرا. قال: فكان موسى عليه السلام إذا ادخل الغائط، قال: ~~سبحانك ربي كما توقني الأذى " من رواية ابن وهب. # قوله تعالى وجل ثناؤه: {قال قد أوتيت سؤلك ياموسى} إلى قوله: {وفتناك ~~فتونا}. # أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، ~~وتصيير أخيك هارون عونا لك. # ثم قال تعالى: {ولقد مننا عليك مرة أخرى}. # أي: تطولنا عليكم قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بين المرة الأخرى ما هي ~~فقال: {إذ أوحينآ إلى أمك} أي: إذا ألهمنا أمك. # وقيل: كانت رؤيا رأتها. # وقيل: بل أوحى إليها ما ms1549 شاء. PageV07P4633 # وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى صلى الله عليه وسلم، أرضعته حتى ~~إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمره الله ~~تبارك وتعالى. # روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياي. وكان فرعون يذبح ذكور ~~أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد ~~من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما ~~أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى ~~النبيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير ~~النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مر النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت ~~مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني ~~به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، ~~فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: {أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه PageV07P4634 # اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له}. يعني فرعون. # ثم قال تعالى: {وألقيت عليك محبة مني}. أي: حببتك إلى عبادي. # وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسنا وملاحة. وقيل: معناه: ~~حببتك إلى [كل] من رآك. # وقيل: إن الله جل ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد ~~إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه. # وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: {وألقيت عليك محبة مني}. قال: ملاحة ~~في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك. # وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة. # وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصا لك. # وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين. # ثم قال: {ولتصنع على عيني} أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة. PageV07P4635 # وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم ~~غذاء الملك. # وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في ms1550 البحر ثم ~~إذ تمشي أختك. # و" اللام " في " ولتصنع " متعلقة ب " ألقيت " أي: ألقى المحبة لتصنع. # ثم قال: / {إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله}. # أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك. # وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب ~~المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ # قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل ~~فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحدا من النساء، وجعل النساء يطلبن ~~ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على ~~أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحونن. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا ~~الغلام، PageV07P4636 # فدلينا على أهله. # قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: للملك ناصحون. # ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه. # وروي أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له ~~النساء، فلم يقبل أحدا، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى ~~كل مرضعة، ولم يقبل أحدا، عند ذلك، جاءت أخت موسى صلى الله عليه وسلم، ~~فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ~~ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد ~~الله لها، وقوله لها: {إنا رآدوه إليك} وهو قوله: {فرجعناك إلى أمك كي تقر ~~عينها} أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقر عينها، أي: ~~تقر عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن ~~يقتلك. # قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه ~~فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ~~ثدييها، فسروا بذلك، وردوه إلى أمه تكفله، لطفا من الله لها، وصار موسى ~~وأمه كأنهم من PageV07P4637 # أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره ~~متغذيا بما يتغذى به الملك. وهذا من ms1551 بديع لطفه، لا إله إلا هو. # ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقر) بكسر القاف، وهي لغة. # ثم قال: {وقتلت نفسا فنجيناك من الغم}. # يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: {فنجيناك من الغم} أي: من ~~غمك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل ~~مدين. # روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما قتل موسى الذي قتل ~~من آل فرعون خطأ ". # ثم قال: {وفتناك فتونا} قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختبارا. وعنه ~~ابتليناك ابتلاء. # وعن ابن عباس أيضا: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين ~~أخذ بلحيه فرعون، ومن قتل حين قتل القبطي. # وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثا طويلا في قصة موسى عليه السلام معناه: ~~أن PageV07P4638 # فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء ~~وملوكا، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، ~~فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو ~~إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة ~~التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاما ويتركوا ~~عاما لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة ~~التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، ~~وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما ~~دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألا تخافي ولا تحزني ~~إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ~~ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ~~ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى ~~حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل ~~فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في ms1552 التابوت مال ~~فلا يصدقن عليه/، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا ~~بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم ~~موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذابحون إلى امرأة فرعون ~~ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. ~~وذلك PageV07P4639 # من الفتون. # وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال ~~فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " والذي حلف به، لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت ~~هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك ". # وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين ~~يوما إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن ~~التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ~~ففتحته، فوجدت فيه صبيا لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، ~~فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك ~~فنعم، وأما لي، فلا. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن ". # فقالت: له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ~~ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا. PageV07P4640 # قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم ~~يقبل على ثدي أحد فغمها ذلك حتى أخرجته إلى السوق ت طلب له مرضعة، فأتت ~~أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها ~~وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك. # قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ~~القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، ms1553 فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما ~~وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة ~~فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: ~~امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإن لم أحب حبه شيئا قط، فأبت أم موسى وتعاسرت ~~عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز ~~وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتا حسنا، فكان بنو ~~إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون ~~لأم PageV07P4641 # موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون ~~لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما ~~أتت به أمه، لم تزيل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه ~~إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضا ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن ~~أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في ~~حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا ~~من وعد الله إبراهيم أنه يصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من ~~الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أن ~~يصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بين وبينك أمرا تعرف به الحق. ائت بجمرتين ~~ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن ~~تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول ~~الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به ~~بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية/ من ~~المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، ~~فاستغاثه الإسرائيل على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني PageV07P4642 # الإسرائيلي، فضعب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم ~~الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ~~صلى الله عليه ms1554 وسلم حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، ~~فغفر له. # وأصبح موسى خائفا يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا ~~أحدا يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا آخر فرعونيا، فاستغاثه ~~أيضا الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ~~ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. ~~فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى ~~قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من ~~شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن ~~عباس: وذلك من الفتون. # وقال الضحاك: {وفتناك فتونا}: أي بلاء على بلاء. # وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم ~~خروجه خائفا. # قوله تعالى ذكره: {فلبثت سنين في أهل مدين} إلى قوله: {يتذكر أو يخشى}. PageV07P4643 # في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتونا، فخرجت خائفا إلى مدين، ~~فلبثت سنين فيهم. # قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته. # وقوله: {ثم جئت على قدر ياموسى}. # أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وغيرهم. # ثم قال: {واصطنعتك لنفسي}. # أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي. # وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي. # ثم قال: {اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري}. # أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ~~ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما. # قال ابن عباس: " لاتنيا ": لا تبطئا. # وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا. PageV07P4644 # وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط. # ثم قال: {اذهبآ إلى فرعون إنه طغى}. # أي: تجاوز في الكفر. {فقولا له قولا لينا}. أي: كنياه. قاله مجاهد ~~والسدي. # وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك ~~شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وأذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو ~~القول اللين. ms1555 فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان. # وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي ~~لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أتعبد بعدما كنت تعبد، أنا أردك شابا. ~~فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت ~~له: حسن إن لم ينصل. # وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده ~~وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من ~~نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ~~ونضارتها جناح بعوضة. # فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن PageV07P4645 # كنت ملكا تصير مملوكا. وبعد أن كنت ربا تصير مربوبا. فلم يؤمن لما سبق له ~~في علم الله من الشقاء. # وقوله: {لعله يتذكر أو يخشى}. قيل: معنى " لعل " هنا الاستفهام. والمعنى: ~~فقولا له قولا لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن ~~طغيانه. قاله: ابن عباس. # وقيل: معنى: " لعل " هنا: كي. أي قولا له قولا لينا كي يتذكر. كما تقول: ~~اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك. # وقال الحسن: " لعله يتذكر " هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه ~~تعالى لما قال له: قولا له قولا لينا. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو ~~يخشى. # وقيل: إن " لعل " على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: ~~اذهبا أنتما على رجائكما/ وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم ~~الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإنابة وخروج ~~الفعل إلى الظاهر. # وقيل: إن " لعل " و " عسى " في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون PageV07P4646 # وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق. # قوله تعالى: {قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ}. إلى قوله: {خلقه ثم ~~هدى}. # أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما ~~أمرتنا ms1556 به أن يفرط علينا بالعقوبة. أي يعجل علينا ويقدم علينا. وأصله من ~~التقدم. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم " أنا فرطكم على الحوض ". # ثم قال تعالى: {قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى}. أي: إنني أعينكما ~~عليه وأبصركما. أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما ~~تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه. # قال ابن جريج: " أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه. ثم قال: ~~{فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل}. # أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معناه بني إسرائيل، ولا تعذيبهم بما ~~تكلفهم من الأعمال الصعبة. # {قد جئناك بآية من ربك}. # أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول PageV07P4647 # أريناكها {والسلام على من اتبع الهدى}. أي: والسلامة لمن ابتع الهدى. # وليس السلام هنا تحية. # ثم قال: {إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى}. # هذا متصل بما قبله. أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد ~~أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع ~~له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته. # ثم قال تعالى: {فمن ربكما ياموسى}. # هذا كلام فيه حذف واختصار. والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ~~ربهما. فقال لهما فرعون: {فمن ربكما ياموسى} اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه ~~من آخر الكلام. وقد خاطبهما جمعيا قبل ذلك في قوله: " ربكما " وإنما جاز ~~ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فرد الخطاب إلى واحد مثله. وقريب منه " ~~نسيا حوتهما " ولم ينسه إلا فتى موسى وحده. دل على ذلك قوله: {فإني نسيت ~~الحوت}. # ثم قال تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}. أي: قال موسى: ~~ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه. أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث. ثم هداهم ~~لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق. فهدى كل حي كيف يأتي الوطء PageV07P4648 # فيكون التقدير: أعطى كل شيء ms1557 مثل خلقه. ثم حذف المضاف. # قال ابن عباس. معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطمعه ومشربه ~~ومسكونه ومولده. وكذلك قال السدي. # وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه. # القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى/ بعلمها فقال: علمها عند ربي. ثم ~~قال: {في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} أي علمها في أم الكتاب و {لا يضل ربي ~~ولا ينسى}. # نعتان لكتاب. أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذهب عن الله وغير ناس ~~الله له. # وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: " في كتاب " ثم ابتدأ فقال: " لا يضل ~~ربي " أي: لا يهلك. # وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئا. # وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئا. # وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئا. # وقال قتادة: قوله: {قال فما بال القرون الأولى} أي فما أعمار القرون ~~الأولى. فوكلها PageV07P4649 # موسى إلى الله فقال: {علمها عند ربي}. # وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: {لا يضل} بضم الياء وكسر الضاد. ~~أي: لا يضيعه. قال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه. وكذلك يقال في كل شيء ~~ثابت، لا يبرح فيخطئه. فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ~~ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله. # ثم قال تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهدا}. # أي: فراشا يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة. # ومن قرأ " مهدا " فهو: مصدر وصفت الأرض به. أي: ذات مهد. # وقيل: " مهدا " اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد ~~الذي يعرف. # وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش. # ثم قال تعالى: {وسلك لكم فيها سبلا} أي: طرقا. # ثم قال: {وأنزل من السمآء مآء} أي: مطرا. PageV07P4650 # {فأخرجنا به أزواجا} خرج إلى الإخبار عن الله جل ذكره، لأن كلام موسى مع ~~فرعون انتهى إلى قوله: " السماء ماء. ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل ~~صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم ms1558 فقال: " فأخرجنا به ". # وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة ~~في الحرث. فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل. والمعالجة في الحرث غيره ~~لبني آدم بعون الله لهم وأقادره إياهم على ذلك. فلذلك أخبر عن نفسه فقال: ~~فأخرجنا به أزواجا. وقد قال تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون} [الواقعة: 63] ~~فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو. أي: أخرجنا ~~بالمطر من الأرض أشابها وضروبا من نبات شتى. " وتشى ": نعت للنبات أو ~~للأزواج. ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر. # قوله تعالى: {كلوا وارعوا أنعامكم} إلى قوله: {وأن يحشر الناس ضحى}. # أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه. {إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى} أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول. أي: ~~لأصحاب العقول. # قال قتادة: " لأولي النهي " لأولي الورع. PageV07P4651 # " والنهي " جمع نهية. يقال: فلان ذو نهية. أي ذو عقل. وخص أهل النهى ~~بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاظ. # ثم قال تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم}. # أي: من الأرض خلقنا أصلكم. وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن ~~الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم " تارة أخرى " أي: مرة ~~أخرى. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به ~~إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان. فيقول الله عز وجل: " رد بها. أي: قد ~~وعدته {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}. قال: فإنه ~~ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين). # ثم قال تعالى: {ولقد أريناه آياتنا كلها} أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا ~~الي أعطينا موسى وهارون كلها عيانا فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكبارا وعتوا. # ثم قال: {قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى} أي: قال فرعون لموسى ~~لما رأى الآيات: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى * فلنأتينك بسحر ~~مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى} أي: مكانا ~~عدلا نصفا لنا/ ولك، ms1559 قاله قتادة. # وقال مجاهد: " مكانا منصفا بينهم ". PageV07P4652 # وقال ابن زيد: مكانا مستويا يتبين للناس ما فيه لا صيب ولا نشز، فيغيب ~~بعض ذلك عن بعض. # وقيل: معناه: مكانا سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا ~~المعنى كسر السين. وعلى المعاني المتقدمة الضم. والكسر في السين لغتان ~~بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: {إلى كلمة ~~سوآء بيننا} [آل عمران: 64 أي: عدل. # ثم قال تعالى: {قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى}. # أي: ال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة. يعني ~~يوم اعيد كان لهم. # وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه. PageV07P4653 # {وأن يحشر الناس ضحى} أي: يساق الناس ويجمعنن من كل فج وناحية. والتقدير: ~~وقت موعدكم يوم الزينة. # وقد قرأ الحسن " يوم " بالنصب على الظرف على غير حذف. أي: موعدكم في هذا ~~اليوم. أي: موعدكم يقع يوم الزينة " وأن يحشر الناس ". # وإن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع. أي: وقت موعدكم يوم ~~الزينة، ووقت حشر الناس. واختار النحاس أن تكون " وإن " في موضع خفض عطفا ~~على الزينة. # قال السدي: " يوم الزينة يوم عيد لهم. # وقال ابن جبير: " هو يوم سوق لهم ". # وقوله: {وأن يحشر الناس ضحى} أي يجتمعون في ذلك الوقت الموضع. PageV07P4654 # وعن ابن عباس أنه قال: " يوم الزينة، كان يوم عاشوراء. كذلك روى الأعمش. # والضحى، مؤنثة. وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة. # وقرأ الحسن: {وأن يحشر الناس ضحى} بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على ~~تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى. # وقوله تعالى ذكره: {فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى}. إلى قوله: {وقد أفلح ~~اليوم من استعلى}. # أي: فأدبر فرعون معرضا عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ~~ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: {لا تفتروا على الله كذبا}. {ويلكم} ~~نصب على المصدر. وقيل: على إضمار فعل. أي: ألزمكم الله ويلا. PageV07P4655 # وقيل: نصبه على النداء المضاف. # {لا ms1560 تفتروا} أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن الذي ~~جئتكم به من عند الله سحر، {فيسحتكم بعذاب}. # قال ابن عباس: معناه: " فيهلككم ". # وقال ابن زيد: معنا: (فيهلككم هلاكا ليس فيه بقية). # وقال قتادة: " فيستأصلكم بالهلاك ". وفيه لغتان: سحته واستحته، إذا أهلكه ~~وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعا. # ثم قال: {وقد خاب من افترى}. # أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب. # ثم قال تعالى: {فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى}. # أي: تنازع السحرة فيما بينهم. PageV07P4656 # قال قتادة: " قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحرا، فسنغلبه وإن كان ~~من السماء، فله أمر " وهو قوله: {وأسروا النجوى}. # قال وهب: " جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه ~~حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة ~~حين جاءهم: {ويلكم لا تفتروا على الله كذبا} فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ~~ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: {وأسروا النجوى} أي أسر السحرة والمناجاة ~~بينهم. # وقال وهب: كان سرهم: {إن هذان لساحران} إلى قوله: {من استعلى}. وكذلك قال ~~السدي. # ثم قال تعالى ذكره: {قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم}. # أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن ~~يخرجاكم من أرضكم بسرحهما. # وفي حرف ابن مسعود " إن هذان/ إلا ساحران ": أي: ما هذان يخفف " إن " ~~يجعلها بمعنى ما. PageV07P4657 # ومن شدد " إن " ورفع " هذان "، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: ~~أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن " إن " تأتي بمعنى أجل. واختبار هذا ~~القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان. # واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو " إن هذين " لمخالفتها للمصحف. # وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~منبره يقول: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل " إن " ~~بمعنى " أجل ". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها ~~بعدي سعيد بن PageV07P4658 # إبان بن العاصي. # وكذكل كانت خطباء الجاهلية ms1561 تفتتح خطبها ب " نعم "، وكذلك وقعت في ~~أشعارها. قال الشاعر: # قالت غدرت، فقلت: إن وربما ... نال العلي وشقى الخليل الغادر # وقال بان قيس الرقيات: # بكرت على عواذ لي ... يلحينني وألومهنه # ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت أنه # وأنشد ثعلب: # ليس شعري هل للمحب شفاء ... من جوى حبهن إن اللقاء. # أي: نعم. # فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر. # وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضا بيعد، إنما يجوز التقديم ~~في اللام PageV07P4659 # وهي مؤخرة في الشعر. # لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على ~~الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة. # وقيل: إن اللام يراد بها التقديم. # وقيل: هي في موضعها، و " لعجوز " مبتدأ، وشهرية الخبر، والجملة خبر عن ~~اللام. # والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني ~~الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا. # - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا باه الشجاع لصما # وأنشدوا أيضا: PageV07P4660 # - تزود منا بين أذناه طعنة على ... رأسه تلقى العظام من الفم. # وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة. # وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة ~~الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، ~~وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني. # ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها ~~حرف الأعراب، يدل على أن حكمه لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من ~~زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء " استحوذ " على الأصل. # والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في " هذان " دعامة، ليست بلام PageV07P4661 # الفعل، فزدت عليها نونا ولم أغيرها، كما قلت " الذي " ثم زدت عليه نونا، ~~ولم أغيرها، فقلت " الذين " في الرفع والنصب والجر. # والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف ~~يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان. # والقول الخامس: حكاه الزجاج. ms1562 قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، ~~والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر. # والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، ~~فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت ~~التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ما أحسن ~~هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس ~~به، فتبسم. # والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب. PageV07P4662 # روي أن عثمان وعائشة/ رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطا ستقيمه ~~العرب بألسنتها. # وعنهما: إن في الكتاب لحنا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن ~~فيه، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أجمعوا على صحة ما بين ~~اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط. # فأما من خفف " إن " فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن ~~يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفا عمله وهو غير محذوف، ~~وإلا أنه أتى ب " هذان "، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب. # فأما من شدد نون " هذان "، فإنه جعل التشديد عوضا مما حذف من هذا في ~~التثنية. # وعن الكسائي والفراء في: " إن هذان " قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما ~~في ذلك. # ثم قال تعالى: {ويذهبا بطريقتكم المثلى}. PageV07P4663 # أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ ~~الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي ~~أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: {كنا طرآئق قددا}. # والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. ~~كما قال: {هو له الأسمآء الحسنى} [طه: 8]. # ويجوز أن تكون " المثلى " أنثت لتأنيث الطريقة. # قال ابن عباس: {بطريقتكم المثلى} أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل. # وقال مجاهد: " أولي العقول والشرف الأنساب ". # وقال قتادة: " كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس ~~عددا وأموالا وأولادا ". # وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها. # وقل ابن وهب: " يذهبا ms1563 بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون PageV07P4664 # {إني أخاف أن يبدل دينكم} [غافر: 26] قال: فهذا قوله: {ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى}. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما. # ويكون التقدير: ويذهبان بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: {وسئل القرية} [يوسف: ~~82]. # ثم قال تعالى: {فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا}. # أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما ~~من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد ~~لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: {فجمع كيده}. وقطع الألف أحسن، ~~لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي PageV07P4665 # أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجميع ~~ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمن بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم ~~يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من ~~الكيد. # ويحن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه. # وقوله تعالى: {ثم ائتوا صفا}. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون ~~فيه يوم الوعيد. # فيكون {صفا} مفعولا ب {ائتوا}. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ~~ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالا. ووحد لأنه مصدر. فهو مصدر في ~~موضع الحال. # ثم قال: {وقد أفلح اليوم من استعلى}. # أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره. # قال وهب: " جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة قال: {ائتوا صفا ~~وقد أفلح اليوم من استعلى}، أي: من علا على صاحبه بالغلبة ". # قوله تعالى: {قالوا ياموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى} إلى ~~قوله: {هارون وموسى}. # أي: قال السحرة: {قالوا ياموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى}. PageV07P4666 # وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفا، فقالوا: ~~{ياموسى إمآ أن تلقي}. وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفا، ~~مع كل ساحر منهم حبل وعصا. فألقوا ms1564 سبعين ألف/ عصا، وسبعين ألف حبل. # وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن ~~الحية، ثم رجعت عصا كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان ~~مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك سجدا، فما رفعوا رؤوسهم ~~حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا ~~من البينات. # وقال السدي: " كانوا بضعا وثلاثين ألفا، مع كل واحد حبل وعصا ". # وقال وهب بن منبه: " كانوا خمسة عشرا ألفا مع كل ساحر حباله وعصيه ". # وقال ابن جريج: كانوا تسعة مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من ~~الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية. PageV07P4667 # ثم قال تعالى: {قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها ~~تسعى}. أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولا: ما معكم إن كنتم على حق. # وفي الكلام حذف. أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم ~~وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. # قيل: " إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم ~~وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى صلى الله عليه وسلم حينئذ أنها تسعى " ~~قاله وهب بن منبه. # وقوله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسى}. # أي: أحس ووجد موسى خوفا في نفسه. # قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه. # وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، ~~وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية. # وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف ~~الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: {لا تخف ~~إنك أنت الأعلى} أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك ~~فأنت الغالب. # ثم قال: {وألق ما في يمينك} يعني العصا {تلقف ما صنعوا}، فألقاها فتلقفت PageV07P4668 # حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مامئة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ~~ذهبت الحبال والعصي، ms1565 إلا الله. وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب ~~العصا ثعبانا، ومنها: ابتلاعها الحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي. # وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولا، وتلاشى وقر ~~ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه ~~القدرة أحد سواه، لا إله غيره. # ثم قال: {إنما صنعوا كيد ساحر} ما " بمعنى الذي مع {صنعوا} " ها " ~~محذوفة. و {كيد} خبر " إن " و " الذي " اسمها. # فإن جعلت " ما " كافة ل " إن " عن العمل، نصبت كيدا ب {صنعوا} و " الكيد ~~": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة. # ثم قال: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} أي: لا يظفر بسحره أين كان. # وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد. # وفي حرف ابن مسعود: أين أتى. # ثم قال تعالى: {فألقي السحرة سجدا}. PageV07P4669 # في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقي ~~السحرة سجدا. # قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعبانا مبينا، قال: ففتحت ~~فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخرة، فاستوعبت كل شيء ~~ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة ~~سجدا، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى. # وروي أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحرا من موسى فأين مضى حمل ثلاث ~~مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحرا، ~~فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخروا سجدا. # قوله تعالى ذكره: {قال آمنتم له قبل أنءاذن لكم} إلى قوله {خير وأبقى}. # المعنى: قال فرعون للسحرة الذين خروا سجدا: {آمنتم له قبل أنءاذن لكم} ~~يهددهم ويوعدهم أي: أصدقتم بموسى: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، ~~{فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} فكان فرعون أول من قطع الأيدي والأرجل من ~~خلاف. # {ولأصلبنكم في جذوع النخل}. PageV07P4670 # أي: عليها. وكان أول من صلب في جذوع النخل. # ويقال: إن فرعون شبه على الناس بما قال. ms1566 وذلك أنه لما رأى ما نزل به، قال ~~للسحرة: إن موسى لكبيركم الذي علملكم السحر فواطتموه على ما صنعتم ~~وعاملتموه على ذلك ليشكك الناس في الآيات التي ظهرت، فقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف وصلبهم حتى ماتوا، ومعنى " خلاف " أن يقطع يمين اليدين ويسرى ~~الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين. # ثم قال تعالى: {ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى}. أي: أنا أشد عذابا أو ~~موسى. يخاطب بذلك السحرة. # ومعنى: {وأبقى} وأدوم. # ثم قال: {قالوا لن نؤثرك على ما جآءنا من البينات}. # أي: قال السحرة لفرعون لما توعدهم: لن نفضلك على ما رأينا من الحجج ~~والبراهين فنتبعك ونكذب موسى. # ثم قال: {والذي فطرنا}. # أي: لن نفضلك على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا. # وقيل: الواو، واو قسم. و {فطرنا} خلقنا. PageV07P4671 # {فاقض مآ أنت قاض}. # أي: افعل ما أنت فاعل. # ثم قال: {إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ}. # أي: قال له السحرة ذلك. والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا. # و" ما " كافة ل " إن " عن العمل. ولو جعلت " ما " بمعنى " الذي " رفعت " ~~هذه الحياة الدنيا " أي: إن الذي تقتضيه هذه الحياة الدنيا. # وقيل: معنى الكلام إنما يجوز أمرك في هذه الحياة الدنيا. # ثم قال: {إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ومآ أكرهتنا عليه من السحر}. # أي: ليغفر لنا خطايانا من السحر. {ومآ أكرهتنا عليه من السحر}. ف: " ما " ~~نافيه. أي: لم تكرهنا على السحر، نحن جئنا به طائعين، فهو ذنب عظيم، نطمع ~~أن يغفره الله لنا إذا متنا، فتكون {من} لإبانة الجنس. # وقيل: المعنى: ليغفر لنا ربنا خطايانا، ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من ~~السحر. فتكومن {من} للتبيين، موضعها نصب، ولا موضع لها في القول الأول. # وهذا القول روي عن ابن عباس، قال: " ذلك غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة ~~يعلمهم السحر ". PageV07P4672 # وقال ابن زيد: " أمرهم بتعلم السحر " # وقال الحسن: " كانوا إذا نشأ المولود فيهم، أكرهه على تعلم السحر. # ثم قال تعالى: {والله خير وأبقى} أي: خير ثوابا وأبقى عذابا. # قال محمد بن كعب: معناه: ms1567 " خير منك ثوابا أن أطيع، وأبقى منك عذابا إن ~~عصى " وهذا جواب منهم لوله: {ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى}. # قوله تعالى: {إنه من يأت ربه مجرما} إلى قوله: {ولا تخشى}. # والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون {إنه من يأت ربه مجرما} أي مكتسبا ~~الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء على كفره. {لا يموت فيها} ~~فتخرج نفسه {ولا يحيى} فتستقر نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر. وعلق ~~الإتيان بالله مجازا في هذا. والمعنى: من يأت موعد ربه " كما قال إبراهيم: ~~{إني ذاهب إلى ربي سيهدين} [الصافات: 99] أي: إلى موعد ربي. وليس الإتيان ~~إلى الله إتيان مقاربة منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه ~~مكان، ولا يحويه مكان دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل ~~قديما قبل المكان ولا تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها PageV07P4673 # محدثة بعد حدوث المكان، وكان الله ولا مكان. فالإتيان إلى الله إنماهو ~~إتيان من الخلق يوم القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان ~~مثله. # ثم قال: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات}. # أي: ومن يأت ربه موحدا له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: ~~{فأولئك لهم الدرجات العلى} أي: لهم درجات الجنة العلى. ثم بين تلك الدرجات ~~ما هي، فقال: {جنات عدن} أي: حنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء ~~{تجري من تحتها الأنهار} أي: / تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار. خالدين ~~فيها. أي: ماكثين فيها أبدا. # ثم قال: {وذلك جزآء من تزكى}. # هذه الإشارة ب " ذلك " هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك. أي: ذلك جزاء من ~~تظهر من الذنوب. # ثم قال تعالى: {ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي}. # أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني بني ~~إسرائيل. # {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا}. # أي: اتخذ لهم طريقا في البحر يبسا. أي: يابسا. وهو مصدر نعت به الطريق. ~~والمعنى: ms1568 ذا يبس. PageV07P4674 # ثم قال: {لا تخاف دركا ولا تخشى}. # أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقا من بين يديك. # قال ابن جريج: " قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد ~~غشينا. فأنزل الله تعالى ذكره: {لا تخاف دركا} من أحصاب فرعون، {ولا تخشى} ~~من البحر وحلا. # وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركا فيه. ثم حذف " فيه ". # ومن قرأ {لا تخاف} بالرفع جعله في موضع الحال من موسى. # وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه. # وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة. # ومن قرا: لا تخف بالجزم، جعله جوبا للأمر في قوله: {فاضرب}. # وقيل: هو جزم على النهي. نهى أن يخاف فرعون. ويكون {ولا تخشى} مقطوعا من ~~الأول. PageV07P4675 # وأجاز الفراء أن يكون معطوفا على {لا تخاف} وثبتت الألف في الجزم كما ~~ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر ~~فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة. وأيضا ~~فإن ذلك لا يجوز في الياؤ والواو إلا الشعر. # قوله تعالى ذكره: {فأتبعهم فرعون بجنوده} إلى قوله: {ثم اهتدى}. # في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده. # والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر ~~بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقا. ~~وبين الطريق والطريق الماء قائما كالجبال فأخذ كل سبط طريقا، فلما أقبل ~~فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته. فدخل ~~هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم. # وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت ~~بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر فلما أمنعوا في البحر، انجلت ~~الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحدا، فتقربوا حتى أتوا البحر، PageV07P4676 # فرأوه منفلقا. فيه طريق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق ~~والطريق بمنزلة الجبل ms1569 العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات ~~العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني ~~إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليه، فهلكوا ~~أجمعين. # وقوله: {فغشيهم من اليم ما غشيهم}. # أي: ما غرقهم. وفيه معنى العظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم. # قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري. # أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه. # ثم قال: {وأضل فرعون قومه وما هدى}. # أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. {وما هدى} أي: ما سلك بهم الطريق ~~المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه. PageV07P4677 # ثم قال: {يابني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم}. # يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر. # ثم قال: {وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى}. # يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة. # {كلوا من طيبات ما رزقناكم}. # أي: من شهية وحلاله. # {ولا تطغوا فيه}. # أي: لا يظلم بعضكم بعضا. # والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب/ على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي. ~~أي: ينزل بكم ويجب. # {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى}. # أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها. # ثم قال تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن}. # قال ابن عباس: {لمن تاب} من الشرك و {وآمن} وحد الله {وعمل صالحا}: أدى ~~الفرائض. PageV07P4678 # والتقدير: وإني لستار لذنوب من تاب من الشرك. # وقل قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحا فيما بينه ~~وبين الله جل ذكره. # وقوله: ثم اهتدى. معناه عند أبن عباس: لم يشكك. # وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه. # وقال أنس بن مالك: {ثم اهتدى}: أي: أخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن زيد: {ثم اهتدى} ثم أصاب العمل. # وقال الفراء: " ثم اهتدى " ثم علم أن لذلك ثوابا وعليه عقابا. # قوله تعالى ذكره: {ومآ أعجلك عن قومك ياموسى} إلى قوله: ms1570 {فكذلك ألقى ~~السامري}. # أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل PageV07P4679 # أنجى موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ~~ومن معه جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير ~~بهم في أثر موسى. # وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة ~~وأتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى ~~على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم. فلما كلم ~~الله موسى. قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري، ~~وعجلت إليك رب لترضى. # وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني ~~إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون. فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى إلى ~~الموضع الذي وعد بالإتيان إليه. فلذلك قال له تعالى ذكره PageV07P4680 # {ومآ أعجلك عن قومك ياموسى} أي: عن القوم الذين أتوا معك للميعاد. # قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولا على أثري أي: قريب، ~~مني سائرون إلي. وإنماتقدمتهم لترضى عن]. # ثم قال تعالى {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري}. # أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه ~~إياهم إلى عبادة العجل. # قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيان فهو قوله {فنسي} ~~أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل. وأنه ابن خالة موسى، ~~ويكون قوله: " فنسي " يريد أنه من قول السامري. قال لهم: إن موسى نسي إلهكم ~~عندي ومضى يطلبه. يريد العجل. # وأراد بقوله: " قومك من بعدك " الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا ~~موسى ومضوا معه للميقات. وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون. فلذلك ~~قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: {أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ} ~~[الأعراف: 155]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل. PageV07P4681 # ثم قال: {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا}. # أي: ms1571 فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان ~~على قومه لاتخاذهم العجل من بعده. # {أسفا} أي: حزينا لما أحدثوا من الكفر. والأسف: يكون الحزن، ويكون الغضب. ~~ومن الغضب، قوله تعالى: {فلمآ آسفونا} [الزخرف: 55] أي: أغضبونا. # ثم قال تعالى ذكره: {قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا}. # أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضبانا حزينا: ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا. وذلك الوعد، قوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى}. # وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهمز # وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة. # وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه/. # ثم قال: {أفطال عليكم العهد}. # أي: طال عليكم إنجاز الوعد. # وقوله: {فأخلفتم موعدي}. PageV07P4682 # كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب الطور ~~الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: {لن نبرح عليه عاكفين ~~حتى يرجع إلينا موسى}. # ثم قال تعالى: {مآ أخلفنا موعدك بملكنا}. # من ضم الميم في " بملكنا ": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا. أي: لم ~~نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا. # ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب. ومن فتح الميم ~~فمعناه: بقوتنا. # وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد. # وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة ~~العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا. # ثم قال: {ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم فقذفناها}. # قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من ~~زينة القوم، أي قوم فرعون. PageV07P4683 # ويقال: إن بني إسرائيل لما أرادوا موسى أن يسير بهم ليلا من مصر بأمر ~~الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله ~~مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حملوا من زينة القوم. # وقوله: {فقذفناها}. # أي: في النار لتذوب. # وقوله: {فكذلك ألقى السامري}. # أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان ms1572 معه من تربة حافر فرس ~~جبريل صلى الله عليه وسلم فكاف في موضع نصب لمصدر محذوف. # قوله تعالى: {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار}. إلى قوله: {وأطيعوا أمري}. # أي: أخرج لهم السامري من الحلي الذي قذفوه في النار، وألقى هو عليه ~~التربة التي كانت معه، عجلا محسدا، أي: له جسد لا روح فيه. # وقيل: كان لا رأس له، فلذلك قيل جسدا. PageV07P4684 # وقوله: " له خوار "، أي: له صوت مثل البقر. # قال قتادة: " كان الله جل ذكره وقت لموسى ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، ~~فلما مضت الثلاثون، قال عدو الله السامري: إنما أصابكم بالحلي الذي كان ~~معكم، (يعني إنما أبطأ عليكم موسى عقوبة من أجلي الحلي، ثم قال لهم): ~~فهلموا وكانت حليا تعوروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فدفعوها إليه، ~~فصورها صورة بقرة، وكان قد صر في عمامته أو ثوبه قبضة من أثر فرس جبريل صلى ~~الله عليه وسلم فقذفها في الحلي والصورة فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار، فجعل ~~يخور خوار البقرة، فقال: هذ ألهكم وإله موسى. # وقال السدي: إن هارون قال لهم: يا بني إسرائيل، إن الغيمة لا تحل لكم، ~~وإن حلي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا واحفروا لها حفرة فادفنوها، ~~فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحلي ~~في حفرة، فجاء السامري بتلك القبضة التي من حافر فرس جبريل عليه السلام، ~~فقذفها فأخرج الله PageV07P4685 # من الحلي عجلا جسدا له خوار، وعدت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة ~~يوما واليوم يوما، فلما كان العشرون خرج لهم العجل، فلما رأوه، قال لهم ~~السامري: هذا إلهكم وإله موسى، {فنسي}، فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ~~ويمشي. # وقوله: {فنسي} يعني فنسي السامري دينه، أي تركه حين أمرهم بعبادة العجل. # قال ابن عباس: {فنسي}: أي: ترك السامري ما كان عليه من الإيمان، فيكون ~~{فنسي} من قول الله جل ذكره، إخبارا عن السامري. # وعن ابن عباس أيضا: {فنسي} أي: فنسي موسى إلاهه عندكم وذهب يطلبه، فأضله ~~ولم يهتد إليه. ms1573 # فيكون {فنسي} من قول السامري لبني إسرائيل، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي ~~والضحاك وابن زيد. # وقيل: معناه: فنسي موسى الطريق وضل عنه. # وقيل: فنسي السامري العهد الذي عهد إليه في الإيمان، فيكون/ {فنسي} على ~~هذا القول من الترك. وعلى القولين الأولين من النيسان. # ثم قال تعالى: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا}. أي: أفلا يرى هؤلاء PageV07P4686 # الذين عبدوا العجل أنه لا يكلمهم ولا يرد عليهم جوابا. وهذا توبيخ لهم. # {ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا}. # أي: لا يقدر لهم على ضر ولا نفع، فكيف يكون من هذه حاله إلها يعبد؟!. # ثم قال: {ولقد قال لهم هارون من قبل ياقوم إنما فتنتم به} أي قال لهم ~~هارون من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم، {إنما فتنتم به} أي: إنما أخبركم ~~الله به لينظر محافظتكم على الإيمان بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، ~~فيعلم صحيح الإيمان من مريض القلب الشاك في دينه. # ثم قال: {وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} أي: إن معبودكم الذي ~~يستحق العبادة هو الرحمن، فاتبعوني ولا تعبدوا غيره. وأطيعوا أمري في ترك ~~عبادة العجل. # قوله تعالى ذكره: {قالوا لن نبرح عليه عاكفين} إلى قوله: {إن لبثتم إلا ~~يوما}. # أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة ~~العجل حتى يرجع إلينا موسى. # ثم قال: {قال ياهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن} في الكلام حذف. ~~والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد ~~العجل على ما كان بين وبينهم. # قال ابن عباس: لما قال القوم: {قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا ~~موسى}، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل ~~على عبادة العجل، PageV07P4687 # وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موىس: ~~فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي. وكن هارون لموسى مطيعا. # وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل ms1574 المفسدين فذلك ~~قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمرمي أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح ~~عليهم. # ثم قال تعالى: {قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي}. # في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ~~{قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي}. # وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة. # وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان ~~بلحية نفسه. # وقوله: {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل ولم ترقب قولي}. # قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين ~~الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع ~~إلينا PageV07P4688 # موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي: أي: جئت بطائفة ~~وتركت طائفة. وهو قول ابن عباس. # وقال ابن جريج: معنه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضا. # ومعنى: {ولم ترقب قولي} أي: ولم تحفظ قولي. # ثم قال: {قال فما خطبك ياسامري}. # أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: {بصرت بما لم يبصروا به}: ~~أي: علمت ما لم يعلما. # قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا ~~أراه ولا أرى قتلته. فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه ~~في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته ~~إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام. # وقيل: معنى: {بصرت بما لم يبصروا به} أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس ~~جبريل. # ومن قرأ بالياء، جعله إخبارا عن بني إسرائيل. PageV07P4689 # ومن قرأ بالتاء. جعله خطابا لموسى وبني إسرائيل. # ثم قال: {فقبضت قبضة من أثر الرسول}. # أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. # وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف ~~الأصابع. # " والقبضة " على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة. # " والقبضة ms1575 " بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة. # وقوله: {فنبذتها}. # أي: ألقيتها في العجل ليخور. # {وكذلك سولت لي نفسي}. # أي: زينت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلا ~~جسدا. # وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال/: " لما خرج موسى عليه السلام ببني PageV07P4690 # إسرائيل السبعين رجلا، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل ~~وكلمه الله أربعين يوما وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا ~~عشرين يوما وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، ~~قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا ~~العجل من بعدك، قال: عجلا جسدا له خوار. فقال مسى: رب، من جعله لهم؟ فقال ~~السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، ~~وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلا، ولم ~~يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل ب عده من عبادة العجل، وبالذي قال له ~~ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون ~~الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى صلى الله عليه وسلم: ليس ~~بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول ~~العجل، غضب، PageV07P4691 # فألقى الألواح، فتسكرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى ~~برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل ولم ترقب قولي}، فأرسله ثم أقبل على ~~السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولم صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله ~~علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في ~~شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى ~~بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: ~~لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن ms1576 العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي ~~آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه. فقال موسى: رب إن عبادك بني ~~إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل ~~فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال ~~موسى صلى الله عليه وسلم: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى ~~عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من ~~أخذه بدا، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر ~~فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون}. PageV07P4692 # [ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي]. # وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي. # ثم قال تعالى جل ذكره: {قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس}. # أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإنك لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن ~~تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط. # وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش ~~في البرية، مستوحشا لا تقرب أحدا ولا تمس أحدا ولا يمسك أحد. # وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا ~~يبايعون، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى ~~الآن. # وقال قتادة: كان السامري عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها ~~سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل. # وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان. # وقوله: {لا مساس} منصوب على التبرئة ك (لا رجل في الدار). PageV07P4693 # ويجوز: {لا مساس} بكسر السين وتبنيه على الكسر. # ثم قال: {وإن لك موعدا لن تخلفه} يعني القيامة. # ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعا أو ~~كارها وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر. # ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم ms1577 رد إلى ما لم يسم فاعله. # ثم قال: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا}. # أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته ~~لنحرقنه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير. # وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه/ مرة واحدة. # وقرأ أبو جعفر القارئ: {لنحرقنه} بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه PageV07P4694 # بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويحرقه: إذا نحته بمبرد أو ~~غيره. # وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس. # قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: أمر موسى بالعجل فبرج في البحر فلم ~~يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل ~~بعضكم بعضا، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قتل منهم ~~سبعون ألفا، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت من قتل منهم، ~~وقد تبت على من بقي. # وقوله: {ثم لننسفنه في اليم نسفا} أي: لنذرينه في البحر ذروا. # ثم قال تعالى ذكره: {إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء ~~علما}. # أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا ~~هو، وسع كل شيء علما أي: أحاط بكل شيء علما فلا يخفى عليه شيء. # قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علما. # يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقوي عليه. # ثم قال تعالى: {كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق}. PageV07P4695 # أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخباكر من ~~قد سبق قبلك مما لم تشاهده، ولا عاينته. # ثم قال: {وقد آتيناك من لدنا ذكرا}. # أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكرا تتذكر به وتتعظ. وهو القرآن. # {من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا}. # أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثما عظيما ~~{خالدين فيه} أي: [ما كثين] في عقوبته في النار. # ثم قال تعالى وجل ثناؤه: {وسآء لهم ms1578 يوم القيامة حملا}. # أي: وساء لهم الوزر حملا. أي: بئس الوزر لهم. يعني ذنوبهم. # ثم قال تعالى: {يوم ينفخ في الصور}. # {يوم} بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه. ثم رد إلى ما ~~لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا ~~يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته. ولا حجة في " ونحشر ~~" لأن النافخ الملك والحاشر الله. PageV07P4696 # ومن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ~~ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها. # ثم قال تعالى: {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا}. # أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر. # وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عميا، وفي حال زرقا. # وقال جماعة زرقا: عميا. # ويروى: أنهم يقومون من قبروهم يبصرون، ثم يصيرون عميا. # ويروى: أنهم لا يبصرون شيئا إلا جهنم. # وقيل: زرقا شعثين متغيرين كلون الرماد. # ثم قال: يتخافتون بينهم. أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن ~~لبثتم في الدنيا إلا عشرا. PageV07P4697 # وأصل الخفت في اللغة السكون. أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، ~~إلا عشرا، وبين النفختين أربعون سنة. # ثم قال: {نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما} ~~أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم ~~إلا يوما، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم ~~وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا ~~يوما واحدا. # وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين. # وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوما ~~بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع ~~عنهم العذاب فيما بين النفختين. # قوله تعالى: {ويسألونك عن الجبال} إلى قوله: {ولا يحيطون به علما}. # المعنى: ويسألك يا محمد قومكم عن الجبال، ms1579 فقل يذريها ربي تذرية. وهو ~~تصييرها هباء منبثا، فيذرها قاعا. أي: فيذر أماكنها قاعا، أي: أرضا ملساء ~~صفصفا: PageV07P4698 # أي: مستويا لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع. # وقيل: معناه يجعلها رملا، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى يصير ~~مواضعها قاعا مستويا. فالصفصف، المستوى. # قال ابن عباس: قاعا صفصفا/: مستويا، لا نبات فيه. # والقاع في اللغة، المكان المنكشف. # والصفصف: المستوى الأملس. # وقال بعض أهل اللغة: القاع: مستنقع الماء. والصفصف الذي لا نبات فيه. # ثم قال: {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا}. # معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها واديا ولا رابية. # والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض. # وقال قتادة: {لا ترى فيها عوجا} أي: صدوعا، {ولا أمتا} أي: دوعا، {ولا ~~أمتا} PageV07P4699 # أي: أكمة. # وعن ابن عباس أيضا: {عوجا}: ميلا، والأمت: الأثر: مثل الشراك. # ثم قال تعالى {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له} أي: يومئذ إذ يتبع الناس ~~صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، {لا عوج له} أي: لا عوج لهم عنه، ~~ولكنهم يأتمون به، ويأتونه. # قال محمد بن كعبك القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء ~~وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت ~~يؤمونه. # وقوله: {وخشعت الأصوات للرحمن}. # أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن. فلا تسمع إلا همسا. # أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن. # وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي. # يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه. # وعن ابن عباس أيضا: {همسا} صوتا خفيا. وهو قول مجاهد. PageV07P4700 # ثم قال: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن}. # أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، {ورضي له ~~قولا} أي: قال: لا إله إلا الله. # {يومئذ} بدل من الأولى. وإن شئت جعلته متعلقا به {يتبعون} فتبتدئ به إن ~~شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول. # ثم قال تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما ms1580 خلفهم}. # قال قتادة: " ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا ". # وقيل: معناه: علم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر ~~القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه ~~وراءهم من أمر الدنيا. # {ولا يحيطون به علما} أي: لا يحيط خلقه به علما، وهو يحيط بهم علما. # وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علما. فتكون الهاء ~~تعود على " ما ". # وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في ~~يحيطون. أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا تعلم ~~ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك. وإن من كان هكذا، كيف يعبد، وأن ~~العبادة إنما PageV07P4701 # تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهو الله لا إله إلا ~~هو. # قوله تعالى: {وعنت الوجوه للحي القيوم} إلى قوله: {زدني علما}. # قال ابن عباس: {عنت}: ذلك أي: استسلمت. # وقال مجاهد: {عنت} خشعت. # وقال طلق بن جبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قديمك في ~~السجود فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها ~~الآخرة. # وقال ابن زيد: {عنت} استأسرت للحي القيوم. أي: صاروا أسارى. # وقال الفراء: {عنت} الوجوه نصب وعملته، والعاني الأسير. # وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع. # ومنه الحديث: " النساء عندكم عوان " ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت ~~فلانا. PageV07P4702 # ثم قال تعالى: {وقد خاب من حمل ظلما}. # أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركا بالله، قاله: قتادة وابن زيد ~~وغيرهما. # ثم قال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما}. # أي: من يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله، فلا يخاف ظلما، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ويعاقب عليها. # {ولا هضما} أي: نقصا من ثوابه. قاله قتادة وغيره. # ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهيا، نهاه الله ms1581 جل ذكره عن الخوف من أن ~~يصيبه ظلم أو هضم. # وقال ابن جريج/: {الصالحات} هنا: الفرائض. # وقال الضحاك: {ولا هضما}: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل الهضم، ~~الانتقاص يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم الكشح، أي: ~~ظاهرة البطن. وهذا دواء يهضم الطعام. أي: ينقصه، فيزول ثقله. # ثم قال تعالى ذكره: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد}. # المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر ~~بالوعيد أهل الكفر، فقال: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا} أي: أنزلناه بلغتكم ~~أيها PageV07P4703 # العرب لتفهموه. {وصرفنا فيه من الوعيد} أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد ~~{لعلهم يتقون} ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكرا فينقلبون عما هم مقيمون ~~عليه من الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكرا. # قال قتادة: " ذكرا ": ورعا. # وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفا بإيمانهم به، كما قال: {لقد أنزلنآ إليكم ~~كتابا فيه ذكركم} أي: شرفكم إن آمنتم به. روي ذلك أيضا عن قتادة. # ثم قال تعالى ذكره: {فتعالى الله الملك الحق} أي: فتعالى الله الذي له ~~العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعا على ما يصفه به المشركون ~~من خلقه. # ثم قال تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه}. # أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يكتب القر آن أو ~~يتلوه على أحد حتى يبينه له، قال: ابن عباس وقتادة. PageV07P4704 # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ ~~جبريل مما يأتيه به، خوف النيسان. ومنه {لا تحرك به لسانك لتعجل به} ~~[القيامة: 16]. # {وقل رب زدني علما} أي: زدني علما إلى ما علمتني. أمره الله تعالى أن ~~يسأل ذلك. # وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: " ~~إن زوجي لكم وجهي " قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ms1582 ولا تعجل ~~بالقرآن. . . الآية. فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: {الرجال ~~قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض} [النساء: 34]. # قوله تعالى: {ولقد عهدنآ إلىءادم من قبل} إلى قوله: {ولا تضحى}. # المعنى: أن يترك هؤلاء المشركون أمري، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، فقديما ~~فعل أبوهم آدم ذلك. فلقد عهدنا إليه أن إبليس عدوه، فنسي، وأطاعه، أي: فترك ~~ما عهد إليه، وأطاع إبليس إذ وسوس إليه. # قال ابن عباس ومجاهد: " نسي " ترك أمر الله. PageV07P4705 # وقال الحسن: " نسي ": ترك: ولو كان من النيسان، لم يكن عليه شي. # وقال ابن زيد: العهد الذي عهد الله جل ذكره إلى آدم هو قوله: {إن هذا عدو ~~لك ولزوجك} أي: نسي العداوة التي أعلم بها. # وقيل: قول عدوه، فيكون نسي من النسيان على هذا القول لا من الترك. # وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنسان لأنه عهد إليه فنسي. # ثم قال تعالى: {ولم نجد له عزما}. # قال قتادة: {عزما}: صبرا. # وقال عطية: {عزما} خفظا لما أمر به. وروي ذلك عن ابن عباس. # وقال ابن زيد: " العزم ": المحافظة والتمسك بأمر الله. # وعن ابن عباس: {ولم نجد له عزما} أي لم نجل له عزما. # قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم، يعني: عقولهم جمعت منذ خلق الله آدم PageV07P4706 # إلى أن تقوم الساعة، وضعت في كفة ميزان. ووضع حلم آدم في الكفة [الأخرى] ~~لرجح حلمه بأحلامهم وقد قال الله تعالى ذكره {ولم نجد له عزما}. # وقيل: المعنى: " ولم نجد له عزما " على ترك المعصية. وأصل العزم في ~~اللغة، اعتقاد القلب على الشيء، فيكون المعنى على هذا، ولم نجد له عزم قلب ~~على الصبر على الوفاء بما عهد إليه. # ثم قال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم} أي: واذكر يا محمد، إذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدمك أي اجعلوه قبلة لأنهم أمروا بالعبادة له ~~والسجود له دون الله، فسجدوا إلا إبليس أبى. وهذا تذكير من الله تعالى ~~لنبيه بما كان من قصة آدم، وأن أولاده لن/ يعدوا أن ms1583 يكونوا على منهاجه في ~~ارتكاب المعاصي إلا من عصمه الله. # ثم قال تعالى: {فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك}. # ولذلك لم يسجد لك وخالف أمري. # {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}. # أي: لا تطيعاه فيما يأمركما به فيخرجكما من الجنة. أي: فيكون عيشك من كد PageV07P4707 # يمينك، فهو من شقاء الدنيا لا من شقاء الآخرة. # قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويسمح العرق عن ~~جبينه، فذلك قوله: " فتشقى " فكان ذلك شقاوه. # وجرى الخطاب لآدم وحده، إذ قد علم أن حكم حواء حكمه، ولأن ابتداء الخطاب ~~كان لآدم وحده في قوله " يا آدم إن هذا عدو لك " ولأن التعب في المعيشة في ~~الدنيا على الرجل يجري أكثره، فخص بالخطاب لذلك. # ثم قال تعالى: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا ~~تضحى}. # أي: إن لك الشبع في الجنة والكسوة والري والسترة. # ومعنى " ولا تضحى " لا يصيبك حر الشمس، ولا تظهر إليها، لأن الشمس جعلها ~~الله دون الموضع الذي كان فيه، فليس في الجنة شمس ولا في السماء السابعة. " ~~والظمأ " العطش، مقصور مهموز. والظمى مقصور على غير مهموز سعة في الشفتين. # وقد قال ابن عيينة في الآية، أنه يراد بها الأرض. PageV07P4708 # فالهاء في " فيها " في الموضعين تعود على الأرض، وهي في القول الأول تعود ~~على الجنة. # قوله تعالى ذكره: {فوسوس إليه الشيطان} إلى قوله: {معيشة ضنكا}. # أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: {ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد} أي: ~~على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، {وملك لا يبلى} أي: لا ينقضي. وقال ~~السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله عز ~~وجل، أو تكونا من الخالدين "، لا تموتان أبدا. # ثم قال تعالى: {فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما} أي: فأكل آدم وحواء من ~~الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سواءتهما. أي ظهرت ~~وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما. # قال السدي: إنما أراد ms1584 إبليس اللعني أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن ~~لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما ~~الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتدمت حواء فأكلت منها. ثم قالت: يا آدم، كل ~~[فإني] قد أكلت، PageV07P4709 # فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما. # ثم قال: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي: أقبلا. # وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين. قاله السدي. # وقال قتادة: {يخصفان} يوصلان. # ثم قال تعالى: {وعصىءادم ربه فغوى}. # أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى. # ثم قال: {ثم اجتباه ربه فتاب عليه}. # أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها. # ثم قال: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو}. أي: قال الله لآدم وحواء ~~اهبطا من الجنة جميعا إلى الأرض، أي: انزلا. وهذا يدل على أن الجنة في ~~السما. # {بعضكم لبعض عدو}. # أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوكما، وعدو ذريتكما. PageV07P4710 # قال الضحاك: أهبط آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه أكليل من ~~ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، ~~وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة. # ثم قال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى}. # يعني: آدم وحواء وإبليس. أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني. {فمن ~~اتبع هداي} أي: بياني وعمل به. # {فلا يضل} أي: ليس يزول عن حجة الحق. # {ولا يشقى} أي: في الآخرة بعذابها. # قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه، أن لا يضل في ~~الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه ~~يوم القيامة سوء الحساب. ثم تلا هذه الآية. # وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه. # ثم قال: {ومن أعرض عن ذكري}. # أي: من لم يؤمن بالقرآن، {فإن له معيشة ضنكا}. # قال ابن عباس/: هي الشقاء. PageV07P4711 # وقال مجاهد: معيشة ضيقة. وهو قول قتادة. # وذلك ms1585 في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. قاله: الحسن وابن ~~زيد وقتادة. # وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن ~~اتسع في الظاهر. قاله: عكرمة والضحاك. # وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك. # وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تخلتف ~~أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # روي عنه أنه قال: " أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. ~~قال PageV07P4712 # عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا، ~~أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون عحية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ~~ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة ". # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن ~~المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أرزقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، ~~فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهرا حذاراص لهذا ~~المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ~~ويمشي علينا في طاعة الله حذارا لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول ~~صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذارا لهذا المضجع، فيؤتى من قبل ~~شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذارا لهذا المضجع، ~~فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل ". # قوله تعالى: {ونحشره يوم القيامة أعمى} إلى قوله: {لأولي النهى}. # قال مجاهد: أعملى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح. # وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعا ولا خيرا، كما لا ~~يهتدي الأعمى إلى الجهات المنافع في الدنيا. # وقيل: " أعمى " من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقا. PageV07P4713 # ثم قال تعالى: {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا}. # قال مجاهد، معناه: لم حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالما بحجتي بصيرا بها ~~عند نفسي في الدنيا. ms1586 # وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جل وعز في القرآن من العمى، فذمه ~~فإنما يريد به عمى القلب. قال الله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور}. # وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا. # وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن ~~الآية عامة. # وقوله: " لم حشرتني أعمى "، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت ~~بصيرا، أي بصيرا بحجتي في الدنيا رائيا للأشياء. # وهذا سؤل من العبد لربه أن يعلمه الجرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله ~~وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جل ذكره: {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} أي: ~~فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه. # {فنسيتها}. أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها. PageV07P4714 # {وكذلك اليوم تنسى}. # أي: كما نيست آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار. # وقال قتادة: {وكذلك اليوم تنسى} أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر. # ثم قال: {وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه}. # أي: وهكذا نتيب من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ~~ضنكا في البرزخ {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى}. أي: ولعذاب الله إياهم في ~~الآخرة أشد من عذاب القبر " وأبقى " أي: أدوم. # ثم قال: {أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون}. # أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، ~~يمشرون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، ~~فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفا أن يصيبهم بفكرهم مثل ما أصاب القرون ~~قبلهم، فيكون " كم " فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم ~~القرون التي هلكت. " ويهد " بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف/ ابن ~~مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع " من ". # وقيل: " كم " استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب PageV07P4715 # ب " أهلكنا ms1587 ". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل " كم " ~~فيها خبرا كانت أو استفهاما، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في ~~الاستفهام. # وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم ~~وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا. # وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر. # وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل " يهدي " عليه، كأنه قال: يهدي الهدى. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآيات لأولي النهى}. # أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم ~~لدلالات وعبرا ومواعظ لأولى القعول. # وقال ابن عباس: {لأولي النهى}: لأولي التقى. # وقال قتادة: لأولي الورع. # قوله تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك} إلى قوله: {خير وأبقى}. PageV07P4716 # أي: ولولا أن الله قدر أن كل من قضى له أجلا، فإنه لا يحترمه قبل بلوغ ~~ذلك الوقت، والأجل المسمى " لكان لزاما " أي: لكان العذاب لزاما لهم. # وقيل: المعنى: لولا أنه قد سبق في علم الله تأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم ~~القيامة لكان العذاب لازما لهم على كفرهم. # وقل: معنى: {كلمة سبقت من ربك} أي: أنه لا يعذبهم حتى يبلغوا آجالهم. # ومعنى: {وأجل مسمى} هو يوم القيامة. # وقال مجاهد: " الأجل المسمى هو الدنيا. # وقال قتادة: الأجل المسمى، الساعة، يقول الله تعالى: {بل الساعة موعدهم} ~~[القمر: 46]. # قال ابن عباس: " لكان لزاما " لكان موتا. # وقال ابن زيد: اللزام: القتل. # ثم قال: {فاصبر على ما يقولون}. # أي: اصبر يا محمد على قول هؤلاء المكذبين بآيات الله بأنك ساحر وأنك ~~مجنون، وأنك شاعر، ونحو ذلك. # ثم قال: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها}. PageV07P4717 # وقال ابن عباس: هي الصلاة المكتوبة أي: وصل بثنائك على ربك. # وقيل: قوله: {بحمد ربك} معناه: بحمدك ربك، وقوله: {قبل طلوع الشمس} يعني ~~بعد صلاة الصبح وقيل غروبها، صلاة العصر وقوله: {ومن آنآء الليل} أي: ومن ~~ساعات الليل فسبح، يريد صلاة العشاء الآخرة. وأطراف النهار يعني: صلاة ~~الظهر والمغرب لأن ms1588 صلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول وفي أول طرف النهار ~~الآخر فهي في طرفين منه، والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك تصلي المغرب، ~~فلذلك قيل أطراف النهار، لأن النهار أربعة أطراف، عند طلوع الشمس وعند ~~غروبها وعند زوال الشمس وعند وقوفها للزوال. # وقيل: إنه جمع في موضع تثنية. كما قال: فقد صغت قلوبكما. # وقيل: قوله {ومن آنآء الليل} أوله وأوسطه وآخره قاله الحسن: يعني: به ~~النافلة. # وقال ابن عباس: " هو جوف الليل ". PageV07P4718 # وقوله: {لعلك ترضى} أي: في الآخرة. ولعل من الله واجبة. # ثم قال تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم}. # أي: لا تنظر يا محمد إلى ما جعلناه لهؤلاء المعرضين عن آيات الله ~~وأشكالهم من متعة متعوا بها في الدنيا {لنفتنهم فيه} أي: لنختبرهم فيما ~~متعناهم به. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على إبل لبعض العرب قد سمنت فتقنع ~~ثم مر ولم ينظر إليها، لقول الله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم. . .} الآية. # " وزهرة " منصوبة بمعنى: متعنا، لأن " متعنا " بمعنى: جعلنا، أي: جعلنا ~~لهم الحياة الدنيا زهرة. # ثم قال تعالى ذكره: {ورزق ربك خير وأبقى}. # أي: وعده لك بما يعطيك في الآخرة خير لك " وأبقى " أي: " وأدوم ":. # ويروى أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أنه بعث ~~إلى يهدي يستسلف منه طعاما، فأبى أن يسلفه إلا برهن فحزن النبي لذلك، فأنزل ~~الله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا} الآية، ونزلت {ولقد آتيناك سبعا ~~من المثاني والقرآن العظيم * لا تمدن عينيك} [الحجر: 87 - 88] الآية. # وقوله: {زهرة الحياة الدنيا} يعني: زينتها. PageV07P4719 # وقوله: {لنفتنهم فيه}. # أي: / لنبتليهم فيه. وقيل: لنجعل لهم ذلك فتنة. # قوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة} إلى آخر السورة. # أي: وامر أهلك بالدوام على الصلاة، واصطبر على القيام عليها والإتيان بها ~~بحدودها. {لا نسألك رزقا} أي: أن ترزق نفسك ولا ترزق أحدا من العباد. وكان ~~عمر رضي لله عنه إذا قام من الليل ms1589 صلى، فإذا كان من السحر أيقظ أهله فقال: ~~الصلاة الصلاة وتأول هذه الآية، وامر أهلك بالصلاة. . . الآية. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة، أمرهم ~~بالصلاة ثم قرأ {وأمر أهلك بالصلاة}. . . الآية. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يصلي. # وقال صلى الله عليه وسلم في رواية عثمان بن عفان عنه: " من توضأ فأحسن ~~الوضوء ثم صلى ركعتين غفر له ". PageV07P4720 # قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث طلبت تصديقه في كتاب الله عز وجل، ~~فطلبت تصديق هذا فوجدته في كتاب الله عز وجل في قوله: لنبيه {إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك} ~~[الفتح: 1 - 2] فجعل تمام النعمة أن غفر له ذنبه، وقوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى قوله: {وليتم نعمته عليكم} ~~[المائدة: 6] فعلمت حين جعل تمام النعمة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~المغفرة أنها هنا، مثل ذلك حين قال: وليتم عليكم فهو المغفرة. # ثم قال: {والعاقبة للتقوى}. # أي: والعاقبة الصالحة من عمل كل عامل لأهل التقوى. # ثم قال تعالى: {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه}. # أي: وقل المشركون هلا يتينا محمد بآية من ربه، كما أتى صالح قومه بالناقة ~~من ربه، وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. # ثم قال تعالى جوابا لهم: {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى}. # أي: ما في الكتاب التي قبل هذا الكتاب من أخبار الأمم من قبلهم التي PageV07P4721 # أهلكناهم لما سألوا الآيات. فكروا بها لما أتتهم كيف عجلنا لهم العذاب. # فالمعنى: فيما يؤمنهم إن أتتهم آية أن يكون حالهم كحال أولئك. # قال مجاهد: {ما في الصحف الأولى}: التوراة والإنجيل. # وقال قتادة: {الصحف الأولى} الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في ~~مساكنهم. # ثم قال تعالى: {ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله}. # أي: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن بعذاب من ~~قبل ننزله عليهم. # وقيل: ms1590 من قبل أن نبعث داعي يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم. فالهاء تعود على ~~القرآن، أو على النبي. # ثم قالت: {لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا}. # أي: لقالوا يوم القيامة إذا وردوا على الله تعالى، فأراد عقابهم: ربنا ~~هلا أرسلت إليها رسولا يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك، أي: حججك وأدلتك ~~وأمرك ونهيك من قبل أن تذل بتعذيبك لنا ونخزي بها. PageV07P4722 # روى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يحتج على الله عز وجل ~~يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير. ~~فيقول المغلوب على عقله: لم يجعل لي عقلا أنتفع به، ويقول الهالك: لم يأتني ~~رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك، وقرأ {لولا ~~أرسلت إلينا رسولا} ويقول الصغير: كنت صغيرا لا أعقل قال فترفع لهم النار ~~فيقال لهم ردوها. قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من ~~كان في علم الله أنه شقي. فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم ". # ثم قال: {قل كل متربص فتربصوا}. # أي قل يا محمد: كلكم أيها المشركون متربص، أي: منتظر دوائر الزمان، ~~فتربصوا، أي: فترقبوا، وانتظروا {فستعلمون من أصحاب الصراط السوي}. # أي: من أهل الطريق المعتدل المستقيم، أنحن أم أنتم؟. # {ومن اهتدى}. # أي: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد، غير ~~الجائر عن قصده منا ومنكم. # " وممن " استفهام في موضع رفع، / لا يعمل فيها ستعلمون. # وأجاز الفراء: أن تكون في موضع نصب قوله: ستعلمون. بمنزلة PageV07P4723 # {والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220]. # فإن جعلت " من " غير استفهام، جاز أن يعمل فيها ما قبلها. # وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: " السوى " بتشديد الواو من غير همز على ~~" فعلى " أراد السوأي. ثم سهل الهمزة على البدل والإدغام وأنثها لأن الصراط ~~يؤنث، والتذكير فيه أكثر. PageV07P4724 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأنبياء # [سورة] "الأنبياء" -مكية. # قوله تعالى ذكره: {اقترب للناس حسابهم} إلى قوله: {وأنتم تبصرون}. # معناه: دنا حساب الله لناس على ms1591 أعمالهم ونقمته منهم {وهم في غفلة معرضون} ~~يعني: في الدنيا. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في غفلة في الدنيا ~~". # وروي أن أصحاب النبي عليه السلام كان يقول بعضهم لبعض كل يوم، ما الخبر؟. ~~أي: ما حدث؟. فمر رجل برجل يبني حائطا له، فقال له: ما الخبر؟ فقال: نزلت: ~~" اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ". فنزل وترك البناء، فلم يبن ذلك ~~الحائط بعدها. # فالمعنى: قرب [من الناس حسابهم وهم قد غفلوا عما يراد بهم من محاسبة PageV07P4725 # ربهم لهم على أعمالهم. # قال ابن عباس: " عنى بذلك الكفار " دليله، قوله: ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. # ومعنى الآية ما يأتي الكفار. # وقال ابن عباس: " اقترب للناس حسابهم " معناه: قرب عذابهم. # قوله: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث}. # أي: ما يأتيهم من قرآن يذكرهم الله به ويعظمهم إلا استمعوه وهم يلعبون، ~~لا يعتبرون ولا يتفكرون في وعده ووعيده. # ومعنى " محدث " أي: محدث عند النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن ~~يعلمه فعلمه بإنزال جبريل صلى الله عليهما وسلم إياه عليه فهو محدث في علم ~~النبي عليه السلام ومعرفته. غير محدث عند الله تعالى ذكره. # وقد قيل: عني بذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكرهم ويعظهم ~~فتذكيره لهم محدث على الحقيقة. # وقال: {من ربهم} لأنه لا ينطبق إلا بما يؤمر به، قال تعالى ذكره: PageV07P4726 # {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] فالله أمره بوعظهم، وتذكيرهم، فلذلك قال: ~~" من ربهم ". # ثم قال: {لاهية قلوبهم}. # أي: غافلة، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه كتابه. # ثم قال تعالى: {وأسروا النجوى الذين ظلموا}. # أي: أسر هؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم، النجوى بينهم، أي: أظهروا ~~المناجاة بينهم، فقالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، وهو يزعم أنه رسول من عند ~~الله إليكم. # وقيل: {وأسروا النجوى الذين ظلموا} أي: قالوا ذلك سرا. # وقال أبو عبيدة: " هو من الأضداد ". # وقوله: {قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض} [الأنبياء: ms1592 4]. # الآية يدل على أنه بمعنى أخفوا. # ثم قال: {أفتأتون السحر وأنتم تبصرون}. # زعموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ساحر، وأن ما جاء به سحر. ~~أي تقبلون ما جاءكم به وهو سحر وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم. # وفي الضمير الذي أتى بلفظ الجمع في قوله تعالى: {وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا} مع PageV07P4727 # الكلام على موضع " الذين " من الإعراب ستة أقوال: # الأول: أن يكون {الذين ظلموا} بدلا من الواو في {وأسروا}. # فيكون التقدير: {وأسروا النجوى الذين ظلموا}. # والثاني: أن يكون {الذين ظلموا} رفعا بابتداء مضمر، والتقدير: " هم الذين ~~ظلموا ". # والثالث: أن يكون {الذين ظلموا} رفعا بفعلهم. والتقدير: يقول الذين ظلموا ~~هل هذا. # والرابع: أن يكون {الذين ظلموا} في موضع نصب بإضمار، أعني. # والخامس: أن يكون على لغة من جمع الفعل مقدما، كما حكي: أكلوني البراغيث، ~~وهو قول الأخفش. # والسادس: أن يكون {الذين ظلموا} بدلا من الناس أو نعتا. كأنه قال: اقترب ~~للناس الذين ظلموا حسابهم. # والوقف على {وأسروا النجوى} حسن على القول الثاني والثالث والرابع. PageV07P4728 # قوله تعالى: {قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض} إلى قوله: {فيه ذكركم ~~أفلا تعقلون}. # أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، {أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} ~~ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك/، العليم بجميع ~~خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم. # ثم قال تعالى: {بل قالوا أضغاث أحلام}. # أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام. أو هم أضغاث أحلام. ~~أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا ~~رآها في النوم. # " الأضغاث " الأخلاط. ومنه {وخذ بيدك ضغثا}. # وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه. # وقال بعضهم: بل محمد. . . شاعر، فنقض بعضهم قول بعض. # ثم قالوا بعد ذلك. ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالو: ~~{فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون} أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، ~~كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه. وذلك ms1593 ~~منهم تعنت، لأن الله تعالى قد PageV07P4729 # أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت " بل " في هذا وليس في ~~الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت " بل " لذلك. # ثم قال تعالى ذكره: {مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ}. # في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من ~~الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من ~~الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، مآ آمن قبل هؤلاء الذين ~~كذبوا محمدا من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء ~~الآية. # {أفهم يؤمنون} استفهام معناه التقرير. أي: فهؤلاء المكذبون محمدا ~~السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية. فلم يبعث الله تعالى إليهم آية ~~لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب. وقد تقدم في علمه أن ~~ميعادهم الساعة. # قال تعالى: {بل الساعة موعدهم} [القمر: 48]. فلما كان أمر هذه الأمة ~~وعقوبتها، أخرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به ~~من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم ~~الماضية. # ثم قال: {ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} أي: وما أرسلنا قبلك يا ~~محمد من الرسل إلا رجالا مثل الأمم المرسل إليها. يوحي الله إليهم ما يريد. ~~أي: لم يرسل PageV07P4730 # ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ # وهذا جواب لقول المشركين: {هاذآ إلا بشر مثلكم}. # ثم قال: {فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. # أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل ~~التي أتتهم بالكتب إلا رجالا مثلهم. # قال سفيان: " يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل ". # ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل. # وروي عن عبد الله بن سلام: " أنه قال: " نزلت في {فاسئلوا أهل الذكر} ~~فهذا يدل على أن " الذكر " التوراة. # وقال قتادة: {أهل الذكر}: " أهل التوراة ". # وقيل: {أهل الذكر} " أهل القرآن " من آمن منهم. # وقال علي: " نحن أهل الذكر ms1594 ". # وقال ابن زيد: " الذكر: القرآن. لقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر} ". PageV07P4731 # ثم قال تعالى: {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام}. # أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسدا لا يأكلون ~~الطعام. أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام. # وقال قتادة: معناه: " ما جعلناهم جدسا إلا ليأكلوا الطعام ". # وقال الضحاك: معناه: " لم أجعلهم جسدا لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ~~ولكن جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون الطعام ". والجسد وحد وقبله جماعة، ~~لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقا لا يأكلون الطعام. # والتقدير: ذوي جسد. وهذا جواب لقوهم {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام} ~~[الفرقان: 7]. فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون. وهو ~~معنى قوله: وما كانوا خالدين. # ثم قال تعالى: {ثم صدقناهم الوعد}. # أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها. ~~كقوله تعالى: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه} [المائدة: 115]. # {فأنجيناهم}. # أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها. {ومن نشآء} أي: وأنجينا من ~~نشاء، PageV07P4732 # يعني: من آمن بالرسل، {وأهلكنا المسرفين} يعني: الذين أسرفوا/ على أنفسهم ~~فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفرا بذلك، فهو إسرافهم. # ثم قال تعالى: {لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم}. يخاطب قريشا. أيك فيه ~~شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم. وهو قوله: {وإنه لذكر لك ~~ولقومك} قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: {فيه ذكركم} أي: حديثكم. # وقال سفيان: " نزل القرآن بمكارم الأخلاق "، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به. # والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه ~~رفيعا مذكورا بالشرف والفضل. # وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذكرناكم به أمر دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم ~~فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا. وقد قال الله تعالى: PageV07P4733 # {إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار} [ص: 46]. أي اخترناهم ليذكروا أمر ~~معادهم وآخرتهم. وفيه قول آخر، تراه في موضعه. # وقوله: {أفلا تعقلون}. # تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما ~~أخبرناكم به. # قوله ms1595 تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} إلى قوله: {عما يفعل وهم ~~يسألون}. # المعنى: وكثيرا أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرهم ف " كم " في ~~موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير. وانقصم أصله الكسر. يقال ~~انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته. # وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قربتان، فبطر أهلها وأترفوا ~~حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبيا فدعاهم، فقتلوه، ~~فألقى الله في نفس بخث نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشا، فهزموه، ثم بعث آخر ~~فهزموه. فخرج PageV07P4734 # إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: {لا تركضوا وارجعوا ~~إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم}. فرجعوا، فسمعوا صوتا يقول: يا لثارات النبي ~~فقتلوا كلهم. فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف. # قال مجاهدك " قصمنا ": أهكلنا. وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن ~~المعنى مفهوم. # ثم قال: {وأنشأنا بعدها قوما آخرين} أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين ~~قوما آخرين سواهم. # ثم قال: {فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون}. # أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم ~~مما أحسوا يركضون. أي: يهربون سراعا يعدون. وأصله من ركض الدابة إذا حركت ~~رجليك عليها فعدت. # فقوله: {فلمآ أحسوا بأسنآ}. PageV07P4735 # لا يرجع إلى قوله: {قوما آخرين} لأنه لم يذكر لهم ذنبا يعذبون من أجله، ~~لكنه راجع إلى قوله: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة}. # ثم قال: {لا تركضوا}. # أي: لا تفروا ولا تهربوا. {وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه}. أي: إلى ما ~~أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، {ومساكنكم لعلكم تسألون} أي: تسألون عن دنياكم ~~شيئا. على وجه السخرية بهم والاستهزاء. قاله: قتادة. # وقال مجاهد: {لعلكم تسألون} أي: تنتهون. # وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئا مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على ~~التهدد. # وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب. # ثم قال تعالى: {قالوا ياويلنآ إنا كنا ظالمين}. # أي: قالوا لما حل عليهم العذاب: يا ويلنا. وهي كلمة يقولها ms1596 من وقع في ~~هلكة وتقال لمن وقع في هلكة. PageV07P4736 # {إنا كنا ظالمين} بكفرنا بربنا. # ثم قال تعالى: {فما زالت تلك دعواهم}. # أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم. # {حتى جعلناهم حصيدا خامدين}. # أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع أفصاروا مثل الحصيد من ~~الزرع. {خامدين} أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ. # قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: " حصدوا قتلا بالسيف ". # قال قتادة: " لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هجيري إلا قولهم: يا ويلنا، ~~إنا كنا ظالمين. # حتى دمر الله تعالى عليهم فأهلكهم. # قال ابن عباس: " خامدين خمدوا النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان ~~والندم/ عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف. وإذا رفع ~~التكليف، ارتفع القبول. وإنما القبول منوط بالتكليف. # ثم قال تعالى: {وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين}. # أي: ما خلقناهما لعبا وعبثا، إنما خلقناهم حجة عليكم أيها الناس، ~~لتعتبروا PageV07P4737 # وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا ~~له. # وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعبا ولا باطلا، أي: ليظلم بعض ~~الناس بعضا، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون ~~بأفعالهم. # وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعبا، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن ~~قبح. # ثم قال تعالى: {لو أردنآ أن نتخذ لهوا}. # أي: زوجة وولدا، {لاتخذناه من لدنآ} أي: من عندنا. أي مما نخلق. لكنا لا ~~نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله. # قال الحسن: اللهو: المرأة. وقاله مجاهد. # وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة. # وقال ابن عباس: " لهوا: ولدا ". PageV07P4738 # وقيل: لهوا: نكاحا. # وقوله: {إن كنا فاعلين}. # أي: ما كنا فاعلين. قاله قتادة. # وقيل: إن: للشرط. والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله. # واقل ابن جريج: " قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده. تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. فأنزل الله: {لو أردنآ أن نتخذ} الآية. # ومعنى: " من لدنا " عند ابن جريج: " من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من ~~أهل الأرض ms1597 الذي تلحقهم الآفات والنقص ". # {إن كنا فاعلين} أي: ما كنا نفعل ذلك. # ثم قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل}. # قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان. وكذلك كل ما في القرآن من PageV07P4739 # الباطل فهو الشيطان عنده. وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل ~~القرآن على الكفر وأهله {فيدمغه} أي: فيهلكه. ولذلك قيل للشجة التي تبلغ ~~الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها. # قوله {فإذا هو زاهق}. # أي: ذاهب مضمحل. # ثم قال تعالى: {ولكم الويل مما تصفون}. # أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولدا وزوجة. # وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه. # ثم قال تعالى: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده}. # أي: كيف يجوز أن يتخذ ولدا من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من ~~الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه {ولا ~~يستحسرون} أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته. # " وعند " في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب ~~المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا ~~صاحبته، وكل من PageV07P4740 # في السماوات والأرض عبيده، فيكف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما ~~تفترون من الكذب على ربكم. # ثم قال تعالى: {يسبحون اليل والنهار لا يفترون}. أي: لا يكلون من ~~تسبيحهم. # قال كعب: " التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم ". # وعنه أنه قال: " الهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس ". # وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب. قال: " إن ~~لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين وركوعا ما ~~رفعوا أصلابهم، وآخرين سجودا ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة ~~الآخرة، فيقولون جميعا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ~~ثم قال: والله لو أن رجلا عمل عمل سبعين نبيا لا ستقل عمله من شدة ما يرى ~~يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع ms1598 الشمس، لغلت منه جماجم قوم ~~من مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلا خر PageV07P4741 # جاثيا على ركبتيه ". # وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: " أن ملكا لما استوى الرب جل ~~ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة. فيقول يوم ~~القيامة: لم أعبد حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ من دونك ~~وليا ". # وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: " إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل ~~الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء. وجزأ الملائكة/ عشرة أجزاء فجعل ~~تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءا لرسالته. وجزأ سائر الخلق ~~عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءا. وجزأ بني آدم عشرة ~~أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءا ". # وعنه أيضا أنه قال: " الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون ~~الذين يسبحون الليل والنهار لا يفتون، وجزءا واحدا لرسالته ولما شاء من ~~أمره ". # وقال ابن عباس: " كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة ". # ثم قال تعالى: {أم اتخذوا آلهة من الأرض}. # أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: {هم ينشرون} أي: هذا الآلهة تحيي ~~الموتى. بل الله هو الذي يحيي الموتى. # وقرىء {هم ينشرون} بفتح الياء. والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبدا، كالله PageV07P4742 # الحي الذي لا يموت. # ثم قال تعالى: {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا}. # أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير والله. و " إلا " بمعنى: غير: ~~فاعرب الاسم الذي بعد " إلا " كإعراب " غير " لو ظهرت فرفع. # هذا مذهب البصريين وسيبويه. # وقال الفراء: " إلا " بمعنى سوى. ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو ~~إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد ~~أحدهما، عجز الآخر. والعاجز لا يكون إلها. وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ~~ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ~~ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد. # ثم قال ms1599 تعالى: {فسبحان الله رب العرش عما يصفون} أي: فتنزيه لله تعالى ~~وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب. # ثم قال تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}. # أي: لا سائل يتعب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ~~ذلك وجميع الخلق. مسؤولون عن أفعالهم ومحاسبون عليها. # قوله تعالى: {أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم} إلى قوله: {كل ~~شيء حي أفلا يؤمنون}. # المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت. ~~قل PageV07P4743 # لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: ~~هاتوا حجة ودليلا على صدقكم. # وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة. وهو بعيد لقوله: " هم ينتشرون " لأنه يصير ~~أنه أوجب ذلك لهم. وذلك لا يجوز. # ثم قال: {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي}، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن ~~خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على ~~معصيتهم إياه، وكفرهم به. " وذكر من قبلي " من الأمم التي سلفت قبلي. أي ~~خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة. # قال قتادة: " ذكر من معي " القرآن فيه الحلال والحرام. " وكذكر من قبلي " ~~ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وماهو صانع بهم وإلى ما صاروا. # وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي. # وقيلأ: المعنى: " وذكر من قبلي " يعني الكتب المتقدمة. أي: هذا القرآن ~~وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها. أن الله اتخذ ولدا، ولا كان معه ~~إله. فالمعنى PageV07P4744 # على هذا أنه جواب ورد لقوله: {أم اتخذوا من دونه آلهة}. # وقوله: {لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا} أي: هذا ذكر من معي وهو ~~القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو ~~فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلها من دونه. ول فيهما إلا أن الله ~~إله واحد. ودل على ذلك ms1600 كله أيضا قوله بعد ذلك: {ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}. # وقرأ يحيى بن يعمر " هذا ذكر " من معي " وذكر " من قبلي بالتنوين وكسر ~~الميم من " من " وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلى وذكر مما قبلي. # وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجها. # ثم قال: {بل أكثرهم لا يعلمون الحق} أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ. فهم ~~معرضون عن الحق جهلا به. # وقال قتادة: " معناه: فهم معرضون عن كتا بالله. # وقرأ الحسن: " الحق " بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق. # ثم قال تعالى: {ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون}. # أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله PageV07P4745 # وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه/، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة ~~شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة. # كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48]. # ثم قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا}. # أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولدا من ملائكته " سبحانه " ينزه ~~نفسه وبيرؤها مما قالوا: {بل عباد مكرمون}. # أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد ~~مكرمون. # وقيل: عهنى به، الملائكة وعيسى عليه السلام. # قال قتادة: " قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم ~~الملائكة، فقال الله تكذيبا لهم: " بل هم عباد مكرمون ". # وعنه أيضا أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك. # ثم قال: {لا يسبقونه بالقول}. # أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة. {وهم بأمره يعملون} أي: لا ~~يأمرون حتى يأمر. PageV07P4746 # وقيل: يعملون ما أمروا به. # ثم قال تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}. # أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون. {وما ~~خلفهم} أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما ~~عملوا فيه. # قال ابن عباس: معناه: " يعلم ما قدموا ms1601 وما أضاعوا من أعمالهم ". # ثم قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}. # أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. # قال ابن عباس: " إلا لمن ارتضى " أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله ~~وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال ~~مجاهد: " لمن رضي علمه ". # ثم قال: {وهم من خشيته مشفقون}. # أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون. # ثم قال تعالى: {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم}. # أي: من يقل نم الملائكة إن إله من دون الله فثوابه جهنم. # وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة PageV07P4747 # غيره. قاله: ابن جريج وقتادة. # ثم قال: {كذلك نجزي الظالمين}. # أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لايجب من الألوهية. # ثم قال تعالى: {أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما}. # أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان ~~كل واحد منهما لا صدع فيه. لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، {ففتقناهما}. ~~أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من ~~الأرض النبات. هذا معنى قول عكرمة. قال: " فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض ~~بالنبات وهو قوله: {والسمآء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع} # [الطارق: 11 - 12] وهو أيضا قول عطية وابن زيد. وهذا القول اختيار ~~الطبري، لأن بعده: {وجعلنا من المآء كل شيء حي} أي: من الماء الذي فتقنا ~~السماء به. ووحد رتقا، لأنه مصدر. يقال: رتق فلان الفتق. إذا سده، فهو ~~يرتقه رتقا. # وقيل: معنى: الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن ~~وقتادة. PageV07P4748 # وقال مجاهد: " كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات ~~وكذا الأرض. وهو قول أبي صالح والسدي. # وعن ابن عباس أن المعنى: " أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن ~~الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار ". # وقوله: " إن السماوات " تدل على قول مجاهد. # وقد ms1602 قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء. # وقيل: إنما قال: " السماوات " لأن املطر وري أنه ينزل من السماء السابعة. ~~وروي أنه ينزل من الرابعة. وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه ~~خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة. # وقوله: " كانتا "، ولم يقل " كن "، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال ~~تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} [فاطر: 41] وقيل: إنما كان ~~ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل. # وقوله تعالى: {وجعلنا من المآء كل شيء حي}. PageV07P4749 # أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتا ~~إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء. # وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] ~~حي. # وقيل: عنى بالماء هنا، النفطة خاصة. # قوله تعالى: {وجعلنا في الأرض رواسي}. إلى قوله: {فلا تستعجلون}. # أي: وجعلنا الأرض جبالا لئلا تميد بالناس. # قال قتادة/: " كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا ~~وقد خلق الله الجبال أوتادا حتى لا تميد الأرض ". والميد التحرك والدوران. # ثم قال تعالى: {وجعلنا فيها فجاجا سبلا}. # قال قتادة: " فجاجا ": إعلاما. " سبلا ": طرقا. # قال ابن عباس: " وجعلنا فيها فجاجا " أي: في الرواسي. # وعنه: " الفجاج " كل شعب في جبل أو واد له منفذ. PageV07P4750 # وعنه أيضا: " فجاجا " بين الجبال. # والفج في اللغة، الطريق بين الجللين. # وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ~~{لعلهم يهتدون}. أي: يهتدون إلى السير في الأرض. والأرض تؤنث وتذكر. ~~والتأنيث أكثر. وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض. ويجوز في ~~القياس أرضات. # ثم قال تعالى: {وجعلنا السمآء سقفا محفوظا}. أي: سقفا للأرض محفوظا ~~بالملائكة من الشياطين. # وقيل: معناه: محفوظا من أن يقع على الأرض. # وقيل: محفوظا بالنجوم من الشياطين. وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ~~{وحفظا من كل شيطان مارد} [الصافات: 7]. # وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف. ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. PageV07P4751 # وروى ms1603 الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السماء موج مكفوف ~~". # قال قتادة: {سقفا محفوظا} أي: مرفوعا، وموجا مكفوفا. # ثم قال تعالى: {وهم عن آياتها معرضون}. # أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر ~~فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته. # ثم قال تعالى: {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر}. # أي: ابتدعها. فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره. # قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: ~~أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاص، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا ~~أن الليل قبل النهار. # والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني. # واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وكذلك النهار، واليوم ~~ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى ~~غروبها. PageV07P4752 # حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل ~~والنهار. # وقد يقع اليوم، اسما للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها. وذلك مما جرت به ~~العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارق ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، ~~أنه اسم للزمان الذي تعبد الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر ~~اللغات. # وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا. # وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب. # ثم قال تعالى: {كل في فلك يسبحون}. # قال مجاهد: " الفلك " كهيئة حديدة الرحى. وقاله ابن جريج. # وقال الضحاك: " الفلك " هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها. # وقيل: " الفلك ": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: " ~~الفلك " القطب الذي تدور به النجوم. # وقال ابن عباس وقتادة: " في فلك السماء ". PageV07P4753 # وقال ابن زيد: " الفلك " الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس ~~والقمر. وقرأ: {تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا} [الفرقان: 61]. وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في ~~الأرض. # وعن الحسن أن ms1604 الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل. # وقال: " يسبحون " لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. فأتى بالواو والنون ~~في فعلها. # ومعنى: " يسبحون " يجرون وينصرفون ويدرون. # ثم قال تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}. # أي: ما خلدنا أحدا من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها. أفئن مت ~~فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا. وتقديره: أهم الخالدون إن مت. # ثم قال تعالى: {كل نفس ذآئقة الموت}. # أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه. # {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}. # أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر ~~صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء. PageV07P4754 # وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى ~~والفقر والحلال والحرام والطاعة/ والمعصية والهدى والضلالة. # ثم قال تعالى: {وإلينا ترجعون}. # أي: تردون فتجازون بأعمالكم. والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في ~~القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ~~ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع ~~أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير. فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، ~~فافهمه. # ثم قال تعالى: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا}. # أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك. يقول بعضهم لبعض: {أهذا الذي يذكر ~~آلهتكم} بسوء ويعيبها، تعجبا من ذلك. فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي ~~لا تضر ولا تنفع. وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون # ثم قال تعالى: {خلق الإنسان من عجل}. # يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة. # وقال ابن جبير: " لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله ~~تعالى: {خلق الإنسان من عجل}. # وقال سلمان الفارسي: " لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو PageV07P4755 # يخلق، قال وبقيت رجلاه. # فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل. فقال: {خلق الإنسان من ~~عجل}. ذكره ابن وهب عن رجاله. # وقال قتادة: " معناه: خلق الإنسان عجولا. # وقال السدي: لما نفخ ms1605 الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقال له ~~الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال الله تعالى له: رحمك ربك. ~~فلما دخل الروح في عينيه. نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى ~~الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين ~~يقول: {خلق الإنسان من عجل}. # وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه ~~على استعجال. قاله ابن جريج: وغيره. # قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق. ~~فلما آتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل ~~بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: {خلق الإنسان من عجل}. PageV07P4756 # وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل. خلق آدم آخر النهار من يوم ~~الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولا. # وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، ~~لأنه إنما قال له كن فكان. فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو ~~مقلوب. والمعنى: خلق العجل من الإنسان. # وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين. # ثم قال: {سأوريكم آياتي فلا تستعجلون}. # أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه " فليأتنا ~~بآية " فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم. # قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد} إلى قوله: {ياويلنآ إنا كنا ~~ظالمين}. # أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى ~~الموعود. كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق. والوزر بمعنى الموزور. {إن كنتم ~~صادقين} يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. # و" متى " في موضع رفع عند البصريين. وفي موضع نصب عند الكوفيين PageV07P4757 # وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب. يقول: متى وعدك؟ فالجواب ~~عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعا. لو قلت ~~يوم قريب ونحوه رفعت. # وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع ~~الأولى لأنه نكرة. ونصب الثاني لأنه معرفة. ms1606 والرفع عند البصريين، في جميع ~~هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكنا تقول: موعدك غدوة وبكرة فترفع. فإن قلت ~~موعدك بكرا. نصبت لأن بكرا غير متمكن. ويدل على صحة البصريين إجماع القراء ~~المشهورين على الرفع في قوله: {موعدكم يوم الزينة} [طه: 59]. # ثم قال تعالى: {لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار}. # أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح ~~وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي " يكفون " ~~ضمير " المشركين ". {ولا هم ينصرون} أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله ~~يستنقذهم منه/. # وفي الكلام حذف. قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم. PageV07P4758 # وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه. فقالوا: متى هذا ~~الوعد، فهو جواب " لو " محذوف لعلم السامع. # وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لا تعظوا وازدجروا عن كفرهم. # وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة. # فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيه. ودل ~~على هذا المعنى قوله: " بل تأتيهم بغتة " هذا قول الكسائي ومثله، {لو ~~تعلمون علم اليقين} [التكاثر: 5]. # أي: لو علمتم ذلك يقين ما ألهاكم التكاثر. # ثم قال تعالى: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا}. # أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل ~~عليهم العذاب. # ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: {لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ~~منا يصحبون} فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره. PageV07P4759 # وقوله: {ولا هم منا يصحبون}. # أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير. قاله قتادة. # وقال مجاهد: {يصحبون}. أي: ينصرون. # وعن مجاهد أيضا: {يصحبون} يحفظون. # وعن ابن عباس: {يصحبون} يمنعون. # وعن ابن عباس: {ولا هم منا يصحبون} أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ~~{وهو يجير ولا يجار عليه} وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على ~~الكفار. # ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على ~~الكفار. # ثم قال ms1607 تعالى: {بل متعنا هؤلاء وآبآءهم حتى طال عليهم العمر}. # أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر. وهم ~~على كفرهم مقيمون. # {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ}. # أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا ~~أهلها PageV07P4760 # وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. # وقال قتادة: {ننقصها من أطرافهآ} يعني بالموت. # وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة. # ثم قال تعالى: {أفهم الغالبون}. # هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون. ولكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الغالب. # ثم قال تعالى: {قل إنمآ أنذركم بالوحي}. # أي: بالقرآن. # {ولا يسمع الصم الدعآء}. # أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعا ينتفع به، إنما ~~ينتفع به المؤمن. فعني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله. فمن أعرض عن قبول ~~شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به. # ثم قال تعالى: {ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك}. # أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، " يقال: نفخ فلان لفلان من عطائه ~~إذا أعطاه قسما أو نصيبا من المال. PageV07P4761 # وقال قتادة: نفحة: عقوبة. # وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة. # وقيل: " نفحة "، أقبل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه. {ليقولن ياويلنآ إنا ~~كنا ظالمين}. # أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم ~~علينا. # قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط} إلى قوله: {إنه لمن الظالمين}. # أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة. " اللام ": بمعنى: " في ". ~~وقيل: " اللام " على بابها. والتقدير لأهل يوم القيامة. # {فلا تظلم نفس شيئا}. # أي: لا يؤخذ/ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعلمه، أو يسقط له عما عمله من ~~خير. # قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8]. # وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن. # ويروى أنه إنما يوزن خواتمها. PageV07P4762 # وقال سلمن الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين ms1608 ~~السماوات والأرض، لوسعتهن. فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن ~~شئت من عبادي. # فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك. # وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل صلى الله عليه وسلم وشرف ~~وكرم. # وعن مجاهد: " الموازين ": العدل. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يذكر أحد حميمه عند الميزان ". # وقوله: {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها}. # أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، ~~جئنا بها، فوفينا كلا ما عمل. # وقال ابن زيد: " أتينا بها " أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه. PageV07P4763 # وقرأ مجاهد: " أتينا بها، بمعنى: جازينا بها. # {وكفى بنا حاسبين}. # أي: وكفينا حاسبين. أي حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين. إذ لم ~~يغب عنا من أعمالهم شيء. " وحاسبين " نصب على الحال، أو على التمييز. # وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: " القطط " بالصاد، لأجل الطاء ~~والأصل، السين. # ثم قال تعالى: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين}. # أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. وهو التوراة، PageV07P4764 # قاله قتادة. # قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين ~~فرعون. قضى بينهم بالحق، وهو مثل: {ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} ~~[الأنفال: 41] يعني: يوم بدر. وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء. ~~فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم. وفي دخول الواو في ~~" وضياء " دليل علكى أن الضياء غير الفرقان. # وقوله: {وذكرا للمتقين} أي: وذكرا لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب ~~أن يعاقبه في الآخرة. # {وهم من الساعة مشفقون}. # أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما ~~يجب عليهم من طاعته. # وقرأ ابن عباس: " الفرقان ضياء " بغير واو. # فيكون الفرقان على هذا القراءة التوراة بغير اختلاف. PageV07P4765 # ثم قال تعالى: {وهذا ذكر مبارك}. # يعني القرآن. # {أفأنتم له منكرون}. # تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: {أضغاث أحلام بل افتراه بل ~~هو شاعر}. ثم قال: {ولقد آتينآ ms1609 إبراهيم رشده من قبل}. # أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون. # قال مجاهد: " معناه: هديناه صغيرا ". # وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكبا في ~~السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي. فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين. ~~ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر. ثم قال: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين} [الأنعام: 79]. # وقوله: {وكنا به عالمين}. # أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله. إذ قال لأبيه: " أي حين {قال لأبيه ~~وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون}. # أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون. يعني أصنامهم التي كانوا ~~يعيدون. # ثم قال: {قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين}. # أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنا وجدنا آباءنا لها ~~عابدين. PageV07P4766 # قال لهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم: { لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال ~~مبين} أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه لأصنام. # " مبين " أي: ظاهرين. قالوا لإبراهيم {أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} ~~أي: أحق ما تقول. أم أنت لاعب من اللاعبين. # قال لهم إبراهيم: {بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن} أي: بل جئتكم ~~بالحق لا باللعب. " ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن " أي: خلقهن. {وأنا ~~على ذلكم من الشاهدين} أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات ~~والأرض/ دون التماثيل التي تعبدون. # ثم قال: {وتالله لأكيدن أصنامكم}. # أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سرا من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي ~~أفشاه عليه. إذ قال: {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} [الأنبياء: ~~60]. # قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: " ~~إني سقيم "، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: " سمعنا ~~فتى يذكر يقال له إبراهيم ". # ثم قال تعالى ذكره: {فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم}. PageV07P4767 # أي: فجعل الأصنام حطاما إلا صنما كبيرا لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق ~~الفأس في عنقه ليحتج به ms1610 عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة. # وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته. # وقوله: {لعلهم إليه يرجعون}. # أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفاسها ضر من أرادها، ~~ولم يدفع عنها كبيرها شيئا. # قال السدي: " قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيدا لو خرجت معنا، والله قد ~~أعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض ~~الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع. # فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس {وتالله لأكيدن أصنامكم ~~بعد أن تولوا مدبرين} فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن ~~في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب ~~بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين ~~يدي الآلهة. قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد PageV07P4768 # باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا. فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين ~~أيديها من الطعام. قال: {فقال ألا تأكلون}. فلم تجبه. فقال: {ما لكم لا ~~تنطقون} فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الأكبر، ~~ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: {قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن الظالمين}. # " والجذاذ " بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج. وقيل: هو مصدر كالحطام ~~والرفات. ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، ~~فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال. # وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ. أي: ~~الحطام والفتات، ومنه الجذيذة. # قوله تعالى: {قالوا سمعنا فتى يذكرهم} إلى قوله: {فجعلناهم الأخسرين}. # أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين}، PageV07P4769 # {سمعنا فتى يذكرهم} أي: يذكرهم بسوء. # وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. # {يقال له إبراهيم} أي: يقال له يا إبراهيم. # وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: {قالوا ~~فأتوا به على أعين الناس ms1611 لعلهم يشهدون}. # أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو ~~الذي فعل هذا. # قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. # وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. # ثم قال: {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم}. في الكلام حذف ~~والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ~~قال لهم: {بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} إنه غضب من أن ~~تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. # وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن PageV07P4770 # كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضبا أن تعبد معه ~~وهو كبيرهم. # وقد أتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن إبراهيم عليه ~~السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرههم ~~هذا. وقوله: " إني سقيم " وقوله في سارة: " إنها أختي " وهذا عند أهل العلم ~~غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن/ ليوسف أن ~~يقول مؤذنه لأخوته " إنكم لسارقون " ولم يكونوا سرقوةا شيئا. # وقد خرج العلماء لإبراهيم عليه السلام الأشياء الثلاثة وجوها تخرج إلى ~~غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: " إني سقيم " معناه: مغتم بضلالكم ~~حتى أنا كالسقيم. # وقيل معناه: إني سقيم عندكم، وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. # وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلىلموت، فلا بد من أن ~~يسقم. PageV07P4771 # وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك ~~قول الملكين {بغى بعضنا على بعض} [ص: 22] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن ~~عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. # والمبرد معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. # ثم قال تعالى: {فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون}. # أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى ms1612 عقولهم ~~ونظر بعضهم إلى بضع فقالوا إنكم إيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم ~~إياه وقيلكم له " من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ". # فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. # ثم قال تعالى: {ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون}. # أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، ~~فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل ~~بها هذا. # وقال قتادة: " نكسوا عن رؤوسهم: " انقطعت حجتهم ". يقال: نكس الرجل على ~~رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. PageV07P4772 # وعن قتادة أيضا أنه قال: " أدركت القوم حيرة سوء "، يعني: حين قاله لهم ~~إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. # وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرط بعد المعرفة: قاله: ابن عباس ~~والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم ~~السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. # ثم قال تعالى: {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم}. # أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، ~~فليس ينفع غيره. # ثم قال لهم إبراهيم: {أف لكم}. # أي: قبحا لكم، وشرا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون ~~خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. # وقد تقدم شرح أف في " سبحان ". # ثم قال تعالى: {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين}. PageV07P4773 # أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ~~ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. # روي أن الذي قاله: رجل من اكراد فارس. # وروي أن الله تعالى ذكره خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب ~~فارس يقال لهم الكرد. # ثم قال تعالى ذكره: {قلنا يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}. # في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ms1613 نارا وألقوه فيها، فقلنا يا نار ~~كوني PageV07P4774 # بردا وسلاما. # قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطبا، حتى إن كانت المرأة لتمرض، ~~فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطبا لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا ~~بنيانا وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم ~~عمدوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، فرفعوه على رأس البنيان، ~~فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال ~~والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم ~~فأغيثوه. وقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه إلى/ السماء: اللهم ~~أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غير حسبي ~~الله ونعم الوكيل. # فقذفوه في النار فناداها " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ". فكان ~~جبريل، هو الذي ناداها ". # وقال أرقم " إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار ~~قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك "؟ # قال كعب: " ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت بالنار ~~يومئذ شيئا إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. PageV07P4775 # قال ابن عباس: " لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق ~~يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا ~~إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن لك الرجل هو ملك الظل. ~~وأنزل الله تعالى نارا فانتفع بها بنو آدم وآخرجوا إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل لك دخل عليه ". # قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " لولا أنه قال: " وسلاما " لقتله ~~بردها ". # قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت ~~الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في ms1614 النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز ~~وجل: هو خليلي، ليس لي PageV07P4776 # خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك ~~القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليل ليس ~~لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله ~~عز وجل: { قلنا يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}. فما أحرقت ذلك اليوم ~~عراكا. # وقال قتادة: " كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ ". # وروى عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما كنت أياما قط أنعم مني ~~من الأيام التي كنت فيها في النار. # ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ~~ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. # قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع ~~سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق PageV07P4777 # بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. # وروى معتمر بن سليمان أن جبريل صلى الله عليه وسلم لما جاء إبراهيم وهو ~~يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. # فلا. # ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فملا كسر إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمروج بناء طوله ثمانون ذراعا ~~في عرضه أربعون ذراعا، وأقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به ~~في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني بردا وسلاما على إبراهيم فبردت ذلك ~~اليوم، فلم ينتفع به أحد. ولولا ما قال تعالى: " وسلاما " لآذت إبراهيم ~~ببردها. PageV07P4778 # وروى أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا ~~إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها ~~فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحدا ~~غيره. فقال جبريل صلى ms1615 الله عليه وسلم: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلا، ~~لاتخذك خليلا. فاتخذ الله إبراهيم خليلا، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف ~~نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح ~~بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهمه: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: ~~إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب ~~نمروج حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك ~~لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قالم ملائكة ربي. قال: ~~تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قلا: فاخرج. فانفرج/ له الجحيم فخرج صلى الله عليه ~~وسلم وقد زاده الله جمالا ونورا. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال ~~إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال: نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان ~~يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة ~~آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا ~~إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: ~~أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من PageV07P4779 # أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. # ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى ~~شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في مخره، فما كان يهدأ ليلا ولا ~~نهارا. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. # وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم صلى الله عليه وسلم في النار، لم يؤذه ~~حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. # ويروى أنهم بنوا له بنيانا ارتفاعه أربعون ذراعا وطوله على وجه الأرض ~~ثمانون ذراعا، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق ~~وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم، ~~ولو لم يقل تعالى ذكره: " وسلاما " لمات إبراهيم ms1616 من البرد في وسط النار، ~~فكان إبراهيم جالسا في النار على زرابية من الجنة. # قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم: جربوها برجل منكم. فألقو فيها رجللا فأكلته. # ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت ~~سبحانك رب العالمين لك الحمد والك الملك لا شريك لك. # وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان ~~والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم. # وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت ~~إلهي، الواحد في السماء وأناع عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. ~~فقال الله تعالى للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم. PageV07P4780 # ثم قال: {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} أي: الهالكين. # قوله تعالى: {ونجيناه ولوطا} إلى قوله: {لنا عابدين}. # أي: ونجينا إبراهيم ولوطا من أعدائهما نمرود وقومه، من أرض العراق الأرض ~~التي باركنا فيها للعالمين. وهي أرض الشام قاله قتادة والحسن، وقاله أبي بن ~~كعب وغيره. وكان لوطا ابن أخي إبراهيم. # ويروى أن سارة زوج إبراهيم أخت لوط، يريدون أخت لوط لأمه، إلا يحل تزوج ~~أخت ابن الأخ لأب أو لأب وأم. ولوط هو ابن هارون بن بارح أبي إبراهيم. ~~وهارون هو أخو إبراهيم. كان نمرود إله أريكوثا من أرض العراق فهاجر إلى أرض ~~الشام، خرجا إليها مهاجرين. # ويروى أن جميع الأمواه العذبة تخرج من تحت الصخرة التي ببيت المقدس. # ويقال: هي أرض المحشر والمنشر. وبها تجتمع الناس وبها ينزل عيسى، وبها ~~يهلك الله مسيح الضلال الكاذب الدجال. # قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجرا، وتزوج ~~إبراهيم سارة بنت عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على PageV07P4781 # عبادة ربه، حتى نزل حران، فمكث بها ما ش اء الله أن يمكث. ثم خرج منها ~~مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج من ms1617 مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين ~~وهي برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة. وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة ~~وأقرب من ذلك، فبعث الله نبيا. # وقيل: إن سارة إنما هي بنت ملك حران، تزوجها واشترط لها ألا يغيرها. وكان ~~لوط ابن أخت إبراهيم. وكان مسك لوط بحران. # وقال ابن عباس قوله: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}. مكة ونزول ~~إسماعيل البيت، ودل على ذلك قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} [آل ~~عمران: 96]. # ثم قال تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} أي: ولد الولد/ فالنافلة ~~يعقوب. قاله: ابن عباس وقتادة. PageV07P4782 # وقال ابن جريج: النافلة: إسحاق ويعقوب. # ومعنى النافلة: عطية. أي: وهبناهما له عطية من عندنا وكذلك قال مجاهد. ~~فعلى القول الأول، يقف على " إسحاق " وعلى هذا القول، لا تقف عليه. # ثم قال تعالى: {وكلا جعلنا صالحين}. # أي: وكلهم جعلنا عاملين بطاعة الله. # ثم قال: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}. # أي: أئمة يهتدى بهم في أمر الله، قاله قتادة. # وقيل: جعلهم أئمة يؤتم بهم في الخير. # وقيل: المعنى: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونههم إلى الله ~~وإلى عبادته. # {وأوحينآ إليهم فعل الخيرات}. PageV07P4783 # أي: أن أفعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، أي: أمرناهم بذلك. ~~فالمصدرن يقدر بأن والفعل. # ثم قال تعالى: {وكانوا لنا عابدين}. # أي: خاشعين لا يستكبرون عن عبادتنا. # و" عابدين " وقف إن نصبت " ولوطا " بإضمار فعل. أي: واذكر لوطا. # قوله تعالى: {ولوطا آتيناه حكما وعلما} إلى قوله: {فهل أنتم شاكرون}. # المعنى: وآتينا لوطا آتيناه حكما وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلما بأمر ~~دينه. {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث}، أي: من العذاب الذي نزل ~~بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور ~~في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فاخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى ~~الشام حينأ راد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء " فاسقين ". أي: ~~خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره. # ثم قال: {وأدخلناه في رحمتنآ}. # أي: أنجيناه ms1618 من العذاب فدخل في الرحمة. # وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام. PageV07P4784 # {إنه من الصالحين}. # أي: من العالمين بطعة الله. # ثم قال تعالى ذكره: {ونوحا إذ نادى من قبل}. # أي: واذكر نوحا إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك ~~قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ~~ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في ~~الأرض. # ثم قال: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا}. # أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرناقهم أجمعين، لأنهم ~~كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. ف " من " بمعنى " على ". # ثم قال: {وأدخلناه في رحمتنآ} أي: بالنجاة. # وقيل: في الإسلام. # " إنه من الصالحين " من العالمين بطاعة الله. # ثم قال تعالى: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم}. # أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث. # قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلا. PageV07P4785 # وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرما قد أنبت عناقيده. # يقال: نفشت الغننم، إذا رعت ليلا. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار ~~قيل: سرحت وسربت وهملت. # قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار. # وقوله: {وكنا لحكمهم شاهدين} أي: الحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما ~~بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب. # ثم قال تعالى: {ففهمناها سليمان} أي: ففهمنا القضة سليمان دون داود، ~~{وكلا آتينا حكما وعلما} أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في ~~هذه السورة. {آتينا حكما} يعني النبوة وعلما بأحكام الله. # قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلا، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى ~~بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم ~~أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. ~~فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها ~~وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. # فإذا رجع إلى PageV07P4786 # حاله، سلم ms1619 الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح ~~وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا ~~أفسدت زرعا ليلا أو نهارا أنه لا يلزم أصحابها شيء/. # قال: هو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: # " العجماء جبار " ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة. # وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود ~~وسليمان ومحمد صلى الله عليه وسلم. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها ~~بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل. PageV07P4787 # وقال أبو حنيفة: لا ضمان. # ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " جرح العجماء جبار " إنما يعني به ما ~~أصابت البهيمة فلا أرض فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد ~~أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف ~~فيها إلا خلاف من لا يعد خلافا. فإذا الزم ما أصابت بيديها الدابة فليس ~~بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت ~~بالليل. وهو قول مالك والشافعي. # فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية ~~من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم ~~لازما، فلما فرطوا ضمنوا الجناية. # ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتا لقوم، فقضى رسول الله عليه ~~السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت ~~مواشيهم بالليل. PageV07P4788 # وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزغم أنه منسوخ بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " العجماء جبار " والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد ~~أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم ~~يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمدا ~~صلى الله عليه وسلم وجميع العلماء. " وجبار " مشتق من جبرت العظم، إذا ~~لامته، وجبرت الرجل، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته ~~الدابة عنه من غير أن يكون ms1620 له فيه فعل. # ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة ~~كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء. # وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعا فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب ~~الزرعغ الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له ~~صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، ~~دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته. # وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. # فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، ~~فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. ~~وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلا ~~آتينا حكما وعلما. PageV07P4789 # ثم قال تعالى: {وكلا آتينا حكما وعلما}. # قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل. # وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين ~~يدخله الله القلوب من رحمته وفضله. # ثم قال: {وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن}. # أي: يسبحن معه إذا سبح. # وقال قتادة: " معنى " يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. " والطير " يجوز أن ~~يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا ~~غير. # ثم قال: {وكنا فاعلين}. # أي: فاعلين بقدر ما نريد. # وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات. # وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب. # ثم قال تعالى: {وعلمناه صنعة لبوس لكم}. # أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: ~~السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق PageV07P4790 # والسرد داود. # وقوله: {لتحصنكم} أي: ليحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، ~~فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم. # قوله تعالى: {ولسليمان الريح عاصفة} إلى قوله: {وذكرى للعابدين}. # أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة. وعصوفها، شدة هبوبها، تجري بأمر سليمان ~~إلى ms1621 الأرض التي/ باركنا فيها، يعني إلى أرض الشام. كانت تجري به وبأصحابه ~~إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام. # وقال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج من مجلسه عكف عليه الطير وقام له ~~الإنس والجن، حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا ~~يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا تاه حتى يذله، كان إذا أراد الغزو، أمر ~~بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه النساس والدواب ~~وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ~~ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استفلت، أمر الرخاء، فمرته شهرا في روحته ~~وشهرا في غدوته إلى حيث أراد. وهو قوله تعالى ذكره: {فسخرنا له الريح تجري ~~بأمره رخآء حيث أصاب} وقوله: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر}. # ثم قال تعالى: {وكنا بكل شيء عالمين}. # أي: بصلاح كل الخلق، وبما أعطينا سليمان مما فيه صلاح له وللخلق، عالمين ~~بذلك، لا يخفى علينا منه شيء. PageV07P4791 # ثم قال تعالى: {ومن الشياطين من يغوصون له}. # أي: وسخرنا له من الشياطين قوما يغوصون له في البحر، " ويعملون عملا دون ~~ذلك " يعني البنيان والتماثيل والمحاريب وغير ذلك من الأعمال. # قال الفراء: دون ذلك: أي: سوى ذلك. # فإن قيل: كيف تهيأ للجن هذه الأعمال من البنيان العظيم واستخراج الدر من ~~قعور البحار وغير ذلك، وأجسامهم رقيبة ضعيفة لا تقدر على حمل الأجسام ~~العظام ولا تقدر على ضر الناس إلا بالوسوسة لضعفهم ورقة أجسامهم. فالجواب ~~أن الذين سخروا لهذه الأعمال أعطاهم الله قوة على ذلك، وذلك من إحدى ~~المعجزات لسليمان. فلما مات سليمان، سلبهم الله تعالى تلك القوة، وردههم ~~على خلقتهم الأولى، فلا يقدرون الآن على حمل الأجسام الكثيفة ونقلها. ولو ~~أظهروا ذلك، وقدروا عليه، لدخلت على الناس شبهة من جهتهم وتوهينا لمعجزات ~~الرسل. وكذلك سخر الطير له بأن زاد في فهمها عنه وقبولها لأمره، وخوفها ~~عقابه، وذلك من معجزات سليمان. فلما مات، زال ms1622 ذلك عنها، ورجعت إلى ما خلقت ~~عليه. # ثم قال تعالى: {وكنا لهم حافظين}. # أي: لأعمالهم وأعدادهم وطاعتهم له، حافظين. # وقيل: المعنى: وكنا لهم حافظين، أن يفسدوا ما عملوا. PageV07P4792 # وقيل: حافظون لهم أن يهربوا منه ويمتنعوا عليه فحفظهم بما شاء من ملائكة ~~أو جن مثلهم طائعين لله. # ثم قال تعالى: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر}. أي: واذكر يا محمد ~~أيوب حين نادى ربه، وقد مسه الضر والبلاء. # رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ما به من ~~ضر. ويروى أنه ما نادى إلا بعد تسع سنين، وكان الضر الذي نزل به اختبارا من ~~الله تعالى له، وامتحانا. وكان الله قد وصع عليه في دنياه، وأعطاه ولدا ~~وأهلا، فاختبره الله بهلاك ماله فشكر وعلم أنه من عند الله. ثم ابتلاه ~~بذهاب أهل وولده فصبر وشكر، ثم ابتلاه بالبلاء في جسمه، فتناثر لحمه، وتذود ~~جسمه وعظم عليه البلاء حتى أخرجه أهل بلده من قريتهم، ورموه على تل من ~~الأرض خارج القرية وكان إبليس في خلال تلك المحن يتصور له ويستفزه أن يكفر ~~بنعم الله أو بغضم لما حل عليه، ولم يجد فيه إحالة عن شكره وذكره، ولم يبق ~~من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له، وإبليس اللعين يتلطف أن يستفز ~~أحدهما بزلة أو كفر، فلم يقدر على ذلك. # قال وهب بن منبه: فبلغني أنها التمست له يوما من الأيام ما تطعمه، فما ~~وجدت شيئا حتى جزت قرنا من رأسها فباعته برغيب فأتته فعشته أياه. قال وهب: ~~فلبث في ذلك البلاء ثلاث سنين. PageV07P4793 # وقال الحسن البصري: مكث في ذلك البلاء تسع سنين وستة أشهر ملقى على رماد ~~في جانب القرية، فلما اشتد بلاؤه وعظمت مصيبته أراد الله تعالى أن يفرج ~~عنه، فقيل له: يا أيوب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقد ~~وهبت لك أهلك ومثلهم معهم وولدك ومثلهم معهم، وعمرك ومثله معه، لتكون لمن ~~خلفك آية وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين. فركض ms1623 برجله، وانفرجت له ~~عين فدخل فيها فاغتسل. فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج ~~وجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضعجعه، فلم تجده، وقامت كالواهلة ملتدمة، ~~ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ قال: لا، ~~ثم تبسم فعرفته واعتنقته. # قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما فارقته من عناقه حتى موجها كل مال ~~لهما وولد. # ويروى أن الله جل ذركه رد عليه أهله ومثلهم معهم، وأمطر عليهم فراشا من ~~ذهب، فجمع حتى ملأ كل ما أراد، وأقبل يشحن في ثيابه فأوحى الله إليه، أما ~~يكفيك ما جمعت حتى تشحن في قميصك؟ فقال أيوب: وما يشبع من خيرك؟ # ويروى أن إبليس اللعين تمثل لامرأة أيوب صلى الله عليه وسلم في هيئة ~~شريفية ومركب له هيبة، وقال [لها]: # أنت صاحبة أيوب المبتلى؟ فقالت: نعم. قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا. فقال: ~~أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني. PageV07P4794 # ولو سجد لي سجدة واحدة لرددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال وولد. # ثم مثل لها أباهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه وقال إن صاحبك أكل طعاما ~~ولم يسمنى عليه لعوفي مما به من البلاء، فرجعت امرأة أيوب إليه، فأخبرته ~~بما قال لها وما أراها فقال لها أيوب، قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك. ثم ~~أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة ضربة. # قال ابن عباس: لما ابتلاه الله بما ابتلاه [ولم يشأ] الدعاء في أن يكشف ~~عنه ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيرا ولا يزيده البلاء في الله ~~إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الكتاب أجله أذن له في الدعاء فدعا، فكشف ~~ما به، ورد عليه مثل أهله وماله الذين ذهبوا، ولم يرج عليه الذي هلك، لكن ~~وعده أن يوليه إياهم في الآخرة، قال مجاهد. قال: خير أيوب أن يرد عليه أهله ~~ومثلهم معهم في الدنيا، أو يعطى في الدنيا مثل ms1624 أهل، ويرد عليه في الآخرة ~~أهله، فاختار أن يردوا عليه في الآخرة ويعطى في الدنيا مثلهم، وقال ابن ~~عباس. # وقال الحسن: رد عليه ماله الذي ذهب ومثلهم معهم من النسل. # ثم قال: {رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}. # أي: ورحمناه رحمة ليتذكروا بذلك ويتعظوا. # وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~مكث أيوب به بلاؤه ثمانية عشر سنة. فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من ~~إخوانه كانا يغدوان PageV07P4795 # ويروحان عليه، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ~~ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، له ثمان عشر سنة بهذا الضر، لم ي رحمه الله ~~فيكشف ما به، فأخبر الذي يقول أيوب بقول صاحبه بحضرتهما، فقال أيوب: ما ~~أدري ما تقولان، غير أن الله يعلم إن كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران ~~الله ويحلفان، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر أن يذكر الله إلا ~~في حق ". # وروي عن الليث أنه قال: " كان الذي أصاب أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ~~ملكهم جبار من الجبابرة في بعض ما كان من ظلمة للناس، فكلموه، فأبلغوا في ~~كلامهم، فرفق أيوب في كلامه مخافة منه على زرعه، فقال الله له: يا أيوب ~~أتقيت عبدا من عبيدي من أجل زرعك، فنزل به ما نزل ذكره ابن وهب ". # وعن الليث أنه قال: " بلغني أنه قيل لأيوب صلوات الله عليه: ما لك لا ~~تسأل الله العافية؟ قال: إني لأستحي من الله أن أسأله العافية حتى يمر بي ~~من البلاء ما مر بي من الرخاء ". # وقيل: إن الذي كان حدث به داء يقال له الأكلة، فكان جسمه يتآكل ويتساقط ~~حتى شغل عن القيام بماله، فذهب ماله وزال جميع ملكه، وحتى أن قومه أخرجوه ~~من جوارهم، فصار في طريق من أطراق البلاد بحيث لا يجد فيه غذاء إلا ما يجده ~~الفقراء الزمناء، وهو صابر مع ذلك، يحتسب، عارف بعدل الله في ذلك أنه لم ~~يختر له، ولافعل به إلا ما ms1625 حسن نظره في باب الدين أو أنه فعل ذلك به ليعوضه ~~من نعيم الجنة ما هو أنفع له وأصلح مما سله من ماله وصحة جسمه، فكان إبليس ~~اللعين يؤذيه PageV07P4796 # بالوسوسة، ويؤذي أهله بذلك، ويوسوس إلى جيرانه في إخراجه عنهم، وإبعاده ~~منهم. # فعند ذلك دعا الله في كشف ما به، فاستجاب له لا إله إلا هو، فكشف ضره، ~~ورزقه من المال والأهل أكثر مما كان قبل ذلك. # قوله: {وذكرى للعابدين} قيل: معنه: ليتعظ العابدون فيما يصيبهم من المحن ~~بأيوب، فيصبروا ويحتسبوا ذلك عند الله، كما فعل أيوب. ولا يجوز لأحد أن ~~يتأول في قوله تعالى: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} فهو الذي أمرضه، وألقى ~~الضر في بدنه، ولا يكون ذلك إلا من عند الله وبأمره وأرادته يفعل ما يشاء، ~~ويبتلي عباده بما يشاء، ليكفر عنهم سيئاتهمه، وليثيبهم بما أصابهم. ففي كل ~~قدر قدره الله على العبد المؤمن خير له، إما في عاجل أمره أو آجله، فعلى ~~هذا يعبد الله من فهم عنه. # وقيل: إن الذي أصابه إبليس، إنما هو ما وسو إليه به وإلى أهله، فكان ذلك ~~الذي شكا به إلى الله. # قوله: {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من} إلى قوله: {ننجي المؤمنين}. # أي: واذكر يا محمد إسماعيل وإدريس وذا الكفل. ذو الكفل رجل تكفل بكفالة ~~من الطاعة لله فأتمه. # روي أن نبيا من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ~~ولا يغضب. فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس. ثم قال: من يتكفل لي أن يقوم ~~الليل ويصوم النهار ولا يغضب. فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس فجلس ~~ثم عاد الثالثة فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فصام النهار وقام الليل ثم مات ~~ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكان فقضى بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه ~~الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضربا ~~شديدا، فقال: من PageV07P4797 # هذا؟ فقال: رجل له حاجة فأرسل معه رجلا فرجع فقال: لا أرضى بهذا الرجل، ~~فأرسل معه ms1626 آخر فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق حتى ~~إذا كان في السوق خلاه وذهب فسمي ذا الكفل. # وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم ~~في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. قال: فجمع الناس فقال: من يتكفل بثلاثة ~~أستخلفه؟ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. قال: فقام رجل تزدريه العيون ~~فقال: أنا وقال مثلها في الثوم الثاني، فقام ذلك الرجل فاستخلفه فجعل إبليس ~~يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم فقال: دعوني وإياه، [فأتاه] في صورة ~~شيخ كبير قبيح الصورة فقير. وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام ~~بالليل والنهار إلا تلك السريعة فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير ~~مظلوم. قال: ففتح الباب وجعل يقص عليه ويطول عليه، حتى حضر الرواح وذهبت ~~القائلة وقال له: إذا رحت فأتني وآخذ لك بحقك. فانطلق وراح وكان في مجلسه ~~فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين ~~الناس فنظره فلم يره، فلما رجع إلى القائلة وأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، ~~فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا ~~قعدت فآتني؟ قال: إن خصمي قوم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك ~~حقك، وإذا نمت جحدني. قال: فانطلق فإذا رحت فأتني فأتته القائلة وراج، وجعل ~~ينظر فلا يراه، وشق عليه النعاس. فقال لأهله من الغد: لا تدعن أحدا يقرب ~~هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم فلما PageV07P4798 # كان تلك الساعة جاء فقال له الرجلأ: وراءك، فقال: إني قد أتيته بالأمس، ~~وذكرت له أمري فقال: لا والله، لقد أمرنا ألا ندع أحدا يقربه، فلما أعياه ~~نظر فرأى كوة فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، ~~فاستيقظ الرجل، فقال: يا أبا فلان، ألم آمرك؟ فقال: أما/ من قبلي والله فلم ~~تؤت، فانظر من أين أوتيت. # فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه. ms1627 وإذا الرجل معه في البيت، ~~فعرفه، فقال: يا عدو الله. قال: نعم. أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى ~~لأغضبك، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به. # قال مجاهد: كان رجلا صالحا غير نبي. وكذا قال أبو موسى الأشعري وقوله: ~~{كل من الصابرين} أي: كلهم من أهل الصبر فيما نابه في الله، وعلى تبليغ PageV07P4799 # رسالاته وعلى شدائد الدنيا، وعلى القيام بعبادة الله، وعلى الصبر على ~~الأذى في الله. # {وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين}. # أي: ممن عمل بطاعة الله. # وقيل: إن ذا الكفل إنما سمي بذلك لأن الله تكفل له في عمله وسعيه بضعف ~~عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمنه. # ثم قال تعالى ذكره: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن}. # أي: واذكر [يا محمد] صاحب الحوت. وهو يونس إذ ذهب مغاضبا. # قال ابن عباس والضحاك: ذهب غاضبا على قومه. # وعن ابن عباس أنه خرج مغاضبا على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه عنهم. ~~وهذا قول مردود، لا تغضب الأنبياء على ربها، لأن الغضب على الله معاداة PageV07P4800 # له. ومن قصد الله بالعداوة كفر. ونعيذ الله تعالى يونس صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك. وكذلك لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى: {فظن أن لن نقدر ~~عليه}. # إنه من القدرة عليه، وأنه يفوت الله. كان صلى الله عليه وسلم أعلم بالله ~~من ذلك، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق. ظن أن الله لا يضيق عليه ~~مسلكه في خروجه عنهم. طمع برحمة الله له في ترك التضييق عليه. وقد فسرنا ~~هذال المعنى. # وقيل: إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فارا من نزول العذاب بهم من ~~غير أن يأمره الله بالخروج، وهي صغيرة والله يغفر الصغائر لغير الأنبياء، ~~فكيف للأنبياء فنادى في بطن الحوت {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين}. # أي: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل أن تأمرني بالخروج. فاستجاب ~~الله له، وأخرجه من بطن الحوت. وتلك معجزة وآية له: تدل ms1628 على نبوته وفضله. # وقيل: إن الله غفر له صغيرته، ولم يحبسه في بطن الحوت بذنبه إنما أراد أن PageV07P4801 # يريه قدرته، ويجعل ذلك: آية. وخروجه من بطن الحوت عاقلا حيا معجزة له، ~~ودليلا على توبته، لأن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر. والكبائر تغفر ~~بالتوبة. وذلك أنهم كذبوه فيما جاءهم به فأوحى الله تعالى إليه أني مرسل ~~إليهم العذاب يوم كذا، فأخرج من بين أظهرهم. # فأعلم قومه بالعذاب الذي يأتيهم، فقالوا: ارمقوه، فإن هو خرج من بين ~~أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كان الليلة التي وعدوا بالعذاب في ~~صبيحتها، أدلج ورآه القوم فحذروا وخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، ~~وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله جل وعز واستقالوه فأقالهم. # قيل: خرجوا إلى موضع يقال له تل الرماد، ففرقوا بين الصبيان وأمهاتهم، ~~وبين الرجال ونسائهم، وعجوا إلى الله تعالى ذكره وخرجوا بالبهائم، فرفع ~~الله عنهم العذاب، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال: ~~ما فعل أهل القرية، فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج عنهم عرفوا أنه قد صدقهم ~~ما وعدهمه به من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين ~~ذات كل ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم وأخر عنهم ~~العذاب. فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذابا أبدا، وعدتهم ~~العذاب في يوم ثم رد عنهم. ومضى PageV07P4802 # على وجهه مغاضبا. # قال الحسن: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، فاستزله ~~الشيطان. وقاله الشعبي. # فقيل: إنه إنما لم يرجع إليهم لأنه استحيا منهم أن يجدوا عليه الخلف فيما ~~وعدهم به/. # وقيل: كان من سنتهم قتل من كذب، فخاف أن يظنوا أنه كذبهم فيقتلوه. # وقيل: معناه: مغاضبا أي: مغاضبا من أجل ربه. أي: غضب على قومه لكفرهم ~~بربه. # وقال الحسن: أمر بالسير إلى قوم لينذرهم بأس الله، ويدعوهم إليه، فسأل ~~ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليه. فقيل له الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى ms1629 ~~سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا يلبسها. وكان رجلا في خلقه ضيق. PageV07P4803 # فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا فذهب مغاضب. # وقال وهب اليماني: إن يونس بن متى كان عبدا صالحا وكان في خلقه ضيق. فلما ~~حملت عليه أثقال النبوة - ولها أثقال لا يحملها إلا قليل من الناس - تفسخ ~~تحتها تفسخ الربع تحت الحمل فقذفها من يديه، وخرج هاربا منها. # وقال الأخفش: إنما غاضب بعض الملوك. # واختار الطبري أن يكون المعنى مغاضبا لربه. # واختار النحاس أن يكون مغاضبا لقومه. # وقال ابن عباس: إنما أرسل يونس بعدما نبذه الحوت، لقوله: {فنبذناه ~~بالعرآء وهو سقيم} [الصافات: 145]. ثم قال: {وأرسلناه إلى مئة ألف أو ~~يزيدون} [الصافات: 147]. # وقوله: {فظن أن لن نقدر عليه} أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. يقال: ~~قدرت على فلان: ضيقت عليه. ومنه قوله: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه ~~الله} [الطلاق: 7]. PageV07P4804 # قال ابن عباس: معناه: فظن أن لن نأخذه بالعذاب الذي أصابه. # وعنه أيضا: أن المعنى: ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع ~~بقومه إذ غضب عليهم وفر منهم. # وقال مجاهد وقتادة والضحاك: المعنى: فظن أن لن نعاقبه. # وهذه الأقوال: هي الاختيار لبعد إضافة تعجيز الله جل ذكره إلى نبي، وقد ~~قال: جماعة، وقولهم مرغوب عنه. # قال سعيد بن أبي الحسن: استزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه، وكان له ~~سلف عبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان فأخذه فقذفه في بطن الحوت، ~~فأقام فيه أربعين بين يوم وليلة وأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك، فتاب إلى ~~ربه في بطن الحوت وراجع نفسه. وقال: {سبحانك إني كنت من الظالمين} فاستخرجه ~~الله من بطن الحوت برحمته لما كان سلف له من العبادة والتسبيح، فجعله من ~~الصالحين. # وقال ابن زيد: معنى الآية على تقدير الاستفهام، التقدير أفظن أن لن نقدر PageV07P4805 # [عليه]. # ثم قال تعالى: {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين}. # يعني: فنادى يونس في ظلمه الليل وظلمه البحر، وظلمه ms1630 بطن الحوت. قاله: ابن ~~عباس وابن جريج وقتادة ومحمد بن كعب. # وقيل: إن الحوت الذي ابتلع يونس ابتلعه حوت آخر. فتلك الظلمات بطن حوت في ~~بطن حوت في ظلمة البحر. # وقوله: {إني كنت من الظالمين} اعتراف منه بذنبه وتوبته منه. # قال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك ~~رجليه، فلما تحركت، سجع مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدا في موضع ما ~~اتخذه أحد. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما أراد الله حبس ~~يونس في بطن الحوت، أوحى الله جز وعز إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحما، ~~ولا تكسر له عظما. فأخذه PageV07P4806 # ثم هوى به إلى مسكنه، فلما انتهى به إلى أسفل الأرض، سمع يونسا حسا، ~~فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: هذا تسبيح دواب البحر. ~~فسبح وهو في بطن الحوت. # قال: فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض ~~غريبة. قال ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: ~~العبد الصالح الذي كان يصعد إلينا منه كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. ~~قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال: " وهو سقيم ~~". # ثم قال تعالى: {فاستجبنا له ونجيناه من الغم} أي: من بطن الحوت. # وقيل: من غمه بخطيئته. # وقيل: / منهما جميعا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " دعوة يونس في بطن الحوت لن ~~يدعو بها رجل قط إلا استجيب له ". PageV07P4807 # قوله: {وكذلك ننجي المؤمنين} أي: إذا استغاثوا. # قال سعيد بن مالك: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " اسم الله جل وعز الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن ~~متى. قال: قلت: يا رسول الله: هي ليونس بن متى خاصة أم الجماعة المسلمين؟ ~~قال: هي ليونس خاصة، وللمسلمين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله جل ~~ذكره: # {فنادى في الظلمات ms1631 أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * ~~فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} فهو شرط الله تعالى لمن ~~دعاه به ". # وروي عن ابن مسعود أنه قال: " لما خرج يونس من بطن الحوت مر بغلام يرعى ~~غنما فقال له: ممن أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس. قال له: فإذا رجعت ~~إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس فقال له الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه من ~~كذب ولم تكن له بينة على قوله يقتل، فمن يشهد لي. فقال يونس تشهد لك هذه ~~الشجرة وهذه البقعة. فقال الغلام: فمرها بذلك فقال لها يونس: إن جاءكما هذا ~~الغلام فاشهدا له أني يونس. قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه وكان له ~~أخوة، وكان في منعة. فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس، وهو يقرأ عليك ~~السلام. فأمر به الملك أن PageV07P4808 # يقتل فقالوا: إن له بينة، فأرسل معه إلى الشجرة والبقعة، فشهدتا له أن ~~يونس لقيه. فرجع القوم مذعورين مما رأوا، فأعلموا بذلك الملك، فتناول الملك ~~بيد الغلام فأجلسه مجلسه، وقال: " أنت أحق بهذا الملكان مني. فأقام لهم ذلك ~~الغلام أمرهم أربعين سنة ". # قوله تعالى: {وزكريآ إذ نادى ربه} إلى قوله: {فاعبدون}. # أي: واذكر اي محمد زكريا حين نادى ربه {رب لا تذرني فردا} أي وحيدا، لا ~~ولد لي ولا عصبة، فارزقني وراثا من آل يعقوب: {وأنت خير الوارثين}، ~~فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له يحيى وارثا. ثم قال: {وأصلحنا له زوجه}. # أي: جعلناها ولودا بعد أن كانت عقيما. # وقال عطاء: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان، فأصلحها الله وصيرها حسنة ~~الخلق، وهو قول محمد بن كعب وعون بن عبد الله. # ثم قال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات}. يعني زكريا وزوجته ~~ويحيى، أي: يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب إليه. PageV07P4809 # ثم قال تعالى: {ويدعوننا رغبا ورهبا}. # أي: رغبة فيما يرجون من ثوابه ورهبه مما يخافون من عقابه. # قال قتادة: رغبا في رحمة الله ورهبا من عذاب الله. # والدعاء في هذا الموضع: ms1632 العبادة. كما قال: {وأدعو ربي عسى} [مريم: 48] ~~أي: أعبد ربي. # قال ابن زيد: معناه: خوفا وطمعا. # قال ابن جريج: رغباص في رحمة الله ورهبا من عذاب الله. # ثم قال تعالى: {وكانوا لنا خاشعين} أي: متواضعين متذللين لا يستكبرون عن ~~العبادة والدعاء والتضرع. # قال سفيان: هو الحزن الدائم في القلب. # ثم قال: {والتي أحصنت فرجها}. # أي: واذكر يا محمد التي أحصنت فرجها، يعني مريم: وأحصنت، حفظت ومنعت. ~~وعنى بالفرج جيبها وقيل: فرج نفسها. # وقوله: فنفخنا فيها من روحنا: أي: من جبريل صلى الله عليه وسلم، لأنه روح ~~الله، نفخ في PageV07P4810 # جيب ذراعها بعد أمن منعته منه إذ لم تعرفه. # وقيل: أمر الله تعالى جبريل صلى الله عليه وسلم، فنفخ الروح الذي هو روح ~~عيسى في فرجها فحيي بذلك. # ثم قال تعالى: {وجعلناها وابنهآ آية للعالمين} أي: عبرة لعالم زمانهما. ~~والتقدير على مذهب سيبويه: وجعلناها آية وابنها آية، ثم حذف الأولى. أي: ~~علما وحجة على العالمين والمعنى: جعلها آية إذا ولدت من غير فحل، وجعله آية ~~إذ ولد من غير نطفة، وإذ نطق في يوم ولد، وتكلم بالحكمة في ذلك اليوم. # ثم قال تعالى ذكره: {إن هذه أمتكم أمة واحدة}. # أي: وإن هذه ملتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون، دون الأصنام ~~والأوثان. # قال مجاهد وابن عباس: " أمتكم أمة واحدة " أي: دينكم دين واحد. وأمة نصبت ~~على الحال/. PageV07P4811 # قوله تعالى ذكره: {وتقطعوا أمرهم بينهم} إلى قوله: {وهم من كل حدب ~~ينسلون}. # أي: وتفرقوا في دينهم الذي قضى الله به عليهم ودعاهم إليه فصاروا فيه ~~أحزابا، فتهودت اليهود وتنصرت النصارى، وعبدت الأوثان. # ثم قال تعالى: {كل إلينا راجعون}. # أي: كلهم على اختلاف أديانهم، إلينا يرجعون. أي: إلى حكمنا فيهم، فنجازي ~~كلا بما صنع. وهذا كلام فيه تهديد ووعيد. # قال ابن زيد: " وتقطعوا أمرهم " أي: اختلفوا في الدين. ثم قال: {فمن يعمل ~~من الصالحات وهو مؤمن}. # أي: فمن يعمل من هؤلاء الذين تفرقوا في دينهم بما أمره الله، وهو مقر ~~بتوحيد الله. {فلا ms1633 كفران لسعيه}. # أي: فإن الله يشكر عمله الذي عمل ويثيبه عليه في الآخرة. # ومعناه: إذا لم يكفر بنبي بعث إليه ولا بمن قبله من الأنبياء ولا بكتاب ~~نبيه ولا بكتاب من تقدم من الأنبياء. ف " من " للتبعيض. أي: من يعمل شيئا ~~من الصالحات وهو مؤمن. PageV07P4812 # وقيل: " من " زائدة. والأول أحسن. إذ لا يحكم على الزيادة إلا بدليل ~~ظاهر. ولا دليل يدل على ذلك. وأيضا: فإن في تقدير زيادة " من " تكليف غاية ~~العمل. وهذا لا يقدر عليه ولا يكلف الله نفسا فوق طاقتها، فمن ذا الذي يقدر ~~على عمل الصالحات كلها. # ثم قال تعالى: {وإنا له كاتبون}. # أي: نكتب أعماله الصالحة لنجزيه على صغيرها وكبيرها. ومعنى كتبت: جمعت. # ثم قال تعالى: {وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون} أي: وحرام على ~~قرية أهلكهم الله بالطبع على قلوبهم، والتمادي على الكفر، أن يرجعوا إلى ~~الإيمان والتوبة. هذا معنى قول عكرمة وهو اختيار الطبري. # وقيل: المعنى: وحرام على [أهل] قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. و " ~~لا " زائدة. ومعنى " وحرام ": وجب أن لا يرجعوا وعزم أن لا يرجعوا إلى ~~توبة، ولا بعد موت. # قال ابن عباس: في معنى: {وحرام على قرية. . .} الآية. # وجب أنهم لا يرجعون. PageV07P4813 # وقال أبو عبيدة: " لا " زائدة. " وحرام ": على بابها. بمعنى المنع. # وقال أبو إسحاق: " لا " غير زائدة. " وحرام ": على بابها. والتقدير: حرام ~~على أهل قرية، أهلكناها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ولا يتوبون. # ثم قال تعالى: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج}. # أي: فتح سد يأجوج ومأجوج. # روى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول الآيات ~~الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونرا تخرج من قعر عدن أبين تسوق النار إلى ~~المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدابة ثم يأجوج ومأجوج. قال حذيفة: قلت يا ~~رسول الله، ما يأجوج ومأجوج. قال: يأجوج ومأجوج أمة. كل أمة مائة ألف أمة ~~لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صبله وهم ولد آدم ms1634 ~~فيسيرون إلى خراب الدنيا ويكون مقدمتهم بالشام، وساقتهم بالعراق، فيمرون ~~بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية حتى يأتوا بيت المقدس ~~فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى ~~السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم. PageV07P4814 # فيقولون: قد قتلنا. من في السماء. وعيسى والمسلمون بجبل طور سنين، فيوحي ~~الله جل وعز إلى عيسى أون أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة. ثم إن عيسى عليه ~~السلام يرفع يده إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله عليهم دابة يقال لها ~~النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى حتى تنتن الأرض من جيفتهم فيجأر الناس ~~والأرض إلى الله تعالى منهم، فيأمر الله السماء فتمطر كأفواه القرب، فتغسل ~~الأرض من جيفهم ونتنهم فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها ". # قال أبو العالية: إن يأجوج ومأجوج يزيدون على سائر الأنس الضعف. وأن الجن ~~يزيدون على الإنس الضعف، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج. # قال عمر البكالي: إن الله جل وعز جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء. ~~فتسعة منهم الكروبيون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، ثم هم أيضا الذي ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون قال: ومن بقي من الملائكة لأمر الله ووحيه PageV07P4815 # ورسالته، ثم جزأ الجن والإنس/ عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، لا يولد من ~~الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة، ثم جزأ الإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم ~~يأجوج ومأجوج، وسائر الناس جزء [واحد]. # وقال ابن عباس: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألأف أمة، لا ~~يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف من صلبه فصاعدا؟ # وعنه أنه قال: الأرض سبعة أجزاء، ستة منها فيها يأجوج ومأجوج وجزء [واحد] ~~فيه سائر الخلق. # ومن جعل يأجوج ومأجوج مشتقا، أجاز همزة، وهو مشتق من أجة النار، وهو ~~حرها. ومنه أجة الحر، ومنه ملح أجاج. ولم يصرفه لأنه جعله اسما للقبيلة وهو ~~معرفة، ووزنها: فاعول ومفعول، ويجوز في قراءة من لم يهمز أن يكونا أعجميين، ~~وأن يكونا مشتقين. وخففت الهمزة. # وقال الأخفش: يأجوج من يججت ومأجوج من ms1635 مججت وقوله: {وهم من كل حدب ~~ينسلون}. # قيل: يعني بني آدم يخرجون من كل موضع دفنوا فيه، يعني الحشر. قاله PageV07P4816 # مجاهد. # وقال ابن عمر عنى به يأجوج ومأجوج، يخرجون من كل مكان يفسدون في الأرض. ~~ومعنى: " من كل حدب " أي: من كل نشز، ومن كل شرف وأكمة. # قال ابن زيد: هو مبتدأ يوم القيامة. و " ينسلون ": يمشون مسرعين كنسلان ~~الذئب. يقال: نسل ينسل وينسل، إذا أسرع وتقارب خطوة. # قال عطية الحوفي: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعة ألف أمة، لا يشبه ~~بعضهم بعضا، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده. # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الرجل منهم ليموت فيدع لصلبه من ~~الذرية ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله تعالى ~~مسنك وتأريس وتأويل، وخروجهم بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام. # قال كعب الأحبار: عرض أسكفة باب يأجوج ومأجوج السفلى أربعة PageV07P4817 # وعشرون ذراعا، فتفحها حوافر خيلهم، والعليا عرضها إثنا عشر ذراعا، فتفحها ~~أسنة رماحهم. # قوله تعالى: {واقترب الوعد الحق} إلى قوله: {إنا كنا فاعلين}. # الواو زائدة في " واقترب " عند الكسائي والفراء. # قالا: اقترب جواب " إذ " في قوله: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج " اقترب ~~الوعد. # وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، {فإذا هي شاخصة أبصار}. # وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف " قالوا " كقوله: ~~{والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم} [الزمر: 3] أي: قالوا: ما نعبدهم ~~وحذف القول كثير من القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك ~~فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج. # قال حذيفة: لو أن رجلا افتلى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه PageV07P4818 # حتى تقوم الساعة. # وقوله: {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا}. قيل: هي عماد. وقيل: هي إضمار ~~الأبصار، والأبصر الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند ~~مجيء الوعد. يقولون {ياويلنا قد كنا} قبل هذا الوقت في الدنيا {في غفلة من ~~هذا} الذي نرى ونعاين، {بل كنا ظالمين} ms1636 أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس ~~وجنوده. # ثم قال تعالى ذكره: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}. # أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وقود جهنم، ~~قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها. # وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها. # وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة ~~رضي الله عنها حطب بالطاء. PageV07P4819 # وعن ابن عباس: {حصب} بالضاد معجمة. والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، ~~والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار. # وقوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله} يخرج منه عزير والمسيح والملائكة، ~~لأن " ما " لما يعقل، فهي للأصنام والأوثان/. # وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: {إنكم وما تعبدون من دون الله} ~~الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا ~~محمد أنهم قوم صالحون. فأنزل الله {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون}. # وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: {ولما ضرب ابن ~~مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} [الزخرف: 57]. # ثم قال تعالى: {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها}. # أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم. يقول ~~الله PageV07P4820 # ذلك لهم. فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدهها في ~~الدنيا. # ثم قال: {وكل فيها خالدون}. # يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار. # ثم قال تعالى: {لهم فيها زفير}. أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ~~{هم فيها لا يسمعون}. # أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم. # وقال ابن مسعود: إذ بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، ~~فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره. ثم قرأ الآية. # ثم قال تعالى ذكره: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون}. # يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه. أنه مبعد من النار، وهو ~~مذهب علي بن أبي طالب. # وروي ms1637 عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم. PageV07P4821 # وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده ~~كاره مثل عيسى وعزير والملائكة. وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح. ~~وهو قول ابن عباس والضحاك. # و" الحسنى ": الجنة والسعادة. # {أولئك عنها مبعدون} أي: عن جهنم. # ثم قال تعالى: {لا يسمعون حسيسها}. # أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة. # وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن جهنم يؤتى بها يوم ~~القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفا ~~منها ". # وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس. # ثم قال: {وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون}. # أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالا عنها ولا ~~انتقالا. PageV07P4822 # ثم قال تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر}. # يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن ~~جريج. # وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة. # وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار. # ثم قال: {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون}. # أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وعدتم في الدنيا ~~على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة. # ثم قال تعالى: {يوم نطوي السمآء كطي السجل} أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~يوم نطوي السماء كطوي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل ~~قاله السدي. # والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب. PageV07P4823 # وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها. والتقدير: كطي الصحيفة ~~على الكتاب. وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري. قال: واللام بمعنى: " على ". ~~والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب. # وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها. كما ms1638 تقول: إنما أكرمك ~~لفلان، أي: من أجله. # ثم قال تعالى: {كما بدأنآ أول خلق نعيده}. # أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلا يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون ~~أمهاتهم. # قاله مجاهد. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لإحدى نسائه: " تأتون حفاة عراة غلفا، ~~فاستترت بكم ذرعها PageV07P4824 # وقالت: واسوأتاه " قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة. وقالت: يا نبي الله، ~~لا يحتشم الناس بعضهم من بعض. فقال: {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه}. # وقال ابن عباس في معنى: {كما بدأنآ أول خلق نعيده} قال: نهلك كل شيء كما/ ~~كان أول مرة. # وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في ~~الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء {وعدا علينآ} ~~أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد. # وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت ~~منه لحماتهم وأجسامهمه كما تنبت الأرض المرعى. # ثم قال تعالى: {وعدا علينآ إنا كنا فاعلين}. # أي: وعدا حقا لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا. # قوله تعالى ذكره: {ولقد كتبنا في الزبور} إلى قوله: {على ما تصفون} PageV07P4825 # آخر السورة. # المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن. # وقوله: {من بعد الذكر}. # الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء. # قاله: مجاهد وابن زيد. # وقال ابن جبير: الزبور: القرآن. والذكر: التوراة. # وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة. # والذكر: التوراة وقاله: الضحاك. # وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة. # وقوله: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}. # أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها ~~العاملون بطاعة الله. قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد. PageV07P4826 # وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه ~~قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~المقدسة. # وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون. ms1639 # ويدل على أنها أرض الجنة قوله: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء}. # قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجا علوا، والنار مبتدؤها ~~في الأرض وتذهب سفلا طباقا، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، ~~وقرأ {باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13]. قال: ~~ودرج النار تذهب سفالا في الأرض، والجنة تذهب علوا في السماوات. # وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى ~~يكون البعث. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم يريد PageV07P4827 # يفتحونها. # وقيل: عني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك. # وهو قوله: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون. . .} الآية. # ثم قال تعالى: {إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين}. # أي: إن في هذا القرآن لبلاغا لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، ~~أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله. # وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد. # وقال سفيان: الثوري: {لقوم عابدين} بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس. # وقال كعب: {لقوم عابدين} أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم لأصحاب ~~الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين. # وقال ابن عباس: {عابدين} عالمين. # وقال ابن جريج: {إن في هذا} يعني: هذه السورة. PageV07P4828 # وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغا. # ثم قال تعالى: {ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. # أي: للمؤمن والكافر: فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمن في الدنيا ~~والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة ~~من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من ~~الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس. # وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن. # ثم قال تعالى: ذكره: {قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد} أي: إنما ~~معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره. {فهل ms1640 أنتم مسلمون} أي: ~~فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان ~~والأصنام. # ثم قال تعالى: {فإن تولوا فقلءاذنتكم على سوآء}. PageV07P4829 # أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: ~~آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا. يعني بذلك ~~قريشا. # وقال قتادة: {على سوآء} على مهل/. # ثم قال تعالى: {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون}. # أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم. أقريب هو ~~أم بعيد. # ثم قال تعالى: {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون}. # أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ~~ولا من أحوالكم شيء. # ثم قال: {وإن أدري لعله فتنة لكم}. # أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم ~~أي: اختبار لكم {ومتاع إلى حين}. # أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة. # وقال مجاهد: " إلى حين الموت ". # وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله رأى في منامه بني أمية يجلسون على ~~المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر ~~بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا. PageV07P4830 # فرجع إليه فسأله، فأنز الله تعالى: {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} ~~إلى آخر الآية، {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين}. # وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في ~~خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: {وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين}. # ثم قال تعالى: {قال رب احكم بالحق} أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من ~~كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن ~~يسأله إياه ومثله {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} [الأعراف: 89]. # وروى قتادة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شهد ms1641 قتالا يقول: يا رب ~~احكم بالحق ". # وقرأ أبو جعفر يزيد: {قال رب} بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز ~~عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضا عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل. # وقرأ عكرمة والضحاك: {قال رب} بفتح الياء {احكم} بالرفع والهمز على ~~الابتداء. أو الخبر. واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف ~~يأمره أن PageV07P4831 # يسأل أن يحكم له بالحق. معنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق. # والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق. # ثم قال تعالى: {وربنا الرحمن}. # أي: وقيل يا محمد: {وربنا الرحمن} أي: الذي يرحم عباده المؤمنين. ~~{المستعان على ما تصفون}. # أي: الذين استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: {ما هذا إلا بشر ~~مثلكم} [المؤمنون: 24] وقولكم: {بل افتراه بل هو شاعر} [الأنبياء: 5]. ~~وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: {اتخذ الله ولدا} [البقرة: 116] وشبهه ~~من باطلكم. PageV07P4832 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحج # سورة "الحج" (مكية) سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة في ستة نفر من قريش، ~~ثلاثة مؤمنون وثلاثة كافرون. فالمؤمنون عبيدة بن الحرب بن عمرو وحمزة بن ~~عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. دعاهم للبراز عتبة وشيبة ابنا ~~ربيعة والوليد بن عتبة فأنزل الله تعالى ذكره: (هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم) إلى تمام الآيات الثلاث. قال أنس بن مالك: نزلت سورة الحج على النبي ~~- عليه السلام - وهو في مسير له وأصحابه متبددون، فرفع بها صوته، فنادى: ~~(يا أيها الناس اتقوا ربكم ... شديد) فاجتمع إليه أصحابه فقال: هل تدرون أي ~~يوم ذلك؟ ذلك يوم يقول الله PageV07P4833 # لآدم: ابعث بعث النار من بنيك وبناتك. فقال: يا رب، من هم؟ قال: من كل ~~ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد في الجنة، فكبر ذلك على أصحاب ~~النبي فقال لهم النبي: أبشروا، فإنكم مع خليقتين لم يكونا مع شيء قط إلا ~~كثرتاه يأجوج ومأجوج، وما أنتم في الناس إلا كالرقمة في دراع الدابة أو ~~كالشامة في جنب البعير الحديث بكامله. # وقد ms1642 قيل: إن سورة الحج مدنية، وحديث أنس أنها نزلت في بعض أسفار النبي - ~~عليه السلام - يدل على أنها مدنية. فمن قال أنها مدنية. # قال في قوله: (هذان خصمان) إنه نزل في اختصام اليهود والمسلمين في كتابهم ~~ودينهم. # قوله تعالى ذكره: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة} إلى قوله: ~~{ولكن عذاب الله شديد}. # المعنى: يا أيها الناس احذروا عقاب الله وأطيعوه إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم. # قال ابن جريج: زلزلتها: أشراطها في الدنيا. # " وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله جل ذكره لما ~~فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه، ~~شاخص PageV07P4834 # ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. # قال أبو هريرة: وما الصور؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: قرن. قال: وكيف ~~هو؟ قال: قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة ~~الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين جل وعز، يأمر الله إسرافيل ~~بالنفخة الأولى، فيقول انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من ~~شاء الله، ويأمره فيطولها، فلا يفتر، وهي التي يقول الله عز وجل: { وما ~~ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} أي: من راحة. فيسير الله الجبال ~~فتكون سرابا، وترج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول الله: {يوم ترجف ~~الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة} وتكون الأرض كالسفينة ~~الموبقة تضربها الرياح تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش ترجحه ~~الرياح فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل ويشيب الولدان، ~~وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، ~~فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بضعا، وهو الذي يقول الله {يوم ~~التناد * يوم تولون مدبرين. . .} إلى قوله {. . . هاد} فبينما هم على ذلك ~~إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر. فرأوا أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما ~~الله أعلم به. ثم نظرو في السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، ~~وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال PageV07P4835 # رسول الله صلى ms1643 الله عليه وسلم: والأموات لا ي علمون بشيء من ذلك. فقال ~~أبو هريرة: فمن استثنى الله عز وجل حين يقول: {ففزع من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله} قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، ~~أولئك أحياء عند ربهم يرزقون فرحين وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو ~~عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول جل ذكره: {يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. . .} إلى قوله: {. . . شديد} ". # وقال الحسن: " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة ~~العسر، ومعه أصحابه، فقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم. . .} إلى قوله: {. . . شديد}. ثم قال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قيل له: ~~الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم يقول الله جل ذركه لآدم: قم فابعث بعث ~~النار، فيقول آدم: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: ابعث لكل ألف تعسة وتسعين ~~وتسع مائة إلى النار، وواحد إلى الجنة قال: فاشتد ذلك على الناس حتى لم ~~يبدوا عن واضحة. فلما رأى ما في وجوههم قال لهم: اعملوا وابشروا، فوالله ما ~~أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير، أنه ~~لم يكن رسولان إلا وبينهما فترة من جاهلية، وأهل الجاهلية أهل النار بين PageV07P4836 # ظهراني خليقتين لا يعادهم أحد من أهل الأرض إلا كثروهم، يأجوج ومأجوج، ~~وتكملة العدد من المنافقين ". # وروي عن الحسن أنه قال: يخرج من النار رجل بعد ألف عام. فقال الحسن: يا ~~ليتني أنا ذلك الرجل. # وقال قوم: يراد بهذا كله يوم القيامة، فمن قال: هو يوم القيامة قال: ~~المعنى: يوم يرون القيامة. ومن قال: هو قبل يوم القيامة قال: المعنى: يوم ~~يرون أشراطها تذهل. وظاهر النص يدل على أن " الهاء " في " ترونها " تعود ~~على الزلزلة. أي: يوم ترون الزلزلة، وذلك من أشراط الساعة، وهو ظاهر النص، ~~لأن يوم القيامة لا حامل فيها ولا مرضعة. إنما ذلك في الدنيا، فهو وقت تظهر ~~فيه ms1644 الزلازل والأشراط والشدائد الدالة على قيام الساعة فتذهب المرضعات عن ~~أولادها، وتضع الحوامل حملهن لشدة ذلك، وعظيم خوفه وصعوبته ولما يلقى فيه ~~من الهلع والفزع. PageV07P4837 # وقل من قال: هو يوم القيامة يدل على ما رواه عمران بن الحصين قال: " ~~بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وقد فاوت السير بأصحابه ~~إذ نادى رسول الله بهذه الآية {يا أيها الناس اتقوا ربكم. . .} فحثوا المطي ~~حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟ ~~قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم ينادى آدم يناديه ربه، ابعث بعثة ~~النار من كل ألف تسع مائة وتسع وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. قال: ~~فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # اعلموا وأبشروا، فإن معكم خليقتين ما كنتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك من ~~بني آدم ومن هلك من بني إسرائيل ويأجوج ومأجوج. ثم قال: ألا أبشروا ما أنتم ~~في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الناقة "، وكذلك ~~رواه الخدري وأنس بن مالك، فهذا الحديث أصح من الأول طريقا وزاد الحسن في ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال فيه ولم يكن رسولان إلا كان ~~بينهما فترة من الجاهلية، فهم أهل النار، وإنكم بين ظهراني خليقتين لا ~~يعدهما أحد من أهل الأرض إلا كثروهم يأجوج PageV07P4838 # ومأجوج، وهم أهل النار. # وتكمل العدة من المنافقين. # وقال ابن مسعود: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أترضون أن تكونوا ~~ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. فقال: " أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: ~~نعم. قال: فوالذي نفسي بيده إن لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ~~ذلك. إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن قلة المسلمين في الكفار يوم ~~القيامة كالشعرة السوداء في الثور الأبيض. وكالشعرة البيضاء في الثور ~~الأسود ". # ثم قال تعالى: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت}. # أتت مرضعة بالهاء، لجريانها على الفعل ويجوز ms1645 مرضع، كما قال: امرأة حائض ~~وطامث وطالق. والأصل: الهاء. ولكن جرى عند سيبويه على معنى شيء حائض وطامث. # وقال الفراء: إنما قالوا: حائض وطامث، لأن المذكر لا حظ له في هذا الصف. ~~فلم يحتج إلى هاء في المؤنث. وقالوا: قائم وقامئة، فأتوا بالهاء في المؤنث ~~لأنه يقع للمؤنث والمذكر وهذا القول ينتقض على الفراء لأنهم قالوا ناقة ~~ضامر، وبعير ضامر، وناقة ساغل وبعير PageV07P4839 # ساغل، ورجل عانس وامرأة عان فلم يدخلوا الهاء في المؤنث، وقد شاركه ~~المذكر في الفعل. وحذف الهاء عند سيبويه في هذا على أصله على تقديره بشيء ~~عانس وساغل ونحوه، وينتقض على الفراء قوله بقولهم: حاضت الجارية وطلقت ~~المرأة. فلو كان حرف الهاء من أجل أنه لا يشترك فيه المذكر مع المؤنث، ولم ~~تدخل علامة التأنيث في حاضت وطمثت وينقض أيضا قوله في قولهم رجل بالغ ~~وامرأة بالغ، ورجل آثم وامرأة آثم. ومعنى تذهل: تنسى وتترك ولدها من هول ~~ثقل ما ترى وتضع الحامل حملها قبل بلوغ وقته. {وترى الناس سكارى} من الخوف ~~{وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}. # قالت عائشة رضي الله عنها: " كان النبي صلى الله عليه وسلم في حجري فقطرت ~~دموعي على خده، فاستيقظ فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ذكر القيامة وهولها. فهل ~~يذكرون أهلهم يا رسول الله؟ فقال: يا عائشة ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد ~~إلا نفسه، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل. وعند الصحف حتى يعلم ~~ما في صحيفته وعند الصراط حتى يجاوزه ". # وروي عن ابن عباس أنه قال: " نزلت هاتان الآياتان على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يسير PageV07P4840 # فكف ثم قرأهما على الناس ثلاثة مرات ثم قال: " يا أيها الناس، أتدرون أي ~~يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه اليوم الذي يقول الله فيه ~~لآدم: ابعث بعث النار من ولدك. فيقول: أي رب، من كل كم؟ فيقول؟ من كل ألف ~~تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فيسكر ms1646 الكبير يومئذ من غير شراب، ويشيب الصغير، ثم مضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل ونزل الناس ثم راحوا إلى نبي الله، ~~فقالوا: يا رسول الله، ما سمعنا شيئا قط أوجع لقلوبنا ولا أشد علينا من شيء ~~حدثتنا به اليوم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا فإني أرجو ~~أن تكونوا شطر أهل الجنة، فإن الأمم عرضت علي فرأيت النبي يأتي في الثمانية ~~ورهطب ويأتي النبي في الأربعة وياتي الآخر في الاثنين، حتى رأتي النبي وليس ~~يأتي معه أحد من أمته، حتى رأيت أمة أعجبني كثرتها لقلت أي رب، أمتي هذه؟ ~~فقال: لا، بل هذا موسى صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، ثم رأيت أمة أخرى ~~أعجبني كثرتها، فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا. بل هذا يونس ومن تبعه. ثم ~~رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا، بل هذه عيسى ~~ومن تبعه. فقلت: أي رب، فأين أمتي؟ قال لي: انظر، فنظرت قبل طريق مطة فإذا ~~أنا بناس كثير. ثم قال: انظر: فنظرت قبل طريق الشام، PageV07P4841 # فإذا أنا بناس كثير ثم قال: انظر، فنظرت قبل طريق العارق، فإذا أنا بناس ~~كثير، ثم قال: انظر، فنظرت تحتي، فإذا كل شيء ينتغش من الناس من كثرتهم ~~فقلت: أي رب، قد رضيت. قال: فإن مع هذا سبعين ألفا ليس عليهم حساب ولا ~~عذاب، فقام عكاشة بن محصن الأسدي أخو بني غنم فقال: يا رسول الله، أدع الله ~~أن يجعلني منهم، قال: جعلك الله منهم فقال رجل آخر من الأنصار فقال: يا ~~رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فاقل: سبقك بها عكاشة ". # وقوله: {وترى الناس سكارى}. # رجع من مخاطبة الجماعة من الناس إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~جاز أن يخرج عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخاطبة الجماعة في ~~قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم}. # قوله تعالى ذكره: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} إلى قوله: ms1647 ~~{ويتبع كل شيطان مريد}. # هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير ~~قادر على إحياء من بلى وعاد ترابا، بغير علم له في ذلك. {ويتبع كل شيطان ~~مريد}. PageV07P4842 # أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد. والمريد والمارد: المتجاوز في الشر ~~القوي فيه. ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء. ومنه: الأمرد. # وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام. # ثم قال تعالى: {كتب عليه أنه من تولاه}. # أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه. الهاء في " أنه " ~~مجهول تفسره الجملة التي بعده. و " تولاه ". أي: تولى الشيطان. أي: فمن ~~اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله. أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، ~~{ويهديه إلى عذاب السعير}. # أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، في " عليه " و " تولاه " و " ~~فإنه " تعود على الشيطان. # ثم قال: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث}. PageV07P4843 # أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم ~~وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقا بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من ~~تراب، يعني آدم. " ثم من نطفة " يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم ~~يخرجكم طفلا. فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر على ~~هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، والمضغة: ~~لحمة صغير بقدر ما يمضغ. وقوله: {مخلقة وغير مخلقة}. قيل: هو من نعت ~~النطفة. فالمخلقة ما كان خلقا سويا، وغير المخلقة ما ألقت الأرحام من النطف ~~قبل أن تكونوا خلقا. قال ابن عمر: إذا وقت النطفة في الرحم، بعث الله ملكا، ~~فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال مخلقة، مجتها الأرحام دما وإن ~~قال: مخلقة، قال يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما ~~أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة ~~هذه النطفة. قال: فينطلق الملك، PageV07P4844 # فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على ms1648 آخر صفتها. # وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة. # وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق. # وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها الرحم ~~قيل فهي غير مخلقة. # وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: - وهو الصادق ~~المصدوق - " يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة ~~أربعين يوما، ثم يكون مضغة أربعين يوما، ثم يبعث الله إليه ملكا، فيقول: ~~أكتب عمله وأجله ورزقه واكتب شقيا أو سعيدا ". # وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل ~~بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل ~~بعمل PageV07P4845 # أهل النار والشقاء، فيدخل النار. # واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقا تاما، وغير مخلقة السقط قبل ~~تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأ، ه ليس بعد المضغة إلا ~~التصوير. # ثم قال تعالى: {لنبين لكم} أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء. ~~أي: ذكرنا لكم الأحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة والقدرة. فقوله: ~~{لنبين لكم} جواب للقصة المذكورة في خلق الإنسان كلها. أي: أخبرناكم بهذه ~~القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق. # ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: {ونقر في الأرحام} ولذلك ارتفع، ولا يجوز نصبه ~~على العطف على " لنبين "، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ليقر في الأرحام ما ~~يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت. والمعنى: {ونقر في ~~الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى}، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا ~~يسقط إلى وقت ولادته فيخرج طفلا. PageV07P4846 # وقوله: {ثم نخرجكم طفلا}. # أي: يخرج كل واحد منكم طفلا. # وقوله: {ثم لتبلغوا أشدكم} أي: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم. # وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلا لتبلغوا أشدكم. # والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة " ثم "، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد ~~لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد. ومعنى ms1649 ~~أشدكم. أي كمال عقولكم {ومنكم من يتوفى}. # أي: من قبل بلوغ أشده فيموت. # {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر}. # أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرج إلى أرذل عمره. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاما. # ثم قال: {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا}. # أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان علما بها. # ثم قال: {وترى الأرض هامدة}. # أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور. # {فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت} أي: تحركت بالنبات. # {وربت} أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث. PageV07P4847 # قال قتادة: {اهتزت وربت} حسنت وعرف الغيث في ربوعها. # وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز الزرع، ~~يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرج المعنى إلى النبات. وظاهر الإخبار عن ~~الأرض. # وقوله: {وترى} رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم ~~نظائره. # وقرأ أبو جعفر القاري: {وأنبتت} بالهمز. أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة ~~الربيئة. # وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم. وفعيل: ~~للمبالغة. # ثم قال تعالى: {وأنبتت من كل زوج بهيج}. # أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات. {بهيج} بمعنى مبهج أي: يبهج من رآه ~~حسنه. # ثم قال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق}. # أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق. # أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير PageV07P4848 # ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ما سواه باطل لا يقدر على شيء ~~من ذلك. ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في القبور، ~~فهو كله مثل بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما أحيا الإنسان ~~من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال. وكما أحيا الأرض بعد دروسها، وكذلك احتج ~~في قوله: {ذلك بأن الله هو الحق. . .} إلى {القبور} / وعلى إعادة الموتى ~~وعلى ما يريج، ولذلك قال: {وأنه يحيي الموتى ms1650 وأنه على كل شيء قدير * وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور}. فلا تشكوا في ذلك. # ثم قال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى}. # أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى. أي: وبغير هادى وبغير كتاب ~~منير، أي ينير حجته، فتضيء له. # ونزلت أيضا هذه الآية في النضر بن الحارث. # قوله تعالى ذكره: {ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله} إلى قوله {ولبئس ~~العشير}. # أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، {ثاني عطفه}. ~~أي: معرضا عن الحق، متحيرا فنصبه على الحال. # قال ابن عباس: " ثاني عطفه " مستكبرا في نفسه. قال: هو النضر بن PageV07P4849 # الحارث، لوى عنقه مرحا وتعظما. # وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاويا رقبته. # وقال ابن زيد: " لا ويا رأسه معرضا، موليا، لا يقبل على ما يقال له "، ~~ومنه قوله: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم. . .} ~~[المنافقون: 5] لآية، وهو قوله: {وإذا تتلى عليهءاياتنا ولى مستكبرا}. # والعطف: ما أنثنى من العنق. # ثم قال: {ليضل عن سبيل الله}. # أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن ~~دينهم الذي هداهم الله إليه {له في الدنيا خزي}. # وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. {ونذيقه ~~يوم القيامة عذاب الحريق} أي: نحرقه بالنار. # ثم قال: {ذلك بما قدمت يداك} أي: يقال له إذا أذيق عذاب النار. ذلك بما ~~قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ليس بظلام للعبيد. # قوله {بما قدمت يداك} وقف، إن جعلت {وأن} في موضع رفع على معنى PageV07P4850 # " والأمر أن الله ". # ثم قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف}. # هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في ~~الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ماشية ~~ونحوه، ارتدوا على ms1651 أعقابهم. فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على شك، فإن ~~أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، وثبت عليه، ~~وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه أي: رجع إلى ~~الذي كان عليه من الكفر بالله. # قال ابن عباس: " كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه مهرا ~~حسنا وولدت امرأته غلاما، رضي به واطمأن إليه. وقال: ما أصبت منذ كنت على ~~ديني هذا إلا خيرا، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة ~~أتاه الشيطان فقالك والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شرا، فذلك ~~الفتنة ". # وقال مجاهد: {على حرف}: على شك. # قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: ~~نأتي محمدا عليه السلام، فإن صادفنا خيرا من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا لحقنا ~~بأهلنا. PageV07P4851 # وبهذا القول قال: قتادة والضحاك. # قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مستعليا على ~~أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصلوا معه وصاموا، ~~وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف أو تشديد ~~في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان والصوم والصلاة، ~~فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه خاسرا دنياه وأخراه. # وقال ابن زيد: " هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، ~~وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما صلح من دنياه، ~~فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى الكفر. وهذا ~~التفسير كله يدل على أن السورة مدنية. ومن قال: إنها مكية، قال: نزلت في ~~شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد. # وقيل: نزلت في النضر بن الحارث. # وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا ~~يدخل فيه/ ويتمكن. PageV07P4852 # ومعنى: {انقلب على وجهه} [أي: انقلب] عن دينه. {خسر الدنيا والآخرة} ms1652 أي: ~~خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها. وقيل م عناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، ~~لأنه لا حظ لكافر فيها. وخسر الآخرة لما له فيها من العذاب، ولأنه خاسر ~~الثواب. # ثم قال تعالى: {ذلك هو الخسران المبين}. # أي: خسران الدنيا والآخرة. ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه ~~وتدبر. # ثم قال تعالى: {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه}. # وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره ~~إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. {ذلك هو الضلال ~~البعيد}. أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد. # ثم قال: {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} تقدير هذا الكلام عند الكسائي ~~والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه. أي: يدعو إلها لضره أقرب من نفعه، ~~لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود ~~عليه من PageV07P4853 # ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير اللام، لأن " يدعو " فعل لا يعلق، ولا ~~بد أن يعمل، واللام تمنعه من العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في " من " ولا ~~يعلق. وقيل: مع " يدعو " هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك. والتقدير: ذلك ~~هو الضلال البعيد يدعوه، فيقف على " يدعو " في هذا القول. # وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه. ويكون لمن ضره أقر من ~~نفعه مستأنفا مرفوعا بالابتداء، وخبره: {لبئس المولى ولبئس العشير}. # وقيل: " يدعو " بمعنى يقول، فلا يحتاج إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و ~~" من " مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. # والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي. # وقيل: " يدعو " بمعنى: يسمى. # وقال الزجاج: " ذلك " بمعنى الذي. وهو في موضع نصب ب " يدعو " أو ~~التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد. ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه. ~~وخبره: " لبئس المولى " وها مثل قوله: " وما تلك بيمينك ". أي: وما التي ~~بيمينك. PageV07P4854 # وقال الفراء: يجوز أن تكون " يدعو " مكررة تأكيدا ل " يدعو ms1653 " الأولى، ~~فيقف على " يدعو " على هذا، ويبتدئ " من ضره " على الابتداء والخبر " لبئس ~~المولى ". # وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضربه أقرب من نفعه إلها. وهذا ~~لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر " لبيس ~~المولى " لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعا بعضه من بعض. # وقوله: {لبئس المولى}: أي: لبيس العم، " ولبيس العشير " أي: الخليط ~~والصاحب. قاله ابن زيد. # وقيل: " المولى ": الولي الناصر. # وقال مجاهد: " لبيس العشير " يعني الوثن. # ولا يوقف على " البعيد " على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب ب " يدعو ". # وقد أفردنا لهذه الآية كتابا، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا. ومعنى: " لمن ~~ضره PageV07P4855 # أقرب من نفعه " فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: " ما لا ~~يضره وما لا ينفعه " فنفى عنها الضر. فإنما يراد بذل أنها لا تضر في ~~الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة. والمعنى: لمن ضره في الآخرة ~~أقرب من نفعه. والأخرى ما لا يضره في الدنيا. وكذلك معنى ما كان مثله. # قوله تعالى ذكره: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى قوله: ~~{وذوقوا عذاب الحريق}. # أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. " ~~تجري من تحتها الأنهار ". أي: من تحت أشجارها. # {إن الله يفعل ما يريد}. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته. # ثم قال: {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة}. # أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا عليه السلام في الدنيا والآخرة، " ~~فليمدد بسبب " وهو الحبل " إلى السماء " يعني سماء لبيت، وهو سقفه. " ثم ~~ليقطع " السبب. يعني: الاختناق به. " فلينظر هل يذهبن " اختناقه، ذلك ما ~~يغيظ. أي: ما يجد من في PageV07P4856 # صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضا. # وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر/ الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد ms1654 ~~سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم { فلينظر هل ~~يذهبن كيده ما يغيظ}. # أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمدا. # وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: ~~من يعطني أعطاه الله فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمدا ~~عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه. # وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمدا فليمدد بسبب إلى ~~السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه. # وكونها عائدة على " من " - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ~~ويكون ينصره بمعنى " ينفعه ". PageV07P4857 # وقد قيل: إن " الهاء " تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله ~~دنيه، فليفعل ما ذكر. # قال ابن عباس: معنه: إن لن ينصر الله محمدا. فالهاء لمحمد عليه السلام. # وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية ~~البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا ل " ظن " كأنه ق: من ظن أن الله لا ~~يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له. # وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه ~~يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سببا ~~يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول ~~إلى السماء بكيد ويبسبب يحتاله. # وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغطيه ~~من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، ~~وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمدا منصور لا ~~يغلب. # ثم قال تعالى: {وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد} أي: ~~وكما بينت لكم الحجة ms1655 على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات ~~يهتدي بها من وفقه الله للحق. PageV07P4858 # ثم قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى}. # أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل ~~المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل. # قال قتادة: " والصابون " قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ~~ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران " والذين أشركوا ~~يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن. # وقوله: {إن الله على كل شيء شهيد}. # أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. ~~أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان ~~مسد خبر أن في كثير من الكلام. # وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيدا وتكريرا. ~~والأول أحسن/. # ثم قال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض}. # أي: يخضعون وينقادون لله. # وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر ~~الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقة. وانقيادها لله وتصريف ~~الله لها فيما شاء. PageV07P4859 # أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن ~~من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع ~~حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع ~~غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل ~~السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضا. # وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل ~~شيء، فهو سجوده. # وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد. # وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر وإلا يقع لله ساجدا ~~حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين. # وقوله: {وكثير من الناس} يعني: المؤمنين {وكثير حق عليه العذاب} يعني ظل ms1656 ~~الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاذ لله، خاضع وهو ساجد مع ~~ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته ~~وسقمه ورزقه ومنعه. PageV07P4860 # وقوله: " وكثير من الناس ". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل ~~قوله: " وكثير حق عليه العذاب " لأن الجنة ضد النار. ولو قال: " وكثير لا ~~يسجد " لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد. # وقيل: معنى: " وكثير حق عليه العذاب ": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب ~~فيكون الوقف على هذا القول. " وكثير من الناس " ثم يبتدئ: " وكثير حق عليه ~~العذاب " ولهذا المعنى رفع " كثير ". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا ~~هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: {والظالمين أعد لهم عذابا ~~أليما} [الإنسان: 31] " فكثير " الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، ~~فإنما هو أخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. ما قبله إخبار عن ~~كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون. # [ثم قال] {ومن يهن الله فما له من مكرم}. # أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة. PageV07P4861 # {إن الله يفعل ما يشآء} يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر. # ثم قال تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم}. # يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة. # وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب ~~للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم. وقال ~~المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبيككم وبما أنزل ~~الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا. فكان ~~ذلك خصومتهم في ربهم. # وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد. # وقال عكرمة: " هذان " إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقال ~~النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك ~~من خبرهما ما تسمع. # ثم قال تعالى ذكره: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ms1657 نار}. # أي: قصما من نحاص ونار. # وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حرا من النحاس. PageV07P4862 # قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار. # ثم قال: {يصب من فوق رءوسهم الحميم} أي: ماء يغلي. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الحميم ليصب على ~~رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. ~~وهو قوله: " يصهر به ما في بطونهم ". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما ~~في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط. # قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب. # قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون. # وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر ~~الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن مارا مر بهم يعرفهم، ~~لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليها العطش، فيستغيثون فيغاثون بما كالمهل، ~~وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي ~~قد سقطع عنها الجلود، " ويصره به ما في بطونهم "، أي: يذاب. يمشون في ~~أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، PageV07P4863 # يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك. # وقال عبد الله بن السري: يأيته الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه ~~إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعه، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي ~~الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: {يصهر به ما في بطونهم ~~والجلود * ولهم مقامع من حديد}. # وقوله: {ولهم مقامع من حديد}. # أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من ~~النار، حتى يرجعوا إليها. # وقوله: {كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها} أي: من العذاب، وغم الظلمة. # قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل ~~لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها. # قال سلمن الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها. # قال مالك بن ms1658 دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع PageV07P4864 # الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالا سفالا مقدار أربعين سنة، ~~كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالا سفالا. # وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، ~~فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، ~~كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول. # قوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى قوله: {من عذاب ~~أليم}. # أي: يدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ". # {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا}. # ومن قرأ بالنصب، فمعناه: ويحلون لؤلؤا. {ولباسهم فيها حرير} أي: ثياب من ~~حرير. # ثم قال: {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط}. # أي: هداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. # وقال ابن زيد: هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، ~~والحمد لله. وهو الذي قال جل ذكره: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه} [فاطر: 10]. # وقال ابن عباس: هدوا: ألهموا. # وقيل: هدوا إلى قوله: الحمد لله الذي صدقنا وعده. # وقيل: معناه: هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من عند الله، بما لهم من ~~دوام النعم PageV07P4865 # وبالسلام والتحية التي يبعثها الله إليهم مع الملائكة. كما قال: ~~{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار}. # ومعنى: {وهدوا إلى صراط الحميد}. أي: إذا صاروا إلى الآخرة، وهدروا إلى ~~صراط الجنة، وطريقها، فهو صراط الله عز وجل، يسلكه المؤمنون إلى الجنة ~~ويعدل عنه الكافرون والمنافقون إلى طريق النار. # والحميد هو الله. بمعنى المحمود. أي: أن يحمد على نعمه، على عباده. # وقيل: معناه: وهدوا إلى صراط الحميد، أي: وهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق ~~الرب الحميد، وهو دين الإسلام. والحميد بمعنى المحمود عند أوليائه وخلقه. ~~فحميد: فعيل بمعنى: مفعول. وصراط العزيز الحميد: الإسلام. # وقيل: " إن قوله: لا إله إلا هو " هدوا إلى ذلك في الدنيا. # ثم قال: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله}. # أي: إن ms1659 الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله ومنعوا الناس الدخول في دين ~~الله وصدوهم عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس المؤمنين كافة لم يخصص ~~به بعض دون بعض، هلكوا. وهذا خبر أن، محذوف من الكلام. # وقيل: الخبر: يصدون. فالواو زائدة. # قال أبو إسحاق: الخبر: نذقه من عذاب أليم. وهذا غلط، لأنه جواب الشرط. # ثم قال: {سوآء العاكف فيه والباد}. # أي: معتدل في النزول فيه، المقيم والبادي. فالبادي [المنتاب إليه من ~~غيره]. PageV07P4866 # والعاكف أهله. أي: ليس أحدهم أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، إلا أن يكون ~~أحد سبق إلى منزل. # قال ابن زيد ومجاهد: ذلك مباح في بيوت مكة. # وروي أن الأبواب إنما عملت على بيوت مكة من السرق، لأن الناس كانوا ~~ينزلون أينما وجدوا. فعمل رجل بابا، فأرسل إليه عمر: اتخذت بابا من حجاج ~~بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته متحرز متاعهم. واختلف في الآية. فقيل: عني ~~بها المسجد الحرام خاصة. # ليس أحد أولى به من غيره. # وقيل: عني بها مكة، ليس أحد أولى بمسكن فيها من غيره. # والمعنى: والمسجد الحرام. أي: ويصدون الناس عن دخول المسجد الحرام ~~والصلاة فيه، والطواف بالبيت، وهو موضع يستوي فيه المقيم والطارئ، حقهم فيه ~~واحد. وهذا يدل على أن المراد المسجد الحرام، دون بيت مكة، وهو ظاهر اللفظ. ~~وقد ملك الناس دور مكة وتبايعوا من أول الإسلام إلى الآن وهم يتوارثونها من ~~أول الإسلام. فظاهر لفظ الآية إنما يدل على أن العاكف والطارئ حقهما في ~~المسجد سواء، لا فضل لأحدهما على الآخر. # وقد قال ابن عباس: ذلك في المسجد الحرام خاصة. PageV07P4867 # وعن مجاهد وعطاء: أن المعنى: أن أهل مكة والغريب بها، هما في حرمة ~~الإسلام سواء، لا يمنع أحد من دخوله من المؤمنين، ولا يضر أحد منه. وهذا ~~القول يؤيده صدر الآية، لأنه تعالى إنما ذكر [صد] الكافرين المؤمنين عن ~~المسجد الحرام ومنعهم منه. ثم أعلمنا آخر الآية أن أهله والغريب في حرمته ~~سواء، لا يمنع أحد منهم. # ومن قرأ " سواء " بالرفع، جعله مبتدأ. ms1660 والعاطف فيه خبره. وإن شئت جعلت ~~العطاف مبتدأ وسواء خبر مقدم. فتقف على " الناس "، على تقدير الوجهين. ~~ويكون: " للناس "، في موضع المفعول الثاني، تقف على " الناس ". من قرأ ~~بالنصب، جعله مفعولا ثانيا ب " جعلنا " ويرتفع العاكف. والأحسن عند سيبويه ~~في مثل هذا: الرفع، لأنه غير جار على الفعل. وقد قرئ " سواء " بالنصب " ~~العاكف " بالخفض، على أن يكون " سواء " مفعولا ثانيا ل " جعلناه " والعاكف ~~والبادي بدلا من الناس، أو نعتا لهم. # ثم قال: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه} فالباء في " بإلحاد " زائدة. ~~قاله: الأخفش وأبو عبيدة. وقال الكوفيون: إنما دخلت الباء هنا، لأن معناه: ~~ومن يرد فيه بأن يلحد. والباء تدخل وتحذف مع " أن " كثيرا ومنع المبرد، ~~الزيادة في كتاب الله، والقول عنده: إن يرد. يدل على الإرادة. فيدخل الباء ~~مع الفعل. على تقدير دخلوها مع المصدر. فالتقدير عنده. ومن أراد به بأن ~~يلحد، وهو ظالم. كما قال: أريد لأنسى ذكره. فأكنما تخيل لي ليلا بكل سبيل. ~~فأدخل اللام، على تقدير دخولها مع المصدر. أي: إرادتي لكذا. # قال ابن عباس: {بظلم} بشرك. PageV07P4868 # وقال مجاهد: " من يرد فيه غير الله " وقاله الحسن. # وقال قتادة: من أشرك في بيت الله، عذبه الله. # وعن ابن عباس: أن المعنى من استحل من الحرام ما حرم الله، أذاقه الله ~~العذاب المؤلم، ثمل القتل ونحوه. # وقال مجاهد: معناه: من يعمل فيه عملا [سيئا]. # وهذه الآية تدل على أن الإنسان/ يجب عليه العقاب بنيته لفعل الشر في ~~الحرم. # ألا ترى إلى قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} ولم يقل: ~~من يفعل ذلك. وإنما ذكر العقوبة على الإرادة فقط، فهو ظاهر الآية، وذلك ~~لعظيم حرمة الحرم وجلالة قدره، وكذلك يضاعف فيه الحسنات أكثر مما يضاعف في ~~غيره. # وقال ابن عمر: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، يعني: في غير الحرم وفي ~~غير أهل الحرم، قال: ولو أن رجلا بعدن أبين هم بقتل رجل بهذا البيت إلا ~~أذاقه الله من العذاب الأليم. # وقال الضحاك: ms1661 إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها PageV07P4869 # فتكتب عليه. # وعن ابن عباس أيضا أن المعنى: من يرد إستحلاله متعمدا. # وقال حبيب بن أبي ثابت: " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم "، هم: المحتكرون ~~الطعام بمكة. # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد. # وقال مجاهد: بيع الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم. # وقال الضحاك: الإلحاد في هذا الموضع: الشرك. # وقال عطاء: هو عبدة غير الله. # وقيل: إنه كل ما كان منهيا عنه حتى قول الرجل: " لا والله وبلى والله ". # وروى مجاهد أن ابن عمر كان له فسطاطان، أحدهما في الحل والآخر في الحرم ~~فإذا أراد أن يعاتب أهله، عاتبهم في الحل. فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث PageV07P4870 # أن من الألحاد فيه أن يقول الرجل بمكة بلى والله، وكلا والله. وأصل ~~الإلحاد، الميل عن القصد، ومنه سمي اللحد، ولو كان مستويا لقيل ضريح. # ومنه قوله: {وذروا الذين يلحدون في أسمآئه} [الأعراف: 180]. # يقال: لحد وألحد بمعنى واحد. # وحكى الأحمر: ألحد إذا جادل ولحد إذا عجل ومال. # قوله تعالى ذكره: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت}. إلى قوله: {من كل فج ~~عميق}. # أي: واذكر يا محمد إذ وطأنا لإبراهيم، ومكنا له مكان البيت. وبوأ تتعدى ~~إلى مفعولين، ولكن دخلت اللام في إبراهيم حملا على معنى: جعلنا لإبراهيم. # وقيل: اللام متعلقة بالمصدر، أي: واذكر تبويئنا لإبراهيم. # وقال الفراء: اللام زائدة مثل {ردف لكم} [النمل: 72]. # وقوله: {أن لا تشرك بي} " أن " بمعنى: أي. PageV07P4871 # وقيل: التقدير: بأن لا تشرك. # وقيل: أن زائدة. مثل {فلمآ أن جآء البشير} [يوسف: 96]. # قالتقدير: واذكر يا محمد نعم الله على قومك وحسن بلائه وعندهم، وهم ~~يعبدون غيره، فمما يجب أن يذكر إذ مكنا لأبيك إبراهيم مكان البيت. # قال قتادة: وضع الله البيت مع آدم حين اهبط إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض ~~الهند، وكان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه فنقض ~~إلى ستين ذراعا. وإن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، شكا ms1662 ذلك إلى الله ~~فقال الله عز وجل: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي ~~ويصلى عنده كما يصلى عند ال العرش فانطلق إليه. فخرج آدم ومد له في خطوه ~~فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز على ذلك، فأتى آدم البيت، ~~فطاف به ومن بعده من الأنبياء. # وقال السدي: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل " أن طهرا بيتي للطائفين ~~" انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، فأخذا المعاول لا يدريان ~~أين البيت، فبعث الله ريحا يقال لها الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، ~~فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران ~~حتى وضعا PageV07P4872 # الأساس، فذلك حين يقول: " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أقبل إبراهيم من أرمينية ومعه ~~السكينة تدله على البيت حتى يتبوأ البيت كما تبوأ العنكبوت بيتا وكان يحمل ~~الحجر من الحجارة يطيقه ولا يطيقه ثلاثون رجلا. # وقال كعب الأحبار: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض ~~بأربعين سنة. ومنه دحيت الأرض. # وقوله تعالى: {أن لا تشرك بي} أي: عهدنا إليه ألا يشرك في عبادة الله/. # {وطهر بيتي للطآئفين} أي: ظهره من عبادة الأوثان. # قال مجاهد: طهره من الشرك. # وقال عبيد بن عيمر: من الآفات والريب. # وقال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان. # وقيل: طهراه من ذبائح المشركين، وما كانوا يطرحون حوله من الدماء والفرث ~~والأقذار، وكانوا يطرحون ذلك حول البيت. # وقيل: معناه: طهراه من دخول المشركين إياه، ومن إظهار شركهم فيه. PageV07P4873 # فأمرهما بتطهير البيت من جميع ذلك لمن يطوف ويقوم بأمره من المؤمنين، ~~ولمن يصلي بحضرته " والطائفون " الذين يطوفون به، " والقائمون " المصلون ~~قياما. # " والركع السجود "، يعني في صلاتهم حول البيت. # ثم قال تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا}. # أي: وناد إبراهيم في الناس بالحج يأتوك رجالا وركبانا. ورجال: جمع راجل، ~~كقائم وقيام. # وقوله: {وعلى كل ضامر}. # أي: ويأتوك على كل بعير ضامر قد ms1663 أضمره بعد المسافة من كل فج عميق. ~~والضامر: المهزول. # وقال: " يأتين " يريد به النوق. ولو قلت في الكلام: مررت بكل رجل قائمين، ~~حسن. فكان " ضامرا " في موضع ضوامر ولكن وحد، لأن " كل " تدل على العموم. ~~والعموم والجمع متقاربان. # وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى بالتأذين بالحج، ~~قام على مقامه، فنادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا بيته ~~العتيق. # وقال ابن عباس: لما فرق إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس ~~بالحج. قال: يا رب، وما. PageV07P4874 # وعن ابن عباس أيضا ومجاهد: أن إبراهيم لما نادى: أيها الناس، كتب عليكم ~~الحج أسمع من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في ~~علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك. # وعن ابن عباس أيضا: أنه قال: إن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج، ~~خفضت له الجبال رؤوسها ورفعت القرى فأذن في الناس. قال ابن عباس عنى بالناس ~~هنا أهل القبلة ألم تسمعه قال: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى} [آل عمران: 96]. # ثم قال: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] يقول: ومن دخله من الناس ~~الذين أمر إبراهيم أن يؤذن فيهم فكتب عليهم الحج. # قال ابن عباس: {يأتوك رجالا} أي: مشاة. قال: وما آسى على شيء، فإني آسى ~~ألا أكون حججت ماشيا، سمعت الله تعالى يقول: يأتوك رجالا. # وقال مجاهد: حج إبراهيم وإسماعيل ما شيين. # وقال ابن عباس: {وعلى كل ضامر}: الإبل. PageV07P4875 # قال مجاهد: كانوا لا يركبون، فأنزل الله تعالى ذكره: " وعلى كل ضامر " ~~فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب. # وقوله: {من كل فج عميق}. # قال ابن عباس وقتادة: من كل مكان بعيد. # والظاهر في هذه الآية والخطاب - عليه أكثر المفسرين - أن هذ كله خطاب ~~لإبراهيم، كان ومضى، أخبرنا الله به. # وقيل: إن قوله تعالى: {أن لا تشرك بي شيئا}. . . - إلى - {والركع السجود} ~~مخاطبة لإبراهيم، وقوله: " وأذن في الناس وما بعده، خطاب للنبي صلى ms1664 الله ~~عليه وسلم أي أعلمهم أن الحج فرض عليه، فيقف القاري على/ هذا القول، على " ~~السجود " ويبتدئ " وأذن ". # وقيل: إن قوله: {أن لا تشرك بي شيئا} وما بعده، خطاب للنبي عليه السلام ~~كله، لأن القرآن عليه نزل، وهو مخاطب به، ولا يخرج عن مخاطبته إلى مخاطبة ~~غيره إلا بتوقيف أو دليل قاطع. وأيضا فإن " أن لا تشرك بي " خطاب لشاهد، ~~وإبراهيم غائب، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الشاهد الحاضر في وقت نزول ~~القرآن، فيكون المعنى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، فجعلنا ذلك من ~~الدلائل على توحيد الله، وعلى أن إبراهميم كان يعبد الله وحده، فلا تشرك بي ~~شيئا، وظهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج: ~~أي: أعلمهم أنه فرض عليهم. PageV07P4876 # وقيل: أعلمهم أنك تحج الوداع ليحجوا معك فيكون الوقف على هذا التأويل " ~~مكان البيت " ويبتدئ في مخاطبة النبي عليه السلام " أن لا تشرك " أي وعهدنا ~~إليك ألا تشرك بي شيئا. # ومن جعله كله خطابا لإبراهيم، وقف على {كل ضامر} على أن يقطع " يأتين " ~~مما قبله. قاله: نافع والأخفش ويعقوب، وغيرهم. # والعمق: " في اللغة: البعد. ومنه بنو عميقة أي: بعيدة. # وقرأ عكرمة: يأتوك رجالا، جعله راجل، أيضا مثل ركب وركاب. ويقال أيضا: ~~راجل، ورجله، وراجل، ورجاله. # قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} إلى قوله: {البآئس الفقير}. # أي: يأتون ليشهدوا منافع لهم: وهي التجارات في الأسواق والمواسم، قاله: ~~ابن عباس وابن جبير. # وقال مجاهد: هي منافع في الآخرة، ومنافع في الدنيا، الأجر والربح. PageV07P4877 # وقيل: هو المغفرة فقط. # ثم قال: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام} يعني: الهدايا التي أهدوا من الإبل والبقر والغنم. # قال علي بن أبي طالب: الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده، إذبح في ~~أيها شئت، وأفضلها أولها، وهو قول: ابن عمر، وأهل المدينة. # وقال ابن عباس: المعلومات: العشر، يوم النحر، منها والأيما المعدودات: ~~أيام التشريق إلى آخر النفر. وهو قول: عطاء ومجاهد والنجعي والضحاك، وهو ~~قول: الكوفيين. ط # وقال القتبي: ms1665 المعلومات: عشر ذي الحجة. والمعدودات يوم التروية ويوم عرفة ~~ويوم الزنية. # ثم قال تعالى: {فكلوا منها} أي: فكلوا من بهائم الأنعام التي ذكر اسم ~~الله عليها هنالك. وهذه إباحة لا إيجاب. واستحب مالك والليث أن يأكل الرجل ~~من أضحيته لقوله: {فكلوا منها}. PageV07P4878 # وقال الزهري: من السنة أن يأكل أولا من الكبد. # قال بعض العلماء: ذبح الضحايا ناسخ لكل ذبح كان قبله. # وقيل: قوله: " فكلوا منه " ناسخ لفعل المشركين، لأنهم كانوا يحرمون لحوم ~~الضحايا على أنفسهم. # واختار جماعة من الصحابة، وغيرهم من التابعين أن يتصدق الرجل بالثلث ~~ويطعم الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث. # ومذهب علي بن أبي طالب وابن عمر أن لا يذخر من الضحايا شيئا من بعد ثلاث، ~~وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال جماعة من العلماء والصحابة: يذخر منها بعد ثلاث، ورووا: أن الحديث ~~منسوخ بالإذخار، وأن النبي عليه السلام قال: إنما أمرتكم ألا تذخروا من أجل ~~الدافة التي دفت عليكم روته عائشة رضي الله عنها. والدفة: الجماعة. # وقال الحسن البصري: العقيقة واجبة، وهي عند مالك وأكثر العلماء مثل ~~الضحية، منذوب إليها. # وقال أبو حنيفة: الضحية واجبة على كل من وجد إليها سبيلا، وعلى الرجل أن ~~يضحي عن ولده، والجماعة على خلافه لأن الله تعالى لم يوجبها في كتابه، ولا ~~أوجبها PageV07P4879 # رسوله، ولا اجتمعت الأمة على ذلك. # وقوله: {وأطعموا البآئس الفقير} يعني: الزمن المقتر. # وقال مجاهد: هو الذي يمد إليك يده. # وقال عكرمة: البائس: المضطر الذي عليه البؤس، والفقير: المتعفف. # والبائس عند أهل اللغة: الذي عليه البؤس من شدة الفقر. # وقيل: البائس الذي يتبين عليه اثر البؤس والضر. # قوله تعالى ذكره: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم}. إلى قوله: {محلهآ ~~إلى البيت العتيق} /. # قال ابن عباس: النفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب ~~واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار. وهو الخروج من الإحرام إلى الحل. # وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج. # وعنه أيضا: التفث: المناسك كلها. # وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ms1666 ونتف الإبط وحلق ~~العانة وقص الأضفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة PageV07P4880 # والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج. # وقوله: {وليوفوا نذورهم} يعني: ما نذروا من البدن. # وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج. # ثم قال تعالى ذكره: {وليطوفوا بالبيت العتيق}. # يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقا لأن الله أعتقه من الجبابرة أن ~~يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قال: قتادة ومجاهد وابن نجيح وهو مروي عن النبي ~~عليه السلام. # وقال ابن جبير: إنه إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرف [في] زمان ~~الطوفان. # وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقا لأنه لم يملكه أحد من الناس. # وقال ابن زيد: " سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو ~~أول من بناه، ثم برأ لله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم وإسماعيل. ~~ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق. PageV07P4881 # وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف ~~الزيارة. # ثم قال تعالى: {ذلك ومن يعظم حرمات الله}. # أي: الأمر، ذلك من الفروض. # وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت ~~العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم. # {ومن يعظم حرمات الله} أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في ~~حال إحرامه تعظيما منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في ~~الآخرة. # قال مجاهد: {حرمات الله} هوي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من ~~المعاصي كلها. # وقال ابن زيد: {حرمات الله}: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام. # ثم قال تعالى: {وأحلت لكم الأنعام} أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ~~ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. # ثم قال: {إلا ما يتلى عليكم} أي: في كتاب الله، وذلك الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخقة والموقدة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله. PageV07P4882 # وقال قتادة: {إلا ما يتلى عليكم}: ms1667 الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه. # وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين. # فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما ~~يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون. # ثم قال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} أي: النتن، و " من " لبيان ~~الجنس. # وقال الأخفش: هي للتبعيض. أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي ~~عبادتها. # وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عدلت شهادة الزور بالشرك ~~بالله، ثم قرأ: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} ". # وقال ابن جريج: {قول الزور} الكذب، والفرية على الله جل ثناؤه. وهو قول ~~ابن عباس ومجاهد وغيرهم. PageV07P4883 # وقيل: {قول الزور}: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك. # وقيل: معناه: اجتبنوا تعظيم الأوثان والذبح لها. # وسماها رجسا، استقذارا لها. وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء. ~~فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله. # ثم قال تعالى: {حنفآء لله غير مشركين به}. # أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله. # ثم قال تعالى ذكر: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء}. # أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، ثمل من خر ~~من السماء {فتخطفه الطير} أي: فهلك، أو مثل من {تهوي به الريح في مكان ~~سحيق}، أي: بعيد. # وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه ~~نفعا ولا يملك له أحد من الخلق نفعا، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب ~~الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خر من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ~~ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهلاو لا يجد سبيلا ~~إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به ~~في منحدر بعيد/ PageV07P4884 # سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خر من السماء، فهوت به الريح ms1668 ~~وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهوي، كذلك المشرك، ~~يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب. # ثم قال تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}. # أي: ذلك أمر الله، {ومن يعظم شعائر الله}، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ~~ورمي لاجمال والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها ~~في الأوقات المفروضة والمسنونة. # " والشعائر " جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علما لخلقه. وكذلك الشعائر ~~لابدن واحدها شعيرة أيضا، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على ~~أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن. # وقوله: {فإنها من تقوى القلوب} أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب. أي: فإن ~~التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله. # ثم قال تعالى: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى}. # أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها. وذلك لبنها وركوب ~~ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: {إلى أجل مسمى} أي: ~~إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها " بدنة " ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، ~~بطل ما كان له من النفع منها. هذا معنى قول ابن عباس وعطاء. وهو قول قتادة، ~~قال: " إلى PageV07P4885 # أجل مسمى " أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق. # وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ~~ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل ~~عليها المضطر غير منتهك لها. # وقوله: {إلى أجل مسمى} يعني إلى أن تنحر. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها ~~سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا ~~يشرب من لبنها إلا فضلا عن ولدها. فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ~~ومن لم يهدها. # ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى ~~أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجارتهم وبيعهم ms1669 " إلى ~~أجل مسمى " أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها. هذا معنى ~~قول ابن عباس. # وقال ابن زيد: معناه: {لكم فيها منافع} هو الأجر الذي ربحوا في تلك ~~الأماكن. PageV07P4886 # ومعنى: {إلى أجل مسمى} أي: إلى أيام معلومةن فإذا ذهبت تلك الأيام، لم ~~يأت أحد لأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها ~~في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى. # ثم قال: {ثم محلهآ إلى البيت العتيق}. # أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها. # وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا ~~طفتم طواف الإفاضة. # وقال ابن زيد: معنا: ثم محل الحج إلى البيت العتيق. أي: إذا طافوا بالبيت ~~طواف الإفاضة انقضت أيام الحج. # قوله تعالى ذكره: {ولكل أمة جعلنا منسكا}. إلى قوله: {لعلكم تشكرون}. # أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحا يهرقون دمه ليذكروا ~~اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه. # وقوله: {من بهيمة الأنعام}. # فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وسميت ~~بهائم لأنها لا تتكلم. # وقال مجاهد: منسكا: هو هراقة الدماء. PageV07P4887 # وقال ابن عباس: منسكا عبدا. # وقال عكرمة: مذبحا. # والمنسك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من فعل ~~يفعل المفعل. # والمنسك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا موضع ~~ذبح. # ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح. # وقيل: {منسكا} متعبدا، وهو ما يعبد الله به. # " والمنسك ": العبادة والناسك: العابد. # وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه. # ثم قال تعالى: {فإلهكم إله واحد}. # أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبودا غيره على ذبائحكم. # وقيل: المعنى: فاجتبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. / PageV07P4888 # {فإلهكم إله واحد فله أسلموا}، أي: اخضعوا بالطاعة. # {وبشر المخبتين}. # أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد. # قال ابن عيينة: " المخبتين ": المطئنين. # وقال قتادة: المتواضعين. # وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا. ms1670 # والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل. # وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب. # وقيل: المخبتين: المخلصين. # ثم قال تعالى: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. # أي: خشعت قلوبهم وجلا من عقابه. # قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا {والصابرين على مآ أصابهم} أي: من PageV07P4889 # شدة في أمر الله. {والمقيمي الصلاة} " يعني المفروضة " وما رزقانهم ~~ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم. # ثم قال {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله}. # أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه. فبين أن ذبح البدن ~~هو مما أعملهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به. أي: من إعلام الله، ~~أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها. # " والبدن " جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في " بدن " أحسن، والضم ~~في " خشب " أحسن، لأن بدنا أصله النعت، لأنه من البدانية وهو السمن وخشبة ~~اسم غير نعت. والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من الاسم. # " والبدن ": الإبل. وإنما سميت بدنا لأجل السمانة والعظم. وقوله: # {لكم فيها خير}. # أي: أجر من الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج إلى ~~ركوبها. # ثم قال تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صوآف} أي: انحروها واذكروا اسم ~~الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى. # وقال ابن عباس: {فاذكروا اسم الله عليها} قال: الله أكبر، الله أكبر، ~~اللهم منك PageV07P4890 # ولك. {صوآف} قياما على ثلاثة. # وقرأ الحسن والأعرج: صوافي، جمع صافية، ومعناها مخلصين في نحرها لله لا ~~شرك فيها لأحد. # وقرأ ابن مسعود: صوافن. جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث. # وروي عن مجاهد أنه قال: " صواف "، قائمة على أربع مصفوفة. و " صوافن ": ~~قائمة على ثلاث. # قال قتادة: معقولة اليد اليمنى. # وقال مجاهد: " اليسرى ". # ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدنة قياما. ودل على ذلك قوله: {فإذا وجبت ~~جنوبها}. # أي: إذا اسقطت على جنوبها. وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. ~~واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحدا. وقد روى جابر ms1671 أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد ~~اليسرى قائمة PageV07P4891 # على ما بقي من قوائمها. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذبح: " بسم الله والله أكبر ". # وقوله تعالى: {فكلوا منها}. إباحة، لأن المشركين كانوا لا يأكلون من ~~ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك. ثم قال: {وأطعموا القانع والمعتر}. # قال ابن عباس: القانع: المستغنى بهما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي ~~يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل. # وقال مجاهد: " القانع " جارك، يقنع بما أعطيته. " والمعتر ": الذي يتعرض ~~لك، ولا يسألك. # وعن ابن عباس: " القانع " الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، " والمعتر " الذي ~~يعترك فيسألك. # وقال قتادة: " القانع ": المتعفف الجالس في بيته، " والمعتر " الذي ~~يعتريك PageV07P4892 # فيسألك. # وقال الحسن: " القانع السائل "، " والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل. # وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل. # وعن مجاهد: " القانع " جارك وإن كان غنيا. " والمعتر ": الذي يعتريك. # وعن زيد بن أسلم أيضا: القانع ": المسكين الطواف. " والمعتر ": الصديق ~~الضعيف الذي يزور. # وقال محمد بن كعب القرظي: " القانع ": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، ~~و " المعتر " الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئا. # وقيل: " القانع " الذي هو فقير لا يسأل. " والمعتر " الفقير الذي يسأل. # وعن مجاهد: " القانع ": الطامع. " والمعتر " الذي يعتر من غني أو فقير. # وقال عكرمة: " القانع ": الطامع. # وقال ابن زيد: " القانع ": المسكين. " والمعتر ": الذي يتعرض للحم وليس PageV07P4893 # له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم. # وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع هو الفقير، وأن " المعتر " هو الزائر. # يقال: قنع الرجل يقنع قنوعا، إذا سأل، وقنع يقنع قناعة، إذا رضي/ " فهو ~~قنع ". # وقرأ أبورجاء: {وأطعموا القانع} على معنى الذي يرضى بما عنده. # وقرأ الحسن: {والمعتر} وهي لغة فيه، يقال: اعتراه إذا تعرض لما عنده وإن ~~طلبه. # ثم قال: {كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون}. # أي: هكذا سخرنا لكم البدن لعلكم تشكرون على تسخيرها أيها الناس. # قوله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها} إلى قوله: {إن الله ms1672 لقوي ~~عزيز}. # أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه ~~وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته. وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ولا ~~دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم الله وتعظيمكم لحرماته. # وقيل: المعنى: لن يبلغ رضى الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ~~ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم. # وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى " لن ينال الله " في موضع لن يبلغ رضا ~~الله وحسن ذلك، لأن كل من نال شيئا فقد بلغه. PageV07P4894 # وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد ~~المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية. # ثم قال: {كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم}. # أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في ~~حجكم. # وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات. # {وبشر المحسنين} أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم ~~إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة. # ثم قال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}. # أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين. ~~فيكون " يدافع " على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة اثنين. ~~وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير. أي: يضعف له مرة بعد مرة، لا أن ~~ثم فاعلين مثل: قاتل. # ومن قرأ. يدفع: أراد مرة واحدة. وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب المفاعلة أن ~~يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء. PageV07P4895 # وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيرا من شدائد ~~الدنيا. # ثم قال: {إن الله لا يحب كل خوان كفور}. # أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله. # ومعى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما ~~يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن كان ~~بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم. # و" خوان " فعال: من الخيانة وهو من ms1673 أبنية المبالغة وكذلك كفور. # ثم قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا}. # أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم. ففي الكلام حذف على ~~قرءاة من فتح التاء. ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون ~~المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضا. # وقرأ ابن عباس: {يقاتلون} بكسر التاء. وقال: هي أول آية نزلت في القتال ~~لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة. # وقال: عنى الله بها محمدا وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة. يقول ~~الله: {وإن الله على نصرهم لقدير}. قال ابن عباس: لما خرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم من PageV07P4896 # مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، ~~فأنزل الله: {أذن للذين يقاتلون. . .} الآية. # قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال ~~الضحاك. # وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: {الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق}. وقال: هؤلاء المؤمنين. # وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة وقتال ~~المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، ويعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ثم ~~بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: {وإن الله على ~~نصرهم لقدير}. # ومعنى: بأنهم ظلموا " أي: لأنهم ظلموا. فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن لهم ~~في قتال من ظلمهم، فأخرجهم من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم بقوله: ~~{وإن الله على نصرهم لقدير}. # وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى ~~المدينة/، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم ~~حين أرادوا ردهم عن الهجرة. # قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال. PageV07P4897 # وقال الضحاك: " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أستأذنوه في قتال ~~الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: {إن الله لا يحب كل خوان كفور}. فلما ~~هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم ms1674 قتل الكفار وقتالهم ~~فقال: {أذن للذين يقاتلون. . .} الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في ~~القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم. # وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: {وذروا الذين يلحدون في أسمآئه} وخولف في ~~ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ. # ومعنى: " بأنهم ظلموا " بسبب ظلمهم. # ثم قال: {وإن الله على نصرهم لقدير} هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، ~~فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم. أهلك عدوهم. # ثم قال: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق}. # تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق. # فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. ~~أو في موضع نصب على إضمار أعني. # وقوله: إلا أن يقولوا. " إن ": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء ~~وإبي إسحاق. PageV07P4898 # وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن ~~للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير ~~حتق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ~~ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم. # ثم قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض}. # قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية في أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~عن التابعين لهدمت صوامع وبيع. # وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله. # وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع ~~وبيع. # وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبلو ~~شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، ~~فهدمت صوامع، قاله: مجاهد. PageV07P4899 # وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن ms1675 في المساجد عمن ليس في ~~المساجد، وبمن يغزوا عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع. # قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان بينونها على الطريق. # وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى. # وقال مجاهد: البيع: كنائس اليهود. # وقال ابن زيد: البيع: الكنائس. # وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات. # وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة. # وقال أبو العالية: الصلوات: مساجد الصابئين. # وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق. # وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم. PageV07P4900 # يعني النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر. # وقوله: " ومساجد " قال قتادة: هي مساجد المسلمين. # وقوله: {يذكر فيها اسم الله}. # يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في " ~~فيها " يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم ~~وإقامتهم للحق. # قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبن وأما " البيع "، فكنائس النصارى، ~~وأما " الصلوات " فكنائس اليهود، وأما " المساجد " فمساجد المسلمين. # ومعنى: " وصلوات " أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم. # وقال الحسن: هدمها: تركها. # وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات. # وقرأ عاصم الجحدري: " وصلوب " بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف ~~بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول. # وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق. PageV07P4901 # ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات. # وعن مجاهد أنه قرأ: وصلويتا، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان ~~اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار. # وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء ~~المعجمة، ثلاثة من فوق. # وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صلوثا، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء ~~المعجمة ثلاثا من فوق. # ومعنى: " لهدمت " لضيعت وتركت. # ومن جعل الضمير في " يذكر فيها " يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، ~~وهو قول نافع. # ثم قال: {ولينصرن الله من ينصره} أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله ~~فيجعل كلمته العليا، ms1676 كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هيا العليا. # {إن الله لقوي عزيز} أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دنيه منيع ~~لا يغلبه غالب. PageV07P4902 # قوله تعالى ذكره: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة} إلى قوله: ~~{وقصر مشيد}. # المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا ~~الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، " ~~وأمروا بالمعروف " اي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته. " ونهوا ~~عن المنكر " أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ~~ذكرهم. # وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى، وهم: أبو بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي رضي الله عنهم. # وقال الحسن: " هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ". # قال ابن أبي نجيح: " هم الولاة ". # وروي: أن عثمان رضي الله عنه قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه ~~الآية. # {أذن للذين. . .} إلى {ولله عاقبة الأمور}. وقال: نحن الذي قوتلنا وظلمنا ~~وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله عز وجل، ~~فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن ~~المنكر فهذه لي ولأصحابي وليست لكم. PageV07P4903 # وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة. # ثم قال: {ولله عاقبة الأمور}. # أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات ~~مع الكفر. # ثم قال تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح}. # هذه الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم وتعزية له، ليقوى عزمه على ~~الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء ~~المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأومم الخالية، ~~كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، {فكيف كان نكير} أي: انظر يا ~~محمد: ms1677 كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، ~~وإن أمليت له إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من ~~الرسل في الأمم المكذبة لهم. # وقوله: {وكذب موسى} ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود ~~وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما ~~كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذ موسى ولم يقل ~~وقوم موسى. PageV07P4904 # قال أبو إسحاق: {فكيف كان نكير} أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار. # ثم قال تعالى: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة} أي: وكثير من القرى ~~أهلكنا أهلها وهم ظالمون. # فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل {وسئل القرية} [يوسف: 82]. # فالمعنى: فما أهلكنا كثيرا من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا ~~محمد بظلمهم إذا جاء الأجل. كل هذا تخويف وزجر لقريش/ و " كأين " هي كاف ~~التشبيه دخلت على " أي " فصارتا بمنزلة " كم " في الخبر، هذا مذهب الخليل ~~وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على " أي " فأما ~~قراءة ابن كثير وكائن " يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء ~~الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إية، ثم أبدلوا ~~من الياء الساكنة ألفا، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز ~~فصارت كياء قاض وارم. # وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى ~~صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف. PageV07P4905 # قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في ~~المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن " أيا " شيء من الأشياء، فكأنه ~~قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب " كم " وأكثر ما ~~جاءت " كأي " مفسرة ب " من " نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت " من " نصبت، ~~فقلت كأي رجلا، كما قتول: عندي كذا وكذا درهما فتنصب، وتقول: ms1678 عندي كذا وكذا ~~من رهم. وتقول: كم لك من درهمه، وكم لك درهما، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، ~~كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر. فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد ~~فيه نون أو تنوين. وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده. # ثم قال تعالى: {فهي خاوية على عروشها}. # أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها ~~فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان. # ثم قالت: {وبئر معطلة}. # أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض " البير " على ~~العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، ولكنه مثل: {وحور عين} ~~[الواقعة: 22] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما ~~يرفعه، PageV07P4906 # عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء. # وقال أبو إسحاق هو عطف على " قرية ". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن ~~قصر. # و" البير " مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها. # وقوله: {وقصر مشيد}. # أي: مجصص، قاله عكرمة. # وقال الضحاك: " مشيد " طويل. # وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص. ومشيد: مفعل ~~بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع. يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضا. # وقال قتادة: " مشيد ": رفيع طويل. # وعن ابن عباس: أن المشيد الحصين. PageV07P4907 # قوله تعالى ذكره: {أفلم يسيروا في الأرض} إلى قوله: {والله عليم حكيم}. # هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء ~~المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل ~~قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى ~~الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم. # وقوله: " فتكون " جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا ~~في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم ~~الماضية، يخاطب قريشا، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم ~~الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار ms1679 عن أمر قد كان. كما ~~قال: {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1]. أي: قد شرحنا لك صدرك. # ونصب " فتكون " عند الكوفيين على الصرف، أذ معنى الكلام الخبر، فأكنهم ~~صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم ~~وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم. # ثم قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار}. # أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم ~~التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته. PageV07P4908 # قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب. # وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان ~~في الرأس فظارهتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر ~~بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور}. # وقال ابن جبير نزلت في أبن أم مكتوم وكان أعمى {فإنها لا تعمى الأبصار} ~~الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعبتر به، ولكن تعمى ~~القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار. # وقوله: {في الصدور} توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ~~ولكن/ أكده به كما قال: {يقولون بأفواههم} [آل عمران: 167] وكما قال: {ولا ~~طائر يطير بجناحيه} [الأنعام: 38]. # ثم قال: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده}. # أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم ~~به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم. # ثم قال: {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}. # يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، PageV07P4909 # وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون. # وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب. # وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف ~~يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟ # فقال: أو ما تقرأ القرآن: {وإن ms1680 يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} فهذا ~~يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. # وروي أيضا عن مجاهد وهو قول ابن يد. # ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في ~~الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعلموا أن العذاب يحل بهم في وقت اليوم ~~منه كألف سنة من سني الدنيا، فلذلك أبقى لعذابهم وأشد. # وقل: المعنى: أن الله جل ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم ~~العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم ~~بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوما في الشدة ~~والخوف PageV07P4910 # في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن. # وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في ~~الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك ~~المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله ~~من ذلك. # قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة ~~والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها ~~في ألف سنة لو نعم فيها منعما مسرورا. # ثم قال: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة}: أي: وكم من أهل قرية ~~أمهلتهم وأخرت عذابهم " وهم ظالمون " أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. ~~واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى ~~المصير في الآخرة، فليقون عذابا لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: ~~فكذلك حال متسعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم ~~بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم ~~العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم. # ثم قال: {قل يا أيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين}. # أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم ms1681 في الدنيا ~~والآخرة " مبين " أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من ~~شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو PageV07P4911 # إلى الله جل ذكره. # ثم وصف من قبل إنذاره وآمن به فقال: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات}: أي، ~~منكم ومن غيركم {لهم مغفرة} أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، {ورزق ~~كريم} أي: الجنة. # ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: {والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين} أي: عملوا في الصد في أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما ~~جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بها. # ومعنى: {معاجزين}: معاندين، قاله: الفراء. # وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين. # وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه. # وقيل: معناه معاندين للنبي صلى الله عليه وسلم مغالبين له، يفعلون من ~~ذلكما يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعجز عن رده وإنكاره. PageV07P4912 # ومن قرأه معجزين بغير ألف مشددا، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون ~~الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام. # ثم قال تعالى: {ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته}. قوله: " من رسول ولا نبي ": يدل على أن النبي هو ~~المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: ~~أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي ~~رسول والرسول نبي. # وقد قال قوم: / كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على PageV07P4913 # القول الأول. # ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ~~ولا نبي محدث ليس بمرسل. # وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظا من عنده على لسان النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلى ~~الله بهذه الآية. # قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله في ناد من أندية ~~قريش، كثير أهله، ms1682 يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله ~~تعالى: {والنجم إذا هوى} [النجم: 1] فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~إذا بلغ. " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى "، ألقى الشيطان في ~~تلاوته كلمتني " تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى ". فتكلم بها ثم مضى ~~فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعا ورضوا بما تكلم به ~~وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا ~~تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل ~~عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان ~~عليه قال جبريل صلى الله عليه وسلم: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله ~~تعالى إليه {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا} إلى PageV07P4914 # قوله: {ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الإسراء: 73 - 75] فما زال النبي صلى ~~الله عليه وسلم مغموما بذلك حتى نزلت: {ومآ أرسلنا من قبلك} إلى قوله: ~~{والله عليم حكيم} وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معادز # وقال ابن عباس: في الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي إذ ~~نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا ~~سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى ~~منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ~~{ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} إلى {عليم حكيم} وكذلك رواه ابن شهاب ~~على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ. # وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو والغلط ~~إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو ~~في الصلاة فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه. # وقوله: ms1683 {ثم يحكم الله آياته}. # هو رجوع النبي صلى الله عليه وسلم عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف ~~الله وتيسيره له. # وقوله: {وألقى الشيطان في أمنيته} أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ~~{ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض}. هو أن المشركين ~~والمنافقين كانوا يطلبون PageV07P4915 # على النبي عليه السلام زلة أو غلطا يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته ~~أو سهى، تلقوا ذلكك بالقبول، وقالو: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب ~~العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذ كانوا، فلا نقص في ذلك ~~على محمد صلى الله عليه وسلم. # وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه ~~قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ~~ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ~~ومن لم يرسله الله إلى عبده فليس بنبي، كما لا يكون رسولا. والذي عليه أكثر ~~الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. والرسل قليلون، والأنبياء ~~كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذ الموضع، وعلى هذا دلائل ~~كثيرة تدل على صحته بطول ذكرها. # ومعنى: " إذا تمنى " إذا تحدث في نفسه. # وقال ابن عباس: " إذا تمنى " إذ حدث. # وقال الضحاك إذا قال. PageV07P4916 # وقال مجاهد: إلا تلا وقرأ. # وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن ~~شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة/. # واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. # وقيل: معنى الآية، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث نفسه، ألقى ~~الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع ~~المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، ms1684 فيبطل ما يلقى الشيطان. # وحكى الكسائي والفراء " تمنى " بمعنى حدث نفسه. # وقوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس ~~الظل. # وقوله: {ثم يحكم الله آياته} أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. ~~والله عليهم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم. # قوله تعالى ذكره: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة}. إلى قوله: {يوم عقيم}. # المعنى: فعل ذلك من نسخ ما ألقى الشيطان ليجعله فتنة للذين في قلوبهم ~~مرض، أي: اختبارا للذين في قلوبهم نفاق {والقاسية قلوبهم} هم المشركون ~~الذين PageV07P4917 # قست قلوبهم عن الإيمان فلا تلين ولا ترعوي. # ثم قال تعالى: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}. # أي: وإن مشركي قومك لفي خلاف لله، في أمر بعيد من الحق. والشقاق: أشد ~~العداوة. # ثم قال: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك}. # أي: نسخ ما ألقى الشيطان ليعلم الذين أتوا العلم بالله أنه الحق من ربك. ~~أي: أن الذي أنزله إليه هو الحق، لا ما نسخ مما ألقى الشيطان {فيؤمنوا به} ~~أي: فيصدقوا به. {فتخبت له قلوبهم} أي: تخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق ~~به والإقرار بما فيه. # ثم قال: {وإن الله لهاد الذين آمنوا}. # أي: المرشد المؤمنين إلى الطريق القاصد والحق الواضح، فينسخ ما ألقى ~~الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يضرهم كيد الشيطان ~~شيئا. # وقيل: المعنى: لهاديهم إلى طريق الجنة في الآخرة. # وقيل: المعنى: لهاديهم إلى الثبات على الإيمان في بقية أعمارهم. # وقال ابن جريج: {أنه الحق من ربك} يعني: القرآن. # ويروى: أن قوما من المهاجرين بأرض الحبشة بلغهم أن أهل مكة سلموا حين ~~تقربوا من النبي عليه السلام لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في تلاوته، ~~فرجعوا إلى PageV07P4918 # عشائرهم، وقالوا هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ~~ألقى الشطيان. # وقوله: " الهاد " حذفت الياء في الوصل لسكونها وسكون اللام بعدها وحذفت ~~من الخط، لأن الكاتب كتبها على لفظ الوصل، ولو كتبها على الوقف لكتبها ~~بالياء كما كتب ms1685 {بهادي العمي} [النمل: 81] في النمل بالياء على الوقف، وكتب ~~" بهاد العمي " في الروم بغير ياء على الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، لأنك إن ~~وقفت بالياء خالفت الخط، وإن وقفت بغير ياء، حذفت لام الفعل لغير علة. # وقد قال يعقوب وسلام: الوقف " الهادي " بالياء على الأصل، والأحسن ألا ~~تقف عليه لما ذكرت لك. ولأنه ليس بتمام ولا قطع، ولأنك تفرق بين المضاف ~~والمضاف إليه، وكلاهما كالشيء الواحد. # وقد روى أبو محمد اليزيدي عن أبي عمرو في " لهاد الذين آمنوا " قال: ~~الوصل بالياء، والوقف على الكتب. وروي ذلك عن اليزيدي أبو عبد الرحمان وأبو ~~حمدون. ومعنى هذا أنه ينوي الياء في الوصل وإن كان لا يلفظ بها، فإذا وقف، PageV07P4919 # وقف بغير ياء اتباعا للخط فكأنه قال: الوصل بنية الياء. وهذا كلام ~~مستقيم. وقد استجهل اليزيدي في هذه الرواية ومجازها ما ذكرنا. # ثم قال تعالى: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه}. # أي: لا يزال الكفار في شك من القرآن. # وقيل: من النبي. # وقيل: من سجوده معهم في آخر النجم. # وقيل: مما ألقى الشيطان في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: تلك ~~الغرانيق العلى " قال هذا القول الأخير ابن جبير وابن زيد. # قال ابن زيد: لا يخرج ذلك من قلوبهم زادهم ضلالة. وكونها تعود على القرآن ~~أبين، لقوله تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك} يعني: ~~القرآن وهو أقرب إليه. # وقوله: {حتى تأتيهم الساعة بغتة}. # أي: حتى تأتيهم ساعة حشر الناس لموقف الحساب " بغتة " أي: فجأة، وهو مصدر ~~في موضع الحال. PageV07P4920 # ثم قال تعالى: {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم}. # أي: عذاب يوم القيامة، ومعنى عقيم لا ليلة له شبهت/ الليلة باليوم، ~~بمنزلة الولد للوالدة، هذا قول الضحاك وعكرمة. # وقيل: عنى به يوم بدر. وسمي عقيما لأنهم لم ينظروا إلى الليل، قال ذلك: ~~مجاهد وابن جبير وقتادة وأبي بن كعب. وهذا القول: حسن لأنه قد تقدم ذكر يوم ~~القيامة في قوله: {حتى تأتيهم الساعة بغتة} فلا يكون يوم القيامة مرة ms1686 آخرى، ~~وإنما المعنى: لا يزالون في شك من القرآن حتى تقوم الساعة أو يقتلوا يوم ~~بدر. # قال أبي بن كعب: " عذاب يوم عقيم "، يوم بدر، والزام: القتال في يوم بدر، ~~{يوم نبطش البطشة الكبرى} [الدخان: 16] يوم بدر، {ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى} [السجدة: 21]، يوم بدر، فذلك أربع آيات نزلن في يوم بدر. # وقيل: إنما سمي يوم بدر عقيما لأنه عقيم فيه الخير والفرج عن الكفار. # وقيل: هو يوم القيامة، عقم أن يكون بعده يوم مثله، أي: منع من ذلك. PageV07P4921 # قوله تعالى ذكره: {الملك يومئذ لله يحكم بينهم}. إلى قوله: {لطيف خبير}. # أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في ~~الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك ~~الله فيه أحدا شيئا من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد ~~كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوما أمور عباده، وليس ~~يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد. # {يحكم بينهم} أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، {فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في جنات النعيم} يومئذ {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم ~~عذاب مهين}، أي: مذل لهم في جهنم. # ثم قال تعالى: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا}. # أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ~~ماتوا {ليرزقنهم الله رزقا حسنا} وهو الثواب الجزيل، {وإن الله لهو خير ~~الرازقين} أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته. # وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم ~~سواء، وقال آخرون: بل PageV07P4922 # المقتول أفضل فأعلمهم الله جل ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله ~~والميت فيه سوا عنده في الثواب. # ثم قال: {ليدخلنهم مدخلا يرضونه}. # يعني: الجنة. وقال: {وإن الله لعليم حليم} أي: " لعليم بمن هاجر في سبيله ~~ممن خرج ms1687 لغنمية أو عرض من أعراض الدنيا ". " حليم " عمن عصاه من خلقه لا ~~يعاجله بالعقوبة ثم قال: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه}. # أي: الأمر ذلك وعن عاقب. # وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ~~ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وآخرجوهم من ديارهم. # قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، ~~لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في ~~الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفروا عن القتال، فأبى المشركون ذلك ~~فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية ~~فيكون معنى {ثم بغي}: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بغى ~~عليه. وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي PageV07P4923 # باسمه، كما قال: {الله يستهزىء بهم} [البقرة: 15] و {مكر الله} [آل ~~عمران: 54] وشبهه، ومثل {وجزآء سيئة سيئة مثلها} # [الشورى: 40] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها ~~وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به مايسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة ~~عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر. # ثم قال تعالى: {إن الله لعفو غفور}. # أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن ~~فعل بمن ظلمه. # ثم قال: {ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أي: ~~يقول الله جل ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بغي عليه بأني قادر على ما شاء، ~~ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل. ومعناه: يدخل ~~ما انتقص/ من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ~~ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا. # فالبقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمدا وأصحابه على الذين بغوا عليهم، PageV07P4924 # وأخرجوهم من ديارهم. # ثم قال: {وأن الله سميع بصير} أي، ms1688 وفعل ذلك بهم أيضا، لأنه ذو سمع لما ~~يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء. # ثم قال: {ذلك بأن الله هو الحق}. # أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ~~ونصره أولياءه لعى من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن ~~الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء. # ثم قال تعالى: {وأن الله هو العلي الكبير}. # أي: هو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه. # " والكبير: " أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه. # قال ابن جريج: " هو الباطل " يعني: الشيطان. # ثم قال: {ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة}. # " فتصبح " مرفوع لأن صدر الكلام واجب، ولس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا ~~قول الخليل. # وقال الفراء: " ألم تر " خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا ~~فيكون كذا. وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار ~~أوضح PageV07P4925 # منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى ~~فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: ~~أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، ~~معناه: دخلنا في الصباح والمساء. # ثم قالوا: أصبح زيد عالما، وأمسى جاهلا. أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح ~~والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، ~~وقولهمه ظل فلان قائما، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، ~~واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع " ظل " إلا ~~بالنهار. # وقولهم: " صار زيد عالما. أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير ~~انقطاع البلوغ. ومنه قوله: " إليه المصير "، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم ~~اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالما أي: بلغ هذه الصفة، ~~فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد ms1689 الله رجلا. أي: بلغ ~~ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل " كان " التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع ~~الغاية، وانطقاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر ب " صار " إنما هو كان ~~قبل وقتك، أدخلت " كان " فقلت: كان زيد قد صار عالم، ورأيته أمسى صار ~~عالما. PageV07P4926 # وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، ~~أي: ما فارقته. ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي ~~مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالما، فنيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، ~~فصار المعنى: زيد علام، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائرا، ~~فمعناه ما زلت أسير شيئا بعد شيء. ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ. ~~فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته. وأصل ما انفك من انفكاك الشيء ~~من الشيء ومفارقته إياه. وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت. وأما ما دام، ~~فما فيها غير جحد، إنما هي زمان. وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، ~~وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة " ما " التي هي وقت. ~~ولو قلت دام زيد عالما، لم يكن كلاما حتى تأتي الموصول، وهو " ما ". ولو ~~قيل: قد دام زيد أميرا، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم ~~يستعمل وقوله: {إن الله لطيف خبير}. # أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء. " خبير ~~" بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره. # قوله تعالى: {له ما في السماوات وما في الأرض} إلى قوله: {وما للظالمين ~~من نصير}. # أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه. ~~وهم PageV07P4927 # المحتاجون إليه. # {الحميد} أي: المحمود عند/ عباده في أفضاله ونعمه عندهمه. # ثم قال: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض}. # أي: سخر لكم ما في الأرض من الدواب والأنعام وغير ذلك تنتفعون وتأكلون ~~وتركبون وتلبسون منه، وسخر لكم " الفلك لتجري ms1690 في البحر بأمره " أي: بقدرته ~~وتذليله أياها لكم. # ثم قال: {ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه}. # أي: يمسكها بقدرته لئلا تقع على الأرض. {إن الله بالناس لرءوف رحيم}. أي: ~~لذو رأفة ورحمة بهم. # ثم قال: {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم}. # أي: والذي أنعم عليكم هذه النعم المذكورة، هو الذي خلقكم أجساما أحياء ~~بحياة أحدثها فيكم ولم تكونوا شيئا، ثم يميتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم ~~يحييكم عند بعثكم لقيام الساعة، {إن الإنسان لكفور} أي: إن ابن آدم لجحود ~~لنعم الله عليه، إذ يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المتكررة وبغيرها. # ثم قال تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه}. # أي: لكل جماعة قوم لنبي خلا قبلك يا محمد، جعلنا مألوفا يألفونه، وماكنا ~~يعتادونه لعبادة الله تعالى، وقضاء فرائضه، وعملا يلزمونه. PageV07P4928 # وأصل المنسك: المكان المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر، وإنما ~~سميت المناسك مناسك الحج لتردد الناس إليها للعمل الذي فرض عليهم لعمل الحج ~~والعمرة فألفوه. # وكسر " السين " لغة أهل الحجاز، وفتحها لغد أسد. # قال ابن عباس: جعلنا منسكا. أي: عيدا. # وقال مجاهد: وهو أراقة الدم بمكة. # وقال قتادة: " منسكا " ذبحا وحجا. # وقد روي أن المشركين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في إراقة الدم أيام ~~النحر. فهذه الآية في ذلك والله أعلم. دل على هذا التأويل قوله: {فلا ~~ينازعنك في الأمر} أي: فلا يجادلنك في ذبحك ونسكك قولهم: أتأكلون ما قتلتم ~~ولا تأكلون ما قتله الله وهو الميتة. # ومعنى: " فلا ينازعنك "، أي: فلا تنازعنهم لأنهم قد نازعوه في ذلك قبل ~~نزول الآية. PageV07P4929 # ثم قال: {وادع إلى ربك}. # أي: ادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ~~ربك بأن يأكلوا ما ذبحوه بعد اتباعك والتصديق بما جئتهم به. {إنك لعلى هدى ~~مستقيم} أي: طريق غير زائل عن الحق والصواب. # ثم قال تعالى: {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون}. # أي: إن جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، {فقل الله أعلم بما تعملون} ms1691 " لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم " {الله يحكم بينكم يوم القيامة} أي: يقضي بينكم يوم ~~القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر دينكم. # فتعلمون حينئذ المحق من المبطل. # ثم قال تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السمآء والأرض}. # أي: يعلم ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع، لا يخفى عليه من ~~ذلك شيء، فهو حاكم بين خلقه يوم القيامة على علم منه بجميع ما علموه في ~~الدنيا، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. {إن ذلك في كتاب} أي: إن ~~علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جل ذكره قبل أن يخلق ~~الخلق ما هوكائن إلى يوم القيامة. {إن ذلك على الله يسير} أي: سهل. يعني: ~~حكمه بين المختلفين يوم القيامة. # وقيل: معناه: أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن يسير على ~~الله. أي: هين. فصاحب هذا القول رده على الأقرب، وهو: " أن ذلك في كتاب ". ~~وصاحب القول الأول رده على " يحكم بينكم ". # قال ضمرة بن حبيب: إن الله جل ذكره كان عرشه على الماء، فخلق السماوات PageV07P4930 # والأرض بالحق، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب ~~سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يبتدئ شيئا من الخلق. # وقال كعب الأحبار " علم الله تعالى ما هو خالق، وما خلقه عاملون ". # وقال ابن جريج قوله: " إن ذلك في كتاب " يعني: قوله: {الله يحكم بينكم ~~يوم القيامة/ فيما كنتم فيه تختلفون}. # ثم قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا}. # أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لم ينزل لهم به حجة من السماء في ~~كتاب من كتبه التي أنزلها على رسله، وما ليس لهم به علم، أي: لا علم لهم ~~أنها آله، فيعبدونها بعد علم، {وما للظالمين من نصير} ينصرهم من عذاب الله. # قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} إلى قوله: {حق جهاده}. # أي: وإذا تتلى على المشركين آيات القرآن واضحات حججها وأدلتها، {تعرف ms1692 في ~~وجوه الذين كفروا المنكر}، أي تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله ~~من تغيرها بسماعهم القرآن. PageV07P4931 # {يكادون يسطون}. # أي: يبطشون بالذين يتلون عليهم كتاب الله من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك لشدة كراهيتهم أن يسمعوا القرآن ويتلى عليهم. # قال الضحاك: {يكادون يسطون} أي: يأخذون المؤمنين بأيديهم أخذا. # والسطو في اللغة: البطش. # وروى أحمد عن قالون والأعشى عن أبي بكر " يصطون " بالصاد من أجل الطاء. # ثم قال: {قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار}. # أي: قل يا محمد للمشركين أفأنبئكم بشر مما تكرهونه من قراءة القرآن ~~عليكم؟ فقالوا: ما هو فقيل لهم: النار، أي هي النار وعدها الله الذين ~~كفروا، أي: وعدكم وأمثالكم من الكفار أياها. # وروي: أن المشركين قالوا محمد وأصحابه شر خلق، فقال الله تعالى: قل لهم ~~يا محمد أفأنبئكم بشر من محمد وأصحابه على قولكم وزعمكم، أهل النار فهم ~~أنتم شرار خلق الله تعالى لا محمد وأصحابه. PageV07P4932 # وقوله: {وبئس المصير} أي: وبيس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون يوم ~~القيامة. # ثم قال تعالى ذكره: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون ~~من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له}. # {ضرب} هنا بمعنى: جعل: من قولهم: ضربت الجزية على النصارى، أي: جعلت. ~~وضرب السلطان الخراج على الناس. # أي: جعل، " والمثل " الشبه الذي جعلوه لله من الأصنام. # فالمعنى: يا أيها الناس جعل شبه لي في عبادتي، يعني: الأصنام التي جعلوها ~~شبها لله فعبدوها. # ثم قال: فاستعموا الخبر هذا الذي جعل شبها لي. {إن الذين تدعون من دون ~~الله} من الأصنام والأثان، لن يخلقوا ذبابا، على صغر الذباب ولفطه، ولو أن ~~الأصنام اجتمعت كلها لم تخلق ذلك ولا استطاعته، على أن الذباب واحد وهي ~~كثيرة. وأن يسلبهم هذا الذباب على ضعفه وكثرتها شيئا مما عليها من طيب ~~وغيره، لا يقدرون بجماعتهم على استقاذ ذلك الشيء من الذباب الضعيف. # روي أنهم كانوا يطلون آلهتهم بالزغفران، فكانت الذباب تختلس الزعفران، ~~فلا تقدر الأصنام - وهي آلهة لهم ms1693 - على استنقاذ ما تأخذ الذباب منها. PageV07P4933 # ثم قال: {ضعف الطالب والمطلوب}. # أي: ضعفت الآلهة عن طلب ما أخذ الذباب منها، وضعف الذباب، قاله: ابن ~~عباس. # وقيل: المعنى: ضعف الطالب من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمطلوب إليه أن ~~يعطي سائله من بني آدم ما سأله - فهذا توبيخ من الله لقريش وتنبيه، ومعناه: ~~كيف تجعلون الله في العبادة مثل ما لا يقدر على خلق ذباب. # {وإن يسلبهم الذباب شيئا} لم يمتنع ولا أنتصر، والله خالق من في السماوات ~~والأرض. ومالك جميع ذلك، والمحيي جميع ذلك والمفني لهم. # ثم قال تعالى: {ما قدروا الله حق قدره}. # أي: ما عظموه في العبادة حق عظمته حين عدلوا به من يضعف عن الامتناع من ~~أذى الذباب. هذا معنى قول ابن زيد. # وقد قال قوم: قوله تعالى: ضرب مثل، فأين المثل، ليس في الآية مثل والمعنى ~~فيه على ما قمنا أن معناه، ضربتم لي مثلا، أي جعلتم لي شبها وندا. كما قال: # {وجعلوا لله أندادا} [إبراهيم: 30] {فاستمعوا له} أي: / فاستمعوا جواب ما ~~ضربتموه شبها لله PageV07P4934 # وندا، فالضرب إنما هو للمشركين الذين عدلوا الله بالأصنام، فخبرنا الله ~~تعالى عن ضعف الشبه والند الذي جعلوه له. # قال الكلبي: كانوا يعمدون إلى المسك والزعفران، فيسحقونهما جميعا، وهو ~~عطر العرب ويطلون بهما الأصنام، فإذا يبس تشققق فربما وقع عليه الذباب ~~فيأخذ منه، فكان يشتد عليهم. # ثم قال: {إن الله لقوي عزيز}. # أي: قوي على خلق ما يشاء من صغير وكبير، " عزيز " أي: منيع في ملكه، لا ~~يقدر أحد أن يسلبه من ملكه شيئا، وليس كآلهتهم التي يدعون من دون اكلله ~~التي لا تقدر على خلق ذباب، ولا على الامتناع عن الذباب. # ثم قال: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس}. # أي: الله يختار من الملائكة رسلا يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل ~~وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلا ~~يرسلهم إلى خلقه. # ويقال: إن هذه الآية جواب لقول المشركين، {أءنزل عليه الذكر ms1694 من بيننا} ~~[ص: 8] فأنزل الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} أي: ذلك ~~إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. PageV07P4935 # ثم قال: {إن الله سميع} أي: يسمع ما يقول المشركون في محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وما جاء به وغير ذلك من كلامهم وسرهم، {بصير} بمن يختاره لرسالته. # ثم قال تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}. # أي: ما بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم {وما خلفهم} أي: وما هو ~~كائن بعد فنائهم. {وإلى الله ترجع الأمور} أي: إلى الله ترد أمور الدنيا ~~والآخرة. # ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم}. # أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسله وكتبه، اركعوا واسجدوا في صلاتكم، ~~{واعبدوا ربكم}، أي: ذلوا له واخضعوا بالطاعة {وافعلوا الخير} الذي أمركم ~~بفعله {لعلكم تفلحون} أي: تدركون طلباتكم عند ربكم. # وقال الطبري: لعل هنا بمعنى كي، وهي عند غيره على معنى، الرجاء و " لعل " ~~من الله واجبة. ومذهب أهل المدينة، مالك وغيره أن لا يسجد في آخر هذه ~~السورة، وإنما فيها سجدة واحدة عند قوله يفعل ما يشاء. # ورأي جماعة من الفقهاء، السجود في آخر السورة. # وروي عن ابن عباس أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين على سا ئر القرآن. # وعن عمر أنه سجد في آخرها. # وعن ابن عباس ابن عمر أنهما لم يعدا الثانية في سجود القرآن. PageV07P4936 # ثم قال تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده}. # أي: جاهدوا المشركين حق الجهاد. قاله: ابن عباس. # وعن ابن عباس: أن المعنى: لا تخافوا في الله لومة لائم، فذلك حق جهاده. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المجاهد من جاهد نفسه لله عز ~~وجل ". # وعنه أنه قال: " أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر "، ومعنى: " حق ~~جهاده " هو استفراغ الطاقة. يقول الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}. ~~وأكثر الناس على أنه غير منسوخ وواجب على كل مسلم أن يجاهد في الله حق ~~جهاده على قدر استطاعته ويكون قوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} ms1695 [التغابن: ~~16] بيانا لهذا وليس بناسخ له. # قوله تعالى ذكره: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} إلى آخر ~~السورة. # أي: هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه. # وقال ابن زيد: " هو اجتباكم " أي: هداكم. {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} أي: من ضيق لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجا، ~~والكفارة من بعض، والقصاص من بعض. فلا ذنب يذنبه المؤمن إلا وله في دين ~~الإسلام منه مخرج، هذا معنى قول ابن عباس. # " وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ~~هو الضيق " يعني أن الحرج: الضيق. PageV07P4937 # وقيل: معناه، أن الله جعل للمؤمنين/ مكان كل شي يثقل في وقت ما هو أخف ~~منه، فجعل للصائم الإفطار في السفر، وتقصير الصلاة وللمصلي إذا لم يطق ~~القيام أن يصلي قاعدا، أو أن يتزوج أربعا وما شاء من ملك اليمين. # وعن ابن عباس أنه قال: هذا في شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا ~~شك في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليكم ستهلاله. # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: وما جعل عليكم في الإسلام من ضيق بل وسعه ~~عليكم، وهو قول الضحاك. # وقال ابن عباس: وسع الله في الدين ولم يضيقه فبسط التوبة، وجعل الكفارات ~~مخرجا. # ثم قال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} اختلف في " ~~هو " فقيل: ضمير الله جل ذكره. وقيل ضمير إبراهيم صلى الله عليه وسلم أي: ~~الله سماكم المسلمين، هذا قول: قتادة والضحاك ومجاهد. # وقيل: المعنى: إبراهيم سماكم المسلمين، وهو قول الحسن وابن زيد لأن PageV07P4938 # إبراهيم عليه السلام قال: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة ~~لك}. # وهذا القول يضعفه قوله من قبل. وفي هذا، فيكون إبراهيم سمانا مسلمين من ~~قبل القرآن وفي القرآن، والقرآن إنما نزل بعد إبراهيم، فهذا بعيد، وإنما ~~يجوز قول ابن زيد والحسن على معنى، إبراهيم سماكم المسلمين فيما تقدم وفي ~~هذا، أي: وفي حكمه أن ms1696 من اتبع محمدا موحد. والأحسن أن يكون سمانا بذلك، من ~~قبل القرآن، وفي الكتب المتقدمة وفي القرآن. # قال مجاهد سماكم الله مسلمين في الكتب كلها، وفي الذكر، وفي هذا القرآن. ~~وكل من آمن بنبيه من الأمم الماضية، فإنما سميت بالإيمان ولم يسم بالإيمان ~~والإسلام غير هذه الأمة. # ثم قال: {ليكون الرسول شهيدا عليكم}. أي: اجتباكم وسماكم مسلمين ليكون ~~محمد شهيدا عليكم يوم القيامة، لأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا ~~أنتم حنيئذ شهداء على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أمتهم ما أرسلوا به ~~إليهم. # قال قتادة: أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي كان. يقال للنبي: اذهب ~~فليس عليك حرج، وكان يقال للنبي: إنك شهيد على قومك. وقال الله: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج}، وقال: " لتكونوا شهداء على الناس " وكان يقال ~~للنبي: سل تعطه، وقال الله جل ذكره: ادعوني أستجب لكم. # ثم قال: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. أي: أقيموها بحدودها في أوقاتها، ~~وآتوا الزكاة الواجبة عليكم. # ثم قال: {واعتصموا بالله هو مولاكم} أي: ثقوا بالله وامتنعوا به من ~~عدوكم، وتوكلوا PageV07P4939 # عليه في أموركم، {فنعم المولى} هو لمن فعل ذلك منكم {ونعم النصير}، أي: ~~نعم الناصر هو على من بغاه بسوء. # وقوله: {من حرج} وقف، إن نصبت ملة، بمعنى اتبعوا ملة فإن نصبته على قول ~~الفراء على معنى ك " ملة " إبراهيم لم تقف على " حرج " ويلزم الفراء في ~~النصب عند عدم الكاف أن يقول زيد الأسد، فينصب الأسد، لأن المعنى، زيد ~~كالأسد، وهذا لا يجوز عند أحد. " إبراهيم " وقف، إن جعلت " هو " من ذكر ~~الله جل ثناؤه، وهو مذهب نافع ويعقوب وغيرهما. وإن جعلت " هو " من ذكر ~~إبراهيم لم تقف على " إبراهيم "، وكان التمام " وفي هذ " إن جعلت اللام من ~~لتكون متعلقة بفعل مضمر، فإن جعلتها متعلقة ب: " اجتباكم " و " سماكم " لم ~~يكن التمام إلا على الناس. PageV07P4940 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المؤمنون : مكية # قوله تعالى ذكره: {قد أفلح المؤمنون} إلى قوله: {للزكاة فاعلون}. # قال مجاهد إن ms1697 الله تعالى وجل ثناؤه غرس جنة عدن بيده، ثم قال حين فرغ، ~~{قد أفلح المؤمنون. . .} الآيات، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء الله، ولا ~~تفتح إلا بالسحر مرة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون. # وعن ابن عباس: أنه قال: خلق الله جنة عدن بيده، فتكلمت فقالت: {قد أفلح ~~المؤمنون} / أي: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة. # فالمعنى: قد بقي الذي صدقوا محمدا وما جاء به في النعيم الدائم، وأصل ~~الفلاح، البقاء في الخير. # ثم قال: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}. # أي: هم متذللون لربهم إذا قاموا إلى صلاتهم. PageV07P4941 # قال أنهم خشعت قلوبهم، فلا يعرف أحدهم من عن يمينه ولا من عن شماله، كان ~~يستجب أن لا يجاوز المصلي ببصره موضع سجوده إلا بمكة، فإنه يستحب أن ينظر ~~إلى البيت ولم يوقت مالك في ذلك وكان يقال: نزلت أدبا لقوم كانوا يرفعون ~~أبصارهم في الصلاة إلى السماء فنهوا عن ذلك. # قال ابن سيرين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في ~~صلاته، فلما أنزل الله هذه الآية، جعل رسول الله وجهه حيث يسجد. # وقال مجاهد والزهري: الخشوع: سكون الأطراف في الصلاة. # وقال الحسن: خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح. # وقال علي بن أبي طالب: خشوع في القلب، لا تلتفت في صلاتك. PageV07P4942 # وقال معمر عن الحسن: خاشعون " خائفون. # وعن ابن عباس: خاشعون "، خائفون ساكنون. # وحقيقة الخاشع، المنكسر قلبه إجلالا لله ورهبة منه. # وقال مالك: الخشوع في الصلاة: الإقبال عليها. السكون فيها. # ثم قال تعالى ذكره: {والذين هم عن اللغو معرضون}. # أي: هم عن الباطل وما يكرهه الله معرضون. # قال ابن عباس: عن الباطل. # وقال الحسن: عن المعاصي. # وقال ابن زيد: هم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا عن اللغو ~~[معرضين]. # وقال الضحاك: اللغو: الشك. # وقيل: الغناء. # وروى مالك عن محمد بن المنكدر أنه قال: يقول الله جل ذكره يوم القيامة ~~أين PageV07P4943 # الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللغو ومزامير الشيطان، أدخلوهم ~~في رياض المسك، ثم ms1698 يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي علي وأخبروهم ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون. # وقال الضحاك: اللغو: الشرك بالله. # " واللغو " في اللغة، ما يجب أن يلغى ويطرح ويترك من اللعب والهزل ~~والمعاصي. والمعنى، والذين شغلهم الجد عن اللغو. # ثم قال تعالى: {والذين هم للزكاة فاعلون}. # أي: مؤدون زكاة أموالهم، فمدح الله مخرجي الزكاة، وإن لم يخرجوا غيرها، ~~وذم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يزكون. # قوله تعالى ذكره: {والذين هم لفروجهم حافظون} إلى قوله: {أحسن الخالقين}. # أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم ~~التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ~~ذلك. # ثم قال: {فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون}. # أي: فمن التمس لفرجه منكحا سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون PageV07P4944 # حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. # قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. # قال ابن زيد: {فأولئك هم العادون} يقول: الذين يعبدون من الحلال إلى ~~الحرام. # وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب ~~الله، ثم تلا. {والذين هم لفروجهم حافظون. . .} إلى قوله: {العادون} أي: ~~فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه ~~الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ~~ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة ~~وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحرم وطئ الأمة إذا زوجت ~~وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. # ثم قال تعالى: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}. # أي: يقومون حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. # قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. PageV07P4945 # وقيل: هو عام في كل أمانة. # وأصل الرعي في اللغة القيامة على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. # ثم قال: {والذين هم على صلواتهم يحافظون}. # أي: يحافظون على وقتها وأدائها/ بحدودها، لا يفوتهم وقتها. # وقال النخعي: " يحافظون " يداومون على أداء المكتوبة. # ثم ms1699 قال تعالى: {أولئك هم الوارثون}. # أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في ~~الجنة. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما منكم أحد إلا له ~~منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة ~~منزله. قال: فذلك قوله: {أولئك هم الوارثون} ". # قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا ~~الله. PageV07P4946 # وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل ~~النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له ~~منزلا في الجنة ومنزلا في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ~~ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني ~~منزله الذي في النار. # وروى عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقد أنزلت علي ~~عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ". # يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه ~~السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. # ثم قال: {الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}. # أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. # والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. # وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. # وقال كعب: خلق الله جل ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال PageV07P4947 # لها: تكلمي، فقالت: " قد أفلح المؤمنون ". # وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. # ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. # وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة ~~من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. # وعن أبي هريرة أنه قال: " الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله ~~أنهار [أهل] الجنة ". # وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " الجنة مائة درجة، ms1700 أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها ~~تفجر أنهار الجنة ". # ثم قال تعالى ذكره: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين}. # يعني: آدم استل من الطين والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي ~~للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان ~~خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. # وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. PageV07P4948 # قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. # وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة ~~استلت من ظهر الرجل " من طين " وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، ~~وهو اختيار الطبري كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو ~~الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: {ثم جعلناه نطفة في ~~قرار مكين}. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد ~~بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم ~~من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. # والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. # قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. # وقوله: {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين}. # أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، ~~يعني: الرحم، وسمي " مكين " لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ ~~أمره. PageV07P4949 # ثم قال: {ثم خلقنا النطفة علقة}. # أي: قطعة من دم {فخلقنا العلقة مضغة}، هي القطعة من اللحم، وسميت مضغة ~~لأنها قدر ما تمضغ {فخلقنا المضغة عظاما}. # أي: كل عضو عظم، {فكسونا العظام لحما} أي: ألبسنا كل عظم لحما. # ثم قال: {ثم أنشأناه خلقا آخر}. # أي: أنشأنا الإنسان خلقا آخر. # وقيل: المعنى، ثم أنشأنا/ هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقا آخر، وهو ~~نفخه الروح فيه، فيصير إنسانا، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي ~~العالية والشعبي وأبن زيد. # وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال ms1701 بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا ~~إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. # وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. PageV07P4950 # وقال مجاهد: هو استواء شبابه. # وقيل: هو خلقه ذكرا أو أنثى. # وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ~~قال: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ~~ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح ". # وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوما نطفة، ثم تصير علقة فتقيم ~~أربعين يوما، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوما، ثم تصير عظاما مكسوا لحما، ~~وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ ~~فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر ~~وعشرا، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في ~~البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. ط # ثم قال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. # ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر PageV07P4951 # و " تبارك " تفاعل من البركة. # وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: {أحسن ~~الخالقين}. # وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. ~~لأن العرب تسمي كل صانع خالقا. قال الشاعر، وهو زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لايفري. # أي: ما صنعت. # وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدزون لعجزهم ~~والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. # وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله ~~آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. # وروي: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} ~~قال: {فتبارك الله أحسن الخالقين}. فنزلت ms1702 {فتبارك الله أحسن الخالقين}. # قوله تعالى ذكره: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون}. إلى قوله: {في آبآئنا الأولين}. # أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقا آخر تموتون تصيرون رفاتا ~~ثم PageV07P4952 # إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتا تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. # ثم قال: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق}. # يعني: سماوات بعضها فوق بعض. # والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها ~~فوق بعض. # ثم قال تعالى: {وما كنا عن الخلق غافلين}. # أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا ~~بمنزلة قوله: {وجعلنا السمآء سقفا محفوظا} [الأنبياء: 32] أي: محفوظا أن ~~يسقط عليكم. # وقيل: محفوظا من الشياطين. # وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون ~~المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. # ثم قال: {وأنزلنا من السمآء مآء بقدر}، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من ~~السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. # قال ابن جريج: " ماء الأرض هو ماء السماء ". فماء الآبار والأدوية ~~والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. PageV07P4953 # قوله تعالى: {وإنا على ذهاب به لقادرون}. # أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش ~~وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: {قل أرأيتم إن أصبح/ مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين} [الملك: 30]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في ~~الأرض مخزونا يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأجننهم، ويتطهرون به ~~وغير ذلك من منافعهم به. # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنزل الله من الجنة ~~إلى الأرض خمسى أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة ~~والفرات وهما نهرا العراق، والنير وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من ~~عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجاراها في الأرض، ~~وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك ms1703 قوله تعالى ذكره: {وأنزلنا ~~من السمآء مآء بقدر فأسكناه في الأرض} وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، ~~أرسل الله عز وجل جبريل صلى الله عليه وسلم، فرفع من الأرض القرآن والعلم ~~وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: {وإنا على ~~ذهاب به لقادرون} ". # ثم قال تعالى ذكره: {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب}. # أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب {لكم فيها} أي: من PageV07P4954 # الجنات فواكه كثيرة، {ومنها تأكلون}. # أي: ومن الفواكه تأكلون. # وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. # وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. # وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم ~~القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بهما عندهم من ~~الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت ~~الأعناب لأهل الطائف. # ثم قال: {وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن}. # أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. " وطور ~~سيناء " الجبل الحسن. # فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. # ومن كسر السين من " سيناء " جعله فعلالا وليس بفعلا إذ ليس في الكلام هذا ~~المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. # وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. PageV07P4955 # فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان ~~وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. # وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. # وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. # وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. # وقال قتادة: معنى: " سيناء " و " سينين "، حسن. # وقال ابن عباس أيضا: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. # وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى ~~أيلة. # وقيل: هو جبل ذو شجر. # والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا ~~طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ~~ذلك مبارك. PageV07P4956 # ويلزم من قال معناه جبل ms1704 مبارك أو جبل حسن أون ينون طورا ويجعل سيناء له ~~نعتا. # وقوله: {تنبت بالدهن} مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت ~~الدهن. # ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دل عليه الفعل، ~~فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن ~~مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل ~~للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من ~~الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، ~~وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. # وتنبت وتنبت لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى ~~والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. # وقوله: {وصبغ للآكلين} يعني الزيتون. PageV07P4957 # قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به/. # ثم قال تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها}. # أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها ~~فتعرفون نهم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن ~~الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضا مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل ~~يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها {ومنها تأكلون}. # أي: من لحومها تأكلون. # {وعليها وعلى الفلك تحملون} أي: وعلى الإبل والسفن يحملون برا وبحرا. # ثم قال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره}. # أي: أرسل نوحا إلى قومه داعيا لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال ~~لهم: {ياقوم اعبدوا الله} أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره {أفلا ~~تتقون} أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. # ثم قال تعالى: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه}. # أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيج الله وكذبوه لقومهم: يا ~~قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم {مثلكم يريد أن ms1705 يتفضل ~~عليكم} أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع. # {ولو شآء الله لأنزل ملائكة}. PageV07P4958 # أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. # {ما سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين} أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي ~~يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم ~~آباؤهم. # قوله تعالى ذكره: {إن هو إلا رجل به جنة} إلى قوله: {وما نحن بمبعوثين}. # أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون {فتربصوا به حتى حين} أي: ~~تملهوا به إلى وقت ما. # قال نوح: {رب انصرني بما كذبون} أي: بتكذيبهم إياي. دعا صلى الله عليه ~~وسلم واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبو إلا تكذيبه. # ثم قال تعالى: {فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا}. # أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم ~~لك بما تصنع. {فإذا جآء أمرنا} أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. {وفار ~~التنور} قد تقدم في " هود " ومعنى " فار التنور ". وقد قال علي بن أبي ~~طالب: " فار التنور " من مسجد الكوفة. # وعنه أنه قال: " فار التنور " هو تنور الصبح. # قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت ~~الماء قد PageV07P4959 # خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. # ثم قال: {فاسلك فيها من كل زوجين اثنين}. # أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. # {ن كل زوجين اثنين وأهلك} أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ~~{إلا من سبق عليه القول منهم} أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه ~~هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. # ثم قال تعالى: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا}. # أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، {إنهم مغرقون} أي: قضيت أن أغرق ~~جميعهم. # ثم قال تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله}. # أي: إذا اعتدلت ms1706 أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا ~~من القوم الظالمين {وقل} أيضا يا نوح: {رب أنزلني منزلا مباركا}، إذا خرجت ~~من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. # {وأنت خير المنزلين} أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ " ~~منزلا " PageV07P4960 # بضم الميم، جعله مصدرا، لأن مصدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ~~{أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] يقال: أنزلته إنزالا ~~ومنزلا. # ومن قرأ بفتح الميم جعله اسما لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكانا ~~مباركا وموضعا مباركا. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي يجعله مصدر نزل، ~~كالمدخل مصدر دخل. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين}. # أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لعبرا لقومك ~~وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من ~~العذاب. # وقوله/: {وإن كنا لمبتلين} أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم ~~بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. # وقيل معنى " لمبتلين " لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه ~~الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. # ثم قال: {ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين}. # أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوما آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم PageV07P4961 # أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: {أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ~~أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله {أفلا تتقون} أي: أفلا تخافون ~~عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. # ثم قال تعالى: {وقال الملأ من قومه الذين كفروا}. # أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. # وقوله تعالى: {وأترفناهم في الحياة الدنيا}. # أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا ~~الرسل. # {ما هذا إلا بشر مثلكم}. # أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك ~~فتصدقه. # (ولئن أطعتم بشرا مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. # {إنكم إذا لخاسرون}. ms1707 أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم ~~إياه. # ثم قال تعالى: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون}. PageV07P4962 # " أن " الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا ~~متم. # وقال الفراء والجرمي " أن الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال ~~الكلام. # وذهب الأخفش إلى " أن " الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ~~ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما يحدث إخراجكم. كما ~~تقول: اليوم القتال. المعن عنده اليوم يحدث القتال. # ومعنى الآية أن الأشراف من وقم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون ~~بعد أن تكونوا ترابا وعظاما فتخرجون من قبوركم. # ثم قالوا: {هيهات هيهات لما توعدون}. # مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، ~~وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للألف التي ~~قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة PageV07P4963 # عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. # وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند ~~الجماعة نون أو لم ينون، لأنه جمع المؤنث لازم. # وقيل: " هو " في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن ~~البعد، كما يكنى بقولهم " صه " عن السكوت. # فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم ~~هود لقومهم. # قال ابن عباس: " هيهات هيهات ": بعيد بعيد. # ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما ~~تريد. # فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. # فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خل بالعقيق نواصله # كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. PageV07P4964 # وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر،: أنه قال: بعدا بعدا لما توعدون. # ثم قال: {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين}. # أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا ~~نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد ms1708 الموت، وهذا مثل ~~قولهم: {هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} ~~[سبأ: 7] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد ~~الموت. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. # وقيل: المعنى: نكون أمواتا نطفا، ثم نحيا في الدنيا. # قوله تعالى ذكره: {إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا} إلى قوله: {ذات ~~قرار ومعين}. # أي: قالوا: ما هو إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: {ما لكم من إله ~~غيره} وفي وعده/ إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم ترابا وعظاما. # {وما نحن له بمؤمنين} أي: بمصدقين له فيما قال. # {قال رب انصرني بما كذبون}. # أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، ~~فأجابه الله جل ذكره: {عما قليل ليصبحن نادمين} أي: عن وقت قليل ليندمن على ~~تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. PageV07P4965 # ثم قال تعالى: {فأخذتهم الصيحة بالحق}. # أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. ~~أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى " بالحق " باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. # وقيل: معنى " بالحق " بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من ~~العذاب. # {فجعلناهم غثآء}. # أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، ~~فهو مثل. # وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. # قال ابن عباس: جعلوا كالشيء البالي من الشجر ". # وقال مجاهد: " كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل "، وهم قوم صالح. # روي أن الله جل ذكره بعث ملكا من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. # وروي أنه جبريل صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. # وقوله تعالى: {فبعدا للقوم الظالمين}. # أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذا كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ~~ومنفعة. PageV07P4966 # وقال مجاهد أولئك ثمود. # وقيل: هم عاد، لأن عادا كانوا قبل ثمود. # ثم قال: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين * ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون} أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود ms1709 قرونا آخرين، ما يتقدم هلاك أمة ~~من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. # {وما يستأخرون} عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد ~~لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل ~~الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه ~~دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله ~~له وقدره أجلا لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند ~~انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها ~~الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. # ثم قال: {ثم أرسلنا رسلنا تترا}. # أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلا يتبع بعضها بعضا، ~~وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. # ثم قال: {كل ما جآء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا} أي: بالهلاك، ~~أهلك PageV07P4967 # بعضهم في آثار بعض. # {وجعلناهم أحاديث} أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: ~~جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. # ثم قال تعالى: {فبعدا لقوم لا يؤمنون}. # أي: فابعد الله قوما لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. # ثم قال: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا} أي: ثم أرسلنا موسى بعد ~~الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا {وسلطان مبين} أي: وحجة ظاهرة ~~لمن رآها إنها من عند الله. {إلى فرعون وملئه}، أي وأشراف قومه من القبط، ~~فاستكبروا عن الإيمان بها {وكانوا قوما عالين}، أي: قد علوا على من في ~~ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. # وقال ابن زيد: {قوما عالين} أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. # ثم قال تعالى: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون}. # أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان ~~لملك: هو عابد له. # ثم قال: {فكذبوهما فكانوا ms1710 من المهلكين}. PageV07P4968 # أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من ~~قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. # ثم قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون}. # أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ~~{وجعلنا ابن مريم وأمه آية} أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على/ إنشاء ~~الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل ~~آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. # وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن ~~مريم آية وأمة آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في ~~مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة ~~والأبرص وإخراجه من الطين طيرا يطير وكل بإذن الله جل ذكره. # ثم قال: {وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين} أي وضممناهما إلى ربوة، أي ~~إلى مكان مرتفع عما حوله. # قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: هي الرملة PageV07P4969 # " وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. # وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. # وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: ~~الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها ~~القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. # قال ابن جبير الربوة: النشرز من الأرض. # وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. # وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: {ذات قرار ~~ومعين} أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. PageV07P4970 # قال ابن عباس " ومعين " هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: {قد ~~جعل ربك تحتك سريا} ". # وقال الضحاك: " ومعين " الماء الظاهر. # وقال قتادة ذات قرار أي ثمار " ومعين " وماء وهي بيت المقدس. # وقوله: " ومعين " هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين ms1711 ~~فالميم زائدة. # وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. # قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معهين وممعون. # وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضا. # وقيل: يجوز أن يكون فعيلا من المعنى مشتقا من الماعون والمعنى في اللغة: ~~الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضا من المعن، سميت ~~الزكا. PageV07P4971 # ماعونا، لأنها شيء قليل من المال، إذا هي ربع عشرة في العين. # قوله تعالى ذكره: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} إلى قوله: {إلى ربهم ~~راجعون}. # معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام {واعملوا صالحا} أي: بما أمرتكم ~~به. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله جل ذكره طيب ~~لا يقبل إلا طيبا "، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنين فقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} وقال: {يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات}. # وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: " الذين قال ~~لهم الناس " يعني نعيم بن مسعود وحده. # وقيل: إنما قيل للنبي وحده {يا أيها الرسل} " لتدل بذلك على أن الرسل ~~كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. # وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قل الزجاج وهو اختيار الطبري. PageV07P4972 # روى: أن عيسى كان يأكل من غزل أمه. # ثم قال: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " فتح " إن " في هذا على معنى " ولأن ~~هذه ". هذا قول البصريين. # وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما قوله: إني بما تعلمون. # وقال الفراء أيضا: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن ~~هذه أمة: نصب عل الحال. # وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: " أمة واحدة "، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: ~~هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة ~~هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. # ثم قال تعالى: {وأنا ربكم فاتقون}. PageV07P4973 # أي فاتقون ms1712 بطاعتي، تأمنوا عقابي. # ثم قال: {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا}. # أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان/ واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين ~~الواحد وزيرا، أي كتبا قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به ~~الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم ~~الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. # قال قتادة: " برا " كتبا. # وقال مجاهد: كتبا لله فرقوها قطعا. # والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. # وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتبا أحدثوها يحتجون بها لمذابهم. # قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له ~~أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم ~~وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش " زبرا " بفتح الباء جعله جمع ~~زبرة، ومعناه: فتفرقوا عن دينهمه بينهم قطعا كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، ~~وبعضهم PageV07P4974 # نصارى. # وقوله: {كل حزب بما لديهم فرحون}. # أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به ~~لا يرون أن الحق سواه. # ثم قال: {فذرهم في غمرتهم حتى حين}. # أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا في غمرتهم، أي: في ضلالتهم ~~وغيهم. # قال ابن زيد: الغمرة العمى. # {حتى حين}: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد " حتى ~~حين " حتى الموت. # ثم قال تعالى: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في ~~الخيرات}. # أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبرا أن الذي نعطيهم في ~~عاجل الدنيا من مال وبنين " فسارع لهم " " أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ~~ونبادر PageV07P4975 # فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: {بل لا يشعرون} أي: بل لا يعلمون أن ~~امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. # وقوله: {في الخيرات} معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله ~~الزجاج. # وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أطهر فقال: " في الخيرات " كما ~~قال: ولا أدى الموت سبق الموت ms1713 بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر ~~لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم " أن ". # وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: " يسارع " بالياء رده على الإمداد، فلا ~~يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي " يسارع " ضمير اسم أن، ~~وهو ضمير المصدر. # ومذهب الكسائي أن " إنما " حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من ~~الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على " نبين " ولا يقف عليه على مذهب غيره. # وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مامل وبنين في الدنيا نسارع لهم ~~به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثوابا، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ~~ومحنة لهم. # ثم قال تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون}. PageV07P4976 # أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمو على طاعته جادون في طلب مرضاته. # ثم قال: {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون}. # أي بكتابه يصدقون {والذين هم بربهم لا يشركون}. # أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحدا. # ثم قال تعالى: {والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة}. # أي: يعدون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ~~ما أعطوهم إياه من صدقة. # {وقلوبهم وجلة} أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ~~ذلك من عذابه. # قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمنا، ثم ~~تلا هذه الآية إلى {إلى ربهم راجعون}. # وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من ~~عذاب الله. PageV07P4977 # وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. # وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. # وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتياه الذنوب، أي: يأتون ~~الذنوب وهم خائفون. # وقال ابن عمر: " يؤتون ما أتوا ": الزكاة. # وقال مجاهدك المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. # وقال ابن جبير: / يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي ~~من المبشرات. # وقال قتادة: ms1714 يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة ~~خائفة. # " وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله. # {والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة} أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: ~~لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويوصومون وهم مشفقون ~~". PageV07P4978 # وروي عن عائشة أيضا أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، # {والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة} أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب ~~الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ~~ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه ". # وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: ~~يعملون ما علموا وهم خائفون. # قوله تعالى ذكره: {أولئك يسارعون في الخيرات} إلى قوله {سامرا تهجرون}. # معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم " يسارعون " ~~أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. # قال ابن زيد: " الخيرات " المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك ~~بالله. # ثم قال: {وهم لها سابقون}. # أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. # قال ابن عباس: " وهم لها سابقون " سبقت لهم من الله تعالى السعادة. # وقيل: معناه: وهم إليها سابقون. # وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون PageV07P4979 # إلى رحمة الله. # وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. # ثم قال تعالى ذكره: {ولا نكلف نفسا إلا وسعها}. # أي: إلا ما تطيق من العبادة. {ولدينا كتاب ينطق بالحق} أي: وعندنا كتاب ~~يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. # {وهم لا يظلمون}. # أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي ~~كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. # ثم قال تعالى: {بل قلوبهم في غمرة من هذا}. # أي في عمامية من هذا القرآن. # وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال ~~وبنين، ms1715 إنما هو استدراج لهم. # وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما ~~تقدم من صفة المؤمنين. # والغمرة، الغطاء والغفلة. # ثم قال تعالى: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون}. PageV07P4980 # أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان ~~بالله، قاله قتادة. # قال مجاهد: " من دون ذلك " من دون الحق. # وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. # وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها ~~ويسعلمونها. # وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. # ثم قال تعالى: {حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب}. # أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى ~~أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. # قال ابن زيد: " المترفين " العظماء. # قال مجاهد: " حتى إذا أخذنتا مترفيهم بالعذاب ". قال: بالسيوف يوم بدر. # وقال الربيع بن أنس: {يجأرون} يجزعون. # قال ابن جريج: " بالعذاب " يعني عذاب يوم بدر، {إذا هم يجأرون} يعني أهل PageV07P4981 # مكة يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. # قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. # ثم قال: {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون}. # أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. # وقد قيل: هو عذاب الآخرة. # وعلى القول الأول أكثر الناس. # ثم قالت: {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون}. # هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. # قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين/ عنها تكذيبا ~~بها وكراهة أن تسمعوها. # تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. # قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. # ثم قال تعالى: {مستكبرين به}. # أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. PageV07P4982 # قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. # وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. # أي: يحدث لكم بتلاوته عليكم استكبار. # وقوله: {سامرا تهجرون}. # أي: ms1716 تسمرون بالليل في الحرم. # يقال لجماعة يجتمعون للحديث " سامر " كما يقال: " باقر " لجماع البقر، " ~~وجامل " لجماعة الجمال. # وأكثر ما يستعمل " سامرا " للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه ~~السمر والقمر أي: الليل والنهار. # وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو ~~رجاء: سمارا، جعله جمع سامر. # قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون ~~المنكر. PageV07P4983 # وقال الضحاك: يعني سمر الليل. # قال الطبري: إنما وحد " سامر "، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ~~ومعنى الكلام تهجرون ليلا، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. # ومن قرأ: تهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذ نطق بالفحش. # وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: " الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس ~~من الشرق إلى الغرب ". # وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتقولون الهجر. # وقال عكرمة: تشركون. # وقال الحسن: تسبون النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. # ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. PageV07P4984 # ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه ~~بما لا ينتفع به، كذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. # وقيل: معناه: من هجره، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه. # وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. # وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. # وقال السدي: تهجرون البيت. # وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. # وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: ~~هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. " ومستكبرين " وقف عند أبي ~~حاتم ثم تبتدئ: " سامرا تهجرون " أي في البيت. # وقيل: " مستكبرون به " الوقف. # وقيل: تهجرون التمام. PageV07P4985 # قوله تعالى ذكره: {أفلم يدبروا القول أم جآءهم} إلى قوله: {إذا هم فيه ~~مبلسون}. # معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب ms1717 إليك أم الشر. ~~أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله ~~فيعلموا ما فيه من العبر والحجج {أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين} يعني ~~أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بمثل ما ~~أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه ~~السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: " أم " هنا ~~بمعنى " بل "، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تكدبره إذ لم ~~يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. # ثم قال: {أم لم يعرفوا رسولهم}. # أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته " فهم له منكرون " أي: فينكروا قوله ~~إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال ~~تعالى: {أم يقولون به جنة}. # أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. # {بل جآءهم بالحق}. # أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له ~~معنى، فكيف يكون مجنونا من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن ~~الذي جاءهم به بعد عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله PageV07P4986 # هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون/. # فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم ~~متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. # ثم قال: {وأكثرهم للحق كارهون} أي: قد علموا أنه محمق فيما جاءهم به، ~~وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لا تباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسدا ~~منهم له، وبغيا عليه واستكبارا في الأرض. # ثم قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهوآءهم}. # أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. # وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين {لفسدت السماوات ~~والأرض} باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار ~~الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينهما لم يقمن إلا بالحق. # وقيل: الحق ms1718 هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن. # وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعا، ~~مجازا ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا ~~يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. # وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت ~~بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. PageV07P4987 # ثم قال: {بل أتيناهم بذكرهم}. # أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. # وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ~~{فهم عن ذكرهم معرضون} أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: {وإنه لذكر لك ~~ولقومك} [الزخرف: 44]. # وقال قتادة: " بذكرهم ": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه ~~النجاة لو اتبعوه. # ثم قال: {أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير}. # أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجرا فيعرضوا عما جئتهم به من أجل ~~أخذ منهم الأجر عليه، وهو قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى} [الشورى: 23]. # ثم قال: {فخراج ربك خير}. # أي: لم تسألهم رزقا على ماجئتهم به. فرزق ربك خير. # قال الأخفش: الخرج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. # وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. # وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. PageV07P4988 # وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. # وقوله تعالى: {وهو خير الرازقين}. # أي: الله خير من أعطى عوضا على عمل ورزق رزقا. # ثم قال تعالى: {وإنك لتدعوهم}. # يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم { إلى صراط مستقيم} وهو دين الإسلام، ~~وسمي مستقيما لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. # ثم قال: {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون}. # أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو ~~دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. # قال السدي: {عن الصراط لناكبون}: عن دين الله لمعرضون. # وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. # وقيل: عن طريق الجنة لعادلون ms1719 إلى طريق النار. # ثم قال: {ولو رحمناهم}. # أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، {وكشفنا ما بهم من ضر}. أي: ~~ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. {للجوا في طغيانهم يعمهون} ~~أي: لتمادوا في عتوهم وجزاءتهم على الله. {يعمهون} أي: يترددون. قال ابن ~~جريج: هو كشف الجوع عنهم. PageV07P4989 # وقيل: المعنى، لورددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في ~~طغيانهم يعمهون. # ثم قال: {ولقد أخذناهم بالعذاب}. # يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، {فما استكانوا ~~لربهم} أي: فما/ خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: {وما يتضرعون} أي: ~~يتذللون. # ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الله ~~قريشا بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس: " جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ~~{ولقد أخذناهم بالعذاب}. الآية ". # وروى في هذا الحديث " أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت ~~رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، ~~فأنزل الله تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب. . .} الآية ". PageV07P4990 # قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلا فإنما هي نقمة، فلا ~~تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا ~~إلى الله، وقرأ هذه الآية {ولقد أخذناهم بالعذاب}. . . الآية. # قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. # ثم قال: {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد}. # قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. # وقال مجاهد: هو الجوع أيضا مثل الأول. # وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، ~~سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد ~~منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهري قبل أن ~~يبلغ نكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو ms1720 قوله: {إذا هم ~~فيه مبلسون}. # ثم قال تعالى: {إذا هم فيه مبلسون}. # أي: يائسون من الخير. # وقيل: المبلس، الساكت المتحير. # وقيل المعنى: نادمون على ما سلف. PageV07P4991 # قوله تعالى ذكره: {وهو الذي أنشأ لكم السمع} إلى قوله: {ما نعدهم ~~لقادرون}. # أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار ~~لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك ~~على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. # ثم قال تعالى: {قليلا ما تشكرون}. # أي: قليلا شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارج وغيرها. # ثم قال تعالى: {وهو الذي ذرأكم في الأرض}. # أي: أنشأكم فيها {وإليه تحشرون} أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم ~~وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة ~~إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، ~~إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ~~{وإليه ترجعون} {وإليه يرجع الأمر كله} و {وإليه تحشرون} كله معناه تصيرون ~~إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه ~~الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة ~~والأزمننة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثا. ~~فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب كان ~~ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا ~~مثله شيء. # ثم قال: {وهو الذي يحيي ويميت}. # أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقا أمواتا فنفخ فيهم ~~الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. # {وله اختلاف الليل والنهار}. PageV07P4992 # أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. # ثم قال: {أفلا تعقلون}. # أي: تفهمون ما وصف لكم ونبهتم عليه. # ثم قال تعالى: {بل قالوا مثل ما قال الأولون}. # أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم ms1721 ~~المكذبة بالبعث/. قالوا: أنبعث إذا كنا ترابا وعظاما. استبعدوا ذلك ~~فأنكروه. # ثم قال: {لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من قبل}. # أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، {إن ~~هاذآ إلا أساطير الأولين} أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث ~~والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. # ثم قال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون}. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها ~~من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ~~ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك {أفلا تذكرون} أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك ~~وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقا كما كنتم. # ثم قال: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم}. # أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. # فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. PageV07P4993 # ثم قال تعالى: {قل من بيده ملكوت كل شيء}. # أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. # {وهو يجير} من عذابه من خلقه من شاء {ولا يجار عليه}. # أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: # {قل من بيده ملكوت كل شيء} أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما ~~يعني به الملكم لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. ~~تقول: هذه الدرابيد فلان، أي: ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد ~~الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. # وقوله: {إن كنتم تعلمون}. # أي تعلمون من هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، ~~فقل لهم: {فأنى تسحرون}. # أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ ~~الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل PageV07P4994 # ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من ms1722 جهة السؤال. # ومن قرأ: لله لله، أتى الجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. # قال ابن عباس: " تسحرون ": تكيدون. # وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ماهو به من هيئته. ~~فكذلك معنى {فأنى تسحرون} أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقا، والفاسد ~~صحيحا، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وفي هذا الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، ~~وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف ~~دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه ~~كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، ~~وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج ~~بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع ~~باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو ~~كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله ~~تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] فقد ~~ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. # ثم قال تعالى: {بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون}. PageV07P4995 # أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم ~~آله دمن الله، بل أتيناهم بالبقين، وهو ما أتاهم به محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الإسلام، وأن لا يعبد شيء سوى الله {وإنهم لكاذبون} فيما يضيفون ~~إلى الله من الولد والشريك {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه} في القدم حين ~~ابتدع الأشياء. # {من إله} أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به {ولعلا بعضهم على ~~بعض}. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده ~~الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها/، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذولو ~~مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي ms1723 من صفات المخلوق ~~المملوك. # ثم قال تعالى: {سبحان الله عما يصفون}. # أي: عما يصفون به الله. # ثم قال تعالى ذكره: {عالم الغيب والشهادة}. # أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما ~~شاهدوه، فرأوه وعلموه. # والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في " عالم الغيب " على ~~إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: {ما اتخذ الله} عالم الغيب، وحجة ~~البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دون، فاستؤنف ~~على إضمار مبتدأ. # وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضا لقال: PageV07P4996 # (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد " هو عالم " واحتج ~~في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المسحن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك ~~خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعدب الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو ~~قلت: " المحسن " بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فحسنت إليه، ~~فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، ~~فاختار: " ورب المشرق " بالخفض، وبعده " فاتخذه " ومن أصله أن الفاء تدل ~~على الاستئناف. # ثم قال تعالى ذكره: {قل رب إما تريني ما يوعدون}. # أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما ~~تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم ~~الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. # ثم قال تعالى: {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون}. # أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك ~~كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما ~~قدر لهم من رزق. PageV07P4997 # قوله تعالى ذكره: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} إلى قوله: {ولا يتسآءلون}. # أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء ~~والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ ~~بالأمر بالقتال. # والسيئة هنا هي أذى المشركين ms1724 إياه، وتكذيبهم له. # قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. # وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. # ثم قال: {نحن أعلم بما يصفون}. # أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. # ثم قال تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين}. # أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين ". # وقال ابن زيد: " همزات الشياطين " خنقهم للناس. # {وأعوذ بك رب أن يحضرون}. # أي: يحضرون في شيء من أموري. PageV07P4998 # وقيل: " همزات الشياطين " الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتعوذ من الشيطان، ويقول: " من همزة ونفثه ونفخه فقيل: يا ~~رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، ~~فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشعر. فقيل له: وما نفخه؟ قال: " الكفر ". # ثم قال: {حتى إذا جآء أحدهم الموت}. # أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: {قال} ~~لعظيم ما يعاين من عذاب الله: {رب ارجعون} إلى الدنيا {لعلي أعمل صالحا ~~فيما تركت} قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندما منه على ما ~~فات وتلهفا. # يقول الجبار: {كلا} أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد ~~التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالمو، والبشارة بما أعد له ~~من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ~~ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. # وليست " لعل " في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، ~~أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبدا. # قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. PageV07P4999 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا حضر الإنسان/ الموت جمع ~~له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: {رب ~~ارجعون. . .} الآية. # وروى ابن جريج " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms1725 إذا عاين المؤمنا ~~الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، ~~فيقول: بل قدما إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت ". # قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. # وقوله: {رب ارجعون}، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ ~~سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى ~~بلفظ الجمع لأنهم جماعمة، ووحد أولا لأن الله واحد. # وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجمعة تعظيما، فإذا ~~خوطب جرى أيضا على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع ~~للتعظيم. # وقيل: إنما جاء " ارجعون " بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى ~~التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: {ألقيا في جهنم} [ق: 24] قال: معناه: ~~الق الق. PageV07P5000 # ثم قال: {إنها كلمة هو قآئلها}. قال ابن زيد: لابد كل مشرك أن يقولها. # ثم قال تعالى: {ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون}. # البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. # قال ابن عباس: " برزخ " أجل إلى حين. # وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. # وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يبعثون. # وقال مجاهد: " البرزخ ". ما بين الموت إلى البعث. # وقال الضحاك: " البرزخ " ما بين الدنيا والآخرة. # وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. # وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلانا صار من أهل الآخةر فقال: لم يصر من ~~أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. # ثم قال تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ}. # أي: فإذ نفخ إسرافيل في القرن. PageV07P5001 # وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح. # قال ابن مسعود: " الصور ": قرن. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كيف أنعم وقد التقم ~~صاحب القرن القرن وحنى جبتهه وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ". # ثم قال: ms1726 {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون}. وقد قال في موضع آخر: ~~{وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون} فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في ~~الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل ~~بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ~~فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك ~~في وقتين مختلفين. # وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنسان في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا ~~بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي ~~قبيلة الرجل. # وعن ابن عباس: أيضا أن رجلا سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: PageV07P5002 # {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون} فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى ~~على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون " فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون، وبذلك قال السدي. # وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد ~~والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان ~~بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة يومئذ أن ~~يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلونن فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، ~~فيقول: أي: رب، فنبت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من ~~أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل/ مثقال حبة من ~~خردل ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: {إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها}. . . الآية، وإن كان عبدا شقيا قالت ~~الملائكة: ربنا فنيت حسناه وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم ~~السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكا إلى النار. # وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئا، ولا يمت إليهم ms1727 برحم، ~~ولا يتساءلون. # وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه PageV07P5003 # مخافة أن يدعى عليه شيئا، ثم قرأ: {يوم يفر المرء من أخيه}. . . إلى. . . ~~{يغنيه}. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار ~~النار، نادى مناد من تحت العرش. يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا ~~الجنة. # ومعنى: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون} أي: لا يتفاخرون بالأنساب ~~يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا. # وقيل: إن يوم القيام مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف ~~فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون. # قوله تعالى ذكره: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون}. إلى قوله: ~~{وكنتم منهم تضحكون}. # أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في ~~النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته {فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم}، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، {خالدون} أي ماكثون ~~{تلفح وجوههم النار} أي: تنفح وجوههم النار. # ثم قال: {وهم فيها كالحون}. # قال ابن مسعود: " الكالح ": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس ~~المشيط بالنار. PageV07P5004 # وقال ابن عباس: " كالحون " عابسون. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تشوي أحدهم النار فتقلص ~~شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته ". # قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحما ولا جلدا إلا ألقته عند ~~العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. # ثم قال تعالى: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون}. # أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها ~~تكذبون. # ثم قال: {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا}. # أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. # قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. # قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن. # {ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} [غافر: 49] فلم يجيوبهم ما شاء ~~الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: {فادعوا ms1728 وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ~~[غافر: 50]. # قال: ثم نادوا مالكا: {يامالك ليقض علينا ربك} قال: فسكت عنهم مالك خازن PageV07P5005 # جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: {إنكم ماكثون} [الزخرف: 77]، ثم نادى ~~الأشقياء ربهم فقالوا: {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين} {ربنآ ~~أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون}: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم ~~أجابهم بعد ذلك {اخسئوا فيها ولا تكلمون}. # وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من ~~قولهم: {قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى ~~خروج من سبيل} [غافر: 11]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضا قوله: ~~{وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} ~~[غافر: 49] فأجابتهم الخزنة: {أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات}، قالوا: " ~~بلى "، قالت لهم الخزنة: {فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: ~~50]. # والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: {ونادوا يامالك ليقض ~~علينا ربك} فأجابهم مالك فقال: {إنكم ماكثون}، والرابعة في قد أفلح: قوله: # {ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. # ومعنى: " اخسئوا " ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، ~~وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئا " أي مبعدا. # وقال/ محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا ~~نادوا: يا PageV07P5006 # مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى ~~أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت ~~فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ~~ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل ~~الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: {سوآء علينآ أجزعنآ ~~أم صبرنا ما لنا من محيص}، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ms1729 {إن ~~الله وعدكم وعد الحق}، إلى قوله: {أشركتمون من قبل} [إبراهيم: 22]، فلما ~~سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم} ~~إلى قوله: {من سبيل}. . . قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: {ذلكم بأنه إذا ~~دعي الله وحده كفرتم} إلى {الكبير}. # قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: # {ربنآ أبصرنا وسمعنا}. . . إلى. . . {موقنون}. قال: فيقول الرب: # {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} إلى قوله: {بما كنتم تعملون}. قال ~~فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: {ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب ~~نجب دعوتك ونتبع الرسل}. قال: فيقول لهم: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما ~~لكم من زوال}. . الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ~~{ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل}. قال: فيقول لهم: # {أولم نعمركم ما يتذكر فيه} من تذكر. . . {من نصير}. . . قال: ثم مكث ~~عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون}، ~~فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا ~~شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، {وكنا قوما ضآلين. . .} إلى ~~{. . . ظالمون}. فقال لهم ذلك: اخسئوا فيها ولا PageV07P5007 # تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبدا. قال: فانطقع عند ذلك الدعاء والرجاء ~~منهم، وأقبل بعضهم بنبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن ~~المبارك: فذلك قوله: {هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون}. # وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. # وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من ~~العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، ~~فيغاثون بطعام ذي غصة، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في ~~الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، ~~فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في ~~بطونهم، فيدعون خزنة جنهم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب ms1730 كالحديث الأول. # وقوله: {وكنا قوما ضآلين}. # أي: ظللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. # والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. # وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة ~~لأنهما يؤديان إليها، كما قال: {إنما يأكلون في بطونهم نارا}. فسمى أكل مال PageV07P5008 # اليتيم نارا لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: " اخسئوا فيها ": تباعدوا تباعد ~~سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. # ثم قال تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا فاغفر لنا ~~وارحمنا}. # أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. # قال مجاهد: هم صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل ~~وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: ~~استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. {فاتخذتموهم سخريا} أي ~~جعلتم تهزءون منهم. # هذا على قراءة من كسر السين/ ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. # هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. # وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. # بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لاغير، نحو: PageV07P5009 # {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} [الزخرف: 32]، ثم قال: {حتى أنسوكم ذكري}. # أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم ~~عنه. # قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: # {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون}. . إلى قوله. . {لضالون} ~~[المطففين: 29 - 32]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله {رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس} [إبراهيم: 36] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له ~~صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ~~ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه. # قوله تعالى ذكره: {إني جزيتهم اليوم بما صبروا}. إلى آخر السورة # أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخريا يصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا ~~يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في ~~الجنة. # ثم قال: {كم لبثتم في الأرض ms1731 عدد سنين} أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء ~~الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من ~~الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما ~~كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم ~~الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلا يوما أو بعض يوم. PageV07P5010 # وروي أن الله جل ذكره ينسبهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى ~~إلى الثانية. # وقوله: {فسئل العآدين}. # أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم بني آدم ويحصون ~~عليهم ساعاتهم. # قال مجاهد: العادين الملائكة. # وقال قتادة: هم الحساب. # وعنه: يعني أهل الحساب. # وقوله: " عدد سنين " منصوب على التفسير. # وقرأ الأعمش: " عددا " بالتنوين، فيكون " سنين ". # في موضع نصب على التفسير أيضا، أو على البدل من عدد. # ثم قال: {قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون}. # أي: ما لبثتم على قولكم إذا في الأرض إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون ~~مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبدا، لا بعث ولا حشر، ~~ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوما أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوما أو ~~بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلا لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه ~~قليل وإن تطاول زمانه قال الله PageV07P5011 # جل ذكره: {قل متاع الدنيا قليل} [النساء: 77] أي ما تستمتع به الخلق من ~~طلول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. # ثم قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا}. # أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعبا وباطلا، وإنكم إلى ربكم ~~بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. # ثم قال: {فتعالى الله الملك الحق}. # أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. # {لا إله إلا هو} أي: لا مبعود ولا رب إلا الله الملك الحق {رب العرش ~~الكريم}. # ثم قال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له ms1732 به}. # أي: ومن يعبد مع الله معبودا آخر، لا حجة له بما صنع وبينة {فإنما حسابه ~~عند ربه}. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزائه إذا قدم عليه. # {إنه لا يفلح الكافرون} أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم ~~أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب ~~بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ ~~منه. ثم قال تعالى: {وقل رب اغفر وارحم} أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، ~~وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته. PageV07P5012 # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ### | سورة النور مدنية # قوله تعالى ذكره: {سورة أنزلناها}، إلى قوله: {طآئفة من المؤمنين}. # سورة مرفوعة على إضمار مبتدأ، أي هذه سورة، وأنزلناها نعت للسورة، وقبح ~~رفعها على الابتداء لأنها نكرة، ولا يبتدأ بالنكرات إذ لا فائدة فيها، وقد ~~أجازه أبو عبيدة. # وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: اتل سورة، أو على معنى: أنزلنا سورة ~~أنزلناها. PageV08P5013 # ومن شدد {فرضناها} جعله بمعنى: فضلناها، فجعلنا فيها فرائض مختلفة. # وقيل: معنى التشديد أنه فرضها على من أنزلت عليهم، وعلى من بعدهم إلى يوم ~~القيامة، فشدد ليدل على معنى التكثير من المأمورين. # ومن خفف جعله على معنى: أوجبنا ما فيها من الأحكام فجعلناه فرضا عليكم. ~~وقوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم} [الأحزاب: ~~50]، يدل على اختيار التخفيف، لأنه فيه معنى تكثير المأمورين، لنه فرض ~~علينا وعلى من بعدنا ومن قبلنا، وفيه فرائض مختلفة أيضا، وقد أجمع على ~~تخفيفه. # قال ابن عباس {فرضناها} بيناها. PageV08P5014 # وقيل {فرضناها} فرضنا العمل بما فيها، وهذا يدل على التخفيف. # وقول ابن عباس يدل على اتشديد. # وقوله: {وأنزلنا فيهآ آيات بينات}، أي دلالات وحجج على الحق، واضحات لمن ~~تأملها وآمن بها. # قال ابن جريج: آيات بينات: يعني الحلال، والحرام، والحدود. # {لعلكم تذكرون}، أي تذكرون بهذه الآيات التي أنزل عليكم. # ثم قال تعالى: ms1733 {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة}. # كل القراء على الرفع إلا عيسى بن عمر فإنه قرأ بالنصب، وهو اختيار PageV08P5015 # الخليل وسيبويه لأن الأمر بالفعل أولى، وسائر النحويين على خلافهما في ~~هذا الاختيار، واستدل المبرد على خلافهما، بإجماع الجميع على الرفع في ~~قوله: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} [النساء: 16] وإنما اختار النحويون ~~الرفع لأنه مبهم لا يقصد به شخص بعينه (زنى)، وتقدير الرفع عند سيبويه ~~والخليل " وفيما يتلى عليكم الزانية والزاني، ويحسن الرفع بالابتداء وما ~~بعده خبره، والمعنى من زنى من الرجال والنساء، وهو حر بكر غير محصن فاجلدوه ~~ضربا مائة جلدة. {ولا تأخذكم بهما رأفة} أي رقة، ورحمة PageV08P5016 # عند الجلد في دين الله، أي في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحدود، ~~فكل من أقام الحد. فهو ممن لا تأخذه رأفة في حدود الله. # والرأفة من الآدميين، رقة القلب، وهي من الله تعالى رحمة وإنعام ولا يجوز ~~عليه رقة القلب. # وقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} لأن لا تقصروا في إقامة ~~الحدود. # {إن كنتم مؤمنين} وهذا يدل على أن إقامة حدود الله من الإيمان بخلاف ما ~~تدعيه المرجئة من أن الإيمان قول بلا عمل. # وقال ابن المسيب والحسن: معناه لا تخففوا الضرب ولكن أوجعوا، PageV08P5017 # قالا: هو الجلد الشديد. # وقيل: معناه انزعوا الثياب عنهما قبل الجلد، قاله حماد. # وقال الزهري: يجتهد في حد الزاني والفرية، ويخفف في حد الشارب. # وقال قتادة: يخفف في الشارب والفرية، ويجتهد في الزاني فهذا حد الزاني، ~~وليس في كتاب الله تعالى دلالة على كيفية الجلد، ولكن أجمع العلماء على أن ~~الجلد بالسوط سوط بين السوطين. PageV08P5018 # وروي أن عمر رضي الله عنه أتي برجل وجب عليه حد فدعا بسوط فقال: إيتوني ~~بألين منه، فأتي بألين منه، فقال: إيتوني بأشد، فأوتي بسوط بين السوطين، ~~فقال: اضرب ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه. # والزنا من أعظم الكبائر والفواحش. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلغنا أنه يرسل يوم القيامة على الناس ~~ريح منتنة ms1734 حتى تؤذي كل بر وفاجر حتى إذا بلغت من الناس / كل مبلغ، وكادت أن ~~تمسك بأنفاس الناس ناداهم مناد يسمع صوته كلهم: أتدرون ما هذه الريح التي ~~آذتكم؟ فيقولون: لا ندري غير أنها قد بلغت منا كل مبلغ، فقال: ألا إنها ريح ~~فروج الزناة PageV08P5019 # الذين لقوا الله بزناهم لم يتوبوا منه، ثم ينصرف بهم ولم يذكر جنة ولا ~~نارا. # وهذه الآية ناسخة للآيتين اللتين في سورة النساء، قوله تعالى {واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسآئكم} [النساء: 15] إلى {رحيما} [النساء: 16]. # ورأى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأبو عبيدة بن الجراح، وابن مسعود ~~والمغيرة ابن شعبة: أن لا يجرد ثوب المضروب، وبه قال الشعبي PageV08P5020 # والنخعي وطاوس وقتادة. # وعن عمر بن عبد العزيز أنه ضرب قاذفا مجردا. # وقال الأوزاعي: الإمام مخير إن شاء نزع، وإن شاء ترك. وقال مالك: لا تجرد ~~المرأة، ويترك عليها ما يسترها. PageV08P5021 # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يضرب الرجال قياما، والنساء قعودا، ~~وهو قوله الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. # وقال مالك: يضرب المرأة والرجل وهما قاعدان، ومنع ابن مسعود والحسن ~~والثوري وابن حنبل من مد المضروب. PageV08P5022 # وقال الشافعي: لا يمد ويترك له يد يتقي بها ولا يربط. وأمر عمر بضرب ~~امرأة، فقال: اضرباها ولا تحرق جلدها. # وقال الحسن: يضرب السكران ضربا غير مبرح. # وقال مالك: يضرب ضربا لا يشق ولا يضع سوطا فوق سوط. قال الشافعي: لا يبلغ ~~أن ينهمر الدم في شيء من الحدود والعقوبات؛ لأنه من أسباب التلف، وليس يراد ~~بالجلد التلف، إنما يراد به النكال والكفارة. # وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، يعطى كل عضو من الضرب حقه. قال الشافعي: ~~ويترك الجلاد في الوجه والفرج. # وقال الشافعي: يجلد العليل المضني بأنكول النخل، ولم يرد ذلك مالك، ولا ~~أرى أنه يبرئ الرجل من يمينه إذا حلف على ضربات وإن كان فيه قضبان كثيرة. PageV08P5023 # وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: نفي البكر، والزاني بعد جلد مائة، ~~وكذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. # وروي ذلك عن ms1735 ابن عمر، وأبي بن كعب، وبه قال عطاء، وطاووس، ومالك، ~~والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. PageV08P5024 # وروي عن ابن عمر أنه رأى نفي المملوك البكر إذا زنى، وهو قول الشافعي، ~~وأبي ثور. # وقال الشافعي، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق: لا نفي على ~~المملوك. # ونفى عمر إلى فدك. # وقال الشعبي: ينفى الزاني عن عمله إلى عمل غير عمله. # وقال ابن أبي ليلى: ينفى سنة إلى بلد غير البلد الذي فجر فيه. # وقال مالك: يغرب عاما في بلد يحبس فيه لئلا يرجع إلى البلد الذي نفي منه. # ثم قال تعالى: {وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين}. PageV08P5025 # قال مجاهد وابن أبي نجيح: أقل الطائفة رجل، وكذلك قال النخعي. # وقال الحسن، والشعبي: الطائفة رجل فما زاد. # وقال عطاء، وعكرمة: أقل الطائفة هما رجلان. # وقال الزهري: الطائفة ثلاثا فصاعدا. PageV08P5026 # وقال قتادة: هم نفر من المسلمين. # وقال ابن زيد: الطائفة هنا أربعة، وكذا قال: مالك، والليث. وإنما جعلت ~~الطائفة أربعة ليشهدوا أنه محدود على الزنا متى قذفه أحد بالزنا، فسقط حد ~~القذف عن القاذف بتلك الشهادة، والزنا لا يقبل فيه أقل من أربعة، ومنع ~~الزجاج أن تكون الطائفة واحدا، لأن معناه معنى الجماعة، ولا تكون الجماعة ~~لأقل PageV08P5027 # من اثنين، واختار الطبري قول من رأى أن أقل الطائفة رجل واحد. # قال: واستحب لأن لا يقصر على أربعة عدد، من تقبل شهادته على ذلك لأنه ~~إجماع. # وأجاز جماعة من أهل اللغة أن يقال للواحد طائفة، وللجماعة طائفة، لأن ~~معنى طائفة: قطعة، يقول: أكلت طائفة من الشاة، أي قطعة منها. # واستدل من قال: إن الطائفة تقع على الواحد بقوله تعالى: {فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طآئفة} [التوبة: 123] ولم يختلف أن الواحد إذا نفر من جماعة لطلب ~~العلم والتفهم / في الدين: أنه يجزئ: فهو طائفة. PageV08P5028 # قوله تعالى ذكره: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة}، إلى قوله: {على ~~المؤمنين}. # هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~نكاح نسوة من ms1736 أهل الشرك معروفات، كن يكرين أنفسهن للزنا، فأنزل الله تعالى ~~تحريمهن على المؤمنين فقال: الزاني من المؤمنين لا يتزوج امرأة من أولئك ~~البغابا، فإن تزوجها فإنما يتزوج زانية أو مشركة لأنهن كن مشركات، والزانية ~~من أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان من المؤمنين أو مشرك مثلها. # {وحرم ذلك على المؤمنين}، أي حرم الله نكاحهن على المؤمنين. # قال ابن عمر: استأذن رجل من المؤمنين النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ~~يقال لها: أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه فنزلت الآية. # قال مجاهد: وقتادة، والزهري: نزلت الآية في نساء معلوم منهن الزنا في ~~الجاهلية، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، فالآية على هذا القول مخصوصة ~~محكمة في نساء بأعيانهن. PageV08P5029 # وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هي عامة ولكنها نسخت بقوله: ~~{وأنكحوا الأيامى منكم} الآية، فكل من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن ~~يتزوجها بعد الاستبراء، وهو قول ابن عمر، وسالم، وجابر بن زيد، وعطاء، ~~وطاووس، ومالك وأبي حنيفة، والشافعي. # قال الشافعي: الآية منسوخة إن شاء الله، كما قال ابن المسيب. # قال الشافعي: الآية منسوخة إن شاء الله، كما قال ابن المسيب. # وروي عن بعض أهل العلم أنه قال: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم ظهر له أن PageV08P5030 # يتزوجها فليتعرض لها في الزنا فإن قبلت منه، وساعدته فلا يتزوجها، وإن ~~أبته من العودة فليتزوجها إن شاء. وعن ابن عباس: أن النكاح هنا الوطء، أي ~~الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة أو مشركة، ~~والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان من أهل القبلة مثلها أو مشرك. # {وحرم ذلك على المؤمنين}. # أي وحرم الزنا على المؤمنين، واختار الطبري هذا القول، واحتج في ذلك بأن ~~الزانية من المسلمين لا يحل أن تتزوج مشركا بحال، ولا يجوز للزاني من ~~المسلمين أن يتزوج مشركة وثنية بحال، فيكون المعنى: الزاني من المسلمين لا ~~يزني إلا بزانية من المسلمين لا تستحل الزنا أو بمشركة تستحل الزنا ~~والزانية ms1737 لا تزني إلا بزان من المسلمين لا يستحل الزنا أو بمشرك يستحل ~~الزنا، وأنكر هذا القول بعض العلماء، لقوله تعالى ذكره: {وحرم ذلك على ~~المؤمنين} لأنه لا يلزم على قول ابن عباس أن يكون المعنى وحرم الزنا على ~~المؤمنين وليس هو محرم على المؤمنين خاصة، وإنما التقدير: حرم هذا النكاح ~~على المؤمنين، أي نكاح البغايا، والزنا محرم على المؤمن والكافر. PageV08P5031 # وقال الحسن: معنى الآية: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة أو ~~مشركة، وكذا الزانية. وهو مذهبه. # وروي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الزاني المجلود لا ~~ينكح إلا مثله ". # فعلى قول الحسن تكون المشركة هنا يراد بها الكتابية، وليس على هذا القول ~~أحد من فقهاء الأمصار، والحديث عندهم منسوخ بإنكاح الأيامى في القرآن. # قال أحمد بن يحيى: حقيقة النكاح الوطء. # تقول العرب: أنكحت الأرض الحنطة، وأنكر هذا أبو إسحاق وقال: النكاح ليس ~~هو الوطء، إنما هو عقده. PageV08P5032 # وقيل الآية محكمة، والمعنى الزاني المشهور ثلاثا لا يحل لمؤمنة أن ~~تتزوجه، والزانية المشهورة بالزنا لا يحل لمؤمن أن يتزوجها. # وقيل: هو منسوخ بإجماع المسلمين، إن المؤمن لا يحل له نكاح مشركة ولا ~~لغير زان، وكذلك الزانية المؤمنة لا يحل لها نكاح مشرك أي زواجه بإجماع. # قوله تعالى ذكره: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء}. # أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات / فيرمونهن بالزنا ثم لم ~~يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ~~{فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}، أي ~~الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبدا مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي ~~النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ~~{والذين يرمون المحصنات}، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. PageV08P5033 # وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. # وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من ~~الإفك، قاله ابن جبير. # وقال الضحاك: هي ms1738 في نساء المسلمين. # وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. # ومعنى الإحصان هنا العفة. # ثم قال تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم}. # أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: PageV08P5034 # {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا}، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر ~~الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، ~~وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن ~~عتبة، وابن المسيب. PageV08P5035 # وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد ~~منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبدا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تجوز شهادة محدود في ~~الإسلام "، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عنه، وبه قال سعيد بن جبير، ~~والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبدا وقف على قول من قال: لا تقبل ~~شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. PageV08P5036 # واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب ~~قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، ~~وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، ~~وكذلك الزنديق، والمشرك. # وقد قال تعالى: {إلا الذين تابوا}، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن ~~يأتي خبر يدل على الخصوص. # قال تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين}. # ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن ~~في " إنه لمن "، و " إنها لمن " لأنها جواب القسم. PageV08P5037 # وقوله: " أربع " من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد ~~أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولا به، لأن شهد لا ~~يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: ms1739 شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين ~~يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء ~~في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: ~~أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. # وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلا جامع ~~امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العني إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول ~~في PageV08P5038 # الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذبا عليها ومن نصب الخامسة عطفها على ~~أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان ~~كاذبا فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضا بعد ~~يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله / عليها إن ~~كان صادقا في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره ~~رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على ~~النبي وهم بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده ~~شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله ~~بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. PageV08P5039 # قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبدا فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. # وقوله: {ويدرؤا عنها العذاب}، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها ~~بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين. # وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك ~~أتى بالألف واللام. # وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي ~~أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من ~~الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله ~~يقوم مقام أربعة شهداء، فكا يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها ~~إن التعن. # فإن التعنت هي دفع ذلك ms1740 عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني ~~أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولدا فإن أنكر الحمل فولدت ~~لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ~~ولم يلحقه PageV08P5040 # الولد ولا يتزوجها أبدا. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحد حد الفرية. ~~وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحدت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم ~~يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق ~~بإكمالها للالتعان. # جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة ~~على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم ~~في تدبيره. # قال: {إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم} أي إن الذين جاءوا بالكذب ~~والبهتان جماعة منكم. PageV08P5041 # {لا تحسبوه شرا لكم}،، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شرا لكم ~~عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ~~ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيرا له، ويجعل له منه مخرجا. # ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، ~~وحمنة بنت جحش. PageV08P5042 # قال عبد الله بن عباس: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى ~~كبره. # والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ~~{لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم}، يعني لكل واحد من الذين جاءوا ~~بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. # ثم قال: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}، يعني والذي يحمل معظم ~~الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. # روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. PageV08P5043 # وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره ~~في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. # وقيل: هو عبد الله بن أبي بن سلول، قال ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ~~ابتدأ ms1741 الكلام في ذلك. # وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره. PageV08P5044 # قوله تعالى ذكره: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات}. # هذه الآية عتاب " من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر ~~عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ~~ظننتم خيرا بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. # قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. # ثم قال: {هاذآ إفك مبين}،، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ~~ظاهر. # ثم قال تعالى: {لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء}، أي هلا جاء هؤلاء ~~المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ ~~لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا ~~به من الإفك. # ثم قال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته}، يعني الخائضين في الإفك. # {لمسكم في مآ أفضتم فيه عذاب عظيم}، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل ~~عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. # ثم قال تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم}، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم PageV08P5045 # حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله ~~منه. # روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ ~~لتشيع عليها الفاحشة. # قال مجاهد: {إذ تلقونه} يرويه بعضكم عن بعض. # وقرأت عائشة رضي الله عنها: " إذ تلقونه " بكسر اللام وضم القاف مخففا. ~~يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. # وقوله: {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} أي تقولون من الخبر الذي ~~تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. # وقال {وتحسبونه هينا}، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب PageV08P5046 # والبهتان هينا أي سهلا، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم ~~تؤذون به النبي صلى الله عليه وسلم وحليلته. # ولا يوقف على ذلك {عذاب عظيم} لأنه عامل في " إذ "، والوقف على {وهو عند ~~الله عظيم}. # قال: ms1742 {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا}، أي هلا إذ ~~سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي ~~تنزيها لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. # قال تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا}، أي يذكركم الله، وينهاكم ~~بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، ~~وخوضكم فيه {إن كنتم مؤمنين}، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون ~~لأمره. # قال: {ويبين الله لكم الآيات} أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ~~{والله عليم حكيم}، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. PageV08P5047 # قال تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم}،، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم ~~عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصرا على ذلك ~~غير تائب منه. # قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع ~~على عائشة ما أشاع من الفرية. # ثم قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}، أي والله يعلم كذب الذين ~~جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. # وقيل: المعنى والله يعلم مقدار هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا ~~تعلمون ذلك. # أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ~~ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. PageV08P5048 # قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان}، أي لا تسلكوا سبيل ~~الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. {ومن يتبع خطوات الشيطان}، ~~أي من يسلك طرقه وسبله. # {فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر}، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: # {ولولا فضل الله عليكم / ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا}، أي يطهر من ~~يشاء من خلقه. # قال ابن عباس: {ما زكى منكم من أحد أبدا} أي ما اهتدى أحد من الخلائق ~~لشيء من الخير ينفع به ms1743 نفسه، ولم يتق شيئا من الشر يدفعه عن نفسه. # وقال ابن زيد: " ما زكى " ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو ~~الإسلام. # {والله سميع عليم}، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، ~~عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. PageV08P5049 # وقال الكسائي: {ما زكى منكم}، جواب لولا الأولى والثانية. # قال تعالى:: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى}، ~~أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لايؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل ~~من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضا، ~~عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان ~~مسكينا مهاجرا بدريا، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. # ثم قال: {وليعفوا وليصفحوا}، أي ليعف أبو بكر عما فعل مسطح من PageV08P5050 # الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. # ثم قال تعالى: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم}، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر ~~الله عليه ذنوبه {والله غفور رحيم}. # قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني ~~لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: ~~والله لا أنزعها منه أبدا. # وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبدا. # وعن ابن عباس أن ناسا رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من PageV08P5051 # أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا ~~يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك ~~قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب ~~بلفظ الجماعة. # وقد قيل: إن معنى {ولا يأتل}، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما ~~قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى ~~القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا. # قوله تعالى ms1744 ذكره: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات}، # أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، ~~المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله في ~~الدنيا والآخرة. PageV08P5052 # {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33]. # قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل ~~الله في الزنا التوبة. # وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن خاصة. # وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ذلك. # وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رماهن أهل النفاق ~~فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم نزل PageV08P5053 # بعد ذلك: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء}، [النور: 4] ~~إلى {فإن الله غفور رحيم} [النور: 5] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، ~~فالتوبة تقبل والشهادة ترد. فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو ~~فاسق. # واختار النحاس أن يكون عاما للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون ~~الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه إذا ~~قذف امرأة فقد قذف معها رجلا فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل. # أي ولهم عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، ~~وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم. PageV08P5054 # وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض. # وقد روى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان يوم القيامة ~~عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: ~~كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ ~~فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار ". # قال تعالى: {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق}، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم ~~بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على أعمالهم، والذين: الجزاء والحساب. # ثم قال: {ويعلمون ms1745 أن الله هو الحق المبين}، أي ويعلمون يومئذ أن الله هو ~~الحق، PageV08P5055 # أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، فمجازاة ~~الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة المحسن بالفضل والإحسان. # قال تعالى ذكره: {الخبيثات للخبيثين}، الآية. # قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس ~~والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين من ~~الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. # وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات ~~الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله: # {أولئك مبرءون مما يقولون} أي عائشة وصفوان بن المعطل مبرءون مما PageV08P5056 # يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال تعالى: {فإن كان له ~~إخوة} يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه الخبيثات من الكلام إنما يلصق ~~بالخبيثين والخبيثات من الناس، لا بالطيبين والطيبات. # وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبي خبيثا ~~فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طيبا وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، فكانت أولى بأن ~~يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة. # وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في PageV08P5057 # رحم أمها فقال له، هذه عائشة ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها ~~في الجنة. # وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: {الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك} [النور: 3]، فبين في ~~هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، وهم الزناة، والخبيثون من ~~الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات ~~العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك ~~كله بما ms1746 نسخ به ما في أول السورة، وقد مضى ذكره على الاختلاف المتقدم ~~الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد المذكور، فالمعنى على هذا نكاح ~~الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح ~~الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل PageV08P5058 # ذكره: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] فهم جميع الأيامى. # ثم قال: {لهم مغفرة ورزق كريم}، أي لعائشة، وصفوان ستر من الله على ~~ذنوبهما ولهم الجنة كذلك. # قال قتادة: ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا}، الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ~~ألا يدخلوها حتى يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم ~~جناح أن يدخلوا البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان / هذا قول ~~ابن جبير. # وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: حتى تسلموا ~~على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها PageV08P5059 # المسافرون فقال: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع ~~لكم} [النور: 29]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ~~ذلك. # وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول ~~منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ. # ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة. # وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم. # وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعملوا، من قوله: PageV08P5060 # {فإن آنستم منهم رشدا} [النساء: 6] أي إن علمتم. فالمعنى حتى تستعلموا ~~أيؤذن لكم أم لا؟ # ثم قال: {ذلكم خير لكم}، أي الاستعلام، والسلام على أهل البيت خير لكم ~~لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون أعلى ما يسؤكم أم ~~على ما يسركم؟ # ثم قال: {لعلكم تذكرون}، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله لكم فتطيعوه. # قوله تعالى ذكره: {فإن لم تجدوا فيهآ أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم}. # أي فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا يأذن لكم بالدخول فلا PageV08P5061 # تدخلوها، لأن ms1747 دخولها لا يحل إلا بإذن أهلها، فإن قال لكم أهل البيوت: ~~ارجعوا عنها فارجعوا ولا تدخلوها {هو أزكى لكم}، أي الرجوع أزكى لكم: أي ~~أطهر لكم عند الله. # ثم قال: {والله بما تعملون عليم}، أي بما تعملون من رجوعكم إذا قيل لكم ~~ارجعوا، وطاعتكم لما أمركم به. # ثم قال: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم}، أي ~~ليس عليكم إثم أن تدخلوا بيوتا لا يسكنها أحد بغير استذان. # قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق، والخانات: الفنادق. # وقال قتادة: هي الخانات وبيوت أهل الأسفار. PageV08P5062 # وقال الضحاك: هي البيوت التي تكون في الطرق والخربة. # وقوله: {فيها متاع لكم}، أي منفعة للمسافرين في الشتاء والصيف يأوي ~~إليها، # وعن ابن الحنفية: أنها بيوت مكة. # وقال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: هي الخرب، ومعنى {فيها متاع لكم}، يعني ~~الخلاء، والبول، والاستتار فيها. # وقال ابن زيد: هي البيوت التجار فيها أمتعة الناس يعني الحوانيت والتي في ~~القياسير. # وتحقيق الآية: لا حرج على من دخل بيتا لا ساكن له، ولا دافع عنه من غير ~~أن يستأذن، فبيوت التجار مملوكة لهم لا يحسن دخولها إلا بإذنهم إلا أن يكون ~~قد PageV08P5063 # علم منهم أنهم إنما فتحوها ليدخل عليهم فلا يستأذن، لأن فعلهم كالإذن. # ثم قال: {والله يعلم ما تبدون}، أي ما تظهرون من الاستئذان على أهل ~~البيوت المسكونة {وما تكتمون}، أي ما تضمرون في صدوركم عند فعلكم ذلك؛ ~~أطاعة الله تريدون أو غير ذلك. # قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}، أي يكفوا عن نظر ما لا يحل ~~لهم والنظر إليه {ويحفظوا فروجهم}، أن يراها من لا يحل له أن يراها، أي ~~يلبسوا ما يسترها عن أبصارهم. # وقيل لا يستمتعون إلا لمن يحل لهم من زوجة أو ملك يمين. ولما كان استعمال ~~الفرج فيما لا يحل منهيا عنه، لم تدخل " من " فلم يقل ويحفظوا من فروجهم، ~~ولما كانت النظرة الأولى لا تملك، قال: {من أبصارهم} فدخلت " من " للتبعيض. # وروي عن النبي ms1748 صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن من خير عين تنشر يوم ~~القيامة عين رجل من بني إسرائيل، بينما هو قائم يصلي نظر إلى امرأة بإحدى ~~عينيه، فهوى إلى الأرض فأخذ عودا ففقأ به العين التي نظر بها إلى المرأة ". # ثم قال: {ذلك أزكى لهم}، أي حفظها، وغض أبصارهم أطهر PageV08P5064 # لهم عند الله، {إن الله خبير بما يصنعون}، أي ذو خبر بما يصنعون مما ~~أمركم به من غض البصر، وحفظ الفرج. # قال أبو العالية: كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا في هذه الآية، ~~يريد أنه إنما أمروا أن يستروا فروجهم لئلا يراها من لا يحل له رؤيتها. # قال: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن}، يعني التستر. # قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم عن سوآتهم. # قال ابن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل PageV08P5065 # له، غض بصره، ولا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال: ~~" يغضوا من أبصارهم "، يريد أن النظرة الأولى لا يقدر أحد أن يملكها، ~~فالنهي إنما وقع على النظرة بعد النظرة الأولى، ولذلك قال: {من أبصارهم} ~~ولم يقل: يغضوا أبصارهم؛ لأن النظرة الأولى لا يقدر على الكف عنها، لأنها ~~فجأة. # قال بعض العلماء: حرم الله على المسلمين نصا أن يدخلوا الحمام بغير مئزر. # وأجمع المسلمون أن السوءتين عورة من الرجل، وأن المرأة كلها عورة، إلا ~~وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما. # وأكثر أهل العلم: على أن من سرة الرجل إلى ركبته عورة، لا يجوز أن ترى. # و" سأل جرير بن عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فقال: ~~اصرف PageV08P5066 # بصرك، لأنه لو لم يصرف بصره لكان تاركا لما أمره الله به، ناظرا اختيارا ~~". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب يا علي: " إن ~~لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك ~~الأولى، وليست لك الآخرة ". # وروي عن أم ms1749 سلمة: زوج النبي عليه السلام: أنها قالت: " استأذن ابن أم ~~مكثوم، وأنا وعائشة عند النبي عليه السلام، فقال لنا: PageV08P5067 # احتجبن فقلنا: أو ليس بأعمى لا يبصرنا، فقال: أفعمياوان أنتما ". # قال أبو محمد: وهذه الآية تضمنت خمسة وعشرين ضميرا بين مرفوع ومخفوض، ~~كلها تعود على المؤمنات، أولها الضمير المرفوع في {يغضضن} وآخرها الضمير ~~المخفوض في قوله تعالى: {من زينتهن} ولا أعلم لهذه الآية نظيرا في القرآن ~~في كثرة ضمائرها فاعلمه. # ثم قال: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، أي ولا يظهرن لمن ليس بذي ~~محرم زينتهن في بيوتهن، كالخلخال، والسوارين، والقرط، والقلادة. # ثم قال: {إلا ما ظهر منها}. PageV08P5068 # قال ابن مسعود: هي زينة الثياب، وكذلك قال النخعي، والحسن. # وقال ابن عباس: هو الكحل، والخاتم. # وقال ابن جبير: هو الوجه والكف. # وقال عطاء: الكفان والوجه. # وقال قتادة: الكحل، والسوار، والخاتم. PageV08P5069 # وعن ابن عباس أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، ~~والخاتم، قال: فهذا ما تظهر في بيتها لمن دخل عليها من الناس. # وقالت عائشة رضي الله عنها: هو القلب والفتحة، يعني السوار والخاتم. # وقيل: الفتحة حلق من فضة، تجعلها النساء في أصابعهن. # وقول من قال: هو الوجه والكفان أحسنها، لأن العلماء قد أجمعوا أن للمرأة ~~أن تكشف وجهها، وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها ~~إلى قرب النصف "، فالكحل، والخاتم، والخضاب، والبنان داخل تحت هذا، فإذا ~~كان لها ذلك مباحا في الصلاة علم أنها ليس بعورة، وإذا لم يكن عورة جاز لها ~~إظهاره، كما أن ما ليس بعورة من الرجل جائز له إظهاره، فيكون هذا مما ~~استثناه الله جل ذكره. PageV08P5070 # ثم قال تعالى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، أي وليلقين خمرهن، وهو جمع ~~خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن. # ثم قال تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}، وما بعد ذلك من القرابة، ~~يعني الزينة التي هي غير ظاهرة كالخلخال والدملج والقرط، وما ms1750 أمرت أن تغطيه ~~بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة ~~للأجنبيين من الناس، من الذراعين إلى ما فوق ذلك /. # وقال قتادة: يبدين لهؤلاء الرأس. # قال ابن عباس: الذي يبدين لهؤلاء هو قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما ~~خلخالاها ومعضداها، ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها. PageV08P5071 # وقال ابن مسعود: أي هو الطوق والقرطان. # وقيل: معنى: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، أي ليغط شعرها وصدرها ~~وتوائبها، وكلما زين وجهها، ومعنى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}، ومن ~~بعدهم أي لا يضعن جلابيبهن، وهي المقانع التي فوق الخمار، إلا لهؤلاء ~~المذكورين. # وقوله: {أو نسآئهن} يعني بذلك نساء المسلمين، يعني المؤمنات منهن. قاله ~~ابن جريج، قال: ولا يحل لمسلمة أن تري مشركة عورتها، إلا أن تكون لها، فذلك ~~قوله: {أو ما ملكت أيمانهن}، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة PageV08P5072 # ابن الجراح رضي الله عنهما " أما بعد فإنه بلغني، أن نساء يدخلن ~~الحمامات/ معهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه "، ثم إن أبا عبيدة ~~قام في ذلك المقام متبتلا، فقال: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة، ~~ولا سقم، تريد البياض لزوجها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه. # وقوله تعالى ذكره: {أو ما ملكت أيمانهن}، يعني الماليك، لها أن تبدي له ~~من الزينة، ما تبدي لغيره من ذوي المحارم، وهو قول عائشة وأم سلمة جعلنا ~~العبد بمنزلة ذي المحرم في هذه الآية، فلا يحل له أن يتزوج سيدته، وهو في ~~ملكها، لأنه ما دام مملوكا فهو بمنزلة (ذوي المحارم)، وهذا هو قوله: ~~{ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} [النور: 58]. PageV08P5073 # وقيل: إنه ليس للعبد أن يرى منها إلا ما يرى الأجنبي. # قال ابن عباس: لا ينظر عبدها إلى شعرها ولا إلى نحرها وهو مذهب: ابن ~~مسعود، ومجاهد، وعطاء، فأما الخلخالان عند ابن عباس فلا ينظر إليه إلا ~~الزوج، فيكون التقدير على هذا القول الثاني: أو ما ملكت أيمانهن غير أولي ~~الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف. ms1751 # وقيل: {أو ما ملكت أيمانهن}، إنما هو للإماء خاصة. قال ابن المسيب. وقيل: ~~للصغار خاصة. # وقوله: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال}، أي والذين يتبعونكم ~~لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء من الرجال. # قال قتادة: " هو الرجل يتبعك ليصيب من طعامك ". PageV08P5074 # وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقاله الزهري. # قال مجاهد: هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه ولا ~~يخاف منه على النساء. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رجل يدخل على أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه ~~النبي يوما، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلت ~~بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأرى هذا ~~يعلم ما ها هنا، لا يدخلن عليكم PageV08P5075 # فحجبوه. # وقال عكرمة: " غير أولي الإربة "، هو المخنث، الذي لا يقوم له: يريد ~~العنين. # وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنثى، والمعتوه، والطفل، والعنين. # والإربة والأرب: الحاجة. ومن نصب غيرا نصبه على الحال. # وقيل: على الاستثناء، ومن خفضه جعله نعتا للتابعين. # وقوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء}، أي الذين لم يكشفوا ~~عن هورات النساء لجماعهن فتطلعوا عليها. PageV08P5076 # قال مجاهد: الذين لم يدروأ ما هي من الصغر قبل الحلم، وقيل: لم يظهروا: ~~لم يطيقوا ذلك، كما يقال: ظهر فلان على فلان: أي قدر عليه وغلبه. والطفل ~~هنا بمعنى الأطفال، دل على ذلك نعته بالذين. # ثم قال تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}، أي لا ~~يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس ما يخفين من ~~ذلك. # قال ابن عباس: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجليها ~~خلاخل فتحركهن عند الرجال / فنهى الله جل ثناؤه عن ذلك لأنه من عمل ~~الشيطان. # وقال السدي: عن أبي مالك: كانت المرأة تلبس PageV08P5077 # في رجليها الخلاخل، وتمر على المجلس، فتضرب برجليها ليسمع ms1752 صوت خلاخلها، ~~فنزلت هذه الآية في ذلك. # وعن ابن عباس أنه قال: لا تضرب إحدى رجليها بالأخرى ليقرع الخلخال ~~الخلخال فيظهر صوته. # ثم قال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون}، أي ارجعوا إلى طاعة الله ~~فيما أمركم به ونهاكم عنه من غض البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم ~~إلا بعد الاستئذان، وغير ذلك من أمره ونهيه. # {لعلكم تفلحون} أي لعلكم تدركون طلباتكم عنده بالنجاة والبقاء في النعيم. # روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الندم على الدنيا توبة ~~". # وروى ابن مسعود: أن النبي عليه السلام قال: " لله أفرح بتوبة عبده إذا PageV08P5078 # تاب إليه من رجل ضلت منه راحلته بداوية قفر عليها طعامه وشرابه، فطلبها ~~حتى إذا جهده الطلب، قال: أرجع فأموت في موضع رحلي، فجاء موضع رحله فوضع ~~رأسه فبينما هو كذلك، إذا هو براحلته عليها طعامه، وشرابه عند رأسه ". # قوله تعالى ذكره: {وأنكحوا الأيامى منكم}، إلى قوله: {واسع عليم} # وزوجوا أيها المؤمنون الأيامى منكم، أي من لا زوج لها من المسلمات ~~الحرائر، ومن لا زوجة له من الرجال، وأهل الصلاح من عبيدكم، ومن مملوكاتكم. # والأيامى جمع أيم مشبهة بيتيمة ويتامى، يقال: أيم وأيامى، وأيايم، وأيام ~~مثل: جيد وجياد. # والإيم عند أهل اللغة: من لا زوج لها كانت بكرا أو ثيبا. حكى ذلك أبو ~~عمرو والكسائي وغيرهما، وهو قول مالك وغيره. # يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيمة: إذا لم يكن لواحد منهما زوج. PageV08P5079 # وقرأ الحسن: {والصالحين من عبادكم} وعبيد اسم للجمع. # وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: من كانت له جارية فلم يصبها، أو لم ~~يزوجها، أو كان له عبد فلم يزوجه، فما صنعا من فاحشة فإثم ذلك على السيد. ~~وهذا يدل على أن الآية على الحتم والأمر للسادة بذلك. # ثم قال تعالى: {إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله}، أي إن يكن هؤلاء ~~الذين أمرتم بإنكاحهم ذوي فاقة، وفقر يغنهم الله من فضله، فلا يمنعكم فقرهم ~~من إنكاحهم. # وقال ابن عباس: أمر الله سبحانه ms1753 بالنكاح ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا ~~أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال: {إن يكونوا فقرآء يغنهم الله ~~من فضله}. # وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله سبحانه: PageV08P5080 # {إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله}. # ويروى عن عمر أنه قال: عجبت لامرئ كيف لا يرغب في الباءة، والله يقول: ~~{إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله}. # وقيل: معنى الآية: يغنهم الله من فضله بالنكاح، وكذلك: # {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] أي بالنكاح يعني ~~بالتزويج، لأنه لم يجعل كل زوج مقصورا على زوج أبدا. # وقوله تعالى: {والله واسع عليم}، أي واسع الفضل يغني من يشاء من فضله ~~عليم بمصالح خلقه وأعمالهم. # قوله تعالى ذكره: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا}. # أي وليمتنع عن الحرام الذين لا يجدون ما ينكحون حتى يوسع الله PageV08P5081 # عليهم من فضله، فالنكاح في هذا الموضع: اسم لما ينكح به من المهر، ~~والنفقة فسمي ما ينكح به نكاح، كما قيل: لما يلتحف به كاف ولما يرتدي به ~~رداء، ولما يلبس لباس. # ثم قال: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا}، هذا ندب ندب الله عباده إليه ومعنى {إن علمتم فيهم خيرا} إن علمتم ~~فيهم مقدرة على التكسب لأداء ما كتب عليه مع القيام بما يلزمه من أمر نفسه، ~~ومع إقامة / فروضهم، فالمكاتبة معلومة ما هي، وولاء المكاتب لمن كاتبه. # وقد قال ابن جريج: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا، ~~إذا سأله العبد ذلك، وقال عطاء، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو PageV08P5082 # اختيار الطبري لأن ظاهر الآية الأمر بالمكاتبة، وأمر الله فرض، إلا أن ~~يدل على أنه ندب إجماع أو سنة. # ومذهب أهل المدينة مالك وأصحابه: أنه ندب من غير فرض. # وقال الثوري: لا يجير السيد على المكاتبة. # وكره ابن عمر أن يكاتب العبد إذا لم تكن له حرفة وقال: تطعمني أوساخ أيدي ~~الناس. # قال ابن عباس: {إن علمتم فيهم خيرا}، أي إن علمتم أن ms1754 لهم حيلة لا يلقون ~~مؤنتهم على الناس. # وقال مالك: إنه ليقال: الخير القوة والأداء، وهو قول ابن زيد. PageV08P5083 # وقال الحسن: معناه: إن علمتم فيهم صدقا، ووفاء وأداء الأمانة. # وقال مجاهد وطاوس: مالا وأمانة. # وعن ابن مسعود: الخير إقامة الصلاة، وكذا قال ابن سيرين، وعبيدة. # وقال مالك: الخير القوة على الأداء، وقال أبو صالح وعطاء: إن علمت فيهم ~~خيرا لنفسك يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك فكاتبه. # وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن جريج: معناه: إن علمتم PageV08P5084 # لهم مالا. # ويقال: إن هذه الآية نزلت في صبيح القبطي مملوك الحاطب بن أبي بلتعة، ~~وكان صالحا، ثم هي عامة لجميع المسلمين. # قال تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}، يعني هبوبهم من مال ~~الكتابة. # قال علي بن أبي طالب: ربع الكتابة يحطها عنه. PageV08P5085 # وقال ابن عباس: ضعوا عنهم مما قاطعنموهم عليه، وكان ابن عمر: يضع عن ~~المكاتب في آخر كتابته ما شاء، وهو قوله مالك. # وقال النخعي: هو أمر للمسلمين أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم يتقوون بها ~~على أداء الكتابة، وهو قوله: (في الصدقات وفي الرقاب). # وقيل: إن قوله: " وآتوهم " ترغيب لكل الناس من الموالي وغيرهم حضهم الله ~~أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم ليتقووا بها على أداء كتابتهم. # وقيل: هو خطاب لغير الموالي المخاطبين بالمكاتبة رغب الناس أن يعطوهم من ~~زكواتهم، والضميران مختلفان بمنزلة قوله تعالى: # {وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} [البقرة: 232] هو خطاب ~~للأولياء، وصدر الكلام خطاب PageV08P5086 # للأزواج. # وقال ابن زيد: ذلك من الزكاة. # ثم قال: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء}، أي: الزنا {إن أردن تحصنا} أي: ~~تعففا {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا}، أي: ليكسبن لكم من زنائهن. # وقيل قوله: {إن أردن تحصنا} متعلق بقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم * إن ~~أردن تحصنا}. # ويقال: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له ~~جاريتا: معاذة وزينب، وكانتا تردان عليه خرجا من زنائهما، قبل أن يسلما، ~~فلما دخلتا في الإسلام، امتنعتا من الزنا فكان يكرههما على الزنا، فنهى ~~الله عن ms1755 ذلك، وأعلم المكره إنه له غفور رحيم. PageV08P5087 # وقوله: {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم}، ومعاذة هذه أم ~~خولة، وخولة هي التي جادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها، وفي ذلك ~~نزل: {قد سمع الله} [المجادلة: 1] الآية. # ويروى أن عبد الله بن أبي: أمر جاريته أن تزني فجاءته ببرد، فأمرها أن ~~تعود إلى الزنا، فأنزل الله جل ذكره: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء} ~~الآية. # وقال جابر: كانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها مسيكة، وكان يأمرها ~~بالبغاء لتكسب له فنهى الله عن ذلك. # قال مجاهد: معناه: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم. # وقيل إن معاذة وزينب جاريتا عبد الله بن أبي لما أسلمتا أتيا إلى النبي ~~عليه السلام، فشكتا إليه أن مولاهما يكرههما على الزنا فنزلت الآية في ذلك. PageV08P5088 # ومن قال: إن {فكاتبوهم} ندب، و {وآتوهم} حتم، وقف على {خيرا} ثم ابتدأ ~~بالحتم بعد / تقدم الندب، لأنه ليس بمعطوف عليه لاختلاف معنييهما، وهذا قول ~~الشافعي. قال: المكاتبة: ندب، ويجير السيد أن يضع عن عبده من المكاتبة. # ومن قال: هما واجبان لم يقف إلا على {آتاكم} لأن الثاني معطوف على الأول ~~إذ معناهما جميعا: عنده الحتم. # ومن قال: كلاهما ندب لم يقف أيضا إلا على {آتاكم} لأن الثاني أيضا معطوف ~~على الأول إذ معناهما جميعا الندب وهو مذهب مالك والثوري. # قال تعالى: {ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات}، من كسر الياء من {مبينات}. PageV08P5089 # فمعناه موضحات للأحكام والشرائع، لدلالة قوله: {يحذر المنافقون أن تنزل ~~عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم} [التوبة: 64] فأضاف الفعل إلى السورة، ~~والبيان في الحقيقة إلى الله جل ذكره، ولكن أضيف إلى السورة وإلى الآيات ~~لعلم السامعين بالمراد، فمن كسر الياء جعل الآيات فاعلات، وأما من فتح ~~الياء، فمعناه مفصلات، كما قال تعالى: {أحكمت آياته ثم فصلت} [هود: 1]، ~~ويدل على صحة قوله {قد بينا لكم الآيات} [آل عمران: 118]، فهي الآن مبينة، ~~فالله جل ذكره هو الذي بينها كما قال: {قد بينا لكم الآيات} ms1756 [آل عمران: ~~118] فمنه فتح الياء جعل الآيات مفعولا بها والفاعل هو الله، لأنه تعالى ~~بينها وأظهرها، والكسر يدل على أن الايات فاعلات أي بينات لكم الأحكام ~~والفرائض، والفاعل هو الله في المعنى في القراءة بالكسر على ما ذكرنا ~~فافهم. والمعنى: ولقد أنزلنا إليكم دلالات وعلامات مفصلات أو موضحات، على ~~ما تقدم من الفتح والكسر. PageV08P5090 # وقوله تعالى ذكره: {مثلا من الذين خلوا من قبلكم}، أي مضوا قبلكم من ~~الأمم. # {وموعظة للمتقين} أي لمن اتقى الله فخاف عقابه. # قال تعالى: {الله نور السماوات والأرض}. # قال أبو محمد: قد كثر الاختلاف في معنى هذه الآية ونحن نذكر ما بلغنا ~~فيها. # قيل: المعنى: الله ذو السماوات والأرض مثل {وسئل القرية} [يوسف: 82]. # وقيل: معناه: الله هادي أهل السماوات والأرض قاله ابن عباس ثم استأنف ~~فقال: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} الآية، أي مثل هداه في قلب المؤمن ~~كالكوة التي هي غير نافذة. {فيها مصباح} وذلك المصباح في زجاجة، الزجاجة ~~صافية اللون كالكوكب الدري، يوقد ذلك المصباح من شجرة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية، يكاد زيتها يضيء من غير نار لصفاه، الكوة التي هي غير نافذة أجمع ~~للضوء فيها إذا كان فيها المصباح، والمصباح إذا كان في زجاجة كان أظهر PageV08P5091 # لضوئه، فإن كانت الزجاجة صافية اللون كان ذلك أظهر للضياء، وإذا كان ~~الزيت الذي فيها صافيا، كان أظهر وأكثر للضوء، فذلك كله مبالغة للضياء ~~والنور، فكذلك الهدى في قلب المؤمن. ومعنى هذا القول مروي: عن ابن عباس فهو ~~مثل ضربه الله لنور الهدى والإيمان في قلب المؤمن. # وعن ابن عباس أيضا، وعن مجاهد: {الله نور السماوات والأرض}، أي مدبرهما: ~~شمسهما وقمرهما ونجومهما. # وقال أبي بن كعب: بدأ الله بنوره وذكره، ثم ذكر نور المؤمن في قوله ~~تعالى: {مثل نوره}. PageV08P5092 # وقيل المعنى: مثل ما أنار الله من الحق بهذا التنزيل كمشكاة على هذه ~~الصفة، فالهاء في نوره تعود على الله جل ذكره أي مثل هداه في قلب المؤمن ~~وهو القرآن. والتقدير: الله هادي أهل السماوات بآياته البينات، ms1757 مثل هداه ~~وآياته التي هدى الله بها خلقه في قلوب المؤمنين، كنور هذا المصباح الموصوف ~~بهذه الصفات. وهو قول ابن عباس الذي تقدم ذكره. # وقال: كعب الأحبار: النور هنا لمحمد، والهاء لمحمد عليه السلام والمعنى: ~~مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة، وكذلك روي عن ابن جبير. فيكون ~~المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض ثم استأنف فقال: مثل نور محمد إذا ~~كان مستودعا في الأصلاب كمشكاة هذه صفتها، والمصباح عني به قلب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، شبه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة. # {المصباح / في زجاجة}، يعني قلبه في صدره كأنها كوكب دري أي صدره في صفاه ~~ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة، {كأنها كوكب دري} يعني به الزهرة PageV08P5093 # {يوقد من شجرة مباركة}، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو ~~الشجرة المباركة ومحمد عليه السلام على ملته ودينة، فمنه استنار ثم مثل ~~الله. إبراهيم فقال: {زيتونة لا شرقية ولا غربية}، أي إن إبراهيم لم يكن ~~يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا ~~تصيبها الشمس إذا غربت ولا إذا طلعت فزيتها على هذا أطيب، وأصفى وأضوى. # وهذا التفسير قد روي من طرق وغيره أشهر وأكثر، وقد ذكرناه ونذكره أيضا ~~فيما بعد إن شاء الله. # وقال زيد بن أسلم والحسن: الهاء لله والتقدير: الله نور السماوات والأرض ~~مثل نوره، ونوره القرآن أي مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة هذه صفتها. PageV08P5094 # وعن ابن عباس: إن النور هنا الطاعة سمى طاعته نورا. # وقيل: الهاء تعود على المؤمن أي مثل نور المؤمن والذي في قلبه من ~~الإيمان، والقرآن كمشكاة، قاله: أبي بن كعب. وقال ابن جبير والضحاك: {مثل ~~نوره}، مثل نور المؤمن كمشكاة والمشكاة كل كوة لا منفذ لها. # وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب محمد عليه السلام. # قال كعب الأحبار: المصباح قلب محمد في زجاجة الزجاجة صدره كأنها كوكب ~~دري، شبه صدر النبي عليه السلام بالكوكب الدري، ثم PageV08P5095 # رجع في ms1758 المصباح إلى قلبه فقال: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية}، أي لم يمسها شمس المشرق، ولا شمس المغرب {يكاد زيتها يضياء}، أي ~~يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتميز للناس، ولو لم يتكلم، أنه نبي، كما ~~يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم يتمسه نار {نور على نور}. # وقال ابن عباس: المشكاة كوة البيت. # وقال آخرون: عني بالمشكاة صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان والزجاجة ~~قلبه. وهذا المثل ضربه الله للمؤمنين. هذا قول أبي بن كعب. # قال أبي: جعل القرآن والإيمان في صدر المؤمن كمشكاة، فالمشكاة صدره {فيها ~~مصباح} المصباح القرآن والإيمان اللذان جعلا في صدره. {المصباح في زجاجة}، ~~قال: فالزجاجة قلبه فيه القرآن والإيمان {الزجاجة كأنها كوكب دري} قال: ~~فمثل ما استنار فيه من القرآن والإيمان كأنه كوكب دري أي مضيء PageV08P5096 # {يوقد من شجرة مباركة}، فالشجرة المباركة أصله وهو الإخلاص لله وحده ~~وعبادته لا شريك له {لا شرقية ولا غربية}، أي مثله كمثل شجرة التفت بها ~~شجرة، فهي ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا ~~غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها ~~فثبته الله فيها فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم ~~عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. # ثم قال تعالى: {نور على نور}، فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور، ~~وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة: إلى ~~الجنة. # وقال ابن عباس: {مثل نوره} مثل هدى الله في قلب المؤمن. PageV08P5097 # وقال قتادة: مثل نور الله في قلب المؤمن، فالهاء في نوره تعود على الله ~~والنور معنى الهدى. # وقيل: تعود على المؤمن. # وقيل: على محمد عليه السلام. وقد مضى هذا. # قال القتبي: هو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما أودعه من الإيمان ~~والقرآن من نوره، لكنه بنفسه فقال: {الله نور السماوات والأرض}، أي بنوره ~~يهتدي ms1759 من في السماوات والأرض. ثم قال {مثل نوره}، يعني مثل نور المؤمن. # وقيل: معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن ونور الله الإيمان به. # وكان أبي يقرأ (مثل نور المؤمن) وقد مضى أكثر هذا، فالمعنى على قول ابن PageV08P5098 # عباس وغيره: الله هادي أهل السموات وأهل الأرض إلى أمور دينهم ومصالحهم / ~~والكلام فيه توسع ومجاز لأنه قد علم أن الله لا يكون نورا ولا ضياء ولا من ~~جنس النور ولا الضياء، لأن النور والضياء مخاوقان لله جل ذكره، ومعنى {مثل ~~نوره} أي صفة هدى الله للمؤمنين في قلوبهم. وهذا يدل على أن معنى {الله نور ~~السماوات والأرض}، أي هاديهن وليس الله هو النور لأنه قد شبه النور المذكور ~~بالمشكاة الموصوفة، والله لا يشبهه شيء، ولا يشبه بشيء، فنوره إنما هو هداه ~~ودلالة خلقه إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، فإنما شبه هداه لخلقه بما ~~يعقلون من المشكاة فيها المصباح الذي هو في زجاجة، تلك الزجاجة كأنها كوكب ~~دري يوقد بزيت من شجرة صفتها كذا، وذلك كله مبالغة في صفة هدى الله عباده. PageV08P5099 # وقوله: {لا شرقية ولا غربية}. # قال قتادة: " لا يفيء عليها ظل الشرق ولا ظل الغرب ضاحية، وذلك أصفى ~~للزيت كأنه يقول: إن الشمس ى تفارقها ". # وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا. # وعن ابن عباس ومجاهد: أنه مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل فؤاد ~~المؤمن، والمشكاة مثل الجوف. # وقال الحسن: معناه مثل القرآن في قلب المؤمن كمشكاة هذه صفتها. # وقال ابن زيد: {مثل نوره}، نور القرآن الذي أنزله الله على رسوله، فهذا ~~مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعملون به، ويأخذون به، وهو لا ينقص. فهذا ~~مثل ضربه الله لنوره. # وقال مجاهد: المشكاة القنديل. PageV08P5100 # وقيل: هو الحديد الذي يعلق فيه القنديل: قال أيضا مجاهد: واختار الطبري ~~أن يكون هذا المثل، مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: ~~الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد - الذي أنزله إليهم فآمنوا به، في قلوب ~~المؤمنين - مثل مشكاة وهي عمود القنديل ms1760 الذي فيه الفتيلة وهو نظير الكوة ~~التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه ~~غير نافذ وهو أجوف مفتوح إلى الأعلى، وهو كالكوة في الحائط التي لا تنفذ. # ثم قال: {فيها مصباح}، وهو السراج، والمصباح، مثل لما في قلب المؤمن من ~~القرآن والآيات البينات. # ثم قال: {المصباح في زجاجة}، يعني إن السراج الذي في المشكاة، في القنديل ~~وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار ~~الله به قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه، PageV08P5101 # واستنارته، بنور القرآن بالكوكب الدري، فقال: {الزجاجة} وذلك صدر المؤمن ~~الذي فيه قلبه {كأنها كوكب دري} ومعنى قراءة من قرأ {دري} بالتشديد وضم ~~الدال أنه نسبه إلى الدر ومعناه: أن فضل هذا الكوكب في النور على سائر ~~الكواكب كفضل الدر على سائر الحب، ومن قرأ درئ بكسر الدال والمد والهمز ~~جعله من إندرأ الحريق إذا اندفع. # وحكى الأخفش سعيد: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. # وقيل: هو فعيل من درأت لأن معناه يدفع ويرجم به الشياطين. PageV08P5102 # وأنكر أبو عبيدة هذه القراءة إن كانت من درأت إذا دفعت وضعفها لأن ~~الكواكب كلها تندفع فلا فضل لأحدهما على الآخر فلا فائدة في وصفه له ~~بالاندفاع لأنها كلها تندفع. # فأما قراءة من قرأ بضم الدال والمد والهمز، فقد أنكرها جماعة، إذ ليس في ~~الكلام. فعيل، وقد جوزها أبو عبيدة وقال: هو فعول مثل سيوح، وأصله درؤ ~~وأبدلوا من الواو ياء كما قالوا: عني. وأنكر هذا القول على أبي عبيدة لأنه ~~لا يشبع عتي إن كان جمع عات، فالبدل فيه لازم لأن الجمع باب تغيير والواو ~~لا يكون طرفا في الأسماء وقبلها ضمة، فاعتلاله لازم، فإن كان عتيا مصدرا ~~فيجب قلب الواو لأنها ظرف في فعول وليست الواو في دري / إذا جعل أصله دروي ~~ظرفا فلا يشتبهان، ووجه هذه القراءة، عند بعض النحويين أنه فعيل كمريق، على ~~أن مريقا أعجمي، فلا يجب ms1761 أن يحتج به. والكوكب الذي شبه بالزجاجة، هو الزهرة ~~قال الضحاك. # ومن قرأ {يوقد} على تفعل جعله فعلا ماضيا خبرا عن المصباح. PageV08P5103 # وقيل، خبرا عن الكوكب. # ومن قرأ بالياء، على يفعل جعله فعلا مستقبلا لم يسم فاعله راجعا إلى ~~المصباح. # ومن قرأ بالتاء على تفعل جعله فعلا لم يسم فاعله مستقبلا أيضا راجعا على ~~الزجاجة لأنها أقرب إليه، فلما كان الاتقاد فيها جاز أن توصف هي به لعلم ~~السامعين بالمعنى، كما قالوا: ليل نائم، وسر كاتم، وقد نام ليلك، كقوله: ~~{في يوم عاصف} [إبراهيم: 18] فوصف اليوم بالعصوف والعصوف للريح، لكن لما ~~كان الريح في اليوم جعل وصفا لليوم لعلم السامعين بالمعنى وهو كثير في كلام ~~العرب. وأنشد الفراء: # " يومين غيمين، ويوما شمسا " ... فجعل الغيمين وصفا لليومين لأنهما في ~~اليومين يكونان، فكذلك وصف الزجاجة بأنها توقد لأن الإيقاد فيها يكون. PageV08P5104 # ومعنى قوله: {يوقد من شجرة}، أي توقد من دهن شجرة. # وقوله: {لا شرقية ولا غربية}. # قال ابن عباس: لا شرقية بغير غرب ولا غربية بغير شرق. # وقال الحسن: ليست هذه الشجرة في الأرض، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو ~~غربية، ولكنه تمثل بالنور. # وقال أبو مالك: لا يصيبها الشمس وقت الشرق ولا وقت الغرب ولكنها بين شجر ~~في فجوة من ذلك فهي في ظل أبدا قد سترها ما حولها من الشجر. # وقيل إنها يصيبها الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولم تخلص للشروق فيقال ~~لها شرقية، ولا للغروب فيقال لها غربية، ولكنها قد جمعتهما كما يقال: فلان ~~لا أبيض ولا أسود إذا كان فيه بياض وسواد، ويقال: هذا لا حلو ولا حامض أي ~~لم PageV08P5105 # يخلص له أحد الطعمين، فهذا قول مختار وهو معنى قول ابن عباس المتقدم. # وقال عكرمة: لا تخلو من الشمس وقت الغروب والشروق، وذلك أصفى لذهنها وهذا ~~موافق لمذهب ابن عباس أيضا. # وعن مجاهد أنه قال: لا يكنها جبل ولا وادي. # وقال قتادة: هي شجرة بارزة للمشس. # وقال الضحاك: لا تصيبها الشمس، وعنه مثل قول قتادة. # وعن مجاهد ms1762 أيضا أنه قال: هي شجرة تكون فوق جبل تطلع عليها الشمس وتغرب ~~عليها. # وقال القتبي: المعنى أنها: ليست بارزة للمشس، لا يصيبها الظل فيقال لها ~~شرقية، وليست في الظل لا تصيبها الشمس فيقال لها غربية. # وقال الطبري: معناه: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالغداة، من الشرق دون ~~العشي، ولا غربية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق ~~عليها وتغرب، فهي شرقية غربية، وهذا أيضا قول ابن عباس PageV08P5106 # بعينه وهو قول عكرمة. # وقوله: {يوقد من شجرة مباركة}، قال الطبري: معناه أن هذا القرآن من عند ~~الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من ~~الشجرة المباركة التي وصفها بعده. # وقوله: {يكاد زيتها يضياء} يعني أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ~~ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر. # وقوله: {ولو لم تمسسه نار}، أي ولو لم يزدها الله بيانا ووضوحا، فأنزل ~~القرآن إليهم منبها لهم على توحيده، فكيف وقد نبههم وذكرهم بآياته فزادهم ~~حجة إلى حجة عندهم قبل ذلك. فذلك بيان من الله جل ذكره ونور على البيان. # وقوله: {نور على نور} النور الأول النار، والثاني الزيت الذي يكاد يضيء ~~من صفاه قبل أن تمسه النار، قاله مجاهد. # قال: الطبري: هو مثل للقرآن، أي هذا القرآن نور من عند الله أنزله على ~~خلقه يستضيئون به. PageV08P5107 # وقوله {على نور} يعني / الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما يدل على ~~وحدانيته قبل مجيء القرآن. # قال ابن زيد: {نور على نور}، يضيء بعضه بعضا يعني القرآن. # قوله: {يهدي الله لنوره من يشآء}، أي يوفق الله لاتباع نوره وهو القرآن ~~من يشاء من عباده. # ثم قال: {ويضرب الله الأمثال للناس}، أي ويمثل الله الأمثال للناس، يعني ~~به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، بالمصباح في المشكاة، وسائر ما ~~في الآية من الأمثال. # ثم قال: {والله بكل شيء عليم}، أي عليم بالأشياء كلها، ومن قال: {مثل ~~نوره} أي نور المؤمن جاز له أن يقف على {الله ms1763 نور السماوات والأرض}، ومن ~~قال المعنى: مثل نور الله لم يقف إلا على مصباح {المصباح في زجاجة}، تمام، ~~{دري} تمام {تمسسه نار}، تمام [للناس]، قطع. و [عليم]، PageV08P5108 # تمام إن جعلت في " بيوت " متعلقا بيسبح. فإن جعلته على قول ابن زيد ~~متعلقا بقوله: {فيها مصباح}، لم تقف إلى {عليم} وكذلك إن جعلته متعلقا ~~{يوقد من شجرة مباركة} وهو قول الطبري. وكذلك إن جعلته حالا مما تقدم لم ~~تقف على {عليم} وهو قول: أحمد بن يحيى. # وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف. ذكره ~~الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله {مثل نوره} أي مثل نور محمد عليه السلام إذ ~~كان مستودعا في صلب عبد المطلب كمشكاة يعني كوة غير نافذة على لغة الحبش، ~~{فيها مصباح} يعني قلب النبي، ضبهه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من ~~الحكمة والإيمان. {المصباح في زجاجة}، يعني قلبه في صدره {الزجاجة كأنها ~~كوكب دري}، أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان PageV08P5109 # والحكمة {كأنها كوكب دري} يعني الزهرة. {يوقد من شجرة مباركة}، أي استنار ~~نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد عليه السلام ~~على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: {زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية}، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في ~~الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، ~~فزيتها أضوى وأطيب. # وقيل معنى {لا شرقية ولا غربية}، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل ~~هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه. والله أعلم ~~بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها ~~وبما أراد فيها. # قوله تعالى ذكره: {في بيوت أذن الله أن ترفع}. # أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن {كمشكاة فيها مصباح} PageV08P5110 # {في بيوت أذن الله أن ترفع} فيكون قوله: {في بيوت} ظرف للمصباح ويتعلق به ~~فيكون ms1764 على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت. # وقيل: المعنى {يوقد من شجرة مباركة} {في بيوت أذن الله أن ترفع} فيكون ~~متعلقا {يوقد} ويسبح أيضا وما بعده صفة للبيوت. # وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضا وما بعده صفة، فلا يقف على هذه ~~الأقوال على ما قبل {في بيوت} # وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل {في بيوت}. # قال ابن عباس وأبو صاح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد. PageV08P5111 # قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها. # وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ~~المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. # وقال عكرمة: هي البيوت كلها. # وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس. # وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي ~~يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد. # وروى ابن زيد / عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من أحد ~~يغدو أو يروح إلى PageV08P5112 # المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلا يعد له في الجنة، كلما ~~غدا وراح، كما أن رجلا منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته ". # وقوله: {أذن الله أن ترفع}، قال مجاهد: ترفع: تبنى. # وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: {وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} [البقرة: 127]، أي يبنيان. # وقوله: {ويذكر فيها اسمه} أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه. # قال ابن عباس: {يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114]، أي يتلى فيها كتابه. PageV08P5113 # ثم قال: {يسبح له فيها بالغدو والآصال}، أي: يصلي لله في هذه البيوت ~~بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض ~~الله من الصلاة. # وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. # قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى ms1765 له فيها بالغدو والآصال. # وواحد الآصال: أصل وواحد الأصل أصيل، والآصال: جمع الجمع. # وذكر ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله عز ~~وجل وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: {يسبح له فيها بالغدو والآصال}. كأن ~~ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى. PageV08P5114 # قال: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}، أي: لا يشغلهم عن ~~صلاتهم في هذه المساجد شيء. # ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم ~~يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: {لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله}. # وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس وغيره. # قال عطاء: {عن ذكر الله}، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة. # وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله. في ~~القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة. PageV08P5115 # وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق كلهم ~~سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت: ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} الآية قال: فيقومون وهم ~~قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانت {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله}، إلى قوله: {الأبصار} قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم ~~الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل. # قال: ثم يحاسب سائر الناس ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: " هم ~~الذين يضربون في PageV08P5116 # الأرض يبتغون من فضل الله. ثم قال: {وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة} "، أي: ~~ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة عند وقتها. # وإقام مصدر أقمت وأصله إقواما، ثم قلبت الواو ألفا، فاجتمع ألفان، فحذفت ~~إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاما فدخلت الهاء عوضا من المحذوف، فصارت ~~إقامة، فلما أضيف المصدر: قالم المضاف ms1766 إليه مقام الهاء التي دخلت عوضا من ~~الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، لأن المضاف إليه يقوم ~~مقامها. ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء لأمها عوضا من الفاء، فإن ~~أضفته جاز حذف الهاء. # قال الشاعر: # إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا # يريد عدة الأمر. PageV08P5117 # وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وقوله {يأمر أهله بالصلاة والزكاة} [مريم: ~~55] وقوله: # {وأوصاني بالصلاة والزكاة} [مريم: 31]، وقوله: {ما زكى منكم من أحد أبدا} ~~[النور: 21]، وقوله: {وتزكيهم بها} وقوله: {يتلوا عليهم آياته ويزكيهم} [آل ~~عمران: 164]، وقوله تعالى: {وحنانا من لدنا وزكاة} [مريم: 13]، هذا كله ~~ونحوه عنده. عني به الطاعة لله والإخلاص. # / ثم قال: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار}، أي: تعرف القلوب فيه ~~الأمر عيانا ويقينا، فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ~~ويزداد المسلمون يقينا، ويكشف عن الأبصار غظاؤها فتنظر الحق، ومثله # {فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد} [ق: 22]، وقيل: المعنى. تتقلب فيه PageV08P5118 # القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر من الهلاك، وتنقلب الأبصار في ~~نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يوتون ~~كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة. # وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة ~~إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لفح. # وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: {يوم تقلب وجوههم في النار} ~~[الأحزاب: 66]، وكما قال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة} [الأنعام: 110]، أي: نقلبها في النار. # قال تعالى: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا}، أي وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ~~ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة بأحسن أعمالهم في الدنيا، PageV08P5119 # ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله. {والله يرزق من يشآء بغير حساب}، أي ~~يتفضل على من يشاء بما لم يستحقه من ثواب عمله بغير محسبة، ولا يوقف على ~~{الآصال} لأن رجالا مرفوعون ms1767 بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم ~~يسم فاعله، فيقف على {الآصال} لأن رجالا عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، ~~كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال. # ومن رفع رجالا على هذه القراءة بالابتداء، و {في بيوت} الخبر لم يقف على ~~{الآصال}. # قال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة}، هذا مثال ضربه الله ~~لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا ~~مثل سراب. والسراب ما لصق بالأرض وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد PageV08P5120 # الحر. وإذا أري من بعد ظن أنه ماء. والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي ~~يرفع كل شيء. # وقوله {بقيعة} هو جمع قاع، كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء. # وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ولم ~~يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. # و {يحسبه الظمآن مآء}، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء حتى إذا جاء ~~السراب ليشرب منه لم يجده شيئا. # وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر بالله، ~~عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه. حتى إذا هلك وجاء وقت حاجته إلى ~~عمله لم يجده شيئا يفعله إذا كان على كفر بالله. # ثم قال: {ووجد الله عنده}، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على PageV08P5121 # عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه. هذا معنى قول ابن عباس وأبي ~~بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. # فالضمير في لم يجده و {جآءه} للظمآن، والضمير في {وجد} للكافر الذي ضرب ~~الله مثلا بالظمآن. فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى ~~عمله فلا يجد شيئا، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان ~~إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئا. وقوله {والله سريع الحساب}، أي لا يحتاج إلى ~~عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حسابا لأنه ~~أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه. PageV08P5122 # وقال {سريع الحساب}، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه ms1768 جزاء عمله لا يشغله عن ~~محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن. # قوله تعالى ذكره: {أو كظلمات في بحر لجي} [39]، إلى قوله (لعبرة) (لأولي ~~الأبصار) [42]. # الكاف في {كظلمات}، في موضع / رفع عطف على الكاف في {كسراب}، والكاف في ~~{كسراب}، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم. # وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل {أو كظلمات} ~~ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله ~~تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد، PageV08P5123 # وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة ~~البحر معظمه ووسطه. # {يغشاه موج}، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج ~~سحاب. # {ظلمات بعضها فوق بعض}، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل ~~لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما ~~يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عمله ~~كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى ~~سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك ~~الظلمات بعضها فوق بعض. # قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: PageV08P5124 # {يغشاه موج}، إلى {فوق بعض}، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع ~~والبصر. # وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ~~ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، ~~فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار ~~وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلا، وأن ~~الكافر لا يجد شيئا إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه. # ولا تقف على {يغشاه موج}، لأن {من فوقه موج}، نعت له، وكذا {من فوقه ~~موج}، لا تقف عليه لأن {من فوقه سحاب}، PageV08P5125 # نعت له، وتقف على {سحاب} على قراءة من ms1769 رفع " سحابا " و " ظلمات " وإن ~~كسرت التاء، وأضفت سحابا إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، ~~فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضا، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول. # ثم قال تعالى: {إذآ أخرج يده لم يكد يراها}، أي إذا أخرج الناظر يده من ~~هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن ~~قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت ~~أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا. # وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائيا لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن PageV08P5126 # يراها، فهو لم يراها من شدة الظلمة. # وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يراها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه ~~اليقين كقوله تعالى: {وظنوا ما لهم من محيص} [فصلت: 48]. # وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة. # ثم قال: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور}، أي من لم يرزقه الله ~~إيمانا وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة. # وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في ~~الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نورا إلى ~~الجنة، والنور الإيمان بالله. # قال تعالى ذكره: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير ~~صآفات}، PageV08P5127 # أي ألم يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من ملك، ~~وإنس، وجن، والطير صافات أيضا في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته ~~وتسبيحه، فال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. # وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله. # وقوله: {والله عليم / بما يفعلون}، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد ~~علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم ms1770 الله في {والله عليم}، يدل على قول كون ~~الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في ~~قوله تعالى: {أن الله يسبح}، وكان يلزم أن يكون " وهو عليم ". وإنما يجوز ~~في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل: # " لا أرى الموت يسبق الموت شيء ". PageV08P5128 # وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة ~~على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على ~~الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت ~~بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول ~~عليه أكثر الناس. ومعنى {عليم بما يفعلون}، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ~~ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء. # وتقف على {تسبيحه}، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ~~{والله عليم بما يفعلون}، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في ~~علم الله، لم تقف إلا على {يفعلون} لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه ~~من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل. PageV08P5129 # قال تعالى: {ولله ملك السماوات والأرض}، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل ~~من هو دونه من سلطان وملك. # ثم قال: {وإلى الله المصير}، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور ~~أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل. # قال تعالى: {ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه}، يزجي يسوق السحاب ~~حيث يريد {ثم يؤلف بينه}، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، ~~لأن السحاب يحدث قطعا، قطعا. # وقيل: معناه يؤلف متفرقة لأن السحاب جمع سحابة. # وقال عبيد بن عمر: " الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فتقم PageV08P5130 # الأرض قما، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحابا، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه ~~فتجعله ركاما، أي متراكما بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق ~~المطر ". # ومعنى: {من خلاله}، أي: من ms1771 بين السحاب، والهاء من {خلاله} تعود على ~~السحاب والخلال جمع خلل. # وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلله بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال: # ثم قال تعالى ذكره: {وينزل من السمآء من جبال فيها من برد}، فمن يرد صفة ~~للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بر، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها ~~صفة أيضا لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء ~~مخلوقة من برد. # وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى ~~الأرض. PageV08P5131 # فيكون {من برد}، في موضع نصب على البيان كقوله: {أو عدل ذلك صياما} ~~[المائدة: 95]. # وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا ~~خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية ب ~~(من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى ~~واحدا، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديدا على ~~الحال عند سبيويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على ~~البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل. # وقيل: التقدير من جبال برد يتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من ~~لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل ~~الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف. PageV08P5132 # وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده. # وقوله: {فيصيب به من يشآء}، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به ~~زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء. # ثم قال: {يكاد سنا برقه}، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو ~~جعفر يزيد بن القعقاع: {يذهب بالأبصار}، بالضم وخطأه / الأخفش، وأبو حاتم ~~لأن " الباء " تعاقب الهمزة. وقيل: إن " جوازه " على زيادة الباء. PageV08P5133 # وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك ~~أجازوا أدخل بالمدخل " السجن " الدار ms1772 فجمعوا بين الهمزة والباء على أن ~~يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد. # ثم قال: {يقلب الله الليل والنهار}، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في ~~هذا. # وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهارا ~~وموضع النهار ليلا. # ثم قال: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول ~~المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى ذكره: {والله خلق كل دآبة من مآء}، إلى قوله: {أولئك هم ~~الظالمون}، # معناه: والله خلق كا ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ~~ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع ~~كالبهائم. PageV08P5134 # وجاز أن تأتي {من} هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غلب ما يعقل ~~فقوله: {والله خلق كل دآبة}، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك ~~قال: " فمنهم " ولم يقل: فمنها ولا منهن. # {يخلق الله ما يشآء}، أي: يحدث من يشاء من الخلق {إن الله على كل شيء ~~قدير}. # ثم قال تعالى: {لقد أنزلنآ آيات مبينات}، أي: علامات واضحات دالات على ~~طريق الحق. # وقوله: {والله يهدي من يشآء}، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام ~~وهو الطريق المستقيم. # وقوله: {على أربع}، تمام. قوله مبينات، قطع حسن. # ثم قال: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا}، أي: ويقول المنافقون: ~~صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. {ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك}، أي: ثم ~~تدبر طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان. PageV08P5135 # ثم قال تعالى: {ومآ أولئك بالمؤمنين}، أي: ليس قائلو هذه المقالة ~~بمؤمنين. {من بعد ذلك} قطع. # ثم قال تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم}، يعني هؤلاء ~~المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا ~~فيه بحكم الله {إذا فريق منهم معرضون}، أي: يعرضون عن قبول الحق. # ثم قال تعالى: {وإن يكن ms1773 لهم الحق يأتوا إليه مذعنين}، أي: إن يكن لهؤلاء ~~المنافقين حق قبل الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين ~~لحكمه طائعين غير مكرهين. # يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعا. # قال مجاهد: مذعنين سراعا. PageV08P5136 # وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا}، أي: أشكوا في ~~رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله ~~عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ ~~باسمه جل ذكره تعظيما. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم ~~شئت. ويدل على ذلك قوله: {ليحكم}، ولم يقل ليحكما. # ثم قال: {بل أولئك هم الظالمون}، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم ~~فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم. # قوله تعالى ذكره: {إنما كان قول المؤمنين}. # قرأ الحسن {قول} بالرفع على اسم كان، وهذه الآية تأديب للمؤمنين ليسارعوا ~~إلى طاعة الله ورسوله إذا دعوا إلى حكم. ولفظه لفظ الخبر ومعناه التحضيض أن ~~يفعل المؤمنون كذلك. # وقوله: {وأولئك هم المفلحون}، معناه المدركون طلباتهم بفعلهم. ثم PageV08P5137 # قال: {ومن يطع الله ورسوله}. قال ابن أبي كريمة: معناه من يطع الله ~~فيوحده، ورسوله فيصدقه، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من ~~عمره فأولئك هم الفائزون. # الفوز في اللغة: النجاة، والفلاح: البقاء في النعيم. # وقيل: المعنى: من يطع الله فيما أمره به، ونهاه عنه ويسلم لحكمه له / ~~وعليه، ويخشى عاقبة معصية الله، ويتق عذاب الله، فأولئك هم الفائزون أي ~~الناجون من عذاب الله. # قال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن}، أي: وحلف هؤلاء ~~المعرضون عن حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه: جهد أيمانهم، أي: أغلظ PageV08P5138 # أيمانهم وأشدها لئن أمرتهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. قل لهم يا ~~محمد: لا تقسموا أي لا تحلفوا هذه طاعة معروفة بينكم فيها التكذيب. # وقيل: المعنى لا تحلفوا طاعة معروفة أمثل: من قسمكم. # وقال مجاهد: معنى ms1774 طاعة معروفة: أي قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون. # ثم قال: {إن الله خبير بما تعملون}، من طاعتكم له ولرسوله وخلاف أمرهما ~~وغير ذلك من أموركم. # وأجاز الزجاج: {طاعة} بالنصب على المصدر {لا تقسموا}، تمام. ثم قال: {قل ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، أي: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين ليخرجن PageV08P5139 # معك إذا أمرتهم: أطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول ~~{فإن تولوا}، يصلح أن يكون ماضيا، ومستقبلا، ولكن هو هنا مستقبلا بدليل ~~قوله: {عليكم ما حملتم}، ولو كان ماضيا لقال: عليهم ما حملوا. ومعنى: " ~~عليكم ما حملتم " أي عليكم ما أمركم به الرسول. وعليه ما حمل أي ما كلف من ~~التبليغ. # ثم قال: {وإن تطيعوه تهتدوا}، أي: إن تطيعوا الرسول فيما أمركم به، ~~ونهاكم عنه: تهتدوا أي ترشدوا وتصيبوا الحق {وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين}، أي: ليس على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالات ~~الله بلاغا بينا، ويفهمهم ما أراد الله منهم فيما أرسله به إليهم. PageV08P5140 # قوله تعالى ذكره: {وعد الله الذين آمنوا منكم}. # أي وعد الله المؤمنين منك أيها الناس، وعملوا الأعمال الصالحات ~~{ليستخلفنهم في الأرض} قيل: أرض المشركين بعد النبي. فأخبر الله نبيه ووعده ~~أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ~~ما وعد به، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر ~~بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فلا يكون ذلك إلا ~~عن وحي من الله إليه بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ~~ويخطئ، ويصيب بعضا ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه PageV08P5141 # شيء، والمتخرص يقع خبره كذبا في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، ~~وأخطأ في بعض، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتنع منه شيء ms1775 علمنا أنه بوحى، والوحي لا يكون ~~إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه ~~السلام. لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده. وفيها دلالة على خلافة أبي ~~بكر، وعمر، وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعلى أمانتهم، لأنه لم يستخلف بعد ~~رسول الله أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم. لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " وهذا موافق ~~للآية # ومعنى: {كما استخلف الذين من قبلهم}، عني به بنو إسرائيل إذ أهلك PageV08P5142 # الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن الله هو الذي ~~استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا يعبدون الله ~~تعالى لا يشركون به شيئا. # ثم قال تعالى: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم}، أي: ليوطنن لهم دينهم ~~وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، وإنما جاء {ليستخلفنهم} في جواب ~~{وعد} لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم. # ثم قال: {يعبدونني}، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في عبادتهم في ~~الأوثان والأصنام، و " يعبدون ": حال أي وعدهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون ~~مستأنفا على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي عليه السلام شكى إليه ~~ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما يلقون من الأذى / ~~فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، وملكهم ما وعدهم ~~وأظهرهم على عدوهم. PageV08P5143 # قال أبو العالية: مكث النبي عليه السلام عشر سنين خائفا، يدعو إلى الله ~~سرا وجهرا ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون في ~~السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا ~~السلاح. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة معناها: لا تغبرون إلا يسيرا، حتى ~~يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبيا ليس بيده حديدة، فأنزل الله هذه ~~الآية. # وقوله: {ومن كفر بعد ذلك}، أي: من كفر بالنعمة لا بالله قاله: أبو ~~العالية. # قال تعالى: {وأقيموا الصلاة}، ms1776 أي: بحدودها {وآتوا الزكاة}، يعني التي فرض ~~الله {وأطيعوا الرسول}، يعني فيما أمر به ونهى عنه PageV08P5144 # {لعلكم ترحمون}، أي: لعل ربكم يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله ~~بفضله. # قال تعالى: {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض}، من قرأه بالياء ~~فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. والتقدير لا يحسبن الكفار ~~أنفسهم معجزين. # وقال علي بن سليمان: {الذين كفروا}، في موضع نصب. # والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا ~~يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، ~~والنبي عليه السلام هو المخاطب، وهو الفاعل، و {الذين كفروا}، في موضع نصب. ~~و {معجزين}، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا محمد الذين كفروا PageV08P5145 # معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على الأرض. ثم ابتدأ ~~بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: {ومأواهم النار}. # قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد ~~هلاكهم. {ولبئس المصير} أي: بئس الذي يصيرون إليه. # قال: {يا أيها الذينءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم}. # قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} [النور: 59]، يعني البالغين، ~~أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل حال، كما استأذن البالغون في كل ~~وقت، يعني من الرجال خاصة. # وقيل: عني به من ملكته من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه الثلاثة ~~الأوقات إلا بإذن. # وقوله: {والذين لم يبلغوا الحلم منكم}، يعني من لم يحتلم من الأحرار. PageV08P5146 # ثم قال: {ثلاث مرات}، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث أوقات. ثم ~~بين الثلاث أوقات متى هن فقال: {من قبل صلاة الفجر}، إلى قوله: {صلاة ~~العشآء}، ولو حمل الكلام على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث ~~مرات، وليس الأمر كذلك إنما هو إذن واحد. # قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان ~~القوم ليس لهم ستور ولا حجال، ms1777 فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، ~~وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات ~~الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، ~~فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعنه أنه قال: الآية ~~محكمة، PageV08P5147 # والعمل بها لازم، ولكن الناس لا يعملون بها. # وقيل: إنما أمروا بالاستئذان لأنها أوقات يتجرد فيها من الثياب، وتنكشف ~~العورات، ودلت الآية على أن البالغين من ذوي المحارم عليهم الاستئذان في ~~هذه الأوقات، وفي غيرها، وهؤلاء المذكورون في الآية إنما يستأذنون في هذه ~~الأوقات خاصة. # وقال ابن المسيب: هي منسوخة: لا يعمل بها اليوم. يعني أن الأبواب قد ~~صنعت، والستور قد منعت من دخول هؤلاء وغيرهم على الإنسان، ودل على ذلك ما ~~قال ابن عباس. # قال ابن عباس: جاء الله باليسر، وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، ~~فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به. فكأنها على هذا القول ~~ندب. # ثم قال: {ثلاث عورات لكم}، من نصب ثلاث رده على ثلاث مرات. PageV08P5148 # وقيل: هو ظرف / والتقدير أوقات ثلاث عورات، والرفع على الابتداء وما بعده ~~الخبر، والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، والخلوة سميت عورة لكون ~~ظهور العورة فيها، كما قالوا: ليلك نائم: لكون النوم فيه. # وقيل: التقدير: ثلاث أوقات ظهور عورات. # ثم قال: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن}، أي: ليس عليكم معشر أهل ~~البيوت ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء، والذين لم يبلغوا ~~الحلم من أولادكم الصغار إثم في الدخول عليكم بغير استئذان بعد الأوقات. # وهذا يدل على أن على الموالي من الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه ~~الأوقات، مثل ما على العبيد. لقوله تعالى: {ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن}، أي: بعد هذه الأوقات في الدخول حرج. ويدل عليه أيضا قوله: {طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض}، أي: يطوفون عليهم، كما يطوفون عليكم في هذه الأوقات، ~~فعليكم من الاستئذان مثل ما عليهم. لكن خص الله الموالي بالخطاب ms1778 والذكر، ~~لأنهم هم الذين عرفت لهم الخدمة من عبيدهم. # ثم قال تعالى: {طوافون عليكم}، أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار: ~~طوافون عليكم: أي يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة ~~وعشية بغير إذن. # وقوله: {بعضكم على بعض}، أي: يطوف بعضكم على بعض في سوى هذه PageV08P5149 # الأوقات الثلاثة. # ثم قال: {كذلك يبين الله لكم الأيات}، أي: كما بين لكم أوقات الاستئذان ~~كذلك يبين لكم جميع أعلامه، وأدلته {والله عليم}، أي: ذو علم بمصالح عباده، ~~حكيم في تدبيره إياهم. # ثم قال: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا}، أي: إذا بلغ الأطفال ~~من أولادكم وأقربائكم الحلم فليستأذنوا أي إذا أرادوا الدخول عليكم في كل ~~الأوقات. # {كما استأذن الذين من قبلهم} يعني البالغين. # وقيل: يعني الكبار من ولد الرجل وأقربائه الأحرار. # قال ابن عباس: أما من بلغ الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله، إلا بإذن ~~على كل حال. وهو معنى الآية {وإذا بلغ}. # وقال عطاء: واجب على الناس كلهم إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا على من كان ~~من الناس. # وقال الزهري وابن المسيب: يستأذن الرجل على أمه. # ثم قال: {كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم} معناه كالأول. PageV08P5150 # قوله: {ثلاث مرات} قال يعقوب: هو تمام. وقال غيره: التمام العشاء. لأن ما ~~بعد مرات تبيين لها، فأما من قرأ {ثلاث عورات}، بالنصب فلا يكون الوقت على ~~قوله إلا ثلاث عورات لكم، (وبعدهن) تمام. # قوله تعالى: {والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون نكاحا}. # أي: واللواتي قعدن من النساء عن التزويج وعن الولد من الكبر، ولا يرجون ~~نكاحا، ولا يرغب في نكاح مثلهن، فلا إثم عليهن، أن يضعن القناع الذي يكون ~~فوق الخمار، والرداء عند أولي المحارم من الرجال غير متبرجات بزينة. خفف ~~الله تعالى عنهن في وضع ثيابهن، إذ لا يرغب في النظر إليهن الرجال، ولا في ~~نكاحهن، والنظر إلى شعورهن وما هو عورة منهن، لا يجوز لأحد فعله بمثل ~~الشابة. # وإنما خفف الله تعالى ذلك عنها ولم يبح للرجال النظر إلى شيء من ms1779 PageV08P5151 # عوراتهن من شعر وغيره، وإن كن لا يرغب في نكاحهن. واحدتهن قاعد بغير هاء ~~وحذفت الهاء عند البصريين على النسبة. # وقال الكوفيون: لما كان لا يقع إلا لمؤنث حذفت الهاء. # وقيل: حذفت منه الهاء ليفرق بينه وبين القاعدة التي هي الجالسة. # وقوله تعالى: {وأن يستعففن}، أي: ألا يضعن ذلك خير لهن. # وقال مجاهد: معناه: أن يلبسن جلابيبهن فلا يضعنه خير لهن: # {والله سميع}، أي: يسمع ما تنطق ألسنتهم عليم بما تضمره صدورهم. # قال: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج}، ~~الآية. # هذه الآية نزلت ترخيصا للمسلمين أن يأكلوا مع العميان والعرج / PageV08P5152 # والمرضى، وأن يأكلوا في بيوت غيرهم، وعلى بمعنى " في " وذلك أنهم تحرجوا ~~من ذلك لما نزلت {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}، قاله ابن عباس. # وقال الضحاك: كان أهل المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم ~~في طعامهم أعمى، ولا أعرج، ولا مريض على طريق التقزز. # وقيل: على طريق التحرج. لأن المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، ~~والأعرج المحتبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب ~~الطعام، فأنزل الله تعالى إباحة ذلك في هذه الآية. # وقيل: نزلت ترخيصا لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في PageV08P5153 # هذه الآية. لأن قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا لم يكن ~~عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من ~~سمى الله، وكان أهل الزمانة يتحرجون أن يطعموا ذلك الطعام، قال ذلك مجاهد. ~~وقيل: نزلت ترخيصا لأهل الزمانة أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في بيوته من ~~الغزاة. وكان الغزاة يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللنا لكم ~~أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك. قاله الزهري. # وقيل: بل عني بذلك الجهاد، أي لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد. ثم ~~ابتدأ كلاما آخر فقال: {ولا على أنفسكم}، قاله ابن زيد. # وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ms1780 حتى ~~تستأنسوا} [النور: 27]، PageV08P5154 # فإذا فرض عليهم ألا يدخلوا حتى يستأذنوا، فالدخول والأكل آكد ألا يفعل ~~إلا بعد إذن، ولا يأكل حتى يدخل، وقد فرض عليه ألا يدخل إذا لم يجد فيها ~~أحدا، فالأكل ممتنع لامتناع الدخول فهو ناسخ له. # قال ابن زيد في قوله تعالى: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا}، الآية. هذا شيء ~~قد انقطع ونسخ؛ إنما كان هذا في أول الإسلام، ولم تكن لهم أبواب، وكانت ~~الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت ولا أحد فيه، وهو جائع فيجد طعاما ~~فسوغه الله أن يأكله، وقد ذهب ذلك، اليوم البيوت فيها أهلها وإذا خرجوا ~~أغلقوها ولا يحل لأحد أن يفتح باب أحد، فليأكل متاعه بإجماع. وأكثر أهل ~~النظر على أن الآية منسوخة بقوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ~~[البقرة: 188]، وبقوله: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: ~~53] PageV08P5155 # وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه ~~". # وقيل: نزلت ترخيصا لمن كان يتقي مؤاكلة الزمنى. # فالآية على قول ابن زيد: منسوخة، وهي ناسخة لتحرجهم عن الأكل مع الزمنى ~~على قول ابن عباس المتقدم، وهو قول جماعة من أهل العلم. # وقوله {أو ما ملكتم مفاتحه}، يعني وكيل الرجل وقيمه في ضيعته أنه لا بأس ~~أن يأكل من الثمر ونحوه. قال ابن عباس. # قال أبو عبيد: هذا كله إنما هو بعد الإذن لأن الناس توقفوا أن يأكلوا PageV08P5156 # لأحد شيئا بإذن أو بغير إذن لما نزلت: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل} [البقرة: 188]. # وقيل: عني به منزل الرجل نفسه. أنه لا بأس عليه أن يأكل منه. # وقال مجاهد: يعني خزائن الرجل ومتاعه. # وقرأ قتادة: {مفاتحه} وهي لغة، ومفتح أكثر من مفتاح والمفتح: الخزانة. # وقرأ ابن جبير: {أو ما ملكتم مفاتحه}، على من لم يسم فاعله، ومعنى {ولا ~~على أنفسكم}، ولا عليكم أيها الناس. ولما اجتمع مخاطب وغير مخاطب غلب ~~المخاطب. فقوله {أن تأكلوا من بيوتكم}، وما بعده من المخاطبة، يراد به جميع ~~من ذكر من الأعمى، والأعرج، والمريض، ms1781 وأصحاب البيوت. PageV08P5157 # وقوله: {أو صديقكم}، قال قتادة: فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره لم ~~يكن بذلك بأس. # وقوله: {أو بيوتءابآئكم}، وما بعده، ولم يذكر بيوت الأبناء يدل على أن ~~بيت الابن داخل في بيت الرجل، فهو داخل في قوله: {أن تأكلوا من بيوتكم}، ~~فبيت ابن الرجل مثل بيته، ذلك على صحة قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت ~~ومالك لأبيك ". # فمال ابن الرجل كمال الرجل، إلا ما أحكمته السنة في غير المأكول في بيت ~~الإبن، وهذه الآية تدل على أن / للرجل أن يأكل من بيت ابنه بغير إذنه، كما ~~يأكل من بيته نفسه، لأن له أن يأخذ ماله ويستحل كسبه، وهو غني عن ذلك، فإن ~~كان الأب فقيرا، فليس له على الابن إلا ما أحكمته السنة من النفقة ~~بالمعروف. # ثم قال: {ليس عليكم جناح}، أي إثم وحرج أن تأكلوا جميعا أي مع الفقراء PageV08P5158 # والزمنى {أو أشتاتا} أي متفرقين، وأشتاتا نصب على الحال، وكذلك جميعا. # قال ابن عباس: كان الرجل الغني يدخل على الفقير، من ذوي قرابته وصداقته ~~فيدعوه إلى الطعام، فيتحرج أن يأكل معه، لأنه فقير، فأمروا أن يأكلوا جميعا ~~أو أشتاتا. # وقيل: عني بذلك حي من العرب، كان لا يأكل أحدهم شيئا وحده، ولا يأكل إلا ~~مع غيره، فأذن الله أن يأكل من شاء منهم وحده، ومن شاء مع غيره. # وعن ابن عباس أيضا قال: كانوا يأنفون أن يأكل الرجل وحده حتى يكون معه ~~غيره، فرخص الله لهم في ذلك. # وقال ابن جريج: كانت بنو كنانة يستحي الرجل منهم أن يأكل وحده، PageV08P5159 # حتى نزلت الآية. # وقال الضحاك: كانوا لا يأكلون متفرقين دينا لهم فأنزل الله إباحة ذلك. # وقيل: عني به قوم من الأنصار. كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ذيف إلا مع ~~ضيفهم فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا. روي في ذلك عن أبي صالح وعكرمة. # وروى مطرف عن مالك عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أنه كان يقول في هذه ~~الآية: إنها نزلت في ناس ms1782 كانوا إذا خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مغازيه وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى، والأعرج، والمريض، وعند ~~أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم، إذا احتاجوا إلى ذلك، ~~فكانوا يتقون أن يأكلوا منها، ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم طيبة بذلك، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية أباح لهم الأكل منها. PageV08P5160 # وقوله: {من بيوتكم أو بيوتءابآئكم}، ولم يذكر الأبناء، يدل على أن بيت ~~الابن بيت الأب مع قول النبي صلى الله عليه وسلم " أنت ومالك لأبيك "، ولما ~~كانت بيوت الأب لا يملكها الابن قال: {أو بيوتءابآئكم}، لو كان يملكها ~~لكانت كبيته وبيت أبيه. # وقوله عن أم مريم: {إني نذرت لك ما في بطني محررا} [آل عمران: 35] يدل ~~على أن الرجل يملك أمر ابنه وماله حتى يبلغ، إذ لم تنذر أم مريم إلا فيما ~~تملك، فإذا بلغ الولد فعل بنفسه ما شاء بالإجماع على ذلك. # ثم قال تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم}، أي يسلم بعضكم على ~~بعض، أي سلموا على أهليكم وعيالكم. PageV08P5161 # قال عمرو بن دينار: فإن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة ~~الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ~~ورحمة الله. # وقال ابن عباس: يقول إذا لم يكن في البيت أحد: السلام علينا من ربنا. # وعن ابن عباس أنه: عني به المساجد تسلم إذا دخلت فإن لم يكن فيها أحد ~~قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله، وإذا ~~لم يكن في البيت أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # وقال الحسن معناه: إذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين فليسلم بعضكم PageV08P5162 # على بعض. # وقيل معناه: إذا دخلتم بيوتا لا أحد فيها: فسلموا على أنفسكم. # وقوله: {تحية من عند الله}، أي ليحيي بعضكم بعضا، والتحية البركة، ويكون ~~في غير هذا الملك نعتت بطيبة لأن سامعها يستطيب سماعها. # ثم قال تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات}، ms1783 أي هكذا يفضل لكم معالم ~~دينكم، لعلكم تعقلون عنه أمره، ونهيه، وأدبه. # قوله تعالى ذكره: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله}. # أي إنما المؤمنون حق الإيمان: الذين صدقوا الله ورسوله وإذا كانوا مع ~~رسوله على أمر يجتمع إليه الجميع من حرب، أو صلاة، أو تشاور في رأي / يعم ~~نفعه لم يذهبوا عنه حتى يستأذنوه. # ثم قال: {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} أي إن ~~الذين PageV08P5163 # يستأذنونك يا محمد في الانصراف، ولا يمضون عنك بغير رأيك أولئك هم ~~المؤمنون بالله ورسوله حقا. # ثم قال تعالى لنبيه: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} أي: لبعض حاجاتهم {فأذن ~~لمن شئت منهم}، في الانصراف عنك {واستغفر لهم الله}، أي: وادع لهم الله أن ~~يتفضل عليهم بالمغفرة، إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم أن ~~يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. # وقيل: المعنى: واستغفر لهم الله لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرا. # ويروى: أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: استأذن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ثم قال: " يا أبا حفص لا تنسنا في ~~صالح دعائك "، فأمر الله نبيه بالإذن لمن استأذنه، وأمره، يستغفر لهم، ودل ~~قوله: PageV08P5164 # {أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله}، على أن العمل بأوامر الله هو من ~~الإيمان، فالعمل بالاستئذان الذي أمرهم به من الإيمان. # قال تعالى يخاطب المؤمنين: {لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا}، أي: اتقوا دعاء الرسول عليكم إن مضيتم بغير أمره، فتهلكوا ولا ~~تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فإن دعاءه مجاب. قال ابن عباس. # وقال مجاهد: أمروا أن يدعوا الرسول بلين وتواضع، ولا يدعوه بغلظ وجفاء، ~~كما يخاطب بعضكم بعضا. وهذا مثل قوله: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ~~ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم} [الحجرات: 2]. PageV08P5165 # وقال قتادة: أمروا أن يفخموه ويشرفوه، وقول ابن عباس: أليق بما تقدم قبله ~~من المعنى. # ثم قال تعالى: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا}، الآية، هذه ~~الآية نزلت في حفر ms1784 الخندق حول المدينة، وذلك أن اليهود سعت في البلاد على ~~حرب النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت قريش وقائدها أبو سفيان، وأتت PageV08P5166 # غطفان من قيس وقائدها عيينة بم حصن، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ضرب الخندق على المدينة، وذلك في شوال من سنة خمس من الهجرة فعمل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق بيده، وعمل معه المسلمون، وتخلف عن ~~العمل رجال من المنافقين، وجعلوا يعتذرون بالضعف ويتسللون إلى أهليهم بغير ~~إذن من رسول الله وجعل المؤمنون يستأذنون النبي عليه السلام غذا عرضت لهم ~~حاجة، فأنزل الله هذه الآية في ذلك. # قال الضحاك: كان يستتر بعضهم ببعض فيقومون. ولواذا مصدر لاوذ ويجوز أن ~~يكون في موضع الحال، أي متلاوذين أي مخالفين، يلوذ بعضهم ببعض، فيستتر به ~~لئلا يرى عند انصرافه. # قال مجاهد: لواذا خلافا. ولم يعتل لواذا، كما اعتل قياما، لأن الواو صحت ~~في PageV08P5167 # الفعل، فقيل لاوذ يلاوذ فصحت في المصدر واعتلت في الفعل من قيام، فقيل: ~~قام يقوم فوجب أن يعتل في المصدر، فقيل: من أجل ذلك قياما فما عرفه. # ثم قال: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة}، أي ليحذر من ~~يخالف أمر النبي عليه السلام أن تصيبه فتنة وهي: أن يطبع على قلبه فلا ~~يؤمن، أي يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه. # قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال: اللواذ: الروغان، ثم قال: {أو يصيبهم عذاب أليم}، أي في الدنيا ~~على صنعهم ذلك. # وقال أبو عبيدة: " عن " هنا زائدة. وذلك بعيد، على مذهب سيبويه، وغيره ~~لأن " عن " و " على " لا تزادان. ومعناه يخالفون بعدما أمرهم النبي عليه ~~السلام. # وقال الطبري: المعنى: فليحذر الذين يولون عن أمره، ويدبرون عنه PageV08P5168 # معرضين. # قال: {ألا إن لله ما في السماوات والأرض}، أي ملك ما فيها، فلاينبغي ~~لخلوق مملوك أن يخالف أمر مالكه، وخالقه فيستوجب عقوبته. # / {قد يعلم مآ أنتم عليه} من الطاعة والمعصية والمعنى: قد علم ذلك، ~~فيجازيكم ms1785 على ذلك. # ثم قال تعالى: {ويوم يرجعون إليه}، أي يرجع الذين يخالفون عن أمر الله ~~{فينبئهم بما عملوا}، أي يخبرهم بأعمالهم السيئة ويجازيهم عليها. {والله ~~بكل شيء عليم}. # أي ذو علم بكل شيء، من عملكم وغيره، وعمل غيركم لا يخفى عليه شيء من ذلك ~~فهو يجازي كلا بعمله يوم الرجوع إليه وهو يوم القيامة. PageV08P5169 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفرقان مكية # وقال الضحاك: هي مدنية - وفيها آيتان مكيتان أو ثلاثة. # قوله: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) [68] الآيتان، وقيل إلى قوله ~~(كراما) [72]. # قوله تعالى ذكره: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [1]، إلى قوله (رجلا ~~مسحورا) [8]. # قال ابن عباس تبارك من البركة. # وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. PageV08P5171 # وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. # وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. # وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. # وقيل: معناه: دام بقاء {الذي نزل الفرقان على عبده}، وثبتت نعمه على ~~عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. # وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك ~~أي: ألخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. # والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. # وقوله {ليكون للعالمين نذيرا}، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع ~~الجن والإنس. PageV08P5172 # {نذيرا}، أي: منذرا لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو القرآن. # وقوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] يدل على أنه: محمد صلى ~~الله عليه وسلم ومثله {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] وأنذركم بالوحي ~~ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. # قال: {الذي له ملك السماوات والأرض}، أي: سلطان ذلك كله وملكه. {ولم يتخذ ~~ولدا}، هذا رد على من أضاف إليه الولد. # ثم قال: {ولم يكن له شريك في الملك}، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله ~~غيره، ورد على قول العرب فب ms1786 التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ~~تملكه PageV08P5173 # وما ملك). # ثم قال: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}، أي: اخترعه {فقدره تقديرا}، أي: ~~هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. # وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدر له ما يصلحه ويهيئه. # قال: {واتخذوا من دونه آلهة}، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون ~~الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهي من فعلهم وعبادتهم ما لايخلق شيئا وهو ~~يخلق، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب ~~نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. # وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو PageV08P5174 # مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. # قال: {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه}،: أي: قال هؤلاء ~~المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه {وأعانه ~~عليه قوم آخرون}، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمدا صلى الله عليه وسلم. ما ~~يأتي به من القرآن قاله مجاهد. # وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم {قوم آخرون}، يسارا أبا فكيهة مولى ~~الحضرمي وعداسا وجبرا. # ثم قال: {فقد جآءوا ظلما وزورا}، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به ~~محمد صلى الله عليه وسلم إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ ~~وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء ~~هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب محسن. PageV08P5175 # قال تعالى: {وقالوا أساطير الأولين}، أي: قال أيضا هؤلاء المشركون: الذي ~~جاء به / محمد صلى الله عليه وسلم: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما ~~سطروا في كتبهم، {اكتتبها}، محمد {فهي تملى عليه}، أي تقرأ عليه {بكرة ~~وأصيلا}، أي: غدوة وعشيا. # ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. # قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك ms1787 فارس، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا جلس مجلسا PageV08P5176 # فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه ~~في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا ~~فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن ~~حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها {أساطير ~~الأولين}، ففيه نزل. # وقال ابن جريج {أساطير الأولين}، أشعارهم وكهانتهم. # وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. # وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على ~~هذا القول. # قال تعالى: {قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض}، أي: قل يا ~~محمد PageV08P5177 # لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سرا من السماوات والارض، ولا يخفى ~~عليه شيء. # قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. # {إنه كان غفورا رحيما}، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. # قال: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق}. # أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: {لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا}، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه {أو يلقى ~~إليه كنز}، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض {أو تكون له جنة يأكل منها}،. ~~أي يحدث الله له جنة يأكل منها. # قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها ~~لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ~~ذكر PageV08P5178 # الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، ~~وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، ~~فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ~~ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ما أنا بفاعل ~~ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. # ثم قال تعالى ذكره {وقال ms1788 الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} أي: قال ~~ذلك بعضهم لبعض. # وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سحر، والسحر: الرئة أي: PageV08P5179 # وما تتبعون إلا رجلا مخلوقا مثلكم من بني آدم. # قوله تعالى ذكره: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال}. # أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، ~~فضلوا بذلك عن قصد السبيل {فلا يستطيعون سبيلا}، أي: لا يجدون طريقا إلى ~~الحق الذي بعثتك به. قال ابن عباس. # وقال مجاهد: لا يجدون مخرجا يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: ~~إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ~~فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. # قال {تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك}، أي: خيرا مما قال المشركون ~~لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. PageV08P5180 # وقال ابن عباس: خيرا من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ~~ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: {جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك ~~قصورا}، قال خيثمة: " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن يعطوك خيرا ~~من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك ~~يناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. # فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة "، فأنزل الله تبارك وتعالى: {تبارك الذي إن ~~شآء جعل لك / خيرا من ذلك} الآية. # قال: مجاهد: قصورا بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة ~~قصرا كائنا ما كان. # قال تعالى: {بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا}، أي: ما ~~فعل PageV08P5181 # هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، ~~والنشر والقيامة. # ثم قال تعالى ذكره: {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا}، أي: نارا تسعر ~~عليهم وتتقد. {إذا رأتهم من مكان بعيد}، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان ~~بعيد. {سمعوا لها تغيظا وزفيرا}، أي: غليانا وفوارا. # يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره ms1789 من الغضب عليه. ~~وزفيرا: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. # وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظا وزفيرا. # وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم ~~الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلها ~~آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل PageV08P5182 # الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أن ~~لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالا وما كنا أمراء ~~فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب ~~على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ~~ابتليت) فيحاسبون. # وقوله: {إذا رأتهم}، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن ~~التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: # إن تميما خلقت ملوما ... فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم ~~فقال: (ملوما) ثم رجع إلى الجماعة فقال: # قوما ترى واحدهم صهميما. ... والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. PageV08P5183 # قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، ~~فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن ~~الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: ~~أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى ~~الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. # وقيل: معنى {إذا رأتهم من مكان بعيد}، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ~~{سمعوا لها تغيظا وزفيرا}، حرصا على عذابهم رغضبا لله عليهم، فأخبر عن ~~النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى {وكأين من ~~قرية أمليت لها} [الحج: 48]، يريد أهل القرية، وكما قال {وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} [محمد: 13]، يريد أهل القرية بدلالة قوله ~~بعد ذلك {أهلكناهم فلا ناصر لهم} [محمد: 13] فرجع الخبر عن أهل القرية. PageV08P5184 # قال تعالى: {وإذآ ألقوا منها ms1790 مكانا ضيقا مقرنين}، أي: وإذا ألقي هؤلاء ~~المكذبون بالله من النار مكانا ضيقا، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في ~~الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. {دعوا هنالك ثبورا}، أي: هلاكا، قاله الضحاك. # وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، ~~يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: " والذي نفسي بيده إنهم ~~ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ". # وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قال ابن عمر ~~وغيره. PageV08P5185 # وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول ~~الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما / فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك ~~روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول من يكسى حلة من جهنم إبليس ~~فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، ~~فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا " وفي هذا دليل على طول مقامهم فيها ~~ريأسهم من النجاة. # قال تعالى: {قل أذلك خير أم جنة الخلد}، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين ~~بالساعة أذلك خير، " وذا " إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، PageV08P5186 # {أم جنة الخلد}، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. {التي وعد المتقون} أي: ~~وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه {كانت لهم جزآء}، أي: جزاء لأعمالهم ~~في الدنيا {ومصيرا}، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين ~~الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد ~~دخلا في باب المنازل في صنف واحد. # حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا ~~يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. # وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن " خيرا " ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه ~~لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ms1791 PageV08P5187 # فشركما لخيركما الفداء. # وقيل: المعنى: {أذلك خير أم جنة الخلد}، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن ~~قوله: {أذلك خير}، مردود إلى قوله: {أنزل إليه ملك} [الفرقان: 7]، وما ~~قالوا بعده. # وقيل: هو مردود إلى قوله {إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ويجعل لك قصورا} [الفرقان: 10]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ~~{أذلك خير أم جنة الخلد}، فهذا يدل على أن قوله: {إن شآء جعل لك خيرا من ~~ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} [الفرقان: 10] يعني به في ~~الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ~~ينقضي نعيمها. # قال تعالى: {لهم فيها ما يشآءون}، أي: في الجنة {خالدين} أي: مقيمين فيها ~~أبدا. # {كان على ربك وعدا مسئولا}، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في ~~الآخرة وعدا وعدهم على طاعتهم غياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين PageV08P5188 # سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} [آل ~~عمران: 194] فقال الله تعالى: {كان على ربك وعدا مسئولا}، قاله ابن عباس ~~وابن زيد. # وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو ~~قول الملائكة {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} [غافر: 8]. # وقيل معناه: وعدا واجبا، والعرب تقول: لا أعطينك ألفا وعدا. {مسئولا}، ~~أي: واجبا أي: هو واجب لك فاسأله. # قال تعالى: {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله}، أي: واذكر يا محمد يوم ~~نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. {وما يعبدون من دون الله}، من الملائكة ~~والانس والجن. PageV08P5189 # قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: {أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء}، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. {أم ~~هم ضلوا السبيل}، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. # وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك. # قوله تعالى ذكره: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من ~~أوليآء}، # أي قال عيسى صلى الله عليه وسلم وعزيرا، الملائكة تنزيها ms1792 لك يا ربنا ~~وبراءة مما PageV08P5190 # أضاف إليك هؤلاء المشركون. # {ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء} بل أنت ولينا من دونهم. ~~{ولكن متعتهم} بالمال في الدنيا والصحة {حتى نسوا الذكر} أي: ذكرك. {وكانوا ~~قوما بورا} أي: هلكى. # قيل: إن أعمارهم طالت بعد موت الرسل فنسوا وهلكوا. # قال الحسن: البور الذي ليس فيه خير، وكذلك قال: ابن زيد، والعرب تقول لما ~~فسد وهلك أو كسد: بائر ومنه بارت السوق / " ومن في {من أوليآء} زائدة، زيدت ~~للتوكيد بعد النفي، وأولياء في موضع نصب يتخذه، والمعنى: ما كان ينبغي لنا ~~نتخذ من دونك أولياء، فكيف يتخذها أحد أولياء من دونك، PageV08P5191 # وكيف نرضى بذلك، نحن لا نرضى بذلك لأنفسنا، فكيف نرضاه لغيرنا، ووقع هذا ~~الجواب على المعنى لا على اللفظ، لأنه ليس بجواب لقوله {أأنتم أضللتم عبادي ~~هؤلاء} ولكن حمل الجواب على المعنى لأن من عبد شيء فقد تولاه، ومن تولى ~~شيئا فالمتولي ولي للمتولي، فكلاهما ولي للآخر، فلذلك قالوا: {ما كان ينبغي ~~لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء} فجاء الجواب على المعنى هذا يسمى التدريج ~~عند بعض أهل النظر، ومثله قوله: {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} [سبأ: 40] ~~فأتى الجواب على المعنى، فقالوا: {سبحانك} [سبأ: 41] فكأنه قال: أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون، اتخذوكم أولياء يعبدونكم فقالوا: {أنت ولينا من دونهم} ~~وكذلك قوله {أأنتم أضللتم عبادي} معناه: أنتم اتخذتم عبادي أولياء فضلوا. ~~فقالوا: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء}. وقرأ ~~الحسن وأبو جعفر {أن نتخذ من دونك من أوليآء} بضم النون وفتح الخاء. # قال أبو عمرو: لو كانت نتخذ لحذفت " من " الثانية: فقلت أن نتخذ من PageV08P5192 # دونك أولياء. وأجازه الفراء والكسائي: على بعد وقبح، وذلك لا يجوز عند ~~البصريين لأن أولياء ليس بمفعول على هذه القراءة واحد في معنى الجمع وإنما ~~تدخل " من " على الواحد الذي في معنى الجماعة، ألا ترى أنك تقول، ما رأيت ~~رجلا، فإن أردت النفي العام قلت: ما رأيت من رجل، وليس {أوليآء} ms1793 في قراءة ~~من ضم النون واحدا في معنى جماعة، ألا ترى أنك لو قلت: ما اتخذت أحدا وليا ~~لي جاز أن تقول ما اتخذت من أحد وليا، لأن أحدا في معنى الجماعة، أحدا من ~~ولي لم يجز إذ ليس ولي في معنى الجماعة، فكذلك القراءة بضم النون، تقبح مع ~~ثبات " من " قبل أولياء فافهمه. # ويتمكن على هذه القراءة عند من جوزها أن يكون المحشورون المسؤولون هم: ~~الأصنام والأوثان، يحييها الله فتقول ذلك. ثم قال PageV08P5193 # تعالى: {فقد كذبوكم بما تقولون} أي: فقد كذبكم أيها الكافرون، من زعمتم ~~أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم. " بما تقولون "، أي: بقولكم فمعناه كذبوكم ~~بكذبكم. # وقال ابن زيد معناه، فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله أي: بما تقولون من الحق. # قال: أبو عبيد تقديره فقد كذبوكم فيما يقولون. هذا كله على قراءة من قرأ ~~بالتاء، فأما من قرأ بالياء فمعناه: فقد كذبوكم بقولهم: {سبحانك ما كان ~~ينبغي لنآ} الآية، {فما تستطيعون صرفا ولا نصرا}. # قال: ابن جريج: معناه: صرف العذاب عنهم ولا ينتصرون. PageV08P5194 # وقيل: المعنى: فما يستطيعون لك يا محمد صرفا عن الحق ولا نصرا لأنفسهم ~~مما هم فيه من البلاء. # وقيل: معناه: فريضة ولا نافلة. # قال ابن زيد: ينادي مناد يوم القيامة: مالكم لا تناصرون، أي: من عبد من ~~دون الله لم ينصر اليوم من عبده. # ثم قال تعالى: {ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا} أي: من يشرك بالله فقد ~~ظلم نفسه بذلك. # قال الحسن وابن جريج: الظلم هنا: الشرك # قال تعالى: {ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام}، ~~الآية: رد على المشركين الذين قالوا: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق} أي: لقد علموا يا محمد أنه ما أرسل من قبلك من رسول إلا أنه ليأكل ~~الطعام لأنه بشر من بني آدم، ويمشي في الأسواق فليس عليك في ذلك لا نقص ولا ~~حجة. PageV08P5195 # ثم قال تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة}، أي: ms1794 بلاء واختبارا، اختبرنا ~~بعضكم لبعض، فجعلنا هذا نبيا، وهذا ملكا، وهذا فقيرا، وهذا غنيا. # قال الحسن: في معنى الآية، يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا ~~مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان. # وقال ابن جريج: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا فيقول: لم / يعطين مثل ما ~~أعطى فلانا، ويبتلى بالوجع كذلك فيقول: لم يجعلني ربي صحيحا مثل فلان في ~~أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع وقيل في معنى الآية، إن ~~الشريف كان يريد أن يسلم فيمنعه من ذلك أن من هو دونه قد أسلم قبله فيقول: ~~أعير بسبقه إياي. وإنه بعض الزمنى والفقراء كان يقول لم أكن غنيا صحيحا ~~فأسلم. ثم PageV08P5196 # قال عز وجل: { أتصبرون}، أي: إن صبرتم فقد علمتم أجر الصابرين. # قال الضاحك: معناه أتصبرون على الحق. # وقيل: معناه: لنعلم أتصبرون، وبه يتم الجواب، لقوله {وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة}. # ثم قال تعالى: {وكان ربك بصيرا}، أي: إن ربكم لبصير بمن يصبر، ويجزع، # قوله تعالى ذكره: {وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة}، # أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا PageV08P5197 # {أو نرى ربنا}، فيخبرنا بذلك. قاله ابن جريج وغيره. # غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يرى في الدنيا فسألوا ما ~~لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا {أرنا الله جهرة} [النساء: 153] ~~وهذا مثل قولهم في سورة " سبحان " {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} ~~[الإسراء: 92] ثم قال جل ذكره: {لقد استكبروا في أنفسهم} أي: تعظموا إذ ~~سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله {ويقولون حجرا محجورا}، أي: تقول ~~الملائكة لهؤلاء المشركين: حراما محراما عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك ~~وقتادة. وأصل الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حجر الكعبة لأنه ~~لا يدخل إليه في الطواف. PageV08P5198 # وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت ms1795 شيئا ~~قالت: حجرا محجورا. فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة. قالوا حجرا ~~محجورا. يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، ~~وذلك لا ينفعهم. وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من ~~الملائكة. # قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي ~~رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه ترة أو طلب، قال: حجرا محجورا: أي: حرام ~~عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجرا ~~محجورا: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ينفعهم. وعن ابن ~~عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا ~~رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم الملائكة: حجرا محجورا أي: ~~حراما محرما عليكم البشرى فيأسون من الخير. PageV08P5199 # ثم قال تعالى: {وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل}، الآية أي: وعمدنا وقصدنا ~~إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ / القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في ~~الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل ~~إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ " قدمنا " معنى التحذير من الاغترار بالإمهال. # وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك ~~أخبر عن نفسه به. # وقوله: {فجعلناه هبآء منثورا}، أي: باطلا لا ينتفعون به. لأنهم للشيطان ~~عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه ~~الناظر غبارا، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظل. ~~هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس وعكرمة والحسن، ومجاهد. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من PageV08P5200 # حطام الشجر، وكذلك قال قتادة. # وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط ~~أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار. # قال تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا}، وإنما أتى أفعل في هذا وقد ~~علم أنه لا خير ms1796 عند أصحاب النار، على معنى أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب ~~النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك خيرا، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما ~~يؤول إليه أمرهم. # وقيل: المعنى: خير مستقرا مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة له: PageV08P5201 # العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول ~~أفضل. # والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفيا للثاني. # كقوله تعالى {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا}، فهذا فيه نفي الخير عن ~~النار وأصحابها، هذا معنى كلامه. # ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من الآخر، ~~إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه " من " أو الذي ~~يضاف إليه " أفعل " بعض ما في الأول. # تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في الأول. # وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير، PageV08P5202 # فيكون التقدير {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا}، أي: لهم خير، فنصب " ~~مستقر " على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأول على البيان. والمقيل ~~المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: وأحسن قرارا في ~~أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن خوطبوا على ما يعقلون. ~~فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في الجنة، ويراد بالمقيل المقام، ~~إذ لا في الجنة يوم للقائلة. # وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من ~~أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ~~{وأحسن مقيلا}،. # قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على PageV08P5203 # ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: {فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا} [الانشقاق: 8]. # وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس ~~يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. # وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى ms1797 قضي بينهم، فقال أهل الجنة في ~~الجنة، وأهل النار في النار. # وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم ~~القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: {أصحاب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا}. # وفي بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن يوم القيامة ~~يقصر على المؤمن PageV08P5204 # يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ ~~من الناس ". # قال تعالى: {ويوم تشقق السمآء بالغمام}، الآية أي: تشقق عن الغمام كما ~~يقال: رميت / بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس بمعنى واحد. # قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل. # وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام} [البقرة: 210]. # وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة. وقال ابن ~~عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس ~~وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء PageV08P5205 # ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من ~~كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل ~~منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل ~~الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين ~~كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة. قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه ~~قط. وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس. # وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من مكان ~~إلى مكان، إنما هو ثفة له تعالى، {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. # وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ~~ينبغي لأحد أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، ~~وعليه أن ms1798 يتذكر قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ويسلم الأمر ~~إليه، ولا يتعدى في صفات الله PageV08P5206 # بالتشبيه، بما يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا ~~إله إلا هو. # قال: {الملك يومئذ الحق للرحمن}، أي: الملك الذي هو حق لا دخل فيه، ~~للرحمن يوم القيامة، إذ الملك الزائل كلا ملك. وأجاز الزجاج، " الحق " ~~بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم يقرأ به أحد. # قوله: {وكان يوما على الكافرين عسيرا}، أي: كان يوم تشقق فيه السماء ~~بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوما ضيقا شديدا صعبا. # قوله تعالى ذكره: {ويوم يعض الظالم على يديه}. # أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما ~~وأسفا على فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول ~~سبيلا، PageV08P5207 # أي: طريقا إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله. والظالم هنا: عقبة ابن ~~أبي معيط و (فلانا) كناية عن (أبي بن خلف). قال ابن عباس: كان أبي بن خلف ~~يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، فالظالم: عقبة، ~~وفلانا: أبي بن خلف. # وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف. فأسلم عقبة، ~~فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا فكفر، فهو الذي قال: {ياويلتى ~~ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} يعني أمية بن خلف. # وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال ~~أحدهما: بلغني أنك أتيت محمدا، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل PageV08P5208 # في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما ~~أبي بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه الآية. # وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلسا فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، ~~فقال، ms1799 إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاما، فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك ~~فقتله، وليس من نفسي، فأما PageV08P5209 # عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فقال: ~~أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك وعتوك، فقال من للصبية؟ فقال: النار، فقام علي ~~/ بن أبي طالب فقتله، وأما أبي بن خلف، فقتله النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن محمدا، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: ~~أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض على يديه هو عقبة. # روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفا على ما فاته من الإسلام، وما ~~فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما ~~أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: {ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} ~~يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان. PageV08P5210 # وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال {ياويلتى ~~ليتني لم أتخذ فلانا خليلا}، فأتى بلفظ فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، ~~فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه ~~بالكفر. ومعنى {لقد أضلني} لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر واتباعي له. # وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان. وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر ~~بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على PageV08P5211 # يديه ويقول: {لقد أضلني عن الذكر} أي: أضلني الشيطان عن الإيمان بالقرآن ~~بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، بعقب الآية. # {وكان الشيطان للإنسان خذولا}، أي: يسلمه لما ينزله به من البلاء ويخذله ~~فلا ينجيه منه. # وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجل ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كذبا منهم وبهتانا. # قال تعالى: {وقال الرسول يارب}، الآية: أي: يقول الرسول يوم يعض الظالم ~~على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: اتخذوه مهجورا. # قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر. PageV08P5212 # وقال ابن ms1800 زيد: مهجورا: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا عنه ~~فلا يسمعونه. # قال تعالى {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا} الآية، أي: وكما جعلنا لك يا محمد ~~أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا، فلم نخصصك بذلك من بينهم، ~~فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين كما جعل لمن قبله. # قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل. # ثم قال: {وكفى بربك هاديا} فمن نصب هاديا على الحال أو على البيان، ~~ومعناه، كفاك ربك هاديا يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، {ونصيرا}، أي: ~~وناصرا على إهدائك. # قال تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك} أي: ~~قال PageV08P5213 # مشركوا قريش: هلا نزل القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة. كما نزلت ~~التوراة والإنجيل. # قال الله تعالى وجل ذكره: {لنثبت به فؤادك}، أي: فرقنا نزوله، لنثبت به ~~فؤادك فلا بد من إضمار فعل إذا وقفت على كذلك. # وقيل، الوقف على " واحدة "، ثم تبتدئ {كذلك لنثبت}. # أي نزل متفرقا لنثبت به فؤادك. # وقيل، إن " ذا " من كذلك: إشارة إلى التوراة. أي: لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على {كذلك}، وتبتدئ {لنثبت به ~~فؤادك}، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا لنثبت، فتضمر ما يتعلق به ~~اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة. ومن ابتدأ بكذلك جعل الكاف في ~~موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلا PageV08P5214 # {كذلك لنثبت به فؤادك}، أي: فرقنا نزوله {لنثبت به فؤادك}، لأنهم سألوا ~~ما الصلاح في غيره، لأن القرآن، كان ينزل متفرقا جوابا عما يسألون عنه، ~~وكان ذلك من علامات النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا ~~يكون إلا من نبي. # فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: {ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33]، فكان في نزوله ~~متفرقا الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها ~~القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه ms1801 من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله ~~جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله متفرقا، ولو نزل جملة لزال معنى ~~التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة ~~افعلوا كذا ولا تفعلوا. PageV08P5215 # قال ابن عباس: / نزل متفرقا على النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه عن ظهر ~~قلب. # وقيل معنى: {لنثبت به فؤادك} لتعيه. لأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم: ~~يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك عليه، فأنزله ~~الله متفرقا شيئا بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على وجهه. # و" ذا " من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقا {كذلك لنثبت ~~به فؤادك}، فالوقف على هذا على {واحدة}،. وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة ~~والإنجيل: قاله الفراء وغيره. فيكون الوقف " كذلك "، وفيه بعد لأنه إشارة ~~إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: ~~{لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله ~~تعالى نزل: {كذلك لنثبت به فؤادك}، أي: نزل متفرقا لنثبت به فؤادك يا محمد. # وقيل: إن " ذا " إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت. PageV08P5216 # ثم قال: {ورتلناه ترتيلا}، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات جوابا لما ~~يسألون عنه، وخبرا ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين نزول أوله ~~وآخره نحو من عشرين سنة. # قال ابن زيد {ورتلناه}، بيناه، وفسرناه. # قوله تعالى ذكره: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق}. # أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك ~~إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يبطل ما جاءوا به. {وأحسن تفسيرا}، ~~أي: أحسن تفصيلا. # قال: {الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم}، أي: الذين يساقون يوم القيامة ~~على وجوههم إلى جهنم شر مستقرا في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، ~~وأضل منهم طريقا في الدنيا. # قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم. PageV08P5217 # وروى أنس: " أن رجلا ms1802 قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: ~~يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على ~~وجهه ". # قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، ~~وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن ~~الذي أمشاهم على أقدامه قادر أن يمشيهم على وجوههم. # وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارها. # قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب}، الآية، اي: آتينا موسى التوراة. ~~كما آتيناك يا محمد القرآن {وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا} أي: معينا وظهيرا PageV08P5218 # {فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني فرعون وقومه {فدمرناهم ~~تدميرا} أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، ~~فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. # وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ~~{فنسيا حوتهما} [الكهف: 61] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة {يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان} [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر ~~في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا ~~المجاز. # والوقف {بآياتنا}، وقرئت {فدمرناهم تدميرا}، على الخبر عن موسى وهارون. ~~وقرئت {فدمرانهم}، على الأمر لموسى وهارون PageV08P5219 # وتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما ~~قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين {تدميرا}. # قال تعالى: {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم}، أي: واذكر قوم نوح. # وقيل: هو معطوف على المفعول في {فدمرناهم} [الفرقان: 36]. # وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. ~~والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل {وجعلناهم ~~للناس آية}. # وقوله: {لما كذبوا الرسل}، قيل: إنهم كذبوا رسلا قبل نوح فلذلك جمع. # وقيل: إن من كذب نبيا، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. PageV08P5220 # ثم قال {وأعتدنا للظالمين}، أي: لهم ولمن هو / مثلهم في الظلم والكفر ~~{عذابا أليما}، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا. # قال: {وعادا ms1803 وثمودا وأصحاب الرس}، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر. # وقيل: ذلك معطوف على الضمير في {جعلناهم}. # وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذابا أليما، وعبنا عادا وثمودا. # وقوله: {وكلا تبرنا تتبيرا}، أي: وتبرنا كلا، أي: أهلكنا كلا وقوله: ~~{وكلا ضربنا له الأمثال}، أي: وذكرنا كلا، ووعظنا كلا {ضربنا له الأمثال}، ~~فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعادا وما بعده معطوف ~~على المفعول في {فدمرناهم}، أي: دمرنا عادا وثمودا PageV08P5221 # وأصحاب الرس. # قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. # وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. # وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. # قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: ~~قتلوه وطرحوه في البئر. # والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. PageV08P5222 # وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أول ~~الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث ~~نبيا إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل ~~القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ~~ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، ~~فيبيعه فيشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك ~~الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما ~~كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع ~~حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سنة فاضطجع فنام، ~~فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه PageV08P5223 # هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ~~ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى ~~القرية فباع حزمتة، ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة ~~فالتمسه فلم ms1804 يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ~~ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب ~~الرس لأنهم آمنوا " # ، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلآ أن يكونوا أحدثوا حدثا بعد ~~نبيهم. # وقوله: {وقرونا بين ذلك كثيرا}، أي: ودمرنا قرونا بين أضعاف هذه الأمم ~~التي ذكرنا. PageV08P5224 # وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعا شعيب، ~~فكفرتا فعذبتا بعذابين. # قال قتادة: القرن سبعون سنة. # وقيل: القرن أربعون سنة. # قوله تعالى ذكره: {ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء}. # أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا على القرية التي أمطرت PageV08P5225 # مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و {مطر السوء}، الحجارة التي أهلكهم ~~الله بها. # وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان ~~أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها ~~بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم ~~من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم. # ثم قال {أفلم يكونوا / يرونها}، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك ~~القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. PageV08P5226 # ثم قال {بل كانوا لا يرجون نشورا}، أي: لم يكذبوا محمدا، لأنهم لم يكونوا ~~يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشورا بعد ~~الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة. # وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على ~~المعاصي. # قال تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا}، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء ~~المشركون ما يتخذونك إلا هزؤا، أي: سخريا يسخرون منك يقولون: {أهذا الذي ~~بعث الله رسولا}، من بين خلقه، احتقارا ms1805 له. {إن كاد ليضلنا}، أي: قد كاد ~~يضلنا {عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}، أي: على عبادتها. # قال الله جل ذكره: {وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} أي: ~~سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب ~~طريق الهدى أنت أم هم. # قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه}، أي: جعل إلهه ما يشتهي، PageV08P5227 # ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلها. كان الرجل من المشركين ~~يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده. ثم قال: {أفأنت ~~تكون عليه وكيلا}، يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أي: أفأنت تجبره على ترك ~~ذلك. # وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظا، في أفعاله مع عظيم جهله. # وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ ~~والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما ~~يلزمك لا غير. # قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون}، أي: يسمعون ما يتلى ~~عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون {إن هم إلا ~~كالأنعام}، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: {بل هم أضل ~~سبيلا}، PageV08P5228 # من البهائم لأن البهائم تهدتي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، ~~لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم. # وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها. # وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كا، وا كأنهم لم يسمعوا ولم ~~يعقلوا. # قال: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل}،. مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس. # وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: {وظل ممدود} ~~[الواقعة: 30] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة PageV08P5229 # والضحاك، وابن زيد. # ثم قال تعالى: {ولو شآء لجعله ساكنا}، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا ~~تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه ~~شمس. # وقال مجاهد: ms1806 لا تيصبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلا كما ~~هو. # وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ~~ومن عليها {ولو شآء لجعله ساكنا}، أي: لأقامه أبدا بمنع طلوع الشمس بعد ~~غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها PageV08P5230 # النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في ~~الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس نقص ~~الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: {ثم قبضناه إلينا قبضا ~~يسيرا}، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيرا بعد يسير، وكذلك ~~زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيرا بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما ~~زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت. # وقوله: {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا}، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند ~~طلوعهما / عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ~~ثم جعلنا الشمس على الظل دليلا. PageV08P5231 # وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت ~~الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت ~~الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك. # وقوله: جل ذكره: {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا}، أي: قبضنا ذلك الدليل من ~~الشمس على الظل إلينا قبضا خفيا سريعا بالشمس الذي يأتي فتنسخه. # قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه. # وقيل: إن الهاء في {قبضناه}، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل ~~إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول ~~الظلمة عليه قبضا خفيا، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلا قليلا. PageV08P5232 # وقال ابن عباس {يسيرا}، سريعا. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل ~~اللين. # وقال مجاهد: يسيرا: خفيا. # قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط. # وقال: {دليلا} والشمس مؤنثة لأنه ms1807 ذهب إلى الضوء. # وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث. # وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحي. # قوله تعالى ذكره: {وهو الذي جعل لكم اليل لباسا}. # أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلا، هو الذي جعل لكم الليل ~~لباسا أي: سترا وجنة تسكنون فيه: فصار سترا تستترون في ظلمته، كما PageV08P5233 # تستترون بالثياب التي تلبسونها. # وقوله: {والنوم سباتا}، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ جوارحكم. # وقوله: {وجعل النهار نشورا}، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر الميت إذا حيي. # قال تعالى: {وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته}، أي: أرسل الرياح ~~الملقحة حياة أمام رحمته، وهي المطر، ثم قال: {وأنزلنا من السمآء مآء ~~طهورا}، الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور ~~يكون طاهرا مطهرا لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا ~~معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن ~~فعله: طهر أو طهر وكلاهما غير PageV08P5234 # متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه ~~مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد ~~تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن ~~يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على ~~مطهريه فاعرفه. # قال: {لنحيي به بلدة ميتا}، إنما جاء ميتا على التذكير لأن البلدة والبلد ~~سواء. # وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان. # ثم قال تعالى: {ونسقيه مما خلقنآ أنعاما}، أي: نسقي هذا الماء الذي ~~أنزلنا من السماء {أنعاما وأناسي كثيرا}. # قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي. قاله المبرد، PageV08P5235 # وهو أحد قولي الفراء وله قول آخر. قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله ~~أناسين، ثم أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها. # قال تعالى ذكره ": {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا}، أي: قسمنا ms1808 هذا الماء بين ~~الخلق ليذكروا نعم الله عليهم ويشكروا {فأبى أكثر الناس إلا كفورا}، أي: ~~فأبى أكثرهم إلا جحودا لنعم الله تعالى عليهم. # وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في ~~الأرضين كيف يشاء. ثم قرأ الآية. # وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية. # وقوله: {فأبى أكثر الناس إلا كفورا}، يقولون مطرنا بنوء كذا. # قال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا}، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى ~~أهل كل مصر نذيرا ينذرهم بأمر الله / فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما PageV08P5236 # حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة جميع القرى. لتستوجب بصبرك، ما أعد الله ~~لك من الكرامة عنده، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم. ~~{وجاهدهم به}، أي: بالقرآن حتى ينقادوا. قاله ابن عباس. # وقيل " به ": الإسلام، قاله ابن زيد. # وقيل: معناه: {وجاهدهم}، بترك الطاعة لهم، لقوله: {فلا تطع الكافرين}. # قوله تعالى ذكره: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات}. # أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط. # وقيل: معناه: خلى. PageV08P5237 # وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجا وحبسا للماء، ~~{وجعل بينهما برزخا}، قال مجاهد: محبسا. # وقال ابن زيد: سترا. # {وحجرا محجورا} أي: منعا لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة ~~الله تعالى وجل ثناؤه. # قال {وهو الذي خلق من المآء بشرا وكان ربك قديرا}، أي: النطفة: خلق منها ~~الإنسان {فجعله نسبا وصهرا}. # قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره: # {حرمت عليكم أمهاتكم}، إلى {وبنات الأخت} [النساء: 23] والصهر سبع وهي في ~~قوله: {وأمهاتكم الاتي أرضعنكم} [النساء: 23] إلى آخر ذكر الصهر. PageV08P5238 # وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع. # وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة ~~من جهتهن تكون. # وقال الأصمعي: الختن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، ~~والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم ms1809 وأصهر. # وقال ابن الأعرابي: الأختان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج PageV08P5239 # ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته. # وقيل: عني بقوله: {خلق من المآء بشرا}، آدم خلقه من الأرض التي أصلها ~~مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جل ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: ~~فقال: {خلق كل دآبة من مآء} وقال: {وجعلنا من المآء كل شيء حي} [الأنبياء: ~~30]. # قال: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم}، أي: يعبد هؤلاء ~~المشركون من دون الله ما لا يحب لهم نفعا، ولا يدفع عنهم ضررا. # ثم قال تعالى: {وكان الكافر على ربه ظهيرا}، أي: معينا للشيطان على ربه PageV08P5240 # مظاهرا له على معصيته. # قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس. # وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان ~~على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عونا لمن عادى الله ورسوله. # وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من ~~الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه ~~[وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار. # وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هينا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت PageV08P5241 # إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم ~~صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة. # أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية ~~بالنار. # قال {قل مآ أسألكم عليه من أجر}، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، ~~فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك. # وقوله: {إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا}، هو استثناء منقطع أي: من شاء ~~منكم أن يتخذ إلى ربه طريقا بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من ~~أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقا إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه. # قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت}، أي: توكل يا محمد على PageV08P5242 # الحي ms1810 الذي له الحياة الدائمة. . . {وسبح بحمده}، أي: واعبده شكرا منك له ~~على نعمه / {وكفى به بذنوب عباده خبيرا}، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ~~و {خبيرا} أبلغ من خابر. # قال تعالى: {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام}، أي: ~~اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: {وما بينهما}، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ~~ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها ~~الجمعة. {ثم استوى على العرش}، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم ~~أحد في ذلك: جلوسا ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، ~~لا يمثل ذلك، جلوسا ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة ~~المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] فلا يحل لأحد ~~أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال ~~وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. ~~فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك. PageV08P5243 # وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه ~~فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد ~~السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات ~~والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من ~~تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه. # ثم قال: {الرحمن فسئل به خبيرا}، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في ~~استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: {فسئل به خبيرا}، ويجوز ~~الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيرا. ~~الباء بمعنى: عن. # كما قال جل ذكره: {سأل سآئل بعذاب واقع} [المعارج: 1]، أي: عن عذاب، ~~ومعناه PageV08P5244 # عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال. # وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد ~~أن تسأل عنه: خبيرا، فخبير مفعول به مثل الأول. # وقيل: خبيرا: ms1811 حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئا يا محمد ~~فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير: وهو قول ابن جريج. # قال: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن}، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن ~~خالصا قالوا: {أنسجد لما تأمرنا}، وزادهم هذا القول نفورا من الإيمان، وعن ~~إخلاص السجود لله. ومعنى نفورا فرارا. وقيل: إنما عتوا هنا بالرحمن: رحمان ~~أليمامة: مسليمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي ~~خلقهم. قال الله تعالى عنهم: {لو شآء الرحمن ما عبدناهم} [الزخرف: 20]، ~~وعلى هذا القول يحسن PageV08P5245 # القراءة بالياء والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه ~~بالتاء: جعله خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: {أنسجد لما تأمرنا} محمد ~~صلى الله عليه [وسلم]. # قال تعالى ذكره: {تبارك الذي جعل في السمآء بروجا}، أي: قصورا. كما قال ~~{ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78]. # وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي ~~في البروج. # ثم قال تعالى: {وجعل فيها سراجا}، يعني الشمس {وقمرا منيرا} أي: PageV08P5246 # مضيئا. ومن قرأ " سرجا " بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ~~ومن قرأ سراجا بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في " ~~فيها " على القراءة، من قرأ: " سرجا " بالجمع يعود على البروج التي هي ~~القصور، ومن قرأ " سرجا " بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت ~~على البروج. # ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: {يخرجكم طفلا} [غافر: 67] / أي جعل ~~فيها مضيئة. # وقرأ الأعمش و " قمرا " بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعا وهي قراءة ~~شاذة. # قوله تعالى ذكره: {وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة}.إلى قوله PageV08P5247 # (وكان بين ذلك قواما) [67]. # أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلقا من الآخر ما فات في أحدهما من عمل ~~الله أدرك قضاؤه في الآخر. قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس والحسن قال ~~مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض. # وعن مجاهد أيضا: أن المعنى: أنه جعل ms1812 كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب ~~هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد. PageV08P5248 # قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلا لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان نهارا ~~لم يدر أحد كيف يصلي. # وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن ~~يتذكر نعم الله عليه في ذلك. ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، إذ ~~لو كان الدهر كله ليلا لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ثمر. ~~ولو كان الدهر كله نهارا لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت الزراع ~~والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر ~~نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم. PageV08P5249 # قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما}، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش. # وقال الزجاج وغيره: الخبر {أولئك يجزون الغرفة} [الفرقان: 57]. # وقيل: الخبر {الذين يمشون}، {سلاما}، منصوب على المصدر، وإن شئت " تعالوا ~~". # وقوله: {قالوا سلاما}، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل أن يؤمروا ~~بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، وهو ~~من التسليم، لا من التسليم تقول: " سلاما منك " أي: تسلما منك. # قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، PageV08P5250 # ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة. ~~إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين. ~~ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ لأن يسلموا على ~~المشركين، ولكن أمروا أن يسلموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب. ~~ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عبادا: هم الذين يمشون على ~~الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة. وهذا هو ضد مشي المختال الفخور ~~المرح الذي هو مذموم الحال. # ومعنى {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}، أي: إذا خاطبهم أهل الجهل من ~~العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم ms1813 عن مساواتهم في القبيح، قالوا قولا ~~حسنا يسلمون به من مساواتهم في القبيح. PageV08P5251 # وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم. # قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون. # وقيل معنى: {يمشون على الأرض هونا}، أي بالسكينة والوقار، وغير مستكبرين، ~~ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد. # قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع. # وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والقوقار والحلم. # وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في ~~النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض. # وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون، PageV08P5252 # وهو قوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا} [القصص: 83]. # وقال الحسن يمشون حلماء علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا. # {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما / ~~يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، فقالوا: تسلما منكم ~~وبراءة بيننا وبينكم. # قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، ~~والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب، ~~ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، ~~فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] ~~والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة: ~~أبكاهم الخوف من النار، وإنه PageV08P5253 # من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه ~~نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه. # أي يبيتون يصلون. # قال فضيل: هم قوم إذا جنهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على ~~خدودهم. # قال: {عنا عذاب جهنم}، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذارا منه. {إن ~~عذابها كان غراما}، أي: دائما لا ينقطع. # قال محمد بن كعب القرطبي: إن الله جل ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم ~~يؤدوها فأغرمهم فأدخلهم النار. ms1814 # وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. فيكون PageV08P5254 # المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبدا، ~~ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف. # أي: ساءت من المستقرات مستقرا. # قال تعالى: {والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا}، أي: لم يزيدوا في ~~النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا. # حكى الأصمعي: قتر يقتر ويقتر وقتر يقتر، وأقتر يقتر: إذا ضيق وقد أنكر ~~أبو حاتم على من جعله من أقتر. وقال: إنما يقال: أقتر إذا افتقر. كما قال: # {وعلى المقتر قدره} وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره. # ثم قال: {وكان بين ذلك قواما}، أي: وكان الإنفاق قواما بين الإسراف ~~والإقتار أي: عدلا. PageV08P5255 # وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين {ذلك} اسم كان وهو مفتوح، وجاز فتحه في ~~موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوبا، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع، ~~ومنه قوله: {ومنا دون ذلك} [الجن: 11]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما ~~يأتي منصوبا فترك على أكثر أحواله. # قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله. ~~وقاله مجاهد وابن جريج. # وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول ~~الناس: قد أسرف. # وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم، PageV08P5256 # ويكتنون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ~~ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة. # وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقيل: الإقتار: ~~التقصير عما يجب عليك {وكان بين ذلك قواما}، النفقة بالعدل. # وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفا، ~~ولو أنفق درهما في حرام لكان مسرفا. # قال سفيان الثوري: لم يضعوه في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة ~~في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، ~~وإن ms1815 كثرت. # قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر}. # أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~قتلها PageV08P5257 # إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل بها، ~~ولا يزنون فيأتون ما حرم الله. # ثم قال تعالى ذكره: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما}، أي: من يفعل / العبادة ~~لغير الله أو يقتل نفسا بغير حق، أو يزني يلق عذاب الآثام أي: عقابها، ~~وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهانا. قال مجاهد وعكرمة: ~~الآثام: واد في جهنم. وسيبويه وغيره من النحويين: يقدرونه بمعنى يلق جزاء ~~الآثام. # قال تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما}، الآية وروي: أن هذه الآية نزلت في قوم من ~~المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر أشياء من هذه ~~الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم. فنزلت هذه PageV08P5258 # الآية، ونزل: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] الآية، ~~ونزلت: {إلا من تاب وآمن}، فهي مخصوصة فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر ~~في حال كفره، ويدل على أن هذا الاستثناء في الكفار قوله {إلا من تاب وآمن}، ~~فقرن الإيمان مع التوبة. # وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية ~~النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر. # وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج. وذكره تعالى للإيمان مع التوبة يدل ~~على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون المؤمنين PageV08P5259 # فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر. # وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: {والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق}، الآية، بسنتين حتى نزلت: ~~{إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا}، الآية قال: فما علمت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: {إنا فتحنا} [الفتح: 1]. # ثم قال تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم ms1816 حسنات}، قال ابن عباس: معناه: ~~كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرعب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، ~~فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات. أي: مكان عمل الحسنات. # وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا. # وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في PageV08P5260 # الإسلام فيبدله بالشرك إيمانا. # قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه. قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا ~~الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى {إلا من تاب}، ~~الآية. # فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم ~~المشركين، وينكاح المشركات نكاح المؤمنات. # وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يعطى ~~العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول صحيفته، ~~فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته حسنات، ~~فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم يغفر الله ~~له ". # وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيمانا، وبالقتل إمساكا، وبالزنا إحصانا. PageV08P5261 # وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم ~~القيامة. # وروى أبو ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني لأعرف آخر أهل ~~النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة. ثم ثال: يؤتى برجل يوم ~~القيامة فيقال: نحوا كبار ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا ~~في يوم كذا، وعملت كذا في يوم كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما ~~أراها هنا، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. قال: ~~فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة ". PageV08P5262 # قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما ~~التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيمانا من الشرك، وإخلاصا من الشرك، وإحصانا ~~من الفجور. # قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة. # واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك ms1817 حسنات في ~~الإسلام ينقلهم عن ما / يسخطه إلى ما يرضاه. # ثم قال تعالى: {وكان الله غفورا}، أي: ذا غفر عن ذنوب من تاب من عباده، ~~وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها. # أي: ومن تاب من الشرك PageV08P5263 # بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل صالحا فيما أمره الله به {فإنه يتوب إلى ~~الله متابا}، أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا ~~عمل صالحا فقد أكد توبته. # قال تعالى: {والذين لا يشهدون الزور}، يعني الشرك، قاله الضحاك. # وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعا فيجازيه على توبته وعمله. ~~والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن الكفر، ~~والمعاصي. # وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن ~~الحنفية. # وقال ابن جريج: هو الكذب. # وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كنوا عنه. # وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. والزور الباطل. # وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ الآية، ~~وروي PageV08P5264 # مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالها في خطبة له. تقديره: ~~يشهدون الشهادة الزور. # وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد ~~يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، ~~حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، ~~والغناء كذلك، وكذلك الكذب. فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا يحضرون ~~شيئا من الباطل. # ثم قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما}، أي: إذا مروا بمن يلغو ~~عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراما، أي: أعرضوا عنهم وصفحوا. # وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد. # وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له. PageV08P5265 # قاله ابن زيد. # وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كل ما يجب أن ms1818 ~~يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل. # وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا ~~باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية أن ~~يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة. ومعنى {مروا كراما}، أي: أكرموا ~~أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو. # أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج رهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج صما ~~لا يسمعونها، وعميا لا يبصرونها. ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء العقول. # والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا ~~يسمع ولا يبصر، ومعنى {يخروا} يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت فلانا فقام ~~يبكي، أي: فظ يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعا. ويقول: نهيت فلانا PageV08P5266 # فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائما. فجرى ذلك على مخاطبة ~~العرب، ولا خرور ثم، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركونها فيكونون ~~بمنزلة من لا يسمع ولا يرى. # وقيل المعنى: لم يسجدوا صما وعميانا بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة قول ~~الشاعر: # بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت # أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى. # وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ذلك ~~وقبلوه. # قوله تعالى: ذكره {والذين يقولون ربنا هب لنا / من أزواجنا}. # أي: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم، ومسألتهم أن يهب لهم قرة أعين، من PageV08P5267 # أزواجهم، وذرياتهم؛ أي: ما تقر به أعينهم من أولادهم، وذلك أن يريهم ~~إياهم يعملون بطاعة الله. # قال الحسن: ذلك في الدنيا وهو المؤمن يرى زوجه وولده مطيعين لله، وأي شيء ~~أقر لعين المؤمن أن يرى زوجته وولده مطيعين لله. # قال ابن جريج: معناه: يعبدونك فيحسنون عبادتك. # وقال ابن زيد: يسألون لأزواجهم وذرياتهم الإسلام. # ثم قال تعالى ذكره: {واجعلنا للمتقين إماما}، أي: اجعلنا يقتدي بنا من ~~بعدنا في الخير، قاله ابن عباس، وعنه أيضا: المعنى اجعلنا أئمة هدى يهتدى ~~بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال في ms1819 السعادة {وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا} [الأنبياء: 73]، وقال في أهل الشقاء: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار} [القصص: 41]. PageV08P5268 # قال مجاهد: معناه: واجعلنا أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا. # وقوله {إماما} وحد لأنه مصدر كالقيام والصيام. # وقيل: هو واحد يدل على الجمع كالعدو. # وقيل: هو جمع آثم وإمام كقائم وقيام. # قال تعالى ذكره: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا}، أي: هؤلاء الذين تقدم ~~ذكرهم يجزون الغرفة أي يثابون على أعمالهم: الغرفة، وهي منزل من منازل ~~الجنة. # {ويلقون فيها تحية وسلاما * خالدين فيها}، أي: دائمين المقام، ماكثين ~~فيها. # {حسنت مستقرا ومقاما}، أي: حسنت تلك الغرفة مستقرا، أي: قرارا {ومقاما}، ~~أي: إقامة. # قال تعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم}، أي: قل يا محمد لهؤلاء PageV08P5269 # الذين أرسلت إليهم: ما يعبأ بكم ربي، أي: أي شيء يصنع بكم ربي، لولا ~~دعاؤكم إلى الإيمان؟ # قال ابن عباس: لولا دعاؤكم: لولا إيمانكم، فأخبر جل ذكره الكفار أنه لا ~~حاجة له بهم إذ لم يجعلهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان ~~كما حببه إلى المؤمنين. # وقال مجاهد: لولا دعاؤكم: أي: لولا دعاؤكم إلى الله لتعبدوه وتطيعوه. # قال الفراء: لولا دعاؤكم: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. ومعنى: ما يعبأ ~~أي: ما يصنع بكم # قال الزجاج: لولا دعاؤكم. أي لولا توحيدكم إياه. ومعنى: ما يعبأ PageV08P5270 # بكم أي: وزن لكم عنده من قولك: ما عبأت بفلان أي: ما كان له عندي وزن ولا ~~قدر. # قال: وأصل العبء في اللغة: الثقل. # وقوله: {فسوف يكون لزاما}، هو يوم بدر. # وقيل: هو ما لوزم بين القتلى يوم بدر. والتقدير: فسوف يكون عاقبة تكذيبهم ~~اللزام. # وعن مجاهد أنه قال في معناه: لولا دعاؤه إياكم لتطيعوه فقد كذبتم فسوف ~~يكون عذابكم لزاما وقد مضى اللزام وهو يوم بدر. PageV08P5271 # وقيل: المعنى: لا منفعة لله في خلقه إياكم إذ لا يضره فقدكم، لولا ما ~~أراد من دعائه إياكم إلى طاعته، ليجازيكم على ذلك إن قبلتموه ويعاقبكم إن ~~عصيتموه فقد كذبتم فسوف تعلمون. # وقال القتيبي: ms1820 المعنى: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم غيره، أي: لولا ~~شرككم به. # وقال الضحاك: لولا عبادتكم إياه. # ثم قال تعالى: {فقد كذبتم فسوف يكون لزاما}، أي: فقد كذبتم رسولكم فسوف ~~يكون عقاب تكذيبكم لرسولكم لزاما، أي: ملازما لكم، أي: عذابا ملازما وهو ما ~~حل بكم يوم بدر. # وقال ابن مسعود: اللزام: يوم بدر. # وقال أبي بن كعب: هو القتل يوم بدر: وهو قول مجاهد والضحاك، وقال ابن ~~زيد: اللزام: القتل يوم بدر. PageV08P5272 # وقال ابن عباس: اللزام: الموت. # وقال أبو عبيدة: فسوف يكون لزاما أي: جزاء يلزم كل عامل يعمله من خير أو ~~شر. PageV08P5273 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشعراء مكية # / قوله تعالى ذكره: {طسم} [1] إلى قوله (يستهزئون) [5]. # قال ابن عباس: طسم: قسم، أقسم الله جل ذكره به، وهو من أسماء الله. # وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: والسميع ~~إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب التي ~~أنزلتها من قبلها الذي يبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه. يعقل أنه من عند الله ~~لم ينخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في {تلك آيات الكتاب ~~المبين}، أي: PageV08P5275 # هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة ~~والإنجيل بإنزال القرآن. # قال تعالى: {لعلك باخع نفسك} أي: لعلك قاتل نفسك يا محمد لأجل تأخرهم عن ~~الإيمان بك. # قال تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية}، أي: إن نشأ يا محمد ننزل ~~عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية. # {فظلت أعناقهم لها خاضعين}، أي: فظل القوم ختضعة أعناقهم لها. قال قتادة: ~~معناه لو شاء الله لأنزل آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية ~~الله. # قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمرا من أمره، لا يعمل أحد بعده ~~بمعصية. PageV08P5276 # وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من ~~غير أن يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحا، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم ms1821 يفعله ~~الله بهم ليؤمنوا طوعا. فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرها بآية لم ~~يستحقوا على ذلك الثواب. # وقال مجاهد: أ'ناقهم: كبراؤهم. # وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، أي: ~~جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم. وهذا قول مجاهد. # وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد. فمن قال: ~~خاضعين رده على المضاف إليه. ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ~~ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا. ثم قال تعالى ذكره {وما يأتيهم من ~~ذكر من الرحمن محدث}، أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله PageV08P5277 # إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه ~~السلام، وعند من نزل عليه، وليس بمحدث في الأصل إنما سمي محدثا لحدوثه عند ~~من لم يكن يعلمه، فأنزل الله إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من ~~صفاته، ولو كان القرآن محدثا لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى ~~حدثت تعالى الله عن ذلك. ولو كان محدثا لكان قوله: {شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو} [آل عمران: 18] الآية، و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] السورة ~~محدثا فيكون التوحيد لله محدثا، وتكون صفاته التي أخبرنا بها في القرآن ~~محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا ~~منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم ~~وكفرهم وإنما أخبر PageV08P5278 # عنهم بالكذب، لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ومن أعرض عن شيء فقد ~~تركه، ومن ترك قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب. وهذا من ~~التدريج والإيماء، ودل قوله: {ما كانوا به يستهزئون}، أن من كذب بشيء فقد ~~استهزأ به، واستخف به. # قوله تعالى: {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها}. # المعنى: أولم ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن ~~كانت مينة لا نبات ms1822 فيها {من كل زوج كريم}، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا ~~الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث/ يوم القيامة، لأن أصلهم ~~من الأرض فهم كالأرض. # قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن ~~صار إلى النار فهو لئيم. PageV08P5279 # قال الفراء: الزوج اللون. قم قال {إن في ذلك لآية} أي: إن في إنباته ~~النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة ~~التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد ~~مماتهم. # ثم قال {وما كان أكثرهم مؤمنين}، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون ~~فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم. # قال تعالى: {وإن ربك لهو العزيز} أي: لا يمتنع عليه شيء يريده {الرحيم}، ~~أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره. # قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله " عزيز رحيم " فمعناه عزيز حين ~~انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك. PageV08P5280 # قال تعالى: {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين}، أي: واذكر يا ~~محمد، إذ نادى ربك " موسى " بأن إئت القوم الظالمين، ثم بينهم فقال: {قوم ~~فرعون ألا يتقون}، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن ~~المخاطبة. # ودل قوله: {ألا يتقون}، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضا على أنه أمر ~~موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره ~~بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله {ألا يتقون}، ~~لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان ~~والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم ~~الخطاب. # ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: {قال رب إني أخاف أن يكذبون}، أي: أخاف ~~من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري PageV08P5281 # من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة ~~التي في لساني. # ثم ms1823 قال: {فأرسل إلى هارون}، يعني أهاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى ~~اجعله رسولا لك معي. # ثم قال: {ولهم علي ذنب}، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله ~~القبطي بالوكزة {فأخاف أن يقتلون}، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. {قوم ~~فرعون}، وقف، و {ألا يتقون}، التمام و {أن يكذبون}، وقف إن رفعت {ويضيق} ~~على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على {أخاف}، أو نصبت عطفت على {يكذبون}، كان ~~التمام {أن يقتلون}. PageV08P5282 # ثم قال: {قال كلا فاذهبا بآياتنآ}، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك ~~فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا {إنا ~~معكم مستمعون}، ووجه قوله: {مستمعون} أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما ~~يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جل ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة ~~وذلك جائز. وقال: {معكم} وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: {فإن كان له ~~إخوة} [النساء: 11] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: {فأتيا فرعون فقولا ~~إنا رسول رب العالمين}، وحد رسولا وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى ~~الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولا. وتقديره: إنا ذوا رسالة. # وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحدا. # أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن PageV08P5283 # تطلقهم وتخلي سبيلهم. # قال: {قال ألم نربك فينا وليدا} أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل ~~معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتا صغيرا، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ~~ذهبا إليه قالا ذلك. # وقوله: / {ولبثت فينا من عمرك سنين}، بمن فرعون على موسى بتربيته عنده ~~إلى أن قتل القبطي. # وروى الخفاف عن أبي عمرو " عمرك " بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين ~~وإسكان الميم في القسم في " لعمرك " فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحا ~~لخفته، وكثرة استعمالهم له في القسم. # قال تعالى: {وفعلت فعلتك التي فعلت}، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى ~~بذلك. وقرأ الشعبي {فعلتك} بكسر الفاء يريد به الحال PageV08P5284 # والهيئة كما تقول: هو حسن المثبه والركبة والجلسة. # وقوله: {وأنت من الكافرين}. # قال السدي: ms1824 معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ~~ساتر على ديننا. # قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت ~~نفسا منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة. # وقيل المعنى: وقتلت نفسا منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي ~~إياك. فقال موسى لفرعون: {فعلتهآ إذا وأنا من الضالين}، أي: قتلت النفس ~~وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: ~~جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين. PageV08P5285 # وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: ~~من الضالين: من الناسين. # وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت ~~فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلا. # وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له ~~تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك. # قال تعالى {ففررت منكم لما خفتكم}، أي: هربت منك خوفا أن تقتلوني بقتلي ~~القبطي منكم {فوهب لي ربي حكما}، قال السدي: نبوة. # وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. PageV08P5286 # {وجعلني من المرسلين}، أي إلى خلقه. # ثم قال موسى لفرعون {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} أي ~~وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها علي، ~~وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ~~وتركتني لم تيتعبدني. # وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ ~~والتقريع. # وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم ~~تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل. PageV08P5287 # وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه ~~روي أنه كان رباه على أن يستعبده. # وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم ~~هي نعمة أن هبدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من ~~نعمة. # وقيل: هي في ms1825 موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا ~~اتخذته عبدا. # وقيل: وتلك نعمة تمنها علي أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن ~~فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما من عليه ~~فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل ~~وتكليفك لهم PageV08P5288 # تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين ~~تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك. # قوله تعالى ذكره: {قال فرعون وما رب العالمين}، # هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: {وما رب ~~العالمين}، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، ~~وإيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: ~~أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى {قال رب / السماوات والأرض} ~~أي: مالكهن {وما بينهمآ إن كنتم موقنين}، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز ~~عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: {ألا ~~تستمعون}، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: ~~من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جل ذكره جنسا من الأجناس PageV08P5289 # المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات ~~والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجب فرعون قومه من جواب موسى له ~~فقال لمن حول من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ~~ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم {قال ربكم ورب ~~آبآئكم الأولين}، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: {ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين}، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر ~~جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك ~~إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل ~~يقرب من أفهامهم فلم يحتج فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن ms1826 نسبه إلى ~~الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره. # فقال: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون}، أي: لمغلوب على عقله، لأنه ~~يقول قولا لا نعرفه ولا نفهمه؛ يلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى ~~مجنون إذ PageV08P5290 # أجابني بغير ما سألته عنه. فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب ~~العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجا على فرعون وزائدا له في البيان {رب ~~المشرق والمغرب}، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء. # {إن كنتم تعقلون}، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جل ذكره ليس كملك ~~فرعون الذي لا يملك إلا بلدا واحدا، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين ~~له ولقومه ذلك توعد موسى استكبارا وتجبرا فقال {لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين}، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن ~~من أهله، فرفق به موسى، وقال له {أولو جئتك بشيء مبين}، أي: بآية ظاهرة ~~تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن ~~كنت صادقا، فإني لا أسجنك بعد ذلك {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين}، أي: ~~تحولت ثعبانا ذكرا، وهي الحية. {ونزع يده}، أي: PageV08P5291 # أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص. # قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس. # وقيل: نزعها من قميصه. # وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس ~~فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا ~~موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي ~~للأشراف من قومه {إن هذا لساحر عليم}، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال ~~عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم بمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ~~ما قال عند ذلك: {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره}، أي: يريد أن يخرج بني ~~إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب ms1827 منه لأشراف قومه ~~من القبط والمراد بنو PageV08P5292 # إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج ~~خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: {فأرسل معنا بني ~~إسرائيل ولا تعذبهم} [طه: 47] وقوله: {أن أرسل معنا بني إسرائيل} [الشعراء: ~~17]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: {فماذا تأمرون} يشاورهم في أمر ~~موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف ~~بكلام امرأة العزيز في قولها {وإنه لمن الصادقين} [يوسف: 51] انقضى كلام ~~امرأة العزيز فقال / يوسف {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} [يوسف: 52] ومثله ~~اتصال كلام بلقيس بكلام الله جل ذكره في قوله: {وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة} ~~[النمل: 34] تم كرمها فقال الله جل ذكره: {وكذلك يفعلون} [النمل: 34] وقد ~~قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر PageV08P5293 # كثيرة {قالوا أرجه وأخاه}، أي: أخرهما {وابعث في المدآئن حاشرين}، يجمعون ~~إليك، كل ساحر علم بالسحر. # قال تعالى: {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم}، أي: فجمع الحاشرون السحرة ~~لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة. # {وأن يحشر الناس ضحى} [طه: 59]، {وقيل للناس هل أنتم مجتمعون}، لتنظروا ~~لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم ~~مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى. # وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد. # فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمت PageV08P5294 # به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض ~~شيئا فأحدث يومئذ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ~~ابن زيد. # وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت ~~له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن ~~بين يديه لحيته. # ثم قال: {فلما جآء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا}، أي: لما جاء ~~السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا ms1828 قبلك على سحرنا إن كنا نحن ~~الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا ~~غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى {إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون ~~نحن الملقين} [الأعراف: 15]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في ~~غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار PageV08P5295 # والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى {ألقوا مآ أنتم ملقون}، ~~يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. {وقالوا بعزة فرعون}، أي: أقسموا بعزة ~~فرعون وسلطانه {إنا لنحن الغالبون}، موسى {فألقى موسى عصاه}، حين ألقت ~~السحرة حبالها وعصيها {فإذا هي تلقف ما يأفكون}، أي: تزدري ما يأتون به من ~~القرية والسحر الذي لا حقيقة له. # روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ~~ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولا وليس لتلك الحبال ~~والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين PageV08P5296 # أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ~~ساحر، وقالوا في سجودهم {آمنا برب العالمين}، الذي دعا موسى إلى عبادته. ~~{رب موسى وهارون}، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم ~~يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا ~~عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ~~ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى {يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى} # [طه: 66] فأوحى الله إليه {أن ألق عصاك} [الأعراف: 117] فألقى عصاه فغذا ~~هي ثعبان مبين فاغر فاه يبلغ حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، ~~فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن ~~نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ ~~فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون ~~فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها ms1829 فألقوها عليها، وإن هي ~~رجعت عن قولها فهي PageV08P5297 # امرأته فلما أتوها / رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت ~~على قوله وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح. # قوله: قال فرعون {آمنتم له}، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأن ما ~~جاء به حق {قبل أن آذن لكم}، في ذلك أي: قبل أن آمركم به. # قال ابن زيد خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: ~~كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفا ~~من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة. # قال {وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون}، أي: أوحينا إلى موسى ~~إذ تمادى فرعون في غيه، أن اسر ببني إسرائيل من أرض مصر {اإنكم متبعون} أي: ~~يتبعكم PageV08P5298 # فرعون وجنوده ليمنعوكم الخروج من أرض مصر. # أي: جامعين يجمعون الناس لطلب موسى ومن معه، والمدائن يجوز أن يكون مفاعل ~~ويكون همزها سماعا على غير أصل، فتكون مشتقة من دان يدين. ويجوز أن يكون ~~فعائل، ويكون همزها على الأصل وتكون مشتقة من مدن، وهذا أحسن من الأول. # أي: قال فرعون لمن جمع من الناس: إن موسى ومن معه لشرذمة قليلون. ~~والشرذمة الطائفة، وشرذمة كل شيء بقيته القليلة. # قال أبو عبيدة: كانوا ست مائة ألف وسبعين ألفا فوصفهم بالقلة. PageV08P5299 # قال عبد الله بن شداد بن الهاد: اجتمع يعقوب، وولده إلى يوسف وهم اثنان ~~وسبعون وخرجوا مع موسى وهم ست مائة ألف غير من نات، وخرج فرعون على فرس ~~أدهم حصان في عسكره ثمان مائة ألف. # قال الزجاج: كانت مقدمة فرعون: سبع مائة ألف، كل رجل منهم على حصان على ~~رأسه بيضة. # وقال قيس بن عباد: كانت مقدمة فرعون ست مائة ألف، كل رجل منهم على حصان ~~على رأسه بيضة، في يده حربة وهو خلفهم في الدهم، فلما انتهى موسى ببني ~~إسرائيل البحر، قالت بنو إسرائيل: يا موسى أين ما وعدتنا؟ هذا البحر بين PageV08P5300 # أيدينا، وهذا ms1830 فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: إنفلق يا ~~أبا خالد، فقال: لا أنفلق يا موسى، أنا أقدم منك خلقا، فنودي موسى {أن اضرب ~~بعصاك الحجر} فضربه فانفلق البحر، وكانوا اثني عشر سبطا، فسار لكل سبط ~~طريق، فلما انتهى أول جنود فرعون إلى البحر، هابت الخيل البحر، ومثل الحصان ~~منها وديق فرس، فوجد ريحها فاشتد، واتبعته الخيل فلما تتام آخر جنوده في ~~البحر، وخرج آخر بني إسرائيل، أمر البحر فانطبق عليهم، فقالت PageV08P5301 # بنو إسرائيل: ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا، فسمع الله تكذيبهم لنبيه، ~~فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمر فرآه بنو إسرائيل. # قال مالك: خرج مع موسى رجلان من التجار إلى البحر، فلما أتيا إليه قالا ~~له: ماذا أمرك ربك به؟ قال: أمرني ربي أن أضرب البحر بعصاي هذه فيجف، فقالا ~~/ له " إفعل ما أمرك به ربك فلن يخلفك، قال ثم ابتدرا إلى البحر، فألقياه ~~أنفسهما فيه تصديقا به. # قال ابن جريج: أوحى الله جل ذكره إلى موسى قبل أن يسري بهم أن اجمع بني ~~إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن فأضربوا بدمائها على PageV08P5302 # الأبواب فإني سآمر الملائكة ألا تدخل بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل ~~أبكار آل فرعون ثم أخبزوا خبزا فطيرا، فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى ~~تنهي البحر، فيأتيك أمري، ففعل فلما أصبحوا، قال فرعون: هذا عمل موسى ~~وقومه، قتلوا أبكارنا، فأرسل في أثرهم ألف ألف وخمس مائة ألف وخمس مائة ملك ~~مصور، مع كل ملك ألف رجل، وخرج فرعون في الكرسي العظيم، وقال: {إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون}، وكانوا ست مائة ألف، منهم أبناء عشرين سنة إلى الأربعين. # وقال ابن عباس كان مع فرعون يومئذ ألف جبار كلهم عليه تاج، وكلهم أمير ~~على خيل. # قال ابن جريج: كان ثلاثون ألفا يعني من الملائكة ساقة، خلف PageV08P5303 # فرعون يحسبون أنهم معهم، وجبريل عليه السلام أمامهم يرد أوائل الخيل على ~~آخرها، فأتبعهم حتى انتهوا إلى البحر. # أي: بقتلهم أبكارنا. # وقيل: ms1831 معناه: {وإنهم لنا لغآئظون} بذهابهم بالعواري التي كانوا استعاروها ~~من الحلي. # وقيل: {لغآئظون} بخروجهم من أرضنا بغير رضانا. # وقال عمرو بن ميمون: قالوا لفرعون: إن موسى قد خرج ببني إسرائيل، فقال: ~~لا تكلموهم حتى يصيح الديك، فلم يصح تلك الليلة ديك فلما أصبح: أحضر شاة ~~فذبحت، وقال: لا يتم سلخها حتى يحضر خمسمائة ألف فارس من القبط فحضروا. PageV08P5304 # قوله: (وإنا لجميع حاذرون) من قرأ بألف وبغير ألف فمعناه عند أبي عبيدة ~~واحد، وهو مذهب سيبويه لأنه أجاز أن تعدى بحذرا كما يعدى حاذرا. # وقال الجرمي: لا يجوز حذر زيدا إلا على حذف (من). # وقال الكسائي والفراء والمبرد: رجل حذر. إذا كان الحذر في خلقته فهو ~~متيقظ منتبه، فلا يتعدى على هذا المعنى كما لا يتعدى كريم وشريف. ومعنى ~~حاذر عندهم: مستعد فيكون المعنى على قراءة من قرأ بغير ألف: وإنا لجميع قد ~~استشعرنا الحذر حتى صار كالخلقة وقيل معناه: وإنا لجميع حاملون السلاح، وإن ~~بني إسرائيل لا سلاح معهم. ومن قرأ بألف فمعناه: مستعدون بالسلاح، فهو أمر ~~محدث فيهم. PageV08P5305 # قال ابن مسعود حاذرون مؤدون في الكراع والسلاح أي: معهم أداة ذلك. # وقيل حاذرون: شاكون في السلاح: وقرأ ابن عمار حادرون بالدال غير معجمة ~~بمعنى: ممتلئين غيظا. تقول العرب جمل حاذر: إذا كان ممتلئا غيظا. # وقيل: حاذرون ممتلئون بالسلاح. # قال تعالى ذكره: {}، أي: أخرج الله فرعون وقومه من بساتين وعيون، وكنوز ~~ذهب وفضة. # {}، أي: حسن، يعني المنابر. # وقال عبد الله بن عمرو: نيل مصر: سيد الأنهار، سخر الله له كل PageV08P5306 # نهر بين المشرق والمغرب وذلله له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل ~~نهر يمده، فتمده الأنهار بمائها، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى ~~الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. # وقال: كانت الجنات بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعا من ~~أسوان إلى رشيد. # وقال: المقام الكريم: الفيوم. # أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية. # {وأورثناها}، أي: ms1832 أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام PageV08P5307 # الكريم: بني إسرائيل. # أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق. # وقال أبو عبيدة نحو المشرق، يقال أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: ~~أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا ~~أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مشرقين. # قال مجاهد: خرج موسى ليلا فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن ~~يوسف أخبرنا أنا سننجى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: ~~فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزا بيتها على قبره، فأخرجته له ~~بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، ~~وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في PageV08P5308 # أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع ~~" كذلك " وعند أبي حاتم {ومقام كريم} [الشعراء: 58]. # قال تعالى {فلما تراءى الجمعان}، أي: رأى بعضهم بعضا: قال أصحاب موسى ~~{لمدركون}، أي: الملحقون. # وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ~~ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما PageV08P5309 # يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت. # وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن ~~بعدما جئتنا. # قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا ~~لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ~~ويستحيون نسائنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا ~~لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا. # وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف ~~والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا ~~موسى: إنا لمدركون. {قال كلا إن معي ربي سيهدين}، أي: ليس الأمر كما ذكرتم ~~لا PageV08P5310 # يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقا أنجو فيه من فرعون وقومه. # قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في ms1833 طلب موسى على ~~سبعين ألفا من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا ~~قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ~~{فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر} روي: أن الله جل ذكره: أمر البحر ~~أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه. # قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا ~~الحبل الذي يضربني حتى أاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق. PageV08P5311 # قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقا، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل ~~اثني عشر سبطا فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ~~ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، ~~على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا. # وقوله تعالى: {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم}، أي: كالجبل العظيم. # قال تعالى: {وأزلفنا ثم الآخرين}، أي: قربنا " ثم " أي: هنالك الآخرين ~~يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه. # قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم / إلى البحر. # وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة. PageV08P5312 # وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع. # وقيل: أزلفنا أهلكنا: وقرأ أبي بن كعب: " أزلقنا " بالقاف. قال السدي، ~~دنا فرعون وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر ~~فرعون إلى البحر منفلقا قال: ألآ ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى ~~أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، ~~فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحص، ريح الماذية، فاقتحمت في ~~إثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم ~~عليهم. PageV08P5313 # قال تعالى ذكره {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين}، يعني بني إسرائيل {ثم ~~أغرقنا الآخرين}، يعني فرعون وقومه {إن في ذلك لآية}، أي: إن في فعلنا بهم ~~لعلامة، وحجة، ووعظا لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ms1834 ذلك على تكذيبهم لك. {وما ~~كان أكثرهم مؤمنين}، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم ~~الله. {وإن ربك لهو العزيز}، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن ~~أنجاه من الغرق {لآية}، قطع كاف، و {مؤمنين} تمام، و {الرحيم} تمام. # قال تعالى: {واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون}، ~~أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: ~~شيء تعبدون {نعبد أصناما فنظل لها عاكفين}، أي: نثبت خدما مقيمين على ~~عبادتها. # قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: {هل يسمعونكم إذ تدعون}، ~~أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم. PageV08P5314 # قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ ~~قتادة: هل يسمعونكم بضم الياء، أي: هل يسمعونكم كلامهم. # وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ~~ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، ~~كل ذلك توبيخا لهم وتقريعا. # وقوله: {أو ينفعونكم أو يضرون}، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئا ~~على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: {بل وجدنآ آبآءنا ~~كذلك يفعلون}، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا ~~تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد ~~على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن ~~الجواب وقالوا: {وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون}، وليس هذا PageV08P5315 # جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، ~~وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ~~ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا ~~يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم يد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما ~~لم يسألوا عنه وقالوا: {وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون}، ولم يسألوا عن ذلك، ~~وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، ms1835 إدخال بل ~~مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، ~~وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعا منهم عن جوابه، وإقرارا بالعجز. PageV08P5316 # قوله تعالى ذكره: قال {أفرأيتم ما كنتم تعبدون}. # أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم. # {فإنهم عدو لي}، أي: يوم القيامة كما قال {كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون ~~عليهم ضدا} [مريم: 82] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من ~~يعقل. جاز أن يقول هنا: عدو لي ". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد ~~قالوا: عدوة الله بمعنى معادية. # وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحدا، ولا تعقل، والمعنى ~~فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته ~~وتخلفته. PageV08P5317 # ثم قال تعالى ذكره: {إلا رب العالمين}، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن ~~رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله ~~والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا ~~أعبد إلا رب العالمين. # قال تعالى: {الذي خلقني فهو يهدين}، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ~~{والذي هو يطعمني ويسقين}، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، {وإذا ~~مرضت فهو يشفين}، أي: يبرءني ويعافين {والذي يميتني}، إذا شاء {ثم يحيين}، ~~إذا أراد بعد مماتي. # أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن ~~بمعنى اليقين. # وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم PageV08P5318 # يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر ~~عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين. # قال مجاهد: الخطيئة قوله {فقال إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله: {بل فعله ~~كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من ~~الفراعنة أن يأخذها. # وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى ~~الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب. # قال تعالى ذكره: {فاعترفوا بذنبهم} [الملك: 11] أي: بذنوبهم، وكما PageV08P5319 # قال: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: ms1836 43] أي: الصلوات. # قال {رب هب لي حكما}، أي: نبوة {وألحقني بالصالحين}، أي: أرسلني إلى خلقك ~~حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}، أي: ذكرا ~~جميلا، وثناء حسنا باقيا فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد. # وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ~~ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: ~~هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه ~~وادعوه، فقال: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} ~~[آل عمران: 67] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: {إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا} [آل عمران: 68] وهذا كله أجره الذي ~~عجل له وهي الحسنة. إذ يقول {وآتيناه في الدنيا حسنة} وهو اللسان الصدق ~~الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله. PageV08P5320 # وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم ~~بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد صلى الله عليه وسلم، لأنه الذي ~~قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمدا ~~من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين. # أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة. # {واغفر لأبي} من شركه بك فلا تعاقبه عليه. # {إنه كان من الضآلين}، أي: ممن ضل عن السبيل الهدى، وكفر بك. # أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلقى إبراهيم أباه ~~فيقول: يا رب / وعدتني PageV08P5321 # ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جل ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين ~~". # وروى أبو هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم رأى ~~أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة ". # أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال ms1837 وبنين. # أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. ~~قاله مجاهد. # وقال قتادة: هو السليم من الشرك. # قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد. # وقال الضحاك: السليم، الخالص. # وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى {إلا من أتى الله بقلب سليم}، إنه ~~الذي PageV08P5322 # يلقى ربه وليس في قلبه أحدا غيره. # أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها. # قال تعالى {وبرزت الجحيم للغاوين}، أي: أظهرت النار للذين غووا. # يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على ~~أعداء الله. {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * من دون الله}، أي: قيل ~~للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، ~~أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها. # أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: ~~كببوا: فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالا لثلاث باءات. PageV08P5323 # وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها. # قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد ~~من دون الله في الجحيم والغاوين. # قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار ~~والشياطين. # وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. ~~وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى ~~يستقر فيها نعوذ بالله منها. # أي: وكذلك جاث فيها مع PageV08P5324 # الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ~~ذريته. # وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما ~~يريد فهم جنوده. # قال تعالى: {قالوا وهم فيها يختصمون}، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين ~~للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، {تالله إن كنا لفي ضلال مبين}، ~~أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة. # وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر. # في العبادة والتعظيم. PageV08P5325 # (وما أضلنا إلا ms1838 المجرمون) [99]، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه. # قوله تعالى: {فما لنا من شافعين}، # أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب. # قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال ~~مجاهد: حميم شقيق. # وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا ~~كان صالحا: شفع. # وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص. # قال تعالى: {فلو أن لنا كرة فنكون}، أي: رجعة إلى الدنيا. # {من المؤمنين}، بالله. # {إن في ذلك لآية}، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، { وما كان أكثرهم مؤمنين}، {وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم}، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، / ~~الرحيم PageV08P5326 # لمن تاب منهم. # أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا ~~نوح، لأن من كذب رسولا بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت ~~الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله. # وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحا فيما أتاهم به عن ~~الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين ~~بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله ~~جل ذكره إدريس وغيره. # قال: {إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون}، سمي نوح أخاهم لأنه كان من ~~قبيلتهم. PageV08P5327 # {ألا تتقون}، أي: تتقون عقاب الله على كفركم. # {إني لكم رسول أمين}، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ~~ورسالته إيأي: إليكم. {فاتقوا الله}، أي: عقابه على كفركم به {وأطيعون}، ~~وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم. # {ومآ أسألكم عليه من أجر}، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا ~~جزاء. # {إن أجري إلا على رب العالمين}، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا ~~على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق. # {فاتقوا الله}، أي: عقابه ms1839 على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم. # قال: {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون}، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما ~~اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال. PageV08P5328 # روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل ~~الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبرا على الله وكفرا به. ~~{قال وما علمي بما كانوا يعملون}، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن. # وقيل: " كان " زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا ~~يعملون فقد كان يعلمه. # وقيل: معنى قوله: {وما علمي}، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما ~~كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ~~ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على ~~الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يعني من يشاء، ويفقر من يشاء. ~~ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغني بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ~~ويضر الكفر. # قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة. # وقيل: هم الحجامون. PageV08P5329 # وقرأ يعقوب: وأتباعك # يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها. # قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم. # أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني. # أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به. # أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من ~~المشتومين أي: لنشتمنك. # وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك. # أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق. PageV08P5330 # {فافتح بيني وبينهم فتحا} أي: احكم بيني وبينهم حكما. # وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد. # {ونجني ومن معي} أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: {ومن معي من ~~المؤمنين}، {ونجني ومن معي من المؤمنين} يعني: {في الفلك المشحون}، والفلك ~~جمع واحدة فلك، كأسد وأسد. # وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد. # قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلا، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، ~~عليه السلام. ms1840 # وهو قوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} [الصافات: 77] فجميع العالم ~~بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح. # قال: {إن في ذلك لآية}، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك ~~إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من PageV08P5331 # الغرق. وبالكاف خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # { وما كان أكثرهم مؤمنين}، يعني قوم نوح. # أي: في انتقامه ممن عطاه. # {الرحيم}، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته. # قال تعالى: {كذبت عاد المرسلين}. قد تقدم ذكر علة الجمع في {المرسلين}. و ~~" عاد " قبيلة وانصرف لخفته. # وقيل: هو اسم الأب لهم {إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون}، أي: تتقون عقاب ~~الله، ونقمته لكم على كفركم. # أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت ~~به، ولا أخفي عنكم منه شيئا. PageV08P5332 # أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه. # {ومآ أسألكم عليه من أجر}، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلا ~~ولا ثوابا. {إن أجري إلا على رب العالمين}، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي ~~لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله. # أي: قال لهم هود موبخا لهم: أتبنون بكل مشرف من الأرض بنيانا علما. # قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، ~~وعنه: الريع: الشية الصغيرة. PageV08P5333 # وعنه: الفج ما بين الجبلين. # وقال عكرمة: بكل فج وواد # وقال الضحاك: بكل طريق. # وقوله: {آية تعبثون}، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والريع والريع: لغتان. # وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى {تعبثون} تلعبون. # قال تعالى: {وتتخذون مصانع}، قال مجاهد: هي قصور مشيدة. وقال قتادة ~~وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسمية العرب مصنعة. PageV08P5334 # وقوله: {لعلكم تخلدون}، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: ~~أتخلدون ببنياكم لها. # وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون. # وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قال الزجاج. # أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلا بالسيف وضربا بالسياط. ms1841 وهذا إنما ~~يكره في الظلم، وهو جائز في الحق. # {فاتقوا الله وأطيعون}، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، ~~واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، ~~والأنهار. # يوم القيامة. # أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ. PageV08P5335 # {إن هذا إلا خلق الأولين}، أي: دين الأولين: قاله ابن عباس. # وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، ~~فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا. # وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين ~~وكذبهم أن ثم بعثا، وحسابا، وعقابا. # {وما نحن بمعذبين}. # قوله تعالى ذكره: {فكذبوه فأهلكناهم}. # فمعنى قوله {إن في ذلك لآية}، أي: فكذبوا هودا فيما جاءهم به، فأهلكوا ~~بتكذيبهم. # {} أي لعبرة: أي: إن في إهلاكنا عادا بتكذيبهم رسلنا PageV08P5336 # لعظة. # {وما كان أكثرهم مؤمنين}، أي: أكثر عاد لم يكونوا مؤمنين. {وإن ربك لهو ~~العزيز} في انتقامه {الرحيم} بمن تاب وآمن. # قال تعالى: {كذبت ثمود المرسلين}، ثمود: اسم للقبيلة عند من لم يصرفه، ~~ومن صرفه جعله اسما للأب، وتفسير قوله: {إذ قال لهم أخوهم صالح}، إلى قوله ~~{رب العالمين}، قد تقدم نظيره، وهو مثل ذلك. # قال تعالى: {أتتركون في ما هاهنآ آمنين}، أي: أيترككم ربكم في هذه ~~الدنيا: آمنين لا تخافون شيئا. {في جنات وعيون}، أي: بساتين تجري فيها ~~العيون. # قال: {ونخل طلعها هضيم}، قال ابن عباس: هضيم: أي أينع وبلغ فهو هضيم. قال ~~عكرمة: هو الرطب اللين. PageV08P5337 # قال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة: فتركب بعضه على بعض فهو حيمئذ هضيم. # وقال الزهري: هو الرخص اللطيف، أول ما يطلع وهو الطلع النضيد، لأن بعضه ~~فوق بعض. وأصل الهضيم في اللغة انضمام الشيء، وتكسره، للينه، ورطوبته. ~~ومنه: قولهم: هضيم فلان فلانا حقه: إذا انتقصه وأبخسه، وهضيم مفعول صرف إلى ~~فعيل. # وقيل: هضيم منه ما قد أرطب ومنه / ما هو مذنب. # وقيل: هضيم أي: هاضم مرئ، فيكون على هذا فهيل، بمعنى: فاعل. # أي: تنقبون في الجبال بيوتا أشرين بطرين. وقال قتادة: معجبين، وعنه عن ~~الحسن: ms1842 آمنين. PageV08P5338 # وقال الضحاك: كيسين. # وقال مجاهد: شرهين # وقال أبو صالح: حاذقين. وكذلك روي أيضا عن الضحاك. وكذلك، قال معاوية بن ~~قرة، ومنصور بن المعتمر. وقد روي ذلك عن ابن عباس أيضا. # وقال ابن زيد: فرهين: أقوياء. # وقال أبو عبيدة: مرحين. ومن قرأ: فارهين: بألف، فقيل: الهاء بدل من حاء. # وقيل: هما لغتان. يقال فره: يفره فهو: فاره، وفره، يفره فهو فره وفاره: ~~إذا PageV08P5339 # كان نشيطا. # قد مضى تفسيره. # أي: المسرفين على أنفسهم، في تماديهم على معصية الله جل وعز. يعني الرهط ~~التسعة بينهم. # أي: يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون أنفسهم بالعمل الصالح. # قال مجاهد وقتادة: من المسحرين: من المسحورين. # وقال ابن عباس: من المخلوقين. أي: ممن له سحر، والسحر والسحر: الرئة. # وقيل: السحر: الصدر الذي يجري فيه الطعام إلى المعدة. # وقيل: معناه من المعللين بالطعام والشراب. # {مآ أنت إلا بشر مثلنا}، أي: أنت من بني آدم: تأكل كما نأكل. تقول ذلك PageV08P5340 # ثمود لصالح. # {فأت بآية إن كنت من الصادقين}، أي: فأتنا بدلالة وحجة تدل على أنك محق ~~فيما تقول، فأتاهم بالناقة تدل على صدقه، وقال لهم: {لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم}. # روي أنه أخرجها لهم من صخرة. وقال لهم: لها يوم تشرب فيه فلا تعترضوا في ~~شربها، ولكم أنتم شرب يوم آخر، لا تشارككم هي فيه. # وروي: أنهم سألوا صالحا عليه السلام: فقالوا له: إن كنت صادقا فادع الله ~~يخرج لنا ناقة من هذا الجبل. حمراء عشراء فتضع بكرا، ونحن ننظر، ثم ترد ~~الماء فتشربه، وتغدو علينا بمثله لبنا، فجاءهم الله عز وجل بها، وجعل لها ~~شربا في يوم، ولهم شرب في يوم. فكانت يوم ترد الماء لا يردونه هم، ولكنهم ~~تسقيهم مثل ما شربت لبنا، ويوم لا ترد هي يردونه هم فيشربون ويدخرون، ~~فحذرهم صالح عقرها فعقروها فأهلكوا. # وروي: أنهم لما سألوه آية قال لهم: أي: آية تريدون؟ فقالوا: أخرج PageV08P5341 # لنا من هذا الجبل الذي تنزل بسفحه: ناقة عشراء حتى نؤمن أنك رسول الله، ~~فأمرهم أن ms1843 يجتمعوا: ليخرج الله لهم الناقة من الجبل، على ما سألوه، ~~فاجتمعوا ودعا صالح بإذن الله له فتحرك الجبل وانصدع، فخرجت منه ناقة، ~~عظيمة الخلق وهي عشراء حاملة من غير فحل، فولدت فصيلا بعد ذلك، فجعل الله ~~لهم فيها آيات من ذلك خروجها من جبل، وعظم خلقها، وحملها من غير فحل، فلم ~~يؤمنوا مع ما رأوا من الآيات، وأقاموا على كفرهم، ثم نهاهم عن عقرها، ~~فخالفوه فعقروها، فأهلكهم الله أجمعين. والشرب: الحظ والنصيب من الماء. ~~والشرب، والشرب، والشرب مصادر كلها بلغات، والمضموم أشبهها بالمصادر، لأن ~~المفتوح والمكسور يشتركان في شيء آخر. فيكون الشرب: الحظ من الماء، ويكون ~~الشرب جمع شارب، كتاجر وتجر، واختار: أبو عمرو والكسائي الفتح في مصدر شرب. # قال تعالى: {ولا تمسوها بسواء}، أي: بعقر، وضرب وشبهه. # {فيأخذكم عذاب يوم عظيم}، أي: يحل عليكم عذاب يوم القيامة. PageV08P5342 # أي: فخالفوا أمر صالح، فعقروا الناقة، فأصبحوا نادمين على عقرهم لها، لما ~~أيقنوا بالعذاب، فأخذهم العذاب الذي كان صالح يوعدهم به فهلكوا. # وقيل: إنهم لما ندموا على عقرها. ولم يتوبوا من كفرهم، طلبوا صالحا ~~ليقتلوه، فتنحى من بين أيديهم، هو ومن آمن معه، فأخذهم العذاب. # قال: {إن في ذلك لآية}، إلى قوله {الرحيم}، وقد تقدم تفسيره. # قال تعالى: {كذبت قوم لوط المرسلين}، / إلى قوله {رب العالمين}، قد تقدم ~~تفسيره. # قال: {أتأتون الذكران من العالمين}، أي: أتنكحون الذكور الذين حرم الله ~~عليكم نكاحهم، وتدعون النساء اللواتي أحل الله لكم نكاحهن. وعن زيد بن ~~أسلم، أن المعنى: أتأتون أدبار الرجال وتدعون النساء. PageV08P5343 # ثم قال: {بل أنتم قوم عادون} أي: تتجاوزون، ما أباحه الله لكم إلى ما حرم ~~عليكم. # وأكثر أهل التفسير: على أن الإشارة في النساء هنا إنما هي الفروج. # وقيل: عادون: معتدون. # قال: {قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين}، أي: لئن لم تنته عما ~~تقول لنا وتنهانا عنه، لنخرجنك من بين أظهرنا، ومن بلدنا. قال لهم لوط: ~~{إني لعملكم}، يعني من إتيان الذكور {من القالين}، أي: من المبغضين ~~المنكرين. ثم قال ms1844 مستغيثا لما تواعدوه بالإخراج: {رب نجني وأهلي مما ~~يعملون}، أي: من عقوبتك إياهم على ما يعملون. فاستجاب الله له دعاءه. ~~فنجاه. {وأهله أجمعين}. # أي: في الباقين: أي: فيمن بقي من العذاب، يعني PageV08P5344 # امرأته، لأنها كانت تدل قومها على أضياف لوط عليه السلام. # وقيل: إنما قيل: {في الغابرين}، بمعنى أنها بقيت حتى كبرت وهرمت. # وقيل: إنما كانت ممن بقي بعد قومها، ولم تهلك معهم في قريتهم، وإنما ~~أصابها الحجر بعدما خرجت من قريتهم مع لوط فكانت من الباقين بعد قومها، ثم ~~أهلكها الله بما أهلك به بقايا قوم لوط من الحجارة. # وقال قتادة: قيل من الغابرين: لأنها غبرت في عذاب الله أي: بقيت فيه. # وأبو عبيد: يذهب إلى أن المعنى: من الباقين في الهرم. أي: بقيت حتى هرمت. # أي: ثم أهلكنا الآخرين: يعني من بقي من قوم لوط. PageV08P5345 # {وأمطرنا عليهم مطرا}، يعني من كان غائبا من قوم لوط أرسل عليه حجارة، ~~فأما من كان في المدينة فإنه قلبت عليه عاليها سافلها، وأرسلت الحجارة على ~~من لم يكن في المدينة، فتلقطتهم في الآفاق فأهلكتهم. # قوله: {إن في ذلك لآية}، إلى قوله {الرحيم} قد مضى تفسيره. # قوله: {كذب أصحاب لئيكة المرسلين}. # قال أبو عبيد: ليكة اسم قرية. والأيكة اسم البلد كله. وترك الصرف على ~~قراءة نافع ومن تبعه يدل على ما قاله قتادة: أرسل شعيب إلى قوم أهل مدين ~~وإلى أصحاب الأيكة. PageV08P5346 # والأيكة غيضة من شجر ملتف. وكان عامة شجرهم الدوم وهو شجر المقل وكان ~~شعيب من ولد أبي أهل مدين ولذلك قال: {وإلى مدين أخاهم شعيبا}، ولم يكن من ~~ولد أبي أصحاب الأيكة. ولذلك قال {إذ قال لهم شعيب}، ولم يقل أخوهم شعيب، ~~كما قال في من تقدم ذكره من الأنبياء: أخوهم نوح، أخوهم هود، أخوهم صالح. ~~لأن هؤلاء كانوا من ولد أبي القوم، وشعيب هو ابن ثوبة من ولد مدين بن ~~إبراهيم، وأصحاب ليكة من صنام من العرب، PageV08P5347 # وأصحاب مدين من ولد مدين بن إبراهيم. # قال الضحاك: خرج أصحاب ليكة. يعني ms1845 حين أصابهم الحر، فانضموا إلى الغيضة ~~والشجر، فأرسل الله عليهم سحابة، فاستظلوا بها، فلما تتاموا تحتها أحرقوا. # وقوله تعالى: {إذ قال لهم شعيب ألا تتقون}، أي: تتقون عقاب الله على ~~معصيتكم إياه. # أي: أمين على ما جئتكم به. # قوله: {فاتقوا الله وأطيعون}، إلى {رب العالمين}، قد تقدم تفسيره. # أي: أوفوا الناس حقوقهم من الكيل، ولا تكونوا ممن ينقصهم حقوقهم. # أي: بالميزان المقوم الذي لا بخس فيه على من وزنتهم لهم به. # {ولا تبخسوا الناس أشيآءهم} أي: لا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن. # قال ابن عباس ومجاهد: القسطاس: العدل. PageV08P5348 # ثم قال تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}، أي: لا تكثروا في الأرض ~~الفساد. # أي: وخلق الخلق الأولين. وفي الجبلة لغات: جبلة، وجبله، وجبلة ومن هذا ~~قولهم: جبل فلان على كذا: أي: خلق عليه. وقد تقدم تفسير. # {إنمآ أنت من المسحرين}، إلى الكاذبين. # قال / عز وجل: { فأسقط علينا كسفا من السمآء}، أي: يقول قوم شعيب له: ~~أسقط علينا جانبا من السماء. ومن قرأ: بفتح السين جعله جمع: كسفة، كسدرة ~~وسدر، وكسرة وكسر. ويجوز أن يكون من أسكن، جعله أيضا جمع كسفة: كثمرة وتمر، ~~فيكون المعنى: فأسقط علينا قطعا من السماء، إن كنت صادقا فيما جئتنا به. # أي: قال شعيب لقومه: ربي أعلم بما تعملون من عملكم لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالكم. PageV08P5349 # قال تعالى: {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة}، يعني بالظلة السحابة التي ~~ظلتهم فلما تتاموا تحتها التهبت عليهم نارا. # قال ابن عباس: بعث الله عليهم رمدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا ~~البيوت، فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هربا إلى البرية، فبعث الله جل ~~وعز عليهم سحابة، فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا. فنادى بعضهم بعضا، حتى ~~إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا. ومثل هذا المعنى قال قتادة. وروي: ~~أن الله جل ذكره بعث عليهم سموما فخرجوا إلى الأيكة وهي شجر الدوم، يستظلون ~~تحتها من الحر. فأضرمها الله عليهم نارا فاحترقوا أجمعين. # وقيل: إن الله بعث عليهم حرا شديدا أو ms1846 بعث العذاب في ظلة، فخرج رجل PageV08P5350 # فوجد بردا تحت الظلة فأنذرهم، فخرجوا بأجمعهم ليجدوا برد الظلة، فأهلكهم ~~الله بها. # قال: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم}، إلى قوله {الرحيم} قد تقدم تفسير ~~ذلك. # قال: {وإنه لتنزيل رب العالمين}، يعني وإن الذكر، قالها: تعود على الذكر ~~من قوله: {من ذكر من الرحمن محدث} وقال قتادة: تعود على القرآن. والمعنى ~~واحد، أي: إن القرآن لتنزيل الله على جبريل: نزل به جبريل عليه السلام. ~~{على قلبك}، أي: تلاه عليك يا محمد. {لتكون من المنذرين}، أي: من رسل الله ~~الذين ينذرون الأمم {بلسان عربي مبين}، أي: تنذر به قومك بلسانهم العربي ~~الظاهر لهم، لئلا يقولوا: إنه نزل بغير لساننا، فلا نفهمه، وهذا تقريع PageV08P5351 # من الله، وإظهار الحجة عليهم، إذ أعرضوا عنه بغير عذر يعتذرون به. # أي: وإن هذا القرآن لفي كتب الأولين. فهذا لفظ عام ومعناه الخصوص، معناه: ~~وإن هذا القرآن لفي بعض كتب الأولين، أي ذكره، وخبره في بعض ما أنزل على ~~الأنبياء من الكتب. # وقد قيل: معناه: وإن الانذار بمن أهلك لفي كتب الأولين. # أي: أولم يكن لقريش علامة على صدقك، وحجة على أن القرآن من عند الله، وأن ~~محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن علماء بني إسرائيل الذين أسلموا: ~~يجدون ذكر محمد مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. قال ابن عباس: كان ابن PageV08P5352 # سلام من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم، فآمن بالقرآن فقال لهم الله: ~~{أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل}. # قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل إلا أحد عشر: إدريس، ونوح، ~~وصالح، وهود، وشعيب، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. # أي: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض البهائم التي لا تنطق، فنطقت به ما ~~آمنوا، ولقالوا: لولا فصلت آياته حتى نفهمه، والأعجمون جمع أعجم، وهو الذي ~~لا يصفح، وإن كان غير أعجمي في PageV08P5353 # أصله والعجمي هو الذي أصله من العجم، وإن كان فصيح اللسان. # قوله ms1847 تعالى ذكره: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين} إلى قوله: {وأكثرهم ~~كاذبون} أي: كما ختم على قلوب هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن، ولو ~~نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، كذلك سلكه التكذيب / والكفر في قلوب ~~المجرمين، ومعنى: سلكناه: أدخلناه. والهاء في سلكناه، تعود على قوله {ما ~~كانوا به مؤمنين}، التقدير: كذلك أدخلنا ترك الإيمان في قلوب المجرمين. # قال ابن جريج: سلكناه: يعني الكفر. # وقال ابن زيد: الشرك، فليس يؤمنون حتى يعاينوا العذاب. وكذلك قال الحسن. PageV08P5354 # قال: {فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون}، أي: يأتهم العذاب فجأة وهم لا يعلمون ~~بمجيئه. فيقولوا حين يأتهم فجأة: {هل نحن منظرون}، أي: يؤخر عن هذا العذاب ~~وينسأ في آجالنا لتتوب من شركنا. # أي: يستعجل هؤلاء المشركون بالعذاب لقولهم لن نؤمن لك حتى تسقط السماء، ~~كما زعمت، علينا كسفا. # قال: {أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جآءهم ما كانوا يوعدون}، أي أرأيت يا ~~محمد إن أخرنا في آجالهم سنين ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون. # " ما " الأول في موضع نصب بأغنى. و " ما " الثانية: الفاعلة ويجوز أن ~~تكون ما الأولى نافية، والثانية فاعلة، وتقدر حذفها من آخر الكلام. ~~والتقدير: لم يغن عنهم الزمان الذي كانوا PageV08P5355 # يمتعونه. # وقال عكرمة: عنى بالسنين: عمر الدنيا. # قال: {ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} أي: وما أهلكنا من قرية من ~~القرى التي تقدم ذكرها، ومن غيرها إلا لها منذرون، ينذرونهم عذاب الله، ~~ويكذرونهم نعمه، " ذكرى " في موضع نصب على المصدر، لأن منذرون بمعنى: ~~مذكرون. فتقف على هذا على " ذكرى " وكذلك إن نصبت " ذكرى " بإضمار فعل: أي ~~جعلنا ذلك ذكرى لهم. # وقيل: " ذكرى " في موضع رفع على إضمار المبتدأ تقديره: تلك ذكرى، وذلك ~~ذكرى، وإنذارنا ذكرى. # {وما كنا ظالمين}، أي: ما كنا نظلم قرية، فنهلكها من غير إنذار وتذكرة. ~~فتقف على هذا " منذرون " ثم تبتدئ " ذرى " أي: هذا القرآن ذكرى للمتذكرين، ~~ودل على هذا الإضمار قوله: {وما تنزلت به الشياطين} [الشعراء: 210] الآية، ~~أي: PageV08P5356 # القرآن ذكرى للمتذكرين، لم تنزل به الشياطين {وما ينبغي ms1848 لهم وما ~~يستطيعون} [الشعراء: 211]. # أي: ما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ~~نزل به عليه الروح الأمين وهو جبريل صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن: ~~الشياطون بالواو وهو غلط لأنه جمع مكسر إعرابه في آخره. # أي: وما يتأتى للشياطين أن ينزلوا بالقرآن، ولا يصلح لهم ذلك ولا ~~يستطيعون أن ينزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به ~~من السماء. # أي: إن الشياطين عن سمع القرآن في المكان الذي هو به لمعزلون، فكيف ~~يستطيعون ان ينزلوا به، والسمع مصدر في موضع الاستماع. PageV08P5357 # قال: {فلا تدع مع الله إلها آخر}، أي: قل يا محمد: لمن كفر لا تدع مع ~~الله إلها آخر. # {فتكون من المعذبين}، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~به جميع الخلق. ومعناه إنه خوطب بذلك ليعلمه الله حكمه فيمن عبد غيره كائنا ~~ما كان، ودليل هذا قوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين}، فهذا خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بلا اختلاف، والمعنى: أنذرهم لئلا يتكلوا على نسبهم، ~~وقرابتهم منك فيدعوا ما يجب عليهم. " ولما نزلت هذه الآية بدأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم ببني جده، وولده فحذرهم " وقالت عائشة رضي الله عنها: " لما ~~نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا صفية بنت عبد المطلب، ~~يا فاطمة بنت رسول الله، يا بني عبد المطلب: إني لا أملك لكم من الله شيئا، ~~سلوني من مالي ما شئتم ". PageV08P5358 # وقال ابن عباس: " لما نزلت هذه الآية: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الصفا ثم نادى: يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه فبين رجل يجيء وبين آخر ~~يبعث رسوله، فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني / ~~أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد تغير عليكم صدقتموني؟ ~~قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لكم ~~سائر اليوم، ما دعوتموني إلا لهذا؟. . {تبت يدآ أبي لهب ms1849 وتب} " السورة. PageV08P5359 # قال تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك}، أي: ألن لهم جانبك. # أي إن عصاك عشيرتك في إنذارك لهم وأبوا إلا الإقامة على كفرهم أي: من ~~عملكم، وعبادتكم الأصنام. # قال: {وتوكل على العزيز}، أي العزيز في نقمته من أعدائه، {الرحيم} لمن ~~تاب من كفره. # أي: تقوم إلى صلاتك. # قال مجاهد: حيت تقوم أينما كنت. # أي: ونرى تقلبك في صلاتك حين تركع وتسجد، وتقوم وتقعد. قاله ابن عباس ~~وعكرمة، وعن ابن عباس معناه: وتقلبك في الطهور من طهر إلى طهر. PageV08P5360 # أي: السميع دعاءك، وتلاوتك، العليم بما تعمل أنت وغيرك. # أي: على من تنزل الشياطين من الناس. # أي: كذاب أثيم، أي: آثم. # قال قتادة: هم الكهنة تسرق الجن السمع، ثم يأتون به إلى أوليائهم من ~~الإنس. # أي: يلق الشياطين ما استمعت إلى الكهنة. قاله مجاهد. وأكثر الكهنة ~~كاذبون. وقيل: المعنى يلق الكهنة السمع أي: يسمعونه ويعقلونه {وأكثرهم ~~كاذبون}،. يعني الكهنة أيضا. # قالت عائشة: كانت الشياطين تسترق السمع فتجيء بكلمة حق فتقذفها في PageV08P5361 # أذن وليها. قالت: وتزيد فيها أكثر من مائة كذبة. # أي: الشعراء يتبعهم أهل الغي، لا أهل الرشد. # قال ابن عباس: الغاوون: رواه الشعر. وقال مجاهد، وقتادة هم الشياطين. ~~وقال عكرمة، هم عصاة الجن. وقيل: هم السفهاء. وعن ابن عباس: أنها نزلت في ~~رجلين: أحدهما من الأنصار، والآخر من غيرهم، تهاجيا على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه. أي: سفهاء. وكذلك PageV08P5362 # قال الضحاك. وقيل: الغاوون: ضلال الجن والإنس. وقال ابن زيد: الغاوون: ~~المشركون، والشعراء هنا: شعراء، لأن الغاوون لا يتبع إلا غاويا مثله. قال ~~الطبري: هم شعراء المشركين، يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة ~~الجن. # هذا مثل ومعناه: أنهم في كل فن من القول الباطل يذهبون، يمدحون هذا بما ~~ليس فيه، ويذمون هذا بما ليس فيه، فهم يذهبون، كالهائم على وجهه، قال ابن ~~عباس: معناه في كل لغو يخوضون. PageV08P5363 # قال: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون}، أي: يكذبون، ثم قال: {إلا الذين آمنوا ~~وعملوا ms1850 الصالحات}،. فهذا الاستثناء يدل على أن الأول في المشركين نزل ~~والسورة مكية إلا هذه الآيات نزلت بالمدينة في: حسان بن ثابت، وكعب بن ~~مالك، وعبد الله بن رواحة. وهم شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هي ~~لكل من كان مثلهم. هذا قول ابن عباس، وأدخل الضحاك هذه الآيات في الناسخ ~~والمنسوخ. فقال: {إلا الذين آمنوا}، نسخت ما قبلها. والصحيح أنه استثناء ~~والاستثناء عند سيبويه بمنزلة التوكيد لأنه يبين به كما يبين بالتوكيد. # قال قتادة: قوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية، نزلت في PageV08P5364 # حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله الأنصاري الذين هاجوا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # ثم قال تعالى: {وذكروا الله كثيرا}، أي: ذكروه في حال كلامهم، ومحاورتهم ~~ومخاطبتهم الناس / قاله ابن عباس. وقال ابن زيد: وذكروا الله كثيرا في ~~شعرهم. وقيل المعنى: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله. إنما ناضلوا من كذب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحق الناس بالهجاء {وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا}، أي: هجوا من هجاهم، من شعراء المشركين، وجاوبوهم عن هجائهم. # قال ابن عباس: يردون على الكفار الذين هجوا المسلمين. # قال سالم مولى تميم الداري: لما نزلت: {والشعرآء يتبعهم الغاوون} الثلاث PageV08P5365 # الآيات: جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، يبكون فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآيات أنا ~~شعراء، فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات}، إلى {ظلموا}. # وقال: أنتم. ثم قال تعالى: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}، يعنى ~~مشركي مكة، الذين ظلموا أنفسهم بشركهم بالله، سيعلمون أي: مرجع يرجعون، ~~وأي: معاد يعودون بعد مماتهم، وأي منصوب ينقلبون على المصدر، وليس بمفعول ~~به، لأن " ينفعل " لا يتعدى: نحو: ينطلق، فإنما نصبه على أنه نعت لمصدر ~~محذوف عمل ما فيه {ينقلبون}، ولا ينتصب " سيعلم " لأن " سيعلم " خبر، أو " ~~أي " استفهام ولا يعمل ما قبل الاستفهام فيه. PageV08P5366 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النمل مكية # قوله ms1851 تعالى ذكره: {طس تلك آيات القرآن}. # قال ابن عباس: طس: قسم، وهو من أسماء الله فيكون معناه على هذا التأويل: ~~واللطيف السميع: إن هذه الآيات التي أنزلها الله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم لآيات القرآن، وآيات كتاب مبين، أي يتبين لمن تدبره، وتفكر فيه، يفهم ~~أنه من عند الله، لم تتخرصه أنت يا محمد، ولا أحد سواك، من خلق الله، إذ لا ~~يقدر أحد أن يأتي بمثله. PageV08P5367 # قال تعالى: {هدى وبشرى للمؤمنين} أي هو هدى للمؤمنين به يهديهم إلى سبيل ~~الرشاد ومبشرا لهم بالجنة والمغفرة. ثم نعت المؤمنين فقال: {الذين يقيمون ~~الصلاة}، يعني المفروضة يقيمونها بحدودها في أوقاتها. {ويؤتون الزكاة}، ~~يعني المفروضة ويخرجونها في أوقاتها إلى مستحقها. {وهم بالآخرة هم يوقنون}، ~~أي يصدقون بالبعث والحشر بعد الموت والجزاء. # قال: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة}، أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت {زينا ~~لهم أعمالهم}، أي حببناها لهم يعني الأعمال السيئة. # وقال بعضهم: يعني الأعمال الجسنة: زينها لهم وبينها لهم، فخالفوا، وهذا ~~مذهب المعتزلة، والأول مذهب أهل السنة. وهو ظاهر التلاوة والنص. {فهم ~~يعمهون}، أي يترددون في ضلالهم، ويتحيرون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، ثم ~~وصف هذا الجنس أيضا فقال: {أولئك الذين لهم سواء العذاب} يعني في الدنيا، ~~عني به الذين قتلوا يوم بدر من مشركي قريش. PageV08P5368 # {وهم في الآخرة هم الأخسرون}، أي أخسر الناس لأنهم اشتروا الضلالة ~~بالهدى، وفي الآخرة تبيين، وليس يتعلق في الأخسرين، ويجوز أن يكون في ~~الكلام حذف، والتقدير: وهم الأخسرون: في الآخرة هم الأخسرون. # أي وإنك يا محمد، لتحفظ القرآن وتتعلمه من عند رب حكيم بتدبير خلقه، عليم ~~بمصالحهم، والكائن من أمورهم، والماضي من ذلك. # قال تعالى: {إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا}، العامل في: {إذ} اذكر. # وقيل: العامل في {إذ} عليم، والتقدير: عليم، حين قال موسى لأهله: {إني ~~آنست نارا}، وذلك حين خرج موسى صلى الله عليه وسلم من مدين إلى مصر، وقد ~~آذاهم برد ليلهم، وضاع زنده. {إني آنست نارا}، / أي أبصرت وأحسست. {سآتيكم ms1852 ~~منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس}، في الكلام حذف، والتقدير: إني PageV08P5369 # آنست نارا، فامكثوا سآتيكم من النار بخبر، أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم ~~تصطلون بها من البرد. # قال ابن عباس: كانوا شاتين، قد أخطأوا الطريق. وأصل الطاء: ثاء، لأنه من ~~صلى النار فهو يفتعلون، فأبدل من التاء طاء لتكون في الإطباق كالصاد، ~~وأصله: يصتليون، ثم أعلى على الأصول، وأبدلت التاء طاء، كما قالوا: مصطفى، ~~وأصله: مصتفى: لأنه مفتعل من الصفوة. # قوله تعالى ذكره: {فلما جآءها نودي أن بورك من في النار}، إلى قوله: ~~{فإني غفور رحيم}، # معناه: فلما جاء موسى النار نودي أن بورك: أي بأنه بورك، ويجوز أن يكون ~~(أن) في موضع رفع بنودي ولا يقدر جارا، ومعنى بورك: قدس أي طهر من في ~~النار، قاله ابن عباس. PageV08P5370 # وعن ابن عباس أنه قال: كان نور رب العالمين في الشجرة. # وقال ابن جبير: ناداه وهو في النور. # وقال الحسن: هو النور. # وقال قتادة: نور الله بورك. # وقيل: من في النار: الملائكة، الموكلون بها، ومن حولها الملائكة أيضا ~~يقولون: سبحان الله رب العالمين. # وعن مجاهد معناه: بوركت النار. حكاه عن ابن عباس. # قال محمد بن كعب: النار: نور الرحمن، والنور هو الله سبحان الله رب ~~العالمين. # وقال ابن جبير: النار: حجاب من الحجب وهي التي نودي منها وذكر الحجب: ~~فقال: حجاب العزة، وحجاب الملك، وحجاب السلطان، وحجاب النار، PageV08P5371 # وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء. # قال عبد الرحمن بن الحويرث: مكث موسى عليه السلام، أربعين ليلة لا يراه ~~أحد، إلا مات من نور رب العالمين. يعني إذ تجلى إلى الجبل. # قال الطبري: إنما قال: بورك من في النار، ولم يقل: بورك على من في النار، ~~على لغة الذين يقولون: باركك الله. والعرب تقول: باركك الله، وبارك عليك، ~~حكى ذلك الكسائي عن العرب. # وقوله: {ومن حولها}، يعني من حول النار من الملائكة. قاله الحسن وغيره. # وقال محمد بن كعب القرطبي: {ومن حولها}، يعني موسى والملائكة. # ثم قال تعالى: {وسبحان الله رب العالمين}، أي ms1853 تنزيها لله مما يصفه به ~~الظالمون. # ثم قال تعالى: {ياموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم}، أي إن الآمر أنا ~~الله، العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبير أمر خلقه. PageV08P5372 # ثم قال: {وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب}، أخبر ~~عن العصا ها هنا أنها انقلبت كالجان، والجان: صغير الحيات، وأخبر عنها في ~~موضع آخر أنها انقلبت ثعبانا مبينا، والثعبان: كبير الحيات. ومعنى ذلك أن ~~عصا موسى انقلبت له على ثلاث حالات، آيات من الله، انقلبت حية تسعى وهي ~~الأنثى، وجان وهو الصغير من الحيات، وثعبان مبين: وهو الذكر الكبير من ~~الحيات. # وقيل: إنها انقلبت ثعبان تهتز كأنها جان ولها عظم الثعبان وخفة الجان ~~واهتزازه، وهي حية تسعى. والعرب تقول: هذه حية، وهذا حية. # وقيل: إن الله أقلب له العصا في أول مرة جانا، وهو الحية الصغيرة لئلا ~~يخاف ويجزع، فلما أنس بها وأخذها وأرسلها. أرسله إلى فرعون، فألقاها في ~~الحال الأخرى بين يدي فرعون فصارت ثعبانا مبينا، والله أعلم، وفي لفظ الآية PageV08P5373 # اختصار وحذف، والتقدير: فألق عصاك، فألقاها: فصارت حية تهتز، فلما رآها ~~تهتز كأنها جان أي حية، والجان جنس من الحيات معروف. # وقوله: {ولى مدبرا}، أي هاربا خوفا منها، {ولم يعقب}، أي ولم يرجع. يقال: ~~عقب فلان: إذا رجع على عقبيه إلى حيث بدأ. # قال قتادة: ولم يعقب: لم يلتفت. # قال ابن زيد: لما ألقى موسى صلى الله عليه وسلم العصا صارت حية، فرعب ~~منها وجزع، فقال الله تعالى: {إني لا يخاف لدي المرسلون}، فلم يركن لذلك ~~فقال الله: {أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} [القصص: 31]، قال: فلم يقف أيضا ~~على شيء من هذا حتى قال الله جل ذكره: {سنعيدها سيرتها الأولى} [طه: 21]، ~~قال: فالتفت موسى، فإذا هي عصا كما كانت / فرجع فأخذها، ثم قوي بعد ذلك ~~عليها حتى صار PageV08P5374 # يرسلها على فرعون ويأخذها. # وقوله جل ثناؤه: {لا يخاف لدي المرسلون}، أي عندي. ثم قال: {إلا من ظلم ~~ثم بدل حسنا بعد سواء}، أي من ظلم ms1854 فعمل بغير ما أذن له في العمل به. # قال ابن جريج: لا يخاف الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه ~~الله حتى يأخذه منه. # وقال الحسن: في الآية إنما أخيف لقتله النفس، وقال الحسن أيضا: كانت ~~الأنبياء تذنب، فتعاقب ثم تذنب والله فتعاقب. # وقوله: {إلا من ظلم}، استثناء منقطع عند البصريين، لأن حق الاستثناء أن ~~يكون ما بعده مخالفا لما قبله في المعنى. # وقوله: {إني لا يخاف لدي المرسلون}، يدل على أمنهم. وقوله: {إلا من ظلم ~~ثم بدل حسنا بعد سواء فإني غفور رحيم}، يدل على أمن من ظلم، ثم فعل ذلك فقد ~~حصل المعنى فيهما واحد، فوجب أن يكون ليس من الأول و " إلا " بمعنى لكن، ~~والتقدير، PageV08P5375 # لكن من ظلم من المرسلين وغيرهم ثم تاب فليس يخاف ومثله من كلام العرب ما ~~اشتكى إلا خيرا، فالخير لا يشتكى. # وقوله: ما اشتكى يدل على أنه حل به الخبر. وقوله: إلا خيرا قد صار مثل ~~الأول في المعنى، فوجب أن يكون منقطعا، و " إلا " بمعنى لكن خيرا، وكأنه ~~قال: ما أذكر إلا خيرا. # وقال الفراء: الاستثناء من محذوف، والتقدير عنده: {إني لا يخاف لدي ~~المرسلون}، إنما يخاف غيرهم، إلا من ظلم ثم تاب فإنه لا يخاف، وأجاز الفراء ~~أيضا أن تكون " إلا " بمعنى الواو، ومثله عنده {لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~إلا الذين ظلموا} [البقرة: 150] أي والذين، وقد رد عليه القولان، لأن ~~الاستثناء من محذوف لا يجوز، إذ لا يعلم ما هو، ولو جاز هذا، لجاز: إني ~~لأضرب القوم إلا زيا. على معنى وأضرب غيرهم إلا زيدا. وهذا ضد البيان، ونقض ~~الكلام، ولا يجوز كون " إلا " بمعنى الواو. # لأنه تقلب PageV08P5376 # المعاني، فيلزم إذا قلت له: عندي عشرة إلا أربعة أن تكون قد أقررت بأربعة ~~عشر وهذا محال. # وقوله: {ثم بدل حسنا بعد سواء}، يريد التوبة. وقرأ: مجاهد {ثم بدل حسنا}، ~~بالفتح على معنى عملا محسنا. {فإني غفور}، أي ساتر لذنوبه. {رحيم}، به إن ~~عاقبته. # وقوله: {ومن حولها} وقف إن جعلت ms1855 {وسبحان الله} لم ينادي به موسى، وإنما ~~هو من قوله: لما خاف. فإن جعلت {وسبحان الله} من النداء، كان الوقف " {رب ~~العالمين} {وألق عصاك} وقف {ولم يعقب} وقف و {لا تخف} وقف. {المرسلون} وقف، ~~إن جعلت {إلا من ظلم} منقطعا، فإن جعلته مستثنى على معنى: إن المرسلين لا ~~يخافون إلا أن يذنبوا PageV08P5377 # فيخافون العقوبة، كما قال الحسن وغيره. لم تقف إلا على {سواء}، والتمام ~~{رحيم}. # قوله تعالى ذكره: {وأدخل يدك في جيبك}. # قال مجاهد: كانت على موسى يؤمئذ مدرعة فأمره الله أن يدخل كفه في جيبه، ~~ولم يكن لها كم. # وقيل: أمره أن يدخل يده في قيمصه، فيجعلها على صدره ثم يخرجها بيضاء تشبه ~~شعاع الشمس أو نور القمر. # قال ابن مسعود: إن موسى أتى فرعون حين أتاه في زرمانقة يعني جبة صوف. # وقوله: {تخرج بيضآء من غير سواء}، أي تخرج اليد بيضاء مخالفة PageV08P5378 # للون موسى من غير برص. # وقيل: من غير مرض. وفي الكلام اختصار وحذف. والتقدير: واجعل يدك في جيبك، ~~وأخرجها تخرج بيضاء. # ثم قال: {في تسع آيات}، أي من تسع آيات، و " في " بمعنى " من ". # وقيل: بمعنى " مع ". # وقيل: المعنى: هذه الآية داخلة في تسع آيات. والمعنى في تسع آيات مرسل ~~أنت بهن إلى فرعون، والتسع الآيات: العصا، واليد، والجدب، ونقص الثمرات، ~~والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وقد تقدم تفسيرها بالاختلاف ~~بأشبع من هذا. # وقوله: {إنهم كانوا قوما فاسقين}، يعني فرعون وقومه من القبط. ثم قال: ~~{فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين}، أي لما جاءت فرعون وقومه ~~أدلتنا PageV08P5379 # وحججنا، وهي التسع الآيات مبصرة أي مبينة: أي يبصر بها من نظر إليها ورأى ~~حقيقة ما دلت عليه. # قال ابن جريج: مبصرة، مبينة. # قال فرعون وقومه {هذا سحر مبين}، أي بين للناظرين فيه أنه سحر. # / قال: {وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم}، أي كذبوا بالآيات أن تكون من عند ~~الله، وقد تيقنوا في أنفسهم أنها من عند الله، فعاندوا بعد تبينهم الحق: ~~قاله ابن عباس. # وقوله: {ظلما وعلوا} أي ms1856 اعتداء وتكبرا. والعامل في ظلم وعلو: جحدوا، وفي ~~الكلام تقديم وتأخير. # ثم قال تعالى: {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين}، أي عاقبة تكذيبهم، كيف ~~أغرقوا أجمعين. هذا كله تحذير لقريش أن تحل بهم ما كان حل بمن كان قبلهم. PageV08P5380 # ثم قال {ولقد آتينا داوود وسليمان علما}، أي علم منطق الطير، والدواب ~~وغير ذلك. {وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين}، أي ~~فضلنا بعلم لم يعلمه أحد في زماننا. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أوحى الله إلى داود صلى الله عليه ~~وسلم أن العبد من عبيدي ليأتيني بالحسنة، فأحطه في جنتي، قال داود: وما تلك ~~الحسنة، قال: يا داود: كربة فرجها عن مؤمن ولو بتمرة. قال داود: حقيق على ~~من عرفك حق معرفتك أن ييأس ولا يقنط منك ". # قال تعالى: {وورث سليمان داوود}، أي ورث علمه وملكه. # وقال قتادة: ورث منه النبوة والملك. # وروى أن داود كان له تسعة عشر ولدا، فورث سليمان النبوة والملك دونهم. PageV08P5381 # ثم قال تعالى ذكره: {وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير}، أي فهمنا ~~كلامها، وسماه منطقا لما فهمه عنها كما يفهم بنطق الرجل. قال محمد بن كعب: ~~بلغنا أن سليمان كان في عسكره مائة فرسخ: خمس وعشرون منها للإنس، وخمس ~~وعشرون للجن، وخمس وعشرون للوحش، وخمس وعشرون للطير، وكان لع ألف بيت من ~~قوارير على الخشب فيها ثلاث مائة صريحة، وسبع مائة سرية، فأمر الريح لعاصف ~~فرفعته، وأمر الرخاء فسيرته، فأوحى الله عز وجل وهو يسير بين السماء ~~والأرض: أي قد زدت في ملكك، أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت ~~الريح فأخبرتك. # قال وهب بن منبه: أرادت الشياطين كيد سليمان، وتحاوروا بينهم في ذلك، PageV08P5382 # ليخلصوا من السحرة، فأمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد من الخلائق إلا ~~وضعته في اذن سليمان، فبذلك سمع كلام النملة. # وذكر وهب: أن سليمان مر بجنوده من السماء والأرض، فرآه رجل من بني ~~إسرائيل، كان ms1857 في حرثه يفجر الماء فقال: لقد آتاكم الله آل داود، فاحتملت ~~الريح قوله فقذفته في أذن سليمان. فقال سليمان للريح: إحبسي فحبست، ونزل ~~سليمان متقنعا ببرد له حتى أتى الرجل فقال له: ما قلت؟ فقال له الرجل: ~~رأيتك في سلطانك الذي آتاك الله، وما سخر لك فقلت: لقد آتاكم الله آل داود. ~~فقال له سليمان: صدقت، ولكن جئتك، خوف الفتنة عليك، تعلم والذي نفس سليمان ~~بيده لثواب سبحان الله كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء ~~أوتيته آل داود في الدنيا. فقال له الرجل: فرجت همي فرج الله عنك همك. PageV08P5383 # فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله، قال: صدقت. وانصرف ~~عنه سليمان إلى مركه. # ثم قال تعالى: {وأوتينا من كل شيء}، يعني من كل شيء من الخيرات، يؤتاه ~~الأنبياء والناس، وهذا على التكثير كما تقول: ما لقيت أحدا إلا كلمته. # ثم قال تعالى: {إن هذا لهو الفضل المبين}، أي إن الذي أوتيناه من الخيرات ~~لهو الفضل على جميع أهل دهرنا الظاهر. # قال: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير}، يقال: إن الجن سخرت ~~له، بأن ملك مضارها ومنافعها، وسخرت له الطير بأن جعل فيها ما تفهم عنه ~~فكانت تستره من الشمس وغيرها. # وقيل: لهذا تفقد الهدهد. ومعنى الآية: وجمع سليمان جنوده في مسير له {فهم ~~يوزعون}. PageV08P5384 # قال قتادة: أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا. # قال ابن عباس: جعل على كل صنف منهم وزعة يرد أولاها على أخراها لئلا ~~يتقدموا في السير كما يفعل الملوك. # وقال ابن زيد: يوزعون: يساقون. # وقال الحسن: / يوزعون يتقدمون. والوازع في اللغة: الكاف: يقال: وزع فلان ~~فلانا عن الظلم، أي كفه عنه، ومنه قيل للذين يدفعون الناس عن القضاة ~~والأمراء: وزعة لأنهم يكفون الناس عنهم، أي يمنعونهم منهم. PageV08P5385 # قال {حتى إذآ أتوا على واد النمل}، يعني أتى سليمان وجنوده على واد ~~النمل، وهو واد كان بالشام نمله على قدر الذباب، {قالت نملة يا أيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم} أي ms1858 بيوتكم {لا يحطمنكم سليمان وجنوده}، أي يكسرنكم. {وهم ~~لا يشعرون}، أي يكسرونكم بوطئهم غير عالمين بكم. فتكون الجملة في موضع ~~الحال من سليمان وجنوده، والعامل في الحال يحطمنكم، ويجوز أن تكون الجملة ~~حالا من النملة، ويكون العامل في الحال: قالت. أي قالت نملة ذلك في حال ~~غفلة الجنود، كما تقول: قلت خيرا والناس نيام. # وقيل: إن قوله: {وهم لا يشعرون}، راجع إلى النمل. أي والنمل لا يشعر أن ~~سليمان يفهم مقالتها، فتكون حالا من النملة أيضا والعامل فيه: قالت. كما ~~تقول: شتمتك وأنا غير عالم بك. أي شتمتك في حال جهلي بك. ولما PageV08P5386 # فهم سليمان قول النمل وصارت بمنزلة من يعقل في الفهم عنها، أخبر عنها كما ~~يخبر عن من يعقل، فلذلك قال: {قالت}، وقال: {ادخلوا} ولذلك أضاف إلى الطير ~~منطقا في قوله: {علمنا منطق الطير} [النمل: 16]. # وروي: أن الله جل ذكره: فهم سليمان كلام الإنس باختلاف لغاتها، وفهمه ~~كلام الطير والبهائم، وكان إذا أراد أن يسير على الأرض أمر بالكرسي فوضع له ~~فجلس عليه، ثم أمر بكراسي فوضعت لأصحابه فأجلس عليها من أراد، فالذين يلونه ~~الإنس، ثم الجن، ثم الشياطين ثم يأمر الريح فتحملهم بين السماء والأرض، ~~وإذا أراد صار على الخيل في الأرض، فبينما سليمان ذات يوم يسير بين أيدي ~~الناس على الأرض، ورجلان معه أحدهما ختنه: زوج ابنته، والآخر عن يساره من ~~أهل مملكته كريم عليه، ولم يكن أحد يسير بين يديه تواضعا لله، إذ مر على ~~واد النمل وهو واد فيه نمل، فسمع نملة تقول: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ~~لا يحطمنكم سليمان وجنوده} وكان قد أعطى الله سليمان زيادة في ملكه ألا ~~يذكره أحد إلا حملت PageV08P5387 # الريح ذلك الكلام إليه حتى يسمعه، فلما فهم سليمان كلام النمل تبسم ووقف ~~فوقف الناس معه، فقال الرجلان: ما يضحك نبي الله؟ فأخبرهما بكلام النملة، ~~فلم يزل واقفا حتى دخلت النمل مساكنها ثم سار. # وروى الأعمش عن نوف أنه قال: كانت نمل سليمان أمثال الذباب، وكانت هذه ~~النملة مثل ms1859 الذيب في العظم. # قوله تعالى ذكره: {فتبسم ضاحكا من قولها}، # أي فضحك سليمان من قول النملة، وقال: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك}، أي ~~ألهمني الشكر على ما أنعمت به علي وعلى والدي وألهمني أن أعمل عملا صالحا ~~ترضاه. # وقيل: معناه كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك. {وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين}، أي مع عبادك الصالحين، يعني الأنبياء، أي أدخلني معهم الجنة. PageV08P5388 # قال ابن زيد: {عبادك الصالحين}: هم الأنبياء والمؤمنون. ثم قال: {وتفقد ~~الطير فقال مالي لا أرى الهدهد}، سأل ابن عباس، عبد الله بن سلام: لم تفقد ~~سليمان الهدهد من بين سائر الطير؟ فقال عبد الله: إن سليمان نزل منزلة في ~~مسير له، فلم يدر ما بعد الماء، فقيل: من يعلم ما بعد الماء؟ فقالوا: ~~الهدهد، فذلك حين تفقده. # وروي: أن الهدهد كان يدل سليمان على مواضع الماء في أسفاره، فأخذ الناس ~~عطش في مفازة فسألوا سليمان الماء، فسأل عن الهدهد، فقالوا: غاب ولم يكن ~~معه إلا هدهد واحد. # قال ابن عباس: تفقد سليمان - عند سؤالهم الماء - الهدهد، فسأل عنه، ودعا ~~أمين الطير فسأله عنه، ولم يكن معه إلا هدهد واحد. فقال الأمين: ما أدري / ~~أين ذهب ولا استأمرني. فكان الهدهد إذا وضع منقاره في الأرض أخبره كم بعد ~~الماء، PageV08P5389 # فغضب سليمان عند ذلك، وتألا لنعذبنه عذابا شديدا، أي ينتف ريشه حتى يتركه ~~أقرع لا ريش عليه، فلم يكن إلا يسيرا حتى أتى الهدهد بعذر بين، فقال: اطلعت ~~على ما لم تطلع عليه {فوجئتك من سبإ} [النمل: 22]، أي بخبر صادق. # قال ابن عباس: لما أقبل الهدهد قيل له: إن سليمان قد حلف ليعاقبنك حين ~~فقدك. فقال الهدهد: هل استثنى؟ قالوا: نعم، فأقبل حتى قام بين يديه فأخبره ~~بعذره. # وروي: أن الطير كانت تظله من الشمس في مسيره. فلما غاب الهدهد أصابته ~~الشمس من موضع الهدهد، فسأل عنه إذ فقده. # وقال ابن عباس: كان سليمان يوضع له ست مائة كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس، ~~فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف ms1860 الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو PageV08P5390 # الطير فتظلهم، قال: ثم يدعو الريح فتحملهم فيسير في الغداة الواحدة مسيرة ~~شهر. قال: فبينما هو في مسيرة إذا احتاج إلى الماء، وهو في فلاة من الأرض ~~قال: فدعا الهدهد، فجاءه فنقر في الأرض فيبصر موضع الماء. قال: فتجيء ~~الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب، ثم يستخرجون الماء. فاعترض على ابن ~~عباس نافع بن الأزرق، فقال له: كيف يبصر الهدهد الماء تحت الأرض، ولا يبصر ~~الفخ حتى يقع في عنقه؟ فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون ~~البصر. # وذكر أن الهدهد كان يرى الماء في الأرض، كما يرى الماء في الزجاجة. ومعنى ~~قوله: {مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين}، أي أخطأه بصري فلا أراه، ~~وقد حضر أم هو غائب فيما غاب من سائر أجناس الخلق؟ " وكان " ها هنا بمعنى ~~صار لأنه لم يستفهم وهو حاضر، إنما استفهم عنه وهو غائب، وإذا حملت " كان " ~~على لفظها صار المعنى أنه استفهم عنه وهو حاضر، ولم يكن كذلك بل كان غائبا ~~وقت الاستفهام فكان محمولة على معنى صار. وبذلك يتم المعنى. PageV08P5391 # وقيل: إن مثله {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: 67] أي أن يصير ~~له أسرى، لأن الأسرى كانوا بالحضرة لم يكونوا غيبا، ولا متوقعين ولا ~~منتظرين و " يكون " يدل على أنه أمر متوقع منتظر، وليس هو كذلك، بل كانوا ~~بالحضرة، فالمعنى أن تصير له أسرى. # قال: {لأعذبنه عذابا شديدا}، في الكلام اختصار وحذف، والتقدير: فقيل له ~~غاب، فقال: {لأعذبنه عذابا شديدا}، أي لأنتفن ريشه، وأشتمه. قاله ابن عباس. # {أو ليأتيني بسلطان مبين} أي بحجة ظاهرة يقوم له بها عذر في غيبته عني. # قوله: {أو ليأتيني} ليس هو بجواب قسم لسليمان. مثل أو (لأعذبنه أو ~~لأذبحنه) هذا جواب قسم لسليمان وليس {أو ليأتيني} بجواب قسم له، لأنه لم ~~يقسم على أن يأتيه بحجة تدفع عنه العذاب، لكنه جرى على لفظ ما قبله من ~~قوله: {لأعذبنه} أو {لأاذبحنه} على باب المجازات ms1861 لا أنه مثله. PageV08P5392 # ومثله قوله: {ولو شآء الله عليكم} [النساء: 90] فهذا جواب قسم ثم قال: ~~{فلقاتلوكم} فليس هذا بجواب قسم ولكن دخلت اللام على طريق المجازات، ~~{لسلطهم} لا على الجواب. # قال تعالى: {فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به}، أي فمكث سليمان غير ~~وقت طويل من حين سأل عن الهدهد، حتى جاء الهدهد فقال له الهدهد لما سأله ~~سليمان عن علة تخلفه وغيبته: أحطت علما بما لم يحط به علمك. # قال ابن زيد: معناه علمت ما لم تعلم. {وجئتك من سبإ بنبإ يقين}، أي بخبر ~~صحيح، ومن صرف {سبإ} جعله اسما للأب أو للحي أو لرجل أللبلد. ومن لم يصرفه ~~جعله اسما للقبيلة، أو لامرأة هي أم القبيلة أو للبلدة. # قال أبو إسحاق: سبأ مدينة تعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين PageV08P5393 # صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. # / وروي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن سبإ فقال: يا رسول ~~الله أخبرني سبإ ما هو أرض أم امرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس ~~بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، ~~فأما الذين تشاءموا: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان وأما الذين تيامنوا فكندة، ~~والأشعرون، والأزد ومذحج وحمير، وأنمار. فقال رجل: ما أنمار؟ فقال رسول PageV08P5394 # الله صلى الله عليه وسلم: الذين منهم خثعم وبجيلة " وكذلك رواه ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. بهذا المعنى فيجب صرفه على هذا القول. وكل ~~النحويين على أنه إن سمي به رجل صرف فدل على أنه مذكر في الأصل. # قال: {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء}، أي قال الهدهد لسليمان ~~مخبرا بعذره في الغيبة: إني وجدت امرأة تملك شيئا، وأوتيت من كل شيء. . أي ~~من كل شيء يؤتاه الناس في دنياهم. # وقيل: معناه: من كل شيء يؤتاه مثلها من الأموال والعدد والرجال والخصب ~~والنعم، وغير ذلك. فقام له العذر عند سليمان في غيبته لأن سليمان عليه ~~السلام كا لا يرى في الأرض أحدا له مملكة ms1862 معه، وكان قد حبب إليه الجهاد، ~~والغزو، فلما دله الهدهد على ملك معه ودله على موضع جهاد عذره وترك تعذيبه. # قال قتادة: هي امرأة يقال لها بلقيس بنت شراحيل وكان أحد أبويها PageV08P5395 # من الجن، وكان مؤخر قدمها كحافر الحمار. # وقوله: {ولها عرش عظيم}، يعني ذا سعة، وحسن صنعة يعني به السرير. # قال ابن عباس: عرش عظيم: سرير كريم حسن الصنعة. وكان سريرا من ذهب قوائمه ~~من جوهر ولؤلؤ. # وروي: أنه كان سريرا من ذهب تجلس بلقيس عليه، طوله ثمانون ذراعا، وعرضه ~~أربعون ذراعا، وارتفاعه في السماء: ثلاثون ذراعا، مكلل بالدر والياقوت ~~الأحمر، والزبرجد الأخضر، قوائمه من زبرجد أخضر، وكان اسم المرأة بلقيس ~~ابنة اليشرح الحميرية. روي: أنه كان سريرا عاليا تجلس عليه، وتكلم الناس من ~~فوقه. # وذكر قوم: أن الوقف {ولها عرش}، ثم تبتدئ {عظيم} {وجدتها} وروي ذلك عن ~~نافع، وليس بشيء لأن " عظيما " من PageV08P5396 # نعت العرش، ولو كان متعلقا بما بعده لقال: عظيم أن وجدتها أي عظيم وجودي ~~لها كافرة. # قال تعالى: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله}، أي يعبدون الشمس ~~{وزين لهم الشيطان أعمالهم}، أي حسن لهم عبادة الشمس من دون الله {فصدهم عن ~~السبيل}، أي فمنعهم بتزيينه لهم الباطل، أن يتبعوا الطريق المستقيم، وهو ~~دين الله فهم لا يهتدون إلى الحق. # قال: {ألا يسجدوا لله} أن من {ألا} في موضع نصب على البدل من الأعمال ~~عند: اليزيدي. وقال: أبو عمرو والكسائي، " أن " في موضع خفض بدل من السبيل، ~~ويجوز أن يعمل فيها " يهتدون ". # وقرأ الكسائي: ألا بالتخفيف، على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فجعلها: " ~~ألا " التي للتنبيه، ويا: حرف نداء، واحتج الكسائي أن حرف أبي وابن مسعود: PageV08P5397 # " هلا يسجدوا " فهلا تحقيق وأن اسجدوا أمر، واحتج أيضا أن السجود هنا ~~مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شدد لا يلزمه سجود، لأنه خبر عن قوم ~~أنهم لم يسجدوا، وليس هو أمر. وليس فيه بمعنى الأمر. ومن الدليل على صحة ~~قراءة الجماعة، حذف الألف من يا من ms1863 الخط، وحذف ألف الوصل من اسجدوا ويدل ~~على ذلك أنه كله من كلام الهدهد وحكايته. ولم يكن في الوقت أحد يؤمر ~~بالسجود فيكون هذا أمرا له، ولا يلزم ترك السجود على قراءة الجماعة، لأنه ~~لما أخبر أنهم لا يسجدون، وجب لمن يؤمن بالله أن يسجد لله عند ذكر تركهم ~~للسجود تعظيما لله، وخلافا لما فعلوا من ترك السجود. # وقوله: {ألا يسجدوا} قيل: هو من قول الله جل ذكره ينبه عباده أن PageV08P5398 # السجود لا يصلح إلا لله. # واختلف العلماء في سجود القرآن، ويقال لها: عزائم القرآن. فكان ابن عمر، ~~وابن عباس يقولان: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة: في الأعراف، والرعد، ~~والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، أولها، والفرقان / والنمل، وآلم ~~السجدة، وص، وحم السجدة، وهذا مذهب مالك. قال مالك في الموطأ من رواية ابن ~~القاسم: أجمع الناس على أن عزائم سجود القرآن إحدى عشر سجدة ليس في المفصل ~~منها شيء. يعني بقوله أجمع الناس: أهل المدينة. # وقد روي عن ابن عباس: أنه أسقط ص وجعلها عشرة. # ومذهب الشافعي: أنها أربع عشرة سجدة زاد في الحج آخرها، وفي والنجم، وإذا ~~السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، ونقص سجدة (ص) وكذلك قال: أبو ثور، إلا أنه ~~أثبت السجود في (ص) وأسقطه من والنجم. # وقال إسحاق: سجود القرآن خمس عشرة سجدة، زاد على مذهب الشافعي PageV08P5399 # سجدة أخرى في الحج، واختلفوا في الموضع الذي يسجد فيه في (حم) السجدة. ~~فقال ابن عباس، وابن عمر والحسن البصري، وابن سيرين: يسجد آخر قوله: # {إياه تعبدون} [فصلت: 37] وقد حكى ذلك عن مسروق عن أصحاب ابن مسعود، وبه ~~قال مالك والليث بن سعد. # وقال ابن المسيب، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى وإسحاق: يسجد عند آخر ~~قوله: {وهم لا يسئمون} [فصلت: 38]. وقد روي ذلك أيضا: عن ابن عباس، وابن ~~سيرين، وفي سجود القرآن فضل عظيم. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قرأ ابن آدم ~~السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر هؤلاء، أو هذا بالسجود ms1864 ~~فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ". # وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يقول في ~~سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته ". # وكره مالك السجود بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا يسجد بعد صلاة الصبح حتى ~~تطلع الشمس، وإذا كان القارئ في الصلاة فسجد، سجد بغير تكبير، PageV08P5400 # ويرفع رأسه بتكبير، فإن كان في غير صلاة لم يكبر في الرفع ولا قبله، وعلى ~~من سمع قراءة السجدة أن يسجد مع الإمام. وقوله: {الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض}، أي يخرج المخبوء في السماوات من غيث، والأرض من نبات. # وقال مجاهد: هو الغيث. # وقال ابن زيد: خبء السماوات المطر، وخبء الأرض النبات. # وقال قتادة: الخبء: السر، " وفي " في موضع " من ". # ثم قال: {ويعلم ما تخفون وما تعلنون}، أي يعلم ما يسرون وما يظهرون. ثم ~~قال: {الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم}، هذا كله من إخبار الله عن قول ~~الهدهد. قاله ابن زيد وابن إسحاق. # قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) # أي قال سليمان للهدهد: سننظر أصدقت فيما اعتذرت به لغيبتك أم كنت من ~~الكاذبين فيه. وقوله: PageV08P5401 # {أم كنت} معناه أم أنت، لأن سليمان لم يرد أنه ينظر أن كان فيما مضى من ~~الزمان من الكاذبين، إنما أراد إن كان هو في حاله ذلك الوقت من الكاذبين. ~~ومثله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110]. # قال: {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم}، أي قال سليمان للهدهد: اذهب بكتابي ~~إليهم فألقه إليهم، {ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون}، أي منصرفا، ففي ~~الكلام تقديم وتأخير تقديره: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. # وقيل: الكلام على بابه لا تقديم فيه، وانظر فيما انتظر أي فألقه إليهم ~~فانتظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. # قال ابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس ساعة تطلع الشمس تطلع فيها ~~فتسجد لها، فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدها، واستبطأت الشمس فقامت تنظر، ~~فرمى بالصحيفة إليها من ms1865 تحت جناحه، وطار حين قامت تنظر إلى الشمس. فهذا ~~التفسير يدل على أنه نظر إليها ماذا ترجع قبل إلقائه الصحيفة، ثم PageV08P5402 # ألقاها ورجع إلى سليمان. # وقيل: المعنى: {ثم تول عنهم} قريبا منهم فانظر ماذا يرجعون؟ ودل على هذا ~~سماع الهدهد قولها لأهل مملكتها بعد إلقائه الكتاب إليهت، وهذا القول هو ~~اختيار الطبري. # واختار الزجاج القول الأول أن يكون على التقديم والتأخير. ثم قال: {قالت ~~يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم}، في الآية اختصار وحذف، والتقدير ~~فذهب الهدهد بكتاب سليمان فألقاه إليها، فلما قرأته قالت: يا أيها الملأ: ~~تريد أشراف قومها. # / قال ابن عباس: كتب سليمان إليها بسم الله الرحمن الرحيم: من سليمان بن ~~داود إلى بلقيس ابنة اليشرح الحميرية: {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين}، أي ~~لا تتعظموا عن طاعتي وأتوني مسلمين فذهب الهدهد بالكتاب فانتهى إليها ظهيرة ~~وهي قائلة في قصرها، وقد غلقت عليها الأبواب، فلا يصل إليها شيء، PageV08P5403 # والحرس حول قصرها. وكان لها من قومها اثنى عشر ألف مقاتل، كان كل رجل ~~منهم على مائة ألف سوى نسائهم وذراريهم. وكانت تخرج إلى قومها فتقضي بينهم ~~في أمورهم، وحوائجهم، في كل جمعة يوما قد جعلت على عرشها أربعة أعمدة من ~~ذهب، ثم جعلت عليه حريرة تجلس خلفها فهي تراهم ولا يرونها، فإذا أراد الرجل ~~منهم قام بين يديها فنكس رأسه ولا ينظر إليها، ثم يسجد ولا يرفع رأسه حتى ~~تأذن له إعظاما لها. فإذا قضت حوائجهم أمرت بأمرها ودخلت قصرها فلم يورها ~~إلى مثل ذلك اليوم. وكان ملكها ملكا عظيما، فلما أتاها الهدهد بالكتاب، وجد ~~الأبواب قد غلقت دونها والحرس حوالي قصرها، فدار الهدهد حوالي القصر يطلب ~~السبيل إليها حتى وصل إليها من كوة في القصر فدخل منها إلى بيت ثم مر من ~~بيت إلى بيت حتى انتهى إليها في أقصى سبعة أبواب على عرشها مستلقية، PageV08P5404 # نائمة ليس عليها إلا خرقة على عورتها وكذلك كانت تصنع إذا نامت، فوضع ~~الكتاب إلى جنبها على العرش ثم تولى فوقع في ms1866 كوة ينتظرها حتى تقرأ الكتاب ~~فمكث طويلا لا تستيقظ، فلما أبطأ عليه ذلك انحط، فنقرها نقرة فاستيقظت، ~~فبصرت بالكتاب إلى جنبها على السرير فأخذته وفزعت، وجعلت تنظر ما حال ~~الكتاب، وكيف وصل الكتاب إليها فإذا الأبواب مغلقة، فخرجت فإذا الحرس حوالي ~~القصر، فقالت هل رأيتم أحدا دخل علي أو فتح بابا؟ قالوا: لا، أما رأيت ~~الأبواب مغلقة كما هي ونحن حوالي القصر، ففتحت الكتاب، وكان مطبوعا فقرأته ~~ولم تشك أنه من السماء سقط عليها فأرسلت إلى قومها وشاورتهم كما قص الله ~~علينا في كتابه. # قال وهب بن منبه: كتب سليمان مع الهدهد {بسم الله الرحمن الرحيم}: من ~~سليمان بن داود إلى بلقيس وقومها: أما بعد، فلا تعلوا PageV08P5405 # علي وأتوني مسلمين. فأخذ الهدهد الكتاب برجله فانطلق به حتى أتاها، وكانت ~~لها كوة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها، فأتى الهدهد الكوة ~~فسدها بجناحه حتى ارتفعت الشمس ولم تعلم من ألقى الكتاب من الكوة فوقع ~~عليها في مكانها الذي هي فيه فأخذته. # وقال قتادة: كان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر، كل رجل منهم على عشرة ~~آلاف، وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام. ومعنى وصفها ~~للكتاب بالكريم أنه كان مطبوعا. # وقيل: وصفته بذلك لحسن ما فيه واختصاره. # وقوله: {ألا تعلوا علي}، أي لا تتكبروا علي، ولا تتجبروا علي، وأتوني ~~مذعينين مستسلمين. وقال: إنما وصفته بالكريم على معنى كتاب من رجل كريم، ~~رفيع القدر يطيعه الجن، والإنس والطير. لأنها كانت قد سمعت بخبر سليمان، ~~فلما رأت اسمه في الكتاب عرفته، وعرفت قدر ملكه، وأخبرتهم أنه من سليمان ~~وأن فيه بسم الله الرحمن الرحيم. PageV08P5406 # وهذه جملة من علل بسم الله الرحمن الرحيم: فمن ذلك ما روي عن عيسى صلى ~~الله عليه وسلم: أنه قعد بين يدي مؤدب، فقال له المؤدب قل: بسم الله الرحمن ~~الرحيم: فقال عيسى وما بسم الله. فقال المؤدب: لا أدري؟ فقال عيسى: الباء: ~~بهاء الله / والسين سناء الله، والميم ملكه. وكذلك قال الحسن ms1867 إلا أنه قال: ~~والميم مجده. والباء متعلقة بفعل مضمر، والمعنى: ابدأ بسم الله، فإذا ~~اختلفت الأفعال التي تريد أن تسمي الله عليها، أضمرت لكل معنى فعلا يشاكله، ~~فإذا أردت القيام فقلت بسم الله: أضمرت أقوم بسم الله، وإذا أردت القعود ~~قدرت أقعد بسم الله، وكذلك الركوب وشبهه. # وقيل: إن الاضمار في جميع ذلك أبدا وهو أحسن عند الحذاق، وإنما حذف الفعل ~~ولم يذكر إيجازا واختصارا، إذ ما بقي من الكلام يدل عليه، وهذا PageV08P5407 # الحذف كثير في الكلام، وإنما اختيرت الباء لأنها للإلصاق، وأنت تحتاج أن ~~تلصق ابتداءك بالتسمية، فجئت بالباء لأنه موضعها، وإنما سميت الباء، ومن ~~وعن وشبهها بحروف الجر لأنها تجر الأفعال إلى الأسماء: تقول: مررت بزيد ~~وانتهيت إلى عمرو. # فلولا الحروف ما انجرت الأفعال إلى الأسماء. وإنما خفضت هذه الحروف ~~الأسماء لأن معناها الإضافة، تضيف فعلا إلى اسم، أو معنى إلى اسم. كقولك: ~~مررت بزيد، وعمرو كزيد. وإنما كسرت الباء. لتكون حركتها مثل عملها؛ هذا قول ~~الجرمي. ولم تكسر الكاف لتفرق بين ما يكون حرفا واسما، وبين ما لا يكون إلا ~~حرفا، وإنما عملت الخفض لأنها لا معنى لها في الأفعال فلزمت الأسماء، فلما ~~لزمت الأسماء عملت إعرابا لا يكون إلا في الأسماء، وهو الخفض، وقد فتحوا ~~لام الجر مع المضمر. # ردت إلى أصلها لأنها إنما كسرت مع المضمر ليفرق بينها وبين لام PageV08P5408 # التأكيد، وتركت الباء على كسرها مع المضمر إذ ليس فيها علة توجب فتحها، ~~وكسرت لام كي لأنها هي لام الجر بعينها، وكسرت لام الأمر للفرق بينها وبين ~~لام التأكيد، والفرق بين لام الجر، ولام الأمر وكلاهما مكسور، أن لام الجر ~~لا تدخل على الأفعال ولام الأمر لا تدخل على الأسماء، فعملت لام الجر ~~إعرابا لا يكون إلا في الأسماء للزومها الأفعال وهو الجزم. وأصل هذه الحروف ~~كلها الفتح، كواو العطف، وفائه، وألف الاستفهام. وكانت في الأصل لا حركة ~~لها ولم يمكن الابتداء بساكن فلم يكن بد من حركة فأعطيت أخف الحركات وهي ~~الفتحة، وإذا قلت: ms1868 بسم الله فهو الله في المعنى كما قال لبيد: PageV08P5409 # إلى الحلول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # يريد ثم السلام عليكم فرفع اسما بالابتداء لما قدمه ولم يعمل فيه الإغراء ~~لأنه متأخر لا يتقدم عليه معموله، ومثله قول الشاعر: # يا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا # أي هذا دلوي، ويجوز النصب بإضمار فعل تقديره: ثم الزم اسم السلام. وحذفت ~~الألف من بسم لأن الباء كفت منها، فوصلت اللسان إلى النطق بالسين. # وكان الخليل يسمي ألف الوصل سلم اللسان، وحذفت من الخط لكثرة الاستعمال، ~~هذا مذهب الجرمي، والمبرد، والكسائي والفراء. وقال الاخفش: حذفت PageV08P5410 # من الخط لما وصلت إلى السين بالباء فألزمه الفراء أن تحذف الألف من الخط ~~في قولهم: فاضرب واضرب ولا يحسن حذف هذا. # وقال الكسائي: في قوله: {بسم الله مجراها} [هود: 41] إن شئت أثبت الألف ~~في الخط وإن شئت حذفتها. وإنما دخلت ألف الوصل الأسماء، وحقها أن تدخل على ~~الأفعال على التشبيه بالأفعال، كما أضافوا إلى الأفعال وليس بابها أن يضاف ~~إليها على التشبيه أيضا بالأسماء. # وقيل: إنما دخلت هذه الأسماء اللف لأنهم لما حذفوا من أواخرها أرادوا ~~العوض من المحذوف، فلم يمكن أن يعوضوا منه آخرا، فعوضوا منه أولا، وسكنوا ~~السين ليسوغ دخول الألف، والعوض في كلام العرب كثير ألا ترى أنهم يقولون: ~~زنادقة وزناديق. # فيعوضون الياء من الهاء، وإنما حذفوا من هذه الأسماء PageV08P5411 # لأن آخرها / حرف علة ياء، أو واو، وقد كان يجب أن ينقلبا ألفا غذ هما ~~ظرفان، فكان الحذف أخف من الإعلال والإقلاب، فلما حذف من آخرها حرف أشبهت ~~الأفعال، لأن الحذف أكثر ما يكون في الأفعال نحو: لم أبل ولا أدر فلما ضارع ~~الاسم الفعل في باب الحذف آخرا ضارعه في باب الزيادة أولا فدخلته ألف ~~الوصل، ولم يمكن أن تدخل على متحرك فسكن أوله، وهذا قول حكي عن الخليل. # والمحذوف من اسم عند البصريين واو وأصله سمو على مثال قنو، دليله قولهم: ~~أسماء كأقناء وكذلك أب وأخ. ms1869 المحذوف منهما واو يدل على ذلك قولهم: الأبوة ~~والأخوة. وقولهم: أبوان وأخوان. وقد كان يجب أن تدخل ألف الوصل على أب، وأخ ~~على ما قدمنا من العلة إلا أنه لما كان في أول أب وأخ همزة ثقل دخول همزة ~~أخرى عليها، والعرب تستثقل الجمع بين همزتين في كلمتين ولا تجيزه في كلمة ~~إلا بالتخفيف، فتركوا ما يستثقلون. PageV08P5412 # واسم مشتق من السمو. # وقيل: من السمة. # وقيل: هو أمر من قولك اسم فلانا أي أعله وكذلك ابن أصله الأمر من قولك: ~~ابن البناء يا رجل. وقول ما قال: هو من السمة. قول صحيح في المعنى لأن ~~صاحبه يعرف به كالسمة في البعير يعرف بها، لكنه غير جائز في الاشتقاق، ~~والأصمول، وذلك أنه ليس في كلام العرب مصدر فعل معتل فاؤه واو تدخله ألف ~~الوصل، فيكون هذا مثله، ألا ترى أنك لا تجد مثل أعد وأزن في وعد ووزن وأيضا ~~فإنه يجب أن يقال في تصغيره وسيم كما تقول في تصغير عدة وعيدة وذلك لا ~~يقال. # وقولك: بسم في موضع نصب عند الكوفيين فبين لأن التقدير أبدأ بسم. PageV08P5413 # وقال البصريون: موضعه رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير أول ابتداء بسم ~~الله، وقد أجاز النحويون: ابتدأت ببسم الله فأدخلوا الباء على الباء، وليس ~~هذا بجائز في غيره، وإنما ذلك، لأن هذه الباء لما لزمت الاسم ولم تفارقه، ~~وكثر الاستعمال بها صارت كأحد حروف الاسم، فدخلت عليها الباء كما تدخل على ~~سائر الأسماء، وإنما خصت الألف بالزيادة والتعويض من المحذوف في اسم لأن ~~أولى الحروف بالزيادة من حروف المعجم الياء والواو والألف، وهنا حروف المد ~~واللين، ولا يكون الإعراب إلا بواحد منها، أو بحركة هي منها. # قالوا: ولا تزاد أولا، وكذلك الياء، فزادوا ألفا، والألف لا تكون إلا ~~ساكنة وبعدها السين ساكنة فكسرت الألف لالتقاء الساكنين وإنما سميت الهمزة ~~ألفا لأن صورتهما واحدة، ولأن الألف تبدل من الهمزة في يأكل ويأتي، والهمزة ~~تبدل من الألف في رسائل وقلائد، وإنما ردت ألف الوصل في قولك امرئ وهو ms1870 غير ~~محذوف الآخر لأن آخره وهو الهمزة لا تثبت على حال يكون في الرفع واوا، وفي ~~النصب PageV08P5414 # ألفا، وفي الخفض ياء، فضعف فصار بمنزلة المحذوف فزيدت الألف في أوله لضعف ~~الآخر. # وقال المبرد: لما كان امرؤ لا يقوم بنفسه حتى يضيفه إلى غيره. فتقول هذا ~~امرؤ سوء، وشبه الأفعال إذ كانت لا تقوم بنفسها ولا بد لها من فاعل فدخلته ~~ألف الوصل لذلك، وإنما لقبت هذه الألف بألف وصل عند الكوفيين لأنها تذهب في ~~الوصل فلقبت بضد حالها كما سمي اللذيع سليما، والمخافة مفازة. وقيل: سميت ~~ألف وصل لأنها تصل الكلام الذي قبلها بالذي بعدها ويستغنى عنها. وهذا القول ~~هو القول الأولى في المعنى. # وقال البصريون: لقبت ألف وصل: لأنه يوصل بها إلى الساكن الذي بعدها. # وحكي عن الخليل: أنه كان يسمي ألف الوصل: سلم اللسان. PageV08P5415 # قوله تعالى ذكره {قالت يا أيها الملأ أفتوني}. # أي قالت بلقيس لأشراف قومها: أشيروا / علي في أمري الذي قد حضرني في أمر ~~هذا الكتاب الذي ألقي إلي. {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون}، أي قالت: ما ~~كنت قاضية أمرا في جواب هذا الكتاب حتى تشهدون أي تحضروني. قال لها أشراف ~~قومها لما شاروتهم في أمرها: {نحن أولو قوة}، أي أصحاب قوة في القتال ~~{وأولو بأس شديد} أي ذوو بأس في الحرب شديد، والأمر أيتها الملكة إليك في ~~القتال وغيره {فانظري ماذا تأمرين}. # روي: أن قومها كانوا أولي قوة، وأن أحدهم كان يركض الفرس حتى إذا امتلأ ~~في جريه ضم فخذيه عليه فحبسه بقوته. PageV08P5416 # روى الأعمش عن مجاهد أنه قال: كان مع ملكة سبأ اثنى عشر ألف قيول مع كل ~~قيول مائة ألف. # وعن ابن عباس أنه قال: كان مع بلقيس مائة ألف قيل مع كل قيل مائة ألف، ~~والقيل بلسانهم الملك. # قال تعالى: {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها}، أي قالت بلقيس ~~لأشراف قومها: إن الملوك إذا دخلوا قرية عنوة وغلبة أفسدوها. {وجعلوا أعزة ~~أهلهآ أذلة}، تم كلامها. # ثم قال الله عز وجل ms1871 تصديقا لقولها في الملوك إذا غلبوا على قرية: PageV08P5417 # {وكذلك يفعلون}، وقد أجاز بعضهم أن يكون ذلك من قولها على التأكيد لصدر ~~ما قالت. # وقيل: هو من قول سليمان. ومثله في اتصال كلامين مختلفين قوله: # {وإنه لمن الصادقين} في يوسف، فهو من قول امرأة العزيز فاتصل له كلام ~~يوسف. فقال: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} [يوسف: 52]، ومثله في قصة ~~فرعون. # {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} [الشعراء: 35]، وانتهى كلام الأشراف من ~~قوم فرعون ثم اتصل به كلام فرعون لهم وهو قوله: {فماذا تأمرون} يخاطب أشراف ~~قومه. # والقرية كل مدينة تجمع الناس مشتقة من قريت الماء: أي جمعته. # ثم قال تعالى عنها: أنها قالت لهم: {وإني مرسلة إليهم بهدية}، أي إني ~~مرسلة إلى سليمان بهدية، لنختبر بذلك سليمان ونعرف أملك أم نبي؟ فإن يكن ~~نبيا لم يقبل الهدية، ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، وإن يكن ملكا ~~قبل الهدية PageV08P5418 # وانصرف. قال ذلك ابن عباس. # قيل: إنها لما لم يشر عليها قومها برأي رجعت إلى رأيها فأرسلت الهدية. # قال ابن عباس: بعثت إليه بوصائف ووصف ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ~~ذكر من أنثى، فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى، ثم رد الهدية ~~فإنه نبي، وينبغي لنا أن نترك ملكنا، ونتبع دينه ونلحق به. وكذلك قال ابن ~~جريج، ومجاهد، والضحاك. # وروي عن ابن عباس أنه قال: أهدت إليه اثني عشر غلاما فيهم تأنيت مخضبة ~~أيديهم قد مشطتهم، وألبستهم لباس الجواري، وقالت لهم: إذا كلمكم فردوا عليه ~~كلاما فيه تأنيث، وأهدت إليه اثني عشر جارية فيهن غلظ، واستأصلت رؤوسهن ~~وأزرتهم، وألبستهن النعال، وقالت لهن: إذا كلمكن فردوا عليه كلاما PageV08P5419 # صحيحا وأرسلت إليه بعود يخرج بالمسك والعبير والحرير في الأطباق على أيدي ~~الوصفاء والوصائف، وأرسلت إليه اثني عشر بختية، كل بختية تحلب كذا وكذا من ~~اللبن. وأرسلت إليه بخرزتين إحداهما مثقوبة ملتوية الثقب، والأخرى غير ~~مثقوبة، وأرسلت إليه بقدح ليس فيه شيء، وأرسلت ذلك كله مع امرأة، وتقدمت ~~إليها ms1872 أن تحفظ جميع أمره وكلامه حتى تخبرها عنه، وقالت لهم: قوموا بين يديه ~~قياما، ولا تجلسوا حتى يأمركم، فإنه إن كان جبارا لم يأمركم بالجلوس ~~وأرضيناه بالمال فيسكت عنا، وإن كان نبيا أمركم بالجلوس، وأمرتها أن تقول ~~له أن يثقب الخرزة الصحيحة بغير حديدة، ولا علاج إنس ولا جان، وأمرتها أن ~~تقول له: أن يميز الغلمان من الجواري، وأمرتها أن تقول له: يدخل في الخرزة ~~المثقوبة المعوجة / خيطا بغير علاج إنس ولا جان، وأمرتها أن تقول له أن ~~يملأ القدح ماء مزبدا ليس من الأرض ولا من السماء. # قال: وكتبت إليه تسأله عن ألف باب فانطلقت المرأة بهديتها، حتى أتت بها ~~سليمان، فوضعتها بين يديه، وقاموا قياما ولم يجلسوا، فنظر PageV08P5420 # إليهم سليمان لحظا لم يحرك يدا ولا رجلا، ثم رفع رأسه إلى رسولها فقال: ~~إن الله رفع السماء ووضع الأرض، فمن شاء قام ومن شاء جلس، فجلسوا، فقدمت ~~إليه الخرزتين وقالت: إنها تقول لك: أدخل في هذه الخرزة المثقوبة خيطا ينفذ ~~إلى الجانب الاخر من غير علاج إنس ولا جان، وأن تثقب الأخرى ثقبانا فذا من ~~غير علاج إنس ولا جان، ثم قربت إليه القدح، وقالت: تقول لك أن تملأ هذا ~~القدح من ماء مزبد رواء ليس من الأرض ولا من السماء، ثم قربت إليه الوصفاء ~~والوصائف، وقالت: تقول لك: أن تفرق بين الغلمان والجواري ففرق بينهم ~~بالوضوء فبدأ الجواري بالمرافق، وبدأ الغلمان بالإيدي، وملأ لهما القدح من ~~عرق الخيل، ودخلت دودة الثمرة بالخيط في الخرزة حتى خرجته من الجانب الآخر، ~~وتولت دودة الخشب ثقب الخرزة الأخرى حتى نفذتها، ورد الهدية عليها. PageV08P5421 # وقال ثابت البناني: أهدت إليه صفائح الذهب في أوعية الديباج، فلما بلغ ~~سليمان ذلك أمر الجن فموهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به فألقي في الطرق، ~~فلما جاءوا رأوه ملقى لا يلتفت إليه، صغر في أعينهم ما جاءوا به. # قال ابن زيد: قالت: إن هذا الرجل إن كانت همته الدنيا فسنرضيه، وإن كان ~~إنما يريد الدين فلن يقبل ms1873 غيره. # وقال ابن جبير: أرسلت بمأتي وصيف ووصيفة وقالت: إن PageV08P5422 # كان نبيا فسيعلم الذكر من الأنثى، فأمرهم فتوضأوا، فمن توضأ منهم، فبدأ ~~بمرفقه قبل كفه قال: هو من الإناث، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال: هو من ~~الذكور. # وروى أنها: وجهت إليه بمائة وصيف، ومائة وصيفة، وألبست الجواري ثياب ~~الغلمان، وألبست الغلمان ثياب الجواري، وقالت: إن كان ملكا لم يعرف حتى ~~يعريهم، وإن كا نبيا علم ولم يعريهم، فلما قدموا على سليمان أمر فوضع لهم ~~ماء يتوضأون، فكل من بدأ بالمرفق فغسله إلى اليد علم أنها جارية، وكل من ~~بدأ باليد إلى المرفق علم أنه غلام، فأمر بنزع ثياب الغلمان فردها على ~~الجواري، ونزع ثياب الجواري وردها على الغلمان، ثم رد ما أهدت إليه. # وقوله: " إليهم " تريد به سليمان وحده لأن الملوك يخاطبون مخاطبة ~~الجماعة، كما يخبرون عن أنفسهم بلفظ الجماعة. # وقوله: {فناظرة بم يرجع المرسلون}، أي فأنظر بأي شيء يرجع رسلي PageV08P5423 # بقبول الهدية أم بردها؟ # قوله تعالى ذكره: {فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال} إلى قوله: {فإن ربي ~~غني كريم}، # أي فلما جاء رسولها سليمان بالهدية، قال سليمان: أتمدونني بمال، فالذي ~~أعطاني الله من الملك في الدنيا {خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون}، ~~أي ما أفرح بما أهديتم إلي بل أنتم تفرحون بها، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا، ~~ومكاثرة بها. # روي: أن رسولها لما رجع إليها بالهدية وأخبرها خبر سليمان، قالت لقومها: ~~هذا أمر من السماء لا ينبغي لنا معاندته فعمدت إلى عرشها فجعلته في آخر ~~سبعة أبيات، وأقامت عليه الحرس، ثم أقبلت إلى سليمان فرجع الهدهد وأخبر ~~سليمان بذلك، فقال عند ذلك: {أيكم يأتيني بعرشها}، أي بسريرها {قبل أن ~~يأتوني مسلمين}، فيحرم علي ما لهم. # وقوله: {فلما جآء}، فوحد وقد قال عنها {فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: ~~35]، PageV08P5424 # فجمع فمعناه: فلما جاءوها سليمان. # وقيل: إن الرسول كان واحدا، وإنما قالت هي: {المرسلون}، فجمعت لأن الرسول ~~لا بد له من خدمة وأعوان، فجمعت على ذلك المعنى. # وقد قيل: إن الرسول ms1874 الذي وجهته إلى سليمان كانت امرأة. # وقيل: بل كانوا جماعة، وإنما قال " جاء " فوحد على معنى الجمع ودل / على ~~ذلك أن في حرف ابن مسعود {فلما جآء} بالجمع وقوله: {ارجع إليهم}، يدل على ~~أنه كان واحدا والله أعلم. # ثم قال تعالى: {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها}، أي قال ~~سليمان لرسول المرأة: ارجع إليهم بهديتهم فلنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بها. # {ولنخرجنهم منهآ أذلة}، أي لنخرجنهم من بلدتهم صاغرين إن لم يأتوني ~~مسلمين. PageV08P5425 # ثم قال تعالى: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين}. # قال ابن عباس: كان إتيان العرش إليه قبل أن كتب إليها. لأنه لما أتاه ~~الهدهد فأخبره بملك سبأ وعرشها، أنكر سليمان أن يكون لأحد سلطان في الأرض ~~غيره، فقال لمن عنده من الجن والإنس: {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني ~~مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه ~~لقوي أمين} قال سليمان أريد أعجل من هذا. {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}، وهو رجل من الإنس كان عنده علم من الكتاب ~~فيه اسم الله الأكبر، فدعا بالاسم، فاحتمل العرش احتمالا حتى وضع بين يدي ~~سليمان بقدرة الله، فلما أتاه العرش صدق الهدهد في قوله، ووجهه بالكتاب ~~وكذلك روى الضحاك. وقال وهب بن منبه وغيره: بل كتب معه الكتاب قبل أن يأتيه ~~العرش. والكلام في التلاوة على رتبته ووصل إليه العرش بعد رده الهدية. # قال وهب بن منبه: لما رجعت إليها PageV08P5426 # الرسل بالهدية، وأ'لموها بما كان من أمر سليمان. # وقوله: قالت: قد والله علمت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة وبعثت إليه إني ~~قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك؟ وما تدعو إليه من دينك؟ ثم أمرت ~~بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص بالياقوت، والزبرجد، ~~واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ثم أقفلت على الأبواب، وكانت إنما ~~يخدمها النساء، معها ms1875 ست مائة امرأة يخدمنها، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: ~~احتفظ بما قبلك، وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد ولا ترينه حتى آتيك، ثم شخصت ~~إلى سليمان في إثني عشر ألف قيل، معها من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل منهم ~~ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه PageV08P5427 # بمسيرها، ومنهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت، جمع من عنده من الإنس والجن ~~ثم قال: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين}، أي ~~بسريرها، وذلك أنه خشي أن تسلم فيحرم عليه أخذه، وقد وصف له، وأعجب به، ~~فأراد أن يأخذه قبل إسلامها فيحل له. قاله قتادة. # قال قتادة: كان السرير من ذهب وقوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ. قال ابن ~~جريج: كان من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ. # وقيل: إنما فعل ذلك ليختبر عقلها به هل تنتبه إليه إذا رأته أم لا؟ قاله ~~ابن زيد. PageV08P5428 # قال ابن عباس: معنى {مسلمين}، طائعين أي مستسلمين لي. وقال ابن جريج: ~~معناه قبل أن يدخلوا في الإسلام فتمتنع علي أموالهم. وهو قول قتادة ~~المتقدم. وإنما خص سليمان السرير دون غيره من مملكتها لأنه أعجب به. # فعل ذلك لإعجابها به، واحتياطها عليه، فأراد أن يريها قدرة الله عجزها، ~~وأن السبعة الأبيات التي قفلت عليه لا تنفع شيئا، فيكون ذلك حجة عليها في ~~نبوته. وقوله: {قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك}، ~~العفريت النافذ في الأمور المبالغ فيها الذي معه خبث ودهاء، وفيه لغات: PageV08P5429 # عفريت وعفرية وعفر وعفارية. # وقرأ أبو رجاء: قال: " عفرية " وجمع عفرية على عفار وجمع: عفريت على ~~عفاريت، وإن شئت عفار لأن التاء زائدة كما تقول في طاغوت طواغ، وإن شئت ~~عوضت فقلت عفاري. # / قال مجاهد: عفريت من الجن: أي ما ورد من الجن. # وقال قتادة ومعمر: داهية من الجن. # وقيل: عفريت: رئيس من الجن. # قال وهب: كان اسم العفريت: كودتا. PageV08P5430 # وعن ابن عباس: أنه صخر الجني. فالمعنى: قوي على حمله، أمين على فرج هذه. # وعن ابن ms1876 زيد: نحوه. # وقوله {قبل أن تقوم من مقامك}، قال مجاهد: مقعدك الذي تقضي فيه. # وقال قتادة: يقال مقام ومقامة: للمكان الذي يقام فيه قيل: كان سليمان ~~يجلس للناس إلى وقت نصف النهار، ثم يقوم إلى عبادة ربه، وإلى أهله. # قال ابن عباس: كان من قوة العفريت حين وصف نفسه بالقوة: أنه كان يضع قدمه ~~حيث ينال طرفه، فقال سليمان: أنا أحب أعجل من ذلك: {قال الذي عنده علم من ~~الكتاب} قيل: هو جبريل عليه السلام. وقيل هو سليمان نفسه. # وذهب ابن وهب: أنه الخضر. # وقيل: هو أصف بن برخيا. PageV08P5431 # وقوله: {وإني عليه لقوي أمين}، أي لقوي على حمله: أمين على ما فيه من ~~الذهب والجوهر لا أخون فيه. # وعن ابن عباس: أمين على فرج المرأة. # ثم قال: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك}، أي قال الإنسي الذي عنده علم من كتاب الله جل ذكره. # قال مجاهد: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج إليهم. # قال الزهري: دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلها ~~واحدا لا إله إلا أنت: إيتني بعرشها. قال: فتمثل له بين يديه. # قال قتادة: كان اسمه يلجا. PageV08P5432 # وقيل: كان اسمه آصف بن برخيا. # وقال النخعي: هو جبريل صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو سليمان نفسه. ودل على ذلك قوله: {هذا من فضل ربي}. ومعنى: {قبل ~~أن يرتد إليك طرفك}، أي قبل أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك، أي قبل أن ~~يأتيك أقصى ما ترى. # وقال وهب معناه: أنا آتيك به قبل أن تمتد عينك فلا ينتهي طرفك إلى مداه ~~حتى آتيك فأمثله بين يديك فدعا فغاص العرش تحت الأرض ثم نبع إليه. # وقال وهب: توضأ آصف، وركع ركعتين، ودعا فنبع السرير من تحت الأرض، فقال ~~سليمان: {هذا من فضل ربي}، أي هذا النصر من فضل ربي ليختبرني أشكر أم أكفر، ~~ومن شكر فلنفسه يشكر، لأن النفع إليه يرجع، ms1877 ومن PageV08P5433 # كفر فإن ربي غني عنه، ونفسه ظلم. كريم أي تفضل على من كفر ويرزقه. # قال مالك: كانت باليمن وكان سليمان بالشام. # وروى ابن وهب عن ابن لهيعة قال: بلغني أن الذي قال لسليمان {أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك} أنه الخضر. # قال الأعمش: قال الذي عنده علم من الكتاب لا إله إلا أنت رب كل شيء إيتني ~~به. قال: فإذا هو بين يديه. # قوله تعالى ذكره: {قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي}. # أي قال سليمان لما أتي بالعرش وقدمت إليه بجندها: غيروا سريرها. قاله ~~قتادة. # قال ابن عباس: زيد فيه ونقص منه. وقال الضحاك. # " ننظر أتهتدي " أي ألها عقل تهتدي به إلى عرشها، أم لا تهتدي إليه؟. PageV08P5434 # قال الفراء: كان الشياطين قد قالوا لسليمان: إنها لا عقل لها، وإن رجلها ~~كحافر حمار، فأراد أن يعرف صحة ذلك، فغير السرير وصنع الصرح من زجاج تحته ~~ماء فيه حيتان. # وقيل: المعنى ننظر أتهتدي لهذه العظمة التي أتت بسريرها مع عظمه وبعد ~~موضعه، وأن الناس لا يتهيأ لهم حمل مثله، فتعلم أنه لا يأتي به إلا نبي من ~~عند الله، فتدع الضلالة وترجع إلى الإيمان بهذه المعجزة التي رأتها من حمل ~~سريرها من موضعه، وهي لا تشعر به ولا قومها، أم تكون من الذين يجهلون ذلك. # قال: {فلما جآءت قيل أهكذا عرشك}، أي فلما جاءت بلقيس سليمان أخرج لها ~~العرش، وقال لها: أهكذا عرشك؟ فشبهته به وقالت: / {كأنه هو}، ولم تقطع أنه ~~هو، لأنها تركته خلفها وغلقت عليه الأبواب. # وقوله تعالى {وأوتينا العلم من قبلها}، هذا خبر من قول سليمان، أي قال ~~سليمان: وأعطينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء جل ذكره من قبل هذه ~~المرأة PageV08P5435 # {وكنا مسلمين}، من قبلها، قاله مجاهد وغيره. # وقيل: العلم هنا التوحيد. # قال: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله}، أي وصدها عبادتها الشمس من دون ~~الله عن أن تعلم ما علمنا، وعن أن تسلم " فما " في موضع رفع بفعلها على هذا ~~التقدير. # وقيل: المعنى: ms1878 وصدها الله أو وصدها سليمان عما كانت تعبد. ثم حذفت " عن " ~~فتعدى الفعل إلى " ما " في موضع نصب على هذا التقدير، ومثله في الحذف ما ~~أنشد سيبويه: # نبئت عبد الله بالجو أصبحت ... مواليها لئيما صميمها # أي عن عبد الله. PageV08P5436 # وقرأ ابن جبير: " أنها كانت " بفتح أن وموضعها نصب على البدل من " ما " ~~على مذهب من جعل " ما " في موضع نصب، ويجوز أن تكون في موضع نصب على حذف ~~اللام، وفي موضع خفض على إرادة اللام. وهو قول الكسائي. وفي موضع رفع على ~~البدل من " ما " على مذهب من جعل " ما " في موضع رفع. # والوقف لمن كسر " إن " {من دون الله}، ومن فتحها وقف على {كافرين}. # قال تعالى: {قيل لها ادخلي الصرح}، قال وهب بن منبه: أمر سليمان بالصرح ~~فعملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا، ثم أرسل الماء تحته، ثم وضع ~~له فيه سريره فجلس عليه وعطفت عليه الطير، والجن، والإنس. # وقيل: إنه ألقى في الماء الحوت، فنظرت إلى ماء فيه حوت على ظهره سرير، ~~ولم تر الزجاج لصفائه، فرفعت ثيابها، وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء إلى ~~سليمان. # فقيل: {إنه صرح ممرد من قوارير}، أي من زجاج، والممرد: الأملس، ومنه ~~الأمرد. PageV08P5437 # وقيل: إنما فعل ذلك ليختبر عقها بذلك على نحو ما اختبرته يعني في توجيهها ~~إليه الوصائف والوصفاء، ليميز بين الذكور والأناث يعاتبها بذلك. # فقال لها: ادخلي الصرح ليريها ملكا أعز من ملكها، وسلطانا أعظم من ~~سلطانها. {فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها}، لا تشك أنه ماء تخوضه، ~~فقيل لها: {إنه صرح ممرد من قوارير}، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة ~~الله وعابها في عبادة الشمس من دون الله، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ~~ساجدا إعظاما لما قالت، وسجد معه الناس، وسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ~~ما صنع، فلما رفع رأسه قال: ويحك ما قلت؟ فأنسيت ما قالت، فقالت: {رب إني ~~ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين}، فحسن إسلامها. PageV08P5438 # وقيل: إن سليمان إنما ms1879 أمر ببناء الصرح، لأن الجن خافت سليمان أن يتزوجها، ~~فأرادوا ان يزهدوه فيها فقالوا: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الجن. ~~فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجن به. قاله محمد بن كعب القرظي. # وقال: إن سليمان لما عمل له الصرح سخر فيه دواب البحر: الحيتان والضفادع، ~~فلما نظرت إلى الصرح، قالت: ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلا الغرق. ~~فحسبته لجة وكشفت عن ساقيها، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما. قال: فضن ~~سليمان بساقيها عن الموسى، فأحدثت النورة لذلك السبب لسيلمان. # قال مجاهد: والصرح: بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير PageV08P5439 # ألبسها إياه. # قال: وكانت بلقيس هلباء شعراء قدمها كحافر حمار وأمها جنية. # وعن ابن عباس قال: سمعت الجن بشأن بلقيس فوقعوا فيها عند سليمان ليكرهوها ~~إليه، وخافوا أن يتزوجها، فتظهره على أمورهم، وكانت تعلم ذلك لأن أحد / ~~أبويها كان جنيا. فقالوا: أصلح الله الملك إن في عقلها شيئا، ورجلها كحافر ~~حمار، فلما قالوا له ذلك، أراد أن يرى عقلها، ويرى قدميها، فأمر بالصرح ~~وأجرى تحته الماء وجعل فيه الضفادع والسمك، وأمر بعرشها فزيد فيه ونقص منه، ~~فلما نظرت إليه جعلت تعرف وتنكر، وقالت في نفسها: من أين تخلص إلى عرشي، ~~وهو تحت سبعة أبواب والحرس حوله؟ فلم تعرف ولم تنكر وقالت {كأنه هو} فقيل ~~لها {ادخلي الصرح}، إلى القصر فظنته ماء، وكشفت عن ساقيها لتخوض PageV08P5440 # الماء إلى سليمان، فرأى سليمان أحسن ساق بخلاف ما قيل له فيها. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان أحد أبوي ~~صاحبة سبأ جنيا ". # ومعنى: {حسبته لجة}، أي لما رأت الماء تحت الزجاج الأبيض، ودواب الماء ~~تحته، ظنته لجة بحر وكشفت عن ساقيها لتخوض إلى سليمان. # قال مجاهد: لما كشفت عن ساقيها، فإذا هما شعراوان فقال سليمان: ألا شيء ~~من يذهب هذا؟ قالوا: الموسى، قال الموسى له أثر، فأمر بالنورة، فصنعت، فكان ~~أول من صنع النورة. PageV08P5441 # وقيل: إنه لما تزوجها قالت له: إني لم ms1880 يمسني حديد قط، فعملت النورة. # ومعن: " ممرد " أي مشيد. # {من قوارير}، أي من زجاج. # وقيل: الصرح: القصر. # وقيل الصحن: هو ساحة الدار. # وأصل الممرد: الأملس. ومنه: الأمرد، ومنه قولهم: شجرة مرداء: إذا سقط ~~عنها ورقها. # وقيل: الممرد: الطويل. ومنه قيل لبعض الحصون: مارد. ثم قال تعالى ذكره: ~~{ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا}. # وقد تقدمت قصة صالح في مواضع، فأغنى عن إعادتها. PageV08P5442 # وقوله: {فإذا هم فريقان يختصمون}، إنما جمع لأن كل فريق جمع، ويجوز ~~يختصمان، وفي الكلام حذف، والتقدير: فلما دعاهم صار قومه فريقين يختصمون: ~~مؤمن وكافر، ومصدق له ومكذب يختصمون في أمره فيما جاءهم به. # قوله تعالى ذكره: {قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة}، # أي قال صالح لقومه: لم تستعجلون بعذاب الله قبل رحمته؟. # قال مجاهد: وقيل السيئة: العذاب، والسنة: العافية، وهذا يدل على أنه ~~طلبوا منه أن يحل بهم العذاب الذي توعدهم به، واستعجلوه لوقوعه أنهم تكذيبا ~~منهم للعذاب، ولما جاءهم به. # قوله: {لولا تستغفرون الله} أي هلا تسألون الله المغفرة من كفركم ~~ليرحمكم. # قال تعالى: {قالوا اطيرنا بك وبمن معك}،. أي قالت ثمود لصالح PageV08P5443 # تشاءمنا بك وبمن معك لما يصيبنا من القحط والشدة، وقلة نماء الأموال، ~~وذلك من اتباعك، فقال لهم صالح: {طائركم عند الله}، أي ما يصيبكم مما ~~تكرهون عند الله علمه، ومن عند الله يأتيكم. # قال قتادة: معناه: علمكم عند الله. # وقال الفراء: عند الله، ومعناه: أي في الوح المحفظ ما يصيبكم. مثل: قوله ~~{قالوا طائركم معكم} [يس: 19]، أي ما يصيبكم من خير وشر لازم لكم في ~~رقابكم. # وقوله: {بل أنتم قوم تفتنون}، أي تختبرون، أي يختبركم ربكم برسالتي ~~إليكم، فينظر طاعتكم له فيما بعثني به إليكم. # قال تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط}، أي كان في مدينة قوم صالح تسعة ~~أنفس {يفسدون في الأرض ولا يصلحون}، أي يكفرون بالله ولا يؤمنون به، وخص ~~هؤلاء بالذكر، وقد علم أم جميعهم كافرون، لأنهم هم الذين سعوا في عقر ~~الناقة، وتعاونوا عليها، وتحالفوا على قتل صالح من بين ms1881 ثمود. PageV08P5444 # قال ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها: نبيت صالحا ~~وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا وما لنا به ~~علم، فدمرهم الله أجمعين. # قال عطاء بن أبي رباح: بلغني عنهم أنهم / كانوا يقرضون الدراهم. # وقال الضحاك: كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون، ~~ويأمرون بالفساد، فجلسوا تحت صخرة عظيمة على نهر، فقلبها الله عليهم ~~فقتلهم. # قال تعالى: {قالوا تقاسموا}، أي تحالفوا كأنه أمر بعضهم بعضا أن يتحالفوا ~~بالله، ويجوز أن يكون تقاسموا فعلا ماضيا في معنى الحال والتقدير: قالوا: ~~متقاسمين بالله، والمعنى: قال تسعة الرهط: تحالفوا بالله أيها القوم، PageV08P5445 # أي ليحلف بعضكم بعضا لنبيتن صالحا الليلة، وأهله فلنقتلنه {ثم لنقولن ~~لوليه}، أي ولي دمه {ما شهدنا مهلك أهله}. # قال مجاهد: تحالفوا على إهلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا هم وقومهم ~~أجمعون. # قال أبو إسحاق: قال التسعة الرهط الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا، ~~فإن كان صادقا أي فيما يوعدنا به من العذاب بعد الثلاث عجلناه قبلنا، وإن ~~كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدمغتهم ~~الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح فوجدوهم ~~متشادخين قد رضخوهم بالحجارة. # وقوله: {وإنا لصادقون}، أي نقول لوليه: وإنا لصاقون أنا ما شهدنا مهلك ~~أهله. # أي مكر هؤلاء التسعة بسيرهم إلى صالح ليلا ليقتلوه، وصالح لا يشعر بذلك. ~~{ومكروا مكرا} أي فأخذناهم بالعقوبة وهم لا يشعرون بمكر الله. فالمعنى: ~~ومكروا مكرا بما عملوه، ومكرنا مكرا أي جازيناهم على مكرهم. # وقيل: مكر الله بهم هو: إعلامه لصالح ومن آمن به بهلاكهم، وأمره لهم ~~بالخروج من بين أظهرهم، ففعلوا، وأخذ العذاب الكفار دون غيرهم. PageV08P5446 # وقيل: المكر من الله الإتيان بالعقوبة المستحقة من حيث لا يدري العبد. # وقيل: المكر من الله: أخذه من أخذ منهم على غرة وغفلة. # قال إبراهيم بن عرفة: المكر من المخلوقين هو إظهار غير ما في النفوس ~~ليوقعوا الحملة، ويبلغوا ما يريدون، والمكر من الله إظهار النظرة وترك ~~العقوبة ms1882 عاجلا حتى يأخذه على غرة. ألم تسمع إلى قوله: {سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين} [الأعراف: 182] أي أطيل لهم المدة. # روي في خبر صالح مع قومه: " أنهم قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث ~~فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل ثلاث. وكان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي ~~فيه فخرجوا إلى كهف وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه ~~إلى أهله ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من أهضب جبالهم فخشوا أن ~~تشدخهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم في ذلك، فلا يدر قومهم أين هم؟ ولا ~~يدرون ما فعل بقومهم؟ فعذب الله هؤلاء هنا، وهؤلاء هنا، وأنجى صالحا ومن ~~معه. # قال: {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم}، أي فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة ~~غدر ثمود لنبيهم صالح كيف كان. # {أنا دمرناهم}، أي أهلكناهم وقومهم أجمعين. PageV08P5447 # ومن فتح {أنا} ففيه خمسة أوجه: # الأول: أن يقدر اللام معها ثم يحذفها فتكون " أن " في موضع نصب على حذف ~~حرف الجر منها. # الثاني: أن تكون " أن " في موضع رفع بدل من عاقبة، وكيف خبر كان في ~~الوجهين. # الثالث: أن تكون في موضع نصب على خبر كان: أي كيف كان عاقبة مكرهم، ~~تدميرهم، وتكون " كيف " ظرفا عمل فيه جملة الكلام بعده، كما تقول: اليوم ~~كان زيد منطلقا. # الرابع: أن تكون " أن " فيوضع رفع على إضمار مبتدأ للعاقبة والتقدير ~~للعاقبة والتقدير هي إنا دمرناهم. # الخامس: ذكره الفراء: أن يجعل " أن " بدلا من كيف، وهذا الوجه بعيد. # فأما من كسر " إنا " فإنه يجعل " كيف ": خبر كان و " عاقبة " اسم كان / ~~ثم يستأنف فيكسر. # قال تعالى: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا}، خاوية نصبا على الحال، ويجوز ~~الرفع من خمسة أوجه: # الأول: أن ترفع " تلك " بالابتداء " وبيوتهم " بدل من تلك " وخاوية " خبر ~~الابتداء. PageV08P5448 # والثاني: أن ترفع " تلك " بالابتداء و " خاوية " و " بيوتهم " خبر ثاني ~~عن الابتداء كما يقال هذا حلو حامض. # الثالث: أن ترفع " خاوية " على إضمار مبتدأ: أي هي ms1883 خاوية. # الرابع: أن تجعل " خاوية " بدلا من بيوتهم كأنك قلت: فتلك خاوية. # الخامس: أن تقدر في بيوتهم الانفصال، فتجعل خاوية نعتا للبيوت تقديره ~~فتلك بيوت لهم خاوية. # والمعنى: فتلك مساكنهم خاوية منهم ليس فيها منهم أحد، قد أهلكوا بظلم ~~أنفسهم. {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون}، أي إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك ~~لعظة لمن يعلم. # وروي: أن بيوتهم هذه المذكورة: هي بوادي القرى: وهو موضع بين المدينة ~~والشام معروف. # أي أنجينا من عذابنا، ونقمتنا التي حلت بثمود صالحا والمؤمنين به، وكانوا ~~يتقون العذاب والنقمة، فآمنوا خوفا من ذلك، فكذلك ننجيك يا محمد، ومن آمن ~~بك عند حلول عقوبتنا بمشركي قومك. # وروي: أن صالحا صلى الله عليه وسلم لما أحل الله تعالى ذكره بقومه ما أحل ~~من العذاب، خرج هو والمؤمنين به إلى الشام فنزل رملة فلسطين. # قال: {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة}، أي واذكر لوطا وإن PageV08P5449 # شئت، وأرسلنا لوطا: {إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة} يعني نكاح الرجال في ~~أدبارهم. {وأنتم تبصرون}، أي تبصرون أنها فاحشة، إذ قد علمتم أنه لم يسبقكم ~~إلى من تفعلون أحد. {أإنكم لتأتون الرجال}، أي في أدبارهم شهوة منكم لذلك، ~~من دون فروج النساء التي أباح الله لكم بالنكاج {بل أنتم قوم تجهلون}، أي ~~تجهلون حق الله عليكم فخالفتم أمره. # قال تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم}، ~~أي فلم يكن جواب قوم لوط له لما نهاهم عن نكاح الرجال، إلا قول بعضهم لبعض: ~~{أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}، عما نفعله نحن من إتيان ~~الذكران. قال ابن عباس: أي يتطهرون من إتيان النساء والرجال في أدبارهم. ~~وقاله مجاهد. # قال تعالى: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها}، يعني أنجاهم من العذاب. ~~{إلا امرأته قدرناها}، أي جعلناها بتقديرنا {من الغابرين}، أي من الباقين ~~في العذاب. {وأمطرنا عليهم مطرا}، أي حجارة من السماء، أي PageV08P5450 # أمطرنا الحجارة على من لم يكن حاضرا في المدائن المنقلبة على من فيها ~~منهم. ms1884 {فسآء مطر المنذرين} أي فساء المطر مطر القوم الذين أنذرهم الله ~~عقابه على معصيتهم إياه. # قال: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} أي قل يا محمد الحمد ~~لله. # وقال الفراء معناه: قل يا لوط الحمد لله على هلاكهم. {وسلام على عباده ~~الذين اصطفى} والقول الأول أحسن لأن القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم ~~نزل، فهو المخاطب والمعنى: قل يا محمد لله على نعمه وتوفيقه لكم. {وسلام ~~على عباده}، أي وأمنه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط، وصالح، على عباده ~~الذين اجتباهم لمحمد صلى الله عليه وسلم فجعلهم له أصحابا ووزراء على الذين ~~الذي بثه بالدعاء إليه. # قال ابن عباس: {على عباده الذين اصطفى}، أصحاب محمد عليه السلام وقاله ~~الثوري. PageV08P5451 # ثم قال: {ءآلله خير أما يشركون} أجاز أبو حاتم تحقيق الهمزتين في " ءالله ~~" ولم يوافقه على ذلك أحد، والمعنى: أثواب الله خير أم ثواب ما تشركون؟ # وقيل: " خير " هنا ليست أفعل. والمعنى: الله ذو خير ما تشركون؟ وقيل: ~~إنما أتى هذا لأنهم كانوا يعتقدون، ويظنون أن في عبادة الأصنام خيرا، وفي ~~عبادة غيرها شرا، فخوطبوا على ما كانوا يظنون، ويعتقدون، لا على غير ذلك. # وقيل: المعنى الخير في هذا الذي تشركونه به في العبادة. # وحكى سيبويه: الشقاء أحب / إليك أم السعادة؟ وهو يعلم أن السعادة أحب ~~إليه. # وقيل: لفظ الاستفهام في هذا مجاز، ومعناه التبيين لهم أن الله خير لهم ~~مما يشركون به من الأصنام، وهذا النص يدل على أن الدعاوى في الديانات لا ~~تصح إلا ببرهان وحجة تدل على صحة ذلك، ولو كان الأمر على غير ذلك لم يطلب PageV08P5452 # من هؤلاء برهان وحجة على ما يدعون. # والمعنى: عند الطبري: قل يا محمد للمشركين، الله الذي أنعم على أوليائه ~~بالنعم التي قصها عليكم: {خير أما يشركون} من أوثانكم التي لا تنفعكم، ولا ~~تضركم، ولا تدفع عن أنفسها، ولا عن أوليائها شرا، ولا تجلب نفعا. # قال تعالى: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به ms1885 ~~حدآئق ذات بهجة}، أي أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق ~~السماوات والأرض فهو مردود على ما قبله على المعنى الذي تقدم ذكره. وفيه ~~معنى التوبيخ، والتقريع لهم، وفيه أيضا معنى التنبيه على قدرة الله، وعجز ~~آلهتهم، وكذلك معنى ما بعده في قوله " أمن "، " أمن " هو كله مردود على ~~الله {خير أما يشركون} [النمل: 59]، وفيه من المعاني ما ذكرنا من التوبيخ، ~~والتقريع، والتنبيه فافهمه كله. PageV08P5453 # والحدائق: جمع حديقة وهي البستان عليه حائط محوط، فإذا لم يكن عليه حائط ~~فليس بحديقة. # وقال قتادة: هي النخل الحسان. # قال عكرمة: الحدائق: النخل، والبهجة: الزينة والحسن. # ثم قال: {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها}، أي لم تكونوا قادرين على إنبات ~~شجرها، لولا ما أنزل الله من الماء {أإله مع الله}، أي أمعبود مع الله خلق ~~ذلك؟ {بل هم قوم يعدلون}، أي يعدلون عن الحق ويجورون على عمد منهم لذلك، ~~ويجوز أن يكون المعنى: بل هو قوم يعدلون بالله الأوثان. # قال: {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا}، أي أعبادة ما تشركون خير ~~أم عبادة من جعل الأرض قرارا أي تستقرون عليها لا تميد بكم. {وجعل خلالهآ ~~أنهارا}، أي وجعل بين أبنيتها أنهارا. {وجعل لها رواسي}، وهي الجبال. {وجعل ~~بين البحرين حاجزا} أي بين الملح والحلو، لئلا يفسد أحدهما صاحبه. # {أإله مع الله}، أي أمعبود يعبد مع الله {بل أكثرهم لا يعلمون}، أي PageV08P5454 # لا يعلمون قدر عظمة الله جل ذكره، وما عليهم من الضرر في إشراكهم مع الله ~~غيره. # قال: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}، أي أعبادة ما تشركون خير ~~أم عبادة من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء النازل به. # قال ابن جريج: السوء: الضر # ثم قال تعالى: {ويجعلكم خلفآء الأرض}، أي سيتخلفكم بعد أمواتكم في الأرض ~~{أإله مع الله}، أي أمعبود مع الله {قليلا ما تذكرون}، أي قليلا ما تذكرون ~~عظمة الله، وقبيح ما تفعلون. # قال تعالى: {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر}، أي أعبادة أوثانكم خير، ~~أم ms1886 عبادة من يهديكم في ظلمات البر والبحر، إذا ضللتم فيهما الطريق، وخفيت ~~عليكم السبيل فيهما. {ومن يرسل الرياح بشرا} أي يرسلها حياة للأرض {بين يدي ~~رحمته}، أي قدام الغيث الذي يحيي الأرض. PageV08P5455 # ثم قال: {أإله مع الله تعالى الله عما يشركون}، أي أمعبود مع الله، تعالى ~~الله عن شرككم به. # قال تعالى: {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده}، أي أعبادة أوثانكم خير أم عبادة ~~من يبدأ الخلق من غير أصل، ثم يفنيه، ثم يعيده إذا شاء كهيئته {ومن يرزقكم ~~من السمآء والأرض}، أي بالبعث والنبات. # {أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}، أي إن زعمتم أن مع الله ~~إلها غيره يفعل ذلك، فقل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم على ذلك، ودليلكم عليه ~~إن كنتم صادقين في دعواكم. # وقد وقعت أمن في السواد موصولة، وكان حقها أن تكون مفصولة، ولكن كتبت على ~~لفظ الإدغام. # قوله تعالى ذكره: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}، # أي قل يا محمد لمن سألك عن الساعة متى هي: لا يعلم غيبها إلا الله. # وعن عائشة أنها قالت: " من زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم الله PageV08P5456 # الفرية، والله يقول: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} ~~الآية. # وقوله: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} ويقول: # {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول}. # ثم قال: {وما يشعرون / أيان يبعثون}، أي لا يدري أحد متى يبعث لقيام ~~الساعة. # قال تعالى: {بل ادارك علمهم في الآخرة}، أي بل تكامل علمهم في الآخرة، أي ~~يتكامل ذلك يوم القيامة، والماضي بمعنى المستقبل، فالمعنى: أنهم يتكامل ~~علمهم بصحة الآخرة، إذا بعثوا وعاينوا الحقائق. {بل هم في شك منها بل هم ~~منها عمون} يعني في الدنيا لأنهم إذا بعثوا وعاينوا الحقائق يوم القيامة، ~~رأوا كل ما وعدوا به معاينة. # وقيل المعنى: يتابع علمهم اليوم بعلم الآخرة. وفي: بمعنى الباء، ومن ~~قرأه: إدرك على وزن إفعل: فمعناه: كمل في ms1887 الآخرة كالأولى. PageV08P5457 # وقيل: معناه: الإنكار، فدل ذلك قوله: {بل هم منها عمون}، وقيل: المعنى بل ~~إدارك علمهم بالآخرة فأيقنوا بها، وعلموها حين لم ينفعهم يقينهم بها، إذ ~~كانوا بها في الدنيا مكذبين. وقاله ابن عباس وهو اختيار الطبري. في معنى ~~هذه القراءة. # وعن ابن عباس: {بل ادارك علمهم في الآخرة} أي غاب علمهم، وقال ابن زيد: ~~ضل علمهم في الآخرة. أي بالآخرة: فليس لهم فيها علم هم منها عمون. # وقال قتادة: {بل ادارك علمهم} أي لم يبلغ لهم فيها علم، وقال مجاهد: {بل ~~ادارك} معناه: إم إدارك. # وقوله: {بل هم في شك منها}، أي هؤلاء المشركون في شك من الآخرة لا يوقنون ~~بها. {بل هم منها عمون}، أي بل هم من العلم بقيامها عمون. PageV08P5458 # وعن ابن عباس: أنه قرأ " بل أدارك " بلفظ الاستفهام وبلى بالألف، وفيها ~~بعد عند النحويين، لأن بلى إيجاب، والاستفهام في هذا الموضوع إنكار. # وقرأ ابن محيصن: بل بغير ألف أدارك بالاستفهام، وفيها أيضا بعد. ومعنى ~~الاستفهام هما: التوقيف، وتقديرها: أدرك علمهم في الدنيا حقيقة الآخرة لم ~~يدرك. # وفي حرف أبي: " بل تدارك " أتى به على الأصل ولم يدغم التاء في الدال. # قال: {وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون}، أي قال PageV08P5459 # الكافرون بالله المنكرون للبعث: أإنا لمخرجون من قبورنا أحياء، لقد وعدنا ~~هذا نحن وآباؤنا من قبل محمد، فلم نر لذلك حقيقة. # {إن هاذآ إلا أساطير الأولين} أي ما هذا الوعد إلا ما سطره الأولون من ~~الأحاديث في كتبهم، والعامل في إذ فعل مضمر، والتقدير: أنبعث إذا كنا ~~ترابا. # قال تعالى: {قل سيروا في الأرض}، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما ~~جئتهم به من أخبار الأمم قبلهم: سيروا في الأرض فانظروا آثار من كان قبلكم ~~من المكذبين رسل الله مثل ما كذبتم أنتم، واعتبروا بهلاكهم، وقطع آثارهم، ~~واحذروا أن يحل عليكم بتكذيبكم إياي مثل ما حل عليهم. # قال: {ولا تحزن عليهم}، أي لا تحزن يا محمد على إعراض هؤلاء المشركين عنك ~~وكفرهم بما ms1888 جئتهم به {ولا تكن في ضيق مما يمكرون}، أي لا يضيق صدرك يا محمد ~~عن مكرهم بك، فإن الله ناصرك عليهم، ومهلكهم قتلا بالسيف. # ثم قال تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) أي يقول مشركو PageV08P5460 # قومك يا محمد: متى يأتي هذا الوعد الذي تعدنا به من العذاب الذي يحل بنا ~~على ما تقول؟ {إن كنتم صادقين}، في ما تعدنا به. # قال: {قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون} أي قل يا محمد لهم: عسى ~~أن يكون اقترب لكم ودنا بعض الذي تستعجلون من عذاب الله. # وقال ابن عباس: ردف لكم: اقترب لكم. # وقال مجاهد: أعجلكم. وعنه أيضا: أزف لكم، وهو قوله الضحاك. # وقال أبو عبيدة: جاء بعدكم، وهو من ردفه: إذا جاء في إثره. # وقيل: تقدير الآية: قل يا محمد: عسى أن يكون بعض الذين تستعجلون ردف لكم ~~لأنه ليس من الجائز أن يلي فعل فعلا. # وقيل: إن بعد يكون إضمار القصة، أو الحديث وشبهه. و " بعض " مرفوع بردف، ~~ودخلت اللام في ردف لكم حملا على المعنى لأن معناه: اقترب لكم ودنا لكم. PageV08P5461 # وقيل: هي زائدة. والمعنى: ردفكم. # وقيل: هي متعلقة بمصدر ردف. # ثم قال: {وإن ربك لذو فضل على الناس}. أي لذو فضل عليهم بتركه معاجلتهم ~~بالعقوبة على / معصيتهم، وكفرهم به. {ولكن أكثرهم لا يشكرون}، أي لا يشكرون ~~نعمه عندهم، بل كثير منهم يشركون معه في العبادة ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ~~ولا فضل له عندهم ولا إحسان. ثم قال تعالى: {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم}، ~~أي ما يضمرون فيها، {وما يعلنون}. أي وما يظهرون، فهو يعلم الخفي والظاهر. # أي وما من مكتوم وخفي أمر في السماء والأرض {إلا في كتاب مبين} يعني في ~~أم الكتاب الذي أثبت ربنا فيه كل ما هو كائن من لدن ابتداء الخلق إلى يوم ~~القيامة. PageV08P5462 # قال ابن عباس: معناه: ما من شيء في السماء والأرض سرا وعلانية إلا يعلمه. # أي يخبرهم بالحق في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها، ms1889 وفي غير ذلك، ~~كاختلافهم في عيسى ونحوه. # أي وإن القرآن لبيان من الله ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه. # قال تعالى: {إن ربك يقضي بينهم بحكمه}، أي يحكم بين المختلفين من بني ~~إسرائيل بحكمه، فينتقم من المبطل، ويجازي المحسن، وهو العزيز في انتقامه ~~العليم بالمحق منهم والمبطل. ثم قال تعالى ذكره: {فتوكل على الله}، أي ثق ~~به في جميع أمورك {إنك على الحق المبين}، أي الظاهر. PageV08P5463 # قوله تعالى ذكره: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء}. # المعنى: إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته، ~~ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصم الله سمعه {إذا ولوا مدبرين} أي إذا هم أدبروا ~~معرضين عنه، فأما قراءة ابن كثير " ولا يسمع " بالياء " الصم " بالرفع، ~~فمعناها: ليس يسمع الصم الدعاء في حال إعراضهم، وتوليتهم عنه. # قال: {ومآ أنت بهادي العمي عن ضلالتهم}، أي وما أنت يا محمد بهادي من ~~أعماه الله جل ذكره عن الهدى فجعل على بصره غشاوة {إن تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا}، أي ما يقدر أن يفهم الحق أحد إلا من يصدق بآياتنا {فهم مسلمون}. # قال تعالى: {وإذا وقع القول عليهم}، أي إذا وجب على المختلفين من بني ~~إسرائيل والمشركين من العرب وغيرهم، غضب من الله جل ذكره، إذا لم يكن في ~~علم الله منهم راجع عن كفره، ولا تائب من ضلاله PageV08P5464 # {أخرجنا لهم دآبة من الأرض تكلمهم}. أي تخبرهم وتحدثهم بأن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون. # وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وعاصم الجحدري وطلحة: {تكلمهم} بفتح التاء وتسكين ~~الكاف من كلمه إذا جرحه أي تسمهم. # قال مجاهد: وقع القول: حق القول. # وقال قتادة: وجب القول. # وقال ابن جريج: القول: العذاب. # وقال قتادة: القول: الغضب. # وخروج الدابة في قول جماعة من العلماء، إنما يكون حين لا يأمر الناس ~~بمعروف، ولا ينهون عن منكر. PageV08P5465 # قال ابن عمر وغيره: وخروجها والله أعلم بعد خروج الدجال، لأن الدجال يخرج ~~فيفتتن الناس به إلا من شاء الله، ms1890 ثم يقتله عيسى ابن مريم، وتصير الأديان ~~دينا واحدا وهو الإسلام، ثم تحدث الحوادث، وتتغير الأمور بعد موت عيسى عليه ~~السلام، فتخرج الدابة فتسم الكافر بسواد في وجهه، والمؤمن ببياض في وجهه. # وقد قال الضحاك - في صفة الدجال: إنه وافر الشارب، لا لحية له رأسه ~~كالقلة العظيمة طول وجهه ذراعان، وقامته في السماء ثمانون ذراعا، وعرض ما ~~بين منكبيه ثلاثون ذراعا، ثيابه، وخفاه، وسيفه وسرجه، ولجامه: بالذهب ~~والجوهر على رأسه تاج مرصع بالذهب والجوهر، في يده طبرزين هيئته هيئة ~~المجوس، قوسه الفارسية، وكلامه بالفارسية، تطوى له PageV08P5466 # الأرض ولأصحابه طيا طيا، يطأ مجامعها، ويرد مياهها إلا المساجد الأربعة: ~~مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد بين المقدس، ومسجد الطور، فخروج الدابة هو ~~آخر الآيات / وهو معنى قوله تعالى: {يوم يأتي بعضءايات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها} [الأنعام: 158] وهو خروج الدابة. # وروي أنه ترفع عند ذلك التوبة، وتخبر الكافر أنه كافر، والمؤمن أنه مؤمن. # وروي: أنه يجعل الله لها من الطول ما تشرف به على الناس PageV08P5467 # لتكلمهم بكلام يفهمونه، ويسمعونه، وتخبرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا ~~يوقنون، وينغلق عند ذلك باب العمل ويجهل فلا ترى عالما بالدين، ويحصل كل ~~امرئ على ما قدم من خير أو شر. وهو معنى قوله: {وإذا وقع القول عليهم} أي ~~وجب عمله كل امئ لنفسه إن خيرا فخير. وإن شرا فشر. # قال ابن عمر: تخرج الدابة من صدع في الصفا. # وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تخرج الدابة من أعظم PageV08P5468 # المساجد حرمة على الله، بينما عيسى بن مريم يطوف بالبيت ومعه المسلمون، ~~إذ تضطرب الأرض تحتهم، تحرك القنديل، وينشف الصفا مما يلي المسعى، وتخرج ~~الدابة من الصفا، أول ما يبدو رأسها، ملصقة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب ~~ولا يفوتها هارب، تسم الناس مؤمن وكافر، أما المؤمن فتترك زجهه كأنه كوكب ~~دري، وتكتب بين عينيه نكتة بيضاء مؤمن، وأما الكافر فتكتب بين عينيه نكتة ~~سوداء كافر ". # روى أو هريرة أن رسول الله صلى الله ms1891 عليه وسلم قال: " تخرج الدابة ومعها ~~خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتختم أنف الكافر بخاتم، ~~ثم إن أهل الدار يجتمعون فيقولون هنا يا مؤمن ويقول هنا يا كافر ". # وقد كثرت في ذلك الأخبار عن حذيفة وابن عمر كلها ترجع إلى معنى هذا ~~الحديث. PageV08P5469 # ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم: " سأل الله تعالى أن يريه الدابة، ~~فمكث ثلاثة أيام، وثلاث ليال لا يظهر منها إلا رأسها، وعنقها، وظهرها ". # وعن ابن عمر أنه قال: تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها السحاب، ورجلاها في ~~الأرض ما خرجتا، فتمر بالإنسان يصلي فتقول: ما الصلاة من حاجتك فتخطمه، ~~قال: وتخرج ومعها خاتم سليمان وعصا موسى. فأما الكافر فتختم بين عينيه ~~بخاتم سليمان فيسود، وأما المؤمن فتمسح وجهه بعصا موسى فيبيض. # قال ابن عباس: هي والله تكلمهم وتكلمهم، تكلم المؤمن وتكلم الكافر. PageV08P5470 # قال تعالى ذكره: {ويوم نحشر من كل أمة فوجا}، أي واذكر يا محمد يوم نحشر ~~من كل قرن وملة فوجا، أي جماعة منهم وزمرة {ممن يكذب بآياتنا}، أي يجحدها ~~{فهم يوزعون} أي يحبس أولهم على آخرهم فيجتمع جميعهم ثم يسافرون إلى النار. # قال ابن عباس: يوزعون: يدفعون. # قال مجاهد: يحبس أولهم على آخرهم. # وقال قتادة: لهم وزعة: ترد أولهم على آخرهم. # قال تعالى: {حتى إذا جآءوا قال أكذبتم بآياتي}، أي جاء الأفواج واجتمعوا، ~~قال لهم الله جل ذكره: {أكذبتم بآياتي}، أي بحججي وأدلتي {ولم تحيطوا بها ~~علما}، أي ولم تعرفوها حق معرفتها أماذا {كنتم تعملون} فيها من تصديق أو ~~تكذيب. وقوله: {ولم تحيطوا}، معطوف PageV08P5471 # على {أكذبتم} فيه معنى التوبيخ والتقدير. على معنى: {ولم تحيطوا بها ~~علما} " أي أكذبتم بها وقد أحطتم بها علما، لأن الألف إذا دخلت على النفي ~~نقلته إلى الإيجاب بمنزلة {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 7] أي قد شرحناه لك، ~~ودل على حذف الألف من ولم تحيطوا. قوله: " أما ذا كنتم ". ولو لم تقدر ~~الألف ويجري على معنى الإيجاب الذي أصله النفي وردته الألف إلى الإيجاب ~~لكان ذلك ms1892 عذرا لهم إنهم إنما كذبوا لما لم يحيطوا بعلمها، وليس الأمر كذلك ~~بل كذبوا بعد إحاطتهم بعلمها ونزولها، والدعوة إلى الإيمان بها. # وقد قيل إنه لا إضمار ألف في هذا، والمعنى: أنهم كذبوا وهم غير محيطين PageV08P5472 # بالعلم وبالآيات، ودليله قوله: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} [يونس: ~~39] فإذا أجريته على هذا المعنى: كانت " أم " عديلة الألف في " أكذبتم " ~~فإذا أجريته على المعنى الأول كانت " أم " عديلة الألف المحذوفة في " أولو ~~" ودالة عليها، ومعنى الكلام: التقريع، والتوبيخ، والتقدير على ما قدموا، ~~ولفظه لفظ الاستفهام، ومعناه على غير ذلك. # قال تعالى: {ألم يروا أنا جعلنا الليل / ليسكنوا فيه}، أي ألم ير هؤلاء ~~المكذبون تصريف الله جل ذكره الليل، والنهار، وجعله الليل يسكنون فيه، أي ~~يهدءون فيه لراحة أبدانهم من تعب التصرف والتقلب نهارا. PageV08P5473 # ثم قال {والنهار مبصرا}، أي مضيئا يبصرون الأشياء فيه، ويتقلبون فيه ~~لمعاشهم، فيعلموا أن مصرف ذلك هو الإله الذي لا يعجزه شيء أراده. # ثم قال: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}، أي إن في تصرف الليل والنهار ~~لعلامات ظاهرة لقوم يؤمنون بالله وقدرته. # قال تعالى: {ويوم ينفخ في الصور}، أي واذكر يا محمد يوم نفخنا في الصور ~~وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل. # روى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هو قرن عظيم ينفخ فيه ~~ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من ~~شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، وهو الذي ذكر الله في ~~قوله: PageV08P5474 # {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} أي ما لها من راحة فيسير ~~الله الجبال فتكون سرابا، وترتج الأرض بأهلها رجا وهي التي يقول: # {يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة} فتكون الأرض كالسفينة المرنقة في ~~البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها أو كالقنديل المعلق بالوتر ترجحه الأمواج ~~فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير ~~الشياطين هاربة، حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع ~~ويولي الناس مدبرين يوالي ms1893 بعضهم بعضا وهو الذي يقول: # {يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم} فبينما هم كذلك ~~إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمرا عظيما، فأخذهم لذلك من PageV08P5475 # الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف ~~شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك، قال ~~أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عز وجل إذ يقول: {ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله} قال: أولئك الشهداء ". # وإنما يصل الفزع إلى الأحياء {أحياء عند ربهم يرزقون} وقاهم الله فزع ذلك ~~اليوم وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، ويجوز أن يكون العامل في ~~" يوم ينطقون ". وقال مقاتل: إلا من شاء الله ": جبريل وإسرافيل، وميكائيل، ~~وملك الموت صلى الله على جميعهم وسلم، ومعنى داخرين: صاغرين. # قال تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة}، أي وترى يا محمد الجبال يؤمئذ PageV08P5476 # تحسبها جامدة. # قال ابن عباس: قائمة {وهي تمر مر السحاب}، أي تسير سيرا حثيثا مثل سير ~~السحاب {صنع الله} أي صنع الله ذلك صنعا. # وقيل: المعنى: انظروا {صنع الله الذي أتقن كل شيء}، أي أحكمه وأوثقه. # ومن نصب {صنع الله} على المصدر لم يقف على السحاب، لأن الجملة دلت على ~~الفعل العامل، ومن نصبه على انظروا نع الله، جاز الوقف على السحاب. # قال تعالى. {من جآء بالحسنة فله خير منها}، أي من جاء بالحسنة فله من ~~ثواب الله ما هو خير من عمله، وله أفضل من ثواب عمله، لأن الله جل ذكره ~~يعطي من الثواب فضلا لا يستحقه العبد بعمله، زيادة منه وتفضلا وإحسانا. # وقوله: {ومن جآء بالسيئة}، أي بالسيئات التي فيها الشرك {فكبت وجوههم في ~~النار}، ولم يذكر زيادة لأنه تعالى إنما يعذبهم على قدر كفرهم. PageV08P5477 # وقيل: من جاء بالتوحيد والإيمان فله عند الله خير من أجل ما جاء به وهو ~~الجنة. # {وهم من فزع يومئذ ms1894 آمنون}، من نون " فزعا " فمعناه: أنهم آمنون من كل ~~فزع؛ فزع ذلك اليوم، وفزع ما يخافون العقوبة عليه من أعمالهم السالفة. # ومن لم ينون فمعناه: وهم من فزع ذلك اليوم آمنون. # ثم قال تعالى. {ومن جآء بالسيئة}، أي بالشرك / {فكبت وجوههم في النار}. # قال ابن عباس: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك. # وقال قتادة: الحسنة: الإخلاص، والسيئة: الشرك. # قال عكرمة: كل شيء في القرآن، السيئة: فهو الشرك # قال علي بن الحسين: أنا في بعض خلواتي حتى رفعت صوتي، أقول لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير وهو على ~~كل شيء قدير. قال: فرد علي رجل: ما تقول يا عبد الله؟ قال: قلت: أقول ما ~~تسمع، PageV08P5478 # قال: فها إنها الكلمة التي قال الله تعالى. {من جآء بالحسنة فله خير ~~منها}. # قال ابن عباس: {فله خير منها}، أي فمنها وصل إليه الخير. # وقال ابن زيد: أعطاه الله بالواحدة: عشرا فهدأ خير منها. # قال: {إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة}، أي قل ذلك يا محمد. # البلدة: مكة، والذي حرمها نعت للرب: {وأمرت أن أكون من المسلمين}، أي ~~أمرني ربي بذلك {وأن أتلو القرآن}، أي وأمرني ربي بتلاوة القرآن. {فمن ~~اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}، أي من آمن بي نفع نفسه لدفعه عنها العذاب في ~~الدنيا والآخرة. {ومن ضل فإنما يضل عليها} [يونس: 108] أي ومن كفر بي وجحد ~~نبوتي، وما جئت PageV08P5479 # به فإنما يضر نفسه، إذ يوجب لها العذاب والسخط عند الله بكفره وضلاله عن ~~الهدى. # وقوله: {فقل إنمآ أنا من المنذرين}، أي إنما أنا ممن ينذر قومه عذاب الله ~~وسخطه، وقد أنذرتكم ذلك. {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها}، أي وقل ~~يا محمد لهؤلاء القائلين: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين: الحمد لله على ~~نعمه علينا، وفقنا للإيمان، وللإسلام الذي أنتم عنه عمون {سيريكم آياته} أي ~~آيات عذابه فتعرفونها أي يريكم علامات عذابه فتعرفونها، يعني في أنفسكم، ~~وفي السماء، والأرض، والرزق. # ثم قال ms1895 تعالى: {وما ربك بغافل عما تعملون}، أي وما ربك يا محمد بغافل عما ~~يعمل هؤلاء المشركون، ولكن يؤخرهم إلى أجل هم بالغوه. # ومن قرأ بالتاء فجعل المخاطبة للمشركين. PageV08P5480 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القصص مكية # قوله تعالى ذكره: (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين) [1]، إلى قوله: ~~(كانوا خاطئين) [7]. # قد تقدم تفسير " طسم "، والمعنى هذه آيات الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد ~~المبين: أنه من عند الله، لم تتقوله ولا تخرصته، وفي هذا إشارة إلى أن الله ~~قد أعلم من قبل محمد من النبيين أنه سينزل على نبي كتابا مبينا، فذلك معنى ~~الإشارة في قوله: {تلك آيات}، أي هذه الآيات التي وعد الله أن ينزلها وكذلك ~~ما شابهه مثله. PageV08P5481 # وقال قتادة: المعنى: المبين بركته ورشده وهداه. # وقيل: المعنى: المبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ~~ونبوة محمد عليه السلام. # يقال: أبان الشيء وبان. # قال تعالى: {نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون}. # أي نقرأ عليك يا محمد رسولنا، ونقص عليك من خبر موسى وفرعون {لقوم ~~يؤمنون}، أي لقوم يصدقون بهذا الكتاب، فيزدادون عند سماع ما لم يكونوا ~~يعلمون تصديقا وإيمانا ويعلمون أن من عاداك مصيره كمصير من عادى موسى. # قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض}، أي تجبر وتكبر، لم يرد علو مكان، ~~وعلى ذلك ما وصف الله بالعلو، ليس هو علو مكان {وجعل أهلها شيعا}، أي فرقا PageV08P5482 # يذبح طائفة، ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة، ويستعبد طائفة. {إنه كان من ~~المفسدين}، أي ممن يفسد في الأرض بقتله من لا يستحق القتل، واستعباده من ~~ليس له استعباده، وتجبره بغير حق. # قال السدي: رأى فرعون في / منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت ~~على بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه، فقالوا: يخرج ~~من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه، يعنون بيت المقدس رجل يكون على ~~وجهه ذهاب مملكتك، وكان بنو إسرائيل لا يولد لهم غلام إلا ذبحه، ولا يولد ~~لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين ms1896 يعملون خارجا ~~فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، فجعل بنو إسرائيل ~~في أعمال غلمانهم، وأدخلهم غلمانهم، فذلك قوله: {وجعل أهلها شيعا} PageV08P5483 # وواحد الشيع: شيعة، وهي الفرقة التي يشيع بعضها بعضا أي يعاونه. # قال أبو إسحاق: إنما فعل ذلك لأن بعض الكهنة قال له: إن مولودا يولد مع ~~ذلك الحين يكون سبب زوال ملكه. فالعجب من حمق فرعون إن كان الكاهن عنده ~~صادقا فما يغني القتل، وإن كان كاذبا فما يصنع بالقتل. # قال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض}، يعني نبي ~~إسرائيل الذين استضعفهم فرعون، فكان يذبح أبناءهم ويستحس نساءهم، وكان بنو ~~إسرائيل اثني عشر سبطا، بالسبط الذي كان منهم موسى الذي كان فرعون يذبح ~~أبناءهم، ويستحيي نساءهم. وهم سبط النبوة، وكان فرعون جعل على نساء ذلك ~~السبط حفظة من النساء، فإذا حملت المرأة دونها عنده في الدواوين فإن وضعت ~~ذكرا ذبحه، وإن وضعت أنثى تركها، وكان الكهان يأتون فرعون كل يوم فيخبرونه ~~بما يرون في كهانتهم. # قوله: {ونجعلهم أئمة} أي ولاة وملوكا. {ونجعلهم الوارثين}، قال قتادة: ~~يرثون الأرض من بعد فرعون وقومه. PageV08P5484 # {ونمكن لهم في الأرض}، أي نوطئ لهم في أرض الشام ومصر. {ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم}، أي: نريهم زوال ملكهم على يد الرجل الذي قد حذروا ~~أمره، وقتلوا الولدان من جهته، وهو موسى صلى الله عليه وسلم. # وذكر ابن وهب عن رجاله: أن فرعون ولي بني إسرائيل أربعمائة عام وأربعين ~~عاما، فأضعف الله ذلك لبني إسرائيل، فولاهم على آل فرعون بعده ثمانمائة عام ~~وثمانين عاما. قال: وإن كان الرجل ليعمر ألف سنة في القرون الأولى، وما ~~يحتلم حتى يبلغ عشرين ومائة سنة. # وروى ابن زيد عن أبيه، قال: كان في الزمان الأول يمر بالرجل أربعمائة سنة ~~قبل أن يرى فيها جنازة. فقوله: {أن نمن على الذين استضعفوا} إلى قوله: ~~{الوارثين} هو قوله: {ما كانوا يحذرون}، فهذا هو الذي كان فرعون يحذر، كان ~~يحذر أن يمن الله على الذين استضعفوا في الأرض عند فرعون، ms1897 وأن يجعلهم أئمة، ~~وأن يجعلهم الوارثين لأرض فرعون وملكه. PageV08P5485 # قال تعالى ذكره: {وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه}، أي وقذفنا في قلب أم ~~موسى، إذ ولدته أن ترضعه، وقيل: هي رؤيا رأتها. # قال السدي: أمر فرعون أن يذبح الأولاد من بني إسرائيل سنة ويتركوا سنة ~~فعلت بموسى في السنة التي يذبحون فيها الأولاد، فلما أرادت وضعه حزنت من ~~شأنه فأوحى الله إليها أن أرضعيه. الآية. # قال ابن جريج: أمرت أن ترضعه ما أمنت عليه، فإذا خافت عليه ألقته في ~~البحر. # فلما بلغ أربعة أشهر وصاح، وابتغى من الرضاع أكثره، ألقته حينئذ في PageV08P5486 # اليم إذ خافت عليه. # وقال السدي: وضعته وأرضعته ثم دعت له نجارا فعمل له تابوتا، وجعلت مفتاح ~~الثابوت من داخل، وجعلته فيه وألقته في اليم وهو النيل. # ثم قال: {ولا تخافي}، أي لا تخافي على ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه ~~{ولا تحزني} لفراقه. قال ابن زيد: لا تخافي البحر عليه، ولا تحزني لفراقه. ~~{إنا رآدوه إليك}، للرضاع فترضعيه أنت {وجاعلوه من المرسلين} أي باعثوه ~~رسولا إلى هذه الطاغية. # قال تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}، يعني التقطه من ~~النيل جواري امرأة فرعون آسية. خرجن يغتسلن فوجدن التابوت، فأدخلنه إلى ~~آسية، فوقعت عليه رحمتها وحنينها، فلما أخبرت به فرعون، أراد أن يذبحه، فلم ~~تزل تكلمه حتى تركه لها. # وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل /، وأن يكون هذا الذي على ~~يديه هلاكنا، ولذلك قال تعالى: {ليكون لهم عدوا وحزنا}. PageV08P5487 # وقال محمد بن قيس: كانت ابنة فرعون برصاء، فجاءت إلى النيل فإذا التابوت ~~في النيل تخفقه الأمواج، فأخذته ابنة فرعون، فلما فتحت التابوت، فإذا هي ~~بصبي، فلما نظرت إلى وجهه برأت من البرص، فجاءت إلى أمها، وقالت: إن هذا ~~الصبي مبارك، لما نظرت إليه برأت. فقال فرعون: هذا من صبيان بني إسرائيل، ~~هلم حتى أقتله فقالت: {قرت عين لي ولك لا تقتلوه}. # وقال ابن إسحاق: وأجمع فرعون في مجلس له على شفير النيل، كان يجلسه ms1898 على ~~كل غداة فبينما هو جالس إذ مر النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم ~~امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا الشيء في البحر، فأتوني به، فخرج إليه ~~أعوانه، حتى جاءوا به، ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله ~~عليه محبته وعطف عليه نفسه. قالت امرأته آسية: {لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا}. PageV08P5488 # وحكى الكسائي: في تصغير آل: أويل والأكثر على رده إلى الأصل، فيقولون: ~~أهيل وإذا أضيف إلى اسم صحيح ليس بموضوع لمعرفة ردوه إلى الأصل. فقالوا: هم ~~أهل الرجل، وأهل المرأة. وكذلك إن أضافوا إلى مضمر أو إلى بلد. قالوا: هم ~~أهلك، وأهل الكوفة، وقوله: {ليكون لهم عدوا وحزنا}. # اللام لام كي، والمعنى أنه لما كان في علم الله أن يكون لهم عدوا وحزنا، ~~صاروا كأنهم إنما التقطوه لكي يصير لهم عدوا وحزنا، فصاروا كأنهم التقطوه ~~لذلك، وإن لم يقصدوا ذلك إنما آل أمرهم إلى أن كان لهم عدوا وحزنا، صاروا ~~كأنهم التقطوه لذلك، ومثله: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما ~~من سوءاتهما} [الأعراف: 20]. لم يعرف إبليس أنهما إذا أكلا بدت لهما ~~سوآتهما، ولا قصد لذلك إنما قصد ليوقعهما في الخطيئة، فبدت لهما سوآتهما ~~عند مواقعة الخطيئة فصار كأنه فعل ذلك ليبدي لهما سوآتهما وإن PageV08P5489 # لم يكن قصده لذلك. وهي لام العاقبة ولام الصيرورة وهذا كما قال: " فللموت ~~ما تلد الوالدة " لم تلد المولود ليموت ولا للموت، ولكن كانت العاقبة إلى ~~الموت، تكون صارت كأنها ولدته لذلك والحزن والحزن لغتان، كالسقم والسقم. # وقيل: الحزن: الاسم، والحزن المصدر. # وقوله تعالى: {كانوا خاطئين}، أي آثمين بفعلهم، يقال خطئ يخطأ: إذا تعمد ~~الذنب. # ويروى: أن فرعون كان له رجال مخضبة أيديهم بالحناء قد شدوا أوساطهم ~~بالمناطق وفيها السكاكين يذبحون الأطفال، فولدت أم موسى موسى، ولا علم ~~عندهم به، فأوحى الله إليها أن ترضعه، فإن خافت عليه ألقته في اليم يعني ~~النيل، فخافت عليه، فجعلته في تابوت وغلقت عليه، وعلقت المفاتيح في ~~التابوت، وألقته في ms1899 النيل، وكان لامرأة فرعون جوار يسقين لها الماء من موضع ~~من النيل لا PageV08P5490 # تشرب من غيره، فلما أتى الجواري يستقين وجدن التابوت، فأردن فتحه، ثم قال ~~بعضهم البعض: إن فتحناه قبل أن تراه سيدتنا اتهمنا. وقالت: وجدتن فيه شيئا ~~غير هذا، ولكن دعنه على حاله حتى تكون هي التي تفتحه وهو أحصى لكن عندها، ~~فذهبن بالتابوت إليها، فتحت التابوت فإذا موسى، فكان من قصته ما ذكره الله ~~لنا، وقد تقدم من قصته في مريم نحو هذا أو أشبع منه. # قوله تعالى ذكره: {وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك}. # أي قالت آسية لفرعون: هذا الغلام قرة عين لي ولك، لا تقتلوه. # ومعنى: قرة عين: أي برد لعيني وعينك (لا تستحر) أعيننا بالبكاء، PageV08P5491 # فهو من القر، وهو البرد. # وقيل هو من قر بالمكان أي لم يبرحه. # وروي: أن امرأة فرعون لما قالت له هذا قال: أما لك فنعم، وأما لي فلا، ~~فكان كما قال. # قال ابن عباس: لما أتت امرأة فرعون بموسى فرعون قالت: قرة عين لي ولك، ~~قال فرعون: يكون لك /، وأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " والذي يحلف به لو أقر فرعون أنه يكون له قرة عين كما أقرت لهاده ~~الله جل ذكره به كم هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك " وقوله تعالى: {لا ~~تقتلوه}، PageV08P5492 # بلفظ الجماعة إنما ذلك لأنها خاطبته كما يخاطب الجبار، وكما يخبر الجبار ~~عن نفسه بلفظ الجماعة. ويروى: أنها إنما قالت لفرعون ذلك، يوم نتف موسى ~~لحية فرعون، فأراد فرعون قتله. # وقيل: بل قالته له حين التقطه آل فرعون فأراد فرعون قتله. وقوله: {وهم لا ~~يشعرون}، أي لايشعرون أن هلاكهم على يديه، وفي زمانه. # قال قتادة. وقال مجاهد: أنه عدو لهم. وقيل: هذا الضمير على بني إسلائيل ~~يعود، والمعنى: وبنو إسرائيل لا يشعرون ذلك. # قال تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا} أي أصبح فارغا من كل شيء سوى ذكر ~~موسى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة والضحاك. وقال ابن ms1900 زيد معناه أصبح ~~فارغا من الوحي الذي قال لها الله فيه: {ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه ~~إليك} [القصص: 7]، PageV08P5493 # فحزنت عليه وخافت. قال: جاءها إبليس فقال: يا أم موسى: كرهت أن يقتل ~~فرعون موسى، فيكون لك أجره، وثوابه، وتوليت قتله، وألقيته في البحر وغرقته. ~~قال الحسن: أصبح فارغا من العهد الذي عهد إليها والوعد الذي وعدت أن يرد ~~عليها ابنها، فنسيت ذلك كله، حتى كادت أن تبدي به لولا أن ربط الله على ~~قلبها بالصبر لأبدت به. # قال ابن إسحاق: كانت أم موسى ترجع إليه حين ألقته في البحر، هل تسمع له ~~بذكر حتى أتاها الخير بأن فرعون أصاب الغداة صبيا في النيل في التابوت، ~~فعرفت القصة، ورأت أنه قد وقع في يدي عدوه الذي فرت به منه، فأصبح فؤادها ~~فارغا من عهد الله جل ثناؤه إليها فيه، قد أنساها عظيم البلاء، ما كان من ~~العهد عندها من الله فيه. # قال ابن زيد: {إن كادت لتبدي به}، أي بالوحي. # وقال ابن عباس: كادت تقول: وابناه. وكذلك قال قتادة. PageV08P5494 # قال أبو عبيدة: فارغا من الحزن لما علمت أنه لم يغرق. # قال السدي: لما أخذ ثديها في الرضاع كادت تقول: هو ابني، فعصمها الله. # وعن ابن عباس: أن معناه: أصبح فؤاد أم موسى فارغا من كل شيء إلا من ذكر ~~موسى، كادت أن تخبر به، فتقول: الذي وجدتموه في التابوت هو ابني، ونسيت ما ~~وعدها الله به أنه يرده عليها، فثبتها الله، وربط على قلبها بالصبر، حتى ~~رجع إليها كما وعدها الله. # وروى ابن وهب، وابن القاسم عن مالك: أنه قال: فارغا هو ذهاب العقل في ~~رأيي، يقول الله تعالى: {لولا أن ربطنا على قلبها}. # وعن ابن عباس: إن كادت لتبدي به، قال: إن كادت لتقول: يا بنياه. # وقال زيد بن أسلم: معناه: فارغا من الوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها ~~أن تلقيه في البحر. PageV08P5495 # وقال الأخفش: لتبدي به بالوحي، كقول ابن زيد: # وقوله: {لولا أن ربطنا على قلبها}، أي عصمناها ms1901 من إظهار خبره. # وقال قتادة: ربطنا على قلبها بالإيمان لتكون من المؤمنين. # قال تعالى: {وقالت لأخته قصيه} أي قصي أثره أي اتبعي أثره، فانظري أخرجه ~~أحد من البحر، ومن التابوت أم لا؟ فإن أخرج فانظري ماذا يفعلون به .. # وقيل معناه: انظري أحي هو أم أكلته دواب البحر؟ ثم قال: {فبصرت به عن ~~جنب} وفي الكلام حذف، والتقدير: فقصت أخت موسى أثره، فبصرت بموسى عن بعد، ~~ولم تقربه لئلا يعلم أنها من قرابته، يقال: بصرت به وأبصرته، ويقال: عن جنب ~~وعن جنابة، ومنه قولهم: فلان أجنبي. # قيل عن جنب: أي أبصرته عن شق عينها اليمنى. {وهم لا يشعرون}، بها أنها ~~أخته. PageV08P5496 # وعن ابن عباس: على جنب والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو ~~إلى جنبه/، لا يشعر به. # وحكى بعض المفسرين: عن جنب: عن شوق. # قال أبو عمرو: وهي لغة لجذام، يقولون: تجنبت إليك أي تشوقت. وقوله: {وهم ~~لا يشعرون}، أي وآل فرعون لا يشعرون أنها أخته جعلت تنظر إليه كأنها لا ~~تريده. # وقيل معناه: وهم لا يشعرون ما يصير إليه أمر موسى، ولا يعلمون كرامته على ~~الله. # قال تعالى: {وحرمنا عليه المراضع من قبل}. أي ومنعنا موسى المراضع أن ~~يرتضع منهن من قبل رده إلى أمه. وقيل: من قبل أمه. # وقيل معناه: منعناه قبول ذلك. PageV08P5497 # وقيل: هو من المقلوب. ومعناه: وحرمنا على المراضع رضاعه، والتحريم بمعنى ~~المنع، معروف في اللغة، وواحد المراضع: مرضع، ومن قال: مراضع، فهو جمع: ~~مرضاع، ومفعال، بناء للتكثير، ولا تدخل الهاء في مؤنثه إذ ليس بجار على ~~الفعل، وقد قالوا: مرضاعة، فأدخلوا الهاء للمبالغة لا للتأنيث، كما قالوا: ~~مطرابة. # ثم قال: {فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم}. # قال السدي: أرادوا له المرضعات فلم يأخذ من ثدي أحد من النساء وجعل ~~النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع. ويروى: أن فرعون بلغ منه ~~الغم بامتناعه من الرضاع كل مبلغ حتى كان أخذه فرعون على يديه وجعل يطلب له ~~الرضاع بنفسه ويشفق عليه ms1902 من البكاء، فلما قالت لهم أخته ما قالت استراح ~~فرعون إلى قولها، وطمع أن يقبل موسى رضاعها فقال: جيئني بها، فذهبت PageV08P5498 # إلى أمها فجاءت بها، فأمرها فرعون برضاعه، فقبل ثديها، وسكت، فسر بذلك ~~فرعون وهذا من عجيب لطف الله. ومعنى: يكفلونه: يضمونه. # وقالت: {وهم له ناصحون}، روي: أنها لما قالت ذلك، قالوا لها: ومن هي؟ ~~قالت: أمي، قالوا لها: أو لأمك لبن؟ قالت: نعم، لبن أخي هارون. # وكان هارون ولد في سنة لم يكن فيها ذبح. # روي: أن فرعون كان يذبح سنة ويترك سنة. # وروي: أنه كان ترك الذبح أربع سنين، فولد هارون في آخرها، فأرسلت امرأة ~~فرعون إلى أم موسى، وقالت لها: هذا الصبي أرضعيه، ولك عندنا الكرامة، مع ما ~~لك من القدر عندنا، ولزوجك، فأخذته وأتم الله وعده لها برده إليها، فلما ~~صار موسى إليها لم يبق أحد من خاصة فرعون إلا أكرمها، وكان زوجها عمران قد ~~احتبسه فرعون عنده، فرده عليها. # ويروى أن فرعون قال لأم موسى: كيف ارتضع هذا الصبي منك؟ ولم يرتضع من ~~غيرك؟ فقالت: لأني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، فلا أكاد أوتى PageV08P5499 # بصبي إلا ارتضع مني. # وروي: أنها لما قالت: {وهم له ناصحون}، أخذوها، فقيل لها: قد عرفته، ~~فقالت: إنما عنيت أنهم للملك ناصحون، قال السدي وابن جريج. # قال تعالى: {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن}، أي رددنا موسى إلى ~~أمه كي تقر عينها ولا تحزن عليه، وليتم الوعد الذي وعدها الله به في قوله ~~جل ذكره: {ولا تخافي ولا تحزني} [القصص: 7]، وهو قوله: {ولتعلم أن وعد الله ~~حق ولكن أكثرهم لا يعلمون}، أي أكثر المشركين لا يعلمون أن وعد الله حق، ~~ولا يصدقون به. # قال تعالى: {ولما بلغ أشده واستوى}، أي استكمل نهاية قوة الرجل. # قال مجاهد وقتادة: واستوى: بلغ أربعين سنة. PageV08P5500 # وقيل: الاستواء: ستون سنة. # وقال ابن عباس: الأشد: ثلاث وثلاثون سنة، وقاله مجاهد وقتادة. # وقيل: هو اثنان وعشرون سنة، فبها تبلغ الزيادة في الطول حدها في ~~الاستواء. # {آتيناه ms1903 حكما وعلما}، أي فهما في الدين ومعرفة به. # قال مجاهد: هو الفقه، والعقل، والعمل. وذلك قبل النبوة. {وكذلك نجزي ~~المحسنين}، أي كما جازينا موسى على طاعته، كذلك نجزي كل من أطاع، وإنما جعل ~~الله إتيانه العبد الحمك والعلم جزاء على الإحسان، لأنهما يؤديان إلى الجنة ~~التي هي جزاء المحسنين. # واختلفت في الأشد: فقيل: هو جمع أشد. # وقيل: لا واحد له. # / وقيل: هو جمع: شدة. # قوله تعالى ذكره: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها}، إلى قوله: PageV08P5501 # (من المصلحين) [18]. # أي ودخل موسى منفا من مصر على حين غفلة من أهلها، وهو نصف النهار. # وقيل: بين المغرب والعشاء. # قال السدي: كان موسى حين كبر، يركب مراكب فرعون، ويلبس ما يلبس، وكان ~~إنما يدعى موسى بن فرعون، ثم إن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى، فلما جاء ~~موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب موسى في إثره، فأدركه المقيل بمنف ~~فدخلها نصف النهار، وليس بطرقها أحد. # وقال ابن إسحاق: كانت لموسى لما كبر وفيهم شيعة من بني إسرائيل، يسمعون ~~منه، ويقتدون به، ويطيعونه، ويجتمعون إليه، فلما اشتد رأيه، وعرف ما هو PageV08P5502 # عليه من الحق، رأى فراق فرعون وقومه على ما هم عليه حقا في دينه، فتكلم، ~~وعادى، وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه، وخافهم، وحتى كان لا يدخل قرية ~~فرعون إلا مستخفيا، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها. # وقال ابن زيد: معناه: على حين غفلة من ذكر موسى، ليس غفلة ساعة، وذلك أن ~~فرعون خاف موسى، فأخرجه عنه، فلم يدخل عليهم حتى كبر، فدخل وقد نسي ذكره، ~~وغفل عن أمره. # قال ابن عباس: دخل نصف النهار وقت القائلة، وعنه: دخل بين المغرب ~~والعشاء. # ثم قال: {فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه}، أي أحدهما ~~إسرائيلي من أهل دينه، والآخر قبطي من قوم فرعون وعلى دينه، وذكر أنهما ~~اقتتلا في الدين الإسرائيلي على دين موسى والقبطي على دين فرعون، فعند ذلك ~~حميت نفس موسى في الدين، فوكز القبطي، ms1904 فأتى عليه ومات من وكزته. # وعدو عنا بمعنى أعداء، وكذلك يقال في المؤنث. ومن العرب من يدخل PageV08P5503 # الهاء يجعله بمعنى: معادية. # ثم قال: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه}. # قال ابن جبير: مر موسى برجل من القبط قد سخر رجلا من المسلمين فلما رأى ~~المسلم موسى استغاث به، فقال: يا موسى، يا موسى، فقال موسى: خل سبيله، فقال ~~القبطي: قد هممت أن أحمله عليك، فوكزه موسى فمات، قال: حتى إذا كان الغد ~~نصب النهار، خرج ينظر الخبر، فإذا ذاك الرجل قد أخذه آخر، فقال: يا موسى، ~~فاشتد غضب موسى على القبطي فأهوى إليه، فخاف المسلم أن يكون إنما أتاه ~~يريده، فقال له: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس}. # فقال القبطي: يا موسى أراك أنت الذي قتلت بالأمس. # قال ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من ~~بني إسرائيل معه بظلم ولا بسخرة، حتى امتنعوا كا الامتناع. فبينا هو يمشي ~~ذات يوم في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان: أحدهما من بني إسرائيل ~~والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى، فوكز ~~الفرعوني فقتله، ولم يرهما أحد إلا الله جل ذكره، فقال موسى لما مات: PageV08P5504 # {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين}، وفي هذا الحديث اختصار. # قال مجاهد: وكزه بجمع كفه. # وقال قتادة: وكزه بالعصا ولم يتعمد قتله فقضى عليه أي ففزع منه. وروى أنه ~~دفنه لما مات في الرمل. ثم قال تعالى: {قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر ~~له}. # أي قال موسى: يا رب إني أسأت إلى نفسي بقتلي القبطي، فاستر علي ذنبي ~~فستره الله عليه. # قال ابن جريج: إنما قال: ظلمت نفسي بقتلي، من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن ~~يقتل حتى يؤمر. {إنه هو الغفور الرحيم}، أي الساتر الذنب من آمن به ~~واستغفره. {الرحيم}، للتائبين أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد أن تابوا منها. # أي قال موسى: يا رب بعفوك عني في قتل ms1905 هذه النفس فلن أكون عوينا للمجرمين. PageV08P5505 # وتقدير الكلام عند الفراء أنه بمعنى الدعاء، كأنه قال: اللهم فلن أكون ~~عوينا للمجرمين. # وقيل: معنى الكلام الخبر، وتقديره /، لا أعصيك لأنك أنعمت علي، وهذا معنى ~~قول ابن عباس. # قال تعالى: {فأصبح في المدينة خآئفا يترقب} أي أصبح موسى خائفا من قوم ~~فرعون، يترقب الأخبار، أن يعرفوا القصة فيقتلوه بالقبطي. {فإذا الذي ~~استنصره بالأمس يستصرخه}، أي فإذا الإسرائيلي الذي استنصر موسى بالأمس على ~~الفرعوني، يستصرخ موسى، أي يصيح وهو من الصراخ. ثم قال له موسى: {إنك لغوي ~~مبين}، يوبخ الإسرائيلي، لأن موسى نادم على ما قد سلف منه من قتله القبطي ~~بالأمس. ومعنى: {لغوي}، أي لذو غواية {مبين}، أي أبنت غوايتك بقتالك أمس ~~رجلا، واليوم آخر. # قال ابن عباس: أتي إلى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا PageV08P5506 # من آل فرعون فخذ لنا بحقنا، ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوا لي قاتله ~~ومن شهد عليه، لا يستقيم أن نقضي بغير بينة، ولا ثبت فاطلبوا ذلك. فبينما ~~هم يطوفون لا يجدون شيئا، إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي بقاتل ~~فرعوني، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان ~~منه بالأمس، وكره الذي رأى، فغضب موسى، فمد يده وهو يريد الفرعوني، فقال ~~للإسرايئلي لما فعل بالأمس واليوم {إنك لغوي مبين}، فنظر الإسرائيلي إلى ~~موسى بعدما قال هذا، فإذا هو غضبان كغضبه بالإمس، فخاف أن يريده موسى، ولم ~~يكن أراده إنما أراد الفرعوني فقال: {أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ~~إن تريد إلا أن تكون جبارا} الآية. فسمع كلامه فطلب موسى. # قال السدي: قال موسى للإسرائيلي: {إنك لغوي مبين}، ثم أقبل لينصره PageV08P5507 # فظن الإسرائيلي أنه إياه يريده فأشهره، هذا معنى كلام السدي. # وقال ابن أبي نجيح: أراد الإسرائيلي أن يبطش بالقبطي فنهاه موسى ففرق ~~الإسرائيلي من موسى، فقال: {أتريد أن تقتلني}، الآية. فسعى بها القبطي. ~~وكذلك قال ابن عباس: إن القبطي هو الذي أفشى الخبر على موسى، ورفع ms1906 الحديث ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {وجآء رجل من أقصا المدينة يسعى}، # أي جاء مخبر لموسى يخبره أن فرعون قد أمر بقتله، وأنهم يطلبونه، وذلك أن ~~قول الإسرائيلي سمعه سامع فأمشاه فأمر فرعون بطلب موسى وقتله. # قال ابن عباس: انطلق الفرعوني الذي كان يقاتل الإسرائيلي إلى قومه ~~فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين قال لموسى: {أتريد أن تقتلني كما قتلت ~~نفسا بالأمس} [القصص: 18]. فأرسل فرعون الذباحين لقتل موسى، فأخذوا الطريق ~~الأعظم وهم لا PageV08P5508 # يخافون أن يفوتهم، فكان رجل من شيعة موسى في أقصى المدينة، فاختصر طريقا ~~قريبا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر. # قال قتادة: كان الرجل مؤمنا من آل فرعون. # وقيل: كان اسمه شمعون. # وقيل: شمعان. # وقيل: هو حزقيل مؤمن آل فرعون أنذر موسى أن أشراف آل فرعون يطلبونه، فخرج ~~موسى إلى مدين خائف يترقب، وإنما خرج إلى مدين للنسب الذي بينهم وبينه، لأن ~~مدين ولد إبراهيم، وموسى من بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليهم. ~~ومعنى يسعى: تعجل ويسرع من أقصى مدينة فرعون. # وقوله: {قال ياموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك}، أي إن قوم فرعون ~~يتآمرون بقتلك، أي يأمر بعضهم بعضا بذلك. # قال أبو عبيدة: يأتمرون: يتشاورون في قتلك. PageV08P5509 # وقيل: معناه: يهمون بك وكذلك قوله تعالى: {وأتمروا بينكم بمعروف} ~~[الطلاق: 6] أي هموا به وأعزموا عليه. # ثم قال: {فاخرج إني لك من الناصحين}، أي من الناصحين في مشورتي عليك ~~بالخروج، {فخرج منها خآئفا يترقب}، أي خائفا منقتله النفس أن يقتل به، ~~يترقب: أي ينتظر الطلب أن يدركه. # قال ابن إسحاق: خرج على وجهه خائفا يترقب لا يدري أي وجه يسلك، وهو يقول: ~~{رب نجني من القوم الظالمين}. وقال: {ولما توجه تلقآء مدين}، أي ولما جعل ~~موسى وجهه قبل مدين قاصدا إليها {قال عسى ربي أن يهديني سوآء / السبيل}، أي ~~قصد الطريق إلى مدين، ولم يكن يعرف الطريق إلى مدين. # قال: ويروى أنه لما دعا الله بذلك، قيض له ملكا سدده للطريق PageV08P5510 # وعرفه إياها. # قال ms1907 ابن عباس: خرج موسى متوجها نحو مدين وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه ~~بريه، فإنه قال: {عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل}. # قال ابن جبير: خرج موسى من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثمان، فلم يكن له ~~طعام إلا ورق الشجر. قال: {فخرج منها خآئفا يترقب}، فما وصل إليها حتى وقع ~~خف قدمه وكان بمدين يومئذ قوم شعيب. # قال تعالى: {ولما ورد مآء مدين}، أي لما ورد موسى ماء مدين: {وجد عليه ~~أمة من الناس يسقون}، أي جماعة يسقون غنمهم {ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان}، أي تحبسان غنمهما عن ورود الماء حتى يسقس الناس غنمهم إذ لم يتهيأ ~~لهما مزاحمة الرجال على الماء. # يقال: ذاد فلان غنمه: إذا حبسها أن تتفرق وتذهب. وكذلك ذاده إذا قاده. PageV08P5511 # ومعنى قاده: حبسه على ما يريد، فكانتا تحبسان غنمهما لأنهما لا طاقة لهما ~~بالسقي، وكانت غنمهما تطرد عن الماء. وقيل: المعنى كانت تذودان غنمهما عن ~~الماء حتى يصدر الناس ثم تسقيان لضعفهما. # وقيل: المعنى: كانت تذودان الناس عن غنمهما. {قال ما خطبكما}، أي قال ~~موسى للمرأتين: ما شأنكما وما أمركما في ذودكما غنمكما عن الماء. # قال ان عباس: قال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس. # قال ابن إسحاق: وجد لهما رحمة ودخلته فيهما خشية لما رأى من ضعفهما، ~~وغلبة الناس على الماء دونهما، فقال لهما: ما خطبكما؟ أي ما شأنكما لا ~~تسقيان غنمكما. {قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء} أي حتى يصدر الرعاء ~~مواشيهم. {وأبونا شيخ كبير} أي لا يقدر يحضر فيسقس، فاحتجنا أن نخرج ونحن ~~نساء. PageV08P5512 # ومن قرأ " يصدر " بفتح الاياء: فمعناه يصدر الرعاء عن الماء، ومن ضم ~~فمعناه: حتى يصدر الرعاء مواشيهم عن الماء. # قال تعالى: {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل}، أي فسقى لهما موسى قبل الوقت ~~الذي تسقيان فيه ثم تولى إلى الظل، وهو الموضع الذي لن يكن عليه شمس. # والفيء: الموضع الذي كانت عليه شمس، ثم زالت، والظل ها هنا: ظل الشجرة. # وقال السدي: الشجرة: سمرة. ms1908 روي أنه فتح لهما عن رأس بئر كان عليه حجر لا ~~يطيق رفعه إلا جماعة من الناس ثم استقى {فسقى لهما}، قال مجاهد والسدي. PageV08P5513 # قال السدي: أروى غنمهما فرجعتا سريعا، وكانتا إنما تسقيان. من فضول ~~الحياض. # قال عمر بن الخطاب: لما فرغ الناس من سقيهم أعادوا الصخرة على البئر، ولا ~~يصير لرفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان: {قال ما خطبكما} ~~[القصص: 23]، فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا دلوا واحدا حتى ~~رويت الغنم، ورجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه و {تولى إلى الظل فقال رب ~~إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير} [القصص: 24]. {فجآءته إحداهما تمشي على ~~استحيآء} [القصص: 25]، واضعة ثوبها على وجهها {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك ~~أجر ما سقيت لنا} [القصص: 25]، قال لها: امشي خلفي وصفي لي الطريق، فإني ~~أكره أن يصيب الريح ثيابك فيصف لي جسدك، فلما انتهى إلى أبيها {وقص عليه ~~القصص} [القصص: 25]. {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين} [القصص: 26]. # قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته: فرفعه الحجر ولا ~~يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته، فقال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق، ~~فإني PageV08P5514 # أكره أن يصيب الريح ثيابك، فيصف لي جسدك. # قال عبد الرحمن بن أبي نعيم: قال لها أبوها: ما رأيت من قوته؟ قالت: ~~رأيته يملأ الحوض بسجل واحد، قال: فما رأيت من أمانته؟ قالت: لما دعوته: ~~مشيت بين يديه، فجعلت الريح تضرب ثيابي فتلتصق إلى جسدي فقال لي: كوني خلفي ~~فإذا بلغت الطريق فآذنيني. وروى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " إن سئلت /، أي الجلين قضى موسى، فقل: خيرهما ~~وأوفاهما، وإن شئت أي المرأتين تزوج، فقل الصغرى منهما: وهي التي جاءت ~~إليه، وهي التي قالت: {يا أبت استأجره} ". # قال ابن عباس: سأل النبي جبريل صلى الله عليه وسلم: " أي الأجلين قضى ~~موسى؟ قال: أتمهما ". # وروى عتبة بن المنذر السهمي من أصحاب النبي صلى الله عليه ms1909 وسلم قال: لما ~~أراد PageV08P5515 # موسى فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها من نتاج غنمه، ما يعيشون به ~~فأعطاهما ما وضعت غنمه من قالب لون ذلك العام. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فلما وردت الحوض، وقف موسى بإزاء ~~الحوض، فلم تمر به شاة إلا ضرب جنبها بعصا، فوضعت قوالب ألوان كلها، ووضعت ~~اثنين وثلاث كل شاة ووصفت النبي عليه السلام أنه لا عيب في شيء منها من ~~عيوب الغنم، وقال: إذا فتحتم الشام وجدتم بقايا منها " # ، وهي السامرية. # قال ابن عباس: فجعل يغرف لهما في الدلو ماء كثيرا حتى كانتا أول الرعاء ~~ريا فنصرفتا إلى أبيهما بغنمهما. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما سقى الرعاء غطوا على البئر صخرة لا ~~يقلعها إلا عشرة رجال، فجاء موسى فاقتلعها، فسقى لهما دلوا واحدا لم يحتج ~~إلى غيرها. PageV08P5516 # ثم قال تعالى: {فقال رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير}، أي محتاج، سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ربه ولم يطلب أجرا على سقيه. # روي أنه كان صلى الله عليه وسلم بجهد شديد فأسمع ذلك المرأتين تعريضا ~~لهما أن يطعماه مما به من شدة الجوع. # والخير هنا شبعة من طعام، قاله ابن عباس وغيره. # قال ابن عباس: جاع موسى عليه السلام حتى كادت ترى أمعاؤه من ظاهر الصفاق. ~~وقال: ورد الماء وإن خضرة البقل لترى في بطنه من الهزال. # قال مجاهد: ما سأل ربه إلا الطعام. # قال ابن عباس: لقد قال موسى {رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير}، وما أحد ~~أكرم على الله جل ذكره منه، ولقد افتقر إلى شق ثمرة، ولقد لزق بطنه بظهره ~~من الجوع، والفعل من فقير، فقر، وافتقر. PageV08P5517 # قوله تعالى ذكره: {فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء}، # أي فجائته موسى إحدى المرأتين تمشي على استحياء. # قيل: أتته مستترة بكم ذرعها، واضعة يدها على وجهها. # وقيل: على استحياء منه، وفي الكلام حذف. والتقدير: فذهبتا إلى أبيهما قبل ~~وقتهما، فخبرتاه بخبر موسى وسقيه، فأرسل وراءه بإحداهما ms1910 فجاءته تمشي على ~~استحياء، فقالت له: {إن أبي يدعوك ليجزيك}، أي ليثيبك أجر سقيك غنمنا. # {فلما جآءه وقص عليه القصص}، أي فمضى موسى معها، فلما جاءه وأخبره خبره ~~مع فرعون وقومه من القبط، قال له شعيب: {لا تخف نجوت من القوم الظالمين}، ~~ولم يكن لفرعون يومئذ سلطان على مدين وناحيتها. # وقيل: إنه لم يكن شعيبا، إنما كان مؤمنا جد أهل ذلك الماء والأول أشهر، PageV08P5518 # وفيه اختلاف سنذكره. # قال ابن عباس: استنكر شعيب سرعة صدورهما بغنمهما، فقال: إن لكما اليوم ~~لشأنا، فأخبرتاه الخبر، فأرسل إحداهما خلفه. # قال السدي: أتته تمشي على استحياء منه فقالت له: # {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا}، فقام معها، وقال لها: امشي فمشت ~~بين يديه، فضربتها الريح، فنظر إلى عجيزتها، فقال لها موسى: امشي خلفي ~~ودليني على الطريق إن أخطأت، فلما جاء الشيخ، وقص عليه خبره قال له. {لا ~~تخف نجوت من القوم الظالمين}. # وروي: أنه قال لها: إنا لا ننظر في أدبار النساء، فأخبرت أباها بقوله. # قال مالك: مشى خلفها ثم قال لها: امشي خلفي، فإني عبراني لا أنظر في ~~أدبار النساء، فإن أخطأت فصفي لي الطريق، فمشى بين يديها وتبعته، ثم قالت ~~إحداهما لأبيهما {يا أبت استأجره}، أي لرعي غنمك، والقيام عليها {إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين}. PageV08P5519 # وروي عن ابن عباس: أنه قال: لما قالت له {القوي الأمين} اختطفته الغيرة ~~فقال لها أبوها: وما يدريك ما قوته، وأمانته؟ فقالت له: أما قوته فما رأيت ~~منه حين سقى لنا لم أر رجلا/، قط أقوى في ذلك السقاء منه، وأما أمانته فإنه ~~نظر حين أقبلت إليه، وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب برأسه فلم يرفعه، ~~ولم ينظر إلي حين بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ~~فلم يفعل ذلك إلا وهو أمين، فسري عنه وصدقها، فمعناه القوي على حفظ ماشيتك ~~وإصلاحها، الأمين عليها، فلا تخاف منه فيها خيانة. # وقيل: إنه رفع عن البئر حجرا لا يرفعه إلا فئام من الناس، ms1911 فتلك قوته. ~~قاله مجاهد. PageV08P5520 # وقيل: استقى بدلو لم يكن يرفعه إلا جملة من الناس. # واسم إحدى المرأتين " ليا " والأخرى " صفور " وهي امرأة موسى، وهي ~~الصغيرة. # وقيل: اسمها صوريا. # قال ابن إسحاق: اسم إحداهما صقورة والأخرى شرقا. # ويقال: ليا، واختلف في أبيهما. فقال الحسن: يقولون هو شعيب النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال أبو عبيدة: هو بيرون بن أخي شعيب. # وهن ابن عباس: أن اسمه يثرى. # قال تعالى: {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين}. PageV08P5521 # أي قال أبو المرأتين لموسى: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين {على أن ~~تأجرني ثماني حجج}، أي على أن تثيبني من تزويجكها رعي ماشيتي ثماني سنين، ~~فجعل صداقها خدمته ثمانية أعوام، وقد استشهد بعض العلماء على أن الاختيار ~~أن يقال في الصدقات أنكحه إياها بقوله: {أنكحك إحدى ابنتي}، وهو عنده أولى ~~من أنكحها إياه. ومنه قوله تعالى: " زوجناكها " ولم يقل زوجناها إياك. وقد ~~قال مالك: إن من غيره نكاح البكر ما في القرآن، قال الله عز وجل: { إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي} ولم يذكر في هذا استشارا. # ثم قال له: {فإن أتممت عشرا فمن عندك}، أي أن زدتني في الخدمة عامين حتى ~~تصير إلى عشر فبإحسان منك، وليس مما اشترطه عليك {ومآ أريد أن أشق عليك}، ~~باشتراطي ذلك عليك {ستجدني إن شاء الله من الصالحين}، أي ستجدني في إتمام ~~ما قلت لك والوفاء به، وفي حسن الصحبة من الصالحين. # وفي هذا النكاح أشياء هي عند أكثر العلماء خصوص لموسى ومن زوجه، من ذلك ~~قوله {إحدى ابنتي}، ولم يعينها، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين. ومن ذلك أن PageV08P5522 # الأجرة لم تعين في خدمة ثمانية أعوام أو عشرة فهذا خصوص لموسى ومن زوجه ~~عند أهل المدينة. # وكذلك النكاح على عمل البدن لا يجوز لأنه غرر، وفيه أنه دخل ولم ينقد ~~شيئا وقد أجازه مالك إذا وقع، والأحسن أن ينقد شيئا من جملة الصداق المعلوم ~~المتفق عليه. # قال تعالى: {قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا ms1912 عدوان علي}، ما من ~~" أيما " زائدة أي مضافة إلى الأجلين، ومعناه أي قال موسى لأبي المرأتين ~~ذلك واجب علي في تزويجي إحدى ابنتيك، فما قضيت من هذين الأجلين فليس لك علي ~~مطالبة بأكثر منه: {والله على ما نقول وكيل}، هذا من قول أبي المرأة، ~~والتقدير: والله على ما أوجبه كل واحد منا على نفسه شهيد وحفيظ. قال ابن ~~عباس: الجارية التي دعته هي التي تزوج. # قال السدي: أمر أبو المرأتين إحدى ابنتيه أن تعطي موسى عصا، فأتته بعصا ~~كان قد استودعها عنده ملك في صورة رجل، فلما رآها الشيخ قال: لا، إيتيه PageV08P5523 # بغيرها، فألقتها تريد أن تأخذ غيرها، فلا يقع في يدها إلا هي، وجعل ~~يرددها فلا يخرج في يدها غيرها، فأعطاها له، فخرج موسى معه فرعى بها، ثم إن ~~الشيخ ندم وقال: كانت وديعة، وخرج يتلقى موسى، فلما لقيه قال: أعطيني ~~العصا، فقال موسى: هي عصاي، فأبى أن يقضي بينهما، فقال: ضعوها في الأرض، ~~فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها ~~فتركها له الشيخ فرعاها له عشرة سنين. # قال ابن عباس: كان موسى أحق بالوفاء. # قال كعب: تزوج موسى التي تمشي على استحياء وقضى أوفى الأجلين. # وقال ابن زيد: قال أبو الجارية لموسى: ادخل ذلك البيت، فخذ عصا تتوكأ ~~عليها، فدخل موسى، فلما وقف على باب البيت، طارت إليه تلك العصا فأخذها، ~~فقال /، الشيخ: أرددها وخذ أخرى مكانها، فردها ثم ذهب ليأخذ أخرى فطارت ~~إليه كما هي، فقال: أرددها حتى فعل ذلك ثلاثا، فقال: أرددها، فقال: لا آخذ PageV08P5524 # غيرها اليوم، فالتفت إلى ابنته، فقال: يا بنية إن زوجك لنبي. # قال عكرمة: كان آدم قد خرج بعصا موسى من الجنة، ثم قبضها بعد ذلك جبريل ~~صلى الله عليه وسلم فلقي بها موسى ليلا، فدفعها إليه. # قال تعالى: {فلما قضى موسى الأجل}، أي العشر سنين. وروي: أنه زاد مع ~~العشر عشرا. قاله مجاهد، وابن جريج. # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سألت ms1913 جبريل عليه ~~السلام: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما " ومعنى {وسار بأهله} ~~أي انصرف بامرأته شاخصا إلى مصر {آنس من جانب الطور نارا}، أي أحس وأبصر من ~~جانب الجبل الذي اسمه الطور نارا {قال لأهله امكثوا}، أي تمهلوا وانتظروا ~~لعلي آتيكم من النار بخبر، أي أعلم لم أوقدت {أو جذوة من النار}، أي قطعة ~~غليظة من الحطب فيه نار لكم. {لعلكم تصطلون}، أي تتسخنون من البرد الذي ~~بكم. PageV08P5525 # وروي أن موسى عليه السلام كان رجلا غيورا لا يصحب الرفاق، فأخطأ الطريق ~~بالليل للأمر الذي أراده الله، فرأى بالليل نارا فقال لأهله: أقيموا لعلي ~~آتيكم من عند هذه النار بخبر يدلنا على الطريق {أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون}، كان بهم برد بالليل، {فلمآ أتاها نودي. . . ياموسى إني أنا الله ~~رب العالمين} [القصص: 30]، وأمر أن يلقي عصاه على ما أعلمنا الله به. # قوله تعالى ذكره: {فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن}، # أي فلما أتى موسى النار، نودي من شاطئ الوادي أي من عدوته وجانبه الأيمن، ~~أي من على يمين موسى {في البقعة المباركة}، أي المطهرة، لأن الله كلم PageV08P5526 # موسى فيها وقوله {من الشجرة} سئل بعض العلماء عن هذا فقال: كلمة من فوق ~~عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة. # قال قتادة: من عند الشجرة وهي عوسج. # وقال وهب بن منبه: هي العليق. # وقيل: هي سمرة. # وقيل: كانت عصا موسى من عوسج، والشجرة من عوسج. # وقوله: {أن ياموسى إني أنا الله رب العالمين}، أي نودي بهذا ثم قال ~~تعالى: {وأن ألق عصاك} أي ونودي بأن إلق عصاك، فألقاها موسى، فصارت حية ~~تسعى، فلما رآها موسى تهتز، أي تتحرك كأنها جان، الجان نوع معروف من ~~الحيات، PageV08P5527 # وهي منها عظام {ولى مدبرا}، أي هاربا منها {ولم يعقب}، أي لم يرجع على ~~عقبيه. # قال قتادة: لم يلتفت من الفرق. # روي أنه ألقاها صارت ثعبانا، فلم تدع صخرة ولا شجرة إلا ابتلعتها حتى سمع ~~موسى صريف أسنانها، فحينئذ ولى مدبرا خائفا، فناداه ربه لا إله إلا ms1914 هو: ~~{ياموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين}، فذهب عنه الخوف، وكان سنة في ذلك ~~الوقت أربعين سنة، ثم أمر بأن يدخل يده في جيبه، ففعل، فخرجت نورا ساطعا، ~~وأمر بضم يده إلى صدره من الخوف، ففعل فذهب خوفه. # وروي: أنه ليس من خائف يضم يده إلى صدره إلا نقص خوفه، وقوله: {ياموسى ~~أقبل ولا تخف}، أي قال الله: يا موسى أقبل إلي ولا تخف PageV08P5528 # من الذي تهرب منه {إنك من الآمنين}، من أي تكون تضرك إنما هي عصاك. # قال وهي: قيل له: ارجع إلى حيث كنت، فرجع، فلف ذراعته على يده فقال له ~~الملك: أرأيت إن أراد الله جل ثناؤه أن يصيبك بما تحذر، أينفعك لفك يدك؟ ~~فقال: ولكني ضعيف خلقت من ضعف، فكشف يده، فأدخلها في فم اليحة، فعادت عصا. # وقيل: إنه أدخل يده في فم الحية بأمر الله فعادت عصا. # قال تعالى: {اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سواء}، أي أدخل يدك في ~~جيب قميصك تخرج بيضاء من غير برص، قاله قتادة. # قال الحسن: فخرجت كأنها المصباح، فأيقن موسى أنه لقي ربه. {واضمم إليك ~~جناحك من الرهب}، قال ابن عباس ومجاهد: يعني يده. # وقال ابن زيد: الجناح: الذراع، والعضد والكف، واليد. PageV08P5529 # قال الضحاك عن ابن عباس: معناه أدخل يدك فضعها على صدرك حتى يذهب عنك ~~الرعب. # قال/، ابن عباس: فليس من أحد يدخله رعب بعد موسى، ثم يدخل يده فيضمها إلى ~~صدره، إلا ذهب عنه الرعب. # وقال الفراء: الجناح هنا: العص، وهذا قول شاذ. # وحكى أهل اللغة أن الجناح من أسفل العضد إلى آخر الإبط، وربما قيل لليد: ~~جناح. # وقد قال أبو عبيدة: جناحك: يدك. # وقوله: {من الرهب} أي من الخوف والفزع الذي داخلك من الحية. # ثم قال: {فذانك برهانان من ربك} أي فهذان اللذان أريناك برهنان من ربك، ~~أي آيتان وحجتان إلى فرعون وملإه على نبوتك يعني اليد والعصا. PageV08P5530 # وحكى بعض أهل اللغة: في " ذا " المد والقصر، ذاء وذا. # ثم قال: {إنهم كانوا قوما ms1915 فاسقين}، أي خارجين عن الإيمان. # و" من " في قوله: " من الرهب " متعلقة " بيعقب: أي ولم يعقب من الرهب. # وقيل: هي متعلقة " يولى مدبرا من الرهب ". # قال تعالى ذكره: {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون}، أي إني ~~أخاف إن آتيتهم فلم أين عن نفسي أن يقتلون بالنفس التي قتلت، وكانت في ~~لسانه عقدة لا يبين معها ما يريد من الكلام فقال: {وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا}، أي أحسن مني بيانا {فأرسله معي ردءا يصدقني}، أي عونا يصدقني. قاله ~~مجاهد وقتادة، وهو قول أهل اللغة. # يقال أردأته: أي أعنته ومن فتح الدال فعلى تخفيف الهمزة. وقيل: إنما سأل ~~موسى في إرسال أخيه معه، لأن الاثنين إذا اجتمعا على الخبر PageV08P5531 # كانت النفس إلى تصديقهما أسكن منها إلى تصديق خبر الواحد. قال ابن زيد. # وعن ابن عباس {ردءا يصدقني}: كي يصدقني. # وقال مسلم بن جندب: الردة: الزيادة. # وقال السدي: كيما يصدقني إني أخاف أن يكذبون فيما أرسلتني به إليهم، ومن ~~جزم " يصدقني " جعله جوابا للطلب، ومن رفع فعلى الاستئناف. وتقف على " ردءا ~~" ويجوز الرفع على أن تجعله نعتا لردءا، أي ردءا مصدقا، ويجوز أن تجعله ~~حالا من الهاء في " فأرسله " ولا تقف على هذين الوجهين على ردا. # قال تعالى ذكره: {قال سنشد عضدك بأخيك}، أي قال الله جل PageV08P5532 # ذكره لموسى: سنشد عضدك بأخيك أي نقويك، ونعينك بأخيك. وذكر العضد لأن قوة ~~اليد بالعضد {ونجعل لكما سلطانا}، أي حجة فلا يصلون إليكما، أي لا يصل ~~فرعون وقومه إليكما بضر. # وقوله: " بآياتنا " متعلقة " بسلطان " والمعنى: ونجعل لكما حجة بآياتنا ~~يعني العصا واليد. فلا تقف على هذا التقدير على " إليكما ". # وقيل: التقدير فلا يصلون إليكما بآياتنا تمتنعان بآياتنا فلا تقف أيضا ~~على " بآياتنا " إلا أن تقدر الفعل في ابتدائك فتقف على " إليكما ". # وقال الأخفش والطبري: التقدير: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا، ثم ~~قدمت الآيات، وهذا لا يجوز لأنه تقديم صلة على موصول، وقد أجازه الأخفش، ~~على أن يكون بيانا مثل: {إني لكما لمن ms1916 الناصحين} فعلى هذا تقف على PageV08P5533 # {إليكما}. # ويروى: أن الله جعل في الحية التي انقلبت من العصا عظما وقوة، ما لو تركت ~~على فرعون وقومه لأهلكتهم، فكانوا من خوف هذه الحية، ولما شاهدوا من عظمها ~~لا يتجرءون على قتل موسى وهارون ولا يطمعون في الوصول إليهما بسوء، فذلك ~~قوله عز وجل: { فلا يصلون إليكما بآياتنآ}، أي لا يتجرءون على قتلكما مع ما ~~ظهر إليهم من عظم الآيات والخوف منها على أنفسهم، يشغلهم الخوف من عظيم ما ~~عاينوا عن أن يقدروا على أذى موسى وهارون. # قال تعالى: {فلما جآءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هاذآ إلا سحر ~~مفترى}، أي قال فرعون وقومه: ما هذا الذي جئتنا به يا موسى إلا سحر ~~افتريته، أي تخرصته من عند نفسك، وما سمعنا بهذا الذي تدعونا إليه في ~~أسلافنا الأولين. قال لهم موسى: {ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده}، أي ربي ~~أعلم بالمحق من المبطل وبمن جاء PageV08P5534 # بالرشاد {ومن تكون له عاقبة الدار}، أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ~~منا {إنه لا يفلح الظالمون}، وهذه مخاطبة جميلة من موسى عليه السلام ~~لفرعون، فترك موسى أن يقول له: بل الذي غر قومه، وأهلك جنده، وأضل أتباعه، ~~أنت لا أنا، ورجع إلى ملاطفته فقال: {ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده ومن ~~تكون له / عاقبة الدار}، فبالغ موسى بهذا في ذم فرعون وقومه بخطاب جميل. # قال تعالى: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري}، أي قال ~~ذلك فرعون لأشرف قومه لئلا يصدقوا موسى فيما جاءهم به من عبادة الله. # {فأوقد لي ياهامان على الطين}، يريد عمل الآجر، وهو أول من عمله وبنى به ~~{فاجعل لي صرحا}، ابن لي بنيانا مرتفعا {لعلي أطلع إلى إله موسى} أي انظر ~~إلى معبود موسى الذي يدعونا إلى عبادته {وإني لأظنه من الكاذبين}، أي أظن ~~موسى فيما يقول: إن له معبودا، كاذبا. والظن هنا شك، فكفر الملعون بالشك. PageV08P5535 # قال السدي: فبنى له هامان الصرح، وارتقى فوقه فأمر بنشابة، ms1917 فرماها نحو ~~السماء فردت عليه وهي ملطخة دما، فقال: قد قتلت إله موسى، تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا. # قوله تعالى ذكره: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق}، # أي تجبر فرعون وقومه، في أرض مصر عن تصديق موسى واتباعه على توحيد الله ~~وعبادته بغير الحق أي تعديا وعنوا على ربهم وظنوا أنهم لا يبعثون بعد مما ~~تهم، وأنه لا ثواب ولا عقاب. # قال تعالى: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم}، أي أخذنا فرعون وجنوده ~~فأغرقناهم في البحر، فانظر يا محمد {كيف كان عاقبة الظالمين}، أي انظر بعين ~~قلبك، وفكر بفهمك، فكذلك نفعل بمن كذبك فقتلهم الله بالسيف. # قال تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار}، أي جعل الله فرعون وقومه PageV08P5536 # أئمة للضلال، يأتم بهم أهل العتو على الله، يدعون الناس إلى الضلال الذي ~~هو سبب الدخول إلى النار. {ويوم القيامة لا ينصرون}. أي لا ينصرهم من عذاب ~~الله أحد، وقد كانوا في الدنيا يتناصرون. # قال تعالى: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة}. أي ألزمنا فرعون وقومه في ~~هذه الدنيا حزنا وغضبا، وبعدا من الله {ويوم القيامة هم من المقبوحين}. # قال قتادة: لعنوا في الدنيا والآخرة وهو مثل قوله: # {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} [هود: 99]. # ق ابن جريج: {هم من المقبوحين} مستأنف " فأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة لعنة ". فيجب على قوله: أن يقف القارئ على {القيامة}، PageV08P5537 # والوقف عند نافع: " لعنة ". ومعنى {من المقبوحين}، أي من الذين قبحهم ~~الله وأهلكهم بتكذيبهم رسوله موسى عليه السلام. # قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى}،. ~~أي ولقد أعطينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله، كقوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، وغير ذلك من الأمم. {بصآئر للناس}، ~~أي ضياء لبني إسرائيل في أمر دينهم. {وهدى}، أي وبيانا {ورحمة} لمن عمل به ~~منهم. {لعلهم يتذكرون}، أي تذكرون نعم الله بذلك عليهم فيشكرونه، ولا ~~يكفرون. # قال أبو سعيد الخدري: ما أهلك الله جل ms1918 ذكره بعذاب من السماء ولا من الأرض ~~بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض، غير القرية التي مسخ أهلها قردة، ألم ~~تر أن الله يقول: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى ~~بصآئر للناس وهدى ورحمة}. # قال تعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر}، هذا الكلام PageV08P5538 # تضمن إضمارا دل عليه المعنى. والمعنى: لم تكن يا محمد في جانب الغربي إذ ~~قضينا إلى موسى أمرك، وذكرناك بخير ذكر، لأن هذا الكلام لا يستعمل إلا في ~~رجل جرى ذكره إما بخير أو بشر، ولا يذكر الله نبيه إلا بخير، ووصى باتباعه ~~إذا بعث، دل على ذلك قوله: {ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر}، فنسوا ~~الوصية وتركوها لطول الزمان عليهم. # وقوله: {وما كنت من الشاهدين}، أي لم تكن يا محمد بحاضر لما وصاهم الله ~~به في أمرك. # وقيل: الشهود بمعنى الشهادة أي لم تكن بشاهد عليهم فيما وصاهم به من أمرك ~~/، والإيمان بك. # وقوله: {فتطاول عليهم العمر}، إيماء إلى نقضهم العهد، وتركهم للوصية ~~بالإيمان بمحمد عليه السلام وما يأتيهم به، وقد أخبرنا أن محمدا PageV08P5539 # تجده اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ويجدون صفته. # يروى: أن الله أعلم موسى صلى الله عليه وسلم أنه يبعث نبيا من ولد ~~إسماعيل يسمى محمدا، وأنه أخذ ميثاقه على أمة موسى أن يؤمنوا به، فطالت ~~عليهم الأزمنة فنسوا ما عهد إليهم به. فالمعنى: أي وما كنت يا محمد بجانب ~~الجبل الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، أي فرغنا إلى موسى الأمر، يعني ما ~~ألزم الله تعالى موسى وقومه، وعهد إليهم من عهده. {وما كنت من الشاهدين}، ~~أي لم تشهد يا محمد ذلك ولم تحضره. # قال قتادة وابن جريج: {بجانب الغربي} أي بجانب غربي الجبل. # وقيل: المعنى: لم تكن يا محمد في ذلك المكان إذ أعلمنا موسى أن أمة محمد ~~خير الأمم. # {وما كنت من الشاهدين}، أي لم تشهد يا محمد ذلك ولم تحضره. وقال أبو ~~عبيدة: {بجانب الغربي} حيث تعغرب فيه الشمس والقمر والنجوم. ms1919 # ثم قال تعالى: {ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر}، أي خلقنا أمما ~~من بعد ذلك فتطاول عليهم العمر. {وما كنت ثاويا في أهل مدين}، أي مقيما ~~فيهم. PageV08P5540 # {تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين}، أي لم تشهد يا محمد شيئا من ذلك، ~~أي ما ابتليت يا محمد بشيء من ذلك بل الثاوي شعيب وهو المبتلى بهم. # قال تعالى: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا}، أي إذ نادينا موسى بقولنا: ~~{فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} [الأعراف: 156] إلى قوله: {المفلحون} ~~[الأعراف: 157]. # وقيل: نادى الله جل ذكره: يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل ~~أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني، فقال ~~موسى: يا رب جعلت وفادتي لغيري. وذلك حين اختار موسى قومه سبعين رجلا ~~للميقات. # وقال أبو زرعة: رواه الأعمش عن علي بن مدرك عنه: نادى أمة محمد: أعطيتكم ~~قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني. وأسند أبو زرعة هذه الألفاظ عن أبي ~~هريرة، وأسنده إبراهيم بن عرفة إلى أبي هريرة أيضا. PageV08P5541 # ثم قال: {ولكن رحمة من ربك} رحمة نصب على المصدر عند الأخفش والتقدير: ~~ولكن رحمة ربك رحمة، وهو مفعول من أجله عند الزجاج أي فعلنا ذلك للرحمة وهو ~~عند الكسائي خبر كان مضمره، والتقدير: ولكن كان ذلك رحمة، والمعنى: لم نشهد ~~ذلك يا محمد، فتعلمه، ولكن: عرفناكه، وأنزلنا عليك، واقتصصنا ذلك كله عليك ~~في كتابنا، وابتعثناك بما أنزلنا إليك من ذلك رسولا إلى من ابتعثناك إليه ~~رحمة لك ولهم: {لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك}، يعني العرب. {لعلهم ~~يتذكرون}، فيظهر لهم خطأ ما هم عليه من الكفر. # قال تعالى: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم}، جواب PageV08P5542 # لولا محذوف. والتقدير: لولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك إليهم يا محمد ~~إذا حل عليهم العذاب على كفرهم قبل إرسالك إليهم، هلا أرسلت إلينا رسولا من ~~قبل أن يحل بنا سخطك {فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين}، لعاجلهم العذاب. # قال تعالى: {فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا ms1920 لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى} ~~أي فلما جاء هؤلاء الذين لم يأتهم من قبلك يا محمد رسول الحق من عندنا وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة من الله إليهم. # قالوا تمردا على الله وتماديا في الغي: هلا أوتي محمد مثل ما أوتي موسى ~~من الكتاب، فقال الله جل ذكره لنبيه: قل لهم يا محمد أو لم يكفر الذين ~~علموكم هذه الحجج من اليهود بما أوتي موسى من قبل. # قال مجاهد: يهود تأمر قريشا أن تسأل محمدا مثل ما أوتي موسى عليه السلام. ~~يقول الله جل ذكره لمحمد: قل لقريش تقول لهم: {أولم يكفروا بمآ أوتي موسى ~~من قبل}. PageV08P5543 # وقيل: معنى {مثل مآ أوتي موسى}، يعنون به العصا وانفلاق البحر /، {قالوا ~~سحران تظاهرا}، أي قالت اليهود موسى وهارون عليهما السلام ساحران تعاونا ~~على السحر، قاله مجاهد. # وقال الحسن: عيسى ومحمد عليهما السلام. # ومن قرأ: " سحران " فمعناه: التوراة والفرقان. قاله ابن عباس وابن زيد. # وقال عكرمة: التوراة والإنجيل. # وقال الضحاك: الإنجيل والقرآن. PageV08P5544 # ثم قال تعالى: {وقالوا إنا بكل كافرون}، أي بما أوتي محمد صلى الله عليه ~~وسلم وغيره نكفر. يقول ذلك أهل الكتاب. # قوله تعالى ذكره: {قل فأتوا بكتاب من عند الله}، # أي قل يا محمد للقائلين في التوراة والإنجيل إنهما {سحران تظاهرا} أو ~~محمد وموسى، أو موسى وهارون إنهما ساحران، {فأتوا بكتاب من عند الله هو ~~أهدى}، من هذين الكتابين أو من هذين الرسولين، وإذا جعلت " منهما " ~~للرسولين، فعلى قراءة من قرأ لساحران لا بد من حذف، والتقدير هو أهدى من ~~كتابيهما {أتبعه إن كنتم صادقين}، أي إن جئتم بالكتاب أتبعه إن كنتم صادقين ~~في قولكم: {سحران تظاهرا}. # قال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم}، أي إن لم ~~يجيبوك إلى ما تدعوهم إليه من الإتيان بكتاب، فاعلم أنهم إنما يتبعون ~~أهواءهم في كفرهم وجحدهم لكتب الله وأنبيائه. # ثم قال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله}، أي من أضل عن PageV08P5545 # طريق الرشد ممن ms1921 اتبع هواه بغير بيان عنده من الله {إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين}، أي لا يوفقهم لإصابة الحق، أي لا أحد أضل ممن هذه صفته. # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) # أي ولقد وصلنا يا محمد لقومك من قريش، ولليهود من بني إسرائيل القول ~~بأخبار الماضين، والنبأ عما أحللنا بهم من العقوبات، إذ كذبوا الرسل {لعلهم ~~يتذكرون}، أي يتفكرون، ويعتبرون. وأصل " وصلنا " من وصل الجبال بعضها ببعض. # قال أبو عبيدة: وصلنا أتممنا. # قال قتادة: معناه: وصلنا لهم خبر من مضى بخبر من يأتي. # وقال ابن عيينة وصلنا: بينا. PageV08P5546 # وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا ~~الآخرة وشهدوها وهم في الدنيا، بما نريهم من الآيات في الدنيا. # قال مجاهد: وصلنا لهم: يعني قريشا. # وقيل: عني به اليهود. # وقرأ الحسن: " وصلنا " بالتخفيف. # وقيل: معنى {وصلنا لهم القول} أي جعلنا بعضه ينزل إثر بعض مشاكلا بعضه ~~لبعض في باب الحكمة وحسن البيان. # قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون}، يعني من آمن ~~بمحمد عليه السلام من أهل الكتاب. # قال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق PageV08P5547 # يأخذون بها وينتهون، حتى بعث الله جل ثناؤه محمدا آمنوا به وصدقوه، ~~فأعطاهم الله أجرهم مرتين بصبرهم على الكتاب الأول، واتباعهم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، وصبرهم على ذلك. # وقيل: أعطاهم الله أجرهم مرتين بإيمانهم ببعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~قبل بعثه، وإيمانهم به بعد بعثه، فبصبرهم على ذلك أعطوا أجرهم مرتين. # ويقال: إن منهم سلمان، وعبد الله بن سلام. PageV08P5548 # قال الضحاك: هم ناس من أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم أدركوا ~~محمدا فآمنوا به، فآتاهم الله أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد قبل أن يبعث، ~~وباتباعهم إياه حين بعث، فذلك قوله عنهم: {إنا كنا من قبله مسلمين}. # وقال الزهري: هم النجاشي وأصحابه وجه بثني عشر رجلا، فجلسوا مع النبي ~~عليه السلام، وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم، فآمنوا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما ms1922 قاموا من عنده، تبعهم أبو جهل ومن تبعه فقالوا لهم: خيبكم ~~الله من ركب، وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، وما رأينا ركبا أحمق ~~ولا أسفل منكم، فقالوا: سلام عليكم لم نأل أنفسنا رشدا {لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم} [القصص: 55]. # وقوله: {إنا كنا من قبله مسلمين}، أي من قبل إتيان محمد لأنا وجدنا صفته ~~في كتابنا فآمنا به، ثم بعث فآمنا به. والهاء في " قبله " تعود على /، ~~النبي عليه السلام، أو على PageV08P5549 # القرآن، فالتقدير: وإذا يتلى عليهم القرآن قالوا: آمنا به إنه الحق من ~~ربنا، إنا كنا من قبل هذا القرآن - أي من قبل نزوله - مسلمين. # وقيل: نزلت في عشرين رجلا من النصارى، قدموا على النبي عليه السلام وهو ~~بمكة حين بلغهم خبره، فوجدوه في المجلس، فجلسوا إليه، وكلموه وساءلوه. ~~ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا عن مسألتهم له فيما ~~أرادوا، دعاهم النبي عليه السلام إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فلما ~~سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا، وصدقوا، ~~وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه، اعترضهم ~~أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من ~~وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم ~~عنده، حتى فارقتم دينكم وصدقمتوه بما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم، فقالوا ~~لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه لم نأل ~~أنفسنا خيرا. PageV08P5550 # وقيل: كانوا ثمانين رجلا، منهم أربعون من نصارى نجران واثنان وثلاثون من ~~نصارى الحبشة، وثمانية من الروم، وفيهم نزل من قوله: {الذين آتيناهم ~~الكتاب} إلى قوله: {لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 55]. # قال تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا}، وقد تقدم تفسير هذا في ~~الآية التي قبل هذه. # ثم قال: {ويدرؤن بالحسنة السيئة}، أي ويدفعون بالحسنة من أعمالهم السيئة، ~~أي يدفعون بالاستغفار والتوبة: الذنوب. # وقال الزجاج: ويدفعون بما يعملون من الحسنات ما تقدم لهم ms1923 من السيئات. # وقوله: {بما صبروا} قال قتادة: صبروا على الكتاب الأول، وعلى اتباع محمد، ~~وهو قوله ابن زيد. # وقيل: صبروا على الإيمان بمحمد قبل أن يبعث، وعلى اتباعه بعد أن بعث، PageV08P5551 # قاله الضحاك. # وعن مجاهد: في قوله: {يؤتون أجرهم مرتين}، أنها نزلت في قوم مشركين ~~أسلموا، فكان قومهم يؤذونهم، فأعطوا أجرهم مرتين بصبرهم. # قال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه}، أي وإذا سمع هؤلاء الذين ~~أوتوا الكتاب اللغو: وهو الباطل من القول، أعرضوا عنه. # وقيل: المعنى إذا سمعوا ما زيد في كتاب الله وغير مما ليس منه، أعرضوا ~~عنه، قاله ابن زيد. # وقال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب أسلموا، فكان المشركون يؤذونهم، فكانوا ~~يصفحون عنهم ويقولون: {سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} فمعنى {أعرضوا عنه} ~~لم يصغوا إليه ولا التفتوا. # {لنآ أعمالنا} أي قد رضينا بها لأنفسنا {ولكم أعمالكم}، أي قد رضيتم بها ~~لأنفسكم {سلام عليكم}، أي أمنة لكم منا أن نسابكم أو تسمعوا منا ما لا PageV08P5552 # تحبون {لا نبتغي الجاهلين}، أي لا نريد محاورة أهل الجهل. # وقيل: معناه: لا نطلب عمل أهل الجهل. # وقال بعض العلماء: الآية منسوخة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الابتداء بالسلام على الكفار. وهذا لا يصح لأن الآية ليست من السلام الذي ~~هو تحية، إنما هو من المتاركة والمباراة. # وقال جماعة: هي منسوخة بالأمر بالقتال. # وقيل: الآية محكمة، وإنما هذا قول حسن ومخاطبة جميلة. # قوله تعالى ذكره: {إنك لا تهدي من أحببت}، # أي إنك يا محمد لا تهدي من أحببت هدايته، ولكن الله يهدي من يشاء هدايته PageV08P5553 # من خلقه، فيوفقه للإيمان. {وهو أعلم بالمهتدين}، أي والله أعلم بمن سبق ~~له في علمه أنه يهتدي للرشاد. ويروى: أن هذه الآية: نزلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما امتنع عمه أبو طالب من إجابته إذ دعاه إلى الإيمان. # روى أبو هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه أبي طالب عند ~~الموت: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. قال: ms1924 لولا أن تعيرني ~~/، قريش. يقولون ما حمله إلا جزع الموت أقرت عينك بها؟ فنزلت {إنك لا تهدي ~~من أحببت}، الآية ". # وروى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: " لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي ~~أمية بن PageV08P5554 # المغيرة، فقال رسول الله: يا عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها ~~عند الله، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة ~~عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه، ويعيد تلك المقالة حتى قال أبو ~~طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما والله لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك " ~~فأنزل الله: {إنك لا تهدي من أحببت} الآية. وأنزل: {ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين} الآيات ". # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: نزلت في أبي طالب على ما ذكرنا. # قال تعالى: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ}، أي وقال كفار ~~قريش: إن نتبع الذي جئتنا به، ونتبرأ من الأنداد والآلهة: يتخطفنا الناس من ~~أرضنا، لاجتماع جميعهم على خلافنا، وحربنا، يقول لهم الله جل ذكره: {إن ~~نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ} أي نوطئ لهم بلدا: حرم فيه سفك الدماء، ~~ومنع من أن يتناول سكانه فيه بسوء، وأمن أهله من أن تصيبهم فيه غارة أو قتل ~~أو سبي. قال ابن عباس: كان من أحدث حدثا في بلد غير الحرم، ثم لجأ إلى ~~الحرم أمن إذا دخله، ولكن لا ينبغي لأهل مكة أن يبايعوه، ولا يطعموه، ولا ~~يسقوه، ولا يؤووه، ولا يكسوه، فإذا خرج PageV08P5555 # من الحرم أخذ وأقيم عليه الحد. قال: ومن أحدث فيه حدثا أخذ بحدثه فيه. # قال مجاهد: إذا أصاب الرجل الحد في غير الحرم، ثم أتى الحرم، أخرج من ~~الحرم، فأقيم عليه الحد، وإن أصاب الحد في الحرم أقيم عليه ms1925 الحد في الحرم. # وقال ابن جبير: نحوه، وأكثر الفقهاء: على أن الحد يقام في الحرم على من ~~وجب عليه حد أحدثه في الحرم أو غير الحرم، ولا يمنع الحرم من الحق من حقوق ~~الله، ولا من حق أوجبه الله، فالمعنى: أن من مكن لكم حرما آمنا، لا يتعدى ~~على أحد فيه، قادر على أن يمنع منكم من خالفكم في الدين إن آمنتم، لأنهم ~~اعتذروا أنهم يخافون أن تجتمع عليهم العرب، فتقتلهم إن آمنوا أو خالفوا دين ~~العرب، فأعلمهم أن من جعل لكم الحرم آمنا يقدر على أن يمنعكم من العرب إن ~~آمنتم. # قال ابن عباس: " الحارث بن نوفل هو الذي قال: PageV08P5556 # {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ}. # قوله: {يجبى إليه ثمرات كل شيء}، أي تجبى إليه من كل بلد. {رزقا من ~~لدنا}، أي رزقا لهم من عندنا. {ولكن أكثرهم لا يعلمون}، نعم الله عليهم. # قال تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها}، أي وكثير من القرى أهلكنا ~~أهلها، و {كم} في موضع نصب ب {أهلكنا}، و {معيشتها}، نصب على حذف " في ". ~~والتقدير عند " المازني " بطرت في معيشتها، ونصبه عند الفراء على التفسير، ~~ونظيره {إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} ~~[النساء: 4]. والبطر: الأشر في النعمة {فتلك مساكنهم}، أي دورهم: {لم تسكن ~~من بعدهم إلا قليلا}، أي إلا وقتا قليلا، فتلك إشارة إلى مساكن عاد بناحية ~~الأحقاف واليمن. وإلى منازل ثمود بناحية وادي القرى، ومساكن قوم لوط ~~بالمؤتفكات وغير ذلك من مساكن الأمم المهلكة. وقيل: المعى لم يسكن منها إلا ~~القليل، وباقيها خراب، والمعنى: إلا قليلا منها فإنه سكن. {وكنا نحن ~~الوارثين}، أي لا وارث لهم فيها. PageV08P5557 # ثم قال تعالى {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا}، أي لم ~~يكن ربك يا محمد مهلك القرى التي حوالي مكة في زمانك وعصرك {حتى يبعث في ~~أمها رسولا} أي في مكة / لأنها أم القرى. # {يتلو عليهم آياتنا}، أي القرآن، والرسول محمدا صلى الله عليه ms1926 وسلم. # { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون}، أي لم نكن مهلكي القرى وهي ~~بالله مؤمنة، إنما نهلكها بظلمها أنفسها. # قال تعالى: {ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا}، أي ما أعطيتم من ~~شيء من مال وأولاد، فإنما هو متاع تتمتعون به في هذه {الحياة الدنيا ~~وزينتها}. # ليس مما يغني عنكم شيئا، ولا ينفعكم شيء منه في معادكم، {وما عند الله ~~خير}، مما متعتم به في الحياة الدنيا، وإبقاء لأهل طاعته وولايته لأنه دائم ~~لا نفاذ له. # وقيل معناه: خير ثوابا وإبقاء عندنا. PageV08P5558 # {أفلا تعقلون}، أي أفلا عقول لكم أيها القوم تتدبرون بها فتعرفون بها ~~الخير من الشر، وتختارون لأنفسكم خير المنزلتين. # قال تعالى: {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه}، أي أفمن وعده الله من ~~خلقه على طاعته إياه أن ينجز له ما وعده {فهو لاقيه} لاق ما وعد به، كمن ~~متعه الله في الدنيا متاعا زائلا {ثم هو يوم القيامة من المحضرين}، أي من ~~المشهدين عذاب الله وأليم عقابه. # وقال قتادة: هو المؤمن يسمع كتاب الله جل وعز وصدق به، وآمن بما وعده ~~الله فيه. {كمن متعناه متاع الحياة الدنيا}، وهو الكافر {ثم هو يوم القيامة ~~من المحضرين}، عذاب الله. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وفي أبي جهل بن هشام لعنه الله. PageV08P5559 # وعن مجاهد أيضا: أنها نزلت في حمزة، وعلي، وأبي جهل،. وقيل: نزلت في حمزة ~~وأبي جهل. # أي ويوم ينادي رب العزة الذين أشركوا به في الدنيا، فيقول لهم: {أين ~~شركآئي الذين كنتم تزعمون}، في الدنيا أنهم لي شركاء، فالمعنى: أين شركائي ~~على قولكم وزعمكم؟ وهذا النداء إنما هو على طريق التوبيخ لهم، وإلا فقد ~~عرفوا في ذلك اليوم بطلان ما كانوا عليه، وعرفوا أن أولئك الشركاء الذين ~~كانوا يعبدون لا ينفعونهم بشيء. # قوله تعالى: {قال الذين حق عليهم القول}، أي وجب عليهم العذاب PageV08P5560 # والغضب واللعنة. # قال قتادة: هم الشياطين يعني الذين يغوون الناس. # وقيل: {حق عليهم القول} وجبت عليهم الحجة فعذبوا. ms1927 # {ربنا هؤلاء الذين أغوينآ}، أي دعوناهم إلى الغي، {أغويناهم كما غوينا}، ~~أي أضللناهم كما ضللنا. {تبرأنآ إليك}، أي تبرأ بعضنا من بعض وعاداه، وهو ~~قوله تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67]. # قوله: {ما كانوا إيانا يعبدون}، أي ما كانوا يعبدوننا. # وقيل: هم دعاة الكفار إلى الكفر من الإنس. # قوله تعالى ذكره: {وقيل ادعوا شركآءكم}، # أي وقيل للمشركين: ادعوا شركاءكم الذين كنتم تدعون في الدنيا من دون ~~الله، {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم}، أي لم يجيبوهم لحجة، وأضاف الشركاء إليهم ~~لأنهم PageV08P5561 # اختلقوهم وأضافوهم إلى العبادة. # وقوله: {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون}، أي فودوا حين رأوا العذاب ~~لو أنهم كانوا يهتدون للحق في الدنيا. # وقيل: المعنى لو أنهم كانوا يهتدون لما اتبعوهم لما رأوا العذاب. # وقيل: التقدير لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لأنجاهم الهدى. ثم قال ~~تعالى:: {ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين}، أي يوم ينادي الله ~~لهؤلاء المشركين فيقول لهم: {ماذآ أجبتم المرسلين}، الذين أرسلوا إليكم ~~يدعونكم إلى توحيد الله. ثم قال تعالى: {فعميت عليهم الأنبآء يومئذ}، أي ~~خفيت عليهم الأخبار. # وقيل المعنى: فعميت عليهم الحجج فلم يدروا بما يحتجون. قاله مجاهد. # وقال ابن جريج: {ماذآ أجبتم المرسلين}: بلا إله إلا الله / هي التوحيد. PageV08P5562 # وقيل: إنهم تجبروا فلم يدروا ماذا يجيبون لما سئلوا. # وقوله: {فهم لا يتسآءلون}، أي بالأنساب والقرابة، قالهه مجاهدد. ثم قال ~~تعالى: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا}، أي من تاب من شركه، وآمن وعمل بما ~~أمره الله ورسوله: {فعسى أن يكون من المفلحين}، أي من المنجيين المدرركين ~~طلبتهمم عند الله الخالدين في جنانه، و " عسى " من الله واجب. # قال تعالى: {وربك يخلق ما يشآء ويختار}، أي يخلق ما يريد، ويختار الرسل، ~~{ما كان لهم الخيرة} أي ليس يرسل الرسل باختيارهم: أي باختيار المشركين، ~~فالوقف على هذا المعنى {ويختار}، و " ما " نافية. # قال علي بن سليمان: لا يجوز أن تكون " ما " في موضع نصب، لأنه لا عائد ~~عليها. وفي كون ما للنفي رد على ms1928 القدرية، ولو كانت " ما " في موضع نصب لكان ~~ضميرها اسم كان، في كان مضممرا، وللزم نصب {الخيرة}، على خبر كان. PageV08P5563 # وأجاز الزجاج: أن تكون " ما " في موضع نصب بيختار وتقدر حذفا من الكلام، ~~والتقدير: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة، فلإتمام على هذا القول على و ~~{يختار}، ولا يقف إلا على {الخيرة}. وجعل " ما " نافية، والوقف على ~~{ويختار}. وهو مذهب أكثر العلماء. # وكان الطبري ينكر أن تكون " ما " نافية، ولا يحسن عنده أن تكون " ما " ~~إلا في موضع نصب بمعنى الذي، والتقدير عنده: ويختار لولاية الخيرة من خلقه ~~من سبقت له منه السعادة، وذلك أن المشركين كانوا يختارون خيار أموالهم، ~~فيجعلونها لآلهتهم. فقال الله: وربك يا محمد {يخلق ما يشآء}، أن يخلقه، ~~ويختار للهداية من خلقه من سبق له في علمه. السعادة نظير ما كان من اختيار ~~هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم وقد قال ابن عباس في الآية: كانوا ~~يجعلون لآلهتهم خيار أموالهم. # فالطبري: يجعل " ما " لمن يعقل بمعنى " الذي " ويقدر رفع " الخيرة " PageV08P5564 # بالابتداء {لهم الخيرة}، والجملة خبر كان وشبهه بقولك: " كان زيد أبوه ~~منطلق " وهذا كلام لا وجه له ولا معنى لأنه عائد يعود على اسم كان، فإن ~~قدرت فيه محذوفة جاز على بعد، وكان هو خبر " الخيرة "، ولهم: ملغى وأحال ~~الطبري كون " ما " للنفي لأنها لو كانت للنفي لكان المعنى: أنه لم تكن لهم ~~الخيرة فيما مضى قبل نزول الآية، ولهم ذلك فيما يستقبلون، لأنك إذا قلت: " ~~ما كان لك هذا " كان معنى الكلام: لم يكن فيما مضى وقد يكون له فيما ~~يستقبل. # قال أبو محمد مؤلفه رضي الله عنه: وهذا لا يلزم، بل هي نفي عام في الماضي ~~والمستقبل، وقد أجمع اللغة على أن " ما " تنفي الحال والاستقبال كليس. ~~ولذلك عملت عملها. دليله: قوله تعالى: {ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين} ~~[البقرة: 114]. وقوله: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} ~~[الأحزاب: 38] فهذا نفي عام في الماضي والمستقبل، ولو كان الأمر على ما أصل ms1929 ~~الطبري لكان لهم دخولها فيما يستقبل غير خائفين، ولكان على النبي الحرج ~~فيما فرض الله له فيما يستقبل، وهذا كثير في القرآن على خلاف ما تأول ~~الطبري PageV08P5565 # وأحاله أيضا، لأنه لم يتقدم كلام يكون هذا نفي له، وهذا لا يلزم لأن الآي ~~إنما كانت تنزل على ما يسأل النبي عليه السلام عنه وعلى ما هم عليه مصرون ~~من الأعمال السيئة. وعلى ذلك أكثر أي القرآن، فلا يلزم أن يكون قبل كل آية ~~تفسير ما نزلت فيه ومن أجله. # أي ما يسرون وما يظهرون، أي يختار من شاء من خلقه للرسالة، لأنه يعلم ~~سرهم وظاهرهم، فهو يختارهم من خلقه على علم بهم. # قال تعالى: {وهو الله لا إله إلا هو}، أي والمعبود هو الله لا معبود غيره ~~{له الحمد في الأولى والآخرة}، أي في الدنيا والآخرة {وله الحكم}، أي فصل ~~القضاء بين خلقه. {وإليه ترجعون}، أي تردون بعد مماتكم فيقضي بينكم بالحق. # قال تعالى ذكره: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة}، أي دائما لا نهار إلى يوم القيامة. # والعرب تقول لكل ما كان متصلا لا ينقطع من رخاء أو بلاء: هو سرمد. PageV08P5566 # وقوله: {من إله غير الله يأتيكم بضيآء} /، أي من معبود غير الله يأتيكم ~~بضياء النهار {أفلا تسمعون}، ما يقال لكم فتتعظون. # قال أبو إسحاق: بضياء: أي بنهار تتصرفون فيه في معاشكم. وكذلك قوله في ~~النهار فمن {يأتيكم بليل تسكنون فيه}، أي تهدءون وتستريحون من حركاتكم، فلو ~~كان أحدهما دائما لهلك الخلق، ولكنه تعالى خلق للخلق الليل والنهار رحمة ~~للخلق، وهو قوله: {ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه}، أي في ~~الليل، ولتبتغوا من فضله، يعني في النهار {ولعلكم تشكرون}، فعل ذلك، أي خلق ~~لكم ذلك لتنتفعوا به ولتشكروا على ما فعل بكم من الرفق. # أي ويوم يناديهم ربك يا محمد فيقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون في ~~الدنيا أنهم PageV08P5567 # شركائي؟ والمعنى: أين شركائي على زعمكم وقولكم؟. # قال تعالى: {ونزعنا من كل أمة ms1930 شهيدا}، أي أخرجنا من أمة شهيدا منهم ليشهد ~~عليهم بأعمالهم. يقال: إنهم عدول الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في ~~الدنيا. # ويروى: أن كل قرن لا يخلو من شهيد يشهد عليهم يوم القيامة بأعمالهم. # وقيل المعنى: أحضرنا من كل أمة نبيها الذي يشهد عليها بما فعلت. # قاله قتادة ومجاهد. # {فقلنا هاتوا برهانكم}، أي حجتكم على إشراككم بالله مع مجيء الرسل إليكم ~~بالحجج، والآيات {فعلموا أن الحق لله}، أي أيقنوا أن الحجة لله عليهم {وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون}، أي اضمحل وذهب الذي كانوا يشركون بالله في الدنيا ~~فلم ينتفعوا به بل ضرهم وأهلكهم. PageV08P5568 # قوله تعالى ذكره: {إن قارون كان من قوم موسى}، # " قارون " فاعول اسم أعجمي معرفة فلذلك لم ينصرف ومعنى {كان من قوم موسى} ~~أي من عشيرته، وكان ابن عمه لأبيه وأمه، وكان عند موسى من عباد المؤمنين. ~~وهو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى: هو موسى بن عمران بن قاهث. قاله ابن ~~جريج، والنخعي، وقتادة، ومالك ابن دينار. # وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى لأب وأم. # وقوله: {فبغى عليهم}، أي تجاوز حده في التكبر عليهم. # وقيل: كان بغيه أنه أحدث زيادة شبر في طول ثيابه، قاله شهر بن حوشب. PageV08P5569 # وقال قتادة: كان بغيه عليهم بكثرة ماله. # قيل: إنه لكثرة ماله استخف بالفقراء، وازدرى بني إسرائيل، ولم يرع لهم حق ~~الإيمان بالله. # وقيل: إنه كان ابن عم موسى، وكان عالما بالتوراة فبغى على موسى، وقصد إلى ~~الإفساد عليه والتكذيب له، وكان من طلبه للإفساد أن بغيا كانت مشهورة في ~~بني إسرائيل فوجه إليها قارون، وكان أيسر أهل زمانه، فأمرها أن تصير إليه، ~~وهو في ملإ من أصحابه، فتكذب على موسى، وتقول: إن موسى طلبني للفساد، وضمن ~~لها قارون إن هي فعلت ذلك أن يخلطها بنسائه، وأن يعطيها على ذلك عطاء ~~كثيرا، فجاءت المرأة، وقارون جالس مع أصحابه ورزقها الله التوبة، وقالت في ~~نفسها: مالي مقام توبة مثل هذا، فأقبلت على أهل المجلس وقارون حاضر، فقالت ~~لهم: إن قارون هذا ms1931 وجه إلي يأمرني ويسألني أن أكذب على موسى وأن أقول: قد ~~أرادني للفساد، وأن قارون كاذب في ذلك. فلما سمع قارون كلامها تحير وأبلس، ~~واتصل الخبر بموسى عليه السلام فجعل الله أمر قارون إلى موسى، وأمر الأرض ~~أن تطيعه فيه، فورد موسى على قارون، فأحس قارون بالبلاء، فقال: يا موسى ~~ارحمني، فقال: يا أرض PageV08P5570 # خذيه، فخسفت به إلى سرته، ثم قال: يا أرض خذيه، فخسفت به إلى عنقه، ~~واسترحم موسى فقال: يا أرض خذيه، فخسفت به حتى ساخت الأرض به وبداره، وه ~~قوله جل ذكره: {فخسفنا به وبداره الأرض} [القصص: 81]. # وقوله: {وآتيناه من الكنوز}، أي كنوز الأموال {مآ إن مفاتحه}، أي خزائنه. # وقيل: هي التي يفتح بها الأبواب، والواحد في الوجهين: مفتاح، وروى الأعمش ~~عن خيثمة أنه قال: كانت مفاتح قارون تحمل على ستين بغلا، كل مفتاح منها /، ~~لباب كنز معلوم مثل الإصبع من جلود. # قال مجاهد: كانت المفاتيح من جلود الإبل. # وقال أبو صالح: كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلا. # وقال الضحاك: مفاتحه: أوعيته. PageV08P5571 # وقيل: كانت مفاتح أقفال خزائنه لا تنقل من مكان إلى مكان إلا بعشرة أنفس ~~من أهل القوة. # قال ابن عباس: {لتنوء بالعصبة}، أي لتثقل بالعصبة. # وقال أبو عبيدة: مجازه ما إن العصبة ذوي القوة لتنوء بمفاتح نعمه، ~~والصحيح عند أهل اللغة أنه يقال: نؤت بالحمل: أي نهضت به على ثقل، ونأنى، ~~وأنأني: إذا أثقلني. # وقيل المعنى: لتنيء العصبة: أي تميلهم من ثقلها، كما يقال: ذهبت به، ~~وأذهبته. # والعصبة عند ابن عباس: أربعون، وكذلك قال الضحاك وأبو صالح. # وقال قتادة: هي ما بين العشرة إلى الأربعين. PageV08P5572 # وقال خيثمة: هم ستون، وقال: كانت مفاتحه تحمل على ستين بغلا. # وقيل: كانت تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة. # وروى الضحاك عن ابن عباس: {لتنوء بالعصبة} قال: العصبة: ثلاثة، وعنه: ~~العصبة ما بين الثلاثة إلى العشرة. # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: العصبة ما بين عشرة إلى خمسة عشر. # وروى ابن جريج عن مجاهد: العصبة خمسة عشر رجلا. # وحكى ms1932 الزجاج: أن العصبة هنا: سبعون رجلا، والعصبة في اللغة: الجماعة، ~~يتعصب بعضهم لبعض. # وقوله: {أولي القوة}، أي ذوي الشدة. # قال مجاهد: {أولي القوة} خمسة عشر رجلا. PageV08P5573 # ثم قال تعالى: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله}، أي لا تبطر ولا تأشر ~~{إن الله لا يحب الفرحين}، أي البطرين الأشرين الذين لا يشكرون على ما ~~آتاهم الله من فضله، أمروا بالتواضع والاستكانة لله. # قال قتادة: {الفرحين}، المرحين، وكذلك قال ابن عباس. # وقال مجاهد: المتبذخين. # وقيل: {الفرحين} المستهزئين. # وذكر الفراء: أن موسى الذي قال له ذلك وحده، فأخبر عنه بلفظ الجماعة كما ~~قال: {الذين قال لهم الناس} [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود. # وفرق الفراء بين الفرحين والفارحين، فقال: الفرحين الذين هم في حال فرح، ~~والفارحين: الذين يفرحون فيما يستقبل، ومثله عنده طمع وطامع، وميت PageV08P5574 # ومايت، وقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] يدل على خلاف ما ~~قال الفراء، لأن هذا للمستقبل، ولم يكونوا في حال موت إذ خوطبوا بهذا، ولم ~~يقل: مايت ومايتون. # وقال الزجاج: معنى {لا تفرح} أي تفرح بالمال فإن الفرح بالمال لا يؤدي ~~فيه الحق. # قال تعالى: {وابتغ فيمآ آتاك الله الدار الآخرة}، أي وقال قوم قارون له: ~~التمس في المال الذي أعطاكه الله الدار الآخرة بالعمل الصالح فيه {ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا}. # قال ابن عباس: معناه لا تترك العمل في الدنيا لله بطاعته وهو معنى قول ~~مجاهد وغيره. # قال ابن زيد: لا تنس أن تقدم من دنياك لآخرتك. # وقيل معناه: بل من لذات الدنيا المحللة، لأن ذلك ليس بمحظور عليك. # وقيل: معناه لا تترك أن تطلب بدنياك الآخرة فهو حظك من دنياك. PageV08P5575 # وقال قتادة: معناه لا تخسر ما أحل الله لك فيها فإن لك فيها غنى وكفاية # وقال الحسن: معناه قدم الفضل وأمسك ما يبلغك. # وقال ابن جريج: الحلال فيها. # وعن مالك رضي الله عنه: أنه الأكل والشرب في غير سرف. # ثم قال تعالى: {وأحسن كمآ أحسن الله إليك}، أي وأحسن في الدنيا بإنفاق ~~مالك ms1933 في وجهه، كما وسع الله عليك. {ولا تبغ الفساد في الأرض}، أي لا تلتمس ~~ما حرم الله عليك من البغي على قومك {إن الله لا يحب المفسدين}، أي لا يحب ~~بغاة البغي والمعاصي. # قال تعالى: {قال إنمآ أوتيته على علم عندي}، أي قال قارون لقومه لما ~~وعظوه: إنما أوتيت هذا المال: {على علم عندي} أي بفضل علم عندي علمه الله ~~مني، فرضي بذلك عني، وفضلني عليكم بالمال لذلك، فلم يرض بأن يكون الله هو PageV08P5576 # المنعم عليه بذلك، فأضاف اكتساب ذلك إلى نفسه لا بشكر الله عليه، فصار ~~كافرا بذلك، وببغيه على بني إسرائيل، وكان قارون أقرأ الناس للتوراة. # / قيل: كان يعرف عمل الكيمياء، وأنكره الزجاج، وقال: الكيمياء باطل. # ثم قال تعالى: {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد ~~منه}، أي بطشا {وأكثر جمعا}، أي جمعا للأموال فلم تغن عنه أمواله شيئا، فلا ~~فضل لمن أوتيها. # ثم قال: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون}. # قال قتادة: يدخلون النار يغير حساب. # وقيل: المعنى أن الملائكة لا تسأل عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم، كقوله جل ~~ذكره: {يعرف المجرمون بسيماهم} [الرحمن: 41] قاله مجاهد، وسيماهم: زرقة ~~العيون، وسواد الوجوه. # وقيل: المعنى ولا يسأل هلاء عن ذنوب من مضى وأهلك من الأمم الكثيرة ~~الأموال. PageV08P5577 # وقيل المعنى: لا يسألون سؤال اختيار فيختلف الضمير في ذنوبهم على مقدار ~~المعاني المذكورة. # قوله تعالى ذكره: {فخرج على قومه في زينته}. # قيل: خرج في ثياب الأرجوان. # قال جابر: خرج في القرمز. # وقال مجاهد: خرج في ثياب حمر على براذين بيض عليها سروج الأرجوان عليهم ~~المعصفرات. # قال ابن جريج: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، وثلاثمائة جارية على ~~البغال الشهب عليهن ثياب حمر. # وقال الحسن: خرج في ثياب حمر وصفر. # وقال قتادة: ذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة آلاف دابة عليهم وعلى دوابهم ~~الأرجوان. PageV08P5578 # وقال ابن زيد: خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات. # وقال شهر بن حوشب: زادوا على الناس في طول ثياب أربعة أشبار. # {قال الذين يريدون ms1934 الحياة الدنيا}، أي يحبون زينة الدنيا من قوم قارون ~~{ياليت لنا مثل مآ أوتي قارون}، من زينة الدنيا. # {إنه لذو حظ عظيم} أي ذو نصيب عظيم في الدنيا. # قال تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم}، أي اليقين والإيمان {ويلكم ثواب ~~الله}، أي اتقوا الله وأطيعوه، فثواب الله لمن آمن به وبرسله {خير} مما ~~أوتي قارون من زينته وماله. {ولا يلقاهآ إلا الصابرون} أي لا يوفق لقول هذه ~~الكلمة وهي {ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا}، إلا الصابرون. أي إلا ~~الذين صبروا عن زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من النعيم على ~~شهوات الدنيا. # قال تعالى: {فخسفنا به وبداره الأرض} أي فخسفنا بقارون وأهل داره الأرض. # روي: أن موسى عليه السلام أمر الأرض أن تأخذه، ومن كان يتبعه من جلسائه ~~في داره، وكان معه جماعة وهم على مثل حاله من النفاق على موسى. # قال ابن عباس: لما نزلت الزكاة أتى موسى قارون فصالحه على كل ألف دينار ~~دينارا، وعلى كل ألف درهم درهما، وعلى كل ألف شاة شاة. ثم أتى قارون بيته PageV08P5579 # فحسبه فوجده كثيرا، فجمع بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل إن موسى قد ~~أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ من أموالكم، فقالوا له: أنت ~~كبيرنا وسيدنا، فمرنا بما شئت، فقال: آمركم تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها ~~جعلا فتقذفه بنفسها، فدعوها فجعلوا لها جعلا على أن تقذفه بنفسها، ثم أتى ~~موسى، فقال لموسى إن بني إسرئيل قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم ~~وهم في براح من الأرض، فقال يا بني إسرائيل: من سرق قطعنا يده، ومن افترى ~~جلدناه بثمانين، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة ~~جلدناه حتى يموت أو رجمناه حتى يموت. فقال له قارون: وإن كنت أنت، قال: وإن ~~كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعوها، فإن ~~قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت، قال لها موسى: يا فلانة، قالت: لبيك، ~~قال: أنا فعلت بك ms1935 ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا وقد كذبوا، وقد جعلوا لي جعلا ~~على أن أقذفك بنفسي فوثب وسجد وهو بينهم فأوحى الله إليه: مر الأرض بما ~~شئت، فقال يا أرض خذيهم، فأخذتهم /، إلى أقدامهم، ثم قال: يا أرض خذيهم ~~فأخذتهم إلى ركبهم، ثم كذلك حتى أخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون: يا ~~موسى، يا موسى، ويتضرعون إليه، فقال: يا أرض خذيهم، فأطبقت عليهم، فأوحى ~~الله إليه: يا موسى، يقول لك عبادي يا موسى، يا موسى لا ترحمهم، أما لو ~~إياي دعوا لوجدوني قريبا مجيبا. # قال ابن عباس: خسف به وبداره إلى الأرض السابعة. # قال ابن جريج: بلغنا أن قارون يخسف به كل يوم قامة، ولا يبلغ إلى أسفل PageV08P5580 # الأرض إلى يوم القيامة. # وقال مالك بن دينار: بلغنا أن قارون يخسف به كل يوم مائة قامة. ثم قال ~~تعالى: {فما كان له من فئة ينصرونه}، أي من فرقة ترد عنه عذاب الله. وما ~~كان ممن ينتصر من عذاب الله. # قال: {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء من عباده ويقدر}، أي قال الذين قالوا: {ياليت لنا مثل مآ أوتي قارون} ~~[القصص: 79] لما أن خسف به، وبداره، وأمواله {ويكأن الله}. # قال الخليل، وسيبويه، والأخفش والكسائي: في {ويكأن}: إن القوم تنبهوا أو ~~انتبهوا فقالوا: وي. # والمتندم من العرب يقول في حال تندمه: وي. # قال الخليل: هي " وي " مفصولة من كأن. # والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل ~~لهم أو ما يشبه أن يكون ذلك عندكم هكذا. فالمعنى على هذا القول أن القوم ~~تندموا على ما سلف من قولهم: {ياليت لنا مثل مآ أوتي قارون} [القصص: 79] ~~الآية. PageV08P5581 # ومن شأن المتندم إذا أظهر ندامته أن يقول " وي " فالوقف على هذا المعنى " ~~وي ". # وقال المفسرون: معناها: ألم تر. # وحكى الفراء: أن أصلها " ويلك " ثم حذفت اللام، فيكون الوقف. # " ويك "، وهذا بعيد عند كل النحويين، لأن القوم لم يخاطبوا أبدا، ويلزم ~~على قوله أن تكون أن مكسورة إذ ms1936 لا شيء يفتحها مع أن حذف اللام من " ويلك " ~~غير معروف. وقدره بعض من يقول بقول الفراء " ويلك " إعلم أنه وهو بعيد لما ~~ذكرنا، ولأن العرب لا تعلم العلم مضمرا. # وقال بعض الكوفيين: فيه معنى التقرير: ومعناه: أما تروا أنه لا يفلح. # وحكي: أنه سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ فقال لها: ويكأنه وراء ~~البيت، على معنى أما ترى أنه وراء البيت؟ # وحكى يونس عن العرب: وي ما أغفله. # وحكى قطرب: " وي " لأمه. PageV08P5582 # وقال معمر: معناه: أو لا يعلم أنه لا يفلح. # فالمعنى: أن القوم لما عاينوا ما نزل بقارون، قالوا: ألم تر أن {الله ~~يبسط الرزق لمن يشآء من عباده} ويضيقه على من يشاء، ليس يعطي أحد الفضل فيه ~~ولا يمنع أحد لنقص فيه، بل يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء. # وكتبت " ويكأن " متصلة لكثرة الاستعمال، كما كتبوا يا ابن أم متصلة. وروي ~~عن الكسائي: أنه يقف " وي " ويبتدئ كأن. # وحكي عن أبي عمرو: أنه يقف " ويك ". والمستعمل وصل ذلك اتباعا للمصحف، ~~ولا يوقف على بعضه دون بعض. # قال: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا}، أي لا يريدون تكبرا عن الحق، ولا ظلم الناس بغير حق. # قال عكرمة: العلو: التجبر. PageV08P5583 # قال ابن جبير: العلو: البغي. # وقال ابن جريج: علوا، تعظما وتجبرا، {ولا فسادا}، عملا بالمعاصي. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون ~~أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله: {تلك الدار الآخرة}. # وقوله تعالى: {والعاقبة للمتقين}،. # قال قتادة والضحاك معناه: والجنة للمتقين: يعني الذين اتقوا المعاصي ~~وأدوا الفرائض. # قال تعالى: {من جآء بالحسنة فله خير منها}، أي من جاء يوم القيامة ~~بالإخلاص فله منه خير. # قال عكرمة: ليس شيء خيرا من لا إله إلا الله. وإنما المعنى: من جاء بلا ~~إله إلا الله فله منها خير أي حظ خير. PageV08P5584 # وقيل المعنى: من جاء يوم القيامة بالحسنات فله ما هو خير له من ms1937 ثوابها، ~~وهو التفضل الذي يزيده الله على ثوابها، لم يستحقه لعمله، وإنما هو تفضل من ~~الله عليه، فيكون الثواب على عمله، والتفضل خير له من الثواب وحده. # وقيل: ذلك الخير: الجنة. # {ومن جآء بالسيئة}، يعني الشرك بالله {فلا يجزى الذين عملوا السيئات ~~إلا}، أي لا يثابون إلا جزاء / أعمالهم لا يزاد عليهم. # قال تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد}،. # هذا مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن الذي أنزل عليك القرآن ~~يا محمد. قاله مجاهد وغيره. # وقيل معنى: فرض عليك العمل بما فيه. # {لرآدك إلى معاد}، أي إلى الجنة، قاله ابن عباس، والخدري، وأبو مالك، ~~وأبو صالح، لأن أباه منها خرج، فجاز أن يقال للنبي: إلى معاد فيها، وإن كان ~~هو PageV08P5585 # لم يخرج منها. # وقيل: إنما جاز ذلك لأنه دخلها ليلة الإسراء، فالله تعالى يرده إلى ~~الموضع الذي دخله، ويعود به إليه. # وقال عكرمة، وعطاء، ومجاهد: إلى معاد: إلى يوم القيامة. # وكذلك قال الحسن: معاده الآخرة. # وعن ابن عباس: إلى معاد: إلى الموت، وقاله ابن جبير. # وعن ابن عباس أيضا ومجاهد: إلى معاد: إلى مكة، وهو الموضع الذي خرج منه، ~~فكان ذلك بعد مدة، وهذا من دلالات نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بمكة ~~أنه إذا خرج منها سيعود إليها، فكان ذلك. والسورة مكية ورجع إلى مكة بعد ~~هجرته إلى المدينة وبقائه بها تسعة أعوام أو نحوها، وذلك كله بوحي الله جل ~~ذكره إليه بذلك في كتابه بقوله: {لرآدك إلى معاد}. PageV08P5586 # واختار الزجاج قول من قال: إلى يوم القيامة، لأن المعنى لرادك إلى الحياة ~~التي كنت فيها. # ثم قال تعالى: {قل ربي أعلم من جآء بالهدى}، أي: من جاء بالهدى منا ومنكم ~~{ومن هو في ضلال مبين}، منا ومنكم، أي في جور عن قصد السبيل. # قال تعالى: {وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب}، أي لم تكن يا محمد تظن ~~أن القرآن ينزل عليك فتعلم به أخبار الأمم قبلك، وما يحدث بعدك، إلا أن ربك ms1938 ~~رحمك فأنزله عليك ف {إلا رحمة} استثناء منقطع، فهذا تذكير من الله لنبيه ~~بنعمه عليه. # {فلا تكونن ظهيرا للكافرين}، أي عونا لمن كفر بربه على كفره. # قال تعالى: {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك}، أي لا يصرفك يا ~~محمد الكفار عن تبليغ آيات الله وحججه بعد إذا أنزلت إليك بقولهم: PageV08P5587 # {لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى} [القصص: 48]، {وادع إلى ربك}، أي وادع ~~الناس إلى توحيد ربك وعبادته {ولا تكونن من المشركين}، أي ولا تترك تبليغ ~~ما أرسلت به، فتكون كالمشركين في ترك ما أمرت به. # قال: {ولا تدع مع الله إلها آخر}، أي لا تعبد يا محمد صلى الله عليه وسلم ~~مع معبودك الذي له عبادة كل شيء معبودا آخر {لا إله إلا هو}، أي لا معبود ~~تصلح له العبادة إلا له، الذي {كل شيء هالك إلا وجهه}، أي إلا إياه. # وقال سفيان معناه: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه. # وحكى بعض أهل اللغة أن معناه: إلا جاهه، يقال: فلان وجه القوم أي جاه ~~القوم، فالتقدير: كل شيء في العباد هالك إلا الوجه الذي يتوجهون به إلى ~~الله جل ذكره. PageV08P5588 # {له الحكم}، أي بين خلقه دون غيره، {وإليه ترجعون}، أي تردون بعد مماتكم، ~~فيقضي بينكم بالعدل. PageV08P5589 ### |EDITOR| # الهداية إلى بلوغ النهاية # لأبي محمد بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 ه # المجلد التاسع # العنكبوت - الصافات # 1429 ه 2008 م PageV08P5590 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العنكبوت # سورة العنكبوت مكية # قوله تعالى ذكره: # {الم * أحسب الناس أن يتركوا} إلى قوله: {في صدور العالمين}. # معن الاستفهام هنا التقرير والتوبيخ. # والمعنى أنا الله أعلم. أحسب الذين خرجوا يا محمد من أصحابك من أذى PageV09P5595 # المشركين أن نتركهم بغير اختبار وامتحان. # قال أبو إسحاق: المعنى أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط ~~ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم. # قال مجاهد: لا يفتنون: لا يبتلون في أنفسهم وأموالهم. # وقال قتادة: لا يقتلون. # ثم قال تعالى: {ولقد فتنا الذين من ms1939 قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا}. # أي ولقد اختبرنا الذين من قبل قومك يا محمد، بإرسال الرسل وبالأذى من ~~المشركين كأذى القبط وفرعون لبني إسرائيل، فليعلمن الله الذين صدقوا في ~~قولهم إنا PageV09P5596 # مؤمنون وليعلمن الكاذبين في قتيلهم ذلك. وقد كان الله جل ذكره عالما بهم ~~في كل حال/، ولكن معناه فليظهرن الله ذلك بالابتلاء والاختبار. # وقيل: المعنى: فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب من الذين انهزموا فيكون ~~" صدقوا " مأخوذا من الصدق وهو الصلب. # وكذبوا من كذب إذا انهزم. # وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين عذبهم المشركون مثل عمار بن ~~ياسر، وعياش بن [أبي] ربيعة، والوليد بن الوليد، وهشام بن عمار، وسمية PageV09P5597 # أم عمارة، وغيرهم، ففتن بعضهم وصبر بعضهم على الأذى حتى فرج الله عنهم. # وقيل: نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة وتخلفوا عن الهجرة، فالفتنة ~~تخلفهم عن الهجرة. # وقال الشعبي: نزلت في قوم أقروا بالإسلام في مكة فكتب إليه أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا ~~إلى المدينة فابتعهم المشركون فردوهم، فنزلت هذه الآية فيهم، فكتبوا إليهم ~~أنه قد أنزلت فيكم آية كذا وكذا. . فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه، ~~فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل، ومنهم من نجا فأنزل الله ~~فيهم {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا} [النحل: 110] ~~الآية. PageV09P5598 # ثم قال تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} أي: أحسب الذين ~~يشركون بالله أن يعجزونا فلا تقدر عليهم، ساء الحكم الذي يحكمونه وقوله " ~~ساء ما " يجوز أن تكون " ما " نكرة على تقدير ساء كثيرا يحكمون، كنعم رجلا ~~زيد. # ويجوز أن تكون معرفة على تقدير ساء الشيء يحكمون. # وأجاز ابن كيسان أن تكون ما والفعل مصدرا، أي: ساء حكمهم. ولكن لا يقع ~~لفظ المصدر بعد ساء وإن كان الكلام بمعنى ذلك، كما نقول عسى أن تقوم، ولا ~~يجوز عسى القيام، وهو بمعناه. فأجاز أن تكون ما زائدة، ولكنها سدت مسد اسم ~~ساء. # ثم ms1940 قال تعالى ذكره: {من كان يرجو لقآء الله فإن أجل الله لآت} أي: من كان ~~يخاف يوم لقاء الله. # وقيل من كان يخاف الموت فليقدم عملا يقدم عليه. # {فإن أجل الله لآت} فهو الموت لا بد منه. وعمل يرجو على بابها بمعنى ~~الطمع. PageV09P5599 # والمعنى: من كان يطمع في ثواب الله فإن أجل الله الذي أجله لبعث خلقه لآت ~~قريبا، وهو السميع لقوههم آمنا بالله، العليم بصدق قولهم. # ثم قال: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} أي: من جاهد واجتهد في الأعمال ~~الصالحة فإنما ينفع نفسه، ليس لله في ذلك نفع لأنه تعالى ذكره عني عن جميع ~~الخلق. # وقيل: المعنى ومن جاهد عدوه، لنفسه لا لله ولا ابتغاء ثوابه على جهاده، ~~فليس لله في جهاده حاجة لأنه غني عن جميع خلقه. # ثم قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم}. # أي: والذين مع إيمانهم عند الاختبار والابتلاء وعملوا الأعمال الصالحة، ~~لنكفرن عنهم ما سلف من ذنوبهم في شركهم. # {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} أي: ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في ~~إسلامهم أحسن ما كانوا يعملون في حال شركهم مع تكفير سيئاتهم. # ثم قال {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} أي: وصيناه أن يفعل حسنا. # وقيل: في وصينا مضمر مكرر ناصب لحسن. # وقيل: التقدير: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. PageV09P5600 # ومن قرأ " إحسانا " فمعناه أن يحسن إحسانا. # ثم قال تعالى: {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ} أي: ~~خالفهما في ذلك. # {إلي مرجعكم} أي: معادكم فأخبركم بأعمالكم في الدنيا من صالح وسيئ، ثم ~~أجازيكم عليها. # روي أن هذه الآية نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص لما هاجر قالت أمه: والله لا ~~يظلني ظل بيت حتى يرجع، فأمره الله بالإحسان إليها، وأن لا يطيعها في ~~الشرك. # وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة كان قد هاجر مع عمر رضي الله عنه حتى ~~وصلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام وهما أخوا عياش لأم PageV09P5601 # وأمهم امرأة من بني تميم. ms1941 فلما وصلا المدينة قبل هجرة النبي عليه السلام ~~قالا: لعياش: ألست تزعم أن من دين محمد صلة الرحم وبر الوالدين، وقد جئناك ~~ونحن/ إخوتك وبنو عمك، وأن أمنا قالت ألا تطعم طعاما ولا تأوي بيتا حتى ~~تراك وقج كانت لك أشد حبا منا، فاخرج معنا حتى ترضي والدتك، ففي رضاها رضى ~~ربك ورضا محمد، ومع هذا تأخذ مالك. واستشار عمر فقال: هم يخادعونك ويمكرون ~~بك. ومعي مال، ولك الله علي عز وجل، إن أقمت معي ولم ترجع عن هجرتك أن أقسم ~~مالي بيني وبينك نصفين، فما زالوا به حتى أطاعهم وعصى عمر، فقال له عمر: ~~أما إذا عصيتني فخذ ناقتي، فليس في الدنيا بعير يلحقها. # فإن رابك منهم أمر فارجع، فمضى معهم حتى أتى البيداء فقال أبو جهل لعياش: ~~إن ناقتي قد كلت فاحملني معك، قال له: نعم، قال: فانزل حتى أوطئ لنفسي ولك، ~~فلما سار معهم في الأرض وهم ثلاثة كان معهم الحارث بين يزيد العامري شدوه ~~وثاقا، ثم جلده كل وحد منهم مائة جلدة، ثم PageV09P5602 # ذهبوا به إلى أمه، فقالت له: والله لا تزال في العذاب حتى ترجع عن دين ~~محمد فأنزل الله تعالى: {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهمآ}. الآيات. # ثم قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} أي: ~~ندخل الصالحين، وذلك الجنة. # ثم قال: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله} أي: ومن الناس من يقول أقررنا بالله (فوحدناه)، فإذا آذاه ~~المشركون في إقراره بالله جعل فتنة الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة ~~فارتد عن إيمانه. # ثم قال: {ولئن جآء نصر من ربك}. # يعني نصر لك يا محمد وللمؤمنين، {ليقولن} أي: ليقول هؤلاء المرتدون عن ~~الإيمان، الجاعلون فتنة الناس كعذاب الله {إنا كنا معكم} أيها المؤمنون ~~ننصركم على أعدائكم، كذبا منهم وإفكا. # يقول الله تعالى: {أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} أي: يعلم ما ~~في صدر كل واحد ms1942 من خلقه، فكيف يخادع من لا يخفى عليه خافية ولا يستترعنه سر ~~ولا علانية؟ # قال ابن عباس: فتنته أن يرتد عن الإيمان إذا أوذي في الله. # قال مجاهد: هم أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة ~~في PageV09P5603 # أنفسهم افتتنوا فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة. # وقال الضحاك وابن زيد: هم منافقون كانوا بمكة إذا أوذو أو جاءهم بلاء ~~رجعوا إلى الكفر. وقال ابن عباس: كان نقوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يخفون ~~الإسلام، فأخرجهم أهل مكة يوم بدر معهم فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان ~~أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: {إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم} [النساء: 97]. فكتب بها إلى (من) بقي بمكة من ~~المسلمين فلم PageV09P5604 # يكن لم عذر فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت فيه هذه الآية: ~~{ومن الناس من يقول آمنا} الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا ويئسوا ~~من كل خير ونزلت فيهم: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا} [النحل: 110] الآية، فكتبوا إليهم بذلك: إن الله جل ثناؤه قد جعل ~~لكم مخرجا فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. # وقال قتادة في الآيتين إلى {وليعلمن المنافقين}، هذه الآيات نزلت في ~~القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة، وهذه الآيات العشر مدنية إلى ها هنا ~~وسائرها مكي. # قال مجاهد: جعل فتنة الناس كعذاب الله، أي: جعل أذى الناس له في الدنيا ~~كعذاب الله على معصيته، فأطاعهم كما يطيع الله من خاف عقابه. # وقيل: المعنى: خاف من عذاب الناس كما خاف من عذاب الله. ثم قال {ليقولن} ~~فرده على المعنى فجمع، ورده أولا على اللفظ فوحد. # وقوله: {أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} أي: يعلم أنهم لكاذبون ~~في قولهم: إنا كنا معكم. # قوله تعالى ذكره: {وليعلمن الله الذين آمنوا} إلى قوله: {على الله يسير}. PageV09P5605 # فمعنى قوله تعالى: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}. # أي: وليعلمن أولياء الله وحزبه أهل الإيمان بالله منكم من ms1943 أهل النفاق وهو ~~قوله: {وليعلمن المنافقين}. # ثم قال تعالى {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا} أي: كونوا ~~على ما نحن عليه من الكفر {ولنحمل خطاياكم} إن بعثتم وجوزيتم، فنحن نحمل/ ~~آثام خطاياكم عنكم. # وذلك قول الوليد بن المغيرة: قال للمؤمنين: كونوا على ما نحن عليه من ~~الكفر ونحن نحمل خطاياكمز # قيل: هو من الحمالة وليس من الحمل على الظهر. فالمعنى اتبعوا ديننا ونحن ~~نضمن عنكم كل ما يلزمكم من عقوبة ذنب، وما هم بحاملين: أي: بضامنين ذلك. # وقيل: ذلك قول كفار قريش لمن آمن منهم: أنكروا البعث والجزاء فقالوا ~~للمؤمنين أنكروا ذلك كما ننكره نحن، فإن بعثتم وجوزيتم فنحن نحمل عنكم ~~خطاياكم. PageV09P5606 # قال الله تعالى: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون} في ~~قولهم. # ثم قال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} أي: وليحملن هؤلاء ~~المشركون أوزارهم وأوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله. # {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} أي: يكذبون. ومثله قوله تعالى: # {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم} [النحل: ~~25]. # قال قتادة: في حديث رفعه " من دعا إلى ضلالة كتب عليه وزرها ووزر من عمل ~~بها ولا ينقص منه شيء ". # وقال أبو أمامة الباهلي: " يؤتى بالرجل يوم القيامة يكون كثير الحسنات ~~فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسانته، ثم يطالب فيقول الله جل وعز: اقتصوا من ~~عبدي فتقول الملائكة، ما بقيت له حسنات، فقول خذوا من سيئات المظلوم ~~واجعلوها عليه. قال أبو أمامة: ثم تلى النبي صلى الله عليه وسلم: { وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} ". PageV09P5607 # ثم قال تعالى ذكره: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما}. # وهذه الآية وعيد من الله للمشركين من قريش القائلين للمؤمنين منهم: ~~اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم. فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما ~~لحقه من قومه. # فالمعنى تسل يا محمد ولا تحزن فإن مصيرك ومصير من آمن بك إلى النجاة، ~~ومصير من كفر بك إلى البوار والهلاك كفعلنا بنوح وقومه. # ذكر ms1944 عون بن أبي شداد: أن الله جل ذكره أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين ~~وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. # ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مائة سنة. # وروى ابن وهب عمن سمع عبد الوهاب بن مجاهد يقول: مكث نوح PageV09P5608 # يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى الله يسره إليهم. # قال: ثم يجهر به إليهم، قال: فيأخذونه، فيخنقونه حتى يغشى عليه فيسقط ~~مغشيا عليه، ثم يفيق فيقول: اللهم اغفر لقومي إنهم لا يعلمون قال: ويقول ~~للرجل ابنه: يا أبه، ما لهذا الشيخ يصبح كل يوم لا يفيق، فيقول له: أخبرني ~~جدي أنه لم يزل على هذا منذ كان. # وقوله تعالى ذكره: {فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}. # أي أهلكهم الماء الكثير في حال كفرهم وظلمهم لأنفسهم. وكل ماء كثير فاش ~~فهو عند العرب طوفان. وكذلك الموت الذريع الكثير، يقال له: طوفان. مشتق من ~~طاف يطوف وهو اسم موضوع لما أحاط بالأشياء. # ثم قال تعالى ذكره: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} أي: أنجينا نوحا ومن معه ~~في السفينة من ولده وأزواجهم. {وجعلناهآ آية للعالمين} أي: وجعلنا السفينة ~~عبرة وعظة للعالمين وحجة عليهم. # قال قتادة: أبقاها الله آية للناس على الجودي. PageV09P5609 # وقيل: المعنى: وجعلنا عقوبتنا آية. # ثم قال تعالى: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله}. # قال الكسائي: " وإبراهيم " عطف على الهاء في " انجيناه " وهي: نوح. أي: ~~أنجينا نوحا وإبراهيم. # وقيل: المعنى: وأرسلنا إبراهيم. # وقيل: المعنى: واذكر إبراهيم. # {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه} أي: اتقوا سخطه بأداء فرائضه ~~واجتناب معاصيه. PageV09P5610 # {ذلكم خير لكم} أي: هذا الفعل خير لكم من غيره {إن كنتم تعلمون} ما هو ~~خير لكم مما هو شر لكم. # ثم قال تعالى: {إنما تعبدون من دون الله أوثانا} أي: أصناما. {وتخلقون ~~إفكا} أي: توقولون كذبا. # وقال ابن عباس: معناه: تصعنون كذبا. وعن ابن عباس: تخلقون: تنحتون، أي: ~~تصورون إفكا. وقاله الحسن. # فالمعنى أن الذين تعبدمون من دون الله أصنام وأنتم/ تصنعونها. # ثم قال: {إن الذين ms1945 تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا} يعني الأصنام ~~التي عبدوها من دون الله لا تقدر لهم على نفع فترزقهم. # {فابتغوا عند الله الرزق} أي: التمسوا من عند الله الرزق لا من عند ~~الأوثان. # {واعبدوه} أي: ذلوا له. # {واشكروا له} على رزقه إياكم. # {إليه ترجعون} أي: تردون من بعد مماتكم فيجازيكم على أعمالكم ويسألكم PageV09P5611 # على شكر نعمه عندكم. # ثم قال تعالى: {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} أي: إن تكذبوا أيها ~~الناس محمدا فيما دعاكم إليه، فقد كذب جماعات من قبلكم رسلها فيما أتتهم به ~~من الحق، فحل بهم سخط الله، فكذلك سبيلكم سبيل الأمم فيما هو نازل بكم، إذا ~~كذبتم رسولكم. # {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} أي: ما على محمد إلا أن يبلغكم من ~~الله رسالته الظاهرة لمن سمعها. # ثم قال تعالى: {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده} أي: ألم ير ~~هؤلاء المنكرون للبعث كيف يبدئ الله خلق الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم ~~من مضغة، ثم ينقله حالا من بعد حال حتى أن يصير رجلا كاملا. # فمن قدر على هذا فهو قادر على إعادة المخلوق بعد موته، وذلك عليه هين لأن ~~الإعادة عندكم أسهل من الابتداء، إذ الابتداء كان على غير مثال والإعادة هي ~~على مثال متقدم، فذلك أسهل وأيسر فيما يعقلون. # وقيل: معناه: كيف يبدئ الله الثمار وأنواع النبات فتفنى بأكلها ورعيها ~~وشدة الحر عليها، ثم يعيدها ثانية أبدا أبدا، وكيف يبدئ الله خلق الإنسان ~~فيهلك، ثم يحدث منه ولدا، ثم يحدث للولد ولدا، وكذلك سائ الحيوان يبدئ الله ~~خلق الوالد ثم يعيد منه خلق الولد، ويهلك الوالد، وهكذا أبدا. . فاحتج الله ~~عليهم بذلك لأنه أمر لا ينكرونه، يقرون به فمن قدر على ما تقرون قادر على ~~إعادته بعد موته، وذلك أهو عليه فيما تعقلون، وكل عليه هين. ومعنى {يروا}: ~~يعلموا. PageV09P5612 # قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا} إلى قوله: {من أحد من ~~العالمين}. # أي: قل يا محمد للمنكرين للبعث: سيروا ms1946 في الأرض فاستدلوا بأنواع صنع ~~الله، وانظروا إلى آثار كان قبلكم. وإلى ما صاروا إليه من الموت والفناء، ~~فتعلموا أن الله بدأ الخلق في الأرض وأفناهم، ثم أحدثكم بعدهم. فكذلك ~~سيفنيكم بالموت ثم يحييكم في الآخرة كلكم. فكما خلقكم في الدنيا بع أن لم ~~تكونوا كذلك فيها وخلق من كان قبلكم بعد أن لم يكونوا فيها كذلك يحييكم بعد ~~موتكم، فاعلموا أن الله على كل شيء قدير. وانظروا كيف بدأ لله الخلق ~~للأشياء وأحدثها، فكما أنشأها وابتدأها، كذلك يقدر على إعادتها بعد ~~إفنائها. وليس يتعذر الإعادة على من ابتدأ الشيء. # وقوله: {ثم الله ينشىء [النشأة] الآخرة}. يعني البعث بعد الموت. # ومن مده جعله اسما في موضع المصدر كما قالوا: (عطاء) في موضع: " إعطاء ". # ولم يمد جعله مصدرا جرى على غير المصدر لأنه لو جرى على المصدر لقال ينشئ ~~الإنشاء الآخر. ولكنه على تقدير: ثم الله ينشئ الخلق بعد موتهم فينشئون ~~النشأة الآخرة. PageV09P5613 # {إن الله على كل شيء قدير} أي: إن الله على إنشاء جميع خلقه بعد فنائه ~~كهيئته قبل ذلك قادر، لا يعجزه شيئ أراده. وقيدر أبلغ من قادر. # ثم قال تعالى: {يعذب من يشآء ويرحم من يشآء وإليه تقلبون} أي: يعذب من ~~يشاء ممن سبق له الشقاء، ويرحم من يشاء ممن سبق له السعادة، وإليه تردون. # وقيل: يعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، ويرحم من يشاء ممن يستحق الرحمة. ~~ثم قال: {ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء} أي: وما أنتم بمعجزين ~~في الأرض ولا أهل السماء بمعجزين في السماء، أي: ليس يفوت الله أحد. وقيل: ~~المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها. # وقال المبرد: التقدير: ولا من في السماء، على أن تكون (من) نكرة، وفي ~~السماء من نعتها، ثم أقام النعت مقام المنعوت. # وقد رد عليه هذا/ القول علي بن سليمان، وقال: لا يجوز، لأن (من) إذا كانت ~~نكرة فلا من صفتها، فصفتها كالصلة، ولا يجوز حذف الموصول وترك PageV09P5614 # الصلة. والمعنى عنده: ms1947 أن الناس خوطبوا يعقلون - من في السماء الوصول إليه ~~أبعد - وأما المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولو كنتم في السماء ما ~~أعجزتم، ومثله: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} ~~[النساء: 78]. # فالمعنى: لا تعجزوننا هربا ولو كنتم في السماء. # قال ابن زيد: معناه: لا يعجزه - تعالى ذكره - أهل الأرض في الأرض ولا أهل ~~السماء في السماء إن عصوه. # فالتقدير على هذا: وما أنتم بمعجزين الله في الأرض ولا من في السماء ~~بمعجزي الله. على حرف (من) مرة واحدة، كما قال: {وما منآ إلا له مقام ~~معلوم} [الصافات: 164] أي: إلا من له مقام. # وقيل: المعنى: وما أنتم معجزين من في الأرض من الملائكة ولا من في السماء ~~منهم، على إضمار (من) في الموضعين، وهو بعيد. # ثم قال تعالى: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} أي: ليس يمنعكم من ~~عذاب الله ولي ولا نصير ينصركم إن أراد بكم سوءا. # ثم قال تعالى: {والذين كفروا بآيات الله ولقآئه أولئك يئسوا من رحمتي} ~~أي: كفروا بالقرآن وبالبعث: {أولئك يئسوا من رحمتي} أي: في الآخرة لما ~~عاينوا لهم ما أعد لهم من العذاب. # {وأولئك لهم عذاب أليم} أي: مؤلم موجع. PageV09P5615 # قال قتادة: إن الله جل ذم قوما هانوا عليه فقال: {أولئك يئسوا من رحمتي}، ~~وقال: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87]. # فينبغي للمؤمن ألا ييأس من رحمة الله، وأن لا يأمن عذابه وعقابه. وصفة ~~المؤمن أن يكون راجيا خائفا. ثم قال: {فما كان جواب قومه} يعني: قوم ~~إبراهيم. # وهذا جواب لقوله عن إبراهيم: إنه قال لقومه اعبدوا الله واتقوه. وجميع ما ~~جرى بين ذلك إما أتى به تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وعظة لقريش، ~~وتذكيرا لهم وتوبيخا. {إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه}. أي: قال بعضهم لبعض ~~اقتلوه أو حرقوه بالنار ففعلوا، فأنجاه الله منها ولم يسلط [عليه]، بل ~~جعلها بردا وسلاما. # قال كعب: ما أحرقت منه إلا وثاقه. PageV09P5616 # {إن في ذلك لآيات لقوم ms1948 يؤمنون} أي: إن في إنجاء الله إبراهيم من النار ~~وتصييرها عليه بردا وسلاما، لدلالة وحجة لقوم يصدقون بما آتاهم من عند ~~الله. # ثم قال: {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا} أي: قال لهم إبراهيم: ~~اعبدوا الله واتقوه، وقال لهم: إنما اتخذتم من دون الله آلهة هي أوثانا ~~للمودة، أي: فعلتم ذلك للمودة. # وهذا على قراءة من نصب. و (ما) مع (إن) حرف واحد. والمعنى: إنما ~~اتخذتموها مودة بينكم، أي: تتحابون على عبادتها وتتواصلون عليها. # فأما من رفع المودة فإنه جعلها خبر إن، وما بمعنى الذي. أو على إضمار ~~مبتدأ، أي: هو مودة أو تلك مودة. أي: إلفتكم وجماعتكم مودة بينكم. وإن شئت PageV09P5617 # جعلت (مودة) مبتدأ، وفي الحياة الدنيا الخبر. ومن أضاف المودة إلى بين ~~أخرجها عن أن تكون ظرفا، ولا يجوز أن تكون ظرفا وهو مضاف. # ثم قال تعالى: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} أي: ~~يكون أمركم بعد هذه المودة في الدنيا على عبادة الأوثان إلى أن يتبرأ ~~بعضكمم من بعض، ويلعن بعضكم بعضا. # {ومأواكم النار} أي: مصير جميعكم إليها أيها العابدون الأوثان. {وما لكم ~~من ناصرين} أي: ما لكم من نصنير من الله فينقذكم من عذابه. # " أوثانا " وقف إن رفعت مودة على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ. # ثم قال تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي} أي: صدقه لوط وقال ~~إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي، يعني إلى الشام. قل ابن عباس: هاجرا جميعا إلى ~~الشام. # قال قتادة: كانا بكوثى قرية من سواد الكوفة فهاجرا إلى الشام. وقيل: PageV09P5618 # الذي قال إني مهاجر إلى ربي هو لوط، لما انفرد بالإيمان بإبراهيم لم يقم ~~بين أظهر الكافرين، فقال: إني مهاجر لقومي وبلدي، أخرج (من) بين أظهر ~~الكفار إلى حيث يأمرني ربي. فهاجر من سواد الكوفة إلى الشام. # ثم قال: {إنه هو العزيز الحكيم} أي: الذي لا يذل من نصره، الحكيم في ~~تدبيره/. # ثم قال: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} أي: وهب الله لإبراهيم ولده إسحاق ~~وولده ms1949 يعقوب بن إسحاق {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} أي: والكتب فدل ~~الواحد على الجمع. يعني الكتاب الذي أنزل على موسى وداود وعيسى ومحمد صلى ~~الله عليهم، كلهم من ذرية إبراهيم. # {وآتيناه أجره في الدنيا} أي: أعطيناه ثواب بلائه فينا في الدنيا {وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين} أي: في المجازاة لا ينقص من أجره شيء والأجر هنا ~~الثناء الصالح والولد الصالح، قاله ابن عباس. # قال عكرمة: أجره في الدنيا هو أن أهل كل ملة يتولاه وهو عند الله من PageV09P5619 # الصالحين في الآخرة. # وقال قتادة: أجره في الدنيا عافية وعمل صالح وثناء حسن، فلست تلقى أحدا ~~من الملل إلا يرضى إبراهيم ويتولاه. # وقيل: أجره في الدنيا أن الله لم يبعث نبيا بعد إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم إلا من ذريته، وليس من أهل دين إلا (وهم) يتحلون حب إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم يدعون دينه، وذلك كله لا ينقصه من ثوابه في الآخرة، فلذلك قال: ~~{وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أي: إن له في الآخرة منازل الصالحين. ومثله ~~قوله تعالى: # {إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} ~~[ص: 46 - 47]. يعني في الآخرة لم ينقصهم ما تفضل به عليهم في الدنيا من ~~أجرهم في الآخرة شيئا. # ثم قال تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة} أي: واذكر لوطا ~~إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة، وهي إتيان الذكور. # {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} أي: لم يتقدمكم أحد إلى إتيان الذكور. # قوله تعالى ذكره: {أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل} إلى قوله: {لو ~~كانوا يعلمون}. # أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين. # روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرد ديارهم من PageV09P5620 # الغرباء، قاله ابن زيد. # روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأمول حتى ~~انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد. # وقوله: {وتأتون في ناديكم المنكر}. روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم ~~كانوا يتفارطون في مجالسهم. # " وروت أم هانئ أنها سألت النبي ms1950 صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ذكره: ~~{وتأتون في ناديكم المنكر} قال: " كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، ~~فهو المنكر الذي كانوا يأتون "، وقاله عكرمة والسدي. PageV09P5621 # وقل مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضا في المجالس. وهو قول ~~قتادة وابن زيد. والحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى ~~بالاتباع. # وروي ذلك عن ابن شهاب: " إن على من عمل عمل قوم لوط الرجم أحصن أو لم ~~يحصن ". # قال مالك: إذا شهد على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رجما، ولا ~~يرجمان حتى يرى كما يرى المرود في المكحلة أحصنا أو لم يحصنا إذا كانا قد ~~بلغا الحلم. PageV09P5622 # وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الفاعل ~~والمفعول به ". # وقال علي بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار. وروي أن أبا ~~بكر شاور عليا في هذا فأمر بحرقها. # وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك. وقيل إنما ~~فعلوا الحرق بعد القتل. PageV09P5623 # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر برجمهما " وأكثر ~~الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك " القتل لهما جميعا " وفي بعض ~~الحديث: " ومن وقع على ذات محرم قاتلوه ". # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا علا الذكر الذكر اهتز ~~العرش وقالت السماوات: يا رب مرنا أن نحصبه، وقالت الأرض: يا رب مرنا ~~نبتلعه، فيقول: PageV09P5624 # دعوه فإن ممره بي ووقوفه بين يدي ". # ثم قال تعالى ذكره: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله} ~~أي: ما جاوب لوطا قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلا أن ~~قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقا في قولك. # {قال رب انصرني على القوم المفسدين} أي: قال لوط مستغيثا لما استعجله ~~قومه بالعذاب: يا رب انصرني على القوم المفسدين/. # ثم قال تعالى: {ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى} أي: جاءته الملائكة من ~~الله بالبشرى بإسحاق ومن ms1951 ولده بيعقوب. # {قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية} وهي: سدوم قرية قوم لوط. # {إن أهلها كانوا ظالمين} أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله. # ثم قال تعالى: {قال إن فيها لوطا} أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام. # قال ابن عباس: فجادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، ~~فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركون؟ فقالت الملائكة: ~~ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال ~~إبراهيم: إن فيها لوطا. PageV09P5625 # {فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: من الباقين في ~~العذاب. # وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، ~~فإنها هالكة مع قوم لوط. وحسن وصفها بلفظ المذكور، فقال من الغابرين ولم ~~يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم. # وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال للملائكة: إن كان فيهم مائة ~~يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قال: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن ~~بلغ إلى عشرين. قال: إن فيها لوطا. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها. روي ~~أنه كان في المدينة أربع مائة ألف. # ثم قال تعالى: {ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سيء بهم} أي: ساءته الملائكة ~~بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ ~~قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك. # قال قتادة: ساء ظنه بقومه وضاق وبضيفه ذرعا لما علم من حيث فعل قومه. # قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرسل غمه PageV09P5626 # وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ~~ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلا امرأتك. # ثم قال تعالى: {إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السمآء} أي: عذابا ~~بفسقهم. # ثم قال تعالى: {ولقد تركنا منهآ آية بينة} أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة ~~وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس ms1952 آثارهم ومعالمهم. ~~ونتبع الحجرة إياهم حيث كانوا. # ثم قال تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم ~~شعيبا. # فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: ~~جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة. # {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله ~~تعالى وإقامتكم عليها. # {فكذبوه فأخذتهم الرجفة} أي: فكذب أهل مدين شعيبا فيما جاءهم به عن الله ~~جل ذكره، فإخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوما موتا في ديارهم. # قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، ~~وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضا، فلذلك قال: أخاهم، ولم PageV09P5627 # يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم. # قال قتادة: جاثمين: ميتين. وأصله المد والسكون وقطع الحركة. # ثم قال تعالى: {وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم} نصب عاد وثمود عند ~~الكسائي على العطف على قوله: {ولقد فتنا الذين من قبلهم} [العنكبوت: 3] ~~وفتنا عادا وثمودا. # وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عادا وثمودا. # وقال الطبري: التقدير: واذكر عادا وثمودا، وقد تبين لكم من مساكنهم، يعني ~~خرابها وخلاءها منهم. # {وزين لهم الشيطان أعمالهم} أي: حسنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم. ~~{فصدهم عن السبيل} أي: عن سبيل الله. # {وكانوا مستبصرين} أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى PageV09P5628 # وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. # وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل. فهو مثل قوله تعالى ذكره: # {وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم} [النمل: 14]. # قال تعالى: {وقارون وفرعون وهامان}. هذا معطوف على عاد على الاختلاف ~~المتقدم. # {ولقد جآءهم موسى بالبينات} أي: الآيات الواضحات. {فاستكبروا في الأرض} ~~أي: عن التصديق بالآيات. # {وما كانوا سابقين} أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله. # ثم قال تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه} أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة ~~بذنوبهم وأهلكناهم. # {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي ~~تحمل الحصى حاصبا. وهم قوم لوط. ms1953 # {ومنهم من أخذته الصيحة} قال ابن عباس: هم ثمود. وقال قتادة هم قوم PageV09P5629 # شعيب. # {ومنهم من خسفنا به الأرض} قال ابن عباس وقتادة: هو قارون. {ومنهم من ~~أغرقنا} قال ابن عباس: هم قوم نوح. وقال قتادة هم قوم فرعون. # {وما كان الله ليظلمهم} أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب. # {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم. # ثم قال تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا} أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت ~~في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتا ليكنها، فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها، ~~فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها. قال ابن عباس: ~~هو مثل ضربه الله لمن عبد غيره. # ثم قال تعالى ذكره: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} أي: ~~إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقينا. # قوله تعالى ذكره: {إن الله يعلم ما يدعون من دونه} إلى قوله: {إذا لارتاب ~~المبطلون}. # أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله ~~في PageV09P5630 # قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها. {وهو العزيز} أي: في ~~انتقامه ممن كفر به. {الحكيم} في تدبيره. و " من " في قوله: " من شيء " ~~للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لا نقلب المعنى. فما ليست نفيا، ~~وهي بمعنى الذي. # ثم قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس} أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها ~~للناس، أي: نمثلها للناس وتحتج بها عليها. {وما يعقلهآ إلا العالمون} أي: ~~وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلا العالمون بالله وآياته. ثم قال ~~تعالى: {خلق الله السماوات والأرض بالحق} أي: انفرد بخلق ذلك للحق. # {إن في ذلك لآية للمؤمنين} أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته ~~لمن آمن به. ثم قال تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} أي: اقرأ يا محمد ~~ما أنزل عليك ms1954 من القرآن. {وأقم الصلاة} أي: أدها بفروضها وفي وقتها. {إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر}. # قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جل ذكره. وقال ابن ~~مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلا بعدا ~~من الله جل ذكره. PageV09P5631 # وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول ابن مسعود. وهو قول ~~قتادة وغيره. وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر ~~فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها. # وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن. قال: القرآن الذي يقرأ في ~~المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر. والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي. # ثم قال: {ولذكر الله أكبر} قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ~~ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه. وهو قول مجاهد ~~وعكرمة وغيرهما. وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم ~~أفضل من PageV09P5632 # ذكركم أياه. وهو اختيار الطبري. # وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. أي: ذكركم الله في الصلاة ~~والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليس يتحسر أهل الجنة على ~~شيء إلا على ساعات مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها " وقال ثبت البناني: ~~" بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل ~~الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلا ما عليهم منها شيء ". # وسئل سلمان عن أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن، PageV09P5633 # {ولذكر الله أكبر} لا شيء أفضل من ذكر الله. # وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، ~~وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل ~~من ذلك تسبيح الله جل وعز. # وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله. وقيل: المعنى: ~~ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من ms1955 الصلاة. قاله السدي. PageV09P5634 # وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك ~~الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر. وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر ~~كبير. # {والله يعلم ما تصنعون} أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ~~ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر. # ثم قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} أي: لا ~~تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلا بالجميل من القول، وهو الدعاء ~~إلى الله والتنبيه على حججه. # {إلا الذين ظلموا منهم} هذا بدل من " أهل "، ويجوز أن يكون استثناء. # والمعنى: إلا الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم ~~قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري. PageV09P5635 # وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف. # وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما ~~يخبرونكم به من نص كتابهم إلا بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل ~~إلينا وأنزل إليكم، إلا الذين ظلموا منهم. يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وأقاموا على كفرهم. # فالآية محكمة على هذا القول. روي هذا القول عن ابن زيد. # وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية. # وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها ~~بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل ~~الكتاب ولا تكذبهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا. . " ~~الآية. PageV09P5636 # ومعنى: {إلا الذين ظلموا} أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكمم. والكل ~~ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد. # {وإلهنا وإلهكم واحد} أي: معبودنا ومعبودكم واحد. # {ونحن له مسلمون} أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له. # ثم قال تعالى: {وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب} أي: وكما أنزلنا الكتاب على من ~~قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب. # {فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به} يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # { ومن هؤلاء من يؤمن به} يعني: الذين ms1956 كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي ~~عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد. # {وما يجحد بآياتنآ} أي: بأدلتنا وحججنا، {إلا الكافرون} أي: إلا الذين ~~جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها. # قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة. # ثم قال تعالى: {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب} أي: ما كنت يا محمد تقرأ ~~قبل هذا الكتاب كتابا آخر. {ولا تخطه بيمينك} أي: تكتبه، بل كنت أميا لا ~~علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت ~~تقرأ قبل ذلك كتابا وتخطه بيمينك. {إذا لارتاب المبطلون} أي: لشك فيك من ~~أجل ذلك القائلون إنه سجع PageV09P5637 # وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. # وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخط ~~بيمينه ولا يقرأ كتابا، فنزلت هذه الآية. # قال مجاهد: {إذا لارتاب المبطلون} أي: إذا لقالوا إنما هذا شيء تعلمه ~~محمد صلى الله عليه وسلم وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش. فكأن كونه لا ~~يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك/ ~~من عند الله جل ذكره. # قوله تعالى ذكره: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} إلى قوله ~~جل ذكره وثناؤه: {وهو السميع العليم}. # قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقرأ قتادة: " أية بينة " بالتوحيد على معنى بل النبي بينة في صدور الذين ~~أوتوا العلم من أهل الكتاب. PageV09P5638 # وفي حرف عبد الله " بل هو آيات " أي: بل آيات القرآن آيات بينات. # وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جل ذكره أنزل بشأن محمد صلى ~~الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية ~~فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتابا ولا يخطه بيمينه. ~~والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من ~~أهل ms1957 الكتاب. # وروي ذلك أيضا عن قتادة. وهو اختيار الطبري. # ثم قال تعالى: {وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون} أي: ما يجحد نبوة محمد ~~وينكر العلم به إلا الذين ظلموما أنفسهم يكفرهم بالله ونبيه. # ثم قال تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند ~~الله}. أي: وقال المشركون من قريش: هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ~~آيات من ربه. وهوقولهم: {لن نؤمن لك حتى PageV09P5639 # تفجر لنا من الأرض ينبوعا} إلى قوله: {كتابا نقرؤه} [الإسراء: 90 - 93]. # هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: {قل إنما الآيات عند الله} ~~فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضا أن الخط بالتاء. فأما من قرأ ~~آية، معناه: هلا أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة ~~لعيسى، ويؤكد التوحيد أجماعهم على التوحيد في يونس: {لولا أنزل عليه آيات ~~من ربه}. وفي الرعد: {آيات من ربه}. # ثم قال تعالى: {قل إنما الآيات عند الله} أي: لا يقدر على الإتيان بها ~~إلا الله. # {وإنمآ أنا نذير مبين} أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره. PageV09P5640 # ثم قال تعالى ذكره: {أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} أي: ~~أو لم يكف هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه من ربه من الآيات والحجج أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم. # {إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} أي: إن في هذا الكتاب لرحمة ~~للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون. # ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب ~~أهل الكتاب. # ثم قال تعالى ذكره: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات ~~والأرض} أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيدا لأنه يعلم المحق من ~~المبطل، ويعلم ما في السماوات والأر ولا يخفى عليه فيهما شيء. # ثم قال تعالى: {والذين آمنوا بالباطل} أي: بالشرك. # {وكفروا بالله} أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره. # {أولئك هم الخاسرون} أي: المغبونون في صفقتهم. # ثم قال تعالى ذكره: ms1958 {ويستعجلونك بالعذاب} أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء ~~المشركون بالعذاب، وهو قولهم: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} إلى قوله ~~" {أليم} [الأنفال: 32]. PageV09P5641 # {ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب} أي: لولا أن لهم وقتا يستوفونه لجاءهم ~~العذاب عاجلا. # {وليأتينهم بغتة} أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه. # هذا كله معنى قوله قتادة. # ثم قال تعالى: {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} أي: محدقة ~~بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها. # قال عكرمة: هو البحر محيط بهم. # ثم قال: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} قال قتادة: في ~~النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم. # فلا يوقف على " بالكافرين " على هذا التأويل. # ويجوز أن ينتصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول. # {ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} أي: جزاء عملكم. # وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ~~ألم أو لذة. PageV09P5642 # ثم قال تعالى: {ياعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة} أي: أنها لم تضق ~~عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان ~~منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير. # وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة. # وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا. # وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين. # وقال مطرف بن الشخير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في PageV09P5643 # الأرض. # وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم. # وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها. # وقوله: {فإياي فاعبدون} أي: أخلصوا لي عبادتكم. # ثم قال تعالى: {كل نفس ذآئقة الموت} أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد ~~لكم من الموت والرجوع إلي فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم. # ثم قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا}. # أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعلموا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفا ~~جارية من تحتها الأنهار في الجنة. # {خالدين فيها} أي: دائمين فيها. # {نعم ms1959 أجر العاملين} أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة. # ومن قرأ: لنثوينهم " فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم. PageV09P5644 # حكى الفراء: بوأته منزلا وأثويته منزلا بمعنى: وأصل الثواء الإقامة. # ومعنى: {من تحتها} أي من تحت أشجارها. # ثم قال تعالى: {الذين صبروا} أي: على أذى المشركين في الدنيا. {وعلى ربهم ~~يتوكلون} أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم. # ثم قال تعالى: {وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم} هذا ~~تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من ~~دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا ~~أنتم عيلة ولا فقرا، فإن الله رازقكم. # {وهو السميع العليم} لأقوالكم: نخشى بفراقنا أوطاننا الفقر والعيلة. # {العليم} بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم. وليس يدخر من جميع الحيوان ~~إلا الإنسان والنملة والفأرة. # وهو من الحمالة، أي: لا تحملم لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ~~ونحوه. PageV09P5645 # قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون} إلى آخر السورة. # أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض ~~وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله. # {فأنى يؤفكون} أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون ~~معه من لم يخلق شيئا ولا يملك ضرا ولا نفعا. # ثم قال تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له} أي: يوسع ~~على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن ~~هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر. {إن الله بكل شيء عليم} أي: عليم ~~بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا ~~يصلحه إلا لضيق في الرزق. # ثم قال تعالى: {ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها}. # أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عن من نزل من السماء مطرا ~~فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها ms1960 وقحطها {ليقولن الله}، فقل يا محمد: ~~{الحمد لله}، أي: على نعمه. # {بل أكثرهم لا يعقلون} أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما ~~لهم فيه الضرر. # ثم قال تعالى: {وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب} أي: ما يتمتع به ~~هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل ~~عن قليل، فهو اللهو واللعب والزائل من ساعته. PageV09P5646 # ثم قال تعالى: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} أي: لفيها الحياة الدائمة ~~والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له. والحية والحيوان واحد، يقال نهر لاحيوان ~~ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واوا ومثله ~~حيوة أصله حيية. ثم أبدل. # ويقال حييت حيا كعييت عيا. فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان. # قال العجاج/: # " وقد نرى الحياة حيي ". يريد: إذ الحياة حياة ". # وقد قيل: إن الحيي جمع على فعول كعصي. # ثم قال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} أي: فإذا ~~ركب هؤلاء PageV09P5647 # المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخصلوا لله الدعاء، ~~وتركوا آلهتهم التي يعبدون. # {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} أي: يعبدون مع الله غيره. # ثم قال تعالى: {ليكفروا بمآ آتيناهم}. # أي: لما نجاهعم الله من الغرق إلى البر عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم. # فاللام لام كي لأنها شرط لقوله {إذا هم يشركون}. # ثم قال: {وليتمتعوا فسوف يعلمون}. # هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو ووجعلها كالمبتدأ بها. # ومن أسكن أعتد بالواو. # ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على {ليكفروا} والأحسن أن تكون لام ~~أمن لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد بعقبة ~~وعيد وتهدد. # وأيضا فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: {إذا هم يشركون} إذا لم ~~يشركوا PageV09P5648 # ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا. # فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، ~~إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في ms1961 الكلمة حذفان وفي حرف ~~أبي: {وليتمتعوا}، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد. # ثم قال تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} أي: ألم ير هؤلاء ~~المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا ~~بلدهم محرما على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه ~~من السباء والخوف والجذام. PageV09P5649 # {ويتخطف الناس من حولهم} أي: ويستلب الناس من حولهم قتلا وسببا. # {أفبالباطل يؤمنون} أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها ~~يكفرون، أي: يجحدون. # ثم قال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} أي: لا أحد أظلم ممن ~~أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها. {أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين} أي: منزلا ومسكنا لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه. # وهو تقرير وتوبيخ ووعيد. # ثم قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا} أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر ~~دين الله، {لنهدينهم سبلنا} أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو ~~الاسلام. # {وإن الله لمع المحسنين} أي: من أحسن فجاهد أعداء الله. ومع هنا حرف، ~~ويجوز أن تكون اسما، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسما وحرفا وإذا سكنت لم تكن ~~إلا حرفا. PageV09P5650 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الروم مكية # قوله تعالى: {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون} إلى قوله {بلقآء ربهم لكافرون} قد ذكر تقدم ذكر " ألم ". # قال الفراء: في قوله " غلبهم ": الأصل غلبتهم ثم حذفت التاء كما حذفت من ~~" وإقام الصلوات " والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء ~~في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إقوام مثل إكرام ثم ~~أعل وحذف، فدخلت التاء عوضا من المحذوف. وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون ~~أصله التاء، يقال غلبته غلبا حكاه الأصمعي وغيره. PageV09P5651 # وسنين جمع مسلم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ. # وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضا عن مما حذف منه. # ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمكسر. ms1962 والأول أكثر، وكسرت السين لتدل ~~على أنه جمع على غير بابه وأصله. # والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء. # والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم بعد غلب فارس لهم ~~سيغلبون فارسا على بيت المقدس في بضع سنين. وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض ~~من أرض الشام إلى فارس. PageV09P5652 # وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري " غلبت " الروم بفتح الغين. وسئل ابن عمر ~~على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام. # والبضع عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر. # وعند الأخفش/ والفراء من دون العشرة. # وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس. PageV09P5653 # وحكى أبو زيد فتح الباء فيه. # وهو مشتق من بضعه إذا قطعه، ومنه بضعة من لحم. وهو يملك بضع المرأة يريد ~~أنه يملك قطع فرجها. # وقال ابن عباس: " كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم لأنهم أهل كتاب، وكان ~~المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكهم، فذكر المشركون ذلك ~~لأبي بكر رضي لله عنه، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي ~~عليه السلام: أما إنهم سيهزمون - يعني فارسا -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين ~~فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلا فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا ~~كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلا خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ~~ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة " قال أبو ~~سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت PageV09P5654 # اليوم الروم فارسا فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، ~~فذلك قوله جل ذكره: # {ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله}. # قال ابن عباس: لقي النبي صلى الله عليه وسلم مشركي العرب يوم التقت الروم ~~فارسا فنصر الله أهل الكتاب على العجم. # " وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما ~~رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين. # قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارسا إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن ms1963 خلف، ~~فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " ارجع واستزد في القلائص والسنين فصير الرهان إلى سبع ~~قلائص وإلى سبع سنين ". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان ~~"، فأخرج أبو بكر رضي الله عنه في حين PageV09P5655 # عقد الرهان ثم القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثم القلائص فاشتروا قلائص بنصف ~~المال فنحروها وقسموها جزور وأخروا نصف المال حتى غلبت لروم فارسا فرجع ذلك ~~إلى أبي بكر. # وروي: " أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الست، والفرس ظاهرون على الروم، ~~فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفرح بذلك المشركون. فلما دخلت ~~السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكبر المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن ~~عند ذلك خلق كثير من المشركين ". # وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون ~~بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث. # وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب ~~كالمسلمين. # وروي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الروم ستغلب فارسا، وأنكر ~~ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن ~~خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر " ~~ارجع فزد في الخطر والأجل " ففعل. PageV09P5656 # وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، ~~فغلبت الروم فارسا على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش. # قال ابن مسعود " خمس " قد مضين: الدخان واللزام والبطشة والقمر والروم ". PageV09P5657 # قال عكرمة: " اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذرعات ~~بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم ~~بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من ~~المجوس على أهل الكتاب من الروم. وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب ~~النبي فقالوا له: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر ~~إخواننا ms1964 من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن ~~عليكم، فأنزل الله جل ذكره: {الم * غلبت الروم} الآيات، فخرج أبو بكر إلى ~~الكفار فقال: أفرحتم بظهرو إخوانكم الكفار على أخواننا، فلا تفرحوا ولا ~~يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فضيل. فقال أبو بكر: أنت أكذب يا ~~عدو الله، فقال: أنا حبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على ~~فارس غرمت، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين PageV09P5658 # الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل " فخرج أبو بكر فلقي ~~أبيا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - ازايدك في الخطر وأمادك في الأجل ~~فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، فقال: قد فعلت ". # قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار. # وقال قتادة: قغلبت الروم فارسا عند رأس التسع سنين. # وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ~~ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم. # وكان ذلك من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم عما يكون ~~قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه فكان في ذلك دلالة على ~~صدقه فيما يأتي به وما يقول في أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن ~~تحرم المخاطرة، فأما الآن فقد PageV09P5659 # حرم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل ~~الأموال بالباطل. # وقوله تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد}. # أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس اليوم، يقضي ما شاء في ~~خلقه. # وقوله: {ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله} أي: يوم ستغلب الروم فارسا ~~يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلا على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة ~~الروم فارسا في بضع سنين، ولأن فيه ظفرا ms1965 بالمشركين إذا كان يكرهون أن تغلب ~~الروم فارسا. # ثم قال: {وهو العزيز} أي: الشديد في انتقامه من أعدائه. # {الرحيم} بمن ناب من خلقه وراجع طاعته. PageV09P5660 # ثم قال تعالى ذكره: {وعد الله لا يخلف الله وعده} أي: وعد الله المؤمنين ~~وعدا أن تغلب الروم فارسا، فلا يخلف الله وعده. # {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز ~~المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارسا وأنه لا خلف في وعده. # ثم قال تعالى: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} أي: يعلم هؤلاء المشركون ~~أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن امر آخرتهم ~~وما فيه النجاة من عذاب الله. # قال ابن عبس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون. وقال ~~الحسن. # وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون. # وقيل: ما يزيدهم من الكذب على متأتيهم به الشياطين من استراق السمع. # وقيل الظاهر هنا الباطل قال تعالى {أم بظاهر من القول} [الرعد: 33] أي: ~~باطل وقيل: PageV09P5661 # الظاهر البادي. ثم قال تعالى: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله ~~السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق}. # أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا ~~شيئا ثم صاروا رجالا، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك ~~على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، ~~فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقا جديدا، ~~فيجازيهم بأعمالهم. # وقوله {إلا بالحق} أي: بالعدل وإقامة الحق. {وأجل مسمى} أي: مؤقت معلوم ~~عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، ~~وبعث الأموات فبرزوا لله جميعا. # ثم قال تعالى ذكره: {وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم لكافرون}. # أي: الجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم ~~وتفريطا في أمر معادهم. # قوله تعالى ذكره: {أولم يتفكروا في أنفسهم}. " في أنفسهم " ظرف للتفكر، ~~وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر. PageV09P5662 # فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم ms1966 فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق. # أي: يسروا التفكر في أنفسهم فهما معنيان. # وفي أنفسهم: تمام الكلام. # وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يسروا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. # فأن مضمرة كما قال: {ومن آياته يريكم البرق} [الروم: 24] أي: أن يريكم، ~~وكما قال: {ومن آياته خلق السماوات} [الروم: 22] أي: أن خلق السماوات. # قوله تعالى ذكره: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا) [8] إلى قوله: (وكذلك ~~تخرجون) [18]. # أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض/ فينظروا إلى آثار الله ~~فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا ~~أشد من هؤلاء قوة، (وأثاروا الأرض) أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة ~~مما عمر هؤلاء الأرض، (وجاءتهم رسلهم بالبينات) فكذبوهم، فأهلكهم الله وما ~~كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون) بمعصيتهم ربهم. # ثم قا ل تعالى: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله). PageV09P5663 # أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة ~~التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين ~~فيها. # قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة. # قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار. # والسوآى اسم. وقيل مصدر كالتقوى. # قال مجاهد: السوآى: الإساءة. # ثم قال: (أن كذبوا بآيات الله) أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن ~~كذبوا بحجج الله ورسله. # (وكانوا بها يستهزئون) أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون. # ثم قال تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده) أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من ~~قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقا جديدا. # (ثم إليه ترجعون) أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم. # ثم قال تعالى: (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) أي: واذكر يا محمد يوم ~~تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير. PageV09P5664 # وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة. # قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار. # وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر. # وقال مجاهد: الإبلاس ms1967 الفضيحة. # (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء). # أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شفعاء ~~ينقذونهم من عذاب الله. # وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت ~~إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها. # (وكانوا بشركائهم كافرين) # أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله (إذ تبرأ الذين اتبعوا ~~من الذين اتبعوا) الآية. # ثم قال تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) أي: يتفرق المؤمنون من PageV09P5665 # الكافرين. # قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها. # ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق. # فقال: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون). # أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ~~ويلذذون بطيب العيش والسماع. # وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظرا ولا ~~أطيب نشرا من الرياض وعبقها. # "أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا. PageV09P5666 # وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره. # وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعا فهي ترعة. # وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان. والحبرة في اللغة كل ~~نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون. PageV09P5667 # وقال مجاهد: ينعمون. # قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته. # ثم قال تعالى: (وأما الذين كفروا) أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا وسله، ~~وأنكروا البعث. # (فأولئك في العذاب محضرون) أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله ~~إياه. # ثم قال تعالى ذكره: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) سبحان مصدر يؤدي ~~عن معنى سبحوا الله تسبيحا في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء. # وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى. # وقرأ عكرمة: "حينا تمسون وحينا تصبحون" بتنوين حين ونصبه في الوجهين على ~~الظرف. والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون PageV09P5668 # صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشيا صلاة العصر، ~~وحين تظهرون صلاة الظهر. # وقوله: (وله الحمد في السماوات ms1968 والأرض). أي: له الحمد من جميع خلقه دون ~~غيره من سكان السماوات والأرض. # قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح ~~والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى/ (ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات) ~~هذا معنى قوله. # روي عنه: وعشيا: المغرب والعشاء. # وقال زر: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: ~~هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: ~~(فسبحان الله حين تمسون): المغرب، (وحين تصبحون) الفجر، (وعشيا): العصر ~~(وحين تظهرون): الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء. # وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون": PageV09P5669 # المغرب والعشاء. # وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء، "وحين تصبحون": الفجر، ~~"وعشيا": العصر، "وحين تظهرون": الظهر. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين ~~افترض وقت الصلاة". وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعا. # وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري ~~والشافعي وأبي ثور. PageV09P5670 # وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة. # وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس. # وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل. PageV09P5671 # وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين. # وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله. هذا قول مالك والثوري والشافعي ~~وإسحاق وأبي ثور. # وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال. # وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد ~~فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ~~ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. PageV09P5672 # وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ~~ركعة. # وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق. # ووقت المغرب غروب الشمس وقتا واحدا، هذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي. # وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر ms1969 وقتها الشفق. # وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعا. # والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ~~ثور ويعقوب ومحمد. وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر. PageV09P5673 # وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان ~~وزفر. # وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل. # وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل. # وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر. # وعن عمر أيضا أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك. PageV09P5674 # وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: # وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر. # وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعا. # وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في ~~وقتها. # ثم قال تعالى: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) أي: صلوا ما ~~أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي ~~من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء ~~فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها. # (وكذلك تخرجون) أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة. # وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. # وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV09P5675 # قوله تعالى ذكره: {ومن آياته أن خلقكم من تراب} إلى قوله: {كل له ~~قانتون}. # أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد ~~موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب. # {إذآ أنتم بشر} أي: من ذرية من خلق من تراب. # {تنتشرون} أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا. # ثم قال تعالى ذكره: {ومن آياته خلق السماوات والأرض}. # أي: ومن أدلته وحجته/ في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات ~~والأرض، وهن أعظم خلقا منكم فاخترعها ms1970 وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في ~~الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق ~~أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف. # {إن في ذلك لآيات للعالمين} أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ~~ووحدانيته، يعني: الجن والإنس. PageV09P5676 # وهذا على قراءة من فتح اللام. # ومن كسرها فمعناه لم علم قدرة الله وأيقن بها. # وقوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها}. # أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها. # وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل. # {وجعل بينكم مودة ورحمة} أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض. # قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها ~~بسوء. # وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد. # {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من ~~قدر PageV09P5677 # على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له. # ثم قال: {ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من فضله} أي: ومن ~~حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات ~~والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق ~~والمعاش، وجعل الليل سكنا لتسكنوا فيه وتناموا. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لا تصاله بالليل وعطفه ~~عليه. والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر ~~خاصة. # ومثله في التقديم والتأخير قوله: {ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} [القصص: 73]. # {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججا وعبرة ~~وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر. # ثم قال تعالى: {ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا} أي: ومن آياته أنه ~~يريكم البرق. " وخوفا وطمعا " مفعولان من أجلهما. # وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفا وطمعا من آياته. PageV09P5678 # والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفا ~~للمسافر أن ms1971 يؤذيه المطر، وطمعا للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه. # {وينزل من السمآء مآء فيحيي به الأرض بعد موتها} أي: وينزل من السحاب ~~مطرا فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتا، فتنبت بعد ~~جدوبها. # {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} أي: يعقلون عن الله حججه وأدلته. # ثم قال تعالى: {ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره} أي: ومن حججه ~~وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعا له بالطاعة ~~بغير عمد. # {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون} أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم ~~من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم. # روي عن نافع أنه وقف " دعاكم دعوة ". وكذلك قال يعقوب. # ثم يتبدئ " من الأرض ". PageV09P5679 # {إذآ أنتم تخرجون} أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض. # والوقف عند أبي حاتم: من الأرض ". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول ~~دعوت فلانا من بيته. أي: وهو في بيته. # والأحسن عند أهل النظر أن على " تخرجون "، لأن إذا الثانية جواب للأولى ~~على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم. # ثم قال تعالى: {وله من في السماوات والأرض} أي: هم عبيد له وملك له، لا ~~إله إلا هو. # {كل له قانتون} أي: مطيعون. وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من ~~صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل ~~قنوت في القرآن PageV09P5680 # فهو طاعة ". # قال ابن عباس: {كل له قانتون} أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن ~~كانوا عاصين له في غير ذلك. وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم مقرين/ ~~كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله} [الزخرف: 87]. # وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة. # قال ابن ز يد: {كل له قانتون} مطيعون وليس شيء إلا هو قانت مطيع لله إلا ~~ابن آدم، كان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. قال: والقنوات في القرآن الطاعة ~~إلا في قوله جل ذكره: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] معناه: ساكتين ms1972 لا ~~يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب. # قوله تعالى ذكره: {وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده} إلى قوله: {بما لديهم ~~فرحون}. # أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ~~ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ. PageV09P5681 # {وهو أهون عليه} أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس. # وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشرا سويا، وقد كان في ~~الابتداء ينقل من حال إلى حال. # روي ذلك أيضا عن ابن عباس. # وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه. وقاله مجاهد. # فيكون هذا بمنزلة قوله: {وكان ذلك على الله يسيرا} [النساء: 30]. # وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. # فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه. # وقال قتادة: إعادة أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين. PageV09P5682 # وفي حرف ابن مسعود: " وهو علي هين ". # وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء. # وجاز ذلك في صفات الله كما قال: {وكان ذلك على الله يسيرا} [النساء: 30]. # وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن ~~يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلا لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم ~~أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل ~~لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: {وله المثل الأعلى}، معناه: أنه لا ~~إله إلا هو لا مثال له. # قال ابن عباس: {وله المثل الأعلى} ليس كمثله شيء. # وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره. PageV09P5683 # وقيل: المعنى ما أراد كان. وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف. # فمعنه وله الوصف الأعلى من كل وصف. # {وهو العزيز} في انتقامه من أعدائه {الحكيم} في تدبيره خلقه على ما يشاء. # ثم قال تعالى ذكره: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} أي: مثل الله لكم أيها ~~القوم مثلا من أنفسكم. # ثم بين ذلك المثل فقال: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء ms1973 في ما ~~رزقناكم} أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء. # {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم ~~بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضا. # وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - ~~أي: شريكه -. # وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا ~~بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم ~~عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذكره مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه ~~وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم. # هذا معنى قول قتادة. PageV09P5684 # ثم قال تعالى: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} أي: نفصل الآيات تفصيلا، ~~كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة ~~لمن يعقل عن الله حججه. # ثم قال تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم} أي: عبدو الأصنام ~~وأحدثوا لله شركاء اتباعا منهم لما تهوى أنفسهم جهلا منهم بطريق الحق. # {فمن يهدي من أضل الله} أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله ~~عن الاستقامة والرشاد. # {وما لهم من ناصرين} أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة. # ثم قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا}. أي: اتبع الذي أمرك الله به ~~حنيفا أي: مستقيما. # {فطرت الله التي فطر الناس عليها} انتصب " فطرت " على معنى اتبع فطرة ~~الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله. والمعنى فطر الله الناس/ على ~~ذلك فطره. # فالحنف: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل ~~للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك. PageV09P5685 # قيل معنى حنيفا: مائلا عن كل الأديان إلى الإسلام. فيكون الحنف على هذا: ~~الميل، كما قيل للمائل الرجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي ~~فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله خلق الناس لاتباعه. # كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]. # فالمعنى دين الله ms1974 المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا ~~لاتباع الدين. # قال ابن زيد " فطرت الله " الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ {وإذ أخذ ~~ربك} [الأعراف: 172] الآية. # وهو قوله: {كان الناس أمة واحدة} [البقرة: 213] وقاله مجاهد أيضا. # وفي الحديث: " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان ~~يهودانه PageV09P5686 # أو ينصرانه ". # قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: {وإذ أخذ ربك من ~~بنيءادم} الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه. # وفي الحديث: " أخرجهم جل ذكره أمثال الذر فأخذ عليهم العهد، فكل مولود ~~على ذلك العهد يولد " وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا ~~تميز شيئا. PageV09P5687 # وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلما، يذهب إلى أنه مخصوص. # وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد. # وقوله جل ذكره: {لا تبديل لخلق الله}. معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ~~ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة قتادة والضحاك والنخعي وابن زيد. # وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره ~~خصاء البهائم وقرأ الآية. # ثم قال تعالى: {ذلك الدين القيم} أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين ~~المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. # ثم قال تعالى ذكره: {منيبين إليه واتقوه} أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء ~~منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته. # وقوله: {فأقم وجهك للدين} هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به ~~أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع. فلا تقف على يعلمون. # وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه. PageV09P5688 # قال ابن عباس: " منيبين ": مقبلين بكل قلوبكم. # قال ابن زيد: المنيب: المطيع. وأصله في اللغة الراجع عن الشيء. # {واتقوه} أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته. # {وأقيموا الصلاة} أي: بحدودها في أوقاتها. # {ولا تكونوا من المشركين} أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه. ثم ~~بينهم فقال تعالى ذكره: {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} يعني اليهود ~~والنصارى، قاله قتادة. # وقال ابن ms1975 زيد: هم اليهود. # وقالت عائشة رضي الله عنه وأبو هريرة: هي في أهل القبلة. # ومعنى {وكانوا شيعا} أي: أحزابا. # {كل حزب بما لديهم فرحون} أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن ~~أن الصواب معها. # وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن PageV09P5689 # الفرقة معها الضلالة. # قوله تعالى ذكره: {وإذا مس الناس ضر} إلى قوله {أكثرهم مشركين}. # أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه {دعوا ربهم ~~منيبين إليه} أي: أخصلوا له الدعاء والتضرع، {ثم إذآ أذاقهم منه رحمة}، إي: ~~فرج عنهم الضر {إذا فريق منهم بربهم يشركون} يعني المشركين. # ثم قال تعالى: {ليكفروا بمآ آتيناهم}. # إن جعلت اللام لام كي لم تقف على " يشركون "، ولكن تقف على {آتيناهم}، ~~وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت ~~على {يشركون}، ولم تقف على {آتيناهم}. # وقوله: {فتمتعوا فسوف تعلمون} يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد ~~لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن. والمعنى على الأمر: اكفروا ~~وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم. # ثم قال تعالى: {أم أنزلنا عليهم سلطانا} أي: كتابا وحجة في عبادتهم ~~الأوثان. # {فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم. # فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئا من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعا ~~لأهوائهم. PageV09P5690 # قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة/. # ثم قال تعالى: {وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها} أي: وإذا مس الناس خصب ~~ورخاء وصحة فرحوا بذلك. # {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم} أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف ~~مال بذنوبهم المتقدمة {إذا هم يقنطون} أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس. # ثم قال تعالى: {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء} أي: ألم ير هؤلاء ~~الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في ms1976 ~~رزقه، {ويقدر} أي: ويضيق على من يشاء في رزقه. # {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه ~~وتضييقه على بعض، لدلالات وحججا على قدرة الله لمن آمن بالله. # ثم قال تعالى: {فآت ذا القربى حقه}. # قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره. # وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجه. # وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إلأيه برجليك فقد قطعته. PageV09P5691 # وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. منزلة منزلة قوله ~~تعالى ذكره: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} ~~[الأنفال: 41] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك. # وقوله: {والمسكين وابن السبيل} أي: وفيهم حقهم إن كان يسر، وإن لم يكن ~~عندك شيء فقل لهم قولا معروفا. وابن السبيل: الضيف. # ثم قال تعالى: {ذلك خير للذين يريدون وجه الله} أي: إتيان هؤلاء حقوقهم ~~التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله. # {وأولئك هم المفلحون} أي: الباقون في النعيم الفائزون. # ثم قال تعالى: {ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند ~~الله} أي: ما أعطى بعضهم بعضا ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا ~~أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من ~~مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه. PageV09P5692 # وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى {ولا تمنن تستكثر} ~~[المدثر: 6] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها. # قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها. # فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة. # وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر. # وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال لآخذ للثواب. # وقيل: هو الربا المحرم. # ومعنى: {فلا يربوا عند الله} عند من قال: هو المحرم، ms1977 لا يحكم به لأحد، بل ~~هو للمأخوذ منه. # قال تعالى: {ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} أي: ~~وما PageV09P5693 # أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا ~~الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات. # وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم. # ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: {المضعفون} بفتح العين لأنهم ~~فعول بهم. لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فألئك هم الذين أضفعوا لأنفسهم ~~حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد ~~اختبار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة ~~الواحدة. # ثم قال تعالى: {الله الذي خلقكم} أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئا، ثم رزقكم ~~وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئا، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، ~~فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا. # {هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء} أي: هل يفعل شيئا من خلق أو موت ~~أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بد لهم أن يقروا أنها ~~لا تفعل شيئا من ذلك فيعلمون أنهم على باطل. # ثم قال: {سبحانه وتعالى عما يشركون} أي: تنزيها لله وبراءة له عما يشركون ~~به. # ثم قال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} أي: ظهرت ~~المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس. # قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت/ فيها معاصي ~~ابن آدم. PageV09P5694 # وقال قتادة: هذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، امتلأت الدنيا ضلالة ~~والظلمة، فلما بعث النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر ~~فأهل العمود وأما البحر فأهل القرى والريف. # والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر. # وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر. # والفساد: الجدب بذنوب بني آدم. # وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم وعن مجاهد: أن البر ~~القرى والأمصار، ms1978 والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذين قتل ~~أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غضبا. # وهو قول ابن أبي نجيح. PageV09P5695 # وقال قتادة: الفساد الشرك. # وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا. # فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر ~~انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم. # وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم ~~يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم. # ثم قال تعالى: {ليذيقهم بعض الذي عملوا} أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم. # {لعلهم يرجعون} أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون. # ثم قال تعالى ذكره: {قل سيروا في الأرض فانظروا} الآية. هي مثل " أولم ~~يسيروا في الأرض " في أول السورة. وقد تم تفسيرها. # ومعنى {كان أكثرهم مشركين} أي: مثلكم يا قريش. # قوله تعالى ذكره: {فأقم وجهك للدين القيم} إلى قوله: {فهم مسلمون}. # أي: اتبع يا محمد الدين أمرك الله به فهو المستقيم. # فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل ان ينقطع ~~وقت العمل بالموت وقيام الساعة. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته. PageV09P5696 # {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} أي: لا بد من إتيانه وهو يوم ~~القيامة. # {يومئذ يصدعون} أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في ~~السعير. # يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس. # ثم قال تعالى ذكره {من كفر فعليه كفره} أي: إثم وزره. # {ومن عمل صالحا} أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه. # {فلأنفسهم يمهدون} أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون. # قال مجاهد: يمهدون في القبر. # ثم قال: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} أي: يومئذ يتفرقون ~~ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يومئذ يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء ~~المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين. # ثم قال تعالى ذكره: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} بالغيث. # {وليذيقكم من رحمته} أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث ms1979 الذي يحيي به ~~البلاد. # {ولتجري الفلك بأمره} أي: السفن في البحر بأمره إياها. PageV09P5697 # {ولتبتغوا من فضله} أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه في سفركم في البحر. # {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون على هذه النعم. # ثم قال تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات} ~~هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم إذ كذبه قريش، فأعمله الله أنه ~~قد أرسل من قبله رسلا إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أتوا ~~أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك. # {فانتقمنا من الذين أجرموا} في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل ~~فانتقمنا من المكذبين، فكذلك تفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك. # {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك ~~نفعل بك يا محمد ومن آمن بك. # وقيل: المعنى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ~~ومن آمن بك على الكافرين من قومك. # وفي الحديث: " من رد على عرض صاحبه رد الله عنه نار جهنم ثم تلى رسول ~~الله: " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " والتمام عند نافع آخر واو. PageV09P5698 # وقف بعض الكوفيين، " وكان حقا " أي: فكان انتقامنا/ حقا، ثم يبتدئ " ~~علينا نصر المؤمنين ". نصر ابتداء، وخبره علينا. # والوقف عند أبي حاتم: " نصر المؤمنين ". # ثم قال تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} أي: ينشئ الرياح ~~سحابا، {فيبسطه في السمآء كيف يشآء} ويجمعه. # قال قتادة: يبسطه: يجمعه. # ثم قال تعالى: {ويجعله كسفا} أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعا ~~متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه. # ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة. # ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف. # ثم قال تعالى: {فترى الودق يخرج من خلاله} أي: المطر يخرج من بين السحاب. # قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحا فتعم الأرض PageV09P5699 # قما، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحابا فتجعله كسفا، أي: قطعا متفرقة، ~~ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاما، ms1980 ثم يبعث الرابعة فتمطر. # ومعنى {من خلاله}: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء ~~فالتذكير فيه حسن. # وخلال جمع خلل. # وقد قرأ الضحاك: " يخرج من خلله ". # ثم قال تعالى: {فإذآ أصاب به} أي: بالمطر {من يشآء} أي: أرض من يشاء من ~~عبادة استبشروا وفرحوا. # ثم قال تعالى: {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم} أي: وإن هؤلاء الذين ~~أصابب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث. # وقوله: {من قبله} تأكيد للأول عند الأخفش. PageV09P5700 # وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. # وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب. # وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا ~~لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضا ~~{فرأوه مصفرا} يعني الزرع. # ثم قال تعالى: {فانظر إلى آثار رحمت الله} أي: انظر يا محمد إلى أثر ~~المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، ~~فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم. # ومن قرأ " أثر رحمة الله " بالتوحيد ورده على التوحيد في: " فيبسطه "، و ~~" يجعله "، و " من خلاله "، " وأصاب به "، " ومن قبله ". PageV09P5701 # ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الريح، وإثارتها ~~السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفا، وإخراجه الودق، فهذا كله ~~آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك. # ثم قال: {إن ذلك لمحي الموتى} أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها ~~لمحيي الموتى بعد موتهم. # {وهو على كل شيء قدير} أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده. # والمضر في " يحيي الأرض " يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر. # وقرأ محمد اليماني " كيف تحيي " بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار. # ثم قال تعالى ذكره: {ولئن أرسلنا ريحا} أي: ولئن أرسلنا ريحا مفسدة لما ~~أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفرا قد فسد بتلك الريح. # {لظلوا من بعده يكفرون} أي: لصاروا من ms1981 بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث PageV09P5702 # يفكرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في " رأوه " للنبات من زرع وغيره. # وقيل: الهاء للسحاب. # وقيل: للريح. # ثم قال تعالى: {فإنك لا تسمع الموتى} الآية. # أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن ~~سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم. وهذا مثل [ضربه] الله للكفار. # ثم قال تعالى: {ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم} الآية. # أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى. # {إن تسمع إلا من يؤمن} أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم ~~تفسير الآيتين بأشبع من هذا في " الأنبياء ". # قوله تعالى ذكره: {الله الذي خلقكم من ضعف} إلى آخر السورة. PageV09P5703 # هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلفهم من ضعف ~~وهو النطفة، فجعله بشرا قويا، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن ~~فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم. # والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم. # وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: " قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~خلقكم من ضعف " فقال لي: " من ضعف ". # وقرأ عيسى بن عمر " من ضعف " بضمتين/. # وأجاز الكوفيون ضعف بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق. # ثم قال: {يخلق ما يشآء}. PageV09P5704 # أي: يخترع ويحدث ما يشاء. # {وهو العليم} أي: بخلقه، {القدير} أي: القادر عليهم. # ثم قال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون} أي: ويوم تجيئ ساعة ~~البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا فيب قبورهم غير ساعة واحدة. # قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا. # {كذلك كانوا يؤفكون} أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثها في ~~قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى ~~الكذب. # وقيل معنى ذلك: أن الكفار لابد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ~~ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة. # وقيل: معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم ms1982 مكثهم في الدنيا لا ~~نقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة. # ثم قال تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ~~إلى يوم البعث فهذا يوم البعث}. # هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ~~ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد ~~لبثتم إلى يوم البعث. PageV09P5705 # وقال ابن جريج " تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان ~~بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث. # وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله ~~العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم ~~البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه ~~يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به. # وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث. # ثم قال تعالى: {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم}. # أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث. # {ولا هم يستعتبون} أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون. # روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم ~~يعذرا ولا استعتبوا. # ثم قال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: مثلنا ~~للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجا عليهم وتنبيها لهم. # ثم قال تعالى: {ولئن جئتهم بآية} أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما ~~تقول لهم. {ليقولن الذين كفروا} أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله. PageV09P5706 # {إن أنتم إلا مبطلون} فيما جئتم به. # ثم قال تعالى: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون}. # أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من ~~عند الله. # ثم قال جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فاصبر إن وعد الله حق}. # أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم ~~والظفر ms1983 بهم حق لا بد منه. # {ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله ~~الذين لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدقون بالبعث. PageV09P5707 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة لقمان # سورة لقمان مكية إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: (ولو أنما ~~في الأرض) إلى تمام الثلاث الآيات. # قوله تعالى ذكره: {الم * تلك آيات الكتاب الحكيم} إلى قوله: {عذاب مهين}. # أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هاديا وراحما الله به من آمن بالله ~~وكتبه ورسله. وإن رفعت " رحمة ". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه ~~فآمن بالله PageV09P5709 # وكتبه ورسله. # ثم قال: {الذين يقيمون الصلاة} أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها. # {ويؤتون الزكاة} أي: التي افترض الله عليهم. # {وهم بالآخرة هم يوقنون} أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء. # ثم قال تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} أي: على إيمان. # {وأولئك هم المفلحون} أي: الباقون في النعيم/ الفائزون. # ثم قال جل ذكره: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير ~~علم}. # قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء. # وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق مالا ولكن اشتراؤه استحبابه. وكذلك قال ~~مطرف. # وقال ابن مسعود في الآية: " الغناء والله الذي لا إله إلا هو، يرددهها ~~ثلاث مرات ". PageV09P5710 # " والغناء ينبت في القلب النفاق ". # وقال ابن عباس: " هو الرجل يشتري الجارية المغنية تغنيه ليلا ونهارا ". # وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يحل بيع ~~المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة بهن ولا أثمانهن، وفيهن نزلت هذه الآية " ~~ومن الناس. . . " # روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من جلس إلى قينة ~~يستمع منها صب في أذنيه الآنك يوم القيامة ". # وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: " إن الله تبارك وتعالى يقول يوم PageV09P5711 # القيامة: " أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن اللهو ومزامير ~~الشيطان، أدخلوهم في رياض المسك. ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنأء علي ~~وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". # روت عائشة ms1984 رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من مات ~~وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه " رواه مكحول عنها. # وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم. # والتقدير: على هذا: ومن الناس من يتشتري ذات لهو أو ذا لهو. # وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك. ورواه عنه جويبر أنه قال: PageV09P5712 # الغناء مهلكة للمال مسخطة للرب معماة للقلب. # وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار. # وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها ~~أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عناد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس ~~والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه. # وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل. PageV09P5713 # ثم قال: {ليضل عن سبيل الله} أي: عن دين الله، وما يقرب إليه. # وقال ابن عباس: عن القرآن وذكر الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية. # وقوله: {بغير علم} أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك. # ثم قال: {ويتخذها هزوا} أي: ويتخذ سبيل الله هزؤا. قاله مجاهد. # وقال قتادة: ويتخذ الآيات هزؤا. # {أولئك لهم عذاب مهين} أي: في الآخرة. # قوله تعالى ذكره: {وإذا تتلى عليهءاياتنا ولى مستكبرا} إلى قوله: {إلي ~~المصير}. # أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع ~~الحق، {كأن في أذنيه وقرا} أي صمما وثقلا فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى ~~عليه. # {فبشره بعذاب أليم} أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار. # ثم قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم}. # أي: إن الذين صدقوا محمدا وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين ~~النعيم ما كثين فيها إلى غير نهاية. # {وعد الله حقا} أي: وعدهم الله ذلك [وعدا] حقا لا خلف فيه. PageV09P5714 # {وهو العزيز} أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك. # {الحكيم} في تدبيره لخلقه. # ولا يحسن الوقف على: " خالدين فيها " عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: " ~~وعد الله " إذ هو ms1985 عنده مصدر مؤكد. # وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلا ينصب به " وعدا الله "، وتقديره: وعدهم ~~الله بذلك وعدا حقا. # ثم قال تعالى ذكره: {خلق السماوات بغير عمد ترونها}. # قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة ~~خضراء. من زبرجد الجنةن وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء ~~مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه. # وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها. وقاله عكرمة. # فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتا للعمد، والتاء متعلقة PageV09P5715 # بخلق. # وقال الحسن: لا عمد لها البتة. فيكون " ترونها " على هذا القول في موضع ~~نصب على الحال من السماوات والباء متعلقة بترونها. # ويجوز أن يكون " ترونها " مستأنفا، أي أنتم ترونها/ فتقف على: " بعير عمد ~~" ولا تقف على القولين الأولين إلا على: " ترونها "، فإذا كان الضمير في ~~ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية ~~البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونه. # [فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالا من ~~السماوات. # والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل ~~الأول. # ثم قال تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} أي: أن تحرك بكم يمينا ~~وشمالا، أي: حمل على ظهر الأرض جبالا ثوابت لئلا تميد بكم. # قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقا. PageV09P5716 # {وبث فيها من كل دآبة} أي مطرا. # {فأنبتنا فيها} أي في الأرض بذلك الماء. # {من كل زوج} أي: نوع من البنات. # {كريم} قال قتادة: حسن. # وقال ابن عباس: من كل لون حسن. # وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى لاجنة ~~فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم. # وتأويله غير في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل. # ثم قال تعالى ذكره: {هذا خلق الله} أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ~~ثم قال تعالى: {وأنزلنا من السمآء مآء} ms1986 أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله ~~الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلا له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق ~~الذي عبدتم من دونه. # ثم قال تعالى: {بل الظالمون في ضلال مبين} أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم ~~الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله. # ثم قال تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله}. PageV09P5717 # قال مجاهد: كان لقمان رجلا صالحا ولم يكن نبيا. # وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا غليظ الشفتين مصمفح القدمين ~~قاضيا على بني إسرائيل. # وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسودا من سودان مصر. # وقال ابن عباس: كان عبدا حبشيا. # وروي أنه كان في وقت داود. # وعن عكرمة أنه قال: كان نبيا. PageV09P5718 # قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في ~~غير نبوة. # وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام. # قال قتادة: لم يكن نبيا ولم يوح إليه. # وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ~~ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعا يذهبون، وإنك قد استدبرت الدني منذ كنت، ~~واستقبلت الآخرة، وإن دارا تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ~~ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس. # وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك. PageV09P5719 # قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشيهم، (اتق لا ينزل) ~~عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل ~~عليهم رحمة فتصيبك معهم. # وروي عنه: أنه كان عبد حبشيا نجارا. وقيل: كان خياطا. # وقيل: كان راعيا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: ~~أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخر اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال ~~له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج ~~اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكرا ms1987 عليه وممتحنا له: [أمرتك أن ~~تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخجرتهما]، ~~فقال لقمان: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. # وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت PageV09P5720 # ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم. # [قال]: فما بلغ بك ما أمرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. # قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. # وقوله: {أن اشكر لله} أن بمعنى أي: لا موضع لها. # وأجاز سيبويه أن كون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه ~~أن قم، أي: بأن قم. # والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: " أن أشكر " بيان ~~عن الحكمة لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما أتاه. # ثم قال: {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه} أي: من شكر نعم الله عليه فإنما ~~يشكر PageV09P5721 # لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من/ النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ~~ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وأياها ينفع. # ثم قال: {ومن كفر فإن الله غني} أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ ~~الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في ~~سلطانه ولا ينقص تركه منه. # {حميد} أي: محمود على كل حال. # ثم قال تعالى: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله} أي: ~~واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد ~~معه غيره. # {إن الشرك لظلم عظيم} أي: الخطأ كبير. # وروي أن اسم ابنه ثاران. # ثم قال: {ووصينا الإنسان بوالديه} أي: يبرهما. # {حملته أمه وهنا على وهن} أي: ضعفا على ضعف وشدة على شدة، ومنه: " وهن ~~العظم مني ". # قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقا بعد خلق. # وقال الضحاك: ضعفا على ضعف. PageV09P5722 # وقال قتادة: جهدا على جهد. # فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف ms1988 الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس. # وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها. # والوهو في اللغة الضعف: يقال: وهن يهن ووهن يوهن، ووهن يهن مثل ورم يرم. # ثم قال تعالى: {وفصاله في عامين} أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين ~~مثل وسئل القرية. # {أن اشكر لي} أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم. # وكونها بمعى (أي) أحسن. # والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعتمي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ~~ومحنتهما فيك. PageV09P5723 # {إلي المصير} أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك. وروي أن ~~هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ~~ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما ~~أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية. # قوله تعالى ذكره: {وإن جاهداك على أن تشرك بي} إلى قوله: {وإلى الله ~~عاقبة الأمور}. # أي: وأن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا ~~تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك. # {وصاحبهما في الدنيا معروفا} أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه. # {واتبع سبيل من أناب إلي} أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى ~~الإسلام. # قال قتادة: " من أناب إلي " أقبل إلي. # قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان برا بأمه، فلما أسلم ~~كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته ~~في PageV09P5724 # ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطعيك ولكن أطعيك فيما سوى ذلك. # قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله. # وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه فهو الذي أناب إلى الله، وأمر ~~الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، ~~وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة ms1989 والزبير رضي ~~الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت {أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا ~~وقآئما يحذر الآخرة} الآية إلى قوله: PageV09P5725 # {أولوا الألباب} [الزمر: 10]. فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: {والذين اجتنبوا ~~الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى} إلى قوله: {أولوا ~~الألباب} [الزمر: 17 - 18]. # قوله: {ثم إلي مرجعكم} أي: مصيركم بعد مماتكم. # {فأنبئكم بما كنتم تعملون} أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا ~~من خير وشر، ثم أجازيكم عليه. # وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض ~~هنا لأنها أيضا مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبرا من ~~عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دعل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال ~~لولده: {يابني إنهآ إن تك مثقال حبة} أي: إن القصة التي سألتني عنها/ أو ~~المسألة. # روي أنه كان يسأل والده عن ذكل، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له. # وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة. هذا على قراءة ~~من نصب " مثقال حبة " فأما من رفع. فلا إضمار في " كان " عنده، ورفع إلقاء ~~ثبت في PageV09P5726 # " تك " حملا على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة. ~~يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل ~~اليمامة. # فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل. ويجوز ~~أن يكون الخبر محذوفا -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله. # والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر. # ثم قال: {فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض}. # روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن ~~يعلمها الله فأعمله أن يعلمها في أخفى الموضع لأن الحبة في الصخرة أخفى ~~منها في السماء. # وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم ms1990 يوم القيامة. # روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك ~~- PageV09P5727 # في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى ~~وضعها في راحته. من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم ~~وجعله للذر حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه ~~فلم يزد شيئا، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم ~~على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل. فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله ~~وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل. # ويروي أن عائشة رضي الله عنها: " تصدقت بحبة عنب فقالت لها مولاتها بريرة ~~يا أم المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ~~ذرة ". # ويقل: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون ~~الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ~~ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح، وهي ~~الصخرة التي PageV09P5728 # ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض. # وقال قتادة: " فتكن في صخرة " أي: في جبل من الجبال. # وقيل: معنى {يأت بها الله} بعلمها الله. # {إن الله لطيف} أي: باستخراجها. # {خبير} أي: يمكن ومستقرها لا يخفى عليه شيء. # ثم قال تعالى: {يابني أقم الصلاة} أي: بحدودها في أوقاتها. # {وأمر بالمعروف} أي: آمر الناس بطاعة الله. # {وانه عن المنكر} أي: إنه الناس عن معصية الله. # {واصبر على مآ أصابك} أي: من أذى الناس ومحن الدني في ذات الله إذا أنت ~~أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المصعية. # {إن ذلك من عزم الأمور} أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور ~~عزما. # ثم قال تعالى: {ولا تصعر خدك للناس} أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك ~~تكبرا واستخفافا. # وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها. ورؤوسها، تلتوي منه PageV09P5729 # أعناقها فقيل هذا ms1991 للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه. # قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا ~~كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك. # وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحنة فيراه فيعرض عنه ~~فنهاه عن ذلك. # وقال النخعي: هو التشدق. # ثم قال: {ولا تمش في الأرض مرحا}. # قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء. PageV09P5730 # وقال قتادة: نهاه عن التكبر. # {إن الله لا يحب كل مختال فخور} أي: كل متكبر مفتخر بما أعطى وهو لا يشكر ~~الله. # ثم قال تعالى ذكره: {واقصد في مشيك} أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا ~~تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد. # قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع. # وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء. # وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة. # ثم قال: {واغضض من صوتك} أي: اخفض منه واجعله قصدا إذا/ تكلمت. # وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه. # قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته. # ثم قال: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}. PageV09P5731 # قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات. # قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق. # قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات. # وقال الحسن: معنها إن أشد لاأصوات. # قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرا ما جعله للحمير. # ووحج الصوت لأنه مصدر. # وفي الحديث: " ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا ". PageV09P5732 # ثم قال: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} يعني: ~~شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منفعها التي هي صلاح ~~للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم. # ثم قال تعالى: {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة}. # [من جمع النعم ظهرة وباطنة حالا]. ومن وحد جعلها نعتا. # وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام. # وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله. # وروي ذلك أيضا عن ابن عباس. # فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملا، وباطنة في ~~القلوب اعتقادا ومعرفة. # وروى الضحاك، عن ابن ms1992 عباس أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ~~" الظاهرة PageV09P5733 # الإسلام وما أحسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك ". # ثم قال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله}. # أي: يخاصم في تويحد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ~~{ولا هدى} أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول {ولا كتاب منير} أي: ولا ~~تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه. # قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث. # ثم قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله} أي: وإذا قيل لهؤلاء ~~المجادلين في الله ب غير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن. # {قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا} من عبادة الأوثان. # قال الله جل ذكره: {أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير}. هذا على ~~التوبيخ له: أي: أولو كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه. # ثم قال تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن} أي: من يتذلل إلى الله ~~بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف ~~معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غدا عذابا. # قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله. # {وإلى الله عاقبة الأمور} أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم. PageV09P5734 # قوله تعالى ذكره: {ومن كفر فلا يحزنك كفره} إلى آخر السورة. # أي: لا يغمك يا محمد كفر من كفر ولم يؤمن، فإن رجوعه إلى الله فيخبره ~~بسور عمله ويجازيه عليه، وهذا مثل قوله " {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} ~~[فاطر: 8] ". # ثم قال تعالى: {إن الله عليم بذات الصدور} أي: يعلم ما تكنه صدورهم من ~~الكفر بالله. # ثم تعالى: {نمتعهم قليلا} أي: يمهلهم في الدنيا إمهالا قليلا ووقتا ~~قليلا. # {ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} أي: يلجئهم إلى الدخول في عذاب النار - نعوذ ~~بالله منها -. # ثم قال تعالى ذكره: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~أي: إن ms1993 سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك من خلق السماوات والأرض؟ أقروا ~~بأنه الله، فقل يا محمد عند إقرارهم بذلك: الحمد لله: أي الذي خلق ذلك ~~وتفرج به لأنهم لم يخلقوا شيئا. # {بل أكثرهم لا يعلمون} أي: لا يعلمون من يجب له الحم والشكر. # ثم قال تعالى: {لله ما في السماوات والأرض} أي يملكها. # {إن الله هو الغني}: أي: عن خلقه. {الحميد} أي المحمود على نعمه. # ثم قال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام}. أي: ولو أن شجرة الأرض ~~كلها بريت أقلاما، والبحر لها مداد، ويمدها سبعة أبحر مدادا - أي الأقلام - ~~{ما نفدت كلمات الله}. PageV09P5735 # وفي الكلام حذف، والتقدير: يكتب بذلك كلام الله لتكسرت الأقلام وجفت وفرغ ~~المداد ولم تنفذ كلمات الله. ومن رفع " البحر " فعلى الابتداء، أو على موضع ~~أن. # " وما " عملت فيه، أو على موضع " ما "، إذ لم يظهر فيه الإعراب. # قال قتادة: قال المشركون: هذا الكلام يوشك أن ينفد/ فنزلت هذه الآية. ~~وروي أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في سبب مجادلة كانت ~~من اليهود له. # قال ابن عباس: " قالت أحبار يهود للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا ~~محمد أرأيت قولك " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا إيانا تريد أم قومك؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " كلا "، قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد ~~أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: PageV09P5736 # " فإنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما تكفيكم " فأنزل الله في ذلك: ~~" ولو أنما في الأرض من شجرة " إلى تمام الثلاث الآيات. # وهذا معنى قول عكرمة. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ق قال لهم: " وقد أتاكم الله ما أن ~~عملتم به انتفعتم وهو في علم الله قليل ". # ثم قال تعالى: {إن الله عزيز} أي: ذو عزة في انتقامه ممن أشرك به وادعى ~~معه إلها غيره، {حكيم} في تدبيره خلقه. # ثم قال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} ms1994 أي: ما خلقكم إلا ~~كخلق نفس واحدة ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة، لأنه إنما يقول للشيء كن ~~فيكون قليلا كان أو كثيرا. هذا معنى قول مجاهد. # ثم قال: {إن الله سميع} أي: سامع لما يقوله المشركون وغيرهم، {بصير} ~~بأعمال الخلق كلهم. # ثم قال تعالى: {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل}. أي يزيد من كل واحد في الآخر، فينقص من أحدهما بمقدار ما زاد في ~~الآخر. PageV09P5737 # ثم قال تعالى: {وسخر الشمس والقمر} أي: سخرهما لمصالح العباد. {كل يجري ~~إلى أجل مسمى} أي: يجري بإذن الله إلى وقت معلوم، إذا بلغاه كورت الشمس ~~والقمر. # {وأن الله بما تعملون خبير} أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. ~~والمراد بها الخطاب المشركون. # ثم قال عالى: {ذلك بأن الله هو الحق}. أي: هو الخالق الحق لا ما تعبدون. ~~{وأن ما يدعون من دونه الباطل} أي: ما تعبدون من الأصنام والأوثان هو ~~الباطل الذي يضمحل ويفنى. # ثم قال تعالى: {وأن الله هو العلي} أي: ذو العلو على كل شيء، وكل من دونه ~~متذلل منقاد له، {الكبير} أي: الذي كل شيء يتصاغر له. # ثم قال تعالى: {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله} أي: السفن ~~تجري في البحر بنعمة الله على خلقه. {ليريكم من آياته} أي: من حججه وقدرته ~~فتتعظوا. # وقد قيل: نعمة الله ها هنا الريح التي تجري السفن بها. # {إن في ذلك لآيات} أي: إن في جري الفلك في البحر لعلامات وحججا على قدرة ~~الله وضعف ما تدعون من دونه. # {لكل صبار} أي: لكم من صبر نفسه عن محارم الله وشكر على نعمة. قال مطرف: ~~إن من أحب عباد الله إليه الصبور الشكور. PageV09P5738 # وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان، واليقين الإيمان ~~كله. # وقال قتادة: إن من أحب عباد الله إليه من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. # ثم قال تعالى: {وإذا غشيهم موج كالظلل}. أي: وإذا غشي هؤلاء الذين يشركون ~~بالله غيرهم ms1995 في حال ركوبهم لابحر موج كالظلم، شبه سواد كثرة الماء وتراكب ~~بعضه على بعض بالظلم، وهي الظل جمع ظلة. # وقال الفراء: الظل هنا: السحاب. # {دعوا الله مخلصين له الدين} أي: إذا غشيهم الموج فخافوا الغرق فزعوا إلى ~~الله بالدعاء مخلصين له لا يشركون به هنا لك شيئا، ولا يستغيثون بغيره. # {فلما نجاهم إلى البر} أي: نجاهم من ذلك الموج والغرق فصاروا في البر. # {فمنهم مقتصد} أي: في قوله وإقراره بربه، وهو مضمر للكفر بعد ذلك، وقال ~~أبن زيد: المقتصد على صلاح من الأمر. وفي الكلام حذف، كأنه قال: ومنهم كافر ~~بربه الذي نجاه من الغرق. ودل على ذلك قوله: {وما يجحد بآياتنآ إلا كل ختار ~~كفور} أي: وما يكفر بأدلتنا وحججنا إلا كل غدار عنيد. فدل الجحود المذكور ~~على الكفر المحذوف. PageV09P5739 # وقيل: التقدير: ومنهم جائر لأن الاقتصاد ضده الجور، فدل على ضده، قال ~~معنى ذلك مجاهد والحسن وقتادة والضحاك/. # والختر عند العرب أشد. # ثم قال {يا أيها الناس اتقوا ربكم}. أي: اتقوه في قبول طاعته والعمل ~~بمرضاته، {واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا} يعني: وخافوا يوم القيامة فإنه يوم لا يشفع فيه أحد لأحد إلا ~~بالإيمان والأعمال الصالحة. # {إن وعد الله حق} أي: إن مجيء هذا اليوم الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم ~~حق. # {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} أي: لا يخدعنكم نزهتها ولذاتها فتميلوا ~~إليها، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عذاب الله تعالى ونعيمكم أبدا. # {ولا يغرنكم بالله الغرور}. أي: ولا يخدعكم بالله خادع، فالغرور هو كل ما ~~غر من إنسان أو شيطان. ومن ضم الغين جعله مصدرا. # وقيل: هو أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، قاله أبن جبير. PageV09P5740 # ثم قال تعالى ذكره: {إن الله عنده علم الساعة}. أي: يعلم متى تكون، ~~فاتقوا أن تأتيكم بغتة. # {وينزل الغيث}: أي: لا يعلم متى ينزله. # {ويعلم ما في الأرحام} أي: لا يعلم ذلك غيره. # {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} أي: ما تعمل من خير ms1996 وشر. # {وما تدري نفس بأي أرض تموت} أي: في أي مكان يلحقها أجلها فتموت فيه، كل ~~ذلك لا يعلمه إلا الله. # {إن الله عليم} أي: ذو علم بكل الأشياء، {خبير} بما هو كائن وما كان. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم " مفاتح الغيب خمسة. ثم قرأ هذه الآية. . ". PageV09P5741 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة السجدة # سورة السجدة مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في رجلين من قريش. وهن # قوله: (أفمن كان مؤمنا) إلى آخر الثلاث الآيات. # قوله تعالى ذكره: {الم * تنزيل الكتاب} إلى قوله: {بل هم بلقآء ربهم ~~كافرون}. # من رواية أبن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ آلم تنزيل ~~السجدة، وتبارك الذي بيده الملك فكأنمأ وافق ليلة القدر ". PageV09P5743 # وعنه أنه قال: " آلم تنزيل السجدة وتبارك يفصلان على السور بستين حسنة ". # وقال جابر بن عبد الله: " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام حتى ~~يقر آلم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك " قد تقدم ذكر {الم}. # وقوله: {تنزيل} رفع بالابتداء، و {لا ريب فيه} الخبر. ويجوز أن يكون خبر ~~الابتداء محذوف، أي: ها المتلوا تنزيل الكتاب. ويجوز أن يكون [التقدير]: ~~هذه الحروف تنزيل الكتاب، {الم} بدل من الحروف دالة عليها فهي موضع ~~الابتداء، و {تنزيل} الخبر. ويجوز: " تنزيل " بالنصب على المصدر. والمعنى: ~~تنزيل الكتاب المنزل على محمد لا شك فيه أنه من رب العالمين، وليس بسحر ولا ~~سجع ولا كهانة ولا كذب. وهذا تكذيب لمن قال ذلك في القرآن من المشركين. PageV09P5744 # ثم قال: {أم يقولون افتراه}. # قال أبو عبيدة: معناه: بل يقولون. وهو خروج من حديث إلى حديث. # وقال الزجاج: التقدير: أيقولون. والتقدير عند الطبري: أيقولون، يعني ~~المشركين أيقولون اختلق محمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن من قبل نفسه، ~~وأم عنده تقرير كالألف. # ثم أكذبهم الله في قولهم فقال: {بل هو الحق من ربك} أي: هو الصدق من عند ~~ربك أنزله عليك، لتنذر قوما بأس الله أن يحل بهم على كفرهم لم يأتهم نذير ms1997 ~~من قبلك. # {لعلهم يهتدون} أي: يهتدون إلى طريق النجاة من عذاب الله. أجاز بعض ~~النحويين الوقف على {ربك}، على أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف، والتقدير: ~~وأنزله عليك لتندر. وأجاز أبو حاتم الوقف على {افتراه}. # ثم قال تعالى ذكره: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام} الآية. # أي: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم/ السابع، قاله PageV09P5745 # قتادة. # ثم قال [تعالى]: {ما لكم من دونه من ولي}. # [أي]: يلي أمركم [فينصركم] منه إذا أراد بكم ضرا، {ولا شفيع} أي: يشفع ~~لكم إن عاقبكم على كفركم، فاتخذوه أيها الناس وليا واستعينوا بطاعته على ~~أموركم. # {أفلا تتذكرون} أي: تتذكرون هذه الموعظة فتعلموا أنه لا معبود لكم غيره/ ~~فتفردوا له العبادة وتخلصوا له العمل. # (في) ستة أيام تمام عند نافع، وعلى العرض أتم منه. # ثم قال تعالى [ذكره]: {يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض}. # أي: هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض. # {ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة}. # قال مجاهد: يعني نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في PageV09P5746 # يوم واحد، وذلك اليوم مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة ~~خمس مائة عام. # وهو معنى قول قتادة والضحاك وعكرمة، وقاله ابن عباس. وهو اختيار الطبري. # وقال ابن عباس: إن المعنى أن هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله ~~فيها السماوات والأرض وما بينهما كألف سنة من سني الدنيا. # وعن ابن عباس: أن المعنى ثم تعرج إليه الملائكة بالأمر في يوم مقدار ذلك ~~اليوم ألف سنة من سني الدنيا. # وعن مجاهد: أن المعنى: كان مقدار ذلك التبدير ألف سنة من أيام الدنيا. # وقيل: التقدير: كان مقدار ذلك العروج ألف سنة من أيام الدنيا. # وقيل: المنى: يدبر الله أمر الدنيا وما حدث فيها مما يجازي عليه الناس ~~وغيرهم PageV09P5747 # من أهل السماء إلى أن تقوم الساعة ms1998 ويبعث الناس إلى الحساب، ثم يعرج إليه ~~ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة. # وقيل: معناه يدبر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها ~~في العالم من السماء إلى الأرض لأنها على أهل الأرض تطلع، وفوق الأرض تطلع ~~إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع في يوم [كان] مقداره في المسافة ~~ألف سنة. # والهاء في يعرج إليه: قيل تعود على السماء لأنها تذكر. # وقيل: تعود على الله جل ذكره. فأما قوله في " المعارج ". # {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} [المعارج: 4]. # فمعناه على قول ابن عباس: أنه يوم القيامة يراد [به] قال: جعله الله على ~~الكفار مقدار خسمين ألف سنة/. # وقال وهب بن منبه: [ما] بين أسفل الأرض إلى العرش مقدار خمسين ألف PageV09P5748 # سنة من أيام الدنيا. # وقيل عنه: الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم [كم] ~~مضى منها ولا كم بقي. # وقيل: يوم القيامة أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ~~ألف سنة. # واليوم في اللغة بمعنى الوقت. # فالمعنى تعرج الملائكة والروح إليه [في وقت مقدار ألف سنة و] في وقت آخر ~~مقدار خمسون ألف سنة. # " إلى لأرض " تمام عند الأخفش. # ثم قال تعالى: {ذلك عالم الغيب والشهادة}. أي: الذي تقدمت صفته في قدرته PageV09P5749 # وسلطانه هو علم الظاهر والباطن والسر والجهر، وهو الله (الذي) لا إله إلا ~~هو. {العزيز} أي: الشديد في انتقامه ممن كفر به، {الرحيم} بمن تاب من كفره. # ثم قال تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه}. أي: وهو الذي أعطى كل شيء خلقه، ~~الإنسان للإنسان، والفرس للفرس، فقرن كل جنس بشكله. # قاله مجاهد. # " وأحسن " على هذا القول بمعنى أعلم، تقول [العرب] فلان يحسن كذا إذا كان ~~يعلمه. هذا على قراءة من أسكن اللام من " خلقه " فيكون " خلقه " مفعولا به. # ويجوز عن سيبويه أن ينتصب على المصدر المؤكد. مثل {صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء} [النمل: 88] وقيل: هو منصوب، على التفسير، ms1999 كقولك: زيد أوسعكم PageV09P5750 # دارا، والتقدير: أحسن كل شيء خلقا. # وقيل: أحسن على هذه القراءة بمعنى أعلم وألهم. فيكون خلقه مفعولا به. # وهو القول الذي ذكرنا عن مجاهد أولا. ومن فتح اللام جعله فعلا ماضيا. ~~والمعنى الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه. والهاء في موضع نصب، والفعل في موضع ~~خفض على النعت لشيء. # فالمعنى على قول ابن عباس: الذي أحكم كل شيء خلقه. أي: جاء به على ما ~~أراد لم يتغير عن إرادته. # وروي عنه أنه كان يقرأ بفتح اللام، ويقول: أما إن أست القرد ليست بحسنة ~~ولكنه أحكمها. PageV09P5751 # وعن مجاهد في الفتح: أحسن بكل شيء خلقه. # وعن ابن عباس: في معنى الإسكان أحسن كل شيء في خلقه، أي: حعل كل شيء في ~~خلقه حسنا. # وأجاز الزجاج " خلقه " بالرفع على معنى: ذلك، خلقه، ولم يقرأ به أحد. # ثم قال تعالى: {وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني: آدم صلى الله عليه وسلم. # { ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين} أي: جعل ذريته من سلالة، والسلالة ~~ما ينسل من الشيء. فالمعنى جعل/ ذريته من الماء الذي ينسل منه/ ومعنى ~~{مهين} حقير ضعيف. # ثم قال تعالى: {ثم سواه} يعني آدم، أي سوى خلقه معتدلا سويا. # {ونفخ فيه من روحه} أي: من روحه الذي يحيى به [الموتى] فصار حيا ناطقا. # ثم قال [تعالى]: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي أنعم عليكم ~~بسمعكم وأبصاركم وقلوبكم تنتفعون بمها وتسمعون وتبصرون وتفهمون ووحد السمع ~~لأنه مصدر. PageV09P5752 # ثم قال [تعالى]: {قليلا ما تشكرون} أي: أنعم عليكم بهذه النعم، وشكركم ~~قليل عليها. # ثم قال [تعالى]: {وقالوا أءذا ضللنا في الأرض} أي: وقال المشركون: أئذا ~~صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض أنبعث؟ إنكارا للبعث. # وقال مجاهدك: " ضللنا ": هلكنا، لأن كل شيء غلب عليه غيره حتى تلف وخفي ~~فقد هلك. # وقرأ أبو رجاء وطلحة: " ضللنا " بكسر اللام، وهي لغة شاذة. # وقرأ الحسن: " صللنا " بالصادر غير معجمة وفتح اللام. PageV09P5753 # وروي عنه بكسر اللام. والمعنى أنتنا، وكسر اللام شاذ، يقال صل اللحم وأصل ms2000 ~~إذا أنتن وتغير، وكذلك. خم وأخم. # ثم قال الله تعالى: {هم بلقآء ربهم كافرون} أي: جاحدون للبعث بعد الموت ~~والرجوع إلى الله (جل وعز). # قوله تعالى ذكره: {قل يتوفاكم ملك الموت} إلى قوله: {جزآء بما كانوا ~~يعملون}. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث: يتوفاكم ملك الموت. # أي: يستوفي عددكم بقبض أرواحكم، ثم إلى ربكم بعض قبض أرواحكم تردون يوم ~~القيامة فيجازيكم بأعمالكم. # قال قتادة: ملك الموت يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة. ودليله قوله ~~تعالى: {توفته رسلنا وهم لا يفرطون} [الأنعام: 61]. وملك الموت اسمه: ~~عزرائيل، وهو بالعربية عبد الجبار صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الملائكة ~~والنبيين والمرسلين. PageV09P5754 # قال مجاهد: جوبت لملك الموت الأرض، فجعلت له مثل الطست يتناول منها حيث ~~يشاء. # ثم قال تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم}. # أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء ~~منه للذي سلف من كفرهم وإنكارهم للبعث يقولون: {ربنآ أبصرنا وسمعنا}. # أي: أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك، ومعادنا إليك، وسمعنا منك، وتصديق ~~ما كانت الرسل تأتنا به وتأمرنا به. # {فارجعنا نعمل صالحا} أي: أرددنا إلى الدنيا نعمل فيها/ بطاعتك. # {إنا موقنون} أي: قد أيقنا الآن منا كنا به في الدنيا جهالا من توحيدك ~~وإفرادك بالعبادة. # وقيل: المخاطبة هنا للمجرمين. # والمعنى: قل يا محمد للمجرم: لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ~~لندمت على ما كان منك. # وجواب لو محذوف، والتقدير: لرأيت ما تعتبر به اعتبارا شديدا. # ومعنى: {ربنآ أبصرنا} أي: يقولون يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به. # ثم قال تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} أي: رشدها وتوفيقها إلى ~~الإيمان، PageV09P5755 # وهذا مثل قوله: {لهدى الناس جميعا} [الرعد: 31]. و {لجعل الناس أمة ~~واحدة} [هود: 118]. # {ولكن حق القول مني} أي: وجب العذاب مني. # {لأملأن جهنم من الجنة والناس} يعني: من أهل الكفر والمعاصي. # وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أنه قال: سألني رجل أمس عن القدر؟ فقلت ~~له: نعم قال ms2001 الله عز وجل في كتابه {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} إلى ~~(قوله): {أجمعين} حقت كلمة ربك لأملأن جهنم منهم، فلا بد أن يكون ما قال: # قال قتادة: لو شاء الله لهدى الناس جميعا، لو شاء لأنزل عليهم آية من ~~السماء تضطرهم إلى الإيمان. فالمعنى: لو شئنا لأعطينا كل إنسان توفيقا ~~يهتدي إلى الإيمان في الدنيا. PageV09P5756 # وقيل المعنى: لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا كما سألوا فيعملوا بالطاعة. ~~ولكن حق القول مني لأعذبن من عصاني، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا إلى ~~كفرهم كما قال في " الأنعام ". # ثم قال تعالى (ذكره): {فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هاذآ} أي ذوقوا عذاب ~~الله بترككم العمل للقاء يومكم. # {إنا نسيناكم} إي: تركناكم في النار. # وقيل: إن الأول من النيسان لأنهم لما لم يعملوا/ ليوم القيامة كانوا ~~بنزلة الناسي له. # ثم قال [تعالى]: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}. # أي: ويقال لهم: ذوقوا عذابا تخلدون فيه إلى ما لا نهاية له بما كنتم ~~تعملون في الدنيا من المعاصي. # ثم قال [تعالى ذكره]: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا} ~~أي: إذا ذكروا ووعظوا خروا لله سجدا تذللا واستكانة لعظمته وإقرارا له ~~بالعبودية. PageV09P5757 # {وسبحوا بحمد ربهم} أي: سبحوا لله في سجودهم بحمده وبرؤه مما وصفه به ~~الكافرون. {وهم لا يستكبرون}: أي: عن السجود له والتسبيح. # وروي أن هذه الآية/ نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم لأن قوما من ~~المنافقين كانوا يخرجون من المسجد إذا أقيمت الصلاة. # ثم قال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} أي: ترتفع وتنبوا جنوب هؤلاء ~~الذين تقدم ذكرهم من المؤمنين عن مضاجعهم. # {يدعون ربهم خوفا وطمعا} أي: خوفا من عذابه وطمعا في رحمته. قاله قتادة. # و {تتجافى}: تتفاعل من الجفاء [وهو] النبؤ. # {ومما رزقناهم ينفقون} أي: يزكون ما يجب عليهم في أموالهم. # قال أنس في قوله: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} [الذاريات: 17]. قال: ~~كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وكذلك {تتجافى جنوبهم عن المضاجع}. PageV09P5758 # وقال عطاء بن أبي سلمة: ms2002 عني بذلك صلاة العتمة. # وقال الحسن: عني بذلك قيام الليل. # وقاله الأوزاعي. # وهو قول مالك بن أنس. # وعن أنس: أنه عني بذلك أيضا صلاة العتمة. # وقال ابن عباس: عني بذلك ملازمة ذكر الله، فكلما انتبهوا ذكروا الله، إما ~~في صلاة، وإما في قيام، وإما في قعود، أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون ~~الله. # وهو قول الضحاك. PageV09P5759 # وروى معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ألا أدلك على ~~أبواب الخير؟ [قال]: الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطئة، وقيام العبد في جوف ~~الليل، وتلا هذه الآية: {تتجافى جنوبهم} ". # ثم قال تعالى: {فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين}. # أي: ما خبئ لهؤلاء الذين تصدمت صفتهم في الآيتين مما تقر به أعينهم في ~~الجنة جزاء بأعمالهم. # وقرأ ابن مسعود: " ما نخفي لهم " بالنون. فهذا شاهد لقراءة حمزة بإسكان ~~الياء، فالقراءتان جرتا على الإخبار عن الله جل ذكره، و " ما " في موضع نصب PageV09P5760 # ب " تعلم " إن جعلتها بمعنى الذي في جميع القراءات وإن جعلتها استفهاما ~~كانت في موضع رفع على قراءة الجماعة، وفي موضع نصب على قراءة حمزة وابن ~~مسعود بأخفي. # وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلم] " قرأ " (من قرات أعين) ~~بالجمع ". # وروى أيضا عن النبي عليه السلام أنه قال: # " قال ربكم: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب. بشر، فاقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي (لهم) الآية ". PageV09P5761 # وقال ابن مسعود: " مكتوب في التوراة: لقد أعد الله تبارك وتعالى للذين ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر/ عين، ولم يخطر على قلب بشر، ولم تسمع ~~أذن وما لا يعلمه ملك مقرب. قال: ونحن نقرؤها: {فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم ~~من قرة أعين}. # وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سأل ~~موسى ربه فقال: أي رب أخبرني بأدنى أهل الجنة منزلة فقال: رجل أتى بعدما ~~أنزل، أهل الجنة منازلهم وأخذوا أخذاتهم، ms2003 فقيل له: ادخل الجنة، فقال: أي ~~رب، وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فقيل له: أترضى مثل ملك ملك من ~~ملوك الدنيا؟ قال: رضيت أي رب، فقال: فإن لك ما اشتهت نفسك، ومثله [معه]، ~~ومثله ومثله إن رضيت، فقال: رضيت أي رب، قال: فإن لك ما اشتهت نفسك ولذت ~~عينك، قاغل: أي رب، فأخبرني بأعلى أهل الجنة منزلة، فقال: أولئك الذين أردت ~~وسوف أخبرك عنهم، إني غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، ولم تدر نفس ولم تر ~~عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل PageV09P5762 # {فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم} الآية ". # وقيل: إن معنى الآية في ثواب الجهاد، أي: لا تعلم نفس ما أخفي لها من ~~ثواب الجهاد في سبيل الله، ذكره ابن وهب عن رجاله. # قال سليمان بن عامر: الجنة مائة درجة فأولها درجة من فضة، أرضها فضة ~~ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها مسك، والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ~~ومساكنها ذهب وآنيتها ذهب وترابها مسك، والثالثة لؤلؤ (و) أرضها لؤلؤ ~~ومساكنها لؤلؤ وآنيتها لؤلؤ وترابها مسك، وسبعة وتسعون درجة بعد ذلك ما ~~لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: {فلا تعلم ~~نفس مآ أخفي لهم} الآية. # وعن ابن سيرين أنه قال في الآية: إنه النظر إلى الله عز وجل. # قوله تعالى ذكره: {أفمن كان مؤمنا} إلى قوله: PageV09P5763 # {أفلا يسمعون}. # أي: أيكون الكافر المكذب كالمؤمن المصدق، لا يستوون عند الله. # قال قتادة: لا والله ما يستوون في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. ~~وإنما جمع يستوون لأن " من " تؤدي عن جمع فحمله على المعنى. # وقيل: إن المراد به أثنان بأعيانهما، وذلك أن الآية نزلت في قول ابن عباس ~~وعطاء وغيرها في المدينة في عل ي بن أبي طالب رضي لله عنه، والوليد بن عقبة ~~بن أبي معيط قال عطاء: كان بين الوليد وعلي كلام، فقال/ [الوليد] " أنا ~~أبسط منك لسانا وأحد منك سنانا، فقال له علي ms2004 [اسكت] فإنك فاسق، فنزلت {أفمن ~~كان مؤمنا} الآية فيهما. # فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل. PageV09P5764 # ويجوز أن تكون لما نزلت في اثنين بأعيانهما، ثم هي عامة في جميع الكفار ~~والمؤمنين حمل الكلام على معنى العموم، فجمع يستوون لذلك. # ثم قال تعالى [ذكره] {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} ~~أي: الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله ورسوله فلهم بساتين ~~المساكن التي يكسنونها في لجنة ويأوون إليها. # ويجوز أن يكون التقدير: فلهم بساتين جنة المأوى. # {نزلا بما كانوا يعملون} أي: أنزلهم الله فيها نزلا بعملهم. # ثم قال: {وأما الذين فسقوا} أي: كفروا بالله. # {فمأواهم النار} أي: مساكنهم في النار في الآخرة. # ثم قال: {كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها}. قد تقدم هذا في " ~~الحج ". # ثم قال: {وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} أي: في الدنيا. # ثم قال [تعالى]: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى} أي: لنذيقن هؤلاء الفسقة ~~من مصائب الدنيا في الأنفس والأموال في الدنيا دون عذاب النار في الآخرة. ~~قاله ابن عباس وأبي بن كعب والضحاك. PageV09P5765 # وقال ابن مسعود: " العذاب الأدنى " يوم بدر. # وقال مجاهد: هو الجوع والقتل لقريش في الدنيا. روي أنهم جاعوا حتى أكلوا ~~العلهز، وهو القرد يفقأ دمها في الوبر ويحمل على النار فيؤكل. # وعن ابن عباس أيضا: أنه الحدود. # وعن مجاهد أيضا: أنه عذاب القبر وعذاب الدنيا. # وأكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار. # وقيل: هو القتل يوم بدر. PageV09P5766 # ثم قال تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ}. # أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بحجج الله وآي كتابه فأعرض عن ذلك وكذب ~~به. # ثم قال: {إنا من المجرمين منتقمون} أي: من الذين اكتسبوا السيئات منتقمون ~~في الآخرة. # وقيل: عني بالمجرمين [هنا] أهل القدر، وكذلك قوله: # {إن المجرمين في ضلال وسعر} [القمر: 47] الآيات في أهل القدر أيضا. # [وقال] / معاذ بن جبل: سمعت النبي صلى الله عليه ms2005 [وسلم] يقول PageV09P5767 # " ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من اعتقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو ~~مشى مع ظالم ينصر فقد أجرم، يقول الله جل ذكره {إنا من المجرمين منتقمون} ~~". # ثم قال تعالى [ذكره]: {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي التوراة. # {فلا تكن في مرية من لقآئه} أي: في شك من أنك لقيته أو تلقاه ليلة ~~الإسراء، قاله قتادة. # وبذلك أتى الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لقيه ليلة الإسراء، روى ~~ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم / قال: " أريت ليلة أسري [بي] موسى ~~بن عمران رجلا آدم PageV09P5768 # طوالا جعدا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق، إلى ~~الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكا [خازن] النار والدجال " فالهاء ~~لموسى، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب. # والتقدير: فلا تكن في شك من تلقي موسى الكتاب بالقبول، وتكون المخاطبة ~~على القول الأول للنبي خاصة، وعلى القول الثاني لجميع الناس. PageV09P5769 # وعن الحسن أنه قال في معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب، فأوذي وكذب فلا تكن ~~في شك يا محمد من أنه سيلقاك مثل ما لقيه موسى من التكذيب والأذى. # فالهاء عائدة على معنى محذوف كأنه قال: من لقاء ما لاقى، والمخاطبة على ~~هذا للنبي عليه السلام خاصة. # ويجوز أن يكون هذا خطابا للشاك في إتيان الله موسى الكتاب، وقيل: في ~~الكلام تقديم وتأخير، والهاء في {لقآئه} تعود على الرجوع إلى الآخرة ~~والبعث، والتقدير: قل يتوفاكم ملك المت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون، ~~{فلا تكن في مرية من لقآئه} أي: من لقاء البعث والرجوع إلى الحياة بعد ~~الموت فهو خطاب للنبي عليه السلام، والمراد به من ينكر البعث. # وقوله: {فلا تكن في مرية من لقآئه} كلام اعترض بين كلامين. # ثم قال بعد ذلك: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل}. # أي: الكتاب جعله الله هاديا لهم من الضلالة إلى الهدى. # وقال قتادة: {وجعلناه} أي: جعلنا موسى هدى لهم. PageV09P5770 # ثم قال (تعالى ذكره) {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا}. # أي: وجعلنا من بني إسرائيل ms2006 قادة في الخير يؤتم بهم. # قال قتادة: {أئمة} رؤساء الخير. # {يهدون بأمرنا}: أي يرشدون أتباهم بإذننا هم وتقويتنا إياهم على ذلك. ~~{لما صبروا} أي: حين صبروا على طاعة الله وعلى أذاء فرعون لهم، فيكون ~~المعنى: إنهم إنما جعلوا أئمة حين وجد منهم الصبر. # ومن قرأ " لما " بكسر اللام فمعناه فعلنا بهم ذلك لصبرهم على طاعة الله. # فيكون المعنى: فهل بهم ذلك الجزاء لهم الصبرهم المتقدم في الله. # ثم قال (تعالى): {وكانوا بآياتنا يوقنون} أيك بحججنا وكتابنا يصدقون. # وفي قراءة أبي: " كما صبروا ". # وفي قراءة أبن مسعود: " بما صبروا ". فهذا شاهد لمن كسر اللام، وهو حمزة ~~والكسائي. PageV09P5771 # ثم قال: {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة}. # أي: يحكم بين جميع خلقه فيما اختلفوا فيه في الدنيا من أمور الدين، فيوجب ~~للمحسن الجنة وللمسيء النار. # ثم قال تعالى [ذكره]: {أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون}. # قال الفراء: كم في موضع رفع فاعل ليهدي. # ولا يجيزه البصريون لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. # وقال المبرد: الفاعل المصدر محذوف لأن يهدي يدل على مصدره، تقديره: أو لم ~~يهد الهدى لهم. # وقيل التقدير: أولم يهد الله لهم. وهذا إن شاء الله أحسنها. ويقوي ذلك أن ~~أبا عبد الرحمن السلمي وقتادة قرأ: أو لم نهد بالنون. PageV09P5772 # وكم في موضع نصب " أهلكنا ". ومعنى الآية على قول ابن عباس: " أولم يتبين ~~لهم، أي لقريش كم أهلكنا من قبلهم من القرون فيتعظوا ويزدجروا. وقدر بعض ~~النحويين الآية على قول الفرء فقال: التقدير: أو لم يتبين لهم كثرة من ~~أهلكنا من قبلهم من الأمم فيتعظوا. # ثم قال تعالى: {يمشون في مساكنهم} أي: تمشي قريش في مساكن الأمم الخالية، ~~فكيف لا تتعظ وتزدجر وتعلم أن مصيرها إن كفرت إلى ما صارت إليه هذه الأمم. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون} أي: إن في خلاء مساكن من ~~مضى، وأهلاك الله إياهم لعبرا وحججا لقريش، أفلا يسمعون عظات الله وتذكيره ~~إياهم وتعريفه مواضع حججه عليهم. # وقيل: ms2007 {أفلا يسمعون}، معناه: أفلا يعقلون، مثل " سمع الله لمن حمده ". # قوله تعالى [ذكره]: {أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز} إلى آخر ~~السورة. # ألم ير هؤلاء المكذبون بالبعث [بعد الموت] أنا بقدرتنا نسوق الماء إلى ~~الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها/. PageV09P5773 # وأصل الجرز من قولهم: رجل جروز، إذا كان لا يبقي شيئا إلا أكله. # وحكى الفراء وغيره فيه أربع لغات: أرض جرز، وجرز وجرز وجرز، وكذلك حكوا ~~في البخل والرعب والرهب، هذه الأربع على أربع لغات، قال ابن عباس: هي أرض ~~باليمن. يروى أنه ليس فيها أنهار وأنها بعيدة من البحر يأتها كل عام واديان ~~عظيمان بسيل عظيم من حيث لا يعلمون فيزرعون عليه ثلاث مرات في السنة. # وقال مجاهد: هي أبين. # وقال عكرمة: هي الظمأى. # وقال ابن عباس: الجرز: التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا. PageV09P5774 # وقال الضحاك: هي الميتة العطشى. # وقال أهل اللغة: هي التي لا نبات فيها. # ثم قال [تعالى] {فنخرج به زرعا} أي: بالماء. # {تأكل منه أنعامهم} اي: ترعاه مواشيهم، ويأكلون منه هم. # وقوله: {وأنفسهم} أي: وهم يأكلون منه. والنفس يراد بها جملة الشيء ~~وحقيقته، منه قوله تعالى {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: ~~116]، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وتكون النفس الجزء من الإنسان ~~كقولك [خرجت] نفسه. # ثم قال: {أفلا يبصرون} أي: أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلمون أن من قدر على ~~ذلك هو قادر على إحيائهم بعد موتهم. # ثم قال [تعالى]: {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين}. # أي: يقول لك يا محمد هؤلاء المشركون: متى يجيئ هذا الحكم بيننا وبينك، ~~أي: متى يكون هذا الثواب والعقاب. PageV09P5775 # قال قتادة: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن لنا يوما يوشك أن ~~نستريح فيه ونتنعم، فقال المشركون: {متى هذا الفتح إن كنتم صادقين}. # وقال القتبي: يعني فتح مكة. # وقال مجاهد وغيره: هو يوم القيامة. # وقوله تعالى [ذكره]: {قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم} يدل ms2008 على ~~أنه يوم القيامة لأنه قد نفع من آمن من الكفار إيمانهم يوم فتح مكة. # وروي أن المؤمنين قالوا: سيحكم الله بيننا يوم القيامة فيثيب المحسن ~~ويعاقب المسيء، فقال الكفار على التهزي: متى هذا الفتح؟، أي: هذا الحكم. # يقال للحاكم فاتح وفتاح لأن الأحكام تنفتح على يديه. وفي القرآن: {ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق} [الأعراف: 88] أي احكم. # ثم قال تعالى: {قل يوم الفتح} أي: قل لهم يا محمد: يوم الفتح لا ينفع من ~~كفر PageV09P5776 # بالله وآياته إيمانه في ذلك الوقت، وذلك يوم القيامة. # قال ابن زيد " يوم الفتح "، أي: إذا جاء العذاب. # وقوله: {ولا هم ينظرون} أي: يؤخرون للتوبة/ والرجوع إلى الدنيا. # ثم قال تعالى: {فأعرض عنهم} أي: عن هؤلاء المشركين. # وهذا منسوخ نسخة آية السيف قوله جل ذكره {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] الآية، قاله ابن عباس وغيره. # ثم قال: {وانتظر إنهم منتظرون} أي: انتظر ما الله صانع بهم. إنهم منتظرون ~~ما تعدهم من العذاب ومجيئ الساعة. PageV09P5777 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأحزاب # سورة الأحزاب مدنية. # قوله تعالى ذكره: {يا أيها النبي اتق الله} إلى قوله: {وهو يهدي السبيل}. # النبي عند جميع النحويين نعت لأي، إلا الأخفش فإنه جعله صلة لأي. وهو غلط ~~لأن الصلة لا تكون إلا في جملة. # وأكثر النحويين على منع جواز النصب في {النبي} لأنه نعت لا بد منه، فهو ~~المقصود بالنداء. PageV09P5779 # وأجاز بعضهم النصب على الموضع، وهذا في الكلام لا في القرآن. # والمعنى: يا أيها النبي اثبت على تقوى الله، لأنه كان متقيا. # وقيل: هو مخاطبة للنبي والمراد به أمته. # ثم قال تعالى: {ولا تطع الكافرين والمنافقين}. # إن جعلته خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فمعنه: لا تطعهم في قولهم ~~لك: اصرف عنا أتباعك من فقراء المؤمنين حتى نجالسك، ولا تطع المنافقين ~~الذين يظهرون لك الإيمان والنصيحة وهم لا يسألونك وأصحابك خبالا فلا تقبل ~~لهم رأيا. # ومن جعله خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته فمعناه: لا ~~تطيعوهم فيما نهيتم ms2009 عنه فتفعلوه/ ولا فيما أمرتم به فتتركوه. # {إن الله كان عليما} أي: بخلقه وما في نفوسهم واعتقادههم. # {حكيما} في تدبيره إياهم. # ثم قال: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} أي: اعمل بما ينزل إليك من وحي ~~الله. # {إن الله كان بما تعملون خبيرا} أي: ذو خبر وعلم باعمالكم في هذا القرآن ~~وفي غيره، PageV09P5780 # ومن قرأه بالياء رده على المنافقين والكافرين، أي بما يعمل هؤلاء خبيرا. # ثم قال تعالى ذكره {وتوكل على الله} أي: فوض أمرك إلى الله. # {وكفى بالله وكيلا} أي: وحسبك بالله في أمرك حفيظا. # ثم قال تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}. # هذا تكذيب لقوم من المنافقين زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذو ~~قلبين. قاله ابن عباس. # وعن ابن عباس أيضا أنه نزلت في رجل من قريش يسمى من حدة ذهنه ذا القلبين ~~فنفى الله ذلك عنه. # وقال مجاهد: قال رجل من بني فهر. إن في جوفي قلبين، أعقل بكل واحد منهما ~~أفضل من عقل محمد، فكذبه الله. # وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما PageV09P5781 # تسمعون. # وقال قتادة وعكرمة: كان ارجل يمسى ذا القلبين، فأنزل الله فيه هذه الآية. # وعن قتادة أنه قال: كان رجل لا يسمع شيئا إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي ~~هذا إلا أن له قلبين، فكان يسمى ذا القلبين فأنزل الله ذلك ونفاه. # وقال الزهري: نزلت في زيد بن حارثة. ضرب الله له مثلا يقول: ليس ابن رجل ~~هو ابنك يا محمد. # وقيل: المعنى: ما جعل الله لرجل قلبا يحب به، وقلبا يبغض به، وقلبا يكفر ~~به، وقلب يؤمن به. # ثم قال: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم}. # أي: ولم نجعل أزواجكم بقولكم: هي على كظهر أمي أمهاتكم، بل جعل ذلك قولكم ~~كذبا، فألزمكم الكفارة عليه عقوبة على كذبكم. PageV09P5782 # ثم قال تعالى: {وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم}. # أي: ولم يجعل ابن غيرك هو ابنك بدعواك ذلك وقولك. # ونزل هذا على النبي صلى ms2010 الله عليه وسلم لأجل تبنيه لزيد بن حارثة، قاله ~~مجاهد وغيره. # ثم قال: {ذلكم قولكم بأفواهكم} أي: دعواكم يا بني لمن ليس هو ابن لكم قول ~~منكم لا حقيقة له. # {والله يقول الحق} أي: الصدق. # وقيل: المعنى قولكم لأوزاجكم: هي علي كظهر أمي، قول منكم لا حقيقة له ~~لأنها ليست بأم لكم. # ثم قال: {وهو يهدي السبيل} أي: يبين لعباده طريق الحق والرشاد. # وقوله تعالى ذكره: {ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله} إلى قوله: {ميثاقا ~~غليظا}. # أي: انسبوا أدعياءكم إلى آبائهم فهو أعدل عند الله. # {فإن لم تعلموا آباءهم} أي: تعرفوا أسماء آبائهم فتنسبوهم إليهم. # {فإخوانكم في الدين} أي: فهم إخوانكم في الدين إذا كانوا أهل ملتكم. # {ومواليكم} أي: وهم مواليكم أي: أوليائهم، أي بنو عمكم. # ثم قال تعالى: {وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به} أي: لا إثم عليكم في ~~الخطإ يكون PageV09P5783 # منكم في نسب من تنسبونه إلى غير أبيه إن كنتم ترون أنه أبوه، وليس بأبيه. # {ولكن ما تعمدت قلوبكم}. أي: ولكن الإثم عليكم فيما تعمدتم من ذلك فنسبتم ~~الرجل إلى غير أبيه معتمدين ذلك، هذا معنى قول قتادة ومجاهد وغيرهما. # و" ما " في موضع جر عطف على " ما " الأولى. # ويجوز أن تكون في موضع رفع على خبر ابتداء محذوف، والتقدير: ولكن الذي ~~تأثمون فيه ما تعمدت قلوبكم. # وقد أجرى بعض الفقهاء الفتيا في غير التعمد على ظاهرة هذه الآية، فجعلها ~~عامة في كل شيء لم يتعمده فاعله. # قال عطاء: إذا حلف رجل أنه لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه، فأخذ منه ما ~~يرى أنه حقه فوجدها زائدة أو ناقصة، إنه لا شيء عليه لأنه لم يتعمد. وكذا ~~إذا حلف أنه لا يسلم على فلان فسلم عليه وهو لا يعلم، إنه لا حنث عليه لأنه ~~لم يتعمد ذلك. وأكثر الفقهاء على خلافه، فالآية عندهم مخصوصة في هذا بعينه. ~~إنما كان هذا قبل PageV09P5784 # النهي عندهم، أو في دعاء الرجل الرجل لغير أبيه مخطئا. فهي مخصوصة في أحد ~~الحكمين لا عامة ms2011 في كل ما لم يتعمد الإنسان، دليله ما أوجبه الله جل ذكره/ ~~على القاتل خطأ. # ثم قال: {وكان الله غفورا} أي ذا ستر على ذنب من دعا إنسانا بغير اسم ~~أبيه وهو لا يعلم. # ومن قال: إن الآية مخصوصة فيما كان قبل النهي، أو هي مخصوصة في أن يدعو ~~الإنسان الرجل إلى أب وهو عنده أبوه، وليس هو كذلك، لم يقف على " ومواليكم ~~" لأن ما بعده متصل به، ومن جعل {وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به} عاما في ~~هذا وغيره جعله مستأنفا، حسن الوقف على {ومواليكم}، ثم استأنف ما بعده لأنه ~~عام. # فإذا جعلت (ما) في موضع خفض لم تقف على {فيمآ أخطأتم به} [لأن ما بعده ~~معطوف عليه. # فإن جعلت (ما) في موضع رفع على ما تقدم وقفت على " أخطأتم به "]. # ثم تستأنف: {ولكن ما تعمدت قلوبكم}. # ثم قال تعالى ذكره: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}. # أي: أولى بهم من بعضهم لبعض، مثل: {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] {تقتلون ~~أنفسكم} [البقرة: 85] PageV09P5785 # وقيل: المعنى: أمر النبي أولى بالاتباع مما تأمر به النفس. # وقال ابن زيد: المعنى: ما قضى فيهم النبي من أمر جاز، كما كلما قضيت على ~~عبدي جاز. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مؤمن إلا وأنا ~~أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: " النبي أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم "، فأيما مؤمن ترك مالا فلورثته ولعصبته من كانوا، ومن ترك دينا ~~أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ". # وحكى قتادة والحسن: بأنه كان يقرأ في بعض القراءات: " من أنفسهم وهو أب ~~لهم "، ولا ينبغي أن يقرأ بذلك الآن لمخالفته المصحف والإجماع. # ثم قال تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} أي: في الحرمة كالأم، فلا يحل تزوجهن من ~~بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يحل تزويج الابن الأم، وهن في ~~الحق والتعظيم والبر كالأم. PageV09P5786 # ويروى أنه إنما فعل ذلك بهم لأنهن أزواجه في الجنة. # ثم قال تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} أي: وأولوا ms2012 ~~الأرحام الذين ورثت يا محمد بعضهم من بعض أولى بالميراث من أن يرثهم ~~المؤمنون والمهاجرون بالهجرة دون الرحم. هذا قول الطبري. # قال قتادة: لم يزل المؤمنون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا ~~يرث من المهاجر شيئا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فخلط المسلمون بعضهم ~~ببعض فصارت المواريث بالملل. # وقيل: التقدير: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث من ~~غيرهم ممن لا رحم بينهم من المؤمنين المهاجرين. # وقال ابن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المهاجرين ~~والأنصار أول ما كانت الهجرة، فكانوا يتوارثون على ذلك. قال فلما ظهر الفتح ~~انقطعت الهجرة وكثر الإسلام وتوارث الناس على الأرحام، فنسخ التوارث ~~بالهجرة، قال ذلك في كلام طويل تركته إذ الفائدة فيما ذكرت منه. # فمعنى الآية على هذا التأويل: وأولوا الأرحام من المهاجرين والأنصار ~~بعضهم أولى ببعض بالميراث من أن يتوارثوا بالهجرة. PageV09P5787 # ثم قال تعالى: {إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا}. # أي: إلا أن توصوا لقرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة، قاله قتادة ~~والحسن وعطاء وابن الحنيفة. # وقال مجاهد: معناه إلا أن تمسكوا بالمعروف والإحسان بينكم وبين حلفائكم ~~من المهاجرين والأنصار. # وقيل: المعنى: إلا أن توصوا لمن حالفتموه واخيتموه من المهاجرين ~~والأنصار، قاله ابن زيد. # وقوله تعالى: {كان ذلك في الكتاب مسطورا}. # أي: كان أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مكتوبا، قاله ~~ابن زيد وغيره. # وقيل: المعنى: كان منع أن يرث المشرك المسلم مكتوبا في الكتاب، قاله ~~قتادة. PageV09P5788 # ثم قال تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم}. # المعنى عند الطبري: {كان ذلك في الكتاب مسطورا}، أي كتبنا ما هو كائن في ~~اللوح المحفوظ، {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم}، كان ذلك أيضا، في الكتاب ~~مسطورا، يعني العهد والميثاق. # فالعامل في " إذ " على هذا: " كان ". # والعامل فيها عند أبي إسحاق/ " اذكر " مضمرة، أي: واذكر إذ أخذنا. قال ~~ابن عباس: أخذ منهم الميثاق على قومهم. # وقال ابن أبي كعب: هو مثل: {وإذ أخذ ربك ms2013 من بنيءادم من ظهورهم ذريتهم} ~~[الأعراف: 172] الآية فأخذ ميثاقهم على الأنبياء منهم الذين كانوا السراج، ~~ثم أخذ ميثاق النبيين خاصة على الرسالة. # روى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كنت أول الأنبياء في الخلق ~~وآخرهم في البعث ". # فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره لأنه أولهم في الخلق. PageV09P5789 # وقيل: المعنى: إن الله جل ذكره أخذ الميثاق على النبيين أن يصدق بعضهم ~~بعضا. # قال مجاهد: {ومنك ومن نوح}: في ظهر آدم، فالمعنى أخذ الله عليهم الميثاق ~~إذ أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام كالذر. # قوله تعالى ذكره: {ليسأل الصادقين عن صدقهم} إلى قوله: {بالله الظنونا}. # أي: أخذنا من النبيين ميثاقهم ليسأل الله المؤمنين منهم عما أجابتهم به ~~أمهاتهم. # ومعنى سؤال الله جل ذكره عن ذلك الرسل، وهو عالم به، أنه على التبكيت ~~والوبيخ للذين كفروا كقوله لعيسى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي} [المائدة: ~~116] الآية. # ثم قال: {وأعد للكافرين عذابا أليما} أي: أعد للمذكبين الرسل عذابا ~~مؤلما، أي موجعا. # ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} أي: اذكروا ~~تفضل الله علكيم فاشكروه على ما فعل بكم. PageV09P5790 # {إذ جآءتكم جنود} يعني جنود الأحزاب من قريش وغطفان. ويهود بني قريظة ~~وغيرهم. # {فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} كانت الريح التي نصر بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم: الصبا. # قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي تنصري رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت الريح ~~التي أرسلت عليهم الصبا. # قال أبو سعيد الخدري: " قلنا يوم الخندق يا رسول الله بلغت القلوب ~~الحناجر فهل من شيء نقوله، قال: قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا. ~~قال: فضرب الله وجوه أعدائه باالريح، وهزمهم الله بالريح ". # قال ابن عمر: كانت معي يوم الخندق ترس وكان فيها حديد فضربتها الريح حتى ~~وقع بعض ذلك الحديد. PageV09P5791 # قال مجاهد: أرسلت على الأحزاب يوم الخندق ريح حتى كفأت قدورهم على ~~أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. # قال قتادة: ms2014 {وجنودا لم تروها} يعني: الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم ~~الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا، فخندق رسول الله حوله ~~وحول أصحابه خارج المدينة، وأقبل أبو سفيان بقريش من تبعه من الناس حتى ~~نزلوا بعصرة رسول الله. # [وأقبل عيينة بن حصن أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزل بعصرة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم] . وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه بذلك، حيث ~~يقول تعالى ذكره: {إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فبعث الله عليهم ~~الرعب والريح فذكر لنا أنهم PageV09P5792 # كل ما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، ~~وكلما أوقدوا نارا. أطفأها الله حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني ~~فلان هلم إلي، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاء أتيتم، لما بعث الله عليهم ~~من الرغب. # قال ابن إسحاق: كانت الجنود قريشا وغطفان وبني قريظة، وكانت الجنود التي ~~أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة، وكانت الريح مع قوتها شديدة البد، ~~وكان في ذلك أعظم آية النبي صلى الله عليه وسلم. # وكانت سبب الأحزاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير إلى ~~خيبر، وكانوا قد سادوا العرب وعرفوا بكثرة المال، وهم من بني هارون النبي ~~عليه السلام، فلما انتقلوا إلى خيبر، وحول خيبر من العرب أسد وغطفان حزبت ~~اليهود على النبي العرب من أسد وغطفان وغيرهم. # وخرجوا في ستة آلاف، ثم تدرج كبراء اليهود إلى مكة فحزبوا قريشا على ~~النبي عليه السلام، وأتبعتهم كنانة واجتمعوا في نحو عشرة آلاف وأتوا ~~المدينة، فنزلوا عليها، فخندق النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وكان ~~إخوة بني/ النضير من قريظة وادعوا النبي عليه السلام فلم يزل بهم بنو ~~النضير حتى نقضوا العهد وعاونوهم على النبي عليه السلام، وفيهم نزل: PageV09P5793 # {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} [الأحزاب: 26]، أي من ~~حصونهم فأرسل الله على جميعهم الريح فزعزعتهم وانقلبوا خائبين، ثم نهض ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms2015 إلى محاصرة قريظة الذين أعانوا عليه ونقضوا عهده ~~فحاصرهم ونزلوا على حكم سعد، وكانوا ست مائة، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم ~~وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار. # قال مالك: كانت وقعة الخندق سنة أربع. # وقال ابن إسحاق: فكانت وقعة الخندق وهي الأحزاب في شوال سنة خمس. # قال ماك: كان الخندق وقريظة في يوم واحد، انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ~~من وقعة PageV09P5794 # الخندق، وقد انصرف المشركون، فاغتسل فأتاه جبريل، فقال له: أوضعت اللأمة ~~ولم تضعها الملائكة، إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، فخرج إليهم، ~~فحكموا سعدا فيهم، فحكم بسبي الذراري وقتل الرجال ففعل بهم ذلك. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت وقعة أحد على رأس أحد وثلاثين شهرا ~~من الهجرة، وعند منصرف النبي عليه السلام من أحد خرج إلى بني النضير ~~وأجلاهم إلى خيبر وإلى الشام على صلح وقع بينهم قد ذكر في غير هذا الموضع. # ثم قال: {وكان الله بما تعملون بصيرا} أي: بأعمالكم في ذلك اليوم وغيره، ~~بصير لا يخفى عليه شيء. # ثم قال تعالى: {إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم}. # العامل في إذ عند الطبري {تعملون}، أي: وكان الله بصيرا بعملكم إذ ~~جاؤوكم. # وقيل: التقدير: اذكر إذ جاؤوكم. # وقيل: هي بدل من إذ الأولى. PageV09P5795 # والاختيار لمن قرأ " الظنونا " و " الرسولا " و " السبيلا " بألف أن يقف ~~عليها لأنها إنما جيئ بالألف في هذا على التشبيه بالقوافي والفواصل التي ~~يوقف عليها بالألف فيجب أن تجرى مجرى ما شبهت به. وهي مع ذلك تمام ووقف ~~حسن. # وقيل: إن هذه الألفات إنما جيئ بها لبيان حركة ما قبلها كهاء السكت، فهذا ~~مؤكد الوقف عليها لمن أثبتها في الوصل والوقف. ويدل على قوة الوقف عليها ~~لمن أثبتها، قراءة الكسائي وابن كثير وحفص بألف فيهن في الوقف دون الوصل. # ومعنى الآية: واذكروا إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم. PageV09P5796 # قال يزيد بن رومان: الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاؤوهم من ~~أسفل منهم قريش وغطفان. ومعنى ms2016 {ومن أسفل} من ناحية مكة. وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أقر بني قريظة ولم يؤذهم وكتب لهم عهودا، وكتبوا له في ~~الموادعة والصلح، فنقضوا العهود وجمعوا الجموع ونافقوا [عليه] مع قريش، ~~وكان المتولي لذلك حيي بن أخطب، استمد علكى النبي صلى الله عليه وسلم بقريش ~~ومن اتبعه من العرب، واستمدت قريش بعيينة بن بدر فأقبل بمن أطاعه من غطفان. # " واستمدت غطفان بحلفائهم من بني أسد، واستمدوا الرجال من بني سليم ~~فخرجوا في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله الأحزاب، فلما بلغ النبي صلى ~~الله عليه وسلم خروجهم PageV09P5797 # أخذ في حفر الخندق، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في العمل فعملوه ~~مستعجلين يبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بطش معهم في العمل ليكون أجد لهم وأقوى بإذن الله. فذكر أنه عرض لهم حجر في ~~محفرهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم معولا من أحدهم فضرب به ثلاثا، ~~فكسر الحجر في الثالثة، فذكر أن سلمان الفارسي أبصر عن كل ضربة برقة ذهبت ~~ثلاثة وجوه، كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: قد رأيت كهيئة البرق وموج الماء عند كل ضربة ضربتها يا ~~رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق، والأخرى نحو اليمن، والأخرى نحو الشام، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟ قال: نعم رأيت ~~ذلك/ قال: فإنه ابيض إحداهن مدائن كسرى ومدائن تلك البلاج، وفي الأخى مدينة ~~الروم والشام، والأخرى مدائن اليمن وقصورها، والتي رأيت [بالبصر] تبلغهن ~~الدعوة إن شاء الله ". # وكان حفر الخندق في شوال في سنة أربع من الهجرة، فلما تم الحفر أقبل أبو PageV09P5798 # سفيان ومن معه من المشركين فنزلوا بأعلى وادي [فينا] من تلقاء الغاية ~~فحاصروهم قريبا من عشرين يوما. وقيل أكثر من ذلك. # فلما اشتد البلاء على المسلمين نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، ~~فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما الناس فيه من البلاء ms2017 جعل يبشرهم ~~ويقول: " والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجوا أن ~~أطوف بالبيت العتيق آمنا، وأن تدفع إلي مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله قيصرا ~~ولننفقن أموالهم في سبيل الله ". فقال رجل من المنافقين: ألا تعجبون من ~~محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن هاهنا ~~لا يأمن أحدنا أن يذهب لغائط، ما يعدنا إلا غرورا. وقال آخرون منهم: يا أهل ~~يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال آخرون: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة، فوجه ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة ليذكرهم حلفهم ويناشدهم، فسبوا ~~الرسل وعندوا عن الحق وأبو إلا نقض العهد والخلاف عليه فشق ذلك على النبي ~~عليه السلام والمسلمين، فلما اشتد الأمر على المسلمين قال النبي عليه ~~السلام: " اللهم إني أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشاء لا تعبد ". PageV09P5799 # وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي، من المشركين على فرس له ليقحمه على ~~الخندق، فوقع في الخندق فقتله الله وكبت به المشركين، وعظم في صدورهم، ~~فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يعطوه الدية على أن يدفعه ~~إليهم ليدفنوه فأبى أن يأخذ منهم شيئا، ولم يمنعهم من دفنه. ورمي يومئذ سعد ~~بن معاذ رمية فطعت الأكحل من عضده، فقال: اللهم اشفني من بني قريظة قبل ~~الممات، فرقا الدم بعدما انفجر. وكان هو الذي وجهه النبي عليه السلام إلى ~~بني قريظة يذكرهم العهد ويناشدهم الله فيما عقدوا مع النبي، فسبوه وأبلغوا ~~فيه، فرجع إلى النبي مغضبا عليهم، فلما فرج الله تعالى عن المسلمين وتفرقت ~~الأحزاب عنهم، أمر الله نبيه بقتال بني PageV09P5800 # قريظة، فخرج النبي عليه السلام إليهم فقاتلم، فتحصنوا في حصونهمه، ~~فحاصرهم بضع عشر ليلة فعظم عليهم البلاء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يحكم فيهم رجلا، وأن يختاروا من شاؤوا من أصحابه، فاختاروا سعدا ~~فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم سعد بأن يقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم ~~وتقسم أموالهم، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: " حكمت ms2018 فيهم ~~بحكم الله ". فقتل رسول الله مقاتلهم - وكانوا ست مائة مقاتل -، وسبى ~~ذراريهم، ثم أعقب الدم على سعد فلم يرقأ حتى مات رضي الله عنه، فروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني جبريل عليه السلام حيث قبض سعد من ~~جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال: يا محمد من هذا الحبيب الي فتحت ~~له أبواب السماء واهتز العرش، فقم النبي صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه ~~إلى سعد فوجده قد مات، وقال حملة نعش سعد: إن كان لبادنا وما حملت جنازة ~~أخف منه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن له حملة غيركم والذي ~~نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش ". PageV09P5801 # ابن القاسم عن مالك قال: حدثني يحيى بن سعيد: لقد نزل الموت سعد سبعون ~~ألف ملك ما نزلوا إلى الأرض قبلها. # ثم قسم رسول الله أموالهم بين من حفر من المسلمين المهاجرين خاصة، وكان ~~جميع الخيل التي مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة وثلاثين فرسا، فقسم لكل ~~فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له النبي عليه السلام/: " هل أخزاك ~~الله؟ فقال: قد ظهرت علي، وما لمت نفسي في جهادك والشدة عليك، فأمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فضربت عنقه، كل ذلك بعين سعد بن معاذ ". # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كاتبهم، وذلك أنه دس على الأحزاب من ~~قال لهم: إن بني قريظة أرسلوا إلى النبي يدعونه إلى الصلح على أن يرد بني ~~النضير إلى دورهم وأموالهم ويدفعون إليه الرهن الذي عندهم من رجال قريش، ~~وذلك أن بني النضير قالت لقريش: لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين رجلا منكم ~~رهنا عندنا، فلما بلغ ذللاك قريشا عظم عليهم الأمر ووجهونما إلى بني النضير ~~أن يقاتلوا معهم، فقالت بنو النضير: وجهوا إليها الرهن، ونقاتل، فتحقق ~~الأمر عند قريش، فعملوا على الانصراف [عن] النبي عليه السلام مع ما حل بهم ~~من الريح، وما دخل قلوبهم من الرعب، فكان ذلك كله ms2019 من PageV09P5802 # سبب تفرقهم عن النبي لطفا من الله بالمؤمنين. # وروي أن الرجل الذي مضى بذلك إلى قريش هو نعيم بن مسعود، فلما قضى الله ~~قضاءه في بني قريظة وصرف المشركين عن النبي نزل القرآن يعرف الله المؤمنين ~~نعمته التي أنعم عليهم من الريح والجنود التي أرسل على عدوهم. # وقوله: {وتظنون بالله الظنونا} هو ما كان المنافقون يخوضون فيه في أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقولهم: ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا، وقولهم: لا مقام لكم، فأمر بعضهم بعضا بالانصراف عن نصرة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الله تعالى المسلمين وصبرهم على البلاء، وأن ~~منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ولم يبدلوا دينا ولا نية على ما كانوا ~~عليه. # وروي أن قوله: {من المؤمنين رجال}، نزلت في قوم من المؤمنين تخلفوا عن ~~بدر لعذر منعهم، فعاهدوا الله لئن جاءهم مثل يوم بدر ليرين مكانهم، فلما ~~كان يوم أحد قاتل بعضهم حتى مات، ووفى بعهده، فهو قوله جل ذكره: {فمنهم من ~~قضى نحبه}، وبقي بعضهم سالما، وهو قوله: {ومنهم من ينتظر}، ثم أخبر عنهم ~~أنهم ما بدلوا، يعني: PageV09P5803 # عهدهم بم ينقصوه. # ثم ذكر أنه تعالى رد الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيرا، وأنه كفى الله ~~المؤمنين قتالهم، ثم ذكر بني قريظة ونصره للمؤمنين عليهم، فقال: {وأنزل ~~الذين ظاهروهم من أهل الكتاب} أي: عاونوا قريشا ومشركي العرب على حرب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، واصحابه. {من صياصيهم} أي: من حصونهم، يعني بني قريظة، ~~وأنه قذف في قلوبهم الرعب. # {فريقا تقتلون وتأسرون فريقا} أي تقتلون المقاتلة، وتسبون النساء ~~والأطفال، وأنه أورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم وأنزل الله في ذلك ~~تسعا وعشرين آية أولها: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم}. # ومعنى: {زاغت الأبصار}: شخصت من الخوف. # والبصر الناظر، وجملة العين المقلة وهي شحمة العين: البياض والسواد، وفي ~~المقلة الحدقة، وهي السواد الذي في وسط المقلة، وفي الحدقة الناظر، وهو ~~موضع البصر يسمى الإنسان، والعين كالمرآة يرى فيها الوجه ms2020 وفيها الناظر، ~~وهما عرقان على حرف الأنف يسيلان من المؤقين إلى الوجه، وفيها أشياء كثيرة ~~قد ذكرت في خلق الإنسان. # وقوله: {وبلغت القلوب الحناجر} أي نبت عن أماكنها من الرعب. # قال قتادة: لولا أن الحلقوم ضاقت عنها لخرجت. PageV09P5804 # والمعنى كادت تبلغ الحناجر. # وقيل: المعنى بلغ وجفها من شدة الفزع الحلوق، فهي بالغة الحلوق بالوجيف. # ثم قال تعالى: {وتظنون بالله الظنونا} أي: ظننتم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يغلب. # هذا خطاب للمنافقين، ظنوا ظنونا كاذبة فأخلف الله ظنهم بنصره للمؤمنين. # قوله تعالى ذكره: {هنالك ابتلي المؤمنون} إلى قوله {وذكر الله كثيرا}. # هنالك ظرف زمان، والعامل فيه " ابتلي ". # والتقدير: وقت ذلك اختبر المؤمنون فعرف المؤمن من المنافق، والابتداء به ~~حسن على هذا. # وقيل: إن العامل فيه " {وتظنون} " أي: وتظنون بالله الظنون الكاذبة ~~هنالك/، والابتداء به على هذا التقدير. # ثم قال تعالى: {وزلزلوا زلزالا شديدا} أي: حركوا وأزعجوا بالفتنة إزعاجا ~~شديدا. # ثم قال: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} أي: شك في الإيمان ~~وضعف في الاعتقاد. # {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}. PageV09P5805 # يروى أن قائل ذلك معتب بن قشير، قاله يزيد بن رومان، وقد تقدم ذكر هذا. # ثم قال تعالى: {وإذ قالت طآئفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم} أي: قال ~~طائفة من المنافقين: يا أهل يثرب لا تقيموا مع النبي وارجعوا إلى منازلكم، ~~ويثرب اسم أرض ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية من يثرب. # ثم قال: {ويستأذن فريق منهم النبي} أي: يستأذن طائفة من المنافقين النبي ~~في الانصراف إلى منزلهم اعتلالا بالخوف على منزله من السرق، وليس به إلا ~~الفرار والهرب. # قال ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا مخلاة نخاف عليها السرق. # قال قتادة: يقولون بيوتنا مما يلي العدو وإنا نخاف عليها السرق. # ففضحهم الله، وقال: {وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} أي: ما يريدون ~~إلا الهرب. # يقال: أعور المنزل إذا ضاع ولم يكن له ما يستره أو سقط جداره. وقرأ يحيى ~~بن PageV09P5806 # يعمر ms2021 وأبو رجاء " عورة " بكسر الواو، فمعنى عورة: ضائعة. # وقيل: معنى قراءة الإسكان: إن بيوتنا ذات عورة، يقال للمرأة: عورة، ~~فالمعنى ذات نساء نخاف عليهن العدو. # ويجوز أن تكون عورة مسكنة من " عورة ". # ويجوز أن تكون مصدرا. # ويجوز أن تكون اسم فاعل على السعة، كما يقال: رجل عدل أي عادل. PageV09P5807 # ثم قال تعالى: {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها}. [أي: ~~لو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين: إن بيوتنا عورة من جوانبها قاله ~~قتادة. # {ثم سئلوا الفتنة لآتوها}] أي: لو سئلوا الشرك لأعطوه من أنفسهم طائعين، ~~ومن قطر لأتوه، فمعناه: لجاؤوا الكفر طوعا. # وقيل: المعنى: ولو دخلت عليهم البيوت من نواحيها ثم سئلوا الشرك لقبلوه ~~وأتوه طائعين. # ثم قال تعالى: {وما تلبثوا} أي بالمدينة. قاله القتبي. وقيل: المعنى: وما ~~تلبثوا بالفتنة. # ثم قال تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار} أي: ~~ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله في الانصراف عنه عاهدوا الله من ~~قبل لا يولون عدوهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم. # {وكان عهد الله مسئولا} أي: يسأل الله ذاك من أعطاه إياه من نفسه. وذكر ~~أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم ~~أحد مع بني سلمة، وهو قوله جل ذكره: {إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا} [آل ~~عمران: 122]، ثم عاهدوا الله لا يولون العدو الأدبار ولا يعودون لمثلها ~~فذكر الله لهم ما قد أعطوا من أنفسهم ولم يفوا به. PageV09P5808 # قال قتادة: كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من ~~الكرامة والفضل فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فساق الله إليهم ~~ذلك حتى كان ناحية المدينة. # ثم قال تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل} أي: قل ~~لهم يا محمد لا ينفعكم هروبكم إن هربتم من الموت أو القتل لأن ذلك إن كان ~~كتب عليكم فلا ينفعكم فراركم شيئا، لا بد لكم مما كتب عليكم. # {وإذا لا تمتعون ms2022 إلا قليلا} أي: لا يزيد لكم فراركم في أعماركم شيئا بل ~~إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، لا تجاوزوه، هو قليل ~~لأن الدنيا كلها متاع قليل، فما بقي من أعماركم أقل من القليل. # ثم قال تعالى: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله} أي: يمنعكم من الله إن ~~أراد بكم سوءا في أنفسكم أو عاقبة وسلامة، فليس الأمر إلا ما قدر الله. # ثم قال: {ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} أي: لا يجدون ~~لأنفسهم من يليهم بالكفالة مما قدر الله عليهم من سوء، ولا نصيرا ينصرهم ~~مما أراد بهم. # ثم قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم} اي: قد يعلم الله الذين ~~يعوقون الناس فيصدونهم عن رسول الله في حضور الحرب. وهو مشتق من عاقني عن ~~كذا، أي: صرفني عنه ومنعني، وعوق على التكثير لعاق فهو معوق. PageV09P5809 # ثم قال: {والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا} أي تعالوا إلينا ودعوا محمدا ~~فإنا نخاف عليكم الهلاك. # {ولا يأتون البأس إلا قليلا} أي: الحرب والقتال، لا يشهدون ذلك إلا ~~تعذيرا، ودفعا للمسلمين عن/ أنفسهم ورياء، وهذا كله في المنافقين. # قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لأخوانهم ما محمد ~~وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا ~~الرجل فإنه هالك. # وقال ابن زيد: نزلت في آخوين أحدهما مؤمن والآخر منافق، جرى بينهما كلام ~~في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق للمؤمن: هلم إلى الطعام ~~فقد نعق بك وبصاحبك والذي يحلف به، لاستقبلهما محمدا أبدا، فقال له المؤمن: ~~كذبت والذي يحلف به، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت: ~~{والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا}. # ثم قال تعالى: {أشحة عليكم}. # قال الفراء: هو منصوب على الذم، وأجاز نصبه على الحال، وقدره: يعوقون ~~أشحة. # وقيل: هو حال، والتقدير: والقائلين لأخوانهم أشحة. PageV09P5810 # وقيل: التقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلا، يأتونه أشحة، أي أشحة على ~~الفقراء بالغنيمة جبناء. # وقال الطبري: التقدير هلم إلينا ms2023 أشحة. # وقال السدي بنصبه على الحال، والتقدير: ولا يأتون البأس إلا قليلا بخلا ~~عليهم بالظفر والغنيمة. # ومن جعل العامل في أشحة " المعوقين " أو " القائلين " فقد غلط لأنه تفريق ~~بين الصلة والموصول. # قال قتادة: معنا أشحة عليكم في الغنيمة. # وقال مجاهد: أشحة عليكم في الخير. # وقيل: التقدير: أشحة عليكم بالنفقة على الضعفاء منكم. # والتأويل: جبناء عند الناس أشحاء عند قسم الغنيمة. # وقال يزيد بن رومان: أشحة عليكم للضغن الذي في أنفسهم. PageV09P5811 # ثم قال تعالى: {فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم} أي: فإذا ~~جاء يا محمد القتال وخافوا (الهلاك) رأيتهم ينظرون إليك لواذا عن القتال ~~تدور أعينهم خوفا من القتال. # {كالذي يغشى عليه من الموت} أي: تدور أعينهم كدوران عين الذي يغشى عليه ~~من الموت النازل به. # ثم قال تعالى: {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} أي: فإذا زال القتال ~~عفوكم بألسنة ذربة. # يقال للرجل الخطيب: مسلق ومسلاق وسلاق بالسين والصاد فيهن، أي: بليغ. ~~والمعنى: أنهم عند قسم الغنيمة يتطاولون بألسنتهم لشحهم على ما يأخذ ~~المسلمون، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا شهدنا معكم، وهم عند البأس أجبن ~~قوم، هذا معنى قول قتادة. # ويدل على صحة هذا التأويل قوله بعد ذلك: {أشحة على الخير} أي: على ~~الغنيمة إذا ظفر المسلمون. # وقيل: بل ذلك أذى المنافقين للمسلمين بألسنتهم عند الأمان. قاله ابن عباس PageV09P5812 # ويزيد بن رومان. # ثم قال تعالى ذكره: {أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم} أي: هؤلاء ~~المنافقون الذين تقدمت صفتهم لم يصدقوا بالله ورسوله بقلوبهم فأحبط الله ~~أعمالهم، أي: أذهبا وأبطلها. # ويروى أن الذي وصف بها كان بدريا فأحبط الله عمله، قاله ابن زيد. # {وكان ذلك على الله يسيرا} أي: وكان إحباط أعمالهم على الله هينا حقيرا. # وتقف على " {إلا قليلا} " إذا نصبت " أشحة " على الذم، ولا تقف عليه على ~~غير هذا التقدير. # قال تعالى: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} أي: يحسب هؤلاء المنافقون من ~~جبنهم وخوفهم أن الأحزاب لم ينصرفوا وأنهم باقون قريبا منهم. # ثم قال تعالى: {وإن يأت الأحزاب يودوا ms2024 لو أنهم بادون في الأعراب} أي: وإن ~~يأتكم الأحزاب لحربكم ود هؤلاء المنافقون لو أنهم في البادية غيب عنكم ~~يسألون عن أخباركم من بعيد جبنا منهم وهلعا من القتل، يقولون: هل هلك محمد ~~وأصحابه؟ يتمنون أن يسمعوا هلاكهم. # وقرأ طلحة: " لو أنهم بدى " في الأعراب مثل: غزى. PageV09P5813 # ثم قال تعالى: {ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} أي: لو كانوا معكم ~~لم يقاتلوا معكم إلا تعذيرا لكم لأنهم لا يحتسبون في ذلك ثوابا ولا جزاء. # ثم قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} هذا عتاب من الله ~~للمستخفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة من المؤمنين، أي: كان ~~لكم أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان ولا تتخلفوا عنه. # ثم قال: {لمن كان يرجوا الله} / أي: ثواب الله في الآخرة. # {واليوم الآخر} أي: ويرجوا عاقبة اليوم الآخر. # {وذكر الله كثيرا} أي: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء. # قوله تعالى ذكره: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} إلى قوله: {غفورا رحيما}. # أي: ولما عاين المؤمنون جماعة من الكفار، وقالوا تسليما منهم لأمر الله ~~وتصديقا بكتابه: {هذا ما وعدنا الله ورسوله} يعنون قوله تعالى ذكره: {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} [البقرة: 214]. # ثم قال: {وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} أي: ما زادتهم الرؤية لذلك إلا ~~إيمانا بالله وتسليما لأمره، وإنما ذكر " زادهم " لأن تأنيث الرؤية غير ~~حقيقي. ودل " رأي " على الرؤية، هذا قول الفراء وعلي بن سليمان. PageV09P5814 # وقال غيرهم: التقدير: وما زادهم اجتماع المشركين عليهم إلا إيمانا، هذا ~~كله مأخوذ من قول ابن عباس وقتادة وغيرهما. # قال الحسن: معناه ما زادهم البلاء إلا إيمانا بالرب وتسليما إلى القضاء. # ثم قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} أي: أوفوا ~~بالصبر على البأساء والضراء إذ قد عاهدوا الله أن يصبروا إذا امتحنوا. # ثم قال: {فمنهم من قضى نحبه} أي: فرغ من العمل الذي قدره الله وأوجبه له ~~على نفسه، فاستشهد بعض ms2025 يوم بدر وبعض يوم أحد وبعض في غير ذلك من المواطن. # {ومنهم من ينتظر} قضاءه والفرغ منه على الوفاء لله بعهده. # وأصل النحب في كلام العرب النذر، ثم يستعمل في الموت والخطر العظيم، ~~وقيل: النحب: العهد. # قال الحسن: {فمنهم من قضى نحبه} موته على الصدق. # وقال قتادة: على الصدق والوفاء. # قال ابن عباس: نحبه هو الموت على ما عاهد الله، ومنهم من ينتظر الموت على PageV09P5815 # ما عاهد الله عليه. # ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم لم يشهدو بدرا، فعاهدوا الله إن لقوا ~~قتالا للمشركين مع رسول الله أن يبلوا من أنفسهم، فشهدوا ذلك مع رسول الله، ~~فمنهم من وفى فقضى نحبه، ومنهم من بدل وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: ~~{ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل} [الأحزاب: 15] الآية، ومنهم من وفى ولم ~~يقض نحبه فهو منتظر للموت. # قال أنس: تغيب أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: تغيبت عن أول مشهد شهده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن رأيت قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما ~~كان يوم أحد وهزم الناس لقي سعد بن معاذ فقال: والله إني لأجد ريح الجنة ~~فتقدم فقاتل حتى قتل، فنزلت هذه الآية: {من المؤمنين}، وقال أنس: فوجدناه ~~بين القتلى به بعضا وثمانين جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فما ~~عرفناه حتى عرفته أخته. PageV09P5816 # وقيل: معنى {صدقوا ما عاهدوا الله عليه} الإسلام. # وقوله: {وما بدلوا تبديلا} أي: ما غيروا العهد ولا الذين كما غيره ~~المعوقون القائلون لأخوانهم هلم إلينا. # قال قتادة: معناه ما شكوا ولا ترددوا في دينهم ولا استبدلوا به غيره. # ثم قال تعالى: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم} أي: صدقوا ليثبت أهل الصدق ~~منهم بصدقهم الله على ما عاهدوا عليه. # {ويعذب المنافقين إن شآء} بكفرهم ونقضهم ما عاهدوا الله عليه، أو يتوب ~~عليهم، أي يخرجهم من النفاق إلى الإيمان به. # ومعنى الاستثناء في هذا أن المعنى: ويعذب المنافقين بأن لا يتوب عليهم، ~~ولا يوفقهم للتوبة، فيموتوا على نفاقهم إن شاء، ms2026 فيجب عليهم العذاب، فعذاب ~~المنافق لا بد منه لأنه كافر، والاستثناء إنما هو من أجل التوفيق لا من أجل ~~العذاب، ويبين ذلك قوله: {أو يتوب عليهم} فالمعنى ويعذب المنافقين إن لم ~~يهدهم للتوبة، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم. # ثم قال: {إن الله كان غفورا رحيما} أي: أن الله لم يزل ذا ستر على ذنوب ~~التائبين، رحيما بهم أن يعذبهم بعد توبتهم. # قوله تعالى ذكره: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم} إلى قوله: {أجرا عظيما}. # أي: ورد الله الأحزاب بغيظهم أي بكربهم وعمهم لفوتهم ما أملوا من الظفر ~~لم PageV09P5817 # ينالوا من المسلمين مالا ولا غيره. # {وكفى الله المؤمنين القتال} بالريح/ والجنود التي أنزل الله من ~~الملائكة. # روى عبد الرحمن بن أبي سعدي الخدري عن أبيه أنه قال: حبسنا يوم الخندق عن ~~الصلاة فلم نصل الظهر ولا العصر ولا المغرب ولا العشاء حتى كان بعد العشاء ~~بهوي فكفينا فأنزل الله تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال} الآية " فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام الصلاة وصلى الظهر فأحسن صلاتها ~~كما كان يصليها في وقتها، ثم صلى العصر كذلك، ثم صلى المغرب كذلك، ثم صلى ~~العشاء كذلك، لكل صلاة إقامة. # وقوله: {وكان الله قويا عزيزا} أي: قويا في أمره عزيزا في نقمته. # ثم قال تعالى: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} يعني بني ~~النضير وبني قريظة عاونوا المشركين على النبي وأصحابه، فأنزلهم الله من ~~حصونهم {وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون} يعني المقاتلة. # {وتأسرون فريقا} يعني النساء والصبيان كما حكم فيهم سعد، لأنهم حكموه في ~~أنفسهم لحلف كان بينهم وبين قوم سعد فطمعوا أن يميل معهم، فلم تأخذه في ~~الله PageV09P5818 # لومة لائم، وحكم بقتل ماقتلهم وسبي ذراريهم، وقد مضى ذكر ذلك. # وأصل الصيصة ما تمنتع به، فلذلك قيل للحصن صيصية لأنه يمتنع به، ولذلك ~~يقال لقرون البقر صياصي لأنها يمتنع بها. # وذكر قتادة وغيره: " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذهاب الأحزاب عنه ~~دخل بيت زينت بنت جحش يغسل رأسه ms2027 فبينما هو يغسله إذ أتاه جبريل صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، ~~فانهض إلى بني قريظة فإني قطعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال ~~وبلبال فاستلأم صلى الله عليه وسلم، ثم سلك شق بني غنم، فاتبعه الناس، ~~فأتاهم رسول الله فحاصرهم، وناداهم يا أخوة القرود، فقالوا: يا أبا القاسم ~~ما كنت فاحشا، فنزلوا على حكم سعد فحكم بقتل مقاتلهم - وكانوا ست مائة -، ~~وسبي ذراريهم، وقسم عقارهم بين المهاجرين دون الأنصار، فقال PageV09P5819 # قومه: أأثرت المهاجرين بالعقار علينا، قال: فإنكم كنتم ذوي عقار وأن ~~المهاجرين لا عقار لهم ". # ثم قال تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} أي: ملككم ذلك بعد ~~مهلكهم. # ثم قال: {وأرضا لم تطئوها}. # قال الحسن: هي أرض فارس والروم ونحوهما من البلاد. # وقال قتادة هي مكة. # وقال يزيد بن رومان: هي خيبر. وكذلك قال ابن زيد. # ثم قال: {وكان الله على كل شيء قديرا} أي: لا يعتذر عليه ما أراد. # ثم قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا} الآية ~~أي: إن كنتن تخترن الحياة الدنيا على الآخرة. # {فتعالين أمتعكن} بما أوجب الله على الرجال لنسائهم من المتعة عند ~~مفارقتهن بالطلاق. PageV09P5820 # ومعنى {وأسرحكن سراحا جميلا}: أطلقكن طلاقا جميلا، أي: على ما أذن الله ~~به وأدب به عباده، وهو قوله {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]. # ثم قال: {وإن كنتن تردن الله ورسوله} رضي الله ورسوله، {فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما} أي: للعاملات منكن بأمر الله ورسوله أجرا عظيما. # روي أن هذه الآية نزلت من أجل عائشة سألت رسول الله شيئا من عرض الدنيا، ~~واعتزل رسول الله لذلك نساءه شهرا، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر ~~والرضى بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم " لم يخرج لصلوات فقالوا: ما شأنه؟ ~~فقال عمر: إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه، فأتى النبي فجعل يتكلم ويرفع صوته، ~~حتى أذن له، قال: فجعلت ms2028 أقول في نفسي: أي شيء أكلم به رسول الله لعله ~~ينبسط؟ قال: فقلت يا رسول الله لو رأيت فلانة وسألتني النفقة فصككتها صكة، ~~فقال: ذلك حبسني عنكم، فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيئا، ما كانت لك من حاجة فإلي، ثم PageV09P5821 # تتبع نساء النبي فجعل/ يكلمهن، فقال لعائشة: أيغرك أنك امرأة حسناء وأن ~~زوجك يحبك، لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن، فقالت له أم سلمة: يا ابن ~~الخطاب أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~نسائه، من يسأل المرأة إلا زوجها، ونزل القرآن: {يا أيها النبي قل لأزواجك} ~~إلى قوله: {أجرا عظيما}، فبدأ بعائشة وخيرها، وقرأ عليها القرآن، فقالت: هل ~~بدأت بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار ~~الآخرة، ولا تخبرهن بذلك، ثم تتبعهن فجعل يخبرهن ويقرأ عليهن القرآن ~~ويخبرهن بما صنعته عائشة فتتابعن على ذلك ". # قال قتادة والحسن: خيرهن بين الدنيا والآخرة والجنة والنار في شيء كن ~~أردنه من الدنيا. # وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس ~~من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة ابنة أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم PageV09P5822 # سلمة بنت أبي أمية، وكانت تحته صفية بن حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث ~~الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بن الحارث من بني المصطلق، فبدأ ~~بعائشة فاختارت الله ورسوله، فرئي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتتابعن كلهن على ذلك. # قال الحسن وقتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك فقال: لا PageV09P5823 # يحل لك النساء من بعد " الآية، فقصره الله عليهن. # وقال ابن زيد: كان سبب ذلك الغيرة. # وقد روي في ذلك أخبار كثيرة يختلف لفظها والمعنى يرجع إلى ما ذكرنا في ~~جميعها. # قال ابن شهاب: امرأة واحدة اختارت نفسها فذهبت وكانت بدوية. # قال ربيعة: فكانت البتمة. # قيل كان اسمها عمرة بنت يزيد الكلابية، اختارت الفراق وذهبت، فابتلاها ~~الله ms2029 تعالى بالجنون. ويقال: إن أباها تركها ترعى غنما له فصارت إحداهن، فلم ~~يعلم PageV09P5824 # ما كان من أمرها وخبرها إلى اليوم. # ويقال: إنها كندية، ويقال: إنها لم تختر، وإنما استعاذت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فردها، وقال: " لقد استعذت بمعاذ ". # ويقال إنه دعاها، فقالت: إنا قوم نؤتى ولا نأتي. # وإذا خير الرجل امرأته فاختارت نفسها فهي البتة، وإن اختارت واحدة أو ~~اثنتين أو لم تختر شيئا، أو قالت: أخترت زوجي، فلا شيء في ذلك كله بالمدخول ~~بها، وهي زوجة على حالها. PageV09P5825 # قال ابن عبد الحكم: معنى خيرهن: قرأ عليهن الآية. ولا يجوز أن يخيرهن ~~بلفظ التخيير لأنا لتخيير إذا قبل ثلاثا، والله أمره أن يطلق النساء ~~لعدتهن، وقد قال: سراحا جميلا، والثلاث ليس مما يجمل منه، فالسراح الجميل ~~هو واحدة لا الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير. # قوله تعالى: {يانسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} إلى قوله: {ويطهركم ~~تطهيرا}. # قال الطبري: الفاحشة هنا الزنا. # {يضاعف لها العذاب} أي: على فعلها، وذلك في الآخرة. # {ضعفين} أي: على عذاب أزواج غير النبي عليه السلام إذا أتين بفاحشة. ~~وقيل: إذا أتت الفاحشة المبينة فهي عصيان الزوج ومخالفته، وكذلك معناها في ~~هذه الآية لا الزنى. # فإذا أتت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنا واللواط. # وإذا أتت نكرة غير منعوتة ببينة فيه تصلح للزنا وغيره من الذنوب. # قال قتادة: يعني عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. PageV09P5826 # وقال ابن عباس: يعني به عذاب الآخرة. # وقال أبو عبيدة: {يضاعف لها العذاب ضعفين} يجعل ثلاثة أضعاف، أي: ثلاثة ~~أعذبة. # وقال أبو عمرو: {يضاعف} للمرار الكثيرة ويضعف مرتين. # ولذلك قرأ " يضعف ". # وأكثر أهل اللغة على خلافها لأن يضاعف ضعفين ويضعف ضعفين واحد، بمعنى ~~مثلين كما تقول: إن دفعت إلي درهما دفعت إليك ضعفيه، أي مثليه يعني درهمين، ~~ويدل على صحة هذا قوله: {نؤتهآ أجرها مرتين} فلا يكون العذاب أكثر من ~~الأجر، وقد قال تعالى: {[ربنآ] آتهم ضعفين} [الأحزاب: 68] أي مثلين. PageV09P5827 # ثم قال تعالى: {ومن يقنت منكن لله ورسوله} أي: ومن/ يطع ms2030 منكن الله ورسوله ~~وتعمل بما أمرها الله به، {نؤتهآ أجرها مرتين} أي ثواب عملها مثلي ثواب ~~غيرها من نساء المؤمنين. # {وأعتدنا لها رزقا كريما} أي في الآخرة، يعني به: في الجنة. # ثم قال تعالى: {يانسآء النبي لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن} أي: لستن في ~~الفضل والمجازاة كأحد من نساء هذه الأمة، إن اتقيتن الله بالطاعة له ~~ولرسوله. # ووقع أحد في موضع واحدة لأنه أعم إذ يقع على المؤنث والمذكر الواحد ~~والجمع بلفظ واحد. # فقوله: {فلا تخضعن بالقول} أي: لا تلن القول للرجال. # {فيطمع الذي في قلبه مرض} أي: شك ونفاق، أي يطمع في الفاحشة استخفافا ~~بحدود الله. # قال عكرمة {في قلبه مرض} أي شهوة الزنا. # قال قتادة: {مرض} نفاق. # ثم قال تعالى: {وقلن قولا معروفا} أي: قولا أذن الله لكن فيه وأباحه لكن. # قال ابن زيد: معناه: قولا جميلا معروفا في الخير. # ثم قال: {وقرن في بيوتكن} أي: اثبتن في بيوتكن. PageV09P5828 # هذا على مذهب من قرأ بكسر القاف، يكون عند الفراء وأبي عبيد من الوقار، ~~يقال وقر يقر وقورا إذا ثبت في منزله. # وقيل: هو من قر في المكان إذا ثبت أيضا، فيكون الأصل: واقررن فحذفت الراء ~~الثانية استثقالا للتضعيف، وألقيت حركة الأولى الباقية على القاف فاستغني ~~عن ألف الوصل، فصار وقرن كما تقول ظلت أفعل بكسر الظاء. # فأما قراءة من فتح القاف، وهي قراءة نافع وعاصم، فهي لغة لأهل الحجاز، ~~يقولون: قررت بالمكان أقر، بمنزلة قررت به عينا أقر، حكاه أبو عبيد في PageV09P5829 # " المصنف " عن الكسائي. # فيكون التقدير: واقررن [في بيوتكن]، ثم أعل في الأولى فيصير: وقرن. # ويجوز أن يكون من قرة العين هذا على الحذف، والاعتلال أيضا، وشاهده قوله: ~~{ذلك أدنى أن تقر أعينهن} [الأحزاب: 51] فيكون التقدير: واقررن عينا في ~~بيوتكن. # وروي أن عمارا قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله قد أمرك أن تقري في ~~منزلك، فقالت: يا أبا اليقظان، زا زلت قوالا بالحق، فقال: الحمد لله الذي ~~جعلني كذلك على لسانك. # ثم قال تعالى: {ولا ms2031 تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} أي: إذا خرجتن من ~~بيوتكن. # قال قتادة: التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر، وكانت الجاهلية الأولى PageV09P5830 # مشية فيها تكسير وتغنج فنهاهن الله عن ذلك. وقيل التبرج إظاهر الزينة ~~للرجال. وحقيقتها إظهار ما ستر الله، وهو مأخوذ من السعة. يقال في أسنانه ~~برج إذا كانت متفرقة. # والجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد عليه السلام. # وروي أن هذه الفاحشة كانت ظاهرة في هذا الوقت، وكانت ثم بغايا يقصدن ~~للفاحشة. # وقيل: ما بين نوح وآدم عليه السلام كان بينهما ثمان مائة سنة، وكان ~~نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم أحسن ما يكون، فكانت المرأة تريد الرجل على ~~نفسه. # وقال ابن عباس هو ما بين إدريس ونوح عليه السلام، وكان ذلك ألف سنة، وأن ~~بطنين من ولد آدم أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبال PageV09P5831 # صباحا والنساء قباحا، وكان نساء السهل صباحا والرجال قباحا، وأن إبليس ~~أتى رجلا من السهل في صورة غلام فأجر نفسه منه فكان يخدمه، واتخذ إبليس ~~شيئا من الذي يرمز فيه الرعاء فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك ~~من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون له في السنة، فتبرج ~~الرجال حسنا، وتبرج النساء للرجال وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في ~~عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوةا إليهن، ~~فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهم فهو قوله جل ذكره: {ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى}. # وقوله: {الجاهلية الأولى} يدل على أن ثم جاهلية أخرى في الإسلام، دل على ~~ذلك/ قول النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاث من عمل أهل الجاهلية لا يدعهن ~~الناس: الطعن بالأنساب، والاستمطار بالكواكب والنياحة ". # (وقال ابن عباس لعمر لما سأله عن الآية، فقال له: وهل كانت الجاهلية إلا PageV09P5832 # واحدة؟)، فقال ابن عباس: هل كانت أولى إلا ولها آخرة؟ فقال له عمر: لله ~~درك يا ابن عباس/، كيف قلت؟ فأعاد ابن عباس الجواب. وقال النبي صلى الله ~~عليه سلم لأبي الدرداء وقد عير رجلا فوعاه يا ms2032 ابن فلانة، فقال له: # " يا أبا الدرداء إن فيك جاهلية، فقال أجاهلية كفر أو إسلام؟ قال: بل ~~جاهلية كفر "، قال أبو الدرداء: " فتمنيت لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ ". # ثم قال [تعالى]: {وأقمن الصلاة} أي: المفروضة. # {وآتين الزكاة} يعني الواجبة في الأموال. # {وأطعن الله ورسوله} أي: فيما أمركن به ونهاكن عنه. # ثم قال (تعالى): {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} أي: الشر ~~والفحشاء يا أهل بيت محمد. # {ويطهركم} أي من الدنس والمعاصي تطهيرا. # قال ابن زيد: الرجس هنا الشيطان. PageV09P5833 # وقيل: عني بأهل البيت هنا النبي صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن ~~والحسين عليهما لسلام، رواه الخدري. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ~~نزلت الآية في خمس: في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة " وهو قول جماعة من ~~الصحابة. # وقال عكرمة أن يقرأ عنكن. # وقيل عني بذلك: نساؤه وأهله. # قوله تعالى (ذكره): {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} إلى ~~قوله: {وكان أمر الله مفعولا}. # أي: واذكرن نعمة الله عليكن إذ جعلكن في بيوت تتلى فيها (آيات) الله ~~والحكمة، أي: اشكرن الله على ذلك. PageV09P5834 # والحكمة هنا: ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أمر دينه مما لم ~~ينزل به قرآن، وذلك السنة. # قال قتادة: الحمكة السنة امتن (الله) عليهن بذلك. # وقيل: معناه الحكمة من الآيات. # ثم قال: {إن الله كان لطيفا} أي (ذا) لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي ~~يتلى فيها القرآن والسنة. # {خبيرا} بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجا. # ثم قال تعالى (ذكره) بعقب (ذكر) ما أمر به أزواج نبيه صلى الله عليه ~~وسلم. # { إن المسلمين والمسلمات} الآية، أي: (المتذللين) بالطاعة والمتذللات. # وأصل الإسلام/ التذلل والانقياد والخضوع. # {والمؤمنين والمؤمنات} أي: المصدقين الله ورسوله والمصدقات. # وأصل الإيمان التصديق. PageV09P5835 # {والقانتين والقانتات} أي: والمطيعين والمطيعات الله ورسوله، فيما أمروا ~~به ونهوا عنه. وأصل القنوت الطاعة. # {والصادقين والصادقات} أي صدقوه فيما عادهوه عليه. # {والصابرين والصابرات} أي: صبروا لله في البأساء والضراء على الثبات على ~~دينه. # {والخاشعين والخاشعات} ms2033 أي خشعوا لله وجلا من عقابه وتعظيما له. # {والمتصدقين والمتصدقات} أي: تصدقوا بما افترض الله عليهم في أموالهم. # {والصائمين والصائمات} أي: صاموا شهر رمضان الذي افترضه الله عليهم. # {والحافظين فروجهم والحافظات} أي: حفظوها إلا عن الأزواج أو ما ملكت ~~أيمانهم. # {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} أي: ذكروه بألسنتهم وقلوبهم. # {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} أي: سترا لذنوبهم وثوابا في الآخرة من ~~أعمالهم وهو الجنة. # قال مجاهد: لا يكون ذاكرا لله حتى يذكره قائما وجالسا ومضطجعا. # وقال أبو سعيد الخدري: من ايقظ أهله وصليا أربع ركعات كتبا من الذاركين ~~الله كثيرا والذاكرات. # قال قتادة: دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن قد ذكركن ~~الله في القرآن ولم PageV09P5836 # نذكر بشيء، أما فينا من يذكر؟ فأنزل الله جل ذكره: {إن المسلمين} الآية. # وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ # فنزلت الآية: " إن المسلمين " الآية. # ثم قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم} أي: أن يتخيروا من (أمرهم غير) الذي قضى الله ~~ورسوله، ويخالفوا (ذلك) فيعصونهما، {ومن يعص الله ورسوله} أي: فيما أمر أو ~~نهي. # {فقد ضل ضلالا مبينا} أي: جار عن قصد السبيل، وسل: غير طريق الهدى. # ويروى أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله على فتاة ~~زيد بن حارثة فامتنعت من إنكاحه (نفسها). # قال ابن عباس: خطبها رسول الله على فتاه زيد بن حارثة فقالت: لست ~~بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بلى فانكحيه، فقالت يا رسول ~~الله/ أؤامر نفسي؟ PageV09P5837 # فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله فقالت رضيته/ لي يا ~~رسول الله منكحا، قال: نعم، قالت: إذا لا أعصي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قد أنكحته نفسي ". # قال قتادة: لما خطب رسول الله زينب بنت جحش، وهي بنت عمته، ظنت أنه ~~يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد امتنعت، فأنزل الله: ms2034 {وما كان ~~لمؤمن} الآية، فأطاعت وسلمت. # وقيل: ننزلت في [أم كلثوم] بنت عقبة بن أبي معيط وذلك أنها وهبت نفسها ~~للنبي فزوجها زيد بن حارثة، قاله ابن زيد. # قال: وكانت أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما ~~أردنا رسول الله فزوجنا عبده، فنزلت الآية. PageV09P5838 # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطبها لزيد قالت: لا أرضى به، وأن ~~أيم نساء قريش، فقال لها النبي عليه السلام: قد رضيته لك، فأبت عليه فنزلت ~~الآية، فرضيت به وجعلت أمرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحها من ~~زيد بن حارثة، فمكثت عند زيد ما شاء الله، ثم أتاه رسول الله زائرا له ~~فأبصرها قائمة فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلب القلوب، فرأى زيد أن رسول ~~الله قد هويها، فقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن بها كبرة وأنها ~~تؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتق الله وأمسك ~~عليك زوجك "، وفي قلبه ما في قلبه، ثم إن زيدا طلقها بعد ذلك، فلما انقضت ~~عدتها أنزل الله نكاحها من السماء على رسوله وأنزل عليه الآيات: {وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} إلى: {مقدورا}. # وعن عائشة أنها قالت: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما أنزل ~~عليه لكتم هذه الآية. # قال أنس: " لما انقضت عدة زينب من زيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لزيد: اذكرني لها، فأنطلق زيد إلى زينب فقال لها: أبشري أرسل رسول الله ~~يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة PageV09P5839 # شيئا حتى أؤمر ربي فقامت إلى مسجدها وصلت، ونزل القرآن على رسوله: {فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها} الآيتان. فجاء إليها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى دخل عليها بغير إذنها ". # وروي أنها كانت تقول لرسول الله: لست كأحد من النساء لأن الله زوجنيك. # ثم قال تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ms2035 وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله}، هذا عتاب من الله للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: واذكر يا محمد ~~إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق - وهو زيد بن ~~حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أمسك عليك زوجك واتق الله في ~~مفارقتها للفرار. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زينب بنت جحش وهي ابنة عمته بعد أن ~~تزوجها زيد فأعجبته، فألقى الله نفس زيد كراهتها لما علم ما وقع في نفس ~~النبي منها، فأراد زيد فراقها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له ~~النبي: " {أمسك عليك زوجك واتق الله} فيما عليك لها " وهو يحب لو قد بانت ~~منه لينكحها، وهو الذي أخفى غي نفسه، فقد أبداه الله كما ذكره. # ثم قال تعالى: {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} أي: وتخاف أن يقول الناس ~~أمر رجلا PageV09P5840 # بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها، والله أحق أن تخشاه من الناس، هذا كله ~~معنى قول قتادة وابن زيد. # قال الحسن: ما أنزلت عليه آية أشد منها، ولو كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتمها. # وقال علي بن الحسين: كان الله جل ذكره أعلم نبيه عليه السلام أن زينب ~~ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: {أمسك عليك زوجك واتق الله}، ~~وهو يخفي في نفسه ما قد أعلمه الله من تزويج زينب، والله مبديه، أي مظهره ~~بتمام التزويج، وطلاق زيد لزينب. # ثم قال تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا} أي حاجته وأربه. # {زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن ~~وطرا} أي لئلا يكون على المؤمنين ضيق/ وإثم في نكاح أزواج من تبنوا بعد ~~طلاقهم إياهن، إذا قضوا منهن حاجتهم، وهو قوله جل ذكره: {وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم} [النساء: 23]، فدل على أن اللاتي من الأبناء من غير ~~الأصلاب حلال نكاحهن. PageV09P5841 # وفي قوله: {فلما قضى زيد منها وطرا} إشارة إلى أيقاع الطلاق، وكذلك في ms2036 ~~قوله: {إذا قضوا منهن وطرا}. # ثم قال: {وكان أمر الله مفعولا} أي: ما قضى الله من قضاء كائنا لا محالة، ~~ذلك ما قضى الله من تزويج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت عمته. # وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي عليه السلام: إني لأدل عليك بثلاث ما ~~من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنك الله من السماء، ~~وإن السفير جبريل صلى الله عليه وسلم. # وروى أنس بن مالك أن زيدا كان مسببا من الشام ابتاعه حيكم بن حزام بن ~~خويلد، فوهبه لعمته خديجة زوج النبي، فوهبته خديجة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فتبناه النبي. # قوله تعالى: {ما كان على النبي من حرج} إلى قوله: {سراحا جميلا}. # أي ليس على محمد صلى الله عليه وسلم إثم في نكاح امرأة من تبناه بعد ~~فراقه أياها. # قال قتادة: ما فرض الله له، أي ما أحل الله. وفي الكلام معنى المدح ~~كقوله: PageV09P5842 # {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] ثم قال: {سنة الله في الذين خلوا ~~من قبل}. انتصبت " سنة " على المصدر، والفاعل فيه ما قبله لأنه بمعنى سن ~~الله له ذلك سنة، والمعنى لا إثم عليه في ذلك كما لا إثم فيه على من خلا ~~قبله من النبيين فيما أحل الله لهم. # قال الطبري في معناه: لم يكن الله ليؤثم نبيه فيما أحل الله له مثال فعله ~~بمن قبله من الرسل. ثم قال: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} أي: قضاء مقضيا. ~~[وقيل: قدر أحد قدره وكتبه قبل خلق الأشياء كلها مقدورا] أي أنه ستكون ~~الأشياء على ما تقدم علمه. ولا تقف على: {فرض الله له} لأن " سنة " انتصبت ~~على عامل قام ما قبلها مقامه. # ثم قال تعالى: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه} أي: سنة الله في الذين ~~خلوا من قبل محمد من الرسل الذين يبلغون رسالات الله إلى من أرسلوا إليه؟ ~~{ويخشونه}: أي: يخافون الله. # {ولا يخشون أحدا إلا الله} أي: لا يخافون غيره، فمن هؤلاء فكن يا محمد، ms2037 ~~فإن الله يمنع منك وينصرك كما فعل بمن قبلك من الرسل. # " الذين " بدل من " الدين " في قوله: {سنة الله في الذين} أو نعت لهم أو ~~عطف PageV09P5843 # بيان. # ثم قال: {وكفى بالله حسيبا} أي: وكفاك يا محمد حافظا لأعمال خلقه ومحاسبا ~~لهم عليها. # ويجوز أن يكون (حسيب) بمعنى محاسب، كما تقول آكيل وشريب، معنى مواكل ~~ومشارب. ويجوز أن يكون بمعنى محسب، أي مكف كما قالوا السميع بمعنى المسمع ~~وأليم بمعنى مؤلم. يقال: أحسبني الشيء بمعنى كفاني. # ثم قال تعالى: {ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم} أي: لم يكن محمد أبا زيد ~~ابن حارثة، ولا أبا لغيره لأنه لم يكن له ابن وقت نزول هذه الآية. # قال قتادة: نزلت في زيد بن حارثة أنه لم يكن بابنه، ولعمري لقد ولد له ~~ذكور وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والمطهر. فالمعنى على هذا: لم يكن محمد أبا ~~لمن تبنى من رجالكم، ولكنه أبو أمته في التبجيل والتعظيم. # ثم قال تعالى: {ولكن رسول الله} أي: ولكن كان رسول الله. {وخاتم النبيين} ~~أي: آخرهم. هذا على قراءة من فتح التاء. ومن كسرها فمعناها: أي طبع على ~~النبوة فلا PageV09P5844 # تفتح لأحد بعده. # روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا خاتم ألف نبي أو أكثر ". ~~والخاتم الذي يلبس، فيه أربع لغات: خاتم وخاتم وخاتام وخيتام. # ثم قال تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} أي: ~~اذكروه بقلوبكم وجوارحكم ولا تخلوا أنفسكم من ذكره في حال من أحوال طاقتكم. # ثم قال: {وسبحوه بكرة وأصيلا} أي: صلوا له غدوة وعشيا، يعني صلاة الصبح ~~وصلاة العصر، والأصيل العشي وجمعه أصائل. والأصيل بمعنى الأصل وجمعه آصال، ~~هذا لفظ المبرد. وقال غيره: أصل عنده جمع أصيل كرغيف ورغف. PageV09P5845 # ثم قال تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} أي: ربكم الذي أمرتم بذكره ~~كثيرا هو الذي يرحمكم ويثني عليكم فيشيع عنكم الذكر الجميل وملائكته تدعو ~~لكم. # روي أنه لما نزل/: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} [الأحزاب: 56] ~~أتاه المؤمنون يهنؤنه ms2038 بذلك، فقال أبو بكر يا رسول الله: هذا لك خاصة فما ~~لنا؟ فأنزل الله جل ذكره: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته}، أي: يدعون لكم ~~بالرحمة. # وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل: " إن الله قال ~~لموسى: أخبر بني إسرائيل أن صلاتي على عبادي لتسبق رحمتي غضبي ولولا ذلك ~~لأهلكتهم ". # وقال عطاء بن أبي رباح: " صلاته على عباده: سبوح قدوس لتسبق رحمتي غضب ". # وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " سبوح قدوس، رحمتي تغلب غضبي ~~". # ثم قال: {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} أي: تدعو ملائكة الله ليخرجكم ~~الله من PageV09P5846 # الكفر إلى الإيمان. وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء. وسمي الركوع والسجود ~~صلاة للدعاء الذي يكون في ذلك. # وقال المبرد: أصل الصلاة الترحم، فالصلاة من الله رحمة لعباده، ومن ~~الملائكة رقة لهم واستدعاء للرحمة من الله لهم، والصلاة من الناس سميت صلاة ~~لطلب الرحمة بها. # قال أبو عبيدة: الأصيل ما بين العصر إلى الليل: وقال: {يصلي عليكم ~~وملائكته} أي: يبارك عليكم. # قال ابن عباس: لا يقضي الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم ~~عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ~~ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله. # ثم قال: {وكان بالمؤمنين رحيما} أي: ذا رحمة أن يعذبهم وهم له مطيعون. # {تحيتهم يوم يلقونه سلام} أي: تحية بعد هؤلاء المؤمنين في الجنة سلام، أي ~~أمنة لنا ولكم من عذاب الله. # قال البراء بن عازب: معناه يوم يلقون ملك الموت يسلم عليهم لا يقبض PageV09P5847 # روح مؤمن حتى يسلم عليه. # قال قتادة: تحية أهل الجنة السلام. # وقال البراء بن عازب في معناه: إن (ملك) الموت لا يقبض روح المؤمن/ حتى ~~يسلم عليه. # قال الزجاج: هذا في الجنة، واستشهد عليه بقوله تعالى: و {تحيتهم فيها ~~سلام} [إبراهيم: 23] ودليله أيضا قوله جل ذكره: {يدخلون عليهم من كل باب} ~~[الرعد: 23]. # وفرق المبرد بين التحية والسلام، فقال: التحية تكون لكل ms2039 دعاء، والسلام ~~مخصوص، ومنه {ويلقون فيها تحية وسلاما} [الفرقان: 75]. # ثم قال تعالى ذكره: {وأعد لهم أجرا كريما} أي: أعد لهم الجنة على طاعتهم ~~له في الدنيا. PageV09P5848 # ثم قال تعالى ذكره: {يا أيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} أي: ~~أرسلناك يا محمد شاهدا على أمتك بإبلاغك إياهم ما أرسلت به، ومبشرا لمن ~~أطاعك بالجنة، ونذيرا لمن عصاك بالنار، قاله قتادة وغيره. # ثم قال: {وداعيا إلى الله بإذنه} أي: إلى توحيد الله، وطاعته. قال قتادة: ~~" وداعيا إلى الله " إلى شهادة أن لا إله إلا الله. # {بإذنه} أي: بأمره إياك بذلك. {وسراجا منيرا} أي: مضيئا للخلق يبين لهم ~~أمر دينهم ويهتدون به كما يهتدى بالسرج المضيء. # ثم قال تعالى: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} أي: من ثواب ~~الله أضعافا كثيرة. وقيل: المعنى: وذا سراج: أي ذا كتاب بين مضيء. # قال ابن عباس: " لما نزلت هذه الآية: {يا أيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا} ~~الآية، دعى النبي صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا فقال: " انطلقا فيسرا ولا ~~تعسرا فإنه قد نزل علي: {إنآ أرسلناك شاهدا} الآية وقرأ الآية ". # ثم قال: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} أي: لا تسمع دعاءهما إليك على ~~التقصير في PageV09P5849 # تبليغ رسالات الله. # {ودع أذاهم}. قال مجاهد أعرض عنهم. وقال مجاهد: دع الأذى لا تجازهم عليه ~~حتى تؤمر فيه بشيء. وقيل: المعنى لا تؤذيهم، وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ~~ثم نسخ ذلك بالقتال. # قال قتادة: معناه: اصبر على أذاهم. # ثم قال تعالى: {وتوكل على الله} أي: فوض إلى الله أمرك وثق به، فإن الله ~~كافيك. {وكفى بالله وكيلا} أي: وحسبك بالله فيما يأمرك به حافظا لك وكالئا. # ثم قال تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} الآية، أي ~~إذا تزوجتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل الدخول بهن والمجامعة - والنكاح ~~هنا العقد - فلا عدة لكم عليهن/ {فمتعوهن} أي: أعطوهن ما يستمتعن به من عرض ~~أو عين. # {وسرحوهن سراحا جميلا} أي: خلوا سبيلهن تخلية بمعروف. # قال ابن عباس: ms2040 إذا طلق التي لم يدخل بها واحدة بانت منه ولا عدة عليها، PageV09P5850 # تتزوج من شاءت، فإن كان سمى لها صداقا فلها نصفه، وإن كان لم يسم متعها ~~على قدر عسره ويسره. # وقيل: منسوخة بقوله جل ذكره: {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237]، قاله ابن ~~المسيب وقتادة: وهذه الآية خصصت آية البقرة وبينتها وهي قوله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرواء} [البقرة: 228] فظاهر الآية أن ذلك ~~في كل مطلقة. # فبينت آية الأحزاب أن آية البقرة في المدخول بها. وكذلك آية الأحزاب خصصت ~~وبينت آية الطلاق، وهي قوله: {واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] فبينت آية الآحزاب أن ~~الثلاثة الأشهر لهذين الصنفين، إنما ذلك للمدخل بها، كذلك أيضا الطلاق خصصت ~~وبينت أن آية البقرة في غير الصنفين المذكورين في سورة الطلاق فصار في آية ~~البقرة تخصيصان وبيانان من سورتين. وصارت آية الأحزاب مخصصة ومبينة لآيتين ~~من سورتين فآية الأحزاب أحكم إذ لا تخصيص فيها. # فالإعتداد للرجال، أي: هم يستوفون من النساء ما عليهن من العدة. فالعدة PageV09P5851 # على النساء، والاعتداد للرجال أن العدة التي على النساء حق للأزواج ~~ليستبرءوا أرحامهن لئلا يلحق أولادهم بغيرهم، أو يلحق بهم غير أولادهم. # قوله تعالى: {يا أيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك} إلى قوله: {على كل شيء ~~رقيبا}. # أي: أحل لك يا محمد أزواجك اللاتي أعطيتهن صدقاتهن، وأحل لك ما ملكت ~~يمينك من السبي، وأحل لك بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك من ~~هاجر منهن معك دون من لم يهاجر. هذا معنى قول الضحاك. # قال ابن زيد: كل امرأة أتاها مهرها فقد أحلها الله له. # وروى أبو صالح عن أم هانئ أنها قالت: " خطبني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: {إنآ أحللنا لك أزواجك} إلى ~~قوله: {هاجرن معك}، ولم أكن هاجرت وإنما كنت من الطلقاء، فكنت لا أحل له ". PageV09P5852 # وفي قراءة ابن مسعود: " واللاتي هاجرن معك " بالواو فهذا يدل على أنه ms2041 قد ~~أحل له من هاجر ومن لم يهاجر. # وقوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} أي: وأحللنا له امرأة مؤمنة ~~إن وهبت نفسها بغير صداق. {إن وهبت} شرط، وجوابه محذوف، والتقدير: إن وهبت ~~نفسها حلت له، أي: إن تهب نفسها تحل. # ويجوز أن يكون الجواب هو المحذوف الناصب لامرأة. # وقرأ الحسن: " أن وهبت " بفتح أن. أي لأن وهبت، أي: من أجل أن وهبت. # وقيل: هي بدل من " امرأة " على بدل الاشتمال. PageV09P5853 # وفي قراءة ابن مسعود: " وامرأة مؤمنة وهبت " بغير إن. والمعنى على ما مضى ~~نقول: كل طعاما إن ملكته، وكل طعاما ملكته، اي: ملكته في ما مضى. # ثم قال تعالى: {إن أراد النبي أن يستنكحها} أي: ينكحها فحلال له نكاحها ~~إذا وهبت له نفسها بغير مهر. # {خالصة لك} أي: لا يحل ذلك لأحد غيرك. # قال قتادة: ليس لأمرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر إلا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم كانت له خاصلة دون سائر أمته. وروي أنها نزلت في ميمونة ~~بن الحارث وهبت نفسها للنبي عليه السلام، قاله الزهري وعكرمة ومحمد بن كعب ~~وقتادة. وقيل: لم يكن عند النبي أمرأة وهب له نفسها بغير صداق، وإنما ~~المعنى: إن وقع ذلك فهو حلال لك يا محمد قاله مجاهد وابن عباس. وقال علي بن ~~الحسين وعروة والشعبي: هي أم شريك وقيل: هي زينب بنت PageV09P5854 # خزيمة ولا تكون إلا مكسورة على قول ابن عباس ومجاهد لأنها بمعنى: إن وقع ~~ذلك فيما يستقبل. ويجب أن تكون مفتوحة على قول غيرهما لأنه شيء قد وقع وكان ~~على قولهم. # وقوله: {خالصة لك} يرجع على المرأة التي وهبت نفسها دون ما قبلها من ~~قوله: {إنآ أحللنا لك} / وما بعده. وإنما قال تعالى للنبي ولم يقل لك، لئلا ~~يتوهم أنه يجوز ذلك للغير كما جاز ذلك في: {وبنات عمك وبنات عماتك}. # أي: بنات العم والعمة والخال والخالة يحللن للناس. # وقيل: إنما جاز ذلك لأن العرب تخبر عن الحاضر بأخبار الغائب ثم ترجع ~~فتخاطب. # وروي ms2042 أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل نزول الآية يتزوج أن النساء ~~شاء فقصره الله على هؤلاء، فلم يعداهن وقصر سائر أمته على مثنى وثلاث ~~ورباع. # ثم قال: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} يعني المؤمنين لا يحل لأحد ~~نكاح إلا بولي وعقد وصداق وشهود عدول، وأن لا يزوج الرجل أكثر من أربع وما ~~ملكت اليمين، قاله قتادة وغيره (فالمعنى) قد علمنا ما في ذلك من الصلاح. PageV09P5855 # وقال أبي بن كعب في معناها: هو مثنى وثلاث ورباع. # ثم قال تعالى: {لكيلا يكون عليك حرج} أي: أحللنا لك ما تقدم ذكره لئلا ~~يكون عليك إثم وضيق في نكاح من نكحت من هؤلاء الأصناف المسميات لك في هذه ~~الآية. # ثم قال: {وكان الله غفورا رحيما} أي: غفورا لك ولأهل الإيمان بك، رحيما ~~بك وبهم أن يعاقبهم على ذنوب تابوا منها. # ثم قال تعالى: {ترجي من تشآء منهن} أي: تؤخر يا محمد من تشاء من أزواجك ~~وتضم من تشاء. # يقال: أرجأت الأمر: أخرته. ومن ترك الهمزة في " ترجي " فيحتمل أن يكون ~~أبدل من الهمزة ثم أسكنها استثقالا للضمة. # وقيل: هي لغة، يقال: أرجيت بمعنى أرجأت. كما يقال قريت. بمعنى قرأت. # وقال المبرد: هو من رجا يرجو، يقال: رجاء وأرجيته إذا جعلته يرجو. # قال مجاهد في معنى الآية: تعزل يا محمد بغير طلاق من أزواجك من تشاء PageV09P5856 # وتؤدي إليك من تشاء، أي تردها إليك. # قال قتادة: جعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهم بغير قسم وكان ~~صلى الله عليه يقسم. # وقال أبو رزين: لما أشفق النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقهن، قلن يا ~~رسول الله: اجعل لنا في مالك ونفسك ما شئت فكان ممن أرجأ منهم سودة بنت ~~زمعة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان ممن أوى عائشة وأم سلمة وحفصة ~~زينب. فالمعنى على هذا القول أنه صلى الله عليه أخر هؤلاء فلم يقسم لهن ولم ~~يطلقهن، وضم هؤلاء فقسم لهن، وهو قول الضحاك. # وعن ابن عباس ms2043 أن المعنى من شئت خليت سبيله منهم ومن شئت أمسكت منهن. # وقال الحسن: المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب امرأة لم ~~يكن لرجل أن يخطبها PageV09P5857 # حتى يتركها أو يتزوجها. # فالمعنى: اترك نكاح من شئت من أمتك، وانكح من شئت. # وقال ابن زيد في ذلك كلاما معناه: إن الله جل ذكره أمر نبيه أن يخير ~~نساءه بين الدنيا والآخرة في قوله: # {قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا} إلى قوله: {أجرا عظيما} ~~[الأحزاب: 28 - 29] فلما اخترن الآخرة واخترنه أبيح له أن يعزل من شاء منهم ~~فلا يقسم لها، ويضم من شاء فيقسم لها، ومن ابتغى ممن عزل عن نفسه، فله أن ~~يرجع ويقسم لها، فخيرهن أيضا في الرضى بهذا أو يفارقهن فرضين بذلك إلا ~~امرأة بدوية ذهبت. # فقال الله جل ذكره: {ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ آتيتهن ~~كلهن} أي: أن يسكن ولا يغرن ويرضين كلهن بما فعلت من ضم أو عزل، إذ ذلك كله ~~من حكم الله لك فيهن، وذلك إشارة إلى ما تقدم مما أباحه الله لرسوله عليه ~~السلام فيهن. # قال قتادة: ومن ابتغيت " أي: لك أن تأتي من شئت منهم لا إثم عليك في ذلك، ~~وهو قول الحسن. # وقال ابن عباس: معناه من مات من نسائك اللواي عندك، أو خليت سبيله فلا ~~إثم عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك، ولا يحل أن تزداد على عدة ~~نسائك اللاتي عندك شيئا. PageV09P5858 # قال الزجاج: معناه إن أردت أن تؤوي إليك من عزلت فلا جناح عليك. وهو ~~القول الأول بعينه، وهو أحسنها إن شاء الله تعالى. # ثم قال تعالى: {والله يعلم ما في قلوبكم} أي: من ميلكم إلى بعض من عندكم ~~من النساء دون بعض بالهوى والمحبة فلذلك وضع عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الحرج في ذلك لأن القلب لا يملك، والهوى سلطان غائب عن الإنسان. # ثم قال: {وكان/ الله عليما} أي: ذا علم بأعمالكم وغيرها. {حليما} أي: ذا ~~حلم ms2044 عن عباده أن يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة. # ثم قال تعالى: {لا يحل لك النسآء من بعد} أي: من بعد من عندك من النساء. # قال قتادة: لما اخترن الله ورسوله قصره عليهن وهن تسع. # وقيل: المعنى: لا يحل لك النساء بعد اللواتي أحللنا، يعني في قوله: {إنآ ~~أحللنا لك أزواجك} إلى قوله: {من دون المؤمنين} قاله أبي بن كعب والضحاك. # وقال مجاهد: المعنى: من بعد المسلمين، فحرم عليه نكاح اليهوديات ~~والنصرانيات. وهو قول ابن جبير وعكرمة. PageV09P5859 # وروي عن عائشة أنها قالت: " ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل ~~الله له النساء "، فتكون الآية منسوخة بالسنة. # وقد روي ذلك عن أم سلمة، وهو قول علي وابن عباس والضحاك. وقيل: الآية ~~محكمة، ولا يحل له النساء بعد نزول هذه الآية، وهو قول أبي بن كعب، اختيار ~~الطبري. # ثم قال تعالى: {ولا أن تبدل بهن من أزواج} أي: ولا يحل لك أن تستبدل من ~~عندك غيرهن من المسلمات، قاله الضحاك. # وقال مجاهد: لا تستبدل بمن عندك من المسلمات كتابية. # وقال ابن زيد: لا تبدل زوجتك بزوجة رجل آخر، وهو فعل كان في الجاهلية ~~وقوله: {إلا ما ملكت يمينك} أي: فذلك حلال. # وقال ابن زيد: إلا ما ملكت يمينك، فلك أن تبادل غيرهن ولا تفعل ذلك في PageV09P5860 # الحرائر. # قوله تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} إلى قوله: ~~{وسلموا تسليما}. # المعنى: أن الله جل ذكره أمر أصحاب النبي عليه السلام ألا يدخلوا عليه ~~إلا أن يأذن لهم إلى طعام لم يكونوا منتظرين وقته وإدراكه. # وإناه مصدر أنى يأتي إنا وإنيا وأنا ممدود، وفيه لغة أخرى، يقال: أن يئين ~~أنيا، ويقال في معناه: نال لك وأنال لك. ومعنى آن: حان. " وغير " منصوب على ~~الحال من الكاف والميم في " لكم "، ولا يحسن خفضه على النعت لطعام لأنه لا ~~يلزم منه إظهار الضمير، فتقول: غير ناظرين أنتم إناه، لأن اسم الفاعل إذا ~~جرى صفة على غ ير من هو له، أو خبرا ms2045 لم يكن بد من إظهار الضمير الذي فيه. ~~والمعنى غير منتظرين حينه ونضجه. # ثم قال: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا} أي: إذا دعاكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بيته لطعام فادخلوا. # {فإذا طعمتم فانتشروا} أي: فتفرقوا إذا أكلتم من بيته. # {ولا مستأنسين لحديث} أي: لا متحدثين بعد فراغكم من أكلكم. # وكان نزول هذه الآية في قول أكلوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~وليمة زينب بنت PageV09P5861 # جحش، ثم جلسوا يتحدثون في مجلس رسول الله، ولرسول الله إلى أهله حاجة، ~~فمنعه الحياء أن يأمرهم بالخروج من منزله. # روى معنى ذلك أنس بن مالك، قال أنس: وكان قد أولم رسول الله بتمر وسويق. # وكان أنس ذلك اليوم ابن عشر سنين. # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في ~~بيوتنا، فأنزل الله جل ذكره: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب}. # وهذا أدب لأصحاب النبي عليه السلام ولمن بعدهم. # وقال قتادة: كان هذا في بيت أم سلمة أكلوا وأطالوا الحديث، فجعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدخل ويخرج، ويستحي منهم والله لا يستحي من الحق. PageV09P5862 # ثم قال: {إن ذلكم كان يؤذي النبي} أي: دخولكم في بيت النبي من غير أن ~~يؤذن لكم، وجلوسكم فيها مستأنسين لحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي ~~دعيتم له كان يؤذي النبي فيستحي منكم أن يخرجكم منها. وأن يمنعكم من الدخول ~~إذا دختلم بغير إذن مع كراهته لذلك منكم. {والله لا يستحيي من الحق} أن ~~يبينه لكم. # ثم قال: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب} أي: وإذا سألتم ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم طعاما أو غيره فخاطبوهن من وراء حجاب، أي: ~~من وراء ستر/ ولا تدخلوا عليهن بيوتهن. # ثم قال جل ذكره: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} أي: مخاطبتكم لهن من وراء ~~حجاب أطهر لقلوبكم، وقلوبهن من عوارض الفتن. # وذكر مجاهد أن النبي صلى الله ms2046 عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه فأصابت ~~يد رجل منهم يد عائشة فكره ذلك النبي، فنزلت آية الحجاب. # وروى أنس أن عمر قال: " قلت لرسول الله أن نساءك يدخل عليهن البر ~~والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، قال فنزلت آية الحجاب " وروي: " أن سودة ~~خرجت ليلا للبراز عشاء، وكانت طويلة فناداها عمر بصوته الأعلى: " قد عرفناك ~~يا PageV09P5863 # سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فنزلت آية الحجاب ". # ثم قال تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده} أي: ما ينبغي ولا يصلح لكم أذى نبيكم ولا نكاح أزواجه من بعده لأنهن ~~أمهاتكم، فلهن حرمة الأمهات. # روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت آية الحجاب قال رجل من أصحاب ~~رسول الله: أينهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندخل على بنات عمنا، ~~أما والله لئن مات رسول الله وأنا حي لأتزوجن عائشة، فأنزل الله تعالى وجل ~~ذكره: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده} إلى: {عليما}. فأعلمهم أنه يعلم ما ~~يخفون في أنفسهم وما يبدون. # قال قتادة: قال رجل من أصحاب رسول الله عليه السلام: إن مات رسول الله ~~تزوجت فلانة، امرأة من أزواج النبي. # قال معمر: الذي قال هذا طلحة لعائشة. # ثم قال: {إن ذلكم كان عند الله عظيما} أي: إن أذاكم نبيكم ونكاحكم أزواجه ~~من PageV09P5864 # بعده عند الله عظيما من الإثم. # ثم قال تعالى: {إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما} أي: ~~إن تظهروا شيئا بألسنتكم من جميع الأمور أو تخفوه في قلوبكم فلا تظهروه، ~~فإن الله كان بكل شيء ذا علم لا يخفى عليه شيء. # ثم قال تعالى: {لا جناح عليهن في آبآئهن} أي: لا إثم على أزواج النبي في ~~الظهور إلى آبائهم ولا إلى من ذكر بعد ذلك من ذوي المحارم. قال مجاهد: ~~معناه: لا إثم عليهن في أن تضع الجلباب ومعها من ذكر. وقال قتادة: رخص ~~لهؤلاء أن لا يحتجبن منهم. # وهذا القول أليق ms2047 بسياق الآية. والآية عامة في أزواج النبي عليه السلام ~~وأزواج المؤمنين ألا يحتجب من الآباء ولا من الأبناء ولا من الإخوة ولا من ~~أبناء الإخوة. # قال الشعبي: ولم يذكر في ذلك العم حذارا من أن يصفهن لأبنائه. # وكره الشعبي وعكرمة أن تضع خمارها عند عمها وخالها، لأنهما يصفانها إلى ~~ابنيهما، ونكاحها إلى كل واحد من ابنيهما يحل. وقيل: إنما لم يذكر العم ~~والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقوله: {ولا نسآئهن} أي: ولا يحتجبن ~~من نساء المؤمنين. # وقال ابن زيد: هذا كله في الزينة، وقوله: {ولا نسآئهن} يعني المؤمنات ~~الحرائر، PageV09P5865 # قال: ولايجوز للمرأة أن تنظر إلى شيء من عورات المرأة. # ثم قال تعالى: {ولا ما ملكت أيمانهن} يعني المماليك. # قال ابن زيد: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من المماليك. # قيل: إن ذلك في النساء من المماليك خاصة. # وقيل: في النساء والرجال من المماليك. # ثم قال تعالى: {واتقين الله} أي: وخفن الله أن تتحدين في ما حد الله لكن ~~في الحجاب. # {إن الله كان على كل شيء شهيدا} هو شاهد على ما تفعلنه من حجابكن وغير ~~ذلك من أموركن. # ثم قال تعالى ذكره: {إن الله وملائكته يصلون على النبي}. أجاز الكسائي ~~رفع الملائكة. وأجاز: إن زيدا وعمرو متطلقان. ومنعه جميع النحويين في ~~البسملة. # وأجازه بعضهم في الآية على حذف، والتقدير: إن الله يصلي على النبي ~~وملائكته PageV09P5866 # يصلون على النبي، ثم حذف من الأول لدلالة الثاني وقد قرد بعض النحويين ~~هذا التقدير في الآية مع النصب، وقال: يبعد أن يجتمع ضمير الله جل ذكره مع ~~غيره إجلالا له وتعظيما، ثم استدل على ذلك بإنكار النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الذي قال: ما شاء الله وشئت فقال: " ما شاء الله، ثم شئت " فالواو ~~كالجمع. فالمعنى/: إن الله وملائكته يباركون على النبي، قاله ابن عباس. # وقيل: إن الله يرحم على النبي وملائكته يدعون له، فهذا التقدير أيضا مما ~~يقوي تقدير الحذف من الأول، ويكون يصلون للملائكة خاصا لأن الصلاة من ms2048 غير ~~الله دعاء، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نصلي عليه، فقال: " ~~قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، ~~والسلام كما قد علمتم ". # قوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} إلى آخر السورة. # أي: إن الذين يؤذون أولياء الله، قاله الشعبي. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله عز وجل: " ~~شتمني عبدي ولم يكن له أن PageV09P5867 # يشتمني، وكذبني عبدي ولم يكن له أن يكذبني فأما شتمه إيي فقوله: إني ~~اتخذت ولدا، وأنا الأحد الصمد. وأما تكذيبه إياي فإنه زعم أن لن يبعث - ~~يعني بعد الموت - " وقال عكرمة: هم أصحاب التصاوير. # وقيل: إنهم يعصون الله ويركبون ما حرم عليهم فذلك أذاهم. # ثم قال تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا}. # قال مجاهد: يقفون فيهم بغير ما عملوا. # وقيل: إنها نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين نكح ~~صفية بنت حيي. # ثم قال: {لعنهم الله في الدنيا والآخرة} أي: أبعدهم من رحمته. # ثم قال: {فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} أي: وزر كذب وفرية شنعية، ~~{وإثما مبينا} أي: بين لسامعه أنه إثم وزور. والبهتان أفحش الكذب. PageV09P5868 # ثم قال تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء المؤمنين} الآية. ~~أي: قل لهن يرخين عليهن أرديتهن لئلا يشتبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن ~~لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن يدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض ~~لهن فاسق. # قال ابن عباس في معناها: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في ~~حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، وبيدين عينا واحدة. # وعنه أيضا أنه قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين ~~أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب أن تقنع به وتشده على جبينها. # وقال أبو مالك والحسن: كان النسء يخرجن بالليل في حاجاتهن فيؤذيهن ~~المنافقون ويتوهمون أنهن إماء فأنزل ms2049 الله الآية. وكان عمر رضي الله إذا رأى ~~أمة قد تقنعت علاها بالدرة. # وقال ابن سيرين: سألت عبيدة عن قوله: {يدنين عليهن من جلابيبهن} فقال: ~~تغطي PageV09P5869 # حاجبها بالرداء أو ترده على أنفها حتى يغطي رأسها ووجهها وإحدى عينيها. # وقال مجاهد: يتجلببن حتى يعرفن فلا يؤذين بالقول. # وقال الحسن: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} أي: يعرفن حرائر فلا يؤذين. # قال ابن عباس وابن مسعود: الجلباب الرداء. # وقال المبرد: الجلباب كل ملحفة تستر من ثوب أو ملحفة. # ثم قال: {وكان الله غفورا} لما سلف منهم من ترك إدنائهن جلابيبهن عليهن، ~~{رحيما} بهن أن يعاقبهن بعد موتهن. # ثم قال تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} أي: لئن لم ~~ينته الذين يسرون الكفر. # {والذين في قلوبهم مرض} أي: شهوة من الزنى من المنافقين. # {والمرجفون في المدينة} أي: أهل الإرجاف في المدينة بالكذب والباطل ~~يشيعون PageV09P5870 # ما يخوفون به المؤمنين، وهم المافقين، أيضا هم أجناس قد جمعوا هذه ~~الأسماء كلها. # قال قتادة: أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فتوعدهم ~~الله بهذه الآية فكتموا نفاقهم وستروه. # ثم قال تعالى: {لنغرينك بهم} أي لنسلطنك عليهم، وقد أغراه بهم بقوله جل ~~ذكره: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] ~~وأمره بلعنهم. # وقال المبرد: قد أغراه بهم في قوله: {أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} ~~قال: وهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم، أي: هذا حكمهم إذ قاما على النفاق ~~والإرجاف في المدينة. وهو مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: " خمس يقتلن ~~في الحرم " ففيه معنى الأمر ولفظه خبر. PageV09P5871 # وقيل: إنهم انتهوا عن الإرجاف/. # وقيل: إنه لقوم بأعيانهم. # قال ابن عباس: " لنغرينك " لنسلطنك. # وقال قتادة: لنحرشنك. # وقد استشهد من قال بجوار ترك إنفاذ الوعيد بهذه الآية، وقال: قد تواعدهم ~~الله بأن يغري نبيه عليهم ولم يفعل. # وقال من يخالفه: قد أغراه بهم، وأنفذ وعيده فيهم. وبقاء المنافقين مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة إلى أن توفي يدل ms2050 على أن الله لم ينفذ ~~الوعيد فيهم لأن من تمام وعيده فيهم: قوله: {ثم لا يجاورونك فيهآ إلا ~~قليلا} وهو مذهب أهل السنة. إذ المعروف من عادات الكرماء وأهل الفضل والشرف ~~إتمام وعدهم وتأخير إنفاذ وعيدهم بالعفو والمعروف بالإحسان، ولا أحد أكرم ~~من الله ولا أبين فضلا وشرفا منه فهو أولى بالعفو والإحسان وترك إنفاذ ~~وعيده في المؤمنين. # ثم قال: {ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا} أي: إن لم ينتهوا عن الإرجاف ~~سلطتك عليهم PageV09P5872 # ولا يقيموا معك في المدينة إلا وقتا قليلا. وهذا وقف إن جعلت {ملعونين} ~~نصبا على الذم. فإن جعلته حالا وقفت على {ملعونين}. وهو قول الأخفش وغيره ~~وهو حال من المضمر في {يجاورونك}. # وأجاز بعض النحويين أن يكون حالا من المضمر في {أخذوا}، وذلك لا يجوز لأن ~~ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله. ولا يحسن الوقف على " تقتيلا "، لأن " ~~سنة " انتصبت على فعل دل عليه ما قبله، فما قبله يقوم له مقام العامل. # ومعنى {ملعونين} أي: مطرودين ومبعدين. # {أينما ثقفوا} أي: وجدوا، {أخذوا وقتلوا} لكفرهم بالله. # ثم قال تعالى: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} أي: سن الله ذلك سنة في ~~الذين ينافقون على الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيث ما وجدوا. # ثم قال: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} أي: ولا تجد يا محمد لسنة الله التي ~~سنها في خلقه تغييرا. PageV09P5873 # ثم قال تعالى: {يسألك الناس عن الساعة} أي: عن قيامها ومتعى تكون. # {قل إنما علمها عند الله} أي: علم وقت قيامها عند الله لا يعملها إلا هو. # ثم قال: {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} أي: وما يشعرك يا محمد، لعل ~~قيام الساعة يكون منك قريبا قد دنا وحان. وذكر قريبا على معنى الوقت ~~والقيام. # ثم قال تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا} أي: أبعدهم من كل ~~خير وأعد لهم في الآخرة نارا ماكثين فيها أبدا، لا يجدون وليا يمنعهم منها، ~~ولا نصيرا ينصرهم فيخرجهم من عذابها. # ثم قال: {يوم تقلب ms2051 وجوههم في النار} أي: لا يجدون وليا ولا نصيرا في هذا ~~اليوم الذي تقلب فيه وجوههم في النار. قائلين: {ياليتنآ أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا} أي: في الدنيا ندامة وحسرة ما فات. # ثم قال: {وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا} أي: وقال هؤلاء الذين ~~تقدمت صفتهم في النار: يا ربنا إنا أطعنا في الكفر سادتنا، أي أئمتنا ~~وكبراءنا. # {فأضلونا السبيلا} أي: أزالونا عن محجة الحق وطريق الهدى. # {ربنآ آتهم ضعفين من العذاب} أي: عذبهم مثلي عذابنا. # {والعنهم لعنا كبيرا} أي: أخزهم خزيا كبيرا. # ففي هذه الآية زجر عن التقليد لأنهم لو نظروا لظهر لهم أنهم على ضلال، ~~ولكنهم قلدوا ضلالا فضلوا. # ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} أي: لا ~~تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV09P5874 # بقول يكرهه، فتكونوا أمثال بني إسرائيل الذين رموا موسى بعيب كذب، فبراءه ~~الله مما رموه به. # {وكان عند الله وجيها} أي: ذا منزلة ودرجة رفيعة كلمه تكليما. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان موسى رجلا ~~حييا فكان لا يرى متجردا، فقال بنو إسرائيل: إنه آدر، فذهب موسى يغتسل فوضع ~~ثيابه على حجر فمر الحجر يسعى بثيابه فتبعه موسى فقال: ثيابي حجر! ومر ~~بمجلس بني إسرائيل فرأوه فبرأه الله مما قالوا " وكذلك ذكر ابن عباس وابن ~~زيد وغيرهما. # وعن أبي هريرة أنه رموه بالبرص فبرأه الله من ذلك. # وروي عن البي عليه السلام أنه قال: " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا ~~يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل/، وقالوا: ~~ما استتر هذا إلا من عيب بجلده، إما أدرة وإما برص، وإما آفة، فبرأه الله ~~مما قالوا بالحجر ". PageV09P5875 # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، ~~فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته وكان أشد حبا لنا منك وألين لنا منك، فآذوه ~~بذلك فأمر الله الملائكة فحملته، حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت ms2052 ~~الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك ~~فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع أحد من خلق الله على قبره إلا الرخم فجعله ~~الله أصم أبكم ". # ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي: لا تعصوه. # {وقولوا قولا سديدا} أي: قولوا في رسول الله قولا عدلا حقا. قال مجاهد. # وقال عكرمة: " قولا سديدا " لا إله إلا الله وما أشبهها من الصدق. # ثم قال: {يصلح لكم أعمالكم} أي: يوفقكم لصالح الأعمال. PageV09P5876 # {ويغفر لكم ذنوبكم} أي: لا يعذبكم عليها بعد توبتكم منها. # {ومن يطع الله ورسوله} أي: فيما أمر به ونهى عنه. # {فقد فاز} أي: نجا وظفر بالكرامة. # {فوزا عظيما} أي: نجا نجاة عظيمة. # {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض} الآية. # قال ابن جبير والحسن الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على عباده، فلم ~~تقدر على حملها، وعرضت على آدم فحملها. {إنه كان ظلوما} أي لنفسه، {جهولا}. ~~أي جاهلا بالذي له فيه الحظ. قال جويبر: فلما عرضت على آدم، قال: أي رب ~~[وما الأمانة]؟ فقيل له: إن أديتها جزيت وإن أضعتها عوقبت، قال أي رب، ~~حملتها بما فيها، قال: فما مكث في الجنة إلا قدر ما بين العصر إلى غروب ~~الشمس حتى عمل بالمعصية فأخرج منها. # وروي هذ القول عن ابن عباس، قال ابن عباس: عرضت الفرائض على السماوات ~~والأرض والجبال فكرهن ذلك وأشفقن من غير معصية، ولكن تعظيما PageV09P5877 # لدين الله ألا يقيمن به، ثم عرضها على آدم فقبلها. والحمل ها هنا من ~~الحمالة والضمان، وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر. # وقيل: الأمانة ها هنا أمانات الناس والصلاة والصوم والوضوء. وهذا القول ~~كالأول لأنه كله فروض وأداء أمانات الناس فرض فهو القول الأول بعينه. # وقيل: هو ائتمان آدم ولده قاببيل على أخيه هابيل فقتله، رواه السدي عن ~~ابن عباس في حديث مرسل. # وقيل: المعنى: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل ~~الجبال من الملائكة والجن والإنس، فأبين أن يحملنها، أي يحملن وزورها، ~~وحملها الإنسان، ms2053 يعني الكافر والمنافق. # وذكر القتبي: أن الله جل ذكره عهد إلى آدم وأمره حرم عليه وأحل له فعمل ~~بذلك، فلما حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من سيخلفه بعده ويقلده من ~~الأمانة ما قلد، فأمره أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال بالشرط ~~الذي شرطه الله عليه من الثواب إن وفى والعقاب إن عصى، فأبين أن يقبلن ذلك ~~شفقا من عقاب PageV09P5878 # الله، ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فقبله بالشرط لجهله لعاقبة ما تقلد. ~~ولذلك ظهر إيمان المؤمن ونفاق المنافق وكفر الكافر، ولذلك قال تعالى بعد ~~ذلك: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات} إلى آخر السورة. # فقال أبو إسحاق في الأمانة: إن الله جل ذكره ائتمن بني آدم على ما افترضه ~~عليهم من طاعته، وائتمن السماوات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له، ~~فأما السماوات والأرض والجبال فأعلمتا بطاعتهن له، قال تعالى: # {ثم استوى إلى السمآء} الآية، # {قالتآ أتينا طآئعين} [فصلت: 11]. وأعلمنا أن من الحجارة ما يهبط من خشية ~~الله، وأن الشمس والقمر والنجوم (والملائكة) يسبحون لله، فأعلمنا أن ~~السماوات والأرض والجبال أبين أن يحملن الأمانة وتأديتها، - وأداؤها طاعة ~~الله فيما أمر به وترك المعصية - وحملها الإنسان. # قال الحسن: الكافر والمنافق حملا الأمانة، أي: خاناها ولم يطيقاها. ~~وتصديق PageV09P5879 # ذلك قوله: {ليعذب الله المنافقين} الآية. # وقيل: المعنى: أن الله جل ذكره عرض على السماوات أن ينزل قطرها في إبانه ~~بلا ملائكة يوكلون بها، وعلى أن لها الثواب وعليها العقاب فأبت، وعرض على ~~الأرض أن يخرج نباتها وأنهارها وما يكون/ منها في آجاله بلا ملائكة يوكلون ~~بها، وعلى أن لها الثواب وعليها العقاب فأبت، وعرض على الجبال أن تفجر ~~أنهارها وتخرج ثمارها وأشجارها على أن لها الثواب وعليها العقاب فأبت ~~وأشفقت الجميع من العقاب، وعرض على آدم أداء الفرائض على أنه له الثواب ~~وعليه العقاب، قال: بين أذني وعاتقي فولك معه ملائكة يسددونه ويوفقونه. # ثم قال تعالى: {إنه كان ظلوما جهولا}. # قال الضحاك: ظلوما لنفسه، جاهلا فيما احتمل بينه وبين ربه. # وقال قتادة: ظلوما ms2054 لها - يعني الأمانة - جهولا عن حقها. # ثم قال: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات} إلى آخر السورة، أي: حملها ~~الإنسان كي يعذب الله هؤلاء، ويتوب على هؤلاء. وقرأ الحسن: " ويتوب " ~~بالرفع. # ثم قال: {وكان الله غفورا} أي: ساترا لذنوب المؤمنين والمؤمنات. PageV09P5880 # {رحيما} أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها. # قال قتادة: " ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ": ~~هما اللذان خاناها اللذان ظلماها - يعني الأمانة - هما المنافق والكافر " ~~ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات " هما اللذان أدياها. وكذلك كان الحسن ~~يقول. PageV09P5881 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة سبأ مكية # قوله تعالى: {الحمد لله الذي له ما في السماوات} إلى كقوله: {لكل عبد ~~منيب}. # معناه: جميع الحمد من جميع الخالق لله الذي هو مالك السماوات والسبع ~~والأرضين السبع والذي له الحمد في الآخرة كالذين له في الدنيا. # وقيل: معناه: هو قوله: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: ~~10]. # وقيل: هو قول أهل الجنة: {الحمد لله الذي صدقنا وعده} [الزمر: 74]. # ثم قال: {وهو الحكيم الخبير} أي: الحكيم في تدبير خلقه، الخبير بهم. PageV09P5883 # ثم قال: {يعلم ما يلج في الأرض} أي: مايدخل فيها من قطر وغيره. # [{وما يخرج منها} أي: من نبات وغيره. # {وما ينزل من السمآء} أي من وحي ومطر وغيره]. # {وما يعرج فيها} أي: من أمر وملائكة وغير ذلك. ويعرج: يصعد، ويلج: يدخل. # فالمعنى في ذلك: أنه تعالى ذكره العالم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في ~~السماوات ولا في الأرض مما ظهر ومما بطن. # ثم قال: {وهو الرحيم} أي: بأهل التوبة من عباده، لا يعذبهم بعد توبتهم. ~~{الغفور} لذنوبهم إذا تابوا منها. # ثم قال تعالى {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة} أي: لا نبعث بعد ~~موتنا، إنكارا منهم للجزاء وتكذيبا. # ثم قال تعالى: {قل بلى وربي لتأتينكم} أي: قل لهم يا محمد: بل وحق ربي ~~لتأتنيكم الساعة ولتبعثن للجزاء بأعمالكم. # ثم قال تعالى: {عالم الغيب} أي: هو عالم الغيب، أي: ما غاب عنكم من إتيان ~~الساعة وغيرها. # ومن رفعه. فعل إضمار مبتدأ، أي: هو عالم ms2055 الغيب. ومن خفضه. جعله PageV09P5884 # نعتا لربي. # ثم قال: {لا يعزب عنه مثقال ذرة} أي: لا يغيب عنه شيء وإن قل أو جل، وهو ~~قوله: {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر} أي: لا يغيب عنه ما هو أصغر من زنة ذرة ~~ولا ما هو أكبر منها أين كان ذلك. # ثم قال: {إلا في كتاب مبين} أي: كل ذلك (مثبت) في كتاب بين للناظر فيه ~~الله قد أثبته وأحصاه وعلمه، فلم يغب عنه منه شيء. # وأجاز نافع الوقف على: قل بلى. # وقال الأخفش: الوقف " لتأتينكم " على قراءة من رفع " عالم " ومن قرأ ~~بالخف في " عالم " لم يقف على " لتأتينكم ". # ثم قال: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: لا يغيب عنه شيء من ~~الأشياء إلا وهو في كتاب مبين، ليجزي المؤمنين الذين عملوا الأعمال ~~الصالحة. # وقيل: التقدير: لتأتينكم ليجزي المؤمنين. # ثم قال: {أولئك لهم مغفرة} أي: ستر على ذنوبهم التي تابوا منها. # {ورزق كريم} أي: وعيش هنيء في الجنة. PageV09P5885 # ثم قال: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين}. # قال قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه. # فالمعنى: ظنوا أنهم يفوتونه ويسبقونه فلا يجازيهم. # يقال عاجزه وأعجزه إذا غلبه وسبقه. # ومن قرأ " معجزين ". فمعناه: مثبطين للمؤمنين، قاله ابن الزبير. # فالمعنى: أثبت الله ذلك في الكتاب ليثيب المؤمنين، وليجيز الذين سعوا في ~~آيات معاجزين، أي: سعوا في إبطال/ أدلته وحججه مفاوتين يحسبون أنهم يسبقون ~~الله فلا يقدر عليهم. # وقيل: معاندين مشاقين. PageV09P5886 # قال ابن زيد: معجزين: جاهدين في بطلان آيات الله، وهم المشركون، وهو قوله ~~تعالى عنهم: أنهم قالوا: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} ~~[فصلت: 26]. # ثم قال تعالى ذكره: {أولئك لهم عذاب من رجز أليم}. # قال قتادة: الرجز: سوء العذاب، والأليم: الموجع. # ثم قال تعالى ذكره: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق} أي: أثبت ذلك في كتاب مبين ليجزي المؤمنين وليرى الذين أوتوا العلم ~~أن الذي أنزل إليك يا محمد هو الحق، وهو القرآن، وهم المسلمون من أهل ~~الكتاب كابن ms2056 سلام وأصحابه الذين قرءوا الكتب التي أنزلها الله قبل القرآن ~~كالتوراة والإنجيل. # قيل: عني بالذين أوتوا العلم: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ~~قتادة. # ثم قال: {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} أي: وهو يهدي إلى طريق الله ~~ودينه. # ولا يحسن أن يعطف " يهدي " على " ويرى "، لأنه لم يثبت ذلك ليهدي جميع ~~الخلق إلى دين الله. PageV09P5887 # ثم قال تعالى: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل} الآية أي: قال بعض ~~الكفار لبعض، متعجبين من البعث بعد الموت، منكرين له، هل ندلكم أيها الناس ~~على رجل يخبركم بالبعث بعد الموت، وكونكم ممزقين بعد قد أكلتكم الأرض وصرتم ~~عظاما ورفاتا. والعامل في " إذا " فعل مضمر، أي: إذا مزقتم تبعثون. # وقيل: العامل " مزقتم " على أن يكون هذا للمجازاة فلا تضاف إلى ما بعدها. # وإذا لم تقف عمل ما بعدها فيها. وأكثر ما يجازى بإذا في الشعر، ولا يجوز ~~أن يعمل فيها " ينبئكم " لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، ولا يعمل فيها ما بعد ~~أن، لأن " أن " لا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولة. # ثم قال: {أفترى على الله كذبا} أي: قال المشركون: افترى محمد في قوله: ~~إنا نبعث. # {على الله كذبا} أي: اختلق هذا القول من عند نفسه وأضافه إلى الله {أم به ~~جنة} أي: به جنون، فتكلم بما لايكون ولا معنى له. # ثم قال تعالى: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب} أي: ما الأمر كما ~~قال هؤلاء المشركون في محمد، ولكن هم في عذاب الآخرة وفي الضلال البعيد عن ~~الحق، فمن أجل ذلك يقولون هذا المنكر. # ثم قال تعالى: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السمآء والأرض} ~~أي: ألم ينظر PageV09P5888 # هؤلاء المكذبون بالبعث إلى ما قدامهم من السماء والأض وما خلفهم من ذلك، ~~فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن الأرض والسماء محيطان بهم من كل جانب، فيرتدوا ~~عن جهلهم وتكذيبهم بآيات الله حذارا أن يأمر الله الأرض فتخسف بهم، أو يسقط ~~عليهم قطعة من السماء فتهلكهم، وهو قوله: {إن نشأ ms2057 نخسف بهم الأرض أو نسقط ~~عليهم كسفا من السمآء} هذا كله معنى قول قتادة. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} أي: إن في إحاطة السماء ~~والأرض لجميع الخلق لدلالة على قدرة الله لكل عبد أناب إلى الله بالتوبة. # قال قتادة: المنيب: المقبل التائب. # وقيل: المعنى: أو لم يتأملوا ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ~~من عظيم القدرة في خلق ذلك فيعلموا أن الذي خلق ذلك يقدر على بعثهم بعد ~~موتهم، وعلى أن يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم قطعة من السماء. # قوله تعالى ذكره: {ولقد آتينا داوود منا فضلا} إلى قوله: {من عبادي ~~الشكور}. # أي: وقد أعطينا داود منا فضلا، وقلنا للجبال {ياجبال أوبي معه} أي: سبحي ~~معه إذ سبح، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. # والتأويب في كلام العرب: الرجوع، ومبيت الرجل في منزله وأهله، وأصله من PageV09P5889 # سرعة رجع أيدي الإبل وأرجلها في السير الحثيث، وهو التأويب. # وقرئت " أوبي " بالتخفيف. من آب يؤوب، بمعنى تصرفي معه. # ثم قال: {والطير} فمن نصب فعل معنى: سخرنا له الطير، هذا قول أبي عمرو. # وقال الكسائي: هو معطوف على " داود " أي: وآتيناه الطير. # ونصبه عند سيبويه على موضع يا جبال. # ويجوز أن يكون مفعولا معه، فيكون المعنى: يا جبال أوبي معه ومع الطير. # وقد قرئ بالرفع/ على العطف على لفظ الجبال أو على المضمر في " أوبي " PageV09P5890 # وحسن ذلك لما فرقت ب معه. # وقوله: {أن اعمل} أن لا موضع لها بمعنى أي: ويجوز أن تكون في موضع نصب ~~على معنى: لأن اعمل. # وقيلأ: التقدير: وعهدنا إليه بأن أعمل، وقاله الطبري. # ثم قل: {وألنا له الحديد}. # قال قتادة: سخر الله له الحديد بغير نار، فكان يسويه بيده ولا يدخله نارا ~~ولا يضربه بحديد. # وروي أنمه كان في يده بمنزلة الطين. وهو أول من سخر له الحديد. # وقيل: أعطاه الله قوة يثني به الحديد. # قال الحسن: كان داود يأخذ الحديد فيكون في يده بمنزلة العجين. # وقوله: {أن اعمل ms2058 سابغات} أي: دروعا كوامل توام. # قال قتادة: كان داود أول من صنع الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح. PageV09P5891 # ثم قال تعالى: {وقدر في السرد}. # قال قتادة: كان يجعلها بغير نار ولا حديد، والسرد: المسامير. # وقال ابن عباس: السرد حلق الحديد. # وقال ابن منبه. # والسرد في اللغة كل ما عمل متسقا متتابعا يقرب بعضه من بعض ومنه سرد ~~الكلام. ومنه قيل للذي يعمل الدروع زراد وسراد. # قال وهب بن منبه: كان داود يخرج متنكرا يسأل عن سيرته في الناس فيسمع حسن ~~الثناء عليه، فيزداد تواضعا لله، وعلى الخير حرصا، قال: فخرج ذات يوم وبعث ~~الله ملكا إليه في صورة آدمي، فقال له داود: كيف ترى سيرة هذا العبد داود - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهو يظن أنه آدمي، فقال له الملك: نعم العبد داود، ~~ما أنصحه لربه وأقربه من المساكين، لولا خصلة في داود ما كان لله عبد مثل ~~داود، قال له داود: وما تلك الخصلة؟ قال: إنه يأكل من بيت المال وما من عبد ~~أقرب إلى الله جل ذكره من عبد يأكل من كد يمينه، فانصرف داود ودخل محرابه ~~وابتهل إلى ربه وسأله أن يرزقه عملا بيده يغنيه عن بيت المال، فعلمه الله ~~صنعة الدروع، فكان أول من عمل الدروع وألان PageV09P5892 # الله له الحديد فكان في يده بمنزلة العجين. # والمعنى على قول مجاهد: وقدر المسامير في حلق الدروع حتى تكون بمقدار لا ~~يضيق المسمار وتضيق الحلقة فتقسم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتصغر المسمار ~~وتدقه فتسلى الحلقة. # ثم قال: {واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير} أي اعمل يا داود أنت وأهلك ~~عملا صالحا، إني بعملكم بصير. # والطير وقف ولا تقف على الحديد أن مابعده متعلق به. ولا تقف على " بصير " ~~إلا على قراءة من رفع. " الريح ". فإن نصبته فهو معطوف عند الكسائي، على " ~~وألنا ". # والتقدير عن الزجاج: سخرنا له الريح. PageV09P5893 # ثم قال: {غدوها شهر} أي: سيرها به إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، وسيرها ~~به من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر، قاله قتادة ms2059 وغيره. # قال ابن يد: كان لسليمان مركب من خشب، وكان له فيه ألف ركن، في كل ركن ~~ألف بيت، يركب معه فيه الإنس والجن، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ظل المركب ~~هم والعطار - والعصار الريح العاصف - فإذا ارتفع ظله أتت الرخاء فسارت به ~~وصاروا معه، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ويسمي عند قوم بينهم وبينه شهر ~~فلا يدري القوم إلا وقد أظلم معه الجيوش والجنود. # ثم قال تعالى: {وأسلنا له عين القطر} أي: وأذينا له عين النحاس كانت بأرض ~~اليمن، قاله قتادة، قال: وإنما ينتفع الناس اليوم مما أخرج الله لسليمان. # ثم قال: {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} أي: منهم من يطيعه، يأتمر ~~لأمره فيعمل بين يديه لما يأمره به طاعة لله جل ذكره. # فمعنى {[بإذن] ربه}: أمر الله له بذلك، وتسخيره له إياه. فأمن في موضع ~~رفع الابتداء والمجرور المتقدم الخبر ويجوز أن تكون " من " في موضع نصب على PageV09P5894 # العطف على ما قبله. # والتقدير: وسخرنا له من الجن من يعمل. فتقف على " القطر " في القول ~~الأول، ولا تقف عليه في القول الثاني. # ثم قال: {ومن يزغ منهم عن أمرنا} أي: ومن يزل ويعدل من الجن عما أمر به ~~من طاعة سليمان. # {نذقه من عذاب السعير} في الآخرة وهو عذاب النار المتوقدة. # ثم قال تعالى: {يعملون له ما يشآء من محاريب} أي: من كل شيء مشرف. # والمحراب في اللغة كل شيء مشرف مرتفع، وكل موضع شريف، ومنه قيل/ للموضع ~~الذي يصلي فيه الإمام محرام لأنه يعظم ويشرف ويرفع. وقيل: المحراب مقدم كل ~~بيت ومسجد ومصلى. # قال مجاهد: المحاريب في الآية: بنيان دون القصور. PageV09P5895 # وقال قتادة: " محاريب ": قصور ومساجد. # قال الضحاك: " محاريب ": مساجد. # وقال ابن زيد. محاريب مساكن وقراء قوله: {وهو قائم يصلي في المحراب} [آل ~~عمران: 39]. أي: في مسكنه، وقد تقدم ذكره. # ثم قال: {وتماثيل} قال مجاهد: تماثيل من نحاس. # وقال الضحاك تماثيل: تماثيل الصور. # وهذا عند أكثر العلماء منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه ms2060 وسلم عن عمل ~~الصورة، وتوعده لمن عملها أو اتخذها. وكان في ذلك صلاح في الدين أنه بعث ~~على الله عز وجل والصور تعبد، PageV09P5896 # فكان الأصلح إزالتها. # وقد قال قوم: عمل الصور جائز بهذه الآية وبما صح عن (المسيح) عليه ~~السلام. # ثم قال تعالى: {وجفان كالجواب} أي كالحياض. كانوا ينحتون له ما يشاء من ~~جفان كالحياض، وهو جمع حابية يجيبى فيها الماء، أي يجمع. # وروي عن مجاهد أن الجوابي جمع جوبة وهي الحفرة الكبيرة تكون في الجبل ~~يجتمع فيها الماء. # وقاله أيضا ابن عباس. # وعنه: كالحياض. PageV09P5897 # وهو قول الحسن وقتادة والضحاك. # وقيل: إنها كانت تعمل له كهيئة الطير. # ثم قال: {وقدور راسيات} أي: ثابتات لا تحرك من موضعها لعظمها قال ابن ~~القاسم: قال مالك: " وجفان كالجواب: " كالجوبة من الأرض. # قال: وقدور راسيات " هي قدرو لا تحمل ولا تحرك. # والجوبة من الأرض: الموضع يستنقع فيه الماء. # قال ابن زيد: قدور أمثال الجبال من عظمها يعمل فيها الطعام لا تحرك ولا ~~تنقل، كما قال الجبال راسيات. # وعن ابن زيد أيضا: أنها قدور من نحاس تكون بفارس. # وقال الضحاك: هي قدور كانت تعمل من الجبال حجارة. # ثم قال تعالى: {اعملوا آل داوود شكرا} أي: اعملوا لله الشكر، أي: من أجل ~~الشكر على نعمه عليكم، فيكون شكرا مفعولا من أجله. PageV09P5898 # ويجوز أن يكون مصدرا على معنى: اشكروا له شكرا، وقام " اعملوا " مقام ~~اشكروا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد يوما إلى المنبر قائلا: " اعملوا ~~آل داود شكرا " فقال: ثلاثة من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود: العدل ~~في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السرو العلانية ". # وقال مجاهد: لما قال الله جل ذكره: {اعملوا آل داوود شكرا}، قال داود ~~لسليمان: إن الله قد ذكر الشركر، فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال: ~~لا قدر، قال: فكافني صلاة الظهر قال: نعم، فكفاه. # قال الزهري: اعملوا آل داود شكرا، قولوا: الحمد لله. # وروي أن داود عليه السلام كان قد جزأ ms2061 الصلاة على أهل بيته وولديه ونسائه ~~وأهله، فلم تكن تأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود يصلي ~~فعمتهم هذه الآية PageV09P5899 # {اعملوا آل داوود شكرا}. # وروي أن محرب داود صلى الله عليه وكان لا يخلو من مصل، فإذا أراد المصلي ~~حاجة لا يخرج حتى يأتي غيره من آل داود يصلي في المحراب. # وقال محمد بن كعب: الشكر تقوى الله والعمل بطاعته. وقيل: كل عمل من الخير ~~شكر. # وروي أن داود صلى الله عليه قال: إلهي كيف لي أشكرك ولا أصل إلى شكرك إلا ~~بمعونتك، فأوحى الله إليه: يا داود، ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ ~~قال بلى يا رب، قال: [فإن الرضى بذلك منك، شكر]. # ثم قال تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} أي: قليل منهم الموحدون المخلصون PageV09P5900 # العمل لله. # وذكر أبو عبيد في كتاب " مواعظ الأنبياء " أنه لما نزل على داود {اعملوا ~~آل داوود شكرا} قال داود: يا رب كيف أشكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني ~~على النعمة الشكر، فالنعمة منك والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟ مقال: يا داود ~~الآن عرفتني حق معرفتي. # قال أبو عبد الرحمن الحبلي: الصلاة شكر والصوم شكر، وكل عمل يعمل لله ~~شكر، وأفضل الشكر الحمد. # قال محمد بن كعب: كل عمل يبتغى به وجه الله فهو شكر. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " داود "، ويبتدئ/ ب " شكرا "، على معنى: ~~أشكروا شكرا. PageV09P5901 # ولا يجوز عند غيره لأن اعملوا قام مقام اشكروا فلا يفرق بينهما. # قوله تعالى ذكره: {فلما قضينا عليه الموت} إلى قوله: {إلا فريقا من ~~المؤمنين}. # أي: فلما جاء أجل سليمان فمات، ما دل الجن على موته إلا دابة الأرض، وهي ~~الأرضة وقعت في عصاه التي كان متكئا عليها فأكلتها، وهي المنسأة. # قال قتادة: أكلت عصاه حتى خر. # وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. # وأصل المنسأة الهمز لأنها مشتقة من نسأت الدابة إذا ضربتها بعصا أو غيرها ~~لتسير. # ولكن نافعا وأبا عمرو أبدلا من الهمزة ألفا لغة مسموعة. وليس البدل في ms2062 ~~وحو هذا بالمطرد إلا في الشعر. PageV09P5902 # وقد كان أبو عمرو يقول: لست أدري مم هي إلا أنها غير مهموزة. فرأى ترك ~~همزها على طريق الاحتياط مع نقله ذلك عن أئمته أولا وإنما كان ترك الهمزة ~~للاحتياط، إذ جهل الاشتقاق لأن كل ما يهمز يجوزك ترك همزة، وليس كل ما لا ~~يهمز يجوز همزه. # ثم قال: {فلما خر تبينت الجن} أي: فلما سقط سليمان عند انكسار الصعا ~~تبينت الجن. # {أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} أي: علم أن الجن ~~لم تكن تعلم الغيب، لأنها لو كانت تعلم الغيب ما بقيت في العمل والتعب ~~لسليمان وهو ميت. # قال قتادة: كانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون الغيب، فلما مات سليمان ولم ~~تعلم الجن بموته وبقيت في السخرة بجهد طائعة لميت عاملة له، فعند ذلك تبينت ~~الجن للإنس أنهم لا يعلمون الغيب. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " كان سليمان نبي الله إذا صلى، رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها ~~ما اسمك؟ فإن كانت PageV09P5903 # تغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة ~~بين يديه فقال: ما اسمك؟ قالت الخروب فقال لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب أهل ~~هذا البيت، فقال: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون ~~الغيب، فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا، ومات وهو متوكئ وهم لا يعلمون، فسقطت ~~فعلم أن الجن لا يعلمون الغيب، فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة فشكرت الجن ~~الأرضة ". # وفي مصحف عبد الله: " تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا ~~في العذاب المهين ". # وأن في قوله: " أن لو كانوا " في موضع رفع على المبدل من الجن. وقيل: هي ~~في موضع نصب على معنى بأن. PageV09P5904 # قيل: المعنى: فلما خر تبين أمر الجن، فأن بدل من الأمر على المعنى. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: " أن سليمان كان يتجرد ~~في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين ms2063 وأقل وأكثر، يدخل طعامه ~~وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها، فمات متكئا على عصاه لا يعلم أحد ~~بذلك، والشياطين يعملون له يخافون أ، يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع ~~حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه ومن خلفه فدخل شيطان من أولئك ~~فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع ~~صوت سليمان ثم رجع لم يسمع ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى ~~سليمان قد سقط ميتا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عليه ~~فأخرجوه ووجدوا منسأته - وهي العصا بلسان الحبش - قد أكلتها الأرضة. ولم ~~يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم ~~حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة ". # وروي أن الجن كانت تظن أن الشياطين كانوا يعلمون الغيب، فأحب الله أن ~~يبين لهم أن الغيب لا يعلمه غيره، فمات سليمان صلى الله عليه وسلم وهو متكئ ~~على عصاه، والشياطين PageV09P5905 # دائبة في العمل له وفي الطاعة، فأقام أربعين يوما متكئا على العصا فبعث ~~الله عز وجل الأرضة - وهي السوسة - فأكلت العصا فانكسرت فخر سليمان، فلما ~~خر تبينت الجن أن الشياطين لا يعلمون الغيب، إذ لو كانوا يعلمون الغيب ~~لعلموا وقت موت سليمان، ولم يتمادوا في العمل والسخرة له وهو ميت. # ويروى أن الشياطين قالت للأرضة لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب ~~الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب/، ولكننا سننقل إليك ~~الماء والطين، فهم ينقلون لها ذلك حيث كانت، وذلك هو الطين الذي يكون في ~~جوف الخشب تأتيها به الشياطين شكرا لها. # وذكر ابن وهب عن أبي شهاب: أنه لما توفي داود عليه السلام أقبلت الطير ~~فصفت عليه حتى حبست عن الناس الروح، ووجدوا غما شديدا، فقالوا لسليمان: يا ~~نبي الله هلكنا الغنم، وأمر سليمان الطير فقبضت جناحا وأرسلت جناحا فدخل ~~عليهم الروح. # ثم قال تعالى: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال}. # أي: كان لهم في ms2064 ذلك دلالة وعلامة أنه لا رب لهم إلا الذين أنعم عليهم تلك ~~النعم " وجنتين " بدل من آية. PageV09P5906 # وسبأ في فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو اليمن، " كان له عشرة ~~من الولد، تيامن منهم ستة: كندة وحمير والأزد والأشعريون ومذحج وأنمار ~~الذين منهم بجيلة وخثعم، وتشاءم منهم أربعة: عاملة وجذام ولخم وغسان ". # قال قتادة: كانت لهم جنتان بين جبلين، وكانت المرأة تخرج بمكتلها على ~~رأسها تمشي بين جبلين، فيمتلئ مكتلها وما مست بيدها شيئا، فلما طغوا بعث ~~الله عليهم دابة يقال لها حدث فنقبت عليهم - يعني السد - فغرقتهم، فما بقي ~~لهم إلا أثل وشيء قليل من سدر. # وقيل: إن قربتهم كان لا يرى فيها ذبابة ولا بعوض ولا برغوث ولا عقرب ولا ~~حية وكان الركب يأتون في ثيابهم القمل والذباب فما هو إلا أن ينظروا إلى ~~بيوتهم PageV09P5907 # فيموت ذلك، قاله ابن زيد قال: وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين فيمسك القفة ~~على رأسه فيخرج حين يخرج وقد امتلأت القفة بأنواع الفاكهة ولم يتناول شيئا ~~بيده. # ثم قال: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له} إي: كلوا مما أنعم عليكم به من ~~هاتين الجنتين وغيرهما، واشكروا نعمه على ذلك. # ثم قال: {بلدة طيبة} أي: هذه بلدة طيبة لا سبخة. {ورب غفور} لذنوبكم إن ~~أطعتموه. # ثم قال تعالى: {فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم} أي: فأعرضت سبأ عن طاعة ~~الله وقبول ما أتاهم به الرسل، فأرسلنا عليهم سيل العرم. # قال وهب بن منبه: بعث الله جل جلاله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا، فكذبوهم ~~فأرسله عليهم سيل العرم. # قال ابن عباس: " العرم " الشديد السيل. # وقال عطاء اسم الوادي. PageV09P5908 # وروي ذلك عن ابن عباس قال: واد كان باليمن وكان يسيل إلى مكة. قال قتادة: ~~ذكر لنا أن العرب وادي بسبأ كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية فعمدوا فسدوا ~~ما بين الجبلين بالقار والحجارة، وجعلوا عليه أبوابا وكانوا يأخذون من مائة ~~ما احتاجوا ويسدون ما لا يحتاجون. قال الضحاك: كانت أودية اليمن تسيل كلها ~~إلى وادي ms2065 سبأ وهو العرم فسدوا ما بين الجبلين فحجزوه بالصخر والقار، فاستد ~~زمانا من الدهر. # قال قتادة: فأرسل الله عليهم جرذا فهدم عرمهم، أي سدهم، ومزق الله جناتهم ~~وخرب أرضهم عقوبة لهم. # وقيل: بل كثر الماء عليهم وغلب حتى هدم السد فغرق الجنات وأفسدها. # وعن ابن عباس: أنه إنما حاد السيل الذي يسقي جنتيهم عن مجراه فلم يسقها ~~فهلكت. # وروي أن العرم مما بنته بلقيس صاحبة سليمان، وذلك أن قومها اقتتلوا على PageV09P5909 # الماء فاعتزلتهم، فسألوها الرجوع على أن يطيعوها فرجعت وأمرتهم فسدوا ما ~~بين الجبلين فحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض، ~~وبنت من دونه بركة ضخمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم، فإذا ~~أتى المطر احتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى ففتح فيجري ماؤه ~~في البركة، ثم كذلك حتى ينتفعوا بجميع الماء. # والعرم بكلام اليمن المسناة. # وقال المبرد: العرم كل ما حاجز بين شيئين. # وروي أن الله جل ذكره أرسل عليهم ماء أحمر فشق السد وهدمه وحفر الوادي، ~~فارتفعت حفتاه عن الجنتين فغاب عنهما الماء فيبستا، ولم يكن الماء الأحمر ~~من السد، إنما كان عذابا أرسله الله عليهم من حيث شياء. # ثم قال تعالى: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} أي: جعلنا/ لهم مكان الجنتين ~~اللتين كانتا تثمر عليهم أطيب الفواكه {ذواتي أكل خمط}. # قال ابن عباس: هو الأراك. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك. PageV09P5910 # وقال ابن زيد: أبدلوا مكان العنب أراكا، ومكان الفاكهة أثلا، وبقي لهم ~~شيء من سدر قليل. فالأثل على هذا ثمر الأراك. # وقال الخليل: الخمط الأراك، فهذا يدل على قطافه كأنه قل ثم أراك. ومن نون ~~جعل الثاني بدلا من الأول. # قال المبرد: الخمط كل ما تغير إلى ما لا يشتهى، يقال خمط اللبن إذا حمض. # وقال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة فيها مرارة ذات شوك. # وقال القتبي: يقال للحامضة خمطة، وقيل: الخمطة التي قد أخذت شيئا من ~~الريح. # والأثل: الطرفاء، قاله ابن عباس. # وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء. PageV09P5911 # وقيل: هو ms2066 السمر. # ثم قال: {ذلك جزيناهم بما كفروا} أي: عاقبناهم بكفرهم بالله ورسله، أي: ~~هذا الذي فعلنا بهم جزاء منا لهم بكفرهم. # وقيل: التقدير: وجزيناهم ذلك بكفرهم. # ف {ذلك} في موضع نصب على هذا، وفي موضع رفع على القول الأول على الخبر ~~للابتداء المحذوف. # ثم قال: {وهل نجازي إلا الكفور} أي: وهل يكافأ إلا من كفر بالله، فأما ~~جاء المؤمنين فهو تفضل من الله لا مكافأة، لأنه جعل لهم بالحسنة عشرا، فذلك ~~تفضل منه، وجعل للمسيء بالواحدة واحدة مكافأة له على جرمه، فالمكافآت لأهل ~~الكبائر. والكفر، والمجازاة لأهل الإيمان مع التفضل. # قال مجاهد: {نجازي} يعاقب. # قال قتادة: إذا أراد بعبد كرامة يقبل حسناته، وإذا أراد بعيد هوانا أمسك ~~عليه PageV09P5912 # ذنوبه حتى يوافى بها يوم القيامة. # وقيل: المعنى: ليس يجازى بمثل هذا الجزاء الذي هو الاصطلام والهلاك إلا ~~من كفر. # وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حوسب ~~هلك، قالت: فقلت يا ني الله، فأين قوله: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} ~~[الإنشاق: 8] قال: إنما ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك ". # ثم قال تعالى ذكره: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ~~ظاهرة} أي: مما أنعم الله به على هؤلاء، أي: جعل بينهم وبين القرى التي ~~بارك فيها - وهي الشام - قرى ظاهرة، قاله مجاهد وقتادة. PageV09P5913 # قال ابن عباس: هي الأرض المقدسة. # وقوله: {قرى ظاهرة} أي: متصلة متقاربة تتراءة من كان في قرية رأى القرية ~~التي تليها لقربها منها. # قال الحسن: كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية ويروح إلى قرية أخرى. # قال الحسن: كانت المرأة تضع زنبيلها على رأسها تشتغل بمغزلها فلا تأتي ~~بيتها حتى يمتلئ من كل الثمار، يرقد من غير أن تحترف شيئا، بل يمتلئ ~~الزنبيل مما يتساقط من الثمار في حال مسيرها تحت الثمار لاتصال بعض الثمار ~~ببعض. # وقال ابن عباس: {قرى ظاهرة} أي: عربية بين المدينة والشام، وهو قول ~~الضحاك. # وقال ابن زيد: كان بين قريتهم وبين الشام قرى ظاهرة. # قيلأ: وإن كانت المرأة ms2067 لتخرج ومعها مغزلها ومكتلها على رأسها، تروح من ~~قرية إلى قرية وتغدوا أو تبيت في قرية، لا تحمل زادا ولا ماء فيما بينها ~~وبين الشام. PageV09P5914 # وقال المبرد: الظاهرة: المرتفعة. # ثم قال: {وقدرنا فيها السير} أي: جعلنا بين قراهم والقرى التي باركنا ~~فيها مسيرا مقدرا من منزل إلى منزل، لا ينزلون إلا في قرية ولا يغدون إلا ~~من قرية. # وقال الفراء: جعل الله لهم بين كل قريتين نصف يوم. # ثم قال: {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} أي: سيروا في هذه القرى التي ~~قدرنا فيها المسير إلى القرى التي باركنا فيها - وهي بيت المقدس - آمنين، ~~لا تخافون ظلما ولا جوعا ولا عطشا. # قال قتادة: آمنين لا يخافون ظلما ولا جوعا، إنما يغدون فيقيلون في قرية ~~ويروحون، فيأتون قرية أهل خير ونهر، حتى لقد ذكر لنا: أن المرأة كانت تضع ~~مكتلها على رأسها وتمتهن بيدها فيمتلئ مكتلها من الثمرة قبل أن ترجع إلى ~~أهلها من غير أن تحترف بيدها شيئا، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زادا ولا ~~سقاء مما بسط الله للقوم. # فهذا الذي ذكر الله من قصة سبأ وغيرها، إنما ذكره لنا ليبين لنا إحسان ~~المحسن وثوابه، وإساءة المسيء وعقوبته/، ليتجافى الناس عن المعاصي ويرغبوا ~~في الطاعة ويسارعوا إلى ما رغبهم فيه، ويزدجروا عن ما نهاهم عنه ويخافون أن ~~يحل بهم ما حل بمن قص عليهم عقوبته، ويبادروا إلى فعل من قص عليهم كرامة ~~لهم، فهي مواعظ وأمثال تكرر في القرآن ليتنبه لها الغافل ويجتهد المتنبه ~~إحسانا من الله تعالى ونعمة علينا، PageV09P5915 # قال الله تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} [الروم: ~~58]. وقال: {وضربنا لكم الأمثال} [إبراهيم: 45]. وهذا كثير مكرر للأفهام في ~~القرآن. # ثم قال تعالى: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا}. # قرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية وأبو صالح: (ربنا) بالرفع " باعد بالفتح ~~وألف على الخبر. # وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر: (ربنا) بالرفع " بعد " بالتشديد وفتح ~~العين والدال. وقد رويت عن ابن عباس وهو خبر أيضا. ms2068 # وقرأ سعيد بن أبي الحسن أخو الحسن: " ربنا " بالنصب " بعد " بضم العين ~~وفتح الدال بين بالرفع. PageV09P5916 # ورواه الفراء وأبو إسحاق الزجاج بين وهو خبر أيضا، ومعانيها ظاهرة، ~~والمعنى على قراءة من جزم الفعل أنهم بطروا وجهلوا قدر النعمة عليهم، ~~فسألوا أن يجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز ليركبوا فيها الرواحل ~~ويتزودوا لها، فعجل لهم الإجابة كما عجل للقائلين: {اللهم إن كان هذا هو ~~الحق} [الأنفال: 32] الآي فتقلهم يوم بدر، فكذلك هؤلاء مزقوا بين الشام ~~وسبأ. # قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب وغسان بالشام، والأزد بعمان وخزاعة ~~بتهامة، وفرقوا أيادي سبا وتقطعوا في البلدان بظلمهم لأنفسهم وكفرهم بنعمة ~~الله. # ثم قال: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} أي: فما تقدم من النعم على ~~هؤلاء والانتقام منهم لما بطروا النعمة وكفروا، لدلالات وعظات لكل من صبر ~~على طاعة الله ومحبته وشكر على نعمته. PageV09P5917 # قال مطرف: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطى شكر وإذا ابتلي صبر. ~~وصبار شكور بناءان للمبالغة. # ثم قال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} أي: صدق عليهم في ظنه، وذلك ~~أنه ظن ظنا على غير يقين فكان ظنه كما ظن بكفر بني آدم وطاعتهم له، منهم ~~أهل الجنتين وغيرهم. # ومن شدد " صدق " ونصب " ظنه " بوقوع صدق عليه، لأن ظنه كان غير يقين، ~~فصدقه بكفر بني آدم واتباعهم له. # قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصا، وإنما ظن ظنا فكان كما ظن بوسوسته ~~لهم. # والمعنى: أن إبليس لما أنذره الله قال: لأغوينهم ولأضلنهم ولأحتنكن ذرية ~~آدم، وذلك ظن منه أنه يكون، لم يتيقن ذلك. فلما وصل من بني آدم إلى ما أراد ~~من PageV09P5918 # إضلالهم صدق ظنه فيهم. # وقرئ " صدق " بالتخفيف، و " إبليس ظنه " بالرفع فيهما على أن الظن بدل ~~الاشتمال من إبليس. # وقوله: {إلا فريقا من المؤمنين} أي: لم يصدق فيهم ظنه ولا أطاعوه، وثبتوا ~~على طاعة الله ومعصية إبليس. # قال ابن عباس: هم المؤمنون كلهم. # وقيل: هم بعض المؤمنين لقوله: " إلا فريقا " ولم يقل إلا المؤمنين. وقيل: ~~في ms2069 الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولقد اتبعوا إبليس فصدق عليهم (ظنه) ~~لأنه لم يصدق عليهم ظنه حتى اتبعوه. # ومن خفف صدق ونصب الظن فعلى تقدير حرف الجر، أي في ظنه. # قوله تعالى ذكره: {وما كان له عليهم من سلطان} إلى قوله: {في ضلال مبين}. PageV09P5919 # أي ما كان لإبليس على أصحاب الجنتين وغيرهم ممن اتبعه من حجة يضلهم بها ~~إلا سلطناه عليهم لنعلم من يطيعه فينكر الجزاء والبعث ممن يعصيه فيؤمن ~~بالجزاء البعث، وذلك أمر قد علمه الله جل ذكره، ولكن المعنى: لنعلم ذلك علم ~~مشاهدة، فعليها يقع الجزاء والثواب. # وقيل: المعنى: إلا لنعلم ذلك عندكم كما قال: {أين شركآئي} [القصص: 62]، ~~أي على/ قولكم وزعمكم. # فقوله: " إلا لنعلم " ليس في الظاهر بجواب لقوله: {وما كان له عليهم من ~~سلطان} أي: من حجة لكنه محمول على المعنى، لأن المعنى {وما كان له عليهم من ~~سلطان}: ما جعلنا له عليهم من سلطان إلا لنعلم. فبهذا يتصل بعض الكلام ببعض ~~ويظهر المعنى. # ثم قال تعالى: {وربك على كل شيء حفيظ} أي: وربك يا محمد على أعمال هؤلاء ~~الكفرة وغير ذلك من الأشياء كلها حفيظ لا يغرب عنه علم شيء، مجاز جميعهم ~~بما كسبوا، أي في الدنيا من خير وشر. # ثم قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي: قل يا محمد لهؤلاء ~~الجاحدين من قومك: ادعوا من زعمتم أنه شيك لله فاسئلوهم يفعلوا بكم بعض ما ~~فعل بهؤلاء الذين تقدم ذكرهم من خير ونعمة فإنهم لا يملكون زنة مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض، {وما لهم فيهما من شرك} أي: فليس يملكون شيئا ~~على الانفراد ولا على الشركة، فكيف يكون من هذه حالة شريكا لمن يملك جميع ~~ذلك، وإذا لم تقدر ألهتكم على شيء من ذلك، فأنتم مبطلون في دعواكم. فمفعول ~~زعمتم جملة محذوفة دل عليها الخطاب، والتقدير: الذين زعمتم أنهم ينصرونكم ~~من دون الله، PageV09P5920 # يعني الملائكة لأنهم عبدوهم من دون الله وزعموا أنهم ينصرونهم. # ثم قال: {وما له منهم من ظهير} ms2070 أي: وما لله جل ذكره من آلهتهم من عوين ~~على خلق شيء. # ثم قال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} أي: لا تنفع شفاعة ~~شافع لأحد إلا لمن أذن الله له في الشفاعة، والله لا يأذن بالشفاعة لأحد من ~~أهل الكفر، وأنتم أهل كفر فيكف تعبدون من تعبدون من دون الله زعما منكم ~~أنكم تعبدونه ليقربكم إلى الله وليشفع لكم عند ربكم، " فمن " على هذا ~~التأويل للمشفوع له، والتقدي: إلا لمن أذن له أن يشفع فيه. # وقيل: هي للشافع - يراد به الملائكة، أي لمن أذن له أن يشفع في غيره من ~~الملائكة مثل قوله: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28]. # قيل: من قال لا إله إلا الله. # ودل على ذلك قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم}. # ثم قال تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} أي: كشف عنها الفزع. ومن فتح ~~فمعناه: إذا كشف الله عن قلوبهم الجزع. # وقرأ الحسن: " فزع " الراء والعين غير معجمة. # وروي عنه بالراء وعين معجمة. PageV09P5921 # والمعنى أزيل عن قلوبهم الفزع. # قال ابن عباس: " فزع عن قلوبهم " جلي. # وقال مجاهد: كشف عنهم الغطاء. وهم الملائكة، وذلك أن ابن مسعود قال: إذا ~~حدث أمر عند ذي العرش، سمع من دونه من الملائكة صوتا كجر السلسلة على الصفا ~~فيغشى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم نادوا ماذا قال ربكم؟ فيقول من شاء ~~الله: قال الحق وهو العلي الكبير. # وروى أبو هريرة أن نبي الله قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت ~~الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير ". # وقال ابن جبير: ينزل الأمر من عند رب العزة إلى سماء الدنيا فيسمعون مثل ~~وقع الحديد على الصفا، فيفزع أهل السماء الدنيا حتى يستبين لهم الأمر الذي ~~نزل فيه فيقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق وهو العلي ~~الكبير. PageV09P5922 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا أراد الله ms2071 جل ذكره أن ~~يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة - أو قال رعدة شديدة - ~~خوفا من الله، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول ~~من يرفع رأسه جبريل صلى الله عليه وسلم، فيكلمه الله جل وعز من وحيه بما ~~أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة صلى الله عليهم، كلما مر بسماء سألته ~~ملائكتها ماذا قال ربنا جبريل؟ فيقول جبريل صلى الله عليه وسلم: قال الحق ~~وهي العلي الكبير. قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل عليه ~~السلام بالوحي حيث أمره الله عز وجل ". # قال قتادة: يوحي الله جل ذكره إلى جبريل/ صلى الله عليه وسلم فتفرق ~~الملائكة مخافة أن يكون شيئا من أمور الساعة، فإذا أجلي عن قلوبهم وعلموا ~~أن ذلك ليس من أمور الساعة قالوا: ماذا قال ربكم. # وقال الضحاك: زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات يختلفون إلى أهل الأرض ~~يكتبون أعمالهم، فإذا أرسلهم الرب وانحدروا سمع لهم صوت شديد PageV09P5923 # فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجدا، ~~وهذا كلما مروا عليهم يفعلون ذلك من خوف الله. # وذكر ابن سحنون محمد. حدثنا بسنده إلى ابن عباس أنه قال: إن الله تبارك ~~وتعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات صوتا كصوت الحديد وقع على الصفا ~~فيخرون سجدا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالو: الحق وهو ~~العلي الكبير. # وروى محمد حدثنا بسنده إلى ابن مسعود أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع ~~أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى ~~يأتيهم جبريل صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم فإذا قاموا ~~نادوا جبريل ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحق، فينادون الحق الحق وهو العلي ~~الكبير. وقال ابن زيد: هذا في بني آدم عند الموت أقروا بالله حين لم ينفعهم ~~الإقرار. # فالمعنى فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وما كان يضلهم، أي: قالوا: ماذا ~~قال ربكم، فيكون هذا الكلام مردودا على من تقدم ms2072 ذكره من الذين صدق عليهم PageV09P5924 # إبليس ظنه، وتكون الأقوال المتقدمة مردودة على {إلا لمن أذن له} أي لمن ~~أذن له من الملائكة أن يشفع. و {العلي} الجبار و {الكبير} السيد. # ثم قال تعالى: {قل من يرزقكم من السماوات والأرض} أي: قل يا محمد لهؤلاء ~~المشركين من يرزقكم من السماوات والأرض؟، أي: من ينزل عليكم الغيث من ~~السماء ويخرج النبات من الأرض لأقواتكم ومنافعكم؟ # ثم قال تعالى: {قل الله} وفي الكلام حذف، أي: فإن قالوا لا ندري فقل: ~~الله، وكذلك كل ما كان مثله قد حذف منه الجواب لدلالة الكلام عليه. # ثم قال تعالى: {وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} أي: أحدنا على ~~خطأ في مذهبه، والتقدير: وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين أو أياكم لعلى هدى ~~أو في ضلال مبين، ثم حذف " هدى " وقد علم المعنى في ذلك كما تقول، أنا أفعل ~~كذا وأنت تفعل كذا وأحدنا مخطىء، وقد عرف من هو المخطئ. # و {لعلى هدى} خبر عن إياكم، وخبر الأول محذوف لدلالة الكلام عليه، ويجوز ~~أن يكون خبرا للأول، وهو اختيار المبرد. # فيكون خبر الثاني هو المحذوف. # ولو عطفت على الموضع فقلت: وأنتم لكان لعلى هدى خبرا للأول لا غير. # وقيل: المعنى، وإنا لعلى هدى وإياكم لفي ضلال مبين. " أو " بمعنى الواو. PageV09P5925 # وهو قول أبو عبيدة. # وقال البصريون: أو على بابها: وليست للشك، وإنما تكون في مثل هذا في كلام ~~العرب تدل على أن المخبر لم يرد أن يبين، وهو عالم بالمعنى لكنه لم يرد أن ~~يبين من هو المهتد. # وقيل: أو على بابها، ولكن معنى الكلام الانتقاص للمشركين والاستهزاء بهم، ~~أي: قد بين أن آلهتهم لا ترزق شيئا لا تنفع ولا تضر، وهو مثل قولك للرجل: ~~والله إن أحدنا لكاذب، وقد علمت من هو الكاذب، ولكن أردت توبيخه واستنقاصه ~~وتكذيبه فدللت عن ذلك بلفظ غير مكشوف. فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يكذبهم ويعيرهم في دينهم بلفظ غير مكشوف. # قوله تعالى ذكره: ms2073 {قل لا تسألون عمآ أجرمنا} إلى قوله: {في الغرفات ~~آمنون}. # أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا تسئلون أنتم عن ذنوبنا ولا نسأل عن ~~ذنوبكم، وقل لهم يا محمد: يجمع بيننا ربنا في الآخرة ثم يفتح بيننا بالحق، ~~أي يحكم ويقضي بيننا بالحق فيظهر عند ذلك المهتدي هنا من الضال. # ثم قال: {وهو الفتاح العليم} أي: والله الحاكم القاضي بين خلقه لا يخفى ~~عليه حالهم ولا يحتاج إلى شهود، العليم بجميع الأمور/. PageV09P5926 # ثم قال تعالى: {قل أروني الذين ألحقتم به شركآء كلا} أي: قل لهم يا محمد ~~أروني الذين جعلتم لله شركاء في عبادتكم إياه هل خلقت شيئا، أو رزقتكم ~~شيئا، أو نفعتكم، فعرفوني ذلك وإلا فلم عبدتموها؟ # {كلا} أي: كذبوا، ليس الأمر كما ذكروا من أن لله شركاء في ملكه، بل هو ~~الله المعبود وحده، العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبيره خلقه. # وقيل: إن " كلا " رد لجوابهم المحذوف، كأنهم قالوا هي هذه الأصنام، فرد ~~عليهم قولهم، أي: ليس الأمر كما زعمتم، أي: ليست شركاء له بل هو (الله) ~~العزيز الحكيم. وأروني هنا من رؤية القلب. والمعنى عرفوني ذلك، فشركاء ~~مفعول ثان، ويجوز أن يكون من رؤية العين، فيكون شركاء حالا. # ثم قال: {ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس} أي: ما أرسلناك يا محمد إلا جامعا ~~لإنذار الناس وتبشيرهم، العرب والعجم. ومعنى كافة اللغة الإحاطة. # ثم قال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: لا يعلمون أن الله أرسلك ~~كذلك إلى جميع الخلق. PageV09P5927 # قال قتادة: أرسل الله جل ذكره محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم ~~فأكرمهم على الله أطوعهم له. # قال قتادة: ذكر لنا أن النبي عليه السلام قال: " أنا سابق العرب، وصهيب ~~سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق فارس ". # ثم قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} أي: متى يأتي ~~العذاب الذي تعدنا به يا محمد؟ قل لهم يا محمد: لكم أيها القوم ميعاد يوم ~~لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون، أي: لا يؤخرون للمؤنة ms2074 إذا جاءكم ولا ~~يتقدم العذاب إليكم قبله. # ثم قال: {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} أي: ~~لن نؤمن بما جاء به محمد ولا بما أتى قبله من الكتب، أي لا نصدق بذلك كله. # ثم قال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم} أي: لو تراهم يا ~~محمد موقوفين يتلاومون يحاور بعضهم بعضا، يقول الذين استضعفوا في الدنيا ~~للذين كانوا يستكبرون عليهم في الدنيا: لولا أنتم لكنا في الدنيا للذين ~~كانوا يستكبرون عليهم في الدنيا: لولا أنتم لكنا من الدنيا مؤمنين. # {قال الذين استكبروا} أي: في الدنيا للذين استضعفوا فيها. # {أنحن صددناكم عن الهدى} أي: منعناكم من اتباع الحق بعد إذ جاءكم من عند ~~الله. # {بل كنتم مجرمين} بإيثاركم الكفر بالله على الإيمان. PageV09P5928 # ثم قال تعالى: {وقال الذين استضعفوا} أي: في الدنيا للذين استكبروا فيها ~~عليهم. # {بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ} أي: بل مكركم بالليل والنهار صدنا عن ~~الهدى إذ تأمروننا أن نكفر بالله. # {ونجعل له أندادا} أي: أمثالا وأشباها في العبادة والألوهية. # وأضيف المكر إلى الليل والنهار على الإتساع، لأن المعنى معروف لا يشكل ~~كما يوقلون: نهارك صائم وليلك قائم. # وقال ابن جبير: معنه بل مر الليل والنهار فغفلوا. # وقال الأخفش: رفعه على معنى بل هذا مكر الليل. # ثم قال تعالى: {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي: أظهروها. وقيل: ~~المنى: تبينت الندامة في أسرار وجوههم لأن الندامة إنما هي في القلوب فلا ~~تظهر، إنما تظهر بما توليد عنها. # والمعنى: ندموا على ما فرطوا فيه من طاعة الله في الدنيا حين عاينوا عذاب ~~الله الذي أعده لهم. # وقال قتادة: وأسروا الندامة بينهم لما رأوا العذاب. PageV09P5929 # ثم قال: {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} أي: أغللنا أيدي الكافرين ~~بالله في جهنم إلى أعناقهم جزاء بما كانوا في الدنيا يكفرون بالله. # قال الحسن: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب، ~~ولكن إذا طفى بهم اللهب ترسبهم في النار. # ثم قال تعالى: {ومآ ms2075 أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ} أي: ما ~~بعثنا في أهل قرية نذيرا ينذرهم بأس الله أن ينزل بهم على كفرهم. # {إلا قال مترفوهآ} أي: كبراؤها ورؤوسها في الضلالة. # {إنا بمآ أرسلتم به كافرون} كما قال لك مشركوا قومك يا محمد. # ثم قال: {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا} أي: وقال أهل الاستكبار على ~~الله ورسله من كل قرية أرسلنا فيها نذيرا: نحن أكثر من الأنبياء أموالا ~~وأولادا وما نحن في الآخرة بمعذبين/، لأن الله لو لم يكن راضيا عنا في ~~ديننا لم يعطنا ذلك ويفضلنا به، كما قال قومك يا محمد لك. # ثم قال تعالى ذكره لنبيه: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر} أي: ~~يوسع على من يشاء في رزقه ويضيق على من يشاء. وليس التوسع في الرزق بفضل ~~ومنزلتة وقربة لمن وسع عليه، ولا التضييق في الرزق لبغض ولا مقت ولا إهانة ~~لمن ضيق عليه، بل ذلك كله لله تعالى، يفعل ما يشاء محنة لعباده وابتلاء منه ~~ليعلم الشاكر من الكافر، علما يجب عليه الجزاء، وقد كان علمه قبل أن يبلتي ~~أحدا بذلك، ولكن يريد أن يعلمه علم مشاهدة يقع عليها الجزاء. # ثم قال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: لا يعلمون أن الله إنما ~~يفعل ذلك اختبارا وامتحانا فيظنون أنه إنما وسع على قوم لفضلهم ومحبتهم، ~~وضيق على قوم لبغضهم ومقتهم. # ثم قال: {ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} أي: ليس ما ~~كسبتم من PageV09P5930 # الأموال والأولاد مما تقربكم إلى الله، إنما يقرب من الله تعالى الإيمان ~~والعمل الصالح، فلا فائدة لكم في احتجاجكم أنكم أكثر أموالا وأولادا من ~~الرسل. # وقوله: {إلا من آمن} نصب الاستثناء. # وقال الزجاج: من في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في تقربكم. وهو ~~غلط لأن الغائب لا يبدل من المخاطب. لو قلت: رأيتك زيدا، لم يجز. وهو معنى ~~قول الفراء. # وأجاز الفراء أن تكون " من " في موضع رفع بمعنى ما هو إلا من آمن. وهو ms2076 ~~بعيد في المعنى، وإنما وحد " التي " وقد تقدم ذكر أموال وأولاد لأنه على ~~حذف، والتقدير: وما أموالكم بالتي تقربكم ولا أولادكم بالتي تقربكم، ثم حذف ~~الأول لدلالة الثاني. # وقال الفراء: التي تكون للأموال والأولاد جميعا. PageV09P5931 # ثم قال تعالى: {فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا} أي: إلا من آمن وعمل ~~صالحا وأنه تقربه أمواله وأولاده بطاعتهم لله في ذلك وأدائهم حق الله فيه ~~دون أهل الكفر، فيضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها وفي سبيل الله إلى سبع ~~مائة ضعف. # وقال ابن زيد: إلا من آمن فلن تضره أمواله ولا أولاده في الدنيا، وقرأ: ~~{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]. وقال: الحسنى: الجنة والزيادة: ~~ما أعطاهم الله في الدنيا لا يحاسبهم كما يحاسب الكفار. # ثم قال تعالى: {وهم في الغرفات آمنون} أي: من العذاب، ومعنى " زلفى " ~~قربى، قاله مجاهد وغيره. # قوله تعالى ذكره: {والذين يسعون في آياتنا معاجزين} إلى قوله: {علام ~~الغيوب}. # أي: والذين سعوا في إبطال حجج الله وأدلته معاجزين، أي: يظنون أنهم ~~يفوتون الله ويعجزونه فلا يجازيهم على فعلهم. # {أولئك في العذاب محضرون} أي: في عذاب جهنم يوم القيامة. # ثم قال تعالى: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء من عباده} أي: يوسع في ~~الرزق لمن يشاء ويضيق على من يشاء، وليس ذلك لفضل في أحد ولا لنقص ولا ~~لمحبة ولا لبغض. # ثم قال تعالى: {ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه} أي: ما أنفقتم في طاعة الله ~~فإن الله يخلفه عليكم. PageV09P5932 # قال ابن جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير. # قال ابن عباس: في غير إسراف ولا تقتير. # وقال الضحاك: يعني النفقة على العيل وعلى نفسه، وليس النفقة في سبيله ~~الله. # قال مجاهد في قوله: {فهو يخلفه}: أي: إن كان خالفا فمنه، وربما أنفق ~~الرجل ماله كله ولم يخلف حتى يموت. # قال مجاهد: إذا كان بيد الرجل ما يقيمه فليقتصد في النفقة، ولا تؤول هذه ~~الآية فإن الرزق مقسوم، ولا يدري لعل رزقه قليل. يعني: وأجله قريب. # ثم قال تعالى: {وهو ms2077 خير الرازقين} أي: خير من يرزق. وجاز ذلك لأن من ~~الناس من يسمى برازق على المجاز، أي: رزق غيره مما رزقه الله، والله يرزق ~~عباده لا من رزق رزقه غيره، فليس رازق مرزوق كرازق غير مرزوق. # ثم قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة} الآية أي: واذكر يا ~~محمد يوم نحشر هؤلاء الكفار، ثم نقول للملائكة: أهؤلاء الكفار كانوا ~~يعبدونكم من دوني؟ فتبرأ منهم الملائكة، فقالوا: {قالوا سبحانك أنت ولينا ~~من دونهم} أي: تنزيها لك وبراءة من السوء الذي أضافه هؤلاء إليك، " أنت ~~ولينا من دونهم " أي: لا نتخذ وليا من دونك. PageV09P5933 # {بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم} أي: بالجن. # {مؤمنون} أي: مصدقون، أي بعبادتهم. # وقيل: المعنى: أكثر هؤلاء الكفار بالملائكة مصدقون أنهم بنات الله. # قال قتادة في قوله تعالى للملائكة: {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} هو كقوله ~~لعيسى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116]. # ثم قال تعالى/: {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا} أي: لا تملك ~~الملائكة للذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ضرا ولا نفعا. # ثم قال: {ونقول للذين ظلموا} أي: عبدوا غير الله. # {ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} أي: في الدنيا. # ثم قال تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي: وإذا تقرأ على هؤلاء ~~الكفار آيات القرآن ظاهرات الدلائل والحجج في توحيد الله وأنهن من عنده. # {قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم} أي: قالوا: لا ~~تتعبدوا محمدا فما هو إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان آباؤكم يعبدون من ~~الأوثان ويغير دينكم. # ثم قال تعالى: {وقالوا ما هاذآ إلا إفك مفترى} أي: وقال بعضهم ما هذا ~~الذي أتانا به محمد إلا كذب مختلف متخرص. PageV09P5934 # ثم قال تعالى: {وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم} يعني به محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به: هذا سحر مبين، أي: ما جاء إلا بسحر ظاهر. # ثم قال تعالى: {ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها} أي: لم يعط هؤلاء ms2078 الكفار ~~كتبا قبل كتابك يا محمد يقرؤونها وفيها ما يقولون لك من البهتان. # {ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير} أي: لم نبعث إليهم قبلك من ينذرهم من ~~عذاب الله. # قال قتادة: ما أنزل الله جل ذكره على العرب كتابا من قبل القرآن ولا بعث ~~إليهم رسولا قبل محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: {وكذب الذين من قبلهم} يعني من الأمم الماضية كعاد وثمود ~~كذبت رسلها، ولم يبلغوا هؤلاء معشار ما أوتي إليك من القوة والبطش والنعم ~~أي عشر ذلك. # وقيل عشر عشر ذلك. # والمعشار قيل هو عشر العشر جزء من مائة. # أي: لم يبلغ قومك يا محمد في القوة والبطش والأموال عشر عشر من كان ~~قبلهم، فقد أهلك من كان قبلهم بكفرهم، فكيف تكون حال هؤلاء الذين هم أقل ~~قوة وبطشا من أولئك. وهذا كله تهديد ووعيد وتنبيه لقريش، فالمعنى: فلم ينفع PageV09P5935 # أولئك ذلك وأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم الرسل. # فإذا كان أولئك الأمم على ما فضلهم الله به من القوة والبطش والأموال ~~والدنيا قد أهلكوا لما كذبوا الرسل، فكيف تكون حال هؤلاء على ضعفهم وقلة ~~أموالهم ووهنهم إذا كذبوا الرسل. # وقوله: {فكيف كان نكير} أي: كيف كان إنكاري لهم بالهلاك والاستئصال. # ثم قال تعالى: {قل إنمآ أعظكم بواحدة} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار من ~~قومك: إنما أعظكم بواحدة. # قال مجاهد: " " بواحدة " بطاعة الله. # وروى ليث عنه " بواحدة ": بلا إله إلا الله. # وقيل: المعنى: إنما أعظكم بخصلة واحدة، وهي: " أن تقوموا لله مثنى وفرادى ~~" أي: اثنين اثنين وواحدا واحدا، فأن بدل من واحدة، وهو قول قتادة واختيار ~~الطبري. PageV09P5936 # قال قتادة: الواحدة التي أعظكم بها أن تقوموا لله. # وقيل: " أن " في موضع رفع على معنى: وتلك الواحدة أن تقوموا لله بالنصيحة ~~وترك الهوى اثنين اثنين وواحدا واحدا، أي: يقوم الرجل منكم مع صاحبه، ويقوم ~~الرجل وحده فيتصادقوا في المناظرة فيقولوا: هل علمتم بمحمد صلى الله عليه ~~جنونا قط؟ [هل علمتموه ساحرا قط؟]، هل علمتموه كاذبا قط؟ # وقيل: " مثنى "، أي: ms2079 يقوم كل واحدة مع صاحبه فيعتبرا هل علما بمحمد جنونا ~~أو سحرا أو كذبا؟. # ومعنى " فرادى ": أي ينفرد كل واحد بعد قيامه مع صاحبه فيقول في نفسه هل ~~علمت بمحمد شيئا من جنون أو سحر أو كذب؟ فإنكم إذا فعلتم ذلك وتصادقتم ~~علمتم أن الذي ترمونه به من الجنون والسحر والكذب باطل، وأن الذي أتى به ~~حق، فاعتبروا ذلك وتفكروا فيه فتعلموا حينئذ أنه نذير لكم لا جنون به. # وقوله: {ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} أي: تفكروا فيه في أنفسكم فتعلموا ~~- إذا أعطيتكم الحق من أنفسكم - أنه ليس به جنون، وأنكم مبطلون في قولكم ~~إنه مجنون. # ثم قال: {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} أي: ما محمد إلا ينذركم ~~على كفركم بالله عقابه. # وروي عن نافع أنه وقف " بواحدة ". PageV09P5937 # وهو جائز على معنى: وتلك الواحدة أن تقوموا، أو هو أن تقوموا، ولا يجوز ~~على غير هذا التقدير/. # والوقف عند أبي حاتم " ثم تتفكروا ". # وخولف في ذلك لأن المعنى: ثم تفكروا هل جربتم على محمد كذبا أو رأيتم به ~~جنة، فتعلمون أنه نبي. # ثم قال تعالى: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم} أي: قل يا محمد لهؤلاء ~~الذين ردوا إنذارك: الذي سألتكم - على إنذاري لكم عذاب الله - هو لكم لا ~~حاجة بي إليه، إني لم أسألكم جعلا على ذلك فتتهموني وتظنوا أني إنما أنذركم ~~لما آخذه منكم من الجعل. قال قتادة: المعنى: لم أسألكم على الإسلام جعلا. # ثم قال تعالى: {إن أجري إلا على الله} أي: ما ثوابي على إنذاري لكم إلا ~~على الله. # {وهو على كل شيء شهيد} أي: والله على حقيقة ما أقول لكم شهيد، شهد به لي ~~وعلي غير ذلك من الأشياء كلها. # ثم قال تعالى: {قل إن ربي يقذف بالحق} أي: يأتي بالحق وهو الوحي ينزله من ~~السماء فيقذفه إلى نبيه. PageV09P5938 # {علام الغيوب} أي: ما غاب عن الأبصار. # قوله تعالى: {قل جآء الحق وما يبدىء الباطل} إلى آخر السورة. # أي: قل لهم ms2080 يا محمد جاء الحق وهو الوحي. {وما يبدىء الباطل} أي: وما ~~يبتدي الشيطان خلقا ولا يعيد خلقا بعد موته. والباطل هنا الشيطان، وهو ~~إبليس اللعين، أي وما يخلق إبليس أحدا ولا يعيد خلقا بعد موته. والوقف على ~~" الحق " حسن إن رفعت " علم " على إضمار مبتدأ أو نصبته على المدح وهي ~~قراءة عيسى بن عمر. # فإن رفعت على أنه خبر، أو خبر بعد خبر، أو على النعت على الموضع، أو على ~~البدل من المضمر، لم تقف على " بالحق ". # ثم قال تعالى: {قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي} أي: على نفسي يعود ضرره. # {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} فبالذي يوحيه إلي من الهدى اهتديت، وإن ~~شئت جعلت والفعل مصدرا. # والتقدير: وإن اهتديت إلى الحق فبوحي ربي اهتديت. # {إنه سميع} أي: سميع لما أقول لكم، حافظ له مجاز لي عليه، {قريب} أي: ~~قريب مني غير بعيد لا يتعذر عليه سماع ما أقول لكم ولا غيره. # ثم قال {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} اختلف في وقت هذا الفزع، فقيل: ذلك في PageV09P5939 # الآخرة، وقيل: في الدنيا. # فالمعنى على قول ابن عباس: أي لو ترى يا محمد إن فزع هؤلاء المشركون عند ~~نزول العذاب بهم فلا فوت لهم من العذاب. # {وأخذوا من مكان قريب} أي: من الدنيا بالعذاب. # قال ابن عباس: هذا من عذاب الدنيا. # قال ابن زيد: هؤلاء قتلى المشركين من أهل بدر، وهم الذين بدلوا نعمة الله ~~كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. # وقال ابن جبير: هم الجيش الذين يخسف بهم بالبيداء، يبقى منهم رجل يخبر ~~الناس بما لقي أصحابه. # وروى حذيفة بمن اليمان " أن النبي صلى الله عليه وسلم " ذكر فتنة " تكون ~~بين أهل الشرق والمغرب، قال: فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من ~~الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشا إلى المشرق، ~~وجيشا إلى المدينة، حتى ينزلوا بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، ~~فيقتلون أكثر من ثلاث آلاف، ويبقرون PageV09P5940 # فيها أكثر من مائة امرأة، ويقتلون ms2081 بها ثلاث مائة كبش من بني العباس، ثم ~~ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج ~~راية هدى من الكوفة: فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقلتونهم لا يفلت ~~منهم مخبر، ويستنفذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني ~~بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجيهن إلى مكة حتى ~~إذا كانوا بالبيداء بعث الله عليهم جبريل عليه السلام، فيقول: يا جبريل ~~اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، فذلك قوله تعالى ذكره: ~~{ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب} فلا يفلت منهم إلا رجلان، ~~أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة، فذلك جاء المثل: " وعند جهينة ~~الخبر اليقين ". # وقال الحسن وقتادة: معنى الآية: ولو ترى يا محمد إذ فزع المشركون يوم ~~القيامة حين خرجوا من قبورهم. # قال قتادة: " وأخذوا من مكان قريب " حين عاينوا العذاب. PageV09P5941 # وجواب لو محذوف والتقدير: لو رأيت ذلك يا محمد لعاينت أمرا عظيما ولرأيت ~~عبرة. # وقوله {فلا فوت} / أي: فلا سبيل لهم أن يفوتوا بأنفسهم وينجوا من العذاب. # قال ابن عباس " فلا فوت " فلا نجاة. # وقال علي بن سعيد: " فلا فوت " قال: جالوا جولة. # وقال إبراهيم بن عرفة: " فلا فوت " أي: لم يسبقوا ما أريد منهم. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ولو ترى إذ فزعوا وأخذوا من ~~مكان قريب فلا فوت، أي: فلا يفوتونا. # وقال الضحاك: " فلا فوت " فلا هرب. # {وأخذوا من مكان قريب} أي: أخذوا بعذاب الله من مكان قريب لأنهم حيث ~~كانوا فهم من الله قريب. PageV09P5942 # وقال مجاهد: أخذوا من تحت أقدامهم. # ثم قال: {وقالوا آمنا به}. قال: مجاهد: " به " بالله. # وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك حين عاينوا العذاب. وقال ابن زيد: ~~ذلك بعد القتل قالوه. # ثم قال: {وأنى لهم التناوش} أي: من أي وجه لهم تناول التوبة؟ {من مكان ~~بعيد} أي: من الآخرة. # وقيل: من بعد القتل. # ومن همز " التناوش "، أخذه من النئيش وهو الحركة في إبطاء. # فيكون المعنى: ms2082 ومن أين لهم الحركة فيما قد بعد ولا حيلة فيه، ويجوز أن ~~يكون همز الواو لا نضمامها، فيكون من ناش ينوش إذا تناول كقراءة من لم ~~يهمز. PageV09P5943 # قال أبو عبيدة: " وأني لهم " أي: كيف ومن أين. # وقيل: من مكان فوتت من تحت أقدامهم. # قال ابن عباس: {وأنى لهم التناوش} يسألون الرد وليس بحين رد. # وقال مجاهد وقتادة: التناوش تناول التوبة. # وقال ابن زيد: التناوش من مكان بعيد وقرأ {ولا الذين يموتون وهم كفار} ~~[النساء: 18]. وقال: ليس لهم توبة. وقرأ {ولو ترى إذ وقفوا على النار} ~~[الأنعام: 27] ": الآية، وقرأ: {ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا} [السجدة: ~~12] الآية. وقال الضحاك: التناوش: الرجعة. # قال مجاهد: من مكان بعيد ": من الآخرة. # ثم قال تعالى: {وقد كفروا به من قبل} أي بمحمد، من قبل في الدنيا قبل ~~موتهم. # وقيل: وقد كفروا بما يسألون ربهم عند نزول العذاب بهم. # قال قتادة: " كفروا به " أي بالإيمان في الدنيا. PageV09P5944 # ثم قال تعالى: {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} أي: يقذفون محمدا اليوم ~~بالظنون والأوهام، فيطعنون عليه وعلى ما جاءهم به، فيقول بعضهم: ساحر ~~وبعضهم: شاعر. قاله مجاهد وقتادة. # وقال ابن زيد: {بالغيب} أي بالقرآن. # والعرب تقول لكل من يتكلم بما لا يحقه ولا يصح عنده هو يقذف بالغيب ويرجم ~~بالغيب. # وقوله: {مكان بعيد} مثل لمن يرجم ولا يصيب ويقول ويخطئ. # ثم قال تعالى ذكره: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} أي: وحيل بين هؤلاء ~~المشركين وبين الإيمان في الآخرة لأنها ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء، ~~فلا سبيل لهم إلى توبة ولا إلى إيمان. قال ذلك الحسن. # وقال مجاهد: حيل بينهم وبين الرجوع. # وقال قتادة: عمل الخير. # وقيل: حيل بينهم وبين أموالهم وأولادهم وزهرة الدنيا، روي ذلك عن مجاهد ~~أيضا. PageV09P5945 # وقيل: المعنى: وحيل بينهم وبين النجاة من العذاب. # ثم قال تعالى: {كما فعل بأشياعهم من قبل} أي كما فعل بهؤلاء المشركين من ~~قومك يا محمد في المنع من الرجوع والتوبة كما فعل بنظرائهم من الأمم ~~المكذبة لرسلها من قبلهم، قلم ms2083 تقبل منهم توبة ولا رجوع عند معاينة العذاب. # والأشياع جمع شيع، وشيع جمع شيعة، فهي جمع الجمع. # ثم قال: {إنهم كانوا في شك مريب} أي: كانوا في الدنيا في شك من نزول ~~العذاب بهم. # {مريب} أي: يريب صاحبه. # يقال أراب الرجل إذا أتى ريبة وركب فاحشة. PageV09P5946 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فاطر مكية # قوله تعالى ذكره: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض} إلى قوله: {كذلك ~~النشور}. # أي: الشكر الكامل والثناء الجميل لله الذي ابتدع خلق السماوات والأرض ~~وابتدأهما. # قال ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر حتى اختصم أعرابيان في بئر، فقال ~~أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها. # ثم قال: {جاعل الملائكة رسلا} أي: أرسلهم إلى من يشاء من خلقه وفيما شاء ~~وبما شاء من أمره ونهيه، والرسل هم ها هنا: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك ~~الموت صلى الله عليهم وسلم. # ومعنى {أولي أجنحة} أي: أصحاب أجنحة، منهم من له اثنان، ومنهم من له ~~ثلاثة، ومنهم من له أربعة، أربعة من كل جانب، وهو قوله/: {مثنى وثلاث ~~ورباع}، قاله قتادة وغيره. PageV09P5947 # وإنما تتصرف هذه الأعداد لعلتين، وذلك أنه معدول عن اثنين اثنين وثلاثة ~~ثلاثة، والثانية أنه عدل في حال النكرة. وقيل: العلة الثانية أنه صفة. # ثم قال تعالى: {يزيد في الخلق ما يشآء} أي: يزيد في خلق الملائكة وفي عدد ~~أجنحتها وغير ذلك ما يشاء. # وقال الزهري: هو حسن الموت. فيكون {ورباع} وقفا كافيا على القول الأول، ~~وتماما على القول الثاني. # وقال قتادة: هو ملاحة في العينين. # وروي عن ابن شهاب أنه قال: " سأل رسول الله جبريل صلى الله عليه وسلم أن ~~يتراءى له في صورته، فقال له جبريل: لا تطيق ذلك، إني أحب أن تفعل فخرج ~~رسول الله إلى المصلى فأتاه جبريل على صورته فغشي على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين رآه. ثم أفاق وجبريل صلى الله عليه وسلم مسنده واضع إحدى ~~يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال رسول PageV09P5948 # الله: سبحان الله ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا. ms2084 فقال جبريل صلى الله ~~عليه وسلم: فكيف لو رأيت إسرافيل صلى الله عليه وسلم، إن له لاثني عشر ~~جناحا منها جناح في المشرق وجناح في المغرب، وإن العرش لعلى كاهليه وأنه ~~ليتضاءل الأحيان من عظمة حتى يعود مثل الوصع - والوصع عصفور صغير - حتى ما ~~يحمل عرشه إلا عظمته " ذكر هذا الحديث علي بن سعيد. # وقال ابن عباس في قوله: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} [النبأ: 38]: إن ~~الروح ملك يقوم وحده صفا مثل جميع ملائكة السماوات، له ألف وجه، في كل وجه ~~ألف لسان، كل لسان يسبح الله بثنتين وسبعين لغة، ليس منها لغة تشبه الأخرى، ~~لو أن الله تعالى أسمع صوته أهل الأرض لخرجت أرواحهم من أجسامهم من شدة ~~صوته، ولو سلط على السماوات السبع والأرضين السبع لأدخلهن في فيه من أحد ~~شدقيه، يذكر الله في كل يوم مرتين فإذا ذكر الله خرج من فيه من النور قطع ~~كأمثال الجبال العظام، لولا أن الملائكة الذين من حول العرش يذكرون الله لا ~~حترقوا من ذلك النور الذي يخرج من فيه، موضع قدميه مسيرة سبعة آلاف سنة، له ~~ألف جناح، فإذا كان يوم القيامة قام هو PageV09P5949 # وحده صفا وقامت الملائكة صفا واحدا فيكون مثل صفوفهم. # وقد روى مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أذن لي أن ~~أتحدث عن ملك من الملائكة: إن بين شحمة أذنيه وعاتقه ليخفق الطير سبعين ~~عاما ". # ثم قال: {إن الله على كل شيء قدير} أي: يقدر على ما يشاء من الزيادة في ~~الخلق والنقص منه وعلى غير ذلك من الأشياء كلها. # ثم قال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} أي: ما يعطي ~~الله للناس من خي فلا ممسك له، وما يحبس من ذلك فلا مرسل له من بعده، له ~~الأمر ومفاتيح الخير بيده يفعل ما يشاء. وقيل: هو في المطر يرسله متى يشاء. # وقيل: هو في الدعاء. # ثم قال: {العزيز} أي: في نقمته ممن انتقم منه من خلقه بحبسه رحمته ms2085 عنه. # {الحكيم} في تدبيره خلقه. وقيل: الرحمة هنا الغيث. # ثم قال تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم} هذا خطاب ~~للمشركين، أي: اذكروا تفضل الله عليكم وتدبروا أنه لا يرزقكم من السماء ~~والأرض أحد غيره فيجب لكم ألا تعبدوا غيره. {لا إله إلا هو} أي لا معبود ~~غيره، يرزقكم المطر من السماء والنبات من الأرض. ومن رفع " غير " جعله نعتا ~~لخالق " على الموضع. PageV09P5950 # وقد ذكر اليزيدي أنه على التقديم والتأخير، وأن المعنى: هل غير الله من ~~خالق. ويجوز أن يرفع " غير " بفعله فيكون تقدير الكلام: هل من خالق إلا ~~الله. فلما جعلت " غير " موضع إلا، رفعت كإعراب الاسم الذي بعد إلا. # ومن خفض جعله نعتا ل " خالق " على اللفظ. ويجوز النصب على الاستثناء. # ثم قال: {فأنى تؤفكون} أي: فمن أي وجه تصرفون عن خالقكم ورازقكم، أي: من ~~أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله وإنكار البعث. # قال حميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال: سبحان الله/ هل من خالق ~~غير الله. قال: خلق الخير والشر. PageV09P5951 # ثم قال تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور} ~~هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: إن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون ~~بالله من قومك، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمم من قبلهم في تكذيبهم ~~الرسل. # قال قتادة: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسعمون. # ثم قال: {وإلى الله ترجع الأمور} أي: يرجع أمرك وأمرهم فيجازيهم على ~~فعلهم. # ثم قال: {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا} أي: إن ~~وعد الله لكم بالعذاب على كفركم حق فلا يعرنكم ما أنتم فيه من العيش والمال ~~في الدنيا، أي: لا يخدعنكم ذلك. # ثم قال: {ولا يغرنكم بالله الغرور} أي: لا يخدعنكم بالله الشيطان فيعنيكم ~~بأن لا حساب ولا عقاب ولا بعث، فيحملكم ذلك على الإصرار على الكفرة، قاله ~~ابن عباس وقتادة. # وقال ابن جبير: الغرور الحياة الدنيا ونعيمها، يشتغل الإنسان بها عن عمل ~~الآخرة ms2086 حتى يقول: {يقول ياليتني قدمت لحياتي} [الفجر: 24]. وقرئ " الغرور " ~~بالضم على أنه جمغ غار، كما يقال جالس وجلوس فيكون معناه كمعنى الأول. PageV09P5952 # وقيل: هو جمغ غر وغر مصدر. # وقيل: هو مصدر، وفيه بعد لأن الفعل متعد ولم يأت في مصدر المتعدي فعومل ~~إلا في أشياء مسموعة مثل لزمته لزوما ونهكه المرض نهوكا. # ثم قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو} أي: إن الشيطان الذي نهيتكم ألا ~~يخدعكم ويغركم لكم عدو. # {فاتخذوه عدوا} أي: أنزلوه منزلة العدو لكم واحذروه ولا تطيعوه، فإنما ~~يدعو من أطاعه وهم حزبه. # {ليكونوا من أصحاب السعير} أي: من المخلدين في نار جهنم. # ويقال: السعير: الطبقة السادسة من جهنم لأنها سبع طباق، وطبقة تحت طبقة، ~~لكل طبقة باب، كما قال: لها سبعة أبواب. فكل باب تحت الباب الذي فوقه ~~أعاذنا الله منها. # وعدو هنا بمعنى معاد، فيجوز تثنيته وجمعه وتأنيثه، فإن جعلته بمعنى النسب ~~لم تجمع ولم تثن ولم يؤنث. # وعلى هذا قال تعالى: {فإنهم عدو لي} [الشعراء: 77]. # ثم قال تعالى: {الذين كفروا لهم عذاب شديد} يعني عذاب النار. PageV09P5953 # ثم قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية، أي: آمنوا بالله ~~ورسله وكتبه وعملوا بطاعته. {لهم مغفرة} أي: ست على ذنوبهم. {وأجر كبير}: ~~الجنة، قاله قتادة وغيره. # ثم قال تعالى: {أفمن زين له سواء عمله [فرآه حسنا} من: رفع بالابتداء، ~~وخبره محذوف، والتقدير: أفمن زين له سوء عمله] فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم ~~حسرات. # والمعنى: أن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يغتم بمن كفر به وألا ~~يحزن عليهم، وهذا مثل قوله: {فلعلك باخع نفسك} [الكهف: 6] أي: قاتلها. # وقال الأصمعي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أهل اليمن هم أرق قلوبا ~~وأبخع طاعة " إن معنى " أبخع ": أنصح، قال: وباخع نفسك من هذا، كأ، ه من ~~شدة نصحه لهم قاتل نفسه. PageV09P5954 # قيل: التقدير في خبر الابتداء: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا كمن هداه ~~الله، ودل على هذا المحذوف قوله بعد ذلك: {يضل من يشآء ويهدي ms2087 من يشآء}. # ويدل على المحذوف في القول الأول: {فلا تذهب نفسك}. فلا يحسن الوقف على ~~هذين القولين على " حسنا "، وتقف على القول الثاني على {ويهدي من يشآء}. # ولا تقف على القول الأول إلا على {حسرات}. والمعنى زين له الشيطان سوء ~~عمله فأراه إياه حسنا. # ثم قال تعالى: {إن الله عليم بما يصنعون} أي: ذو علم بعملهم ومحصيه عليهم ~~ومجازيهم به. # ثم قال تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} أي: الله الذي أرسل ~~الرياح فتجمع سحابا وتجيء به وتخرجه، قاله أبو عبيدة. # ثم قال تعالى: {فسقناه} أي نسوقه. # {إلى بلد ميت} أي: مجدب لا نبات فيه. {فأحيينا به الأرض بعد موتها} أي: ~~فنحيي به الأرض بعد جدوبها وننبت فيها الزرع بعد المحل. # {كذلك النشور} أي: كذلك ينشر الله الموتى بعد ابتلائهم في قبورهم ~~فيحييهم. # روى أبو الزعراء عن عبد الله أنه قال: يكون بين النفختين ما شاء الله أن PageV09P5955 # يكون، فليس من بني آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء، قال فيرسل الله جل ~~ذكره ماء من تحت العرش منيا كمني الرجل فتنبت أجسادهم ولحمانهم/ من ذلك ما ~~تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ: {الله الذي يرسل الرياح} [الروم: 48] الآية. ~~قال: ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيها فتنطلق كل نفس إلى ~~جسدها فتدخل فيه. # قوله تعالى ذكره: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} إلى قوله: ~~{ولعلكم تشكرون}. # أي: من كان يريد العزة بعبادة الأوثان والأصنام فإن لله العزة جميعا، ~~قاله مجاهد. # وقال قتادة: معناه: من كان يريد أن يتعزز فليتعزز بطاعة الله. وقال ~~الفراء: معنه من كان يريد علم العزة فإنها لله جميعا، أي: كلها له. # وقيل المعنى: من كان يريد العزة التي لا ذلة تعقبها فهي لله، لأن العزة ~~إذا أعقبتها ذلة فهي ذلة إذ قصاراها للذلة. PageV09P5956 # و " جميعا " منصوب على الحال. أي: إن العزة في حال اجتماعها، له في ~~الدنيا والآخرة. # ثم قال تعالى ذكره: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} أي: إلى ms2088 ~~الله يصعد ذكر العبد ربه، ويرفع ذكر العبد ربه العمل الصالح، وهو العمل ~~بطاعة الله. # ويقال: الكلم الطيب هو لا إله إلا الله، يرفعه عمل الفرائض، فإذا قال ~~العبد لا إله إلا الله نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان عمله موافقا لقوله ~~صعدا جميعا ولهما دوي كدوي النحل حتى يقف بين يدي الله تعالى، فنظر إلى ~~قائلها نظرة لا ييؤس بعدها أبدا، وإذا كان عمله مخالفا لقوله، وقف حتى يموت ~~من عمله. # قال عبد الله: إنا إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله عز ~~وجل، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده الحمد لله لا إله إلا ~~الله والله أكبر تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم يصعد بهن إلى ~~السماء فلا يمر بهن على جمع نم الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، ثم قرأ عبد ~~الله: # {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}. # وقال كعب: إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدويا ~~حول العرش كدوي النحل يذكرن بصاحبهن. والعمل في الخزائن. # قال ابن عباس: {الكلم الطيب} ذكر الله، و {والعمل الصالح} أداء فرائضه ~~فمن ذكر الله في أداء فرائضه، حمل عمله ذكر الله فصعد به إلى الله سبحانه. PageV09P5957 # ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به. وكذلك قال ~~الحسن وابن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وقال شهر بن حوشب: " الكلم ~~الطيب " القرآن، و " العمل الصالح " يرفع القرآن. أي التوحيد يرفع القرآن. # روي عن ابن مسعود أنه قال: إذا حدثناكم بحديث آتيناكم بتصديقه من كتاب ~~الله عز وجل: خمس ما قالهن عبد مسلم إلا قبض عليهن ملك فجعلهن تحت جناحه ~~فيصعد بهن لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء ~~بها الرحمن: الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك ~~وتعالى، ثم قرأ: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}. PageV09P5958 # وعن قتادة أنه قال: العمل الصالح يرفعه الله. ويجب على القول ms2089 أن يكون ~~الاختيار نصب " العمل الصالح ". # وقيل: إن المعنى: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب. ويجب أيضا على هذا ~~التأويل أ، يكون الاختيار نصب " العمل الصالح "، ولم يقرأ به أحد غير عيسى ~~بن عمر. # وما تقدم عند هذين من التأويلات لا يلزم فيها نصب " العمل " لأن الضمير ~~لا يعود على العمل. # ثم قال: {والذين يمكرون السيئات} أي يكتسبونها. # {لهم عذاب شديد} يعني عذاب جهنم. # ثم قال: {ومكر أولئك هو يبور} أي: وعمل هؤلاء المشركين هو يبطل ويهلك ~~لأنه لم يكن لله. # قال قتادة: يبور: يفسد. يقال بار، يبور إذا هلك. # وقال شهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. PageV09P5959 # وقال أبو اسحاق: وقد بين الله مكرهم في سورة الأنفال فقال: {وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30]. # " الكلم الطيب " وقف إلا على قراءة من نصب " والعمل ". # ثم قال تعالى: {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة} أي: خلق آدم الذي هو ~~أبوكم من تراب، ثم خلقكم يا ذريته من نطفة الرجل والمرأة {ثم جعلكم أزواجا} ~~أي أجناسا. / وقيل: معناه: زوج الأنثى للذكر. قاله قتادة وغيره. # ثم قال تعالى: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} أي: هو عالم يوقت ~~حمله ووقت وضعه وما هو أذكر أم أنثى. # ثم قال: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} أي: ما يطول في ~~عمر أحد ولا ينقص غيره من مثل ما عمره إلا في كتاب قبل أن تحمل به أمة، ~~وقبل أن تضعه، يجعل عمر هذا طويلا وعمر هذا أنقص منه، فلا يزاد في ذلك ولا ~~ينقص منه. # وقال ابن عباس قولا معناه: ليس أحد قضى الله له طول عمر ببالغ دون ذلك، ~~ولا أحد قضى الله له قصر عمر ببالغ أطول من ذلك، كل في كتاب مبين. يعني ~~اللوح المحفوظ، وهذا هو القول الأول بعينه. PageV09P5960 # وكذلك قال الضحاك وابن زيد. # قال ابن زيد: أن الإنسان يعيش مائة سنة، والآخر يموت حين يولد. # وهو مذهب الفراء، فالها ms2090 تعود على غير المعمر، والمعنى: وما يعمر من إنسان ~~تعمر ولا ينقص من ذلك العمر من عمر إنسان آحر إلا وهو في كتاب مبين. # ويجوز أن تكون تعود على المعمر على حذف، والتقدير: وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص آخر من مثل عمر المعمر الأول إلا في كتاب. وقال ابن عباس وابن جبير: ~~المعنى: ما يعمر من إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان إلا في كتاب، أي ~~كلما نقص من عمر ابن آدم فهو في كتاب، أي يكتب نقص من عمره يوم، نقص شهر، ~~نقص سنة، في كتاب آخر إلى أن يستوفى أجله فيموت. # قال ابن جبير: ما مضى من عمره فهو النقصان، وما يستقبل فهو الذي يعمره، ~~وهذا اخيار أبي إسحاق وقوله. # وكان كعب الأحبار يذهب إلى أن الإنسان يجوز أن يزاد في عمره ما لم يحضر ~~الأجل. # وروي أنه لما طعن عمر رضي الله عنه قال: لو شاء الله لزاد في أجله فأنكر ~~عليه ذلك PageV09P5961 # المسلمون، وقالوا: إن الله جل ذكره يقول: {فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون} [النحل: 61]، فقال: وإن الله يقول: {وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره إلا في كتاب}. # وقيل: إن معنى الآية: لن يكون بحكم أن عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع الله ~~وتسعون إن عصاه فأيهما بلغ فهو في كتاب. # ثم قال تعالى: {إن ذلك على الله يسير} أي: إحصاء أعمار خلقه عليه يسير ~~سهل. # ثم قال تعالى ذكره: {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح ~~أجاج}. أي ما يعتدلان. والفرات: أعذب العذب، والملح الأجاج: ماء البحر. # والأجاج: المر وهو أشد المياه ملوحة في مرارة. # ثم قال: {ومن كل تأكلون لحما طريا} أي: ومن كل البحار، يعني الحم الحوت ~~وغيره من صيد البحرين. # ثم قال تعالى: {وتستخرجون حلية تلبسونها} يعني اللؤلؤ والمرجان. # فقال: {ومن كل}، فعم، هما إنما يخرجان من الملح، كما قال: {يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] أي من أحدهما، هذا قول أبي اسحاق. ms2091 # وقيل: إن الأصداف التي منها الدر وغيره إنما تستخرج من المواضع التي فيها PageV09P5962 # الماء العذاب والملح نحو العيون. # وقال المبرد: قوله: {ومن كل} يراد به الملحق خاصة كما قال تعالى: {جعل ~~لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} [القصص: 73]، وكما تقول: ~~لو رأيت الحسن والحجاج لرأيت خيرا كثيرا تريد به الحسن خاصة. # والمعنى على قول المبرد: ومن كل الملح تستخرجون. # ثم قال تعالى: {وترى الفلك فيه مواخر}. # قال قتادة: تجري مقبلة ومدبرة. يقال: مخرت السفينة مخرا إذا خرقت الماء. # قال ابن عباس: " مواخر " جواري، يعني في الملح خاصة، فلذلك قال " فيه ". # والفلك جمع فلك كأسد وأسد، ووثن ووثن. # ثم قال تعالى: {لتبتغوا من فضله} أي: في السفن يطلبون الرزق بالأسفار ~~فيها. # {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون على تسخيره إياها لكم وعلى غير ذلك. # قوله تعالى ذكره: {يولج الليل في النهار ويولج النهار} إلى قوله: {إن أنت ~~إلا نذير}. PageV09P5963 # أي: يزيد من الليل في النهار، ومن النهر في الليل. وأصل الإيلاج الدخول. ~~فالمعنى يدخل من هذا في هذا، ومن هذا في هذا. # قال ابن عباس: هو انتقاص أحدهما من الآخر. # ثم قال: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} أي: سخرهما في الجري نعمة ~~منه وفضلا لتعلموا عدد السنين/ والحساب، والليل من النهار، يجريان لوقت ~~معلوم لا يتقدمانه ولا يتأخران عنه. # قال قتادة: لا يقصر دونه ولا يتعداه. # وقيل: الأجل المسمى هنا: القيامة. # ثم قال: {ذلكم الله ربكم} أي: الذي يفعل هذه الأفعال هو الله معبودكم ~~الذي لا تصلح العبادة إلا له. # ثم قال: {له الملك} أي: له الملك التام، كل ما في سلطانه وملكه يفعل ما ~~يشاء. # ثم قال: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} أي: الأوثان والأصنام ~~التي تعبدون من دون الله لا تملك شيئا من ذلك ولا مقدار قطمير فما فوقه، ~~وهي القشرة الرقيقة التي على النواة. # وقال ابن عباس: قطمير هو الجلد الذي يكون على ظهر النواة. PageV09P5964 # وقال مجاهد: لفافة النواة كسحاة البيضة. # وقال قتادة: ms2092 هو الذي على رأس النواة. # وقال جرير عن بعض رجاله: هو القمع الذي على رأس الثمرة ثم ق ل: {إن ~~تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم} يعني الأصنام لأنها جمادات لا روح لها. # ثم قال: {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} أي: لو كان لها روح فسمعت لم تستجب، ~~إذ هي ليست ممن ينطبق وليس كل ما سمع ينطق. فكيف تعبدون من هذه حالة ~~وتتركون عيادة من خلقكم وأنعم عليكم بتسخير الليل والنهار والشمس والقمر ~~وغير ذلك من نعمه. # قال قتادة: {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} أي: ما قبلوا ذلك عنكم ولا ~~نفعوكم فيه. # ثم قال: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} أي: تتبرأ آلهتكم التي كنتم تعبدون ~~في الدنيا من أن تكون لله شركاء. # قال قتادة: معناه يكفرون بشرككم إياهم، ولا يرضون به ولا يقرون به. وهو PageV09P5965 # قوله: {ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس: 28]. # ثم قال: {ولا ينبئك مثل خبير} فالله جل ذكره هو الخبير أن هذا سيكومن في ~~القيامة. # ثم قال: {يا أيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغني الحميد} ~~أي: أنتم ذووا الحاجة إلى الله فإياه فاعبدوه، والله هو الغني عن عبادتكم ~~إياه وعن غير ذلك، (المحمد) على نعمه فله الحمد والشكر بكل حال. # {إن يشأ يذهبكم} أي: يهلككم لأنه أنشأكم من غير حاجة به إليكم. {ويأت ~~بخلق جديد} أي: بخلق سواكم يطيعونه. # {وما ذلك على الله بعزيز} أي: وما ذهابكم والإتيان بخلق جديد بعزيز على ~~الله، أي شديد عليه، بل ذلك هين سهل. # ثم قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا تحمل نفس حاملة حمل نفس ~~أخرى، يعني من الذنوب والآثام. # روي أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، قال لمن أسلم من ~~بني مخوم: ارجعوا إلى دينكم القديم وأنا أحمل عنكم أوزاركم. وفيه نزلت: PageV09P5966 # {أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر ~~أخرى} [النجم: 36 - 38]. # ثم هذا كله عام في من ادعى أن يحمل ذنب غيره لا يجوز له ms2093 شيء من ذلك ولا ~~ينتفع به المحمول عنه. # ثم قال: {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} أي: إن تدع نفس مثقلة ~~بالأوزار والذنوب إلى أن يحمل غيرها عنها من ذلك شيئا، لا يحمل أحد عنها من ~~ذلك شيئا، ولو كان المدعو ذا قرابة من الداعي. # قال بن عباس: لا يؤخذ أحد بذنب أحد. # قال عكرمة: بلغني أن اليهودي والنصراني يرى الرجل يوم القيامة فيقول: [" ~~ألم أكن قد أسديت إليك يدا؟]، ألم أكن قد أحسنت إليكم؟، فيقول: بلى، فيقول: ~~انفعني، فلا يزال المسلم حتى ينقص من عذابه، وإن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم ~~القيامة فيقول: ألم أكن بك بارا وعليك مشفقا وإليك محسنا؟ وأنت ترى ما أنا ~~فيه، فهب لي حسنة من حسناتك أو تحمل عني سيئة، فيقول: إن الذي سألتني ليسير ~~ولكني أخاف مثل ما تخاف، وإن الأب ليقول لابنه مثل ذلك، فيرد عليه نحوا من ~~هذا، وإن الرجل ليقول لزوجته: ألم أكن حسن العشرة لك؟ فتحملي عني خطيئة ~~لعلي ألحق، فتقول: إن ذلك ليسير ولكني أخاف مما تخاف منه، ثم تلا عكرمة: ~~{وإن تدع مثقلة إلى حملها} الآية. وهذا القول أيضا هو قول مجاهد وقتادة. # ثم قال تعالى: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} أي: إنما تنذر يا ~~محمد الذين PageV09P5967 # يخافون/ عقاب الله يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، لكن آمنوا بما ~~جئتهم به من الخير بذلك عن الله وصدقوا به. # قال قتادة: معناه يخشون النار والحساب، وإنما خص هؤلاء بلإنزار، وإن كان ~~صلى الله عليه وسلم نذيرا لجميع الخلق لأنهم هم الذين ينتفعون بذلك. # ثم قال تعالى: {وأقاموا الصلاة} أي: أدوا فروضها في أوقاتها بحدودها. # ثم قال: {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} أي: ومن تطهر من دنس الكفر ~~والمعاصي بالتوبة إلى الله، فإنما يتطهر لنفسه، أي على نفسه يعود نفع ~~تزكيته لأنه يكسبها رضى الله جل ذكره والفوز بالنجاة من النار والحلول ~~بالجنة. # قال قتادة: ومن يعمل صالحا فإنما يعمل لنفسه، فهو مثل قوله: ms2094 {من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها} # [فصلت: 46]. # ثم قال: {وإلى الله المصير} أي: رجوع كل عامل عملا إلى الله تعالى ~~فيجازيه عليه. # ثم قال تعالى ذكره: {وما يستوي الأعمى والبصير} أي: الكافر والمؤمن. # أي: {ولا الظلمات ولا النور} الكفر والإيمان. # {ولا الظل ولا الحرور}. أي: الجنة والنار. PageV09P5968 # قال الأخفش: لا زائدة في " ولا النور " و " لا الحرور ". # وقيل: إن " لا " لها فائدة في دخولها مع الواو خلاف خروجها وذلك أنها تدل ~~على أن كل واحد من الاثنين لا يتساويان، فإذا قلت لا يستوي الأعمى ولا ~~البصير، فمعناه لا يساوي الأعمى البصير ولا البصير الأعمى. # وإذا قلت [لا يستوي الأعمى والبصير، فمعنها لا يساوي الأعمى البصير]. # وليس فيه دلالة على أن البصير لا يساوي الأعمى، وهذا القول فيه دخل. لأن ~~من لم تساوه لم يساوك، فدخول لا مثل خروجها. # قيل: معنى الآية: لا يستوي الأعمى عن دين الله الكافر به، والبصير في دين ~~الله المتبع له، ولا ظلمات الكفور ونور الإسلام. # وقال ابن عباس: الظل الجنة، والحرور: النار، والظلمات: الضلالة، والنور: ~~الهدى. # وقيل: الظل ضد الحر، والحرور الحر الدائم، والسموم لا يكون إلا بالنهار، PageV09P5969 # والحر بالنهار والليل، هذا قول الفراء. # وقال رؤبة: الحرور بالليل، والسموم بالنهار. # قال: {وما يستوي الأحيآء ولا الأموات} أي: الأحياء القلوب بالإيمان، ~~والأموات القلوب بغلبة الكفر عليها، فلا تعقل عن الله شيئا .. # قال ابن عباس: هذا كله مثل ضربه الله لأهل الطاعة والمعصية. # ثم قال: {إن الله يسمع من يشآء} أي: يوقف من يشاء لقبول كتابه فيتعظ به. # {ومآ أنت بمسمع من في القبور} أي: لست يا محمد تسمع الموتى كتاب الله ~~فتهديهم به، فكذلك لا تقدر أن تسمعه من أمات قلبه فيهتدي به. # ثم قال تعالى: {إن أنت إلا نذير} أي: تنذر من أرسلت إليه ليس عليك غير ~~ذلك. # قوله تعالى: {إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} إلى قوله: {الفضل الكبير}. PageV09P5970 # أي: أرسلناك يا محمد بالدين الحق بشيرا بالجنة لمن أطاعك فآمن، ونذيرا ~~تنذر بالنار من ms2095 عصاك فكفر بك. # ثم قال تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} أي: وما من أمة كانت قبلك ~~يا محمد إلا وقد جاءها نذير ينذرها عذاب الله على الكفر. # قال قتادة كل أمة كان لها رسول. # ثم قال تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم} أي: إن يكذبك يا محمد ~~مشركوا قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم رسلهم، جاءتهم الرسل ~~بالبينات، أي بحجج الله الواضحة {وبالزبر} أي: بالكتاب من عند الله. # {وبالكتاب المنير} أي: منير لمن تبينه وتدبره. # ثم قال: {ثم أخذت الذين كفروا} اي: أهلكتهم بكفرهم. # {فكيف كان نكير} أي انظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وإنكار لكفرهم، ~~وحلول عقوبتي بهم. # ثم قال تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها} أي: منها الأحمر والأسود والأصفر. # ثم قال: {ومن الجبال جدد بيض} أي: طرائق، وهي الجدد جمع جدة، وهي الطريقة ~~في الجبل. # قال الأخفش: ليس جدد يجمعك على جديد لأنه يلزم أن تقول فيه جدد بالضم، PageV09P5971 # قال: والجدد # جمع جدة. # والجدد الخطوط تكون في الجبال بيض وسود وحمر. فلذلك قال: {مختلفا ~~ألوانها} أي: ألوان الجدد. # ثم قال/: {وغرابيب سود} أي: وسود غرابيب، فهو مؤخر يراد به التقدم. # والعرب تقول: هو أسود غربيب إذا وصفوه بشدة السواد. # ثم قال: {ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه} أي: خلق مختلف ~~ألوانه. # {كذلك} أي: مثل الجدد، أي كما اختلفت ألوان الطرائق في الجبال، كذلك ~~تختلف ألوان الناس والأنعام وغيرهم، قدرة من الله تعالى ينبه خلقه عليها. # ومن أجل حذف الموصول قال: " ألوانه "، أي: خلق مختلف ألوانه، ولم يقل ~~ألوانهم ولا ألوانها. # ثم قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} أي: إنما يخاف الله ~~ويتقي عقابه العلماء بقدرته على ما يشاء وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك ~~أيقن بالمعاقبة على المعصية فخاف الله واتقاها. # قال ابن عباس: هم الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. PageV09P5972 # وقال قتادة: كفى بالرهبة ms2096 علما. # قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله. # وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما والاغترار به جهلا. # قال ابن منصور بن زاذان: نبئتث أن بعض من يلقى في النار يتأذى الناس ~~بريحه، فيقال: ويلك ما كنت تعمل؟ أما يكفي ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا ~~بك وينتن ريحك؟ فيقول: كنت عالما فلم أنتفع بعلمي. # وقال عمران القصير: بلغني أن في جهنم واديا تستعيذ منه جهنم كل يوم أربع ~~مائة مرة مخافة أن يرسل عليها فيأكلها، أعد الله ذلك الوادي للمرائين من ~~القراء. # ثم قال: {إن الله عزيز} أي: عزيز في انتقامه. # {غفور} للذنوب لمن تاب وأطاع. PageV09P5973 # {كذلك} تمام حسن عند الجميع، و {ألوانها} تمام، و {العلماء} تمام. # ثم قال تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة} أي: يقرؤون ~~القرآن ويدومون على أداء الصلاة لمواقيتها بحدودها. ومعنى أقاموا: يقيمون. # ثم قال: {وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} يعني: الزكاة المفروضة ~~يعطونها خفية وجهارا. وأنفقوا بمعنى ينفقون. # وقل: المعنى: أنهم يتصدقون بعد أداء الفرض الواجب عليهم. # ثم قال تعالى: {يرجون تجارة لن تبور} أي: يطلبون بفعلهم تجارة لن تبور، ~~أي: لن تكسد ولن تهلك. # ثم قال: {ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} أي: طلبوه ذلك ورجوه لكي ~~يوفيهم أجورهم على فعلهم ذلك ويزيدهم من فضله، وهو ما زاد على الحسنة ~~بحسنة، وذلك تسع حسنات إلى ست مائة وتسع وتسعين، هو تفضل من الله على ~~عباده. # قال قتادة: كان مطرف إذا مر بهذه الآية: {إن الذين يتلون كتاب الله} قال: ~~هذه آية PageV09P5974 # القراء. # ثم قل: {إنه غفور شكور} أي: غفور لهؤلاء الذين تقدمت صفتهم، شكور ~~لحسناتهم، قاله قتادة. # ثم قال تعالى: {والذي أوحينآ إليك من الكتاب} أي: من القرآن، يخاطب محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. { هو الحق}، أي: هو الحق عليك وعلى أمتك، أن تعملوا به ~~وتتبعوا ما فيه دون غيره من الكتب التي نزلت قبله. # ثم قال: {مصدقا لما بين يديه} أي: يصدق ما قبله من الكتب: التوراة ~~والإنجيل وغيرها. # ثم ms2097 قال: {إن الله بعباده لخبير بصير} أي: ذو خبر بهم وعلم، بصير بما ~~يصلحهم. # ثم قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} أي: الذين ~~اخترنا، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم. واختلف في هذه الثلاثة الأصناف ~~المذكورين في هذه السورة وفي سورة " الواقعة ". # فقيل: الأصناف في هذه السورة هم الأصناف في سورة " الواقعة "، فالسابق ~~بالخيرات هو المقرب، والمقتصد هم أصحاب الميمنة، والظالم لنفسه هم أصحاب ~~المشئمة. وأكثر الناس على أن الثلاثة الأصناف في هذه السورة، هم أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، PageV09P5975 # لأنه قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}، وأصحاب ~~المشئمة المذكبين الضالين لم يورثوا كتابا، ولا اصطفاهم الله ولا اختارهم، ~~وقد أخبرنا في هذه السورة أنه إنما أورث الكتاب من اختباره واصطفاه. ~~فالظالم لنفسه ليس هو من أصحاب المشئمة، والثلاثة الأصناف في " الواقعة " ~~يراد بها جميع الخلق من الأولين والآخرين، والثلاثة الأصناف في هذه السورة ~~في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله: / {أورثنا الكتاب} ولقوله: ~~{الذين اصطفينا من عبادنا}، ولما نذكره من قول الصحاب والتابعين وما روي في ~~ذكل عن النبي صلى الله عليه وسلم. # من ذلك قول ابن عباس، قال: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} ~~أي: الذين اخترنا من عبادنا، قال: معناه اخترنا منهم، فالظالم لنفسه هو ~~الذي يموت على كبيرة لم يتب منها، والمقتصد هو الذي مات على صغائر - ولم ~~يصب كبيرة - لم يتب منها، والسابق هو الذي مات تائبا من كبيرته وصغيرته، أو ~~لم يصب ذلك فيحتاج إلى توبة. ولا يسلم من الصغائر واحد إلا يحيى بن زكريا، ~~فأما الكبائر فالأنبياء معصومون منها، وسائر الخلق غير معصومين منها إلا من ~~شاء الله أن يعصمه. ومعنى " اصطفينا ": اخترنا منهم، يعني أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، أورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله، فالظالمهم يغفر له، ~~ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. # وروى ابو الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجيء هذا السابق ms2098 ~~بالخيرات فيدخل الجنة بلا حساب، ويجيء هذا المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، ثم ~~يتجاوز الله عنه، ويجيء هذا الظالم فيوقف ويعير ويجزى ويغرف ذنوبه يدخله ~~الله الجنة بفضل رحمته PageV09P5976 # فهم الذين قالوا (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور) أي ~~غفر الذنب الكبير وشكر العمل القليل ". # وروى أيضا أبو الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أما السابق ~~فيدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم فيحبس في ~~طول المحبس ثم يتجاوز الله عنه ". # وقال عمر رضي الله عنه: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له. # وقال ابن مسعود: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة، ثلث يدخلون الجنة ~~بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوبهم عظام فيقول ~~تعالى ذكره: ما بهؤلاء؟ وهو أعلم، فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام ~~إلا أنهم لم يشركوا بك، فيقول الرب جل ثناؤه: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي. ~~ثم تلا عبد الله هذه الآية. # وقال كعب لما قرأ هذه الآية أو قرئت عليه: دخلوها ورب الكعبة. وقال: ~~الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة. ألم ~~تر أن الله يقول: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية، ثم ~~قرأ: {جنات عدن يدخلونها} إلى قوله: PageV09P5977 # {كل كفور}. # وقال محمد بن الحنيفة: إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم مرحومة: الظالم ~~مغفور له، والمقتصد في الجنات عند الله جل ذكره وثناؤه، والسابق بالخيرات ~~في الدرجات عند الله جل ذكره. # وروي عن عمر وعثمان وأبي الدرداء وعقبة بن عمرو وعائشة رضي الله عنها ~~أنهم قالوا: الثلاثة في الجنة ما لم يكن الظالم كافرا أو فاسقا، أو منافقا. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الكتاب الذي أورث هؤلاء: شهادة أن لا ~~إله إلا الله وهو قول مجاهد. # وروي أن كعب الأحبار لما أسلم قالت يهود: ما حملك على رأيك الذي رأيت؟ ~~ألم تكن سيدننا وابن سيدنا في أنفسننا؟، قال لهم: أتلوموني إن كنت من أمة ~~وجت مجتهدهم ms2099 يدخل الجنة بغير حساب، ووجدت مقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، PageV09P5978 # ووجدت ظالمهم يغفر له ذنبه. # وعن عائشة أنها قرأت هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} فلما ~~بلغت: {جنات عدن يدخلونها}، قالت: دخلت - ورب الكعبة - هذه الأصناف الثلاثة ~~الجنة، فلما دخلوها واستقروا بها قالوا: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن}، ~~أي: حزن ما عيانوه من أهوال الموقف. وقيل: قالوا ذلك حين أيقنوا بذهاب ~~الموت وأمنوا، فذهاب الموت وفقده حسرة على أهل النار وفرحة لأهل الجنة. # وقيل: الحزن أنهم علموا أعمالا في الدنيا كانوا في حزن ألا تقبل منهم، ~~فلما قبلت زال الحزن. # وقال ابن عباس: المصطفون/ أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # قال: فالظالم لنفسه: المنافق وهو في النار، والمقتصد والسابق في الجنة. # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: جعل الله أهل الآية على ثلاث منازل، ~~كقوله: {وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال} [الواقعة: 41]. {وأصحاب اليمين مآ ~~أصحاب اليمين} [الواقعة: 27]. {والسابقون السابقون أولئك المقربون} ~~[الواقعة: 10 - 11] قال عكرمة اثنان في الجنة وواحد في النار. PageV09P5979 # وقال مجاهد والحسن وقتادة: " فمنهم ظالم لنفسه ": هذا المنافق، " ومنهم ~~مقتصد ": هذا صاحب اليمين، و " منهم سابق بالخيرات ": هذا المقرب. وروى ابن ~~وهب أن عثمان بن عفان قال: سابقنا أهل الجهاد منا. ومقتصدنا أهل حاضرنا، ~~وظالمنا أهل بدون. # وقال قتادة: الناس ثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل عند الموت، وثلاث ~~منازل في الآخرة. أما الدنيا فمؤمن ومنافق ومشرك، وأما عند الموت فمقرب ~~وصاحب يمين وضال. وقرأ: {فأمآ إن كان من المقربين} إلى: {وتصلية جحيم} ~~[الواقعة: 88 - 94]، وأما في الآخرة فصاحب يمين وصاحب شمال وسابق. ثم قرأ: ~~{فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة * ~~والسابقون السابقون * أولئك المقربون} [الواقعة: 8 - 11]. # فالضمير المرفوع في {يدخلونها} على هذه الأقوال يعود على المقتصد ~~والسابق. وعلى الأقوال الأولى يعود على الأصناف الثلاثة. # وقد قيل: إن المصطفين هنا: الأنبياء، والظالم لنفسه: المكتسب منهم ~~الصغائر، وهذا قول شاذ، والأول أشهر. PageV09P5980 # قال المبرد: المقتصد: الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها. # وقيل: الظالم ms2100 هنا صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة ~~حسناته على سيآته، فيكون ضمير يدخلونها يعود على السابقين بالخيرات لا غير. # وروي عن بن عباس: أن الكتاب هنا كل كتاب أنزل. # ثم قال: {ذلك هو الفضل الكبير} أي: هو الذي وفق هذا، له من عمل الخيرات ~~فضل كبير من الله عليه. # ويجوز أن يكون المعنى هذا الذي أورث الله هؤلاء من الكتاب فضل كبير من ~~الله عليهم. # قوله تعالى ذكره: {جنات عدن يدخلونها يحلون} إلى قوله: {من نصير}. # أي: بساتين إقامة لا زوال منها، يدخل هؤلاء المتقدمون ذكرهم، على ما ~~ذكرنا من الاختلاف في الآية التي قبلها، ورجوع الضمير على الكل أو على ~~البعض. # ثم قال: {يحلون فيها من أساور من ذهب} أي: يلبسون ذلك في هذه البساتين. ~~وأساور جمع الجمع واحده أسورة، وواحد أسورة سوار وسوار لغتان فيه. وحكي ~~إسوار، وجمعه أساوير. وفي حرف أبي: " أساوير " على هذا المعنى. PageV09P5981 # وقال بعض أهل اللغة: قوله: {من عبادنا} عام في النساء والرجال، وقوله: ~~{يحلون فيها} يعني به النساء خاصة، وهو غلط لأنه كان يجب أن يقول يحلين، ~~ولكن هو للرجال. # ويجوز أن يكون لها جميعا فيغلب المذكر على المؤنث. # ثم قال: {ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير} من خفض فعلى العطف على " أساور ". ~~ومن نصب فعلى مومضع " أساور ". # وروي أن كل واحد يحلى في يده ثلاث أسورة: واحد من فضة، وآخر من ذهب، وآخر ~~من لؤلؤ، والذهب في الوسط في كل يد. # ثم قال تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن}. # قال ابن عباس: الحزن: حزن دخول النار، وهو قول الحسن. وقال عطية الحزن: ~~الموت. # وقال شمر: الحزن: حزن الخبر. PageV09P5982 # وقال قتادة: كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في حزن فحمدوا الله على ~~ذهاب ما كانوا فيه. # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أما الظالم لنفسه ~~فيصيبه في ذلك المكأن من الغم والحزن فذلك قولهم: الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن " يعنون ما كانوا فيه - في الموقف - من ms2101 الخوف. # وقال الزجاج: معناه الذي أذهب عنا الغم بالمعيشة، والخوف من العذاب وتوقع ~~الموت. وقيل: هو عام في جميع الحزن. # وقيل: الحزن هو أعمال عملوها من الخير فكانوا تحت خوف منها أن تقبل منهم ~~أولا تقبل، فلما قبلت حمدوا الله على ذلك. # وروى زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا يوم نشورهم، وكأني بأهل ~~لا إله إلا الله PageV09P5983 # ينفضون التراب/ عن رؤوسهم يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ". # ثم قال: {إن ربنا لغفور شكور} قيل: إنه من قول الثلاثة الأصناف. # قال قتادة: غفور لذنوبنا شكور لحسناتنا. # قال شمر: غفر لهم ما كان من ذنب وشكر لهم ما كان من عمل. وقيل: هو من قول ~~الظالم لنفسه، أي: غفر الذنب الكثير وشكر العمل القليل. # رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ذكره في ~~قوله: {أورثنا الكتاب}. # وذكر ابن وهب عن أبي رافع أنه قال: بلغنا أنه يجاء لابن آدم يوم القيامة ~~بثلاثة دواوين، ديوان فيه الحسنات، وديوان فيه النعم، وديوان فيه السيئات، ~~فيقال لأصغر تلك النعم: قومي فاستوفي ثمنك من الحسنات فتستوعب عمله ذلك كله ~~فتبقى ذنوبه والنعم كما هي، فمن ثم يقول العبد: {إن ربنا لغفور شكور}. # وعن ابن عباس أنه قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد PageV09P5984 # يحاسب حسابا يسيرا، والظالم لنفسه يحاسب حسابا شديدا ويحبس حبسا طويلا. ~~فإذا أدخل هؤلاء الظلمة لأنفسهم الجنة قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن - الذي كنا [فيه] حين حبسنا - إن ربنا لغفور شكور، غفر الذنوب ~~العظيمة وشكر العمل القليل. # ثم قال تعالى ذكره: {الذي أحلنا دار المقامة من فضله} أي: أنزلنا وأدخلنا ~~دار الإقامة. والمقامة والإقامة سواء، وهي الجنة. {لا يمسنا فيها نصب} أي: ~~تعب ولا وجع. # {ولا يمسنا فيها لغوب} أي: عياء. يقال: لغب يلغب لغوبا. # قال ابن عباس: اللغوب: العياء. والنصب بفتح النونو والصاد ms2102 التعب والنصب ~~بضم النون وتسكين الصاد: الشر، والنصب بضمتين: ما ينصب لذبح أو غيره. # وقرأ أبو عبد الرحمن: " لغوب " بفتح اللام جعله مصدرا كالوقود والطهور. # وقيل: هو ما يغلب منه. PageV09P5985 # ثم قال تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا} قال ~~قتادة: لو ماتوا استراحوا، ولكن لا يموتون. # ثم قال: {ولا يخفف عنهم من عذابها} أي: لا ينقص عنهم من النوع الذي هم ~~فيه من العذاب. # ثم قال: {كذلك نجزي كل كفور} أي: نكافئ كل جحود لنعمة ربه يوم القيامة. # ثم قال تعالى: {وهم يصطرخون فيها} أي: يستغيثون فيها ويضجون، ويسألون ~~الرجعة إلى الدنيا ليعلموا صالحا، فيقال لهم: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من ~~تذكر}. # قال ابن عباس: هو أربعون سنة أعذر الله فيه لابن آدم، وقاله مجاهد. # وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله جل ثناؤه. PageV09P5986 # وقيل: هي ثماني عشر سنة. # وعن ابن عباس أيضا: إنها ستون سنة، وهو قول علي بن أبي طالب. # وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان يوم ~~القيامة نودي أين أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله تعالى ذكره: أو لم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لقد أعذر الله في ~~العمر إلى صاحب الستين سنة والسبعين ". # ثم قال: {وجآءكم النذير}. # قال ابن زيد: هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ: {هذا نذير من النذر ~~الأولى} [النجم: 56]. وقيل: هو الشيب. PageV09P5987 # والمعنى عمرتهم هذا العمر فلم تتعظوا ولم تعملوا ولم تؤمنوا. # ثم قال: {فذوقوا} أي: عذاب جهنم. # {فما للظالمين من نصير} أي: ما لهم من ينصرهم من عذاب الله فيستنقذهم ~~منه. # قوله تعالى ذكره: {إن الله عالم غيب السماوات} إلى قوله: {لسنت الله ~~تحويلا}. # أي: يعلم ما يخفى جميع الخلق وما يسرون، وما لم يخفوه. # {إنه عليم بذات الصدور} أي: ما تخفون في أنفسكم. # ثم قال: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي: ms2103 استخفلكم في الأرض بعد الأمم ~~الماضية. # قال قتادة: أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن. # وفيه معنى التنبيه والتخويف أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم قبلهم. # ثم قال تعالى: {فمن كفر فعليه كفره} أي: على نفسه ضرر كفره راجع، مثل: ~~{ومن أسآء فعليها} [فصلت: 46]. وقيل: معناه: فعليه جزاء كفره. # ثم قال تعالى: {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} أي: بعدا من ~~الله ورحمته. # {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} أي: هلاكا. # والمقت/ عن أهل اللغة أشد البغض. PageV09P5988 # ثم قال تعالى: {قل أرأيتم شركآءكم} أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ~~أخبروني عن شركائكم الذين تدعون من دون الله، {ماذا خلقوا من الأرض}، أي: ~~هل خلقوا شيئا، {أم لهم شرك في السماوات} - إن لم يكونوا خلقو في الأرض ~~شيئا - أم أعطاكم الله كتاب أن تشركوا بها، وتعبدونها من دون الله، فأنتم ~~على حجج من عبادتكم لها إن كان معكم شيء من ذلك، فهل عبدتموها لأمر من هذه ~~الأمور: فيقوم لكم بذلك عذر، أم عدبتموها لا لمعنى، فتظهر لكم خطايكم. ~~وكذلك فعلوا، ألا ترى أنهم لم يجدوا حجة من عبادتهم لها إلا أن {قالوا ~~وجدنآ آبآءنا لها عابدين} [الأنبياء: 53]. # ومعنى " أرأيتم " عند سبيويه: أخبروني عن كذا، على (معنى) التوقيف، وأجاز ~~سيبويه: " قد علمت زيد أبو من هو " بالرفع لأن زيدا في المعنى مستقفهم عنه، ~~ولو جعلت موضع علمت أرأيت، لم يجز الرفع لأنه بمعنى أخبرني عن زيد، فلا ~~يصلح أن يعلق، إذ خرج عن حد ما يدخل على الابتداء والخبر، وحسن تعليق علمت ~~لأنها داخلة على الابتداء والخبر. # ثم قال: {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} أي: ليس لآلهتهم شيء ~~من هذه الخلال،، فقولهم: ما نعبد آلهتنا إلا لتقربنا إلى الله زلفى خداع من ~~بعضهم لبعض، وحس إضافة الشركاء إليهم لأنهم هم اختلقوها وجعلوها شركا لله. # و" بينت " في الحظ بالتاء، وذلك يدل على أنه جمع لأنه لو كان واحدا لم ~~يكتب PageV09P5989 # بالتاء لأنه منون، وإن ما وقع بالتاء من ms2104 هذا النوع ما كان غير منون نحو " ~~رحمت ربي ". و [. . .] الله وشبه ذلك. # وأيضا فإن كثيرا من المصاحف كتبت " بينات " فيه بألف قبل التاء فمن قرأ ~~بالتوحيد فلا يخلو من أن يكون خالف الخط، ومخالفته لا يتجوز، أو تكون قراءة ~~على لغة الذين قالوا في طلحة: طلحت فوقفوا بالتاء، هي لغة شاذة. # ثم قال: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا} أي: لئلا تزولا عن ~~مكانهما. # {ولئن زالتآ} قال الفراء: " لئن " بمعنى لو. # والمعنى: ولو زالتا. وحسن ذلك عنده لأن: (لئن ولو) تجابان بجواب واحد ~~فشبيهتان في المعنى. # قال قتادة: " أن تزولا ": أي من مكانهما. # وروي أن رجلا جاء إلى عبد الله، فقال له: من أين جئت؟ فقال من الشام، ~~فقال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبا، قال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات ~~تدور على منكب ملك، قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: ~~لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب، إن الله يقول: PageV09P5990 # {إن الله يمسك السماوات} الآية. # وروي عنه أن الرجل قال له: قال كعب: إن السماء في قطب كقطب الرحى، ~~[والقطب عمود]، والعمود على منكب ملك. # وقيل: إن المعنى أن النصارى لما قالت: إن المسيح ابن الله، وقالت اليهود ~~عزي ابن الله كادت السماوات أن تنفطر، وكادت الجبال أن تزول، وكادت الأرض ~~أن تنشق، فأمسك الله جل ذكره ذلك حلما منه وأناة وتفضلا، وهو قوله تعالى: ~~{تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ~~ولدا} [مريم: 90 - 91]. # وقوله جل ذكره: {ولئن زالتآ} يعني به يوم القيامة لأنها تزول فيه. س # وقيل: إن المعنى: لو وقع هذا، على ما ذكرنا عن الفراء. # ثم قال: {إنه كان حليما غفورا} أي: حليما عن من عصاه أن يعالجه بالعقوبة، ~~فإمساكه السماوات والأرض والجبال عند قولهم ذلك، وإضافتهم الولد إليه من ~~حلمه، غفورا لمن تاب من كفره. # ثم قال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أي: أقسم هؤلاء المشركون أشد PageV09P5991 # الإيمان وأبلغها. ms2105 # {لئن جآءهم نذير} ينذرهم بأس الله {ليكونن أهدى من إحدى الأمم} أي: ~~ليكونن أسلك لطريق الحق واتباع الرسول من إحدى الأمم الماضية، فلما جاءهم ~~نذير وهو محمد صلى الله عليه وسلم ازدادوا في كفرهم وغيهم ونفروا عن ~~الأيمان أكثر مما كانوا قبل أن يأتيهم، استكبارا منهم في الأرض وأنفة أن ~~يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: {ومكر السيىء} أي: وخدعة سيئة، وذلك أنهم صدوا الضعفاء عن ~~اتباعه مع كفرهم به. # قال قتادة: " ومكر السيء " هو الشرك. # وأصل المكر السيء في اللغة الكذب/ والخديعة بالباطل. وقوله " جهد " نصبه ~~على المصدر، أي: جهدوا في مبالغة الإيمان جهدا. " واستكبارا " ومكرا " ~~انتصبا على أنهما مفعولان من أجلهما، أي فعلوا ذلك لهذا أي للاستكبار ~~والمكر. # وأكثر النحويين على رد قراءة حمزة بإسكان همزة " السيء في الوصل ". # وقال قوم: هو جائز في كلام العرب سائغ، وإنما فعل ذلك في الوقف، فوصل على ~~نبية الوقف كما أثبت هاء السكت وألف " أنا " في الوصل من أثبتهما على نية ~~الوقف. PageV09P5992 # وقال قوم: إنما أسكن استخفافا لأنه قد اجتمع في الكلمة ياءان: الثانية ~~مكسورة، والكسرة مقام ياء، وبعد ذلك همزة، وهي ثقيلة، فأسكن لاجتماع هذه ~~الثقل. # وقد خففت العرب كسرتين نحو: إبل " " وإطل "، فقالوا: إبل وإطل، وخففوا ~~ضمتين فقالوا: " رسل وسبل ". فشبهوا حركة الإعراب بحركة البناء عند اجتماع ~~كسرتين على حرفين ثقيلين قبلهما حرف ثقيل. # وقيل: إنه إنما كان يخفي الحركة وليس # يسكن. # ثم قال تعالى: {ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله} أي: لا يحل مكروه ~~الباطل وعقوبته إلا بمن فعله. # ثم قال: {فهل ينظرون إلا سنت الأولين} أي: سنتنا في إهلاكه الأمم الماضية ~~على كفرهم. # {فلن تجد لسنت الله تبديلا} أي: لا تجد يا محمد لعادة الله في إهلاك ~~الكفار تغييرا. # {ولن تجد لسنت الله تحويلا} أي: انتقالا: بل ينتفقم منهم، وينزل عليهم ~~سخطه، فإن أمهلهم وأملى لهم فلا بد من عادة الله فيهم بالانتقام كما مضت ~~فيمن كان قبلهم من الأمم. # قوله تعالى: {أولم ms2106 يسيروا في الأرض} إلى آخر السورة. PageV09P5993 # أي: أولم يسر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد في الأرض، فينظروا عاقبة ~~الأمم الذين كذبوا الرسل من قبلهم، فيتعظوا ويزدجروا عن إنكارهم لنبوتك ~~وتكذيبك فيما جئتهم به، ويخافوا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك الأمم من ~~العقوبات. # والمعنى: أنهم قد ساروا ونظروا لأنهم كانوا تجارا إلى الشام، فيمرون على ~~مدائن قوم لوط وغيرها من المدن التي أهلك الله قومها لكفرهم بالرسل، كما ~~تقول للرجل ألم أحسن إليك؟ أي: قد أحسنت إليك. # ثم قال: {وكانوا أشد منهم قوة} أي: وكان أولئك الأمم أشد من هؤلاء قوة في ~~الأبدان والأموال والأولاد، فلم ينفعهم ذلكإ ذ كفروا، فأحرى أن لا ينتفع ~~هؤلاء بقوتهم وكثرة أموالهم وأولادهم إذ هم دون أولئك. # ثم قال: {قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض} أي: ~~لم يكن شيء يفوت الله بهرب ولا غيره، بل كان تحت قبضته فلا محيص عنه ولا ~~مهرب في السماوات ولا في الأرض. # بل هذا وعيد وتهديد وتخويف لمن أشرك بالله وكذب محمدا عليه السلام. # ثم قال: {إنه كان عليما قديرا} أي: بخلقه وما هو كائن، ومن المستحق منهم ~~تعجيل العقوبة، ومن هو راجع عن ضلالته ممن يموت عليها. {قديرا} أي: قادرا ~~على جميع ذلك لا يتعذر عليه شيء. # ثم قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} أي: لو عجل الله عقوبة ~~بني آدم الآن بظلمهم لم يبق أحد إلا هلك، ولكن يؤخر عقابهم إلى وقت معلوم، ~~وهو الأجل المسمى الذي لا يتجاوزونه ولا يتقدمون قبله. # قال قتادة: فعل الله ذلك بهم مرة في زمن نوح فأهلك ما على ظهر الأرض من PageV09P5994 # دابة، إلا ما حمل نوح في السفينة. # قال أبو عبيدة: " من دابة " يعني الناس. # وقيل: هو الناس وغيرهم مما يدب. # قال ابن مسعود، كاد الجعل يعذب بذنب بني آدم ثم تلا: {ولو يؤاخذ الله ~~الناس} الآية. # وذكر ابن وهب عن الليث بن سعد أنه قال: إن رجلا زنى ms2107 بامرأة في عهد (موسى) ~~عليه السلام فمات في تلك الليلة لذنبهما مائة ألف من بني إسرائيل، فدل الله ~~هارون على مكانهما فاتنظمهما بحربة، ثم أقبل بهما على بني إسرائيل، وأقبل ~~الدم حتى إذا دنا من يد هارون استدار حتى عاد كالترس ولم يصب الدم من يد ~~هارون. # ثم قال: {فإن الله كان بعباده بصيرا} أي: إذا جاء وقتهم فهو تعالى بصير ~~بمن يستحق العقوبة ومن يستوجب الكرامة. PageV09P5995 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة يس مكية # قوله تعالى (ذكره): {يس * والقرآن الحكيم} إلى قوله: {فهم مقمحون}. # قال ابن أبي ليلى: لكل شيء قلب وقلب القرآن يس، من قرأها نهارا كفي همه، ~~ومن قرأها ليلا كفي ذنبه. # وقال شهر بن حوشب: يقرأ أهل الجنة وطه ويس فقط. PageV09P5997 # روى عن عقبة بن عامر أنه كان يحدث: (أن) النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~من قرأ يس فكانما قرأ القرآن عشر مرات " من رواية ابن وهب. # قرأ عيسى بن عمر: " ياسين " بفتح النون، جعله مبنيا على الفتح، ويجوز أن ~~يكون فتح لالتقاء السكانين، وأراد به الوصل واختار الفتح، كما قالوا: كيف ~~وأين. # وأجاز سيبويه أن يكون مفعولا به على معنى: اقرأ ياسين، أو: اذكر ياسين. ~~لكنه لم ينصرف لأنه اسم للسورة، فهو اسم أعجمي عنده كهابيل. PageV09P5998 # وذكر الفراء: كسر النون لالتقاء الساكنين كما قالوا: جير لا أفعل. # قال ابن عباس: " يس " قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى ذكره. # وعنه أيضا: " يس " يا إنسان يريد محمدا صلى الله عليه وسلم. # وروى عكرمة عنه: " يس ": يا إنسان بالحبشية. # وقال مجاهد: " يس " مفتاح كلام افتتح الله جل ذكره به كلامه. # وقال قتادة: (كل هجاء) في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن. PageV09P5999 # وقال الزجاج: جاء في التفسير " يس " معناه: يا إنسان، وجاء (يا) رجل، ~~وجاء: يا محمد. # وقوله: {والقرآن الحكيم} قسم، والحكيم: المحكم آياته. # {إنك لمن المرسلين} جواب القسم، (أي) لمن المرسلين بوحي الله إلى عباده. # {على صراط مستقيم} أي: على طريق لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، ms2108 قاله قتادة. # وقيل: على طريق الأنبياء قبلك. # والوقف على {يس} جائز إذا جعلته اسما للسورة، أو تنبيها. PageV09P6000 # ولا يحسن الوقف على {المرسلين} لأن ما بعده متعلق به. # و (قد) أجازه أبو حاتم. وهو غلط. # ثم قال (تعالى): {تنزيل العزيز الرحيم} من رفعه جعله خبرا ثانيا لإن. ~~ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا القرآن تنزيل المنيع بسلطانه وقدرته، ~~الشديد في انقامه ممن كفر به الرحيم بخلقه. # ومن نصب " تنزيل " فعلى المصدر، أي: نزله تنزيلا. PageV09P6001 # ولا يحسن الوقف على " الرحيم "، لأن اللام بعده متعلقة بما قبله، أي نزله ~~تنزيلا لتنذر. # ويجوز أن يتعلق بالمرسلين، أي: إنك لمن المرسلين لتنذر. # (والمعنى لتنذر) يا محمد قوما لم ينذر آباؤهم من قبلهم، قاله قتادة فما ~~جحد. # وقال عكرمة: قد أنذر آباؤهم. فتكون " ما " والفعل مصدرا [أي إنذارا مثل ~~إنذار آبائهم. ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي على هذا القول]، أي لتنذر ~~قوما الذي أنذر آباؤهم، أي: الذي أنذروا. # {فهم غافلون} أي: غافلون عن دين الله وما لله صانع بهم إن ماتوا PageV09P6002 # على كفرهم به. # وهذا يدل على أن (ما) نافية، لأنهم لو كان آباؤهم أنذروا لم يكونوا ~~غافلين. ويدل على ذلك أيضا قوله (تعالى): {ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير} ~~[سبأ: 44]. # ثم قال: {لقد حق القول على أكثرهم} أي: وجب عليهم في أم الكتاب أنهم لا ~~يؤمنون. # وقيل: معناه: وجب (عليهم العذاب)، كما قال: {ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين} [الزمر: 71]. # وهذا إثبات للقدر، وأن الأمر كله قدره الله وفرغ منه، فحق وقوعه على ما ~~قدره وعلمه. # وكذلك: {وجعلنا من بين أيديهم سدا} [يس: 9] الآية. كله يدل على أن القدر ~~قد سبق في علم الله، يضل من يشاء فيخذله، ويهدي من يشاء فيوفقه. PageV09P6003 # ثم قال تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان} قال ~~الضحاك: منعناهم من النفقة في سبيل الله (كما) قال: {ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك} [الإسراء: 29]. # وقيل: ذلك يوم القيامة إذا دخلوا النار. # فجعل (بمعنى يجعل). # قال الطبري: التقدير: ms2109 إن جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم ~~بالأغلال فلا تنبسط لشيء (من) الخير. # وفي قراءة ابن/عباس وابن مسعود: ((إنا جعلنا) في أيمانهم أغلالا) PageV09P6004 # وقرأ بعضهم: " في أيديهم ". # والكناية في (فهي) ترجع إلى الإيمان، (لأن) الكلام دل على الأيمان، لأن ~~الغل لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون (العنق). # فالمعنى: فالأيدي إلى الأذقان. والذقن مجتمع اللحيين. ثم قال: {فهم ~~مقمحون}. # قال مجاهد: رافعوا رؤوسهم [و] أيديهم على أفواههم. # وقال قتادة: {مقمحون} مغللون عن كل خير. # (و) قال أبو عبيدة: (هو الذي) يحدث وهو رافع رأسه. PageV09P6005 # قال الفراء: هو الرافع رأسه الغاض بصره. # وقيل: المقمح: الرافع رأسه لمكروه نزل به. # وأراهم علي بن أبي طالب الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألقصهما ورفع رأسه. # (وحكى) الأصمعي: أكمحت الدابة إذا أخذت لجامها لترفع رأسها/ والكاف بدل ~~من القاف وقالوا: (الكانونين) شهرا قماح لرفع الإبل فيهما رؤوسها عند الماء ~~لبرده. # قوله (تعالى ذكره): {وجعلنا من بين أيديهم سدا} إلى قوله {قوم مسرفون} قد ~~تقدم ذكر السد والسد في الكهف، والمعنى: جعلنا من بين أيدي هؤلاء الكفار ~~حاجزا ومن خلفهم حاجزا. PageV09P6006 # {فأغشيناهم} أي: جعلنا على أعينهم غشاوة. # وروي عن ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر: " فأعشيناهم "، بالعين غر معجمة ~~من عشى العين. # قال الطبري في " سدا ": من فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله ~~كان بالضم. # وقيل: معناه أنهم زين لهم سوء أعمالهم فهم يعمهون فلا يبصرون شيئا. # قال مجاهد: سدا عن الحق فهم يترددون. # وقال ابن زيد: جعل هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان فهم لا يخلصون PageV09P6007 # إليه. وقرأ: {وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، وقرأ: {إن ~~الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون} [يونس: 96]، وقرأ شبه ذلك. # وقيل: هو تمثيل، والمعنى: أنه تعالى منعهم من الهدى بالضلال فلم ينتفعوا ~~بالإنذار. # قال ابن إسحاق: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية من خلف يترصدون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم ms2110 فقرأ أول {يس} وفي ~~يده تراب فرماهم به، وقرأ: {وجعلنا من بين أيديهم سدا} إلى رأس العشر، ~~فأطرقوا حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن عباس: أقسم أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي لأدمغنه، فأخذ حجرا PageV09P6008 # والنبي عليه السلام يصلي ليرميه به، فلما أومأ به إليه رجعت يده إلى عنقه ~~والتصق الحجر بيده، فهو قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} [يس: 8]. # قال عكرمة: كانوا يقولون: هذا محمد، فيقول أبو جهل: أين هو؟ أين هو؟ لا ~~يبصره. # ثم قال: {وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: الإنذار ~~وتركه على هؤلاء الذين حق عليهم القول سواء، فيهم لا يؤمنون لما سبق لهم في ~~أم الكتاب، وهو قوله: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} [الأعراف: ~~179]. # قال ابن عباس: ما آمن منهم أحد، يريد من القوم الذين تقدم ذكرهم. # ثم قال: {إنما تنذر من اتبع الذكر} أي: من آمن بالقرآن. # {وخشي الرحمن بالغيب} أي: وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناس لأن PageV09P6009 # المنافق يستخف بدين الله إذ خلا. # ويجوز أن يكون المعنى: وخاف الله من أجل ما أتاه من الأخبار التي غابت ~~عنه فلم يعاينها، ولكنه صدقها فخاف من عواقبها، فهو مثل قوله: {الذين ~~يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3]. # ثم قال: {فبشره بمغفرة} أي: بستر من الله لذنوبه إذا اتبع الذكر وخاف ~~الله. # {وأجر كريم} أي: وثواب في الآخرة حسن، وذلك الجنة. # ثم قال: (تعالى ذكره: {إنا نحن نحيي الموتى} يعني في الآخرة للنشور. # {ونكتب ما قدموا} أي: من أعمالهم في الخير والشر. وتقديره: ونكتب ذكر ما ~~قدموا. # {وآثارهم} أي: ما أخروا بعدهم من الأعمال والسنن التي يتبعون عليها ~~(ويقتدى بهم فيها). فهو ما أبقى الرجل بعده من عمل يجري عليه ثوابه أو ~~إثمه. PageV09P6010 # وقيل/ هو تصرفهم وتقلبهم في (الدنيا) وخطاهم مكتوب (كله). # وروي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليقرب عليهم. فيكون المعنى: ونكتب ثواب خطاهم ومشيهم إلى ms2111 ~~المسجد على بعد مساكنهم وقربها. # قال ابن عباس: كانت (منازل) الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ~~ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت {ونكتب ما (قدموا) وآثارهم} فقالوا: نثبت ~~مكاننا. # وقال جابر: أراد بنوا سلمة قرب المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " يا بني سلمة دياركم إنها تثبت آثاركم ". # وقال مجاهد (والحسن) وقتادة: آثارهم خطاهم. # قال جابر بن عبد الله: " هممنا أن ننتقل إلى قرب المسجد، واستشرنا رسول ~~الله PageV09P6011 # صلى الله عليه وسلم، فقال: امكثوا (مكانكم)، فإن لكم فضيلة على من هو ~~أقرب منكم بكل خطوة درجة ". # وروى جابر " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~أردنا نتحول إلى قرب المسجد، فقال النبي: " لا تفعلوا فإن بكل خطوة (حسنة) ~~". # وروى عقبة بن عامر عن النبي أنه قال: " يكتب له برجل حسنة ويحط عنه برجل ~~سيئة/، ذاهبا وراجعا إذا خرج إلى المسجد ". # ثم قال (تعالى): {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} أي: ما كان وما هو كائن PageV09P6012 # أثبتناه في أم الكتاب. ومعنى {مبين} أي: بين عن حقيقة ما أثبت فيه، وهو ~~اللوح المحفوظ. قاله مجاهد وقتادة وابن زيد. # ثم قال (تعالى): {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون} أي: ~~اذكر لهم يا محمد مثلا لهم مثلا. # يقال هذا من ضرب هذا، أي: من أمثاله وجنسه. # أصحاب القرية بدل من مثل، والتقدير مثل أصحاب القرية. # قال عكرمة: هي أنطاكية. # وقاله الزهري. PageV09P6013 # وهو مروي عن ابن عباس أيضا. # قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى بن مريم عليهما السلام بعث رجلين من ~~الحواريين إلى أنطاكية مدينة الروم فكذبوهما، فقواهما الله بثالث فكذبوهم. # وقال وهب بن منبه: كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يعبد الأصنام، ~~يقال له: أنطيخس بن أنطيخس، فبعث الله (إليه) المرسلين وهم ثلاثة صادق ~~وصدوق وشلوم، فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته اثنين منهم فكذبوهما، وهو ~~قوله: {قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا} أي: لستم بملائكة، إنما أنتم بنو آدم ~~مثلنا فلا نقبل منكم، {ومآ أنزل ms2112 الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون} قالت ~~الرسل: {ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون}. # (أي من عنده)، {وما علينآ إلا البلاغ المبين} أي: ليس يلزمنا إلا أن PageV09P6014 # نبلغ إليكم ما أرسلنا به (إليكم) ونبينه لكم. قال وهب: ثم عزز الله ~~بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وعابت دينه قالوا لهم: {إنا ~~تطيرنا بكم} أي: تشاءمنا بكم، {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم}، أي: لئن لم تسكتوا ~~عما تقولون لنقتلنكم رجما ولنعذبنكم عذابا (أليما). # وتأول الفراء: أن الثالث أرسل قبل الاثنين، وأنه شمعون ولو كان كما قال ~~لكان القرآن: فعززنا بالثالث. # ومعنى: {فعززنا} فقوينا وشددنا، وأصله من عزني إذا غلبني، ومنه قوله: ~~{وعزني في الخطاب} [ص: 23]، أي غلبني. # ثم قال (تعالى): {قالوا طائركم معكم} أي: قالت لهم الرسل لما تشاءموا PageV09P6015 # بهم أعمالكم معكم وحظكم من الشر والخير معكم ليس ذلك من شؤمنا، أمن أجل ~~أنا ذكرناكم بالله وبعقابه تطيرتم بنا. # وقيل: التقدير: قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم فمعكم طائركم، يقدره على ~~التكرير، وهو مذهب بعض البصريين. # وقرئت {أئن ذكرتم} بهمزتين مفتوحتين. # والمعنى: لأن ذكرتم تطيرتم بنا فهو على ما مضى، وقراءة الجماعة على ما ~~يأتي. # {بل أنتم قوم مسرفون} أي: في المعاصي. PageV09P6016 # قوله (تعالى ذكره): {وجآء من أقصا المدينة رجل (يسعى)} إلى قوله: {إليهم ~~لا يرجعون}. # قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وعن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه: ~~أن رجلا من أهل أنطاكية، اسمه حبيب النجار، (كان) يعمل الجرير، وكان مقيما ~~(قد أسرع فيه) الجذام/، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة (قاصيا)، وكان ~~مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين، فيطعم نصفه عياله ويتصدق ~~بنصفه فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه عن عمل ربه، فلما اجتمع قومه. يعني ~~أهل أنطاكية - على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى ~~فجاء يسعى إليهم ويذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، فقال لهم ما قص ~~الله علينا. PageV09P6017 # قال قتادة: ذكر لنا أن اسمه حبيب وكان يعبد ms2113 ربه في غار. # ويروى أنه كان نجارا، وقيل: (إنه) كان حطابا، لما بلغه أمر الرسل أتى ~~مسرعا بحزمته فآمن، وقال للناس: {ياقوم اتبعوا المرسلين}. # ثم أقبل على المرسلين فقال: أتريدون مالا نعطيكم، فقالو: لا، فأقبل على ~~الناس يقول: {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} فقيل له: أفأنت تتبعهم، ~~فقال: {وما لي لا أعبد الذي فطرني}، إلى قوله: {ضلال مبين}، ثم أقبل على ~~المرسلين فقال لهم: {إني آمنت بربكم} فتألب عليه الناس فقتلوه. # قال ابن عباس: هو حبيب النجار. # ويروى أنه لما سمع بخبر الرسل جاء يسعى فقال لهم: أتطلبون (على) ما جئتم ~~به أجرا، قالوا: لا، فأقبل على قومه فقال: {قال ياقوم اتبعوا المرسلين} إلى ~~قوله: PageV09P6018 # {إني آمنت بربكم فاسمعون} يقول هذا للرسل. # قال قتادة: فرجمه قومه، فقال: اللهم اهد قومي، أحسبه قال: فإنهم لا ~~يعلمون فقتلوه رجما، فأدخله الله الجنة، فلم ينظر الله قومه حتى أهلكهم. # روي أن جبريل صلى الله عليه وسلم وضع جناحا في أقطارها فقبلها عليهم ~~فبقوا خادمين ساكنين. # وعن كعب الأحبار أنه قال: الرسولان والذي جاء يسعى خد لهم أخدود وحرقوا ~~بالنار فيه. # وأكثر الناس على أنس الرسل كانوا من حواريي عيسى عليه السلام، تنبأهم ~~الله بعد/ عيسى، وأرسل منهم اثنين إلى أنطاكية فكذبوهما وضربوهما وحبسوهما، PageV09P6019 # فقواهم الله برسول ثالث. # وقد قيل: إن الثالث شمعون، (وهو) من أصحاب عيسى، وأنه أرسل قبل الاثنين ~~إلى أنطاكية فكذبوه، وإلى ذلك ذهب الفراء. # قال كعب ووهب: وثبوا على الذي جاء يسعى وثبة رجل واحد فقتلوه. وقوله: ~~{وهم مهتدون} أي: على استقامة من الحق، فاهتدوا بهداهم. # ولا يحسن الوقف على " المرسلين " لأن من بدل " من " المرسلين بإعادة ~~الفعل. # وقوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} (أي): وأي شيء لي في ترك عبادة ~~خالقي. # {وإليه ترجعون} أي: تصيرون أيها القوم. # قال ابن إسحاق على روايته عن ابن عباس وكعب ووهب: فنادى قومه PageV09P6020 # بخلاف ما هم عليه وأظهر لهم دينه، وعاب آلهتهم فقال: {أأتخذ من دونه آلهة ~~إن يردن الرحمن ms2114 بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون}. # أي: لا شفع لي آلهتكم عند ربي إذا عذبني على الكفكر ولا ينقذون من عذابه ~~ولا تدفع عني ضرا ولا تجلب إلي نفعا. # ثم قال: (تعالى): {إني إذا لفي ضلال مبين} أي: لفي جور عن الحق ظاهر، إن ~~اتبعت آلهتكم وعبدتها من دون الله. # ثم قال: {إني آمنت بربكم فاسمعون}. # قال بن إسحاق: هذا مخاطبة لقومه. # والمعنى: أني آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي. # [وقيل بل خاطب بذلك الرسل قال لهم: اسمعوا قولي فاشهدوا لي] بما أقول PageV09P6021 # لكم عند ربي، فعندما قال هذا وثبوا عليه فقتلوه. # قال ابن مسعود وابن عباس وكعب ووهب: وثبوا عليه فرطؤوه بأقدامهم على سقمه ~~ومرضه حتى مات. # ثم قال: {قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني ~~من المكرمين} قال هذا بعد أن قتل. # وقوله: {فاسمعون} هو آخر قوله لقومه في الدنيا، وبه تم كلامه. ثم حكي ~~الله عنه حاله في الآخرة وما قال وما قيل له بقوله: {قيل ادخل الجنة}. # وقد قيل: إنه إخبار من الله عما يقال له يوم القيامة وما يقول، (أي): ~~فلما قتلوه قيل: له: ادخل، (فلما) دخلها وعاين ما أكرمه (الله به)، قال: يا ~~ليت قومي يعملون بغفران ربي لي، وجعله إياي من المكرمين. (أي): فعل ذلك على ~~إيماني، PageV09P6022 # فلو عاينوا ذلك لآمنوا واستوجبوا مثل ما استوجبت. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نصح قومه حيا وميتا ". # قال قتادة: فلما دخلها، قال ذلك، فلا تلقى المؤمن إلا ناصحا. # (فما) والفعل مصدر، ويجوز أن تكون بمعنى الذي. # ثم قال (تعالى): {ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند من السمآء} أي: من ~~رسالة ولا نبي بعد قتله، قاله قتادة ومجاهد. # وعن ابن مسعود: أن المعنى: أن الله غضب لقتله غضبه فعجل لهم النقمة بما ~~استحلوا منه فلم يبعث إليهم جنودا من السماء بعد قتله، وما كانت إلا صيحة ~~واحدة فلم يبق منهم باقية قال قتادة: فلا والله ما ms2115 عاتب الله قومه بعد قتله ~~حتى PageV09P6023 # أهلكم. وقوله: {وما كنا منزلين} ظاهر الكلام أن " ما " نافية. # وقال بعض النظر: " ما: اسم في موضع خفض على " جند " على اللفظ، أو في ~~موضع نصب عطف على موضع جند لأن " من " زائدة. وتقديره: وما أنزلنا على قومه ~~من جند من السماء، وما كنا منزلين على الأمم الكافرة من نحو الحجارة والغرق ~~والمسخ والريح وغير ذلك، إنما أخذتهم صيحة فهلكوا. # وقوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة} أي: ما كانت عقوبتهم على قتله إلا صيحة ~~واحدة. # وقيل: التقدير: وما كانت هلكتهم إلا صيحة. # وقرأ أبو جعفر: برفع الصيحة الواحدة، على أنه اسم كان، والتقدير: أن PageV09P6024 # كانت عليهم إلا صيحة واحدة. # وقيل: التقدير: إن وقعت إلا صيحة. # ومنعه أبو حاتم لأجل التأنيث الذي في الفعل، وقال: لا يجوز: ما جاءتني ~~إلا جاريتاك وإنما يقال: ما جاءني (لأن التقدير ما جاءني) أحد. وهذا الذي ~~منع جائز على أن يكون التقدير: ما جاءتني امرأة إلا جاريتاك. # وقول أبي حاتم أولى لأنه نفي عام فلا يضمر إلا أحد. # وفي حرف ابن مسعود: " إن كانت إلا زقية واحدة " بالرفع. (وزقية) في موضع ~~صيحة. # والمعروف في اللغة: زقا يزقو زقوة: إذا صاح، ويقرأ به لأنه مخالف لخط PageV09P6025 # المصحف. # وقوله: {فإذا هم خامدون} أي: هالكون وساكتون بمنزلة الرماد الخامد. # ثم قال (تعالى): {ياحسرة على العباد} أي: تعالي يا حسرة فهذا إبانك/ ~~ووقتك يتحسر بك العباد على أنفسهم. هذا مذهب سيبويه. ونصبت لأنها نكرة. # وقال الطبري: معناه: يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندما وتلهفا في ~~استهزائهم برسل الله. # وذكر أن بعض القراءات: " يا حسرة على العباد على أنفسها ". # روي عن قتادة: يا حسرة العباد على أنفسها ما ضيعت من أمر ربها وفرطت في PageV09P6026 # جنب الله. # قال ابن عباس: " يا حسرة على العابد " معناه: يا ويلا على العباد. # وقال أبو العالية: العباد هنا الرسل. والمعنى أن الكفار لما رأوا العذاب ~~قالوا: يا حسرة على العباد، أي: على الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إليهم، ~~تحسروا ms2116 عليهم أن يؤمنوا بهم. # ثم قال جل ذكره: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون}. # وقال بعض أهل اللغة: (المعنى): يا لها حشرة على العباد. وحقيقة الحسرة أن ~~يحلق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرا، أي منقطعا. # ثم قال (تعالى): {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون} أجاز الفراء أن ~~تكون PageV09P6027 # " كم " في موضع نصب يروا، واستدل على ذلك أن في حرف ابن مسعود: " ألم ~~يروا من أهلكنا ". # ولا يجوز هذا عند البصريين لأن " كم " استفهام، ولا يعمل فيها ما قبلها. ~~والعامل فيه أهكلنا، وأنها عند سيبويه بدل من كم. ورد ذلك عليه المبرد، ~~والتقدير عنده: بأنهم. # والمعنى: الم ير هؤلاء المشركون من قومك يا محمد كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون بتكذيبهم الرسل، فيخافوا أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك، أي: ألم ~~يعلموا ذلك. PageV09P6028 # وقرأ الحسن: " إنهم " بالكسر على الاستئناف. # {لا يرجعون}: لا يعودون بعد موتهم وهلاكهم. # قوله (تعالى ذكره): {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} إلى كقوله: {في فلك ~~يسبحون}. # أي: الكل محضرون يوم القيامة. # و" ما " زائدة عند أبي عبيدة، والتقدير: وإن كل الجميع محضرون. # و" إن " مخففة من الثقيلة، وكل مبتدأ، (والجميع) الخبر. # ويجوز/ أن يكون جميع بدلا من ما، أو نعتا لها، والتقدير: وإن كل لخلق أو ~~لبشر جميع، وحسن كون " ما " لذلك لأن من يعقل وما لا يعقل أن يحضر يوم ~~القيامة منه بهيمة وإنسان. PageV09P6029 # ومن شدد فهي بمعنى إلا، حكى سيبويه: سألتك بالله لما فعلت، بمعنى: إلا ~~فعلت. # وأنكر الكسائي هذا. # وقال الفراء: المعنى لمن ما جميع، ثم أدغم وحذفت إحدى الميمات تخفيفا كما ~~يقال: " علماء بنو فلان). فيحذفون ويدغمون، والأصل: على الماء. # ثم قال (تعالى): {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} أي: دلالة لهؤلاء ~~المشركين على قدرة الله وتوحيده: إحياؤنا للأرض الميتة بالمطر، {وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون}. # ثم قال: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب} أي: في الأرض التي أحييت ~~بالمطر، {وفجرنا فيها من العيون} أي: عيون الماء ليشربوا منها ms2117 ويسقموا ~~ثمارهم. PageV09P6030 # ثم قال: {ليأكلوا من ثمره} الهاء في ثمره تعود على ماء العيون، لأن الثمر ~~من الماء اندرج وتكون، فأضيف إليه، أي: فعلنا لهم ذلك ليأكلوا ثمرة النخيل ~~والأعناب. ووحد الثمر في قوله {ثمره} فوحد الضمير، لأن العرب تأتي بالاثنين ~~وتقتصر على خبر أحدهما. # ومن فتح الثاء جعله جمع ثمرة وثمر كخشبة وخشب. # ومن ضم جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمارا على ثمر كحمار وحمر، ويجوز أن ~~يكومن جمع ثمرة أيضا كخشبة وخشب. # وقوله (تعالى): {وما عملته أيديهم} أي: ومن ثمر الذي عملته أيديهم، يعني ~~الذي غرسوا وزرعوا. # ويجوز أن تكون " ما " نافية، أي لم يعمل ذلك الذي أحياه المطر أيديهم. PageV09P6031 # ومن حذف الهاء في " عملته " جعل " ما " والفعل مصدرا، او نافية، أو بمعنى ~~الذي لا غير. # ومن أثبتها جعلها بمعنى الذي لا غير. # {أفلا يشكرون} أي: يشكر هؤلاء على هذه النعم. # ثم قال (تعالى): {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} (أي): تنزيها وتبرئة لله ~~جل ذكره مما يضيف إليه هؤلاء المشركون من الشركا، وهو الذي خلق الألوان ~~كلها والأجناس كلها من نبات الأرض. # {ومن أنفسهم}، أي: وخلق من أولادهم ذكورا وإناثا. # {ومما لا يعلمون}، أي: وخلق أجناسا من الأشياء التي لم يطلعهم الله ~~عليها. # ثم قال (تعالى): {وآية لهم اليل نسلخ منه النهار}، أي: وعلامة أيضا لهم ~~على قدرة الله وتوحيده: الليل ينزع منه ضياء النهار. PageV09P6032 # {ومن} هنا بمعنى (عن)، أي: ينزع عنه ضياء النهار، ومثله: # {فانسلخ منها} [الأعراف: 175] أي/: عنها وتركها. # وقوله: {فإذا هم مظلمون} أي: صاروا في ظلمة. # وقال قتادة: معناه: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. # وهذا بعيد في التأويل ليس هذا موضعه ولا يدل عليه الكلام. وحقيقة سلخت: ~~أزلت الشيء من الشيء وخلصته منه حتى لم يبق منه شيء. # ثم قال: {والشمس تجري لمستقر لها} أي: لموضع قرارها. # قال القتبي: مستقرها أقصى منازلها في الغروب لا تتجاوزه، يعني إلى أبعد ~~مغاربها ثم ترجع. # وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم ms2118 قال: " عند غروب الشمس يا أبا ~~ذر أتدري أين تذهب الشمس؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال، إنها تذهب فتسجد ~~بين يدي ربها جل ثناؤه ثم تستأذن بالرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ~~ارجعي من حيث جئت، PageV09P6033 # فتطلع من مكانها وذلك مستقرها ". # وروى أبو ذر أيضا قال: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله ~~تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها} فقال: مستقرها تحت العرش ". # قال قتادة: لمستقرها وقت واحد لا تعدوه. # وقيل: المعنى: (إنها) تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ثم ترجع فلا ~~تتجاوزه، وذلك أنها لا يتزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مطالعها ثم ~~ترجع. # وعن أبي ذر قال: " قلت (يا) رسول الله {والشمس تجري لمستقر/ لها} قال: ~~بين يدي العرش ". PageV09P6034 # وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " لا مستقرها "، على معنى: هي جارية لا تثبت ~~في موضع واحد: أي هي كل ليلة في موضع لا تكون فيه في الليلة التي تليها ~~تتقدم أو تتأخر. # ثم قال: {ذلك تقدير العزيز العليم} أي: هذا الذي تجري عليه الشمس من ~~التقدير، هو تقدير العزيز في انتقامه العليم بمصالح خلقه. # ثم قال (تعالى): {والقمر قدرناه منازل} [أي: وآية لهم القمر قدرناه ~~منازل. # وقيل: التقدير: قدرنا له منازل، ثم حذفت اللام واتصل الضمير، كمنزلة: " ~~كالوهم أو وزنوهم " [المطففين: 3]، والمعنى: قدرناه منازل في النقص ~~والزيادة PageV09P6035 # والتمام، فهو منذ يطلع كل ليلة في منزلة - ومنازله ثمانية وعشرون منزلة ~~(معروفة) - ثم يستتر ليلتين فلا يرى. # {حتى عاد كالعرجون} أي: في النقص كالعذق اليابس من القدم لأن العذق كلما ~~قدم يبس وتقوس وانحنى، ولا يوجد مستويا أبدا لا أخضر ولا يابس، فكذلك القمر ~~في آخر الشهر ينقص ويتقوس وينحني. هذا قول ابن عباس وقتادة والحسن وغيرهم. # والعذق بكسر العين هو الكباسة والقنو. وأهل مصر يسمونه PageV09P6036 # الإسباطة. # والعذق بفتح العين هو النخلة. # ثم قال (تعالى): {لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر} أي: لا ينبغي ولا ~~يمكن للشمس أن تدرك القمر فيذهب ضوؤه بضوئها (فتكون الأوقات ms2119 كلها نهارا. # {ولا اليل سابق النهار} أي: ليس يفوته بظلمته). فتكون الأوقات كلها مظلمة ~~ليلا. وفي هذا - لو كان - إبطال التدبير الذي بنيت عليه الدنيا، ألا ترى أن ~~الدنيا إذا ذهبت، وزال تدبير الشمس والقمر جمع بينهما. قال الله جل ذكره في ~~حال يوم القيامة: {وجمع الشمس والقمر} [القيامة: 9]، ففي جمعهما زوال تدبير ~~الدنيا بنهار بعد ليل وليل بعد نهار، فليس في الآخرة ليل يدخل على النهار، ~~ولا شمس ولا قمر، وذلك تدبير أخر، تبارك الله أحسن الخالقين. # قال الضحاك: معناه: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم PageV09P6037 # يكن للشمس ضوء. وهو معنى قول ابن عباس. # قال قتادة: لكل (حد) وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب ~~هذا. # وعن ابن عباس في الآية: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، ~~وإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر. # وقيل: المعنى: إن القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فلا ~~يدرك أحدهما الآخر. # وقيل: المعنى: إن سير القمر سير سريع، والشمس سيرها بطيء فهي لا تدركه. # وسئل ابن عمر، فقيل له: ما بال الشمس تصلانا أحيانا، وتبرد أحيانا؟ فقال: ~~أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في ~~السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء، قال: لو كانت ~~كذلك ما قام لها PageV09P6038 # شيء إلا أحرقته. # وقوله: {ولا اليل سابق النهار}. استدل به بعض العلماء على أن النهار ~~مخلوق قبل الليل، وأن الليل لم يسبقه بالخلق. # وقيل: المعنى: إن كل واحد/ منهما يجيء في وقته ولا يسبق صاحبه. # ثم قال: {وكل في فلك يسبحون} (أي): وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل ~~والنهار في فلك يجرون. # قال ابن عباس: في فلك كفلك المغزل. وجاء يسبحون بالواو لأنه لما أخبر ~~عنهن بلفظ من يعقل أجرى ضميرهم مجرى ضمير من يعقل ولم يقل يسبحن، ولو قيل ~~لحسن، ولكن جاء على هذا المعنى. # قوله ms2120 (تعالى ذكره): {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم (في الفلك)} إلى قوله: ~~{إلى ربهم ينسلون}. PageV09P6039 # أي: وآية لأهل مكة أنا حملنا ذريات نوح في الفلك المشحون، أي: الموقر. ~~فالضميران على هذا مختلفان. # وقد قيل: إن المعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا أولادهم وضعفاءهم ومن لا ~~يقدر على المشي في السفينة في البحر. فالضميران متفقان، والفلك في القول ~~الأول سفينة نوح واحد في المعنى. # وقيل: المعنى: إن الآباء يسمون ذرية. فالمعنى: وآية لأهل مكة أنا حملنا ~~آباءهم في الفلك المشحون، وهي سفينة نوح. وإنما جاز ذلك لأن الذرية من: ذرأ ~~الله الخلق. (فسمي الولد/ ذريه لأنه ذري من الأب، ويسمى الأب ذرية لأن ~~الابن ذري منه. فكما جاز أن يقال للابن ذرية لأبيه) لأنه ذري منه، فكذلك ~~يجوز أن يقال للأب ذرية للابن لأن ابنه ذري منه. # فالمراد بها سفينة نوح، ويراد بها في القول الثاني: سفينة من السفن، وهي ~~المركب، فيجوز أن يكون واحدا وجمعا، فإذا كان جمعا فواحده فلك كوثن ووثن. PageV09P6040 # قال الحسن: (المشحون) المحمول. # وقيل: الممتلئ، قاله ابن عباس. # ثم قال (تعالى): {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}. # قال ابن عباس: هي السفن الصغار، ودل على ذلك: {وإن نشأ نغرقهم}. # وقال الضحاك: يعني السفن التي أتخذت بعد سفينة نوح. # وقاله قتادة وابن زيد وأبو صالح وغيرهم. # وعن ابن عباس: أنها الابل، قال: فالإبل سفن البر. # وقال مجاهد: يعني الأنعام. # وقال الحسن أيضا: هي الإبل. PageV09P6041 # واختيار الطبري قول من قال هي السفن، لقوله (تعالى): {وإن نشأ نغرقهم} إذ ~~لا غرق في البر، والمعنى: إن نشأ نغرق هؤلاء المشركين إذا ركبوا الفلك في ~~البحر. # {فلا صريخ لهم} أي: لا مغيث لهم إذا نحن أغرقناهم. # {ولا هم ينقذون} أي: ينجون من الغرق. # وصريخ بمعنى مصرخ: أي مغيث. يقال صرخ الرجل إذا صاح، وأصرخ إذا أغاث ~~وأعان، فهو مصرخ والأول صارخ. # ثم قال تعالى: {إلا رحمة منا}. # فنصب " رحمة " عند الزجاج لأنه مفعول من أجله. # وهي عند الكسائي نصب على الاستثناء. # والمعنى: ولا ms2121 هم ينقذون إلا الأجل الرحمة والإمتاع بالحياة إلى وقت، هذا PageV09P6042 # التقدير على قول الزجاج. والتقدير على قول الكسائي: ولا هم ينقذون إلا أن ~~يرحمهم فيمتعهم إلى أجل. # قال قتادة: {إلى حين} إلى الموت. # ثم قال: {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم [وما خلفكم} أي: إذا قيل ~~لهؤلاء المشركين من قومكم يا محمد اتقوا ما بين أيديكم]، أي: احذروا ما ~~تقدم قبلكم من نقسم الله في الأمم الماضية بكفرهم وتكذيبهم الرسل أن يحل ~~بكم مثل ذلك. {وما خلفكم} أي: وما أنتم لا قوه من عذاب الله تعالى إن هلكتم ~~على كفركم وتكذيبكم. # {لعلكم ترحمون} أي لتكونوا على رجاء من الرحمة. هذا قول سيبويه، وقال ~~الطبري: معناه: ليرحمكم ربكم. # قال قتادة: " ما بين أيديكم ": وقائع الله جل ذكره فيمن خلا من الأمم، " ~~وما PageV09P6043 # خلفكم " أي: من أمر الساعة. # وقال مجاهد: ما بين أيديهم، ما مضى من ذنوبهم، وما خلفهم: (قال): ذنوبهم ~~لتي (هم) عاملوها. # وقال ابن جبير: " ما بين أيديكم " الآخرة. وما خلفكم ": الدنيا. # وجواب إذا محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا. # ثم قال (تعالى): {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} ~~أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من حجة من حجج إلا أعرضوا عنها لا يفكرون ولا ~~يتدبرون. # ثم قال (تعالى): {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} أي: أدوا زكاته ~~لأهل الضعف منكم. # {قال الذين كفروا} أي: كفروا بالله ورسوله {للذين آمنوا} بهما. PageV09P6044 # {أنطعم من لو يشآء الله أطعمه} قالوه على التهزي. # وقوله: {إن أنتم إلا في ضلال مبين} يجوز أن يكون من قول الكفار للمؤمنين. # ويجوز أن يكون من قول الله جل ذكره (وثناؤه) للمشركين الذين قالوا: ~~{أنطعم من لو يشآء الله أطعمه}. # قال الحسن: {وإذا قيل لهم أنفقوا} هم اليهود. # [ثم قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} أي: متعى نبعث ~~ونعذب، استعجالا بالعذاب وتكذيبا للبعث، يقوله المشركون للمؤمنين وللنبي ~~صلى الله عليه وسلم] . # ثم قال (تعالى ذكره): {ما ينظرون إلا ms2122 صيحة} أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون ~~الذين يستعجلون وعيد الله إلا صيحة واحدة، وذلك نفخة الفزع عند قيام ~~الساعة، وهي النفخة الأولى تأخذهم وهم في بيعهم وشرائهم. # {فلا يستطيعون توصية} أي: لا يقدرون أن يوصوا ولا يرجعوا إلى أهلهم. # وقوله: {ونفخ في الصور} قيل: هي النفخة الثالثة، وقيل: هي الثانية يقوم ~~بها PageV09P6045 # الأموات. # وقيل: هي ثلاث نفخات، و (قد) ذكرناها في غير موضع من كتابنا هذا، روى أبو ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله جل ثناؤه لما فرغ من خلق ~~السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره ~~إلى العرش ينتظر متى يؤمر ". # قال أبو هريرة: " يا رسول الله، وما الصور؟ قال: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: ~~قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، ~~والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين جل ذكره، ويأمر الله إسرافيل بالنفخة ~~الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء ~~الله، ويأمره PageV09P6046 # الله فيديمها ويطولها فلا تفتر، وهي التي يقول: ما ينظر هؤلاء إلا صيحة ~~واحدة ما لها من فواق ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فيقول: انفخ نفخة ~~الصعق، فيصقق: أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله فإذا هم فيها خامدون، ~~ثم يميت من بقي فإذا لم يبق إلا الله الواحد الصمد بدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات، فيبسطها ويسطحها ويمدها مد الأديم العكاضي لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا، ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في (هذه) المبدلة في مثل مواضعهم من ~~الأولى ما كان في بطنها وما كان على ظهرها ". # قال قتادة: ذكر لنا أن نبي (الله) صلى الله عليه وسلم كان يقول: " تهيج ~~الساعة بالناس والرجل يسقي ما شيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته ~~في سوقه، PageV09P6047 # والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتهيج بهه وهم كذلك {فلا يستطيعون توصية ولا ~~إلى أهلهم يرجعون} ". # قال عبد الله بن عمر: ولينفخن في الصور، والناس في طرقهم وأسواقهم ~~ومجالسهم، ms2123 (و) حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان فما يرسله أحدهما ~~من يده حتى ينفخ في الصور، وهي التي قال الله عز وجل: # { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون} الآية. # ومعنى قوله: {ولا إلى أهلهم يرجعون} أي: لا يرجعون إلى أهلهم بعد موتهم ~~أبدا. # وقيل: لا يرجعنن من أسواقهم إلى أهلهم، يموتون مكانهم، وهو اختيار ~~الطبري. # وهو قول قتادة. PageV09P6048 # وقيل: المعنى: ولا إلى أهلهم يرجعون قولا، يشغلون بأنفسهم. # ومعنى {فلا يستطيعون توصية} أي: لا يمهلون حتى يوصوا بما في أيديهم. # ثم قال (تعالى): {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون}. # قال قتادة: الصور هنا جمع صورة، أي: نفخ في الصور الأرواح. # وهو قول أبي عبيدة كبسرة وبسر. # وقرأ ابن هرمز " في الصور " جعله كظلمة وظلم. # وقيل: هو القرن على ما تقدم. وهذه النفخة هي الثالثة، وهي نفخة البعث. PageV09P6049 # والأجداث: القبور، يقال جدث وجدف. # ومعنى: {ينسلون}: يخرجون سراعا. والنسلان: الإسراع في المشي. # وقال الحسن في الآية: وثب القوم من قبورهم لما سمعوا الصرخة ينفضون ~~التراب عن رؤوسهم يقول المؤمنون: سبحانك ويحمدك وما عبدناك حق عبادتك. # قال وهب بن منبه: (يبلون) في قبورهم، فإذا سمعوا الصرخة عادت الأرواح إلى ~~الأبدان، والمفاصل بعضها إلى بعض، فإذا سمعوا النفخة الثانية، وثب القوم ~~قياما على أرجلهم ينفضون التراب عن رؤوسهم. # (قوله تعالى ذكره): {قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا} إلى/ قوله: {بما ~~كنتم تكفرون}. # أي: يقول ذكل المشركون إذا نفخ في الصور نفخة البعث. PageV09P6050 # قال أبي بن كعب: ناموا نومة قبل البعث. وكذلك قال قتادة. # قال مجاهد: يهجع الكفار قبل يوم القيامة هجعة يذوقون فيها النوم، فإذا ~~قامت القيامة قالوا: {قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا}. # ثم قال: {هذا ما وعد الرحمن}. # قال قتادة: قال لهم أهل الهدى: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}. # وقال مجاهد: قال ذللك لهم المؤمنون (المرسلون). # وقال ابن زيد: هو من قول بعضهم لبعض، صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم ~~به من البعث بعد الموت. ms2124 # وقال الفراء: هو من قول الملائكة لهم. # وهذا القول موافق لقول قتادة، لأن الملائكة أهل هدى. وكذلك يتأول قوله: PageV09P6051 # {إن الذين آمنوا/ وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} [البينة: 7]. # وكذلك الحديث: " المؤمن عند الله خير من كل ما خلق " وهو قول القتبي. # والوقف على " مرقدنا " إجماع إلا ما حكى أحمد بن جعفر أنه يوقف على " هذا ~~"، ثم يتبدئ: {ما وعد الرحمن}، أي: بعثكم ما وعد الرحمن. # وقرأ ابن عباس: " من بعثنا " بكسر الميم وخفض البعث. # فالوقف على {ياويلنا} جائز إلا على هذه القراءة لأن من متعلقة بما قبلها. PageV09P6052 # ثم قال تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} أي: ~~قد حضروا للعرض على الله. وقد تقدم ذكر هذا. # ثم قال (تعالى): {فاليوم لا تظلم نفس} لا ينقص من أجرها ولا يحمل عليها ~~وزر غيرها. # {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} ولا تكافؤون إلا مكافأة أعمالكم في ~~الدنيا. # ثم قال (تعالى): {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون}. # قال مجاهد: شغلهم افتضاض (الأبكار). # [وقال ابن مسعود: افتضاض العذارى]. # وهو قول ابن المسيب. PageV09P6053 # وقال أبو قلابة: بينما الرجل من أهل الجنة مع أهل إذ قيل له تحول إلى ~~أهلك. # وقيل: " في شغل " في نعمة. # وقيل: في شغل عما فيه أهل النار. # والشغل والشغل لغتان كالبخل والبخل. # وقرأ أبو جعفر: (فكهون). # وهو عند الفراء مثل فاكهين في المعنى كحذر وحاذر. # وقال أبو زيد: رجل فكه إذا كان طيب النفس ضحوكا. PageV09P6054 # وقال قتادة: " فكهون " معجبون. # قال ابن عباس: " فاكهون " فرحون. # وقال بعض أهل اللغة: الفاكه الكثير الفاكهة، وكذلك تامر ولا حم وشاحم إذا ~~كثر ذلك عنده. # وقرأ طلحة بن مصرف: " فاكهين " بالنصب على الحال، وجعل في شغل الخير. # ثم قال: {هم وأزواجهم في ظلال} يعني أزواجهم من أهل. # وظلال جمع ظلة كقلة وقلال، ويجوز أن يكون جمع ظل. # ومن قرأ " ظلل " جعله أيضا جمع ظلة. كغرفة وغرف، وظلمة وظلم، وحلة وحلل. PageV09P6055 # وقوله: {على الأرآئك} أي: على السرر في الحجال، واحدها أريكة. ms2125 # وقيلأ: (كل) فراش أريكة. # والقول الأول هو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة. # قال أبو إسحاق: {الأرآئك} الفرش في الحجال، (وقيل الفرش)، وقيل: الأسرة. ~~واختار أن تكون الفرش كانت في حجال أو فيغير حجال. # وقيل: الأرائك أسرة الذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت. # والأريكة الواحدة مثل ما بين صنعاء إلى أيلة، وليس في الجنة نوم، إنما هو PageV09P6056 # الاتكاء عليها. # ثم قال: {لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} أي: يتمنون، ويدعون: يفتعلون من ~~دعا، و " ما " في موضع رفع بالابتداء، و " لهم " الخبر. # ثم قال: {سلام قولا من رب رحيم} سلام بدل من " ما "، ومعناه: ولهم أن ~~يسلم الله عليهم، وذلك غاية أمنيتهم. # ويجوز أن تكون " ما " نكرة، " وسلام " نعت لها، بمعنى مسلم لهم. # ويجوز أن يكون " سلام " خبرا عن " ما ". # وفي حرف ابن مسعود: " سلاما "، نصب على المصدر أو في موضع الحال بمعنى ~~مسلما لهم. " وقولا " مصدر، أي: يقولونه قولا يوم القيامة، أو يقوله الله ~~لهم قولا. PageV09P6057 # قال محمد بن كعب القرظي لعمر بن عبد العزيز: إذا فرغ الله (من) أهل الجنة ~~وأهل النار، أقبل في ظل من الغمام والملائكة إلى أول درجة، فيسلم عليهم ~~فيردون السلام/، وهو في القرآن {سلام قولا من رب رحيم}، فيقول: اسألوا، ~~فيقولون: ما نسألك وعزتك وجلالك لو أنك قسمت بيننا أرزاق الثقلين لأطعمناهم ~~وسقيانهم وكسوناهم، (فيقول: سلوني)، فيقولون: نسألك رضاك، فيقول: رضائي ~~أحلكم دار كرامتي. فيفعل ذلك بأهل كل درجة. قال: ولو أن امرأة من الحور ~~تطلعت لأهل الأرض لأطفأ ضوء سوارها الشمس والقمر، فكيف بالمسورة. # وأجاز أبو حاتم الوقف على: " سلام " وهو لا يجوز، لأن الجملة التي قبل ~~قول عملت فيه فقامت مقام العامل. # ثم قال (تعالى) " {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} (أي): اعتزلوا وانفردوا PageV09P6058 # أيها الكافرون عن المؤمنون. # قال قتادة: عزلوا عن كل خير. # وروى محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ذكره جهنم، فيخرج منها عنق ساطع ~~مظلم، ثم ms2126 يقول/: {ألم أعهد إليكم يابنيءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد أضل منكم جبلا كثيرا} إلى ~~قوله: {كنتم] توعدون} ثم يقول: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون}، فيتميز ~~الناس ويحثون، وهو قوله (تعالى ذكره): # {وترى كل أمة جاثية} (كل أمة) {تدعى إلى كتابها} [الجاثية: 28]. # وقوله: {ألم أعهد إليكم} أي: (ثم قال): ألم أوصيكم وآمركم في الدنيا ألا ~~تطعيوا الشيطان في المعاصي، وأعلمتكم أنه لكم عدو مبين، وأنه أخرج أبويكم ~~من PageV09P6059 # الجنة لعداوته لهما. # ثم قال: {وأن اعبدوني} أي: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني وأخلصوا العبادة ~~لي. # {هذا صراط مستقيم} أي: عبادتكم إياي خالصا هو الصراط المستقيم. # ثم قال (تعالى): {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا} أي: أضل الشيطان منكم خلقا ~~كثيرا فأطاعوه، وجبلا بكسر الجيم، والتشديد جمع جبلة. # و (من) قرأ بضم الجيم والباء والتخفيف جعله جمع جبيل كسبيل وسبل. # وجبيل معدول عن مجبول كجريح بمعنى مجروح. # وكذلك قراءة من أسكن الباء وضم الجيم وخفف، إنما أراد الضم ولكن أسكن ~~استخفافا. PageV09P6060 # ثم قال: {أفلم تكونوا تعقلون} أي: تفهمون أنه لا ينبغي أن يطاع من هو ~~عدو، والكلام كله بمعنى التوبيخ والتقرير، أي قد عهدت إليكم ذلك. # ثم قال: {هذه جهنم التي كنتم توعدون} أي: في الدنيا، فتكذبون (بها). (و) ~~جهنم أول باب من أبواب النار. # ثم قال: {اصلوها اليوم} (أي): احترقوا فيها، وردوها جزاء بكفرهم في ~~الدنيا بها وبالله ورسله. # قوله (تعالى ذكره): {اليوم نختم على أفواههم} إلى آخر السورة. # أي: نطيع (على) أفواه المشركين. # {وتكلمنآ أيديهم بما كانوا يكسبون} أي: بما عملوا في الدنيا. # {وتشهد أرجلهم} أي: بما سعت فيه من المعاصي. # روي أن الذي ينطبق (من) أرجلهم أفخاذهم من الرجل اليسرى. PageV09P6061 # قال أبو موسى: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما ~~بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم إني عملته، قال: فيغفر الله (منه) ذنوبه ~~ويستره منها. ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه عمله، فيجحده ~~فيقول: أي: ربي وعزتك لقد كتب ms2127 علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: ~~أما عملت كذا يوم كذا؟ فيقول: (لا) وعزتك، (أي): رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ~~ختم الله على فيه. قال أبو موسى: فإني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى ~~ثم تلى الآية: {اليوم نختم. . .}. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أول شيء يتكلم من الإنسان يوم ~~يختم على الأفواه فخذه من رجله اليسرى "، رواه عقبة بن عامر عنه. # ثم قال (تعالى): {ولو نشآء لطمسنا على أعينهم} أي: لأعميناهم عن الهدى ~~فلا PageV09P6062 # يهتدون إلى طريق الحق أبدا. قاله ابن عباس. # وقال الحسن: (معناه): لو شاء لتركهم عميا يترددون. # وكذلك قال قتادة. # وهو اختيار الطبري، لأن القوم كانوا كفارا، فلا معنى لعماهم (عن) الهدى ~~وهم كذلك كانوا، والمعنى عنده: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم فأعميناهم فلا ~~يبصرون طريقا في تصرفهم إلى منازلهم ولا إلى غيرها. # وقيل معنى: {فاستبقوا الصراط} أي: فبادروا إذا حدث بهم العمى إلى ~~منازلهم/ ليلحقوا بأهلهم. # والأطمس هو الذي لا يكون بين عينه شق. # وحكى الكسائي طمس يطمس ويطمس. PageV09P6063 # ثم قال (تعالى): {ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم} أي: لأفقدناهم جزاء على ~~كفرهم، فلا يستطيعون أن يمضوا إلى أمامهم ولا يرجعون إلى ورائهم، هذا قول ~~الحسن وقتادة. # وقال ابن عباس: معناه: لأهلكناهم في منازلهم. # وقيل: المعنى: لو شاء الله لمسخهم في الموضع الذي اجترؤوا فيه على معصية ~~الله، فلا يقدرون على المضي ولا على الرجوع. # وقال ابن سلام: هذا كله في القيامة، قال إذا كان يوم القيامة مد الصراط، ~~ونادى مناد ليقم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فيقومون برهم وفاجرهم ~~يتبعونه فيتجاوزوا الصراط فإذا صاروا عليها، طمس الله أعين فجارهم، ~~فاستبقوا الصراط فمن/ أين يبصرونه حتى يجاوزوه، (قال): ثم ينادي مناد ليقم ~~عيسى وأمته فيقومون فيتبعونه برهم وفاجرهم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذلك ~~سائر الأنبياء. والعرب تقول PageV09P6064 # مكان ومكانة، ودار ودارة. # وحتى ابن الأعرابي: أن العرب تجمع مكانا على أمكنة ومكنات. # ثم قال (تعالى): {ومن نعمره ننكسه ms2128 في الخلق} أي: نرده إلى مثل حاله ~~الأولى من الضعف وقلة العلم والفهم، بمنزلة قوله: # {لكي لا يعلم بعد علم شيئا} [النحل: 70]. # ثم قال: {وما علمناه الشعر} أي: لم نعلم محمدا الشعر، بل علمناه القرآن، ~~وليس هو شعر كما قال المشركون. # {وما ينبغي له} أي: ما ينبغي له أن يكون شاعرا. # وقيل: معناه: ما يسهل له قول الشعر. # وقالت عائشة: " لم يتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت شعر قط إلا ~~ببيت طرفة PageV09P6065 # فجعل آخره أوله وأوله آخره، وهو قول طرفة: " ستبدي لك الأيا ما كنت جاهلا ~~" البيت. فكان يقول: ويأتيك من لمم تزود بالأخبار. # فأما ما روي عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: # " أنا النبي لا كذب ... أن ابن عبد المطلب ". # فإنه فيما ذكر أنه كان يعرب: (كذبا) و (المطلب)، وإذا أعربها لما يكن ~~شعرا. # ثم قل: {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} أي: ما هذا القرآن إلا ذكر وليس شعر، ~~أنزله على محمد لينذر من كان حيا، وهو المؤمن، مثل قوله: {إنما تنذر من ~~اتبع الذكر} [يس: 11]. PageV09P6066 # وقال الضحاك: من كان حيا هو العاقل. # ثم قال: {ويحق القول على الكافرين} أي: ويجب عليهم العذاب الذي تقدم لهم ~~في علم الله أنهم صائرون إليه بكفرهم. # ثم قال: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما} أي: أو لم ير ~~هؤلاء المشركون أنا خلقنا لهم من خلقنا أنعاما، وهي المواشي والإبل، ومعنى ~~{أيدينآ} أي: بقوتنا وقدرتنا كان خلقنا لهم. # [ثم قال: {فهم لها مالكون} أي: مصرفون لهم كيف شاؤوا]. # ثم قالوا: {وذللناها لهم} (أي): سهلناها لهم فلا تعدو عليهم. # {فمنها ركوبهم} أي: ما يركبون. # وقرأت عائشة " ركوبتهم ". # قال أبو عبيدة: الركوبة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلا PageV09P6067 # للجماعة. # قال البصريون: حذفت الهاء من " ركوبهم " على النسب، والأصل الهاء. # قال الكوفيون: العرب تفرق في فعول بين ماله الفعل، وبين ما الفعل واقع ~~عليه، فيقولون: امرأة صبور وشكور، بغير هاء، ويقولون: شاة حلوبة وناقة ~~ركوبة. ثم قال (تعالى): ms2129 {ومنها يأكلون} (أي): لحوم الإبل والمواشي. # (ثم قال تعالى): {ولهم فيها منافع} يعني في أصوافها وأوبارها وجلودها ~~وغير ذلك. # ثم قال: {ومشارب} يعني ألبانها. # {أفلا يشكرون} أي: يشكرون الله على هذه النعم التي خلق (لهم). PageV09P6068 # ثم قال [تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة}] يعني: هؤلاء المشركين اتخذوا ~~الأصنام آلهة. # {لعلهم ينصرون}، (أي): طمعا أن ينصروهم من عقاب الله. # {لا يستطيعون نصرهم} أي: من عقاب الله، أي لا تستطيع الآلهة نصر هؤلاء ~~المشركين ولا غيرهم. # ثم قال: {وهم لهم جند محضرون} [أي: هؤلاء المشركون] لآلهتهم جند محضرون ~~عند الحساب، قاله مجاهد. # وقال قتادة: معناه محضرون في الدنيا يغضبون إذا ذكرت/ آلهتهم بسوء. # وقيل: المعنى: أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون يوم القيامة فيتبعونه ~~إلى PageV09P6069 # النار، فهم جند لهم محضرون معهم في النار. # ثم قال (تعالى): {فلا يحزنك قولهم} يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا ~~تحزن من قولهم: إنك شاعر، ولا من تكذيبهم لك. # {إنا نعلم ما يسرون} أي: نعلم إنما يدعوهم إلى ذلك الحسد وأنهم يعلمون ~~أنك جئتهم بالحق، ونعلم ما يعلنون من كفرهم وجحودهم لما جئتهم به. # ثم قال (تعالى ذكره): {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} قيل: " عني ~~به أمية بن خلف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته ثم ذراه ~~في الريح، فقال: من يحيي العظام وهي رميم، قاله قتادة ومجاهد. # وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه، فقال له: " الله يحييك، ~~ثم يميتك ثم يدخلك النار "، فقتله رسول الله يوم أحد ". PageV09P6070 # وقال ابن جبير: وهو العاصي بن وائل السهمي. # وقيل: عني به عبد الله بن أبي. قاله ابن عباس. # وفي هذا نزلت: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} إلى آخر السورة. # قال ابن عباس: " جاء أبي بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ~~بال فكسره وفته بيده، ثم قال: يا محمد، كيف يبعث الله هذا (وهو رميم)؟ ~~(فقال له) (النبي صلى الله عليه وسلم) : " يبعث الله هذضا ms2130 ثم يميتك ثم ~~يدخلك جهنم ". PageV09P6071 # وكذلك ذكر ابن جبير في العاصي بن وائل. # وروى ابن وهب: أن الذي قال ذلك هو أبي بن خلف الجمحي. وهو الذي قتله ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيده فمات من طعنة رسول الله بالحربة بعد أن رجع ~~إلى مكة. # وعن ابن عباس: أنه عبد الله بن أبي. والسورة مكية وعبد الله بن أبي لم ~~[يكن بمكة إنما كان بالمدينة، فأبي بن خلف أشبه به لأنه بمكة] كان معاندا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. # فالمعنى: ألم ير هذا الذي قال: من يحيي العظام وهي رميم، أنا خلقناه من ~~نطفة، وهي أضعف من العظم، فسويناه بشرا سويا، فيعلم أن من فعل هذا قادر على ~~إحياء العظام بعد كونها رميما. # وقوله: {فإذا هو خصيم مبين} أي: ذو خصومة لربه، يخاصمه فيما قال له ربه: ~~إني فاعله، فينكره. PageV09P6072 # ثم قال: [تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه}]. # أي: ضرب مثلا بالعظم الرميم، فقال من يحييه؟ وأنكر إحياءه، ونسي أنه خلق ~~من نطفة من ماء معين حقير، فجعله الله بشرا سويا ناطقا. # ثم قال (تعالى): {قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة} أي: قل له يا محمد: ~~الذي خلق هذه العظام من ماء حقير مهين، هو الذي يحييها بعدما تكون رميما. # ثم قال (تعالى): {وهو بكل خلق عليم} أي: ذو علم بجميع خلقه، يحيي ويميت، ~~ويبدئ ويعيد، لا يخفى عليه شيء. يعلم ما تنقص الأرض (من) لحومهم وعظامهم ~~وسائر جثمانهم، فيعيدها كما كانت أول مرة. # ثم قال (تعالى ذكره): {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا} يعني: المرخ PageV09P6073 # والعفار، يستعمل منه الأعراب الزنود. فالذي خلق النار واستخرجه لكم من ~~شجر أخضر مائي - والماء ضد النار بحره ويبسه - هو الذي يقدر على أن يحيي ~~العظام وهي رميم. # وهذه الآية تدل على جواز القياس لأنه جعل خلق الشيء دليلا على خلق غيره. # ثم قال (تعالى): {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم}. # هذا كله تنبيه للمنكر للبعث، والمعنى: أوليس الذي ms2131 خلق السماوات والأرضين ~~على عظمهن وسعتهم، وما في السماوات من الآيات كالشمس والقمر والنجوم، وما ~~في الأرض من الآيات كالبحار والجبال والشجر بقادر على أن يعيد مثل هؤلاء ~~الذين قد صاروا رميما، فليس إعادة الخلق بعد الموت بأعظم من (خلق) السماوات ~~والأرض وما فيهن من الآيات، فمن لم يتعذر عليه خلق العظيم كيف يتعذر عليه ~~خلق اليسير؟! # ثم قال (تعالى): {بلى وهو الخلاق العليم} أي: بل يخلق مثلهم، وهوالخلاق PageV09P6074 # لما يشاء، العليم بكل (ما) خلق. # ثم قال تعالى: {إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} قال قتادة: ~~ليس من كلام العرب شيء هو أخف من كن ولا أهون، فأمر الله كذلك. # ثم قال تعالى: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} أي: فتنزيه ~~للذي بيده ملك/ كل شيء وخزائنه (يفعل) ما يشاء وإليه تردون بعد مماتكم ~~وتصيرون. # قال قتادة: ملكوت كل شيء: مفاتيح كل شيء. وملكوت وملكوتي في العرب بمعنى ~~ملك. # قال نافع: " بلى " تمام. PageV09P6075 # وكذلك قال محمد بن عيسى والقتبي. # وقل: " مثلهم " التمام، والأول أحسن. # (و) " فيكون " تمام. PageV09P6076 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الصافات مكية # وقوله (تعالى ذكره): {والصافات صفا} إلى قوله: {(بل عجبت) ويسخرون}. # أي: ورب الصافات، وهي الملائكة بإجماع. وهو جمع صافة، كأنها جماعات مصطفة ~~لذكر الله وتسبيحه. # قال ابن عباس: الملائكة صفوف، لا يعرف كل منهم من إلى جانبه لم يتلفت منذ PageV09P6077 # خلقه الله. يسبحون ويهللون ويحمدون الكله (ويمجدونه). # والزاجرات: جمع أزجرة، أي: تزجر عن معاصي الله، وهي الملائكة، قال ذلك ~~ابن مسعود والسدي. # وقيل: الزاجرات: الملائكة تزجر السحاب، تسوقه إلى المواضع التي يريد الله ~~سقيها، قال مجاهد والسدي أيضا. # وقال قتادة: الزاجرات: ما زجر الله (عنه) في القرآن. فهي أي القرآن PageV09P6078 # التي زجرنا الله بها. # قال قتادة: الزاجرات كل ما زجر عنه. # ثم قال (تعالى): {فالتاليات ذكرا}. # يعني: الملائكة تتلو ذكر الله وكلامه، قاله مجاهد والسدي. # وقال قتادة: هو يتلى عليكم في القرآن من أخبار الأمم قبلكم. # ثم قال: {إن إلهكم ms2132 لواحد} أي: إن معبودكم واحد. وإن جواب القسم. # ثم قال: {رب السماوات والأرض وما بينهما} أي: مالك ذلك ومدبره. # {ورب المشارق} أي: مالك مشارق الشمس، ومدبرها في الشتاء والصيف، وحذف ذكر ~~المغارب لدلالة الكلام عليه لأن ذكر المشارق يدل على أن ثم مغارب. # قال السدي: المشارق ستون وثلاث مائة مشرق، والمغارب مثلها عدد أيام PageV09P6079 # السنة. # قال ابن عباس: للشمس كل يوم مشرق، وكل يوم مغرب، فتلك المشارق والمغارب، ~~وللصيف مشرق ومغرب، وللشتاء مشرق ومغرب، فذلك كقوله: {رب المشرقين ورب ~~المغربين} [الرحمن: 17]. # ثم قال تعالى: {إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب} من أضاف زينة ~~فمعناه تتزين الكواكب، أي بحسنها. ومن نون زينة وخفض " الكواكب "، جعل ~~الكواكب بدلا من زينة. ومن نون زينة ونصب " الكواكب " أعمل زينة في ~~الكواكب، وإن شئت جعلت " الكواكب " بدلا (من زينة) على الموضع. PageV09P6080 # وإن شئت نصبت على إضمار: أعني. # وقرئت بتنوين " زينة " ورفع " الكواكب "، على تقدير بأن زينتها الكواكب. # ثم قال: {وحفظا من كل شيطان مارد} أي: وحفظناها حفظا. فحفظ نصب على ~~المصدر. # وقال بعض الكوفيين: هو مفعول من أجله، والواو زائدة. # والتقدير عنده: إنا زينا السماء الدنيا حفظا لها، أي للحفاظ. معنى: ~~{السمآء الدنيا} السماء التي تليكم، وهي أدنى إليكم من غيرها من السماوات، ~~ودل على ذلك على أن سائر السماوات ليس فيها من الكواكب ما في هذه السماء ~~القريبة منا. والمارد: العاتي الخبيث. # ثم قال (تعالى): {لا يسمعون إلى الملإ الأعلى} أي: لا يميلون بسمعهم إلى ~~ما تقول الملائكة (في) السماء للحفيظ الذي في السماء. تقول: سمعت إليه يقول ~~كذا، أي أملت بسمعي إليه. PageV09P6081 # قال ابن عباس: (هم) لا يسمعون وهم (لا) يتسمعون. # فهذا شاهد للتخفيف. # ويدل على قوة قراءة التخفيف قوله تعالى: {إنهم عن السمع لمعزولون} ~~[الشعراء: 212] ولم يقل عن التسمع. # ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم منعوا من السمع ومن التسمع، وإذا منعوا من ~~السمع فهم عن التسمع أعظم منعا. فالتسمع في النفي أبلغ. # قال ابن عباس: " كانت للشياطين مقاعد في السماء، وكانوا يسمعون ms2133 الوحي، ~~وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا ترمى. قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا ~~إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعا. قال: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه سهاب فلم/ يخطئه حتى يحرقه. قال: ~~فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هو PageV09P6082 # إلا من حدث. قال: " فبث جنوده فإذا رسول الله قائم يصلي. قال: فرجعوا إلى ~~إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث ". # ثم قال (تعالى): {ويقذفون من كل جانب * دحورا} أي: ويرمون من كل جانب من ~~السماء دحورا، ودحورا مصدر دحرته (أي) دفعته وأبعدته، قال اللهم ادحر (عنا) ~~الشيطان، أي: ادفعه عنا وأبعده. # قال قتادة: " دحورا " قذفا بالشهب. # وقال مجاهد: من كل مكان مطرودين. # فيقذفون مستأنف، وليس بمعطوف على يسمعون، لأنه نفي ويقذفون أيجاب. # ثم قال: {ولهم عذاب واصب} أي: وللشيطان من الله عذاب دائم، قاله ابن PageV09P6083 # عباس وقتادة ومجاهد وابن زيد. # وقال أبو صالح والسدي: " واصب " موجع. وعلى القول الأول أهل اللغة. # ثم قال: {إلا من خطف الخطفة} من في موضع رفع على البدل من المضمر في " ~~يسمعون "، أو في موضع نصب على الاستثناء من المنفي عنه السمع، والبدل أحسن. # وقيل: هو في موضع نصب على الاستثناء من قوله: " ويقذفون "، لأنه إيجاب. ~~ويجوز أن تكون في موضع (رفع) على معنى: لكن من خطف. # ومعنى الآية: من استرق السمع من الشياطين. # {فأتبعه شهاب ثاقب} أي: مضيء متوقد. # ق ابن عباس: تحرقهم الشهب من غير موت ولا قتل. PageV09P6084 # قال السدي: يحرقه حين يرمى به. # قال الضحاك: للشياطين أجنحة بها يطيرون إلى السماء. # يقال: إذا أخذ الإنسان الشيء بسرعة خطفه وخطفه واختطفه وتخطفه. وأصله: ~~اختطفه، ثم أدغمت التاء في الطاء (وألقيت حركتها على الخاء فاستغني عن ألف ~~الوصل، ويقال: خطفه وأصله أيضا اختطفه وأدغمت التاء في الطاء) وحذفت ~~حركتها. ثم حركت الخاء إلى الكسر لإلتقاء الساكنين واستغني عن ألف الوصل ~~أيضا، ويقال: خطفه على هذا التقدير، إلا أنه كسر الطاء اتباعا لكسرة الخاء. # أجاز يعقوب (أن ms2134 نقف على:) " من كل جانب ". # ومنعه غير لأنه قام مقام العامل في دحورا. التمام " دحورا ". PageV09P6085 # والشهب التي يرمون بها ليست من الكواكب الثابتة، لأنها نراها ونرى ~~حركتها، فهي أقرب إلينا من الكواكب الثابتة، ولذلك لا نرى حركات الكواكب ~~الثابتة، وهي تجري بلا شك، لكن لا يرى جريها لبعدها منا. # ثم قال (تعالى): {فاستفتهم أهم أشد خلقا [أم من خلقنآ]} أي: سل يا محمد ~~هؤلاء المشركين المنكرين للبعث، أهم أشد خلقا أم من تقدم ذكره من الملائكة ~~والسماوات والأرضين والجن؟. وفي قراءة ابن مسعود " (أم) من عددنا ". # ثم قال (تعالى): {إنا خلقناهم من طين لازب} إي: لا حق علك، يعني آدم لأنه ~~خلق من ماء وتراب و (نار) وهواء. والعرب تقول للذين يلزق هو لازب، ولازم، ~~ولابث. PageV09P6086 # قال ابن عباس: اللازب الحر الجيد اللازق. # وقال ابن جبير: اللازب الجيد. # وقال قتادة: اللازب اللزق الذي يلتزق باليد. # وهو قول ابن زيد. # ثم قال (تعالى ذكره): {بل عجبت ويسخرون} أي: عجبت يا محمد مما يأتون به ~~من إنكارهم للتوحيد وللبعث، وهم يسخرون. ودليل إضافة العجب إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قوله: {وإن تعجب فعجب قولهم} [الرعد: 5]. فأما من ضم التاء ~~فإنه أضاف العجب إلى الله جل ذكره، والعجب منه تعالى ذكره مخالف للعجب من ~~عباده، لأن العجب من الخلق إنما هون أن يطرأ عليهم ما لم يكونوا يظنون ~~فيعجبون منه، وهذا لا يضاف إلى الله لأنه PageV09P6087 # تعالى بجميع الأشياء، ولكن معناه (من الله) جل ذكره، بل جعلته عجبا ورأيت ~~من أفعالهم ما يتعجب منه وظهر منه عجب، ودليله قوله: {فعجب قولهم} [الرعد: ~~5]، أي: فقولهم مما يجب أن يعجب منه. # وقيل: المعنى: قل يا محمد: بل عجبت. فيكون مضافا إلى النبي كفتح التاء. ~~والمعنى على قول قتادة: عجب محمد من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه ~~الكفار. # قوله (تعالى ذكره): {وإذا ذكروا لا يذكرون * وإذا رأوا آية يستسخرون} إلى ~~قوله {على سرر متقابلين}. # أي: وإذا ذكر هؤلاء/ الكفار بالله وأياته وخوفوا عذابه، لا ms2135 يذكرون ولا ~~يخافون، وإذا رأوا آية من آيات القرآن يهزؤون. # ثم قال: {وقالوا إن هاذآ إلا سحر مبين} أي: وقال المشركون ما هذا الذي ~~جئتنا به PageV09P6088 # إلا سحر مبين لمن تأمله ورآه أنه سحر. # ثم قال: {أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون} أي: قالوا: أنبعث ~~إذا كنا ترابا، وعظاما في التراب. # {أو آبآؤنا الأولون} أي: أو يبعث آباؤنا الماضون، أنكروا البعث فقال ~~(الله) جل ذكره لنبيه. # {قل نعم وأنتم داخرون} أي: قل يا محمد لهم: نعم تبعثون من قبوركم وأنتم ~~صاغرون. # ثم قال (تعالى): {فإنما هي زجرة واحدة} أي: صيحة واحدة، وذلك هو النفخ في ~~الصور. # {فإذا هم ينظرون} أي: شاخصة أبصارهم/ ينظرون إلى ما كانوا يوعدونه من ~~قيام الساعة. # وقيل: " ينظرون " معناه: ينظر بعضهم بعضا. # وقيل: معناه ينتظرون ما يفعل بهم. PageV09P6089 # ثم قال: {وقالوا ياويلنا هذا يوم الدين} أي: وقال هؤلاء المذكذبون بالبعث ~~لما عاينوا ما كانوا يوعدون: يا ويلنا هذا يوم الجزاء والحساب - وقد تقدم ~~ذكر معنى الويل -، فقالت لهم الملائكة: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به ~~تكذبون} أي: يوم القضاء بين الخلق. والوقف على: " الدين " حسن لأن ما بعده ~~من قول الملائكة لهم. # وأجاز أبو حاتم أن نقف على " يا ويلنا "، على أن يكون " هذا يوم الدين " ~~وما بعده قول الملائكة لهم. # ثم قال: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} أي: فيقال: اجمعوا الذين ظلموا في ~~الدنيا وأشياعهم على الكفر بالله. # {وما كانوا يعبدون} من دون الله من الأصنام والأوثان. # قال ابن عباس: " وأزواجهم " نظراؤهم وأبتاعهم في الظلم. # وقال قتادة وأبو العالية: (" وأزواجهم ") أشياعهم، الكفار مع الكفار. # وقال ابن زيد: " وأزواجهم " في الأعمال. # وقال مجاهد: " وأزواجهم " أمثالهم. PageV09P6090 # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الزاني مع الزاني، وشرب الخمر مع شارب ~~الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. # وقال أهل اللغة: أزواجهم قرناؤهم، (و) منه زوجت الرجل، (أي) قرنته ~~بامرأته. # ثم قال (تعالى): {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي: فأرشدوهم ودولهم إلى طريق ~~جهنم. والجحيم: الباب الرابع من أبواب النار. ms2136 # ثم قال (تعالى): {وقفوهم إنهم مسئولون} أي: واحبسوهم أيها الملائكة إنهم ~~مسؤولون. # روي عن ابن مسعود أنه قال: يقال لهم: هل يعجبكم ورود الماء؟ فيقولون: ~~نعم، فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب. # وقيل: المعنى أنهم مسؤولون عما كانوا يعبدون من دون الله. PageV09P6091 # ثم قال: {ما لكم لا تناصرون} أي: لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم تعلمون في ~~الدنيا. # {بل هم اليوم مستسلمون} أي: مستسلمون لأمر الله وقضائه، فهم موقنون ~~بعذبه. # ثم قال: {وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون}. # قال قتادة: أقبل الإنس على قرنائهم من الجن يتساءلون، قال الإنس للجن: ~~{قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} أي: من قبل الدين (والحق) فتخدعوننا ~~بأقوى الوجوه. # واليمين: القوة والقدرة في كلام العرب. # وقيل: معنى {(عن) اليمين} من جهة إيماننا لأن إبليس اللعين قال: {ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم} [الأعراف: 17]. ~~فمن أتاه الشيطان PageV09P6092 # (من) عن يمينه أتاه من قبل الذين فيلبس عليه الحق، ومن أتاه (من) عن ~~شماله أتاه من جهة الشهوات، ومن اتاه من بين يديه أتاه من جهة التكذيب ~~بالجزاء والبعث، ومن أتاه من خلفه أتاه من جهة الفقر على نفسه وعلى من ~~يخلفه بعده. وعن اليمين: من قبل الدين أيضا. # (وهو أيضا) قول مجاهد والسدي وابن زيد. # وقال قتادة أيضا: " عن اليمين ": من قبل الخير فتنهوننا عنه. # وقال السدي: " عن اليمين ": من قبل الدين، به يزينون لنا بالباطل ~~ويصدوننا عن الحق. وليس هذا بمناف لقوله: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتسآءلون} [الأنبياء: 10]، لأن معنى هذا: لا يتساءلون بالأنساب والأرحام PageV09P6093 # كما كانوا في الدنيا فيقول بعضهم لبعض: أسألك بالله والرحم. # وقيل: معنى قوله: {وأقبل بعضهم على بعض} عنى به المشركين، يقول بعضهم ~~لبعض: كنتم تأتوننا عن اليمين، أي: من الجهة التي نحبها ونتفاءل بها. # والعرب تتفاءل/ بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. # وقل: معنى: تأتوننا إتيان من إذا حلف لنا صدقناه. فأجابوهم فقالوا (لهم) ~~{بل لم تكونوا مؤمنين} أي: مقرين بتوحيد الله. # {وما كان لنا عليكم من ms2137 سلطان} أي: من قدرة ولا حجة فنصدكم بها عن الحق ~~والإيمان، {بل كنتم قوما طاغين} (أي طاغين) على الله، متعدين إلى ما ليس ~~لكم بحق (من) معصية الله. PageV09P6094 # قال قتادة: هو من قول الجن للإنس. # ثم قال (تعالى): {فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون} أي: فوجب علينا/ عذاب ~~ربنا إنا لذائقون نحن وأنتم العذاب، هذا خبر من الله جل ذكره عن قول الجن ~~والإنس. # ثم قال: {فأغويناكم إنا كنا غاوين} أي قالت الجن للإنس: فأضللناكم عن ~~الحق بالوسوسة والاستدعاء والتزيين، أو كنا ضالين. # قال الله جل (ثناؤه) وذكره: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} أي: كما ~~اشتركوا في الدنيا في الكفر بالله والضلال، كذلك يشتركون في الآخرة ~~والعذاب. # قال ابن زيد: اشترك المشركون والشياطين في عذاب جهنم. # ثم قال (تعالى): {إنا كذلك نفعل بالمجرمين} أي: يقول الله جل ذكره: إنا ~~هكذا نفعل بالذين اكتسبوا الكفر والمعاصي في الدنيا، ثم بين أن من كفرهم ~~أنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله، يستكبرون، أي: إذا قيل لهم في ~~الدنيا: قولوا لا إله إلا الله، يستكبرون عن قولها، أي: يتعظمون، وحذفت ~~قولوا لدلالة الكلام عليها. # قال السدي: يعني بذلك المشركين خاصة. PageV09P6095 # قال عمر بن الخطاب: احضروا موتاكم ولقنوهم: لا إله إلا الله، فإنهم يرون ~~ويسمعون. # ثم قال (تعالى): {ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} أي: وكانوا ~~في الدنيا - يعني المشركين - (يقولون): أنترك عبادة الأصنام والأوثان، لما ~~يأمر به شاعر مجنون من أن نقول: لا إله إلا الله، يعنون بذلك محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. # قال الله جل ذكره: {بل جآء بالحق وصدق المرسلين} أي: بل جاء محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالحق ولم يأت بشعر، وصدق بما جاء به المرسلون، أي: كتبهم، ~~لأن في كتب المرسلين قبله أنه سيبعث بكتاب من عند الله، وفي ما جاء به محمد ~~ذكر المرسلين وتصديقهم بما أتوا به من كتب. # ثم قال (تعالى): {إنكم لذآئقو العذاب الأليم} أي: إنكم أيها القائلون PageV09P6096 # لمحمد صلى الله عليه وسلم: ms2138 ( شاعر مجنون، والمتعظمون عن قول: لا إله إلا ~~الله)، لذائقوا العذاب الموجع في الآخرة. # {وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} أي: ثواب عملكم في الدنيا. # ثم قال: {إلا عباد الله المخلصين} أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم يوم ~~خلقهم لرحمته، فإنهم لا يذقون العذاب الأليم. # ومن قرأ بكسر اللام فمعناه: إلا عباد الله الذين أخلصوا له العمل ~~والتوحيد. # ثم قال: {أولئك لهم رزق معلوم}. # قال قتادة: هو الجنة. # وقيل: هو الفواكه التي خلقها (الله) لهم في الجنة. # ثم قال: {فواكه وهم مكرمون * في جنات النعيم} أي: الرزق المعلوم كونهم ~~ذوي فواكه وإكرام الله لهم بكرامته في جنات (النعيم). PageV09P6097 # قال مالك بن دينار: بلغني أن جنات النعيم بين جنان الفردوس وبين جنان ~~عدن، وأن فيها جواري خلقن من ورد الجنة، وأن سكانها (الذين) إذا هموا ~~بالمعاصي ذكروا عظمة الله فراقبوه، والذين تنثني أصلابهم من خشية الله، ~~والذين يجوعون ويعطشون من مخافة الله، وأنه يصرف العذاب عن الناس بهم. # ثم قال: {على سرر متقابلين} أي: بعضهم يقابل بعضا، لا ينظر بعضهم إلى قفا ~~بعض والسرر جمع سرير. # قوله (تعالى ذكره): {يطاف عليهم بكأس من معين} إلى قوله: {من المحضرين}. # أي: يطوف عليهم الخدم بكأس من خمر جارية، قاله قتادة وغيره. وحكى أهل ~~اللغة أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم PageV09P6098 # يكن فيه خمر فهو قدح. # وقال بعضهم: كل إناء فيه شراب فهو كأس، فإذا لم يكن فيه شراب فهو إناء. ~~كذلك الخوان إذا كن عليه طعام قيل له مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام قيل له ~~خوان. ومثله الهودج يقال له: إذا كانت فيه امرأة، فإذا لم تكن/ فيه قيل له ~~هودج. # قال الضحاك: / كل كأس في القرآن فهو خمر. # وهو قول السدي. # وقال ابن عباس: هو الخمر. # وقال مجاهد: هي خمر بيضاء. # قال الزجاج: " من معين " أي: تجري كما تجري العيون في الأرض. PageV09P6099 # وقوله: {بيضآء}: يعني به الكأس، وهو مؤنثة، {لذة للشاربين} أي: ذات لذة ~~والمعنى: يلتذ ms2139 بها شاربها. # ثم قال (تعالى ذكره): {لا فيها غول} أي: لا تغتال هذه الخمر عقل شاربها ~~كما تفعل خمر الدنيا. # وقال ابن عباس: " لا فيها غول " (أي): ليس في الخمر صداع. وعنه: ليس فيها ~~وجع بطن. وكذلك قال مجاهد. # وقال ابن زيد: ليس فيها وجع البطون، وشاب الخمر يشتكي بطنه. # وقال السدي: لا تغتال عقولهم. PageV09P6100 # وقال ابن جبير: لا فيها أذى ولا مكروه. # وقيل: معناه: لا فيها إثم. # وذكر الليث: أن ابن عباس أشكل عليه تفسير الغول حتى سمع إعرابيا يقول ~~لصاحبه: إني لأجد في بطني غولا فقال ابن عباس: جاءت والله (الغول): الوجع ~~يجده في بطنه. # ثم قال (تعالى): {هم عنها ينزفون} من فتح الزاي فمعناه لا تذهب عقولهم. ~~قاله ابن عباس ومجاهد والسدي. # وقال قتادة: لا تغلبهم على عقولهم. تقول العرب: نزف الرجل فهو منزوف إذا ~~ذهب عقله، (ونزف دم فلان إذا ذهب). فنفى الله جل ذكره عن خمر الجنة PageV09P6101 # الآفات من الصداع والسكر اللذين يحدثان من خمر الدنيا. # فأما من قرأ بكسر الزاي، فمعناه: لا يفنى شرابهم. يقال أنزف الرجل إذ نفد ~~شرابه. # وحكى الفراء: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وأنزف إذا ذهب عقله. فيكون على ~~هذا القول الأخير كقراءة من فتح الزاي. # ثم قال (تعالى ذكره): {وعندهم قاصرات الطرف عين} أي: وعندهم حور قصرن ~~طرفهن على الأزواج فلا يبغين غيرهم، قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب ~~القرظي. # قال عكرمة: " قاصرات الطرف " أي: محبوسات على أزواجهن. # وقال ابن زيد: " قاصرات الطرف " (لا ينظرن إلا) إلى أزواجهن، ليس كما ~~يكون نساء أهل الدنيا. PageV09P6102 # وقوله: {عين}: يعني به النجل العيون لعظامها، وهو جمع عيناء، والعيناء ~~المرأة الواسعة العين العظيمة العين، (وهي) أحسن ما يكون من العيون. # وسألت أم سلمة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: " يا رسول ~~الله، أخبرني عن قول الله جل ذكره: " وعندهم قاصرات الطرف عين "، (قال): " ~~العين: الضخام العيون (شفر) الحوراء بمنزلة جناح النسر ". # وقال (تعالى): {كأنهن بيض مكنون}. # قال ابن جبير: ms2140 كأنهن بطن البيض. يريد: أنه شبههن في بياضهن ببطن البيض. # وقال السدي: كأنهن البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي. وهو قول PageV09P6103 # قتادة. # وهو اختيار الطبري، شبهن ببياض البيضة قبل أن تمسه الأيدي، إذهن لم ~~يمسسهن قبل أزاجهن إنس ولا جان، فشبهن في صفاء اللون (وبياضه) (و) في ~~صيانتهن ببياض البيضة في قشره، وبياض البيض عند الطبري هو القشر الرقيق ~~الذي على البيضة من داخل القشر. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة، إذ سألته عن ذلك: " ~~رقتهن كرقة الجلجة التي رأيتها في داخل البيضة التي تلي القشرة وهي الغرقىء ~~". # وقال ابن زيد: كأنهن البيض الذي يكنه الريش مثل بيض النعام، فهي PageV09P6104 # إلى الصفرة تبرق. # وقال ابن عباس: " كأنهن بيض مكنون " يعني: اللؤلؤ المكنون في الصدف. # ثم قال (تعالى): {فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون} أي: أقبل أهل الجنة يسأل ~~بعضهم بعضا، قاله قتادة وابن زيد. # ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا في مساءلتهم: {قال قآئل منهم إني كان لي ~~قرين * يقول أءنك لمن المصدقين * أءذا متنا [وكنا ترابا وعظاما أءنا ~~لمدينون]}. # [فقوله: " إنا لمدينون " جواب للاستفهامين في قوله: " أنك لمن المصدقين ~~إإذا متنا "]. # أي: قال قائل من أهل الجنة إني كان لي صاحب ينكر البعث بعد الموت ويقول ~~لي: أتصدق بأنك تبعث بعد أن تكون عظاما ورفاتا، وتجزى بعملك؟ هذا معنى قول ~~ابن عباس. # وقال مجاهد: القرين كان شيطانا/. PageV09P6105 # قال ابن عباس: لما صار المؤمن إلى الجنة ذكر ذلك فرأى صاحبه في سواء ~~الجحيم، أي: في وسطه، قال: {تالله إن كدت لتردين}. أي: والله إنك قاربت أن ~~تهلكني لو قبلت/ منك، ولولا نعمة ربي إذ ثبتني على الإيمان لكنت من ~~المحضرين معك في النار. # وروي أنه كان شريكان، وكان أحدهما له حرفة والآخر ليس له حرفة، فقال الذي ~~له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة ولا أراني، إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه ~~وفارقه. # ثم إن الرجل صاحب الحرفة اشترى دارا بألف دينار كانت لملك مات، فدعا ~~صاحبه الذي لا ms2141 حرفة له فأراه الدار، وقال: كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف ~~دينار؟ قال: ما أحسنها. فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه ~~الدار بألف دينار وإني أسألك دارا من دور الجنة، فتصدق بألف دينار، ثم مكث ~~ما شاء الله أن يمكث ثم تزوج امرأة بألف دينار، ثم دعا الذي لا حرفة معه ~~وصنع له PageV09P6106 # (طعاما) فلما أتاه قال: إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار، (فقال: ما أحسن ~~هذا! فلما انصرف قال: يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار وإني أسألك ~~امرأة من الحور العين، فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم ~~اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه) فأراه ذلك، وقال: إني ابتعت هذين ~~البستانين بألفي دينار، (قال: ما أحسن هذا! فقلما خرج قال: يا رب إن صاحبي ~~هذا اشترى بستانين بألفي دينار)، وإني أسألك بستانين من الجنة، فتصدق بألفي ~~دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله دار ~~معجبة فإذا امرأة تطلع يضيء منها ما تحتها من حسنها ثم أدخله بستانين وشيئا ~~الله (به) عليم، فقال المتصدق عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا ~~وكذا، قال: فأنت ذلك ولك هذان البستانات والمرأة. # قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين؟ قيل له: فإنه في الجحيم، ~~فقال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم، فقال عند ذلك: " تالله ~~إن كدت لتردين، ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين " أي: المحضرين في النار ~~معك. ذكر PageV09P6107 # هذه الحكاية بن ثعلبة البهراني. # وهو تأويل يوجب أن تكون القراءة: من " المصدقين " بالتشديد للصاد من ~~الصدقة. وقراءة الجماعة إنما هي من التصديق بالحساب والبعث والمجازاة ~~بالأعمال. # وقال ابن عباس: " لمدينون " لمجازون بالعمل. # وقال مجاهد: لمحاسبون. # قال قتادة: سأل ربه أن يطلعه (فأطلعه) فأطلع فرأى صاحبه في وسط النار. PageV09P6108 # قال مطرف بن عبد الله: لولا أن الله عرفه به ما عرفه لتغير حبره وسبره ~~بعده. # وروي أنه أطلع فرأى جماجم القوم تغلي. ms2142 # وروى ابن المبارك عن معمر عن عطاء الخرساني مثل الحكاية بعينها إلا أن ~~فيها اختلاف ألفاظ، قال كان رجلان شريكان بينهما ثمانية ألاف دينار ~~فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى دارا بألف دينار وأرضا بألف دينار، وتزوج ~~امرأة بألف دينار واشترى أثاثا بألف، فقال الآخر: اللهم إني أشتري منك في ~~الجنة دارا وأرضا وامرأة وأثاثا بأربعة ألاف دينار، ثم تصدق بها كلها، ثم ~~احتاج فتعرض لشريكه أن ينيله مما عنده، فقال له: أين مالكظ فأخبره بما فعل، ~~فقال له: وإنك لمن المصدقين بهذا، اذهب فوالله لا أعطيك شيئا. وطرده فنزلت ~~فيهما (هذه) الآيات، فتذكر المتصدق أمر PageV09P6109 # شريكه وهو في الجنة فاطع ليراه في وسط الجحيم. # قال قتادة: رأى جماجم (القوم) تغلي. # قال ابن المبارك: وبلغنا أنه سأل به أن يطلعه عليه. # قال أبو محمد مؤلفه (نضر الله وجهه) نقلت معنى الحكاية واختصرت بعض ~~لفظها. # ويروى أن الله جل ذكره جعل بين أهل الجنة وأهل النار كوى ينظر إليهم أهل ~~الجنة إذا أحبوا ليعلموام قدر ما أنجاهم الله منه وقد ما أعطاهم، ودل على ~~ذلك قوله (تعالى): {فاطلع فرآه في سوآء الجحيم} أي: أطلع من الكوى فرآه في ~~وسط الجحيم. PageV09P6110 # قوله (تعالى ذكره): {أفما نحن بميتين * إلا موتتنا/} إلى قوله: {ثم ~~أغرقنا الآخرين}. # أي: قال المؤمن ليس نحن بميتين إلا موتتنا/ (الأولى في الدنيا). {وما نحن ~~بمعذبين} قال ذلك سرورا منه واغتباطا منه بما أعطاه الله من كرامته. # ثم قال: {إن هذا لهو الفوز العظيم} أي: إن ما أعطانا الله من أنا لا نعذب ~~ولا نموت لهو النجاء العظيم. # قال قتادة: هذا قول أهل الجنة. # {لمثل هذا فليعمل العاملون} أي: لمثل هذا الذي أعطي هذا المؤممن من ~~الكرامة في الآخرة فليعمل في الدنيا لأنفسهم العاملون. # قال قتادة: آخر كلام المؤمن: " لهو الفوز العظيم "، ثم قال الله جل ذكره: ~~" لمثل هذا فليعمل العاملون ". # ثم قال (تعالى ذكره): {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم} أي: الذي تقدم من ~~ذكر النعيم للمؤمنين خير أم ما أعد ms2143 الله لأهل النار من الزقوم. والنزول: ~~الرزق PageV09P6111 # الذي له سعة، ومعناه في الأصل: أنه الطعام الذي يصلح أن ينزلوا معه ~~ويقيموا فيه. ولما ذكر الله هذه الآية، قال المشركون: كيف ينبت الشجر في ~~النار، والنار تحرق الشجر؟ فقال الله جل ذكره: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} ~~يعني المشركين الذين قالوا في ذلك ما قالوا، ثم أخبرهم الله بصفة هذه ~~الشجرة، فقال (جل ذكره): {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم}. # قال قتادة: غذيت بالنار ومنها خلقت. # قال السدي: قال أبو جهل لما نزلت هذه الآية: إن شرجة الزقوم: أتعرفونها ~~في كلام (العرب)؟ أنا آتيكم بها، فدعا جاريته فقال: إيتني بزبد وبتمر، ~~فقال: دونكم تزقموا فهذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله تعالى ذكره تفسير هذا: {أذلك خير نزلا} إلى آخر الآيات. ~~فالظالمون هنا أبو جهل PageV09P6112 # وأصحابه. وهي مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد وشدة، فقيل لها شجرة ~~الزقوم أنهم يتزقمونها (أي) يبتلعونها من شدة جوعهم، فيبتلعونها على جهد ~~وتقف على حلوقهم يختنقون بها لخشونتها ومرارتها وكراهتها ونتنها فيتعذبون ~~بها على أن تصل إلى أجوافهم فيملؤون بطونهم من ذلك من شدة الجوع ثم لا ~~ينفعهم ذلك ولا يجدون له نفعا ولا لذة. # ثم قال (تعالى ذكره): {طلعها كأنه رءوس الشياطين} أي: طلعها في قبحه ~~وسماجته كرؤوس الشياطين، وهذا تمثيل لأنهم لم يكونوا يرون الشياطين، ولكن ~~من شأن العرب أنها إذا بلغت في صفة القبح والسماجة قالت: كأنه رأس شيطان، ~~فخوطبوا بما يعقلون وما يجري بينهم ويفهمون. # وقيل: بل مثل لهم الطلع بما يعرفون، وذلك أن ضربا من الحيات قباح الصور ~~والمناظر يقال لها شيطان، فشبهت لهم الطلع (بذلك). PageV09P6113 # (وقيل): الشياطين نبت باليمن قبيح المنظر، يقال له: الأستن والشيطان شبه ~~الطلع به، وطلعها ثمرها كأنه أول ما يخرج. # ثم قال (تعالى): {فإنهم لآكلون منها} أي: فإن هؤلاء المشركين لآكلون من ~~هذه الشجرة فمالئون منها البطون، ثم إن لهم على ما يأكلون منها لشوبا من ~~حميم، أي: خلطا من ms2144 ماء قد انتهى حره. # وحميم فعيل مصروف عن مفعول، والشوب مصدر شاب طعامه إذا خلطه يشوبه شوبا ~~وشابة وشيابا. # وقال ابن عباس: لشوبا لمزجا. # وقال قتادة: لمزاجا. PageV09P6114 # وقال السدي: حميم يشاب لهم بغساق بما يغسق أعينهم وصديد من قيحهم ~~ودمائهم. # ثم قال (تعالى): {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم}. # قال قتادة: فهم (في) عناء وعذاب من نار جهنم، وتلا: " يطوفون بينها وبين ~~حميم - ان ". # قال بعض المفسرين: هذا النص يدل على إنهم في وقت أكلهم للزقوم وشربهم ~~للحميم ليسوا في النار المتوقدة، هم في عذاب آخر، ثم يردون إلى الجحيم، ~~والجحيم النار المتوقدة. # قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل ~~أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم تلا: " أصحاب الجنة يومئذ خير ~~مستقرا وأحسن مقيلا ". # ثم قال (تعالى): {إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين} أي: وجودهم على الضلال PageV09P6115 # والكفر بالله وعبادة الأصنام. # {فهم على آثارهم يهرعون} أي: فهم مسرعون في اتباع ما كان عليه أباؤهم من ~~الكفر. # قال مجاهد/ وقتادة: {يهرعون} يسرعون. # وقال ابن زيد: يستعجلون. # قال (الفراء: الإهراع: الإسراع فيه شبيه) بالرعدة. # قال المبرد: المهرع المستحث. يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه ~~البرد إليها. # وحكى الزجاج: هرع وأهرع/ إذا استحث وأزعج، كأنهم يزعجون من الإسراع إلى ~~اتباع آبائهم. PageV09P6116 # ثم قال (تعالى): {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} أي: ولقد ضل عن الإيمان ~~والرشد قبل مشركي قريش أكثر الأمم الخالية. # {ولقد أرسلنا فيهم منذرين} أي: في الأمم الخالية رسلا منذرين تنذرهم بأس ~~الله وعقابه على الكفر والتكذيب، فكذبوهم، وحذف فكذبوهم لدلالة الكلام ~~عليه. # ثم قال: {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي: فتأمل يا محمد كيف كان عقابة ~~الأمم الذين قبلك إذ كذبوا رسلهم كيف أهلكهم الله فصيرهم عبرة لمن اغتر ~~وعظة لمن اتعظ. # ثم قال: {إلا عباد الله المخلصين} أي: إلا من آمن بالرسل من الأمم فأخلص ~~لله العمل والإيمان بما جاء به الرسل. هذا على قراءة من كسر اللام. ومن ~~فتحها PageV09P6117 # فمعناه: إلا ms2145 من آمن بالرسل، وأخلصه الله في سابق علمه الإيمان والتصديق ~~فوفقه له. # ثم قال (تعالى): {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} أي: نادى فقال: {رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26]، وبقوله: {دعوت قومي ليلا ~~ونهارا} [نوح: 5] وما بعده، فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا فأجبناه ~~وأهلكنا قومه. # {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} أي: من الأذى والمكروه الذي كان فيه (من ~~الكافرين) من قومه. # وقيل: من الطوفان والغرق قاله السدي. # ثم قال: {وجعلنا ذريته هم الباقين} أي: هم الذين بقوا في الأرض بعد هلاك ~~قومه، وذلك أن الناس كلهم من ذرية نوح بعد الغرق. # قال ابن المسيب: فجميع الخلق من ذرية سام وحام ويافت. PageV09P6118 # [ورواه سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هم الباقين " هم ~~حام وسام ويافت] ". فالعرب كلهم والروم والفرس من ولد سام، وجميع أجناس ~~السودان من السند والهند والزغاو النؤبة وغيرهم من البربر من ولد حام، ~~والصقالية والترك ويأجوج ومأجوج من ولد ثافت، والخير في ولد سام ". # ثم قال: {وتركنا عليه في الآخرين}. # قال قتادة: أبقى الله عليه الثناء (الحسن) في الآخرين، وهو قول السدي. # وقيل: في " الآخرين ": أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنها آخر الأمم فهي ~~تثني على نوح PageV09P6119 # وتصلي عليه وتترحم عليه. # ثم قال (تعالى): {سلام على نوح في العالمين} أي: يقال: سلام على نوح، ~~(أي): أبقينا عليه في الآخرين أن يقال ذلك، يعني أن في أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ولذلك رفع " سلام " لأنه محكي. # وقيل: التقدير: " في الآخرين " تم الكلام، ثم ابتدأ " سلام " على نوح ~~ابتداء وخبر. # وفي حرف ابن مسعود: " سلاما " بالنص، أعمل فيه تركنا فنصبه، ومعناه في ~~الرفع أمنة من الله لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء. # قال أبو إسحاق معناه: وتركنا عليه أن يصلى عليه إلى يوم القيامة. وقل: ~~(معناه): أبقينا (عليه) الثناء الحسن في الآخرين. # ثم قال: {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي: إنا كما فعلنا بنوح ومن آمن معه PageV09P6120 # كذلك نجزي من ms2146 أحسن فآمن بالله وصدق الرسل. # ثم قال: {إنه من عبادنا المؤمنين} أي: إن نوحا من الذين صدقوا وأخلصوا ~~العبادة لله والتوحيد له. # ثم قال: {ثم أغرقنا الآخرين} أي: بعد أن أنجينا نوحا ومن آمن معه إغرقنا ~~الذين بقوا بعده ممن كفر به وكذبه. # قال قتادة: أنجاه الله ومن معه في السفينة وأغرق بقية قومه. # قوله (تعالى ذكره): {وإن من شيعته لإبراهيم} إلى قوله: {بغلام حليم}. # أي: من تباع نوح وعلى منهاجه لإبراهيم. # قال ابن عباس: {من شيعته}: ومن أهل دينه. # وهو معنى قول قتادة ومجاهد.،،،، PageV09P6121 # فالهاء تعود على نوح. # وقال الفراء: الهاء لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي: وإن من شعية محمد ~~لإبراهيم، وهو عنده مثل: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} [يس: 41] يعني ذرية ~~من سبقهم. # ثم قال: {إذ جآء ربه بقلب سليم}. # أي: من الشركة، قاله مجاهد وقتادة. # وقال عروة بن الزبير: لم يلعن شيئا قط. # وقال ابن سيرين: القلب السليم الناصح لله في خلقه. # وقيل: / القلب السليم الذي يحب للناس ما يحبه لنفسه/، قد سلم جميع الناس ~~من غشه وظلمه وأسلم لله بقلبه ولسانه ولا يعدل به غيره. # ثم قال: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} أي: أي شيء تعبدون. # {أإفكا آلهة دون الله تريدون} أي: أكذابا معبودا غير الله تعبدون، ~~والإفك،، PageV09P6122 # منصوب ب " تريدون "، و " آلهة " بدل منه. # قال المبرد: (الإفك) أسوأ الكذب. # ثم قال: {فما ظنكم برب العالمين} أي: أي شيء تظنون بربكم أيها القوم أنه ~~يصنع بكم أن لقيتموه وقد عبدتم غيره، قاله قتادة. # ثم قال: {فنظر نظرة في النجوم}. # ذكر أن قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم كانوا أهل نجوز وكانوا يهربون من ~~الطاعون، فطمع أن يتركوما بيت آلهتهم ويخرجوا فيخالفهم إليها فيكسرها، فرأى ~~نجما قد طلع فعصب رأسه (وقال إني مطعون). # قال ابن عباس: قالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج معنا، فقال: إني مطعون، ~~وتركوه مخافة الطاعون. PageV09P6123 # وقال الضحاك: تركوه لما قال إني مطعون مخافة أن يعديهم. # وقال ابن زيد: أرسل إليه ms2147 ملكهم أن غدا عيدنا فاحضر معنا. قال: فنظر نظرة ~~إلى النجوم، فقال: إن ذلك النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي، فقال: إني ~~سقيم. # قال ابن عباس: " سقيم ": مريض. # وقال الحسن: " فنظر نظرة في النجوم ". أي: فكر فيما يعمل إذا كلفوه ~~الخروج، فالمعننى على هذا القول: فنظر نظرة فيما نجح له من الرأي، أي: فيما ~~طلع له. يقال نجم القول والنبت إذا طلعا. أي: فكر فعلم أنه لا بد لكل حي أن ~~يسقم، فقال: إني سقيم. # قال الخليل: يقال للرجل إذا فكر في الشيء كيف يدبره: نظر في النجوم. # وقيل: المعنى: فنظر فيما نجم من الأشياء، أي: طلع منها، فعلم أن لها خلقا PageV09P6124 # ومدبرا، (وعلم) أنها تتغير، وعلم أن ذلك يلحقه، فقال: إني سقيم. # فتكون النجوم في هذين القولين مصدرا. (و) على القول الأول جمع نجم. # وقيل: إنهم كانوا يعرفون أن نجما إذ طلع يطلع بالطاعون، فكان إذا طعن رجل ~~منهم هربوا منه، فطلع ذلك النجم، فقال إبراهيم: إني سقيم، أي: مطعون، ~~فهربوا منه، وكان غلاما أمرد، فهو معنى قوله: {فتولوا عنه مدبرين}. # وقيل: إنه كان يحم في ساعة قد اعتاده ذلك، فنظر في الأوقات، (وقت) الساعة ~~التي تأتيه الحمى فيها، فوجدها تلك الساعة التي دعي إلى الخروج معهم إلى ~~جمعهم فقال: إني سقيم. أي: إن هذه الساعة أسقم فيها بالحمى التي اعتادتني، ~~فجعل ذلك علة لتخلفه عنهم، وكان فيما قال صادقا، لأن الحمى كانت تأتيه في ~~ذلك الوقت، فكان قد أضمر كسر أصنامهم إذا تخلف بعدهم وغابوا ففعل ذلك. # وقيل: معنى قوله: " إني سقيم " أي: سأسقم لأن من كان في عقبه الموت سقيم، PageV09P6125 # وإن لم يكن في وقته ذلك سقيما قال تعالى ذكره لنبيه: {إنك ميت وإنهم ~~ميتون} [الزمر: 30]. # أي: ستموت ويموتون. # وقيل: إن ذلك (من) إبراهيم كان تحيلا عليهم في ذات الله. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لم يكذب إبراهيم عليه ~~السلام غير ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله ": قوله: " إني سقيم "، وقوله: ms2148 ~~" بل فعله كبيرهم هذا "، وقوله في سارة: " هي أختي ". # ثم قال: {فتولوا عنه مدبرين} أي: مضوا عنه خوفا أن يعديهم السقم الذي ذكر ~~أنه به، وذلك أنهم كانوا يفرون من الطاعون. PageV09P6126 # ثم قال: {فراغ إلى آلهتهم} إي: مال إليها بعدما خرجوا عنه، {فقال ألا ~~تأكلون * ما لكم لا تنطقون}. # في الكلام معنى التعجب، وفي الكلام حذف، والتقدير: فقرب إليها طعاما فلم ~~تأكل، فقال لها: ألا تأكلون، فلم تجاوبه، فقال: ما لكم لا تنطقون؟ مستخفا ~~بها مستهزئا. # وقيل: إنهم جعلوا لآلهتهم الطعام قبل أن ينصرفوا عنه، فلما انصرفوا ورآها ~~لا تأكل قال: ألا تأكلون، فلما لم تكلمه قال: ما لكم لا تنطقون؟ وإنما ~~خاطبها مخاطبة من يعقل، لأنهم أجروها في العبادة وجعل الطعام لها مجرى من ~~يعقل. # ثم قال: {فراغ عليهم ضربا باليمين}. # روي أنه أخذ فأسا/ فضرب بها حافتيها ثم علقها في عنق [أكبرها/. # و {باليمين}: بالقوة. # وقيل: باليمين: بقسمه في قوله: {وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: 57] ~~بعد أن تولوا مدبرين، فبر بيمينه بفعله. PageV09P6127 # وقال (ابن) عباس: جعل يضربها بيمينه، ليقيم عليهم الحجة بأن الأصنام إذا ~~كانت لا تنفع أنفسها فتدفع الضر عن أنفسها فهي أبعد من ألا تنفع غيرها، ~~فعبادة من لا ينفع نفسه ولا غيره من أعظم الخطأ وأبينه. # ثم قال: {فأقبلوا إليه يزفون} أي: يمشون سراعا. # يقال: زف يزف زفيفا، إذ أسرع، وأصله من زفيف النعام، وذلك أول عدوه. قال ~~ابن زيد: " يزفون ": يستعجلون. # ومن قرأ بضم الياء فمعناه: جعلوا أنفسهم يسرعون. # يقال: أطردت الرجل أي: صيرته إلى ذلك، وطردته: نحيته. فيكون المعنى: PageV09P6128 # وجاء على هذه الهيئة بمنزلة المزفزفة على هذه الحال. وقد أنكر أبو حاتم ~~هذه القراءة، وأجازها غيره على هذا التأويل. # (وقرئت) " يزفون " بالتخفيف، لغة بمعنى يسرعون، يقال: وزف يزف إذا أسرع. ~~ولم يقرأ بها الفراء ولا الكسائي. # وقيل: معنى يزفون: يمشون بجمعهم في رجوعهم مشيا على مهل، لأنهم كانوا ~~آمنين أن يصيب أحد آلهتهم بضر. # ثم قال (تعالى): {قال أتعبدون ما تنحتون}. # في (هذا) الكلام ms2149 حذف، والتقدير: قالوا له: لم كسرتها؟ قال: أتعبدون، أي: PageV09P6129 # قال إبراهيم لقومه: أتبعدون ما تنحتون بأيديكم من الأصنام، والله خلقكم ~~وعملكم. # وأجاز النحويون أن تكون ما بمعنى الذي، وأن تكون وما بعدها مصدرا، وهو ~~أحسن. # وأجازوا أن تكون نافية بمعنى: وما تعملون شيئا ولكن الله خالقه. # ثم قال (تعالى): {قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم}. # الجحيم عند العرب جمر النار بعضه على بعض، والنار على النار. يقال رأيت ~~حجمه النار، أي تلهبها. # والمعنى: أنه لما أقام عليهم الحجة في عبادتهم ما لا ينفع ولا يضر لم ~~يجدوا لحجته مدفعا، فتركوا جوابه، وقالوا: ابنو له بنيانا فألقوه في ~~الجحيم، فعملوا نارا عظيمة لا يقدر أحد أن يتقرب منها لشدة حرها، فاحتالوا ~~(له) في رميه فيها فعملوا PageV09P6130 # المنجيق ورموه فيها، فجعلها الله بردا وسلاما على إبراهيم. وقد مضى تفسير ~~هذه في " سورة الأنبياء " بأشبع من هذا. # ثم قال (تعالى): {فأرادوا به كيدا} أي أراد قوم إبراهيم عليه السلام به ~~كيدا، وهو طرحهم إياه في النار. # قال الله جل ذكره: {فجعلناهم الأسفلين} أي: الأذلين حجة، فلم يضره ما ~~فعلوا به. # ثم قال (تعالى): {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} أي: وقال إبراهيم بعد أن ~~نجاه الله من كيد قومه وأعلى حجته عليهم، إني مهاجر إلى ربي من بلد قومي ~~إلى الأرض المقدسة. # وقال قتادة: معناه: ذاهب إلى ربه بعقله وقلبه ونيته. # وقيل: إنما قال ذلك حين أرادوا أن يلقوه في النار. PageV09P6131 # وروي أن النار (لما) لم تضره قال ابن لوط أو ابن أخي لوط: إن النار لم ~~تحرقه من أجلي، وكان بينهما قرابة، فأرسل الله عز وجل ( عنقا من النار) ~~فأحرقته. # ثم قال: {رب هب لي من الصالحين} أي: هب لي ولدا صالحا من الصالحين. # قال الله جل ذكره: {فبشرناه بغلام حليم}. # أي: حليم إذا كبر، وهو إسحاق في قول عكرمة وقتادة. # وهو قول ابن مسعود وكعب. # وقال أبو هريرة وابن عمر والشعبي وابن جبير ومجاهد: هو إسماعيل، واختلف ~~في ذلك عن ms2150 ابن عباس. PageV09P6132 # قال قتادة: لم يثن الله على أحد بالحلم غير إبراهيم وإسحاق. # وذكر ابن وهب عن عطاء بن أبي رباح: أن عبد الله بن عباس قال: المفدى ~~إسماعيل. # وزعمت اليهود أنه إسحا، وكذبت اليهود، وقد ذكرنا الاختلاف في الذبيح بحجج ~~كل فريق في كتاب مفرد فلم نعده هنا لطوله. # قوله (تعالى ذكره): {فلما بلغ معه السعي} إلى قوله: {وفديناه بذبح عظيم}. # قال ابن عباس: السعي العمل. # وقال مجاهد: لما شب حتى أدرك سعيه سعي [على] إبراهيم في العمل. وقال ~~قتادة: لما مشى مع إبراهيم. # وقال ابن زيد: السعي هنا العبادة. PageV09P6133 # ثم قال/: {يابني إني أرى في المنام أني أذبحك} أي: سأذبحك. # روي أنه أمر في المنام بذبحه. # وذكر أنه حين بشر به نذر أن يجعله إذا ولد له ذبيحا. فلما ولد وبلغ (معه) ~~السعي - مع أبيه -، أري في المنام فقيل له: فد الله بنذرك. ورؤيا الأنبياء ~~يقين. # قال السدي: لما قال جبريل/ صلى الله عليه وسلم لسارة أبشري بولد إسمه ~~إسحاق، ضرب وجهها عجبا، وقالت: أألد وأنا عجوز، وهذا بعلبي شيخا، إن هذا ~~لشيء عجيب، فقالت سارة لجبريل صلى الله عليه وسلم: ما آية ذلك؟ فأخذ جبريل ~~عليه السلام عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز خضرة، فقال إبراهيم: هو ~~الله إذا ذبيحا، فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم، فقيل له: أوف لله ~~بنذرك الذي نذرت، إن الله رزقك غلاما من PageV09P6134 # سارة، فقال لإسحاق: انطلق نقرب قربانا إلى الله عز وجل، وأخذ سكينا ~~وحبلا، ثم انطلق معه حتى إذا ذهب بين الجبال قال له الغلام: يا أبت أين ~~قربانك؟ قال: با بني إني رأيت في المنام أني أذبحك فانظر ما ترى؟، {قال يا ~~أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين}. # ثم قال له إسحاق: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى ~~لاينضح عليها من دمي بشيء فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ~~ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت سارة فاقرأ ms2151 عليها من السلام، فأقبل عليه ~~أبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع تحت خد ~~إسحاق، ثم إنه جر السكين على حلقه فلم تحك السكين، وضرب الله صفحة من نحاس ~~(على حلق إسحاق)، فلما رأى ذلك ذوب به على جبينه وحز في قفاه، فذلك قوله ~~(تعالى): {فلما أسلما} (أي): أسلما الأمر لله ورضيا بالذبح، الذابح ~~والمذبوح، وتله: صرعه. والجبين: ما عن يمين الجبهة و (عن) شمالها. # قال قتادة: تله: كبه وحول وجهه إلى قفاه. PageV09P6135 # قال ابن عباس: كبه على جبهته. # (قال السدي): فنودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بالحق، فالتفت فإذا ~~بكبش فأخذه وخلى عن ابنه، وأكب على ابنه يقبله، وهو يقول: اليوم يا بني ~~وهبت لي، فهو قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم}، فرجع إلى سارة فأخبرها ~~الخبر فجزعت، وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني. # قال عكرمة في معنى {وتله للجبين}: قال له الغلام: (يا أبت) اقذفني للوجه ~~كي لا تنظر إلى وجهي فترحمني [وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع. # قال مجاهد: " وتله للجبين " وضع وجهه على الأرض]، فقال له: يا أبت لا ~~تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني، فلا تحن علي، اربط يدي إلى PageV09P6136 # (المرفقين)، ثم ضع وجهي في الأرض. # ومن قرأ (ترى) بفتح التاء والراء، فمعناه: ماذا عندك من الرأي فيما قلت ~~لك، على معنى الامتحان لإسحاق، لا (على) معنى الاستشارة له في أمر الله. # ومن ضم التاء، فمعنى قراءته: ماذا ترى [من صبرك أو جزعك. وقيلأ: معنى ~~الكلام: ماذا] تشير، امتحانا له. # وغلط أبو عبيد وأبو حاتم في هذا فجعلاه من رؤية العين، وليس كذلك، PageV09P6137 # إنما هو في معنى الرأي. تقول أريت فلانا الصواب وأريته رشده. # قال ابن عباس: إن الله لما أمر ابراهيم بالمناسك، عرض له الشيطان عند ~~المسعى، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل صلى الله عليه وسلم إلى جمرة ~~العقبة، فعرض له الشيطان فرمى بسبع حصيات حتى ذهب، [ثم عرض له عند الجمرة ~~الوسطى فرماه بسبع ms2152 حصيات حتى ذهب]. ثم تله للجبين وعلى إسماعيل قميض أبيض، ~~فقال (له): يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غير هذا، فاخلعه عني فكفني ~~فيه، فالتفت إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإذا بكبس أعين أبيض أقرن فذبحه. PageV09P6138 # قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتبع هذا الضرب من الكباش. # وجواب لما محذوف، والتقدير: فلما أسلما سعدا وأجزل لهما الثواب. # وقال الكوفيون: الجواب: ناديناه، والواو زائدة. # وقوله: {قد صدقت الرؤيآ} التي أريناك في منامك أن تذبح ولدك. # ثم قال: {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي: كما خلصنا الذبيح والذابح من الشدة ~~والكرب، كذلك نخلص من أحسن بالعمل الصالح من الشدة والكرب. # ثم قال: {إن هذا لهو البلاء المبين} إي: إن أمرنا لك بذبح ابنك لهو ~~الاختبار الظاهر. # وقال ابن زيد: / البلاء في هذا الموضع الشر والمكروه. # وقيل: المعنى: إن هذا الفداء الذي فديناه به من الذبح لهو النعمة ~~الظاهرة. # وقيل: لا يقال في الاختبار إلا الابتلاء. يقال أبلاه الله إذا أنعم عليه ~~أو PageV09P6139 # امتحنه وبلاه إذا اختبره. # والذبح بالكسر المذبوح، والذبح بالفتح المصدر. # وقال كعب الأحبار/: لما أري ابراهيم صلى الله عليه وسلم [ ذبح إسحاق قال ~~الشيطان] [والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم] لا أفتن منهم أحدا أبدا ~~(فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه، فأقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه، ~~دخل على سارة، فقال لها: (أين أصبح) إبراهيم غاديا بإسحاق؟ قالت سارة: غدا ~~لبعض حاجته. قال PageV09P6140 # الشيطان: (لا) والله ما لذلك غدا، قالت سارة: فلم غدا به؟ قال: غدا به ~~ليذبحه، قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى ~~والله. # قالت سارة: فلم يذبح؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فهذا أحسن أن ~~يطيع ربه إن كان أمره بذلك. فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق، وهو ~~يمشي على إثر أبيه، فقال له: أين أصبح أبوك غاديا بك؟ قال: غدا بي لبعض ~~حاجته، قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ms2153 ليذبحك، ~~قال إسحاق، ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى، قال: لم؟ قال: زعم أنه ربه أمره ~~بذلك. قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه. فتركه الشيطان وأسرع إلى ~~إبراهيم، فقال: أين أصبحت غاديا بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما ~~والله ما غدوت به إلا لتذبحه، قال: لم أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك، ~~قال إبراهيم: فوالله (إن) كان أمرني بذلك لأفعلن. # قال كعب: أوحى الله إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة استجبت لك فيها، قال: ~~إسحاق اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي، أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا ~~يشرك شيئا فأدخله الجنة. # وروي أن الكبش الذي فدي به هو الكبش الذي تقبل من ابن آدم حين قربه. # وقال ابن عباس: " بذبح عظيم " (بكبش قد) رعى في الجنة أربعين سنة. PageV09P6141 # وقال الحسن: ما فدي إلا بتيس من الأوري أهبط عليهما من ثبير. # وقيل: فدي بوعل. الوعل: التيس الجبلي. # وأجاز بعض العلماء نسخ الشيء قبل فعله، واستدل بأن هذه الآية قد نسخ الله ~~فيها الأمر بالذبح بالفداء (له) بالكبش قبل فعله. ومثله عنده أمر الله ~~النبي صلى الله عليه وسلم بفرض خمسين صلاة، ثم رده إلى خمس. ومثله الأمر ~~بالصدقة قبل مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المجادلة، ثم نسخه ~~بالترك. PageV09P6142 # [وقال غيره: لا يجوز في هذا نسخ لأنه بداء، لو قلت: قم، ثم قلت لا تقم ~~لكان] بداء، وذلك لا يجوز على الله جل ذكره بل فعله إبراهيم ما أمر به من ~~أخذ السكين والإضجاع وغير ذلك. # وهذا عند الحذاق من العلماء، إنما هو من تأخير البيان. PageV09P6143 # ومن قال: إنه نسخه، فإنما فعل ذلك لأن تأخير البيان لا يجوز عنده، وهو ~~(الغاساني). # ولو جاز أن يقال: إن هذا منسوخ لجاز في قوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة} [البقرة: 67] ثم بينها بعد ذلك فيكون البيان ناسخا لما تقدم، وهذا لم ~~يقله أحد. # ويدل على جواز تأخير البيان قوله: {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 19]. ~~وثم تدل على ms2154 PageV09P6144 # التراخي. # وقد بينا هذا في كتاب " الناسخ والمنسوخ " بأبين من هذا. # ويروى أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يذبح ابنه قال له: ~~اربطني، فلما أسلما لأمر الله ووضع السكين على حلقه، بعث الله نحاسا فكان ~~على حلقه فجر على النحاس، ثم نودي فالتفت فرأى الذبح وراءه، فقال إبراهيم: ~~يا بني إنك نبي وإن لك لدعوة أعطيتها كما أعطي الأنبياء فاسأله، فقال ~~إسماعيل: وإني أسأل أن يغفر لكل عبد مات ولا يشرك به شيئا. # قوله تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين} إلى قوله: {وهو مليم}. # أي: وأبقينا على إبراهيم ثناء حسنا في الآخرين من الأمم، قاله قتادة. ~~وقال ابن زيد: سأل إبراهيم عليه السلام ربه فقال: {واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين} [الشعراء: 84]، أي PageV09P6145 # الثناء الحسن، فأبقى الله عليه يقال: {سلام على إبراهيم} أي: أمنة/ من ~~الله أن يذكر الإنجيل. # ثم قال: {كذلك نجزي المحسنين} أي: كما جزينا إبراهيم على طاعته، كذلك ~~نجزي من أطاع الله وأحسن عبادته. # ثم قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} أي: بشرناه - بعد أن فدينا ~~إسماعيل بالذبح - بإسحاق مقدرا له النبوة والصلاح. # ومن قال: إن الذبيح إسحاق فمعناه عنده: (وبشرنا إبراهيم) / بعد الفداء ~~بنبوة إسحاق نبيا. وفيه بعد لأنك (لو) قلت: بشرتك بقدوم زيد قادما، لم يكن ~~للحال فائدة، ولم يوضع لغير فائدة. # قال قتادة: بشر بنبوته بعدما جاد لله بنفسه. PageV09P6146 # ثم قال: {وباركنا عليه وعلى إسحاق} أي: ثبتنا عليهما النعمة. # {ومن ذريتهما محسن} وهوالمطيع. # {وظالم لنفسه} وهو الكافر. # وذكر الطبري عن السدي أنه قال: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ~~ويضيفهم، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخا كبيرا يمشي في الحرة، فبعث إليه ~~بحمار فركبه حتى أتاه فأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها في فيه ~~فيدخلها في أذنه مرة وفي عينه مرة ثم يدخلها في فيه، فإذا أدخلها في فيه، ~~خرجت من دبره. وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد سأل ربه ألا يقبض روحه ~~حتى يكون هو الذي يسأله ms2155 الموت. فقال إبراهيم للشيخ حين رأى حاله: ما بالك ~~يا شيخ تصنع هذا؟ قال يا إبراهيم الكبر، قال له: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر ~~إبراهيم بسنتين، فقال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتين، فإذا بلغت ذلك صرت ~~مثله، قال نعم، فقال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل ذلك، فقالم الشيخ فقبض ~~روح إبراهيم. وكان ملك الموت قد تمثل في صورة شيخ لإبراهيم، ومات إبراهيم ~~وهو ابن مائتي سنة. PageV09P6147 # وقيل: ابن مائة وسبع وتسعين سنة. # ثم قال (تعالى): {ولقد مننا على موسى وهارون} أي: تفضلنا عليهما بالنبوة ~~والرسالة. # {ونجيناهما وقومهما} أي: ومن آمن معهما، يعني بني إسرائيل. # {من الكرب العظيم} أي: من الغرق. # ثم قال (تعالى): {ونصرناهم فكانوا هم الغالبين} أي: ونصرنا موسى وهارون ~~وقومهما على فرعون وآله بتغريقنا إياهم فكانوا هم الغالين. # وقال الفراء: الضيمر في {ونصرناهم} و {فكانوا} {هم الغالبين} يعود على ~~موسى وهارون وأن التثنية ردت إلى الجمع. ودل على ذلك قوله (جل ذكره). # {وآتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما الصراط المستقيم * وتركنا عليهما ~~في الآخرين * سلام على موسى وهارون}. # وقال قوم: إنما جع في موضع التثنية لأنهما عظيما الشأن جليلا القدر. ~~والعرب PageV09P6148 # تخبر عن الواحد من هذا النوع بلفظ الجمع، فالإخبار عن اثنين منهما بلفظ ~~(الجمع) آكد وأحسن. # ومعنى {المستبين}: المتبين هداه وفضله وأحكامه، يعني التوراة، والصراط ~~المستقيم: الإسلام. # {وتركنا عليهما في الآخرين} أي: أبقينا عليهما الذكر الجميل والثناء ~~الحسن، فكذلك نفعل بمن أحسن في طاعتي وأدى فرائضي. وفيه من الاختلاف ما ~~تقدم في قصة نوح، وهو يقتضي قوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} ~~[الشعراء: 84]. # (ثم قال): {إنهما من عبادنا المؤمنين} أي: الذين أخلصناهم واخترناهم ~~للطاعة وهديناهم للإيمان. # ومن كسر اللام فمعناه: إنهما من عبادنا الذين أخلصوا العمل ولم يشركوا ~~فيه غيري. # قال (تعالى): {وإن إلياس لمن المرسلين}. # قال ابن إسحاق: (وهو إلياس) (بن) ياسين بن فنحاص بن العزار بن PageV09P6149 # هارون بن عمران. وكان إلياس من سبط يوشع بن نون، بعثه الله تعالى إلى أهل ~~بعلبك، (وكانوا يعبدون صنما) ms2156 يقال له بعل. # وقيل هو إدريس. قاله قتادة. # والمعنى: (إنه) لمن الذين أرسلهم الله إلى الخلق، فقال لقومه: ألا تتقون ~~الله فتخافون عقابه على عبادتكم ربا غيره. (و) هو قوله: {أتدعون بعلا ~~وتذرون أحسن الخالقين}. # والبعل: الرب لغة أهل اليمن مشهورة، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. PageV09P6150 # وري ذلك عن ابن عباس. وقال الضحاك: هو صنم لهم يسمى بعلا. # وقال ابن زيد: هو صنم كانوا يعبدونه ببعلبك مدينة وراء دمشق. # وقيل: إن بعلا تيس كانوا يعبدون. # وقال ابن إسحاق: بلغني أن بعلا امرأة كانوا يعبدونها/ من دون الله جل ~~ذكره. # قال وهب بن منبه: بعث الله إلياس إلى بني إسرائيل حين نسواك ما عهد الله ~~إليهم، حتى (نصبوا) الأوثان وعبدوها من دون/ الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى ~~الله عز وجل، وجعلوا لا يسمعون منه شيئا. وكان (له ملك) من ملوك بني ~~إسرائيل يطيعونه يقال له: جاب. وكان إلياس يقرب من الملك، وكان الملك يطيع ~~إياس (فيما) يقول له، ويراه الناس على هدى. وكان ملوك بني إسرائيل قد ~~افترقت في PageV09P6151 # البلاد وأخذ كل واحد ناحية يأكلها، ويعبدون الأصنام، فقال الملك يوما ~~لإلياس: والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا، والله ما أرى (فلانا) وفلانا ~~- يذكر ملوكا من ملوك بني إسرائيل - إلا قد عبدوا الأوثان من دون الله، وهم ~~(على) نحو ما نحن عليه (من نعيم)، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما تنقص ~~دنياهم عبادتهم الأوثان التي تزعم أنها باطل وما نرى لنا عليهم من فضل، ~~فعظم الأمر على إلياس، واقشعر جلده وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه ~~وعبد الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك ~~والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمة! # أو كما قال: # (قال) ابن إسحاق: فذكر لنا أنه أوحي إليه أنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك ~~وإليك حتى تكون أنت الذي تأذن في ذلك. # فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت ~~الماشية والدواب والشجر، وجهد الناس جهدا شديدا، ms2157 وكان إلياس حين دعا عليهم ~~قد استخفى شفقا على نفسه منهم. وكان PageV09P6152 # حيث ما كان وضع له رزق، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: ~~قد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل شرا. # ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن ~~أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره فدعا إليا لأبنها فعوفي من الضر الذي كان به ~~واتبع اليسع إلياس. وفآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب معه حيث ما ذهب، وكان ~~إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاما شابا، فذكر أن الله جل ذكره أوحى إلى ~~إلياس: إنك قد أهلكت خلقا كثيرا بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب ~~والطير والهوام والشجر. فذكر - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن ~~أنا الذي أدعوا لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء ~~الذي أصابهم لعلهم يرجعون عن عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فأتى إلياس إلى بني ~~إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهدا وهلكت البهائم والدواب والطير ~~والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، أو كاما قالهم، فإن كنتم تحبون ~~(علم) ذلك، وتعلمون أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، والذي أدعوكم إليه ~~الحق، فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تبعدونها وتزعمون أنها خير مما أدعوكم ~~إليه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون. فإن هي لم تفعل علمتم أنكم على ~~باطل فنزعتم ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، PageV09P6153 # قالوا: أنصفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم، ~~فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عهنم ما كانوا فيه من البلاء، فعرفوا ما هم ~~في من الضلال والباطل، فقالوا لإلياس: يا إلياس إنا قد هلكنا، فادع الله ~~لنا، فدعا إلياس لهم بالفرج مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس ~~بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون، ثم ترامى إليهما السحاب ثم أدحيت، ثم ~~أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييث بلادهم وفرج عنهم ما ms2158 كانوا فيه من البلاء. ~~فلم يرجعوا ولانزعوا، وأقاموا على ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس من ~~كفرهم، دعا ربه يقبضه إليه فيريحه منهم، فذكر أن الله عز وجل أوحى إليه: ~~أخرج إلى بلك كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس وخرج ~~معه اليسع حتى إذا كانا بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس ~~من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه فانطلق به (فناداه) اليسع يا إلياس (يا ~~إلياس) ما تأمرني به؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش، / وألبسه ~~النور، / (وقطع) عنه لذة المطعم والمشرب، وكان في الملائكة PageV09P6154 # إنيسا ملكيا أرضيا سماويا. # قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الخبر إذا صح فإنما يصح على قول من قال: ~~إنه إدريس صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ذكره في إدريس {ورفعناه مكانا ~~عليا} [مريم: 57]. # وقوله: {وتذرون أحسن الخالقين} أي: خالقكم الذي هو أحسن المقدرين ~~للأشياء. # {الله ربكم ورب آبآئكم الأولين} أي الماضين. # [ثم قال: {فكذبوه فإنهم لمحضرون} أي: محضرون في عذاب الله]. # ثم قال: {إلا عباد الله المخلصين} أي: الذين اختارهم (الله) فأنجاهم من ~~العذاب بتوفيقه إياهم. # ثم قال: {وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إل ياسين} أي: وأبقينا عليه ~~الثناء الحسن بعده، فيال: " سلام على آل ياسين "، أي: سلام على أهل دينه، ~~فيسلم على أهله من أجله، فهو داخل في أفضل الثناء. PageV09P6155 # ومن قرأ " الياسين " غير مقطوع. فقال ابن إسحاق: هو اسمه مثل ابراهيم. # وذهب أبو عبيد إلى أنه جمع جمع السلامة على معنى أنه وأهل مذهبه يسلم ~~عليهم. # وقال علي بن سليمان: العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، ~~فيقولون: المهالبة لأصحاب المهلب، كأنهم سموا كل واحد بالمهلب فعلى هذا قيل ~~الياسين، يريد قومه المؤمنين كأنه سمى كل واحد منهم بإلياس. # وذكر سيبويه أن هذا المعنى إنما يجيء على معنى النسبة حكى الأشعرون، PageV09P6156 # يريد به النسب. # واحتج أبو عمرو وأبو عبيد على تركه لقراءة آل ياسين، أنه ليس ms2159 في السور ~~سلام على آل فلان من الأنبياء، فكما سمي الأنبياء في هذا المعنى سمي هو. ~~ولا حجة في هذا لأنه إذا أثني على قومه المؤمنين من أجله فهو داخل في ذلك ~~وله منه أوفر الحظ، وهو أبلغ في المدح ممن أثني عليه باسمه، وأيضا فإن الحظ ~~مثبت بالانفصال. # وقال الفراء: هو مثل {طور سينآء} [المؤمنون: 20] و {وطور سينين} [التين: ~~2]، والمعنى واحد. # ومعنى ذلك: أن إلياس اسم أعجمي، [والعرب إذا استعملت الأسماء الأعجميه في ~~كلامها غيرتها بضروب من] التعبير، فيقولون: إبراهيم وإبراهام وإبرهام، ~~وميكائيل وميكائيل وميكاين وميكال، وإسماعيل وإسمعيل، وإسرائيل وإسرائين، ~~وشبهه. فكذلك إلياس والياسين هو واحد. قال السدي: " سلام على الياسين " هو: ~~إلياس. PageV09P6157 # قال الفراء: إن أخذته من الأليس صرفته، فيكون وزنه على هذا إفعال مثل ~~أخراج. وقرأ الحسن بوصل الألف (بجعله الألف) واللام اللتين للتعريف دخلتا ~~على ياسين. # ثم قال: {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي: كما فعلنا بإلياس كذلك نفعل بأهل ~~الطاعة والإحسان. # ثم قال: {إنه من عبادنا المؤمنين} أي: من الذين آمنوا وأطاعوا ولم ~~يشركوا. # ثم قال (تعالى): {وإن لوطا لمن المرسلين} أي: لمن الذين أرسلهم الله ~~بالإنذار والإعذار. # ثم قال (تعالى): {إذ نجيناه وأهله أجمعين} أي: من العذاب الذي أحللنا ~~بقومه على كفرهم. PageV09P6158 # وفي الكلام حذف، والتقدير: وإن لوطا لمن المرسلين إلى قومه بالإنذار ~~فكذبوه فنجيناه وأهله. # ثم قال: {إلا عجوزا في الغابرين} أي: في الباقين، يعني امرأة لوط. # قال الضحاك: يعني امرأته تخلفت فمسخت حجرا. # وقال السدي: " في الغابرين " في الهالكين. # وقيل: في " الغابرين ": في الذين بلغوا العمر الطويل، وقد تقدم هذا بأشبع ~~شرحا. # ثم قال: {ثم دمرنا الآخرين} أي: أهلكناهم بالحجارة. # ثم قال: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين} هذا خطاب لقريش، أي: إنكم لتمرون في ~~أسفاركم على آثارهم وديارهم وموضع هلاكهم في النهار وفي الليل، فلا تتعظون، ~~لا تزدجرون وتخافون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ولا تعقلون ما يراد بكم، وأنه ~~من سلك مثل ما سلكوا من الكفر والتكذيب أنه صائر إلى مثل ما صاروا ms2160 إليه. # " وبالليل " وقف كاف، و " تعقلون " التمام. # ثم قال (تعالى): {وإن يونس لمن المرسلين} أي: لمن الذين أرسل إلى قومه PageV09P6159 # بالإنذار والإعذار. # {إلى الفلك المشحون} (أي): هرب. # وقال المبرد: أصله تباعد. # وقيل له/: آبق لأنه خرج بغير أمر الله عز وجل مستترا من الناس إلى الفلك ~~وهي السفينة. والمشحون: المملوء الموقر. " فساهم " أي: فقارع. # قال السدي: فاحتبست بهم السفينة فعلموا أنها إنما احتبست من/ حدث أحدثوه، ~~فتساهموا فقرع يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. # وقوله: {فكان من المدحضين} أي: من المقروعين. # قال طاوس، لما ركب السفينة ركدت فقالوا: إن فيها رجلا مشؤما، فقارعوا ~~فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات فرموا به، فالتقمه الحوت، وأصل دحضت من الزلق ~~في الماء والطين. # يقال: أدحض الله حجته ودحضت، وحكي: دحض الله حجته، وهي PageV09P6160 # قليلة وقوله: {فالتقمه الحوت} أي: ابتلعه. # {وهو مليم} أي: وهو قد أتى ما يلام عليه (من) خروجه بغير أمر (من) الله. ~~يقال: ألام الرجل إذا أتى ما يلام عليه. والملوم: الذي يلام باللسان (إن) ~~استحق ذلك أو لم يستحقه. # قال مجاهد: {مليم}: مذنب. # قوله (تعالى ذكره): {فلولا أنه كان من المسبحين} إلى قوله: {ألربك البنات ~~ولهم البنون}. # أي: لولا أنه كان من المصلين قبل البلاء والعقوبة للبث في بطن الحوت إلى ~~يوم القيامة. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن يونس حين بدا له أن يدعو ~~الله وهو في بطن الحوت، قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين. فأقبلت الدعوة PageV09P6161 # نحو العرش، فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاج غريبة، ~~فقال: أما تعرفون ذلك؟ فقالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: ذلك عبد يونس، قالوا: ~~أعبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة! أفلا يرحم بما كأن ~~يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه بالعراء ". # قال ابن عباس وابن جبير والسدي: " من المسبحين ": من المصلين. # وكان الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروه في الرخاء يذكركم ms2161 في الشدة، ~~إن يونس كان عبدا ذاكرا فلما أصابته الشدةة دعا الله فذكروه الله بما كان ~~منه، ففرج عنه، وكان فرعون طاغيا باغيا فلما أدركه الغرق قال: آمنت، (الآن ~~وكنت)، PageV09P6162 # من المفسدين، فلم يسمع قوله. # قال الحسن: فوالله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. # قال ابن جبير: لما قال في بطن الحوت: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين} [الأنبياء: 87] قذفه الحوت. # قال قتادة في قوله: {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون}: أي: لصار له بطن ~~الحوت قبر إلى يوم القيامة. # قال السدي عن أبي مالك: لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوما. # ثم قال: {فنبذناه بالعرآء} أي: ألقاه الحوت في المكان الخالي، هذا قول ~~أهل اللغة. # وقال ابن عباس: " بالعراء ": بالساحل. PageV09P6163 # وقال قتادة: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. # وقال السدي: " بالعراء ": بالأرض. # وقوله: {وهو سقيم}. # قال السدي: كهيئة الصبي. # قال ابن عباس: لفظه الحوت بساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص ~~من خلقه شيء. # قال ابن عباس: كانت رسالة يونس بعد أن ألقاه الحوت. # وقال ابن مسعود: أرسل قبل وبعد إلى قومه بأعينهم الذين صرف عنهم العذاب، ~~وهو قول مجاهد والحسن. # وروي عن ابن مسعود وغيره: أن يونس وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم ~~إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا فجاروا إلى الله PageV09P6164 # واستغفروه فكف عنهم العذاب. ولم يكف عنهم العذاب بعد معاينته، إنما رأوا ~~مخايله وعلامات له ذكرهما لهم يونس صلى الله عليه وسلم، فآمنوا وتابوا ~~وتضرعوا (إلى الله) قبل معاينة العذاب، ولو عاينوه لم ينفعهم الإيمان لأن ~~من عاين العذاب نازلا به سقط عنه حد التكليف، ولم يقبل منه الإيمان كفرعون ~~لما آمن عند معاينة الغرق. # وكقوله تعالى: {يوم يأتي بعضءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها} [الأنعام: ~~158]. # فمن عاين العذاب لم يقبل منه توبته ولا إيمان، كذلك من عاين الموت وغرغر ~~لم تقبل منه توبة. وإنما قبلت توبة قوم يونس، وإيمانهم قبل معاينتهم لنزول ~~العذاب لما فقدوا يونس، ms2162 وقد أوعدهم العذاب/ وعلموا صدقه ورأوا مخايل العذاب ~~وأمارته، أيقنوا بنزول العذاب، فقبل الله توبتهم. ولو فعلوا ذلك فور معاينة ~~العذاب لم ينفعهم ذلك كما لم ينفع ذلك فرعون/ وأشباهه لأن معاينة العذاب ~~تسقط التكليف، وإذا سقط التكليف لم يقبل ما تكلفه العبد من العمل. فاعرف ~~هذا الأصل. # ويروى أن قوم يونس لما عيانوا العذاب قام رجل منهم فقال: اللهم إن ذنوبنا ~~عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل فينا ما أنت أهله [ولا تفعل فينا ما ~~نحن أهله]. فكشف عنهم العذاب فخرج يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئا، PageV09P6165 # وكان حكمهم أنه من كذب ولم تكن له بينة قتل، فخرج يونس مغاضبا على قومه، ~~فأتى قوما في سفينة فحملوه، فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يمينا ~~وشمالا، فقالوا ما لسفينتكم؟ قالوا: لا ندري: فقال يونس صلى الله عليه ~~وسلم: إن فيها عبدا آبقا من ربها وإنها لن تسير حتى تلقوه. قالوا: أما أنت ~~يا نبي الله فإنا لا نلقيك، قال: فاقترعوا فمن قرع فليقع، فاقترعوا فقرع ~~يونس ثلاث مرات فوقع، فوكل الله جل ذكره حوتا فابتلعه فهو يهوي به إلى قرار ~~الأرض فسمع يونس تسبيح الحصى، {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87]. يعني ظلمة الليل والبحر وظلمة بطن ~~الحوت. # قال: {فنبذناه بالعرآء وهو سقيم}. قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ~~ريش. # فروي أنه طرح على شاطئ البحر وهو ضعيف كالطفل المولود، فلما طعت عليه ~~الشمس نادى من حرها، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع، وهو PageV09P6166 # جمع يقطينة، وقيل: هو كل شجرة لا تقوم على سائق كالقرع والبطيخ ونحوهما. # وقال المبرد: كل شجرة لا تقوم على ساق فهي يقطينة، فإن قامت على ساق فهي ~~شجرة. # واشتقاق يقطين: من قطن بالمكان إذا أقام به. # وعلى أنها القرع: ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جبير وابن زيد. # وقيل: هي شجرة أظلته سماها الله يقطينا، وليست بالقرع. # وقيل: البطيخ، روي ذلك عن بن عباس ms2163 أيضا. # قال ابن جبير: أرسل الله على الشجرة دابة فقرضت عروقها فتساقطت PageV09P6167 # ورقها (فلحقته الشمس فشكاها، فقيل له جزعت من حر الشمس). # ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون تابوا فتاب الله عليهم. # روي أنهم لما رأوا علامات إتيان العذاب خرجوا وتابوا، وأفردوا الأطفال ~~والبهائم، وضجوا إلى الله مستغيثين تائبين فصرف عنهم العذاب وتاب عليهم. # قال ابن مسعود في حديثه: فكان يستظل بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها. ~~فأوحى الله (إليه) أتبكي على شجرة يبست ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون ~~أردت أن تهلكهم، قال: وخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال يا غلام: من أنت؟ ~~فقال: من قوم يونس عليه السلام، قال: فإذا جئتهم فأخبرهم أنك قد لقيت يونس، ~~فقال له الغلام: إن كنت يونس فقد علمت أنه من كذب قتل إذا لم تكن له بينة، ~~فمن يشهد لي؟ قال: هذه الشجرة وهذه البقعة، قال: فمرهما، قال لهما يونس: ~~إذا PageV09P6168 # جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه وكان في ~~منعة، وكان له إخوة فأتى الملك فقال: إني (قد) لقيت يونس وهو يقرأ عليك ~~السلام. # قال: فأمر به أن يقتل، فقالوا: إن له بينة، فأرسلوا معه فأتى الشجرة ~~والبقعة فقال لهما: نشدتكما الله أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم ~~مذعورين، يقولون: شهدت له الشجرة والأرض، فأتوا الملك فأخبروه بما/ رأوا. ~~قال عبد الله: فتناول الملك يد الغلام وأجلسه مجلسه وقال: أنت أحق بهذا ~~المكان مني. قال عبد الله: فأقام ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة. # ثم قال (تعالى): {وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون}. # قال أبو عبيدة: أو هنا بمعنى بل. ومثله عنده: {ساحر أو مجنون} [الذاريات: ~~52] أي: PageV09P6169 # بل مجنون، فليست أو للشك في هذا، إنما هي (بمعنى) بل وهو قول الفراء. # وروي عن ابن عباس ذلك. # وقال القتبي: أو بمعنى الواو. # وقال المبرد: أو على بابها. والمعنى: وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم ~~لقلتم هم مائة ألف أو يزيدون على ذلك. # فخوطب العباد بما يعرفون. # وقيل: أو ms2164 على بابها لكنه بمنزلة قولك: جاءني زيد أو عمرو، (و) أنت تعرف ~~من جاءك منهما إلا أنك أبهمت على المخاطب. # وقل: " أو " للإباحة. # قال ابن عباس: / كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا. PageV09P6170 # وقال ابن جبير: يزيدون سبعين ألفا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يزيدون عشرين ألفا} قال ابن ~~جبير: كان العذاب قد أرسله الله إليهم، فلما فرقوا بين النساء وأولادهن ~~والبهائم وأولادها، وعجوا إلى الله جل وعز، كشف عنهم العذاب ومطرت السماء ~~عليهم (ماء). # وقوله: {فمتعناهم إلى حين} أي: أخرنا عنهم العذاب ومتعناهم بالحياة إلى ~~بلوغ آجالهم. # ثم قال: {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون} أي: سل يا محمد مشركي قريش ~~مسألة تقرير وتوبيخ عن ذلك، لأنهم جعلوا الملائكة بنات الله. PageV09P6171 # قال السدي: كانوا يعبدون الملائكة. # قوله تعالى: {أم خلقنا الملائكة إناثا} إلى قوله: {فسوف يبصرون}. # أي: أم شهد هؤلاء القائلون: إن الملائكة بنات (الله)، خلق الله الملائكة ~~إناثا. هذا كله على التقرير والتوبيخ. # ثم قال: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله} أي: ألا إن هؤلاء ~~المشركين من كذبهم ليقولن ولد الله، وهو جعلهم الملائكة بنات الله. # ثم قال: {أصطفى البنات على البنين} هذا أيضا توبيخ لهم، والمعنى عند ~~الزجاج: سلهم هل اصطفى البنات على البنين. # ثم قال: {أفلا تذكرون}. هذا أيضا تقريع وتوبيخ ومعناه: بئس الحكم تحكمون ~~أيها القوم، أن يكون لله البنات ولكم البنون، فأنتم لا ترضون البنات PageV09P6172 # لأنفسكم فتجعلون لله ما لا ترضون به لأنفسكم. # ثم قال: {ما لكم كيف تحكمون} أي: تتدبرون ما تقولون فتعرفون خطأه فتنتهون ~~عنه. # {أم لكم سلطان مبين} أي: حجة ظاهرة على ما تقولون. # قال قتادة: " سلطان مبين " عذر بين. # {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين} أي: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند ~~الله بما قلتم من الإفك إن كنتم صادقين فيما قلتم. # ثم قال: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا}. # قال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه جل ثناؤه وإبليس أخوان. # وكذلك قال الضحاك. # وقال غيرهما: الجنة هنا الملائكة، ms2165 جعلهم كفار قريش بنات الله جل عن ذلك ~~وتعالى، وهو قول مجاهد والسدي. # وروي أن أبا بكر قال لقريش: من أمهاتهن؟ فقالوا: سروات الجن. PageV09P6173 # وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله جل ذكره تزوج إلى الجنة فخرج بينهم ~~الملائكة. فسميت الملائكة جنة لأنهم لا يرون. # وقال السدي: سموا بذلك لأنهم على الجنان. # [ثم قال تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} أي: ولقد علمت الملائكة ~~أن الذين قالوا هذا لمشهدون الحساب والنار ومعذبون]. # ثم قال: {سبحان الله عما يصفون} أي: تنزيهاص له وبراءة عما يقولون ~~ويتفرون. # ثم قال: {إلا عباد الله المخلصين} أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم ~~لرحمته، فإنهم لا يحضرون العذاب. # ثم قال (تعالى): {فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو ~~صال الجحيم} أي: فإنكم أيها المشركون وما تعبدون من الآلهة ما أنتم على ما ~~تعبدون من ذلك بفاتنين، أي: بمضلين من أحد إلا من هو صال الجحيم، أي: من ~~سبق له في علم الله أنه يضل فيدخل النار. # وقيل: " عليه " في قوله " ما أنتم عليه " بمعنى له. هذا كله معنى قول ابن ~~عباس والحسن/ وقتادة والسدي وابن زيد. PageV09P6174 # والتقدير عند جميعهم: لستم تضلون أحدا إلا من سبق في علم الله أنه من أهل ~~الشقاء وأهل النار. # وفي هذه الآية رد على القدرية لأن الضلال والهدى كل بمشيئة الله وقضائه، ~~خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للشقاء فالشياطين لا تضل إلا من كتب الله عليه أنه ~~لا يهتدي. # فأما من تقدم له في علم الله الهدى فإنه تعالى يحول بينهم وبينه فلا ~~يصلون إلى إضلاله. # قال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس وإنه لبين ~~في كتاب لله في آية علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم قرأ: {فإنكم وما ~~تعبدون * مآ أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم}. # وقوله: " صال الجحيم " أصله صالي بالياء، ولكن كتب على لفظ الوصل، ولا ~~يحسن الوقف عليه، فإن وقف عليه واقف، فمن القراء من يكره ms2166 مخالفة الشواذ ~~فيقف بغير ياء. PageV09P6175 # ومذهب سلام ويعقوب: أن يقف عليه بالياء/ على الأصل، لأن العلة التي من ~~أجلها حذفت الياء قد زالت بالوقف. # وقرأ الحسن: " صال الجحيم ". على أن يرده على معنى " من " فيجمع بالواو ~~والنون، وتحذف النون للإضافة والواو لالتقاء الساكنين في الوصل. ولا تجوز ~~هذه القراءة على غير هذه الأشياء. ذكر بعض النحويين: أن يكون قرأه على ~~القلب كأنه رد لام الفعل، وهي الياء في الواحد قبل اللام، فصار الإعراب (في ~~اللام)، فضمت ثم حذفت الياء، وهذا بعيد. PageV09P6176 # ثم قال تعالى: {وما منآ إلا له مقام معلوم}. # التقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام، ثم حذفت من. # ولا يجوز هذا عند البصريين لأنه حذف موصول وترك صلته. # والتقدير عند البصريين: وما منا ملك إلا له مقام. # وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملائكة، أي قالوا: وما منا معشر ~~الملائكة إلا ملك له مقام معلوم في السماء. # ثم قال تعالى حكاية عن قول الملائكة: {وإنا لنحن الصآفون} روت عائشة رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما في السماء موضع قدم إلا ~~عليه (ملك) ساجد أو قائم ". # فالمعنى أنهم قالوا: وإنا لنحن الصافون لله بعبادته. # {وإنا لنحن المسبحون} أي: المصلون له. # قال عبد الله بن مسعود وابن عباس: ما من السماوات سماء إلا وما فيها موضع ~~شبر، إلا وعليه جبهة ملك، أو قدماه، ثم قرأ: {وإنا لنحن الصآفون * وإنا ~~لنحن المسبحون}. PageV09P6177 # ومعنى الكلام من أوله: أن الملائكة استعظمت فعل من يعبدها وتعجبت من ذلك ~~وتبرأت منه فقالت: " وما منا إلا له مقام معلوم {وإنا لنحن الصآفون} {وإنا ~~لنحن المسبحون} " فكيف يعبد من هو على هذه الحال # ثم قال (تعالى): {وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الأولين * ~~لكنا عباد الله المخلصين} أي: قالت قريش قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~لو أن عندنا ذكرا من الأولين، أي: كتابا من السماء فيه ذكر الأمم الماضية ~~كالتوراة والإنجيل، فلما جاءهم ذلك ms2167 كفروا به. # ثم قال: {لكنا عباد الله المخلصين} (أي): الذين أخلصوا لله الطاعة. هذا ~~على قراءة من كسر اللام. # ومن فتحها فمعناه: لكنا عباد الله الذين أخلصهم الله وأختارهم لطاعته. # قال قتادة: قالت هذه الأمة ذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ~~جاءهم الكتاب والنبي كفروا به. PageV09P6178 # قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذكر الأولين والآخرين ~~كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم. فالهاء ~~في " به " تعود على القرآن وهو الذكر. وقيل: على محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال (تعالى ذكره): {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم ~~المنصورون} أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم ~~المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة قاله قتادة والسدي. # وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة. # ثم قال: {وإن جندنا لهم الغالبون} أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان ~~بالحجج والغلبة والظفر. PageV09P6179 # ثم قال: {فتول عنهم حتى حين}. # قال/ قتادة: " حتى حين ": إلى الموت. # وقال السدي " إلى يوم بدر. # ثم قال: {وأبصرهم فسوف يبصرون} أي: انظروهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب. # قوله (تعالى ذكره): {أفبعذابنا يستعجلون} إلى آخر السورة. # أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم، متى ~~هذا الوعد. # ثم قال: {فإذا نزل بساحتهم} أي: نزل بهم العذاب. # والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب ويعقوته إذا نزل به، والساحة فناء ~~الدار. # وقوله: {فسآء صباح المنذرين} أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أنذروا بأس ~~الله فلم يتعظوا. PageV09P6180 # قال السدي: " بساحتهم " بدارهم. # قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر. # وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، ~~والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: " فإذا نزل ~~بساحتهم فساء صباح المنذرين "، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له ~~بعد نزول السيف " فتول/ عنهم حتى حين " أي: إلى الوقت. # ثم قال: {وتول عنهم حتى حين} أي: ms2168 أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله ~~بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة. # [ثم قال: {وأبصر فسوف يبصرون} أي: أنظروهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم ~~في الآخرة]. # ثم قال: {سبحان ربك رب العزة} أي: تنزيها وبراءة لربك يا محمد من السوء، ~~{رب العزة} أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم ~~وافترائهم على ربهم. PageV09P6181 # وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: {رب العزة} - والعزة صفة من صفات ذات ~~تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة ~~تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: " ~~رب العزة " فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله ~~خلقها. # فرب العزة معناه: خالق لعزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم. # قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: # " رب العزة ": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوبا فهو فعل لله. # فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم. # قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي PageV09P6182 # (هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين ~~العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها ~~صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحا مبينا. # قوله: {وسلام على المرسلين} أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع ~~العذاب الأكبر. # روى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سلمتم علي فسلموا على ~~المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين ". # ثم قال: {والحمد لله رب العالمين} أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصا، رب ~~الثقلين: الإنس والجن. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال: {والحمد لله رب ~~العالمين} PageV09P6183 # {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين} فقد اكتال بالجريب ~~الأوفى ". # يعني من الأجر الثواب. # وروى الخدري عنه أنه كان ms2169 يقولها في دبر صلاته. PageV09P6184 ### |EDITOR| # الهداية إلى بلوغ النهاية # لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 ه # المجلد العاشر # ص - الجاثية # 1429 ه - 2008 م PageV09P6185 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV09P6190 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ص مكية # قوله تعالى ذكره: {ص والقرآن ذي الذكر} - إلى قوله - {إن هذا لشيء عجاب}. # روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد. وسئل ولده عن ذلك فقال: ~~بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها. PageV10P6193 # وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل. # وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه " {فأنت له تصدى} [عبس: ~~6] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به. # وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسر قراءته به. PageV10P6194 # وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد. فنصب بالإغراء ولم ينصرف ~~لأنه اسم للسورة. وكل مؤنث سميته بمذكر - قلت حروفه أو كثرت - لا ينصرف. # ويجوز أن يكون فتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح ~~للإتباع. # ويجوز أن يكون منصوبا على القسم، إذ قد حذف الجر، كما تقول: الله لأفعلن. # وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله PageV10P6195 # على مذهب سيبويه. # وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبه بما لا يتمكن من الأصوات فنونه. # قال ابن عباس: ص قسم أقسم الله جل ذكره به، وهو من أسماء الله عز وجل. # فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن. # وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به. وقال الضحاك: PageV10P6196 # صاد: " صدق الله سبحانه ". # وعن ابن عباس أيضا: صاد صدق محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ذي الذكر. ~~فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم صدق من عنده. # وقوله: {ذي الذكر}، " ذي الشرف " قاله ابن عباس وابن جبير والسدي PageV10P6197 # (وقيل معناه: ذي الذكر لكم. وهو اختيار الطبري). # وقيل معناه: ذكركم الله ms2170 فيه، مثل قوله: " فيه ذكرهم ". # وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها. # ثم قال تعالى: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق}، أي: في تكبر وامتناع عن ~~قبول الحق، مثل / قوله: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} ~~[البقرة: 206]. # ومعنى: " وشقاق ": ومخالفة، وكأنهم في شق والمسلمون في شق. وجواب القسم: ~~" بل الذين كفروا "، قاله قتادة. # فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال ~~قتادة: هو اسم من أسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك. PageV10P6198 # صاد صدق الله سبحانه. # عن ابن عباس أيضا: صاد صدق محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ذي الذكر ~~فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم صدق من عنده. # صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك. # وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول ~~هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: {بل الذين كفروا في عزة وشقاق}. وهذا اختيار ~~الطبري PageV10P6199 # وهو مستخرج من قول قتادة. # ثم قال: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن}، أي كثير من القرون أهلكنا قبل ~~هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم. # {فنادوا}، أي: فضجوا إلى ربهم وعجوا واستغاثوا بالتوبة حين نزل بهم ~~العذاب. # {ولات حين مناص}، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة ~~لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة. # " ولات " حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر. (أي: ليس) حينكم حين ~~مناص. هذا مذهب سيبويه. والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكي أن من العرب من ~~يرفع بها. وهو قليل على حذف الخبر. # والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان وأبي إسحاق بالتاء لشبهها PageV10P6200 # بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء. # والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كربه وثمه. # ومناص: مفعل من ناص ينوص إذا تأخر. فالنوص التأخر، والبوص التقدم. # ثم قال تعالى ذكره: {وعجبوا أن جآءهم منذر منهم}، أي: عجب مشركو قريش أن ~~جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم يأتهم ملكه. ms2171 # ثم قال: {وقال الكافرون}، أي: المنكرون وتوحيد الله عز وجل { هذا ساحر ~~كذاب}. " هذا " إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا} أي: أجعل محمد ~~المعبود معبودا واحدا؟! # {إن هذا لشيء عجاب}، أي: عجيب PageV10P6201 # قال قتادة: عجب المشركون أن دعوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجتنا ~~جميعا إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة). # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمشركين: " أسألكم أن تجيبوني إلى ~~واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج العجم. فقالو: ما هي؟! قال: ~~تقولون لا إله إلا الله. فعند ذلك قالو: أجعل الآلهة إلها واحدا، تعجبا من ~~ذلك ". # وذكر ابن عباس أنه " لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو ~~جهل، فقالوا إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعث ~~إليه فنهيته. فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم ~~وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون ~~أرق له عليه، فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب. فلم يجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب. أي ابن أخي، ما بال ~~قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. قال: فأكثروا عليه ~~القول. وتكلم الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمي إني أريدهم على كلمة ~~واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا ~~لكلمته ولقوله. وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشرا، قالوا: فما هي؟! ~~قال أبو طالب: أي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله " # قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أجعل الآلهة إلها واحدا. PageV10P6202 # إن هذا لشيء عجاب}. فنزلت هذه الآية إلى قوله: {لما يذوقوا عذاب} [ص: 8]. # وفرق الخليل بين العجيب والعجاب، فالعجيب، العجب، والعجاب: الذي قد تجاوز ~~حد العجضب، وكذلك عنده الطويل الذي فيه ms2172 طول، والطوال الذي قد تجاوز حد ~~الطول. # وقيل: هما بمعنى، يقول: طويل وطوال، وجسيم وجسام، وخفيف وخفاف، وسريع ~~وسراع، ورقيق ورقاق، بمعنى. # قوله تعالى ذكره: {وانطلق الملأ منهم أن امشوا} - إلى قوله - {قبل يوم ~~الحساب}. # أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: {أجعل الآلهة إلها واحدا} ~~[ص: 5] PageV10P6203 # يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين ~~آبائكم. # وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنما / يعبدونها من دون الله سبحانه ~~وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط. # وقوله: {أن امشوا}، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنمار وهو من قول ~~العرب: مشى الرجل وأمشى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كثر ولدها. # قال الشاعر: # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... * والشاة لا تمشى ~~على الهملع # أي: لا تنهى عن الذنب. (والهملع: الذئب). # ثم قال عنهم إنهم قالو: {إن هذا لشيء يراد}، أي: لشيء يريد بنا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع. # ثم قالو: {ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة}. # قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى. أي: لم نسمع في دين عيسى صلى ~~الله عليه وسلم PageV10P6204 # أن محمدا يبعث رسولا إلينا ولا يأتينا بكتاب. # {إن هذا إلا اختلاق}، أي: ما هذا إلا كذب. # وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقا لأخبرنا به النصارى. # وقال مجاهد: معناه ملة قريش. # وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا. # قال أبو إسحاق: {فى الملة الآخرة}: في النصرانية ولا في اليهودية ولا ~~فيما أدركنا عليه لآباءنا. # ثم قال: {إن هذا إلا اختلاق}، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلا كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسدا منهم لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: # {عليه الذكر من بيننا}، أي: كيف خص محمد بنزول القرآن عليه من بيننا. PageV10P6205 # وهذا كقولهم: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ~~[الزخرف: 31] أي: من إحدى القريتين، مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة ~~المخزومي ms2173 من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. # والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين. # ثم قال تعالى: {بل هم في شك من ذكري}، أي: في شك من القرآن. # {بل لما يذوقوا عذاب}، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما ~~هم فيه وعملوا أن الذين كذبوا به حق. # ثم قال: {أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب}، أي: أم عند هؤلاء ~~المكذبين مفاتيح ربك وعطاياه، فيخصوا من شاءوا بالرسالة. العزيز في سلطانه، ~~الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته. # ثم قال جل ذكره: {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى ~~الأسباب}، أي: إن كان لهم ملك ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن ~~من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة ~~وابن زيد PageV10P6206 # وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة. # وقال الربيع بن أنس: الأسباب أرق من الشعر وأشد من الحديد، وهو مكان ولكن ~~لا يرى. # والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو ~~قرابة أو طريق أو باب. يقال: رقي يرقى رقيا إذا صعد، كرضي يرضى. ومثله: ~~ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقي يرقي رقيا من الرقية مثل: رمى يرمي رميا. # ثم قال: {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب}. # يعني بقوله: {جند ما هنالك}: الذين قال فيهم: {بل لما يذوقوا عذاب} وهم ~~أشراف قريش الذين هزموا وقتلوا يوم بدر. # والتقدير: هم جند مهزوم هنالك. # ومعنى {من الأحزاب}: من القرون الماضية. PageV10P6207 # قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم ~~جندا من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها. # وقال الفراء: معناه: هم جنود مغلوب أن يصعد السماء. # وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا ~~إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف. فأعلم الله عز وجل نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ms2174 أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم ~~سيهزمون. فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصدقه في جميع ما يعدهم به، ولذلك قال تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} [الأحزاب: 22] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم ~~في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة. # ثم قال تعالى ذكره: {كذبت قبلهم قوم نوح}، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ~~{وفرعون ذو الأوتاد}. # فرعون هو: الوليد بن مصعب. PageV10P6208 # وقيل هو: مصعب بن الديان. # وقيل: كان يسمى كل من ملك مصر فرعون، كما يسمى كل من ملك اليمين تبعا، ~~ومن ملك فارس كسرى، ومن ملك الروم قيصر وهرقل. # قال المبرد: كسرى بالفتح. وقال غيره: بالكسر. # وإنما نعت فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن ~~عباس وقتادة وابن جبير. # وقال السدي: كان يعب الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع ~~(الصخرة تمد بالحبال) ثم تلقى عليه فتشدخه. # وقال الضحاك: {ذو الأوتاد}: ذو البنيان. # وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء. PageV10P6209 # وقوله: {أولئك الأحزاب}، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى ~~والكفر به سبحانه وتعالى. # ثم قال: {إن كل إلا كذب الرسل}، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل ~~فيما جاؤهم به. # {فحق عقاب}، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: {وما ينظر ~~هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق}، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله ~~سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا ~~انقطاع. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما فرغ الله من خلق ~~السماوات والأرض خلق الصور وأعطاه إسرافيل. فهو واضعه على فيه، شاخص إلى ~~العرش ينتظر متى يؤمر. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: قرن. ~~قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، فيفزع أهل ~~السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله. ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا ~~تفتر. ms2175 وهي التي يقول الله جل وعز: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها ~~من فواق} ". PageV10P6210 # وقال ابن عباس: {فواق}: ترداد. وعنه: من رجعة وقال مجاهد: " من رجوع ". # وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد). # وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى ~~الدنيا. # وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذابا يهلكهم. # فالصيحة عنده: العذاب. # {ما لها من فواق}، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يغشى عليه. # وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة. فالمعنى: ما ~~لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم. # ثم قال تعالى: {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب}، أي: وقال ~~هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. # والقط من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة. # والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة. PageV10P6211 # فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهو مثل ~~قولهم: " {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] " الآية. # وقال السدي: إنما سألوا تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا ~~حقيقة ما يعدهم به محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا. # وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته. # وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا ~~أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، ~~استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره. # هذا قوله تعالى ذكره: {اصبر على ما يقولون} - إلى قوله - {وقليل ما هم} ~~منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر ~~على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمرهم بقتالهم في ~~وقت آخر، فينسخ الآخر الأول. PageV10P6212 # ثم قال: {واذكر عبدنا داوود ذا الأيد}، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ~~ذات الله عز وجل والصبر على طاعته. # يقال: أيد وآد للقوة ms2176 كما يقال: العيب والعاب # قال قتادة: " أعطي داود قوة في العباد وفقها في الإسلام، وذكر أنه كان ~~يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. # وقوله: {إنه أواب}، أي: رجاع عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو ~~فعال للتكثير من آب يئوب إذا رجع. # قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب. # قال قتاجة: كان مطيعا لله عز وجل كثير الصلاة. # وقال السدى: الأواب: المسبح. PageV10P6213 # ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أعجب بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل ~~محرابه، فقالت له: يا داود، تعجب لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكرا ~~لله عز وجل حين سلم / بيضي. # قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوما ~~للقضاء بين الناس، ويوما لقشاء حوائج أهله. # ثم قال تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق}، أي: يسجن ~~مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى. # يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. # قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه. # واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية {بالعشي ~~والإشراق}، لأنه من أشرقت الشمس إذا وصفت وأضاءت. فإذا صلى داود PageV10P6214 # العصر وسبح سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه. # {والطير محشورة}، أي: وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه. # {كل له أواب}، أي: رجاع لأمره ومطيع له. فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز ~~وجل. والمعنى كل لله مطيع، مسبح له. فكل " في القول الأولى للطير، وفي هذا ~~الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير. # وروي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه. # وقال قتادة: محشورة: مسخرة. # ثم قال: {وشددنا ملكه}. PageV10P6215 # قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف. # وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل ~~وذلك أن رجلا استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المستعدى: ms2177 ~~إن هذا غصبني بقرا لي. فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البينة فلم تكن ~~له بينة، فقال لهما: قوما حتى أنظر في أمركما فقاما. # فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستعدي عليه. ~~فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى إليه مرة أخرى أن يقتله، وأوحى ~~إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى ~~الرجل أن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا ~~تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمرالله عز جل فيك. فلما عرف الرجل ~~أنه قاتله قاله له: لا تعجل علي حتى أخبرك، إني والله ما أخذت بهذا الذنب ~~ولكني كنت اغتلت ولد هذا فقتلته فبذلك قتلت. فأمر به داود، فقتل. فاشتدت ~~هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه. PageV10P6216 # ثم قال تعالى: {وآتيناه الحكمة}. # قال السدى: هي النبوة. # وقال قتادة: الحكمة: السنة. # وقوله: {وفصل الخطاب}. # قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء. # وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات. # وقال شريح فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول ~~قتادة. PageV10P6217 # وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد. # ثم قال تعالى: {وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب}، أي: وهل أتاك يا ~~محمد خبر الخصم. # والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من ~~خصمته خصما. والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل ~~على ذلك قوله: خصمان. # وقوله: {إذ تسوروا المحراب}، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه. والمحراب: ~~مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه. # ثم قال تعالى: {إذ دخلوا على داوود}، أي: لما دخلوا على داود المحراب. # {ففزع منهم}، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه. وقيل: إنما فزع PageV10P6218 # لأنهما دخلا عليه ليلا من غير وقت نظره بين الناس. {قالوا لا تخف ms2178 خصمان ~~بغى}، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان. # {بغى بعضنا على بعض}، أي: تعدى أحدنا على صاحبه. # {فاحكم بيننا بالحق}، أي: فاقض بيننا بالعدل. # {ولا تشطط}، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف. # وقرأ الحسن وأبو رجاء: " ولا تشطط " بفتح التاء وضم الطاء الأولى. بمعنى: ~~ولا تبعد عن الحق. يقال: أشط يشط إذا جار في القول والحكم، وشط يشط إذا ~~بعد. # ثم قال تعالى: {واهدنآ إلى سوآء الصراط} /، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق ~~المستقيم في الحق. # ثم قال تعالى: {إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة}، الآية. PageV10P6219 # هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، ~~وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ~~ذكر. # قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني. # والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة. # وقرأ الحسن بفتح التاء من " تسع وتسعين " وهي لغة قليلة. # وقرأ ابن مسعود: " تسع وتسعون نعجة أنثى " على التأكيد، كقولهم: رجل ~~ذكر؟. # ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، ~~فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يقل) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، ~~وملحفة، وشبه ذلك. PageV10P6220 # وقيل: عنى بذلك أنها حسنة. فأنثى تدل على أنها حسنة. # ثم قال تعالى ذكره: {فقال أكفلنيها}، أي: أنزل عنها وضمها إلي. # قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها. # {وعزني في الخطاب}، أي: صار أعز مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو ~~أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني. # قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني. # وقرأ ابن مسعود: " وعازني ". # يقال: عازه (إذا غالبه، وعزه): إذت غلبه، ومنه قولهم: " من (عز بز). # ثم قال تعالى: {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه}، أي: # قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إيله أن يضم نعجتك إلى ~~نعاجه. # {وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض}، أي: وإن كثيرا من ms2179 الشركاء PageV10P6221 # ليتعدى بعضهم على بعض {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم}. # قوله تعالى ذكره: {وظن داوود أنما فتناه} - إلى قوله - {الصافنات الجياد} # أي: وأيقن داود أنما اختبرناه. # {فاستغفر ربه}، أي: سائل ربه المغفرة. # {وخر راكعا}، أي: ساجدا لله. # {وأناب}، أي: رجع عن خيئته وتاب منها. # وكان سبب اختيار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا ~~رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لوددت أنك أعطيتني مثله. ~~فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ~~ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يقيم ~~وطال ذلك حتى كاد أن ينساه. فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد ~~أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت. فاطلع من ~~الكوة فرأى امرأة تغتسل. فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم من المحراب ~~وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، ~~فكتب إلى أمير تلك السرية أن يؤمره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل. فكان ~~يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا. وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد ~~أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل ~~وجهه. # فلما رأهما وهو يقرأ فزع وسكت، وقال: لقد استضعفت في ملكي حتى إن الناس ~~يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم PageV10P6222 # يكن لنا بد من أن نأتيكما فاسمع منا. قال أحدهما. {إن هذآ أخي} - إلى ~~{وعزني في الخطاب}. # قال له داود: أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ~~ونسي نفسه صلى الله عليه وسلم. فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، ~~فتبسم أحدهما إلى الآخرة فرآه داود أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ~~أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينينه ثم شدد الله له ملكه. # روى ابن أبي ms2180 الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه ~~من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع ~~رأسه. # وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زمن ورعش. ~~قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه. # وقال عطاء الخراساني: " إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان PageV10P6223 # إذا رآها اضطربت يداه. # وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء. # وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت / الوحوش من حوله، ~~فنادى: إلهي، رد علي الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش ~~فأحطن به وأصغين بأسماعهن نحوه. قال: روفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه ~~فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مثل عيني داود عليه السلام ~~مثل القربتين تنظفان بالماء. لقد خددت الدموع وجه داود خديد الماء في الأرض ~~". PageV10P6224 # وروى أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال: قالو: لو جمعت دموع أهل ~~الأرض إلى دموع آدم صلى الله عليه وسلم لكانت دمخوع آدم أكثر، ولو جمعت ~~دموع أهل الأرض ودموع آدم إلى دموع ابن آدم الذي قتل أخاه لكانت دموع ابن ~~آدم أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض، ودموع آدم، ودموع ابن آدم إلى دموع ~~يعقوب لكانت دموع يعقوب أكثر، ولو جمعت دموع أهل الأرض ودموع آدم ودموع ابن ~~آدم ودموع يعقوب إلى دموع داود لكانت دموع داود أكثر. # قال سعيد: " كان داود يجلس على ستة أفرشة فيبكي فيبل الأول فيرفع حتى ~~يبللها كلها، كلما كلما بل واحدا رفع؛ وإن كان ليؤتى بالإناء ليشرب فما ~~يفرغ منه حتى يتدفق من دموعه وروى إسماعيل بن عبيد الله: إن داود النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يعاتب في PageV10P6225 # كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام ~~واشتعال اللحى، وقبل وقبل أن يؤمر ms2181 بي # {عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ~~[التحريم: 6]. # قال محمد بن المنكدر مكث آدم صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعين سنة ما ~~يبدي عن واضحة ولا ترقئ له جمعة. فقالت له حواء: إنا قد استوحشنا إلى أصوات ~~الملائكة فادع ربك فيسمعنا أصواتهم. فقال لها: ما زلت مستحيا من ربي عز وجل ~~أن أرفع طرفي إلى أديم السماء مما صنعت. # وقال محمد بن خوات: إن داود النبي صلى الله عليه وسلم لما أطال البكاء ~~على نفسه، قيل له: اذهب إلى قبر زوج المرأة فاستوهبه ما صنعت، فأتى القبر، ~~وأذن الله لصاحب القبر أن يتكلم، فناداه: أنا داود ولك عندي مظلمة، قال: قد ~~غفر تهالك، قال: فنصرف داود وقد طابت نفسه، فأوحى الله عز وجل إليه أن ارجع ~~فبين له الذي صنعت فرجع، فأخبره، فناداه صاحب القبر يا داود، هكذا يفعل ~~الأنبياء! # قال بكر بن عبيد الله المزني: مكث داود النبي عليه السلام ساجدا أربعين ~~يوما يبكي على خطيئته حتى نبت البقل من دموعه، ثم زفر زفرة فهاج العودة ~~فاحترق، PageV10P6226 # فنودي أظمآن أنت فتسقى؟ أجائع فتطعم؟ أعادي فتكسى؟ قال: لا، ولكن خطيئتي ~~أثقلت ظهري، فلم يرجع إليه بشيء، فازداد بكاء حتى انقطع صوته، فكان لا يسمع ~~له إلا كهيئة الأنين، فعند ذلك غفر له. # وقال الحسن: بكاء داود عليه السلام بعد ما غفرت له الخطيئة أكثر من بكائه ~~قبل المغفرة، فقيلك له: قد غفر لك يا نبي الله؟! قال: فكيف بالحياء من الله ~~عز وجل. # قال كعب: كان داود عليه السلام يختار مجالسة المساكين، ويكثر البكاء ~~ويقول: رب اغفر للمساكين والخطائين حتى تغفر لي معهم، وكان قبل ذلك يدعو ~~على الخطائين. # قال أبو عبد الرحمن الحبلي: ما رفع داود رأسه إلى السماء بعد خطيئته حتى ~~مات. # وروي أنه كان إذا ذكر عقاب الله عز وجل تلعت أوصاله، فإذا ذكر PageV10P6227 # رحمة الله تراجعت. # وروى أشهب عن مالك أنه قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقعت قريبا ms2182 من ~~داود وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته فقام ليأخذها، فكانت قرب يده، ثم طارت ~~فاتبعها بصره، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغسل ولها شعر طويل. # فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينيه. # ويراد بالركوع في هذا الموضع: السجود. # قال السدي: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس ~~ويوما يخلو فيه لعبادة ربه عز وجل، ويوما يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع ~~وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب: فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى ~~الله عليهم وسلم. فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب، إن الخير قد ~~ذهب / به آبائي، فأعطني مثل ما أعطيتهم. # فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلاء لم تبتل به، ابتلي إبراهيم بذبح ~~ابنه فصبر، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم ~~تبتل PageV10P6228 # أنت من ذلك الشيء. فقال: ابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم. # قال: فأوحى الله عز وجل إليه أنك مبتلى فاحترس، قال: فمكث ما شاء الله أن ~~يمكث إذ جاءه الشيطان وقد تمثل له في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه ~~وهو قائم يصلي قال: فمد يده ليأخذه فتنحى، فتبعه قتباعد حتى وقع في كوة، ~~فذهب ليأخذه، فطار من الكوة فنظر أين (يقع فيبعث) في أثره، قال: فأبصر ~~امرأة تغتسل في سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقا، فحانت منها ~~التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به. قال: فزاده ذلك فيها رغبة. قال: ~~فسأل عنها فأخبر أن لها زوجا وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا). قال: فبعثه ~~ففتح له قال: فكتب إليه بذلك. قال فكتب إليه ثالثة فبعثه فقتل. قال: وتزوج ~~امرأته، فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله ملكين في صورة ~~إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فتسوروا عليه المحراب. قال: فما شعر وهو يصلي ~~إلا وهما بين يديه جالسين قال: {ففزع منهم} فقالا: {لا تخف} لا تخف، ms2183 إنما ~~نحن {خصمان بغى بعضنا على بعض} - إلى قوله - PageV10P6229 # {سوآء الصراط}، قال: قصا قصتكما قال: فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع ~~وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، وهو يريد أخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة! # فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي (تسعا وتسعين) نعجة ولأخي هذا نعجة ~~واحدة. قال: فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة؟! قال: (وهو ~~كاره). قال: إذا (لا ندعك) وذلك. قال: ما أنت على ذلك بقادر. قال: فإن ذهبت ~~تروم ذلك (أو لم ترد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يريد طرف الأنف، وأصل ~~الأنف، والجبهة قال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منه هذا وهذا حيث لك تسع ~~وتسعون امراة ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، (فلم تزل) تعرضه للقتل حتى ~~قتل، وتزوجت امراته. قال: فنظر داود الرجلين فلم ير شيئا فعرف ما قد وقع ~~فيه فخر ساجدا. - وهو موضع السجود عند مالك. PageV10P6230 # وروي أن رجلا من الأنصار - على عهد النبي صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ~~من الليل مستترا بشجرة وهو يقرأ " ص "، فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه ~~الشجرة، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجرا، وارزقني بها ~~شكرا، وضع عني بها وزرا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته. # فلما أصبح الرجل ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله: ~~نحن أحق أن يقول ذلك. فكان صلى الله عليه وسلم إذا سجد يقول ذلك. # قال عقبة بن عامر الجهني: من قرأ (ص) ولم يسجد فيها فلا عليه ألا يقرأ ~~بها. PageV10P6231 # قال: فبكى أربعين يوماص لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجدا يبكي حتى ~~نبت العشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد أربعين يوما: يا ~~داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك. قال: يا رب، كيسف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت ~~حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاء أوريا يوم القيامة آخذ رأسك بيمينه، أو ~~بشماله، تشخب أوداجه ms2184 دما، يقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ # قال: فأوحى الله عز وجل إليه: إذا كان ذلك (دعوت أوريا). # فاستوهبتك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب، الآن علمت أنك قد ~~غفرت لي. قال: فلما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض ~~صلى الله عليه وسلم. # وقيل: اسم الرحل أوريا بن حيان. # وقال الحسن: جزأ داود الدهر أربعة أجزاء: يوماص لنسائه، ويوما لعبادة ~~ربه، ويوما لقضاء بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه، ~~ويبكيهم ويبكونه. # قال: فلما كان يوم بني إسرائيل، قال: ذكروا فقالو: هل أتى على الإنسان ~~يوم / لا يصيب فيه ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. # فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على ~~التوراة. PageV10P6232 # فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون (حسن، قد وقعت بين ~~يديه، فأهوى إلها ليأخذها، قال: فطارت فوقعت غير بعيدة من غير أن تؤيسه من ~~نفسها. قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها. ~~قال: فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك إعجابا بها. وكان ~~قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسر إلى مكان كذا وكذا - مكان ~~إذا صار إليه لم يرجع - قال: ففعل، فأصيب، فخطبها، فتزوجها. # قال قتادة: بلغنا أنها أم سليمان. # قال الحسن: فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه - وكان الخصمان ~~إذا أتوه يأتونه من باب المحراب - ففزع منهم حين تسوروا المحراب، فقالا: لا ~~تخف، خصمان يغى بعضنا على بعض. وذكر نحو الحديثين المتقدمين. # وقيل: إن خطيئته هي قوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير ثبت ~~بينة ولا إقر ار من الخصم ولا سؤال لخصمه: هل كان هذا هكذا أو لم يكن. وهو ~~قول شاذ. PageV10P6233 # وقال ابن الأعرابي: قال كعب: سجد داود نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~أربعين ليلة لم يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس رأسه. # فكان من آخر ms2185 دعائه وهو ساجد أنه قال: يا رب رزقتني العافية، فسألتك ~~البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر فلم تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت ~~أهل ذلك - يقولها في نفسه - فعلم الله عز وجل ما قال فإذا جبريل عليه ~~السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله عز وجل ما قال فإذا جبريل ~~عليه السلام على رأسه قائم يقول له: يا داود، إن الله قد غفر لك فارفع رأسك ~~فلم يتلفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب، وكيف تغفر لي وأنت الحكم ~~العدل، وقد فعلت بالرجل ما فعلت؟ قال: فنزل الوحي عليه: صدقت يا داود أنا ~~الحكم العدل، ولكن إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا سلما، ثم استوهبتك ~~منه، فيهبك لي، فأثيبه الجنة. قال داود: الآن أعلم أنك قد غفرت لي. قال: ~~فذهب داود يرفع رأسه فاذا هو يابس لا يستطيع. قال: فمسحه جبريل عليه السلام ~~بريشة فانبسط. قال: فأوحى الله عز وجل إليه بعد ذلك: يا داود: قد أحللت لك ~~امرأة أوريا فتزوجها، فتزوجها داود صلى الله عليه وسلم، فولدت له سليمان ~~عليه السلام، لم تلد قبله شيئا ولا بعده. # قال كعب: فوالله لقد كان داود بعد ذلك ليظل صائما في اليوم الحار فيقرب ~~إليه الشراب فإذا قربه إلى فيه ذكر خطيئته فيبكي في الشراب حتى يفيض ثم ~~يرده ولا يشربه. PageV10P6234 # وروى الأوزاعي عن بعض أهل المدينة أنه قال: مثل عيني كمثل القربتين ~~تنظفان الماء، لقد خدد الدمع في وجهه كخديد الماء في الأرض. # ويروى أن داود بات لربه عز وجل مصليا حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، ~~فقال: الحمد لله، لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد إياه من أهل ~~الأرض. # فكلمه ضفدع من الماء فقالت: جلا يا أبا سليمان، فوالله إن لي لثلاثا من ~~الدهر ما جمعت بين فقمي تسبيحا لله. # وروي عن ابن مسعود وابن عباس أن داود عليه السلام ما زاد على أن قال ~~للرجل: انزل لي عن امرأتك، فعاتبه ms2186 الله على ذلك ونبهه عليه. # ثم قال تعالى: {فغفرنا له ذلك}، أي ذلك الذنب. PageV10P6235 # {وإن له عندنا لزلفى}، أي: لقربة يوم القيامة. قال الضحاك: لمنزلة رفيعة. # ثم قال: {وحسن مآب}، أي: حسن مصير. # قال السدي: حسن منقلب. # وقال الضحاك: يبعث داود النبي عليه السلام وذكر خطيئته، ووجله منها في ~~قلبه، منقوشة في كفه. فإذا رأى أهاويل الموقف لم يجد منها متعوذا وامحرزا ~~إلا برحمة الله تبارك وتعالى قربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار إليه أن ~~هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال وقربه، فيلجأ إليه تبارك وتعالى، فيشار ~~إليه أن هاهنا عن يسار العرش، ثم يعلق فيقال له: هاهنا عن يمين العرش. # وذلك قوله تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}. # وقال مالك بن دينار: يقال داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، ~~ثم يقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به / في ~~الدنيا. PageV10P6236 # فيقول يا رب، كيف وقد سلبتنيه؟! فيقول: إني سأرده عليك. # قال: فيدفع داود بصوت يستفرغ به نعيم أهل الجنان. # {فغفرنا له ذلك}: تمام حسن. # ثم قال تعالى: {ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض}، فغفرنا له ذلك ~~الذنب، وقلنا له: يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، أي استخافناك في ~~الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكما بين أهل الأرض. # {فاحكم بين الناس بالحق}، أي: بالعدل والإنصاف. # {ولا تتبع الهوى}، أي: لا توثر هواك في قضائك على العدل فتجور في الحكم ~~فيضلك هواك عن سبيل الله. # {إن الذين يضلون عن سبيل الله}، أي: يميلون عن الحق الذي أمر الله به. # {لهم عذاب شديد}، أي: يوم القيامة. # {بما نسوا يوم الحساب}، أي: بتركهم العمل ليوم القيامة. PageV10P6237 # قال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير. # والتقدير عنده: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا أي: بما تركوا أمر ~~الله والقضاء بالعدل. # فالعامل في " يوم " في القول الأول: " نسوا " هو مفعول به والعامل فيه في ~~القول الثاني " لهم " وهو ظرف. # وكان ابن عباس يسجد عند ms2187 قوله: " وأناب "، ويقول: {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]. # ثم قال تعالى: {وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا}، أي: عبثا ~~ولعبا بل خلقا ليعمل فيهما بالطاعة. # ثم قال تعالى ذكره: {ذلك ظن الذين كفروا}، أي: خلق السماء والأرض وما ~~بينهما لغير حساب ولا بعث ولا عمل، هو ظن الذين كفروا فويل لهم من النار. # ثم قال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض}. هذا ~~رد لقول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: ليست ثم عقوبة ولا نار، فالكافر ~~والعاصي يسعدان باللذات، والمطيع يشقى، ومصيرهما إلى شيء واحد فرد الله ~~عليه بأنه لم يجعل المتقين كالفجار في الآخرة، ولا الصالح كالمفسد. # ثم قال: {كتاب أنزلناه إليك مبارك}، (أي: هذا القرآن كتاب أنزله الله ~~إليك يا PageV10P6238 # محمد مبارك) على من آمن به، أنزله: {ليدبروا آياته وليتذكر أولوا ~~الألباب} ليعتبروا آياته وليتذكر به أولوا العقول. # ثم قال: {ووهبنا لداوود سليمان}، أي: ولد إليه. # {نعم العبد}، أي: ممدوح في طاعة ربه. # {إنه أواب}، أي: رجاع إلى طاعة الله عز وجل تواب إليه سبحانه، وقيل: ~~الأواب: الكثير الذكر. # وقال ابن عباس: الأواب: المسبح. # وقال قتادة: مطيعا كثير الصلاة. # وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. # وقيل: هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء، ثم يتوب منه ويستغفر. # ثم قال تعالى: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد}، أي: هو تواب في هذا ~~الوقت. # والصافنات: جمع صافن من الخيل، والأنثى: صافنة. # والصافن: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه. # وقيل: هو الذي يجمع بين يديه. PageV10P6239 # وزعم الفراء أن الصافن هو القائم. # وقال مجاهد: صفون الفرس: " رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر ". # وقال قتادة: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. # وقال ابن زيد: الصافنات: الخيل، أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج ~~البحر. # والصفن أن تقوم على ثلاث وترفع رجلا واحدة تكون على طرف الحافر على ~~الأرض. قال ابن زيد: وكانت لها أجنحة. # (والجياد: السريعة. روي أنها كانت عشرين فرسا ms2188 ذات أجنحة). # قوله تعالى ذكره: {فقال إني أحببت حب الخير} - إلى قوله - {لزلفى وحسن ~~مآب}. # قال ابن عباس: كان مما ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس لا يعلم في PageV10P6240 # الأرض مثلها. وكان أحب إليه من كل ما ورث، وكان معجبا بها، فجلس مجلسه ~~وقال: اعرضوا علي خيلي، فعرضت عليه بعد الظهر إلى غيبوبة الشمس وأغفل صلاة ~~العصر: فقال: ما صليت العصر! ردوها علي فطفق يعرقبها ويضرب رقابها وكان ~~الذي عرض عليه تسع مائة، وبقيت مائة لم تعرض عليه. فقال: هذه المائة التي ~~لم تلهني عن صلاتي أحب إلي من التسع مائة. # في الآية حذف دل عليه الكلام، والتقدير: إنه أواب إذ عرض / عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد، فلهى عن الصلاة حتى فاتته فغابت الشمس ولم يصل، وهو قوله ~~{حتى توارت بالحجاب}. # {فقال إني أحببت حب الخير}، أي: الخيل. والعرب سمي الخيل: الخير، والمال ~~أيضا يسمونه الخير. # وفي الحديث: " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة " ولما ورد ~~زيد PageV10P6241 # الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أنت زيد الخير. وهو زيد بن ~~مهلهل الشاعر. # وقيل: المعنى، إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربي، وذلك أنه كان في صلاة فجيء ~~إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت، فأشار بيده أنه يصلي. # {حتى توارت بالحجاب}، أي: توارت الخيل، فسترها جدر الإصطبلات، فلما فرغ ~~من صلاته قال: # {ردوها علي فطفق مسحا بالسوق}، أي: يمسحها مسحا. فالضمير في " توارت " ~~على هذا القول للخيل. # وأكثر الناس على أنه للشمس وإن (لم يجر) لها ذكر، ولكن لما قال بالعشي دل ~~على أن بعده غياب الشمس. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي فاتته في صلاة العصر وهو قول ~~قتادة PageV10P6242 # والسدي. # وقيل: المعنى: إني آثرت حب الخير عن ذكر ربي، أي: على ذكر ربي، ومنه ~~قوله: {فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17]، أي: آثروا الضبه على الهدى. # وقيل: معنى أحببت: قعدت وتأخرت. # يقال أحب الجمل وأحببت الناقة، إذا بركت وتأخرت. # فالمعنى: إني قعدت عن ذكر ms2189 ربي لحب الخير {حتى توارت بالحجاب}. # إنى قعدت عن صلاة العصر حتى غابت الشمس. # فيكون حب الخير مفعولا به على قول من جعل أحببت بمعنى آثرت. ويكون مفعولا ~~من أجله على قول من جعل أحببت بمعنى تأخرت وقعدت. ولا يحسن أن ينصب على ~~المصدر لأن المعنى على غير ذلك. # ثم قال: {ردوها علي}، أي: ردوا الخيل علي التي شغلتني على الصلاة. # {فطفق مسحا بالسوق والأعناق}، أي: طفق يضرب أعناقها وسوقها. # قال الحسن: قال سليمان: لا، والله لا تشغلني عن عبادة ربي فكشف عراقيبها ~~وضرب أعناقها. # ولم يكن له فعل ذلك إلا وقد أباح الله ذلك له. PageV10P6243 # وقال ابن عباس: " جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها لها ". # قال بعض أهل العلم: هذا القول أحسن، لأنه نبي، ولم يكن ليعذب حيوانا بغير ~~ذنب ويفسد مالا بلا سبب. # قال وهب بن منبه: كانت الريح تحمل سليمان وجنوده، وكانت تأتيه تسمعه كلام ~~كل متكلم، ولذلك سمع كلام النملة. # قال: وإنه لمسير ذات يوم بجنده والريح تحمله (إذ مر برجل) من بني إسرائيل ~~وهو في حرث له يثير على مجساة له يفجر في حرث له من نهر له إذ التفت فرأى ~~سليمان وجنده بين السماء والأرض تهوي به الريح. فقال: لقد آتاكم الله آل ~~داود. قال: فاحتملت الريح كلامه فقذفته في إذن سليمان عليه السلام فقال ~~سليمان للريح: احبس، فحبست. فنزل مقتنعا ببرد له حتى أتى الرجل فقال له: ~~ماذا قلت؟! PageV10P6244 # قال: رأيتك في سلطان الله الذي أتاك وما سخر لك، فقلت: لقد آتاكم الله آل ~~داود. فقال: صدقت، كذلك قلت، كذلك سمعت ولذلك حينئذ تخوفا عليك من الفتنة. ~~تعلم، والذي نفس سليمان بيده، لثواب " سبحان الله " كلمة واحدة عند الله ~~يوم القيامة أفضل من كل شيء رأيته أو أوتيه آل داود في الدنيا. # قال له الرجل: فرجت همي، فرج الله همك. # فقال له سليمان: وما همي؟ # قال: أن تشكر ما أعطاك الله عز وجل. # قال له سليمان: صدقت. وانطلق إلى مركبه. # ثم قال تعالى ذكره: ms2190 {ولقد فتنا سليمان}، أي: اختبرناه وابتليناه. # {وألقينا على كرسيه جسدا}، أي: شيطانا مثل بإنسان. # ذكر أن اسمه صخر الجني، قاله ابن عباس، قال: الجسد: الجني الذي دفع إليه ~~سليمان خاتمه فقذفه في البحر. وكان ملك سليمان في خاتمه. وهو قول الحسن ~~وابن جبير ومجاهد. # قال مجاهد: فقعد الجني على كرسي سليمان، ومنعه الله من نساء سليمان فلم ~~يقربنه وأنكرنه. PageV10P6245 # قال مجاهد: قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك / أخبرك. ~~فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فساح سليمان وذهب ملكه. فكان سليمان يستطعم ~~الناس فيقول: أتعرفوني؟! أطعموني، أنا سليمان! فيكذبونه حتى أطعمته امرأة ~~يوما حوتا فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر الجني في البحر. وكان مدة ~~ذلك فيما ذكر: أربعين يوما. # وقال قتادة: " أمر سليمان ببناء المقدس، فقيل له: ابنه، ولا يسمع فيه صوت ~~حديد. فطلب (علم ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطانا في البحر يقال له ~~صخر، سيد الماردين. قال: فطلبه). وكانت عين في البحر يردها ذلك الشيطان في ~~كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجعل فيه خمر. فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، ~~فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك لتصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلا!) ثم ~~شربها حتى غلبت على عقله. # قال: فأري PageV10P6246 # الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فذل - وكان ملك سليمان في خاتمه - فقال: إنا ~~قد أمرنا ببناء هذا البيت، وقيل: لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى ~~إلى بيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ~~ولا يقدر (عليه فذهب فجاء) بالماس فوضعه على الزجاج فقطعها به حتى أفضى إلى ~~بيضه. فأخذوا الناس فجعلوا يقطعون به الحجارة. فكان سليمان إذا أراد أن ~~يدخل الخلاء لم يدخل بخاتمه، فانطلق يوما إلى الحمام وذلك الشيطان معه - ~~وذلك عند مفارقة ذنب قارفه بعض نسائه - قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان ~~خاتمه، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان منه، وألقي على ~~الشيطان شبه سليمان فجاء فقعد على كرسيه، وسلط ms2191 على ملك سليمان كله غير ~~نسائه. فكان يقضي بين الناس ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن سليمان ~~الله. وكان (فيهم رجل فيه قوة)، فقال: والله لأجربنه فقال له: يا نبي الله ~~- وهو لا يرى إلا أنه نبي - أحدنا تصيبه الجنابة (من الليل) في الليلة ~~الباردة فيدع الغسل مستمدا حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأسا؟ قال: لا. PageV10P6247 # قال: فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله سليمان خاتمه في بطن ~~سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ". # وذكر السدي في هذه القصة مثل ذلك إلا أنه قال: " كانت لسليمان مائة ~~امرأة، امرأة منهن يقال لها جرادة - وهي أعز نسائه عنده وآمنهن - وكان يترك ~~الخاتم عندها إذا دخل الخلاء، فجاءته يوما (من الأيام) فسألته أن يقضي ~~لأخيها في خصومة بينه وبين رجل، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتلي. فأعطاها ~~خاتمه ودخل الخلاء فأتاها الشيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم فذهب ملك ~~سليمان وجلس الشيطان على كرسي سليمان فقد ذهب عقله! فبكى النساء عند ذلك ~~فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار بين ~~أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع ~~الخاتم منه، فابتلعه حوت. قال: وأقبل سليمان PageV10P6248 # في حاله التي كان فيها وهو جائع حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر ~~فاستطعمه من صيده. فقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشج ~~وجهه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر. فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، ~~ثم أعطا سليمان سمكتين مما قد مذر عندهم - أي: نتن - فلم يشغله ما كان به ~~من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في ~~بطن إحداهما فأخذه ولبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه. # وجاءت الطير حتى حامتا عليه فعرف / القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما ~~صنعوا فقال: (ما أحببكم) على عذركم ولا ألومكم عل ما كان منكم، كان هذا ~~الأمر لا ms2192 بد منه. فجاء حتى أتى ملكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به - وسخر له ~~الريح والشياطين يومئذ (ولم يسخر) له قبل ذلك - فجعل الشيطان في صندوق من ~~حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر، فألقي في ~~البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة " وقيل: أنه ولد له ولد ميت، وذلك أنه طاف ~~على (جوار له) وقال: أرجو أن تلد كل PageV10P6249 # واحد منهن (ذكرا، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة منهن) ومات ~~الولد وألقي على كرسيه. # وقوله: {ثم أناب}، أي: أناب سليمان فرجع إلى ملكه بعد زواله عنه. # قال الضحاك: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك فاشترى منها سمكة فشق بطنها ~~فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا صخرة (ولا شيء) إلا سجد به، ثم أوتي ~~ملكه وأهله، فذلك قوله تعالى: {ثم أناب}، أي: رجع. # وقيل: " أناب ": [تاب ورجع عما كان عليه. # ثم قال تعالى: {قال رب اغفر لي}، أي: استر على ذنبي الذي أذنبت]. بيني ~~وبينك. PageV10P6250 # {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد}، أي: لا تسلبنيه كما سلبنه هذا الشيطان. ~~قاله قتادة. # وقيل: المعنى: لا يكون مثله لأحد من بعدي. # {إنك أنت الوهاب}، أي: تهب ما تشاء لمن تشاء. # وقيل: المعنى: أعطني فضيلة ومنزلة. # روى أبو عبيد في كتابه مواعظ الأنبياء أن سليمان عليه السلام لما بنى ~~مسجد بيت المقدس ودخله خر ساجدا شكرا لله عز وجل وقال: يا رب، من دخله من ~~تائب فتب عليه، أو مستغفر فاغفر له، أو سائل فأعطه. # قال: ولما مات داود عليه السلام أوحى الله إلى سليمان أن سلني حاجتك. ~~قال: أسألك أن تجعل قلبي يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما ~~كان قلبي أبي. فقال الله جل ذكره: أرسلت إلى عبدي أسأله حاجته، فكانت حاجته ~~أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني! لأهبن له ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعده. فوفقه الله إلى أن سأل ذلك فأعطاه ذلك، وفي الآخرة لا حساب عليه ms2193 فيه. PageV10P6251 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أرأيتم سليمان وما أعطي من ~~ملكه فإنه لم يرفع رأسه إلى السماء تخشعا حتى قبضه الله عز وجل ". # وروى أبو عبيد أن نملة قالت لسليمان: إني على قدري أشكر لله منك! وكان ~~على فرس ذنوب فخر عنه ساجدا: (ثم قال: لولا أن أبخلك لسألتك أن تنزع عني ما ~~أعطيتني). # ثم قال تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء}، أي: فاستجبنا دعاءه ~~وأعطيناه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء. # قال الحسن: إن نبي الله سليمان لما عرضت عليه الخيل شغلته عن صلاة العصر، ~~فغضب لله، فأمر بها فعقرت، فأبدله الله مكانها أسرع منها، فسخرت له الريح ~~تجري بأمره رخاء. PageV10P6252 # {حيث أصاب}: حيث شاء. # قال مجاهد: رخاء: طيبة. # وقال قتادة: رخاء: طيبة سريعة ليست بعاصف ولا بطيئة. # وقال ابن زيد: الرخاء: اللينة. # وقال ابن عباس: رخاء: مطيعة، وقال الضحاك. # وقال السدي: رخاء: طوعا. # وقوله: {حيث أصاب}، أي: حيث أراد: قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي ~~وابن زيد من قولهم: أصاب الله بك خيرا، أي: أراده الله بك خيرا. # وقال مجاهد: " حيث أصاب: حيث شاء ". # ثم قال {والشياطين كل بنآء وغواص}، أي: كل بناء يبني له ما يشاء من ~~المحاريب والتماثيل، وكل غواص يستخرج له الحلي من البحار، وسخر له كل من ~~ينحت له جفافا وقدورا، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وهم: المردة من الشياطين. ~~هذا كله قول قتادة. PageV10P6253 # والأصفاد: السلاسل، قال السدي: مقرنين: تجمع يداه إلى عنقه. # وواحد الأصفاد: صفد، كحجر. وقيل: واحدها: صفد. كعدل. وهي: الأغلال ~~والسلاسل من الحديد، وكل من شددته شدا وثيقا بالحديد فقد صفدته، وكذلك لكل ~~من أعطيته عطاء جزيلا ما يرتبط له. واسم العطية / الصفد. # قال الضحاك: أعطى الله سليمان ملك داود وزاده الريح والشياطين. # ثم قال تعالى ذكره: {هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب}، أي: هذا الملك ~~عطاؤنا فاعط ما شئت منه وامنع ما شئت من الشياطين في وثاقك وسرح ms2194 ما شئت ~~منهم. # وعن ابن عباس أن هذا إشارة إلى ما أعطي سليمان من القوة على الجماع. قال: ~~كان في ظهره مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة امرأة، وتسع مائة سرية. # فالمعنى: فجامع من شئت، واترك جماع من شئت بغير حساب عليك. # وقال ابن مسعود: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: هذا عطاؤنا بغير ~~حساب، فامنن أو أمسك، فالمعنى: هذا عطاؤنا بغير منة عليك. PageV10P6254 # ثم قال تعالى ذكره: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}، أي: وإن لسليمان في ~~الآخرة عند الله لقربة منه وحسن مرجع ومصير. وإنما رغب سليمان إلى الله في ~~هذا الملك ليعلم منزله عند الله، ودرجته، وقبول توباته، ومقدار إجابته له، ~~لا لمحبته في الدنيا ورغبته فيها وجلالة قدرها عنده، بل كانت أهون هنده من ~~ذلك. # ويجوز أن يكون سأل ذلك ليقوى به على الجهاد في سبيل الله عز وجل، لا ~~لمحبته في الدنيا وملكها. # وقوله: {لا ينبغي لأحد من بعدي}، الأحسن في تأوليه: (لا أسلبه) كما سلبت ~~ملكي قبل هذا، لا أنه بخل على من بعده أن يكون له مثل ملكه بعد موته. # وقيل: معناه: لا ينبغي لأحد من أهل زماني فيكون ذلك لي واختصاصي به دون ~~غيري، حجة لي على نبوتي وأني رسولك إليهم. # وإذا أتى بمثل ملكي غيري من أهلي زماني لم يكن له حجة على من أرسلت إليه، ~~إذ قد أوتي غيري مثل ما أوتيت. # فانفرادي بذلك يدل على نبوتي وصدقي. إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام ~~تفارق بها سائر الناس. # وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أن سليمان عليه السلام كان إذا رأى ما هو PageV10P6255 # فيه مما أعطاه الله قال: نموت وننسى. # قوله تعالى ذكره: {واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه} - إلى قوله - {إنه ~~أواب}، أي: واذكر يا محمد أيوب إذ نادى ربه مستغيثا به مما نزل به. # {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب}. # قال قتادة: هو ذهاب المال والأهل، والضر الذي أصابه في جسده، ابتلي سبع ~~سنين وأشهرا ملقى على ms2195 كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج الله ~~عنه، وعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء. # قال السدي: معناه: بنصب في جسدي، وعذاب في مالي. # وروى الطبري عن وهب بن منبه أنه قال: كان أيوب صلى الله عليه وسلم رجلا ~~من الروم من ذرية عيصا بن إسحاق بن إبراهيم. ومن الرواة من يقول في عيصا: ~~العيص بن إسحاق. # وروي أن أيوب تزوج ابنه يعقوب واسمها ليا؛ وهي التي أقسم أيوب ليضربها ~~مائة ضربة، فبر الله عز وجل يمينه. وكانت أم أيوب بنت لوط. PageV10P6256 # وقيل: كانت زوجة أيوب: رحمة ابنه أفريق بن يوسف بن يعقوب. # قال وهب: إن إبليس اللعين سمع تجاوب ملائكة السماوات بالصلاة على أيوب ~~حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسد والبغي، فسأل الله عز وجل أن ~~يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ماله ~~كله، فشكر أيوب ربه عز وجل ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه سبحانه. فسأل إبليس ~~الله عز وجل أن يسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه ولم يغيره ذلك ~~عن عبادة ربه تعالى. فسأل إبليس الله أن يسلطه على جسده، فسلط عليه دون ~~لسانه وقلبه وعقله، فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده؛ ~~فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج ~~القرية، فلم يغيره ذلك عن ذكر (ربه وعبادته). قال ابن عباس: لما أصاب أيوب ~~البلاء، أخذ إبليس تابوتا وقعد على الطريق يداوي الناس. فجاءته امرأة أيوب، ~~فقالت له: أتداوي رجلا به علة كذا وكذا؟ # قال: نعم، بشرط على أني (إن شفيته قال لي): أنت شفيتني لا أريد منه / ~~أجرا غير هذا. فجاءت امرأة أيوب إلى أيوب، فقال: ذلك الشيطان! والله لئن ~~برأت PageV10P6257 # لأضربنك مائة فلما برأ أخذ شمراخا فيه مائة عرجون فضربها به ضربة. # فيكون " النصب " على هذا، ما ألقاه الشيطان إليه ووسوس به إلى امرأته. # وقرأ الحسن: " بنصب " بفتح النون والصاد. وهما لغتان، كالحزن ms2196 والحزن. # وقيل: من ضم النون جعله جمع نصب، (كوثن ووثن). # فأما قوله: {وما ذبح على النصب} [المائدة: 3] "، فهو جمع نصاب. # وقوله {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب}. # في الكلام حذف، والتقدير: فاستجبنا له إذ نادى، وقلنا له اركض برجلك ~~الأرض، أي: حركها وادفعها برجلك. والركض: حركة الرجل. # قال المبرد: الركض: التحريك، ولهذا قال الأصمعي: يقال: ركضت PageV10P6258 # الدابة، ولا يقال: ركضت (هي، لأن الركض حركة الرجل من راكبها، ولا فعل ~~لها في ذلك الوقت. # وحكى سيبويه: (ركضت) الدابة فركضت، مثل جبرت العظم فجبر. # قوله: {هذا مغتسل بارد وشراب}. قال قتادة: " ضرب برجله أرضا يقال لها ~~الجابية، فإذا عينان تنبعثان، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى ". # قال وهب: فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عز وجل ~~عنه كل ما كان فيه من البلاء. # قال الحسن: فركض برجله فنبعث عين فاغتسل منها، ثم مشى نحوا من أربعين ~~ذراعا ثم ركض برجله، فنبعت عين، فشرب منها فذلك قوله: {هذا مغتسل بارد ~~وشراب} فالموضع الذي يغتسل فيه يسمى مغتسلا. PageV10P6259 # ثم قال تعالى: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم}. # قال مجاهد: رد الله عليه أهله وأعطاه مثلهم معهم في الآخرة. # وقال الحسن وقتادة: فأحيا الله جل وعز له أهله بأعيانهن وزاده في الدنيا ~~مثلهم. (وهو قول ابن مسعود). # وقيل: إنمل رد الله عليه من غاب من أهله وولده مثل من مات منهم، وأعطي من ~~نسلهم مثلهم. # وقوله: {رحمة منا} أي: رحمناه رحمة. # وقال الزجاج: نصب رحمة على أنه مفعول له. # ثم قال: {وذكرى لأولي الألباب}، أي: فعلنا به ذلك للرحمة وليتذكر وليتعظ ~~به أولوا العقول إذا ابتلوا فيصبرو كما صبر أيوب. # وروي أن أيوب كان نبيا في عهد يعقوب النبي صلى الله عليه وسلم. وكان عمر ~~أيوب ثلاثا وتسعين سنة، وذا الكفل هو ولد أيوب، واسمه شبر بن أيوب. وفيه ~~اختلاف، PageV10P6260 # وقد ذكرناه في غير هذا الموضع. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبي الله أيوب لبث به ~~بلاؤه ms2197 ثماني عشر سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من ~~أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان. فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله ~~لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين! قال له صاحبه: وما ذاك؟! ~~قال: منذ ثماني عشرة سنة لم ي رحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم ~~يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال له أيوب: ما أدري ما تقول، غير أن الله عز ~~وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله - أي: يحلفان به - ~~فأرجع إلى بيتي (فأكفر عنهما) كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان ~~يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، قال: فلما كات ذات ~~يوم أبطأ عليها وأوحى الله جل ذكره إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك، هذا ~~مغتسل بارد وشراب. فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من ~~البلاء وهو على خير ما كان. فلما رأته قالت: بارك الله فيك، هل رأيت نبي PageV10P6261 # الله، هذا المبتلى؟ فوالله - على ذلك - ما رأيت رجلا أبه به منك إذ كان ~~صحيحا! قال: فإني أنا هو!! # قال: وكان له أندران: أندر اقمح، وأندر الشعير قال: فبعث الله عز وجل ~~سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر الشعير الورق حتى فاض ". # وقوله تعالى: {وخذ بيدك ضغثا} الضغث: ما يجمع من شيء من الرطب ويحمل الكف ~~من الحشيش أو الشماريخ ونحو ذلك. قال ابن عباس، أمر أن يأخذ حزمة من رطبة ~~بقدر ما حلف عليه فيضربها به. # قال الحسن مكث أيوب مطروحا على كناسة سبع سنين وأشهرا، ما يسأل الله أن ~~يكشف ما به. قال: وما على الأرض أكرم على الله من أيوب. فقال بعض الناس: لو ~~كان لرب هذا فيه ما ضيع هذا. قال: فعند ذلك / دعا أيوب ربه فكشف ما به. PageV10P6262 # قال قتادة: كان إبليس قد تعرض لامرأته فقال لها: لو تكلمت كذا وكذا ~~شفيته. فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة. ms2198 فأمر أن يأخذ أصلا فيه ~~تسعة وتسعون قضيبا، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة فيبر من ~~يمينه ويخفف الله بذلك عن امرأته. # قال الضحاك: ضغثا، يعني: من الشجر الرطب. كان حلف على يمين فأخذ من الشجر ~~عدد ما حلف عليه فضرب به ضربة واحدة فبرت يمينه، وهو في الناس اليوم: يمين ~~أيوب. من أخذ بها فهو أحسن. # قال عطاء: هذا لجميع الناس، وقال مجاهد وغيره: هو خاص لأيوب، لا يعمل به ~~غيره ولا يجزيه، وهو قول مالك، وهو قول جماعة العلماء إلا الشافعي فإنه ~~أجاز لمن حلف على عشر ضربات فضرب بشمراخ فيه عشر قضبان مرة فأصابت المضروب ~~أنه يبر قال ابن جبير: يعني بالضغث قبضة من PageV10P6263 # المكانس. # ثم قال تعالى: {إنا وجدناه صابرا}. أي: على البلاء. # {نعم العبد إنه أواب}، أي: رجاع من معصية الله إلى طاعته. # قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتا وقعد على الطريق يداوي الناس، فأتته ~~امرأة أيوب، فقالت: إن هاهنا إنسانا مبتلى من أمره كذا، هل لك أن تداويه؟ ~~قال: نعم، على أني شفيته أن يقول كلمة واحدة. يقول: أنت شفيتني؛ لا أريد ~~منه أجرا غيرها. فأخبرت بذلك أيوب. فقال: ويحك! ذلك الشيطان! لله علي ~~إنشفاني الله أن أجلدك مائة جلدة. فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا ~~(فيضربها به). فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها به ضربة واحدة. # وقال غير ابن عباس، إنما نذر أن يضربها حين باعت شعرها بالطعام فافتقده PageV10P6264 # وخافها على نفسها. # ويروى أن أيوب عليه السلام لم يدع في بلائه، وصبر حتى نال ثلاثة أشياء، ~~فعند ذلك دعا الله عز وجل: وذلك أن صديقين له بالشام بلغهما خبره فتزودا ~~ومضيا لزيارته فوجداه في منزله لم يبق منه إلا عيناه، فقالا له: أنت أيوب! ~~فقال: نعم فقالا له: لو كان عملك - الذي رأيناه - يفضى به إلى الله عز وجل ~~ما لقيت الذي نرى. فقال لهما: وأنتما تقولان ذلك لي! فبلغ ذلك منه. # والثانية أم امرأته قطعت ثلاثة ذوائب لها وباعتها في طعامه. ms2199 فلما علك ~~ذلك، عظم عليهن وبلغ ذلك منه. فهذه ثانثة والثالة: قبول امرأته من إبليس ~~إذا أراد أن يحتال عليها، فعند ذلك تواعدها، وأقسم لئن شفاه الله ليضربها ~~مائة ضربة. وعند ذلك دعا إلى الله فشفاه الله. # قوله تعالى ذكر: {واذكر عبادنآ إبراهيم} - إلى قوله - {فبئس المهاد}، # أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب. ومن قرأ " عبادنا " ~~بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلا منه. # ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفا عليه. PageV10P6265 # وقوله: {أولي الأيدي}. # قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة. والأبصار: الفقه في الدين. ~~الفقه في الدين. قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل ~~والأبصار: العقول. # وقال قتادة: أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين. # وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في ~~دينهم. # وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أحاب النعم التي أنعم الله عز ~~وجل عليهم بها. # وقيل: " هم أحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا ". # وأصل " اليد " أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة PageV10P6266 # يدا. والبصر هنا عني به بصر القلب الذي به معرفة الأشياء. # وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال ~~الصالحة التي قدموها تمثيلا باليد تكون عند الرجل الآخر. وقرأ عبد الله: " ~~أولي الأيدي " بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم. # ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة. # وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في ~~بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولا. فقال ~~أحدهما للأخر: لئن خرجت قبل لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر ~~وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب ~~لأنه خرج آخرا بعقب عيصا. وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله. ~~والروم من ذرية عيصا. # ثم قال: {إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى ms2200 الدار}. PageV10P6267 # من نون " خالصة " / جعل " ذكرى " بدلا من " خالصة ". # والمعنى: إنا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له. (فلا هم ~~لهم غيره). هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري. # والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في ~~الدار الآخرة. # ويجوز أن يكون رفع " ذكرى الدار " على إضمار مبتدأ. # وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة ~~الله عز وجل، قاله قتادة. # ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن PageV10P6268 # زيد. # وقال مجاهد أيضا: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم. # وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب. # وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار. # وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار. # ثم قال تعالى: {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار}، أي: لمن الذين صفوا ~~من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا. # والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميت وأموات. # ثم قال تعالى ذكره: {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار}، ~~أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فتأس بهم، وأسلك ~~مناهجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره. # وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان ~~يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله. PageV10P6269 # وقيل: إنه تكفل بأمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ~~ذا الكفل. والكفل في كلام العرب: الحظ والنصيب. # وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتابا بذلك وقيل: لم يكن نبيا ~~وقوله {وكل من الأخيار}، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين. # ثم قال تعالى: {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب}، أي: هذا القرآن ذكر لك يا ~~محمد ولقومك. # وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا ~~لحسن مرجع. # وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ~~ومنقلب. # ثم بين ذلك فقال: {جنات عدن}، ms2201 أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر ~~كعبا: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها ~~النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. # وقال ابن عمر: " جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلف باب، على كل باب PageV10P6270 # خمسة آلاف خيرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ". # وقوله {مفتحة لهم الأبواب}، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فتح سكانها ~~لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل. # قال الحسن: " تكلم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي ". # و" مفتحة ": نعت ل " جنتات "، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم ~~الأبواب منها. # ثم قال تعالى: {متكئين فيها}، أي: في الجنات {يدعون فيها بفاكهة كثيرة ~~وشراب}، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون. # ثم قال تعالى: {وعندهم قاصرات الطرف أتراب}، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ~~ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، ولا يمددن أعينهن إلى PageV10P6271 # سواهم، قاله قتادى وغيره. # وقال السدي: قصرت أطرافهن وقلوبهن وأسمعاهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم. # قال مجاهد: " أتراب: أمثال ". وقال السدي: مستويات. وقيل: معناه: على سن ~~واحد. وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن. ~~روي ذلك (أيضا عن السدي). # وأصله في اللغة، أنهن أقران. # {هذا ذكر} تام عند أبي حاتم على أن يكون " المتقون " عام لا يراد به من PageV10P6272 # تقدم ذكر. # فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء ~~الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر " ~~لأنه جملة واحدة في معنى واحد ". ثم قال: {هذا ما توعدون ليوم الحساب}. # من قرأ بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء. # ومن قرأ بالتاء / جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم ~~هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت. # ثم قال: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد}، أي: إن ما تقدم ذكره لرزق الله ~~عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من ms2202 فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ~~ثمرة عادت مكانتها أخرى. # ثم قال: {هذا وإن للطاغين لشر مآب}، أي: لشر مرجع ومصير منقلب. # ثم بين ذلك ما هو فقال: {جهنم يصلونها فبئس المهاد}، أي: فبيس الفراش ~~الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة. # والوقف على " هذا " حسن، ثم يبتدئ ب: {وإن للطاغين}، على معنى: الأمر PageV10P6273 # هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين. ثم يستأنف خبر الطاغين وما ~~لهم عند الله عز وجل. # ( قوله تعالى ذكره): {هذا فليذوقوه} إلى قوله - {نذير مبين}. # " هذا " مرفوع بالابتداء، و " حميم " الخبر. فلا تقف على هذا إلا على " ~~أزواج ". # ويجوز أن يكون الخبر " فليذوقوه "، فتقف على " فليذوقوه " ويجوز أن يكون ~~(خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على " هذا " إن شئت. ويجوز أن ~~يكون " هذا " في موضع نصب (بإضمار قول يفسره " فليذوقوه "، مثل): زيدا PageV10P6274 # فاضربه على هذا التأويل " فليذوقوه " وترفع " حميم وغساق "، على معنى: هو ~~حميم، أو منه حميم. # والحميم: الذي قد انتهى حره. قاله السدي. # وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه. # قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه. # قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم. # وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في ~~حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد. # وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت PageV10P6275 # أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب. # وقال كعب: " الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذان حمة من حية أو ~~عقرب فتستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن ~~العظام حتى يغلق جدله إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه ". # وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن دلوا من غساق ~~يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا ". PageV10P6276 # وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم. ~~والعرب ms2203 تقول: غسقت عينه، إذا سالت. # فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل. # فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار. ولم يعرف الكسائي ما ~~هو. ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسما. # ثم قال تعالى: {وآخر من شكله أزواج}. # من جمع {وآخر} حمله على لفظ " أزواج ". ومن وحد حمله على " شكله " ولم ~~يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع {وآخر من شكله} ما ذكرنا. PageV10P6277 # وقيل: المعنى: من شكل الغساق. # وقوله: (أزواج) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة. # قال ابن مسعود: هو الزمهرير. # والمعنى: من ضربه ومن نحوه، ومعنى " أزواج ": أنواع وألوان. # ثم قال تعالى: {هذا فوج مقتحم معكم}، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم " في ~~النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة. # والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار ~~حين أتوهم بفوج يدخلونه معهم. # ثم قال: {لا مرحبا بهم}. # هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: " هذا فوج مقتحم ~~معكم " فقالوا: لا مرحبا بهم. فهذا مثل قوله تعالى: {كلما دخلت أمة لعنت ~~أختها} [الأعراف: 38]. # ومعنى: {لا مرحبا بهم}: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار. # ثم قال: {إنهم صالوا النار}. # هذا أيضا من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحبا PageV10P6278 # بهم إنهم وأردوا النار. # وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: " هذا فوج مقتحم معكم ~~إنهم صالو النار ". # ثم قال تعالى: {قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم}، أي: قال الفوج الداخلون على ~~من تقدمهم لما قالوا لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت ~~أماكنكم بكم. # {أنتم قدمتموه لنا}، أي: أنتم أوردتمونا هذا / العذاب بإضلالكم إيانا ~~ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم. # ثم قال تعالى {قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار}، أي: ~~قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب ms2204 ~~لنا النار فزده عذابا ضعفا في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هم فيه. # وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذابا بكفره، وعذابا بدعائه إيانا. # ثم قال تعالى: {وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار}، أي: ~~وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن ~~المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيبا ~~وخبابا) وبلالا PageV10P6279 # وسلمان: قاله مجاهد. # ثم قال تعالى: {أتخذناهم سخريا}. # من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر ~~منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهزء والسخرية. # فالمعنى: أهم في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟ # ومن قرأ بقطع الألف من " اتخذناهم " ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به PageV10P6280 # لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم. # وتكون " أم " عديلة لاستفهام مضمر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم ~~الأبصار. # ويجوز أن تكون معادلة ل " ما " في قوله: " ما لنا "، كما قال تعالى: ~~{مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين} [النمل: 20]، وقال: {ما لكم كيف ~~تحكمون * أم لكم} [القلم: 36 - 37]، فذلك جائز حسن. # وقد وقعت " أم " معادلة ل " من " في الاستفهام، قال الله جل ذكره: # {فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون} [النساء: 109]. # ثم قال تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار}، أي إن هذا الذي أخبرتك به ~~من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار. # ويجوز أن تكون " تخاصم " خبرا ثانيا ل " إن " أو بدلا من " لحق " أو من ~~المضمر في " لحق ". فإن جعلته خبرا ثانيا (أو بدلا " لم تقف على لحق ". وإن PageV10P6281 # جعلته مرفوعا على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على " لحق ". # ثم قال تعالى: {قل إنمآ أنا منذر}، أي: نذير لكم من بين يدي عذاب شديد. # {وما من إله إلا الله الواحد القهار}، أي: وما من معبود ms2205 تجب له العبادة ~~إلا الله الواحد، أي: المتفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقدرته. # {رب السماوات والأرض}: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق. # {العزيز}، أي: المنيع في نقمته. # {الغفار} لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه. # ثم قال تعالى: - {قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون}، أي: قل يا محمد ~~لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: " إن هذا الاختلاق "، نبأ عظيم، أي: خبر ~~عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما ~~فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة. # ثم قال: {ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون}، أي: قل يا محمد ~~للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة ~~إذ اختصموا في آدم إذ شوروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: {أتجعل فيها ~~من يفسد فيها} [البقرة: 30] PageV10P6282 # الآيات، قاله ابن عباس وغيره. # أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به. فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ~~ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل. وهذا كله معنى قوله قتادة ~~والسدي وغيرهما. # وفي الحديث: " يختصمون في الكفارات وفي إسباغ الوضوء في المكاره وانتظار ~~الصلاة بعد الصلاة ". # قال الحسن: " لما صعد بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ليلة الإسراء ~~به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا ~~جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم. ~~فقال النبي عليه اللاسم: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى ~~الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد ~~بعد الصلوات. قال: ثم أوحى PageV10P6283 # الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: " ما كان لي من علم بالملأ ~~الأعلى " الآيتين. # وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قال لي ربي: فيم يختصم الملأ الأعلى / يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، ~~فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا ms2206 رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ~~ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض. فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ ~~قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام غلى ~~الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف ~~الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته ~~أمه ". # وأجاز النحاس أن يكون المعني بالاختصام قريشا لأن منهم من قال: الملائكة ~~بنات الله سبحانه وتعالى. فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ ~~يختصم فيهم قريش. وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما ~~بينهم فيخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ( بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي ~~بذلك). PageV10P6284 # ثم قال: {إن يوحى إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين}، أي: ما يوحى إلي إلا أنما ~~أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و " أنما " اسم ما لم يسم فاعله. # قوله: تعالى ذكره: {إذ قال ربك للملائكة}، إلى آخر السورة - أي ما كان لي ~~من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك للملائكة {إني خالق بشرا من ~~طين}، يعني بذلك خلق آدم صلى الله عليه وسلم. # ثم قال: {فإذا سويته}، أي: سويت خلقه وصورته ونفخت فيه من روحي، قال ~~الضحاك: من روحي: من قدرتي. # والأحسن في هذا وما جانسه أن يقال: إنه تعالى أضاف الروح إلى نفسه لأنه ~~إضافة (خلق إلى خالق). فالروح خلق الله أضافه إلى نفسه، على إضافة الخلق ~~إلى الخالق، كما يقال: {هذا خلق الله} [لقمان: 11] و {أرض الله} [النساء: ~~97] و " سماء الله "، وشبهه كثير في القرآن، فهو كله على هذا المعنى. هذا ~~قول أهل النظر والتحقيق فافهمه. PageV10P6285 # قوله: {فقعوا له ساجدين}، أي: خروا له سجودا. # {فسجد الملائكة كلهم أجمعون}، يعني: ملائكة السماوات والأرض. # {إلا إبليس استكبر}، أي: تعاظم وتكبر عن السجود. # {وكان من الكافرين}، أي: ممن كفر في علم الله السابق، قاله ابن عباس. # ثم قال: {قال ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ms2207 بيدي}، أي: قال الله عز ~~وجل لإبليس: (يا إبليس)، أي: شيء منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي. # قال ابن عمر: خلق الله أربعة بيده: العرش وعدن والقلم وآدم، ثم قال لكل ~~شيء كن فكان. # والذي عليه أهل العلم والمعرفة بالله أن ذكر اليد وأضافتها إلى الله ~~سبحانه ليست على جهة الجارحة، تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء. # وذكر اليد في مثل هذا وغيره صفة من صفات الله لا جارحة. # وقد اختلف في الترجمة عن ذلك: # فقيل: معناه: لما خلقت بقدرتي. PageV10P6286 # وقيل: بقوتي. وقيل: معناه " لما خلقته. # وذكر اليدين تأكيد، والعرب إذا أضافت الفعل إلى الرجل ذكروا اليدين. تقول ~~لمن جنى: هذا ما جنيته، وهذا ما جنته يداك. # وقد قال الله عز وجل: { فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] بمعنى: بما ~~كسبتم. (فيضاف الفعل إلى اليد والمراد صاحب اليد). وإنما خصت اليد بذلك لأن ~~بها يبطش وبها يتناول. فجرى ذلك على عادة العرب. # وقوله: {أستكبرت أم كنت من العالين}، أي: أتعاظمت عن السجود لآدم أم كنت ~~ذا علو وتكبر على ربك سبحانه ومعنى الكلام التوبيخ. # قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وكان خازن الجنان، وكان أمينا PageV10P6287 # على السماء الدنيا والأرض ومن فيها، فأعجبته نفسه ورأى أن له فضلا على ~~الملائكة، ولم يعلم بذلك أحد إلا الله عز وجل يعني: علمه في اسبق علمه قبل ~~خلقه للأشياء، وعلمه متى يكون، وعلمه وقت حدوثه في نفس إبليس. فلما أمر ~~الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم امتنع وتكبر. # ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين}، أي: لم أترك السجود استكبارا عليك، ولكن تركته لأني أفضل منه وأشرف، ~~إذ خلقي من نار وخلقه من طين، والنار تأكل الطين. # وهذا كله تقريع من الله جل ذكره وتوبيخ للمشركين إذ أبوا الانقياد ~~والإذعان لما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم واستكبروا عن أن يكونوا ~~تبعا له، فأعلمهم الله عز وجل قصة إبليس وهلاكه باستكباره وترك ms2208 إذعانه ~~لآدم. # ثم قال تعالى: {قال فاخرج منها فإنك رجيم}، أي: أخرج من الجنة فإنك ~~مرجوم، أي ملعون، وقيل: مرجوم بالكواكب والشعب. # {وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين}، / أي: عليك إبعادي لك وطردي لك من ~~الرحمة ومن الجنة إلى يوم يدان الناس بأعمالهم. # {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون}، أي: قال: إبليس: يا رب أخرني ولا ~~تهلكني PageV10P6288 # إلى يوم بعث خلقك من قبورهم. # قال الله: {فإنك من المنظرين}، أي: من المؤخرين {إلى يوم الوقت المعلوم}، ~~فأخره الله عز وجل إلى وقت هلاكه وهو يوم يموت جميع الخلق ولم يؤخر إلى وقت ~~بعث الخلق كما سأل. فأخره الله سبحانه تهاونا له لأنه لا يضل إلا من تقدم ~~في علم الله ضلاله. # ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين}، أي: قال ~~إبليس: فبقدرتك وسلطانك، لأضلنهم باستدعائي إياهم إلى المعاصي. # {أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين}، أي: إلا عبادك الذين أخلصتهم ~~بعبادتك وطاعتك، فلا سبيل لي إليهم. # ومن كسر اللام، فمعناه: إلا عبادك الذين أخلصوا دينهم لك. # ثم قال تعالى: {قال فالحق والحق أقول}، أي: قال الله: فاتبعوا الحق، (أو: ~~فاستمعوا) الحق. فهو مفعول به. ونصب " والحق أقول " على إعمال " أقول "، ~~أي: وأقول الحق وقيل: نصبه على معنى " أحق الحق. PageV10P6289 # وأجاز الفراء وأبو عبيد أن ينتصب على إعمال " لأملأن "، كأنه قال: لأملأن ~~جهنم حقا. ومنعه غيرهما لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، ولا يجوز عند ~~أحد: زيدا لأضربن. ومن رفع " فالحق " فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: ~~فالحق مني. أو على إضمار مبتدأ، أي: فأنا الحق. ويجوز أن يكون خبره " ~~لأملأن ". # وأجاز الفراء " فالحق " بالخفض على حذف القسم كما تقول: الله لأفعلن، ~~وأجازه سيبويه، وقيل: الفاء بدل من حرف القسم، قال مجاهد: معناه: أنا الحق ~~والحق أقول. # وقال ابن جريج: الحق مني والحق أقول. PageV10P6290 # وقال السدي: " هو قسم أقسم الله به ". # {لأملأن جهنم منك}، أي: من نفسك ومن ذريتك، وممن تبعك من بني آدم كلهم. # ثم قال تعالى: {قل ms2209 مآ أسألكم عليه من أجر}، أي: قل يا محمد لمشركي قومك: ~~ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن ثوابا وجزاء. # {ومآ أنآ من المتكلفين}، أي: ممن يتكلف القول من عند نفسه ويتخرصه. # {إن هو إلا ذكر للعالمين}، أي: ما هذا القرآن الذي جئتكم به من عند الله ~~إلا ذكر من الله يتذكر به جميع الخلق من الجن والإنس. # {ولتعلمن نبأه بعد حين}، أي: ولتعلمن يا قريش وغيرهم من المشركين خبر هذا ~~القرآن وحقيقته وما فيه من الوعد والوعيد يوم القيامة. # قال ابن زيد: نبأه، أي: صدق ما جئتكم به من القرآن والنبوة. # قال قتادة: بعد حين: " بعد الموت ". # قال الحسن:: ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين "، وعن السدي: بعد ~~حين: يوم بدر، قال ابن زيد: بعد حين: " يوم القيامة ". PageV10P6291 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزمر # سورة الزمر مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في وحشي قاتل حمزة إذ ~~المدينة، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يطيق أن ينظر إليه فتوهم أن ~~الله، - عز وجل - لم يقبل إيمانه، الله تعالى فيه: (قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم) إلى آخر الثلاث الآيات. # قوله تعالى: {تنزيل الكتاب من الله} - إلى قوله - {بذات الصدور}. PageV10P6293 # " تنزيل " رفع بالابتداء، والخبر " من الله ". # ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، أي هذا تنزيل الكتاب. # وأجاز الكسائي والفراء نصبه على أنه مفعول به، أي: اقرؤوا تنزيل واتبعوا ~~كتاب الله تنزيل. وعلى الإغراء مثل: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24]، أي ~~الزموا كتاب الله. # والمعنى: الكتاب الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو: من ~~الله العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبيره. # ثم قال تعالى: {إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق}، أي: أنزلنا إليك القرآن ~~بالعدل. # روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: فصل القرآن من الذكر، يعني اللوح ~~المحفوظ. قال: فوضع في بيت العزة في سما الدنيا، فجعل جبريل ينزله على ~~النبي صلى الله عليه وسلم تنزيلا. # قال سفيان: خمس آيات ونحوها، ولذلك قال تعالى: ms2210 PageV10P6294 # {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] (يعني نجوم) القرآن. # قال أبو قلابة: نزل القرآن لأربع وعشرين ليلة من شهر رمضان، والتوراة / ~~لست، والإنجيل لاثنتي عشرة. # ثم قال: {فاعبد الله مخلصا له الدين} أي: فاخشع لله بالطاعة وأخلص له ~~العبادة ولا ترائي بها غير الله. # روي أنه يؤتى بالرجل يوم اليامة للحساب وفي صحيفته أمثال الجبال من ~~الحسنات، فيقول رب العزة تبارك وتعالى: أصليت يوم كذا وكذا ليقال: صلى ~~فلان! أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص. # أتصدقت يوم كذا وكذا ليقال تصدق فلان! أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين ~~الخالص. فما يزال يمحو بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء فيقول ملكاه: PageV10P6295 # يا فلان: الغير الله كنت تعمل؟. # قال السدي: الدين هنا التوحيد. # وروى أبو هريرة " أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أتصدق بالشيء، وأصنع ~~الشيء الذي أريد به وجه الله وثناء الناس (!) فقال النبي: " والذي نفسي ~~بيده، لا يقبل الله تعالى شيئا شورك فيه، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: { ألا لله الدين الخالص} ". # قال قتادة: إلا لله الدين الخالص: شهادة إلا إله إلا الله. # ثم قال: {والذين اتخذوا من دونه أوليآء}، أي: من دون الله آلهة يتولونهم ~~ويعبدونهم من دون الله يقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى} أي: ~~قربة شفاعتهم لنا. # وفي قراءة أبي: " ما نعبدكم ". وفي قراءة ابن مسعود: " قالوا ما نعبدهم ~~". PageV10P6296 # قال مجاهد: قريش تقوله للأوثان. قال قتادة: قالت قريش: ما نعبدهم إلا ~~ليشفعوا لنا عند الله، وهو قول ابن زيد. # ثم قال: {إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون}، أي: يفصل بينهم فيما ~~اختلفوا فيه من عبادة الأوثان. # ثم قال: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار}، أي: لا يهدي إلى الحق من هو ~~مفتر على الله الكذب كافر لنعمته. # ثم قال: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا}، أي لو أراد الله اتخاذ ولد - ولا ~~ينبغي له ذلك - لاختار من خلقه ما يشاء. ms2211 # {سبحانه}، أي: تنزيها له أن يكون له ولد. # {هو الله الواحد}، أي: المنفرد بالألوهية، لا شريك له في ملكه. {القهار} ~~لخلقه بقدرته. # ثم قال تعالى: {خلق السماوات والأرض بالحق}، أي ابتدع ذلك بالعدل. # {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} قال ابن عباس: يحمل هذا ~~على هذا (وهذا على هذا). # وقال قتادة: يغشي هذا على هذا. PageV10P6297 # وقال السدي: يذهب هذا بهذا وهذا بهذا، هو قول ابن زيد. # وقال أبو عبيدة: هو مثل: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} ~~[الحج: 61]. # وأصل التكوير في اللغة: اللف والجمع. # ثم قال تعالى ذكره: {وسخر الشمس والقمر}، أي: سخر ذلك لعباده ليعلموا عدد ~~السنين والحساب، ويتصرفوا في النهار لمعايشهم ومصالح أمورهم، ويسكنون في ~~الليل. # ثم قال: {كل يجري لأجل مسمى} إلى قيام الساعة فتكور الشمس وتنكدر النجوم. # وقيل: المعنى: إن لكل واحد منازل لا يعدوها في جريه ولا يقصر دونها. # ثم قال تعالى: {ألا هو العزيز الغفار}: أي: ألا إن الله الذي فعل هذه ~~الأفعال وأنعم على خلقه بهذه النعم هو العزيز في انتقامه مما عاداه، الغفار ~~لذنوب التائبين من عباده. # ثم قال تعالى: {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها}، أي: من آدم عليه ~~السلام وخلق حواء من ضلعه. PageV10P6298 # وإنما ذكر الخلق قبل حواء وهي قبلهم في الخلق، لأن العرب ربما أخبرت عن ~~رجل بفعلين. فترد الأول منهما على المعنى " بثم " إذا كان من خبر المتكلم ~~يقال: قد بلني ما كان منك اليوم ثم بما كان منك أمس أعجب. # وقيل معناه: " ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جل ذكره لما ~~خلق آدم مسح ظهره وأخرج كل نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة ثم أسكنه بعد ذلك ~~الجنة، (فخلق بعد ذلك) حواء من ضلع من أضلاعه ". # وقيل المعنى: خلقكم من نفس وحدها ثم جعل منها زوجها. ثم قال PageV10P6299 # تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} وهي المفسرة في سورة ~~الأنعام: الإبل والضأن والمعز والبقر كل زوجين ذكر ms2212 وأنثى. # وإنما أخبر عنها بالنزول، لأنها إنما نشأت وتكونت بالنبات، والنبات إنما ~~نشأ وتكون بالمطر، فالمطر هو المنزل، فأخبر عما اندرج وتكون منه بالإنزال. ~~وهذا من التدريج وله نظائر كثيرة، ومنه قوله: {يابنيءادم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا} # [الأعراف: 26] فاللباس لم ينزل لكنه تكون عما نبت بالمطر الذي هو منزل، ~~فسمي ما تكون عن المطر: منزل. # ثم قال {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق}، / أي: يبتدئ خلقكم في ~~بطون أمهاتكم نطفه ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، ثم يكسو العظام لحما ثم ينشئه ~~خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، هذا قول جماعة المفسرين إى ابن زيد ~~فإنه قال: معناه: يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد الخلق الأول في ~~الأصلاب. # وقوله: {في ظلمات ثلاث}، يعني به ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة PageV10P6300 # المشيمة، هذا قول جميع المفسرين إلا أبا عبيدة فإنه قال: هي ظلمة الصلب ~~ثم ظلمة الرحم ثم ظلمة البطن. # ثم قال: {ذلكم الله ربكم} ذا: إشارة إلى اسم الله جل ذكره، والكاف والميم ~~للمخاطبة. # والمعنى: الذي فعل هذه الأشياء الله ربكم لا الأوثان التي تعبدونها لا ~~تضر ولا تنفع. # {له الملك لا إله إلا هو}، أي: لا ينبغي أن يكون معبودا سواه، له ملك كل ~~شيء. # {فأنى تصرفون}، أي: كيف تصرف عقولكم عن هذا ومن أين تعدلون عن الحق بعد ~~هذا البيان. # ثم قال تعالى: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم}. # قال ابن عباس: هو خاص (عنى به الكفار الذين) لم يرد الله أن PageV10P6301 # يطهر قلوبهم. # وقوله: {ولا يرضى لعباده الكفر}، أي: لعباده الذين أخلصهم لطاعته وحبب ~~إليهم الإيمان. # وقيل: هو عام للجميع وهو الاختيار، إذ ليس يرضى الله الكفر لأحد من خلقه. # فإن جعلت " يرضى " بمعنى: يريد حسن القول الأول، وفيه نظر. # ثم قال تعالى: {وإن تشكروا يرضه لكم}، أي: إن تطيعوه يرضه لكم. # ثم قال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}، أي: لا يحمل أحد ذنبا عن أحب، ولا ~~يؤخذ أحد بذنب أحد. # ثم قال تعالى {ثم ms2213 إلى ربكم مرجعكم}، أي: مصيركم إليه في الآخرة فيخبركم ~~بما كنتم تعلمون في الدنيا من خير وشر فيجازيكم عليه، ولا يخفي عليه من ~~أمركم شيء. # {إنه عليم بذات الصدور}، أي: عليم بما أضمرتم في الصدور وغير ذلك مما ظهر ~~وبطن، فلا يخفى عليه شيء من أعمالكم بل يجازيكم بها: المحسن بالإحسان، ~~والمسيء بما يستحقه ويجب عليه. # قوله تعالى: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه} - إلى قوله - {عذاب يوم عظيم}. PageV10P6302 # أي: إذا مس الإنسان ضر في بدنه أو شدة أو ضيق استغاث بربه الذي خلقه في ~~كشف ما نزل به، تائبا إليه مما كان عليه قبل ذلك من الكفر والشرك. قال ~~قتادة: منيبا إليه: مخلصا. # وقوله {ثم إذا خوله نعمة منه}، أي: أعطاه عافية وفرجا مما نزل به. # يقال لمن أعطي غيره عطية: قد خوله كذا وكذا. # وقوله: {نسي ما كان يدعوا إليه من قبل}، أي: ترك دعاءه الذي كان يدعو إلى ~~الله من قبل أن يكشف ما كان به، و " ما " والفعل مصدر، والمعنى: ترك كون ~~الدعاء منه إلى الله عز وجل. ومن جعلها بمعنى " الذي " جعل " ما " لمن يعقل ~~فيكون لله سبحانه. # والمعنى: ترك ما كان يدعو الله من قبل كشف الضر عنه. # ثم قال تعالى: {وجعل لله أندادا}، أي: شركاء. قال السدي: هذا كله في ~~الكافر خاصة. PageV10P6303 # قال السدي: الأنداد هنا من الرجال يطيعونهم في معاصي الله جل ذكره. وقيل: ~~الأنداد: الأوثان. # ثم قال: {ليضل عن سبيله} من ضم الياء، فمعناه: فعل ذلك ليزيل الناس عن ~~توحيد الله سبحانه والإقرار به والدخول في دينه، ومن فتح الياء، فمعناه: ~~ليضل في نفسه عن دين الله سبحانه. # والتقدير: إنه لما كان أمره لعبادة الأوثان يؤول إلى الضلال كان كأنه ~~إنما فعل ذلك ليصير ضالا. وقد تقدم شرح هذا بأبين من هذا. # ثم قال تعالى: {قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار}، أي: قل يا محمد ~~لهذا الكافر (لنعم الله) تمتع بكفرك إلى أن تستوفي أجلك إنك في الآخرة ما ms2214 ~~الماكثين في النار. # وهذا لفظ معناه التهدد والوعيد، مثل قوله: (فمن شاء فليؤمن PageV10P6304 # ومن شآء فليكفر) [الكهف: 29]. # ثم قال: {أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما} من خفف " من " جعله نداء ~~أو رفعه بالإبتداء، ويكون الخبر محذوفا. والتقدير: أهذا أفضل (أومن) جعل ~~لله أندادا. # ومن شدد ف " من " في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف على ما قدمنا في ~~التخفيف. # وقيل: التقدير: أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت لأنه ذكر من جعل لله ~~أندادا ليضل عن سبيله. # ثم قال: {أمن هو قانت}، أي: أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت؟ ودل على PageV10P6305 # ذلك قوله: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]. # وقيل: " أم " بمعنى / الألف، كأنه قال: أمن هو قانت، ويكون الجواب مضمرا ~~بعده كأنه قال: أم من هو قانت كمن مضت صفته من الكفار. قال ابن عباس: ~~القنوت هنا: قراءة القرآن. # وآناء الليل: ساعاته، واحدة، أني كمعي وفيه وجوه قد تقدم ذكرها. # وقيل القنوت: الطاعة، وهو أصله. # وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل قنوت في القرآن فهو ~~طاعة لله عز وجل ". PageV10P6306 # وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: " أي الصلاة أفضل؟ قال: طول ~~القنوت. فتأوله جماعة من أهل العلم أنه طول القيام ". # وسئل ابن عمر عن القنوت، فقال:: " ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة ~~القرآن. # وقال مجاهد: من القنوت: طول الركوع، وغض الطرف. # ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # وعن ابن عمر: إنها نزلت في عثمان رضي الله عنه. # وكانوا يستحبون حسن الملبس في الصلاة. PageV10P6307 # روى نافع أن ابن عمر قال له: قم فصل. قال نافع: فقمت أصلي - وكان علي ثوب ~~خلق - فدعاني ابن عمر فقال لي: أرأيتك لو وجهتك في حاجة وراء الجدار، أكنت ~~تمضي هكذا؟! قال: فقلت: كنت أتزين! قال: فالله جل وعز أجل أن يتزين له!!. # قوله: {ساجدا وقآئما}، أي: يقنت ساجدا أحيانا وقائما أحيانا {يحذر ~~الآخرة}. # أي: عذاب الآخرة. # {ويرجوا ms2215 رحمة ربه}، أي: يرجو أن يرحمه ربه فيدخله الجنة. # ثم قال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}. أي: قل يا ~~محمد لقومك: هل يستوي الذي يعلمون ما لهم في طاعة الله عز وجل من الثواب ~~وما عليهم في معصيته من العقاب، والذين لا يعلمون ذلك. # يعني: من يؤمن بالبعث والحساب والجزاء والذين لا يؤمنون بذلك. فالمعنى: ~~لا يستوي المطيع والعاصي. # وقيل: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم، والذين لا يعلمون هو من لا ~~ينفع بعلمه، ومن لا علم عنده. # ثم قال: {إنما يتذكر أولوا الألباب}، أي: إنما يعتبر حجج الله عز وجل ~~فيتعظ بها PageV10P6308 # ويتدبرها أصحاب العقول والبصائر. # ويقف القارئ على " رحمة ربه " إن شدد الميم، لأن الخبر المحذف مقدر قبل " ~~قل هل ". # ومن خفف وجعل " من " مرفوعة بالابتداء وقف أيضا على " ربه " ويقدر الخبر ~~أيضا محذوفا قبل " قل هل ". # ومن جعله نداء لم يقف على " ربه "، لأن " قل هل " متصل بالمنادي. # والمعنى: يا من قانت قل هل، فإن قدرت محذوفا تتم به فائدة النداء، وقفت ~~على " ربه ". # والتقدير: " يا من هو قانت أبشر، ثم تبتدئ قل هل ". # ثم قال تعالى: {قل ياعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم}. # روى الشموني عن الأعمش عن أبي بكر: " يا عبادي " بياء مفتوحة. PageV10P6309 # والمعنى: قل يا محمد لعبادي المؤمنين: يا عباد الذين آمنوا، أي: صدقوا ~~بالله ورسوله. # {اتقوا ربكم}، أي: اتقوه بطاعته واجتناب معاصيه. # ويروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب (الطيار في الجنة) وأصحابه ~~من المؤمنين لما قيل لهم: {وأرض الله واسعة}، خرجوا مهاجرين من مكة إلى أرض ~~الحبشة، وقيل لهم: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، يعني: الصابرين ~~على دينهم يفرون به من بلد إلى بلد. # ثم قال: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة}، أي: للذين أطاعوا الله في ~~الدنيا، حسنة في الدنيا وهي العافية والصحة، قاله السدي. # وقيل: الحسنة التي لهم في الدنيا: موالاة الله إياهم وثناؤه عليهم. # وقيل: المعنى: للذين أطاعوا الله فيالدنيا حسنة في ms2216 الآخرة، وهي الجنة. # وقوله: {وأرض الله واسعة}، يعني: أرض الجنة. PageV10P6310 # وقيل: المعنى: أرض الدنيا واسعة، فهاجروا من أرض الشرك إلى أرض السلام. # قال مجاهد في قوله تعالى: {إن أرضي واسعة} [العنكبوت: 56] أي: أرض الدنيا ~~واسعة فهاجروا واعتزلوا الأوثان. # وقيل: المعنى: أرض الجنة واسعة لمن طلبها وعمل لها. # ثم قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، أي: إنما يعطي الله ~~أهل الصبر على طاعته أجرهم في الآخرة بغير حساب. # قال قتادة: ما هناكم مكيال ولا ميزان، وقال السدي: ذلك في الجنة. # قال مالك، " هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها، وقد بلغني أن الصبر من ~~/ الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ". # " وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت {مثل الذين ينفقون أموالهم PageV10P6311 # في سبيل الله كمثل حبة} الآية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: رب زد ~~أمتي. فنزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له} فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: يا رب زد أمتي، فنزلت: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب} ". # وقيل: " بغير حساب ": بغير تقدير. # وقيل: المعنى، يزاد في أجره بغير مطالبة على ما أعطي كما يطالب بالشكر ~~على نعيم الدنيا. # ويقال: (فلان صابر): إذا صبر عن المعاصي، فإن أردت أنه صابر على المصيبة، ~~قلت: صابر على كذا. # ثم قال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين}، أي قل يا محمد ~~لقومك: إن الله أمرني أن أخلص له العبادة والطاعة، ولا نشرك في عبادته أحدا ~~من أوثانكم وآلهتكم ولا من غيرها. # {وأمرت لأن أكون أول المسلمين}، أي: وأمرني الله لأن أكون أول من أسلم PageV10P6312 # منكم، وأخضع له بالتوحيد، وأخلص له العبادة. # واللام في " لأن " تدل على محذوف تقديره: وأمرت بذلك لأن أكون أول من ~~أسلم. # ثم قال تعالى: {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}، يعني: يوم ~~القيامة - أي، إن عصيته فيما أمرني به عذبني. # قوله تعالى ذكره: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} - إلى قوله - {لأولي ~~الألباب}، أي: قل يا ms2217 محمد لقومك: أعبد الله مخلصا له عبادتي لا أشرك في ~~عبادتي له، بل أفرده بالعبادة من الأنداد والشركاء. # ثم قال: {فاعبدوا ما شئتم من دونه}، هذا تهدد أيضا ووعيد. # والمعنى: اعبدوا ما أحببتم ستعلمون وبال عاقبة عبادتكم إذا لقيتم ربكم ~~وهذا كله قبل أن يؤمر بالقتال. # ثم قال تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة}، ~~(أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الخاسرين في الحقيقة هم الذين خسروا) ~~أنفسهم PageV10P6313 # بإيرادهم إياها في العذاب الجائم، وخسروا أهليهم، فليس لهم أهل. # قال ابن عباس: هم الكفار، خلقهم الله للنار وخلق النار لهم، فخسروا ~~الدنيا والآخرة. # وعن ابن عباس أنه قال: ليس من أحد إلا وقد خلق الله له زوجه في الجنة، ~~فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله، وكذلك قال قتادة. # ثم قال تعالى ذكره: {لقيامة ألا ذلك هو الخسران المبين}، أي: ألا إن ~~خسارة هؤلاء المشركين (لأنفسهم وأهلهم) يوم القيامة، هو الخسران الظاهر. # ثم قال تعالى: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} أي: لهؤلاء في ~~جهنم ما يعلوهم مثل الطفل، وما يسفل عنهم مثل الظل، وهو مثل قوله: {لهم من ~~جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} [الأعراف: 41]. # وقيل: هو توسع، أصل الظلة: ما كان من فوق دون ما كان من أسفل. PageV10P6314 # وقيل: إنما سمى ما تحتهم: ظلل لأنها ظلل لمن تحتها ففوقهم ظلل لهم، وهي ~~ظلل لمن فوقهم أيضا سمين لمن هو فوقهم ظلل لأنها ظلل لمن تحتهم. # وقيل: إنما سمي الأسفل باسم الأعلى، على نحو قوله: {وجزآء سيئة سيئة ~~مثلها} [الشورى: 40] سمي المجازي به باسم الأول، كذلك سمى الأسفل باسم ~~الأعلى على طريق المجازاة لما كان الأسفل نارا مثل الأعلى سمي باسمه لأنه ~~كله نار يحادي الأخرى. # ثم قال: {ذلك يخوف الله به عباده}، أي: هذا الذي أخبرتم به أيها الناس ~~يخوف الله به عباده ويحذرهم به. # {ياعباد فاتقون}. # روى عصمة أن أبا عمرو أثبت الياء في " يا عبادي " ساكنة، وروى PageV10P6315 # عياش بفتح الياء. # والمعنى: يا ms2218 عباد فاتقون بأداء الفرائض واجتناب المحارم. # ثم قال تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها}، أي: والذين اجتنبوا ~~عبادة الطاغوت وهو كل ما يعبد من دون الله. # وقيل: هو إبليس اللعين. # قال الأخفش: " الطاغوت جمع. ويجوز أن يكون واحدة مؤنثة وقال الزجاج: ~~الطاغوت: الشياطين. # ويروى أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف PageV10P6316 # وسعد وسعيد وطلحة والزبير رضي الله عنهم لما آمن أبو بكر بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وصدقه أتاه هؤلاء فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا وصدقوا، فنزل ~~فيهم: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} الآية. # / ونزل فيهم: # {فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}. # قال مالك: الطاغوت: (ما يعبد) من دون الله. PageV10P6317 # ثم قال تعالى: {وأنابوا إلى الله}، أي: تابوا ورجعوا عن معاصيه وأجابوا ~~داعيه. # لهم البشرى: قال السدي: لهم البشرى ف الدنيا بالجنة في الآخرة. # ثم قال تعالى: {فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}. # روى أبو عبد الرحمن وأبو حمدون عن اليزيدي " عبادي " بياء مفتوحة في ~~الوصل، وبغير ياء في الوقف اتباعا للخط، وحكى ذلك أيضا ابن واصل عن ~~اليزيدي، (وكذلك حكى إبراهيم بن اليزيدي (وابن PageV10P6318 # سعدان) كلاهما عن اليزيدي). # ولم يذكر ابن سعدان الوقف ولا إبراهيم. # وأنكر أبو عبد الرحمن الوقف بغير ياء، وقال: لا بد من الوقف بالياء ~~لتحركها. # وقد روى الشموني عن الأعمش عن أبي بكر " عبادي " بياء مفتوحة. # ومعنى الآية: فبشر يا محمد عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أرشده ~~وأهداه إلى الحق وأدله على توحيد الله عز وجل والعمل بطاعته. # وقال السدي: معناه: فيتبعون أحسن ما يؤمرون به فيعلمون به. # وقال الضحاك: القول هنا: القرآن. PageV10P6319 # ومعنى: {فيتبعون أحسنه}، أي: يتبعون ما أمر الله به الأنبياء من طاعته ~~فيعملون به أي: يستمعون العفو عن الظالم والعقوبة، فيتبعون العفو ويتركون ~~العقوبة وإن كانت لهم. وإنما نزل ذلك فيما وقع في القرآن في الإباحة ~~فيفعلون الأفضل مما أبيح لهم فيختارون العفو على القصاص والصبر على ~~الانتقام اقتداء بقوله تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك ms2219 لمن عزم الأمور} ~~[الشورى: 43]. # وقيل: المعنى: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. # ثم قال: {أولئك الذين هداهم الله}، أي: وفقهم الله للرشاد وإصابة الحق ~~{ائك هم أولوا الألباب}، أي: العقول. ولب كل شيء: خالصه. # وروي أن هذه الآية نزلت في رهط معروفين وحدوا الله وتبروا من عبادة كل ما ~~دون الله قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم فيما روى زيد بن أسلم: ~~زيد بن عمرو بن PageV10P6320 # نفيل وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله ~~إلا الله. # فيكون المعنى: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم وأنابوا ~~إلى الله سبحانه، أي: رجعوا إلى توحيد الله عز وجل. # وقوله: {فيتبعون أحسنه}، هو: لا إله إلا الله. # {أولئك الذين هداهم الله}، أي: أرشدهم بغير كتاب ولا نبي. # وقوله: {فبشر عباد} تمام عند أبي حاتم وغيره، لأنه رأس آية. # ورفع " الذين " بإضمار رافع، أو بنصبهم على إضمار ناصب. # ثم قال تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} أي: ~~أفأنت PageV10P6321 # تنقذه. # ودخلت الألف في الخبر للتأكيد. # وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب يتخلص أو ينجو، ~~أي: أفمن سبق في علم الله أنه يدخل النار ينجوا أو يتخلص. # قال قتادة معناه: أفمن حق عليه كلمة العذاب بكفره أفأنت يا محمد تنقذه من ~~العذاب. # وقيل: هو جواب لقصة محذوفة، كان النبي صلى الله عليه وسلم، دعا لقوم من ~~الكفار أن يرزقوا الإيمان. فقيل له: أفتدعو لمن حق عليه العذاب، أفأنت تنقذ ~~من في النار. # ثم قال: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف}، أي: اتقوه بأداء ~~فرائضه واجتناب محارمه لهم في الجنة غرف {فوقها غرف}. # قال الزجاج: معناه: لهم في الجنة منازل رفيعة فوقها منازل أرفع منها. # {تجري من تحتها الأنهار}، أي: من تحت أشجارها. # ثم قال تعالى: {وعد الله لا يخلف الله الميعاد}، أي: وعد الله ذلك وعدا. # وسيبوية يسميه مصدرا مؤكدا بمنزلة: صنع الله وكتاب الله. PageV10P6322 # وأجاز أبو حاتم الوقف ms2220 على " الأنهار " وهو غير جائز على مذهب سيبويه لأن ~~ما قبل " وعد " يعمل فيه لقيامه مقام العامل. # ثم قال تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ينابيع في ~~الأرض}، أي: أنزل من السماء مطرا فأجراه عيونا. # قال الحسن: هو العيون، وقال الشعبي: كل عين في الأرض من السماء نزل ~~ماؤها. # وقيل، المعنى: أنزل من السماء مطرا فأدخله في الأرض فجعله البنابيع، أي: ~~عيونا. # والمعنى / كالأول سواء، وواحد الينابيع ينبوع. # ثم قال {ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه}، أي: يخرج بالماء أنواعا من ~~الزرع من بين شعير وحنطة وسمسم وأرز ونحو ذلك من الأنواع، هذا قول الطبري ~~واختياره. # وقال غيره: معنى مختلفا ألوانه: أخضر وأسود وأصفر وأبيض. PageV10P6323 # وقوله: {ثم يهيج}، أي: يجف عند تمامه. # قال الأصمعي: يقال للنبات إذ تم، قد هاج يهيج هيجا. # وحكى المبرد عنه: هاجت الأرض تهيج إذا إدبر نبتها وولى. # وقوله: {فتراه مصفرا}، أي: قد يبس فصار أصفر بعد خضرته ورطوبته .. # {ثم يجعله حطاما}، أي: فتاتا، يعني: تبن الزرع والحشيش. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب}، أي: إن في فعل ذلك ~~والقدرة عليه لتذكرة وموعظة لأصحاب العقول فيعلمون أن من قدر على ذلك لا ~~يتعذر عليه ما شاء من إحياء الموتى وغير ذلك. # قوله تعالى ذكره: {أفمن شرح الله صدره للإسلام} - إلى قوله - {لعلهم ~~يتقون}. # في هذه الآية حذف واختصار لدلالة الكلام عليه على مذاهب العرب. # والتقدير: أفمن شرح الله صدره فاهتدى، كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته. ~~ثم بين ذلك بقوله: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله}، أي: عن ذكر الله عز ~~وجل فلا يثبت ذكر الله سبحانه فيها. # وقيل: الجواب والخبر: {أولئك في ضلال مبين}. # وقوله: {فهو على نور من ربه} معناه: على بصيرة ويقين من توحيد ربه. PageV10P6324 # ويروى أن قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} نزلت في ~~حمزة وعلي رضي الله عنه. # وقوله: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} نزلت في أبي ms2221 لهب وولده قال ~~قتادة: {فهو على نور من ربه}، يعني به: كتاب الله عز وجل، المؤمن به يأخذ ~~وإليه ينتهي. # " وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالو له: " أو ينشرح القلب "!؟ # قال: نعم. إذا أدخل الله فيه النور انشرح وانفسح. # قالوا: فهل لذلك مشن علامة تعرف؟ # قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد ~~للموت قبل الموت ". # قال المبرد، يقال: (قسا وعتا) إذا صلب، وقلب قاس لا يلين ولا يرق. # فالمعنى: فويل للذين جفت قلوبهم عن قبول ذكر الله عز وجل وهو القرآن فلم PageV10P6325 # يؤمنوا به ولا صدقوه. # قال الطبري: " من " هنا، بمعنى: " عن "، أي: عن ذكر الله. # فيكون المعنى: غلظت قلوبهم وصلبت عن قبول ذكر الله. # وقيل: " من " على بابها. # والمعنى: كلما تلي عليهم من ذكر الله قست قلوبهم. # ثم بين حالهم فقال: {أولئك في ضلال مبين}، أي: في ضلال عن الحق ظاهر. # ومن جعل جواب: {أفمن شرح} محذوفا وقف على {نور من ربه}. # ومن جعل الجواب: {أولئك في ضلال} لم يقف عليه. # ثم قال: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني}، أي: يشبه بعضه بعضا ~~لا اختلاف فيه ولا تضاد، هذا قول قتادة والسدي. # وقال ابن جبير: يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا ويدل بعضه على بعض. PageV10P6326 # وقوله: {مثاني} معناه: ثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام والحجج. # وقال الحسن وعكرمة: " ثنى الله عز وجل فيه القضاء ". # وقال قتادة: ثنى الله فيه ذكر الفرائض والقضاء والحدود. # وقال ابن عباس: ثنى الله عز وجل ( الأمر فيه) مرارا. # وقيل: مثاني: ثنى فيه ذكر العقاب والثواب والقصص. # وقيل: المثاني، كل سورة فيها أقل من مائة آية أي: ثنى في الصلاة. # ثم قال تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم}، أي: تقشعر من سماعه ~~إذا تلي وذكر فيه العذاب والعقاب خوفا وحذرا. # وقوله: {ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}، أي: إلى العمل بما ~~في كتاب الله عز وجل والتصديق به. # وقيل: تلين إلى ذكر الثواب والرحمة والمغفرة، ms2222 وتقشعر إلى ذكر (العقاب ~~والعذاب). PageV10P6327 # روى ابن عباس أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، لو ~~حدثتنا. فنزلت: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} الآية. # ثم قال تعالى: {ذلك هدى الله}، أي: ما يصيب هؤلاء القوم من اقشعرار ~~جلودهم عند سماع العقاب ولينها عند سماع الثواي هو هدى الله / وفقهم لذلك. # {يهدي به من يشآء}، أي: يهدي بالقرآن من يشاء. # وقيل: ذلك هدى الله إشارة إلى القرآن، فيكون المعنى: ذلك القرآن بيان ~~الله يوفق به من يشاء. # ثم قال تعالى: {ومن يضلل الله فما له من هاد}، أي: من يخذل الله عن ~~التوفيق فما له من موفق. # وقوله: (مثاني) وقف إن قطعت " تقشعر " مما قبله. # وإن جعلته نعتا " للكتاب " لم يجز الوقف على " مثاني ". # ثم قال تعالى: {أفمن يتقي بوجهه سواء العذاب يوم القيامة} " من " بمعنى " ~~الذي مرفوعة بالابتداء والخبر محذوف. # والتقدير عند الأخفش: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل، أم من يتقيه. PageV10P6328 # وقيل: التقدير: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب خير أم من ينعم في الجنان. # وقيل: التقدير: كمن يدخل الجنة، وقيل: التقدير: كمن هداه الله فأدخله ~~الجنة، وقيل: التقدير: كمن لا يصيبه العذاب. # وهذه المعاني كلها قريب بعضها من بعض وإن اختلفت الألفاظ. # (وقيل معنى) الآية: أفمن يرمي به مكبوبا على وجهه في جهنم. # قال مجاهد: " يجر على وجهه النار ". # وقيل: المعنى: إنه ينطلق به إلى النار مكتوفا ثم يرمي به فيها. فأول ما ~~تمس النار وجهه، روى ذلك عن ابن عباس. # وقيل: يرمي بالكافر في النار مغلولا فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه. # وقيل: الإتقاء في هذا بمعنى الاستقبال كرها. PageV10P6329 # وخص الوجه لأنه أعز ما في الإنسان على الإنسان وفيه الحواس الخمس. # تقول العرب: اتقيت فلانا بحقه، أي: استقبلته به. # وقد كان الإنسان في الدنيا يتقي عن وجهه السوء بجميع جوارحه لشرفع وعزته ~~عليه. فأعلمنا الله عز وجل أن الوجه هو أعز الجوارح به يتقي الكافر سوء ~~العذاب يوم القيامة، فما ظنك بجميع ms2223 الجوارح التي هي دون الوجه، أعاذنا الله ~~من ذلك ونجانا منه. # ثم قال تعالى: {وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون}، أي: وقيل للظالمين ~~أنفسهم ذوفوا عذاب عقاب كسبكم في الدنيا معاصي الله سبحانه. وهذا فعل ماض ~~عطف، وليس قبله ما يعطف عليه، لكنه محمول على المعنى والحكاية. والتقدير: ~~ويقال ذلك يوم القيامة. # ثم قال: {كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: كذبت ~~الأمم رسلهم من قبل هؤلاء المشركين فجاءهم عذاب الله من حيث لا يعلمون ~~بمجيئه. # {فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا}، أي: عجل لهم الهوان والعذاب في ~~الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله إياهم في الآخرة أكبر من العذاب الذي نالهم ~~في الدنيا لو كانوا يعلمون ذلك. # والخزي، أصله: المكروه، وهو أشد الهوان وأبلغه. # قال المبرد: " يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته، PageV10P6330 # أي: وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما ". # ثم قال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}، أي: ولقد ~~مثلنا للناس، يعني: المشركين في هذا القرآن من كل مثل من مثال القرون ~~الخالية تخويفا وتحذيرا {لعلهم يتذكرون} فيرجعون عما هم عليه من الكفر ~~والشرك. # ثم قال: {قرآنا عربيا غير ذي عوج}. # نصب " قرآنا " عند الأخفش على الحال. # وقال علي بن سليمان: " عربيا " هو الحال، " وقرءانا " توطئة للحال (كما ~~تقول مررت بزيد رجلا صالحا، " فصالح " هو المنصوب على الحال ورجلا توطئة ~~للحال). PageV10P6331 # قال الزجاج: " عربيا ". منصوب على الحال، " وقرآنا " توكيد. # وقوله: {غير ذي عوج}. قال مجاهد: معناه، " غير ذي لبس " # وقال الضحاك غير مختلف. # وقال ابن عباس: غير مخلوق. # ثم قال: {لعلهم يتقون} أي: يتقون ما حذرهم الله عز وجل من بأسه وعذابه. # قوله (تعالى ذكره): {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء} - إلى قوله - {بأحسن ~~الذي كانوا يعملون}. # هذا مثل للمؤمن والكافر، فالكافر يعبد أربابا كثيرة مختلفين من الشياطين ~~والأصنام. فهو بينهم مقسم وجميعهم مشتركون فيه. # والمؤمن يعبد الله وحده لا شرك لأحد فيه، قد تسلم له ms2224 عبادته فهو سالم من ~~الإشراك. PageV10P6332 # قال الفراء: متشاكسون: مختلفون: هذا معنى قول قتادة وهو قول ابن عباس، ~~وقال مجاهد والضحاك هو مثل للحق والباطل، والشركاء: الأوثان. # قال الزجاج: ضرب هذا المثل لمن وحد الله عز وجل ( ولم يجعل معه شريكا). # فالذي وحد الله / مثله مثل السالم لرجل لا يشركه فيه غيره. # ومثل الذي عبد غير الله مثل صاحب الشركاء المتشاكسين، أي: المختلفون ~~العسرون. # وحكى المبرد: متشاكسون: متعاسرون، من شكس يشكس وهو شكس، مثل عسر يعسر فهو ~~عسر. يقال: رجل شكس أي: عسير لا يرضى بالإنصاف. # وقوله: {هل يستويان مثلا}، أي: هل يستوي من يخدم جماعة هم فيه شركاء قد ~~اختلفت مراداتهم فيلقى من (التعب والنصب ما لا قوام) له به من غير أن يبلغ PageV10P6333 # ضى الجميع، أو الذي يخدم واحدا لا ينازعه فيه منازع، إذا أطاع عرف موضع ~~طاعته فأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه. # فالمعنى: أي هذين أحسن حالا وأروح جسما. # قال ابن عباس: هل يستويان مثلا، أي: هل يستوي من اختلف فيه ومن لم يختلف ~~فيه. # ثم قال {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون}، أي: الشكر لله كله والحمد كله ~~له دون من سواه، بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الفرق بين من فيه أرباب ~~مشتركون ومن ليس له إلا رب واحد. فلجهلهم يعبدون آلهة شتى. # ومعنى: ضرب الله مثلا " (مثل الله مثلا). # وقال " مثلا " ولم يقل " مثلين " لأنهما كليهما ضربا مثلا واحدا فجرى ~~المثل فيهما بالتوحيد لذلك كما قال تعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} ~~[المؤمنون: 50]. # ولم يقل آيتين إذ كان معناهما واحدا في الآية. PageV10P6334 # ثم قال: {إنك ميت وإنهم ميتون}، أي: إنك يا محمد ستموت عن قليل، وإن ~~هؤلاء المكذبين من قومك والمؤمنين منهم سيموتون. # {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}، (قال ابن عباس يخاصم الصادق ~~الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال). # وقال ابن زيد وابن جبير: يختصم أهل الإسلام وأهل الكفر. # وقال ابن عباس: بلغ من الخصومة يوم القيامة حتى إن الروح ليخاصم الجسد. ms2225 ~~فيقول الروح: رب، هذا الذي عمل العمل فخلد عليه العذاب. # فيقول الجسد: رب، وما كنت أنا، به كنت أبسط، وبه كنت أقبض، وبه كنت أعمل، ~~وبه كنت أقوم وأقعد، فخلد عليه العذاب. # فيقال لهما: أرأيتما لو أن اعمى وصحيحا دخلا حائطا مثمرا، فقال البصير: ~~لا أناله. فقال الأعمى: أنا أحملك على عنقي (حتى تناله فتأخذ): فحمله حتى ~~أخذ من التمر، فأكلا جميعا، على من يكون العذاب؟ فيقول: عليهما جميعا!. PageV10P6335 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أول ما يقضى فيه بين الناس يوم ~~القيامة في الدماء ". # وقيل: هو اختصام أهل الإسلام فيما بينهم. # وروي عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية (وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت ~~الفتنة، فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وقال النخعي: لما نزلت ~~هذه الآية) قالوا ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان؟ # قال: فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا بيننا. PageV10P6336 # قال: أبو العالية: هم أهل القبلة يختصمون يوم القيامة في مظالم بينهم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية: " يختصمون في الدماء ~~في الدماء " قاله مرتين). # " وروي عن الزبير أنه قال: يا رسول الله، أنختصم يوم القيامة بعدما كان ~~بيننا؟ قال: " نعم، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه ". قال الزبير: إن الأمر إذن ~~لشديد ". # وفي الحديث المسند: " أول ما تقع فيه الخصومات الدماء ". # وقوله: " مثلا " تمام عند أبي حاتم وغيره. PageV10P6337 # وليس ذلك بمختار لأن الممثل به لم يذكر بعد فهو متصل بما قبله. # وقيل: إن " مثلا " تقديره أن يكون مؤخرا بعد " سلما لرجل "، أي: ضرب الله ~~هذا مثلا وفي الكلام حذف، والتقدير: ضرب الله مثلا لمن أشرك به غيره. # وقوله: {هل يستويان مثلا}: المثل في هذا بمعنى الصفة كما قال: {مثل ~~الجنة} [الرعد: 35]، أي: صفة الجنة. # ثم قال تعالى {فمن أظلم ممن كذب على الله}، أي: لا أحد أظلم ممن كذب على ~~الله فجعل له ولدا وصاحبة. # و" من " استفهام، معناه: الجحد، أي: لا ms2226 أحد أظلم منه. # {وكذب بالصدق}، أي: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم إذ جاء رسولا. # ثم قال تعالى: {أليس في جهنم مثوى للكافرين}، أي: أليس فها مأوى ومسكن ~~لمن كفر بالله عز وجل ورسله صلوات الله عليهم، ومتبه بل فيها مأوى ومسكن ~~لهم. # ثم قال تعالى: {والذي جآء بالصدق وصدق به} " الذي " هنا واحد يدل على ~~الجمع. # وقيل: كان أصله: " الذين "، فحذفت النون لطول الاسم. # وقيل: " الذي " للواحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم، جاء ب " لا إله إلا ~~الله " وصدق PageV10P6338 # بذلك: هذا قول ابن عباس. # وقال مجاهد: جاء محمد بالقرآن وصدق به، وقال الشعبي. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصدق به أبو بكر رضي الله عنه. # وقال قتادة: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن ~~والإسلام وصدق به يعني المؤمنين، وكذلك قال ابن زيد وقال السدي: الذي) جاء ~~بالصدق: جبريل صلى الله عليه وسلم، جاء بالقرآن من عند الله وصدق به، يعني: ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: {والذي جآء بالصدق وصدق به} هم: المؤمنون يجيئون بالقرآن يوم ~~القيامة، يقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه ". # وعن مجاهد أيضا: (والذي جاء بالصدق) يعني صلى الله عليه وسلم " وصدق به " PageV10P6339 # يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل: هو أبو بكر رضي الله وأصحابه. # فمن جعله لجماعة استدل بقوله: {أولئك هم المتقون}. # ومن جعله لواحد حسن عنده (أولئك) بعد الواحد، لأن الجليل القدر يخير عنه ~~بلفظ الجماعة. # وقرأ أبو صالح: (وصدق به) بالتخفيف، (يعني به النبي صلى الله عليه وسلم. # والباء بمعنى: في. والمعنى: جاء بالقرآن وصدق فيه. # واختار الطبري أن يحمل على العموم، فيكون معنى: والذي جاء بالصدق كل من ~~دعا إلى توحيد الله عز وجل والعمل بطاعته، ويكون الصدق: القرآن والتوحيد PageV10P6340 # والشرائع، والمصدق: المؤمنون والأنبياء وغيرهم من جميع من صدق به. # ودل على هذا العموم ما قبله من العموم ms2227 في قوله: {فمن أظلم ممن كذب على ~~الله وكذب بالصدق} فهذا عام في جميع المكذبين بالقرآن والتوحيد والشرائع، ~~وفي جميع الكاذبين على الله سبحانه فكذلك يجب أن يكون التصديق عقيبه عاما ~~في جميع المصدقين والصادقين فيترتب الشيء وضده على نظام واحد لأن الذين ~~كانوا عند بعث النبي صلى الله عليه وسلم قوم مكذبون لما أتاهم به كاذبون ~~على الله سبحانه، ثم أعقبهم ممن آمن قوم مصدقون بما أتى به النبي صلى الله ~~عليه وسلم صادقون في قولهم. # وفي قراءة ابن مسعود: " والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به بالجمع. # ثم قال تعالى {لهم ما يشآءون عند ربهم} يعني، يوم القيامة لهم ما تشتهيه ~~أنفسهم. # ثم قال: {ذلك جزآء المحسنين}، ذلك: إشارة إلى قوله: لهم ما يشاءون. # والكاف في " ذلك " للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: هذا الذي لهم عند ربهم ~~جزاء كل محسن في الدنيا بطاعة الله عز وجل. # ثم قال: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا}، أي: فعل بهم ذلك لكي يكفر ~~عنهم أسوأ ما عملوا في الدنيا مما بينهم وبين ربهم {ويجزيهم أجرهم}، أي: في ~~الآخرة. # {بأحسن الذي كانوا يعملون} في الدنيا (لا بأسوئه). PageV10P6341 # قوله تعالى ذكره: {أليس الله بكاف عبده} - إلى قوله - {ثم إليه ترجعون}، ~~أي أليس الله بكاف محمدا صلى الله عليه وسلم أمر أعداء المشركين. # قال مجاهد: بكافيه الأوثان. # وروي أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لئن لم تنته عن سب آلهتنا ~~لنأمرنها فتخبلك. # فالمعنى: يخوفك يا محمد هؤلاء المشركون بالأوثان أن تصيبك بسوء، ألي الله ~~بكافيك؟! أي: هو كافيك ذلك. # ومن قرأ " عباده " بالجمع أدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومن تقدمه ~~من الأنبياء صلوات الله عليهم الذين توعدتهم أممهم بمثل ما توعدت به أمة ~~محمد محمدا صلى الله عليه وسلم. # قال مجاهد: نزلت هذه الآية حيثن قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة " ~~والنجم " عند باب الكعبة. # ثم قال تعالى {ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من ms2228 ~~مضل}، أي: من PageV10P6342 # يخذل الله فيضله عن طريق الحق فما له سواه من مرشد، ومن يوفقه الله إلى ~~طريق الحق فماله من مضل. # ثم قال تعالى {أليس الله بعزيز ذي انتقام}، أي: أليس الله يا محمد يعزيز ~~في انتقامه ممن / كفر به، ذي انتقام منهم. # ثم قال: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}، (أي: ولئن ~~سألت يا محمد هؤلاء المشركين من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) خلقهن، ~~فإذا أقروا بذلك فقل لهم يا محمد: أفرأيتم هذه الألهة التي تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر، أي: سقم أو شدة في معيشتي هل هن كاشفات عني ما ~~أصابني، وإن أرادني الله عز وجل برحمة، أي بصحة وسعة في الرزق هل هن ممسكات ~~عني ما أعطاني. # والجواب في هذا محذوف لعلم السامع بالمعنى. # والتقدير: فإنهم سيقولون لا نقدر على شيء من ذلك، فإذا قالوا ذلك فقل يا ~~محمد حسبي الله، أي: كافيي الله مما سواه من الأشياء. # {عليه يتوكل المتوكلون}، أي: من هو متوكل فليتوكل عليه لا بغيره. # وقال قتادة: ولئن سألتهم من خلق السماوات، يعني: PageV10P6343 # الأصنام فيكون المسؤول في هذا القول: الأصنام. والقول الأول عليه أكثر ~~المفسرين. # ثم قال تعالى ذكره: {قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون} ~~معنى الكلام التهدد والوعيد، أي: اعلملوا على تمكنكم من العمل الذي تعملونه ~~مثل قوله: {فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر} [الكهف: 29]. # وقال مجاهد: معناه اعملوا على ناحيتكم، (أي: على) ناحيتكم التي اخترتموها ~~وتمكنت عندكم، إني عامل على ناحيتي. # وقيل: المعنى إنى عامل على عمل من سلف من الأنبياء عليهم السلام قبلي. # {فسوف تعلمون} أي سوف تعلمون من يهان ويذل ممن يكرم وينعم إذا جاءكم بأس ~~الله عز وجل فيظهر لكم المحق منا من المبطل وهو معنى قوله: {من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم}. # ثم قال تعالى {إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق}، أي: أنزلناه تبيانا ~~بالحق. # {فمن اهتدى فلنفسه}، أي من آمن به واتبعه فلنفسه عمل، ms2229 لأنه أكسب نفسه ~~باتباعه الحق وإيمانه الفوز والرضى من الله عز وجل والخلود في النعيم ~~المقيم. PageV10P6344 # ثم قال: {ومن ضل فإنما يضل عليها}، أي: ومن جار على ما أنزل إليك فإنما ~~يجور على نفسه، لأنه أكسبها بكفره وجوره عن الحق العطب والخزي الدائم، ~~والخلود في نار جهنم. # ثم قال: {ومآ أنت عليهم بوكيل}، أي: ما أنت يا محمد على من أرسلناك إليهم ~~برقيب ترقب أعمالهم وتحفظ أفعالهم، إنما أنت رسول وما عليك غير البلاغ ~~المبين وحسابهم علينا، قال قتادة، والسدي: بوكيل: بحفيظ. # ثم قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} (أي ~~يقبض الأرواح عند فناء آجالها وانقضاء مدة حياتها ويقبض أيضا التي لم تمت ~~في منامها) كما يتوفى التي ماتت عند مماتها فيرسل نفس النائم ويمسك نفس ~~الميت، فإذا جاء وقت أجل النائم قبض نفسه ولم يردها إليه. # قال ابن جبير: يقبض الله عز وجل أرواح الأحياء النائمين وأرواح الموتى ~~فتلتقي أرواح الأحياء وأرواح الموتى، ثم يرسل الله الأحياء النائمين، ويمسك ~~أرواح الموتى. PageV10P6345 # وعن ابن عباس أنه قال: يلتقي أرواح الموتى وأرواح النائمين فيتساءلون ~~بينهم، ثم يمسك الله عز وجل أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها ~~إلى أجل مسمى، وهو الموت. # قال الفراء: المعنى: ويقبض التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها، قال: ~~وقد يكون توفيها نومها، فالتقدير عنده: والتي لم تمت، نومها: وفاتها. # وقال ابن جبير: معناه أن الله جل ذكره يجمع بين أرواح الأحياء والموتى، ~~فيتعارف منهما ما شاء الله أن يتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى إلى أجسادها. # وقال السدي: يقبض الله عز وجل روح النائم في منامه الأرواح بعضها بعضا ~~أرواح الموتى وأرواح النيام (فتلتقي فتسأل). PageV10P6346 # قال فيخلي الله عز وجل عن أرواح الأحياء فترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى ~~- أي: إلى بقية آجالها - وتريد الأخرى أن ترجع فيحبس التي قضى عليها الموت، ~~وهو قول ابن زيد. # وقال بعض أهل اللغة: النفس على معنيين: نفس التمييز، ونفس ms2230 الحياة. ونفس ~~التمييز هي من نفس الحياة وليس / نفس الحياة هي نفس التمييز لوجدنا النائم ~~معه نفس الحياة ولا تمييز له. # فنفس التمييز ترتبط بنفس الحياة في حال وتفارقها في حال. # فتنفرد نفس الحياة، وليس تنفرد التمييز بالبقاء البتة في الجسد، وتنفرد ~~نفس الحياة بالبقاء في البدن. فالتي تقبض عند النون هي نفس التمييز لا نفس ~~الحياة، والتي تقبض عند الموت هي نفس الحياة، (فذهاب نفس الحياة) لا عودة ~~بعده في الدنيا، وذهاب نفس التمييز له رجعة في الدنيا. # ونفس الحياة بها يكون التمييز والحركة والنفس، ونفس التمييز لا تكون إلا ~~تابعة لنفس الحياة فهي جزء منها. ألا ترى أن التمييز يذهب والحياة والنفس ~~والحركة PageV10P6347 # باقية، ولو ذهبت نفس الحياة لم يبق (تمييز ولا نفس) ولا حركة. فالجملة ~~نفس واحدة إلا أنها تنقسم في المنافع. # فصاحب هذا القول ينحو إلى أن النفس التي هي التمييز هي العقل، كأن ~~التمييز هو العقل الذي تميز به الأشياء فهو مرتبط بالحياة، فسمي نفسا ~~لارتباطه بالنفس والحياة. # وقيل: إن المعنى على هذا التأويل: الله يتوفى الأنفس حين موتها بإزاله ~~أرواحها وتمييزها ويتوفى التي لم تمت في منامها بإزالة تمييزها دون حياتها، ~~وهذا هو القول الذي قبله مختصرا. # ثم قال: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}، أي: في قبض الله عز وجل نفس ~~النائم وردها عليه، وقبضه نفس الميت ومنها من الرد عليه، لعبرا وعظات لمن ~~تفكر وتدبر، وبيانا أن من فعل هذا يقدر على أن يحيى الموت إذا شاء. # ثم قال تعالى ذكره وجل ثناءه: {أم اتخذوا من دون الله شفعآء}، أي اتخذ ~~هؤلاء المشركون من دون الله آلهتهم التي يعبدون (شفعاء) تشفع لهم عند الله. PageV10P6348 # ثم قال: {قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون}، أي: قل لهم يا محمد: ~~أتتخذونهم آلهة وإن كانوا لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا ولا يعقلون عنكم ~~شيئا. # ثم قال تعالى: {قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض}، أي: قل يا ~~محمد: لله الشفاعة جميعا فاعبدوه ms2231 ولا تعبدوا ما لا يملك لكم شفاعة ولا ~~غيرها. # {له ملك السماوات والأرض}، أي: له سلطان ذلك وملكه، فما تعبدون أيها ~~المشركون داخل في ملكه وسلطانه فاعبدوا المالك دون المملوك، فإليه ترجعون ~~بعد موتكم فيجازيكم على أعمالهم. # قال قتادة: أم اتخذوا من دون الله شفعاء، يعني: الآلهة. قل أو لو كانوا ~~لا يملكون شيئا يعني: لا يملكون الشفاعة. # قال مجاهد: قل لله الشفاعة جميعا، أي: " لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ". # قوله تعالى ذكره: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت} - إلى قوله - {وكنت من ~~الكافرين}، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا ~~الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث. # {وإذا ذكر الذين من دونه}، يعني: الأصنام. # {إذا هم يستبشرون}، أي: يفرحون. PageV10P6349 # عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في سورة " ~~والنجم " إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى ووإن شفاعتهم لترتجى. # قال قتادة: " اشمأزت، أي: كفرت واسكتبرت ". # وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد. # وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم " والنجم " عند باب الكعبة. # وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة. # ثم قال تعالى: {قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة}، أي: ~~قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر. PageV10P6350 # {أنت تحكم بين عبادك}، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من ~~تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك. # ثم قال تعالى: {ولو أن للذين ظلموا}، أي: كفروا بالله عز وجل، { ما في ~~الأرض جميعا} يعني: يوم القيامة. # {ومثله معه} لفدو به أنفسهم لو قبل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء ~~من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم. # ثم قال: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}، (أي: وظهر لهؤلاء ~~الكفار يوم القيامة من عذاب الله لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم. # وقال مجاهد: معناه: أنهم علموا / أعمالا توهموا (أنها حسنات، فإذا هي ~~سيئات. ms2232 # وقيل: معناه: أنهم " علموا أعمالا توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها ~~فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة ". # وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله ~~دخول النار على ما قدموا. # وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالا توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك. PageV10P6351 # قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالا كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) ~~قد أهلكتهم وأوبقتهم. # ثم قال: {وبدا لهم سيئات ما كسبوا}، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم. # وقيل: المعنى: وظهر سيئات عملهم في كتبهم إذا أعطوها بشمائلهم. # ثم قال تعالى: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}، أي: وجب عليهم العذاب ~~الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيبا له ~~وإنكارا. # ثم قال: {فإذا مس الإنسان ضر دعانا}، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله ~~مستغيثا به، فإذا خوله نعمة منه وفرج عنه {قال إنمآ أوتيته على علم}، أي: ~~قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني ~~له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي. # وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك. # وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي ~~عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: PageV10P6352 # {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة} ~~[القصص: 78] وقد مضى ذكر هذا في القصص ". # وقوله: {بل هي فتنة}، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ~~ابتليناهم بها واختبارا. # {ولكن أكثرهم لا يعلمون}، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم ~~وجهلهم. # ثم قال تعالى: {قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون}، ~~أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا ~~من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيبا لهم واستهزاء، فلم يغن عنهم ~~حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من ms2233 الأعمال، يعني: عبادتهم ~~الأوثان لم تغن عنهم شيئا، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند ~~الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب. # ثم قال تعالى: {فأصابهم سيئات ما كسبوا}، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين ~~قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين ~~قال: إنما أوتيته على علم فخسف به وبداره الأرض. # ثم قال تعالى: {والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا}، أي: ~~والذين PageV10P6353 # كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضا وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك. # {وما هم بمعجزين}، أي: بفائتين ربهم هربا في الأرض من عذابه إذا نزل بهم ~~فأحل الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر. # ثم قال تعالى: {أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء}، أي: أولم يعلم ~~هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع ~~على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء. # ثم قال: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}، أي: إن في توسيع الله عز وجل على ~~خلق، وتقتيره على خلق لحججا ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق. # ثم قال تعالى ذكره: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}. # قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع ~~الله إلها آخرن وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة ~~وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل { قل ياعبادي الذين أسرفوا} ~~الآية. # وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في ~~أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. # فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا PageV10P6354 # من رحمته. # / قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال ~~عطاء بن يسار: ms2234 نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن ~~عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز ~~وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات. # وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت ~~إلى الإسلام لم يقبلني محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقبل الله توبتي فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآيات فيهم. # فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم ~~مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم. # وقال قتادة: ذكر لنا أن قوما أصابوا عظاما في الجاهلية فلما جاء الإسلام PageV10P6355 # أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية. # قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد. # وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجا في القرآن: {ياعبادي الذين ~~أسرفوا} الآية. # وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن ~~افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئا، تركنا الإسلام ببلاء ~~أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل ~~فيهم: {ياعبادي الذين أسرفوا} الثلاث الآيات. # قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت ~~أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لما كنا نقول، قال: فجلست PageV10P6356 # على بعيري ثم لحقت بالمدينة. # وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن ~~الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا ~~نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا ~~دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات. # وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى PageV10P6357 # آية في القرآن. {وإن ربك لذو ms2235 مغفرة للناس على ظلمهم} [الرعد: 6]. # وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في هذه ~~الآية: " إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم ". # وقال القرظي هي للناس أجمع. # وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعا لمن تاب. PageV10P6358 # (وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه ~~كلها. # وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] ~~الآية، وبقوله {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48 و 116]. # والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينا من المعنى الذي ~~ذكرنا. # وقوله: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له} يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على ~~غير الإسلام، وإن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر. # وروى ثوبان مولى رسول صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ~~ومن أشرك؟! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم PageV10P6359 # قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات ". # وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] فلما نزلت هذه الآية قلنا ~~ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا ~~من أصاب شيئا منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: {إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا} و {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} ~~[النساء: 48 و 116]. PageV10P6360 # فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب ~~منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئا رجونا له. # وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار ~~الطبري أن / تكون الآية عامة ms2236 في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عم ~~المسرفين ولم يخصص به أحدا، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه ~~والرجوع عنه. # وكان ابن عباس يقرأ: " يغفر الذنوب لمن شاء ". # وقد قيل: إن قوله: {يغفر الذنوب جميعا} منسوخ بقوله: {ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا} [النساء: 93]، وقيل: بقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: ~~48 و 116]. # والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب ~~لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه. # ومعنى " لا تقنطوا ": لا تيئسوا. PageV10P6361 # {إن الله يغفر الذنوب جميعا}، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها ~~إذا تابوا منها. # {جميعا إنه هو الغفور}، أي: الساتر لذنوب التائبيبن. # {الرحيم} بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. # ثم قال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، ~~وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه. # {من قبل أن يأتيكم العذاب} على كفرهم. # {ثم لا تنصرون}، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل. # والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الإيمان إذا وقع في ~~القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ ~~فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت ~~قبل نزول الموت ". # ثم قال: {واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم}، أي: اعملوا بما في كتاب ~~الله. # وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن. # وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم PageV10P6362 # أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية. # وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاما بما شاء فأمرنا أن تنبع ~~الناسخ دون المنسوخ. # وقوله: {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة}، أي: فجأة. # {وأنتم لا تشعرون}، أي: لا تعلمون، وهذا ما توعد من الله جل ذكره لمن لم ~~يتب. # ثم قال تعالى: {أن تقول ms2237 نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله} " أن " ~~مفعول من أجله. والأصل في " حسرتا ": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف. # والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل علة تمكن القصة من صاحلها ~~وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر. # وأجاز الفراء في الوصل: " يا حسرتاه " بضم الهاء وكسرها. # ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: ~~اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غدا. PageV10P6363 # ومعنى {على ما فرطت في جنب الله}، أي: على ما ضيعته من العمل بما أمرني ~~الله به، وقصرت فيه في الدنيا. # قال مجاهد والسدي " في جنب الله "، أي: في أمر الله. # وقال الضحاك: " في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به ". # وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما جلس رجل مجلسا ولا ~~مشى ممشى ولا جلس اضطجع مضطجعا لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم ~~القيامة، أي: حسرة ". PageV10P6364 # وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي ~~آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له ~~أجره وعلى الآخر وزره. ومن الحسرات أن يرى الرجل عنده الذي خوله الله في ~~الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلا يعرفه في الدنيا ~~أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو. # وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيرا، أي: معيبا. # وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم ~~يذكروا الله فهي إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة. # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما جلس رجل ولا قوم ~~مجلسا، ولا مشى رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعا لا يذكر الله فيه، إلا كانت ~~عليه يوم القيامة PageV10P6365 # حسرة ". # وقوله: {وإن كنت لمن الساخرين}، أي: وما كنت ms2238 إلا من الساخرين، أي: كنت من ~~المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه. # قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل بأهل طاعة الله ~~سبحانه. # قال قتادة: هذا قول صنف منهم /، فقال صنف آخر: {لو أن الله هداني. . .} ~~الآية، وقال صنف آخر: {لو أن لي كرة} الآية، أي: رجعة. # قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم ~~عاملون قبل أن يعملوا (فقال {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] وقال: {لعادوا ~~لما نهوا عنه ولو ردوا} [الأنعام: 28]. وقال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة} [الأنعام: 110]. # ومعنى: {لو أن الله هداني}، أي: وفقني للرشاد. PageV10P6366 # ثم قال: {بلى قد جآءتك آياتي فكذبت بها} دخلت (هنا " بلى ") لأن معنى لو ~~أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جوابا للنفي حملا على المعنى: (بلى ~~هداني). # ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: " لو أن الله هداني "، ~~{لو أن لي كرة}، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن ~~الإيمان به وكانوا من الكافرين به. # وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {جآءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت} بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري. PageV10P6367 # وقرأ الأعمش: " بلى قد جاءته " بالهاء. # وقيل: يلزم من كسر التاء والكاف (أن يقرأ وكنت) من الكوافر والكافرات. ~~وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى. # قوله تعالى ذكره: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا} - إلى قوله - {وتعالى ~~عما يشركون}. # أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولدا وأن له ~~شريكا. # {وجوههم مسودة}: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسواد وجهه وأسود وأحمر ~~وأحمار. # ثم قال: {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين}، أي: أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن ~~تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يحشر المتكبرون يوم القيامة ~~كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم ". PageV10P6368 # وقال صلى الله عليه وسلم ms2239 في تفسير الكبر: " هو سفه الحق وغمط الناس "، ~~اي: احتقارهم. # قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجنا يقال له بولس يحشر فيه ~~المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر. # ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أباه الذر في صور الناس يعلوهم كل ~~شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجنا يقال له بولس في نار الأنيار ~~يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال "، يعني: من صديد أهل النار وما ~~يخرج منهم # . ثم قال تعالى: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم}، أي بفوزهم. # قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم. PageV10P6369 # وقال ابن زيد: " بأعمالهم ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يحشر الله عز وجل مع ~~كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من ~~رعب أو خوف قال له: لا ترع، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا ~~كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك ~~الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك " فهي التي قال ~~سبحانه. {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} الآية. # ثم قال تعالى ذكره: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل}، أي: الذي له ~~الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ ~~والكلأة. # ثم قال تعالى: {له مقاليد السماوات والأرض}. # قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح. PageV10P6370 # والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، ~~وقال السدي: " المقاليد: الخزائن "، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو ~~عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد. # ثم قال تعالى: {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون}، أي: هم ~~المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها. # ثم قال (تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون}. # " غير " نصب " بأعبد ". # قال الأخفش: " تأمروني " ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني. # والمعنى: ms2240 قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فما تأمروني أيها ~~الجاهلون؟! # ثم قال تعالى ذكره: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك}، PageV10P6371 # (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن ~~عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد. # يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير /: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلي الرسل من قبلك مثل ذلك. # ومعنى {من الخاسرين}: من المغبونين حظوظهم الهالكين. # ثم قال تعالى: {بل الله فاعبد}، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد. # وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. PageV10P6372 # والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات. # والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء ~~المشركون {وكن من الشاكرين}، أي: كن شاكرا لله على نعمه عليك إذا هداك ~~للإيمان وبرأك من عبادة الأوثان. # ثم قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره}، أي: ما عظموه حق عظمته. # قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن ~~آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم ~~يقدر الله حق قدره. # قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته. # وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه. # وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ ~~عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعا كلها قبضته ~~يوم القيامة. PageV10P6373 # (قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة). # قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جل ذكره إلا ~~كخردلة في يد أحدكم. # قال الحسن: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها ~~وقضيضها. # قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعا. # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر يخطب: # " يأخذ الله ms2241 عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما ~~كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز " حتى لقد رأيت ~~المنبر وإنه ليكاد يسقط به. PageV10P6374 # " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يهوديا جاءه فقال: يا محمد، إن ~~الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق ~~على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت ~~نواجده، ثم قال: {وما قدروا الله حق قدره}. قال: فضحك النبي صلى الله عليه ~~وسلم تعجبا وتصديقا ". # " وروي أن رهطا من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~انتقع لونه، ثم شاورهم غضبا لربه عز وجل فجاءه جبريل صلى الله عليه وسلم ~~يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: {قل هو ~~الله أحد} السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، ~~كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد ~~من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم فقال مثل مقالته، ~~وأتاه بجواب ما سألوه عنه: PageV10P6375 # {وما قدروا الله حق قدره} - إلى - {يشركون} ". # وقيل: معنى {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة}، أي: يملكها، لا مدعي ~~لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي. # وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة. # " وذكر ابن وهب أن ناسا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول ~~الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة. # قال: فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم ~~السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. ~~وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة ". # ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار PageV10P6376 # ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ms2242 ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات ~~السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم ~~الملائكة فيصي بهم. / # وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب ~~عن الليث عن رجاله. # " وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} قالت له: فأين الناس ~~يومئذ؟ قال: على الصراط ". # وقال أبو أيوب الأنصاري: " أتى النبي صلى الله عليه وسلم حبر من أحبار ~~اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: PageV10P6377 # {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} فأين الخلق ~~عند ذلك؟ قال: " هم كرقم في الكتاب ". # وروى ابن الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع ~~وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم. # قال أبو محمد مؤلفه ( رحمه الله) : ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن ~~يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا ~~يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك ~~جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق # ثم قال: {سبحانه وتعالى عما يشركون}، أي: تنزيها له وتبرية من السوء ~~والشرك. # قوله تعالى ذكره {ونفخ في الصور فصعق} - إلى قوله - {وهو أعلم بما ~~يفعلون}، أي: ونفخ إسرافيل في القرن فمات من في السماوات ومن في الأرض إلا ~~من شاء الله. وهذه هي النفخة الثانية. PageV10P6378 # وقيل: الصور جمع صورة. # فالمعنى: ونفخ إسرافيل في صورة بني آدم فماتوا. والأول أكثر. # وقوله: {إلا من شآء الله}. قال السدي وغيره: هو جبريل وميكائيل وملك ~~الموت. # وكذلك روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يموتون في هذه النفخة ~~(صلوات الله عليهم) ثم يموتون بعد ذلك، فلا يبقى إلا الله الحي القيوم، ثم ~~يحيي الله تعالى إسرافيل عليه السلام ويأمره أن ينفخ في القرن لإحياء الخلق ~~بإذن الله عز ms2243 وجل. والله المميت للخلق بالنفخة التي هي نفخة الصعق وهو ~~المحيي للخلق بالنفخة التي هي نفخة الأحياء ". PageV10P6379 # قال ابن جبير: عنى بذلك (شهداءهم) حول العرش (متقلدو السيوف). # وقيل: استثناء الشهداء، إنما هو في [نفخة الفزع. وهي الأولى. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ينفخ في الصور ثلاث ~~نفخات]: النفخة الأولى، نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة ~~القيام لرب العالمين، يأمر الله جل ذكره إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: ~~انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله، فقال أبو ~~هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى حين يقول: {ففزع من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله}؟ # قال: أولئك الشهداء. (وإن ما يصير) الفزع إلى الأحياء. أولئك أحياء عند PageV10P6380 # ربهم يرزقون (ووقاهم الله) فزع ذلك اليوم وأمنهم. # ثم يأمر الله عز وجل إسرافيل بنفخة الصعق فيقول: نفخة الصعق، فيصعق أهل ~~السماوات وأهل الأرض إلا من شئت، فيقول له وهو أعلم: من بقي؟ فيقول بقيت ~~أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل. # (وينظر الله العرش، فيقول: يا رب، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل!). # فيقول له جل وعز: اسكت، إني كتاب الموت على من كان تحت عرشي. # ثم يأتي ملك الموت فيقول: رب، مات جبريل وميكائيل فيقول الله عز وجل وهو ~~أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقي ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل. # (وينظر الله العرش، فيقول: يا رب، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل!). # فيقول له جل وعز: اسكت، إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي. # ثم يأتي ملك الموت فيقول: رب، مات جبريل وميكائيل فيقول الله عز وجل وهو ~~أعلم: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي (لا تموت وبقي) حملة عرشك وبقيت ~~أنا، فيقول له: فليمت حملة عرشي، فيموتون، ويأمر الله عز وجل العرش فيقبض ~~الصور. # ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب، قد مات حملة عرشك، فيقول: ومن بقي؟ - ~~وهو أعلم - فيقول: ms2244 بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا، فيقول: أنت خلق ~~من خلقي خلقت لما رأيت فمت، فيموت ". PageV10P6381 # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني ملك الموت فقال: يا محمد، ~~اختر: نبيا ملكا، أو نبيا عبدا. فأومأ إلي جبريل أن تواضع. # قال: فقلت: نبيا عبدا. فأعطيت خصلتين: جعلت أول من تنشق عنه الأرض، وأول ~~شافع، فأرفع رأسي فأجد (موسى آخذا) بالعرش فالله أعلم، بعد الصعقة الأولى ~~أم لا ". # وفي حديث آخر: " ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، فأكون أول من يرفع ~~رأسه. فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع / رأسه قبلي أو ~~كان ممن استثنى الله عز وجل ". PageV10P6382 # وفي حديث آخر: " فلا أرى أحدا إلا موسى متعلقا بالعرش، فلا [أدري، أممن ~~استثنى] الله جل ثناؤه ألا تصيبه النفخة أو بعث قبلي ". # وقوله: {ثم نفخ فيه أخرى}، يعني: نفخة البعث. # {فإذا هم قيام ينظرون} روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~ما بين النفختين [أربعون]، ثم ينزل الله جل ذكره من السماء ماء فينبتون كما ~~ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظم واحد وهو عجب ~~الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة ". PageV10P6383 # وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتأولون الأربعين أربعين سنة. # وقال الحسن: لا أدري، أهي أربعون سنة، أم أربعون شهرا، أم أربعون ليلة، ~~أم أربعون ساعة. # قال قتادة: ذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة، ~~حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ فيه الثالثة ~~فإذا هم قيام ينظرون. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يبعث الله المؤمنين يوم القيامة جردا ~~مردا بنو ثلاثين سنة ". PageV10P6384 # وقال أبو الزعراء عن عبد الله أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء ~~والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى الله بين السماوات والأرض - إلا من شاء الله - ~~إلا مات. ثم يرسل الله من تحت العرش منيا كمني الرجال جسمانهم ولحمانهم من ~~ذلك كما ms2245 تنبت الأرض، ثم قرأ عبد الله {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} ~~[فاطر: 9]- إلى قوله - {كذلك النشور} [فاطر: 9] قال: ويكون بين النفختين ما ~~شاء الله ثم يقوم ملك فينفخ فيه فتنطلق كل نفس إلى جسدها. # ثم قال تعالى ذكره: {وأشرقت الأرض بنور ربها}، أي: أضاءت. # يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت. # وذلك حين يجيء الرحمان لفصل القضاء بين خلقه. # وروي أن الأرض يومئذ أرض من فضة تضيء وتشرق بنور ربها لا بشمس ولا بقمر. # والمعنى: أضاءت الأرض بنور (خلقه الله). # فإضافة النور إليه تعالى على طريق خلقه له مثل قوله: {هذا خلق الله} ~~[لقمان: 11] تبارك وتعالى. # وقيل: معناه: أشرقت بعد الله عز وجل وحكمه الحق تبارك وتعالى لأن له نورا PageV10P6385 # كنور الشمس والضياء، وهو أعظم وأجل من ذلك، ليس كمثله شيء. وهذا كقوله عز ~~وجل: { الله نور السماوات والأرض} [النور: 35]، أي: بهداه يهتدي أهل ~~السماوات والأرض. لم يرد النور الذي هو الضياء، ولو كان ذلك، لم يوجد ظلام ~~لأنه باق في الليل والنهار. # وقد ثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تنظرون إلى ~~الله سبحانه لا تضامون في رؤيته ". # وقد اختلف في هذه اللفظة على أربعة أوجه: # - لا تضامون - مخففا -، أي: لا يلحقكم ضيم كما يلحق في الدنيا في النظر ~~إلى الملوك. # - والوجه الثاني: لا تضامون - مشددا -، أي: لا ينضم بعضكم لبعض ليسأله أن ~~يريه إياه. # - والوجه الثالث: (لا تضارون) - مخففا -، أي: لا يلحقكم ضير في رؤيته من ~~ضاره يضيره. # - والوجه الرابع: (لا تضارون) - مشددا، أي: لا يخالف بعضكم PageV10P6386 # بعضا في صحة رؤيته. يقال: ضاررته مضارة، أي: خالفته. # ثم قال تعالى ذكره: {ووضع الكتاب}، يعني: كتاب أعمال العباد وحسابهم. # وقيل: هو اللوح المحفوظ. # {وجيء بالنبيين والشهدآء}، أي: جيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابت به] ~~أممهم وردت عليهم في الدنيا. # والشهداء، يعني: الذين يشهدون على الأمم. وهو قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا} [البقرة: 143]، أي: عدلا {لتكونوا شهدآء على الناس} [البقرة: ~~143]. # وقيل: عنى بالشهداء هنا: ms2246 الذين قتلوا في سبيل الله. والأول (أولى وأبين). # وقال السدي: الشهداء: الذين استشهدوا في طاعة الله عز وجل. # وقال ابن زيد: هم الحفظة يشهدون على الناس بأعمالهم. PageV10P6387 # وقوله: {وقضي بينهم بالحق}، أي: قضى / بين النبيين وأممهم بالحق؛ فلا ~~يحمل أحد ذنب أحد، ولا يظلم أحد فينقص من عمله. ثم قال تعالى: # {ووفيت كل نفس ما عملت}، أي: جزاء عملها من خير وشر. # {وهو أعلم بما يفعلون} في الدنيا من طاعة له أو معصية. فيثيب المحسن ~~بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا تظلم نفس شيئا. # قوله تعالى ذكره: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا} - إلى آخر السورة. # أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة. # {زمرا}، أي جماعة جماعة. حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ليدخلوها. # {وقال لهم خزنتهآ}، أي خزنة جهنم. # {ألم يأتكم رسل منكم}، أي: بشر مثلكم. # {يتلون عليكم آيات ربكم}، أي: كتب الله سبحانه. # {وينذرونكم لقآء يومكم هذا}، أي: مصيركم إلى هذا اليوم (وما تلقون فيه. # {قالوا بلى}، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم). PageV10P6388 # {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين}، أي: كلمة الله أن عذابه لاحق بمن ~~كفر به. بكتبه ورسله. # ثم قال تعالى {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها}، أي: قالت لهم الخزنة ~~ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون ~~عنها إلى غيرها. # {فبئس مثوى المتكبرين}، أي: فبيس مسكن المتكبرين على الله سبحانه جهنم ~~يوم القيامة. # ثم قال تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا}، أي: حشروا إلى ~~دخول الجنة جماعة جماعة. # {حتى إذا جآءوها}، أي: جاؤا الجنة. # {وفتحت أبوابها}. قال الكوفيون: " فتحت " جواب " إذا " والواو زائدة. # وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في " وقال " زائدة. # وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها PageV10P6389 # سعدوا. # وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: " طبتم فادخلوها خالدين، دخولها. # ودلت الواو في " وفتحت " أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن ~~يجيؤها. # (ودل حذف الواو في قصة ms2247 أهل النار من " فتحت " أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ~~ففتحت عند مجيئهم. # ثم قال تعالى: {وقال لهم خزنتها سلام عليكم}، (أي: قال للذين اتقوا ربهم ~~خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله لكم. # وقوله {طبتم فادخلوها خالدين}، أي: طابت أعمالكم في الدنيا فطاب اليوم ~~مثواكم. PageV10P6390 # وقال مجاهد: معناه: " كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل ". فادخلوا أبواب ~~الجنة خالدين، أي: ماكثين أبدا لا انتقال لكم عنها. # ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة. # وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف. قاله ابن زيد وغيره. # وقرأ ابن زيد في الكفار: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا} [الطور: 13]. وقرأ ~~في المتقين {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} [مريم: 85]. ويروى عن علي ~~رضي الله عنه أنه قال في المتقين: يساقون إلى الجنة فيجدون عند بابها شجرة، ~~في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري ~~عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها أبدا، ولن تغير جلودهم بعدها ~~أبدا كأنما دهنوا بالدهان. # ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأدى، ثم ~~يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام ~~عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. # قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا PageV10P6391 # بالحميم إذا جاء من الغيبة، أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا. فينطلق ~~أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان يسمى به في ~~الدنيا - قال: فيستحفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فتقول: أنت رأيته، ~~(أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي منزله. قال: أصوله من جندل ~~اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر. . . قال الله جل ذكره: {وأكواب موضوعة * ~~ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوثة} [الغاشية: 14 - 16]. قال: ثم يدخل إلى ~~زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدها له لا ليمتع بصره من نورها ~~وحسنها. فاتكأ عبد الله ويقول: {الحمد لله الذي هدانا لهذا} [الأعراف: 43]. ~~فتنازيهم الملائكة أن تلكم الجنة وأورثتموها بعلمكم. # وقال ms2248 السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا. ثم ~~قرأ السدي: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 6]. # ثم قال تعالى ذكره: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده}، أي: له الحمد ~~خالصا إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على طاعته. {وأورثنا الأرض}، أي: ~~أرض الجنة. PageV10P6392 # وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين. # وقوله: {نتبوأ من الجنة حيث نشآء}، أي: نسكن منها حيث نحب. فنعم أجر ~~العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في الدنيا: الجنة في الآخرة. # ثم قال تعالى ذكره: {وترى الملائكة حآفين من حول العرش}، أي: وترى يا ~~محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش. # والعرش: السرير. وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش. # وقال الفراء: لا يفرد. # ودخلت " من " في قوله: {من حول العرش} لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف ~~بحرف وبغير حرف. ومثله قوله: {وإلى الذين من قبلك} [الزمر: 65، والشورى: ~~3]. # وقال بعض البصريين: دخلت " من " في الموضعين توكيدا. # ثم قال: {يسبحون بحمد ربهم}، أي: يصلون حول عرش ربهم شكرا له. PageV10P6393 # والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها. تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ربك. ~~كما قال: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] وقال: {فسبح باسم ربك العظيم} ~~[الواقعة: 74 و 96]. # {وقضي بينهم بالحق}، أي: وقضى الله بين النبيين والأمم والشهداء بالعدل. # {وقيل الحمد لله رب العالمين}، أي: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر الذي ~~ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته. # قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: {الحمد لله الذي خلق السماوات ~~والأرض} [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال: {وقيل الحمد لله رب العالمين}. PageV10P6394 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة غافر # وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. # سورة (المؤمن) مكية. # قوله (تعالى ذكره): {حم* تنزيل الكتاب من الله} - إلى قوله - {إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون}. # من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: " لكل شيء لباب وأن لباب ~~القرآن الحواميم ". PageV10P6395 # ويقال: من ديباج القرآن. # وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضا ms2249 فليقرأ الحواميم. من رواية ابن ~~وهب. # قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم. نصبه بإضمار فعل. # والتقدير: اقرأ حاميم. ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة. # وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل) PageV10P6396 # وقابيل. # ويجوز أن تكون فتحة الميم بناء (لالتقاء) الساكنين. # قال ابن عباس (الر وحم ونون) مقطعة من الرحمن. وعنه أيضا أن حم: اسم من ~~أسماء الله عز وجل وهو قسم. # وعنه أن حم اسم الله الأعظم. # وقال قتادة: حم اسم من أسماء القرآن. # وقال الضحاك: حم: قضى هذا القرآن. PageV10P6397 # جعله مأخوذا من حم الامر إذا وجب. # والمعنى: حم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل. # { العزيز} في انتقامه من أعدائه. # {العليم}، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك. # ثم قال تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب}. # {غافر} خفض على البدل ولا يحسن أن يكون نعتا لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ~~ومثله: {وقابل التوب}. فإن جعلتهما. لما مضى حسن، لأنه تعالى ذكره لم يزل ~~غفارا لذنوب عباده قابلا للتوبة ممن تاب منهم. فيحسن على هذا أن يكونا ~~نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلا. # والتوب: جمع توبة كدومة ودوم. ويجوز أن يكون التوب مصدرا كتوبة يقال: تاب ~~توبة وتوبا. PageV10P6398 # فأما قوله {شديد العقاب} فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلا بدلا. # فأما قوله: {ذي الطول} فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ~~ذلك أن يكون) نعتا وبدلا. # وقوله: {لا إله إلا هو} جملة في موضع النعت. # ومعنى {شديد العقاب}، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان. # ومعنى {ذي الطول}: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه. # قال ابن عباس: ذي الطول: " ذي السعة والغنى ". # وقيل: معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات. ~~وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: " لا إله إلا الله " ودل على هذا ~~المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو. # وقال قتادة: " ذي الطول: ذي النعم ". PageV10P6399 # وقال ابن زيد: ms2250 الطول: القدرة. # ومعنى {لا إله إلا هو إليه المصير}، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع. # ثم قال تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا}، أي: ما يجادل في ~~حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحديه (ورسالتك). # {فلا يغررك} يا محمد {تقلبهم في البلاد} في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد ~~تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ ~~الكتاب أجله. # قال قتادة: {تقلبهم} في البلاد تصرفهم في أسفارهم. # ثم قال تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح}، أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. PageV10P6400 # {والأحزاب من بعدهم}، يعني عادا وثمودا وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون. ~~كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم. فكما كان عاقبة أولئك الذين كذبوا الهلاك، كذلك ~~يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك. # ثم قال تعالى: {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه}. قال قتادة: ليقتلوه. # ثم قال تعالى: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق}، أي: وخاصموا رسولهم ~~بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله. # وأصل الدحض، الزلق. # ثم قال تعالى: {فأخذتهم فكيف كان عقاب}، أي فأخذهم عقاب الله. فجعلهم ~~عبرة وعظة لمن بعدهم. # ثم قال تعالى ذكره: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا}، أي: وجبت وهو ~~قوله جل ذكره: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 119، السجدة: ~~13]. # والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على ~~من كذبك يا محمد. # ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: {الذين PageV10P6401 # يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ~~آمنوا}، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه. # والذين حول العرش من ملائكته يصلون بحمده وشكره. # {ويؤمنون به}، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن ~~يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم. # وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله. # ثم قال: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما}، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك ~~وعلمك كل شيء من خلقك ms2251 فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم ~~رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وسعت الكافر ~~والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة. PageV10P6402 # ثم قال عنهم أنهم قالوا: {فاغفر للذين تابوا}: أي: تابوا من الشرك. # {واتبعوا سبيلك}، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام. ~~قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك ". # {وقهم عذاب الجحيم}، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة. # وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله ~~تعالى # {كان على ربك وعدا مسئولا} [الفرقان: 16]، أي: إدخال المؤمنين الجنة ~~والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه) ذلك، وهو سؤالهم ~~الله في هذه السورة. قال جميع ذلك القرطبي. # وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل ~~بذلك لهم على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يسأل ~~في وفاء PageV10P6403 # وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك. # ثم قال تعالى: {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم}، أي: ويقولون يا ربنا ~~وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة. # قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون ~~والشهداء. وأئمة العدل. # ثم قال تعالى: {ومن صلح من آبآئهم}، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء ~~هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم. # قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين ~~زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم ~~الجنة، ثم قرأ: {وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} الآية. # وقوله: {إنك أنت العزيز الحكيم}، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، ~~الحكيم في تدبير خلقك. # ثم قال تعالى: {وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته} أي: ~~ويقولون يا PageV10P6404 # ربنا وقهم عذاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم ~~القيامة فقد دحمته. # {وذلك هو الفوز العظيم}، أي: النجاة من النار. # وقال نفطويه: ms2252 معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها. # فمعنى: {وقهم السيئات}: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: {وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى} [الأعراف: 130]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطيروا ~~بموسى: وكذلك قوله: {ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 78]، معناه: ما ~~أصابك من سوء فبذنبك. # قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد PageV10P6405 # للشياطين، ثم تلا الآية {الذين يحملون العرش}. # ثم قال تعالى: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون}. # قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: ~~لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم ~~أنفسهم اليوم. # فمن الآية تقديم وتأخير على قوله. # قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم ~~أكبر من مقتكم أنفسكم. # قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من ~~مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو الكسائي وغيره. # وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضا PageV10P6406 # يوم القيامة، لأن بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا يوم القيامة. # وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ~~ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا. # والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في ~~الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب. # وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو " أكبر " ~~وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين. # قوله تعالى: {قالوا ربنآ أمتنا اثنتين} - إلى قوله - {السميع البصير}. # قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: {وكنتم أمواتا فأحياكم} ~~[البقرة: 28] الآية. # وقال قتادة: كانوا أمواتا في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في ~~الدنيا، ثم أمهاتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان ~~حياتان وموتتان. PageV10P6407 # وقال السدي: اميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم ~~أميتوا في قبورهم، ثم أحبوا في الآخرة. # وقال ابن زيد: ms2253 خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأمهاتهم، ثم ~~خلقهم في الأرحام، ثم أمهاتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الآخرة. # وقوله تعالى: {فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل}، أي: فأقررنا ~~بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا ~~فنعمل غير الذي كنا نعمل. # ثم قال تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا}. ~~في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه ~~إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم ~~وإن أشرك به مشرك صدقتموه. # وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، ~~يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا: PageV10P6408 # {قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل}. قال: فيراجعهم بهذه الآية: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم} ~~الآية. # ثم يقولون: {ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة: ~~12] قال: فيرد عليهم: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [السجدة: 13]- إلى - ~~{أجمعين} [السجدة: 13]. # ثم يقولون: {ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل} [إبراهيم: ~~44]. قال: فيراجعهم بهذه الآية: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من ~~زوال} [إبراهيم: 44]. # قال: ثم يقولون: {ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} [فاطر: 37] ~~فيراجعهم: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير} [فاطر: 37]. # قال: ثم يقولون: {ربنا غلبت علينا شقوتنا} [المؤمنون: 106]، قال: PageV10P6409 # فيراجعهم: {قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108]. # قال: فكان آخر كلامهم ذلك. # قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا. # ثم قال تعالى: {فالحكم لله العلي الكبير}. فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، ~~العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له. # ثم قال تعالى: {هو الذي يريكم آياته}، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس ~~حججه وأدلته على وحدانيته. # {وينزل لكم من السمآء رزقا}، يعني: الغيث، يخرج به ms2254 أقواتكم وأقوات ~~أنعامكم. # {وما يتذكر إلا من ينيب}، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ~~ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت ~~عظمته. # ثم قال: {فادعوا الله مخلصين له الدين}، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون ~~مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون. PageV10P6410 # ثم قال تعالى: {رفيع الدرجات ذو العرش}، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير ~~المحيط بما دونه. # {يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده} أي: ينزل الوحي على من يشاء، ~~يختص بذلك من يشاء من خلقه. وقيل: " من " بمعنى الباء. والمعنى: يلقي الروح ~~بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء. # وقيل: معنى {رفيع الدرجات} (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل ~~للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة. # فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين. # وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون من الضلالة، والمهتدي حي، والصال (ميت ~~في) التمثيل. # قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة. PageV10P6411 # وقال ابن عباس: الروح: النبوة. # وقال: الضحاك: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: {وكذلك أوحينآ ~~إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52]، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين. # والروح: جبريل أيضا، وهو قوله: {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193] سمي ~~روحا لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يجيء به من أنزل عليه. # فأما قوله تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} فقال ابن زيد: الروح ~~هنا القرآن. وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله. # والضمير في " لينذر " يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو ~~الوحي، وقيل: يعود على النبي. # وقد قرأ الحسن " لتنذر " بالتاء على المخاطبة. PageV10P6412 # وقوله: {يوم التلاق}، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، والأولون ~~والآخرون. ثم قال: {يوم هم بارزون} " يوم " بدل من " يوم " الأول ". # وقيل العامل فيه: " لا يخفى على الله منهم شيء {يوم هم بارزون}. # وقيل: معناه: بارزون من قبورهم. # ثم قال تعالى: {لمن الملك اليوم}، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك ms2255 ~~اليوم؟. # فيجيب نفسه: {لله الواحد}، أي: المنفرد / بالوحدانية والقدرة. {القهار} ~~لكل شيء سواه. # وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض PageV10P6413 # بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها. فيؤمر منادى أن ينادي: لمن ~~الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر. # ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول. فيقول: سل ~~هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما ~~قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: # {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} الآية. # أي: تثاب بما علمت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ~~ظلمه (عند من ظلمه). # {إن الله سريع الحساب}، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم. # روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار قد فرغ الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم. # فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد. PageV10P6414 # وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى ~~يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث ~~فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا ~~يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء. ولا ~~يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم ~~بكلام أو لسان. تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل ~~إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها. فافهم هذا ونزه الله عن ~~التشبيه بالمخلوقين. # ثم قال تعالى: {وأنذرهم يوم الأزفة}، أي: وأنذر يا محمد مشركي الهعرب ~~وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها. يقال أزف ~~الشيء إذا قرب. # ثم قال: {إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين}. # قال قتادة: ارتفعت القلوب ms2256 في الحناجر من المخافة. PageV10P6415 # فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها. # و {لدى}، بمعنى: عند. # {كاظمين}: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم. # {ما للظالمين من حميم}، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما ~~نزل بهم. # {ولا شفيع} يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه. # قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإذا الرجل منهم يشفع في ~~صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم. # ثم قال تعالى: {يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور}، أي: يعلم الله جل ~~ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ~~يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه. # ومعنى " خائنة الأعين " هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ~~ينوي بذلك في قلبه. PageV10P6416 # قال ابن عباس: {يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور}: يعلم إذا نظرت إلى ~~المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا. " وما تخفي الصدور "، أي: إذا قدرت عليها ~~أتزني أم لا. # وقوله: {والله يقضي بالحق}، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة ~~السيئة. # وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيرى ~~القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو ~~أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها. # وعن ابن عباس أنه قال في " خائنة الأعين ": إنه الرجل ينظر إلى المرأة ~~فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر ~~إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض ~~بصره). # قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه. PageV10P6417 # وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى ~~به. # قال الفراء: " خائنة الأعين ": النظرة الثانية و {وما تخفي الصدور} ~~النظرة الأولى " {والله يقضي بالحق}، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر ~~الموقف بين يديه، ومن ms2257 ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر ~~عليها. # قال الزجاج: " خائنة الأعين " نظر ونيته الخيانة. # ثم قال: {والذين يدعون من دونه}، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء ~~(المشركون) من قومك من دون الله. # {لا يقضون بشيء}، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئا، فاعبدوا الله الذي ~~هو {السميع} لما تنطق به ألسنتكم {البصير} بما تعملون من الأفعال، المحيط ~~بكل ذلك. # قوله تعالى: {أولم يسيروا في الأرض} - إلى قوله - {إلا سبيل الرشاد}، PageV10P6418 # أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما ~~أصاب من كان قبلهم من الأمم / الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساما ~~وأكثر آثارا في الأرض من البناء والحرث. # {فأخذهم الله بذنوبهم} فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ~~ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. فهؤلاء الذين أضعف ~~أجساما وأقل آثارا أحرى أن يأتيهم عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك. ~~فهؤلاء الذين أضعف أجساما وأقل آثارا أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا ~~على كفرهم. # ثم قال تعالى {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين}: هذه الآية تعزية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه ~~أمرا عظيما مثل ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من قومه، وأنه صبر على ~~ذلك. فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة ~~الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون. # والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها. # أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان ~~جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب. # ثم قال تعالى: {فلما جآءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبنآء الذين ~~آمنوا معه}، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، ~~أي: بالحجة والبرهان على توحيد ms2258 الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم ~~قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي: PageV10P6419 # اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه. # {واستحيوا نسآءهم}، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم. وهذا أمر من فرعون بعد ~~أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود ~~يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد ~~تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى ~~أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد ~~عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى. # قال قتادة: " هذا قتل غير القتل الأول الذي كان ". # وقوله: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال}، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل ~~الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق. # ثم قال تعالى: {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه}، أي: خلوا بيني ~~وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني. # {إني أخاف أن يبدل دينكم} بما أتاكم به. # {أو أن يظهر في الأرض الفساد}، أي: أخاف هذين الأمرين. # ومن قرأه " أو "، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين. PageV10P6420 # وقيل: إن " أو " بمعنى الواو. # ثم قال تعالى: {وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب}: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي ~~وربكم {من كل متكبر}، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن ~~بالبعث والجزاء. # وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون ~~وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث. # ثم قال تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه}. # قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون. ~~قاله السدي. # وقيل: بل كان الرجل (إسرائيليا، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا ~~على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول. # والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون. # " فمن " متعلقة ms2259 ب " يكتم " في موضع مفعول ثان " ليكتم "، فهو في موضع ~~نصب. PageV10P6421 # وعلى القول الأول " من " متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما ~~تقول: مررت برجل من بني تميم. # والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل ~~فرعون، ونحو ذلك. # والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل ~~موسى وقال له: {مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد}، ولو كان ~~إسرائيليا لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى. # وقوله: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله}، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: ~~الله ربي. # {وقد جآءكم بالبينات من ربكم}، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم ~~من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده. # ثم قال: {وإن يك كاذبا فعليه كذبه}، أي: إن يك موسى كاذبا في قوله إن PageV10P6422 # الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه. # {وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم}، أي: وإن يك موسى صادقا في قوله ~~أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إن قتله ~~فتزدادوا غضبا من ربكم على غضبه عليكم لكفركم. # و" بعض " عند أبي عبيدة في موضع " كل "، لأن كل ما واعدوا به كائن لا / ~~بعضه. # وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يدعدكم / موسى هلكتم فضلا ~~عن الكل. # وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم ~~فالكل أعظم ضررا، وأشد هلاكا. # وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلا وعذاب الآخرة مؤخدا، فقال ~~لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلا. # ثم قال: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب}، أي: لا يوفق للحق من هو معتد ~~إلى PageV10P6423 # ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول). # قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك. # وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق. # ثم قال لهم المؤمن: {ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} ms2260 قوله: " يا ~~قوم " يدل على أنه من آل فرعون. يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها ~~غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: # {فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا}، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن ~~جاءنا. فقال فرعون مجيبا له: # {مآ أريكم إلا مآ أرى}، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى ~~لنفسي. # {ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد}، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى ~~وقتله. # وقرأ معاذ بن جبل: " سبيل الرشاد " بالتشديد. يعني أن فرعون قال PageV10P6424 # لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره. # وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن " فعالا " لا يكون من " أفعل " وإنما ~~يكون من الثلاثي للتكثير. فإن أردت لتكثير من الرباعي جئت " بمفعال ". # وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار ~~على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق. # وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: {ومآ أهديكم} إلا سبيل صاحب ~~رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب. # قوله تعالى: {وقال الذي آمن ياقوم إني أخاف عليكم} - إلى قوله - {إلا في ~~تباب}. PageV10P6425 # أي: وقال الرجل الذي آمن من آل فرعون وكتم إيمانه: يا قوم إني أخاف عليكم ~~إن قتلتم موسى ولم تؤمنوا بما جاءكم به. # {مثل يوم الأحزاب}، يعني: الذين تحزبوا على رسلهم. # {مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود}، أي: مثل عادة الله فيهم وانتقامه منهم حين ~~كفروا برسلهم. # قال ابن عباس: مثل دأب قوم نوح: مثل حالهم، وقال ابن زيد: معناه، مثل ما ~~أصابهم. # وقوله: {والذين من بعدهم}، يعني به: قوم إبراهيم وقوم لوط، وهم أيضا من ~~الأحزاب. # وقوله: {وما الله يريد ظلما للعباد}، أي: ليس الله جل ذكره بمعذب قوما ~~بغير جرم. # ثم قال تعالى ذكره حكاية عن قول المؤمن لقومه: {وياقوم إني أخاف عليكم ~~يوم التناد * يوم تولون مدبرين}، أي: إني أخاف عليكم إن قتلتم موسى ولم ms2261 ~~تؤمنوا بما جاءكم به عقاب الله يوم التنادي، أي: يوم القيامة، أي: يوم PageV10P6426 # يتنادى أصحاب الجنة والنار كما ذكر في سورة الأعراف وغيرها فقال: {ونادى ~~أصحاب الجنة} [الأعراف: 44]، {ونادى أصحاب الأعراف} [الأعراف: 48]، {ونادى ~~أصحاب النار} [الأعراف: 50] قاله قتادة وابن زيد. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يأمر الله عز وجل ~~إسرافيل عليه السلام بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع أهل ~~السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيديمها ويطولها فلا تفتر - وهي ~~التي يقول الله عز وجل: " { وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} ~~- فيسير الله عز وجل الجبال فتكون سرابا، وترتج الأرض بأهلها رجا - وهي ~~التي يقول الله عز وجل { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ ~~واجفة} - فتكون (الأرض كالسفينة) المزنقة في البحر تمر بها الأمواج تكفأ ~~بأهلها، وكالقنديل (المعلق PageV10P6427 # بالعرش) ترجحه (الأرواح فيميل الناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع ~~الحوامل (وتشيب الولدان) وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها ~~الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو ~~اليوم الذي يقول الله عز وجل: { يوم التناد * يوم تولون مدبرين} ". # فعلى هذا الحديث يكون التنادي في النفخة الأولى في الدنيا. # وقرأ الضحاك: يوم التنادي بتشديد الدال، جعله من ند البعير إذا مر على ~~وجهه هاربا. فهذا يراد به ما يكون يوم القيامة من حال الناس. # ويسعد هذه القراءة ويقويها ما روى عبد الله بن خالد قال: PageV10P6428 # يظهر للناس يوم القيامة عنق (من النار فيتولون) هاربين منها حتى تحيط ~~بهم، فإذا أحاطت بهم قالوا: أين المفر؟ # ثم أخذوا في البكاء حت تنفد الدموع فيكون دما، ثم يشخص الكفار فذلك قوله: # {مهطعين مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] ". # ويقويها أيضا / ما وراء الضحاك، قال: " إذا كان يوم القيامة أمر الله عز ~~وجل السماء الدنيا فتشققت بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ~~ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ~~ثم السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل ms2262 الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى ~~جهنم، فاذا رآها أهل الأرض نجوا، (فلا يوافقون) قطرا من أقطار الأرض إذا ~~وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه - فذلك ~~قوله: " {إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين}. وذلك قوله {وجآء ~~ربك والملك صفا صفا * وجيء يومئذ بجهنم يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان ~~وأنى له الذكرى} [الفجر: 22 - 23] PageV10P6429 # وقوله: {يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن: 33] وذلك قوله: {وانشقت ~~السمآء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجآئهآ} [الحاقة: 16 - 17]. # وقال قتادة: يوم تولون مدبرين، أي: منطلقا بكم إلى النار. # وقال مجاهد: يوم تولون " فارين غير معجزين ". # {ما لكم من الله من عاصم}، أي: ما لكم من عذاب الله سبحانه من مانع ~~يمنعكم منه وينصركم. # ثم قال تعالى: {ومن يضلل الله فما له من هاد}، أي: من يخذله الله فلا ~~يوفقه للرشاد، فما له من موفق يوفقه له. # ثم قال تعالى: {ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات}، أي: ولقد جاءكم يوسف ~~بن يعقوب من قبل موسى بالآيات الواضحات من حجج الله عز وجل. # قال وهب بن منبه: فرعون موسى هو فرعون يوسف. PageV10P6430 # (قال مالك): عمر (أربعمائة سنة). # وقال غيره: هو غيره. # قيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب. والله أعلم بذلك. # روي أنه أقام فيهم عشرين سنة يدعوهم إلى الإيمان ثم مات. # وقيل: إن هذا من قول موسى، وقيل: هو من قول (مؤمن آل) فرعون. # ثم قال تعالى: {فما زلتم في شك مما جآءكم به}، أي: فلم تزالوا مرتابين ~~فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم {حتى إذا هلك}، (أي: مات يوسف). # {قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا}، أي: قلتم لن يأتينا من بعد يوسف PageV10P6431 # رسول يدعونا إلى الحق. # ثم قال تعالى: {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب}، أي: هكذا يصد الله عز ~~وجل عن إصابة الحق من هو كافر شاك في الحق. # ثم قال تعالى: {الذين ms2263 يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} (أي: كذلك ~~يضل الله الذين يجادلون في حجج الله وآياته بغير حجة أتتهم) من عند الله عز ~~وجل. # ثم قال: {كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} أي: كبر جدالهم مقتا عند ~~الله وعند الذين آمنوا. # {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} أي: كما طبع الله على قلوب ~~المسرفين المجادلين في آيات الله بالباطل، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ~~على الله سبحانه أن يوحده. # {جبار}، أي: متعظم عن اتباع الحق. {آتيهم} [هود: 76]: وقف عند الجماعة. # ثم قال تعالى: {وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب}، (أي: ~~وقال فرعون - لما وعظه المؤمن وزجره عن قتل موسى - لزيره هامان: ابن لي ~~بناء لعلي أطلع عليه فأبلغ (أبواب السماء) وطرقها، وكان أول من بنى بهذا ~~الأجر. PageV10P6432 # قال ابن عباس: أسباب السماوات منازل السماوات. # والأسباب في اللغة: كلما تسبب به إلى الوصول إلى المطلوب. # وقيل: لعلي أبلغ من أسباب السماوات أسبابا أتسبب بها إلى (رؤية إله) ~~موسى. # {وإني لأظنه كاذبا}، أي: أظن موسى فيما يدعى كاذبا. # أشهب عن مالك قال: سمعت أن فرعون عاش (أربعمائة سنة) وأنه أقام (بعدما) ~~أتاه موسى بالآيات وقال: {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] أربعين ~~سنة. # قال مالك قال الله عز وجل: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: ~~178]. # وقال: لم يكن فرعون من بني إسرائيل. # ويروى أن فرعون مكث أربع مائة سنة لم يصدع له رأس، يغدو عليه الشباب ~~ويروح. PageV10P6433 # قال ابن لهيعة: كان فرعون من أبناء مصر واسمه، الوليد بن مصعب بن معان. # ثم قال تعالى: {وكذلك زين لفرعون سواء عمله}، أي: هكذا زين الله عز وجل ~~لفرعون قبيح عمله لما كفر حتى سولت له نفسه بلوغ أسباب السماوات والتطلع ~~إلى (رب العزة). # ثم قال: {وصد عن السبيل}، أي: منع من الاهتداء إلى الحق، أي: منعه الله ~~عز وجل من ذلك لكفره وعتوه. # ثم قال: {وما كيد فرعون إلا في تباب}، أي: وما ms2264 احتيال فرعون ومكرره إلا ~~في خسارة وذهاب وضلال وباطل لا ينتفع بحيلته ومكره. # قوله تعالى: {وقال الذي آمن ياقوم اتبعون} - إلى قوله - {نصيبا من ~~النار}. # أي: وقال لفرعون / المؤمن من قومهم: اتبعون فقولوا مثل قولي تهتدوا إلى PageV10P6434 # الحق والرشاد والصواب. # وقال لهم: {ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} تستمتعون به إلى أجل ثم ~~تفارقونه بالموت. # {وإن الآخرة هي دار القرار}، أي: هي الدار التي تستقرون فيها وتخلدون ولا ~~تموتون فيها، فاعملوا لها. # ثم قال تعالى حكاية عن قول المؤمن: {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، ومن ~~عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب}، أي: من عمل بمعصية الله سبحانه في هذه الدنيا، جوزي بذلك في الآخرة، ~~ومن عمل بطاعة الله عز وجل وهو مؤمن بالله سبحانه فأولئك يدخلون الجنة في ~~الآخرة يرزقهم الله عز وجل فيها بغير حساب. # قال قتادة: لا، والله ما هنالك مكيال ولا ميزان. # قال قتادة: من عمل سيئة شركا بالله عز وجل، ومن عمل صالحا: خيرا. # وقال بعض أهل التأويل: إن المؤمن في هذه الآية هو موسى، قال لهم: PageV10P6435 # {ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد}، إلى أخر الآيات. # وأكثر المفسرين على أنه مؤمن آل فرعون. والله أعلم. # ثم قال تعالى حكاية عن المؤمن أنه قال لهم: # {وياقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار}، أي: إذا آمنتم به ~~وصدقتم رسوله، وأنتم تدعونني إلى عمل أهل النار وهو الكفر بالله عز وجل ~~وبرسوله. # قال مجاهد: إلى النجاة إلى " الإيمان بالله ". # ثم قال تعالى: {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم}، أي: ~~تدعونني للكفر والشرك في عبادة الله سبحانه فأعبد أوثانا لم يأمرني ~~بعبادتها من له الملك والقدرة. # {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار}، أي: أدعوكم إلى عبادة العزيز، أي: ~~العزيز في انتقامه ممن كفر به، الغفار لمن تاب إليه من الشرك وعمل بطاعته. # ثم قال: {لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا ms2265 في ~~الآخرة}، أي: لا محالة أن الذي تدعونني إلى عبادته - وهم الأصنام والأوثان ~~والشياطين - ليس له دعوة (في الدنيا) ولا في الآخرة، أي: لا ينفذ له أمر ~~ولا نهي ولا شفاعة PageV10P6436 # في الدارين. # {وأن مردنآ إلى الله} أي: في الآخرة، منقلبا ومرجعنا إليه. # {وأن المسرفين} يعني: من أسرف فكفر بخالقه سبحانه وعبد معه غيره هو من ~~أصحاب النار. # " وأن " في الثلاثة المواضع في موضع نصب بإسقاط الباء. # وذكر سيبويه أنه سأل الخليل عن لا جرم فقال: لا رد لكلام. # والمعنى: وجب أن لهم النار وحق أن لهم النار. # فالمعنى على هذا: وجب بطلان دعوة ما تدعونني إلى عبادته. # قال مجاهد (وابن جبير والشعبي وغيرهم): المسرفون هم السافكون الدماء بغير ~~حق. PageV10P6437 # وقال قتادة (وابن سيرين) وغيرهما: " المسرفون: المشركون ". # ثم قال: {فستذكرون مآ أقول لكم}، هذه حكاية من الله ( عز وجل) عن مؤمن آل ~~فرعون أنه قال ذلك لفرعون وقومه. # والمعنى: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله عز وجل وحل بكم، صدق ~~ما أقول لكم من أن المسرفين هم أصحاب النار. # ثم قال {وأفوض أمري إلى الله}. # قيل: إنهم تواعدوه بالقتل فقال: أفوض أمري إلى الله، أي: أسلمه إليه ~~وأتوكل عليه. # {إن الله بصير بالعباد}، أي: عالم بأمور عباده، بالمطيع منهم والعاصي ~~فيجازي كلا على ما يجب له. # ثم قال تعالى: {فوقاه الله سيئات ما مكروا}، أي: فوقى الله المؤمن عقاب PageV10P6438 # سيئات، كفرهم في الآخرة. # {وحاق بآل فرعون سواء العذاب}، أي: حل بهم ذلك ونزل بهم. # وقيل: الهاء في " فوقاه الله " تعود على موسى. # ورجوعهما على مؤمن آل فرعون عليه أكثر المفسرين واسم المؤمن حزقيل بن ~~جبال. # روي أنه لما خاطبهم بذلك خاف منهم فهرب إلى الجبل فقصده رجلان ليوقعا به ~~المكروه فلم يقدرا عليه. # ثم بين تعالى سوء العذاب ما هو فقال: النار {يعرضون عليها غدوا وعشيا}، ~~أي: في قبورهم. # قال قتادة: كان قبطيا من قوم فرعون فآمن. قال: وذكر لنا أنه كان بين يدي ~~موسى يومئذ يسير ويقول أين ms2266 أمرت يا نبي الله؟ PageV10P6439 # (فيقول: أمامك، فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟! فيقول له موسى): ~~أما والله ما كذبت ولا كذبت، ثم يسير ساعة (ثم يقول) مثل ذلك ويجاوبه موسى ~~بمثل جوابه الأول حتى انتهى إلى البحر فضربه موسى فانفلق اثنى عشر طريقا، ~~لكل سبط طريق. # وقوله: {وحاق بآل فرعون سواء العذاب} يدل على أن فرعون في أشد ما في ~~العذاب لأن من كان على دينه إذا حل به أشد العذاب فهو أحرى أن يحل عليه أشد ~~من ذلك. # قال السدي: بلغني أن أراوح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار ~~غدوا وعشيا حتى تقوم الساعة. # {غدوا} مصدر جعل ظرفا. PageV10P6440 # وقال حماد بن محمد الفزاري وسأله رجل فقال: رحمك الله، رأينا طيورا تخرج ~~من البحر تأخذ ناحية الغرب - بيضا - فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله، / ~~فإذا كان العشي رجع مثلها سودا؟! # قال: وفطنتم إلى ذلك! قال: نعم. # قال: إن تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا ~~وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سودا، فتنبت عليها من ~~الليل رياش بيضاء، وتتناثر السود، ثم تغدو " يعرضون على النار غدوا وعشيا " ~~ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبها في الدنيا. # فإن كان يوم القيامة قال الله: " ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ". # وكانوا يقولون: كانوا ست مائة ألف مقاتل. # قال قتادة: يعرضون على النار صباحا ومساء. يقال: هذه منازلكم، توبيخا ~~ونقمة وصغارا لهم، قال مجاهد: غدوا وعشيا ما كانت الدنيا. PageV10P6441 # ويدل على أن هذا العرض يكون في الدنيا قوله بعد ذلك: {ويوم تقوم الساعة ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}. # فمن وصل الألف نصب " آل فرعون " على النداء المضاف. # ومن قطعها نصبهم " بأدخلوا ". # وقوله: {سواء العذاب} وقف حسن إن رفعت " النار " على إضمار مبتدأ أو على ~~الابتداء. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " وعشيا "، وهو بعيد، لأن " ويوم تقوم الساعة " ~~منصوب بيعرضون، أي: يعرضون على النار في الدنيا، يوم تقوم الساعة. ومن نصبه ~~" بأدخلوا " حسن أن يقف ms2267 على " وعشيا " PageV10P6442 # وهو حسن. " والعذاب " وقف إن نصبت " وإذ يتحاجون " على معنى: واذكر إذ ~~يتحاجون. وعليه التفسير وهو حسن جيد. # وإن نصبته على العطف على {وأنذرهم يوم الأزفة} [غافر: 18] لم تقف دونه، ~~وهو بعيد لبعد ما بينهما. وقد قال به قوم. # وقوله تعالى: {وإذ يتحآجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا ~~كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار}، أي: واذكر يا محمد إذ ~~يتخاصم في النار الضعفاء من الكفار - وهم التابعون - مع المستكبرين هم ~~المتبعون على الشرك فيقول التابعون للمتبوعين: إنا كنا لكم في الدنيا تبعا ~~على الضلالة والكفر بالله سبحانه، فهل أنتم دافعون عنا حظا من النار، فقد ~~كنا نسارع في محبتكم وطاعتكم في الدنيا، ولولا أنتم لكنا مؤمنين فنسلم من ~~هذا العذاب. # فأجابهم المتبعون: {إنا كل فيهآ}، أي: في النار، فلا نقدر أن ندفع عن ~~أنفسنا شيئا منها ولا عنكم. # {إن الله قد حكم بين العباد}، أي: أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار ~~النار. فلا PageV10P6443 # نحن - مما نحن فيه من البلاء - خارجون ولا هم مما هم فيه من النعيم - ~~منتقلون. # قوله: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم} - إلى قوله - {هو ~~السميع البصير}، أي: وقال أهل جهنم لخزنتها: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب)، أي: قدر يوم من أيام الدنيا. # فأجابتهم الخزنة: {أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات}، أي: بالحجج الظاهرات ~~الدالات على توحيد الله عز وجل. # { قالوا بلى} قد أتتنا بذلك. # قالت لهم الخزنة: {فادعوا}، أي: فادعوا ربكم الذي أتتكم الرسل (من عنده) ~~بالدعاء إلى الإيمان به. # {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}، أي: في خسران، لأنهم لا ينتفعون به ولا ~~يجابون، بل يقال لهم: {قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108]. PageV10P6444 # وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يلقى على أهل ~~النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، ويستغيثون فيغاثون بالضريع {لا ~~يسمن ولا يغني من جوع} فيأكلونه فلا يغني عنهم شيئا، ويستغيثون فيغاثون ~~بطعام ذي ms2268 غصة فيغصون به فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، ~~فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم الحميم بالكلاليب فإذا دنا من وجوههم شواها، ~~فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم وما في بطونهم. ويستغيثون بالملائكة ~~فيقولون: {ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} فيجيبونهم: {أولم تك تأتيكم ~~رسلكم بالبينات}. إلى آخر الآية ". # ثم قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد}، أي: إنا لنعلي كلمة الرسل والمؤمنين وحجتهم على من خالفهم من ~~دينهم بإهلاك من PageV10P6445 # خالفهم والانتقام منهم في الدنيا. # قال السدي: كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا فلا تذهب تلك الأمة ~~الظالمة حتى يبعث الله عز وجل قوما فينتصر بهم لأولئك المقتولين. # وقيل: معنى الآية الخصوص ولفظها عام. # والمعنى: إنه تعالى ينصر من أراد من الأنبياء والمؤمنين ويعطيهم الظفر في ~~الدنيا على من خالفهم. # وامتنعت الآية من العموم لوجودنا أمما قد قتلت المؤمنين والأنبياء. # قال أبو العالية: " ينصرهم بالحجة ". # (وعن أبي الدرداء) يرفعه: " من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقا على الله ~~أن يرد عنه نار جهنم، ثم تلا هذه الآية. {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا}. # وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حمى مؤمنا من منافق PageV10P6446 # يغتابه بعث الله تعالى ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من النار. ومن ذكر ~~مسلما بشيء يشينه به وقفه الله جل وعز على جسر جهنم حتى يخرج مما قال ". # ومعنى /: {ويوم يقوم الأشهاد}. أي: وينصرهم يوم القيامة، يوم يقوم ~~الأشهاد من الملائكة والأنبياء والمؤمنين (على الأمم) المكذبة بأن الرسل قد ~~بلغتهم وأن الأمم كذبتهم، هذا قول قتادة، وقال مجاهد: الأشهاد الملائكة. # ثم قال تعالى: مفسرا يوم " يقوم الأشهاد " ما هو فقال: {يوم لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم}، أي: لا ينفع الكفار اعتذارهم إذ لا يعتذرون إلا بباطل ~~لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا بالرسل والكتب والحجج. فلا حجة لهم إلا ~~الكذب وقولهم والله {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] ". # ثم قال: {ولهم اللعنة}، أي: وللكافرين اللعنة ms2269 من الله عز وجل وهي البعد ~~من رحمته سبحانه. ولهم مع اللعنة {سواء الدار}، أي: عذاب الآخرة. # وأجاز أبو حاتم الوقف على: " في الحياة الدنيا " على أن تنصب " ويوم يقوم ~~الأشهاد " بإضمار فعل. فإن جعلته بدلا أو عطفا لم تقف دونه. PageV10P6447 # وقال غيره الوقف: " الأشهاد ". # ثم قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الهدى}، أي: البيان للحق الذي بعثناه به. # {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب}، أي: التوراة، أي: علمناهم إياها وأنزلناها ~~عليهم. # {هدى وذكرى}، أي: بيانا وتذكيرا، {لأولي الألباب} أي: لأصحاب العقول. # ثم قال تعالى {فاصبر إن وعد الله حق}، أي فاصبر يا محمد لأمر ربك وأنفذ ~~ما أرسلت به. # {إن وعد الله حق}، أي: إن الذي وعدك الله من النصر والتأييد لدينك حق لا ~~بد منه، فربك منجز لك ما وعدك. وقد فعل به ذلك. # ثم قال تعالى: {واستغفر لذنبك}، أي: واسأل ربك أن يستر عليك ذنبك بعفوه ~~ورحمته. # {وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار}، أي: وصل بالشكر منك لربك بالعشي وذلك ~~من زوال من زوال الشمس إلى الليل. والإبكار من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع ~~الشمس. # وقيل: الإبكار هنا: من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى. والأول PageV10P6448 # أعرف عند العرب. # والعشي والإبكار مصدران جعلا ظرفين على السعة، وواحد الإبكار: بكر. ~~والتقدير: في العشي وفي الإبكار. # ثم قال تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم}، أي: ~~يخاصمونك يا محمد فيما أتيتهم به من عند ربك من الآيات بغير حجة أتتهم في ~~مخاصمتك. # {ما هم ببالغيه}، أي: ما في صدورهم إلا كبر يتكبرون من أجله عن اتباعك ~~وقبول ما جئتهم به حسدا وتكبرا. # {فاستعذ بالله}، أي: ليس ببالغين الفضل الذي أتاك الله عز وجل فحدسوك ~~عليه. # وقيل: المعنى: ما في صدورهم إلا عظمة، ما هم ببالغين تلك العظمة، لأن ~~الله عز وجل مذلهم ومخزيهم، قاله مجاهد. # وقال الزجاج: معناه: ما هم ببالغين إرادتهم في محمد صلى الله عليه وسلم. ~~مثل رسل PageV10P6449 # القرية. # وقيل: المعنى: ما هم ببالغين الكبر. # فالمعنى: إنهم قوم رأوا ms2270 أن اتباعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم نقص لجاههم ~~ومختلفته رفعة لهم، فأعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم لا ~~يبلغون الإرتفاع الذي قصدوه بالتكذيب. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فاستعذ بالله}، أي: تعوذ يا محمد ~~بالله من شرهم وبغيهم وحسدهم، وذلك أنها نزلت في اليهود. # قال قتادة: معناه: فاستجر بالله يا محمد من شر هؤلاء الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان، ومن كبرهم. # {إنه هو السميع البصير}، أي: السميع لما يقولون، البصير بأعمالهم. # قوله تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} - إلى قوله - ~~{ولعلكم تعقلون} أي: لا بتداع خلق السماوات والأرض أعظم PageV10P6450 # عندكم من خلق الناس (إن كنتم تستعظمون خلق الناس). # {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله ~~عز وجل، وفي هذا تنبيه من الله عز وجل لمن كذب بالبعث فنبههم أن خلق ~~السماوات والأرض أعظم من خلق الناس بعد موتهم وإعادتههم. # فمن قدر على إحداث السماوات والأرض، ورفع السماوات بغير عمد، وتسخير ~~شمسها وقمرها ونجومها واختلاف ليلها ونهارها وتسخير سحابها وإنزال غيثها ~~وتصريف رياحها، فكيف لا يقدر على خلق الناس وبعثهم بعد موتهم، فذلك أهون ~~على الله وأصغر!. # قال تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا ~~المسياء}، أي وما يستوى الكافر الذي لا يؤمن، والمؤمن في التدبر في آيات ~~الله عز وجل، والإعتبار في وحدانتيه وقدرته، ولا يستوي المؤمن الذي يعمل ~~الصالحات والمسيء، وهو الكافر الذي يعمل بما لا يرضى الله عز وجل به. # {قليلا ما تتذكرون}، أي: قليلا تذكرهم حجج الله سبحانه وآياته وقيل: ~~المعنى: لا يستوي العالم المستدل بآيات الله سبحانه وقدرته على بعث ~~الأموات، والجاهل الذي قد عمي عن الاستدال بذلك / وجهل معرفة الاستدلال ~~والبرهان على قدرة الله سبحانه، كما لا يستوي الأعمى والبصير. # ثم قال تعالى: {إن الساعة لآتية لا ريب فيها}، أي: لا شك فيها، {ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون}، أي: لا يصدقون بقيام الساعة. ms2271 # ثم قال تعالى ذكره {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}، أي: اعبدوني وأخلصوا ~~العبادة لي أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم. PageV10P6451 # قال ابن عباس: ادعوني استجب لكم ووحدوني أغفر لكم. # وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الدعاء هو ~~العبادة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {" وقال ربكم ادعوني} " الآية. # ويدل على أن الدعاء العبادة قوله تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي}، ~~ومعناه: إن الذين يتعظون عن إفرادي بالعبادة والإخلاص لي. # {سيدخلون جهنم داخرين}، أي صاغرين، قاله السدي وأبو عبدة. # وقال السدي: يستكبرون على عبادتي، أي: عن دعائي. # ثم قال تعالى: {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا}. هذا ~~تذكير PageV10P6452 # من الله عز وجل لخلقه على نعمه أنه جعل لهم الليل لتسكن فيه جوارحهم ~~وتهدأ حركاتهم، وجعل النهار مبصرا ليتصرفوا في معايشهم ومنافعهم. # ولم يجعل الليل دائما فيمتنعوا من التصرف (في منافعهم) فيضيعوا، ولا جعل ~~النهار دائما فيمتنعوا من السكون والراحة، بل دبر أحسن تدبير وأتقن أحسن ~~غتقان. # فلا تصلح الألوهية والعبادة (إلا له) لا إله إلا هو. # ثم قال تعالى: {إن الله لذو فضل على الناس}، أي: لذو تفضل عليهم وإحسان ~~بما أمتعهم به من المنافع وحسن التدبير. # {ولكن أكثر الناس لا يشكرون}، أي لا يشكرونه بالطاعة وإخلاص العبادة ~~والشكر على نعمه. # ثم قال تعالى: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو}، (أي: الذي) ~~فعل هذه النصالح لكم وأحسن إليكم هو الله ربكم خالقكم وخالق كل شيء. # {لا إله إلا هو}، أي: لا معبود غيره تصلح له العبادة. PageV10P6453 # {فأنى تؤفكون}، أي: فمن أي وجه تقلبون عن الحق، وإلى أي وجه تذهبون عنه ~~فتعبدون سواه. # ثم قال تعالى: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون}، أي كذهابكم عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وانصرافكم عنه إلى الباطل، ذهاب الذين ~~كانوا من قبلكم يكذبون بحجج الله فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم في الضلال. # {يؤفك}، بمعنى: أفك، لأنه أمر قد ms2272 مضى، ودل على ذلك قوله: {كانوا بآيات ~~الله يجحدون}. # ومعنى " يوفك ": يغلب ويصرف عن الحق. # ثم قال: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسمآء بنآء}، أي جعل لكم الأرض ~~قرارا تستقرون عليها، وتسكنون فوقها، وجعل لكم السماء بناء فرفعها فوقكم ~~بغير عمد ترونها لمصالحكم وقوام دنياكم إلى بلوغ آجالكم. # {وصوركم فأحسن صوركم}، أي: وخلقكم فأحسن خلقكم. # {ورزقكم من الطيبات}، أي: من حلال الرزق وطيبه ولذيذه، هو الله PageV10P6454 # ربكم الذي لا تصلح (الألوهية إلا له ولا تحسن) العبادة لغيره. # ثم قال: {ذلكم الله ربكم}، أي الذي خلق هذه الأشياء لكم وأحسن إليكم، هو ~~الله ربكم لا تصلح الربوبية (إلا له). # {فتبارك الله رب العالمين}، أي: مالك جميع الخلق. # ثم قال تعالى {هو الحي لا إله إلا هو}، أي: لا معبود غيره يستحق العبادة. # {فادعوه مخلصين له الدين}، أي: مفردين له (العبادة والألوهية). # {الحمد لله رب العالمين}، أي: الشكر العام لله مالك جميع الخلق. وكان ~~جماعة من المفسرين يأمرون من قال لا إله إلا الله أن يتبع ذلك الحمد (لله ~~رب العالمين)، امتثالا بهذه الآية لأنها أمر من الله جل ذكره أن يقال ذلك. # قال ابن عباس: " من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها الحمد لله رب PageV10P6455 # العالمين " وكذلك قال ابن جبير. # {فادعوه مخلصين له الدين}: قولوا الحمد لله رب العالمين. # وقرأ أبو رزين: " صوركم " بكسر الصاد، وأصلها الضم. وعلة ذلك عند سيبويه ~~أن جميع فعلة وفعلة قد اشتركا في الإسكان للعين. # في الجمع المسلم. قالوا: ركبة وركبات، فاسكنوا، وأصل الكاف الضم، وقالو: ~~هند وهندات، فأسكنوا، وأصل النون الكسر. فلما اشتركا في ذلك اشتركا في ~~التكسير في الضم والكسر فقالوا: صورة وصور وصور ورشوة ورشا فأدخلوا فعلة في ~~الضم وهو PageV10P6456 # (الفعلة وكذلك) (أدخلوا فعلة) في الكسر وهو الفعلة. # ثم قال تعالى {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله}، أي: قل يا ~~محمد إني نهيت أن أعبد الأوثان والأصنام التي تعبدونها أنتم من دون الله ~~سبحانه. # {لما جآءني ms2273 البينات من ربي}، إني نهيت عن ذلك لما آتتني آيات الكتاب الذي ~~نزل علي من عند ربي. # {وأمرت أن أسلم لرب العالمين} أي: أمرت في الكتاب (الذي أنزل) أن أخلص ~~العبادة والخضوع بالطاعة لرب الخلق ومالكهم وخالقهم ورازقهم. # ثم قال تعالى {هو الذي خلقكم من تراب}، يعني آدم. # {ثم من نطفة ثم من علقة} - إلى آخر الآية، يعني به ذرية آدم وقوله: {ثم ~~لتكونوا شيوخا} هذا جمع للعدد الكثير وحكم القليل فيه " أشيخ " كفلس وأفلس. ~~إلا أنهم استثقلوا الضمة على الياء. فشبهوا باب فعل بفعل. وحق فعل في PageV10P6457 # القليل أن يجمع على أفعال كجمل وأجمال فجمعوا فعلا عند الاستثقال بضمة ~~الياء على " أفعال " فقالوا: أشياخ ". والأصل (أشيخ، ومثله زيد) وأزياد، ~~والأصل أزيد. فإن اضطر شاعر جاز أن يأتي به على أفعال فيقول أزيد وأشيخ كما ~~قالوا: عين وأعين وإنما حسن في أعين في غير الشعر لأنها مؤنثة. والشيخ ما ~~جاوز الأربعين. # وهذه الآية حجة على المشركين وتنبيه لهم على قدرة الله عز وجل. # وأن من قدر على هذه الأشياء قادر على إحياء الموتى، فضرب ذلك لهم ونبههم ~~عليه لعلهم يعقلون ما دعوا إليه فيتوبون من الكفر. # وقوله: {ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا} متعلق بمضمر إذ ليس بمتصل PageV10P6458 # بما قبله في اللفظ. # والتقدير: ثم من علقة، ثم يعمركم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا. # {ومنكم من يتوفى من قبل}، أي قبل هذا كله، وهو السقط وشبهه، نحو الإزلاق ~~وهو ما سقط نطفة، ومثل الإجهاض وهو ما سقط مضغه، والإسقاط ما سقط تام ~~الخلق. # وقد قال الخليل: (الإجهاض: التام) الخلق. وعلى الأول أكثر الناس. # وقوله: {أجلا مسمى}، يعني به أجل الموت للكل، أي: يعمركم لتبلغوا أجل ~~الموت. # وقوله: {أشدكم}، قيل: (ثمان عشرة) سنة. وقال ربيعة (ومالك: الأشد PageV10P6459 # الخلق). وقيل: الأشد: ثلاثة وثلاثون سنة. # قوله تعالى: {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا} - إلى قوله - {فإلينا ~~يرجعون}. # {فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}، أي: فإذا أراد تكوين شيء وحدوثه ~~فإنما يقول له ms2274 كن، فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير معاناة ولا كلفة. ولا ~~مؤنة. # ثم قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون}، (أي: ~~ألم تر) يا محمد إلى هؤلاء المشركين الذين يخاصمونك في حجج الله عز وجل ~~وأدلته من أي وجه يصرفون عن الحق، ويعدلون عن الرشد. # قال ابن سيرين: (إن لم) تكن هذه الآية نزلت في القدرية فإني لا PageV10P6460 # أدري فيمن نزلت. # وروى هذا المعنى عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن زيد وغيره (من المفسرين): هم المشركون. # يدل على هذا قوله بعده: {الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا فسوف ~~يعلمون} فهذا من صفتهم وهو تهدد ووعيد للمكذبين بكتاب الله سبحانه وبما جاء ~~به الرسل. # ثم قال تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في الحميم}، ~~المعنى: فسوف يعلمون إذا ثبتت الأغلال في أعناقهم ماذا ينزل بهم بعد ذلك من ~~العذاب. # وجاءت " إذ " وهي لما مضى مع " سيوف " وهي لما مضى مع " سوف " وهي لما ~~يستقبل، لأن أفعال الله جل ذكره بعباده في معادهم كالكائنة الحالة بهم لصحة ~~وقوع ذلك وكونه. فأخبر عنها وهي لم تكن بلفظ ما قد كان، لصحة وقوعها وثبات ~~كونها، فهي كالكائنة، فلذلك PageV10P6461 # اجتمعت " إذ " و " سوف ". # ولا يجوز هذا المعنى إلا من الله جل ذكره لأنه يعلم ما يكون في غد كعلمه ~~بما كان في أمس. # قال الحسن: ما في جهنم واد ولا صغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا واسم ~~صاحبه عليه مكتوب. ومن رفع السلاسل عطفها على الأغلال. ويتم الكلام على ~~السلاسل. ويكون يسحبون مستأنفا. فإن جعلته حالا جاز، ولم تقف على السلاسل. # وقرأ ابن عباس: والسلاسل بالنصب. " يسحبون " بفتح الياء والتقدير أنه نصب ~~السلاسل يسحبون. PageV10P6462 # قال ابن عباس: وذلك أشد عليهم، يكلفون أن يسحبوها ولا يطيقون. # وأجاز بعضهم والسلاسل بالخفض، عطف على الأعناق "، يحمله على المعنى. (لأن ~~المعنى: أعناقهم في الأغلال والسلاسل، كما حمل على المعنى) قول الشاعر: # قد سالم الحيات ms2275 منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما # لأن ما سالمك فقد سالمته، فكذلك الأعناق في الأغلال والسلاسل هو مثل ~~الأغلال والسلاسل في الأعناق. # وعلى هذا أجاز الكوفيون: قاتل زيد عمرا العاقلان والعاقلين، يرفع ~~العاقلين على النعت لهما، وينصبهما لأنهما فعالان في المعنى مفعولان. # وأجازوا PageV10P6463 # أيضا: قاتل زيد عمرو برفعهما. وفي كتاب الزجاج أن التقدير في جواز خفض ~~السلاسل وفي السلاسل يسحبون والحميم على تقدير: يسحبون في الحميم والسلاسل. ~~ثم يقدم المعطوف على المخفوض. وهو غلط لأن المعطوف على ما فيه حرف الجر لا ~~يقدم. لم يجز أحد مررت وزيد بعمرو. إنما أجازوا هذا / في المرفوع، نحو: قام ~~وزيد عمرو. استقبحوه في المنصوب، نحو: رايت وزيدا عمرا، ولم يجيزوه في ~~المخفوض البتة لأن الفعل غير دال عليه. # ثم قال تعالى {ثم في النار يسجرون}، قال السدي: يسجرون، يحرقون. وقال ابن ~~زيد: توقد عليهم. # وأصله من الملء، يقال: سجرت الشيء إذا ملأته ومنه {والبحر المسجور} ~~[الطور: 6]. PageV10P6464 # فيكون المعنى على هذا. ثم تملأ بهم النار، ومعناه، ثم تملأ بهم النار كما ~~يملأ التنور بالحطب. # ثم قال تعالى: {ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله}، أي: يقال ~~لهم أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياهم من دون الله ينقذونكم مما أنتم ~~فيه من العذاب؟! يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا على ما سلف منهم في الدنيا من ~~عبادة غير الله سبحانه. # فأجاب المشركون عند ذلك {ضلوا عنا}، أي: عدلوا عنه فأخذوا غير طريقنا ~~وتركونا في العذاب. # ثم استدركوا فقالوا: {بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا}، أي: لم نكن نعبد في ~~الدنيا شيئا. # قال الله جل ذكره: {كذلك يضل الله الكافرين}، أي: كما أضل هؤلاء الذين ضل ~~عنهم في الآخرة ما كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله، كذلك يضل الله أهل ~~الكفر به عنه وعن طاعته. # ثم قال تعالى: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تمرحون}، أي: ذلكم الذي حل بكم من العذاب بفرحكم في الدنيا بغير ما أمر ~~الله ms2276 عز وجل به من المعاصي وبرمحكم فيها، والمرح: الأشر والبطر. PageV10P6465 # قال ابن عباس: الفرح هنا والمرح: الفخر والخيلاء والعمل في الأرض ~~بالخطيئة وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله في قارون: {لا تفرح إن الله لا ~~يحب الفرحين} [القصص: 76]. # ثم قال: {ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها}، أي: أبواب جهنم السبعة ماكثين ~~فيها إلى غير نهاية. # {فبئس مثوى المتكبرين}، أي: فجهنم بئس مثوى من تكبر في الدنيا عن عبادة ~~الله عز وجل وطاعته. # ثم قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق}، أي: فاصبر يا محمد على ما تلقى من ~~مشركي قومك ومجادلتهم لك بغير الحق وتكذيبهم، إن الله منجز لك ما وعدك به ~~من الظفر والنصر عليهم، وإحلال العذاب بهم. # {فإما نرينك} يا محمد في حياتك، {بعض الذي نعدهم} من العذاب، {أو ~~نتوفينك} قبل أن يحل بهم ذلك، {فإلينا يرجعون}، أي: إلينا مصيرهم، فنحكم ~~بينك وبينهم بالحق فنخلدهم في النار ونخلدك ومن اتبعك ومن آمن بك في ~~(النعيم المقيم. وهذا كله وعيد من الله عز وجل لقريش وتعزية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وتصبير له. PageV10P6466 # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك} - إلى آخر السورة: أي: ولقد ~~أرسلنا (يا محمد من قبلك) رسلا إلى أممهم، منهم من أنبأناك بخبره، ومنهم من ~~لم ننبئك بخبره. # روي عن أنس أنه قال: عدة الرسل ثمانية آلاف، بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعدهم. منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل. # وروى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعث الله عز ~~وجل أربعة آلاف نبي ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية: بعث الله عز وجل عبدا حبشيا ~~وهو الذي لم يقصص خبره على نبيه صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}، (أي: ليس ~~لرسول ممن تقدمك يا محمد أن يأتي إلى قومه بآية فاصلة بينه وبينهم إلا بإذن ~~الله له) بذلك فيأتيهم بها. PageV10P6467 # وهذا تنبيه من الله عز وجل ms2277 لنبيه عليه السلام أنه ليس له أن يأتي قومه ~~بما يسألونه من الآيات دون إذن الله عز وجل له بذلك. # ثم قال تعالى: {فإذا جآء أمر الله قضي بالحق}، (أي: فإذا (جاء قضاء) الله ~~بين الأنبياء والأمم قضي بينهم بالعدل، فينجي رسله والمؤمنين، ويهلك، ~~هنالك، المبطلون، أي: الكاذبون على الله سبحانه. # ثم قال تعالى: {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها} أي: خلق لكم ~~الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير وغير ذلك من البهائم لتركبوا منها، ~~يعني: الخيل والإبل والحمير والبغال. # {ومنها تأكلون}، يعني: الإبل (والغنم والبقر). # التقدير عند الطبري: لتركبوا منها بعضا، ومنها بعضا تأكلون ثم حذف ذلك ~~استغناء بدلالة الكلام على ما حذف. # ثم قال {ولكم فيها منافع}، يعني: الأنعام، وذلك جعلهم من جلودها بيوتا ~~ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. PageV10P6468 # وذكر الزجاج أن الأنعام هنا: الإبل، يركبونها ويأكلون لحومها ويستمتعون ~~بجلودها وأوبارها. وهذه الآية. تدل على إباحة أكل لحوم الإبل عند من جعلها ~~خصوصا في الإبل. # وقد قال تعالى في غيرها مما لا يؤكل: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} ~~[النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها. # ثم قال تعالى {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم}، أي: ولتبلغوا بالحمولة ~~على بعضها - يعني: الإبل - حاجة في صدوركم لم تكونوا لتبلغوها لولا هي إلا ~~بشق الأنفس، كما قال: {" وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس "} [النحل: 7]. PageV10P6469 # ثم قال: {وعليها وعلى الفلك تحملون}، أي على الإبل. # وما شابهها من الأنعام في البر، وعلى السفن في البحر تحملون. # {ويريكم آياته}، أي حججه / وأدلته على وحدانيته. # {فأي آيات الله تنكرون}، أي: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في ~~السماء والأرض - تنكرون صحتها فتكذبوا - من أجلها فسادها - بتوحيد الله ~~سبحانه. # ثم قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم}، أي: أفلم يسافر قومك - يا محمد - من قريش فينظروا آثار الأمم التي ~~كذبت الرسل من قبلهم كيف بادوا وهلكوا، فيخافون أن ينزل بهم بتكذيبهم إياك ~~فيما جئتهم به مثل ms2278 ما نزل بمن كان قبلهم من الأمم المكذبة لأنبيائها. # {كانوا أكثر منهم وأشد قوة}، أي: كانت الأمم المهلكة قبلهم بالتكذيب أكثر ~~من قريش. # {وأشد قوة وآثارا في الأرض}، أي: أكثر عددا وأكثر آثارا بالبناء والحرث PageV10P6470 # والعمل من قريش. # {فمآ أغنى عنهم}، أي: عن الأمم الماضية. # {ما كانوا يكسبون} من الأموال والأولاد والبناء والعمل بل أهلكوا ودمروا ~~بتكذيبهم الرسل وكفرهم. (فماذا ينتظر) قومك يا محمد مع تكذيبهم بما جئتهم ~~به، وهم دون أولئك في القوة والكثرة والآثار في الأرض من البناء (والتصرف ~~والحرث) وغير ذلك. وهذا كله تنبيه وتهدد لقريش. # ثم قال تعالى: {فلما جآءتهم رسلهم بالبينات}، يعني: الأمم الماضية، ~~جاءتهم رسلهم بالآيات الواضحات. {فرحوا بما عندهم من العلم} لجهالتهم. # {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}، أي: وحل بهم عقاب استهزائهم بما جائتهم ~~به الرسل واستعجالهم للعذاب. # والمعنى: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا، نحو قوله تعالى: {يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا} [الروم: 7]. PageV10P6471 # وقيل: الضمير في " فرحوا " للرسل، أي: فرح الرسل بما عندهم من العلم أن ~~الله مهلك من كفر بهم وكذبهم، وناصر دينهم، فينجي الأنبياء ومن آمن بهم ~~ويهلك الكفار. # وقيل: في الكلام حذف. والتقدير: فلما جاءت الرسل قومها كذبوهم فأوحى الله ~~عز وجل إليهم أنه معذبهم، ففرحوا بما أوحى إليهم من هلاك من كذبهم، فالضمير ~~للرسل في " فرحوا "، والضمير في " حاق بهم " للمكذبين للرسل. # ثم قال تعالى: {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده}، أي: لما رأت ~~الأمم المكذبة للرسل عذاب الله عز وجل وانتقامه الذي وعد الرسل بإيقاعه على ~~من كذبهم، قالوا أمنا بالله وحده، أي: أقررنا بتوحيد الله وكفرنا بما كنا ~~به مشركين من الأصنام والأوثان). # قال الله جل ذكره: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} أي: لم ينفعهم ~~التوحيد عند معاينتهم العذاب. # {سنت الله التي قد خلت في عباده}، أي: سن الله ذلك سنة فيمن تقدم من ~~عباده أنه من آمن عند معاينة العذاب لم ينفعه ذلك. # {وخسر هنالك الكافرون}، أي: وهلك عند معاينة ms2279 العذاب من تمادى على كفره PageV10P6472 # حتى حل به العذاب، فلم ينفعهم إيمانهم عند المعاينة العذاب لأنهم مضطرون ~~إلى ذلك حين عاينوا العذاب وإنما كان ينفعهم الإيمان لو آمنوا قبل معاينتهم ~~ما يلجئهم إلى الإيمان ويضطرهم. # فكذلك فعل الله عز وجل فيمن خلا من عباده، لا يقبل إيمانهم عند معاينتهم ~~العذاب واضطرارهم إلى الإيمان، فهو قوله تعالى {سنت الله التي قد خلت} في ~~عباده ". PageV10P6473 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فصلت # سورة حم السجدة مكية # قوله تعالى: {حم* تنزيل من الرحمن الرحيم} - إلى قوله - {ذلك رب ~~العالمين}. قد تقدم القول في حم. # وقوله: {تنزيل}، أي: هو تنزيل، يعني: هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن ~~الرحيم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال: {كتاب فصلت آياته}، أي: هو كتاب فصلت آياته بالحلال والحرام، ~~والفرائض والأحكام. وهو قول قتادة. # (وقال الحسن): فصلت بالوعد والوعيد. PageV10P6475 # وقال مجاهد: فصلت: فسرت. # وقيل: " كتاب " ارتفع على أنه خبر لتنزيل. # وقيل: معنى فصلت آياته: أنزلت شيئا بعد شيء، ولم تنزل إلى الدنيا مرة ~~واحدة. # ثم قال تعالى: {قرآنا عربيا}، نصب " قرآنا على الحال، أي: فصلت آياته في ~~حال جمعه، وقيل: نصبه على المدح، والمعنى أنه ليس بأعجمي بل هو عربي. # وهذا يدل على بطلام قول من قال: إن فيه من لغة العبريانية والنبطية ما لم ~~تعرفه العرب. بل الذي فيه من ذلك قد أعربته العرب وغيرته بلسانها فصار من ~~لغتها. PageV10P6476 # (فصار كل) القرآن عربيا. # ويدل أيضا هذا على بطلان قول من قال: إن في معاني باطنة لا تعلمها العرب ~~فكيف ينزل بلغتها وهي لا تفهمه. # ثم قال تعالى: {بشيرا ونذيرا}، أي: يبشرهم - إن آمنوا وعملوا بما أمروا - ~~بالخلود في الجنة وينذرهم - إن عصوا أو كفروا - بالخلود في النار. # وقوله: {لقوم يعلمون}، معناه: لقوم يعقلون ما يقال لهم. # وهذا يدل على أن الله جل ذكره إنما خاطب العقلاء البالغين، وإن من أشكل ~~عليه شيء من أمر دينه وجب عليه أن يسأل من يعلم. # ثم قال تعالى: {فأعرض أكثرهم ms2280 فهم لا يسمعون}، أي: فأعرض كثير منهم عن ~~الإيمان واستكبروا عن قبول ما جاءهم به محمد عليه السلام؛ فهم لا يصغون له ~~فيسمعون ما فيه، استكبارا. # وقيل: معنى لا يسمعون، لا يقبلون ما جاءهم من عند الله عز وجل. # " ويروى أن قريشا اجتمعت في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم عتبة ~~بن ربيعة - وكان مقدما في قريش، قد قرأ الكتب وقال الشعر وعرف الكهانة ~~والسحر - أنا أمضي إلى محمد فاستخبر أمره لكم. فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو عند المقام بمكة، فقال: يا محمد، إن كنت PageV10P6477 # فقيرا جمعنا لك من أموالنا ما نغنيك به، وإن أحببت الرياسة رأسناك علينا. ~~. . وعدد عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت. فلما فرغ عتبة من كلامه ~~قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: " { بسم الله الرحمن الرحيم حم* تنزيل من ~~الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته} - إلى - {فهم لا يسمعون}، فقرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد} - حتى بلغ - ~~{وثمود}، فلما سمع عتبة ذلك وثب خائفا فوضع يده على فم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وناشده بالرحم إلا سكت، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وانصرف عنه ~~إلى منزله، وأبطأ على قريش. # فقالت قريش: صبأ عتبة إلى دين محمد! امضوا بنا إليه. فجاؤوا منزل عتبة ~~فدخلوا وسلموا وسألوه. فقال: يا قوم، قد علمتم أني من أكثركم مالا وأوسطكم ~~حسبا، وأني لم أترك شيئا إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله يا قوم، لقد ~~قرأ علي محمد كلاما ليس بشعر (ولا رجز) ولا سحر ولا كهانة، ولولا ما ناشدته ~~الرحم ووضعت يدي على فمه لخفت أن ينزل بكم العذاب ". PageV10P6478 # قال أبو محمد: وهذا يدل على إعجاز القرآن، فلو كانوا يقدرون على مثله أو ~~على شيء منه لعارضوه به ولاحتجوا عليه بذلك. # ثم قال تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه}، أي: وقال ~~المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم قلوبنا في أوعية قد تغطت بها فلا تفهم ~~عنك ms2281 ما تقول لها كقول اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: قلوبنا لف وواحد ~~الاكنة كنان. # {وفي آذاننا وقر}، أي: صمم، فلا تسمع منك ما تقول كراهة لقولك. # قال مجاهد: في أكنة: " كالجعبة للنبل "، وقال السدي: في أكنة: في أغطية. # ثم قال تعالى: حكاية عنهم: {" ومن بيننا وبينك حجاب} "، أي: حاجز فلا ~~نجامعك على شيء مما تقول، نحن نعبد الأصنام وأنت تعبد الله سبحانه. فهذا هو ~~الحاجز الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قالوا له: {فاعمل إننا عاملون}، أي: فاعمل يا محمد بدينك، إننا عاملون ~~بديننا، ودع ما تدعونا إليه من دينك وندع دعاءك إلى ديننا. # وقيل: المعنى: فاعمل في هلاكنا وضرنا إنا عاملون في مثل ذلك منه. PageV10P6479 # ثم قال الله جل ذكره لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد جوابا لهم على ~~قولهم لك: {قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد} "، أي: ~~إنما أنا من ولد آدم مثلكم في الصورة والحال، أوحى الله إلي أن معبودكم ~~الذي تجب له العبادة والخضوع واحد لا إله غيره. # {فاستقيموا إليه}، أي استقيموا على عبادته ولا تعبدوا غيره. # {واستغفروه} على ما سلف من فعلكم في عبادتكم الأصنام من دونه وتوبوا إليه ~~من ذلك. # ثم قال تعالى: {وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة}، أي: (وقيوح) ~~وصديد أهل النار لمن ادعى أن لله شريكا لا إله إلا هو. # وقوله: {الذين لا يؤتون الزكاة}، (معناه: الذين لا يعطون لله طاعة تطهرهم ~~من الذنوب وتزكي أعمالهم، وهذا معنى قول ابن عباس وروي عنه أنه قال: الذين ~~لا يؤتون الزكاة، أي): لا يشهدون ألا إله إلا الله. PageV10P6480 # وقال عكرمة: معناه: الذين لا يقولون لا إله إلا الله. # وقال قتادة: معناه: الذين لا يقون بفرض زكاة أموالهم ولا يؤمنون بفرض ذلك ~~عليهم، وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها ~~هلك، وقد قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أهل الردة على منعهم الزكاة مع ~~إقرارهم بالصلاة. وقال رضي ms2282 الله عنه: والله لو منعوني عقالا مما فرض الله ~~ورسوله لقاتلتهم عليه. # قال السدي: لو زكوا وهم مشركون لم تنفعهم. # وروى نافع عن ابن عمر: الذين لا يؤتون الزكاة: التوحيد. # وقال الربيع بن أنس: معناه، الذين لا يزكون أعمالهم فينتفعون بها. # قال الحسن: " عظم الله عز وجل شأن الزكاة فذكرها. فالمسلمون يزكون ~~والكفار لا يزكون، والمسلمون يصلون والكفار لا يصلون ". PageV10P6481 # وقال الزجاج: معناه: لا يؤمنون بأن الزكاة حق واجب عليهم. # ثم قال تعالى: {وهم بالآخرة هم كافرون}، أي: وهم مع تركهم لإخراج زكاة ~~أموالهم وكفرهم بأن الزكاة واجبة لا يصدقون بالبعث والجزاء. # ثم قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون * قل ~~أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالم}، ~~أي: إن الذين صدقوا، الله ورسوله وعلملوا بما أمرهم الله عز وجل ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم وانتهوا عما نهوا عنه لهم الجنة. # قال ابن عباس: غير ممنون: غير منقوص، وقال مجاهد: " غير محسوب ". # وقيل: غير مقطوع، بل نعيمهم أبدا لا ينقطع. # يقال: (مننت الحبل) إذا قطعته، (وقد منه السفر إذا) قطعه. # وقيل معناه: لهم أجر لا يمن عليهم به من أعطاهم إياه، لأنه قد وعدهم به، ~~ووعده تعالى ذكره حق عليه إتمامه. فلا منة تلحقهم في إتمام ما وعدهم به. PageV10P6482 # ثم قال تعالى: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين}. هذا تقرير ~~وتوبيخ للمشركين. # والمعنى: أتكفرون (بالله الذي) ابتدع خلق الأرضين السبع في يومين. # {وتجعلون له أندادا}، أي: أمثالا تعبدونهم (من دون الله) {ذلك رب ~~العالمين}، أي: الذي ابتدع خلق الأرضين السبع في يومين مع غلظها وعظمها، ~~وطولها وعرضها، وثبتها تحت أقدام الخلق حتى تصرفوا عليها، فهو خالق جميع ~~الخلق ومالكهم، وله تصلح العبادة لا لغيره، واليومان هما: يوم الأحد ~~والإثنين. # قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود حين سألوه عن ذلك: # " خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين) وخلق الجبال وما فيهن من منافع ~~يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء ms2283 الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب. ~~فهذه أربعة أيام " وهو قوله " {وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين} [فصلت: 10] "، أي: لمن سأل عن ~~ذلك. " وسواء " مصدر عند سيبويه، أي: استوت استواء. PageV10P6483 # وقد (قرئ " سواء ") بالخفض على النعت لأربعة أيام، ورويت عن الحسن على ~~معنى مستويات ومثله: رجل عدل، أي عادل. # وقرأ أبو جعفر بالرفع على معنى: هي سواء. # قوله تعالى: {" وجعل فيها رواسي من فوقها} - إلى قوله - {طآئعين "}. # أي: وجعل في الأرض جبالا تثقلها أن تميل) بمن فوقها، وذلك يوم الثلاث على ~~ما تقدم ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لليهود حين سألوه: " وخلق يوم ~~الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ~~ساعات (بقين) منه، PageV10P6484 # (فخلق في أول ساعة من الثلاث: الآجال حين يموت من مات)، وفي الثانية ألقى ~~الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وخلق في الثالثة آدم وأسكنه الجنة ~~وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة ". # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن اليهود قالت له بعدما أجابهم بهذه ~~الجوابات، ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى (على) العرش قالوا (قد أصبت) لو ~~أتممت فقلت: ثم استراح! فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم غضبا شديدا ~~وأنزل الله عز وجل عليه: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون} [ق: 38 - 39]. # وقال ابن عباس: خلق الله يوما واحدا سماه الأحد، ثم خلق ثانيا سماه ~~الأثنين، ثم خلق ثالثا سماه الثلاثاء، ثم رابعا (سماه الأربعاء)، ثم خامسا ~~سماه PageV10P6485 # الخميس. قال: فخلق الله عز وجل الأرض في يومين الأحد والأثنين، وخلق ~~الجبال يوم الثلاثاء - فلذلك يقول الناس: هو يوم ثقيل - وخلق الأنهار ~~والأشجار يوم الأربعاء، وخلق الطيور والوحوش والهوام والسباع يوم الخميس، ~~وخلق الإنسان - وهو آدم - يوم الجمعة ففرغ من خلق كل شيء يوم الجمعة. # وقال ms2284 أبو هريرة: " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: " خلق ~~الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم ~~الاثنين، وخلق المكروه، يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء، وبث الدواب ~~يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق في آخر ساعة من يوم ~~الجمعة "، وعن ابن عباس PageV10P6486 # وعبد الله بن سلام أنهما قالا: ابتدأ الله جل ذكره خلق الأرض يوم الأحد، ~~فخلق سبع أرضين في يوم الأحد ويوم الإثنين، ثم جعل في الأرض رواسي، وشق ~~الأنهار، وخلق الشجار، وجعل المنافع في يومين: يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، ~~ثم استوى إلى السماء فجعلها سبع سماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة # . قال ابن عباس: ولذلك سميت يوم الجمعة لأنها اجتمع فيها الخلق. # قال ابن سلام: فقضاهن سبع سماوات وفي آخر ساعة من يوم الجمعة، ثم خلق آدم ~~فيها على عجل وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. # قال مجاهد: كل يوم كألف سنة مما تعدون. # قال بعض العلماء: لو أراد الله تعالى ذكره لخلقها كلها في وقت واحد، ~~ولكنه أراد ما فيه الصلاح، وذلك لتتبين ملائكته أثر الصنعة شيئا بعد شيء ~~فتزداد في PageV10P6487 # بصائرها. # وقوله تعالى / {وبارك فيها}، معناه: جعلها دائمة الخير لأهلها. # وقال السدي: بارك فيها، أي أنبت شجرها. # وقيل: معناه: زاد فيها من صنوف ما خلق من الأرزاق وثبته فيها. # والبركة: الخير الثابت. # وقوله: {وقدر فيهآ أقواتها}، أي قدر فيها أرزاق أهلها ومعايشهم قاله ~~الحسن وابن زيد. # وقال قتادة: أقواتها: صلاحها. # وعن قتادة أيضا: وقدر فيها أقواتها، أي: خلق فيها جبالها وبحارها وشجرها ~~وساكنها من الدواب كلها. # وقال مجاحد: وقدر فيها أقواتها، يعني: من المطر (الذي به تنبت) الأقوات PageV10P6488 # لجميع الخلق. # وقال عكرمة: " وقدر فيها أقواتها "، معناه: قدر في كل بلد منها ما لم ~~يجعله في الآخر منها ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد، ينقل من ~~بلد إلى بلد ما ليس في أحدهما من المتاع والطعام وغيره. # وروي مثل هذا ms2285 عن مجاهد أيضا، وهو قول الضحاك. # وقوله: {في أربعة أيام}، أي: خلق (ذا وذلك) في أربعة أيام؛ أي: خلق الأرض ~~والجبال، وبارك في الأرض وقدر فيها أقواتها، كل ذلك خلقه في أربعة أياك، ~~أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الأربعاء. # وقد غلط قوم فأضافوا أربعة أيام كاملة إلى اليومين المتقدمين. وهذا PageV10P6489 # كقولك: بنيت الدار في يومين وأتمتها وفرغت من جميع إصلاحها في ثمانية ~~أيام، فاليومان داخلان في الثمانية وبهما تمت الثمانية (لأنها) (كلها كشيء) ~~واحد كما كانت الأرض وما فيها من مصالحا شيئا واحدا. فدخلت العدة الأولى في ~~الثمانية. # ولو قلت: اشتريت الدار في يومين، والعبيد والثياب في أربعة أيام، لم تدخل ~~اليومان في الأربعة لاختلاف أنواع المشترى، ولا يكون ذلك إلا ستة أيام. ~~فاعرف الفرق. # وقوله: {سوآء للسآئلين} "، أي: سواء لمن سأل عن مبلغ الأجل الذي خلق الله ~~فيه الأرض والجبال والشجر والأنهار والبحار وقدر الأقوات وغير ذلك من ~~المنافع، قاله قتادة والسدي، وهو معنى قول ابن عباس. # وقيل: معناه: سواه لمن سأل ربه شيئا مما به الحاجة إليه من الأرزاق، فإن ~~الله PageV10P6490 # قدر له الأقوات في الأرض على ما قدر مسألته، وكذلك قدر لكل سائل؛ قاله ~~ابن زيد. # وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وقدر فيها أقواتها سواء ~~للمحتاجين. وإليه نزع ابن زيد في قوله. وهو اختيار الطبري. # فالمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء لسائليها على ما بهم الحاجة إليه وما ~~يصلحهم، وقد تقدم الكلام في إعراب " سواء " وقراءته. # ولو شاء رجل جل ذكره لخلق جميع ذلك وأضعافه في وقت واحد، وهو الوقت الذي ~~لا وقت أسرع منه، ولا أقل تقضيا منه، فهو على ذلك قادر، وإنما خلق جميع ذلك ~~شيئا بعد شيء لتستدل ملائكته استدلالا بعد استدلال على قدرته. والله أعلم ~~بذلك. # ثم قال تعالى: {" ثم استوى إلى السمآء وهي دخان}، أي: ثم ارتفع إلى ~~السماء ارتفاع قدرة لا ارتفاع نقلة. # " وهي دخان "، روي أن الدخان كان من تنفس السماء. PageV10P6491 # {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ms2286 أتينا طآئعين}، أي: قال لهما ~~جيئا بما خلقت فيكما. أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر ~~والنجوم، وأما أنت يا أرضي فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات ~~وتشقق عن الأنهار، فقالتا: أتينا طائعين بما أحدث فينا من خلقك، هذا معنى ~~ما روى مجاهد عن ابن عباس. # ومعنى إخباره تعالى عن السماء والأرض بالقول أنه جعل تبارك وتعالى فيهما ~~ما يمزان به ويجيبان عما قيل لهما وذلك لا يعجزه تعالى إذا أراده. # وقال المبرد: هذا إخبار عن الهيئة، أي: صارتا في هيئة من قال ذلك بتكوينه ~~تعالى لما أراد فيهما، كقول الشاعر: امتلأ الحوض، وقال: قطى، أي: صار في ~~هيئة من يقول ذلك. PageV10P6492 # وقيل: معناه أنه أخبرنا الله ( عز وجل) بما نعرف من سرعة الإجابة طائعين ~~فخبر عن السماوات والأرض بسرعة التكوين على ما أراد وأما قوله: {طآئعين}، ~~فقال الكسائي معناه: أتينا بمن فينا طائعين. # وقيل: إنما جاء ذلك بالياء والنون لأنه أخبر عنهما كما يخبر عمن يعقل من ~~الذكور فجاء على لفظ الإخبار عمن يعقل. # قال ابن عباس: خلق الله الأرض أولا، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، فلذلك ~~قال: {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30]. # قال وهب بن منبه: خلق الله تعالى الريح فسلطها على الماء فضربت الماء حتى ~~صار أمواجا وزبدا، فجعل يفور من الماء دخان ويصعد في الهواء، فأمر الله ~~تبارك وتعالى الزبد فجمد فمنه الأرض، وأمر الأمواج فجمدت فجعلها جبالا ~~رواسي، {ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتآ أتينا طآئعين / PageV10P6493 # فقضاهن سبع سماوات في يومين} ". وكانت السماء ملتصقة بالأرض فأرمها ~~فارتفعت من الأرض على الهواء. {وأوحى في كل سمآء أمرها} [فصلت: 12]. وقال ~~للسماء الدنيا: كوني زمردة خضراء، وللثانية كوني فضة بيضاء، والثالثة كوني ~~ذرة حمراء، وللرابعة كوني ذرة بيضاء وللخامسة: كوني ذهبة حمراء، وللسادسة: ~~كوني ياقوتة صفراء، وللسابعة: كوني نورا على نور يتلألأ، وفي كل سماء ~~ملائكة قد طبقها بهم بين راكع وباك ومسبح ms2287 قائم. # قوله تعالى: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} - إلى قوله - {وكانوا يتقون}، ~~أي: فأحكمهن، وفرغ من خلقهن سبع سماوات في يومين، وذلك: يوم الخميس ويوم ~~الجمعة. # قال السدي: ثم استوى إلى السماء وهي دخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها ~~سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وإنما ~~سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيها خلق السماوات والأرض. # وقوله: {وأوحى في كل سمآء أمرها}، معناه: وألقى. في كل سماء ما أراد. من ~~الخلق. قال مجاهد، معناه: وألقى في كل سماء ما أمر به وأراده. PageV10P6494 # وقال السدي: معناه: وخلق كل سماء من الملائكة والبحار والجبال ما أراد ~~مما لا يعلم. # وقال قتادة: معناه: وخلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها. # وقيل: المعنى: وأوحى في كل سماء من الملائكة بما أراد من أمرها. # ثم قال تعالى: {وزينا السمآء الدنيا بمصابيح}، يعني: بالكواكب. # قال السدي: جعل النجوم زينة وحفظا من الشياطين. # وانتصب " حفظا " على المصدر. قال الأخفش: معناه: وحفظناه حفظا. لأن جعله ~~فيها الكواكب يدل على أنه حفظها، لأنه اسم عطف على فعل فلا بد من إضمار فعل ~~لتعطفه على الفعل الذي قبله وتنصب به حفظا. # وقيل: التقدير: وجعلنا المصابيح حفظا من استراق السمع. وهذا كله مردود ~~على أول الكلام في المعنى. والتقدير: قل ائنكم لتكفرون بمن هذه قدرته، ~~وتجعلون له PageV10P6495 # أمثالا وأشكالا تعبدونها من دونه. # وقوله: {ذلك تقدير العزيز العليم}، أي: جميع ما ذكر من الخلق والآيات من ~~تدبير العزيز في نقمته من إعدائه العليم بسرائر خلقه وبكل شيء، لا إله إلا ~~هو. # ثم قال تعالى: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}، أي: ~~فإن أعرض قومك من قريش يا محمد عنك وعما جئتهم به، فلم يؤمنوا به، فقل لهم: ~~أنذرتكم أيها الناس صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد (وثمود. # وقرأ أبو عبد الرحمن والنهعي: صعقة مثل صعقة عاد). # والصعقة: كل ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته. وكذلك الصاعقة. # قال قتادة: معناه: فقل (لهم يا محمد): أنذركم وقيعة ms2288 مثل وقيعة عاد وثمود. # وقال السدي: معناه: أنذركم عذابا مثل عذاب عاد وثمود. # {إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم}. PageV10P6496 # العامل في " إذ: " الصاعقة. # والمعنى: حين جاءتهم الرسل من بين أيدي الرسل ومن خلف الرسل (يعني: جاءت ~~الرسل أبناء الذين أهلكوا بالصاعقة ومن خلف الرسل) الذين بعثوا إلى آبائهم. ~~وذلك أن الله جل ذكره بعث إلى عاد: هودا، فكذبوه من بعد رسل قد كانت تقدمت ~~إلى آبائهم أيضا فكذبوها فأهلكوا. # قال ابن عباس: معناه: أنه يريد الرسل التي كانت قبل هود، (والرسل التي ~~كانت بعد هود)، بعث الله عز وجل قبله رسلا، (وبعده رسلا) بأن لا يعبدوا إلا ~~الله فقالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة يدعوننا إلى الإيمان به ولم يرسلكم ~~وأنت بشر مثلنا، ولكنه رضي بعبادتنا، فنحن بما أرسلتم به كافرون. # وقال الضحاك: الرسل الذين من بين أيديهم: من قبلهم، والذين من خلفهم، ~~يعني: الذين بحضرتهم. PageV10P6497 # فيكون الضمير الذي في " خلفهم " يعود على الرسل، وهو مذهب الفراء. # وقيل: الذين بين أيديهم، يعني: الذين بحضرتهم، (والذين من خلفهم، يعني:) ~~الذي من قبلهم. # وقيل: هذا على التكثير، والمعنى: جاءتهم الرسل من كل مكان بأن لا يعبدوا ~~إلا الله. # وقوله تعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا ~~قوة} أي: استكبروا عن أمر ربهم وتجبروا وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم ~~الله من عظم الخلق وشدة البطش، ونسوا أن الذي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو ~~أشد منهم قوة، فجحدوا بآيات / الله عز وجل وكفروا بها. # فقوله: {وكانوا بآياتنا يجحدون} معطوف على " فاستكبروا " " وقالوا " وما ~~بينهما اعتراض. # قال الله جل ذكره: {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا}. # قال مجاهد: أرسل ريحا شديدة (السموم) عليهم. PageV10P6498 # وقال قتادة والسدي: ريحا صرصرا: باردة)، وزاد السدي: ذات صوت. وقال أبو ~~عبيدة: ريحا شديدة الصوت عاصفة. # وأصل الصر في كلام العرب: البرد. # قال ابن القاسم: قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها: هرطة: ~~أي عذاب الله أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، ms2289 وسلامته ورحمته: ليلة لا ريح ~~فيها، ولقد رأيت العير تحملها الريح فيما بين السماء والأرض. # ويقال: ما فتح عليهم إلا مثل حلقة الخاتم، ولو فتح عليهم مثل منخر الثور ~~لأكسبت الأرض. PageV10P6499 # وقوله: {في أيام نحسات}. # قال ابن عباس: نحسات: متتابعات. وقال مجاهد: نحسات: مشائم. # وقال قتادة: نحسات: (مشائم نكدات). # وقال ابن زيد: نحسات/ ذات شر، ليس فيها من الخير شيء. # وقال الضحاك: نحسات: شداد. # {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا}، أي: عذاب الهوان في الدنيا. # {ولعذاب الآخرة أخزى}، أي: أشد (هوانا). # {وهم لا ينصرون}، أي: لا ينصرهم ناصر من عذاب الله فينقذهم. # ثم قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، أي: وأما ~~ثمود) فبينا لهم سبيل الحق وطريق الرشاد. # قال ابن عباس: فهديناهم: بينا لهم ". # (وقال قتادة: فهديناهم: بينا لهم سبيل الخير) والشر. PageV10P6500 # وقال ابن زيد: فهديناهم: أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يتبعوا ~~الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى فاستحبوا الضلالة على الهدى واختاروها. # وقال الضحاك: فهديناهم: أخرجنا لهم الناقة تصديقا لما دعاهم إليه صالح، ~~فاستحبوا الكفر على الإيمان. # وقال السدي: فاختاروا الضلالة والعمى على الهدى، وهو قول ابن زيد وغيره. # والرفع في " ثمود " عند سيبويه مثل: زيد ضربته. # وقيل: إن النصب الإختيار، لأن " أما " فيها معنى الشرط. # والشرط بالفعل أولى، وبه يكون، فلا بد من إضماره، فيعمل في ثمود PageV10P6501 # فينصبه. # وقرأ ابن أبي إسحاق بالنصب. ورويت أيضا عن الأعمش وعاصم وذلك على إضمار ~~فعل مثل: زيدا ضربته. # ثم قال: {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون}، أي: فأخذهم العذاب (المذل ~~المهين)، فأهلكهم بما كانوا يكسبون من الكفر. # ثم قال: {ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}، أي: ونجينا المؤمنين من ~~العذاب الذي نزل بالكفار من عاد وثمود. # قوله تعالى: {ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار} - إلى قوله - {من ~~المعتبين}، أي: واذكر يا محمد نحشر هؤلاء المشركين وغيرهم من أعداء الله ~~إلى نار جهنم. # {فهم يوزعون}، أي: يحبس أولهم على آخرهم قاله السدي وقتادة وغيرهما. PageV10P6502 # قال أبو الأحوص: " فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر ms2290 جرما ". # قال أبو عبيدة: يوزعون: يدفعون. # يقال: وزعه يزعه، ويزعه، إذا كفه وحبسه. # ثم قال تعالى: {حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم}. ~~هذا الكلام فيه حذف مفهوم، واختصار بليغ، (وهذا أمر معجز) القرآن. # والتقدير: حتى إذا جاءوا النار سئلوا عن كفرهم وجحودهم، فأنكروا بعد أن ~~شهد عليهم النبيئون والمؤمنون، فعند ذلك تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا ~~يعملون في الدنيا. # وأكثر المفسرين على أن الجلود هنا: الفروج. كنى عنها كما كنى عن PageV10P6503 # النكاح بالمس. # وقيل عنى بها الجلود بعينها، وهو اختيار الطبري لأنه الأشهر المستعمل في ~~كلام العرب، ولا يحسن نقل المعروف في كلامها إلى غيره إلا بحجة ودليل يجب ~~له التسليم. # قال ابن مسعود (رضي الله عنه) يجادل المنافق عند الميزان ويدفع الحق ~~ويدعي الباطل فيختم على فيه، ثم تستنطق جوارحه فتشهد عليه، ثم يطلق عنه ~~فيقول: بعدا لكن وسحقا، إنما كنت أجادل عنكن. # ثم قال تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا}، (أي: وقال المشركون PageV10P6504 # للجلود لما أنطقها الله بالشهادة عليهم لم شهدتم علينا) فأجابتهم. # {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} فنطقنا. # " روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك ذات يوم يا رسول الله؟ قال: ~~عجبت من مجادلة العبد ربه سبحانه يوم القيامة: قال: يقول: أي رب، أليس ~~وعدتني ألا تظلمني؟! قال: (ذلك لك) قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من ~~نفسي. قال: أو ليس كفي بي شهيدا وبالملائكة الكرام الكاتبين! قال: فيختم ~~على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل. قال: فيقول لهم بعدا وسحقا، عنكم، كنت ~~أجادل ". # " وروى حكيم بن معاوية عن أبيه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم) قال: ~~وأشار بيده إلى PageV10P6505 # الشام فقال: " من " ها هنا " يحشرون / ركبانا ومشاتا وعلى وجوههم يوم ~~القيامة، على أفواههم الفدام. توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على ~~الله، وإن أول (ما يعترف من أحدهم) فخذه ". # وعن عقبة بن عامر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أول عظم ~~يتكلم من الإنسان (يوم يختم على ms2291 الأفواه " فخذه من رجل الشمال "، وفي حديث ~~آخر) " فخذه وكفه ". PageV10P6506 # ثم قال: " {وهو خلقكم أول مرة}، أي خلق الخلق الأول ولم يكونوا شيئا. # {وإليه ترجعون}، أي: تردون بعد مماتكم. # ثم قال تعالى: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم}. # قال السدي: معناه: وما كنتم تستخفون من جوارحكم. # وقال مجاهد: معناه: " وما كنتم تتقون "، وقال قتادة: معناه: وما كنتم ~~تظنون. # قال قتادة: والله إن عليك يا ابن آدم لشهودا غير متهمة من بدنك فراقبهم ~~واتق الله في سر أمرك وعلانيتك، فإنه لا تخفى عليه خافية، الظلمة عنده ~~(ضوء، والسر) عنده علانية من استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ~~ولا قوة إلا بالله. # ثم قال: {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} أي: ولكن حسبتم ~~أيها العاصون حين ركبتم المعاصي في الدنيا أن الله لا يعلم أعمالكم فلذلك PageV10P6507 # فعلتموها). # قال ابن مسعود: كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر: ثقفيان وقرشي ~~أو قرشيان وثقفي، كثير شحوم أبدانهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم ~~أفهمه. فقال أحدهم، أترون أن الله يسمع ما نقول. فقال الرجلان: إذا رفعنا ~~أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمع. فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية: {وما كنتم تستترون. . .} الآية. # ثم قال تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} أي: وذلك الذي جنيتم ~~في الدنيا على أنفسكم من معاصي الله هو ظنكم الذي ظننتم أن الله لا يعلم ما ~~تعملون، أهلككم ذلكم الظن فأصبح في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم. PageV10P6508 # وقرأ الحسن هذه الآية ثم قال: قال الله جل ذكره: " عبدي، أنا عند ظنه بي، ~~وأنا معه إذا دعاني ". ثم نظر الحسن فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم ~~بربهم، فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل، (وأما الكافر والمنافق ~~فأساء الظن وأساء العمل). # وذكر معمر أنه بلغه أنه: " يؤمر برجل إلى النار فيلتفت فيقول: يا رب، ما ~~كان هذا ظني بك. قال: (وما ms2292 كان ظنك) قال: كان ظني بك أن تغفر لي ولا تعذبني ~~قال: فإني عند ظن عبدي ". PageV10P6509 # وقال قتادة: الظن ظننان: ظن مرد، وظن منج، فأما الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~ربهم، ومن قال: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} [الحاقة: 20] فهذا الظن المنجي ~~- ظن ظنا يقينا - قال: وقال هاهنا: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} ~~فهذا ظن مرد. # وقوله عن قول الكافرين: {إن نظن إلا ظنا} [الجاثية: 32] مثله. # قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله عليه وسلم كان يقول ويروي عن ربه عز ~~وجل: " عبدي أنا عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني ". # فمعنى الآية: وهذا الظن الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون ~~هو الذي أهلككم لأنكم من أجل هذا الظن الخبيث تجرأتم على محارم الله ~~سبحانه، وركبتم ما نهاكم عنه فأهلككم ذلك وأصبحتم في القيامة من الذين ~~خسروا أنفسهم فهلكوا. # وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من استطاع ~~منكم ألا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله فليفعل. ثم تلا " {وذلكم ظنكم الذي ~~ظننتم بربكم " الآية. PageV10P6510 # واستحب العلماء للرجل المؤمن أن يكون الخوف عليه في حصته أغلب من الرجاء، ~~فإذا مرض وحضرت وفاته استحبوا أن يكون الرجاء في عفو الله أغلب عليه من ~~الخوف. # ثم قال تعالى: {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم}، المعنى فإن يصبروا على ~~النار أولا يصبروا فالنار مسكن ومأوى لهم. # {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين}، أي: وإن يسألوا الرجعة إلى الدنيا ~~والتخفيف من العذاب فما هم ممن يخفف عنهم ما هم فيه ولا يرجعون إلى الدنيا. # وقيل: المعنى: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مسكن لهم ~~في الآخرة كما قال: {فمآ أصبرهم على النار} [البقرة: 175]. # وقيل: المعنى: وإن يستعتبوا في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم فما هم من ~~المعتبين. # والاستعتاب إنما يكون من الجزع. فهذا يدل على أنه في النار يكون ذلك. PageV10P6511 # وقيل: المعنى: " فإن يصبروا فالنار أو يجزعوا فالنار مسكن لهم ". وقيل: ~~المعنى: إن ms2293 يصبروا في الدنيا على تكذيبك واتباع آلهتهم، فالنار مثوى لهم ~~يوم القيامة. # ويقال: إن هذا جواب لقولهم: {أن امشوا واصبروا على آلهتكم} فقال الله ~~تعالى جل ذكره إن يصبروا على آلهتهم، أي: على عبادتها {فالنار مثوى لهم}، ~~وإن يستعتبوا يوم القيامة / فلن يعتبوا. # قوله تعالى: {وقيضنا لهم قرنآء} - إلى قوله - {من غفور رحيم}. # أي: ونصبنا لهم نظراء من الشياطين فجعلناهم لهم قرناء يزينون لهم قبائح ~~أعمالهم. # قال ابن عباس: القرناء هنا: الشياطين. # وحقيقة قيضنا سببنا لهم من حيث لم يحتسبوا. # وقوله: {فزينوا لهم ما بين أيديهم}. # يعني: من أمر الدنيا فحسنوا ذلك، وحببوه لهم حتى آثروه على PageV10P6512 # أمر الآخرة. # وقوله: {وما خلفهم} قال مجاهد: حسنوا لهم أيضا ما بعد مماتهم فدعوهم إلى ~~التكذيب بالمعاد، وأنه لا ثواب ولا عقاب، وهو أيضا قول السدي. # وقيل: معنى: {وقيضنا لهم قرنآء}، يعني: في النار فزينوا لهم أعمالهم في ~~الدنيا. # والمعنى: قدرنا عليهم ذلك أنه سيكون وحكمنا به عليهم. # وقيل: المعنى: أخرجناهم إلى الاقتران فأحوجنا الغني إلى الفقير ليستعين ~~به، وأحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، فحاجة بعضهم إلى بعض تقيض من الله ~~عز وجل لهم ليتعاونوا على طاعته فزين بعضهم لبعض المعاصي. # قال ابن عباس: ما بين أيديهم هو تكذيبهم بالآخرة والجزاء والجنة والنار، PageV10P6513 # وما خلفهم: الترغيب في الدنيا والتسويف بالمعاصي وقيل: المعنى إنهم زينوا ~~لهم مثل ما تقدم لهم من المعاصي فهو من بين أيديهم، وما خلفهم: ما يعمل ~~بعدهم أو بحضرتهم. # وقيل: ما بين أيديهم: ما هم فيه، وما خلفهم: ما عزموا أن يعملوه. # ثم قال تعالى: {وحق عليهم القول}، أي: وجب لهم العذاب بكفرهم وقبولهم ما ~~زين لهم قرناؤهم من الشياطين. # وقوله: {في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس}، معناه: ووجب عليهم ~~القول في أمم قد مضت قبلهم. # (أي ووجب عليهم من العذاب مثل ما وجب على أمم مضت قبلهم) من الجن والإنس ~~لكفرهم وعملهم مثل عملهم. # وقيل: " في " هنا، بمعنى " مع ". # فالمعنى: ووجب عليهم العذاب بكفرهم مع ms2294 أمم مضت قبلهم بكفرهم PageV10P6514 # أيضا، هم داخلون فيما دخل فيه من قبلهم من الأمم الكافرة. {إنهم كانوا ~~خاسرين}، أي: مغبونين ببيعهم رضاء الله عز وجل بسخطه، ورحمته بعذابه. # ثم قال تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه}، أي: ~~قال الملأ من قريش لأهل طاعتهم من العامة: لا تسمعوا لقارئ هذا القرآن إذا ~~قرأه ولا تتبعوا ما فيه. وألغوا فيه بالباطل (من القول). إذا سمعتم قارئه ~~يقرأه لا تسمعوا ولا تفقهوا) ما فيه. هذا قول ابن عباس. # وقال مجاهد: اللغو هنا: المكاء والتصفيق والتخليط (في المنطق) على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إذا قرأ القرآن أمروا سفهاءهم بذلك. # وقال قتادة: والغوا فيه، أي: اجحدوا وأنكروه وعادوه. # يقال: لغى يلغى، (ويلغو لغوا، ولغى ولغي يلغى لغى) PageV10P6515 # وبهذه جاء القرآن. # وقرأ ابن أبي إسحاق: " والغوا فيه " على لغا يلغو، واللغو في الكلام ما ~~كان على غير وجهه مما يجب أن يطرح ولا يعرج عليه. واللغو أيضا مما لا يفيد ~~معنى من الكلام. # قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ رفع صوته فتطرد قريش ~~عنه الناس ويقولون: لا تسمعوا والغوا فيه لعلكم تغلبون، وإذا خافت لم يسمع ~~من يريد، فأنزل الله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} [الإسراء: ~~110]. # وعن ابن عباس أيضا أن أبا جهل هو الذي قال هذا: إذا رأيتم محمدا يصلي ~~فصيحوا في وجهه وشدوا أصواتكم بما لا يفهم حتى لا يدري ما يقول. # وروي أنهم إنما فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن، ورأوا من (يكرهه) يؤمن به ~~لإعجازه بفصاحته، وكثرة معانيه وحسنه ورصفه. PageV10P6516 # ومعنى قوله {لعلكم تغلبون}، أي: لعلكم تصدون من أراد استماعه عن فهمه فلا ~~ينتفع به فتغلبون محمدا صلى الله عليه وسلم أي في الآخرة على فعلهم. # {ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون} "، أي ولنجازينهم على قبيح أعمالهم ~~في الدنيا. # ثم قال تعالى: {ذلك جزآء أعدآء الله النار لهم فيها دار الخلد}، أي: جزاء ~~المشركين في الآخرة النار، لهم فيها دار المكث ms2295 أبدا. # {جزآء بما كانوا بآياتنا يجحدون}، أي: فعلنا بهم ذلك جزاء لهم بجحودهم في ~~الدنيا بآياتنا، وكفرهم بها. # ثم قال تعالى: {وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن ~~والإنس}، أي: وقال الكفار يوم القيامة بعد دخولهم النار: ربنا أرنا اللذين ~~أضلانا من خلقك من جهنم وإنسهم نجعلهما تحت أقدامنا في النار، لأن أبواب / ~~جهنم بعضها تحت بعض فكل ما سفل كان أشد عذابا مما علا، نعوذ بالله منها. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هما إبليس الأبالسة وابن آدم الذي قتل PageV10P6517 # أخاه. وهذا قول قتادة والسدي. ثم قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا}، إن الذين وحدوا الله وعلموا أنه لا رب لهم غيره، ثم استقاموا ~~على التوحيد والطاعة إلى الوفاة. # " روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا} - الآية " فقال: " قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم. فمن مات ~~عليه فهو ممن استقام ". # وقيل: معناه: ثم لم يشركوا به شيئا. قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه. # وروي عنه أنه هذه الآية قرئت عنده فقال: هم الذين لم يشركوا به شيئا، ~~فقالوا: لم يعصوا الله؟ فقال أبو بكر: لقد ضيقتم الأمر، إنما هو: ثم ~~استقاموا (على ألا PageV10P6518 # يشركوا به شيئا). # وعنه أنه قال: ثم استقاموا: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. # وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله، ثم لم يشركوا حتى ~~لقوه. # وروى الزهري أن عمر رضي الله عنه تلا هذه الآية فقال: استقاموا - والله - ~~على طاعة الله ولم يروغوا روغان الثعلب. # وقال قتادة: استقاموا على طاعة الله عز وجل. # وكان الحسن إذا قرأها قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الإستقامة. # وقال ابن زيد: استقاموا على (عبادة الله وعلى طاعته). # وقيل: لم يحدثو بعد إيمانهم كفرا. لأن المشركين قالوا: ربنا الله وعبدوا ~~الأصنام وقالوا: الملائكة بنات الله سبحانه، وقالت اليهود: ربنا الله، ثم ~~كفروا فقالوا: عزير ابن الله سبحانه وكفروا بمحمد، (وقالت النصارى: ربنا ms2296 ~~الله ثم كفروا وقالوا PageV10P6519 # عيسى ابن الله، وقال بعضهم هو الله، وقال المسلمون: ربنا الله ولم يعبدوا ~~معه غيره ولوآمنوا بمحمد وبجميع الأنبياء. # وقوله {تتنزل عليهم الملائكة}، معناه: تتهبط عليهم الملائكة من عند الله ~~عند نزول الموت بهم. قاله مجاهد والسدي. # يقولون لهم: لا تخافوا مما قدامكم، ولا تحزنوا على ما خلفكم، وأبشروا ~~بالجنة التي وعدكموها الله عز وجل، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة. # وقرأ ابن مسعود: {تتنزل عليهم الملائكة} لا تخافوا، أي: قائلة لهم: لا ~~تخافوا مما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما تخلفونه وراءكم. # وقال السدي: معناه: لا تخافوا مما أمامكم ولا تحزنوا على ما بعدكم. # وقال مجاهد: معناه: ألا تخافوا مما تقجمون عليه من أمر الآخرة ولا تحزنوا ~~على ما خلفتم من جنياكم من أهل، وولد، ودار فإنا نخلفكم في ذلك كله. # قال زيد بن أسلم: البشارة في ثلاثة مواطن: عند الموت، وعند القبر، وعند ~~البعث. PageV10P6520 # وعن ابن عباس أن هذه البشرى في الآخرة تكون لهم من الملائكة. # فالمعنى: تقول لهم الملائكة: نحن كنا نتولاكم في الدنيا وهم الحفظة ~~الكتبة، قاله السدي، قال: هم الحفظة وهم أولياء المؤمن في الآخرة كما كانوا ~~أولياءه في الدنيا. # {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم}، أي: لكم ذلك في الجنة. # {ولكم فيها ما تدعون}، أي ما تريدون، وتدعون ما شئتم يأتكم. # وقوله: {نزلا من غفور رحيم}، أي: أنزلهم الله عز وجل عز وجل ذلك نزلا، ~~فهو مصدر، وقيل: في موضع الحال. والمعنى: منزلين {نزلا من غفور} للذنوب لمن ~~تاب منها، {رحيم} بمن آمن وتاب. # قال ثابت البناني: بلغنا أن المؤمن يتلقاه ملكاه - اللذان كانا معه في ~~الدنيا PageV10P6521 # - إذا بعث من القبر - فيقولانن له: لا تخف ولا تحزن {وأبشروا بالجنة التي ~~كنتم توعدون * نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} - إلى قوله - {ما ~~تدعون} فيؤمن الله خوفه، ويقرعينه. # قوله تعالى ذكره {ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله} - إلى قوله - {وهم لا ~~يسئمون} معناه: لا أحد أحسن قولا ممن هذه صفته، ms2297 أي: ممن قال: ربنا الله ثم ~~استقام على الإيمان به والقبول لأمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال به ~~وما عمل. وقرأ الحسن يوما هذه الآية فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي والله، ~~هذا صفوة الله، هذا خير الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ~~ودعا الناس إلى ما أجاب الله من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال إنني من ~~المسلمين؛ فهو خليفة الله سبحانه. # فالآية عند الحسن لجميع المؤمنين. # وقال قتادة: هذا عبد صدق قوله عمله، ومولجة مخرجه، وسره علانيته وشاهد ~~مغيبه، ثم قال: وإن المنافق عبد خالف قوله عمله ومولجه مخرجه، وسره PageV10P6522 # / علانيته، وشاهده مغيبه. # قال السدي: عني بهذه نبي الله محمدا صلى الله عليه وسلم، دعا إلى الله جل ~~ذكره، وعمل صالحا، وقاله ابن زيد وابن سيرين). # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت في المؤذنين. # وقال عكرمة: قوله: {ممن دعآ إلى الله}، يعني: المؤذنين. {وعمل صالحا}، ~~قال: صلى وصام. # وذكر في حديث يرفعه: " أول من (يقضي) الله له بالرحمة يوم القيامة ~~المؤذنون، وأول المؤذنين مؤذنو مكة. قال: والمؤذنون أطول الناس أعناقا يوم ~~القيامة. والمؤذنون إذا خرجوا من قبورهم أذنوا فنادوا بالآذان، والمؤذنون ~~ولايدودون في قبورهم. PageV10P6523 # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: " قالت الملائكة: لو كنا نزولا في الأرض ~~ما سبقنا إلى الآذان أحد ". # وقال قيس بن أبي حازم: {ممن دعآ إلى الله}، قال: هو المؤمن {وعمل صالحا}، ~~قال: الصلاة بين الأذان إلى الأقامة. # وهذه الآية تدل على أنه جائز أن يقول المسلم: أنا مسلم بلا استثناء، أي: ~~قد استسلمت لله عز وجل وخضعت له بالطاعة جلة عظمته. # ثم قال تعالى {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} " لا " الثانية زائدة ~~للتأكيد. # والمعنى: لا يستوي الإيمان بالله عز وجل، والعمل بطاعته سبحانه، والشرك ~~بالله عز وجل والعمل بمعصيته تعالى. # قال عطاء: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. PageV10P6524 # ثم قال {ادفع بالتي هي أحسن}، أي: ادفع بالحالة التي هي أحسن السيئة. ms2298 ~~والمعنى: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك إساءة من أساء إليك، ~~وبصبرك على مكروه من تعدى عليك. # وقال ابن عباس في الآية: أمر الله عز وجل المسلمين بالصبر عند الغضب ~~والحلم والعفو عند الإساءة. فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم ~~عدوهم حتى يصير كأنه ولي حميم. # وقال مجاهد: معناه: ادفع بالسلام إساءة من أساء إليك، تقول له إذا لقيته ~~السلام عليكم، وقاله عطاء. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هما الرجلان يسب أحدهما الآخر، فيقول المسبوب ~~للساب: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك، فيصير ~~الساب كأنه صديق لك، قريب منك. والحميم: القريب. # قال المبرد: " الحميم: الخاص ". PageV10P6525 # ثم قال تعالى جل ذكره {وما يلقاها إلا الذين صبروا}، أي: وما يعطى دفع ~~السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا - لله - على المكاره والأمور الشاقة {وما ~~يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم}، أي: وما يعطى ذلك إلا ذو نصيب وافر من الخير. # وقيل: المعنى: ما يلقى شهادة ألا إله إلا الله إلا الذين صبروا على ~~المكاره والأذى في الله عز وجل، وما يلقى ذلك إلا ذو حظ عظيم في الآخرة. # ونزل هذا كله بمكة والمؤمنون يؤذون على الإيمان، ويمتحنون ويعذبون حتى ~~فروا إلى أرض الحبشة. # وقيل: إنها والتي قبلها نزلتا في أبي بكر رضي الله عنه. ثم هي عامة في كل ~~من كان على طريقته ومنهاجه. # وقال قتادة: الحظ العظيم هنا: الجنة: وقاله ابن عباس أيضا. # " وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه شتمه رجل ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شاهد فعفا عنه ساعة؛ ثم إن أبا بكر جاش به الغضب فرد عليه، فقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعه أبو بكر وقال: يا نبي الله شتمني الرجل ~~فعفوت عنه وصفحت وأنت قاعد؛ فلما أخذت أنتصر PageV10P6526 # قمت! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " إنه كان يرد عليه ملك من ~~الملائكة، فلما أخذت تنتصر ذهب الملك ورجاء الشيطان، فوالله ما كنت لأجالس ms2299 ~~الشيطان يا أبا بكر ". # ثم قال تعالى {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله}، أي: وإما يلقين ~~الشيطان - يا محمد - في نفسك وسوسة من العزيمة على مجازاة المسيء بإساءته ~~فاستجر بالله واعتصم به من عمل الشيطان. # {إنه هو السميع} لاستعاذتك واستجارتك به. # {العليم} بما ألقى الشيطان في نفسك من نزعاته هذا قول السدي وقال ابن ~~زيد: هو الغضب. # ثم قال تعالى: {ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر}، أي: ومن علاماته ~~وأدلته التي تدل على وحدانيته وقدرته وحجته على خلقه وعظيم سلطانه اختلاف ~~الليل والنهار، ومعاقبة كل واحد منهما الآخر. والشمس والقمر مسخرات لا يدرك ~~أحدهما الآخر. # ثم قال تعالى: {ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر}، فإنما هما خلق PageV10P6527 # مثلكم خلقا لمنافعكم بهما. # وقوله: {خلقهن} جاء بلفظ التأنيث، والجمع رد على الليل والنهار والشمس ~~والقمر وأنث، كما يؤنث جمع ما لا يعقل وإن كان مذكرا إذا كان من غير بني ~~آدم. # وقيل: الضمير يعود على الشمس والقمر، وأتى الجمع في موضع التثنية لأن ~~الاثنين جمع. # وقيل: الضمير يعود على معنى الآية. # وقوله: {إن كنتم إياه تعبدون}، أي: أخلصوا لله وحده إن كنتم / إياه ~~تعبدون، وهذا موضع السجدة عند مالك. PageV10P6528 # وقد روي أن رجلا من الأنصار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استتر ~~بشجرة يصلي من الليل فقرأ " ص " فلما بلغ السجدة سجد وسجدت معه الشجرة ~~فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي بهذه السجدة أجرا، وارزقني بها شكرا وضع ~~عني بها وزرا، وتقبلها مني كما تقبلها من عبدك داوود (عليه السلام). فذكر ~~الرجل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " نحن أحق أن نقول ذلك ". ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في سجوده ". # ثم قال تعالى {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له باليل والنهار}، ~~أي: فإن استكبر هؤلاء الذين أنت - يا محمد - بين أظهرهم، عن السجود والخضوع ~~لله الذي خلقهم وخلق الشمس، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ~~ذلك: على جلالة قدرهم، بل يسبحون له ms2300 ويصلون ليلا ونهارا. # {وهم لا يسئمون}، أي: لا يفترون ولا يملون. # ومعنى {عند ربك}، أي: في طاعته وعبادته، لم يعن القرب من مكانه لأن ~~المكان على الله تعالى لا يجوز ولا يحتاج إلى مكان لأن المكان محدث وقد كان ~~تعالى ذكره ولا مكان. فالمعنى: فالذين في طاعة ربك وعبادته يسبحون له. # قوله: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} - إلى قوله - {من مكان بعيد}. PageV10P6529 # أي: ومن علاماته وحججه وأدلته على توحيده وقدرته على نشر الأموات وبعثهم ~~أنك - يا إنسان - ترى الأرض. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى ~~خاشعة: دارسة غبراء لا نبات فيها ولا زرع. # {فإذآ أنزلنا عليها المآء}، يعني: المطر. # {اهتزت} يعني: بالنبات. # {وربت}، أي: انتفخت وارتفعت. قال قتادة: خاشعة، أي: غبراء متهشمة. وقال ~~السدي: يابسة متهشمة. وأصل الاهتزاز: التحرك. # ثم قال تعالى: {إن الذي أحياها لمحى الموتى}، أي: إن الذي أحيى الأرض ~~الدراسة فأخرج منها النبات وجعلها تهتز بالزرع بعد يبسها، قادر على أن يحيي ~~أموات بني آدم بالماء أيضا بعد مماتهم. # قال السدي إنه كما يحيي الأرض بالمطر، كذلك يحيي الموتى بالمطر أيضا وذلك ~~مطر ينزله الله بين النفختين. PageV10P6530 # {إنه على كل شيء قدير}، أي: لا يعجزه شيء إذا أراده. # ثم قال تعالى: {إن الذين يلحدون في آياتنا}، أي: يميلون عن الحق في حججنا ~~وأدلتنا ويعدلون عنه تكذيبا وجحودا لا يخفون على الله سبحانه، بل هو عالم ~~بأعمالهم فيجازيهم عليها يوم القيامة. # قال مجاهد يلحدون في آياتنا يعني: المكاء والصفير واللغو عند القرآن، ~~استهزاء منهم به، ومعارضة منهم للقرآن. # وقال قتادة: يلحدون: يكذبون. # وقال السدي: يلحدون " يعاندون ويشاقون ". # وقال ابن زيد: هم أهل الكفر والشرك بآيات الله سبحانه. # وقال ابن عباس: هم الذين يبدلون آيات الكتاب فيضعون الكلام في غير موضعه. # وأصل الإلحاد: الميل عن الحق، ومنه سمي اللحد لحدا لميله في جانب القبر. PageV10P6531 # ثم قال تعالى: {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة}. # قال عكرمة: أفمن يلقى في النار: هو: أبو ms2301 جهل: ومن يأتي آمنا، هو: عمار ~~ابن ياسر). # وقيل: هو حمزة رضي الله عنهما. وقيل هو عام. # والمعنى: الكافر خير أم المؤمن؟ وخوطبوا بذلك على دعواهم. ولا يجوز أن ~~يخاطب بهذا المؤمنون، لأنهم قد علموا أنه لا خير في الكافر. # والمعادلة " بأم " لا تكون إلا بين شيئين متقاربين في المدح أو في الذم، ~~ولا قرب بين الكافر والمؤمن في مدح ولا ذم. الذم كله للكافر، والمدح كله ~~للمؤمن. فإنما جاءت هذه الآية وما أشبهها خطابا للكفار، لأنهم كانوا يدعون ~~أن فيهم خيرا PageV10P6532 # وفضلا. فخوطبوا على المناقضة لدعواهم. # ثم قال تعالى: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير}، هذا وعيد وتهدد ~~وليس بإباحة لهم أن يعملوا ما يريدون، إنما هو تواعد وإعلام أن الله عز وجل ~~ذو خبر وعلم بما يعملون لا يخفى عليه شيء. # ثم قال تعالى: {إن الذين كفروا بالذكر لما جآءهم}، يعني القرآن. # وخبر " إن " عند الكسائي قد سد مسده ما تقدم من الكلام قبل " إن " وهو ~~قوله: " أفمن يلقى في النار " ونحوه. # وقيل: الخبر: {أولئك ينادون من مكان بعيد}. # وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم خسروا ~~وكفروا بمعجزه، ونحوه. # ودل على هذا اللفظ قوله: {وإنه لكتاب عزيز} (وهذا مذهب الفراء. وقيل: ~~التقدير في المحذوف: أهلكوا. PageV10P6533 # ومعنى الآية: إن الذين جحدوا بهذا القرآن وكذبوا فيه خسروا أخراهم، وإن ~~القرآن لكتاب عزيز) بإعزاز الله عز وجل إياه وحفظه له من كل من أراد به ~~تبديلا أو تحريفا. # قال قتادة: وإنه لكتاب عزيز أعزه الله لأنه كلامه وحفظه من الباطل. # وقيل: معنى النفي في (هذه: التكثير). والمعنى " لا يأتيه الباطل البتة. # وقال الطبري: معناه: لا يقدر (ذو باطل بكيده بتغيير ولا تبديل، وذلك هو ~~الإتيان من بين يديه. ومعنى: " ولا من خلفه "، أي: ولا يستطيع ذو باطل أن ~~يلحق فيه) ما ليس فيه. # وقيل: المعنى: لم يتقدمه كتاب يبطله، ولن يأتي بعده كتاب يخالفه. وهذا ~~قول حسن. # ثم قال تعالى {تنزيل من حكيم حميد}، أي: من ms2302 عند ذي حكمة بتدبيره عباده، ~~محمود على نعمه على خلقه. # ثم قال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك}. PageV10P6534 # هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما قابله به المشركون من قولهم: ~~كذاب وساحر ومجنون ونحو ذلك. فأعلمه الله جل ذكره أن الذي قابلوه به من ~~التكذيب والقول القبيح قد قابلت الأمم قبله رسلها بمثل ذلك فصبروا حتى جاء ~~نصر الله فكذلك يجب عليك يا محمد أن تصبر. # وقيل: عزيز، أي قاهر لا يقدر أحد أن يأتي بمثله. # وقوله تعالى: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} قال / قتادة: ~~الباطل الشيطان، لا يستطيع أن ينتقص منه حقا، ولا يزيد فيه باطلا ". # وقال السدي: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن ينتقص منه حقا، ولا يزيد فيه ~~باطلا ". # وقال السدي: الباطل: الشيطانن لا يستطيع أن يزيد فيه حرفا ولا ينقص. # وقال الضحاك وابن جبير: " معناه: لا يأتيه كتاب من قبله فيبطله ولا من ~~بعده ". # فيكون الباطل على هذا القول بمعنى: (البطول). وفاعل يقع بمعنى المصدر ~~مثل: عافاه الله عافية. PageV10P6535 # وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطل من بين يديه، أي: من قبل أن يتم نزوله، ~~ولا من خلفه، أي: ولا من بعد تمام نزوله. # وقيل: معنى " من بين يديه ": بعد نزوله كله " ولا من خلفه " قبل تمامه. # وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطل من قبل أن ينزل، لأن الأنبياء قد بشرت به ~~فلم يقدر الشيطان أن يدحض ذلك. # ولا من خلفه بعد أن أنزل. # قال قتادة: في الآية: إن الله جل ذكره يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بهذا. ومثله قوله: {كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون} [الذاريات: 52]. # ثم قال تعالى: {إن ربك لذو مغفرة}، أي: لذو ستر على ذنوب التائبين من ~~الكفر، العاملين بأمره، المطيعين له. # {وذو عقاب أليم} لمن دام على كفره. # فالناس يلقون الله تبارك وتعالى على طبقات أربع: مطيع مؤمن، يدخله الجنة، ~~وتائب مؤمن، يقبل توبته ويدخله الجنة؛ ms2303 ومصر على المعاصي، وهو في مشيئة الله ~~عز وجل إن شاء عاقبة، وإن شاء عفا عنه؛ وكافر يدخله النار حتما، لقوله: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} [النساء: 48]. PageV10P6536 # هذا مذهب أهل السنة والاستقامة فاعرفه واعتقده ولا تعرج عنه! فله لا إله ~~إلا هو أن يفعل في أهل الذنوب ما شاء من مغفرة أو معاقبة لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون كما كان له في الأزل أن يخلق خلقا للنار وبعملها يعملون، وخلقا ~~للجنة ويعملها يعملون: قال جل ذكره: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس} [الأعراف: 179]. # أي: خلقناهم لها. # ثم قال تعالى {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياتهءاعجمي ~~وعربي}، أي: ولو جعلنا هذا القرآن أعجميا (لقال قومك: يا محمد هلا بينت ~~آياته فنفهمهن أقرآ، أعجمي ونبي عربي. أي: لكانوا يقولون ذلك إنكارا له. # قال ابن جبير: معناه: لو كان هذا القرآن أعجميا لقالوا: القرآن أعجمي ~~ومحمد عربي). # وقال السدي: معناه: لو كان هذا القرآن أعجميا لقالوا: نحن قوم عرب، ما ~~لنا وللعجمة. PageV10P6537 # وهذا كله على قراءة من قرأ بالاستفهام في " أعجمي ". فأما على قراءة من ~~جعله خبرا " فمعناه: لو جعلنا القرآن أعجميا لقالوا: هلا فصلت آياته، فجاء ~~بعضها عربي وبعضها عجمي، (فنحن نعرف العربي) ويعرف العجم العجمي. # قال ابن جبير: قالت قريش: هلا أنزل هذا القرآن أعجميا وعربيا فأنزل الله ~~عز وجل " لقالوا {لولا فصلت آياتهءاعجمي وعربي}. # والأعجمي: المنسوب إلى اللسان الأعجمي، يقال: رجل أعجمي إذا كان لا يفصح ~~- كان من العرب أو العجم، ويقال رجل عجمي إذا كان من الأعاجم فصيحا كان أو ~~غير فصيح. # ثم قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء}، أي: قل يا محمد: هذا ~~القرآن للذين آمنوا به وصدقوا بما فيه " هدى "، أي: بيان للحق " وشفاء "، ~~(أي: دواء) PageV10P6538 # من الجهل. # ثم قال تعالى: {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر}، أي: والذين لا يؤمنون ~~به وبما في آذانهم صمم عن استماع لا ينتفعون به. # {وهو عليهم ms2304 عمى}، أي: وهذا القرآن على قلوب المكذبين به عمى لا يبصرون ~~حججه وما فيه من المواعظ. # قال قتادة: عموا وصموا عن القرآن، فلا ينتفعون به، ولا يرغبون فيه. # وقال السدي: عميت قلوبهم عنه. # قال ابن زيد: (العمى: الكفر). # وقرأ ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاص: وهو عليهم عم " على PageV10P6539 # فعل. # ثم قال تعالى {أولئك ينادون من مكان بعيد}. # هذا تشبيه لبعد قلوبهم عن قبول الحق والموعظة. # والعرب: تقول للرجل البعيد الفهم: " إنك لتنادي من بعد " ويقولون للفهيم: ~~إنك لتأخذ الأمر من قريب. # قال مجاهد: معناه " بعيد من قلوبهم "، وقاله الثوري وقال ابن زيد: ضيعوا ~~أن يقبلوا الأمر من قريب (ويتوبون ويؤمنون فيقبل) منهم فماتوا. # وقال الضحاك: هذا يوم القيامة، ينادون بأشنع أسمائهم ليفضحوا على رؤوس ~~الخلائق / فيكون أعظم في توبيخهم. # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} - إلى قوله - PageV10P6540 # {فذو دعآء عريض}. # والمعنى: ولقد أعطينا موسى التوراة كما آتينا يا محمد القرآن فاختلف بنو ~~إسرائيل في العمل بما في التوراة كما اختلف قومك في الإيمان بما جئتم به. # {ولولا كلمة سبقت من ربك} يا محمد فيمن كفر (بك، وهو أنه تقدم في علمه ~~وقضائه تأخير عذابهم إلى يوم القيامة. # {لقضي بينهم} أي لجاءهم العذاب فيفصل بينهم فيما اختلفوا فيه فيهلك ~~المبطلين، وينجي المؤمنين. # قال السدي: أخروا إلى يوم القيامة. # قال الزجاج: " الكلمة: وعدهم بالساعة، قال (الله تعالى {بل الساعة ~~موعدهم} [القمر: 46] ". # ثم قال تعالى: {وإنهم لفي شك منه مريب}، أي: وإن الفريق المبطل منهم لفي ~~(شك مما قالوا) فيه مريب يريبهم قولهم فيه، لأنهم قالوه بغير ثبت وإنما ~~قالوه ظنا. # ثم قال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها}، أي: من عمل صالحا ~~في PageV10P6541 # هذه الدنيا فلنفسه عمل لأنه يستوجب من الله في الميعاد الجنة والنجاة من ~~النار، ومن عمل بمعاصي الله (فعلى نفسه جنى) لأنه أكسبها بذلك سخط الله. # ثم قال تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} أي: وما ربك يا محمد يحمل ذنب مذنب ~~على غير مكتسب ms2305 بل لا يعاقب أحدا إلا على جرمه. # ثم قال تعالى: {إليه يرد علم الساعة}، (أي: إلى الله يرد العالمون به علم ~~الساعة)، لأنه لا يعرف متى قيامها غيره. # ثم قال تعالى: {وما تخرج من ثمرات من أكمامها}، أي: (وما يظهر) من ثمرة ~~(الشجرة من الموضع) الذي هي مغيبة فيه إلا بعلمه. # قال السدي: من أكمامها: من طلعها. # قال المبرد: هو ما يغطيها. وواحد الأكمام. كم. ومن قال في الجمع أكمة قال ~~في الواحد كمام. # ثم قال تعالى: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه}، (أي: ما تحمل من ~~ولد حين PageV10P6542 # تحمل، ولا تضع حملها حين تضع إلا بعلمه)، فلا شيء يخفى عليه من جميع أمور ~~خلقه. # ثم قال تعالى: {ويوم يناديهم أين شركآئي}، أي: واذكر يا محمد يوم ينادي ~~الله عز وجل هؤلاء المشركين فيقول لهم أين شركائي الذين كنتم تشركونهم في ~~عبادتي؟ # والمعنى: أين شركائي على قولكم. # ثم قال تعالى: {قالوا آذناك ما منا من شهيد}، أي: أجابوه عن سؤالهم لهم، ~~فقالوا: أعلمناك ما منا من شهيد أن لك شريكا. # ثم قال تعالى: {وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل}، أي: وضل عن هؤلاء ~~المشركين يوم القيامة آلهتهم التي كانوا يدعونها في الدنيا فأخذ بها عن ~~طريقتهم فلم تدفع عنهم شيئا من عذاب الله سبحانه. # ثم قال تعالى: {وظنوا ما لهم من محيص}، أي: وأيقنوا أنه لا محيص لهم من ~~عذاب الله عز وجل ولا ملجأ منه جلت عظمته. # قال أبو عبيدة: يقال: حاص يحيص إذا حاد. # وقيل: " المحيص: المذهب الذي ترجى فيه النجاة ". PageV10P6543 # وأجاز أبو حاتم الوقف على " وظنوا " يجعل الظن بمعنى الكذب، أي: قالوا: ~~آنذاك ما منا من شهيد، وكذبوا في قولهم، بل كانوا يدعون له شريكا. تعالى ~~الله عن ذلك. # والوقف عند غيره على " محيص " لأن المعنى: أيقنوا أنه لا ينفعهم الفرار. # ثم قال تعالى {لا يسأم الإنسان من دعآء الخير}، أي: لا يسأم الكافر من ~~دعائه بالخير ومسألته إياه ربه عز وجل. # والخير هنا: ms2306 المال وصحة الجسم، (فهو لا يمل) من طلب ذلك والاستزادة منه. # {وإن مسه الشر}، أي: ضر في نفسه أو جهد في معيشته. # {فيئوس قنوط}، أي: فهو يئوس من روح الله عز وجل وفرجه، قنوط من رحمته، ~~أي: لا يؤمل أن يكشف عنه ذلك. # ويقال: إن هذه الآية نزلتل في الوليد بن المغيرة. PageV10P6544 # وفيه نزلت {ولئن أذقناه رحمة منا} - الآية إلى قوله - {للحسنى} وقيل نزل ~~ذلك كله في عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف من كفار قريش. # وقال السدي وغيره: الإنسان هنا: الكافر. # وفي قراءة عبد الله " من دعاء بالخير ". # ثم قال تعالى جل ذكره: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ليقولن ~~هذا لي}، أي: ولئن كشفنا عنه الشر الذي نزل به ليقولن هذا لي عند الله لأن ~~الله راض عني وعن عملي. PageV10P6545 # قال مجاهد: " ليقولن هذا لي، بعملي. فأنا محقوق بهذا ". # {ومآ أظن الساعة قآئمة}: شك الكافر في قيام الساعة. # ثم قال: {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى}، أي: إن كان ثم بعث وحشر ~~- على طريق الشك - فلي الحسنى عند ربي، أي: لي عنده - إن حشرت بعد موتي - ~~غنى ومال. # فالمعنى أنه قال: لست أؤمن بالبعث ولا أصدق به، فإن كان الأمر على خلاف ~~ذلك وبعثت بعد موتي، فلي عند ربي مال وغنى أقدم عليه. # ثم قال تعالى {فلننبئن الذين كفروا بما عملوا}، أي: فلنخبرهم بما قصوا / ~~من (الأباطيل وما عملوا من المعاصي). # {ولنذيقنهم من عذاب غليظ} على فعلهم وهو النار، والخلود فيها، لا يموتون ~~(ولا يحيون). # ثم قال تعالى: {وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه}، أي: وإذا ~~كشفنا الضر PageV10P6546 # والضيق عن الكافر أعرض عن ما جاءه من عند الله عز وجل ولم يؤمن به وبعد ~~من الإجابة إلى ما دعي إليه. # ومعنى " بجانبه ": قال السدي: أعرض: صد بوجهه، ونأى بجانبه: تباعد عن ~~القبول. # ثم قال: {وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض}، أي: وإذا مسه الضر والفقر والجهد ~~ونحوه فهو ذو دعاء ms2307 (كثير إلى ربه. فأن الرجل إذا كان في نعمة تباعد عن ذكر ~~الله ودعائه، فإذا مسه الشر فهو ذو دعاء) عريض، أي كثير. # قوله: {قل أرأيتم إن كان من عند الله} - إلى آخر السورة. # أي: قل يا محمد للمكذبين للقرآن، أرأيتم إن كان هذا القرآن الذي كذبتم به ~~ولم تؤمنوا به من عند الله ثم كفرتم به ألستم في فراق للحق وبعد من الصواب. ~~وهو معنى قوله: {من أضل ممن هو في شقاق بعيد} إلا أنه جعل الخبر في مكان ~~التقدير وفي الكلام حذف، والتقدير: ثم كفرتم به أمصيبون أنتم أم ضالون. # ثم قال تعالى ذكره: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}، أي: سنرى ~~هؤلاء المكذبين بما أنزلنا آياتنا في الآفاق، يعني: وقائع النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمشركين. PageV10P6547 # قال السدي: هي ما يفتح الله للنبي عليه السلام وقوله: {وفي أنفسهم}، ~~يعني: ما يفتح للنبي صلى الله عليه وسلم من مكة وهو اختيار الطبري. # وقال ابن زيد: آياتنا في الأفاق يعني: في السماوات ونجومها وشمسها ~~وقمرها. # وقيل: معنى " وفي أنفسهم " هو: سبيل الغائط والبول وقيل المعنى: سيرون ما ~~أخبرهم به (النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من فتن وفساد وغلبة الروم ~~فارس، وغير ذلك مما أخبرهم به) أنه سيكون لهم حتى يبين لهم أن كلما أخبرهم ~~به أنه هو الحق. # وقيل: " المعنى: سنريهم آثار صنعتنا في الآفاق الدالة على أن لها صانعا ~~حكيما، وفي أنفسهم من أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن بلغوا وعلقوا ~~حتى يتبين لهم أن الله هو الحق لا ما يعبدون من دونه ". PageV10P6548 # وعن ابن جبير أن معنى " في الآفاق " هو ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الناس سوى قريش، وفي أنفسهم: ظهوره على قريش، وهو اختيار النحاس. # وقيل معنى الآية: سنريهم آثار من مضى من الأمم ممن كذب الرسل من قبلهم ~~وآثار خلق الله عز وجل في البلاد، وفي أنفسهم، يعني: أنهم كانوا نطفا ثم ~~علقا ثم مضغا ثم عظاما ثم ms2308 كسيت لحما، ثم نقلوا إلى التمييز والعقل. وذلك ~~كله (يدل على) توحيد الله عز وجل وقدرته حتى يعلموا أن ما أنزلنا على محمد ~~صلى الله عليه وسلم حق. # ثم قال تعالى {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}، أي: أو لم يكف ربك ~~أنه شاهد على كل شيء مما يفعله خلقه لا يعزب عنه علم شيء منه. و " إنه " في ~~موضع رفع بدل من " ربك " على الموضع. # ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من " ربك " على اللفظ. ويجوز أن ~~يكون في موضع " أن " نصبا على معنى الآية. PageV10P6549 # ومعنى الاية: أو لم يكف ما دل من قدرته وحكمته، ففي ذلك كفاية. # (وقيل: المعنى: أو لم يكف ربك في معاقبة الكفار وقيل: المعنى: أو لم (يكف ~~ربك يا محمد) أنه شاهد على أعمال هؤلاء الكفار ففي ذلك كفاية لك. # ثم قال تعالى {ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم}، أي: في شك من البعث بعد ~~الموت، والمجازاة على الأعمال. # ثم قال تعالى {ألا إنه بكل شيء محيط}، أي: ألا إن الله محيط بعلمه بكل ~~شيء خلقه، لا يعجزه علم شيء منه. PageV10P6550 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشورى # سورة عسق مكية # قوله تعالى: {حم* عسق * كذلك يوحي إليك} إلى قوله: {العزيز الحكيم}. # قد تقدم إعراب أوائل السور وتفسيرها. # وقد روى عطاء والضحاك كلاهما عن ابن عباس في تفسير {حم* عسق} أن معناه: ~~قذف ومسخ وخسف وسنون، الله أعلم ما سيكون فيها. # وقوله: {كذلك يوحي} الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف ولا موضع للكاف ~~الثانية، واسم الله رفع " بيوحي ". PageV10P6551 # وقيل: معنى الآية: إنه لم ينزل كتاب من عند الله إلا وفيه حم عسق. # فالمعنى على هذا: كالذي أوحي إليك من هذه السورة، أوحي إلى الذين من قبلك ~~من الرسل. وهذا مذهب الفراء. # وقرأ ابن كثير: {كذلك يوحي إليك} (على ما لم) يسم فاعله. # فيكون الوقف على هذه القراءة: {من قبلك} ثم يبتدئ: {الله العزيز الحكيم} ~~على الابتداء، والخبر، وإن شئت ms2309 على الابتداء والصفة، أو يكون {له ما في ~~السماوات} [الشورى: 4] الخبر. # وروى الشموني عن أبي بكر: " نوحي " بالنون. فتقف أيضا على PageV10P6552 # {من قبلك}، ثم يبتدئ " الله " على ما قدر ذكرنا. # وقد يجوز على قراءة ابن كثير أن يرتفع على فعل مضمر كأنه قيل: من يوحي؟ ~~فقيل: يوحي الله كقول الشاعر: ليبك يزيد ضارع لخصومة. # كأنه قال: ليبك يزيد. قيل: من يبكيه؟ / قيل: يبكيه ضارع لخصومة. # قال قتادة: حم عسق اسم من أسماء الله. # وروى حذيفة أنها نزلت في رجل يكون من بني هاشم من أهل بيت PageV10P6553 # ابن عباس يقال له عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه ~~مدينتان، يشق النهر بينهما شقا، فإذا أذن الله في زوال ملكهم، وانقطاع ~~دولتهم ومدتهم بعث على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت ~~كأنها لم تكن مدينة مكانها وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت فما هو إلا بياض ~~يومها ذلك حتى يجمع الله فيها كل جبار منهم ثم يخسف الله بها وبهم جميعا ~~فذلك قوله: {حم* عسق}، يعني: عزيمة (من الله) وقضاء. # سين، يعني: سيكون. قاف، يعني: واقعا بهاتين المدينتين. PageV10P6554 # وروى عن ابن عباس أنه قرأ " حم سق " بغير سين، وكان يقول: إن السين كل ~~فرقة كائنة، وأن القاف كل جماعة كائنة. # ويقول: إن عليا رضي الله عنه إنما كان يعلم الفتن بها. # وفي مصحف عبد الله: {حم* عسق} بغير عين كقراءة ابن عباس. # ومعنى {العزيز}، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه {الحكيم}: في تدبيره ~~خلقه. # قوله تعالى: {له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم}، إلى ~~قوله: {وهو على كل شيء قدير}، أي: له ملك ما فيها من جميع الأشياء كلها. # {وهو العلي} أي: ذو علو وارتفاع على كل الأشياء، ارتفاع ملك وقدرة ~~وسلطان، لارتفاع انتقال. PageV10P6555 # {العظيم}: وله العظمة والكبرياء. # ثم قال تعالى: {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن}، أي: تكاد تشقق من فوق ~~الأرضين من عظمة الرحمن وجلالته. هذا قول جميع المفسرين. # وقيل: المعنى: تكاد السموات يتشققن ms2310 من أعلاهن من عظمة الله فيكون الضمير ~~في {فوقهن} (على القول) الأول يعود على الأرضين. # وعلى هذا القول الثاني يعود على السماوات. # وكان علي بن سليمان يقول: الضمير في فوقهن للكفار، أي: من فوق الكفار. ~~وهذا قول بعيد، لا يجوز في المذكرين من بنى آدم: " رأيتهن ". # وقيل: المعنى: يكاد السماوات يتفطرن من فوق الأرضين من قول المشركين PageV10P6556 # وكفرهم. # {والملائكة يسبحون بحمد ربهم} تعظيما لله سبحانه وتعجبا من مقالة ~~المشركين وهم مع يستغفرون لمن في الأرض، يعني المؤمنين. # ثم قال تعالى: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم} أي: يصلون بطاعة ربهم شكرا ~~له وجلالة وهيبة، هذا قول الطبري. # وقال الزجاج: معناه: والملائكة يعظمون الله وينزهونه عن السوء. # ثم قال تعالى: {ويستغفرون لمن في الأرض}، أي: ويسألون ربهم المغفرة لذنوب ~~من في الأرض من المؤمنين. وهذا اللفظ ومعناه الخصوص قاله السدي وغيره. # ولا يجوز أن يكون (عاما فيدخل) في ذلك الكفار لأنه تعالى قد قال: PageV10P6557 # {أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} [البقرة: 161] فغير ~~جائز أن يستغفر لهم الملائكة. # وروي عن وهب بن منبه أنه قال: هي منسوخة (نسختها الآية) التي في سورة ~~المؤمن. # قوله تعالى جل ذكره: {ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7]. # وهذا عند أهل النظر لا يجوز فيه نسخ لأنه خبر، ولكن تأويل قول وهب ابن ~~منبه في هذا أنه أراد أن هذه الآية نزلت على نسخ تلك الآية. PageV10P6558 # ثم قال: {ألا إن الله هو الغفور الرحيم}، أي: الغفور لذنوب مؤمني عباده، ~~الرحيم بهم أن يعذبهم بعد توبتهم. # وأجاز أبو حاتم الوقف على " من فوقهن ". وذلك جائز إن جعلت ما بعده ~~منقطعا منه. فإن جعلته في موضع الحال لم يجز الوقف دونه. # ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أوليآء الله حفيظ عليهم}، أي: ~~والذين اتخذوا يا محمد من قومك آلهة يعبدونها من دون الله، الله حفيظ ~~لأعمالهم، محصيها عليهم ومجازيهم بها يوم القيامة. # {ومآ أنت عليهم بوكيل}، أي: ولست يا محمد بالوكيل عليهم تحفظ أعمالهم، ~~إنما أنت منذر ومبلغ ما أرسلت به ms2311 إليهم، فعليك البلاغ وعلينا الحساب. # ثم قال تعالى: {وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن ~~حولها}، أي: أوحينا إليك يا محمد قرآنا بلسان العرب لتنذر عذاب الله أهل أم ~~القرى، وهي مكة. سميت بذلك لان الأرض دحيت منها. PageV10P6559 # وقيل: سميت (أم القرى لأنها أول ما عظم وشرف من القرى. وقيل: سميت) بذلك ~~لأنها أول ما وضع. كما قال: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل ~~عمران: 96]. # وقوله: {ومن حولها}، أي: ومن حول أم القرى من سائر الناس. # ثم قال تعالى: {وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه}، أي: وتنذرهم عقاب الله ~~الكائن في يوم الجمع لا شك فيه، وهو يوم القيامة. وهذا في الحذف مثل قوله ~~تعالى / {يخوف أولياءه} [آل عمران: 175]، أي: يخوفكم بأوليائه، فكذلك ~~المعنى: وتنذرهم عقاب الله الكائن يوم الجمع، ثم حذف. # فيكون " يوم " على هذا نصبا على الظرف. # ويجوز أن يكون النصب على المفعول به كما قال: {وأنذرهم يوم الحسرة} ~~[مريم: 39] وكما قال: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} [إبراهيم: 44] فكل ~~هذا انتصب على أنه مفعول به PageV10P6560 # وليس بظرف للإنذار، لأن الإنذار لا يكون يوم القيامة إنما الإنذار في ~~الدنيا. # ثم قال تعالى: {فريق في الجنة وفريق في السعير}، أي: منهم فريق في الجنة ~~وهم المؤمنون، وفريق في السعير - وهي جهنم - وهم الكفار. وسميت جهنم ~~بالسعير لأنها تسعر على أهلها. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: " ~~خرج يوما على أصحابه وفي يده كتابان، فقال: هل: تدرون ما هذا؟ فقلنا: لا، ~~إلا ان (تخبرنا يا رسول الله). قال: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء ~~أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ~~ينقص منهم ابدا (وهذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء أبائهم، ثم أجمل على ~~آخرهم فلا ينقص منهم أبدا) فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ففيم ~~العمل إذا كان هذا أمر قد فرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل ~~سددوا وقاربوا، فإن صاحب ms2312 الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمضل، ~~وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل. فرغ ربكم من ~~العباد، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فنبذهما. فرغ ربكم من ~~الخلق، فريق في الجنة، وفريق في السعير قالوا: سبحان الله، PageV10P6561 # فلم نعمل وننصب؟! فقال رسول الله: العمل إلى خواتمه ". # وكان ابن عمر يقول: " إن الله جل ثناؤه لما خلق آدم نفضه نفض المزود ~~فأخرج منه كل ذرية، فخرج أمثال النغف فقبضهم قبضتين، وقال: شقي وسعيد، ثم ~~ألقاهما، ثم قبضهما فقال: فريق في الجنة وفريق في السعير ". # ثم قال تعالى: {ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة}، أي: على دين واحد. # {ولكن يدخل من يشآء في رحمته}، أي يوفقه إلى الإيمان والطاعة فيرحمه. # ثم قال: {والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير}، أي: والكافرون ما لهم يوم ~~القيامة من ولي يتولى معونتهم، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله سبحانه. PageV10P6562 # ثم قال تعالى: {أم اتخذوا من دونه أوليآء}، أي بل اتخذ هؤلاء المشركون من ~~دونه أولياء يعبدونهم من دونه. # {فالله هو الولي}، أي: هو الولي لأوليائه (لأنه يضر وينفع) {وهو يحيي ~~الموتى}: (بعد موتهم يوم القيامة. # {وهو على كل شيء قدير}، أي: قادر على إحياء الموتى وعلى غير ذلك مما ~~يريد. # قوله تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} إلى قوله: {منه ~~مريب}، أي: وما تنازعتم أيها الناس فيه من شيء فحكمه إلى الله، أي: هو يقضي ~~فيه بما يشاء إما بنص في كتابه، وإما بدليل على النص. # ثم قال تعالى: {ذلكم الله ربي عليه توكلت}، أي: ذلكم الذي ذكرت لكم هو ~~ربي وإلهي وإلهكم. {عليه توكلت} في أموري. # {وإليه أنيب}، أي: وإليه أرجع في أموري، وأتوب من ذنوبي. # ثم قال: {فاطر السماوات والأرض}، أي: هو (خالقهما ومبتدعهما). # {جعل لكم من أنفسكم أزواجا}، أي: زوجكم ربكم من أنفسكم أزواجا، PageV10P6563 # يعني: خلق حواء من ضلع آدم. # ثم قال تعالى: {ومن الأنعام أزواجا} يعني: ms2313 من الضأن اثنين، ومن المعز ~~اثنين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين. # ثم قال: {يذرؤكم فيه} (أي: بخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم، وبعيشكم فيما ~~جعل لكم من الأنعام). # قال مجاهد: {يذرؤكم فيه} (فيه، نسل بعد نسل من الناس والأنعام ". # وقال السدي: يذرؤكم: يخلقكم. # وقال ابن عباس: " جعل الله فيه معيشة تعيشون بها ". # قال قتادة: يذرؤكم فيه، قال: " عيش من الله جل ثناؤه يعيشكم فيه ". # وقال الزجاج: " يذرؤكم فيه أي: يكثركم فيه " (ف " في ") عنده في موضع ~~الباء. PageV10P6564 # والمعنى على قوله: يكثركم، يخلقكم أزواجا. # وقال القتبي: يذرؤكم فيه، أي: في الزوج. # (فالمعنى: يخلقكم في بطون الإناث. # وقال علي بن سليمان: " يذرؤكم: ينبتكم من حال إلى حال ". # وحكى أبو زيد) وغيره عن العرب، ذرأ الله الخلق يذرؤهم، أي: خلقهم. # ثم قال تعالى: {ليس كمثله شيء} الكاف في " كمثله " زائدة للتوكيد لا موضع ~~لها. وموضع " كمثله كله موضع نصب خبر " ليس ". # وقيل المعنى: ليس هو شيء، ولكن دخلت " المثل " في الكلام للتوكيد. # ثم قال: {وهو السميع البصير}، أي: السميع لما ينطق به من خلقه من قول، PageV10P6565 # البصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء. # ثم قال تعالى: {له مقاليد السماوات والأرض}، أي: له مفاتيح خزائن ~~السماوات والأرض. وواحد المقاليد إقليد وجمع على مقاليد على غير قياس ~~كمحاسن، والواحد حسن. وقيل: واحدها مقليد. فهذا على لفظ الجمع. # فتحقيق المعنى: بيده خزائن الخير والبشر. فما يفتح من رحمته فلا ممسك ~~لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده /. # قال مجاهد: مقاليد: مفاتيح بالفارسية. # وقوله: {يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر}، أي: يوسع الرزق على من يشاء من ~~عباده، ويضيق على من يشاء، يفعل ما يريد، ويعلم مصالح خلقه فيوسع على من لا ~~تصلح حاله إلا (بالتوسيع) (ويضيق على من لا تصلح حاله إلا بالتضييق). # {إنه بكل شيء عليم}، أي عالم بأحوال خلقه وما يصلحهم. # ثم قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} (أي: بين الله لكم أيها PageV10P6566 # الناس من الدين ما وصى به ms2314 نوحا) أن يعمله. # {والذي أوحينآ إليك} يا محمد، أي: وشرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك يا ~~محمد، وهو كتاب الله عز وجل. # ثم قال تعالى: {وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين}، أي: ~~وشرع لكم من الدين أن أقيموا الدين. # " فأن " في موضع نصب على البدل من " ما " في قوله: {ما وصى به نوحا}. ~~فالتقدير: شرع لكم أن أقيموا الدين. # ويجوز أن يكون " أن " في موضع (رفع على معنى هو: أن أقيموا الدين. # ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من الهاء في " به ") قال أبو PageV10P6567 # العالية: الذي وصى به نوحا لله عز وجل، وعبادته لا شريك له. # قال الحكيم: جاء نوح بالشريعة وتحريم الأمهات والبنات والأخوات. # وقال قتادة: جاء نوح بالشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام. # وقوله: {أن أقيموا الدين}: معناه: اعملوا به على ما شرع لكم وفرض عليكم. # وقال السدي: اعملوا ولا تتفرقوا فيه (فتختلفوا فيه) كما اختلف الأحزاب من ~~قبلكم. # فتحقيق المعنى في [الآية: {شرع لكم}] أن أقيموا [لله الدين] الذي PageV10P6568 # ارتضاه لأنبيائه، ولا تتفرقوا فتؤمنوا ببعض الرسل وتكفروا ببعض. وهذا ~~الدين هو الإسلام. # ومذهب أكثر المفسرين أن نوحا صلى الله عليه وسلم أول من جاء بالشريعة من ~~تحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات. # ثم قال تعالى: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}، أي: عظم يا محمد على ~~المشركين من قومك ما تدعوهم إليه من الإخلاص لعبادة الله عز وجل، والإقرار ~~له بالألوهية، والبراءة مما سواه من الآلهة. # وقال قتادة: كبر على المشركين شهادة ألا إله إلا الله. # ثم قال تعالى: {الله يجتبي إليه من يشآء}، أي: يصطفي لدينه من يشاء من ~~خلقه، ويختار لولايته ودينه من أحب، قال السدي: يستخلص من يشاء، وقال أبو ~~العالية: يخلص من الشرك من يشاء. # والتقدير: الله يجتبي إليه من يشاء أن يجتبيه. # ثم قال تعالى: {ويهدي إليه من ينيب}، أي: ويوفق للعمل بطاعته من يتوب ~~إليه من الشرك. # وقوله: {وعيسى} وقف إن جعلت " أن أقيموا " في موضع رفع ms2315 على الابتداء، PageV10P6569 # فإن جعلت " أن " بدلا مما قبله لم تقف إلا على {فيه} أو على: {إليه}. # ثم قال تعالى: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم}، أي: ~~وما تفرق المشركون في أديانهم فصاروا أحزابا إلا من بعد ما جاءهم العلم، ~~أي: إن الذي جاءتهم به الأنبياء هو الدين الحق، فتفرقوا من أجل البغي (من ~~بعدما جاءهم الحق. # وقيل: المعنى: ما تفرق قريش عن الإيمان بما جئتم به يا محمد إلا من أجل ~~البغي عليك) من بعد ما جاءهم القرآن دلالة على صحة ما جئتهم به. # وقيل: معنى: بغيا بينهم، أي: بغيا من بعضهم على بعض وحسدا وعداوة على طلب ~~الدنيا. # وقيل: المعنى: ما تفرق مشركو قريش إلا من بعد ما جاءهم العلم وذلك أنهم ~~كانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي. فلما بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~كفروا به. وهو مثل قوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ليكونن ~~أهدى من إحدى الأمم. .} [فاطر: 42] الآية. # ثم قال تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم}، أي: ~~لولا أن PageV10P6570 # الله عز وجل أخر عذابهم - في سابق علمه - إلى يوم القيامة لقضي بينهم ~~فيما اختلفوا فيه، فيهلك الكافر وينجي المؤمن. # قال الزجاج: الكلمة: {بل الساعة موعدهم} [القمر: 46]. قال السدي: يوم ~~القيامة. # وقال الطبري: معناه: لولا قول سبق: يا محمد من ربك إلا يعاجلهم بالعذاب ~~لقضي بينهم، ولكنه أخر ذلك إلى يوم القيامة. # ثم قال: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم}، أي: وإن الذين أورثوا ~~الكتاب من بعد هؤلاء المختلفين في الحق لفي شك منه، يعني: اليهود والنصارى. # والكتاب هنا: التوراة والإنجيل. # ومعنى: {لفي شك منه} أي: لفي شك من الدين الذي وصى الله عز وجل به نوحا ~~وأوحاه إليك يا محمد وأمرك بإقامته مريب. PageV10P6571 # وقيل، المعنى: إن اليهود والنصارى الذين أورثت قريش الكتاب من بعدهم، أي: ~~من بعد اليهود والنصارى - لفي شك منه، أي: من القرآن. # وقيل: من محمد صلى الله عليه وسلم: فالشك ms2316 على هذا لليهود والنصارى. # وقيل: هو لقريش، الذين أورثوا الكتاب من بعد اليهود والنصارى وهم في شك ~~من القرآن. # قوله تعالى: {فلذلك فادع واستقم} إلى قوله: {لفي ضلال بعيد}، أي: فإلى ~~ذلك الدين يا محمد فادع الناس واستقم. # فاللام في " فلذلك " / بمعنى " إلى " كما قال: {بأن ربك أوحى لها} ~~[الزلزلة: 5]، أي: PageV10P6572 # إليها. # {واستقم كمآ أمرت} أي: واستقم يا محمد على العمل بذلك الدين، واثبت عليه ~~كما أمرك ربك. # (وقيل: " ذلك " بمعنى: هذا. والتقدير: فلهذا القرآن فادع الناس يا محمد ~~واستقم على العمل به كما أمرك ربك. # وقيل: اللام) على بابها، والمعنى: ومن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع إلى ~~عبادة الله واستقم على (ما أمرك) ربك. # وفي الكلام تقديم وتأخير. والتقدير فيه: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~فلذلك فادع، أي فإلى ذلك (الدين فادع) عباد ابيه واستقم كما أمرت. # ثم قال: {ولا تتبع أهوآءهم}، أي: ولا تتبع أهواء المشركين في الحق الذي ~~شرعه الله لكم من الدين. PageV10P6573 # {وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب} أي: وقل يا محمد صدقت بما أنزل الله من ~~كتاب، كائنا ذلك الكتاب ما كان لا أكذب بشيء منه، كما كذبتم أيها المشركون ~~ببعضه، وصدقتم ببعضه. # ثم قال تعالى: {وأمرت لأعدل بينكم}، أي: وأن أسير فيكم أجمعين بالحق الذي ~~بعثني (الله به). # قال قتادة: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل، فعدل، حتى مات ~~صلى الله عليه وسلم. والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ المظلوم من ~~الظالم، والضعيف من الشديد " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~ثلاث من كن فيه أنجنه: القصد في الفاقة والغنى، والعدل في الرضى والغضب، ~~والخشية في السر والعلانية. # وثلاث من كن فيه أهلكته: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه. # وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: لسان ذاكر، وقلب شاكر، ~~وبدن صابر، وزوجة موافقة ". PageV10P6574 # ثم قال تعالى: {الله ربنا وربكم}، أي: مالكنا ومالككم. وهذا كله خطاب ~~لجميع الأحزاب من أهل الكتابين. # {لنآ ms2317 أعمالنا ولكم أعمالكم}، أي: لنا ثواب ما اكتسبنا من الأعمال، ولكم ~~ثواب ما اكتسبتم منها. # {لا حجة بيننا وبينكم}، أي: " لا خصومة ": قاله مجاهد وابن زيد. وقيل: ~~(المعنى: لا خصومة بيننا) لأن الحق قد تبين لكم صوابه. فاحتجاجكم إنما هو ~~عناد في أمر قد تبين لكم صوابه (فاحتجاجكم إنما هو في فيما قد علمنا أنكم) ~~تعلمونه وتنكرونه بعد علمكم بصحته. # ثم قال تعالى: {الله يجمع بيننا وإليه المصير}، أي: يجمع بيننا في موقف ~~يوم يوم القيامة فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه، وإليه مصيرنا أجمعين. # ثم قال تعالى: {والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له}، أي: والذين ~~يخاصمون في دين الله عز وجل الذي بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم، من بعد ~~ما استجيب له الناس ودخلوا فيه. PageV10P6575 # {حجتهم داحضة عند ربهم} أي: خصومتهم باطلة ذاهبة عند ربهم. # {وعليهم غضب} من ربهم. # {ولهم عذاب شديد} في الآخرة، وهو عذاب النار. # وقيل المعنى: والذين يخاصمون الناس في دين الله، من بعد مت استجيب للنبي. ~~فتكون " الهاء " للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا القول. وهي لله عز وجل في ~~القول الأول. # ومعنى: استجيب له - في هذا القول - استجيب دعاؤه، لأنه دعا على أهل بدر ~~فاستجيب له، ودعا على أهل مكة ومضر. بالقحط فاستجيب له، ودعا للمستضعفين أن ~~ينجيهم الله من قريش فاستجيب له في أشباه لهذا. # وقال مجاهد: هم قوم من الكفار خاصموا المؤمنين في وحدانية الله سبحانه من ~~بعدما استجيب له المؤمنون. PageV10P6576 # وذكر الطبري أن هذه الآية " نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم في دينهم وطعموا أن يصدوهم عنه إلى الكفر "، وهو قول ~~ابن عباس. # وقال قتادة: نزلت في اليهود والنصارى، قالوا: ديننا قبل دينكم، ونبينا ~~قبل نبيكم، ونحن خير منكم. # ثم قال: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان}، أي: الله الذي أنزل هذا ~~الكتاب - يعني: القرآن - بالحق وأنزل الميزان. # قال مجاهد وقتادة: الميزان: العدل، ليقضي بين الناس بالإنصاف بحكم الله. ms2318 # ثم قال تعالى: {وما يدريك لعل الساعة قريب}، أي: وأي شيء يعلمك يا محمد ~~لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة قريب. # وفي الكلام معنى التهديد والتخويف لمن أنزل عليه القرآن - وهو النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأمته. # وذكر " قريب " و " الساعة " مؤنثة على طريق النسب. PageV10P6577 # وقيل: ذكر ليفرق بينه إذا كان من المسافة والزمان، وبينه إذا كان من ~~النسب والقرابة. # وقال الزجاج: " هو تأنيث ليس بحقيقي فحمل على المعنى. والتقدير لعل البعث ~~قريب ". # وقيل التقدير لعمل مجيء الساعة قريب، ثم حذف مثل {وسئل القرية} [يوسف: ~~82]. # ثم قال تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون ~~منها} أي: يستعجلك بمجيئها يا محمد الذين لا يؤمنون بها ينكرون مجيئها، ~~يظنون أنها غير جائية، وذلك قولهم: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [الملك: ~~25]. # فهم يسألون عن حدوث كونها على جهة التكذيب لمجيئها. # والذين آمنوا بها، وعلموا أنها ستأتي مشفقون منها، أي: وجلون خائفون من ~~مجيئها لصحة وقوع ذلك عندهم وكونه، لأنهم لا يدرون ما الله فاعل بهم فيها. # {ويعلمون أنها الحق}، أي: ويوقنون أن مجيئها حق يقين. ثم قال تعالى: {ألا ~~إن الذين يمارون في الساعة}، أي: يجادلون الناس فيها أنها لا تقوم. PageV10P6578 # {لفي ضلال بعيد}، أي: لفي جور عن الصواب، بعيد عن الحق، لأنهم كفروا ~~معاندة ودفعا للحق. # قوله تعالى: {الله لطيف بعباده} إلى قوله {غفور شكور}، أي: والله ذو لطف ~~بعباده، يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقتر على من يشاء. {وهو القوي} لا يغلبه ~~غالب. # {العزيز} في انتقامه من أعدائه. # ثم قال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه}. الحرث هنا: ~~العمل. # والمعنى: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه، أي: نوفقه ونضاعف له ~~الحسنات. # {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها}، (أي: ومن كان يريد بعمله الدنيا ~~نؤته منها ما يريد، مثل دفع الآفات ونحوها ومثله قوله: {من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد} [الإسراء: 18]. # وقيل: المعنى: من كان ms2319 يريد بفعله الخير ثناء أهل الدنيا تركناه وذلك، ولم ~~يكن له في الآخرة من عمله نصيب. PageV10P6579 # وقيل نزلت في الغزو، والجهاد. والتقدير: من كان يريد بغزوه وجهاده الآخرة ~~وثوابها نعطه ذلك ونزده، ومن كان يريد بذلك الغنيمة والكسب نزته منها، أي: ~~نخلي بينه وبين ذلك. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع المنافقين من أخذ الغنيمة ومن ~~أجلها غزوا معه لا لله سبحانه. ففيهم (وفي أشباههم نزلت الآية) فتكون الآية ~~على هذا القول مخصوصة. # وقال طاوس: " من كان همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه (ولم ينل من ~~الدنيا إلا ما كتب له)، ومن كان همه الآخرة (جعل الله غناه بين عينيه)، ~~ونور قلبه، وآتاه من الدنيا ما كتب الله له ". PageV10P6580 # وقال الطبري في معناها: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في عمله الحسنى، ~~فنجعل بالواحد عشرا إلا ما شاء ربنا من الزيادة، ومن كان يريد بعمله الدنيا ~~ولها يسعى، نرته منها ما قسمنا له وما كتب له منها. # {وما له في الآخرة من نصيب}، أي: ماله من عمله ذلك في الآخرة حظ. # وقال قتادة: معناه: من آثر آخرته على دنياه نزد له في أجره، ومن آثر ~~دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار، ولم نزده في الدنيا ~~شيئا إلا رزقا قد فرغ منه. # وروى الضحاك عن ابن عباس أن قوله: {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها}: ~~منسوخ في سورة " سبحان " بقوله: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما ~~نشآء لمن نريد} [الإسراء: 18] وفيه PageV10P6581 # بعد لأن الأخبار لا تنسخ. # ثم قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}، ~~أي: بل لهم شركاء اخترعوا لهم دينا لم يأمر به الله سبحانه فعملوا به ~~وقبلوه. # وأضيف " الشركاء " إليهم لأنهم هم أحدثوا عبادتهم من دون الله سبحانه، ~~فأشركوا بينهم وبين والله سبحانه في العبادة، تعالى الله على ذلك علوا ~~كبيرا. # ثم قال تعالى: {ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم}، أي: ms2320 ولولا السابق من حكم ~~الله عز وجل أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا، وأنه مؤخر عذابهم إلى يوم ~~القيامة لجاءهم العذاب، فيهلك الكافرون وينجو المؤمنون. # (ثم قال تعالى: {وإن الظالمين لهم عذاب أليم}، أي: مؤلم والظالمون): ~~الكافرون بالله. # ثم قال تعالى: {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم}، أي: ترى يا ~~محمد الكافرين يوم القيامة خائفين من عقاب ما كسبوا في الدنيا من الأعمال ~~الخبيثة أن يحل بهم، وعقابه واقع بهم وحال عليهم. # ثم قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات}. PageV10P6582 # والروضة: المكان المونق الحسن، ولا تكون الروضة - عند بعض اللغويين - إلا ~~في المكان المرتفع. # ثم قال تعالى: {لهم ما يشآءون عند ربهم}، أي: لهم عند ربهم - في الآخرة - ~~كا تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم. # {ذلك هو الفضل الكبير}، أي: ذلك الذي أعطاهم الله من النعيم والكرامة هو ~~الفضل الكبير علهيم من الله عز وجل. # ثم قال تعالى: {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، ~~أي: ذلك الذي أخبرتكم به من الكرامة هو الذي يبشر الله به عباده الذين / ~~آمنوا في الدنيا، وعملوا الأعمال الصالحات. # ثم قال تعالى جل ذكره: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}، ~~أي: قل لهم يا محمد لا أسأل منكم جعلا على ما جئتكم به من الهدى والقرآن ~~والدعاء إلى الإيمان والنصيحة إلا أن (تودوني) لقرابتي منكم، وتصلوا رحمي ~~بيني وبينكم. PageV10P6583 # قال ابن عباس: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبينهم وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرابة. # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: لما أبو (أن يتابعوه، قال يا قوم، إن أبيتم ~~أن تتابعوني) فاحفظوا قرابتي فيكم لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي ونصري ~~منكم، وبهذا القول قال في الآية: عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي. # قال قتادة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يسأل الناس على هذا ~~القرآن أجرا إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة - وكل بطون قريش بينهم ~~وبينه قرابة ms2321 -. # فيكون المعنى: إلا أن تودوني لقرابتي منكم، (إني لا أسألكم من أموالكم ~~شيئا على ما جئتكم به، إنما أسألكم أن تودوني لقرابتي منكم إن أبيتم) أن ~~تؤمنوا بي. PageV10P6584 # وعن ابن عباس أنه قال: " قالت الأنصار: " فعلنا وفعلنا. . . فكأنهم ~~فخروا. فقال بعض قرابة النبي صلى الله عليه وسلم: لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم، فقال: " يا معشر الأنصار، ألم ~~تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ قالول: بلى يا رسول الله. قال: ألم تكونوا ~~ضلالا فهداكم الله بي؟ قالوا: بلي يا رسول الله قال: أفلا تجيبون؟ قالوا: ~~ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ ألم ~~يكذبوك فصدقناك؟ ألم يخذلوك فنصرناك. فما زال يقول حتى جثوا على الركب. ~~وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله قال: " فنزلت: {قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى} " الآية " # وبهذا القول قال عمرو بن شعيب. PageV10P6585 # وهذا يدل على أن الآية مدنية. # وعن ابن عباس أيضا أن معنى الآية: قل يا محمد لقريش: لا أسألكم على ما ~~جئتكم به أجرا إلا أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالعمل الصالح. # وقال الحسن: معناه: إلا التقرب إلى الله عز وجل والتودد إليه بالعمل ~~الصالح. # وقال الضحاك: الآية منسوخة نسخها قوله: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم} ~~[سبأ: 47]. # واختار الطبري قول من قال: معناه: إلا أن تودوني في قرابتي منكم. # و {إلا المودة} في هذا استثناء منقطع. فالمعنى: لا أسألكم عليه أجرا لكن ~~أسألكم أن تودوني لقرابتي منكم. # ثم قال: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا}، أي: ومن يعمل حسنة نضاعفها ~~إلى عشر حسنات فأكثر. PageV10P6586 # {إن الله غفور}، أي: غفور لذنوب عباده المؤمنين {شكور} لحسناتهم يضاعفها ~~لهم. # قوله تعالى: {أم يقولون افترى على الله كذبا} إلى قوله {إذا يشآء قدير} ~~أي: أيقولون افترى على الله الكذب، أي: اختلقه من عند نفسه. # {فإن يشإ الله يختم على قلبك}، أي: يطبع على قلبك فتنسى هذا القرآن يا ~~محمد، ms2322 قاله قتادة والسدي. # وقال الزجاج: معناه: فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم. # وقيل: المعنى: (إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم. # وقيل: المعنى: (إن يشأ الله - يا محمد - ختم على قلبك بالصدق واليقين ~~والخير كله. وقد فعل بك ذلك ومحا ضره من قلبك. # وقيل: المعنى) فإن يشأ الله يمنعك من التمييز. # ثم قال: {ويمح الله الباطل}، أي: ويزيل الله الباطل على كل حال - وهو ~~الشرك - PageV10P6587 # ولذلك رفعه، ولو عطفه على " ما يشاء " لم يجز لأنه يصير المعنى (ولو ~~يشاء) الله يمح الباطل، وذلك لا يجوز لأنه تعالى يمحوه على كل حال. ويدل ~~على رفعه أن بعده " ويحق الله الحق " بالرفع) وهذا احتجاج عليهم لنبوءة ~~وصحة ما جاء به لا المعنى: إن الله يزيل الباطل ولا يثبته. # فلو كان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم باطلا لمحاه الله عز وجل ~~وأنزل كتابا آخر على غيره. # وهكذا جرت العادة [في جميع المفترين أن الله سبحانه يمحو أباطلهم ويثبت ~~الحق. # ومعنى {ويحق الحق بكلماته}، أي: ويثبت ما أنزل من كتابه على لسان] نبيه ~~عليه السلام. # وقيل: المعنى ويبين الحق. # وقيل: معناه: يثبت الحق في قلبك بكلماته، أي: بالقضاء الذي قضاه لك قبل ~~خلقك. # ثم قال تعالى: {إنه عليم بذات الصدور}، أي: إنه ذو علم بما في صدور خلقه ~~وما PageV10P6588 # تنطوي عليه ضمائرهم. # وقيل: إن معناه: لو حدثت نفسك يا محمد بأن تفتري علي كذبا لطبعت على ~~قلبك، وأذهبت الذي أتيتك من وحيي، لأني أحق الحق وأمحو الباطل، فأخبر الله ~~عز وجل الزاعمين أن محمدا صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند نفسه - ~~أنه لو فعل ذلك أو حدث به نفسه - ما أخبر في هذه الآية. # وكان أبو عمرو بن العلاء يختار أن يقف القارئ على: " فإن يشأ الله يختم ~~على قلبك "، لأن ما بعده مستأنف غير معطوف عليه ما ذكرنا، وهو اختيار ~~الفراء. # ثم قال: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات} أي: ms2323 والله ~~الذي يقبل مراجعة عباده إلى الإيمان بعد كفرهم ويعفو عن ما تقدم لهم من ~~السيئات، ويعلم ما يفعل / خلقه من خير وشر، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ~~فيجازيهم على كل ذلك. # ثم قال تعالى: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: ويجيب الذين ~~آمنوا ربهم PageV10P6589 # فيما دعاهم إليه، كما قال: {فليستجيبوا لي} [البقرة: 186]. # قال المبرد: معناه: فليستدعوا الإجابة. فيكون " الذين " في موضع رفع على ~~هذا التأويل. # وقيل: المعنى: ويستجيب الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم، بمعنى: ~~يستجيب الذين آمنوا إذا سألوه ودعوا إليه، ويزيدهم من فضله، هي زيادة (لم ~~يسألوها)، إحسانا منه. # وتكون اللام محذوفة من الذين، كما قال: {وإذا كالوهم أو وزنوهم} ~~[المطففين: 3]. # أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم. # يقال: استجبت بمعنى: أجبته. PageV10P6590 # فيكون " الذين " في موضع نصب ب " يستجيب " أنشد أهل اللغة. # فلم يستجبه عند ذاك مجيب. # أي: لم يجبه. واستجاب، بمعنى: أجاب، مشهور في كلام العرب. # وقيل: معنى الزيادة (أنه يزيدهم ما دعوه. # وقيل: الزيادة التي ضمن) الله تعالى هنا هي أن يشفعهم في إخوانهم إذا ~~شفعوا فيهم. # وروى قتادة عن النخعي أنه قال في قوله: " ويستجيب الذين آمنوا " قال: ~~يشفعون في إخوانهم. (وقال في قوله: {ويزيدهم من فضله}: يشفعون في إخوان ~~إخوانهم). # ثم قال تعالى: {والكافرون لهم عذاب شديد}، يعني عذاب جهنم. PageV10P6591 # ثم قال تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض}. هذه الآية، ~~روي أنها نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الدنيا والغناء، فأنزل الله ~~تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض}، أي: ولو وسع عليهم ~~لجازوا الحد الذي حده الله عز وجل لهم. # {ولكن ينزل بقدر ما يشآء}، أي: يسهل لهم رزقا مقدرا يصلحهم وتصلح عليه ~~أحوالهم. # {إنه بعباده خبير بصير}، أي: ذو خبر بهم، وذو علم يعلم من يصلحه التضييق ~~وتفسده السعة (في الرزق، ومن يفسده التضييق وتصلحه السعة) فيعطي كلا على ~~قدر ما يصلحه. # قال قتادة: " كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك. PageV10P6592 # وروي ms2324 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " أخوف ما أخاف على أمتي ~~زهرة الحياة الدنيا وكثرتها فقال له قائل: أيأتي الخير بالشر؟ قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن الخير لا يأتي إلا بالخير. . " في حديث طويل. # ثم قال تعالى: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا}، أي: ينزل المطر من ~~السماء ليحيي به الأرض من بعد مت يئس الخلق من نزوله. # {وينشر رحمته}، اي: يبثها في عباده، يعني بالرحمة: الغيث الذي أنزله من ~~السماء. ومع القنط يرجى الفرج. # وقيل: لعمر رضي الله عنه: " جدبت الارض وقنط الناس فقال: مطروا إذا ". PageV10P6593 # وقد قيل في قوله: {وينشر رحمته}، أي: ظهور الشمس بعد المطر. وهو قول شاذ ~~لم أره عن ثقة. # ثم قال: {وهو الولي الحميد}، أي: وهو الذي يليكم بإحسانه وفضله، الحميد ~~بأياديه عندكم ونعمه عليكم. # ثم قال تعالى: {ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دآبة} أي: ~~ومن حججه (وعلامات أدلته) على وحدانيته وقدرته على إحيائكم بعد موتكم، خلقه ~~واختراعه السماوات السبع والأرضين السبع وخلقه ما نشر فيها من حيوان. # {وهو على جمعهم إذا يشآء قدير}، أي: وهو يقدر أن يحييهم يوم القيامة ~~فيجمعهم إذا شاء. # وقال الفراء: قوله: {وما بث فيهما}، يريد به: ما بث في الأرض دون السماء؛ ~~وزعم أن مثله {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من ~~الملح دون الحلو. وهو قول ضعيف عند البصريين، لا يجوز أن يرجع ضمير اثنين ~~إلى واحد، بل نقول: PageV10P6594 # إن الله قد بث السماوات والأرض دواب وقد قال: {ويخلق ما لا تعلمون} ~~[النحل: 8] وقال مجاهد: {وما بث فيهما من دآبة}، يعني: الناس والملائكة ~~والعرب تقول لكل ما تحرك: دب فيه فهو داب والهاء دخلت للمبالغة، وقيل ~~(لتأنيث) الصنعة. # قوله تعالى: {ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} إلى قوله: {هم ~~يغفرون}. # أي: والذي أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم. # وقيل: " ما " للشرط، والفاء مرادة، وحسن حذفها؛ لأن الفعل الأول لم يعمل ~~فيه الشرط، إذ هو ms2325 ماض. وفي كون " ما " بمعنى " الذي بعد "، لأنه يصير ~~مخصوصا للماضي. PageV10P6595 # فكأن ما أصابنا فيما مضى من مصيبة هو بما كسبت أيدينا وما يصيبنا فيما ~~نستقبل يحتمل أن يكون مثل ذلك، وأن يكون على خلافه، لغير ما كسبت أيدينا. # وهذا (لا يجوز، بل هو عام فيما مضى وما يستقبل، ولا يصيبنا من مصيبة ~~ماضية أو مستقبلة إلا بما كسبت أيدينا. وهذا المعنى لا يتضمنه) إلا الشرط ~~لأنه العموم. # فمعنى الآية: إن الله جل ذكره أعلمنا أن ما يصيبنا من مصيبة في الدنيا في ~~الأموال والأنفس والأهل فهو عقوبة منه لنا بما اكتسبنا من الآثام. # ثم قال / تعالى: {ويعفوا عن كثير}، أي: مما اكتسبنا فلا يعاقبنا عليه في ~~الدنيا بالمصائب. # قال قتادة: ذكر لنا نبي الله عليه السلام قال: " لا يصيب ابن آدم خدش ~~عود، ولا عثر قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر ". PageV10P6596 # وقال ابن عباس: تعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم في الدنيا ولا يؤاخذون بها ~~في الآخرة. # وقال الحسن: معنى الآية في الحدود، أن الله تعالى جعل الحدود على ما يعمل ~~الإنسان من المعاصي. وهذا يعطي أن " ما " بمعنى " الذي ". # قال إبراهيم بن عرفة: الكثير الذي يعفو (الله عز وجل عنه) لا يحصى. وهذه ~~من أرجى آية في القرآن. # وقال علي رضي الله عنه في هذه الآية: إذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن ~~كثير فماذا يبقى من ذنوبي بين كفارته وعفوه. # وروي عن علي رضي الله أنه قال: ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله؟ ~~قالوا: بلى، PageV10P6597 # فقرأ: " وما أصابكم من مصيبة " الآية. # ثم قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفا الله عز وجل عنه في ~~الدنيا فلم يعاقب به في الدنيا فهو أجود وأمجد وأكرم أن (يعذب به) في ~~القيامة. # وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: ما أحب أن لي بها الدنيا وما فيها. # (وقال أبو وائل: ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها ~~درجة، وحط عنه بها خطيئة). ms2326 # ثم قال تعالى: {ومآ أنتم بمعجزين في الأرض}، أي: وما أنتم أيها الناس ~~بمعتبين ربكم بأنفسكم هربا في الأرض حتى لا يقدر عليكم إذا أراد عقوبتكم ~~على ذنوبكم، ولكنكم في سطانه حيث كنتم، وتحت قدرته أين حللتم، وفي مشيئته ~~كيف تقلبتم. # ثم قال: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}، أي: (ليس لكم) أيها ~~الناس ولي يليكم فيدفع عنكم عقاب الله، ولا نصير ينصركم إذا أراد عذابكم. PageV10P6598 # قال المبرد: بمعجزين: بسابقين، يقال: أعجز إذا عدا فسبق. # ثم قال تعالى: {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام}، أي: ومن علامات ~~الله وأدلته، وحججه عليكم أيها الناس أنه قادر على تسيار السفن الجارية في ~~البحر. # و {الجوار}، جمع جارية وهي: السائرة في البحر. # {كالأعلام}: كالجبال، واحدها علم. # ثم قال تعالى: {إن يشأ يسكن الريح}، أي: إن يشأ الله ألا تجري هذه السفن ~~في البحر، يسكن الرياح التي (تجري بها). # {فيظللن رواكد على ظهره}، أي: فيصرن سواكن ثوابت على ظهر البحر يجرين. # ثم قال: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}، أي: إن في جري هذه السفن في ~~البحر وقدرة الله على إمساكها ألا تجري بإسكانه الرياح، لعظة وعبرة وحجة ~~على أن الله قادر على ما يشاء لكل ذي صبر على طاعة الله شكور نعم ربه. PageV10P6599 # ثم قال تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا}، أي: يغرق هذه السفن في البحر ~~فيهلكن أي يهلك من فيهن بذنوبهم. # ثم قال: {ويعف عن كثير}، أي: ويصفح جل ثناؤه عن كثير من ذنوبكم لا يعاقب ~~عليها. # ثم قال تعالى: {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص}، أي: ~~ويعلم الذين يخاصمون محمدا صلى الله عليه وسلم في آيات الله سبحانه [ما لهم ~~من محيل عن عقاب الله إذا أتاهم على كفرهم، قال السدي] ما لهم من محيص: من ~~ملجأ. # قال الزجاج: " ما لهم من معدل ولا ملجأ، يقال: حاص عنه إذا تنحى عنه ". # ثم قال تعالى: {فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا}، أي: فما أعطيتم ms2327 ~~أيها الناس من شيء من رياش الدنيا، ومن المال فهو متاع الحياة الدنيا ~~تستمتعون به في حياتكم، وليس من دار الآخرة، ولا مما ينفعكم. # {وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}، أي: وما عند ~~الله لأهل طاعته، والإيمان، والتوكل عليه في الآخرة، خير مما أوتيتم في ~~الدنيا من متاعها. PageV10P6600 # " وأبقى "، أي: وأدوم، لأنه لا زوال عنه ولا انقطاع، ومتاع الدنيا (فان ~~وزائل) عن قليل. # ثم قال: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش}، أي: وهو للذين يجتنبون ~~كبائر الإثم. # " روي عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: " ~~أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال أن نقتل ولدك خشية أن يأكل معك. ~~قلت: ثم أي: قال: أن تزني بحليلة جارك؛ ثم ذكر أكل مال اليتيم، وقذف ~~المحصنة، والغلول، والسحر وأكل الربا ". # فهذا حديث مفسر في الكبائر. # وعن ابن مسعود أنه قال: الكبائر: من أول سورة " النساء " إلى رأس ثلاثين ~~آية منها إلى قوله: {وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31]. PageV10P6601 # وقال ابن عباس - وقد سئل عن الكبائر - هي كل ما نهى الله تعالى / عنه. # وروي عنه أنه قال: الكبائر: " (كل ما) ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو ~~عذاب ". # وقال الضحاك: هي كل موجبة أوجب الله عز وجل لأهلها العذاب (وكل ما) يقام ~~عليه الحد فهو كبيرة. # وعن ابن عباس: " والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش "، قال: هو الشرك ~~بالله عز وجل، واليأس من روح الله سبحانه، والأمن من مكر الله جلت عظمته، ~~ومنها: عقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله سبحانه، وقذف المحصنات، ~~وأكل (مال اليتيم)، والفرار من الزحف، وأكل الربا، والسحر، والزنا، واليمين ~~الغموس واليمين الفاجرة، والغلول، ومنع الزكاة المفروضة، وشهادة الزور، ~~وكتمان PageV10P6602 # الشهادة، وشرب الخمر، وترك الصلاة عامدا، أو شيئا مما افترض الله سبحانه، ~~ونقض العهد، وقطيعة الرحم. # وقال السدي: الفواحش: الزنا. # وقوله: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون}، أي: إذا غضبوا على من أساء إليهم ~~غفروا وصفحوا له. # قوله: {والذين استجابوا ms2328 لربهم} إلى قوله: {في عذاب مقيم}، أي: أجابوه حين ~~دعاهم رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به والعمل بطاعته. # {وأقاموا الصلاة} يعني: المفروضة أقاموها بحدودها في أوقاتها. # ثم قال: {وأمرهم شورى بينهم}، أي: إذا عرض لهم أمر تشاوروا فيه بينهم. # {ومما رزقناهم ينفقون}، يعني: في الصدقات، وفعل الخير، وفي سبيل الله عز ~~وجل، وإخراج الزكاة المفروضة عليهم. # وقال ابن زيد: نزلت {والذين استجابوا لربهم} - الآية " في الأنصار. # ثم قال تعالى: {والذين إذآ أصابهم البغي هم ينتصرون}، أي: والذين إذا بغى PageV10P6603 # عليهم باغ انتصروا لأنفسهم، يعني: من المشركين، قاله ابن زيد. # وقال السدي: هي في كل باغ أبيح الانتصار منه. # وقال النخعي: " كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق ". # وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يحل لمسلم أن يذل ~~نفسه. قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتكلف من البلاء (ما لا يطيق) ". # ثم قال تعالى: {وجزآء سيئة سيئة مثلها}، أي: وجزاء سيئة المسيء عقوبته ~~على ما أوجبه الله عليه. # ولهذه الآية ونظيرها أجاز الشافعي وأهل الرأي أن يأخذ الرجل من مال من PageV10P6604 # خانه (مثل ما خانه به من) غير رأيه. # واستدلوا على صحة ذلك بقوله النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوج أبي ~~سفيان: " خذي من ماله ما يكفيك وولدك ". # وأجاز لها أن تأخذ من ماله ما يجب لها من غير رأيه. PageV10P6605 # ولم يجز ذلك مالك إلا بعلمه. # وسميت الثانية " سيئة " وليس الذي (يعملها مسيئا) لأنها مجازاة على ~~الأول. فسميت باسمها وليست بها. # وروي أن ذلك: أن يجاب القائل الكلمة القذعة بمثلها. # وقال ابن أبي نجيح: هو مثل أن يقول القائل: أخزاه الله، فيقول له المجيب ~~مثل ذلك. # وقال السدي: إذا شتمك فاشتمه بمثل ما شتمك من غير أن تعدي. # قال ابن زيد: {والذين إذآ أصابهم البغي هم ينتصرون}، يعني: من المشركين، ~~ثم قال: {وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} قال: معناه: ~~ليس آمركم أن تعفوا عنهم لأني لا أحبهم، أي: ms2329 لا أحب الظالمين، يعني: ~~المشركين، فمن فعل فالله PageV10P6606 # يثيبه على ما آذاه به المشركون، قال: ثم نسخ هذا كله، وأمر بالجهاد. # والآية على القول الأول محكمة عامة، مثل قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] # والمعنى: فمن عفا عمن أساء إليه فغفر له ابتغاء وجه الله سبحانه وهو قادر ~~على العقوبة فالله مثيبه. # ويكون معنى قوله: {إنه لا يحب الظالمين} على هذا القول، أي: إنه لا يحب ~~من يتعدى على الناس فيسيء إليهم بغير إذن الله عز وجل له. # ثم قال تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل}، أي: ومن ~~انتصر ممن ظلمه من بعد ظلمه إياه، فلا سبيل للمنتصر منه على المنتصر بعقوبة ~~ولا أذى، لأنهم انتصروا بحق وجب لهم على من تعدى عليهم. # وقال قتادة: " فيما يكون بين الناس من القصاص، فأما لو ظلمك رجل لم يحل ~~لك أن تظلمه ". PageV10P6607 # وقال الحسن: هذا في الرجل يلقيك فتلقيه، ويسبك فتسبه، ما لم يكن حدا، أو ~~كلمة لا تصلح. # وقال ابن زيد: عنى بذلك، الإنتصار من أهل الشرك. وقال: هو منسوخ. - يريد ~~نسخ بالأمر بالجهاد - قال: ونزل في أهل الإسلام {ادفع بالتي هي أحسن فإذا ~~الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34]. # والقول الأول هو أن الآية محكمة / غير منسوخة. عنى بها كل منتصر ممن ظلمه ~~وعليه أكثر العلماء، لأن النسخ لا يحكم عليه إلا بدليل قاطع أو إجماع أو نص ~~من سنة. # ثم قال تعالى: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق}، أي: إنما سبيل العقوبة على الذين يظلمون الناس ويتجاوزون في أرض ~~الله عز وجل الحد الذي أباح لهم ربهم فيفسدون فيها بغير الحق. # {أولئك لهم عذاب أليم}، أي: مؤلم، يعني: في الآخرة بعد عقوبة الدنيا. # وقال ابن زيد عن أبيه: هي من المشركين وهي منسوخة بقوله: {ادفع بالتي هي ~~أحسن} [فصلت: 34]. PageV10P6608 # وكان مالك لا يرى تحليل الظالم، ويرى تحليل من لك عليه دين ومات لا ms2330 وفاء ~~له به. وكان ابن المسيب لا يرى تحليله. # وقال عبيد الله بن عمير: ورب هذا البيت لا يعذب الله عز وجل إلا مشركا أو ~~ظالما لعباده، ثم قرأ: " إنما السبيل، الآية ". # ثم قال: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}، أي: ولمن صبر على إساءة ~~من أساء إليه، وغفر للمسيئ إليه جرمه فلم ينتصر منه وهو قادر على ذلك ~~ابتغاء وجه الله عز وجل وجزيل ثوابه، إن ذلك الفعل منه لمن عزم الأمور، لمن ~~أعالي الأمور التي ندب الله إلى PageV10P6609 # فعلها عبادة ومن أجلها، وذلك فعل الوارعين. # ثم قال: {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده}، أي: ومن يخذله الله فلا ~~يوفقه إلى الهدى فليس من ولي يوليه فيهديه من بعد إضلال الله له. # ثم قال: {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل}، هذا ~~مثل قوله: # {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا} [السجدة: 12] استعتبوا في غير حين استعتاب، وسألوا الرجوع إلى ~~الدنيا حين لا يقبل منهم، وبادروا إلى التوبة حين لا تنفعهم. # " ومن " في قوله: {ولمن صبر} مبتدأ، والخبر: " إن ذلك لمن عزم الأمور. . ~~. " الجملة. وثم محذوف، فيه ضمير يعود على المبتدأ والتقدير: إن ذلك منه ~~لمن عزم الأمور. (ومثل هذا) قول العرب: " البرقفيزان بدرهم "، أي: قفيزان ~~منه PageV10P6610 # بدرهم. والتقدير: إن ذلك لمن عزم الأمور له. # ثم قال تعالى: {وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل}، أي وترى يا محمد ~~الظالمين يوم القيامة يعرضون على النار خاضعين مما بهم من الذلة الخوف. # ثم قال: {ينظرون من طرف خفي}، أي: ينظر هؤلاء الظالمون إلى النار حين ~~يعرضون عليها من طرفي خفي، أي: من طرف ذليل من كثرة الخوف والإشفاق لتبقيهم ~~أنهم داخلون فيها. # قال ابن عباس ومجاهد: {من طرف خفي}، أي: ذليل وهو اختيار الطبري، قال: " ~~وصفه الله بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم حتى كادت أعينهم تغور فتذهب ". ~~وقال ابن جبير، يسارقون النظر من الخوف، وقاله ms2331 السدي وابن كعب. PageV10P6611 # وقال بعض أهل العربية: تقديره: من عين ضعيفة النظر والطرف عنده هنا ~~العين. # وقال يونس " من " بمعنى الباء. والتقدير: بطرف خفي. # وقال: إنما قال من طرف خفي لأنه لا يفتح عينه، إنما ينظر ببعضها إشفاقا. ~~وقيل: " إنما قيل ذلك لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم لا بأعينهم لأنهم ~~يحشرون عميا ". # ووقف بعض العلماء على {خاشعين}. ووقف أكثرهم على {خفي}. فتكون {من} في ~~قوله: {من الذل} إن وقفت على {خاشعين} (متعلقة ب {ينظرون}). # وإن وقفت على {خفي} كانت {من} متعلقة ب {خاشعين}. # ثم قال تعالى: {وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ~~يوم PageV10P6612 # القيامة}، أي: وقال المؤمنون يوم القيامة: إن المغبونين، الذين غبنوا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. # قال السدي: غبنوا ذلك في الجنة. # وقال ابن عباس: هم الذين خلقوا للنار وخلقت النار لهم، خلفوا أهليهم ~~وأموالهم في الدنيا، وصاروا إلى النار فحرموا الجنة والدنيا. # وقال قتادة: خسروا أهليهم الذين أعدوا لهم في الجنة لو أطاعوا. # وقيل: لما كان المؤمنون يجتمعون مع أهليهم في الجنة وكان الكفار لا ~~يجتمعون معهم كانوا قد خسروهم. # ثم قال: {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم}، أي: دائم ثابت لا يزول أبدا. # قوله تعالى: {وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله} - إلى آخر ~~السورة). # أي ولم يكن لهؤلاء المشركين أولياء ينصرونهم / من عذاب الله. # ثم قال: {ومن يضلل الله فما له من سبيل} ومن يخذله الله فلا يوفقه إلى ~~الحق فما له من طريق إلى الحق، لأن الهداية والضلال بيده. # ثم قال تعالى: {استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله}، ~~أي أجيبوا PageV10P6613 # أيها الناس داعي ربكم واتبعوه وآمنوا به من قبل أن يأتيكم يوم لا شيء يرد ~~مجيئه إذا جاء، وهو يوم القيامة. # {ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير}، أي: ما لكم يوم القيامة معقل ~~تلجؤون إليه مما نزل بكم، وما لكم من إنكار لما حل عليكم ولا تغيير. # قال مجاهد: {ما لكم ms2332 من ملجأ}، أي: " محرز، {وما لكم من نكير}، أي من ~~ناصر. فيكون نكير بمعنى: ناكر، أو: منكر. # وقيل: المعنى في {وما لكم من نكير}، أي: " لا تنكرون ما وقفتم عليه من ~~أعمالكم ". # قال الزجاج: معناه: ليس لكم مخلص من العذاب، ولا تقدرون أن تنكروا ما ~~توقفون عليه من ذنوبكم، (ولا ما) ينزل بكم من العذاب. # ثم قال تعالى: {فإن أعرضوا فمآ أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ}، ~~أي: فإن PageV10P6614 # أعرض هؤلاء المشركون عما جئتهم به يا محمد من الحق فلم يؤمنوا به فدعهم، ~~فإذا لم ترسلك إليهم رقيبا عليهم تحفظهم أعمالهم، ما عليك إلا البلاغ لما ~~أرسلت به إليهم، فإذا بلغت قضيت ما يجب عليك. # ثم قال تعالى: {وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة}، أي: أغنيناه ووسعنا ~~عليه فرح بها. # {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور}، أي: وإن يصب الإنسان ~~فقر، أو ضيق عيش، أو علة بما قدمت يداه من المعاصي - عقوبة له من الله عز ~~وجل على فعله وعصيانه - جحد نعم الله سبحانه المتقدمة عنده ويئس من الخير. # والتقدير، فإن الإنسان كفور، أي: جحود لنعم ربه، يعد المصائب ويجحد ~~النعم. # والإنسان هنا: واحد للجنس، يدل على الجمع، ولذلك قال: {وإن تصبهم}، فجمع. # ثم قال تعالى: {لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء}، أي: لله سطان ~~السموات والأرض يفعل في سلطانه ما يشاء ويخلق من يشاء، فيهب لمن يشاء - من ~~عباده - الذكور من الأولاد، ويهب لمن يشاء منهم الإناث، ويهب لمن يشاء ~~ذكورا وإناثا، PageV10P6615 # ويمنع من يشاء من الولد. فيجعله أو يجعل امرأته عقيما. # قال ابن عباس يهب بمن يشاء إناثا لا يولد له إلا الجواري، ويهب لمن يشاء ~~الذكور لا (يولد له) إلا الغلمان، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا يولد له الجواري ~~والغلمان، فلذلك تزويجهم، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم. # وقال محمد بن (الحنفية) وابن زيد في قوله (أو يزوجهم) ذكرانا وإناثا، ~~يعني التوأم، يخلق في البطن ذكرا وأنثى ويقال: رجل عقيم لا يولد ms2333 له، وامرأة ~~عقيم PageV10P6616 # لا تلد، وريح عقيم لا تأتي بمطر ولا خير. # ثم قال تعالى: {إنه عليم قدير}، أي: إن الله ذو علم بما خلق، وقدرة على ~~خلق ما يشاء. # ثم قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب} ~~وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ربه مشافهة، ولكن وحيا يوحي إليه كيف ~~يشاء، إما إلهاما، وإما مع ملك مقرب، أو من وراء حجاب حيث يسمع كلامه ولا ~~يراه كما فعل بموسى صلوات الله عليه. # {أو يرسل رسولا}، يعني: من الملائكة، كجبريل وشبهه. # {فيوحي بإذنه ما يشآء}، أي: فيبلغ الملك إلى البشر المرسل إليه بإذن الله ~~عز وجل ما يشاء الله أن يبلغه إليه من أمره ونهيه وخبره وما أراد. # وقال مجاهد {إلا وحيا}، أي: إلا أن يلقي (في قلبه) ما يشاء، ويلهمه ما ~~يشاء، {أو من ورآء حجاب} كموسى، {أو يرسل رسولا} كجبريل إلى محمد عليهما ~~السلام. # وقيل: المعنى: {إلا وحيا} كما أوحى إلى الأنبياء بإرسال جبريل وشبهه من PageV10P6617 # الملائكة، {أو من ورآء حجاب} كما كلم موسى، {أو يرسل رسولا} - يعني: من ~~البشر - إلى الناس كافة. # وقال القتبي: {إلا وحيا}: في المنام، {أو من ورآء حجاب} كما كلم موسى أي ~~ملكا إلى النبي من بني آدم فيبلغه عن الله (ما يشاء) الله أن يبلغه. # {إنه علي حكيم}، أي: إن الله عز وجل لذو علو على كل شيء واقتدار، ذو حكمة ~~في تدبيره خلقه. # (وليس العلو في هذا وشبهه من المسافة إنما هو علو اقتدار، ورفعة حال ~~وجلالة). # ثم قال تعالى: {وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا}، أي: كما أوحينا إلى ~~سائر الرسل قبلك، كذلك أوحينا إليك رحمة من أمرنا: وحيا، وهو القرآن. # قال قتادة: روحا: رحمة. وقال السدي: روحا: وحيا. وقال ابن عباس: هو PageV10P6618 # النبوة. # وقيل: المعنى: أوحينا / إليك ما تحيا به النفوس كما تحيا بثبات الروح ~~فيها، وهو القرآن وما فيه من الإيمان والمواعظ. # ثم قال تعالى: {ما كنت تدري ما ms2334 الكتاب ولا الإيمان}، أي: لم تكن يا محمد ~~تدري أي شيء الكتاب، ولا أي شيء الإيمان للذين أعطيناكهما. # ثم قال تعالى: {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا}، أي: ولكن ~~جعلنا القرآن ضياء للناس يستضيء بنوره من يشاء الله عز وجل ومن يوفقه، ~~ونوره هو: العمل بما فيه. # ثم قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}، أي: وإنك يا محمد لتهدي ~~الناس وتدعوهم وترشدهم إلى طريق مستقيم، أي: إلى الحق والإسلام. # وقرأ الضحاك وحوشب: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} بضم التاء وفتح الدال ~~على ما يسم فاعله. # ثم بين الصراط وفسره فقال: {صراط الله الذي له ما في السماوات}، أي: طريق PageV10P6619 # الله الذي دعا إليه عباده. # وقال الضحاك: إلى صراط مستقيم، إلى دين (مستقيم، دين) الله الذي له، وفي ~~ملكه وقدرته وسلطانه جميع ما في السماوات وما في الأرض. # ثم قال: {ألا إلى الله تصير الأمور}، أي: ترد أمور جميع الخلق إلى الله ~~عز وجل يوم القيامة فيقضى بينهم بالعدل، وأمورهم (أيضا في الدنيا) إلى الله ~~سبحانه. وإنما خص ذكر يوم القيامة - هنا - لأنه يوم لا يدعي فيه أحد لنفسه ~~شيئا ولا يتجبر فيه أحد، ولا يدعي أحد ملكا ولا سلطانا إلا الله سبحانه. # والدنيا فيها الجبارون والملوك والمدعون الباطل، فلذلك خص ذكر يوم ~~القيامة برجوع الأمور إليه تعالى ذكره، وإن كانت في الدنيا بيده وفي حكمه ~~وقبضته وعن مشيئته تكون، لا إله إلا هو. PageV10P6620 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزخرف # سورة حم، الزخرف، مكية. # قوله تعالى: {حم* والكتاب المبين} إلى قوله {ومضى مثل الأولين} قد تقدم ~~ذكر حم. # وقوله: {والكتاب المبين}: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره ~~وعظاته. # ثم قال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا}، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ ~~كنتم أيها المنذرون به من العرب. # " وجعلناه " هنا، يتعدى إلى مفعولين، " فالهاء " الأول، " وقرآنا " ~~الثاني. PageV10P6621 # وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا. إذ لو كان بمعنى ~~خلقنا؟ إذ لو كان بمعنى ms2335 خلقنا، لم يتعد إلا إلى مفعول واحد. # ومثله قوله تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} [الحجر: 91]، فلو كان بمعنى ~~" خلق " لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال. # ولم يلقهم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلة علمهم بتصاريف ~~اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب. وقوله: {لعلكم تعقلون}، معناه: أنزلنا ~~القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن ~~عرب، وهذا كلام لا نفقه معانيه. # قال قتادة: " والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده ". وقيل: ~~المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل. # ثم قال تعالى: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم}، أي: وإن القرآن في ~~أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله. PageV10P6622 # فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نسخ. # وقوله: {لدينا لعلي حكيم}، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى " علي ": ~~قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم ~~فصلت، فهو ذو حكمة. # وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه. # قال ابن عباس: " أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن ~~يخلق. قال: فالكتاب عنده. # روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال " أم الكتاب القرآن ". # ثم قال تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} " صفحا " مصدر، كأنه قال: أفنصفح ~~عنكم صفحا. PageV10P6623 # وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين. كما ~~تقول: جاء زيد مشيا، أي: ماشيا. # ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل ~~وراض)، وذو عدل وذو رضى. يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك. # والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل ~~أنكم قوم مشركون. # قال مجاهد: معناه، أفتذكبون بالقرآن ولا تعاقبون. # وقال السدي: معناه: " أفنضرب عنكم العذاب ". # وقال ابن عباس: معناه: " أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا PageV10P6624 # ما أمرتم به ". # وقال قتادة: (معنى): {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين}، أي: ms2336 ~~مشركين /، والله لو كان هذا القرآن " رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ~~ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء ~~من ذلك ". # قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب. وقيل: " ~~الذكر: التذكير ". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب ~~الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين. وهو مروي عن ابن عباس. PageV10P6625 # فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوما ~~مسرفين. # وهذا كله على قراءة من فتح " أن "، فأما من كسر " أن " فقد رده أبو حاتم ~~وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها ~~لما مضى. # والمكسورة معناها لما يأتي. فكيف يربخون على شيء لم يفعلوه بعد. # والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند ~~الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. # وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: PageV10P6626 # أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضض لقتل ابن حازم. # فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أن " أن " ~~المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو " حزتا ". # وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: {وإن ~~أحد من المشركين استجارك} [التوبة: 6] (أي: وإن استجارك أحد من المشركين ~~واستجارك). فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حزت أذنا قتيبة ~~حزتا. PageV10P6627 # ويجوز عند تكثير من النحويين أن تكسر الألف. ويكون المعنى للماضي في ~~البنية واللفظ للاستقبال. وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: {أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام} [المائدة: 2] بالكسر. # وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم ~~يؤمنوا} [الكهف: 6] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أمر قد ~~تقدم وكان. فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة. ولم يقرأ به أحد. ~~فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على ~~معنى: إن وقع ذلك. وعلى ذلك ms2337 اختلف القراء في قوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها} [الأحزاب: 50]. # والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا. PageV10P6628 # وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى. # والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر ~~وفي (الآيات المذكورات). # ثم قال تعالى: {أرسلنا من نبي في الأولين}، أي: وكثيرا أرسلنا من ~~الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. # {وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون}، أي: ما يأتي الأمم الماضية ~~من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا ~~محمد. # فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا من مضى من الأمم المكذبة ~~لرسلها. # فهذا نص يسل الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم ويصبره على ما يلقى ~~من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فعل ذلك بمن بعث قبله من الأنبياء. # ثم قال تعالى: {فأهلكنآ أشد منهم بطشا}، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على ~~تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قة وآثارا وتصرفا في الأرض، فلم PageV10P6629 # يمتنعوا من العذاب لما أتاهم. فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن ~~تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمما أشد من قريش بطشا، فقريش أحرى ألا يقدروا ~~على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم. # ثم قال: {ومضى مثل الأولين}، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا ~~محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم ~~لك. قال قتادة: {مثل الأولين}: عقوبتنا لهم. وقال مجاهد: سنتنافيهم. # وقيل: " مثل " هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم. # قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض} إلى قوله: {لكفور ~~مبين}. # أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات PageV10P6630 # والأرض؟ {ليقولن خلقهن العزيز العليم}، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، ~~العليم بكل شيء. # ثم قال تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهدا}، أي بساطا فسهل عليكم / التصرف ~~فيها من بلد إلى بلد. # {وجعل لكم فيها ms2338 سبلا}، أي: طرقا. # {لعلكم تهتدون}، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم. ~~ولولا ذلك (لم يطق) أحد براحا من موضعه ومنشئه. # قوله: {الذي جعل لكم الأرض مهدا} ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من ~~جواب المشركين - حكاه الله عنهم. # ولو اتصل بما قبله لكام: " الذي جعل لنا الأرض ". # لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين. # فثم إضمار " هو "، هو الذي جعل لكم الأرض مهادا، ثم وصف نعمه - PageV10P6631 # نعمة (بعد نعمة) - تنبيه وتقرير. # ثم قال تعالى: {والذي نزل من السمآء مآء بقدر}، أي: مطر بمقدار الحاجة ~~بكم إليه. ولم يجعله كالطوفان فيكون عذابا بغرق، (ولا جعله) قليلا (لا ~~ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه. # وقوله تعالى: {فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون}، أي: فأحيينا بذلك ~~المطر بلدا لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له. # فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات يحيي الموتى بالمطر ~~فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم). # وروى ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس ~~شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان ~~واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود: PageV10P6632 # {والذي نزل من السمآء مآء} - إلى - {تخرجون}. # ثم قال تعالى: {والذي خلق الأزواج كلها}، أي: الأجناس والأصناف من الخلق. # وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجا، وخلق ~~الإناث من الذكور أزواجا. # وواحد الأزواج على " فعل " وكان بابه أن يجمع على " أفعل " إلا أنهم ~~استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع " فعل " فجمعوه على " أفعال " ~~(وبابه " أفعال ") فشبه فعلا بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضا ~~شبهوا) " فعلا " ب " فعل " وجمعوه على " أفعل " وبابه " أفعال " قالوا: زمن ~~وأزمن. # ثم قال تعالى: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} يعني: السفن في ~~البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم. PageV10P6633 # ثم ms2339 قال تعالى: {لتستووا على ظهوره}، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك ~~وحدت الهاء. # وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة " كثر الدرهم. # والأحسن أن تكون مردودة على لفظ " ما " في قوله: {ما تركبون} و " ما " ~~مذكرة اللفظ موحدة. ومثله الهاء في قوله: {إذا استويتم عليه}. وإنما أتى " ~~ظهوره " بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء ~~على " ما " على اللفظ. # وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب " من " و ~~" ما " أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله PageV10P6634 # تعالى: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} ~~[الأنعام: 139] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ. وهذا على ~~قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضا: {كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها} [الإسراء: 139] فأنث " سيئة " حملا على معنى " كل "، ثم قال: " ~~مكروها " فذكر، حملا على لفظ " كل ". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيرا. # ثم قال تعالى: {ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه}، أي: نعمة ربكم ~~التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر. # ثم قال: {وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا}، أي: وتقولوا تنزيها لله ~~(وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه. # قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون: PageV10P6635 # {بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم} [هود: 41]، وإذا ركبتم ~~الإبل تقولون: {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنآ إلى ربنا ~~لمنقلبون}. # وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعا، تقولون: اللهم ~~انزلنا {منزلا مباركا وأنت خير المنزلين} [المؤمنون: 29]. # وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: {سبحان الذي ~~سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنآ إلى ربنا لمنقلبون}. # ومعنى {مقرنين}: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم ~~نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك. # وحكى أهل ms2340 اللغة: أقرن له، إذا أطاقه. وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له. PageV10P6636 # وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له. # وحكى أنه يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له ". # وقد روي عن علي بم أبي طالب رضي الله عنه أنه كان (إذا جعل رجله في ~~الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكبا قال: الحمد لله، ثم يقول: {سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءا ~~(وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. # ثم يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كفعلي. # وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: {سبحان الذي سخر لنا هذا. . .} الآية، قال ~~له الشيطان تغنه؛ فإن لم يحسن قاله تمنه. PageV10P6637 # وقوله: {وإنآ إلى ربنا لمنقلبون}، أي: ويقولون أيضا هذا. ومعناه: راجعون ~~بعد الموت، مبعوثون. # وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها. # وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، ~~وهو مثل قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، أي: ~~لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك. # ثم قال تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا}، يعني: ما أضاف المشركون إلى ~~الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # ومعنى {وجعلوا} (ها هنا:) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله ~~سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي. # قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلا، وهي الأصنام. # وقال عطاء: جزءا، أي: نصيبا، شريكا وهو قول الضحاك والربيع بن أنس، PageV10P6638 # وهو معنى قول ابن عباس. وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام. # وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد: # إن أجزت (حرة) يوما فلا عجب ... قد (تجزئ الحرة المذكار أحيانا # أي: إن ولدت إناثا. # وقال المبرد: الجزء: البنت. # وقوله تعالى بعد الآية: {أم اتخذ مما يخلق بنات} [الزخرف: 16]، وقوله: ~~{وجعلوا الملائكة الذين PageV10P6639 # هم عباد الرحمن إناثا} [الزخرف: 19] يدل على صحة قول مجاهد والسدي. # وقوله: {إن ms2341 الإنسان لكفور مبين}، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين ~~كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله. وهو هنا الكافر. # (ثم قال تعالى: {أم اتخذ مما يخلق بنات}، إلى قوله: {عاقبة المكذبين}، ~~معناه، لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك ~~علوا) كبيرا. # وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم ~~(لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين. # ثم قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا} أي: وإذا بشر أحدكم ~~هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءا بما وصف ربه به من اتخاذ البنات ~~سبحانه وتعالى صار وجهه مسودا وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه. PageV10P6640 # قال قتادة: " وهو كظيم، أي: حزين ". # ثم قال: {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} " من " في موضع ~~رفع بالابتداء. # ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على {أم اتخذ مما يخلق بنات} فتبدله من ~~البنات. # ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من " ما ") في قوله: {وإذا بشر أحدهم ~~بما ضرب للرحمن مثلا}. # وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل " من " فهي ~~تحول بين البدل والمبدل منه. # والمعنى: أجعلتم لله جزءا ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة PageV10P6641 # من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه. ففي الكلام حذف استغني عنه ~~- بدلالة ما ذكر بعده. # والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيبا. قال ابن عباس: عنى ~~بذلك المرأة. # وقال مجاهد: " رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ~~ولدا؛ كيف يحكمون ". # وقال قتادة: وقوله: {وهو في الخصام غير مبين} يعني النساء فقلما تتكلم ~~امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. PageV10P6642 # وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، ~~يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم ~~عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئا. # ثم قال تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم ms2342 عباد الرحمن إناثا}، أي: ووصفوا ~~الملائكة بهذا الوصف. # فجعل هنا بمعنى " وصف " تقول: جعلت فلان أعلم الناس /، أي: وصفته بهذا ~~يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل). # ثم قال: {أشهدوا خلقهم} هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا ~~خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث. # ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): {ستكتب ~~شهادتهم ويسألون}، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا ~~إلى الاعتذار من قولهم سبيلا. PageV10P6643 # ثم قال تعالى: {وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم}، أي: وقال هؤلاء ~~المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا ~~العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا. # قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا ~~بعبادتها، دل على ذلك: قوله: {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون}، أي: ~~يكذبون. فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: {وقالوا لو ~~شآء الرحمن ما عبدناهم}، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر. كما أن قولهم - ~~إذا سئلوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ~~ينكر. # ثم قال تعالى: {ما لهم بذلك من علم} هذا مردود إلى أول الآية. # والتقدير: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} {ما لهم بذلك من ~~علم}، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثا من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما ~~قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ~~ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ~~ذلك PageV10P6644 # عذرهم. فرد الله عز وجل عليهم. # فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصا ~~واختراعا من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه ~~شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم. # ثم قال تعالى: {إن هم إلا يخرصون}، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء ~~الرحمن ما ms2343 عبدنا هذه الأوثان. # ثم قال تعالى: {أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون} أي: آتينا ~~هؤلاء المتخرصين كتابا يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به. # والهاء في " من قبله " تعود على القرآن. # ثم قال تعالى: {بل قالوا إنا وجدنآءابآءنا على أمة}، أي: لم يأتهم كتاب ~~بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ~~ما كانوا عليه. # وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز " على إمة " بكسر الهمزة قال الكسائي: PageV10P6645 # هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوام إمة. # وحكي عن العرب: " ما أحسن إمته وعمته وجلسته ". # ثم قال: {وإنا علىءاثارهم مهتدون}، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، ~~فنحن متبعون لما كانوا عليه. هذا كله حكاية عن قريش. # ثم قال تعالى: {وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ ~~إنا وجدنآءابآءنا على أمة وإنا علىءاثارهم مقتدون}، أي: كما قال لك (يا ~~محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان ~~قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل. ~~والمترفون: الرؤساء PageV10P6646 # والأشراف منهم. فسلك فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة. # ومعنى " مقتدون " أي: تقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر. # ثم قال تعالى: {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم}، أي: قل يا ~~محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أولوا جئتكم أيها ~~المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما ~~وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى إلى الحق وأصوب منه! # ثم قال تعالى: {قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون}، أي: فقال محمد صلى الله ~~عليه وسلم ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون. # وجمع في قوله: " أرسلتم " لأن من كذب نبيا فقد كذب جميع الأنبياء. # ثم قال تعالى: {فانتقمنا منهم}، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا ~~رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن ~~تمادوا على تكذيبك. # قوله ms2344 تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء} - إلى قوله - {خير ~~مما يجمعون}، " براء " مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. تقول: PageV10P6647 # نحن البراء منك، وهي البراء منك. # والمعنى / أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، ~~(وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل. ونظيره: {ولكن البر من آمن} [البقرة: ~~177]، أي: ولكن ذو البر. # وقرأ ابن مسعود: " إنني بريء " على " فعيل ". فتجوز التثنية والجمع ~~والتأنيث على هذه القراءة. # وجمعه في التكسير: " برآء " (ك " كرماء "). PageV10P6648 # وحكى الكوفيون " براء " على حذف الياء وهو شاذ. # وقوله: {إلا الذي فطرني}، هذا استثناء من قوله " مما تعبدون ". # ويجوز أن يكون ايتثناء ليس من الأول منقطعا. # ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ~~ما بعيد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: ~~خلقني، فإني لا أبرأ منه. # {فإنه سيهدين}، أي سيقونا للحق في ديني. # ثم قال تعالى: {وجعلها كلمة باقية في عقبه}. # قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها ~~من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: {أسلمت ~~لرب العالمين} [البقرة: 131]. PageV10P6649 # وقال: {هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج: 78]، وقال: {واجعلنا مسلمين لك ~~ومن ذريتنآ أمة مسلمة} [البقرة: 128]. # والضمير في قوله: {وجعلها} عائد على قوله: {إلا الذي فطرني} وضمير الفاعل ~~يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، ~~فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله. # وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية ~~في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو ~~قوله: {ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب. . .} [البقرة: 132] الآية. فتوارثوا ~~ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله. PageV10P6650 # ويقال عقب وعقب، بمعنى واحد. والعقب هنا: الولد في قول مجاهد. # وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده. # وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد صلى الله ms2345 عليه وسلم. # وقال ابن شهاب: العقب: " الولد، وولد الولد ". # وقال ابن زيد: " عقبه: ذريته ". # وقوله: {لعلهم يرجعون}، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه. # {قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون}، أي: قال لهم ذلك لعلهم ~~يتوبون عن عبادة غير الله. ففي الكلام تقديم وتأخير. # ثم قال تعالى: {بل متعت هؤلاء وآبآءهم حتى جآءهم الحق ورسول مبين}، أي: ~~بل منعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك ومتعت آباءهم من قبلهم بالحياة ولم ~~أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاء الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، PageV10P6651 # يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم ~~كتابا وبعثت فيهم رسولا يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما ~~أرسل به. # ثم قال تعالى: {ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون}، أي: ولما ~~جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذارا وإنذارا، ورسول منهم يبين ما أرسل به ~~ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، ~~وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله. # ثم قال تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}، ~~أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من ~~القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: {وسئل القرية} [يوسف: 82]، يعنون ~~الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل ~~الطائف، قاله ابن عباس. PageV10P6652 # وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف. # وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف. # وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عنبة بن مسعود من أهل ~~الطائف. # وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، ~~قاله ابن زيد. # وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو ~~بن) عمير من أهل الطائف. # وعن ms2346 مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل PageV10P6653 # الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود. # وقيل: هما الوليد بن بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير ~~الثقفي سيد ثقيف. ثم قال تعالى: {أهم يقسمون رحمت ربك} (أي: أهؤلاء ~~القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد ~~بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك ~~فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء. # قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمدا صلى الله عليه وسلم أنكرت ~~العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله / بشرا مثل محمد، فأنزل ~~الله جل ذكره: {أكان PageV10P6654 # للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس} [يونس: 2] وقال: {ومآ ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر} [النحل: 43]، ~~يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، ~~فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم. وقال: {ومآ ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} # [يوسف: 109]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم ~~تعالى) الحجج، قالوا: فإن كان بشرا فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال ~~والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من ~~أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، قال الله: {أهم ~~يقسمون رحمت ربك}، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء. # قال تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا}، أي: نحن نقسم ~~الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبيا، ومن شئنا مؤمنا، ومن شئنا ~~كافرا، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم ~~أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكا وبعضهم ~~مملوكين. ms2347 PageV10P6655 # {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا}، أي: جعلنا بعضهم حرا وبعضهم مملوكا، وبعضهم ~~غنيا وبعضهم فقيرا ليستخدم بعضا بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم. # وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على ~~بعض فجعل بعضهم مالكا وبعضهم مملوكا. # ثم قال تعالى: {ورحمت ربك خير مما يجمعون}، يعني: الجنة خير مما يجمعون ~~في دنياهم من الأموال. # قوله تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} - إلى قوله - {فبئس ~~القرين}، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم (كفارا) لجعل الله لبيوت من يكفر ~~سقفا من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم ~~في علم الله عز وجل وتقديره فيهم. # وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة PageV10P6656 # لجعل الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع. # يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة ~~والبعير. فيرد الواحد على الجنس كله. # وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفا. فوحد على ~~المعنى. # وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في PageV10P6657 # المؤمنين غتي وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء ~~كلهم. # ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها. # ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر ~~والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقطف. # وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع " سقفا " على " سقوف ". كفلس وفلوس. ثم جمع ~~سقوفا على سقف كحمار وحمر. # وقال أبو عبيدة: (سقف جمع كرهن ورهن، ورهن عند أكثر النحويين إنما هو جمع ~~رهان، ورهان جمع رهن فرهن أيضا، جمع جمع. # وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت. # فهو يدل على أن السقف لاحق لرب العلو فيه، وهو قول مالك وأصحابه. PageV10P6658 # وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا ~~قيمة لها، فقال: لولا أن يميل الناس كلهم ms2348 إلى الدنيا ويتركوا الآخرة ~~لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء ~~زائل مضمحل. # وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي ~~المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة ~~وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم. # قال الشعبي: سقفا من فضة، أي: جذوعا. ومعارج، أي: درجا من فضة. عليها ~~يظهرون، أي: يصعدون على السقف والغرف. PageV10P6659 # وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة. # وقوله: {ولبيوتهم أبوابا}، يعني: من فضة. # {وسررا}، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره. # وقوله: {وزخرفا}، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفا، يعني: الذهب، قاله ابن ~~عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما يتخذه الناس ~~في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث. # وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهبا. # والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها. والتقدير في ~~الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومن PageV10P6660 # زخرف. ثم حذف " من " فنصب الزخرف. # قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسنا على معنى: / من ~~فضة ومن زخرف. # وقيل: التقدير: وجعلنا لهم زخرفا - بغير حذف خفض - وهو أقوى وأحسن. # والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدهما معراج، وكان حقها معاريج ~~بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: ~~(معرج ومعراج) كمفتح ومفتاح. # ولذلك تقول في جمع مفتح: (مفاتح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع مفتاح. # ثم قال تعالى: {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} هذا تقليل وتصغير ~~لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا خير في شيء لا يدوم. # والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر وإلا مسافة PageV10P6661 # متاع يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم. # {والآخرة عند ربك للمتقين}، أي: وزينة الآخرة ونعيمها خير عند ربك لمن ~~اتقاه فجد في طاعته وتجنب ms2349 معاصيه. # والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين. واللام (من و " ~~لما ") عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين. و " ما ". ~~زائدة، وقيل: هي بمعنى: " شيء ". # ثم قال تعالى: جل ذكره: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين}، أي: ومن يعرض عن الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه. هذا قول ~~قتادة، وهو قول الفراء، وقال المبرد: " يعش: يتعامى ". # ومنه قول الشاعر: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... إلى ضوء ناره (تجد خير عندها خير موقد) PageV10P6662 # وقيل: معنى (يعش: يعم)، روي ذلك عن ابن عباس. # ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين. # يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى. # والأعشى: الذي قد ركب بصره ضعف وظلمة. ومنه يقال: جاء فلان إلى فلان ~~يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. # وعلى ذلك أيضا يتأول قول الشاعر. # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... (تجد خير نار عندها خير موقد) # أي: متى تأتيه ليلا. # وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى لا PageV10P6663 # ينتفع بكل بصره في الضوء. # ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى. وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو ~~من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء. فالياء هي عشى منقلبة من واو. ولذلك ~~قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف. # فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل قرينا من الشياطين. # قال السدي: ومن يعش: من يعرض. # وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم. # ثم قال تعالى: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل}، أي: وإن الشياطين ليصدون ~~هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم الضلالة، ويحسب هؤلاء ~~الكفار PageV10P6664 # الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم به الشياطين. # ثم قال: {حتى إذا جآءنا}، يعني: الكافر وقرينه من الشياطين. ومن وحد " ~~جاء " أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له فاستغنى عن ذكره. # ثم قال تعالى: {ياليت ms2350 بيني وبينك بعد المشرقين}، أي: حتى إذا جاء الكافر ~~وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين أورده النار: يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف. # وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ (" مشرق " كما) قيل: سيرة ~~العمرين في أبي بكر وعمر. # قال الله جل ثناؤه: {فبئس القرين}، أي: فيبس الشيطان قرينا لمن قارنه ~~لأنه PageV10P6665 # يورده إلى النار. # قوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم} - إلى قوله: - {فلما جآءهم ~~بآياتنآ إذا هم منها يضحكون}، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن ~~يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله ~~نصيبه من العذاب. فحرم الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا ~~راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه. # ثم قال تعالى: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين}، ~~أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن مساع الهدى على شريطه الانتفاع به، ~~أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدى به، أو تهدي من هو في ~~جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل ~~الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه. # ثم قال تعالى: {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون}. PageV10P6666 # قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~لقد كانت بعد نبي الله صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده. # وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا ~~الذي تقر به عينه. قال / وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي. # قال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده، ms2351 ~~فما زال منقبضا ما استبسط ضاحكا حتى لقي الله جل ذكره. # وقال السدي: هذه الآية عني بها أهل الشرك من قومه صلى الله عليه وسلم، ~~وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم. # فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم PageV10P6667 # منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من ~~النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون. # ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر. # وقيل: هو راجع إلى قوله: {والآخرة عند ربك للمتقين} [الزخرف: 35]. # فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر. # ثم قال تعالى: {فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم} يعني ~~القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك. # ثم قال: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}، أي: وإن هذا القرآن لشرف لك ~~ولقومك، يعني: قريشا، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه ~~عليكم. # وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه. # ثم قال تعالى: {وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون}، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك. فالتقدير: وأسال من ~~أرسلنا إليهم قبلك رسلنا. و " من " زائدة. PageV10P6668 # وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد ~~والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم ~~الرسل إلا بالتوحيد. وقال الضحاك، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل ~~مؤمني أهل الكتاب. # وقال ابن زيد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الأنبياء عن ذلك ~~ليلة جمعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس. فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أشد إيمانا ويقينا أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل ~~احدا. " فمن " على هذا القول غير زائدة. # " ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل ~~يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في ms2352 الإسراء قال: " لا أسأل قد اكتفيت ". PageV10P6669 # فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر ~~الله عز وجل أن يعبد غيره. # وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف ~~المضاف. # فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في ~~كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره. # والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليك قبلك رسلا من ~~رسلنا، فحذف " إليه " لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد: المشركون. وحذف رسلا لأن {من رسلنآ} يدل عليه كما ~~قال: # كأنك من جمال بني أقيش. PageV10P6670 # أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، وحذف " إليه " عند أهل العربية بعيد في ~~القياس. # وقيل: المعنى: " سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك ". # ويتم الكلام على " رسلنا " و " عن " محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على ~~طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله. # وأخبر الآلهة كما يخبر عمن، فقال: " يعبدون " ولم يقل " تعبد " ولا " ~~يعبدون "، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك ~~فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل. PageV10P6671 # ثم قال تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ إلى فرعون وملإيه فقال إني رسول ~~رب العالمين}، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون ~~وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك. فقال لهم موسى: إني رسول رب ~~العالمين. # فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون ~~كما فعل بك قومك يا محمد. # وهذا كله تسلية وتصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على ما ناله من قومه، ~~فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى ~~إلى الصبر فقال: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} [الأحقاف: 35]. # قوله تعالى: {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها} إلى قوله - {إنهم ~~كانوا قوما فاسقين}، ms2353 أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى ~~إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها. # ثم قال: {وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون}، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب ~~والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ~~ويتركون الكفر. / PageV10P6672 # ثم قال: {وقالوا يا أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون}، ~~أي: وقال فرعون وملأه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم ~~والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعده الذي عهد إليك إنا آمنا بك ~~واتبعناك إن كشف عنا الزجر. # وإنما خاكبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن ~~الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذما، فكأنهم قالوا له: يا أيها ~~العالم. # وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ~~ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب. # ثم قال تعالى: {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون}. في الكلام حذف، PageV10P6673 # والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم. فلما كشفه ~~عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي ~~عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب. # قال قتادة: ينكثون: يغدرون. # ثم قال تعالى: {ونادى فرعون في قومه} الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من ~~القبط {قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي}، أي: من بين ~~يدي في الجنات. # قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء. # وقوله: {أفلا تبصرون}: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من ~~النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وعي اللسان. PageV10P6674 # وقدره الأخفش: " أفلا تبصرون، أم تبصرون "، وقدره الخليل وسيبويه: " أفلا ~~تبصرون، أم أنتم بصراء ". # ويكون " أم أنا خير " بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير ~~لكانوا عند بصراء. # وقوله: {أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ms2354 ولا يكاد يبين}، أي: قال فرعون ~~لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عز له ولا ملك ولا مال يمتهن ~~نفسه في حاجته. # " ولا يكاد يبين "، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه. # قال أحمد بن جعفر: تقف على " أفلا تبصرون "، ثم تبتدئ " أم أنا خير "، ~~بمعنى: بل أنا خير. PageV10P6675 # قال أبو عبيدة: مجاز " أم " هنا، مجاز " بل ". # وقال يعقوب: الوقف: " أفلا تبصرون أم " ويبتدئ: " أنا خير ". وروى عن ~~مجاهد أنه قال: " أفلا تبصرون أم " انقطع الكلام ثم قال: أنا خير من هذا ~~الذي هو مهين "، وكذلك روي عن عيسى بن عمر. # والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام. # ثم حذف " تبصرون " الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على " أم " لأنها منتهى ~~الكلام. # وقيل: إن من وقف على " أم " جعلها زائدة، وكأنه وقف على " تبصرون " من PageV10P6676 # قوله: " أفلا تبصرون ". # ولا يتم الكلام على " تبصرون " عند الخليل وسيبويه لأن " أم " تقتضي ~~الاتصال بما قبلها. وقوله: " أنا خير من هذا الذي هو مهين " مع " أم " في ~~موضع قوله: أم أنتم بصراء. # ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب}، أي: ~~فهلا كان في يد موسى أساورة ذهبا وواحد الأساورة: إسوار. وفي قراءة أبي: ~~أساور من ذهب. # فهذا يدل على أن الواحد إسوار. ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء ~~لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، ~~وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن ~~انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه. PageV10P6677 # وقال الزجاج: إنما انصرف لأنه له في الواحد نظيرا نحو علانية وعباقيه. ~~وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إسوار وسوار وسوار بمعنى. # وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سوار وسوار. # والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بأسوار) إذا كان من رجال العجم. # وقوله: {أو جآء معه الملائكة مقترنين}. # هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد ms2355 اقترن ~~بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول. # قال مجاهد: مقترنين: " يمشون معه ". # وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: " يقارن بعضهم بعضا ". PageV10P6678 # قال الله: {فاستخف قومه فأطاعوه}، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط ~~بقوله فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى. # {إنهم كانوا قوما فاسقين}، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم ~~وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاء هم به. # قوله تعالى: {فلمآ آسفونا انتقمنا منهم} - إلى قوله -: {صراط مستقيم} أي: ~~فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر / أجمعين. # قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. # وعن ابن عباس: " آسفونا: أسخطونا ". وعنه: أغضبونا. # حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر / أجمعين. # قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا. # وعن ابن عباس: " آسفونا: أسخطونا ". وعنه: أغضبونا. # ثم قال تعالى: {فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين}. السلف، جمع سالف، كخادم PageV10P6679 # وخدم، وتابع وتبع، وغائب وغيب. والعرب تقول: هؤلاء سلفنا. # وقرأ الكسائي وحمزة: " سلفا " بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء. # وقرأ حميد الأعرج: " سلفا " بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: ~~الفرقة المتقدمة. # والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل ~~بكفار قومك يا محمد. PageV10P6680 # وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى ~~النار: قاله مجاهد. # وقوله: {ومثلا للآخرين}، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم. # ثم قال تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون}، أي: ولما ~~شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه ~~يضحكون ويقولون: ما يريد منا إلا أن نتخذه إلها كما تخذت النصارى المسيح، ~~قاله مجاهد. # " وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم أنتم لها واردون}، قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم فما ~~ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن ~~نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا. فقال الله: {ما ms2356 ضربوه لك ~~إلا جدلا بل هم قوم خصمون} ". PageV10P6681 # وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98]. قال فالنصارى تعبد ~~المسيح. فقال الله: {ما ضربوه لك إلا جدلا} أي: قد علموا أنه لا يراد ~~بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام. # قال الكسائي والفراء: " يصدون " (بالضم والكسر) لغتان، بعمنى يعرضون. ~~وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون. PageV10P6682 # وقال أبو عبيد: " يصدون " بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس ~~وعيسى الثقفي. # والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت ~~بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يصدون. # ثم قال تعالى: {وقالواءأ الهتنا خير أم هو}، أي: وقال مشركو قومك يا ~~محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمدا ونترك آلهتنا. # وفي خرف أبي: " ءالهتنا خير أم هذا "، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا: PageV10P6683 # أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع ~~عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عبدوا من دون الله. قال: فأنزل ~~الله براءة عيسى وشبهه في قوله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء: ~~101] الآية. # وقوله: {ما ضربوه لك إلا جدلا}، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا ~~للجدل والخصومة. أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه ~~التثبت)، إنما قالوه طلبا للخصومة في الباطل. # وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب ~~الصواب. والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما ~~باطله. فالمجادل يحاول إثبات الباطل على نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب ~~عند نفسه. PageV10P6684 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه قال): " ما ضل قوم بعد هدى كانوا ~~عليه إلا أوتوا الجدل ". # قال سفيان: " بل هم قوم خصمون "، حدثت أنها نزلت في ابن الزبعرى. ثم قال ~~تعالى: {إن ms2357 هو إلا عبد أنعمنا عليه}، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه ~~بالتوفيق بالإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ~~{وجعلناه مثلا لبني إسرائيل}. وقيل معنى مثلا، أي بشرا مثلهم، فضل عليهم. # ثم قال: {ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون}، أي: ولو نشاء يا ~~معشر بني آدم أهلكناهم وجعلنا منكم بدلا في الأرض من الملائكة يعبدون الله، ~~وهو نحو قوله: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} [النساء: 133]، و ~~{إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء} [الأنعام: 133]. # وقال ابن عباس: " يخلفون، " يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضا "، وقاله قتادة. ~~وقال PageV10P6685 # غيرهما: " يخلفون " معناه: يكونون خلفا من بني آدم. # ثم قال تعالى: {وإنه لعلم للساعة}، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب ~~قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا ~~وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك ~~وابن زيد. # فالهاء في: " وإنه " تعود على عيسى على قولهم. # وقد قرأ مجاهد: " وإنه لعلم " بفتحتيت على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة ~~لقرب الساعة. # وروي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله PageV10P6686 # عن قتادة. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لينزلن ابن مريم حكما عدلا ~~فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير ". # وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ليهلن ابن مريم بفج (الروحاء حاجا ومعتمرا) أو ليثنهما جميعا ". PageV10P6687 # وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: " لا تقوم الساعة حتى ينزل ~~عيسى ابن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع ~~الجزية، وتضع الحرب أوزارها، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ". # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يقتل ابن مريم الدجال (بباب لد) ". # قال ابن القاسم عن مالك: بينهما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، ~~فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل. ms2358 PageV10P6688 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ينزل عيسى عند المنارة ~~البيضاء شرقي دمشق ". # وروي (عن ابن عمر) أنه قال: " يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم ~~كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تهلك أمة أنا أولها والمسيح ~~آخرها ". PageV10P6689 # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: " يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم. # قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله. # وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن ~~مريم فأقره عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه. # وقيل: المعنى: وإن محمدا لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين. فيكون معناه: ~~يعلم بعثه قرب قيام الساعة. وهي في قراءة أبي: " وإنه لذكر للساعة ". # ثم قال تعالى: {فلا تمترن بها}، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس. # ثم قال: {واتبعون هذا صراط مستقيم}، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي ~~جئتكم به طريق لا عوج فيه. # قوله تعالى: {ولا يصدنكم الشيطان} - إلى قوله -: {منها تأكلون}، أي: ولا ~~يمنعكم الشيطان من اتباع الحق. PageV10P6690 # {إنه لكم عدو مبين} أي: ظاهرة العداوة. # ثم قال تعالى: {ولما جآء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة}، أي: ولما ~~جاء عيسى) بني إسرائيل) بني إسرائيل بالآيات الواضحات. يعني: المعجزات. # وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة. # قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة. # وقيل: الحكمة، الإنجيل. # ثم قال: {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه}. # قال أبو عبيدة: " بعض " بمعنى: " كل " ورد ذلك أكثر العلماء لأن فيه ~~التباس المعاني وفساد الأصول ونقض العربية. # والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه. (فبين PageV10P6691 # لهم من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. # وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من ms2359 أحكام التوراة على ~~مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن ~~بيانها. # قال مجاهد/ معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوارة. # وقيل المعنى إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أشياء من أمر دينهم، ~~وأشياء من أمر دنياهم/ فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم ~~خاصة، فلذلك قال: {بعض الذي تختلفون فيه}. # ثم قال: {فاتقوا الله وأطيعون}، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم ~~عنه، وأطيعون فيما أقول لكم. PageV10P6692 # {إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه}، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو ~~الله. # {هذا صراط مستقيم}، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا ~~يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه. # ثم قال تعالى: {فاختلف الأحزاب من بينهم}. # قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في ~~عيسى. # فكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق: # فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم: PageV10P6693 # {لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم} [المائدة: 17]. # وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية. وهم الذين قال الله فيهم: ~~{وقالت اليهود عزير ابن الله} [التوبة: 30]. # وفرقة ثالثى قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم ~~الملكانية. وهم الذي قال الله فيهم: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة} [المائدة: 73]. PageV10P6694 # فالنصارى إلى اليوم على هذه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق. وكانوا فيه - ~~إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقت آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر ~~- ثم لما رفع اختلفوا/ فيه على هذه الأقوال الثلاثة. # وقال السدي: " الأحزاب: اليهود والنصارى ". # ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء ~~الله والعمل بطاعته. # ثم قال تعالى: {فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم}، أي: فالوادي السائل ~~من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم ~~القيامة. ms2360 # ثم قال تعالى: {هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة}، أي: هل ينظر هؤلاء ~~الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتى، أي: فجأة). # " وأن " في موضع نصب بدل من " الساعة " بدل الاشتمال. # {وهم لا يشعرون}، أي: لا يعلمون بمجيئها. # ثم قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} أي: المتخالون ~~على PageV10P6695 # معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم إلإ الذين تخالوا فيها ~~على تقوى الله. # قال ابن عباس: " كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلى المتقين ~~". # وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم ~~القيامة. # ثم قال تعالى: {ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} وفي الكلام ~~حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قدمتم على ما هو أفضل منها. # وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من ~~أهلها، حتى إذا سمع قوله: {الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} (فييئس منها ~~عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى " وكانوا مسلمين "، أي: وكانوا أهل خضوع ~~لله عز وجل PageV10P6696 # بقلوبهم. # وقيل: {فلما جآءتهم} [النمل: 13، غافر: 83] الرسل واستسلام له. # وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم ~~مناد: {ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} فيطمع فيها الخلق كلهم/ ~~فيتبعها: {الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين}. فيئس منها الخلق إلا أهل ~~الإسلام. # قال (ابن عباس): يخرجون فينطرزن إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى ~~الناس غير الناس الذين عهدوا). # وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر: # فما الناس بالناس الذين عهدتهم ولا الدار بالدار التي كنت تعرف PageV10P6697 # ثم قال تعالى: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون}، أي: تكرمون، قاله ~~ابن عباس. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل هل تحبرون فقال: " اللذة والسماع ~~بما شلء الله (من ذكره) ". # " فالذين " يحتمل أن يكون مبتدأ " وادخلوا " الخبر على حذف القول، أي: ~~يقال لهم: ms2361 ادخلوا الجنة. # ويجوز أن يكون نعتا " للعباد " في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: {ادخلوا ~~الجنة} وما بعده. فأتى بلفظ الخطاب. # ويدل على الوجه الأول قوله: {يطاف عليهم} وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة. ~~فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب. # " والذين " لفظهم لفظ غيبة. فكلا (الوجهين له) دليل. # ثم قال تعالى: {يطاف عليهم بصحاف من ذهب}، أي: يطاف على هؤلاء الذين ~~آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان. PageV10P6698 # والأكواب التي ليست لها آذان "، قاله السدي. # وقال قتادة: هي دون الأباريق. وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن ~~له ولا خرطوم. # والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الطعام وأكواب الشراب ~~من ذهب. فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة ~~السامعين بمعناه. # قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة من له قصر فيه سبعون ألف خادم، في ~~يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها. لو فتح بابه فضافه أهل الدنيا ~~لوسعهم، ر يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: {لهم ما يشآءون فيها} [ق: ~~35] {وفيها ما تشتهيه الأنفس}. PageV10P6699 # قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، ~~(كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه. # وقوله: {وفيها ما تشتهيه الأنفس}، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها ~~المؤمنون وتلذ أعينكم. {وأنتم فيها خالدون}، أي: ماكثون أبدا. # " وروى سفيان أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، ~~إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: " إن يدخلك الله الجنة - إن شاء ~~الله - فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء يطير بك في أي الجنة شئت إلا ~~فعلت. فقال الأعرابي: يا رسول الله، إني أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ ~~فقال: يا أعرابي، إن يدخلك الله الجنة - إن شاء الله - ففيها ما اشتهت نفسك ~~لك ولذت عينك ". PageV10P6700 # وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع ms2362 في ~~كفه نضيحا فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه / ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع ~~الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه. # وقال أبو طيبة السلمي: إن الشرب من أهل الجنة لتظلهم السحاب، فقال فتقول: ~~ما ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئا إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ~~ليقول أمطرينا كواعب أترابا. # ثم قال تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون}، (أي: وتلك ~~الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير. PageV10P6701 # {لكم فيها}، أي: في الجنة. {فاكهة كثيرة}، أي: من كل نوع. # {منها تأكلون}، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. # وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإارة البعيد فقال: " وتلك " ~~وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم ~~لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال ~~والمجانين، ولا يعذب الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير ~~عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحد منهم إلى على ذنب اكتسبه، فحذرهم ~~الله عز وجل في النار وقرب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، ~~فجعل جهنم كأنه ينظر إليها كالحاضرة، تخويفا منها. # قوله تعالى: {إن المجرمين في عذاب جهنم}، إلى آخر السورة، أي: إن الذين ~~اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبدا، لا يخفف ~~عنهم العذاب. PageV10P6702 # وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون. # وقال السدي: " مبلسون: متغير حالهم ". # وقال الزجاج: " الملبس: الساكن، الممسك إمساك يائس من فرج ". # وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة. # وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير. # ثم قال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}، أي لم نظلمهم في ~~عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا. # ثم قال تعالى: {ونادوا يامالك ليقض علينا ربك} أي: ونادى المجرمون بعد ~~دخولهم جهنم مالك خازن فقالوا: يا مالك ليمتنا ربك فيفرغ من إماتتنا. # روي أن مالك لا يجيبهم في وقت ms2363 دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم PageV10P6703 # فيقول: {إنكم ماكثون} قاله ابن عباس. # وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما فلا يجيبهم ثم يقول: ~~{إنكم ماكثون}، ثم ينادون ربهم: {ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} ~~[المؤمنون: 107] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم {قال اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون} [الؤمنون: 108] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير ~~والشهيق في نار جهنم. # وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم) PageV10P6704 # فيستجيبون له، فيقول: {إنكم ماكثون}. # وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ~~ماكثون. # قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا. القضاء هنا الموت. # ثم قال: {لقد جئناكم بالحق}، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم. # {ولكن أكثركم للحق كارهون}، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه ~~جزاء فعلكم. # ثم قال: {أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون}، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من ~~قريش أمرا يكبدون به الحق فإنا مبرمون. أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك PageV10P6705 # يا محمد بهم. # قال مجاهد: معناه إن كادوا بشر كدناهم مثله. # وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمرا فإنا مجمعون ". # وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا. # وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمرا ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا ~~نعذبهم. # يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه. وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل ~~الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير: PageV10P6706 # من سحيل ومبرم ... ثم قال تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ~~بلى}، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا. # ثم قال: {ورسلنا لديهم يكتبون}، أي والحفظة عندهم يكتبون ما نطقوا به. # ويروى " أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماعالله عز وجل كلام ~~عبادة ". # قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان ~~وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع ~~كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم ms2364 لم يسمع. PageV10P6707 # فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ~~{أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} الآية. # ثم قال تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين}، أي: قل يا محمد ~~إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما ~~شئتم، هذا معنى قول مجاهد. # وقال ابن عباس / معناه: لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين " (فمعنى الكلام) ~~على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن ~~زيد، وهو قول زيد بن أسلم. ف " إن " معنى: (" ما " التي للنفي). PageV10P6708 # وقيل معنى: {فأنا أول العابدين}، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان ~~والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي ~~معناه: " لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولدا) ولكن لا ولد له ". # فجعل " إن " للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت " إن " بمعنى " ما ~~" أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت. # وإذا جعلت " إن " للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده ~~على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في ~~الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: {وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال ~~مبين} [سبأ: 24]، وقد PageV10P6709 # علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال. وقيل معنى " العابدين " الآنفين. # حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف. # وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين. إنما يقال، فلان عبد من ~~كذا، أي: آنف منه. ولا يقال عابد بمعنى: أنف. # وقال: أبو عبيد مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا ~~حجد. وحكى: فلان عبدني حقا، أي: جحدني. # ثم قال تعالى: {سبحان رب السماوات والأرض}، أي: تبرئة له وتنزيها له من ~~الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة. # وقوله: {رب العرش عما يصفون}، أي ms2365 يكذبون. # وحكى أبو حاتم أن قوما يقفون {قل إن كان للرحمن ولد}، ثم يبتدؤون: PageV10P6710 # {فأنا أول العابدين} على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول ~~يعقوب وغيره. # ثم قال تعالى: {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون}. # هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء ~~لعبهم خوضهم في الباطل. # ثم قال تعالى: {وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله}، أي: هو المعبود ~~في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو. # قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض. # ثم قال: {وهو الحكيم العليم}، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم ~~بمصالحهم. # وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء وفي الأرض الله)، وهي PageV10P6711 # مروية عن عمر وأبي. # ثم قال تعالى: {وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما}، أي: ~~وتعالى الذي في ملكه ذلك وكله وفي تدبيره وبيده. # وقوله: {وعنده علم الساعة}، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، {وإليه ترجعون}، ~~أي: تردون بعد مماتكم. # ثم قال تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة}، أي، ولا تملك ~~الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، ~~قال مجاهد. والقول الأول قاله قتادة. # {إلا من شهد بالحق}، أي: بالتوحيد لله والطاعة له. # {وهم يعلمون}، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق). # وقيل معنى {إلا من شهد بالحق}، يعني: عيسى وعزير والملائكة فإنهم PageV10P6712 # يشفعون لمن أراد الله عز وجل. # قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: ~~قال لا إله إلا الله. فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول. # ثم قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}، أي ولئن سألت يا محمد ~~هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولون خلقهم الله. # ثم قال: {فأنى يؤفكون}، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ~~ويحرمون أتباع رضاه. # ثم قال تعالى: {وقيله يارب إن ms2366 هؤلاء قوم لا يؤمنون} من نصب " وقيله " ~~عطفه، عند الأخفش على " سرهم ونجواهم " (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله. # وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر. PageV10P6713 # وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى " وعنده علم الساعة ") ~~ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله. # وقيل هو معطوف على مفعول " يعلمون " المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق ~~وقيله. # وقيل معطوف على مفعول " يكتبون " المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ~~ذلك وقيله. # ومن خفضه عطفه على لفظ " الساعة "، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله. PageV10P6714 # والرفع فيه جائز على الابتداء. # والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن تدعوهم ~~وننذرهم لا يؤمنون. وهذا قول كان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره. # قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو / قومه إلى ~~ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه. # والهاء في " وقيله " عائد على النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: تعود على ~~عيسى، فترجع على قوله تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا} [الزخرف: 57]- ~~الآية. # ثم قال تعالى: {فاصفح عنهم وقل سلام}، أي: دعهم واغفر لهم قولهم PageV10P6715 # وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام. # وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال. # وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله ~~عز وجل. # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف ~~يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه. # قال ابن عباس: " فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم ". # ثم قال: (فسوف تعلمون). # هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم إن تماديتم على كفركم. PageV10P6716 ### | سورة الدخان مكية # قال الحسن: "من قرأ سورة الدخان ليلة الجمعة غفر له". # ومن رواية ابن وهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قرأ يس وحم ~~الدخان في ليلة ms2367 جمعة إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). PageV10P6717 # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأهما في يوم في أول نهاره لم يدركه ~~ذنب إلا الشرك بالله سبحانه". # قال تعالى: {حم* والكتاب المبين} - إلى قوله -: {إنكم عآئدون}، قد تقدم ~~ذكر حم. # وقوله: {والكتاب المبين} معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن. # وجواب القسم في وقوله: {والكتاب المبين} قوله: {إنا كنا منذرين}. وقيل: ~~{إنآ أنزلناه}. # وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب {إنآ أنزلناه} لأنه صفة للمقسم به. ولا ~~يكون صفة المقسم به جوابا للقسم. PageV10P6718 # ثم قال: {إنآ أنزلناه في ليلة مباركة}، يعني: القرآن أنزل إلى السماء ~~الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم في نيف وعشرين سنة نجوما، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ~~{والنجم إذا هوى} [النجم: 1]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضا: ~~{فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75]، اي: أقسم بنزول القرآن و " لا " ~~صلة. # قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر. # ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوارة لست ليال مضين ~~من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل ~~الثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان. PageV10P6719 # قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ~~جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة. # وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. # وقوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم}. قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها ~~يبرم أمر السنة. # وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قد تفرق فيها الأرزاق وتقضي الآجال إلى ~~مثلها من قابل. # قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحسانا ~~إلا غفر له ما مضى من ذنوبه. # قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان حاج بيت الله الحرام فلا يغادر ~~منهم أحدا ولا يزاد فيهم أحد. PageV10P6720 # والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة. # وقوله: ms2368 {إنا كنا منذرين}، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ~~ليلة القدر أن يجل بهم العذاب بكفرهم. # ثم قال تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم}، أي في تلك الليلة المباركة يقضى ~~كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يعز ومن يذل، وغير ~~ذلك. سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل ~~رمضان، سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل ~~رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل ~~وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره. # وقيل معنى " يفرق ": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة ~~هذا فيعرفونه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " (تقطع الآجال) من شعبان إلى ~~شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له ولقد خرج اسمه في الموتى "، وبه قال ~~عكرمة: إنها ليلة PageV10P6721 # النصف من شعبان ". # ثم قال تعالى: {أمرا من عندنآ}، أي: قضاء قضيناه، أي: أمرا نأمر به تلك ~~الليلة. # وانتصب أمرا على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه ~~آمرين أمرا وراحمين رحمة. # وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالا فالأمر يشتمل على ~~الإخبار. # وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجل مقبلا. PageV10P6722 # وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقا / فأمر، بمعنى: فرق. # وقيل: إن " يفرق " يدل على " يؤمر " فانتصب " أمرا " على المصدر وعمل فيه ~~المعنى. # وقوله: {رحمة من ربك إنه هو السميع العليم}. # انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول ل " ~~مرسلين "، وجعل " الرحمة " هي النبي صلى الله عليه وسلم وأجاز الزجاج أن ~~تنصبه على أنه PageV10P6723 # مفعول من أجله. وقيل: هي بدل من " أمرا ". # وقيل: نصبها على المصدر. والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة. إن ~~الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ~~ضمائرهم وغير ذلك ms2369 من أمورهم. " وإنا أنزلناه جواب القسم. # ثم قال تعالى: {رب السماوات والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين}، أي: الذي ~~أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم وهو رب السماوات والأرض وما ~~بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره. # {إن كنتم موقنين}، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم ~~رب السماوات والأرض. # وقوله: {لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبآئكم الأولين}، أي: هو ~~مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين. PageV10P6724 # ثم قال: {بل هم في شك يلعبون}، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في ~~شك منه، فهم يلعبون لشكهم. # ثم قال تعالى: {فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين} أي: فانتظر يا محمد) ~~النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع. # بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القراد في ~~الصوف. ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل. والقراد: الحلم. فرحمهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبعث إليهم بصدقة ومال. # ومفعول: " فارتقب " محذوف، وهو النقكة وشبهها. # وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بعد لحذف الهاء من ~~غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع " العذاب " مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في ~~الشعر. # " وقد حل (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~" اللهم سنين PageV10P6725 # كسني يوسف ". # فأخذوا بالجوع. فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة ~~الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين. # وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء ~~الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك ~~عن ابن عمرو والحسن. # وروى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول الآيات ~~الدخان، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل ~~معهم إذا PageV10P6726 # قالوا. قال حذيفة: يا رسول الله وما ms2370 الدخان؟: فتلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين} - الآية، ثم قال: (يملك ~~بالدهان) ما بين (المشرق والمغرب)، يمكث أربعين يوما وليلة. أما المؤمن ~~فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فكهيئة السكران، يخرج من منخريه ~~وأذنيه ودبره ". # وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن ~~علي. # ثم قال: {يغشى الناس هذا عذاب أليم}، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون ~~هذا عذاب أليم. # ثم قال: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}، أي: يقولون ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون. # ثم قال تعالى: {أنى لهم الذكرى وقد جآءهم رسول مبين}، أي: من أي وجه لهم PageV10P6727 # التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم. # {وقالوا معلم مجنون}، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله. # ثم قال تعالى: {إنا كاشفو العذاب قليلا}، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي ~~نزل بكم بالخصب والرخاء وقتا قليلا، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه ~~عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم. # وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا. # وقيل معناه: عائدون إلى الشرك. # قوله تعالى: {يوم نبطش البطشة الكبرى} - إلى قوله - {وما كانوا منظرين}، ~~أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم ~~نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن ~~عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أبي بن كعب، ~~أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. PageV10P6728 # والعامل في " يوم نبطش ": " منتقمون ". / # وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش. وهو الأحسن، ~~لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين. # وقيل: التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه " منتقمون ". # وفيه أيضا بعد لأن ما بعد " إن " لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما ms2371 ~~بعدها) فيه. # فإضمار " اذكر " أحسن الوجوه، وذلك أن الله جا ذكره كشف عنهم ما كانوا ~~فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر. فيكون العامل ~~في " يوم نبطش " فعلا مضمرا يفسره " إنا منتقمون ". # ولا يحسن أن يعمل فيه " منتقمون "، لأن ما بعد " أن " لا يعمل فيما ~~قبلها. ويجوز أن يكون العامل " اذكر " مضمرة. # وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة. PageV10P6729 # وكذلك روى قتادة عن الحسن. # ثم قال تعالى: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون}، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل ~~مشركي قومك يا محمد. # {وجآءهم رسول كريم} يعني موسى صلى الله عليه وسلم أي " كريم عند ربه عز ~~وجل. وقيل كريم من قومه. وقيل: الفتنة في هذا العذاب. # وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم. # وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء ~~موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم # . ثم قال تعالى: {أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين}. # قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون ~~" عباد ": نصب على النداء المضاف على هذا القول. PageV10P6730 # وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني ~~إسرائيل، وهو مثل قوله: {فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم} [طه: 47]. # وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إلي عباد الله أي: خلوا PageV10P6731 # سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على ~~وحيه ورسالته إليكم. # ثم قال: {وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين}، أي: وجاءكم رسول ~~كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم ~~فتكفروا به. # {إني آتيكم بسلطان مبين}، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به. # ثم قال: {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون * وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون}، ~~أي: قال لهم موسى ": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون ~~بألسنتكم، قاله ابن عباس ms2372 والضحاك. # وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر. PageV10P6732 # وقال قتادة معناه: " أن ترجمون بالحجارة ". # وقال الفراء: " الرجم - هنا - القتل ". استجار بالله عز وجل واعتصم به ~~سبحانه من أن يقتلوه. # ثم قال لهم: {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون}، أي: أذا أنتم لم تصدقون فيما ~~أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون). # وقيل معناه: فدعوني كفافا، لا علي ولا لي. # قال: {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون}، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم ~~يؤمنوا وهموا بقتله. وفي الكلام حذف تتصل الفاء به. والتقدير: فكفروا فدعا ~~ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله في قوله: {فأسر ~~بعبادي}. # قوله: {أن هؤلاء}، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما PageV10P6733 # جئتهم به. # ثم قال تعالى: {فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون}. # في هذا الكلام حذف. والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ~~ليلا، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلا إنهم ~~متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم. # ثم قال: {واترك البحر رهوا}، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ~~ساكنا على حاله حين دخلته. هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر. # لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر ~~عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر ~~على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون. # قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقا. وقال الضحاك: سهلا. # وقال مجاهد معناه: واتركه ساكنا لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه PageV10P6734 # آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقا، وروي عن مجاهد أيضا " رهوا ~~": يابسا، وحكى المبرد: عيش (راه، أي): خفض وادع. # قال: فمعنى رهوا: ساكنا، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه). # وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهوا، أي: على نظام واحد. # وروي أن الله ms2373 جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل. # فعلى / هذا القول يكون في الكرم حذف. # والتقدير: فسرى موسى بعبادي PageV10P6735 # ليلا وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي ~~كان عليها قبل اتفلاقه: اتركه رهوا، أي: ساكنا على حاله لا ترده إلى (هيئته ~~الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا. هذا القول هو قول قتادة. # قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن ~~يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: ~~اتركه اكنا على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر. # ثم قال تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون * وزروع}، أي: كم ترك آل فرعون - ~~يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع ~~قائمة. # {ومقام كريم}، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني ~~به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة. ومعنى PageV10P6736 # كريم: حسن). # ثم قال: {ونعمة كانوا فيها فاكهين}، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها ~~متفكهين. قال قتادة: فاكهين: ناعمين. وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة ~~- بالفتح - التنعم. # وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن " فكهين " بغير ألف، على معنى: كانوا فيها ~~بطرين أشرين. # ثم قال: {كذلك وأورثناها قوما آخرين}، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، ~~وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوما آخرين يعني: بني إسرائيل. # ثم قال تعالى: {فما بكت عليهم السمآء والأرض}، أي: ما بكى عليهم حين ~~هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض. ثم حذف. # وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها. PageV10P6737 # قال السدي: " لما قتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها ~~حمرتها ". وقال عطاء: " بكاؤها " حمرة أطرافها ". # وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا، ~~فأعلمنا الله أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود ~~غريبا، PageV10P6738 # ألا لا غربة على ms2374 المؤمن [ما] مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا ~~بكت عليه السماء والأرض. ثم قرأ: {فما بكت عليهم السمآء والأرض} ثم قال: ~~إنهما لا يبكيان على الكافر ". # ومن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي ~~بن أبي طالب (رضي الله عنه) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة. # قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه PageV10P6739 # وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، ~~وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى ~~عليه. وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك ~~عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله. # وقوله: {وما كانوا منظرين}، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب ~~وتم الأجل. # قوله تعالى: {ولقد نجينا بني إسرائيل} - إلى قوله - {هو العزيز الرحيم}، ~~أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان ~~فرعون وقومه يعذبونهم بها. قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم ~~أبناؤهم واستحياء نساءهم. # ثم قال: {إنه كان عاليا من المسرفين} أي: إن فرعون كان جبارا مستكبرا على ~~ربه سبحانه مسرفا متجاوزا إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان. # قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين. وقال الضحاك: PageV10P6740 # من القتالين. # ثم قال تعالى: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين}، أي: ولقد اخترنا ~~بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة ~~والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم. # قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم. # ثم قال تعالى: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}، أي: وأعطيناهم من ~~العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز ~~وجل به. PageV10P6741 # وقيل المعنى: آتيناهم نعما عظيمة وعبرا ظاهرة. # روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة ms2375 معلقة من السماء فكانوا ~~يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة. فمن كان محقا أدرك ~~بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلا لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى ~~مكروا / فرقعت، وذلك فيما روي أن رجلا منهم أودع رجلا مالا فجحده المودع ~~عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم ~~أدخل فيه الوديعة. فلما أتيا إلى السلسلة قال الجاحد للوديعة لرب المال: ~~أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم ~~بما فيهاغ. ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد ~~وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومد يده فأدرك السلسة فأقبل ~~صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع ~~الله السلسلة من ذلك الوقت. # ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فأقر رجم، وإن جحد PageV10P6742 # أدخل بين) العمودين فإن كان كاذبا انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئا) ~~سلم. # وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوبا على بابه. # قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل ~~عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. فيكون البلاء هنا على قول قتادة، ~~النعمة. # وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من ~~يؤمن بها ومن يكفر. # ثم قال تعالى: {إن هؤلاء ليقولون * إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمنشرين}، أي: PageV10P6743 # إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد ~~مماتنا بمبعوثين تكذيبا منهم للبعث والثواب والعقاب. # ثم قال: {فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين}، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ~~ومن آمنوا به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم ~~صادقين. # ثم قال تعالى: {أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم}، أي: أهؤلاء ~~المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري. # وقالت عائشة رضي الله عنها: كان ms2376 " تبع " رجلا صالحا، فذم الله قومه ولم ~~يذمه. # قال كعب: كان " تبع " ملكا من الملوك، وكان قومه كهانا، وكان معه قوم من ~~أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده. # فقال لهم جميعا: قربوا قربانا فقربوا. فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل PageV10P6744 # قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره. # قال أبو عبيدة: " تبع " اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع ~~صاحبه. # وروي سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تلعنوا ~~تبعا فإنه (قد كان) " أسلم ". # وقوله: {والذين من قبلهم}، أي: من قبل قوم تبع من الأمم الكافرة PageV10P6745 # بربها. يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من ~~أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم ~~بكفرهم. # وقوله: {أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين}، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من ~~قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوما مجرمين. فإذا انتقمنا من الأفضل ~~لكفره فما ظنك بالأدون. # ثم قال تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين}، أي: لم ~~نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به. # ينبه جل ذكره وخلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق ~~الخلق عبثا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن ~~بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: {ما خلقناهمآ إلا بالحق}، أي للحق ~~والعدل. # {ولكن أكثرهم لا يعلمون}، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق ~~(ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقابا (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب ~~والعقاب. PageV10P6746 # وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على " تبع ". يقدر أن قوله: " والذين من ~~قبلهم أهلكناهم " مبتدأ وخبره. كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل ~~قوم تبع (لا قوم تبع). والوقف عند غيره " أهلكناهم " على أن يكون الذين عطف ~~على " قوم " وأتم منه " مجرمين ". # (ثم قال: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين}، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه ms2377 ~~وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم). # ثم قال تعالى: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا}. " يوم " بدل من " يوم " ~~الأول. ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئا وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه ~~للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئا من ~~العذاب. PageV10P6747 # {ولا هم ينصرون}، أي: ولا ينصرهم أحد مما حل بهم من النقمة بكفرهم. # قال قتادة: " انقطت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى ~~أعمالهم، فمن أصاب يومئذ / خيرا سعد به، ومن أصاب يومئذ شرا شقي به ". # والمولى والولي في اللغة: الناصر. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من كنت مولاه فعلي مولاه " في تفسيره ~~ثلاثة أقوال: # - أحدهما: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه. # - والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي. # - والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن PageV10P6748 # زيد قال لعلي: لبست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " من كنت مولاي فعلي مولاه ". # ثم قال تعالى: {إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم} " من " عند الأخفش ~~في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم ~~الله. # وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء. كأنه في التقدير: إلا من رحم ~~الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما ~~قال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28]. # وقيل: " من " رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله (" فمن " على هذا ~~القول بدل من " مولى " أي: لا يشفع إلا من رحم الله). PageV10P6749 # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يشفعون. وقال الكسائي " ~~من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء. وتقف على " ينصرون ~~" إن جعلت " من " (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني ~~شفاعته. # فإن جعلت " من " بدلا أو استثناء منقطعا لم تقف على ينصرون. # وروى ms2378 أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الرجل من المؤمنين ~~يقام في صف أهل الجنة حتى يرى رجلا من الموحدين قائما (في صف) أهل النار ~~(قد أحسن إليه) في PageV10P6750 # الدنيا فيذكره ذلك فيذكر، فيشفع فيه فيحول إلى صف اهل الجنة ". # وقوله: {إنه هو العزيز الرحيم}، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم ~~بأوليائه وأهل طاعته. # ثم قال تعالى: {إن شجرة الزقوم} - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم ~~التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: ~~الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله. # ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد ودعا أحابه (فقال: تعالوا، ~~تزقموا)، فهذا الذي يعدنا به محمد أنه طعامنا في الجحيم. PageV10P6751 # وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره {إن شجرة الزقوم * ~~طعام الأثيم} قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها ~~محمد؟، قالوا: لا. قال: هي عجوة يثرب بالزبد. # والعجوة صنف من التمر طيب. # وروي أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا {إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم} فكان ~~الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال ~~له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر. # فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يقرأ بها. PageV10P6752 # وقال ابن عباس: " لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على ~~الناس معائشهم ". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل. # قال: {كالمهل يغلي في البطون}، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام ~~الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها. # وقال ابن عباس: " كالمهل: كدردي الزيت ". # (وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا PageV10P6753 # المهل وروى) الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كالمهل: كعكر ~~الزيت، إذا قرب إلى وجه الكافر سقطت (فروة) وجهه فيه " وقيل: " المهل " عكر ~~القطران. وقيل: هو الصديد من الحميم. # وقوله: {كغلي الحميم}، أي: (يغلي) ذلك في بطون ms2379 الكفار كغلي الماء ~~المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، ~~كقتيل) بمعنى: مقتول. # ثم قال تعالى: {خذوه فاعتلوه}: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: ~~خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف. # يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب. PageV10P6754 # وقوله: {إلى سوآء الجحيم}، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار. # ثم قال: {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم}، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم ~~- وهو الكافر - من عذاب الجحيم. # ثم قال: {ذق إنك أنت العزيز الكريم}، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت ~~كنت العزيز في قومك. # قال قتادة: " نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم فهزه، ثم قال: " أولى لك يا أبا ~~جهل، ثم أولى لك فأولى " فقال أبو جهل أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين ~~جبليها. فنزلت {ذق إنك أنت العزيز الكريم} أي: المدعي ذلك " # ، وفيه نزلت: {فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهمءاثما أو كفورا} [الإنسان: 24] ~~/، وفيه نزلت: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} [العلق: 19]. PageV10P6755 # فالمعنى: ذق عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول. # وقوله " ذق " عند من كسر " إن " واقع على محذوف وهو العذاب. فأما من فتح ~~" أن " فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم. # وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق ~~الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز ~~الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان. فكأنه قيل له: ذق ~~هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان. ~~فأين ما كنت تقول في الدنيا. وذلك أشد لنكا له وحسرته. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فقال له: " إن الله ~~أمرني أن أقول لك PageV10P6756 # {أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى} فقال له ms2380 أبو جهل: واللات لا تملك لي ~~نفعا ولا ضرا وإني لأمنع أهل البطحاء، وإن لأعز وأكرم فأنزل الله تبارك ~~وتعالى ما هو صانع به يوم القيامة، وما يقال له جوابا لقوله: أنا أعز ~~وأكرم، فقال له: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} عند نفسك، وأنت الذليل المهان ~~عند الله ". # ثم قال: {إن هذا ما كنتم به تمترون}، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي ~~كنتم تشكون. # ثم قال تعالى: {إن المتقين في مقام أمين}، أي: إن الذين اتقوا الله عز ~~وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله. ~~وكل من (تقبل الله) له عملا وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: {إنما ~~يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27]. # قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنه: ما قل عمل مع تقوى وكيف يقل ما ~~يتقبل. PageV10P6757 # ويروى أن سائلا سأل ابن عمر ولده أن يعطيه فأعطاه وقال له: تقبل الله منك ~~يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو ~~صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحد إلي من الموت. أتدري ممن يتقبل؟! إنما ~~يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد. # ووصف المقام " بأمين " لأنه يؤمن فيه. # والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام). # ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: {في جنات وعيون}، أي: في بساتين وعيون ~~من الماء متطردا في أصول أشجار الجنات. # ثم قال تعالى: {يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين}. # السندس: ما رق من الديباج. والإستبرق: ما غلظ منه: وقيل: السندس: الخز ~~الموشى. PageV10P6758 # وقوله: " متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضا. # ثم قال تعالى: {كذلك وزوجناهم بحور عين}، أي: كما أدخلناهم الجنات، ~~وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضا فيها بحور ~~عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء. # وقال مجاهد: {وزوجناهم بحور عين}، أي: " أنكحناهم حورا. والحور التي يحار ~~فيهن الطرف، باد مخ سوقهن من (وراء ثيابهن). يرى ms2381 الناظر وجهه في كبد إحداهن ~~كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون ". # والحور في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحوارى وفي حرف ~~ابن مسعود: " زوجناهم بعيسى عين "، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل. ~~والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء. PageV10P6759 # ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني. ومثله من الحديث رواية ~~من روى " أرجعن مأزورات غير مأجورات " والفصيح: ارجعن موزورات. # ثم قال: {فيها بكل فاكهة آمنين}، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل ~~نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة ~~(أذاه) (ومن كل) سوء يذحر في الدنيا. # ثم قال تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}، أي: بعد الموتة ~~الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتا بعد موتهم في الدنيا. ف " إلا " هاهنا ~~قريبة المعنى من " بعد ". PageV10P6760 # وقال بعض النحويين " إلا " هنا بمعنى " سوى " أي: لا يذوقون في الجنة ~~الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده {إلا ما قد سلف} ~~[النساء: 22 و 23]. # وطعن في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام ~~الذي ذقته قبل اليوم بمعنى " سوى "، لجاز أن يريد أن عنده طعاما من نوع ~~الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة. # فيحتمل معنى الآية إذا كانت " إلا " بمعنى " سوى " أن يكون ثم موت من جنس ~~الموت الأول (يحل بهم) / وهذا محال. # وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة. ثم قال: {إلا الموتة ~~الأولى} على الاستثناء المنقطع. PageV10P6761 # ولذلك أجاز بعضهم الوقف على " الموت " (لأن ما) بعده منقطع. وأكثرهم على ~~أن " إلا " بمعنى " بعد "، كما تقول: ما كلمت رجلا اليوم إلا رجلا عندك، ~~أي: بعد رجل عندك. # (والأحسن أن يكون " إلا " بمعنى " غير "، أي: لا يذوقون فيها موتا غير ~~الموتة الأولى التي كانت في الدنيا). # ثم قال: {ووقاهم عذاب الجحيم}، أي: نجاهم منه. # ثم قال: {فضلا من ربك}، أي: تفضلا منه. وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر. ms2382 # وقيل العامل: {يدعون فيها بكل فاكهة آمنين}. # (وقيل العامل: {إن المتقين في مقام أمين}). PageV10P6762 # وقيل العامل: {ووقاهم عذاب الجحيم}. # وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في ~~الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة. وقيل: سماه " تفضلا " لأنه غفر لهم ~~صغائرهم لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة. # وقيل: إنما سماه " تفضلا " لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم ~~فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما احد يدخل الجنة بعمله. # قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: (ولا انا) إلا أن يتغمدني الله برحمته ~~". PageV10P6763 # ثم قال تعالى: {ذلك هو الفوز العظيم}، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين ~~هو النجاء العظيم والظفر) الكبير. # ثم قال تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك} أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم ~~يفهمون (فيتذكرون ويتعظون). # ثم قال تعالى: {فارتقب إنهم مرتقبون}، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك ~~وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان. وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر ~~فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك. PageV10P6764 ### | سورة الجاثية مكية # قوله تعالى: {حم* تنزيل الكتاب من الله} - إلى قوله - {من رجز أليم}، قد ~~تقدم ذكر الاختلاف في " حم ". # والمعنى هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في ~~تدبيره. # ثم قال تعالى: {إن في السماوات والأرض لأيات للمؤمنين} أي: إن فيها لعبرا ~~وحججا للمصدقين بها، أي: إن لها خالقا لم يخلقها عبثا. # ثم قال تعالى: {وفي خلقكم وما يبث من دآبة ءايات لقوم يوقنون}، أي: وإن ~~في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من ~~غير PageV10P6765 # جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك. # ثم قال تعالى: {واختلاف الليل والنهار ومآ أنزل الله من السمآء من رزق ~~فأحيا به الأرض بعد موتها}، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من ~~السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم. وسمي الماء رزقا لأن ms2383 عنه يتكون ~~الرزق في الأرض. # وقوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها}، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات ~~بعد أن كانت لا نبات فيها. # ثم قال: {وتصريف الرياح}، أي: وكون الرياح مرة شمالا ومرة جنوبا، ومرة ~~صبا ومرة دبورا، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق. # {ءايات لقوم يعقلون}، أي عبرا وحججا لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ~~ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه. # وقوله: {وما يبث من دآبة ءايات} النصب في " ءايات " حسن على معنى: وإن في PageV10P6766 # خلقكم آيات. وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم. # ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه. # أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: {وإذا قيل إن وعد الله ~~حق والساعة} [الجاثية: 32] بالرفع، عطف على موضع {وعد}. # والوجه الثاني: ترفع " الآيات " بالابتداء، وما قبلها خبرها. وتكون قد ~~عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيدا خارج، وأن أجيئك غدا. # والوجه الثالث: أن ترفع على الابتداء والخبر والجملة في موضع الحال. مثل ~~قوله: {يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران: 154]. PageV10P6767 # وأما قوله: {واختلاف الليل والنهار} - إلى قوله - {ءايات}، فالرفع حسن ~~على ما تقدم من الأوجه. # والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما " ~~إن " وحرف الجر لأنك لم تعد " في مع " الاختلاف " كما أعدت أولا " في " مع ~~" خلقكم ". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه " إن " وعلى ما عمل فيه حرف ~~الجر. فتخفض " الاختلاف " وتنصب " الآيات ". # ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما ~~عملت فيه " في " وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمرا، فتعطف ~~على عاملين (بحذف واحد. # ولو أعدت " في " لم يكن عطف PageV10P6768 # على عاملين. # ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين. # وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله ~~فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضا عطف على عاملين لأنه عطف " واختلاف ~~" على " خلقكم " وعطل " آيات " على موضع " آيات " الأولى. # قال: ms2384 / فقد صار العطف على عاملين إجماعا. # وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء ~~وما قبله خبر. # وحكى الفراء رفع " الاختلاف " ورفع " الآيات ". جعل " الآيات " هو " ~~الاختلاف ". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة. # وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به ~~لينوب مناب العامل للاختصار. فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، PageV10P6769 # ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا ~~يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعا (ناصبا) في حال، ~~وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصبا ورافعا جارا في حال. ~~وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو ~~قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور ~~يلي حرف العطف. وهذا تحكم بغير علة. # ثم قال تعالى: {تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق}، أي: تلك حجج الله ~~نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش ~~عن آلهتهم بالباطل يقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى} [الزمر: ~~3]. PageV10P6770 # ثم قال تعالى: {فبأي حديث بعد الله وءاياته يؤمنون}، أي: فبأي حديث يا ~~محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون. # ومن قرأ بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه تؤمنون أيها ~~المشركون. # ثم قال تعالى: {ويل لكل أفاك أثيم * يسمع ءايات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا}؟ # روي أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في ~~مجلسه ويحدث قريشا. بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثا من محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # فالمعنى: الواد سائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع PageV10P6771 # لآيات الله تقرأ عليه ثم يتمادى وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ~~ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه {كأن في أذنيه وقرا} # [لقمان: 7]، أي: ms2385 صمما، فلا يسمع شيئا لإصراره على كفره. # فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة. قال ابن عباس نزلت في ~~الحارث بن كلدة ". # ثم قال تعالى: {وإذا علم من ءاياتنا شيئا اتخذها هزوا}، أي: وإذا علم عذا ~~الأفاك الأثيم من آيات الله شيئا اتخذها هزوا، أي: يسخر منها، وذلك كفعل ~~أبي جهل حين نزلت: {إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم} [الدخان: 43 و 44]، إذ ~~دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا. PageV10P6772 # ثم قال: {أولئك لهم عذاب مهين}، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم ~~في نار جهنم. # وجمع في قوله: {أولئك} ردا على قوله: {لكل أفاك}. # ثم قال تعالى: {من ورآئهم جهنم}، أي: أمامهم جهنم. # {ولا يغني عنهم} من عذابها. {ما كسبوا} في الدنيا من الأموال والأولاد ~~شيئا. # {ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء} أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي ~~اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر ~~فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئا. # ثم قال: {ولهم عذاب عظيم}، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب. # ثم قال تعالى: {هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم}، ~~أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما ~~فيه. والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز. # قال المبرد: " الرجز: أغلظ العذاب وأشده ". PageV10P6773 # قوله تعالى: {الله الذي سخر لكم} - إلى قوله - {سآء ما يحكمون}، أي: الذي ~~تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن ~~فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، ~~وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره. # ثم قال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه}، أي: ~~سخر لكم أيضا - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار ~~وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ms2386 ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعا منه، أي: ~~نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا. # وقرئت: " جميعا منة "، أي من " عليكم بذلك منة). PageV10P6774 # ثم قال: {إن في ذلك لأيات لقوم يتفكرون}، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره ~~لمنافع الخلق ومصالحهم لعبرا لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه ~~سبحانه وأدلته فيعتبرون بها وينطقون. # و {جميعا منه} (وقف جيد). # ومن قرأ " منة " وقف على " جميعا "، ثم ابتدأ " منة " إن في ذلك "، أي: ~~من عليكم بذلك منة. # ثم قال تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله}، أي: قل ~~لهم اغفروا يغفروا. فهو جواب أمر محمول على المعنى. # والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: ~~بأس الله ووقائعه فمن كفر به ونقمه منهم يغفروا. # {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون}، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء / PageV10P6775 # الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ~~ذلك. # وروي عن عاصم أنه قرأ {ليجزي قوما} بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله. ~~وهذا بعيد جدا لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين. # وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوما. فيقيم المصدر مقام ما لم يسم ~~فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ في النظر والقياس. PageV10P6776 # ولم يجز النحويون: " شرب الضرب زيدا " برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا ~~لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد. # قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه، ~~وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة. فكان ~~هذا من المنسوخ. وعن ابن عباس أيضا، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه PageV10P6777 # شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: {قل ~~للذين آمنوا} - يعني عمر - {يغفروا للذين لا يرجون أيام الله}، ثم نسخ هذا ~~في " براءة " بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضا قول قتادة، إلا أنه ms2387 ~~قال: نسخها قوله: # {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] وقاله الضحاك. # وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} ~~[الحج: 39] وقاله الضحاك. # وقيل: معنى " لا يرجون أيام الله ": لا يخافون البعث. # ثم قال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه}، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل ~~غني عن عمله، إنما عمله له. # {ومن أسآء فعليها}، أي: ومن عمل عملا سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها PageV10P6778 # سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه. {ثم إلى ربكم} أيها ~~الناس. # {ترجعون}، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. # ثم قال تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة}، أي: ولقد ~~أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل. # {والحكم} يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في ~~كتاب. قال مجاهد: " الحكم: اللب ". # وقوله: {والنبوة}، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر ~~الأنبياء والرسل من بني إسرائيل. # ثم قال: {ورزقناهم من الطيبات}، يعني: المن والسلوى وغير ذلك من المطاعم. # ثم قال تعالى: {وفضلناهم على العالمين}، أي: على عالم زمانهم. # ثم قال: {وآتيناهم بينات من الأمر}، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا ~~بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء. # ثم قال: {فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم} أي: لم ~~يختلفوا في دينهم إلا من بعد {ما جآءهم العلم}، أي: إلا من بعد ما أنزلت ~~عليهم التوراة فاختلفوا PageV10P6779 # للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها ~~فبغوا بغيا فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم. # ثم قال: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة}، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما ~~اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل. # ثم قال تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها}، أي: ثم جعلناك يا ~~محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا من قبلك ~~من الرسل، فاتبع تلك الشريعة {ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون}، أي: ms2388 ولا ~~تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله. # قال ابن عباس: {على شريعة}: " على هدى من الأمر وبينة ". # وقال قتادة: " الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي ". # وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينآ إليك} [الشورى: 13] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع ~~النبيين وسلم. PageV10P6780 # ثم قال تعالى: {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} أي إن هؤلاء الجاهلين ~~بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن ابتعت أهواءهم وما يدعونك إليه. # ثم قل تعالى: {وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض}، أي: وإن الكافرين بعضهم ~~أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل. # { والله ولي المتقين}، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. # ثم قال تعالى: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة}، أي: هذا القرآن بصائر يبصر ~~به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق / الحق، وتاه في ميدان ~~الباطل {ورحمة}، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه. # (وقوله: {لقوم يوقنون}، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله ~~فآمن به واتبعه). # ثم قال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات}، أي: أيحسب بالكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن ~~يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل PageV10P6781 # المجتنبين للكبائر. # ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: " ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين ~~لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان. # ثم قال: {سوآء محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون}. # قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر ~~يموت على كفره ويبعث عليه. وقال أبو الدرداء: " يبعث الناس على ما ماتوا ~~عليه ". # هذا معنى قراءة من رفع " سواء " فجعله مبتدأ " ومحياهم " خبر، ومماتهم ~~عطف على " محياهم ". PageV10P6782 # وإنما حسن الرفع في " سواء " (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع " ~~سواء " على الابتداء، كما قيل " سواء العاكف فيه والبادي ". # وإنما اختير الرفع في " سواء " لأنه اسم في ms2389 معنى المصدر فلم يحسن جريه ~~على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه. # ولو كان في موضع " سواء " مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع ~~المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين. # ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواء عليه الخير ~~والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة. # فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالا للمعرفة وهو بعيد، لأن ~~الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا ~~رفعت ظاهرا بعدها. PageV10P6783 # وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في " نجعلهم ~~". # وقرأ الأعمش {سوآء محياهم ومماتهم} بالنصب في ذلك كله ينصب " سوا " على ~~الحال، وينصب " محياهم ومماتهم " على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ~~ظرفا. # ويجوز أن يكون {محياهم ومماتهم} بدلا من الهاء والميم في {نجعلهم} فيصير ~~المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي ~~كمحيى الذين آمنوا ومماتهم. # والوقف على " الصالحات " حسن عند نافع وأبي PageV10P6784 # عبيدة على قراءة من رفع. # وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن " محياهم " ~~مرتفع " بسواء ". والتمام عند الأخفش: " ومماتهم " وعند غيره " يحكمون ". # ومعنى " ساء ما يحكمون: " بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه. # و" ما " في موضع رفع إن جعلتها نكرة. # قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى ~~الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان. # قوله تعالى: {وخلق الله السماوات والأرض بالحق} - إلى قوله -: {ما كنتم ~~تعملون}، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل ~~من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحا في ~~المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف. فمن PageV10P6785 # الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ~~ومن آمن في العاجل والآجل. # ثم قال: {ولتجزى كل نفس بما كسبت}، أي: وخلق ms2390 ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة ~~بما كسبت في الدنيا من خير وشر. {وهم لا يظلمون}، أي: لا يظلمون جزاء ~~أعمالهم. # وروى أبو هريرة حديثا يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا ~~كان يوم القيامة بعث الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فلا يرى المؤمن شيئا ~~(يروعه ولا شيئا) يخافه إلا قال له عمله: لا تخف إنك والله ما أنت بالذي هو ~~يراد بالذي هضا هنا، ولا أنت المعني به. فإذا قال له ذلك مرارا قال له ~~المؤمن: من أنت رحمك الله، فوالله ما رأيت شيئا قط هو أحسن منك وجها ولا ~~أطيب منك لفظا. فيقول: / أتعجب من حسني؟ إن عملك والله -، كان حسنا في ~~الدنيا، وإني عملك، وإنك كنت تحملني في الدنيا على ثقلي، وإن والله لأحملك ~~اليوم وأدافع عنك، قال: (وإنها للتي) يقول الله جل ذكره: {وينجي الله الذين ~~اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} ". PageV10P6786 # ثم قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}. # قال ابن عباس: " ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان ". # قال قتادة: " لا يهوى شيئا إلا ركبه، لا يخاف الله ". # وقال ابن جبير: " كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حينا من الدهر، ~~فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: { ~~أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}. # قال الحسن: " هو الذي كلما اشتهى شيئا لم يمتنع منه ". # ثم قال تعالى: {وأضله الله على علم}، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في ~~سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية. PageV10P6787 # قال ابن عباس: " أضله الله في سابق علمه ". # وقال ابن جبير: " أضله على عدم قد علمه منه ". # وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. # وقيل المعنى: على علم منه بأن عبادته لا تنفعه ". # ثم قال تعالى: جل ذكره: {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة}، أي: ~~وطبع على اسمه أن يسمع (مواعظ ms2391 الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) ~~شيئا من الخير، وجعل على بصره غكاء أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر ~~قلبه. فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده. # ثم قال: {فمن يهديه من بعد الله}، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال ~~الله عز وجل له، وخذلانه إياه. # {أفلا تذكرون} أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به. PageV10P6788 # ثم قال تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا}، وقال هؤلاء ~~المشركون ما حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيبا بالبعث ~~والجزاء. قال قتادة: " هذا قول مشركي العرب ". # وقوله: {نموت ونحيا} أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا. # وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير. والتقدير: نحيى ونموت. # وقيل المعنى: نكون أمواتا، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في ~~الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر. # وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد ~~للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان. # وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر. PageV10P6789 # وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي ~~تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر. # جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تسبوا الدهر، فإن الدهر ~~هو الله ". # ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك. # فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ~~ذلك إليه. # وقيل المعنى: لا تسبوا خلقا من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل ~~هو خالق الدهر. فيكون على حذف مثل {وسئل القرية} [يوسف: 82]. # وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبدا لا يزول. # ثم قال تعالى: {وما لهم بذلك من علم}، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - ~~من ms2392 PageV10P6790 # علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصا بغير خبر ~~أتاهم من الله عز وجل. ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة. # ثم قال تعالى: {وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات}، أي: وإذا تتلى على هؤلاء ~~المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. لم تكن ~~حجتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت. ~~لم تكن حجتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قولهم: جئ بآبائنا ~~الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقا في قولك: إنا نبعث بعد الموت. # وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: " ما كان حجتهم " بالرفع. PageV10P6791 # ثم قال تعالى: {قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة}، ~~أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم ~~فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا ~~تشكوا فيه. # ثم قال: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب ~~بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك. # ثم قال تعالى: {ولله ملك السماوات والأرض}، أي: سلطان ذلك دون من تدعون ~~من دون الله من الآلهة. # ثم قال تعالى: {ويوم تقوم الساعة}، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة. # والعامل في " يومئذ ": " يخسر ". وقيل: العامل في " يوم تقوم ": " يخسر " ~~و " يومئذ " بدل منه. فيبتدئ ب " يوم تقوم الساعة ". # قوله: {يخسر المبطلون}، أي: يغبن / ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في ~~أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها ~~منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له ~~فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة. فمفعول " يخسر " محذوف، وهو المنازل. # ثم قال تعالى: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها}، أي: وترى يا ~~محمد PageV10P6792 # ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على ركبها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك ~~اليوم. # قال مجاهد: جاثية ms2393 على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد ~~وغيرهما. # وعن مجاهد أن " الأمة: هنا: الواحد ". # ثم قال تعالى: {كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون}، أي ~~أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أملت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم ~~وألفاظهم، PageV10P6793 # يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيرا فخير وإن شرا ~~فشر. # فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: {وكل ~~إنسان ألزمناه طآئره في عنقه} [الإسراء: 13]. # ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون}. # وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام ~~فتجازى بما عملت فيه. # قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من ~~أفعال بني آدم. فينسخ منه ما يجزى عليه من الخير والشر، ويلغى سائره. # ثم قال: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق}، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا ~~عرضت عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق ~~عليكم بما ألفنم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه. PageV10P6794 # {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها ~~في الكتب عليكم. # وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال ~~بني آدم. # وقوله: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال ~~بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يعملوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم ~~فلا يزيدون شيئا ولا ينقصون شيئا قد كتبه الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه ~~وقضاه. # قال ابن عباس " إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم ~~فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقل: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل ~~معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء PageV10P6795 # من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم ms2394 هو، ثم جعل ~~على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزانا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ~~ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة ~~يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحلكم عندنا ~~شيئا، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. # قال ابن عباس: " ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل ". # وعنه أيضا أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل ~~يوما بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ~~ينقص. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء ~~يكتبون PageV10P6796 # فيه أعمال بني آدم ". # وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل. فقال: أنتم قوم ~~عرب والله يقول: إنا كنا نستنتخ ما كنتم تعملون " وهل يكون الاستنساخ إلا ~~من نسخة. # وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول ~~شيء خلقه الله عز وجل القلم، فأخذه بيمينه - وكلتا يديه يمين - فكتب: ~~الدنيا وما يكون فيها من عمل (معمو بر) أو فجور، رطب أو يابس، فأمضاه عنده ~~(في الذكر). ثم قال: اقرؤوا إن شئتم: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون} فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه ". # قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته} - ~~إلى آخر السورة، فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فدخلهم ربهم PageV10P6797 # في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة. # {ذلك هو الفوز المبين}، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر. # ثم قال: {وأما الذين كفروا أفلم تكن ءاياتى تتلى عليكم}، / جواب " أما " ~~محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم ~~فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها. والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع ~~الحق. # وروي عن النبي صلى الله عليه ms2395 وسلم أنه قال: " قال الله جل ذكره: الكبرياء ~~ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم ". PageV10P6798 # قوله: {وكنتم قوما مجرمين}، أي: قوما تكسبون الآثام والكفر سبحانه، لا ~~تؤمنون بمعاد ولا بثواب ولا عقاب. # ثم قال تعالى: {وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندري ما الساعة}، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في ~~بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ~~ما البعث والجزاء تكذيبا منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم ~~بعد موتكم. # {إن نظن إلا ظنا}، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظنا. # {وما نحن بمستيقنين} أنها جائية. # وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو ~~عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس ~~إلا الطيب المسك). هذا مذهب المبرد وتقديره. PageV10P6799 # وسيبويه يقول (إن " ليس ") في هذا جرت مجرى " ما " فارتفع ما بعد " إلا " ~~كما يرتفع مع " ما " # وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا. وإنما احتيج إلى هذا ~~التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضربا، وما ظننت إلا ظنا، إذ ~~فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ~~ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن. # وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد ~~حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده. فلذلك ~~احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم. # ثم قال تعالى: {وبدا لهم سيئات ما عملوا}، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين ~~بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة. PageV10P6800 # {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب ~~استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا. # ثم قال تعالى: ms2396 {وقيل اليوم ننساكم}، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم ~~العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم. # ثم قال: {ومأواكم النار}، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم. # وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه. # ثم قال تعالى: {ذلكم بأنكم اتخذتم ءايات الله هزوا}، أي: هذا الذي حل بكم ~~من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها. # ثم قال ثم قال: {وغرتكم الحياة الدنيا}، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا ~~فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب. # ثم قال تعالى: {فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون}، لا يخرجون من ~~نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحا ويتوبوا من كفرهم. # ثم قال تعالى: {فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين}، أي: فلله ~~على PageV10P6801 # نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ~~ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق. # ثم قال تعالى: {وله الكبريآء في السماوات والأرض}، أي: وله العظمة ~~والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع. # {وهو العزيز الحكيم}، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر مل ما ~~دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ~~ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو. PageV10P6802 ### |EDITOR| # الهداية إلى بلوغ النهاية # لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 ه # المجلد الحادي عشر # الأحقاف - الصف # 1429 ه - 2008 م PageV10P6803 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأحقاف مكية # قوله: {حم* تنزيل الكتاب من الله} إلى قوله (إن كنتم صادقين) [الآيات 1 - ~~3]. # قد تقدم ذكرهم، والتقدير: هذا تنزيل الكتاب من عند الله العزيز في ~~انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه. # قال: {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى}. # أي: ما أحدثنا ذلك وأوجدناه (بعد أن لم يكن) إلا لإقامة الحق والعدل في PageV11P6807 # الخلق، (وإلا لأجل مسمى)، فكل ذلك معلوم عنده تعالى متى - يفنيه ms2397 فيصيره ~~معدوما عندكم - أمر بفناء ذلك. # ثم قال: {والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون}. # أي: والذين جحدوا توحيد الله سبحانه ولم يؤمنوا بالبعث بعد الموت معرضون ~~عن إنذار الله عز وجل، لا يتعظون ولا يتفكرون في آيات الله سبحانه فيعتبرون ~~ويزدجرون. # قال: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض}. # أي: قل لهم يا محمد - لهؤلاء الكفار بالله سبحانه من قومك - أرأيتم أيها ~~الناس الآلهة التي تعبدون من دون الله سبحانه: # أروني أي: شيء خلقوا من الأرض، فإن ربي خلق الأرض كلها. PageV11P6808 # وقيل " من " بمعنى " في "، والمعنى أروني {ماذا خلقوا من الأرض} فإن ربي ~~خلق الأرض كلها، فلأي شيء عبدتموها ولأي حجة آثرتم عبادتها على عبادة الله ~~سبحانه الذي خلقها وابتدعها، وخلق كل ما في الأرض من غير أصل. # {أم لهم شرك في السماوات}. # أي: أم لآلهتكم شرك في خلق السماوات السبع فيكون لكم بذلك حجة في عبادتكم ~~إياها، فمن حجتي في إفراد الله بالعبادة أنه خلق السماوات والأرضين وابتدع ~~ذلك من غير أصل. # ثم قال: {ائتوني بكتاب من قبل هاذآ}. # [أي: جيئوني بكتاب من قبل هذا] القرآن فيه أن آلهتكم خلقت شيئا من ~~السماوات والأرضين، أو جيئوني بأثارة من علم بذلك. # " وأثارة " مصدر كالسماحة. # قال ابن عباس: PageV11P6809 # هو خط كانت تخطه العرب في الأرض، وروى أن نبيا كان يخط بإصبعيه في الأرض ~~السبابة والوسطى، يخط بهما في الرمل ويزجره. # وقال قتادة معناه: أو خاصة من علم تخير أن آلهتكم خلقت شيئا أو لها شرك ~~في شيء، وهو قول ابن جبير والحسن. PageV11P6810 # وقيل معناه: أو علم تثيرونه فتستخرجونه. # وقيل معناه: أو تأثرون بذلك علما عن أحد ممن كان قبلكم، قاله مجاهد. # وعن ابن عباس: " أو أثارة من علم "، معناه: أو بينة من الأمر. # وقال أبو عبيدة وأبو بكر بن عياش معناه: أو بقية من علم. # ثم قال: {إن كنتم صادقين} /. PageV11P6811 # أي: إن كنتم صادقين في دعواكم ما تدعون أن آلهتكم مستحقة أن تعبد. # وقرأ أبو عبد الرحمن ms2398 السلمي، أو أثرة من علم، على فعلة وهما لغتان عند ~~الفراء، وحكى الكسائي لغة ثالثة: أو أثرة على فعلة. # والمعنى عنده: أو بقية من علم، ويجوز أن يكون معناه عنده: أو شيئا PageV11P6812 # مأثورا من كتب الأولين. # وأثرة بمعنى أثر، كقترة وقتر، والمأثور هو المتحدث به مما صح سنده عن من ~~يحدث به عنه. # قوله: {ومن أضل ممن يدعوا من دون الله}. # [أي: لا أحد أضل ممن يعبد من دون الله] حجرا لا يستجيب له إذا دعاه أبدا، ~~ولا ينفعهم، وتلك الحجارة التي يعبدونها غافلة عن دعاء هؤلاء الكفار، لا ~~تعقل ولا تفهم، ووقعت " من " للأصنام والحجارة، وهي لا تعقل لأنهم جعلوها ~~في عبادتهم إياها بمنزلة من يعقل ويميز، فخوطبوا على مذهبهم فيها. PageV11P6813 # وقد قرأ ابن مسعود (ما لا يستجيب له) كما قال: {لم تعبد ما لا يسمع ولا ~~يبصر} [مريم: 42]، فأجراه على المعنى، وأتى ب " ما " التي تكون لما لا ~~يعقل، وقد كان يلزم أن يقرأ: " وهي عن دعائهم غافلة لكنه أتى به على لفظ من ~~يعقل، فمرة رد الكلام على المعنى، ومرة رده على ما جرى في مخاطباتهم ومثل ~~قراءة الجماعة هنا: قوله: {ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله} [الزمر: 3] ~~وأتى بالهاء والميم وهما لمن يعقل، فجرى الإخبار عن الأصنام على ما يجري في ~~مخاطباتهم، لأنهم أجروها مجرى من يعقل ومن يميز، ولو أتى الكلام على المعنى ~~لقال: " ما نعبدها إلا لتقربنا ". وهذا كله توبيخ من الله جل ذكره للمشركين ~~لسوء رأيهم وقبح اختيارهم في عبادتهم ما لا يعقل شيئا ولا يفهم، وتركهم ~~عبادة من أنعم عليهم بجميع ما هم فيه من النعم، وإليه يلجئون ويتفرعون عند ~~حاجتهم وضروراتهم. PageV11P6814 # قال: {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء}. # أي: وإذا جمع الناس لموقف الحشر كانت آلهتهم لهم أعداء؛ لأنهم يتبرءون ~~منهم، وهو قوله: {وكانوا بعبادتهم كافرين}. # لأن الآلهة تقول يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا ولا شعرنا بفعلهم، وهو ~~قوله تعالى: {تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون} [القصص: 63]. # قال: {وإذا تتلى عليهم ms2399 آياتنا بينات}. # أي: وإذا تقرأ عليهم آيات الكتاب واضحات البرهان أنها حق من عند الله، ~~قالوا للحق لما جاءهم، وهو القرآن: هذا سحر مبين أي: ظاهر لمن تأمله وسمعه، ~~قالوا: هذا القرآن يخدع من سمعه كفعل السحر. # قال: {أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا}. # أي: يقول هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن. فقل لهم يا محمد: إن ~~افتريته؛ أي: إن اختلقته من عند نفسي كذبا على الله سبحانه فلستم تغنون عني ~~من عذاب الله عز وجل شيئا إن عذبني على ذلك. PageV11P6815 # {هو أعلم بما تفيضون فيه} أي: الله أعلم من كل شيء سواه بما تقولون وما ~~تدعون علي من الكذب. # {كفى به شهيدا بيني وبينكم} أي: كفى الله شاهدا علي وعليكم فيما تقولون ~~وما أقول. # {وهو الغفور الرحيم} أي: والله ذو الستر على ذنوب من تاب إليه، الرحيم ~~بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها /. # قال: {قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم}. # أي: قل يا محمد: ما كنت أول الرسل فتنكرون رسالتي، بل قد كان قبلي رسل ~~كثير وأنا واحد منهم. # قال المبرد: البدع البديع الأول، ومنه يقال: ابتدع فلان كذا، أي: أتى بما ~~لم يتقدمه إليه أحد قبله، ومنه بديع السماوات: أي: مبتدعهما. PageV11P6816 # وقوله: {ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم}. # قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقول ذلك للمؤمنين، أي: لست أدري ~~ما نصير إليه يوم القيامة. # ثم بين الله عز وجل حاله فقال: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 1 - 2] وبين للمؤمنين أمرهم فقال: ~~{ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم} [الفتح: 5] هذا قول ابن عباس. # وقال عكرمة والحسن: هذه الآية منسوخة نسختها سورة الفتح، قالا: فلما نزلت ~~سورة الفتح خرج النبي صلى الله عليه وسلم فبشرهم بأنه قد غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما ms2400 تأخر، فقال له رجل من المسلمين هنيئا لك يا نبي الله قد علمنا ما ~~يفعل بك فما يفعل بنا، فأنزل الله، {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبير} [الأحزاب: 47] وأنزل: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات PageV11P6817 # جنات تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 5] إلى قوله: {حكيما} [الفتح: 5] ~~فبين للمؤمنين ما يفعل بهم أيضا. # قال قتادة: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ثم درى ما يفعل به في أول الفتح، ~~وعن الحسن: أنها نزلت في المشركين، وأنه صلى الله عليه وسلم ما يدري ما ~~يصير إليه أمره معهم في الدنيا، وما يصير أمرهم، أيؤمنون أم يكفرون، ~~أيعجلون بالعذاب أم يؤخرون وقال: أما في الآخرة فمعاذ الله، إنه قد علم أنه ~~في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل. # وقيل معناه: ما أدري ما يفترض علي وعليكم في الدنيا من الفرائض. # وقيل المعنى: ما أدري ما يحل علي وعليكم من جدب أو رخاء في الدنيا. # وقيل إنها نزلت في رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم، فسرت أصحابه ~~فاستبطئوا تأويلها فأنزل الله عز وجل: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم}. # واختار الطبري وغيره أن يكون هذا في أمر الدنيا دون حال الآخرة لأنه لو PageV11P6818 # كان لا يدري ما يفعل به ولا بهم في الآخرة لكان ذلك حجة لهم لأنهم يقولون ~~له: فعلى ما نتبعك إذا كنت لا تدري على أي حال نصير غدا في القيامة. # وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: ما اتبع فيما أمركم به وفيما أفعله ~~إلا وحي الله عز وجل إلي وأمره إياي. # {ومآ أنا إلا نذير مبين} أي: أنذركم عقاب الله عز وجل على كفركم. # {مبين} أي: قد بينت لكم إنذاري لكم ونصحي إياكم. # قال: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به} أي: قل يا محمد لهؤلاء ~~القائلين للقرآن لما جاءهم هذا سحر مبين، إن كان هذا القرآن من عند الله ~~أنزله علي وكفرتم به. # {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} يعني موسى عليه السلام ms2401 شهد على مثل ~~القرآن، فالتصديق أنه من عند الله هو التوراة. PageV11P6819 # فشهد على التوراة أنها من عند الله سبحانه، والقرآن مثلها. قاله مسروق. # وقال الشعبي: زعم قوم أنه عبد الله بن سلام، وإنما أسلم عبد الله ~~بالمدينة، والحواميم مكية، ولكنه موسى عليه السلام، وروى مالك عن أبي هريرة ~~عن عامر بن PageV11P6820 # سعد بن أبي وقاص أنه قال: " ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد ~~يمشي على الأرض [إنه] من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت ~~{وشهد شاهد من بني إسرائيل} ". # وقال ابن عباس: " كان رجلا من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم [ ~~قال]: إنا نجده في التوراة، وكان أفضل رجل فيهم وأعلمهم فخاصم اليهود النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وتراضوا بحكم عبد الله بن سلام وقالوا: إن شهد لك آمنا ~~بك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله مكتوبا في ~~التوراة والإنجيل؟ PageV11P6821 # فقال: نعم فاعترضت اليهود وأسلم عبد الله، وهو قوله: {فآمن واستكبرتم} ". # قال مجاهد: هو عبد الله بن سلام، وهو قول قتادة وابن زيد والحسن. # وعن الشعبي أنه قال: هو رجل من أهل الكتاب غير عبد الله بن سلام. # وذهب ابن سيرين إلى أن هذه الآية مدنية جعلت في سورة مكية فيصح أنه عبد ~~الله بن سلام لأن إسلامه (كان بالمدينة). # ثم قال: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} أي: جعل جزاؤهم على كفرهم ترك ~~توفيقهم للهدى. PageV11P6822 # وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: # {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله فآمن واستكبرتم}. # فقوله: " واستكبرتم " معطوف على وكفرتم. وقوله: " على مثله ": معناه ~~عليه، كما قال: # {فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به} [البقرة: 137]: أي: فإن آمنوا / بمثل ~~القرآن وجواب " أرأيتم " محذوف. # دل عليه {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} والتقدير / أضلكم الله بفعلكم، ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين. # وقيل التقدير فآمن واستكبرتم أليس قد ظلمتم، إن الله لا يهدي ms2402 [القوم] ~~الظالمين. # و {أرأيتم} لفظ موضوع للسؤال والاستفتاء، ويكون للتنبيه ولذلك لا يقتضي ~~مفعولا به. PageV11P6823 # قوله: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا}. # من جعل الشاهد عبد الله بن سلام أو غيره من مؤمني بني إسرائيل، كان ~~المعنى عنده: وقال الذين كفروا من بني إسرائيل للذين آمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم كان المعنى عنده: وقال مشركو قريش لمن آمن منهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم: لو كان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم خيرا ما سبقنا هؤلاء ~~إليه، وهذا التأويل قول قتادة. # قال: ذلك ناس من المشركين، قالوا: نحن أعز به ونحن ونحن، فلو كان الإيمان PageV11P6824 # بمحمد صلى الله عليه وسلم خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان يعنون عمارا ~~وبلالا وصهيبا وأصنافهم، فأنزل الله جل ذكره: {يختص برحمته من يشآء} ~~[البقرة: 104]. # قال الحسن: أسلم " أسلم " " وغفار " فقالت قريش: لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه. PageV11P6825 # وقال الزجاج: أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، فقال بنو عامر وغطفان ~~وأشجع وأسد: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيرا ما سبقونا إليه، إذ نحن ~~أعز منهم وإنما هؤلاء رعاة البهم. # وفي قوله: {سبقونآ} خروج من خطاب إلى غيبة، ولو جرى على صدر الكلام في ~~الخطاب لقال: ما سبقتمونا، ولكنه كلام فصيح حسن كثير في كلام العرب ~~والقرآن، ويجوز أن يكون قال: {ما سبقونآ} على أن يكون قاله الكفار لبعض ~~المؤمنين، PageV11P6826 # فيكون على بابه لم يخرج من شيء إلى شيء، فقيل: إنه قول وقع في أنفسهم ولم ~~يقولوه ظاهرا بأفواههم. # وقوله: {وإذ لم يهتدوا به}. # أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به {فسيقولون هاذآ إفك قديم}. # أي: هذا القرآن أكاذيب من أخبار الأولين قديمة. # قال: ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة}. # أي: ومن قبل هذا القرآن كتاب موسى أنزلناه عليه، " فالهاء " تعود على ~~القرآن المتقدم ذكره في قوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [الأحقاف: 9] وهو ~~التوراة إماما لبني إسرائيل يأتمون به، ورحمة لهم. # ثم قال: {وهذا كتاب مصدق} يعني: القرآن مصدق للتوراة. ms2403 # وقيل: مصدق لمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. PageV11P6827 # وقوله: {لسانا عربيا} نصبه على الحال من المضمر في {مصدق}. # وقيل: هو حال من {كتاب} لأنه لما نعت قرب من المعرفة فحسنت الحال منه. # وقيل: هو منصوب " بمصدق "، وفيه بعد؛ لأنه يصير المعنى أن القرآن يصدق ~~نفسه، فيصير التقدير: وهذا القرآن مصدق نفسه؛ لأن اللسان العربي هنا هو ~~القرآن، وهذا المعنى ناقص إذا تأملته. # وقيل: " اللسان " هنا عني به محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا المعنى ~~يحسن نصب " لسان " " بمصدق "، كأنه قال: وهذا القرآن مصدق محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. # ويجوز أن يكون في الكلام حذف مضاف. والتقدير: وهذا كتاب مصدق صاحب لسان ~~عربي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول حسن وتأويل صحيح. # ثم قال: {لينذر الذين ظلموا} أي: لينذر [أهل] الكتاب الذين ظلموا. PageV11P6828 # وقيل معناه: لينذر محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الذين ظلموا، وهذا ~~التأويل على قراءة من قرأ لينذر [بالياء، فأما على قراءة من قرأ بالتاء فلا ~~يكون إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لتنذر يا] محمد الذين ظلموا ~~أنفسهم بكفرهم بالله سبحانه. # {وبشرى للمحسنين}. # أي: وهو بشرى للذين أطاعوا الله عز وجل فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم. # قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}. # أي قالوا: لا إله إلا الله، ثم استقاموا على ذلك فأطاعوا الله عز وجل ~~فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم حتى ماتوا فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة، ولا ~~هم يحزنزن على ما خلفوا بعدهم في الدنيا. # قال: {أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها}. PageV11P6829 # أي: هؤلاء الذين تقدمت صفتهم هم أصحاب الجنة ماكثين فيها جزاء لهم من ~~الله عز وجل بأعمالهم الصالحة. # قال تعالى {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته ~~[كرها]}. # أي: ووصينا ابن آدم بوالديه الحسنى في صحبته إياهما أيام الدنيا، والبر ~~بهما حياتهما وبعد مماتهما لما لقيانه في حمله وتربيته، ثم بين ما لقيا منه ~~من التعب فقال: {حملته أمه كرها} أي: بمشقة، ووضعته بمشقة. ms2404 # قال أبو محمد (مؤلفه رضي الله عنه): فبر الوالدين أعظم ما يتقرب به إلى ~~الله جل ذكره، وعقوقهما من أعظم الكبائر المهلكات، وقد تقدم القول في ذلكما ~~في " سبحان " وبينه الله عز وجل بقوله تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما ~~أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف} [الإسراء: 23]. # فنهى الله عز وجل الولد أن يقول أف إذا شم منهما رائحة يكرهها، فالنهي ~~لما فوق ذلك أعظم، وهذا باب مختصر في الحض على بر الوالدين. # روى ابن مسعود " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل قال: " ~~الإيمان بالله، PageV11P6830 # والصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله " ". # وروى مورق العجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هل تعلمون نفقة ~~أفضل من نفقة في سبيل الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: نفقة الولد على ~~الوالدين ". # وروى أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث دعوات مستجابات ~~لا شك فيهن، دعوة الوالدين، ودعوة المسافر [ودعوة] المظلوم ". PageV11P6831 # وفي رواية أخرى: " ودعوة الإمام العادل في موضع، ودعوة المظلوم ". # قال الحسن: دعاء الوالدين للولد نجاة، ودعاؤهما عليه استيصال. # قال: وعن المسيب " أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد يوما المنبر فلما وضع ~~رجله على الدرجة الأولى قال: آمين، ثم وضع رجله على الدرجة الثانية فقال: ~~آمين، ثم وضع رجله على الدرجة الثالثة فقال: آمين، فلما فرغ من خطبته ذكروا ~~له ذلك فقال: إن جبريل استقبلني حين وضعت رجلي على الدرجة الأولى، فقال: من ~~أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين، فقلت: آمين، فلما ~~صعدت إلى الثانية قال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قل ~~آمين، فقلت: آمين، فلما صعدت إلى الثالثة، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك ~~فأبعده الله قل آمين، فقلت: آمين ". PageV11P6832 # وروى مجاهد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كل شيء بينه ~~وبين الله حجاب إلا شهادة أن لا إله إلا الله، ودعوة الوالدين ". # وعن الحسن " أن رجلا سأل ms2405 النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إني حججت، وإن ~~والدتي قد آذنت لي في الحج، فقال [له]: " لقعدة معها تقعدها على مائدتها ~~أحب إلي من حجتك " ". # وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أبر البر أن يصل ~~الرجل أهل PageV11P6833 # ود أبيه بعده ". # وقال عمر رضي الله عنه " من أراد أن يصل أباه بعد موته فليصل إخوان أبيه ~~بعده ". # وعن النبي عليه السلام أنه قال: " ودك ود أبيك لا تقطع من كان يصل أباك ~~فيطفأ بذلك نورك ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: ~~الإشراك بالله وعقوق الوالدين، واليمين الغموس ". # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قيل: وكيف يسب الرجل والديه، قال: ~~يسب أبا PageV11P6834 # الرجل، فيسب أباه ويسب أمه [فيسب أمه] ". # وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أربعة لا ينظر الله ~~إليهم يوم القيامة، عاق، ومنان، ومدمن خمر، ومكذب بقدر ". # قال الحسن: انتهت القطيعة إلى أن يجافي الرجل أباه عند السلطان، يعني ~~يخاصمه، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأم أعظم حق في البر ~~والطاعة من PageV11P6835 # الأب ". # وعن الحسن أنه قال: (ثلثا البر الطاعات للأم والثلث للأب). # وروى أبو هريرة: " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله من أحق مني بحسن الصحبة، قال: أمك، قال ثم من، قال: أمك ثلاثا، قال: ~~ثم من؟ قال: أباك ". # وقد قرن الله جل ذكره شكره بشكر الوالدين فقال: {أن اشكر لي ولوالديك} ~~[لقمان: 13]. # وقال كعب الأحبار: قال لقمان لابنه " يا بني من أرضى والديه فقد أرضى ~~الرحمن ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمن يا بني إنما الوالدان باب من أبواب ~~الجنة، PageV11P6836 # فإن رضيا مضيت إلى الجنان وإن سخطا حجبت ". # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجزي ولد والده إلا ~~أن يجده مملوك فيعتقه ms2406 ". # وقوله: {ووصينا الإنسان [بوالديه إحسانا]}. # يقال إن الإنسان ها هنا إنسان بعينه، وليس كل إنسان حمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا، بل يزيدون وينقصون، وليس كل من بلغ أشده يقول: {رب أوزعني أن أشكر ~~نعمتك}. # وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. والذي عليه ~~أكثر الناس أنها عامة على الأكثر من الناس في الحمل والفصال. # وقوله: {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك}. # هذه صفة المؤمن وما يجب له أن يقول، فهو وإن لم يقل ذلك فذلك اعتقاده PageV11P6837 # ومذهبه، وذلك ما يجب له أن يقول. # قال (قتادة والحسن ومجاهد): المعنى حملته مشقة ووضعته مشقة، و " حسنا " ~~في مصاحف الحرمين والشام والبصرة بغير ألف قبل الحاء، وعلى ذلك أجمع القراء ~~في سورة " العنكبوت "، وهو في مصاحف الكوفيين بألف، وعلى ذلك أجمع القراء ~~في قوله: {وبالوالدين إحسانا}، فالقراءتان متكافئتان، إذ في كتاب الله لكل ~~واحدة مثال، فجمع عليه. # وقرأ عيسى بن عمر " حسنا " بفتح الحاء والسين على معنى فعلا PageV11P6838 # حسنا، ولا يجوز حسنى بغير تنوين؛ لأن هذا لم تتكلم به العرب بألف التأنيث ~~إلا بالألف واللام في أوله نحو الحسنى والفضلى، وإحسان مصدر أحسن، وحسن ~~بمعناه، وكرها مصدر في موضع الحال. # وزعم أبو حاتم أن القراءة بفتح الكاف لا تحسن؛ لأن الكرة بالفتح: الغصب ~~والقهر، وبالضم المكروه، فبالضم يتم المعنى عنده، وذكر أن بعض العلماء سمع ~~رجلا يقرأ بفتح الكاف فقال له لو حملته كرها (لرمت به) لأن الكره عنده ~~الغضب والقهر. # وهما عند أكثر العلماء غيره لغتان مشهورتان بمعنى واحد، ومعناه المشقة. PageV11P6839 # والفتح عند المبرد وسيبويه أولى به لأنه المصدر بعينه. # وقد حكى سيبويه والخليل أن كل فعل ثلاثي فمصدره فعل، واستدلا على ذلك أنك ~~إذا رددته إلى المرة الواحدة جاء مفتوحا، تقول: قام قومة، وذهب ذهبة، ~~والذهاب عندها اسم للمصدر، لا مصدر، فكذلك الكره بالضم إنما هو اسم للمصدر، ~~والكره بالفتح هو المصدر. PageV11P6840 # ثم قال تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا}. # أي: ومدة حمل أمه له وفصالها إياه من ms2407 الرضاع ثلاثون شهرا. وهذا مما استدل ~~به العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر؛ لأنه قد قال تعالى في سورة البقرة: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] فأخبر بمدة الرضاعة ~~الكاملة، فالذي يبقى من الثلاثين شهرا التي ذكر الله هنا هو ستة أشهر فهي ~~للحمل. # وقرأ الجحدري " وحمله وفصله ". ورويت عن الحسن. # والفصال والفصل مصدران. يقال فصله فصالا وفصلا، والفصل على مذهب سيبويه ~~هو المصدر، والفصال اسم للمصدر على ما تقدم. # وهذا النص مخصوص غير عام، إنما هو في أكثر الناس لأن منهم من يقيم في PageV11P6841 # الحمل أكثر من ثلاثين شهرا، والفصل بعد ذلك، وقد قيل إنه إنسان بعينه. # ثم قال تعالى: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة} " أشده " عند سيبويه ~~جمع شدة، وقد ذكر شرحه في " يوسف " بأبين من هذا. # قال ابن عباس: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء أربعون سنة، والعمر ~~الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة. # وقال الشعبي: الأشد بلوغ الحلم، وذلك إذا كتبت لك الحسنات وعليك السيئات. # وقيل: الأشد ثماني عشرة سنة. # ثم قال: {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي (وأن ~~أعمل صالحا)}. # أي: قال هذا الإنسان الذي هداه الله لرشده، وعرف حق الله في بره والديه، ~~أعني على شكر نعمتك التي أنعمت علي، وتعريفي توحيدك وهدايتك إياي PageV11P6842 # للعمل بطاعتك وعلى والدي من قبلي. # وأصل أوزعني: من وزعت الرجل على كذا: إذا دفعته إليه. # وكان أبو بكر بن عياش يقول هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلم يكفر له ~~أب ولا أم بل أسلما. قال أوزعني: معناه ألهمني، روي " أنه لما بلغ أشده ~~ثماني عشرة سنة صحب النبي صلى الله عليه وسلم والنبي عليه السلام ابن عشرين ~~سنة، وسافر معه إلى الشام في تجارة فنزلا منزلا فيه سدرة، فقعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب بجوار الموضع يقال له بحيرى ~~فسأله أبو بكر رضي الله عنه عن الدين وتحدث معه، فقال ms2408 له الراهب: من الرجل ~~الذي في ظل السدرة؟ فقال له أبو بكر: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال ~~له الراهب: هذا والله نبي، والله ما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث النبي عليه السلام وهو ابن أربعين سنة ~~وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة، آمن به وصدقه وصحبه، ففيه نزلت الآيات. PageV11P6843 # ثم قال تعالى: {وأن أعمل صالحا ترضاه}. # أي: وأوزعني أن أعمل عملا صالحا يرضيك عني. {وأصلح لي في ذريتي}. # أي: وأصلح لي أموري في ذريتي الذين وهبتم لي بأن تجعلهم على الهدى واتباع ~~مرضاتك. # {إني تبت إليك} أي: تبت إليك من الذنوب التي سلفت مني. # {وإني من المسلمين} أي: من الخاضعين لك بالطاعة، المسلمين لأمرك ونهيك ثم ~~قال: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا}. # أي: والذين هذه صفتهم يتقبل الله منهم أحسن أعمالهم فيجازيهم عليها ويصفح ~~عن سيئاتهم. . . وقوله: {في أصحاب الجنة}. # أي: يفعل بهم ذلك فعله في أصحاب الجنة. # ثم قال: {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}. # أي: وعدهم وعد الحق لا شك فيه أنه موف لهم بذلك. # قوله: {والذي قال لوالديه أف لكمآ} إلى قوله: (نجزي القوم المجرمين) ~~[الآيات 16 - 24]. PageV11P6844 # هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه عند بعض العلماء، ~~ورد ذلك بعضهم قال: هذا يبطله قوله: {أولئك الذين حق عليهم القول}، فقد حقت ~~عليه وعلى أمثاله كلمة العذاب بهذه الآية، وأن عبد الرحمن من أفاضيل ~~المؤمنين. # وقال ابن عباس: نزلت في ابن لأبي بكر الصديق قال له: أتعدني أن أبعث بعد ~~الموت، منكرا لذلك، ولم يذكر اسمه. # وروي أن معاوية لما كتب إلى مروان أن يبايع الناس ليزيد PageV11P6845 # قال عبد الرحمن ابن أبي بكر: جئتم بها هرقلية (فقال له مروان: يا أيها ~~الناس) إن هذا الذي قال الله فيه: {والذي قال لوالديه أف لكمآ} الآية، ~~فغضبت عائشة لما بلغها ذلك وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه ~~لسميته، ولكن ms2409 الله لعن أباك وأنت في صلبه - تعني الحكم - طريد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، والتقدير في الآية، والذي قال لوالديه إذ دعواه إلى ~~الإيمان بالله والإقرار بالبعث بعد الموت أف لكما، أي: قذرا لكما أتعدانني ~~أن أخرج من قبري بعد الموت. # وقرأ الحسن: أن أخرج، جعل الفعل له. # قال قتادة: هذا عبد سوء عاق لوالديه فاجر. # وقوله: {وقد خلت القرون من قبلي}. # أي: أتعدانني في أن أبعث بعد الموت وقد مضت قبلي القرون فهلكت، ولم يبعث ~~أحد منهم بعد موته، فكيف أبعث أما ولم يبعث أحد ممن هلك قبلي، فتوهم PageV11P6846 # المخذول أن لما لم يبعث من مات قبله، لا يبعث هو، ولم يدر أن للجميع أجلا ~~ووقتا يبعثون فيه. # ثم قال: {وهما يستغثيان الله}. # أي: ووالداه يصرخان الله عليه، ويقولان ويلك آمن بالله وبالبعث، وصدق ~~بوعد الله ووعيده، إن وعد الله حق، إنه يبعث الموتى ليجازيهم على أعمالهم، ~~فيقول لهما مكذبا لقولهما: ما هذا إلا أساطير؛ أي: ما تقولان لي إلا أخبارا ~~/ من أخبار الأولين باطلة. # {يستغثيان الله} تمام عند نافع، وتلك آمن التمام عند يعقوب وغيره PageV11P6847 # " وحق "، هو التمام عند غيرهما؛ لأنه من تمام القول الذي قالا له وهو ~~الصواب إن شاء الله ". # قال: {أولئك الذين حق عليهم القول}. # أي: وجبت عليهم كلمة العذاب في الآخرة مثل ما وجبت للأمم المتقدمة ~~المنكرة للبعث، الضالة عن الهدى من الجن والإنس كفعل هذا الذي تقدم ذكره. # {إنهم كانوا خاسرين}. # أي: مغبونين ببيعهم الهدى بالضلالة، والجنة بالنار. # وهذه الآية تدل على موت الجن كما يموت الإنس أمة بعد أمة، لأنه قال: {في ~~أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس}، وهي تدل على مجازاة الجن كما يجازي ~~الإنس، ودخول الجن النار والجنة كما يدخلها الإنس، وليس المراد بقوله: ~~{أولئك الذين حق عليهم القول} عبد الرحمن الذي نزلت فيه الآية، وإنما ~~المعنى، من عمل مثل هذا الذي ذكر عنه، إنكارا للبعث فهو الذي حق عليه ~~العذاب، فأول الكلام خاص، وآخره عام. # وروى ms2410 قتادة عن الحسن أنه قال: الجن لا يموتون، قال قتادة: فاحتجت عليه PageV11P6848 # بهذه الآية. # قال: {ولكل درجات مما عملوا} أي: ولكل هذين الفريقين من الجن والإنس من ~~أعمالهم منازل ومراتب عند الله يوم القيامة في الجنة أو في النار. # قال ابن زيد: درج أهل النار يذهب سفالا، ودرج أهل الجنة يذهب علوا. # ثم قال: {وليوفيهم أعمالهم} أي: ولنعطي جميعهم أجور أعمالهم من حسن وسيء. # {وهم لا يظلمون} أي: لا يزاد على أحد ذنب غيره، ولا ينقص أحد من حسن ~~عمله. # والوقف عند بعضهم {مما عملوا}، على أن تكون " اللام " متعلقة بفعل مضمر ~~بعد هذا، والتمام: يظلمون. # قال: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار}. # أي: واذكر يا محمد يوم يعرض الذين كفروا على نار جهنم. # وقيل العامل في " يوم " فعل مضمر بعده، والتقدير ويوم يعرض الذين كفروا ~~على النار يقال لهم: {أذهبتم طيباتكم}، فيقال هو العامل في " يوم " ~~والمعنى: يقال لهم PageV11P6849 # أذهبتم طيباتكم في الدنيا وتطلبون النجاة اليوم. # (وذكر بعض العلماء أن معناه: أذهبتم طيباتكم في الدنيا لأنفسكم، ولم ~~تعطوا منها الحاجة، وتؤثروا أهل الفقر لوجه الله عز وجل. # وأكل الطيبات من المطاعم حلال غذا طاب أصلها، يقول الله جل ذكره: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم} [المائدة: 87] وقال: ~~{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} ~~[الأعراف: 32] فأخبرنا أن الطيبات من الرزق مباحة للمؤمنين في الدينا، ~~وأنها خالصة لهم يوم القيامة في الآخرة إذ يشاركهم فيها في الدنيا الكفار، ~~فلا شيء فيها للكفار في الآخرة). # ويروى أن عمر رضي الله عنه رأى جابر بن عبد الله ومعه إنسان يحمل عنه ~~شيئا PageV11P6850 # فقال: " ما هذا؟ قال: لحم اشتريته بدرهم فقال: أوكلما قدم أحدكم اشترى ~~لحما بدرهم والله لو شئت أن أكون أطيبكم طعاما، وأينعكم ثوبا لفعلت، ولكن ~~الله يقول: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} فأنا أترك طيباتي ". # وروى ms2411 قتادة عن أبي هريرة أنه قال: " إنما كان طعامنا مع نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم الأسودين: الماء والتمر، والله ما كنا نرى سراءكم هذه/ ولا ~~ندري ما هي ". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه دخل على أهل الصفة، وهو مكان ~~يجتمع فيه فقراء المسلمين وهو يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا ~~فقال: أنتم غير من يغدوا أحدهم في حلة ويروح في أخرى، ويغدا عليه بتحفة ~~ويراح عليه بأخرى ويستر PageV11P6851 # بيته كما تستر الكعبة، قالوا نحن يؤمئذ خير قال: بل أنتم اليوم خير ". # ثم قال: {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق}. # أي: بتكبركم في الدنيا على ربكم/ ومخالفتكم أمره ونهيه بغير ما أباح لكم ~~وبفسقكم. # قال: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف}. # أي: واذكر يا محمد لقومك أخا عاد وهو هود إذ أنذر قومه كما أنذرت أنت ~~قومك. # والأحقاف جمع حقف، وهو ما استطال من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلا. # قول المبرد، " هو رمل مكثتن ليس بالعظيم وفيه أعواج يقال أحقوقف PageV11P6852 # الشيء: إذا اعوج حتى يلتقي طرفاه. كما قال: " سماوة الهلال حتى احقوقف ". # قال ابن عباس: الأحقاف جبل بالشام، وقاله الضحاك. # وعن ابن عباس أنها واد بين عمان ومهرة. PageV11P6853 # وقال ابن إسحاق. كانت الأحقاف ما بين عمان إلى حضرموت واليمن كلها. وقال ~~مجاهد: الأحقاف: الرمل. # وقال قتادة: هي رمال مشرفة على البحر بالشحر، والشحر ما يقرب من عدن. # وقوله: {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله}. # والنذر جمع نذير، والنذير الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو بمعنى منذر. # وقيل: النذر هنا اسم المصدر بمعنى الإنذار، وليس بجمع. PageV11P6854 # وقال الضحاك: لم يبعث الله عز وجل رسولا إلا بن يعبد الله وحده. # ثم قال: {إني أخاف عليكم عذاب يوم [عظيم]}. # قال لهم هود ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم إن عبدتم غير الله ~~سبحانه عذاب يوم عظيم هوله وهو يوم القيامة. # قال: {قالوا أجئتنا لتأفكنا عن ms2412 آلهتنا}. # أي: قال قوم هود وهم عاد لهود {جئتنا لتأفكنا} وتصرفنا عن عبادة آلهتنا ~~إلى عبادة ما تدعونا إليه، فأتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت صادقا في قولك ~~أنك تخاف علينا عذاب يوم عظيم. # قال {قال إنما العلم عند الله}. # أي: قال لهم هود إنما العلم بمجيء وقت العذاب إليكم على كفركم عند الله ~~لا علم لي من ذلك إلا ما علمني ربي. PageV11P6855 # {وأبلغكم مآ أرسلت به} [أي]: وأنا أبلغكم ما أمرت أن أبلغكم إياه، إنما ~~أنا رسول لا علم عندي من الغيب. # {ولكني أراكم قوما تجهلون}. # مواضع حظوظكم فلا تعرفون ما يضركم ولا ينفعكم فتستعجلون العذاب لجهلكم ~~بقدرة الله سبحانه. # قال: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم}. # أي: فلما رأت عاد العذاب الذي استعجلته سحابا عارضا مستقبلا نحو أوديتهم. # {قالوا هذا عارض ممطرنا} أي: ظنوه أنه مطر يأتيهم بخير. # قال ابن عباس: كان لقوم عاد واد إذا أمطروا من نحوه وأتاهم الغيم من قبله ~~كان ذلك العام عام خصب متعالم فيهم، فبعث الله عز وجل عليهم العذاب من قبل ~~ذلك الوادي، فجعل هو يدعوهم ويقول: إن العذاب قد أظلكم فيقولون: PageV11P6856 # كذبت هذا عارض ممطرنا، ونظلت الريح فنسفت الرعاة فجعلت تمر على الغنم ~~ورعاتها حتى تغرقها، ثم تحلق بهم في السماء حتى تقذفهم في البحر، ثم نسفت ~~البيوت حتى جعلتها كالرميم. # قال قتادة: ذكر لنا أنه حبس عنهم المطر زمانا فلما رأوا العذاب مقبلا ~~ظنوه مطرا يأتيهم وقالوا: كذب هود، [فلما رآه هود] قال لهم: بل هو ما ~~استعجلتم به من العذاب، هو ريح فيها عذاب أليم، فروي أن الريح كانت تلقى ~~الفسطاط. وتأتي بالرجل الغائب فتلقيه وتحل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها ~~جرادة. # قال ابن عباس: كان لعاد واد إذا جاء المطر أو الغيم من ناحيته كان غيثا ~~فأرسل الله عز وجل عليهم العذاب من ناحيته، فلما وعدهم هود بالعذاب ورأوا ~~العارض قالوا: هذا عارض ممطرنا، فقال لهم هود: {بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم}. PageV11P6857 # قال: ms2413 {تدمر كل شيء بأمر ربها}. أي: تهلك الريح كل شيء أمرت بهلاكه. # قال ابن عباس: ما أرسل الله عز وجل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا ~~ونزع خاتمه /. # ثم قال: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} أي: فأصبح قوم هود لم يبق إلا ~~مساكنهم. # ثم قال: {كذلك نجزي القوم المجرمين} أي: كما جزينا عادا بكفرهم كذلك نجزي ~~قومك يا محمد إن تمادوا في غيهم. # قوله: {ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم}. # أي: ولقد مكنا عاد الذين أهلكوا بكفرهم فيما لم نمكن لكم أيها القوم فيه ~~من الدنيا. # قال قتادة: أنبأنا الله عز وجل بأنه قد مكنهم / في شيء وام يمكنا. # قال المبرد: " ما " ها هنا بمعنى " الذي " و " إن " بمعنى " ما " وقيل إن ~~" إن " PageV11P6858 # زائدة، ولا يعرف زيادة " إن " إلا في النفي، وإنما تكون زائدة في الإيجاب ~~" أن " المفتوحة. # ثم قال: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة}. # أي: خلقنا لمن تقدم من عاد سمعا يسمعون به مواعظ ربهم وأبصارا يبصرون بها ~~آيات ربهم، وأفئدة أي: قلوب يعقلون بها الحق ويميزونه من الباطل، فما أغنى ~~عنهم ذلك شيئا ولا نفعهم، إذ لم يستعملوه فيما أمروا به مما يقربهم إلى عز ~~وجل إذ كانوا يجحدون بآيات الله، أي: لم ينفعهم ما أعطوا من الجوارح ولا ~~وصلوا بها إلى ما يقربهم إلى الله إذ كانوا يكفرون بآيات الله ورسله. # ثم قال: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}. # أي: وحل عقاب استهزائهم بالرسل، وهذا كله تهديد ووعيد من الله PageV11P6859 # جل ذكره لقريش وتحذير لهم، أي: يحل بهم ما حل بعاد. وأن يبادروا بالتوبة ~~قبل النقمة. # قال: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى}. # أي: من أهل القرى، هذا مخاطبة لأهل مكة من قريش وغيرهم أعلمهم الله أنه ~~قد أهلك أهل القرى التي حولهم بكفرهم كعاد وثمود، وأنه محل بهم مثل ذلك إن ~~تمادوا على كفرهم. # ثم قال: {وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون}. # أي ووعظناهم بأنواع العظات وذكرناهم بضروب من الذكر ليرجعوا عن كفرهم، ~~فأبوا إلا الإقامة على ms2414 الكفر فأهلكناهم، ففي الكلام حذف، وهو معنى ما ذكرنا ~~من إقامتهم على الكفر وهلاكهم على ذلك. # قال: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله [قربانا آلهة}. # أي: فهلا نصر هؤلاء الكفار الذين عبدوا من دون الله] وتقربوا بعبادتهم ~~إلى الله بزعمهم، بل حل بهم الهلاك، ولا ناصر لهم من دون الله، وهذا احتجاج ~~من الله PageV11P6860 # لنبيه عليه السلام على مشركي قومه، أن الآلهة التي يعبدونها من دون الله ~~لا تنفع ولا تنقذ من عبدها من ضر، فكذلك أنتم يا قريش في عبادتكم هذه ~~الأصنام، إن أتاكم بأس الله ونقمته، لم تنقذكم آلهتكم منه كما لم تغن عمن ~~كان قبلكم. # ثم قال: {بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون}. # أي: بل تركتهم آلهتهم فأخذت غير طريقهم إذ لم يصبها ما أصابهم من العذاب ~~إذ هي حجارة وجماد فلم يصبها ما أصابهم فذلك ضلالها عنهم. # ثم قال: {وذلك إفكهم}. # أي: وهذه الآلهة التي ضلت عنهم هي كذبهم وافتراؤهم في قولهم أنها تقربنا ~~إلى الله زلفى، و " الإفك " هنا مصدر في موضع المفعول، والمعنى وهذه الآلهة ~~مأفوكهم: أي مكذوبهم لأن الإفك إنما هو فعل الإفك، " وقربانا " منصوب " ~~باتخذوا " و " آلهة " بدل منه، ويجوز أن يكون مصدرا، وأن يكون مفعولا من ~~أجله، وتنصب الآلهة باتخذوا في الوجهين. # وقرأ ابن عباس: (وذلك أفكهم)، جعله فعلا ماضيا، فتكون " ما " في قوله: ~~{وما كانوا} في موضع رفع عطف على المضمر في إفكهم، والمعنى: وذلك أرداهم PageV11P6861 # وأهلكهم هو وما كانوا يفترون؛ أي: أهلكهم ذلك هو وافتراؤهم، وفيه قبح حتى ~~يؤكده المضمر المرفوع. # ويجوز أن تكون " ما " في موضع رفع عطفا على ذلك، والتقدير: وذلك افتراؤهم ~~أهلكهم وأظلهم، " وما " في موضع رفع على قراءة الجماعة عطفا على " إفكهم " ~~وهي وما بعدما مصدر فلا تحتاج إلى عائد فإن قيل جعلتها بمعنى: " الذي " ~~قدرتها محذوفة، والتقدير وما كانوا يفترونه. # وحكى الزجاج: وذلك أفكهم بالمد: بمعنى أكذبهم. # قال: {وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن}. # أي: واذكر يا محمد إذ ms2415 صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن، وصرفه ~~إياهم هو الرجم الذي حل بهم بالشهب / من السماء عند الاستماع على عادتهم، ~~فلما PageV11P6862 # رجموا بالشهب ومنعوا مما لم يكونوا يمنعون منه قالوا: إن هذا الحادث (حدث ~~في السماء لشيء) حدث في الأرض، فذهبوا يطلبون ذلك الحادث في الأرض حتى رأوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحاب الفجر، فسمعوا ~~قراءته وذهبوا إلى أصحابهم منذرين، وهذا قول ابن جبير. # قال ابن عباس: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما ~~السلام، وكانت/ الجن تقعد من السماء مقاعد للسمع فلما بعث الله نبيه عليه ~~السلام حرصت السماء حرصا شديدا، فرجمت الشياطين فأنكروا ذلك، وقالوا لا ~~ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا. # فقال إبليس اللعين: لقد حدث في الأرض حدث فاجتمع إليه الجن، فقال: تفرقوا ~~في الأرض فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء، وكان أول بعث بعثه ~~ركبا من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وسادتهم، فبعثهم الله إلى PageV11P6863 # تهامة فاندفعوا حتى بلغوا وادي نخلة فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة فاستمعوه فلما سمعوه يتلو القرآن قالوا: ~~أنصتوا، ولم يكن النبي عليه السلام يعلم بهم، فلما قضى ولوا إلى قومهم ~~منذرين، قال ابن عباس: وكانوا سبعة من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم. # وقال (زر بن حبيش): كانوا تسعة، قال ابن عباس: لم يشعر بهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال الحسن: لما أتوا ليستمعوا أعلم الله نبيه عليه السلام بمكانهم. PageV11P6864 # وقال قتادة: بل أمر رسول صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليهم، وروى عنه أنه ~~قال لأصحابه: " أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني فأطرقوا، ثم قالها لهم ~~ثانية وثالثة فأطرقوا فاتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شعبا يقال له شعب (الحجون) ثم خط رسول الله صلى الله عليه وسلم ( على عبد ~~الله خطا). ms2416 قال عبد الله: فجعلت الجن تهوي وأرى أمثال النسور تمشي، وسمعت ~~لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا القرآن، فلما ~~رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا نبي الله ما اللغط الذي سمعت؟ ~~قال: اجتمعوا إلي في قتيل كان بينهم فقضى [فيه] بالحق ". # " وروى جابر بن عبد الله وابن عمر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~عليهم سورة الرحمن فكلما قرأ النبي: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قالت الجن: ~~لا بشيء من آلاء نعمائك PageV11P6865 # نكذب ربنا فلك الحمد " # ولما قدم ابن مسعود الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط فراعوه فقال: من ~~هؤلاء؟ قالوا: هم نفر من الأعاجم، فقال: ما رأيت للذين قرأ عليهم نبي الله ~~من الجن شبها أدنى من هؤلاء. وروى معمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم خط ~~على ابن مسعود خطا ثم قال له: لا تخرج منه، ثم ذهب إلى الجن فقرأ عليهم ~~القرآن ثم رجع إلى ابن مسعود فقال له: هل رأيت شيئا؟ قال: سمعت لغطا شديدا. ~~قال: إن الجن تدارت في قتيل بينهما فقضى فيه بالحق. PageV11P6866 # وسألوه الزاد، فقال: كل عظم لكم غداء، وكل روثة لكم خضرة، فقالوا يا رسول ~~الله يقدرها الناس علينا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجي ~~بأحدهما " وقد كثر الاختلاف في حديث ابن مسعود، وكثير من العلماء روى أنه ~~لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة أحد، وروى ذلك عن ابن مسعود ~~قال: ما شهدها منا أحد، وعنه ما شهدها أحد غيري، وكانت قراءته عليهم ~~بالحجون وقيل بنخلة، وأكثر المفسرين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرسلهم إلى قومهم لينذروهم عذاب الله، ومنهم من قال: بل مضوا من غير أمره ~~وما علم عليهم إلا بعد ذلك. # قوله: {قالوا ياقومنآ إنا سمعنا كتابا [أنزل]} إلى آخر السورة [الآيات 29 ~~- 34]. PageV11P6867 # أي: قالت الجن الذين استمعوا القرآن لقومهم إذ رجعوا إليهم يا قومنا إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من ms2417 بعد موسى مصدقا لما بين يديه، أي: مصدقا للتوراة ~~والإنجيل وغيرهما من كتب الله يهدي إلى الحق؛ أي يرشد مستمعه وقابله إلى ~~الحق وإلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه وهو الإسلام. # قال قتادة: ما أسرع ما عقل القوم، ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى. # ثم قال حكاية عن قول / الجن لقومهم {ياقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم}. # أي: أجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يدعو إليه من طاعة الله ~~وآمنوا به. {وآمنوا به} أي: وبرسوله، وهو الداعي، فالهاء في " به " تعود ~~على الداعي وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضوهم على الإيمان برسول ~~الله وطاعته ووعدهم بالمغفرة على ذلك. PageV11P6868 # فقالوا: {أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم} أي: يسترها ~~عليكم في الآخرة. # {ويجركم من عذاب أليم} أي: وينقذكم يوم القيامة من عذاب مؤلم إن أجبتموه ~~وآمنتم به. # ثم قال / عنهم: {ومن لا يجب داعي الله}. # يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، أي: قالوا لقومهم من لا يجب محمدا ولا ~~يؤمن به {فليس بمعجز في الأرض} أي: ليس بمعجز ربه بهربه في الأرض إن أراد ~~عقوبته؛ لأنه حيث كان في قبضة ربه وسلطانه. # {وليس له من دونه أوليآء} أي: ليس لمن لا يجب داعي الله من دون الله ~~أولياء ينقذونه من عذابه. # {أولئك في ضلال مبين} أي: أولئك الذين لا يجيبون داعي الله ولا يؤمنون به ~~في جور ظاهر عن قصد الحق وإصابة الصواب. # قال: {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر ~~على أن يحيي الموتى}. # أي: أولم يعلم قومك يا محمد أن الله الذي خلق السماوات والأرض وابتدعهما ~~على غير مثال، قادر على أن يحيي الموتى فيردهم أحياء كما كانوا، فخلق PageV11P6869 # السماوات والأرض وإيجادهما على غير مثال أعظم في القدرة من إعادة شيء قد ~~كان له مثال على لطافة خلقه. # {بلى إنه على كل شيء قدير} أي: بلى يقدر على ذلك، إنه على كل ms2418 شيء يريد ~~قادر، لا يمتنع عليه شيء أراده. # وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق والجحدري: يقدر على أن يحيي الموتى. # وقرأ ابن مسعود " قادر " بغير باء. # واختار بعض النحويين " يقدر " على " بقادر "؛ لأن الباء إنما تدخل في ~~النفي، وهذا إيجاب. PageV11P6870 # وروى ذلك عن أبي عمر والكسائي، والباء " إنما دخلت عند النحويين لدخول لم ~~" في أول الكلام. وقال علي بن سليمان: تدخل " الباء " في النفي، فإذا دخل ~~على النفي استفهام لم يغيره عن حاله، فتقول: " أما زيد بقائم " كما تقول: " ~~ما زيد بقائم ". # قال: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار}. # أي: واذكر يا محمد يوم يعرض الذين كفروا - وأنكروا البعث والجنة والنار - ~~على نار جهنم، فيقال: أليس هذا بالحق وقد كنتم تكذبون به في الدنيا؟ ~~فيجيبون ويقولون: بل هو الحق وربنا، فقال [لهم]: فذوقوا العذاب الآن بكفركم ~~به وجحودكم إياه في الدنيا. PageV11P6871 # قال: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}. # أي: فاصبر يا محمد # على ما تلقاه من قومك كما صبر أولوا العزم من الرسل من قبلك على ما لقوا ~~من قومهم من التكذيب والمكاره، فصبر نبيه على ما يناله من قومه من الأذى ~~والمكروه وعلمه أن ذلك قد لقيه الرسل قبله ليتأسى بهم، وأولوا العزم من ~~الرسل الذين كانوا امتحنوا مع قومهم في ذات الله في الدنيا، فلم تردهم ~~المحن عن تبليغ ما أرسلوا به وإنذار من أرسلوا إليه في الدنيا. # قال عطاء: هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولي عزم، لم يتخذ الله رسولا إلا كان ذا ~~عزم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا. # وقال قتادة: هم أربعة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى صلوات الله PageV11P6872 # عليهم. # وقال مجاهد: هم خمسة كقول عطاء (وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # ثم قال: {ولا تستعجل لهم} أي: ولا تستعجل لهم يا محمد إتيان العذاب من ~~عند ربك على كفرهم، فإنه نازل بهم لا محالة، وإن متعوا ms2419 في الدنيا فإنما هو ~~متاع قليل. # ثم قال {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار}. # وذلك أنهم ينسون مقدار لبثهم في الدنيا، وتهون عليهم مدته لهول ما يرون، ~~وشدة ما يلقون، وما يعانون من الأهوال والعذاب وهذا مثل قوله قال: {قال كم ~~لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين} ~~[المؤمنون: 113 - 114]، استقلوا لبثهم في الدنيا حتى جعلوه يوما أو أقل من ~~يوم لعظيم ما عاينوا، والعادون: الملائكة. # وقوله: {بلاغ} معناه: كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ذلك لبث بلاغ ~~لهم في الدنيا إلى آجالهم، اي: لبث بلاغهم إلى آجالهم، ثم حذف المضاف مثل / ~~{وسئل القرية} [يوسف: 82]. # وقيل المعنى: هذا القرآن، أو هذه التلاوة والإنذار بلاغ لهم، (أي: كفاية ~~لهم) PageV11P6873 # أن تكفروا واعتبروا وتذكروا. وقيل بلاغ: معناه: قليل، تقول العرب: ما معه ~~من الزاد إلا بلاغ؛ أي: قليل، وقيل المعنى: هذا الذي وعظوا به بلاغ. # وقرأ عيسى بن عمر: " بلاغا " بالنصب، جعله نعتا لساعة وقيل نصبه على ~~المصدر. # وقرأ أبو مجلز " بلغ " على الأمر. # ثم قال: {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} أي: فهل يهلك الله بعذابه إلا ~~القوم الذين خرجوا عن طاعة الله، وخالفوا أمره وكفروا به. # وقيل المعنى: فهل يهلك مع تفضل الله ورحمته إلا القوم الفاسقون. # وحكى أبو حاتم عن بعضهم - واستبعده - أن الوقف ولا تستعجل ثم يبتدئ {لهم ~~كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} أي: لهم بلاغ، ~~وفيه بعد؛ لأن PageV11P6874 # الخبر قد بعد من الابتداء واعترض بينهما شيء كثير ليس منه. # وقال غيره {ولا تستعجل لهم} وقف تام: وعن الحسن {من نهار} تمام الكلام، ~~وهو قول أبي حاتم أيضا، وقال يعقوب ثم تبتدئ {بلاغ} أي: " ذلك بلاغ ". ~~وكذلك قال نافع /، إلا أنه قال: وإن شئت وقفت على " بلاغ ". ومن نصب فلا ~~يقف إلا على بلاغ؛ لأن ما قبله عمل فيه فلا يفرق بينهما، ومن قرأ " بلغ " ~~وقف على " نهار " واستأنف بالأمر. ms2420 PageV11P6875 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - مدنية # قوله: # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله}. # الذين جحدوا بآيات الله ورسوله وعبدوا غيره، وصدوا من أراد أن يؤمن ~~برسوله عن الإيمان أضل أعمالهم، أي: أتلفها وأبطلها وأحبطها فلا ينتفعون ~~بها في أخراهم. وهي ما كان من صدقاتهم وصلتهم الرحم. # ونحوه من أبواب البر أحبطها الله؛ لأنها كانت على غير استقامة لم يرد بها ~~وجه الله. PageV11P6877 # قال ابن عباس [هم] أهل مكة. # قوله: {والذين آمنوا}. # يريد به الأنصار، فالآيتان عنده مخصوصتان، وغيره يقول إنهما عامتان. ~~ويجوز أن [تكونا مخصوصتين] في وقت النزول ثم هما عامتان بعد ذلك لكل من فعل ~~فعلهما. # وأصل الصد: المنع، يقال: صد في نفسه وصد غيره، وحكي أصد غيره، والمصدر في ~~نفسه الصدود، وصد غيره صدا قال الله جل ذكره {يصدون عنك صدودا} [النساء: ~~61] فهذا غير متعد والمعنى: والذين صدقوا محمدا وما جاء به وعملوا بطاعة ~~الله واتبعوا كتابه. # {كفر عنهم سيئاتهم} أي: غطاها وسترها، فلا يؤاخذهم بها في الآخرة، فشتان ~~ما بين الفريقين قوم أخذوا بسيئاتهم وأبطلت حسناتهم، وقوم غفرت سيئاتهم ~~وتقلبت حسناتهم. # وقوله: {وأصلح بالهم}. # قال ابن عباس: بالهم: أمرهم. PageV11P6878 # وقال مجاهد: شأنهم. # وقال قتادة وابن زيد: حالهم. # والبال كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا تكاد العرب تجمعه إلا في ضرورة ~~شعر فيقولون: بالات. # وقال المبرد: قد يكون للبال موضع آخر يكون فيه بمعنى القلب. # (وقال النقاش: وأصلح بالهم: نياتهم)، يقال: ما يخطر هذا على بالي؛ أي: ~~على قلبي، والمعنى عند الطبري: وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا عند أوليائه ~~في الآخرة بأن أورثهم نعيم الأبد والخلود في جناته، والآية نزلت في أهل ~~المدينة، ثم PageV11P6879 # هي عامة فيمن كان مثلهم. # قال: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل} أي: الأمر ذلك، وقيل المعنى: ~~ذلك الضلال والهدى المتقدم ذكرهما، من أجل أن الذين كفروا اتبعوا الباطل، ~~وهو الشيطان وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق الذي جاءهم من عند ربهم، وهو كتاب ~~الله ورسوله. # والتقدير عند الطبري: هذا ms2421 الذي فعلنا بهذين الفريقين من إضلال أعمال ~~الكفار وإبطالها والتكفير لسيئات الذين آمنوا، جزاء منا لكل فريق على فعله، ~~لأن الكفار اتبعوا الشيطان وأطاعوه والمؤمنون اتبعوا كتاب الله وصدقوا ~~رسوله. # قال مجاهد: الباطل هنا: الشيطان. # ثم قال: {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} أي: كما / بينت لكم أيها الناس ~~سبب تفريقي بين الفريقين، كذلك أمثل لكم الآيات وأشبه لكم الأشباه. # قال الزجاج: معناه كذلك يبين الله للناس أمثال المؤمنين وسيئات الكفار PageV11P6880 # كالبيان الذي ذكر. # ومعنى قول القائل: " ضربت له مثلا: بينت له ضربا من الأمثال "، أي: صنفا ~~منها. # قال: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}. # أي: فاضربوا رقابهم حتى يؤمنوا. والتقدير: فاضربوا الرقاب ضربا، وهذا ~~المصدر الذي يقوم مقام الفعل يجوز أن ينون وأن يقدم عليه مفعوله ولا صلة ~~له، وإنما تكون له صلى إذا كان بمعنى " إن فعل " و " إن يفعل ". # ثم قال: {حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق}. # أي: حتى إذا غلبتموهم وقهرتموهم بالقتل، وبقيت منهم بقية أسرى في أيديكم ~~لم يلحقهم قتل، فشدوهم في الوثاق كيلا يهربون. # {فإما منا بعد وإما فدآء}. # أي: فإذا أسرتموهم بعد الإثخان بالقتل، فإما أن تمنوا عليهم منا، ~~فتحرروهم بغير عوض ولا فدية، وإما أن تفادوهم، فتأخذوا منهم عوضا وتطلقوهم. PageV11P6881 # قال الزجاج: " أثخنتموهم: أكثرتم فيهم القتل، ومنه قول: {ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67]. # وقال ابن جريج: هذه الآية منسوخة، لأن أهل الأوثان لا يجوز أن يفادوا ولا ~~يمن عليهم، والناسخ لها عنده {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ~~وهي محكمة في أهل الكتاب يجوز أن يمن عليهم وأن يفادوا فكأنه ينحو إلى أنها ~~مخصوصة، فسمى التخصيص نسخا، وهو قول السدي وجماعة من الكوفيين. PageV11P6882 # وقال بعض / العلماء: هي في جميع الكفار، وهي منسوخة بقوله: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] قالوا: وإذا أسر المشرك فلا يجوز أن ~~يمن عليه ولا أن يفادى من أهل الكتاب كان أو من أهل الأوثان. قالوا: فإن ~~أسر المسلمون المرأة جاز أن يفادى بها؛ لأنه ms2422 لا تقتل، وكذلك الصبيان ومن ~~تؤخذ منه الجزية فإنه لا يقتل لأنه في عهد. # قال قتادة: هي منسوخة نسخها {فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57]. # وقال مجاهد نسختها {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}. # وقال الضحاك: الآية ناسخة لقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقال: ~~لا يقتل المشرك إذا أسر ولكن يمن عليه أو يفادى. كما قال جل ذكره، فالآية ~~أيضا عنده ناسخة لقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}. PageV11P6883 # وكان الحسن يكره قتل الأسير، ويختار أن يمن عليه أو يفادى. # وقال ابن جبير: الآية محكمة، [ولا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان ~~والقتل بالسيف، واستدل بآية الأنفال. # وقال ابن عباس: الآية محكمة] جعل الله للنبي والمؤمنين الخيار في ~~الأسارى، إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا استعبدوا، وإن شاءوا فادوهم، فالآيتان ~~عنده محكمتان ومعمول بهما، وهذا القول هو قول أهل المدينة والشافعي وأبو ~~عبيد. PageV11P6884 # فأما قوله: {حتى تضع الحرب أوزارها}. # فالمعنى والله أعلم: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم وافعلوا ~~بأسراهم ما بينت لكم حتى يتوب المشركون عن شركهم، فتكون الحرب ألجأتهم إلى ~~الإيمان فتسقط عنهم آثامهم. # وقال مجاهد معناه: " افعلوا هذا الذي أمرتم به (حتى يضع المحارب آلة ~~حربه) بنزول عيسى فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة الذئب ولا ~~تقرض فأرة جرابا وتذهب العداوة من الأشياء كلها، وذلك عند ظهور الإسلام على ~~الدين كله. # وقال قتادة: معناه حتى لا يكون شرك. # قال الزجاج معناه: فاقتلوهم واسروهم حتى يؤمنوا، وما دام الكفر فالجهاد ~~قائم أبدا. # وقيل المعنى: فاقتلوهم واسروهم حتى تأمنوا فيضعوا السلاح. # والحرب مؤنثة وتصغيرها حريب وكذلك قوس ودود يصغران بغير هاء وهما PageV11P6885 # ثلاثيان مؤنثان سماعا من العرب. # ثم قال: {ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم}. # أي: هذا الذي أمرتكم به أيها المؤمنون هو الحق، ولو يشاء ربكم لانتصر ~~منهم بعقوبة ينزلها بهم، وذلك عليه هين يسير، ولكن أراد أن يختبركم ويعلم ~~أهل الطاعة منكم / والمجاهدين في سبيل الله ليجازيهم على طاعتهم ويعذب ~~أعداءه بذنبهم. # ثم قال: {والذين قتلوا في سبيل الله} هذه ms2423 الآية نزلت في قتلى أحد. # وقرأ الحسن " قتلوا " بالتشديد، على معنى: قتلوا المشركين قتل بعضهم بعض. # وقرأ الجحدري " قتلوا " بالفتح، على معنى: قتلوا المشركين في الله وفي ~~سبيل الله. # {فلن يضل أعمالهم} أي: لن يجعل الله أعمالهم التي عملوها باطلا كما أبطل ~~أعمال الكفار. PageV11P6886 # وقال قتادة: " نزلت هذه الآية يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الشعب وقد فشت فيهم الجراحات والقتل وقد نادى المشركون أعلى هبل ونادى ~~المسلمون [الله] أعلى وأجل، فنادى المشركون يوم بيوم [بدر] أن الحرب سجال، ~~أن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا الله ~~مولانا ولا مولى لكم، إن القتلى مختلفون أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما ~~قتلاكم ففي النار يعذبون ". # قوله: {سيهديهم ويصلح بالهم}. # من قرأ قتلوا أو قتلوا على ما لم يسم فاعله، فالمعنى سيهديهم إلى جنته ~~ويصلح شأنهم فيها بالنعيم المقيم وغفران الذنوب ويدخلهم إياها، ويجوز أن ~~يكون المعنى: PageV11P6887 # سيهدي من بقي منهم حيا كما قال: {قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا} [آل ~~عمران: 146] اي: فما وهن من بقي منهم، ومن قرأ " قاتلوا " فالمعنى: سيوفقهم ~~في الدنيا إلى الرشد والعمل الصالح ويصلح فيها حالهم حتى يتوفاهم على ما ~~يرضاه منهم ويدخلهم الجنة في الآخرة. # {عرفها لهم} أي: زينها لهم، قال أبو سعيد الخدري: إذا نجى الله المؤمنين ~~من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص بعضهم من بعض مظالم كانت ~~بينهم في الدنيا ثم يؤذن لهم بالدخول إلى الجنة، قال: فما كان المؤمن بأدل ~~بمنزلة [في الدنيا منه بمنزلة] في الجنة حتى يدخلها. PageV11P6888 # قال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم منها لا يخطئون كأنهم ~~سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها بأحد. # قال ابن زيد: بلغنا عن غير واحد أنه يدخل أهل الجنة وهم أعرف بمنازلهم ~~فيها من منازلهم في الدنيا التي يختلفون إليها في عمر الدنيا، فذلك قوله: ~~{عرفها لهم}. # قال / سلمة بن كهيل معناه: عرفهم طرقها. # وقيل معناه: طيبها لهم، يقال طعام معرف: أي: ms2424 مطيب. # وقيل معناه: رفعها لهم، مأخوذ من عرف الدابة. PageV11P6889 # وقيل معناه: عرف المكلفين من عبادة أنها لهم. # أي: إن تنصروا دين الله أو أولياء الله أو رسول الله ينصركم على عدوكم ~~ويثبت أقدامكم، إذا لقيتم عدوكم فلا تفروا منه لكثرة عددهم وقلة عددكم. # وقيل معناه: ويثبت أقدامكم في موقف الحساب بأن يجعل الحجة لكم. # قال: {والذين كفروا فتعسا لهم} # قال تعلب: التعس: الشر، قال: وقيل هو البعد. قال: والنكس: قلب أمره ~~وفساده. # قال ابن السكيت: التعس أن يخر على وجهه، والنكس على رأسه قال: PageV11P6890 # والتعس أيضا الهلاك. # قال الزجاج التعس في اللغة: الانحطاط والعثور. # قال ابن زيد: فتعسا لهم: فشقاء لهم. ودخلت الفاء في " فتعسا لهم " " لأن ~~" " الذين " فيه إبهام أشبه به الشرط، فدخلته الفاء في خبر " هم " كما تدخل ~~في جواب الشرط، وجواب الشرط هو " أن " لخبر الابتداء في أكثر أحكامه. # وقوله: {وأضل أعمالهم}. # أي: أبطلها وأتلفها، والمعنى: أن هؤلاء القوم ممن يجب أن يقال لهم أتعسهم ~~الله، أي: أخزاهم الله، وهذا مما يدعى به على العاثر. # وقوله: {وأضل} أتى على الخبر حملا على لفظ {الذين} لأنه خبر في اللفظ PageV11P6891 # فدخلت الفاء حملا على المعنى، وأتى {وأضل} حملا على اللفظ، وهذا يسميه ~~بعض أهل المعاني الإمكان: [أي] يمكن هذا فيه (ويمكن هذا فيه). # قال: {ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله} أي: كرهوا قبول ما أنزل الله على ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن فكفروا به فأحبط الله أعمالهم؛ أي: ~~أبطلها وأتلفها أي: هذا الذي فعلنا بهم، لأنهم كرهوا / القرآن وكفروا به. # قال: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}. # أي: لو لم يسافر هؤلاء المشركون الذين يكرهون القرآن ويكذبون محمدا إلى ~~الشام وإلى غيره من البلدان، فيمرون على ديار من كان قبلهم من الأمم ~~الماضية المكذبة لأنبيائها فينظروا كيف كان عاقبة فعلهم، أن الله أهلكهم ~~ودمر عليهم. # {وللكافرين أمثالها} أي: ولمن تمادى على كفره منك أمثال هذه الفعلة التي ~~فعلنا بالأمم الماضية من الهلاك ms2425 والتدمير، وهذا وعيد وتهديد من الله جل ~~ذكره لقريش ولمن ركب طريقتهم في الكفر والتكذيب للأنبياء. PageV11P6892 # قال الزجاج: " والهاء في أمثالها " تعود على العاقبة، وهو قول الطبري، ~~قال: المعنى: وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم الذين كانوا من ~~قبلهم. # قال: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا} أي: وليهم وناصرهم وموفقهم. # {وأن الكافرين لا مولى لهم} أي: لا ولي ينقذهم من الضلال، وفي قراءة عبد ~~الله بن سعود: ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا. # قال ابن عباس: المولى الناصر وأكثر المفسرين على أن المولى هنا: الولي، ~~والمعنى واحد، وعلى هذا يتناول قول النبي صلى الله عليه وسلم " من كنت ~~مولاه فعلي مولاه أي: من كنت وليه وناصره فعلي وليه وناصره ". # وقيل معناه: من كان يتولاني وينصرني فهو يتولى [عليا] وينصره. # قال تعالى: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار}. PageV11P6893 # هذا وعد من الله جل ذكره للمؤمنين أنه سيدخلهم بساتين تجري الأنهار من ~~تحت أشجارها (ثم أخبر بالطائفة الأخرى) وهم الكفار فقال: # {والذين كفروا يتمتعون} أي: في الدنيا. # {ويأكلون كما تأكل الأنعام}. # أي يأكلون ولا يتفكرون في معاد، كما أن البهائم تأكل ولا تفكر في معاد، ~~فهما متساويان في الحال. # ثم قال: {والنار مثوى لهم} أي: مسكن ومأوى لهم في الآخرة. # قال: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم}. # أي: وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل مكة الذين أخرجوك منها أهلكوا على ~~شدة قوتهم وتمك بأسهم فلم ينصرهم ناصر من الهلاك، فما ظنك يا محمد بأهل ~~قريتك على ضعفهم وعدم الناصر لهم كيف تكون حالهم إن تمادوا على كفرهم بالله ~~وتكذيبك. PageV11P6894 # قال ابن عباس: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى ~~الغار، التفت إلى مكة فقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد ~~الله إلي، فلو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك "، (فأعتى الأعداء من ~~عدا) على الله في [حرمه] أو ms2426 قتل غير قاتله، أو قتل بدخول الجاهلية / قال: ~~فأنزل الله: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك} الآية (وأجرى الخبر ~~للقرية) والمراد أهلها. # أي: أفمن كان على برهان وحجة وعلم ويقين من أمور ربه فهو يعبده على بصيرة ~~كمن حسن له الشيطان قبيح عمله فرآه حسنا، [فتمادى] عليه، وهي PageV11P6895 # عبادتهم الأوثان التي زين لهم الشيطان عبادتها، فتمادوا على ذلك. # {واتبعوا أهواءهم}. # أي: ما دعتهم إليه أنفسهم، وما سول لهم الشيطان بغير حجة ولا برهان ولا ~~علم ولا يقين. # قال قتادة: أفمن كان على بينة من ربه وهو محمد صلى الله عليه وسلم كمن ~~زين له سوء عمله: المشركون. # قال: {مثل الجنة التي وعد المتقون} [أي: صفة الجنة التي وعدها الله] من ~~أتقى معاصيه وعمل بطاعته. # {فيهآ أنهار من مآء غير آسن} أي: غير متغير الريح ولا عكر، وفيها: # {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه}. # أي: لم يمحض لطول مقامه، ولا راب ولا غيرته الأيدي بالحلب من PageV11P6896 # الضروع، بل هو كوثر. # وفيها: {وأنهار من خمر لذة للشاربين}. # لا تحيل عقولهم، ولا تلحقهم منه كراهة، ولا صداع، كما تفعل خمر الدنيا ~~التي تحيل العقول وتكره شاربها ويعبس بعد شرابها، ويعرض له / منها الصداع ~~والقيء. # وفيها: {وأنهار من عسل مصفى}. # أي: لا غير فيه ولا ندى فيه، ولا شيء يخالطه، كما يكون في عسل الدنيا. # ثم قال: {ولهم فيها من كل الثمرات}. # أي: من كل ما اشتهت أنفسهم من الثمرات، قال كعب: أربعة أنهار من الجنة ~~وضعها الله في الدنيا. فالنيل: نهر العسل في الجنة، والفرات: نهر الخمر في ~~الجنة، وسيحان: نهر الماء في الجنة، وجيحان: نهر اللبن في الجنة. # وقال كعب أيضا: النيل في الآخرة عسل أغور ما يكون من الأنهار التي PageV11P6897 # سماها الله عز وجل، ودجلة في الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي ~~سمى الله عز وجل، والفرات في الآخرة خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى ~~الله عز وجل، وسيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار ms2427 التي سمى الله عز وجل. # ثم قال: {ومغفرة من ربهم} أي: لهم مغفرة؛ أي: ستر على ذنوبهم، وعفو من ~~الله عليها فلا يجازيهم بها، والتقدير عند سيبويه: وفيها يتلى عليكم مثل ~~الجنة، وفيها يقص عليكم مثل الجنة. # وقال يونس (و) النضر بن شميل والفراء: " مثل " بمعنى صفة ومثله PageV11P6898 # وقد تقدم ذكره: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد} [إبراهيم: 18] ~~وهذه الآية هي تفسير لقوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار} [الحج: 14] من أي شيء هي، فذكر أنها من ماء ~~ومن لبن ومن عسل ومن خمر. # ويروى أن الماء الذي هو غير آسن هو من تسنيم لا تمسه يد [مجيء] حتى يدخل ~~في فيه. # ثم قال: {كمن هو خالد في النار}. # أي: ماكث أبدا في جهنم، أي: هل يستوي من هو في هذه الجنات والأنهار التي ~~تقدم وصفها مع من هو ماكث في نار جهنم. # ثم قال: {وسقوا مآء حميما} أي: وسقي هؤلاء الذين في النار ماء قد أنتهى ~~حره. # {فقطع أمعآءهم}. # روى عن النبي صلى الله أنه قال في قوله: " {ويسقى من مآء صديد} قال: " ~~يقرب إليه فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فاذا فإذا ~~شربه قطع PageV11P6899 # أمعاءه حتى يخرج من دبره " ". # قوله: {ومنهم من يستمع إليك}. # أي: ومن هؤلاء الكفار يا محمد من يستمع إلى قراءتك وهم المنافقون. # {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا}. # أي: فإذا خرج هؤلاء المنافقون المستمعون إليك، لم يعوا شيئا ولا حفظوا ~~مما قلت شيئا، لأنهم حضروا لغير الله، واستمعوا بغير نية، فإذا خرجوا بغير ~~علم ولا فهم، قالوا: لأصحابك المؤمنين ما قال محمد آنفا. أي: منذ ساعة. # قال قتادة: هم المنافقون، دخل رجلان: رجل ممن عقل عن الله، فانتفع بما ~~سمع، ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع. # وكان يقال: الناس ثلاثة: سامع فعاقل، وسامع فغافل، وسامع فتارك، PageV11P6900 # وكان ابن عباس يقول: {قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ms2428 آنفا} أنا منهم، ~~وقد سئلت (فيمن سئل). # قال ابن زيد: " هم الصحابة ". # قال عبد الله بن بريدة: قالوا ذلك لابن مسعود. وقيل إنهم سمعوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب ثم خرجوا فقالوا للمسلمين استهزاء: ماذا قال آنفا، / ~~أي: إنا لم نلتفت إلى ما قال. # ثم قال: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم}. # أي: أولئك الذين هذه صفتهم هم الذين ختم الله على قلوبهم فهم لا يهتدون ~~للحق، فرفضوا أمر الله واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم بغير برهان ولا حجة، ~~فهذه في المنافقين. # وقال: {كمن زين له سواء عمله واتبعوا أهواءهم}. PageV11P6901 # هذه في أهل الشرك، فكلا الفريقين اتبعوا أهواءهم. # قال: {والذين اهتدوا زادهم هدى}. # أي: والذين وفقهم الله لاتباع الحق من المستمعين زادهم الله بما سمعوا ~~منك هذى. ففي {زادهم} ضمير يعود على (الله وقيل هو يعود على) قول النبي، ~~أي: زادهم قول النبي هدى. # وقيل: هو عائد على فعل المشركين، وقولهم: {ماذا قال آنفا} أي: زادهم الله ~~بضلال المنافقين واستهزائهم هدى. # وقوله: {وآتاهم تقواهم} /. # أي: (وأعطى الله هؤلاء المتقين) تقواهم بأن استعملهم بطاعته، وقيل معناه: ~~وألهمهم عمل أهل النعم. # وقيل المعنى: وأعطاهم ثواب تقواهم. PageV11P6902 # وقيل: إن المؤمنين آمنوا بالقرآن لما نزل، فلما نزل الناسخ [والمنسوخ] ~~زادهم ذلك هدى. # قال: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة}. # أي: فهل ينظر هؤلاء المنافقون إلا إتيان الساعة وقيامها عليهم بغتة. " ~~فأن " في موضع نصب بدلا من " الساعة " بدل الاشتمال. # و" بغتة " نصب على المصدر، أي: تبغتهم بغتة، وقيل: هي مصدر في موضع ~~الحال، وحكى أبو عبيد (أن في بعض مصاحف الكوفيين أن تأتيهم، على الشرط)، ~~والجواب: فقد جاء. # وقال أبو جعفر الرواسي قلت لأبي عمرو ما هذه " الفاء " في قوله: {فقد جآء ~~أشراطها}. PageV11P6903 # فقال: هي جواب للجزاء، قال: فقلت له: إنها أن تأتيهم، فقال: معاذ الله ~~إنما هي أن تأتهم. وهذه القراءة تفسر المعنى لو صحت؛ لأنه يصير المعنى: ~~إنها تأتيهم بغتة، ويجوز: أن تأتيهم غير بغتة؛ لأنه بمعنى الشرط ms2429 والجزاء، ~~وقد قال الله {لا تأتيكم إلا بغتة} [الأعراف: 187] والأمر المحدود الذي لا ~~بد منه ولا يكون غيره، لا يدخله الشرط، لأن الشرط، لأن الشرط إنما يدخل في ~~الموضع الذي يجوز أن يكون، ويجوز ألا يكون، ويحسن أن يقع، ويحسن ألا يقع، ~~فليس هذا موضعا للشرط البتة، وجاء قوله: {ينظرون} بمعنى " ينتظرون " وهم لا ~~يؤمنون بالساعة فكيف ينتظرونها، وإنما ذلك بمعنى الوعيد والتهديد، كما تقول ~~لمن أصر على الذنوب والكفر: هل تنتظر إلا العذاب، وكما تقول لعبدك يصر على ~~مخالفتك: هل تنتظر إلا العقوبة، فالمعنى: هل ينتظرون في الحقيقة عندنا وعند ~~المؤمنين إلا أن تأتيهم الساعة بغتة. # وقوله: {فقد جآء أشراطها} أي: فقد جاء هؤلاء الكفار علاماتها ومقدماتها PageV11P6904 # وآياتها. # قال الحسن: موت النبي عليه السلام من علاماتها، وقال غيره: بعث النبي من ~~علاماتها، لأنه نبي بعث لا نبي بعده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " بعثت ~~أنا والساعة كفرسي رهان " (وقال أيضا): " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار ~~بالسبابة والوسطى. # ثم قال: {فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم} أي: فمن أي وجه لهؤلاء الكفار تقع ~~الذكرى إذ جاءتهم الساعة بغتة، أي: ليس ينفعهم ذلك الوقت تذكر ولا ندم، إذ ~~ليس هو وقت عمل ولا استعتاب ولا تأخر، فالتقدير: من أين لهم منفعة التذكر ~~والازدجار عن الكفر إذا جاءت الساعة وانقطعت التوبة. PageV11P6905 # قال: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} أي: ~~فاعلم يا محمد أنه لا معبود تصلح له العبادة إلا الله، واسئل ربك الستر على ~~ذنبك وعلى ذنوب المؤمنين والمؤمنات. # ثم قال: {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} [أي]: يعلم أعمالكم في تصرفكم وفي ~~سكونكم لا يخفى عليه شيء. # وقيل المعنى: يعلم متصرفكم ومثواكم في الدنيا والآخرة، ومخاطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم هنا هي مخاطبة لأمته، والفاء في قوله: " فاعلم " جواب ~~المجازات، والتقدير: قد بينا أن الله واحد، فاعلم. # قال: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة}. # أي: ويقول الذين صدقوا الله ورسوله هل نزلت سورة من الله تأمرنا بجهاد ~~أعداء ms2430 الله من الكفار، فإذا أنزل الله سورة محكمة بالفرائض تأمرهم بالجهاد ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض، يعني المنافقين ينظرون إليك [يا محمد نظر المغشي ~~عليه من الموت، أي: ينظرون إليك] نظرا أمثال نظر الذي غشي عليه من حلول ~~الموت به خوفا أن تأمرهم بالجهاد مع المسلمين، وجبنا من لقاء العدو. PageV11P6906 # قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على ~~المنافقين، والمرض هنا: الشك والنفاق. # وقوله تعالى: {فأولى لهم} هو وعيد لهم. # ثم ابتدأ فقال: {طاعة وقول معروف}. # أي: طاعة وقول معروف أولى بهم، وأمثل لهم، / وأجمل بهم، وفيه معنى الأمر ~~من الله لهم بذلك، فالوقف على هذا: {فأولى لهم} وأولى، عند بعض أهل ~~المعاني: " أفعل " التي للتفضيل كما تقول: هذا أخزى لك وأقبح لوجهك، وهو ~~عنده مشتق من الويل وفيه قلب، قلبت اللام في موضع العين لئلا يقع إدغام، ~~ومعنى {فأولى لهم} أي: وليهم المكروه / بمعنى أولى لهم المكروه. والعرب ~~تقول لكل من قارب الهلكة ثم أفلت: " أولى لك " أي: كدت تهلك. # وعن ابن عباس: قوله تعالى: {لهم * طاعة وقول معروف}، من قول المؤمنين، ~~أي: لهم طاعة وقول معروف قبل الأمر بالقتال، فإذا أمروا نظروا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم نظر الذي PageV11P6907 # غشي عليه من خوف الموت فيكون الوقف على هذا " فأولى " ثم يبتدئ: {لهم * ~~طاعة} أي: يقول المؤمنون للمنافقين لهم طاعة وقول معرف: قبل نزول السورة ~~بالأمر بالجهاد. فإذا نزلت بذلك نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظر من ~~غشي عليه من الموت. # وقيل: هو خبر من الله جل ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم قبل أن تنزل ~~السورة يقولون: سمعا وطاعة، فإذا نزلت السورة بذلك كرهوه فقال لهم الله ~~طاعة وقول معروف قبل وجوب الفرائض عليكم، فإذا أنزلت الفرائض شق ذلك عليكم، ~~وكرهتموه، فالكلام متصل على هذا القول لا يوقف على ما قبل طاعة، والوقف على ~~القول الأول: فأولى لهم " وعليه أكثر العلماء وقد ذكرته. # وقوله: {فإذا عزم الأمر}. # أي: فإذا وجب القتال ms2431 وفرض كرهتموه، فالجواب محذوف لعلم السامع. # وقيل المعنى: فإذا [جد] الأمر، قاله مجاهد، وعنه: فإذا جاء الأمر ~~بالقتال. PageV11P6908 # وقيل المعنى: فإذا عزم أصحاب الأمر، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. # ثم قال: {فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم} أي: فلو صدق هؤلاء المنافقون ~~الله وتركوا التعلل والهرب لكان صدقهم الله خيرا لهم. # قال: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض}. # هذه مخاطبة للمنافقين الكارهين للجهاد. أي: فهل عسيتم أيها القوم لعلكم ~~أن توليتم عن ما فرض الله عليكم من الجهاد أن تفسدوا في الأرض؛ أي: أن ~~تعصوا الله ورسوله، وتعودوا لما كنتم عليه من سفك الدم وقطع الرحم، والتفرق ~~بعدما جمعكم الإسلام وألف بين قلوبكم، هذا معنى قول قتادة وغيره. # وقال محمد بن كعب معناه: فهل عسيتم أن توليتم من أمور الناس شيئا أن يقتل ~~بعضكم بعضا. PageV11P6909 # وقيل المعنى: فهل عسيتم أن توليتم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكفرتم ~~بما جاءكم به أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر فتفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم، وترجعوا إلى العداوات والحروب التي كانت بين الأوس ~~والخزرج. # وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " أن تولتم " على ما لم يسم فاعله ~~أي: إن ولي عليكم غيركم. # قوله: {أولئك الذين لعنهم الله} إلى قوله (ولن يتركم أعمالكم) الآيات [24 ~~- 36]. # أي: أولئك الذين تقدم وصفهم هم الذين أبعدهم الله من رحمته وثوابه فهم ~~بمنزلة الصم إذ لا ينتفعون بما يسمعون، وهم بمنزلة العمي إذ لا ينتفعون بما ~~يرون من آيات الله وأدلته على توحيده. # ثم قال: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [25]. PageV11P6910 # أي: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون كتاب الله وما فيه من الحجج، فيعلموا خطأ ~~ما هم عليه مقيمون من النفاق بل على قلوبهم أقفال أقفلها الله عليهم، فهم ~~لا يعقلون ما يتلى عليهم. # قال خالد بن معدان: ما من آدمي إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه ~~وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله ms2432 عز وجل من الغيب ~~فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به ~~غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله له: {أم على قلوب أقفالهآ}. PageV11P6911 # وروى هشام بن عروة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا يوما: {أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ} فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها ~~أقفالها حتى يكون الله يفتحها ويفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي ~~فاستعان به. # قال: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول ~~لهم} أي: إن الذين رجعوا القهقرى كفارا بالله من بعدما ظهر لهم الحق فآثروا ~~الضلالة على الهدى، الشيطان سول لهم ذلك وزينه لهم حتى ركبوه، / وأملى لهم ~~في أعمارهم وأطال لهم ليبلغوا الأجل الذي حد لهم أن يبلغوه. # وقيل معناه: أنه تعالى لم يعاجلهم بالعقوبة وأملى لهم / فتركهم على كفرهم PageV11P6912 # ونفاقهم إلى إتيان آجالهم، ولا يكون الضمير في " أملى " يعود على الشيطان ~~البتة في جميع القراءات، لأنه لا يقدر على أن يمد في عمر أحد ولا ينقص منه، ~~ولم يسلطه الله على شيء من ذلك، ولذلك قرأ أبو عمرو " وأملي " على الإخبار ~~عن الله خوفا أن يتوهم متوهم أن الضمير للشيطان. # وقد أجاز الحسن أن يكون الضمير في " أملي " يعود على الشيطان على معنى ~~أنه مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر. # قال قتادة: هم أعداء الله أهل الكتاب يعرفون نعت النبي عليه السلام ~~وأصحابه عندهم في كتبهم ثم يكفرون به. # وقال ابن عباس: عني بذلك أهل النفاق، وقاله الضحاك. PageV11P6913 # والوقف الحسن المختار: {سول لهم} لأن الضميرين. في {سول لهم} {وأملى لهم} ~~مختلفان. الأول للشيطان والثاني لله، فتفرق بينهما بالوقف، وهو قبول ~~الكسائي والفراء وأبي حاتم. # قال: {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر}. # أي: ذلك الإضلال من الله لهم بأنهم قالوا لليهود سنطيعكم في التظافر ~~والمعونة على عداوة محمد. # قال قتادة وغيره: المنافقون ظاهروا اليهود على عداوة ms2433 النبي صلى الله عليه ~~وسلم فاليهود هم الذين كرهوا ما نزل الله لأنهم حسدوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم إذ بعث الله نبيا من غير ولد يعقوب، وقد أعلمهم الله في التوراة أنه ~~يبعث نبيا من ولد أبيهم - يعني إبراهيم - فتأولوا أن الأب يعقوب فكفروا على ~~تأويل منهم وحسد وبغي، وكرهوا نزول القرآن بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فالمنافقون هم القائلون لليهود: {سنطيعكم في بعض الأمر} أي: في النصر على ~~محمد. # ثم قال: {والله يعلم إسرارهم} أي: يعلم ما يسر الفريقان من عداوة ~~المؤمنين لا PageV11P6914 # يخفى عليه شيء، ومعنى {كرهوا ما نزل الله} أي: كرهوا الفرائض التي أنزلها ~~الله في كتابه: يعني: اليهود عليهم اللعنة. # أي: كيف تكون حالهم في الوقت الذي تتوفاهم فيه الملائكة في حال ضربهم ~~وجوه المنافقين وأشباههم. # قال الطبري: المعنى: الله يعلم أسرار هؤلاء المنافقين فكيف لا يعلم حالهم ~~إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، فحالهم أيضا لا يخفى عليه ~~في ذلك الوقت. # قال: {ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله} أي: ذلك جزاؤهم لأنهم اتبعوا الأمر ~~الذي أسخط الله وهو كفرهم بما أنزل الله. # {وكرهوا رضوانه} أي: كرهوا اتباع كتابه، ورسوله والدخول في شريعته. # {فأحبط أعمالهم} أي: أبطلها بكفرهم فلا ثواب لهم فيها. # قال: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض} أي: شرك ونفاق. # {أن لن يخرج الله أضغانهم} أي: أحسبوا أن الله لا يخرج ويظهر ما يسرون من PageV11P6915 # النفاق والكبر والعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ( وموالاتهم اليهود على ~~النبي صلى الله عليه وسلم) وأصحابه. والأضغان: العداوة. # قال المبرد: الضغن ما يضمر من المكروه. # قال: {ولو نشآء لأريناكهم} أي: ولو نشاء يا محمد لعرفناك بهؤلاء ~~المنافقين وأطلعناك على نفاقهم بأعيانهم. # ثم قال: {فلعرفتهم بسيماهم} أي: بعلامات النفاق الظاهرة فيهم. # {ولتعرفنهم في لحن القول} أي: في فحوى قولهم، وظاهر ألفاظهم وأفعالهم. # قال ابن عباس: هم أهل النفاق وقد عرفه الله إياهم في سورة براءة فقال: ~~{ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} [التوبة: 84]. # وقال: {فقل ms2434 لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83]. ~~فلولا أنه قد عرفه إياهم ما PageV11P6916 # خصهم بهذا المنع. # وكذلك قال الضحاك. # وقال ابن عباس: فما رآى النبي صلى الله عليه وسلم منافقا فخاطبه إلا ~~عرفه. # ثم قال: {والله يعلم أعمالكم} هذا مخاطبة لأهل الإيمان. أي: يعلم أيها ~~الناس أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم [عليها]. # هذا مخاطبة للمؤمنين لنختبركم أيها المؤمنون بالفرائض والجهاد حتى نعلم ~~المجاهدين منكم أعدائي والصابرين على أداء فرائضي فنعرف الصدق منكم من ~~الكاذب / فنجازي كلا بعمله. # ثم قال: {ونبلوا أخباركم}. # ونختبر أعمالكم فيما تعبدتم به، ومعنى: حتى نعلم، وهو قد علم ذلك قبل خلق ~~جميع الخلق أنه أراد به العلم الذي يقع عليه الجزاء، فالمعنى حتى نعلم ذلك PageV11P6917 # منكم علم مشاهدة يقع عليها الجزاء، وقد علم تعالى ما يكون من عبادة من ~~الطاعة والمعصية قبل خلق الخلق. # قال: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا الرسول من بعد ما تبين ~~لهم الهدى}. # أي: إن الذين جحدوا توحيد الله وصدوا الناس عن الإيمان بالله وبرسوله ~~وكتابه، وخالفوا أمر الرسول من بعد ما تبين لهم أنه نبي مرسل من عند الله، ~~لن يضروا الله شيئا بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، بل ضروا أنفسهم، لأن الله ~~بالغ أمره وناصر دينه ورسوله. # {وسيحبط أعمالهم} أي: أبطلها ويتلفها فلا ينتفعون بها في الدنيا ولا في ~~الآخرة. # أي: أطيعوهما فيما أمراكم به، ولا تخالفوهما فتبطلوا أعمالكم. # أي: إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن الإيمان بالله ورسوله، ثم ~~ماتوا على هذا المذهب من كفرهم فلن يستر الله ذنوبهم في الآخرة، بل يعاقبهم PageV11P6918 # عليها، فأعلمنا الله أنه لا يغفر لمن مات على الكفر. # ودلت هذه الآية أنه من مات على خلاف هذه الحال أنه جائز أن يستر الله على ~~ذنوبه فيغفر له ويدخله جنته؛ لأنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، يفعل ما ~~يشاء، وقد قال في موضع آخر {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 50]، فهذا ~~مخصوص معناه إلا الشرك لقوله تعالى: ms2435 {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشآء} [النساء: 48]، فالعمدة التي بها يرتجى الفوز والنجاة من ~~النار، الإيمان بالله وبرسوله وبكتبه واتباع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~ولقاء الله جل ذكره على ذلك غير مبدل ولا مغير أماتنا الله على ذلك وحشرنا ~~عليه. # قال: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} أي: ولا ~~تضعفوا أيها المؤمنون عن قتال عدوكم، وتدعوهم إلى الصلح والمسألة، وأنتم ~~الغالبون لهم الظاهرون عليهم، والله معكم بالنصر والمعونة عليهم. # وقيل: معنى {وأنتم الأعلون} وأنتم أولى بالله منهم. # وقال ابن زيد: هذا منسوخ نسخة الأمر بالجهاد والغلظة عليهم. PageV11P6919 # وقوله: {ولن يتركم أعمالكم}. # معناه: ولن يظلمكم الله، فينقصكم أجور أعمالكم، يقال وترت الرجل: إذا ~~قتلت له قتيلا، أو أخذت له مالا غصبا. # قال الفراء: هو مشتق من الوتر: وهو الذحل. # وقيل: هو مشتق من الوتر وهو الفرد، فيكون المعنى ولن يفردكم بغير ثواب ~~أعمالكم، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسل: " من فاتته صلاة العصر فكأنما ~~وتر أهله وماله " أي أفرد منهما، وقيل معناه: كأنما نقص أهله وماله. PageV11P6920 # قوله: {إنما الحياوة الدنيا لعب ولهو}. # أي: ابذلوا أيها المؤمنون أنفسكم وأموالكم في جهاد عدوكم ورضى ربكم، ~~فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو، إلا ما كان منها من عمل صالح. # ثم قال: {وإن تؤمنوا وتتقوا} أي: تؤمنوا بربكم، وتتقوا مخالفة أمره يؤتكم ~~أجوركم، وقد عرفهم أن أجورهم الجنة، والنجاة من النار. # ثم قال: {ولا يسألكم أموالكم} أي: لا يطلب منك ربكم أموالكم، إنما يطلب ~~منكم الإيمان به وجهاد عدوه. # وقيل معناه: ولا يأمركم أن تنفقوا أموالكم كلها في سبيل الله ومواساة ~~الفقراء. # قال: {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} [أي: إن يطلب منكم ربكم نفقة أموالكم ~~كلها في جهاد عدوه فيلح عليكم في ذلك تبخلوا] بها وتمنعوه منها ويخرج منكم ~~ما خفي. # وقيل المعنى: ويخرج البخل أضغانكم، أي: ما تضمرونه من امتناع النفقة خوف ~~الفقر يفضحكم. PageV11P6921 # قال قتادة: قد علم الله أن في مساءلة المال ms2436 خروج الأضغان. # قال الضحاك: تخسر قلوبكم إذا سألتم أموالكم. # قال: {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله} أي: أنتم أيها المؤمنون ~~تدعون/ أي لتنفقوا في سبيل الله /، فمنكم من يبخل بإخراج النفقة في سبيل ~~الله، ومن يبخل بالنفقة في سبيل الله فإنما يبخل عن نفسه، لأنه يمنعها ~~الآجر العظيم والثواب الجزيل فبخله عليها راجع. # ثم قال: {والله الغني وأنتم الفقرآء} أي: لا حاجة به إلى أموالكم لأنه ~~غني عنها وإنما يختبركم ليعلم الطائع من العاصي، ليجازي كلا بعمله، وأنتم ~~أيها الخلق الفقراء إلى الله. # ثم قال: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} أي: وإن تعرضوا أيها الناس عن ما ~~جاءكم به محمد فترتدوا، يستبدل قوما غيركم أي: يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين ~~بدلا منكم يعملون ما يؤمرون به. # {ثم لا يكونوا أمثالكم} أي: لا يبخلوا بأموالهم عن النفقة في سبيل الله ~~ولا يضيعوا شيئا من حدود [الله]. PageV11P6922 # " وروي أنه لما نزلت هذه الآية كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله من هؤلاء القوم، إن تولينا يستبدلوا بنا؟ ~~فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان فقال، هذا وقومه، والذي ~~نفسي بيده لو أن الدين معلق بالثريا لنالته رجال من أهل فارس ". # وقيل: هم أهل اليمن. # وقيل: هم الملائكة، وهو بعيد لأنه لا يقال للملائكة قوم. PageV11P6923 # وقيل المعنى إن تولى أهل مكة عن الإيمان والجهاد استبدل الله بهم أهل ~~المدينة. PageV11P6924 ### | سورة الفتح # قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1)}. # المعنى: إنا حكمنا لك يا محمد حكما ظاهرا لمن سمعه أو بلغه أنك الغالب ~~الظافر. PageV11P6925 # وقال قتادة معناه: إنا قضينا لك يا محمد قضاء بينا. # روى عطاء والضحاك عن ابن عباس ان الله جل ذكره لما أنزل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول: {ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم} [الأحقاف: 8]. فلما ~~قالها شمت المشركون وكتبوا إلى اليهود بذلك، وقالوا كيف نتبع من لا يدري ما ~~يفعل به ولا بمن اتبعه، فاشتد ms2437 ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل ~~الله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا}. . . الآية. فأخبره بما يكون من أمره وما ~~كان، وبعاقبة المؤمنين به. والفتح: يراد به ما فتح عليه من الغنائم وأخذ ~~القرى بالحرب وغير الحرب فقوله: {إنا فتحنا لك} منة من الله على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، فجعل المنة سبيلا للمغفرة؛ لأن كل ما يفعله العبد من خير، ~~فالله الموفق له، ثم الله يتفضل بالمجازاة على ذلك الفعل، وهو وفق إليه، ~~وأعان عليه، فكل من عنده لا إله إلا هو، فالحسنة من العبد منة من الله عليه ~~إذ وفقه لها، ثم يجازيه على ذلك تفضلا بعد تفضل ومنة بعد منة، وقد قيل: إن ~~التقدير: إنا فتحنا لك فتحا مبينا تستغفر عنده ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر. فيكون الغفران من الله جزاء للإستغفار منه عند إتيان الفتح، ~~أعلمه تعالى أنه إذا جاء الفتح واستغفر غفر له (ودليل PageV11P6926 # هذا القول قوله: {إذا جآء نصر الله والفتح. . . فسبح بحمد ربك واستغفره} ~~[النصر: 1 - 3]. فأمره بالاستغفار عند الفتح. # والفتح في اللغة: الظفر بالمكان بالقرية أو المدينة، بحرب أو بغير حرب، ~~عنوة أو صلحا. # قال أنس: " نزلت، {إنا فتحنا لك} بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد نزلت علي آية أحب إلي من ~~جميع الدنيا لو كانت باقية لي غير فانية، لأن الدنيا لا قدر لها فيقدر بها ~~الأمر العظيم الجليل ثم تلا: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآية. # فقال رجل من المسلمين: هنيئا مريئا هذا لك يا رسول الله فماذا لنا؟ فأنزل ~~الله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} الآية ". PageV11P6927 # وهذه الآية نزلت في فتح الحديبية، والحديبية بير، وكان في فتحها آية من ~~الله، وذلك/ أن النبي صلى الله عليه وسلم ورد هذه البير وقد نزف ماؤها، ~~فتمضمض صلى الله عليه وسلم وتفل فيها، فأقبل الماء حتى شرب كل من كان معه، ~~ولم يكن بينه ms2438 وبين المشركين حرب الاتراع، ثم فتح له. # وقيل معناه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا باجتناب الكبائر ليغفر لك الصغائر. # وقيل معناه: إنا فتحنا لك بالهداية إلى الإسلام، ولام {ليغفر لك الله}: ~~لام قسم عند أبي حاتم والمعنى: " ليغفرن لك الله ". # وقال ابن كيسان وغيره: هي لام كي، فالمعنى: وقع الفتح لك يا محمد لتقع لك ~~المغفرة. # قال مجاهد: ما تقدم من ذنبك قبل النبوة، وما تأخر بعد النبوة. PageV11P6928 # قال الشعبي: " وما تأخر ": يعني إلى أن يموت، وقد غلط قوم فظنوا أن الفتح ~~هنا فتح مكة، والصحيح أنه فتح الحديبية كذلك قال ابن عباس والبراء بن عازب ~~وأنس بن مالك. # قال الطبري الفتح هنا: الهدنة التي جرت بين النبي عليه السلام وبين مشركي ~~قريش بالحديبية ونزلت هذه السورة في منصرف النبي عليه السلام عن الحديبية ~~[بعد الهدنة التي جرت بينه وبين قومه. # قال أنس: " لما رجعنا ن غزوة الحديبية] وقد حيل بيننا وبين منسكنا قال: / ~~فنحن بين الحزن والكآبة قال فأنزل الله جل ذكره عليه: {إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا} إلى PageV11P6929 # {مستقيما} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد أنزلت [علي] آية أحب إلي ~~من الدنيا جميعا. # وغزوة الحديبية هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا في ذي ~~القعدة من سنة ست من الهجرة، والحديبية بئر. # وفي الحديبية كانت بيعة الرضوان، فأهلوا بذي الحليفة وأهدي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم البدن هو وظائفة من أصحابه وليس معهم من السلاح إلا السيوف ~~فصدهم المشركون عن البيت فمضى لقتالهم، فبركت به ناقته فقال الناس خلأت، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل عن ~~مكة، فتخلف عن ذلك، وأراد أن يبعث بالهدي الذي كان معهم، فمنعوه، PageV11P6930 # وجرت بينه وبين قريش مراسلات وقصة فيها طول، ثم أرسل PageV11P6931 # النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش فكلمهم ~~بما أمره به رسول الله عليه السلام فأرسلت معه قريش سهيل بن عمرو ليصالح ms2439 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بمكة ناس كثير من المسلمين فدعوا عثمان ~~ليطوف بالبيت، فقال: ما كنت لأطوف بالبيت حتى يطوف به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - فصالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشا وكتب بينهم وبينه كتاب ~~على أن يرجع النبي وأصحابه من مكانهم، فإذا كان العام القابل يأتي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعثمان ويخلى بينه وبين الكعبة ثلاثة أيام لا يرد عنها، ~~وعلى ألا يدخلها هو ولا أحد من أصحابه إلا بالسلاح، وكتبوا مع ذلك شروطا ~~كثيرة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب إلى قريش مع عثمان، وبقي ~~سهيل بن عمرو عند النبي عليه السلام، فوقع بين أصحاب النبي PageV11P6932 # صلى الله عليه وسلم والمشركين بعض قتال ورمى بعضهم بعضا بالنبل والحجارة، ~~فحبس المشركون عثمان، وحبس المسلمون سهيلا فعند ذلك دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المسلمين إلى البيعة،، وأراد قتالهم فبايعه المسلمون تحت الشجرة ~~على الموت، وهي بيعة الرضوان، إذ كانت بالحديبية، وهي بير، بايعوه وهم ألف ~~وست مائة تحت شجرة، وقيل: كانوا ألفا وأربعة مائة بايعوه على الموت، وقيل: ~~بايعوه على ألا يفروا. قال جابر: فبايعناه على ألا نفر وكانت الشجرة سرة ~~وكان المسلمون ألفا وستة مائة فيهم مائة فارس، فلما راى المشركون ذلك خافوا ~~وبعثوا بمن كان عندهم من المسلمين وطلبوا الصلح فتركهم رسول الله والمسلمون ~~على كآبة والمشركون خائفون. # وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا بدنهم فتوقفوا حتى ~~نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فنحروا / هديهم وحلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحلقت طائفة من أصحابه، وقصرت طائفة فعند ذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم اغفر للمحلقين [قالوا]: والمقصرين يا رسول الله ~~[فأعادها] ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة PageV11P6933 # وللمقصرين " # ، وعند ذلك أنزل الله على رسوله عليه السلام: {وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} في آيات فيها ذكر صد ~~المشركين الهدي، ms2440 وأخبر تعالى لأي شيء كف أيدي المؤمنين عن المشركين فقال: ~~{ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم}. # يعني: ولولا أن تقتلوا من كان بمكة من المؤمنين لأطلق أيديكم أيها ~~المؤمنون على من بمكة من الكفار، ولكن منعتم من ذلك لئلا تأثموا وأنتم لا ~~تعلمون. وذكر حمية المكفار وذكر تصديق رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لتدخلوا المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، وذلك في العام المقبل على ما ~~قاضاهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فأما قوله: {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} [الفتح: 27]. PageV11P6934 # فقيل هو دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل مكة آمنا ~~وأصحابه معه للعمرة. # وقيل هو فتح خيبر. وفي فتح خيبر نزلت: {وأثابهم فتحا قريبا}، ولا اختلاف ~~في ذلك،. # وكان فتح خيبر عند مالك على رأس ست سنين من الهجرة بعد منصرفهم من ~~الحديبية، وهو الفتح الذي أثاب الله فيه أهل بيعة الرضوان، فلم يغز خيبر ~~غيرهم. # وقال غير مالك: فتحت خيبر في أول سنة سبع من الهجرة وكانت مدة / الصلح ~~الذي صالحهم عليه النبي عليه السلام: سنتين يأمن بعضهم بعضا. ولما صالحهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، على ذلك قال رجل من المسلمين: فمن أتاهم منا يا ~~رسول الله فهم أحق به. # قال: نعم، وأبعده الله وأسحقه ومن أتانا منهم لم نقبله، قال: نعم، فإنه ~~من أراد فراقهم وخلاف دينهم جعل الله له فرجا ومخرجا، وخرجت أم كلثوم ~~مهاجرة إلى PageV11P6935 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي عاتق لم تتزوج، فقبل النبي عليه السلام ~~هجرتها ولم يردها إلى المشركين. # وأقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد مقيدا قد أسلم، وكان والده ~~سهيل والمشركون قد قيدوه وحبسوه؛ لأنه أسلم، واجتنب الطريق وأخذ الجبال حتى ~~هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ففرح به المسلمون وتلقوه ~~وآووه فناشدهم والده سهيل إلا ردوا عليه ابنه، فرده عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms2441 وقال: إن يعلم الله من نفسه الصدق ينجه، فرجع سهيل يضرب وجه أبي ~~جندل ولده بعصا شوك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هبه لي أو أجره ~~من العذاب، فقال: " والله لا أفعل فأجاره مكرز ابن حفص وأخذ بيده وأدخله ~~فسطاطه وظهر من آيات PageV11P6936 # النبي صلى الله عليه وسلم علامات معجزات في تلك الغزاة، من ذلك: أن الناس ~~قالوا ليس لنا ماء، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته فأمر به ~~فوضع في قعر قليب ليس فيه ماء، فروى الناس حتى ضربوا بعطن، ومن ذلك أن ~~الناس شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهد، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم للناس: ابسطوا أبضاعكم وعيالكم، ففعلوا، ثم قال: من كان عنده ~~بقية من زاد أو طعام فلينشره ودعا لهم، ثم قال: قربوا أوعيتكم، فأخذوا ما ~~شاء الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه أحد من عند المشركين ~~قد أسلم، فيطلبه المشركون، إلا دفعه إليهم ولا يمضي أحد من عند المسلمين ~~إلى المشركين مرتدا إلا تركه المسلمون لهم، فعلى ذلك وقع الصلح / فوفى بما ~~عاهدهم عليه، فخرج قوم PageV11P6937 # أسلموا من مكة، وانعزلوا في موضع يقطعون الطريق على عير قريش، وخرج أبو ~~جندل من مكة هاربا ومعه نفر ممن أسلم فلحقوا بأولئك الذين يقطعون الطريق ~~على عير قريش، ولم يأت منهم أحد النبي صلى الله عليه وسلم خوفا أن يردهم ~~إلى المشركين، فكان أبو جندل يصلي بهم، وكان من لطف للمسلمين أنه صعب على ~~المشركين ذلك، فوجهوا إلى النبي يسألونه أن يوجه في القوم ليقدموا عليه، ~~وقالوا: إنا لا نسألكم في ردهم إلينا، ومن خرج إليك منا فأمسكه، ولا ترده ~~بلا حرج عليك، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأصحابه أن ~~يقدموا عليه، وأمر من اتبعهم من المسلمين أن يرجعوا إلى بلدانهم وأهليهم، ~~وألا يعرضوا لأحد مر بهم من قريش ففعلوا. # وقوله: {ويتم نعمته عليك}. # معناه: يرفع ذكرك في الدنيا ms2442 وينصرك على عدوك، ويغفر لك ذنوبك في الآخرة. # وقوله: {ويهديك صراطا مستقيما} أي: يرشدك دينا لا اعوجاج فيه PageV11P6938 # فيستقيم بك إلى رضا ربك وإلى طريق الجنة. # أي: ينصرك على أعدائك نصرا لا يغلبك غالب، وقيل معناه نصرا ذا عز لا ذل ~~معه. # قال: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} أي: جعل السكون والطمأنينة ~~في قلوب المؤمنين إلى الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ليزدادوا ~~إيمانا وتصديقا مع تصديقهم. قال ابن عباس: السكينة الرحمة، وقال: بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق بها المؤمنون زادهم ~~الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا زادهم الزكاة، فلما صدقوا ~~بها زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم فقال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي} [المائدة: 4] الآية. # قال ابن عباس: فأوثق إيمان أهل السماوات والأرض وأصدقه وأكمله شهادة لا ~~إله إلا الله. PageV11P6939 # ثم قال تعالى: {ولله جنود السماوات والأرض} أي: عبيده وخلقه ينتقم ممن ~~يشاء من أعدائه. # ثم قال: {وكان الله عليما حكيما} أي: لم يزل ذا علم بما هو كائن قبل كونه ~~وما خلقه عاملون قبل خلقهم، حكيما في تدبيره خلقه. # قال: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} ~~أي: فتح لك يا محمد لتشكر ربك على ما أعطاك وليحمد المؤمنون / ربهم على ما ~~وعدهم به أنه سيدخلهم بساتين تجري تحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدا. # {ويكفر عنهم سيئاتهم} أي: بغطيها ويسترها فلا يحاسبهم بها. # {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} أي: وكان إدخالهم الجنة الموصوفة وستره ~~على ذنوبهم عند الله ظفرا منهم بما كانوا يأملونه (ونجاة من العذاب كثيرا). # قال: {ويعذب المنافقين والمنافقات [والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظن ~~السوء]}. # أي: فتح الله لك يا محمد ليعذب هؤلاء المذكورين وظنهم السوء، وأنهم كانوا ~~يظنون أن لن يعود الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين الشيطان ذلك في ~~قلوبهم فرد الله دائرة السوء عليهم: ومعنى دائرة السوء: (دائرة العذاب ~~والهلاك). PageV11P6940 # وقال الخليل وسيبويه: ms2443 السوء هنا: الفساد. # وقال الفراء: الفتح [في السنين: الشر في الشر، قال: وقلما تقول العرب ~~دائرة السوء إلا بالضم، واختار الفراء الفتح في السين] لأن العرب تقول: هو ~~رجل سوء، بالفتح، ولا تقوله بالضم. # والسوء بالضم اسم الفعل، وبالفتح الشيء بعينه. # ثم قال: {وغضب الله عليهم} أي: نالهم بغضبه ولعنهم أي: وأبعدهم من رحمته، ~~وأعد لهم جهنم يصلونها يوم القيامة. {[وسآءت] مصيرا} أي: ساءت جهنم منزلا ~~لهم. # قوله: {ولله جنود السماوات والأرض}. # أي: ولله كل من في السماوات والأرض عبيدا له وأنصارا له على أعدائه، ولم ~~يزل الله (عزيزا لا يغلبه غالب)، حكيما في تدبيره خلقه. # ثم قال: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) [8]. PageV11P6941 # انتصبت الثلاثة الألفاظ على الحال، وهي حال مقدرة. أي: مقدرين بشهادتك يا ~~محمد (على أمتك يوم القيامة) ومقدرين تبشيرك أمتك بما أعد الله لهم من ~~النعيم. إن أطاعوك ومقدرين إنذارك من كفر بك ما أعد الله له من العذاب إن ~~مات على كفره. # قال: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه}. # أي: فعل الله ذلك بك يا محمد / ليؤمن بك (من سبق في علم الله) أنه يؤمن. # قال ابن عباس: تعزروه: يعني الإجلال، وتوقروه هو التعظيم. # قال قتادة: وتعزروه: تنصروه، وتوقروه: تفخموه. # وقال عكرمة: تعزروه: تقاتلون معه بالسيف. # وقال ابن زيد: وتعزروه وتوقروه: هو الطاعة لله تعالى. # وقال المبرد: تعزروه: تبالغوا في تعظيمه، ومنه عزر السلطان الإنسان؛ أي: ~~بالغ PageV11P6942 # في أدبه فيما دون الحد. # وقال علي بن سليمان: معنى وتعزروه: يمنعون منه وتنصرونه. # قال الطبري: معنى التعزير في هذا الموضع المعونة بالنصر. # وقرأ الجحدري: تعزروه بالتخفيف. # وقرأ محمد اليماني: وتعزروه بالزاءين، من العز؛ أي: تجعلونه عزيزا ويقال: ~~عززه يعززه جعله عزيزا وقواه، ومنه قوله: {فعززنا بثالث} [يس: 13]. # وقيل إن قوله: وتعزروه وتوقروه لله. وقيل هو للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فأما " وتسبحوه " PageV11P6943 # فلا تكون إلا لله. # وتنزهوا الله عن السوء في بعض القراءات وتسبحوا الله. # وقوله: {بكرة وأصيلا} أي: ظرفان تصلون لله في هذين الوقتين. # قال: {إن الذين يبايعونك ms2444 إنما يبايعون الله} أي: إن الذين يبايعونك يا ~~محمد بالحديبية، وذلك حين حبس المشركون عثمان بن عفان بايع أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم على ألا يفروا عند لقاء العدو، ثم صرفهم الله عن المشركين ~~وقتالهم، لئلا يهلك من بمكة من المسلمين ولا يعلم بهم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهو قوله: {ولولا رجال مؤمنون} [الفتح: 25] إلى قوله: {أليما} ~~[الفتح: 25]. # وقوله: {إنما يبايعون الله} أي: إنما يبايعون ببيعتهم إياك الله، لأن ~~الله ضمن لهم الجنة. # وقوله: {يد الله فوق أيديهم} أي: يده فوق أيديهم عند البيعة. # وقيل: قوة الله فوق قوتهم في نصرتهم رسوله. # وقيل: معناه يد الله في الثواب والفواء لهم فوق أيديهم في الوفاء بما ~~بايعوك عليه. # وقيل: معناه يد الله في الهداية لهم فوق أيديهم في الطاعة. PageV11P6944 # ثم قال: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} أي: من نكث البيعة ولم يف بما ~~بايع عليه فإنما نكثه راجع عليه لأنه يحرم نفسه الأجر الجزيل، والعطاء ~~العظيم في الآخرة. ثم قال: {ومن أوفى بما عاهد عليه الله} في إيمانه. # {فسيؤتيه أجرا عظيما} أي: ومن أوفى ببيعتك وما عهد على نفسه من نصرك يا ~~محمد فسيؤتيه [الله] أجرا عظيما وهو الجنة والنجاة من النار. # قال: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنآ أموالنا}. # نزلت هذه الآية في الأعراب الذين حول المدينة من مزينة وجهينة وأسلم، ~~وغيرهم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فلما رجع النبي / ~~وظفر وسلم أتوه يسألونه الاستغفار لهم وفي قلوبهم خلاف ذلك، ففضحهم الله. # أي: سيقول لك يا محمد إذا رجعت إلى الحديبية الذين (تخلفوا في أهليهم). ~~وقعدوا عن صحبتك والخروج معك إلى مكة معتمرين كما خرجت، معتذرين عن تخلفهم ~~عنك: شغلتنا عن الخروج معك معالجة أموالنا، وأصلاح معائشنا وأهلينا فاستغفر ~~لنا ربك لتخلفنا عنك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى ~~مكة معتمرا استنفر العرب، الذين حول المدينة ليخرجوا معه حذرا من قريش أن ~~يعرضوا له PageV11P6945 # بحرب أن يصدوه عن ms2445 البيت، ثم أحرم بالعمرة، وساق الهدي ليعلم الناس أنه لم ~~يخرج لحرب فتثاقل عنه كثير من الأعراب فتخلفوا عنه، ففيهم نزل هذا. # وقال مجاهد: هم أعراب المدينة من جهينة ومزينة تخلفوا عن الخروج مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى مكة غداة الحديبية ثم أنزل الله تكذيبهم في عذرهم ~~فقال: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} أي: يسألونك يا محمد الاستغفار ~~من فعلهم من غير توبة تنعقد عليها قلوبهم، ولا ندم على فعلهم. # وجاء بلفظ " ألسنتهم " توكيدا وفرقا بين المجاز والحقيقة. # ثم قال: {قل فمن يملك لكم من الله شيئا} أي: قل يا محمد لهؤلاء الأعراب ~~الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى مكة، من يملك لكم من الله شيئا. PageV11P6946 # {إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا} / أي: من يدفع عنكم الضر إذا أراده ~~الله بكم حين عصيتم رسوله وتخلفتم عن الخروج معه، واعتذرتم بما لا تعتقده ~~قلوبكم. # ثم قال: {بل كان الله بما تعملون خبيرا} أي: بل [لم] يزل الله ذا خبر بما ~~تعملون وما تعتقدون، لا يخفى عليه شيء من ذلك. # قال: {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا}. # هذا خطاب للأعراب الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى مكة لما اعتذروا وكذبوا في اعتذارهم، فأكذبهم الله ثم أعلمهم بما علم ~~من اعتقادهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فقال: بل ظننتم ~~أيها الأعراب أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لا يرجعون إلى المدينة ~~أبدا من غزوتهم، فلذلك تخلفتم عن الخروج معهم لأنكم شغلتكم أموالكم وأهلوكم ~~كما زعمتم في عذركم. # ثم قال: {وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء} أي: زين لكم الشيطان ذلك، ~~وقال لكم لا يرجع النبي والمؤمنون إلى المدينة أبدا، وأنهم سيهلكون في ~~غزوهم، وظننتم أن الله لا ينصر نبيه ومن أطاعه، وذلك ظن السوء. # ثم قال: {وكنتم قوما بورا} أي: هلكى باعتقادكم وظنكم. PageV11P6947 # والبور في اللغة: الشيء الذي لا قيمة له ولا فائدة فيه ms2446 ك لا شيء ". # قال قتادة بوار: فاسدين. # قال ابن زيد البور: الذي لا خير فيه. # قال مجاهد بورا: هلكى. # أي: ومن لم يؤمن منكم أيها العرب ومن غيركم بالله ورسوله فقد كفر، وقد ~~اعتدنا لمن كفر سعيرا من النار يسعر عليهم (في جهنم) إذا وردوها يوم ~~القيامة. # يقال سعرت النار: إذا أوقدتها سعرا، ويقال: سعرتها أيضا إذا حركتها ومنه ~~قولهم أنه (لمسعر حرب): أي: محركها وموقدها. # قال: {ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء}. # أي: له سلطان ذلك، فلا أحد يقدر على رده عما يريد من تعذيبه من أراد ~~تعذيبه ولا عن ستر من أراد الستر عليه وإدخاله الجنة، وهذا تنبيه وحق ~~لهؤلاء الأعراب PageV11P6948 # الذين تخلفوا عن رسول الله على التوبة والمراجعة إلى أمر الله وأمر ~~رسوله: أي: بادروا إلى التوبة فإن الله يغفر لمن تاب، لا يرده عن ذلك راد. # {وكان الله غفورا رحيما} أي: لم يزل ذا عفو عن عقوبة التائبين وذا رحمة ~~لهم. # قال: {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها}. # أي: سيقول لك يا محمد ولأصحابك هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن محبتك ~~والخروج معك إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها {ذرونا نتبعكم} يعني ما وعد ~~الله به المؤمنين من غنائم خيبر، وعدهم ذلك بالحديبة وهو قوله: {وأثابهم ~~فتحا قريبا} وهو فتح خيبر فأعلم الله نبيه عليه السلام أن المتخلفين عنه ~~سيقولون له إذا خرج إلى فتح خيبر وأخذ غنائمها دعنا نتبعك. # ثم قال: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} / أي: يريدون أن يغيروا وعد الله ~~الذي وعده أهل الحديبية، وذلك أن الله وعدهم غنائم خيبر بالحديبة عوضا من ~~غنائم أهل مكة إذا أنصرفوا على صلح. # قال مجاهد: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة فوعده الله مغانم ~~كثيرة فعجلت له خيبر، فأراد المتخلفون أن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليأخذوا من المغانم فيغيروا وعد الله الذي خص به أهل الحديبية. PageV11P6949 # وقيل إن معنى قوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} أي: يريدون أن ms2447 يخرجوا ~~معك في غزوك (وقد قال الله): {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي ~~عدوا} [التوبة: 83]. # قال ابن زيد: أرادوا أن يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأن يبدلوا ~~كلام الله الذي قال لنبيه: {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} ~~وذلك حين رجع من غزوة تبوك. # وأنكر هذا القول الطبري؛ لأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة، ~~قال: والصواب الذي قاله قتادة ومجاهد: أنهم يريدون أن يغيروا وعد الله الذي ~~خص به أهل الحديبية، وذلك: مغانم خيبر وغيرها. # وقوله: {قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} أي: كذلك قال لنا الله من ~~قبل مرجعنا إليكم من الحديبية ان غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية / دون غيرهم ~~ممن لم يشهدها، فليس لكم أن تتبعونا لأنكم تخلفتم عن الحديبية. # ثم قال: {فسيقولون بل تحسدوننا} أي: تحسدوننا أن نصيب معكم من الغنائم، ~~فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم. # ثم قال: {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا} أي: لا يعقلون عن الله ما له ~~عليهم إلا PageV11P6950 # يسيرا، ولو كانوا يعقلون ما قالوا ذلك. # قوله: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون}. # أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين تخلفوا من الأعراب عن أن يخرجوا معك إلى ~~الحديبية، وطلبوا أن يتبعوك إلى أخذ غنائم خيبر ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد تقاتلونهم أو يصلحون. # قال ابن عباس: أهل فارس، وهو قول مجاهد وابن زيد. # وقال الحسن، وابن أبي ليلى: هم فارس والروم. PageV11P6951 # وقال عكرمة: هم هوازن يوم حنين، وكذلك (قال ابن جبير) هوازن وثقيف. # وقال الزهري: هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب. # وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد. # وقال كعب: هم الروم يقاتلهم هؤلاء القوم أو يسلمون بغير قتال. PageV11P6952 # ومن قرأ " يسلموا " فمعناه: حتى يعلموا أو إلا أن يسلموا. # ثم قال: {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} أي: يعطيكم الله على إجابتكم ~~لقتال هؤلاء القوم الجنة. # {وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} أي: وإن تتخلفوا عن ms2448 ~~قتال هؤلاء القوم كما تخلفتم عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~الحديبية يعذبكم عذابا أليما في الآخرة. # قال: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} ليس ~~عليهم ضيق إذا تخلفوا عن الجهاد مع المؤمنين للعذر الذي نزل بهم، قاله ابن ~~عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم. # ثم قال: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: تحت ~~أشجارها الأنهار. PageV11P6953 # {ومن يتول} أي: يعص الله ورسوله، ويدع الجهاد إذا دعي إليه يعذبه عذابا ~~أليما في الآخرة. # قال: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}. # يعني: بيعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سنة ست، وفتح ~~خيبر سنة سبع، وقال مالك: سنة ست أو هو الفتح القريب، واعتمر [رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم] سنة سبع، وفتح مكة سنة ثمان، وحج أبو بكر ونادى علي ~~براءة سنة تسع، وحج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل النار أحد بايع تحت ~~الشجرة ". # وقد قال الله عز وجل: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة}. # ومن رضي الله عنه لم يدخل النار أبدا، وكانوا بايعوه على منابزة قريش لما ~~حبسوا عثمان، وظن المؤمنون أنه قتل وأشاع إبليس في عسكر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن عثمان قتل وصدوا النبي عن البيت فبايعوه على ألا يفروا ولا ~~يولوهم الأدبار أسفا PageV11P6954 # على عثمان وكان النبي عليه السلام أرسله إلى المشركين بمكة في عقد الصلح ~~وإعلامهم أنه إنما جاء ليعتمر معظما للبيت وللحرم فأبطأ عثمان، فقيل قد قتل ~~فبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على قتالهم ثم بلغه أن عثمان سالم ~~لم يقتل وهي بيعة الرضوان، وكانت الشجرة سرة فكان الذين بايعوه ألفا وأربع ~~مائة، وقي ألفا وخمس مائة، وقيل ألف وثلاث مائة، وقيل ألف وست مائة. # وقال ابن عباس: كانوا ألفا وخمس مائة وخمسة وعشرين. # وقوله: {فعلم ما في ms2449 قلوبهم} أي: علم الله ما في قلوب المؤمنين من صدق ~~النية في مبايعتهم والوفاء بذلك: {فأنزل السكينة عليهم} [أي]: فأنزل الله ~~الطمأنينة عند علمه بصدق فعلهم عليهم. # قال قتادة: / أنزل عليهم الصبر والوقار. PageV11P6955 # ثم قال: {وأثابهم فتحا قريبا} أي: وعوضهم من غنائم مكة غنائم خيبر بعقب ~~رجوعهم من الحديبية سنة ست عند مالك، والفتح: فتح خيبر قاله قتادة وغيره ~~وعليه أكثر المفسرين. # وقال بعضهم هو فتح الحديبية وذلك سلامة المؤمنين، ورجوعهم سالمين مأجورين ~~/. # ثم قال: {ومغانم كثيرة يأخذونها} (أي: وأثاب هؤلاء الذين بايعوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بما أكرمهم به من الرضا ورجوعهم سالمين)، ~~وبغنائم كثيرة يأخذونها من أموال اليهود بخيبر. # {وكان الله عزيزا حكيما} أي: لم يزل ذا عزة في انتقامه من أعدائه، حكيما ~~في تدبيره خلقه. # قال: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} يعني: غنائم خيبر ~~عجلها الله لأهل بيعة الرضوان بعد منصرفهم من الحديبية سنة ست. # وقيل أول سنة سبع، وهذه مخاطبة لأهل بيعة الرضوان (خاصة أنهم) سيغنمون ~~مغانم كثيرة. PageV11P6956 # قال مجاهد: هي من لدن نزلت هذه الآية إلى اليوم. # وحكى ابن زيد عن أبيه: أنها مغانم خيبر. # ثم قال: {فعجل لكم هذه}. # قال قتادة: هي غنائم خيبر عجلت، والمؤخرة كل غنيمة يغنم [المؤمنون] من ~~ذلك الوقت إلى أن تقوم الساعة. # وقال ابن عباس: {فعجل لكم هذه} هو الصلح الذي كان بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقريش ودل على ذلك قوله: # {وكف أيدي الناس عنكم} أي: وكف أيدي المشركين عنكم أيها المؤمنون ~~بالحديبية. # روي: " أن المشركين بعثوا عروة بن مسعود الثقفي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما PageV11P6957 # أتاهم عام الحديبية فأكرم النبي عليه السلام إتيانه وأدناه فقال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تقسم البيعة التي أعزها الله، هذه والله قريش ~~لبست، لك جلود النسور وقلوب السباع تقسم بالله لا تدخل مكة أبدا. هذا خلق ~~على الخيل في كراع الغميم وهذه العوذ المطانيل: يعني النساء التي لهن ~~أطفال، تتعوذ ms2450 بالله من إتيانك مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ~~سعود لم نأت لهذا، وإنما أتينا معتمرين نحل من عمرتنا وننحر هدينا، ونرجع ~~إلى بلدنا، فاذهب إلى أخوانك وأعلمهم ذلك "، فرجع عروة إلى مكة فقال لهم: ~~إني قد رأيت بختنصر في ملكه، ورأيت كسرى في ملكه ورأيت ملك اليمن، والله ما ~~رأيت ملك قط مثل محمد في أصحابه، والله ما تقع منه شعرة إلا صدوها ولا ~~نخامة إلا ابتلعوها والله ليملكن ما فوق رؤوسكم وما تحت أرجلكم، فابعثوا ~~إليه من يقاضيه على ترك الحرب فيما بينكم وبينه، فبعثوا وقاضوه على أن يرجع ~~ويعتمر في العام المقبل. # وقال قتادة: كف الله أيدي اليهود عن المدينة حين صار النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى PageV11P6958 # الحديبية وإلى خيبر وهو اختيار الطبري، لأن كف أيدي المشركين من أهل مكة ~~عن المؤمنين قد ذكره الله بعد هذه الآية، فقال: {وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة} [الفتح: 24] فدل أن الكف الأول غير هذا، فهو كف ~~أيدي اليهود عن المدينة في غيبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # وروي عن ابن عباس والحسن في قوله: {وكف أيدي الناس عنكم} قال: هو عيينة ~~بن حصن الفزاري وقومه وعوف بن مالك النضري ومن معه جاءوا لينصروا أهل خيبر ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر لهم فألقى الله في قلوبهم الرعب وكفهم ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. # وقوله: {ولتكون آية للمؤمنين} أي: ولتكون المغانم (آية للمؤمنين ودلالة) ~~على صدق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم بما سيكون. PageV11P6959 # وقال الطبري معناه: وليكون كف أيدي اليهود عن عيالكم عبرة للمؤمنين وهو ~~قول قتادة. # ثم قال: {ويهديكم صراطا مستقيما} أي: ويرشدكم الله أيها المؤمنون طريقا ~~واضحا لا اعوجاج فيه وهو أن تتقوا في أموركم كلها ربكم، إذ هو الحائط عليكم ~~ولعيالكم. # قال: {وأخرى لم تقدروا عليها} [أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا ~~عليها]. # قال ابن عباس وابن أبي ليلى والحسن: هي فارس والروم. ms2451 # وعن ابن عباس أيضا: هي خيبر، وقاله الضحاك وابن زيد وابن إسحاق. # وقال قتادة: هي مكة قد أحاط الله بها أي: بأهلها. # {وكان الله على كل شيء قديرا} أي: لم يزل ذا قدرة على كل شيء. # قال: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} أي: ولو قاتلكم يا أهل بيعة PageV11P6960 # الرضوان مشركو مكة لانهزموا عنكم وولوكم أدبارهم، ثم لا يجدون وليا / ~~يواليهم عليكم، ولا نصيرا ينصرهم عليكم. # قال: {سنة الله التي قد خلت} أي: سن الله انهزام المشركين بين يدي ~~المؤمنين سنة قد خلت من قبلكم في الأمم الماضية، " فسنة " مصدر عملت فيه ~~جملة ليت من لفظه، وهي قوله /: {لولوا الأدبار} ولن يجد يا محمد لسنة الله ~~التي سنها في الأمم الماضية تبديلا بل ذلك دائم في كل أمة يخذل المشركين ~~وينصر المؤمنين. # قال: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة}. # والله الذي كف أيدي المشركين عنكم أيها المؤمنون بالحديبية إذ خرجوا ~~ليصيبوا منكم، وكف أيديكم عنهم: أي: أرضاكم بالصلح وترك قتال المشركين. # قال أنس بن مالك: هبط ثمانون رجلا من أهل مكة من جبل التنعيم عند صلاة ~~الفجر على رسول الله عليه السلام وأصحابه ليقتلوهم فأخذهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم PageV11P6961 # أعتقهم فنزلت الآية فيهم. # فالله كف أيديهم عن قتل رسول الله وأصحابه وكف أيدي المؤمنين عن قتلهم ~~حين أخذوهم فأعتقوهم وهو قوله. # {من بعد أن أظفركم عليهم} أي: كف أيديكم عن قتلهم من بعد أن أخذتموهم ~~أسرى وظفرتم بهم فأعتقتموهم. # قال قتادة: بعث المشركون أربعين رجلا أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا بعسكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا ~~فأتي بهم رسول الله فعفا عنهم، وخلى سبيلهم بعد أن رموا في عسكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل. # قال قتادة: بطن مكة: الحديبية. # ثم قال: {وكان الله بما تعملون بصيرا} أي: لم يزل بصيرا بأعمالكم ~~وأعمالهم لا يخفى عليه منها ولا من غيرها شيء. PageV11P6962 # قوله: {هم الذين ms2452 كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام}. # أي: هؤلاء المشركون من قريش هم الكافرون الصادون لكم عن دخول المسجد ~~الحرام، والصادون الهدي محبوسا على أن يبلغ محله. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع دخول مكة عام الحديبية، وهي ~~سنة ست قال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: أليس قد وعدنا الله أن ندخل، فقال ~~أبو بكر: أوعدك الدخول في هذا العام، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~مثل ذلك. والعامل في " أن " {معكوفا أن} ويجوز أن يكون {صدوكم}، والمعنى ~~صدوكم عن دخول المسجد الحرام لتمام عمرتكم، وصدوا الهدي عن أن يبلغ موضع ~~نحره، وذلك دخول الحرام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ساق معه حين خرج ~~إلى مكة في سفرته تلك سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل فكانت البدنة عن ~~عشرة، قال ذلك المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، (وقد PageV11P6963 # تقدم الاختلاف) في عدتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~خرجوا معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي حتى إذا كانوا بالحديبية وهي بير ~~يقرب مكة صدهم المشركون عن دخول الحرم فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~على أن يرجع من عامه ذلك إلى المدينة وذلك سنة ست، ثم يرجع من العام المقبل ~~وهو سنة سبع فيكون بمكة ثلاث ليال ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب ولا يخرج ~~بأحد من أهلها، فنحر هديه في مكانه وحلقوا في مكانهم، فلما كان العام ~~المقبل سنة سبع أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فدخلوا مكة ~~معتمرين في ذي القعدة فعوضهم الله من صدهم في ذي القعدة ودخولهم مكة في ذي ~~القعدة من العام المقبل فهو قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~والحرمات قصاص} [البقرة: 194]. # ثم قال: {ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم}. # أي: لولا أنه بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لا تعلمون أيها المؤمنون ~~مكانهم وأشخاصهم فتقتلوهم بغير علم فتأثموا ويعيركم بذلك المشركون وتلزمهم PageV11P6964 # الدية. والباء في " بغير " متعلقة ms2453 " فتطئوهم "، " وأن " في قوله " أن ~~تطئوهم " بدل من رجال بدل الاشتمال وقيل هي بدل من الهاء، والميم في " ~~تعلموهم " والمعنى يرجع إلى شيء واحد: لسلطكم الله عليهم، فجواب " لولا " ~~محذوف دل عليه الكلام. / # والتقدير لولا أن تطئوا رجالا مؤمنون (ونساء مؤمنات) لم تعلموهم لأذن ~~الله لكم في دخول مكة، ولسلطكم عليهم ولكنه تعالى حال بينكم وبين ذلك. # {ليدخل الله في رحمته من يشآء} أي: لم يأذن لكم في قتالهم وقتلهم ليسلم ~~من كفار مكة من قدر الله له أن يسلم فيدخل في رحمة الله. # وقيل المعنى: لولا رجال مؤمنون في أصلاب المشركين وأرحام المشركات ونساء ~~مثل ذلك لعذبنا الذين كفروا. # ثم قال /: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} أي: لو زال ~~من بمكة PageV11P6965 # من المؤمنين وخرجوا من بين ظهراني المشركين لقتلنا من بقي بمكة من ~~المشركين بالسيف. # وقال الضحاك: لو تزيلوا: يعني من كان بمكة من المؤمنين المستضعفين. # والمعرة: المفعلة من العر وهو الجرب، والمعنى فيصيبكم من قتلهم ما يلزمكم ~~من أجله كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة على من أطاق، أو صيام شهرين ~~متتابعين. # " وأن " في قوله: {أن تطئوهم} بدل من رجال أو بدل من الهاء والميم في ~~{تطئوهم} وهو بدل الاشتمال. # قال: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية}. # نزلت هذه الآية في سهيل بن عمرو وجهه المشركون إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليحضر PageV11P6966 # كتاب الصلح فامتنع أن يكتب في الكتاب {بسم الله الرحمن الرحيم}، وأن يكتب ~~فيه {محمد رسول الله}، وقال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، وامتنع هو ~~وأصحابه من دخول النبي وأصحابه مكة. # قال الزهري: كانت حميتهم أنهم لم يقروا أن محمدا نبي الله ولم يقروا ~~بباسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت. # والعامل في قوله: " إذا جعل ": " لعذبنا " فلا يبتدأ بها، ويجوز أن يكون ~~العامل فعلا مضمرا معناه: اذكر إذ جعل، فتبتديء بها إن شئت. # والحمية: الأنفة والإنكار. # ثم قال: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ms2454 المؤمنين} أي: أنزل عليهم ~~الصبر والطمأنينة. # ثم قال: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} أي: وألزم الله ~~المؤمنين قول لا إله إلا الله، وكانوا أحق بها من المشركين، وكانوا هم ~~أهلها. # قال علي بن أبي طالب وابن عباس: كلمة التقوى لا إله إلا الله. وكذلك PageV11P6967 # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول مجاهد وقتادة، والضحاك وعكرمة ~~وعطاء وابن عمر وابن زيد. # وزاد عطاء فقال: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. # وقال الزهري: كلمة التقوى بسم الله الرحمن الرحيم وهو قول المسور ومروان ~~لأن المشركين منعوا علي بن أبي طالب أن يكتب في كتابه الصلح: " بسم الله ~~الرحمن الرحيم ". # وعن مجاهد وعطاء أنها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير. وفي قراءة عبد الله " وكانوا أهلها وأحق [بها] ~~". # ثم قال: {وكان الله بكل شيء عليما} أي: لا يخفى عليه شيء من جميع ~~أحوالكم. # ثم قال: {لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء ~~الله آمنين}. PageV11P6968 # لقد صدق الله رسوله رؤياه التي أراه في منامه. أراه الله أنه يدخل هو ~~وأصحابه بيت الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك، يقصروا بعضهم رأسه، ~~ويحلقا بعضهم. # قال مجاهد: " رآى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه بالحديبية أنه يدخل ~~مكة وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحروا بدنهم بالحديبية: أين رؤيا محمد ~~صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن زيد: قال النبي لأصحابه: إني رأيت أنكم ~~ستدخلون المسجد الحرام محلقين رءوسكم ومقصرين " فلما نزل بالحديبية ولم ~~يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، وقالوا ابن رؤياه فأنزل الله {لقد ~~صدق الله رسوله الرءيا بالحق} فأعلمهم أنهم سيدخلون من غير ذلك العام، وأن ~~رؤيا محمد حق. # وقوله: {إن شآء الله آمنين}. # فحكى ما جرى في الرؤيا من قول الملك له في منامه. # وقيل: إنما جرى لفظ الاستثناء لأنه خوطب في منامه على ما أدبه الله به في ~~قوله: {ولا ms2455 تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله} [الكهف: 23 - ~~24] فخوطب في منامه، وأخبر بها يلزمه PageV11P6969 # أن يقول لأصحابه كما لو كان هو المخبر بذلك لهم من عند نفسه. # وقيل /: إنما وقع الاستثناء على من يموت منهم قبل الدخول لأنهم على غير ~~يقين من بقائهم كلهم حتى يدخلوا، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: " وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون " فوقع الاستثناء على من قد لا يموت على دينه. # [وقيل: بل خاطبهم على ما يعقلون]. # وقيل: بل خاطبهم على ما أدبه الله به وأمره به في قوله: {ولا تقولن لشاىء ~~إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله} الآية. PageV11P6970 # وقيل: هو استثناء من آمنين، أي: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله ~~ذلك، ولا يجوز أن يكون ذلك استثناء من الله، لأن الله عالم بعواقب الأمور، ~~وإنما يكون مثل هذا الاستثناء من المخلوقين الذين لا يعلمون عواقب الأمور، ~~ولا يدرون بأن ذلك الشيء يكون أو لايكون، والله عالم بما يكون وبما لا ~~يكون. # وقال بعض العلماء: إنما أتى الاستثناء في هذا لأن الله خاطب / الناس على ~~ما يعرفه وعلى ما يجب لهم أن يقولوا. # وقيل معنى " إن شاء الله ": إن أمركم الله بالدخول. # وقال نفطويه المعنى فيه: كائن الدخول إن شاء الله ذلك، فليس فيه ضمان على ~~الله أنه لا بد من الدخول، ولكن لما قال: {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} دل ~~على PageV11P6971 # إنفاد المشيئة، وكان الدخول لأنه أخبر أن دون المشيئة فتحا قريبا فعلم ~~بهذا الوعد أن المشيئة [نافذة] والدخول كائن، فيصير المعنى لتدخلن المسجد ~~الحرام إذا جاءت المشيئة. # قال نفطويه: كانت العدة من الله للمؤمنين بالدخول سنة ست، وصدوا سنة سبع، ~~ودخلوا سنة ثمان، وحج أبو بكر بالناس سنة تسع وفيها نادى على علي رضي الله ~~عنه ببراءة، وفتحت مكة سنة عشر، وحج النبي صلى الله عليه وسلم سنة إحدى ~~عشرة. # والحلق للرجال والتقصير للنساء، وقد يجوز للرجال أن يقصروا. والحلق أفضل ~~ومن أجل جواز ms2456 التقصير للرجال قال: {ومقصرين} ولم يقل ومقصرات، فغلب المذكر. # وقيل: إن الاستثناء في الآية أنما وقع على من مات منهم أو قتل وقيل إن " ~~إن " بمعنى " إذ ". # ثم قال {لا تخافون} أي: تدخلون غير خائفين. PageV11P6972 # قوله: {فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا}. # أي: علم الله أن بمكة رجالا ونساء مؤمنين، فلو دخلتموها أيها المؤمنون ~~ذلك العام لقتلتم منهم فتلزمكم الديات ويقرعكم بذلك المشركون، فردكم عن مكة ~~من أجل ذلك. # ثم قال: {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} أي: فجعل الله لكم من دون صدكم عن ~~البيت فتحا قريبا، وهو فتح خيبر فتحها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ~~ذلك العام واقتسم أهل الحديبية خاصة مغانمها. # وقال مجاهد: الفتح القريب نحرهم الهدي بالحديبية، ورجعوا فافتتحوا خيبر، ~~ثم قضوا عمرتهم في السنة المقبلة. # وقيل المعنى: فجعل الله من دون رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحا ~~قريبا وهو فتح خيبر. PageV11P6973 # قال: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على [الدين كله]}. # يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم أرسله بالرشد إلى الصراط المستقيم، ~~وبالدين القوي الحق وهو الإسلام ليظهره على الدين كله، ليبطل به الملل ~~كلها، فلا يكون دين إلا دينه، وذلك أمر سيكون عند نزول عيسى صلى الله عليه ~~وسلم. # وقيل: إنه كان هذا إعلان النبي صلى الله عليه وسلم قد قهر أهل الأديان ~~كلها في وقته، وفي خلافة أبي بكر وعمر. # وقال ابن عباس معناه: ليظهره على أمر الدين كله. # ثم قال: {وكفى بالله شهيدا} أي: كفى به شهيدا على نفسه أنه سيظهرك على ~~أمر الدين الذي بعثك به. هذا قول الحسن، وهو اختيار الطبري. ففي هذا إعلام ~~من الله لنبيه عليه السلام أنه سيفتح مكة وغيرها من البلدان. # قال: {محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم} أي: ~~وأتباعه من أصحابه هم أشداء على الكفار، أي: ذوو غلظة عليهم وشدة وذوو رحمة ~~فيما بينهم يرحم بعضهم بعضا ويغلظون على الكفار عداوة ms2457 في الله. # قال قتادة: ألقى الله في قلوبهم الرحمة لبعضهم من بعض. # ثم قال: {تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا}. PageV11P6974 # أي: ترى أصحاب محمد تارة ركعا وتارة سجدا يلتمسون بذلك من فعلهم في ~~ركوعهم وسجودهم وغلظتهم على الكفار، ورحمة بعضهم لبعض فضلا من الله / أن ~~يدخلهم في رحمته ويرضى عنهم. # ثم قال: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود}. # قال ابن عباس معناه: أثر صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة. # قال عطية: مواضع السجود في وجوههم يوم القيامة أشد بياضا من اللبن وهو ~~قول مقاتل. # قال الحسن: هو بياض في وجوههم يوم القيامة، وعنه هو بياض في PageV11P6975 # وجوههم، وعن ابن عباس: أن ذلك في الدنيا وهو السمت الحسن. # وقال مجاهد: أما أنه ليس الذي ترون، ولكنه سيماء الإسلام، وسمته وخشوعه ~~وتواضعه. # وقال الحسن: هو الصفرة التي تعلو الوجه من السهر والتعب، وهو قول ابن ~~عطية. # وقال ابن جبير وعكرمة: هو أثر التراب (وأثر الطهور). # وقال ابن وهب: أخبرني مالك أنه ما يتعلق بالجبهة من تراب الأرض. PageV11P6976 # ورواه مطرف عن مالك أيضا. # وأصل السيمي: العلامة. # ثم قال: {ذلك مثلهم في التوراة}. # أي: هذا الذي تقدم من صفاتهم ونعتهم في التوراة. # ثم قال: {ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه}. # أي: وصف أصحاب محمد في الإنجيل ونعتهم فيه كزرع أخرج شطئه، أي: فراخه. # يقال: أشطأ الزرع يشطيء أشطا: إذا أفرخ. # فشبههم الله في الإنجيل بالزرع الذي أخرج فراخه، وذلك أنهم في أول PageV11P6977 # دخولهم الإسلام كانوا عددا قليلا / كالزرع في أول ما يخرج، ثم جعلوا ~~يتزايدون ويكثرون، كالزرع إذا أخرج فراخه فكثر وعظم بها، ونما، فيكون الأصل ~~ثلاثين وأربعين وأكثر بالفراخ فكذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ~~قليلا ثم تزايدوا وكثروا فكانت هذه صفتهم في التوراة والإنجيل من قبل أن ~~يخلق الله السماوات والأرض فكان مثلهم في التوراة غير مثلهم في الإنجيل، ~~هذا قول أكثر المفسرين، وهو اختيار الطبري، وروى عن مجاهد أنه قال: المثلان ~~منصوصان ms2458 فيهم في التوراة والإنجيل. # قوله: {فآزره} أي: قواه، يعني فقوى الشطء الزرع، وذلك أن الزرع أول ما ~~يخرج رقيق الأصل ضعيفا، فإذا أخرج فراخه غلظ. أصله وتقوى فكذلك PageV11P6978 # أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قلة ضعفاء ومستضعفين، فلما كثروا ~~وتقووا قتلوا المشركين. # ثم قال: {فاستغلظ} أي: فاستوى الزرع على سوقه لما غلظ وتقوى بخروج ~~الفراخ. # والسوق جمع ساق، وسوقه: أصوله. # وعن ابن عباس أنه مثل للنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله وحده كخروج ~~الزرع مفردا، ثم بعث الله قوما آمنوا به فتقوى بهم كالزرع إذا أخرج فراخه ~~فتقوى بها وغلظ. هذا معنى قوله. # وقيام معنى: {فاستوى على سوقه} أي: تلاحق الفراخ بالأصول فاستوى جميع ~~ذلك، كم تلاحق من آمن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم ببعض فاستوى ~~جميعهم في الإيمان. PageV11P6979 # قال ابن زيد: " فآزره "، فاجتمع ذلك فالتفت كالمؤمنين كانوا قليلا ثم ~~تزايدوا فتأيدوا. # ثم قال: {يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار} أي: يعجب هذا الزارع حين استغلظ ~~واستوى على سوقه، فحسن عند زارعيه. # وقوله: {ليغيظ بهم الكفار} فاللام متعلقة بمحذوف، والتقدير: فعل ذلك بهم ~~ليغيظ بهم الكفار، والتقدير: فعل ذلك ليغيظ بمحمد وأصحابه الكفار، فالمعنى ~~فعل ذلك بمحمد وأصحابه ليغيظ الكفار. # ثم قال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية. # أي: وعد الله الذين صدقوا محمدا وعملوا الأعمال الصالحات من أصحاب محمد ~~أجرا عظيما ففضلهم بذلك على غيرهم. # وقيل: معنى وعد الله الذين تثبتوا على الإيمان من أصحاب محمد أجرا عظيما، ~~وسترا على ذنوبهم. # وقد روى سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: PageV11P6980 # {محمد رسول الله} إلى آخر السورة، أن {الذين معه} أبو بكر {أشدآء على ~~الكفار} عمر بن الخطاب {رحمآء بينهم}: عثمان ابن عفان، {تراهم ركعا سجدا}، ~~علي بن أبي طالب {يبتغون فضلا من الله ورضوانا}: طلحة والزبير {سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود} / عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، PageV11P6981 # {ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل}: أبو عبيدة ms2459 بن الجراح، {كزرع ~~أخرج شطأه فآزره} بأبي بكر الصديق، فاستغلظ بعمر، {فاستغلظ فاستوى على سوقه ~~يعجب الزراع} بعثمان، {ليغيظ بهم الكفار} بعلي، {وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجتمع حب أبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي إلا في قلب مؤمن ". # وسئل: أبو هريرة عن القدر فقال: اكتف منه بآخر سورة الفتح، يريد {محمد ~~رسول الله والذين معه (أشدآء على الكفار)} آخر السورة، ثم قال أبو هريرة: " ~~إن الله نعتهم قبل أن يخلفهم ". PageV11P6982 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحجرات # سورة الحجرات مدنية قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا} إلى قوله: ~~{بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} الآية. # روى سفيان عن الأعمش عن خيثمة قال: هل تقرؤون {يا أيها الذين آمنوا} إلا ~~وهي في التوراة " يا أيها المساكين ". فالمعنى: يا أيها PageV11P6983 # الذين صدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم لا تعجلوا بقضاء أمركم في دينكم ~~قبل أن يقضي الله عز وجل ورسوله لكم فيه. # حكي عن العرب: فلان تقدم بين يدي إمامه؛ أي: تعجل الأمر والنهي دونه. # قال ابن عباس معناه: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. # وعنه أنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. # وقال مجاهد معناه: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى ~~يقضيه الله عز وجل على لسان رسوله. PageV11P6984 # وقال قتادة: كان أناس يقولون لو نزل في كذا، أو صنع كذا وكذا، فكره الله ~~عز وجل ذلك. # وقال الحسن: ذبح أناس من المسلمين قبل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم النحر، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحا آخر لتقدمهم. # ففي هذا دليل أنه لا يجوز أن يؤدى فرض قبل وقته. # قال الضحاك: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله: يعني بذلك في القتال، وما ~~كان من أمر دينهم، لا يصلح لهم أن يتقدموا في أمر حتى يأمر فيه النبي صلى ms2460 ~~الله عليه وسلم. # وروى ابن أبي مليكة: أن الآية نزلت في رأي، أشار به عمر على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، PageV11P6985 # وذلك أن النبي / صلى الله عليه وسلم أراد أن يستخلف على المدينة رجلا إذ ~~مضى إلى خيبر، فأشار عليه عمر برجل آخر. # وقيل: نزلت في سبب كلام دار بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وذلك أن ~~(وفدا من بني تميم) قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو بكر: ~~أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال له أبو بكر: ~~ما أردت إلا خلافي، فقال له عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت ~~أصواتهما فنزلت هذه الآية في ذلك. PageV11P6986 # ثم قال: {واتقوا الله إن الله سميع عليم} [أي: يسمع قولكم ويعلم فعلكم ~~فاتقوه وخافوه]. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم}. # أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب. # {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض}. # أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضا باسمه، ولكن عظموه ووقروه ~~ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهذا كله ~~أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله، وهو ~~مثل قوله: {لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا} [النور: 63]. # روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله PageV11P6987 # صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار. # وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبحضرة العلماء اتباعا لأدب الله عز وجل وتعظيما لرسول الله بعد موته ~~كما كان يحب في حياته، وتشريفا للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء. # وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليس منا ~~من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا ". # وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان PageV11P6988 # خطيب رسول الله صلى الله عليه ms2461 وسلم / في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس ~~وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في ~~منزله، وخشي أن يكون حبط عمله. فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل ~~فعله. # {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى}. # أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى. وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: ~~أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها. PageV11P6989 # قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد ~~إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على ~~باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرى منها ما رأيت، ~~تريد من حسنها وحلاوتها. # قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول ~~الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما ~~لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك ~~على كتابتي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: فهل (لك خير) من ذلك، ~~قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول ~~الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى ~~إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV11P6990 # قالت عائشة: فلقد أعتق الناس بتزويجها إياها مائة أهل بيت من بني ~~المصطلق، قالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية. # ثم قال: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}. # أي: مخافة أن تبطل أعمالكم وأنتم {لا تشعرون} أي: لا تعملون. # وقال الزجاج تقديره " لأن تحبط "، وهو عنده ms2462 مثل {فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا} [القصص: 7] وسمى هذه اللام لام الصيرورة أي: التقطه ليصير ~~أمرهم إلى ذلك؛ لأنهم قصدوا التصير إلى ذلك ولكنه في المقدر، وفيما سبقه من ~~علم الله، فالمعنى لا ترفعوا أصواتكم فيكون ذلك سببا لإبطال أعمالكم. # وفي قراءة عبد الله: " فتحبط أعمالكم ". # ثم قال: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} أي: يكفون PageV11P6991 # رفع أصواتهم عند حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} (أي: اختبرها فاصطفاها) وأخلصها ~~للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار فيخلص جيده ويبطل خبيثه. # قال مجاهد: اختبرها فوجدها خالصة للتقوى. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: امتحنها للتقوى: أي: أذهب الشهوات منها. # ثم قال: {لهم مغفرة وأجر عظيم} أي: لهم ستر وعفو من الله عز وجل يوم ~~القيامة، ولهم أجر عظيم: وهو الجنة والخلود فيها. # روي: أن هذه الآية: نزلت في قوم من الأعراب نادوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من وراء حجراته يا محمد أخرج إلينا. PageV11P6992 # قال مجاهد: هم أعراب من بني تميم. # وقيل: " هو الأقرع بن حابس نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء ~~الحجرات وقال: يا محمد (إن مدحي زين وإن ذمي شين)، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ذلك الله جل ذكره ". # وقوله: {لا يعقلون} أي: لا يعقلون أن فعلهم ذلك قبيح. # قال: {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم}. # أي: لو تركوا نداءك من وراء الحجرات، وصبروا حتى تخرج إليهم لكان ذلك عند ~~الله خيرا لهم، لأن الله عز وجل قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، والله غفور لمن ~~ناداك وجهل أن تاب عن ذلك، رحيم به أن يعذبه بعد توبته /. # وقيل: بل غفر الله لهم فعلهم ورحمهم لأنهم لم يقصدوا بفعلهم الاستخفاف PageV11P6993 # بحق النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان فعلهم سوء أدب منهم. # قال: {يا أيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا}. # روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ms2463 أن هذه الآية ~~نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، قالت: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجلا في صدقات بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون بذلك أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فحدثهم الشيطان أنهم يريدون قتله فرجع إلى (رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم) وقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فخضعوا له حين [صلوا] الظهر، وقالوا: نعوذ بالله من سخط رسول ~~الله، بعث PageV11P6994 # إلينا رجلا مصدقا فسررنا به، وقرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق ~~فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر فنزلت. # {يا أيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ [فتبينوا أن تصيبوا]} الآية. # وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة إلا أن مجاهدا قال: إنه الوليد قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتبين ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث ~~عيونه فأتوه وأخبروه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمع صلاتهم وآذانهم، فلما ~~أصبحوا أتاهم (خالد فرأى) الذي يعجبه فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره الخبر، فأنزل الله عز وجل الآية، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " التبيين من الله والعجلة من الشيطان ". PageV11P6995 # قوله: {أن تصيبوا قوما بجهالة} أي: قوم براء مما قذفوا به فتندموا على ~~فعلتم بهم. # قال: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم}. # أي: إعلموا أن نبي الله عز وجل بين ظهركم فلا تقولوا الباطل فإن الله ~~يخبره بأخباركم فلو أطاعكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تقولون له ~~لنالكم عنت وشدة ومشقة، لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد قوله ~~في بني المصطلق إنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة لغزاهم وأصابهم ms2464 بالقتل والسباء ~~وهم براء، فكنتم تقتلون وتسبون من لا يحل قتله ولا سباؤه، فيدخل عليكم ~~الإثم والمشقة في إخراج الديات والعنت والفساد والهلاك. # ثم قال: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان} أي: وفقكم له وزينه في قلوبكم. # وقيل معناه: أمركم أن تحبوا الإيمان، وزينه في قلوبكم فأحببتموه وهذا قول ~~مردود لأن الكفار قد أمرهم الله بمحبة الإيمان أيضا، فلا فرق بين كافر ولا ~~مؤمن في ذلك. وقيل معناه: فعل بكم أفاعيل تحبون معها الإيمان، وهي التوفيق. # {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} أي: فعل بكم أفاعيل كرهتم معها ذلك. PageV11P6996 # قال ابن زيد: حببه إليكم: حسنه في قلوبكم، قال العصيان: عصيان النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والفسوق: الكذب، والعصيان: ركوب ما نهى الله عز وجل عنه. # ثم قال: {أولئك هم الراشدون} أي: هؤلاء الذين حبب إليهم الإيمان وكره ~~إليهم الكفر والكذب، وفعل ما نهاهم عنه هم السالكون طريق الحق. # قال: {فضلا من الله ونعمة} أي: فعل ذلك بهم للفضل والنعمة، فانتهيا عند ~~الزجاج على أنهما مفعولان من أجلهما. # ثم قال: {والله عليم حكيم} أي: ذو علم بالمحسن منكم والمسيء /، ومن هو ~~أهل الفضل والنعمة ممن لا يستحق ذلك ذو حكمة في تدبيره خلقه. # قال الزجاج قوله: {وزينه في قلوبكم}: معناه أنه دلهم عليه بالحجج ~~القاطعة، والآيات المعجزات. # ويجوز أن يكون زينه في قلوبهم بتوفيقه إياهم إلى طريق الحق في سبيل ~~الرشاد. PageV11P6997 # قوله: {وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا}. # طائفتان عند البصريين / رفع بفعلهم، والتقدير: وإن اقتتل طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. # وهما رفع بالابتداء عند الكوفيين، والخبر: اقتتلوا، وله نظائر (كثيرة في ~~القرآن) وقد تقدم ذكرها، وسيأتي نظائرها فيما بعد إن شاء الله والمعنى: ~~أصلحوا بينهما أيها المؤمنون بالدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله. # {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفياء إلى أمر الله}. # أي: فإن أبت إحداهما الرضا بحكم الله عز وجل وحكم رسوله فقاتلوا الفئة ~~التي أبت وبغت حتى ترجع إلى أمر الله، فإن رجعت الباغية إلى حكم ms2465 الله بعد ~~قتالكم إياها، PageV11P6998 # فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى بالإنصاف والعدل بينهما قال ابن زيد ~~لا يقاتل الفئة الباغية إلا الولاة. # وروي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلا في أمر ~~تنازعا فيه. # وروي عن أنس أنه قال: قيل للنبي عليه السلام لو أتيت عبد الله بن أبي، ~~قال: فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم إليه وركب حمارا وانطلق معه ~~المسلمون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال عبد الله المنافق: إليك ~~عني، فوالله لقد آتاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه ~~فرد عليه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي PageV11P6999 # والنعال فنزلت هذه الآية فيهم. # وقال السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال: لها أم زيد تحت رجل من غيرهم ~~فكان بينها وبين زوجها خصومة، فبلغ قومها فجاؤوا وجاء قومه، فاقتتلوا ~~بالأيدي [وبالنعال]، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ليصلح بينهم ~~فنزل القرآن في ذلك. # وعن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما ~~خصومة وكان أحدهما أكثر عشيرة من الآخر فأبى أن يحاكمه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فتدافعا وتقاتلا بالأيدي والنعال فنزلت الآية فيهما. PageV11P7000 # قوله: {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين}. # [أي: أعدلوا في حكمكم بينهم إن الله يحب المقسطين] العادلين في أحكامهم. # يقال قسط الرجل: إذا جار، وأقسط إذا عدل. # قال: {إنما المؤمنون إخوة}. # أي: إنما المؤمنون إخوة في الدين فأصلحوا بينهم إذا اقتتلوا بأن تحملهم ~~على حكم كتاب الله عز وجل. # { واتقوا الله} أي: وخافوه في حكمكم فلا تحيفوا. # {لعلكم ترحمون} أي: افعلوا ذلك ليرحمكم ربكم. # قال: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم}. # أي: لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين لعل (المستهزئ منه خير من الهازئ)، ~~وكذلك النساء. # " وقوم " في كلام العرب يقع للمذكرين ms2466 خاصة، ويجوز أن يكون فيهم نساء على ~~المجاز. PageV11P7001 # وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لجماعة المذكرين قوم لأنه أريد جمع قائم ~~فهذا أصله ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين. # فقوم عنده جمع قائم " كزائر وزور، وصائم وصوم، ونائم ونوم ". # وقيل: سميت الجماعة قوما لأنهم يقومون مع داعيهم في النوائب والشدائد ~~ومثل ذلك قولهم لقوم الرجل نفره، فهو جمع نافر؛ لأنهم ينفرون معه إذا ~~استنفرهم، قال مجاهد: لا يسخر قوم من قوم هو سخرية الغني بالفقير لفقره، ~~ولعل الفقير أفضل عند الله من الغني. # وقال ابن زيد: معناه لا يسخر من ستر الله على ذنوبه ممن (كشف الله ~~سبحانه) في الدنيا ستره، لعل ما أظهر الله عز وجل على هذا في الدنيا خير له ~~في الآخرة من أن يسترها عليه في الدنيا، فلست أيها الهازئ على يقين أنك ~~أفضل منه بستر الله عز وجل عليك في الدنيا هذا معنى قوله. PageV11P7002 # ويروى أن هذه الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل بن هشام قدم المدينة مسلما ~~فكان يمر بالمؤمنين فيقولون: هذا ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنهاهم أن يقولوا ذلك /، ونزلت الآية عامة فيه وفي ~~غيره. # ثم قال: {ولا تلمزوا أنفسكم} / أي: لا يطعن بعضكم على بعض. # وقال: أنفسكم لأن المؤمنين كرجل واحد. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما المؤمنون كالجسد الواحد غذا اشتكى ~~منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر ". # يقال: " لمزه يلمزه ويلمزه لمزا إذا عابه وتنقمه ". # قال علي بن سليمان: اللمز الطعن على الإنسان بالحضرة، والهمز في الغيبة. # قال المبرد: اللمز يكون باللسان، والعين (تعيبه وتجدد) إليه النظر وتشير ~~إليه بالاستنقاص، والهمز لا يكون إلا باللسان في الحضرة والغيبة وأكثر ما ~~يكون في PageV11P7003 # الغيبة، وقال النبز: اللقب الثابت، والمنابزة: الإشاعة والإذاعة. # قال الطبري: النبز واللقب واحد. # قال الضحاك: نزلت هذه الآية في بني سلمة قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة وما منهم رجل إلا وله إسمان ms2467 وثلاثة، فكان إذا دعي الرجل بالاسم ~~قالوا إنه يغضب من هذا، فنزلت {ولا تنابزوا بالألقاب}. # وقيل معناه: قول الرجل للرجل يا فاسق يا زاني، يا كافر يا منافق قاله ~~عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد. PageV11P7004 # وقال ابن عباس: هو تسمية الرجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسق بعد التوبة. # وقال الحسن: هو اليهودي والنصراني يسلمان فنهي أن يقال لهما يا يهودي يا ~~نصراني بعد إسلامه. # وقيل: هو دعاء الرجل للرجل بما يكره من إسم أو صفة أو لقب، وهذا قول جامع ~~لما تقدم. # ثم قال: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}. # أي: من فعل هذا الذي نهي عنه فسخر من أخيه المؤمن ونبزه بالألقاب فهو ~~فاسق. # وبين الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا أن تسموا فساقا، ~~ففي الكلام حذف وتقديره ما ذكرنا. # وقال ابن زيد: معناه بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه ~~وتوبته. # ثم قال: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}. # أي: ومن لم يتب عن نبزه أخاه وسخريته منه فهو ظالم نفسه. # قال: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم}. PageV11P7005 # أي: تجنبوا أن تظنوا بالمؤمنين شرا، فإن الظن غير محق، وإنما قال: " ~~كثيرا " ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن قد يكون في الخير فتظن بأخيك ~~المؤمن خيرا، وذلك حسن، فلو قال: اجتنبوا الظن كله يمنع أن يظن الإنسان ~~بأخيه خيرا، ولذلك قال: إن بعض الظن إثم، أي: إن ظنك بأخيك المؤمن الشر لا ~~الخير إثم لأن الله عز وجل قد نهاك عنه. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إياكم والظن فإنه أكذب ~~الحديث فلا ينبغي لأحد أن يظن شرا بمن ظاهره حسن، ولا بأس أن نظن شرا بمن ~~ظاهره قبيح ". # قال مجاهد: خذوا ما ظهر واتركوا ما ستره الله عز وجل. # ثم قال: {ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا}. # أي: ولا يتبع بعضكم عورة بعض، فيبحث عن سرائره ليطلع على عيوبه. قال ابن ~~عباس: نهى الله عز وجل ms2468 المؤمن أن يتبع عورات المؤمن. PageV11P7006 # قال مجاهد: ولا تجسسوا: خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستره الله وهو معنى قول ~~قتادة. # والتجسس والتحسس (سواء في اللغة). # وقوله: {ولا يغتب بعضكم بعضا}. # أي: لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب ما يكره أن يقال له في وجهه، وسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: " هو أن تقول لأخيك ما فيه، فإن ~~كنت صادقا فقد اغتبته، وإن كنت كاذبا فقد بهته ". # قال مسروق: إذا ذكرت الرجل بأسوأ ما فيه فقد اغتبته، وإن ذكرته بما ليس PageV11P7007 # فيه فقد بهته. # قال الحسن: الغيبة أن تذكر من أخيك ما تعلم فيه من مساوئ أعماله، فإذا ~~ذكرت بما ليس فيه فذلك البهتان. # قال ابن سيرين: إن علمت أن أخاك يكره أن تقول ما أشر سواد شعره ثم قلته ~~من ورائه فقد اغتبته. # وقالت عائشة رضي الله عنها: قلت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم في ~~امرأة: ما أطول ذراعها، فقال: قد اغتبتها فاستحلي منها. # وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الغيبة أشد من الزنا لأن ~~الرجل يزني فيتوب الله عليه، [والرجل يغتاب الرجل فيتوب، فلا يتاب عليه حتى ~~يستحله] ". # ثم قال: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا}. PageV11P7008 # أي: أنتم تحبون أن تأكلوا لحم الميتة، وتكرهونه فكذلك يجب / أن تكرهوا ~~الغيبة للحي فإن الله حرم غيبة المؤمن حيا كما حرم أكل لحمه ميتا. # قال ابن عباس: معناه كما أنت كاره أكل لحم الميتة المدودة فاكره غيبة ~~أخيك كذلك، فأكل الميتة حرتم في الشريعة مكروه في النفوس مستقذر فضرب الله ~~مثلا للغيبة، فجعل المغتاب كآكل لحم / الميتة. # والعرب تقول: ألحمتك فلانا: أي: أمكنتك من عرضه. # وقوله: {فكرهتموه}. # [أتى] بالماضي على تقدير فقد كرهتموه، ففيه معنى الأمر، ودل على ذلك ~~قوله: {واتقوا الله} عطف عليه وهو أمر. # وقال الكسائي: فكرهتموه معناه: فينبغي أن تكرهوه. # قال المبرد: معناه فكرهتم أن تأكلوه. # ثم قال: {واتقوا الله إن الله تواب رحيم}. # أي: وخافوا الله أن تقدموا ms2469 على فعل ما نهاكم عنه من الظن السوء وتتبع ~~عورات المسلم والتجسس على ما خفي عنك باغتياب أخيك المسلم وغير ذلك مما PageV11P7009 # نهاك عنه، إن الله تواب على من تاب إليه: أي: رجع إليه، رحيم به أن ~~يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها. # قوله: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}. # أي: خلقناكم من آدم وحواء، يعني من ماء ذكر وماء أنثى. # قال مجاهد: خلق الله عز وجل الولد من ماء الرجل وماء المرأة. # ثم قال: {وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا}. # أي: وجعلناكم متناسبين يناسب بعضكم بعضا فيعرف بعضكم بعضا، فيقال فلان ~~ابن فلان من بني فلان فيعرف قرب نسبه من بعده فالأفخاذ أقرب [من القبائل ~~والقبائل أقرب] من الشعوب. # قال مجاهد: شعوبا هو النسب البعيد، والقبائل دون ذلك. PageV11P7010 # وكذلك قال قتادة والضحاك. # قال ابن عباس: الشعوب الجماع، والقبائل البطون. # وقال ابن جبير: الشعوب الجمهور، والقبائل الأفخاذ. # وواحد الشعوب شعب بالفتح، والشعب عند أهل اللغة: الجمهور مثل مضر تقسمت ~~وتفرقت، ثم يليه القبيلة لأنها يقابل بعضها بعضا، ثم العمارة ثم البطن ثم ~~الفخذ وهو أقربها. # وقيل: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. # ثم قال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. # أي: أفضلكم عند الله أتقاكم لارتكاب ما نهى الله سبحانه عنه، وأعمالكم ~~لما PageV11P7011 # أمر الله تعالى به ليس فضلكم بأنسابكم إنما الفضل لمن كثر تقاه. # قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأل عن غير الناس فقال: " آمرهم ~~بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم وأتقاهم ". # قال أبو هريرة: ينادي مناد يوم القيامة إنا جعلنا نسبا وجعلتم نسبا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ليقم المتقون، فلا يقوم إلا من كان كذلك. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أخير الناس من طال عمره وحسن ~~عمله ". # وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " لتعرفوا أن أكرمكم عند الله بفتح " أن " PageV11P7012 # وتعرفوا على مقال تضربوا، على معنى جعلهم شعوبا وقبائل لكي يعرفوا أن ~~أكرمهم عند الله أتقاهم، ومجاز هذه القراءة: جعلهم كذلك ليعرفوا أنسابهم؛ ~~لأن ms2470 أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لأن: " تعرفوا " عملت في: " أن " لأنه لم ~~يجعلهم شعوبا قبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، إنما جعلهم كذلك ~~ليعرفوا أنسابهم. # وكسر " أن " أولى وأتم في المعنى المقصود إليه بالآية. # ثم قال: {إن الله عليم خبير}. # أي: ذو علم، بأتقاكم عنده وأكرمكم، وذو خبر بكم وبمصالحكم. PageV11P7013 # ثم قال: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}. # أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا. # والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له. # والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله. # وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى ~~الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين ~~إيمان ظاهر/ لا باطن معه نحو قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ~~ظاهر لا باطن معه كالذي في هذه السورة. # والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر ~~والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهرا غير باطن فليس بإيمان ~~إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح. # وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا PageV11P7014 # بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم. # فرد الله عليهم قولهم " آمنا " إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا ~~أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام / قول، والإيمان قول ~~وعمل. # قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل. # قال ابن زيد قوله: {قل لم تؤمنوا} أي: لم تصدقوا قولكم بعملكم. # ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا}. # قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا. # وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة ~~قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله عز وجل أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء ~~المهاجرين. PageV11P7015 # وقيل إنهم ms2471 منوا على النبي صلى الله عليه وسلم بإيمانهم فأعلمهم الله عز ~~وجل أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء ~~والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منوا به، ودليله قوله بعد ذلك {يمنون ~~عليك أن أسلموا} [الحجرات: 17]. # وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقا، إنما ~~نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله فقالوا آمنا ولم ~~نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. # ثم قال تعالى ذكره: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}. # أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل. # ثم قال: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا}. # أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب ~~أعمالكم شيئا في الآخرة) ولا يظلمكم. # قال ابن زيد معناه: " إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجازوا PageV11P7016 # عليه. # يقال: ألته ويألته ولآته يليته لغتان بمعنى: نقصه، فمن قرأ " لا يلتكم " ~~فهو من لات يليت، وتصديقها في المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت ~~همزة لم تختصر من الخط. # ومن قرأ " يالتكم " فهو من ألت يألت. # فأما قوله: {ومآ ألتناهم من عملهم} [الطور: 21] فهو من ألت يألت، (ولو ~~جاء على اللغة) الأخرى لقيل، وما ألتناهم. وهذه لغة هذيل. # وبذلك قرأ ابن مسعود وأبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا PageV11P7017 # " يلتكم " من لات يليت، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في " والطور " بألف ~~قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي " الطور من ألت " فإنما جمع بين ~~اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه قوله: {فهي تملى ~~عليه} [الفرقان: 5]، فهذا من أملى يملي. # ثم قال في موضع آخر: {فليملل وليه} [البقرة: 282]، فهذا من أمثال، يقال ~~أملى عليه وأمال عليه: لغتان، ومثله قوله: {فسوف نصليه نارا} [النساء: 55] ~~فهذا من أمليت. # وقال في موضع آخر {ثم الجحيم صلوه} [الحاقة: 31] فهذا من صليت. # ومثله قوله: {كيف ms2472 يبدئ الله الخلق} [العنكبوت: 18] من أبدأ، وقال: {كيف ~~بدأ الخلق} [العنكبوت: 19] من بدأته، يقال: أبدأه وبدأه لغتان. PageV11P7018 # وقد قرأ ابن كثير: ألتناهم بكسر اللام، وهي لغة أيضا. يقال: ألت يألت ~~وألت يألت. # ثم قال: {إن الله غفور رحيم}. PageV11P7019 # أي: غفور للذنوب لمن تاب منها رحيم أن يعذب أحدا بعد توبته. # ثم قال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله}. # أي: صدقوا بما أنزل الله، وبرسول الله بقلوبهم، وأقروا به بألسنتهم، ~~وقبلوا ما أمروا به، وانتهوا عما نهوا عنه، ثم لم يشكوا في ذلك. # {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} أي: هم الذين ~~صدقوا في قولهم / إنا مؤمنون. # قال: {قل أتعلمون الله بدينكم} أي: أتعلمونه بطاعتكم وما أضمرت قلوبكم، ~~وهو يعلم ما غاب عنكم في السماوات والأرض. # لا يخفى عليه شيء من ذلك، فكيف يخفى ما تخفي صدوركم. # {والله بكل شيء عليم} أي: ذو علم بجميع الأشياء. # قال: {يمنون عليك أن أسلموا}. # أي: يمنون عليك يا محمد بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا علي إسلامكم بل الله ~~يمن عليكم بهدايته لكم إلى الإيمان، ولولا توفيقه لكم ما أسلمتم، فالمنة له ~~لا إله إلا هو إن كنتم صادقين في قولكم (أنكم آمنتم)، فالمنة في ذلك عليكم ~~لله عز وجل، ولا منة لكم على الله، وذلك " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يفضل المهاجرين بالعطاء ليستألفهم على PageV11P7020 # الإسلام فكرهت الأنصار ذلك وتكلمت، فأنزل الله عز وجل { يمنون عليك أن ~~أسلموا} الآية، فلما نزلت أتى الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبكون ~~فقالوا يا رسول الله جئتنا ونحن ضلال فهدانا الله بك، وجئتنا ونحن أذلة ~~فهدانا الله بك، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لئن قلتم إنك جئتنا ~~ذليلا فأعززناك ومطرودا فآويناك، فقالت الأنصار بل لله ورسوله المنة علينا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الناس دثاري وأنتم شعاري، ولو سلك الناس ~~واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت أحدا من ~~الأنصار " ". # قال: {إن الله يعلم غيب ms2473 السماوات والأرض} أي: يعلم ما غاب فيها لا يخفى ~~عليه [شيء]، فهو يعلم الصادق منكم من الكاذب في دعواه، فلا يخفى عليه ما ~~تكنه صدوركم. PageV11P7021 # ثم قال: {والله بصير بما تعملون} أي: ذو بصر بأعمالكم لا يخفى عليه منها ~~شيء فهو محصيها عليكم حتى يجازيكم بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. PageV11P7022 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ق مكية # سورة ق مكية: قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد) إلى قوله: (فحق وعيد) [1 - ~~14]. # روى عطاء والضحاك عن ابن عباس: أن ق اسم جبل بالدنيا من زبرجدة خضراء وأن ~~السماء عليه مقبية أقسم الله جل ذكره به. # وقال ابن عباس: " ق " و " ن " وأشباه هذا قسم أقسم الله به، وهو اسم من ~~أسماء الله. PageV11P7023 # وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن، وعنه: أنه اسم من أسماء السور، والوقف ~~على ق، في هذه الثلاثة تقديرات، حسن. # وقال الفراء: معنى ق، " قفي الأمر والله "، فاكتفى بالقاف عن الجملة كما ~~قال: " قلت لها قفي لنا، فقالت قاف "، أي: قد وقفت، أي: أي: فاكتفى بالقاف ~~عن PageV11P7024 # الجملة، وتقف على " قاف " في هذا القول إلا أن تجعله جوابا للقسم بعده ~~فلا تقف عليه، فإن أضمرت الجواب وقفت على قاف، وكذلك التقدير في القول الذي ~~بعده، وهو قول مجاهد. # وقال مجاهد: ق جبل محيط بالأرض، وقيل: إنه من زمردة خضراء وإن خضرة ~~السماء والبحر منه. # وقوله: {والقرآن المجيد} قسم، والمجيد: الكريم. # وقيل: الرفيع القدر. # واختلف في جواب القسم، فقيل: الجواب {بل عجبوا} لأن " بل " تؤكد وتوجب ~~وقوع ما بعدها. مثل " أن " و " اللام "، وقولك " لقد عجبوا " و " بل عجبوا ~~" واحد. # وقال الأخفش سعيد، الجواب: قد علمنا ما تنقص الأرض، أي: قد علمنا PageV11P7025 # ذلك، وهو قول الكسائي. # وقال الزجاج: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن. # وقيل التقدير: والقرآن المجيد لتعلمن عاقبة تكذيبكم بالبعث، ودل على ذلك ~~ما حكى الله عنهم من قولهم {أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} [ق: 3]. # وقيل الجواب (ق لأنه) بمعنى قفي الأمر والقرآن المجيد. # وقيل ms2474 الجواب (ق): وعلى تقدير هو " ق " والقرآن المجيد، وهذا على قول ابن ~~زيد ووهب بن منبه لأنهما قالا " قاف " اسم للجبل المحيط بالأرض. PageV11P7026 # وقيل الجواب {إن في ذلك لذكرى}. # قال تعالى: {بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم}. # أي: لم يكذبك قريش يا محمد لأنهم لا يعرفونك بل لتعجبهم وإنكارهم من بشر ~~/ مثلهم ينذرهم بأمر الله عز وجل. # { فقال الكافرون هذا شيء عجيب}. # قال بعض أهل المعاني: (العجب وقع من المؤمنين) والكافرين فقيل بل عجبوا ~~أن جاءهم منذر منهم. # ثم ميز الله الكافرين من المؤمنين [فقال تعالى]: {فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب * أءذا متنا} الآية فوصفهم بإنكار البعث، ولم يقل: بل عجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم فقالوا هذا شيء عجيب. # ثم بين قول الكافرين من جميع من تعجب من إرسال منذر، فآمن المؤمنون PageV11P7027 # مما تعجبوا منه، وكفر الكافرون به. # ثم قال تعالى حكاية عن قولهم أنهم قالوا: {أءذا متنا}، وإنما جواب منهم ~~لإعلام النبي صلى الله عليه وسلم لهم، أنهم يبعثون، فأنكروا ذلك فقالوا: # {أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} أي: أنبعث إذا كنا في قبورنا ترابا؟ ~~وقوله: {أءذا متنا}: إنما هو جواب منهم لإعلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهم أنهم يبعثون ويجازون بأعمالهم. # ودل على ذلك قوله: {أن جآءهم منذر منهم} لأن المنذر أعلمهم أنهم يبعثون ~~فأنكروا ذلك، فقالوا: أئذا متنا وكنا ترابا، واكتفى بدلالة الكلام على ~~حكاية ما قال لهم المنذر وهو النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إنما أتى هذا الإنكار ولم يتقدم قبله شيء للجواب المضمر المحذوف، ~~والتقدير: والقرآن المجيد لتبعثن، ففهموا ذلك فقالوا جزابا: أنبعث إذا كنا ~~ترابا، إنكارا للبعث. PageV11P7028 # وقيل: أن " أئذا متنا " جواب لما قيل لهم، إذ أنكروا إتيان منذر منهم، ~~وقالوا هذا شيء عجيب، فقيل لهم ستعلمون عاقبة إنكارهم إذا بعثتم بعد موتكم، ~~فقالوا منكرين: أئذا متنا وكنا ترابا نبعث. # ومعنى: {ذلك رجع بعيد} أي: ذلك بعث لا يكون. # {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم}. # أي: قد علمنا ما تأكل الأرض ms2475 من أجسامهم [بعد موتهم، وعندنا كتاب محفوظ ~~بما تأكل الأرض منهم. # قال مجاهد: ما تأكل الأرض منهم أي: عظامهم]. # وقال ابن عباس: من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، وما يبقى، فالذي ~~يبقى من الإنسان هو عجب الذنب ومنه يتركب عند النشور. # وروى أبو سعيد الخدري: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأكل التراب ~~كل شيء من الإنسان إلا عجب الذنب، فقيل: وما هو يا رسول الله، فقال مثل حبة ~~خردل منه تنشرون ". PageV11P7029 # وقيل معناه: وقد علمنا ما يدخل (في الإسلام من بلدان المشركين). # قال: {بل كذبوا بالحق لما جآءهم} يعني بالقرآن. # {فهم في أمر مريج} أي: مختلط ملتبس لا يعرفون حقه من باطله. # وقال ابن عباس: المريج الشيء المنكر، وعنه مريج: مختلف، وعنه في أمر ~~ضلالة. PageV11P7030 # وقال (ابن جبير ومجاهد) مريج: ملتبس. # وقال ابن زيد في المختلط: يقال مرج الخاتم في أصبعه: إذا اضطرب من ~~الهزال، فتقديره: فهم في أمر مختلط مختلف، لا يثبتون على رأي: واحد ولا على ~~قول، يقولون مرة ساحر، ومرة معلم، ومرة كاهن، ومرة مجنون /، ثم دلهم جل ~~ذكره على وحدانيته وآياته فقال: # {أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها وزيناها}. # أي: أفلم ينظر هؤلاء المنكرون للبعث بعد الموت كيف خلقنا السماء فوقهم ~~بغير عمد يرونها، وكيف زيناها بالنجوم وليس فيها فتوق ولا شقوق فيعلمون أن ~~من قدر على هذا الأمر العظيم الجليل وأحدثه لا يتعذر عليه إحياء الموتى على ~~صغر خلقهم وقد نبه على هذا بقوله تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس} [غافر: 56]. # قال: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي}. # أي: وينظرون إلى الأرض كيف مددنا مسطحة لا اعوجاج فيها وجعلنا على PageV11P7031 # جوانبها جبالا تمسكها لئلا تميد بأهلها، وكيف أنبتنا فيها من كل جنس من ~~النبات فيبهج من رآه ويسره، فمن قدر على اختراع هذا كله كيف يعجز عن إحياء ~~الموتى بعد موتهم. # وقيل بهيج: حسن، قاله ابن عباس. # أي: فعل ذلك نعمة منه يبصرها / العباد فيستدلون على عظيم قدرته، وأنه لا ~~يعجزه شيء ms2476 أراده، ويتذكرون به فيتعظون ويزدجرون عن مخالفة أمره ونهيه. # والمنيب: التائب، قاله قتادة: وقيل منيب: مخبت، قاله مجاهد. # و {تبصرة وذكرى}: مصدران أو مفعولان من أجلهما؛ أي: فعلنا ذلك " ليبصركم ~~الله " القدرة، ولتتذكروا عظمة الله فتعلموا أنه قادر على ما يشاء من إحياء ~~الموتى وغير ذلك. # قال: {ونزلنا من السمآء مآء مباركا} أي: مطرا مباركا فأنبتا به جنات، أي: PageV11P7032 # بساتين، و " حب الحصيد " يعني الزرع من البر والشعير وسائر أنواع الحبوب. # قال الفراء: الحصيد: هو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الحب هو الحصيد. # والتقدير عند البصريين، وحب النبت الحصيد. # أي: وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة، ونضيد بمعنى منضود أي: مكتنز ~~منضم متراكب. # قال: {رزقا للعباد} " رزقا " مصدر أو مفعول من أجله. # ثم قال: {وأحيينا به بلدة ميتا} أي: أحيينا بالمطر بلدة قد أجذبت وقحطت ~~فلا نبات فيها. # ثم قال: {كذلك الخروج} أي: كذلك تخرجون من قبوركم يبعث الله جل ذكره PageV11P7033 # ماء ينبت به الناس كما [ينبت به الزرع، أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد ~~موتها فأخرجنا فيها النبات والزرع بالمطر]. كذلك يبعث عليكم مطرا فتحيون ~~للبعث يوم القيامة. # قال: {كذبت قبلهم قوم نوح} أي: كذبت قبل قومك يا محمد قوم نوح. # {وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الأيكة وقوم تبع ~~كل كذب الرسل فحق وعيد} # أصحاب الأيكة: قوم شعيب. # والرس: بير قتل فيها صاحب يس، قاله الضحاك. # وقال كعب: أصحاب الأخدود، وهم الذين أرسل إليهم اثنان وعزز بثالث، قال: ~~والرس: الأخدود. # قال قتادة: الأيكة: الشجر الملتف. # قال عبد الله بن سلام: كان تبع رجل من العرب ظهر على الناس فاختار فتية ~~من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وتابعهم فاستنكر ذلك قومه PageV11P7034 # وقالوا قد ترك دينكم وتابع الفتية فلما فشا ذلك قام الفتية فقالوا بيننا ~~وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في ~~أعناقهم ثم غدوا إلى النار فدخلوها فانفرجت عنهم ثم دخلت الفرقة الأخرى ~~فأحرقتهم فأسلم تبع، وكان رجلا صالحا. # وقوله: {كل ms2477 كذب الرسل} أي: كلهم كذب الرسل فوجب عليهم وعيد الله عز وجل ~~وهو النقمة بالعذاب، وهو تخويف من الله عز وجل لقريش أنهم إن تمادوا على ~~كفرهم حق عليهم الوعيد أيضا. # قوله: {أفعيينا بالخلق الأول}. # هذا توبيخ وتقريع لمن أنكر البعث بعد الموت، والمعنى: أفعيينا بابتداع ~~الخلق الذي خلقناه ولم يكن شيئا، فنعيا بإعادتهم خلقا كما كانوا بعد ~~فنائهم. أي: ليس PageV11P7035 # يعيينا ذلك، بل نحن قادرون عليه. # ثم قال: {بل هم في لبس من خلق جديد}. # أي: بل هم في شك من إعادة الخلق بعد فنائهم فلذلك أنكروا البعث بعد ~~الموت. # قال: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} أي: ما تحدثه به نفسه ~~لا تخفى عليه سرائره. # وقيل: هو مخصوص بآدم عليه السلام وما وحرمت به نفسه من أكل الشجرة التي ~~نهي عنها، ثم هي عامة في جميع الخلق لا يخفى عليه شيء من وسواس أنفسهم ~~إليهم. # ثم قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} / أي: ونحن أقرب إلى الإنسان من ~~قتل العاتق. PageV11P7036 # وقيل معناه: ونحن أملك به وأقرب إليه. # وقيل معناه: ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد. # وهنا من الله جل ذكره زجر للإنسان عن إضمار المعصية. # قال الفراء: الوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين. # وقال ابن عباس: " من حبل الوريد " أي: من عرق العنق. # وقال أبو عبيدة: حبل الوريد: حبل العاتق، والوريد عرق في العنق متصل ~~بالقلب، وهو نياط القلب، والوريد والوتين ما في القلب. # قال الأقرع: هو نهر الجسد يمتد من الخنصر أو الإبهام، فإذا كان في الفخذ ~~أو الساق فهو الساق وإذا كان في البطن فهو الحالب وإذا كان في القلب فهو ~~الأبهر وإذا كان في اليد فهو الأكحل وإذا كان في العنق فهو الوريد وإذا كان ~~في العين فهو الناظر / وإذا كان في القلب فهو الوتين. PageV11P7037 # العامل في " إذ أقرب "، أي: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى ~~المتلقيان، وهما الملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي: ms2478 قاعد، وتقديره عند ~~سيبويه: " عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ". ثم حذف الأول لدلالة الثاني ~~عليه. # فلذلك لم يقل، قعيدان، وهو قوله الكسائي. # ومذهب الأخفش والفراء: أن قعيدا يؤدى عن اثنين وأكثرمنهما كقوله: {يخرجكم ~~طفلا} [غافر: 67]. ومذهب المبرد: أن " قعيدا " ينوي به التقديم والتأخير، ~~والتقدير عنده: " عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد " فاكتفى بالأول عن ~~الثاني ومثله {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62]. # وقيل: قعيد بمعنى الجماعة، كما قال: {والملائكة بعد ذلك ظهير} [التحريم: ~~4]. PageV11P7038 # قال قتادة وغيره: المتلقيان الملكان الحافظان على الإنسان جميع أعماله ~~وألفاظه. # قال مجاهد: الذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. # أي: ما يلفظ بكلام من خير أو شر إلا كتب عليه، قاله عكرمة وغيره. # قال الحسن وقتادة: يكتب الملكان ما يلفظ به من جميع الأشياء. # قال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب قال ~~لا تعجل لعله يستغفر. # وروي: أن الله جل ذكره جعل لصاحب اليمين على صاحب الشمال سلطانا يطيعه ~~به، فإذا كان الليل قال: صاحب اليمين لصاحب الشمال ألاقيك، أطرح أنا حسنة ~~واطرح أنت عشر سيئات، حتى يصعد صاحب الحسنات لا سيئات معه. PageV11P7039 # ويروى أن مجلس الملك على باب الإنسان الذي وكل به، وقلم الملك لسان ~~الإنسان، ومداده ريق الإنسان، وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم (بكيفية ~~ذلك). # ويروى أن رجلا قال لبعيره: حل، فقال صاحب الحسنات، ما هي بحسنة فاكتبها ~~وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة فاكتبها، فأوحى الله عز وجل إلى صاحب ~~الشمال: ما ترك صاحب اليمين فاكتب. # (وروت أم حبيبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كلام ابن آدم عليه ~~السلام عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله عز وجل) ". # وقال [عمرو بن الحارث]: بلغني أن رجلا إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين ~~لصاحب الشمال أكتب فيقول لا بل أنت فيمتنعان فينادي مناديا صاحب الشمال: PageV11P7040 # أكتب ما ترك صاحب اليمين. # وقال أبو صالح: في قول الله جل ms2479 ذكره: {يمحوا الله ما يشآء ويثبت} [الرعد: ~~40] أن الملائكة تكتب كل ما تكلم به الإنسان فيمحو الله عز وجل منه ما ليس ~~له وما ليس عليه ويثبت ما له وما عليه، وهذا القول موافق لقول الحسن وقتادة ~~أن الملكين يكتبان كل ما يقول الإنسان ويعمل من جميع الأشياء. # وقوله: {رقيب عتيد} معناه حافظ حاضر يكتب عليه ويحفظه. # وقيل: عتيد معناه معد، وفعيل يأتي بمعنى فاعل نحو قدير بمعنى قادر وهو ~~كثير، ويأتي بمعنى مفعول نحو سميع بمعنى مسمع. PageV11P7041 # وأليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مفعول، نحو قتيل بمعنى مقتول وهو كثير، ~~ويأتي بمعنى الجمع نحو ما ذكرنا من قعيد وله نظائر. # (وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل وكل بعبده ~~ملكين يكتبان عمله، فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به: ربنا قد مات عبدك ~~فلان بن فلان فتأذن لنا فنصعد إلى السماء فيقول سمائي مملوءة من ملائكتي، ~~فيقولان ربنا فنقيم في الأرض، فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي ~~فيقولان ربنا فأين، فيقول قوما عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني ~~وهللالي واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون) ". # قال: {وجاءت سكرة الموت بالحق}. # أي: وجاءت شدة الموت وغلبته على فهم الإنسان بالحق من أمر الآخرة. # وقيل المعنى: (وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت). PageV11P7042 # وفي قراءة عبد الله: " وجاءت سكرة الحق بالموت "، وكذلك [قال] أبو بكر ~~رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه لعائشة رضي الله عنها. # ومعنى هذه القراءة: أن الحق هو الله، فالمعنى وجاءته سكرة الله بالموت. # وقيل: الحق هنا الموت، فالتقدير وجاءت سكرة الموت بالموت فالحق هو الموت ~~الذي / حتمه الله على جميع خلقه. # ثم قال: {ذلك ما كنت منه تحيد} أي: السكرة التي جاءتك أيها الإنسان، ~~والموت الذي أتاك هو الذي كنت منه تهرب، وعنه تروع. # قد تقدم صفة النفخ في الصور، ومعنى الصور، والاختلاف فيه في غير موضع. # فالمعنى ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور، وهو اليوم الذي وعدكم الله ms2480 عز ~~وجل فيه أن يبعثكم ويجازيكم بأعمالكم. # ثم قال: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) [21]. PageV11P7043 # أي: وجاءت يوم القيامة كل نفس معها سائق يسوقها إلى الله عز وجل حتى ~~يوردها الموقف، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر، قاله ~~الحسين والربيع وقتادة وغيرهم. # قال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. # وقال مجاهد: هما الملكان. # وقال الضحاك: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل، ~~والملائكة أيضا تشهد عليهم، والأنبياء يشهدون عليهم. # وقال ابن زيد: يوكل به ملك يحصي عليه عمله، ويشهد به عليه وملك يسوقه إلى ~~محشره. # وقال أبو هريرة: السائق والشهيد نفسه. PageV11P7044 # وقيل: السائق شيطان النفس يكون خلفها، والشهيد ملكه. # وهذه الآية إلى " حديد " في قول أكثر العلماء يراد بها البر والفاجر، وهو ~~اختيار الطبري. # وقيل: عني بها النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: عني بها المشركون وهو قول الضحاك، والقول الثاني روي عن زيد بن ~~أسلم: يريد به استنقاذ الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم مما كان عليه ~~في الجاهلية، ودل على ذلك قوله: {ووجدك ضآلا فهدى} [الضحى: 7] والقول الأول ~~أولى بالصواب والله أعلم. # أي: لقد كنت أيها الإنسان في غفلة في الدنيا عما يراد بك وعما يحصى عليك ~~إذ لم تعاينه، فكشفنا عنك الغطاء الآن فنظرت إلى الأهوال والشدائد فزالت ~~الغفلة. # قال ابن عباس: هذا للكافر خاصة، لأن المؤمن قد آمن بجميع ما يقدم عليه ~~فلم يكن عليه غطاء، وكذلك قال مجاهد وسفيان. PageV11P7045 # وقال ابن زيد هو للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة أي: كنت مع القوم في ~~جاهليتهم فهديناك إلى الإسلام، وأعلمناك ما يراد بك فكشفنا عنك الغطاء الذي ~~كان عليك في الجاهلية. # وقد احتج زيد بن أسلم في هذه الآيات أنها للنبي صلى الله عليه وسلم { ألم ~~يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضآلا فهدى} [الضحى: 7] فيكون الكشف على قوله في ~~الدنيا، وعلى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان يوم القيامة. # وقيل: بل هذا لجميع الخلق، البر والفاجر، لأن ms2481 المعاينة ليست كالخبر. # وعن ابن عباس: {فكشفنا عنك غطآءك} قال: هو الحياة بعد الموت. # ثم قال: {فبصرك اليوم حديد}. # أي: فأنت اليوم حاد النظر، عالم بما كنت تخبر به علم معاينة لا علم خبر. PageV11P7046 # والبصر هنا يراد به بصر القلب، كما يقال: فلان بصير بالفقه. # أي: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به ربه يوم القيامة ومعه سائق وشهيد: ~~هذا ما عندي حاضر مما كتبت عليه. # قال ابن زيد: هو سائق الذي وكل به. # قال قتادة قرينه: الملك. # وقيل قرينه: شيطانه. # وقيل معنى عتيد: معد. # وقيل معناه: قال قرين الكافر هذا ما عندي من العذاب له حاضر. # [وقيل معناه: قال قرينه من زبانية جهنم هذا ما عندي من العذاب حاضر]. # ثم قال: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) [24]. PageV11P7047 # قال الفراء والكسائي: " ألقيا " مخاطبة للقرين. # قال الفراء: والعرب تخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، فيقول: " يا رجل قوما ~~". # وأنشد: # خليلي مرابي على أم جندب ... [لنقضي لبانات] الفؤاد المعذب # وإنما خاطب واحدا، واستدل على ذلك بقوله في القصيدة: # ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطب PageV11P7048 # وقيل: إنما ثني (ألقيا)، لأن قرينا يقع للجماعة والاثنين كقوله: ~~{والملائكة بعد ذلك ظهير} [التحريم: 4]، وكقوله: {عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد} [ق: 17]، على قول من رأى ذلك، وقد تقدم ذكره. # وقيل: إنما قال ألقيا على شرط تكرير الفعل كأنه قال: ألق، ألق، فالألف ~~تدل على التكرير /، وهو قول المبرد. # وقيل: هو مخاطبة للملكين، السائق والشهيد، والعنيد: المعاند للحق المجانب ~~له. # وقيل العنيد: الجاحد للتوحيد. # قوله: {مناع للخير معتد مريب}. PageV11P7049 # قال قتادة: مناع للخير: أي: للزكاة المفروضة. # معتد: متعد على حدود الله، مريب: شاك في الله وفي قدرته. # وقيل مريب: يأتي الأمور القبيحة. # وقيل الخير هنا: المال، يمنع أن يخرجه في حقه، معتد: متعد على الناس ~~بلسانه وبطشه ظلما. مريب: شاك. # ثم بينه تعالى فقال: {الذي جعل مع الله إلها آخر} أي: هو الذي أشرك بالله ~~غيره فجعل معه إلها آخر يعبده. # أي: قال قرين هذا ms2482 الكافر الذي عبد مع الله غيره، وقرينه شيطانه، قاله ابن ~~عباس وغيره. # قال ابن زيد: قال قرينه من الجن ربنا ما أطغيته، تبرأ منه، والمعنى أنه ~~تبرأ من PageV11P7050 # كفره، وقال ما أجبرته على الكفر، إنما دعوته فاستجاب لي، لأنه كان على ~~طريق جائر عن الصواب، فأعلم الله عز وجل عباده بتبري بعضهم من بعض يوم ~~القيامة، وقد مضى ذلك في مواضع. # (أي: قال لهما عز وجل) لا تختصما إلي اليوم وقد قدمت إليكم في الدنيا ~~بالوعيد على الكفر على لسان رسلي وكتبي. # قال ابن عباس: اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم، وإنما ~~قال لهم " لا تختصموا " ولم يتقدم إلا ذكر الاثنين؛ لأن قبله الأخبار عن ~~جماعة في قوله: {كل كفار عنيد} [ق: 23]، وفي قوله: {وجآءت كل نفس} [ق: 21]، ~~وبعده خطاب للجماعة في قوله: {وقد قدمت إليكم}. # فالمراد كل من اختصم مع قرينه، فهم جماعة ليس المراد به اثنين فقط، بل كل ~~كافر اختصم مع قرينه، ويجوز أن يكون جمع تختصموا؛ لأن الاثنين جماعة والأول ~~أبين. PageV11P7051 # قال: {ما يبدل القول لدي} أي: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، ~~وهو قوله: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 118]. # قال مجاهد معناه قد قضيت ما أنا قاض. # وقيل: معناه قد قضيت الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها. # ثم قال {ومآ أنا بظلام للعبيد} أي: لا أحدا بجرم أحد. # أي: يوم يقول لجهنم هل أمتلئت لما سبق من وعيده في قوله: {لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين} [هود: 118] وذلك يوم القيامة. وقوله: {وتقول هل من ~~مزيد}. # قال ابن عباس: إن الله قد سبقت كلمته لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين، فلما بعث الناس يوم القيامة، وسيق أعداء الله إلى النار زمرا، ~~جعلوا يقتحمون في PageV11P7052 # جهنم فوجا، لا يلقى في جهنم فوج إلا ذهب فيها لا يملؤها شيء فقالت: ألست ~~[قد] أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين، قال: فوضع قدمه عليها، فقالت ~~حين وضع قدمه عليها: [قد امتلأت فليس من مزيد ms2483 ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت ~~مس ما وضع عليها] فتضايقت حين جعل عليها ما جعل فامتلأت فما فيها موضع ~~إبرة. # قال مجاهد: وتقول هل من مزيد، قال: وعدها ليملأنها فقال هلا وفيتك (قالت ~~وهل من مسلك)، فمعنى {هل من مزيد} ما من مزيد على هذين القولين. # وحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له بمكة: " ألا تنزل دارا من ~~دورك فقال: " وهل ترك لنا عقيل من دار " " أي: ما ترك لنا دارا حين باعها ~~وقت. الهجرة فالتقدير: PageV11P7053 # هل في من مسلك (وقد امتلأت). فلا زيادة في. # وقال أنس بن مالك: يلقي في جهنم وتقول هل من مزيد؛ أي: زدني ثلاثا، حتى ~~يضع قدمه فيها فتنزوي بعضها إلى بعض فتقول: قظ ثلاثا، وهو قول ابن زيد. # فمعنى {هل من مزيد} على هذين القولين: زدني، تسأله أن يزيد فيها من ~~الخلق، وعلى. القولين الأولين: لا مزيد في قد امتلأت، فلا موضع لأحد في وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد ~~فيقوم رب العالمين فيجعل قدمه فيها فتقول قط قط ". # ومعنى قدمه: أي: من تقدم في عمله أنه يدخله النار، ومنه قوله تعالى {وبشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] [أي] سابقة خير. # ومن روى الحديث " حتى يضع الجبار فيها قدمه " احتمل التفسير الأول، أي: PageV11P7054 # حتى يضع لها من تقدم في علمنه أنه يدخل النار، ويحتمل أن يكون / المعنى: ~~حتى يضع الجبارون المتكبرون على الله فيها أقدامهم بأجمعهم، والواحد يدل ~~على الجمع. # وقال أبو هريرة: " اختصمت الجنة والنار، فقالت: الجنة ما لي إنما يدخلني ~~فقراء المسلمين وسقاطهم، وقالت النار: ما لي إنما يدخلني الجبارون ~~والمتكبرون ". # فقال تعالى ذكره: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء [وأنت عذابي أصيب به من ~~أشاء] ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما ~~شاء، وأما النار فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ويلقون فيها فتقول هل من ms2484 ~~مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فهناك تملأ وتنزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط. # أي: أدنيت الجنة وقربت للذين آتقوا ربهم. PageV11P7055 # قال {هذا ما توعدون} أي: يقال لهم هذا الذي كنتم توعدونه / أيها المتقون. # {لكل أواب حفيظ} أي: لكل راجع عن معصية الله عز وجل تائب من ذنوبه. # وقيل هو المسبح، قال أبن عباس، قال: لكل أواب: لكل مسبح، وهو قول مجاهد. ~~وعن مجاهد أنه قال هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا، فيستغفر منها، وكذا روى عن ~~الشعبي. # (وقال الحسن: الأواب: الرجل معلق قلبه عند الله). # وقال قتادة لكل أواب حفيظ: أي: لكل مطيع لله عز وجل، كثير الصلاة. # وقال ابن زيد الأواب الثواب. # قال ابن عباس حفيظ: أي: حفظ ذنوبه حتى تاب منها. # وقيل: معناه حفيظ على فرائض الله، أي: محافظ عليها. PageV11P7056 # وقال قتادة: حفيظ: ما استودعه الله عز وجل من حقه ونعمته. # قال: {من خشي الرحمن} " من " بدل من " أواب " أو من " كل "، والمعنى: من ~~خاف الرحمن في الدنيا وخشي عذابه. # {وجآء بقلب منيب} قال قتادة: بقلب منيب إلى ربه؛ أي: راجع إلى رضا ربه. # قال فضيل: المنيب: الذي يذكر ذنوبه في الخلا ويستغفر منها. # قال {ادخلوها بسلام ذلك} أي: ادخلوا الجنة بسلامة وبأمان من الهم والنصب ~~والعذاب والموت وجميع المكاره والأحزان. # ثم قال {يوم الخلود} أي: ذلك اليوم الذي يدخلون فيه الجنة هو يوم PageV11P7057 # المكث في النعيم المقيم. # قال {لهم ما يشآءون فيها} أي: لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم. # {ولدينا مزيد} أي: وعندنا ما أعطيناهم زيادة، قيل: هو النظر إلى الله جل ~~ذكره. وقيل بل يزادون ما لم يخطر على قلوبهم. وروى أنس بن مالك عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " النظر إلى الله في كل يوم، وذكر حديثا طويلا ~~". # قوله {وكم أهلكنا قبلهم من قرن}. # أي: وكثيرا من القرون الماضية أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش هم أشد ~~من قريش بطشا. # ثم قال: {فنقبوا في البلاد} قال ابن عباس معناه فأثروا في البلاد. ms2485 وقال ~~مجاهد PageV11P7058 # ضربوا في الأرض. وقيل معناه ضربوا وتوغلوا في البلاد (يلتمسون محيصا) من ~~الموت فلم يجدوا منه مخلصا. والقرن مأخوذ من الأقران وهو مقدار أكثر ما ~~يعيش أهل ذلك الزمان. # قال الفراء: {هل من محيص} (أي: فهل كان لهم من الموت محيص) وحذف " كان " ~~للدلالة. # وقرأ يحيى بن يعمر فنقبوا: على الأمر، ومعناه: التهدد والوعيد لقريش، أي: ~~فطوفوا في البلاد وتوغلوا وفروا بأنفسكم فيها هل تجدون PageV11P7059 # محيصا من الموت. # وقراءة الجماعة إنما هي على الإخبار عما فعلت القرون الماضية فالوقف على ~~(قراءة الجماعة على محيص). وعلى قراءة ابن يعمر على " بطشا ". # قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}. # أي: إن في إهلاكنا القرون الماضية قبل قريش بكفرهم لذكرى يتذكر بها ويتعظ ~~بها من كان له عقل من قريش وغيرهم، فينتهي عن الفعل الذي أهلكت القرون ~~الماضية من أجله وهو الكفر بالله ورسله عليهم السلام وكتبه. # قال قتادة: {لمن كان له قلب} يعني من هذه الأمة. قال: يعني بذلك القلب ~~الحي. فالتقدير لمن كان له عقل يعقل به ما ينفعه وكني عن العقل بالقلب لأنه ~~محله. # ثم قال: {أو ألقى السمع وهو شهيد} (أي: وألقى بسمعه لأخبار الجزاء عن ~~القرون الماضية التي أهلكت بكفرها وعصيانها). PageV11P7060 # وهو شهيد: أي: متفهم لما يخبر به عنهم معرض عما يخبر به، هذا معنى قول ~~أبن عباس والضحاك وغيرهما. # وقال قتادة: عني بذلك أهل الكتاب، فالمعنى وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب ~~الله من نعمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول معمر. # وقال الحسن هو منافق استمع ولم ينتفع. # وقال أبو صالح هو المؤمن يسمع القرآن وهو شهيد على ذلك. # أي: خلقنا جميع ذلك في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة وما مسنا من ~~إعياء. # روي: " أن هذه الآية نزلت في يهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~أخبرنا ما خلق الله (من الخلق) في هذه الأيام الستة، فقال (خلق يوم الأحد ~~والاثنين الأرض)، وخلق الجبال يوم الثلاثاء [وخلق ms2486 المدائن والأقوات ~~والأنهار وعمراتها وخرابها يوم PageV11P7061 # الأربعاء وخلق السماوات] والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، يعني من ~~يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي الثانية الآفات وفي ~~الثالثة آدم، قالوا صدقت إذا أتممت، فعرف النبي / صلى الله عليه وسلم ما ~~يريدون فغضب، فأنزل الله {وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون} ". # قال قتادة: أكذب الله جل وعز اليهود والنصارى وأهل الفراء على الله جل ~~ذكره، وذلك أنهم قالوا: خلق الله جل وعز السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استراح يوم السابع. وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه الراحة. # قال الضحاك: كان مقدار كل يوم ألف سنة مما تعدون. # قال مجاهد: {من لغوب} من نصب. # وقال قتادة: من إعياء. PageV11P7062 # واللغوب في اللغة: التعب. يقال لغب يلغب لغوبا: إذا تعب. # قال: {فاصبر على ما يقولون} أي: اصبر يا محمد على قولهم لك ثم استراح. # وهذه الآية عند جماعة منسوخة بقوله {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} ~~[التوبة: 29]. # وقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب}. # قال قتادة: قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، وهو ~~قول ابن زيد. # قال ابن زيد: {ومن الليل فسبحه}: يعني صلاة العتمة. # وقال مجاهد: هي الصلاة بالليل، في أي وقت صلى. # وقوله: {وأدبار السجود}. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب. وكذلك عن عمر ~~رضي الله عنه. PageV11P7063 # وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد والشعبي وقتادة والضحاك. # وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار الطبري. وقيل: هو ~~على الندب. # وعن ابن عباس: {وأدبار السجود} هو التسبيح بعد الصلاة، وأدبار النجوم ~~علامة الصبح. # وقال: ابن زيد وأدبار السجود: النوافل بعد الصلوات المكتوبات. # أي: واستمع يا محمد حين ينادي المنادي من صخرة بيت المقدس وهو المكان ~~القريب، قال كعب، قال: ينادي بصوت عال يا أيتها العظام البالية، والأوصال ~~المنقطعة اجتمعي لفصل القضاء. # قال قتادة: كما نحدث أنه من بيت المقدس من الصخرة وهي ms2487 أوسط الأرض. PageV11P7064 # قال: وحدثنا أن كعبا قال هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. # وقال بريدة: هو ملك يقوم على صخرة المقدس يقول: يا أيها الناس هلموا إلى ~~الحساب قال فيقبلون كما قال الله عز وجل { كأنهم جراد منتشر} [القمر: 7]. ~~[وإنما] قيل له مكان قريب: لأنه يسمع كل أحد. # قال: {يوم يسمعون الصيحة بالحق} أي: يوم يسمع الخلائق صيحة البعث من ~~القبور بالحق أي: بالاجتماع للحساب. # ثم قال: {ذلك يوم الخروج} أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. # أي: نحيى الموتى، ونميت الأجبار، وإلينا رجوع جميع الخلق يوم القيامة. # قال: {يوم تشقق الأرض عنهم سراعا} أي: وإلينا مصيرهم في يوم تشقق الأرض ~~عن جميع الخلق، أي: تتصدع عنهم فيخرجون سراعا. # ثم قال: {ذلك حشر علينا يسير} أي: جمعهم جمعا علينا سهل. PageV11P7065 # قال: / {نحن أعلم بما يقولون ومآ أنت عليهم بجبار} أي: نحن أعلم يا محمد ~~بما يقول هؤلاء المشركون من كذبهم على الله سبحانه، وتكذيبهم بآياته، ~~وإنكارهم للبعث، ولست يا محمد [عليهم] بمسلط على أن تجبرهم على الإيمان، ~~إنما أنت منذر. # قال الفراء: " وضع الجبار في موضع السلطان من الجبرية ". # ثم قال مجاهد: وما أنت عليهم بجبار: أي: ست تتجبر عليهم، وهو معنى قول ~~قتادة. وجبار من أجبرته على كذا، وحكى أهل الغة أن العرب لا تأتي بفعال من ~~أفعلت، إما تأتي به من فعلت غير حرف، وأخرجا فعال من أفعلت، وهو دراك من ~~أدركت، وهو شاذ. PageV11P7066 # وحكى عن العرب: جبره على الأمر، فجبار من هذا. # وقد يقال أجبره بمعنى جبره، لكن الجبار من جبره مأخوذ. # ثم قال: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} أي: فذكر يا محمد بهذا القرآن من ~~يخاف وعيدي الذي أوعدته من عقابي. # قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت {فذكر بالقرآن من ~~يخاف وعيد}. PageV11P7067 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة والذاريات مكية # سورة والذاريات مكية. قوله: (والذاريات) إلى قوله (محسنين) الآيات [1 - ~~16]. # المعنى: ورب الرياح الذاريات ذروا. يقال: ذرت الريح الشيء: إذا ms2488 فرقته، ~~وأذرته فهي مذرية. # ورب السحاب الحاملات وقرا، يعني موقرة من ماء المطر، يعني مثقلة من ~~المطر. # أي: ورب السفن الجاريات يسرا: أي: جريا سهلا. PageV11P7069 # قال: {فالمقسمات أمرا} أي: ورب الملائكة المقسمات بأمر الله الأمر من ~~عنده بين خلقه. # قال الفراء: {فالمقسمات أمرا} يعني: الملائكة (تأتي بأمر مختلف) جبريل / ~~صاحب الغلظة، وميكائيل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت، فتلك قسمة ~~الأمر، والجواب عن هذه الأقسام: # {إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع} يعني: البعث والجزاء، والجنة ~~والنار. # قال أبو الطفيل: شهدت علي بن أبي طالب بخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا ~~تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا أعلمتكم به، وسلوني عن كتاب PageV11P7070 # الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في ~~جبل، فقام إليه ابن الكواء فقال: ما والذاريات ذروا، فالحاملات وقرا، ~~فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا، (فقال علي): ويلك، سل تفقها ولا تسأل ~~تعنتا، والذاريات ذورا: الريح، فالحاملات وقرا: السحاب، فالجاريات يسرا: ~~السفن، فالمقسمات أمرا: الملائكة، وهو قول ابن عباس. # وقد قيل: إن الحاملات وقرا السفن تحمل أثقال بني آدم بأمر الله عز وجل. # وقيل: هي الرياح؛ لأنها تحمل السحاب من بلد إلى بلد فتسوقه. PageV11P7071 # وقوله {لصادق} معناه لصدقه، فوقع الاسم في موضع المصدر، كما يأتي المصدر ~~في موضع الاسم نحو: هو رجل عدل: أي: عادل، ورجل رضى أي: مرضي ودرهم وزن ~~الأمير: أي: موزونه. # ثم قال: {وإن الدين لواقع} أي: وإن الجزاء بالأعمال لواقع يوم القيامة ~~كائن لا محالة فيه. # أي: ورب السماء ذات الخلق الحسن. # فقال ابن عباس: ذات الحبك: هو حسنها واستواؤها. # وقال أبو مالك: وأبو صالح وعكرمة ذات الحبك: ذات الخلق الحسن. # فقال ابن عباس: ذات الحبك: هو حسنها واستواؤها. # وقال أبو مالك: وأبو صالح وعكرمة ذات الحبك: ذات الخلق الحسن. # وقال الحسن: ذات النجوم. قال: حبكت بالخلق الحسن: حبكت بالنجوم. PageV11P7072 # وقال أبو عبيدة: ذات الحبك: ذات الطرائق، يقال للرمل والماء إذا ضربتهما ~~الريح فصارت فيهما طرائق حبائك. ms2489 # قال الأخفش: واحد الحبك: حباك. # وقال الكسائي والفراء: يقال حباك وحبيكة، ويقال لتكسر الشعر الجعد حبك، ~~وحباك الحمام: طرائق على جناحيه، وطرائق الماء حبكه. # قال ابن جبير: ذات الحبك: ذات الزينة. # وروى البكالي عن عبد الله بن عمر والسماء ذات الحبك: قال: هي السماء ~~السابعة. # وجواب القسم قوله: {إنكم لفي قول مختلف}، (أي: منكم مصدق PageV11P7073 # بهذا القرآن مكذب به). # قال الحسن: {لفي قول مختلف}: (أي: في أمر النبي صلى الله عليه وسلم) . # قال (ابن زيد): اختلافهم أن بعضهم يقول هو سحر، وبعضهم يقول غير ذلك. # أي: يصرف عن الإيمان بهذا القرآن من صرف عنه في اللوح المحفوظ. قاله ~~الحسن. # وقيل: معناه يصرف عن الإيمان ناسا / إذا أرادوه بقولهم وكذبهم من صرف؛ ~~لأنهم يقولون لمن أراد الإيمان هو سحر وكهانة، فيصرف عن الإيمان. # قال ابن عباس: معناه لعن المرتابون. # قال ابن زيد: قتل الخراصون يخرصون الكذب، يقولون شاعر ساحر PageV11P7074 # وكهانة، وأساطير الأولين اكتتبها. # قال مجاهد: معناه قتل الخراصون الذين يقولون لسنا نبعث. # وقال الفراء: معناه: لعن الكاذبون الذين يقولون محمد مجنون وساحر شاعر ~~كذاب يخترصون ما لا يعلمون. # ولا يعرف أهل اللغة " قتل " بمعنى " لعن " ومعناه على قول سيبويه والخليل ~~وغيرهما أن هؤلاء ممن يجب أن يدعا عليهم بالقتل على أيدي المؤمنين أو بعذاب ~~من عند الله. PageV11P7075 # قال ابن عباس: عني به الكهانة. # أي: هم في غمرة الضلالة، وغلبتها متمادون، وعن الحق ساهون لاهون. # قال مجاهد: {في غمرة ساهون}: قلوبهم في أكنة. # وقال أهل اللغة معناه: في تغطية الباطل والجهل غافلون. # أي: يسألون متى يوم الجزاء والحساب على طريق الإنكار له، يعني به هؤلاء ~~الخراصين الذين تقدمت صفتهم. # أي: يعذبون. # قال الزجاج: " يوم هم " منصوب بإضمار فعل التقدير، يقع الجزاء في يوم هم ~~على النار يعذبون. وعلى " بمعنى " في "، أي: في النار يعذبون، وحسن ذلك كما ~~وقعت في " بمعنى " على " في قوله: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] أي: ~~على جذوع PageV11P7076 # النخل وقيل " يوم هم " (في موضع رفع على البدل) من يوم ms2490 الأول، لكنه بني ~~على الفتح لأنه أضيف إضافة غير محضة. # وقيل بني لأنه أضيف إلى شيئين. # وقال سيبويه والخليل: ظروف الزمان غير متمكنة، فإذا أضيفت إلى غير معرب ~~أو إلى جملة بنيت على الفتح. # أي: يقال لهم: ذوقوا عذابكم هذا الذي كنتم به في الدنيا تستعجلون إنكارا ~~واستهزاء. # قال قتادة: يفتنون: ينضجون بالنار. # وقال سفيان: يحرقون. # قال المبرد: هو من فتنت الذهب والفضة إذا أحرقتهما لتختبرهما وتخلصهما. ~~فالتقدير عند من قال هذا: يوم هم على النار يفتنون: يختبرون فيقال PageV11P7077 # ما سلككم في سقر. # وعن ابن عباس: فتنتكم؛ أي: تكذيبكم، أي: عقاب تكذيبكم. # أي: إن الذين اتقوا ربهم بطاعته واجتناب معاصيه في الدنيا في بساتين ~~وعيون ماء في الآخرة. # قال: {آخذين مآ آتاهم ربهم} أي: آخذين في الدنيا، وعاملين بما أفترضه ~~عليهم ربهم من فرائضه وطاعته. # قال ابن عباس: آخذين ما أتاهم ربهم، قال: الفرائض. # وقيل معناه آخذين ما أتاهم ربهم في الجنة، وهو حال من المتقين في القولين ~~جميعا إلا أنك إذا جعلته في الجنة، كانت حالا مقدرة. # ثم قال: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي: كانوا في الدنيا قبل دخولهم ~~الجنة محسنين في أعمالهم الصالحة لأنفسهم. PageV11P7078 # وقال ابن عباس: {قبل ذلك محسنين} أي: قبل أن تفترض عليهم الفرائض. # قوله {كانوا قليلا}. # قال قتادة: معناه: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون: أي: قليلا الوقت الذي ~~لا يرقدون فيه (فما) بمعنى (لا). # قال قتادة: كانوا يتيقظون فيصلون ما بين هاتين الصلاتين، ما بين المغرب ~~والعشاء. # قال قطرب: معناه ما من ليلة أتت عليهم إلا صلوا فيها. PageV11P7079 # وقال ابن عباس: معناه أنه لم تكن (تمضي عليهم ليلة) لا يأخذون منها، ولو ~~شيئا. # وقال أبو العالية: معناه كانوا لا ينامون بين (المغرب والعشاء)، وعنه ~~كانوا يصيبون في الليلة حظا. # وقال الحسن: معناه أنهم (كابدوا) قيام الليل، فلا ينامون منه إلا قليلا، ~~وقاله (الأحنف بن قيس). # وروى ابن وهب أنه يراد بها ما بين المغرب والعشاء. قال: كانت الأنصار ~~يصلون المغرب وينصرفون إلى قباء ms2491 فبدا لهم، فأقاموا حتى صلوا العشاء، فنزلت ~~الآية PageV11P7080 # فيهم. وقوله: {وبالأسحار هم يستغفرون} أي: إنهم يغدون من قباء فيصلون في ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الضحاك: {كانوا قليلا} مردود على ما قبله، وهو تمام الكلام، فالمعنى ~~/ أنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا، أي: كان المحسنون قليلا من ~~الناس. # ثم ابتدأ {من الليل ما يهجعون} " فما " نافية على هذا القول، " وما " على ~~القوال الأول مع الفعل مصدر. # وقال النخعي: معناه: كانوا قليلا ينامون، فيحتمل أن تكون " ما " زائدة ~~على هذا القول، وأن تكون والفعل مصدرا. # والهجوع في اللغة: النوم، وهو قول ابن عباس والنخعي والضحاك وابن زيد. PageV11P7081 # وروى ابن وهب عن مجاهد أنه قال في معنى الآية: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا ~~أصابوا منها خيرا. # وروى ابن وهب أيضا في جامعه عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن ناسا ~~كانوا ينضحون لناس من الأنصار بالدلاء على الثمار من أول الليل [ثم يهجعون ~~قليلا ثم يصلون آخر ذلك قال الله تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون}] ~~يعني: في نضحهم. PageV11P7082 # ثم قال: {وبالأسحار هم يستغفرون} فكأنه تعالى مدحهم أنهم لم يشغلهم في ~~أول الليل، وتعبهم في النضح حتى قاموا يصلون في آخر الليل. # ثم قال: {وبالأسحار هم يستغفرون}، قال الضحاك: معناه يقومون فيصلون، أي: ~~كانوا يقومون وينامون، وهو قول مجاهد. # وقال الحسن: (مدوا الصلاة وبسطوا) حتى كان الاستغفار في السحر، يعني ~~الاستغفار من الذنوب. # قال ابن زيد: هو الاستغفار، قال وبلغنا أن نبي الله يعقوب صلى الله عليه ~~وسلم حين سأله بنوه أن يستغفر لهم، فقالوا: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ~~ذنوبنآ} [يوسف: 98] قال: {سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف: 98]، أنه أخر ~~الاستغفار لهم إلى السحر. # قال: وقال بعض أهل العلم أن الساعة التي تفتح فيها أبواب الجنة هي في ~~السحر. # قال ابن زيد: السحر: السدس الآخر من الليل. PageV11P7083 # وروى حماد بن سلمة عن الجريري أن داود عليه السلام سأل جبريل عليه السلام ~~أي: ساعة من الليل ms2492 أسمع، قال: لا أدري إلا أن العرش يهتز في السحر. # قال الجريري: فذكرت هذا لسعيد بن أبي الحسن، فقال: أما ترى أن ريح ~~الرياحين يفوح في السحر. # أي: وفي أموال المتقين المحسنين الذين تقدمت صفتهم أنهم في جنات وعيون حق ~~لسائلهم المحتاج إلى ما في PageV11P7084 # أيديهم والمحروم. وهذه الآية محكمة. في قول الحسن والنخعي، قالا في المال ~~/ حق سوى الزكاة. # وقال الضحاك وغيره: هذه الآية منسوخة بالزكاة. # قال الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن. # وللعلماء في المحروم ثمانية أقوال: # قال ابن عباس: السائل: الذي يسأل، والمحروم: الذي لا يبقى له مال وعنه ~~أيضا أنه قال: المحروم: المحارف. # وقال محمد بن الحنفية المحروم: الذي لم يشهد الحرب، فيكون له سهم في ~~الغنيمة. PageV11P7085 # وقال زيد بن أسلم: المحروم الذي لحقته جائحة فأتلفت زرعه. # وقال الزهري: المحروم: الذي لا يسأل الناس إلحافا. # وروى عنه ابن وهب أنه قال: المحروم: المتعفف الذي لا يسأل إلحافا، ولا ~~يعرفون مكانه ليتصدقوا عليه، وتصديق قول الزهري ما روى أبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه [قيل] له: " من المسكين يا رسول الله؟ قال: " الذي ~~لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له فيعطى، ولا يسأل الناس " ". # وقال عكرمة: المحروم الذي لا ينمى له شيء. # والقول الثامن: يروى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال: PageV11P7086 # المحروم: الكلب. # وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: المحروم: الفقير الذي يحرم الرزق. # والوقف عند يعقوب في الآية {كانوا قليلا} على قول الضحاك، وتفسيره أي: ~~كان الناس الذين هم محسنون قليلا. # وكذلك روي عن نافع، وقد تقدم ذكر ذلك. # قوله: {وفي الأرض آيات للموقنين}. # أي: وفي الأرض عبر وعظات لأهل اليقين بالله إذا ساروا فيها. # قال قتادة: في الأرض معتبر لمن اعتبر. # وقال ابن جبير: إذا ساروا في الأرض رأوا عبرا، وآيات عظاما. ثم قال: {وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون}. PageV11P7087 # قال ابن الزبير: معناه وفي سبيل الخلاء، يعني سبيل الغائط [والبول] من ~~أنفسكم أفلا تبصرون، أي: في خلق ms2493 ذلك وتدبيره وتيسيره عبرة لمن اعتبر. # وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وفي الأرض وفي أنفسكم آيات ~~للموقنين أفلا تبصرون. # وقيل: هو على الحذف / لدلالة الأول عليه تقديره وفي الأرض آيات للموقنين، ~~وفي أنفسكم آيات أفلا تبصرون. # وقال قتادة: معناه أن يتفكر الإنسان في نفسه فيعرف أنه إنما لينت مفاصله ~~للعبادة. # وقال ابن زيد: معناه: وفي خلقكم من تراب وجعله لكم السمع والبصر والفؤاد ~~وغير ذلك [عبرة] لمن أعتبر، وهو مثل قوله {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم ~~إذآ أنتم بشر تنتشرون} [الروم: 20]. PageV11P7088 # وقيل: معناه: وتأكلون وتشربون في مدخل واحد ويخرج من موضعين. # يعني: المطر الذي يخرج به النبات قاله الضحاك وسفيان ابن عيينة وغيرهما. # وقال الثوري: معناه ومن عند الله الذي في السماء رزقكم. # وقيل: معناه: وفي السماء تقدير رزقكم، أي: فيها مكتوب يرزق فلان كذا ~~وفلان كذا. # وقال مجاهد: معنى: {وما توعدون} [يعني من خير وشر. # وقال الضحاك معناه: وما توعدون] من الجنة والنار في السماء هو. PageV11P7089 # وقال سفيان [بن عيينة]: {وما توعدون}: يعني الجنة. # قال: {فورب السمآء والأرض إنه لحق} هذا قسم الله جل ذكره بنفسه، أن الذي ~~أخبرهم به من أن رزقهم في السماء وفيها ما يوعدون حق، كما أنهم ينطقون حق. # قال الحسن: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قاتل الله عز وجل ~~أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه " ومن نصب " مثل " فهو عند سيبويه ~~مبني لما أضيف إلى غير متمكن ونظيره {ومن خزي يومئذ} [هود: 65] في قراءة من ~~فتح. # وقال الكسائي: هو نصب على القطع، ونصبه الفراء على أنه نعت لمصدر محذوف ~~تقديره إنه (لحق كمثل ذلك حقا) مثل نطقكم، وأجاز أن يكون أنتصب على حذف ~~الكاف، والتقدير عنده " أنه لحق كمثل ما أنكم "، فلما حذف الكاف نصب، وأجاز ~~زيد مثلك بالنصب على تقدير حذف الكاف، ويلزمه على هذا أن يجيز " عبد الله ~~الأسد " بالنصب على تقدير " كالأسد "، فينصبه إذا حذف الكاف، وهذا لا PageV11P7090 # يجيزه أحد. # وقد امتنع من إجازته ms2494 الفراء وغيره، واعتذر في جوازه مع " مثل " أن الكاف ~~تقوم مقام " مثل " فأما من رفعه، فإنه جعله نعتا لحق. # هذه الآية تنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يحل بقومه إن تمادوا على ~~غيهم ما أحل بقوم لوط، ومذكر قريشا لما فعل بالأمم قبلهم، إذ كفروا وعصوا ~~ليزدجروا ويتعظوا، وإنما قيل لهم " المكرمين " لأن إبراهيم وسارة خدماهم ~~بأنفسهما على جلالة قدرهما. # وقال مجاهد: أكرمهم إبراهيم وأمر أهله لهم بالعجل. # وقيل إنما وصفوا [بذلك] لأن الله أكرمهم واختارهم إذ أرسلهم إلى إبراهيم ~~وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل (صلوات الله عليهم). # قال: {إذ دخلوا عليه} أي: حين دخلوا على إبراهيم: {فقالوا سلاما} أي: ~~سلموا سلاما. PageV11P7091 # وقال المبرد: معناه / سلمنا سلاما، فهو مصدر عنده. # وأبو حاتم يرى أن " سلاما " وقف كاف، قال سلاما كاف أيضا. # قوله: {قال سلام} أي: قال لهم إبراهيم سلام عليكم. ومن قرأ سلام فمعناه ~~قال لهم إبراهيم: أنتم سلام {قوم منكرون} أي: ننكركم ولا نعرفكم. # قال: {فراغ إلى أهله} أي: عدل إليهم، ورجع في خفية. # {فجآء بعجل سمين} جاء أضيافه بعجل مشوي سمين، وكان عامة مال إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم البقر. # في هذا الكلام حذف، والتقدير: فقربه إليهم فأمسكوا عن الأكل، فقال: ألا ~~تأكلون؟ # {فأوجس منهم خيفة} أي: أضمر في نفسه منهم خوفا حين امتنعوا من الأكل. # {قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم} أي: عليم إذا كبر. PageV11P7092 # قال مجاهد: هو إسماعيل، وقال غيره هو إسحاق. # ومذهب الطبري. وهو الصواب إن شاء الله أنها: سارة الحرة، وأم إسماعيل ~~إنما كانت أمة اسمها هاجر. # ويدل على أنه إسحاق قوله في موضع آخر {فبشرناها بإسحاق}، فهذا نص ظاهر لا ~~يحتاج إلى تأويل. # {فأقبلت امرأته في صرة}. # المعنى: فأقبلت امرأته سارة في صرة أي: في صيحة. # ومعنى أقبلت: أخذت في فعل الأمر، وليس هو بإقبال / نقلة من مكان. PageV11P7093 # وهو كقول القائل (أقبل فلان يشتمني، أي: أخذ في ذلك). # وقال قتادة: في صرة: في رنة. # وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: في صرة: في صيحة. ms2495 # وقال بعضهم تلك الصيحة هو قوله: " فصكت وجهها ". # قال ابن عباس: لطمته. # وقال السدي: لما بشر جبريل عليه السلام سارة بإسحاق ضربت وجهها تعجبا. # وقال مجاهد: ضربت جبهتها تعجبا. # وقال سفيان: وضعت يدها على جبهتها تعجبا. # وقيل: إنما ضربت وجهها بأصابعها. # ثم قال: {وقالت عجوز عقيم} أي: أنا عجوز عقيم فكيف ألد، والعقيم PageV11P7094 # التي لا تلد. # {قالوا كذلك قال ربك} أي: قالت لها الرسل هكذا قال ربك، أي: كما أخبرناك ~~وقلنا لك. # {إنه هو الحكيم العليم} أي: الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم، ~~وبما كان وبما كائن. # قال: {قال فما خطبكم أيها المرسلون} أي: قال إبراهيم للرسل: ما شأنكم ~~أيها الرسل وما نبأكم، قالوا: إنا أرسلنا ربنا إلى قوم مجرمين، أي: كافرين. # {لنرسل عليهم حجارة من طين} أي: من السماء نرسلها عليهم. ومعنى {من طين} ~~من أجر مسومة عند ربك: أي: معلمة. # وقيل: معناه: مرسلة. من سومت الإبل: إذا أرسلتها. # وقال ابن عباس مسومة: مختوم عليها، يكون الحجر أبيض عليه نقطة سوداء، ~~ويكون أسود عليه نقطة بيضاء. {للمسرفين} أي: للمعتدين حدود الله عز وجل. PageV11P7095 # وعن ابن عباس في " مسومة " أنها المعلمة بعلامة تعرف بها الملائكة أنها ~~للمسرفين في المعاصي. # وقيل: إنه كان مكتوب على كل حجر أسم من يهلك به. # قال: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (*) فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين} أي: من كان في قرية لوط وهي " سدوم " وهم لوط وابنتهاه، أنجاهم ~~الله مع لوط. وجاز إضمار القرية ولم يجر لها ذكر؛ لأن المعنى مفهوم. وقيل ~~الهاء في " فيها " للجماعة. {فما وجدنا فيها} أي: في القرية {غير بيت من ~~المسلمين} وهو بيت لوط. # قال ابن زيد: ما كان مع لوط مؤمن واحد، وعرض عليهم أن ينكحوا بناته رجاء ~~أن يكون له منهم عضد يعينه (ويدفع عنه)، {قال ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر ~~لكم} يريد النكاح فأبوا عليه. PageV11P7096 # قال قتادة: لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم الله ليعلموا أن الإيمان عند ~~الله محفوظ فلا ضيعة على ms2496 أهله. # أي: أبقينا في قرية لوط عبرة وعظة لمن خاف عذاب الله؛ لأنها انقلبت ~~بأهلها، فصار أعلاها أسفلها، وأرسلت الحجارة على من غاب منهم عن القرية. # والمعنى عند الفراء: وتركناها آية، " وفي " زائدة. # قوله: {وفي موسى إذ أرسلناه}. # أي: وفي موسى آية أيضا إذ أرسلناه إلى فرعون بمصر. # {بسلطان مبين} أي: بحجة تبين لمن رآها حجة لموسى صلى الله عليه وسلم على ~~صحة ما يدعو إليه، فهو معطوف على " وفي الأرض " (ومثله " وفي ثمود " كله ~~معطوف بعضه على بعض مع الاعتراضات بين المعطوف والمعطوف عليه، وكذلك " وقوم PageV11P7097 # نوح " على قراءة من خفضه هو معطوف أيضا على " وفي الأرض "). # قال: {فتولى بركنه} أي: فأدبر فرعون بجنوده وقومه عن الإيمان لما أتته ~~الآيات البينات. # قال مجاهد: بركنه: بجنده وبأصحابه. # وقال قتادة: بركنه: بقوته. # وقال ابن زيد: بركنه: بجموعه التي معه. # وقرأ: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} [هود: 79] أي: لو أن لي ~~قوة من الناس، أو آوي إلى ركن / أجاهدكم به. # قال الفراء بركنه: بنفسه. PageV11P7098 # وحقيقة بركنه في اللغة، بجانبه الذي يتقوى به. # ثم قال: {وقال ساحر أو مجنون} أي: قال ذلك فرعون في موسى. # قال أبو عبيدة: إن " أو " بمعنى الواو و " أو " على بابها عند البصريين، ~~ومعناها أنهم قالوا: هو ساحر يسحر عيون الناس أو هو مجنون به جنة. # قال: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} أي: أخذنا فرعون وجنوده بالغضب ~~فألقيناهم في البحر فغرقناهم. وقوله: {وهو مليم} معناه: وفرعون مسلم؛ أي: ~~أتى ما يلام عليه. # قال: {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح} [أي: وفي عاد عبرة أيضا وعناية لكم ~~حين أرسلنا عليهم الريح] التي قد عقمت عن الخير، لا رحمة فيها ولا تلقح / ~~نباتا ولا تثير سحابا. PageV11P7099 # وروى ابن أبي الدنيا أن الريح كانت تمر بالمرأة في هودجها فتحملها ~~[وبالقوم من عاد فتحملهم وبالإبل والغنم فتحملها]، وتمر بالعادي الواحد بين ~~القوم فتحمله من بينهم والناس ينظرون، (ولا) تحمل إلا عاديا. # قال ابن المسيب: هي الجنوب. PageV11P7100 # وكان ms2497 النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. # وقال علي بن أبي طالب: هي النكباء. # وقال عبيد بن عمير: الريح العقيم تحت الأرض الرابعة، وإنما أرسل منها في ~~بلاد عاد بقدر منخر الثور. # وقوله: {كالرميم} معناه كالنبت إذا يبس ودرس، وأصل الرميم: العظم البالي ~~المتقادم. # وقال ابن عباس: كالرميم: كالشيء الهالك، وقال مجاهد: وقال قتادة: PageV11P7101 # كالرميم رميم الشجر. # قال: {وفي ثمود} عبرة وعظة. {إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين} إلى ثلاثة أيام. # {فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} وقيل معناه: تمتعوا إلى وقت فناء ~~آجالكم. أي قال: {فعتوا عن أمر ربهم} أي: تكبروا عن طاعة ربهم. # قال مجاهد: عتوا: علوا. وقال ابن زيد العاتي: العاصي التارك لأمر الله. # {فأخذتهم الصاعقة} أي: صاعقة العذاب. # {وهم ينظرون} أي: فجأة، ومعنى ينظرون أي ينتظرون، لأنهم وعدوا بالعذاب ~~قبل نزوله بثلاثة أيام، وجعل لنزوله علامات. فظهرت العلامات في الثلاثة ~~الأيام، فأصبحوا في اليوم الرابع موقنين بالعذاب ينتظرون حلوله. # قال: {فما استطاعوا من قيام} أي: فما استطاعوا من دافع لما نزل لهم من ~~عذاب الله، ولا قدروا على نهوض به. PageV11P7102 # ثم قال: {وما كانوا منتصرين} أي: وما كانوا يقدرون على أن يستقيدوا ممن ~~عاقبهم. # قال قتادة: معناه: وما كانت لهم قوة يمتنعون بها من العقوبة. # من نصب " قوما " عطفه على الهاء، والميم في فأخذتهم الصاعقة أي: أخذتهم ~~وأخذت قوم نوح. # وقيل التقدير: وأهلكت قوم نوح. # وقيل التقدير: وأذكر قوم نوح. # وقيل هو معطوف على الهاء في قوله: {فأخذناه وجنوده} أي: أخذنا فرعون ~~وجنوده وأخذنا قوم نوح؛ لأن الفريقين ماتوا بالغرق. # ومن خفض عطفه على عاد، وفي عاد، وفي قوم نوح، والتقدير على PageV11P7103 # الخفض: وفي قوم نوح أيضا عبرة وعظة لكم إذا أهلكناهم من قبل ثمود لما ~~كفروا وكذبوا نوحا. # {إنهم كانوا قوما فاسقين} أي: خارجين عن الحق مخالفين لأمر الله، فكله ~~معطوف على {وفي الأرض آيات}. # قوله: {والسمآء بنيناها بأييد}. # نصب السماء على فعل مضمر تقديره: " وبنينا السماء بنيناها بأيد " أي: ~~بقوة ms2498 وقدرة، أي: والسماء رفعنا سقفها بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~وسفيان وغيرهم. # {وإنا لموسعون} أي: لذوو سعة بخلقها وخلق ما شئنا أن نخلقه. # أي: والأرض جعلناها فراشا للخلق ومهادا، فنعم الماهدون نحن لهم. PageV11P7104 # قال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} التقدير: ومن كل شيء خلقناه زوجين، أي: ~~جنسين ذكرا وأنثى وحلوا وحامضا، قاله ابن زيد والفراء. # وقيل معناه: خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة، والهدى والضلالة ~~والإيمان والكفر، والليل والنهار، والسماء والأرض، والإنس والجن. قاله ~~مجاهد. # وقال الحسن: هو مثل الشمس والقمر. # {لعلكم تذكرون} أي: فعلنا ذلك لعلكم تعتبرون فتعلمون أن القادر على ذلك ~~مستوجب للعبادة / والطاعة. # قال: {ففروا إلى الله إني لكم} أي: فاهربوا من عذاب الله إلى الله ~~بالإعمال الصالحات. # {إني لكم منه نذير مبين} أي: أنذركم عقابه، وأبين لكم النذارة. (وقيل ~~معناه: فروا إلى الله من أمر الله). س # قال: {ولا تجعلوا مع الله إلها آخر} أي: لا تعبدوا إلها آخر، إنما هو PageV11P7105 # الله واحد، إني لكم منه نذير مبين كالأول. فالأول تخويف من الله لمن عصاه ~~من الموحدين، والثاني تخويف لمن عبد معه غيره من المشركين، " وكذلك " تمام ~~عند أبي حاتم وأحمد ابن موسى وعند غيرهما " مبين " الثاني، والكاف من " ~~كذلك " إن وقفت عليها في موضع رفع، أي: الأمر / كذلك، ومن ابتدأ بها، فهي ~~في موضع نصب. # أي: فعل قريش مثل فعل من كان قبلهم في قولهم للرسول ساحر أو مجنون، ~~والتقدير كما كذبت قريش محمدا كذلك كذبت الأمم من قبلها رسلهم، وكما قالت ~~في محمد قريش، كذلك قالت الأمم (قبلها، كأنهم تواصوا على ذلك). # أي: كما فعلت قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم وكذلك فعلت الأمم قبلها. # قال: {أتواصوا به} أي: أوصى بذلك بعضهم بعضا. PageV11P7106 # قال قتادة: معناه: كأن الأول أوصى الآخر بالتكذيب. # ثم قال: {بل هم قوم طاغون} أي: لم يتواصوا بذلك لكنهم اتفقوا في الطغيان ~~والعصيان فركبوا طريقة واحدة في التكذيب لرسلهم، والكفر بالله سبحانه. # قال: {فتول عنهم فمآ أنت بملوم} أي: فأعرض يا ms2499 محمد عن هؤلاء المشركين حتى ~~يأتيك أمر الله فيهم. # {فمآ أنت بملوم} أي: لا يلومك ربك على إعراضك عنهم. # وقال ابن زيد: معناه: بلغت ما أرسلناك به فلست بملوم. # قال قتادة: ذكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية اشتد على أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وظنوا أن الوحي قد أنقطع، وأن العذاب قد حضر فأنزل الله ~~بعد ذلك {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}. # وقال الضحاك: التوالي منسوخ؛ لأنه قد أمر بالإقبال عليهم، والموعظة لهم، ~~والمعنى وذكر يا محمد من أرسلت إليه، فإن العظة تنفع أهل الإيمان بالله. # وقيل: المعنى: وذكرهم بالعقوبة والهلاك وبأيام الله. # وليس قوله {فمآ أنت بملوم} بوقف؛ لأنه لم يؤمر بالتولي فقط، بل أمر معه PageV11P7107 # بالتذكير. والتمام {تنفع المؤمنين}. # يعني: من المؤمنين المتقدم ذكرهم، لم يخلق المؤمن من الجن والإنس إلا ~~للعبادة. # يعني: من علم منهم أنه يؤمن، فخلقه لما علم منه، وهو الإيمان. # وقيل معنى الآية: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفوني، فكل الخلق مقر ~~بالله عارف به كما قال: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~[لقمان: 25]. # وقيل المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأستعبدهم واختبرهم، فقد استعبد ~~الجميع وأمرهم ونهاهم، فكفر فريق، وآمن فريق على ما علم منهم قبل خلقه لهم. # ويدل على أن الآية ليست على العموم كثرة من يموت قبل وجوب العبادة عليه، ~~نحو الأطفال، وكثرة من يعيش معتوها لا تجب عليه عبادة، فدل ذلك على أن ~~الآية خصوص فيمن علم منه العبادة والطاعة من الجن والإنس خلقه (له) ليعبده PageV11P7108 # كما علم منه ذلك؛ فيجازيه على ذلك، لأن علمه بطاعتهم لا يجازون عليها حتى ~~يخلقهم ويعملون، فخلقهم ليعملوا فتقع المجازات على ما ظهر من طاعتهم، فأخبر ~~أنه خلقهم لذلك، فإنما عني أنه خلق المؤمنين من الجن والإنس الذين تنفعهم ~~الذكرى لعبادته فكانوا كذلك كما قال: {كما بدأكم تعودون} [الأعراف: 29]. # وقد قال تعالى ذكره: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} ~~[الإنسان: 5]. # ثم قال: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها ms2500 تفجيرا} [الإنسان: 6] يعني ~~الأبرار خاصة المذكورين ليس يريد كل عباد الله، فهذا مثل ذلك، وقد قال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية. معناها: ما خلقت الجن والإنس إلا ~~لآمرهم بعبادتي اختيارا. (وقيل معناه: ما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ~~ليوحدون). # وقال ابن عباس: إلا ليعبدون؛ أي: من خلقت منهم لعبادتي خصوصا يعني ~~المؤمنين منهم. PageV11P7109 # وقال زيد بن أسلم: إلا ليعبدون: هو ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة. # وقال سفيان، معناه: من خلق للعبادة منهم لم يخلق إلا لها. # وقال ابن عباس: لم يخلق الفريقين إلا ليقروا بالعبادة طوعا وكرها، فيكون ~~عاما وعلى الأقوال الأول يكون مخصوصا. # وقيل: المعنى ما خلقهم إلا ليأمرهم بالعبادة، فمن تقدم له منهم في علم ~~الله الطاعة أطاع أمره، ومن تقدم له في علم الله المعصية عصى أمره. # قال ابن عباس: معناه: ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها. ~~وقيل المعنى ما أريد أن يرزقوا أنفسهم، وما أريد PageV11P7110 # أن يطعموا عبادي /. # أي: إن الله هو الرزاق خلقه، المتكفل بأقواتهم. ذو القوة المتين: أي: ذو ~~القوة الشديدة. # قال ابن عباس: المتين: الشديد. # قال: {فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم} أي: فإن للذين أشركوا ~~بالله من قريش نصيبا من العذاب مثل نصيب أصحابهم من الأمم الماضية التي ~~أشركت كما أشركوا، وكذبت كما كذبوا. # وأصل الذنوب: الدلو العظيمة، وهي السجل كانوا يقتسمونها على الماء ~~فيستسقى هذا حظه ونصيبه، وهذا حظه ونصيبه، فسمي الحظ والنصيب الذنوب على ~~الاستعارة. # وقوله: {فلا يستعجلون} [أي: فلا يستعجلوا] العذاب فإنه آتيهم كما أتى ~~الأمم الماضية الكافرة مثلهم. # وقال ابن جبير معناه: فإن للذين ظلموا من قريش سجلا من العذاب مثل سجل ~~أصحابهم من الأمم الماضية، فلا يستعجلوا ذلك وهو قول مجاهد وقتادة وابن ~~زيد. PageV11P7111 # أي: فقبوح لهم من يومهم. # وقيل المعنى: فالواد السائل في جهنم من قيح وصديد لهم في يوم القيامة. PageV11P7112 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة و الطور مكية # سورة والطور مكية: قوله: (والطور) إلى قوله: ms2501 (من دافع) [1 - 7]. # هذه الأقسام أقسم الله عز وجل بها أن عذابه لحال واقع لا بد منه. ~~والتقدير: ورب الطور، ورب كتاب مسطور. # فالطور جبل، قال نوف: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل منكم ~~فارتفعت وشمخت، إلا الطور فإنه تواضع وقال: أرضى بما قسم الله [لي]، فكان ~~الأمر عليه. PageV11P7113 # وقيل هو بمدين وهو طور سيناء. # قال مجاهد: الطور الجبل بالسريانية. # وقوله: {وكتاب مسطور} رواه أحمد بن صالح عن نافع بالصاد، وأكثر الرواة ~~عنه بالسين كالجماعة على خط المصحف، والسين هو الأصل، وإنما جاز فيها الصاد ~~لأجل الطاء التي بعدها ليكون النطق (بمطبق مستقر قبل مطبق مجهور) والسين ~~مهموسة وليست بمطبقة، فالفظ بها قيل: حرف مجهور فيه تكلف واختلاف في عمل ~~اللسان، وإذا قرأت بالسين كان عمل اللسان في تسفل ثم يتصعد بعد ذلك، ففيه ~~بعض المشقة ولهذا نظائر كثيرة قد مضت. PageV11P7114 # ومعنى المسطور: المكتوب. # وهو الصحيفة، قيل يعني به ما تكتب الحفظة وتستنسخ من أعمال بني آدم التي ~~سبقت في علم الله عز وجل قبل خلقه لهم. # أي: يعمر بكثرة الدعاء والغشيان، روى أنه بيت في السماء بحيال الكعبة من ~~الأرض يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدا. # وروي أنه كذلك في كل سماء بيت يقابل الذي تحته، وكلها تقابل الكعبة. # وعن ابن عباس أنه كان يقول: إن لله عز وجل في السماوات والأرضين خمسة عشر ~~بيتا، سبعة في الأرضين وسبعة في السماوات والكعبة محادية كلها. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رفع لي البيت المعمور فقلت: يا ~~جبريل ما هذا؟ PageV11P7115 # قال: البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا ". # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: البيت المعمور بيت في السماء يقال له ~~الضراح وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض ~~يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون فيه أبدا. # وعنه قال: هو في السماء السادسة. # وعن ms2502 ابن عباس أنه قال: هو بيت حذاء العرش. # وقوله: {والسقف المرفوع} يعني به السماء. كقوله: {وجعلنا السمآء سقفا ~~محفوظا} [الأنبياء: 32] وقوله: {والبحر المسجور}. # قال مجاهد: المسجور الموقد، ومثله {وإذا البحار سجرت} [التكوير: 6] أي: ~~أوقدت من شجرة التنور إذا أوقدت، وهو قول ابن زيد. PageV11P7116 # وسأل علي بن أبي طالب رجلا من اليهود فقال له: أين جهنم، فقال اليهودي: ~~في البحر، فقال علي: ما أراه إلا صادقا. # وقال قتادة: المسجور: المملوء بالماء. وقيل معناه: المملوء بالنار. # وقال ابن عباس: المسجور: الذي ذهب ماؤه، وسجره: ذهب مائه حين يفجر. # وعن ابن عباس أيضا المسجور: المحبوس. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هو بحر تحت العرش. # أي: هو كائن ليس له راد يرده عن الكفار يوم القيامة، " وإن " هي جواب ~~القسم. # قوله: {يوم تمور السمآء مورا} إلى قوله: (ولا تأثيم) الآيات [9 - 21]. PageV11P7117 # معناه أن عذاب ربك يا محمد لحال بالكافرين في يوم تمور السماء مورا: أي: ~~تدور وتتحرك. # قال مجاهد: تمور مورا: تدور دورا. # قال قتادة: مورها: تحركها. # وقال الضحاك: مورها: استدارتها وتحركها لأمر الله عز وجل موج بعضها في ~~بعض. # وقال ابن عباس: مورها: تشققها. # وقيل: معنى تمور: تتكفأ كما تتكفأ السفينة حتى تذهب فلا تكون شيئا، PageV11P7118 # وتسير الجبال عن أماكنها كما تسير السحاب. # وقيل: {وتسير الجبال سيرا}، أي: تسير عن أماكنها من الأرض، فتصير هباء ~~منبثا. # أي: فالواد السائل من قبح وصديد في جهنم لهم، ودخلت الفاء في " فويل " ~~لجواب الجملة التي قبلها؛ لأن الجملة فيها إبهام، فشابهت الشرط فجوبت ~~بالفاء كما يجاب الشرط. # أي: في فتنة واختلاط في الدنيا غافلين لاهين عما هم صائرون إليه. # أي: يدفعون ويرهقون إليها دفعا. # يقال هذه النار التي كنتم تكذبون PageV11P7119 # وتجحدون، أي: تردونها وتصلونها. # أي: يقال لهم يوم القيامة حين يعاينون العذتب، [أفسحر هذا الذي وردتموه ~~أم أنتم لا تعاينونه وهذا الكلام معناه التوبيخ والتقريع]، وتحقيق العطف أن ~~معناه: " بل أنتم " فهو خروج من أمر إلى أمر، أي: لا تبصرون الحق، وقد ms2503 ~~كانوا يبصرون، لكنه توبيخ لهم وتقريع وتوقيف على صحة ما كانوا يكذبوا به من ~~النار، فهو من بصر القلب لا من بصر العين. # قال: {اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا إنما تجزون ما كنتم تعملون} أي: ذوقوا ~~حر هذه النار فاصبروا على ألمها وشدتها أو لا تصبروا على ذلك، سواء عليكم ~~أصبرتم أن جزعتم، لا بد لكم من الخلود فيها مجازاة لكم بأعمالكم في الدنيا ~~وكفركم بالله سبحانه فلفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر عنهم دليله قوله بعد ~~ذلك: {سوآء عليكم}، أي: سواء عليكم الجزع والصبر. # أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في بساتين ونعيم ~~في الآخرة. # وقال الحسن: {المتقين} هم الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما أفترض ~~عليهم. PageV11P7120 # وقال ابن عباس: إنما سمي المتقون لأنهم ذكروا الله عند طاعته فأخذوا بها ~~تقية له، وذكروه عند معصيته فتركوها تقية له. # قال ميمون بن مهران: [لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من ~~الشريك لشريكه]. # وقال الحسن: من اتقى الشرك فهو متق، ولو زاد الحسن في قوله " والكبائر " ~~لكان قولا مختارا. # وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي العبد الله حتى يتقيه في مثقال ~~ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خيفة أن يكون حراما فيكون حجابا بينه ~~وبين PageV11P7121 # الحرام، فأن الله قد بين للعباد ما هم صائرون إليه. وقال: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7 - 8]، فلا ~~تحقرن شيئا من الشر أن تتقيه، ولا شيئا من الخير أن تفعله. # قوله {فاكهين بمآ آتاهم ربهم ووقاهم ربهم}. # أي: عندهم فاكهة كثيرة. تقول العرب: هو رجل تامر ولابن: إذا كان عنده تمر ~~كثير ولبن. # وقيل معنى فاكهين: طيبي الأنفس، ضاحكين بما أعطاهم ربهم في الآخرة من ~~النعيم وبما دفع عنهم من عذاب النار. # قال: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * متكئين على سرر مصفوفة} أي: ~~يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة هنيئا، لا تخافون انتقالا ولا موتا ولا ~~هرما ms2504 ولا مرضا جزاء لهم بعملكم في الدنيا. PageV11P7122 # {متكئين على سرر مصفوفة} [أي]: على نمارق وعلى سرر جعلت صفوفا. وترك ذكر ~~" النمارق " لدلالة الكلام عليها /. # ثم قال: {وزوجناهم بحور عين} أي: جعلنا للذكور من هؤلاء، المتقين أزواجا ~~بحور عين قربناهم بهم. # والحور: جمع حوراء، وهي الشديدة بياض مقلة العين في شدة سواد الحدقة. # والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العين في حسن سعة. # قال الضحاك: {بحور عين}، بيض حسان العيون /. والحور في اللغة: البياض، ~~ومنه قيل الحواري، وقيل: للقصار حوار، ولصفوة الأنبياء حواريون. PageV11P7123 # {مصفوفة}: تمام عند نافع. # قال: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ~~ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين}. # قال ابن عباس: هو المؤمن (يرفع الله ذريته) لتقر بذلك عينه وإن كانوا ~~دونه في العمل. # وعن ابن عباس أنه قال: المؤمن تتبعه ذريته بإيمان يلحق الله به ذريته ~~الصغار التي لم تبلغ الإيمان. # وروى عبادة بن الصامت عن كعب الأحبار أنه قال: والذي نفسي بيده إن أطفال ~~المسلمين ليقدسون حول العرش، ويسبحون، ويحمدون الله، وما من أحد أكرم على ~~الله عز وجل منهم، فإذا كان يوم القيامة يقول الله تبارك وتعالى: ادخلوا ~~الجنة PageV11P7124 # فيقولون: ربنا وآباؤنا، فيقال لهم ويقولون ثلاث مرات: وآباؤنا فيقول الله ~~عز وجل في الثالثة: ادخلوا الجنة وآباؤكم معكم. # قوله: {ومآ ألتناهم من عملهم من شيء} أي: ولم ينقص الآباء من عملهم شيئا. # وقال الضحاك معناها: من أدرك ذريته الإيمان فعمل بطاعتي ألحقتهم بآبائهم ~~في الجنة، وأولادهم الصغار أيضا على ذلك. # وقال ابن زيد بمثل هذا القول إلا أنه جعل الهاء، والميم في {ألحقنا بهم} ~~من ذكر الذرية، فالمعنى عنده: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بالإيمان ~~[ألحقنا بالذرية] أبناءهم الصغار الذين لم يلحقوا الإيمان ولم يبلغوا ~~العمل. # وقيل المعنى: إن الله عز وجل ذكره ليضل (الذرية الجنة) بعمل الآباء إذا ~~كانوا مؤمنين من غير أن ينقص الآباء من أجرهم شيئا، قاله عامر وابن جبير. PageV11P7125 # وقال النخعي: يعطي الله ذرية الرجل إذ اتبعوه ms2505 على افيمان من الأجر مثل ما ~~أعطاه الآباء من غير أن ينقص الآباء شيئا من أجرهم. وقاله الربيع. # وقال قتادة: عملت الذرية بطاعة الله، فألحقهم الله بآبائهم وما نقص ~~الآباء من أجورهم شيئا. # ثم قال: {كل امرىء بما كسب رهين} أي: كل إنسان مرتهن بما عمل من خير وشر، ~~لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. # أي: أمددنا هؤلاء الذين اتبعتهم ذريتهم بإيمان مع ذرياتهم بفاكهة وبلحم ~~مما يشتهون من اللحمان. # قال: {يتنازعون فيها كأسا} أي: يتعاطون في الجنة كأس الشراب، ويتناولونه ~~بينهم. لا لغو في الكأس: أي: لا يلغو من شربها كما تفعل خمر الدنيا. # {ولا تأثيم} أي: ولا يأثم من شربها كما يأثم من شرب خمر الدنيا. # وقيل: التأثيم هنا: الكذب، واللغو: الباطل. PageV11P7126 # قوله: {ويطوف عليهم غلمان لهم}. # أي: يطوف على هؤلاء الذين تقدمت صفتهم غلمان لهم كأنهم اللؤلؤ المكنون في ~~بياضه وصفائه. والمكنون: المصون، أي: يطوفون عليهم في الجنة بكؤوس الشراب ~~الذي تقدمت صفته. # قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال: " يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ ~~فقال: والذي نفسي بيده إن فضل الخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على ~~سائر الكواكب ". # أي: أقبل بعض المؤمنين يسأل عن حال بعض. # قال ابن عباس: يتساءلون حين بعثوا في النفخة الثانية. قيل: إنهم يقول ~~بعضهم لبعض ما صيرك إلى هذه المنزلة الرفيعة. # ثم قال: (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) [24] أي: قال بعضهم PageV11P7127 # لبعض: إنا كنا من قبل في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب الله عز وجل فمن ~~الله علينا بفضله، فغفر الصغائر وترك المحاسبة على النعم المستغرقة ~~للأعمال. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " " لا يدخل أحد الجنة بعمله " قيل: ولا ~~أنت يا رسول الله، قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ". # قال: {ووقانا عذاب السموم} أي: (عذاب النار) وأدخلنا الجنة. وقيل معناه ~~إذا أمر الكفار بالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب من دخان النار أمر بالمؤمنين ~~إلى ظل من ظل الله، فتقف كل طائفة في الظل ms2506 الذي أمرت به إليه حتى يفرغ من ~~الحساب، فعند ذلك يقول المؤمنون: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} وهو ~~الظل ذو ثلاث / شعب. PageV11P7128 # قال: {إنا كنا من قبل / ندعوه} هذا كله قول المؤمنين، أي: كنا في الدنيا ~~نعبده، ونخلص العمل له {إنه هو البر} أي: اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه أن ~~يعذبهم بعد توبتهم. # أي: فذكر يا محمد من أرسلناك إليهم من قومك وعظهم فلست بفضل ربك عليك ~~بكاهن كما يقول المشركون ولا بمجنون، ولكن رسول الله. # أي: بل يقول المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم هو شاعر نتربص به حوادث ~~الدهر تكفيناه بموت أو بحادثة متلفة. # قال ابن عباس: إن قريشا اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به الموت حتى يهلك ~~كما هلك قبله من الشعراء، إنما PageV11P7129 # هو كأحدهم، فأنزل الله عز وجل: { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} ~~والمنون: الموت، وهو واحد لا جمع له، قاله الأصمعي. # وقال الأخفش: المنون: جمع لا واحد له. # وقال الفراء: هو الواحد والجمع. والدهر يسمى بالمنون لأنه يذهب بمنة ~~الحيوان، أي: بقوتها. # وقال أبو عبيدة: قيل للدهر " منون " لأنه مضعف من قوله " حبل منين " إذا ~~كان باليا ضعيفا. # أي: قل لهم يا محمد انتظروا وتمهلوا في ريب المنون، فإني متربص معكم حتى ~~يأتي أمر الله تعالى فيكم وفي. # قال: {أم تأمرهم أحلامهم بهاذآ} أي: أن تأمرهم عقولهم وألبابهم بأن ~~يقولوا لمن جاءهم بالحق شاعر ومجنون، بل هم قوم طاغون. # وقيل: المعنى: أم تأمرهم عقولهم بأن يعبدوا الأصنام ويتركوا عبادة خالقهم PageV11P7130 # ورازقهم بل هم قوم قد طغوا وبغوا فتجاوزوا أمر ربهم و " أم " في هذا كله ~~بمعنى " بل ". # ثم قال: {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} أي: فليأت قائلو ذلك من ~~المشركين بقرآن مثله فيكونوا صادقين في قولهم أن محمدا تقوله. # " أم " في موضع الألف، والتقدير: أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء ~~وأمهات، فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفقهون ms2507 لله حجة، ولا يتعظون بموعظة. # وقيل المعنى: أخلقوا من غير صانع صنعهم ودبرهم، فهم لا يقبلون من أحد، أم ~~هم الخالقون للأشياء، فلذلك لا ياتمرون لأمر الله سبحانه. وقيل المعنى: أم ~~هم الخالقون لأنفسهم. # وقيل معنى الآية: أم خلقوا لغير شيء؛ أي: أخلقوا عبثا لا يؤمرون ولا ~~ينهون. # أي: أفعلوا ذلك فيكونوا هم الخالقون. PageV11P7131 # ومعناه لم يخلقوا ذلك [بل] لا يوقنون؛ أي: لا يعلمون ما يلزمهم. # وقيل المعنى: لم يتركوا قبول أمر ربهم لأنهم خلقوا السماوات والأرض ~~ولكنهم تركوه لأنهم لا يوقنون بوعيد الله سبحانه، وما أعد من العذاب لمن ~~عصى أمره، فهم يكفرون ويعصون؛ لأنهم لا يوقنون بالعقاب والمجازات. # أي: أعندهم عطاء ربك فيستغنوا عنه، فيعرضوا عن أمره ونهيه أم هم ~~المصيطرون. # قال ابن عباس: المصيطرون: المسلطون، وعنه: المتولون. # وقال أبو عبيدة: أم هم الأرباب، يقال: تسيطرت علي، أي: أتخذتني خولا لك. ~~وقيل المعنى: أم هم الجبارون. # أي: ألهم سلم (يرتقون) فيه إلى السماء يستمعون الوحي فيكونوا قد سمعوا ~~صواب ما هم عليه من الكفر فيستمسكوا به، فإن كانوا يدعون ذلك، فليأت من ~~يزعم أنه استمع بحجة تبين أنها حق. PageV11P7132 # ثم قال: / (أم له البنات ولكم البنون) [37] أي: ألربكم أيها المشركون ~~البنات ولكم البنون كما تزعمون، هذه قسمة ضيزى. # ثم قال: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون) [38] أي: أتسألهم يا محمد ~~جعلا على دعائك إياهم فتثقل عليهم إجابتك لذلك. # قال قتادة: معناه هل سألت يا محمد هؤلاء القوم أجرا فجهدتهم فلا يستطيعون ~~الإسلام. # ثم قال: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) [39] أي: هم لا يعلمون الغيب فكيف ~~يقولون لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون، فهم يكتبون؛ أي: يكتبون / للناس ما أرادوا ويخبرونهم له. # قال: {أم يريدون كيدا} أي: أراد هؤلاء المشركون بدين الله وبرسوله كيدا، ~~أي: مكرا وخديعة. # {فالذين كفروا هم المكيدون} أي: هم الممكور بهم المهلكون دون محمد ودينه ~~ومن آمن به. # ثم قال: (أم لهم إله غير الله سبحان ms2508 الله عما يشركون) [41] أي: ألهم ~~معبود يرزقهم ويخلقهم وينفعهم ويضرهم غير الله، سبحان الله عما يشركون. # ثم قال: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم) [42] أي: وإن ~~ير هؤلاء المشركون قطعا من السماء ساقطا يقولوا هذا سحاب بعضه فوق PageV11P7133 # بعض وهذا إنما عني به قول المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن لك ~~حتى تفعل كذا وكذا وتسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، فقال جل ذكره لنبيه ~~عليه السلام وإن ير هؤلاء المشركون (ما سألوا من الآيات) لم ينتقلوا عما هم ~~عليه من التكذيب، ولقالوا: إنما هو سحاب مركوم؛ أي: سحاب بعضه فوق بعض. # ثم قال: (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون) [43] أي: فدع يا محمد ~~هؤلاء الكفار حتى يلاقوا يوم موتهم، والصعق: الموت وذلك عند النفخة الأولى. # {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا} أي: لا يغني عنهم مكرهم شيئا، ولا ناصر ~~لهم من عذاب الله عز وجل. # قال: {وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك} قال ابن عباس وغيره: هو عذاب ~~القبر. # وقال مجاهد: هو الجوع. # وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا للمؤمن أجر وللكافر تعجيل عذاب. PageV11P7134 # فالمعنى: لهؤلاء المشركين عذاب آخر (فبل يوم القيامة) وهو ما ذكرنا فلا ~~يستعجلون به. # {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ذلك أي: لا يؤمنون به فيعلمون أنه حال بهم. # قال ابن الماجشون: سمعت محمد بن المنكدر يقول: بلغني أن الله تبارك ~~وتعالى يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء في يدها سوط من حديد في رأسه ~~جمرة مثل غرب الجمل يضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه. ~~ومعنى غرب الجمل: هو الدلو الذي يسقى به الجمل. # قال: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} أي: امض يا محمد PageV11P7135 # لأمر ربك وتبليغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا [ونحن نحوطك] ونحفظك. # {وسبح بحمد ربك حين تقوم} أي: حين تقوم من نومك قال: سبحان الله وبحمده، ~~قاله سفيان. # وقيل المعنى: (إذا قمت إلى الصلاة) المفروضة فقل سبحان الله وبحمده. ~~وقيل: تقول سبحانك ms2509 اللهم وبحمدك. # وقيل التسبيح هنا تكبيرة الإحرام. # يريد به صلاة العشاء الآخرة، وركعتا الفجر. # وعن ابن عباس أنه التسبيح في أدبار الصلوات، وأكثرهم على أن {وإدبار ~~النجوم}: وركعتا الفجر. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هما خير من الدنيا جميعا ". PageV11P7136 # وقال الضحاك وابن زيد {وإدبار النجوم}: صلاة الصبح بعينها وهو اختيار ~~الطبري. PageV11P7137 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة والنجم مكية # سورة والنجم مكية قوله: (والنجم إذا هوى) إلى قوله: (من آيات ربه الكبرى) ~~الآيات [1 - 18]. # قال مجاهد: النجم: الثريا، إذا هوى: إذا سقطت، فالمعنى: ورب الثريا، وعنه ~~أن النجم هنا: القرآن، إذا هوى: إذا نزل، فالمعنى: والقرآن إذا نزل من ~~السماء الدنيا. # [قال ابن عباس: والنجم إذا هوى يعني به القرآن إذا نزل من السماء ~~الدنيا]. PageV11P7139 # مثل قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] أي: أقسم بنزول القرآن ~~من سماء الدنيا. # وروى قتادة أن عتبة بن أبي لهب قال: " كفرت برب النجم، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أما تخاف أن يأكلك كلب الله / فخرج في تجارة إلى اليمن ~~فبينما هم قد عرسوا إذا سمع صوت الأسد، فقال لأصحابه: أنا مأكول فحدقوا به ~~وضرب على أصمختهم فناموا فجاء الأسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته ". # وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالنجم إذا غاب. PageV11P7140 # وقال الفراء: أقسم بالقرآن لأنه نزل نجوما. # وقيل: يراد به النجم الذي ترمى به الشياطين. # أي: ما جار محمد عن الحق ولا مال عنه، بل هو على استقامة وسداد. # ومعنى {وما غوى}: أي: ما خاب فيها طلبه من الرحمة. # وقيل: معناه: ما صار غاويا ولكنه رشيد سديد. # يقال: غوى يغوي من الغي، وغوى الفصيل يغوي إذا لم يرو من لبن أمه حتى ~~يموت هزالا. # قال: {وما ينطق عن الهوى} أي: ليس ينطق محمد صلى الله عليه وسلم بهذا ~~القرآن عن هواه، بل هو وحي أوحي إليه. PageV11P7141 # وقيل: هو خبر عن القرآن، أي: ما ينطق القرآن عن الهوى، دليله قوله: {إن ~~هو إلا وحي يوحى} فهذا هو ms2510 القرآن بلا اختلاف، وهو قوله: {إن هو إلا وحي ~~يوحى} أي: إن هذا القرآن إلا وحي يوحيه الله عز وجل إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم مع جبريل عليه السلام، وبين ذلك بقوله: # {علمه شديد القوى} أي: علم محمدا هذا القرآن ملك شديد القوى هو جبريل صلى ~~الله عليه وسلم. قال الفراء وغيره: قالت قريش إنما يقول من تلقائه فنزل ~~نكذيبهم في هذه الآية وعلى هذا التفسير جميع المفسرين من الصحابة والتابيعن ~~ومن بعدهم في هذه الآية، والقوى جمع قوة، وقيل: شديد الأسباب. # قال: {ذو مرة} قال ابن عباس: ذو منظر حسن. # وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن. # وقال مجاهد: ذو مرة: ذو قوة، وكذلك [قال] سفيان وابن زيد يعني به PageV11P7142 # جبريل صلى الله عليه وسلم. # وكان الحسن يقول ذو مرة: هو الله عز وجل. # وتم الكلام عند قوله: ذو مرة، ثم ابتداء بالفاء فقال: {فاستوى} (أي: ~~استوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى. # وقيل: هو الله سبحانه: أي: استوى) على العرش، وكذا أهل التفسير غير الحسن ~~على أنه جبريل. # وقيل: ذو مرة: ذو صحة جسم وسلامة من الآفات وهو اختيار الطبري ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى ". PageV11P7143 # وقيل معناه: ذو قوة وشدة يعني جبريل صلى الله عليه وسلم. # روي: أن من قوته اقتلع مدائن لوط الأربع، في كل مدينة مائة ألف من الناس ~~بمساكنهم وأنعامهم بقادمتي جناحه حتى بلغ تخوم الأرض السابعة السفلى، ~~فاقتلع المدائن من أصولها حتى بلغ بهن قرب سماء الدنيا، فسمع أهل السماء ~~صياح الدجاج ونباح الكلاب ونهيق الحمير، ثم أهوى بها إلى الأرض ثم غشاها ~~بالحجارة، وهو قوله: {جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} ~~[هود: 82] وهو قوله في جبريل: {ذي قوة عند ذي العرش مكين} [التكوير: 20]. # وقول: {فاستوى} أي: فاستوى هذا الشديد القوي بصاحبكم محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالأفق الأعلى، وذلك لما أسري به عليهما السلام، استوى هو وجبريل ~~بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، ms2511 وهذا القول قال به الطبري والفراء. PageV11P7144 # وفيه العطف على المضمر المرفوع من غير تأكيد، وهو قبيح عند البصريين. # [لأن وهو بالأفق معطوف على المضمر في فاستوى وكان القياس عند البصريين] ~~فاستوى هو، وهو، أي: جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الزجاج: الضمير لجبريل، يعني الضمير في فاستوى، وضمير " هو " كلاهما ~~لجبريل عليه السلام، فلا يلزم في هذا القول عطف على مضمر مرفوع لأن ~~الضميرين لواحد. لكن يكون " وهو بالأفق الأعلى " جملة في موضع الحال من ~~المضمر في " فاستوى " أي: استوى جبريل في حال كونه بالأفق العلى. # والمعنى: فاستوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته لأنه كان يتمثل للنبي ~~على صورة رجل فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراه على صورته، فاستوى ~~في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل عليه السلام في الأفق ~~الأعلى على صورته على قول الزجاج، وأكثر المفسرين عليه، فالمضمر الذي هو في ~~" استوى " لجبريل PageV11P7145 # وقوله " وهو " لجبريل أيضا، وعلى القول الأول الضمير في " استوى " ~~لجبريل. # وقوله: " وهو " / لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد وقع في العدد: " فاستوى ~~وامرأته " فهذا يدل على أن " فاستوى " يتصل بما قبله. # قال قتادة: الأفق: الذي يأتي منه النهار. # وقال الحسن: أفق المشرق الأعلى بينهما. # قوله: {ثم دنا فتدلى} أي: ثم دنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى ~~إليه. وهو قول قتادة والحسن. # وعن ابن عباس: ثم دنا الله تعالى ذكره من محمد فتدلى إليه؛ أي: أمره ~~وحكمه. # قال أنس: عرج جبريل برسول الله صلى الله عليهما وسلم ليلة الإسراء إلى ~~السماء السابعة ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء به سدرة ~~المنتهى ودنا الجبار رب العزة (سبحانه وتعالى) فتدلى حتى كان منه قاب قوسين ~~أو أدنى فأوحى PageV11P7146 # (إليه جل ذكره) ما شاء، وأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته في كل ~~يوم وليلة ثم ذكر الحديث بطوله. # وقال الفراء: " الفاء " بمعنى " الواو " وتقديره عنده " ثم (دنا وتدلى "، ~~ودنا) يعني جبريل ms2512 / صلى الله عليه وسلم وهو عنده مثل قوله تعالى: {اقتربت ~~الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] [أي: انشق القمر واقتربت الساعة، لأن ~~انشقاق القمر من علامة اقتراب الساعة]. # وقيل: معناه فكان جبريل من محمد صلى الله عليهما وسلم قاب قوسين أو أدنى. ~~وقاب: معناه قدر، أو أدنى: فمعناه أو أقرب منه، و " أو " هنا جيء بها على ~~ما تعقل العرب من مخاطباتها، والمعنى: فكان على مقدار يقدره الرائي منكم ~~قدر PageV11P7147 # قوسين أو أقل [من] ذلك، فأوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى ~~[الله] إلى جبريل صلى الله عليه وسلم. # قال سفيان: قوسين: ذراعين، وكذلك روي عن ابن عباس. # وقال مجاهد: وقتادة قاب قوسين: مقدار قوسين. # وقيل معناه: كان منه على مقدار مثل، حيث يكون الوتر من القوس أو أقل من ~~ذلك. # قال عبد الله بن عمر: دنا منه جبريل حتى كان قدر ذراع وذراعين. (قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم) : " رأيت جبريل له ست مائة جناح " وقال الكوفيون PageV11P7148 # " أو " بمعنى " الواو ". # أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما شاء. # وقيل: أوحى جبريل إلى عبد الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم ما شاء الله. # وقيل معنى الآية: فكان الله جل ذكره من جبريل صلى الله عليه وسلم قاب ~~قوسين أو أدنى فأوحى الله إلى عبده جبريل ما شاء ليبلغه إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقد تقدم قول من قال هو محمد قرب من ربه سبحانه هذا القرب. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: " هل رأيت ربك؟ فقال: لم أراه ~~بعيني ولكن رأيته بفؤادي. مرتين ثم تلا {ثم دنا فتدلى} ". # عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما عرج بي مضى جبريل ~~حتى جاء الجنة قال: فدخلت فأعطيت الكوثر ثم مضى حتى جاء السدرة المنتهى ~~فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ". # أي: ما كذب فؤاد محمد على محمد PageV11P7149 # فيما رآه ولكنه صدقه، ومن شدد فمعناه: ما كذب فؤاد محمد الذي ms2513 رأى. # قال ابن عباس: رأى ربه بفؤاده ولم يره بعينه، وقاله عكرمة. # قال ابن عباس: اصطفى الله إبراهيم بالمخلة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى ~~محمد بالرؤية. # وقال ابن مسعود: الذي رأى فؤاده جبريل، وقاله الحسن وقتادة. قالوا: وهو ~~الذي أراه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. # أي: أفتجادلونه على ما يرى، ويقل: معناه أفتحاجونه على ما يرى، ومن قرأه ~~بغير ألف فمعناه أفتجحدونه على ما يرى). PageV11P7150 # يقال مرائي حقي يمريني مريا، أي: جحدني. # أي: رأى محمد جبريل مرة أخرى في هذا الموضع على صورته قاله مجاهد. وقاله ~~الربيع، وهو قول ابن مسعود. # وروي: " أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~رؤية جبريل فقال: لم أره على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطا من / ~~السماء سادا عظيم خلقه بين السماء والأرض ". # وقال ابن عباس: رأى ربه بقلبه، فقال له رجل عند ذلك أليس قد قال: {لا ~~تدركه الأبصار} [الأنعام: 104] فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ فقال: بلى، ~~قال: أفكلها ترى. PageV11P7151 # ومعنى سدرة المنتهى أي: عند السدرة التي إليها ينتهي علم كل عالم. # وقال كعب: هي سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل ملك مقرب أو نبي مرسل ~~ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله. # وعن كعب أنه قال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش فإليها ينتهي علم ~~الخلائق. # وقال عبد الله: هي سدرة في السماء السادسة إليها ينتهي من يعرج من الأرض ~~وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها. # وقال الضحاك: في سدرة المنتهى: إليها ينتهي كل شيء من أمر الله جل ذكره ~~لا يعدوها. # وقيل هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام وإنها في السماء الرابعة. # وقيل: هي سدرة إليها ينتهي كل من كان على سنة رسول الله، روى ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لما انتهى إليها ليلة الإسراء قيل له: إلى ~~هذه السدرة ينتهي كل أحد خلا من أمتك على سنتك. PageV11P7152 # وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي ms2514 صلى الله عليه وسلم قال: " ~~في سدرة المنتهى: نبقها كقلال هجر ". # وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة ~~المنتهى. # وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نبقها كقلال هجر وورقها ~~كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل / ~~ما هذا؟ فقال: أما PageV11P7153 # الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين ~~عاما لا يقطعها ". # أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء. # قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره. # وقرأ ابن الزبير {جنة المأوى} بالهاء، أي جنه المساء عندها أي: عند ~~السدرة. # جن المساء يجن: أي: ستره. يقال جنه الليل وأجنه. PageV11P7154 # وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضا عائشة ~~رضي الله عنها. وقال الفراء هي شاذة. # أي: ولقد رأى محمد جبريل صلى الله عليه وسلم في صورته مرة أخرى حين يغشى ~~السدرة ما يغشى. # قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب. # قال يعقوب بن زيد " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {إذ ~~يغشى السدرة ما يغشى}. # فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما ~~يسبح الله ". # وقال ابن عباس: غشيها رب القوة. # قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا فرآها محمد ورأى ~~ربه بقلبه. PageV11P7155 # وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع ~~الغربان على الشجر. # أي: ما مال بصر محمد صلة الله عليه وسلم عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما ~~رأى. # قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يمسنا ولا شمالا، وما طغى. ما جاوز ~~أمر ربه. # أي: لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته ~~الأدلة ms2515 الكبرى. إن جعلت " من " زائدة كانت " الكبرى " نعتا للآيات على ~~اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت " من " للتبعيض كانت " الكبرى " في موضع نصب ~~برأى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأى الآية الكبرى من آيات ربه. # قال عبد الله: رأى رفرفا أخضر من / الجنة قد سد الأفق. # وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه ~~وبينه قدر قوسين أو أدنى. PageV11P7156 # قوله: {أفرأيتم اللات والعزى}. # رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم ~~تتعدد نحو قوله {أرأيت إن كذب وتولى} [العلق: 13] فالمعنى: أفرأيتم أيها ~~المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله. # أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذا). # {قسمة ضيزى} أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري ~~وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا ~~العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها ~~بنات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم. # قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها. PageV11P7157 # وقرأ مجاهد " اللات " بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلا يلت ~~السويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. # وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح ~~والسدي. وقيل: كان يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات ~~بتشديد التاء. وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن PageV11P7158 # (اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعا للمصحف، ~~وكذلك وقف نافع. # وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء ~~اتباعا للمصحف وإبعادا أن يشبه الوقف على الله. # والعزى: حجرا أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير. # وقال مجاهد: العزى شجرة كانوا يعبدونها. # وقال ابن زيد: العزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه. # وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة. PageV11P7159 # وقال ms2516 قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات. # قال أبو إسحاق: " منات " صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله / ~~جل وعز وتعالى عن ذلك. # وقيل: اللات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها. # وقوله: {تلك إذا قسمة ضيزى} أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا ~~لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون. # (وضيزى فعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة ~~وفيه (فعلى وفعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيض وأصله بوض. ومن ~~همزه فهي لغة يقال ضازه يضيزه ويضوزه وضأزه يضأزه. # ويقال: ضزته وضزته إذا نقصته حقه، فيقال على هذا ضئزى بالهمز وضؤزى أيضا. PageV11P7160 # وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه ~~القدرة التي تقدم ذكرها شيء. # وقال أبو عبيدة: التقدير ألكم الذكر وله الأنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا ~~الملائكة بنات الله جل ذكره. وقيل الجواب: {تلك إذا قسمة ضيزى}. # قال: {إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم} أي: ما اللات والعزى ومنات ~~الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل ~~الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء. # ثم قال: {إن يتبعون إلا الظن}؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه ~~[الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم ~~ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل. # ثم قال: {ولقد جآءهم من ربهم الهدى} أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل ~~بالبيان والوحي الحق. # قال: {أم للإنسان ما تمنى} أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل ~~الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى. PageV11P7161 # قال: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا} أي: وكثير / من ~~الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا لمن شفعوا إلا من بعد أن ~~يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ ~~لعبدة ms2517 الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة ~~طاعتهم لا تنفع أحدا شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف ~~تشفع الأصنام لكم. # قال: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى * وما ~~لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن}. # أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا ~~يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علوا كبيرا). {وما لهم به من علم ~~إن يتبعون إلا الظن} أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظنا بغير علم، والهاء تعود ~~على السماء لأن التسمية والأسماء واحد، {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} ~~[أي] يقوم مقام الحق. # قال: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا} أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته ~~به PageV11P7162 # من القرآن. # {ولم يرد إلا الحياة الدنيا} أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله. # {ذلك مبلغهم من العلم} أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار ~~الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله. # ثم قال: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} أي: هو عالم لهم قد علمهم في ~~سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن. # ثم قال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} أي: لله ملكهما وما فيهما. ولام ليجزي (متعلقة ~~بقوله: {إن هو إلا وحي يوحى} {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات}. # وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا. وقيل هي متعلقة ~~بقوله: {وهو أعلم بمن اهتدى. . . ليجزي}. # وقوله: {بالحسنى} يعني بالجنة. # قال زيد بن أسلم: {الذين أساءوا}: المشركون، {الذين أحسنوا} المؤمنون. PageV11P7163 # ثم بين المؤمنين ونعتهم فقال: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} أي: ~~يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله ms2518 عنها، وقد تقدم القول فيها في " ~~النساء ". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه ~~مما أوجب الله فيه حدا. # وقوله: {إلا اللمم} قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل ~~الإسلام. # وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين ~~أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام. # وقيل: اللمم: الصغائر. / # وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله. وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل ~~والجس. # وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: " إلا " بمعنى الواو، وليس بشيء هذا ~~نقض كلام العرب. PageV11P7164 # وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة. # وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود. # وعن أبي هريرة أيضا مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن ~~تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألممت أتيت ونزلت عليه). # (وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال ~~عكرمة وقتادة والضحاك. # وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللمم ما دون ~~الشرك. # ثم قال: {إن ربك واسع المغفرة} أي: لمن اجتنب الكبائر. {هو أعلم بكم إذ ~~أنشأكم من الأرض} يعني آدم عليه السلام. PageV11P7165 # {وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} أجنة: جمع جنين، اي: أعلم بكم في ذلك ~~الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى. وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين ~~مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات ~~الخمس. # والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق ~~الوالدين، (وأكل مال اليتيم). # وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنبا لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما ~~تأتينا إلا لماما: أي: في الحين بعد الحين. # قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان ~~معناه فعل الإتيان لا أنه هم ولم يفعل، ويدل على ms2519 أنه فعل الذنب قوله {واسع ~~المغفرة} فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنبا /، وهل يغفر ما لم يفعل. # وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من ~~الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده. PageV11P7166 # قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. # وقوله: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] ~~يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتما. # وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء} [النساء: ~~48] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة ~~الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها). # ثم قال: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} أي: الله عالم بما تعملون حين ~~خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه ~~أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من ~~الفساد. وأجنة جمع جنين. # قوله: {أفرأيت الذي تولى}. # أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه ~~قليلا من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه. # هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما ~~أتبع PageV11P7167 # رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو ~~أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى ~~الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له. # ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة. # أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو ~~يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده. # وقيل: المعنى أعلم الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما ~~قال: ويرى: بمعنى: يعلم. # أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب ms2520 في الآخرة بالذي في ~~صحف موسى. # {وإبراهيم الذي وفى} أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه. # وقيل معناه: وفى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو {ألا تزر وازرة ~~وزر أخرى} أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد. PageV11P7168 # قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم ~~عليه السلام فبلغ {ألا تزر وازرة وزر أخرى}، {وأن عليه النشأة الأخرى}. # وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه. # وقال ابن جبير: بلغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي. # وعن ابن عباس أيضا: أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وفى بما أمره ربه عز ~~وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: {ألا تزر وازرة وزر أخرى}. # وعن ابن عباس أيضا: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهما، وما ابتلي ~~بهذا الذين أحد فأقامه إلا إبراهيم فإنه وفى به. # وقال مجاهد: وفى ما فرض عليه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~ألا أخبركم لم PageV11P7169 # سم الله جل ذكره إبراهيم خليله " الذي وفى ". لأنه كان يقول كلما أصبح ~~وكلما أمسى {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السماوات} ~~الآية ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في ~~النهار ". # وقوله: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى ~~وإبراهيم، وفى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف. # قال أبو مالك الغفاري: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} إلى قوله: {هذا نذير من ~~النذر الأولى} هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى. # وعنى بقوله: / {ألا تزر وازرة وزر أخرى} الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه ~~عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون. # أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحدا لا يحمل ذنب أحد. # ثم قال: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) [38]. PageV11P7170 # قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك {والذين آمنوا ~~واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ms2521 ذريتهم} [الطور: 21] فرفع الله الأبناء ~~في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري. # وروى ابن عباس عن النبي / صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله جل ذكره ~~ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لتقربهم عينه ". # وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحدا عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا ~~صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن ~~أحد وقد أتت أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في إجازة الحج عن الحي ~~والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت. PageV11P7171 # ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ~~ومات جاز أن يحج عنه. # قال تعالى: {وأن سعيه سوف يرى} أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم ~~القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله. # أي: وإن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم ~~بأعمالهم صالحهم وطالحهم. PageV11P7172 # أي: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار. وقيل معناه أضحك من ~~شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه. # أي: هو أمات من أمات من خلقه، وهو أحيا من أحيا منهم. # قال: {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} أي: ابتدع إنشاء الذكر والأنثى. # يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج. خلقهما: {من نطفة إذا تمنى} أي: إذا ~~أمناها الرجل والمرأة. # وقيل معناه: إذا مناها الله عز وجل، أي: قدرها أن تكون نسمة. # أي: عليه إعادتهم بعد موتهم خلقا جديدا. # أي: أغنى بالمال من شاء، واقناه: أي: جعله يقتني الأشياء ويدخرها. # وقيل أقنى: ادخر. وهو قول مجاهد والحسن وقتادة. PageV11P7173 # وعن ابن عباس (وأقنى: أي: أرضى، وأغنى: وأعطى). # وعن مجاهد أيضا: أغنى: تولى، وأقنى: أرضى. # وقال السدي: اقنى من القنية، يعني ادخار الأشياء. وقال سفيان بن عيينة ~~معناه: أغنى ورضي. # وقال أبو صفوان بن عوانة: أغنى وأقنى: (أخذ من الغنيمة). # وقال ms2522 المعتمر بن سليمان: أغنى الإنسان وأقنى أي: أفقر الخلق إليه. # وقال ابن زيد " أعنى وأقنى أي: أغنى من شاء من خلقه وأفقر من شاء. PageV11P7174 # أي: وإن ربك يا محمد هو رب الشعرى، وهو نجم يسمى بهذا الاسم كان بعض أهل ~~الجاهلية يعبده. # قال مجاهد: هو الكوكب الذي خلف الجوزاء كانوا يعبدونه، فقيل لهم: اتركوا ~~عبادته واعبدوا ربه وهو الشعرى: العبور الخارج عن المجرة عبدت في الجاهلية، ~~وقالوا: رأينا ما (عبرت عن المنازل) فأعلم الله أنه ربها وأنه خالقها الذي ~~تجب له العبادة. # وهو عاد بن آدم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأكبر، ~~وكانت عاد الآخرة ساكنة بمكة مع أخوالهم من العمالقة ولد عمليق بن لاود بن ~~سام بن نوح، فلم يصبهم من العذاب ما أصابه عادا الأولى ثم هلكت [عاد] ~~الآخرة بعد ذلك بغى بعضهم على بعض فتفانوا بالقتل، وعاد الأولى هي التي ~~هلكت بالريح. PageV11P7175 # وقال ابن زيد: إنما قيل لها عاد الأولى لأنها أول الأمم هلاكا بعد نوح. # وقيل: إن عادا الآخرة هي ثمود. # وقد قال زهير: " كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم " يريد عاقر الناقة فسمى ثمود ~~عادا. # أي: ولم يبق الله ثمودا ولكن أهلكهم بكفرهم. # أي: ولم يبق الله قوم نوح من قبل عاد وثمود بل أهلكهم بكفرهم بربهم ~~وظلمهم لأنفسهم. # قال قتادة: (لم يكن) قبيل من الناس هم أظلم وأطغى من قوم دعاهم نبي الله ~~تعالى نوح إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاما كلما هلك قرن نشأ قرن، حتى ~~ذكر لنا PageV11P7176 # أن الرجل كان يأخذ بيد ابنه ويأت به إلى نوح صلى الله عليه وسلم فيقول: ~~يا بني لا تقبل من هذا فإن أبي مشى بي إلى هذا وأنا مثلك يومئذ وأوصاني بما ~~أوصيتك [به] تتابعا / على الضلالة وتكذيبا لأمر الله. # أي: والمقلوب أعلاها أهوى /، وهي سدوم قرية قوم لوط أمر الله جبريل ~~فرفعها من الأرض السابعة بجناحه ثم أهواها مقلوبة. يقال: هوى إذا سقط، ~~وأهواه غيره أسقطه. # قال مجاهد: ms2523 رفعها جبريل صلى الله عليه وسلم إلى السماء ثم أهواها. # قال ابن زيد أهواها جبريل عليه السلام [ثم أتبعها تلك الصخر]. PageV11P7177 # أي: جلاها الله عز وجل بعد أن انقلبت بالحجارة المنضودة المسومة فأمطرها ~~عليهم حجارة من سجيل. # قال قتادة: غشاها بصخر منضود، في قوله {ما غشى} معنى التعظيم. # أي: فبأي نعم ربك يا ابن آدم أنعمها عليك تشك وترتاب وتجادل وهذا لمن شك ~~وكذب. # ومن نصب المؤتفكة بأهوى (أجاز أن يبدأ بها) ومن نصبها على العطف على قوم ~~نوح وثمود لم يبتدئ بها. # أي: محمد نذير لقومه كما أنذرت الرسل من قبله قاله قتادة. # وقيل المعنى: محمد نذير من النذر الأولى في أم الكتاب. # وقال أبو مالك معناه: هذا الذي خوفتم به من القرآن في هذه السورة نذير ~~لكم PageV11P7178 # من النذر الأولى التي كانت في صحف إبراهيم وموسى، وهو اختيار الطبري. # أي: دنت وقربت القيامة، يقال: أزف الأمر إذا دنا وقرب، وسميت القيامة ~~بالأزفة لقربها. # أي: ليس تنكشف القيامة فتقوم إلا بإقامة الله إياها وكشفه لها من دون ~~سواه من خلقة؛ لأنه لم يطلع عليها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. # وقيل: كاشفة. كما قيل: {فهل ترى لهم من باقية} [الحاقة: 8] أي: من بقاء. # والمعنى: ليس لها من دون الله كاشف لها. # وقيل " الهاء " للمبالغة، وكاشفة بمعنى كشف وتكون على القول الأولى بمعنى ~~أنكشف. # هذا خطاب لمشركي قريش؛ أي: أفمن هذا القرآن تعجبون مما نزل على محمد ~~وتضحكون استهزاء PageV11P7179 # به، ولا تبكون لما فيه من الوعيد لمن كفر به. # أي: لاهون عما فيه من العبر والتذكر، معرضون عن آياته، والإيمان به يقال: ~~سمد يسمد: إذا لها. # وروى شعبة عن المغيرة عن إبراهيم {وأنتم سامدون} قال: القيام [قبل ~~الإمام] إلى الصلاة. # وحكي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه دخل الصلاة فرأى الناس قياما ~~فقال ما لهم، أو قال ما شأنهم سامدين. # وقال ابن عباس: [سامدون] هو الغناء، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا وهي ~~لغة أهل اليمن من خيبر يقولون: ms2524 أسمد لنا (أي: تغنى لنا). PageV11P7180 # وقيل: سامدون: شامخون. # قال الضحاك كانوا يمرون على النبي صلى الله عليه وسلم شامخين، والشامخ ~~المتكبر. # وعن ابن عباس: سامدون: لاهون. وقال قتادة: سامدون: غافلون. # وقال مجاهد: سامدون: معرضون، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ ~~هذه الآية لم ير ضاحكا ولا متبسما [حتى مات]. # أي: اسجدوا لله في صلاتكم أيها الناس دون من سواه من الآلهة واعبدوه دون ~~غيره. # (قال ابن عباس: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس). # (وقال ابن مسعود: أول سورة نزلت فيها السجدة، والنجم، قال: فسجد النبي ~~وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ ترابا فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل ~~كافرا PageV11P7181 # وهو أمية بن خلف). PageV11P7182 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القمر # سورة القمر مكية قوله تعالى {اقتربت الساعة}. # معناه دنت القيامة وقربت. # روى أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وقد كادت الشمس تغيب فقال ما ~~بقي من دنياكم فيما مضى إلا مثلا ما [بقي] من هذا اليوم فيما مضى وما نرى ~~من الشمس إلا يسيرا ". PageV11P7183 # وقال كعب ووهب الدنيا ستة آلاف سنة. قال وهب قد مضى منها خمسة آلاف ~~وستمائة، وهذا إنذار من الله بدنو القيامة وقرب فناء الدنيا. # وقوله: / {وانشق القمر} أي: انفلق وكان ذلك على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو بمكة قبل الهجرة، وذلك أن كفار قريش سألوه آية فأراهم انشقاق ~~القمر، فدل على صحة قوله، فلما أراهم ذلك (أعرضوا وكذبوا). وقالوا هذا سحر ~~مستمر سحرنا له محمد، ففي ذلك يقول الله جل ذكره. # ومعنى مستمر: أي: ذاهب. وقيل مستمر: شديد. وقيل معناه: يشبه بعضه بعضا. ~~قال أنس: انشق القمر فرقتين. وقال ابن مسعود انشق القمر ونحن مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى ذهبت فرقة منه خلف الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أشهدوا. PageV11P7184 # قال: {وكذبوا واتبعوا أهوآءهم} أي: كذبت قريش واتبعت أهواءها. {وكل أمر ~~مستقر} أي: كل أمر يستقر إن خيرا ms2525 في الجنة، وإن شرا ففي النار. # أي: ولقد جاء قريشا من الأخبار والقصص والوعد والوعيد ما فيه متعظ لهم. # قال {حكمة بالغة} يعني القرآن. {فما تغن النذر} أي: فليست تغن النذر ~~لإعراضهم عنها. والنذر جمع نذير أو بمعنى الإنذار، ويجوز أن تكون " ما " ~~استفهاما. والمعنى فأي شيء يغني النذر عنهم وهم معرضون عنها. # ثم قال فتول عنهم يوم يدع الداع / إلى شيء نكر أي: فأعرض عنهم: تم الكلام PageV11P7185 # على قوله {فتول عنهم}، ثم ابتدأ فقال {يوم يدع الداع إلى شيء نكر} أي: ~~منكر يخرجون من الأجداث. " فيم " منصوب " بأذكر يوم تخرجون. والأجداث: ~~القبور. {كأنهم جراد منتشر} كأنهم في انتشارهم من القبور إلى موقف الحساب ~~جراد منتشر. # وقوله {خشعا أبصارهم} حال من الضمير في (يخرجون من قبورهم) فينتشرون ~~لموقف العرض يوم يد الداع خشعا إبصارهم، أي هي ذليلة خاضعة، ولا يجوز أن ~~يكون حالا من المضمر في عنهم، لأن الأمر بالتوالي في الدنيا، والإخبار ~~بخشوع أبصارهم بعد بعثهم. # وقوله {كأنهم جراد منتشر} وقال في موضع آخر {يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث} [القارعة: 3] فذلك صنفان مختلفان، وإنما ذلك لأن كون ذلك في وقتين ~~مختلفين أحدهما عند البعث بالخروج من القبور يخرجون فزعين لا يهتدون أين ~~يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض لا جهة لأحد منهم يقصدها نشبههم عند PageV11P7186 # ذلك بالفراش لأن الفراش لا جهة يقصدها، وإنما هي بعضها في بعض فلا يزال ~~الناس كذلك حتى يسمعوا المنادي يدعوهم فيقصدونه، فتصير لهم وجهة يقصدونها، ~~فشبههم في هذا الوقت بالجراد المنتشر، وهكذا الجراد لها (وجهة تقصدها) وهي ~~منشرة. # ويروى أن مريم سألت ربها أن يطعمها لحما لا دم فيه فأطعمها الجراد فدعت ~~للجراد فقالت: اللهم أعشها بغير رضاع (وتابع بنيها بغير شياع، أي: بغير ~~دعاء بينها). ثم قال {مهطعين إلى الداع} قال قتادة: عامدين. وقال أبو ~~عبيدة: مسرعين مقبلين خائفين. ولا يكون الإهطاع إلا مع خوف، ويقال: هطع ~~وأهطع بمعنى أسرع مقبلا خائفا. # وقال سفيان شاخصة أبصارهم إلى السماء. وقال ابن عباس ناظرين. PageV11P7187 # {يقول الكافرون ms2526 هذا يوم عسر} أي: شديد هول المطلع. # قال: {كذبت قبلهم قوم نوح} أي: كذب قبل قومك قوم نوحا. {فكذبوا عبدنا} ~~يعني نوحا. {وقالوا مجنون} أي: هو مجنون. وقوله {وازدجر} أي: زجروه بالشتم ~~والوعيد والرجم. # قال ابن زيد اتهموه وزجروه وأوعدوه، وقالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين. وقال الحسن قالوا مجنون وتوعدوه بالقتل. ثم قال {فدعا ربه أني ~~مغلوب فانتصر} أي: قال يا رب قد غلبت وقهرت فانتصر لي منهم بعذاب من عندك. ~~قال تعالى: {ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر} أي: مندفع منصب. # قال {وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر} أي: فالتقى ماء ~~السماء وماء الأرض على أمر قد قدره الله وقضاه في اللوح المحفوظ. ثم قال ~~{وحملناه على ذات ألواح ودسر} / أي: وحملنا نوحا إذا التقى الماء على سفينة ~~ذات ألواح ودسر. والدسر: المسامير، وهو جمع دسار. وقيل الدسر: صدر السفينة PageV11P7188 # لأنها تدفع الماء بصدرها: [أي] تدسره قاله الحسن. # وقال مجاهد: الدسر: أضلاع السفينة. وقال الضحاك الدسر: طرف السفينة، وأصل ~~الدسر: الدفع. # قال {تجري بأعيننا} أي: بمرأى منا ومبصر. # وقوله {جزآء لمن كان كفر} أي: فعلنا بهم ذلك جزاء لنوح للذي كفر بالله ~~فيه. وقيل " من " بمعنى " ما " والمعنى: جزاء لمن كان كفر بنعم الله ~~وأياديه. # وقال مجاهد: معناه (جزاء الله لأنه كفر به). وقيل معناه جزاء لنوح ولمن ~~آمن به لأنهم كفروا بهم، فتوحد " كفر " على هذا على لفظ " من ". ثم قال PageV11P7189 # {ولقد تركناها آية} أي: تركنا السفينة آية وعبرة لمن بعد نوح. وقال قتادة ~~رفعت الفسينة على الجودي حتى رآها أوائل لهذه الأمة. # قال مجاهد: إن الله جل ذكره حين غرق قوم نوح جعلت الجبال تشمخ، وتواضع ~~الجودي فرفعه الله عز وجل على الجبال، وجعل قرار السفينة عليه. وقيل معناه: ~~ولقد تركنا هذه الفعلة آية. {فهل من مدكر}. # أي: فهل من متعظ يخاف أن يناله من العقوبة مثل ما نال قوم نوح. ثم قال ~~{فكيف كان عذابي ونذر} أي: وإنذاري، وهذا تحذير ms2527 من الله لمن نزل عليه ~~القرآن وكفر به أن يصيبه مثل ما أصاب قوم نوح. ثم قال {ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر} أي: سهلناه وبيناه وفصلناه لمن يريد أن يتذكر به ويعتبر. # وقيل معنى: فهل من مذكر: هل من طالب علم فيعان عليه: وقال محمد بن كعب ~~معناه: هل من مذكر عن معاصي الله. قال ابن زيد يسرنا: بينا. وقال مجاهد: ~~يسرنا: هونا. PageV11P7190 # وقيل معناه: فهل من طالب علم أو خير فيعان عليه. # قال {كذبت عاد} أي: كذب أيضا عاد هودا نبيهم فيما أتاهم / به. {فكيف كان ~~عذابي ونذر} (أي عذبتهم لذلك، وأهلكتهم، فلتحذر قريش ان يصيبهم بتكذيبهم ~~محمدا مثل ما أصاب قوم هود. # قال {إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا} أي: ريحا شديدة العصوف باردة لها صوت، ~~وأصله صرر فأبدل من أحدى الراءات مادا، فكبكبوا من كبب. # قوله {في يوم نحس مستمر} أي: في يوم شر وشؤم لهم (استمر بهم فيه البلاء) ~~والعذاب إلى أن (أوفى بهم العذاب). قال قتادة استمر بهم إلى نار جهنم. # أي: تقتلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتندق رقابهم وتبين من أجسادهم. PageV11P7191 # قال ابن إسحاق: لما هبت الريح قام سبعة من عاد فقالوا نرد الريح، فأتوا ~~ضم الشعب الذي منه تأتي الريح، فوقفوا عليه، فجعلت الريح تهب وتدخل تحت ~~واحد منهم ثم تقلعه من الأرض فترمي به على رأسه فتندق رقبته، ففعلت ذلك ~~بستة منهم كما قال الله {كأنهم أعجاز نخل منقعر}، وبقي رجل اسمه الخلجان، ~~فأتى هودا فقال يا هود ما هذا الذي أرى في السحاب كهيئة البخاتي، قال تلك ~~ملائكة ربي، [قال مالي إن أسلمت، قال: تسلم!، قال أفينقذني ربك من هؤلاء، ~~قال: ويلك أرأيت ملكا ينقد من جنده]، فقال وعزته لو فعل ما رضيت، قال ثم ~~مال إلى جانب الجبل فأخذ بركن منه يهزه، فاهتز في يده ثم جعل يقول: # ألا لم يبق إلا الخلجان نفسه ... يالك من يوم دهاني أمسه. # بثابت الوطء شديد أمسه ... لو لم يجئني جئته أجسه. PageV11P7192 # ثم هبت ms2528 الريح فحملته، فألحقته بأصحابه. # (وروي عن أبي هريرة أنه قال أن كان الرجل ليغمز قدميه فيدخل في الأرض) من ~~قوم عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمس مائة من هذه الأمة لم ~~يستطيعوا أن يحملوه، وأن كان الرجل (ليغمز قدميه فتدخل في الأرض). # وقوله {تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر} أي: تنزعهم من الحفر التي ~~كانوا حفروها كأنهم أعجاز نخل منقعر. # قال الطبري في الكلام حذف، والتقدير: تنزع الناس فتتركهم كأنهم أعجاز ~~نخل، " فالكاف " على هذا في موضع نصب بالمحذوف. وقال الزجاج وغيره " الكاف ~~" في موضع الحال، أي: تنزع الناس مشبهين / بأعجاز نخل. ومعنى PageV11P7193 # " منقعر " أي: منقلع من قعره. # (وقال الحسن لما جاءت الريح إلى قوم هود قاموا إليها فاستقبلوها وأخذ ~~بعضهم بيد بعض). # (وركزوا أقدامهم في الوادي، وقالوا لهود من يزيل أقدامنا عن أماكنها إن ~~كنت صادقا، فأرسل الله عليهم الريح فنزعت أقدامهم كأنهم أعجاز نخل منقعر). # قال مجاهد: بانت أجسامهم من رؤوسهم فصاروا أجساما بلا رؤوس. # وقيل التشبيه هنا إنما هو للحفر التي كانوا فيها قياما، صارت الحفر كأنها ~~أعجاز نخل وهذا قول ضعيف، ولزم هذا القائل أن يقول " كأنهن ". # أي: فانظر يا معشر كفار قريش كيف كان عذاب قوم هود إذ كذبوا هودا، وكيف ~~كان إنذاري إياكم أن ينزل بكم ما نزل بهم. # قوله (ولقد يسرنا القرآن) إلى قوله (كهشيم المحتظر) الآيات [22 - 31]. PageV11P7194 # {فهل من مدكر}. # أي: ولقد بينا وسهلنا القرآن لمن أراد أن يذكر ويتعظ، فهل من طالب علم ~~فيعان عليه. # قال {كذبت ثمود بالنذر} [أي] كذب قوم صالح بنذر الله (التي أتتهم) من ~~عنده، فقالوا مكذبين لرسولهم صالح {أبشرا منا واحدا نتبعه} أي: نحن الجماعة ~~الكثيرة كيف نتبع بشرا واحدا. # {إنآ إذا لفي ضلال وسعر} أي: إن أتبعناه لفي ذهاب عن الصواب وسعر: أي: ~~وعناد، قاله قتادة. وقيل: وسعر: وجنون. # قال {أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر} هذا إخبار من الله جل ~~ذكره عما قاله قوم صالح، أي: قالوا أأنزل ms2529 الوحي عليه من بيننا على طريق ~~الإنكار. {بل هو كذاب أشر} أي: كذاب لا يبالي ما قال: وأصل الأشر: الريح ~~والبطر، قال الله عز وجل { سيعلمون غدا من الكذاب الأشر}. PageV11P7195 # أهم أم هو، بل هم الكذابون الأشرون، وهذا تهدد ووعيد من الله لهم ولمن ~~فعل فعلهم. # وقرأ أبو قلابة {الكذاب الأشر} بالتشديد وفتح الشين ولا يجوز مثل هذا في ~~الأولى لأنه لا يقال منه أفعل، وإنما جاز في الثاني لأنه من قولهم: زيد ~~الأشر (ومنذز لشر) كما يقال: (الأخير والخورى). وقرأ ابن جبير ومجاهد: " من ~~الكذاب الأشر " بضم الشين والتخفيف، وهي لغة في الأشر. # كما يقال رجل " خور وخور ". ثم قال تعالى {إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم} PageV11P7196 # أي: باعثوا الناقة التي سألها ثمود صالحا آية لهم وحجة (من الله) لصالح ~~ابتلاء لهم واختبارا هل يؤمنون به أو يكذبونه. # ثم قال {فارتقبهم واصطبر}. هذا أمر من الله لصالح، أي: فانتظرهم وتبصر ما ~~هم صانعون بالناقة، واصبر على ارتقابهم ولا تعجل. # وكان ابتلاؤهم في ذلك أن الناقة خرجت لهم من صخرة صماء فآمن بعضهم، وكانت ~~عظيمة كثيرة الأكل /. فشكوا ذلك إلى صالح وقالوا قد أفنت الحشائش والأعشاب ~~ومنعتنا من الماء، فقال ذورها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، ترد الماء ~~يوما وتردون يوما، فكانت هذه الفتنة، وهو قوله: {ونبئهم أن المآء قسمة ~~بينهم} أي: وخبر (قومك يا صالح) أن الماء يوم لهم يشربون ويتزودون، ويوم ~~للناقة ترد فيه. وقيل المعنى أن الماء يوم غب الناقة قسمة بينهم يشربون ~~ويتزودون. ثم قال: {كل شرب محتضر} أي: كل حظ من الماء يحضره من هو له. # وقيل المعنى: كل من له الماء يوما يحضره، وتحضره الناقة يوما. وقال ~~مجاهد: يحضرون يومهم، ويحضرون اللبن يوم الناقة. # [أي] فنادت ثمود صاحبهم قدارا PageV11P7197 # عاقر الناقة لعقرها فحضوه على ذلك فتناول الناقة فعقرها. # قال ابن عباس تناولها بيده، ويقال إنه كان ولد زينة، وهو من التسعة الذين ~~كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهم الذين قالوا، لصالح {لنبيتنه ms2530 وأهله} ~~[النمل: 49]. فمعنى فتعاطى: أي: فتناول الفعل ففعل فقتلها، وهو من قولهم: ~~عطوت: إذا تناولت. كما قال أمرؤ القيس: # (وتعطو برخص غير شتن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل). # وفي الحديث: " أن عاقر الناقة كان عزيرا (منيعا كأنه رفعة) / " # قال {فكيف كان عذابي ونذر} هذا الخطاب لقريش [أي] فكيف كان PageV11P7198 # عذابي إياهم وإنذاري لهم. # وقيل معناه: وإنذاري لكم أنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة، وقد تقدم خبر ~~عذابهم كيف كان. # وقوله {فكانوا كهشيم المحتظر} أي: فكان قوم صالح لما أخذتهم الصيحة صاروا ~~رفاتا كهيئة الشجر المحتظر بعد (نعمته وغضارته). وقيل معناه: فصاروا ~~كالعظام المحترقة، قاله ابن عباس. # وقيل صاروا كالتراب المتناثر من الحائط في يوم ريح: قاله ابن جبير. # وقال ابن زيد صاروا كهشيم حظيرة الراعي التي تتخذ الغم فتيبس فتصير ~~هشيما. # وقال مجاهد: صاروا كهشيم الخيمة وهو ما تكسر من (خشبها). # وقال سفيان (هو ما يتناثر من الحصير إذا ضربتها بالعصا. PageV11P7199 # وحقيقة الهشيم أنه فعيل بمعنى مفعول أي: مهشوم وهو ما يبس وتحات من ورق ~~الشجر، والمحتظر بكسر الظاء: الذي يحتظر على الهشيم، أي: يحوزه ليجمعه ~~ويحظر عليه ليمنع من أخذه، فهو محتظر بكسر الظاء، والهشيم محتظر بفتح الظاء ~~وصف له. # أي: كذبت جماعة قوم لوط بما أنذرهم به لوط من الإيمان والوعد والوعيد. # قال {إنآ أرسلنا عليهم حاصبا} أي: حجارة من السماء وقد تقدم ذكره في غير ~~موضع. # {إلا آل لوط} يعني بناته {نجيناهم بسحر}. # قال {نعمة من عندنا} نصب " نعمة " على أنها مفعول لها، ولذلك لا يتم ~~الوقف على " سحر " أي: أنجيناهم من العذاب للنعمة من الله عليهم. # ثم قال {كذلك نجزي من شكر} أي: كما أنجينا آل لوط من العذاب، كذلك نجزي PageV11P7200 # من شكر الله سبحانه، وآمن بإنذاره واتبع أمره وانتهى عن نهيه. # أي: حذرهم لوط قبل حلول العذاب لهم نقمة الله عز وجل لهم، فشكوا فيما ~~توعدهم به وأنذرهم إياه. # قال: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم} أي: راود قوم لوط لوطا في ~~أضيافه ليفعلوا بهم ms2531 ما كانوا يفعلون بمن دخل قريتهم من الذكور. # {فطمسنآ أعينهم} أي: طمس على أعينهم، أي: غطينا عليها. # وروي أن جبريل عليه السلام استأذن ربه عز وجل في عقوبتهم ليلة أتوا لوطا ~~وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه فصفقهم بجناحه فتركهم عميا لا يرون ~~يترددون. # قال ابن زيد: هؤلاء قوم لوط حين أرادوا من ضيفه طمس الله أعينهم. وقد كان ~~ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون فقالوا له إنه لا نترك عملنا ~~فإياك أن تنزل أحدا أو تضيفه أو تدعه ينزل عندك فإنا لا نتركه، قال فلما ~~جاءه المرسلون خرجت امرأته الشقية فأتتهم فدعتهم وقالت لهم تعالوا فأنه قد ~~جاء قوم لم PageV11P7201 # أر قوما أحسن ثيابا ولا أطيب أرواحا منهم، قال فجاءوه يهرعون إليه فقال: ~~" إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون وأتقوا الله / ولا تخزون في ضيفي قالوا أو لم ~~تنهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " فقال له جبريل ما يهولك من ~~هؤلاء، قال أما ترى ما يريدون، قال إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، لا تخف ولا ~~تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك، قال فنشر جبريل عليه السلام جناحا من ~~أجنحته فاختلس به أبصارهم، وطمس أعينهم، فجعلوا يجول بعضهم في بعض. # وكذلك ذكر مجاهد مثل معنى هذا. # ثم قال {فذوقوا عذابي ونذر} أي: ذوقوا عذابي الذي حل بكم، وعاقبة إنذاري ~~لكم، وقيل إنه من قول الملائكة لهم أي: قالت الملائكة لهم فذوقوا عذاب ~~الله، وعاقبة ما أنذركم به. # أي: ولقد صبحهم قوم لوط عند طلوع الفجر عذاب ثابت إلى يوم القيامة، وهو ~~أن قلبت عليهم المدينة، وأرسلت الحجارة عليهم وعلى من غاب من المدينة وحلوا ~~في عذاب إلى يوم القيامة. قال قتادة: استقر بهم العذاب إلى نار جهنم. / # قد تقدم تفسير كل هذا. PageV11P7202 # ثم قال (ولقد جاء آل فرعون النذر) [41] أي: جاء أتباع فرعون إنذارنا ~~بالعقوبة لكفرهم بالله ورسوله. # (كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) [42] أي: كذبوا بكل ما ~~جاءهم به موسى صلى الله عليه وسلم فأخذهم ms2532 الله بالعذاب أخذ منيع قادر على ~~ما يريد، فأغرقهم أجمعين. # ثم قال {أكفاركم خير من أولئكم} أي: أكفاركم يا قريش، (أي الذين إن يروا ~~آية) يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، خير من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم، وأخذهم ~~العذاب لكفرهم، فيقولوا إنا ننجوا لشرفنا، بل ليس هم بخير منهم، فإذا كانوا ~~قد هلكوا بكفرهم فما يؤمنك أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب [وهذا] لفظ ~~استفهام معناه التوقيف. حكى سيبويه: الشقاء أحب إليك أم السعادة. # قال ابن عباس معناه ليس كفاركم خيرا من وقوم نوح وقوم لوط. # ثم قال {أم لكم برآءة في الزبر} [أي] أم لكم كتاب فيه براءة لكم من ~~العذاب في كتاب الله عز وجل. { أم يقولون نحن جميع منتصر} أي: أم يقول كفار PageV11P7203 # قريش نحن جماعة ينصر بعضنا بعضا على ما نريده. # فصدق الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم وعده، وهزم المشركين يوم بدر ~~وولوا هاربين. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما نزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} ~~جعلت أقول أي: جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر. وأكثر المفسرين على أنه يوم بدر هزموا ~~فيه وولوا الدبر. # (قالت عائشة رضي الله عنها لقد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة ~~وإني لجارية ألعب. {بل الساعة موعدهم} الآية أي: يوم القيامة موعدهم للعذاب ~~بل ذلك الوقت أدهى وأمر من الهزيمة التي كانت عليهم في الدنيا وتوليتهم ~~الدبر. # وأدهى من الداهية والداهية (الأمر العظيم) الذي لا ينفع فيه دواء. وأمر ~~من المرارة. PageV11P7204 # أي: في حيرة وتجاوز عن الحق. {وسعر} أي: واحتراق من شدة العناد، والنصب ~~في الباطل وقيل وسعر: وعناد. # روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: " قال: هم القدرية الذين ~~يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي نصيب ولا أنا منهم ولا هم ~~مني ". # وقيل القول هنا محذوف. والمعنى يقال لهم: ذوقوا مس سقر. ومعنى يسحبون: ~~أي: يجرون إلى النار. ms2533 وفي قراءة ابن مسعود " إلى النار " على التفسير، " ~~وسقى " إسم من أسماء أبواب جهنم أعاذنا الله منها. # وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: لوددت أن عندي رجلا من أهل القدر ~~فوجأت رأسه، قال: ولم ذلك لأن الله عز وجل خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، ~~دفتاه ياقوتة حمراء وقلمه ذهب وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر ~~الله فيه كل يوم ستين وثلاث مائة نظرة يخلق في كل نظرة، ويحيي ويميت ويقدر ~~ويدبر، PageV11P7205 # ويفعل ما يشاء. # وقوله {ذوقوا مس سقر} هو على المجاز، كما يقال وجدت مس الحمى، وذاق طعم ~~الموت. # وقوله {إنا كل شيء خلقناه بقدر} أي: بمقدار قدرناه وقضيناه وفي هذا بيان ~~بالتوعد للقائلين بالقدر. # وقال ابن عباس: إني لأجد في القرآن قوما يسحبون في النار وعلى وجوههم، ~~يقال لهم ذوقوا مس سقر لأنهم كانوا يكذبون بالقدر وإني لأراهم فما أدري ~~أشيء [كان] قبلنا أم شيء فيما بقي. # وقال أبو هريرة خاصمت مشركو قريش النبي صلى الله عليه وسلم في القدر، ~~فأنزل الله تعالى {إن المجرمين في ضلال وسعر} إلى قوله {إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر}. # (وقال أبو عبد الرحمان السلمي لما نزلت هذه الآية: إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر)، قال رجل يا رسول الله ففيم العمل، أفي شيء نستأنفه، أم في شيء قد ~~فرغ PageV11P7206 # منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعملوا (فكل ميسر لما خلق له فسينسره ~~لليسرى وسنيسره للعسرى). وقال محمد بن كعب القرطبي / لما تكلم الناس في ~~القدر نظرت وإذا هو في هذه الآية أنزلت فيهم: {إن المجرمين في ضلال وسعر} ~~إلى {خلقناه بقدر}. قال أبو محمد وقد أملانا الكلام على إعراب هذه الآية، ~~والاستدلال منها على أن الله خلق كل شيء، وأنه لفظ عام لا خصوص فيه في غير ~~هذا الكلام. # [أي وما أمرنا للشيء إذا أمرنا به وأردنا تكوينه إلا قولة واحدة كن فيكون ~~كلمح البصر] من السرعة لا يتأخر ولا مراجعة فيها. # هذا خطاب لمشركي قريش الذين كذبوا ms2534 محمدا صلى الله عليه وسلم، أي: ولقد ~~أهلكنا نظراءهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلها كما كذبتم رسولكم، فما ~~يؤمنك أن تهلكوا كما هلك من كان قبلكم، فهل من متعظ يتعظ فيزدجر عن كفره. # ثم قال {وكل شيء فعلوه في الزبر} أي: وكل شيء فعله أشياعكم من PageV11P7207 # الأمم الماضية فهو في الكتب كتبته عليهم الحفظة، وكذلك فعلت بكم. # وقيل الزبر هنا أم الكتاب، هو في أم الكتاب من قبل أن يخلقوا. {وكل صغير ~~وكبير مستطر} أي: وكل صغير من الأعمال أو كبير مثبت في الكتاب مكتوب في ~~أسطر. # قال تعالى {إن المتقين في جنات ونهر} أي: إن الذين اتقوا عقاب الله ~~وآمنوا برسله، وبما جاءتهم به الرسل، في بساتين يوم القيامة. # والنهر ونهر بمعنى أنهار كما قال: " في حلقكم عظم وقد شجينا " وقيل نهر ~~معناه وضياء وسعة، يقال أنهرته إذا وسعته. وقرأ الأعمش ونهر بالضم جعله جمع ~~" نهار " كقذال وقذال. PageV11P7208 # وروي أنه ليس في الجنة ليل إنما هو نور كله، إنما يعرفون الليل بإغلاق ~~الأبواب وإرخاء الستور، [والنهار بفتح الأبواب ورفع الستور]. ثم قال {في ~~مقعد صدق} أي: في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم. {عند مليك مقتدر} أي: عند ~~ذي ملك يقدر على ما يشاء لا إله إلا هو. PageV11P7209 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الرحمن مكية # سورة الرحمن جل ذكره مكية قوله: (الرحمن (1) علم القرآن) إلى قوله ~~(والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان) [1 - 11]. # الرحمن اسم من أسماء الله لا يشاركه فيه أحد، ومعناه: الكثير الرحمة بشرط ~~المبالغة، والمعنى: الرحمان أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن، فبصركم ~~فيه الحلال والحرام. وقيل معناه علم محمدا القرآن، والإنسان " محمدا " [حتى ~~أداه إلى جميع PageV11P7211 # الناس والثاني سهل عليه جميع الناس صلى الله عليه وسلم] . # وقيل لا حذف فيه، والمعنى (الرحمان أيها الناس) جعل القرآن علامة، وآية ~~يعتبر بها. والأول أحسن لقوله {خلق الإنسان * علمه البيان}. # ثم قال: (خلق الإنسان (3) علمه البيان) [2] يعني آدم صلى الله عليه وسلم. # وقيل هو محمد صلى الله عليه ms2535 وسلم. وقيل الإنسان بمعنى الناس. " وعلمه ~~البيان " أي: الحلال والحرام، وقاله قتادة. وقيل معناه: علمع الخير والشر، ~~وما يأتي وما يدع. وقال ابن زيد: معناه علمه الكلام فجعله مميزا. وقيل ~~معناه علمه بيان ما به الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه. وقيل (الخط: وهو ~~مأثور). # ثم قال: (الشمس والقمر بحسبان) [3] أي: يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، ~~قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. PageV11P7212 # وقال ابن زيد حسبانهما الدهر والزمان، لولا الليل والنهار والشمس والقمر ~~لم يدر أحد كيف يحسب. وقال الضحاك معناه: يجريان بقدر. وقال مجاهد: معناه: ~~أنهما يدوران في مثل قطب الرحا. والحسبان مصدر حسبت الشيء حسابا وحسبانا ~~مثل الغفران والكفران. # وقيل الحسبان جمع حساب كشهاب وشهبان. # قال: {والنجم والشجر يسجدان} النجم ما نجم من النبات وانبسط على غير ساق، ~~مثل البقل وشبهه، هذا قول ابن عباس وابن جبير وغيرهما، والشجر ما قام على ~~ساق. وقال مجاهد: النجم نجم السماء، وهو قول قتادة والحسن. وقوله / ~~{يسجدان} يعني يسجد ظلهما، وهو اختيار الطبري كما قال: {وظلالهم بالغدو ~~والآصال} [الرعد: 15] PageV11P7213 # وهو قول ابن جبير وغيره. / # وقال قتادة: لم يدع الله عز وجل شيئا إلا عبده له. وقال مجاهد: يسجدان ~~بكرة وعشيا، يريد أن سجوده: دوران ظله. # وقال الحسن النجم نجم السماء، والشجر كله يسجد لله عز وجل. واصل السجود: ~~الاستسلام والانقياد لله سبحانه. فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله [ ~~عز وجل] وانقيادها له سبحانه، ومن الحيوان كذلك. # ثم قال {ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن} أي: العدل، فهو خبر فيه ~~معنى الأمر بالعدل ودل على ذلك قوله {ألا تطغوا في الميزان} وقيل هو ~~الميزان الذي يتناصف به الناس. # ثم قال {ألا تطغوا في الميزان} أي: وضع الميزان لئلا تبخسوا وتظلموا في ~~الوزن. # وقال قتادة: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل عليك، أوف كما تحب أن يوفى ~~لك فإن بالعدل صلاح الناس. PageV11P7214 # ثم قال {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} أي: أقيموا الميزان ~~بالعدل ولا تنقصوا الوزن إذا أوزنتم. ثم قال ms2536 {والأرض وضعها للأنام} أي: ~~والأرض وطأها للخلق. {فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام} أي: في الأرض فاكهة، ~~وفيها النخل ذات الطلع قاله القرظي. وقال الحسن وقتادة والضحاك الأكمام: ~~الليف، وأصل الكم أن يكون غلافا للشيء، ومنه قيل كم القميص لأنه يغطي اليد. ~~ثم قال {والحب ذو العصف والريحان} [أي] وفيها الحب يعني حب البر والشعير، ~~والعصف. ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه يسمى العصف إذا يبس. وقيل هو ~~التبن قاله قتادة والضحاك. وقال ابن جبير العصف: البقل من الزرع. وقوله: ~~(والريحان) يعني والرزق. # قال ابن عباس كل ريحان في القرآن فهو رزق وهو قول مجاهد والضحاك. PageV11P7215 # وعن ابن عباس أيضا أنه الريحان الذي يشم، وهو قول الحسن وابن زيد. وعن ~~ابن عباس أيضا أنه خضرة الزرع. # وقال ابن جبير الريحان ما قام على ساق. وحكى الفراء عن بعضهم العصف: ~~المأكول من الحب، والريحان الذي لا يؤكل. وقال الفراء: العصف بقل الزرع، ~~تقول العرب: خرجنا نعصف الزرع: إذا قطعوا منه شيئا قبل أن يدرك، فذلك ~~العصف، (والريحان هو ورق والحب الذي يؤكل). # أي: فبأي نعم ربكما يا معشر الجن والإنس تكذبان وتجحدان، والآلآء: النعم ~~في قول ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. وقال ابن زيد الآلاء: القدرة، وإنما ~~أضمر الجن والإنس ولم يتقدم للجن ذكر، لأن الأنام واقع على الجميع. وقيل ~~لما أتى بعده وخلق الجان، بين ذلك ما PageV11P7216 # تقدم من التثنية. وقيل إنه مخاطبة للواحد: حكي عن العرب أنهم يقولون: ~~ادخلاها يا غلام. # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن أو قرئت ~~عنده فقال: " مالي أسمع الجن أحسن جوابا منكم، قالوا وما ذلك يا رسول الله ~~قال ما أتيت على قول الله عز وجل { فبأي آلاء ربكما تكذبان} إلا قالت الجن ~~ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد ". # وقال جابر بن عبد الله تلاها. رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخرها ~~فقال: " مالكم سكوتا الجن كانت أحسن ردا منكم، ما تلوتها عليهم مرة {فبأي ms2537 ~~آلاء ربكما تكذبان} إلا قالوا ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد ". # ومن رواية جابر بن عبد الله أيضا في حديث آخر أنه قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " ما قرأت هذه الآية على الجن من مرة {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} إلا قالوا لا بشيء من PageV11P7217 # نعمائك نكذب ربنا ولك الحمد ". # (يعني آدم صلى الله عليه وسلم) من طين يابس لم يطبخ فله صلصة من يبس إذا ~~حرك ونقر كالفخار، فهو من يبسه، وإن لم يكن كطبوخا كالذي طبخ بالنار، فهو ~~يصلصل كما يصلصل الفخار الذي قد طبخ من الطين. قال ابن عباس خلق الله جل ~~ذكره آدم صلى الله عليه وسلم من طين لازب. # واللازب: اللزج الطيب من بعد حماء مسنون، وإنما كان حما مسنونا بعد ~~التراب فخلق منه آدم بيده، قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى، وكان إبليس ~~يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ويصوت. # وقال عكرمة من صلصال /: كالفخار: هو من طين خلط برمل فصار كالفخار. وقال ~~قتادة: الصلصال: التراب اليابس الذي تسمع له صلصلة PageV11P7218 # كالفخار. وعن ابن عباس هو ما عسر فخرج من بين الأصابع. # واصل صلصال: صلال، من صلى اللحم إذا نتن وتغيرت رائحته، كصرصر وكبكب من ~~صر وكب، فأبدل في جميع ذلك من الحرف المكرر الثاني حرفا من جنس الأول. # قال {وخلق الجآن من مارج من نار} المارج ما اختلط بعضه ببعض من بين أصفر ~~وأخضر وأحمر من قولهم: مرج أمر القوم: إذا اختلط. # وقال ابن عباس من أوسط النار وأحسنها، وعنه خلقه من لهب النار من أحسن ~~النار. وعنه من خالص النار، وعنه من لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ~~التهبت. # وقال مجاهد: المارج اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت. / ~~وذكر عنه ابن وهب أن المارج الحمرة التي تكون في طرف النار. ويروى أن الله ~~جل ذكره خلق نارين فمزج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما PageV11P7219 # الأخرى وهي نار السموم، فخلق إبليس اللعين منها، وكل هذا من أول السورة، ~~نعم أنعم الله ms2538 بها على خلقه ذكرها وعددها فلذلك قال بعد ذلك. {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} أي: فبأي نعم ربك تكذب الأنس والجن. فالضمير في {تكذبان} في ~~جميع السورة يعود على الأنس والجن الذين مضى ذكرهما في قوله {خلق الإنسان} ~~{وخلق الجآن} لكنه تقدم فيه ضميرهما قبل ذكرهما في الأول خاصة لأن المعنى ~~مفهوم. # ثم قال {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وقد تقدم شرحه. # قال {رب المشرقين ورب المغربين} يريد مشرق الشمس في اشتاء ومشرقها في ~~الصيف وكذلك مغربها، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قد تقدم، وليس ذلك كله ~~بتكرير، لأنه تعالى يذكر لهما غير النعم المتقدمة. ثم ينبه عليها قوله {مرج ~~البحرين يلتقيان}. # أي: أرسلهما وخلاهما. PageV11P7220 # يقال مرج فلان دابته: إذا خلاها وتركها، وهما بحران أحدهما في السماء ~~والآخر في الأرض، قاله ابن عباس، وقال يلتقيان في كل عام. # وقال الحسن: هما بحرا فارس والروم، وقاله قتادة. # قال {بينهما برزخ لا يبغيان} أي: بين البحرين حاجز لا يصيب أحدهما صاحبه، ~~وكل شيء كان بين شيئين فهو برزخ عند العرب، فما بين السماء والأرض برزخ. ~~وقيل معناه: بينهما بعد لا يبغي أحدهما على الآخر قد حجز المالح عن العذب ~~والعذب عن المالح. # وقال ابن زيد: بينهما بعد الأرض فلا يختلطان. وقيل لا يبغيان: لا يبغي ~~أحدهما على الآخر. # وقال قتادة: لا يبغيان على الناس. قال الحسن: لا يبغيان على الناس ~~فيغرقانهم، جعل بين الناس وبينهما اليبس. وقال ابن زيد: لا يبغيان أن ~~يلتقيا. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ثم قال {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} أي: ~~يخرج من PageV11P7221 # أحدهما [وهو المالح ثم حذف المضاف مثل " واسئل القرية ". وقيل ما يخرج ~~منهما] جميعا لأن الصدف التي في المالح لا يتكون اللؤلؤ فيها إلا عن قطر ~~السماء، وهو قول الطبري. # وروى معناه عن ابن عباس قال: إن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها ~~فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ. # والمرجان صغار اللؤلؤ واللؤلؤ ما عظم منه، هذا قول علي ين أبي طالب وابن ~~عباس رضي الله عنهما وقتادة ms2539 والضحاك وأبي عبيدة وغيرهم (رحمهم الله). # وقال مجاهد: " المرجان ما عظم من اللؤلؤ، وروى ذلك عن ابن عباس. وقال ابن ~~مسعود: المرجان حجر أحمر. وقيل المرجان: جيد اللؤلؤ. ثم قال: {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} وقد تقدم شرحه. PageV11P7222 # قال {وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام} أي: ولرب المشرقين ~~والمغربين السفن الجارية في البحر كأنها الجبال. قال مجاهد: المنشآت ما رفع ~~قلعه من السفن، وما لم يرفع قلعه فليست بمنشآت. # قال {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ثم قال: {كل من عليها فان} / يعني من على ~~وجه الأرض ومن يكون فيها بالموت، وأضمرت الأرض ولم يتقدم ذكرهما لظهور ~~المعنى. # قال {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} أي: معناه ويبقى ربك. ثم قال ~~{يسأله من في السماوات والأرض} أي: إليه يفزع من في السماوات والأرض في ~~حوائجهم لا غنى لأحد عنه. ثم قال {كل يوم هو في شأن} قال أهل المعرفة بالله ~~معناه أنه ينفذ ما قدر أن يكون مما سبق في علمه وأثبته في اللوح المحفوظ، ~~وليس هو إحداث أمر لم يتقدم في علمه بل جرى القلم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة لا يزاد في ذلك ولا ينقص، لكنه تعالى يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء، ~~وكل ذلك تقدم علمه به بلا أمد. # وقال قتادة: معناه: يحيي حيا ويميت ميتا، ويربي صغيرا، ويفك أسيرا. PageV11P7223 # وقال أبو صالح معناه: يسأله من في السماوات الرحمة، ومن في الأرض المغفرة ~~والرزق. وقال علي بن سليمان معناه: يسأله من في السماوات والأرض عن شأنه كل ~~يوم هو فيشأن. # وقال عبيد بن عمر كل يوم هو في شأن يجيب داعيا ويعطي سائلا، ويفك عانيا ~~ويشفي سقيما. وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كل يوم هو في شأن ~~" (أي في شأن) يغفر ذنبا ويكشف كربا، ويجيب داعيا. وقال قتادة: كل يوم هو ~~في شأن: أي: في شأن خلقه وصلاحهم، وتدبير أمورهم. # قال ابن عباس أن الله جل ذكره لوحا محفوظا ينظر فيه كل يوم (ثلاث مائة ms2540 ~~وستين) نظرة، يعز مع نظرة من يشاء ويذل من يشاء ويغني من يشاء، ويفقر من ~~يشاء. # وقال أبو سليمان الداراني إنما إنفاذ ما قدر أن يكون في ذلك اليوم، وليس PageV11P7224 # شيء من أمره تعالى يحدث إلا قد جرى القلم بما هو كائن. ثم قال {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} ثم قال {سنفرغ لكم أيه الثقلان} هذا وعيد من الله لعباده ~~وتهدد، ومعناه: سآخذ في مجازاتكم ومحاسبتكم وليس هو تفرغ من شغل. # وقيل المعنى سنفرغ لكم من وعيدكم ما وعدت لكم من الثواب والعقاب. والفراغ ~~في اللغة على وجهين: إحداهما الفراغ من الشغل /، والآخر القصد إلى الشيء ~~تقول سأفرغ لك: أي: سأقصد إليك. # قال جرير: (فرغت إلى العبد المقين في الحجل). وقال أبو عبيدة: سنحاسبكم. ~~وقرأ يوما عمر بن ورق {وجآء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 24]، وقرأ PageV11P7225 # {سنفرغ لكم أيه الثقلان} ثم قال أما وعده ربي لقد جاء من غير غيبة، ولقد ~~تفرغ من غير شغل. # قال {يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا} أي: إن استطعتم] أن تجوزوا أقطار السماوات والرض فتعجزوا ربكم حتى ~~لا يقدر عليكم فجوزوا فإنكم لا تجوزون لذلك إلا بحجة من ربكم، يقال لهم ذلك ~~يوم القيامة. # والمعنى سنقصد لكم يوم القيامة فيقال لكم إن قدرتم أن تجوزوا أقطار ~~السماوات والأرض فتعجزوا ربكم فلا يصل إلى عذابكم فجوزوا فإنكم لا تقدرون ~~على ذلك إلا بحجة من عند ربكم تنجيكم. # قال الضحاك إذا كان يوم القيامة أمر الله جل وعز السماء الدنيا [فتشققت] ~~بأهلها ومن فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم ثالثانية، ثم ~~الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة فصفوا صفا دون صف ~~ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا ~~فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فيرجعون ~~إلى المكان الذي كانوا PageV11P7226 # فيه فذلك قوله عز وجل { إني أخاف عليكم يوم التناد} [غافر: 32] على قراءة ~~من قرأ ms2541 بالتشديد {يوم تولون مدبرين} [غافر: 33]، وذلك قوله تعالى: {وجآء ~~ربك والملك صفا صفا * وجياء يومئذ بجهنم} [الفجر: 24] وهو قوله {يامعشر ~~الجن والإنس}. . الآية وذلك قوله {وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية * والملك ~~على أرجآئهآ} [الحاقة: 16 - 17]. # وعن الضحاك أيضا أن المعنى: أن استطتم أن تهربوا من الموت فاهربوا فغنه ~~مدرككم. وقال ابن عباس معناه: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض ~~فأعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان، أي: ببينة من الله تعالى. # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم. والأقطار ~~جمع قطر وهي الأطراف والنواحي، ويقال فيها الأقتار بالتاء يقال قطر الدار ~~وقترها. قال مجاهد: إلا بسلطان: إلا بحجة. وقال قتادة: إلا بملك / وليس لكم PageV11P7227 # ملك. ثم قال {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قد تقدم تفسيره. ثم قال: {يرسل ~~عليكما شواظ من نار ونحاس} قال ابن عباس المعنى يرسل عليكم أيه الثقلان يوم ~~القيامة لعب من نار ودخان. فالشوظ: اللهيب، والنحاس، الدخان، وقال مجاهد ~~والضحاك وقتادة وابن زيد: وعن الضحاك الشواظ: الدخان. قال ابن عباس النحاس: ~~الدخان، وعنه أنه قال النحاس: الصفر يعذبون به. # وقال مجاهد: يذاب الصفر من فوق رؤوسهم. وقال قتادة: النحاس: الصفر يعذبون ~~به، وهو قول الحسن. # وقوله {فلا تنتصران} أي: لا ينصر بعضكم بعضا أيها الجن والأنس. وكسر ~~الشين PageV11P7228 # في شواظ لغة، ومن خفض " نحاس " فعلى معنى يرسل عليكما لهب يتشعب من نار ~~ومن دخان، وهذا التقدير حسن. # قوله {فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان}. # أي: فإذا انفطرت السماء وذلك يوم القيامة وكان لونها كلون الفرس الورد ~~الأحمر. قال ابن عباس فكانت وردة كالدهان: كالفرس الورد. وقال الضحاك تتغير ~~السماء فيصير لونها كلون الدابة الوردة. ومعنى كالدهان: كالدعن صافية، قال ~~سجاد والضحاك. وقال أبو الجوزاء تكون كصفاء الدهن. وقال زيد بن أسلم PageV11P7229 # تكون كعكر الزيت. " والدهان " جمع " دهن "، وقيل الدهان الجلد الأحمر. ثم ~~قال {فبأي آلاء ربكما تكذبان} قد تقدم شرحه. # {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن} أي: لا تسأل الملائكة ms2542 أحدا عن ~~ذنوبه، لأن الله عز وجل قد حفظها [عليهم] وأحصاها فليس يؤخذ علمها من ~~عندهم. قال ابن عباس معناه: لا أسألهم عن ذنوبهم، ولا أسأل بعضهم عن ذنوب ~~بعض وهو مثل قوله {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} [القصص: 78] وهو مثل قوله ~~تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119] ~~على قراءة من رفع. # وقال مجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن المجرمين لأنهم يعرفونهم ~~بسيماهم. وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم الله على السنة القوم فتكلمت ~~ايديهم PageV11P7230 # وأرجلهم بما كانوا يعملون، فكأنها مواقف مختلفة على قول قتادة. وقال ~~قتادة: أيضا هم معروفون بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم. ودل على صحة (هذا ~~التفسير) أن بعده يعرف المجرمون بسيماهم. والسيماء: العلامة وهو قول الحسن ~~أيضا. # قال {يعرف المجرمون بسيماهم} أي: / تعرف الملائكة المجرمين بعلامتهم وذلك ~~سواد وجوههم، وزرقة الأعين، قاله أهل التفسير كلهم. # وقوله {فيؤخذ بالنواصي والأقدام} أي: مجمع (بين رجلي الرجل) وناصيته حتى ~~يدق ظهره ثم يلقى في النار، فذلك أشد لعذابه وأعظم في التسوية به. # قال ابن عباس يجمع بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور. PageV11P7231 # قال {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون} أي: يقال لهم هذه جهنم التي كنتم ~~(بها تكذبون). وفي قراءة ابن مسعود هذه جهنم التي [كنتما] بها تكذبون، ~~تصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان مخاطبة للكفار من الجن والإنس. ثم قال ~~{يطوفون بينها وبين حميم آن} أي: يطوف هؤلاء المجرمون في جهنم بين أطباقها. # {وبين حميم آن} أي: وبين ماء قد أسخن وأغلى حتى انتهى حره ونضجه. [وقال ~~الضحاك: بلغ غليه، وعنه أيضا قد انتهى نضجه منذ خلق الله السماوات والأرض. ~~وقال ابن زيد: الآني: الحاضر. وقال الحسن ما ظنك باقوام وقفوا في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة، فلما انقطعت أعناقهم وأجوافهم من العطش والجوع أمر ~~بهم إلى نار جهنم]. ثم قال {ولمن خاف مقام ربه جنتان}. # أي: ولمن اتقى الله جلذ كره، وخاف مقامه بين يدي ربه ms2543 عز وجل فأطاعه ~~بستانان. قال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر مقام ربه فينزع منه، وهو ~~قول النخعي وقتادة. PageV11P7232 # وقال أبو الدرداء " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الآية {ولمن ~~خاف مقام ربه جنتان} فقلت وإن زنا وسرق يا رسول الله [فقلت كذلك إلى ثلاث ~~مرات فقال النبي صلى الله عليه وسلم] وإن رغم أنف أبي الدرداء " قال ابن ~~زيد مقامه حين يقوم العباد بين يديه [يوم] القيامة. فالمعنى ولمن ترك ~~المعصية خوفا من الله جنتان، قيل هما جنة خلقت له وجنة ورثها كما قال ~~تعالى: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف: 72]. وروى ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " هل تدرون ما الجنتان قالوا ~~الله ورسوله أعلم. فقال بستانان في أرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام في ~~وسط / كل بستان دار من نور على نور، وليس منها شيء إلا يهتز (نعمة وخضرة) ~~قرارها ثابت وشجرها ثابت. ثم قال {ذواتآ أفنان} هذا نعت للجنتين " قال ابن ~~عباس: ذواتا ألوان. وقال عكرمة ذواتا أفنان: ظل PageV11P7233 # الأغصان على الحيطان، وهو قول مجاهد والضحاك. # وقال الضحاك ذواتا ألوان من الفاكهة. وعن مجاهد معناه: ذواتا أغصان وعن ~~ابن عباس أيضا أنه قال يتماس أطراف شجرها، أي: يمس بعضه بعضا كالمعروشات. ~~وقال قتادة: ذواتا أفنان: يعني فضلهما وسعتهما على ما سواهما. وقال معمر ~~ذواتا فضل على ما سواهما. # والأفنان في اللغة: الأغصان، والواحد " فنن " على قول أكثرهم إلا الضحاك ~~فإن الواحد على قوله " فن " ويلزم أن يجمع على قوله على فنون لأنه قال ~~ذواتا أفنان، ذواتا ألوان من الفاكهة. # قال {فيهما عينان تجريان} أي: في الجنتين عينان تجريان يقال إن حصباهما ~~الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور، وحصاتهما المسك PageV11P7234 # الأذفر وحافاتهما الزعفران. # (قال مسروق في صفة الجنة أنهارها تجري في غير أخدود، ونخلها نضيد من ~~أسفله إلى فرعه، وثمرها أمثال القلال كلما أخذ منها تمرة عادت مكانها أخرى، ~~طول العنقود اثنى عشر ذراعا). ثم قال {فيهما من كل ms2544 فاكهة زوجان} أي: في ~~الجنتين من كل نوع من الفاكهة نوعان وضربان. # قال {متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق} أي: ينعمون متكئين على فرش، ودل ~~الكلام على هذا الفعل وهو العامل في الحال ذكره المبرد. وقيل العامل معنى ~~الملك في قوله {ولمن خاف مقام ربه جنتان} {متكئين} وهو محمول على المعنى، ~~ولو دل على اللفظ لقال متكئا. # والاستبرق عند العرب: الديباج الغليظ الذي يعلو على الكعبة. وقيل هو الخز ~~الموشي هذا هو البطائن. ولم يذكر تعالى ذكره الظواهر، إذ ليس في الدنيا من ~~يعرف قدرها. قال ابن مسعود قد أخبرتم بالبواطن فكيف لو أخبرتم بالظواهر. PageV11P7235 # وقيل لابن جبير هذه البطائن من استبرق، فما الظواهر؟ قال هذا مما قال ~~الله جل ثناءه فيه {فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17]. # وفي الحديث " ظواهرها بدر يتلالا " وصغر سيبويه استبرق على أبيرق، وأن ~~السين والتاء زائدتان والألف بمنزلة ميم مستفعل، لأن الهمزة / [تكون] زائدة ~~أولا في بنات الأربعة والخمسة، إنما تكون زائدة أولا في بنات الثلاثة. # وقال الفراء تصغيره " تبيرق " فحذف السين والهمزة. ثم قال {وجنى الجنتين ~~دان} أي: وثمر الجنتين قريب من آخذه ومجتنيه يجتنيه كيف يشاء قائما وقاعدا ~~وراقدا. # قال قتادة: ثمارها جانية لا يرد أيدهم عنده بعد ولا شوك. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لا يقطع رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه ~~حتى يبدل الله جل ثناؤه مكانها خيرا منها ". PageV11P7236 # وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: نخل الجنة خشبها ذهب كرنفها زمرد ~~أخضر وثمرها أمثال القلال أحلى من الشهد، والين من الزبد لا عجم لها. وقال ~~أبو عبيدة عن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود نخلها نضيد من أسفله إلى ~~فرعه، وثمرها أمثال القلال. كلما أخذت منها ثمرة عادت مكانها أخرى، طول ~~العنقود منها أثنى عشر ذراعا. # قال {فيهن قاصرات الطرف} أي: في الفرش. وفي بمعنى على، والمعنى: على ~~الفرش حور قاصرات الطرف. # وقيل المعنى: في الجنتين وفيما أعد ms2545 له قاصرات الطرف: فلذلك جمع " فيهن " ~~ويجوز أن تكون الجنتان تشتمل على جنات، فجمع " فيهن " على المعنى، ألا ترى ~~أن الجنة التي أمد الله عز وجل لأوليائه تشتمل على جنات قد تقدم ذكرها وقد ~~قال تعالى: PageV11P7237 # {يدخلون الجنة} [النساء: 124]. ثم قال {جنات عدن} [الرعد: 23]، فأبدل من ~~الجنة جنات لأنها تشتمل على جنات. وقيل هو جمع أتى في موضع التثنية /، كما ~~قال {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] وله نظائر تقدم ذكرها. # وقال الفراء كل موضع من الجنتين جنة، فلذلك قال {فيهن}. ومعنى {قاصرات ~~الطرف} أي: قصر أطرافهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم من الرجال. قال ~~ابن زيد: لا ينظرن إلا إلى أزواجهن، تقول الحوراء: وعزة ربي وجلاله وجماله ~~ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجك. # يقال قصره: إذا حبسه. فالمعنى فيهن حور حابسات طرفهن عن جميع الرجال إلا ~~من أزواجهن. # روى أنه عني بهن الآدميات اللواتي يمتن أبكارا، ودليل هذا قوله {لم ~~يطمثهن إنس} يعني في الدنيا لم يدمهن، لم يفتضضهن إنس قبل أزواجهن في PageV11P7238 # الجنة ولا جان. # حكى الفراء طمثها يطمثها إذا أفتضها، ولا يكون إلا بتدمية، ومنه قيل ~~للحائض: طامث. # وقال غير الفراء يقال طمثها: إذا وطئها على أي الوجوه كان. قال عكرمة: لم ~~يطمثهن: لم ينكحهن، والطمث: الجماع. # قال ابن عباس: لم يطمثهن، لم يدمهن، فإن قيل كيف ذكر الجان في الوطء، ~~فالجواب أن مجاهدا قال إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله ~~فجامع معه. # واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الجن يدخلون الجنة، فالإنسيات ~~للإنس والجنيات للجن، قاله (ضمرة بن حبيب). # وهذه الآية أيضا تدل على أن الجن يطئون. ثم قال {كأنهن الياقوت والمرجان} PageV11P7239 # أي: كأن هؤلاء الحور الياقوت في صفائه يرى مخها من فوق لحمها وحللها كما ~~يرى السلك في داخل الياقوتة وكأنهن اللؤلؤ في بياضه، هذا قول عباس والحسن ~~وابن زيد وسفيان وغيرهم. # وقيل المعنى هن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ وحمر المرجان من رقة ms2546 البشر. ~~وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أن المرأة من الجنة ~~ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير ومخها، وذلك أن الله قال {كأنهن ~~الياقوت والمرجان} فأما الياقوت فإنك لو أدخلت فيه سلك لرأيته من ورائه ". # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " من دخل الجنة فله فيها زوجتان يرى مخ ~~ساقهما من وراء ثيابهما ". # قوله {هل جزآء الإحسان إلا الإحسان}. إلى اخر السورة الايات [59 _ 78]. PageV11P7240 # أي: هل جزاء من أحسن لنفسه، فخاف من قالم ربه، وأطاع الله إلا أن يحسن ~~إليه في الآخرة بما وصف من الجنس والفرش والحور، وغير ذلك من النعيم. قال ~~قتادة: عملوا خيرا فجوزوا خيرا. قال ابن المنكدر أي معناه هل جزاء من أنعمت ~~عليه بالإسلام إلا الجنة. ورواه مالك عن زيد بن أسلم. وقال عكرمة / معناه ~~هل جزاء من قال لا إله إلا الله إلا الجنة. وقيل المعنى: هل جزاء من أحسن ~~في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. ثم قال {ومن دونهما جنتان} أي: ومن ~~دون هاتين الجنتين جنتان أخريان والمعنى ومن دونهما في الدرج. وقال ابن ~~عباس ومن دونهما جنتان وهما اللتان قال الله تعالى: {فلا تعلم نفس مآ أخفي ~~لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] وهي التي لا يعلم الخلائق ما فيها، تأتيهم ~~كل يوم منها تحفة. # وقال ابن زيد معناه: ومن دونهما جنتان هي أدنى من هاتين لأصحاب PageV11P7241 # اليمين. والتقدير في العربية: وله من دونهما جنتان، أي: لمن خاف مقام ربه ~~جنتان دون الاولتين في الفضل. ثم قال {مدهآمتان} أي: خضراوان يعني من الري. ~~قاله ابن جبير وابن الزبير، وابن عباس، وأبو صالح، وقتادة. وقال مجاهد: ~~معناه مسودتان. والدهمة عند العرب: السواد. ثم قال {فيهما عينان نضاختان} ~~أي: في هاتين الجنتين (عينان من ماء فوارتان)، أي: يفور الماء منهما. ~~والنضخ أكثر من النضح، ولم يسمع منه فعل، قال عكرمة وابن زيد ينضحان ~~بالماء. قال ابن عباس نضاختان: فائضتان. وقال الضحاك ممتلئتان لا تنقطعان. ms2547 ~~وقال ابن جبير نفاختان بالماء والفاكهة. # وقيل تنفخ على أولياء الله بالمسك والعنبر. PageV11P7242 # ثم قال {فيهما فاكهة ونخل ورمان} أي: في هاتين الجنتين / ذلك، وأعيد ذكر ~~النخل والرمان وقد دخلا في جملة الفاكهة لفضلهما، كما قال: {من كان عدوا ~~لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 97]. وكما قال {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]. وكما قال {ألم تر أن الله يسجد له ~~من في السماوات ومن في الأرض} [الحج: 18]. ثم قال {وكثير حق عليه العذاب} ~~[الحج: 18]. فأعيد هذا البيان. وقيل أنهما ليستا من الفاكهة. ثم قال {فيهن ~~خيرات حسان} أي: في الجنتين الأوليين والثانيتين حور خيرات حسان، فأصله ~~التشديد ولكن خفف كميت وهين ولا يستعمل على الأصل لطوله، والمعنى خيرات ~~الأخلاق حسان الوجوه. # وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن جبير نخل الجنة جذوعها من ~~ذهب وعروقها من ذهب وكرانيفها من زمرد، وسعفها كسوة لأهل الجنة، وثمرها ~~كاللؤلؤ أشد بياضا من اللبن (أحلى من العسل وألين من الزبد) ليس له عجم. ثم ~~قال {حور مقصورات في الخيام} أي: محبوسات في الخيام قصور على أزواجهن فلا ~~يردن غيرهم. وقيل الخيام هنا: PageV11P7243 # الحجال. وقيل الخيام: البيوت. وقال الحسن: محبوسات ليس بطوافات في الطرق. ~~وقال ابن عباس: الخيمة لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ: لها أربعة ~~آلاف مصراع من ذهب. قال عمر بن الخطاب: الخيام در مجوف، وكذلك روى ابن وهب ~~عن ابن مسعود وهو قول ابن جبير ومجاهد والضحاك وهو مروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال قتادة: مسكن المؤمن في الجنة يسير الراكب الجواد فيه ثلاث ليال ~~وأنهار PageV11P7244 # جناته وما أعد الله له من الكرامة. وقال ابن زيد خيامهم في الجنة من ~~لؤلؤ. قال سعيد بن جبير أدنى أهل الجنة منزلة من له قصر له سبعون ألف خادم ~~في يد كل خادم صفحة فيها لون سوى لون صاحبتها وطعم سوى طعم صاحبتها لو ~~أطابه أهل الدنيا لأوسعهم. # وعن أنس بن مالك يرفعه: قال: أن أسفل أهل الجنة ms2548 أربعين درجة ليقوم على ~~رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل خادم صفحتان، واحد من ذهب وأخرى من فضة، في كل ~~واحدة لون ليس في الأخرى مثله، يأكل من آخرها مثل ما يأكل من أولها، ويجد ~~لآخرها من اللذة مثل ما وجد لأولها، ثم يكون ذلك رشحا كرشح المسك. وحشاؤه ~~مسك لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون. # وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن أهل الجنة يلهمون فيها الحمد ~~والتسبيح كما يلهمون النفس " وعن أبي هريرة قال: إن أدنى أهل / الجنة منزلة ~~وما منهم دان PageV11P7245 # يغدو الحمد عليه ويروح عشرة آلاف خادم، ما منهم خادم إلا ومعه طريقة ليست ~~مع صاحبه. ويروى أن الخيمة من درة بيضاء أو خضراء أو ياقوتة حمراء، أو ~~لؤلؤة جوفاء يرى باطنها من ظاهرها. # (وروى عبد الله بن قيس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن ~~في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما ~~يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان ~~وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلى رداء الكبر على وجهه ~~في جنات عدن) ". # قال {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن} أي: لم يمسهن نكاح فيدمهن من إنس ولا PageV11P7246 # جان، وقد تقدم الاختلاف فيه. ثم قال {متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان} ~~أي: يتكئ هؤلاء أصحاب الجنتين الثانيتين على رفرف خضر (وعبقري حسان) وهي ~~رياض الجنة جمع رفرفة قاله مجاهد وابن جبير. # وقال ابن عباس عن المحابس، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد. وقال الحسن ~~هي البسط. وقيل هي المرافق. روى قتادة عن الحسن أيضا قال هي مرافق خضر، وهو ~~مشتق من رف يرف: إذا أرتفع. والعبقري الطنافس. # وعن مجاهد أنه الديباج وهو جمع، / واحدته عبقرية. وقال ابن عباس: العبقري ~~الزرابي، وهو قول قتادة. وقال ابن جبير هي عتاق الزرابي. وقال ابن PageV11P7247 # زيد هي الطنافس. وسئل ابن عمر عن قول النبي صلى الله ms2549 عليه وسلم " فلم أر ~~عبقريا يفري فرية " فقال هو رئيس القوم وجليلهم. # قال {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} أي: تبارك ربك يا محمد ذو العظمة ~~وذو الإكرام من جميع خلقه. # وقرأ ابن عامر: ذو: " بالواو " على النعت للاسم، وكذلك هي في حرف أبي ~~وابن مسعود. قال ابن عباس ذي الجلال والإكرام: ذي العظمة والكبرياء. ~~وتبارك: تفاعل من البركة في أسمه، والبركة في اللغة: نماء النعمة وثباتها، ~~فحضهم PageV11P7248 # بذلك على أن يكثروا ذكر اسمه ودعاءه. وأن يذكروه بالإجلال والتعظيم، وفي ~~الحديث " ألظوا بياذا الجلال والإكرام " أي أكثروا بالدعاء به. PageV11P7249 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الواقعة مكية # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من داوم قراءة الواقعة لم ~~يفتقر أبدا". # قال معروف دعي ابن مسعود إلى عطائه ليأخذه فأبى، فقيل له خذ للعيال، PageV11P7251 # فقال أنهم يقرءون سورة الواقعة، فمن قرأها أذهبت عنه الفاقة، قال معروف ~~فاكثرت ذلك، فرأيته كذلك من ليلتي أو من الغد. # قال ابن مسعود أني قد أمرت بناتي أن يقرأن سورة الواقعة كل ليلة فإني ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من قرأ سورة الواقعة لم تصبه ~~فاقة". # ومن رواية ابن وهب أن ابن مسعود قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدا". # وكانت عائشة رضي الله عنها تقول للنساء لا تعجزن أحداكن أن تقرأ سورة ~~الواقعة كل ليلة. # (وقال مسروق بن الأجدع من أراد أن يعلم نبأ الأولين ونبأ الآخرين ونبأ ~~أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة. # وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من داوم قراءة الواقعة ~~لم يفتقر أبدا". PageV11P7252 # قوله: (إذا وقعت الواقعة) إلى قوله: (وقليل من الآخرين) [1 - 16]. # المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. # والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم ~~القيامة. # قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. # وقال الحسن: هي القيامة. # أي ليس لقيام الساعة رجعة ms2550 ولا مثنوية، قال الحسن. # وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. # وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر PageV11P7253 # كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. # قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى ~~الجنة. # قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما ~~في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواما في عذاب الله سبحانه. # وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب ~~والبعيد من الله سبحانه سواء. / # وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. # وقيل المعنى أنها تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواما ~~كانوا في PageV11P7254 # الدنيا متضعين. # إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. # أي: وفتت الجبال فتا، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق ~~المبسوس وهو المبلول، كما قال {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} [المزمل: 14]. # وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. # أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة ~~كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. # وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. PageV11P7255 # وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار / إذا اضطرمت، يطير منه الشرر ~~فإذا وقع لم يكن شيئا. # وقال قتادة: هباء منبثا كيبيس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. # وقوله {منبثا} يعني به متفرقا. # أي: وكنتم أيها الناس أنواعا ثلاثة. قال ابن عباس أزواجا: أصنافا ثلاثة. # وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. # قال: {فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة} هذا أحد الأزواج الثلاثة. # والثاني قوله: {وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة} والثالث قوله: ~~{والسابقون السابقون} فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام ~~على معناه. وفي الكلام بما PageV11P7256 # معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد ~~لهم من نعيم أو من عذاب. # ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة ~~لمن نجا. # وكذلك أصحاب ms2551 المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب ~~تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل ~~إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. # وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. # وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة ~~مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. PageV11P7257 # وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك ~~" أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. # وقال في قوله تعالى {فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ~~مآ أصحاب المشأمة}، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم ~~أصحاب التأخر. # وانشدوا لابن الدمينة: # أي بني أخي يمني يديك جعلتني ... أم صيرتين في شمالك فأفرح. # معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أن من المتأخرين. # وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية ~~آدم صلى الله عليه وسلم في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب ~~الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ~~ستة أقوال. # والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون ~~الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل PageV11P7258 # هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من ~~سابقي هذه الأمة. # وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. # وقيل هم أول الناس رواحا إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. # { أولئك المقربون} أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ~~ويدخلهم جنات النعيم. # (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتدرون من ~~السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: " الذين إذا أعطوا ~~الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه / وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ". # قال {ثلة من الأولين} أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. # {وقليل من ms2552 الآخرين} وقيل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، قاله الحسن. # وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الثلثان جميعا من أمتي ". PageV11P7259 # وقيل عني بذلك النبيين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال {وقليل من ~~الآخرين}، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. # وقال أبو هريرة " لما نزلت {ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين} شق ذلك ~~على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من ~~الآخرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل ~~الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي ". # قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. # ومعنى موضونة عند أبن عباس وغيره: مصفوقة. # قال أبو عبيدة / موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: PageV11P7260 # البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع، فهو فعيل في ~~معنى مفعول. # وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. # وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. # وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. # وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ~~ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. # أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن ~~وأزواجه. PageV11P7261 # وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب ~~الأخلاق، كما قال تعالى {إخوانا على سرر متقابلين} [الحجر: 47]. # قال: {يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق} أي: يطوف عليهم ~~بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت ~~واحد. # والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. # وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. # وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. # وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن ~~وعرى فهو إبرايق. # وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. # وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). PageV11P7262 # وقال أبو صالح ms2553 الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق ~~التي لها خراطيم. # ثم قال: الكأس: {وكأس من معين} الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها ~~كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغا فهو زجاجة. # وقوله: {من معين} أي: من عيون جارية. # قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. # وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. # أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. # وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقا كخمر الدنيا). # ثم قال: {ولا ينزفون} أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. PageV11P7263 # وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. # وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ~~ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. # وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. # أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة ~~وتشتهيها قلوبهم. # قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء ~~وطبخ) من جنس الطير. # وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. # وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما هو إلا تشتهي ~~الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشويا ". PageV11P7264 # ويروى أن رجلا من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في ~~يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ~~ممثلا بين يديه على ما اشتهى. # من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. # ويجوز أن يكون معطوفا على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول ~~اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة ~~أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتا حمل الآخر ~~على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. # والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. # وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا {وفاكهة} {ولحم طير} معطوفة على PageV11P7265 # {في جنات النعيم} (أي هم في جنات ms2554 النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي ~~(حور) عين وما بين {وفاكهة} " وحنات اعتراض " ودل على ذلك قوله بعد {سدر ~~مخضود} وما ذكر بعده إلى {وفرش مرفوعة}. # ثم قال: {إنآ أنشأناهن إنشآء} [الواقعة: 35] فكنى عن الحور ولم يجر لهن ~~ذكر من لدن قوله {في سدر مخضود}، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ~~ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى / المفهوم في ~~الكلام. # وقال الفراء الخفض على الاتباع / وهو ضعيف. # وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. # قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن ~~فيها ما تشتهي الأنفس. PageV11P7266 # وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به ~~فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. # وقرأ أبي " حورا عينا " [بالنصب حمله على المعنى أيضا لأن معنى يطوف ~~عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. # وتقدير النصب عند أبي حاتم " ويزجرون حورا عينا ". # أي: هن / في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. # وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى {كأمثال ~~اللؤلؤ المكنون}، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه ~~الأيدي. # وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه ~~الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في PageV11P7267 # العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين {عينا} لشدة سواد ~~الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. # وقيل: " العين " الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير ~~العين. # (أي ثوابا لهم بعملهم في الدنيا، وعوضا من طاعة الله عز وجل) . # والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. # وقال الضحاك: هي عظام العين. # وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). # وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. PageV11P7268 # وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك ~~روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضا أنه إنما ms2555 سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن ~~الطرف. # قال: {لا يسمعون فيها} أي: في الجنة {لغوا ولا تأثيما} أي: لا يسمعون في ~~الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. / # وقيل اللغو: ما يلغى. # أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. # وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. # (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ ~~بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. PageV11P7269 # وقيل: هم الذين أعطو كتبهم بأيمانهم. # وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. # (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. # وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم ~~الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم ~~هذا بأشرح منه. # أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. PageV11P7270 # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: حصده: وقره من الحمل. # وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. # وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. # وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. # وقرأ علي بن أبي طالب " وطلع " بالعين. # وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. PageV11P7271 # قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. # وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن ~~زيد. # وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب ~~عنهم اسمه أنه الموز. # وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح " وج " فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة ~~طلحا. # وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد ~~بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. # قال ms2556 قتادة: / قد ضمنه الحمل الورق. PageV11P7272 # وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. # قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. # أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. # وقال عمر بن ميمون: " وظل ممدود " (خمس مائة ألف سنة). # وعن أبي هريرة أن / النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أن في الجنة لشجرة ~~يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم " وظل ممدود " ~~فبلغ ذلك كعبا فقال PageV11P7273 # صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن ~~رجلا ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرما، إن ~~الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور ~~الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: " وظل ممدود " هي شجرة في ~~الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب ~~المحث. # قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالي في ظللها فيتحدثون ~~فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة ~~بكل لهو كان في الدنيا. PageV11P7274 # أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك ~~الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. # أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم ~~من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها ولا بعد]. # وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه / حتى يتناولها ~~بيده. # أي: طويلة بعضها فوق بعض. # وروى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ارتفاعها كما بين ~~السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام " PageV11P7275 # ثم قال: (إنا أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا) [37 - 38] أي: أنا ~~أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من ms2557 الحور. # وقال أبو عبيدة الضمير في {أنشأناهن} يعود على " وحور عين " الأولى، ~~فالمعنى: إنا خلقنا الحور جديدا فجعلناهن أبكارا. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الثيب والأبكار يريد ~~الآدميات ". # وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: " منهن العجائز يعني أنهن من ~~بني آدم ". # وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكارا ~~عذارى. # أي: أقرانا. # قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. PageV11P7276 # وقوله: {فجعلناهن أبكارا} أي: صيرناهن عذارى. # وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن ~~وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. # وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. # وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. # وعن الحسن هي العاتق. # وأصله كله من أعرب: أذا بين، ومنه الإعراب. # وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. # وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء ~~واحدا. PageV11P7277 # وقوله: (لأصحاب اليمين) [40] أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين ~~يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. # ثم قال (ثلة من الأولين (39) وثلة من الآخرين) [41 - 42] أي: جماعة من ~~الأمم الماضية قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وجماعة من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم قاله الحسن. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إني لأرجو أن يكون من ~~يتبعني من / أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا ~~الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: {ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين} ~~". # وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الآية " هما جميعا من ~~أمتي ". # أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ~~ففيه معنى التعجيب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. PageV11P7278 # وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. # أي: في سموم جهنم وحميمها. # أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. # قال ابن عباس وعكرمة ms2558 [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. # أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. # وقوله: {ولا كريم} أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب ~~فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود. / # أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. PageV11P7279 # ثم قال: {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} أي: يصرون على الشرك بالله، قال ~~الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه ~~عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. # وقال مجاهد: {على الحنث العظيم} على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ~~ابن زيد فقال هو الشرك. # وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحدا، ودل على ذلك قوله بعده {وكانوا ~~يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون}. # (أنكروا البعث) فقيل لهم: {قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم}. # أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ~~ومجازاتكم على أعمالكم. # ثم قال: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم) [54 ~~- 55]. PageV11P7280 # أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. # (فمالئون منها البطون) [56] أي: من الشجرة، أو من الشجر. # ثم قال: (فشاربون عليه من الحميم) [57] أي: على الزقوم من الحميم، وهو ~~الماء الذي قد بلغ في الحرارة. # (فشاربون شرب الهيم) [58] [الهيم جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا ~~تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. # قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. # وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل ~~يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. PageV11P7281 # (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له ~~الهيام. # وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. # ثم قال: (هذا نزلهم يوم الدين) [59] أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم ~~الجزاء. # ثم قال: ms2559 (نحن خلقناكم فلولا تصدقون) [60] أي: نحن خلقناكم يا مكذبون ~~بالبعث، ولم تكونوا شيئا، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولا، أنه ينشئكم آخرا. # ثم قال: (أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) [61 - ~~62] أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على ~~إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ~~ومنى، وأمنى): أكثر. # [{ءأنتم تخلقونه} أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. # {أم نحن الخالقون}. PageV11P7282 # قال: {نحن قدرنا بينكم الموت} أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت ~~مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. # {وما نحن بمسبوقين} أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر ~~فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. # قال: {على أن نبدل أمثالكم}. # قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم ~~فنحيي بأخرين من جنسكم. # وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين / على / أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) ~~أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. # وقوله: {وننشئكم في ما لا تعلمون} في أي: خلق شاء. # وقيل: قردة وخنازير. # وقيل يخلق لهم أبدانا للبقاء لأن هذه للفناء خلقت. # وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. # وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في PageV11P7283 # أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحا، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن ~~كان في الدنيا نبلا. # أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئا، فهلا ~~تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. # وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست ~~تسأل أحدا من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. # أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعا أم ~~نحن نجعله كذلك. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تقل زرعت ms2560 لكن ~~قل حرثت "، ثم تلا أبو هريرة الآية. # قال: {لو نشآء لجعلناه / حطاما} أي: لجعلنا الزرع هشيما لا ينتفع به في ~~مطعم PageV11P7284 # ولا ثمر. # ثم قال: {فظلتم تفكهون} أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من ~~المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. # وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل ~~بكم. # وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منك من معصية الله جل وعز التي ~~أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضا عن قتادة. # وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. # أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. # وعن مجاهد أيضا لمغرمون: لملقون للشر. PageV11P7285 # وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. # أي: [مجدون لا حظ لنا]. # وقال قتادة: معناه: محارفون. # قال: {أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن} أي: أنتم ~~أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. # قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. # وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. # قال: {لو نشآء جعلناه أجاجا} أي: جعلنا الماء مرا مالحا فلا تشربون منه ~~ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. # {فلولا تشكرون} أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم. PageV11P7286 # أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون. # أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك. # وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها. / # وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي. # (قال) {نحن جعلناها تذكرة} يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون ~~وتخافون. # وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة: # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أن ناركم (جزء من سبعين ~~جزاء) من نار جهنم PageV11P7287 # قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع ~~بها بنو أدم ويدنو منها ". # ثم قال: {ومتاعا للمقوين} قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: ~~للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر. # وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين. ms2561 # والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت ~~الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية. # وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه. PageV11P7288 # وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معان، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت ~~الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء. والقين، ويقال ~~أقوى إذا قوى وقوى أصحابه. # والمتاع: المنفعة. # أي: فنزه ربك يا محمد من السوء. # زائدة والتقدير أقسم. # وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر. # ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل " لا بمعنى " إلا للتنبيه ~~ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم نجوما متفرقة. # قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء ~~الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس {فلا أقسم بمواقع ~~النجوم}، قال نزل متفرقا. PageV11P7289 # وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوما ثلاث ~~آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضا نزل جميعا فوضع بمواقع النجوم، فجعل ~~جبريل صلى الله عليه وسلم / يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعا في ~~ليلة القدر. # وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن. # وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة. # وعن الحسن أيضا بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة. # وعن مجاهد أيضا بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها. # أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك. # أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ~~ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء " في " " إنه " من ذكر القرآن. # قال: {في كتاب مكنون} أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون. # قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك. PageV11P7290 # قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد صلى الله عليه وسلم. # فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك. # قال ابن عباس: إذا أراد ms2562 الله أن ينزل كتابا نسخته السفرة فلا يمسه إلا ~~المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر ~~وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخبارا على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما ~~تقول (جعل كذا) وكقوله {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم} [الصف: 10]. # قال المبرد معناه آمنوا بالله. # وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة. # وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ~~ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله ~~المطهرة. PageV11P7291 # وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه ~~المشرك النجس والمنافق الرجس. # وفي حرف ابن مسعود ما يمسه. # وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل { لا يمسه إلا المطهرون} إنما هو بمنزلة ~~قوله: {في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة} [عبس: 13 - ~~16] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة. # وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهرا، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما ~~أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ. # وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهرا، وهو الكتاب الذي كتبه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم. PageV11P7292 # وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص ~~فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم ~~رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك. # وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهرا. / # وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إى وهو طاهر إكراما ~~للقرآن. # أي: هو تنزيل من عند رب العالمين. # أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ~~ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر. # قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم يريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا ~~إليهم. PageV11P7293 # وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين. # وقال الضحاك يقال ms2563 أدهن وداهن: إذا نافق. # أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: ~~جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، ~~فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تذكيبكم لرسلي وكتبي. / # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ~~قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا "، وقاله ابن عباس. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ليصبح القوم ~~بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ". PageV11P7294 # قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في ~~الأنواء. # قال قطرب الرزق هنا: الشكر. # وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، {وسئل القرية} [يوسف: 82]. # يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها. # أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئا، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر ~~الميت. # قال: {ونحن أقرب إليه منكم} أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ~~ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه. # أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين. # (أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، ~~وامنعوا من خروجها. PageV11P7295 # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين. # قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت. # وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين. # وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة. # وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم. # {ترجعونهآ} أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم. # {إن كنتم صادقين} أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة. # وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون ~~نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين. # وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء. PageV11P7296 # وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه. # أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته. # {فروح وريحان} ms2564 (أي فله) روح وريحان. # والروح: الرحمة، والريحان: الرزق. # وقال مجاهد الروح: الفرح. # وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا. # وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن ~~يبعث. PageV11P7297 # قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا. # وقال ابن جبير {فروح وريحان}: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح ~~من الدنيا. # وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة. والريحان: الاستراحة. # وعنه: الروح والاستراحة. # وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم. # ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له ربقاء. # وقيل الريحان: الراحة. # قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى PageV11P7298 # بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض. # قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة. # والفاء في " فروح " " جواب " " إن "، وجواب " أما " هذا قول / الأخفش ~~والفراء. # وقال سيبويه لا جواب " أن " هنا، لأن بعدها فعلا ماضيا، كما تقول (أكرمك ~~إن جئتني)، " والفاء " جواب " أما ". # وقال المبرد جواب " إن " محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب " ~~أما " وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء ~~أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء). # فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف ~~إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، " مهما " وقدر الاسم بعد الفاء. PageV11P7299 # تقول أما زيدا فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت / زيدا. # قوله: (وأما إن كان من أصحاب اليمين) [93] أي: من الذين يؤخذ بهم ذات ~~اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. # ثم قال: (فسلام لك من أصحاب اليمين) [94] أي: فسلام من عند الله، أي: ~~سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين. # قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة. # وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك. # وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين. # وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة. # ثم قال: ms2565 (وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم) [95 - 96] # [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي: PageV11P7300 # فرزق من حميم]. # أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه. # (وتصلية جحيم) [97] أي: وحريق النار يحرق بها. # ثم قال: (إن هذا لهو حق اليقين) [98] أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها ~~الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم ~~لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين. # قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركا أحدا من الناس [يوقفه] على اليقين ~~من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما ~~الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك. # (وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين ~~مثل " دين القيمة " أي: دين الملة القيمة. # وقيل أصل " اليقين " أن يكون نعتا للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على ~~الاتساع كما قال " ولدار الآخرة " و " وملاة الأولى " و " مسجد الجامع "، ~~وهو عند PageV11P7301 # أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه. # ثم قال: (فسبح باسم ربك العظيم) [99] [أي] فنزه ربك العظيم. # وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم. PageV11P7302 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحديد مدنية # قوله: {سبح لله ما في السماوات والأرض} إلى قوله: (والله بما تعملون ~~خبير) الآيات [1 - 10]. # أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيما له وإقرارا بربوبيته وقيل ~~التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه. # وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: {ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه ~~لكان ذلك [شيئا] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا). PageV11P7303 # وقيل: {سبح} في هذا وما بعده من السور معناه " صلى ". # وقوله: {وهو العزيز الحكيم} أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في ~~تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل. # قال: {له ملك السماوات والأرض ms2566 يحيي ويميت}. الآية. # أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء ~~من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند ~~بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه. # {وهو على كل شيء قدير} أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت ~~وموت حي. # أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو ~~الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا ~~منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا PageV11P7304 # شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] ~~يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فرق عرشه. # قال قتادة: " ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في ~~أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما هذا، ~~قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا / راوي الأرض (يسوقه) الله ~~إلى قوم لا يشمونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ~~ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم ~~بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل ~~تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة ~~عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، ~~قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما ~~بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال ~~فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة ~~خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم PageV11P7305 # بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ {هو الأول والآخر} ~~الآية ". # وقال ابن عباس ms2567 ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين. # وقيل معنى " الظاهر والباطن " /: يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان ~~وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على ~~الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين " وظهير " أي: قوي. # ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات. # وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت ~~الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته. # وقوله: {وهو بكل شيء عليم} أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ~~ولا في الأرض كبر أو صغر. # قال: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام}. # أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام. PageV11P7306 # {ثم استوى على العرش} أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ~~ارتفاع نقلة. # ثم قال: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها}: أي: ما يدخل فيها من ~~الماء وغيره. # {وما يخرج منها} أي: من النبات وغيره. # {وما ينزل من السمآء} أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك. # {وما يعرج فيها} أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا ~~تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض. # {والله بما تعملون بصير} أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها ~~يوم القيامة. # ثم قال: {وهو معكم أين ما كنتم} قال سفيان الثوري: علمه. # قال: {له ملك السماوات والأرض} أي: له سلطان ذلك وملكه. # {والله بما تعملون بصير} أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه ~~بحكمه وعدله. # قال: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أي: يدخل هذا في هذا ~~وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا. PageV11P7307 # ثم قال: {وهو عليم بذات الصدور} أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما ~~عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث " أن الدعاء يستجاب بعد هذه ~~(الآيات البينات) ". # قال: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}. # أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا ms2568 في سبيل الله مما خولكم ~~وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفا فيه، (أي فالذين آمنوا). صدقوا ~~وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة. # قال: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم} الآية. # أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين ~~لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به. # ثم قال: {وقد أخذ ميثاقكم}. PageV11P7308 # أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست ~~بربكم، فقلتم بلى. # وقوله: {إن كنتم مؤمنين}. # أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوما من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات ~~أن تؤمنوا لتتابع الحجج عليكم. # وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من ~~البراهين والدلائل. # قال: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات}. # يعني القرآن. # {ليخرجكم من الظلمات إلى النور}. # أي من الكفر إلى الإيمان. # وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # ثم قال: {وإن الله بكم لرءوف رحيم} /. # أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات PageV11P7309 # يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. # قال: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} الآية. # أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما ~~تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز ~~وجل. # وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخرا لهم عنده من قبل أن ~~يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثا لمن له ميراث السماوات والأرض وهو ~~الله جل ذكره. # ثم قال: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل}. # أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، ~~أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من ~~بعد ذلك وقاتل وأنفق. # قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل ms2569 ~~من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح، PageV11P7310 # وكذلك قال زيد بن أسلم. # وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح ~~الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك. # وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم من أعمالهم قالوا ~~يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا، ~~قلنا يا رسول الله أهم خير منا. قال لو أن لأحدهم جبل / ذهبا ثم أفقه ما ~~بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من ~~أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله {والله بما تعملون خبير} ". # ثم قال: {وكلا وعد الله الحسنى} أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد ~~وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة. # ثم قال: {والله بما تعملون خبير} أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله ~~وقتل PageV11P7311 # أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك. # قال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا}. # أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله محتسبا في نفقته، فيضاعف له ربه ~~(بالحسنة عشرة أمثالها) إلى سبع مائة ضعف. # {وله أجر كريم} (وهو الجنة). # " ومن " مبتدأ و " ذا " خبره، " والذي " نعت ل " ذا ". # وقيل " من " مبتدأ و " ذا " زائدة مع " الذي "، و " الذي " خبر الابتداء. # وأجاز الفراء أن تكون " ذا " زائدة مع " من " كما جاءت زائدة مع " ما "، ~~ولا يجوز هذا عند البصريين لأن " ما " مبهمة، فجاز ذلك فيها، وليست من ~~كذلك. # قال: {يوم ترى المؤمنين [والمؤمنات] يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم}. PageV11P7312 # أي لهم أجر كريم في يوم ترى المؤمنين، فالعامل في " يوم " معنى الملك في ~~" لهم ". # وقيل العامل فيه {وكلا وعد الله الحسنى} {يوم ترى} فوعد هو العامل فيه. # ومعنى الآية: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم. قال قتادة: ذكر ms2570 لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " ~~من المؤمنين ما يضيء نوره [من المدينة إلى عدن وصنعاء فدون ذلك حتى إن من ~~المؤمنين من لا يضيء نوره] إلا من موضع قدميه ". # قال ابن مسعود يعطى المؤمنون نورا على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى [نورا ~~كالنخلة السحوق ومنهم من يعطى نورا كالرجل القائم وأدناهم من يعطى نورا] ~~على ابهامه يضيء مرة ويطفى مرة. # وقال الضحاك معنى " وبإيمانهم " أي: وبأيمانهم كتبهم. # وقيل النور هنا: الكتاب لأنهم يعطون كتبهم من بين أيديهم بأيمانهم فلهذا ~~وقع الخصوص. PageV11P7313 # وقيل المعنى يسعى ثواب إيمانهم وعملهم [الصالح] بين أيديهم وفي أيمانهم ~~كتب أعمالهم نظائر، هذا اختيار الطبري، وهو قول الضحاك المتقدم. # والباء في " وبأيمانهم " بمعنى " في " على هذا التأويل، وعلى القول الأول ~~بمعنى " عن ". # ثم قال: {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار}. # أي يقال لهم بشراكم اليوم جنات، أي: الذي تبشرون به اليوم هو جنات، ~~فأبشروا بها وأجاز الفراء " جنات " بالنصب على القطع، ويكون " اليوم " خبر ~~الابتداء. # وأجاز رفع " اليوم " على أنه خبر " بشراكم " /، وأجاز أن يكون " بشراكم " ~~في موضع نصب بمعنى يبشرهم ربهم بالبشرى، وأن ينصب جنات بالبشرى، وفي هذه ~~التأويلات بعد وتعسف وغلط ظاهر. PageV11P7314 # قوله: {خالدين فيها} أي: ماكثين فيها لا يتحولون عنها. # {ذلك هو الفوز العظيم} أي: خلودهم في الجنة التي وصفت هو النجاح العظيم. # قوله: {يوم يقول المنافقون}. # أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون. # {للذين آمنوا انظرونا} أي: تمهلوا علينا. # {نقتبس من نوركم} أي: نستصبح من نوركم. # و {انظرونا} في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر. # وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا ~~حملته على التأخير، وإنما يجوز على مهنى تمهلوا علينا. # يقال أنظرني: بمعنى تمهل علي وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز ~~قراءة حمزة. PageV11P7315 # وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا ~~نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى ms2571 هذا أيضا تصح قراءة حمزة. # ثم قال: {قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا}. # يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نورا [فإنه] لا ~~سبيل إلى الاقتباس من نورنا. # قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نورا، فلما رأى ~~المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلا من الله جل وعز إلى ~~الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على ~~المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في ~~الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة PageV11P7316 # التمسوا هنالك النور. # ثم قال: {فضرب بينهم بسور} أي: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور ~~وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار. # قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز {وبينهما حجاب} [الأعراف: 46]. # ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم. # وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس. # وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب ~~الذي قال الله عز وجل { له باب باطنه فيه الرحمة} والرحمة هنا الجنة، ~~والعذاب: النار. / # قال: {ينادونهم ألم نكن معكم}. # أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في الظلمة ~~والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم PageV11P7317 # المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله ~~مجاهد. # قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال ~~بالتوبة. # {وارتبتم} أي: شككتم. # {حتى جآء أمر الله} يعني الموت. # {وغركم بالله الغرور} أي الشيطان. # وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: ~~وتربصتم: أي: بالحق وأهله. # وقيل معناه: وتربصتم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين الدوائر. وقيل ~~تربصتم بالتوبة. PageV11P7318 # وقوله: {وارتبتم} أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى. # ثم قال: {وغرتكم الأماني}. # أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم ms2572 عن سبيل الله. وأضلتكم. # وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي صلى الله عليه وسلم الدوائر. # {حتى جآء أمر الله}. # {حتى جآء} نصر الله نبيه ودينه. # وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم. # قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من ~~الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار. PageV11P7319 # وقوله: {وغركم بالله الغرور}. # أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من عذابه. # قال: {فاليوم لا يؤخذ منكم}. # (قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم). # هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا من ~~عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا. # {مأواكم النار}. # أي مثواكم ومسكنكم. # {هي مولاكم} أي: النار أولى بكم. / # {وبئس المصير} أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار. # قوله: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}. # أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من PageV11P7320 # خشية الله). # {وما نزل من الحق} وهو القرآن. # قال ابن عباس {أن تخشع قلوبهم لذكر الله}، قال: تطيع قلوبهم. # روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع ~~سنين. وقال غيره بأربع سنين. # وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " أول ما يرفع الله من الناس الخشوع ". # ثم قال: {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل} يعني: بني إسرائيل، ~~والكتاب: التوراة والإنجيل. # {فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم}. PageV11P7321 # والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام. # ثم قال: {وكثير منهم فاسقون} أي: من أهل الكتاب. # قال: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها}. # أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن ~~يحيي الموتى بعد إفنائهم. # وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها. # ثم قال: {قد بينا لكم الآيات} ms2573 (أي الحجج والأدلة). # {لعلكم تعقلون}. # قال: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا}. # أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه. PageV11P7322 # {يضاعف لهم} (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة. # {ولهم أجر كريم}. # أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف " المصدقين " فمعناه إن الذين صدقوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة ~~الله عز وجل يضاعف لهم. # قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله}. # أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل {أولئك هم ~~الصديقون} أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم. # ثم قال: {والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} أي: لهم أجر أنفسهم ونور ~~أنفسهم. # ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن " الشهداء " منفصل من " الصديقين " ~~منقطع منه. PageV11P7323 # وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " مؤمنو ~~أمتي شهداء، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ". # فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم أجر الشهداء ونورهم. # وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ~~ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقررأوا هذه الآية فذكرها. # وروي " أن رجلا من قضاعة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن شهدت ~~أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، ~~وآتيت الزكاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من كان على هذا كان من ~~الصديقين والشهداء ". PageV11P7324 # وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم " أنه قال كل ~~مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية ". # قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد. # وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه، قال في حديث له. والرجل يموت على ~~فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية. # وقيل " الشهداء " في هذا الموضع: النبيون الذين ms2574 يشهدون على أممهم وهو ~~قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ~~[النساء: 41]. # هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: " ~~الصديقون ". PageV11P7325 # ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل ~~شهيدا، لأنه يشهد له بالجنة. # وقيل سمي شهيدا لأنه يشهد عند الله على الأمم. قال تعالى {وتكونوا شهدآء ~~على الناس} [الحج: 76]. # وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيدا، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان. # ثم قال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم}. # أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار. # قال: {اعلموا أنما الحياوة الدنيا لعب [ولهو]} أي /: اعلموا أيها الناس ~~أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم ~~تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه ~~الزراع نباته فهو على نهاية الحسن. # وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجابا، أي لا يؤمنون PageV11P7326 # بالبعث. # وقوله: {ثم يهيج} أي: يبتدئ في الصفرة. # {فتراه مصفرا ثم يكون حطاما} أي: متحطما لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز ~~وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها. # (ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على ~~الآخرة بالبعث فقال: # {وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان} لأهل الإيمان بالله ~~ورسوله. # قال: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض}. # أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول ~~الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله. # وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل ~~سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذا، فالجواب أن ~~الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم ~~الله. PageV11P7327 # قال مكحول في قوله: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} الآية، هو المسارعة ms2575 إلى ~~التكبيرة الأولى من الصلاة. # ثم قال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء}. # أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله ~~يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من ~~الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر. # قال: {مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأهآ}. # أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا ~~في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب. # " من قبل أن نبرأ الأنفس " أي: نخلقها. # قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه PageV11P7328 # ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو ~~الله أكثر. # وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ~~ثناؤه من قبل أن نتبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد. # وعن ابن عباس أيضا هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند ~~الله من قبل أن تخلق الأنفس. # وقيل الضمير في " نبرأها " بالمصائب، وقيل للأرض. ورجوعها إلى الأنفس ~~أولى لأنه أقرب إليها. # وقوله: {إلا في كتاب} معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير. # قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. # ثم قال: {إن ذلك على الله يسير} أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما ~~هي PageV11P7329 # ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون. # قال: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم}. # أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى ~~المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية. # قال عكرمة: هو ms2576 الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا ~~وهو) يحزن ويفرح، لكن من أصابته مصيبة فجعل / حزنه صبرا ومن أصابه خير فجعل ~~فرحه شكرا، فهو ممدوح لا مذموم. # فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم / كيلا تحزنوا ~~حزنا تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحا تتجاوزون فيه ما ~~(ينبغي). # ثم قال: {والله لا يحب كل مختال فخور} أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من ~~الدنيا، فخور به على الناس. # وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبرا وتعظما فخور على الناس ~~بماله ودنياه. PageV11P7330 # قال: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل}. # أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويأمرون الناس ألا ~~يؤمنوا به. # وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس ~~بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم حق ~~وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يحدثون الناس ~~ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي ~~المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، ~~وأمروا الناس بتكذيبه. # قوله: {ومن يتول} أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في ~~سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله. # {فإن الله هو الغني الحميد} أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد ~~إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة. PageV11P7331 # قوله: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} إلى قوله: (والله غفور رحيم) الآيات ~~[24 - 27]. # أي لقد أرسلنا إلى أمم بالآيات المفصلات وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام ~~والشرائع، والميزان بالعدل. # قال ابن زيدا (الميزان) ما يعمل به، ويتعاطون عليه في الدنيا من معائشهم ~~في أخذهم وإعطائهم، فالكتاب فيه شرائع دينهم وأمر أخراهم، والميزان فيه ~~تناصفهم في دنياهم. # {ليقوم الناس بالقسط} أي: ليعمل الناس بينهم بالعدل. # ثم قال: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} أي: قوة شديدة. # {ومنافع للناس} أي: وفيه منافع للناس، وذلك ما ms2577 ينتفعون به عند لقائهم ~~العدو وغير ذلك من المنافع مثل السكين والقدوم. # قال ابن زيد البأس الشديد: السيوف والسلاح التي يقاتل بها الناس والمنافع PageV11P7332 # هو حفرهم وحرثهم بها وغير ذلك. # قال مجاهد: أنزله ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وأرسلنا الرسل ~~وأنزلنا الكتاب والميزان ليعدلوا بينهم وليعلم حزب الله من ينصر دينه ورسله ~~بالغيب منهم. # {إن الله قوي} أي: على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره عزيز في ~~انتقامه منهم. # قال مجاهد: أنزل الحديد ليعلم من ينصره. # قال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم} الآية. # أي أرسلهما تعالى إلى قومهما، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولذلك ~~كانت النبوة في ذريتهما، وعليهم أنزل الله كتبه التوراة والزبور والإنجيل ~~وأكثر الكتب. # ثم قال: {فمنهم مهتد} أي: فمن ذريتهما مهتد إلى الحق. # {وكثير منهم فاسقون} أي: ضلال عن الحق. PageV11P7333 # قال: {ثم قفينا على آثارهم} (أي: اتبعنا آثارهم برسلنا) أي: آثار الذرية، ~~وقيل الضمير يعود على نوح وإبراهيم وإن كانا اثنين لأن الاثنين جمع. # ثم قال: {وقفينا بعيسى ابن مريم} أي: واتبعنا الرسل بعيسى ابن مريم. # {وآتيناه الإنجيل} روي أنه نزل جملة. # ثم قال: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} أي اتبعوا عيسى رأفة ~~وهي أشد الرأفة. # {ورهبانية ابتدعوها} وأحدثوا رهبانية أحدثوها. # {ما كتبناها عليهم} أي: ما افترضنا (عليهم الرهبانية). # {إلا ابتغآء رضوان الله} أي: لم تكتب عليهم إلا أن يبتغوا رضوان الله " ~~فابتغاء بدل من الضمير في " كتبناها ". # وقيل هو منصوب على الاستثناء المنقطع. # وقال الحارث المحاسبي: لقد ذم الله قوما من بني إسرائيل ابتدعوا رهبانية ~~لم PageV11P7334 # يؤمروا بها، ولم يرعوها حق رعايتها. # وحكى عن مجاهد أنه قال في الآية معناها كتبناها عليم ابتغاء رضوان الله. # (قال أبو أمامة الباهلي وغيره / معنى الآية: لم نكتبها عليهم ولم ~~يبتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، فعاتبهم الله بتركها. # قال الحارث: وهذا أولى التفسيرين بالحق، يريد قول أبي أمامة قال وعليه ~~أكثر العلماء، وقال الحارث فذمهم الله عليه بترك رعاية ما ابتدعوا، فكيف ~~بمن ضيع رعاية ما ms2578 وجب الله عليه). # ثم قال: {فما رعوها حق رعايتها} هذا عام يراد به الخصوص إذ ليس كلهم ~~فرطوا في الرهبانية، وذلك أن (الله كتب) عليهم القتال قبل أن يبعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فلما قل أهل الإيمان وكثر أهل الشرك وذهبت الرسل وقهروا ~~اعتزلوا في الغيران، فلم يزل ذلك شأنهم حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر ~~الله وأخذوا بالبدعة، هذا قول الضحاك. PageV11P7335 # وقيل الذين لم يرعوها هم قوم جاءوا بعد الأولين الذين ابتدعوا الرهبانية. # ثم قال: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} أي: فأعطينا الذين آمنوا بالله ~~ورسوله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على فعلهم. # {وكثير منهم فاسقون} أي: أهل معاص وخروج عن طاعة الله. # وقال ابن زيد هم الذين رعوا ذلك الحق. # قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله / وهم الذين ابتدعوا الرهبانية. # وقد قيل أن الرهبانية معطوفة على رأفة.، وأنها مما آتاهم الله فابتدعوا ~~فيها وغيروها وبدلوها. # قال: {يا أيها الذينءامنوا} أي: صدقوا بما جاءهم به محمد صلى الله عليه ~~وسلم من أهل الكتابين. # {اتقوا الله} أي: خافوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. PageV11P7336 # {وءامنوا برسوله} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. # { يؤتكم كفلين من رحمته} أي: يعطيكم ضعفين من الأجر بإيمانكم بعيسى ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وأصل الكفل: الحظ. # قال ابن عباس كفلين: أجرين بإيمانكم بعيسى ومحمد عليه السلام وبالقرآن ~~والإنجيل. # قال: " بن جبير بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعفرا في سبعين راكبا إلى ~~النجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند انصرافه ~~قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا إئذن لنا فنأتي هذا ~~النبي فنلم به ونركب بهؤلاء في البحر، فأنا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع ~~جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم وقد تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة (وشدة الحال استأذنوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم PageV11P7337 # فقالوا يا رسول الله إن لنا أموالا ونحن ما نرى ما بالمسلمين ms2579 من خصاصة) ~~فأن أنت أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم ~~فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله عز وجل فيهم ~~{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} [القصص: 52] إلى قوله {يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون} [القصص: ~~54]: أي: يريد النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم ~~يؤمن بالنبي عليه السلام، هذا فخروا على المسلمين فقالوا يا معشر المسلمين ~~أما من آمن [منا] بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله ~~أجره كأجوركم فما فضلكم علينا، فأنزل الله عز وجل: { يا أيها الذينءامنوا ~~اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ~~ويغفر لكم} فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة. # قال الضحاك {يؤتكم كفلين} أي: أجرين بإيمانكم بالكتابة الأول وبالكتاب ~~الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. PageV11P7338 # قال ابن زيد " كفلين من رحمته " أجر الدنيا وأجر الآخرة. # وقال ابن عمر " كفلين " ثلاث مائة جزء من الرحمة وستة وثلاثون جزءا رواه ~~عنه نعيم بن حماد. # وقال الشعبي الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى فآمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران، ورجل كان كافرا بعيسى فآمن بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم فله أجر، ورجل كفر بعيسى وبمحمد عليهما السلام فباء بغضب ~~على غضب، ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب فمات بكفره قبل محمد صلى ~~الله عليه وسلم / فباء بغضب واحد. # وسئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفل فقال: " ثلاثمائة وخمسون حسنة PageV11P7339 # وقال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل حبرا من أحبار اليهود فقال له: ~~كم أفضل ما ضعفت له الحسنة، فقال كفل ثلاث مائة وخمسون حسنة. قال: فحمد ~~الله عمر على أنه تعالى أعطانا كفلين فضاعفه لنا الحسنة إلى سبع مائة ضعف. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل ~~آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل كانت له ms2580 أمة، فأدبها، فأحسن تأديبها ~~ثم أعقتها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه عز وجل ونصح لسيده ". # وقال عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " وإنما آجالكم في آجال من ~~خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود ~~والنصارى كرجل استأجر عمالا فقال من يعمل [من] بكرة إلى نصف النهار على ~~قيراط قيراط PageV11P7340 # فعملت اليهود ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط ~~قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على ~~قيراطين قيراطين ألا فعملتم ". # ثم قال: {ويجعل لكم نورا تمشون به}. # قال ابن عباس النور: القرآن واتباعهم النبي عليه السلام، وقاله ابن جبير. # وقال مجاهد: {ويجعل لكم} أي: هى. # وقيل معناه: ويجعل لكم نورا تمشون به يوم القيامة، وهو النور الذي يكون ~~للمؤمنين يوم القيامة. # وقوله: {ويغفر لكم} أي: يصفح عنكم ويستر ذنوبكم. # {والله غفور رحيم} أي: ذو مغفرة ورحمة. # قوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب}. إلى اخر السورة. PageV11P7341 # قيل معناه ليعلم أهل الكتب، و " لا " زائدة صلة، دل على ذلك أن بعده: / ~~{وأن الفضل بيد الله}. # وقد قرأ ابن عباس ليعلم. وهي قراءة الجحدري. # وقرأ ابن مسعود وابن جبير " لكي يعلم أهل الكتاب "، وذلك على التفسير، ~~والمعنى فعل ذلك، لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله ~~الذي خصكم به لأنهم كانوا يرون أن الله فضلهم على جميع خلقه، فأعلمهم تعالى ~~ذكره أنه قد أتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل والكرامة ما لم ~~يؤتهم من زيادة النور والمغفرة والأجر. # قال قتادة: لما نزلت [هذه الآية يعني: {يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} حسد أهل الكتاب المسلمين عليها] ~~فأنزل الله " لئلا يعلم أهل الكتاب. . [إلى آخرها، أي: فعلت ذلك لكي يعلم ~~أهل الكتاب أنهم PageV11P7342 # لا يقدرون] على شيء من فضل الله، يؤتي فضله من يشاء ويخص به من يشاء ms2581 من ~~خلقه. # قال قتادة: ذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إنما مثلنا ~~ومثل أهل الكتاب من قبلنا كمثل رجل استأجر أجراء يعملون إلى الليل على ~~قيراط، فلما انتصف النهار سئموا عمله وملوا فحاسبهم وأعطاهم نصف قيراط، (ثم ~~استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط فعملوا إلى العصر ثم سئموا وملوا ~~عمله، فاعطاهم على قدر ذلك ثم استأجر أجراء إلى الليل على قيراطين يعملون ~~بقية عمله فقيل له ما شأن هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا؟ قال هو مالي أعطي من ~~شئت ". # وقوله: {وأن الفضل بيد الله} أي: بيده دونهم ودون غيرهم، يؤتيه من يشاء ~~من PageV11P7343 # خلقه، فلذلك أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأجر على مدتهم ~~القريبة ما لم يعط غيرهم. # {والله ذو الفضل العظيم}. # أي ذو الفضل على خلقه، العظيم فضله. # وقيل أنهم قالوا: الأنبياء منا، كفروا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فأعلم الله خلقه أن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، وليس فضله بموقوف على بني ~~إسرائيل دون غيرهم فلا يرسل رسولا إلا منها يرسل الرسول ممن يشاء على من ~~يشاء، وإلى من يشاء، يفعل ما يشاء ويتفضل على من يشاء لا إله إلا هو. PageV11P7344 ### | سورة المجادلة مدنية # قوله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} إلى قوله: ~~(إن الله سميع بصير) [الآية 1]. # هذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة، وقيل اسمها خويلة. # وقيل اسم أبيها خويلد، وقيل الصامت. # وقيل الذبيح، وهي امرأة من الأنصار. # قال قتادة: كان زوجها أوس بن الصامت. # روي " أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها تغسل شق ~~رأسه /، فقالت يا رسول PageV11P7345 # الله طالت صحبتي مع زوجي وظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~حرمت عليه. وكان الظهار في الجاهلية طلاقا بائنا، وكان بينها وبين زوجها ~~قرابة فقالت أشكو إلى الله فاقتي إليه، ثم جعلت تكرر عليه المسألة ويجاوبها ~~بمثل ذلك، فتقول أشكو إلى الله فاقتي إليه، فنزل الوحي ms2582 وقد قامت عائشة تغسل ~~شق رأسه الآخر، فأومأت إليها [عائشة] أن اسكتي قالت وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات فلما قضى الوحي قال اذهبي ~~فادعي زوجك، فدعته فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله: {فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتمآسا} ثم قال له: أتستطيع رقبة، قال لا، فتلا عليه {فمن ~~لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا}، فقال يا رسول الله إني أذا ~~لم أكل في اليوم ثلاث مرات خشيت أن يعشو بصري، فتلا عليه {فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا}، ثم قال له أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا، قال لا يا ~~رسول الله إلا أن تعينني، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعم ". # روى عروة بن الزبير قال، قالت عائشة رضي الله عنها، " الحمد لله الذي وسع ~~سمعه الأصوات، إن خولة تشتكي زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيخفى (علي ~~أحيانا بعض ما PageV11P7346 # تقول، فأنزل الله جل ذكره: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي ~~إلى الله والله يسمع تحاوركمآ} الآية. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خولة في محاورتها لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم إني أشكو إليك ذلك فهو قوله وتشتكي إلى الله. وروى ~~أيضا عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن ~~المرأة لتناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمع بعض كلامها، ويخفى علي ~~[بعضه]، إذا أنزل عز وجل { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} الآية. # قال قتادة: أتت خويلة بنت ثعلبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي إليه ~~زوجها أوس بن الصامت فقالت: يا رسول ظاهر مني حين كبرت سني ورق عظمي، فانزل ~~الله عز وجل فيها ما تسمعون، ثم تلا {قد سمع الله قول التي تجادلك} إلى ~~قوله {لعفو غفور}. # وقوله: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] أي: يريد المظاهر يغشى ~~(امرأته بعدما ظاهر PageV11P7347 # منها). # وروى أنه " لما قال ms2583 له النبي صلى الله عليه وسلم أتستطيع أن تطعم ستين ~~مسكينا قال لا يا رسول الله إلا أن تعينني منك بعون وصلاة / يريد ودعاء ~~فأعانه (رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا ". # قال ابن عباس كان الرجل إذا قال لأمراته في الجاهلية: أنت علي كظهر أمي ~~حرمت عليه، فمضى ذلك في الإسلام، وكان أول من ظاهر في الإسلام أوس وكانت ~~تحته ابنة عم له يقال لها خولة بنت خويلد فظاهر منها، فأسقط في يده فقال ما ~~أراك إلا قد حرمت علي، وقالت له مثل ذلك، قال فأتت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فأخبرته فقال يا خويلة ما أمرنا في أمرك ~~بشيء فأنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمع الله. . . ~~الآيات، فقال يا خويلة أبشري، قالت خيرا، فقرأ عليها {قد سمع الله} إلى ~~قوله {فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا}، قالت وأي رقبة لنا، والله ما يجد ~~رقبة غيري، فقرأ عليها: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتمآسا} فقالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره، فقرأ ~~عليها PageV11P7348 # {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا}، فقالت من أين، ما هي إلا أكلة إلى ~~مثلها قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر وسق وست ثلاثسن صاعا، ~~والوسق ستون صاعا، فقال ليطعم ستين مسكينا وليراجعك. # وقال محمد بن كعب القرطي هي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت، وكان ~~رجلا به لهم فقال في بعض هجراته: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال فقال ~~لها ما أظنك إلا قد حرمت علي، فقالت لا تقبل ذلك، فوالله ما أحب طلاقا ~~فقالت إئت رسول الله فسله، فقال: إنني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا، ~~قالت إئت رسول الله فسله، فقال: إني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا، ~~قالت فدعني أنا أسأله /، فقال، فجاءت إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن ms2584 ~~أوس بن الصامت أبو ولدي وأحب الناس إلي قد قال كلمة، والذي أنزل عليك ~~الكتاب ما ذكر طلاقا، قال أنت علي كظهر أمي. # فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت لا ~~تقل ذلك يا نبي الله، والله ما ذكر طلاقا، فرادت النبي مرارا، ثم قالت: ~~اللهم إني أشكو [اليوم] إليك شدة حالتي ووجدي وما يشق علي من فراقه، اللهم ~~فأنزل على لسان نبيك، فأنزل PageV11P7349 # الله مكانه: قد سمع الله. . . الآيات. # وقوله: {وتشتكي إلى الله} هو ما شكت من تأسفها على فراق زوجها. # وقوله: {والله يسمع تحاوركمآ} أي: يسمع تحاور النبي وخولة. # {إن الله سميع} أي: يسمع ما يتحاور به كل اثنين فأكثر. # {بصير} بما يعملون، فيجازيهم عليه يوم القيامة. # قوله: {الذين يظاهرون منكم من نسآئهم}. # أي: الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم بقولهم: انت علي كظهر أمي. # {ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا}. # أي: وإن الأزواج ليقولون إلى نسائهم (قولا منكرا، وقولا زورا) أي: كذبا. # قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار طلاق أهل الجاهلية طلاق بتات، لا يرجع ~~إلى PageV11P7350 # امرأته من قاله أبدا. # ثم قال: {وإن الله لعفو غفور} أي: ذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا ~~منها، وذو ستر عليهم فلا يعاقبهم عليها بعد التوبة. # قال: {والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا} أي: والكفارة على ~~من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي ويريد الرجوع إلى الوطء تحرير رقبة من ~~قبل أن يطأها، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين أي: متصلين من قبل أن ~~يطأها، فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينا. # وقوله: {ثم يعودون لما قالوا} معناه: ثم يرجعون في تحريم ما حرموا على ~~أنفسهم فيجعلونه حلالا وذلك الوطء. # قال قتادة: يريد أن يغشى بعد قوله. # وقال أهل الظاهر معناه: يعود للفظ مرة أخرى، فلا تلزمه الكفارة عندهم حتى ~~يقول لها مرة أخرى أنت علي كظهر أمي. ولا يلزمه شيء من ms2585 قوله ذلك لها مرة ~~واحدة. # وقيل المعنى والذين كانوا يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون في PageV11P7351 # الإسلام إلى مثل ذلك القول، فعلى من فعل ذلك في الإسلام تحرير رقبة من ~~قبل أن يتماسا. # وقيل معناه: ثم يصيرون لما كانوا يقولون في الجاهلية. # وقيل معناه: ثم يعزمون على إمساك النساء بعد المظاهرة. # وقيل معناه: أن يقيم مدة لا يطلق ثم يعود إلى فعل ما ترك فيخالفه. # وقال طاوس لما قالوا: للوطء. # وقال الأخفش سعيد: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظهرون من ~~نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا من قبل أن يتماسا، والمعنى يصيرون إلى ما ~~كانوا عليه من الجماع، فعليهم تحرير رقبة من أجل قولهم. # وقال الزجاج معناه ثم يعودون إلى إرادة الجماع من اجل ما قالوا. PageV11P7352 # وقال الفراء لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا أي: يرجعون عن قولهم ~~وتحريمهم نساءهم / فيريدون الوطء. # وقال القتبي هو أن يعود لمثل ما كان يقال في الجاهلية (ولا تجزيه في ~~الكفارة) عند مالك إلا رقبة مسلمة، ولا يجوز عنده عتق المدبر والمكاتب عن ~~الظهار، ولا عتق أم الولد، فأما عتق الصبي فقد أجازهمالك عن الظهار إذا كان ~~ذلك من قصر النفقة، وعتق من يصلي ويصوم أحب إليه، ولا يجزي عن الظهار عتق ~~من يعتق على الإنسان إذا ملكه كالأب والابن والأم والجد والأخ، فإن أعتق عن ~~ظهاره ما في بطن أمه فولدته حيا ثم مات لم يجزه عند مالك، ولا يجزي عند ~~مالك عتق الأعمى ولا المعقد ولا المقطوع اليدين ولا أشلهما أو الرجلين، ~~والمقطوع أحدهما، ولا الأعرج الشديد العرج، ولا الأخرس، ولا المجنون ~~المطبق، ولا الذي يجن ويفيق، ولا عتق من أعتقه قبل ذلك إلى مدة، ولا عتق من ~~اشتري بشرط أن يعتق على الرقاب الواجبة، ولا يجزي عتق الأصم ولا المقطوع ~~الإبهام، ولا المقطوع الأذنين، ولا المفلوج الشق، ولا المقطوع الأصبع ~~الواحدة فأكثر، ولا الأجذم، ولا الأبرص، PageV11P7353 # ولا عتق / كل من فيه عيب يضر به وينقص من ثمنه نقصا فاحشا، ms2586 ويجزئ عتق ~~الأعور. # وقوله {من قبل أن يتمآسا} أي: فعليه الكفارة من قبل أن يطأها، ولا يحل له ~~وطئها إذا ظاهر منها حتى يكفر عن ظهاره، وإذا علق ظهاره بشرط لم يلزمه ~~الظهار إلا مع فعل ذلك الشرط، وذلك أن يثول لامرأته أنت علي كظهر أمي إن ~~دخلت دار فلان، فهو مظاهر حتى تدخل تلك الدار، فإذا دخلت لزمه الظهار، ولا ~~طلاق في الظهار، ولم ير الحسن بأسا أن يقبل ويغش فيما دون الفرج قبل ~~الكفارة. وقاله الثوري، ومنع مالك من ذلك، ومنعه من النظر إلى شعرها قبل ~~الكفارة. # وقوله {ذلكم توعظون به} أي: أوجب عليكم، ربكم من الكفارة عظة لكم، ~~لتنتهوا عن الظهار وقول الزور. {والله بما تعملون خبير} أي: ذو خبر ~~بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء، فانتهوا عن قول الزور. # قوله: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} أي: فمن لم يجد ما يشتري به ~~رقبة، فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما ولا بين شيء من أيامهما ~~بإفطار وهو متعمد، فإن أفطر لعذر بنى على ما صام ولا شيء عليه، فإن أفطر ~~لغير عذر ابتدأ PageV11P7354 # الصيام، فإن أفطر لسفر أحدثه ابتدأ الصوم، فإن ابتدأ الصوم فأيسر أتم ~~صومه، ولا يرجع إلى العتق عند مالك، وإن ابتدأ الصيام أو ابتدأ الإطعام إن ~~لم يقدر على الصيام ثم جامع قبل إكمال الصيام أو الإطعام، ابتدأ الصيام ~~والإطعام، كأن جماعة ناسيا أو عامدا، ويجزيه الصيام بالأهلة وإن كان الشهر ~~ثمانية وخمسين أوستا وخمسين يوما، فإن ابتدأ الصوم في غير أول الشهر صام ~~ثلاثين يوما، وشهرا على الهلال، وقيل يصوم ستين يوما، وإذا ظاهر وله دار ~~وخادم لزمه العتق عند مالك. وقوله: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} أي: ~~فمن لم يستطع الصوم فعليه أن يطعم ستين مسكينا مدا من [حنطة] بمد هشام، هذا ~~قول مالك وهو مد وثلثان بمد النبي صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطي لكل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms2587 فإن أعطى مدا بمد هشام أجزأه إذا أعطاهم في جمع الكفارات مما هو أكثر ~~عيش ذلك البلد أجزاه، ولا يجزى في ذلك عرض ولا دارهم ولا دقيق ولا سويق. PageV11P7355 # قال ابن القاسم فأن أطعم لكفارته ثلاثين مسكينا من حنطة ثم طاق العسر حتى ~~صار عيشهم الثمر أو الشعير، فلا بأس أن يعطي تمام الستين ثمرا أو شعيرا. ~~وقد قال الأوزاعي إن أعطى في الكفارة ثمنها أجزأه، وكذلك قال أصحاب الرأي، ~~ولا يجوز أن يعطي الثلاثين مثل ما يعطي لستين فيكون عليهم العطاء، ولا بد ~~من العدد، وإذا ظاهر فمات أو ماتت ولم يكفر ورثها وورثته. # والظهار عند مالك على كل حر وعبد من المسلمين في كل زوجة حرة كانت أو أمة ~~أو كتابية، إلا أنه إذا ظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فالظهار لازم. ~~ويلزم السكران ظهاره كما يلزمه الطلاق، ولا يلزم المكره الظهار. وفي الظهار ~~من الأمة، PageV11P7356 # الكفارة تامة عند مالك، ويلزم العبد في الظهار صيام شهرين كالحر ولا يعتق ~~إلا بإذن مولاه. وإذا ظاهر الرجل من امرأته مرارا لم تلزمه إلا كفارة ~~واحدة، (وأما المظاهر) من امرأتيه أو ثلاث أو أربع في ظهار واحد لم تلزمه ~~إلا كفارة واحدة. وكل من ظاهر من امرأته بامرأة مسن ذوات المحارم من النسب ~~أو الرضاع لزمه، كقوله: أنت علي كظهر أختي (أو كظهر ابنة ابنتي) أو كظهر ~~أختي من الرضاع، وكذلك عند مالك إذا قال لها أنت علي كظهر / أبي: يلزمه ~~الظهار. # وكذلك يلزسمه الظهار لو قال لامرأته: أنت علي (كظهر أخي وكقدم أخي) ونحوه ~~من العورات، وإنما خص هذا اللفظ في اليمين بالظهر دون البطن، لأن الظهر ~~موضع الركوب من البهائم، والمرأة مركوبة، إذا غشيت، فكأنه إذا قال أنت علي ~~كظهر أمي، قال: ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أبي للنكاح /، فأقام الظهر ~~مقام الركوب، إذ الركوب من غير بني آدم إنما يركب على ظهر، فهو استعارة ~~لطيفة. ثم قال {ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله} أي: ألزمت من ظاهر ذلك من ms2588 ~~الكفارات كي تقروا بتوحيد الله وبرسوله إذا عملتم بما PageV11P7357 # أمرتم به. وقال الزجاج معناه: ذلك التغليظ عليكم لتؤمنوا بالله ورسوله. ~~ثم قال {وتلك حدود الله} أي: فرائضه التي حدها لكم. # {وللكافرين عذاب أليم} أي: ولمن كفر بحدود الله في الآخرة عذاب مؤلم؛ أي: ~~موجع. # قال: {إن الذين يحآدون الله ورسوله كبتوا} أي: إن الذين يخالفون الله في ~~حدوده وفرائضه فيجعلون لأنفسهم حدودا غير حدوده كبتوا، أي: غيظوا وأخزوا ~~كما غيظ الذين من قبلهم من الأمم الذين حادوا الله ورسوله، قاله قتادة. # وقال ابو عبيدة كبتوا: أي أهلكوا، وأصله كبدوا (من قولهم): كبده الله: ~~أي: أصاب الله كبده، ثم أبدلت التاء من الدال، ثم قيل ذلك لكل من أهلك وغيظ ~~وأذل. وقيل معناه: غيظوا يوم الخندق كما غيظ الذين من قبلهم ممن قاتل ~~الأنبياء. ومعنى يحادون: يصيرون في حد أعداء الله ومخالفي أمره. # ثم قال {وقد أنزلنآ آيات بينات} أي: دلالات ظاهرات محكمات. # وللكافرين بتلك الآيات عذاب مهين، أي: مذل يوم القيامة. PageV11P7358 # قوله: {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم} إلى قوله: (والله خبير بما ~~تعملون) الآيات [6 - 13]. # أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعا، ويجوز أن يكون العامل " مهينا " ~~فلا يوقف عليه أي: وللكافرين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله ~~جميعا، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في ~~الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها. # {والله على كل شيء شهيد} أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ~~ذلك، محيط علمه بذلك. # قال: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} أي: ألم تعلم يا ~~محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف ~~يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة. وقوله {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم} " ثلاثة " بدل من " نجوى " على اللفظ، " ونجوى " بمعنى متناجين، ~~ويجوز أن يكون " نجوى " مضافة إلى ثلاثة {إلا هو رابعهم}، ونجوى بمعنى: ~~(سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز PageV11P7359 # رفع ms2589 " ثلاثة " على البدل من موضع " نجوى "، ويجوز نصبه على الحال من ~~المضمر في " نجوى ". # وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم. ~~{ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر} إلا الله معهم إذا ~~تناجوا. وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف. # وقرأ أبو جعفر يزيد " ما تكون من نجوى ثلاثة " بالتاء على التأنيث ~~النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة. وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على ~~الموضع. ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله ~~الضحاك وغيره. # قال {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون ~~بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول فبئس المصير} أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا ~~محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى PageV11P7360 # النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول. # قال مجاهد: هم اليهود. وقيل هم المنافقون كان " النبي صلى الله عليه وسلم ~~يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى ~~بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسرفوا، والله ~~ينهاهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه ~~السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل { حسبهم جهنم يصلونها} ". # ثم قال {وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله} [أي: وإذا جاءك هؤلاء ~~الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله]. يقولون: ~~السلام عليكم. قالت عائشة رضي الله عنها: " جاء ناس من اليهود إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم / فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام ~~عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يحب PageV11P7361 # الفحشاء / ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ~~ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه ms2590 الآية في ذلك ". # ثم قال: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} أي: يقول هؤلاء ~~الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا. وقال ابن زيد ~~السام: الموت. قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود. وعن ابن عباس أنهم المنافقون. # ثم قال: {حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير} أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم ~~القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة ~~بقولهم: " لولا يعذبنا الله بما نقول ". # قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول} أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر ~~والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل، PageV11P7362 # وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته). # {واتقوا الله الذي إليه تحشرون} أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في ~~معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ~~آمنوا}. # قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر ~~عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية. # ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: {وليس بضآرهم شيئا} أي: ليس تناجي ~~المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله. # {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع من ذلك أحدا، قال: والأرض ~~يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما ~~يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: { إنما ~~النجوى من الشيطان} الآية. وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان ~~في PageV11P7363 # نومه فتحزنه. # قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح ~~الله لكم} لأي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة. # قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله ms2591 صلى الله عليه وسلم كان كل رجل منهم ~~يسر بقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح ~~لأخيه. قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية. # {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا ~~إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس PageV11P7364 # ومجاهد. وقال الحسن: هذا كله في الغزو. وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى ~~خير فأجيبوا. وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإن له حوائج فارتفعوا عنه. # يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله ~~من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض. # قال قتادة: هو مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم [ كانوا إذا رأوا من ~~جاءهم مقبلا ضيقوا مجلسهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] ، فأمرهم الله ~~عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض]. # وقال الضحاك: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ومن حوله أمروا أن ~~يتوسعوا PageV11P7365 # حتى يصيب كل رجل منهم مجلسا من النبي صلى الله عليه وسلم. # قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا ~~بالتفسح. # وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن. # ثم قال: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [أي]: ~~درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به. وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة. ~~وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل. وقيل الدرجات هنا للعلماء ~~خاصة. / # قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله / الذين ~~أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم. # قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة. وخير دينكم الورع. PageV11P7366 # ثم قال: {والله بما تعملون خبير} أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه ~~المطيع ربه ms2592 من العاصي له، فيجازي كلا بما عمل. / # قال {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} ~~نهى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، ~~فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما ~~بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة. # قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد ~~بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت ~~بدرهم فنسخت. # قال قتادة: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوا في المسألة ~~فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلا يستطيع أن يقضيها PageV11P7367 # حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في ~~قوله {ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} الآية. # وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت ~~الزكاة نسخت هذا. # (وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان السلمون يكثرون المسائل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخف عن نبيه عليه ~~السلام، فيصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية ~~التي بعدها /. # قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا ~~نستطيع ذلك ولا نطيقه، PageV11P7368 # فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى ~~أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. ~~لأن أصله الحزن والخوف. # قوله: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم}. # أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. ~~يعني: المنافقون والوا اليهود، ما هم منكم [ولا ms2593 منهم]، أي: ما المنافقون من ~~أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: {ألم تر إلى الذين نافقوا ~~يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} [الحشر: 11]. # وهو مثل قوله أيضا: {فترى الذين في قلوبهم مرض} [المائدة: 52] أي: نفاق ~~{يسارعون فيهم} [المائدة: 52] أي: في موالات اليهود {نخشى أن تصيبنا دآئرة} ~~[المائدة: 52] يعني المنافقين يقولون ذلك. PageV11P7369 # قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا ~~لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: {فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح أو أمر من عنده} [المائدة: 52] الآيات. # وقوله {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} أي: يحلفون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أنهم يشهدون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قوله: {إذا جآءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من ~~قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل ~~قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من ~~المنافقين عاتبه النبي صلى الله عليه وسلم في أمر بلغه عنه، فحلف كاذبا. # وقال ابن عباس: " كان النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قد كاد الظل ~~يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك ~~إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال علام تسبني ~~أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك PageV11P7370 # بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: {يوم ~~يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} الآية ". # قال: {أعد الله لهم عذابا شديدا} أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا ~~اليهود. {إنهم سآء ما كانوا يعملون} أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم ~~للمسلمين ونصحهم اليهود. # قال: {اتخذوا أيمانهم جنة} أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ~~ويدفعون بها ms2594 عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على ~~شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون. # ثم قال: {فصدوا عن سبيل الله} أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن ~~يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية. # ثم قال: {فلهم عذاب مهين} أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو ~~عذاب النار. PageV11P7371 # ثم قال: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي: لن ينتفعوا ~~بها في الآخرة من عقوبة الله / لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم. # {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبدا في ~~نار جهنم. # قال: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون [لكم]} أي: هم ماكثون ~~في النار / يوم بعثهم الله جميعا، وذلك يوم القيامة. ويجوز أن يكون تقدير ~~العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون ~~للمؤمنين وهم كاذبون. # قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا. ثم قال ~~{ويحسبون أنهم على شيء} أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على ~~شيء من الحق. # {ألا إنهم هم الكاذبون} أي: في حلفهم. # وأجاز علي بن سليمان " ألا أنهم " بالفتح، فجعل " ألا " بمعنى " حقا ". # قال: {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله} أي: غلب عليهم واستولى PageV11P7372 # على قلوبهم فنسوا ذكر الله. # {أولئك حزب الشيطان} أي: جنده وأتباعه. # {ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون ~~المغبونون في الآخرة. # ثم قال: {إن الذين يحآدون الله ورسوله} أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون ~~في حد آخر غير الذي حد لهم. وقال المفسرون يحادون: يعادون. وقيل يشاقون، ~~والمعنى واحد. # ثم قال: {أولئك في الأذلين} أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله. # قال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} أي: قضى ذلك في أم الكتاب. # قال قتادة: كتب كتابا فأمضاه. وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ. # وقال الفراء " كتب " هنا بمعنى: " قال ". # ثم قال: {إن الله قوي عزيز} أي: ذو ms2595 قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، ~~عزيز في انتقامه من أعدائه. # ثم قال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ~~ورسوله} أي: ليس PageV11P7373 # من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر. # ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أبا أو ابنا له أو أخا أو زوجا أو عشيرة ~~له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله. # وروي أن هذه الآية / " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة ~~يخبرهم بخروج النبي صلى الله عليه وسلم ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع ~~عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يدا يحفظون أهله من أجلها. وفي ~~دعاء النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منه ~~فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [وباليوم] إلى أو ~~عشيرتهم ". PageV11P7374 # ثم قال: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد ~~الله ورسول ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم ~~الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان). # و" في " بمعنى " اللام " والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه. . وقيل ~~معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون. وقد روي أن أبا عبيدة ~~بن الجراح قتل أباه يوم أحد. وأن عمر بم الخطاب رضي الله عنه قتل خاله ~~العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد. وكان علي وعمه ~~حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد ~~بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله ~~عز وجل في هذه الآية. # ثم قال {وأيدهم بروح منه} أي: وقواهم ببرهان منه. وذلك النور والهدى ~~الذين PageV11P7375 # يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء. وقيل بروح منه: بجبريل ms2596 ينصرهم ~~ويؤيدهم ويوفقهم. ثم وعدهم بالجنة. # فقال: {ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي: ماكثين فيها ~~رضي الله عنه بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة. # ثم قال: {أولئك حزب الله} أي: جنده وأولياؤه. # {ألا إن حزب الله هم المفلحون} أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح ~~والبقاء. PageV11P7376 ### | سورة الحشر مدنية # قوله: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} إلى قوله: (شديد العقاب) ~~الآيات [1 - 7]. # أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في ~~انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه. # ثم قال: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} ~~يعني: بني النضير حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم في منصرفه من أحد، لأنهم ~~أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن ~~لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى ~~الشام، وذلك أول PageV11P7377 # الحشر / [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، ~~فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من ~~جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل ~~عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم. وهو قوله: {ولولا أن كتب الله عليهم ~~الجلاء لعذبهم في الدنيا} يعني: بالسيف والسبي. وروي الحسن أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر ~~وأنا على الأثر. # قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر. # وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ~~ديارهم. PageV11P7378 # ثم قال: {ما ظننتم أن يخرجوا} يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون ~~أنهم يخرجون من ديارهم / لشدتهم واجتماع كلمتهم. # {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} روي أن المنافقين بعثوا إليهم من ~~المدينة لما حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم يأمروهم ms2597 بالثبات في حصونهم ~~ويعدونهم النصرة، وهو قوله: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب} [الحشر: 11] الآية. # وقوله: {لأول الحشر} هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، ~~وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي ~~الله عنه. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة. # ثم قال: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في ~~قلوبهم الرعب عند نزول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهم، فذهب ما ~~كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه. PageV11P7379 # وقال أبو صالح: معنى: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا}: هو قتل كعب ابن ~~الأشرف. # وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نصرت بالرعب على ~~مسيرة شهر ". # ومعنى {يحتسبوا}: يظنوا. وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: ~~العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه. # وقيل: معناه: كافي إياك الله. من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك ~~الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب. وقيل: حسبك الله معناه، PageV11P7380 # المقتدر عليك الله، ومنه قوله: {كان على كل شيء حسيبا} # [النساء: 86] أي: مقتدرا. # ثم قال: {يخربون بيوتهم بأيديهم}. من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، ~~والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدد فمعناه: يهدمونها أيا: ~~كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ~~ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من ~~الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك. # وقيل: إنهم / لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في ~~منزله فيستحسنها والعمود والباب. فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون ~~يهدمون ما بقي. PageV11P7381 # قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل. قال ~~الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم ~~لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد. # قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود ~~يخربون من داخل. ms2598 # ثم قال {فاعتبروا يا أولي الأبصار} أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما ~~أحل الله بهؤلاء اليهود. # وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن. # والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها ~~متجاوزة من العين إلى الخد. # ثم قال {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا} أي: لولا أن ~~الله عز وجل ( قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف ~~[والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار. # قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز ~~وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي ~~في الدنيا. PageV11P7382 # والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم ~~وأجليتهم. وحكى أحمد بن يحيى: أجلي القوم من منازلهم. بمعنى: جلوا. # وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام ~~قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن ~~لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة ~~منهم بعيرا وسقاء. PageV11P7383 # قال تعالى: {ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله} أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا ~~أمر الله عز وجل، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فصاروا في شق والمؤمنون ~~في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، " ~~فذلك " على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول ~~في موضع نصب بالفعل المضمر. # ثم قال تعالى: {ومن يشآق الله فإن الله شديد العقاب} أي: ومن يخالف الله ~~في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة. # قال: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله}. # أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها. واللينة PageV11P7384 # جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو ~~قوله ابن عباس وابن جبير والزهري. # وقال مجاهد: اللينة: النخل ms2599 كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض ~~المهاجرين بعضا عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن ~~بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك ~~بإذن الله كان. # وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة. PageV11P7385 # وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل. # وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل. # وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العجوة والبرني. # وروي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن ~~يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى ~~هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل { ما قطعتم من ~~لينة} " الآية ". # وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، ~~وإنما ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم [ أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، ~~فلما تيقن PageV11P7386 # بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون. # والياء في " لينة " منقلبة عن واو / لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من ~~لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة. # ومعنى: {فبإذن الله} أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزيا لهم وهو ~~قوله: {وليخزي الفاسقين} ليذلهم، وهم بنو النضير. # قال: {ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ~~أي: الذي رد الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال بني النضير فلم ~~توجفوا على غنيمته وأخذه خيلا ولا إبلا، أي: لم تلقوا في ذلك حربا ولا ~~مئونة، لأنهم معكم في بلدكم. قال قتادة: ما قطعتم إليهم واديا، ولا سرتم ~~مسيرا، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله. / (وقد قيل إنما ~~عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسباهم لما ~~استولى عليهم، قاله الضحاك. وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم PageV11P7387 # صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب. والإيجاف: ~~ضرب ms2600 من السير سريع. يقال: وجف: إذا أسرع، وأوجفه غيره. # قال مجاهد: في قوله {فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ذكرهم ربهم عز وجل ~~أنه نصرهم وكفاهم. # قال ابن عباس: " أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى ~~قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا ~~من ذلك خيبر وفدك PageV11P7388 # وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعمد لينبع فأتاها ~~فاحتواها كلها عدة (النفقة ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما ~~يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، ~~فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، ~~فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " لا نورث " ما تركنا صدقة ". # ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) صلى الله عليه وسلم فقال ناس: ~~هلا قسمها النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل { مآ أفآء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول}. # ثم قال تعالى: {ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}. PageV11P7389 # ثم قال: {ولكن الله يسلط رسله على من يشآء} أي: يفعل ذلك كما سلط محمدا ~~صلى الله عليه وسلم على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما ~~يرى. # ثم قال: {والله على كل شيء قدير} أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، ~~وبقدرته سلط محمدا صلى الله عليه وسلم على بني النضري وغيرهم. # قال: {مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى}. # أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال مشركي ~~القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ~~ذلك في سورة الأنفال بقوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله} [الانفال: ~~41] الآية. # وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح ms2601 من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول ~~في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به PageV11P7390 # النبي صلى الله يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف ~~التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، ~~فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول. # وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية. والخراج ~~يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في ~~الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا ~~القول قاله معمر. # ثم قال: {كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم} أي: فعلنا ذلك في هذه ~~الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز ~~وجل. # ثم قال: {واتقوا الله} أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله. PageV11P7391 # قوله: {للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا}. # أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، ~~يعني مهاجرة قريش. # قال مجاهد: / جعل / الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة ~~قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلا، أي: ~~ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم. # { أولئك هم الصادقون} أي: صدقوا في فعلهم وقولهم. # قال: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من} أي: الذين سكنوا ~~الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكنا، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان ~~المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها. # ثم قال: {ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا} أي: ولا يجد الأنصار في ~~قلوبهم حسدا PageV11P7392 # مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء. # روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ~~الأولين دون / الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو ~~دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما النبي صلى الله عليه وسلم لفقرهما، ~~وإنما ms2602 فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله كان قد أعطاه ~~أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى. PageV11P7393 # وقال ابن زيد: " لما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير ~~المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ~~{ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} الآية. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إخوانكم قد تركوا الأموال ~~والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا ~~يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله ". # قال الحسن: {ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا} [يعني الحسنة. ثم قال ~~تعالى:] {ويؤثرون على أنفسهم} هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم ~~يعطون المهاجرين أموالهم إيثارا لهم بها على أنفسهم. # {ولو كان بهم خصاصة} أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان ~~بهم فاقة وحاجة. # روى أبو هريرة: " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضيفه، فلم ~~يكن عنده ما PageV11P7394 # يضيفه، فقال ألا رجلا يضيف هذا رحمه الله، فقام رجل من الأنصار يقال له ~~أبو طلحة فأنطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله، نومي ~~الصبية أطفئي المصباح وأريه أنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم برا له، قال: ففعلت فنزلت: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة} ". # ثم قال: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}. # أي: ومن وقاه الله عز وجل شح نفسه، فهو من الباقين المخلدين في الجنة. # والشح في اللغة: البخل ومنع الفضل من المال. # وقيل: الشح هنا: أكل أموال الناس بغير حق، قاله ابن مسعود. PageV11P7395 # وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " برئ من الشح من أدى ~~الزكاة [وقرى] الضيف وأعطى في ms2603 النائبة ". # قال: {والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان}. # أي والذين جاؤوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين ~~الأولين، يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا [بالإيمان] من ~~الأنصار وغيرهم. # {ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا} أي: غمرا وضغنا، يعني به الذين ~~أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار. # قال قتادة: ذكر الله جل ذكره الطائفة الثالثة فقال: {والذين جآءوا من ~~بعدهم. . .} الآية. # ثم قال: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا ~~بسبهم. PageV11P7396 # وقيل المعنى: والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار. # قال ابن أبي ليلى كان الناس / على ثلاث منازل: (المهاجرون الأولون) ~~والذين اتبعوهم بإحسان و (الذين جاءوا من بعدهم). # ثم قال: {ربنآ إنك رءوف رحيم} أي: ذو رأفة ورحمة لمن أطاعك. # قال: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا}. # يعني: منافقي المدينة يقولون لبني النضير حين نزل بهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وحاصرهم أثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، فإن قوتلتم قاتلنا معكم ~~وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا وانتظروا نصرهم، فلم يفوا لهم، وقذف الله ~~في قلوبهم الرعب (فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم) أن يجليهم ويكف عن ~~دعائهم على أن لهم ما PageV11P7397 # حملت الإبل من أموالهم، فصالحهم على ذلك. # قال ابن عباس: الذين نافقوا هنا هم عبد الله بن أبي وأصحابه وعدوا بني ~~النضير بالنصر والخروج معهم، وأنهم لا يطيعون فيهم أحدا أبدا، فأعلمنا الله ~~عز وجل أنهم كاذبون، وأنهم لا يقاتلون معهم، ولا يخرجون معهم، وأنهم / حتى ~~لو نصروهم لولوا الأدبار منهزمين. # {ثم لا ينصرون} أي: ثم لا ينصر الله عز وجل بني النضير على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، بل يخذلهم. # وقال أبو صالح: {لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب}، هم بنو قريظة. # وقيل معنى: {ولئن نصروهم ليولن الأدبار} أي: ولئن نصر اليهود المنفقون، ~~ومعنى لا ينصرونهم: طائعين، ولئن ms2604 نصروهم: مكرهين، ليولن الأدبار منهزمين. # وقيل معنى: لا ينصرونهم: أي: لا يدومون على نصرهم كما يقال: فلان لا يصوم ~~ولا يصلي، أي: لا يدوم على ذلك، ورفع (يخرجون وينصرون) وقبله PageV11P7398 # شرط، لأنه قسم، ولا يعمل الشرط في القسم، ولا في جوابه، لكنه سد مسد جواب ~~الشرط. # قال: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} أي: لأنتم أيها المؤمنون أشد ~~رهبة في صدور اليهود بني النضير من الله سبحانه: أي: هم يرهبونكم أشد من ~~رهبتهم من الله عز وجل. # { ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} [أي: ذلك الخوف الذي حل بهم، من أجل أنهم قوم ~~لا يفقهون] قدر عظمة الله عز وجل، فهم لذلك يخافونكم أعظم من خوفهم الله ~~(عز وجهه وتعالى جده)، ولذلك ارتكبوا معاصي الله وخالفوه في نقض عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومعونتهم للمشركين بأحد. # قال تعالى: {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة}. # أي: من خوفهم منكم لا يقاتلونكم إلا في قرى قد حصنت، ولا يبرزون إليكم أو ~~يقاتلونكم إلا من وراء جدر، أي: إلا من وراء حيطان. PageV11P7399 # {بأسهم بينهم شديد} أي: عداوة بعضهم لبعض شديدة. # {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى}. # يعني: المنافقين واليهود، أي: تحسبهم يا محمد مؤتلفي الكلمة مجتمعين على ~~محبة بعضهم بعضا، وقلوبهم شتى: أي: مفترقة (ببعض بعضهم لبعض). # ثم قال: {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} أي: ذلك الذي وصفه الله عز وجل من أمر ~~اليهود والمنافقين من عداوة بعضهم بعضا في الباطل، من أجل أنهم قوم لا ~~يعقلون ما فيه الحظ لهم مما عليهم فيه الضرر. # وقال قتادة: لما قرأ هذه الآية: كذا أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة ~~أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة الحق. # وقال مجاهد: {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى}: هم المنافقون يخالف دينهم دين ~~اليهود. # وقال سفيان: هم المشركون وأهل الكتاب. # قال: {كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم}. PageV11P7400 # أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، " فالكاف " في موضع رفع خبر الابتداء ~~المضمر، " وقريبا " نعت لظرف محذوف. ms2605 والتقدير: وقتا قريبا ذاقوا عاقبة ~~كفرهم وعصيانهم، وكذا التقدير في الكاف من قوله: {كمثل الشيطان} والمعنى: ~~أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا أن مثل هؤلاء اليهود والمنفقين فيما الله عز ~~وجل صانع بهم من إحلال عقوبته [بهم] كمثل فعله بالذين من قبلهم يعني [به] ~~بني قينقاع (أمكن الله عز وجل منهم) قبل بني النضير، قاله ابن عباس. # وقال مجاهد: عنى به كفار قريش يوم بدر. # وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني النضير. # ومعنى: {ذاقوا وبال أمرهم} أي: نالهم عقاب الله عز وجل على كفرهم به، " ~~والوبال ": ثقل المكروه، ومنه: " طعام وبيل ": أي: ثقيل وخم. PageV11P7401 # ثم قال: {ولهم عذاب أليم} أي: مؤلم، يعني موجعا في الآخرة، يعني المنفقين ~~وإخوانهم من يهود بني النضير وغيرهم ممن عصى الله عز وجل وخادعه سبحانه. # قوله: {كمثل الشيطان}. # قد ذكرنا الكاف في {كمثل الذين من قبلهم} والمعنى: مثل هؤلاء المنافقين ~~في وعدهم اليهود بالنصر، وإخلافهم إياهم وتبريهم منهم لما أجلوا من ديارهم، ~~كمثل الشيطان الذي غر الإنسان ووعده على كفره النصر ثم تبرأ منه لما كفر ~~وأسلمه. # روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " إن راهبا تعبد ستين سنة وأن الشيطان ~~أراده وأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها ولها إخوة، فقال لإخوتها عليكم بهذا ~~القس فيداويها، قال فجاءوا به إليها فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوما ~~عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال ~~الشيطان للراهب أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فأطعني أنجك مما ~~صنعت بك، أسجد لي سجدة، PageV11P7402 # فسجد [له]، فلما سجد له / قال: {إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين}. # / وعن ابن مسعود أنه قال: كانت امراة ترعى غنما، كان لها أربعة إخوة، ~~وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه ~~الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يقبل قولك، فقتلها ثم ~~دفنها. قال: فأتى الشيطان إخواتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب ~~الصومعة فجر ms2606 بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما ~~أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم ~~أترك، فقالوا: لا بل قصها علينا، فقصها، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ~~ذلك، وقال الآخر مثل ذلك، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا ~~فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فقالوا: والله ما هذا إلا لشيء. فانطلقوا ~~فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به، فلقيه ~~الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن PageV11P7403 # ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد ~~له. فلما أتوا ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل. # وقول الشيطان: {إني أخاف الله (رب العالمين)} إنما هو على طريق التبرؤ من ~~الإنسان، لأنه لا يخاف الله على الحقيقة، لأنه لو خافه ما عصاه، ولو خافه ~~لكان ذلك مدحا له. # وعن ابن عباس: أن راهبا من بني إسرائيل تعبد فأحسن عبادته، وكان يؤتى من ~~كل أرض فيسأل عن الفقه، وكان عالما، وأن ثلاثة أخوة كانت لهم أخت حسنة من ~~أحسن النساء، وأنهم أرادوا سفرا، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا ~~يأتمرون ما يفعلون بها، فقال أحدهم أنا أدلكم على من تتركونها عنده، قالوا ~~من هو، قال راهب بني إسرائيل إن ماتت قام عليها وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا ~~إليها، فعمدوا إليه، فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحدا أوثق منك في ~~أنفسنا، ولا أحفظ لها ولي منك ولما جعل عندك فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك، ~~فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليهم، وإن عاشت فأصلح إليها حتى ~~نرجع. PageV11P7404 # فقال: أكفيكم إن شاء الله، فانطلقوا وقام عليها فداواها حتى برئت وعاد ~~إليها حسنها، فأطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن ~~يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت ثم قدمه الشيطان، فزين له قتلها وقال: إن ~~لم تقتلها افتضحت وعرف شبيهك في الولد، فلم تكن لك معذرة فلم يزل به حتى ~~قتلها. فلما ms2607 قدم إخوتها قالوا له: ما فعلت فلانة قال ماتت فدفنتها قالوا ~~أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت ~~شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه ~~فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زينت لك الزنا (وقتلها بعد الزنى)، فهل لك أن ~~أنجيك، قال: نعم (قال: أفتطيعني؟ قال: نعم) قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد ~~له ثم قتل. # وقال مجاهد: الإنسان هنا عنى به الإنسان كلهم في غرور الشيطان إياهم ~~وتبريه منهم، كما غر المنافقون اليهود ووعدوهم بالنصر، ثم (تبرءوا) منهم ~~وأسلموهم. PageV11P7405 # قال تعالى /: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد}. # أي اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولينظر أحدكم ما قدم لمماته من ~~العمل الصالح والعمل السيء. # قال قتادة: ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعله كغد، فغد يوم القيامة. # وقاله الضحاك وابن زيد وقالا: الأمس الدنيا، وغدا الآخرة. # ثم قال: {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} أي وخافوه بإداء فرائضه ~~واجتناب معاصيه، إنه خبر بجميع أعمالكم، فيجازيكم عليها، وكرر هذا اللفظ ~~للتأكيد. # قال: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله} أي تتركوا أمره ونهيه، فتعدوا حدوده. # {فأنساهم أنفسهم} أي أنساهم حظوظ أنفسهم / من عمل الخيرات، فعلى هذا ~~القول الأول يكون النسيان الأول من الترك، والثاني من النسيان المعروف، ~~وقيل مما من الترك، والمعنى تركوا أمر الله فتركه ثوابهم، وهو عند بعض أهل ~~اللغة غلط، لا يقال أنسي عن الترك، وإنما يصح مثل هذا في قوله {نسوا الله ~~فنسيهم} [التوبة: 67]. # وقيل معنى فأنساهم (وجدهم كذلك)، كما يقال أحمدته، فيكون " أنفسهم " PageV11P7406 # على هذا تأكيدا، وعلى قول الأول مفعولا به. # ثم قال {أولئك هم الفاسقون} أي الخارجون عن طاعة الله ( عز وجل) . # قال {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} أي لا يعتدلون في الجزاء وفي ~~النعيم. # {أصحاب الجنة هم الفآئزون} أي الناجون مما حذروا. # {فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها} أي: فكانت عقبى الشيطان ~~والإنسان: الخلود في نار جهنم. # {وذلك ms2608 جزآء الظالمين} أي: فالخلود في النار جزاء الظالمين المنافقين ~~واليهود [من] بني النضير ومن كان مثلهم. # والنصب في " خالدين " والرفع سواء عند سيبويه، لا يغلب النصب على الرفع ~~لأجل تكرير الظرف. # ومذهب الفراء أن النصب أحسن، لئلا يلغى الظرف مرتين. # وألزم سيبويه من اعتل بتكرير الظرف أن يجيز النصب في قوله " عليك زيد ~~حريص عليك " فينصب حريص لتكرير الظرف، وهذا لا يجوز. / PageV11P7407 # قال: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}. # أي: لو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على جبل وهو حجر أصم لرأيته يا محمد ~~على قساوته وشدته متذللا متضرعا حذرا من الآ يؤدي حق الله عز وجل المفترض ~~عليه، وقد ا، زل على ابن آدم ومعه فهم وإدراك وهو مستخف بحقه لاه عما فيه. # قال / قتادة: فعذر الله عز وجل الجبل الأصم ولم يعذر أشقياء بني آدم، فهل ~~رأيتم أحدا تصدعت جوارحه من خشية الله سبحانه. # وقيل: المعنى: لو أنزلنا هذا القرآن (على جبل) على عظمته وشدته وجعلنا ~~فيه ما يميز: لذل وخضع. # ثم قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} أي: نمثل لهم لعلهم ~~يتفركون فيها فيعتبروا ويزدجروا. # قال: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} أي: (الذي يتصدع PageV11P7408 # الحبل له ويذل من خشيته) وهو الله الذي لا معبود تجب له العبادة غيره، ~~يعلم السر والجهر وما غاب وما ظهر، وهو الرحمن الرحيم. # قال: {هو الله الذي لا إله إلا هو} أي: لا معبود بحق غيره. # {الملك القدوس} أي: الذي لا ملك فوقه، والقدوس في قول قتادة: المبارك. # وقيل: {القدوس} القدوس: المطهر مما نسبه إليه المشركون (والقدس: الطهر). # والأرض المقدسة: المطهرة. # وقرأ أبو الدينار الأعرابي: القدوس بفتح القاف كسمور وشبوط. # وقوله: {السلام} أي: ذو السلامة من جميع الآفات. PageV11P7409 # وقوله: {المؤمن} أي: الذي أمن عباده من جوره. # وقيل: معناه: اليذ يصدق عباده المؤمنين إذا شهدوا على الناس. # وقوله: {المهيمن} قال ابن عباس: هو الأمين، وعنه: الشهيد. # وقال أبو عبيدة: الرقيب ms2609 الحفيظ. # وقال المبرد: أصله المؤيمن ثم أبدل من الهمزة هاء. # وقله: {العزيز الجبار} أي: ذو العزة والمنع، الذي يجبر خلقه على ما يشاء ~~من " أجبر "، وهذا قول مردود، لأن " فعالا " لا يكون من " أفعل " ولكنه من ~~" جبر الله خلقه: إذا نعشهم ". # وقيل: هو من جبرت العظم: فجبر. PageV11P7410 # وقيل: هو من من تجبر النخل: إذا علا وفات اليد. # وقوله: {المتكبر} معناه العلي فوق خلقه. # وقال قتادة: المتكبر: تكبر عن كل سوء. # وقوله: {سبحان الله عما يشركون} أي: تنزيها / له، وبراءة مما يقول ~~المشركون. # قال: {هو الله الخالق البارىء} أي: هو الله الذي خلق الخلق، وبرأهم ~~فأوجدهم. {المصور} أي: الذي صورهم في الأرحام كيف يشاء. # وقيل: معنى خلق الخلق: قدره وبرأهم: سواهم وعدلهم، وصورهم بعد ذلك. # ثم قال: {له الأسمآء الحسنى} وهي تسعة وتسعون اسما قد اختلف الناس فيها. # ثم قال: {يسبح له ما في السماوات والأرض} أي: يصلي ويسجد له طوعا وكرها ~~كل ما في السماوات والأرض من الخلق. # {وهو العزيز الحكيم} أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره ~~خلقه، وقيل حكيم بمعنى حاكم، وقيل بمعنى محكم. PageV11P7411 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الممتحنة مدنية # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم} الآية. # أي: يأيها الذين صدقوا محمدا وما جاء به لا توالوا المشركين ولا تناصحوهم ~~ولا تودوهم، يعني أهل مكة (وهم من) كفروا بما جاءكم من الحق، يعني القرآن. # {يخرجون الرسول وإياكم} يعني: من مكة من أجل إن آمنتم بالله ربكم. # {إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي} أي: إن كنتم على صحة ~~ويقين اعتقاد أنكم خرجتم جهادا مجاهدين في الله عز وجل، وابتغاء مرضاته ~~سبحانه فلا تودوا المشركين وتناصحوهم وتسرون إليهم بالمودة. # {وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم} أي: بسركم وعلانيتكم في مناصحتكم PageV11P7413 # وصحبتكم لهم وغير ذلك. # {ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل} أي: ومن يودهم وينصحهم فقد جار عن ~~قصد الطريق المستقيم. # والباء في " بالمودة " زائدة عند الفراء، وهي متعلقة بالمصدر عند ~~البصريين. # ويروى ms2610 أن هذه الآية [نزلت] في شأن حاطب بن أبي بلتعة كان قد كتب إلى ~~مشركي مكة يطلعهم على أمر النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه إليهم. # قال علي رضي الله عنه: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير ~~والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه ~~منها، قال فانطلقنا نتعادى PageV11P7414 # حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب، قالت ما معي ~~كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، وقال علي لها: والله ما كذب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من مكة يخبرهم ~~ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله لا تعجل علي أني كنت أمرا ملحقا إلى قريش ~~ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم، ~~فأحببت إذا فاتني ذلك النسب أن أتخذ عندهم يدا يحمونني بها في قرابتي ولم ~~أرد ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أما أنه قد صدقكم، فقال عمر، دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا ~~المنافق. فقال: أما أنه شهد بدرا، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، قال ~~سفيان: # فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء} ~~إلى قوله: PageV11P7415 # {سوآء السبيل} ". # ومعنى: {ومن يفعله منكم} أي: في المستقبل، وقد ذكر معنى هذا الحديث عروة ~~بن الزبير وابن عباس وقتادة ومجاهد (أن مجاهدا قال: نزلت) في ابن بلتعة ~~وقوم معه كتبوا إلى أهل مكة يحذرونهم. # ويروى: أنه كان في كتابه / إلى أهل مكة أن [رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يريد غزوكم مثل الليل والسيل وأقسم بالله] لو غزاكم وحده لنصره الله عليكم ~~فكيف وهو في جمع كثير. # ويروى: " أنه خاطب أهل ms2611 مكة يخبرهم بقصد النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما حملك على هذا، فقال: والله يا رسول ~~الله ما نافقت منذ أسلمت، ولكن لي بمكة أهل مستضعفون ليس لهم من يعرفهم ~~ويذب عنهم، فكتبت كتابي هذا أتقرب به من قلوبهم وأنا أعلم أنه لا ينفعهم ~~وأن الله بالغ أمره، فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه، PageV11P7416 # وأراد عمر ضرب عنقه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يدريك يا عمر ~~لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". # قال أبو حاتم: ليس من أولها وقف تام إلى {ومآ أعلنتم}. # وقال محمد بن عيسى: {أوليآء} وقف، وقال غيره: إن جعلت {تلقون} نعتا " ~~لأولياء " لم تقف على " أولياء " وإن جعلته مبتدأ وقفت على " أولياء ". # وقال القتبي: {بالمودة}: التمام. # [قال يعقوب]: و {وإياكم} وقف كاف. # وقال أبو حاتم: هو وقف بيان. # قال القتبي: هو تمام، ولا يصح هذا لأن " وإن تؤمنوا " معمولة PageV11P7417 # " ليخرجون ". # ثم قال: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء} أي: أن يصادفكم هؤلاء الذين تودون ~~إليهم بالمودة / يكونوا لكم حربا، ويبسطوا إليكم أيديهم بالقتل وألسنتهم ~~بالشتم، وودوا لو تكفرون فتصيرون مثلهم. # قال: {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} أي: لن تنفعكم عند الله يوم ~~القيامة أقرباؤكم ولا أولادكم الذين من أجلهم ناصحتم المشركين، وكتبتم ~~إليهم بالمودة فيكون العامل في الظرف: ينفعكم. # وقيل: / العامل فيه " يفصل بينكم " ومعنى يفصل بينكم؛ أي: يدخلكم الجنة ~~ويدخل الكفار النار. # ثم قال: {والله بما تعملون بصير} أي: ذو علم وبصر بجميع أعمالكم، وهو ~~مجازيكم عليه فاتقوا الله في أنفسكم. # ثم قال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم} ~~الآية. # أي: قد كانت لكم أيها المؤمنون قدوة حسنة تقتدون بها في إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم PageV11P7418 # خليل الرحمن عز وجل والذين معه. # قال ابن زيد هم الأنبياء إذ قالوا لقومهم يعني الكفار: {إنا برءآؤا منكم} ~~أي: متبرئون منكم ومما تعبدون من ms2612 دون الله من الأصنام. # {كفرنا بكم} أي: أنكرنا ما أنتم عليه من الكفر. # {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا} أي: وظهرت بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء على كفركم أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده فتفرده بالعبادة. # ثم قال: {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن} أي: قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~هؤلاء المذكورين إلا في قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك فإنه لا أسوة لكم في ~~ذلك، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له ~~أنه عدو الله، وذلك أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن، فكان إبراهيم يدعو ~~له ويقول: اللهم اهد أبي، فلما مات على الكفر تبرأ منه وهو قوله: {فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] وكذلك أنتم أيها المؤمنون يجب ~~لكم أن تتبرءوا من أعداء الله المشركين به ولا تتخذوهم أولياء حتى يؤمنوا. # قال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا لآبائهم ~~المشركين، وهو معنى قول قتادة ومعمر وابن زيد. PageV11P7419 # وقوله: {إلا قول إبراهيم لأبيه} استثناء ليس من الأول. # ثم قال: {ومآ أملك لك من الله من شيء} [أي: ما أدفع عنك عقوبة الله لك ~~على كفرك، ثم قال:] # {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير}. # أي: عليك توكلنا في جميع أمورنا، وإليك رجعنا وتبنا مما تكره إلى ما تحب ~~وترضى. # {وإليك المصير} أي: مصيرنا يوم القيامة. # قال: {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} هذا كله حكاية عن قول إبراهيم ~~عليه السلام، أي: لا تعذبنا بأيدي الكافرين، ولا بعذاب من عندك فيفتتن ~~الكفار ويقولون: لو كانوا على حق ما أصابهم هذا. # قال قتادة: معناه لا تظهر الكفار علينا فيفتتنوا بذلك. # وقال ابن عباس: معناه: لا تسلطهم علينا فيفتتنوا. # {واغفر لنا ربنآ} أي: أستر علينا ذنوبنا بعفوك عنها. # {إنك أنت العزيز الحكيم} أي: أنت الشديد الانتقام من أعدائك، الحكيم في ~~تدبيرك خلقك. PageV11P7420 # ثم قال: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة} أي: قدوة. # ثم قال تعالى: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} أي: ms2613 القدوة بإبراهيم ومن ~~معه إنما هي لمن آمن بالله ورجا ثوابه، وخاف عقابه، وآمن باليوم الآخر فهو ~~بدل بإعادة الجار. # ثم قال: {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} أي: ومن يتول عن الاقتادء ~~بإبراهيم والأنبياء معه (صلى الله عليهم وسلم) فيخالف سيرتهم وفعلهم فإن ~~الله هو الغني عن اقتدائه بهم، الحميد عند أهل المعرفة به. # قال: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة}. # [أي]: عسى الله أن يوفق من عاديتم فيه عن المشركين إلى الإيمان فتعود ~~العداوة (مودة) ففعل ذلك سبحانه. # و {عسى} من الله: واجبة، فأسلم كثير منهم، وصاروا إخوانا لمن كان ~~يعاديهم، وكانت المودة بعد الفتح وقبله. # (وروي: أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في أبي سفيان، ~~جعل بينه وبين أبي سفيان مودة بأن تزوج ابنته أم حبيبة، بعد العداوة التي ~~كانت بينهما وقبله). # قال ابن عباس: كانت المودة بعد الفتح، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم ~~حبيبة. / # {والله قدير} أي: ذو قدرة على ما يشاء. PageV11P7421 # {والله غفور رحيم} أي: ذو ستر على ذنوب من أناب وآمن وذو رحمة بهم أن ~~يعذبهم على ذنوبهم بعد أيمانهم وتوبتهم منها. # قال: {لا ينهاكم / الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم. . .} ~~الآية. # قيل: أن هذه الآية إنما هي في الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا، سمح الله عز ~~وجل للمؤمنين بالمدينة أن يبروهم ويحسنوا إليهم، فهي مخصوصة محكمة قاله ~~مجاهد. وقيل هي منسوخة بآية السيف، قاله قتادة وابن زيد. # وقيل: هي مخصوصة في حلفاء بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد من ~~المشركين لم ينقضوه، وهم خزاعة، قاله أبو صالح. # وقال الحسن: خزاعة وبنو عبد الحارث بن عبد مناف، فسمح لهم أن يبروهم ~~ويحسنوا إليهم، ويفوا لهم بالعهد. # وقيل: الآية عامة محكمة في كل من بينك وبينه قرابة، جائز بره والإحسان ~~إليه إذا لم يكن في ذلك ضرر على المسلمين وإن كان مشركا، ولا يجب قتال من ~~لم يقاتلك PageV11P7422 # من ms2614 الكفار حتى تدعوه إلى الإسلام فإن أبى فاقتله. # ثم قال: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} الآية: إنما ~~ينهاكم الله عن مودة من قاتلكم في الدين، وأخرجك من بيته في الدين، يعني ~~بذلك كفار أهل مكة، قال مجاهد. # قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات} (من دار الحرب) ~~{فامتحنوهن الله}. # أي: إذا جاءكم النساء مهاجرات من دار الحرب فامتحنوهن، وكانت محنة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لهن أن يحلفن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت ~~رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس الدنيا، وبالله ما خرجت (إلا ~~حبا لله ولرسوله). / # وعن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يمتحنهن ~~بآخر السورة. # قوله: {على أن لا يشركن بالله شيئا} إلى قوله: {معروف} ". PageV11P7423 # قالت: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وإذا لقررن بذلك قال ~~لهن النبي صلى الله عليه وسلم إنطلقن فقد بايعتكن، قالت ولا والله ما مست ~~يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام، ~~قالت فما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء إلا ما أمره الله ~~به. # وعن ابن عباس: أن المحنة كانت أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~(رسول الله). # وقال مجاهد: {فامتحنوهن}: سلوهن ما جاء بهن، فإن كان جاء بهن غضب على ~~أزواجهن [أو سخط أو غيره، ولم يؤمن، فارجعوهن إلى أزواجهن]. # قال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجهن النشوز وما أخرجهن ~~إلا حب الإسلام (وأهله والحرص عليه)، فإن أقررن بذلك قبل منهن. PageV11P7424 # وقال عكرمة: يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل ~~منا، ولا فرار من زوجك، فذلك المحنة. # وروى ابن وهب عن رجاله أن قوله: " إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنهن ~~". # نزلت في امرأة حسان بن الدحداحة وهي أميمة بنت بشر امرأة من بني عمور ابن ~~عوف، وأن سهل بن حنيف ms2615 تزوجها حين فرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فولدت له عبد الله بن سهل، وأن قوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} نزل ~~في امرأة لعمر بن الخطاب تركها بمكة كافرة ولم يطلقها حتى نزلت هذه الآية ~~فطلقها عمر فخلف عليها معاوية. # وقوله: {الله أعلم بإيمانهن} أي: أعلم بمن جاء للإيمان ممن جاء لغير ذلك. # ثم قال: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} أي: إن أقررن ~~بالمحنة بما عقد عليه الإيمان فلا تردوهن إلى الكفار /، وإنما قيل ذلك ~~للمؤمنين، لأن العهد كان بينهم وبين مشركي مكة إذ صد النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن البيت في صلح الحديبية أن يرد PageV11P7425 # المسلمون إلى المشركين من جاء منهم إلى المسلمين مسلما، فأبطل الله عز ~~وجل ذلك الشرط في النساء غذا جئن مؤمنات ونسخه، وأمرهم ألا يردوا من جاء من ~~النساء مؤمنة، وهذا من نسخ القرآن للسنة. # وقوله: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} أي: لا تحل المسلمة للكافر ولا ~~الكافر للمسلمة. # ثم قال: {وآتوهم مآ أنفقوا} [أي وأعطوا المشركين الذين جاءكم نساؤهم ~~مؤمنات ما أنفقوا] على النساء في الصداق، قاله قتادة ومجاهد وغيرهما. # ثم قال: {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن} أي: لا حرج ~~عليكم أيها المؤمنون أن تنكحوا من جاءكم من المؤمنات المهاجرات إذا ~~أعطيتموهن مهورهن. # وكان الزهري: يقول إنما أمر الله جل ذكره برد صدقاتهن إليهن إذا (حبسن ~~عنهم) إذا هم ردوا على المسلمين من حبس عنهم من / نسائهم. # وقال الشافعي: {وآتوهم مآ أنفقوا} منسوخ، واحتج من قال بهذا القول أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن (ترد عليهم) صدقات النساء المهاجرات ~~إليه، المؤمنات قد PageV11P7426 # شرط لهم رد النساء على كا حال، فأمر الله ألا يردهن إليهم غذا أتين ~~مؤمنات، وجعل رد الصداق عوضا من ردهن [ليتم] العهد الذي بينه وبين قريش، ~~فإذا لم يكن عهد مثل ذلك في الرد وأتت امرأة من عند المعاهدين مؤمنة / لم ~~يلزم أن يرد عليهم صداقها، ms2616 فإن كان العهد مثل عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~لقريش، لم يلزم أيضا أن يرد عليهم صداقها، لأن الشرط في النساء قد أبطله ~~الله، فهو منسوخ باطل ولا عوض للباطل، مع أنه لا يجوز أن يشترط / إمام في ~~العهد رد النساء بحكم الله، وإذا لم يشترط ذلك فلم يلزم رد الصداق، لأن ~~الصداق إنما كان عوضا عن شرط قد وقع، ثم نزل القرآن بعده فنسخه، فإذا لم ~~يجز عقد ذلك الشرط لم يجز العوض منه، فهو كله منسوخ بحكم الله عز وجل في ~~منع رد النساء المؤمنات إليهم. # ومذهب مالك أن الصلح على رد الرجال إليهم جائز. # ومذهب الكوفيين أنه منسوخ ولا يجوز. # ثم قال: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} أي: لا تمسكوا بعقد نكاح الكوافر من ~~غير أهل الكتاب، فهي مخصوصة. # وقيل هو عام نسخ منه أهل الكتاب بقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب} [المائدة: 5]. PageV11P7427 # ولما نزلت هذه الآية طلق المؤمنون كل امرأة مشركة لهم في مكة، منهم عمر ~~وغيره. # ثم قال: {واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا} هذا خطاب للمؤمنين الذين ~~ذهب نساؤهم إلى المشركين (فأمرهم الله أن يطلبوا صدقات نسائهم من المشركين ~~ويدفعوا إلى المشركين صدقات من جاء من النساء مؤمنات، يعني من تزوج منهن في ~~مكة أو في المدينة، فإذا تزوجت المهاجرة من عند المشركين بالمدينة وجب على ~~زوجها [أن يرد الصداق على زوجها] الذي كان لها بمكة، وإذا تزوجت المرأة ~~التي تخرج إلى المشركين بمكة وجب أن يطلب زوجها المؤمن صداقها الذي دفع ~~إليها من المشركين. # قال ابن شهاب: أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل، فأدوا صدقات من تزوجوا ممن ~~جاءهم من النساء مهاجرات مؤمنات، وابى المشركون أن يقروا بحكم الله سبحانه ~~من أداء صدقات من تزوجوا من النساء اللواتي فررن إليهم من عند المسلمين، ~~هذا معنى قوله. # وهذا حكم أطله الله عز وجل المؤمنين / عليه ولم يأمر به الكفار لأنهم لا ~~يأتمرون PageV11P7428 # (بهذا وهو مثل قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل ms2617 لهم} ~~[المائدة: 5] فهو حكم أطلع الله عز وجل المؤمنين عليه) وإن كان الذين أوتوا ~~الكتاب لا يأتمرون بذلك ولا يحلون لأنفسهم طعام المؤمنين. # ثم قال تعالى: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} أي: هذا الذي حكمته بينكم هو ~~حكم الله عز وجل فيكم وفيهم، فاتبع المؤمنون الحكم وامتنع منه المشركون، ~~وطالبوا النبي وأصحابه برد النساء على ما عقد عليه العهد فلما امتنع ~~المشركون من رد صدقات نساء المؤمنين أنزل الله جل ذكره. # {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل مآ أنفقوا}. # هذا قول الزهري، فأمرهم الله عز وجل إذا غنموا من المشركين غنيمة، وصارت ~~لهم على المشركين عقبى خير، أن يدفعوا إلى من ذهبت امرأته إلى المشركين ~~صداقه الذي كان دفع إليها من الغنيمة إذ امتنع المشركون من رد الصداق. # وقال مجاهد وقتادة: هذا إنما هو فيمن فر من نساء المؤمنين إلى الكفار ~~الذين PageV11P7429 # ليس بينهم وبين المؤمنين عهد ولا صلح. # ومعنى: {فعاقبتم} أي: فأصبتم عقبى خير من غنيمة. # وقال الأعمش: هي منسوخة. # وقيل: معناه: أن الله عز وجل أمر المؤمنين أن يعطوا لمن ذهبت زوجته إلى ~~المشركين من صدقات المهاجرات إليهم من عند المشركين، فإن بقي في أيدي ~~المؤمنين فضل من الصدقات ردوه إلى المشركين، هذا كله معنى قول الزهري. # وقال غيره: إنما أمروا أن يدفعوا إلى من ذهبت زوجته إلى المشركين من ~~غنيمة وفيء إذا افتتح عليهم به، وهو قول (مجاهد وقتادة). وأكثر العلماء / ~~على أن هذا الحكم منسوخ، لأنه إنما كان مخصوصا في ذلك العهد بعينه. # قال الزهري: انقطع هذا يوم الفتح. # وقال قتادة: نسخ الله عز وجل هذا في سورة براءة. / # وقال الثوري: لا يعمل به اليوم. PageV11P7430 # وعن عائشة رضي الله عنها: أن هذه الآية {واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ ~~أنفقوا} لما نزلت كتب المسلمون إلى المشركين أن الله عز وجل قد حكم بكذا ~~وكذا ونصوا الآية، فكتب إليهم المشركون: أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا، ~~فإن كان لنا عندكم ms2618 شيء فوجهوا به، فأنزل الله: " وإن فاتكم شيء. . . الآية. # قال: # {يا أيها النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ~~ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن} الآية. أمر الله نبيه عليه السلام أن يقبل ~~من جاءه من المهاجرات من عند المشركين إذا أقررن بأنهن لا يشركن بالله ولا ~~يسرقن ولا يزنين. # وقوله: {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} معنى: بين أيديهن: ~~ما كان من قبله حرام أو حبسة أو أكل حرام. # ومعنى: بين أرجلهن: الجماع ونحوه من حرام. # وقيل: بين أيديهن: يعني ألسنتهن وأرجلهن: فروجهن. # وقيل معناه: ولا يلحقن بأزواجهن ولدا من غيرهم. # {ولا يعصينك في معروف} أي: يطعنك فيما تأمرهن به. PageV11P7431 # وقيل هو ألا ينحن، قاله ابن عباس، وقال أنس بن مالك. # وقال زيد / بن أسلم: هو ألا يخمشن وجها، ولا يشققن جيبا، ولا يدعون ويلا، ~~ولا ينشدن شعرا. # قال قتادة: ذكر لنا " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليهن النياحة ~~وألا يحدثن الرجال إلا رجال ذوو محرم منهن ". # وروى ابن المنكدر: " أن نساء جئن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعنه ~~فقال في ما استطعتن وأطقتن، فقلن الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا ". # وهذه الشروط كلها ليست على الإلزام، إنما هي على الندب، لأن الإجماع على ~~أنه ليس على الإمام أن يشترط هذا على من أتته مؤمنة، فدل هذا على أنه على ~~الندب، وقد قيل أنه منسوخ بالإجماع. PageV11P7432 # وقوله: {واستغفر لهن الله} أي: سل الله لهن المغفرة. / # {إن الله غفور رحيم} أي: ذو ستر على ذنوب من أمن وتاب من ذنوبه وذو رحمة ~~به أن يعذبه بعد توبته. # قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} أي: لا توالوا ~~اليهود {قد يئسوا من الآخرة} قد تركوا العمل لها وآثروا الدنيا. # وقيل: معناه: قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الأحياء من أمواتهم أن ~~يرجعوا إليهم قاله ابن عباس والحسن. # (وقيل: معناه: كما يئس الكفار من الموتى من الآخرة، لذلك يئس ms2619 هؤلاء ~~اليهود من الآخرة). # وقال قتادة: معناه: قد يئس اليهود أن يبعثوا كما يئس الكفار أن يرجع ~~إليهم من مات. # وقيل: المعنى: قد يئس اليهود أن يرحمهم الله عز وجل حين رأوا النار، وظهر ~~لهم عملهم كما يئس الكفار أن يرجع إليهم من مات. PageV11P7433 # وقيل: المعنى: كما يئس الكفار الذين ماتوا أن يرحمهم الله عز وجل حين ~~عاينوا ما عملوا، فكذلك يئس هؤلاء اليهود من رحمة الله سبحانه في القيامة، ~~هذا معنى قول مجاهد وابن زيد وعكرمة. # وقيل: المعنى: كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا. " ~~فمن " على الأقوال للتعدية، وعلى هذه الأقوال لإبانة الجنس. PageV11P7434 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الصف مدنية # سورة الصف مدنية عند قتادة عند ابن عباس # قوله: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} إلى قوله: (ذلك الفوز ~~العظيم) الآيات [1 - 12]. # معناه صلى وسجد لله طائعا أو كارها ما في السماوات وما في الأرض. # {وهو العزيز الحكيم} أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه، الحكيم في تدبيره ~~خلقه. # هذا تأديب وتوبيخ للمؤمنين، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون قبل أن ~~يفرض الجهاد الجهاد لو نعلم (أحب الأعمال) إلى الله عز وجل لأتيناه ولو ~~ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا فلما كان يوم أحد PageV11P7435 # تولوا عن النبي صلى الله عيله وسلم حتى شج وكسرت رباعيته، فعذلهم الله عز ~~وجل على ذلك بهذه الآية. # قوله: {أن تقولوا ما لا تفعلون} " أن " في موضع رفع بالابتداء، كما تقول ~~نعم رجلا زيدا وفي موضع رفع على إضمار مبتدأ. # فالمعنى: لم تقولون / قولا ولا تصدقوه بالفعل، عظم المقت عند الله مقتا ~~قولكم / ما لا تفعلون. # وعن ابن عباس: أن ناسا من المؤمنين كانوا يقولون قبل فرض الجهاد لوددنا ~~أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله عز وجل نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن أحب الأعمال إليه. إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل ~~معصيته الذين لم يقروا به، فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من ms2620 المسلمين وشق ~~عليهم أمره، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. PageV11P7436 # وقال أبو صالح: قالوا لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل وأفضل، ~~فنزلت: [{يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} إلى ~~آخر السورة، فكرهوا فنزلت:] {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون}. # وقال مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا: في ~~مجلس لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناها حتى نموت، فأنزل ~~الله عز وجل فيهم هذا، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيسا في سبيل الله ~~عز وجل حتى أموت فقتل شهيدا رحمه الله. PageV11P7437 # وقال قتادة: بلغني أنها نزلت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت ولم ~~يكن فعل، فوعظهم الله عز وجل في ذلك أشد موعظة، وهو قول الضحاك. # وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم ~~كاذبون. فيكون التقدير على هذا القول: يأيها الذين حكم لهم بحكم الإيمان. # قال: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان} المحبة من ~~الله عز وجل قبول الأعمال، والإثابة عليه، أي: إن الله يقبل عمل الذين ~~يقاتلون أعداءه على الدخول في دينه مصطفين كأنهم بنيان مرصوص، كأنهم في ~~اصطفافهم حيطان مبنية / قد رص بناؤها وأحكم في استوائه. # وقيل: {مرصوص}: بني بالرصاص. # قال قتادة: لا يحب صاحب البنيان أن يختلف بناؤه، كذلك تعالى ذكره لا ~~يختلف أمره. PageV11P7438 # قال ابن زيد: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بأعمالهم، والأولون قوم لم يصدقوا ~~قولهم بأعمالهم، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه وتخلفوا. # وقيل: أن الآية تدل على أن القتال راجلا أحب إليه من القتال فارسا. # قال: {وإذ قال موسى لقومه ياقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله ~~إليكم}. # واذكر يا محمد إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون حقا أني ~~رسول الله إليكم. # {فلما زاغوا} أي: عدلوا عن الحق، وجاروا عن الهدى، أزاغ ms2621 الله قلوبهم؛ أي: ~~أمالها عن الحق، وقيل عن الثواب. # وقال أبو أمامة: هم الخوارج. # وعن سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية. # ثم قال: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} (أي: لا يوفق للصواب) من خرج عن ~~الإيمان إلى الكفر. # قال: {وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم}. PageV11P7439 # أي: واذكر يا محمد إذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله ~~إليكم {مصدقا لما بين يدي من التوراة} أي: لما نزل قبلي من التوراة على ~~موسى ومبشرا لكم (برسول من الله) إليكم يأتي من بعدي اسمه أحمد. # ثم قال: {فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} أي: فلما جاء أحمد ~~لبني إسرائيل بالعلامات الظاهرات الدالات على نبوته، قالوا هذا الذي جئتنا ~~به سحر ظاهر، ومن قرأ " ساحر " فمعناه: قالوا هذا الذي جاءنا هو ساحر بين. # قال: {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب} أي: لا أحد أظلم ممن اخترق على ~~الله سبحانه الكذب، وهو قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ساحر وشاعر إذ ~~دعاهم إلى الإسلام، يقولون له ذلك حين دعاهم إلى الدخول في الإسلام. # ثم قال: {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي: لا يوفقهم إلى الهدى. # قال: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم} أي: يريد هؤلاء القائلون بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام ساحر وشاعر ليبطلوا الحق الذي ~~جاءهم به من عند الله عز وجل بقولهم إنه ساحر وأن ما جاء به سحر. / PageV11P7440 # ثم قال: {والله متم نوره} أي: معل دينه على سائر الأديان، ومظهر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على من عاداه، وعنى بالنور هنا الإسلام، ولو كره ذلك ~~الكافرون بالله سبحانه فلا بد له من إمضاء مراده في إعلاء كلمته. # قال: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} أي: الله الذي أرسل محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بالهدى، وهو بيان الحق ودين الحق، وهو دين الله عز وجل ~~يعني به الإسلام. # {ليظهره على الدين كله} أي: ليظهر دينه وهو الإسلام على ms2622 الأديان كلها ~~ويعليه، وذلك فيما روي عند نزول عيسى / صلى الله عليه وسلم تصير الملة ~~واحدة، فلا يكون دين غير دين الإسلام. # روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: {ليظهره على الدين كله} هو خروج ~~عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم. # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، قالت: فقلت يا رسول الله إن ~~كنت لأظن حين أنزل الله عز وجل PageV11P7441 # {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} أن: ذلك ~~سيكون تاما، فقال أنه سيكون ذلك ما شاء الله ثم يبعث الله عز وجل ريحا طيبة ~~فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، ~~فيرجعون إلى دين آبائهم ". # أي: ينجيكم قبولها والعمل بها من عذاب مؤلم، أي: موجع، ثم بين التجارة ما ~~هي، فقال: # {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} أي: ~~تدومون على الإيمان بالله ورسوله، وتجاهدون أعداء الله بأموالكم وأنفسكم. # ويروى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لوددنا أن نجد عملا ~~نعمله يدخلنا الله به الجنة، فنزلت الآية. # ثم قال: {ذلكم / خير لكم إن كنتم تعلمون} أي: قبول ذلك وفعله خير لكم ~~عاقبة إن كنتم تعلمون حسن العاقبة من سوئها. # قال: {يغفر لكم ذنوبكم} جزم " يغفر " لأنه جواب لتؤمنوا بالله لأنه بمعنى ~~الإلزام كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم يغفر لكم ذنوبكم، أي: يسترها عليكم فلا يعاقبكم عليها. PageV11P7442 # وفي حرف عبد الله: {آمنوا} على الأمر. # وقال الفراء: / {يغفر لكم} جواب الاستفهام في قوله: " هل أدلكم " وهو ~~خطأ، لأنه ليس بالدلالة تجب المغفرة، إنما تجب بالقبول والعمل. # وقد قال علي بن سليمان: " تؤمنون " عطف بيان على " تجارة ". # وقيل: هو مبين عن تجارة، كعطف البيان في الأسماء التي تشبه البدل وهذا ~~قول حسن، فيكون " يغفر " جوابا بالاستفهام (كأنه قال: " بدل تؤمنون ms2623 "). # وتجاهدون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. # {ومساكن طيبة في جنات عدن} أي: في بساتين إقامة أبدا. # {ذلك الفوز العظيم} أي: ذلك الذي تقدم وصفه لمن آمن وجاهد هو النجاح ~~العظيم خطره. # قوله: {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب} إلى اخر السورة الايات PageV11P7443 # [13 - 14]، أي: وهل أدلكم على خلة أخرى تحبونها هي نصر من الله لكم على ~~أعدائكم، وفتح لكم قريب، " فأحرى " في موضع خفض عطفا على " تجارة " عند ~~الأخفش. # وقال الفراء: هي في موضع رفع، والتقدير: ولكم خلة أخرى، وهو اختيار ~~الطبري لأجل رفع " نصر " و " فتح " على البدل من " أخرى "، فيكون المعنى ~~على قول الفراء أنه وعدهم على إيمانهم وجهادهم بخلتين: واحدة في الآخرة وهي ~~غفران الذنوب ودخول الجنات والمساكن الطيبات في جنات عدن، والأخرى في ~~الدنيا، وهي النصر والفتح والغنيمة، فتقف على مذهب الأخفش على {تحبونها} ~~وتبتدئ {نصر من الله}، أي: هو نصر، ولا تقف على قول الفراء، لأن (نصرا بدل) ~~من " أخرى ". # ثم قال: {وبشر المؤمنين} أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر من الله لهم ~~وفتح عاجل. PageV11P7444 # ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله} أي: لأنبيائه ولأوليائه ~~ولدينه، ومن أضاف " أنصارا " إلى الله احتج بقوله: " نحن أنصار الله " وهو ~~اختيار أبي عبيد. فرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه. # وفي حرف عبد الله: " أنتم أنصار الله " بالإضافة والإيجاب، وأيضا فإنه ~~جمع مكسر، وليس مثل ضاربين فيعمل وينون، فكانت إضافته أولى، ومن لم يضف قال ~~بينهما فرق، لأن الأول يراد به الاستقبال فهو مشابه لاسم الفاعل. # وحقه إذا أريد به الاستقبال التنوين، والثاني أمر قد كان، فلذلك أجمع فيه ~~على إضافته. # وقوله: {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله} الكاف من " ~~كما " في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير كونوا كونا [كما]. # وقيل: هي نعت للأنصار، أي: كونوا أنصارا مثل أنصار عيسى. # قال قتادة: كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه. # ذكر لنا أنه ms2624 " بايع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة اثنان وسبعين ~~رجلا من الأنصار، وذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون على ما تبايعون هذا ~~الرجل، إنكم تبايعونه على محاربة PageV11P7445 # العرب كلها ويسلمون، وذكر لنا أن بعضهم قال يا نبي الله اشترط لربك ~~ولنفسك / ما شئت، فقال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط ~~لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم قالوا فإذا فعلنا ذلك فما ~~لنا يا نبي الله، قال لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، ففعلوا، ففعل ~~الله عز وجل بهم ذلك ". # قال معمر: قال الحواريون يعني من أصحاب محمد، نحن أنصار الله، قال كلهم ~~من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف ~~وأبو عبيدة بن الجراح وجعفر وحمزة وعثمان بن مظعون رضوان الله عليهم. # قال مجاهد: من أنصاري إلى الله: من يتبعني إلى الله. PageV11P7446 # قال ابن عباس: سموا حواريين لبياض ثيابهم. # وقال الضحاك: الحواريون هم الغسالون بالنبطية، فيكونون على هذا في قوله " ~~قال الحواريون " يعني به حواري عيسى. # قال الضحاك: هم غسالون مر بهم عيسى فآمنوا واتبعوه. # وقيل: الحواريون: صفوة الأنبياء، ومنه قيل لما يختار من صفو الدقيق ~~وخالصه: حوارى. # وقال القتبي: {من أنصاري إلى الله} أي: مع الله، وهذا عند بعض العلماء لا ~~يجوز كما لا يجوز " قمت إلى زيد " بمعنى " مع زيد " و " إلى " على بابها، ~~ومعناه: من يضم نصرته إياي إلى نصرة الله إياي، فالمعنى: قال الحواريون نحن ~~أنصار أنبياء الله على ما بعثهم به من الحق. # ثم قال تعالى: {فآمنت طآئفة من بني إسرائيل وكفرت طآئفة} يعني: بعيسى. # قال ابن عباس: لما أراد الله جل ذكره أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى PageV11P7447 # أصحابه وهم اثنا عشر في بيت، فخرج إليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، ~~فقال لهم: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم ~~يلقى عليه شبهي فيقتل في مكاني ويكون معي في ms2625 درجتي، قال فقام شاب من أحدثهم ~~سنا، فقال أنا، فقال أجلس ثم أعاد عليهم /، [الثالثة]، فقال أنا قال نعم ~~أنت ذلك، فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من زاوية في البيت إلى السماء، قال ~~وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبهه، فقتلوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة ~~بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاثة فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم ~~صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفع ~~إليه وهم النسطورية، وقالت فرقة كان عبد الله ورسوله ما شاء فينا ثم رفعه ~~إليه وهم المسلمون، فتظاهرت الفرقتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام ~~طامسا حتى بعثه الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فآمنت طائفة من بني إسرائيل ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرت طائفة به. # وقيل: آمنت طائفة بعيسى صلى الله عليه وسلم وكفرت أخرى به. PageV11P7448 # ثم قال: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم} يعني: إظهار دين محمد على دين ~~الكفرة. # قال قتادة: فتفرقوا أربع فرق بعد عيسى، قالت طائفة هو الله وهم ~~اليعقوبية. وقالت طائفة منهم هو ابنه (تعالى عن ذلك وجل) وهم الإسرائيلية. # وقالت طائفة منهم: أمه الإله وهو الله وهم النسطورية، وقالت طائفة منهم: ~~وهو عبد الله ورسوله، وهم المسلمون. # ثم قال تعالى: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم} أي: قويناهم بالحجة ~~الظاهرة أن عيسى روح الله وكلمته. # قال قتادة: الفرقة المسلمة للفرق: ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام وأن ~~الله لا ينام، وأن عيسى كان يأكل وأن الله لا يأكل. # وقيل: المعنى: فقوينا الذين آمنوا من بني إسرائيل على عدوهم الذين كفروا PageV11P7449 # منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بتصديق محمد عليه السلام إياهم أن عيسى / ~~عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال خلاف ذلك. # {فأصبحوا ظاهرين} أي: فأصبحت الطائفة المؤمنة مستعلية بالحجة والبرهان ~~على الكفار. # قال النخعي: أصبحت حجة من آمن بعيسى صلى الله عليه وسلم ظاهرة بتصديق ~~محمد صلى الله عليه وسلم لهم بأن عيسى روح الله وكلمته. # وقيل: ms2626 فأصبح من آمن مع عيسى عاليا على من كفر به. # يقال: ظهرت على الحائط بمعنى: علوت عليه. PageV11P7450 ### |EDITOR| # الهداية إلى بلوغ النهاية # لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 ه # المجلد الثاني عشر # الجمعة - الناس # 1429 ه - 2008 م PageV11P7451 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الجمعة مدنية # / قوله تعالى: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض}، آخر السورة. # أي: يصلي ويسجد لله ما في السماوات السبع وما في الأض من الخلق طوعا ~~وكرها. و " يسبح " للحال. # وقوله: {الملك القدوس}. # أي: الذي له ملك كل شيء [الطاهر] من كل ما يضيفه إليه PageV12P7453 # المشركون. # {العزيز الحكيم}. # أي: الشديد في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه. # - ثم قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا (منهم)}. # أي: الله الذي بعث في العرب -[الذين] لا كتاب عندهم من عند الله - رسولا ~~منهم، يعني [محمدا] صلى الله عليه وسلم. # قال ابن زيد: " سميت أمة محمد أميين لأنه لم ينزل عليهم كتابا قبل القرآن ~~". # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نحن أمة أمية لا ~~نكتب ولا PageV12P7454 # نحسب " وذكر الحديث. # [و] إنما قيل، [للذي] لا يكتب: " أمي "، لأنه نسب إلى أمه، كأنه كما ولد. # وقيل: نسب إليها في أكثر الأحوال لا تكتب. # وقيل: إن [الأميين] إنما نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة. # - وقوله: {يتلوا عليهم آياته ويزكيهم}. PageV12P7455 # أي: يقرأ عليهم كتاب الله ويطهرهم من دنس الكفر ويمنيهم بالثواب إذا ~~قبلوا منه واتبعوه. # {ويعلمهم الكتاب}. # أي: القرآن. # {والحكمة}: التفقه في الدين. وقيل: الكتاب: القرآن وما فيه من حلال ~~وحرام. والحكمة: (السنة. قاله) قتادة. # - ثم قال تعالى: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}. # أي: وقد كان هؤلاء (الأميون) - من قبل محمد إليهم - في جور ظاهر عن قصد ~~السبيل وعن الهدى والرشاد. وتقديره [في] [الع]ربية: وما PageV12P7456 # كانوا من قبل بعث محمد إلا في ضلال (مبين)، (هذا مذهب سيبويه، وتقديره ~~عند الكوفيين). وإنهم كانوا من قبل بعث محمد لفي ضلال مبين. ms2627 # - ثم قال تعالى: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم}. # {وآخرين}: عطف على الأميين، أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم، " فهم " ~~في موضع خفض، وقيل: " هم " في موضع نصب عطف على الهاء والميم في " يعلمهم " ~~أو في: " يزكيهم "، أي: ويعلم آخرين (منهم الكتاب والحكمة، PageV12P7457 # أي: ويزكي آخرين منهم، قال مجاهد: {وآخرين منهم}) عنى به العجم لأنهم ~~أميون أيضا، وكذلك قال ابن جبير. # قال أبو هريرة: " لما نزل {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم}، قيل: يا رسول ~~الله، من هم؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بيده) على [سلمان] / ~~وقال: لو كان الدين بالثريا PageV12P7458 # لناله هذا وأصحابه ". # وعن مجاهد: " {وآخرين منهم}: هم كل من ردف الإسلام من الناس كلهم ". # وقال ابن زيد: هؤلاء كل من كان بعد النبي عليه السلام إلى يوم القيامة ~~(كل من دخل في الإسلام من العرب والحجم. # وقال الضحاك: " كل من آمن وعمل صالحا إلى يوم القيامة "). # وقال ابن عمر في أهل اليمن: " أنتم هم. PageV12P7459 # ومعنى: {لما يلحقوا بهم}. # أي: لم يحيوا بعد [وسيحيون]. # ثم قال: {وهو العزيز الحكيم}. # أي: وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه. # ثم قال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل}. # أي: هذا الذي تقدم من الخبر على إرسال محمد إلى الأميين وغيرهم هو فضل من ~~الله تفضل به عليهم، لأنه يؤتي فضله من يشاء من عباده، ولا يستحق الذم ممن ~~حرمه إياه لأنه لم يمنعه حقا هو له، ولكنه (علم) من هو له أهل PageV12P7460 # فأودعه (إياه). وعن ابن عباس أن الفضل هنا: الدين. # - ثم قال تعالى: {والله ذو الفضل}. # أي: والله ذو الفضل العظيم على جميع خلقه المحسن منهم والمسيء. # - ثم قال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها}. # أي: مثل الذين ألزموما العمل بما في التوراة فلم يقوموا به ولا وفوا بما ~~ألزموما فيها من الإيمان بمحمد وغير ذلك من فروضها. يعني بني إسرائيل ~~والنصارى. # - {كمثل الحمار يحمل أسفارا}. # أي يحمل كتبا من العلم لا ms2628 ينتفع بها ولا يعقل ما فيها، فكذلك الذين أوتوا ~~التوراة فيها بيان أمر محمد وبعثه والأمر بالإيمان به، فلم ينتفعوا بذلك ~~ولا وفوا به، فصاروا في عدم الانتفاع بذلك مثل الحمار الذي يحمل أسفارا. ~~أي: كتبا بها العلم. PageV12P7461 # والحمل في هذا من الحمالة وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر، أي ~~تحملوا العمل بما فيها فلم يفوا بذلك. ومثله: {فأبين أن يحملنها. . . ~~وحملها الإنسان} [الأحزاب: 72]. في الأحزاب، ومثله: {ولنحمل خطاياكم} ~~[العنكبوت: 12] وهو كثير. فأما قوله: {كمثل الحمار يحمل} فهو من الحمل على ~~الظهر. # قال الضحاك: " الكتاب بالنبطية يسمى سفرا ". # - ثم قال: {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله}. # (أي: بئس هذا المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) وحججه. # {والله لا يهدي القوم الظالمين}. # لا يوفقهم (إلى) الهدى عقوبة لهم بكفرهم. # - ثم قال تعالى: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من ~~دون PageV12P7462 # الناس فتمنوا الموت}. # أي: قل - يا محمد - لليهود: إن كنتم تزعمون أنكم أولياء لله من دون ~~المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم محقين في قولكم: إنكم أولياؤه، فإن الله لا ~~يعذب أولياءه، بل يكرمهم [وينعمهم]، فيستريحون من تعب الدنيا وكربها إلى ~~النعيم. # - ثم قال: {ولا يتمنونه (أبدا) بما قدمت أيديهم}. # (أي): ولا يتمنى - محمد - اليهود الموت أبدا لمعرفتهم (بما) قدمت أيديهم ~~من الآثام {والله عليم بالظالمين}. # - ثم قال تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم}. # أي: قل لليهود - يا محمد -: إن الموت الذي تهربون منه وتكرهونه - لما ~~قدمت أيديكم من الآثام - لا بد أن يحل بكم {ثم تردون} - إذا متم - {إلى ~~عالم الغيب والشهادة}، أي: إلى الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم ~~ما ظهر من ذلك، ويعلم ما أسررتم من أعمالكم وما أظهرتم فيجازيكم PageV12P7463 # عليها ويخبركم بالذي كنتم تعلمون. # ودخلت الفاء في قوله: " فإنه " لتقدم " الذي " وإن كان نعتا، لأن النعت ~~هو المنعوت في المعنى. و " الذي " فيه إبهام، فشابه الشرط بالإبهام الذي ~~فيه، فدخلت الفاء في خبر " إن " لكون اسمها ms2629 فيه إبهام كما تدخل في جواب ~~الشرط، لأن خبر " إن " كجواب الشرط، فلما شابهه من الإبهام الذي في " الذي ~~" دخل فيه ما يدخل في جواب الشرط. # وقد قيل: إن الخبر ل " إن " هنا هو جملة من ابتداء وخبر، والتقدير: قل إن ~~الموت هو الذي تفرون منه. # - ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله}. # أي: إذا سمعتم النداء إلى الصلاة في يوم الجمعة) فامضوا إليها، وهو الآذن ~~الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر للخطبة. PageV12P7464 # وقد قرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب: " فامضوا إلى ذكر الله ". # والسعي: [العمل] لا السرعة في المشي، دليله (قوله): {وأما من جآءك يسعى} ~~[عبس: 8] و: {ثم أدبر يسعى} [النازعات: 22] و: {وإذا تولى سعى في الأرض} ~~[البقرة: 205] / {فلما بلغ معه السعي} [الصافات: 102] كل هذا ليس يراد به ~~سرعة مشي ولا جري، إنما هو العمل. ويزيد في بيانه قوله تعالى: {إن سعيكم ~~لشتى} [الليل: 4] أي: إن عملكم لمختلف. PageV12P7465 # قال الحسن وقتادة: فاسعوا بالنية والإرادة. # قال قتادة: " السعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضي إليها "، ~~وهو قول عكرمة. # (وقال) ابن زيد: إذا سمعتم الداعي الأول فأجيبوا إلى ذلك. # قال: ولم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أذان إلا الأذان حين ~~يجلس على المنبر، وأذان حين تقام الصلاة. قال: وهذا الآخر شيء أحدثه الناس ~~بعد في PageV12P7466 # زمان عثمان رضي الله [عنه] فلم ينكره أحد من الصحابة، وذلك حين كثر الناس ~~وتباعدت الدور من المسجد، فمضى عليه العمل. ولا يحل البيع بعد سماع النداء ~~الذي يكون بين يدي الإمام عند الخطبة، وهو قوله: {وذروا البيع}. # أي: دعوا البيع والشراء إذا نودي للصلاة عند الخطبة (يوم الجمعة). # والذكر هنا هو موعظة الإمام الناس في خطبته، قاله ابن المسيب وغيره. # - ثم قال: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}. # أي: سعيكم إليها وترك البيع والشراء خير لكم في عقباكم إن كنتم تعلمون ~~مصالح أنفسكم ومضارها، وقد قال الضحاك ms2630 والحسن وعطاء: إذا زالت PageV12P7467 # الشمس يوم الجمعة حرم البيع والشراء حتى تقضى الصلاة، وكان عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه يمنع الناس البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة. # وقال مالك: يفسخ البيع إذا وقع في هذا الوقت المنهي عنه، ولم ير الشافعي ~~فسخه لأن الآية ليس فيها فسخة، فقيل له: أرأيت نكاح [المحرم] ونكاح الشغار ~~يفسخان إذا وقعا؟ [فقال: نعم]، قال: فكيف [تفسخهما] وليس في PageV12P7468 # الحديث ذكر الفسخ إذا وقعا؟! إما فيه النهي عن ذلك كما في الآية النهي عن ~~البيع، فكما لا اختلاف في فسخ النكاح - وإن كان الحديث لم يتضمن ذكر الفسخ ~~- كذلك هذا. وقد ذهب قوم إلى أن البيع جائز في ذلك الوقت، وتأولوا أن الآية ~~على الترغيب لا على الإلزام، واستدلوا (على ذلك) بقوله بعد ذلك: {ذلكم خير ~~لكم}. فلما قال {خير لكم} دل على أنه على الترغيب. وهذا غلط، لو جاز هذا ~~لكان قوله: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} [النساء: 171] على الترغيب ~~لا على الإلزام، وهذا كفر من قائله. # فإن أعتق أو أنكح بعد الأذان يوم الجمعة لم يفسخ، لأنه ليس من البيع الذي ~~نص الله [عليه]، [ولأنه] أمر نادر غير دائم كالبيع الذي هو دائم PageV12P7469 # منتظر، ولأن القوم إنما خرجوا من خلف النبي صلى الله عليه وسلم إلى العير ~~التي أتت من الشام ليروها وليشتروا [مما] جاءت به، فعوتبوا على ذلك ونزل ~~تحريم البيع الذي أخرجهم من خلف النبي عليه السلام. # قال جابر: " أقبلت عير بتجارة يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي رسول الله (يخطب) في (اثني) عشر رجلا، ~~فنزلت هذه الآية ". PageV12P7470 # فالجمعة لازمة لكل حر محتلم، وغسلها سنة على كل محتلم وقت الرواح إليها. # ولا جمعة على المسافر ولا على النساء، فإن (حضرن) وصلين مع الناس ركعتين ~~أجزتهن عن الظهر. # وكان ابن مسعود يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: أخرجن إلى ~~بيوتكن (خيرا لكن. وجائز للمسافر السفر) يوم الجمعة ما لم يحضر الوقت ms2631 عند PageV12P7471 # مالك، ومنعه جماعة من ذلك حتى يصلي الجمعة. # والجمعة يجب أن يأتيها من كان على ثلاثة أميال فأقل من المسجد عند ملك. # وعن الزهري: من كان على (مسافة ستة) أميال فأقل يجب عليه الإتيان. وقيل: ~~لا يجب إلا على من سمع النداء، روي (عن) عبد الله بن عمر وسعيد بن PageV12P7472 # المسيب وبه قال أحمد بن حنبل، لأنه قال تعالى: {إذا نودي للصلاة} فدل على ~~أن ذلك على من سمعه أو كان في موضع يمكن أن يسمعه. # وقال أصحاب الرأي: تجب الجمعة على أهل المصر، من سمع النداء ومن لم يسمع. # وقال ابن المنكدر والزهري: تجب الجمعة على من كان على أربعة أميال. PageV12P7473 # وروي عن أبي هريرة: أن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة من بعد ~~طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. # وقال أبو العالية والحسن: (هي) (عند) زوال الشمس. # وقالت عائشة رضي الله عنها: هي عند إذان المؤذن لصلاة الجمعة. PageV12P7474 # وعن الحسن أيضا أنها ما بين خروج الإمام إلى أن [تقضى] الصلاة. # وقال أبو بردة: هي عند نزول الإمام. # وقال أبو السوار: هي ما بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة. # وعن أبي ذر: أنها بعد زيغ الشمس شبرا إلى ذراع من يوم الجمعة. # وعن جماعة/ من العلماء: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. PageV12P7475 # - ثم قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة}. # أي: إن شئتم، (وهذه) رخصة بعد [خطر]. وقد روى أنس أن النبي عليه السلام ~~قال: " {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} ليس بطلب دنيا ولكن عبادة ~~مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله ". # وقوله: {واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}. # اي: اذكروه بالحمد والشكر على ما وفقكم له لعلكم تنجون وتبقون في PageV12P7476 # النعيم الدائم. # ثم قال تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها}. # التقدير عند المبرد: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوا ~~انفضوا إليه (ثم حذف وأخر ضمير الأول. # والمعنى: إذا رأوا ذلك أسرعوا إليه) وتركوك قائما تخطب. يوبخ المؤمنين ms2632 ~~بذلك من فعلهم (إذ) خرجوا عن رسول الله - وهو يخطب - لرؤية العير التي أتت ~~من (الشام) وكانت تحمل زيتا (أتى) به دحي بن (خليفة) PageV12P7477 # من الشام. # قال الحسن: أصاب الناس جوع و (غلاء) سعر، فقدمت عير والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب فخرجوا إليها. # واللهو (هنا): ما يصنع عند النكاح من الدف. وقيل: وهو الطبل. # ثم قال تعالى: {قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة}. # أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذلك لمن جلس واستمع الخطبة. # {والله خير الرازقين}. # أي: خير رازق، فارغبوا إليه في توسعة الرزق. PageV12P7478 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المنافقون مدنية # قوله تعالى: {إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله}. إلى آخر ~~السورة. # أي: إذا جاءك - يا محمد - المنافقون فأقروا أنك رسول الله، فالله يعلم ~~أنك لرسوله، ولكن الله يشهد أن المنافقين لكاذبون في ما أظهروا إليك من ~~الإقرار، لأن باطنهم على خلاف ما أظهروا. وأعيد ذكر الله ثانية ولم يضمر ~~للتفخيم PageV12P7479 # والعظيم. # ثم قال تعالى: {اتخذوا أيمانهم (جنة)}. # أي: جعلوا ما أظهروا من الإيمان جنة يمتنعون به من القتل والسبي، هي ~~الإيمان المذكورة في سورة براءة، وهو حلفهم بالله [ما قالوا، وحلفهم]: ~~{إنهم لمنكم} [التوبة: 56]. # قال الضحاك: هي حلفهم بالله إنهم لمنكم. # ومعنى {جنة} سترة يستترون بها كما يستتر [المستجن] بجنته في الحرب، ~~فامتنعوا بأيمانهم من القتل والسبي. # - ثم قال تعالى: {فصدوا عن سبيل الله}. PageV12P7480 # أي: فمنعوا أنفسهم ومن اتبعهم من الناس عن الإيمان. # - {إنهم سآء ما كانوا يعملون}. # أي: بئس عملهم. # - ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم}. # أي: ذلك الحلف والنفاق من أجل أنهم آمننوا بألسنتهم ثم كفروا بقلوبهم، ~~فختم الله على قلوبهم، {فهم لا يفقهون} صوابا من خطأ، ولا حقا من باطل ~~لغلبة الهوى عليهم. # وأعلمنا الله جل ذكره في هذه الآية (أن) النفاق كفر، بقوله: {ثم كفروا}. # - ثم قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم}. # العامل في " (إذا) " من قوله ms2633 [{إذا جآءك}] و {وإذا رأيتهم} وشبهه: الفعل ~~الذي بعدهما. وفيهما معنى المجازاة، للإبهام الذي فيهما، وإذا كان فيهما ~~معنى المجازاة لم يضافا إلى ما بعدهما. وإذا لم يضافا فأحسن أن يعمل ما ~~بعدهما فيهما، إلا أنه لا PageV12P7481 # يختار أن يجزما للتوقيت الذي فيهما. ففارقا به معنى حروف الشرط من وجه، ~~فقبح العمل في اللفظ، وحسن العمل في المعنى دون اللفظ للإبهام الذي فيهما، ~~فإن قدرتهما مضافين إلى ما بعدهما، لم يعمل فيهما ولا عملا فيه في لفظ ولا ~~معنى. # والمعنى: وإذا رأيت - يا محمد - هؤلاء المنافقين تعجبك أجسامهم لاستواء ~~خلقها وحسن صورتها {وإن يقولوا تسمع لقولهم} كما تسمع كلام غيرهم من أهل ~~الإيمان فتظنه حقا. # - {كأنهم خشب مسندة}. # أي لاخير عندهم ولا علم، إنما هم صور وأشباح [بلا فهم] ولا علم ولا عقل. # ثم قال: {يحسبون كل صيحة عليهم}. PageV12P7482 # (أي) يظنون - من جبنهم وسوء ظنهم - كل مصيحة يسمعونها أنها عليهم. وقيل: ~~المعنى: يحسبون كل صائح يصيح أنه يقصدهم، لأنهم (على) وجل من إظهار الله ~~(ما أخفوا) من من النفاق فيهتك سترهم ويبيح للمؤمنين قتلهم وسبي [ذراريهم] ~~وأخذ أموالهم، فهم من خوفهم كلما نزل وحي على النبي ظنوا أنه في أمرهم وفي ~~هلاكهم وعطبهم. # - ثم قال تعالى: {هم العدو فاحذرهم}. PageV12P7483 # أي: هم الأعداء لك - يا محمد - (وللمؤمنين)، فاحذرهم. # - ثم قال تعالى: {[قاتلهم] الله أنى يؤفكون}. # أي: عاقبهم الله فأهلكهم فصاروةا بمنزلة من قتل، من أين يص (رفو) ن/ عن ~~الحق بعد ظهور البراهين والحجج. # - ثم قال تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ~~ورأيتهم يصدون}. # أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المنافقين: تعالوا: إلى رسول الله [يستغفر ~~لكم الله]، تولوا وأعرضوا وحركوا رؤوسهم وهزوها استهزاء برسول الله ~~وباسغفاره {وهم مستكبرون}. # ومن شدد {لووا} فمعناه أنهم [كرروا] هز رؤوسهم وتحريكها. وهذه PageV12P7484 # الآيات - فيما روي - نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق. وذلك أنه ~~قال لأصحابه: لا تنفقوا علىمن عند رسول الله حتى ينفضوا (وقال): لئن رجعنا ~~إلى ms2634 المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسمع ذلك زيد بن أرقم فأخبر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( فدعاه النبي فسأله) عن ذلك فحلف ما قاله. فقيل له: لو ~~أت (يت) النبي صلى الله عليه وسلم فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي رأسه ~~ويحركه استهزاء. يعني بذلك أنه غير فاعل ما قالوا له. ففيه نزلت هذه ~~السورة. PageV12P7485 # - ثم قال تعالى: {سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله ~~لهم}. # [أي] مستو الاستغفار منك - يا محمد - لهم وتركه، لأن الله لا يغفر لهم؛ ~~لأنهم على كفرهم مقيمون، وإنما المغفرة للمؤمنين. # (وكن النبي) صلى الله عليه وسلم قد استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام. # - ثم قال: {إن الله لا يهدي القوم الفاسقين}. # أي: لا يوفق القوم الذين خرجوا عن طاعته. # " قال ابن عباس: {سوآء عليهم أستغفرت لهم} الآية: نزلت بعد الآية (التي) ~~في " براءة "، قوله: {أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} الآية، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " سوف أستغفر لهم زيارة على سبعين، فأنزل الله هنا {سوآء ~~عليهم أستغفرت لهم} الآية " فلم يبق للاستغفار لهم وجه. PageV12P7486 # ثم قال تعالى: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا}. # هذا قول [عبد] الله بن أبي لأصحابه المنافقين، [قال (لأصحابه]: لا تنفقوا ~~على المهاجرين حتى {ينفضوا}: يتفرقوا عن محمد. # - ثم قال تعالى: {ولله خزآئن السماوات والأرض}. # (أي): جميع ما فيهما، وبيده مفاتيح خزائن كل شيء، لا يعطي أحد أحدا شيئا ~~إلا بإذنه، ولا يمنع أحد أحدا شيئا إلا بإذنه. # ثم قال: {ولكن المنافقين لا يفقهون}. # (أي: لا يفقهون) أن كل شيء بيد الله تحت قدرته. فلذلك يقولون هذا. # - ثم قال: {يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}. # أي: يقول هؤلاء المنافقون: لئن رجعنا إلى مدينتنا ليخرجن منها العزيز ~~[الذليل]. PageV12P7487 # وحكى الفراء: " ليخرجن [الأعز منها الأذل] " [بنصب] " الأذل " على الحال ~~وفتح الياء وضم [الراء من " ليخرجن "]، وهو بعيد. # وقد أجاز يونس: مررت به [المسكين] بالنصب على الحال. ms2635 PageV12P7488 # (وحكى سيبويه: دخلوا الأول فالأول، بالنصب على الحال)، وهذه أشياء شاذة ~~لا يقاس عليها القرآن. # - ثم قال: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}. # أي: ولله العزة والشدة ولرسوله والمؤمنين. # {ولكن المنافقين لا يعلمون}. # (أي): لا يعلمون ذلك. # روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي كان من المؤمنين حقا، وأنه لما [أتي] ~~بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوبخه على ما بلغه، فأنكر ذلك عبد ~~الله وحلف، قال له PageV12P7489 # ولده (عبد الله): [والله، لا تمر] حتى تقول: إنك الأذل، وإن رسول الله ~~الأعز. فلم يمر حتى قالها. # " وروي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول لله، بلغني أنك ~~تريد قتل عبد اله أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني، فأنا أحمل لك ~~رأسه. فوالله، لقد علمت الخزرج ما كان فيها من رجل أبر بوالده مني، وأنا ~~أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشي في ~~الناس فأقتله فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال له رسول الله: ~~نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. [ثم PageV12P7490 # كان] بعد ذلك إذا أحدث حدثا عاقبه عليه قومه. وكان عمر قد سأل رسول الله ~~(في قتله، فقال له رسول الله) - لما تولى قومه عقوبته - كيف ترى يا عمر؟! ~~أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله [لأرعدت له] آنف لو أمرتها اليوم ~~بقتله لقتلته. فقال عمر: والله، قد علمت لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري # . " ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ~~ذكر الله}. # قال عطاء والضحاك: {عن ذكر الله}: عن الصلوات الخمس. # أي: لا يشغلكم اللهو [بها] والمحبة لها، والاشتغال عن الصلوات المفروضات. PageV12P7491 # وقيل: هو عام، ووقع النهي وفي الظاهر على الأموال والأولاد. وهو في ~~المعنى واقع على المخاطبين، دل على ذلك قوله: {ومن يفعل ذلك فأولئك هم ~~الخاسرون} وهو كثير في القرآن. # - ثم قال: {ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}. # أي/ ومن يغشله (ماله وولده ms2636 عما فرض الله عليه من الصلوات وعن ذكر الله ~~فأولئك هم ([المغبونون] حظوظهم من كرامة) الله ورحمته. # - ثم قال: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب ~~لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين}. # أي: وتصدقوا أيها المؤمنون (مما رزقناكم)، وأنفقوا في سبيل الله [مما] ~~خولكم الله من أموالكم من قبل أن تموتوا، فيقول أحدكم: يا رب، هلا أخرتني PageV12P7492 # ورددتني إلى الدنيا وقتا قريبا فأتصدق وأكن من الصالحين. # فيسأل الرجعة حين لا رجعة. # (وقيل: المعنى: هلا مددت لي في العمر فأتصدق وأكن من الصالحين)، قيل: ~~[معنى] {وأكن من الصالحين} أحج بيتك الحرام. # قال ابن عباس: ما من أحد يموت ولم يؤد الزكاة ولم يحج إلا سأل الكرة، ثم ~~قرأ هذه الآية: قال: فقوله: [{فأصدق}] أي: أؤدي الزكاة، وقوله: {وأكن من ~~الصالحين}: أحج. # قال الضحاك: هو المؤمن ينزل به الموت وله مال كثير لم يزكه ولم يحج منه ~~ولم PageV12P7493 # يعط منه حق الله، يسأل الرجعة عند الموت (ليزكي) ماله. # - قال تعالى: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ}. # أي: لا يؤخر الله في أجل أحد فيمد له [فيه] إذا حضر أجله. # وعن ابن عباس: {وأكن من الصالحين}: أؤدي الفرائض، [وأجتنب] الحرام. ~~والتقدير في العربية: " وأكون صالحا من الصالحين ". PageV12P7494 # - ثم قال: {والله خبير بما تعملون}. # أي: ذو خبر وعلم بأعمال خلقه، محيط بها فمجازيهم عليها. PageV12P7495 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التغابن # مدنية على قول قتادة، ومكية على قول ابن عباس إلا ثلاث آيات من آخرها ~~نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- جفاء أهله وولده، فأنزل الله جل ذكره (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم) [14] إلى آخرها. PageV12P7497 # -[قوله تعالى]: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض. . .} إلى آخر ~~السورة. # معناه: يصلي لله ويسجد جميع من في السماوات السبع والأرض من الخلق طوعا ~~وكرها " ويسبح ": للحال. # - وقيل: معناه [ينزه الله] ويبرئه من السوء كل من السموات والأرض. ms2637 # - ثم قال تعالى: {له الملك وله الحمد. . .}. # أي: له ملك السموات والأرض وسلطان ذلك، وله حمد [ما] فيهما من الخلق. # - {وهو على كل شيء قدير}. # أي: ذوقوا على كل شيء، يفعل ما يريد، لا يعجزه شيء أراده. # - ثم قال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن. . .}. # [أي: خلقكم على علمه فيكم من قبل أن يخلقكم، فمنكم من كفر، ومنكم من آمن ~~على ما سبق من علمه بكم]، أي: الله الذي خلقكم - أيها الناس - فمنكم من PageV12P7498 # يكفر بخالقه ويجحده، ومنكم من يؤمن بخالقه ويقربه. # - {والله بما تعملون بصير}. # أي: والله الذي خلقكم بصير بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، فيجازيكم ~~بها، فاتقوه فيما أمركم به وما نهاكم عنه. # وعن أبي ذر أنه قال: إن المنى إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتى ملك ~~النفوس فعرج به إلى الجبار في راحته فقال: يا رب عبدك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي ~~الله جل ثناؤه ما هو قاض. ثم يقول: أي رب، شقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو [لاق]. # - ثم قال تعالى: {خلق السماوات والأرض بالحق (وصوركم) فأحسن صوركم. . . ~~}. # أي: خلق السموات والأرض بالعدل [والإنصاف] ومثلكم فأحسن تمثيلكم. # وروي أنه [عنى] به تصوير آدم وخلقه إياه. PageV12P7499 # (وقال ابن عباس: يعني آدم، خلقه بيده. # - ثم قال: {وإليه المصير}. # أي: المرجع يوم القيامة). # - ثم قال: {(يعلم) ما في السماوات والأرض. . .}. # أي: يعلم كل ما في السماوات السبع والأرض من شيء لا تخفى عليه من ذلك ~~خافية، ويعلم ما يسر الخلق من قول وعمل وما يعلنون من ذلك. # - ثم قال: {والله عليم بذات الصدور}. # أي: ذو علم بضمائر صدور العباد وما تنطوي عليه نفوسهم وهذا: (كله) تحذير ~~من الله جل ذكره (لعباده أن يسروا غير الذي يعلنون). # - ثم قال تعالى: {ألم يأتكم نبأ (الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال ~~أمرهم)}. PageV12P7500 # (هو خطاب لقريش أي: ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم كقوم (نوح) وعاد ~~وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط كفروا {فذاقوا وبال أمرهم})، أي: فمسهم عقاب ~~الله ms2638 إياهم على كفرهم فتخافوا أنتم أن يحل بكم على كفركم مثل ما حل بهم. # - ثم قال: {ولهم عذاب أليم}. # أي: ولهم بعد ما نزل بهم في الدنيا من العذاب عذاب آخر موجع في الآخرة، ~~وهو/ عذاب في لن ار. # ثم قال تعالى: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا ~~فكفروا وتولوا. . .}. # أي: ذلك (الذي) [نالهم] على كفرهم والذي أعد لهم ربهم من العذاب من أجل ~~أنه {كانت تأتيهم رسلهم بالبينات}: الآيات الواضحات على حقيقة ما تدعوهم PageV12P7501 # إليه. فيقولون: {[أبشر] يهدوننا} استكبارا منهم أن يكون رسل الله (إليهم) ~~بشر مثلهم. وأتى " يهدوننا " بلفظ الجمع وقبله " بشر "، " موحد "، لأنه حمل ~~على المعنى، لأنه عند بعضهم اسم للجمع. # وحكى [المازني] أن النحويين أجازوا أن يقال: [جاءني] ثلاثة نفر وثلاثة ~~رهط، لأن نفرا ورهطا لأقل العدد، [وما دون العشرة يضاف لأقل العدد، فلما ~~وقع موقعه وهو مثله لأقل العدد] جاز، و " بشر " للعدد الكثير، و " قوم " ~~للقليل والكثير، فلما خالف ما يضاف إليه ما دون العشرة (لم يضعف إليه كما ~~لا [يضاف] ما دون العشر) إلى أكثر العدد. PageV12P7502 # وقال المبرد: إنما لم يضف ما دون العشرة إلى " بشر "، لأنه يقع للواحد ~~والجمع، وما دون العشرة لا يضاف إلى الواحد. هذا معنى قولهما. واستدل على ~~أن " بشرا " يقع للواحد [بقول] الله {ما هذا بشرا} [يوسف: 31] ثم قال: ~~{فكفروا وتولوا. . . . . .}. # (أي): فجحدوا رسالات ربهم، وأدبروا عن الإيمان برسلهم {واستغنى الله. . ~~.} عن إيمانهم إذ [لا يزيد] في ملكه إيمانهم، ولا ينقص منه كفرهم. # {والله غني حميد}. # أي: {غني} عن جميع خلقه، محمود عند جميعهم، إذ ما يهم من نعمة فمنه ~~وبفضله. # ثم قال: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا. . .}. PageV12P7503 # أي: زعم الكفار من قريش أنهم لا يبعثون من قبورهم بعد مماتهم. وقد كره ~~مجاهد وغيره أن يقول الرجل: زعم فلان. " وزعم " عند النحويين على ضربين: # تكمون بمعنى قال، وبمعنى تخرص وتقول. # ثم قال تعالى: {قل بلى وربي لتبعثن. . .}. # أي: قل لهم يا محمد مجاوبا [لنفيهم] ms2639 البعث: بلى وربي، لتبعثن من قبوركم ~~يوم القيامة، ثم لتخبرن بما عملتم في الدنيا، ثم [تجازون] على أعمالكم. # {وذلك على الله يسير}. PageV12P7504 # أي: سهل هين. # ثم قال تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا. . .}. # أي: فصدقوا بالله أيها المشركون (به)، وصدقوا برسوله وبالقرآن الذي أنتزل ~~عليه ربما فيه من إخبار الله إياكم بالبعث والجزاء والجنة والنار وغير ذلك. # ثم قال: {والله بما تعملون خبير}. # أي: ذو خبر وعلم بأعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على ~~جميعها. # {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن. . .}. # [العامل] في: " يوم يجمعكم ": [" خبير "] والمعنى: والله ذو خبر بأعمالكم ~~يجازيكم عليها في يوم يجمعكم ليوم جمع الخلائق كلهم، ذلك يوم يغبن فيه أهل ~~الجنة أهل النار. # قال مجاهد: (يوم القيامة يوم يغبن فيه أهل الجنة أهل النار). PageV12P7505 # قال ابن عباس: (غبن أهل الجنة أهل النار). # وقيل: العامل في " يوم ". . . لتنبؤن. # ثم قال تعالى: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار. . .}. # أي: ومن يصدق بالله وبما أنزل ويعمل في دنياه عملا صالحا نكفر عنه ما مضى ~~من سيئاته ونمحها عنه ونسترها عليه وندخله في الآخرة بساتين تجري من تحت ~~أشجارها الأنهار خالدين فيها أبدا لا يموتون ولا يخرجون منها. # - {ذلك الفوز العظيم}. # أي: ذلك [النجاء] العظيم. PageV12P7506 # ثم قال تعالى: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ (أولئك أصحاب النار خالدين ~~فيها وبئس المصير)}. # أي: والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بأدلته تعالى وجحدوا كتابه، أولئك ~~أصحاب النار هم فيها ماكثون أبدا لا يموتون ولا يخرجون منها. # {وبئس المصير}. # أي: وبئس الشيء الذي يصار إليه نار جهنم. # ثم قال تعالى: {مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله (ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه}. # أي: لم تصب أحدا من الخلق مصيبة إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه. # وقال الفراء: معناه: إلا بأمر الله). PageV12P7507 # قال علمقة: هو الرحل تصبيه [المصيبة] فيعلم أنها من قبل الله فيسلم لها ~~ويرضى عن الله، فذلك قوله تعالى: {ومن يؤمن بالله ms2640 يهد قلبه}، أي: ومن يصدق ~~بالله وبتوحيده يهد قلبه إلى الإيمان ويوفقه إلى الطريق المستقيم، فيعلم ~~أنه لا تصيبه إلا بإذن الله فيسلم لأمر (الله) ويرضى بقضائه. # قال ابن عباس: يهدي قلبه لليقين فيعلم أن كلا من عند الله، وما أصابه لم ~~يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. PageV12P7508 # وقيل: يهدي قلبه إلى التسليم لأمر الله إذا أصيب وإلى الشكر إذا أنعم ~~عليه وإلى الغفران إذا ظلم/. # - ثم قال تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على ~~رسولنا البلاغ المبين}. # أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه والإيمان به وبرسوله وأطيعوا رسوله، فإن ~~أعرضتم عن الإيمان بذلك فليس على محمد إلا أن يبلغكم ما أرسل [به] إليكم ~~بلاغا ظاهرا، والمحاسبة والمجازاة على الله. # - ثم قال تعالى: {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون}. # أي: الله معبودكم، لا معبود تصلح العبادة إلا له، وعلى الله فليتوك ~~المصدقون بوحدانيته. # - ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم. .} الآية. # روي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا الإسلام والهجرة، وأسلموا في PageV12P7509 # بلدانهم وأرادوا الهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم وأبوا أن يدعوهم ~~يخرجون، ثم هاجروا بعد ذلك بأهليهم وأولادهم. فلما قدموا المدينة، وجدوا ~~الناس قد فقهوا وتعلموا القرآن، فهموا [عقوبة] أزواجهم وأولادهم، فأنزل ~~الله هذه الآية. # ولذلك قال: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم}. فاعلموا أن ~~من الأزواج والأولاد من هو عدو، ولا عدو أعظم ممن منع من الهجرة. هذا معنى ~~قول ابن عباس. # فكان الرجل يضرب أهله إذا ثبطوه عن الهجرة، ويقسم ليفعلن بهم وليعاقبنهم ~~على ذلك، فقال الله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم}. قال ~~عطاء: نزلت [هذه الثلاث آيات] (في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، ~~فكان إذا أراد الغزو [بكوا] إليه ووقفوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق ويقيم ~~فنزلت هذه الآيات (فيه)). PageV12P7510 # قال قتادة: من الأزواج والأولاد من لا يأمر بطاعة الله، ولا ينهي عن ~~معصيته. # وكبرت تلك عداوة ms2641 للمرء أن يكون صاحبه (لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر). # وأكثر المفسرين على أنهن نزلن في من كان [يسلم] ويمنعه أهله وولده من ~~الهجرة. وهو قول الضحاك (وابن زيد). # ثم قال: {إنمآ أموالكم [وأولادكم] فتنة. . .}. # أي: بلاء عليكم في الدنيا. PageV12P7511 # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الحسن والحسين عليهما قيمصان ~~أحمران يعثران ويقومان، وهو يخطب، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أخذهما فرفعهما ووضعهما في حجره ثم قال: صدق الله {إنمآ أموالكم وأولادكم ~~فتنة} رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في ختطبته ". # ثم قال: {والله عنده أجر عظيم}. # أي: ثواب عظيم إذا أنتم خالفتم الأزواج والأولاد في طاعة الله. # قال قتادة: {أجر عظيم}: الجنة. PageV12P7512 # ثم قال: {فاتقوا الله ما استطعتم. . .}. # هذا نزل بعد قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] تخفيفا ~~عن الخلق، فقيل: إن هذا ناسخ لذلك، وقيل: " هو تخفيف، ولا بد من التقى. ~~ومعنى {حق تقاته} أن يطاع فلا يعصى. # وكانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فيقول: فيما ~~استطعتم. # قال ابن مسعود {حق تقاته} أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ~~ينسى. # - ثم قال: {واسمعوا وأطيعوا. . .}. PageV12P7513 # أي: اسمعوا لرسلو الله وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه. # - {وأنفقوا خيرا لأنفسكم. . .}. # أي: أنفقوا مالا لأنفسكم، بالخير هنا مفعول ل " أنفقوا "، والخير: المال، ~~كما قال: {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات: 8] يعني: المال. # وقيل: " خيرا " هنا بمعنى: أفعل، أي: وأنفقوا في سبيل الله يكن خيرا لكم. # - ثم قال: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}. # أي: ومن يقه الله شح نفسه. وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه. PageV12P7514 # قال ابن عباس: " شح نفسه ": " هوى نفسه. . . ". # قال ابن مسعود: " هو أن يعمد إلى مال غيره فيأكله ". # وقال سفيان بن عيينة: هو الظلم، وليس هو البخل. # {فأولئك هم المفلحون}. # أي: هم الباقون في النعيم المقيم. # قال الحسن: نظرك إلى المرأة لا تملكها من الشح. # وقال ابن عباس: ليس الشح أن يمنع الإنسان ماله، ms2642 إنما الشح أن [تطمح] PageV12P7515 # عين الرجل إلى ماليس له. # قال ابن مسعود: إنما الشح الذي ذكر الله تعالى أن يأكل الرجل مال أخيه، ~~وحبس المال [عن] الصدقة هو البخل. # وقال طاوس: إنما الشح أن تشح على ما في [أيدي] الناس. # [قل علي: من أدى زكاته فقد وقي شح نفسه]. # - ثم قال تعالى: {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم (ويغفر لكم)}. # أي: إن تنفقوا في سبيل الله في الدنيا احتسابا للأجر والثواب يضاعف أجر ~~ذلك لكم ربكم من واحد إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر ويستر عليكم ذنوبكم مع PageV12P7516 # تضعيفه/ لنفاتكم. # {والله شكور حليم}. # أي: ذو شكر لأهل الإنفاق في سبيله، حليم عن أهل معاصيه، يترك معالجتهم ~~بعقوبته. # - ثم قال تعالى: {عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم}. # أي: هو عالم ما غاب عن الأبصار وما ظهر في السماوات والأرضين، وهو الشديد ~~في انتقامه ممن كفر به، الحكيم في تدبيره خلقه. PageV12P7517 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطلاق مدنية # ويقال لها: سورة النساء الصغرى. # - قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن. . .} إلى ~~قوله: {بعد ذلك أمرا. . .}. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويراد به أمته [ودل] على ذلك قوله - ~~بعد ذلك: {إذا طلقتم}. # وقيل: إن هذا من الانتقال من المخاطبة، كما قال: PageV12P7519 # {حتى إذا كنتم في الفلك} [يونس: 22] ثم قال: {وجرين بهم} [يونس: 22]. # وقيل: إنه كله مخاطبة للنبي، لكن خوطب بلفظ الجمع على التعظيم والإجلال، ~~كما يقال للرجل الجليل: أنتم فعلتم. # والمعنى: إذا طلقتم نساءكم المدخول بهن، أي: إذا أردتم طلاقهن {فطلقوهن ~~لعدتهن} أي: لظهورهن [الذي يحصينه من عدتهن ويعتددن به طاهرات من غير جماع ~~كان منكم في ذلك الطهر، ولا تطلقوهن لحيضهن] الذي لا يعتددن من أقرائهن. (" ~~فاللام " بمعنى) " في ": أي: [فطلقوهن] في عدتهن. PageV12P7520 # أي: في الطهر (الذي) [يعتددن] به، وهو الطهر [الذي] لم تقرب فيه. [وهذا ~~هو مذهب] مالك وغيره. # وكون اللام بمعنى " في ": [مستعمل]، قال الله جل ذكره عن قول الكافر في ~~الآخرة: {ياليتني قدمت لحياتي} [الفجر: ms2643 24]، أي: في حياتي، أي: يا ليتني ~~قدمت عملا (صالحا) في حياتي في الدنيا. # فطلاق السنة الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أن يطلق الرجل ~~امرأته وهي طاهر من غير جماع كان منه في ذلك الطهر. دل على ذلك قوله: ~~{فطلقوهن لعدتهن} أي: في عدتهن، أي: في الطهر الذي يعتددن به ويجعلنه قرءا ~~إذا مضى. # وسأل رجل ابن عباس فقال: إنه طلق امرأته مائة، فقال له ابن عباس: عصيت ~~ربك، وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجا، وقرأ: PageV12P7521 # {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الجمعة: 2]، وقرأ: (يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن من قبل عدتهن) هكذا روي أنه قرأ على التفسير. # " وروى مالك أن ابن عمر " طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر عن ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال له: مره يراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ~~ثم تطهر (ثم) إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق من قبل أن يمس، فتلك العدة التي ~~أمر الله أن يطلق لها النساء " فهذا طلاق السنة، يطلقها في طهر لم يسمها ~~فيه طلقة، ويدعها [تمضي] في عدتها، فإن بدا له أن يرتجعها (أرتجعها) شاءت ~~أم أبت قبل أن تمضي PageV12P7522 # عدتها، فإن لم يرتجعها حتى مضت عدتها حلت للأزواج غيره وملكت نفسها، وصار ~~خطابا من الخطاب. وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وعطاء وطاوس وابن المسيب ~~وعمرو بن دينار وقتادة وربيعة ومالك وأهل المدينة، وبه قال الشافعي وأصحابه ~~وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو PageV12P7523 # ثور وأصحاب الرأي، ومضي عدتها عند مالك وأصحابه: أن ترى الدم من الحيضة ~~الثالثة، لأن الأقراء عند الأطهار، وعند غيره: الحيض. # وأصل [القرء] في اللغة: الوقت. فهو يصلح للطهر والحيض وقد مضى الكلام على ~~الأقراء في سورة البقرة [بأشبع] من هذا. PageV12P7524 # وقال أبو حنيفة: طلاق السنة أن يطلق في كل طهر طلقة. # قال مجاهد والحسن وابن سيرين: {لعدتهن}: (أي): لطهرهن، أي: إذا طهرت من ~~حيض ولم تجامع - وهو [قول] السدي - ومن طلق ثلاثا ms2644 لزمه، وبئس ما صنع ~~لمخالفته السنة. # (روي) أن عليا - رضي لله عنه - كان يعاقب من طلق البتة، وكان يقول: ما ~~طلق PageV12P7525 # طلاق السنة فندم. # وروى أنس أن [عمر] كان يؤدب من طلاق ثلاثا وينهى عنه. # وروي أن هذا الحكم نزل في سبب طلاق النبي حفصة بنت عمر، طلقها تطليقة، ~~فقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة، وإنها من نسائك في الجنة. # - وقوله: {وأحصوا العدة. . .}. # أي: احفظوها لتعلموا متى تحل للأزواج وتملك نفسها، ومتى بقى لكم عليها ~~حكم بالمراجعة. # - ثم قال: {واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن. . .}. # أي: خافوه أن تتعدوا حدوده ولا تخرجوا من طلقتم من نسائكم لعدتهن من PageV12P7526 # بيوتهن اللاتي كنتم أسكنتموهن فيما قبل الطلاق حتى تنقضي العدة. # قال ابن عباس: هي المطلقة في الطهر طلقة لا تخرج من بيتها ما دامم لزوجها ~~عليها الرجعة/ وعليه النفقة، وذلك ما كانت (في) العدة. # وقال قتادة: لا يخرجها إذا طلقتها واحدة أو اثنتين حتى تتم العدة، فإن ~~طلقها ثلاثا لم يكن لها سكنى. هذا معنى قوله. والسكنى واجب عند مالك لكل ~~مطلقة دخل بها طلقة ثلاثا أو واحدة. وقال الضحاك: إن خرجت هي فلا سكنى لها ~~ولا نفقة. # - ثم قال: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. . .}. # قال قتادة: هي الزنا، إذا زنت في عدتها أخرجها لإقامة الحد عليها. وهو ~~قول PageV12P7527 # الحسن ومجاهد وابن زيد. # قال ابن عباس: الفاحشة هنا: [البذاء] على أهله. # وقال قتادة: [الفاحشة] هنا: النشوز، وذلك أن يطلقها على النشوز، فلها أن ~~تتحول من بيت زوجها. # وقال السدي: الفاحشة هنا: خروجها من بيتها في العدة. # وقال ابن عمر: " خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة ". PageV12P7528 # وعن ابن عباس أنه قال: الفاحشة هنا: كل معصية مثل الزنا والسرقة والبذاء ~~على الأهل، وهو اختيار الطبري. # وللرجل أن يطلق الحامل متى شاء عند مالك تطليقة واحدة. # [وكذلك يطلق الآيسة من المحيض واللائي لم يحضن متى شاء تطليقة واحدة، ولا ~~يتبعها] طلاقا حتى تحل. PageV12P7529 # - ثم قال: {وتلك حدود الله [ومن يتعد حدود الله] فقد ظلم نفسه}. ms2645 # (أي): وتلك الأمور التي بينت لكم (في الطلاق) حدود الله [لكم] وفرائضه ~~عليكم، ومن يتعد حدود الله فيطلق في غير طهر ويخرج من طلق من بيتها قبل ~~انقضاء العدة ويتجاوز [ما أمره الله به] فقد ظلم نفسه بما ألزمها من الذنوب ~~والعقوبات في آخرته. # - ثم قال: {لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك (أمرا)}. # أي: لعلكم تندمون بدلا طلاقكم فتراجعون، فإذا تجاوزتم حدود الله في ~~الطلاق فطلقتم ثلاثا ثم ندمتم لم تكن لكم رجعة أبدا، إنما تكونون خطابا لها ~~بعد زوج. وهذا قول جميع المفسرين. PageV12P7530 # قوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف} إلى قوله: {من أمره ~~يسرا}. # أي: فإذا بلغ المطلقات اللواتي في العدة آخر عدتهن، فأمسكوهن برجعة ~~ترجعونهن إن أردتم ذلك. # ومعنى: {بمعروف} أي: راجعوهن بمعروف، وذلك إعطاؤها الحقوق التي أوجب الله ~~لها عليهم من النفقة والكسوة والسكنى وحسن الصحبة. # - {أو فارقوهن. . .}. # أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهم. # ومعنى {بمعروف. . .}. # (أي) ": [بإيفائها ما لها] من بقية الصداق والمتعة. قال الضحاك: PageV12P7531 # {فإذا بلغن أجلهن}: إذا انقضت عدتها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أو ~~ثلاثة أشهر، إن لم يكن يحضن، فراجع إن شئت قبل أن تقضي العدة ([وأمسكها] ~~بمعروف، أي: بحسن الصحبة والقيام عليها {أو فارقوهن} أي: دعوهن حتى تنقضي ~~العدة) بالطهر الثالث أو تمام الثلاثة أشهر {بمعروف} (أن) يعطيها مهرها إن ~~كان لها. # - ثم قال تعالى: {وأشهدوا ذوى عدل منكم. . .}. # أي: أشهدوا - إذا رجعتموهن - ذوي عدل. وهما من يرضى دينه وأمانته. # قال ابن عباس: يشهد عدلين عند الطلاق وعند المراجعة، وقاله السدي. PageV12P7532 # والإشهاد عند [أكثر] الفقهاء على الندب، وكذلك أكثر ما جاء في القرآن من ~~الأمر بالأشهاد. # قال ابن المسيب: {[ذوى] عدل}: [ذوي] عقل وفهمه. # - ثم قال: {وأقيموا الشهادة لله. . .}. # أي: اشهدوا بالحق. # وإذا جامع أو [قيل] يريد به الرجعة فهو رجعة عند مالك. وكذلك إن [تكلم] ~~بالرجعة ونيته الرجعة فهي رجعة. # - ثم قال تعالى: {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. . .}. PageV12P7533 # أي: هذا (الذي) عرفتكم ms2646 به من أمر الطلاق عظة لمن يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فيتبعه ويعمل به. # - ثم قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا}. # أي: ومن يخف الله فيعمل ما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه يجعل له من أمره ~~مخرجا، وذلك أنه [يعرفه] أن ما قضاه عليه فلا بد أن يكون. # وقيل: المعنى: ومن يتق الله فيما أمره به (من هذا الطلاق، يجعل له مخرجا ~~إن ابتغت نفسه رد المطلقة بعد انقضاء العدة فيحل له أن يخاطبها ويتزوجها. ~~ومن لم يتق الله فيما أمره) ويطلق ثلاثا، لا يجعل له مخرجا إن ابتغتها ~~نفسه، فلا يحل له أن يخطبها، ولا يتزوجها إلا بعد زوج، هاذ قول علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - PageV12P7534 # والشعبي. # وقيل: هو على العموم، (أي: و) من يتق الله في أمره ونهيه يجعل له مخرجا ~~في كل أموره فيرزقه من حيث لا يحتسب، / (أي): [ويسبب] له أسباب الرزق من ~~حيث لا يشعر ولا يعلم. # وعن ابن عباس: {يجعل له مخرجا}: ينجيه (من كل كرب) في الدنيا والآخرة. # قال الربيع: {يجعل له مخرجا} من كل أمر ضاق على الناس. PageV12P7535 # وروي أن هذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن قد أسره ~~المشركون، فكان يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم مكان ابنه وحاله وحاجته، ~~فكان النبي يأمره بالصبر [ويقول له: إن الله سيجعل له مخرجا]. فلم يلبث بعد ~~ذلك إلا يسيرا حتى [انفلت] بانه من [أيدي] المشركيني، [فمر بغنم] من أغنام ~~العدو، [فاستاقها] [وجاء بها] إليه، فنزلت: {ومن يتق الله} الآية. # قال ابن مسعود: [المخرج] أن يعلم أن الله هو الذي يعطيه ويمنعه. # - ثم قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه. . .}. PageV12P7536 # أي: فهو كافيه. # قال مسروق: [القضاء] جار على من توكل وعلى من لم يتوكل. # قال بعض الصالحين: المتوكل تعجل البركة والأجر. # - ثم قال تعالى {إن الله بالغ}. # قال مسروق: الله بالغ أمره بكل حال، [توكل] عليه أو لم يتوكل (عليه)، أي: ~~منفذ قضاءه بكل ms2647 حال، غير أن المتوكل عليه يكفر عنه سيآته ويعظم له أجرا. # قال ابن مسعود: إن أكثر آية تفويضا في القرآن {ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه}. PageV12P7537 # - ثم قال تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا}. # قال مسروق: " أي: لكل شيء أجلا ومنتهى ". # وقال السدي: هو قدر الحيض في الأجل والعدة. # وقيل: هو عام. # والمعنى: قد جعل الله [لكل شيء من الطلاق] والعدة وغير ذلك حدا وأجلا ~~وقدرا ينتهي إليه. # ولا اختلاف بين العلماء وأن المطلقة واحدة أو اثنتين لها النفقة والسكنى ~~وكذلك المطلقة الحامل. # وفي المطلقة ثلاثا اختلاف، فأكثر العلماء على أن لا نفقة (لها) ولا سكنى. ~~وقد روي ذلك [عن النبي صلى الله عليه وسلم] . وقال الحسن وعكرمة والشعبي: ~~لها متاع PageV12P7538 # بالمعروف وسكنى. وهو قول جابر. # وقال الثوري وأصحاب الرأي: (لها النفقة) والسكنى. وهو قول مروي عن عمر ~~وابن مسعود، وبه قال شريح. والقول الأول قول ابن عباس. PageV12P7539 # وقال مالك والشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو عبيد: لها السكنى ولا ~~نفقة (لها) وهو قول ابن المسيب وسليمان بن يسار والحسن وعطاء والشعبي وابن ~~مهدي. PageV12P7540 # - ثم قال تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن. . .}. # أي: والنساء اللائي ارتفع طمثهن فلا يرجون أن يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، ~~(وكذلك عدة النساء اللائي لم يحضن أيضا. وقوله: {إن ارتبتم} قيل: معناه: إن ~~ارتبتم بالدم الذي [يظهر] منها في كبرها أمن الحيض هو أم من الاستحاضة؟ ~~فعدتهن ثلاثة أشهر). # وقال مجاهد: معناه: إن لم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيضة أو اللائي لم PageV12P7541 # يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر. # وقال الزهري: " إن ارتبتم في كبرها أن يكون ذلك من الكبر، فإنها تعتد حين ~~ترتاب ثلاثة أشهر. # فأما إذا ارتفعت حيضة المرأة وهي شابة، فإنها [يتأنى] بها حتى ينظر أهي ~~[حامل] أم غير حامل؟ فإن استبان حملها فحتى تضع حملها، وإن لم يستبن حملها ~~فحتى يستبرئها، وأقصى ذلك سنة، تسعة للاستبراء وثلاثة للعدة، وهو مذهب ~~مالك. # وقال ابن زيد: ms2648 إن ارتبتم أنها لا تحيض وقد ارتفعت حيضتها وارتاب الرجل ~~وقالت المرأة: تركتني الحيضة، فعدتها ثلاثة أشهر إن ارتاب فخاف أن تكومن ~~حيضتها قد انقطعت. # وقيل: المعنى: إن ارتبتم [بحكمهن] فلم تدروا ما الحكم في عدتهن، فإن ~~عدتهن ثلاثة أشهر. PageV12P7542 # وقال عكرمة: من [الريبة]: المرأة المستحاضة والتي لا تستقيم لها الحيض: ~~تحيض في الشهر مرات، وفي الأشهر مرة، فعدتها ثلاثة أشهر، وهو قول قتادة. # وقيل: هذا متصل بأول السورة، والتقدير: لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم ~~في انقضاء العدة ولا يخرجن. # والاختيار (عند) الطبري أن يكون المعنى على قول من قال: إن ارتبتم فلم ~~تدروا ما الحكم في عدتهن. قال: ولو كن الارتياب إنما هو في الدم، لا يدرى ~~دم حيض أم دم استحاضة؟. لكان اللفظ: إن ارتبتن. لأنهن إذا أشكل الدم عليهن ~~فهن المرتابات بدماء أنفسهن، [لا غيرهن]، فكون [الخطاب] للرجال دليل PageV12P7543 # على أن المعنى: إن ارتبتم في الحكم في عدتهن. وايضا فإن بعده {(واللائي) ~~لم يحضن} ومحال أن [يرتاب] في دم من لم تحض، وإنما [يرتاب] في حكمها في ~~العدة. # قال الضحاك {واللائي يئسن من المحيض} من القواعد من النساء/ {واللائي لم ~~يحضن} من الصغار، لم يبلغن وقد مسسن فعدتهن ثلاثة أشهر. وهو قول قتادة. # - ثم قال تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن. . .}. # أي: والنساء الحوامل إذا طلقن، فانقضاء عدتهن أن يضعن حملهن. وهذا إجماع. # فأما المتوفى عنها زوجها (وهي حامل، فأكثر العلماء على أن وضع حملها ~~انقضاء عدتها ولو كان بعد موت زوجها). # وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله عنه - ~~أن انقضاء PageV12P7544 # عدتها آخر الأجلين. # - ثم قال تعالى: {ومن يتق الله [يجعل له من أمره يسرا].}. # أي: ومن يتق الله فيتبع في طلاقه ما أمره الله به يجعل له من طلاقه ذلك ~~يسرا. وهو أن يسهل عليه إن أراد الرجعة فيجعل الأمر بيده ويرتجعها متى شاء ~~ما كانت في العدة، ويحل له التزويج بعد انقضاء العدة. ومن لا ms2649 يتق الله - ~~فيطلق ثلاثا بخلاف ما أمره الله - لا يسهل عليه رجعة في عدة ولا في غيرها، ~~ولا يسهل عليه تزويجها بعد العدة ما لم [تتزوج] غيره. # - قوله تعالى: {ذلك أمر الله أنزله إليكم. . .} إلى آخر السورة. # أي: ذلك الذي بينه لكم حكم الطلاق والرجعة والعدة أمر الله الذي PageV12P7545 # أمركم به، أنزله لتأتمروا به وتعملوا به. # ثم قال: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا}. # أي: ومن (يخف الله) ويتقه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، يمح عنه ذنوبه ~~ويعظم له أجرا يوم القيامة على عمله. # ثم قال تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم. . .}. # أي: أسكنوا مطلقات نسائكم من المواضع التي سكنتم من وجدكم، (أي): من ~~سعتكم. # يقال: وجت في المال وجدا، ووجدت على الرجل وجدا وموجدة، ووجدت الضالة ~~وجدانا. PageV12P7546 # وروي أن الأعمش قرأ بفتح الواو. وهو غلط؛ لأن الوجد بالفتح إنما هو في ~~الغضب. # وقرأ يعقوب الحضرمي بسر الواو لغاية فيه. # أمر الله الرجال أن يسكنوا المطلقات مما يجدون حتى يقضين عدتهن. # قال السدي: {من وجدكم}: من ملككم ومقدرتكم. # - ثم قال تعالى: {ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن. . .}. # أي: لا تضاروهن في المسكن الذي [تسكنوهن] فيه وأنتم تجدون سعة من PageV12P7547 # المنازل تطلبون التضييق عليهن. # - ثم قال: {إن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن. . .}. # أي: أنفقوا على المطلقة الحامل حتى تضع الحمل، وإن أرضعت فحتى تفطم. وهو ~~قوله: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن. . .}، فلها أجرة الرضاع إن أرضعت وهي ~~أحق بما يأخذ غيرها، وإن أبت أن ترضع استرضعت له أخرى. # - ثم قال تعالى: {وأتمروا بينكم بمعروف. . .}. # قال السدي: معناه: " اصنعوا المعروف فيما بينكم ". # وقيل: المعنى: هموا بالمعروف واعزموا عليه. # وقد قيل: [واتمروا: تشاوروا، وليس بشيء]. # - ثم قال: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى}. # أي: إن امتنعت المرأة من الرضاع فلا سبيل له عليها، ولكن يستأجر للصبي ~~مرضعا غير أمه، قال السدي وغيره: وقال: إذا رضيت الأم من أجرة الرضاع بما PageV12P7548 # يرضي به غيرها فهي أحق. # - ثم قال تعالى: {لينفق ذو سعة من ms2650 سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ ~~آتاه الله. . .}. # أي: لينفق الذي بانت منه امرأته إن كان ذا سعة من المال الذي بيده على ~~امرأته لرضاعها ولده. ومن ضيق عليه في رزقه فلم يكن ذا سعة من المال فلينفق ~~مما أعطاه الله على قدر ما يجد. # وقيل: معناه: إن كان له ما يبيعه من متاع البيت باعه فأنفقه. # - ثم قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها. . .}. # أي: لا يكلف الله أحدا من النفقة على من تلزمه نفقته إلا ما أعطاه، أن ~~كان ذا سعة فمن سعته، وإن كان مقدورا عليه (رزقه) فمما رزقه الله. لا يكلف ~~الفقير مثل نفقة الغني. # قال ابن زيد: معناه: لا يكلفه أن يتصدق وليس عنده ما يتصدق به. PageV12P7549 # - ثم قال تعالى: {سيجعل الله بعد عسر يسرا}. # أي: سيجعل الله للمقل بعد شدة رخاء، وبعد فق غنى. # وقيل: [اليسر] الذي يجعله الله له إما في الدنيا وإما في الآخرة. # - ثم قال تعالى: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله. . .}. # أي: وكثير من أهل القرى عتوا عن أمر ربهم وخالفوه وعصوا رسله. # - {فحاسبناها حسابا شديدا. . .}. # أي: حاسبنا أهلها على النعم التي أسديت إليهم والشكر عليها حسابا شديدا، ~~أي حسابا ليس فيه عفو/ عن شيء. # - {وعذبناها عذابا نكرا}. PageV12P7550 # أي: منكرا، وهو عذاب جهنم. # وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: فعذبناها عذابا نكرا في ~~الدنيا، وحاسبناها حسابا شديدا في الآخرة). # والعتو في اللغة: التجاوز في المخالفة والطغيان. # - ثم قال تعالى: {فذاقت وبال أمرها. . .}. # أي: عقوبة عملها. الوبال: العاقبة. قال ابن عباس ومجاهد: " {وبال أمرها} ~~": جزاء أمرها. # - ثم قال تعالى: {وكان عاقبة أمرها خسرا}. # أي: غبنا، لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس الدنيا وقليله. PageV12P7551 # - ثم قال تعالى: {أعد الله لهم عذابا شديدا. . .}. # (أي): في الآخرة، يعني عذاب النار. # - ثم قال تعالى: {فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا. . .}. # أي: اتقوا الله في أمره ونهيه يا أصحاب العقول الذي آمنوا. # - ثم قال تعالى: {قد أنزل الله إليكم ذكرا. ms2651 . .} {رسولا. . .}. # قال السدي: " الذكر: القرآن، والرسول محمد " فيكون (التقدير لى قوله: ~~ذكرا ذا رسول. فيكون نعتا للذكر، قد حذف المضاف) وأقيم المضاف إليه مقامه ~~مثل {وسئل القرية} [يوسف: 82] (وقيل: الرسول نصب " بذكر " كأنه قال: " أن ~~تذكروا رسولا " فهو مفعول به). # وقيل: الرسول نصب إضمار " أعني ". # وقيل: الرسول ترجمة عن الذكر كأنه بدل منه، ولذلك نصب، فيكون - على PageV12P7552 # هذا القول - الرسول بمعنى الرسالة. وقيل: رسولا منصوب بإضمار فعل، كأنه ~~قال: أرسلنا رسولا. # - ثم قال تعالى: {يتلوا عليكم آيات الله مبينات. . .}. # أي: يتلو الرسول عليكم آيات الله واضحات، كي يخرج الذين آمنوا بالآيات من ~~الظلمات إلى النور، أي: من الكفر إلى الإيمان. # - ثم قال تعالى: {ومن يؤمن بالله. . .}. # أي: يصدق به. # - {ويعمل صالحا. . .}. # أي: يعمل بطاعة الله. # - {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار. . .}. # أي: من تحت أشجارها. # - {خالدين فيهآ أبدا. . .}. # أي: (لا يخرجون منها أبدا) ولا يموتون. PageV12P7553 # - ثم قال تعالى: {قد أحسن الله له رزقا}. # أي: قد وسع الله له في الجنات رزقا. # - ثم قال تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن. . .}. # أي: الله (الذي) خلق ذلك، لا (ما) يعبده المشركون من الأوثان والأصنام ~~التي لا تقدر على شيء، وخلق من الأرض مثلهن (أي): سبعا. # وعن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الأرضين السبع نحو ما على هذه الأرض ~~من الخلق. ولذلك قال: {ومن الأرض مثلهن} لأن في كل سماء خلقا لله. # وعن ابن مسعود أنه [قال]: خلق سبع سماوات، غلظ كل واحدة مسيرة خمسمائة ~~عام، وبين كل واحدة منهم والأخرى مسيرة خمسمائة عام، وفوق PageV12P7554 # السماوات السبع [الماء]، والله - جل ذكره - فوق الماء لا يخفى عليه شيء ~~من أعمال بني آدم، والأرض سبع، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام. وغلظ كل ~~أرض خمسمائة عام. # [وقال] مجاهد: هذه الأرض إلى تلك الأرض مثل الفسطاط ضربته بأرض فلاة. ~~وهذه السماء إلى تلك السماء مثل حلقة رميت (بها) في أرض فلاة. # وقال الربيع بن أنس: " السماء أولها موج مكفوف، والثانية صخرة، ms2652 والثالثة PageV12P7555 # حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة ". # وقال مجاهد: (هذا) البيت الكعبة رابع أربعة عشر بيتا، في كل سماء بيت، كل ~~بيت منها [حذر] صاحبه، لو وقع وقع عليه. # وإن هذا الحرم حرم مثله في السماوات السبع والأرضين السبع. قال أبو عثمان ~~[النهدي]: كنت عند عمر جالسا إذ جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي ~~ابنا إذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى الأعلى الأعلى، فيكثر من ذلك، فلا أدري ~~أي شيء يريد به. قال: جئني (به)، فجاء الفتى، فقال عمر: ماذا يقول أبوك؟ PageV12P7556 # قال: وما يقول؟ مقال: يقول إنك إذا سجدت أكثرت من سبحان ربي الأعلى ~~الأعلى الأعلى، قال: يا أمير المؤمنين، شيء جراه الله على لساني. قال: وكعب ~~جالس إلى جنبه، فقال كعب: صدق، يا أمير المؤمنين. قال عمر: وكيف ذاك؟ قال ~~كعب: إذا أخبرك، فإن الله خلق الأرضين سبعا، (وجعل غلظ كل أرض خمسمائة عام، ~~وما بين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وجعل السماوات سبعا)، وجعل غلظ كل ~~سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مثل ذلك، والله عز وجل ملائكة ~~يحملون العرش قياما في ماء، غلظ ذلك الماء غلظ السماوات السبع والأرضين ~~السبع، لا يبلغ ذلك الماء أعناقهم، فهو جل وعز الأعلى الأعلى الأعلى. # قال (قتادة): خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين، في كل سماء من سمائه وأرض ~~من أرضه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه جل ثناؤه. PageV12P7557 # وذكر قتادة قال: التقى أربعة أملاك من الملائكة بين السماء والأرض، فقال ~~بعضهم لبعض: من أين [جئت]؟ فقال أحدهم: أرسلني ربي من المشرق وتركته، (ثم) ~~قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته، (ثم) قال الآخر: أرسلني ~~ربي من المغرب وتركته. # - ثم قال تعالى: {يتنزل الأمر بينهن. # . .}. # أي: يتنزل الوحي بين السماء السابعة والأرض السابعة. قاله مجاهد. # - ثم قال تعالى: {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير. . .}. # أي: يتنزل قضاء/ الله وأمره بين ذلك كي تعلما أيها الناس كنه ms2653 قدرته ~~وسلطانه، وأنه قادر على كل شيء، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه ~~شيء شاءه. # - ثم قال تعالى: {وأن الله قد أحاط بكل شيء علما}. # أي: ولتعلموا أن الله بكل شيء (من) خلقه محيط علما، لا يعزب عنه PageV12P7558 # مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فخافوه ~~وأطيعوه تنجوا من عقوبته وتدخلو جنته. وأعاد الاسم بالإظهار وقد تقدم ~~إظهاره للتفخيم والتعظيم. و {علما} نصب [على التمييز]. أو (على) المصدر، ~~كأنه قال: علم كل شيء علما. PageV12P7559 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التحريم مدنية # - قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم {مآ أحل الله لك). . .}، إلى قوله: ~~{ثيبات وأبكارا}. # نزلت هذه الآية في سبب مارية القبطية أم ولده إبراهيم، سرية النبي صلى ~~الله عليه وسلم، كان النبي قد أصابها في بيت حفصة في يومها، فغارت لذلك ~~حفصة فحرمها النبي PageV12P7561 # على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلبا لرضاء حفصة، فعوتب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ونبه على أن ليمينه مخرجا. # قال زيد بن أسلم: " أصاب النبي صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم في بيت بعض ~~نسائه. فقالت له: يا رسول الله، في بيتي وعلى فراشي! فجعلها عليه حراما. ~~فقالت: يا رسول الله، كيف تحرم عليك الحلال؟! فحلف لها بالله لا يصيبها، ~~فأنزل الله: {يا أيها النبي لم تحرم مآ أحل الله. . .} الآية ". # قال زيد بن أسلم: " قال لها: أنت علي حرم، والله لا أطؤك ". قال الشعبي: ~~حرمها وحلف ألا يقربها فعوتب [في] التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين. PageV12P7562 # قال الضحاك: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتاة فغشيها، فبصرت [به] ~~حفصة، وكان اليوم يوم عائشة [وكانتا] متعاونتين، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لحفصة: اكتمي علي ولا تذكري لعائشة ما رأيت، فذكرت حفصة لعائشة ~~الخبر، فغضبت عائشة، فلم يزل نبي الله حتى حلف لا يقربها، فأنزل الله ~~الآية، وأمره بكفارة يمينه. # قال ابن عباس: " أمر الله النبي والمؤمنين إذا حرما شيئا على أنفسهم مما ~~أحل ms2654 الله لهم أن يكفروا بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا ~~يدخل في ذلك طلاق "، فإنما حرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه جاريته ~~ولم يحلف. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: " كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يمكث عند زينب بنت PageV12P7563 # جحش [يشرب] عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أينا جاءها النبي [فلتقل] له ~~إن أجد منك ريح مغافير، فجاء إلى إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت ~~عسلا، ولن [أعود]، فأنزل الله: {لم تحرم مآ أحل الله} وأنزل {إن تتوبآ إلى ~~الله} يعني عائشة وحفصة ". # ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصاب جاريته مارية في بيت عائشة ~~وهي غائبة وفي يومها، فاطلعت على ذلك حفصة، فقال لها النبي: لا تخبري عائشة ~~بذلك، فأخبرتها، فغضبت عائشة وقالت: في بيتي وفي يومي! فأرضاها النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن حلف لها ألا PageV12P7564 # يطأها بعد ذلك وحرمها على نفسه، فأنزل الله السورة في ذلك. # - ثم قال تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم. # . .}. # أي: قد بين الله لكم تحلة أيمانكم وحدها (لكم)، {والله مولاكم} أي: ~~يتولاكم بنصره وهدايته - أيها المؤمنون - وهو العليم بمصالحكم، الحكيم في ~~تدبيره خلقه. # - ثم قال تعالى: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به ~~وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض. . .}. # أي: واذكروا أيها المؤمنون (إذا أ) سر النبي إلى بعض أزواجه حديثا، وهو ~~(على) قول ابن عباس وزيد بن أسلم ما أسر لحفصة من تحريمه لمارية وقوله لها: ~~لا تذكري ما رأيت لعائشة. وقال منصور بن مهران: أسر إلى حفصة أن أبا بكر ~~خليفتي بعدي. PageV12P7565 # وقيل: هو قوله: بل شربت عسلا، على ما مضى من الخبر. # وقيل: هو ما كان من خلوته بمارية في بيت عائشة. # - {فلما نبأت به. . .}. # أي: أخبرت حفصة بذلك عائشة. # - {وأظهره الله عليه. . .}. # أي: وأطلع الله نبيه على إعلام حفصة لعائشة بسر النبي. # - {عرف بعضه وأعرض عن بعض. . .}. # (أي: عرف النبي حفصة ms2655 بعض ما أخبرت به عائشة ووبخها عليه وأعرض عن بعض) ~~فلم يوبخها عليه. # قال المفسرون: أخبر النبي عليه السلام حفصة ببعض ما أخبره الله عنها أنها ~~قالته لعائشة. # ومن قرأ بالتخفيف في {عرف}، فمعناه أن النبي عرف لحفصة ما فعلته، PageV12P7566 # [يعني] غضب على ذلك وجازاها عليه بالطلاق. # وقيل: معنى التشديد أنه مأخوذ من قولك للرجل يجني عليك: لأعرفنك فعلك، ~~على طريق التوعد والتهديد. # ثم قال: {فلما [نبأها] به. . .}. # أي: أخبر حفصة/ بأن الله أطلعه على [إفشائها سره] إلى عائشة. # - {قالت من أنبأك هذا. . .}. # أي: من أخبرك هذا؟! (قال): خبرني به العليم بكل شيء، الخبير بالسرائر ~~والعلانية. PageV12P7567 # ويروى أن [السر] الذي أسره النبي عليه السلام هو أنه أسر إلى حفصة (أن ~~الخليفة) بعده أبو بكر، وبعده عمر، وأمرها أن تكتم ذلك، فأفشته إلى عائشة، ~~فأعلم الله نبيه ذلك. # و {نبأني} تعدى إلى مفعول واحد، و {من أنبأك هذا} تعدى إلى مفعولين. [وقد ~~أصل] النحويون أنه يتعدى إلى ثلاثة، لا يقتصر على اثنين دون الثالث. # (وتفسير ذلك أن " نبأ " و " أنبأ " بمعنى في التعدي، وهما يجريان في ~~الكلام على ضربين: # أحدهما: أن [يدخلا] على الابتداء والخبر، فهناك لا يقتصر على (اثنين) دون ~~الثالث)، كما لا يقتصر على الابتداء دون الخبر، لأن الثالث هو خبر الابتداء ~~في الأصل. # والموضع الثاني: [ألا] يدخلا على الابتداء والخبر نحو الآية، فهناك يكفتى ~~باثنين وبواحد. PageV12P7568 # - ثم قال تعالى: {إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما. . .}. # [أي: إن تتوبا إلى الله مما فعلتما فقد مالت قلوبكما إلى ما كرهه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم] من تحريمه جاريته على نفسه. # قال ابن عباس {صغت قلوبكما}: زاغت، أي: أثمت. # قال مجاهد: " كنا نرى أن قوله: {فقد صغت قلوبكما} شيء (هين) حتى سمعت ~~قراءة ابن مسعود " فقد زاغت قلوبكما ". # ثم قال تعالى: {وإن تظاهرا عليه. . .}. # يعني حفصة وعائشة، أي: وإن تتعاونا على النبي. # - {فإن الله هو مولاه. . .}. PageV12P7569 # أي: وليه وناصره عليكما وعلى كل (من) بغاه بسوء، وجبريل أيضا وليه، وصالح ms2656 ~~المؤمنين أيضا أولياؤه، يعني خيارهم. # وقال الضحاك وغيره: " هم أبو بكر وعمر رضي الله عنه ". # فيجب أن يكون أصل {وصالح المؤمنين} على هذين القولين بالواو، وحذفت من ~~الخط على اللفظ. # وقال مجاهد: {وصالح المؤمنين} عمر، وعنه: هو علي، فيكون لا أصل للواو ~~فيه. # وقال قتادة: {وصالح المؤمنين}: الأنبياء. فيكون أيضا أصله الواو. وهو PageV12P7570 # قول سفيان. # وقد ذهب أبو حاتم إلى [أن] الوقف (وصالحو) بالواو مثل {سندع} [العلق: 18] ~~{ويدع الإنسان} [الإسراء: 11]. وفي هذا مخالفة للسواد. # والأحسن ألا يوقف عليه، فإن وقف عليه [واقف] (وقف) بغير واو، على قول ~~مجاهد أنه عمر أو علي رضي الله عنه فيتم له موافقة المعنى وموافقة الخط. # وكان الطبري يقول إن {وصالح المؤمنين} اسم " للجنس: كقوله: {إن الإنسان ~~لفى خسر} [العصر: 2] ونظير ذلك قول الرجل: لا يقربني إلا قارئ القرآن. PageV12P7571 # فهو بلفظ الواحد ومعناه الجنس، فكذلك هذا، فيكون الوقف أيضا بغير واو ~~اتباعا للخط والمعنى. # - ثم قال: {والملائكة بعد ذلك ظهير}. # أي: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين عوين على نصرة محمد. " وظهير " ~~لفظ واحد، ومعناه جمع. ولو أتى على اللفظ لقال: " ظهرا ". # - ثم قال تعالى: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن. . .}. # أي: عسى رب محمد إن طلقكن يا أزواج محمد أن يبدله منكن أزواجا خيرا منكن. ~~وهذا تحذير من الله لنساء نبيه لما أجتمعن عليه في الغيرة. # روى أنس بن أنس أن عمر - رضي لله عنه - قال: " اجتمع على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة, فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ~~أزوجا خيرا منكن، فنزلت PageV12P7572 # كذلك ". قال عمر: " فاستقريتهن امرأة (امرأة) أعظها وأنهاها عن أذى رسول ~~الله وأقول: إن أبيتن أبدله (الله خيرا منكن، حتى أتيت على زينب فقالت: يا ~~ابن الخطاب، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟! فأمسكت. فأنزل ~~الله عز وجل { عسى ربه} الآية ". # - وقوله: {مسلمات}، أي: خاضعات لله بالطاعة {مؤمنات} أي: مصدقات بالله ~~ورسوله {قانتات} أي: مطيعات لله، {تائبات} [أي]: راجعات ms2657 إلى ما PageV12P7573 # يحبه الله ورسوله. {عابدات} أي: [متذللات] لله بالطاعة. {سائحات} (أي): ~~صائمات. قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والضحاك، وقال زيد بن أسلم: ~~{سائحات}: مهاجرات، وهو قول ابن زيد. # ((وقال) ابن زيد): " ليس في (القرآن) ولا في أمه محمد سياحة إلا الهجرة ~~". # وقيل للصائم سائح لأنه لا ينال شيئا بمنزلة السائح في [القفر] لا زاد PageV12P7574 # معه. # وقيل: معناه: ذاهبات في طاعة الله. من: سائح الماء، إذا ذهب. # - وقوله: {ثيبات وأبكارا}. # أي: نساء كبارا قد تزوجن غيره، (ونساء صغارا) لم يتزوجن. # - قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم {وأهليكم. . .}. إلى آخر ~~الآية. # (أي): يا أيها الذين آمنوا اعملوا عملا [صالحا] تقون به أنفسكم من النار، ~~وليعلم [بعضكم [بعضا ما تقون به من تعلمونه من النار، وعلموا أهليكم من ~~العمل ما يقون به أنفسهم من النار. PageV12P7575 # قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في [قوله]: {قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا} أي: علموهم وأدبوهم. # قال ابن عباس: معناه: " اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصيه، ومروا أهليكم ~~بالذكر/ ينجيكم الله من النار ". # وقال مجاهد: " واتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله ". # وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن [معصيته]. # وقيل: المعنى: لا تعضوا فيعصي أهلوكم. # وفي الحديث: " لا تزن [فيزني] أهلك ". PageV12P7576 # وقوله: {وقودها الناس والحجارة. . .}. # أي: حطبها بنو آدم وحجارة الكبريت. # {عليها ملائكة غلاظ شداد. . .}. # (أي): على هذه النار ملائكة غلاظ على أهل النار، شداد عليهم. # وقيل: {شداد} بمعنى: أقوياء. # {لا يعصون الله مآ أمرهم. . .}. # أي: لا يخالفون الله فيما أمرهم به عذاب الكفار وغيره. # {ويفعلون ما يؤمرون}. # أي: ينتهون إلى ما أمرهم الله به. # - ثم قال تعالى: {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون}. PageV12P7577 # (أي): يا أيها الذين جحدوا وحدانية الله، لا تعتذروا عن كفركم يوم ~~القيامة بما لا ينفعكم، إنما تثابون جزاء على أعمالكم. # ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا. . .}. # أي: يا أيها الذين صدقوا الله، ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة ms2658 الله وإلى ما ~~يرضيه عنكم رجعة نصوحا، أي: لا تعودون معها أبدا. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب الرجل من العمل ~~السيء ثم لا يعود فيه أبدا ولا يريد أن يعود فيه. هو قول الضحاك. وقاله ابن ~~مسعود. # وقال قتادة: التوبة النصوح " هي الصادقة النصاحة ". # ومن ضم النون، فيجوز أن يكون جمع نصح. ويجوز أن يكون مصدرا، PageV12P7578 # كرجل عدل، (أي): صاحب عدالة. # وقال ابن زيد: النصوح: الصادقة، ويعلم أنها صدق بندامته على خطيئته وحب ~~الرجوع إلى طاعة الله. # - (ثم قال تعالى: {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم. . .}. # أي: محوها عنكم. # و" عسى " من الله) واجبة. # {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزى الله النبي والذين ~~آمنوا (معه). . .}. # أي: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار في يوم [لا يخزي] الله ~~فيه النبي، أي: لا يبعده من إفضاله وإنعامه، ولا يبعد الذين آمنوا معه من ~~ذلك. PageV12P7579 # - ثم قال: {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. # . .}. # قال ابن عباس: يأخذون كتابهم فيه البشرى. # {يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا. . .}. # أي: يسألون ربهم أن يبقي لهم نورهم حتى يجوزوا الصراط، وذلك حين يطفئ نور ~~المنافقين وقت يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من ~~نوركم. قاله مجاهد وغيره. # وقال الحسن: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة فيطفئ نور المنافقين، ~~فيخشى المؤمن أن يطفئ نوره. فذلك قوله: {أتمم لنا نورنا} ". # {واغفر لنآ. . .}. # أي: واستر علينا ذنوبنا. # {إنك على كل شيء قدير}. PageV12P7580 # أي: إنك على إتمام نورنا وغفران ذنوبنا وغير ذلك من الأشياء قدير. # - ثم قال: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم. . .}. # أي: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالوعيد والتهدد. # قال قتادة: " أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف [ويغلظ على المنافقين ~~بالحدود] ". # ومعنى {واغلظ عليهم} أي: اشدد عليهم في ذات الله ولا تلن. # ثم قال تعالى: {ومأواهم جهنم وبئس المصير. . .}. # أي: ومسكنهم في الآخرة جهنم، وبئس الموضع الذي يصيرون إليه. # ثم قال تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا ms2659 امرأت نوح وامرأت لوط كانتا ~~تحت عبدين من عبادنا صالحين (فخانتاهما). . .}. # أي مثل الله للذين كفروا هاتين المرأتين، كانتا تحت {عبدين PageV12P7581 # (من عبادنا) صالحين}، وهما لوط ونوح [{فخانتاهما}]. # قيل: إن خيانة امرأة نوح لنوح أنها كانت كافرة، وكانت تقول للناس إنه ~~مجنون، وخيانة امرأة لوط (له) أنها كانت [تدل قومها] على أضيافه. وكان هو ~~يسترهم. وقيل: كانت توقد نارا إذا نزل بلوط ضيف فيعرف قومه أن عنده ضيفا، ~~فيأتون لأذاه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما كانت أحدهما تقول ~~إنه مجنون، والأخرى تدل على أضيافه. # قال عكرمة: " كانت خيانتهما أنهما كانتا مشركتين "، وقاله الضحاك. # فلم يغن صلاح زوجيهما عنهما شيئا، بل قيل لهما: أدخلا النار مع من دخلها PageV12P7582 # بخيانتكما. # كذلك من كان كافرا وابنه أو زوجه أو قريبه مؤمن، لا يغني عنه إيمان قريبه ~~شيئا من عذاب الله. # فالفائدة في هذا أن أحدا لا ينفعه إيمان غيره. # وقيل: {مع/ الداخلين} يريد: مع القوم الداخلين. # ثم قال تعالى: {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن ~~لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون}. # وهي آسية، آمنت وهي تحت عدو الله فلم يضرها كفره، إذ لا تز وازرة وزر ~~أخرى. فدعت الله أن [يبني] لها بيتا في الجنة ففعل، [وسألته] أن ينجيها من ~~فرعون وعمله وعمل قومه ففعل، فماتت مسلمة. PageV12P7583 # قال القاسم بن أبي بزة: " كانت امراة فرعون تقول، تسأل من غلب، فيقال: ~~غلب موسى وهارون، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون، فقال: ~~أنظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها،، وإن رجعت عن ~~قولها فهي [امرأتي]. # فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة فمضت على قولها، ~~فانتزع الله روحها وألقيت الصخرة على جسدها ليس فيه روح ". # قال قتادة: " أعتى أهل الأرض (على الله) وأبعده من الله، فوالله ما ضر ~~امرأته كفور زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل لا يؤاخذ أحدا ~~إلا بذنبه ". # - ثم قال: ms2660 {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها. . .}. # أي: وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم التي منعت جيب درعها جبريل، وكل ما ~~كان في الدرع من فتق أو خرق فإنه يسمى فرجا (وكذلك كل) [صدع] أو شق PageV12P7584 # في حائظ أو سقف فهو فرج. # - ثم قال تعالى: {فنفخنا فيه من روحنا. . .}. # (أي): فنفخنا في جيب درعها من جبريل عليه السلام. # وقيل: معناه: فجعلنا في الجيب من الروح الذي لنا أي: الذي نملكه. # - ثم قال تعالى: {وصدقت بكلمات ربها. . .}. # [أي: وآمنت] بعيسى وهو كلمة الله، وبالكتاب الذي أنزل عليه وقبله، وهي ~~كملة الله، هي التوراة والإنجيل. PageV12P7585 # ثم قال: {وكانت من القانتين}. # أي: من المطيعين، أي: # من القوم المطيعين. (داود بن إسحاق). PageV12P7586 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الملك مكية # روى جابر بن عبد الله أن النبي - عليه السلام - كان لا ينام حتى يقرأ: ~~"تنزيل السجدة" و (تبارك الذي بيده الملك) و [كان] يقول: هما يفضلان كل ~~سورة بسبعين حسنة، فمن قرأهما كتبت له سبعون حسنة، ومحي سبعون سيئة، ورفع ~~له سبعون درجة. PageV12P7587 # ومعنى "يفضلان " أي: يعطي الله على قراءتهما من الأجر أكثر مما يعطي على ~~غيرهما، لأن بعض القرآن أفضل من بعض، فافهمه. # قال ابن مسعود: من قرأ سورة الملك فقد أكثر وأطيب. # وقال: هي المجادلة جادلت عن رجل كان يقرؤها. # وعنه أنه قال: من قرأ (تبارك الذي بيده الملك) كل ليلة وقاه الله فتنة ~~القبر. # وقاله كعب. وذكر أنه يجدها في التوراة كذلك. # وروى أبو هريرة [عن] النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن سورة من ~~القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي "تبارك الذي بيده الملك". # وعن ابن مسعود أنه قال: يؤتى الرجل من قبل رجليه -يعني في القبر-، قال: ~~فيقول رجلاه: ليس (لكما) على ما قبلي سبيل، إنه كان يقوم على سورة الملك. ~~فيوتى من قبل وسطه فيسأل، فيقول بطنه: ليس لكما على ما قبلي سبيل، إنه كان ~~قد وعى في PageV12P7588 # سورة الملك. فيؤتى من قبل رأسه فيقوم لسانه: ms2661 ليس لكما على ما قبلي، إنه ~~كان يقرأ في سورة الملك. ثم قال ابن مسعود: هي المانعة، تمنع من عذاب ~~القبر، وهي في التوراة: هذه سورة الملك، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب. # ويقال: إن عذاب القبر يكون من ثلاثة أشياء: من النميمة والغيبة وقلة ~~التنزه من البول. # ويقال: ليس يصحب المؤمن في قبره (شيء) خير له من كثرة الاستغفار. # قوله تعالى: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير}، إلى قوله: ~~{على صراط مستقيم}. # تبارك: تفاعل على البركة، ولا يقال منه مستقبل ولا اسم فاعل. # ومعناه: تعاظم وتعالى الرب الذي بيده ملك الدنيا والآخرة PageV12P7589 # [وسلطانهما]، نافذ فبهما أمره وقضاءه. # {وهو على كل شيء قدير}. # أي: وهو ذو قدرة على فعل كل شيء أراده [{قدير}]: لا يمنعه مما أراد شيء. # وقيل: معناه: الذي بيده الملكم، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. # - ثم قال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}. # أي: خلق الموت ليميت الأحياء، وخلق الحياة ليحيي الموتى. وفعل ذلل ~~ليختبركم في حايتكم وطول إقامتكم في الدنيا، أيكم أحسن عملا فيجازيه على ~~ذلك في الآخرة. وقد علم تعالى كل ما هم عاملون، وعلم الطائع والعاصي/ قبل ~~خلقهم، لكن المجازاة إنما تقع بعد ظهور الأعمال، [لا يجازى] أحد (بعلم الله PageV12P7590 # فيه دون ظهور عمله). # فالمعنى: ليخبتر وقوع ذلك (منكم) على ما سبق في علمه وقضائه. وتقديره: من ~~خير وشر احتسابا منكم. # قال قتادة: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دا ر حياة ودار فناء، ~~وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. # - ثم قال: {الذي خلق سبع سماوات طباقا. . .}. # أي: اخترع ذلك طبقا فوق طبق. # {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. . .}. # أي: من اختلاف، يعني في خلق السماوات، وقيل: في كل ما خلق، فكله محكم دال ~~على قادر بارئ حكيم في تدبيره ولطفه. # - ثم قال تعالى: {فارجع البصر هل ترى من فطور}. # أي: هل ترى يا ابن آدم من شقوق أو وهي؟ PageV12P7591 # - (ثم قال تعالى: {ثم ارجع ms2662 البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو ~~حسير}). # أي: ثم رد البصر يا ابن آدم مرتين مرة بعد آخرى، هل ترى من شقوق، أو وهي ~~في الخلق أو تفاوت؟! # {ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} أي: يرجع إليك البصر صاغرا متبعدا عن ~~أن يجد تفاوتا أو شقوقا. من قولهم للكلب: " اخسأ " إذا طردوه، أي: أبعد ~~صاغرا. يقال: خسأته فخسأ. # وقوله: {وهو حسير} أي: معي. # (وقال ابن عباس: " {خاسئا}: ذليلا {وهو حسير} أي: مرجف. # وقال قتادة: معناه: {ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير}، أي: معي)، وعنه PageV12P7592 # قول ابن عباس. # يقال: حسير ومحسور للرجل إذا بلغ غاية الإعياء. # - ثم قال تعالى: {ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ~~للشياطين. . .}. # أي: زينا السماء بنجوم ترجم الشياطين بها إذا [أتوا لاستراق] السمع. # قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: خلقها للزينة، وترجم الشياطين ~~(بها)، وعلامات يهتدوا بها. # و" رجوم " مصدر على قول من قال: إنما يرجم من [النجوم] بالشهب، ولا تبرح ~~النجوم (بنفسها). # ومن قال: بل يرجم بها نفسها قال: رجوم جمع رجم. PageV12P7593 # - ثم قال: {وأعتدنا لهم عذاب السعير}. # أي: وأعتدنا للشياطين في الآخرة عذابا يسعر عليهم. # - ثم قال: {وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير}. # أي: وللذين جحدوا توحيد ربهم في الآخرة عذاب جهنم، وبئس المصير عذاب ~~جهنم. # - ثم قال تعالى: {إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور}. # أي: إذا [ألقي] الكافرون في جهنم سمعوا لجهنم شهيقا، أو صوت الشهيق. ~~والشهيق: الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوت الحمار. # {وهي تفور}: تغلي بهم كما تغلي القدر. # - ثم قال تعالى: {تكاد تميز من الغيظ. . .}. # (أي: تكاد جهنم تتفرق وتتقطع من الغيظ على الكفار). # {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير}. PageV12P7594 # أي: كلما أقرى في جهنم جماعة سألهم خزنة جهنم فيقولون لهم: ألم يأتكم ~~نذير في الدنيا ينذركم هذا العذاب الذي حل بكم؟ [فيجيبهم] المشركون: # {قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء. . .}، فيقول ~~لهم [الخزنة]. # {إن أنتم ms2663 إلا في ضلال كبير}. # أي: في ضلال عن الحق بعيد. # " ونذير ": بمعنى منذر. # - ثم قال تعالى: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}. # أي: وقال الفوج لخزنة جهنم: لو كان نسمع من النذير ما جاءنا به ن الحق ~~سماع قبلو، أو نعقل عنه ما يدعونا إليه فنفهمه فهم قبول ما كنا اليوم في ~~أصحب النار. # وقيل: {نسمع} بمعنى]: نقبل منهم ما يقولون لنا. ومنه قولهم: سمع الله PageV12P7595 # لمن حمده: أي قبل منه. # والقول الأول هو بمنزلة قوله: {صم بكم عمي} [البقرة: 18] لم يكونوا كذلك، ~~ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح في عاقبة أمرهم كانوا بمنزلة الصم والبكم ~~والعمي. # - ثم قال تعالى: {فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير}. # أي: فأقروا بذنبهم، فبعدا لهم. قال ابن عباس. # وقال ابن جبير: {فسحقا}: هو واد في جهنم. # ثم قال تعالى: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير}. # أي: إن الذين يخافون ربهم ولم يروه وقيل: يخافون ربهم إذا غابوا عن أعين ~~الناس، فمن خاف الله في الخلاء فهو أحرى أن يخافه بحضرة الناس. # {لهم مغفرة}. # أي: ستر على ذنوبهم وصفح عنها. PageV12P7596 # {وأجر كبير}. # أي: وثواب عظيم، وهو " الجنة ". # - ثم قال تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به. . .}. # أي: وأخفوا كلامكم إن شئتم أو أعلنوه إن شئتم، فإنه لا يخفى على الله منه ~~شيء. # {إنه عليم بذات/ الصدور}. # أي: عليم بضمائر الصدور. فمن كان لا يخفى عليه ضمائر الصدور كيف يخفى ~~عليه القول سرا كان أو جهرا. # ؟! # - ثم قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. # " من ": في موضع رفع اسم الله جل ذكره. ويقبح أن تكون في موضع نصب لأنه ~~يلزم أن يقال: " ألا يعلم ما خلق "، لأنه راجع إلى (ذات الصدور). فالمعنى: ~~ألا يعلم من خلق الصدور سرها وعلاينتها، كيف يخفى عليه خلقه وهو اللطيف ~~بعباده، الخبير بأعمالهم؟! وإذا جعلت " من " بمعنى " ما " في موضع نصب، كان ~~فيه دليل قوي) على أن الله خالق ما تكن الصدور من ms2664 خير وشر. ففيه حجة PageV12P7597 # [قوية] على القدرية الذين يدعون أنهم يخلقون الشر وأن الله لم يخلقه ولا ~~قدره، تعالى أن يكون في ملكه ما لم يخلقه بقدره، بل لا خالق لكل شيء إلا ~~الله، ولو كان الشر لم يخلقه الله فمن خلق إبليس؟! ومن خلق الأصنام التي ~~تبعد من دون الله؟! ومن خلق نطفة الزاني وولد الزانية؟! ومن خلق قوة الزاني ~~والسارق وقاطع الطريق؟! وهو كله شر من خلق الله كما قال تعالى: {يضل من ~~يشآء ويهدي من يشآء} [فاطر: 8]. # وقال: {ولو شآء ربك ما فعلوه} [الأنعام: 112]، فكل بمشيئته كان، لا شريك ~~له، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه. # وكذلك يكون المعنى إذ جعلت " من " في موضع رفع اسم الله جل ذكره [ويكون ~~التقدير: ألا] يعلم الخالق خلقه وهو (ما) في الصدور (ومن خير وشر فيهم ذلك ~~أن الخلق كله لله: ما في الصدور) وغيره. وقل أهل الزيغ: " من " في PageV12P7598 # موضع نصب يراد به الخلق دون ما في الصدور، فهو يدل على خلق أصحاب الأفعال ~~دون الأفعال، وهو خطأ ظاهر على ما قدمنا. # - ثم قال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا. . .}. # أي: سهلا سهلها لكم. # {فامشوا في مناكبها}. # قال ابن عباس: في جبالها، وقاله قتادة، وعن ابن عباس أيضا: {مناكبها}: ~~أطرافها، وقيل: نواحيها، وقيلأ: معناه في جوانبها [المذللة] الممهدة. وقال PageV12P7599 # مجاهد: " طقرها وفجاجها ". # {وكلوا من رزقه. . .}. # (أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض. # {وإليه النشور}. # أي: وإليه نشوركم من قبوركم. # - ثم قال تعالى: {أءمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض. . .}. # أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض ~~عقوبة على كفكركم به؟! # {فإذا هي تمور}. # أي: تضطرب. # {أم أمنتم من في السمآء} (وهو الله). # {أن يرسل عليكم حاصبا. . .}. PageV12P7600 # وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم. أي: لم تأمنوا ~~[من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟! # ثم قال: {فستعلمون كيف نذير}. # أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذا كذبتموه. # ولا يعمل {فستعلمون} " في ms2665 {كيف} لأنها استفهام، وهي خبر " نذير ". # - ثم قال تعالى: {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير}. # أي: ولقد كذب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فيكف كان إنكاري ~~لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! # - ثم قال تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات. . .}. # أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات ~~أجنحتهن أحيانا ويقبضنها أحيانا؟!. # {ما يمسكهن إلا الرحمن}، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا PageV12P7601 # يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله. # {إنه بكل شيء بصير}. # أي: إن الله بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت. # - ثم قال تعالى: {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن}. # أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! # ما {إن الكافرون إلا في غرور} من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى ~~وأنها تنفع أو تضر. # - ثم قال تعالى: {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه. . .}. # أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم. أي: من يأتي ~~بالمطر أمسكه عنكم الرحمن. # ثم قال تعالى: {بل لجوا في عتو ونفور}. # ([اي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكبارا. PageV12P7602 # ثم قال تعالى: {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط ~~مستقيم}. # أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، ~~فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا. هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس. ~~قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في ~~الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه. # -[رواه] عن النبي صلى الله عليه وسلم -، وقال: " فقيل: يا رسول الله كيف ~~يحشر الكافر على وجهه/ فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم ~~القيامة على وجهه ". # وقيل: الذي يمشي مكبا على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط PageV12P7603 # مستقيم: حمزة ms2666 بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم هو في كل من كان مثلهما. # - قوله تعالى: {(قل) هو الذي أنشأكم. . .} إلى آخر السورة. # أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا ~~شيئا. # - {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة. . .}. # لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم .. # {قليلا ما تشكرون}. # أي: قيلا شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم. # قال تعالى: {هو الذي ذرأكم في الأرض. . .}. # أي: خلقكم فيها. PageV12P7604 # {وإليه تحشرون}. # أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب. # - ثم قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}. # أي: ويقول المشركون المكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به ~~إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! # {قل} يا محمد: {إنما العلم عند الله وإنمآ أنا نذير مبين}. # أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، ~~أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. # - ثم قال: {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا. . .}. # أي: فلما رأى المشركون عذاب قريبا وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا. # قال الحسن: {رأوه زلفة}، أي: عاينوه. PageV12P7605 # قال مجاهد: زلفة: " قد اقترب ". # وقال ابن زيد: زلفة: حاضرا، أي: قد حضرهم العذاب. # وقال ابن عباس: {رأوه زلفة}، أي: لما رأوا عملهم السيء. # وقيل: فلما رأوا الحشر. ودل عليه: " يحشرون ". # وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره. # - ثم قال تعالى: {وقيل هذا الذي كنتم به تدعون}. # أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن ~~يعجله لكم. # وقال الحسن: تدعون أن لا جنة ولا نارا. # وأصل {تدعون} [تدتعيون]- على " تفتعلون " - من الدعاء، ثم أعلي ثم PageV12P7606 # أدغم. # وقال أبو حاتم: {تدعون}: تكذبون. # وقيل: {تدعون}: يدعو بعضكم بعضا إلى التكذيب. # وقرأ قتادة والضحاك: " تدعون " مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، ~~وعدا واعتدى، إلا أن في " أفتعل ": معنى التكرير، و " فعل " يقع للتكرير ~~ولغير التكرير. # - ثم قال تعالى: {قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا ms2667 فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم}. PageV12P7607 # أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأما ~~تني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) ~~وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا ~~حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم ~~بل هو (بلاء) عليكم. # - ثم قال تعالى: {قل هو الرحمن آمنا به (وعليه توكلنا)}. # أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في ~~جميع [أمورنا]. # {فستعلمون من هو في ضلال مبين}. # أي: فستعملون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. # - ثم قال تعالى: {قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا. . .}. PageV12P7608 # أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن ~~أصبح [ماؤكم غائرا] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكمم بماء معين غير ~~الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهرا. # وقال ابن عباس: بماء معين: " بماء عذب ". # وقال ابن جبير: بما ظاهر. # وقال قتادة: المعين: الجاري، وغورا: ذهابا، وكذلك قال الضحاك. # وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون " معين " فعيلا من معن الماء إذا كثر، ~~ويجوز أن يكون بمعنى مفعول. والأصل فيه معيون، مثل مبيع. فيكون معناه على ~~هذا: بماء يرى بالأعين. PageV12P7609 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة نون و القلم مكية # - قوله تعالى: {[ن] والقلم} إلى قوله: {مشآء بنميم}. # قال ابن عباس: " ن هو الحوت. قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى ~~بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط ~~الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال PageV12P7611 # لتفخر على الأرض. وهو قول مجاهد. # وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، ~~والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء. # وعن ابن عباس أيضا من رواية عكرمة عنه: " ن " حرف ms2668 من حروف الرحمن. وروى ~~معاوية بن قرة عن أبيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن نون لوح من ~~نور ". PageV12P7612 # وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضا نون: الدواة والقلم: هو القلم ~~المعروف. قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ~~ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ~~ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه/ دخوله في ~~الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل ~~للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم. يريد: قبل ~~أن يمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند ~~الخزان لا يزيد ولا ينقص. هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله ~~" وقد تقدم نحوه في " الجاثية ". # قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أنت PageV12P7613 # الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم ~~عندنا شيئا، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات. ثم قال ابن عباس: ألستم قوما ~~عربا تستمعون الحفظة؟! يقولون: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: ~~29]. وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!. # وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة. # وروى ابن جبير عن قتادة أن {[ن] والقلم}: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، ~~وهو قول ابن زيد. # وقيل: هو اسم من أسماء السورة. # وقيل: هو تنبيه. PageV12P7614 # وقيل: التقدير: ورب نون. والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي ~~جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة. # وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك ~~لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خير وشره [حلوه ~~ومره]، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أول ما خلق الله عز ~~وجل: القلم، فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب ms2669 القدر. # قال: فجرى القلم في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد ". PageV12P7615 # وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحا من لؤلؤة [أو ~~درة] بيضاء دفتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث ~~مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما ~~يشاء. PageV12P7616 # وقوله: {وما يسطرون}. # معناه: والذي يخطون، يعني يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على ~~أن تكون " ما " بمعنى " الذي "، فإن جعلتها والفعل مصدرا كان القسم ~~بالكتاب. # وقال قتادة: {وما يسطرون}: يخطون. # وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد. # وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم. # وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]، PageV12P7617 # والأصل (السين). # - ثم قال تعالى: {مآ أنت بنعمة ربك بمجنون}. # " ما " ما جواب القسم. وهي نفي للجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ~~المشركين ر (موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة). والجنون ستر ~~العقل. ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنة إذا ستره. ومنه: الجنين، لأنه كان ~~مستورا في البطن، ومنه قيل للقبر: جنن منه سمي الجن حنا لاستتارهم عن أعين ~~الناس. وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون. والقياس: مجن. # ثم قال تعالى: {وإن لك لأجرا غير ممنون}. # أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك ثوابا عظيما {غير ممنون}، أي: ~~غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. # وقيل: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف. # وقيل: {غير ممنون} أي: لا يمن به عليك. PageV12P7618 # وقال مجاهد: {غير ممنون} أي: غير محسوب. # - ثم قال تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم}. # أي: لعلى أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام ~~وشرائعه. # وقال ابن عباس: {خلق عظيم}، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. # قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه ~~القرآن. # وقال علي رضي الله ms2670 عنه: {لعلى خلق عظيم}: أدب القرآن. PageV12P7619 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أكمل الناس إيمانا أحسنهم خلقا، ~~تأوله قوم: أحسنهم دينا وطريقة على ما تأول ابن عباس: الآية. # وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس ~~وإكرامهم والرفق بهم. # - ثم قال تعالى: {فستبصر ويبصرون} {بأييكم المفتون}. # [أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل PageV12P7620 # مجاهد؟ # وقيل: المعنى: " بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما ~~يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك. # وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون. # وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد. # وقال مجاهد: {بأييكم المفتون} أي: الشيطان. PageV12P7621 # وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضا) زائدة على هذا القول. ~~روي/ ذلك عن قتادة. # وقل: الباء بمعنى " في "، والتقدير: في أيكم فتن المفتون). # وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: ~~فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون. # وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة. والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام ~~[عنده]. # - ثم قال تعالى: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله. . .}. PageV12P7622 # أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، ~~فاتبع الحق. وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك ~~وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون. وهو مثل قوله: {وإنآ أو إياكم لعلى هدى ~~أو في ضلال مبين} [سبأ: 24]. # - ثم قال تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون. . .}. # أي ود المشركون لن تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك ~~وسفيان. # وعن ابن عباس أيضا معناه: " ود المشركون لو ترخص لهم فيرخصون ". # وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من PageV12P7623 # الحق (فيمالتوك).قال الفراء: الادها: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له. ~~فالتقدير: ود المشركون لو تلين لهم في دينك بجابتك إياهم إلى الركون إلى ~~آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: {ولولا أن ثبتناك لقد ms2671 كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: 74]، وهو مأخوذ من الدهن، شبه التليين في ~~القول بتليين الدهن. # - ثم قال تعالى: {ولا تطع كل حلاف مهين}. # (أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل {مهين}: أي: ضعيف. قاله ~~الحسن. # وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. # وقال مجاهد: الضعيف القلب. PageV12P7624 # وقال قتادة: هو المكثار في البشر. # وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير. # وقيل: مهين بمعنى: مهان، و " فعيل " يأتي بمعنى " مفعل ". # وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله. # - ثم قال تعالى: {هماز}. # أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم. # وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان. PageV12P7625 # واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم. # (وقيل: هما جميعا [لمن] يذكر الناس من ورائهم). # قال قتادة: {هماز} (أي) " يأكل لحوم المسلمين ". # قال أبو عبيد: " بعد ذلك " أي: مع ذلك. وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم ~~[وليس] منهم. # وعن ابن عباس أيضا أن الزنيم: [الظلوم]. # وقال شهر بن حوشب: " هو [الجلف] الجافي الأكول الشروب من PageV12P7626 # [الحرام]. # وقال عكرمة: " الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها. # وقال أبو رزين: هو الفاجر. # وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. # وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو " [الدعي] ". # واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة. كما يقال لمن يدخل في قوم وليس. ~~منهم: زغنفة. والزعنفة: الجناح من أجنحة [السمك ". # ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غيره بالكسر. PageV12P7627 # وعن ابن عباس أيضا أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة ~~الشاة. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه ق ل: {عتل بعد ذلك} ما عرفناه حتى قال {زنيم} ~~فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة. # وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، ~~وهو قول الشعبي. # العتل: الجافي الشديد في كفره. وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلا. # وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل. # قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق]. PageV12P7628 # وقال مجاهد: ms2672 نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود. # - ثم قال تعالى: {مشآء بنميم}. # أي: يسعى بالنمائم بين الناس. # قال ابن عباس: " بنميم: ينقل الكذب. يقال: نميم ونميمة ". # وقال قتادة: بنميم: " بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض ". PageV12P7629 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يدخل الجنة قتات "، وهو النمام. # - قوله تعالى: {مناع للخير معتد} إلى قوله: {لو كانوا يعلمون}. # أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ~~{أثيم}: مأثوم في أعماله لمخالفته أمر ربه. # وقيل: {أثيم}: ذي إثم. # - قال تعالى: {عتل بعد ذلك}. # - ثم قال تعالى: {أن كان ذا مال وبنين} {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير PageV12P7630 # الأولين}. # أي: (ألأن) كان صاحب مال وبنين تطيعه/ على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم ~~أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاء ~~أو إنكارا لها أن تكون من عند الله. " فأن " مفعول من أجله متعلقة بما ~~بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول: - {إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين}. # ويجوز أن (تكون) أن " في موضع نصب متعلقة بقوله ": {مشآء بنميم} {أن كان ~~ذا مال وبنين}، (أي): يفعل ذلك لأن كان ذا مال وبنين، فهي أيضا مفعول من ~~أجله. هذا على قراءة من قرأ: " أن كان " بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام ~~فهو إنكار وتوبيخ " لمن يطيعه أيضا، والمعنى: ألأن كان هذا الحلاف المهين PageV12P7631 # (الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين ~~تطيعه؟! # ويحتمل أن يكون توبيخا وتقريعا لهذا الحلاف المهين. # والمعنى: ألأن كان هذا الحلاف ذ مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا ~~-: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على ها الوجه، ولا يحسن ~~الابتداء: " بأن كان ذا مال " في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب. # ومعنى {أساطير الأولين}: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة. # - ثم قال تعالى: {سنسمه على الخرطوم * إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب ~~الجنة. . .}. # قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، ms2673 أي: علامة، قال: ~~وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخطم بالسيف في القتال. PageV12P7632 # وقال قتادة: هو شين لا يفارقه. # وروي عنه: شين على أنفه. # قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف. ومن السباع موضع الشفة. # والمعنى عنده: سنسمه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه ويعرفه به من ~~شهده في القيامة أنه من أهل النار. # وقيل: معناه: سنعلق به عارا وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه). # وقيل: المعنى: سنسود وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه. # وقيل: الخرطوم هنا: الخمر. PageV12P7633 # - ثم قال تعالى: {إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها ~~مصبحين * ولا يستثنون}. # أي: إنا بلونا قريشا، أي: امتحناهم ما امتحنا أصحاب الجنة، إذا حلفوا ~~ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله. # قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين ~~(منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم ~~المساكين)، فأقسما ليصرمنها مصبحين ولا يطعمون مسكينا. # قال قتادة: كان أبوهم تتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت ~~سنة، وينفق وتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين. # [وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب. PageV12P7634 # والصرم في اللغة: القطع، وهو الجذاذ. # - ثم قال تعالى: {فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون}. # أي: فطرق جنتهم ليلا أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم. قاله ابن ~~عباس. # وروي أن الله أرسل عليها نارا فأحرقت الزرع. # وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال. PageV12P7635 # وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حصد. # ويقال: لليل صريم، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر. # - ثم قال: {فتنادوا مصبحين * أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين}. # (أي): فنادى بعضهم بعضا بعد الصباح أن اغدوا الحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين ~~له. # {فانطلقوا وهم يتخافتون}. # أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يتسارون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا ~~يدخلنها اليوم عليكم مسكين. # - ثم ms2674 قال تعالى: {وغدوا على حرد قادرين}. PageV12P7636 # أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وجد]. قاله مجاهد. # قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم. # قال ابن زيد: " على جد قادرين في أنفسهم ". # وقل: المعنى: {وغدوا على حرد قادرين} [على] أمر أسسوه بينهم. # وقال الحسن: {على حرد قادرين} أي: حاجة وفاقة. # وقال سفيان {على حرد} " على حنق ". # وقال أبو عبيدة: {على حرد}: على منع. وقيل " على قصد ". PageV12P7637 # ومعنى " قادرين " عند الفراء: أي: قد قدروا هاذ [وبنوا] عليه. # وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها. # - ثم قال تعالى: {فلما رأوها قالوا إنا لضآلون}. # (أي): فلما رأوا جنتهم محترقا حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال ~~بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن ~~أيها القوم محرومون. # قال قتادة: {إنا لضآلون} قد أخطأنا الطريق، ما هذه/ جنتنا، فقال بعضهم ~~ممن عرفها: {بل نحن محرومون} أي: قد حرمنا نفعها. # - ثم قال تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون}. # أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذا قلتم لنصر PageV12P7638 # منها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟! # قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء. # وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم " إن شاء الله " معناه تنزيه ~~الله أن يكون شيء إلا بمشيئته. # وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده {قالوا سبحان ربنآ إنا ~~كنا ظالمين}. # أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا. # - ثم قال تعالى: {فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون}. PageV12P7639 # أي: فأقبل بعضهم ليوم بعضا على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين. # - {قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين}. # قالوا: [تعالى] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك. وهذا شيء تقوله العرب عن ~~الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبانك ووقتك. # - {إنا كنا طاغين}. # أي معتدين مخالفين أمر الله. فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيرا ~~منها. # (يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه ms2675 السلام من الأردن، ~~وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. # - ثم قال {عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ. . .}. PageV12P7640 # أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيرا من جنتنا. # - {إنآ إلى ربنا راغبون}. في ذلك. # - قال تعالى: {كذلك العذاب. .}. # أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. # - {ولعذاب الآخرة أكبر. . .}. # عقوبة لمن عصى الله. # {لو كانوا يعلمون}. # (أي لو لكانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا. # - قوله تعالى: {إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم} إلى قوله: {فجعله من ~~الصالحين}؟ # (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في PageV12P7641 # الآخرة. # - ثم قال: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين}. # أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين ~~عصوني؟! # {ما لكم. . .} أيها الناس {كيف تحكمون}. # إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! # - ثم قال تعالى: {أم لكم كتاب فيه تدرسون}. # أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله ~~أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! # وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تخيرون. (فتدرسون) عامل في المعنى ~~في {إن لكم فيه لما تخيرون}، [لكن] منعت اللام في " لما " من فتح " إن " ~~(بتدرسون]. ومثله: {إن لكم لما تحكمون}. والتقدير: أن لكم أيمان علينا ~~بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون. وهذا كله منقطع عند البصريين ~~غير متصل بما قبله، ولا يجوز PageV12P7642 # عندهم تعلق " تدرسون "، إنما تعلق أفعال الشك لاغير. # - ثم قال تعالى: {إن لكم فيه لما تخيرون}. # أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون ~~من الكذب. # - ثم قال تعالى: {أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة}. # أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة ~~بأن لكم حكمكم في ما تتولون. وكسرت الألف من " إن " لدخول اللام في " لما ~~". # وقيل: " بالغة " [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. # - ثم قال تعالى: {سلهم أيهم بذلك [زعيم]}. # أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين ms2676 (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن PageV12P7643 # لهم علينا أيمانا بالغة إلى يوم القيامة؟ # وقيل: " زعيم " معناه: ضمين. والزعيم أيضا المتكلم عن القوم. # - ثم قال تعالى {أم لهم شركآء فليأتوا بشركآئهم. . .}. # أي: ألهم شركاء (بعيونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون ~~فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و ~~[آكد]. # - ثم قال تعالى: {يوم يكشف (عن ساق) ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون}. # أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة. PageV12P7644 # قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم. # وقرأ ابن عباس: " يوم نكشف " بالنون. # وقرأ ابن مسعود: " يوم يكشف " بفتح الياء وكسر الشين. # وعن ابن عباس أيضا أنه قرأ " يوم تكشف " بالتاء، يريد القيامة تكشف عن ~~أهوالها. # وروى مجاهد عن ابن عباس: " عن ساق " قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي ~~[أفظعها] و [شدها]. # وقال ابن جبير: " عن ساق ": عن شدة الأمر ". PageV12P7645 # وقال قتادة {عن ساق} عن أمر فظيع/ لهم جليل. # وعن ابن مسعود أنه قال: " يتمثل للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر ~~المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئا، ~~[فينتهرهم] مرتين أو ثلاثا، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا ~~اعترف لنا عرفناه. (قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ~~ساجدا، ويبقى المنافقون ظهروهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! ~~فيقول: قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون. # قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر ~~عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى [أظهر] من قدرته إليهم. ولا يحل لأحد PageV12P7646 # أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما ~~أنه ليس كمثله شيء، فاحذر أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، ~~[فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من ~~الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخلق الحدث، وكفر ms2677 وأبطل ~~التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبير. # وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلا منكم أن ربكم خلقكم ~~ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: ~~بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى ~~توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب ~~الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا]. قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما PageV12P7647 # شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإ نه ~~يصير فقار أصلابهم عظما واحدا مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم ~~إلى نوركم. ثم ذكر قصرة طويلة. # وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك وأطول. # والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد. وأصل هذا ~~أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في ~~موضع الشدة. PageV12P7648 # وقوله: {ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون}. # أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا ~~يستطيعون السجود. # ودل على على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك ~~يستطيعون السجود فتركوه. ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ~~ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذا دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به ~~فلم يفعلوا. # روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود. # ثم قال: {خاشعة أبصارهم ترهقهم (ذلة). . .}. # أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله. # والعامل في " يوم يكشف " قوله: {فليأتوا بشركآئهم} أي: فليأتوا بالشركاء ~~يوم يكشف، أي يوم القيامة. # لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا ~~يقدرون عليه في الآخرة، " فيأتوا " هو العامل في " يوم يكشف ". ويجوز أن ~~يعمل فيه فعل PageV12P7649 # [مضمر] أي: اذكر يوم يكشف. # ثم قال تعالى: {وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون. . .}؟ # (أي): وقد ms2678 كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون ~~الجوارح، لا يمنعهم من ذكل مانع فلم يفعلوا. # وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. ~~قال الشعبي. # وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون. # قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، ~~فاليوم يدعون وهم خائفون. # وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يؤذن للمؤمنين يوم ~~القيامة في السجود PageV12P7650 # فيسجد المؤمنون، وبين كل مؤمنين منافق فيقسو ظهر المنافق عن السجوج، ~~ويجعل الله سجود المؤمنين على المنافقين توبيخا وصغارا وذلا وندامة وحسرة ~~". # - ثم قال تعالى: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث. . .}. # هذا تهديد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: ~~دعني وإياك، وخلني وإياه. # وقوله: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}. # أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا ~~أنهم إنما متعوا به الخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] ~~بغتة [وهم] لا يشعرون. # فيكون معنى: " سنستدرجهم ": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا ~~أن لهم خيرا ويغتروا بالنعم. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله يمهل الظالم حتى إذا ~~أخذه لم يفلته، وقرأ: PageV12P7651 # {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة} وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ~~ببأسه قليلا ولا يجاهره، وهو من الدرج الذي يصعد وينزل منه قليلا قليلا. # - ثم قال: {وأملي لهم إن كيدي متين}. # أي أنسئ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] / من الدهر على ~~كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. # - وقوله: {إن كيدي متين}. # أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. # - ثم قال تعالى: {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون}. # أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جعلا [فهم] PageV12P7652 # مثقلون [مما] يعطونك من الجعل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون ~~نصحك. # - ثم قال تعالى: {أم عندهم الغيب فهم يكتبون}. # أي: أعندهم اللوح المحفوظ ms2679 الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما ~~يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان ~~به. # - قال تعالى: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت. . .}. # يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي ~~هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ ~~خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. # - واذكر {إذ نادى وهو مكظوم}. PageV12P7653 # أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه. # قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ~~ولا تغضب كما غضب. # - ثم قال تعالى: {لولا أن تداركه نعمة من ربه. . .}. # (أي رحمة - فرحمه) {لنبذ بالعرآء وهو مذموم}. # (أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطرح بالفضاء من ~~الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم " مليم ". # وقيل مذموم: " مذنب ". # - ثم قال تعالى: {فاجتباه ربه. . .}. # أي: فاختاره واصطفاه. # - {فجعله من الصالحين}. # أي: اختاره للنبوة فجعله صالحا، أي: رفعه للعمل الصالح. PageV12P7654 # وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين. # حكى سيبويه: " جعل بمعنى " وصف ". # - قوله تعالى: {وإن يكاد الذين كفروا. . .} إلى آخرة السورة. # قال الفراء: هذا من إصابة العين. والتقدير: وإن يكاد الذين كفروا مما ~~عاينوك يا محمد بأبصارهم ليأخذونك بالعين فيرمونك ويصرعونك كما ينصرع الذي ~~يزلق في الطين ونحوه، لأنهم كانوا يقولون: ما رأينا [مثل] حججه ولا مثله. # وقيل: المعنى: أنهم كانوا من شدة نظرهم إليه [وتغيظهم] عيه أن يزلقوه من ~~مكانه. # يقال: أزلق الحجام الشعر وزلقه: إذا حلقه. PageV12P7655 # - ثم قال تعالى: {ويقولون إنه لمجنون}. # أي: ويقول الكفار: إن محمدا لمجنون. # قال ابن عباس: ليزلقونك بأبصارهم: أي ينفدونك من شدة نظرهم، من قولهم: ~~زلق السهمر وزهق إذا نفذ. # وقال ابن مسعود: ليزلقونك: ليزهقونك. # وقال مجاهد: " لينفذونك بأبصارهم ". # وقال قتادة: ليصدونك. PageV12P7656 # - وقوله: {لما سمعوا الذكر. . .}. # أي: لما سمعوا كتاب الله يتلى. # - ثم قال تعالى: {وما هو إلا ذكر للعالمين}. # أي: ليس لاذي جاء ms2680 به محمد جنونا بل هو ذكر للعالمين، أي: للجن والإنس. ~~وقيل: المعنى: " بل محمد ذكر للعالمين ". PageV12P7657 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحاقة مكية # قوله تعالى: {الحاقة * ما الحآقة} إلى قوله: {في الجارية}. # كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم ~~إذا لم يشكل المعنى. # و" الحاقة " ابتداء، و " ما " ابتداء ثان، و " الحاقة ": حبر " ما "، و " ~~ما " وخبرها خبر عن " الحاقة " الأولى، ومثله: {القارعة * ما القارعة}. ~~ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي: شيء هي!، ما ~~أعظمها وأجلها وأشدها. # ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال. PageV12P7659 # قال ابن عباس: " الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده ". # وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله. # - ثم قال تعالى: {ومآ أدراك ما الحاقة}. # أي: واي شيء يدرك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة. # - ثم قال تعالى: {كذبت ثمود وعاد بالقارعة}. # أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد ~~بهجومها عليهم. # قال ابن عباس: {بالقارعة}: بيوم القيامة. # وقال قتادة: بالساعة. # - ثم قال تعالى: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية}. PageV12P7660 # أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر. # قال مجاهد: {بالطاغية} بالذنوب. # قال ابن زيد: {بالطاغية} بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: {كذبت ثمود ~~بطغواهآ} [الشمس: 11] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت ~~عليهم. وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن يموج بالمعنى الذي أهلكوا ~~به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك/ إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي ~~أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله). # وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية. # (وقيل): بالفعلة الطاغية. PageV12P7661 # وقيل: بالجماعة الطاغية. # وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية. وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في ~~الشدة. فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم]. دليله: ~~قوله في عاد: {بريح صرصر عاتية}، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا من أجله، فإنما ~~وصف العذاب الذي أهلك به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكل قد قيل. # - وقوله: ms2681 {عاتية}. # ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ PageV12P7662 # الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، ومن قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه ~~قوله: {وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم: 8]. # ثم قال تعالى: {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} إلى قوله: {في ~~الجارية}. # أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها. # قال ابن عباس: {عاتية}: أي: " مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة ~~(دائمة) لا تفتر ". # قال قتادة: " الصرصر: " الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. # قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيل، ولا أنزل قطرة إلا ~~بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خزنه فلم يكن لهم ~~عليه سبيل، ثم قرأ: {إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية}، قال: وإن ~~الريح عتت على خزانها فلم يكن [لهم] PageV12P7663 # [عليها] من سبيل، وقرأ: {بريح صرصر عاتية}. # وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك، فلما ~~كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ~~{إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية} إلى قوله: {في الجارية}، ولم ينزل ~~شيء من الريح إلا بمكيال على يدي ملك إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون ~~الخزان، فخرجت فذلك قوله: {بريح صرصر عاتية} عتت على الخزان. # قال ابن زيد: " الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم ~~فقهرتهم ". # قال الضحاك: {بريح صرصر} يعني: باردة، {عاتية} يعني: عتت عليهم بغ ير ~~رحمة ولا بركة. # - ثم قال تعالى: {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما. . .}. PageV12P7664 # أي: سخر تلك الريح على عاد {سبع ليال وثمانية أيام حسوما}. # قال ابن عباس: {حسوما}: " تباعا ". # وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة. # (وعن قتادة)؛ متتابعات. وهو قول سفيان. # وقال ابن زيد: {حسوما}: تحسم كل شيء فلا تبقي من عاد أحدا. # وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم ~~الريح قال بعضهم: ms2682 قوموا بنا نرد على هذا العذاب عن قومنا. # قال: فقاموا وصفوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم PageV12P7665 # منهم واحدا وقرأ: {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} حتى بلغ ~~{خاوية}. # قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدبر بها وبحمولتها ثم ~~[تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: {فلما رأوه عارضا ~~مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24]. # قال: وكان قد أمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ {تدمر كل شيء بأمر ربها} ~~[الأحقاف: 25] الآية. # قال: وما كانت الريح تقلغ كل يوم من الثمانية إلا واحدا. # [قال]: لفما عذب الله قوم [هود] أبقى واحدا ينذر الناس. PageV12P7666 # والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيف حسام: ~~أي: قاطع. # وقيل: {حسوما} جمع حاسم، كجالس وجلوس. # وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم. # - ثم قال تعالى: {فترى القوم فيها صرعى. . .}. # أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم ~~صرعى قد أهلكوا. # - {كأنهم أعجاز نخل خاوية}. # أي: كأنهم أصول نخل قد خوت وتآكلت. PageV12P7667 # - ثم قال تعالى: {فهل ترى لهم من باقية}. # أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعمة باقية. # وقيل: من بقاء. # وقيل: (من) بقية. # - ثم قال تعالى: {وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة}. # أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المذكبة بالفعلة الخاطئة. # ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القبط. # وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيه مؤمنون. # وهذا لا يلزم، لأنه لفظ/ عام معناه الخصوص، أي: ومن قبله من أهل دينه. PageV12P7668 # - وقوله {والمؤتفكات} يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائنهم إذ أهلكوا ~~أي: انقلبت عليهم. # قال مجاهد: {بالخاطئة}: " بالخطايا ". # - ثم قال تعالى: {فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية}. # أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ~~ربهم إليهم. # وقيل: " رسول " هنا بمعنى " رسالة ". # قال ابن عباس: {أخذة رابية} أي: " شديدة ". # قال ابن زيد: رابية ms2683 في الشر أي زائدة. ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عليك ~~إذا خذ أكثر من حقه. # - ثم قال تعالى: {إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية}. PageV12P7669 # أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه ~~الخزنة وتجاوز حده. والطغيان مجاوزة الحد. فقيل: إنه طغى على خزنته فلم ~~يعرفوا له قدرا، وذلك بأمر الله له. حملنا آباءكم في السفينة الجارية. # روي أنه زاد [فعلا كل شي] بقدر خمس عشرة [ذراعا] قاله قتادة. # قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضبا لغضب الله. # [قوله] {لنجعلها لكم تذكرة. . .} إلى [قوله] {على طعام المسكين}. # أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية. # قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه PageV12P7670 # [الأمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رمددا. # - قال {وتعيهآ أذن واعية} .. # [أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وتعيهآ أذن واعية} ثم التفت ~~إلى علي رضي الله عنه فقال: سالت الله أن يجعلها أذنك. قال علي: فما سمعت ~~شيئا من رسول الله قط فنسيته. " # وقال [بريدة]: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: [يا علي]، ~~إن الله PageV12P7671 # أمرني أن [أدنيك] ولا أقصيك، [وأن أعلمك] وأن تعي. وحق على الله أن ~~[تعي]. قال: ونزلت: {وتعيهآ أذن واعية} ". # وقال أبو عمران الجوني: {أذن واعية} [يعني]: أذن عقلت عن الله. # - ثم قال: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة}. # (أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، هي النفخة الأولى. # - {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة}. PageV12P7672 # أي [زلزلتا] زلزلة واحدة. # قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: " صارت غبارا ". # - ثم قال تعالى: {فيومئذ وقعت الواقعة}. # أي: قامت القيامة. # - ثم قال تعالى: {وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية}. # أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ. # قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزول ~~من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ms2684 ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى ~~السابعة، فصفوا صفا بين يدي صف ثم نزل الملك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا ~~رآها أهل الأرض ندثوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض، إلا وجدوا سعبة صفوف ~~من الملائكة مفيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: {إني ~~أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم} [غافر: ~~32 - 33]. PageV12P7673 # وذلك قوله: {وجآء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22]. # - وهو قوله: {يامعشر الجن والإنس إن استطعتم [أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون] إلا بسلطان} [الرحمن: 33] (أي] بحجة، ~~وهو قوله: {وانشقت السمآء}. إلى {على أرجآئهآ. . .}. # أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق. # قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق. # وعن ابن جبير: {على أرجآئهآ}: على حافات الدنيا. PageV12P7674 # وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثني بالواو. # والرجاء: الأمل ممدود. # - ثم قال: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}. # قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو ~~قول الضحاك وعكرمة. # وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه ~~قال): " يحمله اليوم أربعة، ويحمله يوم القيامة ثمانية "، وأنه قال صلى ~~الله عليه وسلم: " إن أقدامهم لفي الأرض السابعة، PageV12P7675 # وإن مناكبهم لخارجة من السماوات عليها العرش "، قال ابن زيد: يريد ~~الأربعة. قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما ~~خلقهم الله قال: تدرون لم خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: ~~تحملون عرشي، ثم قال: سلوني من القوة ما شئتم أجعلها فيكم، فقال أحدهم: قد ~~كان/ عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة ~~الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السموات، (قل: قد جعلت فيك قوة السماوات. ~~وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض ~~والجبال. وقال آخر: في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح. # (ثم) قال: احملوا. قال: فوضعوا العرش على ms2685 كواهلهم فلم يزولوا. قال: فجاء ~~علم آخر، وإنما كان علمهم الذي [سألوه] القوة. فقال لهم: قولوا: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله [العلي العظيم]. فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم PageV12P7676 # يبغلوه بعلمهم فحملوا ". # وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على ~~أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه ~~إنسان. ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش ~~فيصعق، وحناحان يقف [بهما]. ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله ~~القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض. # وقال عطاء عن ميسرة [في قوله] {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}، قال: ~~" أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور ". # قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من ~~النزول PageV12P7677 # والمجيء وشبه ذلك مضافا إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يتأول فيه انتقال ~~" ولا حركة " على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذا الحركة والنقلة إنما هما ~~من صفات المخلوقين. وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي ~~من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمرا مما ~~شهدته في الخلق، إذ {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. وقد قال جماعة من ~~العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزيل: إنها أفعال يحدثها ~~الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تتقدم بين يديه ولا تكيف ولا تشبه، وتقول ~~كما قال وتنفي (عنه) - جل ذكره - التشبيه، ولا تعترض في شيء مما أتى في ~~كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) صلى الله عليه وسلم. # - ثم قال تعالى: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}. # [أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم ~~شيء. PageV12P7678 # وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: ~~فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف. قال أبو موسى: ms2686 " ~~فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله ". # وروى مثل ذلك قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # - ثم قال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم اقرءوا كتابيه}. PageV12P7679 # أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا: {اقرءوا كتابيه}. # وقال بعض [أهل اللغة]: أصل " هاؤم " " هاكم "، ثم أبدل من الكاف واو. # - ثم قال تعالى: {إني ظننت أني ملاق حسابيه}. # هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظنا: فازوا به، وقوم ظنوا ظنا: شقوا ~~[به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك. # والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين أخذ كتابه (بيمينه: أيقنت في ~~الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي. # قال ابن عباس: ظننت: " أيقنت ". # قال قتادة: ظن ظنا يقينا فنفعه الله به، وقال: " ما كان من ظن الآخرة فهو PageV12P7680 # علم " [يريد] من المؤمنين. # - ثم قال: {فهو في عيشة راضية}. # أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة. # وجعلت " مرضية " نعتا [للمعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: " ليل ~~نائم " " وسر كاتم " و " ماء دافق "، بمعنى " مفعول "؛ لأنه فيه بمعنى ~~المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: " ~~رجل ضارب " بمعنى " مضروب " لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع ~~بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد. # - ثم قال تعالى: {في جنة عالية}. # أي: رفيعة المقدار والمكان. # - ثم قال تعالى: {قطوفها دانية}. PageV12P7681 # أي: ما يقطف من ثمارها دان، أي: قريب من قاطفه (يقطفه)، فكيف شاء - في ~~حال قيام أو قعود أو اضطجاع - لا يمنعه منه بعد، ولا يحول بينه [وبينه] ~~[شوك]. # - ثم قال تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية}. # أي: كلوا/ من ثمرات الجنات غير مكدر ولا منقص عليكم بما تقدم (لكم) من ~~الأعمال الصالحات في الأيام الماضية في الدنيا لأخراكم. قال قتادة: هذه ~~الأيام الخالية فانية تؤدي إلى أيام باقية، فاعملوا في هذه الأيام وقدما ~~فيها خيرا إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله. ويقال: من عمل في الزمان الذي ms2687 لا ~~بقاء فيه أوصله إلى نعيم الزمان الذي لا زوال له. # ويقال: إنه صيام في أيام الدنيا. روي أنه يوضع يوم القيامة للصوام في PageV12P7682 # الدنيا مائدة يأكلون عليها الناس في الحساب، فيقولون يا رب: نحن في ~~الحساب وهؤلاء يأكلون؟ فيقول: إنهم طالما صاموا في الدنيا وأكلتم، وقاموا ~~ونمتم. # - ثم قال تعالى: {وأما من أوتي كتابه بشماله. . .}. # أي: كمتاب عمله، {فيقول ياليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه}. # أي: ولم أدر أي شيء حسبي؟! # - ثم قال: {ياليتها كانت القاضية}. # أي: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ~~ولم يكن بعد ذلك حياة. # قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء أكره إليه من الموت. # - ثم قال: {مآ أغنى عني ماليه}. # أي: لم ينفعني [مالي] ولا دفع عني من العذاب شيئا، فتكون " ما " نافية. ~~ويجوز أن تكون استفهاما في موضع نصب والتقدير، أي بشيء أغنى عني مالي. PageV12P7683 # - ثم قال تعالى: {هلك عني سلطانيه}. # قال [ابن عباس]: ضلت عني كل [بينة] لي (فلم) تغن عني شيئا. قال عكرمة ~~ومجاهد: سلطاني: حجتي. وقال ابن زيد: {هلك عني سلطانيه} أي: " سلطان الدنيا ~~" وملكها. # - ثم قال تعالى: {خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه}. # هذا أمر من الله لخزان جهنم من الملائكة، أي: خذوا هذا الكافر فغلوا يده ~~إلى عنقه، ثم الجحيم فألقوه وأوردوه (فيها). # {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه}. # أي: اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا. وذلك أن تدخل في دبره وتخرج من ~~منخريه. وقيل: تدخل في فيه وتخرج من دبره. وقال محمد بن المنكدر: لو جمع ~~حديد الدنيا ما مضى منها ما بقي ما عدل حلقة من حلق PageV12P7684 # السلسلة. # قال نوف البكالي: الذراع سبعون ذراعا أبعد ما بينك وبين مكة وهو يومئذ ~~بالكوفة. قال ابن عباس: {سبعون ذراعا} " بذراع الملك {فاسلكوه} تسلك في ~~دبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه ". # وروى عبد الله بن عمر وابن العاص أن رسول الله صلى الله ms2688 عليه وسلم قال: " ~~لو أن رصاصة مثل هذا - وأشار إلى مثل جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض - PageV12P7685 # وهي مسيرة خمس مائة سنة - لبلغت الأرض قبل الليل. ولو أنها أرسلت من رأس ~~السلسلة لسارت أربعين خريفا - الليل والنهار - قبل أن [تبلغ أصلها أو قعرها ~~". # وقيل: فاسلكوه، وإنما تسلك السلسلة فيه لأن المعنى مفهوم، مثل قولهم: ~~أدخلت رأسي في القلنسوة، وإنما تدخل [القلنسوة] في الرأس، وشبهه كثير في ~~الكلام. # وقال الفراء: التقدير: فاسلكوه فيها. # وروى نعيم بن حماد عن كعب أنه قال: ينظر الله إلى عبده يوم القيامة ~~فيقول: " خذوه " فيأخذه مائة ألف ملك حتى يتفتت في أيديهم، فيقول: أما PageV12P7686 # ترحموننا؟! فيقولون: وكيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين؟!. # - ثم قال تعالى: {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم}. # أي: لا يصدق بتوحيد بالله. # {ولا يحض على طعام المسكين}. # ولا يرغب هو ولا يرغب غيره في إطعام أهل المسكنة والحاجة. # - قوله تعالى: {فليس له اليوم ها هنا حميم} إلى آخرة السورة. # أي: فليس لهذا الكافر - يوم القيامة - قريب ولا صديق ينجيه من عذاب الله. ~~وقيل: المعنى: ليس في جهنم ماء حار ولا طعام ينتفع به، قال قطرب. # وقيل: معناه: ليس له في جهنم طعام إلا من غسلين، أي: من صديد أهل النار، ~~وذلك ما يسيل من صديدهم. وقال بعض أهل اللغة: كل جرح غسلته فخرج منه شيء ~~فهو غسلين، وهو " فعلين " من الغسل. قال ابن عباس: غسلين " PageV12P7687 # صديد أهل النار ". وقال قتادة: غسلين " شر الطعام وأخبه وأبشعه ". وقال ~~ابن زيد: " الغسلين والزقوم لا يعلم أحد ما هو ". # فأما، قوله تعالى في موضع آخر: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} [الغاشية: 6] ~~فقد قيل: إن الغسلين من الضريع كما تقول: ما لي طعام إلا الرطب، ما لي طعام ~~(إلا) النخل. # - ثم قال {لا يأكله إلا الخاطئون}. # أي: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون (أي): المذنبون [الذين] ~~ذنوبهم كفر بالله. # - ثم قال: {فلا أقسم بما تبصرون * [وما لا تبصرون]}. PageV12P7688 # أي: أقسم [بذلك]، (و " لا " زائدة. ms2689 وقيل: " لا " رد لكلامهم. والمعنى: ما ~~الأمر كما تقولون مشعر أهل التكذيب بكتاب الله ورسوله، ثم ابتدأ فقال: أقسم ~~بما تبصرون وما لا تبصرون، أي: أقسم بالأشياء كلها - أي بربها - إن القرآن ~~{إنه لقول رسول كريم}. # أي: كريم على ربه وهو محمد صلى الله عليه وسلم يقرأه ويتلوه عليكم. وقيل: ~~هو جبريل عليه السلام. # - ثم قال: {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون}. # أي: وما القرآن بقول شاعر، لأن محمدا لا يحسن قول الشعر فتقولون هو شاعر، ~~قليلا إيمانكم، أي إيمانا قليلا إيمانكم أو وقتا قليلا. وهذا كله خطاب من ~~الله PageV12P7689 # جل ذكره لمشركي قريش. # - ثم قال: {ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون}. # أي: وليس هذا القرآن بقول كاهن فيقولون هو من سجع الكهان، قليلا ما ~~يعتبرون ويذكرون] به. # - ثم قال: {تنزيل من رب العالمين}. # أي: هو تنزيل من رب العالمين تنزل به جبريل على محمد عليه السلام. وقيل: ~~التقدير: لكنه تنزيل من رب العالمين. # - ثم قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل}. # أي: لو قال محمد من عند نفسه بعض ما جاءكم به وتخرص علينا. # {لأخذنا منه باليمين}. # قال ابن عباس: باليمين: بالقوة. (وقيل باليمين): باليد اليمنى، أي: كنا PageV12P7690 # نذله [ونهينه] كما يقول الملك لمن يريد إذلاله: " خذوا بيده " فاليد هنا ~~في مضع الإهانة. # قال إبراهيم بن عرفة: معناه: لأخذنا بيمينه، أي لقبضناها، فمعناه: ~~التصرف. بالمعنى لأخذنا بيمينه ولقطعنا [وتينه]، وهو نياط القلب، لا حياة ~~بعد انقطاعه. # - ثم قال تعالى: {(ثم) لقطعنا منه الوتين}. # قال ابن عباس: " الوتين: نياط القلب "، وعنه: " عرق القلب ". وقال مجاهد: ~~هو " حبل القلب الذي في الظهر "، وهو قول قتادة. وقال الضحاك: هو " عرق PageV12P7691 # يكون في القلب، فإذا قطع مات الإنسان ". وقال ابن زيد: (هو) " نياط القلب ~~الذي القلب متعلق به "، وهو قول ابن جبير. # والمعنى في الآية: لو كذب علينا ما لم نقل لأهكلناه، فكان بمنزلة من قطع ~~وتينه فلم يعش. # - ثم قال تعالى: {فما منكم من أحد عنه حاجزين}. # أي: فما منكم - أيها ms2690 الناس - أحد عن محمد صلى الله عليه وسلم يحجزنا إذا ~~أردنا هلاكه وعقوبته. وجمع " حاجزين " على معنى " أحد ". # - ثم قال: {وإنه لتذكرة للمتقين}. # أي: وإن هذا القرآن لتذكرة وعظة [يتعظ] بها المتقون، وهم الذين اتقوا ~~الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه. # - ثم قال: {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين}. # أي (مكذبين) بهذا القرآن. # - ثم قال: {وإنه لحسرة على الكافرين}. PageV12P7692 # أي: وإن التكذيب لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة. # - ثم قال تعالى: {وإنه لحق اليقين}. # (أي): وإن هذا القرآن لمحض اليقين [و] خالصه، أنه من عند الله لم يتقوله ~~(محمد) من عند نفسه وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وأصله ~~عندهم: " الحق اليقين " على النعت، ثم أضيف (المنعوت) إلى نعته، والنعت هو ~~المنعوت في المعنى، فقد صار من إضافة الشيء إلى نفسه. # - ثم قال تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم}. # أي: فسبح بذكر ربك - (يا محمد) -، {العظيم} (أي) الذي كل شيء في عظمته ~~صغير. PageV12P7693 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المعارج مكية # - قوله تعالى: {سأل سآئل بعذاب واقع}، إلى قوله: {ونراه قريبا}. # أكثر المفسرين على أنه من السؤال، ونزلت في (النضر بن الحارث) حين قال: ~~{اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} [الأنفال: 32] الآية. وأصله الهمز. # قال ابن عباس: ذلك سؤال الكفار عن عن عذاب الله وهو واقع [بهم]. قال ~~مجاهد: {سأل سآئل} أي: دعا داع بعذاب الله وهو واقع بهم في الآخرة، قال: ~~وهو قولهم {اللهم إن كان هذا هو الحق} الآية. PageV12P7695 # قال ابن عباس: [هو قول] النضر بن الحارث/ بن كلدة. # وقال قتادة: (سأل عذاب الله أقوام، فبين الله على من يقع)، على الكفارين. # (وروى عروة بن ثابت أنه من السيلان وأنه وا حد من أودية جهنم يقال له: ~~سائل. فتكون الهمزة بدلا من " يا " في سائل. # وقوله: {بعذاب واقع} معناه بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع ~~بهم. وقيل (الكافرين). # معناه: على الكافرين، قاله الضحاك، وكذلك هي في قراءة أبي: " على PageV12P7696 # الكافرين "). # وقال الفراء: التقدير: بعذاب للكافرين واقع، ولا ms2691 يجوز عندهم تعلق. # " للكافرين " ب " واقع ". وقال الحسن: أنزل الله جل وعز {سأل سآئل بعذاب ~~واقع} فقالوا: لمن هو؟ وعلى من يقع؟ فأنزل الله: {للكافرين ليس له دافع}، ~~فهذا يدل (على) تعلق اللام ب " واقع ". # فأما الباء في {بعذاب} فإن المبرد يقول: هي متعلقة بالمصدر الذي دل عليه ~~الفعل. وقال غيره: هي زائدة بمنزلة قوله {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: ~~25]. والباء - في قول من جعله من السؤال - بمعنى " عن "، وهو قول الحسن، ~~وقاله من أهل اللغة ابن السكيت. PageV12P7697 # - وقوله {ليس له دافع}. # أي: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله راد يرده عنهم. # - وقوله {ذي المعارج}: # أي: ذو العلو والدرجات والفواضل والنعم، قاله ابن عباس وقتادة. # وعن ابن عباس: {ذي المعارج} ذي الدرجات. وقيل: إن الملائكة تعرج إليه، ~~فنسب (ذلك إلى نفسه). # - ثم قال تعالى: {تعرج الملائكة والروح}. # أي: تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام إلى اله. # {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}. # أي: كان مقدار صعودهم ذلك - لغيرهم من الخلق - خمسين ألف سنة، وهم يصعدون ~~يوم يقدره الله، وذلك أنها تصعد من منتهى أمر الله جل ذكره من أسفل PageV12P7698 # الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع، هذا معنى قول ~~مجاهد. قال مجاهد: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} يعني بذلك نزول الوحي ~~من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف ~~سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة. # وقال عكرمة: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} قال: في يوم واحد من ~~القضاء كعدل خمسين ألف سنة. وروى عكرمة عن ابن عباس: {في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة} قال: هو يوم القيامة. وهو قول [مجاهد] وقتادة. وقيل: ~~المعنى: لو حكم في ذلك اليوم أعقل الناس وأعدلهم لأقام خسمين ألف سنة قبل ~~أن يحكم بين اثنين. # والروح: جبريل عليه السلام. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: سأل ~~سائل PageV12P7699 # بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ms2692 ألف سنة للكافرين. أي: ذلك اليوم على ~~الكافرين في صعوبته كقدر صعوبة خمسين ألف سنة. # - ثم قال {تعرج الملائكة والروح إليه. . .}. # قال ابن عباس: جعل الله يوم القيامة على الكفارين مقدار خمسين ألف سنة، ~~أي: محاسبة الله الخلق [فيه] وإثباتهم أو معاقبتهم مقدار خمسين ألف سنة لو ~~كان غير الله المحاسب والمجازي. ودل على هذا المعنى ما وروى أبو سعيد ~~الخدري " أنه قيل للنبي عليه السلام: ما أطول هذا اليوم! فقال: " إنه على ~~المؤمن أخف من صلاة مكتوبة يصليها ". PageV12P7700 # وروى ابن نجيح عن مجاهد أنه قال: الدنيا كلها من أولها إلى آخرها خمسون ~~ألف سنة، لا يدري أحد كم مضى منها، ولا كم بقي. وروى (عن) ابن عباس توقف عن ~~تفسيره. # (وقد قل مجاهد (في قوله) تعالى): {تعرج الملائكة والروح إليه} قال الروح ~~خلق الله مع الملائكة لا تراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. # - ثم قال: {فاصبر صبرا جميلا}. # أي: فاصبر يا محمد على أذاء هؤلاء المشركين لك، ولا يمنعك ما تلقى PageV12P7701 # منهم من المكروه من تبليغ ما أمرك الله (به) من الرسالة (إليهم). # ومعنى {جميلا}: أي: لا حرج فيه، قال ابن زيد: هذا منسوخ، إنما كان قبل ~~الأمر بالقتال، ثم أمر بالقتال والغلظة (عليهم) والشدة، وقيل: هو محكم؛ لأن ~~النبي عليه السلام لم يزل صابرا عليهم محتملا. ويقال: الصبر الجميل في ~~المصائب ألا يعرف صاحب المصيبة بن جماعته [لتجلده] في صبره/ [واحتسابه]. # - ثم قال: {إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا}. # (أي): إن هؤلاء [المشركين]- الذين سألوا العذاب الواقع عليهم - PageV12P7702 # يرون وقوع العذاب عليهم بعيدا إذ لا يصدوقون به، ونحن نراه قريبا؛ لأنه ~~كائن لا بد منه وكل ما هو كائن فهو ريب. # - قوله تعالى: {يوم تكون السمآء كالمهل}، إلى قوله: {غير مأمون}. # أي: ونرى العذاب قريبا (في) يوم تكون (فيه) السماء كالمهل. وقيل: ~~التقدير: يبصرونهم يوم [تكون]. وقيل: التقدير: أحذروا يوم تكون السماء ~~كالمهل، قال مجاهد: " كعكر الزيت ". وقال قتادة: تحول لونا آخر إلى الخضرة، ~~وقد تقدم ذكر " المهل " بأشبع ms2693 من هذا. # ثم قال: {وتكون الجبال كالعهن}. PageV12P7703 # قال مجاهد: كالصوف. وهو جمع " عنهة "، وأهل اللغة على أنه لا يقال ~~(للصوف) " عهن " حتى يكون مصبوغا. # - ثم قال: {ولا يسأل حميم حميما} .. # أي: ولا يسأل قريب ولا صديق عن قريبه ولا عن صديقه لشغله بنفسه. # ومعنى {يبصرونهم. . .}. # أي: يبصر كل إنسان قرينه فيعرفونه. قال ابن عباس: يعرف بعضهم بعضا، ~~ويتعارفون، ثم يفر بعضهم [من] بعضهم، بعد ذلك، يقول الله: {لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 37]، وهو قول قتادة. فالهاء والميم - على هذا - ~~للأقرباء، والضمير في [يبصرون] للكفار، فالهاء والميم للأقرباء، أي: يبصر ~~الله الكفار أقرباءهم في القيامة ويعرفهم بهم، فهو تأويل موافق لصدر الآية؛ ~~لأنه قد ذكر PageV12P7704 # القريب وقريبهه، وهذا مثل قوله: {يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه} ~~[عبس: 34 - 35] الآية. وقال مجاهد: معناه: يبصر الله المؤمنين الكفار في ~~القيامة. فيكون الضمير في " يبصرون " للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. وقال ~~ابن زيد: معناه: يبصر الله الكفار الذين أضلوهم في الدنيا في النار. فيكون ~~الضمير في {يبصرونهم} للكفار التابعين، والهاء الميم للمتبوعين. # وقد روي عن ابن كثير وأبي جعفر يزيد وشيبة: أنهم قرأوا: " ولا يسأل PageV12P7705 # حميم " على ما لم يسم فاعله. ومعناه: لا يقال لقريب: أين قريبك؟، (أي): ~~لا يطلب بعضهم ببعض. ويجوز أن يكون معناه: ولا يسأل إنسان عن ذنب قريبه، ~~مثل قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164]. # - ثم قال {يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه}. # (أي: يتمنى الكفار يوم القيامة لو يفتدي من العذاب ببنيه). # {وصاحبته. . .} وهي زوجته، {(وأخيه)} {وفصيلته. . .}: عشريته، {التي ~~تؤويه} أي: التي تضمه إلى رحلها ومنزلها لقرابة ما بينها وبينه. # - ثم قال: {ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه}. PageV12P7706 # أي: ويود لو يفتدي بمن في الأرض جميعا ثم ينجيه ذلك من عذاب الله، أي: لو ~~لوجد إلى ذلك سبيلا من عظيم ما نزل به لفعله. # وجواب " لو " قوله: {ثم ينجيه}، وقيل: " ثم " بمعنى الفاء أي: فينجيه ~~ذلك، فهو مثل قوله {لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9] الفاء ms2694 جواب " لو ". # قال قتادة: {وفصيلته التي تؤويه} " الأحب فاللأحب، والأقرب فالأقرب من ~~أهله وعشيرته. # . . ". قال الخليل: الفصيلة فخذ الرجل من قو مه. وقال مجاهد: فصيلته: " ~~قبيلته ". وقال ابن زيد: " عشريته ". وفاعل " ينجيه " محذوف، والتقدير: ثم ~~ينجيه ذلك الافتداء، ودل " يفتدي " على الافتداء. PageV12P7707 # قالت سودة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحشر الناس حفاة عراة غرلا ~~حتى ألجمهم العرق وبلغ شحم الآذان. قالت: (قلت): واسوءتان يا رسول الله، ~~أينظر بعضنا إلى بعض؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شغل الناس {لكل ~~امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه} ". # - ثم قال تعالى: {كلا إنها لظى * نزاعة للشوى}. # أي: ليس الأمر على يتمنون، ولا يفيدهم (من عذاب الله شيء. ثم ابتدأ ~~بالإخبار عما أعد لهم من العذاب فقال: {إنها) لظى}، و " لضى " اسم من أسماء PageV12P7708 # جهنم، ولذلك لم تنصرف. ومعنى: " نزاعة للشوى ": تنزع جلدة الرأس وأطراف ~~البدن. # والشوى جمع: شواة، وهي الأطراف. قال ابن عباس: {نزا (عة) للشوى} أي: " ~~تنزع أم الرأس ". وعنه: يعني " الجلود والهام ". وقال مجاهد: " [الجلود] ~~الرأس ". وعنه: تنزع اللحم دون العظم. وقال أبو صالح: {للشوى}: " للحم ~~الساقين ". [قاله] مجاهد أيضا. وقال الحسن: {للشوى}: " للهام/ تحرق كل PageV12P7709 # شيء منه ويبقى فؤاده نضيجا ". وقال الضحاك: {للشوى}: " تبدي اللحم والجلد ~~على العظم حتى لا تترك منه شيئا ". وقال ابن زيد: الشوى: " الأراب العظام، ~~قال: تقطع عظامهم كما ترى ثم تحرق خلقهم وتبدل جلودهمه ". قال ابن جبير: ~~{للشوى} " للعصب والعقب ". وعن مجاهد أيضا: {للشوى}: للجلد. وعنه للأطراف. ~~وقال ثابت البناني: للشوى: لمكارم وجه ابن آدم. # - ثم قال تعالى: {تدعوا من أدبر وتولى}. # أي: تدعو لظى إلى نفسها من أدبر عن طاعة الله وتولى عن الإيمان بالله ~~وبكتبه ورسله، هذا معنى قول قتادة. قال ابن زيد: ليس لها سلطان (إلا على من PageV12P7710 # أدبر وتولى [وكفر وتولى]، فأما من آمن بالله وروسله فلي سله عليه سلطان). # قال الخليل بن أحمد " ليس دعاؤها كالدعاء: " تعالوا " و " هلم ". ولكن ~~دعوتها [إياهم] ما تفعل بهم من الأفاعيل، يعنى ms2695 نار جهنم نعوذ بالله منها. # وقيل: معنى " تدعو " تريد وتطلب، كما قال: {ولهم ما يدعون} [يس: 57] أي: ~~يريدون ويطلبون، فهو " يفتعل " من الدعاء. # ويقال: " تداعت الحيطان إذا انقاضت. وتداعى عليه العدو: إذا أتى من كل ~~جانب. وتداعت القبائل على بني فلان، إذا أقبلوا لحربهم. [ودواعي] الدهر: ~~صروفه. # - وقوله: {وجمع فأوعى}. PageV12P7711 # أي: وتدعو من جمع مالا فجعله في وعائه ومنع حق الله منه. ومعنى " أوعى ": ~~أحاط بمنع المال وحفظه، ومنه: وعيت العلم، وأذن واعية. # - ثم قال: {إن الإنسان خلق هلوعا}. # الهلوع - عند أهل اللغة -: الجزوع، وهو هنا الذي يستعمل في حال الفقر من ~~الجزع ما لا يجب أن يستعمله، وفي الغنى ما لا ينبغي أن يستعمله من منع الحق ~~الواجب فيه وقلة الشكر. وقيل: الهلع شدة الجزع من شدة الحرص والضجر. وقد ~~فسر الله جل ذكره لنا الهلوع من هو فقال: {إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه ~~الخير منوعا}. # وعن ابن عباس: الهلوع الجزوع: الحريص، وهذا كله في الكفار. وقال الضحاك ~~{إن الإنسان} يعني الكافر {خلق هلوعا} أي: بخيلا فهو منوع للخير جزوع إذا ~~نزل به البلاء. قال ابن جبير: {هلوعا} " شحيحا، جزوعا ". وقال PageV12P7712 # عكرمة: ضجورا. وقال قتادة وابن زيد: الهلوع: الجزوع. # - وقوله {إذا مسه الشر جزوعا} أي: إذا قل ماله وناله الفقر والعدم فهو ~~جزوع من ذلك لا صبر له عليه. # {وإذا مسه الخير منوعا} أي: إذا كثر ماله فهو بخيل بما في يديه لا ينفقه ~~في طاعة الله ولا يؤدي منه حق الهل. # - ثم قال تعالى ذكره: {إلا المصلين}. # (أي): إلا الذين يطيعونن الله بأداء فرائضه، [فليسوا] بداخلين في عدد من ~~خلق هلوعا وهو [كافر] بربه. وذكر بعض العلماء أن المصلين هنا الذين كانوا ~~مع رسول الله، وهو قول ابن زيد. PageV12P7713 # وقال غيره: هي في كل من صلى الخمس: قال النخعي {الذين هم على صلاتهم ~~دآئمون} عني به الصلوات الخمس. وقال [عقبة بن عامر] {دآئمون} لا يلتفتون في ~~صلاتهم خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم. # - ثم قال: {والذين ms2696 في أموالهم حق معلوم}. # أي: موقت، وهو الزكاة {للسآئل} [أي] للذي يسأل {والمحروم} الذي حرم الغنى ~~وهو فقير لا يسأل. قال قتادة: الحق المعلوم: " الزكاة المفروضة ". وعن PageV12P7714 # ابن عباس أنه حق آخر الزكاة. وسئل انب عمر عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ ~~فقال: " إن عليك حقوقا سوى ذلك ". وقال الشعبي: " إن في المال حقا سوى ~~الزكاة "، وهو قول مجاهد. وهذا إنما هو على الندب والترغيب لا على الفرض؛ ~~لأن المسلمين قد أجمعوا (على) ألا فرض في المال سوى الزكاة المعلومة، وقد ~~تقدم (ذكر) اختلافهم في المحرم في " والذاريات " وأضفنا الأقوال إلى ~~أصحابها، ونحن نذكره هنا مجملا: # قيلأ: هو المحارف الذي لا سهم له في الإسلام له في الإسلام. وقيل: هو ~~الذي لا سهم له (في) الغنيمة. PageV12P7715 # وقيل: هو الذي لا ينمى له مال. وقيل: هو الذي اجتيح ماله. # وقيل: هو المصاب بزرعه. # وقيل: هو " المتعفف ". # - ثم قال: {والذين يصدقون بيوم الدين}. # أي: يؤمنون بالبعث والجزاء والجنة والنار. # {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون}: # أي: هم وجلون في الدنيا خوفا (أن) يعذبهم ربهم في الآخرة، فهم من [خوفه] ~~لا يضيعون فرائضه ولا يتعدون إلى ما حرمن عليهم. # - ثم قال تعالى: {إن عذاب ربهم غير مأمون}: # أي: لا يؤمن منه من عصى ربه. والوقف على " لظى " جائز حسن في قراءة PageV12P7716 # من رفع " نزاعة "، على تقدير: هي نزاعة. # ومن جعل {لظى * (نزاعة)} بدلا من اسم " إن " وجعل " نزاعة " " خبر " إن ~~لم يقل على " لظى ". # وكذلك إن رفع {نزاعة} على البدل من {لظى} أو على أنها خبر بعد خبر، وكذلك ~~إن جعل الضمير في " إنها " للقصة لم يقف على " لظى "، / لأن " نزاعة " خبر ~~" لظى ". # فإن نصبت " نزاعة " فعلى الحال من " لظى "؛ لأنها معرفة. [ولا] يوقف أيضا ~~- على هذا القول - على " لظى ". # وقد رد المبرد النصب ومنع جوازه، [قال]: لأنه لا يجوز أن تكون لظى إلا PageV12P7717 # نزاعة للشوى، وليس كذا سبيل الحال. # - قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} إلى آخر السورة. # أي: وإلا الذين [يحفظون] فروجهم ms2697 فلا يطئون إلا أزواجهم أو مملوكاتهم فلا ~~لوم عليهم في ذلك. # - ثم قال تعالى: {فمن ابتغى ورآء ذلك. . .}. # أي: فمن التمس لفرجه منكحا سوى زوجته ومملوكته فهو متعد إلى ما حرم الله ~~عليه، ملوم على فعله. # - ثم قال {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}. # أي: وإلا الذين يحافظون على أداء أمانتهم من فروضهم - التي ألزمهم الله ~~إياها - وأمانات عباده التي ائتمنوهم عليها، والوفاء بعهودهم التي أخذها ~~الله PageV12P7718 # عليهم، وعهود عباده عندهم. # - ثم قال {والذين هم بشهاداتهم قائمون}. # أي: وإلا الذي هم لا يكتمون ما أشهدوا عليه، ولكن يؤدونه حيث يلزمهم ~~أداؤه غير مبدلين ولا مغيرين. # - ثم قال: {والذين هم على صلاتهم يحافظون}. # أي: وإلا الذين يحافظون على أداء صلواتهم بفروضها في أوقاتها، بحدودها لا ~~يضيعون شيئا من ذلك ثم أخبر عن مصير هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في الاستثناء ~~من الإنسان الهلوع فقال: # {أولئك في جنات مكرمون}. # أي: الذين تقدمت صفتهم - من قوله: " إلا المصلين " - في بساتين يكرمهم ~~الله بكرامته. # ثم قال تعالى: {فمال الذين كفروا قبلك مهطعين}. # أي: فما شأن الذين كفروا نحوك عامدين: قال قتادة: {مهطعين} " عامدين ". ~~وقال: ابن زيد: المهطع " الذي [لا يطرف "]. وقال الحسن: PageV12P7719 # {مهطعين}: " منطلقين ". وقال أبو عبيدة: مسرعين. فالمعنى: فما شأن الذين ~~كفروا مسرعين بالتكذيب لك. وقيل: بالاستماع منك، ليعيبوك. # - ثم قال {عن اليمين وعن الشمال عزين}. # روي عن ابن عباس (أنه قال): [العزون]: العصب من الناس عن يمين وشمال ~~معرضين عن محمد يستهزئون به. وقال مجاهد (عزين: مجالس مجالس). قل قتادة: ~~{مهطعين} عامدين، {عزين} فرق حول رسول اله لا يرغبون في كتاب الله ولا في ~~نبيه. وقال الضحاك: عزين: (حلقا) وفرقا. قال ابن زيد: عزين: مجالس. # ومعنى {عن اليمين وعن الشمال} أي: عن يمينك وشمالك جماعات متفرقة PageV12P7720 # في أديانهم مخالفين للإسلام. وقال الطبري: {عزين} متفرقين حلقا حلقا ~~ومجالس مجالس، [جماعة جماعة] متفرقين عنك وعن كتاب الله. # - ثم قال {أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا. . .}. # [أي]: أيطمع كل إنسان منهم أن ينجو من ms2698 عذاب الله فيدخل الجنة التي ينعم ~~من دخلها؟! لا يكون ذلك. # - ثم قال: {إنا خلقناهم مما يعلمون}. # أي: من مني حقير لا يستوجب (به) دخول الجنة، إنما يستوجب دخولها بالطاعة ~~لله. قال قتادة: {مما يعلمون} من مني قذر، فاتق الله يا ابن آدم. # وقيل: هو إشارة إلى إعلامهم أنهم كسائر الخلق ليس لهم فضل بأن يؤتى كل ~~أحد منهم ما يريد من دخول الله، بل حكم جميع الخلق ألا يدخل أحد الجنة إلا ~~بالإيمان والعمل الصالح، وأنتم أيها المخاطبون مثل جميع خلقتم من نطفة. PageV12P7721 # - ثم قال تعالى {فلآ أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن ~~نبدل خيرا منهم}. # " لا " زائدة، والتقدير: [أقسم برب: مشارق الشمس] وهي ثلاثمائة وستون، ~~وبرب مغاربها، وهي ثلاثمائة وستون. # - {إنا لقادرون}. # على أن نخلق خيرا منه هؤلاء المشركين ونهلكهم. # - {وما نحن بمسبوقين}: # أي ما يفوتنا أحد نريد هلاكه ولا أمر نريد إتمامه. # قال ابن عباس: " (إن) الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كوة، تطلع كل ~~يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع ~~إلا وهي كارهة، [تقول]: يا رب، لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك ~~ويعملون بمعاصيك ". وعن ابن عباس أيضا في قوله: {فلآ أقسم برب المشارق PageV12P7722 # والمغارب} أنه قال: " هو مطلب الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه ". # - ثم قال تعالى: {فذرهم (يخوضوا ويلعبوا) حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون}. # هذا تهديد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم. أي: دع يا محمد هؤلاء ~~المشركين - المهطعين/ عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ~~ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به. # ثم بين [يومهم] الذي يوعدون فقال: {يوم يخرجون من الأجداث سراعا. . .}، ~~فهو يم بدل من " يوم " الأول. فالمعنى [فذرهم] يا محمد حتى يلاقوا يوم ~~يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي. # - {كأنهم إلى نصب يوفضون}. # أي: كأنهم إلى علم قد نصب لهم يستبقون، [و " نصب " مصدر: نصبت الشيء] ~~نصبا فتأويله كأنهم إلى صنم ms2699 منصوب (لهم) يسرعون ذليلين. وروي PageV12P7723 # عن عاصم أنه [قرأ: {نصب}] بضم النون والصاد، جعله [واحدا لأنصاب]، وهي ~~آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطنب وأطناب. وقيل: هو جمع نصب، والنصب: الصنم ~~الذي ينصب لهم فيكون كرهن ورهن، وهو قول أبي عبيدة. وقيلأ: هو جمع نصاب، ~~والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده. وقرأ قتادة: {نصب} بضم النون ~~وإسكان الصاد فهو مخفف من " نصب ". # وقد قيل: إن نصبا ونصبا ثلاث لغات بمعنى، كما يقال عمرو وعمرو وعمرو. ~~فأما قوله تعالى {وما ذبح على النصب} [المائدة: 3] فهو جمع نصاب عند كل ~~العلماء، وهو PageV12P7724 # الذي ينصب ليذبحوا الآلهتهم عنده وقد مضى ذكره. قال: أبو العالية {إلى ~~نصب يوفضون} أي: كأنهم إلى غايات يستبقون. وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون. ~~وقال الضحاك: إلى (" علم ينطلقون "). وقال ابن زيد: [{إلى نصب}]: النصب ~~حجارة طوال يعبدونها يسمونها نصبا، قال: و {يوفضون}: يسرعون إليه. # وقال الحسن: {(كأنهم) إلى نصب يوفضون} أي: يبتدرون نصبهم أيهم يستلمه ~~أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم. # - وقوله: {خاشعة أبصارهم. . .}. # أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان. PageV12P7725 # - {ترهقهم ذلة. . .}. # أي: تغشاهم ذلة. والعامل في " خاشعة " " يخرجون " أو " ترهقهم "، # - ثم قال تعالى: {ذلك اليوم (الذي) كانوا يوعدون}. # أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذين كانوا يوعدون به في الدنيا ~~فلا يصدقون به. PageV12P7726 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة نوح - عليه السلام - مكية # - قوله تعالى: {إنآ أرسلنا نوحا (إلى قومه)}، إلى قوله: {لو كنتم ~~تعلمون}. # أي: أرسلنا نوحا منذرا قومه عذاب الله الأليم. # قيل: هو الطوفان. # وقيل: هو عذاب جهنم. # ويروى أن نوحا عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين سنة، ~~فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما أعملنا ~~الله عنه، ثم دعا PageV12P7727 # قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما أعلنما عنه. ثم عاش بعد الغرق ~~مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، ms2700 فلما ~~احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمرا وأكثرهم عملا، كيف وجدت ~~الدنيا؟ قال: كبيت له بابان، دخلت من باب وخرجت من باب. # - ثم قال تعالى {[قال] ياقوم إني لكم نذير مبين}. # أي: " نذير " أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، " مبين ": ~~أي قد بينت لكم إنذاري إياكم. # - ثم قال: {أن اعبدوا الله واتقوه. . .}. # (أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به. # - {وأطيعون}. # أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم. # قال قتادة: " أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن [تتقى] PageV12P7728 # محارمه، وأن يطاع أمره ". # - ثم قال تعالى: {يغفر لكم من ذنوبكم}. # أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني. # و" من " بمعنى " عن " أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من ~~الطعام، أي: عن الطعامم. وإذا كانت [" من "] بمعنى " عن " لم تدل على [على] ~~التبعيض، وقيل: " من " للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة ~~عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون " من " زائدة؛ لأنها لا ~~تزاد في الإيجاب. # ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده. # - ثم قال تعالى: {ويؤخركم إلى أجل مسمى. . .}. PageV12P7729 # أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في ~~أم الكتاب. # قال مجاهد: {إلى أجل مسمى. . .}. # أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم} إلى ما قد خط من ~~الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله. # - {إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون}. # (أي): لو كنتم تعلمون لأنبتم. # وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب. # وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم/ وأجل لقبض ~~أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} وهو الآخر من ~~الأجلين إن آمنوا. ثم قال: {إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر} أي: إن ms2701 الأجل ~~الأول إذا جاء وأنتم كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون ~~لم يؤخر. PageV12P7730 # - قوله تعالى: {قال رب إني دعوت قومي (ليلا ونهارا). . .}، إلى قوله: ~~{إلا ضلالا}. # أي: قال نوح لما بلغ رسالكة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى ~~توحيدك ليلا ونهارا وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا ~~إدبارا عن قبول ما جئتهم به. قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم ~~بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه ~~وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك. # من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن PageV12P7731 # النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجمع الله الأولين، والآخرين، وينزل ~~الله في ظلل من الغمام فيكون أول من يقضي له نوح وقومه، يقول الله لقوم ~~نوح: ماذا أجبتم المرسلين؟ قال: فيقول نوح: أي رب، بلغتهم رسالتك ودعوتهم ~~ليلا ونهارا فكذبوني واتهموني، فيقول الله لقوم نوح: ماذا تقولون؟ فيقولون: ~~ربنا ما بلغنا الرسالة، وقد كان فينا حتى خلت قرون (بعد قرون)، وقد كتم ~~الرسالة فلم يدعنا ولم ينذرنا، فيقول الله لنوح: مذا تقول؟ فيقول: رب، لي ~~بينة، فيقول الله: إيت ببينتك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيأتي نوح ~~فيقول: يا محمد، أسألك الشهادة، فإن قومي قد كذبوني عند ربي وجحدوا، قال ~~النبي عليه السلام: فأبعث معه رهطا من أمتي يشهدون له. قال: فينطلق الرهط ~~حتى يقفوا على الرب، فيقول الله لهم: بم تشهدون؟ فيقولون: نشهد أن نوحا قد ~~بلغ قومه ودعاهم ليلا ونهارا وسرا وعلانية فكذبوه واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا. # فيقول الله لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): ربنا، كيف يقبلون علينا ونحن ~~أول الأمم وهم آخر الأمم؟ فيقول الله للرهط: أجيبوهم، فيقول PageV12P7732 # (الرهط): ربنا، بعثت إلينا رسولا من أنفسنا فآمنا به وصدقنا ما أنزلت ~~عليه من الكتاب، فكان فيما أنزلت عليه أنك أرسلت نوحا إلى قومه فبلغهم ~~الرسالة ودعاهم ليلا ونهارا وسرا وعلانية ms2702 فكذبوه، قال: فيقرأون سورة " نوح ~~"، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فما من نبي ~~يكذبه قومهم إلا يأتينا، فأبعث معه رهطا من أمتي يشهدون له وانا عليهم ~~[شيهد] ". # - ثم قال: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ~~ثيابهم. . .}. # أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، ~~أدخلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا دعائي (أياهم إلى ذلك، واستغشوا، PageV12P7733 # أي تغطوا بها لئلا يسمع دعائي). # - ثم قال {وأصروا واستكبروا (استكبارا)}: # أي: أصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جتئهم به من ~~الحق وقبول الإيمان. # - ثم قال: {ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا}. # أي: ثم إن دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاء ظاهرا غير خفي. # قال مجاهد: الجهار: الكلام المعلن (به) ". # {ثم إني أعلنت} أي صرخت وصحت بالذي أمرتني به من الإنذار. # قال مجاهد: أعلنت: " صحت بهم "، وأسررت لهم (اي): قلت لهم ذلك فيما بيني ~~وبينهم. # - {فقلت استغفروا ربكم. . .}. PageV12P7734 # أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم. # - {إنه كان غفارا}. # أي: لم يزل عفارا لمن تاب إليه واستغفروه. # - ثم قال: {يرسل السمآء عليكم مدرارا}. # أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم المطر متتابعا. # وكان عمر رضي الله عنه إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك ~~فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: {وياقوم استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه} [هود: 52] الآية. # - ثم قال: {ما لكم لا ترجون لله وقارا}. # (أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. وعن ~~ابن عباس أيضا أن معناه: " ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته ". # وقال قتادة: معناه: " {ما لكم لا ترجون لله} عاقبة ". PageV12P7735 # وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة. # وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة. ms2703 و " ~~ترجون " هنا - في أكثر الأقوال -/ بمعنى: تخافون. # - ثم قال: {وقد خلقكم أطوارا}. # أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى ~~بلغ (تمام الخلق. منهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر حتى بلغ اللحم. # وقيل: معنه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور PageV12P7736 # [والعمر] والهمم وغير ذلك. # وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن ~~يستعمله. # والطور في اللغة: المرة. # فالمعنى: وقد خلقكم مرارا، أي خلقكم ترابا، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى ~~العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاما، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم ~~أخرجه طفلا، ثم صبيا، ثم بالغا، ثم حدثا، ثم رجلا، ثم كهلا، ثم شيخا. # - ثم قال تعالى: {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا}. # أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طبا فوق ~~طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم. # والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقا. PageV12P7737 # فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!. ويجوز أن يكون " ~~طباقا " [نعتا] ل " سبع "، جمع طبق. # ومعنى ألم ترو كيف [خلق الله]: [اعملوا] أن الله خلق ذلك. ولو كان على ~~غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر ~~الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمره [علمته]، إنما هو دعاء ~~يتمنى كونه له. # ومن هذا قول الرجل [للرجل] ألم تر أني لقيت زيدا فقلت له كذا وقال لي ~~كذا؟. معناه: اعلم أني لقيت زيدا فكان من أمره وأمري كذا وكذا. # ومثله: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1]. # وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقا فتتعظوا ~~وتزدرجوا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل، ولم أوح إليك كيف ms2704 فعلت بهم؟ PageV12P7738 # - ثم قال {وجعل القمر فيهن نورا. . .}. # أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام. ~~فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نورا، فكيف تضيء ~~السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضا؟، فقيل في ذلك: ~~إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: " فيهن "، [يريد]: في بعضهن، كما تقول ~~العرب: أتيت بن يميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما ~~هي في واحدة منهن. # وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه. فلذلك أخبر بالقمر ~~أنه في سبع سماوات وأنما هو في واحدة. # وقيل: معناه: وجعل القمر معهن نورا، أي: خلقه نورا مع خلقه للسماوات ~~فيكون مثل: {ادخلوا في أمم} [الأعراف: 38]. # وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أعطني PageV12P7739 # من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها. وقد قال ابن عمر: إن ~~الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤها في الأرض. # وقال عبد الله بن عرمون بن العص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، ~~وقرأ: {ألم تروا كيف. . .} الآية. # وقيل: التقدير: وجعل القمر نورا، ثم قال: " فيهن " بعدما مضى الكلام. ~~وسأل عبد الله بن عمرو رجل فقال له: ما بال الشمس تصلانا أحيانا وتبرد ~~أحيانا؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما ~~في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه ~~السماء، قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته. PageV12P7740 # - ثم قال: {والله أنبتكم من الأرض نباتا}. # أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتا، يعني آدم أبا الخلق خلقه من ~~تراب الأرض. # - {ثم يعيدكم فيها. # . .}. # أي: في الأرض فتصيرون ترابا. # - {[ويخرجكم [. . .}. # منها إلى البعث. # - ثم قال: {والله جعل لكم الأرض بساطا}. # [هذا] كله [أخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم ~~وتنبيهه لهم لى آيات الله ونعمه عندهم. # فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطا ms2705 لتستقروا عليها، {لتسلكوا منها سبلا ~~فجاجا}. # أي: طرقا واسعة. # وقال ابن عباس: {سبلا فجاجا}، أي: " طرقا مختلفة ". PageV12P7741 # - ثم (قال تعالى): {قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده ~~إلا خسارا}. # أي: قال نوح لما عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بلغتهم عنك فلم ~~يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزد ماله وولده إلا خسارا، أي: ابتعوا في معصيتهم ~~إياي من كثير ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعدا منك - يا رب -[وذهابا] عن ~~سبيلك. # ومن قرأ " ولده " بالضم احتمل أن يكون/ جمع " ولد "، ك " وثن " جمع " وثن ~~"، ويجوز أن يكون واحدا يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: ولده: PageV12P7742 # زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: ولده: عشيرته وقومه. # وقال أكثر (أهل) اللغة: الولد الولد بمعنى واحد. # - ثم قال: {ومكروا مكرا كبارا}. # أي: كبيرا، يقال كبار وكبار بمعنى كبير، كما يقال: " أمر عجيب "، وعجاب ~~بمعنى واحد. ورجل حسان وحسان بمعنى. وجمأل وجمال بمعنى جميل. # قال مجاهد: {كبارا} " عظيما ". # - ثم قال: {وقالوا لا تذرن آلهتكم. .}. PageV12P7743 # أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح {ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا}. # [" هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما ود، فكانت لكلب بدومة الجندل، ~~وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند ~~سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع "]. PageV12P7744 # قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم ~~تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم ~~[فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم ~~الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم ~~نوح يحض بعضهم بعضا على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح. # وقيل: بل [كانوا أصناما] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن PageV12P7745 # عباس وغيره. # - ثم قال {وقد أضلوا كثيرا. . .}. # هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيرا من الخلق، أي ms2706 ضل ~~بعبادتها كثير. # - ثم قال: {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا}. # أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثما وضلالا. # - قوله: {مما خطيائاتهم أغرقوا}. # أي: من عقوبة خطيئاتهم أغرقهم الله ثم أدخلهم النار، يعني قوم نوح. # - {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا}. # أي: فلم يجدوا لأنفسهم ناصرين ينصرونهم من عذاب الله إذ جاءهم. و " ما " ~~زائدة للتوكيد. # وقال الفراء: {مما خطيائاتهم} معناه: من أجل خطيئاتهم، ف " ما " أفادت PageV12P7746 # هذا المعنى، قال: و " ما " تدل على المجازاة، ومنه قوله: حيث ما تكن أكن. ~~وقد قرأ أبو عمرو: " خطاياهم "، جعله جمعا مكسرا، واختاره لأنه مبني ~~للتكثير، والمسلم الذي بالتاء: الأغلب في كلام العرب أن يكون للقليل، وليس ~~خطايا قوم كفروا وألف سنة بقليلة. # وعلة من قرأ بالجمع المسلم بالتاء أنه يقع للكثير كما يقع للقليل، وتختص ~~الكثرة إذا علم المعنى. وقد قال الله: {وهم في الغرفات آمنون} [سبأ: 37] ~~وقال {لكلمات ربي} [الكهف: 109]، فهل هذ جمع قليل في قول أحد؟ بل هو كثير، ~~إذ قد علم المعنى، PageV12P7747 # فكان ذاك، وقد قيل: إن الخطيئات جمع [خطايا] أيضا، فهو جمع الجمع، وجمع ~~الجمع بابه الكثير. # - ثم قال تعالى: {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا}: أي: ~~لا تدع على الأ {ض من يدور فيها ويحيى منهم فيها، والمعنى: من الكافرين ~~أحدا، يعني قومه وغيرهم، دعا عليهم لما أوحى الله إليه {أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من} [هود: 36]، قاله قتادة وغيره. # - ثم قال: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك. . .}. PageV12P7748 # أي: إنك يا رب إن تدع الكافرين على الأرض ولا تهلكهم/ بعذاب من عندك ~~يضلوا المؤمنين من عبادك فيصدونهم عن سبيلك. # ثم قال: {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}. # أي: وليس يلدون إلا فاجرا في دينك، كفارا لنعمتك. # والفاجر في اللغة: المائل عن الحق. # - ثم قال: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا. .}. # أي: اعف عن واستر علي ذنوبي وعلى والدي وعلى من دخل بيتي. # - أي: مسجدي - {مؤمنا}: أي: مصدقا بك. ms2707 # قال الضحاك: {بيتي} " مسجدي ". # [وقرأ] ابن جبير: (والدي): يعني أباه. PageV12P7749 # وقرأ يحيى بن يعمر (ولوالدي) يعني ابنيه. # وقوله (وللمؤمنين والمؤمنات) أي: وللمصدقين بتوحيدك ورسلك وكتبك ~~المصدقات. روى عكرمة أن ابن عباس قال: إني لأرجو أن يكون من استجاب لنوح ~~فأغرق بدعوته أهل الأرض جميعا أن يستجيب له في كل مؤمن ومؤمننة إلى يوم ~~القيامة، يعني بدعائه هذا الذي حكاه الله لنا عنه في هذه السورة. # - ثم قال: {ولا تزد الظالمين إلا تبارا}. # أي: ولا تزد الظالين أنفسهم بكفرهم بك إلا تبارا. قال مجاهد: تبارا: ~~خسارا. # وقال الفراء: تبارا: ضلالا. # وقيل: هلاكا. PageV12P7750 # ويروي عن سفيان بن عيينة أنه قال لرجل: طب نفسا فقد دعت لك الملائكة نوح ~~وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم [ ثم قرأ] {والملائكة يسبحون (بحمد ~~ربهم) ويستغفرون لمن في الأرض} [الشورى: 5] يعني نم المؤمنين. # قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنه]، وقد فسر الله هذا في آية أخرى، فأخبر ~~عن الملائكة أنهم يقولون: {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم} [غافر: 7]. # قال سفيان: وقال ابراهيم: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب} [إبراهيم: 41] وقال الله جل ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم { ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19]. قال أبو محمد: ولا نشك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما أمره الله به من الاستغفار للمؤمنين ~~والمؤمنات، فهذا دعاء لا منشك إن شاء الله - أن الله قد أجابه لنوح ~~وإبراهيم ومحمد والملائكة، فمن مات على الإيمان فهو داخل تحت الدعوات ~~المذكورات (إن شاء الله)، أماتنا الله على الإيمان وختم لنا بخير. PageV12P7751 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الجن مكية # - قوله: {قل أوحي إلي أنه استمع}، إلى قوله: {شططا}. # أي: قل يا محمد (لأمتك) أوحى الله إلي أنه استمع نفر من الجن القرآن ~~ومضوا إلى قومهم. # - {فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد}. # أي: إلي ما فيه الرشد لمن قبله {فآمنا به. .} أي: فصدقنا به. # {ولن نشرك بربنآ أحدا}. # أي: ولا نجعل لربنا شريكا في عبادتنا إياه ms2708 بل نعبده وحده. # قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء يتلو القرآن فمر به ~~نفر من الجن فاستمعوا إلى قراءته وآمنوا به ومضوا إلى قومهم منذرين، فقالوا ~~ما حكى الله عنهم. PageV12P7753 # وروى جابر بن عبد الله، وابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~عليهم سورة الرحمن، [فكلما] قرأ عليهم {فبأي [آلاء ربكما تكذبان]} قالت ~~الجن: لا بشيء من إنعامك نكذب ربنا. ولما قرأها النبي على أصحابه، قال: ما ~~لي أراكم سكوتا، [للجن] كانوا أحسن منكم ردا ". # ومن فتح " أن " في {وأنه} وما بعدها عطفه على الهاء في " به " فصدقنا به ~~وصدقنا أنه تعالى وكذلك ما بعده. # وما لم يحسن فيه " صدقنا " " وآمنا " اضمر له فعل يليق بالمعنى نحو قوله: PageV12P7754 # {وأنا لما سمعنا الهدى}، {وأنا ظننآ}، {وأنه كان (رجال)}، {وأنهم ظنوا} ~~وشبهه، كأنه أضمر " شهدنا "، لأن التصديق شهادة، وأضمر [ألهمنا] ونحوه، فإن ~~في جميع ذلك في موضع نصب لأنه عطف على المعنى في: {فآمنا به} فأما من كسر، ~~فإنه ابتداء " إن " بعد القول في قوله: {إنا سمعنا} ثم عطف (ما) بعدها ~~عليها لأنه كله من قول الجن. # ومما يدل على قراءة الفتح دخول " أن " في قوله {وألو استقاموا}، لأن " أن ~~" لا [تدخل] مع " لو " في الحكاية فلما دخلت أن مع " لو " علم أن ما قبلها ~~وما بعدها لم يجعل على الحكاية أيضا، وإذا لم يحمل على الحكاية لم يجب فيه ~~الكسر، وإذا لم يكسر وجب فتحه. PageV12P7755 # ولا يحسن أن يعطف من فتح على {أنه (استمع} لأنه ليس كله يحسن فيه ذلك ~~المعنى. لو قلت " وأوحى إلي أنا ظننا " وأوحي إلي) أنه كان (يقول سفيهنا) ~~لم يحسن شيء من ذلك لأنه مما حكى الله جل ذكره لنا من قول الجن، لا يجوز أن ~~يعطف كلام الجن على ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لي منه. ~~وعلة من كسر الجميع وفتح {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} وهو [أبو عمرو] ~~وابن كثير، لأ، ه ليس ms2709 من قول الجن فيحمل على الحكاية، فحمله على العطف على ~~قوله: {أنه استمع}، فهو في موضع رفع عطف على المفعول الذي لم يسم فاعله وهو ~~{أنه استمع}. # فأما علة (من) فتح " أن " في قوله {وألو استقاموا} وأجماعهم على ذلك ~~فلأنها بعد يمين مقدرة فانقطعت عن النسق، والتقدير: والله أن لو استقاموا ~~على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا. # وكان سبب استماع الجن للقرآن (ما) قال ابن عباس، قال: " انطلق PageV12P7756 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين (سوق) عكاض وقد ~~حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، فأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى ~~قومهم فقالوا: حيل بيننا وبين السماء، وأرسلت علينا الشهب، فقالوا: ما حال ~~بينكم وبين خيبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها تبتغون ~~ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. (فانصرف) أولئك النفر الذين توجهوا ~~نحو [تهامة] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدا إلى سوق ~~عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، / فلما سمعوا القرآن استمعوا له، ~~وقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهناك حين رجعوا إلى ~~قومهم فقالوا: إنا سمعنا قرآنا PageV12P7757 # عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا (أحدا)، فأنزل الله جل ذكره ~~ذلك على نبيه ". # قال زر ": قدم رهط [زوبعة] وأصحابه إلى مكة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسمعوا قراءته ثم انصرفوا فهو قوله: {وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~[القرآن}. قال]: وكانوا تسعة، منهم [زوبعة]. # قال الضحاك: قوله {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} (هو قوله: PageV12P7758 # {وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن} ثم ذكر من الخبر (نحو) ما تقدم. # والنفر في اللغة ثلاثة فأكثر. # - ثم قال: {وأنه تعالى جد ربنا (ما اتخذ). . .}. # أي: (وآمنا أنه تعالى، على قراءة من فتح. # وعلى قراءة من كسر، فتقديره: وقالوا إنه {تعالى جد ربنا}: أي) أمر ربنا ~~وسلطانه وقدرته. # قال ابن عباس: {جد ربنا}: " فعله وأمره وقدرته ". وهو قول قتادة والسدي ~~وابن زيد. وقال ms2710 عكرمة ومجاهد: {جد ربنا} جلاله وعظمته. وقال الحسن {جد ~~ربنا} " غنى ربنا ". PageV12P7759 # وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: جهل الجن فيما قالو: والجد [أبو] الأب. # وعن مجاهد أيضا {جد ربنا} " ذكره ". وعنه وعن عكرمة وقتادة: {جد ربنا} ~~عظمته. # والجد في اللغة على وجوه، منها: الجد أبو الأب وأبو الأم والجد: الحظ، ~~وهو [البخت] بالفارسية والجد: العظمة. (والجد مصدر [جددت] الشيء جدا، ولا ~~يليق بهذا الموضع من كتاب الله من هذه الوجوه إلا العظمة. # - ثم قال: {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا}. # أي: وشهدنا أنه (كان على قراءة من فتح " أن "، ومن كسر كان تقديره: PageV12P7760 # " وقالوا إنه كان يقول ". وكذلك التقدير في جميعها في الفتح أو الكسر. ~~تقدر بالفتح: صدقنا أو آمنا أو شهدنا أو ألهمنا ونحوه. وتقدر في الكسر " ~~القول " لأنه معطوف على {إنا سمعنا}. # والمعنى أن الله أخبرنا عن [قول] النفر واعترافهم الخطأ الذي كانوا عليه. # من قبول قول إبليس اللعين فالمعنى: وإن إبليس كان يقول على الله شططا ~~والشطط: الغلو في الكذب. # قال قتادة ومجاهد وابن جريج: السفيه هنا إبليس ورواه أبو بردة عن PageV12P7761 # النبي صلى الله عليه وسلم. # قال سفيان: سمعت أن الرجل إذا سجد جلس (إبليس) يبكي يا ويله، أمرت ~~بالسجود فعصيت [فلي] النار وأمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة. # والسفه [رقة] الحلم. # قال ابن زيد: {شططا} ظلما كبيرا. # وقيل: الشطط: البعد [ومنه]: شط المزار أي: بعد. # - قوله: {وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} إلى قوله: ~~{لبدا}. PageV12P7762 # أي: وإنا حسبنا وتوهمنا أن أحدا لا يقول على الله الكذب. وذلك أنهم كانوا ~~يحسبون أ (ن) إبليس كان صادقا فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر. فما سمعوا ~~القرآن أيقنوا أنه كان كاذبا في كل ذلك وسموه سفيها. # [ثم قال]: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا}. # هذا أيضا من قول النفر من الجن. # ذكروا أن رجالا من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم ~~إذا نزلوا، فزاد ms2711 الجن باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وأزداد الإنس إثما. # قال ابن عباس: " فزادهم] إثما وهو قول قتادة. فازداد الإنس بفعلهم ذلك ~~إثما، وازداد الجن على الإنس جرأة. PageV12P7763 # وقال مجاهد: أزداد الإنس بذلك طغيانا. # وقال الربيع ابن أنس: فازداد الإنس لذلك فرقا من الجن. # وهو قول ابن زيد. # وقال أبو عبيدة: رهقا: سفها وظلما. # والرهق في كلام العرب: الإثم والعيب وإتيان المحارم. ومنه: فلان يرهق ~~بكذا، أي: يعاب به. فيكون التقدير: فزاد الجن الإنس إثما لما [استعاذوا] ~~بهم. وكان ذلك من فعل المشركين. قال ابن عباس وغيره: كان رجال من الإنس ~~يبيت أحدهم في الوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ~~ذلك إثما. # وقال الحسن: كان الرجل إذا نزل في الوادي يقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي من PageV12P7764 # سفهاء قومه. # وقال النخعي: كان الرجل إذا نزل [الوادي] يقول: نعوذ بسيد هذا الوادي من ~~شر (ما) فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضرا ولا نفعا. # وقال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا واديا: نعوذ بعظماء هذا الوادي وهو ~~قول قتادة وغيره. # - ثم قال: {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا}. # أي: وإن الرجال من الجن ظنوا كما ظن الرجال من الإنس أن الله لا يبعث ~~أحدا، أي: رسولا إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده. قاله الكلبي. PageV12P7765 # وقال غيره: معناه: وأن الجن ظنوا كما ظن الكفار من الإنس أن الله لا يبعث ~~أحدا يوم القيامة. # - ثم قال: {وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا/}. # [وقال النفر من الجن إنا طلبنا خبر السماء فوجدناها قد ملئت حفظا مانعا] ~~[وشبها] نرجم بها إذا أردنا الاستماع. والشهب: النجوم. # وقال ابن جبير: كانت الجن [تستمع]، فلما رجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في ~~السماء إنما هو لشيء حدث في الأرض. قال: فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، إلى أصحابهم ~~منذرين. # - ثم قال: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع .... PageV12P7766 # أي: وقالوا: إنا كنا نقعد ms2712 من السماء في مقاعد نستمع الأخبار. # - {فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا}. # أي: من أتي يستمع الساعة يرمي بشهاب يرمد به إذا دنا فيرمى به، قال ~~قتادة: لما بعث الله نبيه منعوا الاستماع [فتفقدت] الجن ذلك من أنفسها، ~~قال: وذكشر لنا أن أشراف الجن كانوا [بنصيبين] (فطلبوا ذلك] وضربوا إليه ~~حتى سقطوا على نبي الله وهو يصلي بأصحابه عامدا إلى عكاظ. # قال ابن زيد: قالوا كنا نستمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا، فلما ~~وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا منع (منا) السمع. فقال: إن السماء لم ~~تحرس إلا على [أمرين]: إما العذاب] يريد الله عز وجل أن ينزله بغتة على أهل PageV12P7767 # الأرض، وإما نبي مرسل مرشد فذلك قول الله تعالى حكاية عن قولهم {وأنا لا ~~ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم (ربهم) رشدا}. # (أي) قال إبليس لا ندري أعذاب ينزل على من في الأرض بغتة، فمنعتم من أجله ~~الاستماع؟ أم نبي أرسله الله ليرشد من في الأرض إلى الطريق المستقيم؟ هذا ~~معنى قول ابن زيد. # وقال الكلبي: معناه: أنهم قالوا: لا ندري أهذا المنع الذي منعنا، أراد ~~بهم ربهم أن يطيعوا الرسول فيرشدوا أم يعصوه فيهلكهم وهذا كله من علامات ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # - ثم قال: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك. . .}. # أي: قال النفر: وإنا منا المسلمون العاملون بطاعة الله، ومنا من هو دون ~~ذلك في الصلاح والعمل. PageV12P7768 # - {كنا طرآئق قددا}. # أي: كنا أهواء مختلفة وفرقا شتى، الصالح والذي هو دونه، والكافر. # قال ابن عباس: {كنا طرآئق قددا} (أي) أهواء شتى منا المسلم ومن المشرك. # وقال عكرمة: " أهواء مختلفة ". # وقال قتادة: " أهواء شتى ". # وقال مجاهد: " مسلمين وكافرين " وهو قول سفيان. # والقدد جمع قدة، وهي الضروب والأجناس المختلفة. والطرائق جمع طريقة الرجل ~~أي مذهبه. # - ثم قال {وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض. . .}. # أي: وإنا علمنا وأيقنا أن لن نفوت الله بالهروب في الأرض ولا بغيره، ~~وصفوه - جل ذكره - بالقدرة عليهم. ms2713 PageV12P7769 # - ثم قال: {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به. . .}. # أي: لما سمعنا القرآن [يؤدي] من آمن به إلى الهدى صدقنا به. # - {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا}. # [أي: ومن يصدق بربه فلا خاف بخسا) أي: أن ينقص من حسناته وثوابه]. # - {ولا رهقا}. # (أي): لا يحمل من سيئات غيره عليه. # قال ابن عباس: {بخسا ولا رهقا}، أي: " لا يخاف نقصا من حسناته، ولا زيادة ~~في سيئاته ". # قال قتادة: {بخسا}: ظلما، {ولا رهقا}: أن يعمل عليه ذنب غيره. # - ثم قال: {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون. . .}. # أي: الجائرون عن الهدى. PageV12P7770 # - {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا}. # أي: [تعمدوا الرشد] وأصابوه. # - ثم قال: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا}. # أي: وأما العادلون الجائرون عن الهدى فكانوا حطبا يوم القيامة لجهنم. # - ثم قال: {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء غدقا * لنفتنهم فيه. ~~. .}. # كل ما تقدم من إخبار الله هو من قول الجن إلا هذا، فإنه من قول الله، أي: ~~لو استقام القاسطون [على] طريقة الحق [أي]: طريقة الإسلام وهي [الطاعمة] ~~لله، لوسعنا عليهم في الرزق لنختبرهم فيه فننظر عملهم وشكرهم. قاله ابن ~~جبير وقتادة ومجاهد [قاله مجاهد: الطريقة: الإسلام، والماء: المال، والغدق: ~~الكثير]. # والغدق: الماء الظاهر، والرغد: الكثير، والماء يراد به العيش والرزق. PageV12P7771 # وقيل: معناه: لو استقاموا على طريقة الضلال لوسعنا عليهم في الرزق ~~استدراجا، ذكر الضحاك وقاله الفراء. # (و) القول الأول أصح كما قال: {ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات. . .} [الأعراف: 96] الآية. # - ثم قال: {ومن يعرض عن ذكر ربه. . .}. # أي: عن القرآن [وقبوله]. # {يسلكه عذابا صعدا}. PageV12P7772 # أي: ندخله عذابا شديدا قال ابن عباس {عذابا صعدا}، أي: مشقة من العذاب ~~وقال قتادة {صعدا} أي: صعودا من عذاب الله/ لا راحة فيه وقال أبو سعيد ~~الخدري: {عذابا صعدا}: هو جبل في النار، كلما جعلوا أيديهم [عليه] ذابت، ~~وإذا رفعوها عادت ويقال: تصعدني الشيء أي: شق علي. # وقرأ مسلم بن جندب: نسلكه، جعله رباعيا. يقال: سلكه وأسلكه. ويقال: سلك، ~~وهو وسلكته مثل رجع ورجعته. # - ثم قال: {وأن المساجد ms2714 لله فلا تدعوا مع الله أحدا}. # أي: وأوحي إلى أن المساجد لله {فلا تدعوا} أيها الناس {مع الله أحدا} أي: ~~لا PageV12P7773 # تشركوا به قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كناسئهم وبيعهم ~~اشركوا، فأمر الله نبيه أن يوحدوا الله وحده إذا دخلوا المساجد. قال ابن ~~جبير: قالت الجن للنبي: كيف لنا أن نأتي المساجد ونحن [ناءون] عنك، وكيف ~~نشهد الصلاة، فنزلت {وأن المساجد لله} الآية والمساجد جمع مسجد. ومسجد يعني ~~السجود، فكأنه قال: وأن السجود لله لا لغيره. ويجوز أن يكون جمع مسجد هو ~~موضع السجود. # وقال الفراء (يقال) {[و] أن المساجد لله}، يراد به مساجد الرجل، ما يسجد ~~عليه من جبهته ويديه وركبتيه وصدور قدميه. PageV12P7774 # وأنكر ذلك النحاس وغيره. # وقوله: {فلا تدعوا} خطاب للجماعة والنون حذفت للنهي. # - ثم قال: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا}. # أي: لما قام (محمد يدعو الله) يقول: لا إله إلا الله، كاد الجن يكونون ~~على محمد لبدا، أي جماعات بعضها فوق بعض. # وواحد لبد: لبدة. ويقال: لبد - بضم اللام - واحدها لبدة. # فمن كسر [{وأنه}] جعله من قول الجن إخبارا من الله لنا عن قولهم ذلك، ~~ويكون المعنى على ما قال ابن جبير أن الجن رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فعجبوا من طوعهم له فقالوا لقومهم: وإنه لما قام ~~عبد الله يدعو الله كاد أصحابه يكونون عليه لبدا. PageV12P7775 # ويجوز الكسر، وهو من كلام الله، لا حكاية عن الجن ويكون المعنى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قام يدعو إلى الله كاد الجن يكونون عليه لبدا. # فأما من فتح فهو من كلام الله أيضا على هذا المعنى، أي: كاد الجن [يركبون ~~محمد من الحرص] لما سمعوه يتلو القرآن فدنوا منه حتى كادوا يركبونه، هذا ~~معنى قول ابن عباس والضحاك، فيكون الضميران في (كادوا يكونون) للجن. # وعن ابن عباس أيضا أن معناه (أن) الجن قالوا لقومهم، إن محمد لما قام ~~يدعو الله كاد أصحابه يركبونه لتقربهم منه ms2715 وطوعهم له، فيكون الضميران ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول ابن جبير. # [وعن ابن عباس {لبدا}: أعوانا]. # وقال قتادة: معناه أن الله أعلم نبيه أن الجن والإنس يتظاهرون عليه ~~ليبطلوا ما جاءهم (به) لما دعا إلى الله، والله ناصره عليهم. PageV12P7776 # وقيل: إن ذلك للعرب خاصة أرادوا أن يطفئوا النور الذي جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو اختيار الطبري. # - قوله: {قل إنمآ أدعو ربي. . .} إلى آخر السورة. # أي: " قال محمد صلى الله عليه وسلم، لما تظاهرت على إنكار ما جاء به ~~العرب، إنما أدعو ربي وأوحده ولا أشرك به " وهذا يدل على أن معنى {كادوا ~~يكونون عليه لبدا} أنه لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ~~تراكبت العرب (عليه). # وتظافرت ليردوا قوله ويطفئو النور الذي جاء فقال لهم: {قل إنمآ أدعو ربي ~~ولا أشرك به أحدا}. من قرأ (قل) جعله على الأمر من الله لنبيه، أي: قل: ~~لهؤلاء الذين تظاهروا عليك لما دعوتهم إلى التوحيد: إنما أدعو ربي ولا أشرك ~~به أحدا. PageV12P7777 # - (ثم قال تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا}. # أي: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردوا عليك أني لا أملك [لكم] ضرا في ~~دينكم ولا دنياكم، ولا أملك لكم رشدكم، إنما ذلك إلى الله). # - ثم قال: {قل إني لن يجيرني من الله أحد. . .}. # أي: لن يمنعني من الله أحد إن أرادني بأمر. # وروي أن بعض الجن قال: أنا أجيره، فنزلت هذه الآية ونزلت {ولن أجد من ~~دونه ملتحدا} أي: لا ملجأ ولا ناصرا ألجأ إليه. # - ثم قال: {إلا بلاغا من الله ورسالاته/. . .}. # أي: لا أملك لكم ضرا ولا رشدا {إلا بلاغا من الله ورسالاته} أي: أملك إلا ~~أن أبلغكم عن الله رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلا ن ~~فبيد الله. # وقيل [إلا] بمعنى " لم " و " إن " منفصلة، والتقدير: قل إني لن يجيرني من ~~الله PageV12P7778 # أحد [إن] لم أبلغ رسالاته إليكم بلاغا، فينتصب بلاغا بإضمار (فعل من ~~الجزاء ms2716 وتكون للجزاء كما تقول: إلا قياما) فقعودا، وإلا عطاء فردا جميلا. # - ثم قال: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا}. # أي: من يعصهما فيما أمرا به فإن له نار جهنم في الآخرة ماكثين فيها أبدا ~~لا يخرجون ولا يموتون. # - ثم قال: {حتى إذا رأوا ما يوعدون. . .}. # أي: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب {فسيعلمون} هنالك {من أضعف ناصرا ~~وأقل عددا}. # - ثم قال: {قل إن أدري أقريب ما توعدون. . .}. # أي: قل للمشركين يا محمد -: ما أدري أقريب قيام الساعة التي وعدكم [الله] ~~بالجزاء فيها على أعمالكم. # {أم يجعل له ربي أمدا}. PageV12P7779 # (أي): أم هو غير قريب قد جعل له ربي وقتا وغاية تطول مدتها. # - ثم قال: {عالم الغيب. . .}. # أي: ما غاب عن العيون والأسماع. # {فلا يظهر على غيبه أحدا}. # أي: يعلم غيب كل شيء ولا يعلم غيبه أحد. # - {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه. . .}. # أي: فإنه يطلعه من غيبه على ما شاء وقيل: الغيب الذي يطلع الرسل عليه ~~كتبه التي أنزلها عليهم. # وقال الضحاك: كان صلى الله عليه وسلم، إذا بعث إليه الملك بعث ملائكة ~~يحفظونه من بين يديه ومن خلفه لئلا يشتبه عليه الشيطان في صورة الملك فهو ~~معنى قوله: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا}، وقاله النخعي. وقال ابن ~~عباس: هي PageV12P7780 # معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشياطين حتى يتبين له الذين أرسل به ~~إليه. # - ثم قال: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم. . .}. # أي: ليعلم أهل الشرك أن الرسل بلغوا إليهم رسالة ربهم. # وقيل: المعنى: ليعلم [الرسول] وهو محمد أن الرسل قبله قد بلغوا رسالات ~~ربهم لقومهم ولم يكن للشيطان إليهم سبيل، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: ليعلم ~~من كذب الرسل أن قد أبلغ الرسل رسالة ربهم. # وقال: معمر: معناه: ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغت عن الله وأن الله حفظها ~~ودفع عنها. وهو مثل قول قتادة. وقال ابن جبير: معناه: ليعلم محمد أن ~~الملائكة قد أبلغوا رسالات ms2717 ربهم. قال: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ~~ومعه أربعة حفظة PageV12P7781 # من الملائكة. ودل على ذلك قوله قبل ذلك {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا} قال ابن جبير: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل عليه السلام. # وقيل معنى الآية: ليعلم الله ذلك علما مشاهدا تجب عليه المجازاة فأما ~~الغيب فقد علمه، كقوله: {وليعلم الله الذين آمنوا} [آل عمران: 140]. # - وقوله: {وأحاط بما لديهم. . .}. # أي: وعلم كل ما عندهم يعني الرسل قبل محمد، قال ابن جبير معناه ليعلم ~~الرسل أن ربهم قد أحاط بهم فيبلغوا رسالات ربهم. # - ثم قال: {وأحصى كل شيء عددا}. # أي: وعلم عدد كل شيء، [و {عددا}] منصوب على التمييز. PageV12P7782 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المزمل # مكيةإلا آيتين من آخرها [نزلتا] بالمدينة قوله: (إن ربك يعلم أنك تقوم ~~... ) إلى آخرها. # قوله: {يا أيها المزمل * قم اليل} إلى قوله: {ومهلهم قليلا}. PageV12P7783 # معناه: يا أيها الملتف بثيابه، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~وأصله: المتزمل ثم أدغمت التاء في [الزاي]. # قال قتادة: إنما قيل له: {يا أيها المزمل}؛ لأنه كان متزملا في ثيابه، ~~كأنه متأهب للصلاة؛ ودل على ذلك قوله: {قم اليل إلا قليلا}. # قال ابن عباس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفرق من جبريل فيتزمل ~~بالثياب في أول ما جاءه حتى أنس به. # وقال عكرمة: زمل هذا الأمر، يعني: النبوة والرسالة. # قال: الزهري: التف النبي - صلى الله عليه وسلم - بثيابه من [فزع] أصابه ~~أول ما رأى الملك فنودي بصفة فعله. # وقيل: كان يتزمل بالثياب، من شدة ما يلقى من قريش من تكذيبهم له PageV12P7784 # [وتخويفهم] وأذاهم. # قال [النخعي] كان متزملا في قطيفة. # - قوله: {قم اليل إلا قليلا/}. # أي: قم الليل كله للصلاة إلا قليلا ثم أبدل من الليل بدل البعض من الكل ~~فقال: # - {نصفه أو انقص منه قليلا}. # أي: قم نصفه أو أقل من النصف. # - {أو زد عليه. . .}. # [أي]: أو زد على النصف. # فهذا كله تخيير من الله لرسوله بين أن يفعل ما شاء من هذه الثلاث ms2718 ~~المنازل: يقوم النصف أو أقل أو أكثر. # وكان هذا فرضا عليه وعلى المؤمنين فكانوا يقومون ثم خففه عنهم الآيتين PageV12P7785 # في آخر السورة ففسختا هذا، وهو قول أكثر العلماء. # وقيل: إن ذلك كان ندبا ولم يكن فرضا. # وقيل: بل كان فرضا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده. # قال ابن عباس: كان بين أولها وآخرها سنة. # وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل {يا أيها المزمل} كان الرجل يربط ~~الحبل ويتعلق به فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله مايبتغون من رضوانه ~~فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. # وقال ابن جبير: مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم الليل كما أمره ~~(الله) عشر سنين ثم PageV12P7786 # خفف عنهم بعد ذلك. # قال عكرمة: {قم اليل إلا قليلا. . .} الآية نسختها الآية التي في آخرها ~~{علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20]. # وقال قتادة: قاموا حولا أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم، فأنزل الله ~~تخفيفها في آخر السورة. # قال الحسن: لما نزلت: {يا أيها المزمل} " قام المسلمون حولا، فمنهم من ~~أطاقه ومنهم من لم يطقه، حتى نزلت الرخصة ". # قال ابن زيد: أول ما افترض الله على رسوله والمؤمنين صلاة الليل وقرا أول ~~هذه السورة. # - قوله: {ورتل القرآن ترتيلا. . .}. # أي: وبين القرآن إذا قرأته في صلاتك تبيينا (وترسل فيه ترسلا)، قاله PageV12P7787 # قتادة. # قال الحسن: معناه (اقرأه) قراءة بينة). # وقال مجاهد: " قرأه بعضه على إثر بعض على تؤده ". # والرتل في اللغة: الضعف واللين، فالمعنى: لين القراءة، ولا تستعجل ~~بانكماش. # والرتل في [الأسنان] أن يكون بينها الفرج ولا يركب بعضها بعضا، يقال: " ~~ثغر ورتل " إذا كان كذلك. # - ثم قال: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}. PageV12P7788 # أي: ثقيلا العمل به وبحدود (ه) فرائضه أي: صعبا. # قال الحسن: إن الرجل ليعد السورة، ولكن العمل بها ثقيل. # وقال قتادة: " ثقيل والله فرائض القرآن وحدوده ". # وقيل: معناه: إن القول بعينه ثقيل. # وروى عروة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[ كان] إذا أوحي إليه وهو ~~على ناقته وضعت جرانها ms2719 - يعني صدرها - فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه ". # وقال ابن زيد: " هو - والله - ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في ~~الموازين PageV12P7789 # يوم القيامة ". # - ثم قال: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ. . .}. # قال ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين، ناشئة الليل: ما بين المغرب ~~والعشاء. # وقال الحسن والحكم: ناشئة الليل من العشاء والآخرة إلى الصبح، وقال ابن ~~عباس و (ابن) الزبير: الليل كله ناشئة. وهو قول ابن جبير ومجاهد. وأصله من ~~نشأ إذا ابتدأ. فعلى هذا بناه من قال إنه من المغرب إلى العشاء الآخرة. # وقد قال الكسائي: ناشئة الليل أوله. PageV12P7790 # - قوله: {أشد وطأ. . .}. # معناه: أثبت قياما. # قال المفسرون: هي أثبت في الخير وأحفظ للقلب، لأن النهار يضطرب فيه الناس ~~لمعاشهم، والليل أخلى وأثبته في القيام. # وقيل: معناه: إن صلاة ناشئة الليل هي أشد (وطئا) على المصلى من صلاة ~~النهار لأن الليل للنوم، فهي وإن كانت أصعب [فهي] أقوم قيلا [أي]: أصوب ~~قولا لأن القارئ لا يشغله عن قراءته في الليل شيء ويشغله في النهار ما يرى ~~من التصرف وما [يعرض] له من الأمور. # وقيل: معنى {أشد وطأ}: أشد أمرا وأشد [مكابدة] واحتمالا ومنه قول PageV12P7791 # النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم اشد وطأتك على مضر "، وطئت وطأ، ~~مثل شربت شربا ولقيمت لقما. # فأما من قرأ " وطاء " فإنه جعله مصدر مواطأة ووطاء. # ومعناه: أشد مواطأة للسمع والقلب، أي: يواطئ فيه السمع القلب فلا يشتغل ~~القلب بشيء عنم فهم ما يقرأ وسماعه. وقيل: معناه: أشد علاجا. PageV12P7792 # قال ابن عباس: {أشد وطأ} أي: أجدر أن يحصوا ما فرض الله عليهم من القيام. ~~قال: وكانت صلاتهم أول الليل. # وقال الضحاك: معناه: قراءة القرآن بالليل أثبت منها في النهار. # وقال مجاهد: {أشد وطأ} أي يتواطأ قلبك وسمعك وبصرك بعضه بعضا. # - وقوله: {وأقوم قيلا}. # أي: وأصوب قراءة. # قال/ مجاهد: وأثبت قراءة. # وقال ابن عباس: معناه: يقول: أدنى أن يفقهوا في القول. PageV12P7793 # وقال قتادة: " [أحفظ] للقراءة ". # وقال ابن زيد: " وقوم قراءة لفراغه من الدنيا ms2720 ". # - ثم قال: {إن لك في النهار سبحا طويلا}. # أي: فراغا طويلا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. # وقال ابن زيد: (سبحا لحوائجك) فأفرغ أذنك بالليل. # وقرأ يحيى بن يعمر: " سبخا " بالخاء المعجمة، ومعناه راحة [نوما]. # - ثم قال {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا}. # أي: واذكر ربك يا محمد فادعه وانقطع إليه انقطاعا لحوائجك وعبادتك PageV12P7794 # دون سائر الأشياء غيره. يقال: بتلت هذا الأمر قطعته. # ومنه قيل لمريم البتول لانقطاعها إلى الله جل ذكره. # قال ابن عباس: {وتبتل إليه تبتيلا} أي: أخلص له إخلاصا " وهو قول مجاهد ~~والضحاك. # وقال الحسن: أبتل إليه نفسك واجتهد. # وقال قتادة: " أخلص له العبادة والدعوة ". # وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته، [تعبد] بالتبتل] إلى الله. # - ثم قال: {رب المشرق والمغرب}. PageV12P7795 # أي: هو رب ذلك لا معبود تصلح له العبادة غيره. # - {فاتخذه وكيلا}. # أي: فرض (إليه أسبابك) والمعنى: اتخذه كافيا لك. # وقيل: معناه: اتخده كفيلا لك بأمورك كلها. # وقيل: المعنى: اتخده ربا. # فالوكيل يكون بمعنى الكافي وبمعنى الكافل وبمعنى الرب. # - ثم قال: {واصبر على ما يقولون. . .}. # أي: واصبر على ما يقول هؤلاء المشركون من قومك واحتمل أذاهم. # - {واهجرهم هجرا جميلا}. # (أي: اهجرهم في الله هجرا جميلا). # قال قتادة: كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم أمر بقتالهم (وقتلهم) فنسخت PageV12P7796 # آية القتال ما كان قبلها من الترك. # ثم قال: {وذرني والمكذبين أولي النعمة. . .}. # هذا وعيد وتهدد من الله جل ذكره للمشركين أي: ودعني يا محمد والمكذبين ~~بآياتي أصحاب التنعم في الدنيا. # - {ومهلهم قليلا}. # أي: أمهلهم بالعذاب حتى يبلغ الكتاب أجله. # وكان بين نزول هذه الآية وبدر يسير [قالته] عائشة رضي الله عنها. # - قوله: {إن لدينآ أنكالا وجحيما. . .} إلى آخر السورة. # أي: عندنا لهؤلاء المكذبين قيودا [ونارا] تسعر وطعاما يغص آكله به، PageV12P7797 # فلا هو نازل من حلقه ولا هو خارج منه. # - {وعذابا أليما}. # ي: وصنوفا من العذاب [مؤلمة] موجعة. # وواحد الأنكال نكل. قال حماد {أنكالا} قيودا سودا من نار جهنم ". # قال ابن عباس: {وطعاما ذا غصة} قال: " هو شوك يأخذ بالحلق فلا ms2721 يدخل ولا ~~يخرج ". # وقال مجاهد: هو " شجرة الزقوم ". # وروى حمزة [الزيات] أن [حمران بن أعين] قال: قرأ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - هذة PageV12P7798 # الآية فصعق - صلى الله عليه وسلم -؟ # - ثم قال تعالى: {يوم (ترجف) الأرض (والجبال). . .}. # أي: أعتدنا هذا العذاب في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال، وذلك يوم ~~القيامة. # - ثم قال: {وكانت الجبال كثيبا مهيلا}. # أي: وصارت الجبال ذلك اليوم رملا سائلا. (متناثرا). يقال: هلت التراب إذا ~~[حركت أسفله] (فسقط أعلاه). قاله الفراء. # وقال أبو عبيدة: يقال لكل شيء [أرسلته] إرسالا من رمل أو تراب أو PageV12P7799 # طعام أو نحو ذلك قد هلته [أهيله] هيلا فهو مهيل. # قال ابن عباس: {كثيبا مهيلا}: رملا سائلا. # والأصل في مهيل [مهيول] فألقيت حركت الياء [على الهاء وبقيت] الياء ساكنة ~~وبعدها الواو ساكنة. # فمذهب الخليل وسيبويه أن الواو حذفت لأنها زائدة وكسرت الهاء لمجاورتها ~~الياء فصار مهيلا. # ومذهب الكسائي والفراء والأخفش أن الياء هي المحذوفة لأن الواو جاءت ~~لمعنى فلا تحذف، ولكن الهاء لما جاورت الياء كسرت، فلما حذفت الياء لالتقاء ~~الساكنين انقلبت الواو (ياء) [لانكسار] ما قبلها وسكونها. PageV12P7800 # وكلهم يجيز أن يأتي على الأصل فيقال: مهيول. ولا يجيز البصريون ذلك في ~~ذوات الواو ولا يجيزون: " كلام مقول " لثقل ذلك. # وكلهم أجاز: " رجل مهول " و " ثوب مبوع " على لغة من قال: بوع الثوب. # - ثم قال: {إنآ أرسلنآ/ إليكم رسولا شاهدا عليكم}. # يعمي محمدا، والخطاب لجميع الخلق أي يشهد لمن آمن به وعلى من كذبه في ~~الآخرة. # - ثم قال: {كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا}. # أي: أرسلنا محمدا [إرسالا (كما) أي]: مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون. # - {فعصى فرعون. . .} موسى {فأخذناه أخذا وبيلا}. # أي: شديدا، فغرقناه ومن معه في البحر وأقررناه في عذاب مستقر حتى يصير ~~إلى النار يوم القيامة، فكذلك يأخذكم بالعذاب أيها الخلق إن عصيتم رسولكم. # ودخلت الألف واللام في لفظ " رسول " الثاني لتقدم ذكره، وعلى هذا يختار ~~في أول الكتب: " سلام عليك " وفي آخرها: والسلام عليك. وعلى هذا اختار بعض PageV12P7801 # العلماء (في التسليم)، في التسليمة ms2722 الأولى: سلام عليكم، وفي الثانية: ~~السلام عليكم. # فأعلم الله قريشا أنه أرسل إليهم محمدا رسولا كما أرسل موسى إلى فرعون ~~رسولا. وقد كان أمر موسى ورسالاته مشهورة عندهم ولذلك قال الشاعر في النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # شهدت بإذن الله أن محمدا ... رسول كموسى (أوتي) الصحف والكتبا # له دعوة ميمونة ريحها الصبا ... بها ينبت الله [الحصيدة] والأبا PageV12P7802 # - ثم قال: {فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا}. # أي: كيف (لا) تخافون أيها الناس يوما يجعل الولدان الصغار أصحاب شيب من ~~هوله وصعوبته إن كفرتم بالله ولم تصدقوا رسولكم؟!. # قال قتادة: معناه: كيف تتقون يوما هذه صعوبته وأنتم قد كفرتم به. # - {السمآء منفطر به. . .}. # قال ابن عباس تشقق السماء حين ينزل الرحمن ذكره. # وقال مجاهد: السماء مثقلة به أي بيوم القيامة. # وقال الحسن: مثقلة. أي: محزونة بيوم القيامة. PageV12P7803 # وقال عكرمة: ممتلئة [به]. # وقيل: (به) بمعنى " فيه "، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير ~~في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره. # - ثم قال: {كان وعده مفعولا}. # أي: ليس لوعده خلف. # قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربنا الملك آدم عليه السلام ~~فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما ~~علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون ~~إلى النار سودا مقرنين زرقا فيشيب هنالك كل وليد. PageV12P7804 # قال بان زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم. # - ثم قال: {إن هذه تذكرة. . .}. # أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ. # - {فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا. . .}. # هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان ~~وقبوله للإيمان، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد. # - ثم قال: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي اليل ونصفه وثلثه وطآئفة ~~من الذين معك. . .}. # هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: {قم اليل إلا قليلا * نصفه أو ~~انقص منه قليلا * أو زد عليه}. ms2723 PageV12P7805 # فالمعنى: على قراءة من خفض {ونصفه وثلثه}: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم ~~للصلاة أحيانا أدنى من ثلثي الليل [وأحيانا أدنى] من نصفه وأحيانا أدنى من ~~ثلثه، فأعلمه أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت ~~الذي يقوم فيه. ودل على ذلك {علم أن لن تحصوه} أي: علم الله أنك لا تعرف ~~مقدار قيامك. # فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم ~~للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وتقوم ثلثه، فيكون المعنى أن النبي ~~قد أصاب المقدار في قيامه النصف: (و) الثلث، ويكون قوله {قم اليل إلا ~~قليلا} هو أدنى من الثلثين، {نصفه} هو النصف المذكور هنا، {أو انقص منه ~~قليلا} هو الثلث PageV12P7806 # المذكور هنا، {أو زد عليه} هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا. # ويكون على هذا التأويل معنى {أن لن تحصوه} أي تطيقوه. وعلى القول الأول ~~معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره. # - وقوله: {فتاب عليكم. . .}. # أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف ~~عنكم. هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة. # - ثم قال: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن. . .}. # أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث. # - ثم قال: {علم أن سيكون منكم مرضى. . .}. # أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك. # ثم قال/: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. . .}. PageV12P7807 # أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيشق عليهم القيام [لشغلهم] مع ~~تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم ~~القيامة لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك. # - ثم قال: {فاقرءوا ما تيسر منه. . .}. # أي: من القرآن، أي ما خف عليكم. # قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قدر حلب شاة بقوله ~~{فاقرءوا ما تيسر منه} قال الحسن: ولو خمسين آية. # وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن ~~الله ذلك. # وقال ms2724 السدي {ما تيسر منه}: " مائة آية ". # وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن). PageV12P7808 # قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين. # وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا فرض ~~إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله. # - ثم قال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. PageV12P7809 # يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته. # - ثم قال: {وأقرضوا الله قرضا حسنا. . .}. # أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم. # قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة. # - ثم قال: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله. . .}. # أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل ~~الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله. # - ثم قال: {هو خيرا وأعظم أجرا}. # أي: هو [خير] مما علتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله. PageV12P7810 # - ثم قال: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}. # أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر ~~عليهم (رحيم) بم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم. PageV12P7811 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المدثر مكية # - قوله تعالى: {يا أيها المدثر * قم فأنذر} إلى قوله: {نذيرا للبشر}. # أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم [ قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة. ذكره ~~النخعي. # وروي أن هذا أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم. # رواه جابر بن عبد الله قال: " حدثني النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~جاورت في حراء، فلما PageV12P7813 # قضيت [جواري] هبطت فاستبطنت [الوادي]، فنوديت فنظرت عن يميني وعن شمالي ~~وخلفي (وقدامي) فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو - يعني الملك - جالس ~~على عرش بين السماء والأرض [فجثثت] منه. فأتيت خديجة فقلت: دثروني، ~~(دثروني)، وصبوا علي ماء. وأنزل علي {يا أيها المدثر} ". PageV12P7814 # وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: {اقرأ باسم ms2725 ربك الذي خلق} حتى بلغ ~~{(علم الإنسان) ما لم يعلم} [العلق: 1 - 5]. # قال ابن عباس: {يا أيها المدثر}: " يأ أيها النائم ". # وقال قتادة: المدثر في ثيابه. # وقال عكرمة: معناه: " دثر هذا الأمر فقم به "، يعني النبوة. # - وقوله: {قم فأنذر}. # أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله. # - {وربك فكبر}. # أي: فعظم. # - {وثيابك فطهر}. # أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة]. قاله ابن عباس. PageV12P7815 # وعنه أيضا: فطهرها من الإثم. # وقال النخعي: فطهرها من الذنوب. # والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى ~~بعهده، وأصلح: إن لمطهر الثياب. # وقال الضحاك: معناه: " لا تلبس ثيابك على معصية ". # وقال ابن زيد: معناه: " وعملك فأصلحه "، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث ~~العمل: فلان خبيث الثياب. وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب. PageV12P7816 # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: " لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب. # وعن مجاهد أن معناه: " لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا ". (وقال) ~~ابن سرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة. وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج ~~الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض. # مذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول هل المدينة وإنما طهارة ~~الثوب) سنة. ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في PageV12P7817 # الوقت. ولو كانت طهارة الثوب/ فرضا لأعاد أبدا. وكذكك البدن تقع فيه ~~النجاسة ليست طهارته فرضا. يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من ~~استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء. # - ثم قال: {والرجز فاهجر}. # أي: والأوثان فاهجر عبادتها. # والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء. # وقيل: الكسر معناه العذاب. فتكون الأوثان سميت بالعذاب. لأنها سببه. ~~والضم معناه الأوثان. وأول من PageV12P7818 # فرق بينهما الكسائي. # وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضممت] الراء ~~أو كسرتها. # قال ابن عباس: الرجز: " السخط، وهو الأصنام ". # وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: " الأوثان. وقاله الزهري. # وقال قتادة: " الرجز: صنمان كانا عند ms2726 البيت: [إساف ونائلة]، يمسح وجوههما ~~من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبها] ويعتزلهما ". # قال ابن زيد: " الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها ~~[فلا يأتيها ولا يقربها] ". PageV12P7819 # وقال النخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر]. # - ثم قال تعالى {ولا تمنن تستكثر}. # قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها. وهو (معنى) ~~قول أكثر [المفسرين]. # وهذا خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر ~~[لهم] في ذلك. وهو قوله تعالى: {ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ~~فلا يربوا عند الله} [الروم: 39] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال ~~[قال]: وهما ربوان: حرام PageV12P7820 # وحلال. فأما الحلال فالهدايا. وأما الحرام فالربا بعينه. # وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح. وهو اختيار الطبري. # وقال الربيع بن أنس: معناه: " لا يكثرن عملك في عينك، فإنه فيما أنعم ~~الله [عليك] وأعطاك قليل ". # وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: " حبل منين " ~~إذا كان ضعيفا. # وفي قراءة ابن مسعود: " ولا تمنن أن تستكثر ". # قال الكسائي: فإذا حذف " أن " رفع، وهو حال (عند) البصريين. PageV12P7821 # وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ~~ذلك عوضا من الدنيا. # - ثم قال تعالى: {ولربك فاصبر}. # أي: اصبر على ما تلقى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم. # وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: " حمل أمرا ~~عظيما، محاربة العرب ثم العجم من بعد العرب في الله ". # وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، ~~بل احتسبها الله. # - ثم قال تعالى: {فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير}. PageV12P7822 # يقال: [عسر] الأمر إذا صعب فهو عسير، و [عسر] فهو عسر. والمعنى: فإذا نفخ ~~في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين. # روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كيف أنعم وصاحب القرن ~~قد التقم القرن [وحتى] جبهته ليستمع متى يؤمر، ينفخ فيه. قال: ms2727 فاشتد ذلك ~~على أصحابه فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا {حسبنا الله ونعم ~~الوكيل} [آل عمران: 173] {على الله توكلنا} [الأعراف: 89]. PageV12P7823 # قال عكرمة: الناقور: الصور. قال مجاهد: (هو) شيء كهيئة [البوق]. # - ثم قال: {ذرني ومن خلقت وحيدا}. # أي: كل - يا محمد - أمر هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيدا لا شيء له من ~~مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس: " أنزل ~~الله في الوليد بن المغيرة {ذرني} {ومن خلقت وحيدا}. [وقوله: {فوربك ~~لنسألنهم أجمعين. . .} [الحجر: 92] إلى آخرها. # وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون " وحيدا] PageV12P7824 # على القول الأول حالا من الهاء المحذوفة في " خلقته ". وعلى (هذا) القول ~~الآخر حالا من التاء في " خلقته ". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد. والعرب ~~تقول: ذرني وزيدا، أي: كل عقوبته ومطالبته إلي. # فالمعنى: كل - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ~~ولا ظهير. ويروى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ~~ولا لأبي المغيرة نظير. # - ثم قال تعالى: {وجعلت له مالا ممدودا}. # قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار. وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف ~~دينار. وقيلأ: هو الأرض يزرع فيها. قاله النعمان بن سالم. وقال عمر بن PageV12P7825 # الخطاب رضي الله عنه: هو غلة شهر [بشهر]. # - ثم قال تعالى: {وبنين شهودا}. # أي: وجعلت له بنين شهودا، أي: [حضورا]. روي أنه كان له عشرة من الولد. ~~وقد قاله/ مجاهد وغيره. # وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاسا] في ماله وولده ونفسه. # - ثم قال: {ومهدت له تمهيدا}. # أي: بسطت له في العيش بسطا. قاله سفيان. وقال مجاهد: " من المال والولد ~~". # - ثم قال: {ثم يطمع أن أزيد * كلا. . .}. # ثم يأمل أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته {كلا}: أي: ليس الأمر PageV12P7826 # على ما يؤمل، أي: لا يكون ذلك]. # - ثم قال: {إنه كان لآياتنا عنيدا}. # أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معاندا، مجانبا. يقال: عند البعير ms2728 [يعند ~~عنودا]، و [بعير عنود]: إذا مشى مجانبا للإبل لا يمشي معها. قال ابن عباس: ~~{عنيدا} " جحودا ". وهو قول قتادة. وقال مجاهد: " معاندا للحق، مجانبا له ~~". وقال سفيان: {عنيدا} " مشاقا لنا ". # - ثم قال: {سأرهقه صعودا}. # أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها. وقيل: الصعود جبل من نار ~~(يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع PageV12P7827 # رجله كذلك. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي كذلك أبدا ". # قال مجاهد: {صعودا}: " غذابا لا راحة منه ". # وقال قتادة: " مشقة من العذاب ". # - ثم قال: {إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر}. # أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وقدر فيما يقول فيه، فلعن ~~كيف قدر ما هو قائل، ثم لعن كيف قدر القول فيه. PageV12P7828 # {ثم نظر}. أي: ثم تأتى في ذلك. # {ثم عبس. . .}. # أي: قبض ما بين عينيه. # {وبسر}. # أي: كلح وكره وجهه. # قال عكرمة: جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ ~~عليه النبي القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل. فأتاه فقال: أي عم، إن ~~قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال: يعطونك! فإنك أتيت محمدا ~~تتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا! قال: فقل فيه قولا ~~يعلم أنك منكر " [لما قال]، وأنك كاره له، قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما ~~منكم رجل أعلم مني بالأشعار ولا أعلم PageV12P7829 # برجزه ولا بقصده، ولا بأشعار الجن، و (الله) لا يشبه الذي يقول شيئا من ~~هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة! وإنه ليحطم ما تحته! وإنه ليعلوا ~~وما يعلى! قال أبو جهل: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى ~~أفكر فيه. (فلما فكر فيه) قال: هذا سحر يأثره [عن] غيره، فنزلت {ذرني ومن ~~خلقت وحيدا}. # قال ابن عباس: دخلأ الوليد بن المغيرة على أبي بكر يسأله عن القرآن، ms2729 فلما ~~أخبره خرج على قريش فقال: يا عحبا لما يقول ابن أبي كبشة! فوالله، ما هو ~~بشعر ولا بسحر ولا [بهذي] من جنون، وإنه لمن كلام الله - جل وعز - فلما سمع ~~بذلك PageV12P7830 # النفر (من قريش) [ائتمروا] بينهم، وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبؤن ~~قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا أكفيكم شأنه. فانطلق حتى دخل ~~عليه بيته، فقال: [ألم تر] قومك قد جمعوا لك الصدقة؟! قال: ألست أكثرهم ~~مالا وولدا؟! فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب ~~من طعامه! قال الوليد: [أقد] تحدثت بذلك عشيرتي؟! فلا وأيم جابر بن قصي، لا ~~أقرب أبا بكر (ولا عمر) ولا ابن أبي كبشة، [وما قوله إلا سحر] يؤثر. فأنزل ~~الله {ذرني ومن خلقت وحيدا} إلى {لا تبقي (ولا) تذر}. PageV12P7831 # قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذ] هو ~~ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك ~~أنه سحر. وقال الضحاك: دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: ~~حتى أنظر! ففكر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، ~~فجعل الله له سقر. # قال أبو رزين (سحر) (أي): يأثره من غيره. # - {إن هاذآ إلا قول البشر}. # أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله. [فهذا ~~أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر. قال ~~بعض العلماء: فكذا يفعل بكل من قال: القرآن مخلوق، قاله أحمد بن زيد]. # - ثم قال: {سأصليه سقر}. PageV12P7832 # أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم. يروى أنه الباب السادس منها، ~~نعوذ بالله منها. # - {ومآ أدراك ما سقر}. # أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بينه وأدراه به [فقال] في صفة سقر. # - {لا تبقي ولا تذر}. # أي: هي نار لا تبقي من فيها حيا، ولا تذر من فيها ميتا، لكنها تحرقهم، ~~كلما احترقوا جدد خلقهم. قال ms2730 مجاهد: {لا تبقي ولا تذر} أي: لا تحيي ولا ~~تميت وقيل: {لا تبقي ولا تذر}: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يعاد خلقا ~~جديدا ثم لا تذره حتى يعود/ عليه العذاب بأشد مما كان هكذا أبدا، نعوذ ~~بالله من ذلكز # - ثم قال تعالى: {لواحة للبشر}. PageV12P7833 # أي: مغيرة لبشرة من فيها. قال مجاهد: {لواحة للبشر}، أي: مغيرة للجلد. ~~وقال قتادة: " خراقة للجلد ". وقيل: معناه: تلوح لأهلها من مسيرة خمسمائة ~~عام. وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تغير البشرة. قال [أبو رزين]: تلفح ~~الجلد لفحة تدعه أشد سوادا من الليل. # وقال ابن عباس: " تحرق بشرة الإنسان ". # - ثم قال: {عليها تسعة عشر}. # أي: من الخزنة. ذكر ابن عباس أن هذا لما نزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم! أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن ~~خزنة النار تسعة عشر. PageV12P7834 # وأنتم [الدهم] أفتعجز كل عشرة منكم أن تبطش برجل من [خزنة] جهنم؟! فأوحى ~~الله إلى نبيه أن يأتي أبا جهل فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول {أولى لك ~~فأولى * ثم أولى لك فأولى} [القيامة: 34 - 35]. فلما فعل به ذلك رسول الله ~~قال له أبو جهل: والله، لا تفعل أنت وربك شيئا. فأخزاه - جل ذكره - يوم بدر ~~فقتل. # قال كعب الأحبار: {عليها تسعة عشر}: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين ~~يدفع به الدفعة فيلقى في النار تسعين ألفا. # - ثم قال تعالى: {وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة. . .}. # أي: لم نجعل أصحاب النار رجالا مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو ~~جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغبلوا منهم واحدا؟!. فإذا PageV12P7835 # كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!. # - ثم قال: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا}. # أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن ~~الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال ~~[أبو الأشد الجمحي]: أنا [أجهضهم] [عن] النار. وقيل: كلدة بن أسيد بن خلف ~~قال: أنا أكفيكم ms2731 سبعة عشر، واكفوني اثنين. PageV12P7836 # - ثم قال تعالى: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب}. # أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتقين] الذين أوتوا التوراة ~~والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك دتهم في ~~التوراة (والإنجيل). هذا معنى قول ابن عباس وغيره. وهو قول مجاهد. # قال قتادة: يصدق القرآن الكتب التي كانت قبله، فيها كلها خزنة النار تسعة ~~عشر. وهو قول الضحاك. وقال ابن زيد: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب. . .} " ~~أنك رسول الله ". # ثم قال تعالى: {ويزداد الذين ءامنوا إيمانا. . .}. # أي: تصديقا إلى تصديقهم بعدة خزنة جنهم. # - ثم قال: {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون}. PageV12P7837 # أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك. # - ثم قال: {وليقول الذين في قلوبهم مرض. . .}. # أي: نفاق. # {والكافرون. . .}. # يعني: مشركي قريش. # - {ماذآ أراد الله بهذا مثلا}. # أي: ماذا أراد الله بهذا حسين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. # - قال الله: {كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء}. # أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا ~~مثلا؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فيخذله عن إصابة الحق، ويهدي من ~~يشاء فيوفقه للحق. # - ثم قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو. . .}. PageV12P7838 # أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا ربك. روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " إن ملائكة ترعد فرائصهم مخافة منه، وإن منهم من ~~لا تقطر من عينيه دمعة إلا وقعت ملكا يسبح، وملائكة سجود منذ خلق الله ~~السموات لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، ومنهم [ملائكة] ~~وقوف لم ينصرفوا ولا ينصرفون إلى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة، تجلى ~~لهم ربهم - جل ذكره - فقالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك!؟ ". # وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياما، [ما] ثنوا أصلابهم، ~~وآخرين ركوعا ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجودا] ما رفعوا رؤوسهم حتى PageV12P7839 # ينفخ في الصور النفخة الآخرة فيقولون جميعا: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي ~~أن تعبد. ثم قال ms2732 كعب: والله، لو أن رجلا عمل عمل سبعين نبيا، [لاستقل] عمله ~~يوم القيامة من شدة مايرى يومئذ. والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من ~~مطلع الشمس، لغلت/ منه جماجم قوم من مغربها. والله، [لتزفرن] جهننم زفرة لا ~~يبقى ملك مقرب إلا خر جاثيا على ركبتيه. # وروى ابن المبارك حديثا - رفعه - أن ملكا سجدا لما استوى الرب [تعالى] ~~على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: ~~لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئا، ولم أتخذ من دونك وليا. # وقد وصفهم الله في كتابه فقال: {يسبحون اليل والنهار لا يفترون} ~~[الأنبياء: 20]. PageV12P7840 # قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النفس لبني آدم، ألهموا التسبيح كما ~~ألهمتهم الطرف والنفس. # - ثم قال تعالى: {وما هي إلا ذكرى للبشر}. # يعني النار التي وصفها. يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة ~~خزنتها إلا عظة وعبرة للناس يتعظون بها. # - ثم قال: {كلا والقمر}. # أجاز الطبري الوقف على " كلا "، [جعله] ردا لما قبلها. # والمعنى عنده: ليس القول كما يقال من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة ~~جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها. وقال الفرء: تقديره: " أي والقمر، وقيل: ~~تقديره: " حقا " (وقيل): " ألا ". PageV12P7841 # - {والقمر. .}. # أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، اي: ولى. # - {والصبح إذآ أسفر}. # أي: أضاء وأقبل. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف. ومنه: سفرت المرأة عن ~~وجهها إذا كشفته. ومنه قيل: " سفر " للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ~~ويكشف. ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته. ومنه: سفرت البيت: أي كنسته ومنه ~~قيل: " سفير " للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه وزيله. # وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي. وأدبر إذا ولى. واختار [أبو ~~عبيد] [إذا ادبر]، لأن بعده: {إذآ أسفر}. وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى، PageV12P7842 # يقال: دبر النهار وأدبر. ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل. فإذا قالوا: ~~أقبل الراكب و " أدبر " لم يقل إلا بالألف. # وقيل: معنى {إذ أدبر} أي: إذا أدبر النهار، وكان في آخره. وسأل رجل ms2733 ابن ~~عباس عن قوله: {والليل إذ أدبر} فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: ~~هذا حين دبر الليل. # - ثم قال: {إنها لإحدى الكبر}. # يعني جنهم، أي: وهي إحدى الأمور العظام. و (إحدى): فعلى، نعت، وهو قليل، ~~إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه. PageV12P7843 # - ثم قال: {نذيرا للبشر}. # قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر. # وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر. ونصبها على الحال من المضمر في ~~" إنها " [أومن] " إحدى ". # وهذا القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن. ويجوز أن ~~تكون حالا من " هو " في قوله: {إلا هو}، أو على إضمار فعل تقديره: صيرها ~~{نذيرا}، هذا على قول أبي رزين. وقال الكسائي: هي حال من المضمر في {قم} ~~أي: قم نذيرا، من أول السورة. وهو يرجع إلى قول ابن زيد. وقيل: PageV12P7844 # {نذيرا} بمعنى إنذار، فنصبه على المصدر. (وقيل: نصبه على المصدر) [وقيل: ~~نصبه على أعني]. ومن جعله للنار حذف [الياء] من " نذير " لأنه بمعنى النسب. # - قوله: {لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر}، إلى آخر السورة. # أي: نذيرا للبشر لما شاء منكم أن يتقدم في طاعة الله {أو يتأخر} في ~~معصيته. قاله قتادة. وهو معنى قول ابن عباس. # - ثم قال: {كل نفس بما كسبت رهينة}. # أي: كل نفس بما عملت من معصية الله في الدنيا رهينة في جهنم. # - {إلا أصحاب اليمين}. # فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم {في جنات يتسآءلون * عن المجرمين}. # قال ابن عباس: {رهينة} أي: " مأخوذة [بعملها] ". وقاله قتادة. قال PageV12P7845 # مجاهد: {إلا أصحاب اليمين} " لا يحاسبون ". [وقال] ابن زيد: أصحاب اليمين ~~لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله عز وجل. وقال الضحاك: (معناه): كل ~~فنس سبقت لها كلمة العذاب يرتبهنها الله عز وجل في النار، ولا يرتهن أحدا ~~من أهل الجنة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: {إلا أصحاب اليمين}: هم ~~" أطفال المسلمين ". وقال ابن عباس: " [هم] الملائكة ". # فمن قال: هم الأطفال [أو هم الملائكة] استدل بقولهم للمجرمين {ما سلككم ms2734 ~~في سقر}، وذلك أنهم لم يقترفوا ذنوبا في الدنيا. ولو اقترفوها ما سألوا عن ~~ذكل، وكل من دخل الجنة غير الأطفال فقد كانت لهم ذنوب. وقال الضحاك: PageV12P7846 # هم {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء: 101]. # ومعنى {ما سلككم في سقر}: [ما] أدخلكم في سقر؟! # وقرأ ابن الزبير: " يتساءلون عن المجرمين، يا فلان: ما سلككم في سقر ". ~~[وهذه] قراءة على التفسير. وقيل: معناه/ أن المؤمنين يسألون الملائكة عن ~~قراباتهم من المشركين، (فتسأل الملائكة المشركين) تقول لهم: ما سلككم في ~~سقر؟! فيقول [المشركون] ما حكى الله من قولهم، وإقرارهم على أنفسهم بالجحود ~~والكفر. # ومعنى: {من المصلين}: من الموحدين. # - ثم قال تعالى حكاية عن جواب المشركين: {قالوا لم نك من المصلين}. # أي: لم نكن - في الدنيا - من المصلين لله. PageV12P7847 # - {ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخآئضين}. # أي: نخوض في الباطل مع كل من يخوض فيه. # قال قتادة: نخوض مع الخائضين، أي: (كلما غوى غاو غووا معه). # - {وكنا نكذب بيوم الدين}. # أي: نقول: لا بعث ولا جزاء ولا جنة ولا نار. # - {حتى أتانا اليقين}؟ # أي: الموت. # - {فما تنفعهم شفاعة الشافعين}. # أي: فما يشفع لهم الذين يشفعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد ~~فتنفعهم شفاعتهم. ففي هذا دليل بين أن الله يشفع بعض خلقه في بعض. قال ابن ~~مسعود في قصة طويلة في الشفاعة (قال): ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء ~~الصالحون المؤمنون، ويشفعهم الله فيقول: أنا أرحم الراحمين. # قال ابن مسعود: لا يبقى في النار إلا أربعة. ثم يلتو: {[لم] نك من ~~المصلين} إلى: {. . . الدين}. PageV12P7848 # قال أنس بن مالك: " إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة [والرجل] ". وقال: ~~أبو قلابة: " يدخل الله بشفاعة رجل من هذه الأمة (الجنة) مثل بني تميم - أو ~~قال: أكثر من بني تميم - ". وقال الحسن: " مثل ربيعة ومضر ". # - ثم قال: {فما لهم عن التذكرة معرضين}. # فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين لا يستعمون ~~ولا يتعظون؟! # - ثم قال: {كأنهم حمر مستنفرة}. # أي: كأنهم في نفارهم عن القرآن حمر ms2735 مذعورة خائفة من الرماة [قد] نفرت. ~~ومن قرأ {مستنفرة} - بالكسر - فمعناه نافرة، ومن فتح PageV12P7849 # [فمعناه]: مذعورة خائفة. قال ابن عباس وعكرمة وقتادة: القسورة: الرماة. ~~وقال معمر: هي [النبل]. وقال ابن جبير: هي رجال القنص. وروي ذلك أيضا عن ~~ابن عباس. [وعنه] أيضا: هي جماعة الرجال، وعنه أيضا: هي أصوات الرجال. وقال ~~أبو هريرة: هي الأسد، روي ذلك أيضا عن ابن عباس. # والقسورة مشتقة من القسر، وهي الغلبة. # - ثم قال: {بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة}. PageV12P7850 # أي: ما بهم في إعراضهم عن الإيمان والقرآن إلا أن يعطى كل إنسان منهم ~~كتابا من السماء ينزل عليه. # - {كلا}، أي: لا يكون ذلك. # قال قتادة: قال قائلون من الناس: يا محمد، إن سرك أن نتبعك فأتنا بكتاب ~~خاصة إلى فلان وفلان (يؤمر) فيه باتباعك. # وقال مجاهد: يريدون أن ينزل عليهم كتابا إلى فلان من رب العالمين. وقيل: ~~المعنى: بل يريد كل إنسان منهم أن يذكر بذكر جميل، فجعلت الصحف في موضع ~~الذكر على المجاز. # وقيل: قالوا: إن كان الإنسان إذا أذنب كتب عليه، فما بالنا لا نؤتى ~~ذلك؟!. # - ثم قال: {بل لا يخافون الآخرة}. # أي: لكنهم لا يخافون عقاب الله، ولا يرجون ثوابه، فذلك الذي دعاهم إلى ~~الإعراض عن تذكرة الله، وهون عليهم ترك الأستماع لوحي الله وتنزيله. قال ~~قتادة: " إنما أفسدهمه أنهم كانوا لا يصدقون بالآخرة، ولا يخافونها ". PageV12P7851 # - ثم قال: {كلا إنه تذكرة}. # أي: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المشركون في القرآن: إنه سحر يؤثر وإنه قول ~~البشر، ولكنه تذكرة من الله خلقه. # - ثم قال: {فمن شآء ذكره}. # أي: فمن شاء من عباد الله - الذين ذكرهم بهذا القرآن - ذكره فاتعظ به ~~[واستعمل] ما فيه. (ويحسن أن يكون {كلا} في هذين الموضعين بمعنى " ألا " ~~فيبتدأ بها)، ويحسن أن يكونا بمعنى " حقا ". # - ثم قال: {وما يذكرون إلا أن يشآء الله هو. # . .}. # أي: وما تذكرون هذا القرآن فتتعظون به [وتستعملون] ما فيه إلا أن يشاء ~~الله ذلك، لأنه لا أحد يقدر على شيء ms2736 إلا بمشيئة الله وبقدرته. والتاء في PageV12P7852 # {يذكرون} للخطاب. الياء على لفظ الغيبة. # - ثم قال: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة}. # أي: الله أهل أن يتقي عباده عقوبته/ على معصيته إياه فيسارعوا إلى طاعته ~~واجتناب معصيته، والله أهل أن يغفر لمن تاب من ذنوبه وسارع إلى طاعته ~~(ونزع) عن معصيته. # روى أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: {هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة}، قال: " يقول ربكم. أنا أهل أن أتقى أن يجعل معي إله غيري، ومن ~~اتقى أن يجعل معي إلها (غيري) فأنا أغفر له ". PageV12P7853 # قال قتادة: معناه: " هو أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر الذنوب ". # وسئل طلق من حبيب عن التقوى فقال: أعمل بطاعة الله ابتغاء وجه الكله على ~~نور من الله، وتجنب معصيته الله مخافة عذاب الله على نور من الله. # وروى أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية: {هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة} فقل: " إن الله يقول: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي ~~شريك. وأنا أهل المغفرة لمن لم يجعل معي شريكا ". # قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الحديث خير من الدنيا وما فيها، [وهو] ~~من رواية ابن عباس، حديث صحيح. PageV12P7854 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القيامة مكية # - قوله: {لا أقسم بيوم القيامة}، إلى آخرها. # من النحويين من قال: " لا " زائدة كزيادتها في قوله: {ما منعك ألا تسجد} ~~[الأعراف: 12]. ولم يمتنع أن تزاد في أول الكلام، لأن القرآن كله كسورة ~~واحدة. وقد صح عن ابن عباس وغيره أنه قال: إن الله جل ذكره أنزل القرآن ~~جملة واحدة إلى السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر. ثم نزل متفرقا ~~من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال الفراء: PageV12P7855 # " لا " لا تزاد (" لا " في النفي)، وخالفه غيره فأجاز زيادتها في غير ~~النفي. وقيل: [إن] " لا " من قوله: {لا [أقسم]}: جواب، ثم استأنف فقال: ~~أقسم بيوم القيامة. وكذلك هي زائدة [بلا] اختلاف في قوله: {ولا أقسم ~~بالنفس}، لانها متوسطة ms2737 بلا اختلاف، ولأنها بعد نفي. هذا على قول من جعله ~~أيضا قسما ثانيا. ومن جعله غير قسم جعل " لا " نافية. وهو قول الحسن. وقد ~~قرأ قنبل عن ابن كثير: " لأقسم " بغير ألف بعد اللام، وهو غلط عند الخليل ~~وسيبويه، لأنها لام عند PageV12P7856 # قسم تلزمها النون المشددة. # قال ابن جبير: " {لا أقسم بيوم القيامة} معناه: أقسم بيوم القيامة ". ~~وقال أبو بكر ابن عياش: {لا} تأكيد للقسم، بقولك: لا، والله. # وحكي عن بعض الكوفيين أن {لا} رد لكلام قد مضى من المشركين الذين كانوا ~~ينكرون الجنة والنار. ثم ابتدأ القسم فقال: {أقسم بيوم القيامة}. وكان ~~يقول: كل يمين قبلها رد لكلام فلا بد من تقدم " لا " ليفرق بذلك بين اليمين ~~التي تكون جحدا واليمين التي تستأنف. قال: ألا ترى أنك تقول مبتدءا: والله ~~إن الرسول لحق؟ فإذا قلت: لا، والله إن الرسول لحق، فكأنك كذبت قوما ~~أنكروه. وقيل: " لا " تنبيه بمعنى " ألا ". كما قال امرؤ القيس: # لا وأبيك ابنة العامر [ي] ... لا يدعي القوم أني [أفر] PageV12P7857 # يريد: ألا. # قال ابن عباس: قوله: {ولا أقسم بالنفس} (هو أيضا) قسم. أقسم ربنا بما شاء ~~من خلقه. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري، فتكون " لا " الأولى ردا لكلام ~~ت قدم، و " لا " الثانية زائدة. وقال الحسن: {ولا أقسم بالنفس} ليس بقسم. ~~والمعنى: ولست أقسم بالنفس اللوامة. فتكون " لا " الأولى [ردا] لكلام تقدم ~~أو زائدة، و " لا " الثانية نافية غير زائدة. # وتأويل الكلام عند الطبري: لا، ما الأمر. كما تقولون: أيها الناس. كأنه ~~(يقدر) جواب القسم محذوفا. كأنه قال: (لا)، ما الأمر، كما تقولون: إن الله ~~لا يبعث أحدا، أقسم بيوم القيامة ما الأمر كما تقولون. # ودل على ذلك قوله: {بلى قادرين على أن نسوي بنانه}، وقوله: {أيحسب ~~الإنسان ألن [نجمع] عظامه}، أي: PageV12P7858 # أيحسب أن لن يبعث بعد موته؟! {ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة ~~فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيي ~~الموتى}، (على خلاف) ظنهم أنهم ms2738 لا يبعثون. فالمعنى: ما الأمر كما تقولون ~~أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم، أقسم بيوم القيامة. قال: ~~والمعروف في كلام الناس: إذا قال الرجل: " لا، والله ما فعلت " أن قولهم " ~~لا " رضد الكلام. وقولهم: " والله ": ابتداء يمين فكذلك {لا أقسم بيوم ~~القيامة}. # - وقوله: {بالنفس اللوامة}. # أي: بالنفس التي " تلوم على الخير والشر ". قاله ابن جبير. وقال مجاهد: ~~معناه بالنفس التي تندم وتلوم على ما فات. يروى أنه ما من نفسي إلا تلوم ~~نفسها يوم القيامة. يلوم المحسن نفسه: ألا ازداد خيرا؟! ويلوم المسيء نفسه ~~(على إساءته/ وعلى ما فاته من التوبة. قال الحسن: المؤمن يلوم نفسه ~~ويعاتبها ويقول): [لم] أكلت؟! PageV12P7859 # [لم شربت]؟! لم تحدثت؟! لم تكلمت؟! - يعني: يفعل ذلك في الدنيا - قال: ~~والكافر لا يعاتب نفسه، يمر قدما قدما في الذنوب. وعن الحسن [أيضا] أنه ~~قال: هو المؤمن، إن تلقاه إلا يعاتب نفسه: [ما أردت بكذا]؟! [ما أردت] ~~بنظرك ما أردت بكلمتك؟! وقال قتادة: اللوامة: " الفاجرة ". وعن ابن عباس: ~~هي " المذمومة ". # - ثم قال: {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه}. # أي: أيظن ابن آدم أن لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها؟! يعني: أيحسب ~~الكافر أنه لا يبعث بعد تفرق عظامه؟! بلى نقدر على أعظم من ذلك، وهو أن ~~نسوي أصابع يديه ورجليه فنجعلها شيئا واحدا [كخف] البعير، وحافر الحمار، ~~فلا يقدر أن يأكل بيديه ويرجع إلى الأكل بفمه كالبهائم، ولكن (الله) فرق ~~أصابع PageV12P7860 # يديه ورجليه ليتناول بها ويفضي إذا شاء، هذا معنى قول ابن عباس وغيره من ~~المفسرين. ونصب {قادرين} على الحال، أي: نجمعها في حال قدرة على تسوية ~~بنانه. هذا قول سيبويه. # وقيل: التقدير: بل نقدر، فلما وقع {[قادرين]} في موضع " نقدر "، نصب على ~~الحال. # وهذا غلط، لأنه يلزم أن يقول: " قائما زيد " [بنصب] " قائم " إذا رفع " ~~زيدا " بفعله، لأنه في موض " يقوم ". وقال الفراء: تقديره: بلى، نقوى على ~~ذلك PageV12P7861 # قادرين. # - ثم قال: {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه}. # أي: ليس ms2739 يجهل الإنسان أن ربه يقدر على جمع عظامه وإحيائه بعد موته، ولكن ~~يريد أن يمضي أمامه قدما لا يثنى عن ذنوبه ولا يتوب من كفره، ويسوف ~~بالتوبة. # قال بان جبير: {ليفجر أمامه}، يعني الأمل، يقول: أعمل ثم أتوب قبل يوم ~~القيامة. قال مجاهد: يمضي ابن آدم {أمامه} راكبا رأسه. وقال الحسن: لا تلقى ~~ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدوما قدما إلا من عصم الله. وقال ~~عكرمة:. . . " لا ينزع عن فجوره ". وقال الضحاك: يركب رأسه في طلب الدنيا ~~دائما، لا يذكر الموت، يقول: أصيب من الدنيا كذا، وأصيب من الدنيا كذا، ولا ~~يذكر الموت. PageV12P7862 # وعن ابن عباس أن معناه أن الإنسان هنا " الكافر، يكذب بالبعث والحساب "، ~~وهو قول ابن زيد. فالهاء في {أمامه} للإنسان [في جميع هذه] الأقوال. # وقيل: الهاء ليوم القيامة، والمعنى: بلى يريد الإنسان ليكفر بالحق بين ~~يدي يوم القيامة. # وقيل: المعنى: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. # - ثم قال: {يسأل أيان يوم القيامة}. # أي: يسأل الإنسان الدائم في معصية الله: متى يوم القيامة؟! تسويفا منه ~~بالتوبة. قال قتادة: [يقول]: " متى يوم القيامة ". قال عمر بن الخطاب: " من PageV12P7863 # سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة ". قال ابن عباس: معناه: يقول ~~الإنسان: سوف أتوب. ق ال: فبين له، فقيل له: {فإذا برق البصر * وخسف القمر. ~~. .}. # - {فإذا برق البصر}. # من فتح الراء فمعناه: [لمع] عند الموت، ومن كسر فمعناه: حار وفزع [عند ~~الموت]. قال قتادة: {برق (البصر)}: شخص، يعني: عند الموت. وقيل: ذلك يوم ~~القيامة عند المبعث. PageV12P7864 # وسياق الكلام يدل على ذلك، لأن بعده: {وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * ~~يقول الإنسان يومئذ أين المفر}، فهذا كله يوم القيامة يكون فكذلك {برق ~~البصر}. وقيل: الفتح في الراء والكسر لغتان، بمعنى: لمع وشخص. ويدل على ~~[صحة] ذلك قوله: {لا يرتد إليهم [طرفهم]} [إبراهيم: 43]، فهذا هو الشخوص، ~~[لا تطرف] أعينهم، وذلك من شدة هول يوم القيامة. # - ثم قال: {وخسف القمر}. # أي: ذهب ضوءه. # - {وجمع الشمس والقمر}. # أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ms2740 ضوء لواحد منها. # وفي قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر. روي أنهما يجمعان فيكوران PageV12P7865 # كما قال تعالى: {إذا الشمس كورت} [التكوير: 1] (قال مجاهد: كورتا يوم ~~القيامة. وقال بان زيد: جمعتا فرمي بهما في الأرض. وتأويل {إذا الشمس كورت} ~~[التكوير: 1] أن معناه: كورت في الأرض، [أي] [رمي] بها. فيكون معنى الجمع ~~بينهما هنا: أن يرمى بهما في الأرض. وقال عطاء: يجمعان يوم القيامة ثم ~~يقذفان في البحر [فيكونان] نار الله الكبرى. # وقيل: {وجمع}، ولم يقل: " وجمعت "، لأن معناه: وجمع بين الشمس والقمر. # فحمل على تذكيرين. وقيل: لما كان الكلام لا يتم إلا بالقمر، غلب PageV12P7866 # المذكر - وهو القمر -. وقال الكسائي: حمل على المعنى. والتقدير: وجمع/ ~~النوران الضياءان. قوال المبرد: ذكر {وجمع} لأنه تأنيث غير حقيقي، [إذ] لم ~~تؤنث الشمس للفرق بين شيء وشيء. فلذلك، تذكيره على معنى: " شخص " و " شيء ~~". # - ثم قال: {يقول الإنسان يومئذ أين المفر}. # أي: يقول الإنسان - مما يرى من الأهوال يوم القيامة -: أين الفرار؟!، " ~~والمفر " مصدر. عن ابن عباس: " أين المفر " بكسر الفاء، وروي عن عيسى بن ~~عمر PageV12P7867 # وابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر، فهو على هذا: اسم مكان، أي المكان الذي ~~يفر إليه. وأجاز في المصدر الكسر. # - ثم قال: {كلا لا وزر}. # أي: لا، ليس هنالك يا ابن آدم فرار، ولا مكان يلجأ إليه ويفر إليه، ولا ~~جبل ولا معقل. قال ابن عباس: {لا وزر}: " لا حصن (ولا ملجأ ". وقال PageV12P7868 # مطرف بن الشخير: {لا وزر}: لا جبل، إن الناس إذا فروا قالوا: عليك ~~بالوزر. وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة. وقال الضحاك: {لا وزر}: " لا حصن) ~~وهو قول أبي قلابة. وقال ابن جبير: لا محيص. وقال عكرمة: لا منعمة. وأصل ~~هذا أنهمه كانوا إذا ضيق عليهم في الحروب والهزائم الشداد لجؤوا إلى الجبال ~~والمعاقل، فأعلموا أنه لا ملجأ من عذاب الله في القيامة إلى جبل ولا إلى ~~غيره. # - ثم قال: {إلى ربك يومئذ المستقر}. # قال ابن زيد: " استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار " وقال ms2741 ~~قتادة: معناه: إلى ربك يومئذ المنتهى. # - ثم قال: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر}. # أي: يخبر الإنسان يوم يجمع الشمس والقمر بما قدم من عمله وما أخر بعده ~~مما PageV12P7869 # يعمل به من أجله. قال ابن عباس: " يخبر الإنسان يوم القيامة بما عمل قبل ~~موته وبما سن فعمل به بعد موته ". وقاله ابن مسعود. وقيل: المعنى: بما قدم ~~من المعصية وأخر من الطاعة. روي ذلك أيضا عن ابن عباس. وقال مجاهد: معناه: ~~بخير الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره. # وقال قتادة: يخبر بما قدم من طاعة الله وبما أخر، أي: ما ضيع من حق الله. ~~وقال ابن زيد: {وأخر} معناه: بما ترك من العمل بطاعة الله. و {بما قدم} ~~[معناه]: ما قدم من عمل من خير أو شر. وقيل: ما أخر: ما أوصى به بعد موته، ~~وما أبقى من أثر عمله بعده. # - ثم قال تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة}. PageV12P7870 # أي: هو شاهد على نفسه. قال ابن عباس: " يشهد عليه سمعه وبصره ويداه ~~ورجلاه وجوارحه "، فيكون {الإنسان} ابتداء، و {بصيرة} ابتداء ثان، و {على ~~نفسه} خبر، والجملة خبر [عن] الإنسان. # وقال ابن جبير وقتادة: معناه: أن الإنسان عراف بيبه، فهو عارف بعيب غيره، ~~متغافل عن عيبه. فيكون {الإنسان} على هذا التأويل ابتداء، و {بصيرة} خبره. ~~ودخلت الهاء في " بصيرة " للمبالغة. وقيل: دخلت حملا على المعنى، [لأن] ~~المعنى: بل الإنسان حجة على نفسه. وقيل: معنى {بل الإنسان على نفسه بصيرة}: ~~يعني الكاتبين يكتبان خيره وشره. ودل على ذلك قوله: {ولو ألقى معاذيره}، ~~أي: ولو سدل ستوره ليخفي PageV12P7871 # صنعه لم ينفعه شيء. # - ثم قال تعالى: {ولو ألقى معاذيره}. # أي: بل الإنسان شاهد على نفسه ولو اعتذر مما أتى من المآثم وجادل بالباطل ~~[لا ينفعه] ذلك شيئا. قال ابن عباس: " {ولو ألقى معاذيره} يعني الاعتذار. ~~ألم تسمع إلى قوله تعالى: {لا ينفع الظالمين معذرتهم} [غافر: 52] يعني ~~قولهم: {ما كنا نعمل من سواء} [النحل: 28]، وقولهم: {ربنا ما كنا مشركين} ~~[الأنعام: 23]؟! قال ابن زيد: " قوم يؤذن ms2742 لهم فيعتذرون فلا ينفعهم العذر، ~~وقوم لا يؤذن لهم فيعتذروا ". # وقال مجاهد: {ولو ألقى معاذيره}: " ولو جادل عنها فهو بصيرة عليها ". PageV12P7872 # وقال السدي: " معناه: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب ". # وقال الحسن و [قتادة]: " (معناه): ولو ألقى معاذيره لم تقبل منه "، إذ هي ~~باطل. # - ثم قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به}. # أي: لا تحرك يا محمد بالقرآن - إذا نزل عليك - (لسانك) لتعجل به. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه شيء من القرآن عجل به ~~يريد حفظه [لحبه] إياه، فقيل: لا تعجل به، فإنا سنحفظه عليك. # قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقى من التنزيل شدة، يحرك ~~شفتيه كراهة أن يتفلت منه، فأنزل الله - جل ذكره -: {لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه}، أي: جمعه في صدرك، وأن تقرأه. # {فإذا قرأناه فاتبع (قرآنه)}، أي: فأنصت واستمع. # {ثم إن علينا بيانه}. PageV12P7873 # (أي): (إن) علينا أن نبينه بلسانك/، قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا أتاه جبريل [استمع]، فإذا انطلق قرأه (كما قرأه). قال الشعبي: " كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي عجل يتكلم به من حبه إياه، ~~فنزل: {لا تحرك به لسانك لتعجل به}. # وقال ابن زيد: " (معناه): لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى نقضي إليك وحيه، ~~فإذا قضينا إليك وحيه فتكلم به ". وقال الضحاك: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا نزل عليه القرآن حرك به لسانه مخافة أن ينساه، فقيل له: {لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه} أي: حفظه في [قلبك]. # وأن تقرأه بعد حفظه. وروي ذلك أيضا عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. ~~[وقال قتادة]: معنى {إن علينا جمعه وقرآنه} أي: PageV12P7874 # جمعه في قلبك حتى تحفظه {وقرآنه} أي: [تأليفه]. # يقال: قرأت هذه الفاتحة في بطنها جنينا إذا ضمت رحمها على ذلك. # - وقوله: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}. # معناه عند ابن عباس: (" فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه ". وعنه أيضا أن ~~[معناه]: " فإذا ms2743 تلي عليك فاتبع ما فيه ". وقال قتادة: {فإذا قرأناه} " ~~فاتبع) حلاله، واجتنب حرامه ". وقال الضحاك: " فاتبع مافيه ". # وعن ابن عباس أيضا أن معناه: فإذا بيناه فابتع قرآن، أي: اعمل به. # - وقوله {ثم إن علينا بيانه}. PageV12P7875 # أي: علينا بيان ما فيه من حلال وحرام [وأحكام]، فأعلم الله - جل ذكره - ~~أنه المتولي لحفظ كتابه علينا، ولم [يكل] ذلك إلينا، فسلم من التغير. [ولو ~~وكله] (إلينا) لم نأمن أن يغيره ويبدله زنادقة هذه الأمة، فالحمد لله على ~~ذلك، وقد وكل الله حفظ التوراة والإنجيل إلى اليهود والنصارى فغيروةا ~~وبدلوا. وقد سئل سفيان بن عيينة فقيل له: كيف غيرت التوراة والإنجيل وهما ~~من عند الله؟! فقال: إن الله جل ثناؤه وكل حفظهما إليهما، فقال جل ذكره: ~~{بما استحفظوا من كتاب الله} [المائدة: 44]، ولم [يكل] حفظ القرآن إلى أحد، ~~فقال جل ذكره: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]، فما حفظه ~~الله علينا لم يغير. وقيل: معنى قوله: {ثم إن علينا بيانه} أي [أن] نبينه ~~بلسانك. PageV12P7876 # - ثم قال تعالى: {كلا بل تحبون العاجلة}. # أي: ليس الأمر أيها الناس على قولكم: إنكم لا تبعثون ولا تجازون ~~بأعمالكم. ولكن الذي دعاكم إلى ذلك [حبكم] الدنيا وزينتها، وإيثاركم ولا ~~تجازون على آجل الآخرة، ونعيمها الدائم. فأنتم لذلك تؤمنون بالعاجلة ~~وتكذبون بالآجلة. # (ويجوز أن تكون " كلا " بمعنى " حقا " أو بمعنى " ألا ". قال قتادة: ~~اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله). # - ثم قال: {وجوه يومئذ ناضرة}. PageV12P7877 # أي: حسنة ناعمة جميلة من السرور والغبطة. هذا قول جميع أهل التفسير. # - ثم قال: {إلى ربها ناظرة}. # أي: تنظر إلى ربها. قال عكرمة: " تنظر إلى ربها نظرا ". # قال الحسن: {وجوه يومئذ ناضرة}: " أي حسنة: {إلى ربها ناظرة}: قال: تنظر ~~إلى الخالق، وحق (لها) أن [تنضر] وهي [تنظر] إلى الخالق ". # وقل عطية العوفي: هي تنظر إلى الله - جل وعز - لا تحيط أبصارهم به من ~~عظمته، ويحيط بهم، {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103]. PageV12P7878 # [وقد] قال بعض أهل البدع: إنه بمعنى منتظرة إلى ثواب ms2744 ربها، وهذا خطأ في ~~العربية، [(لا) يقال]: " نظرت إليه " بمعنى انتظرته، وإنما يقال: " نظرته " ~~بمعنى انتظرته. # أيضا فإنه لا يجوز " أنتظرت زيدا " بمعنى [انتظرت] عطاءه أو غلامه أو ~~ثوابه أو نحوه، لأن فيه تغيير المعاني وإبطال الخطاب. وأيضا، فإن النظر ~~إنما يضاف إلى الوجوه، والانتظار (إنما) يضاف إلى القلوب، فلا يجوز أن PageV12P7879 # يقال: " [وجهي] منتظر لك ". # فلما أتى النص بإضافة النظر إلى الوجوه، لم يجز أن يتأول فيه معنى ~~الانتظار، ولو قال: " قلوب يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة "، لحسن كونه بمعنى ~~الانتظار لإضافته إلى القلوب. وقال الحسن في الآية: نظرت إلى الكله [فنضرت] ~~من نوره، أي: نعمة من نوره. # وقد روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني حدثتكم ~~عن المسيح الدجال، إنه قصير أفحج جعد أعور [مطموس] عين اليسرى، ليست بناتئة PageV12P7880 # ولا حجراء، فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربكم - عز وجل -/ ليس بأعور، ~~وإنكم لن تروا ربكم - جل ذكره - حتى تمونوا ". # وقد (استدل) من أنكر النظر بإضافة النظر إلى الوجه، قال: والعين لا تسمى ~~وجها. وقد [أضاف] النظر إلى الوجه. وهذا غلط ظاهر، لأن العرب من لغتها أن ~~تسمي الشيء (باسم} الشيء إذا قرب منه وجاوره، وقد قال الله تعالى: {وجوه ~~يومئذ ناعمة * لسعيها راضية} [الغاشية: 8 - 9]، والسعي للأقدام، وقد أضاف ~~السعي [للوجوه]، وهو أبعد من الأقدام من العين إلى الوجه، فإذا جاز أن يضاف ~~سعي PageV12P7881 # الأبدان والأقدام إلى [الوجوه]- لالتباس الوجوه بها - كان (إضافة) النظر ~~إلى [الوجه]- يراد به العين - أجوز وأحسن، لأن العين في الوجه، وهي من جملة ~~الوجه. وهذا سائغ جائز في اللغة وفي كثير من القرآن. [وأحاديث] تصحيح النظر ~~إلى الالله جل ذكره في الآخرة كثيرة أشهر من أن تذكر ها هنا. ويدل على ~~تصحيح جواز ذلك - من القرآن والنظر - قوله تعالى - حكاية عن موسى عليه ~~السلام -: {قال رب أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143]. ففي سؤاله النظر دليل ~~على جوازه، لأن موسى لا يمكن أن يسأل ما لا يجوز وما يستحيل، فأعلمه الله ~~أنه ms2745 لا يراه في الدنيا أحد. # فأما قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103]، فمعناه: لا تحيط ~~به. ومن قال: إن PageV12P7882 # معناه: لا تراه، فقد [غلط]: لأنه يلزم أن يكون (معنى): {حتى إذآ أدركه ~~الغرق} [يونس: 90]: إذا رآه، وذلك محال! إنما معناه: إذا أحاط به. وكذلك ~~يلزمه أن يكون معنى {إنا لمدركون} [الشعراء: 61]: إنا [المرئيون]، ولم ~~يخافوا أن يراهم قوم فرعون، إنما خافوا أن يحيطوا بهم، فالمعنى: إنا لمحاط ~~بنا، وكذلك يلزمهم أن يكون معنى: # {لا تخاف دركا} [طه: 77]: (لا تخاف) رؤية، وهذا محال، لم يؤمنه الله من ~~رؤية آل فرعون له، إنما أمنه من إحادتهم به وبمن معه واستعلائهم عليهم، ~~فالمعنى في الآية: لا تحيط به الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة. PageV12P7883 # ومعنى {لن تراني} [الأعراف: 143] أي: لن تراني في الدنيا. فالإحاطة به ~~منفية، والرؤية له في الآخرة غير منفية. كما أن قوله: {ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شآء} [البقرة: 255]، لا يكون نفيا عن أن يعلموه، فكما كانت ~~الإحاطة تدل على نفي العلم، كذلك بقي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية. # وكما جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علما، كذلك جاز أن يروا ~~ربهم ولا تحيط به أبصارهم، فمعنى الرؤية غير معنى الإدراك. فلذلك، لا يجوز ~~أن يكون معنى {لا تدركه الأبصار} لا تراه. # و [قد] قيل: معنى {لا تدركه الأبصار} أي: في الدنيا، على أن يكون {لا ~~تدركه} PageV12P7884 # بمعنى، تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة قوله: {إلى ربها ناظرة}، ~~وبدلالة قوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]. وهذا من ~~أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في ~~الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا ~~فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا ~~فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد ~~أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته، بخلاف حال الكفار. وقيل: ms2746 معنى {لا ~~تدركه الأبصار} أي: بالنهاية والإحاطة. فأما الرؤية فنعم. وقيل: معنى {لا ~~تدركه الأبصار} كإداركه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة. وقيل: المعنى: PageV12P7885 # لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله ~~[فيهم] لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه ~~بها. وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء. # وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنكم ~~ترون ربكم يوم القيامة كمأ ترون هذا - يعني القمر - لا تضامون في رؤيته " ~~وفي بعض الرواية: " لا تضارون في رؤيته " وفي بعضها: " كما ترون الشمس في ~~غير PageV12P7886 # سحاب "، وفي بعضها: " كما ترون الشمس نصف النهار وليس في السماء سحابة "، ~~وفي بعضها: " كما ترون القمر ليلة البدر وليس في السماء سحابة ". # وقد ذكر النحاس في " تضارون " و " تضامون " واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ~~ثمانية أوجه. # " تضارون " / و " تضامون " مضموم الأول مخففا، قال: ويجوز " تضارون " (و) ~~" تضامون " مضموم الأول مشددا، قال: ويجوز " تضامون " مفتوح الأول مشددا، ~~وأصله: " تتضامون "، (ثم حذفت إحدى التاءين ك # {تفرقوا} [آل عمران: 103] و {تسآءلون} [النساء: 1] قال: ويجوز " تضامون " ~~مفتوح الأول مشدد) الضاد والميم على أن PageV12P7887 # تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: {تظاهرون} [البقرة: 85]، وكذلكك ~~يجوز " تضامون " و " تضارون " على ذلك، التقدير في الحذف والإدغام. # والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم. # ومن رواه مشددا مضموم الأول فمعناه: لا يضار بعضكم بعضا في الرؤية، ولا ~~يضام بعضكم بعضا كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا [أزدحمتم] ~~لرؤيته. PageV12P7888 # - ثم قال تعالى: {ووجوه يومئذ باسرة}. # أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة. وقال مجاهد: {باسرة} " كاشرة ". # وقال قتادة: " كالحة عابسة ". # - ثم قال تعالى: {تظن أن يفعل بها فاقرة}. # أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية. قال مجاهد: {فاقرة}: " داهية ". وقال ~~قتادة: " تيقن أنها ستدخل النار "، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت بالإنسان ~~كسرت فقاره، أي: ظهره. # - ثم قال: {كلا. . .}. # أي: ليس الأمر ms2747 على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم. فيوقف ~~عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى " حقا "، أو بمعنى " إلا ". PageV12P7889 # فيبتدأ (بها). # - ومعنى {إذا بلغت التراقي}. # يعني النفس عند الموت وحشرج بها. # - {وقيل من راق}. # أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لما به]، وطلبوا له الأطباء ~~فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئا. هذا معنى قول عكرمة وابن زيد. وقال أبو ~~قلابة: {من راق}: " من طبيب وشاف "، وهو قول الضحاك PageV12P7890 # وقتادة. وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت ~~-: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ # يقال: رقى يرقي من الرقية. ورقى يرقى من الصعود. واسم الفاعل فيهما راق. # - ثم قال تعالى: {وظن أنه الفراق}. # أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه. # - ثم قال تعالى: {والتفت الساق بالساق}. # أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس. وعنه ~~أيضا أنه يقول: " آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة ~~بالشدة ". وقال الضحاك: معناه: " أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة PageV12P7891 # يجهزون الروح ". وقال قتادة: {والتفت الساق بالساق}: " [الشدة] بالشدة، ~~ساق الدنيا بساق الآخرة ". وقيل: " عمل الدنيا بعمل الآخرة ". # وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: " ساق الآخرة بساق الدنيا "، والآخر ~~أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: " قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه ~~بالأخرى. # و (هو) قول مروي عن قتادة وأبي مالك والسدي. واختار PageV12P7892 # القول (الأول) لقوله تعالى: {إلى ربك يومئذ المساق}. وقال الحسن: هو لف ~~ساقيك في الكفن. وعن مجاهد في معناه: [التف] " بلاء ببلاء ". # - ثم قال تعالى: {إلى ربك يومئذ المساق}. # أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحشرجت نفسه. # - ثم قال تعالى: {فلا صدق ولا صلى}. # أي: لم يصدق ولم يصل، ف " لا " نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة ~~لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة. # ولكنه {كذب وتولى}. # أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة. ms2748 PageV12P7893 # - {ثم ذهب إلى أهله يتمطى}. # أي: [مضى] [منصرفا] [متبخترا] في مشيته. قال قتادة: {يتمطى}: " يتبختر ". ~~قال زيد بن أسلم: {يتمطى}: يتبختر، وهي مشية بني مخزوم. وهو مشتق ن المطا، ~~وهوالظهر. كأنه يلوي ظهره متبخترا. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~إذا مشت أمتي المطيطاء " ويجوز أن يكون من مططت، ثم PageV12P7894 # [أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: " تظنيت " في " تظننت "، فيكون ~~المعنى: يمد يديه ورجليه في الخطا [متبخترا]. قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه ~~الآية في أبي جهل. # - ثم قال تعالى: {أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى}. # هذا وعيد وتهدد لأبي جهل. قال قتادة: " ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام ~~أخذ بمجامع [ثياب] أبي جهل، فقال: {أولى لك فأولى * (ثم أولى لك فأولى)}، ~~فقال عدو الله: [أيوعدني] محمد؟! والله، ما تستطيع لي أنت ولا ربك شيئا، ~~والله، لأنا أعز من مشى بين جبليها. فلما كان يوم بدر، أشرف عدو الله ~~عليهم، فقال: لا يعبد/ الله PageV12P7895 # بعد اليوم أبدا، فضرب الله عنقه وقتله شر قتلة " والعرب تقول: " أولى ~~(لك: كدت تهلك ثم (أفلت) ". وتقديره، أولى لك فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك ~~فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد. وقال بعض أهل المعاني: {أولى لك} هو ~~" أفعل " الذي للتفضيل بمنزلة " أخرى لك " و " أقبح لوجهك "، وهو مشتق من ~~الويل. وفيه قلب، قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين الفعل، ~~قال: وإنما فعلوا ذلك لئلا يلزمهمه من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة. فلو ~~أتوا به على الأصل للزمهم أن يوقولوا: " أيل "، لأن الواو تدغم فيها ~~[الياء] إذا تقدمت PageV12P7896 # ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين. # - ثم قال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}. # أي: مهملا لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر. قال ابن عباس: {سدى} ~~مهملا. قال ابن زيد: " لا يفترض عليه عمل ولا يعمل ". يقال: " أسديت الشيء ~~" بمعنى: أعلمته. # - ثم قال تعالى: {ألم يك نطفة من مني يمنى}. # أي: (ألم) يك - هذا المنكر قدرة الله على أحيائه بعد ms2749 موته - ماء قليلا في ~~صلب الرجال (من مني)؟! PageV12P7897 # - {ثم كان علقة}. ثم دما. # - {فخلق فسوى}. # أي: فخلقه الله إنسانا من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشرا ناطقا ~~سميعا بصيرا. # - {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}. # أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سواه بشرا أولادا، ذكروا وإناثا. # - {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى}. # أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادرا على أن يحيي ~~الموتى بعد مماتهمه؟! وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر (هذه) ~~السورة يقول: بلى. PageV12P7898 # قال قتادة: " كان يقول: سبحانك، وبلى ". # وأجاز الفراء الإدغام في {يحيي}، وهو غلط عن الخليل وسيبويه، لئلا يلتقي ~~ساكنان. PageV12P7899 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الإنسان مكية # - قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}، ~~إلى قوله: {سميعا بصيرا}. # " هل " [في هذا] الموضع خبر لا جحد. وفي الكلام معنى [التقرير]، كأنه ~~قال: قد أتى على الإنسان [ز] من طويل لم يكن شيئا مذكورا. PageV12P7901 # وهذا كما تقول للرجل -[تقرير -]: هل أكرمتك؟ قد [أكرمه]، هل أحسنت إليك؟ ~~وقد أحسن إليه. وتكون " هل " جحودا في غير هذا الموضع، نحو قول الرجل ~~الآخر: هل يفعل هذا أحد؟! بمعنى: لا يفعل هذا أحد، وتكون استفهاما، وهو ~~بابها. # وقد أجاز ابن كيسان أن تكون " هل " في الآية استفهاما على بابها، كما ~~تقول: هل بقيت في أمرك؟. # والإنسان في الآية: آدم عليه السلام، قاله قتادة وغيره. قال قتادة: إنما ~~[خلق] الإنسان حديثا، وما نعلم من خليقة الله عز وجل كانت بعد الإنسان، ~~يقول: خلق الإنسان آخر سائر ما خلق الله من الخلق. PageV12P7902 # والحين (هاهنا) يراد به طول مكث آدم وهو طينة. وذلك أربعون سنة في ما ~~روي. فكان في ذلك الوقت شيئا غير مذكور. # وقيل: الجن هنا غير معلوم، [الله يعمله]. وقيل: الإنسان هنا يراد به ~~الجنس فأما الإنسان الثاني فهو للجنس [بلا خلاف]، وقال مالك: الحسن هنا: ما ~~مضى قبل ذلك من أمر الدهر كله ومن قبل أن ms2750 يخلق آدم. # - ثم قال تعالى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه}. # أي: خلقنا ذرية آدم من نطفة، أي: من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة كل ~~ماء قليل في وعاء. و (أمشاج): أخلاط. PageV12P7903 # يقال: مشجت هذا بهذا، أي: خلطته. وواحد الأمشاج: مشيج، مثل شريف وأشراف. ~~وقيل: مشج مثل عدل وأعدال. # وقال ابن عباس: المشجان: ماء الرجل وماء المرأة. وهو معنى قول مجاهد ~~والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين. # وعن ابن عباس أيضا أن معنى (أمشاج) هو انتقاله من تراب ثم من نطفة إلى ~~علقة إلى مضغة إلى غير ذلك. وقاله أيضا عكرمة وقتادة. # وقيل: (أمشاج) هي العروق التي تكون في النطفة. روي ذلك عن ابن مسعود. PageV12P7904 # وقاله أسامة بن زيد عن أبيه. # وقيل: الأمشاج هي ألوان النطفة، (نطفة الرجل تكون بيضاء وحمراء، ونطفة ~~المرأة تكون خضراء وحمراء) /، [روي ذلك عن] مجاهد وقاله ابن أبي نجيح. # فمن قال: إن الأمشاج انتقال النطفة إلى علقة، ثم مضغة، ثم غير ذلك، ~~فتقديره: من نطفة ذات أمشاج. PageV12P7905 # ومعنى {نبتليه} نختبره. # {فجعلناه سميعا بصيرا}. # أي: ذا سمع وذا بصر لتقوم عليه الحجة. وقال الفراء: في الكلام تقديم ~~وتأخير، والتقدير عنده: إنا خلقنا الإنسان سميعا بصيرا من نطفة أمشاج ~~لنختبره. وقد رد [عليه] هذا التقدير، لأن الفاء لا يقع معها التقديم ~~والتأخير. ولأن الكلام تام بغير تقديم وتأخير، فلا يخرج عن ظاهر لغير علة. # - قوله تعالى: {إنا هديناه السبيل}، إلى قوله: {ولا زمهريرا}. # أي: إنا بينا له طريق لاحق وعرفناه. قال مجاهد: {إنا هديناه السبيل}: ~~الشقاوة والسعادة. وقال قتادة: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا} لنعم الله ~~{وإما كفورا} لها. وقال ابن زيد: {إنا هديناه السبيل} قال: [ننتظر] أي شيء ~~يصنع وأي الطريقين يسلك. ومعنى " إما " في هذا الموضع كمعنى: [" أو " إلا ~~أنها] تدل على PageV12P7906 # المعنى في أول الكلام. ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقيا وإما ~~سعيدا. والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه. وقيل: {شاكرا وإما ~~كفورا}: حالان مقدران. # وأجاز الفراء أن [تكون] " ما " زائدة ms2751 [و " إن "] للشرط. # والمعنى على هذا: " إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر ". وفيه بعد لأن " ~~إن " التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا. ~~وقيل: تقديره على قول الفراء: " إن كان شاكرا أو كان كفورا ". # - ثم قال تعالى: {إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا}. # أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [{سلاسلا}] يوثقون ~~بها في الجحيم {وأغلالا} تغل بها أيديهم إلى أعناقهم PageV12P7907 # {وسعيرا} أي: ونارا تسعر عليهم فتوقد. # فمن لم ينون [{سلاسلا}] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في ~~الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف. ومن وقف عليه بألف مع منعه ~~لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب. # حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف ~~[لبيان] الفتحة. وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف PageV12P7908 # بألف. فاتبع السواد في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل. # فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب. حكى الكسائي وغيره من ~~الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا " أفعل منك ". وقال بعض ~~أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، ~~والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر. وقيل: إنما صرف لأن أتبع بما بعده، وهو ~~[{وأغلالا}]. # وكذلك الحجة في {قواريرا * قواريرا} [الإنسان: 15 - 16]، عند من منع صرفه ~~ووقف بالألف. أو بغير ألف أو صرفه. # - ثم قال تعالى: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا}. # أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب PageV12P7909 # محارمه يشربون في الآخرة {من كأس}، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما ~~فيها من الشراب {كافورا} يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور. # وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة. فعلى هذا، تكون {عينا} بدلا من ~~" كافور ". ومن جعل الكافور صفة للشرب بنصب {عينا} على الحال من المضمر في ~~{مزاجها}. وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: ms2752 هي مفعول بها بمعنى: ~~يشربون عينا يشرب بها عباد الله. وقيل: هي نصب PageV12P7910 # على المدح] وقيل: التقدير: " من عين "، قلما حذف الحرف نصب. # وقال الحسن: " الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر] ". # وقال محارب بن دثار: إنما سمو أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء. فكما ~~أن لوالديك [عليك] حقا، كذلك لولدك عليك حق. # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن أبر البر أن يصل ~~الرجل أهل ود أبيه ". PageV12P7911 # قال مجاهد: {كان مزاجها كافورا} تمزج (به). قال قتادة: " قوم تمزج لهم ~~بالكافور وتختم (لهم) بالمسك ". # - (وقوله: {عينا يشرب بها عباد الله. . .}. # أي: يشربها. وقل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته. وقيل: ~~يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم. دليله قوله: {عينا يشرب ~~بها المقربون} [المطفيين: 28]، وهو الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم ~~بالمسك). # - ثم قال: {يفجرونها تفجيرا}. PageV12P7912 # أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم. ~~والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له. قال مجاهد: يعدلون بها/ حيث شاءوا ~~ويعيدونها حيث شاءوا. ويروى أن أحدهم إذا أراد أ، يتفجر [له] الماء شق ذلك ~~الوضع بعود فجرى فيه الماء. # - قال تعالى: {يوفون بالنذر}. # أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه. # وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. وكانوا {ويخافون ~~يوما كان شره مستطيرا}، أي: فاشيا ظاهرا منتشرا ممتدا. # قال قتادة: {يوفون بالنذر}: " بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة ". PageV12P7913 # وقال سفيان: {يوفون بالنذر}: " في غير معصية "، ويخافون عذاب الله في ~~تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتدا. # (قال قتادة) " استصار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض ". # وقال الفراء: {مستطيرا} أي: [مستطيلا]. # يقال: استطار الشيء إذا انتشر. # - ثم قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه. . .}. # أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، {مسكينا. . . } أي: ذا حاجة، {ويتيما}، ~~وقوله {وأسيرا} قال قتادة: هو المأسور عندك المشرك، قال: PageV12P7914 # وأخوك المسلم أحق منه. وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك. قال ~~الحسن: " ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين ms2753 ". وقال مالك: يعني أسرى المشركين. ~~وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين. وهو قول ابن جبير وعطاء. ~~وهذا كله من صفة الأبرار. # - ثم قال: {إنما نطعمكم لوجه الله. . .}. # أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. # - {لا نريد منكم. . .} منكم أيها الناس على إطعامنا لكم. PageV12P7915 # - {جزآء ولا شكورا}. # و {شكورا} يحتمل أن يكون جمع " شكر " وأن يكون مصدرا. # قال مجاهد: " أما إنهم (ما) تكلموا به، ولكن الله علمه من قلوبهم فأثنى ~~به عليهم ليرغب في ذلك راغب ". ومثل ذلك قال ابن جبير. # وكذلك روى [الفريابي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. # - ثم قال تعالى: {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا}. PageV12P7916 # أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعيس فيه ~~الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: {في ~~عيشة راضية} [الحاقة: 21] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر ~~اليوم [يقمطر اقمطرارا]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب. # قال ابن عباس في قوله: {يوما عبوسا قمطريرا} قال: " يعبس الكافر يومئذ ~~حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران ". وقال قتادة: " عبست فيه الوجوه ~~وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم "، وهو قول مجاهد. وعن ابن PageV12P7917 # عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. # وقال ابن زيد: " العبوس: الشر ". # - ثم قال تعالى: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم}. # أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون ~~في الدنيا. # - ثم قال تعالى: {ولقاهم نضرة وسرورا}. # قال الحسنن: " [نضرة] في الوجوه وسرورا في القلوب " # وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: نعمة وفرحا. # وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب. رضي الله عنه. PageV12P7918 # ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله]. # - ثم قال تعالى: {وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا}. # أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته. ~~واستعمال الحرير في اللباس والفرش. # - {متكئين فيها على الأرائك}. # نصب {متكئين} على الحال ms2754 من الهاء والميم في {وجزاهم}. # " وجزى " هو العامل في الحال. ولا [يحسن] أن يعمل فيه {صبروا} لأن الصبر ~~كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. ويجوز أن ينتصب على النعب للجنة " لأنه PageV12P7919 # قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) {فيها}. وقوله: {على الأرائك}، واحد ~~الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال. # - وقوله {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا}. # " شمسا] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنة، أي: ~~غير رائين في الجنة شمسا تؤذيهم بحرها، ولا بردا شديدا يؤذيهم [بشدته]. # قال مجاهد: الزمهرير: البرد المقطع. PageV12P7920 # وقال قتادة: " علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ]. وشدة الحر مؤذ. ~~فوقاهم إياهما ". # والزمهرير: لون من عذاب جهنم. # -[قوله تعالى]: {ودانية عليهم ظلالها} إلى قوله: {مشكورا}. # أي: وقربت منهم ظلالها. وانتصب {دانية} على العطف على {جنة}. # والتقدير: وجزاهم جنة دانية. # ويجوز أن يكون [حالا عطفا] على {متكئين} أو على {(لا) يرون}، ويجوز أن ~~يكون صفة للجنة. PageV12P7921 # ويجوز أن يكون على المدح مثل: {والمقيمي الصلاة} [الحج: 35] فهو -[م] إن ~~كان نكرة - فإه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به. # وقرأ ابن مسعود: {ودانية عليهم}، حمله على تذكير الجمع وهو ظلالها. # وفير قراءة أبي (ودان)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قاض المرفوع. حمله ~~[على] أنه خبر {ظلالها} مقدم. # - ثم قال تعالى: {وذللت قطوفها تذليلا}. # قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت PageV12P7922 # حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها. # وقال قتادة: معناه " لا يرد أيديهم عنها [بعد] ولا شوك ". # قال سفيان: {وذللت قطوفها} قال: " يتناوله كيف شاء، جالسا ومتكئا ". قال ~~مجاهد: أرض الجنة ورق، وتربها مسك، وأصول شجرها ذهب، وورق أفنانها لؤلؤ ~~وزبرجد وياقوت، والثمر تحته. # - ثم قال تعالى: {وذللت قطوفها تذليلا}. PageV12P7923 # " ويقال: " المذلل الذي قد ذلله الماء أي أوراه ". # " ويقال: المذلل الذي [يفيئه] [أدنى] ريح ". # " يقال: المذلل: المسوى ". وأهل الحجاز يقولون: [ذللل] نخلك. # أي: سوه. ويقال: المذلل: القريب المتناول. من قولهم: [دابة] ذليل PageV12P7924 # " أي: قصيرة. هذه أقول أهل اللغة. ms2755 # - ثم قال تعالى: {ويطاف عليهم بآنية من فضة}. # أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء ~~القوارير. قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة. وهو قول قتادة. # - وقوله: {وأكواب}. # أي: " ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيه الشراب. وكل جرة ضخمة لا ~~عروة لها [فهي] كوب ". # وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عورة له. وهو قول أكثر PageV12P7925 # المفسرين. وقال قتادة: هو القدح. # - وقوله: {كانت قواريرا * قواريرا}. # [أي]: كانت هذه الأواني والأكواب قوارير فحولها الله فضة. وقيل: إن قوله: ~~{ويطاف عليهم بآنية من فضة} يدل على أن أرض الجنة من فضة. لأن المعلوم في ~~الدنيا المتعارف أن كل آنية (تتخذ) فإنما تتخذ من تربة الأرض التي [هي] ~~فيها، فدل على أن أرض الجنة من فضة بقوله: {ويطاف عليهم بآنية من فضة}. # قال أبو صالح: كان تراب هذه الأواني فضة. # - وقوله: {قدروها تقديرا}. # أي: قدروا تلك الأواني على قدر [ريهم]، لا تزيد ولا تنقص في ذلك، PageV12P7926 # يعني: [قدرها] الملائكة [الطائفون] بالآنية والأكواب. قال الحسن: " قدرت ~~[لري] القوم. # وهو قول قتادة وابن زيد ومجاهد. # وعن ابن عباس أن معناه (وقدروها) على قدر الكف. والمعنى: [قدرها] لهم ~~السقاة الذين يطوفون عليهم بها، فلذلك نسب إليهم. وقيل: معناه: وجدوها كذا، ~~فنسب الفعل إليهم لمناولتهم: إياها لهم. # وقرأ الشعبي وعبيد بن عمير وابن أبزى: " قدروها تقديرا " - بضم PageV12P7927 # القاف - أي: قدرت (عليهم) لا تزيد ولا تنقص. # - وقوله تعالى: {ويسقون فيها كأسا}. # أي: ويسقى هؤلاء الأبرار في الجنة شراب (كأس). # والكأس: كل إناء فيه شراب. فإذا كان فارغا من الخمر لم يقل له كأس، ويقال ~~له قدح. كذلك لا يقال للخوان: مائدة حتى يكون [عليه] الطعام. # - قوله: {كان مزاجها زنجبيلا}. PageV12P7928 # أي: كان مزاج شراب الكأس زنجبيلا. قال قتادة: " تمزج بالزنجبيل ". # وقال (قتادة في رواية ابن جبير عنه): الزنجبيل: اسم للعين يشرب منها ~~المقربون صرفا، وتمزج لسائر أهل الجنة. والعرب تضرب المثل بالخمر إذا مزجته ~~بالزنجبيل، وكانوا يستطيبون ذلك. فخوطبوا على ما يعرفون. هذا ms2756 يدل على قول ~~قتادة الأول. # - وقوله: {عينا فيها تسمى سلسبيلا}. # {عينا} منتصبة على ما انتصب {عينا} (الأول). (قال) قتادة: معنى ~~{سلسبيلا}. " سلسة يصرفونها حيث شاءوا ". PageV12P7929 # وقال مجاهد: {سلسبيلا} أي " [سلسة] الجرية ". # وقيل: هو اسم للعين، ويلزم من قال هذا ألا يصرفه. # قال النحاس: هي فعلليل من [السلاسة]. # وهذا غلط، لأنه كان يجب أن يقال: [سلسليل]، ولا يكون فيه [باء]. # [و] حكى سيبويه أن نظيره قفشليل. PageV12P7930 # - ثم قال تعالى: {ويطوف عليهم ولدان مخلدون}. # " أي: لا يموتون ". وقيل: معناه مسورون. وقيل: مقطرون، وذلك بلغة حمير. ~~يعني بذلك أنهم شباب لا يتغيرون عن ذلك السن. تقول العرب للرجل إذا كبر ~~وثبت سواد شعره إنه لمخلد، وكذلك إذا كبر [وثبتت] أضراسه، يراد به أنه ~~[لثابت] الحال. # - ثم قال تعالى: {إذا رأيتهم حسبتهم/ لؤلؤا منثورا}. # أي: إذا رأيت - محمد - هؤلاء الولدان، ظننتهم في حسنهم ونقاء بياض PageV12P7931 # وجوههم [وكثرتهم] لؤلؤا منثورا ومجتمعا. # قال قتادة: {لؤلؤا منثورا} يعني من [كثرتهمه] وحسنهم. # قال [ابن عمرو]: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل ~~غلام على عمل ما عليه صاحبه. # قال سفيان: {حسبتهم لؤلؤا منثورا} قال: " في كثرة اللؤلؤ وفي بياض اللؤلؤ ~~". # وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أهل الجنة ~~يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا [يتغوطون] ولا يمتخطون، [يصير] طعامهم ~~وشرابهم PageV12P7932 # [جشاء]، ورشح مسك، يلهمون التسبيح والحمد كما تلهمون النفس ". # - ثم قال تعالى: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما}. # أي: وإذا رأيت - يا محمد - ما ثم رأيت نعيما. # وأكثر البصريين على أن {ثم} نصبه على الظرف، ولم يعد {رأيت}، كما تقول: ~~ظننت في الدار " فلا تعدي " ظننت ". PageV12P7933 # وقال الأخفش: {ثم} مفعول بها، و {رأيت} بمعنى نظرت، و {ثم} إشارة إلى ~~الجنة. # - وقوله: {وملكا كبيرا}. # أي: (و) رأيت مع النعيم ملكا عظيما. روي: أن أدنى أهل الجنة منزلة من ~~ينظر في ملكه في مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه. # وقيل: الملك الكبير هنا عني به تسليم الملائكة عليهم ms2757 واستئذانهم عليهم. ~~قاله مجاهد وسفيان. # روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أدنى أهل الجنة منزلة ~~لينظر في ملكه ألفي عام، ينظر أزواجشه وسرره وخدمه، وإن أفضلهم منزلة ~~لينزظر في وجه ربه - جل وعز - في كل يوم مرتين ". PageV12P7934 # قال أحمد بن ثعلبة عن أبيه أنه (قال) في قوله تعالى: {وملكا كبيرا} هو أ ~~[ن] (رسول) رب العزة يأتيه بالتكف واللطف فلا يصل إليه إلا بحجاب، ومن داره ~~إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن، فذلك (الملك) ~~الكبير. # وقال الفزاري: لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، باب يدخل عليه منه زواره ~~من الملائكة، وباب تدخل عليه (منه) أزواجه الحور، وباب مقفل بينه PageV12P7935 # وبين أهل النار بفتحه إذا شاء ينظر إليهم فتعظم النعمة عليه، وباب بينه ~~وبين دار السلام يدخل على ربه إذا شاء. # قال كعب: من الجنة إلى النار كواء يتطلع منها رجال من (أهل) الجنة إلى ~~رجال من أهل النار ينظرون إلى عذابهمه. # ثم قرأ كعب: {فاطلع فرآه في سوآء الجحيم} [الصافات: 55] أي: في وسطها. # - ثم قال تعالى: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق}. # من أسكن الياء في {عاليهم} جعله مرفوعا بالابتداء، وما بعده خبره، وشاهده ~~أن في قراءة ابن مسعود " عاليتهم ثياب ". PageV12P7936 # ومن فتح الياء جعله ظرفا خبر (ابتداء) مقدم، وهو " ثياب ". وشاهده أن ~~[مجاهدا] قرأ " عليهم ثياب ". # والسندس: رقيق الديباج، والاستبرق: غليظة. # فالمعنى: أن الثياب الخضر علو ثياب أهل الجنة. هذا على قراءة من رفع ~~الحضر وخفض السندس. # وقيل: معناه أن الثياب الخضر فوق حجالهم لا عليهم. PageV12P7937 # قال الطبري: {عاليهم} أي: " فوقهم، يعني: فوق هؤلاء الأبرار ثياب سندس ". ~~هذا كله على قراءة من فتح الياء. # ومن أسكنها فمعناه: ظاهرهم ثياب سندس. # وقرأ ابن محيصن: " واستبرق " بوصل الألف وفتح القاف. وهو لحن عند ~~النحويين، لأنه لا يمتنع مثل هذا من الصرف في النكرة. ولأنه لا توصل ألف PageV12P7938 # مثل هذا (في التسمية به)، لو سميت ب " استكبر " لقطعت الألف، لانتقاله من ~~الأفعال ms2758 إلى الأسماء. # هذا قول الخليل وسيبويه. # - ثم قال تعالى: {وحلوا أساور من فضة}. # أي: وحلاهم ربهم أساور من فضة، وهو جمع أسورة. # - ثم قال: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا}. # أي: شرابا يصير رشحا في أبدانهم (كرشح المسك)، لا يصير بولا نجسا كشراب ~~الدنيا. قال النخعي: " إن الرجل من أهل الجنة (يقسم له شهوة مائة رجل PageV12P7939 # من أهل الدنيا) وأكلهم ونعمتهم، فإذا أكل سقي شرابا طهورا فيصير رشحا ~~يخرج من جلده أطيب من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته ". # - ثم قال تعالى: {إن هذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا}. # أي: يقال لهم: إن هذا الذي ذكر في الجنة كان لكم جزاء على أعمالكم في ~~الدنيا وطاعتكم. وإن عملكم متقبلا. قال قتادة: " غفر لهم الذنوب، وشكر لهم ~~الحسن ". وقال مرة أخرى: " لقد شكر سعيا قليلا ". PageV12P7940 # - قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا عليك القرآن}، إلى آخر السورة. # أي: إنا/ نحن - يا محمد - نزلنا عليك القرآن مع جبريل تنزيلا ابتلاء ~~واختبارا فاصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه وتبليغ رسالاته. # - ثم قال تعالى: {ولا تطع منهمءاثما أو كفورا}. # قال الفراء: " أو " بمعنى الواو. والمعنى: ولا تطمع منهم من أثم وكفر. ~~[قال]: ويجوز أن يكون المعنى (و) لا تطيعن من أثم أو كفر بوجه فيكون مثل ~~الواو في المعنى. # والمعنى: (و) لا تطع منهم في معصية الله {ءاثما} يريد بركوبه معاصيه {أو ~~كفورا} أي: جحودا لربه ولنعمه عنده. PageV12P7941 # قال قتادة: نزلت في عدو الله أبي جهل قال: بلغنا أن أبا جهل قال: لئن ~~رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: {ولا تطع منهمءاثما أو ~~كفورا}. # قال ابن زيد: الآثم (و) الظالم والكفور كله واحد. # - ثم قال تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا}. # أي: غدوة، يعني: صلاة الصبح {وأصيلا} يعني: وعشيا، يعني صلاة الظهر ~~والعصر. # ثم قال: {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا}. # قال ابن زيد: " كان هذا - أول شيء - فريضة، نحو قوله: {قم اليل إلا قليلا ~~* نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه. . .} [المزمل: ms2759 2 - 4]، فخفف الله ~~هذا عن رسوله وعن الناس بقوله: {إن ربك يعلم أنك تقوم} [المزمل: 20] الآية، ~~فجعل ذلك نافلة فقال: {ومن الليل فتهجد به PageV12P7942 # نافلة لك} [الإسراء: 79] وتقدير الكلام: واسجد له من الليل وسبحه ليلا ~~طويلا، فهو منسوخ بزوال فرض صلاة الليل كما ذكرنا وقيل: هو (على) الندب. # وقيلأ: هو خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم. # ( وقد) قال ابن حبيب: إن قوله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة} يعني الصبح: ~~وقوله: {وأصيلا} يعني: الظهر والعصر. وقوله: {ومن الليل فاسجد له} يعني به ~~المغرب والعشاء. فالآية محكمة جمعت الأمر بفرض الصلوات الخمس. PageV12P7943 # - وقوله: {وسبحه ليلا طويلا}. يعني قيام الليل والمنسوخ فرضه. وكذلك قوله ~~تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار} [هود: 114] فالطرف الأول صلاة الصبح، ~~والطرف الآخر [صلاة] الظهر العصر. # - وقوله: {وزلفا من اليل} [هود: 114] يعني المغرب والعشاء فهذه [الآية] ~~أيضا جمعت فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. # ومثل ذلك: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] يعني: ميلها. وهو ~~الظهر والعصر. PageV12P7944 # وقوله: {إلى غسق اليل} [الإسراء: 78]: (يعني المغرب والعشاء. # - وقوله {وقرآن الفجر} [الإسراء: 78] يعني صلاة الصبح، فهذا أيضا جمعت) ~~فرض الصلوات الخمس وأوقاتها. # وكذلك قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس} [طه: 130] يعني: صلاة ~~الصبح، {وقبل غروبها} [طه: 130] يعني: العصر. # - وقوله: {ومن [آنآء] الليل فسبح} # [طه: 130] يعني: المغرب والعشاء. # - وقوله: {وأطراف النهار} [طه: 130] يعني: الظهر، لأن وقتها [يجمع] طرفي ~~النهار. PageV12P7945 # - وأما قوله: {وسبح} [غافر: 55] و {بحمد ربك بالعشي والإبكار} [غافر: ~~55]، فإن ذلك نزل قبل فرض الصلوات الخمس، وكانت الصلاة ركعتين غدوة وركعتين ~~عشية، فرضا بهذا الآية، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. # وأول صلاة صليت من الصلوات الخمس: الظهر، وبهذا بدأ جبريل، ولذلك سميت ~~الأولى. # - ثم قال تعالى: {إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا}. # أي: إن المشركين بالله - يا محمد - يحبون الدنيا والبقاء فيها، ويدعون ~~خلف ظهورهم العمل للآخرة وما ينجيهم من عذاب الله. وقيل: معنى " وراء " ~~هنا: قدام. وقيل: التقدير: ويذرون عمل يوم ثقيل وراء ظهورهم. # - ثم قال تعالى: {نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم}. PageV12P7946 # أي: ms2760 " خلقهم ". قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقال أبو هريرة: الأسر: ~~المفاصل وقال ابن زيد: هو القوة. وقد قيل: هو مضع خروج الحدث. # - ثم قال تعالى: {وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا}. # أي: وإذا شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم في الخلق، ~~مخالفين لهم في العمل. هذا معنى قول ابن زيد. # - ثم قال تعالى: {إن هذه تذكرة}. # أي: إن هذه السورة والعظة والأمثال والقصص تذكرة وعظة لمن تذكر بها ~~واتعظ. # - {فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا}. # هذا تهديد ووعيد. أي: من شاء عمل [عملا] صالحا يوصله إلى رحمة ربه. PageV12P7947 # ومن شاء فليترك ذلك، فسيرى عقابه في الآخرة. # - ثم قال تعالى: {وما تشآءون إلا أن يشآء الله}. # أي: وما تشاءون اتخاذ الطريق إلى رضا الله ورحمته إلا بأن يشاء الله ذلك ~~لكم لأن الأمر إليه لا إليكم. ف " إن " في موضع نصب بحذف الجار. # وقيل: هي في موضع خفض على إضماره. وجاز ذلك مع " أن " خاصة [لكثرة حذف] ~~الجار معها. # وفي حرف عبد الله: " وماتشاءون إلا ما شاء الله ". PageV12P7948 # - ثم قال تعالى: {إن الله كان عليما حكيما}. # أي: عليما بمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا، حكيما في تدبيره، لا يقدر أحد ~~أن يخرج عن مراده ومشيئته. # - ثم قال: {يدخل من يشآء في رحمته}. # أي: يوفق من يشاء إلى التوبة فيدخله بذلك في رحمته. # - ثم قال تعالى: {والظالمين أعد لهم عذابا أليما}. # أي: والذين ظلموا أنفسهم فلم يتوبوا من كفرهم حتى ماتوا عليه أعد لهم في ~~الآخرة عذابا مؤلما، أي: موجعا، وهو عذاب النار. # فالمعنى أن الله جل ذكره (أعلمنا في) هذه الآية [أنه يشاء أن] يعذب ~~الكفار PageV12P7949 # وأن يرحم أهل طاعته. وانتصب (الظالمين) على إظمار فعل (في) معنى " (أ) عد ~~"، كأنه قال: ويعذب الظالمين، [ولا يضمر] " أعد "، لأنه [لا يتعدى] إلا ~~بحرف، فلا بد من إضمار فعل يتعدى بغيكر حرف يدل على " أعد "، وهو " يعذب " ~~أو شبهه. PageV12P7950 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المرسلات مكية # - قوله: {والمرسلات عرفا}، إلى قوله: {كأنه ms2761 جمالت صفر * ويل يومئذ ~~للمكذبين}. # قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأبو صالح وقتادة: {(و) المرسلات}: ~~الرياح، {عرفا}: يتبغ بعضها بعضا. PageV12P7951 # وقال مسروق: {والمرسلات}: " الملائكة " {عرفا} أي: ترسل بالعرف. # عن أبي صالح أيضا أنها " الرسل، ترسل بالمعروف ". وقيل: {عرفا} أي: ~~متتابعة كتتابع عرف الفرس. # والتقدير على قول مسروق: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء بأمر الله ~~ونهيه (وذلك هو المعروف. # وعلى قول أبي صالح: ورب الرسل التي أرسلت إلى الناس بأمر الله ونهيه). # ومن قال {عرفا} متتابعة (فتقديره: ورب الملائكة التي أرسلت إلى الأنبياء ~~متتابعة) ورب الرسل الذين أرسلوا إلى الخلق متتابعين. وكذلك التقدير على ~~قول ابن عباس ومن تبعه: هي الرياح. PageV12P7952 # ويدل (على أنها ليست) الريح أن يسعدها ذكر الرياح [بلا اختلاف] في قوله: ~~{فالعاصفات عصفا}. # - (ثم قال تعالى: {فالعاصفات عصفا}). # أي: (ورب الرياح العاصفات) أي: الشديدات الهبوب السريعات المر. وهذا قول ~~علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم. # - ثم قال تعالى: {والناشرات نشرا}. # قال ابن مسعود ومجاهد [وقتادة]: هي الرياح لأنها تنشر السحاب. # وقال أبو صالح: هي " المطر "، لأنه ينشر الأرض، أي: [يحييها]. PageV12P7953 # وروى (السدي) عن أبي صالح أنها الملائكة، (قال): [تنشر] [الكتب]. - ثم ~~قال تعالى: {فالفارقات فرقا}. # قال ابن عباس وأبو صالح وسفيان: هي الملائكة، فرق بالوحي بين الحق ~~الباطل. وقال قتادة: هو القرآن، فرق الله به بين الحق والباطل، كأنه قال: ~~والآيات الفارقات فرقا. # - ثم قال تعالى: {فالملقيات ذكرا * عذرا}. # كلهم قال: هي الملائكة التي تلقي وحي الله إلى رسله، والذكر: القرآن. # ثم قال تعالى: {عذرا أو نذرا}. PageV12P7954 # أي: تلقي الوحي إلى الرسل إعذارا من الله لخلقه [وإنذارا] منه لهم. قاله ~~قتادة وغيره. # - ثم قال تعالى: {إنما توعدون لواقع}. # يعني أن البعث والجزاء وجميع ما أخبر الله، كائن واقع [وحادث] لا محالة. ~~و {إنما} هو جواب القسم المتقدم. # - ثم قال تعالى: {فإذا النجوم طمست}. # أي: ذهب ضوءها فلم يكن لها نور. # {وإذا السمآء فرجت}. أي: شققت وصدعت. # {وإذا الجبال نسفت}. أي: نسفت من أصلها. ms2762 PageV12P7955 # {فكانت هبآء منبثا} [الواقعة: 6]. أي: غبارا متفرقا. # {وإذا الرسل أقتت}. # أي: أجلت الاجتماع لوقتها يوم القيامة. # قال ابن عباس: {أقتت} " جمعت ". وقال مجاهد {أقتت} " أجلت ". # وهو من الوقت، فمعناه: [حان] وقتها الذي وعدته به، وذلك يوم القيامة. # وقرأ عيسى بن [عمر] " أقتت " بالتخفيف والهمز، وقرأ الحسن. " وقتت " ~~بالواو والتخفيف. PageV12P7956 # وكله من الوقت، والواو هي الأصل، والهمزة بدل منها. # والتخفيف والتشديد لغتان، إلا أن في التشديد معنى التكرير والمبالغة. # - ثم قال تعالى: {لأي يوم أجلت}. # أي: ما أعظمه وأكثر هوله. ففي الكلام معنى التعظيم لليوم والتعجب منه. ~~ومعنى التعجب في هذا أنه تعالى ذكره يعجب العباد من هوله [وفظاعته]، ثم ~~بينه فقال: # - {ليوم الفصل}. # أي: أجلت الرسل ليوم يفصل الله (فيه) بين خلقه، فيأخذ للمظلوم من الظالم ~~ويجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساته. PageV12P7957 # - ثم قال: {ومآ أدراك ما يوم الفصل}. # أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل؟ فمعناه التعظيم لذلك اليوم ~~لشدته وهوله. # - ثم قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين}. # أي: [الوادي] الذي [يسيل] في جهنم من صديد أهلها للمكذبين/ بذلك اليوم. # وقيل: معناه قبوح لهم ذلك اليوم. # فقوله: {ويل يومئذ} هو جواب (إذا) في ما تقدم من الكلام. # - قوله تعالى: {ألم نهلك الأولين}. PageV12P7958 # يعني قوم نوح وعاد وثمود وشبههم. # - {ثم نتبعهم الآخرين}. # يعني: قوم إبراهيم وأصحاب مدين وقوم فرعون، فيكون {نتبعهم} على هذا ~~مجزوما. والتقدير: " وألم نتبعهم الآخرين ". وبه قرأ الأعرج. # - وقوله: {كذلك نفعل بالمجرمين}. # يعني كفار قريش ومن سلك طريقهم من العرب وغيرها. # ورد الجزام وأبو حاتم لأنه تأول أن {نتبعهم} يراد به قريش ومن سلك في ~~التكذيب طريقهم. فلا سبيل إلى الجزم على هذا المعنى لأنه منتظر في المعنى. # ولم لا تدخل على فعل معناه الاستقبال، بل ترده إلى الماضي أبدا. PageV12P7959 # (وقيل): إن {نتبعهم} عطف على المعنى، لأن المعنى {ألم نهلك}: قد أهلكنا. # ثم قال تعالى: {كذلك نفعل بالمجرمين}. # أي: كذلك نهلك من أجرم فاكتسب مخالفة الله ورسوله. # [ثم قال: {ويل يومئذ للمكذبين}. # وقد تقدم ذكره، وكذلك معنى ms2763 كل ما في السورة وغيرها منه]. # - ثم قال: {ألم نخلقكم من مآء [مهين]}. # أي: من نطفة ضيعفة. قال ابن عباس: " المهين: الضعيف ". # - ثم قال: {فجعلناه في قرار مكين}. PageV12P7960 # أي: في رحم استقر فيه فتمكن. # {إلى قدر معلوم}. # أي: إلى وقت خروجه من الرحم. # - ثم قال تعالى: {فقدرنا فنعم القادرون}. # قال الضحاك: معناه " فملكناهم فنعم المالكون ". وهذا التقدير على قراءة ~~من خفف. # وعلة من شدد أنه أراد به التذكير، لأنه تعالى قدر الإنسان نطفة ثم علقة ~~ثم مضغة ثم، [ثم]. . .، [فدل] التشديد على تكرير [الأحوال]. PageV12P7961 # ومن خفف أجراه على لفظ " القادرين " إذ فعله: " قدر مخففا، فالتخفيف ~~بمعنى الملك والقدرة على ذلك. # والتشديد بمعنى التقدير. فمن شدد {فقدرنا} جمع بين معنيين: التقدير ~~[بقدرنا]، والملك " بالقادرين ". # ومن خفف جعله كله بمعنى الملك والقدرة. # وقد يستعمل التشديد، وهو بمعنى القدرة أيضا يقال: قدر الله كذا وقدره، ~~لغتان. # فيكون من شدد {فقدرنا} جمع بين اللغتين، بقوله: {القادرون}، كما قال: ~~{فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} [الطارق: 17]، وقد قال تعالى: {نحن قدرنا ~~بينكم الموت} [الواقعة: 60] مشددا. # - ثم قال تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا * (أحيآء). . .}. # أي: ألم نجعل أيها الناس الأرض لكم وعاء، أنتم على ظهرها في مساكنكم PageV12P7962 # مجتمعون أحياء وفي بطنها أمواتا؟! # [يذكرهم] بنعمه عليهم. # يقال: كفت الشيء إذا جمعته وأحرزته. # روي عن ابن مسعود أنه " وجد قملة في ثوبه فدفنها في المسجد، ثم قال: {ألم ~~نجعل الأرض كفاتا * أحيآء وأمواتا}. # وقال مجاهد - في الرجل يرى القلمة في ثوبه وهو في المسجد - قال: " إن شئت ~~فألقها، وأن شئت [فوارها]. ثم قرأ: {ألم نجعل الأرض كفاتا. . .}. # قال الشعبي: {كفاتا}: " بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم ". # وقال مجاهد: {كفاتا}: تكفت أذاهم وما يخرج منهم أحياء وأمواتا، أي: تضم PageV12P7963 # ذلك. # ونصب {أحيآء وأمواتا} " بفكات "، أي: تضم أحياء وأمواتا. وقيل: التقدير: ~~كفات أحياء وأموات، أي: ضمهم، [فلما] نون نصب ما بعده، كما تقول: رأيت ضرب ~~زيد. فإن نونت " ضربا "، نصبت " زيدا " أو رفعته. # - ثم قال تعالى: {وجعلنا فيها رواسي شامخات}. # أي: جبالا شاهقات، أي: ms2764 طولا مشرفات. # - ثم قال تعالى: {وأسقيناكم مآء فراتا}. # أي: عذبا قال ابن عباس: وذلك من أربعة أنهار: سيحان وجيحان والنيل PageV12P7964 # والفرات. فكل ما شربه ابن آدم (فهو) من هذه الأنهر، وهي (تخرج من) تحت ~~صخرة عند بيت المقدس. فأما سيحان فهو نهر بلخ، وأما جيحان فهو دجلة بغداد، ~~وأما الفرات فبالكوفة، وأما النيل (فنهر مصر). # - ثم قال تعالى: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون}. # أي: يقال لهؤلاء المكذبين بآيات الله ونعمه: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون ~~به في الدنيا من عقاب الله لأهل الكفر. # - {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب}. # أي: إلى ظل دخان ثلاث شعب. وذلك أنه يرفع وقودها الدخان، فإذا تصعد تفرق ~~على ثلاث شعب، وهو " دخان جهنم ". # [وهو قوله: {وظل من يحموم} [الواقعة: 43]، اليحموم: الدخان. PageV12P7965 # وقد قيل في قوله " {ذي ثلاث شعب} إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى. ~~وهوقول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة. ولست الآية إلا عامة ~~في جميع الكفار، وليس كلهم عبد المطلب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان ~~قد أنفرق على ثلاث شعب]. قال قتادة: هو كقوله: {نارا أحاط بهم سرادقها} ~~[الكهف: 29]. # - ثم قال تعالى: {لا ظليل ولا يغني من اللهب}. # هذا نعت للظل أي: إلى غير [غان] من اللهب. أي: [لا يظلهم/ ولا يمنعهم] من ~~لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها. PageV12P7966 # وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ن الشمس تدنوا ~~من رؤوس الخلائق يوم القيامة وليس لهم لباس ولآ لهم ما يستترون به منها، ~~فينجي الله المؤمنين إلى ظل من ظله، ويقال للكفار: انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون من عذاب الله وعقابه {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} فينطلقون إلى ~~دخان جهنم " أفهذا للكفار، لأنه روي: أن الخلائق إذا اشتد عليهم حر الشمس ~~ودنت من رؤسهم وأخذت بأنفاسهم وأشتد ذلك عليهم وكثر العرق، واشتد القلق، ~~نجى الله المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: {فمن الله علينا ~~ووقانا ms2765 عذاب السموم}. ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون ~~من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظل من دخان جهنم قد سطع وافترق ثلاث فرق، ~~فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قلقوا فيه. ~~فيقيمون في ظل ذلك الدخان حتى يفرغ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش ~~الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من ~~الجنة أو من النار ". PageV12P7967 # - ثم قال تعالى: {إنها ترمي بشرر كالقصر}. # أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني]. وقال ابن عباس: " ~~كالقصر العظيم ". # قال الحسن: هو واحد القصور. # وروى حجاج عن هارون {كالقصر} أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قصرة، كجمرة ~~وجمر، وثمرة وثمر. # وقرأ ابن عباس: " كالقصر " بفتح الصاد. PageV12P7968 # وقرأ ابن جبير والحسن: " كالقصر " بكسر القاف وفتح الصاد. # وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو ~~أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كشخبة وخشب. # وقال مجاهد وقتادة: القصر - بالفتح - هو [أصول] النخل. ومن كسر القاف ~~جعله جمع قصرة وقصر، وهي الخشبة أيضا. # وقال المبرد: قيل: القصر: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قصرة، كجمرة ~~وجمر. # والقصر في هذا الموضع إذا جعلته أحد القصور فهو واحد يدل [على PageV12P7969 # الجمع]، وذلك جعل نعتا ل " شرر " وهي جماعة. # فإن جعلته جمع قصرة جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: {سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45]، فوحد (و) لم يقل: " الأدبار "؟ لأن الدبر ~~بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقا بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك ~~شأن العرب، والقرآن بلسانها نزل فجرت [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها ~~[وسجعها]، وقد قال تعالى: {تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} ~~[الأحزاب: 19]، ولم يقل: " كعيون الذين ". وهو المعنى لأن المراد في ~~التشبيه الفعل لا العين. # - ثم قال تعالى: {كأنه جمالت صفر}. PageV12P7970 # أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نوق سود. فالصفرة هنا بمعنى السواد، ~~وإنما وقعت الصفرة في مضع السواد لأن ألوان الإبل ms2766 السود تضرف إلى الصفرة، ~~كما سميت [الظباء] " أدما " لما يعلوها في بياضها من الظلمة. # قال الحسن: {جمالت صفر} [أينق] سود، وهو قول قتادة ومجاهد. # وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن. # شبهت الشرر بحبال السفينة. والقلس. الحبل. # وعن ابن عباس أيضا: {جمالت صفر}: " قطع النحاس " وهو جمع جمالة PageV12P7971 # [وجمالة]: حمع جمل. # (ومن قرأ (جمالة) جعله جمع جمل). # وقد قرأ (أبو) أيوب: " جمالات " - بضالم الجيم - كأنه جمع جملا (على PageV12P7972 # جمال) كما يجمع رخل على رخال. ثم جمع " جمالا " على جمالات، لأن باب " ~~فعل " و " فعل " واحد. # ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل. # - قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين}. # وقد تقدم ذكره. # - قوله تعالى: {هذا يوم لا ينطقون}، إلى آخر السورة. # أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن ~~دون موطن. ودليله: قوله - حكاية عنهم - {ربنآ أخرجنا PageV12P7973 # (منها)} [المؤمنون: 107] {ربنآ أمتنا اثنتين} [غافر: 11]. # وشبهه. # - ثم قال تعالى: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون}. # أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي. # وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) ~~نفخة، يريد: كل هول. وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم. تقول العرب لمن ~~أحتج بما/ لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ~~ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم. ومثله في هذا المعنى قوله: {صم بكم عمي} ~~[البقرة: 18]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا. PageV12P7974 # وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض ~~[بإضافة] اليوم إلى الفعل. # قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى " فعل " و " يفعل " (إلا) إذا [أرادت] ~~الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم. # والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله. # - ثم قال تعالى: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين}. # أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله. هذا يوم يفصل الله فيه بن خلقه ~~بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا ms2767 الأولين ~~معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية. PageV12P7975 # - {فإن كان لكم كيد فكيدون}. # أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، ~~فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا. # - {ويل يومئذ للمكذبين}. # أي: للمكذبين بهذا الخبر. # - ثم قال: {إن المتقين في ظلال وعيون}. # أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا {في ظلال}، لا ~~يصيبهم حر ولا قر {وعيون}، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم. # - {وفواكه مما يشتهون}. # أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها. # - {كلوا واشربوا هنيائا بما كنتم تعملون}. # أي: يقال لم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئا [بما PageV12P7976 # كنتم تعملون]. # لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا ~~وطاعتكم. # وقيلأ: معناه: هنيئا لكم، لا تموتون. # - ثم قال تعالى: {إنا كذلك نجزي المحسنين}. # أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه ~~فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه. # - ثم قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين}. # أي: للمكذبين بما أخبر الله منه جزائه المتقين في الآخرة. # ثم قال تعالى: {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون}. PageV12P7977 # هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها ~~من مجازاته للمتقين وانتقامه من المذكبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها ~~المذكبون، وتمتعوا بقية أعماركم. # {إنكم مجرمون} أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم ~~من الأمم المكذبة. ق ل ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر. وقيل: إن {كلوا ~~وتمتعوا} [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: {جمعناكم والأولين * فإن كان لكم ~~كيد فكيدون} {كلوا}. # - ثم قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين}. # (أي للمكذبين) [بخبر} الله عن البعث والجزاء. # - ثم قال تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون}. # قال ابن عباس: " هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود ~~من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا ". PageV12P7978 # وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من ms2768 السجود (لله). # ورأى ابن مسعود رجلا يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالو: ما ~~أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ~~ينظر الله إليه. # وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد. # - ثم قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين}. # أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله. # - ثم قال تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون}. # أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيمانا ينتفعون به؟! PageV12P7979 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة عم يتسألون مكية # - قوله تعالى: {عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم}. إلى قوله: {(مآء) ثجاجا}. # أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟ # ف {عم} تحتاج إلى جواب، وجوابه {عن النبإ العظيم}، وكان حقه أن يأتي PageV12P7981 # الجواب من المسؤول، وكلن دل عليه/ {عن النبإ العظيم} وقام مقامه، وهو ~~جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل ~~لهم: {عن النبإ العظيم}. # ذكر أن قريشا كانت تختصم فيما بينهم [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختاصمهم. ثم ~~بين - جل ذكره - ما الذي هم يختصمون، فقال: {عن النبإ العظيم} (أي: ~~يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ~~{يتسآءلون}. وقيل: [إن " عن "] متعلقة بهذا الفعل. # والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم. PageV12P7982 # فلا تقف على هذا على {يتسآءلون}. # فأما النبأ، فقال مجاهد: " هو القرآن ". وقال: قتادة: " هو البعث بعد ~~الموت ". # وقال ابن زيد: " هو " يوم القيامة ". # - ثم قال: {الذي هم فيه مختلفون}. # أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالعبث. # قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ~~ومنهم مصدق. # - ثم قال تعالى: {كلا سيعلمون}. # أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث. ثم قال: {سيعلمون} على PageV12P7983 # الوعيد والتهديد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق ~~هو أم باطل. # ثم ms2769 أكد الوعيد فقال: {ثم كلا سيعلمون}. # أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق ~~هو أم باطل. # ويجوز أن يكون " كلا " بمعنى " حقا " في الموضعين، وبمعنى " ألا ". # وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم ~~القيامة. # فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا PageV12P7984 # القرآن ثم كلا سيعلمون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون " كلا " بمعنى ~~(حقا) أو بمعنى " ألا "، ويجوز أن تكون [بمعنى " لا "]، أي: [لا، لا ~~اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم. # وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون. فالوقف ~~[على {كلا سيعلمون}] الأول وعلى {كلا سيعلمون} الثاني. PageV12P7985 # والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني. # - ثم قال تعالى: {ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا}. # أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشا تفترشونها، وجعلت ~~الجبال أوتادا للأرض أن تميد بكم؟! # - {وخلقناكم أزواجا}. # - (أي) ذكرانا وإناثا، وطوالا وقصارا؟! # - {وجعلنا نومكم سباتا}. # أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، ~~وبذلك سمي السبت سبتا لأنه يوم راحة ودعة. PageV12P7986 # - ثم قال تعالى: {وجعلنا اليل لباسا}. # أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه. # قال قتادة ": {اليل لباسا} أي: " سكنا. # - ثم قال تعالى: {وجعلنا النهار معاشا}. # (سمي النهار معاشا لما كان يطلب المعاش فيه. وتقديره: وجعلنا النهار ذا ~~معاش. # قال مجاهد: {معاشا} أي: " تبتغون فيه من فضل الله ". # - ثم قال تعالى: {وبنينا فوقكم سبعا شدادا}. # يعني السبع سماوات. وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت ~~سماء، ويقولون له بنا. # ومعنى " شداد " أي: وثاقا محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا PageV12P7987 # فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن. # - ثم قال تعالى: {وجعلنا سراجا وهاجا}. # (أي): شمسا وقادة مضيئة منيرة. # - قال تعالى: {وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا}. # أي: من السحائب ماء منصبا يتبع بعضه بعضا كثج [دماء]. # البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: ms2770 الثجاج المنصب. # وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير. # وأكثرهم على أنه المنصب. وهو اختيار الطبري. ومنه قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: PageV12P7988 # " أفضل الحج العج والثج ". # [فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثج [صب] دماء الهدايا والبدن، قال ابن ~~عباس: المعصرات " السحاب ". # وهو قول سفيان والربيع. وقال الحسن وسعيد/ بن جبير وقتادة: المعصرات: ~~السماء. PageV12P7989 # وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في ~~هبوبها. و (هو) قول ابن زيد. # ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: " وأنزلنا بالمعصرات "، وبذلك قرأه ~~عكرمة. # والمعصر: المرأة التي قددنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها ~~[للمطر] الذي فيها. PageV12P7990 # - قوله تعالى: {لنخرج به حبا ونباتا} إلى قوله: {عطآء حسابا}. # أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حبا، يعني القمح والشعير وسائر ~~القطنية، {ونباتا} يعني ما ترعى البهائم. # - {وجنات ألفافا}. # أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: " التف بعضها ببعض ". وهو قول ~~مجاهد وقتادة وغيرهما. وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لف. وقيل: ~~لفيف وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده " لفاء " كحمراء، PageV12P7991 # ثم جمعت لفاء على (لف [كحمر] ثم جمعت " لف " على) ألفاف، [كخف] وأخفاف. # قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في ~~السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة. # - ثم قال تعالى: {إن يوم الفصل كان ميقاتا}. # أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتا لما أعد الله للمكذبين بالبعث ~~ولنظرائهم من الخلق. # قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين. PageV12P7992 # - ثم أبدل من {يوم} للبيان فقال: # - {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا}. # أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى ~~المحشر {أفواجا} [أي]: زمرا زمرا. # روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: {يوم ندعوا كل ~~أناس بإمامهم} [الإسراء: 71]. # - ثم قال تعالى: {وفتحت السمآء فكانت أبوابا}. # [أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقا. # وقيل: تصير قطعا كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن. # والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعا ms2771 كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت ~~الأبواب) خبرا. PageV12P7993 # وكذلك قوله: {وسيرت الجبال فكانت سرابا}. # أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فتجتث من أصولهها ~~فتصير هباء منبثا لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في ~~الحقيقة ليس بماء إنما هو هباء. # - ثم قال تعالى: {إن جهنم كانت مرصادا}. # أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل " ~~مرصادة "، لأنه غير جار على الفعل. فالمعنى ترصد من عصى الله. وفي " مرصاد ~~" معنى التكثير. ولذلك لم يقل: " راصدة "، ففي وصفها لما لم يجر على الفعل ~~معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن ~~فيه (معن) تكثير، ففي " مرصاد " معنى النسب (كأنه قال: " ذات إرصاد "، وكل ~~ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، ~~فالمعنى أنها PageV12P7994 # مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا. # وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: ألا إن على النار المرصد، فمن ~~جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس. # وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار. # وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار. # وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير. # - ثم قال تعالى: {للطاغين مآبا}. # أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصبرون ~~إليها. PageV12P7995 # - ثم قال تعالى: {لابثين فيهآ أحقابا}. # قال قتادة: لا بثين في جهنم أحقابا (لا انقطاع لها. # وقيل: معناه: {لابثين فيهآ أحقابا) * لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا}، ثم ~~بعد ذلك يعذبون بغير هذ العذاب مما شاء الله، كما قال: {وآخر من شكله ~~أزواج} [ص: 58]. # وقيل: الضمير في {فيها} يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ~~{يذوقون فيها} لجهنم لتقدم ذكرها. # فعلى [القول] الأول، يكون {لا يذوقون} حالا من {للطاغين} أو ل {جهنم} / ~~أو نعتا للأحقاب. PageV12P7996 # وعلى هذا القول الآخر، يكون {لا يذوقون} حالا من {جهنم} أو من الطاغين. # وروى أبو أمامة أن ms2772 النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الحقب الواحد ثلاثون ~~ألف سنة ". # وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب. # ويجوز أن يكون أحقاب جمع حقب والحقب ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون ~~يوما، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا. قاله [بشير] بن كعب. PageV12P7997 # وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ~~ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله ~~الربيع بن أنس. # [وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ~~ألف سنة من سنين الدنيا. # وقال قتادة: " الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة ". وقال: هي أحقاب لا ~~انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده. # وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن ~~الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده. PageV12P7998 # قال خالد بن معدان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله {إلا ما ~~شآء ربك} [هود: 108]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك. # {إنهم كانوا لا يرجون حسابا * وكذبوا بآياتنا كذابا}. # وليس هذه صفة الموحدين. # وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: {فلن نزيدكم (إلا) ~~عذابا}. # وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر من الأخبار لا تنسخ. PageV12P7999 # والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان. البرد: النوم. # وقيل: [الهدوء]. وقيل: برد [الشراب] المستلذ. قال ابن عباس: هو برد ~~الشراب وقيل: البرد: الراحة. # - ثم قال: {إلا حميما وغساقا}. PageV12P8000 # قال الربيع: " استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق ". # [والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه. # وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه. والغساق]: ~~الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيسقونه. # وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحمام، ومنه الحمى، ومنه [اليحموم]. PageV12P8001 # قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه. # وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم. ms2773 # وقال النخعي: هو " ما يسيل من صديدهم من البرد ". # وعن ابن عباس أن الغساق: " الزمهرير ". # وقال مجاهد: " الغساق: الذ لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده). # وقال عبد الله بن [بريدة]: " هو المنتن ". # وروى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لو أن دلوا من غساق ~~يهراق في PageV12P8002 # الدنيا لأنتن أهل الدنيا ". # وقال عبد الله بن [عمرو]: " أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، ~~قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق]. ~~ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب. # - وقوله: {جزآء وفاقا}. # أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم ~~وفاقا، قاله ابن عباس. قال قتادة: " وافق الجزاء أعمال القوم. . . ". وقال PageV12P8003 # الربيع: " ثوابا وافق أعمالهم ". قال ابن زيد: " عملو شرا فجوزوا شرا، ~~[وعملوا] حسنا فجوزوا حسنا ". # - ثم قال تعالى: {إنهم كانوا لا يرجون حسابا}. # أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة. # قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة). # وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب ~~وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟! # - ثم قال تعالى: {وكذبوا بآياتنا كذابا}. # أي: حجوا بها جحودا. # - ثم قال تعالى: {وكل شيء أحصيناه كتابا}. # أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتابا، [ف {كتابا}] مصدر ~~عمل فيه فعل مضمر. PageV12P8004 # وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا. # - ثم قال تعالى: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا}. # أي: ثقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به ~~تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذابا زائدا. # قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في ~~مزيد أبدا. # وقد روي مثل ذلك علن النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفا من النعيم لم PageV12P8005 # يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل لنار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من ~~العذاب ms2774 لم يكونوا يعرفونه. # - ثم قال تعالى: {إن للمتقين مفازا}. # أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب. # وقال ابن عباس: {مفازا}، " متنزها ". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه ~~الإنسان. يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به. # والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد ~~حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فلإحداق الحيطان بها سميت حديقة، PageV12P8006 # ولو لم/ تكن الحيطان بها محدقة لم تسم حديقة. # قال ابن عباس: الحدائق: [الشجر] الملتف. وقال الضحاك: الحدائق التي عليها ~~الحيطان. # - وقوله: {وأعنابا}. # معناه: وكروم وأعناب، ثم حذف. # - وقوله: {وكواعب أترابا}. # (أي): وحورا نواهد في سن واحدة. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. PageV12P8007 # - ثم قال: {وكأسا دهاقا}. # ملأى من الخمر مترعة، وأصله من الدهق، وهو متابعة الضغط على الشيء بشدة ~~وعنف. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: الدهاق: الملأى. وهو قول ابن ~~زيد. وقال عكرمة: الدهاق: الصافية. وقال ابن جبير: هي " المتابعة ". وقد ~~روي مثل ذلك أيضا عن ابن عباس ومجاهد. PageV12P8008 # - ثم قال: {لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا}. # أي: باطلا [من القول]. {ولا كذابا}، أي: ولا يكذب بعضهم بعضا. # وقال قتادة: {ولا كذابا}، أي: مأثما. و {لغوا}: باطلا. # - ثم قال تعالى: {جزآء من ربك عطآء حسابا}. # أي: هذا لهم جزاء لأعمالهم في الدنيا، أعطاهمه الله ذلك عطاء كافيا. # يقال: أحسبني الشيء، أي: كفاني. وقيل: {حسابا} بمعنى: محاسبة لهم ~~بأعمالهم لله في الدنيا، يعطون على قدر أعمالهم. PageV12P8009 # وقال قتادة: {عطآء حسابا}، أي: " عطاء كثيرا، جزاهم الله بالعمل اليسير ~~الخير الجسيم الذي لا انقطاع له ". # - قوله تعالى: {رب السماوات والأرض وما بينهما (الرحمن)}. إلى آخر ~~السورة. # [من] رفع {رب} فعلى الابتداء، أو على إضمار مبتدأ. # ومن خفضه فعل البدل من قوله: من ربك أو على النعت. # والمعنى: هو مالك السماوات والأرض ما بينهما من الخلق. # - {الرحمن لا يملكون منه خطابا}. # (أي): لا يقدر أحد من خلقه على خطابه يوم القيامة إلا من أذن له منهم. PageV12P8010 # قال مجاهد وقتادة: {لا يملكون منه خطابا}، أي: ms2775 " كلاما ". # - ثم قال تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا}. # أي: يجازيهم في يوم يقوم الروح. قال ابن مسعود: " الروح ملك السماء ~~الرابعة، هو أعظم من السماوات والجبال ومن الملائكة، يسبح الله كل يوم ~~اثنتي عشرة ألف تسيبحة، [يخلق] الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة فيجيء ~~يوم القيامة صفا [واحدا] ". # وقال ابن عباس: (هو) ملك من أعظم الملائكة خلقا. # وقال الضحاك والشعبي: الروح هنا: جبريل عليه السلام. PageV12P8011 # وقال مجاهد: [الروح خلق من صورة] بني آدم يأكلون ويشربون وليسوا ~~(بملائكة). # وقالوا أبو صالح: " يشبهون الناس وليسوا بالناس ". # وقال قتادة: الروح (بنو آدم. وهو قول الحسن. # وعن ابن عباس أيضا [أنه] أرواح) بني آدم تقوم مع الملائكة فيما بين ~~النفختين قبل أن يردها الله إلى الأجسام. # وقال ابن زيد: هو القرآن. وقرأ: {وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا} ~~[الشورى: 52]، فلا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام فيتكلم. # روي أنهم يؤذن لهم في الكلام حين يمر بأهل النار إلى النار، وبأهل الجنة ~~إلى PageV12P8012 # الجنة. # وقال عكرمة: يمر بأناس من أهل النار على ملائكة فيقولون: أين تذهبون ~~بهؤلاء؟ فيقال: إلى النار. فتقول: بما كسبت أيديهم، وما ظلمهم (الله). ويمر ~~بأناس من أهل الجنة على ملائكة فيقولون: أين تذهبون بهؤلاء؟ فيقولون: إلى ~~الجنة. فيقولون: برحمة الله دخلتم الجنة. # وعن ابن عباس أنه قال: إلا من أذن لهم الرب بشهادة أن لا إله إلا الله. ~~وهو منتهى الصواب. # وقال مجاهد: {وقال صوابا}. # (أي: " وقال حقا في الدنيا عمل به ". PageV12P8013 # وقال أبو صالح: {وقال صوابا}. # أي): قال لا إله إلا الله وهو قول عكرمة. # - ثم قال تعالى: {ذلك اليوم الحق}. # أي: يوم يقوم فيه الروح والملائكة صفا يوم حق إتيانه لا شك فيه. # - ثم قال تعالى: {فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا}. # أي: فمن شاء في الدنيا اتخذ بالعمل الصالح والإيمان إلى ربه في ذلك اليوم ~~مرجعا ومنجى وسبيلا (وطريقا إلى رحمته. وفي الكلام معنى التهدد والوعيد، ~~أي: من لم يفعل ذلك فسيرى ما يحل ms2776 به) غدا. PageV12P8014 # - ثم قال تعالى: {إنآ أنذرناكم عذابا قريبا}. # أي: حذرناكم عذابا قد دنا منكم فقرب، وذلك. # {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه}. # في الدنيا من خير وشر فيجازى عليه. ف {ما} بمعنى " الذي "، أي: ينظر ~~العمل الذي عمل في الدنيا من خير (وشر). # ويجوز أن/ تكون {ما} استفهاما، أي: ينظر أي شيء قدمت يداه في الدنيا من ~~العمل، أخير هو أم شر؟ فيجازى عليه. # قال الحسن: " (المرء) هنا: المؤمن يحذر الصغيرة ويخاف الكبيرة ". # - ثم قال: {ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا}. PageV12P8015 # أي: ويتمنى الكافر في ذلك اليوم أن يكون ترابا لما يرى من عذاب الله. # قال أبو هريرة: إن الله يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم [يقتص] ~~لبعض البهائم من بعض، حتى يقتص [للجماء] من ذات القرن، ثم يقول للبهائم ~~والطير والدواب: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا. # وقال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة، مد الله عز وجل الأرض مد ~~الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص ~~للشاة الجماء من القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: ~~كوني PageV12P8016 # ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: يا لتني كنت ترابا. PageV12P8017 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة و النازعات مكية # - قوله تعالى: {والنازعات [غرقا]} إلى قوله: {فإذا هم بالساهرة}. # قال ابن عباس: {والنازعات غرقا}، هي الملائكة تنزع الأنفس. # وقال ابن جبير: هي أرواح الكفارن نزعت أرواحهم ثم غرقت ثم حرقت ثم قذف ~~بها في النار. وقال مجاهد: {والنازعات} الموت ينزع النفوس. # وقال الحسن: هي النجوم تنزع من أفق (إلى أفق). وهو قول قتادة. وقال PageV12P8019 # عطاء: هي القسي تنزع بالسهم. [وقال] السدي: هي النفوس حين تغرق في الصدر. # والتقدير على هذا كله: ورب النازعات. والله جل ذكره يقسم بما شاء. ~~والتقدير في {غرقا}: إغراقا، كما يغرق النازع في [القوس]. # وعن ابن عباس قال: يعني نفس الكافر ينتزعها مالك الموت من جسده من تحت كل ~~شعرة، ومن تحت كل [ظفر]، ms2777 ثم يغرقها، أي: يرددها في جسده وينزعها. # - ثم قال تعالى: {والناشطات نشطا}. PageV12P8020 # قال ابن عباس: هي " الملائكة "، (أي): تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ينشط ~~العقال (من يد البعير إذا [حل] عنها كأنها [تقبض] الأرواح بسرعة. ومنه رجل ~~نشط)، ويقال: نشطه إذا أخذه بسرعة. # قال الفراء: يقال: نشطه: إذا ربطه، وأنشطه: [إذا حله]، وحكى عن العرب: " ~~كأنما أنشط من عقال ". # وهما عند غيره لغتان، يقال: نشطه: إذا حله وأنشطه. # وقال مجاهد: {والناشطات نشطا} هي " الموت "، ينشط نفس المؤمن. ومثله عن ~~ابن عباس أيضا، (وعنه أيضا) أنه قال: يعني نفس الكافر والمنافق، ينشط كما PageV12P8021 # ينشط العقب [الذي يعقب] (به) السرج. # وقال السدي: " نشطها - يعني النفس - حين تنشط من القدمين. وقال قتادة: " ~~هي النجوم "، ينشط [أفقا إلى أفق]. # وقال عطاء: (هي الأ) وهاق) " # - ثم قال تعالى: {والسابحات سبحا}. # قال مجاهد: هي " الموت " يسبح في نفس ابن آدم. # وعنه أيضا أنها الملائكة [تسبح] في صعودها وهبوطها بأمر الله جل ذكره، PageV12P8022 # شبه [سيرها] بالسباحة، كما يقال [للفرس الجواد]: " سابح ". # وقال قتادة ومعمر: هي " النجوم ". # وقال عطاء: هي " السفن ". # وقيل: هي نفس المؤمن تسبح شوقا إلى الله وشوقا إلى [رحمته]، فهي تسبح إلى ~~ما [عاينت من السرور]. # - ثم ق ل تعالى: {فالسابقات سبقا}. # قال مجاهد: هو " الموت ". وعنه أنها الملائكة تأتي تسبق الشياطين بالوحي ~~إلى الأنبياء. PageV12P8023 # وقال عطاء: هي الخيل السابقة. # وقال قتادة ومعمر: هي " النجوم "، يسبق (بضعها) بعضا في السير. # وقيل: [يعني] نفس المؤمن تسبق إلى ملك الموت فتبادر الخروج (إليه) لحسنه ~~وطيب رائحته شوقا إلى كرامة الله جل ذكره. # - ثم قال تعالى: {فالمدبرات أمرا}. # قال ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد: هي الملائكة تدبر الأمر من عند الله ~~بإذن الله وتدبيره. # وعن ابن عباس: أن هذا كله في الملائكة. PageV12P8024 # وعن الحسن أنه كله في النجوم إلا {فالمدبرات أمرا}، فإنه في الملائكة ~~[تنزل] بالحلال والحرام والأمطار وغير ذلك من الأمر المدبر [المحكم] من عند ~~الله جل ذكره. # وجوب القسم محذوف، والتقدير: ورب هذه الأشياء لتبعثن. ودل ms2778 على ذلك قوله ~~حكاية عن إنكار المشركين للبعث: {يقولون أإنا لمردودون/ في الحافرة * أإذا ~~كنا عظاما نخرة}. # وقيل: الجواب: {إن في ذلك لعبرة} [النازعات: 26]. # وقيل: الجواب: {يوم ترجف الراجفة}، على حذفل اللام، أي: ليوم ترجف ~~الراجفة. PageV12P8025 # وقيل: المعنى: فإذا هم بالساهرة والنازعات. # والقول الأول أصحها إن شاء الله. # - ثم قال تعالى جل ذكره: {يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة}. # أي: لتبعثن يوم ترجف الأرض والجبال للفنخة الأولى، تتبعها أخرى بعدها، ~~وهي النفخة الثانية [ردفت] الأولى، فقيل لها رادفة، بينهما أربعون سنة، ~~[بالأولى يهلك من في الأرض]، وبالثانية يبعث من في الأرض. # قال ابن عباس: هما النفختان، الأولى والثانية. # قال الحسن: هما النخفتان، أما الأولى فتميت الأحياء، (وأما) الثانية ~~فتحيي الموتى. وتلا الحسن: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68]. PageV12P8026 # " وروي أن أبا هريرة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور، فقال: هو ~~قرن، قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع، ~~الثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام [لرب] العالمين، يأمر الله ~~إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله. [ويأمره] الله - جل ذكره - فيديمها ويطولها فلا ~~[تفتر]، وهي التي يقول الله: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق}، فيسير الله - جل وعز - الجبال، فتكون سرابا، فترتج الأرض بأهلها ~~رجا، وهي التي يقول الله عز وجل: { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة} ". PageV12P8027 # قال قتادة: {يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة}: هما الصيحتان، أما ~~الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن الله، وروي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " بينهما أربعون [عاما]. قال ~~أصحابه: والله ما زادنا على ذلك " قال قتادة: وذكر لنا أن نبي الله عليه ~~السلام [كان] يقول: " يبعث الله في تلك الأربعين مطرا يقال له الحياة حتى ~~تطيب الأرض ms2779 وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ الثانية فإذا هم ~~قيام ينظرون ". # قال الضحاك: الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: الثانية. # وقال مجاهد: {الراجفة} [ترجف الأرض بمن فيها، و] هو رجف الأرض والجبال، ~~وهي الزلزلة والرادفة، وهو قوله: # {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} [الحاقة: 14]. # وقال ابن زيد ": {الراجفة} ترجف الأرض بمن فيها، والرادفة: قيام الساعة. PageV12P8028 # - ثم قال تعالى: {قلوب يومئذ واجفة}. # أي: قلوب خلق من خلق الله يومئذ خائفة وجلة. # يقال: وجف القلب إذا [خفق]. # - ثم قال تعالى: {أبصارها خاشعة}. # (أي: أبصار أصحاب) القلوب ذليلة من الخوف والرعب من هول ذلك اليوم. # - ثم قال تعالى: {يقولون أإنا لمردودون في الحافرة * أإذا كنا عظاما ~~نخرة}. # {يقولون} ليس بمتصل بما قبله، لأن (ما) قبله من صفة حالهم يوم القيامة. ~~وما بعدها القول من قولهم في الدنيا في إنكار البعث. # ولو [أضمرت] " كان " قبل {يقولون} كان متصلا بما قبله، تخبر عما كانوا ~~يقولون في الدنيا. PageV12P8029 # أي: يقول هؤلاء [المكذبون] بالبعث في الدنيا: أنرد إلى حالنا الأولى بعد ~~الممات فنرجع أحياء بعد أن نصير عظاما [تصوت] فيها الريح. # يقال: رجع [على] حافرته: إذا رجع من حيث أتى. والعرب تقول: " النقد عند ~~الحافرة ". أي: عند أول كلمة. قال ابن عباس: {لمردودون في الحافرة} أي: ~~(في) " الحياة "؟! وقال السدي {(في) الحافرة}: " في الحياة. وقيل: الحافرة ~~- هنا - PageV12P8030 # بمعنى المحفورة، بمنزلة قوله: {من مآء دافق} [الطارق: 6] بمعنى: مدفوق. ~~فالمعنى: أنرد في قبورها أمواتا؟! # قال مجاهد: {الحافرة}: الأرض، (أي): أنبعث خلقا جديدا؟! # وقال ابن زيد: {الحافرة}: النار وقال: هي النار، وهي الجحيم، وهي سقر، ~~وهي جهنم، وهي الهاوية، وهي الحافرة، (وهي) لظى، وهي الحطمة. # - وقوله: {أإذا كنا عظاما نخرة}. # قال ابن عباس: النخرة: الذاهبة البالية. يقال: نخرة وناخرة، (لغتان) ~~بمعنى. PageV12P8031 # وقد قيل: النخرة [المؤتكلة]، (والناخرة) البالية. وقيل: النخرة: البالية. ~~والناخرة: العظم المجوف تمر فيه الريح فتنخر. قال أبو عبيدة. # - ثم قال تعالى: {قالوا تلك إذا كرة خاسرة}. # هذا إخبار من الله لنبيه عن قول المنكرين للبعث أنهم قالوا: تلك/ ms2780 الرجعة ~~- إن كانت رجعة - خاسرة، (أي): [نخسر] فيها، لأنا وعدنا فيه بالنار. # - ثم قال تعالى: {فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة}. # أي: إنما هي صيحة واحدة، وهي النفخة، ينفخ في الصور فإذا هؤلاء المكذبون ~~بالبعث بظهر الأرض أحياء. PageV12P8032 # والعرب تسمي الفلا ة وظهر الأرض " ساهرة "، لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، ~~فسميت بما يكون فيها. # قال ابن عباس: ({بالساهرة} " على الأرض ". وهو قول الحسن وعكر مة. # وقال قتادة): {بالساهرة}: بأعلى الأرض، بعدما كانوا في بطنها. وهو قول ~~ابن جبير والضحاك وابن زيد. # وقال سفيان: الساهرة: " أرض بالشام ". # وقال وهب بن منبه: " الساهرة: جبل إلى جنب بيت المقدس ". PageV12P8033 # وقال قتادة: الساهرة: جهنم. # وقال: الساهرة: أرض من فضة لم يعص الله عليها، وهو قوله: {يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض} [إبرهيم: 48]. # قال قتادة: لما تباعد البعث في أعين القوم، قال الله جل ذكره، {فإنما هي ~~زجرة واحدة}، فإذا هم بأعلى الأرض. # - قوله تعالى: {هل أتاك حديث موسى}، إلى آخر السورة. # أي: هل سمعت يا محمد حديث موسى بن عمران وخبره؟ # - {إذ ناداه ربه بالواد المقدس}. # أي: المطهر المبارك. # - وقوله: {طوى}. # قال مجاهد: (هو) اسم الوادي. وقاله ابن زيد. PageV12P8034 # فمن صرفه على هذا جعله (اسما لمذكر)، اسما لمكان. ومن لم يصرفه جعله اسما ~~للبقعة. # وقال قتادة: " {طوى}: كنا نحدث أنه قدس مرتين ". قال: " واسم الوادي: طوى ~~". # وقال ابن جريج عن مجاهد: {طوى} أي طاء الأرض حافيا. # - وقوله: {اذهب إلى فرعون إنه طغى}. # أي: ناداه ربه، فقال له: اذهب إلى فرعون، إنه تجاوز حده في العدوان ~~والتكبر على ربه وعتا، فقل له. {هل لك إلى أن تزكى}. PageV12P8035 # أي: هل لك يا فرعون في أن تتطهر من دنس (الكفر) وتؤمن بربك؟ # قال ابن زيد: ([تز] كى): تسلم. قال: والتزكي في القرآن كله: الإسلام. # وقال عكرمة: {إلى أن تزكى}، أي: تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له. # - ثم قال: {وأهديك إلى ربك فتخشى}. # أي: وهل لك إلى أن أرشدك إلى ما يرضى به ربك عنك، ms2781 فتخشى عقابه بأداء ما ~~ألزمك من فرائضه واجتناب معاصيه؟ # - ثم قال تعالى: {فأراه الآية الكبرى}. # أي: فأرى موسى فرعون الآية العظيمة الكبيرة، وهي في قول الحسن ومجاهد ~~وقتادة: يده وعصاه. أخرج يده بيضاء للناظرين، وحول عصاه ثعبانا مبينا. # وقال ابن زيد: هي العصا. PageV12P8036 # - ثم قال تعالى: {فكذب وعصى}. # أي: فكذب فرعو موسى فيما أتى به من الآيات المعجزات، وعصاه فيما أمره به ~~من طاعة الله والإيمان به. # - وقوله: {ثم أدبر (يسعى)}. # أي: ثم ولى معرضا عما [دعا إليه] موسى. قال مجاهد: {ثم أدبر يسعى}، أي: " ~~يعمل الفساد ". وقيل: [معناه] أدبر هاربا من الحية. # - وقوله: {فحشر فنادى}. # أي: فجحمع قومه فنادى فيهم فقال لهم: {أنا ربكم الأعلى}، تمردا على الله ~~وطغيانا. # - ثم قال تعالى: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى}. # قال ابن عباس ومجاهد والشعبي: الأولى، قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} ~~[القصص: 38]، PageV12P8037 # والآخرة: قوله: {أنا ربكم الأعلى}. وكان بين الكلمتين أربعون سنة. وقاله ~~ابن زيد. # وقال أيضا: معناه: عذاب الدنيا والآخرة، عجل له الغرق مع ما أعد له في ~~الآخرة من العذاب. # وعن الحسن أنه قال: معناه: عذاب الدنيا والآخرة. وهو قول قتادة. # وقال أبو رزين: الأولى عصيانه ربه وكفره، والآخرة: قوله: {أنا ربكم ~~الأعلى}. # وعن مجاهد أيضا أن معناه: أخذه الله [بأول عمله] وآخره. " ونكالا " مصدر ~~من معنى " أخذه "، [لأن معنى " أخذه "] نكل به. PageV12P8038 # - ثم قال تعالى: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}. # أي: إن في العقاب الذي عاقب الله به فرعون في عاجل الدنيا والآخرة عظة ~~(و) معتبرا لمن يخاف الله ويخشى عقابه. # - ثم قال تعالى: {ءأنتم أشد خلقا أم السمآء. . .}. # هذا تقرير وتوبيخ للمكذبين للبعث، القائلين: {أإنا لمردودون في الحافرة * ~~أإذا كنا عظاما نخرة}. يقول لهم: أأنتم أعظم خلقا أم السماء [التي] بناها ~~ربكم فرفعها سقفا للأرض؟! (بل) أنتم أهون خلقا وأيسر، فمن فعل ذلك فهو قادر ~~على خلق ما هو أهو منه وأيسر، فليس خلقكم بعد مماتكم بأصعب من خلق السماء! ~~ومعنى {بناها}: رفعها فجعلها للأرض ms2782 سقفا. # - ثم قال تعالى: {رفع سمكها فسواها}. PageV12P8039 # (أي: رفع السماء في الهواء {فسواها})، أي: جعلها مستوية لا شيء منها/ ~~أرفع من شيء ولا شيء منها أخفض من شيء. # قال مجاهد: " رفع بناءها بغير عمد ". # - ثم قال تعالى: {وأغطش ليلها}. # أي: وأظلم ليلها، أي ليل السماء. فأضاف الليل إلى السماء، لأنه [يأتي ~~بغروب] الشمس ويذهب بطلوعها، والشمس في السماء. كما [قيل]: نجوم الليل. ~~فأضاف النجوم إلى الليل إذ كان فيه طلوعها وغروبها. # - وقوله: {وأخرج ضحاها}. # أي: ضوء النهار. # - ثم قال تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها}. # قال ابن عباس: خلق الله - جل ذكره - الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها، PageV12P8040 # ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم دحا الأرض بعد ذلك. # وقال عكرمة عنه: وضع الله البيت على الماء على [أربعة] أركان قبل أن ~~[يخلق] السماء بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. # وقال مجاهد: معناه: والأرض مع ذلك دحاها، بمنزلة قوله: {عتل بعد ذلك ~~زنيم} [القلم: 13]، أي: مع ذلك. وروي مثل ذلك عن السدي. # والدحو في كلام العرب: البسط والمد. # قال قتادة والسدي: {دحاها} " بسطها ". PageV12P8041 # وقيل: معناه: والأرض قبل ذلك دحاها، أي: قبل خلق السماوات، لأنه قال في ~~موضع آخر: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين}، (ثم قال): {وجعل ~~فيها رواسي من فوقها وبارك فيها [وقدر فيهآ] أقواتها في أربعة أيام سوآء ~~للسآئلين}، ثم قال: {ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض. . .} ~~[فصلت: 9 - 11]. # - وقوله: {أخرج منها مآءها ومرعاها}. # أي: فجر فيها الأنهار وأنبت نباتها. # - ثم قال تعالى: {والجبال أرساها}. # - ثم أثبتها في الأرض. والتقدير: والجبال أرساها (فيها، وحذف فيها لدلالة ~~الكلام عليه. PageV12P8042 # قال قتادة: {أرساها}): أثبتها لئلا تميل بأهلها. # وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن عنلي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ~~لما خلق الله الأرض فمضت وقالت: أتخلق آدم وذرياته يلقون علي نتنهم ويعملون ~~علي بالخطايا؟! فأرساها الله بالجبال، فمنها ما ترون ومنها ما لا ترون، ~~وكان أول قرار الأرض كحلم والجزور ms2783 إذا نحرت يختلج لحمها. # - ثم قال تعالى: {متاعا لكم ولأنعامكم}. # أي: منفعة لكم ومتعة إلى حين. وتقديره: متعكم الله به متاعا. # - ثم قال تعالى: {فإذا جآءت الطآمة الكبرى}. PageV12P8043 # يعني: قيام الساعة. والطامة: اسم من أسماء يوم القيامة، يقال: طم الأمر: ~~إذا ارتفع وعظم. ويقال: طمت الطامة وصخت الصاخة: للداهية. # - ثم قال تعالى: {يوم يتذكر الإنسان ما سعى}. # أي: فإذا قامت القيامة في يوم يتذكر الإنسان فيه ما عمل في الدنيا من خير ~~وشر، وذلك [إذا قرأ كتابه]. # - ثم قال: {وبرزت الجحيم لمن يرى}. # أي: أظهرت لمن يراها. # - ثم قال تعالى: {فأما من طغى}. # أي: عتا على ربه، واستكبر وآثر (متع) الحياة الدنيا على الآخرة، فعمل PageV12P8044 # للدنيا وترك العمل للآخر. # - {فإن الجحيم هي المأوى}. # أي: هي مصيره، والتقدير: هي المأوى له. وقيل: التقدير: هي مأواه. # - ثم قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه}. # أي: خاف مسألة ربه إياه عند وقوفه يوم القيامة بين يديه فاتقاه بأداء ~~فرائضه وطاعته واجتناب محارمه، ونهى نفسه [عن] هواها، فإن الجنة هي مأواه. # - ثم قال تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها}. # أي: يسألك - يا محمد هؤلاء [المكذبون بالبعث] عن الساعة متى قيمها، فرسو ~~الساعة قيامها، وليس قيامها كقيام القائم، إنما هو بمنزلة قولهم: قد قام ~~العدل، وقد قام الحق. PageV12P8045 # - ثم قال تعالى: لنبيه: {فيم أنت من ذكراها}. # أي: في أي شيء أنت من ذكر الساعة والبحث عنها؟! # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " لم يزل النبي صلى الله عليه ~~وسلم يكثر ذكر الساعة [السؤال] عنها حتى نزلت هذه الآية ". # - وقوله: {إلى ربك منتهاهآ}. # أي: منتهى علمها، أي: لا يعلم وقت قيامها غيره. # - ثم قال تعالى: {إنمآ أنت منذر من يخشاها}. # أي: إنما أنت - يا محمد - رسول مبعوث تنذر بالساعة من يخاف عقاب الله، ~~ولم [تكلف] علم وقت قيامها. # - ثم قال تعالى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو/ ضحاها}. PageV12P8046 # أي: كأن هؤلاء المكذبين بالساعة يوم يرون الساعة قد قامت لم يلبثوا في ~~الدنيا ms2784 إلا عشية يوم أو ضحى تلك العشية. والعرب تقول: " أتيتك العشية أو ~~غداتها "، أو " آتيك الغداة أو عشيتها "، أي: كأن هؤلاء القوم المكذبين إذا ~~رأوا قيام الساعة وهولها وعظيم أمرها لم يلبثوا إلا عشية يوم أو غداة يوم. ~~روي أنهم يخفتون في قبورهم [خفتة] قبل بعثهم، [فعلى] هذا [يقولون]: لبثنا ~~يوما أو بعض يوم، ويظنون أنهم لم يلبثوا إلا عشية (يوم) أو ضحى يوم. PageV12P8047 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة عبس مكية # - قوله تعالى: {عبس وتولى}، إلى قوله: {ولأنعامكم}. # هذا عتاب من الله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة: أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وعند النبي عظماء قريش، فجعل (ابن) ~~أم مكتوم [يقول]: أرشدني، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه [ويقبل] ~~على الآخرين يقول لهم: أترون بما أقول PageV12P8049 # بأسا؟ فأزنل الله {عبس وتولى} في ذلك. # قال (ابن عباس): " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة من ~~ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصداهم كثيرا رجاء أن ~~يؤموا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له: ابن أم مكتوم، (يمشي والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يناجيهم، فجعل ابن أم مكتوم) [يستقرئ] النبي صلى الله عليه وسلم ~~آية من القرآن وهو يقول: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. فأعرض عنه ~~[رسول الله صلى الله عليه وسلم] ، وعبس (في) وجهه وتولى عنه وأقبل على ~~الآخرين، فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه وأخذ ينقلب إلى أهله، ~~أمسك الله بعض PageV12P8050 # بصره [وخفق] برأسه، ثم أنزل الله: {عبس وتولى}. . [الآيات]. فلما نزل فيه ~~ما [نزل]، أكرمه رسول الله [وكلمه] وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء " # قال قتادة: اسم ابن أم مكتوم: عبد الله بن زائدة، وقيل: اسمه [عمرو بن ~~قيس]، واسم أمه: أم مكتوم عاتكة. قال مجاهد، هو من بني فهر. # وذكر قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه في المدينة على الصلاة ~~في غزوتين من غزواته. ms2785 # وروي أن الذي كان قد اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم [ به] (عن ابن أم ~~مكتوم هو شيبة PageV12P8051 # ابن [ربيعة]، طمع النبي صلى الله عليه وسلم) بإسلامه. # وقيل: هو أبي بن خلف، كان النبي يقبل عليه ويكنيه، ويقول له: أبا فلان، ~~هل ترى بما أقول بأسا؟ طمعا أن يسلم، فيسلم بإسلامه خلق، فأجابه المشرك ~~فقال له: [والدما]، ما أرى بما تقول بأسا. فأقسم المشرك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالأصنام وترك أن يقسم بالله. # [والدما] جمع دمية، وهي الصورة من [صور الأصنام]. [فعذل] الله PageV12P8052 # نبيه على ذلك. # وقال ابن زيد: أقبل ابن أم مكتوم ومعه قائده، فلما بصر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم - وكان مقبلا على رجل من عظماء قريش قد طمع في إسلامه - أشار إلى ~~قائده (أن كفه)، فدفعه ابن أم مكتوم، فعند ذلك عبس النبي في وجهه، فكان ~~النبي عليه السلام يكرمه بعد ذلك. # وقال سفيان: " كان النبي صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك - إذا رآه بسط له ~~رداءه، وقال مرحبا [بمن] عاتبني فيه ربي جل وعز ". # قال ابن زيد: كان [يقال]: لو أن رسول الله كتم من الوحي شيئا لكتم هذا ~~على نفسه. # - وقوله: {وما يدريك لعله يزكى}. PageV12P8053 # أي: وما يدريك - يا محمد - لعل هذا الأعمى الذي أعرضت عنه يتطهر من ~~ذنوبه. # - {أو يذكر فتنفعه الذكرى}. # (أي): [أو] يتعظ [فينفعه] الاتعاض. # - ثم قال تعالى: {أما من استغنى * فأنت له تصدى}. # (أي): أما من استغنى بماله، فأنت تتعرض له رجاء أن يسلم. قال سفيان: " ~~نزلت في العباس ". # وقال مجاهد: " نزلت في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ". # - ثم قال تعالى: {وما عليك ألا يزكى}. # أي: وأي شيء عليك - يا محمد - ألا يتطهر من ذنوبه وكفره بالإسلام؟! PageV12P8054 # - ثم قال تعالى: {وأما من جآءك يسعى * وهو يخشى}. # أي: وأما الأعمى جاءك يسعى وهو يخشى الله [ويتقيه]. # - {فأنت عنه تلهى}. # (أي): تعرض وتتشاغل بغيره. # - ثم قال تعالى: {كلا إنها تذكرة}. # أي: ليس الأمر كما تفعل يا محمد. وقيل: المعنى: ألا ms2786 إنها تذكرة. والوقف ~~عند نافع ونصير على {كلا} على التأويل الأول. # - وقوله: {إنها تذكرة}. PageV12P8055 # قال الفراء: المعنى أن السورة تذكرة. وقيل: المعنى (أن) الأنباء والقصص ~~تذكرة. # (وقيل: المعنى أن القصة التي عوتبت فيها يا محمد تذكرة) وعظة. # - {فمن شآء/ ذكره}. # أي: فمن شاء من عباد الله ذكر تنزيل الله ووحيه فاتعظ به. # فالهاء في {إنها} للسورة أو للقصة، والهاء في [{ذكرة}] للتنزيل والوحي. # - ثم قال تعالى: {في صحف مكرمة}. # أي: هذه العظة والقصة في صحف قد كتبتها الملائكة في صحف مكرمة، أي: ~~عزيزة. # - {مرفوعة مطهرة}. PageV12P8056 # يعني: مرفوعة في اللوح المحفوظ عند الله. # - وقوله: {بأيدي سفرة}. # يعني: الملائكة. وواحد السفرة: سافر. قال ابن عباس وقتادة: سفرة: " كتبة ~~". # وعن قتادة أن السفرة هم القراء. وعن ابن عباس. # أيضا هي " الملائكة ". قال ابن زيد: هم " الذين يحصون PageV12P8057 # الأعمال ". وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، فكان السفرة هم ~~الملائكة الذين يسفرون بين الله وبين رسله بالوحي. وهذا (هو) اختيار ~~الطبري. # - وقوله: {كرام بررة}. # قال وهب بن منبه: السفرة الكرام البررة: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و ~~{بررة} جمع بار، ككافر، وساحر وسحرة. # والمستعمل في كلام العرب أن يقولو: " رجل بر "، و " امرأة برة "، فإذا ~~جمعوا ردوه إلى جمع (بار، فقالوا: رجال بررة. وقال النحاس: الأبرار جمع) ~~بر، والبررة جمع بار. PageV12P8058 # - ثم قال تعالى: {قتل الإنسان مآ أكفره}. # أي: لعن الكافر [و] أهلك، ما الذي أكفره مع ظهور الآيات وبيا (ن الحق)؟! ~~ف {مآ}: استفهام على طريق التوبيخ والتقرير. # وقيل: إنها نزلت في عتبة بن أبي لهب، وكان قد آمن، فلما نزلت سورة: ~~(والنجم)، ارتد، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله الأسد في قصة ~~طويلة. # وقيل: {مآ}: تعجب، أي: هو ممن يقال فيه: ما أكفره إذا تمادى على كفره مع ~~ظهور الآيات والحجج. # قال مجاهد: كل شيء في القرآن " قتل الإنسان " أو " فعل الإنسان " فإنما ~~عنى PageV12P8059 # به الكافر، وكل " قتل " في القرآن [فمعناه]: لعن. # - ثم قال تعالى: {من أي شيء خلقه}. # أي: ms2787 أعجبوا (له)! من أي شيء خلق الله الكافر حتى يتكبر عن طاعة الله. ثم ~~بين الشيء الذي خلقه منه فقال: # - {من نطفة خلقه}. # أي: (من) ماء حقير خلقه فكيف يتكبر من أصله هذا. # - وقوله: {فقدره}. # أي: قدره أحوالا: نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم، ثم. .. # وقيل: معناه: قدرة حسنا أو قبيحا، ذكرا وأنثى. # - وقوله: {ثم السبيل يسره}. # قال ابن عباس: يعني يسره لطريق الخروج من بطن أمه. # وهو قول السدي وقتادة وأبي صالح، وهو اختيار الطبري، لأن قبله ذكر PageV12P8060 # خلقه من نطفة وانقتاله من (حال إلى) حال في الرحم، فوجب أن يتبعه بذكر ~~خروجه من الرحم ليكون الكلام كله في معنى واحد. # وقال مجاهد: هو طريق الخير والشر كقوله: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا} [الإنسان: 3]. وعنه أيضا أنه سبيل الشقاء والسعادة. وقال ~~الحسن: سبيل الخير يسره له. # وقال ابن زيد: هداه إلى الإسلام ويسره له. # - ثم قال تعالى: {ثم أماته فأقبره}. # أي: أماته بعد إحيائه له عند انقضاء أجله وجعل له قبرا ولم يجعله ممن ~~يلقى على وجه الأرض، فهذا كله من نعم الله على ابن آدم. # يقال: " قبرت الرجل ": [إذا] أدخلته في القبر، و " أقبرته ": إذا جعلت له ~~قبرا. والمعنى: فصيره ذا قبر. PageV12P8061 # - ثم قال تعالى: {ثم إذا شآء أنشره}. # أي: أحياه بعد موته. يقال: أحيا الله الميت وأنشره بمعنى. ونشر الميت: ~~حيي هو نفسه. # - ثم قال تعالى: {كلا لما يقض مآ أمره}. # أي: ليس الأمر ما يقول هذا الإنسان من [أنه قد أدى] حق الله في نفسه وما ~~له، لم (يقض) ذلك، ولا يقدر عليه. # قال مجاهد: لا يقضي أحد أبدا ما افترض الله عليه. # - ثم قال تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء صبا * ثم ~~شققنا الأرض شقا}. # هذا كله تنبيه من الله لعباده على نعمه عليهم. ومن قرأ (أنا) بالفتح، PageV12P8062 # فقال أبو حاتم: هو بدل من الطعام. # وهو قول الفراء و [أبي] عبيد. وتقديره: فلينظر الإنسان إلى صبنا الماء. ~~وهو قول فيه بعد، ms2788 لأن الثاني [ليس هو الأول] ولا [بعضه] ولا مشتملا عليه. # (وقيل: إنما فتحت على أنها رفع بالابتداء. ولا يحسن سيبويه الابتداء " ~~بأن " المفتوحة، وأيضا فإنه لا خبر لها). PageV12P8063 # وقيل: (إن) التقدير: لأنا صببنا. وقيل: {أنا} في موضع رفع [على] إضمار ~~مبتدأ، والتقدير: إلى طعامه، طعامه: صب الماء. . . ز # وقيل: {أنا} بدل الاشتمال من طعامه. والمعنى: فليعتبر الإنسان ويعلم قدر ~~نعم الله علي وكيف سبب له [كمال طعامه] الذي به قوامه، [بأن أنزل] الغيث من ~~السماء فصبه على الأرض صبا، ثم شق للغيث الأرض شقا/ فأنبت فيها حباص، يعين ~~الزرع وسائر الحبوب. # - {وعنبا}. PageV12P8064 # يعني: الكوم، أي: وكروم عنب. # - {وقضبا}. # يعني: القت. وأهل مكة يسمون القت الصغير القضب، كأنه قطع مرة بعد مرة. ~~يقال: قضبه: إذا قطعه. # وحكى أبو عبيدة أنه الرطبة وقاله الضحاك. # وقال الحسن: " القضب: العلف ". # - {وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا}. # يعني البساتين التي قد حوط حلها بالبنيان. والغلب: الغلاظ، يعني: PageV12P8065 # وأشجار حدائق غلاظ. [يقال]: رجل أغلب للغليظ الرقبة. # قال ابن عباس: الحدائق الغلب: ما التف من الشجر واجتمع. # وقاله مجاهد. # وعن ابن عباس أيضا: الغلب: الطول. # (وقال قتادة: هي النخل، الكرام)، وقاله ابن زيد. # - ثم قال تعالى: {وفاكهة وأبا}. # يعني بالفاكهة: ما يأكله الناس، والأب: ما تأكله الأنعام من المرعى. وهو ~~قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة. وعن ابن عباس أيضا PageV12P8066 # أنه " الثمار الرطبة ". # - ثم قال تعالى: {متاعا لكم ولأنعامكم}. # (أي: متعة لكم، يعني الفاكهة ما قبلها، ولأنعامكم). يعني: الأب. # - قوله تعالى: {فإذا جآءت الصآخة}، إلى آخر السورة. # أي: فإذا قامت القيامة، والصاخة: اسم من أسماء يوم القيامة. # قال ابن عباس: الصاخة: القيامة. # وقال عكرمة: هي النفخة الأولى. # والطامة الكبرى: النفخة الثانية. فالأولى يموت بها كل حي. والثانية يحيى ~~بها كل ميت. # وقال الحسن: (يصيخ) لها كل شيء، أي: يصمت لها كل شيء. PageV12P8067 # والصاخة في الأصل الداهية. # قال الطبري: وأحسبها مأخوذة من قولهم: صخ فلان فلانا: إذا أصمه. ولعل ~~الصوت هو الصاخ. قال: فإن يكن ذلك كذلك، فينبغي أن ms2789 يكون ذلك لنفخة الصور. # - ثم قال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه}. # (أي: فإذا جاءت الصاخة في يوم يفر المرء من أخيه) وأمه وأبيه، وفراره ~~منهم حذر من مطالتبهم إياه بمظالم لهم عليه. وقيل: معنى فراره عنه لئلا يرى ~~ما ينزل به. # - ثم قال تعالى: {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه}. # (يعني: لكل واحد من هؤلاء المذكورين ذلك اليوم شأن يغنيه). PageV12P8068 # عن شأن غيره. # قال قتادة: " أفضى إلى كل إنسان ما يشغله عن الناس ". " وسألت عائشة رضي ~~الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يحشر الرجال؟ فقال: حفة عراة، ~~ثم سألته: كيف يحشر [النساء]؟ فقال: كذلك حفاة عراة، فقالت: واسوأتاه من ~~يوم القيامة!! # فقال: عن أي شيء تسأليني؟ إنه قد نزلت علي آية لا يضرك كانت عليك ثياب ~~(أم لا، قالت): أي آية [هي يا نبي الله]؟ # قال: {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه}. قال قد شغله عن صاحبه ". PageV12P8069 # يقال: غنيت بالمكان. أي: أقمت به فيكون معنى {يغنيه} أي: يقيم عليه. # - ثم قال: {وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة}. # أي: وجوه قوم يومئذ مشرقة مضيئة {ضاحكة} من السرور بما أعطاها الله من ~~النعيم، {مستبشرة} [لم] ترجوه من الزيادة وهي وجوه المؤمنين الذين قد رضي ~~الله عنهم. # يقال: أسفر وجه فلان: إذا حسن، وأسفر الصبح: إذا أضاء. وكل مضيء (فهو ~~مسفر. ويقال للمرأة إذا ألقت خمارها أو نقابها أو [برقعها] قد سفرت) عن ~~وجهها. # - ثم قال تعالى: {ووجوه يومئذ عليها غبرة}. # وهي وجوه الكفار. روي أن البهائم التي يصيرها الله ترابا يومئذ بعد ~~القصاص يحول ذلك التراب غبرة في وجوه أهل الكفر. PageV12P8070 # - وقوله: {ترهقها قترة}. # أي): تغشى [تلك] الوجوه {قترة} أي: ذلة. # ثم بين تعالى من هو، فقال: # - {أولئك هم الكفرة الفجرة}. # أي: الكفرة بالله ورسله وكتبه، الفجرة في دينه لا يبالون ما أتوا من ~~معاصي الله ومحارمه. PageV12P8071 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة كورت مكية # - قوله تعالى: {إذا الشمس كورت} إلى آخرها. # معنى كورت: ذهب ضوءها. # وقال ابن عباس: تكويرها: ms2790 إدخالها في العرش. # قال أبو العالية: حدثني أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة بينا PageV12P8073 # الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس وبينا هم كذلك إذ تناثرت النجوم، ~~وبينا هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت وفزعت الجن ~~إلى الإنس والإنس إلى الجن واختطلت الدواب والطير والوحوش وماج بعضهم في ~~بعض. # وقل: {كورت}: جمع بعضها إلى بعض، ورمي بها كما تجمع العمامة إذا كورت على ~~الرأس ولفت. # - وقوله: {وإذا النجوم [انكدرت]}. # أي: تناثرت وتساقطت من السماء من أيدي الملائكة، لأنهم يموتون. # يروى أنها معلقة بين السماء والأرض، مثل القناديل، بسلاسل من نور، وتلك ~~[السلاسل] بأيدي ملائكة من نور، فإذا كانت النفخة الأولى مات من في PageV12P8074 # السماوات (ومن في) الأرض إلا من شاء الله، فتناثر الكواكب عند صوت ~~الملائكة كيف شاء الله. وأصل الانكدار: الانصباب. # قال قتادة ومجاهد والربيع: {انكدرت}: تناثرت وتساقطت. وقال ابن زيد: ~~{انكدرت}: رمي بها من السماء إلى الأرض. # وقال ابن عباس: " {انكدرت}: تغيرت "، من قولهم: " ماء كدر "، أي: متغير ~~اللون. # - ثم قال تعالى: {وإذا الجبال سيرت}. # أي: سيرها الله، فكانت سرابا وهباء منبثا. # قال مجاهد: {سيرت} أي: ذهبت. PageV12P8075 # وقيل: {سيرت}: قلعت من أصلها فصارت بين المشرق والمغرب فصارت كالهباء ~~المنبث. # - ثم قال تعالى: {وإذا العشار عطلت}. # أي: وإذا الحوامل من الإبل التي قد بلغت في الحمل عشرة أشهر، وذلك أعز ما ~~تكون عند أهلها لقرب نفعها من الولد واللبن، قط عطلها أهلها وأهلموها فلا ~~يسألون عنها لهول ما فجئهم. والعشار: جمع عشراء، يقال: " ناقة عشراء ": إذا ~~أتى على حملها عشرة أشهر. # - ثم قال تعالى: {وإذا الوحوش حشرت}. # قال ابن عباس: حشر البهائم موتها. # وقال (أبي) بن كعب: {حشرت}: " اختلطت ". PageV12P8076 # وقال قتادة: {حشرت}: جمعت فأميتت بعد أن يقتص لبعضها من بعض. وهو اختيار ~~الطبري لقوله: {[وأرسل] في المدآئن حاشرين} [الأعراف: 111] أي: جامعين له ~~الناس، ولقوله: {والطير محشورة} [ص: 19]، أي: مجموعة. # - ثم قال تعالى: {وإذا البحار سجرت}. # قال أبي بن كعب: {سجرت}: اشتعلت نارا. ms2791 # وقد سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلا من اليهود فقال له: أين جهنم؟ ~~فقال: البحر، (فقال): ما أراه إلا [صادقا]، وقرأ: {والبحر المسجور} [طه: ~~6]، {وإذا البحار سجرت}. وقال ابن زيد: {سجرت}: أوقدت فصارت نيرانا، وقاله ~~سفيان. وقال PageV12P8077 # الربيع بن [خثيم]: {سجرت}: " فاضت ". # وقال الضحاك: " فجرت ". # ودليله قوله في الانفطار: {وإذا البحار فجرت} [الانفطار: 3]، فكيف يخبر ~~عنها في هذه السورة بأنها تسعر نارا، [و] يخبر عنها في [السورة] الأخرى ~~بأنها تفجر؟! بل الخبر في السورتين عن تفجيرها أولى. # وقال قتادة: {سجرت}: ذهب ماؤها وغار. # وقال الحسن: " يبست "، وهذا موافق لقول الضحاك وموافق لمعنى ما في السورة ~~الآخرى من ذكر التفجير، لأنها إذا فجرت ذهب ماؤها، وإذا ذهب ماؤها يبست، ~~فالمعنى متفق في ذلك. # وقال ابن عباس: جهنم في البحر الأخضر [تكور] الشمس والقمر فيه، PageV12P8078 # [وتتناثر] الكواكب ثم تسجر فتكون جهنم. وقال معاوية بن سعيد: بحر الروم ~~[وسط] الأرض، أسفله آبار مطبقة بنحاس تسجر يوم القيامة. # وقال (أبو) عمران الجوني: بلغنا أن دون العرش بحارا من نحاس تسجر يوم ~~القيامة. PageV12P8079 # والمسجور [و] الساحر في اللغة: الملآن، فمعنه - على قول من جعله جهنم - ~~أنها تملأ نارا. # وقيل: هي بحار في جهنم، إذا كان يوم القيامة سجرت بأنوا العذاب، أي: ملئت ~~[بذلك]. [روي أن الأوزاعي وقف على بحر الشام، فقال: هذا بحر، وتحته نار، ~~وتحت النار بحر، وتحت البحر نار، حتى أتى على سبعة أبحر وسبعة أنوار. ثم ~~قال: ينصب عليه الماء يوم القيامة، تشتعل نيرانه فتصير جهنم]. # وقوله: {وإذا النفوس زوجت}. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو الرجلان (يعملان) بعمل أهل الجنة أو PageV12P8080 # بعمل أهل النار. فيقرن كل شكل بشكله. ودليله قوله: {احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم} [الصافات: 22]، أي: وأشكالهم في الشر. # وقال عكرمة: يقرن الرجل الصالح بقرينه الصالح - في الدنيا - في الجنة ~~[ويقرن] الرجل الطالح بقرينه [الطالح] الذي كان يعينه في الدنيا على ذلك في ~~النار، ومكذلك تزوج الأنفس. # وقيل: معناه أن نفوس المؤمنين تقرن/ بحور العين. وتقرن ms2792 نفوس [الكفار] ~~والمنافقين بأنفس الشياطين. # وقال الحسن: {زوجت} " ألحق كل امرئ بشيعته ". PageV12P8081 # (وقاله قتادة)، (قال): يلحق اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى. # وقال عكرمة: معناه: وإذا النفوس ردت إلى الأجساد، فتقرن كل نفس بجسدها. ~~وهو قول الشعبي. # -[ثم قال تعالى]: {وإذا الموءودة سئلت}. {بأى ذنب قتلت}. # أي: طلب منها من قتلها؟ توبيخا له، أي: وقيل لها: من قتلك؟ ولأي شيء قتلت ~~بغير 1ذنب؟ توبيخا لقاتلها. وأصل الوأد في اللغة: الثقل. يقال: وأده [يئده] ~~وأدا: إذا أثقله، فكأنه يثقل المولودة بالتراب. ومنه: {ولا يؤوده حفظهما} ~~[البقرة: 255] PageV12P8082 # وكان أهل الجاهلية يقتلون بناتهم، فوبخهم الله بذلك. [وقرأ] ابن عباس ~~وجابر ابن زيد: {وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت}، أي: سألت قاتلها: بأي ~~ذنب قتلها. # وقيل: معناه: سألت ربها عن ذلك على طريق التوبيخ والتقرير للقاتل. # روي أن الجاهلية لما زعمت أن الملائكة بنات الله، ألقى الله بغض البنات ~~في قلوبهم، فكان بعضهم يكسو بنته جبة صوف [أو شعر] ويجعلها ترعى الغنم PageV12P8083 # بغضا فيها. # وكان بعضهم يدفنها حية، وبعضهم يقتلها، وبعضهم يلقيها في بئر ويلقي ~~التراب عليها. # - ثم قال تعالى: {وإذا الصحف نشرت}. # أي: وإذا صحف أعمامل العباد نشرت لهم بعد أن كانت مطوية على ما فيها ~~مكتوب من الحسنات والسيئات. # قال قتادة: " صحيفتك يا ابن آدم تملى [ما] فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك ~~يوم القيامة ". # وقيل: (المعنى): نشر ما فيها من أعمال بني آدم. # روي أن في السماء ملكا (اسمه) " السجل "، ترفع إليه الملائكة الحفظة [كل ~~يوم] أعمال بن آدم، ما كتبوا بالليل والنهار، فينظر في تلك الكتب فيرى ما ~~لهم وما عليهم، فيطرح منها قول الرجل: اخرج، كل [اشرب]، ونحوه مما ليس فيه PageV12P8084 # ثواب ولا عقاب، ثم تطوى تلك الكتب ويطبع عليها كل يوم وليلة، فلا تفتح ~~إلى يوم القيامة، فتنشر للحساب، وهو معنى قوله تعالى: {يوم نطوي السمآء كطي ~~السجل للكتب} [الأنبياء: 104]. أي: [نطوي] السماء (كما يطي) ذلك الملك ~~الكتب التي فيها أعمال بني آدم. # - ثم قال تعالى: {وإذا السمآء كشطت}. # قال ms2793 الفراء: " نزعت وطويت ". وفي قراءة عبد الله: " قشطت "، بالقاف. وهما ~~لغتان. والأصل الكاف. قال مجاهد {كشطت}: " جذبت ". # وقيل: معناه: {كشطت} عمن فيها (كما) يكشط الجلد عن الكبش. # - ثم قال تعالى: {وإذا الجحيم سعرت}. PageV12P8085 # أي: أوقد عليها فأحميت لأهلها. # - ثم قال تعالى: {وإذا الجنة أزلفت}. # أي: قربت [وأدنيت] من أهلها. # - ثم قال تعالى: {علمت نفس مآ أحضرت}. # هذا جواب {إذا الشمس كورت} وما بعده. وإلى هذا أتى بالقصة من أولها، أي: ~~إذا وقع كل ما ذكر من الحوادث، علمت (كل) نفس ما أحضرت من خير أو شر، وما ~~أخرت. # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " إلى هذا جرى الحديث ". والمعنى: ما ~~وجدته حاضرا، كما يقال: " أحمدت الرجل ": إذا وجدته محمودا. # - ثم قال تعالى: {فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس}. # (لا) زائدة مؤكدة، والمعنى: أقسم بالخنس، وهي النجوم الدراري الخمسة، PageV12P8086 # تخنس في مجراها فترجع وتكنس [فتصير] في بيوتها كما تكنس [الضباء] في ~~الغار وهي بهرام -[وهو] المريخ - وزحل وعطارد والزهرة والمشتري. قال علي: ~~الخنس: " النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل ". وقال [بكر] بن عبد الله: " ~~هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق ". وهو قول الحسن ومجاهد. # وقال قتادة كقول الحسن، [قال]: هي النجوم تبدو بالليل وتكنس PageV12P8087 # بالنهار. # وقال عبد الله بن مسعود: هي بقر الوحش. وكذلك قال النخعي وجابر بن زيد. # وقال ابن عباس: هي الظباء، وهو قول ابن جبير والضحاك. وإنما يقال لبقر ~~الوحش والضباء " خنس "، لأن الواحد أخنس والأنثى خنساء، أي: قصيرات الأنوف. # وقيل للنجوم " خنس "، لأنها تخنس، أي: ترجع في مجراها، من قولهم: خنست PageV12P8088 # عن الرجل: إذا تأخرت عنه. # ويقال: خنست عن الرجل: إذا استترت عنه، فلذلك قال الحسن: هي النجوم تخنس ~~بالنهار أي: تستتر فيه، والكنس: المستقرة، والكناس: أن تتخذ البقرة الوحشية ~~من/ الشجرة القديمة بيتا تأوي إليه. # وقيل: الكنس سبعة: الشمس والقمر [والمشتري] وعطارد والمريج وزحل والزهرة. # أقسم الله - جل ذكره - بها، والتقدير: فأقسم [برب] الخنس، والله - جل ~~ذكره - يقسم بما شاء من خلقه. # - ثم قال تعالى: {والليل ms2794 إذا عسعس}. PageV12P8089 # (قال ابن عباس رضي الله عنه: {عسعس}: " أدبر ". وهو قول علي ومجاهد ~~وقتادة. # وقال زيد بن أسلم {عسعس}: ذهب. # وقال الحسن: {عسعس}: إذا غشي الناس بظلامه. وهو قول الفراء. # والعرب تقول: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر فلم يبق منه إلا اليسير. # وقيل: هو من الأضداد. PageV12P8090 # وقال المبرد: ليس هو من الأضداد، لكن يقال: عسعس إذا لم يستحكم ظلمته، ~~فهذا يصلح لأوله ولآخره. # - ثم قال تعالى: {والصبح إذا تنفس}. # ي: أقبل وتبين. والتقدير: وضوء الصبح إذا أقبل. # - ثم قال تعالى: {إنه لقول رسول كريم}. # هذا جواب القسم المتقدم. # [وأجاز] الكسائي " أنه " بالفتح على معنى: أقسم أنه. # والمعنى: إن هذا القرآن لقول رسول كريم عن الله بلغه، يعني جبريل عليه ~~السلام كريم عند مرسله. # وقيل: الرسول [الكريم: محمد] ونسب إليه القرآن فجعل من قوله لأنه PageV12P8091 # يعمل بما فيه، ويقول به وهو مذهبه، كما تقول: فلان يقول يقول مالك ويقول ~~الشافعي، أي بمذهبه. فأضاف القول إليه لانتحاله إياه. كذلك من جعله جبريل، ~~أضاف القول إليه؛ لأنه ينزل به من عند الله، فهذه إضافة لفظ دون معنى. # - وقوله: {ذي قوة عند ذي العرش مكين}. # يعني جبريل، أي: صاحب قوة على ما كلف من تبليغ الوحي، مكين عند رب العرش، ~~أي: متمكن الحال والدرجة عند ربه. # - ثم قال تعالى: {مطاع ثم أمين}. # أي: مطاع في السماء، تطيعه الملائكة، [أمين] عند الله على وحيه إلى ~~أنبيائه. # قال أبو صالح: {مطاع ثم أمين} قال: " جبريل أمين على أن يدخل سبعين ~~سرادقا من نور بغير (إذن] ". # قال ابن عباس والضحاك: هو جبريل. PageV12P8092 # - ثم قال: {وما صاحبكم بمجنون}. # يعني [محمد] صلى الله عليه وسلم، أي: ليس (هو) بمجنون كما قال المبطلون. # - ثم قال: {ولقد رآه بالأفق المبين}. # [أي]: ولقد رأى [محمد] جبريل عليه السلام في صورته في الناحية [التي] ~~تتبين فيها الأشياء، فيرى من قبلها وذلك ناحية مطلع الشمس من قبل المشرق. # وقال قتادة: {بالأفق المبين}، كنا نحدث أن الأفق من حيث تطلع الشمس ويجيء ~~النهار. # قال ms2795 ابن عباس: رأى محمد جبريل على صورته عند الله. # قال ابن مسعود: رأى جبريل له خمسمائة جناح وقد سد الأفق. PageV12P8093 # - ثم قال تعالى: {وما هو على الغيب بضنين}. # من قرأه بالضاد غير مرفوعة فمعناه: وما محمد على القرآن ببخيل، بل ~~[يبذله] ويدعو له ويغظ (به). ويذكر به ويعلمه. ومن قرأه بالظاء مرفوعة ~~فمعنه: بمتهم. # أي: ليس هو بمتهم على القرآن، بل هو أمين عليه وعلى تبليغه كما أوحي ~~إليه. # - ثم قال: {وما هو بقول شيطان رجيم}. # أي: وما القرآن الذي جاءكم به محمد {بقول شيطان رجيم}، أي]: PageV12P8094 # مرجوم، أي: ملعون، مطرود. ولكنه كلام الله ووحيه. # - ثم قال تعالى: {فأين تذهبون}. # أي: فأين تعدلون عن (هذا) القرآن وعن قبوله وتصديق من جاءكم به؟! # قال قتادة: معناه: فأين " تعدلون عن كتابي وطاعتي "!. # وقال: {فأين تذهبون}، ولم يقل (فإلى أين) تذهبون. كما تقول: ذهبت الشام، ~~وذهبت إلى الشام. وذهبت المشرق وذهبت إلى المشرق. # وحكي عن العرب سماعا: انطلق به [الغور أي إلى الغور]. PageV12P8095 # ولا يجيزه سيبويه إلا في: " ذهبت الشام "، سماعا. لا يجوز عنده: " ذهبت ~~مصر ". # - ثم قال تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين}. # أي: ما هذا القرآن إلا ذكر وعظة للعاملين من الجن والإنس. # ثم بين لمن هو ذكر وعظة، فأبدل من " العالمين " بدل البعض من الكل بإعادة ~~الجار [فقال]: # - {لمن شآء منكم أن يستقيم}. # أي: لمن شاء أن يتبع الحق. # (والمعنى: إن هذا القرآن إلا ذكر لمن شاء منكم أن يتبع الحق) [ويستقيم] ~~عليه. # - ثم قال تعالى: {وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين}. # أي: وما تشاءون - أيها الناس -/، الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله ~~ذلك لكم. PageV12P8096 # وقيل: (معناه) وما تشاءون شيئا من الطاعة والمعصية، إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين ذلك منكم، ولو شاء الحال بينكم وبين ما تشاءون. وهذا قول أهل ~~السنة: كل طاعة ومعصية بمشيئة الله كانتا. # وروي أنه لما [نزل] قوله: {لمن شآء منكم أن يستقيم}، قال أبو جهل: ذلك ~~إلينا، إن شئنا استقمنا وإن ms2796 شئنا لم نستقم، فأنزل الله: {وما تشآءون إلا أن ~~يشآء الله رب العالمين}. وفي الكلام معنى التهدد والوعيد. PageV12P8097 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الانفطار مكية # - قوله تعالى: {إذا السمآء انفطرت} إلى آخرها. # [إذا السماء انفطرت، بمنزلة قوله: {إذا السمآء انشقت} [الإنشقاق: 1]. # - ثم قال تعالى: {وإذا الكواكب انتثرت}. # أي: تساقطت. قد تقدم ذكر هذا. PageV12P8099 # - ثم قال تعالى {وإذا البحار فجرت}. # أي: فجر الله بعضها في بعض. # قال قتادة: " فجر عذبها في مالحها، ومالحها في عذابها ". # - ثم قال تعالى: {وإذا القبور بعثرت}. # أي: [أثيرت] فاستخرج من فيها من الموتى أحياء. # يقال: بعثر فلان حوض فلان [وبحثره]: إذا جعل أسفله أعلاه. # قال ابن عباس: {بعثرت}: " بحثت ". # وقال الفراء: بعثرت فألقت فألقت ما فيها من الكنوز والموتى. ولا معنى ~~للكنوز في هذا؛ لأنه يو القيامة، ولا كنز في القبور. PageV12P8100 # - ثم قال تعالى: {علمت نفس ما قدمت وأخرت}. # هذا جواب {إذا السمآء انفطرت} وما بعده، أي: علمت كل نفس ما قدمت لذلك ~~اليوم وما أخرت من عمل صال أو سيء. # وقيل: معنى (أخرت)، أي: ما سنت من عمل فيعمل به بعده. (قاله القرظي). # وقيل: معناه: ما قدمت من العمل المفروض فعملت به، وما تركت منه. وهو قول ~~[ابن] عباس وعكرمة وقتادة وابن زيد. أي: [ما] عملت مما فرض عليها، وما تركت ~~فلم تعمل (به). # - ثم قال تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم}. # أي: يا أيها الإنسان الكافر بربه، أي شيء غرك بربك الكريم حتى كفرت به ~~وجحدت نعمه؟! # قال الطبري: غر الناس عدوهم المسلط عليهم. وقاله قتادة. PageV12P8101 # - وقوله: {الذي خلقك فسواك فعدلك}. # أي: اخترع خلقك [بعد] إن لم تكن شيئا فسوى خلقك. {فعدلك} أي: فقومك، فجعل ~~خلقك معتدلا، (لا) تزيد رجل (على رجل)، ولا يد على يد. ودل على هذا قوله: ~~{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين: 4]. ومن خفف {فعدلك} فمعناه: ~~صرفك إلى أي سورة شاء، إما حسن وإما قبيح، وإما طويل وإما قصير. # وقوله: {في أي صورة ما شآء ركبك}. # يدل ms2797 على هذا المعنى. فقراءة (التشديد أولى [ليفيد] الكلام فائدتين ~~مجددتين، لأن معنى التخفيف هو ما أفاد). PageV12P8102 # قوله: {في أي صورة ما شآء ركبك}. و {في} متعلقة ب {ركبك}، ولا يحسن أن ~~تتعلق ب (عدلك) لأنك أنما تقول: عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلته في كذا. # وقد غلط الفراء فمنع قراءة التخفيف واستبعادها لإتيان {في} بعد (عدلك)، ~~فظن أن {في} متعلقة ب (عدلك)، وليست كما ظن. # وقد قيل: إن القراءة بالتشديد هي من هذا المعنى على التكثير، أي: صرفك ~~مرة بعد مرة إلى أي صورة شاء. # وقيل: معنى التخفيف: (أمالك إلى) ما شاء من حسن وقبح وصحة PageV12P8103 # وسقم. # وقال مجاهد: {في أي صورة ما شآء ركبك} معناه: في أي شبه أب أو أم أو خال ~~أو عم شاء خلقك. # وقال أبو صالح: معناه: إن شاء في صورة كلب أو خنزير أو حمار. وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها ~~الله كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت في {في أي صورة ما شآء ركبك}؟! ". # والتقدير في الكلام: في أي صورة ما شاء أن يركبك {ركبك}. # وفي حديث آخر أنه قال: " إن الله - جل وعز - إذا أراد أن يخلق النسمة ~~فجامع PageV12P8104 # الرجل المرأة، طار ماؤه في كل عرق منها، ثم أحضر له آباءه من لدن آدم، ثم ~~صوره في صورة واحد [منهم، فذلك قوله]: {في أي صورة ما شآء ركبك} ". # - ثم قال: {كلا بل تكذبون بالدين}. # أي: ليس الأمر - أيها الكافرون - على ما تقولون من أنكم على الحق في ~~عبادتكم غير الله، لكنكم تكذبون بالجزاء والبعث والجنة والنار. ودل على ذلك ~~قوله: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} (أي: ما غرك في عبادتك غير ربك ~~الكريم) الذي خلقك فسواك فعدلك. # وقيل: {كلا} / بمعنى " حقا هذا "، أو بمعنى " ألا ". ولذلك، لم ير أبو PageV12P8105 # حاتم الوقف (عليها)، وأجازه نصير. # وقيل: المعنى ليس كما غررت به، بل تكذب بالدين. # وقال مجاهد: {بالدين}: " بالحساب ". # وقال قتادة " {بالدين}: ms2798 " يوم شدة، يوم يدين الله (العباد) بأعمالهم ". # - ثم قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين}. # أي: وإن عليكم أيها الناس رقباء حافظين لأعمالكم حتى تدانوا بها يوم ~~القيامة. # ثم وصف الحافظين فقال: # - {كراما كاتبين}. # أي: كراما على الله يكتبون أعمالكم. PageV12P8106 # قال مجاهد: يوكل بكل إنسان ملكين، ملكا عن يمينه يكتب الخير، وملكا عن ~~شماله يكتب الشر. # - وقوله: {يعلمون ما تفعلون}. # أي: يعلم هؤلاء الحفظة ما تفعلون من خير وشر [فيحصونه] عليكم. # قال أبو عبد الرحمن السلم]: إن الملك يأتي أحدكم كل غدوة بصيحفة بيضاء، ~~فإذا صلى الغدوة [فليمل] فيها خيرا، فإذا طلعت الشمس فليقم لحاجته، فإذا ~~صلى العصر فليمل فيها خيرا. فإنه أملى في أول [صحيفته] وآخرها PageV12P8107 # خيرا (كان) عسى أن يكفر ما بينهما. # - ثم قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم}. # أي: إن الذين بروا بأداء فرائض الله واجتناب محارمه لفي نعيم الجنان يوم ~~القيامة. # وقيل: إنما سموا أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء. # - ثم (قال) تعالى: {وإن الفجار لفي جحيم} {يصلونها يوم (الدين)}. # أتى بلفظ التأنيث في {يصلونها} حملا على تأنيث النار، أي: يصلى الفجار PageV12P8108 # الجحيم يوما يدان فيه العباد (بأعمالهم. # وقال ابن عباس: " {يوم الدين}) من أسماء يوم القيامة، [عظمه] الله وحذره ~~عباده ". # - ثم قال تعالى: {وما هم عنها بغآئبين}. # أي: وما هؤلاء الفجار عن الجحيم بخارجين أبدا [فغائبين] عنها، [لكنهم] ~~مخلدون فيها أبدا. # - ثم قال تعالى: {ومآ أدراك ما يوم الدين * ثم مآ أدراك (ما يوم الدين)}. # أي: وما أشعرك يا محمد، أي شيء يوم الدين!، ثم كرره معظما له محذرا (منه) ~~عباده. # وقيل: إن هذا ليس بتكرير. ومعناه: وما أدراك، يا محمد، ما في يوم الدين ~~من PageV12P8109 # العذاب للفجار!، وما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار!. # ثم فسر بعض شأن ذلك القيوم فقال: # - {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. . .}. # أي: ذلك اليوم يوم لا تملك فيه نفس لنفس نفعا ولا ضرا. ومن رفع {يوم لا ~~تملك} جعله بدلا مما قبله، أي على إضمار مبتدأ، أي: [هو يوم ms2799 لا تملك]. # واختار الفراء والكسائي [الرفيع فيه] لأنه مضاف إلى مستقبل، ولو كان ~~مضافا إلى ماض لآثروا الفتح، فهو عندهم في الاختيار معرب إذا أضيف إلى PageV12P8110 # معرب، ومبني إذا أضيف إلى مبني. # ويجوز في المستقبل من البناء على الفتح مثل ما جاز في الماضي. ومن فتح ~~{يوم لا تملك} فعلى الظرف، أي: [الدين] في يوم تملك. # ولا يجوز عند الخليل وسيبويه: أن يكون مبنيا وهو [مضاف] إلى معرب، إنما ~~يجوز ذلك إذا أضيف إلى ماض. # وأجاز الفراء أن يكون مبنيا وإن كان مضافا إلى معرب، وأن يكون منصوبا ~~معربا، وأن يكون مبنيا - في موضع نصب على الظرف، وفي موضع رفع على إضمار ~~مبتدأ. # - ثم قال تعالى: {والأمر يومئذ لله}. # أي: والأمر كله - يوم الدين - لله (أي)، ليس لأحد من خلقه أمر ولا نهي ~~يومئذ. PageV12P8111 # ومن رفع {يوم لا تملك} على البدل من {يوم} مرفوع قبله أو فتحه - وهو في ~~موضع رفع على البدل منه أيضا - أو نصبه على البدل من {يصلونها (يوم ~~الدين)}، لم يبتدئ به. ومن رفعه على إضمار مبتدأ أو نصبه على إضمار فعل ~~بمعنى: اذكر يوم لا تملك، أو فتحه وهو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أبتدأ ~~به. PageV12P8112 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ويل للمطففين مكية # - قوله تعالى: {ويل للمطففين}، إلى قوله: {ليوم عظيم}. # أي: قبوح للمخسرين في كيلهم، الناقصين (الناس) إذا اكتالوا لهم أو وزنوا ~~لهم. # وقيل: {ويل} معناه: الوادي [الذي] في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها ~~للذين ينقصون الناس ويبخسونهم حقوقهم في كيلهم ووزنهم. PageV12P8113 # قال ابن مسعود: ويل: (واد) في جهنم. # والمطففون: الناقصون. وأصل ذلك في الشيء الطفيف وهو القليل، التزر. # والمطفف في اللغة: المقلل حق صاحب الحق عما له من الوفاء في كيل أو وزن. # وحكى القتبي: " إناء [طفان] إذا لم يكن ممتلأ ". # وطفف فلان صلاته: إذا لم يجودها. # ويقال للشيء المطرح: طفيف. PageV12P8114 # و [قيل]: معنى {ويل للمطففين} و {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات: 15] عند ~~سيبويه أنه دعاء يجري بين الناس، فخوطب العباد ms2800 بما يجري [بينهم]، وجاء ~~القرآن على لغتهم، فكأنه تعالى قال: هؤلاء ممن يجب هذا القول لهم، لأن هذا ~~الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة. وروي عن ابن عباس أنه قال: لما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان أهلها من أخبث الناس كيلا، فأنزل ~~الله: {ويل للمطففين} فأحسنوا الكيل. # وهذا الخبر يدل على أن السورة نزلت بالمدينة. # - وقوله تعالى: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون}. # أي: إذا اكتالوا من الناس ما لهم عليهم من حق استوفوا لأنفسهم وافيا. PageV12P8115 # و {على} بمعنى " من " - في هذ - عند الطبري. # وقيل: إن معنى الكلام ب " على " خلاف معناه ب " من " يقال: اكتلت عليك، ~~بمعنى: أخذت ما عليك من حق. واكتلت منك، بمعنى: استوفيت/ منك. # - ثم قال تعالى: {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون}. # أي: وإذا [كالوا] للناس أو وزنوا لهم ينقصون، ف " هم " في موضع نصب، على ~~هذا يقال: كلتك حقك، وكلت لك حقك. وهو قول أكثر النحويين. ودل على ذلك أن ~~الخط لا ألف فيه بين الضميرين. وقال عيسى بن عمر: الهاء والميم في موضع رفع ~~فيهما، وتقديره عنده: وهم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون. # وقيل: " هم " في موضع رفع تأكيد للمضمر [المرفوع] في PageV12P8116 # " كالوا " أو " وزنوا ". # - ثم قال تعالى: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم}. # أي: ألا يظن المطففون أنهم مبعوثون ليوم القيامة من قبورهم فيجازون على ~~تطفيفهم وبخسهم الناس حقوقهم. # روي أنها نزلت في رجل من قريش كان بالمدينة معه صاعان: واف يقبض به، ~~وناقص يعطي به، ثم هي عامة في كل من نقس الكيل إذا دفع وأوفى إذا قبض. # - قوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين}، إلى قوله: {كنتم به ~~تكذبون}. # أي: يبعثون يوم يقوم. # ويجوز [أن يكون] بدلا من {ليوم عظيم} على الموضع. PageV12P8117 # وقال الفراء: هو مبني على الفتح، ولا يحسن عند البصريين بناؤه مع إضافته ~~إلى معرب، إنما يناؤه إذا أضيف إلى مبني. المعنى: يوم يقوم الناس على ~~أقدامهم لرب العالمين. # روي أن الناس يقومون يوم القيامة ms2801 حتى يلجمهم العرق، فيقومون مقدار أربعين ~~عاما. # وقيل: مقدار ثلاثمائة عام. # وروى ابن عمر [عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقدم أحدكم في ~~رشحه إلى أنصاف أذنيه " وروى أبو هريرة] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لبشير الغفاري: " كيف أنت صانع PageV12P8118 # في يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا لا ~~يأتيهم خبر من السماء ولا يأمر فيهم بأمر؟ فقال بشير: الله المستعان يا ~~رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أويت إلى فراشك، فتعوذ ~~بالله من كرب (يوم) القيامة وسوء الحساب ". # وعن ابن عمر أنه قال: " يقومون مائة سنة ". # وقال ابن مسعود: يمكثون أربعين عاما رافعي رؤوسهم إلى السماء، لا يكلمهم ~~أحد، قد ألجم العرق كل بر وفاجر. قال: [فينادي] مناد: أليس عدلا من ربكم ~~أنه خلقكم ثم صوركم (ثم رزقكم) ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد PageV12P8119 # منكم ما تولى في الدنيا؟! فيقولون: بلى "، ثم ذلك الحديث. # وقال كعب: يقومون قدر ثلاثمائة سنة. # وروى عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تدنو الشمس يوم ~~القيامة من الأرض، فمن الناس من يعرق إلى كعبيه، ومنهم من يعرق إلى ركبتيه، ~~ومنهم من يعرق إلى عجزه، ومنهم من يعرق إلى خاصرته، ومنهم من يعرق إلى ~~منكبيه، ومنهم من يعرق إلى عنقه، ومنهم من يعرق إلى نصف فمه ملحما به، ~~ومنهم من بيشمله] العرق " قال عمير [بن] هانئ: يحشر الناس يوم القيامة على ~~أرض قد مدها [الله] تبارك وتعالى مد الأديم العكاظي، فهم من ضيق مقامهم ~~فيها كضيق سهام PageV12P8120 # اجتمعت في كنانتها. قال: فالسعيد يومئذ من وجد لقدمه مقاما. قال: وأكثر ~~الأقدام يومئذ بعضها على بعض. قال: فهم فيها مجتمعون ينفذهم البصر ويسمعهم ~~الداعي. فبينما هم كذلك، إذا سمعوا زفرة من زفير جهنم، فلا يبقى مالك مقرب، ~~ولا نبي مرسل إلا خر لركبيته، حتى إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليقول: ~~(نفسي)، (رب) نفسي، لا أسألك غيرها. فلا يبقى عند ms2802 تلك الزفرة دمعة إلا جرت، ~~ثم يسمعون زفرة أخرى فلا يبقى دم في عين إلا جرى، ثم يسمعون زفرة أخرى فلا ~~يبقى قيح إلا PageV12P8121 # سال يتبع بعضه بعضا، ويمد بعضه بعضا حتى يسيل إلى واد يقال (له سائل، ~~فيفرغ في جهنم، فذلك قوله): # {سأل سآئل بعذاب واقع} [المعارج: 1]. # - ثم قال تعالى: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين}. # من جعل {كلا} وقفا، كان تقديره: ليس الأمر كما يظن هؤلاء الكفار أنهم غير ~~مبعوثين، إن كتابهم الذي كتبت فيه أعمالهم في الدنيا لفي سجين. # ومن لم يره وقفا، جعل {كلا} بمعنى " ألا "، افتتاح كلام. # و {سجين}: الأرض السفلى، فيه أعمال الكفار وأرواحهم. # وروي أن إبليس موثق بالحديد والسلاسل في الأرض السفلى. (وسأل ابن عباس ~~كعبا عن {سجين}، فقال/: هي الأرض السابعة السفلى)، فيها أرواح الكفار تحت ~~خد إبليس. PageV12P8122 # وروي أنه قال (له): إن أرواح الكفار يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء ~~أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فيهبط، فتدخل ~~تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج [لها] من سجين ~~من تحت خد إبليس [رق] فترقهم وتختم وتوضع تحت خد إبليس. # وقال ابن جبير: {لفي سجين}: " تحت خد إبليس ". # وقال ابن أبي نجيح: {سجين} صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب [فتجعل] تحتها. # وقال ابن عباس: " أعمالهم في كتاب في الأرض السفلى ". # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الفلق جب في جهنم ~~مغطى. وأما {سجين}، فمفتوح ". يعني أنه جب مفتوح. PageV12P8123 # وقيل: {سجين} من السجل، والنون مبدلة من اللام. # وقال أبو عبيد: {لفي سجين}: لفي حبس. وهو فعيل من السجن. # وقيل: {سجين}: هي الصخرة التي تحت الأرض السفلى وهو صفة، وليس باسم ~~الصخرة، ولو كان اسما لها لم تنصرف. # وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن العبد ~~(الكافر - أو) الفاجر - إذا مات صعدوا بروحه إلى السماء، فيقول الله - جل ~~ذكره -: اكتبوا كتابه في سجين. وهي الأرض السفلى ms2803 ". PageV12P8124 # وعن كعب (أيضا) أنه قال: في التوراة أن سجينا شجرة سوداء تحت الأرضين ~~السبع، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تلقى أنفس الكفار عندها. # - ثم قال تعالى: {ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم}. # أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما سجين؟! على التعظيم لأمره. ثم بين فقال: ~~{كتاب مرقوم}. أي: مكتوب فيه عمل الكفار. # قال قتادة: مرقوم: مكتوب رقم لهم فيه بشر. # - ثم (قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين}. # قد تقدم تفسيره في مواضع). # - ثم قال: {الذين يكذبون بيوم الدين}. # أي: لا يؤمنون بالجزاء والبعث والنشور. # - {وما يكذب به}. PageV12P8125 # أي: بالبعث، {إلا كل معتد. # . .} أي: كل من تعدى حدود الله. {أثيم} أي: مأثوم في فعله. # {إذا تتلى عليه آياتنا. . .}. أي: حججنا وأدلتنا. # {قال أساطير الأولين. . .}. أي: قال: هذه أخبار الأولين وأحاديثهم وما ~~كتب عنهم وسطر. # - ثم قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}. # {كلا} عند أبي حاتم لا يوقف عليها. وهي بمعنى " ألا " [و] بمعنى " حقا ". # ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر على ما قال هؤلاء المكذبون ~~بيوم الدين: إن آياتنا أساطير الأولين. # ثم ابتدأ فأخبر عنهم ما نزل بهم حين كفروا بالبعث فقال: {بل ران على ~~قلوبهم ما PageV12P8126 # كانوا يكسبون}، أي: (بل) ران على قلوبهم إثم ذنوبهم وكفرهم حتى غطاها، ~~فلا يبصرون الصواب من الخطأ. # يقال: رانت الخمر على عقله: إذا غلبت (عليه). وغانت بمعناه. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا أذنب العبد ~~نكت (في) قلبه نكتة سوداء، فإن (تاب) صقل منها، فإن عاد عادت حتى تعظم في ~~قلبه. فذلك قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} ". # وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت. PageV12P8127 # قال مجاهد: القلب مثل الكف. فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهد أصبعا - قال: ~~فإذا أذنب انقبض - وقبض مجاهد أصبعا آخر - ثم كذلك حتى ينقبض كله - وقبض ~~مجاهد أصابعه على الكف - قال: ثم يطبع عليه. فكانوا يرون أن ذلك هو الرين. ~~قال ms2804 قتادة: هو " الذنب على الذنب حتى يرين على القلب فيسود ". # قال ابن زيد: {بل ران}، أي: غلبت على قلوبهم ذنوبهم، فلا يخلص إليها معها ~~خير. # - ثم قال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}. # " كلا " عند أبي حاتم بمعنى " ألا ". ولا يوقف عليها. # ويوقف عليها عند غيره، على معنى: ليس الأمر كما يقول هؤلاء المكذبون بيوم ~~الدين: إن لهم عند الله زلفة يوم القيامة لكنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، ~~فلا يرونه ولا يرون شيئا من كرامته. PageV12P8128 # وقول أبي حاتم أبين في [هذا الموضع] من " كلا "، لأن هذا التقدير ليس هو ~~في ظاهر الكلام، ولا في الكلام ما يدل عليه. ففيه تعسف. [ودل لاله ~~المؤمنين، بهذه الآية، أنهم لا يحجبون عن ربهم وعن النظر إليه. # قال مالك رحمه الله: في هذا دليل على أن ثم قوما لا يحجبون عن الله ~~وينظرون إليه/. # وبه استدل الشافعي على النظر إلى الله عز وجل يوم القيامة. وقد قدره ~~منكرو النظر إلى الله على معنى أنهم عن كرامة ربهم لمحجوبون. PageV12P8129 # وهذا لا يجوز عند أحد من النحويين، ولو جاز هذا لجاز: " جاءني زيد "، ~~تريد غلام زيد أو كرامة زيد. # وفي جواز هذا نقض كلام العرب كله. ولا يجوز إخراج الكلام عن ظاهره إلا ~~لضرورة تدعو إلى ذلك مع امتناع جوازه على ظاهره. فإذا امتنعك جواز الكلام ~~على ظاهره، جاز الإضمار الذي يسوغ معه جواز الكلام. ولا ضرورة تدعو إلى ~~أضمار هنا على مذهب أهل السنة. # قال الحسن: يكشف (الحجاب) فينظر إليه المؤمنون دون الكافرين، ثم يحجب ~~الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية. PageV12P8130 # - ثم قال تعالى: {(ثم) إنهم لصالوا الجحيم}. # أي: لوارده مع [حجبهم] عن النظر إلى الله. # - {ثم [يقال] هذا الذي كنتم به تكذبون}. # أي: يقال لهم: هذا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا. # - قوله: {كلا إن كتاب الأبرار. . .}، إلى قوله: {يشرب بها المقربون}. # أي: ألا إن كتاب الأبرار، أي: كتاب أعمالهم لفي عليين. # والأبرار: الذين بروا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه. ms2805 # وقيل: هم المؤمنون الذي بروا الآباء والأبناء. # وقال الحسن: " [هم الذين] لا يؤذون شيئا حتى الذر ". وسأل ابن PageV12P8131 # عباس كعبا عن {عليين} فقال: " هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين ~~". # وروي (عنه أنه قال (له: إن) أرواح المؤمنين إذا قبضت صعد بها ففتحت لها ~~أبواب السماء وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم عرجوا معها حتى ينتهوا إلى ~~العرش فيخرح لها من عند العرش رق [فيرقم] ويختم بمعرفتها النجاة يوم ~~القيامة، ويشهدها الملائكة المقربون. # وقال قتادة ومجاعج: هي " السماء السابعة ". # وقيل: السماء الرابعة، اسمها عليون، وفيها أعمال المؤمنين وأرواحهم. PageV12P8132 # وقال الضحاك: {لفي عليين} أي: " لفي السماء عند الله ". # وقال قتادة أيضا: {لفي عليين}: " فوق السماء السابعة [عند قائمة] العرش ~~اليمنى ". # وعن ابن عباس: {لفي عليين} لفي " الجنة ". # وروى الأجلح عن الضحاك أنه قال: إذا قبض روح العبد المؤمن عرج به إلى ~~السماء الدنيا، فينطلق معه المقربون إلى السماء الثانية. قال الأجلح: ~~(قلت): وما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء [الثانية. قال: فينطلق معه ~~(المقربون) إلى السماء] الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم ~~السابعة حتى ينتهى به إلى سدرة المنتهى. قال الأجلح: قلت للضحاك: لم سميت ~~سدرة المنتهى؟. . . قال: لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر الله، PageV12P8133 # [لا يعدوها]. [قال]: فيقولون: [يا رب]، عند فلان. وهو أعلم به منهم، ~~فيبعث الله جل ذكره إليه بصك مختوم بأمنه من العذاب، فذلك قوله: {كلا إن ~~كتاب الأبرار لفي عليين * ومآ أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده ~~المقربون}. # وعن ابن عباس: أيضا: {لفي عليين} لفي السماء عند الله وهو قول الفراء {} ~~وهي الرواية الأولى عن الضحاك. # وإنما أعرب {عليون} بإعراب الجمع (لأنه) لا واحد له، فأشبه " عشرين ". ~~ومعناه: من علو إلى علو، أي: من سماء إلى سماء، (إلى) السابعة. # وقيل: إن {عليين} (من صفة الملائكة)، فلذلك جمع بالواو والنون. PageV12P8134 # والتقدير عند الطبري: {لفي عليين} أي: في علو وارتفاع، في سماء فوق سماء، ~~وعلو فوق علو إلى السماء السابعة، أو إلى سدرة المنتهى أو إلى قائمة العرش، ~~على ms2806 الاختلاف المتقدم. # - وقوله: {ومآ أدراك ما عليون}. # أي: وأي شيء أدراك يا محمد ما عليون؟! يعجب نبيه صلى الله عليه وسلم من ~~عليين، ثم بينه فقال: # - {كتاب مرقوم}. # أي: مكتوب [بأمان الله للأبرار من العذاب يوم القيامة والفوز بالجنة. # - وقوله: {يشهده المقربون}. # أي: يشهد ذلك الكتاب المكتوب] بأمان الله للبر من عباده من النار PageV12P8135 # والفوز بالجنة المقربون من ملائكة كل سماء. # قال [ابن عباس]: المقربون. أهل كل سماء. وقاله الضحاك. # - ثم قال: {إن الأبرار لفي نعيم}. # [أي]: يتمتعون في الجنان {على الأرآئك ينظرون}. # أي: [السرر] في الحجال من اللؤلؤ والياقوت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من ~~الكرامة. # روى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " (على الأرائك متكئون) ~~[ينظرون] إلى أعدائهم في النار ". PageV12P8136 # قال مجاهد: {على الأرآئك ينظرون}: " من اللؤلؤ والياقوت/ ". # - ثم قال: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم}. # أي: حسن النعيم وبريقه. # - ثم قال تعالى: {يسقون من رحيق مختوم}. # أي: من خمر [صرف لا] غش فيها. # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الرحيق: الخمر. وهو قول الحسن، [و] ~~قاله ابن مسعود. # وقال أهل اللغة: الرحيق [صفو] الخمر. # وقال أبو عبيدة: (الرحيق): الخالص من الشراب. # وقال ابن مسعود: مختوم: أي مخلوط. PageV12P8137 # - {ختامه مسك. . .}. # أي: خلطه مسك. # وقال علمقة: " طعمه وريحه مسك ". # وقال ابن عباس: {ختامه مسك} أي: تختم الخمر بالمسك، آخر: شرابهم مسك. # قال ابن عباس: طيب الله عز وجل ( مقدم) شرابهم، كان آخر شيء جعل فيه مسكا ~~ختامه بالمسك. # وقال قتادة: آخره مسك، عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم لهم ~~بالمسك. # قال الضحاك: " طيب الله لهم الخمر فوجدوا في آخر شيء منها ريح المسك ". PageV12P8138 # وقال أبو الدرداء: هو شراب مثل الفضة يختمون به شرابهم لو أن رجلا من أهل ~~الجنة أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها إلى الدنيا لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها؟ # وعن مجاهد أن معناه أنه مختوم (مطين) بخاتم من مسك، وقال ابن زيد. # وهذا إنما يكون على قراءة الكسائي، لأنه قد قرأ: ms2807 (خاتمه مسك). # والقراءة الأولى [معناها]: آخره مسك. وهو اختيار الطبري. قال: PageV12P8139 # لأنه لا وجه للختم إلا الطبع أو الفراغ، ولا معنى للطبع على شراب أهل ~~الجنة، (إذ شرابهم) جار جري المياه في الأنهار ولم يكن معتقا في الدنان ~~فيطبق عليه، فلا يصح معناه إلا في الفراغ. فالمعنى: آخره مسك، كما تقول ~~ختمت القرآن، أي: بلغت آخره. # وقراءة الكسائي (تروى) عن علي بن أبي طالب رضي [الله] عنه. والختام: مصدر ~~" ختم يختم ختما وختامأ "، " والخاتم " الاسم. # - ثم قال تعالى: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}. # أي: وفي ما تقدم وصفه من النعيم فلتنافس المتنافسون، مأخوذ من الشيء ~~النفيس، وهو العالي الشريف الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. PageV12P8140 # والمعنى: وفي ذلك فليجد في طلبه المجدون، ولتحرص عليه نفوسهم. # - ثم قال تعالى: {ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون}. # أي: ومزاج هذا الرحيق - وهو الخمر التي آخرها مسك - {من تسنيم} أي: من ~~علو ينزل عليهم. # تسنيم: تفعيل، من قول القائل: سنمتهم العين تسنيما، إذا أجريتها عليهم من ~~فوقهم. ويقال: سمنت الماء أسنمه تسنيما، إذا أخرجته من موضع عال. # وقبر مسنم، أي: مرتفع. ومنه سنام البعير، وهو اسم لمذكر وهو الماء. ولذلك ~~انصرف. # وقال ابن زيد: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، فهي مزاج هذا PageV12P8141 # الخمر. # وقال الضحاك: " هو شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب ". وعنه أنه قال: ~~{تسنيم}: عين تتسنم من أعلى الجنة، ليس في الجنة عين أشرف منها. # فأما انتصاب " عين "، ففيه أقوال: # قال الأخفش: هي منصوبة [ب " يسقون "] عينا، (أي): ما [عين]. # وقال المبرد: نصبها على إضمار أعني. # وقال الفراء: تقديره: من تسنيم عين، فلما نونت " تسنيما " [نصبت] عينا، ~~يقدر نصبه نصب المفعول بمنزلة {يتيما ذا مقربة} [البلد: 15]. وقيل: نصبه ~~على الحال، لأن PageV12P8142 # " تسنيما " اسم للماء، معرفة. و " عين ": نكرة. ومعنى " عين ": جار، كأنه ~~قال: من الماء العالي جاريا، فهي في موضع الحال. # قوله تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا (من الذين آمنوا يضحكون)} إلى آخر ~~السورة. # أي: إن الذين اكتسبوا ms2808 المآثم في الدنيا وكفروا بالله كانوا يضحكون في ~~الدنيا من المؤمنين استهزاء بهم. # (قال قتادة: كانوا يقولون في الدنيا: والله إن هؤلاء لكذبة وما هم/ على ~~شيء، استهزاء بهم). # - ثم قال تعالى: {وإذا مروا بهم يتغامزون}. # أي: وإذا مروا بالمؤمنين غمز بعضهم بعضا استهزاء بالمؤمنين. # - ثم قال تعالى: {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين}. PageV12P8143 # أي: (وإذا) انقلب المجرمون إلى أهلهم من مجالسهم انقلبوا ناعمين معجبين. # قال ابن عباس: {فكهين}: " معجبين ". # وقال ابن زيد: انقلبوا ناعمين، ثم أعقبهم الله النار في الآخرة. # ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وأصحابه. # وحكى أبو عبيد عن أبي زيد أن العرب تقول: رجل فكه أي: ضحوك طيب النفس. # - ثم قال تعالى: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون}. PageV12P8144 # أي: وإذ رأى المجرمون المؤمنين قالوا: إن هؤلاء الضالون عن محجة الحق. # - ثم قال تعالى: {ومآ أرسلوا عليهم حافظين}. # أي: وما بعث هؤلاء المجرمون القائلون للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون حافظين ~~عليهم أعمالهم رقباء عليهم: إنما كلفوا أنفسهم ليؤمنوا بالله [ورسوله] ~~وكتابه [وليعلموا] بطاعة ربهم. # - ثم قال تعالى: {فاليوم الذين (آمنوا) من الكفار يضحكون}. # أي: فيوم القيامة يضحك المؤمنون من الكفار على سررهم في الحجال ينظرون. # (وقال ابن عباس: يفتح في السور الذي بين الجنة والنار أبواب، فينظر ~~المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون) كيف يعذبون، فيضحكون ~~منهم، فيكون ذلك مما أقر الله به أعينهم كيف ينتقم الله منهم. PageV12P8145 # وروى قتادة عن كعب أنه قال: ذكر لنا أن بين الجنة والنار كواء، إذا أراد ~~المؤمنون أن [ينظروا] إلى عدو لهم كانوا في الدنيا، [طلعوا] من بعض تلك ~~الكواء [قال الله عز] {فاطلع فرآه في سوآء الجحيم} [الصافات: 55]، أي: في ~~وسط النار، ذكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي. # قال سفيان: [يجاء بالكفار] حتى [ينظروا] إلى أهل الجنة في الجنة على سرر، ~~فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب (ويضحك) أهل الجنة منهم، فهو قول ~~الله تعالى ذكره: # - {فاليوم الذين آمنوا ms2809 من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون}. PageV12P8146 # - ثم قال تعالى: {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون}. # (أي: هل جوزي الكفار ثواب ما كانوا يفعلون) في الدنيا بالمؤمنين من ~~سخريتهم بهم وضحكهم بهم. # قال مجاهد: الأرائك لؤلؤ وزبرجد؟ # وقوله: {ينظرون} تمام، المعنى ينظرون إلى الكفار وليس ينظرون [{هل ثوب ~~الكفار}] أو لم يجاوزوا. ومعنى {ثوب}: جوزي. PageV12P8147 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة إذا السماء انشقت مكية # - قوله تعالى: {إذا السمآء انشقت} إلى قوله: {(إلى أهله) مسرورا}. # أي: إذا السماء تصدعت وتقطعت فكانت أبوابا. # قال الفراء: تنشق بالغمام. # - وقوله: {وأذنت لربها وحقت}. # أي: وسمعت السماء (في) تصديعها وتشققها لربها فأطاعت له. والعرب تقول: ~~إذنت إلى هذا الأمر آذن، بمعنى: استمعت. ومنه الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه PageV12P8149 # قال: " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " يعني: ما استمع الله ~~لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. # وقال ابن عباس: {وأذنت لربها} أي: " سمعت لربها ". وهو قول مجاهد وقتادة ~~الضحاك وسفيان. PageV12P8150 # وقوله: {وحقت}، أي: وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. # قال ابن عباس: {وحقت}، أي: وحقت بطاعة بها. # وقال ابن جبير: {وحقت} أي: ويحق لها أن تسمع وتطيع. # وقاله أبو عبيدة. # - ثم قال تعالى: {وإذا الأرض مدت}. # أي: بسطت فريد في سعتها. # وروى الزهري عن علي بن حسين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " إذا كان يوم PageV12P8151 # القيامة مد الله - جل ثناءه - الأرض مد الأديم فلا يكون لبشر من بني آدم ~~فيها إلا موضع قدمه. . . ". # - ثم قال تعالى: {وألقت ما فيها (وتخلت)}. # أي: (وألقت الأرض) ما فيها من الموتى علق ظهرها وتخلت منهم (إلى الله جل) ~~ذكره. # قال مجاهد: {(وألقت) ما فيها وتخلت}، أي: أخرجت ما فيها من الموتى ". # وقال قتادة: " أخرجت (أثقالها) وما فيها ". PageV12P8152 # - ثم قال تعالى: {وأذنت لربها وحقت}. # أي: وسمعت الأرض أمر بها في إلقائها ما في بطنها من الموتى على ظهرها ~~وحققها الله للاستماع. # وقيل: معناه وحق لها أن تسمع أمره. # واختلف في جواب {إذا} والعامل ms2810 فيها. # فقال الأخفش: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت. ~~فيكون العامل في {إذا} على قوله فملاقيه. # وقيل: التقدير: اذكر يا محمد إذ السماء انشقت. # وقيل: الجواب: {يا أيها الإنسان}، على إضمار الفاء: كما تقول: إذا كان ~~كذا وكذا، في أيها الإنسان ترى ما عملت من خير وشر. # وقيل: جواب {إذا} الأولى والثانية: {فأما من أوتي كتابه بيمينه}. # وقيل: التقدير: إنك كادح إلى ربك كدحا إذا السماء انشقت. وهذا لا يجوز ~~لأن الكدح: العمل، فمحال أن يعمل في وقت انشقاق السماء/. PageV12P8153 # وقيل: الجواب: {وأذنت لربها}، و [الواو] زائدة، أي: إذا السماء انشقت، ~~(أذنت لربها. # وقيل: الجواب محذوف. والتقدير: إذا السماء انشقت)، رأيت الثواب والعقاب. # وقال المبرد: التقدير: إذا السماء انقشت، فمأ من أوتي كتابه بيمينه. # - ثم قال تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}. # أي: إنك عامل إلى ربك عملا في دنياك، فأنت ملاقيه خيرا كان أو شرا، PageV12P8154 # فليكن عملك ما ينجيك من عقابه ويوجب لك ثوابه. # قال قتادة: " إن كدحك لك يا ابن آدم [لضعيف]، فمن استطاع أن يكون كدحه في ~~طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله ". [قال] ابن عباس وابن زيد وغيرهما: ~~كادح: عامل. # والوقف في أول هذه السورة على مقدار ما تقدم من جواب {إذا} والعامل فيها، ~~فلا تقف على ما قبل الجواب ولا ما قبل العامل. وقد ذكر الاختلاف في ذلك. # - قال تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا}. # أي: من أعطي كتاب عمله [يومئذ] بيمينه ينظر في عمله فيغفر له PageV12P8155 # [سيئه]، ويجازى على حسنه. # قالت عائشة رضي الله عنها: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم ~~حاسبني حسابا يسيرا، فقلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسير؟ قال: (أن ينظر ~~في سيئاته فيتجاوز عنه، إنه من نوقش الحساب يومئذ هلك ". # وروى ابن (أبي) مليكة عن عائشة أيضا أنها قالت: " قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: [ إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبا، قالت: ms2811 يا رسول ~~الله]، يقول الله جل وعز: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا}. قال: ذلك العرض، إنه ~~من نوقش الحساب عذب ". PageV12P8156 # قال ابن زيد: الحساب اليسير: الذي تغفر ذنوبه وتتقبل حسناته وتيسير ~~الحساب الذي يعفى عنه، وقرأ: {ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21]، وقرأ: ~~{أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم} [الأحقاف: 16]. # والمحاسبة بين العبد و (بين) ربه إنما هي إقرار العبد بما أحصاه كتاب ~~عمله. # وروى ابن وهب " أن عائشة رضي الله عنها قالت: " يا نبي (الله)، كيف ~~{حسابا يسيرا}؟ قال: يعطى العبد كتابه بيمينه فيقرأ سيئاته ويقرأ الناس ~~حسناته، ثم تحول صحيفه فيحول الله سيئاته حسنات، فيقرأ حسناته ويقرأ الناس ~~سيئاته حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد سيئة. قال: فيعرف بعمله ~~ويغفر له، PageV12P8157 # فذلك قوله تعالى: {يبدل الله [سيئاتهم] حسنات} ". # - وقوله: {وينقلب إلى أهله مسرورا}. # أي: وينصرف بعد محاسبته حسابا يسيرا إلى أهله في الجنة مسرورا بما أعد ~~الله له وما نجاه منه. # وروي أن أول من يأخذ كتاب بيمينه أو بسلمة بن عبد [الأسد]، وهو ألو من ~~يدخل الجنة من هذه الأمة، وهو أول من هاجر من مكة إلى المدينة. # - قوله تعالى: {وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره}، إلى آخرة السورة. # (أي): وأما من أعطى كتاب عمله وراء ظهره. وذلك أن تغل يده اليمنى PageV12P8158 # إلى عنقه وتجعل الشمال من يديه وراء ظهره فيتناول كتابه بشماله من وراء ~~ظهره. فلذلك وصفهم بأنهم يؤتون كتابهم بشمالهم وأنهم يؤتونها من وراء ~~ظهورهم. قال مجاهد: " تجعل يده من وراء ظهره ". # روي أنه يعني بن الأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة هو أول من يأخذ كتابه ~~بشماله. # روي أنه يمد يده ليأخذه بيمينه [فيجتذبه] ملك فيخلع يده فيأخذه بشماله من ~~وراء ظهره. ثم هي عامة في أمثالها. # - ثم قال تعالى: {فسوف يدعوا ثبورا}. PageV12P8159 # أي: ينادي بالهلاك (ويقول) (وا) ثبوراه، و " ياويلاه ". تقول لعرب دعا ~~فلان لهفه: إذا إذا قال والهفاه. # قال الضحاك: {يدعوا ثبورا}، أي: " يدعوا بالهلاك ". # - ثم قال تعالى: {ويصلى ms2812 سعيرا}. # من شدده فمعناه [ويصليهم] الله النار تصلية بعد تصلية [وإنضاجه بعد ~~إنضاجه] كما قال: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56]. # ومن خفف، فمعناه أنه صلونها ويردونها [فيحترقون] فيها. # - ثم قال تعالى: {إنه كان في أهله مسرورا}. PageV12P8160 # أي: إنه كان في الدنيا مسرورا بما هو فيه من خلافه أمر الله وكفره به. # - ثم قال تعالى: {إنه ظن أن لن (يحور * بلى). . .}. # (أي): إنه ظن [أنه] لن يرجع بعد الموت ولا يبعث، فركب المعاصي وتمادى على ~~الكفر إذ يرجو ثوابا لا يخاف عقابا. # - ثم قال: {بلى} أي: بلى يبعث/ ويرجع إلى ربه [ويجازى] على عمله. # {إن ربه كان به بصيرا}. # أي: إن ربه لم يزل بصيرا بما يأتي من أعماله قبل خلقه إياه وبعد خلقه. # يقال: حار فلان عن كذا، أي: رجع عنه ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان PageV12P8161 # يقول في دعائه: " اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكون " (اي): من ~~الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان. # وقيل: معناه: من النقصان بعد الزيادة. # - ثم قال: {فلا أقسم بالشفق}. # لا زائدة مؤكدة. والمعنى فأقسم برب الشفق. # والشفق الحمرة في الأفق من ناحية المغرب من الشمس بعد غروب الشمس. PageV12P8162 # وقال مجاهد: " الشفق: النهار كله ". # وقيل: الشفق اسم للحمرة والبياض اللذين يكونان في السماء بعد غروب الشمس، ~~وهو من الأضداد. # والشفق الذي تحل بزواله صلاة العتمة هو الحمرة عند أكثر العلماء، وهو ~~اختيار الطبري. # والعرب تقول: ثوب مشفق: إذا (كان مصبوغا) بحمرة. ثم عطف على القسم فقال: # {والليل وما وسق}. # أكثر المفسرين على أن معنى {وما وسق}: وما جمع وما آوى وما ستر. PageV12P8163 # ومن [يقال]: طعام مسوق: وهو المجموع في غرائر أو وعاء. ومنه الوسق وهو ~~الطعام المجتمع الكثير مما يكال أو يوزن. # ويقال: هو ستون صاعا، وبه (جاء الأثر) عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وعن مجاهد: {وما وسق} " وما لف ". # وعنه: " وما جمع. . . ". # وعنه: " وما أظلم عليه، وما دخل فيه ". PageV12P8164 # وقال عكرمة: (وما وسق) " وما [ساق] من ظلمة ms2813 ". # وهو قول الضحاك: # - ثم قال تعالى: {والقمر إذا اتسق}. # قال ابن عباس: {اتسق}: استوىى واجتمع. وقاله عكرمة. # وقال الحسن: {إذا اتسق} إذا كاجتمع وامتلأ. # وقال ابن جبير: {إذا اتسق} ذلك لثلاث عشرة. # وقال قتادة: {إذا اتسق}. إذا استدار. # - ثم قال تعالى: {لتركبن طبقا عن طبق}. # هذا جواب القسم. والمعنى - على قراءة من ضم الباء - {لتركبن} أيها PageV12P8165 # الناس حالا بعد حال. والإنسان المتقدم ذكره بمعنى الناس، لأنه اسم للجنس، ~~فعليه يعود الضمير في {لتركبن} لأنه قد تقدم ذكرهم في قوله: {فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه} وشماله، وتأخر أيضا ذكره في قوله: {فما لهم لا يؤمنون}، فلا ~~يصرف الخبر عنهم في {لتركبن} إلى غيرهمه إلا بدليل. # وقال ابن زيد: معناه: {لتركبن} أيها الناس الآخرة بعد الأولى. فأما من ~~فتح الباء، فإنه جعله مصروفا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # والمعن: لتركبن - يا محمد - سماء بعد سماء، وهو قول الحسن وأبي العالية ~~والشعبي. # وقيل: التقدير لتركبن - يا محمد - الأمور بتغيرها حالا بعد حال. PageV12P8166 # [وقيل: المعنى لتركبن الأمور حالا بعد حال فتكون الأمور فاعلة، [والتاء ~~لتأنيث] الجمع وهو قول مجاهد]. # وقيل: المعنى: لتركبن السماء في تشققها وتلونها حالا بعد [حال]، فيكون ~~الفعل للسماء. وهو قول ابن مسعود. وقال: مرة كالدهان ومرة تشقق. # وكان ابن عباس يقرأ بفتح الباء (ويقول: يعني نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~يقول: حالا بد حال. # وقال ابن زيد: معنى ذلك: لتركبن يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: ~~القراءة بفتح الباء) على مخاطبة الإنسان على اللفظ، أي: لتركبن أيها ~~الإنسان حالا بعد حال، من مرض وصحة وشباب وهرم. # وقيل: ذلك في يوم القيامة. # فتكون على هذا القراءتان [ترجعان] إلى معنى، إلا أن إحداهما حملت على PageV12P8167 # المعنى فأتت بلفظ الجمع، والأخرى حملت على اللفظ فجاءت بلفظ التوحيد. # وحكى الفراء أنه يقال: وقع في بنات طبق، إذا وقع في أمر شديد. ويقال: مضى ~~طبق من الناس ومضت طبقة وجاءت طبقة. # سموا طبقا لأنهم يطبقون الأرض. # وقد روي عن بعضهم [أنه] قرأ بالياء ms2814 وضم الباء على الإخبار عن الناس أنهم ~~سيركبون حالا بعد حال من الشدائد الأهوال. # - ثم قال تعالى: {فما لهم لا يؤمنون * وإذا قرىء عليهم القرآن لا ~~يسجدون}. # أي: فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؟! # وقد أقسم لهم ربهم أنهم راكبون حالا بعد حال من شدائد القيامة وأهوالها. # {وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون}: لا يخضعون ولا يستكينون. # - ثم قال تعالى: {بل الذين كفروا يكذبون}. # أي: يكذبون بآيات (الله)، فلذلك ينكرون البعث. # - {والله أعلم بما يوعون}. PageV12P8168 # أي: والله أعلم بما توعيه قلوب هؤلاء المشركين من التكذيب بآيات الله. # وقال مجاهد: {بما يوعون} بما يكتمون في صدورهمه. # قال الرياشي: يقال أوعى الشيء: إذا كتمه. # وحكى أهل اللغة: أوعيت المتاع في الوعاء، أي: جمعته. فالمعنى على هذا: ~~والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من التكذيب، والإثم. # - ثم قال تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم}. # أي: الذي يقوم لهم مقام البشرى، عذاب أليم أي: موجع. # والبشارة تكون بالخير والشر. فإذا أفردت كان خيرا. # يقال: بشرته وبشرته خفيفا. PageV12P8169 # وقيل: إن البشارة لا تكون إلا للخير/ فإن وقعت اللشر فهو مجاز، على معنى: ~~الذي يقوم مقام البشارة كذا وكذا. # - ثم قال تعالى: {إلا الذينءامنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون}. # أي: إلا الذين تابوا منهم وصدقوا بكتاب الله ورسوله وعلموا الأعمال ~~الصحالة لهم عند الله ثواب منقوص. # قال ابن عباس: {غير ممنون}، أي: " غير منقوص ". # وقال مجاهد: " غير محسوب ". # وقيل: معناه: لهم أجر لا يمن عليهم به فيكدر. PageV12P8170 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البروج مكية # قوله تعالى: {والسمآء ذات البروج} إلى آخرها. # أي: ورب السماء ذات القصور. قاله ابن عباس. # قال الضحاك: البروج " [يزعمون] أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب ~~". # قال مجاهد: " البروج: النجوم ". وهو قول قتادة. وقيل: المعنى: ذات الرمل ~~والماء. واختار الطبري أن يكون المعنى: ذات المنازل الشمس والقمر، على قول ~~مجاهد أن البروج - وهي اثنا عشر برجا - يسير القمر في كل برج (منها يومين ~~وثلثا، فذلك ثمان وعشرون منزلة، ثم يستقر ليلتين ms2815 وثلثا، وتسير الشمس في كل ~~برج) [شهرا]. PageV12P8171 # وجواب القسم محذوف. # وقيل: الجواب {قتل أصحاب الأخدود} على تقدير حذف اللام، أي: لقتل أصحاب ~~الأخدود. # وقيل: الجواب: {إن بطش ربك لشديد} وهو قول قتادة. # وقيل: الجواب: {إن الذين فتنوا المؤمنين}. # ثم قال تعالى: {واليوم الموعود} يعني يوم القيامة، وعد الله به عباده ~~لفصل القضاء بينهم روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقاله علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وأبو هريرة وقتادة وغيرهم. # ثم قال تعالى ذكره: {وشاهد ومشهود} قال أبو هريرة: " الشاهد يوم الجمعة، ~~والمشهود: يوم عرفة ". وقاله الحسن، وروي (ذلك) عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه PageV12P8172 # وابن عباس، وقاله قتادة وابن المسيب وابن زيد. # وعن ابن عباس أيضا: أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: {وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] والمشهود ": يوم القيامة، لقوله تعالى: ~~{وذلك يوم مشهود} [هود: 103] أي: يشهده الأولون والآخرون لفصل القضاء ~~بينهم. وهو قول عكرمة، وقاله الحسن بن علي أيضا. # وقال مجاهد: " الشاهد الإنسان، والمشهود: يوم القيامة ". فالإنسان لا بد ~~أن يشهد يوم القيامة، ويوم القيامة مشهود لبني آدم، فتكون الشهادة على هذا ~~القول [بمعنى] الحضور. وقد روي مثل ذلك عن الضحاك. وعن عكرمة أيضا و (عن) ~~ابن عباس أن الشاهد: الله جل ذكره، لقوله تعالى: {ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون} [يونس: 46] والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: {وذلك يوم مشهود} ~~[هود: 103]. PageV12P8173 # وقال إبراهيم: الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. وعن ابن عباس أيضا. ~~رواه عنه مجاهد " أن الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة ". # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال): " أكثر علي ~~[الصلاة] يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة " وقيل: الشاهد: محمد، ~~والمشهود: الذين يشهد عليهم محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: {قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود} أي: لعن أهلك ~~أصحاب الأخدود، أخبرنا الله جل ذكره أنه أهلكهم ولعنهم. PageV12P8174 # ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنهم كانوا أهل كتاب، وكانت الخمر ms2816 ~~أحلت لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى [ثمل]، فتناول أخته، [زاد عبد بن حميد: ~~أو ابنته، وذكر القصة، وفيها: فإذا ذهب هذا في الناس بأسره خطبتهم فحرمته ~~عليهم]، فوقع عليها، فلما زال عنه السكر ندم، فقال: لأخته: ويحك، ما المخرج ~~مما ابتليت به؟ فقال: اخطب الناس فقل: يا أيها الناس، [إن الله] قد أحل ~~نكاح الأخوات. # ففعل، [فتبرأ] الناس منه ومن قوله، وقالوا: ما جاءنا به نبي ولا وجدناه ~~في كتاب! # فرجع إلى أخته نادما فقال لها: ويحك! إن الناس قد أبو علي أن يقروا بذلك، ~~فقالت [ابسط] عليه السياط، ففعل، فأبوا أن [يقروا] له، فرجع إليها فقالت: ~~(اخطبهم، فإن أبو فجرد فيهم السيف، ففعل فأبوا)، فرجع إليها فقالت: PageV12P8175 # خد لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقر وإلا فقذفه في لنار. ~~ففعل، فمن لم يقروا [له] بتحليل الأخوات قذفه في النار، فلم يزالوا من ذلك ~~الوقت يستحلون الأخوات والبنات والأمهات. # /وبقايا [أصحاب] الأخدود الآن مجوس يعبدون النار. ولذلك قال بعض العلماء ~~فيه [أن يسن فيهم] سنة أهل الكتاب. # وقوله: {النار} خفض على البدل من الأخدود، وهو بدل الاشتمال. # وقيل: هو خفض على الجوار، وذلك بعيد. # وفيه تقديران إذا جعلته بدلا. # أحدهما: أن التقدير: النار ذات الوقود نارها. والآخر: النار التي فيها. PageV12P8176 # والأخدود: حفير [مستطيل] كالخندق. يروى أنه كان بموضع يقال له [نجران]، ~~أحرق فيه قوم مؤمنون، أحرقهم مالك من ملوك حمير مشرك، وكان ذلك قبل مولد ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة. # وروى قتادة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: هم ناس كانوا بمدارع ~~اليمن اقتتل مؤمنوها وكافروها، فظهر مؤمنوها على [كافريها]، ثم اقتتلوا ~~الثانية فظهر كافروها على مؤمنيها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهودا ومواثيق ألا ~~يغدر بعضهم (بعضا)، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أخذا، ثم إن رجلا من المؤمنين ~~قال لهم: هل لكم إلى خير؟ توقدون [نارا]، (ثم) تعرضوننا عليها، فمن تابعكم ~~على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار [فاسترحتم] منه. ms2817 PageV12P8177 # قال: [فأججوا] نارا، وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها ضنا بدينهم حتى بقيت ~~عجوز منهم كأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها: يا أمه، امضي ولا تنافقي، ~~فقص الله جل ذكره نبأهم وخبرهم. # وقال ابن عباس: هم ناس من بني إسرائيل، خدوا أخدودا في الأرض ثم أوقدوا ~~فيه نارا ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء ثم عرضوا عليها، وزعموا ~~أنه دانيال واصحابه وكذلك قال الضحاك، إلا أنه قال: فقالوا للرجال والنساء: ~~تكفرون أو نقذفكم في النار (قال). # [ويزعمون] أنه دانيال وأصحابه. PageV12P8178 # وروى صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنه كان في من كان قبلكم ~~ملك، وكان له ساحر، فأتى الساحل الملك فقال: قد كبرت سني ودنا أجلي، فادفع ~~إلي غلاما أعلمه السحر. فدفع إليه غلاما يعلمه السحر، فكان الغلام يختلف ~~إلى الساحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب. # قال: فكان الغلام إذا مر بالراهب قعد إليه فيسمع كلامه، فأعجب بكلامه، ~~فكان إذا أتى الساحر ضربه الساحر وقال: ما حبسك؟. # وإذا أتى الغلام (إلى) أهله قعد عن الراهب يسمع كلامه، فإذا أتى أهله ~~ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إذا قال لك ~~الساحر ما حبسك؟ فقل: حبسني أهلي، وإذا قال لك أهلك: ما حبسك؟ فقل: حبسني ~~الساحر. # فينما هو كذلك، إذ مر في طريق، وإذا دابة عظيمة في الطريق وقد حبست الناس ~~لا تدعهم يجوزون، فقال الغلام: الآن أعلم، أمر الساحر أرضى عند الله أم أمر ~~الراهب؟ قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر PageV12P8179 # الساحر فإني أرمي بهذا الحجر هذا ويمر الناس. قال: فرماها، فقلتها وجاز ~~الناس فبلغ ذلك الراهب، وأتاه الغلام، فقال الراهب للغلام: إنك خير مني، ~~وإن ابتليت فلا تدلن علي. # [قال]: وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء. (قال: وكان للملك ~~جليس فعمي، قال: فقيل له: إن هاهنا غلاما يبرئ الأكمه والأبرص وسائر ~~الآذاء) فلو أتيته؟ قال: فاتخذ له هدايا، ثم أتاه فقال: يا غلام، إن ms2818 ~~أبرأتني فهذه الهدايا كلها ذلك. # فقال: ما أنا أشفيك، ولكن الله يشفي، فإن آمنت دعوت الله أن يشفيك، قال: ~~فآمن الأعمى، فدعا الغلام الله - جل ذكره - فشفاه، فقعد إلى الملك [كما كان ~~يقعد]، فقال له الملك: أليس كنت أعمى؟! فقال نعم، قال: فمن شفاك؟ مقال: ~~ربي. قال: ولك رب غيري؟! قال نعم، ربي وربك الله. قال: فأخذه بالعذاب. ~~وقال: [لتدلني] على من علمك هذا. # قال: [فدل] على الغلام، قال: فدعا الغلام فقال: /ارجع عن دينك. فأبى ~~الغلام، قال: فأخذه بالعذاب، قال: فدل على الراهب، فأخذ الراهب بالعذاب، ~~وقال PageV12P8180 # له/ ارجع عن دينك. فأبى، قال: فوضع المنشار على هامته حتى بلغ (إلى ~~الأرض، ثم قال للغلام: لترجعن أو لأقتلنك. فقال اذهبوا به حتى تبلغوه ذورة ~~الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا [دهدهوه]. فلبما بلغ ذورة الجبل قال الغلام: ~~اللهم اكفينهم. فرجف بهم الجبل فوقعوا فماتوا كلهم. وجاء الغلام يتلمس حتى ~~دخل على الملك فقال: أين أصحابك؟! قال: كفانيهم الله جل ثناؤه. فقال: ~~اذهبوا به فاحملوه في قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا ~~فغرقوه. قال: فذهبوا، فلما توسطوا البحر قال الغلام: اللهم فاكفينهم. ~~فانقلبت بهم السفينة فغرقوا، وجاء الغلام [يتلمس] حتى دخل على الملك، فقال ~~الملك: أين أصحابك؟ قال: دعوت الله فكفانيهم. قال: لأقتلنك. قال: ما أنت ~~بقاتلي حتى تصنع ما آمرك. قال: وما أصنع. قال: اجمع الناس في صعيد واحد ثم ~~أصلبني، ثم خذ سهما من كنانتي فارمني وقل: باسم رب الغلام، فإنك ستقتلني. # قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد، قال: وصلب الغلام وأخذ سهما من ~~كنانته فوضعه في كبد القوس ثم رمى به، وقال: باسم رب الغلام. [قال]: فوقع ~~السهم في صدغ الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه ومات، فقال الناس: آمنا برب ~~الغلام، فقيل للملك: ما صنعت؟! الذي كنت تحذر قد وقع، قد آمن الناس PageV12P8181 # برب الغلام، فأمر الملك بأفواه الطرق والسكك فأخذت، وخد الأخدود وضرب فيه ~~النيران وأخذهم وقال: [ارجعوا وإلا ألقيتكم] في النار. ms2819 فكانوا يلقونهم في ~~النار. قال: فجاءت امرأة معها صبي لها. قال: فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار ~~فنكصت. # اقل: فقال لها صبيها: يا أمه، أمض، فإنك على الحق. فاقتحمت في النار ". # وقال الربيع بن أنس: كان أصحاب الأخدود قوما مؤمنين اعتزلوا الناس في ~~الفترة، وإن جبارا من عبدة الأوثان أرسل إليهم يعرض عليهم الدخول في دينه ~~أو يلقيهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، ~~فألقوا في النار، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق بأن ~~قبض (الله) أرواحهم قبل أن تمسهم النار. قال: وخرجت النار إلى من على شفير ~~الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قوله: {ولهم عذاب الحريق} أي: لهم عذاب ~~جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا، وهي (النار) التي خرجت إليهم ~~من الأخدود فأحرتقهم. # وقوله: {ذات الوقود}. # أي: ذات الحطب الجزل، فإن [ضممت] الواو فمعناه ذات التوقد. والأخدود " ~~الحفرة تحفر في الأرض. # وقوله: {إذ هم عليها قعود}. # أي: [إذا الكفار] على النار قعود لحرق المؤمنين، يعني: على حافة الأخدود ~~الذي فيه النار. # وقال قتادة: {إذ هم عليها قعود}. # يعني بذلك المؤمنين. # ثم قال تعالى: {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود}. # يعني: الكفار. حضور يعرضون المؤمنين على الكفر فمن رجع إليه، وإلا PageV12P8182 # القوه في النار. # ثم قال تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}. # أي: وما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين ما فعلوا من حرقهم إياهم بالنار إلا ~~من أجل أنهم آمنوا بالله الشديد في انتقامه من أعدائه، المحمود عند عباده ~~بإحسانه إليهم. # {الذي له ملك السماوات والأرض}. # أي: سلطان ذلك كله. # {والله على كل شيء شهيد}. # أي: والله شهيد على ما فعل هؤلاء الكفار بالمؤمنين وعلى غير ذلك من ~~أفعالهم وأفعال جميع الخلق، فمجازيهم على ما عملوا. # ثم قال تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا}. # أي: حرقوهم بالنار وعذبوهم ثم لم يتوبوا من كفرهم وفعلهم، فلهم عذاب جهنم ~~في الآخرة، ولهم عذاب الحريق PageV12P8183 # في الدنيا. # هذا ms2820 قول الربيع بن أنس. PageV12P8184 # قال محمد بن إسحاق: احترقوا في الدنيا. # وكذلك قال أبو العالية. # {فلهم عذاب جهنم} يعني: في الآخرة، واحترقوا في الدنيا بعذاب الحريق. # ثم قال تعالى: # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك ~~الفوز الكبير}. # أي: إن الذين أقروا بتوحيد الله وعملوا الأعمال الصالحات وهم الذين حرقهم ~~أصحاب الأخدود وغيرهم من سائر أهل التوحيد لهم بساتين في الآخرة تجري من ~~تحت أشجارها الأنهار من الماء/ والخمر، واللبن والعسل. PageV12P8185 # {ذلك الفوز الكبير} [أي]: ذلك الذي أعطي هؤلاء هو الظفر الكبير بما طلبوا ~~بإيمانهم بالله في الدنيا وطاعتهم له. # ثم قال تعالى: {إن بطش ربك لشديد}. # أي: إن أخذ ربك يا محمد من أخذ من أعدائه وانتقامه منهم لتشديد. وهو ~~تحذير من الله لعباده أن يحل بهم من نقمة على كفرهم وتعذبهم مثل الذي حل ~~بأصحاب الأخدود. # ثم قال تعالى: {إنه هو يبدىء ويعيد}. # أي: هو ابتدأ الخلق أول مرة، وهو يعيدهم بعد مماتهم للبث والجزاء. وهذا ~~معنى قول الضحاك وابن زيد. وقال ابن عباس: معناه: إنه هو يبدئ العذاب ثم ~~يعيده. (وهو اختيار الطبري)، أي: يبدئ العذاب لأهل الكفر في الدنيا، (وهو ~~عذاب الحريق - ثم يعيده) عليهم في الآخرة - وهو عذاب جهنم. # ثم قال تعالى: {وهو الغفور الودود}. # أي: وهو الغفور لمن تاب من كفره وذنوبه. {الودود} أي: ذو المحبة. PageV12P8186 # وعن ابن عباس أنه قال: {الودود}: " الحبيب ". # وقال ابن زيد: {الودود}: " الرحيم ". # ثم قال تعالى: {ذو العرش المجيد}. وقال ابن عباس: {المجيد}: " الكريم ". # ثم قال تعالى: {فعال لما يريد}. # أي: يفعل ما يشاء، فيوقف من شاء للتوبة فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بأن ~~[يحول] بينه وبين التوفيق فيموت على كفره. # ثم قال تعالى: {هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود}. # أي: هل جاءك يا محمد حديث الجنود الذين تجندوا على الله ورسوله بأذاهم ~~ومكروههم؟ أي: قد أتاك ذلك وعلمته. فاصبر لأذى قومك كما صبر من كان قبلك من ~~الرسل الذي تجند قومهم عليهم. ms2821 # ثم بين الجنود من هم فقال: {فرعون وثمود} أي: قوم فرعون وتباعه، وثمود. PageV12P8187 # ثم قال تعالى: {بل الذين كفروا في تكذيب}. # أي: بل الذين كفروا من قومك في تكذيب بوعيد الله ووحيه {والله من ورآئهم ~~محيط} أي: محيط باعمالهم محصيا عليهم حتى يجازيهم عليها. # ثم قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ}. # أي: بل ما يقول هؤلاء إنه شعر وسحر [وكهانة]، قرآن مجيد محفوظ من أن ~~يغير، في لوح. # قال ابن جبير: مجيد " كريم " وقاله قتادة. # قال مجاهد: {في لوح محفوظ} قال: " في أم الكتاب ". # ومن رفع {محفوظ}، جعله نعتا للقرآن، بمعنى أنه محفوظ أن يغيره أحد بزيادة ~~أو نقص. ودل على ذلك قوله: {وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]. ومن خفض، جعله ~~نعتا PageV12P8188 # للوح، أي: القرآن في لوح عند الله محفوظ، وهو اللوح المحفوظ. # كما قال تعالى مجاهد: هو أم الكتاب. # وقال قتادة: {في لوح محفوظ} " عند الله ". # وقال أنس بن مالك: " إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله في جبهة إسرافيل ". # وقرأ محمد اليماني: بل هو قرآن مجيد، بالإضافة على معنى: بل هو قرآ، رب ~~مجيد. # قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ من درة بيضاء، دفتاه [ياقوتة] PageV12P8189 # حمراء قلمه نور، وكتابه نور، ينظر إليه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يحيي ~~في كل نظرة ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، لا إلا اله إلا هو. PageV12P8190 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة والسماء و الطارق مكية # قوله تعالى: {والسمآء والطارق} إلى آخرها. # هذا (قسم) أقسم ربنا تعالى بما شاء، وتقديره: ورب السماء والطارق. ثم بين ~~الطارق فقال: {ومآ أدراك ما الطارق * النجم الثاقب} أي: النجم المضيء، ~~يقال: طرقنا فلان: إذا أتى بليل. # قال ابن عباس: معناه: " والسماء وما يطرق فيها ". # قال قتادة: " يطرق بالليل ويخفى بالنهار ". PageV12P8191 # قال ابن زيد: العرب تسمي الثريا النجم. # وحكى الفراء: ثقب [النجم] إذا ارتفع. وقال: هو زحل. ويقال: ثقب الطائر ~~إذا ارتفع وعلا. # قال مجاهد: {الثاقب}: الذي يتوهج. # ثم قال تعالى: {إن كل نفس لما عليها ms2822 حافظ}. # من خفف [لما]، فتقديره: إن كل نفس لعليها حافظ، " فما " زائدة مؤكدة، " ~~وإن " مخففة من [الثقيلة]. ومن شدد [لما] جعلها بمعنى " إلا " لغة في هذيل، ~~و {إن} بمعنى " ما ". # والمعنى: ما كل نفس نفس إلا عليها حافظ من ربها يحفظ عملها [و] يحصي PageV12P8192 # عليها ما تكسب من خير وشر. # قال ابن عبس: معناه: كل نفس عليها حفيظ من الملائكة. # وقال قتادة: " حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا ابن آدم قبضت ~~إلى ربك. # وقال الفراء: كل نفس عليها حافظ يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى ~~المقدور. # ثم قال تعالى: {فلينظر/ الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق}. # أي: فلينظر الإنسان المكذب بالبعث بعد الموت، المنكر قدرة الله على ذلك ~~من أي شيء خلق. # {خلق من مآء دافق} أي: مدفوق. فيعلم أن من خلقه من ماء فصوره وسواه ~~[بشرا]، (وهو) قادر أن يعيده بشرا بعد موته، وذل أهون وأيسر فيما تعقلون ~~بينكم. قال الكسائي والفراء: أهل الحجاز أفعل الناس لهذا: يأتون بفاعل ~~بمعنى مفعول إذا كان نعتا، يقولون: سر كاتم وماء دافق، أي: مكتوم ومدفوق. ~~وهذا PageV12P8193 # عند البصريين لا يقاس عليه، وإنما يأتي في مالا يكشل. ولا يجوز رجل ~~[ضارب] بمعنى مضروب، لأن فيه بطلان الكلام كله وفساد المعاني. # وقوله: {يخرج من بين الصلب والترآئب}. # أي: يخرج الإنسان من بين صلب الرجل وترائب المرأة. وواحد الترائب: تريبة. ~~ومعنى الكلام: [منهما]. # وقرأ عيسى بن عمر: " (بين) الصلب " بضمتين. # وقال إبراهيم بن عرفة: الترائب في اللغة: ضلوع الصدر، واحدها تريبة. # قال ابن عباس: الترائب: موضع القلادة من صدر المرأة. # وسئل عكرمة عن الترائب فقال: " هذا ووضع يده على صدره بين ثدييه " وعن ~~ابن عباس: أنها " بين ثديي المرأة ". PageV12P8194 # وقال ابن جبير: {والترآئب} [الصدر]. وقاله ابن زيد. # وقال مجاهد: {والترآئب}: " ما بين المنكبين والصدر ". # وعنه أيضا: أن الترائب " أسفل من التراقي ". # وقال سفيان: الصلب: صلب الرجل، والترائب: ترائب المرأة فوق الثديين. ~~فالضمير في {يخرج} على هذا الأقوال للإنسان. # وعن قتادة أنه " يخرج ms2823 من بين صلب الرجل ونحره ". # وعن ابن عباس أن الترائب أطراف الرجل: اليدان والرجلان والعينان. وقاله ~~الضحاك. # وعن ابن جبير أيضا أن الترائب أضلاع الرجل التي أسفل الصلب. # وقيل: الترائب عصارة القلب، ومنه يكون الولد. PageV12P8195 # فالضمير في {يخرج} على هذه الأقوال الثانية يعود على الماء. # والمعروف في كلام العرب أن الترائب موضع القلادة من المرأة حيث تقع عليه ~~من صدرها. # ثم قال تعالى: {إنه على رجعه لقادر * يوم تبلى السرآئر} أي: إن الله ~~[على] رده هذا الإنسان المنكر للبعث (بعد الموت) بعد موته لقادر في يوم ~~تختبر السرائر. # فالهاء في {رجعه} للإنسان. هذا قول قتادة، وهو اختيار الطبري: لأن بعده: ~~{يوم تبلى السرآئر} أي: على رده حيا في هذا اليوم الذي تختبر فيه سرائر ~~الخلق فيكشف المستور منها. # وهذا التأويل فيه بعد في العربية، لأن العامل على هذا التقدير في {يوم} ~~{رجعه} فهو داخل في صلته. # وقد فرق بين الصلة والموصول بخبر (إن)، وهو {لقادر}. وذلك لا PageV12P8196 # يحسن. ولكن يكون المعنى على ما قال قتادة، ويكون العامل في {يوم تبلى} ~~{ناصر} أي: فما للإنسان من قورة يرد عن نفسه بها ولا ناصر ينصره في يوم ~~تبلى السرائر. # وقال الضحاك: المعنى (أن الله) على رد الإنسان ماء كما خلقه من ماء لقادر ~~فالهاء في {رجعه} أيضا للإنسان. # وقال مجاهد وعكرمة: المعنى أن الله على رد الماء في الإحليل لقادر. # فالهاء في {رجعه} للماء، وهو معنى قول ابن زيد. # وعن الضحاك أيضا أن معناه أن الله على رد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ~~ومن الشباب إلى الكبر، ومن الصبا إلى النطفة، لقادر. فالهاء في {رجعه} ~~للإنسان. # وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ائتمن الله خلقه ~~على أربع: على الصلاة والزكاة والصيام والغسل من الجنابة، وهي السرائر التي ~~يختبرها الله يوم القيامة ". PageV12P8197 # قال عطاء في قوله: {يوم تبلى السرآئر} قال: ذلك الصوم والصلاة وغسل ~~الجنابة. يقول في الدنيا إذا شاء: قد صمت، ولم يصم، وقد صليت، ولم يصل، ms2824 وقد ~~اغتسلت ولم يغتسل. # وقال قتادة: " إن هذه السرائر مختبرة، فأسروا خيرا وأعلنوه [إن استطعتم]، ~~ولا قولاة إلا بالله ". # وقوله: {فما له من قوة ولا ناصر}. # أي: فما للإنسان الكافر بيوم تبلى السرائر من قوة يمتنع بها من عذاب ~~الله، ولا ناصر ينصره (فيستنقذه من العذاب، وقد كان في الدنيا يرجع إلى قوة ~~من عشيرة يمتنع بها ممن أراده بسوء، وناصر ينصره) مما ظلمه، هذا معنى قول ~~قتادة ومعمر. # ثم قال تعالى: {والسمآء ذات الرجع}. # أي: ورب السماء ذات المطر، أي: ترجع بالغيوث وأرزاق العباد كل عام، PageV12P8198 # ورب الأرض ذات الصدع، أي: ذات الصدع بالنبات. # قال ابن عباس: {ذات الرجع}: " السحاب في المطر ". # وقال الحسن: " ترجع بأرزاق الناس كل عام ". وقاله قتادة. # وقال مجاهد: {ذات الرجع}: " السحاب يمطر ثم يرجع بالمطر ". # وقال ابن زيد: {ذات الرجع}: شمسها وقمرها ونجومها، يأتين من هاهنا. ~~والرجع: تجمع على " رجعان " سماعا على غير قياس، وقياسه [أرجع] (ورجوع). # قال ابن عباس: {ذات الصدع} أي: " ذات النبات ". # وقال قتادة: تنصدع عن النبات. # وقال ابن زيد: {ذات الصدع} أي: ذات الانشقاق للنبات. PageV12P8199 # ثم قرأ: {ثم شققنا الأرض شقا} [عبس: 26] الآية. وقال أيضا: صدعها: الحرق. # ثم قال تعالى: {إنه لقول فصل}. # هذا جواب القسم، أي: إن هذا القول أو الخبر الذي تقدم ذكره لقول ذو فصل، ~~أي: يفصل بين الحق والباطل ببيانه. # وقيل: الجواب: {إن كل نفس}، لأن " إن " بمعنى " ماء "، وهو حسن، وهو أقرب ~~من غيره إلى القسم، فهو أليق به. # وقيل: الجواب: {إنه على رجعه}. # وقال ابن عباس: {لقول فصل} أي: " لقول حق ". # وقال قتادة: {فصل}: حكم. PageV12P8200 # ثم قال تعالى: {وما هو بالهزل}. # أي: وما هو بالعبث ولا الباطل ولا اللعب. # ثم قال تعالى: {إنهم يكيدون كيدا}. # أي: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله ووعده ووعيده يمكرون مكرا، وأمكر ~~مكرا، أي: أجازيهم على مكرهم. فسمى الجزاء مكرا لأنه جزاء المكر، فسمي باسم ~~ما هو مجازاة عنه وإن لم يكن مثله، كما قال تعالى: {وجزآء سيئة سيئة مثلها} ms2825 ~~[الشورى: 40]، فسمي جاء السيئة سيئة إذ هي جزاء لها وإن لم يكن الجزاء ~~سيئة، ومكره - تعالى ذكره - بهم: إملاؤه لهم واستدراجه إياهم. والمعنى: ~~أنهم يكيدون النبي وأصحابه كيدا، وأجازيهم على كيدهم جزاء. # ثم قال تعالى: {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا}. # أي: فلا تعجل يا محمد على الكافرين بالعقاب، أمهلهم قليلا حتى يأتي وقت ~~حلول النقمة بهم. قال ابن عباس: الرويد: القريب. # وقال قتادة: " الرويد: القليل ". # قال ابن زيد: معناه: أمهلهم ولا تعجل عليهم، تركهم حتى إذا أراد الانتصار ~~منهم أمره بحربهم وقتالهم والغلظة عليهم فأهلكهم ببدر بالسيف. PageV12P8201 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأعلى مكية # قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى} إلى آخرها. # أي: عظيم يا محمد اسم ربك. وقيل: معناه عظم ربك الأعلى. وكان بعضهم إذا ~~قرأ ذلك قال: سبحان ربي الأعلى. وقد رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وكذلك روى السدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # وقيل معناه: نزه يا محمد اسم ربك أن تسمي به شيئا سواه كما فعل المشركون ~~من تسميتهم آلهتهم باللات والعزى، جعلوا العزى مشتقة من العزيز واللات من ~~الله. PageV12P8203 # وقيل: معناه: نزهه عما يقول فيه المشركون كما قال: {ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} [الأنعام: 108]. # وقيل: معناه: نزه - يا محمد - تسميتك ربك الأعلى، وذكرك إياه أن تذكره ~~إلا وأنت خاضع متذلل. قالوا: فالاسم هنا موضوع في موضع التسمية، فوضع الاسم ~~مكان المصدر. # وقيل: معناه: [صل] بذكر الأعلى، أي: صل [وأنت له ذاكر]. # وقيل: معناه صل يا محمد لربك. # وقيل: معناه: عظم اسم ربك ونزهه على أن تنسبه إلى ما نسبه إليه المشركون. PageV12P8204 # وهذا مما يدل على أن الاسم هو المسمى، لأن معناه: سبح الله. وليس يجوز " ~~سبحان " اسم الله، ولا سبحان اسم الرب، فدل على أن معنى {سبح اسم ربك} سبح ~~ربك. # وقوله: {الأعلى}. # أي: القاهر لك شيء، العالي عليهز # قال عقبة بن عامر: " لما نزلت: {سبح اسم ربك الأعلى} قال لنا رسول ms2826 الله ~~صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في سجودكم ". ولما نزلت: {فسبح باسم ربك ~~العظيم} [الحاقة: 52] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إجعلوها في ~~ركوعكم ". # قال الفراء: " سبح اسم ربك " وسبح باسم ربك "، كل صواب. كأنه جعله مما ~~يتعدى بحرف وبغير حرف، ككتلك وكلت لك. ولا يحسن أن تقدره مما يتعدى بحرف ثم ~~حذفه، إذ لا يجوز: مررت زيدا (على مررت بزيد) إلا في شعر شاذ. وهذا مما ~~يتسدل به على أن الاسم هو المسمى، لأنه تعالى لم يأمر نبيه أن يعبد (ويسبح) ~~ويصلي لغيره. PageV12P8205 # فمعنى: {سبح اسم ربك}: [سبح ربك]، فالاسم هو المسمى، ولو كان غيره لكانت ~~العبادة لغير الرب [سبحانه]، والتسبيح لغيره # -[جلت عظمته]- # وليس يريد بالاسم هاهنا التسمية، لأنه لا اختلاف [في] أن التسمية غير/ ~~المسمى، وهذا باب يحتاج إلى بيان وشرح. # ثم قال تعالى: {الذي خلق فسوى}. # أي: خلق الأشياء كلها، فسوى خلقها وعدلها. والتسوية التعديل. # ثم قال: {والذي قدر فهدى}. # أي: قدر خلقه فهدى الإنسان لسبيل الخير والشر، وهدى البهائم للمراعي. # قال مجاهد: " هدى الإنسان للشقوة والسعادة، وهدى الأنعام [لمراتعها]. # وقيل: معناه: هدى الذكر لإتيان الأنثى. PageV12P8206 # وقيل: معناه: فهدى وأضل، ثم حذف لدلالة الكلام عليه، ومن شدد {قدر}، جعله ~~من التقدير، فمعناه: قدر خلقه كل مخلوق، [وهداه] إلى مصلحته. ودليله: {وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2]. فأما من خففه، فإنه جعله من القدرة ~~والملك، (فمعناه): الذي أحاطت قدرته [بكل] شيء فهدى وأضل. # ويجوز أن يكون من التقدير مثل الأول، كما قال: {يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر} [الرعد: 26]. # ثم قال: {والذي أخرج المرعى}. # أي: الذبات. # {فجعله غثآء أحوى}. # أي: فجعله يبسا أسود بعد أن كان ناعما أخضر. " فأحوى " بمعنى: (أسود)، ~~وهو نعت للغثاء. # وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. " وأحوى " بمعنى: أخضر. والتقدير: أخرج PageV12P8207 # المرعى أحوى، أي: أخضر، فجعله غثاء، أي: يبسا. فيكون " أحوى " [بمعنى: ~~أخضر، (وهو [حال] من المرعى. وفي هذا تكلف لغير ضرورة تدعو إليه). # قال ابن عباس: {غثآء أحوى}، أي: " هشيما متغيرا ". # وقيل: معناه: ms2827 غثاء، أي: يبسا تنسفه الرياح فيجري به السيل [فصار] غثاء ~~للسيول بعد حضرته وغضارته، هذا معنى قول مجاهد وابن زيد. # وقال (أبو) عبيدة: {غثآء أحوى}، أي: [هيجه] حتى يبس فجعله PageV12P8208 # أسود من احتراقه {غثآء} أي: هشيما. # ثم قال تعالى: {سنقرئك فلا تنسى}. # أي: سنقرئك - يا محمد - القرآن [فلست] تنساه إلا ما شاء الله أن تنساه. # قال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ~~ينسى فأعلمه الله أنه ليس ينسى. # وقوله: {إلا ما شآء الله} هو ما أراد الله نسخه فينسيه نبيه فيرفع حكمه ~~وتلاوته، وذلك ما أنزله تعالى على نبيه للصلاح في وقت، وتقدم في علمه [أنه] ~~سينسيه إياه في وقت [آخر]. # وقيل: معنى الآية: سنقرئك - يا محمد - فلا تترك العمل بشيء منه إلا ما ~~شاء الله أن تترك العمل به (مما) ننسخه [فنأمرك] بتركه فتتركه. " ولا " في PageV12P8209 # القولين جميعا [نفي] وليست للنهي. # وقال الفراء: فلست تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه، ولا يشاء أن ينسى منه ~~شيئا. ومثله عنده: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} [هود: 107]، وليس ~~يشاء غير الخلود لهم. # وقيل: معنى الآية: إلا ما شاء الله مما يلحق الآدميين. # وقيل: إلا ما شاء الله أن يرفع حكمه ولا يرفع تلاوته. وقيل: المعنى: ~~فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله أن يناله بنو آدم والبهائم، وينتفعوا فإنه ~~لا يصير غثاء أحوى. # ثم قال: {إنه يعلم الجهر وما يخفى}. # أي: إنه يعلم ما أظهرته من عملك وما أخفيته، أي: يعلم السر والعلانية. ~~وهذا خطاب للنبي، وأمته داخلة في ما خوطب به. # ثم قال تعالى: {ونيسرك لليسرى}. PageV12P8210 # أي: وسنسهلك (يا محمد) لعمل الخير، وهو اليسرى، والمعنى للحال اليسرى، ~~وهو فعلى، من [اليسر]. # ثم قال تعالى: {فذكر إن نفعت الذكرى}. # أي: ذكر إن نفعت ذكراك وإن لم تنفع، حذف لدلالة الكلام عليه، مثل: {قدر ~~فهدى} ومثله: {سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم} [النحل: 81]. # وقيل: المعنى أن الذكرى تنفع بكل حال. والتقدير: فذكر إن كنت تفعل ms2828 ما ~~أمرت به. # وقال الطبري: معناه: فذكر عباد الله - يا محمد - عظمته وعظهم، وحذرهم ~~عقوبته، إن الذكرى لا تنفع الذين [آيستك] من إيمانهم. # ثم قال تعالى: {سيذكر من يخشى}. # أي: سيذكر يا محمد من يخشى الله ويخاف عقابه. PageV12P8211 # {ويتجنبها الأشقى}؟ # أي: ويتجنب الذكرى (الأشقى) يعني أشقى الفريقين من المؤمين والمشركين ثم ~~نعته، فقال: # {الذى يصلى النار الكبرى}. # وهم الذين لم تنفعهم الذكرى وتجنبوها. # قال قتادة: قوله {سيذكر من يخشى}: إنه والله ما خشي عبد قط الله إلا ~~ذكره. ولا والله لا يسكت عبد عند الذكرى زهدا فيها وبغضا لأهلها إلا شقي ~~بين الشقاء. والنار الكبرى: نار جهنم، هي كبرى عند نار الدنيا من شدة حرها ~~وألمها. # وقال الفراء: النار الكبرى: " السفلى من أطباق النار ". # وقوله: {ثم لا يموت فيها ولا يحيا}. # روي أن نفس أحدهم تصير في حلقه فلا تخرج فتفارقه [فيموت] ولا/ ترجع إلى ~~موضعها من الجسم فيحيا. PageV12P8212 # وقيل: معناه: لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه. وقيل: أريد به ~~شدة الأمر. والعرب تقول [للرجل] يقع في شدة شديدة أو علة مثقلة: لا هو حي، ~~ولا هو ميت. فخوطبوا على مجرى به كلامهم. # ثم قال تعالى: {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى}. # أي: قد أدرك طلبته وظفر ببغيته من تظهر الكفر وعمل بطاعة الله. # قال ابن عباس: من تزكى - يعني - من الشرك. وعنه أنه جعله في زكاة الفطر. # وقال: أخرجوا زكاة الفطر قبل صلاة العيد. # وقال عكرمة: {من تزكى}: من قال: لا إله إلا الله. # قال عطاء: {من تزكى} من آمن. # وقال قتادة: من تزكى بالعمل الصالح والورع. PageV12P8213 # وقال ابن جريج: من تزكى بماله وعمله. # وقال عبد الله: إذا خرجت إلى الصلاة فتصدق بشيء إن استطعت، فإن الله ~~يقول: {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى}. والتزكي - في اللغة -: ~~التطهر. # قال عمر بن عبد العزيز وابن المسيب وأبو العالية: هي زكاة الفطر، (ثم ~~نسخها زكاة الأموال). # وقيل: هي سنة، وزكاة المال فرض. وعلى هذا أكثر ms2829 العلماء. # قال ابن عباس: {وذكر اسم ربه فصلى} أي: " ووحد الله سبحانه ". PageV12P8214 # وقيل: معناه: ودعا إليه وصلى الصلوات الخمس. # وقيل: عني به صلاة العيد. وقيل: الصلاة هنا الدعاء. # (وقيل: معناه: وذكر اسم ربه في صلاته بالتحميد والتمجيد). # ثم قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا}. # أي: تؤثرون زينتها على الآخرة، والآخرة خير لكم وآدوم نعميا. # ثم قال تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى}. # أي: إن هذه الآيات في {سبح اسم ربك الأعلى} لقي صحف إبراهيم وموسى. # وقيل: معناه: إن قوله: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} الآية، لفي {صحف ~~إبراهيم وموسى}. PageV12P8215 # وقيل: معناه إن الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى لفي صحف إبراهيم ~~وموسى. # واختار الطبري أن يكون معناه أن قوله: {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه ~~فصلى} إلى قوله {وأبقى} لفي صحف إبراهيم وموسى، فتكون الإشارة إلى ما قرب ~~من هذا. PageV12P8216 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الغاشية مكية # قوله تعالى: {هل أتاك حديث الغاشية} إلى آخرها. # أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها ~~وأهوالها. # وقال ابن جبير: الغاشية جهنم. # ثم قال تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة}. # أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار. قال قتادة: " خاشعة في النار ". # ثم قال: {عاملة ناصبة}. # أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى نارا حامية في ~~الآخرة. PageV12P8217 # وهذا قول يروى عن عمر رضي الله عنه. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو ~~(على) {خاشعة} ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، ~~والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة. # وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم ~~وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام. # وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في ~~النار. فيتم الكلام على هذا القول على " عاملة ". # وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وأنها (لما) PageV12P8218 # لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها. فلا يتم الكلام من ms2830 ~~أوله على {ناصبة} على هذا القول. # قال ابن عباس: " تعمل وتنصب في النار ". # وقال قتادة: " تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار ~~". # وقال ابن زيد: " لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار ". # وكان عمر رضي الله عنه يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم. يعملون في ~~الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار. ويكون الكلام يتم على {خاشعة} لأنه آخر ~~صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا. # وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا {يومئذ خاشعة} يعني: في ~~الآخرة. # وفي الحديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: ~~إن فيهم المجتهد ". PageV12P8219 # وقوله: {تصلى نارا حامية} أي: ترد نارا قد حميت واشتد حرها. والإخبار في ~~جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم. # ثم قال تعالى: {تصلى نارا حامية}. # أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية ~~في شدة الحر. # وقال مجاهد: من عين قد (أنى/ نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا. وقال ~~ابن زيد: {من عين آنية} أي: حاضرة. # وقال تعالى: {ليس لهم طعام إلا من ضريع}. # أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في ~~النار إلا طعام من ضريع. PageV12P8220 # قال ابن عباس: " الضريع: شجر من نار ". # وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ~~ورق فيه]. # وقال عكرمة: الضريع: الحجارة. # وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضا: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله ~~لمرارته وخشونته. # وقال عطاء: الضريع: الشبرق. وروي ذلك أيضا عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، ~~وعلى هذا القول كثير من أهل اللغكة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك PageV12P8221 # تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق. # وقيل: الضريع واد في جهنم. وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم ~~إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاما، وقال في موضع آخر {فليس له اليوم ها ~~هنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين} [الحاقة: ms2831 35 - 36]. # فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذاك خلاف ذلك في الظاهر. المعنى ~~في ذلك التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام ~~يتنفع به. # (وقيل): الغسلين من الضريع. # وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين. # ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم. # فقال تعالى: {وجوه يومئذ ناعمة}. # أي: (غضرة) نضرة بنعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته. PageV12P8222 # ثم قال تعالى: {لسعيها راضية}. # أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية. وقيل: المعنى: ~~[الثواب] عملها را ضية في الآخرة. # ثم قال تعالى: {في جنة عالية}. # أي: رفيعة القدر عالية المكان. # {لا تسمع فيها لاغية} أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: ~~الباطل. # وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب ~~الفرس فارس، " ولابن " " وثامر " لصاحب اللبن والثمر. # وقال الفراء: {لاغية}، أي: [حالفا] يحلف بكذب. # قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلا. PageV12P8223 # وقال مجاهد: " شتما ". وقال قتادة: باطلا ولا مأثما. # ثم قال تعالى: {فيها عين جارية} أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر ~~وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر # والعين بالإثمد [الحاري] مكحول. ... فقال بعض النحويين: هذا على تذكير ~~العين. # وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث ~~فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار. # وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف PageV12P8224 # الأصمعي في العين إلا التأنيث. # ثم قال تعالى: {فيها سرر مرفوعة}. # أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ~~ويلحقه بصره. والسرر جمع سرير. # وقيل: مرفوعة: مضمونة. قاله ابن عباس، كقوله: {سرر مصفوفة} [الطور: 20] ~~أي: بعضها فوق بعض. # ثم قال تعالى: {وأكواب موضوعة}. # أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من ~~الشراب. الأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها ~~بالاختلاف فيها. # ثم قال تعالى: {ونمارق ms2832 مصفوفة}. # النمارق جمع: نمرقة، هي الوسادة والمرفقة. وحكي فيها ضم النون والراء ~~وكسرهما، والضم (أكثر). ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض. PageV12P8225 # وقد قال ابن عباس: " النمارق: المجالس "، وعنه: " المرافق ". # وقال قتادة: هي " الوسائد ". # ثم قال تعالى: {وزرابي مبثوثة}. # قال أبو عبيدة: الزرابي البسط. # وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و {مبثوثة} كثيرة. # وقال قتادة: [زرابي] " مبثوثة " أي " مبسوطة ". # قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنه يصلى على عبقري، وهي الزرابي. # ثم قال تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}. PageV12P8226 # هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما ~~يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل ~~كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها/ الله فوقهم ~~لا خلل فيها ولا شقوق مولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف ~~نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على ~~الأرض. وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف ~~عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم. # وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل ~~الله جل ذكره: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} إلى {سطحت}. # قال: وكانت الإبل من عيش العرب. [فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما ~~في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل: لهم: من قدر على إحداث هذه PageV12P8227 # الأشياء وغيرها لكم وإحكم أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة ~~والنار. # وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو ~~بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية. # وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب. # ثم قال تعالى: {فذكر إنمآ أنت مذكر}. # أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكر لهمه. # {لست عليهم بمصيطر}. # أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان. ومصطيرا: أصله السين، وهو مأخوذ ~~من السطر. PageV12P8228 # وقيل: الآية منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ms2833 [التوبة: 5] ~~وهو قول ابن زيد. # وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم. # قال جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإذا قوالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. ثم تلا {فذكر إنمآ أنت مذكر * لست ~~عليهم بمصيطر} ". # قال ابن عباس: {بمصيطر} بجبار. # ثم قال تعالى: {إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر}. # أي: فذكر يا محمد قومك إلا من يتولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا ~~استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب. PageV12P8229 # وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله. المعنى: ليست عليهم {بمصيطر} إلا من ~~تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف. # والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبدا بأن [تحسن] " إن " معه، فإذا حسنت جاز ~~أن يكون منقطعا، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا. يقول القاتل: " سار القوم ~~إلا زيدا "، فلا يحسن دخول " إن " هنا، (لأنه) استثناء صحيح. # ثم قال تعالى: {فيعذبه الله العذاب الأكبر}. # وهو عذاب جهنم في الآخرة. # ثم قال تعالى: {إن إلينآ إيابهم} أي: رجوعهم في الآخرة. PageV12P8230 # {ثم إن علينا حسابهم} أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله ~~(هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم. PageV12P8231 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفجر مكية # قوله تعالى: {والفجر * وليال عشر * والشفع}. ألى قوله: {البلاد}. # قال ابن عباس: الفجر " النهار ". وعنه أن الفجر عنى به " صلاة الفجر ". # وقال عكرمة: هو " فجر الصبح ". وقيل: هو صبيحة يوم النحر. وهو قسم PageV12P8233 # والتقدير فيه: ورب الفجر. # وقوله: {وليال عشر} أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة. # ورو ى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وليال عشر}: عشر الأضحى. # وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة ~~يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقا بعباده، فلذلك من لم يدرك ms2834 ~~الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ~~ليلة (يوم عرفة أيضا فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي ~~فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة. ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم ~~عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة ~~(بيوم عرفة)، PageV12P8234 # فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها. # وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر ~~موسى التي أتمها الله جل وعز له. # وعن إبن عباس أيضا أنها العشر الأواخر من رمضان. وحكى الطبري أن بعضهم ~~قال: [هي] العشر الأول من المحرم. # ثم قال تعالى: {والشفع والوتر}. # قال ابن عباس: " الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة ". وقال عكرمة. # وقال الضحاك: {وليال عشر * والشفع والوتر}، أقسم الله بهن لما يعلم من PageV12P8235 # فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والتوتر يوم ~~عرفة. # وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: ~~(اليوم) الثالث/، وهو يوم النفر الآخر، قال الله {فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203]. # وعن ابن عباس أيضا: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، وهو وتر واحد ~~وخلقه شفع. وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب. # وهو قول مجاهد ومسروق. PageV12P8236 # وعن مجاهد [أيضا] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) ~~وتر. وهو قول الحسن. # وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأسم - جل ~~ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون. # وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها ~~شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب. # وقال الربيع بين أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها PageV12P8237 # الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة. # وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {والشفع والوتر} ~~" هي الصلاة منها شفع، ومنها ms2835 وتر. # وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد [منه] شفع ومنه ~~وتر. [وقيل: الشفع آدم صلى الله عليه وسلم وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر ~~كل شيء]. والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة ~~بني تميم. # وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضا. فأما الوتر الذي هو الترة، PageV12P8238 # ففيه أيضا لغتان: الفتح والكسر. أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم بكسره. # ثم قال تعالى: {واليل إذا يسر} أي: يسري أهله. # وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب. وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة. # قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب. # وقال أبو العالية: إذا سار. # وقال ابن زيد: إذا يسير. وقال عكرمة: إذا جمع. PageV12P8239 # ثم قال تعالى: {هل في ذلك قسم لذى حجر} أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي ~~عقل. عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ~~ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة. وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في ~~العشر لشرفه. وقيل: أعيد لأنه أقسم أولا بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه ~~لم يدخل في الليالي. # قال ابن عباس: {لذى حجر}: لصاحب نهى وعقل. # وقال الحسن: " لذي حلم ". # قال قتادة: " لذي عقل ولب " وجواب القسم: {هل في ذلك قسم}. # [وقال مقاتل: " هل " هاهنا في موضع " إن "، وتقدير الكلام: " في ذلك ~~قسما. ذكره المارودي. فعلى هذا التأويل، تكون " هل " جواب القسم. والله ~~أعلم]. وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن " هل " ~~ليست من أجوبة القسم. PageV12P8240 # ثم قال تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد}. من صرف عادا ~~جعله للحي أو للأب. وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسما للقبيلة. وقرأ ~~الحسن: " بعاد إرم " بإضافة " عاد " إلى " إرم "، ولم يصرف {إرم}، جعل " ~~إرم " اسم مدينة فلم يصرفها. قال محد بن كعب القرظي: إرم: " الإسكندرية ". # قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب. # وقوله: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21]، يدل على ~~خلاف هذين ms2836 القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس ~~كذلك PageV12P8241 # دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [ها هنا] ~~غير عاد أصحاب الأحقاف. # وقال مجاهد: إرم: " أمة ". وعنه أيضا إرم معناه: " القديمة ". # وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد. وهذا قول يصح معه ~~ترك صرف " إرم ". # وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح. ويلزم ~~على هذا أن يصرف لأنه يذكر. # وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف. وقال ~~بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضا لأنه مذكر. PageV12P8242 # وقيل: إن {إرم ذات العماد} كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت. # وقوله {ذات العماد} نعت " لعاد " إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم ~~فمعناهك ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد ~~طوال الأجسام. # [قال] ابن عباس: " كان طولهم مثل العماد ". # [وقال] مجاهد: " كان لهم جسم في السماء ". # وقيل: إنما قيل: {ذات العماد}، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث ~~وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم. هذا معنى قول مجاهد. # وقال ابن زيد: {ذات العماد}، قيل لهم ذلك البناء بناه بعضهم فشيد عمده. PageV12P8243 # ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون} ~~[الشعراء: 128] الآية. # وقوله: {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أي: مثل تلك الأعماد. وقيل: إنما ~~وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم. والهاء في {مثلها} تعود على عاد، لأنها ~~قبيلة أو على إرم لأنها مدينة. # قال قتادة: ذكر/ أنهم كانوا اثني عشر ذراعا، وهو قوله: {وزادكم في الخلق ~~بصطة}. # قوله تعالى: {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} إلى آخر السورة. # أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا ~~الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين} [الحجر: 82]. # والعرب تقول: " جاب فلارن [الفلاة] يجوبها جوبا " إذا دخلها PageV12P8244 # وقطعها. # قال ms2837 ابن عباس: {جابوا الصخر بالواد}، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ~~ينحتون من الجبال (بيوتا). # قال مجاهد: " جابوا الجبال فجعلوها بيوتا ". # ثم قال تعالى: {وفرعون ذى الأوتاد} أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك ~~بفرعون ذي الأوتاد؟! # قال ابن عبس: الأوتد هنا " الجنود الذين يشدون له أمره ". # وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. # وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس PageV12P8245 # وأرجلهم يقتلهم بها. # وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من ~~أوتاد [وحبال]. # وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون " وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم ~~جعل على ظهرا رحى عظيمة حتى ماتت ". # وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] ~~يجعل رجلا هاهنا ورجلا هاهنا، ويدا هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله ~~مجاهد أيضا. # وعن ابن جبير أيضا أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس PageV12P8246 # عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. # وقوله: {الذين طغوا في البلاد} أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في ~~البلاد التي كانوا بها فأكثوا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. # ثم قال تعالى: {فصب عليهم ربك سوط عذاب} أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) ~~عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول ~~لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. # فقوله: {سوط عذاب}، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) ~~المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: {سوط عذاب} اي: خلط ~~عذاب لأنه أنواع]. PageV12P8247 # قال مجاهد: {سوط عذاب} " ما عذبوا به ". وهوقول ابن زيد (وغيره). # ثم قال تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت ~~عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم ~~فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. # وقال ابن عباس: {لبالمرصاد} أي: " يسمع ويروى ". وقال الضحاك: إذا ms2838 كان ~~يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النر فيستوي عليه ويقول: ~~" وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة ". # فذلك قوله جل ثناؤه: {لبالمرصاد}. # وقال سفيان: {إن ربك لبالمرصاد} يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: PageV12P8248 # قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها لأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال ~~[عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا ~~مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم ~~إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره {إن ~~ربك لبالمرصاد}. # وقال الحسن: {لبالمرصاد} أي: " مرصاد عمل بني آدم ". قال ابن مسعود: ~~والفجر إن ربك لبالمرصاد. # يعني أنه جواب القسم. # ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين PageV12P8249 # سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، ~~فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاما جاز إلى القنطرة ~~الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى ~~(القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ~~ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن ~~الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. # قال نافع (و) الرؤاسي: {إرم} وقف جيد. وهو بعيد لأن {ذات العماد} نعت لما ~~قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره {أهانن}. والاختيار PageV12P8250 # الوقف على " كلا " وهو قول نصير وأحمد بن موسى/. والمعنى: كلا، [لم أهنه ~~بتقديري] عليه رزقه. # وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب ~~عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. # وقوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن}. # أي: فأ/االإنسان إذا امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي ~~أكرمني بهذه الكرامة. # وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقتره عليه غمه [وقال]: ربي أهانني ~~وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله ms2839 على ما وهب له من سلامة جوارحه. # قال قتادة: {فيقول ربي أهانن} " ما أسرع ما كفر ابن آدم ". # وقوله: {كلا}. # هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب PageV12P8251 # إهانته من أهان قلة المال. # قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ~~ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوقيته إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخلاذنه ~~وارتكابه لمعصيتي. # (ودل على ذلك قوله: {بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على طعام المسكين} ~~إلى {جما} أي: فبهذا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن ~~طاعتي. # وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ~~ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. # والوقف على {أهانن} حسن، وتكون " كلا " في الابتداء بمعنى " حقا "، أو ~~بمعنى " ألا ". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. PageV12P8252 # وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). # والوقف عند نصير والفراء على " كلا " معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. ~~وقاله قتادة. # وقوله: {بل لا تكرمون اليتيم} أي: بل إنما أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا ~~يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. # ثم قال تعالى: {وتأكلون التراث أكلا لما} أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون ~~الميراث أكلا شديدا. # {وتحبون المال حبا جما} أي: كثيرا. # قال ابن عباس: {أكلا لما}، أي: سفا، وجما: شديدا. PageV12P8253 # وقال الحسن: معنى {لما}، أي: يخلطون الحلال بالحرام. # وقال ابن زيد: {وتأكلون التراث أكلا لما}، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من ~~الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. # [قال]: كانوا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ {ويستفتونك في ~~النسآء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النسآء}. . ~~إلى قوله {عليما} [النساء: 127]. # فقوله: {والمستضعفين من الولدان} [النساء: 127]، يعني: يستضعفوهم [فلا ~~يؤتنهم]. # قال: وقوله: {وتحبون المال حبا جما} # أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. PageV12P8254 # والعرب تقول: " جم الماء في الحوض ": إذا اجتمع وكثر. # ثم قال تعالى: ms2840 {كلا إذا دكت الأرض دكا دكا}. # الوقف على " كلا " حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا ~~الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حبا كثيرا. ولا تكرمون اليتيم ~~بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. # وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئا. # وقوله تعالى: {إذا دكت الأرض دكا}، أي: رجت ولزلزت مرة بعد مرة. # قال ابن عباس: هو " تحريكها ". PageV12P8255 # ثم قال تعالى: {وجآء ربك والملك صفا صفا} أي: والملائكة صفا بعد صف. # وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض ~~مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جهنم وإنسهم، ~~فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل ~~هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جهنم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على جه ~~الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولههم، فيقولون) ~~سبحان ربنا، ليس فينا وهو آت ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية ~~وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جمعي أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا ~~مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من ~~كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم PageV12P8256 # تقاض السماوات سماء (سماء)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت/ أكثر من أهل ~~السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع ~~إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض ~~السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع ~~الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثي [صفوف]، وينادي مناد: ~~ستعملون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. # قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من ~~أصحا الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون ~~اليوم من ms2841 أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله وإقام PageV12P8257 # الصلاة وإتياء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون ~~إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق ~~له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني كلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ~~[فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حسب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ~~ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] ~~لقط الطير حسب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ~~ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. PageV12P8258 # قل: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت ~~الموازين ودعي الخلائق للحساب. # وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا ~~بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ~~ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفادون صفن ثم ينزل الملك الأعلى، على ~~مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطرا من أقطار ~~الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه ~~ذلك قوله عز وجل: { إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين} [غافر: ~~32 - 33]. # وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. # قال: ذلك قوله: {وجآء ربك والملك صفا صفا * وجياء يومئذ بجهنم}. . وقوله: PageV12P8259 # {يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا} [الرحمن: 33] الآية. # وهو قوله: {وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجآئهآ} ~~[الحاقة: 16 - 17]. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال): " توقفون موقفا واحدا ~~يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ~~ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم ~~وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق ~~بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه ~~[قبلا]، فيؤتى PageV12P8260 # آدم، فيطلب ms2842 ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبيا - نبيا - كلما جاؤوا نبيا ~~أبى. # قال رسو الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتى ~~الفحص. # قال ابو هريرة: رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، ~~قال: فأخر ساجدا، قال: فلا أزال ساجدا حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي ~~فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ~~ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول ~~تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن ~~وقوف، سمعنا حسنا من السماء شديدا، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من ~~في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنو من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، ~~وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل PageV12P8261 # أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن ~~والإنس، حتى إذا دنوا من الأر، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا ~~لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من ~~التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم/ ~~يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي ~~الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة ~~والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء ~~والسلطان والعظمة، سبحانه أبدا أبدا، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ~~ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى ~~حجزهم والعرش إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ~~ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت ~~من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إلي، ~~فإنما PageV12P8262 # هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد ms2843 الله، ومن وجد غير ~~ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. # قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: {ألم ~~أعهد إليكم يابنيءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم} إلى قوله: {المجرمون} فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي ~~يقول الله تعالى جل ذكره: {وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها} إلى ~~{تعملون}. # قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيد] ~~يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال PageV12P8263 # الله تعالى: كوني ترابا. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا! ~~[قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ". # ووقع [التكرير] في (دكا دكا) و (صفا صفا) على معنى: دكا (بعد دكا) [وصفا] ~~بعد صف. # ثم قال تعالى: {وجياء يومئذ بجهنم}. # قال ابن مسعود: " جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ~~ملك يقودنها وقاله ابن وائل. # ثم قال تعالى: {وجياء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى}. # أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك ~~اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. # ثم قال تعالى: {يقول ياليتني قدمت لحياتي}. PageV12P8264 # أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملا صالحا لحياتي هذه ~~التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من ~~رضوانه وجنته. # فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: {وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان} [العنكبوت: 64] أي: لهي الحياة. # وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة ~~قوله: {لا يموت فيها ولا يحيى} [طه: 74]. # قال قتادة: " هناكم والله الحياة الطويلة ". # وقال مجاهد: " لحياتي ": " للآخرة ". # وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي قدمت PageV12P8265 # العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]، ~~أي: في عدتهن. # ثم قال تعالى: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد}. ms2844 # من كسر الذال والثاء من {يعذب} و {يوثق} فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - ~~أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق حد مثل وثاق الله لهم. # وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في ~~الدنيا كوثاقه يومئذ. # ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما ~~يوثق. # وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذابا (و) وثاقا، فقال: فيومئذ PageV12P8266 # لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. # ثم قال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية} ~~{ولا يوثق وثاقه أحد}. # هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، ~~والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي ~~اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. # قال ابن عباس: المطمئنة: " المصدقة " (وقال قتادة: " هوالمؤمن، اطمأنت ~~نفسه إلى ما وعد الله "، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. # وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضا. # المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. # وفي قراءة أبي: " يا أيتها النفس الآمنة ". # [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه ~~واطمأن PageV12P8267 # الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها ~~الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن ~~عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. # قال أبو صالح: {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} هذا عند الموت {فادخلي في ~~عبادي} هذا يوم القيامة. # وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] {ارجعي إلى ربك}، أي: إلى صاحبك/. ~~وهو قول ابن عباس. # وقال الضحاك: " يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد ~~فياتون الله كما خلقهم أول مرة " فهو على قوله أيضا كله يوم القيامة، وهو ~~اختيار الطبري. PageV12P8268 # قال عكرمة: {إلى ربك} إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. # فيكون أيضا كله يوم القيامة وتكون المخاطبة ms2845 للنفس ودل على ذلك قوله: ~~{وادخلي جنتي} ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. # وقال الضحاك إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، {وادخلي جنتي} أي: ~~رحمتي فالمخاطبة - على هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب ~~الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، ~~(أي): ارجعي إلى ثواب ربك. PageV12P8269 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البلد مكية # قوله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد} إلى قوله: {وهديناه النجدين}. # قال الأخفش: " لا " صلة، وأجاز أن تكون بمعنى " ألا ". # وقد قيل: إن " لا " رد لكلامهم. # ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا ~~البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. PageV12P8271 # وقيل: " لا " غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم ~~بهذا البلد بعد خروجك منه. # ثم قال تعالى: {وأنت حل بهذا البلد}. # يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ( أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد ~~تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك ~~مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. # قال ابن عباس: {وأنت حل بهذا البلد} يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحقيي من شاء، فقتل ابن خطل ~~يومئذ PageV12P8272 # صبرا وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقتل فيها (أحدا). # قال مجاهد: {وأنت حل بهذا البلد}، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. # [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالا غير النبي صلى الله عليه وسلم، ~~كان كل من كان [بها]. حراما، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة ~~فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). # وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. # ثم قال تعالى: {ووالد وما ولد}. PageV12P8273 # قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو ms2846 قول قتادة وأبي ~~ص لح والضحاك وسفيان. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " الوالد: الذي [يلد]. # {وما ولد}: العاقر الذي لا يولد له " فهو عام. # وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. # وعن ابن عباس أيضا أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. # فهو عام أيضا على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار ~~الطبري. # ثم قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}. PageV12P8274 # هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. # قال قتادة: {في كبد}: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا ~~والآخرة. # قال الحسن: " لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس ~~أيضا: (في كبد): " في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه ". # وقال سفيان: {في كبد}: خروج أسنانه. # وعن ابن عباس أيضا: {في كبد}: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصبا. # وعنه قال: خلق ابن آدم مستويا، وخلق كل دابة على أربع. # وقال عبد الله بن شداد: {في كبد}: معتدل القامة. وقال أبو صالح. # وقال الضحاك: {في كبد}: " خلق منتصبا " على رجلين لم تخلق دابة على خلقه ~~". PageV12P8275 # وقال الحسن: {في كبد}: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. # وقال مجاهد: {في كبد}، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم. . .، (فلا يزال) في ~~مكابدة. # وقال ابن زيد: {في كبد} في السماء خلق آدم في السماء. # ثم قال تعالى: {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد}. # يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان ~~شديدا قويا. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى ~~يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معاديا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV12P8276 # فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. # ثم قال: {يقول أهلكت مالا لبدا}. # أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. # واللبد " الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. # قال ابن عباس ms2847 ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. # وقرأ أبو جعفر: " لبدا " - ([بالتشديد]) - جعله جمع " لابد ". # فأما من خفف، فإنه جعله جمع " لبدة ". وقيل: هو واحد، " كحطم ". وقرأ/ ~~مجاهد: " لبدا " - بضمتين - جعله جمع لبود. PageV12P8277 # ثم قال تعالى: {أيحسب أن لم يره أحد}. # أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالا كثيرا في عداوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك ~~تندما على أن أنفق. وقيل: قاله افتخارا. # ثم قال تعالى: {ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين}. # أي: ألم نجعل لهذا القائل: " أهلكت مالا لبدا "، عينين يبصر بهما حجج ~~الله عليه، ولسانا وشفتين نعمة من الله عليه؟! # قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. # ثم قال تعالى: {وهديناه النجدين}. # أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: {إما شاكرا وإما كفورا} ~~[الإنسان: 3]. هذا قول ابن مسعود. # وقال ابن عباس: {النجدين}: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد PageV12P8278 # وعكرمة وابن زيد. # وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس أيضا: {النجدين}: الثديين، [سبيل] اللبن. # وقال الضحاك، وقاله علي ابن أبي طالب رضي الله عنه. # والنجد في اللغة الطريق المرتفع. # قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة} إلى آخر السورة. # أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها ~~بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. # قال ابن عباس: " العقبة جبل في جهنم ". PageV12P8279 # وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. # وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسرز # وقال كعب: العقبة " [سبعون] درجة في جهنم ". # وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به، لم يفعل ما أمر به، ومثل ذللك بالعقبة ~~لعصوبته وصعوبة جواز العقبة. # وقال ابن زيد: {فلا اقتحم العقبة} [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه ~~النجاة. # ثم قال تعالى: {ومآ أدراك ما العقبة}. # أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام PageV12P8280 # العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: # {فك رقبة} أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة ms2848 من الرق [وأسر] ~~العبودية. # قال الحسن: " ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من ~~النار. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقاب أيها أعظم أجرا؟ فقال: " ~~أكثرها ثمنا ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ". # ثم خير أيضا في اقتحام العقبة، [فقال]: PageV12P8281 # {أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة}. # أي: وهو أيضا أن يعلم في يوم ذي مجاعة يتيما لا أب له من قرابتك والمقربة ~~والقرابة واحد. قال ابن زيد: {ذا مقربة}. " ذا قرابة ". # ثم قال تعالى: {أو مسكينا ذا متربة}. # أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: {ذا مقربة}: " ليس له مأوى إلا التراب ~~"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. # وقيل: معنه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم " ترب الرجل " إذ افتقر. # وعن ابن عباس: {ذا متربة}: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. # وعن ابن عباس أيضا: {ذا متربة}: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة ~~وقاله ابن جبير. PageV12P8282 # وقال الضحاك: {ذا مقربة} " ذا عيال لا صقين بالأرض من المسكنة ". # وعن ابن عباس: {ذا متربة}: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلبا ~~إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. # وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. # [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. # وقوله: صلى الله عليه وسلم: " فعليك بذات الدين تربت يمينك "، معناه: ~~افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. PageV12P8283 # ونظيره: " [وللعاهر] الحجر "، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش ~~غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. # ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. # ويقال: " فلان ترب فلان "، [أي: ولدا] في وقت واحد فربا على التراب في ~~وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، والواحدة: تربية، لأنها مستوية ليست ~~منحنية كغيرها. # ثم قال تعالى: ms2849 {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر}. PageV12P8284 # قيل: " ثم " بمعنى " الواو "، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه ~~الخصال. # وقيل: " ثم " على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله ~~المسلم غيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله ~~المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعا [له]. وقيل: المعنى على هذا، و " ثم ~~" بمعنى الواو. # وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] ~~إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله هو ~~مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، " فثم " على بابها، فتقديره: ثم كان من ~~الذين /آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. {وتواصوا بالصبر}، ~~أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. # وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. PageV12P8285 # وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى {ثم كان من الذين ~~آمنوا}: ثم أخبرهم بهذا. # (ومعنى) الكلام أنك تقول " أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني "، ~~فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنماهو شيء كان قبل إخبارك الآن ~~بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل: إخبارك الآن. # فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع ~~عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولا ~~وهو PageV12P8286 # مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. # وقوله: {وتواصوا بالمرحمة}. # قال ابن عباس: " بمرحمة الناس ". # ثم قال: {والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة} أي: ذات اليمين في ~~الجنة. # ثم قال تعالى: {أولئك أصحاب الميمنة}. # أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. # ثم قال تعالى: {عليهم نار مؤصدة}. # قال ابن عباس: {مؤصدة}: " مطبقة " وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. # وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر ~~الأبد. PageV12P8287 # والهمز وتركه في " موصدة " لغتان، يقال: آصدت (الباب) ms2850 وأوصدته، بمعنى: ~~[أطبقته]. # وقوله: {بالوصيد} [الكهف: 18]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت ~~لكان: " بالأصيد. PageV12P8288 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشمس وضحاها مكية # قوله تعالى: {والشمس وضحاها} إلى آخرها. # هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. # وقوله: {وضحاها} يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. # وهو اختيار الطبري. # وكذلك قوله: {والضحى} [الضحى: 1]، عند الفراء: النهار كله. # وقال مجاهد: وضحاها: " وضوءها ". # والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. # وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد ~~مذكرا. PageV12P8289 # ثم قال تعالى: {والقمر إذا تلاها}. # أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها ~~القمر طالعها. هذا قول مجاهد وغيره. # وقال قتادة: {إذا تلاها}، يعني " صبيحة " الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي ~~الهلال ". # وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، ~~فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) ~~الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس # وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. # ثم قال تعالى: {والنهار إذا جلاها}. # أي: جحلى الشمس بإضاءته. PageV12P8290 # وقال قتادة: " جلاها ": " إذا غشيها النهار ". # وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في {جلاها}، ~~ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: " جلاها "، أي: جلى الدنيا. # وقيل: جلى الأرض. # ثم قال تعالى: {والليل إذا يغشاها}. # أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. # ثم قال: {والسمآء وما بناها}. # قال الطبري: " ما " بمعنى " من "، كما قال تعالى: {ووالد وما ولد} ~~[البلد: 3]، فأتت PageV12P8291 # (" ما:) في موضع " من "، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. # وروي عن مجاهد أنه قال: {وما بناها}: الله جل وعز [بنى] السماء. # وقال المبرد: " [ما] " والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في ~~الاختلاف والتقدير: {والأرض وما طحاها}. # (ومعنى): {وما طحاها}: بسطها يمينا وشمالا ومن كل جانب. وقال ابن عباس): ~~" وما خلق فيها "، " فما " - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى ms2851 " من "، ولا ~~[هي]- مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: " الذي ". # وقال مجاهد: {طحاها} " دحاها ". # وقال ابن زيد وأبو صالح: {طحاها} " بسطها ". وعن ابن عباس أيضا: PageV12P8292 # {طحاها} " قسمها ". # ثم قال تعالى: {ونفس وما سواها}. # أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ~~ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدرا أي: ونفسي وتسويتها. # ثم قال تعالى: {فألهمها فجورها وتقواها}. # [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. # وقال ابن عبس: " بين الخير والشر "، وعنه: " علمها الطاعة والمعصية ". قل ~~مجاهد: {فألهمها}: " عرفها ". PageV12P8293 # وقال قتادة: / بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: " بين لها الطاعة ~~والمعصية ". # [وقال] ابن زيد: معناه: " جعل فيها فجورها وتقواها ". # (و) عن النبي عليه السلام: " من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيشه] ~~(لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال صلى الله عليه وسلم: وتصديق بذلك في ~~كتاب الله جل وعز: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها} " وهذا فيه ~~أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان ~~قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) ~~له بالشقاء يسر إلى عمل أهل PageV12P8294 # الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلما لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون قد ~~علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ~~ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. # ثم قال تعالى: {قد أفلح من زكاها}. # أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، ~~والزكاة أصلها النماء والزيادة. # وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، اي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول ~~الأخفس. # والتمام عنده على {زكاها}. # وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم ~~والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، ~~كما تقول: " قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي PageV12P8295 # حاتم. # و (قد) قيل: معنى الآية: ms2852 قد أفلح من زكى الله نفسه. # قاله ابن زيد وابن طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على " منم " ~~[شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في " زكى ": " الله "، والهاء للنفس، ~~ويبعد أن تجعل " من " (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل " من ") ~~للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في " زكاها " تعود على " من " على ~~المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلح الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. PageV12P8296 # والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في ~~" زكى " يعود على " من "، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان ~~الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. # وقوله تعالى: {وقد خاب من دساها}. # أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها ~~وأوردها غضب الله. # وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. # وتكون " من " (أيضا) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء ~~على " من ". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من PageV12P8297 # إحدى السينين ياء، كما قالو: " قصيت أظفاري "، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ~~[" تظنيت هذا الأمر " بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: # تقضي البازي إذا البازي كسر. # يريد: تقضض البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأول لتصح. # وقال آخر: رأت رجلا إيما إذا الشمس عارضت. # (يريد " أما "، فأبدل من الميم الأول ياء). # ثم قال تعالى: {كذبت ثمود بطغواهآ}. # أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به ~~صالح. وسمي العذاب طغيانا، لأنه PageV12P8298 # طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} [الحاقة: ~~5]. # [ي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: {وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية} [الحاقة: 6 # ي، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. # قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود ~~بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. # وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون " طغوى " ~~بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى ms2853 هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس ~~الآتي. # وعنه أيضا: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. PageV12P8299 # ثم قال تعالى: {إذ انبعث أشقاها}. # أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. # وحكى الفراء أن {أشقاها} [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): # ألا بكر " الناعي "، [بخير] بن آسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # فقال " بخير "، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): " هذان أفضل الناس، وهذان ~~خير الناس. # وفي هذا بعد/ لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل ولا دليل في PageV12P8300 # الآية (بدل) على أهما اثنان. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في خبر صالح وناقته: " انتدب لها رجل " ~~ولم يقل: رجلان. # وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: {إذ انبعث أشقاها}، ~~انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. # قال قتادة: " إذا انبعث أشقاها " " احيمر ثمود ". PageV12P8301 # ثم قال تعالى: {فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها}. # أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين ~~شربها لكم يوم، ولها يوم. # وقال قتادة: " ناقة الله وسقياها " أي: " [قسم] الله الذي قسم لها من هذا ~~الماء ". # قال تعالى: {فكذبوه فعقروها}. # أي: فكذبوا صالحا في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم ~~شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلما ~~للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا هلم فكذبوا صالحا في ما قال لهم، ~~وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك ~~نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا ~~كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). # ثم قال تعالى: {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها}. PageV12P8302 # أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعا فلم يفلت منهم أحد. ودل " دمدم " على ~~الدمدمة. # وقال الفراء: {فسواها} [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحدا، ~~ومعنى: " دمدم ": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم ~~للناقة، ووحدة، ms2854 لأنه مصدر. # قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه ~~صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله ~~عليهم بذنبهم فسواها. # وقال الحسن: " لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة PageV12P8303 # الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم ". # ثم قال تعالى: {ولا يخاف عقباها}. # أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: " لا يخاف الله من ~~أحد تابعة ". # وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. # وهو قول مجاهد. [فالضمير] في " يخاف " لله جل ذكره. # وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. # وهو قول السدي. فالضمير في " يخاف " للعاقر. # وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: " فلا يخاف " فالضمير في " يخاف ": ~~الله، PageV12P8304 # [لا غيرة]. ومن قرأ: " ولا يخاف "، بالواو، فالضمير للعاقر. # وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضا على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته ~~للعاقر لم تقف على {فسواها}، وإذا جعلته لله، وقفت على {فسواها}، وكذلك ~~[يقف] على {فسواها} من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره. PageV12P8305 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة و الليل إذا يغشى مكية # قوله تعالى: {والليل إذا يغشى} إلى آخرها. # معناه: ورب الليل إذا غشى النهار بظلمته فأذهب ضوءه. # وقيل: المعنى: يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء. # ثم قال تعالى: {والنهار إذا تجلى}. # أي: (إذا) أضاء وأظهر للأبصار ما أخفته ظلمة الليل. # وكان قتادة يذهب - فيما أقسم الله به من الأشياء - أنه أقسم به العظم ~~حاله عنده. PageV12P8307 # (ثم قال تعالى): {وما خلق الذكر والأنثى}. # قيل: " ما " بمعنى " من "، يريد نفسه تعالى جل ذكره. # وقيل: " ما " والفعل مصدر، أي: وخلق الذكر والأنثى. # (وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: والذكر والأنثى) ~~بالخفض بغير " ما ". # وأجاز الفراء: وما خلق الذكر والأنثى بالخفض على البدل من " ما ". # وقال الأخفش: " ما " بمعنى " الذي "، جعلها لمن يعقل. # وروي عن أبي [عمرو] أنه قال: أهل مكة يقولون للرعد: سبحان من سبحت له. # وقوله: ms2855 {إن سعيكم لشتى} هذا جواب القسم أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس، ~~لأن منكم الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع. PageV12P8308 # وقوله: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى} أي: من أعطى في سبيل الله ~~ومرضاته، واتقى الله فاجتنب المعاصي، وصدق بالجنة. قاله مجاهد. # وقال ابن عباس: من أعطي ما عنده من الفضل واتقى ربه. # وقال قتادة: من أعطى حق الله واتقى محارمه. # وقال عباس: - وهو مروي عن مجاهعد أيضا -. # {وصدق بالحسنى} أي: وصدق بالخلف من الله جل وعز على نفقته في ذات الله. # وقال الضحاك: {بالحسنى} " ب لا إله إلا الله " وروي ذلك (أيضا) عن ابن ~~عباس، وقاله [أبو] عبد الرحمن السلمي. PageV12P8309 # وقال قتادة: {وصدق بالحسنى} [أي]: بموعود الله جل وعز على نفقته، فعمل/ ~~لذلك الموعود الذي وعده الله. # وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من يوم غربت فيه ~~شمسه إلا [وبجنبيها] ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين - ~~الجن والإنس - يقولان: الله عجل لمنفق خلفا، وأعط ممسكا تلفا وأنزل الله جل ~~وعز في ذلك من القرآن: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره ~~لليسرى} ". PageV12P8310 # (وروى الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من صباح يصبح إلا ~~وصارخ يصرخ: أيكها الخلائق، سبحوا القدوس ". # وروى أبو ذر) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من يوم ولا ليلة ولا ~~ساعة إلا ولله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده. وما من الله على ~~عبده بمثل أن يلهمه ذكره ". # وروي أنه ما من يوم إلا وهو ينادي: أنا يوم جديد، وأنا عليكم شهيد (ابن ~~آدم)، إني لن [أمر بك] أبدا، فاتق الله واعمل في خيرا. فإذا هو أمسى قال: ~~اللهم لا تردني إلى الدنيا أبدا. # وروي أن هذه الآية (نزلت) في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روي عن عامر ~~بن عبد الله بن الزبير قال: (كان) أبو بكر (الصديق رضي الله عنه) يعتق على ~~الإسلام بمكة، PageV12P8311 # فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال ms2856 له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناسا ~~ضعفاء، ولو أنك أعتقت رجالا جلدا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: ~~إني أريد ما عند الله. # قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: {فأما من أعطى واتقى} ~~الآية. # وروى محمد من إسحاق أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى تسعة كانوا في أيدي ~~المشركين، فأعتقهم لله جل وعز. فأنزل الله: فأما من [أعطى]. . . الآية. # و (معنى) {لليسرى}: للحال اليسرى، أو [الخلة] اليسرى، وهي العمل بما ~~يرضاها الله. # ثم قال تعالى: {وأما من بخل واستغنى}. # أي: بخل بالنفقة في سبيل الله، واستغنى عن ربه فلم يرغب [في العمل] ~~بطاعته وما يوجب له رضاء ربه. PageV12P8312 # قال ابن عباس: هو " من أغناه الله [فبخل] بالزكاة. # وقال قتادة: من بخل عن الله واستغنى في نفسه عن ربه. # والاختلاف في {وكذب بالحسنى} على نحو الاختلاف في: {وصدق بالحسنى}. # وقوله: {فسنيسره للعسرى} أي: [للخلة] العسرى في الدنيا، وذلك العمل ~~بالمعاصي. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " كنا في جنازة في بقيع الغرقد، ~~[فأتانا] رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس ~~رأسه، فجعل [ينكت] بمخصرته (في الأرض)، ثم قال: ما منكم من نفس منفوسة إلا ~~وقد كتب PageV12P8313 # مكانها من الجنة أو النار [قيل]: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فمن ~~كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل ~~الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء)، فقال صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ~~ميسر، أما أهل السعادة [فييسرون] إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء ~~[فييسرون] إلى 'مل أهل الشقاء، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى} الآيتين ". # وقال الضحاك: للعسرى: للنار. # والتيسير إنما يكون في الخير، وإنما جاء هنا للشر على معنى: الذي يقوم ~~لهم مقام (التيسير). العسرى: مثل: " فبشرهم بعذاب أليم ". PageV12P8314 # ومثله ما أنشد سيبويه: # تحيه بينهم ضرب وجيع. # وقال الفراء: لما وقع للخير تيسير جاز أن يقع في الشر مثله، ولا يكون ms2857 ذلك ~~إلا إذا اجتمع الخير والشر. # ثم قال تعالى: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} أي: وأي شيء يغني عنه مال ~~الذي بخل به إذا هلك وتركه. # قال أبو صالح وقتادة: (إذا ترى)، (أي): إذا سقط في النار فهوى فيها. # وقال قتادة: إذا ترى: إذا مات. # ثم قال تعالى: {إن علينا للهدى}. # (أي): إن علينا بيان الحق من الباطل. قال قتادة: على الله بيان حلاله ~~وحرامه، وطاعته ومعصيته. PageV12P8315 # بمعنى الآية - على قوله -: إن علينا للهدى والضلالة. ولكن ترك ذكر ~~الضلالة [للدلالة] عليه، كما قال: {وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81]، وترك ~~ذكر البرد لدلالة الحر عليه. ومثله ما أنشد سيبويه: # فما أدري إذا [يممت] / وجها ... (اريد) الخير أيهما يليني # فحذف الشر لدلالة الخير عليه. فالأشياء تدل على أضدادها وإن لم تذكر ~~الأضداد، والتقدير: أريد الخير وأكره الشر. # وقيل معنى الآية: إن علينا سبيل من [سلك] (سبيل) الهدى. # أي: من أخذ سبيل فعلى الله سبيله، كما قال: # {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] و {هذا صراط علي مستقيم} [الحجر: 41]. PageV12P8316 # وكما قال: {وعلى الله قصد السبيل} [النحل: 9] أي: من أراد الله عز وجل ~~فهو قاصد للسبيل هذا قول الفراء. # وقال في قوله: {وإن لنا للآخرة والأولى}، أي: (إن) لنا ثواب هذه وثواب ~~هذه. # وقال غيره: معناه: وإن لنا ملك في الدنيا والآخرة، نعطي من نشاء ونحرم من ~~نشاء. # والمعنى أنه يوفق من [يشاء] من خلقه إلى طاعته في الدنيا فيكرمه بذلك في ~~الآخرة، [ويخذل] من [يشاء] من خلقه عن طاعته في الدنيا، فيهينه بذلك في ~~الآخرة. PageV12P8317 # ثم قال تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى} أي: أنذرتكم أيها الناس نارا تتوقد ~~وتتوهج، أعدت لمن عصى الله كفر به. # ثم قال تعالى: {لا يصلاهآ إلا الأشقى} أي: لا يدخلها ويصلى سعيرها إلا ~~الأشقى الذي كذب بآيات الله وأعرض عنها. # كان أبو هريرة يقول: لتدخلن الجنة إلا من أبى: قالوا: يا أبا هريرة، ومن ~~يأبى أن يدخل الجنة؟! فقال: الذي كذب وتولى. # والمرجئة الذين يقولون: " [الإيمان] قول بلا عمل "، يتعلقون بهذه ms2858 الآية، ~~وفي تقديرها أقوال، منها: # أن المعنى لا يصليها إلا الأشقى، (و) {الذي كذب وتولى}. # فتكون الواو مضمرة. PageV12P8318 # حكى المبرد وغيره أن العرب تقول: أكلت خبزا لحما [تمرا]، فيحذفون حرف ~~العطف. # وأنشد أبو زيد: # كيف أصبحت كيف أمسيت ... مما يثبت الود في فؤاد الكريم # وإضمار الواو قبيح ليس بكثير في كلام العرب، وفيه نقض للأصول وخروج عن ~~الظاهر. # (وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) الأشقى من الكفار والفساق، ثم أعاد ذكر ~~الكفار - خاصة - تنبيها عليهم، لأنهم أعظم ذنبا من الفساق. # وقيل: التقدير: فأنذرتكم نارا هذه صفتها. # وقيل: التقدير: لا يصلاها إلا) أشقى أهل النار، وأشقاهم: الكفار. فدل هذا ~~على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. # [وقيل: إن النار طبقات وصفوف مختلفة في شدة العذاب وهوله، فأعملنا الله ~~في هذه الآية أن هذا الصنف من النار التي تتوهج وتتوقد ولا يدخله إلا الذين ~~كذبوا وتولوا عن الإيمان، وثم أصناف من ذلك عذاب النار دون ذلك يدخلها غير ~~هذا PageV12P8319 # الصنف. # وأقل عذاب النار عذاب أليم، أجارنا الله منها]. وقيل: المعنى: لا يخلد ~~فيها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، فهذا [للكفار] بإجماع خاصة. وهذا القول ~~أحسن الأقوال عندي. # وقال الفراء: {الذي كذب} معناه: [الذي] قصر عما أمر به، ليس معناه جحد، ~~وهو مثل قوله: {ليس لوقعتها كاذبة} [الواقعة: 2]، أي، تقصير ولا تخلف. # ثم قال تعالى: {وسيجنبها الأتقى} أي: وسيوقى دخول النار وصليها التقي. " ~~فأفعل " في موضع " فعيل ". # ثم وصف التقي فقال: {الذى يؤتي ماله يتزكى} أي: يعطي ماله في الدنيا ~~يتطهر بذلك من ذنوبه. # ثم قالت: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} أي: وما لأحد من خلق الله عند هذا ~~الذي يعطي ماله يتزكى به [عند الله] من نعمة يجازيه عليها. PageV12P8320 # أي: ليس يعطي ما يعطي مجازاة لأحد [على] يد له عنده، ولا مكافأة على نعمة ~~سبقت قبله، لكن يعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى و " إلا " في هذا المعنى " لكن ~~". # وقيل: المعنى: وماله عند أحد من أنفق من نعمة يلتمس ثوابها، فيكون على ~~القلب. ms2859 وهذا أحد قولي الفراء. # ومثله قول النابغة: # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... [على وعل من ذي المطارة عاقل] # يريد: حتى ما تزيد مخافة وعل (على) مخافتي. وفيه بعد، لأن كتاب الله لا ~~يحمل على القلب إلا إذا لم يكن حمله إلا عليه. # ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. PageV12P8321 # قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. # قال هشام بن عروة عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا فأنفقها، فأنزل ~~الله جل ذكره فيه: {الذى يؤتي ماله يتزكى}. . . إلى قوله: {يرضى}. # قال ابن جبير: أعتق أبو بكر ناسا ستة أو سبعة لم يلتمس منهم جزاء ولا ~~شكورا. منهم: بلال وعامر بن فهيرة. # وقوله: {ولسوف يرضى} أي: [ولسوف] يرضى في الآخرة هذا الذي يؤتي ماله ~~يتزكى. PageV12P8322 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة و الضحى مكية # قوله تعالى: {والضحى * والليل إذا سجى} إلى آخرها. # أقسم الله جل ذكره بالضحى، وهو النهار كله عند الفراء. # وعند غيره: هو أول (النهار)، قال قتادة: الضحى: " ساعة من ساعات النهار ~~"، والمعنى: ورب الضحى، وخالق الضحى، ونحوه. # وقوله: {إذا سجى} قال ابن عباس: {سجى}: أقبل. وعنه أيضا: " سجى ": ذهب. # وقال مجاهد: {سجى} استوى. وقال قتادة: {سجى}: " سكن بالخلق ". # وقال الضحاك: {سجى}: استقر وسكن. وهو قول ابن زيد. PageV12P8323 # ثم قال تعالى: {ما ودعك ربك/ وما قلى}. # هذا جواب القسم، أي: ما تركك ربك يا محمد وما أبغضك. # فالمفعول من " قلى " محذوف. # وروي أن الوحي أبطأ على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت قريش: قد ودع ~~محمدا ربه وقلاه، فأنزل الله جل ذكره: {ما ودعك ربك/ وما قلى}. # وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالت له خديجة: أحسب ربك قد [قلاك]، فأنزل الله: {والضحى} إلى ~~آخرها. # وقال ابن عباس: أري النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته، فسر ~~بذلك، فأنزل الله {والضحى} إلى قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} (قال) فأعطاه ~~الله ألف ms2860 قصر في الجنة، ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي (له) من الأزواج ~~والخدم. # ثم قال تعالى: {وللآخرة خير لك من الأولى} أي: ولنعيم الآخرة خير لك من ~~نكد (الدنيا). PageV12P8324 # (ثم) قال تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} أي: ولسوف يعطيط يا محمد ربك في ~~الآخرة من فواضل نعمه حتى ترضى. # قال ابن عباس: عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من ~~بعد، فسر بذلك، فانزل الله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}، قال: فأعطاه (الله) ~~ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، وفيها ما يصلحها. # وعن ابن عباس أنه قال: ما رضي محمد صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد من ~~أهل بيته النار. # وروى جابر من عبد الله " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بنته فاطمة ~~وعليها كساء (من [جلة]) الإبل وهي تطحن بيدها، فلما رآها دمعت عيناه، قال: ~~يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة، فأنزل الله: {ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى} ". PageV12P8325 # [وروي عن بعض أن النبي صلى الله عليه وسلم [ قال]: " ليس في القرآن أرجى ~~من قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}]، ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يدخل أحد من أمته النار ". # هذا معنى قوله المروي عنه. # ثم قال تعالى: {ألم يجدك يتيما فآوى}. # أي: كنت يا محمد يتيما في حجر عمك أبي طالب فجعل الله لك مأوى تأوي إليه، ~~ومنزلا تنزله. # وقيل: كنت يتيما فآواك إلى عمك أبي طالب. # {ووجدك ضآلا فهدى}. # أي: ووجدك على غير الذي أنت عليه اليوم فهداك (للذي أنت عليه. وقيل: وجدك ~~ضالا عن النبوة فهداك إليها. وقال الفراء: معناه ووجدك في قوم ضلال فهداك) ~~للإيمان. PageV12P8326 # وقيل: ضالا عن الشريعة. # وقيل: ضالا، أي: منسوبا إلى الضلالة. وقيل: معنى فهدى: فبين أمرك ~~بالبراهين. # ثم قال تعالى: {ووجدك عآئلا فأغنى}. # أي: فقيرا فأغناك، يقال: عال يعيل عيلة: إذا افتقر، وأعال يعيل: إذا كثر ~~عياله. # وفي مصحف عبد الله: " ووجدك عديما فأغنى ". # وهذه كلها نعم من الله على النبي ms2861 صلى الله عليه وسلم يذكه بها وينبهه على ~~شكرها ويعددها عليه ليذكرها. # ثم قال تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر}. # أي: لا تظلمه فتذهب بحقه استضعافا منك له. # قال قتادة: {فلا تقهر}: فلا تظلم. وفي مصحف عبد الله: " فلا تكهر ". وقال ~~الأخفش: هما لغتان بمعنى، وقال غيره: معنى [تكهر]: لا تشدد عليه. PageV12P8327 # ثم قال تعالى: {وأما السآئل فلا تنهر}. # أي: وأما من سألك من ذوي الحاجة فلا تنهره، (ولكن أعطه، أو رده ردا ~~جميلا. قال مجاهد: " فلا تنهر ": فلا تغضبه. # [قال الحسن: ليس سائل الطعام والشراب، ولكنه سائل العلم إذا أتاك، فأنزل ~~الله كيف، ليفهم عنك وتفهم عنه]. # ثم قال تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث}. # قال مجاهد: بنعمة ربك فحدث، أي: بالنبوة التي أعطاكها، فاذكره. # قال [أبو نضرة]: " كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها ". # وفي الحديث: " إن الله يجب أن يرى أثر نعمته على عبده ". PageV12P8328 # فالمعنى: وأما بنعمة ربك يا محمد فحدث الناس بها وأظهرها وأحمد الله ~~عليها، فإن ذلك من الشكر، وهو لفظ خاص للنبي صلى الله عليه وسلم، ( عام) في ~~جميع أمته. PageV12P8329 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ألم نشرح مكية # قوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} إلى أخرها. # هذه ألف استفهام في اللفظ ومعناها التوقيف على النعم والآلاء، والمعنى: ~~ألم نلين لك يا محمد صدرك ونوسعه لك للهدى ووعي الحكمة وقبول الإيمان؟ # ومعنى: نشرح: [نفسح] ونوسع. PageV12P8331 # وروي أنها [لما] نزلت قيل: " يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ قال: نعم/ ~~[وينفسح]. قالوا: يا رسول الله، ألذلك علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار ~~الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزول الفوت ". # والصدر محل العلم والقرآن، بدليل قوله: {بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم} [العنكبوت: 49]. # والمراد به القلب، لأنه وعاء الفهم (والعلم). ولكن ذكر الصدر لقربه من ~~القلب وامتزاجه به. # ثم قال تعالى: {ووضعنا عنك وزرك}. # أي: وغفرنا لك ما سلف من ذنبك، فحططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. PageV12P8332 # وفي قراءة عبد الله: وحللنا عنك ms2862 ذنبك. # {الذي أنقض ظهرك} أي: [أثقل] ظهرك وأوهنه. # قال قتادة: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب أثقلته، فغفرها الله عز ~~وجل له، يعني بذلك: ما كان قبل أن ينبأ. # وهو قول ابن زيد. # ثم قال تعالى: {ورفعنا لك ذكرك}. # أي: لا أذكر إلا ذكرت معي. وذلك قول المؤمنين: لا إله إلا الله، محمد ~~رسول الله. # قال مجاهد: (وهو) قول المؤذن: أشهد أن لا إله [إلا الله]، وأشهد PageV12P8333 # محمدا رسول الله. # وقال قتادة: ورفعنا لك ذكر في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا ~~صاحب صلاة إلا يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني جبريل ~~[عليه] السلام فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت (ذكرك)؟ قال: الله (أعلم، ~~(قال): إذا ذكرت ذكرت معي ". # ثم قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا}. # أي: فإن مع الشدة التي) أنت فيها من جهاد قومك رخاء وفرجا بأن يظفرك الله ~~بهم حتى ينقادوا إلى الحق أو السيف. PageV12P8334 # ولما نزلت هذه الآية، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم ( بها) أصحابه وقال: ~~لن يغب عسر يسرين. # قال الحسن: " قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " أبشروا، أتاكم اليسر، لن ~~يغلب عسر يسرين ". # قال ابن مسعود: " لو دخل العسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه "، ثم ~~قرأ الآيةز # وإنما كان هذا، لأن العسر (الأول بالألف واللام، ثم كرر كذلك، فهو واليسر ~~نكرة، فلما كرر كان الثاني غير الأول، فصار العسر) واحدا، واليسر يسرين. PageV12P8335 # وقد قيل: إن معنى التكرير التوكيد. # وقيل: الأول للحال، والثاني للاستقبال. # ثم قال: {فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب}. # قال ابن عباس: معناه: فإذا فرغت من صلاتك فارغب إلى ربك في الدعاء، وانصب ~~إليه. # وقال مجاهد: معناه: فإذا قمت إلى صلاتك فانصب في حاجتك إلى ربك. # وقال الضحاك: فإذا فرغت من صلاتك المكتوبة قبل أن تسلم فانصب. # [وقال] قتادة: أمره تعالى إذا فرغ من صلاته أن يبالغ في دعائه. # وقال ms2863 الحسن: معناه: إن الله أمر نبيه إذا فرغ من جهاد عدوه أن يجتهد في PageV12P8336 # الدعاء والعبادة. وهو قول ابن زيد. # وعن مجاهد أن معناه: فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عبادة ربك. # وقال ابن مسعود: فانصب في قيام الليل. فيكون هذا على قوله - منسوخا بما ~~نسخ قيام الليل. # وقوله: {وإلى ربك فارغب} أي: واجعل رغبتك إلى ربك دون من سواه من خلقه. # وعن مجاهد: " وإلى ربك فارغب "، أي: " إذا قمت إلى الصلاة ". # وقيل: معنى الآية: إذا فرغت من فرائضك فانصب في النوافل " وارغب " إلى ~~ربك دون غيره. PageV12P8337 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة و التين مكية # قوله تعالى: {والتين والزيتون}. . . إلى آخرها. # قال الحسن: هو تينكم هذا الذي يؤكل، وزيتونكم الذي يعصر. # وهو قول عكرمة ومجاهد، وهو اختيار الطبري. # وقال كعب الأحبار: التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. # وهو قول ابن زيد. PageV12P8339 # وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: [(الجبل) الذي عليه] ~~بيت المقدس. # وعن ابن عباس أن " التين مسجد نوح، والزيتون مسجد (بيت المقدس "). # وعن عكرمة أنهما جبلان بالشام. # وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد) إيلياء. # والتقدير على جميع هذه الأقوال: ورب التين والزيتون. # وقوله: {وطور سينين}. # قال قتادة: طور سينين: مسجد عيسى عليه السلام. # وقال ابن عباس والحسن: هو الجبل، وهو الطور. # وقال عكرمة: الطور: الجبل، " سينين ": حسن في لغة الحبشة. PageV12P8340 # وقال مجاهد: هو جبل. وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه. # وعن مجاهد أن " الطور " جبل، و " سينين ": مبارك حسن. # وقاله قتادة: وقال: هو " جبل بالشام، مبارك حسن ". # ويلزم على هذا التأويل/ أن ينون طور، [لأنه لا يضاف إلى نعته]. # وقيل: {سينين} هو قوله: " طور سيناء " أتى بلغتين. # والعرب تغير الأسماء الأعجمية. # والطور في اللغة جبل نو النبات، فيكون قد أضيف إلى سنين للتعريف. # [وبعيد] أن يكون " سينين " نعتا ل " طور ". PageV12P8341 # وكان الأخفش يقول: " طور ": الجبل، " وسينين ": شجر، [واحده: سينينة]. # فكأنه قال: وجبل شجر. # ثم قال تعالى: {وهذا البلد الأمين}. # يعني: مكة، ms2864 والأمين: بمعنى الأمن، أي: الأمن من أعدائه أن يحاربوا أهله ~~(فيه) أو يغزوهم. وهوقوله: # {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت: 67]. # ثم قال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}. # هذا جواب القسم، والمعنى: لقد خلقنا الإنسان في أعدل خلق وأحسن صورة. # وقيل: معناه: بلغنا به بعد خلقه استواء شبابه وقوته. # وذلك أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون، وأقوى ما يكون. # وقال عكرمة: {في أحسن تقويم} هو " الشاب القوي الجلد ". PageV12P8342 # وقيل: يعني: بالإنسان (ها) هنا (آدم) في أحسن صورة. # {ثم رددناه أسفل سافلين} يعني: الكافر من ولده. # وعن ابن عباس أن معناه أنه خلق معتدلا مقوما، وليس شيء من الحيوان إلا ~~خلق منكبا على وجهه إلا الإنسان. وتقدير الكلام: لقد خلقنا الإنسان في ~~تقويم أحسن تقويم، ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه. # ثم قال: {ثم رددناه أسفل سافلين} أي: إلى ارذل العمر من الكبر. [قاله] ~~قتادة والضحاك والنخعي. # وروي أنها نزلت في نفر (كبروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ~~فسفهت عقولهم، فسئل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم: {إلا ~~الذينءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون}. # أي: لهم أجرهم [الذي] عملوا قبل أن تذهب عقولهم، ومثله جار عليهم PageV12P8343 # بعد ذهاب عقولهم. # وقال أبو العالية: معناه: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة، في صورة ~~خنزير. وهو قول مجاهد: والحسن وابن زيد. ويكون الاستثناء على هذا القول ~~معناه: إلا الذين آمنوا فلهم الجنة. # والإنسان: اسم للجنس، فلذلك وقع الاستثناء منه. ويدل على أنه بمعنى ~~الجماعة قوله: {أسفل سافلين} ولو أريد به الواحد لقال: " أسفل سافل ". ~~تقول: " هذا أفضل قائم "، ولا تقول: " أفضل قائمين "، لأن المشار إليه ~~واحد. ولو قلت: " هؤلاء أفضل قائمين " حسن، لأن الأول جمع. # وقال عكرمة: {أسفل سافلين}: أرذل العمر، لكنه قال: من قرأ القرآن لم يرد ~~إلى أرذل العمر. يريد إذا قرأه وهو كبير هرم، فلم يرد إلى أرذل العمر. ~~واستدل على ذلك بقوله تعالى: {لكي لا يعلم بعد علم شيئا} [النحل: 70]. ومن ms2865 ~~قرأ القرآن فهو عالم بأشياء، فيكون قوله: " أسفل السافلين " على هذا القول ~~الخاص من الناس. ولذلك، استثنى منهم PageV12P8344 # الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم لا يردون إلى أرذل العمر وإن كبروا ~~وهرموا. # وقيل: إن قوله: {إلا الذينءامنوا} استثناء منقطع، بدلالة حسن " أن " مع " ~~إلا " وتقديره: إلا (أن) الذين آمنوا وعلموا الصالحات لهم أجر غير ممنون ~~بعد أن [يردوا] (إلى) أرذل العمر، أي: أجرهم جار عليهم على مثال أعمالهم في ~~صحتهم. # قال ابن عباس: {إلا الذينءامنوا وعملوا الصالحات} الآية. # هو إذا كان الرجل يعمل بطاعة الله جل وعز في شبابه كله ثم كبر حتى ذهب ~~عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في شيببته، ولم يؤاخذ بشيء مما ~~عمل في كبره وذهاب عقله من أجل أنه مؤمن كان يطيع الله في صحته وشبيبته. PageV12P8345 # وقال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن أرذل العمر، كتب له أحسن ما كان يعمل في ~~شبابه وصحته، فهو قوله: {فلهم أجر غير ممنون}. # وقال ابن عباس أيضا: معناه: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم تكتب ~~لهم حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وقال: هم الذين أدركهم الكبر. لا يؤخذون ~~بعمل عملوه في كبرهم وهم لا يعقلون. # وروي في معنى هذا الاستثناء أن العبد إذا كان في شبابه كثير فعل الخير، ~~ثم كبر وضعف عما كان يعمل، أجرى الله أجر ذلك العمل عليه تفضلا منه. # ومعنى: {غير ممنون}: غير منقطع. # وقيل: معناه لا يمن بذلك عليهم. # والأول أحسن. # وقال عكرمةك يوفيهم الله أجرهم ولا يؤاخذهم إذا ردوا إلى أرذل العمر. PageV12P8346 # وقال قتادة: معناه: أن من أدركه الكبر والهرم وكان يعمل عملا صالحا، كان ~~له مثل أجره. # وقال ابن عباس: {غير ممنون}: غير منقوص. # وقال مجاهد وإبراهيم: " غير [محسوب] ". وقيل: غير مقطوع. # وقيل: لا يمن عليهم (به). # ثم قال تعالى: / {فما يكذبك بعد بالدين}. # قال الفراء والأخفش: " ما " بمعنى " من "، والتقدير: فمن يكذبك يا محمد ~~بالجزاء والبعث بعد هذه الحجج والبراهين والآيات؟! وهو اختيار الطبري. كأنه ~~قال: فمن يقدر على تكذيبك - يا ms2866 محمد -[بأن] الناس يدانون بأعمالهم ويجازون ~~ويحاسبون.؟! PageV12P8347 # وقيل: " ما " على بابها. والمعنى: فما شيء يكذبك أيها المكذب؟! # أي: فأي شيء يحملك على التكذيب بالجزاء والبعث بعد ظهور الآيات ~~والبراهين؟! فيكون " يكذب - على هذين القولين - لغير النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهو قول مجاهد، وغيره. # وقال قتادة: عني به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معنى القول الأول أنه ~~خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: استيقن - مع جاءك من الله من ~~البيان - أني الله أحكم الحاكمين. # قال ابن عباس: (معناه): أليس الله - يا محمد - بأحكم من حكم؟! # قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام كان إذا قرأ هذا قال: بلى، ~~وأنا على ذلك من الشاهدين، ويقول: " بلى " في آخر القيامة، ويقول في آخر " ~~والمرسلات ": آمنت بالله وبما أنزل. # وقال بن جبير: كان يقول: " سبحانك اللهم، وبلى " في آخر " والتين ". PageV12P8348 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العلق مكية # قوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلى آخر السورة. # أي: اقرأ يا محمد بذكر ربك الذي خلق - ثم بين ما خلق، فقال: {خلق الإنسان ~~من علق}. # أي: من الدم والمراد: من علقة: " وعلق " جمع " علقة "، فجمع: لأن الإنسان ~~بمعنى الجماعة. ومعنى الباء اللزوم، أي: ألزم القرءاة بذكر ربك. PageV12P8349 # ثم قال: {اقرأ وربك الأكرم} أي: الأكرم من كل شيء. # روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي: الرؤيا [الصادقة]، كانت تجيء مثل ~~فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بحراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد ~~قبل أن يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى [فجئه] الحق فأتاه، فقال: يا محمد، ~~أنت رسول الله. قال رسول الله: فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم رجعت يرجف فؤدي، ~~ثم دخلت - يريد على خديجة - فقلت: زملوني، زملوني، حتى ذهب عني الروع ثم ~~أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. (قال): فلقد هممت أن أطرح نفسي من ~~حالق من جبل، PageV12P8350 # فتبدى لي حين هممت بذلك ms2867 فقال: يا محمد، أنا جبرئيل، وأنت رسول الله، ثم ~~قال: اقرأ. قلت: ما أقرا؟ # فأخذني [فغطني] ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: {اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق} فقرأت، فأتيت خديدة فقلت: لقد أشفقت على نفسي، وأخبرتها خبري، ~~فقالت: أبشر، فوالله لا يحزنك الله أبدا. والله إنك لتصل الرحم، وتصدق ~~الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتصبر على نوائب الحق. ~~قال: ثم انطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد فقالت: امسع من ابن أخيك. ~~فسألني، فأخبرته خبري. فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ابن عمران. ~~ليتني أكون فيها [جذعا]، ليتني أكون حيا [حين] يخرجك قومك. PageV12P8351 # قلت: [أمخرجي هم]؟! قال: نعم، إنه لم يجيء رجل قط بما جئت به إلا عودي. ~~ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن - ~~بعد " أقرأ " - {[ن] والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون} [القلم: ~~1 - 2]. حتى قرأ (إلى) {فستبصر ويبصرون} [القلم: 5]، (و) {يا أيها المدثر * ~~قم فأنذر} [المدثر: 1 - 2]. # {والضحى * والليل إذا سجى} [الضحى: 1 - 2]. # قال مجاهد وعطاء بن يسار وعبيد بن عمير وأبو رجاء [العطاردي]: أول PageV12P8352 # ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم: { اقرأ باسم ربك الذي خلق}، كقول ~~عائشة رضي الله عنه. # والرواية أنه إنما عليه من {اقرأ باسم ربك} إلى قوله {علم الإنسان ما لم ~~يعلم}، ثم نزل باقيها بعد: # {يا أيها المدثر} [المدثر: 1] و {يا أيها المزمل} [المزمل: 1]. # وقوله: {الذى علم بالقلم} أي: علم خلقه الكتاب والخط. # قال قتادة: القلم نعمة من الله جل وعز عظيمة، لولا ذلك لم يتم أمر ولم ~~يصلح عيش. # ثم قال: {علم الإنسان ما لم يعلم} أي: علمه الخط بالقلم وغيره، ولم يكن ~~يعلمه. # ثم قال: {كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى}. # قيل: " كلا " ردع ورد، ومعناها: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان! [ينعم] ~~عليه ربه بتسويته خلقه وتعليمه ما لم يكن يعلم ثم يكفر به! # ثم بين كفره من أين أتاه، ms2868 فقال: {كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى}. PageV12P8353 # أي: إن الإنسان إذا أحس بالغنى طغى واستكبر وكفر. فيوقف على " كلا " ~~[على] هذا التأويل. # قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا. # فأما طالب العلم فيزداد خيفة. قال الله/: {إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} [فاطر: 28]، وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانا. قال الله: {كلا إن ~~الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى}. # ويجوز أن [يكون] " كلا " بمعنى: " ألا "، فيبتدأ بها لأن المعنى الذي ~~يكون ردا لم يظهر لفظه في الآية، [فيبعد] أن [تكون] ردا لما (لم) ينص ~~قبلها. PageV12P8354 # [" ورأى "] هاهنا من رؤية القلب، دل على ذلك [تعدي] [الضمير] إلى المضمر، ~~ولو كان من رؤية العين لم يجز " رآه "، والفاعل هو المفعول. # وإنما كان يقال: " رأى نفسه "، " كضرب نفسه ". والمفعول الثاني [" الرأى ~~"]: " استغنى ". # ثم قال تعالى: {إن إلى ربك الرجعى}. # أي: إن إلى ربك - يا محمد - مرجع هذا الإنسان، فذائق من أليم عقابه ما لا ~~طاقة لا به. # ثم قال: {أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى}. # روي أن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، وذلك أنه قال: لئن رأيت ~~[محمدا] يصلي عند المقام لأطأن رقبته. وكان ينهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يطي. # فالمعنى: أرأيت يا محمد أبا جهل الذي ينهاك عن الصلاة؟! يعجب نبيه من جهل ~~أبي جهل وجرأته. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. # قال قتادة: كان يقال: لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل. PageV12P8355 # والجواب محذوف (لعلم [السامع]. فالمعنى والتقدير: أرأيت، يا محمد، الذي ~~ينهى عبدا إذا صلى، أمصيب هو، أم هو آمن من العقوبة؟! # والمعنى عند سيبويه: أخبروني عن هذا. # وقوله: {أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى}. # أي: أرأيت إن كان محمد على الهدى والرشاد في صلاته لربه، أليس الناهي ~~هالكا ملعونا؟! # ثم قل تعالى: {أو أمر بالتقوى}. # أي: أو أمر محمد هذا الذي ينهاه عن الصلاة [بالتقوى] فلم يقبل منه، أليس ~~هو مالكا معلونا؟! # ثم قال تعالى: {أرأيت إن ms2869 كذب وتولى}. # أي: إن كذب أبو جهل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه وأدبر ~~فلم يصدقه. # {ألم يعلم بأن الله يرى}. # [أي: ألم يعلم] أبو جهل بأن الله يراه فما صنع من نهيه عن الصلاة وتكذيبه ~~وإعراضه عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فيخاف أن تنزل به عقوبة من ~~الله؟! PageV12P8356 # ثم قال تعالى: {كلا لئن لم ينته}. # قيل: " كلا " رد وردع، والمعنى: لا يتهيأ لأبي جهل أن يتم له نهي النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن صلاته وعبادته ربه. # وقال الطبري: المعنى: ليس الأمر كما يقول إنه يطأ عنق النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أي: لا يقدر على ذلك ولا يصل إلكيه، فيوقف على " كلا " على ~~تقدير التقديرين. # ويجوز أن تكن " كلا " بمعنى " حقا ". وبمعنى " ألا "، فبيتدأ بها، إذ ليس ~~قبلها لفظ ظاهر تكون ردا له، وإنما يحسن الوقوف عليها إذا كان قبلها لفظ ~~منصوص يحسن أن يكون ردا له. والوقف عند القتبي على " كلا "، وعند أبي PageV12P8357 # حاتم: " يرى "، وهو الوجه الظاهر. # وقوله: {لئن لم ينته} تهدد ووعيد، أي: لئن لم ينته أبو جهل عن أذى محمد ~~{لنسفعا بالناصية} أي: [لنأخذن] بمقدم رأسه فلنقهرنه (ولنذلنه). # يقال: سفعت بيده، إذا أخذت بها. # وقيل: معناه: لنسودن وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه، إذا كانت ~~الناصية في مقدم الوجه. # وقيل: معناه: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال تعالى: {فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام} [الرحمن: 41]. # [واللام] في " لئن ": لام توطئة للقسم، وهي من [لامات] التأكيد. PageV12P8358 # [واللام] في " لنسفعا ": لام قسم. # ومعنى " توطئة " أنها تؤذن بإتيان القسم بعدها. # ثم قال تعالى: {ناصية كاذبة خاطئة} أي: كاذب صاحبها خاطئ، وهي بدل من ~~الأول. # ثم قال تعالى: {فليدع ناديه}. # أي: فليدع أبو جهل أهل مجلسه وأنصاره وعشيرته لنصرته. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [ انتهر أبا] جهل لما نهاه) عن الصلاة، ~~فقال أبو جهل: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟! فأنزل الله: PageV12P8359 # {فليدع ناديه}، أي: أهل ناديه، فإن دعاهم {سندع ms2870 الزبانية} (لهم). قال ابن ~~عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته. # قال أبو هريرة: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ # فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته. ~~قال: فما [فجئهم] منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. # قال: [فقيل له: مالك]؟! قال: إن بيني وبينه خندقا من نار [وهؤلاء]. # قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة ~~عضوا عضوا. # قال ابن عباس: {فليدع ناديه}، أي: " ناصره ". PageV12P8360 # وقال قتادة: عشيرته. # والنادي والندي: المجلس. # /والزبانية: ملائكة، وهم عند العرب الشرط، وهو مشتق من " زبنة " إذا ~~دفعة، كأنهم يدفعون الكفار إلى النار. وواحد الزبانية عند أبي عبيدة: ~~زبنية. # وقال عيسى بن عمر واحدهم: زابن. # وقال الأخفش: واحدهم: زباني. # وقال الكسائي: واحدهم: ربني. # قال عبد الله بن أبي الهذيل: " الزبانية أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في ~~السماء ". PageV12P8361 # ثم قال: {كلا لا تطعه}. # أي: ليس الأمر على ما يقول أبو جهل في نهيه إياك يا محمد عن الصلاة وطاعة ~~ربك، لا تطعه فيما أمرك به واسجد لربك واقترب منه بالدعاء والعمل الصالح في ~~السجود. # وفي الحديث: أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا، فأكثروا من الدعاء ~~في السجود، فقمن أن يستجاب لكم. # قال مجاهد: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ألم تسمعوا إلى قوله: ~~{واسجد واقترب}. PageV12P8362 # ويجوز أن تكون " كلا " بمعنى: " حقا "، وبمعنى: " ألا " فيبتدأ بها. وروى ~~ابن وهب عن رجاله أن أبا جهل كان يقول: لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن على ~~رقبته، فأمر الله نبيه بالسجود، فقال: {واسجد}، وقال لأبي جهل: " واقترب "، ~~على طريق التهدد، أي: اقترب من محمد إن كنت صادقا في قولك: فقيل لأبي جهل: ~~هذا محمد يسجد، فاقترب منه! فقال: ما أستطيعه، إن بيني وبينه كالفحل، لو ~~اقترتب منه لأهلكني. # هذه رواية ابن وهب، وفيها زيادة تفسير لما روي، وفيها بعض اختصار. PageV12P8363 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القدر مدنية # وقيل مكية # قوله ms2871 تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} إلى آخرها. # أي: إنا أنزلنا القرآن إلى السماء الدنيا جملة [واحدة] في ليلة القدر. ~~فهذا إضمار لم يتقدم له ذكر في السورة، لأنه قد (عرف)، وقيل: إنما جاز ذلك، ~~لأن القرآن كله كالسورة الواحدة. PageV12P8365 # وقيل: الهاء تعود على المنزل، ودل " أنزلنا " على المنزل، والمنزل هو ~~القرآن. # وليلة القدر [ليلة] الحكم التي يقضي الله جل وعز فيها قضاء (السنة)، ~~والقدر: مصدر [قدر] الله خيرا فهو يقدره قدرا. # يقال: ليلة القدر والقدر، والتقى القوم على قدر وعلى قدر، وهذا قدر الله ~~وقدره. وسميت ليلة القدر لتقدير الله فيها ما شاء من أمره. # قال ابن عباس: نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان على ~~السماء الدنيا، فكان الله - جل وعز - إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزل ~~منه حتى جمعه، وقال الشعبي وابن جبير. # (قال مجاهد: {ليلة القدر}: ليلة الحكم ". PageV12P8366 # قال ابن جبير: " يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء ~~آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ". # قال رجل للحسن: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان؟ فقال: نعم، والذي لا إله ~~إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها لللية يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقتضي ~~الله عز وجل كل أجل وكل عمل ورزق وخلق إلى مثلها. # وقيل: إنما سميت " ليلة القدر " على معنى ليلة الجلالة والتعظيم، من ~~قولهم: لفلان قدر. # وقد [تواترت] الأخبار أنها في العشر الأواخر من رمضان، أخفاها الله عز ~~وجل في العشر [ولم يعينها النبي صلى الله عليه وسلم] لئلا يفرط الناس من ~~العمل في غيرها والاجتهاد ويتكلوا على فضل العمل فيها. فهي أبدا في ليلة من ~~العشر الأواخر من رمضان. PageV12P8367 # وهي تختلف، مرة في [ليلة] سبع، ومرة في ليلة غيرها. # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت ليلة القدر، ثم ~~أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر ". # (وعنه صلى الله عليه وسلم: " فالتموسها في العشر الأواخر)، وفي الوتر ms2872 ~~منها، أو في السبع البواقي " شك الراوي. # وروى ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إلتمسوها في العشر ~~الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، أو سابعة تبقى، أو خامسة تبقى ". # وقال عبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد ~~أن يخبرنا PageV12P8368 # بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال رسول الله: " إني خرجت ~~إليكم وأنا أريد أن أخبركم [بليلة] القدر، فكان بين فلان وفلان لحاء فرفعت، ~~وعسى أن يكون خيرا، فالتموسها في العشر الأواخر في الخامسة والسابعة ~~والتاسعة ". # وقال أبو سعيد الخدري: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر ~~الوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي التي يخرج ~~فيها من اعتكافه، قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه ~~الليلة ثم أنسيتها. وقد [رأيتني] أسجد من صبيحتها في ماء/ وطين، فالتمسوها PageV12P8369 # في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر. قال أبو سعيد: فمطر السماء من ~~تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى ~~وعشرين ". وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنيسا أن يتوخاها ليلة ~~ثلاث وعشرين ". # وروى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كان متحريها ~~[فليتحرها] في ليلة سبع وعشرين ". PageV12P8370 # وعن ابن عباس أنه استدل على أنها ليلة سبع وعشرين بقوله: {سلام هي} فهي ~~الكلمة السابعة والعشرون من أول السورة، فكذلك ليلة القدر سبع وعشرين من ~~الشهر، وهذا استدلال فيه نظر إن صح عنه. # وقال كعب: والذي أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم أنها ليلة سبع ~~وعشرين، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( أخبر) [لها] بآية فقال: " إن ~~الشمس تطلع غدا تئذ كأنها طست ليس لها شعاع ". # " وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة [أن] تدعوا إذا وافقت ليلة القدر ~~فتقول: " اللهم إنك عفو تحب العفو ms2873 فاعف عني ". PageV12P8371 # ثم قال تعالى: {ومآ أدراك ما ليلة القدر} أي: وما أشعرك يا محمد أي شيء ~~ليلة القدر، على التعظيم لها. # ثم قال تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر}. # أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر قاله مجاهد ~~وغيره. وهو قول قتادة. وهو اختيار الطبري. # وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو ~~بالنهار حتى يمسي. يفعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله في هذه الأمة ليلة القدر ~~خير من ألف شهر، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل. # وقال الحسن بن علي بن أبي طالب: هي ألف شهر، وليت فيها بنو أمية، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أريهم على المنابر [فهاله] ذلك، فأحصيت ولا ~~يتهم بعد ذلك فكانت كذلك. PageV12P8372 # وقال بعض العلماء: معناه: خير من ألف شهر رمضان بصومه. # وقال: [قم] ليالي رمضان رجاء إصابة ليلة القدر، فإنها خير من ألف شهر ~~رمضان تصومها. # ثم قال: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم}. # (الروح: جبرائيل عليه السلام، أي تتنزل الملائكة وجبرائيل معهم فيها بأمر ~~بهم) من كل أمر، فيه الآجال [والأرزاق] والأعمال إلى السماء الدنيا. وهذا ~~هو التمام عند كثؤر من النحويين. [وهو] قول الفراء. وقاله نافع. PageV12P8373 # وقال قتادة: {من كل أمر}، قال: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها. ~~فعلى هذا المعنى، / يكون التمام: " من كل أمر ". # وقال ابن عباس: معنى [ذلك]: تنزل الملائكة وجبرائيل معهم في ليلة القدر ~~بإذن ربهم، أي: [نزولهم] بإذن ربهم. # قال ابن عباس: لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه. # وكان ابن عباس: (يقرأ " من) كل امرئ " فيكون معناه: إنهم يتنزلون في ليلة ~~القدر بإذن ربهم من كل ملك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات. # (وقال الشعبي: من كل امرئ من الملائكة سلام على المؤمنين والمؤمنات)، PageV12P8374 # على قراءة ابن عباس. # وقيل: " من " بمعنى الباء، أي: تنزل الملائكة والروح فيها بكل أمر بإذن ~~ربهم. # ومعنى: {سلام هي} - على ms2874 قراءة الجماعة - سلام من الشر كله ليلة القدر إلى ~~طلوع الشمس. # وقال قتادة: {سلام هي} أي خير هي حتى مطلع الفجر. # قال ابن زيد: " ليس: فيها شر، هي خير كلها] حتى مطلع الفجر. وسلام - على ~~قراءة الجماعة -: خير. هي، على معنى: هي ذات سلامة. # و" سلام " على قراءة ابن عباس مرفوع بالابتداء، وما قبله الخبر. # و" المطلع " بالفتح: المصدر، أي إلى طلوع الفجر. PageV12P8375 # وحكى الفراء كسر اللام عن العرب وهم يريدون المصدر، كما قالوا " أكرمتك ~~كرامة " يريدون إكراما، و " أعطيتك عطاء " يريدون إعطاء. ومثله " المشرق " ~~بالكسر يريدون به المصدر، والعرب تقول: شرقت الشمس مشرقا - بالكسر -، ~~يريدون شروقا، والأصل فيه الفتح، ومثله المغرب والمنبت [والمجزر] والمسكن ~~والمنسك والمعشر والمسقط. # هذه الأحد عشر [تقال] بالفتح والكسر في المصدر، والفتح الأصل، [لأن ما] ~~كان (على) " فعل يفعل " بالضم، فالمصدر منه واسم المكان " مفعل " (بالفتح). PageV12P8376 # وقد كان يجب أن يكون اسم المكان بالضم، / إلا أنه ليس في الكلام " مفعل " ~~بالضم، فرد إلى الفتح، لأنه أخف من الكسر، فاستوى المصدر واسم المكان. # والدليل على أن أصل أسم المكان عنه الضم: أن اسم المكان من فعل يفعل بكسر ~~العين مفعل بالكسر، نحو المجلس، إلا أن العرب قد قالت: " مطلع " بالكسر ~~للمكان الذي تطلع فيه الشمس، سماعا بغير قياس. # وقال بعضهم: " مطل " أيضا في المصدر بالكسر، والأصل الفتح في ذلك. PageV12P8377 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة لم يكن مكية # قوله: {لم يكن الذين كفروا} إلى آخرها. # معناه: لم يكن الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان منتهين عن ~~كفرهم حتى يأتيهم القرآن. # قال مجاهد: معناه: لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق. # وقيل: معناه: لم يكونوا تاركين ما عندهم من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ~~حتى يظهر، فلما PageV12P8379 # ظهر تفرقوا واختلفوا. # وقال عطاء: لم يكونوا زائلين عما هم عليه حتى [يجيئهم] الرسول (فبين لهم ~~ضلالهم. # وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين إلا إذا جاءهم الرسول، لأنهم فارقوا ما ~~كان عندهم من صفة الرسول) وكفروا بعد البيان، فيكون ms2875 {منفكين} على هذا من: ~~انفك الشيء [من الشيء]، إذا فارقه، فلا [يحتاج] إلى خبر، وعلى القول الأول ~~- وهو بمعنى زائلين -[فيحتاج] إلى خبر. وإنما عطف " المشركين " على " أهل " ~~ولم يعطفوا على " الذين كفروا " فيرفعوا، لأن المعنى يتغير، فيصير الصنفان ~~كلاهما من PageV12P8380 # أهل الكتاب الذين كفروا والمشركين، وليس كذلك هما، إنما هما صنفان: كفار ~~من أهل الكتاب ومشركون من عبدة الأوثان، فلا بد من العطف على " أهل "، ~~فبذلك يتم المعنى، ويكون الذين كفروا (من أهل الكتاب) غير المشركين من عبدة ~~الأوثان. ولو رفعت " المشركين " لصار الجميع كلهم من أهل الكتاب، وليس ~~المعنى على ذلك. # وقوله: {حتى تأتيهم البينة} أي: حتى يأتيهم محمد صلوات الله عليه. وقد ~~بين البينة ما هي، فقال: {رسول من الله} " فرسول " بدل من " البينة ". وفي ~~حرف أبي: " رسول " بالنصب على الحال. # وقوله: {يتلوا صحفا مطهرة} هو من نعت " رسول "، أي: يقرأ صحفا مطهرة من ~~الباطل، [وهي] القرآن. # ثم قال: {فيها كتب قيمة} أي: في الصحف كتب من الله عادلة مستقيمة لا خطأ ~~فيها. PageV12P8381 # ثم قال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءتهم البينة}. # أن أمر محمد أنه نبي مرسل إلى [الخلق]، فلما بعثه الله نبيا تفرقوا فيه، ~~فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم، وقد كانوا قبل أن يبعث غير متفرقين في أمره ~~أنه نبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى ذكره: {ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء}. # أي: وما أمر أهل الكتاب إلا ليعبدوا الله وحده مفردين له بالطاعة لا ~~يخلطونها بشرك، فأشركت اليهود بربها فقالت: {عزير ابن الله} [التوبة: 30]، ~~وأشركت النصارى [فقالت: {المسيح ابن الله} [التوبة: 30]. # وجحد جميعهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # ومعنى: " حنفاء ": مائلين عن كل دين إلى دين الإسلام. أي: وما تفرق ~~اليهود والنصارى في أمر محمد فكذبوا به إلا من بعدما جاءهم ببيا. PageV12P8382 # قال ابن عباس: {مخلصين له الدين حنفآء}، يقول: حجاجا مسلمين، (يقول): ~~ليحجوا ويقيموا الصلاة [ويؤتوا] الزكاة. # قال قتادة: " [الحنيفية] الختان، وتحريم ms2876 الأمهات والبنات والأخوات ~~والعمات والخالات، والمناسك ". # وقال الضحاك: هو الحج. # وأصل الحنف في اللغة: الميل، فقيل للمائل عن الأديان إلى دين الإسلام ~~ميلا لا خلل فيه: " حنيف " وقد تقدم ذكره. # وقال الفراء: اللام في " ليعبدوا " لام " أن "، وهي لام " كي " عند ~~البصريين، PageV12P8383 # أي: أمروا بهذا كي يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. # و" مخلصين " و " حنفاء " نصب على الحال. # ثم قال: {ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة}. # أي: وأمروا بإقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة المفروضة، يخلصون فعل ~~ذلك لله لا يريدون به غير الله. # روى ابن وهب - (يرفعه) إلى أبي تمامة - قال: [قال] الحواريون لعيسى: ~~أخبرنا من المخلص لله. قال: الذي يعمل (لله)، لا يحب أن يحمده الناس عليه، ~~قالوا: فمن الناصح لله؟ قال: الذي يبدأ/ بحق الله قبل حق الناس، ويؤثر حق ~~الله على حق الناس، وإذا عرض له (أمران) أمر الدنيا وأمر الآخرة بدأ بأمر PageV12P8384 # الآخرة، ثم تفرغ لأمر الدنيا. # ثم قال: {وذلك دين القيمة}. # أي: وهذا الذي أمروا به هو دين المهلة المستقيمة ودين الجماعة المستقيمة ~~لا يتم دين الإسلام إلا بذلك. # وهذا نص واضح على أن الإيمان قول وعمل بخلاف ما قاله المرجئة أن الإيمان ~~قول لا غير، وقد قال تعالى: " {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] ~~"، وبين هاهنا أن أقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإخلاص العمل لله هو الدين ~~المستقيم العادل. # ثم قال: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم} # أي: إن الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى ومن ~~عبدة الأوثان كلهم في نار جهنم خالدين فيها أبدا لا يخرجون ولا يموتون. # {أولئك هم شر البرية}. # ي: هم شر من خلق الله. # ثم قال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات}. # [أي]: آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب وغيرهم وعملوا (الأعمال) PageV12P8385 # الصالحات مخلصين لله حنفاء، أولئك خير من خلق الله. # قال أنس: " سمعت رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك إبراهيم ms2877 صلى الله عليه وسلم " وقد تعلق من ~~فضل بني آدم على الملائكة {خير البرية}، وغلط في ذلك، إنما معناه: خير ~~البرية ممن برأ الله في الأرض من الجن والإنس، فالملائكة غير داخلين في ~~ذلك، دليله قوله تعالى حكاية عن إبليس إذا قال لآدم وحواء: {ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} # [الأعراف: 20]: أتراه قال لهما: أن تكونا [دون] من حالكما؟! فلو كان ذلك ~~ما رغبا في الأكل منها، وإنما أكلاها طمعا أن يكونا أشرف من حالهما فيكونا ~~ملكين. # وقد قال الله تعالى لنبيه محمد: {قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} [الأنعام: 50]. # أتراه أمره أن ينفي عن نفسه منزلة جليلة، أو منزلة دون منزلته؟! بل ما ~~[نفى] عن نفسه إلا منزلة رفيعة. # وكذلك قال نوح لقومه: {ولا أقول لكم إني ملك} [الأنعام: 50]، وهو كثير في PageV12P8386 # القرآن ظاهر في فضل الملائكة على بني آدم. # وقد قال (في قصة عيسى: {ولا الملائكة المقربون} [النساء: 172]، فإنما ذكر ~~الله أنه لا يستنكف عنه) أن يكون عبدا له المسيح ولا من هو أشرف منزلة منه ~~وهم الملائكة المقربون. # وأيضا فإن الملائكة صنف من خلق الله، وبنو آدم صنف، فلا يقع التفاضل بين ~~صنفين مختلفين، وإنما يقع التفاضل بين بعض الصنف وبعض. # [ولعمري]، إن هذه المسألة من المسائل التي يكره للعلماء الكلام (فيها)، ~~ولولا ما كثير الكلام فيها ما ذكرتها، ولكان السكوت عنها أحسن من الكلام، ~~لأن الله لم يتعبدنا بذلك، أسأل الله التوفيق والعفو عن [الزلل] بمنه ~~وفضله. # ثم قال: {جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار}. # أي: ثواب هؤلاء الذين آمنوا وعملوا [الصالحات] عند ربهم يوم القيامة PageV12P8387 # بساتين إقامة لا زوال منها ولا انتقال، تجري من تحت أشجارها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا لا يخرجون عنها ولا يموتون، {رضى الله عنهم} [بطاعتهم ~~له]، {ورضوا عنه} بما أعطاهم من النعيم وبما نجاهم منه من العذاب. # ثم قال: {ذلك لمن خشي ربه}. # أي: هذا ms2878 الجزاء الذي ذكر ووصف هو لمن خاف الله في الدنيا سرا وعلانية، ~~واتقاه بأداء فرائضه واجتنابه محارمه. PageV12P8388 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزلزلة مكية # قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} إلى آخرها. # العامل في " إذا " قوله (زلزلت)، وهي للشرط، فلذلك عمل فيها ما بعدها. ~~ولو لم تكن للشرط لكانت مضافة إلى الجملة التي بعدها، فلا يجوز حينئذ أن ~~يعمل فيها ما أضيفت إليه، إذ لا يعمل المضاف في المضاف إليه، كما (لا) يعمل ~~بعض الشيء في بعضه، وحسن كونها للجزاء، لأن بعدها فعلا غير معرب، فصار ~~الجزاء في المعنى دون العمل في اللفظ. # وقوله: {زلزالها} مصدر، (كما) تقول: " أكرمتك كرامتك "، / وأضيف PageV12P8389 # [المصدر] إلى ضمير لتتفق رؤوس الآي. # والكسائي والفراء يذهبان إلى أن الزلزال مصدر بالكسر، والزلزال بالفتح ~~اسم. # وقد قرأ الجحدري {زلزالها} بالفتح، وكذلك: {وزلزلوا زلزالا شديدا} ~~[الأحزاب: 11]. # والمعنى: إذا زلزلت الأرض، أي: حركت ورجت لقيام الساعة. # ثم قال تعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها}. # أي: ما في بطنها من الموتى فألقتهم أحياء على ظهرها. قال ذلك ابن عباس ~~ومجاهد وابن جبير وغيرهم. # ثم قال تعالى: {وقال الإنسان ما لها} اي: وقال الكافر: ما بالها؟ ما ~~قصتها؟ # وقال الطبري " الإنسان " هنا يراد به الناس، يقولون: ما قصتها إذا زلزلت؟ PageV12P8390 # ثم قال: {يومئذ تحدث أخبارها} [أي]: يقول الله جل ذكره لها: قولي: فتقول: ~~إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي [ربي] فأخرجت ما في بطني من بني آدم. هذا ~~معنى قول ابن مسعود أنها تتكلم فتقول ذلك. # وكان ابن جبير يقرأ: " يومئذ تبين أخبارها " [على معنى: تبين ما في بطنها ~~فتجعله على ظهرها. # وكان الطبري يختار في معناها: يومئذ تبين أخباره] بالزلزلة والرجة وإخراج ~~الموتى من بطنها إلى ظهرها [بوحي] الله إليها وإذنه لها في ذلك. وهو معنى ~~قوله: {بأن ربك أوحى لها}. # وقيل: معناه: يومئذ تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها [تحدث] الأرض PageV12P8391 # أخبار من كان عليها من أهل الطاعة وأهل المعصية وما عملوا على ظهرها في ~~الدنيا من خير أو شر. # قال سفيان ms2879 {تحدث أخبارها} " هو ما عمل عليها من خير أو شر ". # قال سفيان: " بأن [ربك] أوحى لها "، أي: أعلمها بذلك. # قال ابن زيد: {وحى}، أي: أوحى إليها. # قال ابن زيد: " تحدث أخبارها " هو " ما كان فيها وعلى ظهرها من أعمال ~~العباد ". # وقال مجاهد: " تخبر الناس بما عملوا عليها ". # ومعنى: {وحى لها}: أفهمها وألهمها. # (ثم قال تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم}. # (أي): إن ربك) أوحى (لها) ليروا أعمالهم، يرى المحسن جزاء PageV12P8392 # حسناته، والمسيء عقاب سيآته. يومئذ يصدر الناس من موقف الحساب متفرقين، ~~فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار. # فمعنى: {يصدر}: يرجع. والعامل في " يومئذ " " يصدر "، والام في " ليروا " ~~متعلقة " بأوحى " على هذا التقدير. # وقال عباد بن كثير: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: " ليروا " ~~[بفتح] الياء، (أي) [ليرى] الناس جزاء أعمالهم. # ثم قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}. PageV12P8393 # [خيرا] منصوب على البيان أو على البدل من " مثقال ذرة ". # أي: فمن يعمل في الدنيا وزن ذرة من خير يرى ثوابه في الآخرة. # ومن يعمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه في الآخرة. # قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر يعمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلا أراه ~~الله إياه. فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته، فيغفر الله له سيئاته ويثيبه ~~على حسناته. وأما الكافر فيرد حسناته ويعذبه على سيئاته. # وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير يره، هذا في الدنيا. ~~يعني أن كل كافر يرى الثواب عمله الحسن في الدنيا في نفسه وماله وأهله ~~وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له (عند الله خير، {ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره}، هذا في الدنيا، يعني أن كل مؤمن يرى عقوبة سيئاته في الدنيا في نفسه ~~وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه) شيء. PageV12P8394 # وقال أيوب: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت {ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره} وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا ms2880 رسول الله، إني [لراء] ما ~~عملت من خير وشر؟ فقال: أرأيت ما رأيت مما تكره؟ فهو من مثاقيل ذرة (الشر، ~~ويدخر مثاقيل ذرة) الخير حتى يوم القيامة. وتصديق (ذلك) في كتاب الله: " ~~وما أصابكم من مصيبة [بها] كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ". # وقال الشعبي: " قالت عائشة رضي الله عنه: يا رسول الله، إن عبد الله بن ~~جدعان كان PageV12P8395 # في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، ويفعل. . . فهل ذلك نافعة؟ قال: ~~لا ينفعه، إنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ". # وروى قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز ~~وجل لا يظلم المؤمن/ حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجازى بها في ~~الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، [فإذا كان] يوم القيامة لم تكن ~~له حسنة ". # وروى [سلمان] الفارسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال): " دخل رجل PageV12P8396 # النار في ذباب، ودخل آخر الجنة في ذباب. قال: مر رجل بقوم ولهم آلهة: ~~فقالوا: أقرب لألهتنا شيئا. قرب ولو ذبابا، فقرب [ذبابا]، فدخل النار. ومر ~~رجل آخر فقالوا: [ألا تقرب] لآهلتنا شيئا؟ ولو ذبابا؟! فقال: لا، فقتلوه ~~فدخل الجنة ". # وروى نصير عن الكسائي: أنه كان يقرأ (خيرا يره وشرا يره) بضم. # وإنما قال تعالى ذكره: {فمن يعمل} وهو خبر عما في الآخرة، لأن السامع قد ~~فهم المعنى، ومعناه: فمن عمل. ودل على أن ذلك إنما هو في الآخرة قوله: ~~{يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم}. # وقيل: إنما جاء " يعمل " بلفظ المستقبل للحث لأهل الدنيا على العمل بطاعة ~~الله [والزجر] عن معصيته. PageV12P8397 # وروي أن [سلمان] قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف ينفلت ابن آدم ~~ممن ووزن الجبال، وكال المياه، وعد التراب؟! # وقال طاوس: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} من أهل الأديان غير الإسلام، ~~ما عمل منهم أحد مثقال ذرة من خير إلا كوفئ بها في الدنيا في بدنه وماله ~~وأهله حتى يموت وما بقي له مثقال ذرة من خير، {فمن ms2881 يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره} قال: من المؤمنين [قوم] يكافأون في الدنيا بالمصيبة في أبدانهم ~~وأموالهم وأهليهم حتى يموت أحدهم ما بقي عليه مثقال ذرة من شر، فهذا يجعل ~~الآيتين في المجازاة في الدنيا. PageV12P8398 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة و العاديات مكية # في رواية مجاهد عن ابن عباس وعنه أنها مدنية. # قوله: {والعاديات ضبحا} إلى آخر السورة. # قال ابن عباس ومجاهد: هي الخيل تعدو وهي [تحمعهم]. # وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: هي الإبل تغدو من عرفة إلى المزدلفة ~~ومن مزدلفة إلى منى. # وقال محمد بن كعب القرظي: " العاديات ضبحا " الدفع من عرفة، {فالموريات ~~قدحا} إلى المزدلفة، {فالمغيرات صبحا} تغير حين تصبح، {فأثرن به نقعا * ~~فوسطن به جمعا} هي يوم منى. PageV12P8399 # [وممن] قال هي الإبل أيضا: ابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن [عمير]. # وقال عكرمة: " والعاديات ضبحا " الفرس يصبح إذا جرى. # وقال عطاء الخراساني: " ليس شيء من الدواب يضبح غير الكلب والفرس ". # وقال قتادة ومجاهد: هي الخيل تضبح. وهو قول سالم والضحاك. وهو اختيار ~~الطبري، قال: " لأن الإبل (لا) تضبح، إنما تضبح الخيل. # وقال أبو صالح: الضبح من الخيل [الحمحمة]، ومن الإبل التنفس. PageV12P8400 # قال قتادة: [تضبح] إذا عدت، أي: [تحمحم]. # قال الفراء: الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سرية إلى بني كنانة، فأبطأ عليه ~~خبرها، فنزلت: {والعاديات ضبحا} بخبرها. # فهذا يدل على (أن) السورة مدنية. # وقيل: إن من قال هي الإبل، جعل [الحاء بدلا] من عين، والأصل " ضبعا " ~~يقال: ضبعت الإبل. PageV12P8401 # وقوله تعالى: {فالموريات قدحا}. # قال عكرمة: هي الخيل. # [قال الكلبي]: تقدح بحوافرها حتى يخرج من حوافرها النار. # وقال عطاء: " أورت النار بحوافرها ". # وقال ابن عباس: سألني علي عليه السلام عن " العاديات ضبحا فالموريات قدحا ~~" فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصعنون طعامهم ~~ويورون نارهم. # وعن ابن عباس أن قوله: {فالموريات قدحا}، عنى بذلك مكر الرجال. # وقاله مجاهد، [جعلاه] مثلا للمكر. # وقال عكرمة: " هي الألسنة ". PageV12P8402 # وقال ms2882 عبد الله: هي الإبل تنسف بمناسمها الحصى فتضرب بعضه ببعض [فتخرج] ~~منه النار. # ثم قال تعالى: {فالمغيرات صبحا}. # قال ابن عباس: هي " الخيل تغير في سبيل الله " وقاله مجاهد وعكرمة. # وقال قتادة: " أغار القوم بعدما أصبحوا على عدوهم ". # وقال إبراهيم: هي الإبل حين يقبضون من جمع. # وكان زيد بن أسلم يتوقف عن تفسير هذه الأحرف ويقول: هي قسم أقسم الله ~~بها. # ثم قال تعالى: {فأثرن به نقعا}. # الهاء كناية عن الوادي وإن كان لم يتقدم لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى، ~~وقيل: PageV12P8403 # عن المكان، والنقع؟ العبار، فقد علم أنه لا يكون إلا في مكان، فأظهر ~~المكان لعلم السامع به. والضمير في " أثرن " للخيل في قول مجاهد وعكرمة. ~~وقال علي عليه السلام: هي الإبل [تثير] الغبار حتى تطأ/ الأرض بأخفافها. # ثم قال تعالى: {فوسطن به جمعا}. # أي: فتوسطن بركبانهن جمع القوم، قال عكرمة: " جمع الكفار " قال ابن عباس: ~~" (هو) جمع القوم " وقال عطاء: (هو) " جمع العدو ". # وقال مجاهد: " جمع هؤلاء وهؤلاء ". # وقال الضحاك: جمع الكتيبة. PageV12P8404 # وقال عبد الله: {فوسطن به جمعا} " يعني مزدلفة ". # وانتصب " ضبحا "، لأنه مصدر في موضع الحال، وانتصب " قدحا " على المصدر، ~~وانتصب " صبحا " على الظرف. # ثم قال تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود} أي: إن الكافر لنعم ربه لكفور. ~~يقال: أرض كنود: التي لم تنبت شيئا. # قال ابن عباس: ومجاهد، والحسن وقتادة: الكنود: الكفور. # وقال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى نعم ربه. # وقال أبو أمامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما الكنود؟ ~~قلنا: [لا]، يا PageV12P8405 # رسول الله، قال: الكنود: الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ~~". # وعن الحسن أيضا: الكنود: الأليم لربه، [يعد] المصائب، وينسى الحسنات. # وعنه أيضا: الذي يذكر المصائب وينسى نعم ربه. # ثم قال تعالى: {وإنه على ذلك لشهيد}. # أي: وإن الله على كفر الإنسان لربه لشهيد، أي: شاهد. PageV12P8406 # ثم قال: {وإنه لحب الخير لشديد}. # [أي]: وإن الإنسان لحب الدنيا والمال الشديد الحب. وفي الكلام تقديم ~~وتأخير. والتقدير فيه: إن الإنسان لربه ms2883 لكنود، وإنه لحب الخير لشديد، وإنه ~~على ذلك لشهيد. # قال قتادة: هذا من مقاديم الكلام. # ثم قال تعالى: {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور}. # أي: أفلا يعلم الإنسان الذي تقدم ذكره {إذا بعثر ما في القبور}، أي: أخرج ~~ما فيها من الموتى [وأثير]. # يقال: بعثر وبحثر بمعنى، أي [أثير] وأخرج. # وفي مصحف عبد الله: " وبحث ". # قال ابن عباس: " بعثر ": " بحث ". # ثم قال تعالى: {وحصل ما في الصدور}. # أي: [بين] وميز. PageV12P8407 # وقال ابن عباس: " حصل "، (أي): أبرز. # وقال سفيان: " حصل " " ميز "، أي: بين وميز فيها من خير وشر. # ثم قال تعالى: {إن ربهم بهم يومئذ لخبير}. # [أي]: بأعمالهم وأسرارهم يومئذ لذو خبر، وعلم لا يخفى عليه منها شيء، وهو ~~مجازيهم على (جميع) ذلك يومئذ. PageV12P8408 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القارعة مكية # قوله تعالى: {القارعة * ما القارعة} إلى آخرها. # القارعة هي الساعة تقرع قلوب الناس من هولها وعظيم ما ينزل بهم من البلاء ~~عندها، وذلك صبيحة ليلة لا ليل بعدها. قال ابن عباس: القارعة: " " من أسماء ~~يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده ". # وقوله: {ما القارعة}، " ما " استفهام فيه معنى التعظيم والتعجب من هولها، ~~يعجب سبحانه عباده من عظم [هولها]. المعنى: أي شيء القارعة يا محمد؟! ما ~~أعظمها وأفظعها وأهولها. # ثم قال تعالى: {ومآ أدراك ما القارعة}. # أي وما أشعرك يا محمد أي شيء القارعة؟! ثم بينها تعالى فقال: {يوم يكون ~~الناس كالفراش المبثوث}. # فالعامل في " يوم " " القارعة "، أي القارعة يومض يكون (الناس) على هذا PageV12P8409 # الحال. و " القارعة " رفع بالابتداء، " وما " ابتداء ثان. # والقارعة خبر " ما "، والجملة خبر عن " القارعة " الأولى. # وقوله: {ومآ أدراك ما القارعة} " ما " ابتداء أيضا، و " أدراك " فعل ماضي ~~وضمير مفعول، " ما القارعة " ابتداء وخبر في موضع نصب مفعولا ثانيا " ~~لأدراك "، والجملة خبر " ما " الأولى. # والفراش: (هو) ما تساقط في النار وفي السراج، ليس [بذباب] ولا بعوض. # وقال الفراء: هو غوغاء الجراد يركب بعضه بعضاص، [فكذلك] يوم القيامة يجول ~~بعضهم في بعض. # والمبثوث: المنتشر المتفرق. # (وقيل): إنما شبههم ms2884 بالفراش، لأن الفراش إذا ثار لم يأخذ جهة واحدة، PageV12P8410 # بل يدخل بعضه في بعض، فشبه الناس - إذا بعثوا وفزعوا واختلف مقاصدهم من ~~الحيرة - بالفراش، فإذا سمعوا الداعي استقاموا نحوه، فهم في تلك الحال ~~مشبهون بالجراد. التي تقصد إلى ناحية في طيرانها، وهو قوله: {كأنهم جراد ~~منتشر} [القمر: 7]، فهما صفتان للخلق يوم القيامة في موطنين: إحداهما عند. ~~البعث، والأخرى. عند سماع النداء. # ثم قال تعالى: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش}. # أي: كالصوف المنفوش. # وفي حرف عبد الله: " كالصوف "، وبه قرا ابن جبير. العهن: جمع عهنة، كصوفة ~~وصوف. وهو عند أهل اللغة: المصبوغ من الصوف. PageV12P8411 # ثم قال تعالى: {فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية}. # أي: فأما من [ثقل] وزنه وزن حسناته. # قال مجاهد/: ليس ثم ميزان، وإنما هو (مثل) ضرب. وأكثر الناس على أن ثم ~~ميزانا توزن به (أعمال) العباد كيف شاء الله وعلى ما شاء. [نقول] كما قال، ~~ونوجب ما أوجب، ونؤمن بما في كتاب الله، ولا نتقدم بين يدي الله، ولا ~~نعترض، ولا نكيف ما لا علم (عندنا) منه، ولا نحده. # ثم قال: {فهو في عيشة راضية}. # أي: في عيش قد رضيه في الجنة. وتقديره في العربية: فهو في عيشة ذات رضى، ~~على النسب. # ثم قال تعالى: {فأما من ثقلت موازينه}. # أي: وزن حسناته. # {فأمه هاوية}. PageV12P8412 # أي: مأواه ومسكنه الهاوية، وهي جهنم. قيل لها الهاوية، لأنه يهوي فيها ~~على رأسه. # قال قتادة: {فأمه هاوية}: هي النار، وهي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع ~~في أمر شديد فقالوا: هو أمه. # ويروى أن الهاوية اسم للباب الأسفل من النار نعوذ بالله (منها - وهي) ~~الدرك الأسفل، وأبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض، أولها جهنم، والثاني: لظى، ~~والثالث: الحطمة، والرابع: السعير، والخامس: الجحيم، والسادس: سقر، والسابع ~~الهاوية. أعاذنا الله منها. # وروي أن المؤمن إذا مات ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيقولون: (روحوا ~~أخاكم، فإنه كان في غم الدنيا، ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما ~~جاءكم؟ فيقولون): ذهبوا به إلى أمه الهاوية ms2885 ". PageV12P8413 # وإنما جعلت النار أمه، لأنها صارت مأواه كما تؤوي المرأة (ابنها، فصارت) ~~لهم كالأم، إذ لا مأوى لهم غيرها. # وقال الخفش (سعيد): {فأمه}: مستقره. وقيل: أمه: أصله. وهاوية: بمعنى ~~هالك، وأم الشيء: أصله [ومعظمه]. # ثم قال تعالى: {ومآ أدراك ما هيه}. # أي: وأي شيء أشعرك يا محمد ما الهاوية؟!، ثم بين فقال: {نار حامية} أي: ~~هي نار حامية. PageV12P8414 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التكاثر مكية # قوله تعالى: {ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر} إلى آخرها. # أي: ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد (عن طاعة الله حتى). # تعاددتم وتفاخرتم بأهل المقابر. # روي أن بني عبد مناف وسهما تكاثروا (بالأحياء، فكثر بنو عبد مناف سهما، ~~ثم تكاثروا) بالأموات، (فكثرتهم سهم)، فأنزل الله جل ذكره: {ألهاكم التكاثر ~~* حتى زرتم المقابر} [أي]: حتى تعاددتم وتكاثرتم بالموتى. PageV12P8415 # قال قتادة: كانوا يقولون: (نحكن أكثر من بني فلان، ونحن أعز من بني ~~فلان). وهمي كل يوم يتساقطون - أي: يموتون - قال: فوالله ما زالوا كذلك حتى ~~صاروا من أهل القبول كلهم. وفمعنى {[حتى] زرتم المقابر} على هذا) القول: ~~حتى صرتم من أهل المقابر ولم تقدموا عملا صالحا. # فالمعنى اشتغلتم بالدنيا والتكاثر من الأموالم فيها حتى متم ولم تقدموا ~~لأنفسكم عملا صالحا. # وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه انتهى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يقول: {ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر}: ابن آدم: ليس لك ~~من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. # وقال أبي بن كعب: كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن " [لو أن] لابن آدم ~~[واديين] من مال لتمنى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله ~~على PageV12P8416 # من يشاء، حتى نزلت هذه السورة: {ألهاكم التكاثر} إلى آخرها. # ثم قال تعالى: {كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون}. # هذا وعيد وتهدد من الله لهم، وفيه دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأنه ~~الله أخبر عن هؤلاء القوم أنهم سيعلمون ما يحل بهم إذا زاروا المقابر، ms2886 أي: ~~إذا ماتوا. # قال علي ابن أبي طالب عليه السلام: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه ~~السورة. # وقوله: " كلا ": أجاز قوم الوقف عليها على معنى: ما هكذا ينبغي أن يلهيكم ~~التكاثر عن الآخرة! والوقف عند أبي حاتم على " المقابر " ويبتدأ " بكلا " ~~على المعنى: " حقا "، أو بمعنى: " ألا ". والوقف عند محمد بن عيسى على " ~~كلا "، والمعنى عنده: لا ينفعكم التكاثر، ثم يبتدأ: {سوف تعلمون} أي: سوف ~~تعلمون عاقبة اشتغالكم ولهوكم في الدنيا عن طاعة الله. PageV12P8417 # ثم قال تعالى: {ثم كلا سوف تعلمون}. # هذا تكرير فيه تأكيد التهدد والوعيد [والتخويف]، وهو قول الفراء. # والقول في " كلا " - في هذا - كالقول الأول. # وقال الضحاك: {ثم كلا سوف تعلمون} للكفار، {ثم كلا سوف تعلمون} للمؤمنين، ~~[يعني] العصاة من المؤمنين. # ثم قال/ تعالى: {كلا لو تعلمون. # . .}. # القول في " كلا " كالقول في الأول والاختلاف كالاختلاف. والمعنى: لو ~~تعلمون أيها الناس علما يقينا أن الله باعثكم يوم القيامة ما ألهاكم ~~التكاثر عن طاعة ربكم. PageV12P8418 # قال قتادة: " كنا نحدث أن علم اليقين أن نعلم أن الله باعثه بعد الموت ". # وجواب " لو " محذوف، والتقدير: لو تعلمون أنكم مبعوثون يوم القيامة ~~[فمحاسبون]، لمات [تكاثرتم] في الدنيا بالأموال وغيرها. # قال الكسائي: جواب " لو " في أول (هذه) السورة: لو تعلمون علم اليقين ~~أنكم مبعوثون لما ألهاكم التكاثر. # أي: لترون أيها المشركون نار جهنم يوم القيامة، واللام لام قسم. # {ثم لترونها عين اليقين}. # أي: عيانا لا تغيبون عنها. قال ابن عباس: " يعني أهل الشرك ". # ثم قال تعالى ذكره: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}. # أي: ثم ليسألنكم الله عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا ماذا عملتم فيه؟ ~~من أين وصلتم إليه؟ وفيم أفنيتموه؟. # قال ابن مسعود ومجاهد والشعبي وسفيان: النعيم هو " الأمن " والصحة ". PageV12P8419 # وقال ابن عباس: " هو صحة البدن والأسماع والأبصار. قال: يسأل الله عز وجل ~~العباد فيما [استعملوها] وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله: {إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36]. # [وقال] الحسن: النعيم: " السمع والبصر وصحة البدن ms2887 ". # وقيل: هو العافية. # وقال [ابن جبير]: هو ما تلذذ به الإنسان من طعام وشراب. # وروي عنه أنه " [أتي] بشربة عسل فشربها وقال: هذا النعيم الذي تسألون ~~عنه. # وقال جابر بن عبد الله: " أتانا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهم، فأطعمناهم رطبا وسقيناهم ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: هذا من [النعيم] الذي تسألون عنه ". PageV12P8420 # وروى أبو هريرة " (أن النبي صلى الله عليه وسلم) قال لأبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهم: انطلقوا بنا إلى أبي الهيثم بن [التيهان] الأنصاري، [فأتوه]، ~~فانطلق بهم إلى ظل حديقة فبسط لهم بسطا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء (بعذق)، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا [تنقيت] لنا من رطبه؟ فقال: [أردت ~~أن تخيروا] من رطبه. [وبسره]. فأكلوا وشربوا من الماء، فلما فرغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده، [إن هذا] من النعيم الذي أنتم ~~مسؤولون عنه يوم القيامة، هذا الظل البارد والرطب البارد عليه الماء البارد ~~" وروي عنه صلى الله عليه وسلم " أنه أكل وهو وناس من أصحابه أكلة من خبز. ~~شعير - ينخل - بلحم PageV12P8421 # سمين، ثم شربوا من جدول، فقال: هذه أكلة من النعيم تسألون عنها يوم ~~القيامة ". # وروى ثابت البناني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " النعيم المسؤول ~~عنه يوم القيامة: (كسرة) تقوته، وماء يرويه، وثوب يواريه ". # وقال (أبو) أمامة " النعيم المسؤول عنه يوم القيامة خبز البر، والماء ~~العذب ". # وقال مجاهد " هو كل شيء التذ به الإنسان من لذة الدنيا. # وقال قتادة: إن الله جل ذكره (سائل) كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه. ~~فظاهر الآية العموم في كل ما تنعم به الإنسان. PageV12P8422 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة و العصر مكية # قوله تعالى: {والعصر * إن الإنسان لفى خسر} ألى آخرها. # قال ابن عباس: العصر: الدهر. # وقال قتادة: العمر ساعة من ساعات النهار، (يعني: العشي). # وقاله الحسن. # وقال الفراء: العصر [و] العصر: الدهر، وهو قسم. وتقديره: ورب العصر، ~~وخالق العصر، ونحوه. PageV12P8423 # وقوله: ms2888 {إن الإنسان لفى خسر} جواب القسم. # وقال أبو عبيدة: لفي هلكة ونقصان. وقيل: الخسر: دخول النار، يعني به ~~الكافر. والإنسان اسم للجنس، ولذلك وقع الاستثناء (منه، فقال): # {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. # أي: وأوصى بعضهم بعضا (بلزوم العمل بطاعة الله واجتناب معاصي الله. (قال ~~قتادة: " الحق) كتاب الله ". # ثم قال تعالى: {وتواصوا بالصبر}. # ي: وأوصى بعضهم بعضا) بالصبر على العمل بطاع الله جل وعز. PageV12P8424 # وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ: " والعصر ونوائب الدهر، إن ~~الإنسان لفي (خسر)، وإنه فيه إلى آخر الدهر "، وهذه قراءة مخالفة/ للمصحف ~~المجمع عليه، فلا يجوز لأحد أن يقرأ بها فيخالف الإجماع، وإنما هي على معنى ~~التفسير. وروى ابن أبي جماد عن أبي بكر عن عاصم: " لفي خسر "، بضم السين ~~والخاء. # وروي عن أبي عمرو أنه كان (يقرأ " بالصبر ")، بكسر الباء، وهذا إنما يجوز ~~في الوقف على نقل الحركة. # وكان سلام [أبو المنذر] يقرأ " والعصر "، بكسر الصاد، وهذا لا يجوز إلا ~~في الوقف أيضا. (وليس في هذه السورة) تمام إلى آخرها. PageV12P8425 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الهمزة مكية # قوله تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} إلى آخرها. # أي: قبوح لكل طغان (في الناس، عياب لهم). # وقل: ويل: واد في جهنم يسيل بصديد أهل النار، وقد تقدم [ذكر هذا]. # والهمزة: الذي يغتاب الناس ويطغن فيهم. # وقال ابن عباس: هو المشاء بالنمائم المفرق بين الناس. # وقال مجاهد: الهمزة: الذي يأكل لحوم الناس، (يعني: يغتابهم). قال: ~~واللمزة: الكافر. PageV12P8427 # وعنه أيضا أنه قال: " بالهمزة الطعان، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس. # قال أبو العالية: " الهمزة يهمزه في وجهه، واللمز من خلفه " وقال قتادة ~~([يهمز] ويلمز بلسانه) وعينه، ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم. # وقال عبد الله بن أبي نجيح: الهمزة باليد والعين، واللمزة باللسان. # وقال ابن زيد: الهمزة: الذي يهمز (الناس) بيده وقد يضربهم، واللمزة الذي ~~يلمزهم بلسانه ويعيبهم. # وقيل: إنها نزلت في جميل بن عارم الجمحي. # وقيلك في الأخنس بن شريق. # قال ابن عباس: هو ms2889 مشرك، كان يهمز الناس ويلمزهم. PageV12P8428 # وقال مجاهد: هي عامة. # ثم قال تعالى: {الذى جمع مالا وعدده}. # أي: جمعه وأحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولا أدى حق الله منه. # وقرأ الحسن: " وعدده "، بالتخفيف، يريد: عده، ثم أظهر التضعيف، وهو بعيد، ~~إنما يجوز في الشعر، كما قال: # أني [أجود] لأقوام وإن [ضننوا]. ... وقيل: إنما قرأ ذلك على معنى: الذي ~~جمع مالا (وجمع) عدده، [أي]: عشيرته، فيكون عطفا على المال، وذلك حسن. PageV12P8429 # ثم قال تعالى: {يحسب أن ماله أخلده}. # أي: يظن هذا الجامع للمال ولا ينفقه في سبيل الله، ولا يخرج حق الله منه. # وقيل: {وعدده} من العدة، أي: [اعتد] به ودفعه ذخيرة، ومنه: {أعتدنا ~~للظالمين} [الكهف: 29]. # وقيل: (إن) معنى (وعدده)، أي: كثره، يحسب أن ماله مخلده في الدنيا فلا ~~يموت. # ووقع {أخلده} في موضع " يخلده "، كما يقال للرجل يأتي الذنب الموبق: دخل، ~~والله، فلان النار أي سيدخلها. ويقال للرجل يأتي المرء يهلك فيه: عطب، ~~والله، فلان، أي: سيعطب. # وقيل: إن الفعل على حاله ماضيا، والمعنى: يحسب هذا الإنسان أن ماله أحياء ~~في الدنيا فيما مضى من عمره. هذا معنى قول ابن كيسان. PageV12P8430 # ثم قال تعالى: {كلا. . .} أي: ليس الأمر ما ظن أن ماله يخلده في الدنيا، ~~وهو التمام عند نافع وأبي حاتم ونصير. # والتمام عند الأخفش: {أخلده}. # ثم قال تعالى: {لينبذن في الحطمة} أي: ليطرحن في النار، وهذا قسم. # والحطمة: اسم من أسماء النار، سميت بذلك لحطمها كل ما ألقى فيها، كما ~~يقال للرجل الأكول: حطمة. # وقيل: الحطمة: اسم للباب الثالث من أبواب جهنم. وهي أبواب بعضها فوق بعض ~~تمضي سفلا سفلا، أعاذنا الله منها. # وقرأ الحسن: " لينبذن] في الحطمة "، يعني به الهمزة اللمزة وماله. # وروي عنه: " لينبذن "، بالضم، على [معنى] الجمع، يعني به الهمزة واللمزة ~~والمال. PageV12P8431 # وقيل: يعني به الهمزة واللمزة والذي جمع مالا. # وفيه بعد، لأن ذلك كله في ظاهر الخطاب يرجع إلى واحد. # ثم قال تعالى: {ومآ أدراك ما الحطمة}. # أي: وأي شيء أشعرك يا محمد أي ms2890 شيء الحطمة؟! ثم أخبر عنها ما هي فقال: # {نار الله الموقدة}. # (أي: هي نار الله الموقدة)، ثم وصفها فقال: # {التي تطلع على الأفئدة}. # أي: التي تبلغ ألمها ووجعها القلوب. والاطلاع والبلوغ/ قد يكونانن بمعنى، ~~حكي عن العرب سماعا: متى اطلعت أرضنا (واطلعت أرضي)، بمعنى: بلغت. # قال محمد بن كعب القرظي: تحرقه كله حتى يبقى فؤاده نضيحا. # ثم قال تعالى: {إنها عليهم مؤصدة}. # أي: إن الحطمة على الهمازين اللمازين - الذين جمعوا المال ومنعوا منه حق ~~الله - مطقبة. # قال سعيد: بلغني أن في النار رجلا في شعب من شعابها ينادي مقدار ألف عام: ~~يا حنان يا منان، فيقول رب العزة تعالى ذكره: يا جبريل، أخرج عبدي من ~~النار، PageV12P8432 # فيأتيها فيجدها مطقبة. قال: فيرجع فيقول: يارب، إنها عليهم مؤصدة. فيقول: ~~يا جبريل فكها وأخرج عبدي النار، قال: فيفكها ويخرج مثل الجبل، فيطرح على ~~ساحل الحنة حتى ينبت الله له شعرا ولحما ودما. # عمد جمع عمود عند الفراء، ما قالوا: أديم وأدم. # وقيل: هو اسم للجمع وليس يجمع على الحقيقة. # وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. # وقال قطرب: هو جمع لا واحد له. # فأما من قرأ " عمد "، بضمتين، فهو جمع عمود على القياس، كعجوز وعجز، ~~وكتاب وكتب، ورغيف ورغف. وفعل وفعال أخوا فعول. # والمعنى: إن جهنم عليهم مطبقة بعمد ممدة عليهم. PageV12P8433 # وفي قراءة عبد الله: " موصدة بعمد ممدة، أي: مغلقة مطبقبة بعمد ممدة. # وقال ابن عباس: (معناه) أنهم أدخلوها في عمد فمدت عليهم بعماد في أعناقهم ~~السلاسل فشدت بها الأبواب. # وقال ابن زيد: (في عمد) [من] حديد مغلولين فيها، وتلك العمد (من) نار قد ~~احترقت من النار، فهي نار ممدودة عليهم، وقال قتادة: كنا نحدث أنها عمد ~~يعذبون بها في النار وهو اختيار الطبري. # وقال أبو صالح: هي القيود. PageV12P8434 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفيل مكية # قوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} إلى آخرها. # قوله: {ألم تر}: تكون بمعنى التعجب، وتكون بمعنى التفخيم، وبمعنى التهويل ~~والتعظيم. # والعنى: ألم تر يا محمد ms2891 بعين قلبك كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟! وهو ملك ~~اليمن [أبرهة] الحبشي، وكان تحت يد النجاشي، أتى مع جنده إلى بيت الله ~~الحرام ليخربه، وكان سبب إتيانه ما ذكره ابن إسحاق وغيره في حكاية طويلة ~~أنا أذكر معناها، على اختصار إن شاء الله. # وذلك أن أبرهة بنى [لملك الحبشة] كنيسة بصنعاء، وكان نصرانيا، وسماها ~~القليس، وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة أني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة، ~~ووصفها PageV12P8435 # ومدحها (له) وقال: إني لست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب، فبلغ ذلك ~~العرب من قول أبرهة، فغضب رجل من العرب لذلك، فذهب حتى أتى الكنيسة فأحدث ~~فيها ثم رجع إلى قومه، فأخبره أبرهة بذلك، فقال: من صنع هذ؟! فقيل له: صنعه ~~رجل من أهل هذا البيت الذي يحج إليه بمكة. فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ~~[ليسيرن] إلى البيت وليهدمنه. # ثم إن أبرهة وجه رجلا من العرب يدعو العرب لحج الكنيسة التي بنى أبرهة، ~~فقتلته [العرب]، فبلغ ذلك أبرهة فزاده غيظا [وحنقا] على البيت وعلى من قتل ~~رسوله من العرب، فحلف ليغزون قاتلي رسوله، - قيل: هم بنو كنانة -، وحلف ~~ليهدمن البيت. # ثم تأهب (مع) الحبشان وخرج ([لهدم] البيت وغزو بني كنانة. وخرج) معهم ~~بالفيل، فاجتمع عليه بعض العرب لتقاتله وترده عن مذهبه PageV12P8436 # ومراده فهزمهم أبرهة وأسر رئسهم - واسمه ذو نفر - فأراد قتله ثم تركه ~~[وثقفه] معه، ثم خرج إلي نفيل بن حبيب [الختعمي] في قبيلتي ختعم، فقاتله ~~فهزمه أبرهة وأسره وعفا عنه ولم يقتله. # فلما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن متعب في رجال ثقيف وطلبوا منه السلم، ~~فأعطاهم السلام ووجهوا معه أبا رغال، [فخرج معه أبو رغال] حتى أنزله ~~المغمس، ثم مات أبو رغال بالمغمس فدفن هناك، فالعرب ترتجم قبره من ذلك ~~الوقت إلى الآن. PageV12P8437 # ثم إن أبرهة وجه بخيل إلى نحو مكة، [فاستاقت] له أموال أهل مكة. وكان ~~لعبد المطلب (فيها) [مائتا] بعير، وكان سيد قريش (يومئذ). # فهمت قريش ومن يقرب منهم من العرب [بقتال] أبرهة، ثم علموا أنهم لا ms2892 طاقة/ ~~لهم به، فتركوا [ذلك]. # ثم إن إبرهة وجه إلى مكة يقول [لرئيسها]: إني لم آت لحربكم، إنما جئت ~~لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه [لي] بحرب فلا حاجة لي بدمائكم. وأمره أن ~~يأتيه [بالرئيس] إن كان لا يريد حربه، (فأتى [الرئيس]، وسأل عن [رئيس] ~~القوم فدل على عبد المطلب، فبلغه الرسالة، فقال عبد المطلب: والله، ما نريد ~~حربه)، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله وبيت خليله عليه السلام، فإن ~~يمنعه PageV12P8438 # فهو بيته وحرمه، وإن لم يحل بينه وبينه، فهو الله ما عندنا من دفع عنه. # فقال الرسول لعبد المطلب: (انطلق إلى أبرهة، فإنه قد أمرني أن نأتي بك، ~~فانطلق معه عبد المطلب) ومعه بعض بنيه، فلما أتى عبد المطلب (العسكر، سأل ~~عن ذي نفر - وكان له صديقا - فسأله عبد المطلب) عن [رأي]- أو أمر -[يشير ~~به]، فما وجد عنده فرجا، واعتذر إليه بأنه مثقف محبوس، لكنه قال لعبد ~~المطلب إن سائس الفيل [لي] صديق، [فسأرسل إليه وأوصيه] بك وأعظم عليه حقك، ~~وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه في ما تريد، ويشفع لك عنده إن قدر. # ثم بعث ذو نفر إلى سائس الفيل فأوصاه بما وعد به عبد المطلب، ففعل PageV12P8439 # سائس الفيل ذلك، واستأذن له على أبرهة (وعظمه في عين أبرهة) ومدحه، فأذن ~~له أبره - وكان عبد المطلب رجلا وسيما عظيما -، فلما رآه أبرهة أجله ~~وأكرمه، وكان أمر أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة [يجلسه] [معه] على سرير ~~ملكه، فنزل أبرهة عن سريره وجلس على بساطه وأجسله معه عليه إلى جنبه، ثم ~~قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له عبد المطلب: حاجتي أن ~~يرد علي مائتي بعير، فلما قالها الترجمان لأبرهة، قال أبرهة للترجمان: قل ~~له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني. [أتكلمني] في مائتي ~~بعير أخذتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك وجئت لأهدمه فلا تكمني فيه؟! ~~فقال له عبد المطلب: (إني [أنا] رب الإبل، وإن للبيت ربا ms2893 سيمنعه، فقال ~~أبرهة: ما كان ليمنع مني، قال له عبد المطلب: أنت وذاك، اردد علي إبلي، فرد ~~عليه إبله وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فحذرهم وأمرهم بالخروج من مكة ~~والتحرز في شعب الجبال والشعاب تخوفا عليهم من الحبش. PageV12P8440 # ثم قام عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون ~~الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب ~~الكعبة: # يارب أرجو لهم سواكا ... فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا ... إن عدو البيت من عاداكا # ثم ذهب عبد المطلب ومن معه من قريش إلى شعب الجبال يتحرزون فيها وينتظرون ~~ما أبرهة فاعل. # فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة [وهيأ] فيله وعبر جيشه وهو مجمع على هدم ~~البيت والانصراف إلى اليمن. # فلما وجهوا الفيل - واسمه: محمود - أقبل نفيل بن حبيب [الختعمي] حتى قام ~~إلى جنب الفيل (وأخذ بأذنه) قال: أبرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك ~~في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وهرب نفيل حتى اصعد PageV12P8441 # في الجبل، فضربوا الفيل ليقوم فأبى، ثم وجهوه راجعا إلى اليمن فقام ~~[يهرول]، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ~~ووجهوه إلى مكة فبرك، فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل، قيل: (كانت) مثل ~~الخطاطيف، أرسلها عليهم من البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار، حجر في منقاره ~~وحجران في رجليه، كل حجر مثل الحمص أو العدس، [لا تصيب أحدا منهم] إلا هلك. # ولم [تصبهم] كلهم، بل أصابت من شاء الله منهم، فخرجوا هاربين [بتدرون] ~~الطريق الذي منه جاؤوا يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى ~~اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: # أين المفر والإله الغالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب # فهربوا يتساقطون ويهلكون في كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، فخرجوا به ~~[معهم] [تسقط] أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت [منها] / أنملة أتبعتها مدة ~~بقيح/، ودم حتى قدموا صنعاء وهو مثل فرخ الطير، فما ms2894 مات حتى انصدع صدره عن PageV12P8442 # قلبه. وأول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب من ذلك العام، وهو أول ما ~~رئي (من) الشجر [المر] مثل الحنظل والحرمل والعشر، فذلك قوله تعالى: # {ألم يجعل كيدهم في تضليل}، أي: [أدحضه] ومحقه. # ثم قال تعالى: {وأرسل عليهم طيرا أبابيل}. # أي: متفرقة يتبع بعضها بعضا من نواح شتى. # و {وأرسل} معطوف على معنى {ألم يجعل}، لأن معناه: جعل كيدهم وأرسل. # قال ابن عباس: {أبابيل}: " يتبع بعضها بعضا ". # وقال الحسن: هي " الكثيرة]. وهو قول قتادة. # وقال غيره: هي المتفرقة. # وقال مجاهد: متتابعة مجتمعة. # وقال الضحاك: ممتابعة بعضها في أثر بعض. PageV12P8443 # وقال ابن زيد: " الأبابيل: المختلفة تأتي من [هاهنا وهاهنا]، أتتهم من كل ~~مكان ". # وقيل: إنها (كانت) بيضا. # وقيل: كانت سودا. # وقيل: كانت خضراء لها خراطيم الطير وأكف الكلاب، وهذا قول ابن عباس. # وعنه [أنها] كانت خضراء خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع. PageV12P8444 # وقال عبيد بن عمير: هي طير [سود] بحرية في أظفارها [ومناقيرها] الحجارة. # وقال ابن جبير: " هي طير خضراء لها مناقير صفر تختلف عليهم ". # قال الكسائي: سمعت [بعض] النحويين يقولون: واحد الأبابيل: إبول، مثل عجول ~~وعجاجيل. # وقال الرواسي: واحدها: أبالة. # وحكى الفراء (إبالة مخففا). # وحكى أيضا إيبالة مثل دينار ودنانير. PageV12P8445 # وقال المبرد: واحدها: إبيل، [مثل] سكين. # وقال أبو عبيدة: لم نر أحدا يجعل لها واحدا. # - وقوله تعالى: {ترميهم بحجارة من سجيل}. # قال ابن عباس: " {من سجيل}: من طين "، وكذا قال عكرمة، كانت ترميهم ~~بحجارة معها، فإذا أصابت أحدهم خرج به الجدري، (وكان أول يوم رئي فيه ~~الجدري). # قال أبو الكنود: " كانت دون الحمصة وفوق العدسة ". # قال أبو صالح: رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب حجارة منها، فرأيتها PageV12P8446 # [سودا] مخططة بحمرة. # قال قتادة: كانت لا تصيب شيئا إلا هشمته. # وقال ابن زيد: {من سجيل} من الشقاء الدنيا، اسمها: سجيل، وهي التي أنزل ~~الله على قوم لوط. # وأنكر الطبري (أن يكون) اسم السماء سجيلا. # وقيل: سجيل: (فعيل) من السجل، وهو الدلو. # وقال أبو إسحاق: ms2895 سجيل مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل وهو ~~الكتاب. PageV12P8447 # ثم قال تعالى: {فجعلهم كعصف مأكول}. # ي: فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب [فراثته] ويبس وتفرقت ~~أجزاؤه، فشبه تقطع أوصالهم بالعقوبة التي [حلت] (بهم) [بتفرق] أجزاء ~~[الروث] الذي حدث من أكل الزرع. # وقال مجاهد: {كعصف مأكول} " كورق الحنطة ". # وقال قتادة: " هو التبن ". # وقال ابن زيد: هو [ورق] الزرع [وورق] البقل إذا أكلته البهائم وراثته. PageV12P8448 # قال ابن عباس: هو قشر البر، يعني الغلاف الذي يكون فوق حبة القمح. # فمعنى {مأكول}: قد أكل ما فيه من الحب. # وروي أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في بطنه [فيبقى] كقشر الحبة ~~إذا بقا بعد خروج الحبة منه، فالتقدير: مأكول ما فيه، أو مأكول حبه. # ومن جعله الروث بعينه لم يقدر حذفا، [لأن] المعنى: فجعلهم كورق قد أكلته ~~الدواب وراثته. PageV12P8449 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة قريش مكية # قوله تعالى: {لإيلاف قريش * إيلافهم} إلى آخرها. # قال الأخفش: اللام متعلقة بمعنى سورة ألم تر يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل لتألف قريش. # وقيل: التقدير: فعلنا بأصحاب الفيل هذا [منا] على أهل البيت وإحسانا ~~إليهم إلى نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، (فتكون اللام في {لإيلاف} ~~بمعنى " إلى ". # وقيل: التقدير: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف)، وتركهم عبادة رب ~~هذا البيت. وهذا مذهب الفراء. PageV12P8451 # وقال الخليل بن أحمد: المعنى: لن يؤلف الله قريشا [إيلافا] {فليعبدوا رب ~~هذا البيت} أي: لهذا فليعبدوه فلا تقدير، حذف في هذا القول. # وعن ابن عباس أنه قال في تفسير {لإيلاف قريش} معناه: نعمتي على قريش ~~إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف. # وقوله: {إيلافهم}، [بدل] من الأول. # وقرأ يزيد بن القعقاع/ " إلفهم " جعله مصدر " ألفه إلفا ". وكذلك ذكرت ~~أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ. # وعن أبي أنه قرأ: [" إلافهم "]، وهما مصدران للثلاثي على فعل وفعال، PageV12P8452 # ومثله علم علما، ولقيه لقاء، وصمت صياما، وكتبت كتابا. # وأجاز الفراء " إيلافهم ms2896 " بالنصب على المصدر. # وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ " لإئلف " بهمزتين مكسورة وساكنة، " ~~إئلفم " كذلك [أيضا]، أتى بهما على الأصل، وهو بعيد لا يجوز عند كثير من ~~النحويين، وهي لغة شاذة، وهما مصدران لالف يؤلف. # وقد قرأ [ابن عامر] " لإلف "، جعله مصدر ألف إلافا، مثل: كتب كتابا، وصام ~~صياما. # وقوله: {رحلة الشتآء والصيف} منصوب " بإيلاف ". # وأجاز الفراء الخفض في {رحلة} على البدل من {إيلافهم}. # [وتقديره]: إيلافهم إيلاف رحلة. PageV12P8453 # قال مجاهد في معنى {إيلافهم رحلة الشتآء والصيف} [معناه]: " إيلافهم ذلك، ~~فلا تشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف ". # وقال ابن عباس {لإيلاف قريش}، أي: " نعمتي على قريش ". وقيل: معناه أن ~~الله عجب نبيه من ذلك، فالمعنى: اعجب - يا محمد - لنعم الله على قريش في ~~إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ثم يتشاغلون بذلك عن الإيمان بالله واتباعك. # ودل على هذا المعنى قوله: {فليعبدوا رب هذا البيت}. # قال ابن زيد: معناه: صنعت بأصحاب الفيل ما صنعت لإلفة قريش، أي: لئلا ~~أفرقها، وهذا (هو) قول الأخفش المتقدم. وقال ابن عباس: {إيلافهم رحلة ~~الشتآء والصيف}، أي: " لزومهم ". وعنه أيضا (أنه قال): [نهاهم] الله عن ~~الرحلة وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في PageV12P8454 # الشتاء والصيف. فلم تكن لهم رحلة (في) شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله جل وعز ~~[بعد ذلك] من جوع وآمنهم من خوف، [فألفوا] الرحلة، فكانوا إذا شاؤوا ~~[ارتحلوا] وإذا شاؤوا أقاموا. # فكان ذلك من نعمة الله عليهم. # قال عكرمة: كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن، يختلفون إلى هذا في الشتاء، ~~وإلى هذه في الصيف، قال: فقوله: {فليعبدوا} رب هذا البيت، أمرهم أن يقيموا ~~[بمكة]. # قال الضحاك: كانوا ألفوا الارتحال في الغيظ والشتاء: إلى الشام في الغيظ، ~~وإلى اليمن في الشتا. وهذا قول ابن زيد أيضا. # وقال ابن عباس: " كانوا يشتون بمكة، [ويصيفون] بالطائف ". PageV12P8455 # وقوله: {فليعبدوا رب هذا البيت}. # قيل: معناه: فليقيموا بمواضعهم ووطنهم، فليعبدوا رب هذا البيت وهو ~~الكعبة. # وقيل: معناه أنهم أمرو أن يألفوا عبادة رب مكة كإلفهم الرحتلين، ms2897 وهو قول ~~عكرمة. # وقوله: {الذي أطعمهم من جوع} يعني قريش. # قال ابن عباس: أطعم قريشا بدعوة إبراهيم عليه السلام (حيث قال): {وارزقهم ~~من الثمرات} [ابراهيم: 37]. # وقوله: {وآمنهم من خوف} أي: وآمنهم مما يخاف غيرهم من العرب من [الغارات] ~~والحروب والقتال، فلا يخافون ذلك في الحرم. # وقال ابن عباس: آمنهم من خوف بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: {رب ~~اجعل هذا بلدا آمنا} [البقرة: 126]. PageV12P8456 # قال مجاهد: " آمنهم من كل عدو في حرمهم ". # قال قتادة: كان أهل مكة تجارا يعتادون ذلك شتاء وصيفا آمنين من العرب، ~~وكانت العرب يغير بعضهم على بعض لا يقدرون على التجارة ولا يستطيعونها من ~~الخوف حتى إن كان الرجل من أهل الحرم ليصاب في حي من أحياء العرب، فإذا قيل ~~حزمي خلي عنه وعن ماله تعظيما لذلك. # قال: وكانوا يقولون: نحن من [حرم] الله، فلا يعرض لهم أحد في حرم الله جل ~~وعز وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج إغير عليه، وهو معنى قول ابن زيد. # وقال الضحاك ومجاهد: {وآمنهم من خوف} أي: من الجذام. # وقاله ابن عباس، ولذلك [لا ترى] بمكة ذا جذام البتة. PageV12P8457 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة أرأيت مكية # قوله تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين} إلى آخرها. # يجوز، أن تكون " أرأيت " من رؤية العين، فلا يقدر في الكلام حذف. ويجوز ~~أن يكون من رؤية القلب، فتقدر لحذف للمفعول الثاني، والتقدير على ذلك: ~~أرأيت الذي يكذب بالدين بعد/ ما ظهر له من البراهين، أليس مستحقا عذاب ~~الله؟. . . والمعنى: أرأيت - محمد - الذي يكذب بثواب الله وعقابه؟! فلا ~~تطعه في أمره ونهيه. قال ابن عباس: {الذي يكذب بالدين} أي: بحكم الله جل ~~ذكره. وقال ابن جريج {بالدين}: بالحساب. PageV12P8459 # [والدين] عند أهل اللغة في هذا وشبهه بمعنى الجزاء، كما قال {مالك يوم ~~الدين} [الفتح: 4]، أي: يوم الجزاء، ومنه قولهم: كما تدين تدان، أي كما ~~تجزي تجازى. # فالمعنى: أرأيت يا محمد هذا الذي يكذب بالجزاء فلا يعمل خبرا ولا ينتهي ~~عن شر، فهو الذي يدع اليتيم، أي: يدفعه، ms2898 لأنه لا ينتظر عقابا على عمله ولا ~~جزاء. # ثم قال تعالى: {فذلك الذي يدع اليتيم} أي: فهذا الذي يدفع اليتيم [عن] ~~حقه ويظلمه. # [يقال]: دععت فلانا عن حقه، فأنا أدعه دعا. # قال ابن عباس: " {يدع اليتيم}، أي: " يدفع اليتيم. # وقال مجاهد: {يدع اليتيم}، أي: يدفع اليتيم فلا يطعمه ". PageV12P8460 # وقال قتادة: " يقهره ويظلمه ". وقال إبراهيم بن عرفة: يدفع اليتيم عن ~~حقه. # ثم قال تعالى: {ولا يحض على طعام المسكين} أي: لا يحض غيره على طعام ~~المحتاج إلى الطعام. # ثم قال تعالى: {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون} أي: فالوادي ~~الذي يسيل من صديد أهل النار للساهين عن صلاتهم الذين يصلون ولا يريدون ~~بصلاتهم وجه الله. # وقال ابن عباس: [هم] الذين يؤخرونها عن وقتها. وهذه رواية تخالف [قول] ~~جميع المفسرين، وقد رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهي من أشد أية نزلت ~~في المصلين على هذا التأويل إن صح. وعن ابن عباس أيضا أنه قال: هم ~~المنافقون، كانوا يراءون (الناس) بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ~~ويمنعون PageV12P8461 # المؤمنين العارية من الماعون بغضا لهم. # وقال مجاهد: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} هو " الترك لها ". وعنه أنه قال: ~~هم لاهون عنها. # وقال قتادة: هم غافلون لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل. # وقال ابن زيد: " يصلون وليس الصلاة من شأنهم ". # وقال [سعد] بن أبي وقاص: " [سألت] رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~{الذين هم عن صلاتهم ساهون} فقال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ". # وروى [أبو بزرة الأسلمي] " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - لما ~~نزلت هذه PageV12P8462 # الآية: الله أكبر هذه خير لكم من [أن لو أعطي] رجل منكم مثل جميع الدنيا، ~~هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته وإن تركها لم يخف ربه " # وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: " عن صلاتهم ساهون " ولم يقل " ~~في صلاتهم ساهون ". # ثم قال تعالى: {الذين هم يرآءون} الناس بصلاتهم إذا صلوا، لأنهم لا يصلون ~~رغبة في ثواب، ولا [خوفا] ms2899 من عقاب، إنما يصونها ليكفوا الناس عن دمائهم ~~وأموالهم وذراريهم، وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. # ثم قال تعالى {ويمنعون الماعون}. PageV12P8463 # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الماعون " الزكاة " وقاله ابن عمر، ~~وقال ابن مسعود: هو المتاع يتعاطاه الناس بينهم. وهو قول ابن الحنيفة ~~وقتادة والحسن والضحاك وابن زيد، وذلك نحو الفأس والقدر والدلو. وقال ابن ~~عباس: " هو متاع البيت. وروي ذلك (أيضا) عن علي رضي الله عنه. قال محمد بن ~~كعب: " الماعون: المعروف ". وقال ابن المسيب: " الماعون " بلسان قريش: ~~المال ". وحكى الفراء عن بعض العرب أنه قال: الماعون: الماء. وسئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عما لا يحل أن يمنع فقال: " الماء والملح ". PageV12P8464 # والماعون في اللغة من المعن، وهو الشيء القليل. PageV12P8465 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكوثر مكية # قوله تعالى: {إنآ أعطيناك الكوثر} إلى آخرها. # قال [ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما]: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ~~ذهب وفضة يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من ~~العسل/. # روى أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين عرج به إلى السماء: رأيت ~~نهرا عجاجا مثل السهم يطرد، أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، حافتاه ~~قباب من در مجوف فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه ربك، ~~(قال): فضربت PageV12P8467 # [بيدي] إلى حمأته، فإذا هي مسكة ذفرة، ثم ضربت بيدي إلى [رضراضه فإذا هو] ~~در " وقالت عائشة رضي الله عنها: الكوثر نهر في بطنان الجنة، قيل لها: وما ~~بطنان الجنة؟ قالت: وسط الجنة، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، ~~وحصباؤه: اللؤلؤ والياقوت. # وعن أنس بن مالك أنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم مضى به ~~جبريل عليه السلام في السماء الثانية فإذاهو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ ~~والزبرجد فذهب ليشم ترابه فإذا هو مسك. قال: يا جبريل، ما هذا النهر؟ قال: ~~الكوثر الذي خبأ لك وربك. ms2900 وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكوثر: " ~~[الخير الكثير] ". # وقال ابن جبير: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه. PageV12P8468 # وعن ابن عباس أيضا أنه قال: الكوثر هو الخير الكثير والقرآن والحكمة. # وقال عطاء: الكوثر " حوض في الجنة أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم ". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بينما أنا أسير في الجنة إذ ~~عرض لي نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقال الملك الذي معي: أتدري ما ~~هذا؟ [هذا] الكوثؤ الذي أعطاك الله، وضرب بيده إلى أرضه فاستخرج من طينه ~~المسك ". # ثم قال تعالى: {فصل لربك وانحر}. # أي: [فحافظ] (على الصلوات المكتوبة) في أوقاتها. # وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، ~~فأمر أن يصلي ثم ينحر. وهو قول قتادة. # وقال محمد بن كعب القرظي: إن ناسا كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير ~~الله، فأنزل الله هذه السورة. فالمعنى عنده: إنا أعطيناك الكوثر يا محمد، ~~فلا تكن صلاتك ونحرك إلا لله. PageV12P8469 # وقال ابن جبير: نزلت هذه الآية يوم الحديبية لما صد المشركون النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن البيت، أتاه جبريل وقال: صل وأنحر وارجع، فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، [ فخطب خطبة الفطر والنحر، ثم ركع كعتين، ثم انصرف إلى ~~البدن فنحرها، فذلك قوله {فصل لربك وانحر}. # وهذا القول يدل على أن السورة مدنية، وقال الضحاك: {فصل لربك}، أي: ادع ~~ربك وأسأله. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: معنى {وانحر}، ضع اليمين على الشمال ~~في الصلاة. # وروي عنه: ضع اليمنى على الساعد الأيسر على صدرك. # وعنه أيضا وعن أبي هريرة: يجعل يديه تحت السرة. وهذا مذهب الكوفيين. PageV12P8470 # وقيل: معنى {وانحر} ارفع يديك إذا استفحت الصلاة إلى النحر. # وقال ابن جبير: معناه فصل لربك المكتوبة، وانحر البدن يمنى. وقاله ابن ~~عباس. # وحكى الفراء {وانحر} استقبل القبلة بنحرك. # ثم قال تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} أي: إن مبغضك يا محمد وعدوك هو ~~الأبتر، ms2901 أي هو الذي لا عقب له، عني بذلك العاصي بن وائل السهمي. # وقال قتادة: {هو الأبتر} أي: هو الحقير الذليل. قال ابن زيد: قال رجل: ~~إنما محمد أبتر ليس له - كما ترون - عقب، فأنزل الله: {إن شانئك هو ~~الأبتر}. PageV12P8471 # (وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط، كان يقول: إنه لا يبقى لنبي صلى الله ~~عليه وسلم ولد وهو أبتر فأنزل الله جل ذكره: {إن شانئك هو الأبتر} وقال ابن ~~عباس: " لما قدم كعب ابن الأشرف مكة أتوه - يعني قريشا - فقالوا له: نحن ~~أهل السدانة والسقاية، وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا [الصبور] ~~[المنبتر] من قومه، (يزعم أنه) [خير] منا، فقال: بل أنتم خير منه، ونزلت: ~~{إن شانئك هو الأبتر} قال: وأنزلت عليه {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} إلى قوله: {نصيرا} [النساء: 51 - 52]. # وعن ابن عباس أنها نزلت في أبي جهل قال: والمعنى أن عدوك أبا جهل هو ~~الأبتر. PageV12P8472 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكافرين مكية # قوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون # * لا أعبد ما تعبدون} إلى آخرها. # روى المفسرون أن المشركين كانوا قد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يعبدوا الله عز وجل سنة/ على أن يعبد نبي الله آلهتهم سنة، فأنزل ~~الله جل ذكره جوابهم {قل يا أيها الكافرون} إلى آخرها. # والمعنى: قل - يا محمد - {قل يا أيها الكافرون} بالله لا أعبد ما تعبدون ~~من الأصنام والأوثان الآن، ولا أنتم عابدون الآن ما أعبد، ولا أنا عابد في ~~ما [أستقبل) ما عبدتم في ما مضى {ولا أنتم عابدون مآ أعبد} في ما تستقبلون ~~أبدا ما أعبد أنا الآن (و) في ما أستقبل. PageV12P8473 # وروي أن ذلك نزل في أشخا بأعيانهم قد علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا، فأمر ~~الله نبيه أن يؤيسهم مما طلبوا وأن ذلك لا يكون منه بد ولا منهم، فلا هو ~~يعبد ما يعبدون أبدا ولا هم يعبدون ما يعبد هو أبدا لما سبق في علمه ms2902 من ~~شقوتهم. # قال ابن عباس: وعد قريش نبي الله عليه الصلاة والسلام أن يعطوه مالا ~~فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه من أراد من النساء، [وقالوا]: هذا لك عندنا يا ~~محمد، وكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة ~~واحدة [فهي] لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا اللات ~~والعزى (سنة)، ونعبد إلهك سنة. قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فجاء ~~الوحي من اللوح المحفوظ: {قل يا أيها الكافرون} إلى آخها وأنزل الله أيضا ~~{قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} إلى قوله: {وكن من الشاكرين} ~~[الزمر: 64 - 66]. PageV12P8474 # قال المبرد: ليس في هذا تكرير، وإنما جهل من قال إنه يكون في اللغة، ~~وإنما المعنى: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون} في هذا الوقف، ~~وكذا {ولا أنتم عابدون مآ أعبد} وانقضى الكلام، وهو التمام عند أبي حاتم ~~على هذا المعنى. # ومن جعله تكرير للتأكيد كان التمام آخر السورة. # قال المبرد: ثم قال {ولا أنآ عابد ما عبدتم} أي: فيما استقبل {ولا أنتم ~~عابدون مآ أعبد} مثله. وكان في هذا دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، لأن كل من خاطبه بهذه الخطابة لم يسلم منهم أحد، وكذا الذين خاطبهم ~~بقوله: {سوآء عليهمءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6]. # وروي أن الوليد بن المغيرة (و) العاصي بن وائل والأسود [بن المطلب، وأمية ~~بن) خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، [هلم]، ~~فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ونشركك في [أمرنا] كله، فإن كان الذي جئت به ~~خيرا PageV12P8475 # مما في أيدينا كنا قد (شركناك فيه، وأخذنا بحفظنا منه، وإن كان الذي ~~بأيدينا خيرا مما في يديك كنت) قد شركتنا في [أمرنا] وأخذا بحظك منه، فأنزل ~~الله جل ذكره: {قل يا أيها الكافرون} إلى آخرها. # قوله {لكم دينكم ولي دين} أي: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا، لأن الله قد ~~قضى (عليكم) ألا تنتقلوا منه وأنتم تموتون عليه، ms2903 ولي دين لا أتركه أبدا لما ~~(قد) قدر الله علي فيه، فعليه أموت. PageV12P8476 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النصر مدنية # قوله تعالى: {إذا جآء نصر الله والفتح} إلى آخرها. # العامل في {إذا جآء} على ما تقدم في {إذا زلزلت}. والمعنى: إذا جاء - يا ~~محمد - نصر الله إياك على قومك {والفتح} أي فتح مكة. # {ورأيت الناس. . .} في صنوف قبائل العرب {يدخلون في دين الله أفواجا}، ~~أي: الإسلام الذي بعثتك به {أفواجا}، أي: زمرا زمرا. # قال ابن عباس: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذا قال: ~~الله أكبر، الله أكبر، جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن. قيل: يا رسول ~~الله، وما أهل اليمن؟ قال: قوم رقيقة قلوبهم، لينة [طباعهم]، الإيمان يمان ~~والحكمة يمانيه " [قالت عائشة رضي الله عنها: PageV12P8477 # " ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن أنزلت عليه: {إذا جآء نصر ~~الله والفتح} إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ". # وروي عنها " أنه عليه السلام كان يقول ذلك في ركوعه وسجودة يتأول القرآن ~~" وسئل عمر عن قوله {والفتح}، فقال: فتح المدائن والحصون، فقال لابن عباس: ~~ما تقول؟ قال: أجل، هو مثل ضرب لمحمد، نعيت له نفسه. # وقالت عائشة رضي الله عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من ~~قول سبحان اكلله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. قالت: فقلت: يا رسول ~~الله، أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله واتوب إليه! فقال: ~~خبرني ربي جل ثناؤه أني سألى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول ~~سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها، {إذا جآء نصر الله ~~والفتح}، (فتح) مكة {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ~~ربك واستغفره إنه كان توابا} ". PageV12P8478 # وقال ابن عباس: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قول الله {إذا جآء نصر ~~الله والفتح}، فقالوا: فتح المدائن والقصور/ قال: فأنت يا ابن عباس ما ~~تقول؟ قال: فقلت: هو مثل ضرب لمحمد ms2904 صلى الله عليه وسلم نعيت له نفسهز # وروي عه أنه قال: هذه السورة علم وحد وحده (الله لنبيه) ونعى له نفسه، ~~(أي) إنك لن تعيش بعد هذا إلا قليلا. # قال قتادة: " والله، ما عاش بعد ذلك إلا قليلا، سنتين، ثم توفي صلى الله ~~عليه وسلم ". وهو قول ابن مسعود ومجاهد والضحك ومعنى {واستغفره}: واسأله ~~المغفرة. # {إنه كان توابا}. # (أي): إن الله لم يزل ذا رجوع لعبده المطيع إلى يجب، وقوله: {واستغفره} ~~وقف كاف عند أبي حاتم. PageV12P8479 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة تبت مكية # نزلت هذه السورة في أبي لهب عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي زوجته ~~أم جميل أخت أبي سفيان وعمة معاوية، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ~~زوج ابنته أم كلثوم من عتيبة ابن أبي لهب، وزوج ابنته رقية من ابن عمه -أبي ~~لهب- عتبة. # فلما نزلت (تبت يدا أبي) أمر أبو لهب وامرأته أم جميل ابنيهما عتيبة ~~وعتبة بطلاق ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم كلثوم ورقية ~~فطلقاهما وأتى عتبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجفا عليه وشق قميصه، ~~فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بان يسلط الله عليه كلبه، فمضى إلى ~~الشام فقتله الأسد فتزوج عثمان رقية وتوفيت عنده، ثم تزوج أم كلثوم فتوفيت ~~عنده، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب، وكان لعبد المطلب عشرة من ~~البنين منهم عبد الله والد PageV12P8481 # النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان أبو لهب وامرأته من أشد قريش عداوة ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: عتيبة هو الذي أكله الأسد بدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعتبة أسلم وأبلى. # قوله تعالى: {تبت يدآ أبي لهب وتب} إلى آخرها. # أي: خسرت يدا أبي لهب، وقد خسر. فالأول [دعاء] والثاني [خبر]، كما تقول: ~~[أهلكه] الله وقد هلك وفي قراءة عبد الله: " وقد تب " ووقع الإخبار والدعاء ~~عن اليدين على طريق المجاز، والمراد صاحبهما، يدل على ذلك قوله: {وتب} ولم ~~يقل: وتبتا. # وقيل: هو حقيقة، وذلك أن ms2905 أبا لهب أراد أن [يرمي] رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمنعه الله من ذلك، ونزلت: {تبت يدآ أبي لهب وتب}، فالأولى على ~~الحقيقة لليدين، والثانية لأبي لهب، لأنه إذا خسرت يداه فقد خس هو. PageV12P8482 # (قال ابن زيد: التب الخسران) قال ابن زيد: قال أبو لهب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: وماذا أعطى - يا محمد - إن آمنت بربك؟ قال: ما يعطى المسلمون. ~~قال [فمالي] عليكم فضل! قال: تبا وأي شيء [تبتغي]؟ قال: تبا لهذا من دين، ~~(تبا) أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله {تبت يدآ أبي لهب وتب}، فعلى ~~هذا يكون مجازا، والمرد به عين أبي لهب لا يداه. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خص عشيرته بالدعوة إذ نزل عليه: {وأنذر ~~عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] فجمعهم ودعاهم وأنذرهم، فقال له أبو لهب: ~~تبا لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا، فأنزل الله {تبت يدآ أبي لهب وتب}. # قال ابن عباس: " صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم [الصفا]، فقال: يا ~~صاحباه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن (أخبرتكم) أن ~~العدو PageV12P8483 # [مصبحكم]) أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم ~~بين يدي عذاب شديد. قال [أبو] لهب: تبا لك: ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: {تبت ~~يدآ أبي لهب وتب} إلى آخر السورة ". # وكان اسم أبي لهب: عبد العزى، فذلك ذك بكنيته في القرآن. # وقوله: {مآ أغنى عنه ماله وما كسب} إن جعلت ما أستفهاما كانت في موضع ~~(نصب) بأغنى، وإن جعلتها نفيا كانت حرفا، وقدرت مفعولا محذوفا، أي: ما أغنى ~~عنه ماله شيئا. # والمعنى: ما يغني عنه ماله في الآخرة وفي الدنيا إذا جاءه الموت. # وقوله: {مآ أغنى عنه ماله وما كسب}، يعني ما اقتنى من الموال والأغراض. PageV12P8484 # وقيل: {وما كسب} عني به ولده، أي ما أغنى عنه ماله وما ولد. وروى أبو ~~الطفيل أن أولاد أبي لهب جاؤوا يختصمون في البيت، فقام ابن عباس يحجز بينهم ~~(وقد كف بصره)، [فدفعه] بعضهم حتى وقع على ms2906 الفراش فغضب وقال: أخرجوا عني ~~الكسب الخبيث. # قال مجاهد: " وما كسب ولده ". وقيل: معناه: وما كسب من مال وجاه. # ثم قال تعالى: {سيصلى نارا ذات لهب} روي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ " ~~سيصلى " بضم الياء والمعنى: سيقاسي حر نار ذات توقد وتلهب. PageV12P8485 # يقال: صليت بالأمر أصلى: إذا قاسيت حره وشدته، وصليته: شويته وفي الحديث ~~" شاة مصلية أي: مشوية والمعنى: سيصلى أبو لهب نارا ذات له وامراته، وجاز ~~العطف على المضمر المرفوع، [لأنه قد فرق] بينهما فقام التفريق مقام ~~التأكيد. # وقوله: {حمالة الحطب} نعت للمرأة وهي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عمة ~~معاوية، نعتت بهذا لأنه قد كان له زوجات غيرها. # وقيل: نعتت به على طريق [التخسيس] [لها] عقوبة لأذاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # ويجوز أن تكون {وامرأته} [متبدأ] و {حمالة الحطب} نعت، وفي {في جيدها حبل ~~من مسد} ابتداء وخبر في موضع خبر (لامرأة، ويجوز أن يكون PageV12P8486 # {حمالة الحطب} خبرا " لامرأة " و {في جيدها حبل من مسد} ابتداء وخبر في ~~موضع خبر ثان، [أو في موضع] الحال. # ويجوز أن ترتفع " حمالة الحطب " على البدل من [{وامرأته} وتكون (معنى) ~~الخبر {في جيدها حبل من مسد} الجملة إن جعلت {وامرأته} [مبتدا]. # ويجوز أن يكون {حمالة الحطب} / نكرة [يراد] به الاستقبال على ما سنذكره ~~من قول المفسرين في معناه. ويجوز أن يكون معرفة يراد به الماضي على ما ~~سنذكره من قول المفسرين. # فإن جعلت " المرأة " عطفا على المضمر في {سيصلى} كان {في جيدها حبل من ~~مسد} في موضع الحال من المرأة. # ومن [نصب] (حمالة) [نصبه] على الذم. PageV12P8487 # قال ابن عباس: كانت تحمل الشوك فتجره على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليعقره وأصحابه، فلذلك ننعتت " بحمالة الحطب ". وهو قول الضحاك وابن زيد. ~~وقال عكرمة: " كانت تمشي بالنميمة ". وعن مجاهد مثله، وقاله قتادة. # [وقيل إن {حمالة الحطب} تمثيل لأذاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والعرب تقول: فلان] يحطب على فلان، أي [يغري به] [ويؤذيه] فشبه الحطب ~~[بالعداوة]. ms2907 # وقيل: معنى {حمالة الحطب} أي: [الخطايا و] الذنوب والفواحش، كما PageV12P8488 # يقال: فلان يحطب على نفسه، إذا كان كثير الاكتساب الذنوب. # وقوله: {في جيدها حبل من مسد} أي: في عنقها، والجيد: العنق. # قال الضحاك: " هو حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به، [وقاله] ابن ~~عباس. وقال ابن زيد: هي حبال من شجر [ينبت] باليمن يقال لها: مسد. # وقيل: {حبل من مسد}، أي: " حبل من نار في رقبتها ". وقال السدي: المسد: ~~الليف. # وقال عروة: " هو سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا ". (وقال سفيان: PageV12P8489 # " حبل في عنقها من النار مثل طوق طوله سبعون ذراعا " وعن مجاهد {من مسد} ~~" من حديد ". # وقال عكرمة: {من مسد} هي: " [الحديدة] التي في وسط البكرة " وروي ذلك ~~أيضا عن مجاهد. # وقال قتادة: {حبل من مسد}: " [قلادة] " من ودع. # فمن جعل هذا إخبار عما يكون في النار من حالها كانت {حمالة الحطب} نكرة ~~لأنه يراد به الاستقبال، فلا يحسن أن يكون صفة ل {امرأته}. # ومن جعله بمعنى قد مضى مثل [مشيها] بالنمائم وحملها الشوك لطريق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ف {حمالة الحطب} معرفة يحسن أن [تكون] صفة ل ~~{امرأته}. والوقف في هذه السورة على مقدار ما تقدر مما تقدم ذكره من النعت ~~والخبر. PageV12P8490 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الإخلاص مكية # قوله تعالى: {قل هو الله أحد} إلى آخرها. # والمعنى: الحديث الذي هو الحق: الله أحد، فهو رفع بالابتداء كناية عن ~~الحديث، و {الله} مبتدأ و {أحد} خبره، والجملة خبر عن {هو}. # ولا يجيز الفراء أن [يكون] {هو} كناية عن الحديث إلا (إذا) تقدمه شيء، ~~وهو عنده كناية عن مفرد الله خبره،. وهو قول الأخفش. # وقال الأخفش: {أحد} بدل من لفظ اسم الله. والمعنى: الله [إله] PageV12P8491 # واحد، أي معبود واحد لا معبود غيره تجب له العبادة. # ثم قال تعالى: {الله الصمد}. # {الله} رفع بالابتداء، و {الصمد} نعته، وما بعد ذلك خبر. ويجوز أن يكون ~~{الصمد} هو الخبر. # ويجوز أن يرفع على إضمار ابتداء و {الصمد} نعت، ms2908 أي: هو الله الصمد، ويجوز ~~على هذا أن يكون {الصمد} خبرا ثانيا، ويجوز أن يكون {الله} بدلا من {أحد}. # ويجوز أن يكون {الله} بدلا من {الله} الأول، وفي التكرير معنى التعظيم. # وروي أن اليهود عليهم اللعنة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ~~ربه عز وجل و (ينسبه) فأنزل الله {قل هو الله أحد} إلى آخرها. PageV12P8492 # وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بحذف التنوين من {أحد}، حذفه لالتقاء الساكنين. ~~وروي عنه أنه إنما كان يفعل ذلك يريد السكوت عليه فإذا وصل نون، وحسن الوقف ~~عليه لأه رأس آية. # و {أحد} بمعنى واحد. # وقيل: {أحد} هنا على بابه، بمعنى: أول، كما يقال: اليوم الأحد، أي اليوم ~~الأول، أي: أول الأيام، وذلك مسموع من العرب. # وقال بعض العلماء: في " أحد " من [الفائدة] ما ليس في " واحد " وذلك إنك ~~إذا قلت: فلان لا يقوم به واحد، جاز أم يقوم به اثنان فأكثر. # وإذا قلت: فلان لا يقوم به أحد، تضمن معنى " واحد " (فأكثر)، [وأكثر] ما ~~يقع " أحد " إذا كان للعموم بعد النفي، فذلك بعد أن يكون " أحد " [هنا] على ~~بابه. PageV12P8493 # وجعله أكثرهم بمعنى " واحد "، لأن واحدا يقع في الإيجاب، [تقول] مر بنا ~~أحد، أي واحد. # وقوله: {لم يلد ولم يولد} أي: لم يكن له ولد ولا يكون، ولم يكن هو من ~~والد ولا يكون. # وقيل: معناه ليس بفان، لأنه ليس شيء " يلد إلا وهو فان {ولم يولد} ليس ~~بمحدث، لم يكن فكان، فأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن لكنه جل وعز ~~قديم لا يبيد ولا يفنى ليس كمثله شيء. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ~~ذات الله، فإن بين السماء السابعة [إلى الكرسي] سبعة آلاف نور، والله فوق ~~ذلك. # وروي أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة رب العزة، ~~فأنزل الله عليه هذه السورة جوابا لهم. # وقيل: إن اليهود قالوا اللنبي صلى الله عليه ms2909 وسلم /: هذا الله خلق الخلق، ~~فمن خلق الله جل PageV12P8494 # ثناؤه؟ فأنزلت هذه السورة جوابا لهم. # وقال عكرمة: إن المشركين قالوا: يا محمد، [أخبرنا عن ربك]، [صف] لنا ربك ~~ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله جل ذكره {قل هو الله أحد} إلى آخرها. # وقال أبو العالية: [قال قادة الأحزاب] للنبي صلى الله عليه وسلم: انسب ~~لنا ربك، فأتاه جبريل عليه السلام بهذه السورة. # [وقال] ابن عباس: " دخلت اليهود على نبي (الله) صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا محمد، لنا ربك [وانسبه لنا]، فقد وصف نفسه في التوراة ونسبها. ~~فارتعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر مغشيا عليه، فقال: كيف تسألوني ~~عن [صفة] ربي ونسبه؟! ولو سألتموني PageV12P8495 # أن أصف لكم الشمس لم أقدر على ذلك، فهبط جبريل عليه السلام فقال له: يا ~~محمد، قل لهم: {الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد} {ولم يكن له كفوا ~~أحد}، أي ليس بوالد ولا بمولود، و {ولم يكن له كفوا أحد} "، أي: لم يكن ~~(له) شبيه من خلقه فيوصف به أو ينسب إليه، فهذه صفة ربي ونسبه. # وروى محمد بن إسحاق عن محمد [عن] سعيد " أن رهطا من اليهود أتوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، الله خالق الخلأق، فمن خلقه؟ ~~فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى [انتقع] لونه غضبا لربه، فجاءه جبريل ~~عليه السلام فسكنه، وقال: اخفض عليك PageV12P8496 # جناحك - يا محمد - وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه، قال: يقول الله - جل ~~ثناؤه - {قل هو الله أحد} إلى آخرها، فلما تلا عليهم النبي - عليه السلام - ~~السورة. قالوا: صف لنا ربك، كيف خلقه؟ وكيف عضده؟ وكيف [ذراعه]؟، فغضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول، فأتاه جبريل - عليه السلام - ~~فقال له مثل مقالته الأولى، وأتاه بجواب ما سألوه عنه، فقال: {وما قدروا ~~الله حق قدره} إلى قوله: {عما يشركون} ". # وقوله: {الصمد}. قال ابن عباس: {الصمد} الذي لا جوف له. وهو قول مجاهد ~~والحسن. وابن ms2910 جبير والضحاك. # وقال الشعبي: هو " الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ". وقال عكرمة: ~~هو " الذي لم يخرج منه شيء {[لم] يلد ولم يولد}. PageV12P8497 # وقال أبو العالية: {الصمد} الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يلد إلا ~~سيورث ولا شيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم جل عز أنه لا يورث ولا يموت، وهو ~~قول أبي بن كعب. # وقال [شقيق]: {الصمد}: (السيد) الذي قد انتهى سؤدده. # وقال ابن عباس: {الصمد} السيد الذي قد كمل [في] سؤدده والشريف الذي قد ~~كمل في شرفه، والعظيم الذي [قد] كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في ~~[حلمه]، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، ~~والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد ~~كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته، PageV12P8498 # [لا تنبغي] لأحد إلا له. # وقال قتادة: {الصمد} الباقي الذي لا يفنى، وقال: هذه سورة خالصة ليس فيها ~~شيء من أمر الدنيا والآخرة. # وقال [الحسن]: الصمد الدائم. والصمد عند العرب الذي يصمد إليه، الذي لا ~~[أحد] فوقه. # {ولم يكن له كفوا أحد}. # {كفوا} خبر " كان " و {أحد} اسمها. # وكان سيبويه يختار أن يكون الظرف خبرا إذا قدمه [فيختار] إن في الدار ~~زيدا جالسا، فجعل الظرف خبرا لتقدمه وينصب " جالسا على الحال، PageV12P8499 # فخطأه المبرد [بهذه] الآية، لأنه (قد) قدم الظرف ولم يجعله خبرا. والجواب ~~عن سيبويه أن [سيبويه] لم يمنع [إلغاء] الظرف إذا [تقدم، إنما اختار أن ~~يكون خبرا ويجوز عنده ألا [يكون] خبرا، [وقد] أشهد شاهدا على [إلغائه] وهو ~~ومقدم، وذلك قول الشاعر: # ما دام فيهن فصيل حيا ... وأيضا فإنه (قد) يجوز أن يكون (كفؤا) حالا من ~~النكرة [وهي] {أحد} لما تقدم نعتها عليها نصب للحال، فيكون " [له] " الخبر ~~على مذهب سيبويه PageV12P8500 # واختياره، ولا يكون للمبرد على سيبويه حجة على هذا القول. # وقال أبو العالية في [معنى: {ولم يكن له كفوا أحد}: ليس] له [مثل] شبيه ~~ولا عدل، وليس كمثله ms2911 شيء. # وقال كعب: إن الله جل ذكره [أسس] السماوات السبع والأرضين السبع على هذه ~~السورة: {لم يلد ولم يولد} إلى آخرها، وإن الله جل ذكره لم يكافئه من خلقه ~~أحد. # قال ابن عباس: {ولم يكن له كفوا أحد}: ليس كمثله شيء، فسبحانه هو الله ~~الواحد/ القهار. وقال مجاهد: معناه: ولم تكن له صاحبة. والكفء - في PageV12P8501 # كلام العرب - الشبيه والمثل. # وقولهم: لا كفاء له، أي لا مثل له، وقولهم: فلان كفء لفلان معناه: نظير ~~له وشبيه. ومنه: كافأت الرجل، أي فعلت به مثل [ما فعل]. ومنه كفأت ~~[الإناء]، أي جعلت (في) موضع الماء [التفريغ]. وكفأت في [الشعر]: جعلت حرفا ~~نظير حرف. # وقرأ سليمان بن علي الهاشمي: ولم يكن له [كفاء] أحد، وهو بمعنى {كفوا} "، ~~يقال: كفء [وكفء] وكفاء وكفء بمعنى [فيجمع] [كفء] PageV12P8502 # [كفء] على أكفاء، ويحمع كفاء وكفئ على أكفيه. PageV12P8503 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفلق مدنية # قوله تعالى: {قل أعوذ برب الفلق} إلى آخر ها. # (قال زر: " سألت أبي بن كعب عن المعوذتين، فقال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال: قيل لي فقلت فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " وقاله ابن مسعود بمثله. ومعنى ذلك - والله أعلم - " أنهما سألا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن إثبات " قل " في أولهما، فقال النبي عليه ~~السلام: قيل: لي: " قل أعوذ "، فقلت: [أي]: قيل لي: اقرأ {قل أعوذ} فقرأها، ~~بإثبات " قل " على أنها أمر به. وكأنه كان يقال في غير هذه السور PageV12P8505 # الثلاث: " قل ألم نشرح "، " قل إنا أنزلناه ". # وقيل في هذه الثلاثة: اقرأ: {قل أعوذ}، اقرأ: {قل هو الله}، هذا بإثبات " ~~قل " في ذلك، وقال أبي بن كعب وابن مسعود: فنحن نقول كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فالمعنى: اقرأ - يا محمد - {قل أعوذ برب الفلق}. # قال ابن عباس: " الفلق: سجن في جهنم ". قال بعض الصحابة: الفلق بيت في ~~جهنم، إذا فتح هرب أهل النار، [كذا في كتاب عبد بن حميد]. وذكر ابن ms2912 وهب أن ~~كعبا قال: الفلق بيت في جهنم إذا (فتح) صاح جميع أهل النار ن شدة حره ~~أعاذنا الله منها. PageV12P8506 # وقال السدي: الفلق جب " في جهنم ". وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( قال): " الفلق جب في جهنم مغطى ". # وقال أبو عبد الرحمن [الحبلي]: هو جهنم. # وقال ابن عباس والحسن وابن جبير ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة وابن زيد: هو ~~فقل النهار، يريدون فلق الصبح، وعن ابن جبير [أيضا] أنه جب في النار. # والعرب تقول: هو أبين من فلق الصبح، ومن [فرق] الصبح يعنون الفجر، ~~ويقولون لكل شيء أضاء من الأرض: فلق. # وعن ابن عباس أيضا: الفلق: [الخلق]. PageV12P8507 # وقوله: {من شر ما خلق}، أي: من شر كل ذي شر، أمر الله نبيه أن يتعوذ من ~~شر (كل) ذي شر، لأن ما سواه - تعالى ذكره - مخلوق. # ثم قال تعالى ذكره: {ومن شر غاسق إذا وقب}. # قال ابن عباس والحسن: الغاسق [الليل إذا أظلم]. # وقال محمد بن كعب {غاسق إذا وقب} " النهار إذا دخل [في الليل]. # وقال مجاهد: هو الليل [: إذا أظلم، وقال أيضا]: إذا دخل. # وقال أبو هريرة رضي الله عنه: هو " كوكب ". # وقال ابن زيد: كانت العرب تقول: الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام ~~والطاعون يكثران عند سقوطهما ويرتفعان عند طلوعها. PageV12P8508 # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " النجم هو الغاسق ~~". # وقالت عائشة رضي الله عنها: " أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم نظر ~~إلى القمر فقال: يا عائشة، تعوذي بالله من شر غاسق إذا وقب، (هذا غاسق إذا ~~وقب) " وقال الزهري: الغاسق إذا وقب: " الشمس إذا غربت ". # والمعروف في كلام العرب: وقب بمعنى دخل. # ويقال: غسق: إذا أظلم، فالليل إذا دخل في ظلامه غاسق، وكذا القمر إذا دخل ~~في المغيب للكسوف وغيره، وكذا النجم، [فالاستعاذة] عامة من [كل] هذا، فهو ~~الظاهر. # ويقال: غسق إذا أظلم. # وقال القتبي: {إذا وقب}: هو القمر إذا دخل في ساهوره، وهو كالغلاف له، PageV12P8509 # وذلك إذا خسف. وكل شيء ms2913 أسود فهو غسق. # قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة: الغاسق الليل. # قال الحسن: {إذا وقب}: إذا دخل على الناس. # قال عكرمة: تجلى فيه عفاريت الجن. # ثم قال تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد}. # أي: من شر السواحر [اللاتي] ينفثن في الخيط حين [يرقين] عليها. # قال ابن عباس: هو (ما) خلط السحر من الرقى. # قال مجاهد: هو " الرقى في عقد الخيط ". # وقال مجاهد: هو نفث " السواحر في العقد ". PageV12P8510 # ويقال: إنهن نساء كن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سواحر، أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة منهن، لأنهن يوهمن/ أنهم [ينفعن] أو ~~[يضرن]، فربما لحق الإنسان في دينه مأثم. ويروى أن النبي لما سحر عقد له ~~إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله جل ذكره إحدى [عشرة] آية بعدد العقد، وهي ~~المعوذتان. # والنفث يكون بالفم [شبيه] بالنفخ، والتفل لا يكون إلا مع الريق. # ثم قال: {ومن شر حاسد إذا حسد}. # قال قتادة: معناه: " من شر عينه ونفسه ". # وقال ابن زيد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن [يستعيذ] من شر اليهود ~~الذين حسدوه، لم يمنعهم أن يؤمنوا به إلا [حسدهم]. PageV12P8511 # وقيل: هو لبيد بن الأعصم وبناته من السواحر. PageV12P8512 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الناس مدنية # {قل أعوذ برب الناس} إلى آخرها. # (المعنى: أقرأ يا محمد: {قل أعوذ برب الناس} فأثبت " قل " في قراءته كما ~~أمر، أي): قل [يا] محمد، استعيذ برب الناس، وهو الله جل ذكره، {ملك الناس}، ~~هو الله. # وخص الناس بالذكر وهو تعالى جل ذكره رب جميع الخلق وملكهم، لأن بعض الناس ~~كان يعظم بعض الناس تعظيم المؤمنين ربهم، فأعلمهم [الله] أنه رب من ~~[يعظمونه] وملكهم [يجري] عليهم [سلطانه] وقدرته. PageV12P8513 # ثم قال تعالى: {إله الناس} أي: معبود الناس، لا تجب العبادة لغيره. # ثم قال: {من شر الوسواس الخناس}. أي الشيطان الخناس، يعني الشيطان يخنص ~~مرة ويوسوس (أخرى، فيخنس إذا ذكره العبد ربه، ويوسوس من صدور الرجل) إذا ~~غفل عن ذكر ربه. # فقال ابن عباس: " الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، ms2914 فإذا سها وغفل [وسوس]، ~~[وإذا] ذكر الله خنس، فذلك قوله: {الوسواس الخناس} وقال مجاهد: ينبسط ~~الشيطان فإذا ذكر لله خنس وانقبض، فإذا غفل الإنسان انبسط، وهو قول قتادة. # وقال ابن زيد: يوسوس مرة، (ويخنس مرة) من الجن والانس وكان يقول: شيطان ~~الإنس أشد على الناس من شيطان الجن، لأن شيطان الجن يوسوس (ولا تراه، ~~وشيطان [الانس] يعاينك معاينة). PageV12P8514 # وعن ابن عباس أن الشيطان يوسوس بالدعاء إلى طاعته في صدور النانس حتى ~~يستجاب له إلى ما دعا من طاعته، فإذا [استجيب] له إلى ذلك خنس. # يقال: خنس: إذا استتر، وخنست عنه: تأخرت، وأخنست عنه حقه سترته. # وقوله جل ذكره: {الذى يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس} قيل: إن ~~{الناس} المتأخر هنا يراد به الجن، وذلك أنهم سموا ناسا ما سموا رجالا في ~~وقوله: {يعوذون برجال من الجن} [الجن: 6]. # وحكي عن بعض العرب أنه قال: جاء قوم [من الجن]، وقد قال الله في مخاطبة ~~الجن لأصحابهم: {ياقومنآ} [الأحقاف: 30] فسموا قوما [كما يسمى الأنس]. # والجنة جمع جنى كما يقال: إنسي وإنس، والهاء لتأنيث الجماعة مثل: حجار ~~وحجارة. PageV12P8515 # وقال علي بن سليمان: قوله {والناس} (معطوف) على {الوسواس}، والتقدير: قل ~~اعوذ برب الناس من الوسواس والناس، فيكون {الناس} على هذا القول يعني به ~~الإنس. # وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى ~~فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما {قل هو الله أحد} و {قل ~~أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} (ثم) يمسح (بهما) ما استطاع (من ~~جسده) يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. صلى ~~الله عليه وسلم ( وشرف وكرم ومجد). PageV12P8516 ### | في فضل أسماء القرآن وصفاته # وهذه أسماء القرآن وصفاته: # القرآن: جامع جميع [كتب] الله جل وعز. # وهو الفرقان، سمي بذلك لتفريقه بين الحق والباطل، وقيل: لتفريقه في # نزوله. (وهو المثاني، سمي بذلك [لتكرر] القصص والأمر والنهي [فيه] [ليكون # أوعى لمن سمعه]، وأبلغ في [نقله] ms2915 إذا نقل إلى [الآفاق]. # وهو الكتاب كما قال: (الذي أنزل على عبده الكتاب). PageV12P8517 # وهو الذكر كما قال: (إنا نحن نزلنا الذكر)، وسمي بذلك، لأنه اذكار من ~~الله لخلقه بما ينفع ويضر، وهو مصدر: ذكرته ذكرا. [وللقرآن] أسماء هي صفات، ~~/ وذلك الهدى والموعظة والرحمة [والبيان والتبيان، وهو البشير النذير]، وهو ~~من صفته العزيز، لأنه لا يقدر أحد على أن يبطله ولا يأتي بمثله. # ومن صفته: الحكيم، لأنه يحكم، الناس، يردهم إلى الحق من قولهم: حكمت ~~الدابة باللحام، إذا ردعتها عن أخذها غير القصد، ومنه حكمة الدابة. # ويجوز أن يكون الحكيم بمعنى المحكم. PageV12P8518 # ومن صفاته: المهيمن، سمي بذلك، لأنه شاهد على الكتب مصدق (لها)، يقال: ~~هيمن يهيمن، إذا شهد # ومن صفاته: بلاغ، سمي بذلك، لأنه يكفي من غيره. # ومن صفاته: (الشفاء) لأنه يبرىء من الكفر. # ومن صفاته: المجيد، لشرفه على سائر الكلام. PageV12P8519 ### | خاتمة الكتاب # قال أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي المقرىء - رضي الله عنه -: قد أتينا ~~-بعون الله جل ذكره- في هذا الديوان على ما شرطناه على أنفسنا في أوله حسب ~~الطاقة ومبلغ الجهد وغاية المقدرة وعلى قدر ما تذكرته في وقت تأليفنا له ~~واهتدينا إلى مواضعه من كتب من تقدمنا، ولسنا ننكر أن يكون قد فاتنا الكثير ~~من المنصوص عليه وغفلنا عن تذكر أشياء قد حفظناها عند تأليفنا فأنسيناها ~~عند تصنيفه. والكمال (لله جل ذكره، وعلوم كتاب الله جل ذكره اعظم واجل من ~~أن يحصيها محص ويبلغ) غايتها مدع أويتناها في علم ظاهرها وباطنها متناه. # وإنما ذكرنا في كتابنا هذا قدر ما فهمنا ووصل إلينا وعلمنا وروينا مما ~~تذكرناه في وقت تأليفنا له واهتدينا إلى موضع نصه عند تصنيفنا له، ولسنا ~~ننكر أن يغيب عنا من فهمه وعلمه كثير مما وصل إلى غيرنا وأن يكون قد غاب عن ~~ذلك الغير كثير مما وصل PageV12P8521 # إلى فهمنا وعلمنا، ففوق كل ذي علم علم عليم، حتى يبلغ الغاية في العلم ~~إلى العالم القدير عالم الخفيات، لا إله إلا هو العليم الحكيم. وقد تعمدنا ms2916 ~~الأختصار في ذلك الإعراب على ما شرطنا لئلا يطول الكتاب وكنا قد ألفنا ~~كتابا في شرح مشكل الإعراب، فلم نحتج إلى تكريره في هذا الكتاب إلا الشيء ~~اليسير النادر لم يمكن إلا ذكره فذكرناه مختصرا. # فرحم الله عبدا ترحم علينا وعلى جميع المسلمين، ودعا لنا بالمغفرة. وأنا ~~أرغب إلى الله ذي القدرة والعزة والجبروت والعظمة (أن ينفع بذلك) ويجزل ~~عليه الأجر، وأن يجعله لوجهه خالصا وأن يجيرنا ويعيذنا -فيما سعينا فيه- من ~~الرياء والسمعة والتزين به عند الناس وأن يغفر لنا ما وقع من ذلك في ~~أنفسنا، وأن لا يؤاخذنا بخطيئة قبح عندنا [فعلها] وكرهنا العودة إلى مثلها ~~وأن لا يؤثمنا لما وقع منا من غلط أو سهو في هذا الكتاب، فهو القادر على ~~ذلك لا إله إلا الله. ثم صلى الله جل ذكره أولا وآخرا على محمد النبي وعلى ~~أهله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة كلهم أجميعن، ثم إليه جل ~~ذكره أرغب في المغفرة والعفو لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات. PageV12P8522 ms2917